3
[تتمة كتاب التجارة]
[تتمة أحكام العقود و المعاملات]
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
و به نستعين
الفصل الثاني في الخيار
و الكلام هنا يقع في أقسامه و أحكامه، فالواجب بسط ذلك في مقامين:
[المقام] الأول- في أقسامه
، فبعضهم عدها خمسة، و آخر سبعة، و ثالث ثمانية، و أنهاها رابع إلى أربعة عشر قسما، و نحن نذكر الثمانية الدائرة في كلام الأكثر- إنشاء الله (تعالى)- و نبين ما دلت عليه الأدلة الشرعية من أحكامها، و ما لم يقم عليه دليل و الله (سبحانه) الهادي إلى سواء السبيل، و الموفق للنجاة من مهاوي الضلال و التضليل.
فنقول: ينبغي أولا ان يعلم ان مقتضى البيع اللزوم، قال في التذكرة: و الأصل في البيع اللزوم، لان الشارع قد وضعه مفيدا لنقل الملك من البائع إلى المشترى و الأصل الاستصحاب، و كون الغرض تمكن كل من المتعاقدين من التصرف فيما صار اليه، و انما يتم باللزوم ليأمن من نقض صاحبه عليه، و انما يخرج عن أصله بأمرين: أحدهما ثبوت الخيار، و الثاني ظهور عيب في أحد العوضين انتهى و هو
4
جيد، و يدل على اللزوم الكتاب أو السنة، نحو قوله (تعالى) (1) «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و أخبار (2)
«المؤمنون عند شروطهم».
و نحوها و حينئذ فيجب الوقوف على مقتضى هذه القاعدة حتى يقوم الدليل على الخروج عنها في بعض الموارد، و هي ما ذكروه في هذا المقام من الخيار، و نحن نذكر اقسامه واحدا واحدا، معطين البحث فيها حقها من التحقيق، مستمدين الإعانة ممن بيده التوفيق.
الأول خيار المجلس
هكذا اشتهر التعبير عن هذا النوع في ألسنة الفقهاء، قال في المسالك: اضافة هذا الخيار الى المجلس، اضافة الى بعض أمكنته، فان المجلس موضع الجلوس، و ليس بمعتبر في تحقق هذا الخيار، بل المعتبر فيه مكان العقد مطلقا، أو في معناه (3) و الأصل فيه
قول النبي (صلى الله عليه و آله) (4) «البيعان بالخيار ما لم يفترقا».
و هو أوضح دلالة من عبارة الفقهاء. انتهى.
أقول: و الظاهر ان التسمية خرجت بناء على ما هو الغالب من وقوع ذلك حال الجلوس، و الاستقرار في مكان، و باب التجوز في مثله واسع، و هو ثابت للمتبايعين- سواء كانا مالكين، أو وكيلين، أو متفرقين- بعد انعقاد البيع بالإيجاب و القبول.
____________
(1) سورة المائدة الآية- 1.
(2) الوسائل الباب 20 من أبواب المهور الرقم 4.
(3) أقول: لعل المراد بما في معناه، هو قيامها في موضع العقد مصطحبين بحيث لم يفارق أحدهما الأخر، زيادة على ما كان عليه وقت العقد، فان الخيار باق لهما، و أولى منه لو تقاربا. منه (رحمه الله).
(4) الكافي ج 5 ص 170 الوسائل الباب- 1- من أبواب الخيار الرقم- 2.
5
و يدل عليه- زيادة على الاتفاق- الأخبار المتضافرة:
منها ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة (1) عن أبى جعفر (عليه السلام)» قال: سمعته يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): البيعان بالخيار حتى يفترقا، و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام الحديث».
و رواه
المشايخ الثلاثة بسند آخر عن زرارة (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يشترى المتاع» الحديث.
الى آخر ما نقلناه منه، و سيأتي إنشاء الله تعالى.
و روى
في الكافي عن محمد بن مسلم في الصحيح (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): البيعان بالخيار حتى يفترقا و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام».
و روى في الكافي و التهذيب في الصحيح عن الفضيل (4) و هو ابن يسار- عن الصادق (عليه السلام)» قال: قلت: ما الشرط في الحيوان؟ فقال: إلى ثلاثة أيام للمشتري، قلت:
و ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد
____________
(1) الكافي ج- 5- ص 170 الوسائل الباب- 1- من أبواب الخيار الرقم- 2.
(2) الكافي ج 5 ص 171.
(3) الكافي ج 5 ص 170 الوسائل الباب- 1- من أبواب الخيار الرقم- 1.
(4) الكافي ج 5 ص 170 الوسائل الباب- 1- من أبواب الخيار الرقم- 3.
6
الرضا منهما».
و روى المشايخ الثلاثة عن الحلبي في الصحيح (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «أيما رجل اشترى من رجل بيعا فهما بالخيار حتى يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع».
و زاد في الكافي و التهذيب قال: و قال أبو عبد الله (عليه السلام): أن أبي اشترى أرضا يقال لها: العريض، فلما استوجبها قام فمضى، فقلت يا أبت عجلت بالقيام، فقال: يا بني إني أردت أن يجب البيع».
و روى في الكافي عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح أو الحسن قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: بايعت رجلا، فلما بعته قمت فمشيت خطأ، ثم رجعت الى مجلسي ليجب البيع حين افترقنا».
و أما ما رواه
الشيخ (3) عن غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام)» قال: قال علي (عليه السلام): إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب و ان لم يفترقا».
فقد أجاب الشيخ عنه في الاستبصار بالبعيد، و الأظهر حمله اما على أن المراد بالصفقة على البيع يعني إمضاء البيع و التزامه و الرضا به، كما سيأتي- إنشاء الله- ذكره في مسقطات الخيار، أو على التقية، و هو الأقرب، فإنه مذهب أبي حنيفة.
و قد نقل عنه، أنه رد على رسول الله (صلى الله عليه و آله) في أربعمائة حديث.
منها حديث
«البيعان بالخيار ما لم يفترقا».
نقله عنه الزمخشري في كتاب ربيع
____________
(1) الكافي ج 5 ص 170 الوسائل الباب- 1- من أبواب الخيار الرقم- 6.
(2) الكافي ج 5 ص 171 الوسائل الباب- 2- من أبواب الخيار الرقم- 1.
(3) الوسائل الباب- 1- من أبواب الخيار الرقم- 7.
7
الأبرار مع أنه حنفي المذهب.
و قد نقلنا جملة من هذه الأحاديث التي رد بها على النبي (صلى الله عليه و آله) في مطاعنه، في مقدمة كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابى الحديد بنقل ابن الجوزي من علمائهم و يؤيد ذلك أن الراوي عامي.
و بالجملة فهو على ظاهره غير معمول عليه في مقابلة هذه الاخبار التي سردناها، المؤيدة باتفاق الطائفة المحققة على الحكم المذكور، و إطلاق الاخبار المذكورة شامل لما قدمنا ذكره من كون المتبايعين مالكين أو وكيلين أو بالتفريق، لصدق البيعان على الجميع، و هما من وقع منهما الإيجاب و القبول.
ثم ان العلامة في التذكرة و من تأخر عنه، ذكروا أن مسقطات الخيار في هذا المقام أربعة.
أحدها- اشتراط سقوطه في العقد، و لا خلاف فيه بين الأصحاب رضي الله عنهم، و يدل عليه الاخبار (1) الدالة على وجوب الوفاء بالشروط إلا شرطا حرم حلالا، أو حلل حراما، انما الخلاف فيما لو شرطاه قبل العقد.
قال في الخلاف: «مسألة: إذا شرطا قبل العقد أن لا يثبت بينهما خيار بعد العقد صح الشرط، و لزم العقد بنفس الإيجاب و القبول، ثم نقل الخلاف عن بعض أصحاب الشافعي، ثم قال: دليلنا أنه لا مانع من هذا الشرط، و الأصل جوازه، و عموم الاخبار في جواز الشرط يتناول هذا الموضع انتهى.
و قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و عندي في ذلك نظر، لان الشرط انما يعتبر حكمه لو وقع في متن العقد، نعم لو شرطا قبل العقد، و تبايعا على ذلك الشرط صح ما شرطاه. انتهى.
____________
(1) الوسائل الباب- 6- من أبواب الخيار.
8
أقول: الظاهر أن كلام الشيخ- (رحمه الله)- لا يخرج عما ذكره أخيرا بقوله «نعم» و انما مراده ذلك، و لو شرط أحدهما خاصة سقط خياره وحده.
و ثانيها- إيجابهما العقد بعد وقوعه، و التزامهما به بأن يقولا: تخايرنا، أو اخترنا إمضاء العقد، أو أمضينا العقد أو التزمنا به، و نحو ذلك من الألفاظ الدالة على هذا المعنى، و نقل عليه في التذكرة الإجماع.
و لقائل أن يقول: انه حيث لا نص على ما ذكروه هنا، و قد عرفت أن مقتضى العقد اللزوم كما تقدم ذكره في صدر البحث، و هذا الكلام من قولهما اخترنا أو أمضينا لا يدل على أزيد مما دل عليه العقد بمقتضاه، و ان كان ذلك مؤكدا لما دل عليه العقد من اللزوم، و الروايات دلت على انهما- بعد هذا العقد مؤكدا أو خاليا من التأكيد- لهما الخيار الى أن يفترقا، فيصدق هنا أن لهما الخيار، و ان قالا ما قالاه من هذه الألفاظ، الا أن يقال: ان هذه الألفاظ في قوة اشتراط سقوط الخيار، فيرجع الى الأول.
و بالجملة فإن باب المناقشة غير مسدود فيما ذكروه هنا.
ثم انهم ذكروا أنه لو اختار أحدهما و رضى الأخر، فهو في حكم الاختيار أيضا، إذ لا يختص بلفظ، بل كل ما دل على التراضي فهو كاف، و لو أوجبه أحدهما خاصة سقط خياره، و لو وقع ذلك في العقد، فالظاهر أنه من قبيل الشروط التي دلت الاخبار على وجوب الوفاء بها، و قبله يبنى على ما تقدم في المسقط الأول.
و لو خير أحدهما صاحبه فسكت، فلا خلاف في بقاء خيار الساكت، و أما المخير فالمشهور أيضا بقاء خياره، و هو قول الخلاف و المبسوط، و وجهه أنه لم يحصل منه ما يدل على سقوط الخيار، و مجرد تخييره صاحبه لا يدل على الإمساك بشيء من الدلالات الثلاث.
و نقل عن الشيخ أيضا القول بسقوط خياره، استنادا الى ما روى
عن النبي
9
(صلى الله عليه و آله) (1) بعد قوله ما لم يفترقا «أو يقل أحدهما لصاحبه اختر».
و رد بعدم ثبوت هذه الزيادة في أخبارنا.
و أجاب العلامة في المختلف بعد تسليم صحة الخبر، بأنه خيره فاختار.
و في هذا الجواب ما لا يخفى، إذ لا يخفى أن محل الكلام انما هو المخير بصيغة اسم الفاعل، و ان تخييره لصاحبه يدل على اختياره الإمساك، و ظاهر كلامه أن الذي اختار انما هو المخبر بصيغة اسم المفعول و هو ليس محل البحث، و بالجملة فالحديث غير ثابت في أخبارنا فلا حجة فيه.
ثالثها: التصرف، فان كان من البائع في المبيع فهو فسخ منه المعقد، فيبطل البيع، و يبطل خيارهما، و ان كان من المشترى في المبيع فهو التزام بالبيع، و يبطل خياره، و يبقى خيار البائع، و ان كان التصرف في الثمن فالظاهر أن الأمر بالعكس، و لو كان التصرف من المشترى في المبيع و من البائع في الثمن فهو التزام بصحة البيع، و بالعكس التزام ببطلانه، و لو تصرفا في المبيع أو الثمن فظاهر كلامهم أنه يقدم من تصرفه فسخ، فلو تصرفا في المبيع قدم تصرف البائع، و في الثمن قدم تصرف المشترى.
و هكذا لو فسخ أحدهما و أجاز الأخر قدم الفاسخ، و ان تأخر عن الإجازة، لأن إثبات الخيار انما قصد به التمكن من الفسخ، دون الإجازة لأصالتها، و كذا يقدم الفاسخ على المجيز: في كل خيار مشترك، لاشتراك الجميع في العلة المذكورة،.
قال في التذكرة: «لو اختار أحدهما الإمضاء و الأخر الفسخ قدم الفسخ على الإجازة، إذ لا يمكن الجمع، و لا انتفاؤهما، لاشتماله على الجمع بين النقيضين، فيتعين تقدم أحدهما، لكن الذي اختار الإمضاء قد دخل في عقد ينفسخ باختيار صاحبه الفسخ، و رضي به، فلا أثر لرضاه به لازما بعد ذلك. انتهى.
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 473.
10
قيل: و المراد من التصرف هنا: ما هو أعم من الناقل و غيره، و أكثر عبارات الأصحاب انما اشتملت على التصرف بقول مطلق، و لهذا ان ظاهر المحقق الأردبيلي- هنا- المناقشة في ذلك، بل في أصل الحكم حيث لم يرد به دليل في النصوص، حيث قال: ثم ان المراد بالتصرف غير ظاهر، و هل هو اللازم و المخرج عن الملك أو أعم فهو مجمل، و كذا دليله ايضا غير واضح، إذ مجرد التصرف في المبيع مثلا لا يدل على الفسخ من جانب البائع، إذ قد يكون سهوا أو لغرض آخر مباح أو حرام.
و بالجملة انه أعم، الا أن تدل قرينة، و مع ذلك قد لا يكون الفعل كافيا في اختيار الفسخ، و يحتاج الى اللفظ فتأمل انتهى.
و بالجملة فإن جملة من شقوق المسألة لا تخلو من الاشكال، سيما لو وقع التصرف الناقل للمبيع من المشتري مع بقاء خيار البائع كما نبه عليه في المسالك (1).
و رابعها- التفرق بمعنى مفارقة كل منهما صاحبه، و يصدق بانتقال أحدهما من مكانه بحيث يبعد عن صاحبه، و لا يشترط القيام و المشي خطأ، و ان كان أظهر في التفرق كما دلت عليه جملة من الاخبار المتقدمة و لو قاما مصطحبين بحيث لم يحصل التباعد بينهما زيادة على حال العقد، فالخيار باق، لعدم حصول الافتراق.
و كذا لو ضرب بينهما بستر رقيق كالثوب و نحوه أو غليظ كالجدار أو مانع من الاجتماع كالنهر العظيم لم يمنع الخيار لعدم صدق الافتراق بشيء من ذلك الذي هو كما عرفت عبارة عن التباعد عن الحد الذي كانا عليه وقت العقد خلافا لبعض العامة هنا حيث أسقط به الخيار.
و كذا لو أكرها على التفرق فإنه لا يسقط الخيار، و الوجه فيه أن الذي دلت الاخبار على كونه مسقطا انما هو التفرق الذي هو فعل اختياري لهما، و التفريق بينهما قهرا ليس كذلك، فلا يكون داخلا تحت النص.
و بذلك يظهر أن ما ذكره في الكفاية بقوله و لا أعلم نصا في هذا الباب و كذا
____________
(1) حيث قال: بعد ان ذكر أنه لا فرق في التصرف بين الناقل للملك و غيره ما لفظه لكن لو وقع الناقل من المشترى مع بقاء خيار البائع ففي صحته اشكال. انتهى منه (رحمه الله).
11
قول المحقق الأردبيلي- و قيد المفارقة المسقطة بالاختيار و ما رأيت له دليلا في النص، و لعل وجهه ما يتخيل أن الفعل الجبري بمنزلة العدم، فإنه ما فعله باختياره فكأنه بعد باق في محله خصوصا إذا كان عارفا بالمسألة و أراد الجلوس لعله يظهر له وجه يدل على مصلحته في هذا العقد. انتهى- غير موجه.
و فيه ما عرفت من أن النص الموجب لسقوط الخيار هو الافتراق و التفرق، الظاهر في كونهما باختيار المكلف و إرادته، و هذا هو الذي يناسب الإسقاط بأن يفعل ذلك لأجل إسقاط الخيار كما سمعت من أخبار مولانا الباقر (عليه السلام).
و أما الجبر على التفرق فلا يدخل تحت إطلاق اللفظين المذكورين، و لا يصح كونه سببا للغرض المترتب على ذلك.
و بالجملة فإن كلام هذين الفاضلين عندي غير ظاهر.
و اعلم أن الأصحاب- رضى الله عنهم- عبروا هنا بأنه لو أكرها على التفرق و لم يتمكنا من التخاير- بمعنى اختيار العقد و البقاء عليه، و هو المسقط الثاني الذي قدمناه، و يتحقق الإكراه بمنعهما من الكلام فعلا بسد أفواههما أو تهديد، فإنه- لا يسقط خيارهما حينئذ بالتفرق، بل لهما الفسخ عند زوال المانع لكن هل يعتبر في مجلس الزوال، أو يكون الخيار على الفور، وجهان: و كذا لو أخرج أحدهما كرها و منع، فالحكم فيه كذلك.
و فيه ان عدم التمكن من التخاير بمعنى اختيار العقد، لا يدخل تحت العقد، لان التزام العقد و اختيار البقاء عليه لا يتوقف على الكلام. بل لو تفرقا ساكتين حصل اللزوم فيه، و انما يتوقف على الكلام الفسخ، فيكون الإكراه و المنع من الكلام بسد أفواههما أو تهديدهما هو المعتبر فيه، لا في التخاير بالمعنى المذكور، الا أن يراد بالتخاير الكناية عن الفسخ، و الاختيار، و عبائرهم لا تساعد عليه.
و المفهوم من كلام الأصحاب- و هو الظاهر من الاخبار المتقدمة- ثبوت هذا
12
الحكم لمن أوقع العقد مالكا كان أو وكيلا، و يثبت للوكيل بمجرد التوكيل على العقد، لانه من توابع العقد قيل: و لا يبعد ثبوت الخيار للمالك على تقدير كون العاقد وكيله، لان يده يد الموكل.
و فيه اشكال، لخروجه عن ظواهر الاخبار، و عدم صدق البائع و المشترى عليه، و هي قد ناطت الحكم المزبور بالبيعين، يعنى من وقع منهما عقد البيع و الشراء.
قال في التذكرة على ما نقل عنه: لو اشترى الوكيل أو باع أو تعاقد الوكيلان، فالأقرب تعلق الخيار بهما و «بالموكلين جميعا، و إلا فبالموكلين» و فيه ما عرفت من الخروج عن ظواهر النصوص.
و هل يثبت الافتراق بموت أحدهما أو جنون أحدهما أو الإغماء عليه أم لا؟
صرح بالثاني في الدروس فقال: «و لو مات أحدهما، أو ماتا فللوارث أو الولي، و لو جن أو أغمي عليه فللولي» و هو صريح في ثبوت الخيار للوارث و الولي، لعدم تحقق الافتراق بذلك، و احتمل في القواعد سقوط الخيار و ثبوته، و علل الأول بأن مفارقة الدنيا أولى من مفارقة المجلس، فيسقط بطريق أولى.
و رده المحقق الشيخ علي في شرح القواعد بمنع الأولوية قال: فان المراد من الافتراق التباعد في المكان، و هو انما يكون في الجسم، فلا يعقل ارادة الروح، ثم ان المحقق المذكور اختار الثبوت تمسكا بالاستصحاب، لان ثبوته معلوم بالعقد، و المسقط غير متيقن. انتهى.
و في الاعتماد على هذا الاستصحاب نظر تقدم ذكره في مقدمة الاستصحاب من مقدمات كتاب الطهارة (1) و ظاهر المحقق الأردبيلي التوقف في ذلك، لعدم صدق البائع و المشترى في الاخبار عليهم.
____________
(1) ج 1 ص 53.
13
أقول: و الحكم محل اشكال لعدم الدليل الواضح في ذلك.
تنبيهات
الأول [لو كان العاقد واحدا عن اثنين]
- قد صرحوا بأنه لو كان العاقد واحدا عن اثنين، ففيه احتمالات ثلاثة:
الأول: ثبوت الخيار ما لم يشترط سقوطه، أو يلتزمه عنهما، أو يفارق المجلس الذي عقد فيه على قول، و هو ظاهر الشرائع و القواعد.
الثاني- ثبوته دائما ما لم يلتزماه أو يشترطا سقوطه، و نقل عن التذكرة، و هو ظاهر اختيار الدروس.
الثالث- عدم ثبوت الخيار أصلا، و اختاره بعض فضلاء متأخر المتأخرين، و الظاهر أنه الأقرب.
و تفصيل هذه الجملة هو أن الواحد عاقد عن اثنين يشمل ما لو كان العاقد وليا شرعيا يبيع ماله من ولده، أو بالعكس، أو مال ولديه أحدهما على الأخر، و يشمل ما لو كان وكيلا عن المتبايعين، و كما لو كان أحد المتبايعين وكيلا عن الآخر و في دخول هذا الفرد (1) تحت العبارة المذكورة ما لا يخفى، و ما قيل من أنه يصدق أيضا من أن الواحد عاقد عن اثنين و قائم مقامهما و ان كان هو أحدهما لا يخلو من خفاء.
و لهذا ان المحقق الشيخ على (رحمة الله عليه) في شرح القواعد اعترض على عبارة المصنف، و هي مثل هذه العبارة فقال: و اعلم ان في قوله: العاقد عن اثنين مناقشة، لأن العاقد عن واحد مع نفسه يخرج من العبارة، و لا وجه لإخراجه بل ينبغي إدراجه، فيكون الحكم واردا عليهما. انتهى.
و الخيار المحكوم بثبوته أعم من كونه لذلك العاقد و لو بالولاية، كما لو كان
____________
(1) إشارة الى ما ذكره في المسالك حيث انه ادعى الصدق في ذلك- منه (رحمه الله).
14
أبا أو جدا يبيع من نفسه، فان له الخيار و للطفل، و له مراعاة الجانبين، لكن في الطفل يراعى المصلحة- أو كونه لغير العاقد، كما لو كان وكيلا في العقد خاصة، فإن الخيار للموكلين، لا له ان قلنا به، و قولهم: ما لم يشترط سقوطه أو يلتزم به عنهما انما يتم فيمن له الاشتراط و الالتزام كالأب و الجد، و أما لو كان وكيلا في إيقاع العقد خاصة لم يكن له ذلك، و لو أريد العموم كان المراد ما لم يشترط أو يلتزم حيث يكون له ذلك.
و كيف كان فالالتزام عنهما لا يدخل فيه ما لو كان هو أحدهما إلا بتكلف شديد.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنهم ذكروا أن الوجه في الاحتمال الأول بالنسبة إلى مفارقة المجلس ان المعتبر في سقوط خيار المتبايعين مفارقة أحدهما مجلس العقد و لما كان ذلك متعذرا هنا- لان الواحد لا يفارق نفسه- اعتبر فيه التمكن، و هو مفارقته مجلس العقد، لانه مشبه بمفارقة أحد المتعاقدين، و أصل هذا القول نقله في المبسوط بلفظ قيل و لم يذكر قائله (1) و وجهه ما ذكر.
و رد هذا التوجيه جملة من المتأخرين بأن الواقع في الاخبار هو الافتراق، لا مفارقة المجلس، فلو فارقاه مصطحبين لم يبطل خيارهما- كما تقدم ذكره- و ان بقيا مدة طويلة. و هو جيد.
و أما الوجه في الاحتمال الثاني- و هو بقاء الخيار، و انما يسقط بالالتزام بعد
____________
(1) قال في المبسوط: إذا أراد ان يشترى لولده من نفسه و أراد الانعقاد ينبغي ان يختار لزوم العقد عند انعقاد العقد، أو يختار بشرط بطلان الخيار، و على كل حال قد قيل انه ينتقل من المكان الأول الذي عقد فيه العقد، فيجري ذلك مجرى تفرق المتبايعين، كذا قال ابن البراج و لم يسند هذا القول الى أحد من علمائنا بالنصوصية، قال في المختلف بعد نقل ذلك و هذا القول عندي محتمل. انتهى منه (رحمه الله).
15
العقد، أو اشتراط السقوط- فهو ان ظاهر قولهم (عليهم السلام) «البيعان بالخيار» يعم البائعين بوكيلهما أو وليهما فيثبت في الصورة المذكورة: و أما قولهم (عليهم السلام) «ما لم يفترقا» فهو محمول على ارادة السلب، بمعنى أن الخيار ثابت ما لم يحصل افتراق، و هنا لم يحصل افتراق، لعدم ما يحصل به الافتراق، و هو التعدد: و مع كونه محتملا لعدم الملكة- أي عدم الافتراق عما شأنه الافتراق- فيبطل الخيار هنا بناء على هذا الاحتمال، فإنه يمكن ان يقال: ان صدر الخبر و هو قوله «البيعان بالخيار» دل على ثبوت الخيار، فيثبت الخيار بذلك و يحصل الشك في المسقط بناء على الاحتمالين المذكورين، فيجب استصحاب الحكم الأول الى ان يثبت المزيل.
قال في الدروس و العاقد عن اثنين له الخيار و يبطل كلما يبطل به خيار المتعاقدين، و هو ظاهر في اختيار هذا الاحتمال.
و أما الوجه في الاحتمال الثالث- و هو عدم ثبوته أصلا- فلان ظاهر الاخبار المتقدمة هو المغايرة بين المتعاقدين و التعدد فيها، و دعوى عموم ذلك الوكيل أو الولي عن اثنين خروج عن ظاهر اللفظ، و مع تسليمه فإن الإطلاقات في الاخبار انما تحمل على الأفراد الشائعة المتكررة، و هي المتبادرة عند الإطلاق، كما قرروه في غير موضع.
و ما أورده على ذلك القول- الذي نقله الشيخ في المبسوط، و ضعفوه به- وارد عليهم في هذا المقام، و أنه ان وجب الوقوف على ظاهر النص ففي الموضعين، و ان قيل بالتخريج و التحمل في التأويل و الخروج عن الظاهر، فلا معنى لردهم ذلك القول، كما لا يخفى على المنصف.
و أما ما ذكروه في قوله «ما لم يفترقا» من احتمال الحمل على السلب فلا يخلو من مسامحة، فإن المتبادر من هذه العبارة بالنظر الى صدر الخبر هو توجه النفي إلى القيد خاصة دون المقيد. و هم قد صرحوا في محاوراتهم في هذا البحث بأن
16
معناه أن المتبايعين بالخيار ما لم يفارق أحدهما الآخر، و يحصل البعد بينهما بما يزيد على وقت العقد، فالمنفي انما هو الافتراق، دون من يترتب عليه الافتراق، و هما البيعان، و مبنى كلامهم المتقدم انما يتم على رجوع النفي إلى القيد و المقيد، و هو خلاف ظاهر سياق الخبر كما عرفت.
و يؤيد ما ذكرناه- ما قدمنا ذكره- من أن مقتضى العقد اللزوم كتابا و سنة، و إثبات الخيار الموجب للخروج عن ذلك يحتاج الى دليل واضح، و الركون الى هذه التعليلات العليلة و بناء الأحكام الشرعية عليها مجازفة ظاهرة.
و بذلك يظهر رجحان وجه المذكور و أنه لا خيار في هذه الصورة، و اليه يميل كلام المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد و الفاضل الخراساني في الكفاية.
و بالتوقف في هذه المسألة من أصلها صرح شيخنا المحقق الشيخ على في شرح القواعد، حيث قال بعد البحث في المسألة: و انا في المسألة من المتوقفين و هو في محله، و اليه يميل كلام المسالك، الا أنه قال بعد ذلك «و الأوسط أوسط»
الثاني [عدم الخيار لو اشترى من ينعتق عليه]
- المشهور في كلام الأصحاب أنه لو اشترى من ينعتق عليه كالأب و الابن و نحوهما فإنه لا خيار للمشتري، و الظاهر أن الوجه فيه الترجيح لأدلة العتق الدالة على أن من اشترى أباه مثلا فإنه ينعتق عليه، فلا خيار له بأن يجعله رقا بعد أن صار معتقا، و لانه لم يعهد من الشارع عود المعتق رقا.
و ربما قيل باحتمال عدم الملك في زمن الخيار، و فيه ما تقدم من أن مقتضى العقد اللزوم، فالعقد مملك و متى ثبت الملك ترتب عليه الانعتاق: و الى القول بذلك يميل كلام المحقق الأردبيلي «(قدس سره)» في شرح الإرشاد، و كذا ظاهرهم أيضا أنه لا خيار للبائع، خصوصا مع علمه بانعتاقه على المشترى.
و اليه يميل أيضا كلام المحقق المشار اليه قال بعد الكلام في المسألة: «و لعل ترجيح العتق الذي يرجح عندهم بأدنى شيء لا يبعد عملا بمقتضى العقد من غير لزوم محذور
17
الا تخصيص دليل الخيار على تقدير القول بعمومه، على أن في عمومه تأملا فتأمل.
و لا إجماع حتى يلزم خلافه، بل تخصيصه أيضا.
أقول: و التحقيق هنا هو أنه قد تقابل إطلاق الاخبار الدالة على العتق في مثل هذه الصورة، و إطلاق الاخبار الدالة على خيار المجلس هنا، و تخصيص أحد الإطلاقين بالآخر يحتاج الى دليل واضح، و ليس فليس، و الركون الى هذه الاحتمالات المذكورة الناشئة عن مجرد الدعوى ليس بشيء في مقام التحقيق.
هذا بالنسبة إلى المشترى و أما بالنسبة إلى البائع فلا أعرف لهم حجة واضحة في إسقاط خياره، و به يعظم الإشكال في هذا المجال.
قال: في الدروس: أسقط الفاضل الخيار في شراء القريب، أما المشتري فلعتقه عليه، و لأنه وسن نفسه على الغبن، إذ المراد به العتق، و أما البائع فلما ذكر و لتغليب العتق، و يحتمل ثبوت الخيار لهما بناء على أن الملك نافذ بانقضاء الخيار و ثبوته للبائع، لأن نفوذ العتق لا يزيل حقه السابق، و حينئذ يمكن وقوف العتق و نفوذه فيغرم المشتري القيمة لو فسخ البائع و يجرى مجرى التلف الذي لا يمنع من الخيار، انتهى.
و ظاهره التوقف في المسألة حيث نسب الإسقاط إلى الفاضل، و أردفه بهذا الاحتمال الذي جمد عليه، و لم يتعرض للقدح فيه.
و حاصل معنى ما ذكره تخصيص أدلة العتق بأدلة الخيار، بأن يقال: انه يحتمل ثبوت الخيار لهما بناء على ان الانعتاق يتوقف على الملك، و الملك النافذ الذي يترتب عليه العتق انما يحصل بانقضاء الخيار، و إسقاطه بأحد المسقطات المتقدمة منهما معا.
و يحتمل ثبوت الخيار للبائع خاصة، أما المشتري فإنه ينعتق عليه بمجرد
18
الشراء و انعتاقه على المشترى لا يزيل حق البائع الحاصل بمجرد العقد السابق على الانعتاق، و حينئذ يمكن وقوف العتق على انقضاء الخيار كما هو الاحتمال الأول، و يمكن نفوذه بناء على الاحتمال الثاني بأن ينعتق على المشترى و يبقى خيار البائع، فإن اختار الفسخ فليس له تسلط على العبد لانعتاقه و انما يرجع بقيمته اجراء للعبد هنا مجرى المبيع التالف.
و من ذلك يظهر لك أن المسألة محل توقف و اشكال و منشأ الاشكال ما عرفت من تعارض اخبار العتق و إطلاق أخبار الخيار.
و ظاهر الأصحاب إبقاء أخبار العتق على إطلاقها، و تخصيص اخبار الخيار بها، فخيار المجلس عندهم ثابت إلا في هذا الموضع.
و ظاهر الاحتمال الذي ذكره شيخنا المذكور العكس، و لا أعرف مرجحا لأحد الطرفين. و به يظهر الاشكال. و الله سبحانه و أولياؤه العالمون بحقيقة الحال.
الثالث [اختصاص هذا الخيار بالبيع]
- قد صرح غير واحد من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان هذا الخيار مختص بالبيع بجميع أنواعه إلا ما عرفت مما وقع فيه الاشكال و الخلاف و لا يثبت في غير البيع من عقود المعاوضات، و ان قام مقام البيع كالصلح، و وجهه ظاهر لأن الاخبار انما وردت في البيع، و حمل غيره عليه قياس لا يوافق أصول المذهب.
و نقل عن الشيخ في المبسوط أنه أثبته في العقود الجائزة، مثل الوكالة و المضاربة و الوديعة.
و رد بأنه غير جيد، لان العقود الجائزة يصح فسخها في المجلس و بعده، فلا معنى لإثبات خيار المجلس فيها. و هو جيد.
الرابع [إمكان تداخل الخيارات]
- قال في الدروس: و يثبت في بيع خيار الرؤية، و لا يمنعه اجتماع الخيارين، و كذا بيع خيار الشرط و الحيوان، و كذا يثبت في بيع الصرف تقابضا
19
أولا، فإن التزما به قبل القبض وجب على القابل، فلو هرب أحدهما عصى، و انفسخ العقد، و لو هرب قبل الالتزام فلا معصية، و يحتسل قويا عدم العصيان مطلقا، لان للقبض مدخلية في اللزوم فله تركه.
الخامس [لو تنازعا في التفرق]
- قال أيضا في الكتاب المذكور: لو تنازعا في التفرق حلف المنكر و لو تنازعا في الفسخ و كانا قد تفرقا قدم منكره، و لو قال أحدهما، تفرقنا قبل الفسخ، و قال الأخر: فسخنا قبل التفرق احتمل تقديم الأول لأصالة بقاء العقد، و تقديم الثاني، لأنه يوافقه عليه و يدعى فساده و الأصل صحته، و لان الفسخ فعله انتهى.
و روى الشيخ عن الحسين بن عمر بن يزيد (1) عن أبيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «إذا التاجران صدقا بورك لهما، فإذا كذبا و خانا لم يبارك لهما و هما بالخيار ما لم يفترقا، فان اختلفا فالقول قول رب السلعة أو يتتاركا».
السادس [النداء بالعقد من بعيد]
- قال: لو تناديا بالعقد على بعد مفرط صح العقد و لهما الخيار على الأقوى و ان تقاربا بالتنقل، و وجه عدم الخيار انه لا يجمعهما مجلس عرفا.
الثاني خيار الحيوان
و الشرط فيه ثلاثة أيام و المشهوران الخيار للمشتري خاصة، و عن المرتضى ثبوته للبائع أيضا و يظهر من المسالك ترجيحه و كذا من المحدث الكاشاني في المفاتيح.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 26 الكافي ج 5 ص 174 الوسائل الباب- 1 من أبواب الخيار الرقم 6.
20
و قيل بثبوته لهما فيما لو كان الثمن حيوانا، و نفى عنه البعد المحقق الشيخ على في شرح القواعد قال: لان فيه جمعا بين الاخبار الا انه استوجه العمل بالمشهور، و نقل عن ابى الصلاح انه ذهب الى ثبوت الخيار في الإماء مدة الاستبراء.
و استدل للقول المشهور بصحيحة الفضيل (1) و قد تقدمت في روايات خيار المجلس:
و موثقة الحسن بن على بن فضال (2) قال: «سمعت أبا الحسن على بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: صاحب الحيوان المشترى بالخيار ثلاثة أيام».
و رواية على بن أسباط (3) عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: الخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري» الحديث.
و صحيحة الحلبي المروية في الفقيه (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام للمشتري، فهو بالخيار إن اشترط أو لم يشترط».
و رواه الشيخ أيضا في الصحيح عن الحلبي مثله.
و صحيحة ابن رئاب (5) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري اشترط أو لم يشترط» الحديث.
و في الكفاية ادعى دلالة صحيحة زرارة (6) و صحيحة محمد بن مسلم (7) على هذا القول- فإن أراد بهما الروايتين الآتيتين- في أدلة المرتضى (رضى الله عنه)- فهما بالدلالة على خلاف ما يدعيه أشبه، و الا فليس في الباب سواهما، و هذه روايات
____________
(1) الكافي ج 5 ص 170.
(2) التهذيب ج 7 ص 67 الوسائل الباب- 3- من أبواب الخيار.
(3) التهذيب ج 7 ص 64 الكافي ج 5 ص 216.
(4) الفقيه ج 3 ص 126 التهذيب ج 7 ص 24.
(5) التهذيب ج 7 ص 24 الكافي ج 5 ص 169.
(6) التهذيب ج 7 ص 23.
(7) التهذيب ج 7 ص 24.
21
المسألة قد استوفيناها فيما ذكرنا و ما يأتي في المقام إنشاء الله تعالى.
أقول: و يدل عليه- بأصرح دلالة لا تقبل التأويل- ما رواه الثقة الجليل
عبد الله ابن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله و أحمد ابني محمد بن عيسى عن الحسن ابن محبوب عن على بن رئاب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية لمن الخيار؟ للمشتري أو للبائع أو لهما كلاهما؟ فقال: الخيار لمن اشترى ثلاثة أيام نظرة، فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء».
و الحديث- مع صحة سنده- صريح الدلالة على القول المذكور.
و استدل للمرتضى-
بصحيحة محمد بن مسلم (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان و ما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا».
و يدل عليه- أيضا-
صحيحة زرارة (3) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) البيعان بالخيار حتى يفترقا، و صاحب الحيوان ثلاثة أيام».
و نحوه عن محمد بن مسلم- في الصحيح (4)- عن ابى عبد الله (عليه السلام) و التقريب في الخبرين الأخيرين أن المتبادر من صاحب الحيوان هو البائع، و يخدشه أن موثقة الحسن بن على بن فضال قد فسرت صاحب الحيوان هنا بأنه المشترى، و هو الأقرب، لأن ظاهر هذه العبارة تدل على انحصار الخيار فيه، و لا قائل بانحصار الخيار في البائع، و بالحمل على المشترى يصح الانحصار، بناء على القول المشهور و المؤيد المنصور.
قال في المسالك بعد قول المصنف «و الشرط فيه كله ثلاثة أيام للمشتري خاصة دون البائع على الأظهر»: ما صورته: «نبه بالأظهر على خلاف المرتضى (رضوان الله عليه)- حيث ذهب الى أن الخيار لهما، و
صحيحة محمد بن مسلم
____________
(1) الوسائل الباب- 3- من أبواب الخيار الرقم 9.
(2) الوسائل الباب- 3- من أبواب الخيار الرقم 3 التهذيب ج 7 ص 23.
(3) الكافي ج 5 ص 170 التهذيب ج 7 ص 24.
(4) الكافي ج 5 ص 170 التهذيب ج 7 ص 24.
22
عن الصادق (عليه السلام) قال: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان».
صريحة الدلالة على ما يدعيه.
و ما تقدم في صحيحة الحلبي من إثبات خياره للمشتري غير مناف لثبوته للبائع الأمن حيث المفهوم المخالف و هو ضعيف، فالقول به في غاية القوة ان لم يثبت إجماع على خلافه: و حملت الرواية على ما لو باع حيوانا بحيوان- و هو تخصيص بغير مخصص- و على أن الخيار للمشتري و على البائع، فهو بالنسبة إليهما مدة ثلاثة أيام.
و يضعف بان مقتضى الخبر كونه لهما كما في قوله «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» و على ان الخيار للمجموع من حيث هو مجموع فلا يدل على ثبوته للافراد و فيه ما مر.
و في الدروس الشهرة بل الإجماع على خلافه، و هو يؤذن بدعوى الإجماع، فإن ثبت فهو الحجة، و الا فلا. انتهى.
أقول: لا يخفى أن ما ذكروه ان سلم في روايات المسألة- المشهورة في كلامهم الا انه لا يجري في صحيحة ابن رئاب (1) التي قدمنا نقلها عن قرب الاسناد، فإنها صريحة في القول المذكور، و بها يتأيد ذلك المفهوم الذي دلت عليه تلك الأخبار العديدة.
على أن لقائل أن يقول: انه و ان كان المفهوم- كما ذكره- ليس بحجة الا ان سوق الكلام في جملة من الاخبار المذكورة تدل على إرادته و اعتباره هنا، مثل قولهما (عليهم السلام) في صحيحتي زرارة و
محمد بن مسلم «البيعان بالخيار ما لم يفترقا و صاحب الحيوان ثلاثة أيام».
و نحوهما صحيحة الفضيل المتقدمة في خيار المجلس.
و التقريب في الجميع أنه لو كان الخيار لهما في الحيوان- كما هو المدعى- لما كان لتخصيص أحدهما به وجه- بعد أن ذكر الخيار لهما في غيره- و يفصل في المقام، بل ينبغي أن يقول هما بالخيار في كل من الموضعين.
و يؤيد القول المشهور ان الظاهر ان وجه الحكمة في هذا الخيار أن الحيوان
____________
(1) الوسائل الباب- 3- من أبواب الخيار الرقم- 9.
23
مظنة للعيوب، و هي قد تخفى كثيرا و لا تظهر غالبا، و ايضا قد يتعلق به أغراض لا يمكن الاطلاع عليها الا بالاختبار و مرور الأيام، فضرب الشارع للمشتري هذه المدة لإمكان ظهور عيب خفي فيها، و هذه الحكمة لا يظهر وجهها بالنسبة إلى البائع المطلع على عيوب حيوانه، فلا يكون الخيار مشروعا في حقه لانتفاء وجه الحكمة.
و يؤيده أيضا- ما قدمنا ذكره- من أن مقتضى العقد كتابا و سنة اللزوم من الجانبين حتى يقوم دليل على خلافه.
و بالجملة فإن العمدة في رد القول المزبور- انما هي صحيحة ابن رئاب المروية في قرب الاسناد الغير القابل للتأويل بوجه من الوجوه، و ان كانت جميع هذه الوجوه مؤيدة لذلك. و من ذلك يعلم أنه يجب جعل التأويل في جانب صحيحة محمد بن مسلم المذكورة بالحمل على أحد المحامل المتقدمة التي أقربها الحمل على ما لو باع حيوانا بحيوان.
و قول شيخنا المتقدم- بأنه تخصيص بغير مخصص- مدفوع بأن ضرورة الجمع بين الاخبار أوجب التخصيص. على أنه قد اختار القول بذلك، و جعله وجه جمع بين الاخبار، كما سيأتي في كلامه إنشاء الله تعالى. و أما ما عداها مما ظاهره ذلك أيضا فقد عرفت الجواب عنه.
و احتمل في الوسائل حملها على التقية، و لعله الأقرب- و ان كان لا يحضرني الان مذهب العامة في هذه المسألة- لما عرفت في مقدمات كتاب الطهارة (1)- من ان الحمل على التقية لا يتوقف على وجود القائل بذلك منهم، فإنه لما كان الأصحاب سلفا و خلفا- سوى المرتضى (رضى الله عنه)- على هذا القول المشهور، و أخبارهم كما عرفت متظافرة به، فإنه يعلم بذلك كونه مذهب الأئمة (عليهم السلام) و ليس لما خالف ذلك- مما ورد عنهم- محمل غير التقية.
____________
(1) ج 1 ص 5.
24
و من روايات- المسألة- المؤيدة للقول المشهور- أيضا زيادة على ما قدمناه- ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن ابن سنان (1) و الظاهر أنه عبد الله- قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الدابة أو العبد و يشترط الى يوم أو يومين فيموت العبد أو الدابة أو يحدث فيه حدث، على من ضمان ذلك؟ فقال: على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام و يصير المبيع للمشتري» (2).
و زاد في التهذيب «شرط له البائع أو لم يشترط قال و ان كان بينهما شرط أياما معدودة فهلك في يد المشترى قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع».
و رواه في الفقيه مرسلا (3) كما في الكافي. الا انه قال: «لا ضمان على المبتاع حتى ينقضي الشرط و يصير المبيع له» (4).
و العجب من المرتضى- (رضوان الله عليه)- المانع من العمل باخبار الآحاد و الدائر في أقوله مدار الإجماع- كيف اعتمد على هذا الخبر في هذا المقام مع مخالفته الأخبار الكثيرة المعتضدة بالشهرة بل الإجماع المدعى في المقام، و الظاهر أن دليله شيء آخر غير الخبر من الأمور العقلية كما هي قاعدته، فان تعلقه بالاخبار نادر جدا.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 169 التهذيب ج 7 ص 24.
(2) ظاهر الخبر المذكور عدم انتقال المبيع في مدة الخيار إلى المشتري كما هو قول الشيخ، و المشهور يحملونه على استقرار الملك و سيأتي تحقيق المسألة في محله إنشاء الله تعالى.
(3) الفقيه ج 3 ص 128.
(4) و مما يدل على ما دل عليه هذا الخبر من أن التلف أو الحدث زمن الخيار مضمون على البائع. رواية ابن رباط عن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: ان حدث بالحيوان حدث قبل ثلاثة أيام فهو من مال البائع» و الظاهر ان الحكم لا خلاف فيه. منه (رحمه الله).
25
و بالجملة فالمعتمد هو القول المشهور. و الله العالم. و تحقيق البحث في المقام يتم برسم مسائل.
الأولى [القول بثبوت الخيار في الإماء مدة الاستبراء]
- لم نقف لأبي الصلاح فيما ذهب اليه من ثبوت الخيار في الإماء مدة الاستبراء على دليل، و ظاهر اخبار- المسألة- المتقدمة يرده، مثل قوله (عليه السلام)
في صحيحة الحلبي (1) المتقدمة «الخيار في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام للمشتري».
و قوله (عليه السلام) في صحيحة (2) ابن رئاب «الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري، اشترط أو لم يشترط».
و أظهر من جميع ذلك صحيحة على بن رئاب (3) المتقدم نقلها عن قرب الاسناد، لأن موردها الجارية بخصوصها، و قد حكم (عليه السلام)
«بان الخيار فيها ثلاثة أيام للمشتري و أنه إذا مضت الثلاثة فقد وجب الشراء و لزم».
و صحيحة عبد الله بن سنان (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: عهدة البيع في الرقيق ثلاثة أيام ان كان بها خبل أو برص أو نحو هذا».
الحديث و بذلك يظهر ضعف القول المذكور.
الثانية- لو باع الدراهم أو المتاع بالحيوان
كان يقول: بعتك هذه الدراهم أو هذا المتاع بهذا الحيوان، فيقول المشترى اشتريتها به.
فالظاهر أن خيار الحيوان- هنا- ثابت لمن انتقل له الحيوان بهذا العقد، و هو البائع للدراهم أو المتاع، نظرا الى ما قدمنا ذكره من وجه الحكمة في هذا الخيار.
و ثبوت الخيار هنا للبائع غير مناف لما تقدم- بناء على القول المشهور- و ما دل عليه من الاخبار، من أن خيار الحيوان للمشتري خاصة، لأن مبنى تلك المسألة- في
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 24.
(2) الكافي ج 5 ص 169.
(3) الوسائل الباب 3 من أبواب الخيار الرقم 9.
(4) الكافي ج- 5- ص 172.
26
النصوص و كلام الأصحاب- انما هو على كون المبيع هو الحيوان بغيره من الأثمان، فجعل الخيار فيها لمشتريه، و هيهنا الحيوان انما وقع ثمنا و قيمة لمبيع آخر فيكون الخيار انما هو لمن انتقل اليه و هو البائع، نظرا الى ما أشرنا إليه من وجه الحكمة في هذا الخيار.
و يمكن الاستدلال عليه في هذه الصورة بالأخبار الدالة على أن لصاحب الحيوان الخيار ثلاثة أيام، و هو من انتقل اليه ثمنا أو مثمنا، لما تقدم من أنه لا يصح حمل صاحب الحيوان هنا على المالك، و انما حملناه سابقا على المشترى بقرينة موثقة ابن فضال، من حيث وقوع البيع على الحيوان، و كونه مثمنا، و أما لو جعل ثمنا، فإنه يكون الخيار فيه لمن انتقل اليه، و ان سمي بحسب هذه الصورة بائعا.
أو الى ما اخترنا في هذا المقام يشير كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و الروضة و به صرح المحقق الأردبيلي (رحمه الله عليه) في شرح الإرشاد، الا أن كلامه لا يخلو من خلل في تأدية المطلوب منه و المراد، فإنه قال- بعد ذكر الفرع المذكور.
- و بالجملة انه ثابت لمن ينتقل اليه الحيوان بعقد البيع، سواء يقال له البائع أو المشترى، و أتى بالصيغة بلفظ البيع أو الشراء قدمها أو أخرها، لأن الحكمة في الخيار فيه أن الحيوان مظنة العيب و يختفى فيه كثيرا، و لا يظهر غالبا، فشرع الخيار ليعلم ذلك و هو يدل على ثبوته لكل من ينتقل اليه.
و العمدة في ذلك- الأخبار المتقدمة، مثل
صحيحة زرارة أو حسنته (1) قال:
قال: رسول الله (صلى الله عليه و آله) «البيعان بالخيار حتى يفترقا و صاحب الحيوان ثلاثة أيام».
الظاهر أن المراد أن صاحبه الذي عنده و مالكه بالفعل- لا الذي كان- يخير ثلاثة أيام، ثم ذكر صحيحة محمد بن مسلم الموافقة لصحيحة زرارة في هذا المتن.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 170.
27
كما قدمناه ثم قال: الظاهر شمول هذه الاخبار لمن قلناه، و ان قلنا بشمولها لغيره ايضا. انتهى.
و محل الإشكال في قوله: الظاهر ان المراد صاحبه الذي عنده الى آخره مع قوله قبله ان الخيار ثابت لمن ينتقل اليه الحيوان مؤيدا ذلك بوجه الحكمة المذكورة في كلامه، فإنه لا يخلو من مدافعة و مناقضة.
الثالثة- هل مبدء الخيار [من حين العقد أو التفرق]
هنا- و كذا في خيار الشرط الاتى إنشاء الله تعالى- من حين العقد أو التفرق؟ قولان: نقل ثانيهما عن الشيخ (رحمة الله عليه) و من تبعه.
و بالأول صرح جملة من محققي متأخري الأصحاب، و الظاهر أنه الأقرب.
و يؤيده أن المتبادر من الأجل المذكور بعد العقد هو اتصاله بزمان العقد، و هكذا كل ما اشترط من الأجل في العقود، فان المتبادر منه كون ابتدائه من حين العقد.
و يعضده ظاهر جملة من الاخبار المتقدمة، مثل
قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) «البيعان بالخيار حتى يفترقا» و صاحب الحيوان ثلاثة أيام.
و قوله
في صحيحة محمد بن مسلم (2) «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان و فيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا».
فان المفهوم منهما ان كلا الخيارين في البدء سواء و انما الاختلاف بينهما باعتبار الأخر، فنهايته في خيار المجلس التفرق، و في خيار الحيوان إلى ثلاثة أيام و تمام الكلام في المقام يأتي- إنشاء الله تعالى- في المقام الثاني في الأحكام.
الرابعة [سقوط خيار الحيوان بالاشتراط]
- يسقط هذا الخيار عند الأصحاب باشتراط سقوطه في العقد، و بإسقاطه بعد العقد، و بالالتزام بالعقد، و بالتصرف، و الوجه في الأول- العمل بما دل على لزوم الوفاء بالشرط و في الثاني أنه حق لصاحبه، فمتى أسقطه سقط.
و اما الثالث فقد تقدم الكلام فيه في خيار المجلس، الا ان الظاهر هنا لزوم العقد
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 24 الكافي ج 5 ص 170.
(2) التهذيب ج 7 ص 24 الكافي ج 5 ص 170.
28
بالالتزام به، و سقوط الخيار بذلك، لما في رواية
عبد الله بن الحسن بن زيد بن على بن الحسن عن أبيه (1) «عن جعفر بن محمد (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) في رجل اشترى عبدا بشرط ثلاثة أيام فمات العبد في الشرط قال: يستحلف بالله ما رضيه، ثم هو بريء من الضمان».
فإنه ظاهر في أنه متى التزم بالعقد و رضى به سقط الخيار.
و أما الرابع فيدل عليه- بعد الإجماع المدعى في التذكرة- جملة من الاخبار منها
صحيحة على بن رئاب (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «الشرط في لحيوان ثلاثة أيام» للمشتري اشترط أم لم يشترط، فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة (الأيام) فذلك رضى منه فلا شرط، قيل له: و ما الحدث؟ قال:
أن لامس أو قبل أو نظر منها الى ما كان يحرم عليه قبل الشراء».
و صحيحة محمد بن الحسن الصفار (3) قال: «كتبت الى ابى محمد (عليه السلام) في الرجل اشترى من رجل دابة فأحدث فيها حدثا من أخذ الحافر أو نعلها أو ركب ظهرها فراسخ، إله أن يردها في الثلاثة أيام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدث فيها أو الركوب الذي ركبها فراسخ؟ فوقع (عليه السلام): إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء ان شاء الله تعالى».
و روى في قرب الاسناد عن على بن رئاب في الصحيح (4): قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية لمن الخيار؟ فقال: الخيار لمن اشترى «الى ان قال:» قلت له: أ رأيت ان قبلها المشتري أو لامس، قال: فقال: إذا قبل أو
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 80 الوسائل الباب- 5- من أبواب الخيار.
(2) الكافي ج 5 ص 169 التهذيب ج 7 ص 24 و فيه (أيام) الوسائل الباب 4 من أبواب الخيار.
(3) التهذيب ج 7 ص 75 الوسائل الباب 4 من أبواب الخيار.
(4) الوسائل الباب- 4- من أبواب الخيار الرقم- 3.
29
لامس أو نظر منها الى ما يحرم على غيره فقد انقضى الشرط و لزمته».
قال في المسالك- بعد نقل مضمون صحيحة على بن رئاب الاولى:- و إطلاق التصرف و الحدث يشمل الناقل و غيره، بل مطلق الانتفاع كركوب الدابة و تحميلها و حلب ما يحلب و نحو ذلك، و لو قصد به الاستخبار ففي المنع من الرد قول لا بأس به، فان استثنياه اعتبر منه ما يعلم به الحال، بان يركب الدابة قدرا يظهر به فراهتها و عدمه، و يحلب الشاة بحيث يعلم حالها و نحو ذلك فلو زاد عنه منع، و لو ساق الدابة إلى منزله فإن كان قريبا بحيث لا يعد تصرفا عرفا فلا اثر له، و ان كان بعيدا كثيرا احتمل قويا منعه، و بالجملة فكل ما يعد تصرفا و حدثا يمنع و الا فلا. انتهى و هو جيد.
و نقل المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد عن بعض المحققين قال:
قال بعض المحققين: المراد بالتصرف المسقط للخيار هو ما يكون المقصود منه التملك لا الاختبار، (1) و لا حفظ المبيع كالركوب لسقي الدابة، ثم قال: و فيه تأمل، لأن ظاهر الروايات أعم من ذلك.
أقول: ان ما ذكروه من التصرف لأجل الاختبار لا وجه له في المقام، فان مقتضى العادة أن المشترى للحيوان لا يشتريه و لا يعقد صيغة البيع حتى يختبره بركوبه معرفة حسن مشيه و عدمه، و الجارية لا يشتريها حتى ينظر منها الى ما يتعلق به غرضه بنظره باذن المالك، و من هذه الجهة أطلقت الأخبار كون التصرف بعد البيع مسقطا للخيار، فان جميع ما يتوقف عليه غرضه من ذلك الحيوان قد علم قبل البيع، و انما جعل له هذا الخيار هذه المدة بالنسبة إلى شيء لم يحصل له الاطلاع عليه من العيوب الخفية.
____________
(1) أقول ظاهر المحقق الشيخ على في شرح القواعد الميل الى هذا القول حيث قال: و لو قصد به الاختبار فقد استثناه بعضهم من التصرف المسقط و ليس ببعيد- منه (رحمه الله).
30
و اما ما ذكره ذلك المحقق من السقي، فإنه لا يتوقف على الركوب ليكون ذلك مستثنى من التصرف المانع من الرد، و الظاهر انه أراد بالتملك، معنى الالتزام بالبيع و الا فالتملك حاصل بأصل العقد.
نعم يبقى الكلام في التصرف الذي يتوقف عليه حفظ الدابة في ضمن تلك الثلاثة أيام، من علفها و سقيها و ربطها، و نقلها من مكان الى مكان لأجل حفظها من الحر أو البرد و نحو ذلك، و الأقرب أنه لا يعد من التصرف المانع من الرد لخوف تطرق الضرر بدونه.
و أما مناقشة المحقق الأردبيلي «(رحمه الله)» في هذا المقام في عموم التصرف و شموله لجميع التصرفات- حيث طعن في دلالة صحيحة على بن رئاب الأولى بالحصر في الجارية، فلم يعلم غيرها من الحيوانات و اختصاصه بالإفراد المذكورة فيها، و أنه يمكن ما كان مثلها أو أعلى و أما الأدنى فلا.
و في صحيحة الصفار بأنها و ان دلت بظاهرها على أن كل حدث مسقط للخيار- الا ان الحدث مجمل، و يمكن أن يكون كل ما هو عيب يكون مسقطا- فالظاهر أنها من المناقشات البعيدة الاحتمال، فان الظاهر أن ما ذكر في الخبرين المذكورين من الجارية و الدابة و التصرف فيهما بما ذكره في الخبرين انما خرج مخرج التمثيل، لا الاختصاص و ذكر في كل منهما من التصرف ما هو المناسب له من قبيل التمثيل أيضا لا الحصر.
فالمراد من الخبرين انما هو ما فهمه الأصحاب (رضوان الله عليهم)، من عموم الحكم في الحيوان مطلقا، و التصرف بجميع وجوهه في كل منها بما يناسبه، و الله العالم (1).
____________
(1) أقول بذلك يظهر أيضا ما في كلام الفاضل الخراساني حيث قال و اعلم أنى لا أعلم دليلا على كون شيء من التصرفات موجبا للزوم، سوى ما ورد في صحيحة على بن رئاب، و صحيحة محمد بن الحسن الصفار، و ما في قوته أو أقوى منه، و ان ثبت إجماع في غيرها كان متبعا، و الا كان للتأمل فيه مجال. انتهى.
و كأنه تبع في هذا المقام المحقق المشار إليه في الأصل و قد عرفت- ما فيه من أن ما ذكر في الخبرين انما خرج مخرج التمثيل لا الحصر كما لا يخفى، و اليه يشير قوله «فأحدث حدثا من أخذ الحافر الى آخره» فان المراد بالحدث هو ما فهمه الأصحاب من التصرف مطلقا، و ان مثل له في الخبر ببعض الافراد كما لا يخفى على المتأمل. منه (رحمه الله).
31
الخامسة [هل يثبت الخيار إذا كان الثمن حيوانا؟]
- قد عرفت فيما تقدم أن من جملة الأقوال في المسألة ثبوت الخيار لهما فيما إذا كان الثمن أيضا حيوانا و اختاره في المسالك، نظرا الى تحقق الحكم من الجانبين، قال: فان اختصاص الخيار بالحيوان لاشتماله على أمور باطنة لا يطلع عليها غالبا إلا بالتروي و الاختبار مدة، و فيه جمع بين الاخبار المختلفة ظاهرا.
و هو جيد، سيما على مذهبه في ترجيح قول السيد المرتضى ثم انه في المسالك قال:
و لو كان الثمن خاصة حيوانا ثبت الخيار للبائع خاصة على الأقوى. انتهى.
و بنحوه في الموضعين صرح في الروضة أيضا (1) و بالجملة، فإن مرجع الكلام في هذه المسألة الى ما قدمناه في الفائدة الثانية، قد عرفت انه أحد الوجوه في حمل الخبر الذي استدل به المرتضى (رضى الله عنه) كما أشار إليه شيخنا المذكور هنا بقوله: و فيه جمع بين الاخبار المختلفة ظاهرا، و ان كان قد رده في كلامه المتقدم نقله عنه في صدر البحث بقوله و هو تخصيص بغير مخصص و قد عرفت ما فيه آنفا.
الثالث- خيار الشرط
و الأصل فيه- بعد الإجماع في التذكرة- الأدلة العاملة من الاخبار الدالة على وجوب الوفاء بالشرط الا ما حرم حلالا و حلل حراما، و الخاصة لهذا المقام و ها نحن نتلوا عليك جملة الأخبار المتعلقة بذلك عامها و خاصها، كما هي قاعدتنا
____________
(1) حيث قال: و لو كان حيوانا بحيوان قوى ثبوته لهما كما يقوى ثبوته للبائع وحده لو كان الثمن خاصة و هو ما قرن بالباء حيوانا، انتهى منه (رحمه الله).
32
في الكتاب في كل حكم و باب.
فمنها ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له، و لا يجوز على الذي اشترط عليه، و المسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب الله عز و جل.
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «المسلمون عند شروطهم، الا كل شرط خالف كتاب الله عز و جل فلا يجوز».
و ما رواه
الشيخ عن إسحاق بن عمار (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن على بن أبى طالب (عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف لها به، فان المسلمين عند شروطهم الا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما».
و منها ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الشرط في الإماء أ لا تباع و لا تورث و لا توهب؟
فقال: يجوز ذلك غير الميراث، فإنها تورث، و كل شرط خالف كتاب الله فهو» (مردود)».
و نحو هذه الرواية بهذا المضمون مرسلة جميل بن دراج، (5) و مرسلة ثانية له، و المشهور في كلام الأكثر أنه لو شرط ما ينافي مقتضى العقد كما لو شرط أن لا يبيعه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 169 التهذيب ج 7- ص 22.
(2) الفقيه ج 3 ص 127 التهذيب ج 7 ص 22.
(3) التهذيب ج 7 ص 467.
(4) الكافي ج 5 ص 212- في الكافي فهو (رد).
(5) التهذيب ج 7 ص 25.
33
أو لا يعتقه أو لا يطأ أو لا يهب، فهذه الشروط باطلة، و المشهور بطلان العقد بها أيضا.
و يظهر من بعض الأصحاب القول بلزوم أمثال هذه الشروط المشروعة، و الاخبار المذكورة تدل عليه، و على المشهور يمكن حملها على الاستحباب، بناء على قواعدهم في أمثال هذه الأبواب.
ثم ان الفرق بين الميراث و غيره مما ذكر في الاخبار المذكورة لا يخلو من خفاء و ربما قيل بأن الفرق هو ان اشتراط عدم البيع و الهبة اشتراط ما يتعلق بنفسه، و اشتراط عدم التوريث يتعلق بغيره، و لا أثر فيه لرضاه، و لا يخلو من تكلف، و مقتضى العقد كتابا و سنة هو التصرف فيه بما شاء من أنواع التصرفات، فاشتراط منعه من ذلك كما دلت عليه هذه الاخبار مشكل.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب في الموثق عن إسحاق بن عمار (1) قال:
«أخبرني من سمع أبا عبد الله (عليه السلام) «قال سأله رجل و أنا عنده فقال له: رجل مسلم احتاج الى بيع داره فمشى إلى أخيه فقال له: أبيعك داري هذه و تكون لك أحب الي من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي ان أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن ترد علي؟ فقال: لا بأس بهذا ان جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه قلت: فإنها كانت فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة لمن تكون؟ فقال: الغلة للمشتري، ألا ترى أنه لو احترقت لكانت من ماله».
و رواه الصدوق بطريقه إلى إسحاق بن عمار (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سأله رجل.
الحديث و ما رواه
في التهذيب عن معاوية بن ميسرة (3) قال: «سمعت أبا الجارود يسأل
____________
(1) الكافي ج 5 ص 171 التهذيب ج 7 ص 23.
(2) الفقيه ج 3 ص 128.
(3) التهذيب ج 7 ص 176.
34
أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل باع دار إله من رجل، و كان بينه و بين الرجل الذي اشترى منه الدار حاصر، فشرط أنك ان أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك فأتاه بماله قال: له شرطه، قال له أبو الجارود: فان ذلك الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين قال: هو ماله، و قال أبو عبد الله (عليه السلام): أ رأيت لو أن الدار احترقت من مال من كانت تكون الدار دار المشترى».
و ما رواه
في الكافي عن سعيد بن يسار (1) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انا نخالط أناسا من أهل السواد و غيرهم، فنبيعهم و نربح عليهم العشرة اثنا عشر و العشرة ثلاثة عشر و نؤخر ذلك فيما بيننا و بينهم السنة و نحوها، و يكتب لنا الرجل على داره أو أرضه بذلك المال الذي فيه الفضل الذي أخذ منا شراء (و قد باع) و قبض الثمن منه، فنعده ان هو جاء بالمال الى وقت بيننا و بينه ان نرد عليه الشراء، فان جاء الوقت و لم يأتنا بالدراهم فهو لنا. فما ترى في ذلك الشراء؟
قال: ارى أنه لك ان لم يفعل، و ان جاء بالمال للوقت فرد عليه».
و ما رواه
الشيخ عن أبى الجارود (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «ان بعت رجلا على شرط فإن أتاك بمالك و الا فالبيع لك».
و البيع في الخبر بمعنى الشراء، فإنه من الأضداد كما ذكره أهل اللغة.
و تحقيق البحث في المقام بما يحصل به الإحاطة بأطراف الكلام و بيان ما يدخل فيه من الأحكام يقع في مواضع.
الأول [لو تخلف عن الشرط]
- الأشهر الأظهر هو انه متى كان الشرط سائغا في العقد، وجب على المشروط عليه الوفاء به فان امتنع كان للمشروط له إجباره عليه، فان لم يمكنه رفع امره الى الحاكم الشرعي فإن تعذر كان له خيار الفسخ، و قيل متى امتنع كان للمشروط له اختيار الفسخ، و سيأتي إنشاء الله تعالى مزيد تحقيق للمسألة في محله (3)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 172 الفقيه ج 3 ص 128 و فيه (بأنه قد باعه).
(2) التهذيب ج 7 ص 23.
(3) و هو في المسألة الاولى من المقام الثاني في أحكام الخيار.
35
الثاني [جواز اشتراط مدة يرد فيها البائع الثمن و يرتجع المبيع]
- يجوز اشتراط مدة يرد فيها البائع الثمن إذا شاء و يرتجع المبيع و في هذا المقام أحكام.
الأول- قد دلت موثقة إسحاق بن عمار و ما بعدها من الاخبار على أنه يجوز اشتراط مدة مضبوطة يرد فيها البائع الثمن إذا شاء و يرتجع المبيع، و ظاهر الاخبار المذكورة أنه يكفى مجرد إعطاء الثمن، و المفهوم من كلام الأصحاب من غير خلاف بعرف أنه لا بد من الفسخ و أنه لا يكفى مجرد رد الثمن.
الثاني- لو شرط في العقد رد المثل أو القيمة في تلك المدة لزم أيضا، قال في الدروس: فليس للبائع الفسخ بدون رد الثمن أو مثله و لا يحمل الإطلاق على العين، و لو شرط رد العين احتمل الجواز انتهى.
الثالث- المشهور أنه لا يتوقف الفسخ أو الإمضاء على حضور الأخر أو الحاكم.
نعم ثبوته يتوقف على الاشهاد مع النزاع، و نقل في الدروس عن ابن الجنيد انه يشترط في الخيار المختص للفسخ أو الإمضاء الحضور أو حكم الحاكم أو الإشهاد قال:
و في المشترط لا ينفذا لفسخ و الإمضاء إلا بحضورهما و نقل عن ابن حمزة انه لا بد في المشترك من اجتماعهما على الفسخ أو لا إمضاء.
و في المبسوط لا خلاف في جواز الإمضاء بغير حضور الأخر، و الظاهر ان ما ذهب اليه ابن الجنيد هنا هو مذهب العامة، فإنه قد نقل المحقق الشيخ على (رحمه الله) في شرح القواعد توقف الفسخ على أحد الأمرين المذكورين عن أبي حنيفة.
و أنت خبير بان الروايات المذكورة خالية من التعرض لذكر الفسخ، كما قدمنا الإشارة اليه، و ليس فيها أزيد من رد الثمن في المدة المضروبة و ظاهره هو الرد على المشترى و دفعه اليه، و لو جعل رد الثمن فيها كناية عن الفسخ مثلا، فظاهرها اشتراط حضور المشترى ليفسخ البائع بعد دفع الثمن أو مثله اليه، فما ذكروه من جواز الفسخ مع عدم حضور المشترى و جعل الثمن أمانة الى أن يجيء
36
المشترى، و ان كان ظاهرهم الاتفاق عليه عدا من تقدم ذكره، الا انه بعيد عن سياق الأخبار المذكورة كما لا يخفى على المتأمل فيها.
الرابع- الظاهر انه لا فرق (1) في هذا الشرط بين وقوعه من البائع بأن يقول:
بعتك هذه الدار بشرط ان تردها علي إذا أتيتك بالثمن في ضمن شهر، أو من المشترى بأن يشترط له انك ان أتيتني بالثمن في ضمن المدة المعلومة، رجعت عليك المبيع و الذي تضمنته الأخبار المتقدمة الثاني.
قال في الدروس: يجوز اشتراط ارتجاع المبيع عند رد الثمن مع تعيين المدة فليس للبائع الفسخ بدون رد الثمن أو مثله، ثم قال: و لو شرط المشترى ارتجاع الثمن إذا رد المبيع جاز، و يكون الفسخ مشروطا برد المبيع، فلو فسخ قبله لغى انتهى.
أقول ظاهر الاخبار المتقدمة انه بعد وقوع العقد مشتملا على هذا الشرط من البائع أو المشتري فإنه بمجرد رد البائع الثمن في المدة المضروبة يجب على المشترى رفع اليد عن المبيع و تسليط البائع عليه
لقوله (عليه السلام) في موثقة إسحاق (2) «ان جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه».
و في رواية معاوية فأتاه بماله قال: له شرطه،.
و قوله في صحيحة سعيد بن يسار (3) «ان جاء بالمال في الوقت فرد عليه».
و ظاهر هذه العبارات ان الفسخ يحصل بمجرد رد الثمن في المدة المضروبة و انه يجب على المشترى رد المبيع و رفع يده عنه.
و به يظهر ما في عبارة الدروس المذكورة و غيرها من اعتبار الفسخ و تفريع
____________
(1) لقوله في خبر إسحاق ان حبئت بثمنها إلى سنة، و في رواية معاوية الى ما بين ثلاث سنين و قوله في رواية سعيد بن يسار و لم يأتنا بالدراهم و في رواية أبي الجارود فإن أتاك بمالك و الجميع كما ترى ظاهر في انه لا بد من رده على المشترى منه (رحمه الله).
(2) الوسائل الباب 8- أبواب الخيار الرقم- 1 التهذيب ج 237 الرقم 13.
(3) التهذيب ج 7 ص 23 الرقم 12.
37
ما ذكروه من الأحكام عليه فان دخوله تحت الأخبار المذكورة لا يخلو من غموض و خفاء.
الخامس- قال في الدروس لو شرط ارتجاع بعضه ببعض الثمن أو الخيار في بعضه ففي الجواز نظر.
أقول: الظاهر ان وجه النظر المذكور ينشأ من مخالفة النصوص الواردة في المسألة و كون هذا الفرد خارجا عنها، و من عموم «المؤمنون عند شروطهم».
و في المسالك استوجه الثاني و لا يخلو من قرب، فان النصوص المذكورة لا دلالة فيها على حصر الصحة في الصورة المذكورة فيها، و ان ما عداها غير جائز مع ان هذا الشرط سائغ في حد ذاته و لا مانع منه.
الثالث [هل يملك المبيع بالعقد أو بمضي مدة الخيار؟]
من المواضع المتقدمة هل يملك المبيع بالعقد أو بمضي مدة الخيار قولان، و سيأتي تحقيق المسألة إنشاء الله تعالى في المقام الثاني في الأحكام.
الرابع [حكم منافع المبيع مدة الخيار]
- قد دلت الأخبار المتقدمة على ان منافع المبيع ضمن مدة الخيار للمشتري، و تلفه من المشترى فيكون ملكا له، و هو موافق للمشهور من أن التلف بعد القبض في زمن الخيار من مال من لا خيار له.
و هذا في صورة ما لو كان الخيار للبائع، و اما لو كان الخيار للمشتري كما تقدم في خيار الحيوان فان تلفه من البائع، كما تضمنته صحيحة
عبد الله بن سنان (1) المتقدمة في خيار الحيوان و قوله فيها «فان كان بينهما شرط أياما معدودة فهلك في يد المشترى قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع».
و هذا ايضا جار على مقتضى القاعدة المتقدمة، و هي ان تلف المبيع بعد القبض فهو من مال من لا خيار له.
و تمام الكلام في ذلك يأتي إنشاء الله تعالى في المقام الثاني.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 24 الرقم 20 الوسائل الباب 8 من أبواب الخيار الرقم 2.
38
الخامس [لزوم كون الشرط في متن العقد]
- قد تقدم أنه لا بد من كون الشرط في متن العقد بين الإيجاب و القبول قال في التذكرة: و لا اعتداد بالشرط قبله أو بعده.
السادس- خيار الشرط ثابت لمن اشترطه
سواء كاناهما معا، أو أحدهما أو أجنبيا، أو أحدهما مع أجنبي، من غير خلاف يعرف و مستنده عموم أدلة وجوب الوفاء بالشروط المتقدم ذكرها.
السابع- يجب أن يكون المدة مضبوطة
، و الوجه فيه رفع الجهالة المبطلة للعقد، و أن الأجل- كما صرحوا به- له قسط من الثمن، فيئول إلى جهالة أحد العوضين، و ان تكون متصلة بالعقد أو منفصلة عنه مع ضبطها، فلو شرطاها متأخرة صار العقد لازما بعد المجلس و جائزا فيها، اما اتصالها بالعقد فوجهه ظاهر مما تقدم في خيار الحيوان، و اما جواز اشتراط تأخيرها فوجهه كون الشرط المذكور سائغا، فيصح اشتراطه، و في جواز جعل المدة متفرقة قولان، و لو لم تكن المدة مضبوطة كقدوم الحاج مثلا أو إدراك الغلة بطل الشرط قولا واحدا.
و هل يبطل العقد قولان: المشهور البطلان، و هذا جار في كل عقد اشتمل على شرط فاسد، و قيل بصحة العقد و ان بطل الشرط.
و قد تقدم تحقيق هذه المسألة و الكلام فيها في المقدمة الحادية عشر (1) من مقدمات كتاب الطهارة، و لو أطلقا و لم يعينا مدة فالمشهور انه لا يصح و نقل عن الشيخ الصحة و انه ثلاثة أيام مدعيا فيه النص و الإجماع، و رد بعدم وجود خيار الثلاثة في الاخبار الا في خيار الحيوان و اما الإجماع فأوضح، حيث لم يقل ذلك سواه.
و الظاهر ان الوجه في وجوب ضبط المدة كما اشترطوه هو رفع الجهالة المبطلة للعقد و أن الأجل له قسط من الثمن فيؤل الى جهل أحد العوضين.
الثامن [مبدأ هذا الخيار]
- قد تقدم النقل عن الشيخ بأن مبدأ هذا الخيار بعد التفرق من المجلس و لم نقف له على دليل، و ثبوت خيار المجلس بأصل الشرع لا يدل على كون مدة الخيار المشروط غير ذلك، حتى يكون ابتداؤه بعد انقضاء ذلك، إذ لا مانع من
____________
(1) ج 1 ص 133.
39
التداخل في بعض المدة كما مر في خيار الحيوان (1).
التاسع [عدم سقوط هذا الخيار بالتصرف و لا بالشرط]
- قال بعض المحققين (2) و الظاهر عدم سقوط هذا الخيار بالتصرف- لما مر و سيجيء- و لا بالشرط، و هو ظاهر. نعم يمكن بالإسقاط و الالتزام بعده كما في غيره.
و العمدة في ذلك قول الأصحاب (رضى الله عنهم) في الكل- و التسلط للإنسان على ماله، و الترغيب على العمل بالقول- و عدم مخالف له، و لانه لا شك في لزوم الفسخ باختياره، و كذا اللزوم.
و يدل عليه أيضا
رواية السكوني (3) عن ابى عبد الله (عليه السلام) «أن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) قضى في رجل اشترى ثوبا بشرط الى نصف النهار فعرض له ربح فأراد بيعه، قال: ليشهد أنه قد رضيه و استوجبه ثم ليبعه ان شاء، فان أقامه في السوق و لم يبع فقد وجب عليه».
انتهى. و هو جيد.
و حمل بعض الأصحاب الأمر بالإشهاد هنا على الإرشاد لرفع النزاع أو الاستحباب، و الخبر صريح في أنه مع الالتزام بالعقد يسقط الخيار، و ظاهره أيضا أنه يسقط بالتصرف، و ان إقامته في السوق و جعله في معرض البيع- و ان لم يبعه- تصرف مسقط للخيار.
العاشر [جواز اشتراط المؤامرة]
قد صرح الأصحاب بأنه يجوز اشتراط المؤامرة يعنى اشتراطهما أو أحدهما استيمار من سمياه و الرجوع الى أمره مدة مضبوطة، فيلزم العقد من جهتهما و يتوقف على أمره، فإن أمر بالفسخ جاز للمشروط له استئماره و الفسخ، و الظاهر انه لا يتعين عليه، لان الشرط انما هو مجرد استئماره لا الالتزام بقوله، و ان أمر بالالتزام
____________
(1) ص 25.
(2) هو المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد منه (رحمه الله).
(3) الكافي ج 5 ص 173 التهذيب ج 7 ص 23.
40
لم يكن له الفسخ قطعا، و ان كان الفسخ أصلح عملا بالشرط قال في التذكرة: و ليس للشارط ان يفسخ حتى يستأمر و يأمره بالرد، لانه جعل الخيار اليه دونه. قيل: و يمكن أن يكون له الفسخ قبلها، و المخالفة لعدم لزومه. الا ان يشترط ذلك. قال في التذكرة: هذا القول الثاني للشافعي. كما أن الأول قوله الأول، و هو المعتمد. مع انه في التحرير قال بهذا القول الثاني فقال: و له الفسخ قبل الاستيمار.
أقول لا ريب ان جواز اشتراط الاستيمار كما هو أصل المسألة لا اشكال فيه، لانه من الشروط السائغة، فلا مانع من اشتراطها، فإن أمره بالفسخ تسلط على الفسخ، و له الخيار بين ان يفسخ و بين ان لا يفسخ، كما في سائر مواضع الخيار، و ان أمره بالالتزام الذي هو مقتضى العقد فليس له المخالفة، و ان كان الفسخ أصلح، لأنه لا يتسلط على الفسخ الا بالشرط، له و هو لم يشترط لنفسه و الفرق بين المؤامرة و جعل الخيار لأجنبي ان الغرض من المؤامرة الانتهاء إلى أمره، فليس لذلك المستأمر بفتح الميم الفسخ أو الالتزام، و انما إليه الأمر و الرأي خاصة بخلاف من جعل له الخيار.
الرابع- خيار الغبن
بسكون الباء و أصله الخديعة، و المراد هنا البيع و الشراء بغير القيمة مع الجهالة إذا كان الغبن بما لا يتسامح به غالبا بان شراه بزيادة على القيمة أو باع بنقصان عنها فالمرجع فيه الى العادة لعدم تقديره شرعا، و هذا النوع من الخيار لم يذكره كثير من المتقدمين، و القول به انما ثبت عن الشيخ و اتباعه، و نقل في الدروس و كذا في المسالك عن المحقق في الدروس القول بعدمه.
و يظهر من التذكرة عدم الخلاف فيه بين علمائنا (1)، و المشهور بين
____________
(1) قال في التذكرة: و هو اى خيار الغبن ثابت عند علمائنا و به قال مالك و احمد لقوله لا ضرر و لا ضرار في الإسلام، و لقوله الا أن تكون تجارة عن تراض منكم، و معلوم بان المغبون لو عرف الحال لم يرض، و لأن النبي (صلى الله عليه و آله) اثبت الخيار في التلقي و انما أثبته للغبن، و قال انما يثبت للمغبون خاصة إجماعا- منه (رحمه الله).
41
المتأخرين ثبوته، و اعترف جمع من المتأخرين بأنهم لم يقفوا في النصوص على نص عليه بالخصوص، و انما ورد في تلقى الركبان تخيرهم إذا غبنوا.
و استدلوا عليه ايضا بحديث الضرار (1)، و ما ذكروه من حديث الغبن في تلقى الركبان لم أقف عليه في كتب الاخبار، و لا في كتب الفروع ايضا و يمكن ان يستدل عليه بما رواه
في الكافي (2) عن إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «غبن المسترسل سحت».
و عن ميسر (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «غبن المؤمن حرام».
و في رواية «لا يغبن المسترسل فان غبنه لا يحل».
قال في كتاب مجمع البحرين: و الاسترسال: الاستيناس، و الطمأنينة إلى الإنسان و الثقة به فيما يحدثه و أصله السكون و الثبات، و منه الحديث أيما مسلم استرسل الى مسلم فغبنه فهو كذا، و منه غبن المسترسل سحت، انتهى، و ظاهره وجود حديث رابع زائد على ما نقلناه.
و بالجملة فهذه الاخبار و ان كانت مطلقة الا أنها دالة بإطلاقها على ما نحن فيه من تحريم الغبن في البيع و المنع منه، و حينئذ فيثبت لصاحبه الخيار.
و كيف كان فثبوته عند الأصحاب مشروط بأمرين كما تقدمت الإشارة إليه.
- أحدهما- جهالة المغبون بالقيمة وقت العقد، فلو عرف القيمة ثم زاد أو نقص مع علمه، أو تجددت الزيادة أو النقيصة بعد العقد فلا غبن و لا خيار إجماعا، كما نقله المسالك.
ثانيهما ان يكون الغبن الذي هو عبارة عن الزيادة و النقيصة فاحشا لا يتسامح بمثله عادة، مثل ان يبيع ما يساوى مأة: بخمسين و نحوها فلو كان يسيرا
____________
(1) أقول من اخبار الضرار
موثقة زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) في حديث ان الرسول (صلى الله عليه و آله) قال: لا ضرر و لا ضرار.
و رواية عقبة ابن خالد عن ابى عبد الله (عليه السلام) في حديث ان الرسول (صلى الله عليه و آله) قال: لا ضرر و لا ضرار على مؤمن.
و نحوهما غيرهما- منه (رحمه الله).
(2) الكافي ج 5 ص 153.
(3) التهذيب ج 7 ص 7 الفقيه ج 3- 173.
42
يتسامح به كالدرهم بل الأربعة و الخمسة في المأة فلا غبن.
و قد عرفت ان مرجع ذلك عندهم الى العرف حيث لا تقدير له في الشرع و طريق معرفة الثاني ظاهرة، لانه يمكن إقامة البينة على القيمة فيناط بها.
و أما الأول فإن أمكن إقامة البينة عليه فكذلك و الا فإن ادعاه مع معلومية عدم إمكان ذلك في حقه حيث يعلم ممارسته لذلك النوع في ذلك الزمان بحيث لا يخفى عليه قيمته لم يقبل قوله، و الا ففي القبول إشكال ينشأ من أصالة عدم العلم، و لان العلم و الجهل من الأمور التي تخفى غالبا و لا يطلع عليها الا من قبل من هي به، و من أصالة لزوم العقد و وجوب الوفاء به فيستصحب الى أن يثبت المزيل.
و قوى في الروضة الأول، قال: و الأقوى قبول قوله في الجهالة بيمينه مع إمكانها في حقه، و استظهره في المسالك أيضا الا انه احتمل فيه الثاني، ثم استشكل فيه بأنه ربما تعذر إقامة البينة، و لم يمكن معرفة الخصم بالحال، فلا يمكنه الحلف على عدمه فتسقط الدعوى بغير بينة و لا يمين. و ما ذكره- (قدس سره)- جيد بناء على قواعدهم الا أن المسألة لخلوها من النص الواضح موضع توقف.
و حيث ثبت الغبن فإنه يتخير المغبون بين الرد و الإمساك مجانا، و ليس له الأرش إجماعا كما ذكره في التذكرة، و المشهور في كلام المتأخرين انه لا يسقط الخيار ببذل الغابن التفاوت، و ان انتفى موجبه استصحابا لما ثبت قبله.
نعم لو اتفقا على إسقاطه بالعوض صح كغيره من الخيار، و فيه نظر لأنه ان كان مدرك هذا النوع من الخيار خبر الضرار كما اعترفوا به، فقضية ذلك ان يكون الضرار، هو المدار، و ظاهر أن بذل التفاوت يدفعه، فينبغي القطع بعدم الخيار اقتصارا فيما خالف الأصل على القدر المتيقن و محل الضرورة، و ان كان الإجماع فقد عرفت عدم ثبوته، لما ذكره في الدروس و غيره من عدم ذكر كثير من المتقدمين لهذا الخيار و ما نقل عن المحقق آنفا.
43
و تردد العلامة في التذكرة هنا فقال: و لو دفع الغابن التفاوت احتمل سقوط خيار المغبون لانتفاء موجبه و هو النقص، و عدمه لانه ثبت له، فلا يزول عنه الا بسبب شرعي انتهى. مع انه قد ادعى الإجماع (1) على عدم ثبوت الأرش به، قالوا و لا يسقط الخيار هنا بالتصرف و ظاهرهم انه سواء كان المتصرف الغابن في مال المغبون أو بالعكس خرج به عن الملك كالبيع أم منع من الرد كالاستيلاد أم لا.
و لهم في هذه المسألة تفاصيل و شقوق عديدة أنهاها شيخنا في الروضة و المسالك الى ما يزيد على مأتي مسألة، و أطال في تقريرها و ليس في التعرض لذكرها مزيد فائدة مع خلوها من النصوص على العموم و الخصوص. فمن أحب الوقوف عليها فليرجع الى أحد الكتابين المشار إليهما.
و المشهور أن الخيار هنا فوري و قيل: بأنه على التراخي، و علل الأول بعموم الأمر بالوفاء بالعقود، و أن الأصل بناء العقود على اللزوم، فيقتصر فيما خالفه على موضوع اليقين، و هو المقدار الذي يمكن حصوله فيه، و لاقتضاء التراخي الإضرار بالمردود عليه حيث يختلف الزمان، و يؤدى الي تغيير المبيع.
و لا يخفى ما في بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه الوجوه من المجازفة و علل الثاني بثبوت أصل الخيار فيستصحب الى ان يثبت المزيل لانتفاء الدليل على خصوص الفورية، و لا يخفى ان هذا هو الأقرب و الأنسب بقواعدهم و الاربط بضوابطهم.
____________
(1) وجه المدافعة هو ان مقتضى دعوى الإجماع من أنه لا يجب عليه به أرش ان يكون له الخيار و ان بذل الغابن الغبن، و ذلك لان اللازم من الغبن و المترتب عليه انما هو اما هو الخيار بين الإمساك مجانا أو الرد، لا التفاوت بين الثمن و القيمة الموجب للغبن سواء بذله الغابن أم لا و هذا هو الذي ادعى عليه الإجماع، فكيف يتردد مع بذل الغابن الغبن، مع انه ليس بما يترتب على الغبن و انما يترتب عليه مجرد الخيار- منه (رحمه الله).
44
و بالجملة فأصالة العدم أقوى مستند في المقام حتى يقوم دليل على خلاف ذلك و لو جهل الخيار أو الفورية فالظاهر أنه لا خلاف في العذر الى ان يعلم ذلك.
الخامس- خيار التأخير
اى تأخير إقباض الثمن أو المثمن عن ثلاثة أيام، فلو باع و لم يقبض الثمن و لا سلم المبيع و لا اشتراط تأخير الثمن، فالبيع لازم ثلاثة أيام، فإن جاء المشترى بالثمن فيها، و الا كان البائع أولى بالمبيع، و الأصل فيه بعد الإجماع الأخبار الواردة عن أهل العصمة (عليهم السلام).
و منها ما رواه
الشيخ في الصحيح (1) عن على بن يقطين «انه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع، و لا يقبضه صاحبه و لا يقبض الثمن قال: الأجل بينهما ثلاثة أيام، فإن قبض بيعه، و الا فلا بيع بينهما».
و عن إسحاق بن عمار (2) عن عبد صالح (عليه السلام) قال: «من اشترى بيعا فمضت ثلاثة أيام، و لم يجيء فلا بيع له».
و رواه في الفقيه بطريقه إلى إسحاق ابن عمار مثله.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: «اشتريت محملا، و أعطيت بعض ثمنه، و تركته عند صاحبه ثم احتبست أياما ثم جئت الى بائع المحمل لأخذه فقال: قد بعته فضحكت ثم قلت: لا و الله لا أدعك أو أقاضيك فقال لي: أ ترضى بأبي بكر بن عياش؟ قلت: نعم فأتيناه فقصصنا عليه قصتنا، فقال أبو بكر: بقول من تحب أن أقضي بينكما بقول صاحبك أو غيره؟ قال: قلت:
بقول صاحبي قال: سمعته يقول: من اشترى شيئا فجاء بالثمن ما بينه و بين ثلاثة أيام و الا فلا بيع له».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 22 الرقم 9.
(2) التهذيب ج 7 ص 22 الرقم 8.
(3) التهذيب ج 7 ص 21 الرقم 7 الكافي ج 5- ص 172.
45
و ما رواه-
في الفقيه (1) في الصحيح عن جميل عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: «قلت له: الرجل يشترى من الرجل المتاع ثم يدعه عنده، فيقول: حتى آتيك بثمنه؟ قال: ان جاء بثمنه فيما بينه و بين ثلاثة أيام، و الا فلا بيع له».
و رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة مثله:
و رواه في التهذيب بسند فيه على بن حديد عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) مثله، و طعن في هذه الرواية المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد بوجود على بن حديد بناء على نقله لها عن التهذيب، و غفل عن مراجعة الكتابين الآخرين ثم اعتذر عن ضعفها بما هو أضعف، من اصطلاحه الذي بنا عليه.
و أما ما رواه
الشيخ بسند معتبر عن على بن يقطين (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية و قال: أجيئك بالثمن، فقال: ان جاء فيما بينه و بين شهر، و الا فلا بيع له» (3).
فهو غير معمول عليه عند الأصحاب، و لا قائل به، و ربما حمل على استحباب الصبر له، و عدم الفسخ الى مضى المدة المذكورة.
و تحقيق البحث في المقام و بيان ما فيه من الأحكام يقع في مواضع:
الأول [شروط هذا الخيار]
هذا الخيار مشروط عند الأصحاب بشروط ثلاثة، أحدها- عدم قبض الثمن، و الثاني- عدم قبض المبيع، و الثالث عدم اشتراط التأجيل في الثمن و المثمن و بعض كل منهما و لو ساعة، و الثلاثة ظاهرة من الأخبار المذكورة و قبض بعض من كل منهما كلا قبض، مجتمعا و منفردا لصدق عدم قبض الثمن و اقباض المثمن الذي دلت عليه الروايات.
و لو قبض الجميع أو اقبض فلا خيار لاختلال أحد الشروط المتقدمة، و هو
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 127 الكافي ج 5 ص 171 التهذيب ج 7 ص 21 الرقم 5.
(2) التهذيب ج 7 ص 80 الرقم 56.
(3) ظاهر الصدوق في المقنع القول بالخبر المذكور حيث قال: «إذا- اشترى رجل من رجل جارية و قال: أجيئك بالثمن فان جاء فيما بينه و بين شهر و الا فلا بيع له» منه (رحمه الله).
46
الأول (1) على الأول، و الثاني على الثاني، و شرط القبض المانع من الخيار كونه باذن المالك، فلا أثر لما يقع بدونه، و كذا لا أثر لما لو ظهر مستحقا لغير المالك أو بعضه.
الثاني [عدم سقوط هذا الخيار بمطالبة البائع بالثمن بعد الثلاثة]
- قد صرحوا بأنه لا يسقط هذا الخيار بمطالبة البائع بالثمن بعد الثلاثة، و ان كان قرينة الرضا بالعقد، مستندين في ذلك الى الاستصحاب، و هو جيد، بناء على أصولهم من حجية مثل هذا الاستصحاب و قد تقدم الكلام فيه في مقدمات الكتاب.
و من ظاهر اتفاقهم على توقف بطلان العقد و انفكاكه على الفسخ فيما لم يختر الفسخ بعد الثلاثة، فإن البيع باق و له المطالبة بالثمن، و ان المطالبة لا يستلزم زوال خياره و ان كانت مؤذنة بالرضا بالعقد.
و أنت خبير بان المفهوم من ظواهر الأخبار المذكورة هو انفساخ البيع من نفسه بعد مضي الثلاثة، من غير توقف على فسخ لقوله (عليه السلام) في الاخبار المتقدمة، و الا فلا بيع له و مقتضاه بطلان البيع بعد الثلاثة إذا لم يحصل قبض الثمن أو المثمن في ضمن تلك الثلاثة، لا أنه يبقى البيع، و كذا الخيار.
بل ظاهر الاخبار أنه لا خيار هنا بالكلية، فإن غاية ما تدل عليه الاخبار هو أن البيع مع عدم القبض و الإقباض و عدم اشتراط التأجيل صحيح، و لزومه مراعى بهذه الثلاثة، فإن حصل القبض و الإقباض أو أحدهما فيها لزم البيع، و الا بطل من أصله
____________
(1) و هو الأول أي الشرط الأول بناء على الفرض الأول هنا و هو قولنا قبض الجميع، و الثاني أي اختلال الشرط الثاني على الفرض الثاني هنا، و هو قولنا أو أقبض- منه (رحمه الله).
47
و أما أن البيع بعد الثلاثة باق و البائع مخير في الفسخ أو الصبر الى أن يأتي المشتري بالثمن، فلا دلالة في الاخبار عليه بوجه كما لا يخفى على المتأمل في سياقها.
و قد نقل القول بالبطلان هنا عن ظاهر ابن الجنيد و الشيخ، و به اعترف العلامة في المختلف، و ان أجاب بما لا يجدى نفعا قال في الكتاب المذكور: قال ابن الجنيد (رحمة الله عليه): إذا خرجت الثلاثة و لم يأت بالثمن فلا بيع.
و في المبسوط روى أصحابنا إذا اشترى شيئا بعينه بثمن معلوم، و قال للبائع أجيئك بالثمن و مضى فان جاء في مدة الثلاثة كان المبيع له، و ان لم يجيء في هذه المدة بطل البيع.
و ظاهر هذه العبارة يوهم بطلان البيع بعد مضى الثلاثة.
و الذي نص عليه المفيد و الشيخ في النهاية انه يكون للبائع الخيار ان شاء فسخ البيع، و ان شاء طالب بالثمن، و هو الحق، لنا الأصل بقاء صحة العقد. و الاخبار تعطي الذي قاله الشيخ أولا و ابن الجنيد، ثم نقل صحيحة زرارة المتقدمة و صحيحة على بن يقطين، ثم قال: و الجواب الحمل على انه لا بيع لازم له.
أقول: فيه ان ما ذكره من التأويل مع تعسفه و بعده يتوقف على وجود المعارض و لا معارض هنا الا ما يدعيه من ان الأصل بقاء صحة العقد، و هو أصل غير متأصل (1)
____________
(1) أقول: فإن فرض عدم لزومه في الثلاثة باعتبار تطرق البطلان عليه من جهة عدم التقابض، و انما يلزم و تصير بيعا مانعا من الرجوع بذلك، و عدم اللزوم بعد الثلاثة باعتبار الخيار الذي للبائع كما يدعونه فإنه مسلط على الفسخ فالحالان مشتركان في عدم لزوم البيع و تمامه و ان اختلف الوجه في كل منهما.
و أما قولهم ان البيع لازم ثلاثة أيام فإنما يريدون به من حيث عدم الخيار في ضمن ثلاثة أيام، فلو لم يحصل بطل على أحد القولين، و صار غير لازم من جهة الخيار على القول المشهور،- منه (رحمه الله).
48
و كيف يكون الأصل بقاؤه مع تصريح الأخبار بأنه لا بيع بعد مضي الثلاثة، و كيف يختص النفي باللزوم كما ادعاه مع انه في ضمن الثلاثة كذلك، لان لزومه مراعى بحصول التقابض في ضمن الثلاثة منهما أو قبض أحدهما، و ان اختلف وجه عدم اللزوم في الحالين.
و بالجملة فان الحق هو ما ذهب اليه ابن الجنيد و الشيخ هنا كما هو ظاهر الاخبار المذكورة و الله العالم.
الثالث- لو بذل المشترى الثمن بعد الثلاثة
، قيل، يحتمل سقوط الخيار:
و هو الذي قطع به العلامة في كتبه، محتجا بزوال المقتضى لثبوته، و هو الضرر بالتأخير.
و قيل: يحتمل بقاؤه، عملا بالاستصحاب، و زوال مقتضيه بعد ثبوته لم يؤثر في نظائره.
أقول و الأظهر- بناء على ما قدمنا تحقيقه من بطلان البيع بعد الثلاثة- أن لا ثمرة لهذا الفرع بالكلية، حتى يترتب عليه هذان الاحتمالان، و مع الإغماض عما ذكرنا و الجري على مقتضى كلامهم في هذا المقام، فإن الأقوى ما ذهب إليه العلامة، لأن التمسك بهذا الاستصحاب الذي يكررونه في هذه الأبواب غير مجد نفعا كما حققنا في مقدمات الكتاب (1).
الرابع [لو تلف المبيع بعد الثلاثة]
- الظاهر أنه لا خلاف في أنه لو تلف المبيع بعد الثلاثة، فإنه من مال البائع لما تقرر من القاعدة من أنه متى تلف قبل القبض فهو من مال البائع.
و يعضده ظواهر الأخبار المتقدمة الدالة على أنه بعد الثلاثة لا بيع له، و سيما على ما اخترناه من بطلان البيع بعد الثلاثة فإنه من مال بائعه، إنما الخلاف فيما لو هلك في الثلاثة، فالمشهور أنه كذلك.
____________
(1) ج 1 ص 51.
49
و قال المفيد: يكون التلف من المشترى، و هو مذهب المرتضى (رضى الله عنه) و سلار و جمع ممن تبعهم، و عن ابن حمزة أنه ان عرض البائع تسليمه على المشترى و لم يتسلمه فهو من مال المشترى، و الا فمن البائع. و هو ظاهر أبى الصلاح حيث قال:
فان كان تأخيره من قبل المبتاع فهلاكه و نقصه من ماله.
و أورد على القول المذكور بان العرض على البائع لا يقوم مقام القبض الا ان يمتنع المشترى من القبض، و لا يرضى به البائع ببقائه في يده، و حينئذ فلا فرق بين التلف في الثلاثة أو بعدها في كونه من المشترى، بل يخرج على هذا الفرض عن محل المسألة، و هذا المعنى أقرب في عبارة أبي الصلاح.
و يدل على القول المشهور رواية
عقبة بن خالد المروية في الكافي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في رجل اشترى متاعا من رجل و أوجبه غير أنه ترك المتاع عنده و لم يقبضه قال: آتيك غدا ان شاء الله تعالى فسرق المتاع من مال من يكون؟ قال:
من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع، و يخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد اليه ماله».
و نقل بعض المحققين (2) انه
روى عنه (صلى الله عليه و آله) (3) «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه».
، و لم أقف عليها فيما وصل إلينا من الاخبار.
و يؤيده أيضا دخوله تحت القاعدة المتقدمة، لأنه يصدق عليه أنه تلف قبل القبض و هذه الرواية من أدلة هذه القاعدة، و ظاهرها أنه مضمون على البائع ما دام لم يقبضه المشترى، و يخرجه من بيته في الثلاثة و بعد الثلاثة.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 172 الوسائل الباب- 10- من أبواب الخيار الرقم- 1.
(2) هو المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد و نقله في موضع آخر عن العلامة في التذكرة- منه (رحمه الله).
(3) المستدرك ج 2 ص 473.
50
و عن المفيد التعليل لما ذهب إليه بأن المبيع انتقل اليه، فيكون ضمانه عليه، و التأخير لمصلحته، و أجاب في المختلف بالمنع من الملازمة، و نفى البأس عن قول ابن حمزة، و ظاهر أبى الصلاح، مع اختياره القول المشهور، و قد عرفت ما فيه.
و بالجملة فالظاهر هو القول المشهور لما عرفت و الله العالم.
الخامس [لو قبض المبيع و تعذر الثمن]
- قد عرفت سابقا أنه لو قبض البائع الثمن أو المشتري المبيع فإنه لا خيار، و نقل في الدروس عن الشيخ بأن له قولا بأنه لو قبض المبيع و تعذر الثمن فإن للبائع الفسخ، ثم قال: و فيه قوة.
قال في المسالك: «و كان مستنده خبر الضرار، إذ لا نص فيه بخصوصه، و ليس ببعيد، الا أن التمسك بلزوم العقد و وجوب الوفاء به أقوى، و أخذه مقاصة لدفع الضرر ان تمكن من أخذ العين، و الا فلا يدفع بالفسخ انتهى و هو جيد.
السادس [لو قبضه المشترى ثم تلف]
- قال في المختلف: لو قبضه المشترى ثم تلف، فان كان في مدة الثلاثة كان من مال المشترى دون البائع، و ان هلك بعدها فكلام الشيخ يشعر بأنه من مال البائع.
و احتج بان له الخيار بعد انقضاء الثلاثة، لأن عبارته هكذا إذا باع الإنسان شيئا و لم يقبض المتاع و لا قبض الثمن و مضى المبتاع، فان العقد موقوف ثلاثة أيام، فإن جاء المبتاع في مدة ثلاثة أيام كان المبيع له، و ان مضى ثلاثة أيام كان البائع أولى بالمتاع، فان هلك المتاع في هذه الثلاثة أيام و لم يكن قبضه إياه كان من مال البائع دون مال المبتاع، و ان كان قبضه إياه ثم هلك في مدة الثلاثة كان من مال المبتاع دون مال البائع، و ان هلك بعد الثلاثة أيام كان من مال البائع على كل حال. و فيه نظر إذ مع القبض يلزم البيع. انتهى.
و هو جيد الا أن من المحتمل- و ان بعد بالنسبة إلى سياق العبارة المذكورة الا انه غير بعيد بالنسبة الى طريقة الشيخ في التعبير، و هو الموافق للقواعد،
51
إذ يبعد من الشيخ كل البعد ارادة ما دلت عليه العبارة بظاهرها- أن يكون قوله أخيرا «و ان هلك بعد الثلاثة أيام» انما هو بالنسبة إلى صورة عدم القبض، فيكون قسيما لقوله فان هلك المتاع في هذه الثلاثة، و لم يكن قبضه إياه كان من مال البائع دون مال المبتاع، و ان هلك بعدها كان من مال البائع على كل حال. يعنى أنه أولى بأن يكون من مال البائع لمضي الثلاثة القاطعة لتعلق المشترى به بخلاف ما إذا كان في ضمن الثلاثة التي هو فيها مال المشترى، و يكون جملة و ان كان قبضه إياه ثم هلك الى آخره متوسطة بين الجملتين المتعاطفتين.
السابع [حمل قوله «ما لا يفسد» على ما هو أعم من الحيوان]
قال في المختلف أيضا لم يفرق الشيخان و أتباعهما بين الحيوان و غيره في التربص ثلاثة أيام، و قال في المقنع إذا اشترى رجل من رجل جارية فقال أجيئك بالثمن، فان جاء فيما بينه و بين شهر و الا فلا بيع له، و إذا اشترى ما يفسد من يومه كالبقول فان جاء ما بينه و بين الليل و الا فلا بيع له، و إذا اشترى ما لا يفسد من يومه فان جاء فيما بينه و بين ثلاثة أيام و الا فلا بيع له. انتهى.
ليس في كلام المقنع (رحمه الله) هنا ما يدل على مخالفة الأصحاب في هذه المسألة بالنسبة إلى الحيوان، لان قوله «و إذا اشترى ما لا يفسد» الى آخره شامل للحيوان و غيره و قوله «إذا اشترى رجل جارية» الى آخره لا يدل على أن هذا خيار الحيوان بجميع أفراده بأن يحمل ذكر الجارية على التمثيل.
و انما هذا فتوى برواية على بن يقطين (1) المتقدمة المشتملة على هذا الحكم المخصوص بالجارية إذ يبعد منه (رحمه الله) اطراح اخبار الثلاثة الواردة في خيار الحيوان (2) مع تعددها و صحتها، و الاقتصار على هذا الخبر الشاذ النادر مع عدم ظهوره في العموم.
____________
(1) التهذيب ج- 7- ص 80 الرقم 56.
(2) التهذيب ج- 7 ص 24.
52
فالظاهر ان هذا الحكم الذي ذكره مخصوص بالجارية كما هو مورد الخبر المشار اليه، و ربما كان منشأ التوهم عدم ذكر خيار الحيوان في هذا المقام و الكتاب لا يحضرني الآن.
و بالجملة فالأظهر حمل كلامه على ما ذكرنا تحاشيا عن خروجه عن مقتضى الأخبار الواردة في خيار الحيوان، و انه ثلاثة أيام للمشتري، أو مع البائع على الخلاف المتقدم.
و يعضد ما قلناه أنه في الفقيه روى موثقة الحسن بن على بن فضال (1) المتقدمة في روايات خيار الحيوان الدالة على أنه ثلاثة أيام، و مع هذا قال في الكتاب المذكور: و من اشترى جارية و قال للبائع أجيئك بالثمن فان جاء فيما بينه و بين شهر و الا فلا بيع له، و العهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول و البطيخ و الفواكه يوم الى الليل. انتهى.
و حينئذ فالظاهر حمل قوله «ما لا يفسد» على ما هو أعم من الحيوان و غيره، ليوافق فتوى الأصحاب.
نعم- يخرج من ذلك حكم الجارية بناء على عمله بخبر على بن يقطين (2) المشار اليه و قد تقدم.
السادس- خيار ما يفسد ليومه
و الأصل في هذا النوع من الخيار ما رواه
في الكافي و التهذيب عن أبي حمزة (3) أو غيره عمن ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) و أبى الحسن (عليهما السلام) «في الرجل يشتري الشيء الذي يفسد من يومه، و يتركه حتى يأتيه بالثمن؟ قال: فان جاء فيما بينه و بين الليل بالثمن و الا فلا بيع له».
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 127 الرقم 7 الوسائل الباب- 3- من أبواب الخيار الرقم- 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 80 الرقم 56.
(3) التهذيب ج 7 ص 25 الرقم 25 الوسائل الباب- 9- من أبواب الخيار.
53
و نقل في الوسائل عن الصدوق أنه روى بإسناده
عن ابن فضال عن ابن رباط (1) عن زرارة عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث «قال العهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول و البطيخ و الفواكه يوم الى الليل».
أقول:
روى في التهذيب عن الحسين بن سعيد عن ابن فضال (2) و في الفقيه عن ابن فضال عن ابن رباط عمن رواه عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ان حدث بالحيوان حدث قبل ثلاثة أيام فهو من مال البائع».
و زاد في الفقيه «و من اشترى جارية و قال للبائع أجيئك بالثمن فان جاء فيما بينه و بين شهر و الا فلا بيع له، و العهدة فيما يفسده من يومه».
الى آخر ما تقدم.
و الظاهر أن هذه الزيادة إنما من كلامه الذي يدخله بين الاخبار، و هو إشارة الى ما تضمنه مرسلة ابن أبي حمزة (3) المذكورة و رواية على بن يقطين (4) المتقدمة كما أشرنا إليه آنفا، لا أنه من متن الرواية المذكورة.
و كيف كان فإن الرواية المذكورة لا تخلو عن الإشكال بالنسبة الى ما يترتب على هذا الخيار، و ذلك لان الظاهر أن الخيار انما شرع لدفع الضرر، و إذا توقف ثبوته على دخول الليل مع كون الفساد يحصل في يومه، و لا يندفع به الضرر و انما يندفع بالفسخ قبل الفساد.
و في الدروس عنونه بما يفسده المبيت، و هو جيد، الا أن فيه خروجا عن النص و لعله لتلافيه بخبر الضرار، و استقرب تعديته الى كل ما يتسارع اليه الفساد عند خوفه.
____________
(1) الوسائل الباب 11- من أبواب الخيار.
(2) التهذيب ج 7 ص 67 الفقيه ج 3 ص 127 الرقم- 7.
(3) التهذيب ج 7 ص 25 الرقم 25.
(4) التهذيب ج 7 ص 80 الرقم 56.
54
و لا يتقيد بالليل (1) و اكتفى في الفساد بنقص الوصف و فوات الرغبة كما في الخضروات.
و اللحم و العنب و كثير من الفواكه، و استشكل فيما لو التلزم التأخير فوات السوق فعلى هذا لو كان مما يفسده في يومين تأخر الخيار عن الليل الى حين خوفه.
و هذا كله و ان كان متجها في حد ذاته الا انه خارج عن مدلول النص الوارد في هذا الحكم- كما عرفت- الا ان خبر الضرار (2) يفيده في الجميع.
تنبيهات
الأول [هذا الخيار فرد من افراد خيار التأخير]
- الظاهر ان هذا الخيار فرد من افراد خيار التأخير كما يشير اليه كلام العلامة في التذكرة حيث ذكره في مسألة من مسائل خيار التأخير، فكأنه قال: خيار التأخير فيما لا يفسد إلى ثلاثة أيام، و فيما يفسد في يومه الى الليل، و الى ذلك يشير أيضا عبارة المقنع المتقدمة.
____________
(1) قال المحقق الشيخ على في شرح القواعد و الذي ينبغي ان يعرف- ان لزوم البيع هيهنا الى حين خوف الفساد بحسب العادة المستمرة و قرائن الأحوال الموجودة بحيث ان يتربص به زيادة فسد، لأنه ينبغي لزوم البيع، مدة بقائه، ثم حين الشروع في الفساد يثبت الخيار كما توهمه كثير من العبارات لان الخيار حينئذ مما لا فائدة فيه لتحقق الضرر، و ليس في النص ما ينافي شيئا من ذلك- مردود بأنه كيف لا ينافي ما ذكره، و هو قد اشتمل على السؤال مما يفسد في يومه، و الخيار بناء على ما يدعونه انما يناط بدخول الليل و هو ظاهر- منه (قدس سره).
(2) الوسائل الباب 17 من أبواب الخيار.
55
و يعضده ظاهر كلامهم هنا من حيث عدم القبض و الإقباض، كما في خيار التأخير المتقدم، و هو ظاهر النص الوارد في المسألة أيضا، فحينئذ فعده قسما برأسه ليس مما ينبغي.
الثاني [تخيير البائع بعد مضي اليوم بين الصبر و الفسخ]
- ان مقتضى كلامهم أنه بعد مضى اليوم يتخير البائع بين الصبر و ان فسد، فأخذ الثمن من المشترى، و بين الفسخ و بيعه، أو يتصرف فيه بأي نحو أراد، و لا يرجع الى المشترى، بنحو ما قالوه في الخيار بعد الثلاثة و المفهوم من الرواية المتقدمة- هنا إنما هو ما ذكرناه- في روايات خيار التأخير ثلاثة أيام- من بطلان البيع حيث ان العبارة في الموضعين واحدة، إذ مؤدى (لا بيع له) هو البطلان، لا ثبوت الخيار، و هو يرجع الى ما قدمنا تحقيقه من أنه ليس هنا خيار بالكلية.
و انما غاية ما يدل عليه الخبر المذكور هنا- كالاخبار في تلك المسألة- أنه يبقى البيع مراعى بمضي المدة المذكورة، فإن قبضه المشترى فيها أو أقبض الثمن صح البيع و الابطل من أصله.
هذا هو ظاهر الاخبار المشار إليها كما عرفت.
و حاصل الخبر هنا أنه يجب على البائع الصبر إلى أول دخول الليل، فان أتى المشتري بالثمن فهو له، فسد أو لم يفسد، و الا بطل البيع كذلك.
هذا ظاهر الخبر المذكور، و وجه الاشكال فيه وجوب الصبر المدة المذكورة و ان تضرر بفساد المبيع فيها، و يمكن التفصي عنه بان رضاه بذلك مع علمه بالحكم الشرعي، و قدومه على البيع و الحال هذه بدفع الاشكال المذكور.
الثالث [اشتراط عدم التقابض]
- قد عرفت سابقا ان ظاهر كلام الأصحاب- و هو ظاهر الخبر الوارد في هذه المسألة- أن الشرط هنا عدم التقابض، لا من الطرفين، و لا من أحدهما، و حينئذ فلو قبض المشتري السلعة، و لم يقض البائع الثمن، فان البيع يكون لازما، و لا يقدر بالمدة المذكورة و كذا بالعكس، و لو قبض بعض الثمن أو سلم بعض المبيع فكالعدم، لصدق عدم
56
قبض الثمن، و عدم قبض المبيع المترتب عليهما الحكم المتقدم في الخبر، و في كلام الأصحاب و الله العالم.
السابع خيار الرؤية
و هو ثابت لمن لم ير، إذا باع أو اشترى بالوصف، ثم ظهر مخالفا، فان كانت المخالفة بظهور الزيادة على الوصف تخير البائع، و ان كانت بالنقص عنه تخير المشترى، و الأصل فيه- أيضا مضافا الى الاتفاق- هو اشتراط الرؤية أولا في صحة البيع و لزومه، كما يدل عليه ما رواه
في الكافي (1) عن عبد الأعلى بن أعين قال: «نبئت عن ابى جعفر (عليه السلام) انه كره بيعين اطرح و خذ على غير تقليب، و شراء ما لم ير» (2).
و روى في التهذيب (3) قال: نبئت عن ابى جعفر- (عليه السلام)- انه يكره شراء ما لم ير.
و الكراهة هنا بمعنى التحريم كما وقع مثله كثيرا في الاخبار، بل هو الأغلب الأكثر فيها.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 154 الوسائل الباب 18 من أبواب الخيار الرقم- 1.
(2) قال بعض مشايخنا المحققين من متأخر المتأخرين قوله (عليه السلام) (اطرح و خذ) أى يقول البائع للمشتري اطرح الثمن، و خذ المتاع من غير أن يكون المشترى قلب المتاع و اختبره.
و الفرق بينه و بين الثاني أنه في الثاني لم ير أصلا، و في الأول رأى من بعيد و لم يختبره، أو يقول المشترى اطرح المتاع، و خذ الثمن الذي أعطيك، فيكون الفساد لجهالة الثمن، و في الثاني لجهالة المبيع، و على التقديرين لا بد من تقيده بعدم الوصف الرافع للجهالة. و الله العالم. منه (قدس سره).
(3) التهذيب ج 7 ص 9 الرقم- 30.
57
و ثانيا ما رواه
الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن جميل بن دراج قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى ضيعة و قد كان يدخلها و يخرج منها فلما ان نقد المال صار الى الضيعة «ففتشها» (2) ثم رجع فاستقال صاحبه فلم يقله فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لو قلبها و نظر منها الى تسع و تسعين قطعة ثم بقي منها قطعة لم يرها لكان له في ذلك خيار الرؤية».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن زيد الشحام (3) قال: «سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى سهام القصابين من قبل أن يخرج السهم فقال: لا يشترى شيئا حتى يعلم أين يخرج السهم، فان اشترى شيئا فهو بالخيار إذا خرج».
و توضيح معنى هذا الخبر ما رواه
الشيخان المذكوران في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن منهال القصاب (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
اشترى الغنم، أو يشترى الغنم جماعة ثم ندخل دارا ثم يقوم رجل على الباب فيعد واحدا و اثنين و ثلاثة و أربعة و خمسا ثم يخرج السهم قال: لا يصلح هذا، انما يصلح السهام إذا عدلت القسمة.
و المراد منه أنه إذا اشترى عشرة مثلا، مائة من الغنم، فيدخل بيتا فيخرج من الغنم كيف ما اتفق، فإذا بلغ المخرج خمسة مثلا اخرج اسم رجل، فمن خرج اسمه يعطيه هذه الخمسة، فلم يجوزه- (عليه السلام)- للغرر و عدم تحقق شرائط القسمة، إذ من شروطها تعديل السهام أولا، فربما وقع في سهم بعضهم كلها سمانا و في سهم الأخر هزالا.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 171.
(2) التهذيب ج 7 ص 200 الرقم 29 و فيها (فقلبها) بدل (ففتشها).
(3) الكافي ج 5 ص 223 الرقم- 3 التهذيب ج 7 ص 79 الرقم 54.
(4) التهذيب ج 7 ص 79 الرقم 53 الكافي ج 5 ص 223.
58
و من أجل هذا انه لو اشترى و الحال هذه فان له الخيار كما صرح به في صحيح الشحام (1) «إذا خرج الردى في ذلك السهم».
و أما إذا أمكن القسمة بعد تعديل السهام، فإنه لا مانع لأنه يشتري متاعا فان اقتسموا بالتعديل فلا خيار، و الا فإن خرج في سهمه الردى كان له الخيار في القسمة، فالمتاع في صحيح الشحام مبنى على ما هو دأبهم من شرائهم مجهولا غير معدل، كما يشير اليه قوله في رواية منهال انما يصلح السهام إذا عدلت القسمة.
و كيف كان فمورد الخبرين المذكورين انما هو المشترى، و المدعى- كما هو المتفق عليه بينهم- ثبوت ذلك- أيضا- للبائع الا ان يجبر ذلك بخبر الضرار (2) و ربما احتمل بعض الأصحاب في صحيحة جميل أن يكون التفتيض من البائع بأن يكون البائع باعه بوصف المشترى، و حينئذ فيكون الجواب عاما بالنسبة إليهما على تقدير هذا الاحتمال، الا أن الظاهر بعده غاية البعد عن سياق الخبر المذكور، و مع تسليمه فثبوت كون الجواب عاما- أيضا- محل خفاء و اشكال.
و بالجملة فالظاهر ان مستند العموم انما هو خبر الضرار المجبور باتفاق الأصحاب على الحكم المذكور، قالوا: و لا بد في هذا النوع من الخيار من ذكر الجنس و الوصف الرافعين للجهالة، و ضابط ذلك أن كل وصف يتفاوت الرغبات بثبوته و التفائه، و يتفاوت به القيمة تفاوتا ظاهرا لا يتسامح بمثاله، فإنه يجب ذكره، فلا بد من استقصاء صفات السلم كلها كما صرح به العلامة في التذكرة.
فروع
الأول:
لو وصف بها فوقع البيع و الشراء بوصف الغير ثم ظهر الزيادة و النقصان من جهتين تخيرا معا، و يقدم قول الفاسخ كما تقدم بيانه.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 79 الرقم- 54.
(2) الوسائل الباب 17- من أبواب الخيار الرقم 3- 4.
59
الثاني:
قال في الدروس: و لو شرطا دفعة فالظاهر بطلان العقد، للغرر، أقول:
و الوجه فيه ان الوصف قائم مقام الرؤية، فإذا شرط عدم الاعتداد به كان المبيع غير مرئي و لا موصوف، و يلزم من ذلك الغرر المنهي عنه المبطل للبيع، و الظاهر انه لا خلاف بينهم في صحة إسقاط خيار المجلس و الحيوان و العيب، و أما خيار الغبن و التأخير ففيهما احتمال و الصحة أظهر، و أما خيار الرؤية فالحكم فيه ما عرفت.
الثالث:
ظاهر كلام أكثر الأصحاب اشتراط الفورية في هذا الخيار.
الرابع:
قال في الدروس: لو شرط البائع إبداله ان لم يظهر على الوصف فالأقرب الفساد، أقول: ظاهر كلامه أن الحكم بالفساد أعم من ان يظهر على الوصف أم لا، و فيه انه لا موجب للفساد (1) مع ظهوره على الوصف المشروط، و مجرد شرط البائع الإبدال مع عدم الظهور على الوصف لا يصلح سببا في الفساد لعموم الأخبار المتقدمة.
نعم لو ظهر مخالفا فإنه يكون فاسدا من حيث المخالفة، و لا يجبره هذا الشرط لإطلاق الاخبار في الخيار، و الأظهر رجوع الحكم بالفساد في العبارة إلى الشرط المذكور، حيث لا تأثير له مع الظهور و عدمه.
و بالجملة فإني لا اعرف للحكم بفساد العقد في الصورة المذكورة على الإطلاق وجها يحمل عليه، و الله العالم.
الخامس:
لو اشترى برؤية قديمة تخير أيضا لو ظهر بخلاف ما رآه، و كذا من طرف البائع، الا ان هذا ليس من افراد هذا الخيار الذي هو محل البحث، لانه مقصور على ما لم ير، حيث اشترط فيه الوصف عوضا عن الرؤية، و لا يشترط وصف ما سبقت رؤيته، و انما يباع و يشترى بالرؤية السابقة، غاية الأمر انه إذا ظهر بخلاف ذلك، لطول المدة أو عروض عارض أو نحو ذلك تخير، بايعا كان أو مشتريا.
____________
(1) أقول موجب الفساد على ما هو الظاهر ان الشرط المذكور لما كان مخالفا للسنة- فاسدة- و اقتضى فساد العقد قضاء للشرطية- منه (رحمه الله).
60
«الثامن خيار العيب»
و ضابطه في الحيوان كلما زاد عن أصل الخلقة أو نقص و زاد بعضهم عينا كان كالإصبع الزائدة أو الناقصة، أو صفة كالحمي و لو يوما بأن يشتريه فيجده محموما أو يحم قبل القبض.
أقول: و يدل على الأول ما رواه
في الكافي عن أحمد بن محمد السياري (1) قال: «روى عن ابن أبى ليلى أنه قدم اليه رجل خصما له فقال: ان هذا باعني هذه الجارية فلم أجد على ركبها حين كشفتها شعرا و زعمت أنه لم يكن لها قط قال: فقال له ابن أبى ليلى: ان الناس ليحتالون لهذا بالحيل حتى يذهبوا به فما الذي كرهت؟ فقال: أيها القاضي ان كان عيبا فاقض لي به. فقال: اصبر حتى أخرج إليك فإني أجد أذى في بطني ثم دخل و خرج من باب آخر حتى أتى محمد بن مسلم الثقفي فقال له أي شيء تروون عن أبى جعفر (عليه السلام) في المرأة لا يكون على ركبها شعرا يكون ذلك عيبا».
فقال له محمد بن مسلم: أما هذا نصا فلا أعرفه، و لكن حدثني أبو جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) «أنه قال: كلما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب، فقال له ابن أبى ليلى: حسبك ثم رجع الى القوم فقضى لهم بالعيب».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 65 الرقم- 26 الكافي ج 5 ص 215 الوسائل الباب- 1- من أبواب العيوب الرقم- 1.
61
و على الثاني في الجملة ما رواه
في الكافي عن داود بن فرقد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية مدركة فلم تحض عنده حتى مضى لها ستة أشهر و ليس بها حمل، قال: ان كان مثلها تحيض و لم يكن ذلك من كبر، فهذا عيب ترد منه».
و رواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن محبوب.
و للمشتري الخيار بين الرد و القبول مع الأرش في صورة الجهل بالعيب عند الشراء، و يسقط الرد خاصة دون الأرش بالتصرف في المبيع، سواء كان قبل علمه بالعيب أم بعده، و سواء كان التصرف ناقلا للملك أم لا، مغير اللعين أم لا.
و نقل عن ابن حمزة أنه إذا تصرف المشترى بعد العلم بالعيب سقط الرد و الأرش معا، و هو مردود بالاخبار الاتية، و كذا يسقط الرد خاصة دون الأرش بحدوث عيب بعد القبض، فإنه مانع من الرد بالعيب السابق، و يسقطان معا بالعلم بالعيب قبل العقد، فان قدومه عليه عالما به رضى بالعيب.
و كذا يسقطان بالرضا به بعده، و في حكمه إسقاط الخيار و كذا يسقطان ببراءة البائع من العيوب، و الأصل في بعض هذه الأحكام الاخبار الجارية في هذا المضمار.
و منها ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح أو الحسن عن جميل (2) عن بعض أصحابنا عن أحدهما- (عليهما السلام) «في الرجل يشترى الثوب من الرجل أو المتاع فيجد به عيبا، قال: ان كان الثوب قائما بعينه رده على صاحبه و أخذ الثمن، و ان كان خاط الثوب أو صبغه أو قطعه رجع بنقصان العيب».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) عن زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام)
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 65 الفقيه ج 3- 285 الكافي ج 5 ص 213.
(2) الفقيه ص 136 الرقم 33 الكافي ج 54 ص 207 مع اختلاف يسير، التهذيب ج 7 ص 60 الرقم 2.
(3) الكافي ج 5 ص 207 الرقم 3 التهذيب ج 7 ص 60 الرقم 1.
62
قال: «أيما رجل اشترى شيئا و به عيب أو عواز لم يتبرأ إليه منه و لم يبرأ به و أحدث فيه بعد ما قبضه شيئا و علم بذلك العور أو بذلك العيب انه يمضى عليه البيع و يرد عليه بقدر ما ينقص ذلك الداء و العيب من ثمن ذلك لو لم يكن به».
و ما رواه
في الكافي عن أبى صادق (1) قال: «دخل أمير المؤمنين (عليه السلام) و رواه الصدوق مرسلا قال دخل أمير المؤمنين (عليه السلام) سوق التمارين فإذا امرأة قائمة تبكي و هي تخاصم رجلا تمارا، فقال لها: مالك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين اشتريت من هذا تمرا بدرهم فخرج أسفله رديا و ليس مثل هذا الذي رأيت فقال له.
رد عليها، فأبى حتى قال له ثلاث مرات فأبى، فعلاه بالدرة حتى رد عليها، و كان (عليه السلام) يكره أن يجلل التمر.».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة عن ميسر بن عبد العزيز (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل اشترى زق زيت فوجد فيه درديا فقال: ان كان ممن يعلم ان ذلك يكون في الزيت لم يرده عليه، و ان لم يكن يعلم أن ذلك يكون في الازيت رده عليه».
و ما رواه
في التهذيب عن جعفر بن عيسى (3) قال: «كتبت الى أبى الحسن (ع) جعلت فداك المتاع يباع فيمن يزيد، فينادي عليه المنادي فإذا نادى عليه بريء من كل عيب فيه، فإذا اشتراه المشترى و رضيه، و لم يبق إلا نقده الثمن فربما زهده فإذا زهد فيه ادعى فيه عيوبا و أنه لم يعلم بها فيقول له المنادي: قد برئت منها، فيقول له المشترى: لم أسمع البراءة منها أ يصدق فلا يجب عليه الثمن، أم لا يصدق فيجب عليه الثمن؟ فكتب (عليه السلام): عليه الثمن».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 230 الفقيه ج 3 ص 172 الرقم 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 172 التهذيب ج 7- ص 66 الكافي ج 5 ص 229.
(3) التهذيب ج 7 ص 66 الرقم 29.
63
الا أن ظاهر الأصحاب عدم القول بهذه الرواية كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله تعالى. في فصل العيوب.
و ما رواه
في التهذيب أيضا- عن السكوني (1) عن جعفر عن أبيه (عليهم السلام) «أن عليا (عليه السلام) قضى في رجل اشترى من رجل عكة فيها سمن احتكرها حكرة فوجد فيها ربا فخاصمه الى علي (عليه السلام) فقال له علي (عليه السلام): لك بكيل الرب سمنا، فقال له الرجل: انما بعته منك حكرة، فقال له (عليه السلام)-: انما اشترى منك سمنا و لم يشتر منك ربا».
قال في الوافي و الحكر الجمع و الإمساك يقال: اشترى المتاع حكرة أي جملة.
انتهى، الى غير ذلك من الاخبار الاتية إنشاء الله في الفصل الذي في حكم العيوب، و قد تقدم في المباحث السابقة ما يدل على بعض هذه الأحكام ايضا.
و العجب من صاحب الكفاية هنا حيث قال: و لو تصرف المشترى سقط الرد دون الأرش للاخبار المتعددة، لكن الأخبار مختصة بمن اشترى جارية فوطأها ثم وجد بها عيبا. انتهى.
و كأنه لم يقف على هذه الاخبار التي قدمناها صريحة في الأرش مع التصرف في المبيع مطلقا جارية أو غيرها، الا ان عندي في المقام اشكالا، و هو ان المذكور في كلامهم انه مع ظهور العيب السابق قبل العقد أو القبض فللمشتري الخيار بين الرد و القبول مع الأرش، و الروايات المتقدمة خالية من ذكر الأرش، و انما المذكور فيها الرد، و الأرش إنما ذكر في صورة التصرف المانع من الرد، و مثلها الاخبار الاتية إنشاء الله تعالى- في شراء الجواري، و لم أقف على من تنبه لذلك و لا نبه عليه (2).
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 66 الرقم 30.
(2) أقول الى ما ذكرنا من الاشكال هنا أشار المحقق الأردبيلي في شرحه على الإرشاد إلا انا لم نقف عليه الا بعد تجاوز هذا المقام فاستثناه بعد ذلك فيما يأتي في مسألة الرد من احداث السنة في فصل العيوب فليتراجع منه (قدس سره).
64
و بالجملة فالدليل على التخيير المذكور غير ظاهر من الاخبار الا ان يكون الإجماع، لظهور اتفاقهم على الحكم المذكور.
نعم ذلك مذكور
في الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام) «فان خرج في السلعة عيب و علم المشترى، فالخيار اليه ان شاء رد و ان شاء أخذه أورد عليه بالقيمة مع أرش العيب».
و ظاهر العبارة التخيير بين الرد و بين أخذه من غير أرش أو أخذه مع الأرش و يحتمل أن لفظة (أو) غلط، و انما هو بالواو فيكون مخيرا بين الأول و الثالث.
و الظاهر أن هذه العبارة هي المستند في ذلك، في كلام المتقدمين و جرى عليه جملة المتأخرين كما في جملة من الأحكام التي أسلفنا ذكرها في غير مقام.
و أما باقي شقوق المسألة مما لا يظهر وجهه من هذه الاخبار، فيمكن استفادته من الرجوع الى القواعد المقررة و الضوابط المعتبرة.
و الأرش المذكور في الاخبار المتقدمة عبارة عن نسبة التفاوت بين قيمته صحيحا و قيمته معيبا، فيؤخذ من الثمن بتلك النسبة، لا تفاوت ما بين الصحيح و المعيب، لانه قد يحيط بالثمن أو يزيد عليه، فيلزم أخذه العوض و المعوض، كما إذا اشتراه بخمسين و قوم معيبا بها، و قوم صحيحا بمأة أو أزيد، و على اعتبار النسبة يرجع في المثال المذكور بخمسة و عشرين، و على هذا القياس.
و تمام تحقيق المسألة يأتي- إنشاء الله تعالى- في الفصل المعقود للعيب، و هذا ما وعدنا به آنفا من ذكر ثمانية من أفراد الخيار المذكورة في كلام أكثر الأصحاب، و زاد شيخنا في اللمعة ستة على هذه الثمانية بحيث يبلغ المجموع أربعة عشر، و انما أعرضنا عن ذكرها لعدم وجود النصوص على كثير من أحكامها و سيأتي- إنشاء الله- التعرض لذكرها كل في مقامه، و بيان ما يتعلق بنقضه و إبرامه.
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 474.
65
المقام الثاني في أحكام الخيار
و قد تقدم ذكر كثير منها في المباحث المتقدمة في المقام الأول، و بقي الكلام هنا في مسائل:
الأولى [ثبوت خيار الشرط في تمام أنواع العقود]:
قد صرح جمع من الأصحاب- رضى الله عنهم- بأن خيار الشرط يثبت في كل نوع من أنواع العقود، سوى النكاح و الوقف و الإبراء و الطلاق و العتق.
أما جواز الشرط في العقود، فلعموم الأخبار المتقدمة في خيار الشرط الدالة على جواز الاشتراط إذا كان الشرط سائغا لا يخالف الكتاب و السنة، و قد استثنى من البيع ما يتعقبه العتق، كشراء القريب الذي ينعتق عليه، فإنه لا يثبت فيه خيار الشرط، و لا المجلس، و كذا شراء العبد نفسه إذا جوزناه، فإنه مناف لمقتضاه، و سيأتي تحقيق المسألة- إنشاء الله تعالى- في محلها.
و اما استثناء ما ذكر، فعلل بان النكاح لا يقصد فيه المعاوضة، و الوقف ازالة ملك على وجه القربة، و مثله العتق، و قريب منه الإبراء.
و ادعى في المسالك الإجماع على استثناء هذه المذكورات أولا، و الظاهر أنه هو العمدة عندهم، و الا فهذه التعليلات لا تمنع تطرق المناقشة، فإنها لا تصلح لتخصيص عموم تلك النصوص.
قال في التذكرة: و الأقرب عندي دخول خيار الشرط في كل عقد معاوضة، خلافا للجمهور، و هو مؤذن بعدم الخلاف عند الأصحاب، و قد الحق بالطلاق الخلع و المبارات، و بالعتق التدبير و المكاتبة المطلقة، و قد عرفت ما في المحلق به.
و الحق ان المسألة لا يخلو عن شوب الاشكال بالنظر الى إطلاق النصوص، و عدم وجود مخصص يصلح الاعتماد عليه، و ان كان الأحوط الوقوف على ما ذكروه (رضى الله عنهم).
66
الثانية [بطلان الشرط المؤدي إلى الجهالة و الشرط المخالف للكتاب و السنة]:
لا خلاف بين الأصحاب في أن الضابط في صحة الشرط هو أن لا يكون مؤديا إلى الجهالة في المبيع أو الثمن، و لا مخالفا للكتاب و السنة، فلو كان مؤديا إلى الجهالة في أحدهما بطل، كاشتراط تأخير المبيع في يد البائع أو الثمن في يد المشترى ما شاء كل واحد منهما، فإنه يلزم منه الجهالة، فإن للأجل قسطا من الثمن، و إذا كان مجهولا يجهل الثمن، و كذا القول في جانب المبيع.
و متى كان مخالفا للكتاب و السنة، فإنه يبطل أيضا كاشتراط عدم وطئ الأمة، أو شرط وطئ البائع إياها بعد العقد مرة أو أزيد، و اشتراط أن لا يبيعه أو لا يعتقه أو لا يهب.
قال في المسالك- بعد حد هذه الافراد-: و ضابط ما ينافي مقتضى العقد، بأن يقتضي عدم ترتب الأثر الذي جعل الشارع العقد من حيث هو يقتضيه، و ترتبه عليه، كذا حققه جماعة انتهى.
ثم استشكل اشتراط عدم الانتفاع زمانا معينا، و اشتراط سقوط خيار المجلس و الحيوان و ما شاكل ذلك مما أجمع على صحة اشتراطه.
أقول: و يمكن دفع الإشكال بالنسبة إلى الأول بالوقوف على مقتضى الضابطة المذكورة، و القول ببطلان هذا الشرط حيث لا دليل عليه، و عن الثاني بجميع أفراده بان ذلك ليس من مقتضى العقد، فان مقتضاه اللزوم كما تقدم، و انما جاز الفسخ في هذه المواضع بدليل خارج أوجب الخروج عن مقتضى العقد.
و أما ما ذكره هنا هو و غيره من اشتراط أن لا يبيع و لا يهب فجيد، بناء على الضابطة المذكورة، الا أنه قد ورد في جملة من الاخبار ما يؤذن بصحة هذا الشرط مثل
مرسلة (1) جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل اشترى جارية و شرط لأهلها ان لا يبيع و لا يهب قال: يفي بذلك إذا شرط لهم.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 25 الرقم 23.
67
و مرسلته الثانية (1) عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يشتري الجارية و يشترط لأهلها ان لا يبيع و لا يهب و لا يورث؟ قال: يفي بذلك إذا شرط لهم الا الميراث».
و نحوهما في ذلك صحيحة الحلبي و قد تقدمت في القسم الثالث في خيار الشرط و تقدم نبذة من الكلام فيما يتعلق بهذا المقام.
و كذا يبطل الشرط باشتراط غير المقدور للمشروط عليه، كاشتراط حمل الدابة في ما بعد، أو ان الزرع يبلغ السنبل، سواء شرط عليه ان يبلغ ذلك بفعله أو بفعل الله تعالى، لاشتراكهما في عدم المقدورية.
و لو شرط تبقية الزرع في الأرض إلى أو ان السنبل إذا وقع البيع على أحدهما دون الأخر جاز، لان ذلك مقدور له، و لا يعتبر تعيين مدة البقاء بل يحمل على ما هو المتعارف عن البلوغ لانه منضبط.
و في كل موضع يبطل الشرط فهل يختص البطلان به- لانه الممتنع شرعا- دون البيع و لتعلق التراضي بكل منهما، أو يبطل العقد من أصله؟ لأنه غير مقصود بانفراده و ما هو مقصود لم يسلم، و لان للشرط قسطا من الثمن، فإذا بطل يجهل الثمن- قولان: و ما تقدم من قوله تعلق التراضي بهما يضعف بعدم تعلق التراضي و قصده منفردا و هو شرط الصحة.
أقول و ما ذكروه في هذه المسألة في هذا الموضع و غيره من بطلان العقد باشتماله على الشرط الباطل،- و عللوه من أن القصد انما تعلق بالجميع- و العقود تابع بالقصود، فما تعلق به القصد غير حاصل، و ما حصل غير مقصود- جيد، الا ان جملة من الاخبار قد دلت على بطلان الشرط في مواضع مع صحة العقد، و بعض الاخبار يدل على ما ذكروه.
____________
(1) الوسائل الباب 15 من أبواب بيع الحيوان في ذيل حديث الثاني.
68
فهذه القاعدة غير مطردة بالنسبة الى ما دلت عليه الاخبار في الباب كما حققنا ذلك في المقدمة الحادية عشر من مقدمات الكتاب (1).
و لو شرط عتق المملوك جاز لانه شرط سائغ بل راجح، لكن ان شرط عتقه عن المشتري أو أطلق فلا خلاف في الصحة، و ان شرط عتقه عن البائع، فقولان:
أصحهما العدم،
لقوله- (عليه السلام)- «لا عتق إلا في ملك» (2).
و البائع ليس مالكا و عن التذكرة الحكم بالجواز.
و لو مات العبد قبل العتق كان للبائع الخيار أيضا، فإن اختار الفسخ رجع بجميع القيمة.
و في تعيين وقتها أقوال تقدم نقلها في الموضع الثالث من المسألة السابعة من المقام الثالث في العوضين (3)- و رد ما قبضه من الثمن لبطلان البيع بالفسخ، و انما يرجع بالقيمة، لأنه مضمون- على المشترى بعد القبض.
أما لو اختار الإمضاء فهل يرجع على المشترى بما يقتضيه شرط العتق من القيمة، فإنه يقتضي نقصانا من الثمن أم يلزم مع اجازة ما عين من الثمن خاصة قولان (4)
____________
(1) ج 1 ص 133.
(2) التهذيب ج 8 ص 217.
(3) ج 18 ص 468.
(4) أحدهما ما ذهب إليه العلامة و جماعة، و هو الأول.
و ثانيهما ما يظهر من الدروس محتجا عليه بان الشروط لا يوزع عليه الثمن و رد بأن الثمن لم يوزع على الشرط بحيث يجعل بعضه مقابلا له، و انما الشرط محسوب مع الثمن، و قد حصل باعتباره نقصان في القيمة، و طريق تداركه ما ذكر و طريق معرفة ما يقتضيه الشرط أن يقوم العبد بدون الشرط، و يقوم معه، و ينظر التفاوت بين القيمتين، و ينسب إلى القيمة التي هي مع شرط العتق، و يؤخذ من المشترى مضافا الى الثمن بمقدار تلك النسبة من الثمن.
فلو كانت قيمته بدون الشرط مائة و معه ثمانين فالتفاوت بعشرين و نسبتها الى الثمانين الربع فيؤخذ من المشترى مقدار ربع الثمن مضافا اليه و ذلك هو الذي سامح به البائع في مقابلة شرط العتق منه- (قدس سره).
69
و لو شرط أن لا خسارة على المشترى لو باع المبيع بل على البائع فخسر، فان هذا الشرط باطل، لمنافاته لمقتضى البيع.
و يدل عليه رواية
عبد الملك بن عتبة (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل ابتاع منه متاعا على ان ليس على منه و ضيعة هل يستقيم هذا و كيف يستقيم و حد ذلك؟ قال: لا ينبغي».
و لفظ لا ينبغي و ان كان في العرف الان بمعنى الكراهة، الا أن وروده بمعنى التحريم في الاخبار أكثر كثير، و المراد منه هنا ذلك.
و لو شرط في البيع ان يضمن انسان كل الثمن أو بعضه جاز، كما صرح به جملة من الأصحاب، و كل شرط لم يسلم لمشترطه بان امتنع المشروط عليه من الوفاء به، فهل الواجب جبره على الوفاء به؟- لعموم الأمر بالوفاء بالعقد (2) الدال على الوجوب،
و قولهم (عليهم السلام) «المؤمنون عند شروطهم» (3).
الدال على وجوب الوفاء بالشرط، فعلى هذا لو امتنع من الوفاء بالشرط أثم و عوقب بتركه و وجب إجباره على ذلك، و لو لم يمكن إجباره رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي ليجبره عليه، ان كان مذهبه ذلك و ان تعذر فسخ إنشاء.
أو انه لا يجب على المشروط عليه، لأن الأصل عدم الوجوب، و للمشروط له وسيلة إلى التخلص بالفسخ، فغاية الشرط حينئذ جعل البيع اللازم عرضة للزوال عند فقد الشرط، و لزومه عند الإتيان به، قولان: أظهرهما الأول لما عرفت من حجج القولين.
و يؤكده أيضا انه في مثل شرط العتق فيه حق لله سبحانه و للعبد، فكيف إبطاله.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 238 الرقم 62.
(2) سورة المائدة الآية 1.
(3) الوسائل الباب 20- من أبواب المهور الحديث 4.
70
و عن الشهيد في بعض تحقيقاته تفصيل في هذا المقام، و هو ان الشرط الواقع في العقد اللازم ان كان العقد كافيا في تحققه، و لا يحتاج بعده إلى صيغة فهو لازم لا يجوز الإخلال به كشرط الوكالة في العقد، و ان احتاج بعده إلى أمر آخر وراء ذكره في العقد كشرط العتق فليس بلازم، بل يقلب العقد اللازم جائزا، و جعل السر فيه ان اشتراطه للعقد كاف في تحققه كجزء من الإيجاب و القبول فهو تابع لهما في اللزوم و الجواز، و اشتراط ما سيوجد أمر منفصل عن العقد، و قد علق عليه العقد و المعلق على الممكن ممكن، و هو معنى قلب اللازم جائزا.
و استحسن هذا التفصيل في المسالك، لكنه اختار القول الأول و هو الأظهر كما عرفت، و هذا التفصيل من حيث الاعتبار بالتقريب الذي ذكره لا يخلو من وجه، لكن قد عرفت- في غير موضع ما تقدم ان بناء الأحكام الشرعية على هذه الاعتبارات العقلية مشكل، و القول الأول مطابق لمقتضى النصوص كما عرفت و الله العالم.
الثالثة [انتقال الخيار إلى الوراث]:
قد صرح الأصحاب- رضى الله عنهم- بأنه إذا مات من له الخيار انتقل الى وارثه، من أي أنواع الخيار كان، و الوجه فيه أنه حق مالي قابل للانتقال فيدخل تحت عموم الأخبار الدالة على إرث مثل ذلك، و حينئذ فلو كان الخيار خيار شرط ثبت للوارث في بقية المدة المضروبة، و لو كان غائبا أو حاضرا و لم يبلغه الخبر حتى انقضت مدة الخيار سقط خياره بانقضاء المدة كالمورث.
و ان كان خيار غبن اعتبر فيه الفورية حين بلوغه الخبر و علمه بالفورية على القول بها و ان طالت المدة.
و ان كان خيار مجلس و كان الوارث حاضرا في مجلس البيع قام مقامه في الخيار و فيه تأمل، لدلالة ظاهر الاخبار على تعلق ذلك بالبيعين الذين أوقعا العقد، و على تقدير قيامه مقامه، فهل يقوم مقامه في اعتبار التصرف، أو يبقى الحكم معلقا على المفارقة من الميت أو الوارث وجهان.
71
رجح ثانيهما في المسالك قال: عملا بظاهر النص فان ضمير يتفرقا عائد إلى المتبايعين، و التفرق هنا يصدق بانتقال الحي، و بنقل الميت مع عدم المصاحبة، و معها يبقى الى ان يتفرقا.
و اما احتمال سقوط الخيار بالموت لأن مفارقة الدنيا أبعد من مفارقة المجلس فقد تقدم ما فيه في قسم خيار المجلس.
هذا كله مع اتحاد الوارث، فلو تعدد في كل من هذه الأقسام فإن اتفقوا فلا اشكال و ان فسخ بعضهم، و أجاز الأخر، قدم الفاسخ عند الأصحاب و في انفساخ الجميع أو في حصته خاصة، ثم يتخير الأخر لتبعض الصفقة وجهان:
و في خيار المجلس مع عدم حضورهم جميعا للمجلس اشكال.
و بالجملة فإن أكثر هذه الفروع لا يخلو عن الاشكال و الله العالم.
الرابعة [كيفية التملك بالعقد مدة الخيار]:
المشهور بين الأصحاب- رضى الله عنهم- ان المبيع يملك بالعقد ملكا متزلزلا قابلا للفسخ مدة الخيار. و نقل عن الشيخ أنه انما يملك بانقضاء الخيار إذا كان الخيار للبائع أو لهما، أما لو كان للمشتري فإنه يملك من حين العقد.
و عن ابن الجنيد أنه انما يملك بانقضاء الخيار مطلقا، و ربما نقل الإطلاق عن الشيخ أيضا، الا ان عبارته في الخلاف دالة على التفصيل المتقدم، لكن ظاهرها انما هو زوال ملك البائع عن المبيع بنفس العقد، متى كان الخيار للمشتري، و أنه لا ينتقل إلى المشتري حتى ينقضي الخيار، فإذا انقضى ملكه بالعقد الأول، و هذا خلاف ما نقلوه عنه، من أنه متى كان الخيار للمشتري فإنه يملك من حين العقد.
و مقتضى ما نقلناه عنه في الخلاف ان الفرق بين الأمرين انما هو باعتبار زوال ملك البائع، و انه لا يزول في صورة ما لو كان الخيار له أو لهما، و يزول فيما كان الخيار للمشتري، و أما المشتري فإنه لا يملكه و لا ينتقل اليه الا بانقضاء الخيار مطلقا.
و هذه صورة عبارته في الكتاب ننقلها ليزول بذلك عما ذكرناه شبهة الشك و الارتياب.
72
قال- (رحمه الله): العقد يثبت بنفس الإيجاب و القبول فان كان مطلقا فإنه يلزم بالافتراق بالأبدان، و ان كان مشروطا فإنه يلزم بانقضاء الشرط، فان كان الشرط لهما أو للبائع، فإذا انقضى الخيار ملك المشترى بالعقد المتقدم، و ان كان الخيار للمشتري و حده زال ملك البائع عن الملك بنفس العقد، لكنه لا ينتقل إلى المشتري حتى ينقضي الخيار فإذا انقضى ملك المشترى بالعقد الأول- انتهى.
و مقتضاه انه في صورة ما إذا كان الخيار للمشتري وحده زال ملك البائع عن المبيع بنفس العقد، و يبقى المبيع مدة الخيار بلا مالك لزوال ملك البائع بنفس العقد، و عدم دخوله في ملك المشترى حتى ينقضي الخيار، و لم أقف على من تنبه لذلك من عبارته مع انها ظاهرة فيما قلناه (1).
____________
(1) نعم قد وقفت في كلام شيخنا الشهيد في كتاب غاية المراد في شرح نكت الإرشاد ما يؤيد على ما قلناه حيث قال: بعد ذكر آخر عبارة الشيخ المتقدمة و هذا الكلام يشم منه التناقض، لكون الملك لا يخلو عن مالك، و لا مالك غيرهما قطعا، و قد زال ملك البائع مع الحكم بعدم انتقاله إلى المشترى مع أنه إذا لم ينتقل اليه كان ملكا للبائع، فيكون ملك البائع زائلا غير زائل و ملك المشترى ثابتا غير ثابت، و انه تناقض.
ثم أجاب عن ذلك فقال قد يجاب بأن الموقوف هو الملك المستقر، و على هذا يرتفع الخلاف انتهى، و هو جيد.
و بالجملة فالأمر دائر بين العمل بكلام الشيخ بناء على ظاهره الذي نقله الأصحاب عنه، و اللازم منه ما عرفت من الإشكال في الموردين المذكورين و بين تأويل كلامه بما ذكر من الملك المستقر و به يرجع الى كلام الأصحاب.
و يزول الخلاف من البين بمعنى ان العقد سبب تام في الملك غاية ما في الباب انه متزلزل في موضع الخيار حتى يسقط فرفع الخيار موجب للقرار لا جزء علة نقله للملك (منه (قدس سره).
73
و فيه أيضا ان مقتضى ما ذكره في صورة ما لو كان الخيار مشتركا أو للبائع خاصة من جعل ملك المشترى معلقا على انقضاء الخيار، و انه ينبغي أيضا ان يكون ملك البائع الثمن أيضا معلقا على ذلك، و متوقفا عليه، و هذا اشكال آخر في العبارة المذكورة.
ثم انه على تقدير هذا القول مطلقا أو مقيدا كما ذكروه، فهل يكون انقضاء الخيار مع عدم الفسخ كاشفا عن ملك المشترى من حين العقد أم ناقلا؟ كل محتمل و لكن ظاهر عبارة الشيخ المذكورة الأول.
و يظهر فائدة الخلاف في مواضع:
منها النماء المنفصل كاللبن و الحمل و الثمرة المتجددة زمن الخيار، فإنه على القول المشهور و كذا على القول بالكشف إذا لم يفسخ يكون للمشتري و على القول بالنقل يكون للبائع.
و منها- الأخذ بالشفعة زمن الخيار، فعلى تقدير عدم الانتقال لا يأخذ بها الا بعد الخيار، و على تقدير الانتقال يأخذ بها من بعد العقد.
و منها- جريانه في حول الزكاة لو كان زكويا، فإنه بعد العقد على تقدير الانتقال به، و بعد الخيار على تقدير القول الأخر.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما ذكروه من الحكم المذكور غير مطرد بالنظر الى الاخبار، فإنها مختلفة في ذلك بالنسبة إلى اختلاف الخيارات، ففي بعضها ما يوافق المشهور و في بعض آخر ما يوافق القول الأخر.
فمن الأخبار الدالة على الأول الاخبار الواردة في خيار الشرط، و قد تقدمت في الموضع المذكور كموثقة إسحاق بن عمار، (1) و رواية معاوية بن ميسرة، (2) فإنهما صريحتان في كونه زمن الخيار ملكا للمشتري، و انه لو تلف في تلك المدة كان
____________
(1) الكافي ج 5 ص 171.
(2) الوسائل الباب- 8- من أبواب الخيار الرقم- 3.
74
من ماله، و يحمل عليهما ما أطلق من اخبار المسألة.
و يؤيده أيضا ان المتبايعين أقدما على ان يكون المبيع للمشتري، و انما شرطا خيارا في مدة معينة، فالبيع على اللزوم كما هو مقتضاه، و ليس للبائع إلا مجرد الخيار.
و من الاخبار الدالة على القول الأخر
صحيحة ابن سنان- (1) المتقدمة في القسم الثاني في خيار الحيوان الدالة على أنه «إذا اشترى الدابة أو العبد و اشترط الى يوم أو يومين، فيموت العبد أو الدابة أو يحدث فيه حدث، فضمان ذلك على البائع حتى ينقضي الشرط، و يصير المبيع للمشتري».
فإنها ظاهرة في عدم الملك للمشتري، و ان كان الأصحاب حملوها على استقرار الملك.
و موثقة عبد الرحمن بن أبى عبد الله (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى أمة بشرط من رجل يوما أو يومين، فماتت عنده، و قد قطع الثمن على عن يكون الضمان؟ فقال: ليس على الذي اشترى ضمان حتى يمضى بشرطه».
و الجواب عنه بعدم علمه بخيار الحيوان أو التأكيد أو بعد الثلاثة تكلف بعيد عن سياق الخبر.
و مرسلة ابن رباط (3) عمن رواه عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ان حدث بالحيوان حدث قبل ثلاثة أيام فهو من مال البائع».
و رواية عبد الله بن الحسن (4) بن زيد بن على بن الحسين (عليه السلام) عن أبيه عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): في رجل اشترى عبدا بشرط ثلاثة أيام، فمات العبد في الشرط، قال: يستحلف بالله ما رضيه و هو بريء من الضمان.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 169 الوسائل الباب 5- من أبواب الخيار.
(2) الكافي في ج 5 ص 171.
(3) الوسائل الباب- 5- من أبواب الخيار الرقم- 5.
(4) الوسائل الباب- 5- من أبواب الخيار الرقم- 4.
75
و هي ظاهرة كما ترى في أن موت الحيوان في الشرط من البائع، الا أن يلتزم المشترى بالبيع المسقط للخيار.
و بالجملة فروايات خيار الحيوان كما ترى مشتركة في ان تلفه مدة الخيار من مال البائع.
و هو خلاف ما عليه القول المشهور، من ان المبيع ملك المشترى الموجب لكون التلف من ماله. و خلاف ما نقلوه عن الشيخ من أنه متى كان الخيار للمشتري، فإنه يوافق القول المشهور في هذه الصورة، مع ان الخيار هنا للمشتري كما هو الأشهر الأظهر.
و هذه الاخبار انما تصت على قول ابن الجنيد، و أن مضي مدة الخيار ناقل لا كاشف، مع أنه قول مرغوب عنه في كلامهم.
و قد تقدم في قسم خيار التأخير ذكر رواية عقبة ابن خالد (1) الدالة على تلف المتاع عند البائع، و انه مضمون على البائع حتى يقبضه المشترى، مع أن مقتضى قاعدتهم و قولهم أن المبيع يملك بالعقد هو كونه من ملك المشترى، لخروجه بالعقد عن ملك البائع، و كونه ملكا للمشتري، و أما البناء ثمة على ما ذكروه من قاعدة التلف قبل القبض موجب للضمان على البائع.
ففيه انه لا مستند شرعيا لهذه القاعدة، و لعل قول الشيخ المفيد و المرتضى و من تبعهما ثمة بكونه من مال المشترى، التفاتا الى هذه القاعدة المذكورة هنا من حصول الملك بالعقد، فإنه موجب لذلك الا أن الرواية كما ترى بخلاف ذلك.
و من ذلك يظهر ان الاولى و الأليق هو الوقوف في كل حكم على ما يقتضيه النصوص المتعلقة بذلك الحكم، و عدم الوثوق بهذه القواعد التي يؤسوها.
و الله العالم.
الخامسة [تلف المبيع قبل القبض]
- قالوا إذا تلف المبيع قبل قبضه، فهو من مال بايعه، و المراد انه ينفسخ
____________
(1) الكافي ج 5 ص 171.
76
العقد بتلفه من حينه، و يرجع الثمن الى ملك المشترى، و لو كان قد تجدد له نماء بعد العقد و قبل التلف فهو للمشتري، و ليس للمشتري مطالبة البائع بالمثل أو القيمة، و ان كان الحكم بكونه من البائع يوهم ذلك.
و انما عبروا بذلك تبعا للنص (1) و المراد منه ما ذكر، و حينئذ فيقدر دخوله في ملك البائع قبل التلف آنا ما و يكون التلف كاشفا عنه، و مثله دخول الدية في ملك الميت، و العبد المأمور بعتقه في ملك المعتق عنه.
و حكى في التذكرة وجها بان الفسخ هنا يكون من أصله، و عليه فلا يحتاج الى التقدير.
هذا كله إذا كان تلفه من الله سبحانه، أما لو كان من أجنبي أو من البائع تخير المشترى بين الرجوع بالثمن و بين مطالبة المتلف بالمثل أو القيمة، و لو كان التلف من المشترى و لو بتفريطه فهو بمنزلة القبض، فيكون التلف منه و لو كان التلف في زمن الخيار.
فإنه قد قرر له في المسالك ضابطة، و هي ان المتلف ان كان هو المشترى فلا ضمان على البائع مطلقا، لكن ان كان له خيار أو لأجنبي فاختار الفسخ يرجع الى المشتري بالمثل أو القيمة.
و ان كان التلف من البائع أو من أجنبي تخير المشترى بين الفسخ و الرجوع بالثمن، و بين مطالبة المتلف بالمثل أو القيمة ان كان له خيار، و ان كان الخيار للبائع
____________
(1) و هو ما نقله في التذكرة من
قوله (صلى الله عليه و آله) «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه».
و هذا الخبر لم نقف عليه فيما و صل إلينا من كتب الاخبار و وجه الإيهام فيه قوله «من مال بائعه» فإنه دال على خروج ذلك عن ملكه بالبيع فليس معنا قوله من ماله الا باعتبار ضمانه مثله أو قيمته، منه (رحمه الله).
و اخرج هذا الحديث في المستدرك ج 2 ص 473 عن عوالي اللئالي.
77
و المتلف أجنبي، تخير كما مر و رجع على المشترى أو الأجنبي.
و ان كانت التلف بآفة من الله تعالى سبحانه، فان كان الخيار للمشتري أو له أو لأجنبي، فالتلف من البائع، و الا فمن المشترى، هذا خلاصة كلامهم في هذا المقام.
و أنت خبير بان ما ذكر من الكلام في هذا المقام مبنى على ثبوت القاعدة القائلة» بأن التلف قبل القبض مضمون على البائع» مع انها معارضة بالقاعدة الأخرى المتقدمة القائلة «بأن المبيع يملك بالعقد».
و التفصي عن المعارضة بما ذكر هنا من ان المراد بكونه من مال البائع انه ينفسخ العقد بتلف المبيع من حينه، بمعنى انه يقدر دخوله في مال البائع آنا ما قبل التلف و يكون التلف كاشفا عنه- لا يظهر له وجه من النص الوارد في هذه المسألة، و هو خبر عقبة بن خالد المتقدم، بل ظاهره انما هو ما نقل عن العلامة من الوجه المتقدم، و هو ان الفسخ يكون من أصله و به يحصل الاشكال لتصادم القاعدتين في المقام.
و الى ما ذكرنا هنا يشير كلام المحقق الأردبيلي- رضوان الله عليه- في شرح الإرشاد- حيث قال: بعد كلام في المسألة مماشاة للجماعة- ما لفظه «فتأمل فإن الأمر مشكل لكون الملك للمشتري مثلا قبل القبض في زمن الخيار على ما مر و بعده، و البائع غير مقصر، و القاعدة تقتضي كونه من ماله و ايضا قالوا ان المراد بكونه من مال البائع فسخ العقد، فيكون التالف من مال البائع مثلا و في ملكه، و ليس للمشتري الا الثمن أو مثله لو أعطاه، و ليس له طلب مثل المبيع و قيمته، و النماء الحاصل الى حين التلف أيضا مثل الولد و الكنز الذي وجده المملوك و المال الذي وهب له و قبل و قبض، و قال: و هو مشكل أيضا إذا كان ملكا للمشتري و تلف كيف يصير التلف في ملكه، فقيل بتجدد الملك للبائع قبل الهلاك بجزء لا يتجزى من الزمان، مثل دخول العبد المأمور بعتقه في ملك المعتق عنه، و دخول
78
الدية في ملك الميت، فتأمل فيه» انتهى كلامه (1) و هو جيد و ان كانت عباراته لا تخلو من تعقيد من حيث غلبة الاعجمية عليه.
و بالجملة فالواجب هو الوقوف على الروايات في كل حكم حكم كما قدمنا ذكره، و الروايات المتعلقة بهذه المسألة هي ما قدمنا ذكر بعضها في المسألة المتقدمة، و أشرنا إلى البعض الآخر فيما تقدم، و هي أخبار خيار الشرط الدالة على كون المبيع ملكا للمشتري، و أن تلفه منه، و اخبار خيار الحيوان المتقدمة على ان تلفه في زمن الخيار من ملك البائع، و خبر عقبة بن خالد (2) الدال على كون التلف من ملك البائع، و عدم البناء و على هذه القاعدة التي لا مستندة لها من النصوص و كل ما يتفرع عليها من الفروع الا ما اقتضته قواعد آخر من الاخبار، و الله العالم.
____________
(1) أقول: و حاصل هذا الكلام يرجع الى ملاحظة القاعدة الدالة على أنه بالعقد يدخل المبيع في ملك المشترى، و الجمع بينها و بين القاعدة المذكورة هنا، و هي «ان تلف المبيع قبل القبض من مال البائع» بأن يقال: انه بالتلف ينفسخ البيع من حينه، و يرجع المبيع الى ملك البائع، و الثمن الى ملك المشترى، فيقدر دخوله في ملك البائع آنا ما قبل التلف و يكون التلف كاشفا عنه، و لا ينافي ذلك كونه قبل ذلك ملكا للمشتري، و ان له نماؤه.
و من أجل ذلك انه لا يرجع المشترى بالمثل أو القيمة لخروجه عن ملكه قبل التلف، و صيرورته للبائع في ذلك الآن المقدر، و انما يرجع بالثمن لبطلان البيع. منه (رحمه الله).
(2) الكافي ج 5 ص 171.
79
الفصل الثالث في أحكام العيوب
و فيه مسائل
الأولى [اقتضاء العقد السلامة]
- قد صرح غير واحد منهم (رضى الله عنهم) بان مقتضى العقد السلامة، و المراد من ذلك هو اللزوم معها، و الخيار مع عدمها، الا ما ربما يتسارع الى الذهن من وقوع العقد على السالم دون المعيب، و الا لزم البطلان لو ظهر معيبا مع وقوع البيع على معين، و مع الإطلاق يجب طلب السالم ان وجد، و الا بطل العقد ان حصل اليأس منه، و لا يكون المعيب داخلا تحت العقد و لا موردا له. و هو خلاف ما عليه الاتفاق نصا و فتوى.
و لو شرطا الصحة فهو لا يزيد على مقتضى العقد، فإن فائدته التأكيد، لأنك قد عرفت ان الإطلاق يقتضي السلامة لأنها الأصل في الأعيان.
و ربما قيل: ان فائدته جواز الفسخ و ان تصرف لو ظهر عيب، فيفيد فائدة زائدة على الإطلاق، كاشتراط الحلول.
و كيف كان فان ظهر في المبيع عيب سابق على العقد، تخير المشترى بين الرد و الأخذ بالأرش، و قد تقدمت الأخبار الواردة في ذلك، الا أنها كما أشرنا إليه آنفا قاصرة عن ذلك، و انما تدل على الرد مع ظهور العيب قبل التصرف، و الأرش
80
بعد التصرف- الا ما عرفت من عبارة الفقه الرضوي و قد تقدمت أيضا مسقطات هذا الخيار، و الاخبار الدالة عليه.
و منها التصرف قبل العلم بالعيب أو بعده، فإنه يسقط به الخيار إلا في موضعين قد صرحوا باستثنائهما.
أحدهما: إذا اشترى أمة و وطأها ثم ظهرانها كانت حاملا فان له الرد، و من المعلوم ان الحمل عيب، لأنه زيادة معرضة للتلف و مانعة من بعض الانتفاعات في الجملة.
و لا شك أيضا أن الوطي تصرف، فمقتضى القاعدة عدم جواز الرد حينئذ، بل الاقتصار على الأرش كما في غير هذا الموضع من التصرفات مع ظهور العيب، لكن قد ورد استثناء هذا الموضع من القاعدة، و ظاهر الأصحاب الاتفاق على ذلك ايضا.
و من الاخبار الدالة على أن حكم الجارية إذا ظهر بها عيب غير الحمل حكم غيرها- من أفراد تلك القاعدة المشار إليها- ما رواه
في الكافي و التهذيب عن طلحة ابن زيد (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل اشترى جارية فوطأها ثم وجد فيها عيبا، قال: تقوم و هي صحيحة، و تقوم و بها الداء، ثم يرد البائع على المبتاع فضل ما بين الصحة و الداء».
و ما رواه فيهما أيضا
في الصحيح عن منصور بن حازم (2) عن أبى عبد الله (ع) «في رجل اشترى جارية فوقع عليها و قال: ان وجد فيها عيبا فليس له أن يردها، و لكن يرد عليه بقيمة ما نقصها العيب» قال: قلت: هذا قول علي (عليه السلام)؟ قال: نعم».
و ما رواه
في التهذيب عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله (3) قال: «سمعت أبا عبد الله
____________
(1) الكافي ج 5 ص 214 التهذيب ج 7 ص 16 و في التهذيب (و فيها).
(2) الكافي ج 5 ص 214 التهذيب ج 7 ص 16 و في التهذيب (و فيها).
(3) التهذيب ج 7 ص 60 الوسائل الباب 40 من أبواب أحكام العيوب.
81
(عليه السلام) يقول: أيما رجل اشترى جارية فوقع عليها فوجد بها عيبا لم يردها و رد البائع عليه قيمة العيب».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) «أنه سئل عن الرجل يبتاع الجارية فيقع عليها، ثم يجد بها عيبا بعد ذلك قال: لا يردها على صاحبها، و لكن يقوم ما بين العيب و الصحة فيرد على المبتاع، معاذ الله أن يجعل لها أجرا».
و ما رواه
في الفقيه عن ميسرة، (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «كان على (عليه السلام) لا يرد الجارية بعيب إذا وطئت، و لكن يرجع بقيمة العيب، و كان علي (عليه السلام) يقول: معاذ الله أن أجعل لها اجرا».
و ما رواه
في التهذيب عن حماد بن عيسى في الصحيح (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال على بن الحسين: كان القضاء الأول في الرجل إذا اشترى الأمة فوطأها ثم ظهر على عيب أن البيع لازم و له أرش العيب.».
و هذه الاخبار كما ترى جارية على مقتضى القاعدة المذكورة، و إطلاقها شامل لما إذا كان العيب حملا أو غيره، الا انه قد وردت الاخبار باستثناء الحمل من حكم العيب المذكور هنا مع الإجماع عليه.
و من الاخبار الدالة عليه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن ابن سنان (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية حبلى و لم يعلم بحبلها فوطأها، قال: يردها على الذي ابتاعها منه، و يرد عليه نصف عشر قيمتها لنكاحه إياها،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 215 التهذيب ج 7 ص 61 الوسائل الباب 4 من أبواب أحكام العيوب.
(2) الفقيه ج 3 ص 139 و فيه عن محمد بن ميسر الوسائل الباب 4 من أبواب أحكام العيوب.
(3) التهذيب ج 7 ص 61 الوسائل الباب 4 من أبواب أحكام العيوب.
(4) الكافي ج 5 ص 214 التهذيب ج 7 ص 61.
82
و قد قال على (عليه السلام) لا ترد التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها و يوضع عنه من ثمنها بقدر عيب ان كان فيها».
و ما روياه فيهما أيضا
عن عبد الملك بن عمرو (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا ترد التي ليست بحبلى إذا وطئها صاحبها و له أرش العيب، و ترد الحبلى و يرد معها نصف عشر قيمتها».
و زاد في الكافي قال: و في رواية اخرى «ان كانت بكرا فعشر ثمنها، و ان لم تكن بكرا فنصف عشر ثمنها».
و ما رواه
في التهذيب عن فضيل مولى محمد بن راشد (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل باع جارية حبلى و هو لا يعلم، فنكحها الذي اشترى، قال: يردها و يرد نصف عشر قيمتها».
و رواه بسند آخر صحيح (3) مشتمل على إرسال ابن ابى عمير عن سعيد بن يسار عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثله.
و بإزاء هذه الاخبار ما يدل على معارضتها فيما دلت عليه من وجوب رد نصف العشر.
و منها ما رواه
في الفقيه و الشيخ في التهذيب عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يشتري الجارية فيقع عليها فيجدها حبلى قال: يردها و يرد معها شيئا».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح عن محمد بن مسلم (5) عن أبى جعفر (عليه السلام) في الرجل يشتري الجارية الحبلى فينكحها و هو لا يعلم؟ قال: يردها و يكسوها».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 214 و فيه (بن عمير) التهذيب ج 7 ص 62.
(2) التهذيب ج 7 ص 62.
(3) التهذيب ج 7 ص 62.
(4) الفقيه ج 3 ص 139 التهذيب ج 7 ص 62.
(5) الكافي ج 5 ص 215 التهذيب ج 7 ص 62 الفقيه ج 3 ص 139.
83
و ما رواه
في التهذيب (1) عن عبد الملك بن عمرو عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يشتري الجارية و هي حبلى فيطأها قال: يردها، و يرد عشر ثمنها».
و الشيخ (رحمه الله) حمل الشيء في الحديث الأول على نصف العشر، و كذا الكسوة في الحديث الثاني على ما يكون قيمتها ذلك.
و احتمل بعض مشايخنا حملها على ما إذا رضى البائع بهما.
و اما الحديث الثالث فحمله في التهذيب على غلط الراوي و الناسخ، بإسقاط لفظ «نصف» ليطابق ما رواه هذا الراوي بعينه و غيره، ثم قال: و لو كانت الرواية مضبوطة لجاز ان تحمل على من وطأ الجارية مع العلم بأنها حبلى، فحينئذ يلزمه عشر قيمتها عقوبة، و انما يلزمه نصف العشر إذا لم يعلم بحبلها و وطأها ثم علم بالحبل، انتهى.
و كتب عليه بعض مشايخنا (2) في الحاشية ما صورته: أنت خبير بأن هذا ليس ببعيد من جهة اللفظ، لكن الحكم بالرد و الحال هذه مشكل. انتهى (3)
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 62 الكافي ج 5 ص 215 و في بعض النسخ ابن عمير.
(2) هو الشيخ على بن سليمان البحراني (قدس سره) في حواشيه على الكتاب.
منه (رحمه الله).
(3) قال المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد: و لو لا الإجماع لأمكن الجمع بينهما بحمل ما فيه العشر و نصف العشر على الاستحباب، و الباقية على كفاية ما يصدق عليه الشيء و الكسوة، و فيه من البعد ما لا يخفى، و لو تم هذا لأمكن أيضا القول بحمل الرد في هذه الاخبار على الاستحباب لو لا الإجماع، لمعارضتها بما ذكرناه من الاخبار الواردة على أن وطء الأمة ثم ظهور العيب فيها انما يوجب الأرش خاصة، كما هو مقتضى القاعدة المعتضدة بالاتفاق و النصوص، مع انه لا يقول به، منه (رحمه الله).
84
أقول: نقل في الدروس (1) عن الحلبي وجوب رد العشر في الصورة المذكورة، و حينئذ فتصلح هذه الرواية دليلا له.
و عن ابن إدريس التفصيل بالبكارة و الثيوبة، و يمكن حمل هذه الرواية أيضا على ذلك، و ان ندر الفرض.
قال بعض أصحابنا: و لا استبعاد في اجتماع البكارة مع الحمل، فإنه ممكن و ان كان نادرا. انتهى. و حينئذ فلا يبعد حمل الرواية على أنها كانت بكرا و ان ندر الفرض، لجواز حصول الحمل بالمساحقة و الجماع في الدبر كما صرحوا به، و يؤيده مرسلة الكافي المتقدمة.
قال بعض محققي متأخر المتأخرين: و لزوم نصف العشر في أكثر الأخبار مبنى على ما هو الغالب من ثيوبة الحبلى، فان كانت بالفرض النادر بكرا فعليه أن يرد معها عشر قيمتها لما مر في النكاح من أن قيمة بضع الأمة الباكرة انما هو العشر. انتهى.
و في الدروس عن ابن الجنيد التقييد بكون الحمل من المولى، قال: و يلوح من النهاية.
____________
(1) قال في الدروس: و لو وطئ ما بعد العلم بالحمل فعليه الأرش و يظهر من التهذيب جواز الرد و يلزمه عشر قيمته عقوبة، و جعله محتملا للرواية، و أكثر الأخبار مقيدة بعدم العلم. انتهى.
و هو ما أشار إليه شيخنا المذكور في الأصل من الاشكال، و ظاهرهم (رضوان الله عليهم) أن التصرف بالوطء بعد العلم بالحبل انما يوجب الأرش خاصة دون الرد، و الرد وجوب نصف العشر انما هو موضع الجهل.
و الظاهر أن المستند فيه الوقوف على ظواهر نصوص المسألة من الجهل بالحمل، لأنها على خلاف القاعدة المقررة المؤيدة بالاخبار و الاتفاق، فيقتصر محل الخلاف على مورد النص- منه (قدس سره).
85
أقول: و هو ظاهر اختيار العلامة في المختلف، و يرد عليه أولا أنه يدافع إطلاق النصوص المتقدمة، فإن ظاهرها وجوب الرد في الصورة المذكورة، سواء كان الحمل من المولى أو من غيره.
و ثانيا- أنه لا وجه للتقييد بالتصرف بالوطء، بل اللازم هو الرد على كل حال، لبطلان البيع بظهور كونها أم ولد.
و كيف كان فالأظهر هو القول المشهور للأخبار المتقدمة، و ارتكاب التأويل فيما عارضها بأحد الوجوه المذكورة.
و لشيخنا في المسالك هنا كلام جيد في المقام لا بأس بنقله، و ان طال به زمام الكلام لما فيه من الفوائد الجمة الظاهرة لذوي الأفهام، قال (رحمه الله) بعد ذكر المصنف أصل المسألة، ما صورته: تحرير هذه المسألة يتوقف على مقدمات:
الاولى- أن تصرف المشترى في المبيع المعيب يمنع من رده، و ان جاز له أخذ الأرش.
الثانية- أن الحمل في الأمة عيب سواء شرط خلوها عن الحمل أم لا، و لان ولادتها تشتمل على الخطر، و هو نقص محض ان قلنا أن الحمل لا يدخل في بيع الأمة كما هو المشهور، و الا كان نقصا من وجه، و زيادة من وجه، و هو كاف في ثبوت الخيار أيضا.
الثالثة- أن الوطي تصرف بل هو من أقوى أنواع التصرف و الأصل فيه أن يكون مانعا من الرد.
الرابعة- أن وطئ المالك حال الوطي لا يستعقب عليه ضمانا للبضع، لانه تصرف في ماله و ان فسخ المبيع بعد ذلك بوجه من الوجوه المجوزة له.
الخامسة- أن المولى لو وطأ أمته جاز له بيعها مع عدم تيقن الحمل، ثم و ان ظهر بها حمل منه تبين بطلان البيع لكونها أم ولد، و هذه المقدمات كلها إجماعية.
السادسة- أن وطأ أمة الغير جهلا بتحريمه يوجب على الواطئ عشر قيمتها ان كانت بكرا و نصف العشر، ان كانت ثيبا، لدلالة النصوص على هذا التقدير.
86
السابعة- أن الفسخ بالعيب يبطل العقد من حينه لأمن أصله، لتحقق الملك بالعقد، و جواز الاستمرار عليه، فلا معنى لرفع ما قد ثبت. (1)
إذا تقرر هذه المقدمات فنقول: إذا اشترى أمة و تصرف فيها ثم علم بعيب سابق لم يجز له ردها، بل يتعين الأرش، لكن وردت النصوص هنا باستثناء مسألة- و هي ما لو كان العيب حبلا، و كان التصرف بالوطء فإنه حينئذ يردها و يرد معها نصف العشر لمكان الوطي.
و هذا الحكم كما ترى مخالف لهذه المقدمات من حيث جواز الرد مع التصرف و في وجوب شيء على المشترى مع أنه وطأ أمته، و في إطلاق وجوب نصف العشر مع أن ذلك عقر الثيب، و المسألة مفروضة فيما هو أعم منها.
____________
(1) أقول: هذا مبنى على أن المبيع بالعقد ينتقل إلى المشترى، و أن الانتفاعات و النماء في مدة الخيار له و ان رد المبيع بالعيب بعد ذلك، إلا أنك عرفت مما سبق أن النصوص مختلفة في ذلك، و اخبار خيار الحيوان متفقة على أن تلفه في زمن الخيار من مال البائع، و هو مؤذن بعدم الانتقال للمشتري، و لهذا نقل عن بعض الأصحاب أن المبيع زمن الخيار و النماء للبائع، و حينئذ فلا استبعاد هنا بأن الفسخ بالعيب يبطل العقد من أصله.
و بذلك يظهر أيضا المناقشة فيما ذكره في المقدمة الرابعة من ان وطء المالك حال الوطي لا يستعقب عليه ضمان للبضع، فإنه تصرف في ملكه، فإنه بناء على ما قلنا ليس في ملكه، فالضمان حينئذ ثابت، و تخصيصه بنصف العشر على ما هو الأغلب الأكثر من ثيبوبة الحامل، لما عرفت فيما تقدم في غير موضع من الكتاب من الإطلاق في الأحكام الشرعية انما يحمل على الغالب الأكثر، دون الفروض النادرة.
و بالجملة فإن باب المناقشة فيما ذكره (قدس سره)، غير منسد، و به يظهر صحة القول المشهور و الله العالم، منه (قدس سره).
87
و لأجل هذه المخالفات التجأ بعض الأصحاب (1) إلى حملها على كون الحمل من المولى البائع، فإنها تكون حينئذ أم ولد، و يكون البيع باطلا، و الوطء في ملك الغير جهلا، فيلزم فيه العقر، و إطلاق نصف العشر مبنى على الأغلب من كون الحبل مستلزما للثيبوبة و لو فرض- على بعد- كونها حاملا بكرا كان اللازم العشر.
و في هذا دفع لهذه الإشكالات، الا أنه مدافع لإطلاق النص بالحمل، و بنصف العشر من غير تقييد بكونه من المولى و كونها ثيبا.
و فيه أيضا أنه لا وجه لتقييد بكونه بالوطء بل اللازم حينئذ الرد على كل حال، لبطلان البيع، و ليس تقييد الحمل المطلق في النصوص الصحيحة و فتوى أكثر الأصحاب و كون المراد رد نصف العشر خاصة، أولى من استثناء هذا النوع من التصرف من بين سائر التصرفات.
و كون المنفعة مضمونة على المشترى اما بناء على أن الفسخ يبطل العقد من أصله، نظرا الى أن العيب يقتضي تزلزل العقد، فمع اختيار الرد ينكشف لنا عن عدم الملك، و أن العقد موقوف على اختيار الرضا بالعيب- أو أن ضمان المنفعة قد وجد في المصراة على ما يأتي، و يكفي في التخصيص بكون المردود نصف العشر، موافقته للغالب الأكثر من أن الحامل لا تكون بكرا.
و بالجملة فالعدول عن ظواهر هذه الاخبار و النصوص الكثيرة- مع قول أكثر الأصحاب بها لمناسبة الأصول- غير واضح.
و على هذا فيكون الرد على وجه الجواز لا اللزوم ان لم يكن الحمل من المولى و يختص بالوطء انتهى.
أقول: و الأظهر ما قدمنا لك ذكره في غير مقام- من أن الاولى هو الدوران في
____________
(1) الظاهر انه ابن الجنيد و الشيخ في النهاية و العلامة في المختلف حيث انهم كما عرفت حملوا النصوص على ذلك، و قد عرفت ما فيه و اليه أشار بقوله هيهنا بقوله: الا انه مدافع لإطلاق النص الى آخره، منه (قدس سره).
88
الأحكام مدار النصوص، و ما دلت عليه بالعموم أو الخصوص، وافقت قواعدهم أم لم توافق، و اليه يشير هنا قوله في إجمال البحث المتقدم بقوله: و بالجملة فالعدول عن ظواهر النصوص الى آخره.
الموضع الثاني حلب المصراة و سيجيء حكمه إنشاء الله (تعالى).
الثانية [حكم العيب لو كان سابقا على العقد أو لاحقا عنه]
- قد عرفت أنه متى كان العيب سابقا على العقد، فإن للمشتري الخيار بعد ظهوره بين الرد، و الأخذ بالأرش.
و أما لو تجدد بعد العقد و قبل القبض، فإنه لا خلاف في أن له الرد، و انما الخلاف في أنه مع أخذه و الرضا به هل له الأرش أم لا؟ قولان: كلاهما للشيخ.
قال في النهاية: من اشترى شيئا و لم يقبضه ثم حدث فيه عيب كان له رده، فإن أراد أخذه و أخذ الأرش كان له ذلك.
و قال في الخلاف: إذا حدث في المبيع عيب في بد البائع كان للمشتري الرد و الإمساك، و ليس له اجازة البيع مع الأرش، فلا يجبر البائع على بذل الأرش بلا خلاف، فان تراضيا على الأرش كان جائزا، و كذا قال في المبسوط، و تبعه ابن إدريس على ذلك.
و الى الأول ذهب العلامة في المختلف، و نقله عن ابن البراج و أبى الصلاح، و احتج في المختلف لما ذهب اليه، قال: لنا ان المبيع لو تلف لكان من ضمان البائع فكذا أبعاضه و صفاته، لأن المقتضي لثبوت الضمان- في الجميع و هو عدم القبض- موجود في الصفات، ثم نقل عن الشيخ أنه احتج بأن الأصل ثبوت البيع و لزومه، و عدم التسلط بالأرش، و انما أوجبنا له الخيار بين الرد و القبول، لدفع الضرر اللاحق بإيجاب القبول فيبقى الباقي على الأصل.
ثم أجاب عنه بأن التزامه بأحد هذين نوع ضرر، إذ الحاجة قد مست إلى المعاوضة، و الا لم توجد، و التزامه جميع الثمن ضرر عظيم، لانه دفعه في مقابلة الجميع بصفاته فلا يجب دفعه عن البعض. انتهى.
89
و ما ذكره (رحمه الله) في تعليل ما اختاره، و كذا في الجواب عما نقله عن الشيخ و ان كان لا يخلو عن قوة، الا أن المسألة لما كانت عارية عن النص- سيما مع ما عرفت من أنه لا وجود للأرش إلا في صورة التصرف و أنه ليس له الرد، و انما له الأرش- أشكل الحكم بذلك.
و أما ما هو المشهور من أنه مع ظهور العيب مطلقا تقدم على العقد أو تأخر عنه فإنه مخير بين الرد و الأرش، فلم نقف له في الاخبار على أثر، و انما تضمنت الرد خاصة، كما قدمنا ذكره في خيار العيب.
و بالجملة فلتوقف في الحكم المذكور مجال، و ربما حمل الإجماع الذي ادعاه في الخلاف على عدم الأرش على إجماع العامة، و فيه ما لا يخفى.
و لو قبض بعضه ثم حدث في الباقي عند البائع حدث كان الحكم في الباقي ما تقدم في تجدد العيب بعد العقد و لو قبل القبض على أحد القولين، نظرا الى أن سبب الرد هو العيب الحادث في البعض، و قد حدث حين كون ذلك البعض مضمونا وحده، فيتعلق به وحده جواز الرد دون المقبوض.
و فيه أنه يستلزم تبعيض الصفقة المنهي عنه، و قيل: و هو الأظهر انه يتخير بين رد الجميع و أخذ أرش العيب (1).
و لو حدث فيه عيب بعد القبض يمنع من الرد بالعيب السابق، دون الأرش عند الأصحاب، و لم أقف فيه على نص.
قالوا: و لا فرق بين العيب الحادث بين كونه من جهة المشتري أو غير جهته
____________
(1) بناء على ما عرفت من ظاهر اتفاقهم على انه بظهور العيب السابق على العقد يتخير بين الرد و الأرش، و كذا ما هو المشهور في العيب المتأخر عن العقد قبل القبض كما عرفت، فان هذه المسألة من فروع تلك المسألة و قد عرفت ما في الأصل- منه (رحمه الله).
90
و استثنوا من ذلك ما لو كان المبيع حيوانا و حدث فيه العيب في الثلاثة من غير جهة المشتري، فإنه لا يمنع من الرد و لا الأرش لأنه حينئذ مضمون على البائع، و سيأتي الكلام في هذه المسألة.
قيل: و الظاهر ان كل خيار مختص بالمشتري كذلك.
و لو اشترى شيئين صفقة و علم بالعيب في أحدهما، لم يجز رد المعيب منفردا، لما يتضمنه من ضرر تبعيض الصفقة على البائع، و انما له ردهما معا- ان لم يتصرف فيهما و لا في أحدهما- أو أخذ أرش المعيب متى تصرف في أحدهما، و ان كان الصحيح، سقط رد المعيب، لأنهما بمنزلة مبيع واحد، و كذا الحكم فيما اشترى اثنان شيئا واحدا كان لهما رده أو إمساكه مع الأرش، و ليس لأحدهما رد نصيبه دون صاحبه، للزوم تبعيض الصفقة.
هذا هو المشهور في هذه الصورة.
و نقل عن الشيخ و جماعة: جواز التفرق في هذه الصورة، لجريانه مجرى عقدين بسبب تعدد المشترى، فان التعدد في المبيع يتحقق بتعدد البائع، و بتعدد المشترى، و بتعدد العقد، و لان العيب جاء من قبله حيث باع من اثنين، و ارتكب التشقيص، فان كل واحد منهما صار مشتريا للبعض، فهو بمنزلة البيعين. (1)
و أنت خبير بأن هذا انما يتم مع علمه بالتعدد، و حينئذ فلو قيل بالتفصيل- بين علمه بالتعدد فيجوز التفرق، و جهله بذلك، فليس لهما الا الاتفاق في الرد أو الأرش، كما اختاره العلامة في التحرير- لكان قريبا.
و ظاهر المحقق الأردبيلي الميل اليه، و كذا شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الا انه قال: و ان كان القول بالجواز مطلقا متوجها.
____________
(1) و أيده المحقق الأردبيلي بعدم ثبوت كون التشقيص عيبا مطلقا بالدليل، مع عموم دليل ثبوت الخيار بين الرد و الأرش- منه (رحمه الله).
91
و فيه ان الظاهر ان الجهل عذر شرعي كما مر تحقيقه في مقدمات الكتاب (1) على تفصيل فيه.
الثالثة [تقديم قول المشتري لو اختلفا في البراءة عن العيوب]
المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف انه إذا قال البائع: بعت بالبراءة، و أنكر المشترى، و لم يكن للبائع بينة فالقول قول المشترى بيمينه، للخبر المتفق عليه (2)
«البينة على من ادعى، و اليمين على من أنكر».
و لأن الأصل عدم صدور البراءة منه حتى يتحقق.
قال المحقق الأردبيلي (قدس سره)-، في شرح الإرشاد بعد ذكر نحو ما قلناه:
«و لا يلتفت الى ما في الخبر عن جعفر بن عيسى في مكاتبته الى أبى الحسن (عليه السلام) «فيقول له المنادي: قد برئت منها، فيقول له المشترى: لم أسمع البراءة منها، أ يصدق فلا يجب عليه الثمن، أم لا يصدق، فيجب عليه الثمن؟ فكتب: عليه الثمن».
لضعفه مع الكفاية، و مخالفة القاعدة» انتهى.
و العجب هنا من صاحب الكفاية حيث جعل هذا الخبر مؤيدا لعموم
«البينة على المدعى، و اليمين على من أنكره»
و هو على العكس من ذلك.
أقول: و المفهوم من سياق الخبر المذكور أن إنكار المشتري انما وقع مدالسة، لعدم رغبته في المبيع، و الا فهو عالم بتبرئ البائع، و الامام (عليه السلام) إنما ألزمه الثمن من هذه الجهة، و نحن قدمنا الخبر المذكور في خيار العيب، و لكن نعيده هنا إزاحة لثقل المراجعة، ليظهر لك صحة ما ادعيناه.
و هو ما رواه
الشيخ في التهذيب عن جعفر بن عيسى (3) قال: «كتبت الى أبى الحسن (عليه السلام) جعلت فداك المتاع يباع فيمن يزيد فينادي عليه المنادي،
____________
(1) ج 1 ص 77.
(2) الوسائل الباب- 3- من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى.
(3) التهذيب ج 7 ص 66.
92
فإذا نادى عليه بريء من كل عيب فيه، فإذا اشتراه المشترى و رضيه و لم يبق الا نقده الثمن فربما زهده، فإذا زهد فيه ادعى فيه عيوبا و أنه لم يعلم بها، فيقول له المنادي:
قد برئت منها، فيقول المشترى: لم أسمع البراءة منها أ يصدق فلا يجب عليه الثمن أم لا يصدق فيجب عليه الثمن؟ فكتب: عليه الثمن».
فإنه ظاهر في أنه عالم بالنداء بالبراءة، و أنه رضيه مع ذلك، الا أنه لما تجدد له زهده و عدم الرغبة فيه، ادعى عدم علمه بالعيوب و عدم سماعه النداء، فهذه الدعوى إنما نشأت من حيث زهده فيه و عدم رغبته، لا من حيث العيوب.
و حينئذ فلا يكون الخبر مخالفا للقاعدة المتفق عليها، و لا يحتاج الى طرحه، و كثيرا ما يحكمون (عليهم السلام) في بعض الأحكام بمقتضى علمهم بالحال، فكيف مع ظهور ذلك في السؤال.
الرابعة [أحكام التصرية]
- التصرية تدليس يثبت به الخيار بين الرد، و الإمساك بالثمن بلا أرش، كما في خيار التدليس في غير هذا الموضع و التصرية مصدر من قولك صريت إذا جمعت بين الصرى، و هو الجمع.
يقال: صرى الماء في الحوض إذا جمعه، (1) و صريت الشاة تصرية إذا تركت حبلها أياما حتى يجتمع اللبن في ضرعها، و الشاة مصراة و تسمى المصراة محفلة أيضا، و هو من الحفل، و منه قيل للمجمع: محفل.
و المراد هنا أن يربط إحلاف الشاة و نحوها يومين أو ثلاثة، فيجتمع اللبن في ضرعها، و يظن الجاهل بحالها أنها لكثرة ما تحلبه كل يوم، فيرغب في شرائها.
قال في المسالك: «و الأصل في تحريمه مع الإجماع النص
____________
(1) قال في المصباح المنير: و صرى الماء صريا طال مكثه، و يتعدى بالحركة فيقال: صريته صريا من باب رمى إذا جمعته فصار كذلك، و صريته بالتشديد مبالغة، منه (رحمه الله).
93
عن النبي (صلى الله عليه و آله) و هو من طرق العامة (1) و ليس في أخبارنا تصريح به، لكنه في الجملة موضع وفاق، انتهى.
أقول:
و روى الصدوق (عطر الله مرقده) في كتاب معاني الاخبار عن محمد ابن هارون الزنجاني على بن عبد العزيز عن أبى عبيد (2) رفعه إلى النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «لا تصروا الإبل و الغنم فإنه خداع، من اشترى مصراة فإنه بأحد النظرين، ان شاء ردها و رد معها صاعا من تمر.
و الظاهر أن الصدوق نقل هذا الخبر من طريق الجمهور، لعدم وجوده في كتب الاخبار، حسبما اعترف به شيخنا المتقدم ذكره.
و كيف كان فالكلام هنا يقع في مواضع، الأول- أنه إذا اختار الرد قالوا يرد معها لبنها الموجود وقت البيع، لانه جزء من المبيع، فإذا فسخ البيع رده، كما رد المصراة، فإن تعذر فمثله، و ان تعذر فقيمته وقت الدفع و مكانه.
أما اللبن المتجدد بعد العقد ففي رده وجهان، من إطلاق الرد في الاخبار، و من أنه نماء المبيع الذي هو ملكه، و العقد انما ينفسخ من حينه، قال في المسالك:
و هو الأقوى.
أقول: قد عرفت أنه لا نص في المسألة، كما اعترفوا به كيف يستند في الوجه الأول إلى إطلاق الاخبار.
اللهم ان يراد أخبار العامة، و فيه ما لا يخفى، و به يظهر قوة الوجه الثاني مضافا الى ما ذكره في تعليله.
ثم انه لو امتزج الموجود حالة البيع بالمتجدد صار شريكا و رجعا الى الصلح، و للشيخ قول بأنه مع ردها يرد معها ثلاثة أمداد.
____________
(1) سنن البيهقي ج 5 ص 318.
(2) الوسائل الباب- 13- من أبواب الخيار الرقم- 2 لكن عن القاسم ابن سلام بإسناد متصل.
94
و استدل له بعض المحققين (1)
بحسنة الحلبي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل اشترى شاة فأمسكها ثلاثة أيام ثم ردها، قال: ان كان في تلك الثلاثة الأيام يشرب لبنها رد معها ثلاثة أمداد، و ان لم يكن لها لبن فليس عليه شيء».
قال: و الرواية مختصة بصورة شرب اللبن، و لا يبعد العمل بمضمونها لحسنها مع اعتضادها بغيرها.
أقول: فيه أولا أن الشيخ انما حكم بذلك في المصراة، و ما تضمنه الخبر المذكور ليس كذلك، فلا يكون منطبقا على المدعى.
و ثانيا- ان الرواية المذكورة تضمنت جواز الرد بعد الثلاثة» و هو مخالف لمقتضى القاعدة المتفق عليها نصا و فتوى، و ان المشترى ليس له الخيار في الحيوان إلا في ضمن الثلاثة، و أما بعدها فلا، و حمل الرواية على كون الرد في الثلاثة بعيد عن مقتضى سياقها، و حاق لفظها.
و ثالثا- ان مقتضى كلامهم أنه بالعقد ينتقل الى ملك المشترى، فالمشتري في ضمن الثلاثة انما تصرف في ملكه، فكيف يضمنه، و يعطى بعد الرد ثلاثة أمداد عوضا عنه، (3).
و رابعا- أنه لا ريب في انه ضمن الثلاثة قد أنفق على الشاة ما لعله أكثر من قيمة لبنها، فكيف أهمل ذالك في الرواية، أو مثلها، و بالجملة فالاستناد في الحكم المذكور الى هذه الرواية مع ما عرفت لا يخلو من غفلة أو مسامحة.
و نقل عن الشيخ قول آخر، و هو انه: يرد معها صاعا من تمر أو بر، قيل: و هو
____________
(1) هو الفاضل الخراساني في الكفاية منه (رحمه الله).
(2) الوسائل الباب- 13- من أبواب الخيار الرقم- 1.
(3) أقول هذا الوجه الثالث إلزامي حيث أنهم يقولون بذلك و الا فقد عرفت من أخبار الحيوان أنه انما ينتقل للمشتري بعد الثلاثة كما تقدم تحقيقه منه (رحمه الله).
95
منصوص عن النبي (1) (صلى الله عليه و آله) من طرق العامة و لعله في رواية أخرى غير التي قدمنا نقلها عن الصدوق فإنها اشتملت على صاع التمر خاصة.
الثاني قد صرحوا بأنه لو ثبتت التصرية بإقرار البائع أو البينة قبل أن يحلبها ثبت له الخيار، و لا يحتاج الى الاختبار بمضي ثلاثة أيام لو لم يثبت ذلك.
و ربما صرح بعضهم بالفورية، لأن التصرية التي هي تدليس و موجبة لجواز الرد قد ثبتت، فيكون مقتضاها ايضا ثابتا، الا ان الظاهر من كلام بعض انه لا مانع من جواز الصبر و الاختبار، لاحتمال الارتفاع بهبة من الله عز و جل، فلا يثبت له بزوال الموجب، لأن التصرية غير موجبة من حيث هي هي، و انما هي موجبة من حيث الاستظهار بمعرفة ما فيه، مما يوجب زيادة الثمن و الرغبة.
قال في المسالك: فلو ثبت بإقرار البائع أو البينة جاز الفسخ قبل الثلاثة، لكن بشرط النقصان، فلو تساوت أو زادت هبة من الله تعالى فالأشهر زوال الخيار لزوال الموجب له مع احتمال بقائه، و مثله ما لو لم يعلم العيب حتى زال انتهى.
و نقل عن الشيخ في الخلاف انه قوى جواز الرد مع ثبوت التصرية و ان زالت، و صار اللبن زائدا كل يوم على لبن الأول، أو ساواه.
و في المبسوط صرح بسقوط الخيار كما هو المشهور. و لو لم يثبت بأحد الأمرين المتقدمين فلا بد من اختبارها ثلاثة أيام، فإن اتفقت فيها الحلبات عادة، أو زادت اللاحقة فليست مصراة، و ان اختلفت في الثلاثة و كان بعضها ناقصا عن الأول نقصانا خارجا عن العادة، و ان زاد بعد الثلاثة ثبت الخيار بعد الثلاثة بلا فصل على الفور.
الثالث- ظاهر الأصحاب الإجماع على ثبوت التصرية في الشاة، و المشهور ذالك أيضا في الناقة و البقرة، بل قيل: انه إجماع.
قال شيخنا في الروضة: فإن ثبت فهو الحجة، و الا فالمنصوص الشاة، و إلحاق غيرها بها قياس، انتهى.
____________
(1) سنن البيهقي ج 5 ص 318.
96
أقول: و أى نص هنا ورد في الشاة و بذلك اعترف «(قدس سره)» في المسالك، انه في الموضعين إنما التجأ إلى الإجماع، قال في الكتاب المذكور بعد قول المصنف (رحمه الله): و تثبت التصرية في الشاة قطعا، و في الناقة و البقرة على تردد، ما لفظه:
وجه التردد من عدم النص ظاهر عندنا على هذا الحكم، لكن الشاة محل وفاق فيحتمل إلحاق الناقة و البقرة بها، لمساواتهما لها في العلة الموجبة للخيار، و هي كون اللبن مقصود مع التدليس، كما ادعى الشيخ الإجماع على إلحاقها بها، فان ثبت فهو الحجة، و الا ففي إثبات الحكم المخالف للأصل، بغير النص و الإجماع إشكال.
ثم نقل عن ابن الجنيد، أنه طرد الحكم في سائر الحيوانات حتى الأدمي، قال و في بعض الاخبار من طرق العامة ما يدل عليه، و هو مناسب لمقابلة المدلس، و في الدروس انه ليس بذلك البعيد. انتهى.
و يظهر من المحقق الأردبيلي (عطر الله مرقده) الميل إلى إلحاق البقرة و الناقة في الموضع المذكور، لكن لا من حيث التصرية، بل من حيث التدليس و حصول الضرر المنفي عقلا و نقلا لو لم يتخير، قال في بيان وجه الإشكال في إلحاق الفردين المذكورين: و وجه الاشكال عدم وجود النص و الإجماع، و وجود العلة الموجبة في الشاة، فالثبوت ليس ببعيد، لما تقدم من العلة في الشاة، إذ لا نص، بل التدليس الموجب لذلك، و الا لزم الضرر المنفي عقلا و نقلا، مؤيدا بأخبار العامة، انتهى.
هذا خلاصة كلامهم في هذه المسألة.
و قد عرفت خلو أصل المسألة من المستند، و الظاهر أن أصل هذه المسألة انما هي في كلام العامة، لأنها مروية في أخبارهم، و الأصحاب كثيرا ما يستلقون الاخبار و الأحكام و الفروع من كتبهم.
قال المحقق الأردبيلي (قدس سره) في بعض مواضع البحث في هذه المسألة ما لفظه:
97
و الظاهر أنه لا دليل للأصحاب على رد الشاة و اللبن عينا أو مثلا أو قيمة بعد التصرف الموجب للسقوط، بل في هذه المسألة مما لا نص فيه للأصحاب، كما قال المصنف و الشارح و غيرهما، و انما هي مذكورة في بعض كتب العامة و أخبارهم.
و لهذا قالوا المراد برد اللبن رد اللبن الموجود حال البيع، و قبل أن تصير الشاة للمشتري، و هو بناء على مذهبهم من كون المبيع زمن الخيار ملك البائع فلا إشكال حينئذ، و لكن يشكل ذلك على مذهب الأصحاب بناء على ما تقرر عندهم (1) الى آخر كلامه زيد في مقامه و الله سبحانه العالم بأحكامه.
الرابع قد عرفت مما تقدم في المسألة الأولى انهم استثنوا من التصرف المسقط للرد بالعيب أمرين، ثانيهما حلب الشاة المصراة و هو مبنى على أن التصرية من قبيل العيوب.
و الظاهر من كلام جملة منهم أنها تدليس، و خيار العيب و أحكامه على حده، و خيار التدليس و أحكامه على حده و لا يدخل إحديهما في الأخر، و لهذا عد في اللمعة كلا منهما على حده و جعل التصرية في التدليس.
و المفهوم من كلامهم ان خيار حكم التدليس هو التخيير بين الرد و الإمساك بغير أرش، تصرف أو لم يتصرف متى ظهر التدليس، و حكم خيار العيب هو التخيير قبل التصرف، بين الرد و الإمساك بالأرش، و بعد التصرف ليس إلا الإمساك مع الأرش، و ليس له الرد.
و المفهوم من كلامهم أيضا ان التدليس انما هو عبارة عن اشتراط أمر زائد، ثم يظهر عدمه، و أما العيب فإنما يتعلق بذات المبيع مما يوجب نقصه و خروجه عن أمثاله أو أبناء نوعه.
____________
(1) أقول المراد بما تقرر عندهم ما تقدم ذكره من أن المبيع ينقل بالعقد الى ملك المشترى منه (رحمه الله).
98
و بالجملة فإنه متى جعلت التصرية من قبيل التدليس لم يتوجه الاستثناء الذي ذكروه كما عرفت و الله العالم.
الخامسة [عدم إطلاق العيب على الثيبوبة]
- أطلق جمهور الأصحاب (رضوان الله عليهم) أن الثيوبة ليست عيبا، نظرا الى أن أكثر الإماء لا يوجدون الاثيبات، فكانت الثيوبة بمنزلة الخلقة الأصلية، و ان كانت عارضة.
و استشكل ذلك في المسالك في الصغيرة التي ليست محل الوطي، فإن أصل الخلقة و الغالب في مثلها البكارة، فينبغي أن يكون الثيوبة عيبا.
قال: و نقل مثل ذلك في التذكرة عن بعض الشافعية، و نفى البأس عنه، و هو كذلك، بل يمكن القول بكونها عيبا مطلقا، نظرا الى الأصل، و هو ظاهر ابن البراج انتهى.
أقول: صورة عبارة التذكرة هكذا إطلاق العقد في الأمة لا يقتضي البكارة و لا الثيوبة، فلا يثبت الخيار بأحدهما مع الإطلاق.
و قال بعض الشافعية: الا أن تكون صغيرة، و كان المعهود في مثلها البكارة، و لا بأس به عندي، لأن البكارة أمر مرغوب اليه، و انما بذل المشترى المال بناء على بقائها على أصل الخلقة، فكان له الرد قضاء للعادة. انتهى.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه على المشهور لو اشترط البكارة فظهر كونها ثيبا حال البيع بالبينة، أو إقرار البائع، أو قرب زمان الاختبار لزمان البيع، بحيث لا يمكن تجدد الثيوبة فيه، فالمشهور أنه يتخير بين الرد و الإمساك، و ان جهل ذلك لم يكن له الرد، لان ذلك قد يذهب بالنزوة و العلة و نحو ذلك.
و قال الشيخ في النهاية: من اشترى جارية على أنها بكر فوجدها ثيبا لم يكن له ردها، و لا الرجوع على البائع بشيء من الأرش، لأن ذلك قد يذهب من العلة و النزوة انتهى.
99
و مثله ابن البراج في الكامل حيث قال: ان ابتاعها على أنها بكر فوجدها ثيبا لم يكن له ردها، و لا أرش في ذلك انتهى.
أقول: و يدل على هذا القول
موثقة سماعة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل باع جارية على انها بكر فلم يجدها على ذلك قال: لا ترد عليه و لا يجب عليه شيء، لانه يكون يذهب في حال مرض أو أمر يصيبها».
و العلامة في المختلف تأول كلام الشيخ بالحمل على ما إذا لم يعلم سبق الثيوبة على العقد، و على هذا يمكن حمل الرواية أيضا، و في التعليل اشعار بذلك.
و هل يثبت له الأرش مع اختيار الإمساك؟ الظاهر من كلام الأكثر ذلك.
و يدل عليه ما رواه
في الكافي و التهذيب عن يونس (2) «في رجل اشترى جارية على أنها عذراء فلم يجدها عذراء قال: يرد عليه فضل القيمة إذا علم أنه صادق».
و الظاهر أن وجوب الأرش هنا مبنى على العلم بالثيوبة حال البيع بأحد الوجوه المتقدمة، جمعا بينه و بين الخبر المتقدم، و الخبر الأول قد عرفت أنه محمول على الجهل بذلك.
قال: في الدروس: ان مع فوات الشرط يتخير بين الفسخ و الإمضاء بغير أرش إلا في اشتراط البكارة، فظهر سبق الثيوبة، فإن الأرش مشهور، و ان كانت رواية يونس به مقطوعة، و في المسالك الأقوى ذلك لان فواته مما يؤثر في نقصان القيمة تأثيرا بينا، ثم قال: و يحتمل العدم، لأن الأرش جزء من الثمن، و هو لا يوزع على الشروط انتهى.
و ظاهره في الكفاية التوقف هنا، و هو في محله، لعدم اسناد الرواية المذكورة الى الامام (عليه السلام)، و لو كانت مسندة لما كان عنها معدل.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 65 الكافي ج 5 ص 215 الرقم 11.
(2) الكافي ج- 5 ص 216 التهذيب ج 7 ص 64.
100
و نقل في المسالك عن بعض الأصحاب: أنه ذهب الى عدم التخيير بفوات البكارة مطلقا، يعنى مع الشرط و عدمه، و الظاهر أنه اشارة الى ما قدمنا نقله عن الشيخ في النهاية و ابن البراج في الكامل.
ثم انه لو انعكس الفرض بأن شرط الثيوبة فظهرت بكرا قيل: فالأقوى تخييره أيضا بين الرد و الإمساك، لكن بغير أرش، لجواز تعلق غرضه بذلك، لعجزه عن البكر و قيل: لا رد هنا لزيادة قيمة البكر.
السادسة الإباق الحادث عند المشترى
لا يرد به العبد، و انما يرد به إذا حصل عند البائع أو غيره من الملاك السابقين، و بالجملة حصوله قبل البيع، و هل يكفي في ثبوت ذلك حصوله و لو مرة واحدة؟
ظاهر جمع منهم ذلك و به صرح في التذكرة، و شرط بعض الأصحاب الاعتياد، قيل: و أقل ما يتحقق به مرتين.
و الذي وقفت عليه من الاخبار هنا ما رواه
الكليني و الشيخ في الصحيح عن أبى همام (1) قال: «سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: يرد المملوك من أحداث السنة من الجنون و الجذام و البرص، فقلت: كيف يرد من أحداث السنة قال:
هذا أول السنة و إذا اشتريت مملوكا به شيء من هذه الخصال ما بينك و بين ذي الحجة رددته على صاحبه، فقال له محمد بن على: فالإباق من ذلك، فقال: ليس الإباق من ذلك الا ان يقيم البينة أنه كان آبق عنده».
و ظاهر هذا الخبر أنه لا بد من ثبوت الإباق عند البائع، و أنه تكفي المرة الواحدة، كما صرح به في التذكرة.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 217 التهذيب ج 7 ص 63 الوسائل الباب 1- من أبواب أحكام العيوب الرقم- 2.
101
الا أنه
قد روى في التهذيب في الموثق عن محمد بن قيس (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قضى علي (عليه السلام) أنه ليس في إباق العبد عهدة الا أن يشترط المبتاع».
و روى في الكافي في الصحيح عن محمد بن قيس (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «ليس في الإباق عهدة».
و الظاهر أن المراد بالعهدة هنا الخيار، لما في حديث يونس (3) ان العهدة في الحيوان وحده إلى سنة و في حديث عبد الله بن سنان (4) «و عهدته يعني الرقيق السنة» و حينئذ فمقتضى الخبرين المذكورين بعد الجمع بينهما لحمل مطلقهما على مقيدهما هو أنه لا خيار في الإباق الا أن يشترط المشترى عدم ذلك و هو مشكل، لما عرفت من كلام الأصحاب مما ظاهرهم الاتفاق عليه، مع الصحيحة المتقدمة، و لم أطلع على من تعرض لذكر هذين الخبرين في المقام، فضلا عن الجواب عنهما، قالوا و لو تجدد عند المشترى في الثلاثة فهو كما لو وقع عند البائع.
السابعة [عدم الخيار بالعيب الذي جرت العادة بمثله]
- المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم)، أنه إذا اشترى زيتا أو بذرا (5) أو نحوهما فوجد فيه ثفلا فان كان مما جرت العادة بمثله لم يكن له رد و لا أرش، و كذا لو كان كثيرا و علم به قبل البيع. و في حسنة ميسر. المتقدمة في قسم العيب التفصيل بنحو آخر.
قال: ان كان المشترى يعلم أن الدردي يكون في الزيت فليس عليه أن يرده،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 237.
(2) الوسائل الباب- 10- من أبواب العيوب.
(3) الوسائل الباب- 2- من أبواب أحكام العيوب الرقم- 5.
(4) الكافي ج 5 ص 172.
(5) البذر هو دهن الكتان و هو على حذف مضاف أى دهن البذر و الثفل بالضم و السافل ما استقر تحت الشيء من الكدر- منه (رحمه الله).
102
و ان لم يكن يعلم فله أن يرده، و يمكن إرجاع الرواية الى ما ذكروه بمعنى أنه ان كان يعلم أن هذا بحسب العادة مما يكون في الزيت و نحوه لم يكن له الرد، و الا فله، الا أنه يبقى فرد آخر و هو ما إذا لم يعلم ذلك و ظن أنه خالص من الثفل.
و الأقرب أن الحكم فيه ما ذكره الأصحاب، تنزيلا للعادة منزلة العلم بذلك، كما في كثير من المواضع، و نظرا الى ان مثل ذلك هنا ليس عيبا، لاقتضاء طبيعة الدهن كون ذلك فيه غالبا.
الا انه ربما أشكل ذلك فيما لو كان كثيرا و علم به، باعتبار الجهل بقدر المقصود بالذات الموجب للغرر، و المشاهدة في مثل ذلك غير كافية.
و يمكن اندفاع ذلك بان معرفة مقدار الجميع كافية، كما في معرفة مقدار السمن بظروفه جملة من دون العلم بالتفصيل، و نحوه التراب في الحنطة و الشعير و نحوهما و التبن في الأولين، و أما ما عدا ذلك فلا إشكال في كونه عيبا يترتب عليه أحكامه.
الثامنة [اختلاف المتبايعين في زمان حصول العيب]
- إذا قال المشترى: هذا العيب كان عند البائع، و أنكر البائع ذلك فالقول قول البائع مع يمينه عملا بالقاعدة المنصوصة، و لأصالة عدم التقدم الا ان يكون للمشتري بينة أو شاهد حال.
و المراد بشاهد الحال نحو زيادة الإصبع و اندمال الجرح مع قصر زمان البيع، بحيث لا يحتمل تأخره عادة.
و يعتبر في شاهد الحال هنا كونه مفيدا للقطع، فيقدم قول المشتري حينئذ بغير يمين، و لو شهد الحال للبائع كذلك، كطراوة الجرح مع تطاول زمان البيع فلا يمين عليه ايضا، و حيث يفتقر البائع إلى اليمين، فلا بد أن يحلف على القطع بعدم العيب، لا على عدم العلم، ان كان اختبر المبيع قبل البيع، و اطلع على خفايا أمره، كما يشهد بالقطع على الاعتبار، و بالعدالة و غيرهما مما يكتفى فيه بالاختبار، الظاهر، و لو لم يكن اختبره ففي جواز حلفه على القطع، عملا بأصالة
103
العدم و اعتمادا على ظاهر السلامة نظر، و استقرب في التذكرة هنا الاكتفاء بالحلف على نفى العلم، و استحسنه في المسالك لاعتضاده بأصالة عدم التقدم، فيحتاج المشترى الى إثباته.
التاسعة [إذا اشترى أمة لا تحيض في ستة أشهر و مثلها تحيض]
قالوا إذا اشترى أمة لا تحيض في ستة أشهر و مثلها تحيض كان ذلك عيبا، لانه لا يكون الا لعارض غير طبيعي.
أقول: هذا قول الأكثر، و عليه تدل
رواية داود بن فرقد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية مدركة فلم تحض عنده حتى مضى لها ستة أشهر و ليس بها حمل، فقال: ان كان مثلها تحيض و لم يكن ذلك من كبر فهذا عيب ترد منه».
و أنت خبير بأنه و ان اشتمل السؤال على تأخر الحيض ستة أشهر، الا أن الجواب لم يتقيد به، فإنه (عليه السلام) انما علق الحكم على حيض مثلها، و أراد به نفى الصغر و اليأس، و ان كان ذلك مستفادا من الإدراك، فإن من المعلوم ان من كانت كذلك فان مثلها تحيض في تلك المدة، و حينئذ فلو قيل بثبوت الخيار متى تأخر حيضها عن عادة أمثالها في تلك البلاد من غير تقييد بالستة الأشهر كان حسنا.
و يظهر من ابن إدريس على ما نقله عنه في المسالك نفى الحكم رأسا، و إنكار كون عدم الحيض عيبا، و الرواية به صريحة في رده كما عرفت.
ثم ان ما دل عليه الخبر، من جواز الرد بعد ستة أشهر مما لا اشكال فيه إذا لم يتصرف تصرفا موجبا لسقوط الخيار كما تقدم، و أما مع التصرف فظاهر الخبر كونه كذلك أيضا، فإن عدم التفصيل دليل على العموم، في أمثال هذا المقام، و يؤيده أن العادة قاضية بأنه لا تمضى على المملوك قدر هذه المدة من غير تصرف، بأن يأمره مولاه افعل كذا و افعل كذا من الأغراض و المطالب التي تتعلق غرض السيد بها و هو مشكل، لقيام الأدلة كما عرفت سابقا على أن التصرف مسقط للخيار، الا أن يقال:
____________
(1) الكافي ج 5 ص 213.
104
باستثناء هذا العيب للرواية المذكورة.
العاشر [رد المملوك من أحداث السنة]
- قد صرح الأصحاب و به نطقت الأخبار بأنه يرد المملوك من أحداث السنة، بمعنى أن هذه الأمراض إذا حدثت ما بين الوقت البيع الى تمام السنة كان للمشتري رد المملوك بها، و ان لم يكن الرد في السنة، لأن خيار العيب ليس على الفور.
و يؤيده رواية أسباط الاتية، و عدها بعضهم بالجنون و الجذام و البرص، و زاد بعض القرن، و الذي وقفت عليه من الاخبار هنا صحيحة أبي همام (1) المتقدمة قريبا في المسألة السادسة، و قد تضمنت الثلاثة المتقدمة.
و منها ما رواه
الشيخ في الصحيح عن محمد بن على (2) و هو مجهول، و ان احتمل بعض مشايخنا كونه الحلبي قال: «سمعت الرضا- (عليه السلام) يقول: يرد المملوك من أحداث السنة من الجنون و الجذام و البرص و القرن، قال: فقلت: و كيف يرد من أحداث السنة؟ قال: فقال: هذا أول السنة- يعني المحرم- فإذا اشتريت مملوكا فحدث فيه من هذه الخصال ما بينك و بين ذي الحجة رددته على صاحبه».
و ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي (3) و الشيخ في التهذيب (4) عن ابن فضال عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) «أنه قال: ترد الجارية من أربع خصال: من الجنون و الجذام و البرص و القرن و الحدبة» كذا في التهذيب، و في الكافي- و القرن الحدبة الا أنها تكون في الصدر تدخل الظهر و تخرج الصدر».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 63.
(2) التهذيب ج 7 ص 64.
(3) الكافي ج 5 ص 216.
(4) التهذيب ج 7 ص 64.
105
و ما رواه
في الكافي عن على بن أسباط عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: الخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري، و في غير الحيوان أن يتفرقا و احداث السنة ترد بعد السنة، قلت: و ما أحداث السنة؟ قال الجنون و الجذام و البرص و القرن، فمن اشترى فحدث فيه هذه الأحداث فالحكم أن يرد صاحبه الى تمام السنة من يوم اشتراه».
و ما رواه
الصدوق في كتاب الخصال في الموثق عن ابن فضال (1) عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: «في أربعة أشياء خيار سنة، الجنون و الجذام و البرص و القرن».
و أكثر هذه الاخبار قد اشتمل على هذه الأربعة، فيجب حمل ما عداها عليها.
بقي الكلام هنا في مواضع: الأول- ذكر الحدبة في رواية ابن فضال على تقدير رواية الكافي الظاهر أنه تفسير للقرن، و هو خلاف المعروف، لان القرن كما هو المشهور بين الفقهاء و اللغويين هو شيء كالسن يكون في باطن الفرج يمنع من الجماع، و على تقدير رواية التهذيب يكون معطوفة على الأربع المذكورة، و هو بعيد أيضا، لخلو الأخبار المذكورة في المسألة عن ذلك: سيما مع اختلاف الكتابين في ذلك.
و قيل: ان المراد به أن القرن و الحدبة يشتر كان في كونهما بمعنى النسق، لكن أحدهما في الفرج و الأخر في الصدر، و لا يخفى ما فيه، و بالجملة فإنه يشكل الاعتماد على هذه الرواية في عد الحدبة.
الثاني ظاهر المحقق الأردبيلي هنا الاستشكال في عد القرن في جملة هذه العيوب، لعدم عده في صحيحة أبي همام المقطوع بصحتها، و عدم ظهور القول به.
و أنت خبير بما فيه، فان روايات المسألة كلها عدا الصحيحة المذكورة قد اشتملت عليه، و رد هذه الاخبار كلها باعتبار خلو تلك الرواية عنه مع إمكان تقييدها
____________
(1) الوسائل الباب- 2- من أبواب أحكام العيوب الرقم- 7.
106
بهذه الاخبار بعيد، فإن غاية الأمر أنها مطلقة، لا أن فيها ما يدل على نفيه، لتحصل المخالفة الموجبة لترجيحها لصحتها، بناء على هذا الاصطلاح الذي بنى عليه.
و أما قوله لعدم ظهور القول به، فان فيه أن الشهيد في الدروس قد عده في جملة هذه الأربعة، بل قال في المسالك و المشهور ثبوت الحكم للأربعة المذكورة في رواية على بن أسباط، مع أن منها القرن كما عرفت.
ثم ان المحقق المذكور استشكل أيضا في عد البرص هنا، لورود أن العهدة فيه ثلاثة أيام في
حسنة عبد الله بن سنان، (1) و هي ما رواه عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: عهدة البيع في الرقيق ثلاثة أيام ان كان بها خبل أو برص أو نحو هذا، و عهدته السنة من الجنون فما بعد السنة فليس بشيء».
و أقول: و الاشكال هنا ظاهر، الا أن الأظهر هو العمل بهذه الأخبار الكثيرة التي فيها الصحيح باصطلاحهم، سيما مع اعتضادها باتفاق الأصحاب على عد البرص منها، و يحتمل و ان بعد ان لفظ البرص في الحسنة المذكورة تحريف «مرض» من بعض الرواة، فإن قرب التحريف بين أحد هذين اللفظين إلى الأخر مما لا ينكر.
الثالث- ظاهر هذه الاخبار الرد في المدة المذكورة و ان تصرف، إذ يبعد كل البعد أن يشترى الإنسان مملوكا و يبقى مدة سنة لا يأمره بفعل و لا يكلفه بشيء يوجب التصرف، مع ما علم علما يقينا من أن اشتراء المماليك انما هو للخدمة و الانتفاع بهم في وجوه المنافع المترتبة عليهم، و المفهوم من كلام الأصحاب هنا تقييد الخيار في هذه المدة بعدم التصرف، فلو تصرف فليس له الأرش عملا بالقاعدة المتقدمة في العيب (2).
____________
(1) الكافي ج 5 ص 172.
(2) قال في الدروس بعد عد الأربعة المذكورة، و هذه الأربعة يرد بها الرق، و لو تجددت ما بين العقد و السنة ما لم يتصرف و الا فالأرش. انتهى و نحوه العلامة في القواعد و الإرشاد و غيرهما منه (رحمه الله).
107
و أنت خبير بما فيه من البعد، بالنظر الى ظواهر هذه الاخبار، بالتقريب الذي ذكرناه، و ليس في شيء من هذه الاخبار إشارة فضلا عن التصريح الى التقييد بعدم التصرف، ضمن هذه المدة المذكورة، و حينئذ فلا يبعد استثناء هذه العيوب من قاعدة عدم جواز الرد مع التصرف، و ليس تقييد هذه الاخبار بعدم التصرف كما هو ظاهر كلامهم بأولى من تقييد الأردبيلي تلك بعدم هذه العيوب و الى ما ذكرنا يميل كلام المحقق الأردبيلي (قدس سره).
الرابع- قد استشكل شيخنا الشهيد الثاني هنا في حكم الجذام، حيث قال بعد أن ذكر أن المشهور ثبوت الحكم للأربعة: و لكن يبقى في حكم الجذام إشكال، فإنه يوجب العتق على المالك قهرا كما سيأتي، و حينئذ فإن كان حدوثه في السنة دليلا على تقدمه على البيع، لما قيل في تعليل الرد بهذه الأحداث: ان وجودها في السنة دليل على حدوثها قبل البيع، لأنها تكن في البدن سنة، ثم تخرج، فيكون عتقه على البائع، فيكشف ظهوره عن بطلان البيع، فلا يتجه الخيار.
و ان حمل على الظاهر كان حدوثه في ملك المشترى موجبا لعتقه قبل أن يختار الفسخ، إذ ليس له اختيار حتى يتحققه، و متى تحققه حكم بعتقه شرعا قبل الفسخ فيشكل جوازه بعد العتق، و قد تقدم نظيره.
و يمكن حله بان الحكم بعتقه بالجذام مشروط بالفعل، كما هو ظاهر النص، و لا يكتفى بوجوده في نفس الأمر، فلا يعتق على البائع قبل بيعه، لعدم ظهوره، و لا بعده قبل الفسخ، لعدم ملكه، و عتقه على المشترى موقوف أيضا على ظهوره، و هو متأخر عن سبب الخيار، فيكون السابق مقدما، فيتخير، فان فسخ عتق على البائع بعده، و ان اختار الإمضاء عتق على المشترى بعده، فينبغي تأمل ذلك. انتهى.
أقول: ما ذكره (قدس سره) في تعليل عدم انعتاقه على البائع جيد لما ذكره، و انما الإشكال فيما ذكره من عدم عتقه على المشترى، و تعليله ذلك بأن انعتاقه على المشترى موقوف على ظهوره، و هو متأخر عن سبب الخيار، فانى لا أعرف له
108
وجها وجيها، إذ لا يخفى أن سبب الخيار انما هو ظهور هذه العيوب المذكورة، كما تنادي به الاخبار المتقدمة (1) و لا أعرف له سببا غير الظهور، فكيف يتم قوله، ان الظهور متأخر عن سبب الخيار، و يترتب على ذلك ما ذكره من حصول الخيار له، لتقدم سببه على سبب العتق، و بالجملة فإني لا أعرف لما ذكره (قدس سره) وجها و لعله لضعف فهمي القاصر.
و يمكن أن يجاب بأن الانعتاق بالجذام و نحوه، انما هو في الملك المستقر الذي لا يتعقبه خيار و لا فسخ، و ما نحن فيه ليس كذلك، فإنه مراعى بمضي السنة سالما من العيوب المذكورة، إذ مع ظهورها في هذه المدة فله رده، فهو غير مستقر، و ملخص البحث أن هذه الروايات مع كثرتها و صحة بعضها صريحة في الرد بهذه العيوب التي من جملتها الجذام، و قد اتفقت على الرد به، على أن ما ذكروه من الخيار في الصورة المذكورة سيأتي إنشاء الله تعالى في المقام ما فيه.
ما روى في الانعتاق بالجذام انما هو رواية السكوني (2) و ان كان ظاهرهم الاتفاق على القول بها، و هي تضعف عن معارضة هذه الاخبار لو ثبتت المعارضة و المنافاة، فالواجب هو العمل بهذه الاخبار و حمل رواية السكوني على استقرار الملك.
____________
(1)
لقوله (عليه السلام) في بعضها «فإذا اشتريت مملوكا فحدث فيه من هذه الخصال ما بينك و بين ذي الحجة رددته».
و في آخر «فمن اشترى فحدث فيه هذه الأحداث فالحكم أن يرده على صاحبه الى تمام السنة».
و هي كما ترى ظاهرة في أن سبب الرد هو ظهور شيء من ذلك كما ذكرناه منه (رحمه الله).
(2) الكافي ج 6 ص 189 الفقيه ج 3 ص 84 الوسائل الباب 23 من أبواب العتق الرقم 2.
109
و بذلك يظهر ما في قوله تفريعا على ما قدمه، فان فسخ عتق على البائع بعده، و ان اختار الإمضاء عتق على المشترى بعده، و أين هذا التفصيل من ظاهر الاخبار المذكورة، و هي انما تضمنت الرد بظهور أحد هذه العيوب خاصة، و بالجملة فالمسألة غير خالية عن شوب الاشكال.
الخامس- ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو أنه بظهور أحد هذه العيوب ضمن السنة فإنه يتخير بين الرد و الأخذ بالأرش، كما هو قضية خيار العيب، و الروايات المذكورة على كثرتها انما تضمنت للرد خاصة، و هي موافقة للروايات التي قدمناها في خيار العيب حيث انها تضمنت الرد خاصة، و أما الأرش فإنما هو في صورة التصرف المانع من الرد.
و يظهر من التحقق الأردبيلي (قدس سره) الموافقة لنا هنا- فيما فهمناه من أخبار المسألة حيث قال هنا في تقييد المصنف الرد بعدم التصرف و معه الأرش خاصة- ما لفظه: و أما انه إذا تصرف فليس له الا الأرش فلا يجوز الرد، و قبله كان مخيرا، فلما تقدم و ثبت عندهم ان الرد يسقط مع التصرف في العيب مطلقا دون الأرش، إلا ما استثنى، و ليس هذا منه.
و قد مر الإشارة الى أنى ما رأيت دليلا صحيحا صريحا في التخيير مطلقا، و لكن يظهر عدم الخلاف منهم، و هم أعرف. انتهى.
و أشار بقوله و قد مر الإشارة الى آخره الى ما ذكره سابقا في خيار العيب من المناقشة في عدم دليل يدل على الخيار بين الرد و القبول مع الأرش بعد ظهور العيب، و عدم وجوب شيء من مسقطات الخيار.
حيث قال- بعد المناقشة لهم في المقام بما يطول به الكلام- ما لفظه: نعم يوجد في الاخبار ما يدل على الرد بالعيب قبل الحدث، و التصرف و الأرش بعده، مع عدم البراءة من العيوب. انتهى.
و هو جيد كما أسلفناه ذكره ثمة، إلا أنك قد عرفت مما قدمنا في خيار العيب
110
دلالة ظاهر عبارة كتاب الفقه الرضوي (1) على ما ذكره الأصحاب، فلعلها كانت هي المستند، و ان غفل عنها المتأخرون، لعدم وصول الكتاب إليهم، و قد ذكرنا في غير موضع من كتب العبادات نظائر لذلك تدفع الاستبعاد.
و أنت خبير بان هذا الكلام و ان كان الأنسب به بحث خيار العيب، إلا انا لم نقف عليه في كلام المحقق المذكور الا بعد الوصول الى هذا المكان، فذكرناه هنا مؤيدا لما فهمناه من الاخبار الواردة في المسألة ما سبق، و ما هنا، و الله العالم.
الحادي عشر- إذا حدث في الحيوان عيب بعد القبض من غير جهة المشترى، و قبل انقضاء الثلاثة
، فالأقرب أنه يجتمع الخياران للمشتري، و ان بقي خيار العيب بعد الثلاثة، إذ لا يتقيد خيار العيب بالثلاثة.
و المنقول عن المحقق- في الدرس على ما نقله في الدروس- أنه ليس له الرد إلا بأصل الخيار، لا بالعيب، و يشير اليه قوله- في الشرائع،- و ما يحدث في- الحيوان بعد القبض و قبل انقضاء الخيار، فلا يمنع الرد في الثلاثة (2).
قال في المسالك: المفهوم من قوله لا يمنع الرد و جعل الثلاثة ظرفا له،- أن الرد بخيار الثلاثة لا بهذا العيب الحادث، و وجه عدم منعه من ذلك ظاهر، لان العيب الحادث في الثلاثة من غير جهة المشتري مضمون على البائع كالعيب السابق، فلا يكون مؤثرا في رفع الخيار، و هذا هو المنقول من مذهب المصنف
____________
(1) ص 64.
(2) قال في الدروس و لو حدث في المبيع عيب غير مضمون على المشترى لم يمنع من الرد، و ان كان قبل القبض أو في مدة خيار المشترى المشروط أو الأصل فله الرد ما دام الخيار، و لو خرج الخيار ففي الرد خلاف بين ابن نما و تلميذه المحقق، فجوزه ابن نما، لانه من ضمان البائع، و منعه المحقق، لان الرد لمكان الخيار، و قد زال. انتهى و الناقل ذلك- في الدرس- الشهيد (رحمه الله)- في اللمعة، منه (رحمه الله).
111
في المسألة، (1) و المنقول عن ابن نما و هو شيخ المحقق أن الخيار في المسألة المذكورة بالعيب الحادث بالتقريب المذكور آنفا، و هو كون هذا العيب الحادث كالعيب السابق مضمونا على البائع، فكما يتخير المشترى، بالسابق يتخير بهذا أيضا بين الرد و الأخذ بالأرش.
و تظهر فائدة الخلاف في ثبوت الخيار بعد تمام الثلاثة و عدمه، فعلى الأول يرتفع، دون الثاني، لما عرفت من ان خيار العيب لا يتقيد بالثلاثة، و غاية ما يلزم حصول الخيار في الثلاثة بعلتين من العيب، و كون المبيع حيوانا، و هو غير مانع، فان علل الشرع ليست عللا حقيقية يمتنع اجتماعهما، و انما هي معرفات كما في اجتماع خيار المجلس و الحيوان، و الشرط و الغبن و العيب، فإنه يمكن اجتماعها على عين واحدة.
و كذا تظهر الفائدة هنا فيما لو شرط إسقاط بعضها، فلو أسقط الخيار الأصلي أو المشترط فله الرد بالعيب على قول ابن نما دون قول المحقق، قال في المسالك:
و قول ابن نما هنا أوجه.
و قال في الروضة و الأقوى التخيير بين الرد و الأرش كالمتقدم، لاشتراكهما
____________
(1) أقول: و يزيده إيضاحا أنه قد منع في هذا الموضع أنه ليس له الرد الا بالخيار دون العيب، مع أنه صرح في الشرائع بأن الحدث الموجب لنقص الحيوان في الثلاثة من مال البائع و كذا التلف مع حكمه بعد ذلك بلا فصل بعدم الأرش فيه، و هذا مما ينافي كلامه المتقدم، فان مقتضاه إسقاط ما يترتب على العيب بالكلية، و هذا الكلام يقتضي أنه بالعيب و التلف مضمون على البائع، كالجملة، لزم منه الحكم بالأرش، إذ لا معنى لكون الجزء مضمونا الا ثبوت أرشه، لأن الأرش عوض الجزء الفائت أو التخيير بينه و بين الرد كما أن ضمان الجملة يقتضي الرجوع بمجموع عوضها، و هو الثمن. منه (رحمه الله).
112
في ضمان البائع و عدم المانعية من الرد، و هو المنقول عن شيخه نجيب الدين ابن نما. انتهى.
و منه يعلم وجه الا وجهية الذي ذكره في المسالك.
ثم ان ظاهر عبارة القواعد هنا الموافقة لما ذكره المحقق، حيث قال: و كل عيب يحدث في الحيوان بعد القبض و قبل انقضاء الخيار فإنه لا يمنع الرد في الثلاثة قال المحقق الشيخ على: و الخيار الواقع في العبارة يراد به خيار الحيوان، و كذا كل خيار مختص بالمشتري انتهى. و لم ينقل هنا في المسألة خلافا، و لعله لعدم الوقوف على ما نقل عن ابن نما هنا.
الثانية عشر [تعداد العيوب في المملوك]
- عد العلامة في القواعد العيوب في هذا المقام، فقال: و حقيقته- يعنى العيب- هو الخروج عن المجرى الطبيعي، لزيادة أو نقصان موجب لنقص المالية، كالجنون، و الجذام، و البرص، و العمى، و العور، و العرج، و القرن، و الفتق، و الرتق، و القرع، و الصمم، و الخرس، و أنواع المرض سواء استمر، كما في الممراض، أولا كالعارض و لو حمى يوم، و الإصبع الزائدة، و الحول، و الخوص، و السبل، و هو زيادة في الأجفان، و التخنيث، و كونه خنثى. و الجب و الخصاء و ان زادت بهما قيمته، و بول الكبير في الفراش، و الإباق، و انقطاع الحيض ستة أشهر و هي في سن من تحيض، و الثفل الخارج عن العادة في الزيت أو البزر، و اعتياد الزنا و السرقة، و البخر و الضناء (1) الذي لا يقبل العلاج، و كون الضيعة منزل الجنود، و ثقيل الخراج، و استحقاق القتل بالردة أو القصاص، و القطع بالسرقة أو الجناية، و الاستسعاء في الدين، و عدم الختان في الكبير دون الصغير و الأمة، و المجلوب من بلاد الشرك مع علم المشترى بجلبه.
____________
(1) قال في مصباح المنير: ضني من باب تعب مرض مرضا ملازما حتى أشرف على الموت فهو ضن بالنقص، و الضناء بالفتح و المد اسم منه على آخوندى.
113
و الثيوبة ليست عيبا، و لا الصيام و لا الإحرام، و لا الاعتداد، و لا التزويج و لا معرفة الغناء و النوح، و لا العسر على اشكال، و لا الكفر، و لا كونه ولد زنا و ان كان جارية، و لا عدم المعرفة بالطبخ أو الخبز، و غيرهما، انتهى.
و زاد في الدروس الحدب في الظهر و الصدر، و السلع، و عدم شعر الركب قال: و هي قضية ابن أبى ليلى مع محمد بن مسلم، و الحبل في الأمة، دون الدابة، و الخيانة، و الحمق البين، و شرب المسكر، و النجاسة في غير قابل التطهير، أو فيه إذا احتاج زوالها الى مؤنة و اقتضى نقصا في المبيع، و كونه لزنية، و كونه أعس على الأقرب.
ثم قال: أما الكفر و الغناء و عدم معرفة الصنائع، و كونه محرما أو صائما، أو حجاما أو حائكا فليس بعيب، ثم قوى كون الكفر عيبا، وفاقا لابن الجنيد و الشيخ في أحد قوليه.
و نقل في الدروس عن الشيخ أنه لم يجعل البخر في الرقيق، و لا بول الكبير في الفراش و لا الزنا عيبا، و كذا عدم الختان مطلقا.
أقول: و المراد بالخروج عن المجرى الطبيعي: أي كل ما يزيد أو ينقص عن أصل الخلقة التي خلق عليها أكثر ذلك النوع و أغلبه، و في اندراج ثقيل الخراج و منزل الجنود الذي عده هنا في ذلك محل اشكال، لاختصاص ما ذكره بالحيوان الا أن يراد بعبارته ما هو أعم مما ذكر، و مما جرى به العادة الغالبة، ليكون على نهج مقتضى الطبيعة.
ثم ان في تقييده بكونه موجبا لنقص المالية كما ذكره في التذكرة أيضا إشكال لانتقاض ذلك بالخنثى و المجبوب و عدم الشعر على العانة فإنها عيوب، مع أنها موجبة لزيادة المالية، فكان الأظهر أن يقيد العبارة بقوله غالبا، و لهذا ان جملة من الأصحاب لم يذكروا هذا القيد، كالمحقق في الشرائع، و هو (قدس سره) في القواعد و غيره، و من ثم استشكل جملة منهم في الأرش في هذه العيوب الثلاثة،
114
حيث أن العلة في الأرش النقصان، و هو منتف هنا.
و القرن- في نهاية ابن الأثير- بسكون الراء: شيء يكون في فرج المرأة كالسن يمنع من الوطي، و يقال له: العفل، و في كتاب الجمهرة لابن دريد بالتحريك قال: و امرأة قرناء، و هي التي يظهر قرنة رحمها من فرجها، و هو عيب، و الاسم القرن، و ضبطها ضبطا معتمدا محركة.
و الفتق: بالتحريك على ما ذكره في النهاية قال: الفتق بالتحريك انفتاق المثانة، و قيل: انفتاق الصفاق إذا دخل في فراق البطن، و قيل هو أن ينقطع اللحم الذي على الأنثيين.
قال بعض المحققين: و ضبطه في الغريبين بالتحريك أيضا، قال: هكذا أقرأنيه الأزهري، و على حاشية الفائق بخط بعض الأفاضل ان هذا و هم و افتراء على الأزهري، و أنه وجد بخطه بالإسكان و عليه صح انتهى.
و الرتق: على ما ذكره جملة من أهل اللغة بالتحريك- هو أن يكون الفرج ملتحما ليس فيه للذكر مدخل، و رتقت المرأة رتقا من باب تعب، فهي رتقاء إذا انسد مدخل الذكر من فرجها، فلا يستطاع جماعها.
و القرع: بالتحريك قال في الجمهرة: و قرع رأس الإنسان يقرع: إذا انحات شعره. الذكر أقرع، و المرأة قرعاء.
و الحرض (1): قال في كتاب المصباح المنير: حرض حرضا من باب تعب أشرف على الهلاك فهو حرض تسميه بالمصدر مبالغة.
و الحول قال في القاموس: الحول محركة ظهور البياض في مواخر العين، و يكون السواد من قبل الماق، أو إقبال الحدقة على الأنف، أو ذهاب حدقتها قبل
____________
(1) لم يذكر هذا في صدر المسألة في كلام العلامة، و كأنه سقط هناك من النسخ التي عندنا و الله اعلم. منه (رحمه الله).
115
مؤخرها، أو أن تكون العين كأنما تنظر الى الحجاج، أو ان تميل الحدقة إلى اللحاظ و في كتاب الجمهرة حول الرجل حولا إذا كان أحد سواد عينيه في موقه، و الأخر في لحاظه. و في كتاب مجمع البحرين: و رجل أحول العين و حولت عينه، و احولت ايضا بالتشديد.
و الخوص بالخاء المعجمة و الصاد المهملة، قال في كتاب مصباح المنير:
(الخوص) مصدر من باب تعب، و هو ضيق العين و غورها، و في القاموس الخوص بالخاء المعجمة. محركة غؤور العينين، حوص كفرح فهو أخوص، و بالمهملة محركة: ضيق في مؤخر العين أو في إحداهما. حوص كفرح فهو أحوص.
و السبل: و قد فسره المصنف بأنه زيادة في الأجفان، و قال في القاموس و السبل غشاوة العين من انتفاخ عروقها الظاهرة في سطح الملتحمة، و ظهور انتساج شيء فيما بينهما كالدخان.
و التخنيث: أى كونه مخنثا ممكنا من نفسه، و هو من أقبح العيوب.
و الجب: قال في القاموس: الجب القطع كالجباب، و الاجتباب و استئصال الخصية.
و الخصاء قال في القاموس: و خصاه خصا سل خصيتيه، فهو خصى و مخصي، و في الصحاح: خصيت الفحل خصاء ممدودا إذا سللت خصيتيه.
و السلعة: قال في كتاب المصباح المنير: السلعة خراج كهيئة الغدة يتحرك بالتحريك، قال الأطباء: هي ورم غليظ غير ملتزق باللحم، يتحرك عند تحريكه، و لها غلاف و تقبل التزايد، لأنها خارجة عن اللحم. و لهذا قال الفقهاء: يجوز قطعها عند الأمن. انتهى.
و العس و الاعس: هو قوة اليد اليسرى على ما تقوى عليه اليمنى مع ضعف اليمنى، و وجه الإشكال في كلام العلامة المشار إليه بالأقربية في عبارة الدروس،
116
من أن المطلوب من المنافع حاصل، و من خروجه عن المجرى الطبيعي الذي تضمنته رواية محمد بن مسلم، و وجه الأقربية التي ذكرها في الدروس ظاهر لدخوله تحت الرواية المذكورة.
أقول: و الأصل في هذه المسألة
قول النبي (صلى الله عليه و آله) في رواية محمد بن مسلم المتقدمة في خيار العيب (1) «كلما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب».
مضافا الى ما ورد في النكاح من ذكر بعض هذه العيوب الا انه يشكل الحكم في كثير مما عدوه هنا مع عدم دخوله تحت الكلية المذكورة، سيما مع كون بعضه عيبا في العرف مثل المخنث، و ما ذكر من حكم الضيعة في كلام العلامة، و من ثم اعترض بعضهم على عد الكفر عيبا بأنه ليس خروجا عن المجرى الطبيعي، الا أن يقال: ان
قوله (عليه السلام) (2) «كل مولود يولد على الفطرة».
قد يدل على خروجه عنه، و فيه ما لا يخفى.
و بالجملة فالمسألة في جملة من الموارد لا تخلو من الاشكال، لعدم الدليل العام الشامل لجميع ما ذكروه، و ما ذكره هنا في عبارة القواعد من تقييد الزنا و السرقة بالاعتياد، خلاف ما صرح به في التذكرة و التحرير، فإنه صرح بالحكمين خاليا من قيد الاعتياد، و هو الذي صرح به في الدروس ايضا.
قال المحقق الشيخ على (رحمه الله) في شرح الكتاب: و ظني أن الاعتياد غير شرط، لأن الإقدام على القبيح مرة يوجب الجرأة، و لترتب وجوب الحد الذي لا يؤمن معه الهلاك عليها، ثم قال: فعلى هذا يكون شرب الخمر عيبا، و مال في التذكرة إلى عدمه.
أقول: و في اندراج الزنا و السرقة تحت كلية العيوب المذكورة في الخبر
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 65 ح 26.
(2) البحار ج 3 ص 279.
117
اشكال، لما عرفت، مع أنهما عيب عرفا، ثم قال المحقق المذكور على اثر الكلام المتقدم: و لو حصلت التوبة الخالصة المعلوم صدقها بالقرائن القوية في هذه المواضع بعد تحقق العيب، ففي زوال الحكم نظر، انتهى.
أقول: الظاهر أنه لا إشكال في زوال الحكم، لتصريح الاخبار (1)
«بأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له».
- سيما إذا كانت توبة نصوحا كما فرضه، و كيف لا و بالتوبة النصوح يزول الفسق، و تثبت العدالة الموجبة للأمانة، و قبول الشهادة، و أى عيب يبقى حينئذ بعد ذلك، حتى أنه (قدس سره) تنظر في زوال العيب.
و ما اختاره في كفارات القواعد من أن التولد من الزنا ليس عيبا هو أحد القولين، و في الدروس اختار كونه عيبا، و احتمل في حواشي القواعد كونه عيبا لحصول النقص في نسب الولد.
و فيه أولا أن هذا ليس فيه خروج عن المجرى الطبيعي الذي بنوه عليه ثبوت العيب، و ثانيا أن المقصود من الجارية، المالية لا الاستيلاد، نظير ما صرحوا به في المتعة.
الثالثة عشر [عدم بطلان الخيار بعدم الرد بعد العلم]
- المعروف من مذهب الأصحاب- من غير خلاف يعرف- انه إذا علم بالعيب و لم يرد لم يبطل خياره، و لو تطاولت المدة. نعم جعله في التذكرة أقرب، و ربما أشعر ذلك بخلاف في المسألة، الا أنه لم ينقل، و يحتمل كون ذلك في مقام الرد على الشافعي، حيث نقل عنه الفورية في هذا الخيار، قال: في المسالك و هو محتمل ان لم يثبت الإجماع بالتقريب السابق في نظائره، انتهى.
و لا فرق عندهم بين أن يكون الغريم حاضرا أو غائبا، خلافا لأبي حنيفة حيث شرط حضور الغريم في جواز الفسخ.
____________
(1) الوسائل الباب- 86 من أبواب جهاد النفس الرقم- 8- 14.
118
الفصل الرابع في أحكام العقود
و البحث هنا يقع في مطالب أربعة،
[المطلب] الأول- في النقد و النسيئة
، أي البيع الحال و المؤجل، سمي الأول نقدا باعتبار كون الثمن منقودا و لو بالقوة، و الثاني مأخوذ من النسيء و هو تأخير الشيء، تقول: أنسأت الشيء إنساء: أى أخرته، و النسيئة اسم: وضع موضع المصدر.
قال شيخنا الشهيد الثاني (عطر الله مرقده): و اعلم أن البيع بالنسبة إلى تعجيل الثمن و المثمن و تأخيرهما و التفريق، أربعة أقسام: فالأول النقد، و الثاني بيع الكالئ بالكالئ بالهمز اسم فاعل أو مفعول من المراقبة، لأن كلا من الغريمين يرتقب صاحبه لأجل دينه، و مع حلول المثمن و تأجيل الثمن هو النسيئة، و بالعكس السلف، و كلها صحيحة عدا الثاني، و قد ورد النهى عنه (1) و انعقد الإجماع على فساده.
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 491 و في الحديث نهى (صلى الله عليه و آله) عن بيع الكالئ بالكالئ بالهمزة و بدونه، و معناه بيع النسيئة بالنسيئة، و ذلك كان يسلم الرجل الدراهم في طعام إلى أجل فإذا حل الأجل، يقول الذي حل عليه الطعام ليس عندي طعام، و لكن بعني إياه إلى أجل، فهذه نسيئة انقلب إلى نسيئة نعم لو قبض الطعام و باعه إياه لم يكن كاليا بالكالئ «منه (رحمه الله)».
119
أقول: الظاهر أن النهى عن بيع الكالي بالكالي ما هو من من طريق العامة (1) و الذي في أخبارنا انما هو النهى عن بيع الدين بالدين كما في رواية طلحة بن زيد (2)
و في الصحيح (3) في بيع الدين قال: «لا يبيعه نسيئا، فلما نقدا فليبعه بما شاء».
و يظهر من التذكرة ان بيع الكالئ بالكالئ هو أن يبيع الدين بالدين، سواء كان مؤجلا أم لا (4) و ظاهرهم تحريم الأمرين كليهما و سيجيء تحقيق المسألة إنشاء الله تعالى في كتاب الدين.
و في هذا المقام مسائل.
[المسألة] (الاولى)- من اشترى مطلقا كان الثمن حالا
من غير خلاف، و يدل عليه ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي عن عمار بن موسى في الموثق (5) عن أبى عبد الله (ع) «في رجل اشترى من رجل جارية بثمن مسمى ثم افترقا؟ قال: وجب البيع، و الثمن إذا لم يكونا اشترطا فهو نقد».
أقول: يعني إذا لم يشترطا التأخير، و لو اشترطا التعجيل أفاد التأكيد، لما عرفت من أن الإطلاق يقتضي التعجيل.
____________
(1) سنن البيهقي ج 5 ص 290.
(2) الوسائل الباب- 5- من أبواب الدين الرقم 1- الكافي ج 5 ص 100.
(3) الوسائل الباب- 6- من أبواب أحكام العقود الحديث- 8.
(4) قال ابن الأثير في النهاية: نهى عن الكالي بالكالي أى النسيئة بالنسيئة، و ذلك أن يشترى الرجل شيئا الى أجل، فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضى به، فيقول بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء فيبيعه منه، و لا يجرى بينهما تقابض. انتهى منه.
(5) الوسائل الباب- 1- من أبواب أحكام العقود الرقم 2.
120
قال في الدروس: فان شرطه تأكد، و أفاد التسلط على الفسخ إذا عين زمان النقد و أخل المشترى به، أقول: هذا مبنى على مذهبه في المسألة (1).
و أما على القول الأخر فإن الشرط لازم يجب الوفاء به، و يجبر على ذلك، و قد تقدم ذكر المسألة في المسألة الاولى من المقام الثاني في أحكام الخيار (2) و ان اشترط تأجيل الثمن، وجب أن تكون المدة معينة مضبوطة لا تقبل الزيادة و النقصان (3) فلو شرط التأجيل و لم يعين، أو عين أجلا يحتمل الزيادة و النقصان كقدوم الحاج و إدراك الغلة، أو عين ما هو مشترك بين أمرين أو أمور- كالنفر من منى فإنه مشترك بين أمرين، و شهر ربيع فإنه مشترك بين شهرين- لا يصح، هذا هو المشهور، و قيل: يصح، و يحمل على الاولى في الجميع، لتعليقه الأجل على اسم معين و هو يتحقق بالأول، لكن يعتبر علمهما بذلك قبل العقد، ليتوجه قصدهما إلى أجل مضبوط.
أقول: و المستفاد من الاخبار (4) انما هو الأول، و هو الذي عليه العمل، و لا فرق في المدة بين كونها قصيرة أو طويلة، بل قال في المسالك: «فلو شرطا ها ألف سنة- و نحوها- صح و ان علما أنهما لا يعيشان إليها عادة، للعموم، و لان الوارث يقوم مقامهما.
____________
(1) حيث انه قال في بحث الشرط: يجوز اشتراط سائغ في البيع، فيلزم الشرط عليه من طرف المشترط عليه، فان أخل به فللمشترط الفسخ، و هل يملك إجباره عليه فيه نظر انتهى منه (قدس سره).
(2) ص 65.
(3) و من أصرح الاخبار في ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في رواية غياث بن إبراهيم «لا بأس بالسلف كيلا معلوما إلى أجل معلوم، و لا تسلمه الى دياس و لا الى حصاد» اى لا يكون الأجل دق الطعام أو حصاده، و هو صريح في المدعى منه (قدس سره).
(4) الوسائل الباب- 3- من أبواب السلف الرقم- 5.
121
أقول: ما ذكره شيخنا (قدس سره) من عدم الفرق هنا بين المدة القصيرة و الطويلة- هو المشهور في كلام الأصحاب، و نقل عن ابن الجنيد أنه منع من أقل من ثلاثة أيام في السلف، و من أكثر من ثلاث سنين مطلقا.
و الذي وقفت عليه هنا من الاخبار ما رواه
في الكافي عن أحمد بن محمد (1) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): انى أريد الخروج الى بعض الجبال فقال:
ما للناس بد من أن يضطربوا سنتهم هذه، فقلت له: جعلت فداك انا إذا بعناهم بنسيئة كان أكثر للربح، قال: فبعهم بتأخير سنة، قلت: بتأخير سنتين؟ قال: نعم، قلت بتأخير ثلاث؟ قال: لا».
و ما رواه
عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن أحمد بن محمد ابن عيسى عن احمد بن محمد بن ابى نصر (2) «أنه قال لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) ان هذا الجبل قد فتح على الناس منه باب رزق، فقال: ان أردت الخروج فاخرج فإنها سنة مضطربة، و ليس للناس بد من معاشهم، فلا تدع الطلب، فقلت: انهم قوم ملاء و نحن نحتمل التأخير فنبايعهم بتأخير سنة؟ قال: بعهم، قلت: سنتين؟ قال:
بعهم قلت: ثلاث سنين؟ قال: لا يكون لك شيء أكثر من ثلاث سنين».
و لعل ابن جنيد استند الى ذلك، و ان كانت أقواله في جل الأحكام بعيدة المداعن أخبارهم (عليهم السلام) و الظاهر حمل الخبرين المذكورين على الكراهة لما يستلزمه من طول الأمل، أو من حيث صعوبة تحصيله بعد هذه المدة الطويلة، لما هو معلوم من أحوال الناس في ثقل أداء الدين، و لا سيما إذا كان بعد أمثال هذه المدة.
____________
(1) الوسائل الباب- 1- من أبواب أحكام العقود الرقم 1- الكافي ج- 5 ص 207.
(2) الوسائل الباب- 1 من أبواب أحكام العقود الرقم- 3.
122
و لو باع بثمن حالا، و بأزيد منه مؤجلا- أو فاوت بين أجلين في الثمن كان يقول بعتك حالا بمائة، و الى شهر بمأتين، أو مؤجلا إلى شهر بمائة، و الى شهرين بمائتين- فالمشهور البطلان، لجهالة الثمن، لتردده بين الأمرين. و قيل: ان للمشتري أن يأخذه مؤجلا بأقل الثمنين (1).
و يدل على هذا القول ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي عن على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس (2) عن أبى جعفر (ع) و الصدوق في الفقيه عن محمد بن قيس عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من باع سلعة فقال: ان ثمنها كذا و كذا يدا بيد، و ثمنها كذا و كذا نظرة، فخذها بأي ثمن شئت، و جعل صفقتهما واحدة فليس له الا أقلهما
____________
(1) أقول: الذي وقفت عليه في كلام المتقدمين من الخلاف انما هو في الصورة الاولى: و هو البيع بثمن حالا و بأزيد مؤجلا، و مذهب الشيخ في النهاية هو أن له أقل الثمنين و أبعد الأجلين، و المفيد قال: لا يجوز البيع كذلك، ثم قال: فان ابتاع انسان على هذا الشرط كان عليه أقل الثمنين في آخر الأجلين، و عن السيد المرتضى انه مكروه، و عن ابن الجنيد انه لا يحل، و عن سلار انه باطل غير منعقد، و هو قول ابى الصلاح، و عن ابن البراج مثل مذهب الشيخ المفيد، و ظاهر كلاهما أن العقد صحيح غير لازم، و التعبير بالبطلان كناية عن عدم لزومه، و الا فلا معنى لقولهما ان اجرى البيع على هذا الشرط، كان الحكم ان للبائع أقل الثمنين إلى أبعد الأجلين، و عن ابن حمزة انه لا يصح، و عن ابن إدريس أنه لا يجوز و يبطل البيع، و هو المشهور بين المتأخرين من العلامة و المحقق و من تأخر عنهما. منه (رحمه الله).
(2) الكافي ج 5- ص 206 الفقيه ج 3 ص 179.
123
و ان كانت نظرة» و زاد في الكافي «قال:- و قال على (عليه السلام): من ساوم بثمنين أحدهما عاجل و الأخر نظرة فليسم أحدهما قبل الصفقة».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (1) «أن عليا (عليه السلام) قضى في رجل باع بيعا و اشترط شرطين، بالنقد كذا و بالنسيئة كذا، فأخذ المتاع على ذلك الشرط فقال: هو بأقل الثمنين و أبعد الأجلين، يقول: ليس له الا أقل النقدين إلى الأجل الذي أجله بنسيئة».
و الأصحاب قد ردوا هذا القول بالضعف و الندور، و روايته بالضعف و الشذوذ، حتى المحدث الكاشاني في المفاتيح، و الظاهر أنهم لن يقفوا الا على رواية السكوني، و الا فرواية محمد بن قيس صحيحة برواية الفقيه، و حسنة لا تقصر عن الصحيح، بناء على الاصطلاح الغير الصحيح على رواية الكافي، إلا أن الزيادة التي في صحيحة محمد بن قيس على رواية الكافي لا تخلو من منافرة لما دلت عليه الصحيحة المذكورة، فإن الظاهر أن المراد منها كما ذكره بعض مشايخنا (نور الله مراقدهم) هو أنه لا يجوز هذا الترديد، بل لا بد من أن يعين أحدهما قبل العقد و يوقعه عليه.
و قال بعض المحققين: لعل معناه أن يعين كل واحد منهما قبل وقوع البيع و على هذا فلا منافرة في العبارة المذكورة، و ظاهر الفاضل الخراساني في الكفاية اختيار هذا القول، للخبرين المذكورين مع صحة الأول منهما و هو جيد، الا أن ذلك غير خال من الاشكال من حيث هذه الزيادة التي في الكافي، فإنها ظاهرة في موافقة القول المشهور بالتقريب الذي ذكرناه أولا، و ان كانت على الاحتمال الأخر غير منافية.
و ظاهر جملة من الأصحاب الاستناد في رد هذا القول الى ما روى من النهى «عن بيعين واحدة» و الظاهر انه اشارة الى ما رواه
في التهذيب عن سليمان
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 53.
124
بن صالح (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن سلف و بيع، و عن بيعين في بيع، و عن بيع ما ليس عندك، و عن ربح ما لم يضمن.
و عن عمار الساباطي (2) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «بعث رسول الله (صلى الله عليه و آله) رجلا من أصحابه واليا فقال له: انى بعثتك الى أهل الله يعني أهل مكة- فانهيهم عن بيع ما لم يقبض، و عن شرطين في بيع و عن ربح ما لم يضمن».
قال في الوافي قيل أريد «بشرطين في بيع» ما أريد «ببيعين في بيع» في سابقه و هو ان يقول بعتك هذا الثوب نقدا بعشرة، و نسية بخمسة عشر، و انما نهى عنه، لانه لا يدرى أيهما الثمن الذي يختاره ليقع عليه العقد انتهى ثم قال:
و ربما يفسر «بيعين في بيع» بان يقول بعتك هذا بعشرين، على ان تبيعني ذلك بعشرة أو بما يشمل المعنيين انتهى.
أقول: ان هذين الخبرين غير خليين من الإجمال المانع من الاعتماد عليهما في الاستدلال، و الخروج بهما عن صريح الخبرين المتقدمين لا يخفى ما فيه.
نعم يبقى الإشكال في ذينك الخبرين بما ذكره المحقق الأردبيلي طاب ثراه في هذا المقام، حيث قال- بعد الكلام في بيان سند الصحيحة المذكورة- و بالجملة الظاهر اعتبار سندها، و لكن في مضمونها تأمل و ان عمل به، لان المالك انما رضي بالبيع بالثمن الكثير نظرة، فكيف يلزم بأقلهما نظرة، و معلوم أن رضا الطرفين شرط في العقد،
«و لا يحل مال امرء الا بطيب نفسه (3).
و الحاصل أن الأدلة العقلية
____________
(1) الوسائل الباب- 2- من أبواب أحكام العقود الرقم 2 التهذيب ج 7 ص 230.
(2) الوسائل الباب- 10- من أبواب أحكام العقود الرقم 6 التهذيب ج 7 ص 231.
(3) الوسائل الباب 3- من أبواب مكان المصلى الرقم 1- 3.
125
و النقلية كثيرة على عدم العمل بمضمونها فلا يعمل به و ان كانت صحيحة، فكيف العمل بها مع كونها حسنة لوجود إبراهيم بن هاشم لو سلم ما تقدم، و ان كان الظاهر ان إبراهيم لا بأس به، و ما تقدم صحيح.
و تقديم مثل هذه على الأدلة العقلية و النقلية- و تخصيصهما به و الحكم بصحة البيع- لا يخلو عن شيء لأجل ذلك، لا لأنها تستلزم الجهالة و الغرر كما فهم من التذكرة، لأن دخولها تحت الغرر المنفي و الجهل الممنوع غير ظاهر، لان الاختيار اليه، و على كل من التقديرين الثمن معلوم، على أنه قد تقرر أن الأجل بالأقل، و لا لأن في سندها جهالة و ضعفا كما في شرح الشرائع. لأن ذلك غير ظاهر، بل الظاهر ما عرفت، فينبغي أما العمل بمضمونها و فيه بعد، و اما تأويلها فتأمل انتهى و هو جيد.
و الروايتان المذكورتان و ان كان موردهما مخصوصا بما إذا كان البيع بثمن حال و مؤجل، الا أن الأصحاب عدوهما أيضا الى ما إذا باع الى وقتين متأخرتين بتفاوت بين الثمنين من حيث قرب الأجل و بعده، كما تقدم، و أنت خبير بما فيه.
المسألة الثانية [صحة البيع الثاني لو اشتراه البائع في حال كون البيع الأول نسيئة]
المشهور بين الأصحاب أنه لو اشتراه البائع في حال كون البيع الأول نسيئة صح البيع الثاني، سواء كان قبل الأجل أو بعده، بجنس الثمن و غيره، بزيادة أو نقيصة، و قيل: بالتحريم في ما إذا كان البيع بجنس الثمن بزيادة أو نقصان، و قيل: بتخصيص ذلك بالطعام، و القول بالصحة فيما اتفقوا عليه مشروط بأن لا يشترط في بيعه الأول بيعه من البائع، و الا لبطل البيع الأول سواء كان حالا أو مؤجلا و سواء شرط بيعه من البائع بعد الأجل أم قبله.
و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام ما رواه
الصدوق في الصحيح عن منصور بن حازم (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل كان له على رجل دراهم من ثمن غنم اشتراها منه، فاتى الطالب المطلوب يتقاضاه، فقال له
____________
(1) الوسائل الباب- 5- من أبواب أحكام العقود الحديث- 1- الفقيه ج 3 ص 165.
126
المطلوب: أبيعك هذا الغنم بدراهمك التي لك عندي فرضي قال: لا بأس بذلك».
و مورد هذه الرواية هو شراء ما باعه عليه نسيئة بعد حلول الأجل بما هو أعم من الزيادة أو النقيصة بالنسبة إلى الثمن الأول من غير شرط سابق، و منه يعلم عدم الفرق في الجواز بين حلول الأجل و قبله إذا لم يكن طعاما.
و بالسند المتقدم
عن منصور بن حازم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل طعام أو بقر أو غنم أو غير ذلك، فاتى المطلوب الطالب ليبتاع منه شيئا، قال: لا يبيعه نسيئا، فأما نقدا فليبعه بما شاء».
قال في الوافي: «شيئا» أي من ذلك المتاع الذي عليه، و لا يبعد أن يكون تصحيف نسيئا انتهى و هو جيد.
أقول: و هذا الخبر ظاهر في جواز شراء ما باعه نسيئة قبل حلول الأجل بزيادة أو نقيصة نقدا، و الظاهر أنه انما منع من بيعه نسيئة لاستلزامه بيع الدين بالدين، لان هذه الأشياء دين على من اشتراها، فمتى باعها بثمن مؤجل لزم بيع الدين بالدين، و فيه كلام (2) يأتي إنشاء الله تعالى في مسألة الدين بالدين و تحقيق ما هو المراد من ذلك.
و كيف كان فان هذا الخبر مناف لما قدمنا نقله عنهم من تجويزهم شراء النسيئة حالا أو مؤجلا، لدلالة الخبر كما ترى على التخصيص بالنقد و المنع من النسيئة.
____________
(1) الوسائل الباب- 6- من أبواب أحكام العقود الحديث 8- التهذيب ج 7 ص 48.
(2) و هو أن جملة من الأصحاب منهم شيخنا الشهيد الثاني صرحوا بأن الدين بالدين الممنوع- في الاخبار منه- انما هو ما إذا كان العوضان دينا قبل العقد، كما لو باعه الدين الذي في ذمته، بدين آخر له في ذمته، أو في- ذمة ثالث، أو تبايعا دينا في ذمة غريم لأحدهما، بدين في ذمة غريم آخر للآخر، و نحو ذلك، لا ما إذا باع دينا بمؤجل في العقد، لأنه إنما صار دينا بالعقد، و اشترط التأجيل فيه، و هذا الخبر كما ترى ظاهر في خلاف ما ذكره، إذ لا وجه للنهى هنا الا من حيث لزوم بيع الدين بالدين، كما لا يخفى. منه (رحمه الله).
127
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن بشار بن يسار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبيع المتاع بنساء فيشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه؟ قال: نعم لا بأس به، فقلت له: اشترى متاعي؟ فقال:
ليس هو متاعك و لا بقرك و لا غنمك».
و هو ظاهر في جواز الشراء بالزيادة و النقصان قبل الأجل و بعده بجنس الثمن أو غير جنسه.
و روى في الكافي و التهذيب عن الحسين بن المنذر (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) يجيئني الرجل فيطلب العينة فاشترى له المتاع مرابحة، ثم أبيعه إياه، ثم أشتريه منه مكاني؟ قال: فقال: إذا كان بالخيار ان شاء باع، و ان شاء لم يبع (3) و كنت ايضا بالخيار ان شئت اشتريت، و ان شئت لم تشتر فلا بأس، قال: قلت: فإن أهل المسجد يزعمون أن هذا فاسد، و يقولون:
____________
(1) الكافي ج 5 ص 208 التهذيب ج 7 ص 48 الوسائل الباب- 5 من أبواب أحكام العقود.
(2) الكافي ج 5 ص 202 التهذيب ج- 7 ص 51 الوسائل الباب- 5- من أبواب أحكام العقود.
(3) فان قوله: إذا كان بالخيار ان شاء باع الى آخره كناية عن تحقق البيع الأول، فإنه متى تحقق وجب انتقال كل من العوضين الى مالكه فصار لكل منهما الخيار فيما انتقل اليه بخلاف ما إذا حصل الشرط في العقد الأول، فإنه يرفع الخيار و الاختيار. منه (رحمه الله).
128
ان جاء به بعد أشهر صلح. فقال: ان هذا تقديم و تأخير فلا بأس به».
و في هذا الخبر إيماء إلى انه مع الشرط لا يصح البيع، و انه لا بد من تحقق العقد الأول واقعا و عدم توقفه على شرط.
و أظهر منه في ذلك ما رواه
الحميري في قرب الاسناد عن على بن جعفر (1) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم، ثم اشتراه بخمسة دراهم أ يحل؟ قال: إذا لم يشترط و رضيا فلا بأس».
و رواه
على بن جعفر في كتابه، الا أنه قال: «بعشرة دراهم إلى أجل ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد».
و هو أظهر في عنوان المسألة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن ظاهر كلام الأصحاب أنه لا دليل في الاخبار على ما ذكروه من البطلان بالشرط في العقد الأول و انما استدل عليه العلامة في التذكرة باستلزامه الدور، و ناقشه جملة من المتأخرين، منهم شيخنا الشهيد الثاني قال (قدس سره) في المسالك: و اختلف كلامهم في تعليل البطلان مع الشرط المذكور، فعلله في التذكرة باستلزامه الدور، لان بيعه له يتوقف على ملكه له، المتوقف على بيعه، و رد بأن الموقوف على حصول الشرط هو اللزوم لا الانتقال، و تمنع توقف تملك المشترى على تملك البائع، بل تملكه موقوف على العقد المتأخر عن ملك المشترى، و لانه وارد في باقي الشروط كشرط العتق، و البيع للغير مع صحته إجماعا، و علل أيضا بعدم حصول القصد الى نقله عن البائع، و يضعف بأن الفرض حصوله، و ارادة شرائه بعد ذلك لا ينافي حصول قصد النقل، و ألا لم يصح إذا قصدا و ان لم يشترطا، و قد صرحوا بصحته. انتهى.
أقول: و قد عرفت الدليل على ذلك من الخبرين المذكورين، فلا حاجة
____________
(1) الوسائل الباب- 5- من أبواب أحكام العقود الرقم- 6.
129
الى هذه التعليلات، و لكنهم لم يقفوا عليهما، و السبب في ذلك هو قصور النظر عن تتبع الاخبار.
و أما القول بالبطلان فيما إذا كان البيع الثاني بجنس الثمن الأول مع الزيادة أو النقصان فهو للشيخ- (قدس سره)- في النهاية قال في الكتاب المذكور:
إذا اشترى نسيئة فحل الأجل و لم يكن معه ما يدفعه إلى البائع جاز للبائع أن يأخذ منه ما كان باعه إياه من غير نقصان من ثمنه، فإن أخذه بنقصان مما باع، لم يكن ذلك صحيحا، و لزمه ثمنه الذي كان أعطاه به، فإن أخذ من المبتاع متاعا آخر بقيمته في الحال لم يكن بذلك بأس» انتهى.
و استند- (قدس سره) فيما ذكره- الى ما رواه
في التهذيب عن خالد بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بعته طعاما بتأخير إلى أجل مسمى، فلما جاء الأجل أخذته بدراهمي، فقال: ليس عندي دراهم و لكن عندي طعام فاشتره منى، فقال: لا تشتره منه فإنه لا خير فيه».
و أنت خبير بأن هذا الخبر مع صحة العمل به غير منطبق على مدعاه من وجوه، أحدها- من حيث أن موردها الطعام، و مدعاه أعم كما تقدم في عبارته، و لهذا خص البعض الحكم بالطعام كما قدمنا الإشارة اليه، و ثانيها- تخصيصه ذلك بالعين التي باعها فإنه حكم بالجواز في عبارته المذكورة في غيرها، و مورد الرواية أعم من ذلك، و ثالثها- تخصيصه المنع بالزيادة و النقيصة، أما المثل فجائز عنده و الرواية ظاهرة المنع في الجميع.
و ما رواه
في الفقيه عن عبد الصمد بن بشير (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 33.
(2) التهذيب ج 7 ص 35 مع اختلاف يسير الفقيه ج 3 ص 130 الاستبصار ج 3 ص 77.
130
قال: «سأله محمد بن القاسم الحناط فقال: أصلحك الله أبيع الطعام من الرجل إلى أجل، فأجيء و قد تغير الطعام من سعره، فيقول: ليس عندي دراهم، قال: خذ منه بسعر يومه، فقال: أفهم- أصلحك الله- انه طعامي الذي اشتراه منى قال: لا تأخذ منه حتى يبيع و يعطيك، قال: أرغم الله أنفي رخص لي فرددت عليه فشدد علي».
و هذا الخبر أورده الشيخ في الاستبصار بيانا لما اختاره من عدم جواز البيع بأكثر مما باعه: و اعترضه بعض مشايخنا (1)- عطر الله مراقدهم في حواشيه على الكتاب- «بأن هذا الخبر ليس فيه دلالة على دعواه بوجه من الوجوه، لان المعنى أن السائل لما طمع أن يرخص له أخذ طعامه الذي دفعه اليه، مع أن القيمة قد زادت و الحال أنه لا يستحق إلا دراهم، فلم يرخص له أن يأخذه إلا بسعر يومه. انتهى.
و أما ما يدل على المشهور فما تقدم من صحيحة بشار بن يسار، و صحيحة منصور بن حازم، (2) و ما رواه
المشايخ الثلاثة في الموثق في بعض، و الصحيح في بعض عن يعقوب بن شعيب (3) و عبيد بن زرارة قال: «سألنا أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل باع طعاما بدراهم إلى أجل، فلما بلغ ذلك الأجل تقاضاه فقال: ليس عندي دراهم خذ منى طعاما قال: لا بأس به انما له دراهم يأخذ بها ما شاء».
و الشيخ حمل هذا الخبر على عدم الزيادة، و سياق الخبر ظاهر في خلافه (4)
____________
(1) هو شيخنا الشيخ على بن سليمان القدسي البحراني في حواشيه على الكتاب منه رحمة الله عليه.
(2) ص 127 و 126.
(3) الكافي ج 5 ص 186 التهذيب ج 7 ص 33 الفقيه ج 3 ص 166.
(4) فان ظاهر سياقه أن الذي يستحقه انما هو الدراهم فهو يشترى بالدراهم ما شاء من طعام و غير طعام و لو قيل باشتراط المثل كما يدعيه للزم ذلك في غير الطعام أيضا و هو لا يقول به. منه (رحمه الله).
131
و بالجملة فإن الاخبار هنا انما تعارضت في الطعام خاصة، و المشهور- في كلام الأصحاب* * * الجمع بينها بحمل رواية خالد بن الحجاج- فإنها هي الظاهرة في المنع- على الكراهة.
المسألة الثالثة [عدم وجوب دفع الثمن قبل الأجل] إذا ابتاع شيئا مؤجلا
فإنه لا يجب عليه دفع الثمن قبل حلول الأجل، بل لا يجوز طلبه، لوجوب الانظار بالشرط الواقع في العقد، و الأظهر أيضا عدم وجوب قبضه على البائع لو دفعه إليه المشتري قبل الأجل. قال: بعض المحققين: «و قد يتخيل الوجوب، لأن إلا لرجل لرعاية حال المشترى و الترفه له، كالرخصة له، لا لأجل البائع، و لهذا يزاد الثمن، فإذا حصل الثمن الزائد للبائع نقدا فهو غاية مطلوب التجار، فلا ينبغي الامتناع عنه و أيضا قد يتضرر المشترى بعدم الأخذ و لان الظاهر أن أخذ الحق مع دفع صاحبه واجب عندهم عقلا و نقلا و قد أفاد الأجل عدم وجوب الدفع، لا عدم وجوب الأخذ فتأمل. و لان الظاهر من قولنا بعتك هذا بكذا إلى مدة كذا أن زمان الأداء الى تلك المدة موسعا، فذلك الزمان نهاية الأجل للتوسعة بمنى عدم التضييق إلا في ذلك الزمان كالواجب الموسع و لا شك ان الأخذ أحوط إلا مع ظهور ضرر عليه» انتهى.
أقول: جميع ما ذكره- (قدس سره) من الوجوه- جيد لكن غايته إفادة الأولوية فإن الوجوب حكم شرعي يترتب على تركه العقوبة و المؤاخذة منه سبحانه، فلا بد له من دليل واضح من آية أو رواية، لانحصار الأدلة الشرعية عندنا في ذلك، و مجرد هذه التقريبات العقلية لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية كما قدمنا ذكره في غير مقام.
و يجب الدفع بعد حلول الأجل و مطالبة البائع، فان لم يطالب و أراد المشتري الدفع وجب على البائع أخذه، و لو امتنع رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي، فاما أن يجبره على قبضه، أو يقبضه الحاكم الشرعي حسبة، و مع تعذر الحاكم.
132
فالظاهر قيام عدول المؤمنين بذلك، كما يفهم من جملة من الاخبار، و بذلك تبرأ ذمة المشترى، فان تلف بغير تفريط فلا ضمان على المشترى و لا على الأمين من الحاكم و القائم مقامه، و هكذا الحكم في سائر الحقوق المالية.
و لو تعذر الحاكم و من يقوم مقامه فلو عزله و أبقاه أمانة عنده و تسلط عليه صاحبه بحيث متى اراده قبضه، فالظاهر انه يبرء بذلك من ضمانه، و انه يخرج بذلك عن عهدته، و انه يجب على صاحبه أخذه، و الا كان مضيعا لما له، بل يمكن ذلك مع وجود الحاكم أيضا، لأن الحاكم انما هو وكيل مع عدم وجود الموكل و إمكان مثله، و الى ذلك أشار في التذكرة في أحكام السلف، الا ان المشهور هو الرجوع الى الحاكم أو لا.
قيل: و يجوز للمشتري التصرف فيه بعد تعيينه، فيرجع الى ذمته، و لو تجدد له نماء فهو له. قال في المسالك: و مقتضى ذلك انه لا يخرج عن ملكه و انما يكون تلفه من البائع عقوبة له و فيه نظر» (1) انتهى.
و لو امتنع المشترى من دفعه بعد حلول الأجل و مطالبة البائع، فظاهر كلام الأصحاب هنا وجوب رفع الأمر إلى الحاكم أولا، و مع تعذره فالمقاصة ان لم يتمكن من الأخذ قهرا، و ظاهر الاخبار المقاصة و ان كان موردها أعم مما نحن فيه.
ثم انه مع إمكان الرجوع الى الحاكم الشرعي فلا اشكال. و أما مع تعذره و عدم إمكان تحصيله قهرا أو مقاصة فهل يرفع الأمر إلى حاكم الجور؟ إشكال ينشأ
____________
(1) أقول وجه النظر هو أنه متى كان عزله و تعينه على حدة موجبا لبراءة الذمة و خلو عهدة المشتري، فهو ينتقل بذلك إلى البائع، و يكون النماء له و التلف منه، و لا معنى لكون النماء للمشتري، و التلف على البائع عقوبة، إذا الجميع انما يترتب على الانتقال كما عرفت. منه (رحمه الله).
133
من النهى عن الترافع الى الجبت و الطاغوت، الا أن الظاهر- كما ذهب إليه جملة من أصحابنا- هو اختصاص تحريم الترافع إليهم بوجود الحاكم الشرعي، كما هو ظاهر جملة من اخبار المسألة، و بعضها و ان كان مطلقا فإنه يجب حمله على المقيد، عملا بالقاعدة، و أيضا فظاهر الاخبار المشار إليها هو المنع من الترافع في إثبات الحق بالبينة أو اليمين، دون مجرد الاستعانة بهم على أخذه مع ثبوته، و عدم إنكار الخصم ذلك، كما هو محل البحث.
و متى انتقل الأمر إلى المقاصة أو الأخذ منه قهرا فيجب مراعاة الأسهل فالأسهل، فإن وجد الجنس المساوي لا يتعدى الى غيره، و ينبغي- سيما إذا كان مؤمنا- المسامحة و السهولة في الاقتضاء لما ورد في ذلك و عدم المقاصة التامة، و قد تقدم حديث الصادق (عليه السلام) (1). في إنكاره على من استقضى حقه، و أنه إسائة منهي عنها، و هكذا الحكم في طرف البائع إذا باع سلما، و كذا سائر الحقوق.
المسألة الرابعة [جواز بيع المتاع حالا و مؤجلا بزيادة عن قيمته]:
يجوز بيع المتاع حالا و مؤجلا بزيادة عن قيمته، و قيد ذلك بعضهم بكون المشترى و البائع عالمين بالقيمة، و أورد على ذلك أن مقتضاه أنهما لو لم يكونا عالمين بالقيمة لا يصح البيع مع أنه ليس كذلك، فإنه يصح البيع، و ان ثبت للجاهل منهما خيار الغبن متى كان مما لا يتسامح به، كما تقدم في خيار الغبن (2) و يمكن حمل كلام من ذكر هذا القيد على أنه أراد بالجواز اللزوم مجازا، إذ مع الجهل و ثبوت الغبن لا يلزم.
ثم انه ينبغي أن يعلم أنه لا بد من تقييد الصحة مع الزيادة بعدم استلزام السفه بأن يتعلق بالزيادة غرض صحيح عند العقلاء، اما لقلتها أو لترتب غرض آخر يقابل الزيادة، كالصبر عليه بدين حال و نحو ذلك.
____________
(1) الوسائل الباب- 16- من أبواب الدين الرقم- 1.
(2) ص 41.
134
المسألة الخامسة [عدم جواز تأخير ثمن المبيع بالزيادة، و جواز تعجيلها بالنقصان]:
لا يجوز تأخير ثمن المبيع و لا شيء من الحقوق المالية بزيادة فيها، و يجوز تعجيلها بنقصان منها. أما الأول- فلاستلزام الزيادة في هذه الصورة الربا. نعم يجوز التأجيل في عقد لازم كالبيع و نحوه بزيادة في ثمن ما يبيعه إياه و ان زادت على ثمنه الواقعي أضعافا مضاعفة، و هذا من الحيل الشرعية في التخلص من الربا. و عليه ظاهر اتفاق الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- و به استفاضت الاخبار كان يكون له في ذمته مائة درهم حالا، و يريد تأجيلها إلى سنة بزيادة عشرين درهما مثلا، فان الطريق في ذلك أن يبيعه خاتما قيمته درهم مثلا بعشرين درهما، و يشترط تأجيل الثمن مع المأة الدرهم التي في ذمته إلى سنة، فإنه لا شك في صحته.
و يدل على ذلك من الاخبار ما رواه
في الكافي عن محمد بن إسحاق بن عمار (1) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): ان سلسبيل طلبت منى مائة ألف درهم على أن يربحنى عشرة آلاف درهم فاقرضتها تسعين ألفا و أبيعها ثوبا أو شيئا تقوم على بألف درهم بعشرة آلاف درهم؟ قال: لا بأس».
قال في الكافي: و في رواية أخرى «لا بأس به أعطها مأة ألف، و بعها الثوب بعشرة آلاف و اكتب عليها كتابين».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن محمد بن إسحاق بن عمار قال: «قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يكون له المال قد حل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تسوى مائة درهم بألف درهم و يؤخر عنه المال الى وقت؟ قال: لا بأس، قد أمرني أبي ففعلت ذلك، و زعم أنه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عنها فقال له: مثل ذلك».
و ما رواه
الشيخان المذكوران في الصحيح عن محمد بن إسحاق بن عمار (3)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 205.
(2) الكافي ج 5 ص 205 التهذيب ج 7 ص 53.
(3) الكافي ج 5 ص 205 التهذيب ج 7 ص 53.
135
قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): يكون لي على الرجل دراهم فيقول: أخرني بها و أنا أربحك فأبيعه جبة تقوم على بألف درهم بعشرة آلاف درهم، أو قال: بعشرين ألفا و أؤخره بالمال؟ قال: لا بأس».
و ما رواه
عن عبد الملك بن عتبة (1) قال: «سألته عن الرجل أريد أن أعينه المال، و يكون لي عليه مال قبل ذلك فيطلب منى ما لا أزيده على مالي الذي لي عليه، أ يستقيم أن أزيده مالا و أبيعه لؤلؤة تساوى مأة درهم بألف درهم فأقول له: أبيعك هذه اللؤلؤة بألف درهم على أن أؤخرك بثمنها و بمالي عليك كذا و كذا شهرا، قال: لا بأس».
و ما رواه
في الكافي عن مسعدة بن صدقة (2) في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن رجل له مال على رجل من قبل عينة عينها إياه فلما حل عليه المال لم يكن عنده ما يعطيه فأراد أن يقلب عليه و يربح أ يبيعه لؤلؤا و غير ذلك ما يسوى مائة درهم بألف درهم و يؤخره؟ قال: لا بأس بذلك، قد فعل ذلك أبى (عليه السلام) و أمرني أن أفعل ذلك في شيء كان عليه».
و مما يؤيد ذلك زيادة على ما ذكرنا ما رواه
في التهذيب عن محمد بن سليمان الديلمي عن أبيه عن رجل كتب الى العبد الصالح (3) (عليه السلام) «يسأله انى أعامل قوما أبيعهم الدقيق أربح عليهم في القفيز درهمين إلى أجل معلوم، و انهم يسألوني أن أعطيهم عن نصف الدقيق دراهم، فهل لي من حيلة أن لا أدخل في الحرام؟ فكتب (عليه السلام) إليه: أقرضهم الدراهم قرضا و ازدد عليهم في نصف القفيز بقدر ما كنت تربح عليهم».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 206- التهذيب ج 7 ص 52.
(2) الكافي ج 5 ص 316.
(3) التهذيب ج 7 ص 45.
136
و ما رواه
المشايخ الثلاثة- (نور الله تعالى مراقدهم)- في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألته- (عليه السلام) الى أن قال:- فقلت له:
أشترى ألف درهم و دينارا بألفي درهم؟ فقال: لا بأس بذلك ان أبى (عليه السلام)، كان اجرى على أهل المدينة مني، و كان يقول: هذا فيقولون: انما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، و لو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، و كان يقول لهم: نعم الشيء الفرار من الحرام الى الحلال».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح (2) عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «كان محمد بن المنكدر يقول لأبي: يا أبا جعفر- رحمك الله- و الله انا لنعلم أنك لو أخذت دينارا و الصرف بثمانية عشر فدرت المدينة على أن تجد من يعطيك عشرين، ما وجدته، و ما هذا الا فرارا، و كان أبى يقول:
صدقت و الله، و لكنه فرار من باطل الى حق».
و العجب أنه- مع هذه الاخبار التي رأيت، و اتفاق الأصحاب على ذلك- كان بعض من يدعى الفضل من المعاصرين بل الأفضلية ينكر ذلك و يقول ببطلانه، مستندا الى أن البيع المذكور غير مقصود. و ما هو إلا محض اجتهاد في مقابلة النصوص، و رد على أهل الخصوص.
و أما ما رواه
الشيخ عن يونس الشيباني (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يبيع البيع و البائع يعلم أنه لا يسوى، و المشترى يعلم أنه لا يسوى الا أنه يعلم أنه سيرجع فيه فيشتريه به منه قال: فقال: يا يونس ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال لجابر بن عبد الله: كيف أنت إذا ظهر الجور و أورثتم الذل؟ قال:
____________
(1) الكافي ج 5 ص 246 التهذيب ج 7 ص 104 الفقيه ج 3 ص 185.
(2) الكافي ج 5 ص 247 التهذيب ج 7 ص 104.
(3) التهذيب ج 7 ص 19.
137
فقال له جابر: لا أبقيت الى ذلك الزمان، و متى يكون ذلك بأبي أنت و أمي؟
قال: إذا ظهر الربا يا يونس، و هذا الربا، و ان لم تشتره منه رده عليك؟ قال:
قلت: نعم قال: فقال: لا تقربنه فلا تقربنه».
حيث أنه بإطلاقه دل على المنع مما دلت تلك الاخبار على جوازه، فأجاب عنه بعض مشايخنا في حواشيه على كتب الاخبار بالحمل على الكراهة و قال في الوافي بعد نقله على أثر الأخبار المتقدمة:- لا منافاة بين هذا الخبر و الاخبار المتقدمة، لأن المتبايعين هيهنا لم يقصدا البيع و لم يوجباه في الحقيقة، و هناك اشترط ذلك في جوازه- انتهى و الجميع لا يخلو من البعد (1) و الأظهر عندي حمل الخبر على التقية لما دلت عليه الاخبار المتقدمة (2) من تشديد العامة في المنع من هذه الصورة و أما الثاني: و هو جواز التعجيل بالنقصان، فقد صرح به الأصحاب من غير خلاف يعرف في الباب، و هو يكون بالإبراء أو الصلح، و الوجه في الإبراء ظاهر، إذ لو أبرأه من الكل لصح، فكذا من البعض، و كذا الصلح، و يسمى صلح الحطيطة، و هو الذي وردت به الاخبار.
منها ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن ابان (3) عمن حدثه عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون له على الرجل دين، فيقول له
____________
(1) أما الأول فلما اشتمل عليه الخبر من مزيد التأكيد في النهي المستفاد من الحديث النبوي المستشهد به على ذلك، و أما الثاني فلان المتبادر من قوله الرجل يبيع البيع انما هو إيجاب البيع و قصده كما لا يخفى. منه (رحمه الله).
(2) ص 136.
(3) الكافي ج 5 ص 258 التهذيب ج 6 ص 206.
138
قبل أن يحل الأجل: عجل لي النصف من حقي على أن أضع عنك النصف، أ يحل ذلك لواحد منها؟ قال: نعم».
و ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابى عمير (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن الرجل يكون له دين إلى أجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول: انقدني كذا و كذا و أضع عنك بقيته أو يقول: أنقد في بعضه و أمد لك في الأجل فيما بقي عليك، قال: لا أرى به بأسا، انه لم يزدد على رأس ماله، قال الله جل ثناؤه (2) «فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ.».
و رواه
الشيخ في التهذيب و الصدوق و في الفقيه عن محمد بن مسلم (3) في الصحيح الا أن فيه «في الرجل يكون عليه الدين إلى أجل مسمى».
و هو الظاهر و لعل اللام في رواية الكافي هنا بمعنى على.
و ما رواه
في الكافي (4) عن أبان عن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل اشترى جارية بثمن مسمى ثم باعها فربح فيها قبل أن ينقد صاحبها الذي هي له. فأتاه صاحبها يتقاضاه، و لم ينقد ماله، فقال صاحب الجارية للذين باعهم: اكفوني غريمي هذا و الذي ربحت عليكم فهو لكم قال:
لا بأس».
و رواه
في الفقيه عن الحلبي في الصحيح (5) عن ابى عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن رجل» الحديث.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 259 عن ابن ابى عمر عن حماد عن الحلبي عنه (عليه السلام).
(2) سورة البقرة- الاية 279.
(3) التهذيب ج 7 ص 207 الفقيه ج 3 ص 21 و فيه (عليه دين).
(4) الكافي ج 5 ص 211 التهذيب ج 7 ص 68 الفقيه ج 3 ص 138.
(5) الفقيه ج 3 ص 138.
139
قال بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم) في حواشيه على الكافي: و الظاهر أنه باعهم للمشتري بأجل فلما طلب البائع الأول منه الثمن حط من الثمن بقدر ما ربح ليعطوه قبل الأجل، و هذا جائز كما صرح به الأصحاب، و ورد به غيره من الاخبار انتهى. و هو جيد. و الا فلو كان الثمن نقدا فإنه لا معنى لهذه المصالحة بإسقاط بعض حقه ليكفوه غريمه.
ثم انه لا يخفى عليك ما في دلالة هذه الاخبار من سعة الدائرة في العقود الشرعية، فإن ما اشتملت عليه هذه الاخبار من التراضي بالألفاظ الدالة على إسقاط بعض الثمن بتعجيله قبل حلول الأجل هي ألفاظ عقد الصلح.
المسألة السادسة [جواز ابتياع جميع الأشياء حالا و ان لم يكن حاضرا في الحال]
- قال الشيخ في النهاية: لا بأس بابتياع جميع الأشياء حالا و ان لم يكن حاضرا في الحال، إذا كان الشيء موجودا في الوقت أو يمكن وجوده، و لا يجوز أن يشترى حالا ما لا يمكن تحصيله، فأما ما يمكن تحصيله فلا بأس به و ان لم يكن عند بائعه في الحال» انتهى.
و منع ابن إدريس من ذلك، و نسب هذا القول الى خبر واحد شاذ رواه الشيخ عن ابن سنان لا يجوز العمل به، و لا التعويل عليه، قال: لأنا قد بينا أن البيع على ضربين بيع سلم، و لا بد فيه من التأجيل، و بيع عين أما مرئية مشاهدة، أو غير حاضرة، و هو ما يسمى بخيار الرؤية و ما أورده الشيخ خارج عن هذه البيوع لا مشاهدة و لا موصوف بوصف يقوم مقام المشاهدة، فدخل في بيع الغرر،
و النبي (صلى الله عليه و آله) «نهى عن بيع الغرر» (1).
و «بيع ما ليس عند الإنسان» (2).
و لا في ملكه الا ما أخرجه الدليل من السلم، و لان البيع حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، و لا يرجع عن الأمور
____________
(1) الوسائل الباب- 40- من أبواب آداب التجارة الرقم- 3.
(2) الوسائل الباب 7- من أبواب أحكام العقود الرقم- 2.
140
المعلومة بالدلالة القاهرة، بالأمور المظنونة، و أخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا. انتهى.
و قال ابن ابى عقيل: البيع عند آل الرسول (عليهم السلام) بيعان، أحدهما بيع شيء حاضر قائم العين، و الأخر بيع شيء غائب موصوف بصفة مضمونة الى أجل.
انتهى و هو ظاهر قول ابن إدريس.
و المستفاد من الاخبار الواردة في هذا المقام هو ما قدمنا نقله عن الشيخ (قدس سره).
و منها ما رواه
الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبد الرحمن (1) بن الحجاج قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشترى الطعام من الرجل ليس عنده فيشترى منه حالا؟ قال: ليس به بأس، قلت: انهم يفسدونه عندنا، قال: و أي شيء يقولون في السلم؟ قلت: لا يرون به بأسا، يقولون: هذا إلى أجل، فإذا كان الى غير أجل و ليس هو عند صاحبه فلا يصلح، فقال: إذا لم يكن أجل كان أجود ثم قال:
لا بأس أن يشترى الرجل الطعام و ليس هو عند صاحبه إلى أجل و حالا لا يسمى له أجلا الا ان يكون بيعا لا يوجد مثل العنب و البطيخ و شبهه في غير زمانه فلا ينبغي شراء ذلك حالا (2).
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 179 التهذيب ج 7 ص 49.
(2) أقول و هذه الرواية رواه الشيخ في التهذيب و فيها «و ليس هو عند صاحبه إلى أجل، فقال: لا يسمى له أجلا الا أن يكون» الى آخره، و هو من تحريفات الشيخ، و الصحيح ما نقلناه في الأصل عن الفقيه، لانه هو الذي يستقيم به المعنى كما يخفى. (منه (رحمه الله) و يمكن أن يكون التحريف من النساخ. على آخوندى.
141
و في صحيحة أحرى لعبد الرحمن (1) المذكور عن أبى عبد الله (عليه السلام) «ان أبى كان يقول: لا بأس أن تبيع كل متاع كنت تجده في الوقت الذي بعته فيه».
و معنى تجده يعنى تقدر عليه في ذلك الوقت.
أقول: و هما مع صحة السند صريحتا الدلالة في صحة ما ذكره الشيخ، و بطلان ما ذكره ابن إدريس الموافق لمذهب العامة، كما يشير إليه الرواية، و قد تضمنت الإنكار على المانعين من هذه الصورة، و التعجب من تسويغ السلم و منع هذه الصورة، باعتبار أن البيع الخالي من الأجل أجود، و انما كان أجود لوجود المبيع يومئذ، و القدرة على تسليمه بخلاف السلم، فإنه قد يتعسر تسليمه بعد الأجل، و في ذلك إشارة إلى كون هذا أولى بالصحة من السلم الذي وافقوا على جوازه.
و يعضده أن الأجل في السلم انما جعل إرفاقا بالبائع، لا أنه شرط في صحة المعاوضة، فيكون المعاوضة هنا سائغة، لما عرفت من ان القدرة على التسليم هنا أتم و الحكمة في معاوضة البيع انما يتم بالقدرة على التسليم، و إذا كانت أتم و أجود في صورة النزاع وجب أن يكون الحكم فيه ثابتا، و ما ذكره من افراد البيع، لا دليل على الحصر فيها، لتكاثر الاخبار بهذا الفرد الذي هو محل البحث.
و من الاخبار المذكورة أيضا ما رواه
في الفقيه عن الكناني (2) قال: «سألته عن رجل اشترى من رجل مائة من صفر بكذا و كذا و ليس عنده ما اشترى منه فقال: لا بأس إذا أوفاه الوزن الذي اشترط عليه».
و ما رواه
في التهذيب عن الشحام (3) عن ابى عبد الله (عليه السلام) «في
____________
(1) الكافي ج 5 ص 200 و الوسائل الباب- 7- من أبواب أحكام العقود الرقم- 3.
(2) الفقيه ج 3 ص 179 الوسائل الباب 7- من أبواب أحكام العقود الرقم 4.
(3) التهذيب ج 7 ص 44.
142
رجل اشترى من رجل مائة من صفر و ليس عند الرجل شيء منه، قال: لا بأس به إذا أو فاه دون الذي اشترط له».
كذا في نسخ التهذيب، و الظاهر أن قوله «دون» وقع تحريف الوزن كما في الخبر المتقدم، كم و مثل ذلك للشيخ (قدس سره).)
و ما رواه
الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يأتيني يريد منى طعاما و بيعا و ليس عندي أ يصلح لي أن أبيعه إياه و اقطع سعره ثم أشتريه من مكان آخر و ادفع اليه قال: لا بأس إذا قطع سعره».
و كان ابن إدريس ظن انه لا مستند لهذا القول إلا صحيحة عبد الله بن سنان التي أشار إليها، الا ان قوله مبنى على أصله الغير الأصيل من رد الأخبار التي عليها بناء الشريعة بين العلماء جيلا بعد جيل، و هو مما لا يلتفت اليه و لا يعول عليه في حقير و لا جليل.
و أما ما رواه
في التهذيب عن سليمان بن صالح (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن سلف و بيع، و عن بيعين في بيع، و عن بيع ما ليس عندك، و عن ربح ما لم يضمن».
و ما رواه
في آخر الفقيه (3) في مناهي النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «و نهى عن بيع ما ليس عندك و نهى عن بيع و سلف» الخبر.
ففيه أولا- أنه يضعف عن معارضة ما ذكرنا من الاخبار المؤيدة بعمل
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 44 الوسائل الباب- 7- من أبواب أحكام العقود الرقم 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 230 الرقم 25.
(3) الفقيه ج 4 ص 4 الوسائل الباب- 7- من أبواب أحكام العقود الرقم- 5.
143
الأصحاب، و ثانيا- أنه يمكن حمله على بيع عين في ملك غيره، لجواز أن لا يبيعها صاحبها، لا ما إذا كان البيع في الذمة كما هو محل البحث جمعا بين الاخبار.
المطلب الثاني فيما يدخل في المبيع
قالوا: و الضابط الاقتصار على ما يتناوله اللفظ لغة و عرفا، قيل: و المراد بالعرف ما يعم الخاص و العام، و ظاهرهم أن المراد بالعرف ما هو المتعارف بين الناس في إطلاق ذلك اللفظ، و ما يراد منه و يستعمل فيه أعم من ان يكون عاما في جميع الأصقاع و البلدان أو خاصا، باعتبار اصطلاح كل بلد و كل قطر على استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى.
و الأظهر أن يقال: ان الواجب هو حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية ان وجدت، و الا فعلى عرفهم (عليهم السلام)، لانه مقدم على عرف الناس ان ثبت، و الا فعلى ما هو المتعارف في السن المتخاطبين، و المتبادر في محاوراتهم و ان اختلفت في ذلك الأصقاع و البلدان، ثم مع تعذر ذلك فاللغة، و ربما قدم بعضهم اللغة على العرف.
و مما يشير الى ما ذكره الأصحاب في هذا الباب ما رواه
الشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار (1) انه كتب الى أبى محمد (عليه السلام) «في رجل
____________
(1) الوسائل الباب- 30- من أبواب أحكام العقود الرقم 1 و التهذيب ج 7 ص 150 الرقم 13 و 14.
144
اشترى من رجل بيتا في داره بجميع حقوقه، و فوقه بيت آخر، هل يدخل البيت الأعلى في حقوق البيت الأسفل أم لا؟ فوقع (عليه السلام): ليس له الا ما اشتراه باسمه و موضعه إنشاء الله تعالى».
و كتب إليه (1) «في رجل اشترى حجرة أو مسكنا في دار بجميع حقوقها، و فوقها بيوت و مسكن آخر، يدخل البيوت الأعلى و المسكن الأعلى في حقوق هذه الحجرة و المسكن الأسفل الذي اشتراه أم لا؟ فوقع (عليه السلام): ليس له من ذلك الا الحق الذي اشتراه إنشاء الله.
و ظاهر الخبرين أن المرجع الى ما صدق عليه ذلك اللفظ عرفا، و ظاهرهما عدم دخول البيت الأعلى في حقوق البيت الأسفل فلا يدخل في البيع.
و مما يشير الى الرجوع الى اللغة في أمثال ذلك ما رواه الثقة الجليل
على ابن إبراهيم القمي في تفسيره (2) في تفسير قوله عز و جل (3) «لَهُ مُعَقِّبٰاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّٰهِ عن الصادق (عليه السلام) أن هذه الآية قرئت عنده فقال لقارئها: أ لستم عربا، فكيف تكون المعقبات من بين يديه، و انما العقب من خلفه، فقال الرجل: جعلت فداك كيف هذا فقال: إنما أنزلت «له معقبات من خلفه و رقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله» و من الذي يقدر بحفظ الشيء من أمر الله و هم الملائكة الموكلون بالناس.».
و رواه العياشي في تفسيره أيضا، (4) و في الخبر المذكور دلالة على وقوع
____________
(1) الوسائل الباب- 30- من أبواب أحكام القعود الرقم 1 و التهذيب ج 7 ص 150 الرقم 13 و 14.
(2) تفسير البرهان ج 2 ص 283.
(3) سورة الرعد الآية- 11.
(4) تفسير البرهان ج 2 ص 283.
145
التغيير في القرآن كما هو أصح القولين و أشهرهما، و قد بسطنا الكلام في ذلك في موضع أليق.
قال في المسالك: و قد حقق العلامة قطب الدين الرازي أن المراد تناول اللفظ بالدلالة المطابقية و التضمنية، لا الالتزامية، فلا يدخل الحائط لو باع السقف و هو حسن. انتهى.
و قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد: و المراد بالمعاني ما يفهم منها بحسب التخاطب ارادة اللافظ ذلك، مطابقا كان أو تضمنا أو التزاما.
أقول: و هو الأظهر بالنظر الى ما قدمنا عنهم من الحوالة إلى العرف.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الأصحاب (رضوان الله عليهم)، ذكروا هنا ألفاظا و ذكروا مدلولاتها بحسب العرف.
فمن ذلك لفظ الأرض و الساحة و البقعة، و العرصة، فلا يندرج تحتها الشجر الذي فيها و لا الزرع، و لا البذر الكامن فيها.
و نقل عن الشيخ انه لو قال: بحقوقها دخل (1) قال في المسالك: بل يفهم منه انها تدخل و ان لم يقل بحقوقها محتجا بأنها من حقوقها، ثم قال:
و المنع متوجه إلى الأمرين، و الأقوى عدم الدخول مطلقا الا مع دلالة اللفظ أو القرائن عليه، كقوله: و ما اشتملت عليه أو و ما أغلق عليه بابها. انتهى.
و هو جيد.
____________
(1) قال في المبسوط: إذا باع أرضا فيها بناء و شجر، و قال في العقد بحقوقها، دخل البناء و الشجر، و ان لم يقل بحقوقها لم يدخلا، و تبعه ابن البراج و ابن حمزة، و هو ظاهر كلام ابن إدريس- منه (رحمه الله).
146
و يدل عليه ما رواه
الشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار (1) «في رجل اشترى من رجل أرضا بحدودها الأربعة، و فيها زرع و نخل و غيرهما من الشجر، و لم يذكر النخل و لا الزرع و لا الشجر في كتابه، و ذكر فيه أنه قد اشتراها بجميع حقوقها الداخلة فيها و الخارجة منها، أ يدخل الزرع و النخل و الأشجار في حقوق الأرض أم لا؟ فوقع (عليه السلام): إذا ابتاع الأرض بحدودها و ما أغلق عليه بابها، فله جميع ما فيها إنشاء الله تعالى» (2).
و هو ظاهر في الرد على ما نقل عن الشيخ، و صريح فيما ذكره في المسالك.
ثم انه لو كان المشترى جاهلا بوجود تلك الأشياء في الأرض كما لو اشتراها بالوصف أو الرؤية قبل الزرع و الغرس، فله الخيار بين فسخ البيع و أخذ ثمنه، و بين أخذها بذلك الثمن و الرضا به و إبقائه مجانا، كذا ذكره جملة من الأصحاب، و لم أقف هنا على نص.
قال بعض المحققين: و لعل دليله أن وجود هذه الأشياء فيها سبب لتعطيلها غالبا- و العقد يقتضي الانتفاع بالفعل- من غير مضى زمان كثير عادة- ففيه ضرر على المشترى. انتهى.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 138 الرقم 84.
(2) قال ابن إدريس: قوله «و ما أغلق عليه بابها» يريد بذلك جميع حقوقها و الجواب مطابق للسؤال.
قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و نحن نمنع هذا التفسير و نقول:
بموجب الحديث، فإنه إذا اشترى بما أغلق عليه بابه، دخل الجميع بلا خلاف، و لعل الامام (عليه السلام) أشار الى الجواب بطريق المفهوم و هو عدم الدخول، فإنه علق الدخول بقوله «و ما أغلق عليه بابها» و يفهم من ذلك عدم الدخول عند عدمه. انتهى و هو جيد. منه (رحمه الله).
147
قالوا: و يدخل الأحجار المخلوقة في تلك الأرض دون المدفونة، و الظاهر أن وجه الفرق هو دخول الاولى في مفهوم اللفظ عرفا كالتراب، فان الجميع من اجزاء الأرض بخلاف الثانية، فإنها بمنزلة الأمتعة المدفونة، و على البائع نقلها و تسوية الحفر، و يتخير المشتري أيضا عندهم مع الجهل، و حصول الغرر ببقائها و انه لا خيار للمشتري ان تركها البائع مع عدم الضرر.
و من ذلك البستان، و لا ريب في دخول الأرض و الأشجار، لأنه داخل في مفهومه لغة و شرعا، أما البناء فان كان حائطا لذلك البستان فالظاهر دخوله لما ذكر، و في غيره- كالبناء لسكنى حافظ البستان و حارسه، و الموضع المعد لوضع الثمرة و لجلوس من يدخله و نحو ذلك- إشكال، ينشأ من عدم دخوله في مسماه لغة، و لهذا يسمى بستانا و ان لم يكن شيء من ذلك- و من إطلاق البستان عليه ظاهرا إذا قيل: باع فلان بستانه و فيه بناء.
أقول: و الوجه الأول من وجهي الإشكال أجود، الا أنه يدخل فيه الحائط أيضا فإن الظاهر أنه يسمى بستانا و ان لم يكن عليه حائط، و الأقوى في ذلك الرجوع الى العرف، فان عد جزء منه أو تابعا له دخل، و الا فلا، و الظاهر أن ذلك يختلف باختلاف البقاع و الأزمان و أوضاع البناء.
و من ذلك الدار، و لا ريب في دخول الأرض و البيوت التي اشتملت عليها تحتانية أو فوقانية مع الحيطان الدائرة عليها، و السقوف، الا أن يكون البيت الا على مستقلا بالسكنى، بأن يكون له باب على حدة من غير هذه الدار المذكورة، فيكون ممتازا كالدار على حدة، و حينئذ لا يدخل البيت الأعلى و حيطانه و سقفه، و الظاهر دخول أرضه التي هي سقف البيوت التحتانية الداخلة في الأرض المفروضة، و تدخل فيها الأبواب و الأغلاق المنصوبة، و السلاسل، و الحلق في الأبواب و ان لم يسمها، و الأخشاب المستدخلة في البناء، و الأوتاد المثبتة فيه، و السلم المثبت في الأبنية على حذوا الدرج، و الوجه في دخول جميع هذه اقتضاء العرف كونها من
148
اجزاء الدار و توابعها و مرافقها، و لو كان في الدار حمام معد لها أو بئر أو حوض فالظاهر دخولها، و كذا خوابى المثبتة في الأرض أو الحائط بحيث تصير من اجزائها و توابعها عرفا.
و في دخول المفاتيح خلاف و إشكال ينشأ من خروجها عن اسم الدار- و كونها منقولة فيكون كالآلات المنتفع بها في الدار- و من أنها من توابع الدار و كالجزء من الأغلاق المحكوم بدخولها، و أظهر في الخروج مثل الدلو و البكرة و الرشا و السرير، و الرف الغير المثبت كالموضوع على الخشب، و السلم الغير المثبت، و الأقفال الحديد و مفاتيحها، و الكنوز، و الدفائن و نحو ذلك.
و لو كان في الدار نخل أو شجر و لم يذكره في البيع لم يدخل، و قال الشيخ في المبسوط بالدخول، و الكلام هنا كما تقدم في الأرض.
و من ذلك الشجر، و يندرج فيه الأغصان و الورق و العروق لقضاء العرف بشموله لذلك، و يستحق الإبقاء معروسا- و لا يستحق الغرس- بل سقيه للإبقاء خاصة، و الظاهر تخصيص ذلك بالشجر الرطب، فإنه هو الذي يتعلق الغرض بإبقائه، دون اليابس الذي يقتضي العادة بأنه يقطع للحطب و الوقود و البناء و نحو ذلك، و لو استثنى شجرة من البستان الذي باعه أو اشتراها من مالكها خاصة، لم تدخل الأرض في البيع، لكن يستحق من منفعتها ما يتوقف عليه الانتفاع بالشجرة و ثمرتها من الدخول إليها و سقيها و حرثها و جمع ثمرتها، و يستحق أيضا مدى جرائدها في الهواء و عروقها في الأرض.
و يدل على ذلك في الجملة ما رواه
في الكافي و التهذيب عن السكوني (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قضى النبي (صلى الله عليه و آله) في رجل باع نخلا و استثنى عليه نخلة، فقضى له رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالمدخل إليها
____________
(1) الكافي ج 5 ص 295 التهذيب ج 7 ص 144 الرقم 25.
149
و المخرج منها و مدى جرائدها».
و روى في الفقيه عن السكوني (1) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال قضى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الحديث:.
و روى في الكافي و التهذيب عن عقبة بن خالد (2) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) قضى في هرائر النخل أن تكون النخلة و النخلتان للرجل في حائط الأخر، فيختلفون في حقوق ذلك، فقضى فيها أن لكل نخلة من أولئك من الأرض مبلغ جريدة من جرائدها حين بعدها».
أقول: قوله «حين بعدها» أى منتهى طول الجريدة إذا طالت، و أما قوله «هرائر» فقد اختلفت فيه نسخ الحديث اختلافا فاحشا ففي بعضها كما ذكرنا، و في بعض «بالواو» عوض الراء الاولى، و في بعض بالزاي عوضها، و في بعض نسخ التهذيب «هذا النخل»، و الظاهر كما استظهره في الوافي حريم النخل، فوقع التحريف.
و روى في التهذيب عن محمد بن الحسن الصفار (3) في الصحيح قال: «كتبت اليه (عليه السلام) في رجل باع بستانا فيه شجر و كرم فاستثنى شجرة منها، هل له ممر الى البستان الى موضع شجرته التي استثناها، و كم لهذه الشجرة التي استثناها من الأرض التي حولها؟ بقدر أغصانها أو بقدر موضعها التي هي ثابتة فيه؟ فوقع (عليه السلام): له من ذلك على حسب ما باع و أمسك فلا يتعد الحق في ذلك إنشاء الله تعالى».
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 57.
(2) الكافي ج 5 ص 295 و فيه «هوائر» من الهور بمعنى السقوط أي في مسقط الثمار للشجرة التهذيب ج 7 ص 144 الرقم 26.
(3) التهذيب ج 7 ص 90 الرقم 24.
150
أقول: لا يخفى ما في الجواب من الإجمال المانع من الاعتماد عليه في الاستدلال و مع ذلك فان الظاهر أن يقال: له من ذلك على حسب ما استثنى، و ربما أشعر بأنه مع استثناء الشجرة فلا ينصرف ذلك الا الى ما دخل تحت مفهوم هذا اللفظ عرفا، و هو مشكل بناء على ما عرفت من كلام الأصحاب و من الاخبار المتقدمة.
و من ذلك النخل بالنسبة إلى ثمرته قبل التأبين و بعده، و المشهور في كلامهم أنه لو باع نخلا قد أبر ثمرها فهو للبائع، لأن اسم النخلة لا يتناوله الا أن يشترطه المشترى، و ان لم يكن مؤبرا فهو للمشتري.
أقول: و يدل على الحكم الأول ما رواه
في الكافي و التهذيب عن يحيى بن أبى العلاء (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من باع نخلا قد لقح، فالثمرة للبائع الا أن يشترط المبتاع، قضى رسول الله (صلى الله عليه و آله) بذلك».
و عن غياث بن إبراهيم (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من باع نخلا قد أبره فثمرته (للذي باع)، الا أن يشترط المبتاع ثم قال:
قضى به رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و روى في الكافي عن عقبة بن خالد (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال قضى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان ثمر النخل للذي أبرها الا ان يشترط المبتاع».
و أما الحكم الثاني فلم أقف فيه على دليل الا مفهوم الروايات المتقدمة، و من ثم ناقش في الحكم بعض الأصحاب، و توقف آخرون كما يؤذن به كلام المحقق في الشرائع حيث نسب الحكم المذكور الى فتوى الأصحاب.
قال في المسالك: انما نسب القول الى فتوى الأصحاب، لقصور المستند
____________
(1) الكافي ج 5 ص 177 التهذيب ج 7 ص 87 الرقم 12.
(2) الكافي ج 5 ص 177 التهذيب ج 7 ص 87 و في الكافي (للبائع).
(3) الكافي ج 5 ص 178.
151
النقلي عن افادة الحكم المذكور، فإنه إنما دل على أن النخل المؤبر ثمرته للبائع، لا على أن ما لا يؤبر ثمرته للمشتري الا من حيث المفهوم الضعيف، و الأصل يقتضي الملك لبائعه، و عدم انتقاله إلى المشترى، إذ العقد انما وقع على الأصول و هي مغايرة للثمرة انتهى و هو جيد.
و اعترف في المختلف أيضا بضعف الدليل الا أنه قال: لكن الإجماع يعضده، مع أنه نقل عن ابن حمزة أن الاعتبار في دخول الثمرة و عدمه ببدو الصلاح و عدمه، فمتى باعها بعده فالثمرة للبائع، و قبله للمشتري الا مع الشرط، و كأنه لم يعتبر خلافه.
و الظاهر أنه لا خلاف في كون الثمرة للبائع مطلقا فيما لو انتقل النخل بغير البيع، كالميراث و نحوه، و كذا في غير النخل من أفراد الشجر، لان كون الثمرة للمشتري على خلاف الأصل، فيقتصر فيه على موضع النص و الوفاق، و هو بيع النخل فلا يتعدى الى غير البيع، و لا الى غير النخل من أفراد الشجر.
و لو باع المؤبر من النخل و غير المؤبر كان لكل حكمه المتقدم عندهم، و ظاهر إطلاقهم أنه لا فرق في ذلك بين كون ذلك في نخلة واحدة- قد أبر بعض طلعها دون بعض- أو في نخلات متعددة أبر بعضها، و لم يؤبر الباقي، و به أفتى في الدروس.
و فرق العلامة في التذكرة بين النخلة الواحدة، و النخلات المتعددة، فحكم في الأول بكون الجميع للبائع، محتجا عليه بأنه يصدق عليه أن قد باع نخلا قد أبر، فيدخل تحت نص أنه للبائع، و بما في افتراقهما في الحكم من العسر و عدم الضبط، و في الثاني بتفريق الحكم.
و ربما احتمل بعضهم هنا وجها ثالثا، و هو دخول الجمع في البيع لصدق عموم التأبير في الجميع. و الظاهر الأوفق بظاهر النص هو الأول، فإن تعليق
152
الحكم يشعر بالعلية، فيكون التأبير هو العلة، فأينما وجد ترتب عليه حكمه، و ينتفي حيثما انتفى.
المطلب الثالث في التسليم
إطلاق العقد يقتضي تسليم المبيع و الثمن، فيجب على المتبايعين دفع العوضين من غير أولوية.
قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد بعد قول المصنف في الكتاب المذكور «يجب على المتبايعين دفع العوضين من غير أولوية تقديم» ما لفظه: اعلم ان الأكثر هكذا قالوا، و حاصله أنه انما يجب عليها معا الدفع بعد أخذ العوض، و يجوز لكل المنع حتى يقبض و كأنهم نظروا الى ان البيع معاوضة محضة، و لا يجب على كل منهما الدفع الا لعوض مال الأخر، فما لم يأخذ ذا العوض، لا يجب إعطاء العوض، و المسألة مشكلة كسائرها، لعدم النص، و ثبوت الانتقال بالعقد يقتضي وجوب الدفع على كل واحد منهما عند طلب الأخر، و عدم جواز الحبس حتى يقبض حقه، و جواز الأخذ لكل حقه من غير إذن الأخر ان أمكن له على اى وجه كان، لان ذلك هو مقتضى الملك، و منع أحدهما الأخر و ظلمه لا يستلزم جواز الظلم للآخر و منعه حقه، فيجبرهما الحاكم معا على ذلك ان امتنعا، فيعطى من بد و يأخذ من آخر، أو يقبض لأحدهما و يأمره بالإعطاء انتهى.
أقول: ما ذكره (قدس سره) جيد، الا أن في فهم ذلك من العبارة المذكورة- و نحوها من عبائرهم في هذا المقام اشكال، و ذلك فإن غاية ما يفهم من هذه العبارة- التي ذكرها في الإرشاد- هو أنه لما كان إطلاق العقد يقتضي وجوب تسليم المبيع و الثمن، فالواجب حينئذ على كل من البائع و المشترى دفع ما وجب عليه تسليمه
153
من غير أولوية تقديم أحدهما على الأخر، خلافا للشيخ حيث ذهب الى أنه يجب على البائع أولا تسليم المبيع، محتجا بأن الثمن تابع للمبيع، و الغرض من هذه العبارة انما هو بيان تساويهما في وجوب التسليم، بدون تقديم أحدهما على الأخر كما زعمه الشيخ (رحمة الله عليه) فالكلام انما خرج في معرض الرد عليه، و أين هذا من المعنى الذي ذكره، و هو أنه لا يجب على أحدهما التسليم الا بعد دفع الأخر، و أنه يجوز لكل منهما الامتناع حتى يقبض، اللهم الا ان يكون قد اطلع على تصريح بذالك من غير هذا الموضع، و الا فهذه العبارة و نحوها لا اشعار فيها، فضلا عن الدلالة بشيء من ذلك.
و تحقيق الكلام- في هذا المقام- يتوقف على بسطه في مواضع
الأول [في القبض و الإقباض]
- لا يخفى أن القبض من الأمور المعتبرة شرعا لما يترتب عليه من الأحكام العديدة بالنسبة إلى الوصية و الهبة و الرهن، فان للقبض فيها مدخلا باعتبار شرطيته للصحة أو اللزوم، فان و كذا بالنسبة إلى البيع، فمن أحكامه فيه انتقال ضمان المبيع إلى المشتري بعده ان لم يكن له خيار، و كونه على البائع قبله، و جواز بيع ما اشتراه بعد القبض مطلقا، و تحريمه أو كراهته قبله على بعض الوجوه، و جواز فسخ البائع مع تأخير الثمن، و عدم قبض المبيع بعد ثلاثة أيام، و غير ذلك، و مع هذا لم يرد له تحديد شرعي يرجع فيه اليه.
و من ثم ان الأصحاب انما رجعوا فيه الى العرف بناء على قواعدهم في كل ما لم يرد له تحديد شرعي، مع ان الغالب في العرف الاختلاف باعتبار تعدد الأقطار و البلدان، و أن لكل قطر اصطلاحا و عادة غير ما سواه، و المسألة من أجل ذلك في غاية من الاشكال و الداء العضال، لعموم البلوى به في جملة من الأحكام كما عرفت.
و الذي وقفت عليه مما يتعلق بهذا المقام روايتان الأولى-
صحيحة معاوية،
154
بن وهب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه؟ فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه الا ان توليه».
قال في المسالك بعد نقل هذه الرواية: فجعل قبض المكيل و الموزون كيله أو وزنه بالنسبة إلى جواز بيعه. (2)
و اعترضه المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد فقال: و هذه لا أفهم دلالتها لان ظاهرها أن البيع قبل القبض لا يجوز حتى يكيل أو يزن، و ذلك لا يدل على كون القبض ذلك و هو ظاهر، و لا يدل على ذلك بضم السؤال إذ يصح جواب السائل هل يجوز قبل القبض؟ بأنه لا يجوز بدون الكيل، يعني لا بد من الكيل الذي القبض حاصل في ضمنه أى لا بد من القبض و شيء آخر، الى آخر كلامه زيد في مقامه، و به يظهر سقوط الرواية عن درجة الاستدلال في هذا المجال.
و الثانية:
رواية عقبة بن خالد (3) عنه (عليه السلام) «في رجل اشترى متاعا من آخر و أوجبه، غير أنه ترك المتاع عنده و لم يقبضه فسرق المتاع من مال من يكون؟ قال: من مال صاحب المتاع الذي هو هو في بيته حتى يقبض المتاع و يخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله اليه».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 35 الرقم 34 و فيه (الا أن يوليه الذي قام عليه).
(2) أقول: يمكن أن يؤيد ما ذكره في المسالك و هو المشهور بين الأصحاب من جعل الكيل و الوزن قبضا، بان يقال: ان الرواية قد دلت على انه مع التولية لا يحتاج الى الكيل و الوزن، و هذا لا يتم الا على تقدير كون الكيل و الوزن قبضا، فإن التولية تصح بدون القبض، و اما على تقدير كونها شرطا في صحة البيع، و القبض انما هو عبارة عن النقل و التحويل فكيف يصح البيع تولية مع اختلال أحد شرائط البيع و هو الوزن و الكيل هنا.
فتأمل. منه (رحمه الله).
(3) الكافي ج 5 ص 171 التهذيب ج 7 ص 21.
155
و غاية ما يدل عليه هذا الخير هو أنه يعتبر في انتقال الضمان من البائع إلى المشتري نقل المتاع و إخراجه من بيت البائع، و ليس فيه تفسير للقبض بأنه عبارة عما ذا، مع أن ظاهر الخبر أنه يعتبر في انتقال الضمان الإخراج من بيت البائع، و لا قائل به كما ستعرف.
بقي الكلام في الدلالة العرفية التي اعتمدوها في المقام. قال في المسالك:
و العرف يدل على أن إقباض غير المنقول يتحقق بالتخلية مع رفع يد البائع عنه، و عدم مانع للمشتري من قبضه، و أما في المنقول فلا يتحقق الا باستقلال يد المشترى به، سواء نقله أم لا، و كذا في طرف البائع بالنسبة إلى الثمن، و هذا مطرد في المكيل و الموزون و غيرهما، إلا أنهما خرجا عنه بالنص الصحيح فيبقى الباقي و هو الأقوى. انتهى. (1) و هو جيد إلا في استثنائه المكيل و الموزون «بالنص الصحيح»، و لقد عرفت آنفا من أن غاية ما يدل عليه النص هو اعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون، لا ان القبض فيهما هو الكيل و الوزن، ثم قال: و المراد بالتخلية حيث تعتبر، رفع المانع للمشتري من قبض المبيع ان كان، و الاذن له فيه، و لا يختص ذلك بلفظ، بل كل ما دل عليه كاف فيه.
و فيه أولا ان ظاهر كلامه المتقدم كون التخلية أمرا آخر غير رفع المانع حيث أنه أضافه الى التخلية، و هنا فسرها به، و ثانيا أنه لا وجه لاعتبار
____________
(1) ثم قال في إتمام عبارة المذكورة: لا يقال: قد نقل في التذكرة لإتمام الاستدلال بهذه أن الإجماع عندنا حاصل على منع جواز بيع الطعام قبل القبض، فلو لم يكن الكيل هو القبض المطلوب و يتحقق القبض بدونه، لم يكن لقوله «حتى يكيل» معنى لأنا نقول على تقدير تحقق الإجماع معناه الجواز بعد القبض مع باقي الشرائط و الكيل من جملته، الا أن كيله هو القبض. انتهى. منه (رحمه الله).
156
الاذن هنا بعد انتقال المبيع إلى المشتري بالعقد، و كون البائع هنا في حكم الأجنبي فلا وجه لتوقف قبضه على اذنه.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قال في كتاب المصباح المنير: قبضت الشيء قبضا: أخذته. و قال في نهاية الأثيرية: و القبض الأخذ بجميع الكف. أقول:
و هذا هو الذي يتبادر في العرف الان، الا أنه في المنقول ظاهر و ان تفاوتت أفراده في ذلك باعتبار المقبوض، ففي مثل الدراهم و المتاع هو القبض باليد، و في مثل الحيوان هو نقله، و في مثل المكيل و الموزون هو تحويله بالوزن و الكيل أو بدونهما فإنه يصدق القبض بمجرد ذلك.
و أما في غير المنقول فالظاهر هو الوقوف فيه على ما رسمه الأصحاب. قال في الدروس: و القبض في غير المنقول التخلية بعد رفع اليد، و في الحيوان نقله، و في المنقول كيله أو وزنه، أو عده أو نقله، و في الثوب وضعه في اليد. انتهى و هو ظاهر فيما قلناه الا أن اضافة العد الى الكيل و الوزن خارج عن مورد الرواية التي استندوا إليها في الحكم المذكور على ما عرفت فيها، و هو ايضا خلاف ما هو المشهور من الاقتصار على مورد الخبر المذكور.
و قال الشيخ في المبسوط: القبض فيما لا ينقل و يحول هو التخلية، و ان كان مما ينقل و يحول، فان كان مثل الدراهم و الجواهر و ما يتناول باليد، فالقبض هو التناول، و ان كان مثل الحيوان كالعبد و البهيمة، فإن القبض في البهيمة أن يمشى بها الى مكان آخر، و في العبد أن يقيمه الى مكان آخر، و ان كان اشتراه جزافا كان القبض فيه أن ينقله من مكانه، و ان اشتراه مكايلة فالقبض فيه أن يكيله، و تبعه ابن البراج و ابن حمزة.
و قال في المختلف: و الأقرب أن المبيع ان كان منقولا فالقبض فيه هو النقل أو الأخذ باليد و ان كان مكيلا أو موزونا فقبضه هو ذلك، أى الكيل و الوزن، و ان لم يكن منقولا فالقبض فيه التخلية. انتهى. و كلام الشيخ راجع
157
في التحقيق اليه، الا في المكيل و الموزون، حيث اقتصر في قبضه على الكيل و الوزن.
و بذلك يظهر ما في عبارة المسالك هنا من الإجمال في تفسير، القبض في المنقول، فإنه ربما أوهم رجوعه إلى التخلية في غير المنقول. و اكتفى بعضهم بالتخلية مطلقا في منقول أو غير منقول، و هو مذهب المحقق في الشرائع (1).
قال في الدروس: و لا بأس به في نقل الضمان لا في زوال التحريم أو الكراهة عن البيع قبل القبض.
أقول: لا يخفى ما في هذا التفصيل، فان الجميع مترتب على القبض فان صدق القبض بالتخلية، وجب ترتب أحكام القبض على ذلك مما ذكر هنا و ما لم يذكر، و الا فلا مطلقا.
الثاني [لو كان المبيع بيد المشترى قبل الابتياع]
قال: في المسالك: لو كان المبيع بيد المشترى قبل الابتياع، فان كان بغير اذن البائع فلا بد من تجديد الاذن في تحقق القبض بالنسبة إلى رفع التحريم أو الكراهة، و اما بالنسبة إلى مثل الضمان فيحتمل قويا تحققه بدونه، كما لو قبضه بغير اذن البائع، و يحتمل توقف الأمرين على تجديده، لفساد الأول شرعا، فلا يترتب عليه أثر، و لو كان بإذنه كالوديعة و العارية لم يفتقر الى تجديد اذن و لا تخلية. انتهى.
____________
(1) أقول: لا يبعد أن يكون مراد الأصحاب بكون الكيل و الوزن قبضا انما هو بمعنى وزنه و كيله، لأجل القبض و النقل، لا من حيث كونه كيلا و وزنا، فإنه هو الغالب المتعارف، و لذلك أنه لو قبضه المشترى بالوزن أو الكيل، ثم باعه ممن حضر وزنه و كيله، فإنه لا يحتاج إلى إعادة الوزن أو الكيل، و انما يحتاج الى النقل ليتحقق به القبض، و بالجملة فإن القبض انما يتحقق بالنقل و التحويل سواء كان في معنى الوزن و الكيل أو بدونهما كما في الصورة المفروضة. منه (رحمه الله).
158
و فيه أنه لا دليل على ما ذكره «(قدس سره)» لا من النص و لا من الاعتبار، و عقد البيع قد اقتضى النقل إلى المشترى، و القبض و التسليم الى المشتري حاصل و الفرق بين كون القبض قبل البيع شرعيا أو غير شرعي مع كونه لا دليل عليه- لا ثمرة له بعد ما عرفت. و مع كونه غير شرعي قبل البيع لا يمنع من كونه شرعيا بعد البيع و الانتقال اليه بالعقد الصحيح.
و بالجملة فشروط صحة البيع كلها حاصلة، فلا وجه لما ذكره، و الى ما ذكرناه هنا يميل كلام المحقق الأردبيلي (قدس سره) حيث قال: لو كان المبيع بيد المشترى، فالظاهر أنه لا يحتاج الى تجديد القبض و الاذن مطلقا، و لا مضى زمان، لوجود القبض الذي هو شرط، و الموجب لجواز البيع و غيره، كما قيل ذلك في الهبة المقبوضة، و التفصيل بما إذا كان القبض مشروعا و عدمه- فإنه لا بد حينئذ لرفع التحريم و الكراهة، و يحتمل لرفع الضمان ايضا- ليس بواضح.
الثالث [كفاية القبض المعتبر لإسقاط الضمان]
- الظاهر أن القبض المعتبر من نقل أو تخلية يكفي لإسقاط الضمان، و ان كان المبيع مشغولا بأمتعة البائع كالصندوق الذي فيه المتاع و البيت الذي فيه الأمتعة، و يكون مكلفا بأن يفرغه، و هو خيرته في المسالك، و نقله بالنسبة الى الثاني عن التذكرة، و احتمل في المسالك توقف القبض على اذن المالك في نقل الأمتعة و الظاهر ضعفه، لحصول البيع الشرعي بشروطه و عدم ظهور مانعية ما ذكره مع وجوب تفريغه.
الرابع [حكم ما لو كان المبيع مكيلا أو موزونا]
- قال في المسالك- لو كان المبيع مكيلا أو موزونا فلا يخلو اما أن يكون قد كيل قبل البيع و وزن أولا، بأن أخبر البائع بكيله أو وزنه، أو باعه قدرا منه معينا من صبرة مشتملة عليه، فان كان الأخير فلا بد في تحقق قبضه من كيله أو وزنه للنص المتقدم، و ان كان الأول ففي الافتقار الى اعتباره ثانيا- لأجل القبض- أو الاكتفاء بالاعتبار السابق وجهان، من إطلاق توقف الحكم على الكيل و الوزن و قد
159
حصلا- و
قوله (عليه السلام) (1) «لا تبعه حتى تكيله أو تزنه».
لا يدل على أزيد من حصولهما الشامل لما كان قبل البيع- و من كون الظاهر أن ذلك لأجل القبض لا لأجل صحة البيع، فلا بد له من اعتبار جديد بعد العقد، و به صرح العلامة و الشهيد (رحمه الله) و جماعة، و هو الأقوى.
و يدل عليه قوله (عليه السلام)، في الخبر السابق «الا أن توليه» فإن الكيل السابق شرط لصحة البيع، أو ما قام مقامه، فلا بد منه في التولية و غيرها، و مقتضى قوله «الا أن توليه» أنه معها لا يتوقف على كيل أو وزن، و دل ذلك على أنهما لأجل القبض، لا لأجل صحة البيع.
و أما الثاني فإن اكتفينا بالاعتبار الأول في الأول، كفى الاخبار فيه- و اختارهما في التذكرة- و ان لم نكتف بالسابق في الأول لم يكتف بالاخبار في الثاني بطريق أولى.
و قد روى محمد بن أبي حمزة (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) اشترينا طعاما فزعم صاحبه انه كاله، فصدقناه و أخذناه بكيله، فقال: لا بأس، فقلت:
أ يجوز أن أبيعه كما اشتريته منه بغير كيل؟ قال: لا، أما أنت فلا تبعه حتى تكيله».
انتهى.
أقول: مرجع البحث هنا ان الكيل و الوزن هل وجوبهما في المكيل و الموزون من حيث كونهما شرطا في صحة البيع، أو من حيث كونهما قبضا للبيع، يترتب عليهما ما يترتب على القبض الذي هو النقل و الأخذ باليد، و نحو ذلك مما تقدم في غير المكيل و الموزون.
و الظاهر من الاخبار المانعة من بيع ما لم يقبض إذا كان مكيلا أو موزونا هو الثاني، بالتقريب الذي ذكره من جواز البيع تولية بدون كيل أو وزن، و لو كان ذلك شرطا في صحة البيع لما جاز ذلك، إذ لا فرق بين التولية و غيرها في اعتبار هذا الشرط.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 35.
(2) التهذيب ج 7 ص 37 و فيه محمد بن حمران.
160
و يعضده انه قد وقع التعبير عن الكيل و الوزن في هذا المقام بالقبض في جملة من الاخبار.
ففي صحيحة منصور بن حازم (1) «إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه، الا أن توليه».
و في صحيحة على بن جعفر (2) عن أخيه موسى (عليه السلام) «انه سأله عن الرجل يشترى الطعام أ يصلح بيعه قبل أن يقبضه؟ قال إذا ربح لم يصلح حتى يقبض و ان كان يوليه فلا بأس، و سأله عن الرجل يشترى الطعام أ يحل له أن يولى منه قبل أن يقبضه؟ قال: إذا لم يربح عليه شيء فلا بأس، فإن ربح فلا يصلح حتى يقبضه».
و نحوهما غيرهما.
و كذا في صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة (3) قد عبر بالكيل و الوزن عن لفظ القبض في هذه الروايات.
و مثلها
رواية أبي بصير (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى طعاما ثم باعه قبل أن يكيله؟ قال: لا يعجبني أن يبيع كيلا أو وزنا قبل أن يكيله أو يزنه، الا ان يوليه، كما اشتراه» الحديث.
و بالجملة فإن استثناء التولية في هذه الاخبار مما ذكرنا و ما لم نذكره انما يتجه على تقدير كون الكيل و الوزن قبضا، و البيع تولية صحيح مع عدم القبض و لو كان اعتبارهما انما هو من حيث كونها شرطا في صحة البيع لم يتجه صحة التولية هنا كما عرفت.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 35 الفقيه ج 3 ص 129.
(2) التهذيب ج 7 ص 36.
(3) ص 154 التهذيب ج 7 ص 35.
(4) التهذيب ج 7 ص 37.
161
نعم يشكل الحكم بان مقتضى ما ذكر أنه لو اشترى الطعام و اكتاله ثم باعه ممن حضر كيله-، فان الواجب بمقتضى ما ذكر- هو كيله مرة أخرى، ليتحقق به قبض المشتري الثاني و هو الذي قواه، و نقله عن العلامة و الشهيد (رحمه الله) مع أن ظاهر الاخبار الواردة هنا هو العدم.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب عن عبد الملك بن عمرو (1) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشترى الطعام فأكتاله و معي من قد شهد الكيل و انما اكتلته لنفسي، فيقول: بعنيه فأبيعه إياه بذلك الكيل الذي كلته؟ قال: لا بأس».
و نحوه ما رواه
في الفقيه عن خالد بن الحجاج الكرخي (2) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشترى الطعام من الرجل ثم أبيعه من رجل آخر قبل أن أكتاله، فأقول: ابعث وكيلك حتى يشهد كيله إذا قبضته، قال لا بأس».
و يمكن أن يقال في وجه الجمع بين ظواهر هذه الاخبار انه لما كان الغالب أن الكيل و الوزن انما يقعان في حال القبض، و انه بهما يحصل القبض و التحويل من البائع إلى المشتري، صح إطلاق القبض عليهما بهذا الوجه في الاخبار المتقدمة و ان كانا شرطا في صحة البيع، و اما جواز البيع تولية في تلك الاخبار بدونهما، فلعله مستثنى من القاعدة المذكورة، حيث أن التولية عبارة عن أن يعطيه ما اشتراه برأس ماله، و يجعله محله في ذلك العقد، الا انى لم أجد به قائلا، و المسألة لما عرفت غير خالية من الاشكال و لهذا كثر فيها التردد و الاحتمال.
الخامس [إلحاق المعدود بالمكيل و الموزون]
- قال في المسالك: ألحق في الدروس المعدود بالمكيل و الموزون فاعتبر في قبضه عده بعد البيع، و لم يكتف بعد السابق. و فيه نظر، لعدم النص
____________
(1) الكافي ج 5 ص 179 التهذيب ج 7 ص 38.
(2) الفقيه ج 3 ص 131.
162
و تحقق القبض فيه عرفا مع نقل المشترى له كغيره من المنقولات، و الحاقه بهما نظرا الى اشتراط اعتباره في صحة بيعه لا يوجب ذلك عندنا، و اكتفى فيه ايضا عن اعتبار المكيل و الموزون و المعدود بنقله، و الخبر الصحيح حجة عليه و قريب منه مختار العلامة في المختلف، فإنه اكتفى فيهما بأحد أمور ثلاثة، النقل، و القبض باليد، و الاعتبار بالكيل أو الوزن، و في النقل ما مر، و في القبض باليد ما دل عليه خبر عقبة بن خالد (1) من اعتبار النقل. و مال في الدروس أيضا الى أن التخلية كافية مطلقا في نقل الضمان، لا في زوال التحريم أو الكراهة عن البيع قبل القبض، و خبر عقبة حجة عليه ان اعتبره.
و التحقيق هنا أن الخبر الصحيح دل على النهى عن بيع المكيل و الموزون قبل اعتباره بهما، لا على أن القبض لا يتحقق بدونهما، و كون السؤال فيه وقع عن البيع قبل القبض لا ينافي ذلك، لان الاعتبار بهما قبض و زيادة، و حينئذ فلو قيل:
بالاكتفاء في نقل الضمان فيهما بالنقل عملا بمقتضى العرف و الخبر الأخر، و بتوقف البيع ثانيا على الكيل و الوزن أمكن ان لم يكن احداث قول. انتهى كلامه.
أقول ما ذكره هنا من التحقيق جيد، و بالقبول حقيق، الا ان فيه أولا- ما يدل على رجوعه عما قدمه، سيما في اعتراضه هنا على الدروس بأن الخبر الصحيح حجة عليه، و قد تكرر في كلامه السابق على هذا الكلام المبالغة في دلالة الخبر على أن القبض في المكيل و الموزون هو كيله و وزنه، و أنه لا يتحقق القبض بدون ذلك.
و ثانيا أن ما ذكره من التوقف في القول بالاكتفاء في نقل الضمان في المكيل و الموزون بالنقل، لاستلزامه احداث قول في المسألة. فيه أن ذلك مقتضى كلام الشهيد في الدروس و العلامة في المختلف الذي قدمه هنا، حيث إنهما صرحا بان القبض
____________
(1) الكافي ج 5 ص 171.
163
في المكيل و الموزون كما يكون بالكيل و الوزن، يكون بالنقل أيضا، و أن القبض بالنقل موجب لعدم الضمان، و ان اشتراط الكيل و الوزن في بيعه ثانيا لازالة التحريم أو الكراهة، فهو ليس بإحداث قول في المسألة، كما ذكره.
السادس [تلف المبيع أو نقصان قيمته قبل التسليم إلى المشتري]
- قالوا و إذا تلف المبيع قبل تسليمه الى المشترى كان من مال البائع و كذا ان نقصت قيمته بحدث فيه كان للمشتري رده، و في الأرش تردد.
قال في المسالك: موضع التردد ما لو كان العيب من قبل الله تعالى، و منشؤه من تعيبه على ملك المشترى لا من قبل أحد، و من أنه مضمون على البائع بأجمعه، فضمان أجزائه أولى، فالأقوى ان له الأرش ان لم يفسخ، و لو كان التعيب من أجنبي أو من البائع تخير المشترى بين الرجوع على المتلف بالأرش و بين فسخ العقد، فان فسخ رجع البائع على الأجنبي بالأرش. انتهى.
أقول: أما الحكم الأول فقد تقدم الكلام فيه في المقام الثاني في أحكام الخيار (1) و بينا ثمة ما فيه من الاشكال، و مستنده- عند الأصحاب بعد الإجماع- رواية عقبة بن خالد المتقدمة في الموضع الأول. (2)
و أما الثاني فلم أقف فيه على نص، و ظاهرهم الاتفاق على أنه يتخير بين رد المبيع و أخذ ثمنه، و بين إمساكه، و انما الخلاف في صورة اختيار الإمساك هل يمسكه بثمنه أو يرجع بالأرش على البائع فيما إذا كان العيب من جهة الله تعالى، و قد رجح في المسالك الثاني نظرا الى أن ضمان الكل يستلزم ضمان البعض بالطريق الاولى.
و يمكن خدشه بما صرحوا به في صورة تلف الجميع من انه يبطل البيع، و ينتقل المبيع إلى البائع كما قدمنا نقله عنهم في الموضع المتقدم ذكره، بخلاف
____________
(1) ص 77.
(2) ص 154.
164
ما هنا، فإنه باق على ملك المشترى، و لعل مثل هذا لا يؤثر في الضمان.
و بالجملة فإن الحكم لما لم يكن منصوصا- و الفرق بين الكل و البعض ظاهر مما ذكرنا- فالحكم بالأرش محل اشكال، سيما مع ما حققناه في الموضع المتقدم ذكره، من ان قضية العقد كون المبيع ملكا للمشتري، و قضية كونه ملكا للمشتري أن تلفه منه و ان كان في يد البائع، و الأصل عدم الضمان على البائع بعد انتقال المبيع عنه الا بالتفريط و لو بمنعه المالك.
السابع [حكم النماء قبل القبض]
- قد صرحوا بأنه إذا حصل للمبيع نماء قبل القبض كالنتاج أو ثمرة النخل أو اللقطة كلقطة العبد التي يمكن تملكها و لو بعد التعريف كان ذلك للمشتري، فإن تلف الأصل سقط الثمن عن المشترى ان لم يدفعه، و الا استرجعه و له النماء، و لو تلف النماء من غير تفريط لم يلزم البائع دركه.
أقول: أما الحكم الأول فيجد لان المبيع بالعقد ينتقل الى ملك المشترى قبضه أو لم يقبضه، فكذا نماؤه، و هكذا الثمن أيضا، فإنه بالعقد ينتقل إلى البائع و نماؤه تابع له أيضا.
و أما الثاني- فهو مبنى على القاعدة المتفق عليها عندهم، و هو أن المبيع قبل القبض مضمون على البائع، و على أن التلف انما يبطل البيع من حينه، كما هو المشهور عندهم، فيكون النماء السابق على وقت التلف و ما في حكمه كلقطة العبد للمشتري و أما لو قلنا بأنه يبطله من أصله كما تقدم نقله احتمالا عن العلامة فهو، للبائع.
و أما الثالث. فوجهه ان النماء في يد البائع أمانة لا يضمنها الا مع التفريط اقتصارا فيما خالف الأصل- و هو ضمان مال الغير مع عدم العدوان- على ما دل عليه الدليل.
الثامن- لو باع جملة فتلف بعضها
فظاهر بعض الأصحاب هو التفصيل هنا بأنه ان كان للتالف قسط من الثمن كان المشترى مخيرا بين فسخ العقد، و بين
165
الرضا بالباقي بحصته من الثمن، و ان لم يكن له قسط كان المشترى مخيرا بين الرد، أو أخذه بجملة الثمن.
قال في المسالك: ضابط الأول ما يمكن افراده بالبيع، كأحد العبدين و القفيزين، و الثاني مالا يمكن افراده كيد العبد، و الفرق بينهما الموجب لاختلاف الحكم ان الأول لا يبقى مع فواته أصل المبيع بل بعضه، و الثاني يبقى معه أصل المبيع، و الجزء التالف بمنزلة الوصف كيد العبد و نحوها من أعضائه التي فواتها لا يخل ببقاء العبد. انتهى.
و نحوه كلام المحقق الشيخ على (قدس سره) في شرح القواعد، و مقتضى كلام أصحاب هذا القول أنه لا أرش في الصورة الثانية، بل يكون مخيرا بين الرد و الأخذ بمجموع القيمة، لأن الفائت هنا لاقسط له من الثمن فلا أرش، لأن الأرش هو مقدار حصته من الثمن.
و ظاهر جملة من الأصحاب- و قيل: انه هو المشهور و هو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و المحقق الشيخ على في تعليقاته على الشرائع، و في شرح القواعد- هو وجوب الأرش في الصورة المذكورة.
قالوا: لأن القيمة- تزيد بوجوده، و تنقص بعدمه، و فواته من أظهر العيوب و أبينها، للقطع بأن المبيع هو المجموع، و قد فات بعضه فيتخير بين الرد لتبعيض الصفقة، و الأخذ بالأرش، و ظاهر كلامه في المسالك (1) ان الأمر كذلك في الصورة الأولى أيضا- و هو ماله قسط من الثمن و يمكن أفراده بالبيع- من أنه يتخير بين الرد لتبعيض الصفقة، و الأخذ بالأرش، و الظاهر أنه ليس الأمر كذلك، بل الحكم هنا مع عدم الفسخ انما هو تقسيط الثمن على الجزء الفائت و الباقي، و أخذ الباقي بقسطه من الثمن، و ظاهر كلام المحقق المتقدم ذكره اختصاص الكلام بالصورة الثانية أيضا، و ان الحكم في الصورة الأولى انما هو ما ذكرناه، و به صرح في الدروس أيضا حيث قال: و لا إشكال في توزيع الثمن على العينين فصاعدا لو تلف بعضها،
____________
(1) حيث قال: بعد ذكر القول الأول الذي اختاره المصنف: و الأقوى ثبوت الأرش فيه كالأول الى أن قال: و لان المبيع هو المجموع، و قد فات بعضه فيتخير المشترى بين الرد لتبعيض الصفقة في الموضعين و الأرش. انتهى منه (رحمه الله).
166
و له الفسخ. انتهى، و بالقول الأول أفتى المحقق في الشرائع، و تنظر العلامة في القواعد في ثبوت الأرش في الصورة الثانية.
أقول: و مما يؤيد القول الثاني هنا هو أنهم قد صرحوا في باب العيب الموجب للخيار و الأرش بأنه عبارة عن كل ما خرج عن أصل الخلقة الطبيعية بزيادة عضو أو نقصانه، و منهم المحقق في الشرائع الذي نفى الأرش هنا حيث قال: القول في أقسام العيوب، و الضابط أن كلما في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب، و الزيادة كالإصبع الزائدة، و النقصان كفوات عضو الى آخره، و هو ظاهر فيما قلناه، و المسألة المفروضة هنا أحد جزئيات هذه القاعدة، فيكون الحكم فيها هو الأرش- مع عدم الفسخ، لا الأخذ بالقيمة، كما ذكروه.
و بما حققناه في المقام يظهر لك ما في كلام المحقق الأردبيلي (طاب ثراه) هنا حيث قال- في أثناء البحث في المسألة المتقدمة في الموضع السادس- ما لفظه:
و الظاهر عدم الفرق بين حدوث عيب و نقص شيء و جزء له قسط من الثمن، مع عدم صحة إيقاع العقد عليه، مثل يد العبد و رجله، و أما فوات الجزء الذي له قسط منه و يصح العقد عليه كموت عبد من عبدين، فالظاهر أنه يبطل في الميت، فيسقط و يسترد قيمته، مثل ما قيل في أمثاله، و في الأخر يثبت الخيار للمشتري بين الفسخ و أخذ الثمن، و الرضا به بقيمته من غير شيء، لتبعيض الصفقة.
و لعله يفهم عدم الخلاف عندنا من التذكرة، فإن فيه أولا أن صحة إيقاع العقد عليه مستقلا و عدم الصحة انما جعل ضابطا لما له قسط من الثمن، و ما ليس له قسط، فكلما له قسط من الثمن يصح إيقاع العقد عليه مستقلا، كأحد العبدين، و ما لم يكن كذلك- كيد العبد- لا يصلح إيقاع العقد عليه مستقلا.
و الضابط الأخر لذلك أيضا هو ما لا يبقى معه أصل المبيع، كالعبد من العبدين، و ما يبقى كيد العبد مثلا، فيد العبد لا قسط لها من الثمن على كل من الضابطتين، لأنها لاتباع مستقلة، و انه يبقى معها أصل المبيع، و هو قد حكم بأن لها قسطا من الثمن مع عدم صحة إيقاع العقد عليها و هو خروج عن الضابط الأول.
و ثانيا أن ما ذكره من عدم الخلاف مع ما عرفت من أن القول بالأرش قد صرح به جملة منهم، بل هو المشهور كما ذكره بعضهم، و ان العلامة في القواعد قد توقف في ذلك.
167
قالوا هذا كله إذا كان الفائت جزا من المبيع، و أما لو كان وصفا محضا، كما لو كان العبد كاتبا فنسي الكتابة قبل القبض، فللمشتري الرد خاصة، أو الإمساك بجميع الثمن، لأن الفائت ليس جزا للمبيع، و من ثم لو شرط كونه كاتبا فظهر بخلافه لم يستحق سوى الرد.
التاسع إذا باع شيئا فغصب من يد البائع
، فإن أمكن استعادته من الغاصب في زمن يسير، بحيث لا يفوت فيه منفعة مقصودة يستلزم فواتها نقصا معتبرا، أو فوات غرض مقصود للمشتري، فليس للمشتري الفسخ، و يجب على البائع استعادته مع الإمكان، لأن التسليم واجب عليه، و لا يتم الا بذلك، و ان تعذرت استعادته أو أمكنت، لكن بعد مضى زمان يفوت فيه ما ذكرنا من المنافع المقصودة، و الأغراض المطلوبة، فإن للمشتري الخيار حينئذ بين الفسخ و الرجوع الى ثمنه، و بين الرضا بالبيع و انتظار حصوله، و له الانتفاع بما لا يتوقف على القبض، كعتق العبد و نحوه.
ثم ان تلف في يد الغاصب فهو مما تلف قبل القبض، فيبطل البيع و لو مع رضائه بالصبر، و يحتمل أن يكون الرضاء به قبضا، و نحوه ما لو رضى به في يد البائع، و لو امتنع البائع من تسليمه فللمشتري الأجرة إذا سلمه بعد مدة تلزم فيها الأجرة لو كان له أجرة، و يحتمل ان يكون له الفسخ كما في أخذ الغاصب له ظلما، لانه غاصب في هذه الحال.
و لو حبسه لنقد الثمن فان ذلك له على ما يظهر من الأصحاب، فلا أجرة له حينئذ، و قد تقدم الكلام في ذلك في صدر هذا المقام، و كل موضع يجوز الحبس و المنع فنفقة المبيع على المشترى، لأنه ماله و له نماؤه، و ان لم يمكن من قبضه يكون في ضمان البائع.
168
العاشر [بيع ما يكال أو يوزن قبل قبضه]
- اختلف الأصحاب في بيع ما يكال أو يوزن قبل قبضه، فعن الشيخ المفيد أنه يكره ذلك فيما يكال أو يوزن، و ليس بمفسد للبيع، و لا مانع من مضيه، و نحوه الشيخ في النهاية، و قال في المبسوط: إذا ابتاع شيئا و أراد بيعه قبل قبضه، فان كان طعاما لم يجز بيعه حتى يقبضه إجماعا، فأما غير الطعام من سائر الأموال فإنه يجوز بيعه قبل القبض، و نحوه قال في الخلاف في موضع، يجوز بيع ما عدا الطعام قبل أن يقبض.
و قال ابن أبى عقيل: كل من اشترى شيئا مما يكال أو يوزن فباعه قبل أن يقبضه فالبيع باطل، و ان كان مما لا يكال أو يوزن فباعه من قبل أن يقبضه فالبيع جائز، و الفرق بينهما أن السنة جائت عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) بإبطال بيع الطعام و جميع ما يكال و يوزن قبل القبض، و اجازه فيما سوى ذلك، و اختار ابن البراج في المهذب قول الشيخ في المبسوط، و في الكامل قوله في النهاية.
و عن ابن حمزة أنه منع من بيع الطعام قبل القبض، سواء كان بيعا أو قرضا، و غير الطعام جوز بيعه قبل القبض على كل حال، الا أن يكون سلفا.
قال الصدوق في المقنع: لا يجوز أن يشترى الطعام من بيعه قبل أن يكتاله، و ما لم يكن فيه كيل و لا وزن فلا بأس أن يبيعه قبل أن يقبضه، و قال في موضع آخر منه: و لا بأس أن يشترى الرجل النخل و الثمار ثم يبيعه قبل أن يقبضه،
و روي في حديث «أنه لا بأس أن يشترى الطعام من بيعه قبل أن يقبضه و يوكل المشترى بقبضه».
و قال أبو الصلاح: يصح بيع ما استحق تسليمه قبل أن يقبضه، و ينوب قبض الثاني عن الأول و أطلق.
و المشهور بين المتأخرين من المحقق و العلامة و من بعدهما هو القول بالجواز
169
على كراهة، و الاخبار في المسألة على غاية من الاختلاف و الاضطراب، فلا بد من بسطها و نقلها ليظهر ما هو حقيقة الحق منها و الصواب، بتوفيق الملك الوهاب، و بركة أهل الذكر الأطياب.
فمن الأخبار الدالة على القول بالتحريم ما رواه
الصدوق في الصحيح عن منصور بن حازم (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه، الا أن توليه، فان لم يكن فيه كيل أو وزن فبعه».
قال في الفقيه بعد هذه الرواية: يعني أنه يؤكل المشترى بقبضه.
و ظاهر المحدث الشيخ محمد الحر في الوسائل أن هذه الزيادة من أصل الرواية، حيث أدرجها فيها (2) و هكذا نقلها في المختلف أيضا عن الفقيه، و الأقرب انها من كلام صاحب الفقيه، كما يظهر من المحدث الكاشاني في الوافي، حيث لم ينقلها في الرواية.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن الحلبي (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «انه قال في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل أن يكتال، قال: لا يصلح له ذلك».
و ما رواه
في التهذيب أيضا بسند آخر في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله و أبى صالح (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله، و زاد و قال: «لا تبعه حتى تكيله».
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 129 التهذيب ج 7 ص 35.
(2) الوسائل الباب- 16- من أبواب أحكام العقود الرقم 1.
(3) الكافي ج 5 ص 178 التهذيب ج 7 ص 36.
(4) التهذيب ج 7 ص 36.
170
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب في الصحيح عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوم اشتروا بزا فاشتركوا فيه جميعا و لم يقتسموه أ يصلح لأحد منهم بيع بزه قبل أن يقبضه؟ قال: لا بأس به، و قال: ان هذا ليس بمنزلة الطعام، لان الطعام يكال».
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب في الصحيح في الكتاب الأول عن منصور (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى بيعا ليس فيه كيل و لا وزن، إله أن يبيعه مرابحة قبل أن يقبضه و يأخذ ربحه؟ فقال: لا بأس بذلك ما لم يكن فيه كيل و لا وزن، فان هو قبضه فهو أبرأ لنفسه».
و ما رواه
في التهذيب عن معاوية بن وهب (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه؟ فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا يبيعه حتى يكيله أو يزنه، الا أن يوليه بالذي قام عليه».
و عن سماعة في الموثق (4) قال: «سألته عن الرجل يبيع الطعام أو الثمرة، و قد كان اشتراها و لم يقبضها قال: لا حتى يقبضها، الا أن يكون معه قوم يشاركهم فيخرجه بعضهم عن نصيبه من شركته بربح، أو يوليه بعضهم فلا بأس».
و روى في التهذيب (5) قال: «و سأل على بن جعفر أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يشترى الطعام أ يصلح بيعه قبل أن يقبضه؟ قال: إذا ربح لم يصلح حتى يقبض، و ان كان يوليه فلا بأس، و سأله عن الرجل يشترى الطعام أ يحل له أن يولى منه قبل أن يقبضه؟ قال: إذا لم يربح عليه شيء فلا بأس، فإن ربح فلا يصلح حتى يقبضه».
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 136 التهذيب ج 7 ص 55.
(2) الفقيه ج 3 ص 136 التهذيب ج 7 ص 56.
(3) التهذيب ج 7 ص 35.
(4) التهذيب ج 7 ص 36.
(5) التهذيب ج 7 ص 36.
171
و طريق الشيخ في التهذيب الى على بن جعفر صحيح، فتكون الرواية صحيحة، فما ذكره في المسالك من أن الشيخ. ذكرها في التهذيب بغير اسناد و جعلها بذلك ضعيفة، غفلة مما ذكرناه.
و رواه على بن جعفر في كتابه و رواه الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن على بن جعفر (1) مثله.
و عن أبى بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى طعاما ثم باعه قبل أن يكيله؟ قال: لا يعجبني أن يبيعه كيلا أو وزنا قبل أن يكيله أو يزنه، الا أن يوليه كما اشتراه، فلا بأس أن يوليه كما اشتراه إذا لم يربح فيه أو يضع، و ما كان من شيء عنده ليس بكيل و لا وزن فلا بأس أن يبيعه قبل أن يقبضه».
أقول: و هذه الاخبار كلها كما ترى ظاهرة الدلالة على القول المذكور، و مقتضاها تصريحا في بعض و تلويحا في آخر عموم الحكم للمكيل و الموزن، لا بخصوص الطعام.
و يؤيدها أيضا ما رواه
في الكافي عن على بن أبي حمزة (3) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يشترى متاعا ليس فيه كيل و لا وزن أ يبيعه قبل أن يقبضه؟ قال: لا بأس».
و جملة من هذه الاخبار قد دلت على النهي الذي هو حقيقة في التحريم،
____________
(1) الوسائل الباب 16- من أبواب أحكام العقود الرقم 9.
(2) التهذيب ج 7 ص 37 الوسائل الباب- 16 من أبواب أحكام العقود الرقم- 16.
(3) الكافي ج 5 ص 200 الوسائل الباب- 16- من أبواب أحكام.
العقود الرقم- 8.
172
كصحيحة منصور بن حازم (1) و صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله و ابى صالح (2) و صحيحة معاوية بن وهب (3) و موثقة سماعة (4).
و ما عدا هذه الاخبار فإنها و ان لم تكن مثلها في الصراحة، الا أنها بمعونة هذه الاخبار ظاهرة تمام الظهور؟ خصوصا لفظ لا يصلح، فان ذكر هذه الألفاظ- في ضمن هذا السياق الذي سيقت عليه الاخبار الناهية الصريحة في التحريم- قرينة ظاهرة على أن المراد بها ما أريد بالنهي- في تلك الاخبار- التحريم، و ان كانت في حد ذاتها أعم من ذلك، كما لا يخفى على المنصف المتدرب.
ثم انه لا يخفى أن جملة من هذه الاخبار قد دلت على استثناء التولية فيجوز البيع قبل القبض في هذه الصورة، و في بعضها تخصيص المنع بالربح، فيفهم منه الجواز مع المواضعة، الا أن عجز صحيحة على بن جعفر صريح في المنع مع المواضعة أيضا، و حينئذ فيحمل ما دل على ذكر الربح على مجرد التمثيل دون التخصيص، فيختص الجواز بالتولية خاصة، كما هو مفاد أكثر الاخبار، و يجب حمل الأخبار الدالة على النهى مطلقا على غير التولية جمعا.
استدل القائلون بالجواز- و منهم المحقق الأردبيلي، فإنه قد أطال في ذلك، و نحن ننقل كلامه ملخصا، فإنه قد بالغ في نصرة القول المشهور بين المتأخرين بجدة و جهده، فاستدل- بعموم القرآن و الاخبار الدالة على جواز البيع، و الأصل، و بأن الناس مسلطون على أموالهم، و حصول التراضي مع عدم المانع عقلا، و عدم الخروج عن قانون و قاعدة.
و صحيحة منصور بن حازم (5) عن ابي عبد الله (عليه السلام) «في رجل أمر
____________
(1) الوسائل الباب 16- من أبواب أحكام العقود الرقم- 1.
(2) الوسائل الباب 16- من أبواب أحكام العقود الرقم- 14.
(3) الوسائل الباب 16- من أبواب أحكام العقود الرقم- 11.
(4) الوسائل الباب 16- من أبواب أحكام العقود الرقم- 15.
(5) التهذيب ج 7 ص 50.
173
رجلا يشترى له متاعا فيشتريه منه؟ قال: لا بأس بذلك، انما البيع بعد ما يشتريه».
و صحيحة محمد بن مسلم (1) عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل أتاه رجل فقال: ابتع لي متاعا لعلى أشتريته منك بنقد أو نسبة فابتاعه الرجل من أجله قال: ليس به بأس، إنما يشتريه منه بعد ما يملكه».
فان قوله بعد التملك، و بعد الشراء كالصريح في الجواز قبل القبض مطلقا، فافهم.
و يدل عليه أيضا
صحيحة محمد الحلبي (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام).
قال: «سألته عن الرجل يشتر الثمرة ثم يبيعها قبل ان يأخذها؟ قال: لا بأس به ان وجد ربحا فليبع».
و صحيحة محمد بن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) «انه قال في رجل اشترى الثمرة ثم يبيعها قبل أن يقبضها قال: لا بأس».
و لا يخفى أن الثمرة مكيل، بل طعام على بعض الإطلاقات، و الأول صريح في الجواز مع إرادة المرابحة، فيحمل ما يدل على عدم جوازها على شدة الكراهة للجمع، فتأمل.
و يؤيد الجمع
رواية أبي بصير قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) اشترى طعاما قبل أن يكيله؟ قال: ما يعجبني» الحديث.
كما قدمنا نقله (4).
ثم قال: و هذه صريحة في الكراهة مرابحة، و كراهة المكيل و الموزون قبل القبض، و عدم البأس في غيرهما.
و كذا ما في
رواية ابن الحجاج الكرخي (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 51.
(2) التهذيب ج 7 ص 89.
(3) التهذيب ج 7 ص 89.
(4) ص 160.
(5) التهذيب ج 7 ص 39 الفقيه ج 3 ص 131.
174
اشترى الطعام إلى أجل مسمى، فبطلبه التجار بعد ما اشتريته قبل أن أقبضه؟ قال:
لا بأس أن تبيع إلى أجل كما اشتريت» الى آخره.
و كذا
رواية جميل بن دراج (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يشترى الطعام ثم يبيعه قبل أن يقبضه؟ قال: لا بأس، و يوكل الرجل المشترى منه بكيله و قبضه؟ قال: لا بأس».
و يؤيده أيضا أن أكثر أخبار المنع وردت بلفظ لا يصلح، و هو ظاهر في الكراهة و ليست بصريحة في التحريم، و التي بغير لفظ لا يصلح ليست أيضا بصريحة في التحريم قبل القبض، مثل رواية معاوية الاتية، لان فيها النهي عن البيع قبل الكيل، و مع الإجمال في قوله «الا أن توليه، الذي قام عليه».
نعم رواية منصور ظاهرة فيه، و يمكن تأويلها، و بالجملة الأدلة التي أفادت العلم لا ينبغي الخروج عنها الا بدليل قوى. انتهى ملخصا.
أقول: لا يخفى ما فيه على المنصف النبيه من التكلف و الخروج عن القواعد المقررة و الضوابط المعتبرة، أما ما استدل به أولا من الأصل و عمومات القرآن و الاخبار و أن الناس مسلطون على أموالهم، ففيه أن ما دلت عليه الاخبار المذكورة خاص، و مقتضى القاعدة تخصيص تلك العمومات به، و الأصل يجب الخروج عنه بالدليل، و هو موجود بالتقريب الذي قدمناه ذيل تلك الاخبار.
و بذلك يظهر لك ما في قوله- و عدم الخروج من قانون و قاعدة- و كيف لا يكون فيما ذهب اليه خروج عن قاعدة، و مورد هذه الاخبار أخص مما استدل به من العمومات، و قاعدة المسألة تقتضي الحكم بالخاص على العام، و المقيد على المطلق.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 36 الكافي ج ص 179.
175
و أما صحيحة منصور بن حازم و صحيحة محمد بن مسلم فالقول فيهما كذلك أيضا، فإن المبتاع فيهما مطلق، شامل بإطلاقه للمكيل و الموزون و غيرهما، و الواجب تخصيصهما بما عدا المكيل و الموزون، كما أفصحت به صحيحة منصور ابن حازم التي هي أول تلك الاخبار، من قوله (عليه السلام) «إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن» الى آخره، فإنها قد فصلت بين المتاع المكيل و الموزون و غيرهما، و به يجب الحكم على إطلاق الخبرين المذكورين.
و نحوها صحيحة الأخرى و غيرها، و به يتأكد ما أوردنا على قوله «و عدم الخروج عن قانون و قاعدة».
و أما صحيحة محمد الحلبي و صحيحة محمد بن مسلم الواردتان في بيع الثمار فهما ليسا من محل البحث في شيء، حيث أن الظاهر من الاخبار من المكيل و الموزون هنا انما هو ما أمكن كيله و وزنه بالفعل، لا بالقوة، قريبة أو بعيدة، و الثمرة انما هي من قبيل الثاني، و مع أنهما أخص من محل البحث، و معارضتان بموثقة سماعة المتقدمة.
و بذلك يظهر ما في قوله «و لا يخفى أن الثمرة مكيل» فإنه ان أراد بالفعل فهو ليس كذلك، كما هو ظاهر لكل ناظر، و ان أراد بالقوة فهو ليس محل البحث الذي دلت عليه الاخبار.
و أما رواية أبي بصير و قوله (عليه السلام) فيها «ما يعجبني» فهو أعم من التحريم و الكراهة، و هذا اللفظ يساوق قولهم في مواضع «ما أحب» الذي قد وقع استعماله في التحريم في مواضع، و سياق الخبر الى آخره ظاهر في ذلك.
و بذلك يظهر ما في قوله «و هذه صريحة في الكراهة»، و ما أدرى من أين حصلت له هذه الصراحة مع الإجمال في اللفظ المذكور، و دلالة السياق على ما ذكرنا من التحريم، و أن سياق هذه الرواية سياق الروايات الصريحة في التحريم بالنهي
176
عن ذلك، فهذا اللفظ هنا مراد به ما دلت عليه تلك الألفاظ الصريحة في النهي.
و أما رواية ابن الحجاج الكرخي- فهي مع ضعفها و قصورها عن معارضة ما قدمناه من الاخبار- مخصوصة بما إذا اشترى الطعام بثمن مؤجل، و أراد بيعه مرابحة بثمن مؤجل، حيث أنه لا يصح نقدا لأن الأجل له قسط من الثمن، فموردها أخص من محل البحث، فلا تنهض حجة على تمام المدعى.
و أما رواية جميل فهي ظاهرة فيما ادعى، لكنها لا تبلغ قوة المعارضة لما قدمناه من الاخبار.
و كيف كان فإنه قد ظهر بما قررناه أنه ليس في الاخبار ما يدل على هذا القول المشهور بينهم إلا رواية جميل المذكورة على ما هي عليه من الضعف، و الا فقد عرفت حال ما عداها، و بذلك يظهر ما في قوله «و بالجملة الأدلة التي أفادت العلم لا ينبغي الخروج عنها الا بدليل قوي» فإنه مجرد دعوى خالية من الدليل، بعد ما عرفت من أحوال أدلته التي هي من هذا القبيل.
ثم أنه قال (قدس سره): ثم انه يمكن حمل أخبار المنع مع ما عرفت فيها من عدم التصريح بالنهي و التحريم، و إمكان التأويل للجمع المذكور على عدم وقوع الكيل و الوزن في الشراء الأول، و هي ليست بصريحة في وجودها الى آخر كلامه.
أقول: انظر الى هذا الكلام المنحل الزمام، و المختل النظام، الذي هو من أضعف الأوهام، أما أولا فمن حيث إنكاره النهي عن ذلك، و قد عرفت الأخبار الصحيحة الصريحة في النهي الذي هو حقيقة في التحريم.
و أما ثانيا فمن حيث حمله للاخبار النهى على عدم وقوع الكيل و الوزن في الشراء الأول، مع أن هذا هو موضوع المسألة، و محل الخلاف الذي اختلف
177
فيه الأقوال و الاخبار، لان موضوع المسألة انه هل يجوز بيع المكيل و الموزون ثانيا قبل قبضه من البائع الأول أم لا؟ و القبض في المكيل و الموزون هو كيله و وزنه لأجل القبض، كما عرفت. و الروايات بعضها بلفظ عدم القبض، و بعضها بلفظ الكيل و الوزن، و المرجع إلى أمر واحد.
و رواية جميل التي اعتمدها دليلا على الجواز، صريحة في جواز بيعه قبل قبضه، و أن يوكل المشتري الثاني في القبض عنه، ليقبض وكالة عنه، و يقبض لنفسه، فهو وكيل في القبض و الإقباض، و هو صريح في جواز البيع قبل الكيل و الوزن.
و بالجملة فإن كلام هذا المحقق هنا لا يخلو عن غفلة و استعجال، و عدم تأمل فيما سطره من المقال، لظهور ما فيه من الاختلال، هذا و العجب أن من قواعد أصحاب هذا الاصطلاح الدوران مدار الأخبار الصحيحة الأسانيد، و العمل بها، و طرح ما عارضها، و أنهم لا يجمعون بين الاخبار الا بعد التساوي في الصحة، و إلا فتراهم يطرحون الضعيف من البين، و لم أقف على من وقف على هذه القاعدة هنا الا قليل منهم.
قال في المسالك بعد- أن نقل الاستدلال على الجواز بخبري جميل و ابن الحجاج الكرخي، و على العدم بصحاح الحلبي و منصور بن حازم و معاوية بن وهب، و نقل عنهم الجمع بين الاخبار، بحمل اخبار المنع على الكراهة- ما لفظه:
و هذا الجمع انما يتم لو كانت الاخبار متكافئة في وجوب العمل بها، لكن الأمر هنا ليس كذلك، لان اخبار المنع صحيحة متظافرة، و خبر التسويغ في طريق أولهما على بن حديد و هو ضعيف، و الأخر مجهول، فالقول بالمنع أوضح، و هو خيرة العلامة في التذكرة و الإرشاد، و الشيخ في المبسوط، بل ادعى عليه الإجماع جماعة من الأصحاب. انتهى.
و هو جيد هذا مع ما عرفت في غير موضع مما تقدم ما في الجمع بين الاخبار بالكراهة و الاستحباب- كما هو القاعدة المطردة عندهم في جميع الأبواب- من عدم الدليل على ذلك، من سنة و لا كتاب، بل عدم الاستقامة في حد ذاته، كما لا يخفى
178
على المنصف من أولى الألباب، لأن الاستحباب و الكراهة حكمان شرعيان يتوقفان على الدليل الواضح، و مجرد اختلاف الاخبار ليس بدليل على ذلك. و أيضا فإن الأصل في الأمر الوجوب، و في النهي التحريم، كما حققه المحققون في الأصول، و عليه دلت الآيات و الروايات كما سلف تحقيقه في المقدمات (1) من أول كتاب الطهارة و حملهما على غير ذلك مجازا يتوقف على القرينة و اختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز.
و أنت إذا تدبرت في أخبار المسألة نفيا و إثباتا ظهر لك ان الحكم بالتحريم كان شائعا في الصدر الأول بين أصحاب الأئمة (عليهم السلام) كما يشير إليه رواية على بن أبي حمزة، و صحيحة الحلبي المشتملة على شراء البر، و صحيحة منصور الثانية، فإنها تشعر بتوهم سريان التحريم الى غير المكيل و الموزون، فحصل السؤال عنه و هو يشعر بشهرة الحكم بالتحريم في الموزون و المكيل حتى توهم إلحاق غيرهما بهما، كما لا يخفى (2).
و بالجملة فالظاهر عندي هو القول بالتحريم إلا في صورة التولية، كما نصت عليه الاخبار المتقدمة، و ارتكاب التأويل في خبري ابن الحجاج و جميل المذكورين ان أمكن، و الا فالرد إلى قائلهما.
فوائد
-
الاولى لو باع على تقدير القول بالتحريم مطلقا أو في غير التولية
، هل يقع البيع باطلا، أو يصح و ان أثم و صرح بالأول ابن ابى عقيل في عبارته المتقدمة في صدر المسألة، و بالثاني قطع العلامة في المختلف. فقال: و لو قلنا بالتحريم لم يلزم بطلان البيع، و لم يتعرض الى دليل في المقام، و كأنه مبني على ما اشتهر عندهم من أن النهى في المعاملات لا يقتضي الفساد، انما ذلك في العبادات، و الحق
____________
(1) ص ج 1 ص 112.
(2) أقول ملخص الأقوال هنا ثلاثة، الجواز مطلقا، و المنع مطلقا، و التفصيل بين التولية و غيرها فيجوز فيها و يحرم في غيرها. منه (رحمه الله).
179
في ذلك هو التفصيل الذي قدمنا ذكره في كتاب الصلاة (1) و تقدمت الإشارة إليه أيضا قريبا من أنه ان كان النهي في المعاملات من حيث عدم صلاحية المعقود عليه للدخول تحت العقد، فالأظهر بطلان العقد، و ان كان بسبب أمر خارج فالأظهر الصحة، و الظاهر أن ما هنا من قبيل الأول، و هو اختياره في المسالك- أيضا- قال:
و يؤيده أن النهى هنا راجع الى نفس البيع، فيبطل كبيع المجهول و نحوه، و لتعلق النهى فيه بمصلحة لا تتم إلا بإبطاله.
الثانية [هل الخلاف في الطعام خاصة أو المكيل و الموزون مطلقا]
- أكثر الأصحاب جعلوا محل الخلاف هو الطعام، و الظاهر من الاخبار المقدمة بالنظر الى حمل مطلقها على مقيدها و عامها على خاصها هو المكيل و الموزون مطلقا، و سياق جملة من الاخبار المتقدمة ظاهر في ذلك أوضح الظهور، و ذكر الطعام في بعض انما خرج مخرج التمثيل، لأنه أشهر أفراد المكيل و الموزون، و أكثرها دورانا في المعاملات.
ثم انه على تقدير الاختصاص بالطعام فهل المراد به كلما أعد للأكل- كما هو موضوعه لغة- أو يختص بالحنطة و الشعير لانه معناه شرعا؟ كما نبهوا عليه في موارد، منها حل طعام أهل الكتاب- قولان: و بالثاني صرح فخر المحققين في بعض فوائده على ما نقلوه عنه، و في دعوى اختصاص طعام أهل الكتاب بالحنطة و الشعير نظر، إذ الظاهر من الاخبار الشمول لجميع الأفراد الموزونة من الحبوب مثل العدس و الذرة و نحو ذلك.
الثالثة: لو ملك ما يريد بيعه بغير بيع
جاز و ان لم يقبضه، كالميراث و الصداق للمرأة و الخلع و نحوها.
قال في المسالك: المنع على القول به مشروط بأمرين- انتقاله بالبيع، و نقله به، فلو انتقل بغيره أو نقله بغيره لم يحرم، أما الأول فلا نعلم فيه خلافا، و اما
____________
(1) ج 7 ص 105.
180
الثاني فهو المشهور، غير أن الشيخ ألحق به الإجارة، محتجا بأنه ضرب من البيوع، و هو ممنوع، و كذلك منع من الكتابة، بناء على أنها بيع العبد من نفسه، و هو مع تسليمه لا يستلزم المنع، لان العبد ليس مما يكال أو يوزن، و غاية المنع عندنا ان يكون المبيع مقدرا بهما. انتهى.
ثم انه على تقدير الجواز في الميراث و نحوه مما تقدم، قد استثنى بعضهم من ذلك صورا منها- ما إذا اشترى الميت قبل الموت مكيلا أو موزونا و لم يقبضه، فإنه لا يجوز للوارث بيعه قبل قبضه، و رد بأن انتقاله الى الوارث بالإرث واسطة بين البيعين.
و منها في الصداق إذا اشترى المصدق الصداق مثلا و لم يقبضه، و أصدقه المرأة قبل القبض، و أرادت المرأة بيعه و الحال كذلك، و أجيب عنه بما أجيب عن سابقه، فان إصداقه للمرأة واسطة بين البيعين، و هكذا القول في عوض الخلع إذا اشترته المرأة و لم تقبضه، ثم جعلته عوضا للخلع، و أراد الزوج بيعه و الحال كذلك، فان جعله عوضا للخلع واسطة بين البيعين أيضا، فالاستثناء غير واضح لثبوت الواسطة في الجميع.
الحادي عشر [لو كان له على غيره طعام من سلم، و عليه مثل- ذلك]
- المشهور أنه لو كان له على غيره طعام من سلم، و عليه مثل ذلك، فأمر غريمه ان يكتال لنفسه من الأخر، فإن قلنا بتحريم بيع ما لم يقبض حرم هنا أيضا، و ان قلنا: بالكراهة اكره هنا أيضا، ذكر ذلك الشيخ في الخلاف و المبسوط، و تبعه الجماعة لأن المحتال قبض المحال عوضا عن ماله قبل أن يقبضه صاحبه، فيكون من قبيل بيع ما لم يقبض، و قيل: بأن هذا ليس من تلك المسألة في شيء، لما عرفت من أن المنع من بيع ما لم يقبض تحريما أو كراهة مشروط بشرطين، انتقاله بالبيع، و نقله به، و ما ذكر في هذا الفرض و ان كان تبعا من حيث أن السلم فرد من أفراده، الا ان الواقع من أسلم إما حوالة لغريمه في القبض، أو وكالة له فيه، و كل منهما ليس ببيع، و دعوى أن الحوالة ملحقة بالبيع في حيز المنع.
181
أقول: و يؤيد هذا القول ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح في بعض و الموثق في أخرى عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل عليه كر من طعام فاشترى كرا من رجل آخر، فقال: للرجل انطلق فاستوف كرك فقال: لا بأس به».
و هو ظاهر في المراد عار عن و صمة الإيراد.
و به يظهر قوة القول المذكور، مضافا الى ما تقدم من ان الواقع هنا انما هو حوالة لا بيع.
و أجاب الشهيد في بعض تحقيقاته عن ذلك بأن مورد السلم لما كان ماهية كلبة ثابتة في الذمة منطبقة على افراد لا نهاية لها، فأي فرد عينه المسلم اليه، تشخص بذلك الفرد، و انصب العقد عليه، فكأنه لما قال للغريم: اكتل من غريمي فلان قد جعل عقد السلم معه، واردا على ما في ذمة غريمه المستسلف منه، و لما يقبضه بعد، و لا ريب أنه مملوك له بالبيع، فإذا جعل مورد السلم الذي هو بيع يكون بيعا للطعام قبل قبضه، فيتحقق الشرطان، و يلتحق بالباب، قال: و هذا من لطائف الفقه.
قال في المسالك بعد نقل ذلك-: و هذا التحقيق غاية ما يقال هنا في توجيه كلام الشيخ و من تبعه، الا انه مع ذلك لا يخلو من نظر، لان مورد السلم و نظائره من الحقوق الثابتة في الذمة لما كان أمرا كليا، كان المبيع المتحقق به هو الأمر الكلى، و ما يتعين لذلك من الأعيان الشخصية بالحوالة و غيرها ليس هو نفس المبيع، و ان كان الأمر الكلي انما يتحقق في ضمن الأفراد الخاصة فإنها ليست عينه، و من ثم لو ظهر المدفوع مستحقا أو معيبا رجع الحق إلى الذمة، و المبيع المعين ليس كذلك، و نظير ذلك ما حققه الأصوليون من أن الأمر بالكلي ليس أمرا بشيء من جزئياته الخاصة و ان كان لا يتحقق الا بها.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 179 التهذيب ج 7 ص 37 الفقيه ج 3 ص 129.
182
و حينئذ فانصباب العقد على ما قبض، و كونه حينئذ بيعا غير واضح، فالقول بالتحريم عند القائل به في غيره غير متوجه، نعم لا بأس حينئذ بالكراهة خروجا من خلاف الشيخ و الجماعة و تحرزا عما هو مظنة التحريم انتهى و هو جيد.
الثاني عشر- لو كان له على غيره طعام من سلم، فدفع اليه مالا و قال اشتر به طعاما
، فان قال: اقبضه لي ثم اقبضه لنفسك، بمعنى أنه و كله في القبض و الإقباض قالوا: صح الشراء خاصة، دون القبض و الإقباض، لأنه لا يجوز أن يتولى طرفي العقد، ذكره الشيخ و تبعه جملة ممن تأخر عنه و تردد في الشرائع.
قال الشيخ: لانه لا يجوز أن يكون وكيلا لغيره في قبض حق نفسه من نفسه، و جملة من المتأخرين قد صرحوا بالجواز، لأن الأصل ذلك، و لانه و كله في الإقباض، و المغايرة الاعتبارية في القابض و المقبوض منه كافية، و مثله تولى طرفي العقد.
أقول: و قد تقدم الكلام في مسألة تولى الواحد طرفي العقد في الموضع الخامس من المسألة الخامسة من المقام الأول من الفصل الأول في البيع (1) قالوا:
و لو قال: اشتر لك لم يصح الشراء، و لا يتعين له بالقبض، و علل بأن مال الغير يمتنع شراء شيء به لنفسه ما دام على ملك الغير، و هذا هو الفارق بين هذه و سابقها، حيث حكم بصحة الشراء ثمة، و نقل عن الشيخ في الخلاف جواز ذلك هنا، و جعله قبضا للطعام بجنس الدراهم أو قبضا للدراهم، و رد بعدم وجود دليل يدل على ما ادعاه. نعم لو علم من الدافع إرادة أحد الأمرين و قبل القابض صح ذلك.
أقول: و الذي وقفت عليه في هذا المقام روايات، منها- ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح عن الحلبي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل
____________
(1) ج 18 ص 416.
(2) الكافي ج 5 ص 185 التهذيب ج 7 ص 29 الفقيه ج 3 ص 164.
183
أسلفته دراهم في طعام فلما حل طعامي عليه بعث الي بدراهم فقال: اشتر لنفسك طعاما و استوف حقك؟ قال: أرى أن يولي ذلك غيرك، و تقوم معه حتى تقبض الذي لك، و لا تتولى أنت شراءه».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الموثق عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أسلف دراهم في طعام فحل الذي له فأرسل إليه بدراهم فقال: اشتر طعاما و استوف حقك هل ترى به بأسا؟ قال: يكون معه غيره يوفيه ذلك».
و ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الأخر أحمال رطب أو تمر، فيبعث اليه بدنانير فيقول: اشتر بهذه و استوف منه الذي لك؟ قال: لا بأس إذا ائتمنه».
أقول: الظاهر من هذه الاخبار بعد ضم بعضها الى بعض هو أن النهى عن الشراء في الخبرين الأولين انما هو لخوف التهمة، كما أفصح به الخبر الثالث، و حينئذ فيجوز له الشراء متى أمن التهمة، و على ذلك تكون الاخبار ظاهرة في جواز الشراء و القبض و الإقباض، و به يظهر عدم الالتفات الى ما ذكره من التوجيهات الركيكة، و الأمر في ذلك- في الاخبار سيما في باب البيوع و الطهارات و النجاسات و نحوها- أوسع من ذلك، كما لا يخفى على من مارسها و تأملها،.
و من الظاهر أن قوله: اشتر لنفسك طعاما كما في الخبر الأول، مثل قولهم «اشتر لك» الذي حكموا فيه بعدم صحة الشراء، «و استوف حقك» في جميع هذه الاخبار كناية عن الإقباض، فهو و كيل من جهة صاحب الدراهم في الاشتراء، و القبض و الإقباض، و قوله «اشتر لك، أو اشتر لنفسك» انما هو عبارة عن توكيله في الشراء بتلك الدراهم، فلا معنى لقولهم انه يمتنع شراء شيء به لنفسه ما دام
____________
(1) الكافي ج 5 ص 186 التهذيب ج 7 ص 30.
(2) التهذيب ج 7 ص 42 في ذيل حديث مع اختلاف يسير.
184
على ملك الغير، و بالجملة فإن الأمر في هذا الباب أوسع مما ذكروه.
و المحدث الكاشاني في الوافي قد حمل النهي في الخبرين الأولين على غير البصير بالمسألة الفقهية في هذا المجال، فان دفع الدراهم في هذه الصورة أعني وقت حلول مال السلم و عدم وجوده عند المسلم اليه قد يكون لفسخ البيع، لعدم وجوده، فلا يستحق أزيد من رأس ماله، و قد يكون لتوكيل صاحب الطلب في شرائه و قبضه و إقباضه، فيصح مع الزيادة، و ما ذكره (قدس سره) جيد في غير هذين الخبرين من أخبار الباب الذي عقده لذلك.
و الوجه في المنع في هذه الاخبار التي ذكرناها انما هو ما قدمناه من خوف التهمة، كما صرح به في الخبر الثالث، و يؤيده أن هذين الخبرين لم يتعرض فيهما لجواز الزيادة و عدمها، و قد حققنا ذلك في حواشينا على الكتاب المذكور و الله العالم.
الثالث عشر [إذا قبض المشترى المبيع ثم ادعى نقصانه]
- قالوا إذا قبض المشترى المبيع ثم ادعى نقصانه، فان لم يكن حضر كيله و لا وزنه، فالقول قوله، و ان كان حضر فالقول قول البائع، قيل:
و انما كان القول قول البائع في الثانية مع أن الأصل عدم وصول حق المشترى إليه في الصورتين، عملا بالظاهر، من أن صاحب الحق إذا حضر لاستيفاء حقه يحتاط لنفسه، و يعتبره مقدار حقه، فيكون هذا الظاهر مرجحا لقول البائع و مقويا لجانبه، و معارضا للأصل، فيقدم قوله يمينه، و هذه مما رجح فيها الظاهر على الأصل و هو قليل. انتهى.
أقول: الظاهر من العبارة الأولى التي قدمنا نقلها عنهم أن حضور الكيل و الوزن في هذا المقام أعم من أن يكون الكيل و الوزن لذلك المشتري، أو للبائع فإنه قد تقدم في جملة من الاخبار و به صرحوا ايضا أنه يجوز الشراء بالكيل و الوزن الذي أخذ به البائع إذا حضر المشتري الثاني ذلك، و التعليل الذي ذكره هذا
185
القائل انما يتم على تقدير الصورة الأولى، دون الثانية، فإن المشتري الثاني حال الكيل و الوزن للبائع الذي هو المشترى الأول لا يصدق عليه انه حضر لاستيفاء حقه، و أنه يحتاط لنفسه، بل الحق في تلك الحال انما هو حضر لغيره و ان كان هو من جملة الحاضرين، و أنه بعد ذلك الكيل و الوزن قد أخذه به و اعتمد عليه.
و بالجملة فإن التعليل المذكور لا يتم في إحدى الصورتين المذكورتين، و تخصيص العبارة الأولى بهذه الصورة يحتاج الى ما يدل عليه، و ظاهرها انما هو العموم كما قدمناه، و به لا يتم الدليل المذكور كليا، ثم انه على تقدير التخصيص بهذه الصورة فإن التعليل المذكور لا يخلو أيضا من شيء، فإنه بمقتضى ما ذكره أنه قد تعارض الأصل و الظاهر و، ان الأصل مرجح لجانب المشترى، و الظاهر مرجح لجانب البائع، و مقتضى تعارضهما تساقطهما، و التوقف في ذلك إلا مع وجود المرجح لأحدهما، و هو لم يذكر هنا مرجحا للظاهر يوجب تقديمه على الأصل، اللهم الا أن يراد أن الظاهر رافع لحكم الأصل، كالخبر الدال على خلاف مقتضى الأصل، فإنه يجب الخروج به عن مقتضى الأصل، و المراد بالتعارض هنا انما هو ذلك، و الظاهر أنه هو المراد في أمثال هذا المقام.
و فيه مع ذلك جوار الغفلة و السهو من ذلك المشتري، أو الاعتماد على كيل البائع و وزنه، فلا يمكن الخروج به عن الأصل المذكور، و بالجملة المسألة- لخلوها من النص- لا يخلو من التوقف و الاشكال و الله العالم.
الرابع عشر- لو كان في ذمته طعام، و أراده منه أو قيمته في بلد أخرى
غير البلد التي استقر الطعام فيها بذمته فهو لا يخلو عن ثلاثة شقوق،
الأول- أن يكون الطعام سلفا
قالوا: إذا أسلفه في طعام بالعراق مثلا، ثم طالبه بالشام لم يجب عليه دفعه، لان مال السلم يتعين دفعه عند الإطلاق في بلده، و في موضع التعيين ان عين الموضع، فدفعه في غير بلد يتعين دفعه فيه غير واجب، سواء كانت قيمته وقت المطالبة مخالفة لقيمته في بلد التسليم أم مساوية، قالوا: و هذا لا شبهة فيه.
أقول لم أقف على دليل يدل على ما ادعوه هنا من أنه مع الإطلاق يتعين
186
التسليم في بلده، فان وجد الدليل تم ما رتبوه على ذلك، و الا فلا، فليتأمل.
قالوا و لو طالبه في ذلك البلد الأخر بالقيمة و رضى المسلم اليه بالدفع، قيل لم يجز، لانه بيع الطعام على من هو عليه قبل قبضه، بناء على القول بالتحريم في تلك المسألة، أو يكره بناء على القول بالكراهة ثمة.
و قيل: و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين بالجواز من غير تحريم و لا كراهة لأن ذلك ليس بيعا، و انما هو استيفاء للحق، غايته أنه بغير جنسه، و مثل هذا لا يسمى بيعا، فلا يحرم.
و ربما قيل: بكراهته، خروجا من خلاف الشيخ القائل بالتحريم و تخلصا من عرضة التحريم. هذا كله إذا رضي المسلم اليه بالدفع.
أما لو لم يرض فهل يجبر على ذلك؟ بناء على الجواز في الأول، المشهور العدم، لان الواجب في ذمته هو الطعام لا القيمة و ما في ذمته لا يجب دفعه في البلد المذكور، فأولى أن لا يجب عليه دفع ما لم تجر عليه المعاوضة، و لم يقتضيه عقد السلم.
و ذهب بعض الأصحاب و منهم العلامة في التذكرة إلى وجوب دفع القيمة حينئذ، مستندا الى أن الطعام الذي يلزمه دفعه معدوم، فكان كما لو عدم الطعام في بلد يلزمه التسليم فيه و رد بأن فيه منعا ظاهرا، إذ ليس ثمة طعام يلزم دفعه حتى ينتقل إلى القيمة.
أقول: و مما يدل على ما هو المشهور- من جواز أخذه الثمن متى وقع الرضا من الطرفين بذلك- ما رواه
في الكافي و التهذيب عن أبان (1) عن بعض أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يسلف الدراهم في الطعام إلى أجل، فيحل
____________
(1) الكافي ج 5 ص 185 التهذيب ج 7 ص 30.
187
الطعام، فيقول: ليس عندي طعام، و لكن انظر ما قيمته فخذ منى ثمنه قال: لا بأس بذلك».
و عن ابن فضال (1) قال: كتبت الى أبى الحسن (عليه السلام): الرجل يسلفني في الطعام، فيجيء الوقت و ليس عندي طعام أعطيه بقيمته دراهم؟ قال: نعم».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه في الصحيح عن العيص بن القاسم (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل أسلف رجلا دراهم بحنطة، حتى إذا حضر الأجل لم يكن عنده طعام، و وجد عنده دوابا و رقيقا و متاعا، أ يحل أن يأخذ من عروضه تلك بطعامه؟ قال: «نعم، يسمى كذا و كذا بكذا و كذا صاعا».
و بذلك يظهر لك ضعف ما ذهب اليه الشيخ و أتباعه من عدم جواز أخذ القيمة للعلة التي ذكرها، و الظاهر أن الوجه في الجواز هو ما ذكروه، من أن ذلك استيفاء لحقه، لا بيع ليلزم ما ذكر، و لا ينافي ذلك قوله في الرواية الثالثة «يسمي كذا و كذا بكذا و كذا صاعا» فان المراد منه أنه حيث كانت القيمة عروضا لا دراهم فلا بد من تشخيصها في مقابلة الطلب الذي له، ليحصل بذلك استيفاء حقه.
و أما ما ذكروه- من عدم جبره لو طلب صاحب السلم القيمة، لأن الواجب في ذمته هو الطعام لا القيمة- فهو جيد ان تم ما ذكروه من عدم وجوب التسليم مع الإطلاق إلا في بلد السلم، إلا أنك قد عرفت أنا لم نقف له على دليل.
و مما يؤيد مذهب العلامة في التذكرة هنا- لزوم الضرر بصاحب الحق، فإن توقف إيصال حقه على الوصول الى بلد السلم- مع أنه ربما لا يتيسر له الرجوع إليها أو يتعذر عليه ذلك- موجب لما ذكرناه، فإذا لم يجب على من عليه السلم دفع مال السلم- لتوقفه على الوصول الى تلك البلد التي وقع السلم فيها، و لم يجب عليه دفع قيمته، و الحال أن رجوع صاحب الطلب الى تلك البلد غير ممكن- فاللازم
____________
(1) الكافي ج 5 ص 187 التهذيب ج 7 ص 30.
(2) الكافي ج 5 ص 186 التهذيب ج 7 ص 31 الفقيه ص 165.
188
فوات حقه، و هو عين الضرر.
اللهم الا أن يقال بالجوار في هذه الصورة من حيث دفع الضرر، و أن هذه خارجة عن محل البحث، و الخلاف انما هو فيما إذا لم يكن كذلك، فيتم ما ذكروه على ما عرفت فيه.
الثاني- لو كان الطعام قرضا
قالوا: جار أخذ العوض إذا تراضيا على ذلك لانتفاء المانع المذكور في الصورة الاولى، و هو بيع الطعام المنتقل بالبيع قبل قبضه، و انما الإشكال في وجوب دفع العوض في غير بلد القرض، لأن إطلاق القرض منزل على قبضه في بلده، فليس للمقرض المطالبة في غيره، كما أنه لو بذل له المقترض لم يجب عليه قبضه أيضا، لما في نقله الى ما عينه الشارع موضعا للقبض من المؤنة، و إذا لم يجب دفع عين الحق فكذا قيمته، لعدم وقوع المعاوضة عليها و اختار العلامة في المختلف وجوب دفع المثل وقت المطالبة، فإن تعذر فالقيمة ببلد القرض.
أقول: لم أقف بعد التتبع و الفحص على دليل لما ذكروه هنا ايضا، من أن إطلاق القرص منزل على قبضه في بلده، و أنه لأجل ذلك ليس للمقرض المطالبة في غيره، و لا يجب عليه القبض ايضا لو بذله المقترض له في غيره، بل ربما دل ظاهر بعض الاخبار على خلاف ذلك.
مثل ما رواه
الشيخ في الموثق عن سماعة (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سالته عن رجل لي عليه مال، فغاب عنى زمانا، فرأيته يطوف حول الكعبة فأتقاضاه قال: (عليه السلام): لا تسلم عليه و لا تروعه حتى يخرج من الحرم».
فان ترك الاستفصال يفيد عموم المقال كما ذكروه في غير مقام.
____________
(1) الوسائل الباب 26 من أبواب الدين الرقم- 1.
189
و يشير الى ما ذكرناه من المناقشة في الموضعين المذكورين كلام المحقق الأردبيلي قال بعد ذكر نحو ما ذكروه من الأحكام المترتبة على ذينك الحكمين:
ما لفظه كل ذلك ظاهر مما تقدم إذا قيل بتعيين موضع السلف و القرض للطلب فيه و هو محل التأمل.
ثم قال: و يمكن الرجوع الى القرائن، و مع عدمها الى العرف الغالب بين الناس كما سلف في تعيين زمان السلف و مكانه انتهى.
و بالجملة فالظاهر بناء على ما ذكرناه هنا هو قريب ما ذكره في المختلف، الا ان الظاهر ان تخصيصه القيمة ببلد القرض مبنى على ما نقلناه عنهم و قد عرفت ما فيه.
الثالث أن يكون غصبا
فقيل: انه لا يجب دفع المثل، و يجوز دفع القيمة بسعر البلد التي استقر الطعام في الذمة فيها، و نسب القول المذكور للشيخ مساويا بينه و بين القرض في الحكم.
و قيل: و هو الأشهر بجواز مطالبة الغاصب بالمثل حيث كان، و بالقيمة الحاضرة عند الإعواز، و علل بأنه حق تثبت عليه بعدوانه، فيعم كل مكان، و هو مؤاخذا بأسوء الأحوال.
و وجه وجوب القيمة عند الإعواز انه وقت الانتقال إلى القيمة في المثلي و استقرب في المختلف قول الشيخ في القيمة، و هي قيمة بلد القرض، لانه غصبه هناك، فإذا تعذر المثل وجب عليه قيمته فيه.
و نقل ما عليه الأكثر عن والده و احتمل بعضهم أعلى القيم من حين الغصب الى حين الدفع، و الظاهر هو القول المشهور في كل من الأمرين المذكورين و الله العالم.
الخامس عشر [لو اشترى عينا بعين، و قبض احدى العينين]
- قالوا: لو اشترى عينا بعين، و قبض احدى العينين و بقيت الأخرى عند بائعها، ثم باع القابض ما قبضه، ثم تلفت العين الأخرى عند بائعها بطل
190
البيع الأول، و لا سبيل إلى إعادة ما بيع ثانيا، لان تلك العين كانت ملكا خالصا للبائع، و انما طرء البطلان على العقد بعد انتقال العين، فلا يؤثر فيما سبق من التصرفات، و على هذا فيلزم على البائع الثاني دفع المثل ان كانت العين مثلية، و القيمة ان كانت قيمية، كما لو تلفت العين.
بقي الكلام في القيمة هل هي قيمته يوم البيع، أو يوم تلف العين الأخرى يحتمل الأول لأنه وقت تعذر المثل، و الثاني لأن القيمة لم تكن لازمة للبائع، و انما لزمت بتلف العين الأخرى الموجب لبطلان البيع، و استجوده في المسالك.
قيل: و يستفاد من ذلك أن تلف المبيع قبل قبضه انما يبطل المبيع من حينه، لا من أصله، و الا لاسترد العين، و تظهر الفائدة في ذلك و في النماء.
أقول لم أقف في هذه المسألة على نص بالخصوص، و بذلك يظهر ما في الفائدة المذكورة، فإنه لو كان الحكم المذكور منصوصا لصحت هذه الفائدة و أما إذا كان ذلك! نما هو بمجرد فتواهم و كلامهم فإنه لا ثمرة لهذه الاستفادة و الله العالم.
المطلب الرابع في اختلاف المتبايعين
و فيه مسائل
الأولى [اختلاف المتبايعين في نوع النقد]
- إذا عين المتبايعان نقدا مخصوصا تعين، و ان أطلقا فإن كان نقد البلد متحدا انصرف الإطلاق اليه، و ان كان متعددا انصرف الى ما هو الغالب، لما عرفت في غير موضع مما تقدم من أن الإطلاق انما ينصرف الى الافراد الغالبة المتكررة، و لو كثرت النقود فيها و لا غلبة في شيء منها بطل، لان تعدد النقود في البلد بمنزلة اللفظ المشترك، و لا يحمل على أحد معانيه الا مع القرينة، و مع الغلبة فالقرينة ظاهرة، و مع التساوي فاللازم بطلان البيع، لمجهولية الثمن أو المبيع.
191
بقي الإشكال في ان الغلبة قد تكون في الاستعمال، و قد تكون في الإطلاق، بمعنى أن الاسم يغلب على أحدها، و ان كان غيره أكثر استعمالا كما يتفق ذلك في بعض النقود، فان اتفقت الغلبة فيهما، فلا إشكال في الحمل على الأغلب و ان اختلفت بأن كان أحدهما أغلب استعمالا و الأخر أغلب وصفا، ففي ترجيح أحدهما- أو كونهما بمنزلة المتساوي نظرا الى تعارض المرجحين- اشكال، و هكذا الكلام في الكيل و الوزن.
الثانية- إذا اختلفا في قدر الثمن
فادعى البائع أكثر، و ادعى المشتري أقل فالمشهور بين الأصحاب- بل ادعى عليه الشيخ الإجماع- أن القول قول البائع بيمينه ان كانت السلعة قائمة، و قول المشترى مع يمينه ان كانت تالفة.
و يدل على ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة مسندا في روايتي
الكليني و الشيخ عن أحمد بن محمد بن أبى نصر (1) عن رجل عن أبى عبد الله (عليه السلام) و مرسلا في الفقيه (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يبيع الشيء فيقول المشترى:
هو بكذا و كذا بأقل مما قاله البائع، قال: القول قول البائع مع يمينه إذا كان الشيء قائما بعينه» (3).
و التقريب فيها أنها تدل بمنطوقها على تقديم قول البائع مع قيام عين المبيع، و بمفهومها على تقديم قول المشترى مع تلف العين، و لا يضر إرسال الخبر المذكور، لرواية المشايخ الثلاثة له، و لما ذكروه من استثناء مراسيل أحمد بن محمد بن أبى نصر، لانه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، و لعمل جل الأصحاب بها لا سيما المحدثين الثلاثة، و غيرهم من المتقدمين و جل المتأخرين قال في الوافي- بعد ذكر الخبر المذكور:- و الوجه فيه أن مع بقاء
____________
(1) الكافي ج 5 ص 174 التهذيب ج 7 ص 26.
(2) الفقيه ج 3 ص 171.
(3) يعنى قيام السلعة و تلفها- منه (رحمه الله).
192
العين يرجع الدعوى الى رضا البائع، و هو منكر لرضاه بالأقل، و مع تلفه يرجع الى شغل ذمة المشترى بالثمن، و هو منكر للزيادة (1).
أقول هذا الوجه الذي ذكره هنا قد احتج به بعض القائلين بالقول المشهور و قد تنظر فيه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك قال: لاتفاقهما على انتقال العين إلى المشترى و ملكه لها، و انما الخلاف بينهما فيما يستحق في ذمة المشترى، فلا وجه لتقديم قول البائع، بل المشترى هو المنكر في الموضعين، ثم قال: فالمعتبر حينئذ هو النص. انتهى و هو جيد متين.
و ما ذكره (قدس سره) هنا قد احتمله العلامة في القواعد قولا في المسألة، و نقله في التذكرة قولا عن بعض العامة، و قوله و ظاهر المحقق الأردبيلي تقوية القول المذكور، قال: و هو الظاهر الموافق للقوانين، و كذا يظهر من المسالك أنه أقوى الأقوال، و هو كذلك، فإنه الا وفق بالقواعد الشرعية، الا أنه لا معدل عن النص المذكور، لما قدمنا ذكره، و يمكن تأييد الخبر المذكور بما رواه
في الكافي:
و التهذيب. عن الحسين بن عمر بن يزيد عن أبيه (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذ التاجر ان صدقا بورك لهما و إذا كذبا و خانا لم يبارك لهما و هما بالخيار ما لم يفترقا فان اختلفا فالقول قول رب السلعة أو يتتاركا».
____________
(1) أقول مرجع هذا الوجه الذي ذكره الى أن المبيع متى كان باقيا فالأصل عدم انتقاله من ملك البائع إلا برضاه، و هو لا يرضى الا بما يدعيه، و فيه ما عرفت في الأصل من الاتفاق على انتقال المبيع إلى المشترى، و رجوع الاختلاف الى الثمن لزيادة و نقيصة، و الأصل عدم الزيادة بعد الاعتراف بالبيع، فدعوى المشترى مطابق لهذا الأصل، فالقول قوله حينئذ بيمينه، هذا هو مقتضى الأصول و القواعد كما ذكرناه في الأصل.
منه (رحمه الله).
(2) الكافي ج 5 ص 174 التهذيب ج 7 ص 26.
193
و التقريب فيه ان الظاهر أن الاختلاف بينهما مع وجود السلعة كما يشير اليه قوله أو يتتاركا، و قد جعل القول فيه قول البائع، و محل الاختلاف و ان كان مطلقا الا أن ما نحن فيه داخل تحت الإطلاق، و سيجيء- إنشاء الله تعالى- أن القول قول البائع في سائر الاختلافات الاتية.
و في المسألة أقوال أخر أيضا، منها- أن القول قول من هي في يده، الا أن يحدث المشترى فيها حدثا، فيكون القول قوله مطلقا، و هو مذهب ابن الجنيد و نفى عنه البأس في التذكرة، و وجه هذا القول بالنسبة إلى الأقل أن من كان المبيع في يده يحكم له بالملك، و يصير غير ذي اليد مدعيا، و بتقريب آخر أن من ليس في يده يدعي انتزاعه بما يقربه من الثمن، و ذو اليد ينكر ذلك، فيكون القول قوله، ترجيحا لليد، فان الخارج هو المدعى.
و أما بالنسبة إلى حدث المشتري فإنه دليل اليد، فيكون القول قوله مطلقا، و فيه ما عرفت آنفا من أن مرجع الاختلاف و النزاع انما هو في الثمن، لا في أصل المبيع، للاتفاق على انتقاله بالبيع.
و منها أنهما يتحالفان مطلقا، لان كلا منهما مدع و منكر، و ذلك لان العقد الذي تضمن الأقل و تشخص به ينكره البائع، و العقد الذي تضمن الثمن الأكثر و تشخص به ينكره المشترى، فيكون هذا النزاع في قوة ادعاء كل منهما عقدا ينكره الأخر، فيتحالفان و يبطل البيع، و هذا القول احتمله العلامة في كثير من كتبه، و صححه ولده في الإيضاح، و نسبه في الدروس الى الندور مع أنه اختاره في قواعده،- و أورد عليه بمنع المغايرة الموجبة لما ذكر لاتفاقهما على عقد واحد، و على انتقال المبيع إلى المشترى به، و ثبوت الثمن الأقل في ذمة المشترى، و انما يختلفان في الزائد فأحدهما يدعيه، و الأخر ينكره، فلا وجه للتحالف.
و منها- أن القول قول المشترى مع قيام السلعة أو تلفها في يده أو في
194
يد البائع بعد الإقباض، و الثمن معين، و الأقل لا يغاير أجزاء الأكثر، و لو كان مغايرا تحالفا، و فسخ العقد، و احتج على الأول بأن المشتري منكر، و على الثاني بأن التحالف في عين الثمن، و كل منهما ينكر ما يدعيه الأخر، فيتحالفان، ذهب الى هذا القول العلامة في المختلف و هو يرجع الى تقديم قول المشترى مطلقا، حيث يكون الاختلاف في كمية الثمن، و قد عرفت قوته بحسب القواعد، الا أن النص على خلافه (1).
تنبيهات
الأول [عدم جريان الخلاف لو تنازعا بعد تلفه في- يد البائع]
- قال في المسالك بعد الكلام في المسألة: هذا البحث كله إذا وقع
____________
(1) قال في المختلف: و المعتمد أن نقول: ان السلعة اما أن تكون باقية أو تالفة، فإن كانت تالفة فاما أن تكون قد تلفت في يد البائع قبل الإقباض، أو في يد المشتري أو في يد البائع بعد الإقباض فإن تلفت في يد البائع قبل الإقباض بطل البيع، و لا معنى للتحالف و ان تلفت في يد المشتري أو في يد البائع بعد الإقباض، أو كانت قائمة فلا يخلو اما أن يكون الثمن معينا أو في الذمة، فإن كان معينا فاما أن يكون الأقل مغايرا لأجزاء الأكثر أولا، فإن كان مغايرا تحالفا و فسخ البيع، و ان لم يكن فالقول قول المشترى، و يحتمل التخالف، لنا انه على تقدير المخالفة يكون التخالف في عين الثمن كما تخالفا في قدره، و لا ريب أنه مع التخالف في عين الثمن يتحالفان فكذا هنا، و أما على باقي التقادير فلان البائع يدعي الزيادة في الثمن، و المشترى ينكرها، فالقول قوله مع اليمين، كما لو تلفت السلعة أو كانت في يد المشترى، و اما احتمال التحالف على هذه التقادير غير تقدير المخالفة، فلأنهما متداعيان كل منهما مدع، فإن البائع يدعي العقد بعشرين، و المشترى يدعي العقد- بعشرة، و العقد بعشرين غير العقد بعشرة. انتهى و جوابه علم مما في الأصل، أما بالنسبة إلى التحالف فلما عرفت في جواب القول بالتحالف، و أما بالنسبة الى ان القول قول المشترى بيمينه فلما عرفت من- انه و ان كان قويا في حد ذاته الا- أن النص دل على خلافه. و الله العالم (منه (رحمه الله).
195
النزاع بعد قبض المشتري، أو قبله مع بقاء عين المبيع، أما لو وقع بعد تلفه في يد البائع، فإن العقد ينفسخ، و لا يظهر للنزاع أثر ان لم يكن البائع قد قبض الثمن، و لو كان قبضه كان كالدين في ذمته أو الأمانة عنده، فيقدم قوله في قدره، و مثله ما لو اختلفا في قدر الثمن بعد قبض البائع له و الإقالة أو الفسخ بأحد وجوهه.
أقول: ينبغي تقييد انفساخ العقد بتلفه في يد البائع بما لو لم يحصل إقباض بالكلية، و الا فلو تلف في يده بعد حصول الإقباض و العود اليه ثانيا، فان الحكم فيه كما في صورة الإقباض.
الثاني [عدم جريان الخلاف لو كان الثمن معينا]
موضع الخلاف- كما أشار إليه العلامة في المختلف و صرح به شيخنا الشهيد الثاني في المسالك- ما لو كان الثمن في الذمة، ليمكن جريان الأقوال فيه، فلو كان معينا كما لو قال البائع: بعتك بهذا العبد أو بهذا الدينار فقال المشترى:
بل بهذه الأمة أو الدراهم، فإنه يتعين التحالف قطعا، لان كلا منهما مدع و منكر، و هو ضابط التحالف، و هذا لا يطلق عليه الاختلاف في القدر، كما هو محل البحث.
نعم قد يتفق مع التعيين الاختلاف في القدر أيضا، و به يندرج تحت البحث حينئذ، كما لو قال: بعتك بهذين الدينارين أو الدرهمين، فقال: بل بأحدهما معينا، فان الحكم فيه كالذمة، و الأقوال المتقدمة تجري فيه.
الثالث [حكم ما لو كانت العين باقية و لكن انتقلت انتقالا لازما]
- أنه على تقدير القول المشهور من الفرق بين قيام العين و تلفها لو كانت العين باقية، لكنها قد انتقلت عن المشترى انتقالا لازما بالبيع، أو العتق أو الهبة
196
اللازمة مثلا. فهل يكون ذلك من قبيل التلف، أم لا؟ إشكال ينشأ من صدق التلف بذلك، و عدمه، إذ المتبادر من التلف هو زوال العين عن الوجود و هنا ليس كذلك، و ان كان في حكم التلف من خروجها عن الانتقاع بالنسبة إلى المشترى.
و يمكن أن يقال: ان النص دل على أن القول قول البائع إذا كانت العين قائمة، و المتبادر منه وجودها بين المتبايعين في يد أحدهما، كما يشير اليه الخبر الثاني من قوله «أو يتتاركا» و مفهومه حينئذ ما لم يكن موجودة في يد أحدهما، و التعبير بالتلف انما وقع في عبارة بعض الأصحاب، و جعلوه مفهوما مخالفة لقوله «قائمة» بناء على حمله على مجرد الوجود، و الظاهر منه انما هو ما ذكرناه، فان وجودها بعد انتقالها بناقل شرعي لازم لا يدخل تحت منطوق الخبر المذكور.
و كيف كان فالحكم غير خال من شوب الاشكال. و كذا يجري الإشكال في الانتقال الغير اللازم كالبيع في زمن الخيار للبائع، و الهبة قبل القبض أو بعده حيث يجوز الفسخ، و أنه هل يجرى مجرى التلف أم لا؟.
الثالثة- لو اختلفا في تأخير الثمن و تأجيله أو في قدر الأجل في اشتراط رهن أو ضمين
فالقول قول البائع مع يمينه، لأنه في هذه المواضع كلها منكر، و ربما قيل: بالتحالف هنا أيضا، كما في سابق هذه المسألة، لأن أحدهما يسند الملك الى سبب مخصوص، و الأخر ينفيه و يسنده الى سبب آخر، ففي الحقيقة الملك بقول أحدهما غير الملك بقول الأخر، و كل منهما مدع، و مدعى عليه، فيتحالفان، و وجه ضعفه يعلم مما سلف، و ذلك لأنهما اتفقا على صدور العقد، و حصول الملك للمشتري، و الثمن للبائع، و انما حصل النزاع في أحد هذه الأمور الزائدة على ذلك و البائع ينكره، فيقدم قوله في نفيه.
الرابعة- لو اختلفا في المبيع
، فقال البائع: بعتك ثوبا، فقال المشترى: بل ثوبين، فان القول قول البائع بيمينه، لانه منكر لبيع الزائد، مع اتفاقهما على أمر مشترك، و هو بيع الثوب الواحد.
197
هذا حيث لا يكون المتنازع معينا، و الا فالحكم التحالف، كما لو قال البائع:
بعتك هذا الثوب، و قال المشترى: بل هذين الثوبين، مشيرا الى غير ذلك الثوب المعين، فإنه يتعين القول بالتحالف، لعدم الاتفاق على شيء.
و كذا أيضا يجب تقييد أصل المسألة بما إذا لم يختلفا في الثمن على كل من التقديرين، لأنه حينئذ يمكن الأخذ بالمشترك بين كلاميهما، بخلاف ما لو قال:
بعتك هذا بألف، فقال: بل هذا و هذا بألفين، فلانه لا مشترك بين كلاميهما يمكن الأخذ به، فلا بد من التحالف كما ذكره في التذكرة.
و اعلم أن ضابط التحالف- المقطوع به في كلامهم- ادعاء كل منهما على صاحبه ما ينفيه الأخر، بحيث لا يتفقان على أمر كما هنا، و مثله ما لو اختلفا في الثمن المعين، أو فيهما معا، و مثله ما لو ادعى أحدهما البيع، و الأخر الصلح.
و لو اتفقا على أمر واحد و اختلفا في وصف زائد أو قدر بحيث كانت الدعوى من طرف واحد، كما في المواضع التي قدمناها حلف المنكر، و أما من أجرى التحالف في مثل تلك المواضع فقد عرفت بطلانه، لخروجه عن الضابطة المذكورة، و كما يجرى ذلك في البيع فكذا في الصلح و الإجارة و نحوهما.
بقي هنا شيء ينبغي التنبيه عليه، و هو أنه إذا ادعى البائع: أنى بعتك هذا الثوب، فقال المشترى: بل هذا إشارة إلى ثوب آخر، فان الحكم كما عرفت التحالف، و بطلان البيع، فإذا حلف البائع على نفى ما يدعيه المشتري بقي الثوب على ملكه، فان كان في يده، و الا انتزعه من يد المشترى، و إذا حلف المشترى على نفى ما يدعيه البائع، و كان الثوب في يده لم يكن للبائع مطالبته به، لانه لا يدعيه، و ان كان في يد البائع لم يكن له التصرف فيه، لانه معترف بأنه للمشتري، و له ثمنه في ذمته، فان كان البائع قد قبض الثمن رده على المشترى، و يأخذ الثوب قصاصا، و ان لم يكن قبضه أخذ الثوب قصاصا أيضا بذلك الثمن، و لو زاد فهو مال لا يدعيه أحد، كذا فصله العلامة في التذكرة.
198
و لو ماتا المتبايعان فاختلف و رثتهما، فذهب جمع من الأصحاب الى أن القول قول ورثة البائع في قدر المبيع، و ورثة المشترى في قدر الثمن.
أما كون القول قول ورثة البائع في قدر المبيع فهو جار على قول مورثهم، لان القول قوله لو كان حيا كما تقدم.
و أما أن القول قول ورثة المشترى في قدر الثمن مع أنه ليس كذلك في مورثهم، لأنهم منكرون.
و ذهب الأكثر الى أن الورثة في ذلك كالمورثين فيقدم قول ورثة البائع مع بقاء السلعة، و قول ورثة المشترى مع تلفها، و لو اختلف الورثة في عين الثمن أو عين المبيع فالحكم التحالف، كما تقدم ذكره في المتبايعين.
الفصل الخامس في أقسام البيع بالنسبة الى الاخبار بالثمن و عدمه
، و هو لا يخلو عن أقسام أربعة لأنه اما أن يخبر بالثمن، أولا، الثاني- المساومة، و الأول- اما أن يبيع معه برأس ماله، أو بزيادة عليه، أو نقيصة عنه، و الأول- التولية، و الثاني- المرابحة، و الثالث- المواضعة، و زاد بعضهم قسما خامسا، و هو إعطاء بعض المبيع برأس ماله، ذكره الشهيد في الدروس و اللمعة، و لم يذكره كثير منهم قال: و التشريك جائز، و هو أن يجعل له نصيبا بما يخصه من الثمن، قال شيخنا الشهيد الثاني: و في بعض الاخبار دلالة عليه، و قد يجتمع الأقسام الخمسة في عقد واحد، بأن اشترى خمسة ثوبا بالسوية، لكن ثمن نصيب أحدهم عشرون، و الأخر خمسة عشر، و الثالث عشرة، و الرابع خمسة، و الخامس لم يبين، ثم باع من عدا الرابع نصيبهم بستين بعد اخبارهم بالحال، و الرابع شرك في حصته، فهو بالنسبة إلى الأول مواضعة، و الى الثاني تولية، و الثالث مرابحة، و الرابع تشريك، و الخامس مساومة.
199
و على هذا القياس اجتماع قسمين منها، و ثلاثة و أربعة بالتقريب المذكور.
أقول: و المفهوم من الاخبار أن أفضل- هذه الأقسام- المساومة، و ان المرابحة مكروهة،
فروى ثقة الإسلام في الكافي في الضعيف و الشيخ في التهذيب في الصحيح، عن محمد بن مسلم (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): انى أكره بيع عشرة بإحدى عشرة، و عشرة باثني عشرة، و نحو ذلك من البيع و لكن أبيعك كذا و كذا مساومة، قال: و أتاني متاع من مصر، فكرهت أن أبيعه كذلك و عظم على فبعته مساومة».
و عن جراح المدائني (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):
انى اكره بيع ده يازده و ده دوازده، و لكن أبيعك بكذا و كذا»،.
و روى في الكافي عن الحلبي (3) في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قدم لأبي متاع من مصر فصنع طعاما و دعى له التجار، فقالوا له نأخذ منك بده دوازده فقال لهم أبى: و كم يكون ذلك؟ قالوا في عشرة آلاف ألفين، فقال لهم: أبي اني أبيعكم هذا المتاع باثني عشر ألفا فباعهم مساومة».
و روى في الفقيه عن عبيد الله الحلبي و محمد الحلبي (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال «قدم لأبي متاع» الحديث.
الا أنه لم يذكره «فباعهم مساومة» و علل استحباب المساومة زيادة على ما ورد في النصوص المذكورة بأن فيه سلامة عن الاخبار بالكذب، إذ قد يقع المخبر في الكذب، و صعوبة أداء الامانة، و البعد عن مشابهة الربا.
أقول: و يعضده ما يأتي في شروط المرابحة من كثرة المفاسد فيها، و يدل
____________
(1) الكافي ج 5 ص 197 التهذيب ج 7 ص 55.
(2) الكافي ج 5 ص 197 التهذيب ج 7 ص 55 و 54.
(3) الكافي ج 5 ص 197 التهذيب ج 7 ص 55 و 54.
(4) الفقيه ج 3 ص 135.
200
على جواز المرابحة صريحا ما رواه
الشيخ في الصحيح عن العلاء (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يبيع الرجل البيع فيقول أبيعك بده دوازده أو ده يازده فقال: لا بأس إنما هذه المراوضة، فإذا جمع البيع جعله جملة واحدة.».
و رواه الحميري في قرب الاسناد عن محمد بن خالد الطيالسي (2) عن العلاء مثله، الا انه قال: «لا بأس انما هو البيع يجعله جملة واحدة».
أقول: يعنى يجعل الانتفاع و رأس المال جملة واحدة في حال البيع، و المراوضة انما هي قبل البيع، و فيه إشارة إلى الكراهة في حال البيع، كما تقدم بأن يقول: أبيعك بكذا أو ربح كذا.
و أظهر منهما في الجواز أيضا ما رواه
الشيخ عن على بن سعيد (3) «قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل يبتاع ثوبا فيطلب منه مرابحة، ترى ببيع المرابحة بأسا إذا صدق في المرابحة، و سمى ربحا دانقين أو نصف درهم فقال: لا بأس» الحديث.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام هنا يقع في موضعين،
الأول في العبارة
إما بالنسبة إلى المساومة فهي البيع بما يتفقان عليه، من غير تعرض لذكر الثمن، سواء علمه المشتري أو لم يعلمه، و هو أفضل الأقسام كما عرفت، و أما المرابحة فيجب فيها علم المتعاقدين برأس المال، و الربح و الغرم و المؤن إن ضمها، و يجب على البائع الصدق في الثمن، و المؤن و ما طرء من موجب النقص و الأجل و غيره، فان لم يحدث فيه زيادة، قال: اشتريته بكذا، أو تقوم على بكذا، و ان زاد بفعله من غير غرامة مالية أخبر بذلك، بأن يقول: اشتريته بكذا، و عملت فيه عملا يساوي كذا،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 54.
(2) الوسائل الباب 14- من أبواب أحكام العقود الرقم 5.
(3) التهذيب ج 7 ص 55.
201
و ان كانت الزيادة باستئجار عليه فيقول: تقوم علي بكذا أو اشتريت بكذا و استأجرت بكذا، و ان طرء فيه عيب ذكره.
و لا بد من ذكر الجنس و الصرف و الوزن ان تعددت النقود، و اختلف صرفها و وزنها، كما لو كان صرف بعض الدنانير عشرة دراهم، و بعضها أكثر أو أقل، و كذا الوزن، و أما لو اتحد النقد لم يفتقر الى ذلك.
و بالجملة فلا بد من الاخبار بالثمن، و كلما تجدد مما يوجب زيادة أو نقيصة و اضافة ما ينفقان من الربح اليه (1).
و أما التولية فهو أن يعطيه المتاع برأس ماله، من غير زيادة فيقول: وليتك أو بعتك أو ما يشاكل ذلك من الألفاظ الدالة على النقل، لكن ان وقع العقد بلفظ بعتك و نحوه من الألفاظ الدالة على مطلق البيع، فيكون المفعول الثمن، أو ما قام علي و نحو ذلك مما لا يتضمن الزيادة على ما أنفقه، و ان وقع بلفظ وليتك فليكن مفعوله
____________
(1) أقول و من ذلك أيضا ما لو اشترى بثمن و رجع بأرش العيب، فإنه يجب أن يسقط ذلك من الثمن، و يخبر بالباقي، لأن الأرش جزء من الثمن، فقد قبض بعضه، و لا بد من بيانه، و ان كان قوله اشتريته بكذا حقا الا أنه قد طرء عليه النقصان، و لو جنى العبد ففداه السيد، لم يجز أن يضم الفدية إلى ثمنه، لان ذلك أمر خارج عن البيع، و لو جنى عليه فأخذه أرش الجناية لم يضعها من الثمن، و الفرق بينه و بين أرش العيب أن أرش العيب ثابت بأصل العقد فكأنه مستثنى من الثمن، بخلاف الجناية الطارية فإنها حق آخر كنتاج الدابة نعم لو نقص بالجناية وجب الاخبار بالنقص هذا مقتضى ما أورده في هذا المقام.
منه (رحمه الله).
202
العقد، و يقتصر على ذلك، و إذا قبل لزمه مثله جنسا و قدرا و صفة، و لو قال: وليتك السلعة بكذا و كذا احتمل الاجزاء كما ذكره في الدروس.
و أما المواضعة فهي كالمرابحة في الاخبار بالثمن، و نحوه مما زاد أو نقص حسبما تقدم، الا أنها بنقيصة معلومة، فيقول: بعتك بما اشتريته أو تقوم علي و وضيعة كذا.
و أما التشريك فهو أن يقول: شركتك بالتضعيف بنصفه بنسبة ما اشتريت مع علمهما بقدره، و لو قال: أشركتك بالنصف فكذلك، و لزمه مثل نصف الثمن، أما لو قال: أشركتك في النصف فإنما له الربع، الا أن يقول: بنصف الثمن، فيتعين النصف، و لو لم يبين الحصة و انما قال: في شيء منه، أو أطلق بطل للجهل بالمبيع، و احتمل بعضهم حمل الثاني على التنصيف، و التشريك- في الحقيقة- عبارة عن بيع الجزء المشاع برأس ماله، الا أنه يختص عن مطلق البيع بصحته بلفظ التشريك.
الثاني- في الأحكام:
و فيه مسائل.
الاولى- لو اشترى جملة لم يجز له بيع بعضها مرابحة
و ان قوم كلا منها بقيمة الا أن يخبر بالحال، و يدل عليه ما رواه
ثقة الإسلام في الصحيح عن أبي حمزة الثمالي (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) «قال سألته عن الرجل يشترى المتاع جميعا بالثمن، ثم يقوم كل ثوب بما يسوى حتى يقع على رأس ماله جميعا أ يبيعه مرابحة؟
قال: لا حتى يبين له أنه انما قومه».
و روى في الكافي و الفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 197 التهذيب ج 7 ص 55 عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام).
(2) الكافي ج 5 ص 197 عن محمد بن أسلم عن أبي حمزة بتفاوت يسير الفقيه ج 3 ص 126.
203
«في الرجل يشترى المتاع جميعا بثمن ثم يقوم كل ثوب بما يسوى، حتى يقع على رأس ماله جميعا يبيعه مرابحة ثوبا ثوبا؟ قال: لا حتى يبين له انما قومه».
و علل أيضا بأن المبيع المقابل بالثمن هو المجموع، لا الافراد، و ان تقوم بها و قسط الثمن عليها في بعض الموارد كما لو تلف بعضها، أو ظهر مستحقا.
و المشهور أنه لا فرق في ذلك بين تماثل اجزاء تلك الجملة أو اختلافها، خلافا لابن الجنيد على ما نقل عنه من الجواز في المتماثلة، كقفيز من حنطة، و ضعفه ظاهر، و ربما أشعر ظاهر الخبرين المذكورين بصحة البيع كذلك مرابحة، و هو ظاهر إطلاق جملة من العبارات، كما عبرنا به في صدر المسألة جريا على كلامهم.
الا أن الظاهر كما صرح به جملة من محققي المتأخرين أنه و ان كان البيع كذلك صحيحا الا أنه ليس من قبيل المرابحة، و ان جاز إطلاقها عليه مجازا لكونه بصورة المرابحة.
الثانية- إذا اشترى نسيئة ثم باعه و لم يخبر بالأصل
قال الشيخ في النهاية: كان للمبتاع من الأجل مثل ماله، و به قال: ابن البراج و ابن حمزة، و هو الظاهر من كلام ابن الجنيد، فإنه قال: و من باع مرابحة كان للمشتري من النظرة و غيرها في الثمن ما كان للبائع عند الشراء، و قال الشيخ في الخلاف و المبسوط: إذا اشترى سلعة بمائة إلى سنة، ثم باعها في الحال مرابحة و أخبر أن ثمنها ماءه فالبيع صحيح بلا خلاف، فإذا علم المشترى بذلك كان بالخيار بين أن يقبضه بالثمن حالا، أو يرده بالعيب، لانه تدليس، و هو اختيار ابن إدريس، و هذا هو المشهور في كلام المتأخرين عن العلامة و من تأخر عنه، نظرا الى ان مقتضى القواعد في مثله ذلك.
و يدل على الأول ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي عن هشام بن الحكم (1)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 208.
204
في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يشترى المتاع إلى أجل فقال:
ليس له أن يبيعه مرابحة الا إلى الأجل الذي اشتراه إليه، فإن باعه مرابحة و لم يخبره كان للذي اشتراه من الأجل مثل ذلك».
و ما رواه
الشيخ في الصحيح عن أبى محمد الوابشي (1) و هو مجهول قال: «سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى من رجل متاعا بتأخير إلى سنة، ثم باعه من رجل آخر مرابحة، إله أن يأخذ منه ثمنه حالا و الربح؟ قال:
ليس عليه الا مثل الذي اشترى، ان كان نقد شيئا فله مثل ما نقد، و ان كان لم يكن نقد شيئا فالمال عليه إلى الأجل الذي اشتراه».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم عن ميسر بياع الزطي (2) قال: «قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام) انا نشتري المتاع بنظرة فيجيء الرجل فيقول:
بكم تقوم عليك؟ فأقول: بكذا و كذا فأبيعه بربح، فقال: إذا بعته مرابحة كان له من النظرة مثل مالك، قال: فاسترجعت و قلت: هلكنا»، الحديث.
و أجاب العلامة في المختلف عن هذه الاخبار قال: و الجواب أنها محمول على ما إذا باعه بمثل ما اشتراه و أخفى عنه النسيئة و لم يشترط النقد، فإنه و الحال هذه يكون له من الأجل مثل ما كان للبائع على اشكال. انتهى.
و مرجعه إلى أنه مع عدم ذكره النسيئة وقت البيع، فاما أن يذكر الحلول، أو يشترط النقد، و ان كان إطلاق العقد كما تقدم انما ينصرف الى ذلك أولا، و على الأول فالحكم ما ذكره المتأخرون من التخيير في المقام، و على الثاني يحمل الاخبار.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 59.
(2) الكافي ج 5 ص 198 التهذيب ج 7 ص 57 الفقيه ج 3 ص 134 و في النسخ اختلاف فليراجع المصادر.
205
و ظاهر المحقق الأردبيلي الميل الى ذلك أيضا، و حينئذ يكون هذا قولا ثالثا في المسألة، و أنت خبير بما في هذا التفصيل من البعد، أما أولا فلأنه متى كان إطلاق العقد انما ينصرف الى الحلول و النقد فذكره في اللفظ لا يزيد الا على مجرد التأكيد، فكيف يترتب عليه حكم بخصوصه.
و أما ثانيا- فلان إطلاق الاخبار شامل للصورتين، و تخصيصها يحتاج الى دليل، و مجرد ما ادعوه من قاعدة العيب- و أنها تقتضي التخيير و هذا من قبيله- يمكن تخصيصها بهذه الاخبار، و استثناء هذا الجزئي من القاعدة، على أنك قد عرفت فيما تقدم أنه لا دليل على ما ادعوه من الخيار في العيب، زيادة على الإجماع كما تقدم تحقيقه و بالجملة فالظاهر عندي هو العمل بالأخبار المذكورة.
بقي الكلام في تتمة الرواية الثالثة التي طوينا نقلها آنفا و هي قول الراوي
«قلت: فاسترجعت و قلت: هلكنا، فقال: لم، قال: قلت: لان ما في الأرض ثوب أبيعه مرابحة فيشترى متى و لو وضعت من رأس المال حتى أقول تقوم بكذا و كذا قال: فلما رأى ما شق على قال: أفلا أفتح لك بابا يكون لك فيه فرج؟ قلت: بلى قال: قل: قام علي بكذا و كذا و أبيعك بزيادة كذا و كذا و لا تقل بربح».
هكذا في رواية صاحب الفقيه، و في غيره قال: قلت: لان ما في الأرض من ثوب «إلا» أبيعه مرابحة يشترى و لو وضعت من رأس المال حتى أقول تقوم بكذا و كذا» و أبيعك بكذا و كذا الى آخر ما تقدم، و لا يخفى ما في هذه العبارة من الاختلال، و عدم ظهور معنى مستقيم، و ما ذكر في إصلاحها لا يخلو من تكلف بعيد عن الظاهر.
و أنت خبير بأن ظاهره تخصيص بيع المرابحة بأن يقول: بربح كذا، و أما لو قال بزيادة كذا بعد الاخبار برأس المال فليس مرابحة، بل مساومة، و الظاهر أنه لا قائل به، إذ لا فرق بين اللفظين في كون البيع مرابحة، كما يدل عليه الاخبار و كلام الأصحاب، و يشكل العدول به عن ظواهر غيره من الاخبار، و الله العالم.
206
الثالثة [عدم جواز أن يبيع الإنسان مرابحة بالنسبة إلى أصل المال]
قال الشيخ في النهاية: لا يجوز أن يبيع الإنسان مرابحة بالنسبة إلى أصل المال، بأن يقول أبيعك هذا المتاع بربح عشرة واحدا أو اثنين بل يقول بدلا من ذلك: هذا المتاع تقوم علي بكذا أو أبيعك إياه بكذا، بما أراده، و كذا قال الشيخ المفيد.
و قال سلار: لا يصح لو قال: بعتك هذا بربح العشرة واحدا أو أكثر بالنسبة.
و قال أبو الصلاح: لا يجوز بيع المرابحة بالنسبة إلى الثمن كقوله: أربح عليك في كل عشرة دراهم من ثمنه درهما، و انما يصح بيع المرابحة بأن يخبر بجملة الثمن، و يربح في عين المبيع.
و قال ابن البراج: لا يجوز في بيع المرابحة حمل الربح على المال، مثل أبيعك هذا المتاع بكل عشرة منه واحدا أو اثنين، بل يحمل الربح على المتاع.
و قال في المبسوط: يكره بيع المرابحة بالنسبة إلى أصل المال، و ليس بحرام، و ان باع كذلك كان البيع صحيحا، و كذا قال في الخلاف، و به قال ابن إدريس، و العلامة و من تأخر عنه.
أقول: منشأ هذه الأقوال الاختلاف في الاخبار المتقدمة في صدر الفصل، الدالة على النهي عن نسبة الربح الى المبيع أو الثمن، و المراد بنسبته إليه إضافته اليه اما بواسطة حرف الجر، مثل و الربح فيه، أو بغير واسطته مثل و ربحه كذا، و ظاهر الاخبار المتقدمة باعتبار ضم بعضها الى بعض انما هو الكراهة، قيل:
لانه يشبه الربا.
و الظاهر عندي منها انما هو كراهة البيع مرابحة، و أن الأفضل بيع المساومة، كما يفهم من صحيح الحلبي أو حسنة المتقدم، لا من حيث ضم الربح الى المبيع أو رأس المال كما ذكروه، فان عدوله (عليه السلام) الى البيع مساومة دون الفرد الأخر من المرابحة،- مما يشير الى ما ذكرناه، و كذلك صحيح محمد بن مسلم المتقدم، فإن ضيقه (عليه السلام) انما هو من بيع المرابحة مطلقا، لا من خصوص
207
ذلك النوع، و لهذا عدل إلى المساومة.
الرابعة لو باع مرابحة فظهر أن رأس ماله كان أنقص
، فالمشهور أن للمشتري الخيار بين رده و بين أخذه بالثمن، و قيل: انه يأخذه بإسقاط الزيادة، و رجح الأول بأنه الثمن الذي وقع عليه العقد، فلا يثبت غيره، و ثبوت الكذب في الاخبار ينجبر بلحوق الخيار.
و المسألة غير منصوصة فيما أعلم، الا أن الأقرب هو القول المشهور، لما ذكر، و لأصالة الصحة، و ظهور الكذب لا يوجب بطلان البيع، و لا نقص الثمن بعد وقوع التراضي به و العقد عليه، و غاية ما يوجبه الإثم للخيانة، و الجبر بالخيار.
و صرح بعضهم بثبوت الخيار و ان انتقل المبيع من المشترى أو تلف في يده؟
قال: و الأقوى أن بقاءه على ملك المشتري غير شرط في الخيار، فله الفسخ مع تلفه، أو خروجه عن ملكه مع رد مثله أو قيمته، لأصالة بقاء الخيار.
و على القول بإسقاط الزيادة يسقط ربحها ايضا، و لا خيار له، لانه قد رضي بالأكثر، فأولى أن يرضى بالأقل.
و ربما احتمل ثبوت الخيار ايضا لغروره و كذبه و قد يكون له غرض في الشراء بذلك المبلغ، لأبرار قسم، أو انعقاد وصية، أو نحو ذلك، و لو قال: اشتريته بأكثر لم يقبل منه، لان قوله الثاني مناف للأول، لتكذيبه نفسه بالإقرار الأول، و مثل ذلك غير مسموع شرعا و الا لم يتم أكثر الإقرارات فيلغو حينئذ قيل: و لو اقام بينة على ادعاء الأكثر لم تقبل، لانه كذبها بإقراره الأول (1).
____________
(1) هذا القول للشيخ في المبسوط قال: لو قال رأس مالي مائة ثم قال: غلطت و الثمن مائة و عشرة لم يقبل قوله، و لو اقام بينة على انه أخطأ و ان شراءه كان أكثر لم يقبل منه، لانه كذبها بالقول الأول، و لا يلزم المشترى اليمين بأنه لا يعلم بأنه اشتراه بأكثر من ذلك، لانه لا دليل عليه، فان قال: وكيلي كان اشتراه بمائة و عشرة و اقام بذلك بينة قبلت بينته، قال: و ان قلت:
لا يقبل لانه كذبها القول الأول كان قويا انتهى و الأظهر ما عليه الأكثر في المسألتين، فله إقامة البينة في الصورة التي ذكرنا في الأصل، لأنه ادعى شيئا لو صدقه الغريم لثبت حقه، فله إقامة البينة عليه، و اليمين على خلافه و التكذيب ممنوع، لانه ادعى شيئا خفيا غير مناف لما شهدت به البينة و هو الغلط و نحوه، و له المطالبة باليمين لو ادعى عليه العلم كما في غير هذا الموضع. منه (رحمه الله).
208
و فيه على إطلاقه اشكال لجواز الغلط في الاخبار الأول، أو الاستناد الى اخبار وكيله مثلا، كان يقول أخبرني و كيلى انه شراه بكذا، أو ورد على خط بذلك ثم يظهر خلافه، فإنه يتجه قبول قوله ان أظهر لإنكاره تأويلا محتملا، بمعنى سماع بينته عليه، و لو ادعى على المشترى العلم بكون الثمن زائدا، توجهت عليه اليمين بنفيه، سواء ادعى الغلط أم لا، و ربما قيل بسماع دعواه مطلقا، نظرا إلى إمكان الغلط، و نفى عنه البأس في المسالك.
الخامسة- إذا دفع الى الدلال متاعا و قومه عليه بقيمة و لم يواجبه البيع
لم يجز للدلال بيعه مرابحة إلا بعد الاخبار بصورة الحال، سواء كان ما قومه عليه يربح فيه أم لا، و الوجه فيه ظاهر، مما تقدم في المسألة الاولى، و الاخبار بصورة الحال لا يوجب كونه مرابحة كما تقدم تحقيقه ثمة، و ان كان بصورة المرابحة، و لهذا لا يجب على التاجر الوفاء بالربح له، لانه ليس بيع مرابحة.
و المشهور ان للدلال اجرة المثل سواء كان التاجر دعاه أو الدلال ابتدأه، و انما كان له الأجرة في الصورتين، لانتفاء البيع فيهما مع كونه مأمورا بعمل له أجرة بحسب العادة، و إذا فات الشرط رجع الى أجرة المثل.
و نقل عن الشيخين (عطر الله مرقدهما) إنهما أثبتا للدلال ما زاد على ما عين له من القيمة في صورة ابتداء التاجر، و ان لم يزد لم يكن له شيء، و اما في صورة ابتداء
209
الدلال و التماسه ذلك فإنهما جعلا له أجرة المثل، و تبعهما القاضي.
أقول: قال الشيخ في النهاية: و إذا قوم التاجر متاعا على الواسطة بشيء معلوم، و قال له: بعه فما زدت على رأس المال فهو لك، و القيمة لي كان جائزا و ان لم يواجبه البيع، فان باع الواسطة المال بزيادة، على ما قوم عليه كان له، و ان باعه برأس المال لم يكن على التاجر شيء و ان باعه بأقل من ذلك كان ضامنا لتمام القيمة، ثم قال: و متى أخذ الواسطة المتاع على ما ذكرناه فلا يجوز له أن يبيعه مرابحة و لا يذكر الفضل على القيمة في الشراء.
و قال ابن إدريس بعد نقل كلام الشيخ المذكور: و ما أورده شيخنا غير واضح، و لا مستقيم على أصول مذهبنا، لان هذا جميعه لا بيع مرابحة، و لا اجارة، و لا جعالة محققة، فإذا باع الواسطة بزيادة على ما قوم عليه لم يكن للواسطة في الزيادة شيء، لأنها من جملة ثمن المتاع، و المتاع للتاجر ما انتقل عن ملكه بحال، و للواسطة أجرة المثل، لانه لم يسلم له العوض فيرجع الى المعوض، و كذلك ان باع برأس ماله، فان باعه بأقل مما أمره به كان البيع باطلا، و قوله متى أخذ الواسطة المتاع على ما ذكرناه لا يجوز له أن يبيعه مرابحة، و لا يذكر الفضل على القيمة في الشراء. (1)
قال محمد بن إدريس: و أى شراء بين التاجر و الواسطة حتى يخبر بالثمن، و ليس هذا موضع بيع المرابحة في الشريعة بغير خلاف، و انما أورد أخبار الآحاد في هذا الكتاب إيرادا لا اعتقادا على ما وردت به ألفاظها صحيحة كانت أو فاسدة، على ما ذكره و اعتذر به في خطبة مبسوطة انتهى.
____________
(1) أقول الظاهر ان كلام الشيخ هنا انما خرج مخرج التنبيه على دفع توهم كون ذلك مما يدخل في بيع المرابحة، كما أشار إليه (عليه السلام) في رواية سماعة المذكورة في الأصل، فكلامه هنا جار نحو الرواية المذكورة، و لا بأس به، فاعتراضه عليه هنا مما لا وجه له، منه (رحمه الله).
210
أقول: و مما يدل على ما ذكره الشيخان من الاخبار التي طعن فيها هنا بأنها من الآحاد ما رواه
الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام)، «انه قال في رجل قال لرجل: بع ثوبي هذا بعشرة دراهم فما فضل فهو لك فقال:
ليس به بأس».
و رواه الكليني في الصحيح أو الحسن مثله.
و عن زرارة (2) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) «ما تقول في رجل يعطى المتاع فيقول: ما ازددت على كذا و كذا فهو لك، فقال: لا بأس».
و عن سماعة (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن الرجل يحمل المتاع لأهل السوق، و قد قوموا عليه قيمة، و يقولون بع فما ازددت فلك؟ فقال:
لا بأس بذلك و لكن لا يبيعهم مرابحة».
و رواه الكليني و الصدوق مثله.
و عن زرارة في الموثق (4) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: « «سألته عن الرجل يعطى المتاع فيقال له: ما ازددت على كذا و كذا فهو لك؟ فقال: لا بأس».
و جملة من تأخر من الأصحاب تأولوا هذه الاخبار بالحمل على الجعالة، فيلزم ما عينه لذلك، قالوا و لا يقدح فيها الجهالة كما اعترض به ابن إدريس على كلام الشيخ، لأن الجهالة في مال الجعالة إذا لم يؤد الى النزاع غير قادح كما سيأتي- إنشاء الله تعالى- في بابه.
أقول: و من المحتمل قريبا خروج هذه الاخبار مخرج وجوب الوفاء بالوعد، كما دلت عليه الآية و الرواية، فيجب الوفاء به و فيه تأكيد لما ذكره الأصحاب، و به يضعف ما ذكره ابن إدريس من كون الزيادة للتاجر، و انما للدلال أجرة المثل.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 54 الكافي ج 5 ص 195.
(2) التهذيب ج 7 ص 54.
(3) التهذيب ج 7 ص 54 الكافي ج ص 195 الفقيه ج 3 ص 135.
(4) التهذيب ج 7 ص 54 عن أبى عبد الله (عليه السلام).
211
ثم ان الشيخ في النهاية قال على أثر العبارة المتقدمة: فإذا قال الواسطة للتاجر:
خبرني بثمن هذا المتاع و اربح علي فيه كذا و كذا ففعل التاجر ذلك غير انه لم يواجبه البيع، و لا ضمن هو الثمن ثم باع الواسطة بزيادة على رأس المال و الثمن، كان ذلك للتاجر، و له أجرة المثل لا أكثر من ذلك، و ان كان قد ضمن الثمن كان له ما زاد من الربح، و لم يكن للتاجر أكثر من رأس المال الذي قرره معه انتهى.
و الأصحاب (رضوان الله عليهم) قد حملوا ذلك على أن التاجر لم يعين له شيئا- كما في الصورة الاولى- و لم يعقب كلام الدلال بما يدل على الرضا بما ذكره الدلال، بل سكت عن ذلك، و الا فلو عقب كلام الدلال بما يدل على الرضا بما قاله و عينه، كان كما لو ابتدأه، كما لو قال لمن ذهب عبده: أرد عليك عبدك على أن لي نصفه أو ثيابه ابتداء منه، فقال المولى: نعم لك ذلك، فإنه يستحقق ما عينه له.
و بالجملة فإنه في هذه الصورة لا بيع و لا جعالة، فلهذا وجب على التاجر أجرة المثل للدلال و على هذا يتم و يجتمع كلام الشيخ مع كلام الأصحاب و الروايات الواردة في الباب من غير منافاة في المقام.
السادسة: إذا قال: بعتك بمائة مواضعة العشرة درهما
، قال في المبسوط: يكون الثمن تسعين، و قال في الخلاف اختلف الناس فيها، فقال أبو حنيفة و الشافعي: تسعون و عشرة أجزاء من أحد عشر جزء من درهم، و قال أبو ثور: تسعون، ثم قال:
دليلنا- ما ذكره حذاق العلماء و هو أن البيع مرابحة و مواضعة، فان باعه مرابحة، ربح درهم على كل عشرة كان مبلغ الثمن مائة و عشرة و كان قدر الربح جزء من أحد عشر جزء من الثمن، وجب أن يكون المواضعة حط جزء من أحد عشر جز عن الثمن، و إذا كان مائة حطت منه جزا من أحد عشر جزء، ينحط تسعه، من تسعه و تسعين، و يبقى درهم ينحط منه جزء من أحد عشر.
212
و قيل: فيه أيضا: و قوله: وضيعة درهم من كل عشرة، معناه يوضع من كل عشرة، يبقى لي درهم من أصل رأس المال، و تقديره وضيعة درهم بعد كل عشرة، فيكون الثمن أحد و تسعون الا جزا من أحد عشر جزء من درهم.
قالوا: إذا أرادت مبلغ الثمن في ذلك فعقد الباب فيه أن تضيف الوضيعة الى رأس المال، ثم تنظر كم قدرها، فما اجتمع فأسقط ذلك القدر من رأس المال، و هو الثمن.
و بابه إذا قال: رأس المال عشرون بعتكها برأس مالي مواضعة العشرة درهمان و نصف، فتضيف الى العشرين قدر الوضيعة، و هو خمسه دراهم فيصير خمسة و عشرين، فينظر كم خمسة، من خمسة و عشرين، فإذا هو خمسها، فيسقط من رأس المال و هو عشرون الخمس أربعة تبقى ست عشرة.
ثم قال: و قول أبى ثور أقوى عندي، لأنه إذا قال: مواضعة عشرة واحد، أضاف المواضعة الى رأس المال، فرأس المال مائة فيجب فيه عشرة فيبقى تسعون، و لم يضفه الى ما يبقى في يده، و لو قال ذلك لكان الأمر على ما قاله، و أما حمل الوضيعة على الربح و اضافة ذلك الى أصله فهو قياس، و نحن لا نقول به، انتهى و فيه عدول- عما قاله في صدر كلامه- الى ما اختاره في المبسوط.
و الأصحاب (رضوان الله عليهم) قد اختلفوا أيضا في ذلك كما اختلف العامة (1) و تفصيل الكلام في ذلك بوجه أوضح أنه ذلك قال: بعتك بمأة و وضيعة درهم من كل عشرة، فقيل: بأن الثمن تسعون، لان الوضع من نفس العشرة يقتضي ذلك، حملا «لمن» على الظاهر من التبعيض، و قيل: بأن الثمن أحد و تسعون
____________
(1) قال في القواعد: و لو قال: وضيعة درهم من كل عشرة فمتى كان الثمن مائة لزمه تسعون، و لو قال: من كل أحد عشر، كان يحط تسعة دراهم و جزء من أحد عشر جزء من درهم، و كذا لو قال: بوضيعة درهم لكل عشرة انتهى. منه (رحمه الله).
213
إلا جزأ من أحد عشر جزء من درهم، حملا «لمن» على ابتداء الغاية، و يكون التقدير من كل عشرة تسلم لي، و مثله ما لو قال: لكل عشرة درهم، و وجهه أن الوضيعة للعشرة غير العشرة، كما أن الربح في العشرة زائدا على العشرة، فهو بمنزلة ما لو قال: من كل أحد عشر واحد.
و ربما قيل هنا أيضا ببطلان العقد، لتكافى الاحتمالين الموجب لجهالة الثمن و تردده بين القدرين المذكورين، و ربما رجح الأول بما قدمنا ذكره، من أن وضيعة العشرة لا يكون من نفس العشرة دون ما عداها، لان الموضوع من جنس الموضوع منه، فيكون الإضافة بمعنى من التبعيضية، و ربما رجح الثاني بما تقدم في صدر كلام الشيخ من أن المواضعة على حد المرابحة، للتقابل بينهما، فكما اقتضت المرابحة المعنى الثاني فكذا المواضعة، و يضعف المرجح الأول- بأن اللفظ لا بد فيه من تقدير، و كلا التقديرين محتمل- و الثاني بمنع الملازمة، و قيام الاحتمال ان لم تدل قرينة على أحدهما، و اعترض شيخنا الشهيد الثاني على الأصحاب- في هذا المقام و ما وقع لهم من الاختلاف و النقض و الإبرام- بأن المراد من الجنس الذي يكون الإضافة المعنوية فيه بمعنى من، أن يكون المضاف جزئيا من جزئيات المضاف اليه، بحيث يصح إطلاقه على المضاف و على غيره أيضا، و الاخبار به عنه، كخاتم فضة، و باب ساج لا جزا من كل، حيث لا يصح إطلاقه كبعض القوم، و يد زيد، فإنك ترديد بالقوم الكل، و الكل لا يطلق على البعض، و كذا القول في يد زيد، و الحاصل أن (من) التي تتضمنهما الإضافة هي التبيينية، لا التبعيضية، كما في خاتم فضة و أربعة دراهم، و شرط (من) التبيينية أن يصح إطلاق المجرور بها على المبين، كما في قوله تعالى (1) «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ» و قد صرح بهذا التحقيق الشيخ رضى، و ابن هشام، و ناهيك بهما، و حينئذ فينبغي القول بحمل الإضافة في المسألتين على معنى (من) رأسا، لأن الموضوع المضاف بعض العشرة، و لا يصح الاخبار به عنه، فيتعين كونها بمعنى اللام.
____________
(1) سورة الحج الآية- 22.
214
نعم يمكن مع ذلك كون الوضيعة من نفس العشرة، كما يستفاد ذلك من إضافته إلى الثمن. انتهى كلامه (قدس سره).
و ناقشه في ذلك المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد بما يطول ذكره، مما ليس في التعرض له كثير فائدة، و الغرض من نقل كلامهم في المقام ليس إلا بيان أنه لا يجوز الرجوع الى التعليلات العقلية في الأحكام، لعدم انضباطها و وقوفها على حد، لاختلاف الافهام، و المسألة عارية من النص و لا يبعد القول فيها بالبطلان لما عرفت من الاحتمالات المؤدية إلى الجهالة. و الله العالم.
الفصل السادس في الربا
و هو لغة الزيادة قال الله تعالى (1) «فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ» و شرعا على ما ذكروه بيع أحد المتماثلين المقدرين بالكيل أو الوزن بالاخر مع الزيادة في أحدهما حقيقة (2) أو حكما، أو اقتراض أحدهما مع الزيادة و ان لم يكونا مقدرين بهما، إذا لم يكن الباذل للزيادة حربيا و لم يكن المتعاقدان والدا مع ولده، و لا زوجا مع زوجته، و على تقدير القول بثبوته في كل معاوضة يبدل البيع بالمعاوضة على أحد المتماثلين الى آخر ما تقدم، و تحريمه ثابت بالكتاب، و السنة، و الإجماع قال الله تعالى عز و جل (3) «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» و قال (4) «يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ يُرْبِي الصَّدَقٰاتِ» و قال (5)
____________
(1) سورة الروم الآية- 39.
(2) كالدرهم بدرهمين، و الزيادة الحكمية مثل زيادة الأجل بأن يبيع قفيزا نقدا بقفيز نسيئة، فإن فيه زيادة حكمية من حيث أن للأجل قسط من الثمن و كذا لو كانت الزيادة منفعة مثل أجره دابة أو دار أو نحو ذلك منه (رحمه الله).
(3) سورة البقرة الآية- 275.
(4) سورة البقرة الآية- 276.
(5) سورة البقرة الآية- 275.
215
«الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ»
و روى الصدوق في الفقيه في الصحيح عن هشام بن سالم (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال درهم ربا أشد عند الله من سبعين زنية كلها بذات محرم» و رواه الشيخ في الصحيح عن هشام مثله الا انه ترك (عند الله).
و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن قيس (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) «قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام): آكل الربا و موكله و كاتبه و شاهده فيه سواء».
و عن ابن بكير في الموثق (3) قال: «بلغ أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أنه كان يأكل الربا و يسميه اللبأ فقال: لأن أمكنني الله عز و جل منه لا ضربن عنقه».
و عن سعد بن طريف (4) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «أخبث المكاسب كسب الربا».
و روى في الفقيه عن أبى بصير (5) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «درهم ربا أشد من ثلاثين زنية كلها بذات محرم مثل خالة و عمة».
و روى في الفقيه و التهذيب مسندا في الثاني و مرسلا في الأول (6) عن علي (عليه السلام) قال: «لعن رسول الله (صلى الله عليه و آله) الربا و آكله و مؤكله
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 174 التهذيب ج 7 ص 14 الكافي ج 5 ص 244.
(2) الكافي ج 5 ص 144.
(3) الكافي ج 5 ص 147.
(4) الكافي ج ج ص 147.
(5) الفقيه ج 3 ص 174 التهذيب ج 7 ص 14.
(6) الفقيه ج 3 ص 174 التهذيب ج 7 ص 15 و ليس فيه كلمة (و موكله).
216
و بايعه و مشتريه و كاتبه و شاهديه».
الى غير ذلك من الاخبار.
أقول: لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في التحريم مع العلم، و عليه حملت الأخبار المذكورة، و كذلك لا خلاف في العذر مع الجهل، كما
رواه في الكافي في الصحيح عن هشام بن سالم (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يأكل الربا و هو يرى أنه له حلال، قال: لا يضره حتى يصيبه متعمدا، فإذا أصابه متعمدا فهو بالمنزلة التي قال الله عز و جل».
و نحوها
صحيحة الحلبي (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فإنه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة».
و على ذلك أيضا يدل الآية الشريفة أعني قوله سبحانه (3) «فَلَهُ مٰا سَلَفَ» انما الخلاف في وجوب رد ما أخذه حال الجهالة بالتحريم إذا علم بعد ذلك، فذهب الشيخ في النهاية و الصدوق في المقنع- على ما نقله في المختلف- الى العدم.
قال في المختلف: و رواه الصدوق في الفقيه، ثم نقل عن ابن الجنيد أنه قال: و من اشتبه عليه الربا لم يكن له ان يقدم عليه الا بعد اليقين بأن ما يدخل فيه حلال، فان قلد غيره أو استدل فأخطأ ثم تبين له ان ذلك ربما لا يحل، فان كان معروفا رده على صاحبه، و تاب الى الله تعالى و ان اختلط بماله حتى لا يعرفه، أو ورث مالا يعلم أن صاحبه كان يربى، و لا يعلم الربا بعينه، فيعزله جاز له أكله، و التصرف إذا لم يعلم فيه الربا (4).
____________
(1) الكافي ج 5 ص 144 التهذيب ج 7 ص 15 رواه عن الحلبي.
(2) الكافي ج 5 ص 145.
(3) سورة البقرة الآية- 275.
(4) أقول: لا يخفى أن فرض المسألة أنه أكل الربا حال الجهل، و بعد العلم بالتحريم تاب عن ذلك، فحمل ما سلف على الذنب- كما ذكروه مع أنه لا ذنب في حال الجهل، و هو بعد العلم بالتحريم قد تركه- لا يخلو من تعسف. منه (رحمه الله).
217
و قال ابن إدريس في السرائر: قال شيخنا في نهايته: فمن ارتكب الربا بجهالة و لم يعلم أن ذلك محظورا فليستغفر الله تعالى في المستقبل، و ليس عليه فيما مضى شيء، و متى علم أن ذلك حرام ثم استعمله فكل ما يحصل له من ذلك محرم عليه، و يجب رده على صاحبه.
قال محمد بن إدريس: قول شيخنا (رحمه الله)- فمن ارتكب الربا بجهالة و لم يعلم ان ذلك محظورا فليستغفر الله في المستقبل، و ليس عليه فيما مضى شيء المراد بذلك ليس عليه شيء من العقاب بعد استغفاره، لا أن المراد بذلك أنه ليس عليه شيء من رد المال الحرام، بل يجب عليه رده على صاحبه، لقوله تعالى (1) «وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ» فأما قوله (2) «فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ» المراد به- و الله أعلم- فله ما سلف من العذر و غفران الذنب، و حق القديم سبحانه بعد انتهائه و توبته، لأن إسقاط الذنب عند التوبة تفضل عندنا، بخلاف ما يذهب إليه المعتزلة.
و قيل في التفسير- ذكره شيخنا في التبيان و غيره من المفسرين- أن المراد بذلك ما كان في الجاهلية من الربا بينهم، فقال «فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ» فأما ما يجرى من المسلم فيجب رده على صاحبه، سواء كان جاهلا لحاله غير عالم انه محرم أو كان عالما بذلك، فإنه يجب رد الربا على من أربى عليه من المسلمين جميعا، فلا يظن ظان و لا يتوهم متوهم على شيخنا فيما قال غير ما حررناه. انتهى.
و الى هذا القول ذهب العلامة في المختلف أيضا، قال: لأنها معاوضة باطلة، فلا ينتقل بها الملك كغيرها من المعاوضات، و احتج للشيخ بالآية اعنى قوله سبحانه «فَلَهُ مٰا سَلَفَ».
____________
(1) سورة البقرة الآية- 279.
(2) سورة البقرة الآية- 275.
218
و ما رواه
ابن بابويه (1) عن الباقر (عليه السلام) قال: «قال: رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد وضع ما مضى من الربا و حرم ما بقي، فمن جهله وسعه جهله حتى يعرفه».
و عن الصادق (عليه السلام) (2) «كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فإنه يقبل منهم- إذا عرف منهم- التوبة».
ثم أجاب عن الجميع بالعود الى الذنب بمعنى سقوطه عنهم بالتوبة، أو ما كان في زمن الجاهلية.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار ما رواه
المشايخ الثلاثة، (عطر الله مراقدهم،) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (3) الا أنه في الفقيه مرسلا قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام)» كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فإنه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة، و قال: «لو أن رجلا ورث من أبيه ما لا و قد عرف أنه في ذلك المال ربا و لكن قد اختلط في التجارة بغيره حلال كان حلالا طيبا فليأكله، و ان عرف منه شيئا معزولا انه ربا فليأخذ رأس ماله و ليرد الربا».
و زاد في الكافي و الفقيه «و أيما رجل أفاد مالا كثيرا فيه من الربا فجهل ذلك. ثم عرفه بعد، فأراد أن ينزعه فيما مضى فله، و يدعه فيما يستأنف».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «أتى رجل أبى فقال: انى ورثت مالا و قد علمت أن صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربو و قد عرفت أن فيه ربا و استيقن ذلك، و ليس
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 16 في ذيل حديث الوسائل الباب- 5- من أبواب الربا.
(2) الكافي ج 5 ص 145 التهذيب ج 7 ص 16 مع اختلاف يسير الفقيه ج 3 ص 175.
(3) الكافي ج 5 ص 145 التهذيب ج 7 ص 16 الفقيه ج 3 ص 175 و فيه و الكافي (و قد أعرف) بدل (عرفت).
(4) الكافي ج 5 ص 145 التهذيب ج 7 ص 16 الفقيه ج 3 ص 175 و فيه و
الكافي (و قد أعرف) بدل (عرفت).
219
يطيب لي حلاله، لحال علمي فيه، و قد سألت فقهاء أهل العراق و أهل الحجاز فقالوا: لا يحل أكله من أجل ما فيه، فقال أبو جعفر (عليه السلام): ان كنت تعلم أن فيه مالا معروفا ربا و تعرف أهله، فخذ رأس مالك، و رد ما سوى ذلك، و ان كان مختلطا فكله هنيئا فإن المال مالك، و اجتنب ما كان يصنع صاحبه، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد وضع ما مضى من الربا و حرم عليهم ما بقي، فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه، فإذا عرف تحريمه حرم عليه، و وجب عليه فيه العقوبة إذا ارتكبه كما يجب على من يأكل الربا».
و ما رواه
في الكافي عن أبى الربيع الشامي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أربا بجهالة، ثم أراد أن يتركه، فقال: أماما مضى فله، و ليتركه فيما يستقبل، ثم قال: ان رجلا أتى أبا جعفر (عليه السلام) فقال: انى قد ورثت مالا و قد علمت أن صاحبه كان يربو، و قد سألت فقهاء أهل العراق و فقهاء أهل الحجاز، فذكروا أنه لا يحل أكله فقال أبو جعفر (عليه السلام): ان كنت تعرف منه شيئا معزولا و تعرف أهله و تعرف أنه ربا فخذ رأس مالك، و دع ما سواه، و ان كان المال قد اختلط فكله هنيئا مريئا، فان المال مالك، و اجتنب ما كان يصنع صاحبك فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد وضع ما مضى من الربا فمن جهله وسعه أكله فإذا عرفه حرم عليه أكله، فإن أكله بعد المعرفة وجب عليه ما وجب على آكل الربا».
و رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر (2) من كتاب المشيخة للحسن ابن محبوب نحوه.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 146 الوسائل الباب- 5- من أبواب الربا الرقم- 4.
(2) السرائر ص 475.
220
و ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: «دخل رجل على أبى جعفر (عليه السلام) من أهل خراسان قد عمل بالربا حتى كثر ماله ثم انه سأل الفقهاء فقالوا: ليس يقبل منك شيء الا أن ترده إلى أصحابه، فجاء الى أبى جعفر (عليه السلام) فقص عليه قصته فقال له أبو جعفر (عليه السلام): مخرجك من كتاب الله عز و جل (2) «فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اللّٰهِ» و الموعظة التوبة».
و ما رواه
أحمد ابن محمد بن عيسى في نوادره (3) عن أبيه على ما نقله في الوسائل قال: «ان رجلا أربا دهرا من الدهر فخرج قاصدا الى أبى جعفر (عليه السلام) يعنى الجواد (عليه السلام) فقال له: مخرجك من كتاب الله يقول الله «فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ» و الموعظة هي التوبة فجهله بتحريمه ثم معرفته به فما مضى فحلال، و ما بقي فليستحفظ».
و ما ذكره
الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي على ما نقله في كتاب بحار الأنوار (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما خلق الله حلالا و لا حراما الا و له حد كحدود الدار، فما كان من حدود الدار فهو من الدار حتى أرش الخدش فما سواه، و الجلدة و نصف الجلدة، و ان رجلا أربا دهرا من الدهر فخرج قاصدا الى أبى جعفر (عليه السلام) فسأله عن ذلك، فقال له مخرجك من كتاب الله يقول الله».
الحديث المتقدم الى آخره هذا ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة.
و الظاهر منها بعد رد بعضها الى بعض هو ما ذهب اليه الشيخ و الصدوق في هذه المسألة، فإن ظاهر صحيحة هشام بن سالم المتقدمة هو حل ما أكله حال الجهل،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 15 الوسائل الباب- 5- من أبواب الربا الرقم 7.
(2) سورة البقرة الآية 275.
(3) الوسائل الباب- 5- من أبواب الربا الرقم 10.
(4) بحار الأنوار ج 2 ص 170 الرقم 8 ط الحديث.
221
و أنه لا يضره ذلك حتى يكون متعمدا معنى بالإثم، و لا يجب عليه رده إلا في صورة العلم، و كذلك قوله (عليه السلام) في الرواية الخامسة و السادسة، «فما مضى فحلال و ما بقي فليتحفظ» فإنه كالصريح، بل صريح في حل ما أكله حال الجهل، و هو أيضا ظاهر الروايات الباقية، فإنها متفقة في أنه مع الجهل لا يجب عليه رده، كما أفتى به فقهاء العامة.
بقي الكلام في تفصيله (عليه السلام) في الاخبار الثلاثة الأول، و فرق بين ما كان معزولا، و ما كان مختلطا بمال حلال، و هو بظاهره موافق لما تقدم نقله عن ابن الجنيد، و يمكن حمل رد المعزول على الأولوية و الاستحباب، و ان كان الجميع حلالا من حيث الجهل، كما ينادى به سياق الأخبار المذكورة، سيما الخبر الخامس و السادس كما عرفت.
و اما احتمال الحمل على الحل من حيث الاختلاط كما صار اليه بعض أفاضل متأخري المتأخرين (1) لا من حيث الجهل، فهو بعيد عن سياق الأخبار المذكورة.
و أما قول العلامة- (رحمه الله) لأنها معاوضة باطلة،- فهو ممنوع، لأنها من حيث الجهل صحيحة بحسب ظاهر الشرع، و ثبوت البطلان بعد العلم يحتاج الى دليل، إذ الحل و الحرمة و الطهارة و النجاسة و نحوها مما تبنى على علم المكلف و عدمه، لا على الواقع و نفس الأمر، كما مر تحقيقه في كتاب الطهارة من هذا الكتاب (2).
و أما استدلال ابن إدريس و مثله العلامة في المختلف بقوله تعالى
____________
(1) و هو المحدث الكاشاني و الفاضل الخراساني في الكفاية حيث ذهبا الى أن الحرام المختلط بالحلال في المحصور حلال، و قد أوضحنا بطلانه في كتابنا الدرة النجفية. منه (رحمه الله).
(2) ج 1 ص.
222
«وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ» فإن فيه ان سياق الآية على الاختصاص بالعالم المتعمد، و هذه صورتها (1) «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ الرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ» الاية، و من الظاهر ان التهديد بالحرب لا يتوجه الا الى العالم.
و يؤيده تأييدا ما رواه الطبرسي في كتاب مجمع البيان (2) عن الباقر (عليه السلام) في سبب النزول من ان الوليد بن المغيرة كان يربى في الجاهلية و قد بقي له بقايا على ثقيف فأراد خالد بن وليد المطالبة بها بعد أن أسلم، فنزلت الآية.
و أما تأويل قوله سبحانه «مٰا سَلَفَ» بما ذكره من المعنى فهو تعسف محض، و الظاهر من الآية انما هو حل ما سلف مما أكله حال الجهل كما دلت عليه الاخبار المتقدمة، قال أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان «فَلَهُ مٰا سَلَفَ» معناه ما أخذه و أكل من الربا قبل النهى، و لا يلزمه رده.
قال الباقر (عليه السلام) (3): «من أدرك الإسلام و تاب مما كان عمله في الجاهلية وضع الله عنه ما سلف».
انتهى.
و فيه دلالة على اختيار الطبرسي لما ذهب اليه الشيخ و الصدوق في هذه المسألة، و الحمل على ما سلف في الجاهلية، لا ينافي ما سلف من حيث الجهل في الإسلام أيضا، لاشتراك الجميع في الجهل الموجب لحل ما تقدم، و ظاهر المحقق في النافع القول بذلك أيضا، حيث قال: و لو جهل التحريم كفاه الانتهاء.
و بما قررناه و أوضحناه يظهر لك أن الأظهر هنا هو ما ذكره الشيخ و الصدوق و كيف كان فتحقيق البحث في هذا الفصل يقع في مسائل
[المسألة] الأولى [اشتراط كون العوضين من جنس واحد]
-
____________
(1) سورة البقرة الآية 279.
(2) الوسائل الباب- 5- من أبواب الربا الرقم 8.
(3) المستدرك ج 2 ص 479.
223
من الشروط المعتبرة في الربا أن يكون العوضان من جنس واحد، و المراد بالجنس هنا الحقيقة النوعية باصطلاح أهل المنطق، فإنه يسمى جنسا بحسب اللغة، و ضابطه أن يتناولهم لفظ خاص كالحنطة و الأرز و نحوهما.
و ينبغي أن يستثني من هذه الضابطة الشعير، فإنه في باب الربا من أفراد الحنطة مع أنه لا يتناوله لفظها و دخوله بالنص.
و أما العلس و السلت على القول بأنهما من أفراد الحنطة و الشعير فدخولهما فيهما ظاهر و ان اختصا باسم آخر، و الا فمقتضى الاسم عدم الإلحاق، فلا يجوز بيع أحد المتجانسين بالاخر مع الزيادة، و يجوز البيع وزنا بوزن و ان كان أصلهما الكيل على أحد القولين، نظرا الى أن الوزن أضبط، حتى قيل انه أصل الكيل، بل نقل بعضهم الإجماع على جواز بيع الحنطة و الشعير وزنا، مع الإجماع على كونهما مكيلين في زمنه (صلى الله عليه و آله) و قيل: بالعدم نظرا الى ورود الشرع و العرف بالكيل، فلا يعتبر بغيره، فيرجع حينئذ الى ما علم من عصره (صلى الله عليه و آله) و عصور الأئمة (عليهم السلام) في كونه مكيلا أو موزونا، و مع الجهل بذلك إلى عادة البلد.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الثمن و المثمن اما أن يكونا ربويين، أو غير ربويين أو يكون أحدهما خاصة ربويا فهيهنا أقسام ثلاثة
الأول أن يكونا معا ربويين
، و حينئذ فلا يخلو اما أن يتحد الجنسان أو يختلفا، و على الثاني فلا يخلو أيضا اما أن يكون أحدهما من النقود و الآخر عرضا من العروض، فهيهنا أيضا أقسام ثلاثة
الأول- أن يكونا ربويين، و يتحد الجنس
، و الواجب المساواة في القدر و الحلول، فلا يجوز بيع أحدهما بالاخر نسيئة، و ان تساويا في القدر جاز، قال في المختلف: و لا أعرف في ذلك
224
خلافا الا قولا شاذا للشيخ، ذكره في الخلاف فإنه قال: إذا باع ما فيه الربا من المكيل و الموزون مختلف الجنس جاز بيع بعضه ببعض متماثلا يدا بيد، و يكره نسيئة ثم اعتذر عنه بأنه قد يطلق على المحرم اسم المكروه. انتهى (1) و هو جيد،
الثاني أن يختلف الجنس و يكون أحدهما من الأثمان، و الأخر من العروض
و لا خلاف في الصحة نقدا و نسيئة، لأنه مع النسيئة في أحدهما اما أن يكون من قبيل بيع النسيئة المتقدم جوازه ان كان الأجل في الثمن، أو من قبيل السلف ان كان الأجل في المبيع، و كلاهما جائزان.
الثالث- أن يختلف الجنس و يكونا عرضين
فإنه يجوز أحدهما بالاخر نقدا متفاضلا و متماثلا بلا خلاف، و انما الخلاف في النسيئة مع التفاضل، فهل يجوز أم لا؟ قال الشيخ في النهاية و ابن حمزة: بالأول، و قال المفيد و سلار و ابن البراج:
بالثاني، و نص ابن ابى عقيل و ابن الجنيد على التحريم.
و قال الشيخ في المبسوط: بالكراهة، و به قال ابن إدريس و العلامة في
____________
(1) ثم انه استدل على هذا الإطلاق قال في هذا الكتاب: بأنه يكره الأكل و الشرب في آنية الفضة و قصد التحريم، أقول: لا يخفى أن لفظ الكراهة كما شاع استعماله في التحريم في الاخبار فالمتقدمون كثيرا ما يجرون على نحو الاخبار في هذا الأبواب، ثم ان ظاهر الشيخ في المبسوط موافقة ما ذكر في الخلاف حيث قال: و ان باع بعض الجنس- يعنى مما يكون الثمن و المثمن ربويين- بجنس مثله متفاضلا جاز، و الأحوط أن يكون يدا بيد. انتهى، و أنت خبير بأن ظاهر هذه العبارة لا تقبل التأويل المتقدم، و منه يقرب ان مراده بالكراهة في عبارة الخلاف انما هو معنى الأصولي، و حينئذ يكون المسألة محل خلاف، الا أن قوله ضعيف، مردود بالأخبار الدالة على كون ذلك ربا كما سيظهر لك إنشاء الله تعالى. منه (رحمه الله)fm}~fm
}.
225
المختلف، احتج القائلون بالجواز بالأصل، و ما نقل شائعا من
قوله (عليه السلام) (1) «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم».
هذا ما احتج به في المختلف لهذا القول.
أقول: و يدل عليه أيضا ما رواه
في التهذيب و الفقيه عن سماعة في الموثق (2) قال: «سألته عن الطعام و التمر و الزبيب؟ فقال: لا يصلح شيء منه اثنان بواحد الا أن تصرفه نوعا الى نوع آخر، فإذا صرفته فلا بأس به اثنين بواحد و أكثر من ذلك».
و إطلاقه دال على الجواز يدا بيد و نسيئة.
و نحوه أيضا ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث «قال. و يكره قفيز لوز بقفيزين، و قفيز تمر بقفيزين، و لكن صاع حنطة بصاعين من تمر، و صاع تمر بصاعين من زبيب».
الحديث، الا ان احتمال تقييد إطلاقهما بالاخبار الاتية قائم.
ثم انه في المختلف نقل الاحتجاج للمانعين بما رواه
الحلبي (4) في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: «ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شيء من الأشياء يتفاضل، فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يدا بيد، فأما نظرة فلا يصلح».
ثم أجاب بأن الربا من شرطه اتحاد الجنس على ما بينه علمائنا، ثم حمل الخبر على الكراهة.
أقول: و مما يؤيد هذه الرواية أيضا ما رواه
في الكافي عن محمد بن سنان (5) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شيء من الأشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يدا بيد، فأما نظرة فلا تصلح».
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 480.
(2) التهذيب ج 7 ص 95 الرقم 12 الفقيه ج 3 ص 178.
(3) الكافي ج 5 ص 189 التهذيب ج 7 ص 94.
(4) الكافي ج 5 ص 191 عن محمد عن أبي عبد الله (عليه السلام) التهذيب ج 7 ص 93.
(5) الكافي ج 5 ص 191 التهذيب ج 7 ص 93 و في المصدرين ليس فيهما لفظ (ابن سنان).
226
و ما رواه
في التهذيب عن زياد بن أبى غياث (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثله الا أنه قال: «و أما النسيئة فلا يصلح».
و لفظ لا يصلح عند الأصحاب من الألفاظ الظاهرة في الكراهة، و لهذا حملوه ما ورد بهذا اللفظ على ذلك، و أيده ما ذكر من أن شرط الربا اتحاد الجنس.
و روى في الكافي عن سماعة (2) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «المختلف مثلان بمثل يدا بيد لا بأس به».
و في صحيحة محمد بن مسلم (3) قال: «إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يدا بيد».
و في صحيحة الحلبي (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الزيت بالسمن اثنين بواحد، قال: يدا بيد لا بأس به».
و لعل مستند القول بالكراهة هو الجمع بين أدلة القولين، و يؤيده ما ذكره الثقة الجليل
على بن إبراهيم (5) على ما نقل في الكافي في فصل طويل في هذا الباب قال: «فإذا اختلف أصل ما يكال فلا بأس به اثنان بواحد يدا بيد، و يكره نسيئة».
الا أن احتمال التحريم في هذا اللفظ قائم، لكثرة إطلاقه على ذلك في الاخبار و كلام المتقدمين، و كذا لفظ «لا يصلح» فإنه كثيرا ما يستعمل في الاخبار في مقام التحريم و كيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الإشكال.
الثاني أن يكونا غير ربويين
كثوب بثوبين، و عبد بعبدين، و دابة بدابتين، و لا خلاف في أنه يجوز ذلك نقدا و أما نسيئة فقولان: المنع و هو قول الشيخ
____________
(1) التهذيب ج ص 118.
(2) الكافي ج 5 ص 190.
(3) الكافي ج 5 ص 189 التهذيب ج 7 ص 95.
(4) التهذيب ج 7 ص 121.
(5) الكافي ج 5 ص 192.
227
في النهاية، فإنه قال: لا يجوز، و كذا في الخلاف و الشيخ المفيد و ابن ابن عقيل و ابن الجنيد. و قال الشيخ في المبسوط: يكره، و هو المشهور بين المتأخرين، و أطلق الصدوقان الجواز.
احتج القائلون بالجواز بالأصل، و
قوله (عليه السلام) (1) «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم».
و أن المقتضى موجود، و المانع مفقود، أما المقتضي فهو عموم أدلة البيع. و أما عدم المانع فلانه ليس الا الربا و هو منفي هنا بالاخبار.
و منها ما رواه
المشايخ الثلاثة بأسانيد عديدة فمنها الموثق و الصحيح عن عبيد بن زرارة (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يكون الربا الا فيما يكال أو يوزن».
و ما رواه
في الكافي عن منصور (3) في الموثق قال: «سألته عن الشاة بالشاتين، و البيضة بالبيضتين، قال: لا بأس ما لم يكن كيلا أو وزنا».
و ما رواه
في الفقيه عن داود بن الحصين (4) «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الشاة بالشاتين، و البيضة بالبيضتين قال: لا بأس ما لم يكن مكيلا و لا موزونا».
و ما رواه
في التهذيب عن منصور بن حازم (5) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن البيضة بالبيضتين؟ قال: لا بأس به، و الثوب بالثوبين؟
قال: لا بأس به، و الفرس بالفرسين؟ قال: لا بأس به، ثم قال: كل شيء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال و لا يوزن فليس به بأس اثنان بواحد».
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 480.
(2) الكافي ج 5 ص 146 التهذيب ج 7 ص 118 الفقيه ج 3 ص 175.
(3) الكافي ج 5 ص 191 التهذيب ج 7 ص 118 الفقيه ج 3 ص 178.
(4) الفقيه ج 3 ص 178.
(5) التهذيب ج 7 ص 119.
228
و ما رواه
في التهذيب أيضا في الموثق عن زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا بأس بالثوب بالثوبين».
و ما
في كتاب الفقه الرضوي (2) قال: (عليه السلام)- بعد نقل رواية عن أبيه (عليه السلام)- «و سئل عن الشاة بالشاتين و البيضة بالبيضتين؟ فقال: لا بأس ما لم يكن كيلا و لا وزنا،
و قال: أيضا (عليه السلام) و لو أن رجلا باع ثوبا بثوبين، أو حيوانا بحيوانين من أى جنس يكون، لا يكون ذلك من الربا».
و إطلاق الجواز في هذه الاخبار شامل للنقد و النسيئة.
احتج القائلون بالمنع بجملة من الاخبار أيضا منها ما رواه
المشايخ الثلاثة نور الله تعالى مراقدهم في الصحيح عن زرارة (3) «عن أبى جعفر (عليه السلام) «قال: البعير بالبعيرين، و الدابة بالدابتين يدا بيد ليس به بأس» و زاد في الفقيه «قال: لا بأس بالثوب بالثوبين يدا بيد و نسيئة إذا و صفتهما».
و رووه أيضا بأسانيدهم، و فيها
الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (4) «قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العبد بالعبدين، و العبد بالعبد و الدراهم؟
قال: لا بأس بالحيوان كله يدا بيد»،.
و هما مشعران بالمنع عن النسيئة، كما يشعر إليه الزيادة التي في الخبر الأول.
و ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثوبين الرد بين بالثوب المرتفع و البعير بالبعيرين،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 119.
(2) المستدرك ج 2 ص 480.
(3) الكافي ج 5 ص 190 التهذيب ج 7 ص 118 الفقيه ج 3 ص 177.
(4) الكافي ج 5 ص 191 التهذيب ج 7 ص 118 الفقيه ج 3 ص 177.
(5) التهذيب ج 7 ص 120.
229
و الدابة بالدابتين، فقال: كره ذلك علي (عليه السلام) فنحن نكرهه، الا أن يختلف الصنفان، قال: فسألته عن الإبل و البقر و الغنم أو إحداهن في هذا الباب؟ قال:
نعم نكرهه».
و القائلون بالجواز حملوا هذه الاخبار على الكراهة، و الأظهر حملها على التقية كما اختاره بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين قال: لا خلاف بين العامة في جواز بيع الحيوان بالحيوانين حالا، و انما الخلاف بينهم في النسيئة فذهب الأكثر منهم الى عدم الجواز، و ذهب بعضهم الى عدم الجواز في المعدود.
أقول: و الى ذلك يومي
خبر سعيد بن يسار (1) المروي في الكافي و الفقيه قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البعير بالبعيرين يدا بيد و نسيئة؟ فقال:
نعم لا بأس إذا سميت بالأسنان جذعين أو ثنيين، ثم أمرني فخططت على النسيئة».
فإن الظاهر من الأمر هنا بضرب الخط على النسيئة بعد نفى البأس انما هو لئلا يراه العامة أو لئلا ينقل عنه.
و مثله قال في النهاية ذيل هذا الخبر، «لان الناس يقولون لا» و انما فعل ذلك للتقية انتهى، و الظاهر أنه من كلام الصدوق (رحمه الله)
و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن سعيد بن يسار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البعير بالبعيرين يدا بيد و نسيئة؟ قال لا بأس به، ثم قال: خط على النسيئة».
و مما ذكرنا يظهر قوة القول المشهور. (3)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 191 الفقيه ج 3 ص 177.
(2) التهذيب ج 7 ص 117.
(3) أقول العجب من صاحب الكفاية، فإنه قال في صحيحة سعيد بن يسار تصريح بجواز بيع البعير بالبعيرين نسيئة مع أن الخبر دل على أنه (عليه السلام) أمر بالخط على النسيئة إيذانا بعدم الجواز، فكيف غفل عن تتمة الخبر و استدل به على جواز البيع نسيئة و الحال كما ترى، و بالجملة فالخبر ظاهر بالمنع، و لكن الجواب عنه ما ذكرنا في الأصل منه (رحمه الله).
230
الثالث: أن يكون أحدهما ربويا، و الأخر غير ربوي
، و لا خلاف في جواز بيع أحدهما بالاخر نقدا و نسيئة كيف اتفق الا مع تأجيلهما، تساويا في الأجل أو احتلفا، لانه من قبيل بيع الدين بالدين، كما تقدم الإشارة اليه، و ان كان بعض صوره لا يخلو من المناقشة كما سيأتي إنشاء الله- تعالى- تحقيقه في باب الدين.
المسألة الثانية [حكم بيع الحنطة بالشعير]
- الأظهر الأشهر أن الحنطة و الشعير هنا جنس واحد، فلا يجوز التفاضل بينهما نقدا و لا نسيئة، و لا بيع أحدهما بالاخر نسيئة و ان تساويا، و هو مذهب الشيخين، و ظاهر الصدوق في الفقيه. حيث رواه و لم ينكره، و سلار و أبو الصلاح و ابن حمزة.
و قال ابن الجنيد: أنهما نوعان، و قال ابن أبى عقيل: و قد قيل لا يجوز بيع الحنطة بالشعير الا مثلا بمثل سواء، لأنهما من جنس واحد، بذلك جائت بعض الآثار عنهم (عليهم السلام) ثم قال: و القول و العمل على الأول، و الى هذا القول مال ابن إدريس، و أكثر من القولين في ذلك، و طول بما لا معتمد عليه و لا معول.
قال: لا خلاف بين المسلمين العامة و الخاصة أن الحنطة و الشعير جنسان مختلفان حسا و لفظا، و لا خلاف بين أهل اللغة و اللسان العربي في ذلك، فمن ادعى أنهما كالجنس الواحد فعليه الدلالة، و أخبار الآحاد ليست حجة، ثم لم يذهب الى هذا القول سوى الشيخ أبى جعفر و الشيخ المفيد، و من قلدهما، بل جملة أصحابنا المتقدمين و رؤساء مشايخنا الماضين لم يتعرضوا لذلك، بل أفتوا و صنفوا أن مع اختلاف الجنس يجوز بيع الواحد بالاثنين،
و قوله (عليه السلام) (1)
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 480.
231
«إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم».
و الحنطة و الشعير مختلفان صورة و شكلا، و لونا و طعما، و إدراكا و حسا، ثم أطال بما لا يرجع الى طائل و لا يعود الى حاصل.
و جوابه فيما ادعاه من الإجماع المعارضة أولا بدعوى الشيخ الإجماع- في الخلاف- على خلاف ما ذكره، و ثانيا المنع من الإجماع الذي يدعيه لما عرفت، فإنه لم يذهب الى ما ذهب اليه الا ابن الجنيد و ابن أبى عقيل، و من عداهما من المتقدمين فهو اما مصرح بكونهما جنسا واحدا في هذا الباب، أو أنه لم يتعرض لذكرهما، و ان ذكروا أن مع اختلاف الجنس يجوز البيع كيف اتفق.
فالعمل عندنا على الاخبار الواردة في المقام السالمة من المعارض، و رده لها بأنها أخبار آحاد مردود، بأن الواجب عليه- مع رد هذه الاخبار و نحوها من اخبار الشريفة الواردة في جملة الأحكام- هو الخروج من هذا الدين و هذه الشريعة إلى دين آخر، و شريعة أخرى، و تعلقه بالإجماع تعلق بما هو أوهن من بيت العنكبوت و انه لأوهن البيوت، كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب في مجلد كتاب الطهارة (1) و في باب صلاة الجملة.
و أما الاخبار الدالة على ما قلناه فمنها ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله مراقدهم) عن أبى بصير (2) و غيره في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «الحنطة و الشعير رأسا برأس (لا يزداد) واحد منهما على الأخر».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (3) عن
____________
(1) ج 1 ص 35.
(2) الكافي ج 5 ص 187 التهذيب ج 7 ص 95 الفقيه ج 3 ص 178 في الكافي و الفقيه. (لا يزاد).
(3) الكافي ج 5 ص 187 التهذيب ج 7 ص 94 (و ليس فيه كلمة لا يباع).
232
أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يباع مختومان من شعير، بمختوم من حنطة (و لا يباع) الا مثلا بمثل و التمر مثل ذلك، قال: و سئل عن الرجل يشتري الحنطة فلا يجد عند صاحبها الا شعيرا أ يصلح له أن يأخذ اثنين بواحد؟ قال: لا، إنما أصلهما واحد» و زاد في الكافي «و كان علي (عليه السلام) يعد الشعير بالحنطة».
و عن هشام بن سالم (1) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سأله رجل عن الرجل يبيع الرجل الطعام الأكرار، فلا يكون عنده ما يتم له ما باعه، فيقول له خذ منى مكان كل قفيز حنطة قفيزين من شعير حتى تستو في ما نقص من الكيل؟ قال: لا يصلح لأن أصل الشعير من الحنطة، و لكن يرد عليه من الدراهم بحساب ما نقص من الكيل» (2).
و عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله (3) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أ يجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟ فقال: لا يجوز الا مثلا بمثل ثم قال: ان الشعير من الحنطة».
أقول: لعل الوجه فيما اشتملت عليه هذه الاخبار من أن الشعير من الحنطة و أن أصلهما واحد، هو ما رواه
الصدوق بإسناده (4) «أن على بن أبى طالب (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 187 التهذيب ج 7 ص 96.
(2) أقول قد اشتهر في كلام الأصحاب أن لفظ (لا يصلح) من ألفاظ الكراهة كما تقدم ذكره في غير مقام، مع أنه هيهنا إنما أريد به التحريم قطعا، و مثله غيره من الاخبار، و الحق أن هذا اللفظ من الألفاظ المتشابهة المحتملة للحمل على كل من المعنيين الا مع القرينة، فالاستدلال به على الكراهة بقول مطلق مما لا وجه له. منه (رحمه الله).
(3) الكافي ج 5 ص 188 التهذيب ج 7 ص 96.
(4) المستدرك ج 2 ص 481.
233
سئل عما خلق الله الشعير؟ فقال: ان الله (تبارك و تعالى) أمر آدم (عليه السلام) أن ازرع مما اخترت لنفسك، و جاءه جبرئيل بقبضة من الحنطة، فقبض آدم (عليه السلام) على قبضة، و قبضت حواء على أخرى فقال: آدم (عليه السلام) لحوا لا تزرعي أنت، فلم تقبل أمر آدم، فكلما زرع آدم جاء حنطة، و كلما زرعت حواء جاء شعيرا».
و به يزول الاستبعاد الذي ذكره جملة من أولئك الأمجاد.
و ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن صفوان (1) «عن رجل من أصحابه عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال: الحنطة و الشعير لا بأس به رأسا برأس».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «و لا يصلح الشعير بالحنطة إلا واحدا بواحد» الحديث.
و ما رواه
في التهذيب عن أبي بصير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحنطة بالشعير، و الحنطة بالدقيق؟ فقال: إذا كان سواء فلا بأس، و الا فلا».
و عن محمد بن قيس (4) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام):
قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تبع الحنطة بالشعير الا يدا بيد، و لا تبع قفيزا من حنطة بقفيزين من شعير» الحديث.
و هذه الاخبار على كثرتها و صحتها لا معارض لها سواي ما ذكروه من الوجوه التخريجية العلية التي لا يجوز التعويل عليها في تأسيس الأحكام الشرعية و الله العالم.
بقي الكلام هنا في الجمع بين القاعدة المتفق عليها في كلام الأصحاب و هي
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 95.
(2) الكافي ج 5 ص 189 التهذيب ج 7 ص 94.
(3) التهذيب ج 7 ص 95.
(4) التهذيب ج 7 ص 95.
234
ما عرفت آنفا من اشتراط اتحاد الجنس في الربا- الذي هو عبارة عن الحقيقة النوعية، و لا ريب أن الحنطة و الشعير في غير باب الربا جنسان، كما في باب الزكاة و فيما لو حلف أو نذر أن لا يأكل الحنطة، فإنه لا يحنث بأكل الشعير و نحو ذلك، و لاختلاف مفهومها لغة و عرفا،- و بين الاخبار المذكورة الدالة على وقوع الربا فيهما بمعاوضة أحدهما بالاخر، و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك تخصيص القاعدة المذكورة بالأخبار، بمعنى أنهما جنسان لاختلاف مفهومهما لغة و عرفا، إلا في الربا للأخبار المتقدمة فإنهما فيه من جنس واحد، و أنت خبير بان ظاهر جملة من الاخبار المتقدمة أنهما جنس واحد مطلقا، لا بخصوص الربا، و أنه انما وقع الربا فيهما من هذه الحيثية الثابتة لهما مطلقا، كما يفسره حديث الصدوق المذكور، لا أن اتحادهما مخصوص بالربا، و لا مناص عن الإشكال إلا بخرم القاعدة المذكورة و ابطالها و قد قدمنا في الأبحاث المتقدمة أن الواجب هو الوقوف على موارد النصوص، و عدم الاعتماد على قواعدهم المذكورة في غير موضع، و اختلاف التسمية لا ينافي الاتحاد حقيقة، كما في الحنطة و الدقيق، فإن الحقيقة واحدة و ان اختلف الاسم.
و كأنه الى ما ذكرنا أشار في التذكرة فقال: و بالجملة الاعتماد على أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) و الاختصاص باسم، لا يخرج المهية عن التماثل كالحنطة و الدقيق. انتهى.
و بالجملة ان اتحاد الاسم و اختلافه علامة غالبة مبنى عليها الحكم ما لم يحصل أقوى منها، و لهذا يعمل على الاسم في غير الحنطة و الشعير، و فيهما أيضا في غير باب الربا مما أشرنا إليه آنفا و ان كانت حقيقتهما واحدة، و أصلهما واحد بالنصوص المتقدمة، لكون أحكام الشرع تابعة للاسم و الإطلاق العرفي، لا الحقيقي النفس الأمري إلا مع دليل يدل عليه، و لما دلت النصوص على الاتحاد حقيقة و ان ذلك كاف في باب الربا، فلا يحتاج الى اتحاد الاسم، و ان عمل عليه في غير ذلك و الله العالم.
235
المسألة الثالثة [حكم بيع الجنس بما يعمل منه]
- الظاهر انه لا خلاف في أن كلما يعمل من جنس واحد فإنه يحرم التفاضل فيه، كالحنطة و دقيقها، إذ الطحن لا يخرجها عن الحقيقة، و كذا كل جنس مع فرعه، مثل التمر و الدبس و الرطب و العصير، و العنب و الزبيب.
و الدبس و نحو ذلك، فيجوز بيع الحنطة بدقيقها متساويا لا متفاضلا و لا نسيئة قال: في التذكرة و قد بينا أن أصل كل شيء و فرعه واحد، يباع أحدهما بالاخر متساويا لا متفاضلا، و لا يجوز نسيئة إذا كان مما يكال أو يوزن، فيجوز بيع الحنطة بدقيقها و دقيق الشعير و بسويقهما، و السويق بالدقيق عند علمائنا أجمع، و ادعى أيضا الإجماع في الاتحاد بين الحنطة و بين جميع ما يعمل منه، حتى بينها و بين الخبز و الهريسة، و كذا بين جميع أنواع اللبن، و ما يحصل منه حتى بين الحليب و الكشك، و الكامخ.
و قال في التذكرة أيضا: يجوز بيع الحنطة بالخبز متساويا نقدا، و لا يجوز نسية و لا متفاضلا، و يجوز بيع الخبز بالخبز يابسا و رطبا و مختلفين، و بيع الفالوذج بالحنطة، و نقل منع العامة في الكل.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام ما رواه
في الكافي و التهذيب في الموثق عن سماعة (1) قال: «سألته عن الحنطة و الدقيق؟ فقال: إذا كانا سواء فلا بأس».
و ما رواه أيضا
عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قلت: ما تقول في البر بالسويق؟ فقال: مثلا بمثل لا بأس به، قلت: انه يكون له ريع أو يكون له فضل، فقال: أ ليس له مؤنة؟ قلت: بلى قال: هذا بذا، و قال:
إذا اختلف الشيئان فلا بأس مثلين بمثل يدا بيد».
قال في الوافي: لعل مراد السائل أن البر له ريع أن فيه فضل، لانه يزيد إذا أخبز، بخلاف السويق.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 188 التهذيب ج 7 ص 95.
(2) الكافي ج 5 ص 189 التهذيب ج 7 ص 95.
236
أقول: بل الظاهر انما هو أنه متى بيع أحدهما بالاخر كيلا، لأنهما من المكيلات (1) فإن الحنطة تكون أثقل، و السويق و هو الدقيق المقلو أخف، فيحصل الريع و الزيادة في الحنطة، و لهذا قيل: بالمنع هنا، و المشهور الجواز، فأجاب (عليه السلام) بأن هذه الزيادة في مقابلة مؤنة طحنه إذا طحن ليكون دقيقا، فيكون في قوة دقيق بدقيق متساويين.
و ما رواه
في الكافي في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «الحنطة بالدقيق مثلا بمثل، و السويق بالسويق مثلا بمثل و الشعير بالحنطة مثلا بمثل لا بأس به».
و ما رواه
في التهذيب و الفقيه في الصحيح عن زرارة (3) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «الدقيق بالحنطة و السويق بالدقيق مثلا بمثل لا بأس به».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن سماعة في الموثق (4) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن العنب بالزبيب؟ قال: لا يصلح الا مثلا بمثل، قلت: و التمر و الزبيب، قال: مثلا بمثل».
و في التهذيبين على ما نقله في الوافي «قلت و الرطب و التمر» قال: و هو الصحيح، لجواز اختلاف الوزن في غير الجنسين كما صرح
____________
(1) أقول: لا خلاف بينهم في أن الحنطة في زمنه (صلى الله عليه و آله) أنه من المكيل، و أما الدقيق فقيل: انه من الموزون، و الذي صرح به جملة من المحققين منهم المحقق الأردبيلي أنه كان مكيلا، قال: و الظاهر كونها في زمانه مكيلا كذلك، كما نقل ذلك في الحنطة بالإجماع انتهى منه (رحمه الله).
(2) الكافي ج 5 ص 189.
(3) التهذيب ج 7 ص 94 الفقيه ج 3 ص 178.
(4) الكافي ج 5 ص 190 التهذيب ج 7 ص 97.
237
به في الحديث الأخر، و أشار به الى ما ذكره الكليني على أثره الخبر المذكور قال: و في حديث آخر بهذا الاسناد «قال: المختلف مثلان بمثل يدا بيد لا بأس به».
و عن أبى الربيع (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما ترى في التمر و البسر الأحمر مثلا بمثل؟ قال: لا بأس، قلت: و البختج و العصير مثلا بمثل؟
قال: لا بأس به».
أقول: و البختج العصير المطبوخ، و هو معرب الپخته.
أقول: دلت هذه الاخبار على أن الحنطة و الدقيق و السويق متحدة، و كذلك العنب و الزبيب، و العصير مطبوخا أو غير مطبوخ نوع واحد، و يمكن إلحاق ما عداها من فروع كل منهما، كما ذكره العلامة بالتقريب المتقدمة فإنها كلها متفرعة من الحنطة و العنب، و على هذا القياس غيرهما من سائر الأنواع و فروعها.
الا ان في المقام إشكالا أشار إليه المحقق الأردبيلي (قدس سره) و لا بأس بنقل كلامه، قال بعد ذكر كلام العلامة هنا و نقل بعض أخبار المسألة ما ملخصه: لكن فيه تأمل من حيث عدم انطباقه على القوانين، من حيث أنه لا يصدق على الكل اسم خاص و أن له حقيقة واحدة، و لهذا لو حلف شخص أن لا يأكل أحدهما لا يحنث يأكل الأخر، فيحتمل أن يكونا جنسين، و جواز بيع أحدهما بالاخر يكون كذلك، و يكون الشرط للكراهة مع عدمه كما مر في سائر المختلفات.
و يمكن أن يقال: الضابط أحد الأمرين اما الاتفاق في الحقيقة، أو الاتحاد في الاسم، و هنا الأول، و لم يتحقق الثاني، و فيه تأمل.
و من حيث إنه لا شك أن الحنطة إذا جعلت دقيقا تزيد، و هو ظاهر، و دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة و انطباق الوجه المذكور فيها على قواعدهم
____________
(1) الكافي ج 5 ص 190 التهذيب ج 7 ص 98.
238
يحتاج إلى التأمل، فلا ينبغي صحة بيع أحدهما بالاخر متساويا أيضا، للزيادة كما في اليابس من جنس بآخر رطبا، مثل الرطب و التمر و العنب و الزبيب كما سيجيء فلا ينبغي النظر الى مثل هذه الزيادة في وقت آخر بتبديل و تغيير، مع أنه معتبر عندهم كما سمعت في الرطب و التمر فتأمل في الفرق.
و من حيث إن الظاهر كونهما من المكيل في زمانه (صلى الله عليه و آله) كما نقل ذلك في الحنطة بالإجماع، على أنه يمكن أن يختار الوزن، لأنه أصل، و يجوز بيع المكيل به، لإجماع المنقول- في شرح الشرائع- على جواز بيع الحنطة بالوزن مع كونه مكيلا بالإجماع، و لكن الظاهر أنه تحصل الزيادة في الحنطة على الدقيق بعد الطحن، فان اختار الوزن تحصل هذه باعتبار الكيل، و ان اختار الكيل تحصل الزيادة باعتبار الوزن، و هو ظاهر، فيمكن التوجيه بما تقدم و لعل الأول أولى، و الاجتناب أحوط. انتهى كلامه، (زيد مقامه).
أقول: منشأ هذه الإشكالات مراعاة القوانين التي صرحوا بها في هذا الباب من اشتراط اتحاد الجنس، و أن الجنس، عبارة عما ذا و احتمال كون الاتحاد و الاختلاف بالنظر الى الحقيقة الأصلية و ان اختلفت أسماء أفرادها، أو أنه لا بد من الاتحاد في الاسم، لدوران الأحكام الشرعية في جملة من المواضع مداره، و الظاهر عندي من الاخبار الواردة في هذا الباب هو أن المراد انما هو الأول، و هو الاتحاد في الحقيقة و ان تعددت أسماء أفرادها، لقوله (عليه السلام) في اخبار بيع الشعير بالحنطة:
«أصلهما واحد» و قوله: «ان الشعير من الحنطة»، و منعهم (عليهم السلام) في الاخبار المتقدمة هنا من التفاضل في العنب و ما خرج منه و تفرع عليه من زبيب و عصير و دبس، و كذا الحنطة و ما تفرع عليها من دقيق و سويق و خبز و نحو ذلك، و هكذا في التمر و الرطب الدبس و نحو ذلك، فيصير كل من هذه الأصول و ما تفرع منه نوعا واحدا، و حقيقة واحدة و ان تعددت الأسماء، فإنه لا عبرة بتعددها
239
في هذا الباب و ان اعتبر ذلك في غيره من سائر أبواب الفقه، و دارت الأحكام مدار التسمية.
و يعضد ما ذكرنا ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي عن على بن إبراهيم (1) عن رجاله في جل من المعاوضات، قال فيه ما صورته: و ما كيل أو وزن مما أصله واحد فليس لبعضه فضل على بعض كيلا بكيل، أو وزنا بوزن، فإذا اختلف أصل ما يكال فلا بأس به اثنان بواحد يدا بيد و يكره نسيئة، الى ان قال: و ما كان أصله واحدا و كان يكال أو يوزن فخرج منه شيء لا يكال و لا يوزن فلا بأس به يدا بيد، و يكره نسيئة، و ذلك كالقطن و الكتان فأصله يوزن و غزله يوزن، و ثيابه لا توزن فليس للقطن فضل على الغزل، و أصله واحد، فلا يصلح الا مثلا بمثل وزنا بوزن فإذا صنع منه الثياب صلح يدا بيد و الثياب لا بأس الثوبان بالثوب».
الى آخره و ظاهر الكليني القول بذلك حيث نقله و لم ينكره و لم يتعرض لرده بل حمل عليه، و بذلك يظهر صحة ما ذكرناه.
و اما التمسك بأنه لو حلف ان لا يأكل أحدها فإنه لا يحنث بأكل الأخر فإنه مردود بما قلناه، من اختصاص هذا الحكم بباب الربا كما سمعت من أخباره، و أما ما عداه فإنه لا نزاع في ترتب الأحكام و دورانها مدار صدق الاسم، و به يظهر ضعف ما ذكره في الحيثية الاولى.
و أما ذكره في الحيثية الثانية من أن الحنطة بالدقيق مستلزم للربا للزيادة في الحنطة، فهو مسلم، الا أن أكثر الأخبار المتقدمة قد دل على الجواز، و لا مجال لردها مع صحتها و صراحتها، و لعل الزيادة على هذا الوجه غير ملتفت إليها، على أنه (عليه السلام) قد أجاب عن ذلك بأن هذه الزيادة في مقابلة المؤنة في طحن الحنطة، كما قدمنا ذكره.
و اما قوله: و انطباق الوجه المذكور فيها على قواعدهم يحتاج إلى التأمل،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 192.
240
فان فيه أولا- ما قدمنا ذكره- ان من الواجب الوقوف على ما دلت عليه الاخبار وافقت قواعدهم أو خالفتها، و عدم ظهور وجه الفرق- بين هذه الصورة، و بين بيع الرطب بالتمر، من حيث حصول الزيادة الحكيمة في الموضعين، و اليه أشار بقوله فتأمل في الفرق- لا يدل على العدم، بل يمكن ان يجعل ما ذكره (عليه السلام) وجه فرق، بأنه و ان حصلت الزيادة الحكمية في ذلك الوقت، الا انه بعد صيرورة الحنطة دقيقا، و ظهور الزيادة على ذلك الدقيق المقابل حسا، فان هذه الزيادة تكون في مقابلة أجرة الطحن.
و ثانيا أنه من الجائز عدم الالتفات الى مثل هذه الزيادة الحكمية كما أشار إليه بقوله فلا ينبغي النظر الى مثل هذه الزيادة في وقت آخر، بل المعتبر في الزيادة- الموجبة للربا- انما هي الزيادة الحسية حال الكيل و الوزن، و حينئذ يحمل تعليله (عليه السلام) على أنه تعليل اقناعى لرفع استبعاد المخالفين.
و أما مسألة الرطب بالتمر- الموجبة لدخول الشبهة هنا- فسيأتي الكلام فيها إنشاء الله- تعالى- و نقل الخلاف فيها، و بيان أن جملة من الأصحاب حملوا الأخبار الواردة فيها على الكراهة دون التحريم، و بعض الأصحاب قصر الحكم على مورد النص من الرطب بالتمر خاصة، فلا يتعدى الى غيره.
و بذلك يظهر لك ما في قوله، مع أنه معتبر عندهم في الرطب و التمر، و بالجملة فالواجب الوقوف على النص و العمل به، و ارتكاب التأويل بما يرجع به الى غيره من نصوص المسألة، و هو حاصل بما ذكرناه.
و بما أوضحناه يظهر لك ايضا ما في كلام المحقق المتقدم ذكره في شرح قول المصنف، «و الشيء و أصله كالزبد و الثمن و اللبن،» حيث قال: قد مر بيانه و ان كان فيه تأمل من جهة عدم الاتحاد الاسم و الخاصية، فلو لا الإجماع
241
المفهوم من التذكرة لأمكن القول بالاختلاف، الى ان قال: إذ الدليل على الكلية غير واضح، لانه ما وجد شيء صحيح صريح في الكلية، و الاسم غير صادق، و الاختلاف ممكن حقيقة، بل هو الظاهر لاختلاف الخواص، مثل الخل و التمر، و الجبن و الحليب، و يؤيده ما في
صحيحة عبد الرحمن (1) بن ابى عبد الله قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بيع الغزل بالثياب (المنسوجة) و الغزل أكثر وزنا من الثياب، قال: لا بأس».
، الى ان قال: و بالجملة الدليل غير قائم على الاتحاد بين الشيء الربوي و أصله كلية، بل قائم على عدمه، و الأصل و أدلة إباحة البيع دليل الجواز، الا ان كلام الأصحاب ذلك، فالخروج عنه مشكل، و الاحتياط يقتضيه، و المسألة من المشكلات كلها محلها، و قد ادعى الإجماع في أكثرها، حتى بين الحليب و اللبن و الكشك و الكامخ، و الحنطة و الخبز، بجميع أنواعه و الهريسة فما ثبت الإجماع فيه لا يمكن الخروج عنه، و ظاهر التذكرة الإجماع في كل أصل مع فرعه، و فرع كل أصل مع آخر فتأمل انتهى.
أقول: انه و ان لم يوجد هنا نص على الكلية المذكورة كما ذكره و لكن لا يخفى ان ما أشرنا إليه من النصوص الواردة هنا و ان كان موردها جزئيات مخصوصة، الا ان الحكم فيها ليس مقصورا على تلك الجزئيات، لعدم الخصوصية، بل يتعدى الى ما ضاهاها، و إذا ضم إليها ما نقلناه عن الثقة الجليل على بن إبراهيم من الكلام الذي نقله عن مشايخه، و عليه اعتمد أيضا ثقة الإسلام، إذ من المعلوم ان نقله له في كتابه ليس الا بقصد الإفتاء و العمل عليه، كالاخبار التي نقلها في ذلك الكتاب، و من الظاهر الواضح الظهور ان هؤلاء الأجلاء الذين هم من أرباب النصوص لا يذكرون هذا الكلام و يفتون به الا مع ظهوره لهم عن أهل العصمة (صلوات الله عليهم)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 190 التهذيب ج 7 ص 120 و في الكافي (المبسوطة) بدل المنسوجة.
242
و هذا مما لا يختلجه الشك و الريب، و الكلام المذكور صريح في الكلية المذكورة، فلا مجال للتوقف فيه، و اما إيراده صحيحة عبد الرحمن في بطلان الكلية المذكورة، فقد ظهر جوابه من كلام على بن إبراهيم المتقدم الدال على ان الفرع الملحق بأصله في هذا الباب انما هو إذا كان مثله في كونه مكيلا أو موزونا مثل أصله و الثياب ليست كذلك، كما صرح به، فلا ورود لما أورده (قدس سره) هذا كله فيما:
يعمل من جنس واحد، كما تقدم في صدر المسألة، فلو كان من جنسين فإنه لا اشكال و لا خلاف فيما أعلم في جواز بيعه بهما، و ينصرف كل جنس من الثمن الى ما يخالفه من المبيع، و من أجل ذلك لا يشترط مساواة جملة الثمن للمبيع قدرا، و لا يعتبر معرفة كل واحد من الجنسين، بل يكفي معرفة المجموع، و يجوز أيضا بيعه بأحدهما، و يشترط هنا زيادته على مجانسة زيادة تموله، بحيث يمكن فرض كونهما ثمنا في بيع ذلك الجنس الأخر لو بيع منفردا و ان قلت و في حكم المعمول من جنسين ما لو ضم أحدهما إلى الأخر، و باعهما في عقد واحد و ان تميزا لتساوى الفرضين في العلة المسوغة للبيع و الله العالم.
المسألة الرابعة [في بيع الرطب بالتمر و كل رطب بيابسه]
- اختلف الأصحاب في بيع الرطب بالتمر، بل كل رطب بيابسه، فقال الشيخ في النهاية: لا يجوز بيع الرطب بالتمر، مثلا بمثل، لأنه إذا جف نقص، و لا يجوز بيع العنب بالزبيب الا مثلا بمثل، و تجنبه أفضل، و قال في الخلاف: لا يجوز بيع الرطب بالتمر، فأما بيع العنب بالزبيب أو ثمرة رطبة بيابسها مثل التين الرطب بالجاف، و الخوخ الرطب بالقديد، و ما أشبه ذلك فلا نص لأصحابنا فيه، و الأصل جوازه لان حملها على الرطب قياس، و نحن لا نقول به.
و قال في المبسوط: لا يجوز بيع الرطب بالتمر، لا متفاضلا و لا متماثلا على حال، و كذا الخبز لا يجوز بيع لينه بيابسه، لا متماثلا و لا متفاضلا، ثم قال في موضع آخر منه: بيع الرطب بالتمر لا يجوز إذا كان حرضا مما يؤخذ منه، فأما إذا كان تمرا موضوعا على الأرض فإنه يجوز، و أما بيع العنب بالزبيب، و الكمثرى الرطب
243
و التين الرطب بالمقدد منه و ما أشبه ذلك، فلا نص لأصحابنا فيه، و الأصل جوازه لقوله تعالى (1) «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» ثم قال: و لا يجوز بيع الحنطة المبلولة بالجافة وزنا مثلا بمثل، لانه يؤدى الى الربا لان مع أحدهما ماء فينقص إذا جف، و التفاضل لا يجوز لفقد الطريق الى العلم بمقدار الماء، و قال في الاستبصار: ان بيع الرطب بالتمر، مكروه لا محرم.
و قال ابن ابى عقيل: لا يجوز بيع التمر اليابس بالرطب، و لا الزبيب بالعنب، لان الزبيب و التمر يابسان، و الرطب و العنب رطبان، و إذا يبسا نقصا، و كذا الفاكهة اليابسة بالفاكهة الرطبة، مثل التمر بالرطب.
و قال ابن الجنيد: لا يشترى التمر اليابس بالرطب، لنهي النبي (صلى الله عليه و آله) عن ذلك، و هذا في الفاكهة و غيرها من اللحم إذا كان من جنس واحد، و سواء كان جفافه بالنار أو الهواء.
و قال ابن البراج: لا يجوز بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل، و لا غير ذلك، و قال ابن حمزة: لا يجوز بيع الرطب بالتمر و لا العنب بالزبيب، لا متماثلا و لا متفاضلا.
و قال ابن إدريس: قول الشيخ: لا يجوز بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل،- لأنه إذا جف نقص- غير واضح، بل يجوز ذلك، و مذهبنا ترك التعليل و القياس، لانه كان يلزم عليه أنه لا يجوز بيع رطل من العنب برطل من الزبيب، و هذا لا يقول به أحد من أصحابنا بغير خلاف، و أيضا لا خلاف أن بيع الجنس بالجنس مثلا بمثل جائز سائغ، و المنع منه يحتاج الى دليل، و قوله تعالى (2) «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» قال: و قد رجع شيخنا عما ذكره في نهايته في الثالث من استبصاره فقال:
____________
(1) سورة البقرة الآية 275.
(2) سورة البقرة الآية- 275.
244
الوجه في هذه الاخبار ضرب من الكراهة دون الحظر.
و قال العلامة في المختلف: المعتمد تحريم كل رطب مع يابسه الا العرية.
و قال في الدروس: و ماله حالتا جفاف و رطوبة يباع مع اتفاق الحال، و لو اختلف الحال فالمشهور منع بيع الرطب بالتمر متساويا و متفاضلا للرواية.
و قال في الاستبصار:- و تبعه ابن إدريس- بالجواز متساويا على الكراهة، لعدم التصريح في الرواية، و أما العنب بالزبيب و نحوه مما ينقص عند الجفاف فبعض من منع هناك فيه جوز هنا متماثلا في القدر، و منع منهما ابن الجنيد و الحسن و ابن حمزة و الفاضل، و هو أولى، و ظاهره التوقف في مسألة بيع الرطب بالتمر، حيث اقتصر على نقل الخلاف خاصة، و حكمه بالأولوية فيما عدا ذلك.
و قال المحقق في الشرائع: و في بيع الرطب بالتمر تردد، و الأظهر اختصاصه بالمنع، اعتمادا على أشهر الروايتين.
و قال في المسالك- بعد نقل بعض أخبار المسألة المشتملة على علة التحريم:
و الأقوى التحريم و التعدية الى كل ما فيه العلة المذكورة، هذا ما حضرني من أقوالهم.
و أما الاخبار الواردة في المقام فمورد أكثرها الرطب بالتمر، و منها ما رواه
الكليني و الشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يصلح التمر اليابس بالرطب، من أجل أن التمر يابس و الرطب رطب، فإذا يبس نقص» الحديث.
و صحيحة محمد بن قيس (2) عن ابى جعفر (عليه السلام) في حديث «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كره أن يباع التمر بالرطب عاجلا، بمثل كيله إلى أجل من أجل أن التمر ييبس فينقص من كيله».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 189 التهذيب ج 7 ص 94.
(2) التهذيب ج 7 ص 96.
245
و رواية داود بن سرحان (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يصلح التمر بالرطب، ان الرطب رطب و التمر يابس، فإذا يبس الرطب ينقض».
و رواية داود الأبزاري (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: لا يصلح التمر بالرطب التمر يابس و الرطب رطب».
و موثقة سماعة (3) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن العنب بالزبيب؟
قال: لا يصلح الا مثلا بمثل، قلت: و الرطب و التمر قال: مثلا بمثل».
هكذا في رواية الشيخ الخبر المذكور في التهذيبين. و في رواية الكليني له، جعل عوض «و الرطب و التمر» «و التمر و الزبيب» و رواية الشيخ أصح، لأنه مع اختلاف الجنسين لا بأس باختلاف الوزن،
و رواية أبي الربيع (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما ترى في التمر و البسر الأحمر مثلا بمثل؟ قال: لا بأس به، قلت: فالبختج و العصير مثلا بمثل؟ قال: لا بأس به».
أقول لا يخفى أنهم في غير موضع من الأحكام متى ورد بلفظ «لا يصلح أو يكره» فإنما يحملونه على الكراهة بالمعنى الأصولي دون التحريم، كما تقدم ذكره في غير موضع، و قد تقدم التحقيق منا في غير موضع (5) أن الحق أن هذه الألفاظ و نحوها
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 90 الاستبصار ج 3 ص 93.
(2) التهذيب ج 7 ص 90 الاستبصار ج 3 ص 93.
(3) الكافي ج 5 ص 190 التهذيب ج 7.
(4) الكافي ج 5 ص 190 التهذيب ج 7 ص 97.
(5) أقول: و أما ما ذكره المحقق الأردبيلي- حيث أنه اختار التحريم في الجميع، من أن الظاهر أن «الكراهة» بمعنى التحريم، لما مر أن عليا (عليه السلام) لا يكره الحلال حقيقة- أنه من الظاهر الذي لا يمكن إنكاره- كما لا يخفى على المتتبع بالاخبار، ورود الكراهة في الاخبار بالمعنيين المذكورين، و مجرد ورود الكراهة بمعنى التحريم في بعض الاخبار لا يقتضي حملها هنا على التحريم، بل غاية الأمر أن يكون محتملة للأمرين، و هو قد صرح أيضا بأن «الكراهة و لا يصلح» انما يستعمل غالبا في المباح، فكيف يكون الظاهر هنا هو التحريم، ما هذه إلا مجازفة ظاهرة، كما لا يخفى على المتأمل المنصف.
(منه (رحمه الله).
246
من الألفاظ المتشابهة، لوقوعها في الاخبار بمعنى التحريم تارة، و بمعنى الكراهة بالمعنى الأصولي أخرى، فالأخبار المذكورة غير صريحة في التحريم، فلا يمكن الخروج بها عن أدلة الجواز من الأصل، و عموم ما دل على جواز البيع كتابا و سنة، و خصوص موثقة سماعة و رواية أبي الربيع المذكورتين و كذا ما دل على صحة البيع مع تماثل الجنسين الربويين في الوزن مطلقا، و بذلك يظهر أن ما ذكر- من أن هذه الروايات صحيحة لا تعارضها رواية سماعة و لا رواية أبي الربيع- ليس في محله، لأنها و ان كانت صحيحة، الا أنها غير صريحة في المطلوب لما عرفت، سيما مع اعترافهم في غير موضع بذلك، كما ذكرناه، فكيف يستندون الى هذه الألفاظ في التحريم هنا، و مجرد كثرتها و تعددها و صحة أسانيدها لا تكون قرينة على التحريم.
و الظاهر أنه لأجل ما ذكرنا اختار في الكفاية الكراهة، وفاقا للشيخ في كتابي الاخبار، و ابن إدريس، و هو ظاهر الشهيد في الدروس، و أما تعدية الحكم الى غير الرطب و التمر بناء على ثبوت التحريم فيهما، فهو مبنى على حجية العلة المنصوصة، و في ذلك كلام تقدم في مقدمات الكتاب في صدر مجلد كتاب الطهارة (1).
و كيف كان فالمسألة هنا لا تخلو من شوب الاشكال، و الاحتياط مطلوب فيها على كل حال و الله العالم.
المسألة الخامسة [في أن كل شيء و ما تفرع منه واحد]
- قد عرفت مما تقدم أنه من المقرر في كلامهم أن كل شيء و ما تفرع منه جنس واحد، و كلما اشترك في الدخول تحت حقيقة من الحقائق فهو جنس واحد، فالعنب و التمر و ما يخرج منهما و يتفرع عليهما جنس واحد، و هكذا الحنطة و ما يتفرع عليها جنس واحد، و منه الشعير كما تقدم و لحم المعز و الضأن جنس واحد، لدخولهما تحت لفظ الغنم، و البقر و الجاموس عندهم جنس واحد، لدخولهما تحت جنس البقر، و العراب و هي الإبل العربية، و البخاتي و هي الإبل الخراسانية جنس واحد و الطيور عندهم أجناس فالحمام كله (2) جنس على قول.
____________
(1) ج 1 ص 63.
(2) قيل: وجه الخلاف هنا هو الشك في أن مقولية الحمام على ما تحته مقولية النوع على أصنافه أو مقولية الجنس على أنواعه، فعلى الأول يحرم بيع بعضها ببعض مطلقا، و على الثاني يختص كل نوع بحكمه، و لما كان الوقوف على ذاتيات الحقائق عسيرا جدا و لم يمكن من جهة الشرع قاطع لشيء، حصل الخلاف، و بهذا يحصل الفرق بين أفراد الحمام، و أفراد البقر بالنسبة إلى الجاموس، فإنه قد ثبت شرعا أنهما نوع واحد، تعدهما في باب الزكاة كذلك، و كيف كان فينبغي أن يعلم أن الربا في الحمام و نحوه من الطير انما هو في لحمه إذا بيع وزنا، و الا فلو بيع عددا أو جزافا فلا، الا على القول بحصول الربا في المعدودات أيضا.
(منه (رحمه الله).
247
و قيل: ما يختص من أنواعه باسم فهو جنس مغاير، و اللحوم مختلفة باختلاف أسماء حيواناتها، و الألبان تتبع الحيوان في التجانس و الاختلاف، و الادهان تتبع ما يستخرج منه، و الزبد و السمن و الحليب و المخيض و الأقط واحد، تابع لما يستخرج منه، و الخلول تابعة لأصولها، فخل التمر مخالف لخل العنب، قالوا و الوحشي من الحيوانات مخالف لانسيه، و قد ادعى في التذكرة الإجماع على أكثر هذه الأحكام، فان ثبت، و الا فللنظر في بعضها مجال.
و من ذلك لحوم البقر و الجاموس، و دعوى أنهما جنس واحد، لدخولهما تحت لفظ البقر، كما يدل عليه كلام أهل اللغة، فلو لا الاتفاق على ذلك لأمكن المناقشة بالنظر الى العرف، فإنه يأبى ذلك، مع أنه مقدم على اللغة عندهم، و مما يؤيد كونهما نوعا واحدا ضم أحدهما إلى الأخر في الزكاة، و جعلهما جنسا واحدا، و من ذلك الحكم بأن الوحشي من الحيوانات مخالف لانسيه، مع اندراجهما تحت لفظ واحد و حقيقة واحدة، و هي المدار في الاتحاد، و اختلاف الصور و الخواص و نحو ذلك قد تقدم أنه غير منظور و لا معتبر، كما في الشعير و الحنطة و غيرهما.
248
المسألة السادسة [في حكم بيع اللحم بالحيوان]
- قال الشيخ في النهاية: لا يجوز بيع الغنم باللحم لا وزنا و لا جزافا، و كذا قال المفيد و سلار و ابن البراج، و في الخلاف و المبسوط:
لا يجوز بيع اللحم بالحيوان إذا كان من جنسه، كلحم الشاة بالشاة، و لحم البقر بالبقر، و ان اختلف لم يكن به بأس، و كذا قال ابن حمزة، و هو مذهب ابن الجنيد أيضا، و قال ابن إدريس: يجوز ذلك إذا كان اللحم موزونا، سواء اتفق الجنس أولا يدا بيد، و سلفا أيضا ان كان اللحم معجلا، دون العكس، إذ لا يجوز السلف في اللحم، و يجوز في الحيوان.
قال في المختلف بعد نقل ما ذكرناه، و الأقرب الأول، لنا أنه أحوط و أسلم من الربا، و لانه قول من ذكرنا من علمائنا، و لم نقف لغيرهم منا على مخالف، و ابن إدريس قوله محدث لا يعول عليه، و لا يثلم في الإجماع، و لان الشيخ احتج عليه في الخلاف بإجماع الفرقة- و نقله حجة لثقته و عدالته و معرفته،- و بما رواه
غياث ابن إبراهيم (1) في الموثق عن الصادق (عليه السلام) «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كره اللحم بالحيوان».
لا يقال: ان غياث ابن إبراهيم بتري و المتن غير دال على المطلوب، إذ الكراهة لا تدل على التحريم، لأنا نقول: ان غياثا و ان كان بتريا (2) الا أن أصحابنا وثقوه، فيغلب على الظن ما نقله، و الظن يجب العمل به، و الكراهة تستعمل كثيرا في التحريم.
احتج ابن إدريس بأن المقتضى- و هو قول الله تعالى (3) «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ»- موجود، و المانع- و هو الربا- منفي، لأن الربا انما ثبت في الموزون، و الحيوان الحي ليس بموزون، و الجواب المنع من نفى المانع، و من كون المانع هو الربا خاصة، و لو قيل: بالجواز في الحيوان الحي دون المذبوح جمعا بين الأدلة كان
____________
(1) الكافي ج 5 ص 191.
(2) و في الجمع: البترية بضم الموحدة فالسكون فرق من الزيدية.
(3) سورة البقرة الآية- 275.
249
قويا. انتهى كلامه زيد إكرامه.
أقول: هذا كلامه هنا، و في التحرير اختار الجواز، استضعافا للرواية المذكورة، و في الإرشاد قال: و يجوز بيع لحم الغنم بالشاة على رأى، ثم انه لا يخفى ما في كلامه هنا من المجازفة و الضعف الظاهر لكل ناظر، و ما ذكره ابن إدريس هو الموافق للقواعد الشرعية، و الرواية ينبغي حملها على الكراهة بالمعنى المصطلح، كما هو أحد معنييها في الاخبار، لعدم ظهور الموجب للتحريم، و أصالة الصحة أقوى مستمسك في المقام.
و من ثم ان العلامة في آخر كلامه قد عدل عما ذكره أولا و سجل به، و قوله: و لو قيل:- مع أن هذا قول ابن إدريس- لا معنى له، الا أن يريد من المتقدمين، و الظاهر أن مراده ذلك، حيث انهم لا يعتبرون بأقوال المعاصرين، و انما يعولون على أقوال المتقدمين، كما يشعر به كلامه، و ظاهر كلامه- (قدس سره)- في هذا المقام أن محل الخلاف هنا هو الحيوان الحي مع اللحم، كما هو صريح كلام ابن إدريس، و يشير اليه قوله- هنا- (و لو قيل)، الى آخره.
و ظاهر المحقق الأردبيلي في شرحه على الإرشاد أن محل الخلاف انما هو الشاة المذبوحة، قال: ينبغي عدم الخلاف بالجواز بالشاة حال حياتها متفاضلا، و نسيئة، و الخلاف بعد الذبح مع أحد الأمرين، فمن حيث أن العادة بيعها بالوزن بعده فيتحقق شرط الربا و هو الجنسية و الوزن هنا، و من حيث أن المذبوح ليس يتعين بيعه بالوزن، لعدم تحقق ذلك عادة، بل الظاهر جواز بيعه حينئذ جزافا، فليس بموزون،- الى أن قال-: و بالجملة لو ثبت أن بيع الحيوان المأكول بعد الذبح لا يجوز الا وزنا لا يجوز باللحم من جنسه متفاضلا و نسيئة، و الا فلا.
أقول: فيه زيادة على ما تقدم أن ظاهر كلام الأصحاب أن الحيوان بعد الذبح لا يباع الا بالوزن، و أنه ليس محل خلاف كما ادعاه، مع أن كلامه في المقام لا تخلو
250
من تدافع، لأنه في الحيثية الأولى ذكر أن العادة بيعه بالوزن بعد الذبح، و بنى التحريم على ذلك، و في الحيثية الثانية نفى عدم تحقق ذلك عادة، و بنى عليه الجواز، و هل هو الا تناقض ظاهر كما لا يخفى على كل ناظر، فضلا عن الخبير الماهر.
ثم ان ممن اختلف كلامه في هذه المسألة أيضا المحقق، فقال: في الشرائع، بالتحريم، و في النافع. بالكراهة كما ذهب اليه ابن إدريس، و هذا القول الأخير هو الذي نقله عنه في نكت الإرشاد، و قال في المسالك- بعد قول المصنف «و لا يجوز بيع لحم بحيوان من جنسه» الى آخره:- هذا هو المشهور بين الأصحاب، و خالف فيه ابن إدريس فحكم بالجواز، لان الحيوان غير مقدر بأحد الأمرين و هو قوى مع كونه حيا، و الا فالمنع أقوى، و الظاهر أنه موضع النزاع انتهى.
و هو مؤيد لما قدمنا ذكره، و تنظر صاحب الكفاية فيه لعله مبنى على ما ذكره الأردبيلي مما قدمنا نقله عنه، و قد عرفت ما فيه.
و بالجملة فالتحقيق أن كلام المتقدمين و من تبعهم من المتأخرين شامل للحيوان الحي و المذبوح، كما هو ظاهر كلام العلامة في المختلف، في رده على ابن إدريس، حيث التجأ إلى جواز أن يكون المانع أمر آخر غير الربا، و مثله الشهيد في نكت الإرشاد، (1).
____________
(1) أقول: قال الشهيد في نكت الإرشاد- بعد قول المصنف و يجوز بيع اللحم بالشاة على رأى- ما لفظه: هذا مذهب ابن إدريس و نجم الدين، و زاد ابن إدريس جواز إسلاف اللحم في الحيوان لا العكس، لعموم «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» و لان الربا انما هو في الموزون و المكيل، و ظاهر أن الشاة ليست أحدهما، و أجيب بأن العام يخصص بدليل، و بمنع اختصاص الربا بما ذكره، و نمنع أنه من باب الربا، بل هو محرم لعلة، لا من جهة الربا، ثم نقل مذهب الشيخين و من تبعهما، و ذكر احتجاج العلامة، و ظاهره التوقف، حيث اقتصر على نقل الأقوال، و لم يوضح شيئا و قال في الدروس: و لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه على الأصح، و تجويز ابن إدريس شاذ انتهى. منه (رحمه الله).
251
و ابن إدريس و من تبعه- كالشهيد الثاني و المحقق الشيخ على، و اليه أشار العلامة في آخر كلامه في المختلف، و هو مذهبه في التحرير و الإرشاد، و المحقق في النافع- فصلوا بين الحي و المذبوح، فوافقوهم في المذبوح، لكونه بعد الذبح لحما لا يباع الا بالوزن، و خالفوهم في الحي، لعدم بيعه وزنا، و هو الحق في المقام، و به يظهر أن محل الخلاف انما هو في الحي خاصة، و يزيدك بيانا ما ذكره في شرح اللمعة، حيث قال المصنف: «و لا يباع اللحم بالحيوان مع التماثل» فقال الشارح: كلحم الغنم بالشاة ان كان مذبوحا لأنه في قوة اللحم، فلا بد من تحقق المساواة، فلو كان حيا فالجواز قوي لأنه حينئذ غير مقدر بالوزن. انتهى.
المسألة السابعة [في أن الربا ليس إلا في المكيل أو الموزون]
- الأشهر الأظهر أنه لا ربا إلا في المكيل و الموزون، فما ليس كذلك يجوز بيعه متساويا و متفاضلا، و قيل: بثبوته في المعدود أيضا، و نقل عن الشيخ المفيد و ابن الجنيد و سلار.
و الذي يدل على الأول جملة من الاخبار- منها ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) بأسانيد عديدة في الموثق عن عبيد بن زرارة (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يكون الربا الا فيما يكال أو يوزن».
و ما رواه
في الكافي عن منصور بن حازم (2) في الموثق قال: «سألته عن الشاة بالشاتين، و البيضة بالبيضتين، قال: لا بأس ما لم يكن كيلا و لا وزنا».
و ما رواه
في الفقيه عن داود بن الحصين (3) «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 146 التهذيب ج 7 ص 94 الفقيه ج 3 ص 175.
(2) الكافي ج 5 ص 191 التهذيب ج 7 ص 118.
(3) الفقيه ج 3 ص 178.
252
عن الشاة بالشاتين و البيضة بالبيضتين قال. لا بأس ما لم يكن مكيلا و لا موزونا».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بمعاوضة المتاع ما لم يكن كيلا أو وزنا».
و نحوها موثقة أخرى لمنصور بن حازم، و قد تقدمت في المسألة الاولى.
و ما رواه
في الكافي (2) عن على بن إبراهيم عن رجاله عمن ذكره في فصل طويل في المعاوضات قال: «و ما عد عددا و لم يكل و لم يوزن فلا بأس به اثنان بواحد يدا بيد، و يكره النسيئة».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (3) «و اعلم أن الربا ربا آن ربا يؤكل و ربا لا يؤكل، فاما الربا الذي يؤكل فهو هديتك الى رجل تطلب الثواب أفضل منه، فأما الربا الذي لا يؤكل، فهو ما يكال أو يوزن».
و احتج الأصحاب على ذلك- زيادة على الاخبار- بان الأصل الجواز، و لأن الإنسان مسلط على ماله، و حاكم فيه، فلا يمنع فيه الا بدليل، و نقل عن الشيخ المفيد أنه احتج بعموم النهى عن الربا، و هو في اللغة الزيادة، و هي متحققة في المعدود.
و بما رواه
محمد بن مسلم (4) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثوبين الرديين».
الخبر و قد تقدم في المسألة الاولى.
و موثقة سماعة (5) قال: «سألته عن بيع الحيوان اثنين بواحد، فقال: إذا سميت الثمن فلا بأس».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 189 التهذيب ج 7 ص 94 الفقيه ج 3 ص 178.
(2) الكافي ج 5 ص 192.
(3) المستدرك ج 2 ص 479.
(4) التهذيب ج 7 ص 120.
(5) التهذيب ج 7 ص 120.
253
و أجاب في المختلف عن الدليل الأول بأن الزيادة المطلقة غير معتبرة، بل لا بد من شرائط معها، فخرجت الحقيقة اللغوية عن الإرادة، و عن الأحاديث بأن الكراهة قد تكون للتنزيه بل هو المعنى المتعارف منها.
أقول: أما الخبر الأول فقد تقدم احتمال خروجه مخرج التقية أيضا.
و أما خبر الثاني فمن المحتمل قريبا أن يكون لفظ الثمن هنا وقع تحريف لفظ السن، كما ورد في
موثقة سعيد بن يسار قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البعير بالبعيرين يدا بيد و نسيئة؟ فقال: نعم لا بأس إذا سميت بالأسنان جذعين أو ثنتين، ثم أمرني فخططت على النسيئة» (1).
و قد تقدم أن الأمر بالخط على النسيئة انما وقع تقية كما ذكره بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم).
و الشيخ (رضوان الله عليه) في الاستبصار قد حمل هذا الخبر على الاستظهار و الاحتياط، قال: لأن الأفضل و الأحوط أن يقوم كل واحد منها على جهة و يكون البيع على القيمة، و ان لم يكن ذلك محظورا.
و أيده بما رواه
في الصحيح عن ابن مسكان (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل يقول: عاوضني بفرسي فرسك، و أزيدك قال: لا يصلح، و لكن يقول: أعطني فرسك بكذا و كذا و أعطيك فرسي بكذا و كذا».
و كيف كان فالعمل على القول المشهور و الله العالم.
المسألة الثامنة [في أن المعتبر في المكيل و الموزون عادة البلدان]
- قالوا المعتبر في الكيل و الوزن ما كان في عهده (صلى الله عليه و آله) فمتى علم ذلك، اتبع و جرى فيه الربا و ان تغير حاله بعد، و لا فرق بين أن يكون ذلك في بلده (عليه السلام) أو غير بلده إذا أقر أهله عليه، و ما لم يعلم حاله يتبع عادة البلدان، فان اختلفت كانت لكل بلد حكم نفسه، مصيرا الى العرف الخاص
____________
(1) الكافي ج 5 ص 191 التهذيب ج 7 ص 118.
(2) التهذيب ج 7 ص 120.
254
عند تعذر العلم، فكل بلد يكون فيها مكيلا أو موزونا يثبت فيه الربا، و كل بلد لا يكون كذلك يجوز البيع متفاضلا و نسيئة من غير مانع.
قال: بعض المحققين و الظاهر أن الحكم للبلد، لا لأهله و ان كان في بلده غيره، و لا يخفى ما فيه من الغموض، و ان كان مراده أن الحكم لأهل البلد الساكنين فيها دون من خرج منها الى بلد ليست كذلك، و قيل: و هو منقول عن الشيخين و سلار.
و ابن إدريس يغلب جانب التقدير بالكيل أو الوزن على جانب العدد و الجزاف أخذا بالأحوط (1).
و وجه الأول بأن المعتبر العرف عند عدم الشرع، و كما أن عرف تلك البلد التقدير، فيلزمه حكمه، و عرف الأخرى الجزاف مثلا فيلزمه حكمه، صرفا للخطاب الى المتعارف من الجانبين. (2)
____________
(1) أقول: التحقيق ان هذين القولين ينحلان إلى ثلاثة أقوال: أحدها- اعتبار التقدير في جميع الأشياء حذرا من الغرر المقتضى الى التنازع، و لأنه الأحوط، و هو قول الشيخ في النهاية، و تبعه سلار.
ثانيها- اعتبار حكم الأغلب و الأعم، لأن المعروف من عادة الشرع اعتبار الأغلب دون النادر، و هذا مدلول عبارة الشيخ المفيد، و تبعه ابن إدريس:
و ثالثها- اعتبار كل بلد حكم نفسه، و هو مذهب الشيخ في المبسوط و المحقق و العلامة و غيرهم منه (رحمه الله).
(2) كما إذا كان ذلك الجنس مكيلا أو موزونا في بلد فإنه ربوي محرم على أهل تلك البلد ببيعه متفاضلا، و لو أن أحد أهل هذه البلد خرج الى بلد يباع فيها ذلك الجنس جزافا فإنه يجوز له شراؤه جزافا و لا يحرم عليه الزيادة باعتبار أنه في بلده ربويا، و الظاهر أن هذا مراد المحق المذكور، و ان كانت عبارته عن تأديته ظاهرة القصور.
منه (رحمه الله).
255
و وجه الثاني بصدق المكيل و الموزون على ذلك في الجملة، قالوا: انه قد ثبت أن أربعة كانت مكيلة في عهده (صلى الله عليه و آله) و هي الحنطة و الشعير و التمر و الملح، نقل عليه في التذكرة إجماع الأمة، فلا يباع بعضها ببعض الا كيلا و ان اختلف في الوزن، و استثنى- في التذكرة- ما يتجافى منه في المكيال، كالقطع الكبار من الملح، فيباع وزنا لذلك، و ما عداها ان ثبت له في عهده (صلى الله عليه و آله) أحد الأمرين، و الا رجع الى عادة البلد.
و لو عرف أنه كان مقدرا في عهده (صلى الله عليه و آله) و جهل اعتباره بأحدهما قالوا: احتمل التخيير، و تعين الوزن، لأنه أضبط و اختاره في التذكرة، و استحسنه في المسالك.
أقول: و في حكم الأربعة المذكورة في الاتفاق على كونهما من المكيل في عهده (صلى الله عليه و آله) الدنانير و الدراهم و كونهما موزونة، لاتفاق الأمة كما ذكره في التذكرة أيضا على ثبوت الربا في هذه الستة أعني الأربعة المتقدمة مع هذين، و من الظاهر أن هذين ليست من المكيل، فليس إلا أنهما موزونة، و يعضده استفاضة الأخبار بأنهما من الموزون في عصرهم (عليهم السلام).
ثم أقول: لا يخفى أن جميع الحبوب من حنطة و شعير و أرز و عدس و ماش و التمر و الرطب و نحوها و ما يتفرع من كل منها و كذا الألبان و الادهان و نحوها في هذه الأزمنة المتأخرة انما تباع بالوزن، و الكيل الذي كان أولا غير معمول عليه بين الناس بالكلية، فيشكل الحكم في هذه الأجناس الأربعة التي اتفقوا على كونها مكيلة في عصره (صلى الله عليه و آله) باعتبار بيعها وزنا، حيث انهم صرحوا بأن ما كان مكيلا لا يجوز بيعه بغير الكيل، و كذا الموزن مع قطع النظر عن حصول الربا و عدمه و هكذا يجري في باب الربا ايضا، و قد صرح في التذكرة بأنه لا يجوز بيع شيء من المكيل بشيء من جنسها وزنا بوزن و ان تساويا.
نعم نقل في المسالك- عن بعضهم- انه نقل الإجماع على جواز بيع الحنطة
256
و الشعير وزنا، مع الإجماع- كما عرفت- على كونهما مكيلين في عصره (صلى الله عليه و آله) و قال في التذكرة أيضا: و ما أصله الكيل يجوز بيعه وزنا سلفا و تعجيلا، و لا يجوز بيعه بمثله وزنا، لان الغرض في السلف و المعجل تعيين جنس معرفة المقدار، و هو يحصل بهما، و الغرض هنا المساواة، فاختص المنع في بعضه ببعض به، و قال أيضا: كما لا يجوز بيع الموزون بجنسه جزافا، كذا لا يجوز بيعه مكيلا، إلا إذا علم عدم التفاوت فيه، و كذا المكيل لا يجوز بيعه جزافا و لا موزونا الا مع عدم التفاوت، و قال أيضا: لو كان حكم الجنس الواحد مختلفا في التقدير- كالحنطة المقدرة بالكيل، و الدقيق المقدر بالوزن- احتمل تحريم البيع بالكيل و الوزن للاختلاف قدرا، و تسويغه بالوزن.
أقول لقائل أن يقول: ان المستفاد من الاخبار ثبوت الكيل و الوزن في الجملة، و أن البيع في جملة من الاخبار انما يقع بهما، و أن الربا انما يقع فيهما، و لم يقم لنا دليل واضح أن ما كان مكيلا لا يجوز بيعه وزنا، و كذا العكس سواء كان في باب الربا أو غيره، سيما مع ما صرح به جملة منهم من أن الوزن أضبط، و انه الأصل، و عموم أدلة جواز البيع كتابا و سنة يقتضي الجواز كيف اتفق من أحد هذين الأمرين، و يعضده ما تقدم من نقل الإجماع على جواز بيع الحنطة الشعير وزنا مع الإجماع على أنها من المكيل في عصره (صلى الله عليه و آله).
و بالجملة فأقصى ما يستفاد من الأدلة في باب البيع هو وجوب معرفة المبيع و الثمن بالوزن أو الكيل، دفعا للغرر و النزاع، و كذا في باب الربا أنه لا يقع إلا في المكيل أو الموزون، و اما ان ما علم كونه في الزمن السابق مكيلا أو موزونا لا يجوز الخروج من أحدهما إلى الأخر فلم نقف فيه على دليل، و أصالة العدم قائمة، و أصالة الصحة في العقود ثابتة، حتى يقوم دليل على الخروج عن ذلك.
و كيف كان فالأولى مراعاة الاحتياط في أمثال هذه المقامات و الله العالم بحقائق أحكامه.
257
المسألة التاسعة [موارد عدم جريان الربا]
- المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا ربا بين الوالد و ولده، و لا بين المولى و مملوكه، و لا بين الرجل و زوجته، و عن المرتضى (رضى الله عنه) في بعض أجوبته: انه حكم بثبوت الربا بينهم، و حمل الخبر الوارد بالنفي على النهي، و جعله من قبيل قوله (سبحانه) (1):
«فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ» الا انه صرح بالرجوع من ذلك، و انتصر للقول المشهور و ادعى عليه الإجماع قال- (قدس سره): قد كنت فيما تأولت- في جواب مسائل وردت من الموصل- الأخبار التي يرويها أصحابنا المتضمنة لنفي الربا بين من ذكرناه* * * على ان المراد بذلك و ان كان بلفظ الخبر- معنى الأمر، كأنه قال: يجب ان لا يقع بين ما ذكرناه ربا، كما قال الله (تعالى) (2) «وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» و قوله (تعالى) (3) «فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ» و
قوله (عليه السلام) (4) «العارية مردودة (5) و الزعيم غارم».
و معنى ذلك كله معنى الأمر و النهى، و ان كان بلفظ الخبر و اعتمدنا في نصرة هذا المذهب على عموم ظاهر القرآن و ان الله حرم الربا على كل متعاقدين بقوله (6) «لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا» و هو شامل للوالد و ولده، و الرجل و زوجته، ثم لما تأملت ذلك رجعت عن هذا المذهب لأني وجدت أصحابنا مجمعين على نفى الربا بين من ذكرناه، و غير مختلفين فيه في وقت من الأوقات، و إجماع هذه الطائفة قد ثبت انه حجة، و يخص بمثله ظواهر القرآن، و الصحيح نفى الربا بين من ذكرناه الى آخر كلامه زيد في مقامه.
____________
(1) سورة البقرة الآية 197.
(2) سورة آل عمران الآية- 97.
(3) سورة البقرة الآية- 197.
(4) المستدرك ج 2 ص 507.
(5) المستدرك ج 2 497.
(6) سورة آل عمران الآية- 13.
258
و ابن الجنيد فصل هنا بين الوالد و ولده فقال: لا ربا بين الوالد و ولده، إذا أخذ الوالد الفضل الا ان يكون له وارث أو عليه دين.
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه
في الكافي عن عمرو بن جميع (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ليس بين الرجل و ولده ربا، و ليس بين السيد و عبده ربا».
و رواه
في الفقيه مرسلا عن النبي (صلى الله عليه و آله) مثله، قال: في الكافي و بهذا الاسناد (2) «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ليس بيننا و بين أهل حربنا ربا، نأخذ منهم الف درهم بدرهم، نأخذ منهم و لا نعطيهم».
و رواه في الفقيه (3) مرسلا بنقصان قوله «نأخذ منهم الف درهم بدرهم».
و إثبات ما قبله و ما بعده.
و ما رواه
في الكافي عن زرارة و عن محمد بن مسلم (4) عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «ليس بين الرجل و ولده و لا بينه و بين عبده، و لا بينه و بين اهله ربا، انما الربا فيما بينك و بين ما لا تملك، قلت: فالمشركون بيني و بينهم ربا؟ قال: نعم، قلت: فإنهم مماليك، فقال: انك لست تملكهم، انما تملكهم مع غيرك أنت و غيرك فيهم سواء، و الذي بينك و بينهم ليس من ذلك، لان عبدك ليس مثل عبدك و عبد غيرك».
و رواه في التهذيب عن زرارة و محمد عنه (عليه السلام): مثله.
و ما رواه
في الفقيه مرسلا (5) قال: «قال الصادق (عليه السلام): ليس بين المسلم و بين الذمي ربا، و لا بين المرأة و زوجها ربا».
و ما رواه
في الفقيه (6) «قال سأل على بن جعفر أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 147 الفقيه ج 3 ص 176.
(2) الكافي ج 5 ص 147 الفقيه ج 3 ص 176.
(3) الفقيه ج 3 ص 176.
(4) الكافي ج 5 ص 147 التهذيب ج 7 ص 17.
(5) الفقيه ج 3 ص 178 الوسائل الباب 7 من أبواب الربا الرقم- 5- 6- 7.
(6) الفقيه ج 3 ص 178 الوسائل الباب 7 من أبواب الربا الرقم- 5- 6- 7.
259
«عن رجل أعطى عبده عشره دراهم، على ان يؤدى العبد كل شهر عشرة دراهم أ يحل ذلك؟ قال: لا بأس».
و رواه في التهذيب مسندا عن على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) مثله»
و رواه على بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام) مثله، و زاد، و سألته عن رجل اعطى رجلا ثمانمائة درهم يعمل بها على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقل أو أكثر هل يحل ذلك؟ قال: لا هذا الربا محضا.
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) «و ليس بين الوالد و ولده ربا، و لا بين الزوج و المرأة، و لا بين المولى و العبد، و لا بين المسلم و الذمي».
انتهى.
قال في الكفاية: و مستند المشهور رواية زرارة و محمد بن مسلم مؤيدة برواية عمرو بن جميع، و شيء منها لم يبلغ حد الصحة، مع ان عموم الكتاب و الاخبار الكثيرة يخالفه، فان ثبت إجماع كان هو المتبع، و الا فالصواب العمل بالكتاب انتهى.
و ضعفه أظهر من أن يخفى، فإنه لا خلاف بين الأصحاب- ممن ذهب الى هذا الاصطلاح المحدث و من لم يذهب إليه- في العمل بهذه الاخبار و لم يقل أحد منهم غير المرتضى و من يحذو حذوه و هو أقل قليل على غير هذه الاخبار لصحتها و صراحتها.
فأما صحتها عند المتقدمين فظاهرة، و أما عند المتأخرين فلجبر ضعف أسانيدها باتفاق الأصحاب على العمل بها، و بها خصصوا عموم الكتاب و الاخبار المذكورة، على أن الدليل غير منحصر في الروايتين المشار إليهما في كلامه، بل هو مضمون أخبار عديدة، و فيها الصحيح كرواية على بن جعفر برواية الفقيه، فان طريقه في المشيخة الى على بن جعفر صحيح، و هي من مرويات كتابه، و هو من الأصول المشهورة الثابتة الصحة.
و بالجملة فإن ما ذكره هنا، من المناقشات الواهية التي لا يلتفت إليها، و الظاهر
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 480.
260
انه تبع في هذا المقام المحقق الأردبيلي حيث أشار الى ذلك فقال- بعد نقل روايتي عمرو بن جميع و زرارة و محمد بن مسلم و نقل دعوى المرتضى الإجماع- ما ملخصه: و الإجماع غير ظاهر، و لهذا ذهب السيد الى الثبوت، و قال: معنى نفى الربا نهي مثل «فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ» و ابن الجنيد ذهب الى عدم الثبوت من جانب الوالد فقط، و الحديث غير صحيح، و عموم أدلة التحريم قوى، و يمكن أن يقال: لا ربا بين الرجل و ولده بمعنى جواز أخذ الوالد من مال ولده لا العكس، و يؤيد بأخبار أخر مثل أن الولد و ماله لوالده. انتهى.
و فيه أولا ما عرفت آنفا، و ثانيا ان الاستناد في عدم ظهور الإجماع إلى كلام المرتضى المذكور عجب منه (قدس سره) فان المرتضى قد عدل عن هذا الكلام بعد ظهور الإجماع له، كما صرح به في كلامه المتقدم، و هو مؤذن بأن قوله بهذا القول وقع غفلة و ذهولا عن ملاحظة الإجماع، فلما انكشف له ثبوت الإجماع عدل عنه الى قول المشهور فصار هذا الكلام في حكم العدم، فكيف يصلح لان يطعن به على دعوى الإجماع.
و ثالثا أن ما ادعاه من حمل نفى الربا بين الوالد و الولد- على الصورة المذكورة مستندا الى الاخبار المشار إليها- مردود بما حققناه في تلك المسألة، من أن هذه الاخبار على ظاهرها مخالفة للعقل و النقل، كتابا و سنة، مع معارضتها بغيرها، و بينا أنها انما خرجت مخرج التقية، فلا اعتماد عليها في حد ذاتها فضلا عما ذكره هنا.
و بالجملة فإن مناقشته في المقام- بعد ما عرفت من اخبارهم (عليهم السلام) و اتفاق الأصحاب على العمل بها قديما و حديثا- مما لا ينبغي أن يصغى إليها، و لا يعرج في مقام التحقيق عليها، و لم يبق الا خلاف ابن الجنيد، و ضعفه- كسائر أقواله التي ينفرد بها- أظهر من أن يذكر، و أقواله غالبا لا يخرج عن مذهب العامة، و لهذا صرح جملة من علماء الرجال بإطراح أقواله لعمله بالقياس المتفق على النهى عنه في الشريعة نصا و فتوى، مع ظهور الأخبار المذكورة في رده، فنقل المحقق المذكور
261
لقوله للتسجيل به على الطعن في الإجماع غير حقيق بالاتباع و الاستماع.
بقي الكلام هنا في مواضع-
الأول [المراد بالولد في هذا المقام]
هل المراد بالولد في هذا المقام، هو الولد النسبي دون الرضاعي، و أن يكون للصلب فلا يتعدى الى الجد مع ولد الولد؟
إشكال ينشأ من الاقتصار في الرخصة على مورد اليقين، و من صحة إطلاق الولد شرعا على من ذكرناه من ولد الولد بل ولد البنت، كما تقدم تحقيقه في كتاب الخمس. و كذا الولد الرضاعي، الا أن الظاهر في الولد الرضاعي بعده، لعدم انصراف الإطلاق إليه ما لم يقيد، و أما الولد مع الام فلا إشكال في ثبوت الربا بينهما، و بما ذكرنا من تخصيص الولد بالنسبي و أن يكون للصلب صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و الروضة مع احتمال المعنى الأخر، و نحوه المحقق الشيخ على (قدس سره) في شرح القواعد، و بالعموم صرح في الدروس فقال: و لا بين الولد و والده و ان علا و الاحتياط يقتضي الاقتصار على المعنى الأول.
الثاني [عدم الفرق بين الزوجة الدائمة و المتمتع بها]
- الأكثر على أنها لا فرق في الزوجة بين الدائمة و المتمتع بها، و به صرح العلامة في أكثر كتبه و غيره، لعموم النص و نقل عن العلامة في التذكرة انه خص الزوجة بالدائم، مستندا الى أن التفويض في مال الرجل انما ثبت في حق الدائم، فإن للزوجة أن يأخذ من مال الرجل المأدوم. و رد بأن في معارضة ذلك لعموم النص منع ظاهر.
و ظاهر المحقق الأردبيلي المناقشة هنا أيضا بناء على ما قدمنا نقله عنه، حيث قال: و أما بين الزوجة و الزوج فمثل ما تقدم، فان كان إجماع يقتصر عليه مثل الدائمة، كما اختاره في التذكرة مؤيدا بجواز أكلها من بيت زوجها، و في بعض الروايات الصحيحة تسلط الزوج على مالها بحيث لا يجوز لها العتق إلا بإذنه، فلا يبعد عدمه بينهم من الطرفين على تقدير الإجماع، و الا فعموم أدلة منع الربا متبع. انتهى و ضعفه ظاهر مما قدمناه.
الثالث [حكم الربا بين المسلم و المشرك]
- الظاهر من كلام أكثر الأصحاب أنه لا ربا بين المسلم و الحربي،
262
بمعنى أن للمسلم أخذ الفضل منه، دون العكس، فإنه محرم، و أطلق جماعة نفي الربا بينهما من غير فرق بين أخذ المسلم الزيادة أو الحربي. و ممن أطلق الشيخ في النهاية، و مقتضاه جواز أخذ الحربي الزيادة، و رده ابن إدريس و هو الحق.
و بنحو ما ذكره الشيخ صرح ابن البراج، فقال: و لا ينعقد الربا بين الوالد و ولده، و السيد و عبده، و الحربي و المسلم، و المرأة و زوجها، يجوز أن يأخذ كل واحد ممن ذكرنا من صاحبه الدرهم بدرهمين، و الدينار بدينارين.
و الذي يدل على ما هو المشهور ما تقدم نقله عن النبي (صلى الله عليه و آله) برواية الكافي و الفقيه (1) من نفى الربا بين المسلم و أهل الحرب، و ان المسلم يأخذ منهم و لا يعطيهم، و هو صريح في المطلوب، و لا يضر ضعف السند عندنا سيما مع تأيد ذلك بحل مال الحربي، و قد صرح في التذكرة بأنه لا فرق بين كونه معاهدا أم لا، لأن الحربي فيء لنا و أمانة، و ان منع من أخذ ماله من غير حق، الا أنه إذا رضي بدفع الفضل انتقض أمانه فيه.
بقي الكلام في رواية زرارة و محمد بن مسلم من حيث دلالتها على حصول الربا بين المسلم و المشرك، و لم أقف على من تعرض لنقلها في المقام، فضلا عن الجواب عنها الا المحقق الأردبيلي، و ظاهره الجمع بينها و بين الرواية المتقدمة- مع ميله الى العمل برواية زرارة و محمد بن مسلم لوضوح سندها و تأيدها بعموم الأدلة كما أشار إليه آنفا- بحمل الرواية الأولى على غير المعاهد، و حمل هذه على المعاهد، و الأصحاب كما تقدم في كلام العلامة لم يفرقوا بينهما، كما هو ظاهر الخبر الأول.
الرابع [وجه عدم جريان الربا بين السيد و عبده]
- نفى الربا في الاخبار المتقدمة بين السيد و عبده، أما من حيث عدم ملكه فالبيع غير صحيح، و الأمر واضح، لصدق عدم الربا، و أما بناء على ملكه فيكون العلة النص، و ان لم يظهر له وجه ينزل عليه، و كان الاولى لمن يقول بعدم
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 176.
263
ملكه ترك ذكره في هذا المقام، الا أنه لما ورد به النص تعرضوا له. (1)
و ظاهر المحقق الأردبيلي هنا أيضا المناقشة في الحكم على تقدير القول بملكه، قال: و أما عدم الثبوت بين العبد و سيده، فبناء على القول بأنه لا يملك واضح، و أما على القول الأخر فلا يظهر، إذ الرواية غير صحيحة، و لا يعرف غيرها، الا أن يدعى الإجماع فيقتصر على موضعه و هو القن الخاص لا المكاتب مطلقا، و لا المشترك كما يشعر به الرواية المتقدمة. انتهى.
و فيه أن الرواية التي أشار إليها، و هي رواية زرارة و محمد بن مسلم (2) و ظاهره أنه لم يطلع على غيرها و ان كانت غير صحيحة باصطلاحه الذي يدور مداره، الا أن رواية على بن جعفر صحيحة كما أشرنا إليه آنفا (3)، و موردها المملوك و سيده، فلا مجال لما ذكره من المناقشة، و عدم ظهور الوجه من النص ليحمل عليه لا يدل على العدم، و الواجب التسليم لما ثبت عنهم (عليه السلام) سواء ظهر لنا الوجه فيه أم لا، و قد صرح الأصحاب بأنه لا بد هنا من اختصاص الملك بالسيد، فلو كان مشتركا ثبت
____________
(1) أقول: و من هنا قال ابن إدريس معترضا على الشيخ: فأما قولهم:
و لا بين العبد و سيده، فلا فائدة فيه، و لا لنا حاجة الى هذا التعليل و أى مال للعبد، و انما الربا بين الاثنين مالكين، و اعترضه العلامة بأن هذا الكلام ليس بجيد، فان الشيخ نقل الحديث، و هو قول الصادق (عليه السلام) و ليس بين السيد و عبده ربا، و نفى الربا قد يكون لنفى الملك، و قد يكون لغير ذلك، فنفى التملك علة لنفي الربا، فأي مأخذ على الشيخ حيث ذكر الحكم المعلل، و لم يذكر علته، إذ كانت معروفة، ثم ان الشيخ يذهب الى أن العبد يملك، انتهى و هو جيد. منه (رحمه الله).
(2) تقدم في ص 258 في ص 259.
(3) تقدم في ص 258 في ص 259.
264
الربا بينه و بين كل من الشركاء، و يدل عليه ما تقدم في رواية زرارة و محمد بن مسلم (1). و المدبر و أم الولد في حكم القن، و في المكاتب بقسميه إشكال، ينشأ من إطلاق النص و من انقطاع سلطنته عليه، فهو كالأجنبي منه، و ظاهر كلام المحقق المتقدم ذكره ثبوت الربا بينه و بين سيده، و هو ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ايضا، مع احتماله العدم و الاحتياط ظاهر.
الخامس [حكم الربا بين المسلم و الذمي]
- المشهور بين الأصحاب ثبوت الربا بين المسلم و الذمي، لعموم أدلة التحريم، و لان مال الذمي محترم. و ذهب السيد المرتضى و ابنا بابويه و جماعة الى عدم ثبوته، و عليه دلت الأخبار المتقدمة.
و الذي يقرب عندي أن هذه الاخبار انما صرحت بنفي الربا بين المسلم و الذمي، بناء على أن أهل الكتاب- في تلك الأعصار فضلا عن زماننا هذا- قد خرقوا الذمة، و لم يقوموا بها كما صرح به جملة من الاخبار، و من ثم دل جملة من الاخبار على أن مالهم فيء للمسلمين، و جواز استرقاقهم، كما صرح به جملة من الأصحاب أيضا، و حينئذ فلا اشكال. و على هذا فيختص جواز أخذ الفضل بالمسلم، دون الذمي كما تقدم في الحربي (2).
السادس [حكم الربا بين المؤمن و المخالف]
- لا يخفى انه حيث أن المشهور بين متأخري أصحابنا هو الحكم بإسلام المخالفين، و وجوب اجراء حكم الإسلام عليهم فإنه يكون الحكم فيهم كما في المؤمنين. و أما على ما يظهر من الاخبار و عليه متقدمو علمائنا الأبرار و جملة من متأخري المتأخرين في قرب هذه الأعصار- من أن حكمهم حكم الحربي في جواز القتل و أخذ المال و النجاسة و نحو ذلك من الأحكام، لاستفاضة الاخبار بل تواترها معنا بكفرهم و شركهم، و ما يترتب على ذلك من الأحكام المتقدمة و نحوها، فينبغي دخولهم في الكافر الذي دلت عليه الاخبار المتقدمة، و أن يكون حكمهم كذلك،
____________
(1) ص 258.
(2) ص 258.
265
و بطريق أولى الخوارج، و نحوهم ممن اتفقوا على كفرهم و نجاستهم و جواز قتلهم و أخذ أموالهم، و ان لم يتعرضوا هنا لذكرهم، الا أن مقتضى ذلك دخولهم تحت إطلاق الكافر و المشرك و الحربي و نحوها من هذه الاخبار. و الله العالم.
تنبيهات
الاولى [جواز بيع درهم و دينار أو درهم و متاع بدينارين أو درهمين]
ظاهر الأصحاب جواز بيع درهم و دينار أو درهم و متاع بدينارين أو درهمين، بل نقل في المسالك أنه موضع وفاق و قال العلامة في التذكرة: و هو جائز عند علمائنا أجمع، و به قال أبو حنيفة حتى لو باع دينارا في خريطة بمأة دينار جاز.
أقول: و يعضده ما تقدم في آخر المسألة الثالثة من أن ما يعمل من جنسين ربويين أو يضم أحدهما إلى الأخر في عقد واحد، فإنه لا خلاف و لا إشكال في بيعها بهما أو بأحدهما بشرط زيادته على مجانسيه، و ينصرف كل من الثمن الى ما يخالفه من المبيع، و يدل على ذلك جملة من الاخبار.
منها ما رواه
في التهذيب عن الحسن بن صدقة (1) عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «قلت له: جعلت فداك انى أدخل المعادن و أبيع الجوهر بترابه بالدنانير و الدراهم، قال: لا بأس به، قلت: و أنا أصرف الدراهم بالدراهم و أصير الغلة و ضحا و أصير الوضح غلة؟ قال: إذا كان فيها (ذهب) فلا بأس قال: فحكيت ذلك لعمار بن موسى (الساباطي) (2) قال: كذا قال: لي أبوه، ثم قال لي: الدنانير اين تكون؟ قلت: لا أدرى، قال عمار، قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): تكون مع الذي ينقص».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 117 و فيه «دنانير» بدل كلمة (ذهب).
(2) كلمة الساباطي زيادة في التهذيب و ليس في النسخة المطبوعة.
266
أقول: و الوضح هو الدرهم الصحيح الذي لا ينقص شيئا، و الغلة بالكسر الدراهم المغشوشة. و في بعض الاخبار «فبعثنا بالغلة فصرفوا ألفا و خمسين بألف» فزيادة الذهب حينئذ يكون في جانب الغلة ليقع كل في مقابلة مخالفه.
و ما رواه
عن ابى بصير (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الدراهم بالدراهم و عن فضل ما بينهما فقال: إذا كان بينهما نحاس أو ذهب فلا بأس».
و عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) في حديث قال: «قلت له: اشترى الف درهم و دينار بألفي درهم؟ قال: لا بأس بذلك، ان أبى (عليه السلام) كان اجرأ على أهل المدينة مني، و كان يقول هذا، فيقولون انما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، و لو جاء بألف درهم لحم لم يعط ألف دينار، فكان يقول لهم: نعم الشيء الفرار من الحرام الى الحلال».
الى غير ذلك من الاخبار الاتية في باب الصرف إنشاء الله- تعالى- مثل أخبار المراكب المحلاة، و السيف المحلى
كرواية أبي بصير (3) قال: سألته عن السيف المفضض يباع بالدراهم، قال:
إذا كانت فضته أقل من النقد فلا بأس، و ان كانت أكثر فلا يصلح.
و بالجملة فقد اتفق الإجماع و الاخبار في الدلالة على صحة ذلك، و يزيده تأكيدا أن الربا انما يكون في بيع أحد المتجانسين المقدرين بالكيل أو الوزن مع التفاضل، أو نسيئة الأخر، و ما نحن فيه ليس كذلك، لان المركب من الجنسين أو مع ضم أحدهما إلى الأخر في العقد ليس بجنس واحد، الا أن شيخنا الشهيد الثاني في المسالك قد أورد هنا إشكالا في المقام، فإنه بعد أن نقل اتفاق أصحابنا على
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 98.
(2) التهذيب ج 7 ص 104.
(3) التهذيب ج 7 ص 113 الوسائل الباب- 15 من أبواب الصرف.
267
الحكم المذكور، و نقل عن الشافعي الخلاف في ذلك محتجا بحصول التفاوت عند المقابلة على بعض الوجوه، كما لو بيع مد و درهم بمدين، و الدرهم ثمن لمد و نصف بحسب القيمة الحاضرة، ثم أجاب عنه بأن الزيادة حينئذ بمقتضى التقسيط لا بالبيع، فإنه انما وقع على المجموع بالمجموع.
قال: و يشكل الحكم لو احتيج الى التقسيط شرعا، كما تلف الدرهم المعين قبل القبض أو ظهر مستحقا مطلقا، و كان في مقابله ما يوجب الزيادة المفضية إلى الربا، فإنه حينئذ يحتمل بطلان البيع من رأس، للزوم التفاوت في الجنس الواحد، كما لو باع مدا و درهما بمدين أو درهمين مثلا، فان الدرهم التالف إذا كان نصف المبيع، بأن كانت قيمة المد درهما يبطل البيع في نصف الثمن، فيبقى النصف الأخر، و حيث كان منزلا على الإشاعة، كان النصف في كل من الجنسين، فيكون نصف المدين و نصف الدرهمين في مقابلة المد، فيلزم الزيادة الموجبة للبطلان الى آخر ما ذكره من الكلام، و تعدد الاحتمال في المقام.
و فيه ان هذا لا يوجب إشكالا في أصل المسألة لخروجها بهذا الفرض عما هي عليه أولا، و الغرض انما هو بيان صحة الحكم بما ذكرنا كما اتفقت عليه الاخبار و الإجماع في الصورة المفروضة، و أما مع الخروج عنها الى فرض آخر كما إذا اتفق الأمر كما ذكره، فهي مسألة أخرى، يرجع فيها إلى الأصول المقررة و القواعد المعتبرة، فلا اشكال بحمد الله الملك المتعال.
الثاني [جواز بيع مد طعام، بمد طعام و ان كان في أحدهما فضل]
- قال في الخلاف: يجوز بيع مد طعام، بمد طعام و ان كان في أحدهما فضل، و هو عقد التبن أو زوان، و هو حب أصغر منه دقيق الطرفين، أو شيلم و هو معروف، و احتج بالآية (1) و عدم المانع، و نحوه في المبسوط الا أنه قال فيه:
و قال قوم لا يجوز و هو الأحوط، و المشهور بين الأصحاب الجواز، صرح به ابن إدريس و من تأخر عنه، و احتجوا بأنها تابعة، فلا يؤثر في المنع، و لا في المماثلة
____________
(1) سورة البقرة الآية- 275.
268
و التجانس، و لهذا لو اشترى منه طعاما و دفع اليه مثل ذلك مما جرت العادة بكونه فيه، وجب عليه القبض.
و بالجملة فإن جرى العادة بذلك و استمرار الناس على الرضاء به و أخذه في الأجناس أسقط حكم الزيادة به فيما نحن فيه، و نحوه الدردي في الخل و الدبس، و الثقل في البزر و نحو ذلك. نعم لو زاد ذلك عن مقتضى العادة فلا إشكال في المنع.
الثالث [حكم بيع السمن بالزيت متفاضلا نسيئة و نحوه]
- منع الشيخ في النهاية- عن بيع السمن بالزيت متفاضلا نسيئة، و المشهور بين الأصحاب الصحة، لاختلاف الجنسين، و الظاهر أنه استند الى ما رواه في التهذيب (1) و كذا رواه
الصدوق في الفقيه في الحسن عن عبد الله بن سنان «قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لا ينبغي للرجل إسلاف السمن في الزيت، و لا الزيت بالسمن».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أسلف رجلا زيتا على أن يأخذ سمنا قال:
لا يصلح».
و الأصحاب قد حملوها على الكراهة، و هو أحد احتمالي الشيخ أيضا في كتابي الاخبار، فإنه جمع بين هذين الخبرين، و بين رواية وهب، بحمل هذين الخبرين اما على المنع من إسلاف الزيت في السمن إذا كان بينهما تفاضل- لان التفاضل بين الجنسين المختلفين انما يجوز إذا كان نقدا، و إذا كان نسيئة فلا يجوز- و اما أن يكون على الكراهة، قال: و لأجل ذلك قال: «لا يصلح و لا ينبغي و لم يقل أنه لا يجوز و ذلك حرام. انتهى.
و منع- في النهاية- أيضا من بيع السمسم بدهنه، و الكتان بدهنه و تبعه ابن إدريس و قال- في المختلف بعد نقل ذلك عنهما-: و الحق أنه لا يجوز التفاضل فيهما و يجوز التساوي، لنا أنهما إما متساويان في الجنس فيباع أحدهما بمتساويه
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 43 الفقيه ج 3 ص 167.
(2) التهذيب ج 7 ص 43.
269
في المقدار، و اما مختلفان فيباع أحدهما بالاخر مطلقا. انتهى. و هو جيد.
الرابع [جواز بيع الحنطة بالسويق منه و بالخبز و الفالوذج المتخذ من النشاء]
- قال في الخلاف و المبسوط: يجوز بيع الحنطة بالسويق منه و بالخبز و الفالوذج المتخذ من النشاء مثلا بمثل، ثم قال في المبسوط: «و لا يجوز متفاضلا يدا بيد، و لا يجوز نسيئة، و أما الفالوذج فيجوز بيعه بالحنطة أو الدقيق متفاضلا ما لم يؤد الى التفاضل في الجنس، لان فيه غير البشاء.
و التحقيق أن ما ذكره بالنسية الى الفالوذج ان بيع بأقل منه وزنا بحيث يحصل التفاضل اما بجنسه أو بغير جنسه لم يجز، و إلا جاز، لأن المقتضي للمنع ثبوت الربا و ان بيع بأزيد منه وزنا، فإنه لا ربا، لان هذه الزيادة في الحنطة الذي هو الثمن في مقابلة ما اشتمل عليه الفالوذج من الجنس الأخر.
الخامس [وجوه التخلص من الربا]
- قد يتخلص من الربا بوجوه، منها- أن يبيع أحد المتبايعين سلعته من صاحبه بجنس غيرها، ثم يشترى صاحبه ذلك الجنس بالثمن (1) و كذا لو تواهبا بأن وهب كل منهما الأخر سلعته لصاحبه، أو أقرض كل واحد منهما سلعته ثم تباريا، و كذا لو تبايعا و وهبه الزيادة، كل ذلك من غير شرط.
قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك- و نعم ما قال-: و لا يقدح في ذلك كون هذه الأمور غير مقصودة بالذات، و العقود تابعة للقصود، لان قصد التخلص من الربا انما يتم مع القصد الى بيع صحيح، أو قرض أو غيرهما من الأنواع المذكورة، و ذلك كاف في القصد، إذ لا يشترط في القصد الى قصد جميع الغايات المترتبة عليه، بل يكفى قصد غاية صحيحة من غاياته، و ان من أراد شراء دار مثلا ليواجرها و يتكسب بها، فان ذلك كاف في الصحة، و ان كان لشراء الدار غايات أخر أقوى من هذه و أظهر في نظر العقلاء، و كذا القول في غير ذلك من افراد العقود، و قد ورد
____________
(1) مثاله كما لو كان لزيد مد من حنطة يريد يبيعه على عمرو بمدين من شعير، فان زيدا يبيع مد الحنطة على عمرو بمد من أرز، و يشترى عمرو ذلك الأرز بمدين من شعير، يدفعه الى زيد. منه (رحمه الله).
270
أخبار كثيرة ما يدل على جواز الحيلة على نحو ذلك. انتهى و هو جيد.
و ظاهر كلام المحقق الأردبيلي هنا يشير الى التوقف في ذلك، قال في تمثيل ما أشار المصنف: مثل ان أراد بيع قفيز حنطة بقفيزين من شعير أو الجيد بالرديين، و غير ذلك يبيع المساوي بالمساوي قدرا و يستوهب الزائد، و هو ظاهر لو حصل القصد في البيع و الهبة، و ينبغي الاجتناب عن الحيل مهما أمكن، و إذا اضطر يستعمل ما ينجيه عند الله، و لا ينظر الى الحيل، و صورة جوازها ظاهر لما عرف من علة تحريم الربا: فكأنه الى ذلك أشار في التذكرة بقوله: لو دعت الضرورة إلى بيع الربويات مستفضلا مع اتحاد الجنس الى آخره، و ذكر الحيل. انتهى.
المسألة العاشرة- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في تحقق الربا و ثبوته في غير البيع من المعاوضات، و بالعموم صرح الشهيد الثاني و ثاني المحققين في المسالك و شرح القواعد، و ذكر بعض المحققين أنه قول الأكثر، و بالاختصاص يشعر كلام المحقق في كتاب البيع من الشرائع، و العلامة في الإرشاد و القواعد، الا أن المحقق في باب الغصب صرح بثبوته في كل معاوضة، و هو ظاهر اختياره في باب الصلح، و العلامة في باب الصلح من القواعد تردد في ذلك على ما نقله الشارح المتقدم، و ظاهر صاحبي المسالك و شرح القواعد الاستناد في العموم الى قوله عز و جل «وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» (1).
و فيه أن أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان قال في تفسير الآية المذكورة، معنى «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» أحل الله البيع الذي لا ربا فيه و حرم البيع التي فيه الربا، و على هذا فيكون الآية دليلا للاختصاص بالبيع، و لا أقل أن يكون محتملة لذلك، و عليه يكون الآية متشابهة لا تصلح للدلالة على شيء من القولين.
و التحقيق أن المعلوم من الاخبار ثبوته في البيع و القرض، و أما غيرهما فإشكال ينشأ من عموم أدلة الحل- كأصالة الإباحة و دلالة الآيات و الروايات على أن حصول
____________
(1) سورة البقرة الآية- 275.
271
التراضي كاف في الإباحة و حصر المحرمات، و ليس هذا منها، «و الناس مسلطون على أموالهم» (1) خرج ما خرج من ذلك بدليل، و بقي الباقي- و من أن الربا قد ثبت تحريمه بالكتاب و السنة و الإجماع، و أنه لغة بمعنى الزيادة مطلقا، و لم يثبت له معنى شرعي و لا عرفي يوجب الخروج عن معناه لغة، و ما ذكره الأصحاب في تعريفه مما قدمنا ذكره في أول الفصل مجرد اصطلاح، و لكل أن يصطلح على ما شاء مما قام له دليله، و حينئذ فتعين حمله على معناه اللغوي، خرج منه ما خرج بدليل من إجماع و نحوه، و بقي الباقي تحت التحريم، و يؤيده ما في كتاب مجمع البيان (2) في علة تحريم الربا، حيث قال: اما علة تحريمه فقد قيل: هي ان فيه تعطيل المعايش و الإجلاب و المتاجر إذا وجد المربي من يعطيه دراهم و فضلا بدراهم لم يتجر، و قال الصادق (عليه السلام): «انما شدد في تحريم الربا لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف قرضا أو رفدا». انتهى.
أقول و نظير هذا الخبر الذي ذكره ما رواه
في الكافي و التهذيب عن سماعة (3).
في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انى رأيت الله قد ذكر الربا في غير آية (و كرره) فقال: أو تدري لم ذلك؟ قلت: لا قال: لئلا يمتنع الناس عن اصطناع المعروف».
و عن هشام بن سالم (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «انما حرم الله
____________
(1) البحار ج 2 ص 272.
(2) تفسير المجمع ج 2 ص 390 طبع صيدا.
(3) الكافي ج 5 ص 146 التهذيب ج 7 ص 17 و فيه (و كبره) بدل (و كرره).
(4) الكافي ج 5 ص 146 التهذيب ج 7 ص 17.
272
الربا لكيلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف» (1).
و الظاهر أن المراد بالمعروف هو ما ذكره في الخبر الأول من القرض و الرفد، و أما ما ذكره بعض الأفاضل من أن خبر كتاب مجمع البيان انما هو مضمون هذين الخبرين، و أن قوله قرضا و رفدا انما هو من كلام صاحب الكتاب تفسيرا منه للمعروف فالظاهر بعده، لما علم من نقله في هذا الكتاب كثيرا أخبارا ليست في الكتب الأربعة، و أيضا فلفظ خبره غير ألفاظ هذين الخبرين، و من القاعدة المعهودة بين المحدثين في نقل الاخبار أنه متى أريد تفسير بعض الألفاظ في الخبر يشيرون الى ذلك بلفظ يدل عليه.
و روى الصدوق بإسناده عن هشام بن الحكم (2) أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن علة تحريم الربا، فقال: انه لو كان حلالا لترك الناس التجارات و ما يحتاجون اليه، فحرم الله الربا ليفر الناس من الحرام الى الحلال و الى التجارات من البيع و الشراء، فيبقى ذلك بينهم في القرض.
و يعضد ما ذكرناه من العموم أيضا ما نقله في كتاب مجمع البيان (3) عن ابن عباس، قال: «كان الرجل منهم إذا حل دينه على غريمه، فطالبه به، قال المطلوب منه: زدني في الأجل و أزيدك في المال، فيتراضيان عليه و يعملان به، فإذا قيل لهم: هذا ربا، قالوا: هما سواء، يعنون بذلك ان الزيادة في الثمن حال البيع، و الزيادة فيه بسبب الأجل عند محل الدين سواء فذمهم الله به، و ألحق الوعيد بهم
____________
(1) أقول: و يعضده ما رواه الصدوق في العلل فيما كتبه الرضا (عليه السلام) في جواب مسائل محمد بن سنان في حديث قال فيه: و علة تحريم الربا بالنسيئة لعلة ذهاب المعروف، و تلف الأموال، و رغبة الناس في الربح، و تركهم القرض، و القرض صنائع المعروف. الحديث منه (رحمه الله).
(2) الفقيه ج 3 ص 371.
(3) تفسير المجمع ج 2 ص 389 ط صيدا.
273
و خطأهم في ذلك بقوله (1) «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» الى ان قال: و الفرق بينهما ان الزيادة في أحدهما لتأخر الدين و في الأخر لأجل البيع» الى آخره، و الظاهر انه لذلك صرح الأصحاب بتحريم الزيادة لزيادة الأجل مع أن ذلك ليس بيعا و لا قرضا.
و الظاهر أنه الى ذلك يشير ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) في الصحيح و الحسن (2) بأسانيد عديدة و اختلاف لا يضر بالمعنى، عن ابى جعفر و أبى عبد الله (عليهما السلام) «أنه سئل عن الرجل يكون عليه الدين إلى أجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول له: انقدني كذا و كذا، و أضع عنك بقيته، أو يقول: انقدني بعضه، و أمد لك في الأجل فيما بقي؟ قال: لا أرى به بأسا، انه لم يزدد على رأس ماله، قال الله جل ثناؤه «فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ، لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ».
فان فيه إشارة الى عدم جواز التأجيل بالزيادة على الحق، و ان كان على سبيل الصلح، فإنه ربا، كما يشير اليه ذكر الآية، و الربا و ان حصل بالنقص أيضا الا أن الخبر المذكور و غيره دل على جوازه.
و يعضد هذا الخبر الذي هو في قوة أخبار متعددة، كما أشرنا إليه آنفا ما رواه
في الكافي و التهذيب في الحسن عن أبان (3) عمن حدثه، عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون له على الرجل الدين، فيقول له قبل أن يحل الأجل:
عجل النصف من حقي على أن أضع عنك النصف، أ يحل ذلك لواحد منهما؟
قال: نعم».
____________
(1) سورة البقرة الآية- 275.
(2) الكافي ج 5 ص 259 التهذيب ج 6 ص 207 الفقيه ج 3 ص 21.
(3) الكافي ج 5 ص 258 التهذيب ج 6 ص 206.
274
ثم ان من الاخبار الدالة على وقوعه في القرض ما رواه
في الفقيه مرسلا مقطوعا، (1) قال: «الربا رباء ان، ربا يؤكل و ربا لا يؤكل، (2) فأما الربا الذي يؤكل فهديتك الى الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها، فذلك الربا الذي يؤكل، و هو قول الله عز و جل «وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوٰالِ النّٰاسِ فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ» (3) و أما الربا الذي لا يؤكل فهو أن يدفع الرجل الى الرجل عشرة دراهم على أن يرد عليه أكثر منها، فهذا الذي نهى الله عنه، فقال يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ» (4) الاية.
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (5): «و اعلم أن الربا رباء ان ربا يؤكل و ربا لا يؤكل، فأما الربا الذي يؤكل فهو هديتك الى الرجل تطلب الثواب أفضل منه، فأما الربا الذي لا يؤكل، فهو ما يكال و يوزن، فإذا دفع الرجل الى رجل عشرة دراهم على أن يرد عليه أكثر منها فهو الذي نهى الله عنه،
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 182.
(2) أقول صدر عبارته الى قوله و أما الربا الذي لا يؤكل فهو ان يدفع الى آخره مأخوذ من رواية إبراهيم بن عمر اليماني (المذكور في الفقيه (الفقيه ص 175.) و قوله و اما الربا الذي لا يؤكل مأخوذ من كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (عليه السلام) كما ذكرناه، و يقصد تمام العبارة زيادة على ما ذكرناه، فان ما في الفقيه عين عبارة كتاب الفقه الرضوي كما ذكرناهما، و بذلك يظهر أن ما توهمه بعض المحققين من أنه من كلام الصدوق حيث ذكره ذيل صحيحة شعيب بن يعقوب فهو هنا غلط محض منه (رحمه الله).
(3) سورة الروم الآية- 39.
(4) سورة البقرة الآية- 278.
(5) المستدرك ج 2 ص 479.
275
فقال يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ الرِّبٰا» الاية.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن خالد بن الحجاج (1) قال: «سألته عن رجل كانت لي عليه مأة درهم عددا قضانيها مأة درهم وزنا قال: لا بأس ما لم تشارط، قال: و قال: جاء الربا من قبل الشروط، و انما يفسده الشروط»:.
و ما رواه
الشيخ في التهذيب عن داود الأبزاري (2) قال: «لا يصلح ان تقرض ثمرة و تأخذ أجود منها بأرض أخرى غير التي أقرضت فيها».
و من هذه الروايات يظهر ضعف تخصيص الربا بالبيع، كما أشرنا إليه آنفا، و مما يمكن الاستدلال به للقول بالعموم أيضا إطلاق جملة من الاخبار المتقدمة في المسائل السابقة، مثل
صحيحة عمر بن يزيد (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «يا عمر قد أحل الله البيع و حرم الربا، فاربح و لا تربه، قلت: و ما الربا؟ قال:
دراهم بدراهم، مثلان بمثل».
و التقريب فيها ان الدراهم بالدراهم يجري في جميع المعاوضات التي تكون بالدراهم كذلك، و ذكر الدراهم و المثل بالمثلين انما خرج مخرج التمثيل.
و موثقة عبيد بن زرارة (4) عن ابى جعفر (عليه) قال: «لا يكون الربا الا فيما يكال أو يوزن».
و صحيحة الحلبي (5) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يصلح التمر اليابس بالرطب».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 244 التهذيب ج 7 ص 112.
(2) التهذيب ج 7 ص 91 الرقم- 29.
(3) التهذيب ج 7 ص 18 الفقيه ج 3 ص 176.
(4) الكافي ج 5 ص 146 التهذيب ج 7 ص 17.
(5) الكافي ج 5 ص 189 التهذيب ج 7 ص 94.
276
و صحيحة أبي بصير (1) و غيره عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «الحنطة و الشعير رأسا برأس لا يزداد واحد منهما على الآخر».
و رواية عبد الرحمن بن ابى عبد الله (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) يجوز قفيز من حنطة، بقفيزين من شعير؟ قال: لا يجوز إلا مثلا بمثل».
و صحيحة الحلبي (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «الفضة بالفضة مثلا بمثل ليس فيه زيادة و لا نقصان الزائد و المستزيد في النار».
و صحيحة محمد بن مسلم (4) قال: «سألته عن الرجل يدفع الى الطحان الطعام فيقاطعه على ان يعطى صاحبه لكل عشرة أرطال اثنى عشر دقيقا؟ فقال:
لا قلت: الرجل يدفع السمسم الى العصار، و يضمن لكل صاع أرطالا مسماة، قال لا».
و ظاهر هذه الرواية المنع من تقبيل الحنطة على الطحان بالدقيق و السمسم على العصار، و لهذا عد العلامة تحريم التقبيل و استدل بالرواية المذكورة، و بالجملة فإن الاحتياط في القول بالعموم ان لم يكن هو الأظهر، و الله العالم.
الفصل السابع في الصرف
و هو لغة الصوت، و شرعا بيع الأثمان: و هي الذهب و الفضة بالأثمان، قيل:
كأنه انما سمي بذلك لما يشتمل عليه من الصوت عند تقليبها في البيع و الشراء،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 187 التهذيب ج 7 ص 97 الفقيه ج 3 ص 178.
(2) الكافي ج 5 ص 188 التهذيب ج 7 ص 96.
(3) التهذيب ج 7 ص 98.
(4) الكافي ج ص 189 التهذيب ج 7 ص 96 الفقيه ج 3 ص 147.
277
و انما سمي الجنسان المذكوران ثمنا لأنهما يقعان عوضا عن الأشياء، و يفترقان بباء العوض غالبا، بل نقل العلامة قطب الدين الرازي عن شيخه العلامة الحلي (قدس سرهما) انهما ثمن و ان اقترنت الباء بغيرهما، حتى لو باع دينارا بحيوان ثبت للبائع الخيار مدعيا على ذلك الاتفاق.
و تحقيق الكلام في هذا الفصل يقع في مسائل.
[المسألة] الأولى [اشتراط التقابض قبل التفرق]
- ينبغي أن يعلم انه يشترط في الصرف- زيادة على ما يشترط في مطلق البيع و في الربا- التقابض قبل التفرق، فلو تفرقا قبل التقابض بطل، و الكلام في التفرق هنا على حسب ما تقدم في خيار المجلس (1) و ربما عبر بعضهم بالمجلس، يعنى التقابض في المجلس، و الأظهر ما ذكرناه كما عبر به كثير منهم، إذا المدار على عدم التفرق، فلو فارقا المجلس مصطحبين فإنه ما لم يفترقا يصح التقابض.
ثم انه قد وقع الخلاف هنا في موضعين، أحدهما- أنه قد صرح العلامة في التذكرة بأن القبض قبل التفرق شرط و واجب أيضا، بمعنى أنهما لو تركاه يأثمان بذلك كما يأثمان بالربا، فإن أراد التفرق قبله يفسخان العقد، ثم يفترقان و الا يأثمان، و هو ظاهر في قطعه بوجوب الوفاء به، و التأثيم بتركه اختيارا، و جعله بمنزلة الربا، حتى أوجب عليهما التفاسخ قبل التفرق لو تعذر عليهما التقابض، و جعل تفرقهما قبله بمنزلة الربوي نسيئة، فإن بطلانه لا يغني عن الإثم به.
و هو ظاهر عبارة الدروس أيضا حيث قال: و يجب فيه التقابض قبل التفرق، و ان كان الوجوب في مثل هذا المقام قد يعبر عنه عن الشرط، و يسمى بالوجوب الشرطي، و قد تقدم نظير هذه المسألة في كتاب الطهارة، في الطهارة بالماء النجس و كيف كان فالظاهر بعد ما ذكره، إذ غاية ما يستفاد من الاخبار بطلان العقد للإخلال بشرطه.
____________
(1) ص 10.
278
و ثانيهما اشتراط التقابض في المجلس أو قبل التفرق هو المشهور، و نقل عن الصدوق العدم، فيصح التقابض، و ان لم يكن في أحد الوصفين المذكورين.
و الذي يدل على المشهور جملة من الاخبار، و منها ما رواه
الكليني و الشيخ (روح الله روحيهما) عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) في الصحيح قال: «سألته عن الرجل يشترى من الرجل الدراهم بالدنانير فيزنها و ينقدها و يحسب ثمنها كم هو دينارا، ثم يقول: أرسل غلامك معى حتى أعطيه الدنانير، فقال: ما أحب أن يفارقه حتى يأخذ الدنانير، فقلت: انما هم في دار واحدة و أمكنتهم قريبة بعضها من بعض، و هذا يشق عليهم، فقال: إذا فرغ من وزنها و انتقادها فليأمر الغلام الذي يرسله أن يكون هو الذي يبايعه، و يدفع اليه الورق و يقبض منه الدنانير حيث يدفع اليه الورق».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب عن منصور بن حازم (2) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا اشتريت ذهبا بفضة أو فضة بذهب، فلا تفارقه حتى تأخذ منه، و ان نزا حائطا فانز معه».
و عن محمد بن قيس (3) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا يبتاع رجل فضة بذهب الا يدا بيد، و لا يبتاع ذهبا بفضة إلا يدا بيد».
و عن محمد بن مسلم (4) قال: «سألته عن الرجل يبتاع الذهب بالفضة مثلا بمثلين، فقال: لا بأس به يدا بيد»،.
و عن الحلبي (5) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ابتاع من رجل بدينار فأخذ بنصفه بيعا و بنصفه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 252 التهذيب ج 7 ص 99.
(2) التهذيب ج 7 ص 99.
(3) التهذيب ج 7 ص 99 الكافي ج 5 ص 251.
(4) التهذيب ج 7 ص 98.
(5) الكافي ج 5 ص 247 التهذيب ج 7 ص 100.
279
ورقا؟ قال: لا بأس به، و سألته هل يصلح أن يأخذ بنصفه ورقا أو بيعا، و يترك نصفه حتى يأتي بعد فيأخذ منه ورقا أو بيعا قال: «ما أحب أن أترك شيئا حتى آخذه جميعا فلا تفعله».
قال المحقق الأردبيلي- بعد نقل هذه الاخبار-: و في دلالة الكل تأمل، إذ ليست الاخبار بصريحة في الاشتراط، بل و لا في الإثم، لأن يدا بيد كأنه كناية عن النقد لا النسيئة، فلا يدل على اشتراط القبض، و لفظ ما أحب يشعر بالاستحباب و هو ظاهر.
و في التهذيب و الاستبصار أخبار كثيرة صريحة في جواز النسيئة في بيع الذهب و الفضة بعضا ببعض، و أصل الصحة و عموم الأدلة أيضا يقتضي عدم البطلان بالمفارقة انتهى.
أقول: لا يخفى ما في هذه المناقشة من الضعف الظاهر للخبير الماهر، أما ما ذكره من عدم الدلالة على الإثم فجيد، و اما دعوى عدم الصراحة في الاشتراط فالخبر الأول منها صريح الدلالة في المنع من التأخير بعد نقد الدراهم و وزنها الى أن يرسل غلامه معه، و المفروض أنهم في دار واحدة كما صرح به في الخبر، فلم يرض (عليه السلام) الا ان يرسل الغلام معه و يجعله وكيلا في البيع و التقابض في المكان الذي تدفع فيه الورق، و أى نص أصرح من ذلك.
و مثله صحيحة منصور الدالة على النهى عن المفارقة حتى يأخذ منه، و النهى حقيقة في التحريم، و المبالغة في أنه ان نزا حائطا فانز معه، لئلا يحصل المفارقة الموجبة لبطلان العقد، فهل فوق هذا التصريح بالشرطية من مزيد ان لم نقل بالوجوب كما قيل به، ما هذا الأعجب عجيب من هذا المحقق الأريب.
و أما قوله «ان يدا بيد» كأنه كناية عن النقد لا النسيئة، ففيه أنه لا يخفى أن حقيقة هذا اللفظ المتبادر من حاق النظر فيه انما هو التقابض في المحل، و المعنى
280
الذي ذكره انما هو معنى مجازي كما يشير اليه قوله (كأنه) و حمل اللفظ على خلاف حقيقته لا يصار اليه الا بدليل يمنع من ارادة حقيقته، و الأمر انما هو بالعكس.
و أما لفظ لا أحب فإنه و ان اشتهر بينهم أنه من ألفاظ الكراهة، إلا أنا قد حققنا في غير موضع مما تقدم أن هذا من الألفاظ المتشابهة، لاستعماله في الاخبار بمعنى التحريم كثيرا مع استعماله فيها بمعنى الكراهة، فلا يحمل على أحدهما إلا بالقرينة، و القرينة هنا على ارادة التحريم، قوله (عليه السلام) في آخر الخبر المذكور «فلا تفعله» الذي هو نهى و حقيقة في التحريم، مع اعتضاد ذلك بباقي أخبار المسألة التي قد عرفت صراحتها في الحكم المذكور.
و بذلك يظهر لك أن الاخبار المذكورة كلها متفقة الدلالة على الشرطية، و لو ادعى الوجوب من بعضها كما قيل به لم يكن بعيدا لهذه النواهي، من قوله «فلا تفارقه، و لا تفعله» و لأمر بأن ينز معه الحائط.
و بالجملة فإن الظاهر أن هذا المقال انما نشأ من الاستعجال و عدم التأمل فيما نقله من الاخبار بعين التحقيق و الاعتبار.
و أما الاخبار التي أشار إليها فهي كما ذكره و هي مستند الصدوق فيما تقدم نقله عنه.
و منها ما رواه
الشيخ عن عمار الساباطي (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا بأس أن يبيع الرجل الدينار بأكثر من صرف يومه نسيئة».
و عن عمار الساباطي في الموثق (2) و رواه
الصدوق عن عمار أيضا عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يبيع الدراهم بالدنانير نسيئة قال: لا بأس».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 100.
(2) التهذيب ج 7 ص 100 الفقيه ج 3 ص 183.
281
و عن عمار الساباطي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «الدنانير بالدراهم بثلاثين أو أربعين أو نحو ذلك نسيئة لا بأس».
و عن زرارة (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) «قال لا بأس ان يبيع الرجل الدينار نسيئة بمائة و أقل و أكثر».
و عن عمار الساباطي (3) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) «عن الرجل هل يحل له أن يسلف دنانير بكذا و كذا درهما إلى أجل معلوم قال: نعم، و عن الرجل يحل له أن يشترى دنانير بالنسيئة قال: نعم انما الذهب و غيره في الشراء و البيع سواء».
و عن محمد بن عمرو (4) «قال كتبت الى ابى الحسن الرضا (عليه السلام) ان امرأة من أهلنا أوصت أن ندفع إليك ثلاثين دينارا، و كان لها عندي، فلم يحضرني فذهبت الى بعض الصيارفة، فقلت: أسلفني دنانير على أن أعطيك ثمن كل دينار ستة و عشرين درهما، فأخذت منه عشرة دنانير بماءتين و ستين درهما و قد بعثتها إليك، فكتب (عليه السلام) الي: وصلت الدنانير».
قال الشيخ بعد نقل اخبار العمار: الأصل فيها عمار، فلا تعارض الأخبار الكثيرة السابقة، ثم قال: و يحتمل ان قوله (نسيئة) صفة لدنانير، و لا يكون حالا للبيع، بمعنى ان من كان له على غيره دنانير نسيئة جاز ان يبيعها عليه في الحال بدراهم و يأخذ الثمن عاجلا. انتهى.
و لا يخفى ما فيه من البعد، و أكثر المتأخرين من أصحاب هذا الاصطلاح المحدث، ردوا هذه الاخبار بضعف الاسناد، و اعتمدوا على الإجماع حيث لم يظهر الخلاف في المسألة الا من الصدوق، و خلاف معلوم النسب غير قادح فيه، و اليه
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 100 و ص 101.
(2) التهذيب ج 7 ص 100 و ص 101.
(3) التهذيب ج 7 ص 100 و ص 101.
(4) التهذيب ج 7 ص 100 و ص 101.
282
يشير كلامه في المسالك (1).
و بعضهم ممن يعمل بالموثق احتمل الجمع بين الاخبار بحمل ما دل على المشهور على الفضل و الاستحباب، و ما دل على مذهب الصدوق على الجواز، و هذه القاعدة الغالبة بينهم في الجمع بين الاخبار مع تعارضها.
و الأقرب عندي هو حمل هذه الاخبار الأخيرة على التقية، و إن لم يعلم القائل الان بذلك كما أوضحناه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب المتقدمة في جلد كتاب الطهارة (2) فإن الأخبار المذكورة ظاهرة في المخالفة، و اتفاق الأصحاب قديما و حديثا على الحكم المذكور- مع تظافر أخبارهم به- دليل ظاهر على كونه ذلك مذهب أئمتهم (عليهم السلام)، فان مذهب كل امام لا يعلم الا بنقل اتباعه و علمهم به، و تخرج الأخبار المذكورة شاهدا، و حينئذ فلا مناص فيما خالف ذلك عن الحمل على النقية التي هي في الأحكام الشرعية أصل كل بلية، و قد تقدم في المقدمة المشار إليها دلالة الأخبار المتكاثرة على إيقاعهم (عليهم السلام) الاختلاف في الأحكام و ان لم يكن بها قائل من أولئك الطغام الذين هم أضل من الانعام.
و ربما احتمل بعض المحدثين حمل الأخبار المذكورة على الأخذ بطريق القرض، قال: فإنه يجوز رد العوض بحسب التراضي فيما بعد من غير شرط و لو بزيادة، كما يأتي إنشاء الله تعالى.
و لا يخفى بعده من سياق الأخبار المذكورة، ثم احتمل التقية أيضا و هو جيد لما ذكرناه، و مما يرجح الأخبار الأولة موافقتها للاحتياط، و هذا من جملة المرجحات المنصوصة في مقام اختلاف الاخبار، كما اشتملت عليه رواية زرارة و الله العالم.
____________
(1) حيث قال: و نبه بالأشهر على خلاف الصدوق بن بابويه حيث لم يعتبر المجلس استنادا الى روايات ضعيفة، و الأصحاب كلهم على خلاف فربما كان الشرط إجماعيا. انتهى منه (رحمه الله) المسالك ص 201.
(2) جلد 1 ص 5.
283
فروع
الأول [لو قبض البعض]
- قالوا: لو قبض البعض صح فيما قبض حسب، و بطل في غير المقبوض، و يتخير كل منهما في فسخ المقبوض و إمضائه لتبعيض الصفقة ان لم يكن حصل منهما تفريط في تأخير القبض، و الا فلا، و لو اختص أحدهما بعدم التفريط اختص بالخيار.
أقول: قد تقدم
في صحيحة الحلبي (1) «في الرجل يبتاع من رجل بدينار هل يصلح أن يأخذ بنصفه ورقا أو بيعا و يترك نصفه حتى يأتي بعد فيأخذ منه ورقا أو بيعا قال: ما أحب أن أترك شيئا حتى آخذه جميعا فلا يفعله».
و ظاهر الخبر مع صحة سنده بطلان المعاملة من رأس، لا الصحة في النصف و التخيير في الباقي كما ذكروه.
الثاني [لو وكل أحدهما في القبض عنه]
- قالوا: لو وكل أحدهما في القبض عنه فقبض الوكيل قبل تفرقهما صح، و لو قبض بعد التفرق بطل، قال في المسالك: الضابط في ذلك أن المعتبر حصول التقابض قبل تفرق المتعاقدين، فمتى كان الوكيل في القبض غير المتعاقدين، اعتبر قبضه قبل تفرق المتعاقدين، و لا اعتبار بتفرق الوكيلين، و متى كان المتعاقدان وكيلين اعتبر تقابضهما في المجلس، أو تقابض المالكين قبل تفرق الوكيلين، و بنحو ذلك صرح المحقق الثاني في شرح القواعد.
الثالث [إذا اشترى دراهم بدنانير، ثم اشترى بها دنانير قبل القبض]
- المشهور بين الأصحاب أنه إذا اشترى الإنسان دراهم بدنانير، و قبل قبض الدراهم من البائع اشترى بها دنانير لم يصح الثاني، لأن ذلك العوض في الصرف موقوف على التقابض، و لم يحصل فيكون قد باع ثانيا ما لم يملكه، و حينئذ
____________
(1) الكافي ج 5 ص 247 التهذيب ج 7 100.
284
فلو افترقا و الحال كذلك بطل العقدان معا.
أما الأول فلعدم التقابض و أما الثاني فلما عرفت من بيع ما لم يملكه، و الأصل في ذلك ما ذكره الشيخ في النهاية، و تبعه أكثر الأصحاب عليه قال: إذا باع الإنسان دراهم بالدنانير لم يجز له أن يأخذ بالدنانير دراهم مثلها الا بعد أن يقبض الدنانير، ثم يشترى بها دراهم إنشاء.
و خالفه ابن إدريس فقال: ان لم يتفارقا من المجلس الا بعد قبض الدراهم المبتاعة بالدنانير التي على المشترى الأول، فلا بأس بذلك، و ان لم يكن قبضه الدنانير التي هي ثمن الدراهم الأول المبتاعة، هذا إذا عينا الدراهم الأخيرة، فان لم يعيناها فلا يجوز ذلك، لانه يكون بيع دين بدين، و ان عيناها لم يصرح بيع دين بدين، بل يصير بيع دين بعين.
و رده العلامة في المختلف بأنه غير جيد قال: أما أولا فلان الشيخ يمنع من بيع ما يكال و يوزن قبل قبضه، و أما ثانيا فحكمه بأنه لو اشترى بثمن غير معين كان قد اشترى بالدين ليس بمعتمد. انتهى ملخصا.
أقول: اما ما ذكره من التعليل للبطلان في الوجه الأول، فهو وجه آخر ايضا لعدم الصحة، زيادة على الوجه الذي قدمناه، و هو عدم ملكه لعدم التقابض الذي هو شرط في صحة الملك في الصرف.
و اما ذكره في الوجه الثاني فهو مبنى على ان الثمن متى لم يكن عينا بل في الذمة، و ان كان حالا غير مؤجل هل هو من قبيل الدين، فيصدق على بيع الدين به أنه بيع دين بدين، أم لا يصدق ذلك حتى يكون دينا قبل وقوع العقد؟ و ظاهر اختيار جملة من الأصحاب الثاني، و منهم شيخنا الشهيد الثاني، فإنه صرح بأن ذلك ليس من بيع الدين بالدين، و انما يصدق ذلك فيما إذا كان دينا قبل العقد، و ظاهر العلامة هنا ذلك أيضا، و قد تقدمت الإشارة الى هذه المسألة و سيأتي تحقيقها إنشاء الله تعالى في باب الدين، قال في المسالك. بعد نقل ملخص كلام ابن إدريس-:
285
و ينبغي القول بالصحة مطلقا إذا تقابضا قبل التفرق، و غاية ما يحصل في البيع الثاني أن يكون فضوليا، فإذا لحقه القبض صح، و سيأتي أن بيع الدين بالدين على هذا الوجه غير ممتنع. انتهى.
الرابع- لو كان له عليه دراهم فاشترى بها دنانير
صح و ان لم يتقابضا، و كذا لو كان له عليه دنانير فاشترى بها دراهم، لان النقدين من جنس واحد، و ما في الذمة بمنزلة المقبوض، فلا يحتاج الى تقابض زائد على ذلك.
أقول: و الأصل في هذه المسألة ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح عن إسحاق بن عمار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) يكون للرجل عندي الدراهم الوضح فيلقاني فيقول لي: كيف سعر الوضح اليوم؟ فأقول له: كذا و كذا، فيقول لي: أ ليس عندك لي كذا و كذا ألف درهم وضحا؟
فأقول: نعم، فيقول: حولها الى دنانير بهذا السعر و أثبتها لي عندك فما ترى في هذا؟
فقال لي: إذا كنت قد استقصيت له السعر يومئذ فلا بأس بذلك، فقلت: انى لم أوازنه و لم أناقده، انما كان كلاما بيني و بينه، فقال: أ ليس الدراهم من عندك و الدنانير من عندك، فقلت: بلى، قال: لا بأس بذلك».
و نحوه
موثق عبيد بن زرارة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون لي عنده دراهم فآتيه فأقول: حولها لي دراهم و أثبتها عندك و لم أقبض منه شيئا؟ قال: لا بأس».
و جمع من الأصحاب عبروا في هذا المقام بعبارة الخبر، قال في النهاية:
إذا كان للإنسان على صير في دراهم أو دنانير فيقول له حول الدنانير الى الدراهم، أو الدراهم الى الدنانير، و ساعره على ذلك كان جائزا و ان لم يوازنه في الحال و لا يناقده، لان النقدين من عنده.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 245 التهذيب ج 7 ص 102 الفقيه ج 3 ص 186.
(2) الكافي ج 5 ص 247 التهذيب ج 7 ص 103.
286
و اعترضه ابن إدريس هنا فقال: ان أراد بذلك أنهما افترقا قبل التقابض في المجلس، فلا يصح ذلك و لا يجوز بغير خلاف، لان الصرف لا يصح أن يفترقا من المجلس الا بعد التقابض، و ان افترقا قبل أن يتقابضا بطل البيع و الصرف، و ان أراد أنهما تقاولا على السعر، و عينا الدراهم المبتاعة و الدنانير المبيعة و تعاقد البيع و لم يوازنه و لا ناقده، بل نطق البائع بمبلغ المبيع ثم تقابضا قبل التفرق و الانتقال من المجلس كان ذلك جائزا صحيحا، و ان أراد الأول كان باطلا بلا خلاف، يدل عليه قوله في المبسوط تصح الإقالة في جميع السلم و بعضه، فإن أقاله من الجميع بريء المسلم اليه من المسلم فيه، و لزمه رد ما قبضه من رأس المال ان كان قائما، و ان كان تالفا لزمه مثله، فان تراضيا بقدر بدله من جنس آخر بأن يأخذ الدراهم بدل الدنانير أو بالعكس كان جائزا، فإن أخذ الدنانير بدل الدراهم أو بالعكس وجب التقابض في المجلس، لانه صرف، و ان أخذ عوضا آخر جاز أن يفارقه قبل القبض، لانه بيع عوض معين بثمن في الذمة. انتهى.
أقول: ما ذكره ابن إدريس جيد على مقتضى أصله الغير الأصيل، و الا فأي مانع من ذلك بعد دلالة الأخبار عليه، و استثناء ذلك من قاعدة العرف بالاكتفاء بهذا الكلام بينهما من حيث اتحاد من عليه الحق، فيكون كالتقابض، و ربما حمل كلام الشيخ المذكور على التوكيل، و كذلك الخبران المذكوران، فان قوله حول الدراهم الى الدنانير، أو الدنانير الى الدراهم نوع توكيل، و حينئذ فلا اشكال و ان لم يتقابضا في المجلس.
قال في المسالك: و ربما بنوا حكمهم على مقدمات يلزم من صحتها صحة الحكم هنا، الاولى- ان الأمر بالتحويل توكيل في تولى طرفي العقد، فان التوكيل لا ينحصر في اللفظ، الثانية- أنه يصح تولى طرفي العقد من الواحد.
الثالثة- أنه يصح أيضا تولية طرفي العقد. الرابعة- ان ما في الذمة مقبوض.
الخامسة- ان بيع ما في الذمة للغير من الدين الحال بثمن في ذمته ليس بيع دين بدين.
287
السادسة ان الوكيل في البيع إذا توقفت صحته على القبض يكون وكيلا فيه، و الا فإن مطلق التوكيل في البيع لا يقتضي التوكيل في القبض و إذا سلمت هذه المقدمات صحت المسألة، انتهى.
و هو جيد لو ثبت توقف صحة البيع عليها، الا أن الظاهر أنه ليس كذلك، و ان كان جواز بعضها مما يفهم من الخبرين المذكورين، و العمدة هو ورود النص بذلك و لا يجب علينا تطلب وجهه و سببه، كما في أكثر النصوص التي لا يمكن معرفة العلة فيها لما ذكر فيها من الأحكام، و الظاهر أنه لا مخالف في هذا الحكم سوى ابن إدريس، و كل من تأخر عنه رد كلامه لما ذكر فيها، و ظاهر المحقق الأردبيلي هنا الميل الى ما ذهب اليه ابن إدريس، حيث قال بعد قول المصنف «و لو كان له عليه دراهم فاشترى بها دنانير أو بالعكس صح و ان لم يتقابضا» ما صورته (1): يعني إذا كان لزيد مثلا على عمرو في ذمته دراهم فضة و قال: اشتريت منك الدنانير بها، صح الصرف، و لا يحتاج الى التقابض بأن يوكله في قبضه له الدنانير، و لا تعيينه لنفسه ما به الدنانير من الدراهم و ان كان مطلقا و في الذمة، و لا الى مضى زمان يسع التقابض، فلو تفرق قبله لم يبطل، فيطالبه بالدنانير لحصول القبض و فيه تأمل واضح، لان الدراهم و ان كانت مقبوضة، و لكن الدنانير غير مقبوضة للمشتري فما حصل التقابض، و هو قبض كل واحد مال الأخر الذي انتقل إليه بواسطة البيع و الشراء و هو ظاهر. نعم يمكن ذلك لو و كله في القبض و التعيين للمشتري الدنانير، بل ينبغي تعيينه الدراهم أيضا ثم القبض لنفسه قبل التفرق، و يمكن ان يكون المراد أن يكون الدنانير أيضا في ذمة المشترى
____________
(1) كذا صورة العبارة في الأصل المنقول منه، و الظاهر انه لا يخلو من غلط، الا أن المعنى ظاهر، و هو أنه لا يحتاج ايضا الى تعيين الدنانير للمشتري و بيان كميتها و عددها و الدراهم للبائع و بيان قدرها، كما هو مشترط في البيع في غير هذه الصورة، بل يكفى التهاتر الواقع بعد وقوع المقاولة على السعر و تعينه، و ان كان الجميع في الذمة مطلقا. منه (رحمه الله).
288
فهي أيضا مقبوضة له، و حينئذ يكون كل المال المنتقل إلى الأخر مقبوضا له، و الظاهر صحة البيع و عدم الاحتياج الى التوكيل للتعيين و القبض، و لا الى مضى زمان، لصدق القبض المفهوم من الاخبار التي هي دليل الحكم، لانه يصدق أنه باع يدا بيد، و المبيع و المشترى مقبوض لهما، و أنه أخذا قبل التفرق، و هو ظاهر من غير فرق بين المتجانسين المتساويين و المختلفين مطلقا، الا أنه يجيء فيه الاشكال من جهة أنه بيع دين بدين، و الظاهر عدم جوازه. انتهى.
أقول: ظاهر هذا الكلام أن قائله قد غفل عن ملاحظة الخبرين المتقدمتين في المسألة، و ظن أن هذا الحكم انما وقع في كلام الأصحاب، و لهذا تأوله بقوله و يمكن أن يكون المراد الى آخره، و أن هذا الفرض انما يجرى في عبارة المصنف المذكورة لا في الاخبار، لأنها صريحة في كون الثمن و المثمن انما هو عند الذي عليه الطلب، و يؤيده ما قلناه أنه في جميع الأحكام يبالغ في تتبع الاخبار و نقلها و إيرادها من مؤالف و مخالف، هنا لم يتعرض للخبرين المذكورين بالكلية، و لو بالإشارة، و انما تكلم على عبارة المصنف كي يبين مراده أولا، ثم ناقشه بمناقشة ابن إدريس للشيخ، مع أن المصنف و غيره إنما أخذوا الحكم المذكور من الخبرين، و لكنهم عبروا بهذه العبارة لصراحتها في البيع و الشراء، بخلاف لفظ التحويل الذي في الخبرين، و حينئذ فالعذر له ظاهر، و الا فلو أنه اطلع على الخبرين و مع هذا عدل عن القول بما دلا عليه، لأجاب عنهما و تأولهما كما هي عادته و قاعدته، و بالجملة فإن كلامه هنا بالنظر الى الخبرين مما لا يلتفت اليه، و لا يعرج عليه، و الله العالم.
المسألة الثانية [وجوب تساوي الجنس مع الاتحاد]
- قالوا: إذا اتحدت الجنس وجب التساوي قدرا و ان اختلفا في الجودة و الرداءة و الصفة، و إذا اختلفا فيه جاز الاختلاف زيادة و نقصانا.
أقول: أما وجوب التساوي مع الاتحاد فلما استفاضت به الاخبار من أن الزيادة مع الاتحاد رباء محض
كصحيحة الحلبي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 98.
289
قال: «الفضة بالفضة مثلا بمثل ليس فيه زيادة و لا نقصان، الزائد و المستزيد في النار».
و رواية وليد بن صبيح (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول الذهب بالذهب، و الفضة بالفضة الفضل فيهما هو الربا المنكر».
و صحيحة محمد بن مسلم (2) «عن أبى جعفر (عليه السلام) أنه قال: الورق بالورق وزنا بوزن، و الذهب بالذهب وزنا بوزن».
و صحيحة إسحاق بن عمار (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
الدراهم بالدراهم و الرصاص؟ فقال: الرصاص باطل».
الى غير ذلك من الاخبار، و في الخبر الأخير دلالة على حصول الربا بالزيادة و ان كانت من غير الجنس.
و اما جواز البيع مع الاتحاد و ان اختلفا في الجودة و الرداءة فلما تقرر عندهم من أن جيد كل جنس و رديه واحد (4) و يدل عليه
صحيحة الحلبي (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يستبدل الكوفية بالشامية وزنا بوزن فيقول الصيرفي: لا أبدل لك حتى تبدل لي يوسفية بغلة وزنا بوزن، فقال: لا بأس فقلت: إن الصيرفي إنما طلب فضل اليوسفية على البغلة، فقال: لا بأس به».
و رواية أبي بصير (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يستبدل الشامية بالكوفية وزنا بوزن فقال: لا بأس به».
و أما مع الاختلاف فلا اشكال لعدم
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 98.
(2) التهذيب ج 7 ص 98.
(3) الكافي ج 5 ص 246.
(4) قال في الشرائع: و يستوي في وجوب التماثل المصوغ و المكسور و جيد الجوهر و رديه، و ظاهر بعض مشايخنا وجود القول هنا بالمنع من حيث ان الجودة زيادة حكمية فيحصل بها الربا حينئذ، و الروايات ترده.
منه (رحمه الله).
(5) الكافي ج 5 ص 247.
(6) التهذيب ج 7 ص 104.
290
المانع مع استكمال شروع البيع كما تقدم في فصل الربا.
المسألة الثالثة [حكم ما إذا كان في الفضة غش مجهول]:
قد صرحوا بأنه إذا كان في الفضة غش مجهول لم يبع الا بالذهب أو بجنس غير الفضة و كذلك الذهب».
قال في المسالك: هذا مبنى على الغالب من أن المغشوش لا يباع بوزنه خالصا، لان البيع مبنى على المماكسة و المغالبة، فلا يدفع المشترى بوزن المغشوش صافيا، و الا فلو فرض وقوع ذلك صح بيعه بجنسه أيضا، بل متى علم زيادة الخالص عن مجانسة المغشوش صح و ان لم يبلغ قدر المجموع من النقد و الغش. انتهى.
أقول: الوجه- فيما ذكره (قدس سره)- هو أنه إذا بيع المغشوش بالخالص وزنا فإنه يكون الزيادة التي في الخالص في مغابله الغش، فلا مانع حينئذ، لكن لما كان بناء البيع و الشراء على ما ذكره لم يجز ذلك الا مع علم المشترى و رضاه بذلك، و أما إذا كان الغش معلوما فإنه يجوز بيعه بمثل جنسه مع زيادة تقابل الغش و كذا لو جهل بان جهل قدره، و لكن علم أنه لا يزيد عن النصف، فإنه يجوز بيعه بزيادة يسيرة عن النصف من جنسه، و ينصرف الزائد في مقابلة الغش، و معنى المقابلة في هذا المواضع أن تصلح عوضا في مقابلة الغش بحيث تتمول و ان لم يكن قدره قيمة.
و كيف كان فالظاهر أنه لا بد من التقابض قبل التفرق في المقام الذي يصح فيه البيع كما هو الشرط في الصرف.
قال العلامة في التذكرة الدراهم و الدنانير المغشوشة إذا علم مقدار الغش فيها جاز بيعها بجنسها بشرط زيادة في السليم تقابل الغش ليخلص من الربا لو بيع بقدر الصافي منها، و يجوز بيعها بغير الجنس مطلقا، و ان لم يعلم مقدار الغش وجب أن تباع بغير جنسها حذرا من الربا، لإمكان أن يتساوى الصافي و الثمن في القدر، فيبقى الغش زيادة في أحد متساويين.
291
و لما رواه
ابن سنان (1) في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن شراء الفضة فيها الرصاص بالورق و إذا خلصت نقصت من كل عشرة درهمين أو ثلاثة؟ قال: لا يصلح الا بالذهب، و سألته عن شراء الذهب فيه الفضة و الزيبق و التراب بالدنانير و الورق، فقال: لا تصارفه الا بالورق».
و لو بيع بوزن المغشوش فإنه يجوز، إذ الفاضل من الصافي يقابل الغش، إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز إنفاقه إلا بعد إبانته و إيضاح حاله، الا أن يكون معلوم الصرف بين الناس. انتهى.
أقول: لا يخفى: أن الخبر المذكور بحسب ظاهره مناف لما قدمناه مما ظاهرهم الاتفاق عليه من جواز بيع المغشوش بجنسه الخالص إذا كان مساويا له في الوزن، لانصراف الزيادة التي في الخالص الى الغش، لانه قد نهى (عليه السلام) عن شراء الفضة التي فيها الرصاص بالورق، و أمر بالذهب، و من المعلوم أنه لا يقع الشراء الا بالوزن، و قد عرفت أنه مع تماثلهما في الوزن و تساويهما يصح البيع، لانصراف الزيادة التي في الخالص الى الغش الذي في الأخر، فالواجب حمل الخبر على ما ذكره شيخنا المتقدم ذكره من أنه لما كان بناء البيع و الشراء على المماكسة و المغالبة- فالمشتري لا يبذل فضة خالصة أو ذهبا خالصا في مقابلة غش- منع (عليه السلام) من هذه المقابلة الا بغير الجنس.
المسألة الرابعة [في أحكام بيع تراب المعدن]:
قالوا: و لا يباع تراب معدن الفضة بالفضة، و انما يباع بالذهب و كذا معدن الذهب انما يباع بالفضة لا بالذهب احتياطا في الموضعين، (2) و لو جمعا في صفقة جاز بيعهما بالذهب و الفضة معا و يجوز بيع جوهر الرصاص و الصفر بالذهب و الفضة و ان كان فيه يسير فضة أو ذهب، لان الغالب غيرهما، و أنه يجوز
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 109.
(2) أقول المراد بالاحتياط يعنى ان مستند الوجوب هو الاحتياط و التحرز من الوقوع في الربا لا بمعنى الاستحباب كما هو المتبادر. منه (رحمه الله).
292
إخراج الدراهم المغشوشة مع جهالة الغش إذا كانت معلومة الصرف بين الناس، و ان كانت مجهولة الصرف لم يجز إنفاقها إلا بعد ابانه حالها، و هذا الكلام يتضمن جملة من الأحكام.
الأول- حكم بيع تراب المعدن، أما بيع كل منهما بالاخر فلا شك في جوازه، لعدم الربا بالزيادة مع اختلاف الجنس، و كذا يصح ايضا بيعه بمثله (1) إذا علم المقدار و التساوي ان لم يكن لما صحبه من المعدن قيمة و الا فبالمثل مع اشتماله على زيادة تقابل تراب المعدن، و لكن لما كان الفرض بعيدا لم يذكروا ذلك.
و أما بيعهما بالنقدين إذا جعلا في صفقة واحدة فلا إشكال أيضا في صحته للتخالف، و انصراف كل الى ما يخالفه، و يدل عليه
رواية عبد الله مولى عبد ربه (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الجوهر الذي يخرج من المعدن، و فيه ذهب و فضة و صفر جميعا كيف نشتريه؟ فقال تشتريه بالذهب و الفضة جميعا».
و رواية عبد الله بن سنان (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن شراء الذهب فيه الفضة بالذهب؟ قال لا يصلح الا بالدنانير و الورق».
و يمكن هنا أيضا البيع بأحدهما إذا تحقق في الثمن اشتماله على مثل معدنه و زيادة تقابل المعدن الأخر و هو ظاهر، و الظاهر أنه لبلد فرضه لم ينبهوا عليه، و أظهر جوازا البيع بغيرهما.
____________
(1) اى بمثل الفضة أو الذهب، و لهذا قال: إذا علم المقدار، و أما بيعه بمثل الجميع من التراب و بما فيه من الذهب أو الفضة، فلا يجوز إذ لم يكن للتراب قيمة، لان ما فيه من التراب لا قيمة له، فيبقى الزائد في المقابل بغير عوض و يلزم الربا فيه. منه (رحمه الله).
(2) التهذيب ج 7 ص 111 الكافي ج 5 ص 249.
(3) التهذيب ج 8 ص 109.
293
و كيف كان فلا بد من اعتبار شرائط البيع الأخر، و الظاهر ان مثل هذا لا يدخل في باب الصرف فيشترط في صحته التقابض في المجلس أو قبل التفرق، لانه لا يصدق عليه بيع الأثمان بالأثمان، و عدم صدق الذهب و الفضة و انما هو تراب الذهب و تراب الفضة، الا ان الذي يظهر من اخبار بيع السيوف المحلاة (1) كما يأتي إنشاء الله- تعالى- اشتراط التقابض قبل التفرق، فينبغي أن يكون هنا أولى، و الاحتياط لا يخفى.
الثاني ما ذكره من أنه يجوز بيع الرصاص بالفضة و الصفر بالذهب، و ان اشتمل كل منهما على يسير من جنس ما بيع به، فهو مما لا خلاف فيه و لا اشكال، لاضمحلال ما في كل منهما من يسير الذهب و الفضة في جنب ما هو فيه، و صدق الاسم بدونهما، و الأحكام تابعة لصدق التسمية و هو بمنزلة الحلية التي تعمل في سقوف البيوت و جدرانها غير مقصودة بالبيع، و لا ملحوظة فيه، فلا يشترط حينئذ في صحة البيع العلم بزيادة الثمن عن ذلك اليسير من الذهب أو الفضة، ليكون في مقابلة الجنس الأخر.
و يدل على ذلك أيضا
صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الأسرب يشترى بالفضة، فقال: ان كان الغالب عليه الأسرب فلا بأس به».
و الظاهر أن المراد الغلبة في صدق الاسم كما يدل عليه الخبر الاتى لا الغلبة في الجنس.
و ما رواه
في الكافي عن معاوية بن عمار (3) و غيره عن أبى عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل الباب- 15- من أبواب الصرف.
(2) الكافي ج 5 ص 248 التهذيب ج 7 ص 112.
(3) الكافي ج 5 ص 251 التهذيب ج 7 ص 111.
294
قال: «سألته عن جوهر الأسرب و هو إذا خلص كان فيه فضة أ يصلح ان يسلم الرجل فيه الدراهم المسماة؟ فقال إذا كان الغالب عليه اسم الأسرب فلا بأس بذلك يعنى لا يعرف إلا بالأسرب».
أقول: و يحتمل أن يكون هذا التفسير من الامام (عليه السلام) و يحتمل أن يكون من الراوي، و احتمال كونه من الكليني بعيد.
و أما التعليل في جواز البيع في الصورة المذكورة بما تقدم نقله عنهم من أن جواز ذلك لكون الصفر و الرصاص هو الأكثر و الغالب فلا يحسم مادة الشبهة، فإن مجرد الأغلبية غير كاف في جواز البيع بذلك النقد كيف اتفق، حتى لو كان عشرا يمكن تمييزه لم يجز بيعه بجنسه الا مع الزيادة في الثمن عليه بحيث تقابل مقابل الأخر كما تقدم و يمكن حمل كلامهم على أن المراد الغلبة المستولية على النقد بحيث اضمحل معه تجوزا كما تجوزوا في قولهم في باب الأحداث النوم الغالب على الحاستين، بمعنى اضمحلال الحس بهاتين الحاستين تحت النوم.
الثالث ما ذكروه من أنه يجوز إخراج الدراهم المغشوشة الى آخره، فإنه يدل عليه جملة من الاخبار.
منها ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن عمر بن يزيد (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في إنفاق الدراهم المحمول عليها فقال: إذا كان الغالب عليها الفضة، فلا بأس بإنفاقها».
أقول: المراد بالمحمول عليها المغشوشة حيث إنه حمل عليها من غيرها، كما يظهر من الاخبار الاتية.
و عن ابن رئاب (2) قال: «لا أعلمه إلا عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 253 التهذيب ج 7 ص 108.
(2) الكافي ج 5 ص 253 التهذيب ج 7 ص 109.
295
عبد الله (عليه السلام): الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس أو غيره ثم يبيعها؟
فقال: إذا كان بين الناس ذلك فلا بأس».
كذا في الكافي، و المراد إذا كان رائجا بين الناس، و في التهذيب «إذا بين ذلك فلا بأس» و هو معنى صحيح الا ان الأول أوفق بأخبار المسألة.
و ما رواه
في الكافي عن حريز (1) قال: «كنت عند أبى عبد الله (عليه السلام) فدخل قوم من أهل سجستان فسألوه عن الدراهم المحمول عليها؟ فقال: إذا كان جوازا لمصر».
و عن أبى العباس البقباق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الدراهم المحمول عليها؟ فقال: إذا أنفقت بما يجوز بين أهل المدينة أو البلد فلا بأس، و ان أنفقت ما لا يجوز بين أهل المدينة فلا».
و ما رواه
في التهذيب عن عمر بن يزيد (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن إنفاق الدراهم المحمول عليها؟ فقال إذا جازت الفضة (المثلين) فلا بأس».
و عن محمد بن مسلم (4) عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «جاء رجل من أهل سجستان فقال له: ان عندنا دراهم يقال لها الشاهية تحمل على الدراهم دانقين؟
فقال: لا بأس به إذا كان يجوز».
و عن محمد بن مسلم (5) «قال، سألته عن الدراهم المحمول عليها؟ قال: لا بأس بإنفاقها».
و عن المفضل بن الجعفي (6) «قال كنت: عند أبى عبد الله (عليه السلام) فالقي بين يديه الدراهم فقال: أيش هذا؟ قلت: ستوق، قال: و ما الستوق؟ فقلت: طبقتين
____________
(1) الكافي ج 5 ص 253.
(2) الكافي ج 5 ص 253.
(3) التهذيب ج 7 ص 108 الرقم- 69- و في الوافي (الثلثين) بدل المثلين.
(4) التهذيب ج 7 ص 108 الرقم- 71.
(5) التهذيب ج 7 ص 108 الرقم- 68.
(6) التهذيب ج 7 ص 108 الرقم- 72.
296
فضة، و طبقة من نحاس، و طبقة من فضة؟ فقال: اكسرها فإنه لا يحل بيع هذا و لا إنفاقه» (1).
قال في الوافي الستوق بالضم و الفتح معا و تشديد التاء، و تستوق بضم التاء المزيف البهرج الملبس بالفضة، «طبقتين فضة» الصواب طبقة من فضة و كأنه مما صحفه النساخ، و حمل منع إنفاقه في التهذيبين على ما إذا لم يتبين أنه كذلك: فيظن الأخذ أنه جيد. انتهى.
أقول: الظاهر أن المراد من هذه الاخبار و كذا ما قدمناه من كلام الأصحاب انما هو بيان جواز إنفاق هذه الدراهم في سائر المعاملات دون ما يتعلق به الربا و يدخل في الصرف، وقوفا على قواعد الأصحاب المذكورة في سابق هذه المسألة، فلو أريد المعاملة بها في أحد هذين الوجهين فلا بد من مراعاة شروطهما كما تقدم، و مرجع ذلك الى أنه متى كان عادة البلد المعاملة بذلك النقد المغشوش مع معلومية حاله
____________
(1) قال ابن إدريس في كتاب السرائر: أما استفهام الامام (عليه السلام) ما هو التسوق، فإنها كلمة فارسية غير عربية، و هي مفتوحة السين الغير المعجمة مشددة التاء المنقطة من فوقها نقطتين المضمومة، فالواو و القاف و معناها ثلاث طبقات، لان ست بالفارسية ثلاثة، و توق طبقات و هو الزايف الردى البهرج، قال الصولي في كتاب الأوراق: اعترض مخلد الشاعر الموصلي الخليفة المعتمد لما دخل الموصل بمدح، و حلفه ان يسمعه فأحضره و سمع مدحه، ثم قال: أنشدني هجاك لأهل الموصل فأنشده.
هم قعدوا فانتفوا لهم حسبا * * * يجوز بعد العشاء في العجب
حتى إذا ما الصباح لاح لهم * * * تبين ستوقهم من الذهب
و الناس قد أصبحوا صيارفة * * * أعلم شيء لبهرج النسب
انتهى منه (رحمه الله).
297
عندهم كهذه الفروش التي في بلد ان الروم، و الطويلة التي في بلاد الأحساء، فإنها من الصفر الملبس بالفضة، فلا بأس بالمعاملة بها و إنفاقها، و ما عدا ذلك، فلا يجوز إنفاقه إلا مع الا علام بحاله، كما تقدم نقله عن العلامة في آخر عبارته المتقدمة، و على هذا حمل الشيخ خبر المفضل المذكور.
و يدل على ذلك صريحا ما رواه
في التهذيب عن جعفر بن عيسى (1) قال: «كتبت الى أبى الحسن الأول (عليه السلام): ما تقول: جعلت فداك في الدراهم التي أعلم أنها لا تجوز بين المسلمين إلا بوضيعة، تصير الى من بعضهم بغير وضيعة لجهلي به، و انما أخذته على أنه جيد، أ يجوز لي أن آخذه و أخرجه من يدي اليه على حد ما صار الى من قبلهم؟ فكتب (عليه السلام): لا يحل ذلك، و كتبت اليه: جعلت فداك هل يجوز ان وصلت الى رده على صاحبه من غير معرفته به أو إبداله منه، و هو لا يدرى أني أبدله منه و أورده عليه؟ فكتب (عليه السلام) لا يجوز».
و مما ذكرنا يظهر ما في كلام المحقق الأردبيلي (طاب ثراه) في هذا المقام من النظر الظاهر لذوي الأفهام، و ذلك في موضعين: أحدهما أنه قال في سابق هذه المسألة بعد بيان حكمها ما صورته: و في الاخبار الكثيرة المعتبرة أنه يجوز بيعه بمثل ما فيه ان كان الغالب هو أو الغش بحيث يطلق عليه اسم ذلك، فالظاهر ان المراد أن أحدهما مضمحل و لا قيمة له، ثم استدل بحسنة عمر بن يزيد الاولى من الروايات المتقدمة، و رواية على بن رئاب عن محمد بن مسلم و صحيحة عبد الرحمن الحجاج الواردة في الأسرب، و روايته الأخرى الواردة أيضا فيه.
و أنت خبير بما قدمنا تحقيقه أن المراد من روايتي عمر بن يزيد و علي بن رئاب المذكورتين في كلامه انما هو إنفاق الدراهم المغشوشة في المعاملة في غير ما يدخل في الربا بالصرف، و ان كان الغش كثيرا كما صرح به (عليه السلام) في رواية
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 116 الرقم 112.
298
عمر بن يزيد الثانية من قوله (عليه السلام) «إذا جازت الفضة الثلثين فلا بأس» فإنه يعطي جواز المعاملة بما يكون الغش فيه يبلغ الربع و على ذلك يدل إطلاق جملة من أخبار المسألة، و تمسكه في ذلك بخبري عبد الرحمن بن الحجاج ليس في محله، لان هذا حكم آخر كما فصلناه هنا.
قال في المسالك في هذه المسألة: و لا يخفى أن المراد هنا الغش المعتبر، دون ما يستهلك لقلته، نبه عليه في التذكرة انتهى، و بالجملة فالخبران اللذان أوردهما أولا انما هما من قبيل باقي الأخبار التي سردناها، و قد عرفت المراد منها، و ليسا من أخبار المسألة المتقدمة كما ظنه، و محمل التأويل فيهما، و الخبران الأخيران قد تقدم محلهما، و ليس هما من أخبار المسألة السابقة أيضا كما توهمه.
و ثانيهما ما ذكره و قبله المحقق الشيخ على في شرح القواعد من حمل الصرف في كلام المتقدمين- كالعبارة التي قدمنا نقلها عنهم في صدر المسألة من قولهم يجوز إخراج الدراهم المغشوشة مع جهالة الغش إذا كانت معلومة الصرف، و ان كانت مجهولة الصرف لم يجز إنفاقها- على الصرف بمعنى معلومية قيمة ما فيها من الصافي أو قيمته، و كذا مجهولية الصرف بمعنى عدم العلم بقدر ما فيه من الصافي.
و المفهوم من الاخبار التي قدمناها أن المراد بالصرف في عباراتهم انما هو الرواج في المعاملة و مضيها بين الناس من غير توقف في أحدها لمكان الغش مع العلم بذلك، فمتى كان رائجا في المعاملة جاز إنفاقه، و ان لم يكن رائجا في تلك البلد و لا متعاملا به وجب الاعلام بغشه، سواء علم قدر ما فيه من الخالص أو لم يعلم.
و بما ذكرناه صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك- فقال بعد ذكر عبارة المصنف كما قدمنا ذكره في صدر المسألة-: المراد بكونها معلومة الصرف كونها متداولة بين الناس مع علمهم بحالها، فإنه يجوز حينئذ إخراجها، و ان لم يعلم بقدر
299
ما فيها من الغش، فلو كانت مجهولة الصرف بحيث لو علموا بحالها ما قبلوها وجب على مخرجها ابانه حالها، بأن يقول: إنها مغشوشة و ان لم يبين قدر غشها الى آخره.
المسألة الخامسة [في أحكام بيع المراكب و الأشياء المحلاة]
- المراكب المحلاة إذا علم ما فيها من الحلية يجوز بيعها بجنسها بشرط أن يزيد الثمن عما فيها، أو توهب الزيادة من غير شرط و يجوز بيعها ايضا بغير جنسها مطلقا، و ان جهل ما فيها- و ان أمكن نزعه من غير ضرر- بيعت بغير جنس الحلية، و ان بيعت بجنس الحلية قيل: يجعل معها شيء من المتاع، و تباع بزيادة عما فيها تقريبا، دفعا لضرر النزع، هكذا قالوا.
و الذي وقفت عليه من الاخبار منها-
رواية إبراهيم بن هلال (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جام فيه ذهب و فضة، أشتريه بذهب أو فضة؟
فقال: ان كان تقدر على تخليصه فلا، و ان لم تقدر على تخليصه فلا بأس».
و صحيحة عبد الله بن سنان (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شراء الذهب فيه الفضة و الزيبق و التراب بالدنانير و الورق فقال: لا تصارفه الا بالورق قال: و سألته عن شراء الفضة فيها الرصاص و الورق إذا خلصت نقصت من كل عشرة درهمين أو ثلاثة قال لا يصلح الا بالذهب».
و رواية أبي بصير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بيع السيف المحلى بالنقد؟ فقال: لا بأس به، قال: و سألته عن بيعه بالنسيئة، فقال: إذا نقد مثل ما في فضته فلا بأس به أو ليعطي الطعام».
و موثقة محمد بن مسلم (4) قال: سئل عن السيف المحلى، و السيف الحديد
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 112.
(2) الكافي ج 5 ص 249 التهذيب ج 7 ص 109.
(3) الكافي ج 5 ص 250 التهذيب ج 7 ص 112 و ص 114.
(4) الكافي ج 5 ص 250 التهذيب ج 7 ص 112 و ص 114 و ليس في الكافي كلمة بالفضة).
300
المموه (بالفضة) يبيعه بالدراهم؟ قال: نعم و بالذهب، و قال: انه يكره أن يبيعه بنسيئة، و قال: إذا كان الثمن أكثر من الفضة فلا بأس».
كذا في الكافي، و في التهذيب (بع بالذهب) مكان: نعم و بالذهب.
و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألته عن السيوف المحلاة فيها الفضة تباع بالذهب إلى أجل مسمى؟ فقال: ان الناس لم يختلفوا في النساء أنه الربا، و انما اختلفوا في اليد باليد، فقلت له: فتبيعه بدراهم بنقد؟ فقال: كان أبى (عليه السلام) يقول: يكون معه عرض أحب الي، فقلت: إذا كان الدراهم التي تعطى أكثر من الفضة التي فيها؟ فقال: و كيف لهم بالاحتياط بذلك؟ قلت له:
فإنهم يزعمون أنهم يعرفون ذلك فقال: ان كانوا يعرفون ذلك فلا بأس، و الا فإنهم يجعلون معه العرض أحب الي».
و صحيحة عبد الله بن سنان (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بنساء إذا نقد ثمن الفضة و الا فاجعل ثمن فضة طعاما و لينسه ان شاء».
و رواية منصور الصيقل (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال سألته عن السيف المفضض تباع بالدراهم؟ قال: ان كانت فضته أقل من النقد فلا بأس، و ان كانت فضته أكثر فلا يصلح».
و عن أبى بصير (4) قال: «سألته عن المفضض» الحديث مثله.
و رواية منصور الصيقل (5) ايضا عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: السيف أشتريه و فيه الفضة تكون الفضة أكثر أو أقل؟ قال: لا بأس به».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 251 التهذيب ج 7 ص 113.
(2) التهذيب ج 7 ص 112.
(3) التهذيب ج 7 ص 113.
(4) التهذيب ج 7 ص 113.
(5) التهذيب ج 7 ص 113.
301
و رواية عبد الله بن جذاعة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السيف المحلى بالفضة يباع بنسيئة؟ قال: ليس به بأس، لأن فيه الحديد و السير».
و ما رواه
الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن العلوي عن جده على بن جعفر (2) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: «سألته عن الفضة في الخوان و القصعة و السيف و المنطقة و السرج و اللجام تباع بدراهم أقل من الفضة أو أكثر قال: تباع الفضة بدنانير، و ما سوى ذلك بدراهم».
و رواه على بن جعفر في كتابه.
أقول: ينبغي أن يعلم أولا أن من القواعد المقررة في كلام الأصحاب- و هو المستفاد من الاخبار كما تقدم ذكره في باب الربا- ان المجتمع من جنسين يجوز بيعه بغير جنسيهما مطلقا، و بهما معا سواء علم قدر كل واحد من المجتمع أم لا إذا عرف قدر الجملة، و سواء أمكن تخليصهما أم لا، و يجوز أيضا بكل واحد منهما إذا علم زيادته عن جنسه بحيث يصلح ثمنا للآخر و ان قل و لم يكن قيمته واقعا (3)، و حينئذ فما دلت عليه رواية إبراهيم بن هلال «من النهى عن شراء اللجام إذا كان يقدر على تخليصه» لعله محمول على الكراهة، و الا فلو شراه بأحدهما مع زيادته على ما فيه من ذلك الجنس الأخر فلا إشكال في صحته، بناء على ما عرفت.
و ما دلت عليه صحيحة عبد الله سنان الاولى- من أنه لا يصلح شراء الفضة المغشوشة بالرصاص بالورق- قد تقدم بيان لوجه فيه في المسألة الثانية.
____________
(1) الوسائل الباب- 15- من أبواب الصرف الحديث- 10.
(2) الوسائل الباب- 15- من أبواب الصرف الحديث- 11.
(3) اشتراط العلم كما ذكرنا مذهب الأكثر، و به صرح في الدروس و مثله الشهيد الثاني في الروضة، و بالاكتفاء بالظن الغالب صرح الشهيد في اللمعة و الظاهر الأول. منه (رحمه الله).
302
و ما في رواية أبي بصير- من نفي البأس عن بيع السيف المحلى بالنقد- فيحمل على المخالفة في جنسي النقد و الحلية، أو زيادة الثمن ان كان من جنسها، و ما نفى عنه البأس من بيعه نسيئة إذا نقد مثل ما في الفضة ظاهر في كون ذلك من باب الصرف كما تقدمت الإشارة إليه، فيشترط فيه التقابض في المجلس بالنسبة إلى الحلية، و ما قابلها من الثمن، فإذا نقد مثل الفضة، فلا بأس بالنسبة في الباقي، و الا فليجعل جنسا آخر كالطعام، و مثل هذه في ذلك صحيحة عبد الله سنان.
و أما موثقة محمد بن مسلم- فعلى تقدير نسخة الكافي- فيها دلالة على جواز البيع بالدراهم، لكن لا بد من التقييد بزيادتها على ما فيه من الفضة لما عرفت، و على تقدير نسخة التهذيب فيها دلالة على المنع من الدراهم، و يحمل على عدم معلومية الحلية، ليحصل المخرج من الوقوع في الربا بالزيادة في الثمن، فلا يباع حينئذ إلا بجنس آخر، كما دلت عليه صحيحة عبد الرحمن الحجاج، و كراهة نسيئة في الرواية أعم من أن يكون بالدراهم أو الدنانير، و المراد بالكراهة التحريم كما هو شائع في الاخبار، لما عرفت من أنه يلحقه حكم الصرف هنا، و قوله فيها إذا كان الثمن أكثر من الفضة فلا بأس فيه، دلالة على جواز البيع بالدراهم مع زيادتها على ما فيه من الحلية، ليكون الزيادة في مقابلة الجنس الأخر.
و أما صحيحة عبد الرحمن الحجاج، فان قوله فيها أن الناس لم يختلفوا في النسيء أنه الربا» مؤكد لما قلناه من حصول الربا بالنسيئة، لما تقدم من أن له قسطا من الثمن، و فيه دلالة ظاهر على اعتبار الزيادة الحكمية في الربا، خلافا لابن إدريس من تخصيصه الزيادة الموجبة للربا بالعينية.
و قوله «فقلت: فنبيعه بدراهم بنقد» الى آخر الخبر ملخصه أنه ان علم مقدار الفضة التي في الحلية، فالمخرج من الوقوع في الربا زيادة الدراهم على الفضة المذكورة، و ان لم يعلم فلا تباع الا بجنس آخر تحرزا من الوقوع في الربا،
303
بان يكون الفضة التي في الحلية أزيد من الدراهم المنقودة، بقي الإشكال فيه من قوله «انما اختلفوا في اليد باليد» مع انا لا نعلم خلافا في اشتراط التقابض في النقدين، و لم يذهب أحد إلى القول بعدم التقابض في النقدين و انما الخلاف في غيرهما كما تقدم، و الظاهر ان هذا الكلام إشارة الى ما ذكره محيي السنة من علماء العامة (1) ان ذلك كان قديما في عصره (صلى الله عليه و آله) ثم نسخ، و بقي عليه أقوام لم يصل إليهم النسخ، و منهم ابن عباس.
و أما رواية منصور الاولى فالمعنى فيها ظاهر مما عرفت.
و أما رواية الثانية ففي ظاهرها نوع اشكال و الظاهر أن المعنى فيها هو ما في روايته الاولى، و أن المراد بقوله أكثر أو أقل لا بالنسبة الى ما قابله من الثمن إذا كان دراهم، بل المراد كثيرا أو قليلا، و لا بد من أقليته بالنسبة إلى الثمن لينطبق على الاخبار الباقية.
و أما رواية عبد الله بن جذاعة فحملها الشيخ في الاستبصار على التقييد بأن نقد مثل ما فيه من الفضة، ليوافق ما تقدم مما دل على الحكم المذكور.
و أما رواية على بن جعفر فما ذكر فيها، أحد الوجوه الموجبة للخروج عن الربا، و ليس ذلك مخصوصا به لما عرفت مما تقدم.
بقي الكلام في مواضع مما تقدم نقله عنهم في صدر المسألة: منها قولهم أنه مع العلم بما فيها من الحلية تباع بالجنس بشرط الزيادة، فإن فيه أنه يمكن ذلك في صورة الجهل بقدرها إذا علم زيادة الثمن على الحلية، فإنه يمكن تصور العلم بالزيادة و ان جهل القدر.
____________
(1) قال محيي السنة المذكور: فقال كان- في الابتداء حين قدم النبي (صلى الله عليه و آله) المدينة- بيع الدراهم بالدراهم و الدنانير بالدنانير متفاضلا جائزا يدا بيد، ثم صار منسوخا بإيجاب المماثلة، و قد بقي على المذهب الأول بعض الصحابة، و ممن لم يبلغهم النسخ كان عبد الله ابن عباس، و كان يقول: أخبرني أسامة أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: انما الربا في النسيئة. منه (رحمه الله).
304
و منها قولهم و توهب الزيادة من غير شرط، و المراد منه أن المخرج من الربا هنا أن يهبه الزيادة، لكن لا يقع ذلك شرطا في عقد البيع بأن يبيعه بشرط أن يهبه الزيادة، لاستلزامه الزيادة الحكمية في أحد الجنسين، لان الشرط زيادة حكمية كما سيأتي إنشاء الله- تعالى- بيانه في اشتراط صياغة الخاتم، و هذه الزيادة انما يتحقق و يحتاج الى التخلص بهبتها فيما إذا وقع البيع بالثمن على الحلية خاصة إذا فرضت قدر الثمن أو زائدة عليه، فإنه يبقى ما فيه الحلية زيادة في البين، و هو ظاهر، و لو وهبه الزيادة قبل البيع صح أيضا، و يجب تجريد عقد الهبة عن شرط بيع الباقي بمثله، كما وجب تجريد عقد البيع عن شرط الهبة كما عرفت، لرجوع الأمرين الى ما تقدم من لزوم الزيادة الحكمية.
و منها قولهم في صورة الجهل بقدر الحلية و ان بيعت بجنس الحلية، «قيل:
يجعل معها شيء من المتاع، الى آخره فان فيه أنك قد عرفت انه مع الجهل بقدرها يجوز بيعها بجنسها مع العلم بزيادة الثمن عليها، فإنه يمكن فرضه و يصح البيع، سواء جعل معها شيء آخر أم لا، و يصح أيضا مع عدم العلم بزيادة الثمن عليها أن يضم الى الثمن متاع آخر، لينصرف الثمن إلى ذي الحلية، و المتاع إلى الحلية.
و أما على هذا القول الذي نقل، فان ظاهره ضم المتاع إلى الحلية، و هو غير ظاهر الاستقامة، لأنه مع ضم المتاع الى المبيع من الحلية و ذي الحلية يزيد الضرر و المحذور، حيث يحتاج الى مقابلة الثمن بها مع الباقي، و الظاهر أنه لذلك نقلوه بلفظ قيل إيذانا بضعفه، و هذا القول للشيخ في النهاية و ذكر بعض الأفضل أن الشيخ تبع في ذلك رواية وردت بهذه الصيغة و نسبت الى و هم الراوي، و لم نقف عليها فيما وصل إلينا من الاخبار.
ثم انه ينبغي تقييد هذه الاخبار الواردة في هذا المضمار بما إذا كانت الحلية متمولة، و الا فلو كانت من قبيل حلية الجدران و السقوف فلا يترتب عليها الأحكام المذكورة كما تقدمت الإشارة اليه. و الله العالم.
305
المسألة السادسة [في حكم ابتياع درهم بدرهم مع اشتراط صياغة خاتم]
- قال الشيخ في النهاية (1) لا بأس أن يبيع درهما بدرهم و يشترط معه صياغة خاتم، أو غير ذلك من الأشياء، و قال ابن إدريس:
وجه الفتوى- بذلك على ما قاله (رحمه الله)- أن الربا هو الزيادة في العين إذا كان الجنس واحدا، و هنا لا زيادة في العين، و يكون ذلك على جهة الصلح في العمل فهذا وجه الاعتذار له إذا سلم العمل به، و يمكن أن يحتج على صحته بقوله- (تعالى)- (2) «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا»، و هذا بيع، و الربا المنهي عنه غير موجود هيهنا، لا حقيقة لغوية، و لا حقيقة عرفية و لا شرعية.
أقول: الأصل في هذه المسألة ما رواه
الشيخ عن أبى الصباح الكنائي (3)
____________
(1) أقول قال في النهاية السيوف المحلاة و المركب المحلاة إذا كانت محلاة بالفضة و علم مقدار ما فيها جاز بيعها بالذهب و الفضة، فإن بيع بالفضة فيكون ثمن السيف أكثر مما فيه من الفضة، و ان لم يعلم مقدار ما فيها و كانت محلاة بالفضة فلا تباع الا بالذهب، و ان كانت محلاة بالفضة و أراد بيعها بالفضة و ليس لهم طريق إلى معرفة مقدار ما فيها فليجعل معها شيئا آخر، و يبيع حينئذ بالفضة إذا كان أكثر مما فيه تقريبا، و لم يكن به بأس، و قال ابن إدريس بعد نقل ذلك: ولى فيه نظر، و لم يبين وجه النظر، قال في المختلف بعد نقل ذلك: و الحق أن الفضة ان علم مقدارها جاز بيعها بأكثر منها، ليحصل من الثمن ما يساوى المقدار من الحلية في مقابلته، و الزيادة في مقابلة السيف، و ان لم يعلم بيعت بثمن غير الفضة أو بالفضة مع علم زيادة الثمن، أو يضم الى الثمن شيئا فيكون الفضة في مقابلة السيف، و المضموم في مقابلة الحلية لانتفاء الربا انتهى. و هو جيد.
منه (رحمه الله).
(2) سورة البقرة الآية- 275.
(3) التهذيب ج 7 ص 110.
306
قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقول للصائغ: صغ لي هذا الخاتم و أبدل لك درهما طازجا بدرهم غلة؟ قال: لا بأس».
و الطازج الخالص معرب تازه، و الغلة المغشوش.
و جملة من الأصحاب قد عبروا هنا بأنه يجوز ابتياع درهم بدرهم مع اشتراط صياغة خاتم، تبعا للشيخ، و ظاهر كلام الشيخ تعدية الحكم الى غير الصياغة، بأن يبيعه درهما بدرهم و يشترط خياطة ثوب أو نحو ذلك.
قيل. و في تعدية الحكم في الثمن و المثمن بأن يبيع دينارا بدينار و يشترط عملا، و يبيع عشرة دراهم بعشرة، و يشترط عملا اشكال، و الأقرب الجواز تفريعا على الجواز هنا أيضا لأن الزيادة المذكورة ان أوجبت الربا لزم التحريم في الجميع، و الا فلا.
و جملة من الأصحاب كالمحقق و غيره عبروا هنا بلفظ و روى- جواز ابتياع درهم بدرهم مع اشتراط صياغة خاتم- إيذانا بالتوقف في الحكم المذكور و منع جملة منهم من تعدى موضع النص.
و التحقيق أن الرواية المذكورة لا صراحة فيها فيما ذكروه من البيع و انما تضمنت اشتراط ابدال درهم بدرهم في صياغة الخاتم لا البيع بشرط الصياغة.
نعم ربما يقال: ان الإبدال من قبيل الصرف، و الزيادة فيه تصير من قبيل الربا، و الجواب عنه أن يقال. ان اشتراط الصياغة انما هو في جانب الغلة، و على ذلك لا يتحقق الزيادة، لما عرفت من أن الدرهم الطازج هو الصحيح، و الغلة المراد بها المغشوش، فالزيادة الحكمية التي هي الصياغة إذا جعلت مع المغشوش، قابلت الزيادة التي في الخالص من الفضة على المغشوش، و حينئذ لا مانع في البيع و لا غيره و لا في شرط صياغة خاتم و لا غيره من الأعمال متى كان المفروض مثل ما وقع في الرواية من النقصان في أحد العوضين ليجبر بالعمل المشترط.
307
و بذلك يظهر لك ما في الفروض المذكورة في كلام ذلك القائل في تعدية الحكم الى بيع دينار بدينار، و عشرة دراهم بعشرة أخرى و نحو ذلك، فإنه على إطلاقه ممنوع، لحصول الربا بالزيادة الحكمية، بل ينبغي تقييده بما دلت عليه الرواية من نقص أحد العوضين ليصح الاشتراط، و يندفع الربا.
و أما ما ذكره ابن إدريس من تخصيص الربا بالزيادة العينية في أحد الجنسين فيرده ما تقدم
في صحيحة عبد الرحمن الحجاج من قوله (عليه السلام) (1) «أن الناس لم يختلفوا في النسيء أنه الربا».
و نحوها غيرها من الاخبار المانعة من البيع نسيئة لذلك.
و أما ما ذكره المحقق الأردبيلي (عطر الله مرقده) من أن ظاهر قوانينهم أنه ليس الحيادة زيادة تجبر بشيء، و لهذا لا يتحقق الربا بين الجيد في غاية الجيادة و الردي في غاية الرداءة مع التساوي في المقدار، و يتحقق مع التفاوت، و ان كان في جانب الردى بشيء يسير لا يقابل الجيادة التي في الجيد، و هو صريح كلامهم انتهى.
ففيه انه ينبغي أن يعلم أن هنا شيئين، أحدهما أن تكون الفضة خالصة، و إذا عملت دراهم جعل فيها غيرها من نحاس أو رصاص أو غيرهما و يسمى حينئذ مغشوشة و ثانيهما أن تكون الفضة من أصلها و معدنها ردية غير جيدة، و المراد من الدراهم الجياد و الدراهم الردية انما هو ما كان باعتبار أصل الجوهر، لا من حيث ضم شيء اليه و عدمه، و ما نحن فيه انما هو من قبيل الأول، لأن الغلة كما ذكرنا هي الدرهم المغشوش بغيره، و ما اعترض به انما هو من الثاني، و هو مما لا خلاف فيه، لانه ليس فيه شيء غير الفضة من الأشياء الخارجية عنها، الا أن فضته ليست جيدة، و يدلك على ذلك ما تقدم في المسألة الثالثة في الفضة المغشوشة من أنها لاتباع الا بغير الجنس، أو به مع الزيادة في الثمن ليقابل ما فيها من الغش. و بالجملة فإن كلامه
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 113.
308
هنا غفلة عن الفرق بين الأمرين. و الله العالم.
المسألة السابعة- [في حكم] الأواني المصبوغة من الذهب و الفضة
و ان كان كل واحد منهما معلوما جاز بيعه بجنسه من غير زيادة، و بغير الجنس و ان زاد، و ان لم يعلم و أمكن تخليصهما لم يبع بالذهب و لا بالفضة و بيعت بهما أو بغيرهما، و ان لم يمكن و كان أحدهما أغلب بيعت بالأقل، و ان تساويا تغليبا بيعت بهما، هكذا صرح به بعضهم.
و قيل: ان أصل هذا الكلام للشيخ و تبعه عليه الجماعة، و هو على إطلاقه مدخول، و يحتاج الى تنقيح.
و ذلك فإنك قد عرفت فيما تقدم في المسألة الخامسة أن من القواعد المتفق عليها نصا و فتوى أن المجتمع من جنسين يجوز بيعه بغير جنسيهما مطلقا، و بهما معا سواء علم قدر كل واحد من المجتمع أم لا إذا عرف قدر الجملة، و سواء أمكن تخليصهما أم لا، و يجوز أيضا بكل واحد منهما إذا علم زيادته عن جنسه، بحيث تصلح ثمنا للآخر و ان قل، سواء أمكن التخليص أيضا أم لا، و سواء علم قدر كل واحد أم لا، و ما ذكر هنا من هذه المسألة أحد جزئيات القاعدة المذكورة، و وجه الدخل في هذا الكلام في مواضع.
الأول قوله: ان كان أحدهما معلوما جاز بيعه بجنسه من غير زيادة و بغير الجنس و ان زاد، فان فيه أنه ان أراد ببيعه بيع ذلك الجنس خاصة دون المجموع فهذا لا وجه له، لان فرض المسألة هو بيع المركب من الذهب و الفضة لا أحدهما، و حينئذ فما ذكر خارج عن محل المسألة، و ان كان المراد بيع المجموع، اشترط في بيعه بجنس أحدهما زيادة الثمن على جنسه ليكون تلك الزيادة في مقابلة الأخر، و ان أراد بيع المجموع بجنسه أى الجنسين معا، فلا معنى لاشتراط عدم الزيادة، لأن كل واحد من الجنسين ينصرف الى مخالفه، فلا تضر الزيادة هنا و لا النقصان، و لا فرق في هذين القسمين بين أن يعلم قدر كل واحد منهما أو يجهل، كما تقدم
309
الإشارة إليه في القاعدة، فلا وجه للتقييد بالعلم بهما.
الثاني- قوله و ان لم يعلم و أمكن تخليصهما لم يبع بالذهب و لا بالفضة، و بيعت بهما أو بغيرهما، فإنه فيه أنه لا مانع من بيعه بوزنه ذهبا أو فضة مطلقا، لحصول المماثلة في الجنسين و المخالفة بالنسبة إلى الجنس الأخر، فلا مدخل للربا في ذلك، و كذا مع الزيادة على قدر المركب، و كذا مع نقصانه إذا علم زيادة الثمن على مجانسة بما يتمول، فما ذكر من المنع من بيعه بأحدهما على تقدير إمكان التخليص لا يظهر له وجه، بل يجوز حينئذ بيعه بهما و بأحدهما و بغيرهما و بالأقل سواء أمكن التخليص أم لا.
الثالث- قوله و ان لم يمكن و كان أحدهما أغلب بيعت بالأقل، فإن فيه أنه بمقتضى القاعدة المتقدمة يجوز بيعه بهما و بغيرهما، و بالأقل و الأكثر إذا علم زيادة الثمن على جنسه كما تقدم، فالتقييد بالأقل عار عن النكتة.
و اعتذر الشهيد- (رحمه الله)- لهم عن ذلك بأن ذكر الأقل محافظة على طلب الزيادة، و رد بأن الزيادة المعتبرة في الثمن عن جنسه يمكن تحققها مع الأقل و الأكثر و مع ذلك فالارشاد إلى الزيادة غير كاف في التخصيص الموجب لتوهم المنع من غيره.
الرابع قوله: «و ان تساويا تغليبا بيعت بأحدهما» فإن فيه أنه مع تساويهما لا ينحصر الجواز في البيع بأحدهما، بل يجوز بيعه بهما أو بأحدهما مع الزيادة و بغيرهما فلا وجه للتخصيص بأحدهما، و لا فرق في ذلك أيضا بين إمكان التخليص و عدمه، و لا بين العلم بقدر كل منهما و عدمه. نعم يعتبر العلم بالجملة و الله العالم.
المسألة الثامنة [حكم ما لو اشترى ثوبا بمائة درهم الا دينارا أو بمائة دينار الا درهما]
- قال الشيخ في المبسوط: إذا اشترى ثوبا بمائة درهم الا دينارا أو بمائة دينار الا درهما لم يصح، لان الثمن مجهول، لانه لا يدرى كم حصة الدرهم من الدينار و لا كم حصة الدينار من الدرهم الا بالتقويم، و الرجوع الى أهل الخبرة، و كذا قال ابن البراج، و قال في النهاية: و لا يجوز أن يشترى بدينار الا درهما، و علل بالجهالة.
310
و قال ابن إدريس: لا يصح أن يشترى الإنسان سلعة بدينار غير درهم، و لا بدراهم، غير دينار، لان ذلك مجهول قال محمد بن إدريس: قولنا لا يصح، نريد به العقد لا يصح، و قولنا لانه مجهول المراد به الثمن مجهول، و إذا كان الثمن مجهولا فالعقد و البيع لا يصح، و وجه كون الثمن في هذه الصورة مجهولا لأنه لا يدرى كم حصة الدراهم من الدينار، و لا كم حصة الدينار من الدراهم الا بالتقويم، و الرجوع الى أهل الخبرة، و ذلك غير معلوم وقت العقد، فهو مجهول، فان استثنى من جنسه فباع بمائة دينار الا دينارا أو بمائة درهم الا درهما صح البيع، لان الثمن معلوم، و هو ما بقي بعد الاستثناء. انتهى.
و قال ابن الجنيد لو باع ثوبا بمائة درهم غير دينار نقدا جاز، فان باعه نسيئة لم يصح البيع، لانه لا يعلم قدر الدينار من الدرهم وقت الوجوب، و كذا كل ما اختلف جنساه، و جملة من الأصحاب عبروا بما يرجع الى كلام الشيخ في المبسوط.
أقول: و الأصل في هذه المسألة الاخبار. و منها ما رواه
في الكافي عن حماد (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «يكره أن يشترى السلعة بدينار غير درهم، لانه لا يدرى كم الدرهم من الدينار».
و ما رواه
الشيخ عن السكوني (2) «عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) في الرجل يشتري السلعة بدينار غير درهم الى أجل؟ قال: فاسد، فلعل الدينار يصير بدرهم».
و عن أبى جعفر عن أبيه عن وهب (3) «و عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أنه كره أن يشترى الرجل بدينار الا درهما و الا درهمين نسيئة، و لكن يجعل ذلك بدينار إلا ثلثا و الا ربعا و إلا سدسا أو شيئا يكون جزءا من الدينار».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 197.
(2) التهذيب ج 7 ص 116 الرقم 108.
(3) التهذيب ج 7 ص 116 الرقم 109.
311
و عن ميسر (1) «عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) انه كره ان يشترى الثوب بدينار غير درهم، لانه لا يدرى كم الدينار من الدرهم».
أقول: و ملخص الكلام في هذا المقام- و هو الذي يجتمع عليه الاخبار، و ما نقلناه من كلام علمائنا إلا علام- هو ان يقال ان البيع ان وقع نقدا فإنه لا بد في صحته من علم المتعاقدين بنسبة المستثنى من المستثنى منه، فان لم يعلما أو أحدهما لم يصح البيع لمكان الجهالة في الثمن، و ان وقع نسيئة فإن شرطا في الدرهم أو الدينار المستثنى ما كان متعاملا به وقت العقد أو أطلقا فيرجع الى التفصيل المتقدم من علم النسبة صح البيع، و الا بطل لمكان الجهل، و ان شرطا الدرهم أو الدينار المتعامل به وقت حلول الأجل فأولى بالبطلان لانه لا يدرى ما يصير إليه الأمر في ذلك الوقت، و اليه يشير قوله (عليه السلام) في رواية السكوني، «فلعل الدينار يصير بدرهم» و على هذا فلا اختلاف بين كلام ابن الجنيد، و كلام الشيخ في هذه المسألة، و أنت خبير بأن الأنسب بهذه المسألة هو ذكرها في المقام الثالث من الفصل الأول، لأنها متعلقة بجهل الثمن، و لكن الأصحاب لما ذكروها في باب الصرف جرينا على منوالهم في ذلك.
المسألة التاسعة [في أحكام تراب الصياغة]
- تراب الصياغة ان علم- بالقرائن المفيدة لذلك- إعراض أصحابه عنه جاز للصائغ تملكه كغبره مما يعلم أعراض ملاكه عنه، و في الاكتفاء بالظن اشكال، و الا فإن علم ملاكه وجب رده عليهم، و ان علم بعضهم وجب التخلص منه و لو بالصلح، و الا فالواجب الصدقة به أو بثمنه عن ملاكه، كما هو الحكم في نظائره، لكن متى أراد بيعه فلا يبيعه الا بجنس آخر من العروض أو بالذهب و الفضة معا، حذرا من الربا لو بيع بأحدهما، لجواز زيادة ما فيه من جنس الثمن من ذلك الثمن أو مساواته، فيلزم الربا.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 116 الرقم- 110.
312
أما لو علم زيادة الثمن من ذلك الجنس على جنسه بحيث تصلح الزيادة لمقابلة الجنس الأخر فلا بأس.
و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة ما رواه
في الكافي و التهذيب عن على بن ميمون الصائغ (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به؟ قال: تصدق به فاما لك و اما لأهله، قال: قلت فان فيه ذهبا و فضة و حديدا فبأي شيء أبيعه؟ قال: بعه بطعام، قلت: فان كان لي قرابة محتاج أعطيه منه؟ قال: نعم».
و ما رواه
الشيخ عن على الصائغ (2) قال: «سألته عن تراب الصواغين و انا نبيعه قال: اما تستطيع ان تستحله صاحبه؟ قال: قلت: لا إذا أخبرته اتهمني، قال بعه، قلت: بأي شيء أبيعه، قال: بطعام، قلت: فأي شيء اصنع به؟ قال: تصدق به اما لك و اما لأهله، قلت: ان كان ذا قرابة محتاجا فأصله؟ قال: نعم».
قال في الوافي لعل وجه الترديد في «لك و لأهله» احتمال أعراض المالك عنه و عدمه.
أقول: الظاهر بعده، لأن الصدقة به انما هي حكم مجهول المالك، و مع معلومية الاعراضي عنه و قصد تملكه لا يكلف بالصدقة، بل هو ماله يتصرف فيه كيف يشاء، و لا يتعين عليه التصدق، بل الظاهر أن المراد انما هو التصدق به عن صاحبه مع الضمان لمالكه متى ظهر و لم يرض بالصدقة، كما في نظائره، فإن ظهر له صاحب و رضى بالصدقة أو لم يظهر بالكلية، فالصدقة لصاحب المال، و ان ظهر و لم يرض بالصدقة كانت الصدقة لك و عليك ضمانه، هذا هو الظاهر كما لا يخفى على الخبير الماهر. (3)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 250 التهذيب ج 7 ص 111.
(2) الوسائل الباب- 16- من أبواب الصرف الرقم- 2.
(3) أقول: ما استظهرنا من الوجه المذكور ظاهر من الخبر الأول و أما الثاني فإن ظاهره وجود المالك و معرفته، و كان خوف التهمة الحقه بمجهول المالك، فأمر (عليه السلام) فيه بالصدقة اما له ان اتفق علم المالك و عدم الرضاء بها أو بالنظر الى يوم القيمة، و اما للمالك ان رضي بعد العلم على أحد الوجهين المتقدمين. منه (رحمه الله).
313
و ظاهر الرواية الثانية جواز بيعه و الصدقة بثمنه و ان علم المالك إذا خاف التهمة.
و المفهوم من كلام الأصحاب أنه مع معلومية المالك لا يجوز الصدقة، بل يجب التخلص منه بأي وجه اتفق، قال في المسالك: و لو كان بعضهم معلوما فلا بد من محالته و لو بالصلح، لأن الصدقة بمال الغير مشروطة باليأس من معرفته، و على هذا فيجب التخلص من كل غريم يعلمه. انتهى.
و فيه أن ما ذكره و ان كان هو مقتضى القواعد الشرعية و النصوص المرعية، الا أنه مع دلالة النص على ما ذكرناه يجب تقييد ذلك بالخبر المذكور كما هو مقتضى القاعدة المشهورة، و ما دل عليه الخبران من البيع بالطعام الظاهر أنه خرج مخرج التمثيل- بالأسهل، و الا فإنه يصح البيع بالنقدين أو غيرهما من العروض، قيل:
و يلحق به باقي أرباب الحرف كالحداد و الخياط و الطحان و الخباز، و فيه اشكال قال في المسالك: و لو ظهر بعض المستحقين و لم يرض بالصدقة ضمن حصته مع احتمال العدم. (1)
أقول: لا وجه لهذا الاحتمال لان هذه المسألة من جزئيات القاعدة في مال مجهول المالك، و حكمه الضمان بعد ظهور المالك و عدم الرضا بالصدقة، و اليه
____________
(1) ظاهر كلام المسالك اختيار الضمان مع احتمال العدم، و قال الفاضل الخراساني في الكفاية و لو ظهر بعض الأرباب بعد الصدقة و لم يرض بها فهل يضمن؟ فيه احتمالان، و ظاهره تساوى احتمالين، و فيه ما عرفت في الأصل و الله العالم. منه (رحمه الله).
314
يشير هنا ما ذكره (عليه السلام) في الخبرين من قوله «إما لك أو لأهله» كما قدمنا بيانه و قال في المسالك أيضا: و مصرفه مصرف الصدقة الواجبة، و قيل: المندوبة.
أقول: احتمال المندوبة بمعنى غير الفقير المستحق بعيد جدا، فإن إطلاق الصدقة في الكفارات و النذور و نحوها انما يتبادر الى المستحق من الفقراء و المساكين دون الأغنياء، كما صرحوا به، و لو كان الصائغ من ذوي الاستحقاق فهل يجوز له آخذه لنفسه اشكال، من أمره (عليه السلام) له بالصدقة، و المتبادر منه غيره من أفراد المستحقين، و لا بأس بالصدقة على عياله أو قرابته كما صرح به في النص.
و الله العالم.
المسألة العاشرة [في أن الدراهم و الدنانير يتعين بالتعيين]
- لا خلاف في ان الدراهم و الدنانير يتعين بالتعيين، فلو اشترى بدراهم معينة تعين الوفاء بها بجميع مشخصاتها، لعموم الوفاء بالعقود كما لو باع عرضا معينا، فإنه يجب الوفاء به، و المقتضى لوجوب الوفاء ثابت في الجميع فلا يجزى دفع غيرها، و لا يجوز إبدالها، و لو تلفت قبل القبض انفسخ البيع، و لم يكن له دفع العوض و ان حصلت المساواة في الأوصاف، و لا للبائع المطالبة بذلك، و ان وجد البائع بها عيبا لم يستبدلها، و انما له الخيار بين فسخ العقد و الرضا بها.
إذا عرفت ذلك فنقول: هيهنا صورا،
الأولى إذا اشترى دراهم بمثلها معينة
- كما لو قال: بعتك هذه الفضة بهذه مثلا فوجد ما صار اليه من البيع من غير جنس الدراهم كما لو ظهرت نحاسا أو رصاصا- كان البيع باطلا، لان ما وقع عليه العقد- و هو ذلك الفرد المشار اليه- غير مقصود بالشراء، و ما هو مقصود بالشراء لم يقع عليه العقد، فيقع البيع باطلا، لتخلف القصد عما وقع عليه العقد، و لا فرق في ذلك بين الصرف و غيره، فلو باعه ثوبا كتانا فظهر صوفا، و كذا لو باعه بغلة فظهرت فرسا بطل البيع، و يجب رد الثمن و ليس له الأبدال، لوقوع العقد على عين مشخصة، فلا يتناول غيرها و لا الأرش، لعدم وقوع الصحيح و المعيب على هذه العين، و ربما يخيل تغليب الإشارة هنا و هو باطل، و قد تقدم الكلام في ذلك.
315
الثانية- لو كان البعض من الجنس و البعض الأخر من غيره
، فالظاهر أنه لا خلاف بينهم في صحة العقد فيما كان من الجنس، و البطلان في غيره، لوجود شروط الصحة في الأول، و انتفائها في الثاني، و عدم توقف صحة البعض على البعض الأخر و قد تقدم نظير ذلك فيما لو باع ما يملك و ما لا يملك، فإنه لا خلاف بينهم في الصحة فيما يملك، و البطلان أو الحكم بكون البيع فضوليا فيما لا يملك، الا ان للمشتري الخيار- لتبعيض الصفقة- بين الفسخ، و أخذ ما كان من الجنس بقسط من الثمن و حيث يختار المشتري الثاني و هو أخذ الجيد بحصته من الثمن، يتخير البائع أيضا مع جهله بالعيب لتبعيض الصفقة أيضا، و أكثر عباراتهم و ان كانت انما اشتملت على تخيير المشتري خاصة، الا انها محمولة على ما هو الغالب من أن الجهل بالعيب انما يكون من المشترى دون البائع لثبوت العيب في ملكه، و اطلاعه عليه غالبا فلو فرض خلاف ذلك ثبت له الخيار أيضا، كما أن المشترى لو اطلع عليه و رضى به لا خيار له.
الثالثة- لو كان الجنس واحدا و به عيب
كخشونة الجوهر و اضطراب السكة بأن يكون سكتة مخالفة للسكة الجارية في المعاملة، فلا يخلو اما أن يكون العيب المذكور شاملا للجميع أو مختصا بالبعض، فان كان الأول تخير المشترى بين رد الجميع و إمساكه كما في سائر المعيبات، و ليس له رد البعض، للزوم تبعيض الصفقة على البائع، و لا طلب البدل، لان العقد انما وقع على ذلك العين، و ان كان الثاني تخير أيضا بين رد الجميع و إمساكه، و الظاهر أنه لا خلاف فيه، و انما الخلاف في أنه هل له رد المعيب وحده أم لا؟ فقيل: بالأول، و هو الذي رجحه العلامة في التذكرة، و علل بانتقال الصحيح بالبيع، و ثبوت الخيار في الباقي لعارض العيب لا يوجب فسخ البيع فيه، و قيل: بالثاني لأن رد المعيب وحده يفضى الى تبعيض الصفقة على الأخر، فيمنع منها كما لو كان كله معيبا، فان كل جزء منه موجب للخيار، و به قطع المحقق و جماعة.
316
و أنت خبير بما فيه من المخالفة لما تقدم في الصورة الثانية مما ظاهرهم الاتفاق عليه من الصحة في البعض، و البطلان في البعض.
ثم انه ينبغي أن يعلم أنه لا أرش في جميع هذه الصور المذكورة في هذه الصورة الثالثة، لأنها مفروضة في بيع الفضة بالفضة، أو الذهب بالذهب، و العوضان متجانسان متساويان في القدر، فلو أخذ أرش العيب لزم زيادة قدر المعيب عن الصحيح، و لا يجبر عيبه الجنسي، لما تقرر من أن جيد الجوهر و رديه جنس واحد.
نعم لو كان مختلفين كالدراهم بالدنانير أو بالعكس جاز له اختيار الإمساك بالأرش ما داما في المجلس، فلو تفرقا لم يجز لاشتراط التقابض في الصرف قبل التفرق، الا أن تفرض المسألة في غير الأثمان مما لا يجرى فيه حكم الصرف فلا بأس.
و الله العالم.
المسألة الحادية عشر- إذا اشترى دراهم بدراهم في الذمة
ثم وجد ما انتقل اليه غير ما هو المقصود بالشراء، اما بأن يكون غير الجنس أو يكون به عيب لا يخرج به عن الجنسية، و على الأول فاما أن يكون الجميع أو البعض.
فهيهنا صور ثلاث. الاولى- أن يكون غير الجنس و يكون الجميع، و الحكم فيه- كما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم)- أن له المطالبة بالبدل هنا، بخلاف ما تقدم في سابق هذه المسألة، لأن العوض هنا في الذمة، و هو أمر كلي، و المدفوع لما لم يكن من جنس ذلك الكلى امتنع كونه عوضا، و إذا امتنع كونه عوضا كان له المطالبة لحقه ما لم يحصل التفرق.
الثانية- الصورة المذكورة مع كونه البعض، و حكمها أنه يبطل في البعض الذي هو غير الجنس، و يصح في الأخر ان كان ظهور ذلك بعد التفرق، و ان كان قبل التفرق فله المطالبة بالبدل، لما تقدم ذكره في سابق هذه الصورة.
الثالثة- ان يكون عيبا لا يخرج به عن الجنسية، كخشونة الجوهر و اضطراب السكة، و الحكم فيه التخيير بين الرد و الإمساك بالثمن من غير أرش، أما التخيير فمن
317
حيث العيب كما في غيره من المبيعات المعيبة، و أما عدم الأرش فلما تقدم في سابق هذه المسألة من استلزامه الربا، و لو اختار الإمساك فله المطالبة بالبدل قبل التفرق بلا اشكال و خلاف، لان ما في الذمة أمر كلي محمول على الصحيح السالم من العيب، فمتى كان المدفوع معيبا وجب إبداله قبل التفرق، لان المقبوض في حكم العدم، انما الخلاف و الاشكال في وجوب الأبدال و عدمه بعد التفرق، و ذلك أنه بالنظر الى أن الإبدال يقتضي عدم الرضا بالمقبوض قبل التفرق، و ان المبيع حقيقة انما هو البدل، و قد حصل التفرق قبل قبضه، فيكون الصرف باطلا، فلا يجوز له أخذ البدل، (1).
____________
(1) أقول: و في المسألة أقوال آخر، منها ما نقله في الدروس عن الشيخ و ابن حمزة من أنه يتخير بين الفسخ و الأبدال، و الرضا مجانا و لم يعتدا باتحاد الجنس قال: و في المختلف له الأبدال دون الفسخ، ثم استشكله بأنهما تفرقا قبل قبض البدل و نقل عن ابن الجنيد بأنه يجوز الأبدال ما لم يتجاوز يومين، فيدخل في بيع النسيئة، قال: و لم يعتد بالتعيين و عدمه، ثم قال: و في رواية إسحاق عن الكاظم (عليه السلام) اشارة اليه) أقول: الظاهر انه أشار بذلك الى ما رواه
إسحاق بن عمار في الصحيح (الكافي ج 5 ص 246 التهذيب ج 7 ص 103 لكن فيه «فان وجدت في ورقه» و ليس فيه «أخذت») «قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يبيعني الورق بالدنانير و أ تزن منه فأزن له حتى أفرغ فلا يكون بيني و بينه عمل الا أن في ورقه نفاية و زيوفا و ما لا يجوز، فيقول: انتقدها و رد نفايتها، فقال: ليس به بأس و لكن لا تؤخر ذلك أكثر من يوم أو يومين، فإنما هو الصرف قلت: فان وجدت في ورقه فضلا مقدار ما فيها من النفاية؟ فقال: هذا احتياط، هذا أحب الى.
و في التهذيب «فإن أخذت في ورقه» عوض «وجدت» و هو أظهر في حمل ظاهر الخبر المذكور على قيمة الصرف بالتقابض أولا، و لا ينافيه* * * رد بعضهما بعد ذلك، و أخذ العوض في مجلس الرد لحصول التقابض أولا و حصول التقابض فيما رده في مجلس الرد، و على هذا يحمل النهى عن التأخر في يوم أو يومين على الاستحباب كذا ذكره بعض مشايخنا، و هو لا يخلو من الاشكال لبطلان التقابض بالرد كما أشرنا إليه في الأصل، و الله العالم- منه (رحمه الله).
318
و الى هذا يميل كلام الشهيد في الدروس حيث قال: و ان لم يتعين فله الأبدال ما داما في المجلس و ان تفرقا لم يجز الأبدال على الأقرب، و له الرد. انتهى و بالنظر الى تحقق التقابض في العوضين قبل التفرق،- لان المقبوض و ان كان معيبا الا ان عيبه لا يخرجه عن حقيقة الجنسية و صحة العوضية. لأجل ذلك انه قد ملكه المشترى، بدليل أن نماءه من حين العقد الى وقت الرد له، و الفسخ بالرد طار على الملك بسبب ظهور العيب، فيكون البيع صحيحا و له طلب البدل بعد التفرق.
و توضيحه- زيادة على ما ذكره المحقق الشيخ على (قدس سره) في شرح القواعد- أن ما في الذمة و ان كان أمرا كليا، الا أنه إذا عين في شيء و قبضه المستحق تعين و ثبت ملكه له، فإذا ظهر فيه عيب كان له فسخ ملكيته، تداركا لفائت حقه، فإذا فسخ رجع الحق إلى الذمة، فتعين حينئذ عوضا صحيحا.
و بهذا يظهر أن الأول كان عوضا في المعاوضة و قد قبضه قبل التفرق، فيتحقق شرط الصحة، فلا يلزم بطلانها بالفسخ الطاري على العوض المقتضى لعوده إلى الذمة، و كون البدل عوضا في الجملة لا يقتضي نفى عوضية غيره، فلا يقتضي التفرق
319
قبل قبضه التفرق قبل قبض العوض في المعاوضة. و هو واضح. و كان الأصح ثبوت المطالبة بالبدل. انتهى.
و هو ظاهر في اختياره صحة البيع، و مثله أيضا شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و العلامة في الإرشاد، و تردد المحقق في الشرائع في ذلك، و نحوه العلامة في القواعد، و المسألة لخلوها من النص الواضح مع تدافع هذه التعليلات محل الاشكال، سيما- مع ما عرفت في غير موضع- من عدم صحة تأسيس الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العقلية، الغير المبنية على شيء من القواعد المستفادة من الاخبار المعصومية، على أن ما ادعاه (قدس سره) من قوله، «و بهذا يظهر ان الأول كان عوضا» الى آخره، مدخول بأنه بعد الرد و عدم الرضا بذلك العيب انكشف عدم صحة المعاوضة، و عدم كونه متعينا لما وقع عليه العقد، و الا لم يكن له الرد و طلب البدل، فكيف يتحقق بقبضه أولا شرط صحة الصرف، و هو قبض العوض قبل التفرق.
و بالجملة فالتعليلات العقلية لا تقف على حد، و لا ينتهي إلى عد، و لهذا استشكل بناء الأحكام الشرعية عليها، هذا كله فيما ظهر الجميع معيبا من الجنس.
أما لو ظهر بعضه خاصة اختص بالحكم حسبما تقدم لكن ليس له افراده بالرد هنا، للزوم تبعيض الصفقة على البائع إلا مع رضاه و الله العالم.
المسألة الثانية عشر- إذا اشترى دينارا بدينار فاتفق الزيادة في الدينار
الذي هو ثمن غلطا أو عمدا، فإن الزيادة تكون في يد البائع أمانة للمشتري، و هي مشاعة في الدينار، هذا إذا كان البيع و الشراء في الذمة، و تبين بعد الدفع زيادة الدينار الذي هو ثمن.
أما لو كانا معينين فإنه يبطل الصرف، لاشتمال أحد العوضين على زيادة عينية، و كذا لو كان الزائد معينا، و المطلق مخصوصا بقدر ينقص عنه بحسب نوعه، و الحكم بكون الزائد أمانة في يد المشترى كما تقدم أحد القولين في المسألة قالوا لأصالة البراءة من الضمان، و لانه لم يقبضها بسبب مضمون مرسوم و لا غصب
320
و لا بيع فاسد، و انما قبضها باذن مالكها، فيكون كالودعي.
و قيل: انها تكون مضمونة عليه، لانه قبضها على أنها أحد العوضين الذين جرى عليها عقد المعاوضة، فتكون مضمونة، نظرا: الى مقتضى العقد و لأنه أقرب الى الضمان من المقبوض بالسوم، و لعموم (1)
«على اليد ما أخذت حتى تؤدى».
و أورد عليه بأن قبضه على جهة العوض غير قادح مع ظهور عدمه، و مقتضى العقد لم يدل على ضمان غير العوضين، و كونها أقرب من المضمون بالسوم انما يجرى لو سلم كون المقبوص بالسوم مضمونا، و هو محل النزاع، و عموم الخبر بحيث يشمل محل النزاع في حيز المنع، فان الثابت على الأخذ بمقتضى الخبر غير معين، فجاز كون الواجب على اليد الحفظ و نحوه الى أن يؤدى، و يرشد إليه الأمانات المقبوضة باليد، مع عدم الحكم بضمانها و انما القدر المتفق عليه وجوب حفظها.
أقول: و المسألة حيث كانت عارية عن الدليل اتسع فيها دائرة القال و القيل، و هكذا كل مسألة من هذا القبيل، ثم انه مع الحكم بكون الزيادة أمانة فحكمها مختلف بالنسبة إلى العمد و الخطاء، فإنها على تقدير العمد أمانة مالكية لا يجب ردها الا مع طلب المالك و ان وجب حفظها، كما في سائر الأمانات التي يؤمنها مالكها، و على تقدير الغلط، فيحتمل كونهما أمانة شرعية و ان كانت مدفوعة من المالك، الا أنه لعدم علمه بها و كون ذلك غلطا، يكون حكمها كما لو باعه صندوقا فوجد فيه متاعا، فإنه يكون أمانة شرعية مع استناد الدفع الى المالك نظرا الى جهله بها، و يحتمل كونهما مالكية نظرا الى استناد دفعها اليه، و صدق تعريفها المشهور على ما نحن فيه، لأنهم جعلوا مناطها الاستناد الى دفع المالك أو من في حكمه.
و تظهر الفائدة في وجوب اعلام المالك بها و ردها عليه على تقدير كونها شرعية،
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 504.
321
فان ذلك حكم الأمانة الشرعية كما يأتي في محله إنشاء الله تعالى، و حينئذ فلو ترك أثم و ضمن.
و ظاهر المحقق الأردبيلي المناقشة هنا، فإنه قال بعد نقل ذلك عنهم: و فيه تأمل، لأنه قد يتلف في الطريق مع أنه غير مأذون فيه، و ان أمكن أن يقال الظاهر أنه محسن غير مفرط، إذ الفرض ذلك مع الا من من التلف في الطريق، و ان الغالب رضا صاحبه بذلك، و لا يبعد وجوب الا علام أو الرد في صورة الجهل، اما كونه فوريا فغير ظاهر نعم ينبغي ذلك بحيث لا يفوت غرض يتعلق بذلك المال، و لا يعد القابض مهملا و مقصرا. انتهى.
و هو جيد و ما نفى عنه البعد جيد حيث انه لا نص فيها على ما ذكروه، و فيما ذكره جمع بين الحقين، و مما يرجح القول بأنها شرعية ان حكم الأمانة المالكية عندهم انه يجب حفظها حتى يطلبها مالكها، و فيما نحن فيه المالك لا علم له بها لانه دفعها جاهلا بها، فكيف تيسر طلبه لها و هو لا يعلمها بالكلية، و انها يجب على المالك حفظها الى آخر الدهر، ثم انه على تقدير الغلط فاما ان يتبين الحال قبل التفرق، أو بعده، فان كان قبله فلكل منهما استرداد الزائد و إبداله، و ليس للآخر الامتناع تحذرا من الشركة، و ان كان بعد التفرق فان جوزنا الأبدال للعيب الجنسي كما تقدم في القول به فكذلك، و الا ثبت الخيار لكل منهما لعيب الشركة، و لو كانت الزيادة يسيرة يتسامح بها فلا بأس، و لهذا يستحب الإعطاء زائدا و الأخذ ناقصا، و قد يكون ذلك لاختلاف الموازين و المكائيل.
و مما يدل على ذلك الأخبار الواردة في فضول المكائيل و الموازين و منها ما رواه
في الكافي عن على بن عطية (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 182 التهذيب ج 7 ص 40.
322
فقلت انا نشتري الطعام من السفن ثم نكيله فيزيد؟ قال: فقال لي و ربما نقص عليكم قلت: نعم، قال: فإذا نقص يردون عليكم؟ قلت: لا قال: لا بأس».
و ظاهر هذا الخبر يدل على جواز أخذ الزيادة و ان كانت زائدة على ما يتسامح به إذا كانوا في حال ظهور النقصان لا يردون عليكم النقيصة، و لعله محمول على اختلاف المكائيل، و ان مكيال البائع كان زائدا على مكيال المشترى تارة و ناقصا عنه أخرى.
و ما رواه
في الفقيه في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضول الكيل و الموازين؟ فقال: إذا لم يكن تعديا فلا بأس».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله مراقدهم) عن إسحاق المدائني (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: ان صاحب الطعام يدعو كيالا فيكيل لنا و لنا أجراء فيعيرونه فيزيد و ينقص؟ فقال: لا بأس ما لم يكن شيء كثير غلط».
و ما رواه
في الكافي في الصحيح عن العلاء بن رزين (3) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: انى أمر بالرجل فيعرض على الطعام، و يقول لي:
قد أصبت طعاما من حاجتك فأقول له: أخرجه أربحك في الكر كذا و كذا، فإذا أخرجه نظرت إليه فإن كان من حاجتي أخذته، و ان لم يكن من حاجتي تركته، قال: هذه المراوضة لا بأس بها، قلت: فأقول له: أعزل منه خمسين كرا أو أقل أو أكثر، فيكيله فيزيد و ينقص و أكثر ذلك ما يزيد لمن هي؟ قال: هي لك، ثم قال (عليه السلام): انى بعثت معتبا أو سلاما فابتاع لنا طعاما فزاد علينا بدينارين، فقتنا به عيالنا بمكيال قد عرفناه، فقلت له: قد عرفت صاحبه؟ قال: نعم فرددناه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 182 التهذيب ج 7 ص 40 الفقيه ج 3 ص 131.
(2) الكافي ج 5 ص 180 التهذيب ج 7 ص 38 و فيه اختلاف يسير.
الفقيه ج 3 ص 130.
(3) الكافي ج 5 ص 182.
323
عليه، فقلت: رحمك الله تفتيني بأن الزيادة لي و أنت تردها، قال: فقال: قد علمت أن ذلك كان له و كان غلطا، قال: نعم، انما ذلك غلط الناس لأن الذي ابتعنا به انما كان ذلك بثمانية دراهم أو تسعة، ثم قال: و لكني أعد عليه الكيل».
و ظاهر الخبران الذي شراه (عليه السلام) من الطعام كان ما يساوى قيمته ثمانية دراهم أو تسعة- و الترديد الظاهر أنه من الراوي- و زاد فيه ما يساوى دينارين فرد (عليه السلام) تلك الزيادة، لأن زيادة هذا المقدار لا يكون الا عن غلط، بخلاف ما افتى به الراوي، فإنه يمكن استناده الى التفاوت في المكائيل و انه مما يتعارف بين الناس.
و أما قوله في الوافي و قوله: «بدينارين» متعلق بقوله «فابتاع» فالظاهر أنه سهو من صاحب الكتاب، بل انما هو متعلق بقوله فزاد، و كيف لا و هو (عليه السلام) قد صرح في آخر الخبر بأن الذي ابتاع انما كان بثمانية دراهم أو تسعة، و هو ظاهر في كون ما قابل الدينارين كان هو الزائد، و لذا أمر برده، و قوله في الخبر «فقلت له: عرفت صاحبه» يحتمل أن يكون من قول الامام (عليه السلام) لمعتب أو سلام، و يحتمل أن يكون من قول الراوي للإمام (عليه السلام) و تكون جملة معترضة بين قوله «عرفناه» و قوله «فرددناه» و ربما أشعر هذا الخبر بكون الزيادة الكثيرة الواقعة غلطا أمانة شرعية، لأن حكم الأمانة المالكية عندهم هو حفظها حتى يطلبها المالك، و الأمانة الشرعية وجوب ردها، أو إعلام المالك بها و هو (عليه السلام) في هذا الخبر قد أمر بردها على المالك، و بالجملة فالخبر ظاهر في تأييد القول المذكور زيادة على ما قدمناه و الله العالم.
324
الفصل الثامن في بيع الثمار
من النخل و الفواكه و الخضر و ما يلحق ذلك من الأحكام، و البحث في هذا الفصل في مطالب أربعة.
[المطلب] الأول- في ثمرة النخل
، و تحقيق الكلام فيها أنه لا خلاف بين الأصحاب، (رضوان الله عليهم)- في جواز بيعها بعد ظهور صلاحها، و انما الخلاف فيما قبله، و تفصيل القول فيه أنه اما ان يكون قبل ظهورها، أو بعده قبل بدو الصلاح، و على الأول فاما أن يكون عاما واحدا أو أزيد، ثم انه على تقدير بيعها عاما واحدا هل يجوز مع الضميمة أم لا؟ فهيهنا مقامات أربعة.
[المقام] الأول- في بيعها عاما واحدا قبل ظهورها مع عدم ضميمة
، و المشهور بين الأصحاب- بل ادعى عليه العلامة في التذكرة الإجماع، و مثله الشهيدان في الدروس و المسالك أنه لا يجوز بيعها قبل ظهورها عاما واحدا من غير ضميمة، و المراد بالظهور هو بروزها الى الخارج و ان كانت في طلعها، كما تضمنته موثقة سماعة، و رواية يعقوب بن شعيب الاتيتان إنشاء الله تعالى.
و المفهوم من كلام الشيخ في كتابه الأخبار القول هنا بالكراهة، قال (قدس سره) بعد نقل أخبار المسألة: قال محمد بن الحسن: الأصل في هذا أن الأحوط أن لا يشترى الثمرة سنة واحدة إلا بعد أن يبدو صلاحها، فان اشتريت فلا تشترى الا بعد أن يكون معها شيء آخر، فان خاست كان رأس المال فيما بقي، و متى اشترى من غير ذلك لم يكن البيع باطلا، لكن يكون قد فعل مكروها، و قد صرح بذلك- في الاخبار التي قدمناها- أبو عبد الله (عليه السلام).
325
منها حديث
الحلبي (1) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) نهى عن ذلك لأجل قطع الخصومة الواقعة بين الأصحاب و لم يحرمه».
و كذلك ذكر
ثعلبة عن بريد (2) و زاد فيه «انما نهاه ذلك العام دون سائر الأعوام»،.
و في حديث يعقوب بن شعيب (3) «ان أبا عبد الله (عليه السلام) كان يكره ذلك،.
و لم يقل أنه «كان يحرمه» و على هذا الوجه لا تنافي بين الاخبار انتهى.
و الواجب أولا ذكر الأخبار الواردة في المسألة، ثم بيان ما هو الظاهر منها فمنها ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله مراقدهم) عن سماعة (4) في الموثق قال: «سألته (عليه السلام) عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها، قال: لا الا أن يشترى معها شيئا غيرها رطبة أو بقلا فيقول: أشترى منك هذه الرطبة و هذا النخل و هذا الشجر بكذا و كذا، فان لم تخرج الثمرة كان رأس مال المشترى في الرطبة و البقل» الحديث.
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن أبى الربيع الشامي (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول إذا بيع الحائط فيه النخل و الشجر سنة واحدة فلا يباعن حتى تبلغ ثمرته، و إذا بيع سنتين أو ثلاثا فلا بأس ببيعه بعد ان يكون فيه شيء من الخضرة».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب عن يعقوب بن شعيب (6) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شراء النخل، فقال: كان أبى يكره شراء النخل قبل ان تطلع ثمرة السنة، و لكن السنتين و الثلاث كان يقول: ان لم يحمل في هذه السنة حمل في السنة الأخرى، قال يعقوب: و سألته «قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 175 التهذيب ج 7 ص 85.
(2) الكافي ج 5 ص 174 التهذيب ج 7 ص 86.
(3) التهذيب ج 7 ص 87.
(4) الكافي ج 5 ص 176 التهذيب ج 7 ص 84 الفقيه ج 3 ص 133.
(5) الفقيه ج 3 ص 157.
(6) التهذيب ج 7 ص 87.
326
عن الرجل يبتاع النخل و الفاكهة قبل ان تطلع فيشتري سنتين أو ثلاث سنين أو أربعا فقال:
لا بأس، إنما يكره شراء سنة واحدة قبل ان تطلع مخافة الافة حتى تستبين».
و عن سليمان بن خالد (1) في الصحيح قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):
لا تشترى النخل حولا واحدا حتى يطعم و ان كان يطعم، و ان شئت ان تبتاعه سنتين فافعل».
هكذا نقل الخبر في الوافي عن التهذيب، ثم قال: الظاهر سقوط لفظ «لم» من قوله «يطعم»: انتهى، و قال بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم): ان الواو في قوله «و ان كان يطعم» ليست في بعض النسخ الصحيحة).
أقول: و يؤيده ان الذي في الاستبصار (2) «و ان شئت ان تبتاعه» و بالجملة فمن عرف طريقة الشيخ في الكتاب المذكور لا يستنكر من وقوع التحريف منه في الخبر المذكور، و معنى الخبر على تقدير زيادة الواو و النهى عن اشتراء النخل حولا واحدا حتى يطعم و ان كان من شأنه بأن بلغ ذلك المبلغ، و ان شئت أن تبتاعه أزيد فلا بأس.
و ما رواه
الشيخ عن ابى بصير (3) عن ابى عبد الله (عليه السلام) «انه قال:
لا تشتر النخل حولا واحدا حتى يطعم، و ان شئت ان تبتاعه سنتين فافعل».
و عن ابى بصير (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن النخل و التمر يبتاعهما الرجل عاما واحدا قبل ان تثمر قال: لا حتى تثمر و تأمن ثمرتها من الافة، فإذا أثمرت فابتعها أربعة أعوام ان شئت مع ذلك العام أو أكثر من ذلك أو أقل».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 88.
(2) الاستبصار ج 3 ص 85.
(3) التهذيب ج 7 ص 88.
(4) التهذيب ج 7 ص 91.
327
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن بريد بن معاوية (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرطبة تباع قطعة أو قطعتين أو ثلاث قطعات؟ فقال:
لا بأس، قال: و أكثرت السؤال عن أشباه هذا فجعل يقول: لا بأس به فقلت: أصلحك الله- استحياء من كثرة ما سألته و قوله (عليه السلام) لا بأس به- ان من بيننا يفسدون علينا هذا كله، فقال: أظنهم سمعوا حديث رسول الله (صلى الله عليه و آله) في النخل، ثم حال بيني و بينه رجل فسكت، فأمرت محمد بن مسلم ان يسأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول رسول الله (صلى الله عليه و آله) في النخل فقال أبو جعفر (عليه السلام) خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) فسمع ضوضاء فقال: ما هذا؟ فقيل له: تبايع الناس بالنخل فقعد النخل العام فقال (صلى الله عليه و آله): أما إذا فعلوا فلا يشتروا النخل العام حتى يطلع فيها شيء، و لم يحرمه».
و رواه الشيخ في التهذيبين عن ثعلبة بن زيد (2) بدل عن بريد و الظاهر أنه من قبيل ما قدمنا ذكره من حال الشيخ (رحمة الله عليه) و ما وقع له من التحريف و التغيير في متون الاخبار و أسانيدها.
و ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي. في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن شراء الكرم و النخل و الثمار ثلاث سنين أو أربع سنين فقال: لا بأس به يقول: ان لم يخرج في هذه السنة أخرج في قابل، و ان اشتريته سنة واحدة فلا تشتره حتى يبلغ، فان اشتريته ثلاث سنين قبل أن يبلغ فلا بأس، و سئل (عليه السلام) عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من ارض فهلك
____________
(1) الكافي ج 5 ص 174 التهذيب ج 7 ص 86.
(2) التهذيب ج 7 ص 86 و فيه عن ثعلبة بن زيد عن بريد.
(3) الكافي ج 5 ص 175 التهذيب ج 7 ص 85 الفقيه ج 3 ص 132.
328
ثمرة تلك الأرض كلها، فقال: قد اختصموا في ذلك الى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فكانوا يذكرون ذلك فلما رآهم لا يدعون الخصومة، نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة و لم يحرمه، و لكن فعل ذلك من أجل خصومتهم».
و رواه الصدوق مثله، الا أنه ترك قوله و ان اشتريته ثلاث سنين قبل أن تبلغ فلا بأس.
و ما رواه أيضا
في الكتاب المذكور في الصحيح عن ربعي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان لي نخلا بالبصرة فأبيعه و أسمى الثمن و أستثنى الكر من التمر أو أكثر أو العذق من النخل؟ قال: لا بأس، قلت: جعلت فداك نبيع السنتين؟ قال: لا بأس، قلت: جعلت فداك ان ذا عندنا عظيم، قال: أما انك ان قلت ذاك لقد كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) أحل ذلك فتظالموا فقال (صلى الله عليه و آله) لا تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها».
و ما رواه
الصدوق في حديث المناهي المذكور في آخر كتاب الفقيه (2) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: «و نهى أن تباع الثمار حتى تزهو».
و ما رواه
عبد الله ابن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر (3) عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن بيع النخل أ يحل إذا كان زهوا؟ قال: إذا استبان البسر من الشيص حل بيعه و شراؤه».
و عنه أيضا (4) قال: سألته عن السلم في النخل قبل ان يطلع؟ قال: لا يصلح السلم في النخل».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 175 التهذيب ج 7 ص 85.
(2) الفقيه ج 4 ص 4.
(3) الوسائل الباب- 1 من أبواب بيع الثمار الرقم- 17.
(4) الوسائل الباب- 1 من أبواب بيع الثمار الرقم- 18.
329
و رواه على بن جعفر في كتابه (1) و كذا الذي قبله،
و زاد فيه «سألته عن شراء النخل سنتين أ يحل؟ قال: لا بأس، يقول: ان لم يخرج العام شيئا أخرج القابل إنشاء الله (تعالى).
قال: و سألته عن شراء النخل سنة واحدة أ يصلح؟ قال لا يشترى حتى يبلغ».
أقول: هذا ما حضرني من الاخبار المتعلقة بالمسألة، و قد عرفت كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك، و الذي يلوح لي- من صحيحة بريد بن معاوية و قوله فيها «ان من بيننا يفسدون علينا ذلك، فقال: أظنهم سمعوا حديث رسول الله (صلى الله عليه و آله)» الى آخر الخبر و قوله في صحيحة ربعي «ان هذا عندنا عظيم، فقال: أما انك ان قلت» الى آخره- أن مذهب العامة يومئذ تحريم بيع الثمرة قبل ظهورها عاما أو عامين، كما هو مذهب أصحابنا (رضوان الله عليهم) إجماعا كما يدعونه في العام الواحد، و بناء على المشهور في الأزيد، كما يأتي ذكره إنشاء الله (تعالى) و على هذا فلا يبعد حمل اخبار التحريم مما يكون صريحا فيه على التقية.
و كيف كان فإن صحيحة بريد، و صحيحة الحلبي و حسنته- انما هو بإبراهيم ابن هاشم المتفق على قبول حديثه و ان عدوه حسنا- و صحيحة ربعي صريحة في الحل و عدم الحرمة، فيتعين العمل بها لصحتها و صراحتها، فلا بد من ارتكاب التأويل فيما كان ظاهرا في منافاتها، اما بالحمل على الكراهة كما ذكروه، أو التقية كما أشرنا اليه، و الى هذا القول يميل كلام جملة من محققي متأخري المتأخرين كالمحقق الأردبيلي و الفاضل الخراساني.
المقام الثاني- المسألة الأولى بحالها الا أن المبيع مع الضميمة
، و قد اختلف الأصحاب في ذلك، قال في المسالك بعد أن ادعى عدم الخلاف في المنع مع
____________
(1) الوسائل الباب- 1 من أبواب بيع الثمار الرقم- 20- 21.
330
عدم الضميمة: و المشهور المنع مع الضميمة أيضا، حيث لا تكون الضميمة هي المقصودة بالبيع، لانه غرر انتهى. و المفهوم منه التفصيل بين كون الضميمة هي المقصودة بالبيع و الثمرة تابعة- فيصح البيع كما لو باعه الأصل و الثمرة- أو لا تكون مقصودة، بل جعلت تابعة، كسائر الضمائم التي ذكروها في غير موضع مثل ضميمة الآبق و نحوها، فلا يصح.
و أنت خبير بأنه قد تقدم في موثقة سماعة التصريح بالصحة مع الضميمة مع ظهور كون الضميمة تابعة، فان ضم الرطبة أو البقل الى الثمرة ظاهر بل صريح في التبعية و عدم المقصودية، و يعضد ذلك اتفاقهم على الصحة مع الضميمة المعلومة تبعيتها في غير موضع، مما يحكمون فيه ببطلان العقد لو لا الضميمة، و أظهر تأييدا في ذلك ما عرفت آنفا من صحة البيع مع عدم الضميمة بالكلية، كما اخترناه و صرح به من قدمناه.
و بالجملة فإن ما ذكروه لا أعرف له وجه استقامة بعد ما عرفت. و لا سيما بعد ما رجحناه من صحة البيع مع عدمها بالكلية.
المقام الثالث- في بيعها قبل الظهور أزيد من عام واحد
، قال في المختلف المشهور أنه لا يجوز بيع الثمرة قبل ظهورها، لا عاما واحدا و لا عامين أما العام الواحد فبالإجماع، و لانه بيع عين معدومة، فلا يصح و أما بيع عامين فالمشهور أنه كذلك، و ادعى ابن إدريس الإجماع فيه أيضا، قال: و قد يشتبه على كثير من أصحابنا ذلك، و يظنون أنه يجوز بيعها سنتين و ان كانت فارغة لم يطلع بعد وقت العقد، قال: و هذا بخلاف ما يجدونه في تصانيف أصحابنا و خلاف إجماعهم و اخبار أئمتهم و فتاويهم، و هذا غلط في النقل، فان الصدوق قال في المقنع:
بالجواز (1) و المعتمد الأول، لنا انه بيع عين مجهولة معدومة، فلا يصح كغيرها
____________
(1) حيث قال بعد المنع من البيع سنة واحدة: و مع الانضمام إلى سنة أخرى يجوز لما رواه الحلبي في الحسن ثم ساق الرواية، ثم نقل صحيحة يعقوب بن شعيب منه (رحمه الله).
331
من المجهولات،
و لقول الباقر (عليه السلام) في حديث أبى الربيع الشامي:
«و إذا بيع سنتين أو ثلاثة فلا بأس ببيعه بعد أن يكون فيه شيء من الخضرة».
انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول: المشهور في كلامهم نسبة الخلاف في هذه الصورة الى الصدوق خاصة (1) مع أن ظاهر العلامة في التذكرة القول بذلك أيضا، و كذا نقله بعض المحققين عن الشيخ أيضا، و مما يدل على القول المذكور ما تقدم في صحيحة يعقوب بن شعيب و صحيحة سليمان بن خالد بالتقريب الذي ذكرناه ذيلها و رواية أبي بصير الاولى و صحيحة الحلبي أو حسنته و صحيحة ربعي و صحيحة على بن جعفر المذكور في كتابه، معللا ذلك في رواية يعقوب بن شعيب، و صحيحة الحلبي أو حسنته و صحيحة على بن جعفر- بأنه ان لم يخرج العام أخرج في القابل.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن معاوية بن ميسرة (2) قال: «سألته عن بيع النخل سنتين؟ قال: لا بأس به» الحديث.
و بذلك يظهر قوة قول المذكور، و أنه المؤيد المنصور، قال في المختلف- بعد ذكر ما قدمنا نقله-: احتج ابن بابويه بما رواه يعقوب بن شعيب في الصحيح،
____________
(1) حيث قال: و المشهور عدم جوازه أكثر من عام، و لم يخالف فيه الا الصدوق لصحيحة يعقوب بن شعيب، و حملت على عدم بدو الصلاح انتهى، و هو ظاهر في انه لا مخالف الا الصدوق، و لا دليل له الا صحيحة يعقوب المذكورة، و قد عرفت مما ذكرنا وجود المخالف غير الصدوق و تعدد الاخبار الصحيحة الصريحة زيادة على الرواية المذكورة- منه (رحمه الله).
(2) الكافي ج 5 ص 177 التهذيب ج 7 ص 86.
332
ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم قال: و الجواب أنه محمول على ظهور الثمرة قبل تأبيرها.
و أنت خبير بما في هذا الجواب، و ان تبعه فيه الشهيد في الدروس، كيف لا و السؤال الثاني من الرواية المذكورة انما وقع عن الثمرة قبل أن تطلع، و مع هذا أجاب (عليه السلام) بنفي البأس، و يرد ما ذكروه أيضا التعليل المذكور في تلك الروايات أنه ان لم يخرج العام يخرج في العام الأخر، فإنه إشارة إلى الوجه المصحح للبيع في هذه الصورة، قال في المسالك- بعد قول المصنف: و «في جواز بيعها كذلك عامين فصاعدا تردد، و المروي الجواز» و بعد استدلاله للقول المشهور بمفهوم الشرط في رواية أبي بصير الثانية، و لرواية أبي الربيع- ما لفظه: لكن في الرواية الأولى ضعف، و الثانية من الحسن، و أشار المصنف بقوله «و المروي الجواز» إلى صحيحة يعقوب بن شعيب، ثم ساقها الى آخرها، ثم قال: و عمل بمضمون الرواية الصدوق، و يظهر من المصنف الميل اليه، و هو قوي- إذ لم يثبت الإجماع على خلافه- لصحة روايته و ترجيحها على ما يخالفها من الروايات، مع إمكان حمل روايات المنع على الكراهة جمعا. انتهى.
و فيه أن وصفه رواية أبي الربيع بالحسن سهو منه (قدس سره) فان الرجل المذكور غير موثق و لا ممدوح، و أن الدليل على الجواز غير منحصر في صحيحة يعقوب المذكورة، لما عرفت من الاخبار التي أشرنا إليها، و هي متكاثرة صحيحة صريحة في الحكم المذكور، لا يعارضها ما ذكره، سيما مع قيام التأويل في المعارض، كما أشار اليه، و بالجملة فالقول بالصحة في الصورة المذكورة مما لا مجال لإنكاره بعد ما عرفت و الله العالم.
المقام الرابع- في بيعها بعد الظهور و قبل بدو صلاحها
، و المشهور أنه لا يجوز الا أن يضم إليها ما يجوز بيعه (1) أو بشرط القطع أو عامين فصاعدا و لو بيعت من
____________
(1) في قوله ما يجوز بيعه إشارة إلى أنه يجب في الضميمة أن يكون شيئا يمكن افراده بالبيع بأن يكون معمولا جامعا لجميع شرائط البيع و ان كان قليلا بالنسبة إلى العادة الجارية بين الناس في أمثاله كما تقدم.
منه (رحمه الله).
333
دون أحد الشروط المذكورة، فهل يكون جائزا على كراهة، أو يكون باطلا، أو يراعى السلامة؟ أقوال ثلاثة، و بالأول- قال الشيخ في كتابي الاخبار، و الشيخ المفيد و سلار و ابن إدريس و العلامة في التذكرة، و بالثاني قال في النهاية و المبسوط و الخلاف، و ادعى عليه الإجماع، و به قال الصدوق، و ابن الجنيد، و أبو الصلاح، و ابن حمزة، و بالثالث قال سلار في ظاهر كلامه، و استدل القائلون بالتحريم إلى رواية أبي بصير الثانية من روايتيه المتقدمتين، و ما رواه
في الكافي و الفقيه، عن الوشاء (1) في الضعيف في الأول، و الحسن في الثاني قال: «سألت الرضا (عليه السلام) هل يجوز بيع النخل إذا حمل فقال: لا يجوز بيعه حتى يزهو، قلت: و ما الزهو جعلت فداك؟
قال: يحمر و يصفر و شبه ذلك».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن على بن حمزة (2) قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) الى أن قال: «و سألته عن رجل اشترى بستانا فيه نخل ليس فيه غير بسر أخضر؟ فقال: لا حتى يزهو، قلت: و ما الزهو؟ قال:
يتلون».
و يدل عليه أيضا ما تقدم في حديث المناهي المنقول عن الفقيه، و ما في رواية قرب الاسناد.
و يعارض هذه الاخبار ما قدمنا ذكره من الروايات الصحيحة الصريحة في جواز البيع قبل الظهور بالكلية من غير شرط، فبعده قبل بدو الصلاح بطريق أولى، مضافا ذلك الى عمومات الكتاب و السنة في حل البيع، و وجوب الوفاء بالعهود،
____________
(1) الوسائل الباب- 1- من أبواب بيع الثمار الرقم 3.
(2) الوسائل الباب- 1- من أبواب بيع الثمار الرقم 5.
334
و حمل الأخبار النافية على الكراهة، كما ذكره الأصحاب غير بعيد (1) لان ما تشعر به من احتمال تطرق الافة قبل بدو الصلاح لا يصلح للمانعية، أ لا ترى أنه يمكن ذلك في أكثر المبيعات، مثل الحيوانات و بيع الثمرة سنتين مثلا، بل بعد بدو الصلاح يمكن تطرقها أيضا.
و نقل العلامة في التذكرة المنع من المذاهب الأربعة، و كذا ابن إدريس في كتاب السرائر حيث قال: و انما يجوز عندنا خاصة بيعها إذا طلعت قبل بدو الصلاح سنتين، و عند المخالفين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) لا يجوز، و على هذا فلا يبعد حمل هذه الاخبار على التقية، و لعله الأظهر.
قال في المسالك بعد ذكر الشروط الثلاثة المتقدمة: و ألحق العلامة بالثلاثة بيعها على مالك الأصل، و بيع الأصول مع استثناء الثمرة، و في الأخير نظر، إذ ليس هناك بيع و لا نقل الثمرة بوجه، و دليل الأول غير واضح، و التبعية للأصل انما يجرى لو بيعا معا. انتهى و هو جيد.
ثم انه ينبغي أن يعلم ان الوجه في اشتراط الضميمة- و كذا في اشتراط الزيادة عن سنة- ظاهرة أما في اشتراط القطع فهو لا يخلو عن نوع غموض، لان الظاهر أن الاشتراء انما يكون بشيء يمكن الانتفاع به، و مجرد ظهور الثمرة- قبل بدو الصلاح- لا يترتب عليها بعد القطع منفعة- يعتد بها بين العقلاء- حتى انه تقطع لأجلها، و انما
____________
(1) أقول: و يمكن تأييد القول بالكراهة بما تضمنته صحيحة الحلبي المتقدمة أو حسنته حيث انه ذكر في صدرها و ان اشتريته في سنة واحدة فلا تشتره حتى يبلغ، و هو ظاهر بالبيع حتى تدرك الثمرة، ثم أنه نقل حديث رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و ذكر أنه انما هم لما وقعوا في الخصومة و لم يحرمه و منه يظهر ان نهيه (عليه السلام) أولا انما هو نهى تنزيه و كراهة لا نهى تحريم منه (رحمه الله).
335
المنافع المترتبة بعد صيرورة النخل بسرا، أو ثمرة الكرم حصرما و نحو ذلك، و اما قبل ذلك فلا، فإطلاق اشتراط القطع لا يخلو من غموض و اشكال و الله العالم.
و تمام تحقيق الكلام في المقام يتوقف على رسم فائدتين،
[الفائدة] الأولى [ما المراد ببدو الصلاح؟]
- بدو الصلاح- المجوز لبيع الثمرة على القول بالمنع قبله- هل هو عبارة عن الاحمرار أو الاصفرار؟
أو هو عبارة عن ان تبلغ مبلغا يؤمن عليها من الافة و المرجع فيه الى أهل الخبرة قولان.
و نقل في التذكرة عن بعض العلماء ان حده طلوع الثريا، محتجا عليه برواية عن النبي (1) (صلى الله عليه و آله)، وردت بعدم ثبوت النقل، و الروايات المتقدمة بعضها قد اشتمل على الأول، و بعضها على الثاني.
و مما يدل على الأول صحيحة ربعي و حديث المناهي المنقول من الفقيه، و رواية قرب الاسناد، و حسنة الرشا، و رواية على بن أبي حمزة.
و مما يدل على الثاني صحيحة سليمان بن خالد و فيها حتى يطعم، و في الصحاح «أطعمت النخلة إذا أدركت ثمرتها، و أطعمت البسر: اى صار لها طعم» و مثلها رواية أبي بصير الاولى، و في روايته الثانية حتى يثمر، و تؤمن ثمرتها من الافة.
و نحو هذه الرواية أيضا ما رواه
في الكافي عن يعقوب ابن شعيب (2) في الصحيح قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعه جميعا».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الموثق عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي (3)
____________
(1) و هي ان
ابن عمر روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه نهى عن بيع الثمار حتى يذهب العاهة فقال له عثمان بن عبد الله سراقة و متى ذلك قال: إذا طلعت الثريا، و رد بأن هذه التتمة من كلام ابن عمر لأقول النبي (صلى الله عليه و آله)
منه (رحمه الله).
(2) الكافي ج 5 ص 175 التهذيب ج 7 ص 85.
(3) الكافي ج 5 ص 175 التهذيب ج 7 ص 84.
336
عن بيع الثمرة قبل أن تدرك؟ فقال: إذا كان في تلك الأرض بيع له غلة قد أدركت فبيع ذلك كله حلال».
أقول قوله «بيع» بمعنى «مبيع» و هذا الإطلاق شائع في الاخبار، و قوله «له غلة» أي ثمرة.
و ما رواه
في التهذيب و الفقيه عن على بن أبي حمزة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى بستانا فيه شجرة و نخل، منه ما قد أطعم و منه ما لم يطعم: قال: لا بأس به إذا كان فيه ما قد أطعم».
و بما ذكرناه هنا يظهر لك ما في كلام شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك حيث قال: بعد قول المصنف «و بدو الصلاح أن يصفر أو يحمر أو يبلغ مبلغا يؤمن عليه العاهة»: بدو صلاح ثمرة النخل أحد الأمرين المذكورين، عملا بما دلت عليه الروايات، فان كثيرا منها دل على الأول، و في رواية أبي بصير ما يدل على الثاني، و اقتصر جماعة من الأصحاب على العلامة الأولى لصحة دليلها، و قيل بالثاني خاصة، و الأقوى اعتبار العلامة الأولى خاصة لما ذكرناه.
و اعترضه المحقق الأردبيلي هنا في دعواه صحة دليل العلامة الأولى حيث، انه انما أورد روايتي الوشاء و على بن أبي حمزة، ثم قال: و ما رأيت غيرهما و ليس فيهما شيء صحيح، فقول شارح الشرائع «و اكتفى الأكثر به لصحة دليله» محل التأمل انتهى.
و فيه أن من جملة أدلة هذه العلامة صحيحة ربعي كما ذكرناه، و لكنه غفل عنها كما ينبئ عنه كلامه، و انما وجه الدخل في كلام شيخنا المذكور دعواه أن كثير من الروايات دل على العلامة الاولى، و أن فيها الصحيح و العلامة الثانية انما دل عليها خبر أبى بصير خاصة، فمن ثم رجح العلامة الاولى، و الأمر كما عرفت مما ذكرناه ليس كذلك، و أن الروايات الدالة على العلامة الثانية أكثر عددا و صحاحا
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 84 الفقيه ج 3 ص 133.
337
و الظاهر- بمعونة ما قدمناه من جواز البيع قبل الظهور- ترتب هذه الاخبار في مراتب الكراهة، فالأولى قبل الظهور، و الثانية بعد الظهور و قبل التلون، و الثالثة بعد التلون و قبل أن تدرك و تطعم، و أما إذا بلغت هذا المبلغ فلا إشكال في الجواز بغير كراهة، و قد تقدم أيضا احتمال الحمل على التقية في بعض هذه المراتب.
و الله العالم.
الثانية
قالوا إذا أدرك بعض ثمرة البستان جاز بيعها اجمع، و لو أدركت ثمرة بستان فهل يجوز أن يضم اليه بستان لم يدرك و يباع جميعا أم لا؟ قولان.
أقول: أما الحكم الأول فالظاهر أنه موضع اتفاق نصا و فتوى، لان بيع ما لم يدرك جائز مع الضميمة كما تقدم، و ما أدرك من الثمرة ضميمة هنا لما لم يدرك، و قد تقدمت صحيحة يعقوب بن شعيب و صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي، و رواية على بن أبي حمزة مصرحة بذلك.
و أما الثاني فالمشهور الجواز ايضا لمكان الضميمة، و أيد ذلك بصحيحة الهاشمي المتقدمة أيضا، بناء على ظاهر إطلاق الأرض فيها، فإنه أعم من أرض ذلك البستان الذي أدرك بعضه، أو أرض بستان آخر.
و نقل عن الشيخ في المبسوط و الخلاف المنع، لان لكل بستان حكم نفسه المتعدد، و لما رواه
عن عمار (1) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن الفاكهة متى يحل بيعها؟ قال: إذا كانت فاكهة كثيرة في موضع واحد فأطعم بعضها فقد حل بيع الفاكهة كلها، فإذا كان نوعا واحدا فلا يحل بيعه حتى يطعم، فان كان أنواعا متفرقة فلا يباع منها شيء حتى يطعم كل نوع منها وحده، ثم تباع تلك الأنواع».
و رد في المسالك الرواية بالضعف، و تردد المحقق في الشرائع في الحكم المذكور، و الظاهر عندي أن الرواية المذكورة ليست من قبيل ما نحن
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 92.
338
فيه، فان ظاهر الخبر أن التفرق انما هو في أنواع الفاكهة، و ان كانت في بستان واحد، لا في المكان الذي فيه الفاكهة كما هو محل البحث، و هذا الخبر على ظاهره كما ذكرناه لا قائل به، لما عرفت في الحكم الأول من أن البستان الواحد إذا أدرك بعض ثمره جاز بيع الجميع، و يدلك على ما قلناه قوله (عليه السلام) في صدر الخبر «إذا كانت فاكهة كثيرة في موضع واحد» ثم انه فصل في تلك الفاكهة بين كونها نوعا واحدا أو أنواعا متعددة، فأثبت لكل نوع منها حكم نفسه، و حكمه في صدر الخبر بحل بيع الفاكهة كلها إذا أطعم بعضها مبنى على كونها من نوع واحد كما ينادى به التفصيل المذكور، و حينئذ يكون الخبر المذكور من قبيل سائر اخبار عمار المشتملة على الغرائب، كما طعن عليه بذلك المحدث الكاشاني في الوافي في غير موضع.
و بالجملة فإن القول الأول هو الأوفق بالقواعد المتقدمة، و يعضده إطلاق الصحيحة المذكورة.
المطلب الثاني في أثمار سائر الأشجار
، الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في عدم جواز بيعها قبل الظهور سنة واحدة بغير ضميمة، و لم أقف هنا على نص صريح يدل على الجواز في الصورة المذكورة، و انما ورد ذلك في ثمرة النخل كما تقدم، الا أن ظاهر جملة من الأصحاب منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك أن الخلاف هنا على حسب الخلاف في ثمرة النخل.
و قال في التذكرة على ما نقله المحقق الأردبيلي في جميع مسائل ثمرة الشجر:
الخلاف هنا كالخلاف في ثمرة النخل، ثم قال موردا عليه: الا أنه اختار في ثمر النخل جواز بيعه بعد الظهور قبل البدو عامين، و في ثمر الشجر قال: لا يجوز.
339
أقول: و هو ظاهر العلامة في الإرشاد، حيث ذكر في عبارته الأحكام المتقدمة في النخل و طردها في الجميع (1).
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالشجر ما تقدم في المقام الأول من المطلب الأول في صحيحة الحلبي أو حسنته، حيث إن السؤال فيها وقع عن شراء الكرم و النخل و الثمار، و قد تضمنت أنه لا بأس ببيعه ثلاث سنين، أو أربع، و تضمنت أنه ان اشتريته سنة واحدة فلا تشتره حتى يبلغ، و تضمنت السؤال عن اشتراء الثمرات فتهلك، و هو أعم من ثمرة النخل و غيرها، فأجاب (عليه السلام) بحديث رسول الله (صلى الله عليه و آله) الدال على جواز شراء الثمرة قبل ظهورها عاما واحدا، و يستفاد منه على هذا جواز الشراء سنة واحدة قبل الظهور على كراهية، و جواز الشراء أزيد من سنة قبل الظهور أيضا.
و منها ما رواه
في الكافي. و التهذيب عن عمار الساباطي (2) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الكرم متى يحل بيعه؟ فقال: إذا عقد و صار عروقا».
و العرق اسم الحصرم بالنبطية، كذا في الكافي. و في التهذيب «عقودا» و العقد اسم الحصرم بالنبطية، و هو أظهر.
أقول: و هذا الخبر من قبيل الاخبار المتقدمة في النخل، و أنه لاتباع ثمرته بعد الظهور حتى يبدو صلاحها، اما بالاحمرار أو الاصفرار، أو بأن يؤمن
____________
(1) و هذه صورة عبارته «الأول في بيع الثمار: انما يجوز بيعها بعد ظهورها، و في اشتراط بدو الصلاح الذي هو الاحمرار و الاصفرار، أو بلوغ غاية يؤمن غلتها الفساد، أو ينعقد حب الزرع أو الشجر أو الضميمة أو بشرط القطع، قولان» و لم يفصل في ذلك بين النخل و غيره من الشجر و الموجود في أكثر العبارات التفصيل و الفرق بين النخل و غيره من الأشجار كما في الشرائع و غيره- منه (رحمه الله).
(2) الكافي ج 5 ص 178 التهذيب ج 7 ص 84.
340
عليها العاهة.
و منها ما تقدم في رواية أبي الربيع الشامي المشتملة على الحائط فيه النخل و الشجر، و قد تضمنت النهى عن بيعه سنة واحدة حتى يبلغ ثمرته، و تضمنت جواز بيعه أزيد من سنة واحدة بعد أن يكون فيه شيء من الخضرة.
و منها ما تقدم أيضا
في صحيحة يعقوب بن شعيب (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: و سألته عن الرجل يبتاع النخل و الفاكهة قبل أن تطلع فيشترى سنتين أو ثلاث سنين أو أربعا؟ قال: لا بأس، إنما يكره شراء سنة واحدة قبل ان يطلع مخافة الافة حتى تستبين،.
و هي ظاهرة في ان حكم شجر الفاكهة حكم النخل فيما ذكرنا من كراهة شراء سنة واحدة و جوازه أزيد من سنة واحدة من غير ضميمة، حسبما تقدم في النخل.
و منها ما رواه
في التهذيب عن محمد بن شريح (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «و بلغني أنه قال في ثمر الشجر: لا بأس بشرائه إذا صلحت ثمرته فقيل له: و ما صلاح ثمرته؟ فقال: إذا عقد بعد سقوط ورده».
و منها موثقة عمار المتقدمة في الفائدة الثانية، و فيها النهى عن بيع الفاكهة حتى تطعم.
أقول: و الذي يقرب عندي من هذه الاخبار بعد ضم بعضها الى بعض و هو مساومة حكم الشجر للنخل، الا أن في جواز بيعه سنة واحدة قبل الظهور توقف، لعدم ظهوره صريحا منها، و كذا في جواز بيعه بعد الظهور و قبل البلوغ بأحد الشروط الثلاثة المتقدمة، فإنه لا دلالة لشيء من هذه الاخبار عليه، بل ظاهرها هو الجواز بعد الانعقاد، كما دلت عليه رواية محمد بن شريح من غير اشتراط شيء.
و اما ما دل على اشتراط أن تطعم- كما في موثقة عمار الثانية، و نحوه بلوغ
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 88 و 91.
(2) التهذيب ج 7 ص 88 و 91.
341
الثمرة في موثقة سماعة، أو صيرورته حصرما كما في موثقة عمار الاولى- فيحمل على الأفضل و الاولى، و كراهة ما قبل ذلك، و ان ترتبت في الكراهة كما تقدم في النخل.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان المفهوم من كلام الأصحاب رضوان (الله عليهم) هو المنع من البيع قبل الظهور عاما واحدا بغير ضميمة إجماعا، و معها على المشهور و البيع أزيد من عام فقولان.
و أما بعد الظهور فقيل: بالجواز و قيل: بأنه يتوقف على بدو الصلاح، و انما الكلام في بدو الصلاح، هل هو عبارة عن انعقاد الحب خاصة- و على هذا يتحد الظهور و بدو الصلاح، إذ لا واسطة بينهما- أو انه يشترط مع الانعقاد تناثر الورد؟ ذكره الشيخ في النهاية و جماعة، أو أن بدو الصلاح كما ذكره في المبسوط حيث قال: بدو الصلاح مختلف، فان كانت الثمرة مما تحمر أو تسود أو تصفر، فبدو الصلاح فيهما حصول هذه الألوان، و ان كانت مما تبيض بأن يتموه، و هو أن ينمو فيه الماء الحلو و يصفو لونه، و ان كان مما لا يتلون مثل التفاح فبان يحلو و يطيب أكله، و ان كان مثل البطيخ فبان يقع فيه النضج.
قال: و قد روى أصحابنا أن التلون يعتبر في ثمرة النخل خاصة، فأما ما يتورد فبدو صلاحه أن ينثر الورد و ينعقد، و في الكرم أن ينعقد الحصرم، و ان كان مثل القثاء و الخيار الذي لا يتغير طعمه و لا لونه، فان ذلك يؤكل صغارا فبدو صلاحه فيه أن يتناهى عظم بعضه. انتهى.
و قال ابن إدريس بدو الصلاح يختلف بحسب اختلاف الثمار، فان كانت ثمرة النخل و كانت مما تحمر أو تسود أو تصفر فبدو الصلاح فيها ذلك، و ان كان خلاف ذلك فحين ينمو فيها الماء الحلو و يصفر لونها، و لا يعتبر التلون و التموه و الحلاوة عند أصحابنا إلا في ثمرة النخل خاصة، و ان كانت الثمرة مما يتورد فبدو صلاحها أن ينثر الورد و ينعقد، و في الكرم أن ينعقد الحصرم، و ان كان غير
342
ذلك فحين يحلو و يشاهد و قال بعض المخالفين: ان مثل القثاء و الخيار الذي لا يتغير طعمه و لا لونه فبدو صلاحه أن يتناهى عظم بعضه، و قد قلنا ان أصحابنا لم يعتبروا بدو الصلاح الا فيما اعتبروه من النخل و الكرم، و انتثار الورد في الذي يتورد.
انتهى كلامه (زيد مقامه).
و قال العلامة في المختلف بعد نقل كلامي الشيخ و ابن إدريس المذكورين:
و هذا كله عندي لا عبرة به، لأنا قد جوزنا بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، نعم بشرط ظهورها. انتهى.
أقول: و الظاهر من كلام الشيخ هو المنع من بيع البطيخ و القثاء و الخيار و نحوها بعد الظهور و قبل بدو الصلاح الذي ذكره الا بشرط القطع، و هذا الشرط و ان لم يذكره هنا، الا انه قد صرح به في موضع آخر من الكتاب المذكور.
و التحقيق هو ما ذكره ابن إدريس عن أصحابنا من ان بدو الصلاح انما يشترط و يعتبر في الثلاثة المذكورة فإنه هو الذي وردت به الاخبار، و أما غيرها فحين يتحقق خلقه و يصير معلوما و الله العالم.
المطلب الثالث في الخضر.
و المشهور بل الظاهر انه لا خلاف فيه انه لا يجوز بيعها قبل ظهورها، و انما يجوز بعد ظهورها لقطة و لقطات، (1) و جزة و جزات فيما يجز كالبقول، و فيما
____________
(1) قال في الدروس و المرجع في اللقطة و الجزة و الخرطة إلى العرف، أقول:
الظاهر ان مراده بالنسبة إلى إدراك ذلك الجنس و عدمه مما كان فيه صلاحية الجزة و اللقطة و عدمها، كما إذا كان صغارا لم يبلغ أو ان الانتفاع به لصغره منه (رحمه الله).
343
يخترط كالحناء و التوت (1)- خرط و خرطات أو أربع- خرطات، و يدل عليه ما رواه
المشايخ الثلاثة في الموثق عن سماعة (2) في حديث تقدم اوله قال فيه:
«و سألته عن ورق الشجر هل يصلح شراؤه ثلاث خرطات أو أربع خرطات؟ فقال:
إذا رأيت الورق في شجرة فاشتر منه ما شئت من خرطة».
و هو ظاهر في انه انما يشترى بعد ظهوره، و انه يجوز شراؤه خرطة واحدة و خرطات متعددة.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن معاوية بن ميسرة (3) قال: «سألته عن بيع النخل سنتين؟ قال: لا بأس به، قلت: فالرطبة يبيعها هذه الجزة و كذا و كذا جزة بعدها؟ قال: لا بأس به، ثم قال: قد كان أبى (عليه السلام) يبيع الحناء كذا و كذا خرطة».
أقول: و هذا الخبر و ان كان مطلقا في الظهور و عدمه، الا أنه مما يجب حمله على الأول، حمل المطلق على المقيد، و أما ما نقل عن ابن حمزة مما يشعر بجواز بيع الجزة الثانية أو الثالثة على حدة، حيث قال: يجوز بيع الرطبة و أمثالها الجزة، أو الثانية أو جميعا فهو مردود بالخبر الأول الدال صريحا على أنه لا يجوز البيع الا بعد الظهور جزة أو جزات، و مقتضى ما ذكره جواز البيع قبل الظهور، و هو بيع مجهول، فلا يصح بانفراده بخلاف ما لو ضمها الى الموجود كما دل عليه الخبر.
____________
(1) التوت بالتائين المنقطتين نقطتين، من فوق، و قيل بالتاء و الثاء المثلة منه (رحمه الله).
(2) الكافي ج 5 ص 176 التهذيب ج 7 ص 86 الفقيه ج 3 ص 143.
(3) الكافي ج 5 ص 177 التهذيب ج 7 ص 86.
344
المطلب الرابع في الأحكام
و فيه مسائل
[المسألة] الاولى لو باع الأصول بعد انعقاد الثمرة [و قبلها]
لم تدخل في المبيع الا بالشرط، و أما قبله فتدخل و ان كان وردا خلافا للشيخ (1) و متى لم تدخل في المبيع فالواجب على المشترى إبقاؤها إلى أو ان بلوغها، و يرجع في ذلك الى ما هو المتعارف في تلك الأشجار من حد البلوغ، هذا على المشهور في غير النخل.
أما النخل إذا بيع فإنه يفرق فيه بالتأبير و عدمه، فإن أبرت ثمرته فهي للبائع و ان كان قبل التأبير فهي للمشتري، و الظاهر أنه لا خلاف فيه.
و يدل عليه ما رواه
في الكافي و التهذيب عن يحيى بن أبى العلاء (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من باع نخلا قد لقح فالثمرة للبائع الا أن يشترط المبتاع، قضى رسول الله (صلى الله عليه و آله) بذلك».
و عن غياث بن إبراهيم (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من باع نخلا قد أبره فثمرته «للذي باع» الا أن يشترط المبتاع، ثم قال: ان عليا (عليه السلام) قال: قضى به رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و ما رواه
في الكافي عن عقبة بن خالد (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «
____________
(1) قال في الدروس: و في دخول الورد قبل انعقاد الثمرة في بيع الأصول خلاف، فأدخله الشيخ في الظاهر، و منعه الفاضل انتهى. منه (رحمه الله).
(2) الكافي ج 5 ص 177 التهذيب ج 7 ص 87.
(3) الكافي ج 5 ص 177 و فيه (للبائع) التهذيب ج 7 ص 87.
(4) الكافي ج 5 ص 178 التهذيب ج 7 ص 87.
345
قضى رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن ثمر النخل للذي أبرها الا أن يشترط المبتاع».
و انما الخلاف فيما عدا النخل، و في النخل في الانتقال بغير المبيع، فان ظاهر المشهور هو ما قلناه من أن الثمرة للبائع، لا تدخل في المبيع، للأصل و عدم شمول اللفظ لها، الا ان يصرح بدخولها.
و قال الشيخ في النهاية: إذا باع نخلا قد أبر و لقح فثمرته للبائع الا أن يشترط المبتاع الثمرة، فإن شرط كان على ما شرط، و كذلك الحكم فيما عدا النخل من شجر الفواكه، و كذا قال الشيخ المفيد على ما نقل عنه في المختلف، و ظاهره كما ترى اجراء الحكم المذكور في غير النخل، و تأول ابن إدريس في السرائر كلامه بأن قصد الشيخ من ذلك أن الثمرة للبائع، لأنه ما ذكر الا ما يختص بالبائع، و لا اعتبار عند أصحابنا بالتأبير إلا في النخل، فأما ما عداه متى باع الأصول و فيها ثمرة فهي للبائع الا ان يشترطها المشترى، سواء لقحت و أبرت أو لم تلقح.
و أنت خبير بان كلامه في المبسوط لا يقبل ما ذكره من التأويل، حيث قال:
إذا باع القطن و قد خرجت جوزته فان كان قد تشقق فالقطن للبائع الا أن يشترطه المشترى، و ان لم يكن تشقق فهو للمشتري، قال: و ما عدا النخيل و القطن فهو على أقسام أربعة أحدها- ما يكون ثمرتها بارزة لا في كمام و لا ورد، كالعنب و التين، فإذا باع أصلها فإن كانت الثمرة قد خرجت فهي للبائع، و الا فهي للمشتري.
الثاني- أن يخرج الثمرة في ورد، فان باع الأصل بعد خروج وردها فان تناثر الورد و ظهرت الثمرة فهي للبائع، و ان لم يتناثر وردها و لم تظهر الثمرة و لا بعضها فهي للمشتري.
الثالث- ان يخرج في كمام كالجوز و اللوز مما دونه قشر يواريه إذا ظهر ثمرته
346
فالثمرة للبائع.
الرابع- ما يقصد ورده كشجرة الورد و الياسمين، فإذا بيع الأصل فإن كان ورده قد تفتح فهو للبائع، و ان لم يكن تفتح و انما هو جنبذ فهو للمشتري. و تبعه في ذلك ابن البراج، و ابن حمزة عمم الحكم أيضا في النخل و الشجر، و محل المخالفة في القطن بعد خروج جوزته و قبل تشققها و في الورد قبل تفتحه، و الا فباقى كلامه موافق لما عليه الأصحاب من التفصيل بالظهور و عدمه.
و قال في المبسوط أيضا: إذا باع نخلا قد طلع فان كان قد أبر فثمرته للبائع، و ان لم يكن قد أبر فثمرته للمشتري، و كذلك إذا تزوج بامرأة على نخلة مطلعة، أو يخالع امرأة على نخلة مطلعة، أو يصالح رجلا في شيء على نخلة مطلعة أو يستأجر دارا مدة معلومة بنخلة مطلعة، قال: فجميع ذلك ان كان قد أبر فثمرته باقية على ملك المالك الأول، و ان لم يكن قد أبر فهو لمن انتقل اليه النخل بأحد هذه العقود. انتهى.
و تبعه ابن البراج في ذلك، و هو ظاهر في قياس ما عدا البيع في النخل- من عقود المعاوضات- على البيع، مع ان مورد النص كما تقدم انما هو البيع خاصة و الأصل كما عرفت بقاء الثمرة على ملك مالكها، خرج منه ما دل النص عليه، و هو البيع خاصة، فيبقى الباقي على أصله.
و لهذا اعترضه ابن إدريس هنا، فقال بعد نقل كلامه المذكور: قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: و هذا الذي ذكره (رحمة الله عليه) مذهب المخالفين لأهل البيت (عليهم السلام) لان جميع هذه العقود الثمرة فيها للمالك الأول، سواء أبر أم لم يؤبر، بغير خلاف بين أصحابنا، و المخالف حمل باقي العقود على عقد البيع و قاسها عليه، و القياس عندنا باطل بغير خلاف بيننا الى آخره.
المسألة الثانية [جواز استثناء ثمرة شجرة أو حصة مشاعة و نحوهما]
- الظاهر أنه لا خلاف في جواز أن يشترط استثناء ثمرة شجرة
347
أو شجرات بعينها، أو يستثني حصة مشاعة كالنصف أو الثلث مثلا، و كذا استثناء جزء معين من شجرة، كغدق معين من نخلة، و المشهور جواز استثناء أرطال معينة، خلافا لأبي الصلاح، مستندا الى حصول الجهل بقدر المبيع حيث لا يعرف قدره جملة.
و يدل على المشهور ما رواه
في الفقيه عن حماد بن عيسى عن ربعي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يبيع الثمرة ثم يستثني كيلا و تمرا قال: لا بأس به؟ قال: و كان مولى له عنده جالسا فقال المولى: انه ليبيع و يستثني أوساقا- يعني أبا عبد الله (عليه السلام)- قال: فنظر اليه و لم ينكر ذلك من قوله».
و حينئذ فإن سلمت الثمرة فالأمر واضح بأن يأخذ المستثنى ما استثناه، و للمشتري الباقي، و ان خاست و تلف بعضها فان كان ذلك في صورة استثناء شجرة أو شجرات فلا اشكال، لامتياز المبيع منها، و أما في صورة الحصة المشاعة فالأمر أيضا واضح.
و أما في صورة الأرطال المعلومة فإن الساقط يكون بالنسبة بأن يخمن ثمرة البستان على تقدير السلامة تنسب إليه الأرطال المعلومة، ثم تؤخذ بتلك النسبة من الباقي، فإذا خمن بقدر معلوم على تقدير السلامة نسبت إليه الأرطال المعلومة، بأن يكون ربعا أو خمسا أو نحو ذلك، ثم يؤخذ بتلك النسبة من الثمرة الباقية، بأن يؤخذ ربعها أو خمسها كما في المثال المذكور.
المسألة الثالثة [إذا باع ما بدا صلاحه فأصيب قبل قبضه]
قالوا إذا باع ما بدا صلاحه فأصيب قبل قبضه كان من مال بايعه، و كذا لو
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 132.
348
أتلفه البائع، و ان أصيب البعض أخذ السليم بحصته من الثمن، و لو أتلفه أجنبي كان كان المشترى بالخيار بين فسخ البيع و مطالبة المتلف، و لو كان بعد القبض- و هو التخلية- لم يرجع على البائع بشيء على الأشبه، و لو أتلفه المشترى في يد البائع استقر العقد، و كان الإتلاف كالقبض، و كذا لو اشترى جارية و أعتقها قبل قبضها.
أقول: و الكلام في هذه المسألة يقع في مواضع
الأول [مبنا الحكم بتلفه من مال البائع]
ما ذكر من أن تلفه قبل القبض يكون من مال البائع إذا كان التلف بآفة و نحوها، فإنه مبنى على القاعدة المشهورة، من أنه مضمون على البائع قبل القبض، و المعنى أنه ينفسخ العقد من حينه، و تقدم الكلام في ذلك في المسألة الخامسة من المقام الثاني في أحكام الخيار (1) و ذكرنا ثمة معارضة هذه القاعدة بالقاعدة الدالة على أن المشترى يملك المبيع بالعقد.
و أما ما ذكر من أن الحكم كذلك لو أتلفه البائع فهو خلاف ما هو المشهور بينهم، كما قدمناه ذكره في المسألة المشار إليها من أن الحكم هنا انما هو تخير المشترى بين الرجوع بالثمن بأن يفسخ العقد، و بين مطالبة المتلف بالمثل أو القيمة سواء كان البائع أو الأجنبي، و لهذا قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك هنا بعد ذكر القول المذكور: و الأقوى تخير المشترى بين الفسخ، و إلزام البائع بالمثل، أما الفسخ فلان المبيع مضمون على البائع قبل القبض، و اما إلزامه بالعوض فلأنه أتلف ماله، لان المبيع قد انتقل إلى المشترى و ان كان مضمونا على البائع كما لو أتلفه الأجنبي، تمسكا بأصالة بقاء العقد، و اقتصارا بالانفساخ على موضع الوفاق. انتهى.
أقول: و قد تقدم في المسألة المشار إليها آنفا ما في هذا الكلام من تطرق الإيراد، فإن قضية كونه قبل القبض مضمونا على البائع الاقتصار على الفسخ و عدم
____________
(1) ص 77.
349
الرجوع بالمثل لبطلان العقد بالتلف، و قضية كون المبيع ينتقل بالعقد إلى المشترى- و يكون ملكا له- هو عدم الرجوع على البائع بوجه، الا أنه حيث كان ظاهرهم الإجماع على كل من القاعدتين جمعوا بينهما بما ذكر، كما يشير اليه قوله «و اقتصارا بالانفساخ على موضع الوفاق».
الثاني
- ما ذكر «من أنه لو كان بعد القبض و هو التخلية» الى آخره فإنه لا ريب أن مقتضى قاعدة البيع أنه بعد القبض لا يرجع على البائع بشيء، و هو المشهور في كلامهم بأي نوع كان من أنواع التلف المذكورة، الا أنه قد نقل في المسالك عن بعض الأصحاب أنه ذهب هنا الى أن الثمرة على الشجرة مضمونة على البائع و ان أقبضها بالتخلية، نظرا الى أن بيعها بعد بدو صلاحها بغير كيل و لا وزن على خلاف الأصل، لأن شأنها بعده النقل، و الاعتبار بالوزن أو الكيل بالقوة القريبة من الفعل، و انما أجيز بيعها كذلك للضرورة، و يراعى فيها السلامة و على هذا فيحتمل أن يكون قوله «على الأشبه» متعلقا بقوله «لم يرجع» و يكون إشارة الى هذا القول، و يحتمل أن يكون متعلقا بقوله «و هو التخلية،» حيث أنه كما تقدم قد وقع الخلاف في القبض، هل هو عبارة عن التخلية مطلقا، أو من الكيل أو الوزن في المكيل و الموزون؟ و هذه الثمرة بعد بدو صلاحها قد صارت صالحة للاعتبار بهما، و حينئذ فيكون فيه تنبيه على اختياره القول بالتخلية مطلقا، كما هو أحد القولين المذكورين.
الثالث
ما ذكره بقوله «و لو أتلفه المشترى في يد البائع» الى آخره، لا يخفى ان إتلاف المشتري في الصورة المذكورة ان كان بإذن البائع فهو قبض، يترتب عليه أحكام القبض مطلقا، و ان كان بغير اذنه و هو الظاهر من العبارة، فهو قبض من حيث انتقال الضمان إلى المشتري بالإتلاف و ان لم يكن باقي أحكام القبض مترتبة عليه، لان الغرض هنا بيان عدم الرجوع على البائع، و حيث انتقل الضمان اليه فلا رجوع.
350
قيل: و انما شبه الإتلاف هنا بالقبض و لم يجعله قبضا لأن الإتلاف قد يكون بمباشرة المشتري، فيكون قبضه حقيقة، و قد يكون بالتسبيب فيكون في حكم القبض خاصة.
الرابع
- ما ذكره من قوله «و كذا لو اشترى جارية» الى آخره و الغرض منه التنبيه على ان العتق مثل الإتلاف في كونه قبضا، و يكون العتق صحيحا لتقدم الملك و الله العالم.
المسألة الرابعة [حكم المزابنة و المحاقلة]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز بيع الثمرة في أصولها بالأثمان و العروض، و لا اشكال فيه، و عليه يدل عموم الأخبار المتقدمة، و انما الممنوع منه بيع ثمرة النخل بمثلها من تلك النخلة، أو غيرها على الخلاف الاتى، و كذا الزرع بحنطة منه أو غيره، و هو المسمى بالمحاقلة و المزابنة و تفصيل هذا الإجمال يقع في مواضع
الأول [معنى المزابنة و المحاقلة]
- ينبغي ان يعلم ان المزابنة مفاعلة من الزبن و هو الدفع، و منه الزبانية، لأنهم يدفعون الناس في النار، قيل:
سميت هذه المعاملة بذلك لأنها مبنية على التخمين، و الغبن فيها كثير، فكل من البائع و المشترى يريد دفعه عن نفسه إلى الأخر فيتدافعان.
و المحاقلة مفاعلة من الحقل: و هي الساحة التي يزرع فيها، قيل: سميت هذه المعاملة بذلك لتعلقها بزرع في حقل، فأطلق اسم الحقل على الزرع مجازا، من باب إطلاق اسم المحل على الحال، أو المجاور على مجاورة، فكأنه باع حقلا بحقل، و تحريمهما في الجملة إجماعي منصوص.
الثاني [مورد استعمال المزابنة و المحاقلة]
المفهوم من كلام أكثر الأصحاب، و كذا من كلام جملة من أهل اللغة أن المزابنة مختصة بالنخل، و المحاقلة بالزرع، و المفهوم من صحيحة عبد الرحمن ابن أبى عبد الله (1) و موثقته الآتيتين عكس ما ذكروه، و هو أن المحاقلة في النخل، و المزابنة في الزرع، و كأن الأصحاب و كذا أهل اللغة بنوا فيما ذكروه على وجه
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 143.
351
المناسبة المذكور في الموضع الأول، و بعض مشايخنا المحدثين من المتأخرين (1) لذلك- حمل موثقة عبد الرحمن- الصريحة في ذلك- على السهو من الراوي، و لله در المحدث الكاشاني في الوافي حيث قال ذيل الموثقة المذكورة: عكس ابن الأثير في نهايته هذا التفسير، و لا ينبئك مثل خبير.
و العجب من صاحب الوسائل انه تبع الأصحاب فيما ذكروه، فقال: باب أنه لا يجوز بيع ثمرة النخل بتمر منه، و هي المزابنة، و لا بيع الزرع بحب منه و هي المحاقلة، ثم أورد في الباب روايتي عبد الرحمن (2) المشار إليهما، و لم يجب عنها بشيء، مع أنها ظاهرتان في خلاف ما عنون به الباب، نعم أورد في الباب أيضا رواية من كتاب
معاني الأخبار مسندة برجال من العامة عن ابى عبيد القاسم بن سلام (3) بإسناده إلى النبي (صلى الله عليه و آله) انه نهى عن بيع المحاقلة و المزابنة، فالمحاقلة بيع الزرع و هو في سنبله بالبر، و المزابنة، بيع الثمر في رؤوس النخل بالتمر.
أقول: من المحتمل قريبا ان هذا التفسير انما هو عن ابى عبيد المذكور، كما صرح به الصدوق في غير موضع من الكتاب المذكور، و مع تسليم كونه من النبي (صلى الله عليه و آله) فهو لا يعارض ما قدمناه من الاخبار، خصوصا مع كون سنده انما هو رجال العامة.
____________
(1) هو شيخنا الشيخ على بن سليمان البحراني في حواشيه على التهذيب حيث قال: المعروف عند أهل اللغة- على خلاف بينهم و كذا عند الفقهاء من الخاصة و العامة- ان المزابنة بيع ثمر النخل و الشجر من جنسه، و المحاقلة بيع الزرع بحنطة أو شعير، فلعل ما في الرواية سهو من الراوي و الله يعلم. انتهى منه (رحمه الله).
(2) الوسائل الباب- 13- من أبواب بيع الثمار.
(3) الوسائل الباب- 13- من أبواب بيع الثمار.
352
الثالث [هل يعم حكم المزابنة و المحاقلة غيرهما؟]
- لا خلاف بين الأصحاب في تحريم بيع الثمرة بتمر منه، و الزرع بعد بدو صلاحه بحنطة منه، و انما الخلاف فيما إذا كان من غيره، فقيل بالاختصاص و هو المتفق عليه، و خصوا المزابنة و المحاقلة المتفق على تحريمها بذلك، و قيل بالعموم، و أن الاسمين المذكورين مراد بهما الأعم مما إذا كان منه أو من غيره و لو كانت مطروحة على الأرض، و الظاهر أنه المشهور.
و استند القائلون بالعموم إلى
صحيحة عبد الرحمن بن أبى عبد الله عن أبى عبد الله (1) (عليه السلام) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن المحاقلة و المزابنة، قلت و ما هو؟ قال أن تشترى حمل النخل بالتمر، و الزرع بالحنطة».
و موثقته عن ابى عبد الله (عليه السلام)،) قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن المحاقلة و المزابنة فقال: المحاقلة بيع النخل بالتمر و المزابنة بيع السنبل بالحنطة».
و هما ظاهرتان في كون كل من التمر و الحنطة أعم من أن يكونا من المبيع أو غيره و الثانية صريحة فيما قدمناه من ان المحاقلة انما هي في النخل، و المزابنة في الزرع، خلاف ما هو المشهور بين الأصحاب.
و استند القائلون بالتخصيص الى ما دل على جواز البيع بتمر غير ما في المبيع و منه
حسنة الحلبي (2) أو صحيحته قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في رجل قال لاخر: بعني ثمرة نخلك هذا الذي فيها بقفيزين من تمر أو أقل أو أكثر يسمي ما شاء فباعه؟ قال: لا بأس به».
و ما رواه
الشيخ في الصحيح عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بيع حصائد الحنطة و الشعير و سائر الحصائد؟
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 143.
(2) الكافي ج 5 ص 176.
(3) التهذيب ج 7 ص 205.
353
قال: حلال فليبعه بما شاء».
و هو و ان كان عاما لما لو كان الثمن من جملة المبيع الا انه يجب استثناؤه بالنص و الإجماع، و جملة الأخبار الدالة على التحريم فيما لو كان من المبيع، و الجواز من غيره.
و منه ما رواه
الشيخ في الحسن عن الحسن بن على الوشاء (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل اشترى من رجل أرضا جريانا معلومة بمأة كر على أن يعطيه من الأرض، فقال: حرام، قال: فقلت له فما تقول جعلت فداك أن اشترى منه الأرض بكيل معلوم و حنطة من غيرها؟ قال: لا بأس».
و المراد زراعة الأرض،
و رواه بسند آخر أيضا عنه (عليه السلام) قال: سألت الرضا (عليه السلام) الحديث.
و مما يدل أيضا على الجواز فيما لو كان من غير المبيع أيضا ما رواه
الشيخ في الموثق عن الكناني (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان رجلا كان له على رجل خمسة عشر و سقا من تمر و كان له نخل فقال له: خذ ما في نخلي بتمرك فأبى أن يقبل، فأتى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان لفلان علي خمسة عشر و سقا من تمر، فكلمه أن يأخذ ما في نخلي بتمره، فبعث اليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال: يا فلان خذ ما في نخله بتمرك، فقال يا رسول الله لا يفي و أبى أن يفعل، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لصاحب النخل: اجذذ نخلك، فجذه، فكال له خمسة عشر و سقا، فأخبرني بعض أصحابنا عن ابن رباط و لا أعلم الا انى قد سمعته منه أن أبا عبد الله (عليه السلام) قال: ان ربيعة الرأي لما بلغه هذا عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: هذا ربا: قلت: أشهد بالله انه لمن الكاذبين قال: صدقت».
و الشيخ حمل هذا الخبر على الصلح دون البيع، و كذا العلامة في المختلف،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 195.
(2) التهذيب ج 7 ص 91.
354
و أنت خبير بما فيه، لان الدليل غير منحصر في الخبر المذكور، ليخرج بتأويله عن الإشكال، فإن الخبرين الأولين صريحان في البيع، و المسألة كما ترى محل اشكال.
و بعض المحققين احتمل في روايتي عبد الرحمن أن يكون التمر و الحنطة بمعنى تمرة و حنطة فيكون الالف و اللام عوضا عن الضمير المضاف اليه، قال:
بل هو المتبادر، و لو أراد العموم لكان التنكير أولى، و هو بتمر و حنطة. انتهى و هو احتمال قريب لا بأس به في مقام الجمع بين الاخبار، لشيوع هذا الاستعمال في الكلام.
و من أخبار المسألة ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون له على الأخر مأة كر تمر و له نخل فيأتيه فيقول أعطني نخلك هذا بما عليك فكأنه كرهه».
و المراد تمر نخلك و ظاهر هذا الخبر كراهة بيع الثمرة بجنسها من غير المبيع.
و يمكن حينئذ الجمع بين الاخبار بتخصيص التحريم بما كان من المبيع، و الجواز على كراهة بما كان من غيره، و يحمل النهي في روايتي عبد الرحمن على ما هو الأعم من التحريم أو الكراهة، و ليس فيه الا ما ربما يقال من عدم جواز استعمال المشترك في معنييه، و هو و ان اشتهر بينهم الا أنه في الاخبار كثير شائع، كما نبهنا عليه في جملة من المواضع في كتاب العبادات، و قد نقلنا ثمة عن الذكرى أيضا جواز ذلك.
و من أخبار المسألة ما رواه
في الكافي و التهذيب في الحسن عن الحلبي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «لا بأس أن تشترى زرعا قد سنبل و بلغ بحنطة».
و هذا الخبر كما ترى يدل على جواز المزابنة، و ان كان الثمن من
____________
(1) الكافي ج 5 ص 193 التهذيب ج 7 ص 125 الفقيه ج 3 ص 142.
(2) الكافي ج 5 ص 274 التهذيب ج 7 ص 142.
355
المبيع، نظرا إلى إطلاق الخبر، و قد تقدم مثله في صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي (1) الا أن يقيد إطلاقه بالإجماع، و روايتي عبد الرحمن المتقدمين، و يمكن حمل النهي في روايتي عبد الرحمن على الكراهة جمعا كما احتمله في الوافي أيضا.
الرابع [مستند تحريم المزابنة و المحاقلة]
قد استند جملة من الأصحاب القائلين بالعموم الى لزوم الربا في المعاملتين المذكورتين، و هو حرام، فيكون مستند التحريم هو لزوم الربا، لانه بيع ثمرتين ربويتين و هو مكيل، و الغالب التفاوت فيحصل شرط الربا، و لان بيع الربوي مشروط بالعلم بالمساواة، و معلوم انها غير ظاهرة هنا، و فيه ان الثمرة ما دامت على النخل و الحنطة في الزرع ليس بمكيل، لانه لا تباع كيلا و انما تباع بالمشاهدة.
و قد عرفت من الروايات المتقدمة جواز البيع بالجنس الذي من غير المبيع و هو ظاهر في عدم الربا في الصورة المذكورة، بل صرح في رواية الكناني بذلك، حيث انها دلت على ان ربيعة الرأي جعل ذلك رأيا، و قد كذبه (عليه السلام) بتقريره الراوي على ما قاله، و قوله له صدقت، و أجاب عنه في المختلف بضعف السند، قال: لأن في طريقه الحسن بن محمد بن سماعة، و هو ضعيف، سلمنا لكن لا دلالة فيه على البيع، بل هو دال على نوع من الصلح و الاستيفاء، و نحن نقول بجوازه.
و فيه ان الرجل المذكور و ان كان واقفيا الا انه ثقة، فحديثه في الموثق و هو يعمل به في غير موضع، و الحمل على الصلح قد عرفت ما فيه.
الخامس [اختلاف العبارات و النصوص في التعبير عن المبيع في المحاقلة]
- قد اختلفت عبائر الأصحاب (رضوان الله عليهم) و كذا النصوص في التعبير عن المبيع في المحاقلة، ففي بعض عبر بالزرع، و في آخر بالسنبل،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 205.
356
و الظاهر ان مراد من عبر بالأول انما هو مع وجود الحب، بان تكون سنبلا، فيرجع الى الثاني لأنه قبل انعقاد الحب علف يجوز بيعه بكل شيء.
و لهذا قال في المسالك بعد نقل مثل ذلك: و يظهر من كلامهم الاتفاق على ان المراد به السنبل و ان عبروا بالأعم، و قال في التذكرة لو باع الزرع قبل ظهور الحب بالحب فلا بأس، لأنه حشيش، و هو غير مطعوم و لا مكيل، سواء تساويا جنسا أو اختلفا، و لا يشترط التقابض في الحال. انتهى.
ثم انه على تقدير التعبير بالسنبل فهل المراد منه الحنطة بالخصوص، أو ما هو أعم منها و من الشعير و الدخن و الأرز و غيرها؟ فيدخل الجميع في المحاقلة إشكال، و بعض تعاريف الأصحاب للمحاقلة بأنها بيع السنبل بحب منه أو من غيره يعطى العموم، و بعض تعاريفها بأنها الحنطة في سنبله بحنطة اما منها أو من غيرها يعطى التخصيص، و ظاهره في التذكرة ان أكثر تعاريف الأصحاب من هذا القبيل و على هذا يدخل فيه الشعير ان جعلناه من جنس الحنطة كما تقدم بيانه سابقا، و علل المنع بالربا، و الا فلا (1).
أقول: و الذي يظهر من روايتي عبد الرحمن المتقدمتين حيث ان الاولى تضمنت تفسير المزابنة ببيع الزرع بالحنطة، و الثانية السنبل بالحنطة- و هي و ان سميت في الخبرين بالمزابنة الا أنها هي المحاقلة عند الأصحاب- هو التخصيص بالحنطة دون غيرها من افراد الحبوب، و ليس غير هاتين الروايتين في الباب فإلحاق ما ذكروه من الافراد بالحنطة مشكل.
____________
(1) قال في التذكرة ان أكثر تفاسير المحاقلة انها بيع الحنطة في السنبل بحنطة اما منها أو من غيرها، فيختص بالحنطة و يدخل فيه الشعير ان جعلناه من جنس الحنطة أو عللنا المنع بالربا، و الا فلا، قال: و في بعض ألفاظ علمائنا هي بيع الزرع بالحب من جنسه، فيكون ذلك محاقلا. انتهى منه (رحمه الله).
357
نعم من علل بالربا فيمكن الإلحاق إلا انك قد عرفت ما فيه.
السادس هل ينسحب حكم النخل الى غيره من ثمار أشجار الفواكه و غيرها؟
قولان: و الأقرب العدم، و الوجه فيه ان ما ورد في الاخبار و كلامي متقدمي الأصحاب في تعريف المزابنة يقتضي التخصيص بالنخل، فيبقى غيره على عموم الجواز اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع النص و الوفاق و بطلان القياس.
و ذهب جمع منهم الشهيد في اللمعة و الدروس و الشهيد الثاني في المسالك- بل نقل أنه ظاهر الأكثر- إلى انسحاب الحكم في غير النخل من الشجر، مستندين في ذلك الى أن علة النهي انما هي عدم الأمن من الربا، لانه بيع أحد المتجانسين بالاخر، و هما مكيلان أو موزونان، و احتمال المساواة في الخرص نادر، فيحرم للتفاضل غالبا، مع أن العلة منصوصة في المنع من بيع الرطب بالتمر، و هي نقصانه عند الجفاف، و هي قائمة فيما نحن فيه، و قد عرفت الجواب عن ذلك.
نعم يبقى الكلام في العلة المنصوصة في المنع من بيع الرطب بالتمر، و هي نقصانه عند الجفاف، فإنها قائمة هنا، فمن ترجح عنده العمل بالعلة المنصوصة يعدى الحكم إلى المساوي في العلة المذكورة، الا أن العمل بالعلة المنصوصة محل كلام، قد تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب في صدر كتاب الطهارة (1) و الله العالم.
المسألة الخامسة [استثناء العرية من حكم المزابنة]
- قد اتفق القائلون بالعموم في المزابنة على استثناء العرية، و هي النخلة تكون للإنسان في دار رجل آخر، و قال أهل اللغة و جملة من المتقدمين:
أو بستانه، و استحسنه جملة من المتأخرين، بل قال في المسالك: أنه متفق عليه، فيجوز بيعها بخرصها تمرا من غيرها، و في جوازه مع كونه التمر منها إشكال يأتي التنبيه عليه.
و أنت خبير بأنه على ما اخترناه من تفسير المزابنة ببيع ثمرة النحل بتمر
____________
(1) ج 1 ص 63.
358
منها، و أنه هو المحرم، فلا معنى لهذا الاستثناء، بل يكون الرواية الدالة على الجواز في العرية- من قبيل الاخبار التي قدمناها- دالة على جواز بيع الثمرة النخل بتمر من غيرها، و لكن اشتهر هذا الاستثناء لشهرة القول بالعموم بين الخاصة و العامة.
و الأصل في العرية ما رواه
في الكافي و التهذيب عن السكوني (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «رخص رسول الله (صلى الله عليه و آله) في العريا أن تشتريها بخرصها تمرا ثم قال: و العرايا جمع عرية، و هي النخلة تكون للرجل في دار رجل آخر فيجوز له أن يبيعها بخرصها تمرا و لا يجوز ذلك في غيره».
و ما رواه
الصدوق في كتاب معاني الاخبار عن محمد بن هارون الزنجاني عن على بن عبد العزيز عن القاسم بن سلام بإسناد متصل إلى النبي (صلى الله عليه و آله) أنه رخص في العرايا، واحدتها عرية و هي النخلة التي يعريها صاحبها رجلا محتاجا، و الإعراء أن يبتاع تلك النخلة من المعرا بتمر لموضع حاجته، قال: و كان النبي (صلى الله عليه و آله) إذا بعث الخراص قال: خففوا الخرص فان في المال العرية و الوصية (2)».
أقول: و الروايتان المذكورتان في طريقهما رجال العامة، و الحكم بالعموم في المزابنة و استثناء العرية منه مذهب العامة، الا أن الحكم أيضا في الموضعين مشهور بين أصحابنا على ما تقدم من الخلاف في الأول، و قوله في الخبر الأول «و لا يجوز ذلك في غيره» يحتمل أن يكون المراد: أي في غير ما يكون في دار رجل آخر، و على هذا ففيه دلالة على ضعف ما تقدم نقله عنهم من اضافة البستان الى الدار، و يحتمل أن يكون المراد: أى غير النخل إذا كان في دار رجل آخر، و على هذا ففيه دلالة على اختصاص العرية بالنخل دون غيره من الشجر، و الظاهر أنه موضع اتفاق،
[فوائد]
و تمام تحقيق الكلام في المقام يتوقف على بسطه في فوائد.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 275 التهذيب ج 7 ص 143.
(2) الوسائل الباب- 13- من أبواب بيع الثمار الرقم- 5.
359
الاولى [في شروط بيع العرية]
- قد شرطوا في بيع العرية شروطا أحدها- كون البيع على ذي الدار و البستان لا على غيرهما، و ثانيها- كونها واحدة في كل بستان أو دار، فلو كان لمالك واحد اثنتان في دار أو بستان، لم يجز بيع ثمرتهما و لا ثمرة أحدهما، لعدم صدق العرية في هذه الصورة نعم لو تعددت الدار أو البستان جاز تعددها من الواحد.
و ثالثها- و الخرص و التخمين في ثمرة النخلة، كما دل عليه الخبر.
رابعها- عدم التفاضل وقت العقد، لظاهر الخبر الدال على اعتبار المساواة و لزوم الربا مع التفاضل، و لأن الأصل المنع الا فيما دل عليه النص المذكور، و لا يضر ذلك بعد الجفاف لإطلاق الخبر.
و خامسها- أن يكون الثمن حالا فلا يجوز تأجيله، و ان لم يقبض في المجلس، خلافا للشيخ في المبسوط حيث شرط التقابض (1) و هو ضعيف.
و سادسها- كون الثمرة على رأس النخلة فلو قطعت لم يجز بيعها الا كغيرها من الموزون و المكيل.
أقول: و الظاهر الاستغناء عن هذا الشرط، لان فرض المسألة في العرية، و هي التي تباع ثمرتها بالخرص، و هو ظاهر.
و سابعها- كون الثمن من ثمرة النخل، و فيه ما في سابقه من انه مستغنى عنه
____________
(1) قال في المبسوط: شرط بيع العرية أمران، أحدهما المماثلة من طريق الخرص بين ثمرة النخلة عند صيرورتها تمرا و بين التمر الذي هو الثمن، و الثاني التقابض قبل التفرق و قال ابن إدريس لا يشترط التقابض نعم يشترط الحلول. احتج الشيخ بأن ما فيه الربا لا يجوز التصرف فيه قبل التقابض و منع ابن إدريس ذلك إلا في الصرف، قال في المختلف: و هو الأقوى. لنا الأصل عدم الاشتراط. انتهى. أقول:
الأمر الأول في عبارته إشارة إلى الشرط الرابع الذي ذكرناه منه (رحمه الله).
360
ايضا، لما عرفت في تعريف العرية.
و ثامنها- كون الثمن من غيرها قال في المسالك: و هو المعروف في المذهب، و نقل في المختلف عن ابن حمزة ان ظاهر كلامه تحريم العرية بتمر منها، بل يجوز بغيرها، ثم قال: و لا بأس به، و الا لزم ان يكون الثمن و المثمن واحد، ثم احتمل الجواز عملا بإطلاق الاذن، و لوجود المقتضى و هو الرخصة انتهى (1) و هو جيد فان قوله في الخبر «يبيعها بخرصها تمرا» متناول لموضع النزاع، أو هو أعم من كونه منها أو من غيرها، و لهذا يظهر من المحقق الأردبيلي الميل الى ذلك لو صح النص الوارد في المسألة.
الثانية [الخلاف في موضع النخلة هنا]
- قد عرفت ان مورد الخبر الأول بالنسبة إلى موضع النخلة انما هو الدار و الأصحاب كما تقدم ألحقوا البستان أيضا و هو محل اشكال، و ان كان ظاهرهم الاتفاق على ذلك، كما يشعر به كلامه في المسالك.
نعم خبر كتاب معاني الأخبار مطلق، فيمكن الاستناد إلى إطلاقه في ذلك، ثم انهم صرحوا بان المراد بالدار أو البستان ما هو أعم من المملوك و المستأجر و المستعار، لصدق الإضافة في الجميع، و زاد في المسالك اشتراك الجميع في العلة، و هي مشقة دخول الغير عليهم.
أقول: هذا التعليل الأخير انما يتم في الدار دون البستان، كما هو ظاهر، و فيه نوع تأييد لما قدمناه من الاقتصار في الحكم على الدار، و يؤيد أنه حكم
____________
(1) قال: و لو وجدت صحيحة صريحة لجاز الاستثناء من المزابنة بالمعنى الذي قلناه أيضا تعبدا، و لكن ما رأيتها، فلا يجوز هذا الاستثناء الأعلى المعنى العام القائل به العامة الذين هم أصل هذه المسألة. انتهى أقول و المراد بالمعنى الذي قاله هو ما اختاره من تفسير المزابنة بالمعنى الأخص- منه (رحمه الله).
361
على خلاف الأصل فيقتصر فيه على القدر المتحقق.
الثالثة [عدم وجوب التماثل في الخرص بين ثمرتها بعد الجفاف و ثمنها]
- إطلاق النص و الفتوى يقتضي أنه لا يجب التماثل في الخرص بين ثمرتها بعد الجفاف و ثمنها، بمعنى أنه لا يجب مطابقة ثمرتها جافة للتمر بل المعتبر في الجواز بيعها بظن الخارص و تخمينه لها تمرا، يعنى أن ما فيها من البسر و الرطب إذا جف يبلغ هذا القدر تمرا فتباع ثمرتها بهذا المقدار تمرا من غيرها أو منها مع الاحتمال المتقدم، و لا يجب مطابقة هذا التقدير الثمرة بعد الجفاف، بحيث أنه لو زادت أو نقصت عن ذلك بطل البيع، بل البيع صحيح، و ان لم تحصل المطابقة و قيل: يعتبر المطابقة فلو اختلفا تبين بطلان البيع، و الظاهر ضعفه لإطلاق النص بما ذكرناه، و يأتي على هذا القول أنه لا يجوز التصرف في ثمرة التخلة بالأكل و نحوه، حتى يستعلم المطابقة و عدمها بالجفاف، و إطلاق النص بدفعه، هذا هو المشهور في معنى عدم وجوب المماثلة بين ثمرتها و ثمنها.
و قال العلامة في التذكرة: ان المعتبر المماثلة بين ما عليها رطبا، و بين الثمن تمرا، فيكون بيع رطب بتمر متساويا، و جعل هذا مستثنى من بيع الرطب بالتمر متساويين.
الرابعة [عدم العرية في غير النخل]
الظاهر أنه لا خلاف في عدم العرية في غير النخل، بل نقل في المسالك الاتفاق على ذلك، قال: و انما يظهر الفائدة لو منعنا من بيع ثمر باقي الشجر بجنسه جافا كما هو المختار، و أما على ما ذهب اليه المصنف من الجواز، فمتى نفى العرية أنه لا خصوصية لها حتى يتقيد بقيودها، بل يجوز بيع الثمرة اتحد الشجر أم تعدد، في الدار و غيرها بجنس ثمرها متماثلا انتهى. و ملخصه أن العرية كما عرفت مستثناه من المزابنة، و الاستثناء انما يتجه على القول بالعموم في المزابنة للنخل و غيره، كما اختاره (قدس سره) و قبله الشهيد حسبما قدمنا ذكره و الله العالم.
المسألة السادسة [في القبالة]
- لو كان بين اثنين أو أكثر نخل أو شجر فيتقبل بعضهم
362
بحصة الباقين بشيء معلوم كان جائزا، و ليس هذا من قبيل البيع، و انما هي معاوضة مخصوصة تسمى بالقبالة و هي مستثناة من المزابنة و المحاقلة.
و الأصل فيها جملة من الاخبار، منها ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) بطرق عديدة فيها الصحيح و غيره، عن يعقوب بن شعيب (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجلين يكون بينهما النخل، فيقول أحدهما لصاحبه اما ان تأخذ هذا النخل بكذا و كذا كيلا مسمى أو تعطيني نصف هذا الكيل زاد أو نقص، و اما ان آخذه انا بذلك؟ و أرده عليك قال: لا بأس بذلك» و في بعض روايات الخبر بحذف «و أرد عليك».
و ما رواه
في الكافي. في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) «قال أخبرني أبو عبد الله (عليه السلام) ان أباه (عليه السلام) حدثه ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) اعطى خيبرا بالنصف أرضها و نخلها فلما أدركت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة، فقوم عليهم قيمة، فقال لهم: اما ان تأخذوه و تعطوني نصف الثمن، و اما ان أعطيكم نصف الثمن و آخذه، فقالوا بهذا قامت السموات و الأرض».
و في التهذيب عوض «الثمن» في الموضعين «الثمرة» و الظاهر ان ما في التهذيب هو الأقرب قال في الوافي بعد ذكر ذلك: و الثمن أوفق للقيمة، و الثمرة انسب بالخرص، كما يأتي.
و عن ابى الصباح الكناني (3) في الصحيح قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان النبي (صلى الله عليه و آله) لما افتتح خبير تركها في أيديهم على النصف فلما بلغت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة إليهم فخرص عليهم فجاؤوا إلى النبي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 193 مع اختلاف يسير التهذيب ج 7 ص 91 الفقيه ج 3 ص 142.
(2) الكافي ج 5 ص 266 التهذيب ج 7 ص 193.
(3) الكافي ج 5 ص 267.
363
(صلى الله عليه و آله) فقالوا له: قد زاد علينا فأرسل الى عبد الله بن رواحة فقال:
ما يقول هؤلاء فقال: قد خرصت عليهم بشيء فإن شاؤوا يأخذون بما خرصنا و ان شاؤوا أخذنا، فقال رجل من اليهود: بهذا قامت السموات و الأرض».
و الظاهر أن ما اشتملت عليه هذه الروايات بالدخول تحت الصلح أنسب، و بذلك صرح في الدروس: قال في المسالك: و ظاهر الأصحاب ان الصيغة تكون بلفظ القبالة، و ان لها حكما خاصا زائدا على البيع و الصلح، بكون الثمن و المثمن واحدا و عدم ثبوت الربا زاد أو نقص، و وقوعه بلفظ التقبيل، و هو خارج عن صيغتي العقدين و في الدروس أنه نوع من الصلح، و لا دليل عليه، كما لا دليل على ابقاعه بلفظ التقبيل أو اختصاصه به، و انما المعلوم من الرواية أنه معاملة على الثمرة، و انه لازم بحيث يملك المتقبل الزائد، و يلزمه لو نقص. انتهى.
أقول: اما نفى البيع عن هذه المعاملة فظاهر لما ذكره، و اما نفى الصلح فغير ظاهر، لانه لا ينحصر في لفظ الصلح و ان اشتهر ذلك بينهم، بل يصح ذلك بأي لفظ أفاد فائدته، و مرجع هذه المعاملة إلى التراضي بين الشريكين بأن يأخذ كل منهما نصف ذلك المشترك مثلا، بمعنى ان ما يستحقه أحد الشريكين في ذلك النصف الذي لشريكه، عوض ما يستحقه الأخر في النصف الأخر، و هذا هو الصلح بلا اشكال، و الربا مخصوص بالبيع كما تقدم، فلا يضر في هذه المعاملة و نحوها.
ثم ان جملة من الأصحاب- منهم العلامة في الإرشاد و الشهيد في الدروس قيدوا هذه المعاملة بشرط السلامة، قال المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد في شرح قول المصنف «و التقييد بشرط السلامة» ما لفظه: ظاهر المتن أنه مشروط لزومه بالسلامة من الافة، فلو نقص بها له أن لا يعطي إلا حصة الشريك مما حصل، و ان زاد فالزيادة له، و يحتمل أن يكون المراد بالشرط عدم الافة، بحيث تذهب بالكلية (1)
____________
(1) قال: و يجوز تقبيل الشريك بحصة صاحبه من الثمرة بخرص معلوم و ان كان منها، و هو نوع من الصلح لا بيع، و قراره مشروط بالسلامة. انتهى و ظاهره انه لو هلكت الثمرة بأجمعها فلا شيء على المتقبل و دليله غير واضح، بل ظاهر إطلاق الاخبار الواردة في المسألة خلاف ذلك لما ذكرناه في الأصل- منه (رحمه الله).
364
و هو بعيد، و الظاهر أن المراد الأعم، لكن لا يشمل النقص الذي حصل من التخمين و الغلط فيه، مع انه محتمل، و يحتمل ان يكون السلامة كناية عن الموافقة من غير زيادة و نقصان، فيكون النقص و الزيادة مشتركا بينهما و الظاهر من الرواية هو اللزوم مطلقا، فكأنه راجع الى معاملة تكون بحسب الطالع النقص و الزيادة سواء بسواء، انتهى، و ما ذكره من الظاهر من الرواية هو الظاهر الذي يقتضيه إطلاق النصوص المتقدمة.
و أورد ابن إدريس على أصل الحكم بأن هذا التقبيل ان كان بيعا لم يصح، لكونه مزابنة، و ان كان صلحا لم يصح، لكون العوض مشروطا من نفس الثمرة للغرر و ان كان في الذمة فهو لازم، سواء بقيت الثمرة أو تلفت.
و أجيب بالتزام كونه صلحا و الغرر محتمل للنص، و حينئذ فإذا تلف منه شيء يلزم تلف بعض العوض المشروط، فإذا لم يتحقق ضمانه لم يجب العوض، و أجيب أيضا بالتزام انه ليس بصلح و لا بيع، بل هو معاملة خاصة ورد بها النص فلا يسمع ما يرد على طرفي الاحتمال لخروجها عنهما.
أقول: و الجواب الثاني لا يخلو من قوة و ان كان الأول أيضا بالتقريب الذي قدمناه ممكن، و الله العالم.
المسألة السابعة [جواز بيع الزرع قائما على أصوله]
- المشهور انه يجوز بيع الزرع قائما على أصوله، سواء بلغ الحصاد أم لا، أو قصد قصلة أم لا، لانه عين مملوكة قابلة للنقل، و نقل عن الصدوق المنع الا ان يكون سنبلا أو قصد قطعه، و كذا يجوز بيعه محصودا و ان لم يعلم
365
قدر ما فيه، لأنه حينئذ غير موزون و مكيل، فيكفي فيه المشاهدة، و كذا يجوز بيعه قصيلا اى يباع بشرط القطع، لعلف الدواب و نحوه، و حينئذ فإذا باعه كذلك وجب على المشترى قصله حسب الشرط، فلو يقصله تخير البائع بين قصله و تفريغ أرضه منه، لانه ظالم «و لا عرق لظالم» (1) و بين تركه و المطالبة بأجرة الأرض عن المدة التي بقي فيها بعد إمكان قصله مع الإطلاق، أو المدة التي تراضيا على اشتراطها للقصل مع التعيين.
و لو وقع الشراء لأجل الفصل قبل أو ان قصله، وجب على البائع الصبر إلى أوانه مع الإطلاق، أو الى المدة المعينة ان وقع التعيين، و مقتضى إطلاق كلام الأكثر جواز تولى البائع القطع مع امتناع المشترى، و وجوبه عليه و ان قدر على الحاكم، و رجح بعضهم توقفه على اذن الحاكم، حيث يمتنع المشترى ان أمكن وجود الحاكم، و الا جاز له مباشرة القطع دفعا للضرر، أو إبقاؤه و المطالبة بأجرة الأرض كما تقدم.
و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام ما رواه
ثقة الإسلام و الشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بأن تشتري زرعا أخضر ثم تتركه حتى تحصده إن شئت أو تعلقه من قبل ان يسنبل و هو حشيش، و قال: لا بأس ايضا ان تشترى زرعا قد سنبل و بلغ بحنطة».
و عن حريز عن بكير بن أعين (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أ يحل شراء الزرع الأخضر؟ قال: نعم لا بأس به».
و بالإسناد عن حريز عن زرارة (4) مثله، «و قال: لا بأس ان اشترى الزرع
____________
(1) المستدرك ج 3 ص 149.
(2) الكافي ج 5 ص 274 التهذيب ج 7 ص 142.
(3) الكافي ج 5 ص 274 التهذيب ج 7 ص 143.
(4) الكافي ج 5 ص 274 التهذيب ج 7 ص 143.
366
أو القصيل أخضر ثم تتركه إن شئت حتى يسنبل ثم تحصده، و ان شئت ان تعلف دابتك قصيلا فلا بأس به قبل ان يسنبل، فاما إذا سنبل فلا تعلفه رأسا فإنه فساد».
أقول: رأسا يعنى حيوانا.
و عن زرارة (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) «في زرع بيع و هو حشيش ثم سنبل؟ قال: لا بأس إذا قال: ابتاع منك ما يخرج من هذا الزرع، فإذا اشتراه و هو حشيش فان شاء أعفاه، و ان شاء تربص به».
و ما رواه
في التهذيب عن سليمان بن خالد (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن تشتري زرعا أخضر، فان شئت تركته حتى تحصده، و ان شئت بعته حشيشا».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن سماعة (3) في الموثق قال: «سألته عن شراء القصيل يشتريه الرجل فلا يقصله و يبدو له في تركه حتى يخرج سنبله شعيرا أو حنطة، و قد اشتراه من أصله «على أن ما به من خراج فهو على العلج» فقال: ان كان اشترط حين اشتراه ان شاء قطعه و ان شاء تركه، كما هو حتى يكون سنبلا، و الا فلا ينبغي له أن يتركه حتى يكون سنبلا».
أقول: في قوله «على أن ما به من خراج فهو على العلج» اختلافات في الكتب الأربعة و ما هنا في التهذيب و في الاستبصار «على أربابه خراج أو هو على العلج» و في الكافي «على أربابه فهو على العلج» و في الفقيه. و ما كان على أربابه من خراج فهو على العلج، و المعاني متقاربة و مرجع الجميع إلى أنه اشتراه على أن يكون الخراج على البائع، دون المشترى فان الزراع و الأكرة كانوا يومئذ من كفار
____________
(1) الكافي ج 5 ص 275.
(2) التهذيب ج 7 ص 144.
(3) الكافي ج 5 ص 275 و لكن فيه «على أن ما به من خراج على العلج» التهذيب ج 7 ص 142 الفقيه ج 3 ص 148.
367
العجم، و هم المعروفون بالعلوج.
و روى هذا الخبر أيضا
في الكافي. و التهذيب بسند صحيح إلى سماعة (1) و زاد فيه «فان فعل فان عليه طسقه و نفقته، و له ما خرج منه».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة عن سماعة (2) في الموثق قال: «سألته عن رجل زرع زرعا مسلما كان أو معاهدا و أنفقه فيه نفقه، ثم بدا له في بيعه لنقلة ينتقل من مكانه أو لحاجة، قال: يشتريه بالورق فإن أصله طعام».
و ما رواه
في التهذيب. عن معلى بن خنيس (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) اشترى الزرع فقال: إذا كان قدر شبر».
و عن معاوية بن عمار (4) في الموثق قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تشترى الزرع ما لم يسنبل فإذا كنت تشتري أصله فلا بأس بذلك أو ابتعت نخلا فابتعت أصله و لم يكن فيه حمل لم يكن به بأس».
و ما رواه
في الفقيه. عن أبى بصير (5) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الحنطة و الشعير أشترى زرعه قبل أن يسنبل و هو حشيش؟ قال:
لا، الا ان تشتريه لقصيل تعلفه الدواب ثم تتركه ان شاء حتى يسنبل».
و ما رواه
في الكافي، و التهذيب عن إسماعيل بن الفضل (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بيع حصائد الحنطة و الشعير و سائر الحصائد قال:
حلال فليبعه ان شاء».
و الكلام في هذه الاخبار يقع في مواضع الأول ظاهر أكثر هذه الاخبار الدلالة على صحة ما هو المشهور بين الأصحاب مما قدمنا نقله عنهم، و الظاهر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 275 التهذيب ج 7 ص 142.
(2) الكافي ج 5 ص 275 التهذيب ج 7 ص 143.
(3) التهذيب ج 7 ص 144.
(4) التهذيب ج 7 ص 144.
(5) الفقيه ج 3 ص 149.
(6) الكافي ج 5 ص 277 التهذيب ج 7 ص 141.
368
أن مستند الصدوق فيما تقدم نقله عنه هو رواية أبي بصير المذكورة، حيث انها دلت على النهى عن شراء الزرع قبل أن يسنبل الا أن تشتريه للقصل، فإنه يجوز و ان تركه بعد ذلك حتى يسنبل، و أنت خبير بأنها معارضة بجملة مما تقدم من اخبار المسألة، مثل صحيحة الحلبي أو حسنته، و رواية بكير بن أعين و رواية زرارة الاولى و الثانية و نحوها، فإنها قد اشتركت في الدلالة على جواز الشراء قبل أن يسنبل، و ان لم يقصد قصله، بل ظاهر صحيحة الحلبي أو حسنته تجويز شرائه بقصد بقائه حتى يحصد، أو بقصد قطعه لعلف الدواب.
و بالجملة فإن الظاهر هو القول المشهور، و الرواية المذكورة لا تبلغ قوة في معارضة ما ذكرنا من الاخبار، و لم أقف على من تعرض للجواب عنها، بل قل من نقل خلاف الصدوق في هذا المقام، و لا يحضرني الان وجه للجواب عن الرواية المذكورة، إلا الحمل على الكراهة، بناء على قواعد الأصحاب في هذا الباب.
الثاني- ما دل عليه موثقة سماعة الأول- من أنه متى اشتراه قصيلا ثم يبدو له في تركه حتى يخرج سنبله، فإنه لا يجوز ذلك الا أن يكون اشترط الإبقاء، أو الاختيار بين قطعه و إبقائه، و الا فلا يجوز له أن يتركه- هو مستند الأصحاب فيما قدمنا نقله عنهم من أنه متى بيع لأجل القصل فإنه يجب إزالته على الوجه المتقدم، مضافا الى الاخبار العامة في منع التعدي و التصرف في ملك الغير بغير الوجه المشروع.
و أما الرضا بذلك و أخذ الأجرة على بقائه تلك المدة فيستفاد من أدلة آخر في أمثاله، و لفظ لا ينبغي في الخبر المذكور مراد به التحريم، كما هو شائع الاستعمال في الاخبار.
الثالث- ما دل عليه موثق معاوية بن عمار من النهى عن شراء الزرع ما لم
369
يسنبل ربما أوهم مذهب الصدوق المتقدم ذكره، و ليس كذلك، بل المراد بالزرع فيه انما هو الحاصل، و قد تقدم أنه لا يجوز بيعه قبل بدو صلاحه، و أما إذا اشترى أصله يعني ما ظهر منه فلا بأس، لكن لا بد من اشتراط إبقائه على البائع، و صحة البيع في هذه الصورة مما لا اشكال فيها، لان المبيع موجود مشاهد، و ما يحصل منه تابع.
و قيل ان المراد بأصل في قوله «فإذا كنت تشتري أصله» انما هو البذر المزروع و في ذكر مثال النخل إشارة الى ذلك، بمعنى ان شراء البذر المزروع مثل شراء النخل في تبعية الحاصل للأصل. أقول: و كيف كان فلا بد من اشتراط البقاء ليترتب عليه أخذ الحاصل.
الرابع- ما دل عليه خبر إسماعيل بن الفضل من صحة بيع حصائد الحنطة و الشعير، يمكن أن يكون مستندا لما تقدم نقله عنهم من أنه يجوز بيع الزرع محصودا و ان لم يعلم قدر ما فيه، لانه على تلك الحال ليس بمكيل و لا موزون، و ما دل عليه من جواز بيعه بحنطة أو شعير منه- و هي المزابنة المنهي عنها، الا أن يخصص بما دل على المنع، و قد عرفت مما تقدم في المسألة و اختلاف الاخبار فيها ما في ذلك من الاشكال.
الخامس- ما دلت عليه موثقة سماعة الثانية من الأمر بشراء الزرع بالورق، معللا بأن أصله الطعام- إشارة إلى حصول الربا المعنوي- ينبغي حمله على ما إذا سنبل و بدا صلاحه، لانه قبل ذلك حشيش لا مانع من بيعه بأي شيء كان، كما تقدم ذكره في الموضع الخامس من المسألة الرابعة، و حينئذ فلا بد من حمله على المحاقلة، و هو بيع السنبل بحنطة منه أو من غيره، و أنه لا يباع الا بالورق و نحوه، لئلا يكون محاقلة.
إلا أنك قد عرفت ورود جواز ذلك في النصوص، و منها هنا قوله في آخر صحيح الحلبي أو حسنته «و لا بأس بأن يشترى زرعا قد سنبل بحنطة» و قوله في رواية
370
إسماعيل بن الفضل «في حصائد الحنطة أو الشعير فليبعه بما شاء» الا أن يخصص المحاقلة المحرمة بما إذا كان الحنطة من ذلك الزرع المبيع، و تحمل هذه الاخبار على ما إذا كان من غيره، أو يحمل هذا الخبر و نحوه على الكراهة جمعا، و قد تقدم تحقيق القول في ذلك.
السادس- ينبغي أن يعلم أن ما ذكر في شراء الزرع قصيلا يجري أيضا فيما لو اشترى نخلا بشرط القطع ثم لم يقطعه حتى أثمر، فإن الأحكام المتقدمة جارية فيه.
و الى ذلك يشير قوله في موثق معاوية بن عمار «أو ابتعت نخلا فابتعته أصله و لم يكن فيه حمل».
و من الاخبار الواردة في خصوص النخل ما رواه
الشيخ في الصحيح عن هارون ابن حمزة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) الرجل يشترى النخل ليقطعه للجذوع فيغيب الرجل و يدع النخل كهيئة لم يقطع، فيقدم الرجل و قد حمل النخل، فقال: له الحمل يصنع به ما شاء الا أن يكون صاحب النخل كان يسقيه و يقوم عليه».
و رواه الكليني مثله،
و عن هارون بن حمزة في الموثق (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يشترى النخل ليقطعه للجذوع فيدعه فيحمل النخل، قال:
هو له الا ان يكون صاحب الأرض سقاه و قام عليه».
و روى في الفقيه (3) مرسلا قال: «سأله سماعة أن اشترى رجل نخلا ليقطعه» الحديث.
و بمضمون هذه الاخبار قال الشيخ في النهاية. فقال: إذا اشترى نخلا على أن يقطعه أجذاعا فتركه حتى أثمر، فثمرته له دون صاحب الأرض، و ان كان صاحب الأرض ممن قام بسقيه و مراعاته كان له أجرة المثل، و تبعه ابن البراج و هو قول
____________
(1) الكافي ج 5 ص 297 التهذيب ج 7 ص 206.
(2) التهذيب ج 7 ص 90.
(3) الفقيه ج 3 ص 150 مع تفاوت يسير.
371
ابن الجنيد أيضا، و أبى جعفر بن بابويه في المقنع، و قال: ابن إدريس لا يستحق صاحب الأرض أجرة على السقي و المراعاة، لأنه متبرع بذلك، الا أن يأمره صاحب النخل، فيكون له أجرة المثل و تبعه على ذلك من تأخر عنه، لأنه الا وفق بالقواعد الشرعية، و لهذا انه اعتذر في المختلف. للشيخ- بعد استدل له بالرواية الأولى- بأنه ليس في كلام الشيخ و لا الرواية ذكر التبرع، فيحمل على ما إذا كان العمل بإذنه، أو تحمل الأجرة على أجرة الأرض لا العمل. انتهى.
قال: بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين (1) و لعل عدم ذكر الأجرة هنا لانه كان للمالك أن يقطع النخل، فلما يقطعه فكأنه رضي ببقائه مجانا، و المشهور بين الأصحاب استحقاق الأجرة، انتهى.
و فيه أن رضاه ببقائه لعله انما هو لقصد أخذ الأجرة، و تحصيل النفع بذلك، و من ثم كان المشهور الحكم باستحقاق الأجرة كما تقله.
و ينبغي أن يعلم أن الجاري في كلام الأصحاب ذكر مسألة جواز أكل المار بالثمار منها و عدمه في هذا الموضع، و نحن قدمناها في مسائل المقدمة الرابعة، و هي المسألة الخامسة منها، فليرجع إليها من أحب الوقوف عليها و الله العالم.
الفصل التاسع في بيع الحيوان
و تحقيق البحث فيه يتعلق بمن يصح تملكه و من لا يصح، و الأحكام المترتبة على الابتياع، و ما يلحق بذلك و يترتب عليه، فالكلام يقع هنا في مقصدين.
[المقصد] الأول فيمن يصح تملكه و من لا يصح
، و فيه مسائل
[المسألة] الأولى [في أحكام بيع الحيوان]
- كل حيوان مملوك أناسي أو غيره يصح بيعه أجمع، و بيع جزء منه معلوم مشاع، كنصف
____________
(1) و هو الأردبيلي، منه (رحمه الله).
372
أو ثلث و نحوهما، لا معين كيده و رجله و نحوهما، و دليل الأول- بعد الإجماع- العمومات و الأصل و ورود ذلك في خصوص بعض الافراد و عدم المانع شرعا-، و دليل الثاني- بعد الإجماع على العدم- عدم إمكان الانتفاع بذلك الجزء المعين، إلا ما سيأتي- إنشاء الله تعالى- في استثناء الرأس و الجلدة من الحيوان الغير الأناسي، و هو ظاهر- الا مع وجود مانع كالاستيلاد و الوقف و الإباق من غير ضميمة، و عدم القدرة على التسليم، و الأناسي من الحيوان أن يملك بالسبي مع الكفر الأصلي و خرق الذمة ان كان ذميا، و احترز بالكفر الأصلي عن كفر المرتد فإنه و ان كان بحكم الكافر في جملة من الأحكام الا أنه لا يجوز سبيه، و في جواز بيع المرتد الملي قول قواه في الدروس. أما الفطري فلا قولا واحدا فيما أعلم.
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا المقام ما رواه
في الكافي في الصحيح عن رفاعة النخاس (1) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): ان الروم يغيرون على الصقالبة فيسرقون أولادهم من الجواري و الغلمان فيعمدون الى الغلمان فيخصونهم ثم يبعثون بهم الى بغداد الى التجار فما ترى في شرائهم؟ و نحن نعلم أنهم قد سرقوا و انما أغاروا عليهم من غير حرب كانت بينهم؟ فقال: لا بأس بشرائهم، إنما أخرجوهم من الشرك الى دار الإسلام».
و رواه الشيخ مثله (2)
و عن إبراهيم بن عبد الحميد (3) «عن أبى الحسن (عليه السلام) في شراء الروميات؟ فقال: اشترهن و بعهن».
و عن زكريا بن آدم (4) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن قوم من العدو الى أن قال- قال: و سألته عن سبى الديلم يسرق بعضهم من بعض، و يغير المسلمون
____________
(1) الكافي ج 5 ص 210.
(2) التهذيب ج 7 ص 77.
(3) الكافي ج 5 ص 210.
(4) الكافي ج 5 ص 210.
373
عليهم بلا امام، أ يحل شراؤهم؟ قال: إذا أقروا بالعبودية فلا بأس بشرائهم».
و في هذه الاخبار دلالة على جواز شراء ما يسبيه الظالم من أهل الحرب و يسرقه».
و ما رواه
في الكافي عن زكريا بن آدم (1) عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: «و سألته عن قوم من أهل الذمة أصابهم جوع فأتاه رجل بولده فقال: هذا لك فأطعمه و هو لك عبد، فقال: لا تبتع حرا فإنه لا يصلح لك و لا من أهل الذمة».
و رواه الشيخ مثله (2) و هو ظاهر في تحريم استرقاق أهل الذمة متى كانوا قائمين شرائط الذمة.
و عن عبد الله اللحام (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يشترى من رجل من أهل الشرك ابنته فيتخذها؟ قال: لا بأس».
و بهذا الاسناد (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري امرأة رجل من أهل الشرك يتخذها أم ولد فقال: لا بأس».
و خص الشيخ و غيره هذين الخبرين بأهل الحرب، كثير من أصحابنا إنما عبروا في هذا المقام بأهل الحرب.
و ينبغي أن يعلم انه ليس المراد بأهل الحرب يعنى من نصب القتال للمسلمين كما هو ظاهر اللفظ، بل المراد انما هو من خرج عن طاعة الله و رسوله بثبوته على الكفر و ان لم يقع منه الحرب، بمعنى القتال.
قيل: و الى هذا المعنى أشار قوله تعالى (5) «إِنَّمٰا جَزٰاءُ الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ» الاية و حينئذ فلا فرق في ذلك بين الذمي الغير القائم بشرائط الذمة، و لا غيره من الكفار و المشركين، و حيث يملكون بالسبي بما قد قدمنا ذكره، فإنه يسري الرق في أعقابهم و ان أسلموا بعد الأسر، ما لم يعرض لهم سبب موجب للحرية
____________
(1) الكافي ج 5 ص 210.
(2) التهذيب ج 7 ص 77.
(3) التهذيب ج 7 ص 77.
(4) التهذيب ج 7 ص 77.
(5) سورة المائدة الآية- 33.
374
من عتق أو كتابة أو تنكيل أو نحو ذلك، و لا خلاف في ذلك نصا و فتوى!.
و المسبي في حال الغيبة و ان كان للإمام خاصة، لأنه مغنوم بغير اذنه و كلما كان كذلك فهو من الأنفال، الا أنهم أذنوا للشيعة خاصة في تملكه، و كذا في غيره من أموال الأنفال و غيرها.
و أما غير الشيعة فالذي يفهم من كلام الأصحاب أنه يحكم لهم بظاهر الملك للشبهة كتملك الخراج و المقاسمة، فلا يؤخذ منه بغير رضاه مطلقا، و هذا الحكم منهم (رضوان الله عليهم) جار على الحكم بإسلامهم، و إجراء أحكام الإسلام عليهم و المفهوم من الاخبار خلافه، الا مع عروض الخوف و التقية (و الله العالم).
المسألة الثانية [في أنه لا يستقر للرجل ملك أصوله و لا فروعه]
- الظاهر أنه لا خلاف في أنه لا يستقر للرجل ملك أصوله و لا فروعه و لا المحارم من الإناث، بمعنى أنه و ان ملكهم الا أنهم ينعتقون عليه بالشراء و ربما عبروا بأنه لا يملكهم، و المراد ملكا مستقرا و الا فإن الانعتاق فرع الملك فكأنه يدخل في الملك آنا ما بعد الشراء، ثم ينعتق، قيل: و لو لا مراعاة القاعدة المشهورة من أنه لا عتق إلا في ملك لأمكن الحكم بالعتق بنفس الشراء، كما هو ظاهر الاخبار، كذا ذكره بعض المحققين، و أنت خبير بأنه و ان كان ظاهر بعض الاخبار ما ذكره من أنه ينعتق بنفس الشراء، الا أن ظاهر بعض آخرها أيضا ترتب العتق على الملك، بمعنى أنه بالشراء، يملكه، و بالملك يحصل العتق، كما أشرنا إليه مثل
قوله (عليه السلام) (1) «في بعضها إذا ملك الرجل والديه أو أخته أو عمته عتقوا» الخبر.
و قوله (2) «إذا ملكهن عتقن».
و نحوهما غيرهما مما رتب فيه العتق على الملك لا على مجرد الشراء و حينئذ فيحمل ما أطلق من الاخبار على المقيد، و به يتم ما أشرنا اليه أو لا.
و المراد بأصول الرجل الأبوان و آبائهما و ان علوا، و فروعه الأولاد ذكورا
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 243.
(2) التهذيب ج 8 ص 243.
375
و إناثا و ان نزلوا، و بالمحارم مثل العمة و الخالة (1) و الأخت و بنات الأخت، و بنات الأخ.
و هل ينسحب الحكم الى الرضاع؟ قولان: فذهب الشيخ في النهاية الى ان كل من ينعتق عليه من جهة النسب لا يصح تملكه من جهة الرضاع، و به قال ابن البراج، و ابن حمزة، و الصدوق في كتاب المقنع في باب العتق منه.
و قال في الخلاف: إذا ملك أمه أو أباه أو أخته أو بنته أو عمته أو خالته من الرضاع عتقن كلهن، و خالف جميع الفقهاء في ذلك، و ذهب اليه بعض أصحابنا.
و قال المفيد في المقنعة في باب السراري و لا بأس ان يملك الإنسان امه من الرضاعة، و أخته منه و ابنته و خالته، و عمته منه، لكن يحرم عليه وطئهن، و بنحو ذلك صرح أيضا في ابتياع الحيوان من الكتاب المذكور، و تبعه في ذلك سلار و ابن إدريس.
و قال ابن ابى عقيل: لا بأس بملك الام و الأخت من الرضاعة و بيعهن، انما يحرم منهن ما يحرم في النسب في وجه النكاح فقط، و هو كما ترى يرجع الى مذهب الشيخ المفيد، و ظاهر ابن الجنيد انه لا يملك من يحرم عليه من الرضاع تملك العبيد، فان ملكهم لم يبعهم الا عند ضرورة إلى أثمانهم، و جعله آخر ما يباع في الدين عليه، و الى القول الأول ذهب العلامة في المختلف و غيره و المحقق، و الظاهر انه المشهور بين المتأخرين، و هو الأظهر كما سيظهر لك إنشاء الله.
و تملك المرأة كل قريب عدا الإباء و ان علوا، و الأولاد و ان سفلوا، اتفاقا في النسب، و في من كان كذلك رضاعا قولان: كما تقدم، و الخلاف الخلاف
____________
(1) و المراد بالعمة و الخالة ما هو أعم من ان يكون عمته أو عمة أبيه أو عمة جده، أو عمة امه أو عمة أبيها اوجدتها و هكذا في الخالة و مرجع الجميع الى تحريم أولاد الجد و الجدة، منه (رحمه الله).
376
و الفتوى كما سبق، و أما ما عدا من ذكر في الرجل و المرأة، فإنه يصح تملكه.
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا المسألة منها ما رواه
الشيخ في الصحيح عن ابى بصير و ابى العباس و عبيد كلهم (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا ملك الرجل و الدية أو أخته أو عمته أو خالته أو بنت أخيه أو بنت أخته، و ذكر أهل هذه الآية (2) «مِنَ النِّسٰاءِ» عتقوا جميعا و يملك عمه و ابن أخيه و الخال، و لا يملك امه من الرضاعة، و لا أخته و لا عمته و لا خالته فإنهن إذا ملكن عتقن، و قال: ما يحرم من النسب، فإنه يحرم من الرضاعة، و قال: يملك الذكور ما خلا والدا و ولدا و لا يملك من النساء ذوات رحم محرم، قلت: يجري في الرضاع مثل ذلك؟ قال: نعم يجري في الرضاع مثل ذلك»،.
و رواه الصدوق بأسانيده عن ابى بصير و ابى العباس و عبيد بن زرارة مثله.
و منها ما رواه
الشيخ في الصحيح عن الحلبي و ابن سنان (3) عن أبا عبد الله (عليه السلام) «عن امرأة أرضعت ابن جاريتها قال: تعتقه».
و رواه الكليني في الصحيح أو الحسن مثله (4).
و ما رواه
في الكافي عن عبيد بن زرارة في الصحيح (5) «قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما يملك الرجل من ذوي قرابته فقال: لا يملك والديه و لا أخته، و لا ابنة أخيه و لا ابنة أخته، و لا عمته و لا حالته، و يملك ما سوى ذلك من الرجال من ذوي قرابته، و لا يملك أمه من الرضاعة».
و الظاهر ان ذكر الام خرج مخرج التمثيل، لا الاختصاص، كما سيظهر لك إنشاء الله تعالى.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 243.
(2) سورة النساء الآية 23.
(3) الوسائل الباب 8 من أبواب العتق الرقم 1.
(4) الوسائل الباب 8 من أبواب العتق الرقم 2.
(5) الوسائل الباب 7 من أبواب العتق الرقم- 4.
377
و ما رواه
عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إذا ملك الرجل والديه أو أخته أو عمته أو خالته عتقوا عليه، و يملك أخاه و عمه و خاله من الرضاعة».
و عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «لا يملك الرجل و الدية و لا ولده و لا عمته و لا خالته، و يملك أخاه و غيره من ذوي قرابته من الرجال».
و عن عبد الله سنان (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة ترضع غلاما لها من مملوكة حتى تفطمه، يحل لها بيعه؟ قال: لا، حرم عليه ثمنه، قال: ثم قال: أ ليس قد قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، أ ليس قد صار ابنها، فذهبت أكتبه فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ليس مثل هذا يكتب».
و الظاهر أن المنع من كتابته لكونه ظاهرا لا يحتاج إلى الكتابة، و وصف هذه الرواية في المسالك بالصحة، و ليس كذلك، لان الشيخ رواه عن الحسن بن محمد ابن سماعة، و طريقه اليه غير معلوم.
و عن أبي حمزة الثمالي (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ما تملك من قرابتها؟ قال: كل أحد الا خمسة، أبوها و أمها و ابنها و ابنتها و زوجها».
و الظاهر ان جعل الزوج هنا من قبيل هؤلاء باعتبار بقاء الزوجية و الا فإنها تملكه و تبطل الزوجية إجماعا.
و روى في الكافي عن ابن سنان (5) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل الباب- 7- من أبواب العتق الرقم 1.
(2) الوسائل الباب- 7- من أبواب العتق الرقم 2.
(3) الوسائل الباب- 8- من أبواب العتق الرقم 3.
(4) الوسائل الباب- 9- من أبواب العتق الرقم- 1.
(5) الكافي ج 5 ص 446.
378
قال: «سئل و أنا حاضر عن امرأة أرضعت غلاما مملوكا لها من لبنها حتى قطعته هل لها ان تبيعه؟ فقال: لا هو ابنها من الرضاعة، حرم عليها بيعه و أكل ثمنه، ثم قال: أ ليس رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
و رواه الشيخ مثله (1).
و روى الصدوق في المقنع (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): في امرأة أرضعت ابن جاريتها: انها تعتقه».
قال و روى «في مملوكة أرضعتها مولاتها بلبنها، انه لا يحل بيعها».
و ما رواه
على بن جعفر (3) في كتابه عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة أرضعت مملوكها ما حاله؟ قال: إذا أرضعته عتق».
و ما رواه
في الكافي في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله (4) في حديث قال: «و سألته عن المرأة ترضع عبدها أ تتخذه عبدا؟ قال: تعتقه و هي كارهة».
و رواه
الشيخ (5) بسند آخر مثله، الا ان فيه «يعتقونه و هم لها كارهون».
أقول: و هذه الروايات كما ترى ظاهرة الاتفاق فيما قدمنا ذكره من العلاقة النسبية، و ان العلاقة الرضاعية ملحقة بها، و جارية في ذلك مجراها كما هو مقتضى مذهب الشيخ و من تبعه، معللا في جملة منها بالخبر النبوي.
و بذلك يظهر ما في كلام ابن ابى عقيل المتقدم ذكره من تخصيصه الحديث النبوي بالنكاح، فإنه ناش عن الغفلة عن ملاحظة هذه الاخبار هذا.
و اما ما يدل على القول الثاني من الاخبار و هو مذهب الشيخ المفيد و من تبعه فمنها ما رواه
الشيخ عن عبد الله بن سنان (6) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا اشترى الرجل أباه أو أخاه فملكه فهو حر الا ما كان من قبل الرضاع».
____________
(1) الوسائل الباب- 17- من أبواب ما يحرم بالرضاع.
(2) الوسائل الباب- 17- من أبواب ما يحرم بالرضاع.
(3) الوسائل الباب- 17- من أبواب ما يحرم بالرضاع.
(4) الوسائل الباب- 8- من أبواب العتق- الحديث- 2.
(5) الوسائل الباب- 8- من أبواب العتق- الحديث- 2.
(6) التهذيب ج 8 ص 245.
379
و عن الحلبي (1) في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) «في بيع الام من الرضاعة؟ قال: لا بأس بذلك إذا احتاج».
و عن أبي عتيبة (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: غلام بيني و بينه رضاع يحل لي بيعه؟ قال: انما هو مملوك إن شئت بعته و ان شئت أمسكته، و لكن إذا ملك الرجل أبويه فهما حران».
و أجاب الشيخ عن الخبرين الأولين بعد ذكرهما قال: فهذان الخبران لا يعارضان الأخبار التي قدمناها، لأنها أكثر و أشد موافقة بعضها لبعض، فلا يجوز ترك تلك و العمل بهذه، مع ان الأمر على ما وصفناه، على أنه يمكن ان يكون الوجه فيه انه إذا كان الرضاع لم يبلغ الحد الذي يحرم، فإنه و الحال على ذلك يجوز بيعها على جميع الأحوال، على ان الخبر الثاني يحتمل ان لا يكون المراد «بإلا» الاستثناء، بل يكون «الا» قد استعملت بمعنى الواو، و ذلك معروف في اللغة، فكأنه قال: إذا ملك الرجل أباه فهو حر و ما كان من جهة الرضاع.
و اما الخبر الأول فيحتمل ان يكون إنما أجاز بيع الام من الرضاع لأبي الغلام حسبما قدمناه في خبر إسحاق بن عمار عن العبد الصالح و لا يكون المراد بذلك انه يجوز ذلك للمرتضع، و ليس في الخبر تصريح بذلك، بل هو محتمل لما قلناه، و إذا كان كذلك لم يعارض ما قدمناه انتهى.
قال المحقق الأردبيلي بعد نقله: و هذه التأويلات و ان كانت بعيدة- الا انه لما قوى الحكم الأول و الطرح غير مستحسن عنده و ان كانت الأخبار ضعيفة و نادرة- فليس ببعيد ارتكابها، و لكن لا بد من حمل عدم تملك الأخ في الخبر الثاني أيضا. انتهى.
أقول: و الأقرب عندي هو حمل هذه الاخبار على التقية لما تقدم في كلام
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 245.
(2) التهذيب ج 8 ص 244.
380
الشيخ في الخلاف. من ان ذلك مذهب جميع الفقهاء، و حينئذ فلا يحتاج الى هذه التكلفات السخيفة التي تمجها الافهام و يبعد نسبتها لهم (عليهم السلام).
و اما الخبر الثالث من الاخبار المذكورة فالظاهر منه انما هو الأخ الرضاعي و هو ليس من محل الاشكال، و يؤيده استثناء الأبوين من الرضاعة في الخبر.
و أما ما يدل على تملك من عدا العمودين للرجل من الرجال الأقارب من الاخبار و ان كان على كراهية، بمعنى ان الأفضل عتقهم، فمن ذلك ما تقدم
في صحيحة محمد بن مسلم (1) من قوله (عليه السلام) «و يملك ابن أخيه و عمه و خاله، و يملك أخاه و عمه و خاله من الرضاعة».
و قوله
في صحيحة أبي بصير و ابى العباس و عبيد المتقدمة (2) «و يملك عمه و ابن أخيه و ابن أخته و الخال الى أن قال:- و يملك الذكور ما عدا الولد».
الى آخره.
و
قوله (عليه السلام)، في صحيحة عبيد بن زرارة المتقدمة أيضا بعد ذكره العمودين و الإناث المحارم «و يملك ما سوى ذلك من الرجال من ذوي قرابته».
و في خبر محمد بن مسلم (3) عن ابى جعفر (عليه السلام) قال فيه: و «يملك أخاه و غيره من ذوي قرابته من الرجال».
و عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتخذ أباه و امه أو أخاه أو أخته عبيدا فقال: اما الأخت فقد عتقت حين يملكها، و اما الأخ فيسترقه، و اما الأبوان فقد عتقا حين يملكهما». (5).
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 241.
(2) التهذيب ج 8 ص 243.
(3) التهذيب ج 8 ص 240.
(4) التهذيب ج 8 ص 240.
(5) أقول و هذا الخبر ايضا ظاهر فيما قدمنا ذكره من ان العتق بعد الدخول في الملك، لا بنفس الشراء منه (رحمه الله).
381
و في رواية كليب الأسدي (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) «إذا ملكت الأبوين فقد عتقا، و قد يملك اخوته فيكونون مملوكين و لا يعتقون».
و اما ما ورد
في رواية العبيد بن زرارة (2) قال: «لا يملك الرجل أخاه من النسب و يملك ابن أخيه» الحديث.
فقد حمله الشيخ على الاستحباب.
و كذا ما رواه
الصدوق عن سماعة (3) في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) «في رجل يملك ذا رحمه هل يصلح له أن يبيعه أو يستعبده؟ قال: لا يصلح له بيعه و لا يتخذه عبدا و هو مولاه و أخوه في الدين، و أيهما مات ورثه صاحبه الا ان يكون له وارث أقرب إليه منه».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب عن سماعة (4) في الموثق ايضا قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يملك ذا رحم هل يحل له ان يبيعه أو يستعبده؟
قال: لا يصلح له أن يبيعه و هو مولاه و اخوه، فان مات ورثه دون ولده، و ليس له أن يبيعه و لا يستعبده».
و الظاهر حمل الخبرين المذكورين على من لا ينعتق عليه من المحارم، كالأخ و العم و نحوهما، و المراد حينئذ كراهية بيعه و استخدامه، لا أنه ينعتق عليه بقرينة قوله في الخبر الثاني «فان مات ورثه دون ولده» إذ لا يمكن هذا الا مع بقاء المالكية.
و يمكن حمل النهي في الخبر الأول على الأعم من الحرمة و الكراهة، فيكون شاملا للعمودين و نحوهما من النساء المحارم، الا أن ظاهر قوله هو (مولاه) الى آخر الخبر مما يعضد المعنى الأول، فإن حاصله أنه مولاه، اى وارثه، و الميراث في موت العبد ظاهر، و في موت الحر إذا لم يكن له وارث حر، فإنه حينئذ يشترى و يورث، الا أن يكون له وارث أقرب، فإنه حينئذ يشترى الأقرب.
و كيف كان فان الحكم المذكور لاتفاق الأصحاب عليه، و تكاثر الاخبار
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 241.
(2) التهذيب ج 8 ص 241.
(3) الفقيه ج 3 ص 80.
(4) التهذيب ج 8 ص 242.
382
به كما عرفت مما لا اشكال فيه، و لا شبهة تعتريه، فيجب ارتكاب التأويل في هذه الاخبار الأخيرة بما قلناه.
و قد صرح بعض الأصحاب بأن قرابة الشبهة بحكم الصحيح، بخلاف قرابة الزنا على الأقوى، قال: لان الحكم الشرعي يتبع الشرع، لا اللغة و هو جيد.
و يفهم من إطلاق كلام الأصحاب الرجل و المرأة في هذا المقام أن الصبي و الصبية لا يعتق عليهم لو ملكوه، الى أن يبلغوا و الاخبار مطلقة في الرجل و المرأة كذلك، و يعضده أصالة البراءة كذا صرح به شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروضة.
المسألة الثالثة [في أحكام اللقيط و المنبوذ]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يملك اللقيط من دار الحرب إذا لم يكن فيها مسلم يمكن انتسابه اليه و لو كان أسيرا، و الا حكم بحريته، لإطلاق الحكم بحرية اللقيط في النصوص، خرج منه ما علم انتفاؤه عن المسلم، فيبقى الباقي.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا المقام ما رواه
في الكافي (1) عن عبد الله (عليه السلام) قال: اللقيط لا يشترى و لا يباع».
و ما رواه
في التهذيب عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن اللقيط؟ قال: لا يباع و لا يشترى».
و ما رواه
في الكافي. في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم (3) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اللقيط؟ فقال: حر لا يباع و لا يوهب».
و ما رواه
في الكافي عن حاتم بن إسماعيل المدائني (4) عن ابى عبد الله
____________
(1) الكافي ج 5 ص 224.
(2) التهذيب ج 8 ص 227.
(3) الكافي ج 5 ص 224 التهذيب ج 7 ص 78.
(4) الكافي ج 5 ص 225 التهذيب ج 7 ص 79.
383
(عليه السلام) قال: «المنبوذ حرفان أحب أن يوالي غير الذي رباه و الاه، فان طلب منه الذي رباه النفقة و كان موسرا رد عليه، و ان كان معسرا كان ما أنفق عليه صدقة».
و نحوه
عن عبد الرحمن العزرمي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: «المنبوذ حر فإذا كبر فان شاء تولى الذي التقطه، و الا فليرد عليه النفقة، و ليذهب فليوال من شاء».
أقول: و اللقيط و المنبوذ هو المولود الذي ينبذ، و ظاهر هذه الاخبار الحكم بالحرية مطلقا، و كان مستند استثناء الأصحاب لقيط دار الحرب على الوجه المتقدم هو الإجماع.
و يؤيده ما تقدم ذكره في غير موضع من أن إطلاق الاخبار انما تحمل على الافراد المتكثرة الشائعة، و وجود اللقيط في دار الحرب بالشرط المتقدم نادر، بل انما وقع مجرد فرض المسألة، فلا يدخل حينئذ في إطلاق الاخبار المذكورة.
ثم انهم ذكروا أيضا أنه لو بلغ من حكم بحريته ظاهرا لكونه ملقوطا من دار الإسلام، أو دار الفكر بالشرط المتقدم فأقر بالرق، فهل يقبل إقراره أم لا؟ قولان.
اختار ثانيهما ابن إدريس، و نقله عن محصلي الأصحاب فقال: لا يقبل إقراره عند محصلي أصحابنا، و هو الصحيح لان الشارع حكم عليه بالحرية.
و قال: بعضهم: يقبل، لأن
«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» كما روى عنه (صلى الله عليه و آله) (2).
و اختاره العلامة في المختلف، فقال- بعد نقل قول ابن إدريس
____________
(1) الكافي ج 5 ص 225 التهذيب ج 7 ص 77.
(2) الوسائل الباب- 3- من أبواب الإقرار الرقم- 2.
384
و الاحتجاج على ما ذهب اليه- ما لفظه: و حكم الشارع بالحرية- بناء على الأصل- ما لم يعترف بالعبودية، و لا فرق بين اللقيط و غيره من المجهول، و لو جاء رجل لا يعرف فأقر بالعبودية يقبل، و قد كان على مذهبه لا يقبل، لانه محكوم عليه بالحرية شرعا، فلا يقبل إقراره بالعبودية، و هذا كله غلط انتهى.
و الى هذا القول ذهب المحقق في الشرائع و الشهيد الثاني في المسالك و غيرهم في هذه الصورة و في صورة مجهول الحال.
أما معروف النسب فيقبل قطعا، و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين، و هو الأظهر للخبر المذكور،
و لصحيحة عبد الله بن سنان (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان على بن أبى طالب (عليه السلام) «يقول: الناس كلهم أحرار الا من أقر على نفسه بالعبودية و هو مدرك من عبد أو أمة، و من يشهد عليه بالرق صغيرا كان أو كبيرا»،.
و هو ظاهر في عموم الحكم لمحل البحث.
و فيه إشارة الى أن الأصل في الناس الحرية كما هو ظاهر الاتفاق، و يمكن أن يرجح عدم القبول في اللقيط بعدم علمه بحال نسبه، الا أنه يمكن معارضته باستفادته ذلك بعد البلوغ من اخبار من يوجب له العلم بذلك، أو نحو ذلك.
و بالجملة فالأظهر العمل بإطلاق الخبرين المذكورين، و لا فرق في قبول إقراره بين كون المقر مسلما أو كافرا، و سواء كان المقر له مسلما أو كافرا، و ان بيع عليه قهرا كما تقدم.
ثم انه مما يدل على الحكم المذكور زيادة على ما ذكرناه ما رواه
في التهذيب عن الفضل (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل حر أقر أنه عبدا قال يؤخذ بما أقر به».
و بهذا المضمون رواية محمد بن الفضل الهاشمي (3) و صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي (4).
____________
(1) الوسائل الباب- 29- من أبواب العتق الرقم- 1.
(2) الوسائل الباب- 29- من أبواب العتق الرقم- 2.
(3) الوسائل الباب- 29- من أبواب العتق الرقم- 3.
(4) الوسائل الباب- 29- من أبواب العتق الرقم- 4.
385
بقي الكلام في أنه هل يعتبر رشده وقت الإقرار أم لا؟ فمنهم من اشترطه و هو ظاهر اختيار شيخنا الشهيد الثاني في المسالك.
و منهم من لم يشترطه من غير تعرض لعدمه، و العلامة في التذكرة في هذا الباب اشترطه، و في باب اللقطة اكتفى بالبلوغ و العقل، قيل و وجه اشتراطه واضح، لان غير الرشيد لا يعتبر قوله في المال، و هو نفسه مال، و وجه العدم أن إقراره بالرقية ليس إقرارا بنفس المال و ان ترتب عليه، كما يسمع إقراره بما يوجب القصاص، و ان أمكن رجوعه الى المال بوجه، و يشكل بما لو كان بيده مال، فإن إقراره على نفسه بالرقية، يقتضي كون المال للمقر له، الا أن يقال:
بثبوته تبعا لثبوت الرقية، لا لأنه إقرار بالمال، و الأظهر الاستناد في العدم الى ظاهر الروايات المتقدمة، فإن ظاهرها الاكتفاء بمجرد العقل، كما يشير اليه قوله في صحيحة عبد الله بن سنان و هو مدرك أى بالغ عاقل، و ربما قسر بكونه رشيدا و الظاهر بعد و الله العالم.
المسألة الرابعة [في أنه لو ملك أحد الزوجين صاحبه ينفسخ الزوجية]
- الظاهر أنه لا خلاف في أنه لو ملك أحد الزوجين صاحبه فإنه ينفسخ الزوجية، و يستقر المالك لمنافات الملك العقد، لان المالك ان كان هو الزوجة، فإنه يحرم وطؤ مملوكها لها، و ان كان الزوج استباحها بالملك، و لان التفصيل يقطع الشركة (1) و علل- مع ذلك- بأن بقاءه يستلزم اجتماع علتين على معلول واحد شخصي- و رد بأن علل الشرع معرفة- و بأن اختلاف الأسباب يقتضي اختلاف المسببات، ورد بجواز ذلك في أسباب الشرع، و بعدم تماميتها
____________
(1) بمعنى أن التفصيل في حال الوطي بكونه اما بالعقد أو بالملك أو بالتحليل أو نحو ذلك يقطع الشركة في الأسباب لأن كلا منها سبب مستقل برأسه فمتى حصل الملك يعنى ملك الزوج للزوجة كان النكاح بالملك و ارتفعت الزوجية لما عرفت- منه (رحمه الله).
386
في جانب الزوجة.
أقول و الأظهر الاعراض عن هذه التعليلات الواهية، و الرجوع في ذلك الى الاخبار، فإنها في الدلالة على المراد مكشوفة القناع، و هي أولى بالمراعاة و الاتباع سيما مع تأيدها بالاتفاق كما أشرنا اليه.
و من الاخبار المشار إليها ما رواه
في الكافي في الحسن أو الصحيح و في الفقيه في الصحيح عن محمد بن قيس (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في سرية رجل ولدت لسيدها ثم اعتزل عنها، فأنكحها عبده ثم توفى سيدها و أعتقها فورث ولدها زوجها من أبيه ثم توفى ولدها فورثت زوجها من ولدها فجاءا يختلفان يقول الرجل: امرأتي و لا أطلقها و تقول المرأة عبدي و لا يجامعني، فقالت المرأة يا أمير المؤمنين ان سيدي تسراني فأولدني ولدا ثم اعتزلني فأنكحني من عبده هذا، فلما حضرت سيدي الوفاة أعتقني عند موته و أنا زوجة هذا و انه صار مملوكا لولدي الذي ولدته من سيدي، و ان ولدي مات فورثته، فهل يصلح له ان يطأني؟ فقال لها: هل جامعك منذ صار عبدك و أنت طائعة؟ قالت: لا يا أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: لو كنت فعلت لرجمتك، اذهبي فإنه عبدك ليس له عليك سبيل، ان شئت ان تبيعي، و ان شئت ان ترقى، و ان شئت ان تعتقي».
و ما رواه
في الكافي عن عبد الله بن سنان (2) في الصحيح قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في رجل زوج أم ولد له مملوكه ثم مات الرجل فورثه ابنه فصار له نصيب في زوج أمه، ثم مات الولد أ ترثه امه؟ قال: نعم قلت: فإذا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 484 الفقيه ج 3 ص 352 و فيه (لأوجعتك) بدل (لرجمتك).
(2) الكافي ج 5 ص 484 و 485.
387
ورثته كيف تصنع و هو زوجها؟ قال: تفارقه و ليس له عليها سبيل و هو عبدها».
و عن إسحاق بن عمار (1) في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «في امرأة لها زوج مملوك فمات مولاه فورثته، قال: ليس بينهما نكاح».
و عن سعيد بن يسار (2) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة حرة تكون تحت المملوك فتشتريه هل يبطل نكاحه؟ قال: نعم، لانه عبد مملوك لا يقدر على شيء».
قالوا و ملك البعض كملك الكل، للمنافاة و استحالة تبعض البضع و قطع الشركة بالتفصيل أقول: الأجود الاستدلال عليه بصحيحة عبد الله بن سنان المذكورة، فإن موردها التبعيض.
بقي الكلام في قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن قيس المذكورة «لو كنت فعلت لرجمتك» مع أنها ليست ذات بعل بعد انفساخ العقد، لتستحق الرجم، و حملها بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم) على التهديد على وجه المصلحة تورية أو الرجم بمعنى الشتم و الإيذاء كما يطلق عليه لغة، يقال: رجمته بالقول: اى رميته بالفحش، و كيف كان فلا بد من الحمل على خلاف الظاهر من الخبر لما عرفت.
و الله العالم.
المسألة الخامسة [في أن من أقر على نفسه بالعبودية قبل منه]
- قد تقدم في المسألة الثالثة إن الأظهر الأشهر ان من أقر على نفسه بالعبودية متى كان مكلفا فإنه يقبل منه و يحكم بكونه رقا، و حينئذ فلا يقبل منه رجوعه عن ذلك لاشتماله على تكذيب نفسه، و إبطال ما أقر به أولا و رفع ما ثبت عليه حتى لو أقام بينة لم تسمع، لأنه بإقراره أولا قد كذبها، كذا قطع به العلامة في التذكرة.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 485.
(2) الكافي ج 5 ص 485.
388
و أورد عليه بأنه يشكل ذلك فيما لو أظهر لإنكاره تأويلا محتملا، كان قال:
انى تولدت بعد انعتاق أحد أبوي و ما كنت اعلم بذلك حين أقررت، فإنه ينبغي القبول، و سيأتي له نظائر.
و أولى بالقبول ما لو أقر بالرقية لشخص معين فأنكر المقر له، و سيأتي مثله في الإقرار، كما إذا أقر لأحد بمال فأنكر المقر له، فادعاه المقر حين إنكاره، و على هذا فينبغي سماع بينته بطريق اولى، و هو جيد و كذا لو اشترى عبدا ثابت العبودية فادعى الحرية، فإنه لا يقبل دعواه، الا ان هذا يقبل دعواه بالبينة، بخلاف الأول.
و تفصيل الكلام في المقام انه متى وجد عبدا أو أمة تباع في الأسواق، فإن ظاهر اليد و التصرف يقتضي الملك، و يدل عليه ما رواه
المشايخ الثلاثة «نور الله تعالى مراقدهم) عن حمزة بن حمران (1) «قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ادخل السوق فأريد ان اشترى جارية فتقول لي انى حرة فقال اشترها الا ان تكون لها بينة».
و وصف هذه الرواية العلامة في التذكرة و الشهيد الثاني في المسالك بالصحة، و هو سهو محض فإن حمزة بن حمران لم يذكره أحد بالتوثيق، بل و لا بالمدح، حتى انه في الخلاصة لم يذكره بالكلية، و النجاشي ذكره و لم يصفه بمدح و لا ذم،.
و ما رواه
في التهذيب و الفقيه في الصحيح عن العيص بن القاسم (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن مملوك ادعى انه حر و لم يأت ببينة على ذلك أشتريه؟ قال: نعم».
اما لو وجد في يده و ادعى رقيته و لم يعلم شراؤه و لا بيعه، فان كان كبيرا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 211 التهذيب ج 7 ص 74.
(2) التهذيب ج 7 ص 74.
389
و صدقه على ذلك فكذلك، لما تقدم من الاخبار الدالة على إلزامه بما أقر به، و ان كذبه لم يقبل دعواه إلا بالبينة، عملا بأصالة الحرية، كما تقدم
في صحيحة عبد الله بن سنان (1) من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) «الناس كلهم أحرار الا من أقر على نفسه بالعبودية، أو من شهد عليه بالرق».
و مثلها غيرها.
و ان سكت أو كان صغيرا فإشكال، قال العلامة في التذكرة: العبد الذي يوجد في الأسواق يباع و يشترى يجوز شراؤه، و ان ادعى الحرية لم يقبل منه ذلك إلا بالبينة و كذا الجارية الى أن قال: أما لو وجد في يده و ادعى رقيته و لم يشاهد شراءه له و لا بيعه إياه فان صدقه حكم عليه بمقتضى إقراره، و ان كذبه لم يقبل دعواه الرقية إلا بالبينة، عملا بأصالة الحرية و ان سكت من غير تصديق و لا تكذيب فالوجه أن حكمه حكم التكذيب، إذ قد يكون السكوت لا من غير الرضا، و ان كان صغيرا فإشكال، أقربه الحرية فيه. انتهى.
و يمكن المناقشة في حكمه في صورة السكوت بأن حكمه حكم التكذيب، بأن يقال: انه متصرف و صاحب يد، و يدعى أمرا ممكنا و للأخبار الكثيرة الدالة على من ادعى دعوى لا معارض لها و لأراد لها كمن ادعى مالا و لا معارض له في دعواه أنه يحكم له بذلك، أو ادعى زوجية امرأة و لم تكذبه، فإنه يحكم له بها، و الظاهر أنه لهذا ذهب في التحرير الى الحكم باليد، كما نقل عنه، و حينئذ فيقبل مجرد دعواه و أما قبولها مع البينة فالظاهر لا اشكال فيه، و أما ما استقربه من الحرية في الصغير فهو جيد، عملا بالأخبار الدالة على أصالة الحرية حتى يثبت الملك.
الا أنه يشكل حينئذ شراء العبيد الأطفال من يد البياع، مع دلالة الاخبار و الاتفاق على جواز الشراء، و الحكم المذكور لا يخلو من شوب الاشكال، كما أشرنا إليه آنفا.
و قد وقع في عبائر بعض الأصحاب انه لا يقبل ادعاء الحرية من المشهور
____________
(1) الوسائل الباب- 29- من أبواب العتق الرقم- 1.
390
بالرقية، و فيه إشكال، لأن مجرد الشهرة لا تعارض أصالة الحرية المتفق عليها نصا و فتوى، الا أن تحمل الشهرة على ما قدمنا ذكره من رؤيته يباع في الأسواق و نحوه، و لا يخلو من بعد، و يمكن أن يستدل للقول المذكور بظاهر صحيحة العيص المذكورة، بأن يحمل المملوك على من يكون كذلك بحسب الظاهر من الشهرة، الا أنه يحتمل كون ذلك بثبوته بالإقرار أولا أو البينة أو الرؤية يباع في الأسواق و نحو ذلك مما يفيد التملك. و الله العالم.
391
المقصد الثاني في الأحكام المترتبة على الابتياع و ما يلحق ذلك
و فيه أيضا مسائل،
[المسألة] الأولى [في أحكام بيع الحامل]
- اختلف الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- في بيع الحامل جارية كانت أو دابة، فالمشهور ان الحمل للبائع، سواء علم به أولا، و سواء شرط البائع لنفسه أولا، الا ان يشترطه المشترى، و هو قول الشيخ في النهاية، و الشيخ المفيد و سلار و ابى الصلاح و ابن البراء في الكامل و ابن إدريس، و عليه المتأخرون منهم العلامة في المختلف، و احتج عليه بأن البيع تعلق بالأم فلا يتناول الحمل، لعدم دلالة اللفظ عليه مطابقة و تضمنا و التزاما، و لأن الأصل بقاء ملك البائع عليه، فلا ينتقل عنه الا بسبب، و لم يطرأ ما يزيله من أصله انتهى.
و قال الشيخ في المبسوط: إذا باع بهيمة أو جارية حاملا و استثنى حملها لنفسه لم يجز، و تابعه ابن البراج في المهذب و جواهر الفقه على ذلك.
و قال ابن الجنيد و يجوز ان يستثني الجنين في بطن امه من آدمي أو حيوان و قال ابن حمزة: و الإناث من الأدمي و النعم إذا كانت حوامل و بيعت مطلقا كان الولد للمبتاع، إلا إذا شرط البائع.
و قال الشيخ أبو جعفر الطوسي: يكون للمبتاع إلا إذا شرط البائع و هذا ما وقفت عليه من أقوالهم في المسألة، و نقل عن الشيخ أنه احتج على ما ذهب إليه في المبسوط بأن الحمل جزء من الحامل، يجرى مجرى عضو من أعضائها فيدخل
392
و لا يصح استثناؤه، حتى حكم بفساد البيع لو استثناه البائع، كما لو استثنى جزءا معينا.
أقول: و قد نقل بعض المحققين هذا القول عن الشافعي، محتجا بهذه الحجة. و أجاب العلامة في المختلف- عن حجة الشيخ المذكورة- بالمنع من المساواة بين الحمل و عضو من أعضائها، فإنه تصح الوصية للحمل، و يرث و يلحقه أحكام كثير لا تتعلق بالأعضاء، قال: و هذا الذي ذكره الشيخ كأنه الذي لمحه ابن حمزة، و الحق خلافه انتهى.
أقول: لا يخفى قوة القول المشهور بناء على ما هو مذكور، الا أنه
قد روى الشيخ بإسناده عن احمد بن محمد بن يحيى عن أبي إسحاق- يعني إبراهيم بن هاشم- عن النوفلي عن السكوني (1) «عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) في رجل أعتق أمة و هي حبلى فاستثنى ما في بطنها، قال: الأمة حرة، و ما في بطنها حر لان ما في بطنها منها».
و رواه الصدوق أيضا بإسناده عن السكوني، و هو ظاهر في تبعية الحمل للام، و أنه لا يصلح استثناؤه من حيث أنه منها و جزء من اجزائها كما ادعاه الشيخ و من تبعه، و لهذا ذهب الشيخ و جماعة في باب العتق الى سريان عتق الحامل الى الحمل للرواية المذكورة، و ان كان المشهور خلافه ورد هذه الروايات المحقق الأردبيلي (قدس سره) بضعف السند إلا أنك قد عرفت في غير موضع مما تقدم أنه غير معتمد.
و قد روى الشيخ في الحسن عن الحسن بن على الوشاء (2) عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) «قال سألته عن رجل دبر جاريته و هي حبلى فقال ان كان علم يحبل لجارية فما في بطنها بمنزلتها و ان كان لم يعلم فما في بطنها رق».
و هو ظاهر في سريان التدبير الى الولد مع العلم بالحمل و أما مع عدم العلم به فإنه يحتمل تأخره من التدبير، و الحكم فيه التبعية كما استفاضت به الاخبار
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 236- الفقيه ج 3 ص 85.
(2) التهذيب ج 8 ص 260 الفقيه ج 3 ص 71.
393
و لهذا نقل عن الشيخ و جماعة القول بتبعية الولد للأم في الصورة المذكورة، و مقتضى كلام الأصحاب في مسألة البيع المذكورة العدم.
الا أن هذه الرواية أيضا معارضة بما رواه
الشيخ في الموثق عن عثمان بن عيسى الكلالى (1) عن ابى الحسن الأول (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة دبرت جارية لها فولدت الجارية جارية نفيسة، فلم تدر المرأة المولودة مدبرة أو غير مدبرة، فقال: لي متى كان الحمل بالمدبرة أقبل أن دبرت أم بعد ما دبرت؟ فقلت:
لست أدرى، و لكن أجنبي فيهما جميعا فقال: ان كانت المرأة دبرت و بها حبل، و لم تذكر ما في بطنها فالجارية مدبرة و الولد رق، و ان كان انما حدث الحمل بعد التدبير فالولد مدبر في تدبير أمه».
و رواه الصدوق مرسلا، و زاد «لان الحمل انما حدث بعد التدبير» و هي ظاهرة في أنه في صورة العلم بالحمل و عدم إدخاله في التدبير لا يسرى التدبير اليه، بل يبقى على الرقية كما هو أحد القولين في المسألة.
و بالجملة فالمسألة كما عرفت محل اشكال و على القول المشهور فحيث يشترط المشترى الحمل يدخل في المبيع و ان كان مجهولا، لانضمامه الى المعلوم، و تبعيته له، و على هذا فلا فرق بين ان يقول البائع: بعتك الجارية و حملها، أو شرطت لك حملها، أو بعتك هذه الأمة بكذا و حملها، لان الظاهر ان حملها عطف على الأمة كما في المثال الأول.
و نقل عن العلامة في التذكرة البطلان في الصورة الأولى، لأنه مجهول، و فيه ما تقدم تحقيقه سابقا في مسألة الضمائم، من أنه لا يضر جهله مع تبعيته للمعلوم، كما دلت عليه نصوص المسألة حسبما تقدم، و لو كان الحمل غير معلوم و أراد إدخاله في البيع فالعبارة الثانية لا غير، كذا صرح به شيخنا الشهيد الثاني.
قال المحقق الأردبيلي بعد نقل ذلك عنه: و كأنه نظر الى أن بيع ما لم يعلم
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 260 الفقيه ج 3 ص 71 مع اختلاف يسير.
394
وجوده غير معقول، بخلاف الشرط، و في الشرط أيضا تأمل، و الظاهر أنه يجوز و يؤل الى تقدير الوجود و السلامة، و لعل مثله إذا كان منضما و تابعا لا يضر، لعموم الأدلة و التراضي. انتهى.
قالوا. و لو لم يشترطه المشترى و احتمل وجوده عند العقد و عدمه- بأن ولدته في وقت يحتمل كونه عند البيع موجودا و عدمه- فهو للمشتري، لأصالة عدم وجوده سابقا، فلو اختلفا في وقت البيع كذلك قدم قول البائع بيمينه مع عدم البينة، و هو بناء على القول المذكور.
و كذا لو شرطه فسقط قبل القبض أو بعده في زمن خيار الحيوان، فإنه يكون من مال البائع، فيرجع المشترى على البائع بنسبته من الثمن، بأن تقوم حاملا و مجهضا أى مسقطا لا حابلا، كما وقع في بعض العبارات كعبارة الشرائع و غيره، و لانه المطابق للواقع، و للاختلاف بين الحالين، فان الإجهاض في الأمة عيب ربما نقصت به القيمة، إذ هي في حال الإجهاض مريضة، فيرجع بنسبة التفاوت بين القيمتين كما تقدم تحقيقه.
و الظاهر أنه لا خلاف في أن البيض تابع للبايض، لا كالحمل، بل هو للمشتري مطلقا، لانه تابع كسائر أجزائه، و لا يصح اشتراط البائع له على قول الشيخ في المبسوط و من تبعه، و بذلك صرح في الكتاب المذكور، فقال: لو باع البائض دخل البيض على طريق البيع و ان شرط لنفسه لم يجز، و رده المتأخرون بأنه شرط سائغ، و يؤيده أن ما ادعاه الشيخ من الجزئية و أنه كعضو من أعضائه قد عرفت ما فيه، فلا مانع من صحة الشرط المذكور.
395
تذنيب
قال: الشيخ في المبسوط لو باع جارية حبلى بولد لم يجز، لان الحمل مستثنى، و هذا يمنع صحة البيع، و تبعه ابن البراج في المهذب، و رد ذلك بما تقدم، لان كلامه هنا كما تقدم مبنى على كون الحمل كعضو من أعضاء الحامل و جزء من أجزائها، و فيه ما عرفت آنفا. و الله العالم.
المسألة الثانية [في أن العبد هل يملك شيئا؟]
- اختلف الأصحاب في أن العبد هل يملك شيئا أم لا، فقيل:
يملك مطلقا، و نسبه في التذكرة إلى أنه المشهور، و قيل: يملك مطلقا، و نسبه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك إلى الأكثر، و هو اختيار المحقق في الشرائع، و قيل:
يملك فاضل الضريبة، و قيل: أرش الجناية.
و الذي وقفت عليه من الروايات المتعلقة بهذه المسألة
صحيحة عمر بن يزيد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أراد أن يعتق مملوكا له، و قد كان مولاه يأخذ منه ضريبة فرضها عليه في كل سنة و رضى بذلك المولى، فأصاب المملوك في تجارته سوى ما كان يعطى مولاه من الضريبة، فقال: إذا أدى الى سيده ما كان فرض عليه فما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك، ثم قال- أبو عبد الله (عليه السلام):
أ ليس قد فرض الله تعالى على العباد فرائض فإذا أدوها اليه لم يسألهم عما سواها، قلت: فللمملوك ان يتصدق مما اكتسب و يعتق بعد الفريضة التي كان يؤديها إلى سيده؟ قال: نعم و أجر ذلك له، قلت: فإن أعتق مملوكا مما اكتسب سوى الفريضة لمن يكون ولاء المعتق؟ قال: فقال: يذهب فيتوالى الى من أحب، فإذا ضمن جريرته و عقله كان مولاه و ورثه، قلت له: أ ليس قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 224.
396
الولاء لمن أعتق؟ قال: فقال: هذا سائبة لا يكون ولاؤه لعبد مثله، قلت: فان ضمن العبد الذي أعتقه جريرته و حدثه أ يلزمه ذلك و يكون مولاه و يرثه؟ قال: فقال:
لا يجوز ذلك و لا يرث عبد حرا».
و صحيحة إسحاق بن عمار (1) قال: «قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام) ما تقول: في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقل أو أكثر، فيقول: حللني من ضربي إياك، و من كل ما كان مني إليك، مما أخفتك و أرهبتك فيحلله فيجعله في حل رغبة فيما أعطاه، ثم ان المولى بعد أصاب الدراهم التي أعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد و أخذها المولى إحلال هي له؟ فقال: لا تحل له، لأنه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة و القصاص يوم القيامة، قال: فقلت له: فعلى العبد أن يزكيها إذا حال عليها الحول؟ قال: لا الا أن يعمل له بها، و لا يعطى العبد من الزكاة شيئا.
و رواية إسحاق بن عمار (2) المذكورة عن جعفر عن أبيه أن عليا (عليه السلام) أعتق عبدا له فقال: له ان ملكك لي و لكن قد تركته لك».
و رواية أبي جرير (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قال:
لمملوكه أنت حر و لي مالك، قال: لا يبدأ بالحرية قبل المال يقول لي مالك و أنت حر برضا المملوك (فان ذلك أحب الى) (4).
و التقريب فيه أنه إذا بدء بالعتق صار حرا و لم يجز له أخذ ماله، و إذا بدء بالمال فان فيه تصريحا بأن العتق بإزاء المال، فإذا رضي المملوك بذلك انعتق و صار المال للمولى، و هو ظاهر في الملك.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 225.
(2) التهذيب ج 8 ص 237.
(3) التهذيب ج 8 ص 224.
(4) ما بين القوسين زيادة من الكافي.
397
و صحيحة الفضل بن يسار (1) قال: «قال غلام سندي لأبي عبد الله (عليه السلام) انى قلت لمولاي: بعني بسبعمأة درهم، و أنا أعطيك ثلاثمأة درهم، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) ان كان يوم شرطت لك مال؟ فعليك أن تعطيه، و ان لم يكن لك يومئذ فليس عليك شيء».
و هي ظاهرة في الملك.
و أما ما ذكره بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين من أن هذه الرواية أوفق بالقول بعدم مالكية العبد، لانه لو كان له مال فهو من مال البائع، فلذا يلزمه أداؤه لا بالشرط، و إذا لم يكن مال و حصله عند المشترى فهو من مال المشترى. انتهى.
ففيه من العبد عن سياق الخبر المذكور، ما لا يخفى، فان ظاهره ينادى بخلافه، لأن قوله ان كان يوم شرطت لك مال ظاهر في الملك كما هو مدلول اللام، أو الاختصاص الراجع الى الملك، و ظاهره أن الإعطاء انما هو من حيث الشرط، لا من حيث إنه مال البائع.
و بالجملة فالظاهر ان ما ذكره (قدس سره) لا يخلو من تعسف، و كأنه أراد بذلك الانتصار للقول المشهور كما سيأتي ذكره إنشاء الله تعالى.
احتج العلامة في التذكرة على ما ذهب اليه من القول الأول بقوله عز و جل (2) «ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ» و قوله تعالى (3) «ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ مِنْ شُرَكٰاءَ فِي مٰا رَزَقْنٰاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوٰاءٌ».
و أنت خبير بما فيه فان غاية ما يفهم منها انما هو الحجر عليه في نفسه و ماله، و انه
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 246 و بسند آخر مثله منه (رحمه الله).
(2) سورة النحل الآية 75.
(3) سورة الروم الآية- 28.
398
ليس له التصرف فيهما إلا بإذن سيده، فهو من حيث هو لا يقدر على شيء إلا ما أقدره عليه مولاه و ملكه، أو أذن له بالكسب و نحوه حسبما دلت عليه الاخبار المتقدمة.
و يؤيده الأخبار الواردة في معنى الآية الاولى من أنه ليس له نكاح و لا طلاق إذا أنكحه مولاه أمته إلا بإذن المولى،
ففي بعضها (1) قال: «سألته عن العبد هل يجوز طلاقه؟ قال: ان كان أمتك فلا، ان الله عز و جل يقول «عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ».
و نحوه أخبار عديدة و مرجع الجميع الى المنع من التصرف إلا بإذن سيده.
و الآية الثانية ظاهرها انه ليس له حق و لا شركة في مال المولى، و لا دلالة لها على عدم الملك إذا ملكه أو اذن له في تملك مال الغير بالكسب و التجارة و نحو ذلك، بل الظاهر انه يحصل له ذلك كالعبيد بالنسبة الى الله عز و جل.
و بالجملة فإنه لا دلالة فيهما على نفى تملكه لما ملكه سيده، أو أذن له فيه كما هو المدعى، و ظاهر الأصحاب على تقدير القول بتملكه الاتفاق على انه محجور عليه، و لكن ظاهر الاخبار المتقدمة العدم، فإنها كالصريحة في استقلاله، سيما صحيحة عمر بن يزيد و قوله فيها «انه يتصدق و يعتق و أجر ذلك له» الا انه ربما نافر ذلك نفى الزكاة عنه، في صحيحة إسحاق بن عمار، إذ لو كان مالكا للتصرف كملكه للمال، لما كان لنفى وجوب الزكاة وجه، و في معنى هذه الرواية أخبار أخر، تقدمت في كتاب الزكاة، و الظاهر انه لا وجه لذلك مع الحكم بملكه الا كونه محجورا عليه، و يدل عليه ما رواه
في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن على بن جعفر (2) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «ليس على المملوك
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 348.
(2) الوسائل الباب- 4- من أبواب من تجب عليه الزكاة.
399
زكاة إلا بإذن مواليه».
و حينئذ فيجب حمل إطلاق ما ظاهره الاستقلال على هذه الرواية، و قد تقدم تحقيق القول في ذلك في كتاب الزكاة و الله العالم.
المسألة الثالثة [في حكم من اشترى عبدا و له مال]
- اختلف الأصحاب فيما إذا اشترى عبدا أو أمة و له مال فقال الشيخ في النهاية و الشيخ المفيد: ان المال للبائع الا ان يشترطه المبتاع، سواء كان ماله أكثر من ثمنه أو أقل.
و قال سلار: و ابتياع العبيد الذين لهم مال بأقل مما معهم جائزة و قال ابن الجنيد إذا شرطه المشترى و كان الثمن زائدا على قدر المال من جنسه جاز البيع، و ان كان المال عروضا يساوى قدر الثمن أو دونه و أو أكثر منه جاز ايضا و ان كان الثمن من جنس مال العبد و مال العبد أكثر من الثمن لم يجز.
و قال الشيخ في الخلاف: إذا كان مع العبد مائة درهم فباعه بمائة درهم لم يصح البيع، فان باعه بمائة و درهم صح. و قال في المبسوط: إذا باعه سيده و في يده مال و شرط ان يكون للمبتاع صح البيع إذا كان المال معلوما و انتفى عنه الربا، فان كان معه مائة درهم فباعه بمائة درهم لم يصح، فان باعه بمائة و درهم صح، ثم قال: و إذا باع عبدا قد ملكه ألفا بخمسمأة صح البيع على قول من يقول: انه يملك، و لو باع ألفا بخمسمأة لم يصح، لانه ربا، و الفرق بينهما انه إذا باع العبد، فإنما يبيع رقبته مع بقاء ما ملكه عليه فصح ذلك، و لم يصح بيع الالف بخمسمأة.
و قال ابن البراج و أبو الصلاح إذا ابتاع عبدا أو أمة و له مال فهو للبائع الا ان يشترطه في عقد البيع فيكون له.
و قال ابن حمزة: لو باعه مع المال صح ان كان الثمن أكثر مما معه ان كان من جنسه، و ان كان من غير جنس ما معه صح على كل حال، و ان لم يعرف
400
مقدار ما معه و باع بجنسه لم يصح، (1) و ان باع بغير جنسه صح، و ان باع المملوك دون المال صح، فان شاء سوغه المال، و ان شاء استرده. و ابن إدريس فصل كذلك.
و قال العلامة في المختلف بعد نقل هذه الأقوال: و التحقيق ان نقول:
ان كان الثمن و ما مع العبد ربويين و اتفقا جنسا اشترط زيادة الثمن على ما في يد العبد، و الا فلا، لنا انه على التقدير الأول لولاه لثبت الربا المحرم، و على التقدير الثاني ان المقتضى للصحة موجود، و هو البيع الصادر عن أهله في محله، و المانع و هو مفسدة الربا منتف هنا.
و نقل في المختلف و المسالك عن ابن البراج القول بالتفصيل بين علم البائع بالمال و عدمه، فان لم يعلم به فهو له، و ان علم فهو للمشتري.
و الأصل في هذه الاختلافات الأخبار الواردة في المسألة، و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجل باع مملوكا فوجد له مالا فقال: المال للبائع، إنما باع نفسه، الا أن يكون شرط عليه أن ما كان له من مال أو متاع فهو له».
و هذه الرواية دالة على ما ذهب اليه الشيخان مما قدمناه نقله عنهما و الظاهر أنه هو المشهور، و به صرح المحقق و العلامة و غيرهما، و هو جيد بناء على القول
____________
(1) قال في المختلف و قول ابن حمزة ان لم يعرف مقدار ما معه و باعه بغير جنسه صح، و ان باعه بجنسه لم يصح، لان الجهل يستلزم جواز تطرق الربا، لكن يبقى فيه اشكال من حيث انه باع مجهولا، الا ان يقال ان المال تابع و جهالة التابع لا تمنع صحة البيع: انتهى و هو جيد منه (رحمه الله).
(2) الكافي ج 5 ص 213 التهذيب ج 7 ص 71.
401
بعدم ملك العبد كما هو المشهور بينهم، و اما على القول بملكه فيشكل ذلك، لما عرفت من الاخبار المتقدمة في سابق هذه المسألة، و سيأتي إنشاء الله تعالى بيان وجه التأويل فيه، بما يرجع به الى الاخبار المتقدمة.
و منها ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) في الصحيح عن زرارة (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يشترى المملوك و له مال لمن ماله؟ فقال: ان كان علم البائع ان له مالا فهو للمشتري، و ان لم يكن علم فهو للبائع».
و رواه في الفقيه عن جميل عن زرارة أيضا، و هذا الخبر ظاهر فيما قدمنا نقله عن ابن البراج، الا أنه يشكل على كل من القولين بملكية العبد و عدمها، بأن الملك لا ينتقل إلى المشتري بمجرد العلم من دون صيغة ناقلة تدل على الملك.
و جملة الأصحاب حملوا الرواية على اشتراط البائع للمشتري ذلك و هو جيد بناء على القول بعدم تملك العبد، أما على القول به فيبقى الاشكال من هذه الجهة في الحكم بكونه للبائع أو المشترى، فان ملك المالك لا ينتقل عنه الا برضا منه، و الحال أن العبد لا مدخل له في هذا النقل.
و العجب أنه قد ذكر هذه المسألة من قال بتملك العبد و من أحاله، و لا مخرج من هذا الإشكال- في هذا الخبر و سابقه- الا بأن يقال: ان هذين الخبرين محمولان على كون المال للمولى، و أن الإضافة للعبد لأدنى ملابسة، كما قالوا في كوكب الخرقاء، و ذلك مثل ثيابه و فراشه و نحوها، فإن الإضافة تصدق بذلك، و الخبر الثاني كما عرفت محمول على اشتراط البائع للمشتري ذلك، فهذان الخبران و نحوهما لا تدلان على تملك العبد و لا على عدمه.
و اما ما ربما يدل على عدم تملك العبد من الاخبار فهو محمول على الحجر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 213 التهذيب ج 7 ص 71 الفقيه ج 3 ص 138.
402
عليه في التصرف بدون اذن المولى، فكأنه من حيث المنع من التصرف ليس بمالك و بهذا الطريق يجمع بين أخبار المسألة، و يزول عنها الاختلاف، و هو يقتضي رجحان القول بتملك العبد كما قدمنا ذكره.
و أما الجمع بينها- بما ذكره شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك- من حمل الأخبار الدالة على تملك العبد- على محض اباحة التصرف بكونه مأذونا لا ملك الرقبة (1) فهو و ان تم فيما أورده من الاخبار المشتملة على اضافة المال اليه، الا أنه لا يتم فيما قدمناه من الاخبار في سابق هذه المسألة الصريحة في ملك الرقبة و أنه يتصدق و يعتق من ماله.
و منها ما رواه
الصدوق في الفقيه عن يحيى بن أبى العلاء (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: «من باع عبدا و كان للعبد مال فالمال للبائع الا أن يشترط المبتاع، أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بذلك».
و الكلام في هذه الرواية كما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم، قال في الفقيه مشيرا الى هذا الحديث و حديث جميل بن دراج عن زرارة (3) المتقدم هذا ان الحديثان متفقان و ليسا بمختلفين، و ذلك أن من باع مملوكا و اشترط المشترى ماله، فان لم يعلم البائع به فالمال للمشتري، و متى لم يشترط المشترى ماله و لم يعلم البائع أن له مالا فالمال للبائع، و متى علم البائع ان له مالا و لم يستثن به عند البيع فالمال للمشتري انتهى.
____________
(1) قال (قدس سره): و لا يندفع الإشكال إلا إذا قلت: المراد بملكية العبد تسلطه على الانتفاع بما قيل بملكه له، لا بملك الرقبة، كما نقله في الدروس عن بعض القائلين بالملك، فيكون الملك على هذا الوجه غير مناف لملك البائع للرقبة على وجه يتوجه به نقله إلى المشتري أو بقاؤه على ملكه «انتهى منه (رحمه الله)».
(2) الفقيه ج 3 ص 138.
(3) الفقيه ج 3 ص 138.
403
أقول مفهوم صدر عبارته أنه متى اشترط المشترى مع علم البائع بالمال فالمال للبائع، و ليس كذلك فان ظاهر صحيحة محمد بن مسلم و خبر يحيى المذكور أنه مع الشرط يكون للمشتري علم البائع بالمال أو لم يعلم.
و غاية ما يدل عليه خبر جميل عن زرارة هو أنه مع علم البائع يكون للمشتري، و مع عدم علمه يكون له، لا للمشتري أعم من أن يشترطه المشتري أو لم يشترط، و إذا قيد إطلاقه بالخبرين المذكورين جمعا بين الاخبار لزمه أنه مع الشرط يكون للمشتري، علم البائع أو لم يعلم، و اما مع عدم الشرط فهو كما ذكره من التفصيل، و العجب أن جملة من المحدثين نقلوا كلامه كصاحب الوافي و صاحب الوسائل و لم يتنبهوا لما فيه.
و منها ما رواه
الشيخ (عطر الله مرقده) في الأمالي بسنده فيه عن الزهري عن سالم عن أبيه (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من باع عبدا و له مال فالمال للبائع الا أن يشترط المشترى».
و هذا الخبر دال على ما دل عليه خبر يحيى و صحيح محمد بن مسلم، و هذه الاخبار الثلاثة مستند الشيخين فيما تقدم نقله عنهما، و قد عرفت تحقيق القول فيها.
و منها ما رواه
في الفقيه في الصحيح عن زرارة (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يشترى المملوك و ماله؟ فقال: لا بأس، قلت: فيكون مال المملوك أكثر مما اشتراه به فقال لا بأس به».
و رواه الشيخ في التهذيب بسند فيه علي بن حديد و هو ضعيف و هذا الخبر فيه اشكال من وجهين، أحدهما- أنه انما يتجه على القول بعدم صحة تملك العبد، و قد عرفت الجواب عن ذلك بما تقدم في نظائره، و الثاني- ما ذكره الأصحاب مما
____________
(1) الوسائل الباب 7 من أبواب بيع الحيوان الرقم- 5.
(2) الفقيه ج 3 ص 139 التهذيب ج 7 ص 71.
404
قدمنا نقله عنهم من عدم الصحة في هذه الصورة على إطلاقها، للزوم الربا في بعض الموارد (1) الا أن يقيد الخبر بكون المالين غير ربويين، أو اختلاف الجنس، و به أجاب الأصحاب عن الخبر المذكور، و زاد العلامة الطعن في الخبر بالضعف، و هو متجه بناء على رواية الشيخ، و اما على رواية الصدوق له فهو صحيح لا يتطرق اليه الطعن من هذه الجهة.
و بالجملة فالظاهر حمله على ما ذكرناه ليندفع عنه تطرق الوقوع في الربا، بل اشتراط قبض مقابل الربوي في المجلس إذا اختلف الجنسان و كانا ربويين، و الظاهر حمل كلام الشيخين- فيما قدمنا نقله عنهما من إطلاق الصحة سواء كان مال العبد أكثر من الثمن أو أقل- على ما ذكرناه.
و العجب هنا من المحقق (قدس سره) في الشرائع فإنه اختار في المسألة الأولى القول بملك العبد مطلقا الا أنه محجور عليه في التصرف بدون اذن السيد، و اختار في هذه المسألة ما قدمنا نقله عنه من أن المال للبائع، الا أن يشترطه المشترى، و أنت خبير بأن حكمه بالملك ظاهر في أن المراد لملك الرقبة، و لا يمكن تأويله بما تقدم و متى كان كذلك فكيف يصح انتقاله عن مالكه بمجرد بيعه- سواء كان- الى البائع، أو المشترى و هو ظاهر. و الله العالم.
تذنيب
قال الشيخ في النهاية: إذا قال مملوك انسان لغيره: اشترني فإنك إذا اشتريتني كان لك علي شيء معلوم فاشتراه، فان كان للمملوك في حال ما قال ذلك له مال لزمه
____________
(1) و هو ما لو كان المال ربويا و بيع بجنسه، فإنه لا بد في الخروج عن لزوم الربا من زيادة في الثمن عن ماله تقابل المملوك، ثم انه ينبغي أن يعلم أن لزوم الربا في الصورة المذكورة انما يتجه على القول بعدم ملك العبد بالكلية، أو ملكه بمعنى جواز التصرف بأن يكون أصل رقبة المال للمولى، و الا فلو قلنا بملك العبد، و أن له كما اخترناه فإنه لا يشترط في الثمن الزيادة كما قدمنا ذكره، لان ماله ليس جزا من المبيع ليقابل بالثمن، بل هو تابع له و هو ظاهر. منه (رحمه الله).
405
ان يعطيه ما شرطه له، و ان لم يكن له مال في تلك الحال لم يكن عليه شيء، و تبعه ابن البراج، و به صرح جملة من المتأخرين.
و قال ابن إدريس هذه رواية أوردها الشيخ إيرادا لا اعتقادا، لان العبد عندنا لا يملك شيئا، فأما على قول بعض أصحابنا أنه يملك فاضل الضريبة و أرش الجناية يصح ذلك، و الصحيح من المذهب انه لا يملك انتهى.
أقول الرواية التي أشار إليها هي صحيحة الفضيل بن يسار المتقدمة في سابق هذه المسألة، و موردها انما هو الشرط للبائع و هو المولى، و الشيخ و من تبعه من الأصحاب فرضوا المسألة في اشتراط العبد للمشتري، و الفرق بين الأمرين ظاهر، لانه مع كون الشرط للمشتري كما فرضوه، فان قلنا بعدم ملك العبد بطل الشرط، سواء كان معه مال أم لا، و ان قلنا بملكه- فهو محجور عليه كما قدمنا ذكره- يتوقف صحة جعالته للمشتري على اذن مولاه، و على كل من التقديرين فالرواية المذكورة ظاهرة في خلافه، لأنها صريحة في صحة الشرط المذكور، و لزومه مع وجود المال، و أما مع كون الشرط للمولى، فان قلنا أنه لا يملك فماله لمولاه، و تحمل نسبة المال اليه على الإضافة لأدنى ملابسته، و ان قلنا انه يملك فالحجر عليه زائل برضا المولى بذلك، و العمل بالرواية متجه على هذا التقدير.
و التحقيق أن الرواية المذكورة دالة على ملك العبد كما قدمنا ذكره سيما مع اعتضادها بما قدمنا من الاخبار، و حينئذ فشرطه لمولاه صحيح، و الحجر قد ارتفع برضا المولى بذلك.
و أما على ما ذكروه من عدم تملك العبد و لا سيما مع فرض المسألة على ما قدمنا نقله عنهم، فلا يخفى ما فيه من الاشكال، و أشكل منه رد الرواية الصحيحة من غير معارض في المقام و الله العالم.
المسألة الرابعة- إذا حدث في الحيوان عيب
فهيهنا صور،
أحدها أن يكون ذلك العيب سابقا على البيع مع جهل المشترى به
، و الظاهر انه لا خلاف في تخير المشترى بين الرد و الإمساك بالأرش، و لا فرق في ذلك بين الحيوان و غيره.
406
الثانية ما لو تجدد بعد العقد و قبل القبض
، و لا خلاف في تخيره بين الرد و الإمساك و انما الخلاف في انه مع اختيار الإمساك هل له الأرش أم لا؟ المشهور الأول، و لو هلك قبل القبض فمن البائع، و لو أهلكه أجنبي فللمشتري الفسخ أو مطالبة الأجنبي، و لو أهلكه البائع فالأقرب تخير المشترى بين الفسخ، فيطالب بالثمن، و عدمه فيطالب بالقيمة، و ما تقدم من الخيار بين الرد و الإمساك بالأرش كما هو المشهور مخصوص بما إذا كان العيب من قبل الله سبحانه أو من قبل البائع.
أما لو كان من قبل أجنبي فعليه الأرش للمشتري ان التزم بالمبيع، و للبائع ان فسخ، و لو أتلفه المشتري فهو قبض، و لو جنى عليه فالأقرب انه قبض ايضا، و لو قبض بعض المبيع و هلك الباقي فهو في ضمان البائع، و للمشتري الفسخ لتبعيض الصفقة.
الثالثة- ما لو قبضه ثم تلف أو حدث فيه عيب في الثلاثة
، فإنه مضمون على البائع ما لم يكن الحدث من المشترى، اما في صورة التلف فالظاهر ان مستنده الإجماع، إذ لا يظهر فيه خلاف عندهم حيث انه لا خلاف في ان التلف في زمن الخيار ممن ليس له خيار، و يدل عليه أيضا و على صورة العيب إطلاق
قول الصادق (عليه السلام) في مرسلة ابن رباط (1) المتقدمة سابقا «ان حدث بالحيوان حدث قبل الثلاثة فهو من مال البائع».
ثم انه في صورة العيب يتخير بين الرد بخيار الثلاثة و الإمساك، و الخلاف في الأرش هنا مع الإمساك كما تقدم في سابق هذه الصورة و في صورة التلف له الرجوع على البائع بالثمن،- و العيب الحادث في الثلاثة الموجب للأرش عند من أوجبه لا يمنع الرد بخيار الثلاثة و لا بخيار العيب السابق.
نعم لا يرد بهذا العيب الحادث، بل له الأرش خاصة، لأنه انما حصل بعد القبض و ان كان في زمن الخيار الموجب لكونه مضمونا على البائع، و ذلك هو الموجب للأرش فقط، هذا كله فيما لو كان الخيار مختصا بالمشتري، و كذا لو
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 67.
407
كان مشتركا بينه و بين البائع أو غيره، لان الجملة فيه مضمونة على البائع أيضا، أم لو كان الخيار مختصا بالبائع أو مشتركا بينه و بين أجنبي فلا خيار للمشتري، هذا إذا كان العيب من قبل الله تعالى أو من البائع.
و أما لو كان من أجنبي فللمشتري على ذلك الأجنبي الأرش خاصة، و لو كان بتفريط المشترى فلا شيء و هكذا الحكم في غير الحيوان، و يجري أيضا في تلف المبيع أجمع، الا ان الرجوع هنا بمجموع القيمة كما تقدم، فان كان التلف من قبل الله سبحانه و الخيار للمشتري و لو بمشاركة غيره فالتلف من البائع، و الا فمن المشترى، و ان كان التلف من البائع أو من أجنبي و الخيار للمشتري، فإن اختار الفسخ و الرجوع بالثمن فذاك، و إلا رجع على المتلف بالمثل أو القيمة، و لو كان الخيار للبائع و المتلف أجنبي أو المشتري تخير و رجع على المتلف.
الرابعة ما لو حدث العيب بعد القبض و بعد مضى الثلاثة
، فإنه يمنع الرد بالعيب السابق على العقد الموجب للخيار مع الجهل، فلا خيار له هنا، لعدم موجبه، و لانه قد تسلم المبيع صحيحا فليس له ان يرده معيبا. نعم له الأرش من حيث العيب السابق هذا ملخص كلامهم في المقام، و قد تقدم ما فيه المناقضات في بعض المواضع في أبواب الخيار و العيوب و الله العالم.
المسألة الخامسة
- قيل: لو استثنى البائع الرأس و الجلد كان شريكا بقدر ثنياه، و كذا لو اشترك اثنان أو جماعة و شرط أحدهم ذلك و لو قال: اشتر حيوانا بشركتي صح و ثبت البيع لهما، و على كل واحد نصف الثمن، و لو اذن أحدهما لصاحبه ان ينقد عنه صح، و لو تلف كان بينهما، و له الرجوع على الأخر بما نقد عنه، و لو قال له: الربح لنا و لا خسران عليك، فيه تردد و المروي الجواز.
أقول: تفصيل هذه الجملة- المنقولة في هذا المقام و بيان ما اشتملت عليه من الأحكام يقع في مواضع
الأول- ما لو استثنى البائع الرأس و الجلد مثلا
، و فيه
408
أقوال، أحدها- ما ذكر هنا، و هو صحة البيع و أنه يكون شريكا بقدر قيمة ثنياه و به قال الشيخ في النهاية (1) و المبسوط و الخلاف، و ابن البراج و العلامة في الإرشاد، و نسبه المحقق في كتابيه إلى رواية السكوني مؤذنا بنوع توقف فيه.
و الرواية المشار إليها هي ما رواه
الشيخ عن السكوني (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «اختصم الى أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلان اشترى أحدهما بعيرا و استثنى البائع الرأس و الجلد، ثم بدا للمشتري أن يبيعه، فقال للمشتري:
هو شريكك في البعير على قدر الرأس و الجلد».
و رواه الكليني مثله أقول المراد بلفظ «المشتري الثاني» هو المشترى الثاني.
و نحو هذه الرواية أيضا ما رواه
الصدوق عطر الله مرقده في كتاب عيون أخبار الرضا بأسانيد ثلاثة (3) عنه عن آبائه عن الحسين بن على (عليه السلام) «انه قال:
اختصم الى على (صلوات الله عليه) رجلان أحدهما باع الأخر بعيرا و استثنى الرأس و الجلد، ثم بدا له أن ينحره، قال: هو شريكه في البعير على قدر الرأس و الجلد».
و علل أيضا بأن البائع قد قبض ما يساوى المبيع، و بقي من القيمة ما يساوى المستثنى، فيكون البائع شريكا بما يساوى المستثنى، لان اجزاء الثمن مقسطة
____________
(1) قال الشيخ في النهاية: إذا باع الإنسان بعيرا أو بقرا أو غنما و استثنى الرأس و الجلد كان شريكا للمبتاع بقدر الرأس و الجلد، و نحوه كلامه في الكتابين الآخرين، و قال الشيخ المفيد: لا بأس أن يشترط البائع على المبتاع شيئا يستثنيه مما باعه، مثل أن يبيعه شاة و يستثني عليه جلدها و رأسها بعد الذبح، و نحوه عبائر من وافق الشيخ المفيد في ذلك، منه (رحمه الله).
(2) التهذيب ج 7 ص 81 الكافي ج 5 ص 304.
(3) الوسائل الباب- 22- من أبواب بيع الحيوان الرقم 3.
409
على اجزاء المبيع، و يلغو التعيين، فلو فرضنا أن الحيوان كملا قيمته عشرة دراهم و قيمة ما استثنى درهمان كان شريكا بالخمس و ثانيها صحة البيع و الاستثناء و انه يكون له ما استثنى، و هو قول الشيخ المفيد و السيد المرتضى و ابى الصلاح، و ابن الجنيد و ابن إدريس، و علل بأنه استثنى شيئا معلوما من معلوم، و عقد البيع غير مانع من اشتراط ما هو معلوم، لقوله (عليه السلام) «الشرط جائز بين المسلمين».
و ثالثها- بطلان البيع بهذا الاستثناء لأدائه إلى الضرر و التنازع، لأن المشتري قد يختار التبقية و فيها منع البائع من الانتفاع بما في تملكه، و جاز أن يؤل حاله الي نقص أو عدم الانتفاع به، بجواز موته، و ان اختار البائع الذبح لأجل أخذ ما شرطه كان فيه منع لتسلط المشترى على ماله، كالانتفاع به في نفسه كالانتفاع بظهره و لبنه و نتاجه، و هذا القول نقله ابن فهد في المهذب و لم أقف على قائله.
و رابعها ما اختاره العلامة في المختلف و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك من البطلان، الا ان يكون مذبوحة أو اشتراها للذبح، فإنه يجوز الاستثناء، قال شيخنا المشار إليه في المسالك بعد ذكر عبارة المحقق المشار إليها آنفا: لم يفرق بين المذبوح و ما يراد ذبحه و غيره، و هو أحد الأقوال في المسألة، لإطلاق الرواية، الا أن المستند ضعيف، و الجهالة متحققة، و الشركة المشاعة غير مقصودة و القول بالبطلان متجه، الا ان يكون مذبوحا أو يراد ذبحه، فيقوى صحة، الشرط. انتهى.
أقول: لا يخفى أن إلا وفق بالقواعد الشرعية هو القول الرابع لما ذكره في المسالك، و يمكن أن يحمل عليه القول الثاني، فإن ظاهر عبارة الشيخ المفيد هو كون الشرط المذكور انما هو فيما يراد ذبحه، حيث قال: لا بأس أن يشترط البائع على المبتاع شيئا يستثنيه مما باعه، مثل ان يبيعه شاة و يستثني عليه جلدها أو رأسها بعد الذبح.
و يمكن حمل إطلاق كلام غيره على ذلك أيضا، الا ان ظاهر كلام ابن إدريس العموم، و يؤيده انه يبعد استثناء الرأس و الجلد فيما لا يراد ذبحه، إذ لا ثمرة
410
يترتب عليه، و يؤيده أيضا انهم قد صرحوا كما تقدم بأنه لا يجوز بيع جزء معين من الحيوان كيده و رجله و نحوهما، و انما يجوز مشاعا كنصفه و ربعه مثلا، و الاستثناء في معنى البيع، و بهذا رد العلامة في المخلتف على هذا القول، فقال بعد تعليل عدم صحة الاستثناء مع التبقية و عدم الذبح بما فيه من الجهالة و تضرر الشريك لو أراد أخذ حقه، و ضرره لو أجبر على بقائه- ما صورته: و لانه لا يجوز افراده بالبيع، فلا يجوز استثناؤه، و البيع انما يكون حلالا لو وقع على وجهه، و هو ممنوع هنا انتهى.
إلا أنك قد عرفت دلالة الروايتين المتقدمتين- بإطلاقهما على الصحة مطلقا، و أنه يكون شريكا مع المشترى في كل الحيوان بقدر قيمة الرأس و الجلد، فتنسب القيمة إلى ثمن المشترى، و يكون له بتلك النسبة من جميع اجزاء الحيوان، و يكون الباقي للمشتري، و يؤيد الخبرين المذكورين خبر الغنوي الاتى فيمكن القول بالخبرين المذكورين، و حمل بعض الأصحاب خبر السكوني على انه كان المقصود الذبح ثم حصل العدول عن ذلك، فيكون البيع صحيحا و يكون شريكا للمشتري بمقدار قيمة ما استثنى، الا أن هذا الحمل لا يجري في خبر العيون، حيث صرح فيه بعدم ارادة نحره، و مع ذلك حكم بالتشريك في الجميع بنسبة قيمة ما استثناه و المسألة لا يخلو من الاشكال، و ان كان القول الأول هو الأقرب.
الثاني- ما لو اشترك اثنان أو جماعة و شرط أحدهم ذلك
، و ظاهر جملة من الأصحاب- منهم العلامة في المختلف و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك- ما هو اجراء حكم المسألة الاولى في هذه المسألة، فحكموا بصحة الشرط مع الذبح أو إرادته، و البطلان مع عدم ذلك، قال في المسالك في تتمة العبارة المنقولة عنه آنفا: و كذا القول فيما لو اشترك فيه جماعة و شرط أحدهم ذلك. انتهى.
أقول:
قد روى الشيخ عن هارون بن حمزة الغنوي (1) عن ابى عبد الله
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 79.
411
(عليه السلام) «في رجل شهد بعيرا مريضا يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم فأشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس و الجلد، فقضى أن البعير بريء فبلغ ثمانية دنانير قال:
فقال: لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فان قال: أريد الرأس و الجلد، فليس، له ذلك، هذا الضرار، و قد أعطى حقه إذا أعطى الخمس».
و أنت خبير بأن ظاهر الخبر ان شراء البعير حال المرض و اشتراك الرجل الأخر بالرأس و الجلد انما وقع من حيث ارادة الذبح، و لكن لما اتفق أنه بريء و لم يذبح و بلغ قيمة زائدة حكم (عليه السلام) لدفع الضرر من الطرفين و صلحا بينهما بالتشريك في البعير، بنسبة ما دفع من قيمة الرأس و الجلد، و لو طلبهما اتى الضرار المنهي عنه متى أعطي بنسبة ما دفعه من جميع البعير، و على هذا يمكن حمل حديث السكوني المتقدم، و به يندفع ما تعلق به القائل بالإبطال من لزوم الضرر متى أراد المشتري التبقية، و أراد صاحب الرأس و الجلد الذبح لأجل أخذ ماله، فان في ترجيح إرادة أحدهما ضرر على الأخر الا انه يبقى الإشكال في خبر العيون حيث تضمن نحر البعير و لعل لفظ (لا) سقط من البين فإنه مع عدم سقوطها لا يناسب سياق الخبر ايضا من قوله ثم بدا له، إذ الظاهر ان أصل الشراء و اشتراط الجلد و الرأس انما وقع من حيث ارادة النحر، و على هذا لا معنى لقوله «ثم بدا له ان ينحره» و انما المناسب ثم بدا له ان لا ينحره و بما ذكرنا يظهر قوة مذهب الشيخ في المسألة المتقدمة.
و اما ما ذكره بعض محققي متأخري المتأخرين من احتمال طرح الروايتين اعنى روايتي السكوني و الغنوي لضعفهما و مخالفتهما القواعد، ففيه ما عرفت في غير موضع مما تقدم ان الطعن بالضعف غير معتمد عندنا، و لا وارد على المتقدمين الذين لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم، و ان الأظهر هو الوقوف على ما دلت عليه الاخبار في كل حكم سيما مع عدم المخالف من الاخبار، و تخصيص تلك القواعد ان ثبت بالنص، و الا فإنه لا يلتفت إليها في مقابلة الاخبار و ان ضعفت باصطلاحهم.
412
تذنيب
قال: سلار: كل شرط يشترط البائع على المبتاع من رأس ذبيحة يبيعها و جلدها أو بعضها بالوزن جائز.
أقول: و ظاهره يعطى جواز استثناء البعض كاللحم بالوزن، و قال ابن الجنيد: لا يجوز، لان مواضع اللحم تتفاضل، و أقله ما يختلط به من العظم و غيره و كثرته، فان حدد المكان بما لا يختلط بغيره جاز. انتهى و استحسنه العلامة في المختلف، و أنت خبير بان ظاهر عبارة سلار هنا كما قدمنا ذكره من عبارة الشيخ المفيد من ان الشرط المذكور انما هو مع الذبح أو إرادته كما يخفى و الله العالم.
الثالث- ما لو قال اشتر حيوانا بشركتي
الى آخره الوجه في لزوم نصف الثمن مع الأمر بشراء الحيوان بالمشاركة ان الأمر توكيل بالشراء بالشركة بينه و بين المأمور، و الشراء لا يكون الا بالثمن، و الظاهر من الشركة هو التساوي باعتبار إرادة الشركة في كل جزء جزء منه فيحمل عليه الكلام الا ان ينصب قرينة على خلاف ذلك، و حينئذ فلو اذن له في أداء الثمن عنه و أدى عنه رجع به عليه و الاذن أعم من الصريح و الفحوى مثل ان يأمره بشراء حيوان من مكان بعيد و المجيء به مع العلم بأنه لا يكون ذلك الا بعد أداء الثمن، اما لو ادى عنه بغير اذنه فلا يلزمه العوض لانه متبرع في أداء دين غيره، و قد تقرر ان تبرع بأداء دين غيره لا يرجع بذلك على المديون.
و الظاهر من كلام الأكثر و به صرح العلامة في التذكرة و غيرها أنه لا يكفي الإذن بالشراء في الاذن بأداء الثمن لأنه أعم منه بل لا بد من الاذن بالأداء صريحا أو فحوى.
413
و يظهر من كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الاكتفاء بذلك قال: و الحق انه يرجع عليه بمجرد الاذن فيه، و ان كان ذلك أعم منه لدلالة القرائن عليه، و عدم حصول ما يقتضي التبرع انتهى و أيده بعضهم بأنه رضى بالشراء و هو انما يكون بالثمن، و الغالب انه لا يسلم المبيع الا بعد تسليم الثمن، فالظاهر ان ذلك اذن في التسلم ايضا و لا يمكن ذلك الا به، فكان الأمر و الاذن بالشراء مستلزما لتسليم الثمن و تسليم المبيع، فلا يضمن لو أخذ من غير اذن جديد و يرجع بالثمن مطلقا الا مع ما يدل على عدم الاذن، و لا يفهم الاذن قال: و ليس كلام التذكرة و غيرها بعيدا عن هذا المعنى بكثير. انتهى.
و هو لا يخلو من اشكال الا ان يكون هناك قرائن قاطعة تدل على ذلك، و الا فمجرد الأمر بالشراء لا يدل على ما ادعوه، و لو تلف الحيوان المشترك بعد قبضه من غير تفريط من المأمور فالتلف بينهما جميعا، و لا يرجع الأخر عليه، و ان يد الشريك- المشترى- عليه يد امانة، لا يد ضمان.
الرابع- ما لو قال له: الربح لنا و لا خسران عليك
الى آخره أقول: الظاهر ان وجه التردد المذكور من الرواية المشار إليها حيث دلت على صحة ذلك المؤيد بعموم (1)
«المؤمنون عند شروطهم».
و من المخالفة للقواعد المقررة في الشركة بل مقتضى المذهب كما ادعاه بعضهم من ان الربح و الخسران تابعان لرأس المال و الى ذلك جنح في المسالك قال: و هو الأقوى ثم قال: و الرواية مع كونها و أرده في بيع خاص يمكن تأويلها بما يوافق الأصل انتهى.
أقول: قال الشيخ في النهاية: و من قال لغيره اشتر حيوانا بشركتي و الربح بيني و بينك فاشتراه ثم هلك الحيوان كان الثمن بينهما، كما لو زاد في ثمنه كان ايضا بينهما على ما اشترطا عليه، فان اشترط عليه ان يكون له الربح لو ربح و ليس عليه شيء من الخسران كان على ما اشترطا عليه، و به قال ابن البراج.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 22.
414
و قال ابن إدريس: معنى انه إذا قال لغيره اشتر حيوانا بشركتي المراد به انقد عنى نصف الثمن أو ما يختاره و يجعله قرضا عليه، و الا فما يصح الشركة إلا هكذا قال: فأما قول شيخنا (رحمه الله)- فان اشتراط عليه ان يكون له الربح ان ربح و ليس عليه من الخسران شيء كان على ما اشترطا عليه- فليس بواضح و لا يستقيم، لانه مخالف لأصول المذهب، لان الخسران على رؤس الأموال بغير خلاف، و إذا شرط انه على واحد من الشريكين كان هذا الشرط مخالفا للكتاب و السنة، لأن السنة جعلت الخسران على رؤوس الأموال انتهى.
و قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه، و ما ذكره ابن إدريس في تفسير قول الإنسان لغيره اشتر حيوانا فاشركنى ليس بصحيح، لأن الأمر بالشراء عنه ليس امرا بنقد الثمن عنه، و الشركة يتحقق بالعقد إذا أوقعه المشتري عنه و عن الأمر بالنيابة، لا بالأمر بنقد الثمن، و أما نسبة قول الشيخ الى عدم الوضوح و عدم الاستقامة- و انه مخالف لأصول المذهب و ان هذا الشرط يخالف الكتاب و السنة فليس بجيد لان الشيخ (رحمه الله) عول في ذلك على الكتاب و السنة و العقل، أما الكتاب فقوله تعالى (1) «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ» و التراض انما وقع على ما اتفقا عليه فلا يجوز لهما المخالفة و قوله تعالى (2) «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و العقد انما وقع على هذا فيجب الوفاء به، و اما السنة
فقوله (عليه السلام) (3) «المؤمنون عند شروطهم».
و ما رواه
رفاعة (4) في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل شارك في جارية له قال: ان ربحنا فيها فلك نصف
____________
(1) سورة البقرة الآية 282.
(2) سورة المائدة الآية 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 22.
(4) التهذيب ج 7 ص 71 و 81.
415
الربح و ان كان وضيعة فليس عليك شيء فقال: لا أرى بهذا بأسا إذا طابت نفس صاحب الجارية».
و أما العقل فلان الأصل الجواز، و قوله ان الخسران على قدر رأس المال، قلنا متى، مع الشرط لغيره أو بدونه، و بالجملة فقول الشيخ هو المعتمد. انتهى.
و هو جيد و مما يدل على ذلك- زيادة على الصحيحة المذكورة- ما رواه
الشيخ عن ابى الربيع (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في رجل شارك رجلا في جارية فقال له: ان ربحت فلك و ان وضعت فليس عليك شيء؟ فقال: لا بأس بذلك إذا كانت الجارية للقائل».
و أما ما رواه
الشيخ و الصدوق عن إسحاق بن عمار (2) في الموثق قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يدل الرجل على السلعة، فيقول: اشترها ولى نصفها، فيشتريها الرجل و ينقد من ماله، قال: له نصف الربح، قلت: فان وضع يلحقه من الوضيعة شيء؟ فقال: نعم عليه الوضيعة: كما أخذ من الربح».
فهو ظاهر في عدم الشرط، فلا ينافي ما تقدم. و يمكن الجمع بين كلامي الشيخ و ابن إدريس بأن مبنى كلام ابن إدريس على الاشتراك في الثمن كما تأول به عبارة الشيخ، و ان كان تأويله بعيدا و حينئذ فيكون الربح و الوضيعة تابعة لرأس المال، و مبنى كلام الشيخ انما هو على الاشتراك في الشراء دون المشاركة في المال.
و حينئذ فلا يرد على ابن إدريس الاستدلال بصحيحة رفاعة، فإنها ظاهرة في كون الشركة انما هو في عقد الشراء لا في المال الذي اشترى به، الا أنه يمكن أن يقال أنه و ان كان الأمر كذلك من أن الشركة في رأس المال تقتضي كون الربح و الخسران تابعين لرأس المال، لكن مع الشرط يكون الأمر على ما وقع عليه الشرط، و ان خالف القاعدة المذكورة، فإن الشروط في جميع العقود كلها من هذا القبيل بمنزلة
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 71 و 81.
(2) التهذيب ج 7 ص 187 الفقيه ج 3 ص 139.
416
الاستثناء مما يقتضيه أصل العقد.
و بالجملة فالظاهر هو ما ذهب اليه الشيخ (رحمه الله) و منه يظهر ضعف ما ذهب اليه ابن إدريس (رحمه الله) و ان تبعه فيه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك كما عرفت و الله العالم.
المسألة السادسة [ما يستحب و يكره في شراء المماليك]
- قد ذكروا في شراء المماليك جملة من الأحكام استجابا و كراهة منها أنه يجوز له النظر الى وجه المملوكة- إذا أراد شرائها- و محاسنها و المراد بها مواضع الحسن منها و الزينة كالكفين و الرجلين و الشعر، قالوا و لا يشترط في ذلك اذن المولى، و لا يجوز الزيادة على ذلك إلا بإذنه فيكون تحليلا يتبع ما دل عليه اللفظ حتى العورة، و كذا يجوز له مس ما يجوز النظر اليه مع الاذن، و نقل عن العلامة في التذكرة جواز النظر الى ما دون العورة مع عدم الاذن، و رده جملة ممن تأخر عنه بالبعد.
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك ما رواه
الشيخ و الصدوق عن أبى بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعترض الأمة ليشتريها؟ قال: لا بأس بأن ينظر الى محاسنها و يمسها ما لم ينظر الا ما لا ينبغي له النظر اليه».
و ما رواه
في التهذيب عن حبيب بن معلى الخثعمي (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى اعترضت جواري بالمدينة فأمذيت؟ فقال: أما لمن يريد الشراء فليس به بأس، و أما من لا يريد أن يشترى فإني أكرهه».
و عن عمران بن الحارث الجعفري (3) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: لا أحب للرجل أن يقلب جارية إلا جارية يريد شراءها»:.
و ما رواه الثقة الجليل
عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان (4) عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام)
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 75 الفقيه ج 4 ص 12.
(2) التهذيب ج 7 ص 236.
(3) التهذيب ج 7 ص 236.
(4) الوسائل الباب- 20- من أبواب بيع الحيوان الرقم- 4.
417
«أنه كان إذا أراد ان يشترى الجارية يكشف عن ساقيها فينظر إليها».
و في هذه الرواية دلالة على جواز النظر الى الساق زيادة على ما ذكره الأصحاب و يمكن أن يستفاد من رواية الجعفري صحة ما نقل عن العلامة من جواز النظر الى ما عدا العورة إذا دعت الحاجة الى ذلك و يمكن أن يحمل على ذلك قوله في رواية أبي بصير «ما لم ينظر الى ما لا ينبغي النظر اليه» بالحمل على العورة، و يكون ذكر المحاسن فيها انما خرج مخرج التمثيل، و يخرج رواية قرب الاسناد شاهدة على ذلك و بالجملة فإن ما نقل عن التذكرة غير بعيد، و ان ردوه بالبعد.
و منها انه يستحب لمن يشترى مملوكا ان يغير اسمه، و أن يطعمه شيئا من الحلو و ان يتصدق عنه بشيء، و انه يكره ان يرى المملوك ثمنه في الميزان كل ذلك للاخبار.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب عن زرارة (1) «قال كنت جالسا عند ابى عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل و معه ابن له، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): ما تجارة ابنك؟ فقال التنخس فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) لا تشترين شينا و لا عيبا، و إذا اشتريت رأسا فلا ترين ثمنه في كفة الميزان، فما من رأس رأى ثمنه في كفة الميزان فأفلح، و إذا اشتريت رأسا فغير اسمه و أطعمه شيئا حلوا إذا ملكته و تصدق عنه بأربعة دراهم».
و عن محمد بن ميسر (2) عن أبيه عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «من نظر الى ثمنه و هو يوزن لم يفلح».
و ظاهر الخبرين المذكورين أن الكراهة مترتبة على رؤية الثمن في الميزان، و حينئذ فلا يكره في غيره، و ربما قيل أنه انما جرى على المتعارف من وضع الثمن فيه، فلو رآه في غيره كره أيضا فيكون المراد انما هو الكناية عن عدم رؤيته مطلقا، و يؤيده أن وزن الدراهم في الميزان قليل و به
____________
(1) الكافي ج 5 ص 212.
(2) الكافي ج 5 ص 212.
418
يظهر ضعف تنظره في المسالك في هذا القول.
و منها كراهة وطئ من ولدت من الزنا بالملك و العقد، قال المحقق الأردبيلي (قدس سره) بعد ذكر المصنف الحكم المذكور: قد نهي عنه في الاخبار المعتبرة المحمولة على الكراهة. لعموم أدلة جواز النكاح و الوطي، و كأنه لعدم القائل بالتحريم.
أقول: قد نقل القول بالتحريم هنا في المسالك عن ابن إدريس بناء على أن ولد الزنا كافر، و أن وطأ الكافر محرم، ثم رده بان مقدمتين ممنوعتان و أنت خبير بما قدمناه في كتاب الطهارة من التحقيق في أحوال ابن الزنا أن له حالة ثالثة غير حال المسلمين و الكفار في النكاح و غيره و الاخبار قد صرحت هنا بالجواز على كراهية.
و منها
حسنة الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن الرجل يكون له الخادم ولد الزنا هل عليه جناح أن يطأها؟ قال: لا و ان تنزه عن ذلك فهو أحب الي».
و نحوها غيرها.
و منها التفرقة بين الأطفال و أمهاتهم قبل استغنائهم عنهن فقيل بالكراهة و قيل بالتحريم، و القولان للشيخ في النهاية، فقال: في باب ابتياع الحيوان لا يجوز، و قال في باب العتق أنه مكروه، و الى القول بالتحريم ذهب الشيخ المفيد و ابن البراج و سلار و ابن الجنيد، و نقل عن العلامة في التذكرة مدعيا أنه المشهور و هو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و الروضة، و الى القول بالكراهة ذهب المحقق في كتابيه و العلامة في المختلف و الإرشاد و ابن إدريس و الشهيد في اللمعة و غيرهم.
احتج القائلون بالكراهة بما ورد من (1)
«ان الناس مسلطون على أموالهم».
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمقام زيادة على الخبر المذكور ما رواه
____________
(1) البحار ج 2 ص 272 الطبع الحديث.
419
المشايخ الثلاثة عطر الله مراقدهم عن معاوية بن عمار (1) في الصحيح قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أتي رسول الله (صلى الله عليه و آله) بسبي من اليمن، فلما بلغوا الجحفة نفدت نفقاتهم فباعوا جارية من السبي كانت أمها معهم، فلما قدموا على النبي (صلى الله عليه و آله) سمع بكاءها، فقال: ما هذه البكاء؟ فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) احتجنا إلى نفقة فبعنا ابنتها فبعث بثمنها فأتي بها، و قال: بيعوهما جميعا أو أمسكوهما جميعا».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن سماعة (2) في الموثق قال: «سألته أخوين مملوكين هل يفرق بينهما؟ و عن المرأة و ولدها، قال: لا هو حرام الا أن يريدوا ذلك».
و رواه في الفقيه قال: «سأل سماعة أبا عبد الله (عليه السلام) عن أخوين مملوكين» الحديث.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن هشام بن الحكم (3) في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال انه اشتريت له جارية من الكوفة قال:
فذهبت تقوم في بعض الحاجة، فقالت: يا أماه فقال لها أبو عبد الله (عليه السلام):
أ لك أم؟ قالت: نعم فأمر بها فردت، و قال: ما آمنت لو حبستها أن أرى في ولدي ما أكره».
و ما رواه
في الكافي عن عمر بن أبى نصر (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الجارية الصغيرة يشتريها الرجل؟ فقال: ان كانت قد استغنت عن أبويها فلا بأس».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة عن ابى سنان (5) في الصحيح- فان الظاهر أن ابن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 218 التهذيب ج 7 ص 73 الفقيه ج 3 ص 137.
(2) الكافي ج 5 ص 218 التهذيب ج 7 ص 73 الفقيه ج 3 ص 137.
(3) الكافي ج 5 ص 219 التهذيب ج 7 ص 73.
(4) الكافي ج 5 ص 219.
(5) الكافي ج 5 ص 219.
420
سنان هو عبد الله- عن أبى عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في الرجل يشترى الغلام و الجارية و له أخ أو أخت أو أب أو أم بمصر من الأمصار؟ قال: لا يخرجه الى مصر آخر ان كان صغيرا و لا يشتره فان كانت له أم فطابت نفسها و نفسه فاشتره إن شئت».
و ما رواه
شيخنا الشهيد الثاني في المسالك (1) عن أبي أيوب عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «من فرق بين والدة و ولدها، فرق بينه و بين أحبته».
أقول: و هذه الرواية لم أقف عليها في كتب أخبارنا و لا يبعد انها من طريق العامة الا ان صحيحة هشام المذكورة ظاهرة فيما دلت عليه.
و في كتاب الفقه الرضوي (2) «و روى في الجارية الصغيرة تشترى و يفرق بينها و بين أمها؟ فقال: ان كانت قد استغنت عنها فلا بأس».
هذه جملة ما حضرني من أخبار المسألة، و دلالتها على التحريم ظاهرة، سيما صحيحة معاوية حيث أمر (صلى الله عليه و آله) برد الجارية المباعة، و الأمر للوجوب كما تقرر في محله، و ظاهرها بطلان البيع، حيث استرجع المبيع برد الثمن من غير رضا المشترى كما هو ظاهر الخبر، و قوله في موثقة سماعة «هو حرام الا ان يريدوا ذلك».
و بالجملة فإن ظاهر الاخبار هو التحريم و البطلان و بذلك اعترف في الدروس أيضا (3).
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 486 عن عوالي اللئالي.
(2) المستدرك ج 2 ص 476.
(3) قال في الدروس: اختلفوا في التفريق بين الأطفال و أمهاتهم إلى سبع سنين، و قيل: إلى مدة الرضاع، ففي رواية سماعة يحرم الا برضاهم و أطلق المفيد و الشيخ في الخلاف و المبسوط التحريم و فساد البيع و هو ظاهر الاخبار، و طرد الحكم في أم الأم و ابن الجنيد طرد في من يقوم مقام الأم في الشفقة، و أفسد البيع في السبايا و كره ذلك في غيرهم و الحليون على كراهية التفرقة و تخصيص ذلك بالأم و هو فتوى الشيخ في العتق من النهاية انتهى منه (رحمه الله).
421
تنبيهات [في أحكام التفرقة بين الأطفال و أمهاتهم]
الأول [هل يختص الحكم بالصغير فقط؟]
- قد عرفت ان الأصحاب خصوا الحكم بالأطفال، و فرعوا عليه ايضا الخلاف في الغاية التي يزول معها التحريم أو الكراهة، هل هي مدة سبع سنين، أو أن يستغنى عن الرضاع؟ و هو مشكل، إذ لم نقف له على مستند، و بذلك اعترف في المسالك أيضا، و ذكر جماعة من المتأخرين أنه مترتب على الخلاف في الحضانة الاتى في كتاب النكاح إنشاء الله تعالى و هو أشكل لاختلاف الاخبار (1) و الأقوال في ذلك أيضا.
____________
(1) ففي بعض الاخبار ان الولد للأب و له ان يعطيه لمن شاء يرضعه الا يطلب الام ذلك، فترضى بما يرضى به غيرها فهي أحق ما لم يفطم، و في بعض أن الأم أحق بالولد الى سبع سنين، و في بعض آخر الى ان يتزوج، و في بعض آخر انه ما دام في الرضاع فهو بين الأبوين، فإذا فطم فالأب أحق به من الأم فإذا مات الأب فالأم أحق به من العصبة، و في بعضها انه ليس للوصي أن يخرجه من حجر الام حتى يدرك و يدفع اليه ماله و الشيخ قد جمع بينها بأن الأم أحق قبل الفطام و إذا أرضعت بما يرضع التهذيب ج 8 ص 104 الغير فهي أحق، و انها أحق بالأنثى ما لم تتزوج، و جمع جملة من الأصحاب بينها بحمل رواية السبع على الأنثى، و الحولين على الذكر، لمناسبة الحكمة في احتياج الأنثى إلى تربية الام زيادة على الذكر، قال في المسالك و هذا هو الأجود، ثم قال و حيث كان ذلك في حكم الحرة فليكن في الأمة كذلك لان حقها لا يزيد على الحرة، و لان ذلك هو الحق المقرر لسلام في كون الولد معها في نظر الشارع انتهى- منه (رحمه الله).
422
و أنت خبير بأن ظاهر الروايات المذكورة عدم الاختصاص بالأطفال بل ظاهر جملة منها انما هو الكبار، كما يعطيه ظاهر صحيحة معاوية بن عمار من بيع الجارية لنفقة العسكر، و من الظاهر الغالب أن قيمة الطفل لا يفي بذلك، و أظهر منها صحيحة هشام بن الحكم، و قوله فيها «ان الجارية ذهبت تقوم في بعض حوائجها،» و هو ايضا ظاهر موثقة سماعة و ان الولد فيها أعم من الصغير و الكبير، بل الظاهر انما هو كونه كبيرا لقوله «الا ان يريدوا ذلك» فإن الإرادة لا تحصل من الرضيع.
و كذلك قوله في
صحيحة ابن سنان (1) «و ان كانت له أم فطابت نفسها و نفسه، فاشتره».
فان طيب النفس لا يتم في الرضيع و هذا كله بحمد الله سبحانه ظاهر لا ريب فيه.
الثاني- انه على تقدير القول بالتحريم هل يحكم ببطلان البيع أيضا أم لا؟
وجهان بل قولان- يلتفتان الى ان النهى في غير العبادة لا يقتضي الفساد و لرجوعه الى وصف خارج عن ذات المبيع، فيكون كالبيع وقت النداء، و على هذا فيصح البيع و ان اثم، و الى ان المفهوم من صحيحتي معاوية و هشام من حيث اشتمالهما على الرد من غير رضى المتبايعين هو البطلان، و الظاهر ان الوجه فيه هو ان تحريم التفرقة أخرجها عن صلاحية المعاوضة، و هو الأظهر، وفاقا لجملة من الأصحاب.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 104.
423
الثالث [هل يعم الحكم الأرحام المشاركة في الشفقة]
أنه هل يختص النهى عن التفرقة بالولد مع الأم، أم يعم الأرحام المشاركة في الشفقة و الاستيناس. كالأخت و العمة و الخالة؟ قولان، استجود شيخنا الشهيد الثاني في الروضة و المسالك الثاني، و استقرب العلامة في التذكرة الأول، و ظاهر موثقة سماعة و صحيحة ابن سنان يؤيد الثاني، الا أن ظاهرهم تخصيص التعدية الى ما شارك الأم في الشفقة من الإناث خاصة، و ظاهر الروايتين المذكورتين التعدي إلى الذكور أيضا فالتخصيص المذكور خروج عن النص.
و الأظهر الوقوف على ما دلت عليه النصوص من الام و الأخ و الأخت و الأب اقتصارا فيما خرج عن الأصل على موضع النص، و لان ما زاد لا يخرج عن القياس.
الرابع أنه هل يلحق بالبيع غيره؟
قال في المسالك: الظاهر عدم الفرق بين البيع و غيره، و ان كان في بعض الاخبار ذكر البيع لايمائها إلى العلة الموجودة في غيره، فيتعدى الى كل ناقل للعين حتى القسمة و الإجارة الموجبة للفرقة، و حيث كانت علة المنع الفرقة فلو لم يستلزمها- كما لو باع أحدهما و شرط استخدامه مدة المنع أو على من لا يحصل معه التفريق بينهما- لم يحرم، مع احتماله في الثاني إذا لم يكن الاجتماع لازما له شرعا. انتهى.
و أورد عليه (1) بأنه و ان كان محتملا من جهة ظهور العلة المفهومة فيمكن ذلك، و لكن يشكل ذلك من جهة كونه قياسا مع عدم المنصوصية في العلة. انتهى.
و هو جيد على أنه قد تقدم ما في منصوص العلة من البحث في صدر جلد الطهارة من هذا الكتاب (2) و بالجملة فإن الأظهر الاقتصار في ذلك على البيع كما هو مورد الاخبار، اقتصارا فيما خالف الأصل على مورد النص، و النصوص المتقدمة كلها انما تضمنت البيع و الشراء، و ليس فيها ما تضمن مجرد التفرقة إلا موثقة سماعة،
____________
(1) و هو المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد- منه (رحمه الله).
(2) ج 1 ص 63.
424
فيجب حملها على ما عداها من النصوص المذكورة، حمل المطلق على المقيد، و به يظهر أن التعدية قياس محض و الله العالم.
الخامس [موضع الخلاف بعد سقي الأم اللبأ]
- قال في المسالك: و موضع الخلاف بعد سقي الأم اللبأ، أما قبله فلا يجوز قطعا، لما فيه من التسبب الى إهلاك الولد، فإنه لا يعيش بدونه، صرح به جماعة. انتهى.
و فيه تأمل لأنا رأينا كثيرا من الأطفال قد عاش بدون ذلك، بأن يشرب من لبن غير أمه بعد الولادة، و ربما تعذر وجود اللبن من أمه لمرض و نحوه بعد الولادة مدة، و انما يرضع من حليب غيرها، بل قيل: انه لا يوجد اللبن في كثير من النساء و بنحو ما قلنا صرح المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد أيضا.
السادس [عدم تعدي الحكم إلى البهيمة]
- قال في المسالك: و لا يتعدى الحكم إلى البهيمة اقتصارا بالمنع على موضع النص، فيجوز التفرقة بينها و بين ولدها بعد استغنائه عن اللبن، و قبله ان كان مما يقع عليه الزكاة أو كان له ما يمونه من غير لبن أمه انتهى.
المسألة السابعة [في وجوب استبراء الأمة على البائع و المشتري]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في أنه يجب استبراء الأمة على البائع قبل البيع إذا وطأها، و كذا المشترى و يسقط الاستبراء عن المشترى لو أخبره البائع بالاستبراء و كان ثقة أو كانت لامرأة، أو كانت يائسة أو صغيرة أو حاملا أو حائضا.
و تفصيل هذه الجملة يقع في موارد
الأول [كيفية الاستبراء]
- لا يخفى أن الاستبراء عبارة عن طلب برأيه الرحم من الحمل، فإنه إذا صبر عليها المدة المضروبة لذلك حسبما يأتي ذكره في الاخبار تبين به حملها أو عدمه، و الحكمة فيه عدم اختلاط الأنساب و المشهور بين الأصحاب- و به صرح الشيخ و تبعه الأصحاب- انه لا فرق في ذلك بين البيع و غيره من الوجوه الناقلة للملك، و كذا القول في الشراء فيجب الاستبراء بكل ملك زائل و حادث، و خالف في ذلك ابن إدريس فخصه بالبيع، دون غيره من الوجوه المشار إليها، قال العلامة (قدس سره) في المختلف: قال الشيخ
425
في الخلاف: إذا ملك أمة بابتياع أو هبة أو إرث أو استغنام لم يجز له و وطؤها الا بعد الاستبراء.
و قال ابن إدريس: لا يجب في غير البيع، لأن الذي رواه أصحابنا في تصانيفهم الخالية من فروع المخالفين و بياناتهم و نطقت به أخبار الأئمة (عليهم السلام) أن الاستبراء لا يجب الا على البائع و المشترى، و لم يذكروا غيرهما، و الأصل براءة الذمة، و التمسك بقوله تعالى (1) «أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» و هذه ملك يمين و الحق ما قاله الشيخ، لنا أن المقتضى لوجوب الاستبراء في صورة البيع ثابت في غيره، و هو العلم باستفراغ رحمها، و الاختلاط على الأنساب، و الحفظ من اختلاطها، و أى فرق بين قوله بعتك، و قوله وهبتك، بحيث يوجب الأول الاستبراء دون الثاني، و لا يخفى ذلك على محصل، و أسند النقل الى كتاب الخلاف و نسبه الى أنه من فروع المخالفين، و لعله لم يقف في النهاية على باب السراري و ملك الايمان، فإن الشيخ نص فيه على ذلك أيضا، بل هو نفسه قال في هذا الباب متى ملك الرجل جارية بأحد وجوه التملكات من بيع أو هبة أو سبي أو غير ذلك لم يجز له و وطؤها في قبلها الا بعد أن يستبرأها، فلعله بعد ذلك وقف على شيء لم يقف عليه من الأول حتى خرج كونه من فروع المخالفين، و بالجملة فهذا الرجل يخبط و لا يبالي أين يذهب، و يتجرى على شيخنا (قدس سره) بما لا يجوز انتهى و هو جيد.
و يؤيده ما رواه
الشيخ في التهذيب عن الحسن بن صالح (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «نادى منادي رسول الله (صلى الله عليه و آله) في الناس يوم أوطاس: أن استبرؤا سباياكم بحيضة».
الا أنها خاصة بالاسترقاق، و ظاهر صاحب
____________
(1) سورة النساء الآية- 3.
(2) التهذيب ج 8 ص 176.
426
الكفاية التوقف هنا، و الميل الى ما ذهب اليه ابن إدريس، و قال المحقق الأردبيلي (قدس سره): الظاهر إلحاق الأمور الناقلة للأمة و المبيحة للفرج بالبيع و الشراء في وجوب الاستبراء، و تحريم الوطي لظهور العلة مع احتمال الخصوص، و هو بعيد، خصوصا من جانب المتملك، فان المقصود لم يتم الا بذلك انتهى.
الثاني [مدة الاستبراء]
الاستبراء يقع بخمسة و أربعين يوما ان لم تحض، و الا فحيضة، و وجوب الاستبراء على البائع و من في حكمه مشروط بأن يطأها و ان عزل، و أما المشترى و من في حكمه فإنما يجب عليه الاستبراء مع علمه بوطىء السابق، أو جهله الحال، فلو علم الانتفاء لم يجب لانتفاء الفائدة، و للنص.
و أما ما يدل على وجوب الاستبراء على البائع و المشترى و كذا على جملة من هذه الأحكام فجملة من الاخبار، منها خبر الحسن بن صالح المتقدم، و ما رواه
في الكافي. عن سماعة (1) في الموثق «قال سألته، عن رجل اشترى جارية و هي طامث أ يستبرئ رحمها بحيضة أخرى أو تكفيه هذه الحيضة؟ قال: لإبل تكفيه هذه الحيضة، فإن استبرأها بأخرى فلا بأس هي بمنزلة فضل».
و عن ربيع بن القاسم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجارية التي لم تبلغ الحيض (3) و تخاف عليها الحبل، فقال: يستبرئ رحمها الذي يبيعها بخمس و أربعين ليلة، و الذي يشتريها بخمس و أربعين ليلة».
و ما رواه
الشيخ عن عبد الرحمن ابن ابى عبد الله (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 174.
(2) التهذيب ج 8 ص 170.
(3) قوله لم تبلغ الحيض أي أنها بلغت، لكنها لم تحض و الا فلا معنى لكونها ما تخوف عليها الحبل و لو لم يبلغ بالكلية- منه (رحمه الله).
(4) التهذيب ج 8 ص 172.
427
في الرجل يشتري الجارية و لم تحض أو قعدت عن المحيض كم عدتها قال: خمس و أربعون ليلة».
أقول الظاهر ان المراد بهذه الرواية هي من كانت في سن من تحيض و لم تحض بالكلية أو انها حاضت ثم انقطع عنها الحيض، و هي في سن من تحيض، لما عرفت آنفا من عدم العدة على الصغيرة و اليائسة.
و يدل ايضا ما رواه هذا الراوي بعينه (1)
قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الجارية التي لم تبلغ المحيض، و إذا قعدت من المحيض ما عدتها؟
و ما يحل للرجل من الأمة حتى يستبرأها قبل ان تحيض؟ قال: إذا قعدت عن المحيض أو لم تحض فلا عدة لها و التي تحيض فلا يقربها حتى تحيض و تطهر».
و نحوها غيرها مما سيأتي أنشأ الله تعالى.
و عن منصور بن حازم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن عدة الأمة التي لم تبلغ المحيض و هو يخاف عليها فقال: خمس و أربعون ليلة».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الحسن عن حفص البختري (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «في الرجل يشتري الأمة من رجل فيقول: انى لم أطأها فقال: ان وثق به فلا بأس بأن يأتيها، و قال في رجل يبيع الأمة من رجل فقال: عليه أن يستبرئ من قبل ان يبيع».
و ما رواه
الشيخ في الصحيح عن الحلبي (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «في رجل ابتاع جارية لم تطمث، قال: ان كانت صغيرة لا يتخوف عليها الحبل فليس عليها عدة، فليطأها ان شاء، و ان كانت قد بلغت و لم تطمث فان عليها العدة، قال: و سألته عن رجل اشترى جارية و هي حائض قال: إذا طهرت فليمسها ان شاء».
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 172.
(2) التهذيب ج 8 ص 172 و 173 و 171.
(3) التهذيب ج 8 ص 172 و 173 و 171.
(4) التهذيب ج 8 ص 172 و 173 و 171.
428
و رواه الكليني في الصحيح أو الحسن مثله،
و عن ابن ابى يعفور (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «في الجارية التي لم تطمث و لم تبلغ الحبل إذا اشتراها الرجل، قال: ليس عليها عدة يقع عليها» الحديث.
و ما رواه
في الكافي عن عبد الله بن عمر (2) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أو لأبي جعفر (عليه السلام) الجارية الصغيرة يشتريها الرجل و هي لم تدرك أو قد يئست من المحيض قال فقال لا بأس ان لا يستبرئها».
و ما رواه
الصدوق مرسلا (3) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا اشترى الرجل جارية و هي لم تدرك أو قد يئست من المحيض فلا بأس بأن لا يستبرأها».
و ما رواه
الشيخ عن عمار (4) في الموثق قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) الاستبراء على الذي يريد أن يبيع الجارية واجب ان كان يطأها، و على الذي يشتريها الاستبراء أيضا قلت: فيحل له أن يأتيها دون فرجها؟ قال: نعم قبل أن يستبرأها».
و ما رواه
في كتاب عيون اخبار الرضا عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (5) عن الرضا (عليه السلام) «في حد الجارية الصغيرة السن الذي إذا لم تبلغه لم يكن على الرجل استبراؤها؟ قال إذا لم تبلغ استبرئت بشهر، قلت: و ان كانت ابنته سبع سنين و نحوها مما لا تحمل، فقال: هي صغيرة و لا يضرك أن لا تستبرئها، فقلت:
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 171.
(2) الكافي ج 5 ص 472.
(3) الفقيه ج 3 ص 283.
(4) التهذيب ج 8 ص 177.
(5) الوسائل الباب 3 من أبواب نكاح العبيد.
429
ما بينها و بين تسع سنين؟ فقال: نعم تسع سنين».
و ما رواه
الشيخ في الصحيح عن سعد بن سعد الأشعري (1) عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل يبيع جارية كان يعزل عنها هل عليه منها استبراء؟ قال: نعم، و عن أدنى ما يجزى من الاستبراء للمشتري و البائع؟ قال: أهل المدينة يقولون حيضة، و كان جعفر (عليه السلام) يقول: حيضتان، و سألته عن أدنى استبراء البكر فقال: أهل المدينة يقولون حيضة، و كان جعفر (عليه السلام) يقول: حيضتان».
و نحوها في الاستبراء بحيضتين صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع الاتية في مسألة اخبار البائع بالاستبراء.
و ما رواه
في الكافي عن سماعة (2) في الموثق قال: «سالته عن رجل اشترط جارية و لم يكن لها زوج أ يستبرئ رحمها؟ قال: نعم، قلت فان كانت لم تحض؟
قال: أمرها شديد و ان هو أتاها فلا ينزل الماء حتى يستبين أ حبلى هي أم لا، قلت:
و في كم تستبين له؟ قال: في خمسة و أربعين يوما».
و عن الحبلى (3) في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) «في رجل اشترى جارية لم يكن صاحبها يطؤها أ يستبرئ رحمها؟ قال: نعم، قلت: جارية لم تحض كيف يصنع بها؟ قال:
أمرها شديد غير أنه ان أتاها فلا ينزل عليها حتى يستبين له ان كان بها حبل قلت:
و فيكم يستبين له؟ قال: في خمس و أربعين ليلة».
الى غير ذلك من الاخبار المتعلقة بهذا المقام و سيأتي أيضا نحوها.
و الكلام فيها يقع في مواضع، أحدها ما دلت عليه جملة منها من وجوب الاستبراء على البائع و المشترى، مما لا خلاف فيه فيما أعلم و لا اشكال و المعتبر في الاستبراء عندهم هو ترك الوطي في القبل و الدبر، و احتمل بعض المحققين تخصيص الوطي بالقبل، و لا يخلو من قرب، فإنه هو المتبادر من الاخبار بحمل
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 171.
(2) الكافي ج 5 ص 472.
(3) الكافي ج 5 ص 472.
430
مطلقها على مقيدها، و لانه هو المناسب للاستبراء بالحيض، و الحكمة في الاستبراء، على أن إطلاق الاخبار انما يحمل على الفرد الشائع المتكرر، و هو انما يكون بالنسبة إلى القبل كما لا يخفى، الا أن الاحتياط في الوقوف على ما ذكره الأصحاب.
و كيف كان فلا يتعدى الاستبراء إلى باقي وجوه الاستمتاع، خلافا للشيخ في المبسوط على ما نقل عنه حيث حرم الجميع على المشترى حتى يستبرأها و يرده نولها في
صحيحة محمد بن إسماعيل الاتية قريبا إنشاء الله (تعالى) «قلت: يحل للمشتري ملامستها؟ قال: نعم، و لا يقرب فرجها».
و قوله (عليه السلام)
في رواية عبد الله بن سنان الاتية إنشاء الله تعالى أيضا «و لكن يجوز ذلك فيما دون الفرج».
و في رواية عبد الله بن محمد (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بالتفخيذ لها حتى تستبرئها و ان صبرت فهو خير لك».
و يؤيده أن العلة براءة الرحم و عدم اختلاط الأنساب، الا أنه لو لم يستبرئها البائع و نحوه، فالظاهر من كلام الأصحاب انه يأثم و يصح البيع و غيره من العقود لرجوع النهي إلى أمر خارج عن البيع، و الظاهر أنه لا كلام في وجوب تسليم البائع الجارية إلى المشتري لو لم يستبرئها لأن تركه الواجب عليه من استبرائها لا يوجب جواز حبس المال عن صاحبه.
و اما ما احتمله في المسالك- من بقاء وجوب الاستبراء قبله و لو بالوضع على يد عدل لوجوبه قبل البيع فيستصحب- فلا يخلو من ضعف لعدم حجية مثل هذا الاستصحاب المتثاقل في أمثال هذه المقامات، و اما إبقاؤها في يد البائع فلا يجب قطعا، لأنها صارت أجنبية منه بالبيع، و لو لم يستبرئها المشتري أثم و عزر مع العلم بالتحريم و يلحق به الولد، لانه فراش، و هل يسقط الاستبراء حينئذ؟ إشكال، ينشأ من انتفاء الفائدة فيه و الحكمة المطلوبة في المقام- لانه قد
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 178.
431
اختلط الماء ان، و ألحق به الولد الذي يمكن تجدده- و من إطلاق الأمر بالاستبراء في المدة، و هي باقية،
و في رواية عبد الله بن سنان (1) الاتية قريبا إنشاء الله تعالى «لان الذين يشترون الإماء ثم يأتونهن قبل أن يستبرؤهن فأولئك الزناة بأموالهم».
و ثانيها- أكثر الروايات المتقدمة على الاكتفاء بالحيضة الواحدة في الاستبراء و هو المشهور في كلامهم من غير خلاف يعرف، الا ان صحيحة سعد بن سعد الأشعري و كذا صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع دلنا على الحيضتين، و نسبة الحيضة الى علما العامة.
و الشيخ و من تبعه حملوها على الاستحباب، و استند الشيخ في الحمل المذكور إلى موثقة سماعة المتقدمة، و قوله (عليه السلام) فيها «فإن استبرأها بأخرى فلا بأس، هي بمنزلة فضل» و هو جيد، و لو لا اتفاق الأصحاب على الحكم المذكور و تظافر الاخبار به لأمكن حمل أخبار الحيضة على التقية كما يشعر به ظاهر الصحيحتين المذكورتين، و الاحتياط يقتضي العمل بهما.
و ثالثها- ما دلت عليه الاخبار المتقدمة- من أنه مع عدم الحيض فالاستبراء بخمسة و أربعين يوما- هو المشهور بين الأصحاب، و نقل في المختلف عن الشيخ المفيد أن الاستبراء بثلاثة أشهر و لم نقف على مستنده و رابعها ما دل عليه موثق سماعة المتقدم- و نحوه صحيح الحلبي المتقدم الاكتفاء بإتمام الحيضة عند انتقالها إليه حائضا- هو المشهور بين الأصحاب، و نقل عن ابن إدريس عدم الاكتفاء بذلك و هو مردود بالأخبار المذكورة.
و خامسها- ما تضمنه صحيح الحلبي و نحوه غيره- كرواية ابن ابى يعفور و رواية عبد الله بن عمرو مرسلة الفقيه و غيرها من جواز وطئ الصغيرة- لا يخلو من
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 282.
432
الاشكال، لظاهر الاتفاق نصا و فتوى على أنه لا يجوز الوطء قبل بلوغها، فان المراد من الصغيرة عند الإطلاق هي من لم يبلغ سنها تسع سنين الذي هو سن البلوغ، و لا يمكن الحمل على من تجاوز سنها التسع و لم تحض بناء على الغالب لان قوله في الصحيحة المذكورة «و ان كانت قد بلغت و لم تطمث» ما ينافي ذلك و يمكن توجيه الروايات المشار إليها و ان بعد بأنه لا بأس من حيث عدم الاستبراء و ان وجد البأس من جهة أخرى، و يحتمل أن يكون المراد أنها كانت صغيرة عند البائع، فلو وطأها البائع- و ان فعل محرما- كان في حال عدم البلوغ و أنها بلغت عند المشترى قبل الاستبراء فلا بأس حينئذ بأن يطأها المشتري بدون الاستبراء لعدم إمكان حملها من البائع، حيث أنها لم تكن بالغة يومئذ، و كونها بالغة عند وطئ المشترى، و ينبغي ان يحمل على ذلك كلام الأصحاب أيضا، حيث أنهم جعلوا من مسقطات الاستبراء ما إذا اشتراها صغيرة، حيث أنه مؤذن بجواز الوطي من غير استبراء، و لم أر من تنبه لما نبهنا عليه سوى المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد، و قد سبق لنا لهذا الإشكال في حواشينا على الوافي قبل تصنيف هذا الكتاب بما ذكرناه هنا، و قد وفق الله سبحانه للوقوف على كلام المحقق المذكور مؤيدا لما ذكرناه، حيث قال- بعد نقل صحيحة الحلبي و رواية ابن ابى يعفور دليلا لما ذكره الأصحاب من عدم وجوب الاستبراء على الصغيرة- ما لفظه:
و فيه تأمل لأنه يفهم منه تجويز الوقوع على غير البالغ، مع انه حرام قبل البلوغ عندهم، أو البالغ التي لم يتخوف عليها الحبل لصغرها من غير استبراء، و هو جائز، فلعل المراد عدم التحريم من جهة الاستبراء، أو الوقوع بعد البلوغ انتهى.
و الاحتمال الثاني الذي ذكره و ان تم في بعض الروايات المشار إليها، الا أنه لا يتم في صحيحة الحلبي لما ذكرناه من مقابلة الصغيرة بالبالغة، فإنه ظاهر في أن المراد بها قبل البلوغ.
و سادسها- ما تضمنه موثق سماعة و صحيح الحلبي بالنسبة إلى الجارية التي
433
لم تحض، من أن أمرها شديد- و أنه ان أتاها فلا ينزل حتى يستبين له حالها من كونها حبلى أم لا- لا يخلو من الإشكال، فإن قوله «لم تحض» اما أن يراد به الكناية عن كونها صغيرة لم تبلغ، و حينئذ فالحكم بجواز إتيانها و ان كان مع عدم الانزال خلاف الاخبار و كلام الأصحاب الصريح في عدم جواز الوطي في الصورة المذكورة، و ان أريد بها البالغة و ان لم تحض بالفعل فوجوب الاستبراء فيها مما اتفقت عليه الاخبار، و كلمة الأصحاب أيضا، فجواز جماعها على كل من الوجهين لا وجه له.
قال شيخنا المجلسي عطر الله مرقده في حواشيه على كتب الاخبار في خبر سماعة: يمكن حمله على أن عدم الإنزال كناية عن عدم الوطي في الفرج، و شدة أمرها باعتبار عسر الصبر في هذه المدة، و هو مؤيد لما ذهب إليه الأصحاب من جواز الاستمتاع بها فيما دون الفرج، و ذهب جماعة إلى المنع من الاستمتاع بها مطلقا. انتهى و لا يخفى بعده.
و قال والده في حواشيه له على هذا الخبر ايضا: قوله (عليه السلام) «أمرها شديد» أي في الاستبراء و عدم الوطي أو ترك الانزال، قوله «فإن أتاها» و ان كان حراما، أو يحمل على تقدير الاخبار أو كان ذلك على جهة الاستحباب، أو يحمل الإتيان على غير الفرج، اى الدبر و ترك الانزال، لإمكان الحمل بوطىء الدبر انتهى و هو كسابقه.
أقول
و قد روى ثقة الإسلام في الكافي عن ابى بصير- (1) و هو ليث المرادي في حديث- «انه قال لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يشتري الجارية الصغيرة التي لم تطمث و ليست بعذراء أ يستبرئها؟ قال: أمرها شديد إذا كان مثلها تعلق، فليستبرئها».
و رواه الشيخ في الصحيح مثله، و الظاهر من هذا الخبر انه اشترى الجارية بعد افتضاضها و زوال بكارتها، و لكن في ظنه انها لم تبلغ سيما مع عدم طمثها، فقال
____________
(1) الكافي ج 5 ص 475 التهذيب ج 8 ص 176.
434
(عليه السلام): ان هذه باعتبار عدم معلومية البلوغ و عدمه محل إشكال، و أمرها شديد، سيما إذا كان مثلها و من هو في قدر جثتها و صورتها يحصل له الحمل، فالواجب استبراؤها إذا كانت بهذه الكيفية، و حينئذ فيمكن حمل الخبرين المشار إليهما على من كانت كذلك، و قوله فيهما جارية «لم تحض» اى لم يعلم بلوغها بالحيض، و لكنها محتملة للبلوغ و عدمه بالسن، فأجاب (عليه السلام) بأن هذه من حيث احتمال البلوغ و عدمه أمرها شديد، الا انه حيث كان الأصل عدم البلوغ حتى يتحقق، فلا بأس لو جامعها، لكن الاحتياط في العزل عنها حتى يستبرئها، و في خبر ابى بصير إنما أمر بالاستبراء من حيث ان مثلها تعلق، فهو قرينة على احتمال البلوغ، و مرجح له و يعضده ما تقدم في
رواية منصور بن حازم من قوله «سألته عن عدة الأمة التي لم تبلغ المحيض و هو يخاف عليها؟ فقال: خمسة و أربعون ليلة»،.
و نحوها رواية ربيع بن القاسم، فإنهما ظاهرتان في عدم تحقق البلوغ، إلا أنهما محتملة له احتمالا قريبا حسبما ذكرناه في رواية أبي بصير المذكورة، و نحو هذه الروايات في ذلك مفهوم صحيحة الحلبي المتقدمة.
فرعان
الأول [ملكية الجارية في زمان الاستبراء]
- قال الشيخ في النهاية و الشيخ المفيد: إذا اشترى جارية و عزلها عند انسان للاستبراء كانت من مال البائع إذا هلكت في مدة الاستبراء ما لم يحدث المبتاع فيها حدثا، فإن أحدث كان تلفها منه.
و قال في المبسوط: و ان جعلت عند من يثق به جاز، فان هلكت فان كان المشترى قبضها ثم جعلت عند عدل فمن ضمان المشتري، لأن العدل و كيله، و لو سلمها البائع للعدل قبل قبض المشترى بطل البيع، و اختاره ابن إدريس قال العلامة في المختلف بعد نقل ذلك: و لا أرى بينهما تنافيا، فان كلام النهاية قد يحمل على هذا.
أقول حمل كلام النهاية على هذا تعسف ظاهر، فان كلامه ظاهر في ان المودع
435
للجارية انما هو المشترى، و مع هذا جعل هلاكها من البائع، و الحق في المسألة انما هو ما ذكره في المبسوط، و حمل كلامه في النهاية على ذلك مما لا يخفى بعده.
الثاني [النفقة مدة الاستبراء]
قال الشيخ في النهاية و المفيد و ابن حمزة: النفقة مدة الاستبراء على البائع، قال في المختلف: و ليس بجيد، لأنها ملك المشترى و النفقة تابعة للملك انتهى و هو جيد، و نقل عنه ايضا القول بما ذهب اليه الشيخان، قال في الدروس:
و النفقة على البائع مدة الاستبراء عند الشيخين، و الفاضل تارة يقول به بشرط الوضع عند عدل، و تارة يقول النفقة على المشترى، لأنها تابعة للملك. انتهى و هو ظاهر في اضطراب فتواه (قدس سره) في هذه المسألة.
الثالث [موارد سقوط الاستبراء]
- قد عرفت آنفا انه يسقط الاستبراء في مواضع تقدم ذكرها إجمالا، و الواجب ذكرها مفصلا و بيان القول فيها مشروحا، فمنها
الصغيرة
و قد تقدم ذكر الأخبار الدالة عليها و ما فيها من الاشكال، و الجواب عن ذلك بما رزق الله سبحانه فهمه في هذا المجال.
و منها اليائسة
و قد تقدمت في جملة من الاخبار المتقدمة
كصحيحة عبد الرحمن ابن أبى عبد الله (1) و قوله (عليه السلام) فيها «إذا قعدت عن المحيض أو لم تحض فلا عدة عليها».
و نحوها رواية عبد الله بن عمرو مرسلة الصدوق، الا انه قد تقدم أيضا ما يشعر بالعدة عليها و على الصغيرة، مثل
رواية عبد الرحمن بن أبى عبد الله (2) «في الجارية التي لم تحض أو قعدت عن الحيض كم عدتها؟ قال: خمسة و أربعون ليلة».
و حملها بعض الأصحاب على الاستحباب، و حملها الشيخ على التي يخاف عليها الحبل، و ظني أن ما قدمناه في تأويلها أقرب، و بالجملة فإن هذه الرواية على ظاهرها مخالفة للأصل و الشهرة بل الإجماع في الصغيرة و الروايات المتقدمة، مضافا الى ضعف سندها.
و منها ما لو أخبر البائع بالاستبراء مع كونه ثقة
، و هو المشهور خلافا
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 172.
(2) التهذيب ج 8 ص 172.
436
لابن إدريس، و تبعه فخر المحققين في شرح القواعد فأوجبا عليها الاستبراء، و الاخبار هنا لا يخلو من اختلاف.
و منها ما تقدم
في حسنة حفص بن البختري (1) من قوله (عليه السلام) «ان وثق به فلا بأس ان يطأها».
و ما تقدم
في صحيحة الحلبي أو حسنته «في رجل اشترى جارية و لم يكن صاحبها يطأها أ يستبرى رحمها؟ قال: نعم».
و هي محمولة على عدم الوثوق به.
و منها ما رواه
الشيخ عن ابن سنان (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الجارية و لم تحض؟ قال: يعتزلها شهرا ان كانت قد يئست، قلت:
أ فرأيت ان ابتاعها و هي طاهرة و زعم صاحبها انه لم يطأها منذ طهرت؟ قال: ان كان عندك أمينا فمسها، فقال: ان ذا الأمر شديد فان كنت لا بد فاعلا فتحفظ لا تنزل عليها،».
و ظاهر هذا الخبر لا يخلو من الاشكال، و حمله بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) على كونه أمينا بحسب الظاهر، و ما تقدم في رواية حفص على كونه ثقة بحسب المعاشرة، و لا بأس به، و اما الأمر باعتزالها شهر فلعله محمول على من تحيض في كل شهر، كذا ذكره بعض المحققين (3) و فيه ان الرواية صريحة في انها لم تحض فكيف تحمل على من تحيض في كل شهر.
و منها ما رواه
الشيخ عن ابى بصير (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يشتري الجارية و هي طاهرة و يزعم صاحبها انه لم يمسها منذ حاضت فقال:
ان ائتمنته فمسها».
و عد هذه الرواية في المسالك في الصحيح، مع ان الراوي عن ابى بصير و هو شعيب العقرقوفي هو قرينة يحيى بن القاسم الذي يعدون حديثه
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 173.
(2) التهذيب ج 8 ص 172.
(3) هو المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد. منه (رحمه الله).
(4) التهذيب ج 8 ص 173.
437
في الضعيف.
و عن محمد بن حكيم (1) عن العبد الصالح (عليه السلام) «قال إذا اشتريت جارية فضمن لك مولاها انها على طهر فلا بأس ان تقع عليها»،.
و يجب تقييد إطلاقها بما دل على اعتبار الوثاقة و الامانة، جمعا بينها و بين صحيحة الحلبي الناصة على الاستبراء مطلقا.
و روى الشيخ المفيد في المقنعة مرسلا قال: «و روى أنه لا بأس أن يطأ الجارية من غير استبراء لها إذا كان بائعها قد أخبره باستبرائها، و كان صادقا في ظاهره مأمونا».
و عن محمد بن إسماعيل (2) في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجارية تشترى من رجل مسلم يزعم انه قد استبرأها أ يجزي ذلك أم لا بد من استبرائها؟ قال: أستبرئها بحيضتين، قلت: يحل للمشتري ملامستها؟ قال: نعم و لا يقرب فرجها».
و قد عرفت الكلام في مثلها.
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن عبد الله بن سنان (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشترى الجارية من الرجل المأمون فيخبرني أنه لم يمسها منذ طمثت عنده و طهرت قال: ليس بجائز أن تأتيها حتى تستبرأها بحيضة، و لكن يجوز ذلك ما دون الفرج ان الذين يشترون الإماء ثم يأتونهن قبل أن يستبرؤهن فأولئك الزناة بأموالهم».
و حملها الأصحاب على الاستحباب جمعا و لا بأس به.
و اعلم أن جملة من الأصحاب قد عبروا هنا بالثقة كالمحقق في كتابيه و غيره، قال في المسالك: انما عبروا بالثقة لوروده في النصوص المذكورة في هذه الباب، و الظاهر أن المراد بالثقة العدل، لأنه الثقة شرعا، و به صرح في النافع
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 173.
(2) التهذيب ج 8 ص 173.
(3) الفقيه ج 3 ص 282 التهذيب ج 8 ص 212.
438
مع احتمال الاكتفاء بمن تسكن النفس اليه و تثق بخبره. انتهى ملخصا.
و فيه أولا أن ما ذكره من ورود لفظ الثقة في النصوص ليس في محله، و هذه نصوص المسألة كما تلوناها خالية من ذلك، نعم ذلك في عبارة كتاب الفقه الرضوي الاتية إنشاء الله تعالى، و لكن الكتاب غير مشهور عندهم، و ثانيا ان تفسير الثقة بالعدل شرعا كما ذكره، فيه ما ذكره بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين من أن هذا اصطلاح طار منهم (رضوان الله عليهم) غير موجود في زمنهم (عليهم السلام) و بذلك يظهر أن الأظهر في معناه انما هو ما جعله احتمالا في المقام، كما صرح به جملة من متأخري علمائنا الاعلام، و هو المفهوم من أخبار المسألة سيما مرسلة المقنعة.
و منها ما لو كانت لامرأة
على المشهور، و خالف فيه ابن إدريس و تبعه فخر المحققين أيضا، و يدل على المشهور مضافا الى الأصل جملة من الاخبار منها ما رواه
الشيخ في الصحيح عن حفص (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) «في الأمة تكون للمرأة فتبيعها؟ قال: لا بأس ان يطأها من غير ان يستبرئها».
و عن رفاعة (2) في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الأمة تكون لامرأة فتبيعها؟ قال: لا بأس أن يطأها من غير أن يستبرأها».
و ما رواه
عن زرارة (3) في الموثق قال: «اشتريت جارية بالبصرة من امرأة فخبرتني أنه لم يطأها أحد، فوقعت عليها و لم أستبرئها فسألت عن ذلك أبا جعفر (عليه السلام) فقال: هو ذا انا قد فعلت ذلك و ما أريد أن أعود».
أقول: و من هذه الرواية يستفاد استحباب الاستبراء في هذه الصورة.
و منها الحامل
على خلاف في ذلك يأتي ذكره في المسألة الاتية إنشاء الله تعالى.
و منها الحائض
و قد تقدم ما يدل عليه في صحيح الحلبي و موثق سماعة الدالان
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 174.
(2) التهذيب ج 8 ص 174.
(3) التهذيب ج 8 ص 174.
439
على انتقالها اليه حال الحيض، و أنه يكفى في صحة وطئها إتمام الحيضة و طهرها من الحيض، و التقريب فيهما ان التوقف على الطهر انما هو من حيث تحريم الوطي في حال الحيض، لا من حيث الاستبراء، و وجوب العدة بل الاستبراء و العدة هنا ساقطة، و قد تقدم نقل الخلاف عن ابن إدريس في ذلك، و لا وجه له كما عرفت هذا ما حضرني من المواضع المنصوصة.
بقي الكلام هنا في مواضع أخر منها- امة العنين و المجبوب و الصغير الذي لا يمكن في حقه الوطي هل تلحق بأمة المرأة في عدم الاستبراء أم لا؟ ظاهر المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد الأول، و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الثاني، و لا بأس بنقل كلاميهما في المقام و ان طال به زمام الكلام، لما فيه من مزيد الفائدة لذوي الأفهام.
قال في المسالك بعد ذكر حكم امة المرأة و هل يلحق به امة العنين و المجبوب و الصغير الذي لا يمكن في حقه الوطي نظر، من المشاركة فيما ظن انه علة للحكم، و هو الا من من الوطي، و من انه قياس و المناسب للأصول الشرعية عدم الإلحاق، و ليس من مواضع الاشكال ما لو باعتها المرأة لرجل في المجلس فباعها حينئذ، بل لا يجب الاستبراء هنا قطعا، للعلم بعدم وطئ البائع، و قد يحتال لسقوط الاستبراء ببيعها لامرأة ثم شراؤها منها، لاندارجها حينئذ في أمة المرأة نظر الى إطلاق النص من غير تعليل، و كذا لو باعها لرجل ثم اشتراها منه قبل وطيه لها، حيث يجوز ذلك. انتهى.
و قال المحقق المشار اليه: و اعلم ان الظاهر عدم الاستبراء في أمة الطفل على الولي البائع، و لا على المشترى، و كذا امة المجبوب و العنين، و لا على التي علم عدم الوطء بيقين، مثل ان يملك رجل في مجلس امة لا يجب استبراؤها، لكونها ملك امراة ثم باعها في الحال، فإنه لا استبراء عليه، و لا على المشترى الذي يعلم ذلك مثلا، أو ان يكون بعيدا عنها بحيث لا يمكن الوصول إليها، أو قريبا و لكن
440
كان مع المشترى و لم تفارقه زمانا يمكن الوصول إليها، و غير ذلك.
و دليله الأصل مع عدم دليل صحيح على الوجوب، فإن عمدة أدلة وجوب الاستبراء على البائع هو الإجماع، مستندا الى بعض الاخبار، و لا إجماع في أمثال ذلك على ما يظهر، للأصل، و الخبر ليس بحيث يشمل هذه الصور، لا عموما و لا خصوصا، و لان المفهوم من الروايات المتقدمات و عبارات الأصحاب ان ما لم يطأ و لا يتخوف من الحبل لا يجب الاستبراء، و لهذا قيد وجوبه على البائع بالوطء على المشترى باحتماله في الروايات، مثل موثقة عمار الساباطي، ثم نقل الرواية كما قدمناه.
ثم قال: و يؤيده عدم الاستبراء في أمة المرأة و الفرض انتفاء الوطي و الحبل فيما صورناه، فليس الحكم فيما ذكرناه ملحقا بحكم أمة المرأة للاشتراك في عدم الوطي فيكون قياسا، بل مقتضى أصول الشريعة عدمه، كما قال في شرح الشرائع:
على انه مسلم ان الصورة الأخيرة ليست بمحل الإشكال، فإنه لا استبراء فيها من غير اشكال، ثم إذا نظر الى ما ذكرناه يظهر أن الحيلة ببيع الأمة التي يجب استبراؤها على امراة ثم الاشتراء منه لا تنفع، و لا تسقط وجوب الاستبراء عن المشتري، فتأمل و احفظ و هو حسن في الكل حتى فيما ذكرناه، فإنه فرج موصى بالاحتياط فيه في الرواية. انتهى.
و هو جيد سيما في رده عليه في سقوط الحيلة التي ذكرها في الصورتين المذكورتين في كلامه، فإنها حيلة باطلة، و كأنها مبنية على ما هو المشهور بينهم من الحيلة في إسقاط العدة عن البائنة، متعة كانت أو دائمة مختلعة أو مطلقة ثلاث، قالوا انها لو تزوجها الزوج الأول و تمتع بها ثم فارقها بغير دخول، فإنه لا عدة عليها لا بالنسبة إلى الزوج المذكور و لا غيره، و يجوز لها التزويج بعد مفارقته لها ثانية بشخص آخر غيره، لكونها غير مدخول بها، و فيه ان سقوط العدة الأولى عنها في هذه الصور انما هو بالنسبة إلى الزوج، فإنه يجوز له التزويج بها، و هذا الطلاق الثاني الواقع قبل الدخول و ان لم يترتب عليه العدة اتفاقا، لكن الكلام في العدة الأولى، فإنها واجبة بالنص آية
441
و رواية، و الإجماع، و غاية ما يستفاد سقوطها بالنسبة إلى الزوج، فيجوز له العقد عليها لعدم وجوب الاستبراء من مائه، و طلاقه لها بعد العقد المجرد عن الدخول لا يؤثر في سقوط تلك العدة، و هكذا القول فيما نحن فيه، فإنه لو باع رجل جارية قد وطأها من غير استبراء على رجل آخر أو امرأة ثم باعها الرجل أو المرأة على شخص آخر فان وجوب الاستبراء من ماء البائع الأول باق بأدلة المتقدمة، الدالة على حكمة الاستبراء، و خوف الحبل، و لا دليل على سقوطها بهذا البيع الثاني من امرأة أو رجل، فالواجب على هذا المشتري الثاني استبراؤها البتة.
و مما يؤيد ما ذكره المحقق المذكور ما وقفت عليه في كتاب الفقه الرضوي حيث قال: (عليه السلام) في عد وجوه النكاح الثالث نكاح ملك اليمين، و أن يبتاع الرجل الأمة فحلال نكاحها إذا كانت مستبرئة، و الاستبراء حيضة، و هو على البائع، فإن كان البائع ثقة، و ذكر أنه استبرأها جاز نكاحها من وقتها، و ان لم يكن ثقة استبرأها المشتري بحيضة، و ان كانت بكرا أو لامرأة أو ممن لم تبلغ حد الإدراك استغنى عن ذلك انتهى.
و هو صريح في عدم وجوب الاستبراء في أمة الصغير، و المجبوب و العنين في معناه كما لا يخفى، بالتقريب الذي ذكره المحقق المذكور، و فيه زيادة على ما تقدم كون الجارية بكرا و هو جيد، كما لا يخفى.
المسألة الثامنة [في أحكام وطئ الحامل]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) لاختلاف الاخبار في وطئ الحامل، فذهب الشيخ في النهاية إلى انه لا يجوز الا بعد وضع الحمل، أو مضى أربعة أشهر و عشرة أيام، فإن أراد وطأها قبل ذلك وطأها فيما دون الفرج.
و قال الشيخ المفيد: انه لا يجوز له وطؤها حتى تمضى لها أربعة أشهر، فإذا مضى عليها أربعة أشهر وطأها ان أحب دون الفرج، فإن وطأها فيه فليعزل عنها، و اجتناب وطؤها أحوط حتى تضع ما في بطنها، فإن وطأها قبل مضي الأربعة الأشهر
442
أو بعد ذلك و لم يعزل عنها لم يحل له بيع الولد، لانه قد غذاه و انما بنطفته، و ينبغي ان يجعل له من ماله بعد وفاته قسطا و يعوله في حياته، و لا ينسب إليه بالبنوة.
و قال أبو الصلاح: انه لا يحل حتى تمضي له أربعة أشهر دون الفرج، و فيه يشترط عزل الماء، و اجتنابها حتى تضع أحوط، و إذا وطأ لم يحل له بيع ولدها، و لا الاعتراف به ولدا و لكن يجعل له قسطا من ماله، لانه غذاه بنطفته، و اقتصر سلار على الأربعة أشهر أيضا.
و قال ابن إدريس: و متى اشترى جارية حاملا كره له وطؤها في القبل، دون ان يكون ذلك محضورا على الأظهر من أقوال أصحابنا، و هو الذي يقتضيه أصول المذهب سواه مضى لها أربعة أشهر، أو أقل منها، و شيخنا رجع في مسائل خلافه عما ذكره في نهايته، فقال: مسألة إذا اشترى امة حاملا كره له وطؤها قبل ان تمضى لها أربعة أشهر، فإذا مضى لها ذلك لم يكره له وطؤها حتى تضع، و قال الشافعي و غيره لا يجوز لها وطؤها في الفرج، دليلنا إجماع الفرقة، و الأصل الإباحة، و عدم المانع، ثم قال ابن إدريس: دليلنا نحن على صحة ما اخترناه قوله تعالى (1) «أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» فأباحنا تعالى وطؤ ما ملكت ايماننا بمجرد الملكية، و الآية عامة، فمن خصصها يحتاج الى دليل، و الأصل الإباحة، و لا مانع من ذلك من كتاب و لا سنة مقطوع بها، أو إجماع.
أقول و بما ذكره الشيخ في الخلاف من القول بالكراهة صرح في كتابي الاخبار ايضا و قال في المختلف: و المعتمد ان نقول ان كان الوطؤ عن زنا كره له وطؤها قبل مضى أربعة أشهر و عشرة أيام من غير تحريم» و ان كان حلالا أو بشبهة حرام وطؤها حتى تضع، و ذهب المحقق في الشرائع إلى تحريم وطئها قبلا قبل ان يمضي لحملها أربعة أشهر و عشرة أيام، و الكراهة بعده، و رجحه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و الروضة، و هو مذهب العلامة في الإرشاد.
____________
(1) سورة النساء الآية- 4.
443
إذا عرفت ذلك فاعلم ان عد الحامل في جملة من يسقط استبراءه كما تقدم، انما يتجه على تقدير القول بكراهة الوطء كما هو مذهب الشيخ في الخلاف و كتابي الاخبار، و ابن إدريس على تقدير كون الحمل من الزنا، كما ذهب إليه في المختلف، أو بعد مضى الأربعة أشهر و العشرة الأيام، و الواجب بسط ما وصل إلينا من أخبار المسألة المذكورة، ثم الكلام فيها بما رزق الله سبحانه فهمه منها، مستمدين منه جل شأنه التوفيق إلى هداية سواء الطريق.
فمن الاخبار المشار إليها ما رواه
في الكافي. عن محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: في الوليدة يشتريها الرجل و هي حبلى؟ قال: لا يقربها حتى تضع ولدها».
و عن رفاعة بن موسى (2) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الأمة الحبلى يشتريها الرجل فقال: سئل عن ذلك أبى (عليه السلام) فقال: أحلتها آية، و حرمتها آية أخرى، فأنا ناه عنها نفسي و ولدي، فقال الرجل أنا أرجو أن انتهى إذا نهيت نفسك و ولدك».
أقول: الظاهر أن الآية المحللة هي ما استدل بها ابن إدريس من قوله «أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» (3) و الآية المحرمة قوله سبحانه (4) «وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن أبى بصير (5) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل يشتري الجارية و هي حامل ما يحل له منها؟ قال: ما دون الفرج» الحديث.
و ما رواه
في الكافي عن زرارة (6) في الموثق قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 475.
(2) الكافي ج 5 ص 474.
(3) سورة النساء الآية 3.
(4) سورة الطلاق الآية- 4.
(5) الكافي ج 5 ص 475.
(6) الكافي ج 5 ص 475.
444
عن الجارية الحلبي يشتريها الرجل فيصيب منها دون الفرج؟ فقال: لا بأس، قلت فيصيب منها في ذلك؟ قال: تريد تغره».
قال بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم) في حاشية له على هذا الخبر في معنى قوله «تغره»: أى تصير المشترى مغرورا بجواز الوطء و يحصل الولد، و لا يعلم أنه من أيهما، أو يغذيه بنطفته فيكون عليه ما ورد في بعض الاخبار من أن يوصى له، و يعتقه و غير ذلك انتهى، و المعنى الثاني أقرب.
و ما رواه
في التهذيب عن إسحاق بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجارية يشتريها الرجل و هي حبلى أ يقع عليها؟ قال: لا».
و عن مسعدة بن زياد (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) يحرم من الإماء عشرة: لا يجمع بين الام و البنت و لا بين الأختين، و لا أمتك و هي حامل من غيرك حتى تضع» الحديث.
و عن مسمع كردين (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): عشرة لا يحل نكاحهن و لا غشيانهن، أمتك أمها أمتك، الى ان قال:
و أمتك و قد وطئت حتى تستبرئ بحيضة، و أمتك و هي حبلى من غيرك» الحديث.
و ما رواه
في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) عن الحسن بن عبد الله ابن محمد الرازي (4) عن أبيه «عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن وطء الحبالى حتى يضعن».
و ما رواه
في قرب الاسناد عن إبراهيم بن عبد الحميد (5) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يشتري الجارية و هي حبلى أ يطأها قال: لا يقربها».
و عن إبراهيم بن عبد الحميد (6) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام)
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 176.
(2) التهذيب ج 8 ص 198.
(3) التهذيب ج 8 ص 198.
(4) الوسائل الباب- 8 و 5- من أبواب نكاح العبيد.
(5) الوسائل الباب- 8 و 5- من أبواب نكاح العبيد.
(6) الوسائل الباب- 8 و 5- من أبواب نكاح العبيد.
445
عن الرجل يشتري الجارية و هي حبلى أ يطأها؟ قال: لا، قلت: فدون الفرج قال لا يقربها».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن رفاعة (1) في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) فقلت: أشترى الجارية فيمكث عندي الأشهر لا تطمث و ليس ذلك من كبر فأريها النساء فيقلن: ليس بها حبل، فلي أن أنكحها في فرجها؟
فقال: ان الطمث قد تحبسه الريح من غير حبل فلا بأس أن تمسها في الفرج، قلت:
و ان كانت حبلى فما لي منها ان أردت؟ قال: لك ما دون الفرج».
هكذا في رواية الكافي، و زاد في التهذيب «الى أن تبلغ في حبلها أربعة أشهر و عشرة أيام، و إذا جاز حملها أربعة أشهر و عشرة أيام فلا بأس بنكاحها في الفرج، قلت: ان المغيرة و أصحابه يقولون: لا ينبغي للرجل ان ينكح امرأة و هي حامل قد استبان حملها حتى تضع فيغذو ولده، فقال: هذا من أفعال اليهود».
و رواه في الفقيه مرسلا الى قوله «فلا بأس ان يمسها في الفرج».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن إسحاق بن عمار (2) في الموثق قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية حاملا و قد استبان حملها فوطئها قال: بئس ما صنع قلت: فما تقول فيه؟ قال: اعزل عنها أم لا؟ فقلت: أجنبي في الوجهين، قال: ان كان عزل عنها فليتق الله و لا يعود، و ان كان لم يعزل عنها فلا يبيع ذلك الولد، و لا يورثه و لكن يعتقد و يجعل له شيئا من ماله يعيش به، فإنه قد غذاه بنطفته».
و ما رواه
في التهذيب عن السكوني (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 475 التهذيب ج 7 ص 469.
(2) الكافي ج 5 ص 487 الفقيه ج 3 ص 284 التهذيب ج 8 ص 179.
(3) التهذيب ج 8 ص 179.
446
«ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) دخل على رجل من الأنصار و إذا وليدة عظيمة البطن تختلف، فسأل عنها؟ فقال: اشتريتها يا رسول الله و بها هذا الحبل، قال:
أ قربتها؟ قال: نعم، قال: أعتق ما في بطنها، قال: يا رسول الله و بما استحق العتق؟
قال: لان نطفتك غذت سمعه و بصره و لحمه و دمه».
و عن غياث بن إبراهيم (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه قال: من جامع امة حبلى من غيره فعليه ان يعتق ولدها و لا يسترق، لانه شارك في إتمام الولد».
و ما رواه
في الفقيه عن الصيقل (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: و سئل عن رجل اشترى جارية ثم وقع عليها قبل ان يستبرئ رحمها قال: بئسما صنع، يستغفر الله و لا يعود، قلت: فإنه باعها من آخر و لم يستبرئ رحمها، ثم باعها الثاني من رجل آخر فوقع عليها و لم يستبرئ رحمها، فاستبان حملها عند الثالث، فقال: أبو عبد الله (عليه السلام): الولد للفراش و للعاهر الحجر».
هذا ما حضرني الان من أخبار المسألة المذكورة و أنت خبير بأن جملة منها قد دلت على النهى عن وطئها مطلقا، و جملة حتى تضع ولدها، و الأول منها مقيد بالثاني فيرجعان إلى أمر واحد، و أكثر أخبار المسألة من هذا القبيل.
و بعض إذا جاز حملها أربعة أشهر و عشرة أيام و هو صحيحة رفاعة خاصة برواية الشيخ في التهذيب كما تقدم ذكره، فظاهر الشيخ في النهاية القول بالتحريم كما هو ظاهر الاخبار كلا، و التخيير في الغاية بين وضع الحمل، أو مضى أربعة أشهر و عشرة أيام، جمعا بين ما دل على الغايتين بالتخير، و اليه يرجع قول الشيخ المفيد و من وافقه.
و ظاهر العلامة في المختلف القول بالتحريم الى وضع الحمل إذا كان الوطؤ حلالا أو شبهة، و اما لو كان زنى فإنه لا يحرم، بل يجوز على كراهة، و ظاهره
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 179.
(2) الفقيه ج 3 ص 285 التهذيب ج 8 ص 168.
447
حمل رواية الأشهر على الزنا، و ان النهى فيها على جهة الكراهة، و سيأتي إنشاء الله تعالى- ما فيه.
و المحقق و من تبعه أخذوا بظاهر الروايات المذكورة، و حكموا بالتحريم قبل مضى الأربعة الأشهر، لاتفاق الاخبار على ذلك، و انما اختلفت فيما بعد المدة المذكورة، من كون الغاية هي المدة المذكورة أو وضع الحمل، فجمعوا بينها بحمل النهي فيما زاد على المدة المذكورة على الكراهة.
قال في المسالك: و المصنف رحمة الله عليه أطلق الحكم بالتحريم قبل الأربعة و العشرة، و الكراهة بعدها و هو أوضح وجوه الجمع اما الإطلاق بحيث يشمل الجميع، فلإطلاق النص الشامل لها، و اما الحكم بالتحريم قبل المدة المذكورة فلاتفاق الاخبار اجمع عليه، و الأصل في النهي التحريم، و اما بعدها فقد تعارضت الاخبار، فيجب الجمع بينها و حمل النهي حينئذ على الكراهة- لتصريح بعضها بنفي البأس- طريق واضح في ذلك. انتهى.
و اما ما ذكره ابن إدريس و نقله عن الشيخ في الخلاف من القول بالكراهة فلا اعرف له وجها بعد ما عرفت من هذه الاخبار التي ذكرناها، و ما ذكره من الاستدلال بالآية، و ان تخصيصها يحتاج الى دليل، فالدليل كما عرفت واضح، و منارة لائح، و اى دليل يراد بعد هذه الاخبار المستفيضة الصريحة في التحريم المتفقة عليه، و انما اختلفت بالنسبة إلى غايته من انها الوضع، أو مضى الأشهر المذكورة كما سمعت، و لكنه لعدم مراجعته الاخبار حق المراجعة معذور فيما ذكره، و ان كان غير معذور شرعا.
و الذي يقرب عندي من صحيحة رفاعة بن موسى الاولى و عدم جواب أبيه (عليه السلام) صريحا- بعد سؤال السائل عن الأمة الحبلى، و عدوله في الجواب الى ما ذكره،- ان هذه التعمية إنما خرجت مخرج التقية، و الظاهران المخالفين
448
قائلون بجواز الوطي فلم يصرح بالمنع و التحريم، كما استفاضت به أخبار المسألة، و عدل الى هذا الجواب المعمى، و جعل التحريم و المنع على جهة الاحتياط لتعارض الآيتين المتقدمتين، و أنت خبير بأنه بالنظر الى ما سردناه من الاخبار يجب تخصيص آية «الملك» بآية «وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ» لاستفاضة الاخبار و اتفاقها كما عرفت على التحريم، و انما اختلفت في الغاية.
و بالجملة فالقول بالتحريم مما لا يعتريه شبهة الإشكال في هذا المجال، و انما الكلام في الغاية، من أنها الوضع، أو مضى الأشهر المذكورة، و الأول أظهر دليلا لتأيد أخباره بالآية المشار إليها في صحيح رفاعة، و هي آية «وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ» فإن ظاهر الخبر عمومها للحرة و الأمة، و احتمال آية غيرها في الخبر بعيد، و التي صرح به جملة من الأصحاب في معنى الخبر المذكور انما هو هذه الآية، و تأيده كذا أيضا بالأخبار المطلقة، و هي جل الأخبار المسألة، و الجمع بين الاخبار بالكراهة و ان اشتهر بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) إلا انك قد عرفت ما فيه في غير موضع مما تقدم.
و كيف كان فالاحتياط يقتضي الوقوف على جعل الغاية وضع الحمل، كما ذكره العلامة في المختلف و ان خصه بالحمل من غير الزنا.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن من الأصحاب من جمع بين الاخبار بحمل النهى المغيا بالوضع على الحامل من حل أو شبهة أو مجهولا، و المغيا بالأربعة الأشهر و العشرة على الحامل من الزنا، و منهم من ألحق المجهول بالزنا في هذه، و منهم من أسقط اعتبار الزنا، و جعل التحريم بالغايتين لغيره.
أقول: و الأول من هذه الوجوه هو ظاهر العلامة في المختلف، الا انه حمل النهي في هذه الصورة على الكراهة، لما اشتهر في كلامهم من ان ماء الزنا لا حرمة له شرعا (1) قال في المسالك: نعم ينبغي في الحمل من الزنا- لان المعهود من الشارع
____________
(1) قال في الدروس: و استبراء الحامل بوضع الحمل الا أن يكون عن زنا، فلا حرمة له، و المشهور أن يستبرأها الشهر و عشرة أيام وجوبا عن القبل لا غير و أن الوطأ بعده مكروه الى أن يضع، فيعزل و ان انزل كره بيع الولد، انتهى، و فيه دلالة على اختياره بما نقلناه عن العلامة في المختلف من ان الغاية وضع الحمل الا من الزنا، و جعل الغاية المذكورة نسبته الى المشهور بعد فتواه بالأول، و فيه تصريح باختصاص التحريم بالقبل كما اخترناه. منه (رحمه الله).
449
إلغاء اعتباره من العدة و الاستبراء في غير محل النزاع، فلو قيل بالجواز فيه مطلقا كان حسنا، انتهى.
و فيه أولا أنه لا إيناس في صحيحة رفاعة المشتملة على التحديد بالأشهر بكون ذلك زنا، فضلا عن الدلالة، و لا في غيرها من روايات المسألة، و ثانيا أن ما ادعوه من عدم وجوب العدة و الاستبراء على الزانية- و هو السبب في حملهم الرواية المذكورة على ذلك- ممنوع بما دل على ذلك من الاخبار الدالة على خلاف ما ذكروه و منها ما رواه
في الكافي عن إسحاق بن جرير (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له الرجل يفجر بالمرأة ثم يبدو له في تزويجها هل يحل له ذلك؟ قال:
نعم إذا هو اجتنبها حتى تنقضي عدتها باستبراء رحمها من ماء الفجور فله ان يتزوجها، و انما يجوز له تزويجها بعد أن يقف على توبتها».
و ما رواه
الحسن بن على بن شعبة (2) في كتاب تحف العقول عن أبى جعفر الجواد (عليه السلام) أنه سئل عن رجل نكح امرأة على زنا أ يحل له أن يتزوجها؟
فقال: يدعها حتى يستبرأها من نطفته و نطفة غيره، إذ لا يؤمن منها أن يكون قد أحدثت مع غيره حدثا كما أحدثت معه؟ ثم يتزوج بها إذا أراد، فإنما مثلها مثل نخلة، أكل
____________
(1) الكافي ج 5 ص 356.
(2) تحف العقول ل 338 المطبوع في النجف الأشرف سنة 1394. ه.
450
رجل منها حراما ثم اشتراها فأكل منها حلالا»،.
و يؤيده قولهم (عليهم السلام) في عدة من الاخبار إذا أدخلها فقد وجبت العدة و الغسل و المهر و الرجم، و قولهم (عليهم السلام) ان العدة من الماء.
و بذلك يظهر ما في كلام شيخنا المتقدم ذكره، من أن المعهود من الشارع إلغاء اعتباره من العدة، فإنه مبنى على ما تكاثر من الاخبار من إطلاق جواز التزويج بالزانية، الا أنه بعد ورود هذه الروايات يجب تقييد الإطلاق المذكور بها.
ثم ان موثقة إسحاق بن عمار و روايتي السكوني و غياث قد اشتركت في الدلالة على الأمر بعتق الولد متى أنزل عليها و هي حامل بعد شرائها، و ظاهرها الوجوب، و يشير اليه قوله في رواية غياث، «فعليه» و يؤكده النهي عن بيعه في موثقة إسحاق الذي هو حقيقة في التحريم.
و الموجود في كلام الأصحاب الحكم بالاستحباب، و لا أعرف له وجها بعد اتفاق الاخبار عليه مع عدم المعارض في المقام، سوى إطلاق ما دل على تملكه مع أمه بالشراء، و الواجب تخصيصه بهذه الاخبار، و الظاهر انهم انما صاروا الى الاستحباب لضعف الاخبار، كما يشير اليه كلام المحقق الأردبيلي حيث اعترف بدلالة روايتي السكوني على وجوب العتق، قال: فتحمل على الاستحباب لعدم الصحة للجمع، و فيه ما عرفت في غير موضع مما تقدم.
و بالجملة فإن من لا يرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث، فإنه لا يرتاب في وجوب العتق لما ذكرنا، و كذلك ما دلت عليه موثقة إسحاق من انه يجعل له شيئا من ماله يعيش به، فالظاهر حمله على الوجوب، و ان كان الموجود في كلامهم هو الاستحباب.
و ظاهر الأصحاب هو كون هذا الحكم وجوبا أو استحبابا مترتبا على الجماع بعد تحقق الحمل، أعم من ان يكون قبل الأشهر المذكورة أو بعدها ما لم تضع،
451
و ظاهر موثقة إسحاق بن عمار كون الجماع وقع بعد الشراء، و ان الحكم بما ذكرنا انما يترتب على ذلك، الا أن روايتي السكوني و غياث مطلقتان في ذلك، فيحتمل تقييدهما بالموثقة المذكورة، و تخصيص الحكم بما قبل الأشهر المذكورة، و لكن ظاهر التعليل بالتغذية يعطى الوقوف على ما ذكره الأصحاب، (رضوان الله عليهم) و الله العالم.
ثم ان من جملة الأصحاب من أطلق المنع من الوطي هنا فيما يشمل القبل و الدبر، و بعضها خصه بالقبل كما تقدم نقله عن المحقق في الشرائع، و به جزم في الدروس، قال في المسالك: و تخصيص المصنف الوطي بالقبل هو الظاهر من النصوص، فإن النهي فيها معلق على الفرج، و الظاهر منه ارادة القبل و في رواية أبي بصير «له منها ما دون الفرج» و ربما قيل بإلحاق الدبر به، بدعوى صدق اسم الفرج عليها، و بأن في بعض الاخبار «فلا يقربها حتى تضع» الشامل للدبر، و غيرهما خارج بدليل آخر، و هو أولى. انتهى.
أقول لا يخفى ان الروايات المتقدمة قد تضمنت كلا الأمرين المذكورين، و لكن إطلاق الاخبار انما يحمل على الافراد الشائعة المتكثرة، دون الفروض النادرة كما تقرر في كلامهم، و الشائع المتبادر من الإطلاق انما هو القبل، و يؤكده الروايات الدالة على انه مع إتيانها حال الحمل فإنه يعتق الولد، لأنه غذاه بنطفته، و شارك فيه، و هذا لا يمكن فرضه في الجماع في الدبر، كما هو ظاهر، و الاحتياط يقتضي المنع من الجميع بل الملاعبة و نحوها كما تقدم في الاخبار. و الله العالم (1).
____________
(1) قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد: و الظاهر ان الدبر كالقبل كما في صحيحة محمد بن قيس لا يقربها، و كذا رواية إبراهيم، و في رواية إسحاق لا يقع عليها، و لا يبعد شمول السؤال حينئذ لها و هو في الروايات، و يؤيده التحريم مطلقا في غير الاستبراء، و قد مر فتأمل- انتهى و فيه ما عرفت في الأصل. منه (رحمه الله).
452
المسألة التاسعة- لو اشترى جارية و أولدها ثم ظهر أنها مستحقة لغير البائع
، فإنه يجب عليه ردها الى مالكها، و قد صرح جملة من الأصحاب بأنه يغرم عشر قيمتها- ان كانت بكرا و أزال بكارتها- أرش البكارة، و نصف العشر ان كانت ثيبا للدخول بها، و هو المشهور، و قيل مهر أمثالها و الولد حر، و على أبيه أن يغرم قيمته لسيد الجارية يوم سقوطه حيا، إذ لا قيمة له قبل ذلك و بعده، فإنه حر ليس لسيد الجارية عليه سبيل، الا انه لما كان نماء ملكه و قد فوته المشترى، فعليه ان يغرم له قيمته، ثم ان المشترى بعد ذلك يرجع بالقيمة على البائع الذي غره، و يرجع أيضا بقيمة الولد، و هل ترجع بما حصل له في مقابلته نفع مثل ما دفع الى السيد من العشر أو نصفه، إذ المهر على القول به في مقابلة الانتفاع بالبضع، و كأجرة الخدمة، قولان، فقيل: نعم، لأن البائع أباحه بغير عوض، و غره بالانتفاع بمجرد دفع الثمن، و لو علم ان له عوضا لم ينتفع به، فلو لم يرجع يلزم الظلم و الغرم عليه، مع كونه جاهلا من جهة البائع الغاصب الذي خدعه، و قيل: لا يرجع، نظرا الى ما حصل له من الانتفاع في مقابلة ذلك، فيلزم من رجوعه الجمع بين العوض و المعوض، فيحصل الظلم على البائع، هذا كله إذا كان جاهلا كما هو المفروض أولا، فلو كان عالما بأنها مستحقة للغير فالولد رق للمالك، و الواطئ زان يلزمه العقر، و لا يرجع به و لا بغيره مما اغترمه (1) و الظاهر كما هو أحد القولين هو انه لا فرق في ثبوت العقر بالوطء
____________
(1) أقول ظاهر شيخنا الشهيد في اللمعة و شيخنا الشهيد الثاني في شرحها أنه يرجع المالك على المشترى عالما أو جاهلا بالعين، و فيها المستوفاة منها لو فاتت تحت يده، ثم ان المشترى يرجع بذلك على البائع، لما تقرر من رجوع المشترى الجاهل بفساد البيع على البائع بجميع ما يغرمه، و لم ينقل خلافا في ذلك، مع أن المسألة محل خلاف في كلامهم كما أشرنا إليه في الأصل. منه (رحمه الله).
453
للمالك، بين علم الأمة بعدم صحة البيع و جهلها، لان ذلك حق لمولاها.
و قال في الدروس: أنه لا يرجع عليه بالمهر الا مع الإكراه، استنادا إلى أنه لا مهر لبغي، و فيه ما عرفت من أن المهر انما هو حق للمالك، و الخبر المذكور انما أريد به الحرة، و اضافة المهر إليها بلام الاستحقاق ظاهر في ذلك، و لذا يطلق عليها المهيرة.
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه
في الكافي. و التهذيب عن جميل بن دراج (1) في الصحيح عن بعض أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في رجل اشترى جارية فأولدها فوجدها مسروقة؟ قال: يأخذ الجارية صاحبها، و يأخذ الرجل ولده بقيمته».
و ما رواه
في الكافي عن حريز (2) عن زرارة قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام):
الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها، ثم يجيء رجل فيقيم البينة على أنها جاريته لم يبع لو لم يهب، قال: فقال: يرد اليه جاريته و يعوضه مما انتفع، قال:
كأنه معناه قيمة الولد».
قال بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم): قوله «قال» الظاهر أنه من كلام حريز، و ان زرارة فسر العوض بقيمة الولد، و لكنه لم يجزم، لانه يمكن ان يكون بإزاء الوطي من العشر أو نصف العشر. انتهى.
و ما رواه
الشيخ في التهذيب عن جميل بن دراج (3) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثم تجيء مستحق الجارية فقال: يأخذ الجارية المستحق، و يدفع المبتاع قيمة الولد، و يرجع على من باعه بثمن الجارية و قيمة الولد الذي أخذت منه».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 215 التهذيب ج 7 ص 64.
(2) الكافي ج 5 ص 216 التهذيب ج 7 ص 65.
(3) التهذيب ج 7 ص 82.
454
و عن زرارة (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل اشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها الى أرضه، فولدت منه أولادا ثم أتاها من زعم انها له، و أقام على ذلك البينة، قال: يقبض ولده و يدفع إليه الجارية و يعوضه في قيمة ما أصاب من لبنها و خدمتها».
قال في الاستبصار: يقبض ولده يعني بالقيمة، قال في الوافي في بعض النسخ: «ثم ان أباها يزعم انها له» و ليس بواضح انتهى. و هو جيد، و الظاهر انه تحريف من قلم الشيخ (رضى الله عنه) و كم له من أمثاله كما تقدمت الإشارة إليه في مواضع عديدة من كتب العبادات.
و أنت خبير بان هذه الاخبار على تعددها لا دلالة فيها على ان المشترى يغرم العشر، أو نصف العشر، أو مهر المثل للمالك، و الأصحاب انما استند وافى العشر أو نصفه في هذا المقام إلى
صحيحة الوليد بن صبيح (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج امرأة حرة فوجدها أمة، قد دلست نفسها له، فقال: ان كان الذي زوجه إياها من غير مواليها فالنكاح فاسد، قلت: فكيف يصنع بالمهر الذي أخذت منه؟ فقال: ان وجد مما أعطاها شيئا فليأخذه، و ان لم يجد شيئا فلا شيء له عليها، و ان كان زوجها إياه ولي لها ارتجع على وليها بما أخذت منه، و لمواليها عليه عشر ثمنها ان كانت بكرا، و ان كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها، قال: و تعتد منه عدة الأمة، قلت: فان جاءت منه بولد قال: أولادها منه أحرار إذا كان النكاح بغير إذن الموالي».
و مورد هذه الرواية انما هو تدليس المرأة نفسها بدعوى الحرية مع كونها أمة، و تدليس الزوج لها، و بعض الأصحاب و ان عبر في هذا المقام بعبارة تدخل تحت مضمون هذه الرواية، مثل قول المحقق في الشرائع «من أولد الجارية ثم
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 83.
(2) الكافي ج 5 ص 404 التهذيب ج 7 ص 422.
455
ظهر أنها مستحقة انتزعها المالك» الى آخره الا أن ذكره المسألة في بحث بيع الحيوان قرينة على ما عنونا به المسألة، كما صرح به في الدروس حيث قال: و لو ظهر استحقاق الأمة المبتاعة.
و بالجملة فإن ظاهرهم عدم الفرق بين مورد الرواية و ما نحن فيه، و لعله من حيث الاشتراك في الدخول بالبكر أو الثيب مع جهل الواطئ بالحال، فإنه حاصل في كل من المسألتين، و ان كان العلة في أحدهما بيع الغاصب و في الأخرى التدليس على أن متن الرواية المذكورة أيضا لا يخلو من الاشكال (1).
و بالجملة فالمسألة كما ذكرنا غير خالية من شوب التوقف و التردد، ثم ان قوله في الرواية المذكورة فإن أولادها منه أحرار على إطلاقه لا يخلو من الاشكال و لذا قيده الشيخ (رحمة الله عليه) تارة بما إذا دفع الأب قيمة الولد يوم سقوطه حيا لمولى الجارية، و أخرى بما إذا كان تزويجه لها بعد قيام البينة بما ادعته من الحرية، و حينئذ يأخذ ابنه من غير قيمة، و استند في الحمل الأول إلى
موثقة سماعة (2) و فيها «و على مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه «فقيمته».
- كذا في النسخ و الظاهر بقيمته بالباء بدل الفاء- «يوم يصير اليه» الحديث»، و في الثاني إلى
موثقة أخرى لسماعة (3) أيضا، و فيها قال: «ولدها مملوكون الا أن يقيم البينة أنه شهد له شاهدان أنها حرة فلا يملك ولده، و يكونون أحرارا».
و مثلها رواية زرارة ثم ان غاية ما دلت عليه أخبار المسألة المتقدمة- بعد حمل مطلقها على مقيدها- هو أن المشترى يأخذ ولده بعد دفع القيمة إلى مولى الجارية، و أن المشترى يرجع على البائع بقيمة الجارية و قيمة ولدها،
____________
(1) و وجه الاشكال أن قوله و ان زوجها إياه ولي لها ارتجع على وليها، فإنها لا يعقل اللامة ولى غير المولى، و متى أريد به الولي فكيف يتم قوله «و لمواليها عليه عشر قيمتها» الى آخره، إذ لا معنى لرجوع الزوج على المولى بالمهر، و رجوع المولى على الزوج بالعشر أو نصفه، منه (رحمه الله).
(2) التهذيب ج 7 ص 250 و فيه «بقيمته».
(3) التهذيب ج 7 ص 250.
456
و رواية زرارة الثانية دلت على ان المشترى يعوض المولى عما أصاب من لبنها- يعني الذي أرضعت به ابنه- و ما أصاب من خدمتها لان ذلك مستحق للمولى، و به صرح بعض الأصحاب أيضا.
و اما ما اختلفوا فيه من رجوع المشترى على البائع، بما حصل له في مقابلته نفع، كالعشر و نصفه الذي دفعه لمولى الجارية، و أجرة الخدمة فليس في هذه الروايات تعرض له، و لا في صحيحة الوليد بن صبيح التي تضمنت ذلك اشارة اليه فضلا عن التصريح به، و الاعتماد على ما ذكروه من هذه التعطيلات العليلة غير صالح لتأسيس الأحكام الشرعية، كما تقدم من التنبيه عليه في غير مقام و الأصل العدم حتى يقوم عليه دليل شرعي واضح، و قد تقدم في مسألة البيع الفضولي ما ينبه على ما ذكرناه، و كذلك القول بالمهر عوض العشر أو نصف العشر (1)، فانا لم نقف فيه على دليل، و انما الموجود العشر أو نصف العشر على ما عرفت من الاشكال فيه.
و من اخبار المسألة التي نحن فيها خبر مشكل لم يتعرض له الأصحاب في هذا الباب، و هو ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح على بعض الطرق عن محمد بن قيس (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في وليدة باعها ابن سيدها و أبوه غائب، فاستولدها الذي اشتراها فولدت منه غلاما ثم جاء سيدها الاولى فخاصم سيدها الأخر فقال: وليدتي باعها ابني بغير اذنى، فقال: الحكم ان يأخذ وليدته و ابنها؟ فناشده الذي اشتراها فقال له:
____________
(1) و الظاهر على ما ذكره بعض الأصحاب ان هذا القول مبنى على اطراح النص الوارد في المسألة لأن القاعدة الكلية في عوض البضع بمنزلة قيمة المثل في غيره، و لعل اطراح هذا القائل النص المذكور لما عرفت مما قدمنا ذكره. منه (رحمه الله).
(2) التهذيب ج 7 ص 74 الفقيه ص 140.
457
خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفذ لك البيع، فلما أخذه قال له أبوه: أرسل ابني فقال: لا و الله لا أرسل إليك ابنك حتى ترسل إلى ابني، فلما راى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه».
و أنت خبير بما فيه من الخروج عن مضامين الأخبار المتقدمة، مع أن مورده مثلها، و يمكن على بعد أن يقال: أن حكمه (عليه السلام) بأخذ الولد مع الجارية لأجل أن يزاد إليه الأب قيمة الولد كما عرفت من الاخبار المتقدمة، و حكمه بأخذ المشترى لولد البائع الذي باعه الجارية لأجل أن يرد إليه قيمة الجارية و قيمة الولد التي غرمها لأبيه، الا أنه بعيد عن سياق الخبر المذكور، فان ظاهره أن أخذ كل منهما لولد الأخر ليس باعتبار ما ذكرناه، كما يشير اليه قوله خذ ابنه الذي باعك حتى ينفذ لك البيع، فإنه ظاهر في ان حبس الابن عنده انما هو لأجل إنفاذ البيع و أجازته، لا لأجل الثمن أو القيمة (1).
و بالجملة فإنه مرجوع الى قائله (عليه السلام) و لعله لمصلحة لا نعلمها، و فيه دلالة على صحة بيع الفضولي و توقفه على الإجازة كما هو المشهور، مع ما عرفت من الاخبار الدالة على البطلان كما تقدم في المسألة المذكورة، و لكن
____________
(1) قال في الدروس: و روى محمد بن قيس في وليدة باعها ابن سيدها فاستولدها المشترى ينتزعها الأب و ولدها، و للمشتري أخذ البائع ليجيز أبوه البيع، و هي قضية علي (عليه السلام) في واقعة، و لعل ذلك لاستصلاح منه (عليه السلام) و فيها دلالة على أن العقد الفضولي موقوف و على أن الإجازة كاشفة انتهى، و مؤيد لما ذكرناه في الأصل من عدم إمكان التأويل المذكور، فيحمل على الظاهر على انها قضية و واقعة مخصوصة فلا يتعدى الى غير موضعها، لا في صحة العقد الفضولي و لا غيره» لما عرفت من الاخبار الدالة على بطلانه. منه (رحمه الله).
458
هون الأمر فيه ما هو عليه من المخالفة لمقتضى الأصول الشرعية و الضوابط المرعية.
و الله العالم.
المسألة العاشرة [في حكم من اشترى جارية سرقت من أرض الصلح]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في من اشترى جارية سرقت من أرض الصلح حيث أن مال أهلها محترم، فقال الشيخ في النهاية: من اشترى جارية كانت سرقت من أرض الصلح، كان له ردها على من اشتراها منه، و استرجاع ثمنها و ان كان قد مات، فان لم يخلف وارثا استسعيت الجارية في ثمنها و بذلك قال ابن البراج.
و قال ابن إدريس: كيف تستسعى هذه الجارية بغير اذن صاحبها، و كيف تعتق، و ليس على ذلك دليل، و قد ثبت أنها ملك الغير، و الاولى ان تكون بمنزلة اللقطة، بل يرفع خبرها الى حاكم المسلمين، و يجتهد على ردها على من سرقت منه، فهو الناظر في أمثال ذلك انتهى. و ظاهر المحقق في الشرائع- و مثله العلامة في المختلف و نحوه في الإرشاد- أنه مع تعذر ردها على المالك أو وكيله أو وارثه تدفع الى الحاكم الشرعي ليحفظها على مالكها.
و اما الثمن فيرجع به على البائع مع بقاء عينه مطلقا، و اما مع تلفه فكذلك ان كان جاهلا، فان تعذر سقط (1) و لا تستسعى الجارية مطلقا و ان تلف الثمن، و الى هذا القول مال في كتاب المسالك ايضا و هذان القولان يشتركان في عدم الاستسعاء و يفترقان في كونها كاللقطة في وجوب حفظها على مذهب ابن إدريس، أو تدفع الى الحاكم على مذهب المحقق.
و الذي وقفت عليه من الاخبار في المقام ما رواه
الشيخ في الصحيح- الى مسكين
____________
(1) و وجه تعذره اما بإعسار البائع أو موته و موت وارثه، أو الامتناع من رده، و لم يمكن إجباره على ذلك. منه (رحمه الله).
459
السمان، و هو مجهول- (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: «سألته عن رجل اشترى جارية سرقت من ارض الصلح قال: فليردها على الذي اشتراها منه، و لا يقربها ان قدر عليه أو كان مؤسرا، قلت، جعلت فداك انه مات عقبه، قال فليستسعها».
و الى هذه الرواية استند الشيخ في النهاية.
و أنت خبير بما فيها من الإشكال بمخالفة القواعد الشرعية و الضوابط المرعية أما أولا فمن حيث ردها على البائع، و هو ليس مالكا لها و مقتضى الأصول وجوب ردها الى المالك، كما صرح به أصحاب القولين الأخيرين، و الا فالحاكم الشرعي مع تعذره، و اما ثانيا فمن حيث استسعائها في ثمنها، مع أن كسبها لمولاها، و الثمن لم يصل اليه، فكيف يؤخذ الثمن من غير آخذه.
و أما ما ذكره الشهيد (رحمه الله تعالى) في الدروس؟ حيث مال الى العمل بالرواية من قوله: و الأقرب المروي تنزيلا على أن البائع مكلف بردها إلى أهلها، اما لانه السارق، أو لأنه ترتبت يده عليها، و استسعاؤها جمعا بين حق المشترى و حق صاحبها، و الأصل فيه أن مال الحربي في الحقيقة فيء و بالصلح صار محترما احتراما عرضيا، فلا يعارض ذهاب مال محترم في الحقيقة، و زاد في شرح الإرشاد في الجواب عن الإشكال الأول بأن يده أقدم، و مخاطبته بالرد ألزم، خصوصا مع بعد دار الكفر، انتهى.
ففيه ما ذكره في المسالك حيث قال و نعم ما قال: و هذا التنزيل تقريب للنص، و توجيه له حيث يكون النص هو الحجة، و الا فلا يخفى أن مجرد ما ذكر لا يصلح للدلالة، لأن تكليف البائع بالرد لا يقتضي جواز الدفع اليه، كما في كل غاصب، و قدم يده لا اثر له في هذا الحاكم أيضا، و الا لكان الغاصب من الغاصب يجب عليه الرد على الغاصب، و هذا باطل إجماعا و لأن البائع ان كان سارقا لم يكن أهلا للأمانة بخيانته، و ان لم يكن سارقا فليس وكيلا للمالك و لا وليا له فلا يجوز الدفع اليه كما في كل
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 83.
460
مبيع يظهر استحقاقه، و اما الفرق بين احترام المال بالعرض و الأصل فلا مدخل له شرعا في الحكم، بل لا تفاوت في نظر الشارع بينهما، بل كل منهما مضمون على المتلف، مع أن المتلف للمال المحترم حقيقة ليس هو مولى الجارية، بل هو البائع الذي غره ان كان عالما أو من غره، فلا يرجع على غيره، «وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ» و لو تم ذلك لزم منه جواز أخذ ما ذهب من الأموال المحترمة بالأصل من مال المحترم بالعرض، كأهل الذمة و هو واضح البطلان. انتهى كلامه زيد مقامه، و هو جيد وجيه، كما لا يخفى على الفطن النبيه.
و بالجملة فالمسألة لما عرفت محل إشكال، لأن العمل بهذه الرواية مع ما هي عليه مما شرحناه مشكل و ردها من غير معارض أشكل. نعم من يرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث يقوى ردها عنده، كما جزم بذلك المحقق الأردبيلي حيث قال:
و الظاهر تركها بالكلية، و العمل بالأدلة، لكن يلزم أن يذهب ثمن المشترى ان لم يقدر على السارق البائع، و لا محذور في ذلك، و هو ظاهر. انتهى الا ان الشهيد (رحمه الله) قد عمل بها مع كونه من أرباب هذا الاصطلاح، لكنه لا تصلب له فيه، كما عليه متأخرو المتأخرين، سيما مثل المحقق المذكور و تلميذيه صاحبي المدارك و المعالم، و لهذا انه قليلا ما يطرح الأخبار الضعيفة، و يتشبث في العمل بها بأدنى مستمسك، كما لا يخفى على من راجع كتبه، و هو مبنى على ما صرح به في صدر كتابه الذكرى من ثبوت أخبارنا المروية في هذه الأصول، عن الأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين).
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الظاهر من كلام الأصحاب القولين الأخيرين حيث لم يعملوا بالخبر المذكور ان دفعها الى الامام- مع تعذر الوصول الى المالك- انما هو ليحفظها على مالكها الى ان يمكن إيصالها إليه، كما تقدم في عبارة ابن
461
إدريس و نحوه العلامة في المختلف (1).
و ظاهر المحقق الأردبيلي ان دفعها للحاكم المذكور انما هو لكون الجارية المذكورة مال الامام (عليه السلام)، و الحاكم نائبه، و انه يفعل بها ما يفعل بأمواله (عليه السلام) حال الغيبة، قال (قدس سره) بعد الطعن في الرواية ما لفظه: و لهذا قال البعض: يجب ردها الى المالك و ورثته بعده، ثم الى الحاكم، لانه وكيل الامام (عليه السلام) و هي حينئذ ماله (عليه السلام)، فيفعل بها ما يفعل بسائر أمواله التي استورثها ممن لا وارث له، و هو الظاهر، و لا تستسعى انتهى و بنحو ما نقلناه عن ابن إدريس و العلامة نقله الشهيد في الدروس عنهم أيضا، فقال بعد ذكر قول الشيخ، قال الحلبيون: لا تستسعى لأنها ملك، و تدفع الى الحاكم ليوصلها إلى أربابها انتهى.
و به يظهر لك أن ما نقله عن أصحاب هذا القول من أن الدفع الى الحاكم انما هو حيث كونها ميراث من لا وارث له، و هو للإمام (عليه السلام) غفلة عن مراجعة كلامهم في المسألة، على أنه لا يظهر من النص المذكور، و لا من كلام أحد من الأصحاب معلومية موت المالك مع عدم وجود وارث له حتى أنها يكون من قبيل ميراث من لا وارث له، فيكون للإمام (عليه السلام) و انما المفروض في كلامهم- و هو ظاهر الخبر أيضا- انما هو تعذر الوصول الى المالك من حيث انها سرقت من تلك الأرض، و نقلت إلى أرض أخرى و بيعت، و إرجاعها إلى المالك يحتاج الى مزيد كلفة، كما يشير اليه ما تقدم في كلام الشهيد من قوله خصوصا مع بعد دار الكفر، و لا يتوهم ان قوله في الخبر المذكور انه مات و مات عقبه راجع الى المالك، و ان
____________
(1) حيث قال: و التحقيق ان نقول: المشترى ان كان عالما وجب عليه ردها الى المالك ان عرفه، و الا الى الحاكم ليحفظها على مالكها.
منه (رحمه الله).
462
سياق الخبر ظاهر في ان المراد انما هو البائع، و بالجملة فكلام المحقق المذكور لا يخلو عن غفلة و قصور و الله العالم.
المسألة الحادية عشر [في حكم ما يؤخذ من دار الحرب بغير إذن الإمام (ع)]
- المفهوم من كلام جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان ما يؤخذ من دار الحرب بغير اذن الامام، فإن كان بسرقة و غيلة و نحوهما فهو لأخذه و عليه الخمس، و ان كان بقتال فهو بأجمعه للإمام (عليه السلام) و على كل من التقديرين فإنه يباح تملكه للشيعة حال الغيبة، و لا يجب إخراج حصة الموجودين من الهاشميين، لإباحتهم (عليهم السلام) ذلك للشيعة، لتطيب ولادتهم، و كذا يجوز الشراء من السابي، و ان كان جائرا ظالما، بل الشراء من الكافر أخته و بنته و زوجته و كل حربي قهر حربيا صح الشراء منه.
أقول: و الغرض من ذكرهم هذا الكلام في هذا المقام هو أنه يجوز تملك العبيد و الإماء المسببة من دار الحرب، سيما في زمن الغيبة سواء سبيت بالقهر و الغلبة من سلاطين الجور، أو بسرقة و غيلة، و سواء كان السابي لها مسلما أو مخالفا أو كافرا، و أن من قهر من الكفار أخته أو ابنته أو زوجته أو ابنه فإنه يتملكهم، ثم بعد تملكهم يجوز الشراء منه، و القاهر و المقهور حربيان، و يدل على ذلك الأخبار.
فأما ما يدل على أن ما أخذ بقتال بغير اذنه، فهو له (عليه السلام)، فمنه
رواية العباس الوراق (1) «عن رجل سماه عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: إذا غزا قوم بغير اذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلها للإمام (عليه السلام) و ان غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس».
و صحيحة معاوية بن وهب (2) أو حسنته بإبراهيم ابن هاشم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) السرية يبعثها الامام فيصيبوا غنائم كيف يقسم؟ قال: ان قاتلوا عليها مع أمير أمره الإمام (عليه السلام) أخرج منها
____________
(1) الوسائل الباب- ج- 1- من أبواب الأنفال.
(2) الكافي ج 5 ص 43 و فيه «أربعة أخماس».
463
الخمس لله و الرسول، و قسم بينهم ثلاثة أخماس و ان لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلما غنموا للإمام (عليه السلام) يجعله حيث أحب».
و المراد ان لم يكونوا قاتلوا مع أمير منه (عليه السلام) كما هو ظاهر السياق، و ما اشتمل عليه من إخراج خمسين من الغنيمة، و قسمه ثلاثة أخماس شاذ لا قائل به، و هذه الرواية الثانية لم يذكرها أحد من الأصحاب فيما أعلم، و لكن الحكم بمجرد الرواية الأولى مشهور عندهم، بل ادعى عليه الإجماع، و توقف المحقق في النافع من حيث ضعف الرواية المشار إليها، و قد تقدم الكلام في ذلك في كتاب الخمس (1).
الا أن المحقق الأردبيلي (قدس سره) في هذا المقام عارض رواية الوراق
برواية زكريا بن آدم (2) عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن سبى الديلم يسرق بعضهم من بعض، و يغير المسلمون عليهم بلا امام أ يحل شراؤهم؟ قال: إذا أقروا بالعبودية فلا بأس بشراءهم».
و يمكن الجواب بحمل نفى البأس عن شراءهم من حيث تحليل ذلك للشيعة متى ثبت العبودية، فلا ينافي كون ذلك له (عليه السلام) لما تكاثرت به الاخبار من تحليل حقوقهم للشيعة (3) و على ذلك أيضا يحمل صدر
رواية زكريا ابن آدم المذكورة قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن قوم من العدو صالحوا ثم خفروا و لعلهم انما خفروا لأنهم لم يعدل عليهم أ يصلح أن يشترى من سبيهم فقال: ان كان من قوم قد استبان عداوتهم فاشتر منهم و ان كان قد نفروا و ظلموا فلا تتبع من سبيهم» الحديث.
قوله اخفروا (4) أى نقضوا عهدهم.
____________
(1) ج 13 ص 323.
(2) الكافي ج 5 ص 210.
(3) الوسائل الباب- 4- من أبواب الأنفال.
(4) يقال: خفرت الرجل أخفره من باب ضرب خفر بالتحريك إذا آجرته- و كنت له حاميا و كفيلا، فاخفرت الرجل و خفرت إذا أنقضت عهدته، و عذرت به، و الهمزة للسلب و الإزالة، اى أزلت خفالته، و الخفارة بالكسر و الضم الزمام و العهد منه (رحمه الله).
464
و في التهذيب عن محمد بن عبد الله (1) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قوم خرجوا و قتلوا أناسا من المسلمين و هدموا المساجد، و ان المستوفي هارون بعث إليهم فأخذوا و قتلوا و سبى النساء و الصبيان، هل يستقيم شراء شيء منهن و يطأهن أم لا؟ قال: لا بأس بشراء متاعهن و سبيهن».
و ليس في هذه الاخبار على تعددها دلالة على تملك السابي كما توهمه المحقق المتقدم ذكره، و انما دلت على جواز الشراء خاصة، فيحمل على ما قلنا من التحليل لكون ذلك لهم (عليهم السلام) فلا تنافي الخبرين الأولين، على أنه يمكن حمل هذه الاخبار على التقية أيضا، بمعنى أنه لم ينبه فيها على كون ذلك للإمام (عليه السلام) تقية، و انما ذكر جواز الشراء خاصة، بناء على ما قلناه.
و اما ما ذكره من أن ما أخذ بغيلة و سرقة فهو لأخذه، و عليه الخمس فلم أقف فيه بعد التتبع للاخبار على نص، و غاية ما استدل به عليه في المدارك هو اخبار (2)
«خذ مال الناصب حيثما وجدته، و ادفع لنا الخمس،».
و فيه نظر، لعدم ذكره في صدر كتاب الخمس، و إيجاب الخمس هنا أحد القولين، و به صرح في المسالك و قيل: بالعدم و هو ظاهر الشهيد في الدروس في مبحث الخمس، لانه لا تسمى غنيمة، و هو الأقرب لما عرفت من عدم الدليل على ذلك، بل على عدم كون المأخوذ على هذا الوجه لأخذه، فإن الأخبار خالية من الأمرين، و لهذا إنما التجأ صاحب
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 162.
(2) التهذيب ج 6 ص 387.
465
المدارك في الأمرين الى أخبار «خذ مال الناصب».
و أما ما يدل على جواز الشراء من السابي و ان كان جابرا فالروايات المذكورة عن الرضا (عليه السلام) لكن لا من حيث كون ذلك ملكا له كما عرفت، و ان أوهم ظاهرها ذلك، الا أنه يجب حملها على ما ذكرناه جمعا بين الاخبار الواردة في المسألة.
و أما جواز الشراء من الكافر الحربي بنته و أخته و زوجته، فيدل عليه ما رواه
الشيخ عن عبد الله اللحام (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يشترى من رجل من أهل الشرك ابنته فيتخذها؟ قال: لا بأس».
و بالإسناد المذكور (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري امرأة رجل من أهل الشرك يتخذها أم ولد قال: لا بأس».
بقي الكلام في أنه قد صرح الأصحاب بأن كل حربي قهر حربيا فباعه صح بيعه، لان القاهر مالك المقهور بقهره إياه، فيصح بيعه له، و هذا ظاهر فيمن لا ينعتق عليه كالزوجة و نحوها، أما لو كان ممن ينعتق عليه كالبنت في الخبر الأول فإشكال، ينشأ من أنه بدوام القهر يبطل العتق لو فرض، و بدوام القرابة يرتفع الملك بالقهر (3)
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 77.
(2) التهذيب ج 7 ص 77.
(3) أقول: و توضيحه ان القرابة المخصوصة تقتضي العتق، و قهر الحربي يقتضي الملك، و المقتضيان دائما، و بدوامهما يجب أن يدوم ما يترتب عليهما و يقتضيانه، و الوجهان قد تعارضا و تكافئا و لا ترجيح لأحدهما على الآخر، فلا يمكن الحكم بأحدهما دون الأخر، فلما ثبت بالخبر المذكور جواز الشراء فلا بد من حمله على الاستنقاذ، لخروجه عن القاعدة المذكورة لا أنه بيع حقيقي، لأن شرطه الملك، و ملك البائع هنا غير معلوم لما عرفت و قولهم المبطل العتق لو فرض مقتضاه ان العتق لا يقع، لأنهم حكموا ببطلانه على تقدير فرض وقوعه، و كأنه مبني على ان القهر دائم و هو في كل آن يقتضي الملك فيمتنع حصول العتق حقيقة لوجود منافيه فلا يكون الا بطريق الفرض.
(منه (رحمه الله).
466
و حينئذ فالتحقيق حمل الشراء في الخبر المذكور على الاستنقاذ، و يثبت الملك بعد ذلك بالتسلط، و في لحوق أحكام البيع من خيار المجلس و خيار الحيوان و العيب و نحو ذلك نظر أقربه- بناء على ما قلناه- العدم، قالوا و الاستنقاذ دفع يد شخص شرعية أم غير شرعية عن مال بعوض أو بغير عوض، و يشكل أيضا ثبوت الملك بالتسلط بعد الاستنقاذ إذ قد يكون المملوك الذي بيده ممن ينعتق عليه مأمونا: أي دخل بلاد الإسلام بإمام، فيشكل حينئذ تملك المشترى له بالتسلط عليه، و ربما ظهر من كلام العلامة في القواعد لحوق أحكام البيع بالنسبة إلى البائع، و فيه أنه مع حكمه بالاستنقاذ لا معنى لذلك، لانه عقد واحد يبعد كونه بيعا حقيقيا بالنسبة إلى البائع و غير بيع بالنسبة إلى المشترى، على أن سبب عدم كونه بيعا حقيقيا بالنسبة اليه انما هو عدم صلاحية المبيع لتملك البائع، و هو موجب لعدم كونه حقيقيا بالنسبة اليه.
و قال في الدروس: و لو اشترى حربيا من مثله جاز، و لو كان ممن ينعتق عليه قيل كان استنقاذا حذرا من الدور لو كان شراء، و لا يلحق به أحكام البيع بالنسبة إلى المشترى، و روى ابن بكير (1) تسميته شراء انتهى و ظاهره لحقوق أحكام البيع بالنسبة إلى البائع كما قدمنا ذكره عن ظاهر القواعد، و فيه ما عرفت.
و بالجملة فإن مقتضى التحقيق بناء على ما ذكروه من كون ذلك استنقاذ الا بيعا حقيقيا هو عدم تحقق بيع شرعي، لا بالنسبة إلى البائع و لا إلى المشتري، فتملك
____________
(1) أقول: نسبه: في الدروس الرواية الى ابن بكير باعتبار أنه هو الراوي عن عبد الله اللحام، و لعل ذلك للتنبيه بشأن الرواية حيث أن سندها الى ابن بكير من الموثق، و عبد الله اللحام مجهول- منه (رحمه الله).
467
المشترى للمبيع مشكل، و تملك البائع للثمن مشكل، إلا أنك قد عرفت من الرواية المتقدمة كون ذلك بيعا و شراء من غير معارض، سوى ما قالوه، و الأظهر الوقوف على مقتضى النص، فان ما ذكروه و ان كان مقتضى القواعد الشرعية أيضا، الا انه يمكن تخصيصها بهذا الخبر بأن يخص الانعتاق بالملك بالشراء، دون التملك قهرا، وقوفا على مورد أخبار كل من المقامين و الله العالم.
و
المسألة الثانية عشر [فيما لو دفع الى مأذون مالا ليشتري به نسمة]
- اختلف الأصحاب فيما لو دفع الى مأذون مالا ليشتري به نسمة و يعتقها عنه و يحج بالباقي، فاشترى أباه و دفع إليه بقية المال، فحج به، فاختلف مولاه و ورثة الأمر و مولى الأب، فكل يقول اشترى بمالي، فقال الشيخ في النهاية الحكم أن يرد المعتق على مولاه الذي كان عنده يكون رقا له كما كان، ثم أى الفريقين الباقيين منهما أقام البينة بأنه اشترى بماله سلم اليه، و ان كان المعتق قد حج ببقية المال لم يكن الى رد الحجة سبيل، و تبعه في ذلك ابن البراج.
و قال ابن إدريس: لا أرى لرد المعتق على مولاه وجها، بل الأولى عندي أن القول قول سيد العبد المأذون له في التجارة، و العبد المبتاع لسيد العبد المباشر للعتق، و ان عتقه غير صحيح، لأن إجماع أصحابنا على أن جميع ما بيد العبد فهو مال لسيده، و هذا الثمن في يد المأذون، و أنه اشتراه فإذا اشتراه فقد صار ملكا لسيد المأذون الذي هو المشترى، فإذا أعتقه المأذون بعد ذلك فعتقه غير صحيح، لانه لم يؤذن له في العتق، بل أذن له في التجارة فحسب، هذا إذا عدمت البينتان، فهذا تحرير القول و الفتوى في ذلك انتهى (1).
____________
(1) أقول: أما دعوى مولا العبد المأذون فظاهر مما ذكره ابن إدريس، و أما دعوى مولى الأب أنه اشتراه بمالي فيحمل على أن يكون العبد المأذون وكيلا له بالاذن و عنده مال له، أو انه أخذ الأب من مالي و أعطاه ابنه ليشتريه، و نحو ذلك، و اما دعوى ورثة الموصي فظاهر حيث ان مورثهم دفع اليه ذلك الوجه الذي اشترى به العبد، فهو قد اشترى بمالنا- و كأنهم ينكرون الوصية بما ذكره المأذون من الشراء و العتق- منه (رحمه الله).
468
و الأصل في هذه المسألة ما رواه
الشيخ عن ابن أثيم (1) «عن أبى جعفر (عليه السلام) عن عبد لقوم مأذون له في التجارة، دفع اليه رجل ألف درهم فقال له:
اشتر بها نسمة و أعتقها عنى، و حج عني بالباقي، ثم مات صاحب الالف، فانطلق العبد فاشترى أباه فأعتقه عن الميت، و دفع إليه الباقي يحج عن الميت فحج عنه، و بلغ ذلك موالي أبيه و مواليه و ورثة الميت جميعا، فاختصموا جميعا في الألف، فقالوا موالي العبد المعتق: انما اشتريت أباك بمالنا، و قال الورثة: إنما اشتريت أباك بمالنا، و قال موالي العبد: انما اشتريت أباك بمالنا، فقال: أبو جعفر (عليه السلام) أما الحجة فقد مضت بما فيها لا ترد، و أما المعتق فهو رد في العتق لموالي أبيه، و اى الفريقين بعد أقاموا البينة على أنه اشترى أباه من أموالهم كان لهم رقا».
و الشيخ في النهاية و من تبعه قد عملوا بظاهر هذه الرواية.
و ابن إدريس قد ردها لما ذكره و قد اقتضى ابن إدريس في هذا القول أكثر من تأخر عنه، و طعنوا في الخبر المذكور بضعف الراوي، فإنه غال، و مخالفة الخبر المذكور لأصول المذهب من وجوه، منها الحكم برد العبد الى مولاه مع اعترافه ببيعه، و منها دعواه فساد البيع، و مدعى الصحة و هو الأخر ان مقدم، و منها حكمه بمضي الحجة مع ان ظاهر الأمر حجة بنفسه و قد استناب فيها، و منها مجامعة صحة الحج لعوده رقا مع كونه قد حج بغير اذن سيده، و منها انه كيف يدعى مولى العبد انه شرى بماله، مع انه لم يكن لمولى الأب مال في يد المأذون، و ليس هو وكيله، و مع الإغماض عن ذلك و ثبوت ان له مالا و انه وكيل كيف يتصور صحة شراء شخص من سيده بمال ذلك السيد، فدعوى مولى العبد انه اشترى بماله يقتضي فساد العقد، لان العوضين إذا كانا من مال واحد لم تكن المعاوضة صحيحة، و اعتذر
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 234.
469
العلامة للأول بحمل الرواية على إنكار مولى العبد البيع، لا فساده، و رده بمنافاته لمنطوق الخبر، لدلالته على كونه اشترى بماله، و هو صريح في وقوع البيع و الشراء، فلا تسمع هذه الدعوى، و نزله الشهيد في الدروس على ان المأذون بيده مال لمولى الأب و غيره، و بتصادم الدعاوي المتكافئة يرجع الى أصالة بقاء الملك على مالكه، و لا يعارضه فتواهم بتقديم دعوى الصحة على الفساد لان دعوى الصحة هنا مشتركة بين متقابلين متكافئين، فيتساقطان قال: و هذا واضح لا غبار عليه.
و رد بأن النظر فيه واضح و الغبار عليه لائح، لمنع تكافؤ الدعاوي أو لا على تقدير تسليم كون بيده مال للجميع، لان من عدا مولاه خارج، و الداخل مقدم، فسقط مولا الأب و ورثة الأمر، فلم يتم الرجوع الى أصل بقاء الملك على مالكه، و بذلك يظهر فساد دعوى كون الصحة مشتركة بين متقابلين متكافئين، فان الخارجة لا تكافؤ الداخلة، فإذا قدمت لم يبق لرد الدعوى المشتملة على فساد البيع مانع، إذ لم ينقدح بوجهها الا بسبب تساقط تلك الدعويين و لم يتم، على انه لو سلم كون بيد المأذون أموال لغير مولاه، فإن إقراره بها لغيره غير مقبول مع تكذيب المولى و ان كان مأذونا، لأن المأذون إنما يقبل إقراره بما يتعلق بالتجارة، لا مطلقا كما سيأتي إنشاء الله تعالى، و حينئذ فلا بد من اطراح هذه الرواية بهذه المنافيات لقبولها، و الرجوع الى أصل المذهب.
و في المسألة قول ثالث للمحقق في النافع، و رجحه ابن فهد في شرحه، قال:
و يناسب الأصل، الحكم بإمضاء ما فعله المأذون ما لم تقم بينة تنافيه، و مقتضاه الحكم بصحة البيع و العتق و الحج، لأن الأصل أن ما يفعله المأذون صحيح، و هذا يتمشى إذا جعلنا حكم المأذون حكم الوكيل، فيقبل إقراره بما في يده، و يمضى تصرفه كالوكيل، الا أن فيه أنه موقوف على تناول الاذن من سيده لذلك.
هذا كله مع عدم البينة، و أما معها فان كانت لواحد حكم بها، و ان كانت
470
لاثنين أو للجميع، فان قلنا بتقديم بينة الداخل عند التعارض فكالأول، و ان قدمنا الخارج أو لم يكن للداخل بينة، ففي تقديم بينة ورثة الأمر- نظرا إلى الصحة أو بينة مولى الأب، لأنه خارج بالإضافة إلى ورثة الأمر، لا دعائه ما ينافي الأصل- وجهان، استجود أولهما في المسالك، قال: لأنهما خارجان بالنسبة إلى المولى المأذون، و مدعيان، و يبقى مع ورثة الأمر ترجيح الصحة.
و بالجملة فإن المسألة من المشكلات لما عرفت مما يتطرق الى النص المذكور من الإيرادات الواضحة، و العمل به و الحال كذلك مشكل، فالظاهر هو قوة ما ذهب إليه المتأخرون و الله العالم.
المسألة الثالثة عشر [حكم من اشترى عبدا و كان عند البائع عبدان]
- قال الشيخ في النهاية من اشترى من رجل عبدا و كان عند البائع عبدان، فقال للمبتاع اذهب بهما فاختر أيهما شئت ورد الأخر و قبض المال، فذهب بهما المشتري فأبق أحدهما من عنده فليرد الذي عنده منهما، و يقبض نصف الثمن مما أعطى و يذهب في طلب الغلام، فان وجده اختار حينئذ أيهما شاء و رد نصف الذي أخذه، و ان لم يجده كان العبد بينهما نصفين، و تبعه ابن البراج في ذلك.
و قال ابن إدريس: ما ذكره شيخنا في نهايته خبر واحد، لا يصلح و لا يجوز العمل به، لانه مخالف لما عليه الأمة بأسرها، مناف لأصول مذهب أصحابنا و فتاويهم و تصانيفهم و إجماعهم، لأن المبيع إذا كان مجهولا كان البيع باطلا بغير خلاف، و قوله» يقبض نصف الثمن و يكون العبد الآبق بينهما و يرد الباقي من العبدين»، فيه اضطراب كثير، و خلل كبير، لأنه ان كان الآبق هو الذي وقع عليه البيع؟ فمن مال مشتريه، و الثمن بكماله لبائعه، و ان كان الآبق غير من وقع عليه البيع، و الباقي الذي وقع عليه البيع فلأي شيء يرده، و انما أورده شيخنا هذا الخبر على ما جاء إيراد إلا اعتقادا، لانه رجع في مسائل خلافه في كتاب السلم. انتهى.
أقول: أشار بقوله رجع عنه في خلافه الى ما ذكره الشيخ في الكتاب المذكور،
471
حيث قال في باب السلم: إذا قال: اشتريت منك أحد هذين العبدين بكذا، أو أحد هذه العبيد الثلاثة بكذا لم يصح الشراء، و به قال الشافعي، و قال أبو حنيفة إذا شرط فيه الخيار ثلاثة أيام جاز، لان هذا غرر يسير، و أما في الأربعة فما زاد عليها فلا يجوز، دليلنا أن هذا بيع مجهول فيجب أن لا يصح بيعه و لانه بيع غرر لاختلاف قيمتي العبدين، و لانه لا دليل على ذلك في الشرع، و قد ذكرنا هذه المسألة في البيوع، و قلنا: أن أصحابنا رووا جواز ذلك في العبدين فان قلنا بذلك تبعنا فيه الرواية، و لم نقس غيرها عليها. انتهى.
و قال العلامة في المختلف بعد نقل ما ذكرناه: و التحقيق أن نقول: العقد أن وقع على عبد مطلق موصوف بصفاته المقصودة الرافعة للجهالة صح البيع، فإذا دفع البائع العبدين إلى المشتري ليتخير أحدهما، جاز أن يتخير أيهما شاء، فإذا أبق أحدهما فإن قلنا المقبوض بالسوم مضمون ضمنه المشترى ثمنا و الا فلا، و ان وقع على أحدهما كان باطلا.
و الشيخ رحمة الله عليه عول في ذلك على
رواية محمد بن مسلم (1) عن الباقر (عليه السلام)، «قال سألته عن رجل اشترى من رجل عبدا و كان عنده عبدان، فقال للمشتري: اذهب بهما فاختر أيهما شئت ورد الأخر و قد قبض المال فذهب بهما المشتري فأبق أحدهما من عنده قال: ليرد الذي عنده منهما و يقبض نصف الثمن مما أعطى من المبيع، و يذهب في طلب الغلام، فان وجده اختار أيهما شاء، و رد النصف الذي أخذ، و ان لم يجده كان العبد بينهما نصفه للبائع و نصفه للمبتاع».
و هذه الرواية تدل على ان البيع وقع صحيحا لا على انه وقع على عبد من عبدين و كذا كلام الشيخ.
و اما قول الشيخ في الخلاف عن الرواية، فإن لها محملا، و هو ان نفرض
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 82 الكافي ج 5 ص 217.
472
تساوى العبدين من كل وجه فلا استبعاد حينئذ في بيع أحدهما لا بعينه، كما لو باعه من متساوي الأجزاء بعضه، كما لو باعه قفيزا من الصبرة، و اما تضمين النصف فلان البيع وقع مشاعا على أحدهما فقبل الاختيار يكون العبدان بينهما، فلما أبق أحدهما ضمن نصف الذي اشتراه، و النصف الأخر لا يضمنه، لانه مقبوض على وجه السوم، و العبد الباقي بينهما لشياع الاستحقاق في العبدين. انتهى.
أقول: وجه الإشكال في الرواية المذكورة من حيث أنه اشترى عبدا في الذمة، و هو أمر كلي يتوقف على تشخيصه في عين مخصوصة متصفة بما وقع عليه الاتفاق من الأوصاف، و الخبر دل على انحصار ذلك الأمر الكلي في العبدين قبل تعيينه، و من حيث دلالة الخبر على ثبوت البيع في نصف الموجود الموجب للشركة مع عدم وجود ما يقتضي الشركة، ثم الرجوع الى التخيير لو وجد الآبق، و من أجل هذه الإشكالات نزل بعض الأصحاب- (رضوان الله عليهم) الرواية المذكورة- على تقدير أربع مقدمات، الاولى- تساويهما قيمة، الثانية- مطابقتهما للمبيع الكلى وصفا، الثالثة- انحصار الحق فيهما حيث دفعهما اليه و عينهما للتخيير، كما لو حصر الحق في واحد، الرابعة- عدم ضمان المقبوض بالسوم فلا يضمن الآبق هنا، أو تنزيل هذا التخيير هنا منزلة الخيار في البيع فكما ان تلف المبيع في مدة الخيار من البائع، فكذلك هيهنا متى تلف قبل الاختيار (1).
و لا يخفى ما في البناء على هذه المقدمات من الاشكال لما يمكن تطرقه إلى جملة منها، و لهذا قيل انه يشكل الحكم بانحصار الحق فيهما على هذه التقادير، لان المبيع أمر كلي لا يشخص الا بتشخيص البائع، و دفعه الاثنين ليتخير أحدهما ليس تشخيصا و ان حصر الأمر فيهما، لأصالة بقاء الحق في الذمة الى ان يثبت شرعا كون ذلك كافيا، كما لو حصره في عشرة فصاعدا، و ما ذكره في المختلف- من التنزيل- على تساوى
____________
(1) مرجع المقدمة الرابعة الى أن عدم الضمان مترتب على أحد الأمرين المذكورين منه- (رحمه الله).
473
العبدين من كل وجه ليلحق بمتساوي الأجزاء حتى جوز بيع عبد منهما كما يجوز بيع قفيز من الصبرة- ففيه اشكال ظاهر، لمنع تساوى العبدين على وجه يلحقان بالمثلي الذي هو عبارة عن متساوي الاجزاء، و منع تنزيل بيع القفيز من الصبرة على الإشاعة، كما تقدم في البحث عن هذه المسألة.
و بالجملة فإن الأكثر على اطراح الرواية المذكورة لما عرفت من مخالفتها لمقتضى الأصول و عسر تنزيلها على ما ذكروه من هذه التكلفات السخيفة، و الأظهر الرجوع الى مقتضى الأصول، فينظر في هذين العبدين فان كانا بالصفات الذي اشترى بها العبد في الذمة تخير بينهما، فان اختار الآبق منهما رد ما أخذه من نصف الثمن، و لا شيء له، و ان اختار الباقي منهما أخذه.
بقي الكلام في ضمان الآبق على هذا التقدير، فان قلنا بضمان المقبوض بالسوم ضمنه، و الا فلا، و ان كان أحدهما بالصفات أخذه و حكم الأخر على ما تقدم، و ان لم يكن شيء منهما بالصفات رجع على البائع بحقه لان حقه في الذمة باق حتى يدفع اليه ما كان على الصفات التي وقع عليها العقد و في ضمان الذاهب ما تقدم، و على هذا لا فرق بين عبدين أو أكثر أو غير العبد من المتاع و غيره، و على تقدير العمل بالرواية يجب الاقتصار فيه على موردها فلا يتعدى الحكم الى غير العبدين اقتصارا فيما خالف الأصول على موضع النص و به جزم الشيخ (رحمه الله).
و لو تعددت العبيد فهل ينسحب الحكم، احتمالان أحدهما نعم، لصدق العبدين في الجملة، فلو كانوا ثلاثة فأبق واحد فان ثلث المبيع، فيرجع بثلث الثمن، و هكذا فيما زاد، و ثانيهما العدم، للخروج عن موضع النص، و هو الأظهر و لو كانا أمتين أو أمة و عبدا ففي انسحاب الحكم الوجهان، و قطع، في الدروس بانسحاب الحكم هنا، و الأظهر العدم، لما ذكرنا و الله العالم.
474
المسألة الرابعة عشر [فيما إذا كانت الجارية بين الشركاء فوطئها أحدهم]
اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الجارية بين الشركاء فيطأ أحدهم، فقال الشيخ في النهاية: إذا كانت الجارية بين شركاء فتركوها عند واحد منهم فوطأها فإنه يدرأ عنه من الحد بقدر ماله منها من الثمن، و يضرب بمقدار ما لغيره من القيمة، و تقوم الأمة قيمة عادلة و يلزمها، فان كانت القيمة أقل من الثمن الذي اشتريت به الزم ثمنها الأول، و ان كانت قيمتها في ذلك اليوم الذي قومت فيه أكثر من ثمنها الزم ذلك الأكثر، فإن أراد واحد من الشركاء الجارية كان له أخذها، و لا يلزمه الا ثمنها الذي يسوى في الحال. انتهى.
أقول: ما ذكره الشيخ هنا هو مضمون
رواية عبد الله بن سنان (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجال اشتركوا في أمة فأتمنوا بعضهم على أن يكون الأمة عنده فوطأها قال: يدرأ عنه من الحد بقدر ماله من النقد، و يضرب ما ليس له فيها، و تقوم الأمة عليه بقيمة و يلزمها، فان كانت القيمة أقل من الثمن، الذي اشتريت به الجارية ألزم ثمنها الأول، و ان كان قيمتها في ذلك اليوم الذي قومت فيه أكثر من ثمنها الزم ذلك الثمن و هو صاغر لانه استفرشها، قلت: فإن أراد بعض الشركاء شرائها دون الرجل؟ قال: ذلك له، و ليس له أن يشتريها حتى يستبرأها، و ليس على غيره أن يشتريها إلا بالقيمة».
و قال: ابن إدريس بعد نقل كلام الشيخ هذا خبر واحد أورده شيخنا إيرادا لا اعتقادا و الاولى أن يقال: لا يلزم الواطئ لها شيء سوى أحد الذي ذكرناه على تقدير أن يكون عالما بالتحريم بقدر حصص شركائه، الا أن تكون بكرا فيأخذ عذرتها، فيلزم ما بين قيمتها بكر أو غير بكر، و يسقط عنه ما يخصه من ذلك، و يستحق الباقي الشركاء، فاما ان كانت غير بكر فلا يلزمه ذلك هذا إذا لم يحبلها، فإذا أحبلها بولد، فإنه يغرم ثمنها الذي تساوى يوم خيانته عليه، و ثمن ولدها يوم تسقط حيا لو كان عبدا و يسقط من ذلك بمقدار حصته من الثمن انتهى.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 72 الكافي ج 5 ص 217.
475
و قال العلامة في المختلف: و التحقيق أن نقول الواطئ ان كان عالما بالتحريم حد يقدر حصص الشركاء، و عليه من المهر بقدر حصصهم أيضا ان كانت مكرهة أو جاهلة، و ان كانت مطاوعة فكذلك على الخلاف و سيأتي، و ان كانت بكرا لزمه أرش البكارة قطعا، و لا تقوم عليه بنفس الوطي بل مع الحمل و عليه تحمل الرواية و قول الشيخ أيضا، و عليه حصص الشركاء من القيمة و يطالب بأعلى القيم من حين الإحبال إلى وقت التقويم، و عليه حصص الشركاء ايضا من قيمة الولد يوم سقط حيا ان لم يكن قد قومت عليه حبلى، و لو أراد بعض الشركاء أخذها فإن كانت قد حبلت لم يكن له ذلك، و ان لم تكن حبلت كان له ذلك و يأخذها بقيمتها يوم الأخذ انتهى.
أقول: و تحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مواضع
الأول [سقوط الحد مع الشبهة]
- لا إشكال في سقوط الحد عن الواطئ هنا مع الشبهة كما لو توهم حل الوطي من حيث الشركة
لقوله (عليه السلام) (1) «ادرءوا الحدود بالشبهات».
الثاني [الحد هنا الجلد خاصة]
ظاهر النص و الفتوى أن الحد هنا انما هو بالجلد و ان كان محصنا يجب في مثله الرجم، لان الرجم لا يقبل التبعيض، و قد عرفت من النص و الفتوى تبعيضه هنا، و الظاهر أن الوجه فيه أن وجوب الرجم في المحصن انما هو فيما إذا كان الزاني محصنا و هذا ليس كذلك من حيث تملكه لبعض الأمة، و لأجل ذلك يلحق به الولد، و تصير أم ولد و ان كان عالما بالتحريم، مع أن الزاني العالم لا يلحق به الولد.
الثالث [سقوط الحد بالنسبة إلى حصته]
- أنه يسقط من الحد ما قابل ملكه من الأمة نصفا أو ربعا أو نحو ذلك، لعدم تحقق الزنا بالنسبة إلى حصته، و يضرب الباقي الذي يتعلق بنصيب الشركاء، لكونه زنا بالنسبة إلى حصصهم، و ينبغي أن يستثني من الحد أيضا ما لو كان أحد الشركاء ابن الواطئ أيضا، فإنه لا حد على الأب في نصيب ابنه، كما لا حد عليه لو كانت بأجمعها للولد، ثم انه مع التبعيض لو احتيج الى تبعيض الجلدة الواحدة
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 53.
476
قال: بعض المحققين أنه يحتمل باعتبار مقدار السوط، و كيفية الضرب.
أقول: بل الظاهر انه ان كان نصفا أخذ بنصف السوط، و ان كان ثلثا أخذ بثلثيه، كما تضمنه
صحيح هشام بن سالم (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «في نصف الجلدة و ثلث الجلدة يؤخذ بنصف السوط، و ثلثي السوط»،.
و يمكن إرجاع ما ذكره المحقق المشار إليه الى ما ذكرناه.
الرابع [تقويم الأمة على الواطئ بنفس الوطي]
ظاهر كلام الشيخ و هو ظاهر الرواية ايضا أنه تقوم الأمة على الواطئ بنفس الوطي و ظاهر الأصحاب كما سمعت من كلام ابن إدريس و العلامة أنه لا تقوم عليه و لا يلزمه ثمنها الا مع الحمل، لا بمجرد الوطي، و على ذلك حمل العلامة كلام الشيخ و الرواية المذكورة، و أنت خبير أو لا بأنه لا إشعار في الرواية، و لا في كلام الشيخ ذكر الحبل بالكلية، و ثانيا بأنه متى حمل الكلام فيهما على الحمل كما ذكره،- بمعنى أن قوله في الرواية و كذا في كلام الشيخ «و تقوم الأمة عليه» يعنى من حيث حملها بعد الوطي- فكيف يتم قوله في آخر الرواية و كذا في كلام الشيخ «فإن أراد أحد الشركاء الجارية كان له أخذها» مع تصريحه (قدس سره) بأنه ان كانت قد حبلت لا يجوز ذلك، و انما يجوز مع عدم الحبل.
و بالجملة فالظاهر أن اشتمال الرواية و كذا كلام الشيخ- بناء على حملها لها على ذلك- على هذين الحكمين أعنى التقويم على الوطي مع الحمل و عدمه، و جواز شراء بعض الشركاء لها- لا يخلو من تدافع كما لا يخفى لأنه إذا كان الحكم الشرعي بعد الوطي مجردا عن الحمل كما هو ظاهر الإطلاق، أو هو مع الحمل كما هو ظاهر الأصحاب هو التقويم على الواطئ فكيف يجوز لبعض الشركاء شراؤها.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 175.
477
ثم ان مما يدل على أن التقويم بمجرد الوطي كما هو ظاهر الخبر المذكور ما رواه
في الكافي عن عدة من أصحابنا (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) و في الفقيه عنه (عليه السلام) مرسلا قال: «سئل عن رجل أصاب جارية من الفيء فوطئها قبل أن تقسم؟ قال: تقوم الجارية و تدفع إليه بالقيمة و يحط له منها ما يصيبه منها من الفيء و يجلد الحد، و يدرأ عنه من الحد بقدر ما كان له فيها، فقلت: كيف صارت الجارية تدفع إليه بالقيمة دون غيره قال: لأنه وطئها، و لا يؤمن ان يكون ثمة حبل»،.
و الخبر كما ترى صريح الدلالة واضح المقالة في تقويمها على الواطئ بمجرد الوطي معللا بخوف الحبل، لا بوجوده بالفعل، كما ذكروه (رضوان الله عليهم) الا أنه
قد روى في الكافي و كذا في التهذيب عن إسماعيل الجعفي (2) عن ابى جعفر (عليه السلام) «في رجلين اشتريا جارية فنكحها أحدهما دون صاحبه، قال: يضرب نصف الحد، و يغرم نصف القيمة إذا أحبل».
و هي كما ترى دالة بمفهوم الشرط الذي هو حجة عند المحققين و عليه تدل جملة من الاخبار عدم القيمة مع عدم الحبل و هي مؤيدة لما ذكره الأصحاب
و روى في الكافي أيضا عن إسماعيل الجعفي (3) «عن ابى جعفر (عليه السلام) في جارية بين رجلين فوطئها أحدهما دون الأخر فأحبلها قال: يضرب نصف الحد و يغرم نصف القيمة»،.
الا أن هذه الرواية لا دلالة فيها على نفى القول بالقيمة بمجرد الوطي، و بالجملة فإن المعارضة هنا وقعت بين رواية العدة، و رواية إسماعيل الاولى، و إلا فرواية عبد الله بن سنان مطلقة، و الترجيح بحسب القواعد لرواية العدة لدلالتها صريحا على ما ذكرناه، و الأخرى انما تدل
____________
(1) الكافي ج 7 ص 194 الفقيه ج 4 ص 33.
(2) الكافي ج 7 ص 195 التهذيب ج 10 ص 30.
(3) الكافي ج 7 ص 195 التهذيب ج 10 ص 30.
478
بالمفهوم، و هو لا يعارض المنطوق الصريح، الا ان ظاهر اتفاق الأصحاب على الحكم- عدا إطلاق كلام الشيخ هنا- مما يعضد المفهوم المذكور، و المسألة لذلك محل اشكال و الله العالم.
الخامس [صيرورتها مع الحمل أم ولد]
قد عرفت ان مع الحمل تقوم الجارية على الواطئ، فالظاهر انه لا خلاف فيه لأنها مع الحمل تصير أم ولد و يلحقها حكم أمهات الأولاد و الولد حر، قالوا لان الاستيلاد بمنزلة الإتلاف لتحريم بيعها و انعتاقها بموت سيدها، فكان عليه غرامة حصص باقي الشركاء من الجارية و من الولد.
و ظاهرهم انه لا فرق بين كونه عالما أو جاهلا و هو ظاهر إطلاق رواية إسماعيل الجعفي المتقدمة و لو لا ذلك لأمكن الفرق بين الأمرين فإن مقتضى القاعدة مع العلم ان لا يكون الولد كله حرا لان الزنا بأمة الغير موجب لكون الولد للمالك،- لانه نماء ماله، الا أن الحكم هنا كما ذكره الأصحاب- و هو ظاهر الخبر المذكور- على خلاف ذلك، و كان تقويم حصص الشركاء في الولد من حيث سراية العتق ان قيل بها في مثله فإنها قهرية كما سيجيء تحقيقه إنشاء الله تعالى في موضعه اللائق به.
السادس- المعتبر في قيمة الولد قيمته يوم سقطه حيا
، فيقوم لو كان عبدا و يدفع الى باقي الشركاء حصصهم، هذا إذا لم يكن قومت عليه حاملا، و الا دخلت قيمته معها، و لو وقع الولد سقطا قبل التقويم استقرت ملك الشركاء للأم.
أما تقويم الام فهل المعتبر قيمتها عند الوطي، أو يوم التقويم، أو الأكثر منها؟
اختار في الدروس الأول، و في المسالك الثالث، و استظهر المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد أكثر القيم من حين الحمل الى زمان الانتقال، قال: و يحتمل حين الحمل، لانه وقت الإتلاف، و الأول أظهر، لأنه زاد في ملك الأول انتهى.
و الظاهر ان ما ذكره من الاحتمال هو الذي ذكره ابن إدريس بقوله- في عبارته
479
المتقدمة: يوم جنايته عليها، و الذي دلت عليه رواية عبد الله بن سنان المتقدمة أكثر الأمرين من قيمتها يوم التقويم و ثمنها، و هو ظاهر اختيار الشيخ فيما تقدم من عبارته و هو الأقرب.
السابع [عدم دخول الجارية في ملك الواطئ بمجرد الحمل]
- ينبغي ان يعلم انه لا تدخل الجارية في ملك الواطئ بمجرد الحمل، بل لا بد من التقويم و دفع القيمة أو ضمانها مع رضا الشركاء بذلك، و ظاهر الاخبار المتقدمة أنها تنتقل بمجرد التقويم، و مقتضى قواعد الأصحاب انه لا بد من صيغة البيع و دفع القيمة أو ضمانها، إلا أنك قد عرفت فيما تقدم ما في اشتراط الصيغة الخاصة من عدم الدليل على ذلك، و الظاهر أن ذكر التقويم في الاخبار خرج مخرج التجوز و الكناية عن دفع الثمن أو ضمانه، و أما اشتراط الرضا فالظاهر ان البيع هنا قهري على الشركاء.
الثامن
- قد عرفت أنه لا تدخل في ملك الواطئ بمجرد الحمل، بل لا بد من التقويم و دفع القيمة أو ضمانها و حينئذ ان كسب الجارية المذكورة و حق الخدمة مشترك بين الملاك قبل ذلك.
التاسع [عدم وجوب شيء بالوطي مع عدم الحمل إلا أن تكون بكرا]
ظاهر كلام ابن إدريس المتقدم انه مع عدم الحمل لا يجب عليه بالوطء شيء الا أن يكون بكرا فيجب عليه أرش البكارة، و هو تفاوت ما بين قيمتها بكرا و ثيبا و يسقط منه قدر نصيبه، أما لو كان ثيبا فلا شيء عليه، و ظاهر كلام العلامة المتقدم أن عليه أرش البكارة لو كانت بكرا قطعا و لو كانت ثيبا فعليه المهر، و الشيخ فيما تقدم من عبارته سكت عن ذلك.
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك القول بما ذهب إليه العلامة من إيجاب الجميع لو كانت بكرا أعنى أرش البكارة، و المهر لو كانت ثيبا، قال في الكتاب المذكور و يجب على الأب العقر (1) بسبب الوطي، سواء كانت بكرا أو ثيبا،
____________
(1) العقر بالضم: و هو دية فرج إذا غصب على نفسها و قيل: هو المهر أو ما تعطاه المرأة على وطئ الشبهة.
480
و هو العشر أو نصفه مضافا الى ذلك أرش البكارة، مستثنى منه قدر نصيبه على أصح القولين. انتهى (1) و نبه بقوله على أصح القولين على خلاف ابن إدريس كما عرفت، حيث انه لم يوجب شيئا مع الثيوبة، و مع البكارة لم يوجب إلا الأرش و قال المحقق الأردبيلي أنه لا بد من العقر بحصة الشركاء العشر و نصفه، و في أرش البكارة تأمل، و الظاهر العدم، لدخوله تحت عقر البكر، و لهذا سكت عنه الأكثر انتهى و ظاهره ان أرش البكارة انما هو العشر، و حينئذ فإذا وجب عليه في صورة ما إذا كانت بكرا من حيث كونه مهرا فلا معنى لإيجابه مرة أخرى من حيث كونه أرشا، مع أنك قد عرفت من كلام المسالك إيجاب الأمرين، الا ان ظاهر عبارة ابن إدريس يدل على ان أرش البكارة انما هو تفاوت ما بين قيمتها بكرا و ثيبا لا العشر، فعلى هذا لا منافاة بين وجوب الأمرين، و لا يحضرني الان خبر صريح في تفسير الأرش في هذا المقام بأحد المعنيين، الا ان صحيحة الوليد بن صبيح المتقدمة في المسئلة التاسعة ظاهرة فيما ذكره المحقق المشار اليه، و كيف كان فالظاهر هو ما ذكره المحقق المذكور، إذ لا يستفاد من الاخبار أزيد من ذلك.
العاشر [حكم مهر الأمة العالمة المطاوعة]
- خص العلامة فيما تقدم من كلامه وجوب المهر بما إذا كانت مكرهة أو جاهلة، و ظاهره كون المطاوعة أيضا كذلك- على خلاف فيها، و جزم ابن فهد في المهذب بأن العالمة المطاوعة لا مهر لها، و كأنه بنى على خبر (2) «لا مهر لبغي» و قد تقدم في المسئلة التاسعة قول شيخنا الشهيد بذلك في نظير هذه المسئلة للخبر المذكور و فيه ما ذكرناه ثمة
-
الحادي عشر [حرية الولد حين انعقاده]
- ظاهر الأصحاب حرية الولد حين انعقاده، فهو حرفي الأصل و ان لم يدفع الأب حصص الشركاء، و وجوب التقويم على أبيه
____________
(1) و اليه يميل كلام الشهيد في الدروس حيث قال: و في دخول أرش البكارة في المهر نظر و جمع الفاضل بينهما. انتهى منه (رحمه الله).
(2) التهذيب ج 10 ص 36 الكافي ج 5 ص 479.
481
لا يوجب رقيته، ففكه بالقيمة ليس على حسب فك الرق الوارث ليدفع اليه الميراث و يظهر الفائدة فيما لو أوصى له حملا، فإن الوصية صحيحة بناء على ما قلنا، و اما على تقدير انعقاده رقا و توقف تحريره على فكه من الرقية فلا.
الثانية عشر- لو سقط الولد بجناية جان عليه
، ألزم الجاني دية جنين حر للأب، و هو عشر دية، و على الأب للشركاء دية جنين الأمة و هو عشر قيمتها إلا قدر نصيبه، كذا ذكره جملة من الأصحاب هنا و الله العالم.
المسألة الخامسة عشر- لو تنازع المأذون بعد شراء كل منهما صاحبه من مولاه في الأسبق
، ليبطل بيع المتأخر لبطلان الاذن بزوال الملك، و لا بينة لهما و لا لأحدهما فما الحكم في ذلك؟ قال الشيخ في النهاية: المملوكان إذا كانا مأذونين في التجارة فاشترى كل واحد منهما صاحبه من مولاه، فكل من سبق منهما بالبيع كان البيع له، و كان الأخر مملوكا له، فان اتفق ان يكون العقد ان في حالة واحدة أقرع بينهما، فمن خرج اسمه كان البيع له، و يكون الأخر مملوكه و قد روى انه إذا اتفق العقدان في حالة واحدة كانا باطلين و الأحوط ما قدمناه. انتهى و تبعه على ذلك ابن البراج.
و قال ابن إدريس: و ان اتفق أن يكون العقدان في حالة واحدة كان العقد باطلا، و قد روى انه يقرع بينهما فمن خرج اسمه كان البيع له، و يكون الأخر مملوكه، و هذه الرواية لا يمكن المصير إليها، لأن القرعة تستعمل في الأشياء التي يجوز وقوع الصحة فيها و صحة أحدهما و بطلان الحكم الأخر، و هذا السؤال مبنى على انه وقع العقد ان في حالة واحدة و تحقق و تيقن ذلك، و قد روى انه يذرع الطريق و الأول من الأقوال هو الصحيح الذي يقوى في نفسي. انتهى.
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي و الصدوق في الفقيه عن أبي سلمة (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجلين مملوكين مفوض إليهما يبيعان و يشتريان بأموالهما، و كان بينهما كلام فخرج هذا يعد و الى مولى هذا، و هذا الى مولى هذا، و هما في القوة سواء، فاشترى هذا من مولى هذا العبد و ذهب هذا فاشترى من مولى هذا العبد الأخر، فانصرفا الى مكانهما فتشبث كل واحد منهما بصاحبه و قال له: أنت عبدي و قد اشتريتك من سيدك، قال: يحكم
____________
(1) الكافي ج 5 ص 218 الفقيه ج 3 ص 10 التهذيب ج 7 ص 72.
482
بينهما من حيث افترقا يذرع الطريق، فأيهما كان أقرب فهو الذي سبق الذي هو أبعد، و ان كانا سواء فهو رد على مواليهما» و زاد في الكافي «جاءا سواء و افترقا سواء الا ان يكون أحدهما سبق صاحبه، فالسابق هو له، إنشاء باع و إنشاء أمسك و ليس له أن يضربه».
قال في الكافي و في رواية أخرى «ان كانت المسافة سواء أقرع بينهما، فأيهما وقعت القرعة عليه كان عبده».
و روى الشيخ الخبر المذكور عن محمد بن يعقوب مع الزيادة، و كذا الرواية المرسلة الا ان فيه في آخر الرواية المرسلة «كان عبد الأخر» و هو أظهر، و على تقدير رواية الكليني يكون الضمير في عبده راجعا إلى الأخر، المفهوم من سياق الكلام و قرينة المقام.
ثم انه لا يخفى ان المستفاد من الخبر المذكور هو كون المال الذي بيد المأذونين مالهما، و هو مؤيد لما قدمناه من تملك العبد، و أن توقف التصرف على اذن السيد، و ان الشراء انما وقع لكل منهما، كما ينادى به قول كل واحد منهما للآخر أنت عبدي، و قوله في الزيادة التي في الكافي «فالسابق هو له، إنشاء باع و إنشاء أمسك» و أنه لو تحقق سبق أحد العقدين بقرب طريق أحدهما حكم بصحته و تقديمه، و هو ظاهر، و انه مع علم الاقتران بتساوي الطريقين فالعقدان باطلان.
و ظاهر الرواية المرسلة انه مع تساوى الطريقين الموجب للاقتران- كما عرفت- فالحكم القرعة، و كأنه الى هذه المرسلة استند الشيخ في النهاية فحكم بالقرعة في صورة الاقتران، و فيه مناقضة ظاهرة لما دل عليه الخبر الأول من الحكم بالبطلان مع تساوى الطريقين.
و جملة من الأصحاب منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك اعترض على الشيخ في الاستناد الى هذه الرواية، بأن المستفاد منها انما هو الاشتباه، قال في الكتاب المذكور: انه صرح في النهاية بالقرعة عند الاقتران محتجا بالرواية و هي لا تدل على
483
مطلوبه، لانه فرضها في كتابي الأخبار فيما إذا كانت المسافة متساوية، و اشتبه الحال، لا فيما إذا علم الاقتران. انتهى.
أقول الظاهر ان ما أورده على الشيخ غير وارد بعد التأمل في الخبرين المذكورين، و ذلك انه في الخبر الأول فرض ان العبدين حين خرج كل واحد منهما الى مولى الأخر كانا متساويين في القوة و العدو، و أن مشيهما و عدوهما واحد، فلذا أمر (عليه السلام) بذرع الطريقين، فان ظهر قرب أحدهما على السبق للقريب، و ان تساوى الطريقان حكم بالبطلان: و ما ذاك الا من حيث حصول الاقتران بين العقدين، لان المفروض تساويهما في الطريق، و تساويهما في العدو، فيلزم الاقتران و اليه يشير قوله في الزيادة التي في الكافي «جاءا سواء، و افترقا سواء» و من هذه الرواية حكم الأصحاب بالبطلان مع الاقتران، لاستحالة الترجيح بغير مرجح.
و الظاهر من ذكر الكليني المرسلة المذكورة بعد هذه الرواية أنها من تتمة الرواية الاولى، و مترتبة على ما ذكر فيها من السؤال و الجواب، و انما حصل الاختلاف في صورة تساوى الطريقين، فالرواية المسندة دلت على البطلان، و المرسلة دلت على القرعة، و به يحصل التعارض بين هاتين التتمتين، و احتمال كون هذه المرسلة رواية مستقلة لا معنى له، لعدم تقدم ذكر مسافة تشار إليها باللام العهدية، و بما ذكرنا يظهر ما في اعتراضهم على الشيخ و دعويهم أن المستفاد من المرسلة انما هو الاشتباه.
نعم يحصل الإشكال في المرسلة المذكورة بما ذكره ابن إدريس من حيث أن القرعة انما تكون مع صحة أحد العقدين و مجهوليته، فيستخرج ذلك الصحيح منهما بالقرعة، و أما مع علم الاقتران كما هو المفروض و المفهوم من سياق الكلام فالظاهر بطلانهما كما صرحت به الرواية الاولى، و بذلك يظهر بقاء المسألة في قالب الاشكال، و للأصحاب (رضوان الله عليهم) هنا شقوق و تفريعات و أحكام زائدة على ما يفهم من اخبار المسألة و خارجة عنها ليس للتعرض لها كثير فائدة بعد ما عرفت و الله العالم.
484
الى هنا تم الجزء التاسع عشر حسب تجزئتنا بحمد الله و منه و قد بذلنا الجهد غايته في تصحيحه و مقابلته للنسخة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه التي تفضل علينا بها حضرة حجة الإسلام العلامة السيد عبد اللطيف الحسيني القرشي دامت بركاته العالية و له الثناء الجميل و الشكر الجزيل و يتلوه الجز العشرون في أحكام بيع السلم إن شاء الله تعالى و نرجو من الله التوفيق على طبع بقية الاجزاء و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آله الطاهرين علي الاخوندي
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة
الجزء التاسع عشر
تأليف
الشيخ يوسف بن احمد البحراني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

