م 1

حياة شيخنا العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني

(قدس سره) المتوفى سنة 1186 بقلم السيد عبد العزيز الطباطبائي

م 2

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد سيد المرسلين و آله الطاهرين

تمهيد

مضت علينا اجيال و قرون منذ عصر التابعين و عهد الصادقين (عليهم السلام) الى يومنا هذا و تاريخنا العلمي حافل بإبطال عز نظيرهم في جهادهم الديني و أداء رسالتهم الى المجتمع، فقد نبغ منا علماء فطاحل و افذاذ محققون و اعلام جهابذة مشاركون في العلوم.

و الأجيال على ذلك متسلسلة و القرون متتابعة، و في كل خلف عدول من امة محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) ينفون عن دينه تأويل المبطلين و تحريف الغالين و انتحال الجاهلين (1) فلو قرأت تأريخهم (قدس الله أرواحهم) لوجدتهم في كل عصر و جيل قد أدوا رسالتهم، و نهضوا بأعباء واجبهم الديني، و خدموا العلم و الدين و الإنسانية بكتبهم و مؤلفاتهم، و أقلامهم و اقدامهم، و بيانهم و بنانهم، و جهادهم المتواصل و جهودهم الجبارة، و نضالهم و نصالهم، و جميع ما آتاهم الله من حول و طول، و لذلك سطعت آثارهم في سماء المجد و الشرف وافق الرفعة و العظمة، كالنجوم الزاهرة و الكواكب النيرة و الشهب الثاقبة. فجزاهم الله عن نبيه و عن دينه و عن أمته خيرا.

____________

(1) إيماز الى الأحاديث التي وردت في هذا المعنى: منها- ما رواه الكشي بإسناده عن ابى عبد الله (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: «يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين.» و رواه العلامة المجلسي (قدس سره) في بحاره ج 2 ص 92 ج 16 من طبعة سنة 1376.

م 3

و ان آثارهم لتتفاوت فيما بينها في الخلود و القبول، إذ الحظوظ تتفاوت في شتى النواحي، و الأنصباء تختلف في مختلف المراحل و الشؤون، فترى من بين تلك الكتب و المؤلفات كتبا حظيت بالنصيب الأوفر و الكيل الأوفى من القبول، فتلقتها الأوساط العلمية بكل ولع و شعف، و رجالات العلم و الدين بكل إكبار و إعجاب، و تداولتها أندية العلم درسا و تدريسا و تدقيقا و تحقيقا، و تناولتها أيدي العلماء نقدا و دفاعا و شرحا و تحشية. فكأن المولى (جل شأنه) قد طبعها بطابع القبول و وسمها بسمة الخلود، فلا تعرف الدثور و البلى و لا الدرس و العفاء، بل تزداد نضارة و جلالا و بهاء بمرور الدهور.

و ان في الطليعة من تلك الكتب كتابنا هذا الممثل للطبع (الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة) لمؤلفه الفقيه المحقق و المحدث المتتبع، الشيخ يوسف البحراني الدرازي، فقد طبقت شهرته الآفاق، و ملأ دوية الإرجاء، و دوي رجعة في الخافقين، و راح صداه يرن في الأسماع و يصك المسامع و يأخذ بمجامع القلوب.

و ناهيك به شهرة ان صار معرفا لمؤلفه الشهير، فلم يكد شيخنا المحدث البحراني يعرف و يعرف و لا يذكر و يميز إلا بقولهم عنه «صاحب الحدائق».

أما الكتاب فسيوافيك بحث ضاف عنه فيما نعقده (حول كتاب الحدائق).

و اما مؤلفة فإليك شيئا من ترجمته:

نسبه و مولده:

هو الفقيه العظيم و المحدث الكبير الشيخ يوسف نجل العلامة الكبير الحجة العلم الأوحد الشيخ احمد بن إبراهيم بن احمد بن صالح بن احمد بن عصفور بن احمد بن عبد الحسين بن عطية بن شيبة الدرازي البحراني.

كان مولده بقرية (ماحوز) حيث كان قد هاجر شيخنا الأوحد الشيخ أحمد

م 4

(والد المؤلف) من موطنه (دراز) إليها لينهي دراسته العالية علي شيخه المحقق الكبير الشيخ سليمان الماحوزي، و كان قد حمل معه عياله، فالقى رحله مستوطنا هناك عاكفا على الأخذ و التحصيل من شيخه المومأ اليه، و في مدة استقامته ولد له شيخنا المؤلف عام 1107.

حياته

نشأته- دراسته- تخرجه:

و حيث كان أول ذكر ولد لأبيه، اختص به جده لأبيه التاجر الصالح الكريم الحاج إبراهيم (و كان تاجرا له سفن و عمال يمتهن غوص اللؤلؤ، و يتعاطى تجارته و إصداره) فشب و درج في حجر جده البار، و نشأ و ترعرع تحت كلاءته، فاحضر له معلما في البيت يعلمه القراءة و الكتابة حتى اتقنهما، فقام والده بتدريبه و تربيته بكل عطف و حنان، و تصدى لتدريسه و تعليمه، و تولى ذلك بنفسه محافظا عليه يوليه عنايته و توجيهه، فطفق يلقي عليه الدروس الآلية، و يملي عليه المبادئ و يعلمه العربية. و يفيض عليه العلوم الأدبية و غير الأدبية، حتى أكملها و مهر فيها، و حاز مكانته السامية في فنون الأدب و تضلعه التام في علوم البلاغة. و سوف نستوفي البحث عنه فيما نعقده حول (أدبه).

و استمر على ذلك يقرأ على والده و يستقى من منهلة العذب و نميره الصافي الى ان خسرته الأمة عامة و خسره هو خاصة (تغمده الله برحمته).

و ان حياة شيخنا المؤلف (قدس سره) ملؤها البلايا و الفتن و الرزايا و المحن.

فكأنه قدر عليه من أول يومه ان يكون غرضا للآفات و النكبات، ففوق اليه الدهر نبال المصائب و سهام النوائب منذ نعومة أظفاره و أينما حل و ارتحل الى ان وافاه الأجل و هو في خلال ذلك كله مكب على دراسته مجد في اشتغاله مهتم بتآليفه.

م 5

فما إن مضت من عمره خمس سنين إلا و ابتدأت الفتن و الاضطرابات و الحوادث الداخلية في بلاده (البحرين) فوقعت الحروب القبلية بين القبيلتين (الهولة) و (العتوب) و طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، و استمرت هي و تبعاتها سنين.

و لما تنتهي هذه المشكلة، و لم يكد ينجو منها أهل البحرين إلا و دهموا بأعظم منها و أشد و أخزى، الا و هي هجمات الخوارج على البحرين كرة بعد اخرى، حتى إذا كانت السنة الثالثة حاصروها و احتلوها عنوة، فكانت وقعة عظمي و داهية دهماء، لما وقع من عظيم القتل و السلب و النهب و سفك الدماء و تلف الأموال، حتى اضطر وجهاء البلد و زعماؤها الى الجلاء عن أوطانهم فارين بعيالهم منجين أنفسهم، و منهم: والد المؤلف، فقد هاجر بعائلته الى القطيف و خلف أكبر ولده (المؤلف) في ذلك المأزق الحرج و الموقف الرهيب، عساه يتحفظ على ما تبقى من بقايا النهب، و عساه يسترجع بعضا مما نهب من أثاث و متاع، و لا سيما الكتب التي أخذت سلبا، و ذهبت نهبا، خلفه ليستنقذ الذاهب و ليتحفظ على الباقي و يبعث بذلك الى والده شيئا فشيئا.

و بعد سنين قضاها كما مر، لحق أباه بالقطيف فجدد به العهد، و كان والده قد سئم المقام بالقطيف و مل المكث هناك، لكثرة العيال و قلة ذات يده، و كان قد أقلقته أبناء نوائب بلاده و اخبار حوادثها المسيئة فاشغلت فكره و أزعجته أيما إزعاج حتى بلغه أن سرية جاءت من إيران لاستخلاص البحرين و انقاذها من أيدي الخوارج فتربص يترقب عواقب الأمور، حتى جاء النبإ بان الخوارج قد غلبوا الجيش الايراني و قتلوا الجند جميعا و احرقوا البلاد، و كان مما أحرقوه دارا مشيدة و بيتا معمورا لوالد المؤلف، فاتصل به نبأ إحراق الدار فاغتم لذلك غما شديدا اثر على صحته، فمرض من ذلك و طال به المرض شهرين الى ان وافاه اجله، و اختاره الله الى دار رحمته الواسعة ضحوة اليوم الثاني و العشرين من شهر صفر سنة 1131.

م 6

و كان أكبر ولده و ولي الأمر بعده شيخنا المؤلف، و له إذ ذاك من العمر اربع و عشرون سنة، فتكفل بعائلة والده على كثرتهم، و ناء بأعباء ذلك الحمل الباهض، و بقي بالقطيف سنتين يقرأ فيهما على العلامة الكبير الشيخ حسين الماحوزي، الى أن أخذت البحرين من الخوارج صلحا بعد دفع مبلغ خطير، فقفل شيخنا المؤلف إلى البحرين، و لبث بها بضع سنين ينهي دراسته على شيخيه الحجتين الشيخ احمد ابن عبد الله و الشيخ عبد الله بن علي البلاديين البحرانيين.

و شاء الله له ان يحج البيت، و بعد رجوعه عرج على القطيف و مكث بها لقراءة الحديث على شيخه العلامة الماحوزي المتقدم. الى ان زوده بالإجازة في الرواية عنه، فرجع الى البحرين و قد ضاق به الحال، لما ارتكبه من الديون، و كثرة العيال و قلة اليسار و لحصول الاضطرابات و المشاغبات الداخلية في البحرين، فغادرها إلى إيران بعد مقتل الشاه سلطان حسين الصفوي.

إلى إيران

و بعد احتلال الافاغنة بلاد إيران و قتلهم الشاه سلطان حسين آخر ملوك الصفوية و ذهاب ملكهم، تفاقمت الاضطرابات في البحرين و عمها الفوضى و استمرت الثورات الداخلية، حتى ألجأت شيخنا المترجم له الى مغادرة بلاده و الجلاء عن وطنه فغادرها إلى إيران، و حل برهة في كرمان، ثم ارتحل الى شيراز و استقر مقيما بها على عهد حاكمها (محمد تقي خان) فعرف لشيخنا المترجم له علمه و فضله و تقاة فقربه و عظمه، و لقي الشيخ منه حفاوة بالغة و إعظاما و تبجيلا، فلبث بها غير يسير مدرسا و اماما، ناهضا بأعباء الوظائف الشرعية، حيث ألقت إليه الزعامة الروحية مقاليدها، و تفرغ للمطالعة و التأليف، و البحث و التدريس، و الإجابة على الأسئلة الدينية، فألف جملة من الكتب و عدة من الرسائل، على فراغ البال و رفاهية الحال و رغد في العيش،

م 7

و ما إن أمهله الدهر حتى عصفت بتلك البلاد عواصف الأيام التي لا تنيم و لا تنام، ففرقت شملها، و بددت أهلها، و نهبت أموالها، و هتكت نساءها، و لعب الزمان بأحوالها، فغادرها المترجم له الى بعض القرى، و استوطن قرية (فسا) و حاكمها آنذاك الزعيم (محمد علي) فاجل الشيخ و عظمه، فصرف أوقاته كلها فيما تتوق اليه نفسه، و ما هي أمنيته من حياته، و هي المطالعة و التصنيف و التدريس، فصنف كتبا و رسائل و ابتدأ هناك بتصنيف (الحدائق الناضرة) و استمر فيه الى باب الأغسال، حتى ثار طاغية شيراز (نعيم دان خان) الثائر بها من ذي قبل في أخريات عام 1163، فنزل بتلك البلاد ايضا من حوادث الأقدار ما أوجب تشتت أهلها إلى الأقطار، و تفرق جمعها الى الصحاري و البرار، فقتل حاكمها (محمد علي) و هجم حتى على دار المترجم له و هو مريض، و نهبت أمواله و أكثر كتبه و مؤلفاته القيمة التي هي أعز عليه من نفسه و ثمرات حياته الثمينة. و فيها يقول من قصيدة تأتي:

و أعظم حسرة اضنت فؤادي * * * تفرق ما بملكي من كتاب

ففر منها مريضا بعائلته صفر اليد يجوب الجبال و القفار، حتى استقر بناحية (اصطهبانات) و لبث بها مدة يقاسي مرارات الآفات و يكابد أنواع النكبات، كما لم يزل على ذلك طيلة حياته في بلاده و اغترابه، لم تشذ عن بلدته اي بلدة لجأ إليها من (شيراز) فقرية (فسا) فناحية (اصطهبانات) فلم يستطع الفرار منها و لم يمكنه التباعد عنها، فما فر من بلية الا و مني بأعظم منها، و ما تخلص من رزية إلا و دهمته أدهى منها، فقضى حياته تتعاوره البلايا و تتعاقبه الفتن، و تحوطه المصائب و تدور عليه دوائرها، و لهذا لم يكد يوجد لشيخنا المترجم له قصيدة إلا و يذكر فيها ما عاناه من كوارث، و يعدد ما قاساه من نكبات: منها- قصيدة بعثها من اصطهبانات إلى إخوته يشكو إليهم حاله و يصف لهم ما حل به من ملمات استهلها بقوله

م 8

الا من مبلغ عصر الشباب * * * و شبانا به كانوا صحابي

و هي قصيدة طويلة مثبتة في كشكوله ج 2 ص 237 ننتخب منها ما يلي

و قد أصبحت في دهر كنود * * * به الغارات تشعل بالتهاب

و قد خلت المساكن من ذويها * * * فرارا في الوهاد و في الهضاب

مصائب قد غدت منها دواما * * * دموع العين تجري بانسكاب

علتني نارها فغدوت منها * * * طريدا في الصحاري و الشعاب

و أعظم حسرة اضنت فؤادي * * * تفرق ما بملكي من كتاب

لقد ضاقت علي الأرض طرا * * * و سد علي منها كل باب

طوتني النائبات و كنت نارا * * * على علم بها طي الكتاب

و اجلى ظاهرة من حياة هذا الشيخ المجاهد- تلفت الانظار و تزيد الباحث إعجابا به و اكبارا له- هو دؤوبه في العمل بكل حول و طول و قوة، و السعي في مهمته بكل بهجة و نشاط، مهما بلغت به الحال في تلك الظروف القاسية و المواقف الحرجة، فتراه في خلالها كلها مكبا على مطالعاته، جادا في تآليفه، دائبا في عمله، سائرا في نهجه، مستمرا في خطته، ماضيا في مشروعة، فانيا في مبدأه، فسبحان خالق تلك النفس الجبارة التي لا تعرف السأم و لا الملل، و لا يعيقها شيء، و لا يحول دون ما ترومه اي مانع، فقد أنتج من بين تلك الظروف و هاتيك الأدوار كتبا قيمة ناهزت الأربعين و انتشرت له من بين السلب و النهب آثارا ثمينة و مآثر خالدة (و سوف يوافيك عدها) و شعت من بين تلك الأدوار المظلمة و العصور الحالكة اشعاعات فضائله و فواضله، فأنارت للقوم سبيل هداهم و مهيع رشدهم.

و الى هذه الظاهرة لوح العلامة الجابلقي في (الروضة البهية) حيث قال: «فلينظر المشتغلون الى ما وقع على هذا الشيخ من البلايا و المحن و مع ذلك كيف اشتغل و صنف تصنيفات فائقة.»

م 9

في كربلاء

و منذ حل اصطهبانات عزم على مغادرة بلاد إيران، و صمم على المقام بالعراق حيث الأعتاب المقدسة، و منبثق أنوار العلم و الفضيلة، فأخذ في تمهيد مقدمات سفره، فغادر بلاد إيران و يمم العراق، فالقى رحله في كربلاء المشرفة، موطنه الأخير و مستقره الأبدي و انا لم نقف على تاريخ هبوطه كربلاء إلا ان الذي يظهر من تاريخ بعض تآليفه انه حل بها قبل عام 1169.

و قد حل شيخنا المؤلف بالحائر المقدس حين كانت تلك البلدة القدسية من أكبر معاهد العلم للشيعة، و كانت تضاهي النجف الأشرف بمعاهدها الدينية و أعلامها الافذاذ، حل بها على عهد زعيمها الأوحد الأستاذ الأكبر معلم البشر شيخنا الوحيد البهبهاني (قدس سره) مجدد المذهب في القرن الثالث عشر. فكانت كربلاء على عهد هذا الزعيم العظيم في الغارب و السنام من المجد و العظمة، فقد بلغت ذرى عزها الشامخ، و تسامى شرفها الباذخ، حيث كانت آنذاك مفعمة بالأوضاح و الغرر من صيارفة العلم و نقاد الفضيلة، طافحة بأعلام الأمة و رجالات الدين، محتشدة بكبار المجتهدين و افذاذ المحققين، ممن انعقدت عليهم تيجان العلم. و رفت عليهم ألوية الفضيلة، و خفقت عليهم بنود الكمال.

و لقد كان لشيخنا المؤلف حينئذاك صيت شامخ دوي في العالم ذكره، فملأت الإرجاء شهرته الطائلة، لما ذاع و شاع بين الملأ الديني من آثاره القيمة و مآثره الخالدة و أسفاره الثمينة، فعرفته الأوساط العلمية و أقرانه من اعلام عصره بعلمه الغزير، و أدبه الجم، و تضلعه في العلوم، و تبحره في الفقه و الحديث، و انما يعرف الفضل ذووه.

و لذلك لما هبط كربلاء رحب بقدومه أعلامها، و سر به فطاحلها، فتوسط أندية العلم و حلقات التدريس، و انضوى اليه عير يسير من أولئك الافذاذ يرتشفون من بحر

م 10

علمه المتدفق. كأربعة من المهديين الخمسة- و هم من أشهر مشاهير تلامذة الأستاذ الأكبر- و العلمين الحجتين صاحبي الرياض و القوانين. و غيرهم من كبار المجتهدين ممن تخرجوا عليه، و يأتي سرد أسمائهم بأجمعهم في (تلامذته).

و ازداد أولئك النياقد خبرا بغزارة علمه و فضله، و مكانته المرموقة في الفقه و الحديث. بعد ان وقفوا عليه من كثب، و دارت بينه و بين الأستاذ الأكبر المحقق الوحيد (نور الله ضريحهما) مناظرات كثيرة طويلة في الأبحاث العلمية العميقة، ربما استوعب بعضها الليل كله. و قد تعرض لسرد تلك المناظرات القيمة سيدنا الحجة أبو محمد السيد حسن الصدر في كتاب (بغية الوعاة).

فلم يفتأ منذ حل بها زعيما روحيا يزهو به دست الزعامة و التدريس، و اماما في مسجده الخاص (الموجود الآن، و هو بباب الصحن السلطاني قبال مسجد زميله الوحيد، و قد جدد بناؤه في العام الماضي).

و لم يبرح طيلة مقامه بها- و ربما بلغت العشرين سنة- مصدرا للفتيا، ينوء بأعباء الوظائف الشرعية و الزعامة الروحية، تتقاطر عليه الأسئلة تترى من شتى النواحي النائية و مختلف البلاد الشاسعة، فيجيب عنها بالفتوى المحضة تارة و مشفوعة بالأدلة المبسوطة اخرى (حسب رغبة سائليها) و مدرسا يسقى الجماهير الكثيرة و الجموع الغفيرة من نمير علمه و بحر فضله و إفضاله، فأكب على التدريس و التأليف و التصنيف، كما كان ذلك دأبه أينما ترامت به يد الأقدار و مهما بلغت به الحال.

و في خلال مقامه بها زار النجف الأشرف و لم نعلم مدة لبثه بها إلا ان الظاهر انه ألف كتابه الدرر النجفية في النجف الأشرف خلال مكثه بها.

مشايخه في الدراسة و شيوخه في الرواية

نحو و لو استطردنا بعض القول عن تخرج شيخنا المؤلف طي نشأته، غير ان

م 11

الاجدر به عقد بحث يخصه، فإنه (قدس سره) لم يشبع بهمته العلمية اعلام بيئته و جهابذة بلاده، فقد كان العلم بغيته. و الفقه منيته، و الحديث طلبته، و الحكمة ضالته يلتقطها حيث يجدها. و يتطلبها من مظانها، فكانت له في سبيل أخذ العلم و كسب الفضيلة تجولات و رحلات الى أمهات المعاهد العلمية في إيران و العراق، و قد اجتمع- لا محالة- بأمة كبيرة من صيارفة العلم و الفضيلة. و جهابذة الفقه و الحديث من بقايا اعلام ذلك العصر الذهبي عصر الدولة الصفوية، و هي أعظم حكومة إسلامية خدمت العلم و أيدت رجالات الدين، و عاضدت الملأ العلمي.

كما و ان شيخنا المؤلف قد حج البيت، و زار مشاهد أئمة الهدى (صلوات الله و سلامه عليهم) و أتيحت له عدة رحلات الى النجف الأشرف مرتكز لواء العلم و الدين و عاصمة الفقه و الحديث، و منتدى الفضيلة و الأدب، و محتشد الفطاحل و المحققين، فالتقى بعلمائها، و تلقى من أعلامها، بل لم يكن ليقتنع بمن اجتمع به من العلماء، فكان يستدر ضروع العلم بالمكاتبة، كما كانت له مراسلات في المعضلات العلمية مع شيخه المحدث الجيلاني، يوجد بعضها في كشكوله، و ذلك قبل زيارته له و اجتماعه به، فأنتج كله ذلك فيه تعمقا في التفكير، و نضجا في الرأي، و غزارة في العلم و تبحرا في الفقه. و تضلعا في الحديث.

و اما الذين عدهم هو من مشايخه و نص عليهم في اللؤلؤة فهم أربعة، و هم:

1- والده العلامة الحجة العلم الأوحد الشيخ أحمد، يأتي إيعاز الى ترجمته في (أسره المؤلف).

2- العلامة الفذ الشيخ احمد بن عبد الله بن الحسن بن جمال البلادي البحراني المتوفى سنة 1137.

3- المحقق الحجة الشيخ حسين ابن الشيخ محمد جعفر الماحوزي المتوفى

م 12

عام 1171، و هو عمدة مشايخه و شيوخه في الفقه و الحديث.

4- الشيخ عبد الله بن علي بن احمد البلادي البحراني المتوفى في شيراز سنة 1148.

كما ان لشيخنا المؤلف في الإجازة و الرواية أيضا شيوخ أربعة يروي عنهم بطرقهم الكثيرة المذكورة في اللؤلؤة اجازة و قراءة و سماعا، و هم: شيخاه الأخيران.

3- السيد عبد الله ابن السيد علوي البلادي البحراني، و من طريقه يروي المؤلف عن والده الشيخ احمد.

4- المحدث الكبير المولى محمد رفيع بن فرج الشهير بالمولى رفيعا الجيلاني، و هو أعلى اسنانيده، لانه يروي عن العلامة المجلسي.

تلامذته

أشرنا فيما سبق الى ان شيخنا المؤلف ما حل بلدة يقيم بها إلا و انثال عليه لفيف من أفاضلها المشتغلين و طلاب العلم و الفضيلة، فتعقد له حلقات التدريس، يستقون من نمير علمه و يرتوون من عباب فضله، الا انه من المؤسف جدا ان التاريخ أهمل الجميع ممن تخرجوا عليه في بلاد إيران و لا سيما معهدها الديني (شيراز) كما انه قصر في ضبط الكثير من أولئك الجموع الغفيرة الذين تخرجوا عليه في مقره الأخير (كربلاء) و قد لبث بها زعيما مدرسا طيلة عشرين سنة يوم كانت تعج بالألوف من العلماء و المشتغلين، فلم نقف منهم- على كثرتهم- الا على افذاذ، و هم:

1- الرجالي الشهير أبو علي الحائري محمد بن إسماعيل مؤلف منتهى المقال.

2- المحقق القمي ميرزا أبو القاسم صاحب القوانين.

3- السيد احمد العطار البغدادي المتوفى سنة 1215.

4- السيد أحمد الطالقاني النجفي المتوفى سنة 1208.

م 13

5- الشيخ أحمد الحائري.

6- الشيخ احمد بن محمد ابن أخي المؤلف تأتي ترجمته في (أسره المؤلف).

7- الأمير السيد عبد الباقي بن مير محمد حسين الخاتون سبط العلامة المجلسي.

8- الشيخ حسن ابن المولى محمد علي السبزواري الحائري.

9- الشيخ حسين بن محمد ابن أخي المؤلف و متمم (الحدائق) تأتي ترجمته في (أسره المؤلف).

10- السيد شمس الدين المرعشي الحسيني النسابة المتوفى سنة 1200 و هو جد سيدنا الحجة النسابة السيد شهاب الدين المرعشي.

11- الشيخ علي بن علي التستري.

12- الشيخ علي بن رجب علي.

13- الشيخ محمد علي الشهير ب(ابن السلطان).

14- الأمير السيد علي الحائري صاحب الرياض.

15- الشيخ محمد بن علي التستري الحائري.

16- الحاج معصوم.

17- آية الله السيد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة 1212.

18- المحقق النراقي المولى محمد مهدي الكاشاني مؤلف (مستند الشيعة).

19- آية الله السيد ميرزا مهدي الشهرستاني.

20- السيد ميرزا مهدي بن هداية الله الأصفهاني الخراساني الشهيد سنة 1216 أستاذ بحر العلوم في الفلسفة، و هو الذي لقبه، (بحر العلوم).

21- الحاج ميرزا يوسف الطباطبائي المرعشي القاضي التبريزي المتوفى 1242

م 14

الراوون عنه

غير خفي على من له إلمام بطرق الروايات و مشيخة الإجازات، ان شيخنا المؤلف من عقود جمانها، فقد انتهت اليه سلاسل الإجازات و حلقات الروايات، و قد أثبتها شيخنا الحجة العلامة النوري في (خاتمة مستدركه) و تلميذاه الشيخان العلمان الرازيان شيخنا الحجة ميرزا محمد العسكري مؤلف (المستدرك على البحار) المتوفى في 28 ج 1 سنة 1371 في الاجزاء الثمانية من المستدرك على إجازات البحار، و شيخنا المحقق البحاثة الشيخ آقا بزرك صاحب الذريعة دام ظله في (إجازات القرون الثلاثة) و (الاسناد المصفى الى آل المصطفى) و إليك أسماء من وقفت عليه ممن أجاز لهم شيخنا المؤلف، فروينا بطرقنا إليهم عنه و هم:

1- الشيخ احمد ابن الشيخ حسن بن علي بن خلف الدمشقاني.

2- الشيخ احمد بن محمد، ابن أخي المؤلف.

3- السيد الأمير عبد الباقي الحسيني الخاتون الأصفهاني سبط العلامة المجلسي و شيخ اجازة بحر العلوم.

4- الشيخ حسين ابن الشيخ محمد، ابن أخي المؤلف واحد المجازين بلؤلؤة البحرين لقرتي العينين.

5- الشيخ خلف ابن الشيخ عبد علي، ابن أخي المؤلف و الثاني من المجازين باللؤلؤة، تأتي له ترجمة في (أسره المؤلف).

6- الشيخ زين العابدين ابن المولى محمد كاظم، كتب له اجازة على كتاب التهذيب تاريخها 1168.

7- الشيخ سليمان بن معتوق العاملي.

م 15

8- السيد شمس الدين النسابة الحسيني التبريزي المتوفى 1200.

9- السيد عبد العزيز بن أحمد الموسوي النجفي، تاريخ أجازته 1167 10- السيد عبد الله بن السيد علوي الموسوي الغريفي البحراني الشهير ب (عتيق الحسين) (عليه السلام) القاطن في بهبهان، و يروي عنه بالإجازة المدبجة، تاريخ الإجازة عام 1153، و قد تقدم ذكره في شيوخ المؤلف، و صورة الإجازة عند العلامة السيد شهاب الدين المرعشي.

11- الشيخ علي بن حسين بن فلاح البحراني.

12- الشيخ علي بن محمد بن علي بن عبد النبي بن محمد ابن الشيخ سليمان المقابي البحراني.

13- الأمير السيد علي الحائري صاحب الرياض ابن أخت الوحيد البهبهاني.

14- علي بن موسى البحراني.

15- الشيخ محمد علي الشهير ب (ابن السلطان).

16- الشيخ محمد بن الحسن البحراني.

17- الحاج معصوم.

18- المولى محمد مهدي الفتوني، من شيوخ اجازة بحر العلوم.

19- المولى محمد مهدي النراقي صاحب (المستند) و (جامع السعادات) و غيرهما.

20- آية الله السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي المتوفى 1212، يوجد نص الإجازة ذيل فوائده الرجالية.

21- آية الله السيد ميرزا مهدي الشهرستاني.

22- السيد ميرزا مهدي الرضوي الخراساني الشهيد سنة 1216، كما نص عليه في إجازته للسيد دلدار علي الهندي.

م 16

23- الشيخ موسى بن علي البحراني.

24- الشيخ ناصر بن محمد الجارودي الخطي البحراني.

جمل الثناء و حلل الاطراء

و هؤلاء أصحاب المعاجم و أرباب التراجم مصفقين على إكبار المؤلف و الثناء عليه ممن عاصره الى اليوم، و إليك نصوص جملة منهم، فمنهم:

1- تلميذه أبو علي الحائري مؤلف منتهى المقال المشهور ب (رجال ابي علي) قال في ترجمة المؤلف: عالم فاضل متبحر ماهر متتبع محدث ورع عابد صدوق دين، من اجلة مشايخنا و أفاضل علمائنا المتبحرين. و بعين ما مر كلام العلامة المامقاني في تنقيحه.

2- و قال تلميذه الأمير عبد الباقي سبط العلامة المجلسي في منتخب لؤلؤة البحرين: كان فاضلا عالما محققا نحريرا مستجمعا للعلوم العقلية و النقلية.

3- و قال المحقق الكبير الشيخ أسد الله التستري في مقابسه: العالم العامل المحقق الكامل، المحدث الفقيه، المتكلم الوجيه، خلاصة الأفاضل الكرام، و عمدة الأماثل العظام، الحاوي من الورع و التقوى اقصاهما، و من الزهد و العبادة اسناهما، و من الفضل و السعادة أعلاهما، و من المكارم و المزايا اغلاهما، الرضي الزكي التقي النقي، المشتهر فضله في أقطار الأمصار و أكناف البراري، المؤيد بعواطف ألطاف الباري.

4- و قال المحقق الخوانساري صاحب الروضات: العالم الرباني و العامل الإنساني شيخنا الأفقه الأوحد الأحوط الأضبط، صاحب الحدائق الناضرة، و الدرر النجفية، و لؤلؤة البحرين، و غير ذلك من التصانيف الفاخرة الباهرة التي تلذ بمطالعتها إلا للأنفس، و تقر بملاحظتها العين، لم يعهد مثله من بين علماء هذه الفرقة الناجية في التخلق بأكثر المكارم الزاهية، من سلامة الجنبة، و استقامة الدربة، و جودة السليقة

م 17

و متانة الطريقة، و رعاية الإخلاص في العلم و العمل، و التحلي بصفات طبقاتنا الأول، و التخلي عن رذائل طباع الخلف الطالبين للمناصب و الدول.

5- و قال العلامة المحدث ميرزا محمد النيسابوري الأسترآبادي في رجاله:

كان فقيها محدثا ورعا.

6- و قال مؤلف نجوم السماء في تراجم العلماء ما معربة: صاحب الحدائق من العلماء المتأخرين، و الكمل المحدثين، و الفقهاء المتبحرين، و أعاظم أصحاب الدين، و أرباب الإنصاف و الاعتدال بين طريقتي الأصوليين و الأخباريين.

7- و قال العلامة المولى شفيع الجابلقي في إجازته الكبيرة المسماة ب (الروضة البهية، في الإجازات الشفيعية): اما الشيخ المحدث المحقق الشيخ يوسف (قدس سره) صاحب الحدائق فهو من أجلاء هذه الطائفة، كثير العلم، حسن التصانيف، نقي الكلام بصير بالأخبار المروية عن الأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) يظهر كمال تتبعه و تبحره في الآثار المروية بالنظر الى كتبه سيما الحدائق الناضرة، فإنها حقيق ان تكتب بالنور على صفحات و وجنات الحور، و كل من تأخر عنه استفاد من الحدائق الناضرة (جزاه الله عن الإسلام و اهله أفضل جزاء المحسنين) و كان ثقة ورعا عابدا زاهدا. و بالجملة هذا الشيخ من فحول العلماء الأجلة، فلينظر الى ما وقع على هذا الشيخ من البلايا و المحن، و مع ذلك كيف أشغل نفسه و صنف تصنيفات فائقة؟

8- و قال العلامة الكبير المحدث النوري في خاتمة مستدركه في عد مشايخ بحر العلوم: سابعهم العالم العامل المحدث الكامل الفقيه الرباني.

9- و قال العلامة المولى حبيب الله الكاشاني، في كتابه لباب الألقاب:

صاحب الحدائق الناضرة و كان عالما فاضلا محدثا متتبعا أخباريا.

10- و قال في الدرر البهية: كان فاضلا محققا مدققا، لم يكن له في عصره

م 18

ثاني، لقد صنف فأكثر، و اشتهرت مصنفاته و كتبه.

و قال العلامة الشيخ علي البحراني مؤلف أنوار البدرين في تراجم علماء الأحساء و القطيف و البحرين: العالم العامل الجليل، الفاضل الكامل النبيل، عديم النظير و المثيل، العلامة المصنف الرباني الشيخ، الأجل الشيخ يوسف. صاحب الحدائق الناضرة و غيره من المصنفات الفاخرة، شيخ مشايخ العراق و البحرين، العري من كل وصمة و شين:

و قال: هذا الشيخ العلام من أكابر علماء الأديان و الإسلام، و من أكبر أعاظم أرباب النقض و الإبرام، و قد ذكره كل من تأخر عنه و أثنوا عليه الثناء الجميل علما و عملا و تقوى و نبلا. و بالجملة فهذا الشيخ من أعاظم العلماء الاعلام و أكابر أساطين علماء الإسلام.

11- و قال خاتمة المحدثين العلامة القمي في الفوائد الرضوية ما معربة: هو الشيخ العالم العابد العامل، و المحدث الورع الكامل، الفاضل المتبحر الجليل، المتتبع الماهر النبيل، مرجع الفقهاء الاعلام، و فقيه أهل البيت (عليهم السلام)، عالم رباني، و فقيه بحراني، صاحب التصانيف الرائقة النافعة الجامعة التي أحسنها الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، و هو كتاب جليل في الغاية كثير النفع.

و قال أيضا في (هدية الأحباب): عالم فاضل محدث ورع كامل، مرجع الفقهاء الاعلام فقيه أهل البيت (عليهم السلام).

12- و قال شيخنا الحجة المحقق الفذ العلامة الاميني متع الله الأمة ببقائه في شهداء الفضيلة: فقيه الطائفة و محدثها الكبير الشيخ يوسف بن احمد، و كتابه (الحدائق) الدائر السائر بين الفقهاء ينم عن غزارة علم مؤلفه و تضلعه في العلوم و تبحره في الفقه و الحديث، كما يشف كتابه (لؤلؤة البحرين) عن سعة اطلاعه على أحوال الرجال و طرق إجازات المشايخ.

م 19

13- و قال العلامة الخياباني في ريحانة الأدب في المعروفين بالكنى و اللقب:

عالم رباني، فقيه جليل، محدث نبيل، محقق مدقق، علامة متبحر، عابد زاهد متدين، متخلق بمكارم الأخلاق، حاز غاية الشهرة في العلم و العمل و جودة السليقة.

14- و قال العلامة ابن يوسف، في فهرست مكتبة سپهسالار ج 1 ص 399:

هو من كبار العلماء و الفقهاء و المحدثين.

15- و قال مترجمه في مقدمة الحدائق المطبوعة في إيران (تبريز) سنة 1315:

و ممن صرف لخدمة هذا العلم (الفقه) أيامه، و اشتغل بتحقيقه شهوره و أعوامه، و كان ممن قدح في زند الفضل فاورى، و جمع من نكات العلم فأوعى، الشيخ الجليل و الحبر النبيل فريد عصره و وحيد دهره، الجامع بين رتبتي الرواية و الدراية، و الرافع من ألوية الفضائل ارفع راية، المحقق الفاضل المدقق، و محدث الزمان و راوية الأوان، المستخرج من تيار أنواع العلوم غوالي اللئالي، الشيخ يوسف. فإنه (رحمه الله) ممن حاز في هذه الاعصر الأواخر قصبات السبق في مضمار التحقيق، و استنزل عصم المشكلات من معاقلها فأخذ منها المسك الفتيق، و غاص بحار الاخبار فاستخرج ما يزري باللؤلؤ الثمين، و لا غرو في ذلك فإنه من بحرين.

تآليفه

1- أجوبة الشيخ احمد ابن الشيخ حسن الدمستاني البحراني.

2- أجوبة الشيخ احمد بن يوسف بن علي بن مظفر السيوري البحراني.

3- أجوبة المسائل البهبهانية، الواردة من بهبهان، سأله عنها السيد عبد الله ابن السيد علوي البحراني القاطن ببلدة بهبهان، توجد عند الحجة السيد شهاب الدين المرعشي النجفي بقم.

4- أجوبة المسائل الخشتية، سأله عنه الشيخ إبراهيم الخشتي.

م 20

5- أجوبة المسائل الشاخورية، سأله عنها السيد عبد الله ابن السيد حسين الشاخوري.

6- أجوبة المسائل الشيرازية.

7- أجوبة المسائل الكازرونية، وردت من كازرون من الشيخ إبراهيم ابن الشيخ عبد النبي البحراني.

8- أجوبة الشيخ محمد بن علي بن حيدر القطيفي، و لعلها متحدة مع التي تلوها.

9- أجوبة المسائل النعيمية، سأله عنها الشيخ محمد بن علي بن حيدر النعيمي (1).

10- الأربعون حديثا، في مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) استخرجها من كتب العامة، قال شيخنا العلامة الرازي في الذريعة ج 1 ص 431: «يقرب من الف بيت، أول أحاديثه مستخرج من شرح المقامات للمطرزي، يوجد في مكتبة سردار كابلي».

11- اعلام القاصدين الى مناهج أصول الدين، خرج منه الباب الأول في التوحيد.

12- الأنوار الحيرية، و الأقمار البدرية، في جواب المسائل الاحمدية تقرب من مائة مسألة، نسبة الى الحير و هو الحائر الحسيني على مشرفه السلام.

(اجازة كبيرة مبسوطة) تأتى باسمها (لؤلؤة البحرين).

____________

(1) هذه المؤلفات التسعة أوردها شيخنا الحجة العلامة الرازي دام ظله في الجزء الثاني من موسوعته (القيمة الذريعة الى تصانيف الشيعة في حرف الالف بعنوان (الأسئلة.) و في الخامس في حرف الجيم بعنوان (جوابات المسائل.) و نحن ذكرنا ها هنا في حرف الالف بعنوان أجوبة المسائل. تبعا لما عبر به مؤلفها في لؤلؤته.

م 21

(أنيس المسافر و جليس الحاضر) أو بالعكس أو جليس المسافر و أنيس الخاطر أو بالعكس، يأتي بعنوان (الكشكول).

13- تدارك المدارك، فيما هو غافل عنه و تارك. و هو حاشية على كتاب (مدارك الأحكام) للفقيه العاملي السيد محمد سبط الشهيد الثاني، خرج منه كتاب الطهارة و الصلاة، و عاقه عن إتمامه اشتغاله بكتابه الكبير المهم (الحدائق) و أدرج بقية مناقشاته مع صاحب المدارك هناك.

(جليس الحاضر و أنيس المسافر، أو جليس المسافر و أنيس الحاضر) و بتصحيف الحاضر بالخاطر فيهما، تقدمت الإشارة اليه و يأتي باسم (الكشكول).

14- حاشية على كتابه تدارك المدارك.

15- حاشية على شرح الشمسية في المنطق.

16- حاشية على الوافي، لشيخ العلوم العقلية و النقلية، المحدث المحقق الفيض الكاشاني، و هي تعليقة على كتاب الصوم منه فحسب.

17- حاشية على كتابه لؤلؤة البحرين.

18- حواش و تعاليق على كتابه الدرر النجفية، طبعت بهامش الأصل.

19- حواش على كتاب (الحدائق) طبعت بهامش الأصل.

20- الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة. و هو كتابنا هذا الماثل للطبع، و قد طبع لأول مرة قبل ستين سنة استوعب طبعه اربع سنين، بوشر بطبعه في (تبريز) من سنة 1315 الى 1318 في ستة مجلدات و ربما كان بعض دوراته في خمسة مجلدات، و هو من كتاب الطهارة الى كتاب الظهار، ثم تممه تلميذه و ابن أخيه الشيخ حسين، و سوف نستوفي البحث عن الكتاب فيما نعقده فيما بعد (حول كتاب الحدائق).

21- الخطب: خطب الجمعات و الأعياد، يوجد عند الحجة السيد شهاب الدين المرعشي.

م 22

22- الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية، قال عنه المؤلف في (اللؤلؤة):

فهو كتاب لم يعمل مثله في فنه (1) مشتمل على تحقيقات رائقة، و أبحاث فائقة» و قال الحائري في منتهى المقال: «و هو كتاب جيد جدا مشتمل على علوم و مسائل، و فوائد و رسائل، جامع لتحقيقات شريفة و تدقيقات لطيفة».

و قال شيخنا العلامة الرازي في الذريعة ج 8 ص 140: «فيها مسائل معضلة و رسائل ذات دقائق لطيفة» و هي سبعون درة، ربما يظهر منها انه ألفها حين مقامه في النجف الأشرف، فرغ من تأليفها في العشرين من ذي القعدة سنة 1177 و طبعت سنة 1307، و مقدمات (الحدائق) الاثنتي عشرة مبثوثة في درره بتغيير يسير.

23- رسالة في تحقيق معنى الإسلام و الايمان، و ان الايمان عبارة عن الإقرار باللسان و الاعتقاد بالجنان و العمل بالأركان.

24- رسالة في حكم العصير التمري و الزبيبي.

25- رسالة في تقليد الميت ابتداء و بقاء، و في ذيلها مقالة في اشتراط الصيغة و عدمه في العقود.

26- رسالة في ولاية الموصى إليه بالتزويج و عدمها، كتبها عام 1176، كتب إلينا بهذه الرسائل الثلاث- فيما كتبه إلينا- العلامة الحجة السيد شهاب الدين المرعشي

____________

(1) أراد بذلك استخراج القواعد الأصولية من الأحاديث و تطبيقها عليها، و جمع ما ورد عنهم (صلوات الله و سلامه عليهم) من النتف المتفرقة في القواعد الأصولية، و قد سبقه الى ذلك المحدثان المتعاصران صاحبا الوسائل و البحار، فجمعها الأول في (الفصول المهمة في أصول الأئمة) و الثاني في أوائل موسوعته الكبرى لأحاديث الشيعة (بحار الأنوار) كما ألف بعده المحدث الكبير السيد عبد الله شبر كتابا في ذلك سماه (الأصول الأصلية) و هو لم يزل مخطوطا عند حفيده الحجة السيد على شبر، و نبتهل الى المولى جل شأنه أن يقيض له من يزفه الى الطبع في القريب العاجل.

م 23

النجفي دام ظله، و ذكر أنها موجودة في مكتبته بخط أحد تلامذة المؤلف.

27- سلاسل الحديد في تقييد ابن ابى الحديد و الرد عليه في شرحه لنهج البلاغة، و قدم له مقدمة شافية في الإمامة تصلح ان تكون كتابا مستقلا، خرج منه جزآن.

28- الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب و ما يترتب عليه من المطالب 29- الرسالة الصلاتية متنا و شرحا، فرغ منها في كربلاء عام 1170.

30- الرسالة الصلاتية المنتخبة منها، كتبها في النجف الأشرف عام 1175.

31- رسالة صلاتية أخرى و جيزة، و لعلها المتن للصلاتية الاولى.

32- الصوارم القاصمة لظهور الجامعين بين ولد فاطمة، حرم فيها الجمع بين فاطميتين، فرغ منها عام 1169، و لم يشاركه فيه غير شيخنا الحر (قدس سره) و قد تفرد هو فحكم بالبطلان و عدم وقوع العقد، و للأستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني (قدس سره) رسائل متعددة في الرد عليه: مختصرة و مطولة، و كذا لولده رسالة مبسوطة جيدة في الرد عليه، و لبعض المشايخ الأزكياء ايضا رسالة وجيزة في الرد عليه، و هذه الرسائل الأربع للمؤلف بخط أحد تلامذته توجد عند سيدنا الحجة السيد شهاب الدين المرعشي النجفي دام ظله، و في آخر الرسالة الأخيرة تقريظ وجيز من العلامة الكبير الشيخ محمد مهدي الفتوني العاملي، و إليك نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم ان ما كتبه شيخنا العلامة متعه الله بالصحة و السلامة، هو التحقيق الذي هو بالقبول حقيق، و العمل على ما استند اليه و عول عليه، سيما على طريقتنا المثلي و سنتنا الفضلي من العمل على مضمون الاخبار و ان لم يقل به أحد من الفقهاء الأخيار، و كتب الأقل محمد المهدي الفتوني.

33- عقد الجواهر النورانية في أجوبة المسائل البحرانية، سأله عنها الشيخ علي بن الحسن البلادي.

م 24

34- قاطعة القال و القيل في انفعال الماء القليل، تعرض فيها للنقاش العلمي مع امام المعقول و المنقول المحقق المحدث الفيض الكاشاني (قدس سره).

35- الكشكول، اسمه جليس الحاضر و أنيس المسافر كما في اللؤلؤة.

أو أنيس المسافر و جليس الخاطر كما هو المطبوع على الكشكول و في جزئية الأول و الثاني و قد وقعت تصحيفات في اسمه كما مر الإيعاز اليه. لكنه اشتهر بكشكول الشيخ يوسف، و قد طبع في بمبئي عام 1291.

36- كشف القناع عن صريح الدليل في الرد على من قال في الرضاع بعموم التنزيل، ناقش فيه أدلة سلطان المحققين المولى العماد (مير داماد) في القول بعموم المنزلة، ألفه في شيراز سنة 1149، توجد منه نسخة في مدرسة البادكوبي في كربلاء.

37- الكنوز المودعة في إتمام الصلاة في الحرم الأربعة.

38- لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرتى العينين، و هي اجازة كبيرة مبسوطة كتبها لابني أخويه: الشيخ حسين ابن الشيخ محمد و الشيخ خلف ابن الشيخ عبد علي، تشتمل على تراجم أكثر علمائنا من عصره الى عصر الصدوقين، يعرف منها تتبعه في الرجال و إحاطته بالتراجم. و على اللؤلؤة حواش ثلاث:

1- حواش و تعليقات للمؤلف نفسه كما مر ذكرها.

2- حاشية عليها للميرزا محمد التنكابني مؤلف قصص العلماء.

3- حاشية عليها للميرزا محمد بن عبد النبي بن عبد الصانع النيشابوري الهندي الاخباري المقتول سنة 1232.

و لخصها و انتخب منها تلميذ المؤلف الأمير عبد الباقي سبط العلامة المجلسي.

39- اللئالي الزواهر في تتمة عقد الجواهر، في أجوبة مسائل لذلك السائل، و هي اثنتان و عشرون مسألة، فرغ منها في جمادى الثانية عام 1173 في كربلاء.

م 25

40- الرسالة المحمدية في أحكام الميراث الأبدية، كتبها للشيخ محمد ابن الشيخ أحمد البحراني، توجد نسخة من هذه الرسالة و التي قبلها بالمكتبة الجعفرية العامة في المدرسة الهندية في كربلاء.

41- المسائل، أحال الى كتابه هذا في المقدمة الثانية من حدائقه راجع ج 1 ص 24 42- معراج النبيه في شرح من لا يحضره الفقيه.

43- مناسك الحج، موجودة عند الشيخ محمد صالح البحراني.

44- ميزان الترجيح في أفضلية القول فيما عدا الأوليين بالتسبيح، توجد عند الحجة السيد شهاب الدين المرعشي النجفي.

45- النفحات الملكوتية في الرد على الصوفية.

حول كتاب الحدائق

قدمنا بعض القول حول الكتاب في (التمهيد) و أرجأنا إنهاء القول الى هذا المقام، و لكن الكتاب بنفسه و بشهرته الطائلة وصيته الطائر غني عن ان نحوم حوله فضلا عن الإسهاب في الاطراء، أضف الى ذلك ما يؤثر عن أعلام الأمة و فقهائها من عقود ذهبية و جمل عسجدية و كلم خالدة في الثناء عليه، و سيوافيك شذور من كلماتهم، فهو كتاب جامع مبسوط لم يعمل مثله في بابه في كتب الأصحاب قبله، و قد عمله مؤلفه لكي يغني رواد الفقه عن سبر غيره من كتب الفقه و الحديث و الاستدلال (1) و لا بدع، فإنه أول مجموعة فقهية و مدونة كبرى في الفرائض و السنن تحوي جل الفروع ان لم يكن كلها، و تضم في طيها الأقوال و الآراء و أصول الدلائل، و حوت بين دفتيها جميع ما ورد من الأحاديث عن الصادع الكريم و أئمة العترة الطاهرة- (صلوات الله و سلامه عليه و عليهم)- في الأحكام الشرعية، و قد انبرى لكلمات الفقهاء و ما فهموه

____________

(1) من كلام للمؤلف يأتي تمامه بلفظه.

م 26

من الروايات فأفتوا بمؤدى اجتهادهم و نتيجة أنظارهم و محصل استنباطهم، وافق الشهرة القائمة و الإجماع بقسميه أو خالف، ثم ضم الى كل رأي أدلته و أضاف الى كل قول مستنده و ما يؤيده و يدعمه، ثم حاول نقاشها بما يمكن أن يورد عليها من نقود و مؤاخذات، فان تم عنده دليل و رأى الشبهة مزيفة ردها و أبطلها، و احكم الدليل و أثبته و اختار ما أدى اليه اجتهاده، كأنه يلمسك الحقائق بيده أو ينظر الى الغيب من وراء ستر رقيق، و بذلك أعجب من تأخر عنه من جهابذة الفقه و صيارفة الفن و مهرته ما وجدوه في طيه من علم غزير، و فضل كثار، و فقاهة و دراية، و تضلع في فنون الحديث، و تبحر في الفقه، و تتبع في الآراء و اطلاع على الفتاوى، و حيطة بالأدلة و استقصاء فيها، و خبرة بمعاقد الإجماع و موارد الشهرة، و مقدرة على البحث و قوة في البرهنة، و تثبت في الحكم، و تعمق في التفكير، و نضج في الرأي، و ما هنالك من دقة و تثبت و تحقيق، فان قال فقول فصل، و ان احتج فبرهنة صادقة، و ان صدع فبالحق الصراح، و ان جنح فالى الحقيقة الراهنة، فهو حين يفيض الحجج فكالسيل المنحدر من شاهق، و إذا حل مشكلة فكأن الاشكال لم يطرقها، و إذا دحض شبهة فهي كالريشة في مهب الريح، كل ذلك ببيان سهل و كلام منسجم، و قول جزل معتضد بالمنطق، فأصبح الكتاب بذلك كله شرعة الوارد، و نجعة الرائد، و بلغة الطالب، و منية الراغب و طلبة الفقيه، و غاية المحدث، و ضالة المجتهد المحقق، فخلد الكتاب لمؤلفه- على صفحة الدهر و غرة الزمن و سجل الخلود- ذكرا لا يبلى و عظمة لا يخلقها مر الجديدين و كان بذلك في الطليعة من ناشري ألوية الفقه، و عاقدي بنوده، و منظمي صفوفه، و قائدي كتائبه، و سائقي مقانبه، و جامعي شوارده، كما تقدمت جمل الثناء عليه، فمن الحري أن نوقف الباحث على نزر يسير مما جاء حول الكتاب.

الثناء عليه

1- قال المؤلف في اللؤلؤة: و كتابنا هذا- بحمد الله سبحانه- لم يعمل

م 27

مثله في كتب الأصحاب، و لم يسبق اليه سابق في هذا الباب، لاشتماله على جميع النصوص المتعلقة بكل مسألة. و جميع الأقوال، و جملة الفروع التي ترتبط بكل مسألة، إلا ما زاغ عنه البصر و حاد عنه النظر، الى ان قال (رحمه الله): و بالجملة، فإن قصدنا فيه الى ان الناظر فيه لا يحتاج إلى مراجعة غيره من الأخبار و لا كتب الاستدلال، و لهذا صار كتابا كبيرا واسعا كالبحر الزاخر باللؤلؤ الفاخر.

2- و قال تلميذ المؤلف الرجالي الكبير أبو علي الحائري في (منتهى المقال):

هو كتاب جليل لم يعمل مثله جدا، جمع فيه الأقوال و الاخبار الواردة عن الأئمة الأطهار.

3- و قال المحقق التستري في المقابس: و له تصانيف كثيرة كأنها الفرائد و تآليف غزيرة أبهى من القلائد: منها- و هو أشهرها- كتاب الحدائق.

4- و قال المحقق الخوانساري في الروضات: صاحب الحدائق الناضرة، و الدرر النجفية، و لؤلؤة البحرين، و غير ذلك من التصانيف الفاخرة الباهرة، التي تلذ بمطالعتها النفس، و تقر بملاحظتها العين.

5- و قال مؤلف الدرر البهية: لقد صنف فأكثر، و اشتهرت مصنفاته و كتبه لا سيما (الحدائق) فإنه كتاب لم يكن له نظير، و لا ينبئك مثل خبير.

6- و قال مؤلف الروضة البهية: صاحب الحدائق، فهو من أجلاء هذه الطائفة، كثير العلم، حسن التصانيف، نقي الكلام، بصير بالاخبار المروية عن الأئمة المعصومين (صلوات و سلامه عليهم أجمعين) يظهر كمال تتبعه و تبحره في الآثار المروية بالنظر الى كتبه، سيما (الحدائق الناضرة) فإنها حقيق ان تكتب بالنور على صفحات و جنات الحور، و كل من تأخر عنه استفاد من الحدائق الناضرة.

7- و قال شيخنا العلامة النوري: و له تصانيف رائقة نافعة جامعة، أحسنها الحدائق الناضرة، ثم الدرر النجفية.

م 28

8- و قال خاتمة المحدثين الشيخ عباس القمي في الفوائد الرضوية: صاحب التصانيف الرائقة النافعة الجامعة التي أحسنها الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، و هو كتاب جليل في الغاية كثير النفع.

9- و قال مؤلف أنوار البدرين: صاحب الحدائق الناضرة و غيره من المصنفات الفاخرة.

10- و قال شيخنا الحجة المحقق الأكبر العلامة الاميني- متعنا الله ببقائه- في شهداء الفضيلة: و كتابه (الحدائق) الدائر السائر بين الفقهاء ينم عن غزارة علم مؤلفه و تضلعه في العلوم و تبحره في الفقه و الحديث.

11- و قال العلامة الجليل ابن يوسف الشيرازي في فهرست مكتبة سپهسلار:

كتاب الحدائق من خيرة الكتب الفقهية للشيعة، يجمع بين دفتيه جميع الفتاوى الفقهية و أدلتها من الآيات و الاخبار، و لهذا حظي بالقبول من اعلام الأمة و فقهائها بأجمعهم على اختلاف اذواقهم.

12- و قال مترجمه في مقدمة الطبعة الاولى من الحدائق: و من جملة ما أفرغه في قالب التصنيف و ألفه في غاية الأحكام و الترصيف، هو كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، و هو لعمري كتاب حوى ما لم يحوه كتاب، و مؤلف جمع ما لم يجر في خطاب، فصل المسائل فتفضل، و طول الدلائل فتطول، فكم فيها من ازهار نكات تزري على زهر الروض المطلول. و أنوار أبحاث يخجل عندها نور الربيع و ان اتى بالوجه المصقول، و شوامخ معضلات كانت تزل عنها ظفر الطائر فارتقى ذراها بإيراد حججها، و بحار مشكلات كانت تقذف بالبوصي و الماهر فشق بسفن التدقيق لججها.

فهو كتاب جامع للأدلة و الأقوال، حاو للفروع الكثيرة، حسن الترتيب، يشتمل على أبحاث لطيفة و مسائل شريفة.

م 29

و اما جمل الثناء عليه في غضون الكتب الفقهية فكثيرة يعسر استقصاؤها، يعثر عليها المتصفح فيها، فان الكتب الفقهية مشحونة بالنقل من كلماته، و مملوءة بآرائه و حججه، فقد اضحى الكتاب منذ أن أفرغ في قالب التأليف شرعة لوراد الفقه و نجعة لرواده، أكب عليه الفقهاء، و تداولته الأوساط العلمية و أنديتها بكل إكبار و إعجاب و لا تكاد تجد فقيها إلا و يأخذ منه و لا كتابا فقهيا إلا و ينقل عنه، حتى ان بعضهم كان مغرما به بحيث كان ينقل منه نصف الصفحة و الأكثر بنص عباراته في كتابه (1) و لشدة اعتدادهم بالكتاب و كثرة مزاولتهم له نرى لهم على الكتاب قيودا و تعاليق، و كتبوا عليه شروحا و حواشي. و إليك جملة مما عثرنا عليه من التعاليق و الحواشي منها:

1- حاشية للمؤلف نفسه، و هي تعاليق كثيرة طبعت بهامش الأصل في الطبعة الاولى و في ذيله في هذه الطبعة، و هي التي يرمز إليها بكلمة (منه).

2- حاشية لتلميذ المؤلف الفقيه الشهير السيد علي الطباطبائي الحائري مؤلف (الرياض) المتوفى 1231 و المدفون مع المؤلف و مع خاله الوحيد البهبهاني في الرواق.

3- حاشية للسيد ميرزا إبراهيم الفسائي الشيرازي حفيد العلامة الجليل السيد علي خان الكبير، توجد نسخة منها في (مكتبة كاشف الغطاء).

4- حاشية للسيد إبراهيم بن محمد الموسوي الدزفولي الكرمانشاهي الحائري المتوفى قبل عام 1300، توجد نسخة منها عند شيخنا العلم الحجة العلامة الرازي دام ظله.

5- حاشية للعلامة الفاضل المعاصر ابن يوسف الحدائقي الشيرازي من أحفاد المؤلف.

6- حاشية لشيخنا العلامة المحقق الحجة الشيخ محمد تقي الايرواني دام بقاؤه

____________

(1) و هو السيد أسد الله الأصفهاني نجل الزعيم العظيم حجة الإسلام الشفتي الأصفهاني راجع ترجمته في الكرام البررة ج 1 ص 126.

م 30

و قد تصدى للتعليق على الكتاب بعد تحقيقه و تصحيحه، و أتعب نفسه في تخريج أحاديثه، و مراجعة رجالها و إسنادها و تصحيحها على مصادرها، و تفضل بإخراج الكتاب على أجمل صورة و أحسن هيئة، و هي التعاليق غير المرموزة في هذه الطبعة.

كما ان هناك أفذاذ لم يرقهم مواضع من الكتاب، فكتبوا عليه شروحا و تناولوه بالنقاش الفني، و حاولوا معه الحجاج العلمي بكل أدب في التعبير و حرية في الرأي و التفكير، نذكر منهم:

1- المحدث المحقق السيد محسن الأعرجي الكاظمي المتوفى سنة 1227، شرح مقدمتين من مقدمات (الحدائق) الاثنتي عشرة، و ربما ناقشه في شيء من المسائل 2- العلامة الفاضل آقا محمود بن آقا محمد علي الكرمانشاهي المتوفى عام 1269 حفيد المحقق الوحيد البهبهاني، شرح مقدمات الحدائق و سماه (الجنة الواقية).

3- الرد على مقدمات الحدائق، لبعض الاعلام عنوانه (قال- أقول) فيه عدة سؤالات تنتهي إلى ثلاثة و عشرين سؤالا.

تتميم الحدائق

و من المأسوف عليه جدا أن القضاء المحتوم لم يمهله حتى يبلغ أقصى آماله، و يتمم كتابه (الحدائق)، و حالت المنية دون هذه الامنية، فاخترمه الأجل و لما يكتب الفقه دورة كاملة، و بقيت بتراء ناقصة، بلغ في تأليفه- على الرغم من دؤوبه و كثرة جهوده في ذلك و عظيم اهتمامه به- الى كتاب الظهار. غير ان ابن أخيه و تلميذه الأجل شيخنا الفاضل المدقق الشيخ حسين كتب بعد عمه (كتاب عيون الحقائق الناظرة في تتميم الحدائق الناضرة) و ربما تحذف كلمة (العيون) طبعت في النجف الأشرف عام 1354، و هذا المطبوع يحتوي على تسعة من كتب الفقه، و هي: الظهار، الإيلاء، اللعان، العتق، الإقرار، الجعالة، الأيمان، النذر، الكفارات. و بعضهم سمى الكتاب (الحقائق الفاخرة)، و لعله اسم للجزء الثاني منه الى آخر الفقه. نسأله تعالى

م 31

التوفيق لطبع التتميم و إتمام هذه الطبعة به ان شاء الله. و تأتي ترجمة مؤلفه و سرد بعض تآليفه في (أسره المؤلف).

أدبه

من سبر تآليف شيخنا المؤلف و لاحظ آثاره العلمية، وقف على مكانته الأدبية السامية، و بهره ما يراه من بلاغة البيان، و انسجام الكلام، و جزالة القول، و جودة السرد، و حسن الأسلوب، و علم أن لمؤلفها اليد الطولى في العلوم الأدبية، و سعة الباع في فنون البلاغة. و هذه الناحية هي إحدى محاسن كتبه و ميزات مؤلفاته و لا سيما كتابه (الحدائق).

و للمؤلف كتاب كبير في خطب الجمعات و الأعياد يضم بين دفتيه خطبا بليغة و مواعظ حسنة، تدل القارئ على مدى تضلعه في الأدب و فنونه، و له رسائل بليغة و مساجلات أدبية، توجد عشرة منها في الجزء الثاني من كشكوله، و نحن الآن نسوق للتدليل على سمو كعبه في الأدب صدر الرسالة الثالثة و الرابعة و نقتصر في الأنموذج عليه، قال: «ما الروض الأنيق المتفتحة فيه أزهار العرار و الشقيق، و لا السلاف العتيق المقتول بمختوم أريج الرحيق، بأزهر و لا أحلى، و لا ألذ و لا أشهى، من تسليمات تتفجر من خلالها عيون الإخلاص، و تحيات يتضوع من نشرها أريج الاختصاص. إلخ».

و قال في الأخرى: «أبهى ما نشرته أيدي الأقلام في طي الصحف و الرسائل، و أولى ما نطقت به الانس فتضوع في ارجاء أوقات الفضائل، عرائس تسليمات تتأرج الإرجاء بشذاها، و تتألق آفاق السماء بسناها، و خرائد دعوات تعجز الأوهام عن نظمها في سمط التحرير، و تقصر الافهام عن وصفها في كليات الحصر و التقرير، و صوافي أثنية تزري بلطافة النسيم، و تنسي حلاوة التسنيم.».

م 32

و لم يكن أدبه مقصورا على النثر فحسب، بل ربما جاشت عواطفه فنظم و أجاد في نظمه، و ربما تفجرت زفرات قلبه و نفثات صدره، فصاغها قريضا بعثها إلى اخوته و أجبته، بيد أنه لم يحفظ له من الشعر إلا ما أثبته هو في كشكوله، منه- قصيدتان بعثهما إلى إخوته يشكو إليهم ما أ لم به من حوادث و كوارث، بعث إحداهما حين سافروا الى الهند عام 1141، و بعث الأخرى إلى مكة حين رجوع أخيه العلامة الشيخ محمد من الهند.

و منه- تخميسه لقصيدة طويلة بعثها إليه أحد إخوانه الإخلاء، مثبتة هي و التخميس في الكشكول ج 2 ص 338.

و منه- قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين حين يمم العراق لزيارته (صلوات الله و سلامه عليه) عام 1156.

وفاته و مدفنه

توفي (رحمه الله) بعد الظهر من يوم السبت رابع ربيع الأول عام 1186 (1) عن عمر ناهز الثمانين، كرسه في خدمة العلم و الدين، و ضحاه في تدوين الفقه و تبويبه ورد فروعه على أصوله، و قضاه: في جمع شتات أحاديث ائمة بيت الوحي (صلوات الله و سلامه عليهم) و بثها في الملإ الديني، (قدس الله روحه) و نور مضجعه و جزاه عن نبيه و عن أئمته خيرا.

لبى- (رحمه الله)- نداء ربه بعد زعامة دينية ألقيت اليه مقاليدها زهاء عشرين سنة، فما إن صوت الناعي بفقده إلا و تهافت أهل كربلاء من كل صوب و حدب على تشييع جثمانه الطاهر، جثمان أنهكته العبادة و ريضه الزهد و تقوى الله (2) و أبلاه دؤوب الأيام و سهر

____________

(1) و قيل في عام وفاته أقوال شاذة و هي: 87، 88، 89، و الأصح الأشهر ما أثبتناه ثم الأقرب بعده إلى الصحة 87، و عليه ينطبق ما قيل من شعر في تأريخ وفاته.

(2) لم نتعرض لوصف تقواه العظيم استغناء بما قدمنا من كلمات اعلام الأمة حول الثناء عليه و وصف ما كان عليه من زهد و ورع و تقى.

م 33

الليالي في فقه أئمة آل الرسول (صلوات الله و سلامه عليه و عليهم) فكان يومذاك يوما مشهودا، شيعه أهل مصره على بكرة أبيهم (1) بمختلف الطبقات، و في طليعتهم الهيئة العلمية و الطبقة الروحية، يقدمهم زعيمهم الأوحد الأستاذ الأكبر المحقق الوحيد البهبهاني (قدس سره) و تولى تغسيله تلميذاه التقيان: الحاج معصوم و الشيخ محمد علي ابن السلطان. و صلى عليه الأستاذ الوحيد بوصية منه (قدس سره) و دفن بالحائر الشريف بالرواق الحسيني الأطهر عند رجلي الشهداء، و دفن في جواره المحقق الوحيد المتوفى 1208، و تلميذهما ابن أخت الوحيد سيدنا الطباطبائي (صاحب الرياض) المتوفى 1231 (قدس الله أسرارهم) و على مثوى هؤلاء الاعلام صندوق خشبي.

و أقيمت له الفواتح في كربلاء المشرفة و سائر البلاد الشيعية، و في عاصمتها النجف الأشرف، و أول من اقام له الفاتحة بها تلميذه الأكبر سيدنا الأجل آية الله بحر العلوم.

رثاؤه

رثاه جمع من شعراء ذلك العصر، نقتصر على قصيدة الشاعر الأديب السيد محمد آل السيد رزين، فقد رثاه بفائية و ارخ وفاته قائلا:

يا قبر يوسف كيف أوعيت العلى * * * و كنفت في جنبيك من لا يكنف

قامت عليه نوائح من كتبه * * * تشكو الظليمة بعده و تأسف

ك(حدائق) العلم التي من زهرها * * * كانت أنامل ذي البصائر تقطف

و علا الفلول (صوارما) قد اصلتت * * * قصفا بها زمر الاعادي تقصف

____________

(1) بالغ في وصف ذلك التشييع العظيم من حضره و رآه بأم عينه، و هو تلميذه الرجالي الكبير أبو على الحائري في منتهى المقال.

م 34

و تفصمت حلق (السلاسل) بعده * * * في قيدها كان المعاند يؤسف

و انحل عقد (لئالئ) الدرر التي * * * كانت به عنق الأفاضل تتحف

تسقى ترابك بعد صوب دموعنا * * * من صيب الغفران سحب و كف

و جزيت يوسف من بقية أحمد * * * أجرا لك الجنات منه تزلف

و حللت من فردوسها بمقامة * * * يزهو عليها العبقري و رفرف

مذ غبت عن عين الأنام فكلنا * * * يعقوب حزن غاب عنه يوسف

فقضيت واحد ذا الزمان فارخوا * * * (قرحت قلب الدين بعدك يوسف)

و في أنوار البدرين ان بعض الأدباء الشعراء ارخ وفاته بقوله:

(بكاء يوسف تأويل الأحاديث) و قال العلامة البروجردي في نخبة المقال:

و يوسف بن أحمد البحراني * * * شيخ جليل قدوة الأعيان

له حدائق قد استوفى الخبر * * * و بعد (عد) قبضه (لنا ظهر)

74 1186

أسره المؤلف (آل عصفور)

إن أسره شيخنا (المؤلف) أسره علمية جليلة نبغ فيها رجال كثيرون، يعدون من اعلام الطائفة و أعيان الأمة، خدموا الحق و العلم و المذهب و الدين، توجد تراجمهم مبثوثة في معاجم التراجم، و الذي أحصى الكثير منهم و ترجم لهم هو الشيخ علي في المجلد الأول من (أنوار البدرين) و الشيخ مرزوق الشويكي في (الدرر البهية) و السيد ابن ابي شبانه في (التكملة) و شيخنا البحاثة المحقق العلم الحجة الاميني دام بقاؤه في (شهداء الفضيلة) ص 307 الى 318، و شيخنا البحاثة الحجة العلامة الرازي في (الظليلة) و حيث ضاق بنا نطاق البحث و ليس بوسعنا التوسع في ترجمة كل منهم- و هم أكثر من أربعين-

م 35

و لا يسعنا الغض عنهم بالمرة نقتصر، على عدهم و سرد أسمائهم و الإيعاز الى ملخص تراجمهم، فمنهم:

1- والد (المؤلف) العلامة الحجة الشيخ احمد بن إبراهيم الدرازي البحراني قال العلامة الحائري في منتهى المقال: «و كان من أجلاء تلامذة شيخنا الشيخ سليمان الماحوزي، و كان عالما فاضلا محققا مدققا مجتهدا صرفا» و قال تلميذه الشيخ عبد الله ابن صالح السماهيجي «و هذا الشيخ ماهر في أكثر العلوم العقلية و الرياضية، و هو فقيه محدث مجتهد، له شأن كبير في بلادنا و اعتبار عظيم» ولد عام 1084، و تعلم الآليات من الشيخ احمد بن إبراهيم المقابي، ثم قرأ على الشيخ محمد بن يوسف البحراني ثم تخرج على العلامة المحقق الشيخ سليمان الماحوزي الشهير و كان من أجل تلامذته كما مر. و قال في الدرر البهية: «كان فاضلا محققا مجتهدا صرفا لا يمل من بحث، و قد صنف فأكثر» له كتب و رسائل عديدة، منها:

1- رسالة في بيان حياة الأموات بعد الموت- 2- رسالة في الجوهر و العرض- 3- رسالة في الجزء الذي لا يتجزأ- 4- رسالة في الأوزان- 5- الرسالة الاستثنائية في الإقرار- 6- رسالة في ثبوت الولاية على البكر البالغة الرشيدة- 7- رسالة في القرعة- 8- رسالة في التقية- 9- رسالة في شرح عبارة اللمعة في مبحث الزوال- 10- رسالة في مهر الزوجة عند موت الزوج قبل الدخول- 11- رسالة في هدم الطلقة أو الطلقتين بتحليل المحلل و عدمه، الى آخر ما هو معدود في اللؤلؤة و غيرها يقرب من ثلاثين مؤلفا. زار النجف الأشرف عام 1125 و التقى بعلمائها. يروي بالإجازة عن شيخه الشيخ سليمان الماحوزي تأريخها 1119.

توفي (رحمه الله) في القطيف ضحوة اليوم الثاني و العشرين من صفر 1131.

ترجم له سيدنا الأمين في أعيان الشيعة ج 8 ص 360، و يشترك مع ولده (المؤلف) في جميع مصادر الترجمة.

م 36

و لشيخنا المؤلف ولدان، أحدهما:

2- الشيخ حسن، عالم فاضل، بل ذكره بعضهم في عداد تلامذة والده، و جاء ذكره في (لباب الألقاب) و ترجم له سيدنا الأمين في أعيان الشيعة، و شيخنا الرازي في أعلامها، فقال في الكواكب المنتثرة: «رأيت بخطه حاشية المدارك تأليف الوحيد، و مما كتب عليه: كتبه بنفسه لنفسه، جعل الله يومه خيرا من أمسه، و قرأه على مصنفه الأستاذ، و هو صريح في أنه من تلامذة الوحيد، و لعله تلمذ على والده ايضا، و كأنه توفي عام 1197» و ثانيهما:

3- الشيخ محمد، قال المؤلف في الكشكول: «كتاب كتبته لابني محمد».

ترجم له الشويكي في (الدرر البهية) قال: «عالم فاضل محقق فقيه، اسمه الشيخ محمد و كان للشيخ محمد ابنان فاضلان عالمان قد اجتمعت بهما في حدود السنة الرابعة عشرة بعد المائتين و الألف: أحدهما- الشيخ موسى، و الآخر- الشيخ عبد علي، مسكنهما مع والدهما في العجم في (فسا)».

و لشيخنا المؤلف خمسة إخوة: الشيخ عبد الله، و الشيخ عبد النبي، و الشيخ علي و الشيخ عبد علي، و الشيخ محمد. أما الثلاثة الأول فلم يعقبوا، و اما أخوه الرابع:

4- الشيخ عبد علي، فهو شريك المؤلف في الدراسة و القراءة و الرواية عن المشايخ، قال في الدرر البهية: «شيخنا الأعظم الأعلم البهي الشيخ عبد علي، كان عالما فاضلا محققا مدققا» و هو من أفاضل تلمذة الشيخ محمد المقابي البحراني. له مؤلفات منها:

كتاب احياء علوم الدين في الفقه. ولد عام 1116 و توفي في كربلاء في رجب 1177 و أعقب ولدين: أحدهما- الشيخ احمد، و ترجم له أصحاب التراجم و أثنوا عليه، و الثاني:

5- الشيخ خلف ابن أخي المؤلف و تلميذه المتخرج عليه و الراوي عنه و أحد قرتي العينين المجازين ب(لؤلؤة البحرين) ترجم له الشويكي في (الدرر البهية) و قال عنه

م 37

«العالم الفاضل المحقق المدقق غائص بحار الاخبار، سكن القطيف ثم الدورق ثم المحمرة و توفي بالبصرة عام 1208 و دفن بالنجف الأشرف، و قال شيخنا العلامة الرازي في (الكرام البررة): له مجموعة رسائل كانت عند شيخنا العلامة النوري، تدل على غزارة علمه و فضله. و ترجم له شيخنا الحجة الاميني في شهداء الفضيلة فقال: «انه من أعيان علماء الطائفة. و فضلائها المحققين، له حواش كثيرة على المجلد الرابع من بحار شيخنا المجلسي» و للشيخ خلف هذا أولاد ثلاثة: الشيخ يوسف و الشيخ احمد و الشيخ محمد، و توفي الأخير عام 1207 و أعقب ولده الشيخ حسن، ترجم لهم في (الدرر البهية) و وصفهم بالعلم و الفضل: و قال «عاصرناهم و استفدنا منهم».

و أما أخو المؤلف الخامس و هو:

6- الشيخ محمد، عالم فاضل، ولد سنة 1112، و نشأ بالبحرين و تخرج بها، يروي عن الشيخ حسين الماحوزي، و يروى عنه ولداه: الشيخ احمد و الشيخ حسين و له مراث في الإمام السبط الشهيد، و له كتاب (مرآة الأخبار في أحكام الاسفار) و لشيخنا المؤلف قصيدة يمدحه بها. و للشيخ محمد هذا أبناء أربعة: الشيخ عبد الله، توفي سنة 1208. و الثاني:

7- ابن أخي المؤلف الشيخ علي، و كان متكلما فاضلا شاعرا ماهرا. و أعقب الشيخ علي نجله العالم الفاضل الشيخ محمد، تولى إمامة الجمعة و الجماعة و القضاء في (الشاخورة) له مؤلفات: منها- كتاب في الأصول الخمسة و رسالة في وجوب الجمعة.

و الثالث من أبناء الشيخ محمد:

8- ابن أخي المؤلف الشيخ احمد، قال في الدرر: «عالم فاضل فقيه محقق مدقق» و قال شيخنا العلامة الحجة الرازي: «انه من كبار علماء عصره، و كان مفتي البلاد و قاضيها. يروي عنه الشيخ أحمد الأحسائي» و هو يروي عن أبيه و عن شيخيه

م 38

و عميه: شيخنا (المؤلف) و الشيخ عبد علي. و له مؤلفات و قصائد، و ذكره العلامة الكلباسي في مبحث حجية الأخبار من (إشاراته) و ترجم له سيدنا الصدر في (التكملة) و للشيخ احمد هذا خلف واحد و هو:

9- الشيخ محمد، قال في الدرر: «كان عالما عاملا متكلما ماهرا خطيبا مفوها، له كتب» و خلف ابن عمه الذي مر ذكره في إمامة الشاخورة و زعامتها و قضائها.

و الرابع من انجال الشيخ محمد:

10- الشيخ حسين ابن أخي المؤلف، و تلميذه المتخرج عليه و الراوي عنه و الثاني من قرتي العينين المجازين بالإجازة الكبيرة المبسوطة (لؤلؤة البحرين) و متمم كتاب شيخه و عمه (الحدائق الناضرة) ترجم له تلميذه الشويكي في الدرر البهية فقال:

«هذا الشيخ أجل من أن يذكر، و فضله و شرفه أعظم من أن يشهر، قد انتهت إليه رئاسة الإمامية حيث لم تسمع الآذان و لم تبصر الأعيان مماثلا له في عصره. قد بلغ النهاية و جاز الغاية، كان محققا مدققا مصنفا ماهرا ورعا زاهدا أديبا. و قال في أنوار البدين: «كان من العلماء الربانيين، و الفضلاء المتتبعين، و الحفاظ الماهرين، و أجله متأخري المتأخرين و أساطين المذهب و الدين، بل عده بعض العلماء الكبار من المجددين للمذهب على رأس الألف و المائتين كان يضرب به المثل في قوة الحافظة، ملازما للتدريس و التصنيف و المطالعة و التأليف، و بالجملة فهو من أكابر علماء عصره و أساطين فضلاء دهره علما و عملا و تقوى و نبلا، و نادي بحثه مملوء من العلماء الكبار».

ترجم له شيخ اعلام الشيعة في الكرام البررة ج 1 من ص 427 الى 429 فقال دام ظله: «كان من كبار علماء عصره و مشاهيرهم، زعيم الفرقة، و شيخها المتقدم، و علامتها الجليل، و كان من المصنفين المكثرين المتبحرين في الفقه و الأصول و الحديث و غيرها».

ولد عام 1147، و تخرج على عمه شيخنا المؤلف فكان قرة عينه، و كتب له اجازتين

م 39

صغيرة و كبيرة مبسوطة و هي (لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرتى العينين) و اوصى اليه بكتبه، و لذلك تصدى لتتميم (الحدائق) و سماه (عيون الحقائق الناظرة في تتميم الحدائق الناضرة) و قد طبع في النجف الأشرف عام 1342، و له زهاء بضع و ثلاثين تأليفا، عدها له مترجموه و عد بعضها في بعض إجازاته: منها- النفحة القدسية، و منها- الفرحة الإنسية (مطبوعتان) و له مفاتيح الغيب و التبيان في تفسير القرآن، و الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع للفيض الكاشاني في عدة مجلدات و لخصه بعض تلامذته، و غير ذلك من الكتب و الرسائل في مختلف العلوم، و له ديوان في رثاء الحسين (عليه السلام) و منظومتان في الفقه و أصول العقائد، و منظومة أخرى في النحو.

و يروى أيضا عن أبيه الشيخ محمد و عن عمه و ابي زوجته الشيخ عبد علي، و يروى عنه جماعة: منهم- الشيخ عبد المحسن اللويمي، و الشيخ على ابن الشيخ عبد الله الجد حفصي، و الشيخ محمد بن خلف السري، و الشيخ مرزوق الشويكي الخطي. و غيرهم.

ضربه ملعون من أعداء الدين بحربة في ظهر قدمه، فمات شهيدا ليلة الأحد الحادي و العشرين من شهر شوال سنة 1216، و تاريخ شهادته:

(طود الشريعة قد وهى و تهدما) و للاديب الشاعر الشهير الحاج هاشم الكعبي قصيدتان طويلتان في رثائه طبعتا في آخر الكشكول لشيخنا المؤلف.

و له أولاد سبعة: الأول- العالم الفاضل الشيخ محمد. ولد سنة 1169، و توفي سنة 1216 بعد أبيه بقليل. و الثاني- الشيخ عبد الرضا. ولد عام 1185. و الثالث- الشيخ علي، قال في الدرر: «كان عالما فاضلا متكلما مات في رجب 1208». و الرابع:

11- الشيخ حسن و هو من الاعلام الأفاضل، ولد سنة 1182، هاجر بعد أبيه إلى شيراز ثم بعد عام 1240 الى ابوشهر، فكان عالمها و امامها و تولى القضاء و الإفتاء و التدريس فكان زعيمها الروحي له مكانته السامية و له تآليف: منها- رسالة عملية، و شرح

م 40

منظومة والده في أصول العقائد، و توفي بها عام 1261. و الخامس:

12- الشيخ عبد الله. و هو من العلماء الأفاضل، خلف أباه في زعامة البحرين الروحية و القيام بالوظائف الشرعية، و أعقب ولده الشيخ سليمان، و هو من اعلام هذه الأسرة، هاجر الى شيراز، له مؤلفات و منظومة في الكلام و شرحها. و السادس:

13- الشيخ عبد علي، قال في الدرر البهية: كان عالما فاضلا محققا متكلما مجتهدا، توفي بالبحرين في حياة والده في ذي القعدة عام 1208، و خلف نجله العالم الفاضل الصالح الشيخ خلف. و تاريخ ولادته (لا شك فيه لأبيه خلف 1194) و كان عالم ابوشهر و امامها في الجمعة و الجماعة، له مؤلفات كثيرة. و أعقب ولده الشيخ عبد علي فخلف أباه الشيخ خلف في زعامة ابوشهر و تولى الإمامة و القضاء، و له كتب كثيرة:

منها- لئالئ الأفكار في الأصولين مطبوع، توفي سنة 1303. و عمر أكثر من ثمانين سنة و السابع من أولاد الشيخ حسين:

14- الشيخ احمد، و له ولدان: أحدهما- الشيخ حسين عالم فاضل و اديب شاعر له قصائد في مراثي الامام السبط الشهيد، و الثاني- الشيخ محمد، و كان زعيما دينيا في ابوشهر و توفي بها سنة 1263 و أعقب ابنه الشيخ احمد، تلمذ على الشيخ محمد طاهر الحويزي و خلف أباه في زعامة ابوشهر و توفي سنة 1315. ترجم له و لأبيه شيخنا الرازي في نقباء البشر ج 1 ص 118. و أعقب الشيخ احمد ولدين: أولهما- الشيخ محمد، و الثاني- الشيخ خلف، و خلف أباه و جده في زعامة ابوشهر ولد سنة 1285، و تلمذ على المحقق الخراساني صاحب الكفاية. له كتاب (الأنوار الجعفرية) و هو من مشايخ اجازة العلامة الحجة السيد شهاب الدين المرعشي، توفي سنة 1353، ترجم له في (نقباء البشر).

و الحمد لله أولا و آخرا. و الصلاة و السلام على سيد الأنبياء و آله الأوصياء ليلة الثامن عشر من شهر رجب 1377.

1

2

الجزء الأول

[خطبة الكتاب]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي هدانا بواضح الدليل على سبيل معادن العلم و التأويل، و سقانا بكأس رحيق السلسبيل من زلال عيون الوحي و التنزيل، و عرج بنا الى معارج الهداية و الدراية، و فتح لنا مغلقات الأحكام بمحكمات الآية و الرواية، و شرح لنا مبهمات الحلال و الحرام بلامعات الولاية الدامغة لدلهمات الغواية، و الصلاة على مؤسس قواعد الدين بالقواعد الباهرة و البراهين. و آله الرافعين لإعلام ما أسس و المشيدين، صلاة توجب لنا الفوز بجوارهم في أعلى عليين.

(أما بعد) فيقول الفقير الى ربه الكريم، و المتعطش الى فيض جوده العميم يوسف بن احمد بن إبراهيم أصلح الله تعالى له أمر داريه، و رزقه حلاوة نشأتيه، و ثبته بالأمر الثابت لديه، و وفقه لتدارك ذنوبه قبل أن يخرج الأمر من يديه، و ألحقه بأئمته مع جملة ولده و إخوانه و والديه: اني كثيرا ما تشوقت نفسي إلى تأليف كتاب جامع للأحكام الفقهية المذيلة بالأخبار النبوية و الآثار المعصومية، مشتمل على أمهات المسائل و ما يتبعها من الفروع المرتبطة بالدلائل، فيعوقني عن ذلك تلاطم أمواج الفتن و الغارات، و تزاحم أفواج المحن و الشتات، و تراكم حنادس عوائق الزمان، و تصادم

3

بوائق الحدثان، و انجذام يد الدين المنيف، و خمود صيت الشرع الشريف، في كل ناحية و مكان. و تشتت أهاليه في اقاصي البلدان، بل اضمحلال الفضلاء منهم و الأعيان، حتى لقد أصبحت عرصات العلم دارسة الآثار، و منازله مظلمة الأقطار، و عفت اطلاله و معالمه، و خلت دياره و مراسمه.

خلت من أهاليها الكرام و أقفرت * * * فساحتها تبكي عليهم تلهفا

و أوحش ربع الانس بالإنس بعدهم * * * كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا

و لم تبق في ساحتها إلا قوم ببلدح عجفى. و لا من عرصاتها إلا دمنة لم تكلم من أم أوفى. و كنت ممن رمته أيدي الحوادث في الديار العجمية، و قذفته في تلك الأقطار منجنيق الرزية، على ما هي عليه من ترادف البلايا بلية اثر بلية، و اضمحلال اسم الشرع فيها بالكلية، و تلبس الأغبياء بلباس الأفاضل. و تصدر الجهلاء لافتاء المسائل. فلم تزل تترامى بي أقطارها فأطوي هناك المراحل، و أقصد اليم فتقذفني الأمواج إلى الساحل

يوما بحزوى و يوما بالعقيق و بالعذيب * * * يوما و يوما بالخليصاء

حتى انخت ركابي بدار العلم شيراز، و من الله تعالى بالإكرام فيها و الإعزاز، فبقيت فيها برهة من السنين مع جملة الأهل و البنين، في أرغد عيش و أصفاه، و أهنأ شراب و أوفاه، مشتغلا بمدارسة العلوم الدينية. و ممارسة الاخبار المعصومية، فخطر بي ذلك الخاطر القديم. و ناداني المنادي أن يا إبراهيم، فبقيت أقدم رجلا و أؤخر أخرى. و ارى ان التقديم أحق و أحرى، فكم استنهضت مطي العزم على السير فلم تساعد. و بئس السير على ذلك العير الغير المساعد. إلا اني قد أبرزت ضمن تلك المدة جملة من الرسائل في قالب التحقيق. و نمقت شطرا من المسائل على نمط أنيق و طرز رشيق، حتى عصفت بتلك البلاد ريح عاصف حتت الورق، و فرقت من عقد نظامها ما اتسق. و لعبت بها أيدي الحوادث التي لا تنيم و لا تنام، و سقت أهلها من مرير علقمها كؤوس الحمام، قتلا و سلبا و أسرا و هتكا، كأنهم

4

ممن خلع ربقة الإسلام، و استبدل بها عبادة الأوثان و الأصنام، و حيث من الله تعالى بمزيد كرمه بالسلامة من تلك الأخطار، و النجاة من أيدي أولئك الأشرار، ركبت الفرار الى بعض النواحي، و أغمضت عن عذل العذال و اللواحي، و اتخذت العزلة عن أشباه الناس وطنا، و الوحدة من الدنفاس سكنا، و في ذلك سلامة الدنيا و الدين، و الفوز بسعادة الحق و اليقين، و ضربت صفحا عن الطموح الى زهرة هذه الدار، و طويت كشحا دون النظر الى ما اسدته الأقدار، من البأس حلل اليسار أو اطمار الإعسار، وثوقا بضامن الأرزاق و المعطي على قدر الاستحقاق، و عند ذلك هجس بفكري ما كنت أتمناه من ذلك الكتاب، و ان هذه الخلوة أعز من أن تصرف في غير هذا الباب، و رأيت انتهاز الفرصة فإنها تمر مر السحاب، و لم يثن عزمي قلة الطلاب، و لا إشراف شموس الفضل على الغياب، بل صار ذلك أقوى سبب لي على القدوم، لما استفاض عن سدنة الحي القيوم من الحث الأكيد و مزيد التأكيد في إحياء هذا الدين و نشر شريعة سيد المرسلين، و عسى الله سبحانه أن ينفع به بعض الاخوان المؤمنين، و الخلان الطالبين للحق و اليقين، و قد سميته ب(كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة) و اليه سبحانه أرغب في التوفيق سيما للإتمام و العصمة من زلل أقدام الأقلام في ميادين الإحكام، إنه تعالى أكرم من رغب اليه و اكفى من توكل عليه.

و قد رأيت أن أبدأ أولا بتمهيد جملة من المقدمات التي يتوقف عليها الاستدلال، و يرجع إليها في تحقيق الأحوال، ليكون كتابنا هذا كافلا بتحقيق ما يحتاج اليه من أصول و فروع، مغنيا عن الافتقار الى غيره و الرجوع.

[اثنتا عشر مقدمات]

المقدمة الأولى

غير خفي- على ذوي العقول من أهل الايمان و طالبي الحق من ذوي

5

الأذهان- ما بلي به هذا الدين من أولئك المردة المعاندين بعد موت سيد المرسلين، و غصب الخلافة من وصيه أمير المؤمنين، و تواثب أولئك الكفرة عليه، و قصدهم بأنواع الأذى و الضرر اليه، و تزايد الأمر شدة بعد موته (صلوات الله عليه)، و ما بلغ اليه حال الأئمة (صلوات الله عليهم) من الجلوس في زاوية التقية، و الإغضاء على كل محنة و بلية. و حث الشيعة على استشعار شعار التقية، و التدين بما عليه تلك الفرقة الغوية، حتى كورت شمس الدين النيرة، و خسفت كواكبه المقمرة، فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل، لامتزاج اخباره باخبار التقية، كما قد اعترف بذلك ثقة الإسلام و علم الاعلام (محمد بن يعقوب الكليني نور الله تعالى مرقده) في جامعه الكافي، حتى انه (قدس سره) تخطأ العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الاخبار، و التجأ إلى مجرد الرد و التسليم للأئمة الأبرار. فصاروا (صلوات الله عليهم)- محافظة على أنفسهم و شيعتهم- يخالفون بين الأحكام و ان لم يحضرهم أحد من أولئك الأنام، فتراهم يجيبون في المسألة الواحدة بأجوبة متعددة و ان لم يكن بها قائل من المخالفين، كما هو ظاهر لمن تتبع قصصهم و اخبارهم و تحدى (1) سيرهم و آثارهم.

و حيث ان أصحابنا (رضوان الله عليهم) خصوا الحمل على التقية بوجود قائل من العامة. و هو خلاف ما أدى اليه الفهم الكليل و الفكر العليل من اخبارهم (صلوات الله عليهم)، رأينا أن نبسط الكلام بنقل جملة من الأخبار الدالة على ذلك، لئلا يحملنا الناظر على مخالفة الأصحاب من غير دليل. و ينسبنا الى الضلال و التضليل.

فمن ذلك ما رواه في الكافي (2) في الموثق عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: (سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني و أجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت:

____________

(1) (حدي الشيء و تحداه) تحدية و تحديا: تعمده. أقرب الموارد.

(2) في باب اختلاف الحديث.

6

يا ابن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان، فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة ان هذا خير لنا و أبقى لكم. و لو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا و لكان أقل لبقائنا و بقائكم. قال:

ثم قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا و هم يخرجون من عندكم مختلفين، قال: فأجابني بمثل جواب أبيه).

فانظر إلى صراحة هذا الخبر في اختلاف أجوبته (عليه السلام) في مسألة واحدة في مجلس واحد و تعجب زرارة، و لو كان الاختلاف إنما وقع لموافقة العامة لكفى جواب واحد بما هم عليه، و لما تعجب زرارة من ذلك، لعلمه بفتواهم (عليهم السلام) أحيانا بما يوافق العامة تقية، و لعل السر في ذلك أن الشيعة إذا خرجوا عنهم مختلفين كل ينقل عن امامه خلاف ما ينقله الآخر، سخف مذهبهم في نظر العامة، و كذبوهم في نقلهم، و نسبوهم الى الجهل و عدم الدين، و هانوا في نظرهم، بخلاف ما إذا اتفقت كلمتهم و تعاضدت مقالتهم، فإنهم يصدقونهم و يشتد بغضهم لهم و لإمامهم و مذهبهم، و يصير ذلك سببا لثوران العداوة، و الى ذلك يشير

قوله (عليه السلام): (و لو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا.

إلخ).

و من ذلك ايضا

ما رواه الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح- على الظاهر- عن سالم أبي خديجة عن أبي عبد الله (ع) قال: (سأله إنسان و أنا حاضر فقال: ربما دخلت المسجد و بعض أصحابنا يصلي العصر، و بعضهم يصلي الظهر؟ فقال: أنا أمرتهم بهذا، لو صلوا على وقت واحد لعرفوا فأخذ برقابهم).

و هو أيضا صريح في المطلوب، إذ لا يخفى أنه لا تطرق للحمل هنا على موافقة العامة، لاتفاقهم على التفريق بين وقتي الظهر و العصر و مواظبتهم على ذلك.

____________

(1) في باب المواقيت.

7

و ما رواه الشيخ في كتاب العدة (1) مرسلا عن الصادق (عليه السلام): انه (سئل عن اختلاف أصحابنا في المواقيت؟ فقال: انا خالفت بينهم).

و ما رواه في الاحتجاج (2) بسنده فيه عن حريز عن ابي عبد الله (ع) قال: (قلت له: انه ليس شيء أشد علي من اختلاف أصحابنا. قال ذلك من قبلي).

و ما رواه في كتاب معاني الاخبار (3) عن الخزاز عمن حدثه عن ابي الحسن (ع) قال: (اختلاف أصحابي لكم رحمة و قال (ع): إذا كان ذلك جمعتكم على أمر واحد).

و سئل عن اختلاف أصحابنا فقال (عليه السلام): (انا فعلت ذلك بكم و لو اجتمعتم على أمر واحد لأخذ برقابكم).

و ما رواه في الكافي (4) بسنده فيه عن موسى بن أشيم قال: (كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) فسأله رجل عن آية من كتاب الله عز و جل فأخبره بها ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر به الأول، فدخلني من ذلك ما شاء الله، الى أن قال: فبينما أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني و أخبر صاحبي، فسكنت نفسي و علمت ان ذلك منه تقية.

قال: ثم التفت إلي فقال: يا ابن أشيم ان الله عز و جل فوض الى سليمان بن داود فقال هٰذٰا عَطٰاؤُنٰا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ. و فوض الى نبيه (صلى الله عليه و آله)

____________

(1) في مبحث الخبر الواحد.

(2) هذا الحديث مذكور في العلل باب 131 (العلة التي من أجلها حرم الله الكبائر) و لم ينقله المجلسي في البحار إلا عن العلل.

(3) هذا الحديث مذكور في العلل في الباب المتقدم و لم ينقله المجلسي في البحار إلا عن العلل.

(4) في باب التفويض الى رسول الله (ص) و الى الأئمة (ع) في أمر الدين.

8

فقال: ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا. فما فوض الى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقد فوضه إلينا).

و لعلك بمعونة ذلك تعلم ان الترجيح بين الاخبار بالتقية- بعد العرض على الكتاب العزيز- أقوى المرجحات. فان جل الاختلاف الواقع في أخبارنا بل كله عند التأمل و التحقيق إنما نشأ من التقية (1) و من هنا دخلت الشبهة على جمهور متأخري أصحابنا (رضوان الله عليهم)، فظنوا ان هذا الاختلاف إنما نشأ من دس أخبار الكذب في أخبارنا، فوضعوا هذا الاصطلاح ليميزوا به صحيحها عن سقيمها و غثها من سمينها، و قوى الشبهة فيما ذهبوا إليه شيئان: (أحدهما) رواية مخالف المذهب و ظاهر الفسق و المشهور بالكذب من فطحي و واقفي و زيدي و عامي و كذاب و غال و نحوهم.

و (ثانيهما) ما ورد عنهم (عليهم السلام) من ان لكل رجل منا رجلا يكذب عليه و أمثاله مما يدل على دس بعض الأخبار الكاذبة في أحاديثهم (عليهم السلام)، و لم يتفطنوا نور الله ضرائحهم الى ان هذه الأحاديث التي بأيدينا إنما وصلت إلينا بعد أن سهرت

____________

(1) أقول: و قد وفق الله تعالى الى الوقوف على كلام للمحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) يطابق ما سنح لنا في هذه المقالة، حيث قال في تعليقاته على كتاب المدارك في بحث البئر في بيان السبب في اختلاف اخبار النزح ما لفظه: و اما الروايات المختلفة المتضمنة للنزح ففي سبب اختلافها احتمالات، و ذلك لتضمن كثير من الروايات انه من أنواع التقية صدور أجوبة مختلفة عنهم (عليهم السلام) في مسألة واحدة لئلا يثبت عليهم قول واحد، و لنص كثير منها ان خصوصيات كثير من الأحكام مفوضة إليهم (عليهم السلام) كما كانت مفوضة إليه (ص)، ليعلم المسلم لأمرهم من غيره، الى آخر كلامه خصه الله بمزيد إكرامه. و انى سابقا كان يكثر تعجبي من عدم اهتداء أحد سيما من المحدثين الى ما ذكرنا، حتى وفق الله سبحانه للوقوف على هذا الكلام، و ما ذكره (قدس سره) من خروج بعض الاختلافات عنهم (ع) من باب التفويض يدل عليه من الاخبار المذكورة هنا خبر موسى بن أشيم (منه (رحمه الله).

9

العيون في تصحيحها و ذابت الأبدان في تنقيحها، و قطعوا في تحصيلها من معادنها البلدان، و هجروا في تنقيتها الأولاد و النسوان، كما لا يخفى على من تتبع السير و الأخبار، و طالع الكتب المدونة في تلك الآثار، فان المستفاد منها- على وجه لا يزاحمه الريب و لا يداخله القدح و العيب- انه كان دأب قدماء أصحابنا المعاصرين لهم (عليهم السلام) الى وقت المحمدين الثلاثة في مدة تزيد على ثلثمائة سنة ضبط الأحاديث و تدوينها في مجالس الأئمة، و المسارعة إلى إثبات ما يسمعونه خوفا من تطرق السهو و النسيان، و عرض ذلك عليهم، و قد صنفوا تلك الأصول الأربعمائة المنقولة كلها من اجوبتهم (عليهم السلام) و انهم ما كانوا يستحلون رواية ما لم يجزموا بصحته، و قد روي أنه عرض على الصادق (ع) كتاب عبيد الله بن علي الحلبي فاستحسنه و صححه، و على العسكري (ع) كتاب يونس بن عبد الرحمن و كتاب الفضل بن شاذان فاثنى عليهما، و كانوا (عليهم السلام) يوقفون شيعتهم على أحوال أولئك الكذابين، و يأمرونهم بمجانبتهم، و عرض ما يرد من جهتهم على الكتاب العزيز و السنة النبوية و ترك ما خالفهما.

فروى الثقة الجليل أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال (1) بإسناده عن محمد ابن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرحمن: ان بعض أصحابنا سأله و أنا حاضر فقال:

يا أبا محمد ما أشدك في الحديث و أكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على رد الحديث (2)؟ فقال: حدثني هشام بن الحكم انه سمع أبا عبد الله (ع) يقول:

«لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن و السنة أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد (لعنه الله) دس في كتب (3) أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا و سنة نبينا (صلى الله عليه و آله)».

قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر و وجدت أصحاب

____________

(1) في أحوال المغيرة بن سعيد.

(2) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة و المخطوطة، و في رجال الكشي (رد الأحاديث).

(3) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة و المخطوطة، و في رجال الكشي (كتب أصحاب أبي).

10

أبي عبد الله (ع) متوافرين، فسمعت منهم، و أخذت كتبهم و عرضتها من بعد على ابي الحسن الرضا (ع)، فأنكر منها أحاديث كثيرة ان تكون من أحاديث أبي عبد الله،

و قال: «ان أبا الخطاب كذب على ابي عبد الله (ع) لعن الله أبا الخطاب و كذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب ابي عبد الله (ع)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنا إن تحدثنا حدثنا بموافقة القرآن و موافقة السنة، انا عن الله و عن رسوله نحدث و لا نقول قال فلان و فلان فيتناقض كلامنا، ان كلام آخرنا مثل كلام أولنا. و كلام أولنا مصداق لكلام آخرنا، فإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه و قولوا أنت أعلم و ما جئت به، فان لكلامنا حقيقة و عليه نورا، فما لا حقيقة له و لا عليه نور فذلك قول الشيطان».

أقول: فانظر- أيدك الله تعالى- الى ما دل عليه هذا الحديث من توقف يونس في الأحاديث و احتياطه فيها. و هذا شأن غيره ايضا كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، و أمرهم (عليهم السلام) بعرض ما يأتي من الأخبار من غير المؤتمن على الكتاب و السنة تحرزا من تلك الأحاديث المكذوبة، فهل يجوز في العقول السليمة و الطباع المستقيمة ان مثل هؤلاء الثقات العدول إذا سمعوا من أئمتهم مثل هذا الكلام ان يستحلوا بعد ذلك نقل ما لا يثقون بصحته و لا يعتمدون على حقيقته. بل من المقطوع و المعلوم عادة من أمثالهم انهم لا يذكرون و لا يروون في مصنفاتهم إلا ما اتضح لهم فيه الحال و انه في الصدق و الاشتهار كالشمس في رابعة النهار كما سمعت من حال يونس، و هذا كان دأبهم (عليهم السلام) في الهداية لشيعتهم. يوقفونهم على جميع ما وقع و ما عسى أن يقع في الشريعة من تغيير و تبديل، لأنهم (صلوات الله عليهم) حفاظ الشريعة و حملتها و ضباطها و حرستها. و لهم نواب فيها من ثقات أصحابهم و خواص رواتهم، يوحون إليهم أسرار الأحكام، و يوقفونهم على غوامض كل حلال و حرام، كما قد روي ذلك بأسانيد عديدة، على ان المفهوم من جملة من تلك الأخبار ان تلك الأحاديث المكذوبة

11

كلها كانت من أحاديث الكفر و الزندقة و الاخبار بالغرائب.

فمن ذلك ما رواه في الكتاب المتقدم (1)

عن يونس عن هشام بن الحكم: انه سمع أبا عبد الله (ع) يقول: «كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على ابي و يأخذ كتب أصحابه، و كان أصحابه المستترون بأصحاب ابي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها كتب الكفر و الزندقة و يسندها الى ابي (عليه السلام)، ثم يدفعها إلى أصحابه و يأمرهم أن يبثوها في الشيعة. فكل ما كان في كتب أصحاب ابي (عليه السلام) من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم».

و بإسناده عن حماد عن حريز قال- يعني أبا عبد الله (ع)-: ان أهل الكوفة لم يزل فيهم كذاب، اما المغيرة بن سعيد فإنه يكذب على ابي- يعني أبا جعفر (عليه السلام)- قال: حدثه ان نساء آل محمد (صلى الله عليه و آله) إذا حضن قضين الصلاة. و كذب و الله ما كان من ذلك شيء و لا حدثه. و اما أبو الخطاب فكذب علي و قال: اني أمرته هو و أصحابه ان لا يصلي المغرب حتى يروا الكواكب.».

الحديث.

على ان مقتضى الحكمة الربانية و شفقة الأئمة (صلوات الله عليهم) على من في أصلاب الرجال من شيعتهم تمنع من ان يتركوهم هملا يمشون على غير طريق واضح و لا منار لائح، فلا يميزون لهم الغث من السمين. و لا يهدونهم إلى جادة الحق المبين.

و لا يوقفونهم على ما يقع في الشريعة من تغيير و تبديل. و ما يحدثه الكذابون المفترون من البدع و التضليل، كلا ثم كلا، بل اوضحوا الدين المبين نهاية الإيضاح. و صفوه من شوب كل كدر، حتى أسفر كضوء الصباح. الا ترى الى ما ورد عنهم من حثهم شيعتهم على الكتابة لما يسمعونه منهم. و أمرهم بحفظ الكتب لمن يأتي بعدهم. كما

____________

(1) في أحوال المغيرة بن سعيد و كذا الخبر الآتي.

12

ورد في جملة من الأخبار التي رواها ثقة الإسلام في جامعه الكافي و غيره في غيره.

و الى تحذيرهم الشيعة عن مداخلة كل من أظهر البدع و أمرهم بمجانبتهم، و تعريفهم لهم بأعيانهم، كما عرفت فيما تلونا من الاخبار.

و من ذلك ايضا ما خرج عن الأئمة المتأخرين (صلوات الله عليهم أجمعين) في لعن جماعة ممن كانوا كذلك، كفارس بن حاتم القزويني، و الحسن بن محمد بن بابا، و محمد بن نصير النميري، و ابي طاهر محمد بن علي بن بلال، و احمد بن هلال، و الحسين بن منصور الحلاج. و ابن ابي العزاقر، و ابي دلف، و جمع كثير ممن يتسمى بالشيعة. و يظهر المقالات الشنيعة من الغلو و الإباحات و التناسخ و نحوها، و قد خرجت في لعنهم التوقيعات عنهم (عليهم السلام) في جميع الأماكن و البراءة منهم.

و قد ذكر الشيخ (قدس سره) في كتاب الغيبة جمعا من هؤلاء، و أورد الكشي اخبارا فيما أحدثوا. و ما خرج فيهم من التوقيعات لذلك، من أحب الوقوف عليها فليرجع اليه. و قد شدد أصحاب الأئمة (عليهم السلام) الأمر في ذلك، حتى ربما تجاوزوا المقام. حتى انهم كانوا يجانبون الرجل بمجرد التهمة بذلك، كما وقع لأحمد بن محمد ابن عيسى مع احمد بن محمد بن خالد البرقي من إخراجه من برقة قم لما طعن عليه القميون، ثم اعاده إليها لما ظهر له براءته. و مشى في جنازته حافيا إظهارا لنزاهته مما رمي به، و كما أخرج سهل بن زياد الأدمي. و أظهر البراءة منه و منع الناس من السماع عنه، و كما استثنى محمد بن الحسن بن الوليد جملة من الرواة، منهم جماعة ممن روى عنهم محمد بن احمد بن يحيى الأشعري و غيرهم، و قد عدوا جماعة من الرواة في الضعفاء. و نسبوهم الى الكذب و الافتراء. و منهم من خرجت التوقيعات فيه عنهم (عليهم السلام) و منهم من اطلعوا على حاله الموجب لضعفه، و منهم محمد بن علي الصيرفي أبو سمينة. و محمد بن سنان. و يونس بن ظبيان. و يزيد الصائغ و غيرهم، و ذلك ظاهر لمن تصفح كتب

13

الرجال و اطلع على ما فيها من الأحوال. و من الظاهر البين الظهور انه مع شهرة الأمر في هؤلاء المعدودين و أمثالهم، فإنه لا يعتمد أحد ممن اطلع على أحوالهم على رواياتهم، و لا يدونونها في أصولهم إلا مع اقترانها بما يوجب صحتها و يعلن بثبوتها (1) كما صرح

____________

(1) و من ذلك ما ذكره (قده) في كتاب الغيبة، حيث نقل حديثا في الغيبة عن أحمد ابن زياد، ثم قال: قال مصنف هذا الكتاب (رضى الله عنه): لم أسمع هذا الحديث إلا من احمد بن زياد (رضى الله عنه) بعد انصرافه من حج بيت الله الحرام، و كان رجلا ثقة دينا فاضلا (رحمة الله و رضوانه عليه) انتهى.

(و منه) ايضا ما ذكره في الكتاب المذكور بعد نقل حديث عن علي بن عبد الله الوراق، حيث قال: قال مصنف هذا الكتاب (رضى الله عنه): لم أسمع هذا الحديث إلا من علي بن عبد الله الوراق، و وجدته بخطه مثبتا فسألته عنه فرواه لي عن سعد بن عبد الله عن احمد بن إسحاق كما ذكرته. انتهى.

(و منه) ما ذكره في معاني الاخبار في باب معنى ما جاء في لعن الذهب و الفضة، حيث قال: قال مصنف هذا الكتاب: هذا حديث لم أسمعه إلا من الحسن بن حمزة العلوي (رضى الله عنه) و لم اروه عن شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد، و لكنه صحيح عندي إلى آخر كلامه (و لا يخفى) على الفطن اللبيب و المنصف الأريب ان تخصيصه هذه الاخبار و نحوها مما ذكره يدل دلالة واضحة على ان ما لم يذكر فيه شيئا من ذلك كله مقطوع مجزوم على صحته كما لا يخفى.

و منه ما ذكره (قدس سره) في كتاب من لا يحضره الفقيه في باب ما يجب على من أفطر أو جامع في شهر رمضان، حيث

روى عن المفضل بن عمر عن ابى عبد الله (ع) في رجل أتى امرأته و هي صائمة و هو صائم. فقال: ان كان أكرهها فعليه كفارتان، و ان كانت طاوعته فعليه كفارة.

الحديث. ثم قال (قدس سره) قال مصنف هذا الكتاب: لم أجد ذلك في شيء من الأصول و انما تفرد بروايته علي بن إبراهيم بن هاشم. و فيه كما ترى دلالة واضحة على ان جميع ما يرويه في هذا المقام و غيره انما هو من الأصول المقطوع على صحتها عنده، كما صرح به في أول الفقيه، و انه إذا نقل ما ليس كذلك نبه على ان الراوي له ثقة معتمد، فكيف بعد أمثال هذا الكلام الذي لا يليق بأمثاله من أولئك الأعلام خلط الغث بالسمين حتى يحتاج الى ما ذكروه من هذا الاصطلاح العديم الاصطلاح (منه (رحمه الله).

14

به شيخنا البهائي في كتاب مشرق الشمسين، و قد نقل الصدوق (قدس سره) في كتاب عيون أخبار الرضا حديثا في سنده (محمد بن عبد الله المسمعي)، ثم قال بعد تمام الحديث ما هذا لفظه: قال مصنف هذا الكتاب: كان شيخنا (محمد بن الحسن ابن الوليد) سيء الرأي في (محمد بن عبد الله المسمعي) راوي هذا الحديث، و انما أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب لانه كان في كتاب الرحمة و قد قرأته عليه فلم ينكره و رواه لي، انتهى. أقول: و كتاب الرحمة لسعد بن عبد الله. فانظر إلى شدة احتياطهم و تورعهم في عدم نقل ما لا يثقون به إلا مع انضمام القرائن الموجبة لصحته و ثبوته.

و بالجملة: فالخوض في كتب الرجال- و النظر في مصنفات المتقدمين و الاطلاع على سيرتهم و طريقتهم- يفيد الجزم بما قلنا، و اما من أخذ بظاهر المشهور من غير تدبر لما هو ثمة مذكور فهو فيما ذهب اليه معذور. و كل ميسر لما خلق له، و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

المقدمة الثانية

قد صرح جملة من أصحابنا المتأخرين بأن الأصل في تنويع الحديث إلى الأنواع الأربعة المشهورة هو العلامة أو شيخه جمال الدين بن طاوس نور الله تعالى مرقديهما، و اما المتقدمون فالصحيح عندهم هو ما اعتضد بما يوجب الاعتماد عليه من القرائن و الأمارات التي ذكرها الشيخ (قدس سره) في كتاب العدة. و على هذا جرى جملة من أصحابنا المحدثين و طائفة من متأخري متأخري المجتهدين كشيخنا المجلسي (رحمه الله) و جمع ممن تأخر عنه. و قد اتسع خرق الخلاف بين المجتهدين من أصحابنا و الأخباريين في جمل عديدة من مسائل الأصول التي تبنى عليها الفروع الفقهية، و بسط كل من علماء الطرفين لسان التشنيع على الآخر، و الحق الحقيق بالاتباع ما سلكه طائفة من

15

متأخري المتأخرين كشيخنا المجلسي (طاب ثراه) و طائفة ممن أخذ عنه. فإنهم سلكوا من طرق الخلاف بين ذينك الفريقين طريقا وسطى بين القولين و نجدا أوضح من ذينك النجدين

و (خير الأمور أوسطها).

و نحن قد بسطنا الكلام في إيضاح هذا المرام في جملة من مؤلفاتنا و لا سيما كتاب المسائل، فإنا قد أعطينا المسألة حقها من الدلائل، و لا بأس بذكر طرف من ذلك في هذا الكتاب، حيث انا قد قصدنا فيه ضرب الصفح غالبا عن الكلام في أسانيد الأخبار و الطعن فيها بذلك. فربما يظن الناظر الغير العالم بطريقتنا ان ذلك عن عجز أو غفلة أو نحو ذلك، فرأينا أن نبين هنا ان ذلك إنما هو من حيث ثبوت صحة تلك الاخبار عندنا و الوثوق بورودها عن أصحاب العصمة (صلوات الله عليهم).

فنقول: قد صرح شيخنا البهائي في كتاب مشرق الشمسين و قبله المحقق الشيخ حسن (أعلى الله رتبتهما) في مقدمات كتاب المنتقى بما ملخصه: ان السبب- الداعي إلى تقرير هذا الاصطلاح في تنويع الحديث إلى الأنواع الأربعة- هو انه لما طالت المدة بينهم و بين الصدر الأول و بعدت عليهم الشقة و خفيت عليهم تلك القرائن التي أوجبت صحة الأخبار عند المتقدمين. و ضاق عليهم ما كان متسعا على غيرهم، التجأوا الى العمل بالظن بعد فقد العلم، لكونه أقرب مجازا إلى الحقيقة عند تعذرها، و بسبب التباس الأخبار غثها بسمينها و صحيحها بسقيمها التجأوا الى هذا الاصطلاح الجديد. و قربوا لنا البعيد، و نوعوا الحديث إلى الأنواع الأربعة. و زاد في كتاب مشرق الشمسين: انهم ربما سلكوا طريقة القدماء في بعض الأحيان، ثم عد (قدس سره) مواضع من ذلك. هذا خلاصة ما ذكروا في تعليل ذلك، و نحن نقول: لنا على بطلان هذا الاصطلاح و صحة أخبارنا وجوه.

(الأول) ما قد عرفت في المقدمة الاولى من أن منشأ الاختلاف في أخبارنا إنما هو التقية من ذوي الخلاف لا من دس الاخبار المكذوبة حتى يحتاج الى هذا

16

الاصطلاح. على انه متى كان السبب الداعي إنما هو دس الأحاديث المكذوبة كما توهموه (رضوان الله عليهم) ففيه انه لا ضرورة تلجئ الى اصطلاحهم، لأنهم (عليهم السلام) قد امرونا بعرض ما شك فيه من الاخبار على الكتاب و السنة فيؤخذ بما وافقهما و يطرح ما خالفهما، فالواجب في تمييز الخبر الصادق من الكاذب مراعاة ذلك، و فيه غنية عما تكلفوه، و لا ريب ان اتباع الأئمة (عليهم السلام) اولى من أتباعهم.

(الثاني) ان التوثيق و الجرح الذي بنوا عليه تنويع الاخبار إنما أخذوه من كلام القدماء، و كذلك الأخبار التي رويت في أحوال الرواة من المدح و الذم إنما أخذوها عنهم، فإذا اعتمدوا عليهم في مثل ذلك فكيف لا يعتمدون عليهم في تصحيح ما صححوه من الاخبار و اعتمدوه و ضمنوا صحته كما صرح به جملة منهم، كما لا يخفى على من لاحظ ديباجتي الكافي و الفقيه و كلام الشيخ في العدة و كتابي الأخبار فإن كانوا ثقاتا عدولا في الاخبار بما أخبروا به ففي الجميع، و إلا فالواجب تحصيل الجرح و التعديل من غير كتبهم و أنى لهم به (لا يقال) (1) إن أخبارهم بصحة ما رووه في كتبهم يحتمل الحمل على الظن القوي باستفاضة أو شياع أو شهرة معتد بها أو قرينة أو نحو ذلك مما يخرجه عن محوضة الظن (لأنا نقول) فيه (أولا) ان أصحاب هذا الاصطلاح مصرحون بكون مفاد الاخبار عند المتقدمين هو القطع و اليقين و انهم إنما عدلوا عنه الى الظن لعدم تيسر ذلك لهم كما صرح به في المنتقى و مشرق الشمسين

____________

(1) هذا أحد الأجوبة التي أجابوا بها فيما ذكرنا، صرح به شيخنا أبو الحسن (قده) في كتاب العشرة الكاملة، حيث انه في الكتاب المذكور كان شديد التعصب لهذا الاصطلاح و ترويج القول بالاجتهاد، الا ان مصنفاته الأخيرة تدل على عدوله عن ذلك و ميله الى العمل بالاخبار، و ان كان دون طريقة الأخباريين بل من الجادة الوسطى التي قدمنا الإشارة إليها (منه (رحمه الله).

17

(و اما ثانيا) فلما تضمنته تلك العبارات مما هو صريح في صحة الاخبار بمعنى القطع و اليقين بثبوتها عن المعصومين (فان قيل) تصحيح ما حكموا بصحته أمر اجتهادي لا يجب تقليدهم فيه، و نقلهم المدح و الذم رواية يعتمد عليهم فيها (قلنا) فيه ان أخبارهم بكون الراوي ثقة أو كذابا أو نحو ذلك إنما هو أمر اجتهادي استفادوه بالقرائن المطلعة على أحواله أيضا.

(الثالث)- تصريح جملة- من العلماء الاعلام و أساطين الإسلام و من هم المعتمد في النقض و الإبرام من متقدمي الأصحاب و من متأخريهم الذين هم أصحاب هذا الاصطلاح أيضا- بصحة هذه الأخبار و ثبوتها عن الأئمة الأبرار، لكنا نقتصر على ما ذكره أرباب هذا الاصطلاح في المقام، فإنه أقوى حجة في مقام النقض و الإلزام.

فمن ذلك ما صرح به شيخنا الشهيد (نور الله مضجعه) في الذكرى في الاستدلال على وجوب اتباع مذهب الإمامية، حيث قال ما حاصله: انه كتب من أجوبة مسائل أبي عبد الله (عليه السلام) أربعمائة مصنف لاربعمائة مصنف. و دون من رجاله المعروفين أربعة آلاف رجل من أهل العراق و الحجاز و خراسان و الشام. و كذلك عن مولانا الباقر (ع)، و رجال باقي الأئمة (ع) معروفون مشهورون أولوا مصنفات مشتهرة، فالإنصاف يقتضي الجزم بنسبة ما نقل عنهم إليهم، الى أن قال بعد عد جملة من كتب الاخبار و غيرها مما يطول تعداده بالأسانيد الصحيحة المتصلة المنتقدة و الحسان و القوية: فالإنكار بعد ذلك مكابرة محضة و تعصب صرف. ثم قال: (لا يقال) فمن اين وقع الاختلاف العظيم بين فقهاء الإمامية إذا كان نقلهم عن المعصومين (ع) و فتواهم عن المطهرين (ع)؟ (لأنا نقول) محل الخلاف اما من المسائل المنصوصة أو مما فرعه العلماء، و السبب في الثاني اختلاف الأنظار و مبادئها كما هو بين سائر علماء الأمة، و اما الأول فسببه اختلاف الروايات ظاهرا، و قلما يوجد فيها التناقض بجميع شروطه، و قد كانت الأئمة (ع) في زمن تقية و استتار من مخالفيهم. فكثيرا ما يجيبون

18

السائل على وفق معتقده أو معتقد بعض الحاضرين أو بعض من عساه يصل اليه من المناوئين، أو يكون عاما مقصورا على سببه أو قضية في واقعة مختصة بها أو اشتباها على بعض النقلة عنهم أو عن الوسائط بيننا و بينهم (عليهم السلام). انتهى.

و لعمري انه كلام نفيس يستحق ان يكتب بالنور على وجنات الحور، و يجب ان يسطر و لو بالخناجر على الحناجر. فانظر الى تصريحه بل جزمه بصحة تلك الروايات التي تضمنتها هذه الكتب التي بأيدينا، و تخلصه من الاختلاف الواقع بين الاخبار بوجوه تنفي احتمال تطرق دخول الأحاديث الكاذبة في أخبارنا.

و من ذلك ما صرح به شيخنا الشهيد الثاني (أعلى الله تعالى رتبته) في شرح الدراية، حيث قال: «كان قد استقر أمر الإمامية على أربعمائة مصنف سموها أصولا فكان عليها اعتمادهم، تداعت (1) الحال الى ذهاب معظم تلك الأصول، و لخصها جماعة في كتب خاصة تقريبا على المتناول. و أحسن ما جمع منها: الكافي. و التهذيب.

و الاستبصار. و من لا يحضره الفقيه».

فانظر الى شهادته (قدس سره) بكون أحاديث كتبنا هي أحاديث تلك الأصول بعينها (2) و حينئذ فالطاعن في هذه كالطاعن في تلك الأصول. ثم ان الظاهر ان تخصيصه هذه الكتب الأربعة بالأحسنية إنما هو من حيث اشتمالها على أبواب الفقه

____________

(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة و المخطوطة، و في المطبوع من شرح الدراية (ثم تداعت).

(2) و يؤيد ذلك ما صرح به شيخنا البهائي (قدس سره) في أول كتاب مشرق الشمسين، حيث عد من جملة الأمور الموجبة للقطع بصحة الأخبار عند المتقدمين وجودها في كثير من الأصول الأربعمائة المتصلة بأصحاب العصمة (عليهم السلام)، قال: و كانت متداولة بينهم في تلك الأعصار مشتهرة بينهم اشتهار الشمس في رابعة النهار. انتهى.

(منه (رحمه الله).

19

كملا على الترتيب بخلاف غيرها من كتب الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار. و لا يتوهم- من ظاهر قوله: تداعت الحال الى ذهاب معظم تلك الأصول و لخصها الى آخره- ان تلخيص تلك الجماعة لها إنما وقع بعد ذهاب معظمها، فان ذلك باطل (أما أولا) فلأن التلخيص وقع عطفه في كلامه بالواو، دون- ثم- المفيدة للترتيب. (و اما ثانيا) فلان الظاهر- كما صرح به بعض فضلائنا- إن اضمحلال تلك الأصول إنما وقع بسبب الاستغناء عنها بهذه الكتب التي دونها أصحاب الأخبار، لكونها أحسن منها جمعا و أسهل تناولا. و إلا فتلك الأصول قد بقيت الى زمن ابن طاوس (رضي الله عنه)، كما ذكر ان أكثر تلك الكتب كان عنده و نقل منها شيئا كثيرا كما يشهد به تتبع مصنفاته. و بذلك يشهد كلام ابن إدريس في آخر كتاب السرائر. حيث انه نقل ما استطرفه من جملة منها شطرا وافرا من الاخبار. و بالجملة: فاشتهار تلك الأصول في زمن أولئك الفحول لا ينكره إلا معاند جهول.

و من ذلك ما صرح به المحقق الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني. حيث قال في بحث الإجازة من المعالم ما صورته: «ان أثر الإجازة بالنسبة إلى العمل انما يظهر حيث لا يكون متعلقا معلوما بالتواتر و نحوه ككتب أخبارنا. فإنها متواترة إجمالا، و العلم بصحة مضامينها تفصيلا يستفاد من قرائن الأحوال و لا مدخل للإجازة فيه غالبا».

و من ذلك ما صرح به شيخنا البهائي (نور الله مضجعه) في وجيزته، حيث قال: «جميع أحاديثنا- إلا ما ندر- ينتهي إلى أئمتنا الاثني عشر (عليهم السلام) و هم ينتهون فيها إلى النبي (صلى الله عليه و آله) الى أن قال: و كان قد جمع قدماء محدثينا ما وصل إليهم من كلام أئمتنا (عليهم السلام) في أربعمائة كتاب تسمى (الأصول) ثم

20

تصدى جماعة من المتأخرين (شكر الله سعيهم) لجمع تلك الكتب و ترتيبها تقليلا للانتشار و تسهيلا على طالبي تلك الاخبار، فالفوا كتبا مضبوطة مهذبة مشتملة على الأسانيد المتصلة بأصحاب العصمة (عليهم السلام) كالكافي، و من لا يحضره الفقيه، و التهذيب، و الاستبصار. و مدينة العلم، و الخصال. و الأمالي. و عيون الاخبار، و غيرها».

هذا ما حضرني من كلامهم (نور الله تعالى مراقدهم)، و اما كلام المتقدمين، كالصدوق في الفقيه، و ثقة الإسلام في الكافي، و الشيخ الطوسي في جملة من مؤلفاته، و علم الهدى و غيرهم ممن نقلنا كلامهم في غير هذا الكتاب، فهو ظاهر البيان ساطع البرهان في هذا الشأن.

ثم العجب من هؤلاء الفضلاء الذين نقلنا كلامهم هنا انه إذا كان الحال على ما صرحت به عبائرهم من صحة هذه الاخبار عن الأئمة (عليهم السلام) فما الموجب لهم إلى المتابعة في هذا الاصطلاح الحادث؟ و أعجب من ذلك كلام شيخنا البهائي (ره) في كتاب مشرق الشمسين، حيث ذكر ما ملخصه: ان اجتناب الشيعة لمن كان منهم ثم أنكر إمامة بعض الأئمة (عليهم السلام) كان أشد من اجتناب المخالفين في أصل المذهب. و كانوا يتحرزون عن مجالستهم و التكلم معهم فضلا عن أخذ الحديث عنهم، فإذا نقل علماؤنا رواية رواها رجل من ثقات أصحابنا عن أحد هؤلاء و عولوا عليها و قالوا بصحتها مع علمهم بحاله. فقبولهم لها و قولهم بصحتها لا بد من ابتنائه على وجه صحيح لا يتطرق اليه القدح، و لا الى ذلك الرجل الثقة الراوي عمن هذا حاله، كأن يكون سماعه منه قبل عدوله عن الحق و قوله بالوقف، أو بعد توبته و رجوعه إلى الحق، أو ان النقل إنما وقع من أصله الذي ألفه و اشتهر عنه قبل الوقف، أو من كتابه الذي ألفه بعد الوقف و لكنه أخذ ذلك الكتاب عن شيوخ أصحابنا الذين عليهم الاعتماد ككتب علي بن الحسن الطاطري، فإنه و ان كان من أشد الواقفية عنادا للإمامية إلا أن

21

الشيخ شهد له في الفهرست بأنه روى كتبه عن الرجال الموثوق بهم و بروايتهم. الى غير ذلك من المحامل الصحيحة، إلى آخر كلامه (طاب ثراه).

و لقد أجاد فيما أفاد و لكنه ناقض نفسه فيما أورده من العذر للمتأخرين في عدولهم الى تجديد هذا الاصطلاح، لأن قوله-: كانوا يتحرزون عن مجالستهم فضلا عن أخذ الحديث عنهم. و قوله: فقبولهم لها و قولهم بصحتها لا بد من ابتنائه على وجه صحيح- يستلزم أن تكون أحاديث كتب هؤلاء الأئمة الثلاثة الذين شهدوا بصحة ما رووه فيها كلها صحيحة.

(الرابع)- انه لو تم ما ذكروه و صح ما قرروه للزم فساد الشريعة و إبطال الدين، لأنه متى اقتصر في العمل على هذا القسم الصحيح أو مع الحسن خاصة أو بإضافة الموثق ايضا و رمي بقسم الضعيف باصطلاحهم من البين و الحال ان جل الاخبار من هذا القسم كما لا يخفى على من طالع كتاب الكافي أصولا و فروعا و كذا غيره من سائر كتب الاخبار و سائر الكتب الخالية من الأسانيد. لزم ما ذكرنا و توجه ما طعن به علينا العامة من ان جل أحاديث شريعتنا مكذوبة مزورة، و لذا ترى شيخنا الشهيد في الذكرى كيف تخلص من ذلك بما قدمنا نقله عنه دفعا لما طعنوا به علينا و نسبوه إلينا.

و لله در المحقق (ره) في المعتبر حيث قال: أفرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا لكل خبر و ما فطنوا الى ما تحته من التناقض.

فان من جملة الأخبار قول النبي (صلى الله عليه و آله): «ستكثر بعدي القالة».

الى أن قبل: و اقتصر بعض عن هذا الإفراط فقال: كل سليم السند يعمل به. و ما علم ان الكاذب قد يصدق و الفاسق قد يصدق و لم يتنبه ان ذلك طعن في علماء الشيعة و قدح في المذهب. إذ لا مصنف إلا و هو يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر العدل، الى أن قال: و كل هذه الأقوال منحرفة عن السنن. و التوسط أقرب، فما قبله الأصحاب أو دلت القرائن

22

على صحته عمل به و ما أعرض الأصحاب عنه أو شذ يجب إطراحه. انتهى. و هو قوي متين بل جوهر ثمين.

(الخامس)- ان ما اعتمدوه من ذلك الاصطلاح غير منضبط القواعد و البنيان و لا مشيد الجوانب و الأركان (أما أولا) فلاعتمادهم في التمييز بين أسماء الرواة المشتركة على الأوصاف و الألقاب و النسب و الراوي و المروي عنه و نحوها، و لم لا يجوز اشتراك هذه الأشياء؟ و ذلك، لان الرواة عنهم (عليهم السلام) ليسوا محصورين في عدد مخصوص و لا في بلدة واحدة، و قد نقل الشيخ المفيد (ره) في إرشاده:

ان الذين رووا عن الصادق (ع) خاصة من الثقات على اختلافهم في الآراء و المقالات كانوا أربعة آلاف رجل. و نحو ذلك ذكر ابن شهرآشوب في كتاب معالم العلماء.

و الطبرسي في كتاب اعلام الورى، و الجميع قد وصفوا هؤلاء الأربعة آلاف بالتوثيق و هو مؤيد لما ادعيناه و مشيد لما أسسناه، فإذا كان هؤلاء الرواة عن الصادق (عليه السلام) خاصة فما بالك بالرواة عن الباقر إلى العسكري (عليهم السلام)؟ فأين تأثير القرائن في هذه الاعداد؟ و اين الوصول الى تشخيص المطلوب منها و المراد؟ (و اما ثانيا) فلان مبنى تصحيح الحديث عندهم على نقل توثيق رجاله في أحد كتب المتقدمين. ككتاب الكشي. و النجاشي. و الفهرست، و الخلاصة. و نحوها، نظرا الى ان نقلهم ذلك شهادة منهم بالتوثيق، حتى ان المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى لم يكتف في تعديل الراوي بنقل واحد من هؤلاء بل أوجب في تصحيح الحديث نقل اثنين منهم لعدالة الراوي، نظرا إلى انها شهادة فلا يكفي فيها الواحد.

و أنت خبير بما بين مصنفي تلك الكتب و بين رواة الاخبار من المدة و الأزمنة المتطاولة فكيف اطلعوا على أحوالهم الموجب للشهادة بالعدالة أو الفسق؟ و الاطلاع على ذلك- بنقل ناقل أو شهرة أو قرينة حال أو نحو ذلك كما هو معتمد مصنفي تلك الكتب في الواقع- لا يسمى شهادة. و هم قد اعتمدوا على ذلك و سموه شهادة، و هب

23

ان ذلك كاف في الشهادة، لكن لا بد في العمل بالشهادة من السماع من الشاهد لا بمجرد نقله في كتابه، فإنه لا يكفي في كونه شهادة، هب انا سلمنا الاكتفاء به في ذلك. فما الفرق بين هذا النقل في هذه الكتب و بين نقل أولئك- الأجلاء الذين هم أساطين المذهب- صحة كتبهم و انها مأخوذة عن الصادقين (عليهم السلام)؟ فيعتمد عليهم في أحدهما دون الآخر (و اما ثالثا) فلمخالفتهم أنفسهم فيما قرروه من ذلك الاصطلاح فحكموا بصحة أحاديث هي باصطلاحهم ضعيفة كمراسيل ابن ابي عمير، و صفوان بن يحيى، و غيرهما.

زعما منهم ان هؤلاء لا يرسلون إلا عن ثقة. و مثل أحاديث جملة من مشايخ الإجازة لم يذكروا في كتب الرجال بمدح و لا قدح. مثل احمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، و احمد بن محمد بن يحيى العطار، و الحسين بن الحسن بن ابان، و ابي الحسين ابن ابي جيد. و أضرابهم. زعما منهم ان هؤلاء مشايخ الإجازة و هم مستغنون عن التوثيق.

و أمثال ذلك كثير يظهر للمتتبع (و اما رابعا) فلاضطراب كلامهم في الجرح و التعديل على وجه لا يقبل الجمع و التأويل، فترى الواحد منهم يخالف نفسه فضلا عن غيره، فهذا يقدم الجرح على التعديل، و هذا يقول لا يقدم إلا مع عدم إمكان الجمع، و هذا يقدم النجاشي على الشيخ، و هذا ينازعه و يطالبه بالدليل. و بالجملة: فالخائض في الفن يجزم بصحة ما ادعيناه، و البناء من أصله لما كان على غير أساس كثر الانتقاض فيه و الالتباس.

(السادس)- ان أصحاب هذا الاصطلاح قد اتفقوا على ان مورد التقسيم إلى الأنواع الأربعة إنما هو خبر الواحد العاري عن القرائن. و قد عرفت- من كلام أولئك الفضلاء المتقدم نقل كلامهم، و بذلك صرح غيرهم ايضا- ان اخبار كتبنا المشهورة محفوفة بالقرائن الدالة على صحتها. و حينئذ يظهر عدم وجود مورد التقسيم المذكور في اخبار هذه الكتب. و قد ذكر صاحب المنتقى: ان أكثر أنواع الحديث المذكورة في دراية الحديث بين المتأخرين من مستخرجات العامة بعد وقوع معانيها

24

في أحاديثهم و انه لا وجود لأكثرها في أحاديثنا. و أنت إذا تأملت بعين الحق و اليقين وجدت التقسيم المذكور من هذا القبيل. الى غير ذلك من الوجوه (1) التي انهيناها في كتاب المسائل إلى اثني عشر وجها، و طالب الحق المصنف تكفيه الإشارة و المكابر المتعسف لا ينتفع و لو بألف عبارة.

____________

(1) و منها- ان التعديل و الجرح موقوف على معرفة ما يوجب الجرح و منه الكبائر.

و قد اختلفوا فيها اختلافا شديدا، فلا يمكن الاعتماد على تعديل المعدل و جرحه إلا مع العلم بموافقة مذهبه لمذهب من يريد العمل، و هذا العلم مما لا يمكن أصلا، إذ المعدلون و الجارحون من علماء الرجال ليس مذهبهم في عدد الكبائر معلوما، قال شيخنا البهائي (قدس سره) على ما نقل عنه من المشكلات، انا لا نعلم مذهب الشيخ الطوسي في العدالة و انه يخالف مذهب العلامة، و كذا لا لعلم مذهب بقية أصحاب الرجال كالكشي و النجاشي، و غيرهم، ثم نقبل تعويل العلامة في التعديل على تعديل أولئك. و ايضا كثير من الرجال ينقل عنه انه كان على خلاف المذهب ثم رجع و حسن إيمانه، و القوم يجعلون روايته في الصحيح مع انهم غير عالمين بأن أداء الرواية متى وقع؟ بعد التوبة أم قبلها؟.

و هذان المشكلان لا اعلم ان أحدا قبل تنبه لشيء منهما. انتهى.

(و منها)- ان العدالة بمعنى الملكة المخصوصة عند المتأخرين مما لا يجوز إثباتها بالشهادة، لأن الشهادة و خبر الواحد ليس حجة إلا في المحسوسات لا فيما خفي كالعصمة فلا تقبل فيها الشهادة، فلا اعتماد على تعديل المعدلين بناء على اعتقاد المتأخرين. و هذا مما أورده المحدث الأمين (قدس سره) (و منها)- انه قد تقرر في محله ان شهادة فرع الفرع غير مسموعة، إذ لا يقبل إلا من شاهد الأصل أو شاهد الفرع خاصة، على ان شهادة علماء الرجال على أكثر المعدلين و المجروحين انما هو من شهادة فرع الفرع، فان الشيخ و النجاشي و نحوهما لم يلقوا أصحاب الباقر و الصادق (ع) فلا تكون شهادتهم إلا من قبيل شهادة فرع الفرع بمراتب كثيرة فكيف يجوز التعويل شرعا على شهادتهم ثم بالجرح و التعديل. و هذا ايضا مما أورده المحدث الأمين (قدس سره) الى غير ذلك من الوجوه التي لا يسع الإتيان عليها.

إلا ان المحقق المنصف تكفيه الإشارة و المعاند المتعسف لا ينتفع و لو بألف عبارة (منه ره).

25

(تتمة مهمة)

قد اشتهر بين أكثر متأخري أصحابنا (رضوان الله عليهم) قصر العمل بالاخبار على ما في هذه الكتب الأربعة المشهورة، زعما منهم ان غيرها لم يبلغ في الضبط و الانتقاد على وجه يوجب الاعتماد على مثله. و قد علت- مما قدمنا من كلام شيخنا البهائي (رحمه الله) في الوجيزة، و مثله ايضا شيخنا الشهيد في الذكرى مما طويناه في أثناء كلامه المتقدم ذكره- عدم الانحصار في الكتب المشار إليها، و هو الحق الحقيق بالاتباع، قال السيد المحدث السيد نعمة الله الجزائري (طيب الله مرقده) في مقدمات شرحه على التهذيب: «و الحق ان هذه الأصول الأربعة لم تستوف الأحكام كلها، بل قد وجدنا كثيرا من الأحكام في غيرها، مثل عيون أخبار الرضا. و الأمالي، و كتاب الاحتجاج، و نحوها. فينبغي مراجعة هذه الكتب و أخذ الأحكام منها و لا يقلد العلماء في فتاويهم، فإن أخذ الفتوى من دليلها هو الاجتهاد الحقيقي، و كم قد رأينا جماعة من العلماء ردوا على الفاضلين بعض فتاويهم لعدم الدليل فرأينا دلائل تلك الفتاوى في غير الأصول الأربعة، خصوصا كتاب الفقه الرضوي الذي اتي به من بلاد الهند في هذه الأعصار إلى أصفهان و هو الآن في خزانة شيخنا المجلسي، فإنه قد اشتمل على مدارك كثيرة للاحكام و قد خلت عنها هذه الأصول الأربعة و غيرها» انتهى كلامه زيد مقامه. و لقد أجاد فيما حرر و فصل و أشاد و طبق المفصل و عليه المعتمد و المعول.

و لقد وفق الله تعالى شيخنا غواص بحار الأنوار الى استخراج كنوز تلك الآثار فجمعها في جامعه المشهور ب(البحار) بعد التقاطها من جميع الأقطار، جزاه الله تعالى عن علماء الفرقة المحقة أفضل جزاء الأبرار. و قد جمع فيه أخبارا جمة من الأصول المندرسة و أظهر كنوزا من الأحكام كانت بمرور الأيام منطمسة. و من جملتها كتاب الفقه الرضوي الذي ذكره السيد المتقدم ذكره. قال شيخنا المشار إليه في مقدمات كتاب البحار

26

في ضمن تعداد الكتب التي نقل منها ما لفظه: «كتاب فقه الرضا (عليه السلام) أخبرني به السيد الفاضل المحدث القاضي أمير حسين (طاب ثراه) بعد ما ورد أصفهان. قال:

قد اتفق في بعض سني مجاورتي ببيت الله الحرام ان أتاني جماعة من أهل قم حاجين.

و كان معهم كتاب قديم يوافق تاريخه عصر الرضا (عليه السلام). و سمعت الوالد (رحمه الله) انه قال: سمعت السيد يقول: كان عليه خطه (صلوات الله عليه) و كان عليه إجازات جماعة كثيرة من الفضلاء. و قال السيد: حصل لي العلم بتلك القرائن أنه تأليف الإمام (عليه السلام) و أخذت الكتاب و كتبته و صححته. فأخذ والدي (قدس الله روحه) هذا الكتاب من السيد و استنسخه و صححه. و أكثر عباراته موافق لما يذكره الصدوق أبو جعفر بن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه من غير سند و ما يذكره والده في رسالته اليه، و كثير من الأحكام- التي ذكرها أصحابنا و لا يعلم مستندها- مذكورة فيه كما ستعرف في أبواب العبادات» انتهى كلامه زيد في الخلد مقامه.

أقول: و ما ذكره (قدس سره)- من مطابقة كلام الصدوق في الفقيه و والده في رسالته لما في الكتاب المذكور- قد وقفت عليه في غير موضع و سيمر بك ان شاء الله تعالى في كتابنا هذا، و قد اعتمدنا في الاستدلال في كتابنا هذا على ما اعتمده شيخنا المذكور من الكتب المعدودة في كتابه، و ستمر بك اخبارها في أثناء الأبحاث ان شاء الله تعالى.

المقدمة الثالثة

في مدارك الأحكام الشرعية، و هي عند الأصوليين أربعة: (الكتاب و السنة و الإجماع و دليل العقل) و حيث تقدم مجمل الكلام في السنة يبقى الكلام هنا في مقامات ثلاثة:

27

(المقام الأول)- في الكتاب العزيز

، و لا خلاف بين أصحابنا الأصوليين في العمل به في الأحكام الشرعية و الاعتماد عليه حتى صنف جملة منهم كتبا في الآيات المتعلقة بالأحكام الفقهية و هي خمسمائة آية عندهم، و اما الأخباريون فالذي وقفنا عليه من كلام متأخريهم ما بين إفراط و تفريط. فمنهم من منع فهم شيء منه مطلقا حتى مثل قوله «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» (1) إلا بتفسير من أصحاب العصمة (صلوات الله عليهم) و منهم من جوز ذلك حتى كاد يدعي المشاركة لأهل العصمة (عليهم السلام) في تأويل مشكلاته و حل مبهماته.

و التحقيق في المقام ان الأخبار متعارضة من الجانبين و متصادمة من الطرفين، إلا ان اخبار المنع (2) أكثر عددا و أصرح دلالة.

ففي جملة منها- قد ورد في تفسير قوله تعالى «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا الآية» (3)- دلالة على اختصاص ميراث الكتاب بهم (عليهم السلام) و جملة في تفسير قوله تعالى: «بَلْ هُوَ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ(4) بأن

____________

(1) قال المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قده) في بعض رسائله: انى كنت حاضرا في المسجد الجامع في شيراز، و كان الأستاذ المجتهد الشيخ جعفر البحراني و الشيخ المحدث صاحب جوامع الكلم يتناظران في هذه المسألة، فانجر الكلام ههنا حتى قال له الفاضل المجتهد: ما تقول في معنى «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» فهل يحتاج في فهم معناها الى الحديث؟ فقال:

نعم لا نعرف معنى الاحدية و لا الفرق بين الأحد و الواحد و نحو ذلك الا بذلك. انتهى.

(أقول): و نقل عن بعض المتحذلقين- ممن يدعى الانتظام في سلك الأخباريين- انه يمنع من اللباس على غير الهيئة التي كان عليها لباس الأئمة (عليهم السلام) و هو جهل محض (منه (قدس سره).

(2) قد عقد لها في الوسائل (الباب الثالث عشر) من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء، و عنوانه (عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من الأئمة).

(3) سورة فاطر. آية 32.

(4) سورة العنكبوت. آية 49.

28

المراد بهم الأئمة (صلوات الله عليهم)، و جملة في تفسير

«قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتٰابِ» (1) قال: إيانا عنى.

و مثل ذلك في تفسير قوله سبحانه: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ(2). و كذا في تفسير قوله تعالى: «وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ(3).

و في جملة من تلك الاخبار: «ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن».

و في مناظرة الشامي لهشام بن الحكم بمحضر الصادق (عليه السلام) المروية في الكافي (4) و غيره: «قال هشام: فبعد رسول (صلى الله عليه و آله) من الحجة؟

قال الشامي: الكتاب و السنة. فقال هشام: فهل نفعنا الكتاب و السنة في رفع الاختلاف عنا؟ قال الشامي: نعم. قال هشام: فلم اختلفنا أنا و أنت و صرت إلينا من الشام في مخالفتنا إياك؟ فسكت الشامي. فقال أبو عبد الله (عليه السلام) للشامي ما لك لا تتكلم؟ فقال الشامي: ان قلت لم نختلف كذبت و ان قلت ان الكتاب و السنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت، لأنهما يحتملان الوجوه، الى ان قال الشامي: و الساعة من الحجة؟ فقال هشام: هذا القاعد الذي تشد اليه الرحال و يخبرنا باخبار السماء.» الحديث.

و لا يخفى ما فيه من الصراحة.

و في بعض آخر (5): «قال السائل: أو ما يكفيهم القرآن؟ قال (عليه السلام):

بلى لو وجدوا له مفسرا. قال: أو ما فسره رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟ قال:

____________

(1) سورة الرعد. آية 43.

(2) سورة الزخرف. آية 44.

(3) سورة آل عمران. آية 7.

(4) في باب (الاضطرار إلى الحجة) من كتاب الحجة.

(5) و هو خبر الحسن بن العباس بن جريش عن ابى جعفر الثاني (ع) المروي في الوسائل في باب «13» (عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلخ) من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء.

29

بلى فسره لرجل واحد و فسر للأمة شأن ذلك الرجل.» الحديث.

و في آخر (1) «انما القرآن أمثال لقوم يعلمون دون غيرهم و لقوم يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلٰاوَتِهِ و هم الذين يؤمنون به و يعرفونه. و اما غيرهم فما أشد إشكاله عليهم و أبعده من مذاهب قلوبهم، الى ان قال: و إنما أراد الله بتعميته في ذلك ان ينتهوا الى بابه و صراطه و يعبدوه و ينتهوا في قوله إلى طاعة القوام بكتابه و الناطقين عن امره و ان يستنبطوا ما احتاجوا اليه من ذلك عنهم لا عن أنفسهم.». الحديث (2).

و يدل على ذلك الحديث المتواتر بين العامة و الخاصة (3)

من قوله (صلى الله عليه و آله) «اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله و عترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».

فان الظاهر ان المراد من عدم افتراقهما إنما هو باعتبار الرجوع في معاني الكتاب إليهم (صلوات الله عليهم) و إلا لو تم فهمه كلا أو بعضا بالنسبة إلى الأحكام

____________

(1) و هو خبر المعلى بن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) المروي في الوسائل في باب «13» (عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلخ) من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء.

(2) و من الاخبار في ذلك

ما رواه العياشي عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

«من فسر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر و ان أخطأ خر أبعد من السماء».

و في الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: «ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلا كفر».

و عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».

و حمل الرأي- على الميل الطبيعي المرتب على الأغراض الفاسدة و المطالب الكاسدة كما ذكره بعضهم- بعيد كما أوضحناه في كتاب الدرر النجفية (منه (رحمه الله).

(3) و قال في الوسائل في باب 5 (تحريم الحكم بغير الكتاب و السنة و وجوب نقض الحكم مع ظهور الخطأ) من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء:

و قد تواتر بين العامة و الخاصة عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «انى تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما ان تضلوا: كتاب الله و عترتي أهل بيتي، و انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».

30

الشرعية و المعارف الآلهية بدونهم لصدق الافتراق و لو في الجملة.

و يؤيد ذلك ايضا

قول أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): «القرآن كتاب الله الصامت و أنا كتاب الله الناطق» (1).

فلو فهم معناه بدونه (عليه السلام) لم يكن لوصفه بكونه صامتا معنى (2).

و لا يخفى على الفطن المنصف صراحة هذه الأدلة في المدعى، و ظني ان ما يقابلها مع تسليم التكافؤ لا صراحة له في المعارضة.

فمن ذلك- الأخبار الواردة بعرض الحكم المختلفة فيه الأخبار على القرآن و الأخذ بما يوافقه و طرح ما يخالفه. و وجه الاستدلال انه لو لم يفهم منه شيء إلا بتفسيرهم (عليهم السلام) انتفى فائدة العرض. و الجواب انه لا منافاة، فإن تفسيرهم (عليهم السلام) إنما هو حكاية مراد الله تعالى فالأخذ بتفسيرهم أخذ بالكتاب، و اما ما لم يرد فيه تفسير عنهم (صلوات الله عليهم) فيجب التوقف فيه وقوفا على تلك الأخبار و تقييدا لهذه الاخبار بها.

و من ذلك الآيات، كقوله سبحانه: «وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ(3) و قوله: «مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ(4) و قوله:

____________

(1) و قد رواه في الوسائل في الباب- 5- من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء هكذا: «هذا كتاب الله الصامت و انا كتاب الله الناطق».

(2) و من ذلك ايضا ما ورد من ان القرآن مشتمل على الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه و الخاص و العام و المطلق و المقيد و المجمل و المفصل و التقديم و التأخير و التغيير و التبديل، و استفادة الأحكام الشرعية من مثل ذلك لا يتيسر إلا للعالم بجميع ما هنالك و ليس إلا هم (عليهم السلام) خصوصا الآيات المتعلقة بالأحكام الشرعية، فإنها لا تخرج عن هذه الأقسام المذكورة (منه (قدس سره).

(3) سورة النحل. آية 89.

(4) سورة الانعام. آية 38.

31

«لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ(1) و قوله: «أَ فَلٰا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا» (2).

و الجواب ان الآيتين الأوليين لا دلالة فيهما على أكثر من استكمال القرآن لجميع الأحكام و هو غير منكور، و أما كون فهم الأحكام مشتركا بين كافة الناس كما هو المطلوب بالاستدلال فلا، كيف؟ و جل آيات الكتاب سيما ما يتعلق بالفروع الشرعية كلها ما بين مجمل و مطلق و عام و متشابه لا يهتدى منه- مع قطع النظر عن السنة- إلى سبيل. و لا يركن منه الى دليل. بل قد ورد من استنباطهم (عليهم السلام) جملة من الأحكام من الآيات ما لا يجسر عليه سواهم و لا يهتدى إليه غيرهم، و هو مصداق ما تقدم من

قولهم: «ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن».

كالأخبار الدالة على حكم الوصية بالجزء من المال، حيث فسره (عليهم السلام) بالعشر مستدلا بقوله سبحانه: «ثُمَّ اجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً(3) و كانت الجبال عشرة، و الوصية بالسهم. حيث فسره بالثمن لقوله سبحانه: «إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ. الآية» (4) و النذر بمال كثير. حيث فسره (عليه السلام) بالثمانين لقوله تعالى: «فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ(5) و كانت ثمانين موطنا، و أمثال ذلك مما يطول به الكلام.

و اما الآية الثالثة فظاهر سياق ما قبلها و هو قوله: «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ.» يدل على كون المستنبطين هم الأئمة (عليهم السلام) و بذلك توافرت الأخبار عنهم (عليهم السلام)،

ففي الجوامع عن الباقر (عليهم السلام): «هم الأئمة المعصومون».

و العياشي عن الرضا (عليه السلام):

«يعني آل محمد و هم الذين يستنبطون من القرآن و يعرفون الحلال و الحرام».

و في الإكمال عن الباقر (عليه السلام) مثل ذلك. و قد تقدم في بعض الاخبار التي قدمناها ما يشعر

____________

(1) سورة النساء. آية 83.

(2) سورة محمد (صلى الله عليه و آله). آية 24.

(3) سورة البقرة. آية 260.

(4) سورة التوبة. آية 60.

(5) سورة التوبة. آية 25.

32

بذلك ايضا. و اما الآية الرابعة فانا- كما سيتضح لك- لا نمنع فهم شيء من القرآن بالكلية ليمتنع وجود مصداق الآية، فإن دلالة الآيات- على الوعد و الوعيد و الزجر لمن تعدى الحدود الإلهية و التهديد- ظاهر لامرية فيه، و هو المراد من التدبر في الآية كما ينادي عليه سياق الكلام.

و القول الفصل و المذهب الجزل في ذلك ما أفاده شيخ الطائفة (رضوان الله عليه) في كتاب التبيان و تلقاه بالقبول جملة من علمائنا الأعيان، حيث قال بعد نقل جملة من اخبار الطرفين ما ملخصه: و الذي نقول: ان معاني القرآن على أربعة أقسام:

(أحدها)- ما اختص الله تعالى بالعلم به. فلا يجوز لأحد تكلف القول فيه (و ثانيها)- ما يكون ظاهره مطابقا لمعناه فكل من عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناه. مثل قوله: «وَ لٰا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ(1)

(و ثالثها)- ما هو مجمل لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلا مثل قوله «أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ(2)

ثم ذكر جملة من الآيات التي من هذا القبيل و قال: انه لا يمكن استخراجها إلا ببيان من النبي (صلى الله عليه و آله) (و رابعها)- ما كان اللفظ مشتركا بين معنيين فما زاد عليهما و يمكن ان يكون كل واحد منهما مرادا. فإنه لا ينبغي ان يقدم أحد فيقول ان مراد الله بعض ما يحتمله إلا بقول نبي أو إمام معصوم، الى آخر كلامه «زيد في إكرامه» و عليه تجتمع الاخبار على وجه واضح المنار. و يؤيده ما رواه (3) في الاحتجاج

____________

(1) سورة الانعام. آية 151.

(2) سورة الانعام. آية 72.

(3) و منه

ما روى ان الحسن (عليه السلام) تلا قوله سبحانه: «وَ لٰا رَطْبٍ وَ لٰا يٰابِسٍ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ» فقال معاوية: اين قصة لحيتي و لحيتك في الكتاب. و قد كان الحسن (عليه السلام) حسن اللحية و كان معاوية قبيحها، فقال (عليه السلام): «وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبٰاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لٰا يَخْرُجُ إِلّٰا نَكِداً».

و ما روى في حديث ابى الجارود قال قال أبو جعفر (عليه السلام): «إذا حدثتكم بشيء فاسألوني من كتاب الله» ثم قال في بعض حديثه: «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى عن القيل و القال و فساد المال و كثرة السؤال. فقيل له: يا ابن رسول الله! اين هذا من كتاب الله فقال: ان الله عز و جل يقول: «لٰا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوٰاهُمْ إِلّٰا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلٰاحٍ بَيْنَ النّٰاسِ» و قال: «وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّٰهُ لَكُمْ قِيٰاماً» و قال: «لٰا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ».

(منه (قدس سره).

33

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) في حديث الزنديق الذي جاء اليه بآي من القرآن زاعما تناقضها. حيث قال (عليه السلام) في أثناء الحديث: «ان الله جل ذكره لسعة رحمته و رأفته بخلقه و علمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كتابه قسم كلامه ثلاثة أقسام:

فجعل قسما منه يعرفه العالم و الجاهل. و قسما منه لا يعرفه إلا من صف ذهنه و لطف حسه و صح تمييزه ممن شرح الله صدره للإسلام. و قسما لا يعرفه إلا الله و أنبياؤه و الراسخون في العلم، و إنما فعل ذلك لئلا يدعي أهل الباطل المستولون على ميراث رسول الله (صلى الله عليه و آله) من علم الكتاب ما لم يجعل الله لهم، و ليقودهم الاضطرار الى الائتمار لمن ولاه أمرهم. الى أن قال: فاما ما علمه الجاهل و العالم من فضل رسول الله (صلى الله عليه و آله) من كتاب الله. فهو قوله سبحانه: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ (2) و قوله: «إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» (3) و لهذه الآية ظاهر و باطن. فالظاهر هو قوله:

(صَلُّوا عَلَيْهِ) و الباطن (يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)* اي سلموا- لمن وصاه و استخلفه عليكم- فضله و ما عهد اليه تسليما. و هذا مما أخبرتك انه لا يعلم تأويله إلا من لطف حسه وصفا ذهنه و صح تمييزه، و كذلك قوله «سلام على آل يس» (4) لأن الله سمى النبي (صلى الله

____________

(1) في احتجاجات أمير المؤمنين (عليه السلام).

(2) سورة النساء. آية 80.

(3) سورة الأحزاب. آية 56.

(4) سورة الصافات. آية 130.

34



عليه و آله) بهذا الاسم. حيث قال «يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ» لعلمه انهم يسقطون «سلام على آل محمد» كما أسقطوا غيره. الحديث».

(أقول): و القسم الثاني من كلام الشيخ (قدس سره) هو الأول من كلامه (صلوات الله عليه) و هو الذي يعرفه الجاهل و العالم، و هو ما كان محكم الدلالة. و هذا مما لا ريب في صحة الاستدلال به و المانع مكابر. و القسم الرابع من كلامه (رضوان الله عليه) هو الثاني من كلامه (صلوات الله عليه) و هو الذي لا يعرفه إلا من صفا ذهنه و لطف حسه، و الظاهر انه أشار بذلك إلى الأئمة (عليهم السلام)، فإنهم هم المتصفون بتلك الصفات على الحقيقة، و ان ادعى بعض من أشرنا إليه آنفا دخوله في ذلك، و الآيات- التي جعلها (عليه السلام) من هذا القسم- دليل على ذلك. فإنها كما أشار إليه (صلوات الله عليه) من التفسير الباطن الذي لا يمكن التهجم عليه إلا من جهتهم (لا يقال): انه يلزم اتحاد القسم الثاني من كلامه (صلوات الله عليه) بما بعده. لكون القسم الثالث ايضا من المعلوم لهم (عليهم السلام) (لأنا نقول): الظاهر تخصيص القسم الثالث بعلم الشرائع الذي يحتاج الى توقيف، و انه لا يعلمه إلا هو (جل شأنه) أو أنبياؤه بالوحي إليهم و ان علمه الأئمة (عليهم السلام) بالوراثة من الأنبياء. بخلاف الثاني. فإنه مما يستخرجونه بصفاء جواهر أذهانهم و يستنبطونه بإشراق لوامع إفهامهم، و حينئذ فالقسم الثالث من كلام الشيخ (قدس سره) هو الثالث من كلامه (صلوات الله عليه) و لعل عدم ذكره (صلوات الله عليه) للقسم الأول من كلام الشيخ لقلة أفراده في القرآن المجيد إذ هو مخصوص بالخمسة المشهورة، أو أن الغرض التام إنما يتعلق بذكر الأقسام التي أخفاها (جل شأنه) عن تطرق تغيير المبدلين و ان ذكر معها القسم الأول استطرادا، و مرجع هذا الجمع الذي ذكره الشيخ (قدس سره) الى حمل أدلة الجواز على القسم الثاني من كلامه (طاب ثراه) و اخبار المنع على ما عداه. و اما ما يفهم من كلام المحدث الكاشاني (قدس سره)- في المقدمة الخامسة من كتاب الصافي من الجمع بين

35

الاخبار بالحمل على تفاوت مراتب الناس في الاستعداد و الوصول الى تحصيل المقصود منه و المراد- فظني بعده عن سياق الأخبار. فإن أخبار المنع- كما عرفت من الشطر الذي قدمناه منها- قد دلت على الاختصاص بالأئمة (عليهم السلام). و ادعاء مزاحمتهم (صلوات الله عليهم) في تلك المرتبة يحتاج إلى جرأة عظيمة. و من أراد تحقيق الحال و الإحاطة بأطراف المقال فليرجع الى كتابنا الدرر النجفية.

(المقام الثاني)- في الإجماع

. و مجمل الكلام فيه ما افاده المحقق (طاب ثراه) في المعتبر و اقتفاه فيه جمع ممن تأخر، قال (قدس سره): «و أما الإجماع فهو عندنا حجة بانضمام المعصوم. فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، و لو حصل في اثنين لكان قولهما حجة، لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله (عليه السلام). فلا تغتر إذا بمن يتحكم فيدعي الإجماع باتفاق الخمسة و العشرة من الأصحاب مع جهلة قول الباقين» انتهى. و حينئذ فالحجة هو قوله (عليه السلام) لا مجرد الاتفاق، فيرجع الكلام- على تقدير ثبوت الإجماع المذكور- الى خبر ينسب الى المعصوم (عليه السلام) إجمالا. و ترجيحه على الاخبار المنسوبة إليه تفصيلا غير معقول. و كأنهم زعموا ان انتسابه إليه في ضمن الإجماع قطعي و لا في ضمنه ظني. و هو ممنوع. على ان تحقق هذا الإجماع في زمن الغيبة متعذر. لتعذر ظهوره (عليه السلام) و عسر ضبط العلماء على وجه يتحقق دخول قوله في جملة أقوالهم. إلا أن ينقل ذلك بطريق التواتر و الآحاد المشابه له نقلا مستندا الى الحس، بمعاينة اعمال جميع من يتوقف انعقاد الإجماع عليه، أو سماع أقوالهم على وجه لا يمكن حمل القول و العمل على نوع من التقية و نحوها.

و دونه خرط القتاد. لما يعلم يقينا من تشتت العلماء و تفرقهم في أقطار الأرض بل انزوائهم في بلدان المخالفين و حرصهم على ان لا يطلع أحد على عقائدهم و مذاهبهم.

و ما يقال- من انه إذا وقع إجماع الرعية على الباطل يجب على الامام ان يظهر

36

و يباحثهم حتى يردهم إلى الحق لئلا يضل الناس، أو انه يجوز ان تكون هذه الأقوال- المنقولة في كتب الفقهاء التي لا يعرف قائلها- قولا للإمام (عليه السلام) ألقاه بين أقوال العلماء حتى لا يجتمعوا على الخطأ كما ذهب اليه بعض المتأخرين، حتى انه (قدس سره) كان يذهب الى اعتبار تلك الأقوال المجهولة القائل لذلك- فهو مما لا ينبغي ان يصغى اليه (1) و لا يعرج في مقام التحقيق عليه. و على هذا فليس في عد الإجماع في الأدلة إلا مجرد تكثير العدد و اطالة الطريق، لأنه ان علم دخوله (عليه السلام) فلا بحث و لا مشاحة في إطلاق اسم الإجماع عليه و إسناد الحجة اليه و لو تجوزا، و إلا فإن ظن و لو بمعاضدة خبر واحد فكذلك، و إلا فليس نقل الإجماع بمجرده موجبا لظن دخول المعصوم (عليه السلام) و لا كاشفا عنه كما ذكروه. نعم لو انحصر حملة الحديث في قوم معروفين أو بلدة محصورة في وقت ظهوره (عليه السلام) كما في وقت الأئمة الماضين (صلوات الله عليهم أجمعين) اتجه القول بالحجية. و يقرب منه ايضا ما لو أفتى- جماعة من الصدر الذي يقرب منهم كعصر الصدوق و ثقة الإسلام الكليني (عطر الله مرقدهما) و نحوهما من أرباب النصوص- بفتوى لم نقف فيها على خبر و لا مخالف منهم، فإنه أيضا مما يقطع بحسب العلم العادي فيها بالحجية و دخول قول المعصوم (عليه السلام) فيهم لوصول نص لهم في ذلك، و من هنا نقل جمع من أصحابنا

____________

(1) اما الأول منهما فلما هو ظاهر لكل ناظر من تعطيل الأحكام جلها بل كلها في زمان الغيبة، و لا سيما في مثل زماننا هذا الذي قد انطمس فيه الدين، بل صار جملة اهله شبه المرتدين. و قد صار المعروف فيه منكرا و المنكر معروفا، و صارت الكبائر لهم ألفا مألوفا، و اما الثاني منهما فكيف يكفي في الحجية مجرد احتمال كون ذلك هو المعصوم؟

مع انهم في الاخبار يبالغون في تنقية أسانيدها و الطعن في رواتها، و لا يحتجون إلا بصحيح السند منها و لا يكتفون بمجرد الاحتمال هناك مع توفر القرائن على الصحة فكيف هنا؟ ما هذا إلا تخريص في الدين و جمود على مجرد التخمين. و هو مما قد نهت عنه سنة سيد المرسلين (منه (قدس سره).

37

ان المتقدمين كانوا إذا اعوزتهم النصوص في المسألة يرجعون الى فتاوى علي بن الحسين ابن بابويه.

و ممن صرح بامتناع انعقاد الإجماع في زمن الغيبة المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم، حيث قال: «الحق امتناع الاطلاع عادة على حصول الإجماع في زماننا هذا و ما ضاهاه من غير جهة النقل، إذ لا سبيل الى العلم بقول الامام (عليه السلام) كيف؟ و هو موقوف على وجود المجتهدين المجهولين، ليدخل في جملتهم و يكون قوله مستورا بين أقوالهم، و هذا مما يقطع بانتفائه، فكل إجماع- يدعى في كلام الأصحاب مما يقرب من عصر الشيخ الى زماننا هذا و ليس مستندا الى نقل متواتر أو آحاد حيث يعتبر أو مع القرائن المفيدة للعلم- فلا بد ان يراد به ما ذكره الشهيد من الشهرة.

و اما الزمان السابق على ما ذكرناه المقارب لعصر ظهور الأئمة (عليهم السلام) و إمكان العمل بأقوالهم، فيمكن فيه حصول الإجماع و العلم به بطريق التتبع و الى مثل هذا نظر بعض علماء أهل الخلاف، حيث قال: الإنصاف انه لا طريق إلى معرفة حصول الإجماع إلا في زمان الصحابة. حيث كان المؤمنون قليلين يمكن معرفتهم بأسرهم على التفصيل» انتهى كلام المحقق المذكور (منحه الله تعالى البهجة و السرور).

و التحقيق ان أساطين الإجماع كالشيخ و المرتضى و ابن إدريس و أضرابهم قد كفونا مؤنة القدح فيه و إبطاله بمناقضاتهم بعضهم بعضا في دعواه. بل مناقضة الواحد منهم نفسه في ذلك كما لا يخفى على المتتبع البصير. و لا ينبئك مثل خبير. و لقد كان عندي رسالة. الظاهر انها لشيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) كتبها في الإجماعات التي ناقض الشيخ فيها نفسه. و قد ذهبت في بعض الحوادث التي جرت على جزيرتنا البحرين.

(فان قيل): ان بعض الاخبار مما يدل على حجية الإجماع و اعتباره،

كمقبولة عمر

38

ابن حنظلة (1) حيث قال السائل: «فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا ليس يتفاضل واحد منهما على صاحبه؟ فقال (عليه السلام): ينظر الى ما كان- من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما به- المجمع عليه أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه».

و ما رواه في الكافي في باب إبطال الرؤية (2) في الصحيح عن صفوان، قال: «سألني أبو قرة المحدث أن ادخله على ابي الحسن الرضا (عليه السلام) الى أن قال: فقال أبو قرة: فتكذب بالروايات؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها، و ما اجمع عليه المسلمون انه لا يحاط به علما و لا تدركه الأبصار. الحديث».

و ما رواه في الكافي أيضا في الباب المذكور عن محمد بن عبيد. قال: «كتبت الى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) اسأله عن الرؤية و ما ترويه العامة و الخاصة، و سألته ان يشرح لي ذلك. فكتب بخطه: اتفق الجميع لا تمانع بينهم ان المعرفة من جهة الرؤية. الحديث».

(فالجواب) عن ذلك ممكن إجمالا و تفصيلا. اما الأول فلأن المسألة من الأصول المنوطة بالقطع عندهم. و الاخبار المذكورة لا تخرج عن خبر الآحاد الذي قصاراه الظن عندهم فلا يتم الاستدلال. و اما الثاني فاما عن الخبر الأول (فأولا) ان غاية ما يستفاد منه كون الإجماع مرجحا لأحد الخبرين على الآخر عند التعارض و هو مما لا نزاع فيه.

انما النزاع في كونه دليلا مستقلا برأسه. و الخبر لا يدل عليه. (و ثانيا) فان ظاهره بل صريحه كون الإجماع في الرواية و هو مما لا نزاع فيه. لا في الفتوى كما هو المطلوب

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء.

(2) من كتاب التوحيد.

39

بالاستدلال. و اما عن الأخيرين فيمكن (أولا) الحمل على كون الاستدلال جدليا إلزاميا للخصم القائل بجواز الرؤية بالإجماع الذي يعتقد حجيته على ما ينافي مدعاه من جوازها. و (ثانيا) بأنه على تقدير دلالتهما على الحجية في الجملة فلا دلالة لهما على العموم في الأمور العقلية و النقلية، إذ متعلق الاستدلال هنا الأمور العقلية. و الجواب- بأنه لا قائل بالفرق- مردود بان اللازم من ذلك الاستدلال بفرع من فروع حجية الإجماع قبل ثبوت أصل حجيته. على ان المفهوم- من رسالة الصادق (عليه السلام) التي كتبها لشيعته و أمرهم بتعاهدها و العمل بما فيها المروية في روضة الكافي (1) بأسانيد ثلاثة- ان أصل الإجماع من مخترعات العامة و بدعهم،

قال (عليه السلام): «و قد عهد إليهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) قبل موته فقالوا: نحن بعد ما قبض الله تعالى رسوله يسعنا أن نأخذ ما اجتمع عليه رأي الناس بعد قبض رسول الله (صلى الله عليه و آله) الى أن قال (عليه السلام): فما أحد اجرأ على الله و لا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك و زعم ان ذلك يسعه. الحديث».

و بالجملة: فإنه لا شبهة و لا ريب في انه لا مستند لهذا الإجماع من كتاب و لا سنة. و إنما يجري ذلك على مذاق العامة و مخترعاتهم، و لكن جملة من أصحابنا قد تبعوهم فيه غفلة، كما جروا على جملة من أصولهم في مواضع عديدة مع مخالفتها لما هو المستفاد من الاخبار، كما سيظهر لك إن شاء الله في ضمن مباحث هذا الكتاب.

و قد نقل المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قدس سره)- عن بعض مشايخه في بيان وجه العذر لمشايخنا المتقدمين في اختلاف الإجماعات المنقولة عنهم- ما ملخصه:

أن الأصول التي كان عليها المدار و هي التي انتخبوا منها كتب الحديث المشهورة الآن كانت بأيديهم، و إنما حدث فيها التلف و الاضمحلال من زمان ابن إدريس لأسباب

____________

(1) في أول الكتاب.

40

ذكرها، و كانوا- بملاحظة ما اشتملت عليه جميعها أو أكثرها من الأحكام- يدعون عليه الإجماع. و ربما اختلفت الأخبار في ذلك الحكم بالتقية و عدمها و الجواز و الكراهة و نحوها، فيدعي كل منهم الإجماع على ما يؤدي إليه نظره و فهمه من تلك الأخبار بعد اشتمال أكثر تلك الأصول أو كلها على الأخبار المتعلقة بما يختاره و يؤدي إليه نظره.

(أقول): و عندي ان هذا الاحتمال ليس ببعيد، فان الظاهر ان مبدأ التفريع في الأحكام و الاستنباط إنما هو من زمن المرتضى و الشيخ (رضوان الله عليهما) فان كتب من تقدمهما من المشايخ إنما اشتملت على جمع الاخبار و تأليفها، و ان كان بعضها قد اشتمل على مذهب و اختيار في المسألة، فإنما يشار إليه في عنوان الأبواب و ينقل ما يخصه من الاخبار، كما لا يخفى على من لاحظ الكافي و الفقيه و نحوهما من كتب الصدوق و غيره و كذلك ايضا فتاويهم المحفوظة عنهم لا تخرج عن موارد الاخبار، و حينئذ فنقل الشيخ و السيد (قدس سرهما) إجماع الطائفة على الحكم مع كون عمل الطائفة إنما هو على ما ذكرنا من الأخبار و كونهما على اثر أولئك الجماعة الذين هذه طريقتهم من غير فاصلة، فكيف يصح حمل ما يدعونه من الإجماع على الإجماع في الفتوى و ان كان من غير خبر؟ بل الظاهر إنما هو الإجماع في الاخبار. الا ترى ان الشيخ في الخلاف و المرتضى في الانتصار إنما استندا في الاستدلال الى مجرد الإجماع و جعلوه هو المعتمد و المعتبر مع كون الأخبار بمرأى منهم و منظر، و ليس ذلك إلا لرجوعه إليها و كونه عبارة عن الإجماع فيها. و هذا أحد الوجوه التي اعتذر بها شيخنا الشهيد في الذكرى عن اختلافهم في تلك الإجماعات. و هو أظهرها و ان جعله آخرها.

(المقام الثالث)- في دليل العقل

، و فسره بعض بالبراءة الأصلية و الاستصحاب، و آخرون قصروه على الثاني، و ثالث فسره بلحن الخطاب و فحوى الخطاب و دليل الخطاب، و رابع بعد البراءة الأصلية و الاستصحاب بالتلازم بين الحكمين المندرج

41

فيه مقدمة الواجب و استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص و الدلالة الالتزامية و لا بد لنا ان نتكلم على ما لا بد منه في مطالب:

(المطلب الأول)- في البراءة الأصلية

، اعلم ان الأصل- كما ذكره جملة من الفضلاء- يطلق على معان (أحدها)- الدليل كما يقال: الأصل في هذه المسألة الكتاب و السنة و (ثانيها)- الراجح كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة و (ثالثها)- القاعدة كقولهم:

الأصل في البيع (1) اللزوم، و الأصل في تصرفات المسلمين الصحة.

و (رابعها)- الاستصحاب كقولهم: إذا تعارض الأصل و الظاهر فالأصل مقدم.

و الأصل فيما نحن فيه اما بمعنى الراجح، و المراد منه ما يترجح إذا خلى الشيء و نفسه، بمعنى انه متى لوحظت الذمة من حيث هي هي مع قطع النظر عن التكليفات فان الراجح براءتها، كما في قولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، بمعنى ان الراجح ذلك لو خلي الكلام و نفسه من غير قرينة صارفة عن معناه الموضوع له. و يحتمل ان يكون الأصل هنا ايضا بمعنى استصحاب الحالة التي كان عليها الشيء قبل التكليف أو قبل حال الاختلاف كاستصحاب براءة الذمة قبل ذلك. و من هنا صرح بعضهم بان الوجه في التمسك بالبراءة الأصلية من حيث ان الأصل في الممكنات العدم.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان المعنى الأول من هذه المعاني مما لا اشكال و لا خلاف فيه، و كذا الثاني في غير البراءة الأصلية. و اما فيها ففيه ما سيتضح لك من التفصيل

____________

(1) و ما ذكروه- من قولهم: الأصل في البيع اللزوم، حتى انهم كثيرا ما يتمسكون به في إثبات بيع أو عقد مشتمل على شرط مختلف في صحته و فساده- ففيه ان ظاهر الاخبار ترده، فان العقود المشتملة على القيود بعضها مما دلت الاخبار على صحته و بعضها مما دلت على فساد الشرط دون العقد، و الحكم بالصحة و الفساد تابع لما ورد عن أهل العصمة (عليهم السلام) كما أشرنا الى ذلك في المقدمة الحادية عشرة من مقدمات هذا الكتاب (منه (رحمه الله).

42

ان شاء الله تعالى. و اما الثالث فان كانت تلك القاعدة مستفادة من الكتاب و السنة فلا إشكال في صحة البناء عليها، و منه قولهم: الأصل في الأشياء الطهارة، أي القاعدة المستفادة من النصوص-

و هي قولهم (عليهم السلام): «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر» (1).

- تقتضي طهارة كل شيء، و اما الرابع فهو محل الاختلاف في المقام و مرمى سهام النقض و الإبرام.

ثم انه يجب ان يعلم ان الأصل بمعنى النفي و العدم إنما يصح الاستدلال به- على تقديره- على نفي الحكم الشرعي لا على إثباته، و لهذا لم يذكر الأصوليون البراءة الأصلية في مدارك الأحكام الشرعية، و حينئذ فإذا كانت أصالة البراءة مستلزمة لشغل الذمة من جهة أخرى امتنع الاستدلال بها، كما إذا علم نجاسة أحد الثوبين أو الإناءين بعينه و اشتبه بالآخر، فإنه لا يصح الاستدلال على طهارة كل واحد منهما بان يقال:

الأصل عدم نجاسته، فإنه ينتج من ذلك الحكم بطهارتهما و يلزم منه اشتغال الذمة بالنجاسة لمعلوميتها كما عرفت و ان جهل تعيينها، و لذلك فروع (2) كثيرة في أبواب

____________

(1) الوارد بهذا المضمون هو موثق عمار الذي رواه الشيخ في التهذيب في كيفية غسل الأواني من باب (تطهير الثياب و غيرها من النجاسات) من كتاب الطهارة. و رواه في الوسائل في باب- 37- من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود من كتاب الطهارة.

و إليك نصه:

«عن محمد بن احمد بن يحيى عن احمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر، فإذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم فليس عليك».

(2) (منها)- ما لو اشتغلت ذمة المكلف بصلاة من الخمس غير معينة، فإنه لا يصح ان يقال: الأصل براءة الذمة من كل فرد فرد من تلك الأفراد المعلومة الاشتغال و ان جهل محله، بل الواجب كما ورد به النص الإتيان بجميع الافراد المشكوكة، و مثله الشك في الجمعة و الظهر، و الشك في القبلة. و في جميع هذه المواضع يجب الاحتياط بما يوجب الخروج من عهدة التكليف. نعم لو حصل الشك مع ذلك الواجب في محرم كما إذا وجب عليه وطء الزوجة بنذر و شبهه و اشتبهت بالأجنبية، امتنع الاحتياط بالإتيان بالأفراد المشكوكة، لتحريم وطء الأجنبية مطلقا معلومة كانت أو مشتبهة. و للزوم الجمع بين النقيضين. و هكذا في كل موضع تردد الفعل بين الوجوب و التحريم، كما لو وجب قتل شخص قصاصا فاشتبه بمحترم و نحو ذلك، فإنه لا مجال هنا لأصالة الوجوب و لا للاحتياط، و يفهم من بعض الاخبار- كما ذكرنا في المقدمة الرابعة- ان الاحتياط هنا بالترك (منه (رحمه الله).

43

الفقه يقف عليها المتدبر. و السر في ذلك ان حجية الأصل في النفي و العدم إنما هو من حيث لزوم قبح تكليف الغافل كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى، و هذا لا يجري في إثبات الحكم به، و لا دليل سوى ذلك، فيلزم إثبات حكم بلا دليل.

إذا تقرر ذلك فاعلم ان البراءة الأصلية على قسمين: (أحدهما)- انها عبارة عن نفي الوجوب في فعل وجودي الى ان يثبت دليله، بمعنى ان الأصل عدم الوجوب حتى يثبت دليله. و هذا القسم مما لا خلاف و لا إشكال في صحة الاستدلال به و العمل عليه، إذ لم يذهب أحد الى أن الأصل الوجوب، لاستلزام ذلك تكليف ما لا يطاق و للأخبار الدالة على ان

«ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (1).

و «الناس في سعة ما لم يعلموا» (2).

و «رفع القلم عن تسعة أشياء، وعد منها

____________

(1) المروي في الوسائل عن التوحيد و الكافي في باب- 12- من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء. و لكن رواية الكافي ليس فيها كلمة (علمه).

(2) الشهاب في الحكم و الآداب ص 7 (في الألف الموصول و المقطوع) للقاضي محمد بن سلامة و الذي وقفنا عليه مما يوافقه في المعنى من كتبنا- هي رواية السفرة المروية في الكافي في باب 48- من كتاب الأطعمة و في الوسائل في باب 23- من كتاب اللقطة. و إليك نص الرواية كما في الكافي:

«علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) ان أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و بيضها و جبنها، و فيها سكين. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يقوم ما فيها ثم يؤكل، لانه يفسد و ليس له بقاء، فان جاء طالبها غرموا له الثمن. قيل يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ فقال: هم في سعة حتى يعلموا».

44

ما لا يعلمون» (1).

و (ثانيهما)- انه عبارة عن نفي التحريم في فعل وجودي الى ان يثبت دليله بمعنى ان الأصل الإباحة و عدم التحريم في ذلك الفعل الى ان يثبت دليل تحريمه، و هذه هي البراءة الأصلية التي وقع النزاع فيها نفيا و إثباتا، فالعامة كملا و أكثر أصحابنا على القول بها و التمسك في نفي الأحكام بها، حتى طرحوا في مقابلتها الأخبار الضعيفة باصطلاحهم بل الأخبار الموثقة، كما لا يخفى على من طالع كتبهم الاستدلالية كالمسالك و المدارك و نحوهما، فالأشياء عندهم اما حلال أو حرام خاصة، و جملة علمائنا المحدثين و طائفة (2) من الأصوليين على وجوب التوقف و الاحتياط، فالأشياء عندهم مبنية على التثليث (3) (حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك)، و ربما نقل ايضا القول بأن الأصل التحريم الى ان تثبت الإباحة، و هو ضعيف.

و الحق- الحقيق بالاتباع، و هو المؤيد باخبار أهل الذكر (صلوات الله عليهم)- هو القول الثاني، و لنا عليه وجوه:

____________

(1) رواه في الوسائل عن الكافي و التوحيد و الخصال في باب- 56- من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه من كتاب الجهاد. و إليك نص الحديث كما

عن التوحيد و الخصال:

«عن احمد بن محمد بن يحيى عن سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن حماد ابن عيسى عن حريز بن عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): رفع عن أمتي تسعة أشياء: الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا اليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة».

(2) منهم الشيخ (قدس سره) في كتاب العدة، فإنه قد اختار القول بالتثليث في الأحكام و منع من الاعتماد على البراءة الأصلية و أطال في الاستدلال، و نقل ذلك أيضا في الكتاب المذكور عن شيخه المفيد (رضى الله عنه) و قد نقلنا شطرا من كلامه في المسألة في كتاب الدرر النجفية. و مثله ايضا المحقق في المعتبر (منه (رحمه الله).

(3) نقله الشيخ في كتاب العدة عن طائفة من أصحابنا الإمامية البغداديين (منه (قدس سره).

45

(الأول)- ان ما عداه قول بلا دليل فيجب إطراحه، و أدلة الخصم لا تنهض بالدلالة كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى.

(الثاني)- استفاضة الاخبار بان لله في كل واقعة حكما شرعيا مخزونا عند أهله حتى أرش الخدش و الجلدة و نصف الجلدة، و حينئذ فإذا كان جميع الأحكام قد ورد فيها خطاب شرعي فكيف يصح التمسك بأصالة العدم و الاستدلال به؟ نعم الاستدلال بذلك انما يتجه على مذهب المخالفين القائلين بأن جميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه و آله) أظهره للصحابة و لم يكتم شيئا منه لا عن الأبيض و لا الأسود، و لا خص أحدا دون أحد بشيء من علومه، و لم تقع بعده فتنة أوجبت إخفاء شيء مما جاء به (صلى الله عليه و آله) فالمجتهد إذا فحص و فتش عن الأدلة الشرعية و لم يقف على دليل ذلك الحكم يجب عنده الجزم بنفي ذلك الحكم و يكون التمسك بالبراءة الأصلية على نفيه، كما قالوا:

عدم وجود المدرك للحكم الشرعي مدرك شرعي لعدم الحكم، و بعبارة أخرى عدم وجود الدليل دليل على العدم. و اما عندنا معاشر الإمامية فحيث استفاض في أخبارنا- بل صار من ضروريات ديننا- إنه أودع علومه عند أهل بيته و خصهم بها دون غيرهم، و استفاض ايضا انه لم يبق شيء من الأحكام جزئي و لا كلي إلا و قد ورد فيه خطاب شرعي و حكم إلهي و ان جميع ذلك عندهم، و انهم كانوا في زمن تقية و فتنة، فقد يجيبون عن السؤال بما هو الحكم الشرعي الواقعي تارة و قد يجيبون بخلافه تقية و قد لا يجيبون أصلا، فلا يتجه اجراء هذا الكلام و لا صحته في هذا المقام (1)، و لا تمام هذه القاعدة و لا ما يترتب عليها من الفائدة، و لا يمكن التمسك بالعدم الأصلي الذي هو عبارة عن عدم تعلق التكليف

____________

(1) إذ الفرض انه لا حكم من الأحكام إلا و قد ورد فيه خطاب شرعي و ان كان لم يصل إلينا، فكيف يقال: الأصل براءة الذمة و خلوها لعدم الدليل واقعا، بمعنى انها إذا لوحظت مع قطع النظر عن تعلق التكليف فالراجح الحكم بخلوها و براءتها؟

(منه (رحمه الله).

46

و وقوعه بالكلية. و ما ذكرنا سابقا- من صحة الاستدلال بالقسم الأول من قسمي البراءة الأصلية على نفي الوجوب في فعل وجودي- لا باعتبار عدم الحكم واقعا بل لعدم وصول الحكم و للزوم تكليفنا بذلك مع عدم العلم بالحكم للحرج المنفي بالآية و الرواية، و للاخبار المشار إليها ثمة. نعم ما ذكروه يتم عندنا فيما تعم به البلوى من الأحكام كما نبه على ذلك جملة من علمائنا الاعلام (1) و اليه أشار المحقق في المعتبر حيث قال في بيان معاني الاستصحاب:

«الثاني- ان يقال: عدم الدليل على كذا فيجب نفيه. و هذا يصح فيما يعلم انه لو كان هناك دليل لظفر به، اما لا مع ذلك فإنه يجب التوقف» انتهى.

(الثالث)- استفاضة الأخبار بتثليث الأحكام

«حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك».

و لو تم ما ذكروا من العمل بالبراءة الأصلية المقتضي لدخول ما دلت عليه في الحلال البين، لم يبق للقسم الثالث فرد يندرج تحته و لما كان للتثليث وجه، بل يتعين القول بالتثنية و هو الحلال و الحرام خاصة، و الاخبار بخلافه.

(الرابع)- الأخبار المتكاثرة بل المتواترة معنى انه مع عدم العلم بالحكم الشرعي يجب السؤال منهم (عليهم السلام) أو من نوابهم، و الا فالتوقف و الوقوف على جادة الاحتياط. و لو كان للعمل بالبراءة الأصلية أصل في الشريعة لما كان لأمرهم (عليهم السلام) بالتوقف وجه.

____________

(1) من ان عدم الدليل يدل على العدم- و التمسك بالبراءة الأصلية على عدم الحكم واقعا- يتم عندنا في الأحكام التي تعم بها البلوى، كوجوب قصد السورة و وجوب نية الخروج من الصلاة بالتسليم و نحوهما، فان المحدث الماهر- إذا تتبع الأدلة حق تتبعها في مسألة لو كان فيها حكم مخالف للأصل لاشتهر لعموم البلوى بها، و لم يظفر بما يدل على ذلك- يحصل له الجزم أو الظن القوى عند بعض بعدم الحكم. و تحقيق القول فيما اجملنا هنا يرجع فيه الى كتابنا الدرر النجفية، حيث ان المسألة فيه قد أعطيناها حقها من التحقيق و وفيناها ما هو بها حقيق (منه (رحمه الله).

47

(الخامس)- انه قد ورد عنهم (عليهم السلام) جملة من الطرق لترجيح الاخبار كما تقرر في مقبولة عمر بن حنظلة و غيرها، و لم يذكروا البراءة الأصلية في جملة تلك الطرق، بل قد اشتملت مقبولة عمر بن حنظلة بعد التوافق في جميع طرق الترجيح على الإرجاء حتى يلقى امامه (1)، معللا له بان

«الوقوف في الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات».

و حينئذ فإذا كان الواجب مع الاتفاق في جميع تلك الطرق هو ترك الحكم من كل منهما و التوقف فأي ترجيح بأصالة البراءة التي ذكروها؟ إذ لو كانت دليلا شرعيا على العدم و موجبة لترجيح ما اعتضد بها لترجح بها هنا أحد الجانبين و ما ربما يظهر من كلام بعض الأجلاء- من أن ذلك مخصوص بالمنازعات في الأموال و الفرائض و المواريث كما يعطيه صدر الخبر و هو قول السائل:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث».

- ففيه (أولا)- ان خصوص السؤال لا يخصص عموم الجواب كما تقرر عندهم. و (ثانيا)- ان هذه الترجيحات التي ذكرها (عليه السلام) لم يخصها أحد من الأصحاب بالاخبار المتعارضة في خصوص هذه الأشياء التي ذكرها بل يجرونها في كل حكم تعارضت فيه الأخبار، كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار و ذاق لذيذ تلك الثمار.

احتج بعض فضلاء متأخري المتأخرين بأن القول بالبراءة الأصلية مما تدل عليه الآية و الاخبار، كقوله تعالى: «خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» (2)

____________

(1) و من ذلك ايضا

ما ورد في موثقة سماعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه و الآخر ينهاه عنه كيف يصنع؟ قال يرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه».

فتراه في هذا الخبر أيضا أوجب التوقف الذي هو ساحل الهلكة و لم يرجح بأصالة البراءة و لا بغيرها (منه (رحمه الله).

(2) سورة البقرة آية 29.

48

و قول الصادق (عليه السلام): «كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» (1).

قال: على انا لا نعني بالبراءة الأصلية عدم التكليف بالكلية، لظهور فساده بما استفاض في الاخبار انه لا حكم من الأحكام الا و قد ورد فيه خطاب شرعي، و انما نعني بها عدم تعلق التكليف بنا و أصالة براءة الذمة منه، لعدم الوقوف على دليله، إذ لا تكليف إلا بعد البيان. و لعين ما تقدم من الاخبار المشار إليها في المعنى الأول من معاني البراءة الأصلية. و أجاب بتخصيص الشبهة و التثليث في الأحكام بما تعارضت فيه الاخبار، و اما ما لم يرد فيه نص فليس من الشبهة في شيء، و على تقدير تسليم كونه شبهة و شمول تلك الاخبار له يخرج بالأخبار الدالة على ان

«كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي»

و نحوه.

و ما ذكره (قدس سره) محل نظر، أما الآية المذكورة فالجواب عنها (أولا)- ما عرفت في المقام الأول من ان محل الاستدلال من القرآن العزيز هو ما كان محكم الدلالة. و الآية المذكورة مجملة محتملة لمعان عديدة كما سيظهر لك و (ثانيا)-

انه قد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) قال: «خلق لكم ما في الأرض لتعتبروا به. الحديث».

و على هذا يسقط الاستدلال رأسا و (ثالثا)- ان غاية ما تدل عليه انه (سبحانه) خلق ما في الأرض لأجل منافع العباد الدينية و الدنيوية بأي وجه اتفق، و ذلك لا يستلزم اباحة كل شيء، و مجرد خلقه للانتفاع لا يستلزم حلية ما لم يرد في حليته نص، لجواز الانتفاع به على وجه آخر، إذ لا شيء من الأشياء إلا و فيه وجوه عديدة من المنافع. و لئن سلمنا الدلالة فالتخصيص قائم بما قدمنا من الأخبار كما قد خصت بغيرها مما لا يخالف فيه الخصم.

____________

(1) المروي في الفقيه في باب (وصف الصلاة من فاتحتها الى خاتمتها).

و في الوسائل في باب- 19- من أبواب القنوت من كتاب الصلاة. و في باب- 12- من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء.

49

و اما الرواية فمن وجوه أيضا عديدة: (أحدها)- ان هذا الخبر و ما ضاهاه مما استدلوا به اخبار آحاد لا تفيد إلا الظن، و المسألة من الأصول المطلوب فيها القطع عندهم. و (ثانيها)- ان هذا الخبر و ما شاكله موافق للعامة، لدلالتها على التثنية في الأحكام بالحل و التحريم و انه لا وجود للتشابه فيها، و انه لا توقف و لا احتياط في شيء من الأحكام كما هو مذهبهم، و الاخبار التي قدمناها دالة على التثليث و التوقف و وجوب الاحتياط في بعض و هو المتشابه، و قد تقرر في أخبارنا وجوب الأخذ بخلافهم فان الرشد فيه. و (ثالثها)- ان المفروض في الخبر المذكور عدم وجود النهي و عدم حصول العلم، و الحال ان النهي موجود فيما أشرنا إليه آنفا من الاخبار و هو النهي عن القول بغير علم في الأحكام الشرعية و النهي عن ارتكاب الشبهات، و حصل ايضا العلم منها و هو العمل بالاحتياط في بعض افراد موضع النزاع و التوقف في بعض، و على هذا يكون مضمون هذا الخبر و أمثاله مخصوصا بما قبل إكمال الشريعة أو بمن لم يبلغه النهي العام المعارض لهذه الاخبار، فيبقى الآن مضمونها غير موجود عند العلماء العارفين بمعارضاتها. و (رابعها)- الحمل على الخطابات الشرعية، و حاصل معناه: ان كل خطاب شرعي فهو باق على إطلاقه و عمومه حتى يرد فيه نهي في بعض افراده يخرجه عن ذلك الإطلاق،

مثل قولهم: «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر» (1).

و «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعلم الحرام بعينه» (2).

و نحو ذلك من القواعد الكلية و الضوابط الجلية. و (خامسها)- ان العمل بهذا الخبر و ما شابهه خلاف الاحتياط و ما يقابلها موافق للاحتياط، فإنه لا خلاف في رجحان

____________

(1) تقدم الأصل في ذلك في صحيفة (42).

(2) قد روى الأحاديث الواردة بهذا المضمون في الوسائل في باب- 35- من أبواب الأطعمة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة، و في باب- 61- من أبواب الأطعمة المباحة من كتاب الأطعمة و الأشربة، و في باب- 31- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

50

الاحتياط في المقام و إنما الخلاف في وجوبه أو استحبابه، فالنافون للبراءة الأصلية على الوجوب و المثبتون لها على الاستحباب، و الأخبار الدالة على الأمر بالاحتياط في الدين أوضح دلالة و أكثر عددا فالعمل بها أرجح البتة.

و أما قوله: على انا لا نعني بأصالة البراءة، الى آخره. فان فيه انه خروج عن ظاهر العبارة بل عن تصريحاتهم بذلك كما لا يخفى على من راجع كلامهم، فان مرادهم بالإباحة هي الإباحة الأصلية التي هي عبارة عن عدم تعلق التكليف، لكن هذا القائل حيث استشعر الإيراد بالأخبار التي أشرنا إليها التجأ إلى القول بما ذكره، مع ان فيه ايضا ان الإباحة الشرعية أحد الأحكام الشرعية المتوقفة ايضا على الدليل، و لا دليل على اباحة ما لا نص فيه، و الآية و الخبر اللذان هما عمدة أدلة أولئك القائلين بالحجية قد عرفت ما فيهما.

و أما الأخبار التي استند إليها في عدم تعلق التكليف بنا حتى يظهر دليله، فهي محمولة على المعنى الأول من معنيي البراءة الأصلية كما ينساق للناظر من ظواهر ألفاظها لا المعنى الثاني منهما، لمعارضتها بالأخبار المستفيضة التي أشرنا إليها آنفا من حيث دلالتها على وجوب الكف و التثبت في كل فعل وجودي لم نقطع بجوازه عند الله تعالى.

و اما جوابه- بتخصيص الشبهة و التثليث في الأحكام بما تعارضت فيه الاخبار بناء على ظنه انحصار الدليل في مقبولة عمر بن حنظلة و نحوها- ففيه ان الاخبار دالة على ما هو أعم بل صريحة في الفرد الذي ندعيه،

و من ذلك ما رواه في الفقيه (1) من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: «ان الله حد حدودا فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تنقصوها، و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها، ثم قال (عليه السلام): حلال بين و حرام بين و شبهات

____________

(1) في باب (نوادر الحدود) و في الوسائل في باب- 12- من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء.

51

بين ذلك. الحديث».

و من المعلوم ان السكوت عنها إنما هو باعتبار عدم النص عليها بالكلية.

و في حديث الطيار عن الصادق (عليه السلام) (1): «لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون (2) الا الكف عنه و التثبت و الرد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد».

و بمضمونه أخبار عديدة. و حينئذ فلا يتجه ما ذكره من إخراج ما لم يرد فيه نص من الشبهة على تقدير شمول تلك الأخبار، فإن الدليل على دخوله في الشبهة ليس مختصا بعموم اخبار الشبهة كما توهمه، بل خصوص هذه الاخبار الناصة عليه بخصوصه الآمرة بالتوقف فيه و الرد إلى أصحاب العصمة (سلام الله عليهم).

و اما الاخبار التي ادعى الاستناد إليها و التخصيص بها فقد عرفت وجه الجواب عنها مفصلا.

(المطلب الثاني)- في الاستصحاب

، اعلم انهم صرحوا بان الاستصحاب يقع على أقسام أربعة: (أحدها)- استصحاب نفي الحكم الشرعي و براءة الذمة منه الى ان يظهر دليله، و هو المعبر عنه بالبراءة الأصلية التي تقدم الكلام عليها بمعنييها.

و (ثانيها)- استصحاب حكم العموم الى ان يقوم المخصص، و حكم النص الى ان يرد الناسخ. و (ثالثها)- استصحاب إطلاق النص الى ان يثبت المقيد.

و (رابعها)- استصحاب حكم شرعي في موضع طرأت فيه حالة لم يعلم شمول الحكم لها، بمعنى انه يثبت حكم في وقت ثم يجيء وقت آخر و لا يقوم دليل على انتفاء ذلك

____________

(1) المروي في الوسائل في باب- 4 و 8 و 12- من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء.

(2) و هذا القسم من افراد الشبهة ربما عبر عنه بما ذكر في هذا الخبر، و ربما عبر عنه تارة بالمبهمات كما في خبر عبد الرحيم القصير و صفوان و موسى الحلبي عن الصادق (عليه السلام) و ربما عبر عنه تارة بالمبهمات المعضلات

كما في الخطبة المروية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في جملة وصف أبغض الخلق الى الله: «و ان نزلت به احدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشوا من رأيه ثم قطع به. فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت، فهو خباط عشوات ركاب شبهات. الحديث».

(منه (رحمه الله).

52

الحكم فيه، فيحكم ببقائه على ما كان، استصحابا لتلك الحالة الأولى.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه لا خلاف و لا إشكال في حجيته بالمعنى الثاني و الثالث، لان مرجعها الى الاستدلال بعموم النص و إطلاقه، و إنما الاشكال و الخلاف في أحد معنيي البراءة الأصلية. و قد تقدم و في المعنى الرابع، و هو محل الخلاف في المقام و منتصل سهام النقض و الإبرام، فجملة من علمائنا الأصوليين بل أكثرهم على ما نقله البعض على القول بالحجية، و المشهور بين المحدثين و جملة من علمائنا الأصوليين- بل نقل بعض انه مذهب أكثرهم ايضا- على العدم، و هو المنقول عن الشيخ و السيد المرتضى و المحقق.

و هو اختيار صاحبي المعالم و المدارك. و مثلوا له بالمتيمم إذا دخل في الصلاة ثم وجد الماء في أثنائها، فإن الاتفاق واقع على وجوب المضي فيها قبل الرؤية، لكن هل يستمر على فعلها و الحال كذلك أم يستأنف؟ مقتضى الاستصحاب الأول.

احتج القائلون بالحجية بوجوه: (أحدها)- ان المقتضي للحكم الأول ثابت و العارض لا يصلح رافعا له، فيجب الحكم بثبوته في الثاني. و جوابه ان صلاحية العارض للرفع و عدمها فرع الثبوت في الثاني، فإن غاية ما دل عليه الدليل ثبوت الحكم في الزمن الأول، و ثبوته في الثاني يحتاج الى دليل.

و (ثانيها)- ان الثابت أولا قابل للثبوت ثانيا، و إلا لانقلب من الإمكان الذاتي إلى الاستحالة، فيجب ان يكون في الزمان الثاني جائز الثبوت كما كان أولا، فلا ينعدم إلا بمؤثر، لاستحالة خروج الممكن عن أحد طرفيه الى الآخر إلا لمؤثر، فإذا كان التقدير عدم العلم بالمؤثر يكون بقاؤه أرجح من عدمه في اعتقاد المجتهد، و العمل بالراجح واجب. و جوابه ان توقف الانعدام على مؤثر فرع الوجود بالفعل لا إمكان الوجود.

و بالجملة فالمانع مستظهر، قال سيدنا المرتضى (قدس سره)- في الاحتجاج

53

على إبطال العمل بالاستصحاب- ما حاصله: ان في الاستصحاب جمعا بين حالين مختلفين في حكم من غير دلالة، فانا إذا كنا أثبتنا الحكم في الحالة الأولى بدليل فالواجب ان ننظر، فان كان الدليل يتناول الحالين، سوينا بينهما فيه إلا أنه ليس من الاستصحاب في شيء، و ان كان تناول الدليل إنما هو للحالة الأولى فقط و الثانية عارية عن الدليل، فلا يجوز إثبات مثل الحكم لها من غير دليل، و جرت هذه الحالة مع الخلو عن الدليل مجرى الأولى لو خلت من دلالة، فإذا لم يجز إثبات الحكم للأولى إلا بدليل فكذلك الثانية. انتهى. و هو جيد.

و (ثالثها)- ان الفقهاء عملوا باستصحاب الحال في كثير من المسائل، و الموجب للعمل هناك موجود في موضع الخلاف، و ذلك كمسألة من تيقن الطهارة و شك في الحدث فإنه يعمل على يقينه. و جوابه انه قياس مع وجود الفارق، لان الاستصحاب المقاس عليه من القسم الثاني من الأقسام المتقدمة، و الفرق بينه و بين ما نحن فيه ظاهر.

(أما أولا)- فإن محل الاستصحاب المتنازع فيه هو الحكم الشرعي، و ذلك القسم محل الاستصحاب فيه جزئيات الحكم الشرعي، و الشارع قد أوجب في الحكم الشرعي البناء على العلم و اليقين دون جزئيات الحكم، فان الحكم فيها مختلف كما أوضحناه في محل أليق (1) و (اما ثانيا)- فلأن الاستصحاب المقاس عليه ليس هو في التحقيق من الاستصحاب في شيء كما صرح به علم الهدى (رضي الله عنه) فيما تقدم من كلامه، بل هو عمل بإطلاق الدليل أو عمومه، لأن

قوله-: «لا تنقض اليقين بالشك.

و لا تنقضه إلا بيقين آخر».

و قوله: «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر».

و نحو ذلك- دال على ثبوت تلك الأحكام في جميع الأحوال و الأزمان الى ان يحصل يقين وجود الرافع، بخلاف الاستصحاب المتنازع فيه، فان الدليل- كما عرفت- إنما دل

____________

(1) قد أوضحنا ذلك حسبما يراد على وجه لا يتطرق إليه الإيراد في كتاب الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية، وفقنا الله تعالى لإتمامه (منه (قدس سره).

54

على حكم الحال الاولى و سكت عن الثانية، و لهذا سمي تعديته الى الحال الثانية حيث كانت عارية عن الدليل استصحابا، و من ثم ايضا جعل الاستصحاب دليلا برأسه مقابلا للسنة، و بإبطال الأدلة المذكورة تنتفي الحجية و يزيد ذلك بيانا ايضا وجوه:

(الأول)- ان مفاد الاستصحاب- على ما ذكروه- إنما هو الظن، و قد قامت الأدلة القاطعة- كما بسطنا الكلام عليه في كتاب المسائل- على ان الظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى غير معتبر شرعا. على ان وجود الظن ايضا فيه ممنوع، لان موضوع المسألة الثانية مقيد بالحالة الطارئة و موضوع المسألة الأولى مقيد بنقيض تلك الحالة، فكيف يظن بقاء الحكم الأول؟

(الثاني)- انه لا يخفى- على من راجع الاخبار و غاص لجج تلك البحار- انه قد ورد من الشارع في بعض الصور حكم يوافق الاستصحاب بالمعنى الذي ذكروه و في بعضها ما يخالفه. و منه يعلم انه ليس حكما كليا و لا قاعدة مطردة تبنى عليه الأحكام، و من تأمل- في أحاديث مسألة المتيمم إذا وجد الماء بعد الدخول في الصلاة التي هي المثال الدائر للاستصحاب- ظهر له صحة ما قلنا، فان بعضها قد دل على انه ينصرف من الصلاة و يتوضأ ما لم يركع، و بعضها على انه يمضي في صلاته مطلقا، و بعضها على انه ينصرف بعد أن صلى ركعة و يتوضأ و يبني على ما مضى، و جل الاخبار دال على الانصراف و ان كان في بعضها (ما لم يركع) و بعضها (و لو بعد تمام الركعة) و لم يرد بالمضي إلا رواية محمد بن حمران، فلو كان الاستصحاب- الذي اعتمدوه دليلا في الأحكام و مثلوا له بهذا المثال- دليلا برأسه. لوجب- على هذا المصلي بمقتضى ذلك- المضي في الصلاة و لزم طرح هذه الاخبار. و فيه من البطلان ما لا يحتاج الى البيان (1).

____________

(1) و مثل ذلك مسألة من نوى الإقامة عشرا ثم بدا له. سواء كان بعد الصلاة أم قبلها فان مقتضى العمل بالاستصحاب وجوب التمام بنية الإقامة القاطعة للسفر و الاستمرار على ذلك، و ان العزم على السفر بعد ذلك و لو قبل الصلاة تماما لا يزيل حكم نية الإقامة مع ان الاخبار فيه فصلت بالصلاة و عدمها، فلو كان الاستصحاب قاعدة كلية يتحتم البناء عليها في الأحكام لما كان للتفصيل وجه في هذا المقام (منه (رحمه الله).

55

(الثالث)- ان هذا الموضع من المواضع الغير المعلوم حكمه تعالى فيها في غير ما دلت عليه النصوص، و قد تواترت الاخبار في مثل ذلك بوجوب التوقف و الاحتياط كما سلف تحقيقه. هذا. و المفهوم- من كلام المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) في تعليقاته على المدارك- الميل الى العمل بالاستصحاب على تفصيل ذكره هناك. و قد بسطنا الكلام على المسألة المذكورة في كتاب الدرر النجفية، و نقلنا كلام المحدث المذكور و أوضحنا ما فيه من القصور، و كذا كلام بعض الاعلام في المقام و ما يتعلق به من النقض و الإبرام، و ههنا مواضع من الأحكام قد حصل الشك في اندراجها تحت القسم الثالث الذي هو عبارة عن إطلاق النص، أو القسم الرابع الذي هو محل النزاع سيأتي التنبيه عليها في مواضعها ان شاء الله تعالى.

(المطلب الثالث)- في لحن الخطاب و فحوى الخطاب و دليل الخطاب

. و مرجع ذلك الى دلالة المفهوم موافقة أو مخالفة.

و تفصيل القول في ذلك ان دلالة اللفظ على معناه اما ان تكون في محل النطق أو لا في محله.

و الأول- اما ان يكون مطابقة أو تضمنا أو التزاما، و الا و لان صريح المنطوق و الثالث غير صريحه، و هو أقسام:

(أحدها)- ما يتوقف صدق المعنى أو صحته عليه، و يسمى دلالة اقتضاء.

و (الأول)- نحو

قوله (صلى الله عليه و آله): «رفع عن أمتي تسعة أشياء: الخطأ و النسيان. الحديث» (1).

فان صدقه يتوقف على تقدير المؤاخذة و نحوها.

و (الثاني)- نحو قوله سبحانه: «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ» (2) فإن صحة المعنى تتوقف على تقدير

____________

(1) رواه في الوسائل في باب- 56- من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه من كتاب الجهاد.

(2) سورة يوسف آية 82.

56

الأهل، لأن السؤال من القرية لا يصح عقلا، و حجية هذا القسم ظاهرة إذا كان الموقوف عليه مقطوعا به.

(الثاني)- ما لا يتوقف عليه صدق المعنى و لا صحته لكنه اقترن بحكم على وجه يفهم منه انه علة لذلك الحكم، فيلزم حينئذ جريان الحكم المذكور في غير هذا المورد مما اقترن بتلك العلة، و يسمى بدلالة التنبيه و الإيماء، نحو

قوله (صلى الله عليه و آله): «أعتق رقبة» (1).

حين قال له الأعرابي: واقعت أهلي في شهر رمضان. فإنه يفهم منه ان علة وجوب العتق هي المواقعة فتجب في كل موضع تحققت،

و كما إذا قيل له (عليه السلام): صليت مع النجاسة فقال: أعد صلاتك.

فإنه يفهم منه ان علة الإعادة هي النجاسة، فتجب الإعادة حينئذ في كل موضع تحققت النجاسة، و الظاهر حجيته مع علم العلية و عدم مدخلية خصوص الواقعة في ذلك. و هذا أحد قسمي تنقيح المناط، و اليه أشار المحقق في المعتبر حيث حكم بحجية تنقيح المناط القطعي، و هو كذلك، فان مدار الاستدلال في جل الأحكام الشرعية على ذلك، إذ لو لوحظ خصوصية السائل أو الواقعة لم يثبت حكم كلي في مسألة شرعية إلا نادرا.

(الثالث)- ما لم يقصد عرفا من الكلام و لكنه يلزمه، نحو قوله تعالى:

«وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلٰاثُونَ شَهْراً» (2) مع قوله سبحانه: «وَ فِصٰالُهُ فِي عٰامَيْنِ» (3) فإنه يعلم منه ان أقل مدة الحمل ستة أشهر، و المقصود من الآية الأولى إنما هو بيان حق الوالدة و تعبها، و في الثانية بيان مدة الفصال، و لكن قد لزم منهما بيان أقل الحمل، و تسمى دلالة إشارة، و حجيته ظاهرة مع قطعية اللزوم.

____________

(1) هذا من حديث رواه في الوسائل عن الفقيه في باب- 8- من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك من كتاب الصيام.

(2) سورة الأحقاف آية 15.

(3) سورة لقمان آية 14.

57

و اعترض بعض الفضلاء على عد الدلالة الالتزامية بأقسامها الثلاثة من المنطوق و اختار دخولها في المفهوم، محتجا بان المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق. و المفهوم ما دل عليه لا في محله، و المطلوب بالدلالة الالتزامية ليس مدلولا عليه في محل النطق.

و الثاني- و هو دلالة اللفظ لا في محل النطق، و تسمى دلالة المفهوم- قسمان:

مفهوم موافقة و مفهوم مخالفة، لان حكم غير المذكور اما موافق لحكم المذكور نفيا و إثباتا أو لا، و الأول الأول و الثاني الثاني.

فالقسم الأول يسمى بفحوى الخطاب و لحن الخطاب. و مثلوه بقوله تعالى: «فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ(1) فإنه يعلم من حال التأفيف و هو محل النطق حال الضرب و هو غير محل النطق و يعلم اتفاقهما في الحرمة، و قوله سبحانه: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» (2) فإنه يعلم منه حال ما زاد على الذرة و المجازاة عليه. و مرجعه الى التنبيه بالأدنى اي الأقل مناسبة على الأعلى اي الأكثر مناسبة، و هو حجة إذا كان قطعيا، بمعنى قطعية العلية في الأصل كالاكرام في منع التأفيف و عدم تضييع الإحسان و الإساءة في الجزاء، و كون العلة أشد مناسبة في الفرع، و اما إذا كان ظنيا فيدخل في باب القياس المنهي عنه، كما يقال: يكره جلوس الصائم المجبوب في الماء لأجل ثبوت الكراهة للمرأة الصائمة. لعدم علم كون علة الكراهة للمرأة هو جذب الفرج الماء.

و القسم الثاني و يسمى دليل الخطاب- ينقسم الى مفهوم الشرط، و مفهوم الغاية، و مفهوم الصفة. و مفهوم الحصر. و مفهوم العدد. و مفهوم الزمان و المكان.

و قد وقع الخلاف بين الأصوليين من أصحابنا و غيرهم في حجية المفهوم بجميع

____________

(1) سورة الإسراء. آية 23.

(2) سورة الزلزال. آية 7 و 8.

58

أقسامه، فنفاه من أصحابنا المرتضى (رضي الله عنه) و جماعة من العامة، و اليه مال المحدث السيد نعمة الله الجزائري و الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (قدس الله سرهما) و أدلة القوم- في كتب الأصول من الطرفين- متصادمة، و الاحتجاجات متعارضة، الا ان الظاهر تبادر ذلك في كثير من الأمثلة الواردة في جملة منها. و لعل ذلك بحسب العرف و لم نقف في النصوص على ما يقتضي الحجية في شيء منها سوى مفهوم الشرط، فقد ورد في جملة منها ما يدل على ذلك.

فمنها-

ما ورد عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ» (1) قال: «و الله ما فعله كبيرهم و ما كذب إبراهيم.

فقيل: كيف ذاك؟ قال: انما قال: فعله كبيرهم هذا ان نطقوا، و ان لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم هذا شيئا».

و (منها)- ما رواه الشيخ في التهذيب في باب النفر من منى (2) عنه (عليه السلام) في حديث قال فيه: «فان الله عز و جل يقول: «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» (3) فلو سكت لم يبق أحد إلا تعجل لكنه قال و من تأخر فلا اثم عليه».

و

(منها)- ما رواه في الكافي و الفقيه عن عبيد بن زرارة (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) قوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (5) قال: ما أبينها من شهد فليصمه و من سافر فلا يصمه».

____________

(1) سورة الأنبياء. آية 63.

(2) و في الوسائل في باب- 9- من أبواب العود إلى منى و رمى الجمار و المبيت و النفر من كتاب الحج.

(3) سورة البقرة، آية 203.

(4) و في الوسائل في باب- 1- من أبواب من يصح منه الصوم من كتاب الصيام.

(5) سورة البقرة. آية 185.

59

و (منها)-

ما رواه في الفقيه في باب الشقاق. في الصحيح عن ابن ابي عمير عن هشام بن الحكم: «انه تناظر هو و بعض المخالفين في الحكمين بصفين: عمرو ابن العاص و أبي موسى الأشعري، فقال المخالف: ان الحكمين لقبولهما الحكم كانا مريدين للإصلاح بين الطائفتين. فقال هشام: بل كانا غير مريدين للإصلاح بين الطائفتين. فقال المخالف: من اين قلت هذا؟ قال هشام: من قول الله تعالى في الحكمين: «إِنْ يُرِيدٰا إِصْلٰاحاً يُوَفِّقِ اللّٰهُ بَيْنَهُمٰا» (1) فلما اختلفا و لم يكن بينهما اتفاق على أمر واحد و لم يوفق الله بينهما. علمنا انهما لم يريدا الإصلاح.».

و لا ريب ان هشاما من أجلاء ذوي الأفهام و رؤساء علماء الكلام، و لهذا ان خصمه سلم اليه و لم يمكنه الرد عليه.

و العجب هنا من المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (طاب ثراه) في كتاب الفوائد الطوسية، حيث بالغ في إنكار حجية مفهوم الشرط. و أورد جملة من الآيات القرآنية دالة على عدم جواز اعتبار مفهوم الشرط. مع ورود ما سردناه من الاخبار الدالة على ذلك بأوضح دلالة، و انه قد تقرر- عند القائلين بحجيته- ان اعتبار المفهوم إنما يصار إليه إذا لم يكن للتعليق على الشرط فائدة سوى الانتفاء بانتفائه، و ما أورده من الآيات كلها من ذلك القبيل. هذا.

و اما ما ذكروه- من الملازمة بالنسبة الى مقدمة الواجب و كذلك استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص- فلم نقف له في الاخبار على اثر، مع ان الحكم في ذلك مما تعم به البلوى. و قد حققنا- في كتاب الدرر النجفية في مسألة البراءة الأصلية، و أشرنا الى ذلك ايضا هنا في المطلب الأول من المقام الثالث- ان التمسك بالبراءة الأصلية فيما تعم به البلوى من الأحكام بعد تتبع الأدلة و عدم الوقوف على ذلك

____________

(1) سورة النساء. آية 36.

60

فيها حجة واضحة، و لو كان الأمر كما ذكروا، لورد عنهم (عليهم السلام) النهي عن أضداد الواجبات من حيث هي كذلك بالنسبة إلى مسألة استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص. و التالي باطل. على انه لا يخفى ما في القول بذلك من الحرج المنفي بالآية و الرواية كما صرح به شيخنا الشهيد الثاني (1) و حينئذ فيكون داخلا في باب «اسكتوا عما سكت الله عنه» (2).

تتميم نفعه عميم

جمهور الأصوليين من أصحابنا و غيرهم على حجية قياس الأولوية و منصوص العلة، و مثلوا للأول بدلالة تحريم التأفيف في الآية على تحريم أنواع الأذى الزائدة عليه.

و سماه بعضهم بالقياس الجلي، و أنكره المحقق و جمع من الأصحاب، و اختلفوا في وجه التعدية في الآية، فذهب بعض إلى انه من قبيل دلالة المفهوم و هو مفهوم الموافقة كما تقدم تحقيقه، و قيل انه منقول عن موضوعه اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى، لاستفادة ذلك المعنى من اللفظ من غير توقف على استحضار القياس، و هو اختيار المحقق.

و يدل على عدم حجيته من الاخبار

ما رواه الصدوق في كتاب الديات (3) عن ابان (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة كم فيها؟ قال عشرة من الإبل. قلت: قطع اثنين: قال عشرون

____________

(1) قال (قدس سره)- بعد الكلام في المسألة- ما صورته: لو كان كذلك لم يتحقق السفر إلا لأوحدي الناس، لمصادمته غالبا لتحصيل العلوم الواجبة، و قلما ينفك الإنسان عن شغل الذمة بشيء من الواجبات الفورية. مع انه على ذلك التقدير موجب لبطلان الصلاة الموسعة في غير آخر وقتها. و لبطلان النوافل اليومية و غيرها. انتهى (منه (رحمه الله).

(2) الذي قد تضمنته خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) المروية في الفقيه في باب (نوادر الحدود) المتقدمة في صحيفة (50) و غيرها من الروايات.

(3) في باب (الجراحات و القتل بين الرجال و النساء) و في الوسائل في باب- 45- من أبواب ديات الأعضاء من كتاب الديات.

(4) ابن تغلب.

61

قلت: قطع ثلاثا؟ قال: ثلاثون. قلت: قطع أربعا؟ قال: عشرون.

قلت: سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، و يقطع أربعا فيكون عليه عشرون؟

ان هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنتبرأ ممن قاله، و نقول: الذي قاله شيطان. فقال.

مهلا يا ان هذا حكم رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان المرأة تعاقل الرجل الى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا أبان إنك أخذتني بالقياس، و السنة إذا قيست محق الدين» و رواه في كتاب المحاسن، و زاد- بعد قوله:

«إنك أخذتني بالقياس»- «ان السنة لا تقاس، ألا ترى انها تؤمر بقضاء صومها و لا تؤمر بقضاء صلاتها».

و لا يخفى عليك ما في الخبر المذكور من الصراحة في المطلوب.

و (منها)-

ما ورد من قول الصادق (عليه السلام) لأبي حنيفة: «اتق الله و لا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس إبليس، الى أن قال: ويحك أيهما أعظم، قتل النفس أو الزنا؟ قال: قتل النفس. قال: فان الله عز و جل قد قبل في قتل النفس شاهدين و لم يقبل في الزنا إلا أربعة. ثم قال: أيهما أعظم، الصلاة أو الصوم؟ قال: الصلاة.

قال: فما بال الحائض تقضي الصيام و لا تقضي الصلاة، فكيف يقوم لك القياس؟

فاتق الله و لا تقس».

و (منها)-

قوله (عليه السلام) لأبي حنيفة في عدة اخبار: «البول أقذر أم المني؟ فقال: البول أقذر. فقال: يجب على قياسك ان يجب الغسل من البول دون المني، و قد أوجب الله الغسل من المني دون البول (1).

____________

(1)

و في بعض الاخبار ايضا: لما قال له السائل: «الحائض تقضي الصلاة؟ قال:

لا. قال: تقضى الصوم؟ قال: نعم. قال: من اين جاء هذا؟ قال أول من قاس إبليس. ثم قال: و الصائم يستنقع في الماء؟ قال نعم. قال: يبل الثوب على جسده؟ قال: لا، قال:

من اين جاء هذا؟ قال: ذا من ذاك».

و من ذلك صحيحة عبد الله بن سنان، قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان و معه جارية له فله ان يصيب منها بالنهار؟ فقال: سبحان الله اما يعرف حرمة شهر رمضان، ان له في الليل سبحا طويلا. قلت: أ ليس له ان يأكل و يشرب و يقصر فقال: ان الله تعالى قد رخص للمسافر في الإفطار و التقصير رحمة و تخفيفا لموضع التعب و النصب و وعث السفر، و لم يرخص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان، و أوجب عليه قضاء الصيام و لم يوجب عليه قضاء تمام الصلاة إذا آب من سفره، ثم قال: و السنة لا تقاس. الحديث».

(منه (رحمه الله).

62

و (منها)- ما رواه في تفسير العسكري (عليه السلام) (1) عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): قال: قال: «يا معشر شيعتنا و المنتحلين مودتنا إياكم و أصحاب الرأي، الى أن قال: اما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين اولى بالمسح من ظاهرهما».

الى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع (2) و قد دلت على كون ذلك قياسا و لا سيما الخبر الأول منها، مع انه قد استفاضت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بالمنع عن العمل بالقياس بقول مطلق من غير تخصيص بفرد بل صار ذلك من ضروريات مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

فما يظهر- من بعض مشايخنا المتأخرين (3) من كون ذلك ليس من باب القياس، مستندا الى ان ما جعل فرعا على الأصل في الحكم أولى بالحكم من الأصل فكيف يجعل فرعا عليه؟- اجتهاد في مقابلة النصوص أو غفلة عن ملاحظة ما هو في تلك الاخبار مسطور و منصوص. على انه يمكن الجواب عما ذكره من عدم الفرعية بأن الحكم إنما ثبت أولا و بالذات بمنطوق الكلام للتأفيف مثلا، لمنافاته لوجوب الإكرام، و الضرب إنما ثبت له لمشاركته للأول في العلة المذكورة و ان كانت العلة أشد بالنسبة إليه

____________

(1) في تفسير قوله تعالى: «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضّٰالِّينَ».

(2) روى اخبار المنع عن العمل بالقياس في الوسائل في باب- 6- من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء.

(3) هو شيخنا بهاء الملة و الحق و الدين في كتاب الزبدة، حيث أشار الى ذلك في المتن و بين وجهه في الحاشية بما نقلناه عنه (رحمه الله) (منه (قدس سره).

63

و أشديتها بالنسبة إليه لا تخرجه عن الفرعية، إذ اعتبار الأصالة و الفرعية إنما هو بالنظر الى ما دل عليه الكلام أولا و بالذات و ثانيا و بالعرض.

و ربما استند بعض الفضلاء الى الاستدلال

على الحجية بقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطابه للأنصار: «أ توجبون عليه الحد و الرجم، و لا توجبون عليه صاعا من ماء؟» (1).

و سيأتي الجواب عن ذلك في باب غسل الجنابة في مسألة الجماع في دبر المرأة.

و أما منصوص العلة فظاهر كلام المرتضى (رضي الله عنه) إنكاره. و العلامة و جمع من الأصحاب على القول به.

احتج المرتضى (رضي الله عنه) بما ملخصه: ان علل الشرع انما تنبئ عن الدواعي إلى الفعل أو عن وجه المصلحة فيه، و قد يشترك الشيئان في صفة واحدة و يكون في أحدهما داعية في فعله دون الآخر مع ثبوتها فيه، و قد يكون مثل المصلحة مفسدة، و قد يدعو الشيء إلى غيره في حال دون حال و على وجه دون وجه. الى ان قال: «فإذا صحت هذه الجمل لم يكن في النص على العلة ما يوجب التخطي و القياس و جرى النص على العلة مجرى النص على الحكم في قصره على موضعه».

و حكى العلامة (قدس سره) عن المانعين الاحتجاج بان قول الشارع: حرمت الخمر لكونها مسكرة. يحتمل أن تكون العلة هي الإسكار، و ان تكون إسكار الخمر بحيث يكون قيد الإضافة إلى الخمر معتبرا في العلة. و إذا احتمل الأمران لم يجز القياس.

ثم أجاب بالمنع من احتمال اعتبار القيد في العلية، ثم أطال في البحث الى ان قال:

«و التحقيق ان النزاع هنا لفظي. لأن المانع إنما يمنع من التعدية لأن قوله: حرمت الخمر لكونه مسكرا. محتمل لان يكون في تقدير التعليل بالإسكار المختص بالخمر، فلا

____________

(1) هذا من صحيح زرارة المروي في الوسائل في باب- 6- من أبواب الجنابة من كتاب الطهارة.

64

يعم، و ان يكون في تقدير التعليل بمطلق الإسكار فيعم، و المثبت يسلم ان التعليل بالإسكار المختص بالخمر غير عام و ان التعليل بالمطلق يعم. فظهر انهم متفقون على ذلك. نعم النزاع وقع في أن قوله-: حرمت الخمر لكونه مسكرا- هل هو بمنزلة علة التحريم للإسكار أم لا؟ فيجب ان يجعل البحث في هذا لا في ان النص على العلة هل يقتضي ثبوت الحكم في جميع مواردها، فان ذلك متفق عليه» انتهى (و فيه) ان الأمر كما ذكر لو كان حجة الخصم ما ذكره خاصة، و قد عرفت من كلام السيد (رضي الله عنه) التعليل بغير ذلك مما لا ينطبق عليه هذا التفصيل الذي ذكره.

و نقل عن المحقق (رحمه الله) التفصيل في المسألة بأنه إذا نص الشارع على العلة و كان هناك شاهد حال يدل على سقوط اعتبار ما عدا تلك العلة في ثبوت الحكم، جاز تعدية الحكم و كان ذلك برهانا. و اليه مال ايضا المحقق الشيخ حسن في المعالم، و أجاب فيه عن حجة المرتضى (رضي الله عنه) بان المتبادر من العلة- حيث يشهد الحال بانسلاخ الخصوصية فيها- تعلق الحكم بها لا بيان الداعي و وجه المصلحة. و ما ذكره (قدس سره) جيد بالنظر الى مفهوم العلة، إلا ان المتتبع- لعلل الشرع الواردة في الاخبار- لا يخفى عليه ان جلها إنما هو من قبيل ما ذكره المرتضى (رضي الله عنه).

و قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين: «و الحق أن يقال: إذا حصل القطع بان الأمر الفلاني علة لحكم خاص من غير مدخلية شيء آخر في العلية و علم وجود تلك العلة في محل آخر لا بالظن بل بالعلم، فإنه حينئذ يلزم القول بذلك الحكم في هذا المحل الآخر، لأن الأصل حينئذ يصير من قبيل النص على كل ما فيه تلك العلة، فيخرج في الحقيقة عن القياس. و هذا مختار المحقق لكن هذا في الحقيقة قول بنفي حجية القياس المنصوص العلة، إذ حصول هذين القطعين مما يكاد ينخرط في سلك المحالات إلا في تنقيح المناط» انتهى. و هو جيد.

65

و بالجملة فالحق هو عدم القول بالحجية في كلا الموضعين إلا مع الدلالة العرفية في بعض الموارد أو بما يرجع الى تنقيح المناط القطعي (1) و الله و أولياؤه أعلم.

المقدمة الرابعة في الاحتياط

و قد اختلف أصحابنا (رضوان الله عليهم) في وجوبه و استحبابه، فالمجتهدون على الثاني، و الأخباريون على وجوبه في بعض المواضع، و ربما يظهر من كلام بعض متأخري المجتهدين عدم مشروعيته.

قال المحقق (قدس سره)- على ما نقله عنه غير واحد- في كتاب الأصول:

«العمل بالاحتياط غير لازم، و صار آخرون الى وجوبه، و قال آخرون مع اشتغال الذمة: يكون العمل بالاحتياط واجبا و مع عدمه لا يجب مثال ذلك: إذا ولغ الكلب في الإناء، نجس. و اختلفوا هل يطهر بغسلة واحدة أم لا بد من سبع؟ و فيما عدا الولوغ هل يطهر بغسلة أم لا بد من ثلاث؟ احتج القائلون بالاحتياط

بقوله (صلى الله عليه و آله):

«دع ما يريبك الى ما لا يريبك».

و بأن الثابت اشتغال الذمة يقينا، فيجب ان لا يحكم ببراءتها إلا بيقين و لا يكون هذا إلا مع الاحتياط. و الجواب عن الحديث ان نقول:

هو خبر واحد لا يعمل بمثله في مسائل الأصول. سلمناه لكن إلزام المكلف بالأثقل مظنة الريبة، لأنه إلزام مشقة لم يدل الشرع عليها. فيجب اطراحها بموجب الخبر.

____________

(1) و الى القول بمنع حجية كل من الفردين المذكورين مال المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قدس سره) مستندا الى دخولهما في القياس الذي تواترت الأخبار بالنهي عنه:

و (منها)-

قول الصادق (عليه السلام) فيما استفاض عنه «ان أصحاب القياس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحق إلا بعدا».

قال: «و هو بإطلاقه متناول لجميع افراد القياس في موضع النزاع و غيره» (منه (رحمه الله).

66

و الجواب عن الثاني ان نقول: البراءة الأصلية مع عدم الدلالة الناقلة حجة، و إذا كان التقدير تقدير عدم الدلالة الشرعية على الزيادة في المثال المذكور كان العمل بالأصل أولى، و حينئذ لا نسلم اشتغالها مطلقا بل لا نسلم اشتغالها إلا بما حصل الاتفاق عليه أو اشتغالها بأحد الأمرين. و يمكن ان يقال: قد أجمعنا على الحكم بنجاسة الإناء و اختلفنا فيما به يطهر، فيجب أن نأخذ بما حصل الإجماع عليه في الطهارة، ليزول ما أجمعنا عليه من النجاسة بما أجمعنا عليه من الحكم بالطهارة». انتهى كلامه زيد مقامه.

و هو محل نظر من وجوه: (أحدها)- ان ما جعله موضوعا للنزاع من مسألة إناء الولوغ و نحوها ليس كذلك على إطلاقه، لأنه مع تعارض الأدلة فللناظر الترجيح بينها و العمل بما يترجح في نظره من أدلة أي الطرفين، و حينئذ فلا مجال هنا للقول بوجوب الاحتياط، و اما الاستحباب فيمكن إذا ترجح عنده الأقل، فإنه يمكن حمل الزائد على الاستحباب كما هو المعروف عندهم في أمثال ذلك. نعم مع عدم الترجيح فالمتجه- كما سيأتي تحقيقه- وجوب الاحتياط في العمل و التوقف في الحكم.

و (ثانيها)- ما أجاب به أولا عن الخبر المذكور، فإنه مبني على اشتراط القطع في الأصول و عدم العمل بالآحاد مطلقا، و كلاهما محل نظر (اما الأول) فلعدم الدليل عليه، و من تأمل اختلافاتهم في الأصول و تكثر أقوالهم و ادعاء كل منهم التبادر على خلاف ما يدعيه الآخر، علم ان البناء على غير أساس، و من ثم وقع الإشكال في جل مسائله و الالتباس، و لو كانت أدلته مما تفيد القطع كما يدعونه لما انتشر فيه الخلاف، كما لا يخفى على ذوي الإنصاف. على انه لو ثبت ثمة دليل على اشتراط القطع في الأصول لوجب تخصيصه بالأصول الكلامية و العقائد الدينية، إذ هي المطلوب فيها ذلك بلا خلاف، دون هذه التي لم يرد لها أصل في الشريعة. و انما هي من محدثات العامة و مخترعاتهم كما حققناه في محل أليق.

67

و (اما الثاني) فلما صرح به جم غفير من أصحابنا- متقدميهم و متأخريهم- و لا سيما هذا القائل نفسه في كتاب المعتبر و كذا في كتابه في الأصول، بل الظاهر انه إجماعي كما ادعاه غير واحد منهم، من حجية خبر الواحد و الاعتماد عليه، و على ذلك يدل من الاخبار ما يضيق عن نشره نطاق البيان، و ما سبق الى بعض الأوهام- من تناقض كلامي الشيخ في العمل بخبر الواحد و دعوى المرتضى الإجماع على عدم جواز العمل به- فهو توهم بارد و خيال شارد نشأ عن قصور التتبع لكلامهم و التطلع في نقضهم و إبرامهم، لدلالة كلام الشيخ (رضوان الله عليه) في غير موضع من كتبه على صحة أخبارنا و تواترها عن الأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم)، و ان المراد بالخبر الواحد الممنوع من جواز التعبد به هو ما كان من طريق المخالفين مما لم تشتمل عليه أصولنا التي عليها معتمد شريعتنا قديما و حديثا. و لتصريح المرتضى (رضي الله عنه) على ما نقله عنه جمع: منهم صاحب المعالم، من أن أكثر أخبارنا المروية في كتبنا معلومة مقطوع على صحتها اما بالتواتر أو بأمارة و علامة دلت على صحتها و صدق رواتها فهي موجبة للعلم مقتضية للقطع و ان وجدناها مودعة في الكتب بسند مخصوص من طريق الآحاد. انتهى. و حينئذ فيرجع كلامه الى كلام الشيخ في معنى الخبر الواحد الممنوع من جواز التعبد به، و قد مضى في المقدمة الثانية ما فيه مقنع للبيب و مرجع للموفق المصيب.

و (ثالثها)- ما أجاب به عن الدليل الثاني من الاستناد إلى حجية البراءة الأصلية في المقام. و فيه ما تقدم نقله عنه (قدس سره) في المعتبر. من ان الاعتماد على البراءة الأصلية إنما يتجه فيما يعلم انه لو كان هناك دليل لعثر عليه، اما لا مع ذلك فإنه يجب التوقف. و الدليل في الجملة هنا موجود. و وجود المعارض لا يخرجه عن كونه دليلا. و لو عورض بمرجوحيته في مقابلة المعارض فلا يصلح للدلالة، فالدليل العام

68

على وجوب الاحتياط كاف في الخروج عن قضية الأصل و وجوب الزيادة.

و (رابعها)- قوله: و يمكن ان يقال قد أجمعنا. إلخ. فإن فيه ان ثبوت الإجماع إنما هو قبل الغسل بالمرة. و اما بعد الغسلة الواحدة فليس ثمة إجماع، فالاستصحاب غير ثابت. على ان في الاستدلال بالاستصحاب ما قد عرفت آنفا. نعم يمكن ان يقال: ان مقتضى صحاح الاخبار ان يقين كل من الطهارة و النجاسة لا يزول إلا بيقين مثله. و النجاسة هنا ثابتة بيقين قبل الغسل بالكلية، و لا تزول إلا بيقين و هو الغسل بالأكثر. و زوالها بالأقل مشكوك فيه، و هو لا يرفع يقين النجاسة، و الاستصحاب هنا مما لا خلاف في حجيته، لدلالة صحاح الاخبار عليه كما سبق تحقيقه في المسألة المذكورة. هذا.

و التحقيق في المقام- على ما أدى اليه النظر القاصر من أخبار أهل الذكر (عليهم السلام)- هو ان يقال: لا ريب في رجحان الاحتياط شرعا و استفاضة الأمر به، كما سيمر بك شطر من اخباره. و هو عبارة عما يخرج به المكلف من عهدة التكليف على جميع الاحتمالات، و منه ما يكون واجبا، و منه ما يكون مستحبا.

(فالأول)- كما إذا تردد المكلف في الحكم، اما لتعارض أدلته، أو لتشابهها و عدم وضوح دلالتها، أو لعدم الدليل بالكلية بناء على نفي البراءة الأصلية، أو لكون ذلك الفرد مشكوكا في اندراجه تحت بعض الكليات المعلومة الحكم، أو نحو ذلك.

و (الثاني)- كما إذا حصل الشك باحتمال وجود النقيض لما قام عليه الدليل الشرعي احتمالا مستندا الى بعض الأسباب المجوزة، كما إذا كان مقتضى الدليل الشرعي إباحة شيء و حليته، لكن يحتمل قريبا بسبب بعض تلك الأسباب انه مما حرمه الشارع و ان لم يعلم به المكلف، و منه جوائز الجائر و نكاح امرأة بلغك انها أرضعت معك

69

الرضاع المحرم إلا انه لم يثبت ذلك شرعا. و منه ايضا الدليل المرجوح في نظر الفقيه، اما إذا لم يحصل له ما يوجب الشك و الريبة في ذلك، فإنه يعمل على ما ظهر له من الدليل و ان احتمل النقيض باعتبار الواقع، و لا يستحب له الاحتياط هنا، بل ربما كان مرجوحا، لاستفاضة الأخبار بالنهي عن السؤال عند الشراء من سوق المسلمين ما يحتمل تطرق احتمال النجاسة أو الحرمة اليه كاخبار الجبن و اخبار الفراء، جريا على مقتضى سعة الحنيفية، كما أشار إليه في صحيحة البزنطي (1) الواردة في السؤال عن شراء جبة فراء لا يدرى أ ذكية هي أم غير ذكية ليصلي فيها، حيث قال (عليه السلام): «ليس عليكم المسألة.

ان أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: ان الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم، و ان الدين أوسع من ذلك».

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الاحتياط قد يكون متعلقا بنفس الحكم الشرعي و قد يكون متعلقا بجزئيات الحكم الشرعي و افراد موضوعه. و (كيف كان) فقد يكون الاحتياط بالفعل و قد يكون بالترك و قد يكون بالجمع بين الافراد المشكوك فيها، و لنذكر جملة من الأمثلة يتضح بها ما أجملناه و يظهر منها ما قلناه.

فمن الاحتياط الواجب في الحكم الشرعي المتعلق بالفعل ما إذا اشتبه الحكم من الدليل بان تردد بين احتمالي الوجوب و الاستحباب، فالواجب التوقف في الحكم و الاحتياط بالإتيان بذلك الفعل، و من يعتمد على أصالة البراءة يجعلها هنا مرجحة للاستحباب.

و فيه (أولا)- ما عرفت من عدم الاعتماد على البراءة الأصلية في الأحكام الشرعية.

و (ثانيا)- ان ما ذكروه يرجع الى ان الله تعالى حكم بالاستحباب لموافقة البراءة الأصلية، و من المعلوم ان أحكامه تعالى تابعة للحكم و المصالح المنظورة له تعالى

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 55- من أبواب لباس المصلى من كتاب الصلاة.

70

و هو أعلم بها، و لا يمكن ان يقال: مقتضى المصلحة موافقة البراءة الأصلية، فإنه رجم بالغيب و جرأة بلا ريب.

و من هذا القسم ايضا ما تعارضت فيه الاخبار على وجه يتعذر الترجيح بينها بالمرجحات المنصوصة، فإن مقتضى الاحتياط التوقف عن الحكم و وجوب الإتيان بالفعل متى كان مقتضى الاحتياط ذلك.

(فان قيل): ان الأخبار في الصورة المذكورة قد دل بعضها على الإرجاء و بعضها على العمل من باب التسليم (قلنا): هذا ايضا من ذلك، فان التعارض المذكور- مع عدم ظهور مرجح لأحد الطرفين و لا وجه يمكن الجمع به في البين- مما يوجب دخول الحكم المذكور في المتشابهات المأمور فيها بالاحتياط، و سيأتي ما فيه مزيد بيان لذلك.

و من هذا القسم ايضا ما لم يرد فيه نص من الأحكام التي لا تعم بها البلوى عند من لم يعتمد على البراءة الأصلية، فإن الحكم فيه ما ذكر كما سلف بيانه في مسألة البراءة الأصلية.

و من الاحتياط الواجب في الحكم الشرعي- لكن بالترك- ما إذا تردد الفعل بين كونه واجبا أو محرما، فان المستفاد من الاخبار ان الاحتياط هنا بالترك.

كما تدل عليه

موثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه و الآخر ينهاه عنه، كيف يصنع؟ قال: يرجئه حتى يلقى من يخبره. فهو في سعة حتى يلقاه».

و موثقة زرارة (2) «في أناس من أصحابنا حجوا بامرأة معهم فقدموا الى الوقت

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء.

(2) المروية في الوسائل في باب- 14- من أبواب المواقيت من كتاب الحج.

و في باب- 12- من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء.

71

و هي لا تصلي، و جهلوا ان مثلها ينبغي أن يحرم. فمضوا بها كما هي حتى قدموا مكة و هي طامث حلال، فسألوا الناس فقالوا: تخرج الى بعض المواقيت فتحرم منه. و كانت إذا فعلت ذلك لم تدرك الحج، فسألوا أبا جعفر (عليه السلام) فقال: تحرم من مكانها، قد علم الله نيتها».

وجه الدلالة ان المرأة المذكورة قد تركت واجبا لاحتمال حرمته عندها، و الامام (عليه السلام) قررها على ذلك و لم ينكره عليها، بل استحسن ذلك من فعلها بقوله:

قد علم الله نيتها.

و ما توهمه- بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) (1) من دلالة هذه الرواية على عدم الاحتياط، حتى نظمها في سلك اخبار زعم انها تدل على عدم الاحتياط و جعلها معارضة لاخبار الاحتياط- ناشىء عن عدم إعطاء التأمل حقه من التحقيق، و عدم النظر في الأخبار بعين التدقيق.

و من الاحتياط المستحب في الحكم الشرعي بالفعل أو الترك ما إذا تعارضت الأدلة في حكم بين فعله وجوبا أو استحبابا و ترجح في نظر الفقيه الثاني بأحد المرجحات الشرعية، فإن الإتيان بالفعل أحوط، و لذا ترى الفقهاء في مثل هذا الموضع يحملون الدليل المرجوح على الاستحباب تفاديا من طرحه، كاخبار غسل الجمعة عند من يرجح الاستحباب. أو تعارضت الاخبار بين الحرمة و الكراهة مع ترجيح الثاني، فإن الاحتياط هنا بالترك، و على هذا أيضا جرى الفقهاء (رضوان الله عليهم) في غير موضع.

و من الاحتياط الواجب في جزئيات الحكم الشرعي بالإتيان بالفعل ما إذا علم أصل الحكم و كان هو الوجوب و لكن حصل الشك في اندراج بعض الافراد تحته،

____________

(1) هو شيخنا العلامة أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني (قدس سره) في كتاب العشرة الكاملة (منه (رحمه الله).

72

و ستأتي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الواردة في جزاء الصيد دالة على ذلك.

و من هذا القسم- لكن مع كون الاحتياط بالترك- ما إذا كان الحكم الشرعي التحريم و حصل الشك في اندراج بعض الجزئيات تحته، فان الاحتياط هنا بالترك، كحكم السجود على الخزف و الحكم بطهارته بالطبخ، فإن أصل الحكم في كل من المسألتين معلوم، و لكن هذا الفرد بسبب الشك في استحالته بالطبخ و عدمها قد أوجب الشك في اندراجه تحت أصل الحكم، فالاحتياط- عند من يحصل له الشك المذكور- واجب بترك السجود و ترك استعماله فيما يشترط فيه الطهارة. و منه الشك في اندراج بعض الأصوات تحت الغناء المعلوم تحريمه، فان الاحتياط واجب بتركه، و اما من يعمل بالبراءة الأصلية فإنه يرجح بها هنا جانب العدم، فلا يتجه ذلك عنده.

و من الاحتياط الواجب بالجمع بين الافراد المشكوك فيها ما إذا اشتغلت ذمته يقينا بواجب لكن تردد بين فردين أو أزيد من افراد ذلك الواجب، فإنه يجب عليه الإتيان بالجميع. و منه من اشتغلت ذمته بفريضة من اليومية مع جهلها في الخمس مثلا، فإنه يجب عليه الإتيان بالخمس مقتصرا فيما اشترك منها في عدد على الإتيان بذلك العدد مرددا في نيته. و منه التردد في وجوب الجمعة، فإنه يجب عليه الجمع بينها و بين الظهر.

الى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع.

و اما الاحتياط المستحب فعلا أو تركا فقد تقدم لك شطر من أمثلته، و المتدرب لا يخفى عليه استنباط ذلك.

و لا بأس بنقل جملة من الاخبار المشتملة على ذكر الاحتياط و تذييل كل منها بما يوقف الناظر على سواء الصراط، فإن جملة من مشايخنا (رضوان الله عليهم) قد اشتبه عليهم ما تضمنته من الأحكام، حتى صرحوا بتعارضها في المقام على وجه يعسر

73

الجمع بينها و الالتئام كما تقدمت الإشارة إليه (1).

فمن ذلك- صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان، الجزاء عليهما، أم على كل واحد منهما جزاء؟ فقال: لا بل عليهما ان يجزي كل واحد منهما عن الصيد. قلت:

إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه، فقال (عليه السلام): إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط» (3).

و هذه الرواية قد دلت على وجوب الاحتياط في بعض جزئيات الحكم الشرعي مع الجهل به و عدم إمكان السؤال. و ذلك لان ظاهر الرواية ان السائل عالم بأصل وجوب الجزاء و إنما شك في موضعه بكونه عليهما معا جزاء واحدا أو على كل منهما جزاء بانفراده.

و من ذلك-

صحيحته الأخرى عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (4) قال:

«سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة؟ أ هي ممن لا تحل له أبدا. فقال:

لا اما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها، و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك. فقلت: بأي الجهالتين أعذر: بجهالته ان يعلم ان ذلك محرم عليه أم بجهالته انها في عدة؟ فقال: احدى الجهالتين أهون من الأخرى، الجهالة بأن

____________

(1) في صحيفة 71 سطر (8).

(2) المروية في الوسائل في باب- 18- من أبواب كفارات الصيد و توابعها من كتاب الحج. و في باب- 12- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(3) تتمة الصحيحة هكذا: «حتى تسألوا عنه فتعلموا».

(4) المروية في الوسائل في باب- 17- من أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها من كتاب النكاح.

74

الله حرم عليه ذلك، و ذلك بأنه لا يقدر على الاحتياط معها. فقلت: هو في الأخرى معذور، فقال: نعم إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها. الحديث».

و هذه الرواية قد اشتملت على فردي الجاهل بالحكم الشرعي و الجاهل ببعض جزئياته، و دلت على معذورية كل منهما إلا ان الأول أعذر، لعدم قدرته على الاحتياط، و بيان ذلك: ان الجاهل- بالحكم الشرعي و هو تحريم التزويج في العدة جهلا ساذجا غير متصور له بالمرة- لا يتصور الاحتياط في حقه بالكلية، لعدم تصوره الحكم بالمرة كما عرفت. و اما الجاهل بكونها في عدة مع علمه بتحريم التزويج في العدة، فهو جاهل بموضوع الحكم المذكور مع معلومية أصل الحكم له، و يمكنه الاحتياط بالفحص و السؤال عن كونها ذات عدة أم لا، إلا انه غير مكلف به، بل ظاهر الاخبار مرجوحية السؤال و الفحص كما في غير هذا الموضع مما قدمنا الإشارة اليه (1)، و كل ذلك عملا بسعة الحنيفية و سهولة الشريعة. نعم لو كان في مقام الريبة فالأحوط السؤال، كما يدل عليه بعض الاخبار.

و من ذلك-

رواية عبد الله بن وضاح (2) قال: «كتبت الى العبد الصالح (عليه السلام) يتوارى القرص و يقبل الليل ثم يزيد الليل ارتفاعا و تستتر عنا الشمس و ترتفع فوق الجبل حمرة و يؤذن عندنا المؤذنون، أ فأصلي حينئذ أو أفطر إن كنت صائما، أو انتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل؟ فكتب إلي: أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائطة لدينك».

(أقول): و الاحتياط هنا- بالتوقف على ذهاب الحمرة عند من قام له الدليل على ان الغروب عبارة عن استتار القرص المعلوم بعدم رؤيته عند المشاهدة مع عدم

____________

(1) في صحيفة (69) سطر (4).

(2) المروية في الوسائل في باب- 16- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.

و في باب 12- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

75

الحائل- محمول على الاستحباب. و اما عند من يجعل امارة الغروب زوال الحمرة- كما هو المختار عندنا، لحمل تلك الأخبار على التقية- فهو محمول على الوجوب، و كلامه (عليه السلام) هنا محتمل لكلا الأمرين.

و من ذلك-

صحيحة أحمد بن محمد بن ابي نصر عن الرضا (عليه السلام) في المتمتع بها (1) حيث قال فيها: «اجعلوهن من الأربع (2) فقال له صفوان ابن يحيى: على الاحتياط. قال: نعم».

و الظاهر كما استظهره أيضا جملة من أصحابنا (رضوان الله عليهم) حمل الاحتياط هنا على المحاذرة من العامة و التقية منهم، لاستفاضة النصوص و ذهاب جمهور الأصحاب الى عدم الحصر في المتعة و انها ليست من السبعين فضلا عن الأربع، و لعل وجهه انه إذا اقتصر على جعلها رابعة لم يمكن الاطلاع عليه بكونها متعة ليطعن عليه بذلك ليتيسر دعوى الدوام له، بخلاف ما إذا جعلها زائدة على الأربع، فإنه لا يتم له الاعتذار و لا النجاة من أولئك الفجار.

و من ذلك-

رواية شعيب الحداد (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (ع):

رجل من مواليك يقرئك السلام و قد أراد أن يتزوج امرأة قد وافقته و أعجبه بعض شأنها، و قد كان لها زوج فطلقها ثلاثا على غير السنة، و قد كره ان يقدم على تزويجها حتى يستأمرك فتكون أنت تأمره، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): هو الفرج و أمر الفرج شديد، و منه يكون الولد و نحن نحتاط فلا يتزوجها».

(أقول): ظاهر هذا الخبر كما ترى كون المطلق مخالفا، و لا خلاف بين

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 4- من أبواب المتعة من كتاب النكاح.

(2) هذا

قول ابى جعفر (عليه السلام) فإن الرواية هكذا: قال قال أبو جعفر (عليه السلام): «اجعلوهن من الأربع».

(3) المروية في الوسائل في باب- 156- من أبواب مقدمات النكاح و آدابه من كتاب النكاح.

76

الأصحاب في إلزامه بما الزم به نفسه من صحة الطلاق، و به استفاضت جملة من الأخبار ايضا، و حينئذ فيحمل الاحتياط هنا على الاستحباب، إلا ان الأقرب عندي هو أن يقال: ان الأصحاب (رضوان الله عليهم) و ان اتفقوا على الحكم المذكور، إلا ان الروايات فيه مختلفة، فإن جملة من الأخبار كما دلت على ما ذهب إليه الأصحاب، كذلك جملة منها ايضا قد دلت على انه «إياكم و ذوات الأزواج المطلقات على غير السنة» و حمل- بعض الأصحاب لها على غير المخالف- يرده ما اشتمل عليه بعضها من ذكر المخالف.

و الحكم لا يخلو من نوع اشتباه، لتعارض الأخبار، و الاحتياط فيه مطلوب. و الأمر بالاحتياط هنا مما قوى الشبهة و أكدها، و حينئذ فلا يبعد وجوب الاحتياط هنا.

و يحتمل أن يكون هذا الخبر من جملة الأخبار المانعة و ان عبر عن ذلك بالاحتياط و جعله في قالبه، فيتحتم كون الاحتياط فيه على جهة الوجوب. و الله سبحانه و قائله أعلم بحقيقة الحال.

و أما الأخبار الدالة على رجحان العمل بالاحتياط على الإطلاق في هذا الشأن فهي أكثر من أن يحويها نطاق البيان في هذا المكان (1) و منها

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد كما رواه الشيخ (رحمه الله) في كتاب الأمالي مسندا عن الرضا (عليه السلام): «يا كميل أخوك دينك فاحتط لدينك».

و ما رواه الشهيد عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه: «و خذ بالاحتياط لدينك في جميع أمورك ما تجد اليه سبيلا».

و ما رواه الفريقان عنه (صلى الله عليه و آله) من قوله: «دع ما يريبك الى ما لا يريبك».

و ما روي عنهم (عليهم السلام):

«ليس بناكب عن الصراط من سلك طريق الاحتياط» الى غير ذلك من الأخبار، و حينئذ فما ذهب اليه ذلك البعض- من عدم مشروعية الاحتياط- خروج عن سواء

____________

(1) روى هذه الاخبار في الوسائل في باب- 12- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

77

ذلك الصراط، حيث قال: «ان الاحتياط ليس بحكم شرعي فلا يجوز العمل بمقتضاه، بل الواجب ان ما يعمل به هو ما ساق اليه الدليل و رجحه. و كلما ترجح عنده تعين عليه و على مقلده العمل به، و العمل بالاحتياط عمل بما لم يؤد إليه الدليل» غفلة عما فصلته تلك الأخبار التي ذكرناها و أجملته هذه الأخبار التي تلوناها، و الدليل- كما رجح العمل بما ترجح في نظر الفقيه- رجح ايضا العمل بما فيه الاحتياط، و قوله-:

«انه ليس بدليل شرعي» على إطلاقه- ممنوع كما عرفت مما تلوناه. نعم لو كان ذلك الاحتياط إنما نشأ من الوساوس الشيطانية و الأوهام النفسانية كما يقع من بعض الناس المبتلين بالوسواس، فالظاهر من الأخبار تحريمه

كما ورد عنه (صلى الله عليه و آله) من قوله: «ان الوضوء مد و الغسل صاع، و سيأتي أقوام يستقلون ذلك، فأولئك على غير سنتي، و الثابت على سنتي معي في حظيرة القدس» (1).

و لانه مع اعتقاد شرعيته تشريع في الدين، و الله يهدي من يشاء الى صراطه المبين.

المقدمة الخامسة في حكم الجاهل بالأحكام

و قد اختلف في ذلك كلام علمائنا الأعلام (أسكنهم الله تعالى أعلى درجة في دار السلام) فالمشهور بينهم عدم المعذورية إلا في أحكام يسيرة كحكمي الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام، و فرعوا على ذلك بطلان عبادة الجاهل- و هو عندهم من لم يكن مجتهدا و لا مقلدا- و ان طابقت الواقع، حيث أوجبوا معرفة واجبها و ندبها و إيقاع كل منهما على وجهه. و ان تلك المعرفة لا بد أن تكون عن اجتهاد أو تقليد، فصلاة المكلف- بدون أحد الوجهين- باطلة عندهم و ان طابقت الواقع و طابق اعتقاده

____________

(1) رواه في الوسائل في باب- 50- من أبواب الوضوء.

78

و إيقاعه الواجب و الندب- ما هو المطلوب شرعا.

و ذهب جمع من المتأخرين و متأخريهم إلى معذورية الجاهل مطلقا إلا في مواضع يسيرة، حتى حكم بعض متأخري المتأخرين (1) بصحة صلاة العوام كيف كانت، و اقتصر بعض على ما طابق الواقع من ذلك.

و ظواهر الأخبار في المسألة لا تخلو عن تناقض يحتاج الى مزيد كشف و بيان لترتفع به غشاوة الشبهة عن جملة الأذهان.

فمن الأخبار الدالة- على القول المشهور-

قول ابي الحسن (عليه السلام) في مرسلة يونس بعد أن سأله السائل «هل يسع الناس ترك المسألة عما يحتاجون اليه؟ فقال: لا» (2).

و قول الصادق (عليه السلام) لحمران بن أعين في شيء سأله عنه: «إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون» (3).

و قوله (عليه السلام): «لا يسع الناس حتى يسألوا و يتفقهوا» (4).

و كذا يدل على ذلك الأخبار المستفيضة بالأمر بطلب العلم (5) و الأمر بالتفقه في الدين.

و مما يدل على القول الآخر أخبار مستفيضة متفرقة في جزئيات الأحكام،

____________

(1) البعض الأول هو المحدث السيد نعمة الله الجزائري، و الثاني هو المحقق المولى الأردبيلي (قدس سرهما) و قد نقلنا كلامهما بلفظة في كتاب الدرر النجفية، و ذكرنا ما يتعلق به نفيا و إثباتا، و أشبعنا الكلام في المسألة في الكتاب المشار اليه حسبما يراد (منه (قدس سره).

(2) المروي في الوسائل في باب- 7- من أبواب صفات القاضي و ما يجوزان يقضي به من كتاب القضاء.

(3) المروي في الكافي في باب (سؤال العالم و تذاكره) من كتاب فضل العلم.

(4) في حديث ابى جعفر الأحول عن ابى عبد الله (عليه السلام) المروي في الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوزان يقضى به من كتاب القضاء.

(5) المروية في الوسائل في باب- 4- من أبواب صفات القاضي و ما يجوزان يقضى به من كتاب القضاء.

79

فمن ذلك ما ورد في باب الحج و هو أخبار كثيرة.

(منها)-

صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «من لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه و هو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه».

و مرسلة جميل (2) عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام): «في رجل نسي أن يحرم أو جهل و قد شهد المناسك كلها و طاف و سعى؟ قال: تجزيه نيته إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه و ان لم يهل».

و رواية عبد الصمد بن بشير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «جاء رجل يلبي حتى دخل المسجد الحرام و هو يلبي و عليه قميصه، فوثب عليه الناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا: شق قميصك و أخرجه من رجليك، فان عليك بدنة و عليك الحج من قابل و حجك فاسد. فطلع أبو عبد الله (عليه السلام) فقام على باب المسجد فكبر و استقبل الكعبة، فدنا الرجل من ابي عبد الله (عليه السلام) و هو ينتف شعره و يضرب وجهه، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): اسكن يا عبد الله، فلما كلمه و كان الرجل أعجميا، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما تقول؟ قال: كنت رجلا أعمل بيدي فاجتمعت لي نفقة فجئت أحج لم أسأل أحدا عن شيء فأفتوني هؤلاء أن أشق قميصي و انزعه من قبل رجلي و ان حجي فاسد و ان علي بدنة. فقال له: متى لبست قميصك أبعد ما لبيت أم قبل؟ قال: قبل ان ألبي. قال: فأخرجه من رأسك فإنه ليس عليك بدنة و ليس عليك الحج من قابل، اي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه. طف بالبيت أسبوعا و صل ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) واسع

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 8- من أبواب بقية كفارات الإحرام من كتاب الحج.

(2) المروية في الوسائل في باب- 20- من أبواب المواقيت من كتاب الحج.

(3) المروية في الوسائل في باب- 45- من أبواب تروك الإحرام من كتاب الحج.

80

بين الصفا و المروة و قصر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل و أهل بالحج و اصنع كما يصنع الناس».

و من ذلك- ما ورد في النكاح في العدة. و منه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة في سابق هذه المقدمة (1) و بمضمونها روايات عديدة (2).

و من ذلك-

ما ورد في الحدود كموثقة عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3): «في رجل شرب الخمر على عهد ابي بكر و عمر. و اعتذر بجهله بالتحريم، فسألا أمير المؤمنين (عليه السلام) فأمر (عليه السلام) بان يدار به على مجالس المهاجرين و الأنصار، و قال: من كان تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه. ففعلوا ذلك فلم يشهد عليه أحد فخلى سبيله».

و بمضمون ذلك في الحدود روايات عديدة.

و من ذلك- ما ورد في الصلاة في السفر تماما كصحيحة زرارة و محمد بن مسلم (4) و هذا من جملة ما استثناه من قال بعدم معذورية الجاهل، و ما ورد في من أقام عشرة أيام و صلى قصرا جاهلا كصحيحة منصور بن حازم (5) و كذا ما ورد في من جهر في موضع الإخفات و أخفت في موضع الجهر (6) و هذا أيضا أحد ما استثنوه.

____________

(1) في صحيفة 73 سطر 11.

(2) رواها في الوسائل في باب- 17- من أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها من كتاب النكاح.

(3) المروية في الوسائل في باب- 10- من أبواب حد المسكر من كتاب الحدود و التعزيرات.

(4) المروية في الوسائل في باب- 17- من أبواب صلاة المسافر من كتاب الصلاة.

(5) المروية في باب- 17- من أبواب صلاة المسافر من كتاب الصلاة.

(6) رواه في الوسائل في باب- 26- من أبواب القراءة في الصلاة من كتاب الصلاة.

81

و من ذلك ايضا-

ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب التوحيد (1) بسنده عن عبد الأعلى بن أعين: قال: «سألت أبا عبد الله (ع) عمن لا يعرف شيئا هل عليه شيء؟ قال: لا».

و ما رواه في الفقيه و التوحيد (2) في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام): قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):

رفع عن أمتي تسعة، و عد منها ما لا يعلمون».

و مما يؤكد ذلك

ما روي أيضا: «انه ما أخذ الله على الجهال أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء ان يعلموا» رواه في الكافي (3).

و قوله: «ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (4).

و قوله: «ان الله يحتج على العباد بما آتاهم

____________

(1) في باب (التعريف و البيان و الحجة و الهداية) و في الكافي في باب (حجج الله على خلقه) من كتاب التوحيد.

(2) رواه في الفقيه في باب- 14- (من ترك الوضوء أو بعضه أو شك فيه) من الجزء الأول و في التوحيد في باب (التعريف و البيان و الحجة و الهداية).

و في الكافي في باب (ما رفع عن الأمة) من كتاب الايمان و الكفر. و في الوسائل في باب- 30- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة عن الفقيه و الخصال، و في باب- 56- من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه من كتاب الجهاد عن التوحيد و الخصال و الكافي.

(3) في باب (بذل العلم) من كتاب فضل العلم، و هو حديث طلحة بن زيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «قرأت في كتاب على (عليه السلام) ان الله لم يأخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال، لان العلم كان قبل الجهل».

(4) و هو حديث ابى الحسن زكريا بن يحيى عن ابى عبد الله (عليه السلام) رواه الصدوق في كتاب التوحيد في باب (التعريف البيان و الحجة و الهداية) و رواه الكليني في الكافي في باب (حجج الله على خلقه) من كتاب التوحيد، الا ان رواية الكليني ليس فيها كلمة (علمه).

82

و عرفهم» (1).

الى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع.

و يمكن الجمع بين هذه الأخبار بوجوه: (أظهرها) ان يقال: ان الجاهل- كما يطلق على الغافل عن الحكم بالكلية- يطلق ايضا على غير العالم بالحكم و ان كان شاكا أو ظانا، و المفهوم من الأخبار ان الجاهل بالحكم الشرعي على المعنى الثاني غير معذور بل الواجب عليه الفحص و التفتيش عن الأدلة أو السؤال، و مع تعذر الوقوف على الحكم ففرضه التوقف عن الحكم و الفتوى و الوقوف على جادة الاحتياط في العمل، و ان الحكم بالنسبة إليه من الشبهات المشار إليها في

قولهم (عليهم السلام): «حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك» (2).

و على هذا الفرد تحمل الأخبار الدالة على عدم معذورية الجاهل و وجوب التفقه و العلم و السؤال.

و مما يدل- على ان حكم الجاهل بهذا المعنى ما ذكرنا- صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج المتقدمة في سابق هذه المقدمة (3) الواردة في جزاء الصيد كما أشرنا إليه ثمة.

و حسنة بريد (4) الكناسي في من تزوجت في العدة جاهلة، حيث قال

____________

(1) و هو من حديث حمزة بن الطيار عن ابى عبد الله (عليه السلام) الذي رواه الكليني في الكافي في باب (حجج الله على خلقه) من كتاب التوحيد و رواه الصدوق في كتاب التوحيد في باب (التعريف و البيان و الحجة و الهداية).

(2) الوارد في مقبولة عمر بن حنظلة المروية في الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء، و غيرها من الروايات في باب- 12- من تلك الأبواب.

(3) في صحيفة 73 سطر 2.

(4) بالباء الموحدة و الراء المهملة كما عليه نسخ الحدائق المطبوعة و المخطوطة التي وقفنا عليها، و هو من أصحاب الصادق (عليه السلام) على ما نقله صاحب جامع الرواة عن رجال الميرزا محمد، و يحتمل ان يكون بالياء المثناة و الزاي المعجمة، و هو المكنى بأبي خالد، و هو من أصحاب الباقر و الصادق (عليهما السلام) على ما نقله صاحب جامع الرواة عن رجال الميرزا محمد. و نقل عن بعضهم انه مال الى البناء على اتحادهما و ان أبا خالد الكناسي اسمه (بريد) بالباء الموحدة و الراء المهملة لا (يزيد) بالياء المثناة و الزاي المعجمة، و انه من أصحاب الباقر و الصادق (عليهما السلام) و مال صاحب جامع الرواة إلى اتحادهما مع بريد بن معاوية العجلي، لما ذكره في باب الياء من كتابه.

83

الراوي فيها: «قلت: فان كانت تعلم ان عليها عدة و لا تدري كم هي؟ فقال:

إذا علمت ان عليها العدة لزمتها الحجة، فتسأل حتى تعلم» (1).

و هما ظاهرتا الدلالة على ذلك و ان كان موردهما جزئيات الحكم الشرعي.

و أما الجاهل بالمعنى الأول فلا ريب في معذوريته، لان تكليف الغافل الذاهل مما منعت منه الأدلة العقلية و أيدتها الأدلة النقلية، و الى ذلك يشير قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الرحمن المتقدمة في سابق هذه المقدمة (2) الواردة في التزويج في العدة في تعليل ان الجاهل بالتحريم أعذر من الجاهل بكونها في عدة: «و ذلك بأنه لا يقدر على الاحتياط معها» بمعنى انه مع جهله بان الله حرم عليه التزويج في العدة لا يقدر على الاحتياط بالترك، لعدم تصور الحكم بالكلية، بخلاف الظان أو الشاك فإنه يقدر على ذلك لو تعذر عليه العلم و على هذا تحمل الأخبار الأخير الدالة على المعذورية.

و اما ما يفهم من كلام ذلك البعض المشار اليه آنفا (3) من الحكم بصحة صلاة العوام كيف كانت و ان اشتملت على الإخلال بالواجبات، فظني انه على إطلاقه غير تام، فإنه متى قام العذر للجاهل بمجرد جهله و صحت صلاته كصلاة الفقيه بجميع شروطها و واجباتها و وسعه البقاء على جهله، لزم سقوط التكليف. فما الغرض من أمر الشارع بهذه الأحكام و الفصل فيها بين الحلال و الحرام؟ و الى من تتوجه هذه الأوامر؟ و الى من أرسلت

____________

(1) رواها صاحب الوسائل في باب- 27- من أبواب حد الزنا من كتاب الحدود و التعزيرات.

(2) في صحيفة 73 سطر 11.

(3) في صحيفة 78 سطر 2.

84

الرسل و أنزلت الكتب؟ إذا وسع الجاهل البقاء على جهله و صحت جميع أفعاله و أعماله الواقعة كذلك، و في هذا من الشناعة ما لا يلتزمه من له ادنى قدم في التحصيل، و اخبار-

«لا يسع الناس البقاء على الجهالة» (1).

و حديث تفسير قوله سبحانه:

«قُلْ فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ» (2)

و ما روي في حسنة زرارة (3) عنه (صلى الله عليه و آله) حين رأى من يصلي و لم يحسن ركوعه و لا سجوده، من انه قال: «نقر كنقر الغراب، لئن مات هذا و هكذا صلاته ليموتن على غير ديني».

و ما استفاض عنهم (صلوات الله عليهم): «ليس منا من استخف بصلاته».

و في جملة منها

«لا ينال شفاعتنا من استخف بصلاته» (4).

الشامل ذلك بإطلاقه للعالم و الجاهل- مما يرد هذا القول و يبطله.

و القول الفصل في ذلك ان يقال: ان الظاهر ان الحكم في ذلك يختلف باختلاف الناس في أنسهم بالأحكام و التمييز بين الحلال و الحرام و عدمه، و قوة عقولهم و إفهامهم و عدمها. و لكل تكليف يناسب حاله، و يرجع ذلك بالأخرة إلى الجاهل بمعنييه

____________

(1) تقدم بعضها في صحيفة 78 سطر 7. و قد روى في الوسائل في باب- 7- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. كما قد روى حديث الأحول و هو

قوله (عليه السلام): «لا يسع الناس حتى يسألوا و يتفقهوا».

في باب- 9- من الأبواب المذكورة.

(2) في سورة الانعام. آية 151. و هو الحديث الذي

روى في أمالي الشيخ عن المفيد عن ابن قولويه عن الحميري عن أبيه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد قال:

«سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) و قد سئل عن قوله تعالى «قُلْ فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ» فقال: ان الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أ كنت عالما؟ فان قال: نعم.

قال له: أفلا عملت بما علمت؟ و ان قال: كنت جاهلا. قال: أفلا تعلمت حتى تعمل؟ فيخصمه، فتلك الحجة البالغة».

(3) المروية في الوسائل في باب- 3- من أبواب الركوع من كتاب الصلاة.

(4) روى في الوسائل الأخبار المتضمنة لذلك في باب- 6- من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها و ما يناسبها من كتاب الصلاة.

85

المتقدمين (1). و ذلك فان من المعلوم ان سكان الصحاري و الرساتيق ليسوا في الانس بالأحكام و الشرائع، كسكان المدن و الأمصار المشتملة على العلماء و الوعاظ و الجمعات و الجماعات و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و نحو ذلك. و لهذا نهى الشارع عن سكون تلك و ندب الى سكون هذه، لانه بمجرد ذلك يحصل التأدب بالآداب الشرعية، و التخلق بالأخلاق المرضية، و الاطلاع على الأحكام النبوية بمداخلة أبناء النوع و معاشرتهم، بل مجرد رؤيتهم، كما لا يخفى على من تأمل ذلك، و حينئذ فالعامي من سكان الصحاري- مثلا- إذا أخذ العبادة من آبائه و تلقاها من اسلافه على اي وجه كان، معتقدا انها هي العبادة التي أمر بها الشارع و لم يعلم زيادة على ذلك، فالظاهر صحتها.

(أما أولا)- فلأنه جاهل بما سوى ذلك جهلا ساذجا، و توجه الخطاب الى مثله كما قدمنا (2) ممتنع عقلا و نقلا.

و (أما ثانيا)- فلانه قد ورد في الأخبار بالنسبة إلى جاهل الإمامة من المخالفين انهم ممن يرجى لهم الفوز بالنجاة في الآخرة، فإذا كان ذلك حال المخالفين في الإمامة التي هي من أصول الدين فكيف بعوام مذهبنا في الفروع؟ و كذا القول بالنسبة إلى قوة العقل و الفهم و عدمها، فان خطاب كاملي العقول و ثاقبي الأذهان ليس كخطاب غيرهم من البله و الصبيان و النسوان،

و قد ورد عنهم (عليهم السلام): «انما يداق الله العباد على ما وهبهم من العقول» (3).

و «انه سبحانه يحتج على العباد بما آتاهم

____________

(1) في صحيفة 82 سطر 3.

(2) في صحيفة 83 سطر 4.

(3) و هو حديث ابى الجارود عن ابى جعفر (عليه السلام) المروي في الكافي في كتاب العقل و الجهل بالنص الآتي:

«إنما يداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا».

86

و عرفهم» (1).

و ان الايمان درجات فلا ينبغي لصاحب الدرجة العالية أن يبرأ من صاحب الدرجة السافلة و لا يوبخه عليها» (2). و حينئذ فتكليف ضعفة العقول ليس كتكليف كامليها، و مما يؤكد ذلك انه قد ورد في أخبارنا ان المستضعفين من المخالفين ممن يرجى لهم الفوز بالجنة، و ان دل ظاهر الآية الشريفة على انهم من المرجئين لأمر الله، إلا ان ظاهر جملة من الأخبار ان عاقبة أمرهم إلى الجنة، بل قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) على ما نقله عنه السيد نعمة الله الجزائري (رحمه الله) في بعض فوائده: «أن المستضعفين- من الكفار ممن لم تقم عليه الحجة من عوامهم و من بعد عن بلاد الإسلام- ممن يرجى لهم النجاة» قال السيد نعمة الله بعد نقل ذلك عنه:

«و هذا القول و ان لم يوافقه عليه الأكثر إلا انه غير بعيد من تتبع موارد الاخبار» انتهى. و حينئذ فلو أوقع أحد هؤلاء العبادة التي أخذها من آبائه و اسلافه، معتقدا ان هذا هو أقصى ما هو مكلف به. فالظاهر صحتها بالتقريب المتقدم. و اما بالنسبة الى من عدا من ذكرنا فالظاهر ان جهلهم ليس كجهل أولئك حتى يكون موجبا للعذر لهم و مصححا لعباداتهم، فإنه لا أقل ان يكونوا- بمن يصحبونه من المصلين الآتين بالصلاة على وجهها و بجملة حدودها، و يشاهدونه من الملازمين على ذلك في جميع الأوقات و الحالات سيما في المساجد و الجماعات- يحصل لهم الظن الغالب- ان تنزلنا عن دعوى العلم- بان هذه هي الصلاة المأمور بها شرعا، و ان ما نقص عنها و خالفها ان لم يكن معلوم البطلان فلا أقل ان يكون مظنونه أو مشكوكه، و حينئذ فيرجع

____________

(1) و هو من حديث حمزة بن الطيار عن ابى عبد الله (عليه السلام) المروي في الكافي في باب (حجج الله على خلقه) من كتاب التوحيد، و في كتاب التوحيد للصدوق في باب (التعريف و البيان و الحجة و الهداية).

(2) روى الكليني الأخبار المتضمنة لذلك في الكافي في باب (درجات الايمان) و الباب الذي يليه من كتاب الايمان و الكفر.

87

الى الجهل بالمعنى الآخر الموجب للفحص و السؤال و العلم و التفقه، و استحقاق العقوبة على ترك ذلك، و بطلان العمل مع الإخلال بما هنالك، كما يدل عليه

قوله (عليه السلام): «إذا علمت ان عليها العدة لزمتها الحجة فتسأل حتى تعلم» (1).

و ربما يستأنس لذلك ايضا

بقول الصادق (عليه السلام) في آخر حديث عبد الصمد بن بشير (2):

«و اصنع كما يصنع الناس».

و في هذا المقام مباحث شريفة و فوائد لطيفة قد وشحنا بها هذه المسألة في كتاب الدرر النجفية مع بسط في أصل المسألة تشتاقه الطباع و تلذه الأسماع.

المقدمة السادسة في التعارض و الترجيح بين الأدلة الشرعية

و البحث هنا يقع في موارد:

(أحدها)- تعارض الآيتين من الكتاب العزيز، و الواجب- أولا- الفحص و التفتيش من الاخبار في نسخ إحداهما للأخرى و عدمه، فان علم فذاك، و إلا فإن علم التأريخ فالمتأخر ناسخ للسابق، و إلا فإن اشتملت إحداهما على إطلاق أو عموم بحيث يمكن التقييد أو التخصيص حكم به ايضا، و إلا فالواجب التوقف و الاحتياط ان أمكن. و إلا فاختيار إحداهما من باب التسليم.

و (ثانيها)- تعارض الآية و الرواية. و الذي ذكره بعض أصحابنا انه ان كانت إحداهما مطلقة أو عامة، وجب تقييدها بالأخرى، و إلا فالاحتياط ان لم يمكن الجمع بينهما بحيث يحصل الظن القوي بالمراد و لو بحسب القرائن الخارجة. و نقل

____________

(1) في حسنة بريد الكناسي المتقدمة في صحيفة 82 سطر 12.

(2) المتقدم في صحيفة 79 سطر 7.

88

- عن جملة من أصحابنا: منهم- السيد المرتضى و الشيخ (عطر الله مرقديهما)- المنع من تخصيص القرآن بخبر الواحد.

و نقل الاحتجاج على ذلك بان القرآن قطعي و خبر الواحد ظني، و الظني لا يعارض القطعي.

ورد (أولا)- بأن التخصيص إنما هو في الدلالة، و قطعية المتن غير مجدية، لأن الدلالة ظنية. و (ثانيا)- بمنع ظنية خبر الواحد، بل هو أيضا قطعي من جهة الدلالة.

و الأظهر الاستدلال على ذلك بالأخبار المستفيضة الدالة على ان

«كل خبر لا يوافق القرآن فهو زخرف،.

و ان كل شيء مردود الى الكتاب و السنة،.

و انه إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من قول الله عز و جل أو من قول رسول الله (صلى الله عليه و آله) و إلا فالذي جاءكم اولى به» (1).

الى غير ذلك مما يدل على طرح ما خالف القرآن، إلا ان هذه الأخبار معارضة بما هو أكثر عددا و أوضح سندا و أظهر دلالة من الأخبار الدالة على تخصيص عمومات الآيات القرآنية و تقييد مطلقاتها في غير موضع من أبواب الفقه، و قول كافة الأصحاب أو جمهورهم بذلك، مع اعتضاد تلك الآيات في جملة من المواضع المذكورة بأخبار أخر أيضا دالة على ما دلت عليه تلك الآيات من إطلاق أو عموم.

و التحقيق في المقام ان يقال: ينبغي ان يحمل كلام السيد و الشيخ (قدس سرهما) على خبر الواحد الذي يمنعان حجيته في الأحكام الشرعية، و هو ما لم يكن من طريقنا أو لم تشتمل عليه أصولنا كما تقدمت الإشارة الى ذلك في المقدمة الخامسة (2)، لتصريحهما

____________

(1) روى صاحب الوسائل هذه الاخبار في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(2) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة و المخطوطة و قد تقدمت الإشارة الى ذلك في المقدمة الرابعة في صحيفة 67 سطر 7.

89

بصحة أخبارنا المذكورة و ثبوت تواترها عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام).

و اما الاختلاف الواقع بين الاخبار المذكورة فيمكن دفعه بالجمع بينها بأحد وجوه:

(أحدها)- حمل الأخبار الدالة على المنع من التخصيص على التخصيص بما ورد من طريق العامة، أو كان خارجا عن أخبار الأصول التي عليها المدار بين الشيعة الأبرار، أو كان مخالفا لعمل الطائفة المحقة قديما و حديثا، و نحو ذلك.

(الثاني)- حمل المخالفة في تلك الأخبار على ما إذا كان مضمون الخبر مبطلا لحكم القرآن بالكلية. و التقييد و التخصيص بيان لا مخالفة.

(الثالث)- حمل المخالفة على مخالفة محكم الكتاب و نصوصه.

(الرابع)- ان المراد بطلان الخبر المخالف للقرآن إذا علم تفسير القرآن بالأثر عن أهل العصمة (صلوات الله عليهم) إذ لا شك في بطلان المخصص إذا كان ارادة العموم من القرآن معلوما بالنص. نعم ربما ورد في الاخبار ما يطابق تلك الآيات في الإطلاق أو العموم الا انه ليس مما نحن فيه في شيء (1).

و (ثالثها)- تعارض الخبرين المعلومي الورود عنهم (عليهم السلام) و قد ذكر جملة من الأصحاب انه ان أمكن الجمع بين الدليلين و لو بتأويل بعيد فهو أولى من طرح أحدهما. و يرد على ذلك ان هذا مما لا يتمشى في أخبارنا. لورود الكثير منها على جهة التقية التي هي على خلاف الحكم الشرعي واقعا، إذ التقية كما قد عرفت

____________

(1) لان الكلام فيما إذا وردت تلك الأخبار مفسرة للآية فيما دل عليه ظاهرها من العموم أو الإطلاق أو نحوهما، و اما ورودها موافقة لها في الجملة من غير ان تكون على جهة التفسير لها فيرتكب في الجمع بين الآية و الأخبار أو بين الاخبار بعضها مع بعض كما أشرنا إليه سابقا من ان أكثر علمائنا بل كلهم في جملة من المواضع عملوا على ذلك كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى في جملة من المسائل الآتية في أبواب الكتاب (منه (قدس سره).

90

في المقدمة الأولى أصل الاختلاف في أخبارنا، فكيف يتمحل الجمع بينها و بين ما هو خلافها واقعا؟ نعم إنما يتمشى ذلك على قواعد العامة، لعدم ورود حديث عندهم على جهة التقية. و الظاهر ان من صرح بذلك من أصحابنا إنما أخذه من كلامهم غفلة عن تحقيق الحال و ما يلزمه من الاشكال.

(لا يقال): ان الشيخ (رحمه الله) تعالى) في كتابي الأخبار هو أصل هذه الطريقة و محقق هذه الحقيقة، حيث انه جمع بين الأخبار لقصد رفع التنافي بينها بوجوه عديدة، و ان كانت بعيدة بل جملة منها غير سديدة، رعاية لهذه القاعدة و طلبا لهذه الفائدة.

(لأنا نقول): نعم قد فعل الشيخ ذلك لكن ليس لرعاية هذه القاعدة- كما يتوهم- بل السبب الحامل له على ذلك هو ما أشار إليه (قدس سره) في أول كتاب التهذيب، من أن بعضا من الشيعة قد رجع عن مذهب الحق لما وجد الاختلاف في الأخبار، فقصد (قدس سره) إزاحة هذه الشبهة عن ضعفة العقول و من ليس له قدم راسخ في المعقول و المنقول، و ارتكب الجمع و لو بالوجوه البعيدة و أكثر من الاحتمالات. كل ذلك لدفع تلك الشبهة. و بهذا يندفع عنه ما أورده المتأخرون في جمل من مواضع الجمع بين الأخبار بالبعد أو الفساد، فان مثله (قدس سره)- ممن لا يشق غباره و لا يدفع اشتهاره- لا يخفى عليه ما اهتدى إليه أولئك الأقوام و ما أوردوه عليه في كل مقام، لكنهم من قبيل ما يقال: «أساء سمعا فأساء اجابة» و قد ذكر علماء الأصول من وجوه الترجيحات في هذا المقام بما لا يرجع أكثره الى محصول. و المعتمد عندنا على ما ورد من أهل بيت الرسول، من الأخبار المشتملة على وجوه الترجيحات، إلا انها بعد لا تخلو من شوب الاشكال، فلا بد من بسط جملة منها في هذا المجال، و الكلام فيها بما يكشف نقاب الإجمال و ينجلي به غياهب الاشكال.

91

فنقول: مما ورد في ذلك

ما رواه المشايخ الثلاثة (1) (عطر الله تعالى مراقدهم) بأسانيدهم عن عمر بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام) و فيها: «فان كان كل رجل اختار رجلا من أصحابنا فرضيا ان يكونا الناظرين في حقهما، و اختلفا فيما حكما، و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وافقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت الى ما يحكم به الآخر. قال: قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر. قال: فقال: ينظر الى ما كان- من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به- المجمع عليه من أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه. و انما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع. و أمر بين غيه فيجتنب. و أمر مشكل يرد علمه الى الله و الى رسوله. قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):

«حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم. قلت: فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر، فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنة و وافق العامة. قلت: جعلت فداك أ رأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنة و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة و الآخر مخالفا لهم، بأي الخبرين يؤخذ؟

قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد. قلت: جعلت فداك فان وافقهم الخبران

____________

(1) رواه الكليني في الكافي في باب (اختلاف الحديث) من كتاب فضل العلم و رواه الصدوق في الفقيه في باب- 9- (الاتفاق على عدلين في الحكومة) من الجزء الثالث.

و رواه الشيخ في التهذيب في باب (الزيادات في القضاء و الأحكام) من كتاب القضاء.

و رواه صاحب الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

92

جميعا؟ قال: ينظر الى ما هم إليه أميل حكامهم و قضاتهم، فيترك و يؤخذ بالآخر.

قلت: فان وافق حكامهم الخبرين جميعا؟ قال: إذا كان ذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات».

و من ذلك-

ما رواه الأئمة الثلاثة (1) (نور الله مراقدهم) بأسانيدهم عن داود ابن الحصين عن ابي عبد الله (عليه السلام): «في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينها فيه خلاف فرضيا بالعدلين، و اختلف العدلان بينهما، عن قول أيهما يمضي الحكم؟ فقال: ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفذ حكمه و لا يلتفت الى الآخر».

و منه-

ما رواه الثقة الجليل احمد بن علي بن ابي طالب الطبرسي (قدس سره) في كتاب الاحتجاج (2) عن سماعة بن مهران قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) قلت: يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالعمل به و الآخر ينهانا عن العمل به؟

قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تأتي صاحبك فتسأله عنه. قال: قلت: لا بد أن يعمل بأحدهما. قال: اعمل بما فيه خلاف العامة».

و منه-

ما رواه في الكتاب المذكور (3) عن الحسن بن الجهم عن الرضا

____________

(1) رواه الصدوق في الفقيه في باب- 9- (الاتفاق على عدلين في الحكومة) من الجزء الثالث. و رواه الشيخ في التهذيب في باب (الزيادات في القضاء و الأحكام) من كتاب القضاء. و لم نجده في الكافي في الموضع المناسب له. و رواه صاحب الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء عن الفقيه و التهذيب فقط. و رواه صاحب الوافي عنهما فقط أيضا في باب (من لا يجوز التحاكم اليه و من يجوز) من أبواب القضاء و الشهادات من الجزء التاسع.

(2) في احتجاج ابى عبد الله الصادق في الصحيفة 185 طبع إيران سنة 1302. و

رواه في الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(3) في الموضع المتقدم، و في الوسائل أيضا كذلك.

93

(عليه السلام) قال: «قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ قال ما جاءك عنا فقسه على كتاب الله عز و جل و أحاديثنا. فإن كان يشبههما فهو منا، و ان لم يكن يشبههما فليس منا. قلت: يجيئنا الرجلان- و كلاهما ثقة- بحديثين مختلفين فلا نعلم أيهما الحق؟ فقال: إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت».

و منه-

ما رواه الشيخ محمد بن علي بن ابي جمهور الأحسائي في كتاب عوالي اللئالي (1) عن العلامة مرفوعا عن زرارة بن أعين: قال: «سألت الباقر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران و الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ؟ فقال:

يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذ النادر. فقلت: يا سيدي انهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم؟ فقال (عليه السلام): خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك. فقلت: انهما معا عدلان مرضيان موثقان؟ فقال: انظر ما وافق منهما العامة فاتركه و خذ ما خالفه، فان الحق فيما خالفهم. فقلت: ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين فكيف اصنع؟ فقال: اذن فخذ ما فيه الحائطة لدينك و اترك الآخر. فقلت: انهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع؟ فقال:

اذن فتخير أحدهما فتأخذ به و تدع الآخر» قال في الكتاب المذكور بعد نقل هذه الرواية: و في رواية انه (عليه السلام) قال: «اذن فأرجئه حتى تلقى إمامك فتسأله».

و منه-

ما رواه في الكافي (2) في الموثق عن سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه و الآخر ينهاه عنه كيف يصنع؟ قال: يرجئه حتى يلقى

____________

(1) و رواه صاحب المستدرك في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(2) في باب (اختلاف الحديث) من كتاب فضل العلم، و رواه صاحب الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

94

من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه» قال في الكافي بعد نقل هذه الرواية: و في رواية أخرى: «بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك».

و منه-

ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كتاب عيون اخبار الرضا (عليه السلام) (1) بسنده عن احمد بن الحسن الميثمي: انه «سئل الرضا (عليه السلام) يوما و قد اجتمع عنده قوم من أصحابه، و قد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) في الشيء الواحد، فقال (عليه السلام): ما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا ما وافق الكتاب، و ما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن النبي (صلى الله عليه و آله) فما كان في السنة موجودا منهيا عنه نهي حرام أو مأمورا به عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمر إلزام، فاتبعوا ما وافق نهي رسول الله (صلى الله عليه و آله) و امره، و ما كان في السنة نهي إعافة أو كراهة ثم كان الخبر الآخر خلافه، فذلك رخصة فيما عافه رسول الله (صلى الله عليه و آله) و كرهه و لم يحرمه، فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعا، أو بأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم و الاتباع و الرد الى رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و ما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوا إلينا علمه فنحن أولى بذلك و لا تقولوا فيه بآرائكم، و عليكم بالكف و التثبت و الوقوف- و أنتم طالبون باحثون- حتى يأتيكم البيان من عندنا».

و منه-

ما رواه الشيخ السعيد قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي في رسالته المعمولة في بيان أحوال أحاديث أصحابنا و صحتها (2) بإسناده عن الصدوق ابي جعفر محمد بن علي بن بابويه في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله قال: «قال

____________

(1) في الاخبار المنثورة عن الرضا (عليه السلام) في الصحيفة 191 طبع إيران سنة 1318، و رواه صاحب الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(2) و في الوسائل في الموضع المتقدم.

95

الصادق (عليه السلام): إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه و ما خالف كتاب الله فذروه، فان لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه و ما خالف أخبارهم فخذوه».

و منه-

ما رواه في الرسالة المذكورة عن ابن بابويه بسنده عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا ما خالف القوم».

و روى فيها بهذا النحو أخبارا عديدة متفقة المضمون على الترجيح بالعرض على مذهب العامة و الأخذ بخلافه.

و منه-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار (2) قال: «قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد الى ابي الحسن (عليه السلام): اختلف أصحابنا في رواياتهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر: فروى بعضهم ان صلهما في المحمل و روى بعضهم ان لا تصلهما إلا على الأرض. فأعلمني كيف تصنع أنت لأقتدي بك في ذلك؟ فوقع (عليه السلام): موسع عليك بآية عملت».

و منه-

ما رواه في كتاب الاحتجاج في جواب مكاتبة محمد بن عبد الله الحميري الى صاحب الزمان (عليه السلام) (3) «يسألني بعض الفقهاء عن المصلي إذا قام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة، هل يجب عليه ان يكبر؟ فان بعض أصحابنا قال: لا يجب عليه التكبير و يجزيه ان يقول بحول الله و قوته أقوم و أقعد. الجواب:

____________

(1) و رواه صاحب الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(2) في صلاة المسافر من كتاب القضاء من التهذيب، و رواه صاحب الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(3) في الصحيفة (247) طبع إيران سنة 1302. و رواه صاحب الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضي به من كتاب القضاء.

96

في ذلك حديثان، أما أحدهما فإنه إذا انتقل من حالة الى أخرى فعليه التكبير.

و اما الحديث الآخر فإنه روي انه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية و كبر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير، و كذلك التشهد الأول يجري هذا المجرى.

و بأيهما أخذت من باب التسليم كان صوابا».

و منه-

ما رواه في الكتاب المذكور عن الحرث بن المغيرة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا سمعت من أصحابك الحديث و كلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترد اليه».

و منه-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي (2) بسنده عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «أ رأيتك لو حدثتك بحديث- العام- ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه، بأيهما كنت تأخذ؟ قال: قلت: كنت آخذ بالأخير. فقال لي: رحمك الله».

و منه-

ما رواه في الكتاب المذكور ايضا (3) بسنده عن المعلى بن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إذا جاء حديث عن أولكم و حديث عن آخركم بأيهما نأخذ؟ قال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحي فإن بلغكم عن الحي فخذوا بقوله. قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام):

إنا و الله لا ندخلكم إلا فيما يسعكم» قال في الكافي بعد نقل هذا الخبر: و في حديث آخر: «خذوا بالأحدث».

____________

(1) في احتجاج ابى عبد الله الصادق (عليه السلام) في الصحيفة 185 طبع إيران سنة 1302. و رواه صاحب الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(2) في باب (اختلاف الحديث) من كتاب فضل العلم، و رواه صاحب الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(3) في الموضع المتقدم و في الوسائل أيضا كذلك.

97

إذا عرفت ذلك فتحقيق الكلام في هذه الأخبار يقع في مواضع:

(الأول)- لا يخفى أن مقبولة عمر بن حنظلة (1) و مرفوعة زرارة (2) قد اشتملتا على الترجيح بأعدلية الراوي و افقهيته، و هذا الطريق من طرق الترجيح لم يتعرض له ثقة الإسلام في ديباجة الكافي في ضمن نقله طرق الترجيحات، و إنما ذكر الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة و الأخذ بالمجمع عليه، و لعل الوجه فيه ما ذكره بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) من انه لما كانت أحاديث كتابة كلها صحيحة عنده- كما صرح به في غير موضع من ديباجة كتابه- فلا وجه للترجيح بعدالة الراوي.

و يحتمل ايضا أن يقال: ان في الترجيح بأحد تلك الوجوه الثلاثة غنية عن الترجيح بعدالة الراوي كما سيأتي تحقيقه. و يؤيد ذلك خلو ما عدا الخبرين المذكورين و رواية داود ابن الحصين (3) من الأخبار الواردة في هذا المضمار عن عد ذلك في جملة المرجحات.

و يؤيده أيضا

ما رواه في الكافي (4) عن ابن ابي يعفور قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث: يرويه من نثق به و منهم من لا نثق به قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله (صلى الله عليه و آله) و إلا فالذي جاءكم به اولى به».

فإنه (عليه السلام) لم يرجح بالوثاقة و لم يقل اعمل بما تثق به دون ما لا تثق به مع كون السؤال عن الاختلاف الناشئ عن رواية الثقة و غير الثقة.

(الثاني)- انه قد اشتملت مقبولة عمر بن حنظلة و مرفوعة زرارة على جملة الطرق الواردة في الترجيح، لكنهما قد اختلفتا في الترتيب بين تلك الطرق، فاشتملت الاولى منهما على الترجيح بالأعدلية و الافقهية ثم بالمجمع عليه ثم بموافقة الكتاب

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 91.

(2) المتقدمة في الصحيفة 93 السطر 5،.

(3) المتقدمة في الصحيفة 92 السطر 4.

(4) في باب (الأخذ بالسنة و شواهد الكتاب) من كتاب فضل العلم.

98

ثم بمخالفة العامة، و الثانية منهما قد اشتملت على الترجيح بالشهرة أولا ثم بالأعدلية و الأوثقية ثم بمخالفة العامة ثم بالأحوطية، و لم يذكر فيها الترجيح بموافقة القرآن، كما لم يذكر في الأولى الترجيح بالأحوطية.

و يمكن الجواب (أولا) بأن يقال: ان الترتيب غير منظور فيهما، لأنه في الحقيقة انما وقع في كلام السائل لا في كلامه (عليه السلام) و غاية ما يفهم من كلامه (عليه السلام) هو الترتيب الذكري. و هو لا يستدعي الترتيب في وقوع الترجيح، و حينئذ فأي طريق اتفق من هذه الطرق عمل عليه، و بذلك يندفع ما قيل: ان مقتضى مقبولة عمر بن حنظلة (1)- حيث قدم فيها الترجيح بالأعدلية و الأوثقية- انه لا يصار الى غير الطريق المذكور إلا مع تعذر الترجيح به، و هكذا باقي الطرق.

(لا يقال): يلزم الاشكال لو تعارضت الطرق المذكورة: بأن كان أحد الخبرين مجمعا عليه مع موافقته للعامة و الآخر غير مجمع عليه مع مخالفته لهم، أو أحدهما موافقا للكتاب مع موافقته للعامة و الآخر مخالفا للعامة و للكتاب.

(لأنا نقول): غاية ما يلزم من ذلك خلو الروايتين المذكورتين عن حكم ذلك، و المدعى إنما هو عدم دلالتهما على الترتيب في هذه الطرق لا الدلالة على عدم الترتيب واقعا أو الدلالة عليه. على انا نقول: انه مع القول بعدم المخالفة بين الاخبار و القرآن إذا كانت مخصصة له كما أسلفنا بيانه (2)، فلا نسلم وجود هذه الفروض المذكورة في أخبارنا المعمول عليها عندنا، كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار و تصفح الأخبار بعين الاعتبار، و مع إمكان وجود ذلك فيمكن ايضا القول بأنه متى تعارض طريقان من الطرق المذكورة. يصار الى الترجيح بغيرهما إن أمكن، أو بهما مع اعتضاد أحدهما بمرجح آخر من تلك الطرق ان وجد، و إلا صير الى التوقف و الإرجاء أو التخيير.

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 91.

(2) في الصحيفة 89 السطر 7.

99

و يمكن أن يقال أيضا في الجواب (ثانيا) عن اختلاف الخبرين المذكورين في الترتيب بين الطرق: بأنه لا يبعد ترجيح العمل بما تضمنته مقبولة عمر بن حنظلة (1)، لاعتضادها بنقل الأئمة الثلاثة (رضوان الله عليهم) و تلقي الأصحاب لها بالقبول حتى انه اتفقت كلمتهم على التعبير عنها بهذا اللفظ الذي كررنا ذكره، و اطباقهم على العمل بما تضمنته من الأحكام. بخلاف الرواية الأخرى، فإنا لم نقف عليها في غير كتاب عوالي اللئالي، مع ما هي عليه من الرفع و الإرسال، و ما عليه الكتاب المذكور من نسبة صاحبه الى التساهل في نقل الاخبار و الإهمال و خلط غثها بسمينها و صحيحها بسقيمها كما لا يخفى على من وقف على الكتاب المذكور.

(الثالث)- انه قد دلت مقبولة عمر بن حنظلة (2) على الإرجاء و التوقف بعد التساوي في طرق الترجيحات المذكورة. و مرفوعة زرارة (3) على التخيير في العمل بأحدهما بعد ذلك، و بعض الاخبار قد دل على التوقف و الإرجاء من غير ذكر شيء من الطرق قبل ذلك. و بعض آخر قد دل على التخيير كذلك. و لعل الأخيرين (4) محمولان على عدم إمكان الترجيح بتلك الطرق، لاستفاضة الأخبار بالترجيح سيما بالقرآن و مخالفة العامة أولا، بل العمل بهما و ان لم يكن ثمة مخالف من الأخبار، الا ان خبر سماعة- المنقول عن كتاب الاحتجاج (5)- ينافي ذلك، و لعله محمول على إمكان الوصول الى الامام (عليه السلام) و إمكان التأخير، إذ الترجيح بهذه الطرق فرع تعذر الوصول اليه (عليه السلام) بغير مشقة (6) و قد اختلفت كلمة أصحابنا (رضوان الله عليهم)

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 91.

(2) المتقدمة في الصحيفة 91.

(3) المتقدمة في الصحيفة 93 السطر 5.

(4) و هو البعض الدال على التوقف و الإرجاء من غير ذكر شيء من الطرق قبل ذلك و البعض الدال على التخيير كذلك (منه (قدس سره).

(5) في الصحيفة 92 السطر 9.

(6) و الا فلو كان في بلده (عليه السلام) أو قريبا بحيث يمكنه الأخذ منه فالظاهر انه لا يسوغ له الترجيح بتلك الطرق، و كذا لو لم يكن في بلده و أمكن التأخير إلى مراجعته و رؤيته فالظاهر انه لا يسوغ الترجيح بها ايضا (منه (رحمه الله).

100

عليهم) في وجه الجمع بين خبري الإرجاء و التسليم على وجوه:

(فمنها)- حمل خبر الإرجاء على الفتوى و حمل خبر التخيير على العمل، بمعنى انه لا يجوز للفقيه- و الحال كذلك- الفتوى و الحكم و ان جاز له العمل بأيهما شاء من باب التسليم. و به صرح جملة من مشايخنا المتأخرين، و استدل بعضهم على ذلك بصحيحة علي بن مهزيار و مكاتبة الحميري المتقدمتين (1) و ظني انهما ليستا من ذلك الباب، إذ الظاهر من الأخبار ان التخيير في العمل من باب الرد و التسليم إنما هو مع تعذر رد الحكم لهم (عليهم السلام) و تساوي الخبرين في طرق الترجيح، فالحكم حينئذ فيه التخيير في العمل خروجا من الحيرة و دفعا للحرج و الضرورة، كما ينادي به كلام ثقة الإسلام الآتي نقله (2). فهو من قبيل الرخص الواردة عنهم (عليهم السلام) في مقام الضرورة كالعمل بالتقية و نحوه، و اما مع رد الحكم للإمام (عليه السلام) و امره بالتخيير فالظاهر ان الحكم الشرعي في ذلك هو التخيير، و هو أحد الوجوه التي يجمع بها بين الأخبار إذا ظهر له مستند منها. و الأمر هنا كذلك.

و (منها)- حمل الإرجاء على زمن وجوده (عليه السلام) و إمكان الرد اليه، و حمل التخيير على زمان الغيبة و عدم إمكان الوصول اليه. و به صرح الثقة الجليل احمد بن علي بن ابي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج (3) و فيه ان ذلك يتم بالنسبة

____________

(1) في الصحيفة 95 السطر 8 و 13.

(2) في هذه المقدمة في الموضع الخامس.

(3) قال (قدس سره) في الكتاب المذكور بعد نقل مقبولة عمر بن حنظلة: «و اما قوله (عليه السلام) للسائل-: ارجه وقف عنده حتى تلقى إمامك- أمر بذلك عند تمكنه من الوصول الى الامام، فاما إذا كان غائبا و لا يتمكن من الوصول اليه و الأصحاب كلهم مجمعون على الخبرين و لم يكن هناك رجحان لرواة أحدهما على رواة الآخر بالكثرة و العدالة، كان الحكم بهما من باب التخيير» ثم استدل برواية الحسن بن الجهم و رواية الحرث بن المغيرة المتقدمتين (منه (رحمه الله).

101

الى الأخبار المشتملة على الإرجاء و التخيير الخالية عن طرق الترجيح. و اما الاخبار المشتملة عليها- كمقبولة عمر بن حنظلة (1) و مرفوعة زرارة (2) المجعول فيهما الإرجاء و التخيير بعد تعذر الترجيح بتلك الطرق- فيشكل بان الظاهر أن الترجيح بتلك الطرق إنما يصار اليه عند تعذر الوصول إليهم (عليهم السلام) فكيف يحمل الإرجاء في هذه الحال على إمكان الوصول؟ إلا ان يحمل على ذوي الأطراف البعيدة المستلزم الوصول فيها المشقة فيعمل على تلك المرجحات، و مع عدم إمكان الترجيح بها يقف عن الحكم و العمل حتى يصل للإمام (عليه السلام)، و ربما يفهم ذلك من مرفوعة زرارة (3)، لأمره (عليه السلام) له بذلك. فإنه دال بإطلاقه على ما هنالك.

(و منها)- حمل اخبار التخيير على العبادات المحضة كالصلاة، و حمل أخبار الإرجاء على غيرها من حقوق الآدميين من دين أو ميراث على جماعة مخصوصين أو فرج أو زكاة أو خمس، فيجب التوقف عن الأفعال الوجودية المبنية على تعيين أحد الطرفين بعينه. ذهب اليه المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) في كتاب الفوائد المدنية، و الظاهر ان وجهه اشتمال مقبولة عمر بن حنظلة (4) الدالة على الإرجاء على كون متعلق الاختلاف حقوق الناس. و فيه ان تقييد إطلاق جملة الأخبار الواردة بذلك لا يخلو من إشكال، فإنها ليست نصا في التخصيص بل و لا ظاهرة فيه حتى يمكن ارتكاب التخصيص بها.

و (منها)- حمل خبر الإرجاء على ما لم يضطر الى العمل بأحدهما. و التخيير على حال الاضطرار و الحاجة الى العمل بأحدهما. ذهب اليه الفاضل ابن ابي جمهور

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 91.

(2) المتقدمة في الصحيفة 93 السطر- 5.

(3) المتقدمة في الصحيفة 93 السطر- 5.

(4) المتقدمة في الصحيفة 91.

102

في كتاب عوالي اللئالي، و ظاهره حمل كل من خبري الإرجاء و التخيير على العمل خاصة أعم من أن يكون في زمن الغيبة أو عدم إمكان الوصول أولا. و هذا الإطلاق مشكل، لان الظاهر انه مع الحضور و إمكان الوصول لا يسوغ التخيير بل يجب الإرجاء حتى يسأل.

و (منها)- حمل الإرجاء على الاستحباب، و التخيير على الجواز. نقله المحدث السيد نعمة الله عن شيخه المجلسي (قدس سرهما) (1) و ظني بعده.

و (منها)- ما يفهم من خبر الميثمي المتقدم نقله عن كتاب عيون الاخبار (2) من تخصيص التخيير في العمل بما كان النهي فيه نهي اعافة لا نهي تحريم ثم كان الخبر الآخر خلافه فإنه رخصة، و الإرجاء و التوقف على غير ذلك. و الظاهر انه لا يطرد كليا، لما عرفت من عموم خبري (3) عمر بن حنظلة و زرارة و نحوهما من الأخبار.

و (منها)- حمل الإرجاء على النهي عن الترجيح و العمل بالرأي، و حمل التخيير على الأخذ من باب التسليم و الرد إليهم (عليهم السلام) لا إلى الرأي و الترجيح بما يوافق الهوى كما هو قول أبي حنيفة و أضرابه. و هذا الوجه نقله بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) احتمالا ايضا. و الظاهر بعده.

و (منها)- حمل خبر الإرجاء على حكم غير المتناقضين و حمل خبر التخيير على المتناقضين. نقله بعض شراح الأصول عن بعض الأفاضل. و فيه ان موثقة سماعة المتقدمة (4) عن الكافي موردها في المتناقضين مع انه حكم فيها بالإرجاء، و حكم

____________

(1) الذي وقفت عليه- من كلام شيخنا المجلسي في كتاب البحار- انه ذكر هذا الوجه احتمالا لا اختيارا كما يشعر به كلام السيد المذكور، و قد استظهر في كتاب البحار الوجه المنقول عن الاحتجاج، و لعل السيد (قدس سره) سمع ذلك منه مشافهة (منه (قدس سره).

(2) في الصحيفة 94 السطر 3.

(3) المتقدمين في الصحيفة 91 و الصحيفة 93 السطر- 5.

(4) في الصحيفة 93 السطر 16.

103

في الرواية المرسلة التي بعدها (1) بالتخيير، و المورد واحد، و روايته المنقولة عن الاحتجاج (2) ايضا موردها المتناقضان مع انه حكم فيها بالإرجاء.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه يمكن ترجيح الوجه الأول

بقوله (عليه السلام) في حديث الميثمي (3): «فردوا علمه إلينا و لا تقولوا فيه بآرائكم».

فإن ظاهره المنع عن الإفتاء و الحكم خاصة، و لا ينافيه التخيير في الفعل تسليما لهم (عليهم السلام) و عليه يدل ظاهر رواية الحرث بن المغيرة (4) فإن ظاهرها انه متى كان نقلة الحديث كلهم ثقات فموسع عليك في العمل بقول كل منهم حتى ترى القائم فترد اليه الحكم و الفتوى في ذلك، و إلا فلا معنى للسعة المذكورة سيما لو كان الفرض إلجاء الحاجة الى العمل بأحدهما بل هو ضيق، و مثلها

موثقة سماعة (5) فإن ظاهر قوله: «فهو في سعة حتى يلقاه».

مفرعا على الإرجاء المشعر ذلك باختلاف متعلقيهما أن السعة إنما هي باعتبار التخيير بين الفعل و عدمه و الإرجاء باعتبار الحكم خاصة. إلا ان هذه الرواية محتملة لاحتمال آخر ايضا.

و عندي ان مرجع كل من الوجه الأول و الثاني عند التأمل و التحقيق بالنظر الدقيق إلى أمر واحد. و ذلك فان حمل الإرجاء على الفتوى و التخيير على العمل (6)-

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 94 السطر 1.

(2) المتقدمة في الصحيفة 92 السطر 9.

(3) المتقدم في الصحيفة 94 السطر 3.

(4) المتقدمة في الصحيفة 96 السطر 5.

(5) المتقدمة في الصحيفة 93 السطر 16.

(6) إذ الفرض ان الخبرين متناقضان، أحدهما يأمر و الآخر ينهى، و متعلق الأمر و النهى شيء واحد، فارجاء العمل بكل منهما مما لا سبيل اليه كما تقتضيه قضية التناقض بل لا بد من وقوع أحدهما فلا يمكن حينئذ تعلق الإرجاء بالنسبة إلى العمل بهما معا.

و اما الاحتمال المذكور في موثقة سماعة فهو ان الإرجاء بترك الفعل لا بترك الخبرين معا بناء على ان المستفاد من بعض الاخبار- كما تقدم- انه متى تردد الفعل بين الوجوب و التحريم فالاحتياط في الترك و ان كان الواجب واقعا هو الفعل، و رواية سماعة الأولى ظاهرة في هذا المعنى (منه (رحمه الله).

104

كما هو الوجه الأول- لا يكون إلا مع غيبة الإمام (عليه السلام) أو عدم إمكان الوصول إليه، إذ الظاهر انه متى أمكن الوصول اليه و استعلام الحكم منه فإنه يتحتم الإرجاء في الفتوى و العمل تحصيلا للحكم بطريق العلم و اليقين كما هو الطريق الواضح المستبين، اما مع عدم إمكان الترجيح بما تقدمهما من الطرق أو مع الإمكان على التفصيل المتقدم آنفا (1) و الى ذلك يشير خبر سماعة المنقول عن الاحتجاج (2) و حمل الإرجاء على زمن وجود الامام (عليه السلام) و إمكان الرد اليه و التخيير على ما عدا ذلك- كما هو الوجه الثاني- مراد به الإرجاء في الفتوى و الفعل لما عرفت، و التخيير على الوجه المذكور (3) مراد به التخيير في الفعل خاصة، إذ لا مجال لاعتبار التخيير في الحكم الشرعي و الفتوى به، لاستفاضة الآيات و الأخبار بالمنع من الحكم و الفتوى بغير علم، و ان الحكم الشرعي في كل مسألة واحد يصيبه من يصيبه و يخطيه من يخطيه لا تعدد فيه، و هذا مما ينافي التخيير في الفتوى، و حينئذ فيرجع الى التخيير في الفعل

____________

(1) و هو قوله في صدر الموضع الثالث: و لعله محمول. إلخ، فإنه يدل على انه مع إمكان الوصول يجب التوقف في الفتوى و العمل ان أمكن التأخير، و الا فلو لم يمكن بان ألجأت الضرورة إلى العمل بأحدهما من غير احتمال للتأخير إلى مراجعته (عليه السلام) فإنه يسوغ الترجيح بتلك المرجحات المنصوصة (منه (رحمه الله).

(2) حيث نهى (عليه السلام) عن العمل بواحد منهما حتى يلقى صاحبه يعني الإمام (عليه السلام) فلما قال له السائل: لا بد من العمل بأحدهما. أمره بما فيه خلاف العامة مع استفاضة الأخبار بالعرض على مذهب العامة أولا قبل الإرجاء، فإنه ظاهر في انه مع إمكان الرجوع أولا إليه (عليه السلام) لا مرجح بمخالفة مذهب العامة و لا غيره، و يؤيده انه لعل الحكم هو العمل بما عليه العامة يومئذ (منه (رحمه الله).

(3) مع عدم إمكان الوصول اما لغيبة أو لمانع من الوصول اليه «منه (رحمه الله)».

105

خاصة، و بذلك يجتمع الوجهان المذكوران على أحسن التئام و انتظام و ان غفلت عنه جملة مشايخنا العظام، و لعل هذا الوجه حينئذ هو أقرب الوجوه المذكورة (1).

و كيف كان فتعدد هذه الاحتمالات مما يدخل الحكم المذكور في حيز المتشابهات التي يجب الوقوف فيها على جادة الاحتياط، فإنه أحد مواضعه كما قدمنا تحقيقه و أوضحنا طريقه (2).

(الرابع)- يستفاد من الروايات الأخيرة (3) ان من جملة الطرق المرجحة عند التعارض الأخذ بالأخير، و لم أقف على من عد ذلك في طرق الترجيحات فضلا عمن عمل عليه غير الصدوق (طاب ثراه) في الفقيه في باب (الرجل يوصي

____________

(1) و يؤيد ما ذكرنا في هذا المقام ما وقفت عليه في كلام بعض الاعلام من متأخري مشايخنا الكرام، حيث قال- بعد تقديم كلام يتعلق بالبحث المذكور- ما لفظه: «و بالجملة فإنه ربما كان في الجمع بين الإرجاء و التوسعة- كما في موثقة سماعة، و بينها و بين الرد كما في رواية الحرث، مفرعا أحدهما على الآخر و معقبا به حتى كأنه تفصيل و بيان لإجماله- اشعار باختلاف متعلقهما، كما يومي اليه أيضا قوله

في خبر ابن الجهم: «إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت».

من ان متعلق التوسعة العمل بأيهما على وجه الإباحة و المردود هو العلم، إذ مع العلم لا توسعة، لوجوب العمل بالمعلوم، و فيه مع الإيماء الى ذلك بيان ان التوسعة معلقة على عدم العلم مطلقا كما أشير إليه

بقوله (عليه السلام): «الناس في سعة ما لم يعلموا».

و انه لا فرق بين عدمه لخلو الذهن من الطرفين و النسبة، أو الشك في النسبة سواء كان منشأه فقد الدليل أو تعارض الدليلين». انتهى كلامه زيد مقامه، و هو جيد رشيق (منه (رحمه الله).

(2) الظاهر ان مراده ما تقدم في المقدمة الرابعة في الصحيفة 70.

(3) المتقدمة في الصحيفة 96 السطر 8 و 11 و 15. و هي: ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن ابى عبد الله و خبر المعلى بن خنيس و مرسل الكافي.

106

للرجلين) (1) حيث نقل خبرين مختلفين ثم قال: «و لو صح الخبران جميعا لكان الواجب الأخذ بقول الأخير كما أمر به الصادق (عليه السلام)، و ذلك لان الأخبار لها وجوه و معان، و كل إمام أعلم بزمانه و أحكامه من غيره من الناس» انتهى.

أقول: و العمل بهذا الوجه بالنسبة إلى زمانهم (عليهم السلام) لا اشكال فيه.

و ذلك لان الظاهر ان الاختلاف المذكور ناشىء عن التقية لقصد الدفع عن الشيعة، كما يشير اليه قوله (عليه السلام) في الخبر الثاني من الاخبار المشار إليها (2):

«إنا و الله لا ندخلكم إلا فيما يسعكم».

و حينئذ فالوجه في الأمر بالأخذ بالأخير انه، لو كانت التقية في الأول من الخبرين فالثاني رافع لها فيجب الأخذ به، و ان كانت التقية في الثاني وجب الأخذ به لذلك. و اما بالنسبة إلى مثل زماننا هذا فالظاهر انه لا يتجه العمل بذلك على الإطلاق، لجواز ان يحصل العلم بأن الثاني إنما ورد على سبيل التقية و الحال ان المكلف ليس في تقية، فإنه يتحتم عليه العمل بالأول و لو لم يعلم كون الثاني بخصوصه تقية بل صار احتمالها قائما بالنسبة إليهما، فالواجب حينئذ هو التخيير أو الوقوف بناء على ظواهر الأخبار، أو الاحتياط كما ذكرناه (3).

(الخامس)- المستفاد- من كلام ثقة الإسلام و علم الاعلام (قدس سره) في ديباجة كتاب الكافي- ان مذهبه فيما اختلفت فيه الاخبار هو القول بالتخيير.

و لم أعثر على من نقل ذلك مذهبا له مع ان عبارته (طاب ثراه) ظاهرة الدلالة طافحة المقالة، و شراح كلامه قد زيفوا عبارته و أغفلوا مقالته.

قال (قدس سره) (4): فاعلم يا أخي- أرشدك الله- انه لا يسع أحدا تمييز شيء

____________

(1) من الجزء الرابع، و عنوانه (الرجلان يوصى إليهما فينفرد كل منهما بنصف التركة).

(2) و هو خبر المعلى بن خنيس المتقدم في الصحيفة 96 السطر 11.

(3) في الصحيفة 105 السطر 3.

(4) في الصحيفة 8 السطر 16 من النسخة المطبوعة بمطبعة الحيدرى بطهران سنة 1375.

107

مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام) برأيه إلا على ما أطلقه العالم

بقوله (عليه السلام): «اعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله عز و جل فخذوه و ما خالف كتاب الله فردوه».

و قوله (عليه السلام): «دعوا ما وافق القوم، فان الرشد في خلافهم».

و قوله (عليه السلام): «خذوا بالمجمع عليه، فان المجمع عليه لا ريب فيه».

و نحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله، و لا نجد شيئا أحوط و لا أوسع من رد علم ذلك كله الى العالم، و قبول ما وسع من الأمر فيه

بقوله: «بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم».

انتهى.

و قوله (قدس سره): «و نحن لا نعرف. إلخ» الظاهر ان معناه انا لا نعرف من كل من الضوابط الثلاث إلا الأقل.

و يمكن توجيهه بان يقال: اما الكتاب العزيز فلاستفاضة الأخبار- كما قدمنا لك شطرا منها (1)- بأنه لا يعلمه على التحقيق سواهم (عليهم السلام)، و قد علمت مما حققناه سابقا ان القدر الذي يمكن الاستناد اليه من الكتاب العزيز في الأحكام الشرعية أقل قليل.

و اما مذهب العامة فلا يخفى- على الواقف على كتب السير و الآثار و المتتبع للقصص و الاخبار، و به صرح أيضا جملة من علمائنا الأبرار بل و علماؤهم في ذلك المضمار- ما عليه مذاهب العامة في الصدر السابق من الكثرة و الانتشار، و استقرار مذهبهم على هذه الأربعة إنما وقع في حدود سنة خمس و ستين و ستمائة، كما نقله المحدث الأمين الأسترآبادي في كتاب الفوائد المدنية عن بعض علماء العامة، على ان المستفاد من الأخبار كما قدمنا تحقيقه في المقدمة الأولى وقوع التقية و ان لم يكن على وفق شيء من أقوالهم.

____________

(1) في المقام الأول من المقدمة الثالثة.

108

و اما المجمع عليه، فان أريد في الفتوى فهو ظاهر التعسر، لان كتب المتقدمين كلها مقصورة على نقل الاخبار كما لا يخفى على من راجع الموجود منها الآن، ككتاب قرب الاسناد و كتاب علي بن جعفر و محاسن البرقي و بصائر الدرجات و نحوها و لتفرق الأصحاب و انزوائهم في زاوية التقية في أكثر البلدان، و ان أريد في الرواية بمعنى ان يكون مجمعا عليه في الأصول المكتوبة عنهم، ففيه انها قد اشتملت على الأخبار المتخالفة و الأحاديث المتضادة فهي مشتركة في الوصف المذكور، و حينئذ فمتى لم تعلم هذه الأمور على الحقيقة فالمعتمد عليها ربما يقع في المخالفة من حيث لا يشعر و تزل قدمه من حيث لا يبصر، فلا شيء أسلم من الأخذ بما وسعوا فيه من باب التسليم لهم دون الجزم و الحكم بكون ذلك هو الحكم الواقعي، فإن فيه تحرزا عن القول على الله (سبحانه) بغير علم، و تخلصا من التهجم على الأحكام بغير بصيرة و فهم.

و ما ذكره بعض مشايخنا المعاصرين (نور الله تعالى مراقدهم) (1)- من انه ليس الأمر كذلك، قال: «فان الحق لا يشتبه بالباطل، و المطوق ليس كالعاطل، و الشمس لا تستر بالنقاب، و الشراب لا يلتبس بالسراب، و ما ورد من التقية لا يكاد يخفى» انتهى- فعبارات قشرية و تسجيعات من التحقيق عرية، كما لا يخفى على من عض على العلم بالأخبار بضرس قاطع، و اعطى التأمل حقه فيما أودعناه في هذه المواضع، كيف؟ و هو (قدس سره) في جملة مصنفاته و فتاويه يدور مدار الاحتياط خوفا من الوقوع في شبهات الاحتياط، قائلا في بعض مصنفاته: «ان مناط أكثر الأحكام لا يخلو من شوب و ريب و تردد، لكثرة الاختلافات في تعارض الأدلة و تدافع الأمارات، فلا ينبغي ترك الاحتياط للمجتهد فضلا عمن دونه» انتهى.

(السادس)- قد اشتهر- بين أكثر أصحابنا سيما المتأخرين- عدا الاستحباب

____________

(1) هو شيخنا العلامة أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله الماحوزي البحراني (قدس سره) في بعض مصنفاته (منه (رحمه الله).

109

و الكراهة من جملة وجوه الجمع بين الأخبار، بل الاقتصار عليهما في الجمع دون تلك القواعد المنصوصة و الضوابط المخصوصة، كما لا يخفى على من لاحظ كتب المتأخرين و متأخريهم، حتى تحذلق بعض متأخري المتأخرين- كما نقله بعض مشايخنا المعاصرين- فقال: «إذا أمكن التوفيق بين الأخبار بحمل بعضها على المجاز كحمل النهي على الكراهة و الأمر على الاستحباب و غير ذلك من ضروب التأويلات، فهو أولى من حمل بعضها على التقية و ان اتفق المخالفون على موافقته» و لعمري انه محض اجتهاد في مقابلة النصوص و جرأة على رد كلام أهل الخصوص، و قد قدمنا لك في المقدمة السابقة (1) ما فيه مزيد تحقيق للمقام و دفع لهذه الأوهام.

(السابع)- الذي ظهر لي من الأخبار- مما تقدم نقله و غيره، و عليه اعتمد و به أعمل- انه متى تعارض الخبران على وجه لا يمكن رد أحدهما إلى الآخر.

فالواجب- أولا- العرض على الكتاب العزيز. و ذلك لاستفاضة الأخبار بالعرض عليه و ان لم يكن في مقام اختلاف الأخبار، و ان ما خالفه فهو زخرف (2) و لعدم جواز مخالفة أحكامهم (عليهم السلام) للكتاب العزيز، لانه آيتهم و حجتهم و اخبارهم تابعة له و مقتبسة منه، و أما ما ورد مخصصا أو مقيدا له فليس من المخالفة في شيء كما قدمنا بيانه و أوضحنا برهانه (3). و المراد العرض على محكماته و نصوصه بعد معرفة الناسخ منها من المنسوخ. و اما غيرها فيشترط ورود التفسير له عن أهل البيت (عليهم السلام)، و إلا فالتوقف عن الترجيح بهذه القاعدة.

ثم الترجيح بالعرض على مذهب القوم و الأخذ بخلافهم، لاستفاضة

____________

(1) الظاهر ان مراده ما تقدم في المقدمة الرابعة في الصحيفة 70 و في النسختين الخطبتين اللتين وقفنا عليهما (الاولى) بدل (السابقة) و يحتمل ان يكون من غلط النساخ.

(2) روى صاحب الوسائل هذه الاخبار في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(3) في الصحيفة 89 السطر 7.

110

الأخبار بالأخذ بخلافهم و ان لم يكن في مقام التعارض ايضا (1) كما تدل عليه جملة من الأخبار.

(منها)- رواية علي بن أسباط المروية في التهذيب (2) و عيون الأخبار (3)، و فيها ما يدل على «انهم متى أفتوا بشيء فالحق في خلافه» و

في صحيحة محمد بن إسماعيل ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام): «إذا رأيت الناس يقبلون على شيء فاجتنبه».

و في صحيحة أبي بصير المروية في رسالة الراوندي المتقدم ذكرها (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام): «ما أنتم و الله على شيء مما هم فيه و لا هم على شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء» (5).

و في بعض الأخبار: «و الله لم يبق في أيديهم إلا استقبال القبلة».

و حينئذ ففي مقام التعارض بطريق اولى.

ثم مع عدم إمكان العرض على مذهبهم فالأخذ بالمجمع عليه، و مما يدل على الأخذ به ما تقدم نقله عن ثقة الإسلام (6) من الخبر المرسل الذي أشار إليه بقوله:

«و قوله (عليه السلام): خذوا بالمجمع عليه، فان المجمع عليه لا ريب فيه».

، الا ان في تيسر هذا الإجماع لنا في هذه الأزمان نوع اشكال كما عرفت آنفا.

و كيف كان فهذه القواعد الثلاث لا يمكن الاختلاف فيها بعد إعطاء التأمل حقه في الأخبار في مقام الاختلاف. و إعطاء النظر حقه من التحقيق و الإنصاف، و مع عدم إمكان الترجيح بالقواعد الثلاث فالأرجح الوقوف على ساحل الاحتياط،

____________

(1) روى صاحب الوسائل هذه الاخبار في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(2) في باب (الزيادات في القضايا و الأحكام) من كتاب القضاء.

(3) في باب- 28- الصحيفة 152، و في الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(4) في الصحيفة 94 السطر 18.

(5) رواها صاحب الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(6) في الصحيفة 107 السطر 4.

111

و ان كان ما اختاره شيخنا ثقة الإسلام من التخيير لا يخلو من قوة، الا ان اخبار الاحتياط عموما و خصوصا أكثر عددا و أوضح سندا و أظهر دلالة.

و اما الترجيح بالأوثقية و الأعدلية فالظاهر انه لا ثمرة له بعد الحكم بصحة أخبارنا التي عليها مدار ديننا و شريعتنا كما قدمنا بيانه (1) و لعل ما ورد- في مقبولة عمر بن حنظلة (2) من الترجيح بذلك- محمول على الحكم و الفتوى كما هو موردها، و مثلها رواية داود بن الحصين (3). و اما مرفوعة زرارة (4) فلما عرفت من الكلام فيها لا تبلغ حجة، أو يقال باختصاص ذلك بزمانهم (عليهم السلام) قبل وقوع التنقية في الاخبار و تخليصها من شوب الاكدار، و الله سبحانه و رسوله و أولياؤه أعلم.

(الثامن)- انه قد وقع التعبير عن المجمع عليه في مقبولة عمر بن حنظلة (5) بالمشهور، و هو لا يخلو من نوع تدافع. و يمكن الجواب عن ذلك اما بتجوز إطلاق المجمع عليه على المشهور، أو بان يقال: يمكن ان يكون الراوي لما هو خلاف المجمع عليه قد روى ما هو مجمع عليه أيضا فأحد الخبرين مجمع عليه بلا اشكال و الآخر الذي تفرد بروايته شاذ غير مجمع عليه، و حينئذ فيصير التجوز في جانب الشهرة، و اما بحمل الشاذ المخالف على ما وافق روايات العامة و اخبارهم و ان رواه أصحابنا، بمعنى وجوب طرح الخبر الموافق لهم إذا عارضه خبر مشهور معروف بين الأصحاب، و ذلك لا ريب فيه كما تدل عليه الاخبار الدالة على حكم الترجيح بين الاخبار.

____________

(1) في المقدمة الاولى و الثانية.

(2) المتقدمة في الصحيفة 91.

(3) المتقدمة في الصحيفة 92 السطر 4.

(4) المتقدمة في الصحيفة 93 السطر 5.

(5) المتقدمة في الصحيفة 91.

112

المقدمة السابعة في ان مدلول الأمر و النهي حقيقة هو الوجوب و التحريم

و قد طال التشاجر بين علماء الأصول في هذه المقالة، و تعددت الأقوال فيها و زيف كل منهم ما أورده الآخر من الاستدلال و قاله، مع ان الكتاب العزيز و اخبار أهل الذكر (عليهم السلام) مملوة من الدلالة على ذلك، و هي أولى بالاتباع و الاعتماد و أظهر في الدلالة على المراد.

فمنها قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ(1) و ليس الطاعة إلا الانقياد لما يقوله الآمر من الأمر و النهي كما صرح به أرباب اللغة. و ترك الطاعة عصيان، لنص أهل اللغة على ذلك، و العصيان حرام، لقوله سبحانه: «وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نٰارَ جَهَنَّمَ(2).

و (منها)- قوله تعالى: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ، وَ مَنْ تَوَلّٰى فَمٰا أَرْسَلْنٰاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً» (3) و التقريب ما تقدم.

و (منها)- قوله تعالى: «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ» (4).

و (منها)- قوله تعالى: «وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا(5).

____________

(1) سورة النساء. آية 63.

(2) سورة الجن. آية 25.

(3) سورة النساء. آية 83.

(4) سورة النور. آية 64.

(5) سورة الحشر. آية 8.

113

و من الاخبار الدالة على ذلك ما استفاض من وجوب طاعة الأئمة (عليهم السلام) و ان طاعتهم كطاعة الله و رسوله، و قد عقد له في الكافي (1) بابا عنونه بباب (فرض طاعة الأئمة (عليهم السلام).

و من اخباره:

حسنة الحسين بن ابي العلاء قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الأوصياء طاعتهم مفترضة؟ قال: نعم هم الذين قال الله تعالى (أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.) (2). الحديث».

و صحيحة الكناني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «نحن قوم فرض الله طاعتنا. الحديث».

و رواية الحسين بن المختار عن ابي جعفر (عليه السلام): «في قول الله تعالى (وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (3) قال: الطاعة للإمام» (4).

الى غير ذلك من الاخبار المذكورة في ذلك الباب و غيره.

و من الاخبار الدالة على أصل المدعى

صحيحة زرارة و محمد بن مسلم (5) قالا:

«قلنا لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الصلاة في السفر، كيف هي و كم هي؟

فقال: ان الله عز و جل يقول: «وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ (6). فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر.

قالا:

قلنا: انما قال الله عز و جل فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ*. و لم يقل: افعلوا. فكيف أوجب

____________

(1) في كتاب الحجة.

(2) سورة النساء. آية 63.

(3) سورة النساء. آية 58.

(4) الموجود في الكافي هكذا: الطاعة المفروضة، و ليس فيه ذكر للإمام.

(5) المروية في الوسائل في باب- 22- من أبواب صلاة المسافر من كتاب الصلاة.

(6) سورة النساء. آية 102.

114

ذلك كما وجب التمام في الحضر؟ فقال (عليه السلام): أو ليس قد قال الله عز و جل في الصفا و المروة (إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا.) (1) أ لا ترون ان الطواف بهما واجب مفروض؟.

الحديث» وجه الدلالة ان زرارة و محمد بن مسلم علقا استفادة الوجوب على صيغة افعل مجردة، و سألا عن وجوب القصر مع عدم الصيغة المذكورة، و هما من أهل اللسان و خواص الأئمة (عليهم السلام) و الامام قررهما على ذلك.

و (منها)-

صحيحة عمر بن يزيد (2) قال: «اشتريت إبلا و انا بالمدينة مقيم فأعجبتني إعجابا شديدا، فدخلت على ابي الحسن الأول (عليه السلام) فذكرتها، فقال: مالك و للإبل؟ أما علمت أنها كثيرة المصائب؟ قال: فمن إعجابي بها أكريتها و بعثتها مع غلمان لي إلى الكوفة فسقطت كلها، قال: فدخلت عليه فأخبرته. فقال:

(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ) (3).

و (منها)-

ما ورد في رسالة الصادق (عليه السلام) الى أصحابه المروية في كتاب روضة الكافي (4) حيث قال فيها: «اعلموا ان ما أمر الله ان تجتنبوه فقد حرمة، الى ان قال في أثنائها أيضا: و اعلموا انه إنما أمر و نهى ليطاع فيما أمر به و لينتهي عما نهى عنه، فمن اتبع امره فقد أطاعه و من لم ينته عما نهى عنه فقد عصاه، فان مات على معصيته أكبه الله على وجهه في النار».

و (منها)-

صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5): قال: «العمرة

____________

(1) سورة البقرة. آية 154.

(2) المروية في الوسائل في باب- 24- من أبواب أحكام الدواب في السفر و غيره من كتاب الحج.

(3) سورة النور. آية 64.

(4) في أول الكتاب.

(5) المروية في الوسائل في باب- 1- من أبواب العمرة من كتاب الحج.

115

واجبة على الخلق بمنزلة الحج، لان الله تعالى يقول (وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ). الحديث».

و (منها)-

قول الصادق (عليه السلام) لهشام بن الحكم لما سأله «ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد؟ فاعتذر له هشام بأني أجلك و أستحييك. فقال الصادق (عليه السلام): إذا أمرتكم بشيء فافعلوا».

رواه في الكافي في أول باب الاضطرار إلى الحجة، و هو ظاهر كالصريح في وجوب امتثال أوامرهم (عليه السلام).

و ذهب جمع- من المتأخرين و متأخريهم منهم: الشيخ حسن بن شيخنا الشهيد الثاني بل ربما كان أولهم فيما أعلم- إلى منع دلالة صيغة الأمر و النهي على الوجوب و التحريم في كلام الأئمة (عليهم السلام) و ان كانت كذلك في كلام الله تعالى و كلام الرسول (صلى الله عليه و آله) مستندين إلى كثرة ورود الأوامر و النواهي عنهم (عليهم السلام) للاستحباب و الكراهة و شيوعها في ذلك، قال في كتاب المعالم:

«فائدة، يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المروية عن الأئمة (عليهم السلام) ان استعمال صيغة الأمر في الندب كان شائعا في عرفهم بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها من اللفظ لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجح الخارجي، فيشكل التعلق في إثبات وجوب أمر بمجرد ورود الأمر به منهم (عليهم السلام)». و بمثل هذه المقالة صرح السيد السند في مواضع من المدارك، و نسج على منوالهما جمع ممن تأخر عنهما (1).

و عندي فيه نظر من وجوه: (أحدها)- ان تلك الأوامر و النواهي هي في الحقيقة أوامر الله سبحانه و رسوله، و لا فرق بين صدورها من الله تعالى و رسوله و لا منهم، لكونهم (عليهم السلام) حملة و نقلة،

لقولهم (صلوات الله عليهم):

____________

(1) منهم الفاضل ملا محمد باقر الخراساني صاحب الكفاية و الذخيرة، و منهم المحقق الخوانساري شارح الدروس، و منهم شيخنا العلامة أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني طيب الله مراقدهم (منه (قدس سره).

116

«إنا إذا حدثنا حدثنا عن الله و رسوله و لا نقول من أنفسنا» (1).

و حينئذ فكما ان هذا القائل يسلم أن أوامر الله سبحانه و رسوله و نواهيهما- الصادرة عنهما لا بواسطة- واجبة الاتباع، فيجب عليه القول بذلك فيما كان بواسطتهم (عليه السلام)، و هل يجوز أو يتوهم نقلهم (عليهم السلام) ذلك اللفظ عن معناه الحقيقي الذي هو الوجوب أو التحريم و استعماله في معنى مجازي من غير نصب قرينة و تنبيه على ذلك؟ و هل هو إلا من قبيل التعمية و الألغاز؟ و شفقتهم على شيعتهم- و حرصهم على هدايتهم بل علو شأنهم و عصمتهم تمنع من ذلك.

و (ثانيها)- ان ما استند اليه هذا القائل- من كثرة ورود الأوامر و النواهي في أخبارهم للاستحباب و الكراهة- مردود بأنه ان كان دلالة تلك الأوامر و النواهي باعتبار قرائن قد اشتملت عليها تلك الأخبار حتى دلت بسببها على الاستحباب و الكراهة فهو لا يقتضي حمل ما لا قرينة فيه على ذلك، و هل هو إلا قياس مع وجود الفارق؟ و إلا فهو عين المتنازع فلا يتم الاستدلال و هذا بحمد الله سبحانه واضح المجال لمن عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال.

و (ثالثها)- ان ما قدمنا من الآيات و الأخبار- الدالة على فرض طاعتهم و وجوب متابعتهم- عامة شاملة لجميع الأوامر و النواهي إلا ما دلت القرائن على خروجه، فحينئذ لو حمل الأمر و النهي الوارد في كلامهم بدون القرينة الصارفة على الاستحباب و الكراهة المؤذن بجواز الترك في الأول و الفعل في الثاني، لم يحصل العلم بطاعتهم و لا اليقين بمتابعتهم، و كان المرتكب لذلك في معرض الخوف و الخطر و التعرض لحر سقر، لاحتمال كون ما أمروا به إنما هو على وجه الوجوب و الحتم و ما نهوا عنه إنما هو على جهة التحريم و الزجر، بل هو ظاهر تلك الأوامر و النواهي بالنظر الى ما قلنا إلا مع الصارف، بخلاف ما إذا حملا على الوجوب و التحريم فان

____________

(1) روى المجلسي في البحار الروايات المتضمنة لهذا المعنى في باب- 33- من كتاب العلم في الصحيفة 172 من الجزء الثاني المطبوع بمطبعة الحيدرى بطهران.

117

المكلف حينئذ متيقن البراءة و الخروج من العهدة.

(و لو قيل) بان الحمل على الاستحباب و الكراهة معتضد بالبراءة الأصلية، إذ الأصل براءة الذمة حتى يقوم دليل قاطع على ما يوجب اشتغالها.

(قلنا) فيه (أولا)- ما عرفت في مسألة البراءة الأصلية من عدم قيام الدليل عليها بل قيامه على خلافها.

و (ثانيا)- انه بعد ورود الأمر و النهي مطلقا لا مجال للتمسك بها، إذ المراد بها، اما أصالة البراءة قبل تعلق التكاليف، و حينئذ فبعد التكليف لا مجال لاعتبارها، و اما أصالة البراءة لعدم الاطلاع على الدليل، و الحال ان الدليل في الجملة موجود. نعم يبقى الشك في الدليل و تردده بين الوجوب و الاستحباب، و التحريم و الكراهة، هذا أمر آخر، فالخروج عن قضية البراءة الأصلية معلوم. و بالجملة فأصالة البراءة عبارة عن خلو الذمة من تعلق التكليف مطلقا إيجابيا أو ندبيا، و هو هنا ممتنع بعد وجود الدليل.

و (رابعها)- انه لا أقل ان يكون الحكم- بالنظر الى ما ذكرنا من الآيات و الروايات- من المتشابهات التي استفاضت الاخبار بالوقوف فيها على ساحل الاحتياط:

«حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك، فمن تجنب الشبهات نجا من الهلكات» (1).

و من الظاهر البين ان الاحتياط في جانب الوجوب و التحريم.

هذا و ما اعتضد به- شيخنا أبو الحسن (قدس سره) في كتاب العشرة الكاملة حيث اقتفى اثر أولئك القوم في هذه المقالة، من ان الصدوق (رحمه الله) في كتاب من لا يحضره الفقيه قد حمل كثيرا من الأوامر على الندب و جما غفيرا من النواهي على الكراهة و التنزيه- ففيه انه ان كان ذلك كذلك فيمكن حمله على ظهور قرائن

____________

(1) هذا من مقبولة عمر بن حنظلة المتقدمة في الصحيفة 91 الا ان المتقدم هناك هكذا:

«فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات».

118

المجاز له، إذ هي بالنسبة إلى مثله من أرباب الصدر الأول غير عزيزة، و يمكن ايضا ان يكون ذلك في مقام الجمع بين الاخبار بان يكون في الاخبار المعارضة ما يدل على نفي الوجوب في الأول و الجواز في الثاني مع قوته و رجحانه، و هذا من جملة القرائن الموجبة للخروج عن ذينك المعنيين الحقيقيين.

المقدمة الثامنة [في الحقيقة الشرعية]

اختلف الأصوليون في ثبوت الحقائق الشرعية و تحقيق المقام- من غير اطالة بإبرام النقض و لا نقض الإبرام- هو ان اللفظ ان استعمل فيما وضع له فهو حقيقة و الا فهو مجاز، و الواضع ان كان هو الشارع اي الله سبحانه أو الرسول فحقيقة شرعية، و ان كان غيره فلغوية أو عرفية خاصة أو عامة.

و لا نزاع في ان الألفاظ المتداولة في لسان أهل الشرع المستعملة في خلاف معانيها اللغوية قد صارت حقائق في تلك المعاني عندهم، كاستعمال الصلاة الموضوعة لغة للدعاء في ذات الأركان الخمسة و نحوها.

إنما النزاع في ان هذا الاستعمال هل هو بطريق النقل عن الشارع فتكون حقائق شرعية، أو بطريق المجاز بمعنى ان الشارع إنما استعملها في تلك المعاني مجازا بمعونة القرينة و لكن غلب في ألسنة أهل الشرع استعمالها كذلك حتى أفادت من غير قرينة فتكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية؟

فقيل بالأول بل هو المشهور بينهم محتجين بوجوه: (أظهرها)- القطع بتبادر هذه المعاني من تلك الألفاظ إلى الفهم عند إطلاقها، و هو علامة الحقيقة.

و ذهب بعض الى الثاني، طاعنا في الحجة المذكورة و محتجا بما هو مذكور في مطولات الأصول مما لا يرجع عند التحقيق إلى ثمرة و لا محصول.

119

و توقف ثالث، قائلا ان الحق انه لم يعلم من حال الشارع غير أصل الاستعمال.

و اما طريقه فغير معلوم، لأن أدلة الطرفين في غاية الضعف، و تبادر هذه المعاني لنا غير مفيد، إذ يحتمل ان يكون ذلك لأجل الاشتهار عندنا.

هذا. و الأظهر عندي هو القول الأول و عليه من بين تلك الأقوال المعول، و لنا عليه دليل التبادر الذي هو عندهم امارة الحقيقة و معيارها و عليه في جميع الأحوال مدارها.

و ما قيل- في الجواب عن ذلك، من ان التبادر المذكور عند سماع هذه الألفاظ، ان كان بالنظر الى إطلاق الشارع فهو ممنوع بل هو أول المسألة، و ان كان بالنظر الى إطلاق المتشرعة فهو غير مفيد قطعا، لان اللازم حينئذ كونها حقائق عرفية لا شرعية- مردود بان من صفا ذهنه من شوب الشبهة و العناد و كان له انس بكلام الشارع و لو في أكثر المواد، يعلم قطعا ان الصدر الأول- من الصحابة و التابعين و جملة السلف المتقدمين- كانوا متى حكى النبي (صلى الله عليه و آله) عن الله سبحانه وصف أحد بالايمان أو الكفر أو الشرك أو حصل منه (صلى الله عليه و آله) الأمر بصلاة أو زكاة أو حج أو طهارة أو المنع عن النجاسة أو نحو ذلك، يفهمون بمجرد إطلاق هذه الألفاظ المعنى الشرعي منها متى تقدم لهم العلم بالوضع، و من أنكر ذلك نسأل الله سبحانه ان يصلح وجدانه و يثبت جنانه.

و من الأخبار الدالة على ذلك

موثقة سماعة (1) قال: «سألته عن الركوع و السجود هل نزل في القرآن؟ فقال: نعم. قول الله عز و جل (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا.) (2). الحديث».

إلا ان الظاهر ان الخلاف في هذه المسألة قليل الجدوى، لاتفاقهم على ان

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 5- من أبواب الركوع من كتاب الصلاة.

(2) سورة الحج. آية 78.

120

استعمال هذه الألفاظ في تلك المعاني الشرعية في كلام الأئمة (عليهم السلام) حقيقة و ان كانت عرفية خاصة لا شرعية، و هو كاف في صحة الاستدلال بها و الاعتماد عليها، و إنما يظهر الخلاف فيما وقع منها في كلام الشارع من القرآن العزيز أو السنة النبوية، و استقلال القرآن- سيما على ما فصلناه آنفا (1) و السنة النبوية من غير جهة نقل الأئمة (عليهم السلام)- مما لا يكاد يتحقق في الأحكام، كما لا يخفى على من سرح بريد النظر في المقام. و بهذا يظهر لك ما في إيراد شيخنا ابي الحسن (قدس سره)- في بعض مؤلفاته على شيخنا البهائي و صاحب المعالم، حيث انه قائل بثبوت الحقيقة الشرعية و هما مانعان منه- بالأخبار الدالة على الطهارة و النجاسة و الحل و التحريم و الوجوب و الاستحباب مع خلوها من القرائن، حيث قال بعد تقديم الكلام في ذلك:

«على انا نقول: لو تم ما ذكروه من التشكيك الركيك للزم ان كل ما ادعينا انه حقيقة شرعية فهو مجاز لا يصار اليه إلا بقرينة، و حينئذ ينسد باب الاحتجاج بأكثر الأخبار المشتملة على هذه الألفاظ العارية عن القرائن المعينة للمراد، و هم لا يلتزمونه، بل هذان الشيخان و غيرهما قد أكثروا من الاحتجاج بأمثال هذه الأخبار على مطالبهم غافلين عما يرد عليهم، و تراهم أكثروا من الاحتجاج على النجاسة و الطهارة و الحل و التحريم و الوجوب و الاستحباب بهذه الألفاظ، فهم يأتون في ذلك على المثل السائر:

«الشعير يؤكل و يذم» انتهى. فان فيه كما عرفت انه لا خلاف في ان استعمال تلك الألفاظ في المعاني الشرعية في كلام الأئمة (عليهم السلام) حقائق يجب الاعتماد عليها و الاستناد إليها و ان كانت عرفية خاصة، و إنما محل الخلاف و مظهره وقوعها في كلام الشارع، اما مجردة عن القرينة فعند من يقول بثبوت الحقائق الشرعية بحملها على ذلك

____________

(1) الظاهر انه يريد المقام الأول من المقدمة الثالثة.

121

و عند من ينفيها بحملها على المعاني اللغوية. و اما مع القرينة الدالة على المعنى الشرعي فهي حقيقة شرعية على الأول أيضا و مجاز على الثاني.

هذا. و ما اشتهر- في كلام جملة من أصحابنا (رضوان الله عليهم) من ان الواجب حمل الخطابات الواقعة في الشريعة على الحقيقة الشرعية ان ثبتت، و إلا فعلى عرفهم (عليهم السلام) ان علم، و الا فعلى الحقيقة اللغوية ان وجدت، و إلا فعلى العرف العام- مما لم يعثر له على مستند و لم يقم عليه دليل معتمد، و إنما المستفاد من أخبارهم كما مر (1) انه مع عدم العلم بما هو المراد من الخطاب الشرعي يجب الفحص و التفتيش و مع العجز عن الظفر بالمراد يجب رعاية الاحتياط و الوقوف على سواء ذلك الصراط. على انه لا يخفى ما في بناء الأحكام على العرف العام من العسر و الحرج المنفيين بالآية و الرواية (2) فإنه يوجب استعلام ما عليه كافة الناس في أقطار الأرض. و اما البناء على العرف الخاص مع تعذر العام كما صار اليه بعضهم، ففيه انه يوجب الاختلاف في الأحكام الشرعية. و المستفاد من الاخبار ان كل شيء يؤدي الى الاختلاف فيها فلا يجوز البناء عليه. و الله العالم.

المقدمة التاسعة [في المشتق]

اختلف كلام الأصوليين من أصحابنا (رضوان الله عليهم) و غيرهم في ان صدق المشتق على ذات حقيقة، هل يشترط فيه بقاء مأخذ الاشتقاق فبعد قيام المبدأ بالذات و انقضائه يكون مجازا، أم لا يشترط فيكون حقيقة مطلقا؟ على أقوال متعددة و آراء متبددة بعد الاتفاق على انه حين القيام حقيقة و قبله مجاز، فالضارب- لمن هو

____________

(1) في الصحيفة 82 السطر 4.

(2) سيأتي- في قاعدة نفى الحرج و هي القاعدة السابعة مما تضمنته المقدمة الحادية عشرة من القواعد- بيان ما يدل من الآيات و الروايات على نفى العسر و الحرج.

122

مشتغل به الآن- حقيقة بلا خلاف، و لمن يريد إيقاعه- و لما يقع منه- مجاز كذلك، و اما من ضرب و هو الآن غير ضارب فهل هو حقيقة أو مجاز؟ قولان، إلا انه بسبب الإشكال في تعين محل الخلاف انتشرت الأقوال و اتسع المجال.

فقيل بعدم اشتراط بقاء المأخذ مطلقا فيكون حقيقة. و عليه كثير من المعتزلة و أكثر الإمامية بل قيل كلهم.

و قيل بالاشتراط مطلقا فيكون مجازا. و نقل عن أكثر الأشاعرة و الفخري في المحصول و البيضاوي في المنهاج، و اليه مال من أصحابنا المحدث الأمين الأسترآبادي في تعليقاته على شرح المدارك.

و قيل بالتفصيل بأنه ان كان المبدأ مما يمكن بقاؤه كالقيام و القعود فالمشتق مجاز، و ان كان مما لا يمكن بقاؤه كالمصادر السيالة الغير القارة نحو التكلم و الاخبار فالمشتق حقيقة و ان لم يبق المبدأ.

و قيل بالتوقف في المسألة، لتصادم الأدلة من الطرفين و تعارض الاحتمالات من الجانبين، و نقل عن الآمدي و الحاجبي.

و قيل بتخصيص محل النزاع بما إذا كان المشتق محكوما به، كقولك: زيد مشرك أو قاتل أو متكلم. و اما إذا كان محكوما عليه كقوله تعالى: «الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا. الآية» (1) «وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا(2) «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ.» (3) و نحوه، فإنه حقيقة مطلقا سواء كان للحال أم لم يكن. و هو المنقول عن شيخنا الشهيد الثاني في تمهيد القواعد.

و قيل: انه إذا كان اتصاف الذات بالمبدإ أكثريا بحيث يكون عدم الاتصاف

____________

(1) سورة النور. آية 3.

(2) سورة المائدة. آية 38.

(3) سورة التوبة. آية 5.

123

بالمبدإ في جنب الاتصاف مضمحلا و لم يكن الذات معرضا عن المبدأ و راغبا عنه سواء كان المشتق محكوما عليه أو محكوما به و سواء طرأ الضد أم لا، فالإطلاق حقيقة، لأنهم يطلقون المشتقات على المعنى المذكور من دون نصب قرينة، كالكاتب و الخياط و المعلم و المتعلم و نحوها و لو كان المحل متصفا بالضد الوجودي كالنوم و نحوه. صرح به بعض أصحابنا المحققين من متأخري المتأخرين.

و قيل بتخصيص محل النزاع بما إذا لم يطرأ على المحل وصف وجودي ينافي الأول، إذ لو طرأ من الموجودات ما ينافيه أو يضاده فإنه يكون مجازا اتفاقا. و هو منقول عن الفخري في المحصول، نقله عنه في كتاب القواعد، و أنكر شيخنا البهائي (رحمه الله) في حواشي الزبدة نسبة هذا القول الى المحصول، قال: فانا لم نجده فيه» و شيخنا أبو الحسن (رحمه الله) نقله في حواشي المدارك عن التبريزي في التنقيح اختصار المحصول، قال: «و ربما كان في المحصول إشعار به و من ثم نسبه الاستوى في التمهيد و الشهيد الثاني في تمهيده اليه». انتهى.

و قيل بتخصيص محل النزاع بما قصد به الحدوث من المشتقات لا الدوام.

و نقل ذلك عن المحقق التفتازاني في مقام الجواب عن الاستدلال على عدم الاشتراط بصدق المؤمن على النائم و الغافل، و المفهوم من كلامه- على ما نقله عنه بعض الأفاضل- تقييد محل النزاع بكل من قصد الحدوث و عدم طرو الضد الوجودي، حيث قال:

«و التحقيق ان النزاع في اسم الفاعل الذي بمعنى الحدوث لا في المؤمن و الكافر و النائم و اليقظان و الحلو و الحامض و الحر و العبد و نحو ذلك مما يعتبر في بعضه الاتصاف به مع عدم طريان المنافي و في بعضه الاتصاف البتة». انتهى.

و الظاهر ان السبب- في انتشار هذا الخلاف و اتساع دائرة هذا الاختلاف- هو وجود بعض الموارد مما يقطع بتوقف الصدق فيها حقيقة على وجود المبدأ و ما يحذو

124

حذوه، كالبارد و الحار و الهابط و الصاعد و الساكن و المتحرك و الحلو و الحامض و الأبيض و الأسود و المملوك و الموجود و النائم و اليقظان، و بعض مما يقطع فيها بالصدق حقيقة مع عدمه، كالمخبر و المتكلم و نحوهما من المصادر السيالة، و بعض مما يشكل فيه ذلك مثل المؤمن و الكافر، فإنه لو اعتبر في صدقهما حقيقة وجود المبدأ لم يصدقا على من كان نائما أو غافلا، للخلو عن التصديق و الإنكار الذين هما مناط الايمان و الكفر مع ان الاتفاق قائم على الصدق في الحالين المذكورين، و لو اعتبر العدم، صدق المؤمن على من كان كافرا الآن لو كان مؤمنا سابقا، و الكافر على من كان بالعكس، و نحو ذلك من الأمثلة المندرجة تحت تلك الأقسام. و من أجل ذلك اختلفت أفهامهم و تصادمت أوهامهم و طال نقضهم و إبرامهم، و زيف كل ما اختاره بأدلة لا تسلم من المناقشة و الإيراد، و أجاب كل منهم عن أدلة الآخر بما لا يكاد يفي بالمراد، و من ثم توقف من توقف من أولئك الأقوام و أحجم عن الدخول و الاقدام.

و الحق ان البناء لما كان على غير أساس كثر الشك فيه و الالتباس، و الأدلة العقلية لا تكاد تقف في مقام، بل لا تزال قابلة للنقض و الإبرام، لاختلاف العقول في الاستعداد قوة و ضعفا و صفاء الأذهان و الافهام، كما لا يخفى على من خاض لجج بحور علم المعقول و رأى ثمة تصادم الافهام و العقول.

و الأظهر عندي ان بناء الأحكام الشرعية- على مثل هذه القواعد الغير المنضبطة و الأصول الغير المرتبطة- مما لم يقم عليه دليل. بل الدليل على خلافه واضح النهج و السبيل.

(اما أولا)- فلدلالة اخبار أهل الذكر (سلام الله عليهم) على وجوب البناء في الأحكام الشرعية على العلم و اليقين و مع عدمه فالوقوف على جادة الاحتياط. و قد مر بك شطر منها (1) و قد عرفت- من تعدد أقوالهم و اختلاف آرائهم في أصل القاعدة

____________

(1) كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة في الصحيفة 73 السطر 2 و حسنة بريد الكناسي المتقدمة في الصحيفة 82 السطر 12، و غيرهما مما تعرض له في المقدمة الخامسة.

125

لاختلاف أفرادها- ما يبلغ إلى ثمانية أقوال.

و (أما ثانيا)- فلأن من لاحظ- اخبار الخلاء تحت الأشجار المثمرة و الأخبار الواردة في أحكام الحائض و نحوها- لا يخفى عليه مدافعتها لهذه القاعدة.

و من أراد تحقيق المقام حسبما يرام و ظهور ما أجملناه هنا من الكلام فليرجع الى كتابنا الدرر النجفية، فإنه قد اشتمل على ذلك و أحاط بما هنالك.

المقدمة العاشرة في بيان حجية الدليل العقلي و عدمها

قد اشتهر بين أكثر أصحابنا (رضوان الله عليهم) الاعتماد على الأدلة العقلية في الأصول و الفروع و ترجيحها على الأدلة النقلية، و لذا تراهم في الأصولين- أصول الدين و أصول الفقه- متى تعارض الدليل العقلي و السمعي قدموا الأول و اعتمدوا عليه و تأولوا الثاني بما يرجع اليه و إلا طرحوه بالكلية، و في كتبهم الاستدلالية في الفروع الفقهية أول ما يبدأون في الاستدلال بالدليل العقلي ثم ينقلون الدليل السمعي مؤيدا له، و من ثم قدم أكثرهم العمل بالبراءة الأصلية و الاستصحاب و نحوهما من الأدلة العقلية على الأخبار الضعيفة باصطلاحهم بل الموثقة.

قال المحقق (رضوان الله عليه)- في بعض مصنفاته في مسألة جواز ازالة الخبث بالمائع و عدمه، حيث ان السيد المرتضى (رضي الله عنه) اختار الطهارة من الخبث به و نسب ذلك الى مذهبنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه- ما صورته: «اما علم الهدى فإنه ذكر في الخلاف انه إنما أضاف ذلك الى المذهب لان من أصلنا العمل بدليل العقل ما لم يثبت الناقل، و ليس في الأدلة النقلية ما يمنع من استعمال المائعات في الإزالة و لا ما يوجبها، و نحن نعلم انه لا فرق بين الماء و الخل في الإزالة بل ربما كان غير الماء

126

أبلغ، فحكمنا حينئذ بدليل العقل» ثم قال المحقق (قدس سره) بعد كلام في البين:

«أما نحن فقد فرقنا بين الماء و الخل فلم يرد علينا ما ذكره علم الهدى».

فانظر الى موافقته لعلم الهدى فيما نقله عنه من أصالة العمل بدليل العقل في الفروع الشرعية و إنما نازعه في هذا الجزئي و حصول الفرق فيه بين الفردين المذكورين. و ستأتيك هذه المسألة في مبحث الماء المضاف ان شاء الله تعالى.

و بالجملة، فكلامهم- تصريحا في مواضع و تلويحا في أخرى- متفق الدلالة على ما نقلنا.

و لم أر من رد ذلك و طعن فيه سوى المحدث المدقق السيد نعمة الله الجزائري (طيب الله مرقده) في مواضع من مصنفاته: منها- كتاب الأنوار النعمانية، و هو كتاب جليل يشهد بسعة دائرته و كثرة اطلاعه على الأخبار و جودة تبحره في العلوم و الآثار.

حيث قال فيه- و نعم ما قال، فإنه الحق الذي لا تعتريه غياهب الاشكال-:

«ان أكثر أصحابنا قد تبعوا جماعة من المخالفين من أهل الرأي و القياس و من أهل الطبيعة و الفلاسفة و غيرهم من الذين اعتمدوا على العقول و استدلالاتها، و طرحوا ما جاءت به الأنبياء (عليهم السلام) حيث لم يأت على وفق عقولهم، حتى نقل ان عيسى (على نبينا و آله و (عليه السلام) لما دعا أفلاطون الى التصديق بما جاء به أجاب بأن عيسى رسول الى ضعفة العقول، و اما انا و امثالي فلسنا نحتاج في المعرفة إلى إرسال الأنبياء. و الحاصل انهم ما اعتمدوا في شيء من أمورهم الا على العقل، فتابعهم بعض أصحابنا و ان لم يعترفوا بالمتابعة، فقالوا: انه إذا تعارض الدليل العقلي و النقلي طرحنا النقلي أو تأولناه بما يرجع الى العقل. و من هنا تراهم في مسائل الأصول يذهبون إلى أشياء كثيرة قد قامت الدلائل النقلية على خلافها. لوجود ما تخيلوا انه دليل عقلي، كقولهم بنفي الإحباط في العمل تعويلا على ما ذكروه في محله من مقدمات لا تفيد ظنا

127

فضلا عن العلم، و سنذكرها ان شاء الله تعالى في أنوار القيامة. مع وجود الدلائل من الكتاب و السنة على ان الإحباط- الذي هو الموازنة بين الأعمال و إسقاط المتقابلين و إبقاء الرجحان- حق لا شك فيه و لا ريب يعتريه، و مثل قولهم: ان النبي (صلى الله عليه و آله) لم يحصل له الإسهاء من الله تعالى في صلاة قط، تعويلا على ما قالوه من انه لو جاز السهو عليه في الصلاة لجاز عليه في الأحكام، مع وجود الدلائل الكثيرة من الأحاديث الصحاح و الحسان و الموثقات و الضعفاء و المجاهيل (1) على حصول مثل هذا الإسهاء، و علل في تلك الروايات بأنه رحمة للأمة. لئلا يعير الناس بعضهم بعضا بالسهو، و سنحقق هذه المسألة في نور من هذا الكتاب ان شاء الله تعالى، الى غير ذلك من مسائل الأصول.

و اما مسائل الفروع فمدارهم على طرح الدلائل النقلية و القول بما أدت اليه الاستحسانات العقلية، و إذا عملوا بالدلائل النقلية يذكرون- أولا- الدلائل العقلية ثم يجعلون دليل النقل مؤيدا لها و عاضدا إياها: فيكون المدار و الأصل إنما هو العقل. و هذا منظور فيه، لأنا نسألهم عن معنى الدليل العقلي الذي جعلوه أصلا في الأصولين و الفروع، فنقول: ان أردتم ما كان مقبولا عند عامة العقول، فلا يثبت و لا يبقى لكم دليل عقلي، و ذلك كما تحققت ان العقول مختلفة في مراتب الإدراك و ليس لها حد تقف عنده، فمن ثم ترى كلا من اللاحقين يتكلم على دلائل السابقين و ينقضه و يأتي بدلائل اخرى على ما ذهب اليه، و لذلك لا ترى دليلا واحدا مقبولا عند عامة العقلاء و الأفاضل و ان كان المطلوب متحدا، فإن جماعة من المحققين قد اعترفوا بأنه لم يتم دليل من الدلائل على إثبات الواجب. و ذلك ان الدلائل التي ذكروها مبنية على إبطال التسلسل و لم يتم برهان على بطلانه، فإذا لم يتم دليل على هذا المطلب الجليل الذي توجهت الى الاستدلال عليه كافة الخلائق، فكيف يتم على غيره

____________

(1) روى صاحب الوافي الأحاديث المذكورة في باب- 21- من الفصل الخامس من كتاب الصلاة، و روى حديثا منها في باب- 29- من الفصل المذكور.

128

مما توجهت اليه آحاد المحققين؟ و ان كان المراد به ما كان مقبولا بزعم المستدل به و اعتقاده، فلا يجوز لنا تكفير الحكماء و الزنادقة و لا تفسيق المعتزلة و الأشاعرة و لا الطعن على من يذهب الى مذهب يخالف ما نحن عليه، و ذلك ان أهل كل مذهب استندوا في تقوية ذلك المذهب إلى دلائل كثيرة من العقل، و كانت مقبولة في عقولهم معلومة لهم، و لم يعارضها سوى دلائل العقل لأهل القول الآخر أو دلائل النقل.

و كلاهما لا يصلح للمعارضة لما قلتم، لان دليل النقل يجب تأويله و دليل العقل لهذا الشخص لا يكون حجة على غيره، لان عنده مثله و يجب عليه العمل بذلك، مع ان الأصحاب (رضوان الله عليهم) ذهبوا الى تكفير الفلاسفة و من يحذو حذوهم و تفسيق أكثر طوائف المسلمين. و ما ذاك إلا لأنهم لم يقبلوا منهم تلك الدلائل و لم يعدوها من دلائل العقل» انتهى كلامه زيد في الخلد إكرامه.

أقول: و قد سبقه الى هذه المقالة الإمام الرازي، حيث قال: «هذه الأشياء المسماة بالبراهين لو كانت في أنفسها براهين لكان كل من سمعها و وقف عليها وجب ان يقبلها و ان لا ينكرها أصلا، و حيث نرى ان الذي يسميه أحد الخصمين برهانا فان الخصم الثاني يسمعه و يعرفه و لا يفيد له ظنا ضعيفا، علمنا ان هذه الأشياء ليست في أنفسها براهين، بل هي مقدمات ضعيفة انضافت العصبية و المحبة إليها فتخيل بعضهم كونها برهانا مع ان الأمر في نفسه ليس كذلك. و ايضا فالمشبه يحتج على القول بالتشبيه بحجة و يزعم ان تلك الحجة افادته الجزم و اليقين، فاما ان يقال: ان كل واحدة من هاتين الحجتين صحيحة يقينية فحينئذ يلزم صدق النقيضين و هو باطل، و اما ان يقال: إحداهما صحيحة و الأخرى فاسدة إلا انه متى كان الأمر كذلك كانت مقدمة واحدة من مقدمات تلك الحجة باطلة في نفسها. مع ان الذي تمسك بتلك الحجة جزم بصحة تلك المقدمة ابتداء. فهذا يدل على ان العقل يجزم بصحة الفاسد جزما ابتداء،

129

فإذا كان كذلك كان العقل غير مقبول القول في البديهيات، و إذا كان كذلك فحينئذ تفسد جميع الدلائل. فإن قالوا: العقل إنما جزم بصحة ذلك الفاسد لشبهة متقدمة، فنقول: قد حصل في تلك الشبهة المتقدمة مقدمة فاسدة، فإن كان ذلك لشبهة اخرى لزم التسلسل، و ان كان ابتداء فقد توجه الطعن. و أيضا فإنا نرى الدلائل القوية في بعض المسائل العقلية متعارضة، مثل مسألة الجوهر الفرد، فانا نقول: كل متحيز فان يمينه غير يساره، و كل ما كان كذلك فهو منقسم، ينتج ان كل متحيز منقسم، ثم نقول: الآن لم يكن حاضرا بل بعضه، و إذا كان غير منقسم كان أول عدمه في آن آخر متصل بآن وجوده، فلزم تتالي الآنات، و يلزم منه كون الجسم مركبا من اجزاء لا تتجزأ. فهذان الدليلان متعارضان و لا نعلم جوابا شافيا عن أحدهما، و نعلم أن أحد الكلامين مشتمل على مقدمة باطلة و قد جزم العقل بصحتها ابتداء، فصار العقل مطعونا فيه» ثم أخذ في تفصيل هذه الوجوه بكلام طويل الذيل.

(فان قلت): فعلى ما ذكر من عدم الاعتماد على الدليل العقلي يلزم ان لا يكون العقل معتبرا بوجه من الوجوه، مع انه قد استفاضت الآيات القرآنية و الأخبار المعصومية بالاعتماد على العقل و العمل على ما يرجحه، و انه حجة من حجج الله سبحانه، كقوله تعالى:

(إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)* (1) في غير موضع من الكتاب العزيز اي يعملون بمقتضى عقولهم (الْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)* (2). (لَآيٰاتٍ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ) (3).

____________

(1) سورة الرعد. آية 5. سورة النحل. آية 13. سورة الروم. آية 24.

(2) سورة الرعد. آية 4. سورة الروم. آية 21. سورة الزمر. آية 44.

سورة الجاثية. آية 13.

(3) سورة آل عمران. آية 188.

130

(لَآيٰاتٍ لِأُولِي النُّهىٰ)* (1). (إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ)* (2). (لَذِكْرىٰ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ) (3). و ذم قوما لم يعملوا بمقتضى عقولهم فقال سبحانه (أَ فَلٰا يَعْقِلُونَ) (4) (وَ أَكْثَرُهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ) (5). (ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لٰا يَعْقِلُونَ)* (6). (أَ فَلٰا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا) (7) الى غير ذلك من الآيات الدالة على مدح العمل بمقتضى العقل و ذم عكسه.

و في الحديث عن ابي الحسن (عليه السلام) حين سئل:

فما الحجة على الخلق اليوم قال: «فقال (عليه السلام): العقل، يعرف به الصادق على الله فيصدقه و الكاذب على الله فيكذبه» (8).

و في آخر عن الصادق (عليه السلام) قال: «حجة الله على العباد النبي، و الحجة فيما بين العباد و بين الله العقل» (9).

و في آخر عن الكاظم (عليه السلام): «يا هشام ان لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة و حجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمة، و اما الباطنة فالعقول» (10).

____________

(1) سورة طه. آية 57. 129.

(2) سورة الزمر آية 13.

(3) سورة الزمر. آية 23.

(4) سورة يس. آية 69.

(5) سورة المائدة. آية 103.

(6) سورة المائدة. آية 64.

(7) سورة محمد. آية 27.

(8) هذا من حديث ابى يعقوب البغدادي عن ابى الحسن (عليه السلام) الذي رواه في الكافي في كتاب العقل و الجهل، و هو الحديث- 20- منه.

(9) و هو حديث عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) الذي رواه في الكافي في كتاب العقل و الجهل، و هو الحديث- 22- منه.

(10) هذا من حديث هشام بن الحكم عن ابى الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) الذي رواه في الكافي في كتاب العقل و الجهل، و هو الحديث- 12- منه.

131

(قلت): لا ريب ان العقل الصحيح الفطري حجة من حجج الله سبحانه و سراج منير من جهته جل شأنه، و هو موافق للشرع، بل هو شرع من داخل كما ان ذلك شرع من خارج، لكن ما لم تغيره غلبة الأوهام الفاسدة، و تتصرف فيه العصبية أو حب الجاه أو نحوهما من الأغراض الكاسدة، و هو قد يدرك الأشياء قبل ورود الشرع بها فيأتي الشرع مؤيدا له، و قد لا يدركها قبله و يخفى عليه الوجه فيها فيأتي الشرع كاشفا له و مبينا، و غاية ما تدل عليه هذه الأدلة مدح العقل الفطري الصحيح الخالي من شوائب الأوهام العاري عن كدورات العصبية، و انه بهذا المعنى حجة إلهية، لإدراكه بصفاء نورانيته و أصل فطرته بعض الأمور التكليفية، و قبوله لما يجهل منها متى ورد عليه الشرع بها، و هو أعم من أن يكون بإدراكه ذلك أولا أو قبوله لها ثانيا كما عرفت.

و لا ريب ان الأحكام الفقهية من عبادات و غيرها كلها توقيفية تحتاج الى السماع من حافظ الشريعة، و لهذا قد استفاضت الأخبار- كما قد مر بك الإشارة إلى شطر منها في المقدمة الثالثة (1)- بالنهي عن القول في الأحكام الشرعية بغير سماع منهم (عليهم السلام) و علم صادر عنهم (صلوات الله عليهم) و وجوب التوقف و الاحتياط مع عدم تيسر طريق العلم و وجوب الرد إليهم في جملة منها، و ما ذاك إلا لقصور العقل المذكور عن الاطلاع على اغوارها و احجامه عن التلجج في لجج بحارها، بل لو تم للعقل الاستقلال بذلك لبطل إرسال الرسل و إنزال الكتب، و من ثم تواترت الأخبار ناعية على أصحاب القياس بذلك.

و من الاخبار المؤكدة لما ذكرنا

رواية أبي حمزة عن ابي جعفر (عليه السلام)

____________

(1) في الصحيفة 27 و 28 و 29 و 30.

132

في حديث طويل، قال: «ان الله لم يكل امره الى خلقه لا الى ملك مقرب و لا إلى نبي مرسل، و لكنه أرسل رسولا من ملائكته فقال له: قل: كذا و كذا، فأمرهم بما يحب و نهاهم عما يكره. الحديث» (1).

و (منها)-

رواية أبي بصير، قال: «قلت: ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله و لا سنته فننظر فيها. فقال: لا، اما انك ان أصبت لم تؤجر و ان أخطأت كذبت على الله» (2).

و (منها)-

حديث يونس عن ابي الحسن (عليه السلام)، قال: «من نظر برأيه هلك و من ترك أهل بيت نبيه ضل» (3).

و في حديث آخر

عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ان المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه و لكن أتاه من ربه فأخذ به» (4).

و في آخر

لما قال السائل له (عليه السلام): ما رأيك في كذا؟ قال (عليه السلام):

«و أي محل للرأي هنا؟ انا إذا قلنا حدثنا عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن جبرائيل عن الله» (5).

الى غير ذلك من الأخبار- المتواترة معنى- الدالة على كون الشريعة توقيفية لا مدخل للعقل في استنباط شيء من أحكامها بوجه. نعم عليه القبول و الانقياد و التسليم لما يراد. و هو أحد فردي ما دلت عليه تلك الأدلة التي أوردها المعترض، إلا انه يبقى الكلام بالنسبة الى ما يتوقف على التوقيف.

فنقول: ان كان الدليل العقلي المتعلق بذلك بديهيا ظاهر البداهة كقولهم:

الواحد نصف الاثنين، فلا ريب في صحة العمل به، و الا فان لم يعارضه دليل عقلي

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في باب- 6- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(2) رواه صاحب الوسائل في باب- 6- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(3) رواه صاحب الوسائل في باب- 6- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(4) رواه صاحب الوسائل في باب- 6- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(5) روى (صاحب البحار) الأخبار المتضمنة لما اشتمل عليه هذا الخبر في باب- 23- من أبواب كتاب العلم في الصحيفة 172 من الجزء الثاني المطبوع بمطبعة الحيدرى بطهران.

133

و لا نقلي فكذلك، و ان عارضه دليل عقلي آخر، فإن تأيد أحدهما بنقلي كان الترجيح للمؤيد بالدليل النقلي و إلا فإشكال، و ان عارضه دليل نقلي، فإن تأيد ذلك العقلي ايضا بنقلي كان الترجيح للعقلي إلا ان هذا في الحقيقة تعارض في النقليات، و الا فالترجيح للنقلي وفاقا للسيد المحدث المتقدم ذكره و خلافا للأكثر. هذا بالنسبة إلى العقلي بقول مطلق، اما لو أريد به المعنى الأخص و هو الفطري الخالي من شوائب الأوهام الذي هو حجة من حجج الملك العلام و ان شذ وجوده بين الأنام ففي ترجيح النقلي عليه إشكال. و الله العالم.

المقدمة الحادية عشرة في جملة من القواعد الشرعية و الضوابط المرعية

التي تبتني عليها جملة من الأحكام الفقهية، مما يستفاد من الكتاب العزيز و السنة النبوية على الصادع بها أشرف سلام و تحية، و هي المشار إليها في كلامهم (عليهم السلام) بالأصول على ما نقله

ابن إدريس في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي مما رواه عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله:

(عليه السلام): قال: «انما علينا ان نلقي إليكم الأصول و عليكم ان تفرعوا» (1).

و روى عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) بلا واسطة: قال: «علينا إلقاء الأصول و عليكم التفريع» (2).

و لا يخفى ما في الخبرين المذكورين من حيث تقديم الظرف المؤذن بحصر ذلك فيهم، من الدلالة على بطلان الأصول الخارجة من غيرهم، بمعنى حصر إلقاء الأصول فيهم (عليهم السلام) فكأنه قال: تأصيل الأصول الشرعية للاحكام علينا لا عليكم

____________

(1) و رواه صاحب الوسائل في آخر باب- 6- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(2) و رواه صاحب الوسائل في آخر باب- 6- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

134

و إنما عليكم التفريع عليها، فكل أصل لم يوجد له مستند و لا دليل من كلامهم (عليهم السلام) فهو بمقتضى الخبرين المذكورين مما لا يجوز الاعتماد عليه و لا الركون اليه.

فلنورد ههنا جملة مما جرى في الخاطر الفاتر، و نذيل ما يحتاج الى البحث و التحقيق بما هو جدير به و حقيق على جهة الإيجاز و الاختصار من غير تطويل و لا إكثار، و ان سمحت الأقضية و الأقدار بالتوفيق و نامت عيون الدهر الغدار عن التعويق، ابرزنا لهذه الأصول رسالة شافية و أودعناها ابحاثا بحقها وافية.

فمن تلك الأصول-

طهارة كل ما لم تعلم نجاسته حتى تعلم النجاسة.

و يدل على ذلك

قول الصادق (عليه السلام) في موثقة عمار: «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر، فإذا علمت فقد قذر» (1).

و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما رواه في الفقيه (2): «لا أبالي أبول أصابني أم ماء إذا لم اعلم».

و يدل على ذلك أخبار عديدة في جزئيات المسائل، و أصل الحكم المذكور مما لا خلاف فيه و لا شبهة تعتريه و انما الخلاف في مواضع:

(الأول)- في عموم هذا الحكم للجهل بالحكم الشرعي و عدمه، و توضيح ذلك انه لا خلاف في العمل بهذا الحكم على عمومه بالنسبة إلى الجهل بملاقاة النجاسة و ان كان مع ظن الملاقاة، بمعنى انه لو شك أو ظن الملاقاة فالواجب البناء على أصالة الطهارة حتى تعلم النجاسة، و كذا لا خلاف في ذلك بالنسبة إلى الشك أو الظن بنجاسة شيء له أفراد متعددة غير محصورة، بعضها معلوم الطهارة و بعضها معلوم النجاسة و قد اشتبه بعضها ببعض، كالبول الذي منه طاهر و منه نجس و الدم و نحوهما، فالجهل هنا ليس

____________

(1) تقدم الكلام في هذه الموثقة في التعليقة (1) في الصحيفة (42).

(2) في باب (ما ينجس الثوب و البدن) من الجزء الأول، و رواه صاحب الوسائل في باب- 37- من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود من كتاب الطهارة.

135

في الحكم الشرعي، إذ هو معلوم في تلك الافراد في حد ذاتها، و إنما الجهل في موضوعه و متعلقة و هو ذلك الفرد المشكوك في اندراجه تحت أحد الطرفين. أما بالنسبة إلى الجهل بالحكم الشرعي- كالجهل بحكم نطفة الغنم هل هي نجسة أو طاهرة؟- فهل يحكم بطهارتها بالخبر المذكور (1) أم لا؟ قولان، و بالثاني صرح المحدث الأمين الأسترآبادي في كتاب الفوائد المدنية، و بالأول صرح جملة من متأخري المتأخرين.

و أنت خبير بان القدر المتيقن فهمه من الخبر المذكور (2) هو ما وقع الاتفاق عليه، إذ الظاهر- و الله سبحانه و قائله أعلم- ان المراد من هذا الخبر و أمثاله إنما هو دفع الوساوس الشيطانية و الشكوك النفسانية بالنسبة إلى الجهل بملاقاة النجاسة، و بيان سعة الحنيفية السمحة السهلة بالنسبة إلى اشتباه بعض الافراد الغير المحصورة ببعض، فيحكم بطهارة الجميع حتى يعلم الفرد النجس بعينه، و اما اجراء ذلك في الجهل بالحكم الشرعي فلا يخلو من الاشكال المانع من الجرأة على الحكم به في هذا المجال.

و ما ذكره بعض فضلاء متأخري المتأخرين- من ان الجهل بوصول النجاسة يستلزم الجهل بالحكم الشرعي، قال: «فان المسلم إذا أعار ثوبه الذمي و هو يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير ثم رده عليه، فهو جاهل بان مثل هذا الثوب الذي هو مظنة النجاسة هل هو مما يجب التنزه عنه في الصلاة و غيرها مما يشترط فيه الطهارة أو لا؟ فهو جاهل بالحكم الشرعي مع انه (عليه السلام) قرر في الجواب قاعدة كلية بأنه ما لم تعلم نجاسته فهو طاهر»- مردود بان الجهل بالحكم الشرعي في المثال المذكور و نحوه تابع للجهل بوصول النجاسة، و لما دل الخبر المذكور (3). و غيره على البناء على أصالة الطهارة و عدم الالتفات الى احتمال ملاقاة النجاسة أو ظنها بإعارة الثوب مثلا. علم منه قطعا جواز الصلاة فيه تحقيقا للتبعية، و محل الاشكال و النزاع إنما هو الدلالة على الحكم الشرعي ابتداء كما لا يخفى.

____________

(1) و هو موثق عمار المتقدم في الصحيفة 134 السطر 8.

(2) و هو موثق عمار المتقدم في الصحيفة 134 السطر 8.

(3) و هو موثق عمار المتقدم في الصحيفة 134 السطر 8.

136

(الثاني)- ان ظاهر الخبر المذكور (1) انه لا تثبت النجاسة للأشياء و لا تتصف بها الا بالنظر الى علم المكلف،

لقوله (عليه السلام): «فإذا علمت فقد قذر» (2).

بمعنى انه ليس التنجيس عبارة عما لاقته عين النجاسة واقعا خاصة بل ما كان كذلك و علم به المكلف، و كذلك ثبوت النجاسة لشيء إنما هو عبارة عن حكم الشارع بأنه نجس و علم المكلف بذلك، و هو خلاف ما عليه جمهور أصحابنا (رضوان الله عليهم) فإنهم حكموا بان النجس إنما هو عبارة عما لاقته النجاسة واقعا و ان لم يعلم به المكلف، و فرعوا عليه بطلان صلاة المصلي في النجاسة جاهلا و ان سقط الخطاب عنه ظاهرا كما نقله عنهم شيخنا الشهيد الثاني في شرح الألفية.

و أنت خبير بما فيه من العسر و الحرج و مخالفة ظواهر الأخبار الواردة عن العترة الأبرار.

(أما أولا)- فلأن المعهود من الشارع عدم إناطة الأحكام بالواقع و نفس الأمر، لاستلزامه التكليف بما لا يطاق، و حينئذ فالمكلف إذا صلى في ثوب طاهر في علمه. و الطاهر شرعا إنما هو ما لم يعلم المكلف بنجاسته لا ما علم بعدمها، فما الموجب لبطلان صلاته بعد امتثاله للأمر الذي هو مناط الصحة و معيارها؟

و (اما ثانيا)- فلما أورده شيخنا الشهيد الثاني عليهم في الكتاب المشار اليه حيث قال بعد نقل ذلك عنهم: «و لا يخفى ما فيه من البلوى، فان ذلك يكاد يوجب فساد جميع العبادات المشروطة بالطهارة، لكثرة النجاسات في نفس الأمر و ان لم يحكم الشارع ظاهرا بفسادها، فعلى هذا لا يستحق عليها ثواب الصلاة و ان استحق أجر الذاكر المطيع بحركاته و سكناته ان لم يتفضل الله تعالى بجوده». انتهى.

و (اما ثالثا)- فلمخالفته ظواهر الأخبار و منها الخبر المذكور (3).

____________

(1) و هو موثق عمار المتقدم في الصحيفة 134 السطر 8.

(2) و هو موثق عمار المتقدم في الصحيفة 134 السطر 8.

(3) و هو موثق عمار المتقدم في الصحيفة 134 السطر 8.

137

و (منها)-

رواية محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما و هو يصلي؟ قال: لا يؤذنه حتى ينصرف».

و رواية عبد الله بن بكير المروية في كتاب قرب الاسناد (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أعار رجلا ثوبا يصلي فيه و هو لا يصلي فيه؟ قال: لا يعلمه. قلت: فإن أعلمه؟ قال: يعيد».

و حينئذ فلو كان الأمر كما يدعونه من كون وصف النجاسة انما هو باعتبار الواقع و نفس الأمر، و ان صلاة المصلي- و الحال كذلك- باطلة واقعا. فكيف يحسن من الامام (عليه السلام) المنع من الإيذان و الاخبار بالنجاسة في الصلاة كما في خبر محمد بن مسلم أو قبلها كما في خبر ابن بكير؟ و هل هو بناء على ما ذكروا إلا من قبيل التقرير له على تلك الصلاة الباطلة و المعاونة على الباطل؟ و لا ريب في بطلانه. و سيأتي مزيد تحقيق لهذه المسألة في محلها (3) ان شاء الله تعالى.

(الثالث)- انه لا خلاف في انه مع الحكم بأصالة الطهارة فلا يجوز الخروج عنها إلا بالعلم بالنجاسة، لكن العلم المذكور هل هو عبارة عن القطع و اليقين.

أو عبارة عما هو أعم من اليقين و الظن مطلقا فيشملهما معا. أو اليقين و الظن المستند الى سبب شرعي؟ أقوال، أولها منقول عن ابن البراج و ثانيها عن ابي الصلاح،

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 40- و- 47- من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود من كتاب الطهارة.

(2) في الصحيفة 103 السطر 11 من المطبوع بالنجف سنة 1369، و في الوسائل في باب- 47- من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود من كتاب الطهارة، إلا ان الرواية فيهما هكذا: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلى فيه. إلخ.

(3) و قد أوردناها في المسألة السابعة من المطلب الرابع في أحكام الوضوء (منه (رحمه الله).

138

و ثالثها عن العلامة في المنتهى و التذكرة.

احتج الأول بأن الطهارة معلومة بالأصل، و شهادة الشاهدين لا تفيد إلا الظن فلا يترك لأجله المعلوم.

و احتج الثاني بأن الشرعيات كلها ظنية، فإن العمل بالمرجوح مع قيام الراجح باطل.

و من هذين الاحتجاجين يعلم وجه القول الثالث.

و يرد على الأول (أولا)- ان اشتراط اليقين ان كان مخصوصا بحكم النجاسة دون ما عداها من حكم الطهارة و الحلية و الحرمة فهو تحكم محض، و ان كان الحكم في الجميع واحدا فيقين الطهارة ليس إلا عبارة عن عدم العلم بملاقاة النجاسة. و هو أعم من العلم بالعدم. و مثله يقين الحلية.

و (ثانيا)- انه قد ورد في الأخبار- كما ستأتيك ان شاء الله تعالى (1)- ان مما ينتقل به عن يقين الحلية شهادة الشاهدين بالحرمة، و ان العلم المعتبر ثمة يحصل بذلك.

و من الظاهر البين ان الحكم في الجميع من باب واحد.

و (ثالثا)- ان الظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في انه لو كان الماء مبيعا فادعى المشتري فيه العيب بكونه نجسا و أقام شاهدين عدلين بذلك، فإنه يتسلط على الرد، و ما ذاك إلا لثبوت النجاسة و الحكم بها.

و يتوجه على الثاني ان المفهوم من الاخبار انه لا ينتقل عن يقين الطهارة و يقين الحلية إلا بيقين مثله. و ان مجرد الظن لا يوجب الخروج عن ذلك.

و مما هو صريح في المقام

ما ورد في حسنة الحلبي (2) من انه «إذا احتلم الرجل

____________

(1) في الصحيفة 140 السطر 15.

(2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) المروية في الوسائل في باب- 16- من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود من كتاب الطهارة.

139

فأصاب ثوبه مني فليغسل الذي أصابه، و ان ظن أنه أصابه مني و لم يستيقن و لم ير مكانه فلينضحه بالماء».

و النضح هنا للاستحباب بلا خلاف.

و قوله (عليه السلام)

في صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قلت فان ظننت أنه أصابه و لم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فرأيته فيه بعد الصلاة؟ قال: تغسله و لا تعيد. قال: قلت: و لم ذاك؟ قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت، فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك أبدا».

الى غير ذلك من الأخبار.

و التحقيق عندي في هذا المقام- بما لا يحوم حوله للناظر المنصف نقض و لا إبرام- هو ما أوضحناه في جملة من كتبنا، و ملخصه ان كلا من الطهارة و النجاسة و الحلية و الحرمة و نحوها أحكام شرعية متلقاة من الشارع يجب الوقوف فيها على الأسباب التي عينها لها و ناطها بها، و ليست أمورا عقلية تناط بمجرد الظن العقلي، و حينئذ فكلما وجد سبب من تلك الأسباب و علم به المكلف رتب عليه مسببه من الحكم بأحد تلك الأحكام و كما ان من جملة الأسباب المتلقاة من الشارع مشاهدة ملاقاة النجاسة فيحكم بالنجاسة عندها، كذلك من جملتها اخبار المالك بنجاسة ثوبه و شهادة العدلين بنجاسة شيء، و كذا يأتي أيضا في ثبوت الطهارة و الحلية و الحرمة بالنسبة إلى الأسباب التي عينت لها، و ليس ثبوت النجاسة لشيء و اتصافه بها عبارة عن مجرد ملاقاة عين النجاسة له في الواقع و نفس الأمر خاصة، حتى انه يقال بالنسبة إلى الجاهل بالملاقاة: ان هذا نجس في الواقع و طاهر بحسب

____________

(1) رواها الشيخ في التهذيب مضمرة في باب (تطهير البدن و الثياب من النجاسات) من كتاب الطهارة، و رواها صاحب الوسائل عنه كذلك في باب- 7 و 37 و 41 و 42 و 44- من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود من كتاب الطهارة بنحو التقطيع، و رواها الصدوق في العلل في باب (علة غسل المني إذا أصاب الثوب) في الصحيفة 127 مسندة عن ابى جعفر (عليه السلام).

140

الظاهر، بل هو نجس بالنسبة إلى العالم بالملاقاة أو أحد الأسباب المذكورة و طاهر بالنسبة إلى الغير العالم بشيء من ذلك، فان الشارع- كما عرفت آنفا (1)- لم يجعل الحكم بذلك منوطا بالواقع، و غاية ما يلزم اتصاف شيء بالطهارة و النجاسة باعتبار شخصين، و لا ريب فيه، فان ذلك جار في الحل و الحرمة بالنسبة الى من علم بعدم تذكية اللحم الموضوع في أسواق المسلمين و من لم يعلم، و حينئذ فلا يقال: ان اخبار العدلين أو المالك لا يفيد إلا الظن، لاحتمال ان لا يكون كذلك واقعا، كيف؟ و هما من جملة الأسباب التي رتب الشارع الحكم عليها بالنجاسة.

و بالجملة فحيث حكم الشارع بقبول شهادة العدلين و اخبار المالك في أمثال ذلك فقد حكم بثبوت الحكم بهما، فيصير الحكم حينئذ معلوما من الشارع، و لا معنى للنجس و نحوه- كما عرفت (2)- إلا ذلك، و ان فرض عدم الملاقاة في الواقع فان الشارع لم يلتفت اليه، ألا ترى انه قد وردت الأخبار بان الأشياء كلها على يقين الطهارة و يقين الحلية حتى يعلم النجس و الحرام بعينه، مع ان هذا اليقين- كما عرفت (3)- ليس إلا عبارة عن عدم علم المكلف بالنجاسة و الحرمة، و عدم العلم لا يدل على العدم كما لا يخفى.

و منها- حلية ما لم تعلم حرمته

. و يدل عليه من الأخبار

صحيحة عبد الله بن سنان (4) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «كل شيء يكون فيه حلال و حرام فهو لك حلال ابدا حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه».

____________

(1) في الموضع الثاني المتقدم في الصحيفة 136.

(2) في الموضع الثاني المتقدم في الصحيفة 136.

(3) في الصحيفة 138 السطر 9.

(4) المروية في الوسائل في باب- 4- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

و في باب (حكم السمن و الجبن و غيرهما إذا علم انه خلطه حرام) من أبواب الأطعمة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

141

و صحيحة ضريس (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن السمن و الجبن نجده في أرض المشركين و الروم أ نأكله؟ فقال: ما علمت أنه خلطه الحرام فلا تأكل، و ما لم تعلم فكله حتى تعلم انه حرام».

و موثقة مسعدة بن صدقة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «كل شيء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و مملوك عندك و هو حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، و امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة».

و رواية عبد الله بن سليمان (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن فقال: لقد سألتني عن طعام يعجبني، الى ان قال: قلت: ما تقول في الجبن؟

فقال: سأخبرك عن الجبن و غيره: كل ما كان فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه».

الى غير ذلك من الأخبار (4).

و ظاهر هذه الأخبار بل صريح جملة منها اختصاص الحكم المذكور بما فيه افراد بعضها معلوم الحل و بعضها معلوم الحرمة و لم يميز الشارع بينها بعلامة، و اشتبه بعضها ببعض

____________

(1) المروية في الوسائل في باب (حكم السمن و الجبن و غيرهما إذا علم انه خلطه حرام) من أبواب الأطعمة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(2) المروية في الوسائل في باب- 4- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

(3) المروية في الوسائل في باب- 61- من أبواب الأطعمة المباحة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(4) و (منها)-

رواية أبي الجارود المروية في كتاب المحاسن قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن فقلت له أخبرني من رأى انه يجعل فيه الميتة؟ فقال أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الأرض، فما علمت أنه ميتة فلا تأكله، و ما لم تعلم فاشتر و بع و كل. الحديث».

(منه رحمة الله عليه).

142

مع كونها غير محصورة، فالجميع حلال حتى يعرف الحرام بعينه على الخصوص، فمورد الحكم حينئذ هو موضوع الحكم الشرعي دون الحكم الشرعي نفسه، و بهذا التخصيص جزم المحدث الأمين الأسترآبادي.

و ظاهر جمع- ممن قدمنا نقل الخلاف عنهم (1) في القاعدة المتقدمة- اجراء ذلك أيضا في نفس الحكم الشرعي، و مقتضى ذلك انه لو وجد حيوان مجهول مغاير للأنواع المعلوم حلها و حرمتها من الحيوانات، فإنه يحكم بحله بناء على عموم القاعدة المذكورة، و كذا بطهارته بناء على عموم القاعدة المتقدمة، إلا ان شيخنا الشهيد الثاني في تمهيد القواعد صرح في مثل ذلك بالطهارة و التحريم محتجا بالأصل فيهما، قال: «اما أصالة الطهارة فظاهر، و اما أصالة التحريم فلأن المحرم غير منحصر، لكثرته على وجه لا ينضبط» و فيه ما لا يخفى.

و أنت خبير بان مقتضى العمل باخبار التثليث- التي تقدمت الإشارة إليها في بحث البراءة الأصلية (2)- التوقف في مثل ذلك، إذ شمول هذه الاخبار التي ذكرناها لمثل ذلك مما يكاد يقطع بعدمه، فإنها متشاركة الدلالة- تصريحا في بعض و تلويحا في آخر- على ان موردها إنما هو موضوع الحكم الشرعي و الافراد المعلومة الحكم مع اشتباهها.

و الله و رسوله و أولياؤه (عليهم السلام) أعلم بحقائق الأحكام.

و منها-

عدم نقض اليقين بالشك

، و المراد بالشك ما هو أعم من الظن كما سلف في القاعدة المتقدمة (3) من دلالة حسنة الحلبي و صحيحة زرارة على ذلك.

و الأخبار الدالة على هذه القاعدة الشريفة مستفيضة، و منها الروايتان المشار إليهما.

____________

(1) في الموضع الأول في الصحيفة 134 السطر 13.

(2) في الصحيفة 46 السطر 8.

(3) في الصحيفة 138 السطر 17 و 19 و الصحيفة 139 السطر 3.

143

و (منها)-

صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «قلت له الرجل ينام و هو على وضوء، أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذن، فإذا نامت العين و الاذن و القلب وجب الوضوء قلت: فان حرك الى جنبه شيء و هو لا يعلم به؟ قال: لا، حتى يستيقن انه قد نام حتى يجيء من ذلك أمر بين، و الا فهو على يقين من وضوئه، و لا ينقض اليقين ابدا بالشك و لكن ينقضه بيقين آخر».

و صحيحة أخرى له ايضا عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «قلت له من لم يدر في أربع هو أم في ثنتين و قد أحرز الثنتين؟ قال يركع ركعتين، الى ان قال: و لا ينقض اليقين بالشك و لا يدخل الشك في اليقين و لا يخلط أحدهما بالآخر، و لكن ينقض الشك باليقين و يتم على اليقين فيبني عليه، و لا يعتد بالشك في حال من الحالات».

و العمل بهذه القاعدة الشريفة بالنسبة إلى الشك في حصول الرافع و عدمه مما لا خلاف فيه و لا شك يعتريه.

إنما الخلاف في شمولها للشك في فردية بعض الأشياء لذلك الرافع، كما لو حصل الشك في فردية الخارج من غير الموضع الطبيعي للناقض. بمعنى انه هل يكون من جملة نواقض الوضوء أم لا؟ فهل يدخل تحت هذه القاعدة أم لا؟ و مرجعه الى جريانها في نفس أحكامه تعالى و اختصاصها بموضوعاتها خاصة.

____________

(1) رواها الشيخ في التهذيب مضمرة في باب (الأحداث الموجبة للطهارة) من كتاب الطهارة و رواها صاحب الوسائل عنه في باب- 1- من أبواب نواقض الوضوء من كتاب الطهارة كذلك.

(2) المروية في الوسائل بنحو التقطيع في باب- 10 و 11- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة.

144

الذي اختاره- المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره)- الثاني، و اليه يميل كلام بعض فضلاء متأخري المتأخرين (1)، حيث قال (قدس سره) بعد إيراد صحيحة زرارة المتقدمة (2) الواردة في النوم: «الشك في رفع اليقين على أقسام:

(الأول)- إذا ثبت ان الشيء الفلاني رافع لحكم لكن وقع الشك في وجود الرافع (الثاني)- ان الشيء الفلاني رافع للحكم لكن معناه مجمل، فوقع الشك في كون بعض الأشياء هل هو فرد له أم لا؟ (الثالث)- ان معناه معلوم ليس بمجمل لكن وقع الشك في اتصاف بعض الأشياء به و كونه فردا له لعارض، كتوقفه على اعتبار متعذر أو غير ذلك (الرابع)- وقع الشك في كون الشيء الفلاني هل هو رافع للحكم المذكور أم لا؟ و الخبر المذكور إنما يدل على النهي عن النقض بالشك، و إنما يعقل ذلك في الصورة الاولى من تلك الصور الأربع دون غيرها من الصور، لأن في غيرها من الصور لو نقض الحكم بوجود الأمر الذي شك في كونه رافعا لم يكن النقض بالشك، بل إنما حصل النقض باليقين بوجود ما يشك في كونه رافعا، و باليقين بوجود ما يشك في استمرار الحكم معه لا بالشك، فان الشك في تلك الصور كان حاصلا من قبل و لم يكن بسببه نقض، و إنما حصل النقض حين اليقين بوجود ما يشك في كونه رافعا للحكم بسببه، لأن الشيء إنما يستند إلى العلة التامة أو الجزء الأخير منها، فلا يكون في تلك الصور نقض للحكم اليقيني بالشك، و إنما يكون ذلك في صورة خاصة غيرها، فلا عموم في الخبر. و مما يؤيد ذلك ان السابق على هذا الكلام في الرواية- و الذي جعل هذا الكلام دليلا عليه- من قبيل الصورة الأولى، فيمكن حمل المفرد المعرف باللام عليه. إذ لا عموم له بحسب الوضع بل هو موضوع للعهد كما صرح به بعض المحققين من علماء العربية، و انما دلالته على العموم بسبب أن الإجمال

____________

(1) هو الفاضل الخراساني في الذخيرة شرح الإرشاد في مبحث الماء المضاف (منه (رحمه الله).

(2) في الصحيفة 143 السطر 1.

145

في مثل هذا الموضع ينافي الحكمة، و تخصيصه بالبعض ترجيح من غير مرجح، و ظاهر ان الفساد المذكور إنما يكون حيث ينتفي ما يصلح بسببه الحمل على العهد، و سبق الكلام في بعض أنواع الماهية سبب ظاهر لصحة الحمل على العهد من غير لزوم فساد.

نعم يتجه ثبوت العموم في جميع افراد النوع المعهود. و ليس هذا من قبيل تخصيص العام ببنائه على سبب خاص كما لا يخفى» انتهى كلامه زيد إكرامه.

(أقول): و يمكن تطرق المناقشة الى هذا الكلام، بان يقال: انه لا يخفى- على المتأمل بعين التحقيق و الاعتبار فيما أوردناه من الأخبار- ان عدم نقض اليقين بالشك قاعدة كلية و ضابطة جلية لا اختصاص لها بمادة دون مادة و لا فرد دون فرد، و هو الذي اتفقت عليه كلمة الأصحاب كما لا يخفى على من تتبع كلماتهم في هذا الباب.

و الوجه فيه ان لأمي اليقين و الشك فيها لام التحلية، و هي و ان كانت لا تفيد العموم بحسب الوضع بناء على ما صرح به جمع من علماء الأصول و ان أشعر كلام البعض بخلافه، لكنهم اتفقوا انها في المقامات الخطابية للعموم، إذ هو الأوفق بمقتضى الحكمة.

و أما ما ذكره (قدس سره) بالنسبة إلى الرواية التي أوردها (1).- من ان اللام ثمة إنما تحمل على العموم مع عدم القرينة، و قرينة العهدية حاصلة بالنسبة إلى الفرد المسؤول عنه.

ففيه (أولا)- ان ظاهر

قوله (عليه السلام) في تلك الرواية: «و لا تنقض اليقين بالشك»

إنما هو العموم، فإنه (عليه السلام) استدل- على ان الوضوء اليقيني لا ينتقض بحدث النوم-

بقوله: «لا، حتى يستيقن انه قد نام، الى قوله: و إلا فهو على يقين من وضوئه»

ثم أردفه بتلك القاعدة تأكيدا للاستدلال و إيذانا بعموم

____________

(1) المذكورة في الصحيفة 143 السطر 1.

146

الحكم في جميع الأحوال، و لو كان مراده بها إنما هو عدم نقض الوضوء بالنوم على تلك الحال لكان اعادة للأول بعينه، و هو خارج عن قانون الاستدلال.

و (ثانيا)- ما ذكرنا من دلالة غير هذه الرواية صريحا على كون ذلك قاعدة كلية كصحيحة زرارة الأخيرة (1) فإنها- كما ترى- صريحة الدلالة واضحة المقالة على المراد غير قابلة للتأويل و الإيراد، و حينئذ فللقائل أن يقول: ان الشك الذي لا ينتقض به اليقين أعم من أن يكون شكا في وجود الناقض أو شكا بأحد المعاني الثلاثة الأخيرة فإنها ترجع بالأخرة إلى الشك في وجود الناقض، إذ متى شك في كون هذا الفرد من افراد ذلك الكلي المتيقن نقضه، فقد شك في وجود الكلي في ضمنه. و قوله-:

«ان الناقض في هذه الصور إنما هو اليقين»- ممنوع، بل الشك الحاصل في ضمن اليقين بوجود ذلك الفرد المشكوك في فرديته أو المشكوك في اتصافه بالعنوان أو في رفعه.

و قوله-: «ان الشك في تلك الصور كان حاصلا من قبل»- ان أراد به حصوله واقعا فممنوع و لكن لا يترتب عليه حكم، و ان أراد بحسب الوجود فممنوع، إذ هو لا يحصل إلا في ضمن وجود ما يشك في كونه فردا للناقض أو نحو ذلك من الأقسام الباقية. هذا ما يقتضيه النظر في المقام إلا أن المسألة لا تخلو من شوب الاشكال و الاحتياط مما ينبغي المحافظة عليه على كل حال.

و منها- ان كل ذي عمل مؤتمن في عمله ما لم يظهر خلافه

و يدل على ذلك جملة من الأخبار المتفرقة في جزئيات المسائل.

ففي صحيحة الفضلاء (2) «أنهم سألوا أبا جعفر (عليه السلام) عن شراء اللحم من الأسواق و لا يدرون ما صنع القصابون. قال: كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين و لا تسأل عنه»،.

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 143 السطر 7.

(2) المروية في الوسائل في باب- 29- من أبواب الذبائح من كتاب الصيد و الذبائح.

147

و في رواية سماعة (1) قال: «سألته عن أكل الجبن و تقليد السيف و فيه الكيمخت و الغراء؟ فقال: لا بأس ما لم تعلم أنه ميتة».

و في صحيحة إبراهيم بن ابي محمود (2) انه قال للرضا (عليه السلام):

«الخياط و القصار يكون يهوديا أو نصرانيا، و أنت تعلم انه يبول و لا يتوضأ، ما تقول في عمله؟ قال: لا بأس».

و رواية ميسر (3) قال: «قلت لأبي عبد الله: آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله فأصلي فيه فإذا هو يابس؟ فقال: أعد صلاتك، اما انك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شيء».

و ربما توهم من هذا الخبر الدلالة على خلاف المراد. و ليس بذلك. و ذلك لان ظاهره ان امره (عليه السلام) بإعادة الصلاة إنما هو لوجود عين النجاسة لا لكون الجارية إزالتها عن الثوب، حتى لو فرض أنها إزالتها عن الثوب و لم يجدها فيه كان يجب عليه غسل الثوب و اعادة الصلاة.

و من ذلك ايضا الحديث الدال على ان الحجام مؤتمن في تطهير موضع الحجامة (4) الى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع.

و قد نقل- المحدث الأمين الأسترآبادي في كتاب الفوائد المدنية و المحدث

____________

(1) و هي مضمرته التي رواها صاحب الوسائل في باب- 39- من أبواب الذبائح من كتاب الصيد و الذبائح.

(2) المروية في الوافي في باب (التطهير من مس الحيوانات) من أبواب الطهارة عن الخبث من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في باب- 18- من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود من كتاب الطهارة.

(4) و هو حديث عبد الأعلى عن ابى عبد الله المروي في الوسائل في باب- 56- من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود من كتاب الطهارة.

148

السيد نعمة الله (قدس سرهما) عن جملة ممن عاصراهم- انهم كانوا لأجل هذه الشبهة يهبون ثيابهم للقصارين أو يبيعونها عليهم، ثم يشترونها منهم، مستندين الى ان الثوب متيقن النجاسة و لا يرتفع حكم يقين النجاسة إلا بيقين الطهارة أو ما قام مقامه من شهادة العدلين أو إخبار ذي اليد. و فيه- زيادة على ما تقدم- انه لا ريب ان الحكم المذكور مما تعم به البلوى، فلو كان مضيقا كما زعموا لظهر فيه اثر عنهم (عليهم السلام) و قد ذكر غير واحد من محققي أصحابنا النافين للبراءة الأصلية انها في مثل هذا الموضع مما يعتمد عليها في الاستدلال، و قد تقدمت الإشارة إليه أيضا آنفا (1) بل الظاهر من أخبارهم (عليهم السلام) ما يدل على التوسعة كما عرفت.

[القاعدة في الشبهة المحصورة و غير المحصورة في النجاسة و الحرمة]

و منها- الحكم بطهارة ما اشتبه بنجس و حلية ما اشتبه بمحرم مع عدم الحصر و التمييز، و نجاسة الجميع أو حرمته إذا كان في محصور. و هذا هو المشهور بين أصحابنا (رضوان الله عليهم).

و قيل بإجراء حكم الصورة الاولى في الثانية، و اليه يشير كلام السيد السند في كتاب المدارك بالنسبة إلى النجاسة و الطهارة، صرح بذلك في مسألة الإناءين و مسألة طهارة ما يسجد عليه كما سيأتي كل منهما في محله ان شاء الله تعالى. و لا يخفى ان ذلك لازم له في مسألة الحلال و الحرام المشتبه أحدهما بالآخر و ان لم نقف له على كلام فيه الا ان المسألتين من باب واحد.

و كذا كلام المحدث الكاشاني بالنسبة إلى الحل و الحرمة، حيث قال في كتاب المفاتيح بأنه إذا اختلط الحلال بالحرام فهو له حلال حتى يعرف الحرام بعينه. و لم يفرق بين المحصور و غيره.

و يرد على الأول منهما انه و ان كان ما صرحنا به من القاعدة المذكورة لم يرد

____________

(1) أشار الى ذلك في الصحيفة 46 السطر 4.

149

بها الأخبار على الوجه المدعى، الا ان المستفاد منها- على وجه لا يزاحمه الريب في خصوصيات المسائل التي تصلح للجزئية و الاندراج تحت كل من كليتي المحصور و غير المحصور- ان الحكم فيها كذلك، و لا يخفى ان القواعد الكلية كما تكون بورود الحكم كليا و باشتمال القضية على سؤر الكلية، كذلك تحصل بتتبع الجزئيات كما في القواعد النحوية، بل في بعض الاخبار الواردة في هذا المقام تصريح بكلية الحكم ايضا، و لنشر هنا الى بعض الاخبار إجمالا، لأن التفصيل في ذلك و الأبحاث المتعلقة بما هنالك قد وكلناها الى مواضعها الآتية إن شاء الله تعالى.

فمما يدل على حكم المحصور و انه يحكم بنجاسة الجميع موثقة عمار (1) الواردة في الإناءين النجس أحدهما مع اشتباهه بالآخر، فإنها دلت على وجوب اجتنابهما.

و حسنة صفوان (2) في الثوبين النجس أحدهما مع اشتباهه بالآخر، حيث أمر (عليه السلام) بالصلاة في كل منهما على حدة.

و الاخبار الدالة على غسل الثوب النجس بعضه مع اشتباهه بالباقي (3).

و مما يدل على حكم غير المحصور- و انه يحكم بالطهارة في الجميع- ما قدمنا في القاعدة الاولى من موثقة عمار (4) الدالة على ان كل شيء طاهر حتى يعلم أنه

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 8- من أبواب الماء المطلق، و في باب- 4- من أبواب التيمم، و في باب- 64- من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود من كتاب الطهارة.

(2) المروية في الوسائل في باب- 64- من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في باب- 7- من أبواب النجاسات و الجلود من كتاب الطهارة.

(4) في الصحيفة 134 السطر 8. و قد تقدم الكلام في هذه الموثقة في التعليقة (1) في الصحيفة 42 و يأتي منه (قده) التصريح بما ذكرناه هناك في التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة الثانية من البحث الأول من أحكام النجاسات.

150

قذر كما قدمنا تحقيقه و أوسعنا مضيقة، و هي متضمنة للحكم المذكور بوجه كلي كما أشرنا اليه.

و يرد ايضا عليه و على القائل الآخر الأخبار الدالة على حكم اللحم المختلط ذكية بميتته و انه يباع ممن يستحل الميتة كحسنتي الحلبي (1).

و يدل عليه خصوص صحيحة ضريس الكناسي المتقدمة في القاعدة الثانية (2) و كذا رواية عبد الله بن سليمان المذكورة ثمة (3). و الاولى منهما متضمنة لحكم المحصور و غير المحصور على وجه كلي و نمط جلي، و هي صريحة الدلالة في الرد على هذين الفاضلين. و الثانية قد تضمنت حكم غير المحصور بوجه كلي أيضا.

و يؤيده (4) بالنسبة إلى المحصور الذي هو محل النزاع

ما روي عنه (صلى الله عليه و آله) انه «ما اجتمع الحرام و الحلال إلا غلب الحرام الحلال» (5).

و ما ذكره جملة من أصحابنا من ان اجتناب الحرام واجب، و لا يتم هنا إلا باجتناب الجميع.

و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

و منها-

الشك في شيء بعد الخروج عنه

، لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (6): «إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء».

____________

(1) المرويتين في الوسائل في باب- 35- من أبواب الأطعمة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(2) في الصحيفة 141 السطر 1.

(3) في الصحيفة 141 السطر 9.

(4) انما جعلنا هذا الخبر مع صراحته في المدعى من المؤيدات لعدم الوقوف على سنده من كتب أصولنا، و إنما وقفت عليه في عوالي اللئالي (منه (رحمه الله).

(5) رواه المجلسي في البحار في باب- 33- من كتاب العلم في الصحيفة (272) رقم 6 من المطبوع بمطبعة الحيدري بطهران.

(6) المروية في الوسائل في باب- 23- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة.

151

و قوله (عليه السلام) في موثقة محمد بن مسلم (1): «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو».

و قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير (2): «كل شيء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه».

و في هذه القاعدة الشريفة أبحاث منيفة تأتي ان شاء الله تعالى في أحكام الوضوء.

و منها-

رفع الحرج

. لقوله سبحانه (مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (3) (يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (4).

و يدل عليه من الاخبار

حسنة عبد الأعلى (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟ فقال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب الله عز و جل قال الله تعالى (مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (6) امسح عليه».

و في رواية أبي بصير (7): «في الجنب يدخل يده في التور أو الركوة؟

قال: ان كانت يده قذرة فليهرقه، و ان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه، هذا مما قال الله تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (8).

و في صحيحة الفضيل (9)

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 23- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة.

(2) المروية في الوافي في باب (الشك في اجزاء الصلاة) من أبواب الفصل الخامس من كتاب الصلاة.

(3) سورة الحج آية 78.

(4) سورة البقرة. آية 182.

(5) المروية في الوسائل في باب- 39- من أبواب الوضوء من كتاب الطهارة.

(6) سورة الحج آية 78.

(7) المروية في الوسائل في باب- 8- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(8) سورة الحج آية 78.

(9) المروية في الوسائل في باب- 9- من أبواب الماء المضاف و المستعمل من كتاب الطهارة.

152

«في الجنب يغتسل فينضح الماء من الأرض في الإناء؟ فقال؟ لا بأس، هذا مما قال الله تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (1).

و منها-

العذر فيما غلب الله عليه

، لحسنة حفص بن البختري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سمعته يقول في المغمى عليه: ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر».

و بمضمونها في حكم المغمى عليه أخبار عديدة (3) و في بعضها

«كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر».

و زاد في بعض الاخبار المروية في ذلك ايضا من

كتاب قرب الاسناد و بصائر الدرجات: «و هذا من الأبواب التي يفتح الله منها الف باب».

و في رواية مرازم في المريض الذي لا يقدر على الصلاة (4) «كل ما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر».

و منها-

الترجيح بالمرجحات المنصوصة عند اختلاف الأخبار

. و قد تقدم الكلام عليها مفصلا (5).

و منها-

الاحتياط في مواضعه

على التفصيل المتقدم (6).

و منها-

معذورية الجاهل

على الوجه المتقدم تفصيله (7).

____________

(1) سورة الحج. آية 78.

(2) رواها في الوسائل في باب- 3- من أبواب قضاء الصلاة من كتاب الصلاة.

(3) رواها في الوسائل في باب- 3- من أبواب قضاء الصلاة من كتاب الصلاة.

(4) المروية في الوافي في باب (صلاة المريض و الهرم) من أبواب الفصل الخامس من كتاب الصلاة.

(5) في المقدمة السادسة في الصحيفة 87.

(6) في المقدمة الرابعة في الصحيفة 65.

(7) في المقدمة الخامسة في الصحيفة 77.

153

و منها-

العمومات القطعية المقررة عن صاحب الشريعة

، مثل قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1) و اخبار

«لا ضرر و لا ضرار» (2).

و منع- المحدث الأمين الأسترآبادي في كتاب الفوائد المدنية- من الاستدلال بأمثال ذلك، لظنية الدلالة، و النهي عن اتباع الظن. و هو مع تسليمه إنما يتم فيما لم تكن دلالته محكمة. و أما ما كان كذلك فلا مانع من الاستدلال به. على انه قد استدل في كتابه المذكور بأمثال ذلك في غير موضع كما لا يخفى على من راجعه.

و منها

[المؤمنون عند شروطهم إلا ما خالف كتاب الله]

«المؤمنون عند شروطهم إلا ما خالف كتاب الله.

» (3) و في بعضها

«الا ما أحل حراما أو حرم حلالا».

و اخبار

[ «البيعان بالخيار ما لم يفترقا»]

«البيعان بالخيار ما لم يفترقا» (4).

«و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام».

(5) «و البينة على المدعي و اليمين على المنكر».

(6) إلا ما استثنى مما سيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى.

و منها-

في البيض المجهول ان يؤكل منه ما اختلف طرفاه دون ما استويا

، لصحيحة زرارة و غيرها (7).

و

في الطير ما دف دون ما صف، و ما كان دفيفه أكثر، و لو اتي به مذبوحا

____________

(1) سورة المائدة. آية 2.

(2) المروية في الوسائل في باب- 5- من كتاب الشفعة و في باب- 12- من كتاب احياء الموات.

(3) المروية في الوسائل في باب- 6 و 1 و 3- من أبواب الخيار من كتاب التجارة.

(4) المروية في الوسائل في باب- 6 و 1 و 3- من أبواب الخيار من كتاب التجارة.

(5) المروية في الوسائل في باب- 6 و 1 و 3- من أبواب الخيار من كتاب التجارة.

(6) المروية في الوسائل في باب- 3- من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى من كتاب القضاء.

(7) المروية في الوسائل في باب- 19- من أبواب الأطعمة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

154

فيؤكل ما كان له قانصة دون ما لم يكن كذلك، لرواية ابن ابي يعفور و غيرها (1).

و

في السمك يؤكل ما كان له فلس

دون ما ليس كذلك (2) كما استفاضت به الاخبار (3).

و منها-

[حديث الرفع]

رفع الخطأ و النسيان و ما استكره عليه و ما لا يطاق و ما لا يعلم و ما اضطر اليه و الحسد و الطيرة و الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة، لما رواه الصدوق في الفقيه (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام).

و الرفع في هذا الموضع أعم من أن يكون برفع الإثم و المؤاخذة كما في بعض الأفراد المعدودة، أو رفع الفعل و انتفاء التكليف به كما في البعض الآخر.

و منها-

العمل بالتقية إذا ألجأت الضرورة إليها

. و الاخبار بذلك أكثر

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 17 و 18- من أبواب الأطعمة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(2) و من لطيف الحكايات في هذا المقام ما رواه الكشي في كتاب الرجال بسنده عن حريز قال: «دخلت على ابى حنيفة و عنده كتب كادت تحول بيننا و بينه، فقال لي:

هذه الكتب كلها في الطلاق. قال: قلت: نحن نجمع هذا كله في حرف. قال: ما هو؟

قلت: قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ. و ساق الخبر، الى ان قال: فقال لي: لاسئلك عن مسألة لا يكون عندك فيها شيء، فما تقول في جمل اخرج من البحر؟ قلت: ان شاء فليكن جملا و ان شاء فليكن بقرة، ان كانت عليه فلوس أكلناه و الا فلا. الحديث» (منه (رحمه الله).

(3) المروية في الوسائل في باب- 8- من أبواب الأطعمة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(4) في باب (من ترك الوضوء أو بعضه أو شك فيه) من الجزء الأول، و قد تقدم في التعليقة 1 في الصحيفة 44 و التعليقة 2 في الصحيفة 81 ما يتعلق بالحديث المذكور.

155

و أشهر من أن يتعرض لنقلها (1) بل ربما كان ذلك من ضروريات المذهب. و في هذه القاعدة تفصيل حسن سيأتي الكلام عليه ان شاء الله تعالى في أحكام الوضوء.

و منها-

العمل بالبراءة الأصلية في الأحكام التي تعم بها البلوى

كما تقدمت الإشارة الى ذلك (2).

و الوجه فيه ما ذكره بعض مشايخنا المحدثين من ان المحدث الماهر- إذا تتبع الأخبار الواردة حق التتبع في مسألة لو كان فيها حكم مخالف للأصل لاشتهر لعموم البلوى بها، و لم يظفر بذلك الحكم- يحصل له الجزم أو الظن المتاخم للعلم بعدم الحكم، لان جما غفيرا من أصحابهم (عليهم السلام)- و منهم: الأربعة آلاف رجل الذين من أصحاب الصادق (عليه السلام) و تلامذته- كانوا ملازمين لهم في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة، و كان همتهم و همة الأئمة (عليهم السلام) إظهار الدين و ترويج الشريعة، و كانوا لحرصهم على ذلك يكتبون كل ما يسمعونه خوفا من عروض النسيان له، و كان الأئمة (عليهم السلام) يحثونهم على ذلك، و ليس الغرض منه إلا العمل به بعدهم. ففي مثل ذلك يجوز التمسك بالبراءة الأصلية، إذ لو كان ثمة دليل- و الحال كذلك- لظهر.

و ما اعترض به بعض متأخري المتأخرين- من ان ذلك لا يخلو من نوع اشكال لتطرق الضياع و التلف إلى جملة من الأصول- فالظاهر سقوطه، لان الظاهر ان التلف إنما عرض لتلك الأصول أخيرا بالاستغناء عنها بهذه الكتب المتداولة، لكونها أحسن منها ترتيبا و أظهر تبويبا، و إلا فقد بقي من تلك الأصول إلى عصر السيد رضي الدين ابن طاوس (رضي الله عنه) جملة وافرة، و قد نقل منها في مصنفاته كما نبه عليه، و كذا

____________

(1) رواها صاحب الوسائل في باب- 24 و 25- من أبواب الأمر و النهى من كتاب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و ما يلحق به.

(2) في الصحيفة 46 السطر 4.

156

ابن إدريس كما ذكره في مستطرفات السرائر، و عد من هذا القبيل وجوب القصد إلى السورة، و وجوب قصد الخروج بالتسليم، و نجاسة أرض الحمام، و نجاسة الغسالة.

و منها-

البناء في شك الأخيرتين من الرباعية على الأكثر ما لم يكن مبطلا.

و تدل عليه

موثقة عمار الساباطي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شيء من السهو في الصلاة. فقال: ألا أعلمك شيئا إذا فعلته ثم ذكرت أنك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شيء؟ قلت: بلى. قال: إذا سهوت فابن على الأكثر، فإذا فرغت و سلمت فقم فصل ما ظننت انك نقصت. الحديث».

و في موثقة إسحاق بن عمار (2) انه قال: «قال لي أبو الحسن (عليه السلام):

إذا شككت فابن على اليقين. قال: قلت: هذا أصل؟ قال: نعم».

و أكثر الأصحاب فهموا من هذا الخبر ان المراد به البناء على الأقل، فيكون ذلك قاعدة مخالفة لتلك القاعدة، و قد تكلفوا للجمع بينهما بالتخيير.

و الأظهر عندي- كما سيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى- اما حمل اليقين في الخبر المذكور على البناء على الأكثر على ان يكون المراد به يقين البراءة، إذ به يحصل يقين البراءة على الاحتمالين دون البناء على ما تيقن فعله و هو الأقل، لوجوب الإعادة مع ظهور التمام للزيادة، و اما حمله على التقية، لكون ذلك مذهب جمهور الجمهور (3) مع اعتضاد القاعدة الأولى بالأخبار المستفيضة الصحيحة الصريحة في جزئيات الشكوك.

و منها-

الإبهام لما أبهم الله و السكوت عما سكت الله

. و يدل عليه

ما رواه في كتاب عوالي اللئالي عن إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول: أبهموا ما أبهم الله» (4).

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 8- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة.

(2) المروية في الوسائل في باب- 8- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة.

(3) كما يظهر من المغني لابن قدامة ج 2 ص 15. و من المحلى لابن حزم ج 4 ص 170.

(4) و رواه المجلسي في البحار في باب- 33- من أبواب كتاب العلم.

157

و ما رواه الشيخ المفيد (رحمه الله) في كتاب المجالس بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ان الله تعالى حد لكم حدودا فلا تعتدوها، و فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها، و سن لكم سننا فاتبعوها، و حرم عليكم حرمات فلا تنتهكوها، و عفى لكم عن أشياء رحمة منه من غير نسيان فلا تتكلفوها» (1).

و ما رواه في الفقيه من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) و قد مر في آخر بحث البراءة الأصلية (2).

و منها-

ثبوت العيب بما زاد أو نقص عن أصل الخلقة

. و يدل عليه

ما رواه في الكافي (3) عن السياري قال: «سأل ابن ابي ليلى محمد ابن مسلم فقال له: أي شيء تروون عن ابي جعفر (عليه السلام) في المرأة لا يكون على ركبها شعر، أ يكون ذلك عيبا؟ فقال له محمد: اما هذا نصا فلا أعرفه، لكن حدثني أبو جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «كل ما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب». فقال له ابن ابي ليلى:

حسبك».

و منها-

ان كل شيء يجتر فسؤره حلال و لعابه حلال

. للخبر عنه (صلى الله

____________

(1) و رواه المجلسي في البحار في باب- 22- من كتاب العلم برقم 11 في الصحيفة 263 من الجزء الثاني من المطبوع بمطبعة الحيدرى بطهران.

(2) في الصحيفة 50 السطر 17.

(3) في باب- 95- من كتاب المعيشة. و رواه صاحب الوسائل في باب- 1- من أبواب أحكام العيوب من كتاب التجارة.

158

عليه و آله) رواه الصدوق (رحمه الله) في الفقيه مرسلا (1) و رواه في التهذيب ايضا (2) عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب عن آبائه عنه (صلى الله عليه و آله).

و منها-

قبول قول من لا منازع له

، كما لو ادعى مالا و لا منازع له فيه. و قبول قول المرأة لو ادعت الحيض أو الخروج من العدة أو عدم الزوج أو موته.

و هذه القاعدة و ان لم ترد الاخبار بها بالعنوان المذكور الا ان اتفاقها فيما وقفنا عليه من جزئيات هذه القاعدة مما يؤذن بكلية الحكم المذكور، كما هو المفهوم ايضا من كلام الأصحاب، و مما يوضح ذلك ان الاخبار- الواردة في إثبات الدعاوي بالبينة و اليمين- لا عموم فيها على وجه يشمل مثل هذه المسألة، إذ موردها إنما هو النزاع بين الخصمين و حصول مدع و منكر في البين، كما لا يخفى على من أحاط بها خبرا.

و مما حضرني من الأخبار في بعض جزئيات هذه القاعدة

رواية منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت له: عشرة كانوا جلوسا و في وسطهم كيس فيه الف درهم، فسأل بعضهم بعضا أ لكم هذا الكيس؟ فقالوا كلهم: لا.

و قال واحد منهم: هو لي. فلمن هو؟ قال: للذي ادعاه».

و حسنة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «العدة و الحيض للنساء إذا ادعت صدقت».

____________

(1) في باب (المياه و طهرها و نجاستها) من الجزء الأول.

(2) في باب (المياه و أحكامها) من كتاب الطهارة في الصحيفة 64، و رواه صاحب الوسائل في باب- 5- من أبواب الأسئار من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في باب- 17- من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى من كتاب القضاء.

(4) المروية في الوسائل في باب- 47- من أبواب الحيض من كتاب الطهارة، و في باب- 24- من أبواب العدد من كتاب الطلاق.

159

و رواية ميسر (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ألقى المرأة في الفلاة التي ليس فيها أحد، فأقول لها: أ لك زوج؟ فتقول: لا. فأتزوجها؟ قال: نعم هي المصدقة على نفسها».

و في رواية أبان بن تغلب الواردة في مثل ذلك (2) قال (عليه السلام):

«ليس هذا عليك، إنما عليك ان تصدقها في نفسها».

و لا يخفى عليك ما في عموم الجواب من الدلالة على قبول قولها فيما يتعلق بها نفسها.

و استشكل صاحب الكفاية في قبول قولها في موت الزوج. و جمع من المعاصرين في قبول قولها بعدم الزوج بعد معلوميته سابقا. و هو ضعيف. و الاخبار ترده. و منها:

الخبر المذكور، و منها أيضا: صحيحة حماد و رواية أحمد بن محمد بن ابي نصر (3) نعم ربما ظهر من بعض الاخبار التقييد بكونها غير متهمة، إلا ان الأظهر حمله على الاستحباب

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 25- من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد من كتاب النكاح، و في باب- 10- من أبواب المتعة من كتاب النكاح.

(2) المروية في الوسائل في باب- 10- من أبواب المتعة من كتاب النكاح.

(3) و هو

ما رواه حماد في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) «في رجل طلق امرأته ثلاثا فبانت منه فأراد مراجعتها، فقال لها: انى أريد مراجعتك فتزوجي زوجا غيري فقالت له: انى قد تزوجت زوجا غيرك و حللت لك نفسي. أ يصدق قولها و يراجعها و كيف يصنع؟ قال: إذا كانت المرأة ثقة صدقت في قولها».

و رواية أحمد بن محمد ابن ابى نصر عن الرضا (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يتزوج المرأة فيقع في قلبه ان لها زوجا؟ قال: ما عليه، أ رأيت لو سألها البينة كانت تجد من يشهد ان ليس لها زوج».

و لا يخفى عليك ما في الثانية من الصراحة في المراد. و الظاهر ان المراد بكونها ثقة في الرواية الأولى أي مما يوثق بأخبارها و تسكن النفس الى كلامها، و هي التي ربما عبر عنها بالمأمونة، لا الوثاقة بمعنى العدالة. و مع ذلك فالظاهر حملها على الاستحباب، لاستفاضة الأخبار بأنها مصدقة على نفسها، و منها: الرواية المنقولة في المتن (منه (رحمه الله).

160

و الأحوطية جمعا بين الأخبار، لتصريح جملة منها بقبول قولها في مقام التهمة أيضا.

و الله العالم.

تتمة مهمة [في القواعد الأصولية التي لم يوجد لها مستند]

قد اشتهر في كلام جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) قواعد أخر بنوا عليها الأحكام. مع كون جملة منها مما يخالف ما هو الوارد عنهم (عليهم السلام)، و جملة أخرى مما لم يوجد له مستند في المقام.

فمنها- قولهم: انه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. مع انه قد استفاضت النصوص عنهم (عليهم السلام) في مواضع- منها: في تفسير قوله تعالى (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ)* (1)- بما يدفع هذه القاعدة،

حيث قالوا (صلوات الله عليهم): «ان الله قد فرض عليكم السؤال و لم يفرض علينا الجواب، بل ذلك إلينا، ان شئنا أجبنا و ان شئنا أمسكنا» (2).

نعم هذه القاعدة إنما تتجه على مذهب العامة، لعدم التقية في اخبارهم، و قد تبعهم من أصحابنا من تبعهم فيها غفلة.

(و لو قيل): انه مع عدم جوابهم (عليهم السلام) يلزم الحرج.

(قلنا): انما يلزم ذلك لو لم يكن ثمة مخرج آخر، كيف؟ و قد تقرر عنهم (عليهم السلام) قاعدة جلية في أمثال ذلك. و هو سلوك جادة الاحتياط، كما أسلفنا بيانه و أوضحنا برهانه (3).

و نقل شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح عن شيخه العلامة الشيخ

____________

(1) سورة النحل. آية 46. سورة الأنبياء. آية 8.

(2) روى صاحب الوسائل شطرا من الاخبار المتضمنة لهذا المعنى في باب- 7- من أبواب صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.

(3) في المقدمة الرابعة في ضمن التحقيق الواقع في الصحيفة 68.

161

سليمان البحراني (قدس سرهما) انه كان يقول: «لو ورد علينا في مثل هذه المسألة ألف حديث لما عملنا به، لانه معارض لما قام عليه الدليل العقلي و النقلي من عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة».

و هو- كما ترى- اجتهاد صرف و تعصب بحت، فان الدليل النقلي- المطابق للدليل العقلي الذي هو عبارة عما دل من الاخبار على وجوب بذل العلم،

كقوله (عليه السلام): «ان الله لم يأخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم» (1).

و ما اشتهر من

قوله (صلى الله عليه و آله): «من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار».

الى غير ذلك- مخصوص

بما رواه ثقة الإسلام في الكافي (2) بسنده الى عبد الله بن سليمان قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول، و عنده رجل من أهل البصرة- يقال له عثمان الأعمى- و هو يقول: ان الحسن البصري يزعم ان الذين يكتمون العلم تؤذي ريح بطونهم أهل النار. فقال أبو جعفر (عليه السلام):

فهلك اذن مؤمن آل فرعون، ما زال العلم مكتوما منذ بعث الله نوحا، فليذهب الحسن يمينا و شمالا فوالله ما يوجد العلم إلا ههنا».

و نحوه روى في كتاب بصائر الدرجات و لعل الحسن البصري- حيث انه من جملة النصاب و رؤوس ذوي الأذناب- كان يعرض بهم (عليهم السلام) في عدم جوابهم عن بعض الأسئلة كما تدل عليه الاخبار السابقة (3).

و في هذين الخبرين دلالة على جواز تأخير البيان مع التقية حتى بالنسبة إلى غيرهم ايضا، و حينئذ فتلك القاعدة و ما يطابقها من الأخبار مخصصة بما ذكرناه من الأخبار.

و كأن شيخنا العلامة المشار اليه قصر النظر على عموم الأخبار المتقدمة من حيث

____________

(1) تقدم الكلام في هذا الحديث في التعليقة 3 في الصحيفة 81.

(2) في باب النوادر من كتاب فضل العلم و هو الحديث 15 منه.

(3) المشار إليها في الصحيفة 160 السطر 6.

162

دلالتها على عدم وجوب الجواب عليهم (عليهم السلام) سواء كان لتقية أم لا، و بذلك تحصل المنافاة للقاعدة المذكورة (1).

و بما ذكرنا لك من الخبرين المذكورين (2) تنكشف عن تلك الأخبار غشاوة العموم و تختص بمقام التقية كما لا يخفى.

و منها- حمل اللفظ الوارد في أخبارهم (عليهم السلام) على الحقيقة الشرعية ان ثبتت و إلا المعنى العرفي الخاص، و مع عدمه فالمعنى اللغوي و إلا العرفي العام (3) و قد عرفت ما فيه في المقدمة الثامنة.

و منها- قولهم: عدم وجود المدرك للحكم الشرعي مدرك شرعي، و بعبارة أخرى، عدم وجود الدليل دليل على العدم. و قد عرفت ما فيه في المقدمة الثالثة في مسألة البراءة الأصلية (4).

____________

(1) بمعنى انه (ره) فهم من الاخبار الدالة على عدم وجوب الجواب عليهم (عليهم السلام) عدم الجواب مطلقا لتقية كان أولا. و بذلك تحصل المنافاة بين تلك الاخبار و بين هذه القاعدة، فلذا رد تلك الاخبار و لم يعمل بها في مقابلة القاعدة المذكورة، و لو انه يخصصها بمقام التقية، بمعنى ان عدم وجوب التعرض عليهم إنما هو من حيث التقية و اما مع عدمها فيجب عليهم الجواب، لظهر وجه الجمع بينها و بين القاعدة المذكورة بتخصيص المنع عن جواز تأخير الجواب عن وقت الحاجة بغير وقت التقية. و كذلك الأخبار- التي استند إليها في تأييد القاعدة المذكورة، من وجوب بذل العلم و عدم جواز كتمانه- مخصوصة بغير مقام التقية كما دريته من الخبرين المنقولين. و بالجملة فمن المعلوم ان شرعية التقية مما ينتج جواز تأخير الجواب لهم (عليهم السلام) و لغيرهم و بذلك يرتفع الاشكال. و لكن الظاهر انه لم يخطر ذلك لشيخنا المشار اليه بالبال (منه (رحمه الله).

(2) في الصحيفة 161 السطر 8 و 13.

(3) تعرض له في الصحيفة 121 السطر 3.

(4) تعرض له في الوجه الثاني من وجوه دفع البراءة في الشبهة التحريمية في الصحيفة 45 السطر 3.

163

و منها- قولهم: الجمع بين الدليلين مهما أمكن أولى من طرح أحدهما. و قد تقدم ما فيه في المقدمة السادسة (1).

و منها- انه إذا تعارضت الاخبار في وجوب فعل و استحبابه أو تحريم شيء و كراهته، يرجحون جانب الاستحباب أو الكراهة بالبراءة الأصلية. و فيه ما تقدم في المقدمة الرابعة (2).

و منها- ما صار اليه جمع من متأخري المتأخرين من حمل أوامر السنة و نواهيها على الاستحباب و الكراهة ما لم تقم قرينة الوجوب أو التحريم (3) و قد عرفت ما فيه في المقدمة السابعة.

و منها- ما صاروا إليه أيضا من انه متى ورد الحكم في خبر ضعيف باصطلاحهم المتأخر، حملوه على الاستحباب أو الكراهة تفاديا من طرحه. و فيه ان ضعف السند ليس من القرائن الموجبة للحمل على المجاز.

و منها- قولهم: انه إذا تعلق الطلب بالماهية الكلية يتحقق الامتثال بفرد منها لأن الأصل عدم تعلق الطلب بقيد زائد. و فيه ما افاده بعض مشايخنا المحدثين من ان بعض الماهيات الكلية تحتها افراد تصلح عند العقلاء لان يتعلق غرض ببعضها دون بعض، كحج البيت و غسل الوجه في الوضوء و مسح مخرج الغائط بالأحجار و يستهجن عندهم الاقدام على فرد من إفرادها من غير سؤال. و هذا نوع من الإجمال منشأه نفس المعنى لا اللفظ.

و منها- انهم جعلوا من جملة وجوه الجمع بين الأخبار بل أظهرها حمل الأمر

____________

(1) في الصحيفة 89 سطر 13.

(2) في الصحيفة 69 السطر 16.

(3) تعرض له في الصحيفة 115 السطر 7.

164

على الاستحباب و النهي على الكراهة. و قد عرفت ما فيه في الموضع السادس (1) من الأبحاث المتعلقة باخبار التعارض من المقدمة السادسة.

و منها- قولهم: انه لا يشترط في صدق المشتق بقاء مأخذ الاشتقاق. و قد عرفت ما فيه في المقدمة التاسعة (2).

و منها- ما ذهب اليه جمع من ان كل عقد اشتمل على شرط فاسد فإنه يبطل به أصل العقد، لان المقصود بالعقد هو المجموع. و أصل العقد مجردا عن الشرط غير مقصود فيكون باطلا، لان العقود تابعة للقصود، فما كان مقصودا غير صحيح و ما كان صحيحا غير مقصود. و ذهب جمع الى بطلان الشرط خاصة.

و الأخبار فيها ما يدل على الثاني و فيها ما يدل على الأول، فالواجب حينئذ هو الوقوف على الدليل- كيف كان- ان وجد، و إلا فالاحتياط.

و مما يدل على الثاني صحيحتا محمد بن قيس المتضمنة إحداهما (3) اشتراط المرأة في عقد النكاح ان بيدها الجماع و الطلاق. و الأخرى (4) اشتراط أن يجيء الزوج بالصداق إلى أجل مسمى، و إلا فليس له عليها سبيل. و قد حكم (عليه السلام) فيهما بصحة العقد و أبطل الشرط.

و مرسلة جميل بن دراج (5) «في الرجل يشتري الجارية و يشترط لأهلها ان لا يبيع و لا يهب و لا يورث؟ قال (عليه السلام): يفي بذلك إذا شرط لهم إلا الميراث».

____________

(1) في الصحيفة 108 السطر 20.

(2) في الصحيفة 121.

(3) المروية في الوسائل في باب- 29- من أبواب المهور من كتاب النكاح.

(4) المروية في الوسائل في باب- 10- من أبواب المهور من كتاب النكاح.

(5) المروية في الوسائل في باب- 15- من أبواب بيع الحيوان من كتاب التجارة.

165

و حسنة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) الواردة في بريرة و انها كانت مملوكة لقوم فباعوها على عائشة و اشترطوا ان لهم ولاءها، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «الولاء لمن أعتق» (2).

و بذلك يظهر لك ما في كلام السيد السند صاحب المدارك (قدس سره) في شرح المختصر في مسألة ما لو شرط في عقد النكاح ما يخالف المشروع، حيث اختار العمل بالقاعدة المتقدم نقلها (3) للعلة التي تقدم ذكرها (4) و قال- بعد نقل صحيحتي محمد بن قيس المشار إليهما (5) و كلام في المقام- ما صورته: «لكن مرجع الروايتين إلى رواية واحدة و هو خبر محمد بن قيس. و في صلاحيته بمجرده لإثبات الحكم نظر، و لو ثبت العمل به لوجب قصر الحكم بالصحة على مورد الرواية، و الحكم في غيره بالبطلان، لما ذكر من الدليل» انتهى. فان فيه- كما عرفت- ان الحكم بالصحة ليس مقصورا على صحيحتي محمد بن قيس (6) اللتين قد تمحل بإرجاعهما الى خبر واحد. بل غيرهما من الأخبار ايضا دال عليه كما دريت.

و مما يدل على الأول

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 37- من أبواب كتاب العتق.

(2) و من ذلك

ما رواه الكليني عن الوشاء عن الرضا (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: لو ان رجلا تزوج امرأة و جعل مهرها عشرين ألفا و جعل لأبيها عشرة آلاف، كان المهر جائزا و الذي جعله لأبيها فاسدا».

قال السيد السند في شرح المختصر بعد ذكر هذا الخبر: و يستفاد من هذه الرواية عدم فساد العقد باشتماله على هذا الشرط الفاسد. انتهى و فيه رد على ما ذكره في الموضع المشار إليه في الأصل و مؤيد لما قلناه (منه (رحمه الله).

(3) و هي قاعدة فساد أصل العقد بفساد الشرط.

(4) في الصحيفة 164 السطر 6.

(5) في الصحيفة 164 السطر 11.

(6) في الصحيفة 164 السطر 11.

166

مرسلة مروان بن مسلم عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت: ما تقول في رجل جعل أمر امرأته بيدها؟ قال:

فقال: ولى الأمر من ليس أهله و خالف السنة و لم يجز النكاح».

و لا تخلو من إجمال في الدلالة كما سيأتي التنبيه عليه في محله ان شاء الله تعالى.

و منها- ما ذهب إليه جملة منهم من أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده الخاص. و قد مرت الإشارة الى ما فيه في المقدمة الثالثة (2) و مثله القول في مقدمة الواجب (3) الى غير ذلك من القواعد التي تضمنها كتاب القواعد لشيخنا الشهيد و كتاب تمهيد القواعد لشيخنا الشهيد الثاني (عطر الله مرقديهما) و ما ذكرناه من القسمين انما هو أنموذج يتذكر به اللبيب و يحذو حذوه الموفق المصيب، و لئلا يجمد على مجرد التقليد لظاهر المشهورات و ان زخرف بضم الإجماع في العبارات، و إلا فالقواعد من الجانبين أكثر من ان يأتي عليها قلم الإحصاء في البين.

____________

(1) رواها صاحب الوافي في باب (الشرط في النكاح و ما يجوز منه و ما لا يجوز) من الجزء الثاني عشر.

(2) في الصحيفة 59 السطر 16.

(3) و مما يدخل في حيز هذا الباب ما ذكره جملة منهم من التوقف في الحكم و لفتوى على وجود القائل و ان وجد النص الدال على ذلك. و فيه ما أورده بعض مشايخنا المحدثين من أنه (أولا) يلزم التسلسل. و (ثانيا) انه يكون قول المعصوم أقل درجة من قول سائر المجتهدين.

و (أقول): لا يخفى على من تأمل كلام المتأخرين انتشار أقوالهم في المسائل الشرعية مع ان كلام المتقدمين سيما على عصر الشيخ أقل قليل في الفتاوى، حيث انه لم تعرف لهم كتب فتاوى يعمل عليها و يستند إليها، و فتاوى الشيخ و من عاصره لم تبلغ في الكثرة و الانتشار الى ما صاروا إليه في هذه الأعصار، فقد خالفوا قاعدتهم من حيث لا يشعرون (منه (رحمه الله).

167

المقدمة الثانية عشرة في الإشارة إلى نبذة من الكلام في أحوال المجتهدين من أصحابنا و الأخباريين.

و بها تختتم ما أردنا إيراده من المقدمات و قصدنا إحرازه من المتممات، تيمنا بهذا العدد الشريف و تبركا بهذا العقد المنيف، اعلم انه قد كثرت الأسئلة من جملة من الطلبة عن الفرق بين المجتهد و الاخباري و أكثر المسئولون من وجوه الفروق، حتى أنهاها- شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله ابن صالح البحراني (نور الله مرقده) في كتاب منية الممارسين في أجوبة مسائل الشيخ ياسين- إلى ثلاثة و أربعين.

و قد كنت في أول الأمر ممن ينتصر لمذهب الأخباريين، و قد أكثرت البحث فيه مع بعض المجتهدين من مشايخنا المعاصرين، و أودعت كتابي الموسوم بالمسائل الشيرازية مقالة مبسوطة مشتملة على جملة من الأبحاث الشافعية و الاخبار الكافية تدل على ذلك و تؤيد ما هنالك.

إلا ان الذي ظهر لي- بعد إعطاء التأمل حقه في المقام و إمعان النظر في كلام علمائنا الأعلام- هو إغماض النظر عن هذا الباب و إرخاء الستر دونه و الحجاب، و ان كان قد فتحه أقوام و أوسعوا فيه دائرة النقض و الإبرام.

(أما أولا)- فلاستلزامه القدح في علماء الطرفين و الإزراء بفضلاء الجانبين كما قد طعن به كل من علماء الطرفين على الآخر، بل ربما انجر الى القدح في الدين سيما من الخصوم المعاندين، كما شنع به عليهم الشيعة من انقسام مذهبهم الى المذاهب الأربعة، بل شنع به كل منهم على الآخر ايضا.

(و اما ثانيا)- فلأن ما ذكروه في وجوه الفرق بينهما جله بل كله عند التأمل لا يثمر فرقا في المقام، فان من أظهر ما اعتمدوه فرقا في المقام هو كون الأدلة عند

168

المجتهدين أربعة: (الكتاب و السنة و الإجماع و دليل العقل) الذي هو عبارة عن البراءة الأصلية و الاستصحاب. و اما عند الأخباريين فالأولان خاصة. و في هذا الفرق نظر ظاهر، فإن الإجماع و ان ذكره المجتهدون في الكتب الأصولية وعدوه في جملة الأدلة و ربما استسلفوه في الكتب الاستدلالية، إلا أنك تراهم في مقام التحقيق في الكتب الاستدلالية يناقشون في ثبوته و حصوله و ينازعون في تحققه و وجود مدلوله حتى يضمحل أثره بالكلية، كما لا يخفى على من تصفح الكتب الاستدلالية كالمعتبر و المسالك و المدارك و نحوها، و قد تقدم لك في المقدمة الثالثة (1) نبذة من الإشارة الى ذلك. و اما دليل العقل فالخلاف في حجيته بين المجتهدين موجود في غير موضع، و المحققون منهم على منعه. و قد فصل المحقق- في أول كتاب المعتبر و المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم و غيرهما في غيرهما- الكلام في البراءة الأصلية و الاستصحاب على وجه يدفع تمسك الخصم به في هذا الباب، فليراجع ذلك من أحب الوقوف عليه. و قد حققنا ذلك في كتاب الدرر النجفية، و تقدم لك في هذا الكتاب (2) إشارة الى ذلك.

و من الفروق التي ذكروها ان الأشياء عند الأخباريين على التثليث: (حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك) و اما عند المجتهدين فليس إلا الأولان خاصة.

و في هذا الوجه ايضا نظر، فان الشيخ في العدة و قبله شيخه المفيد قد ذهبا الى القول بالتثليث كما نقلوه عن الأخباريين مع انهما من أساطين المجتهدين، و كلام الصدوق (قدس سره)- في كتاب الاعتقادات صريحا و في كتاب من لا يحضره الفقيه ظاهرا- مما ينادي بالقول بالتثنية كما عليه المجتهدون، قال في كتاب الاعتقادات: «باب الاعتقاد

____________

(1) في المقام الثاني منها الواقع في الصحيفة 35.

(2) في المطلب الأول من المقام الثالث من المقدمة الثالثة الواقع في الصحيفة 41 و المطلب الثاني منه الواقع في الصحيفة 51.

169

في الحظر و الإباحة، قال الشيخ (رضي الله عنه): اعتقادنا في ذلك ان الأشياء كلها مطلقة حتى يرد في شيء منها نهي» انتهى. فالأشياء عنده اما حلال أو حرام كما هو عند المجتهدين مع انه رئيس الأخباريين.

و منها- انهم ذكروا ان الاستدلال بالكتاب و السنة خاصة مخصوص بالأخباريين، مع ان الخلاف بين الأخباريين واقع فيه، فمنهم المحدث الأسترآبادي الذي هو المجدد لمذهب الأخباريين في الزمان الأخير. فإنه قد صرح في كتاب الفوائد المدنية بعدم جواز العمل بشيء منه إلا ما ورد تفسيره عن أهل العصمة (سلام الله عليهم) و اقتصر آخرون على العمل بمحكماته، و تعدى آخرون حتى كادوا ان يشاركوا الأئمة (عليهم السلام) في تأويل متشابهاته كما تقدمت الإشارة اليه (1).

و (اما ثالثا)- فلأن العصر الأول كان مملوءا من المحدثين و المجتهدين، مع انه لم يرتفع بينهم صيت هذا الخلاف، و لم يطعن أحد منهم على الآخر بالاتصاف بهذه الأوصاف، و ان ناقش بعضهم بعضا في جزئيات المسائل و اختلفوا في تطبيق تلك الدلائل.

و حينئذ فالأولى و الأليق- بذوي الايمان، و الأحرى و الأنسب في هذا الشأن- هو أن يقال: ان عمل علماء الفرقة المحقة- و الشريعة الحقة أيدهم الله تعالى بالنصر و التمكين و رفع درجاتهم في أعلى عليين سلفا و خلفا- إنما هو على مذهب أئمتهم (صلوات الله عليهم) و طريقهم الذي أوضحوه لديهم، فان جلالة شأنهم- و سطوع برهانهم و ورعهم و تقواهم المشهور بل المتواتر على مر الأيام و الدهور- يمنعهم من الخروج عن تلك الجادة القويمة و الطريقة المستقيمة، و لكن ربما حاد بعضهم- أخباريا كان أو مجتهدا- عن الطريق غفلة أو توهما أو لقصور اطلاع أو قصور فهم أو نحو ذلك في بعض المسائل، فهو

____________

(1) في المقام الأول من المقدمة الثالثة في الصحيفة 27.

170

لا يوجب تشنيعا و لا قدحا. و جميع تلك المسائل- التي جعلوها مناط الفرق- من هذا القبيل كما لا يخفى على من خاض بحار التحصيل، فانا نرى كلا من المجتهدين و الأخباريين يختلفون في آحاد المسائل بل ربما خالف أحدهم نفسه، مع انه لا يوجب تشنيعا و لا قدحا. و قد ذهب رئيس الأخباريين الصدوق (رحمه الله) تعالى) الى مذاهب غريبة لم يوافقه عليها مجتهد و لا إخباري، مع انه لم يقدح ذلك في علمه و فضله.

و لم يرتفع صيت هذا الخلاف و لا وقوع هذا الاعتساف إلا من زمن صاحب الفوائد المدنية سامحه الله تعالى برحمته المرضية، فإنه قد جرد لسان التشنيع على الأصحاب و أسهب في ذلك اي إسهاب، و أكثر من التعصبات التي لا تليق بمثله من العلماء الأطياب. و هو و ان أصاب الصواب في جملة من المسائل التي ذكرها في ذلك الكتاب، إلا انها لا تخرج عما ذكرنا من سائر الاختلافات و دخولها فيما ذكرنا من التوجيهات. و كان الأنسب بمثله حملهم على محامل السداد و الرشاد ان لم يجد ما يدفع به عن كلامهم الفساد، فإنهم (رضوان الله عليهم) لم يألوا جهدا في إقامة الدين و احياء سنة المرسلين، و لا سيما آية الله (العلامة) الذي قد أكثر من الطعن عليه و الملامة، فإنه بما ألزم به علماء الخصوم و المخالفين- من الحجج القاطعة و البراهين، حتى آمن بسببه الجم الغفير، و دخل في هذا الدين الكبير و الصغير و الشريف و الحقير، و صنف من الكتب المشتملة على غوامض التحقيقات و دقائق التدقيقات، حتى ان من تأخر عنه لم يلتقط إلا من درر نثاره و لم يغترف إلا من زاخر بحاره- قد صار له- من اليد العليا عليه و على غيره من علماء الفرقة الناجية- ما يستحق به الثناء الجميل و مزيد التعظيم و التبجيل، لا الذم و النسبة إلى تخريب الدين كما اجترأ به قلمه عليه (قدس سره) و على غيره من المجتهدين.

و لنشرع الآن في المقصود متوكلين على الملك المعبود و مفيض الخير و الجود، فنقول و به سبحانه الثقة لإدراك كل مأمول:

171

كتاب الطهارة

و فيه أبواب أربعة (خمسة)

الباب الأول في المياه

و ينقسم الماء الى مطلق و مضاف. و الأول منهما الى جار و راكد. و الجاري إلى ماء بئر و غيره. و الراكد الى كر و أقل منه. و الأقل إلى ماء سؤر و غيره.

و حيث جرت عادة فقهائنا (نور الله تعالى مراقدهم) بأفراد البحث لكل من هذه الأقسام لاختلافها بالنسبة إلى ملاقاة النجاسة في الأحكام، كان الواجب بسط الكلام هنا في فصول ستة و ختام.

الفصل الأول في الماء المطلق الجاري

، و القول فيه ينتظم في مقالات:

(المقالة الاولى) [في تعريف الجاري]

- المراد بالجاري هو النابع و ان لم يتعد محله. و النبع- على ما في كتب اللغة- عبارة عن خروج الماء من العين، قال في الصحاح: «نبع الماء ينبع نبوعا: خرج، و الينبوع عين الماء، و منه: قوله تعالى (حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً) (1) و الجمع ينابيع» انتهى. و قال في القاموس: «نبع الماء ينبع- مثلثة- نبعا و نبوعا: خرج من العين، و الينبوع العين» و قال في مادة عين:

«العين: الباصرة، الى ان قال: و ينبوع الماء» انتهى. و على هذا فالعين انما هو اسم للينبوع الذي يخرج منه الماء و ان اشتهر إطلاقها على مجمع الماء، و حينئذ فما

____________

(1) سورة الإسراء. آية 93.

172

يوجد- في بعض البلدان كبلادنا البحرين حرسها الله من طوارق الملوين، من الآبار التي يخرج ماؤها بطريق الترشح من الأرض- لا تدخل في الجاري، و لعلها مما تدخل تحت الثمد بالثاء المثلثة ثم الميم ثم الدال المهملة، و هو- على ما صرح به في القاموس- الماء القليل لا مادة له، إذ الظاهر ان المراد بالمادة هو الينبوع الذي يخرج منه الماء بقوة و ثوران دون ما يخرج بطريق الترشح من جميع سطح الأرض، و لهذا ان الوالد (عطر الله مرقده) كان يطهر- تلك الآبار المشار إليها حيث كانت في قريته متى تنجست- بإلقاء الكر عليها دون مجرد النزح منها، إلا ان تطهيره لها بإلقاء الكر عليها كان بجعل الكر في ظروف متعددة. و فيه عندي إشكال سيأتي التنبيه عليه في الكلام على تطهير الماء القليل ان شاء الله تعالى.

(المقالة الثانية) [الماء المطلق طاهر مطهر]

- الماء المطلق- من حيث هو سواء نزل من السماء أو نبع من الأرض أو اذيب من الثلج و البرد أو كان ماء بحر أو نحوه- طاهر في نفسه مطهر لغيره إجماعا، فتوى و دليلا، آية و رواية.

فمن الآيات الدالة على ذلك قوله سبحانه (وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً) (1) و قوله عز شأنه: (وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ.) (2).

و قد أورد على الاستدلال بهذه الآيات سؤالات: (أحدها)- ان أقصى ما تدل عليه طهورية ماء السماء لا مطلق الماء، فالدليل أخص من الدعوى.

(ثانيها)- ان (ماء) في الآيتين نكرة في سياق الإثبات، و هي لا تفيد العموم كما صرحوا به في الأصول.

(ثالثها)- ان (طهورا) هنا لا يجوز ان يكون على بابه من المبالغة في أمثاله لأن المبالغة في (فعول) إنما هي بزيادة المعنى المصدري و شدته فيه، كأكول و ضروب،

____________

(1) سورة الفرقان. آية 51.

(2) سورة الأنفال. آية 12.

173

و كون الماء مطهرا لغيره أمر خارج عن أصل الطهارة التي هي المعنى المصدري، فكيف تراد منه؟ بل هو حينئذ بمعنى الطاهر.

و الجواب عن الأول- ان المستفاد من الآيات القرآنية ان الماء أصله كله من السماء، و بذلك صرح شيخنا الصدوق في أول كتاب من لا يحضره الفقيه، و ما ذكره المتخرصون- من ان مواد المياه ليست إلا الأبخرة المحتبسة، و ان حصل لها الغزارة و النزارة بكثرة مياه الأمطار و الثلوج و قلتها- فكلام عار عن التحصيل، فضلا عن مخالفته لصريح التنزيل، و ما ورد عن معادن التأويل.

و من الآيات الدالة على ما قلنا قوله سبحانه: «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّٰاهُ فِي الْأَرْضِ، وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ» (1)

و روى الثقة الجليل علي ابن إبراهيم القمي في تفسير هذه الآية عن الباقر (عليه السلام) قال: «هي الأنهار و العيون و الآبار».

و قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَسَلَكَهُ يَنٰابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوٰانُهُ(2).

و قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرٰابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ الى قوله يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ(3).

فهذه الآيات دالة على ان أصل ماء الأرض كله من السماء.

و الجواب عن الثاني- انه و ان كان كذلك مع عدم قرينة تفيد العموم إلا ان قرينة المقام في هذه الآيات التي نقلناها تفيد العموم، فان الظاهر ان هذه الآيات كلها واردة في معرض التفضل و إظهار الامتنان و بيان الانعام، و حينئذ فلو كان هناك

____________

(1) سورة المؤمنون. آية 19.

(2) سورة الزمر. آية 23.

(3) سورة النحل. آية 11 و 12.

174

فرد آخر لذكره (عز شأنه) سيما مع ما يدل عليه قوله سبحانه: «وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ» (1) من التهديد بأنه ان أذهب ذلك الماء النازل من السماء لم يبق لنا غيره.

و بما ذكرنا صرح جمع من الأصوليين، حيث قالوا بأن النكرة في سياق الإثبات إذا كانت للامتنان عمت، و فرعوا عليه قوله سبحانه: «فِيهِمٰا فٰاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمّٰانٌ» (2).

و الجواب عن الثالث ان الطهور في اللغة لمعان:

(أحدها)- انه وصف بمعنى طاهر، و منه انقدحت الشبهة على المعترض المذكور.

و (ثانيها)- ما هو مشهور بين أهل اللغة- على ما نقله جمع من الخاصة و العامة- من انه اسم لما يتطهر به، كالسحور و الوقود و الغسول و نحوها. و حمله في تلك الآيات على هذا المعنى ممكن، و ان احتاج وصف الماء به الى نوع تجريد، لأن أسماء الآلة كأسماء الزمان و المكان لا يوصف بها مثل المشتقات، و حينئذ فلا اثر لذلك الإيراد.

و (ثالثها)- بمعنى الطاهر المطهر كما هو المدعى، و بذلك صرح الفاضل الفيومي في كتاب المصباح المنير، حيث قال: «و طهور قيل مبالغة و انه بمعنى طاهر، و الأكثر انه لوصف زائد، قال ابن فارس: قال ثعلب: الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره. و قال الأزهري أيضا: الطهور في اللغة هو الطاهر المطهر، قال: و فعول في كلام العرب لمعان: (منها)- فعول لما يفعل به، مثل الطهور لما يتطهر به، و الوضوء لما يتوضأ به، و الفطور لما يفطر عليه و الغسول لما يغتسل به و يغسل به الشيء،

و قوله عليه الصلاة و السلام: «هو الطهور ماؤه» (3).

أي هو الطاهر المطهر

____________

(1) سورة المؤمنون. آية 19.

(2) سورة الرحمن. آية 69.

(3) هذا من حديث

روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) في ماء البحر بالنص الآتي: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته».

كما في الجزء الأول من المنتقى لابن تيمية في الصحيفة 4، و كما في الجزء الثالث من تيسير الوصول للشيبانى في الصحيفة 54 و غيرهما.

و رواه صاحب الوسائل في باب- 2- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة عن المحقق في المعتبر.

175

قاله ابن الأثير، قال: و ما لم يكن مطهرا فليس بطهور. و قال الزمخشري:

الطهور البليغ في الطهارة. و قال بعض العلماء: و يفهم من قوله تعالى (وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً) (1) انه طاهر في نفسه مطهر لغيره، لان قوله: (ماء) يفهم منه انه طاهر، لانه ذكر في معرض الامتنان. و لا يكون ذلك إلا بما ينتفع به، فيكون طاهرا في نفسه. و قوله: (طهورا) يفهم منه صفة زائدة على الطهارة و هي الطهورية (فإن قيل): قد ورد طهور بمعنى طاهر كما في قوله: «ريقهن طهور» (فالجواب) ان وروده كذلك غير مطرد بل هو سماعي، و هو في البيت مبالغة في الوصف أو واقع موقع طاهر لإقامة الوزن، و لو كان طهور بمعنى طاهر مطلقا لقيل: ثوب طهور و خشب طهور و نحو ذلك. و هو ممتنع» انتهى كلام صاحب المصباح.

و الى ذلك ايضا يشير كلام الشيخ في التهذيب حيث قال: «الطهور هو المطهر في لغة العرب، ثم قال: و ليس لأحد أن يقول: ان الطهور لا يفيد في لغة العرب كونه مطهرا، لأن هذا خلاف على أهل اللغة، لأنهم لا يفرقون بين قول القائل: هذا ماء طهور. و هذا ماء مطهر. ثم قال ما ملخصه: انه لو قيل: ان الطهور لا يكون بمعنى المطهر، لان اسم الفاعل منه غير متعد، و كل فعول ورد في كلام العرب متعديا لم يكن إلا و فاعله متعد. قيل له: انه لا خلاف بين أهل النحو ان فعولا موضوع للمبالغة و تكرر الصفة. و عدم حصول المبالغة على ذلك الوجه لا يستلزم عدم حصولها بوجه آخر. و المراد هنا باعتبار كونه مطهرا» انتهى.

____________

(1) سورة الفرقان. آية 51.

176

و اعترضه جمع من متأخري المتأخرين- منهم: المحققان المدققان الشيخ حسن في المعالم و السيد السند في المدارك- بما حاصله: ان الطهور لم يرد في اللغة بمعنى المطهر، بل هو اما صفة كقولك: ماء طهور اي طاهر، أو اسم غير صفة و معناه ما يتطهر به. و الشيخ قد استدل على كونه بمعنى المطهر بأنه لا خلاف بين أهل النحو. و اللغة لا تثبت بالاستدلال.

و فيه ان الشيخ (رحمه الله) لم يستدل على كون طهور بمعنى مطهر، و انما نقل ذلك عن العرب و أسنده إليهم، ثم استشعر اعتراضا قد أورد في البين و أجاب عنه بما ذكر. و كلامه من قبيل ما يقال: انه تعليل بعد الورود، و بيان ذلك ان أبا حنيفة قد خالف في المسألة و قال: ان طهورا بمعنى طاهر، و أنكر كونه بذلك المعنى، و أورد على من ادعى انه كذلك هذا السؤال الذي ذكره الشيخ (رحمه الله) تعالى) و أجاب عنه. و السؤال المذكور و جوابه مذكوران في كتب الشافعية كينابيع الاسفرايني و غيره، فإنهم نقلوا عن أبي حنيفة ذلك و أجابوا عنه بما ذكر.

و بذلك ظهر ان الشيخ لم يكن غرضه الاحتجاج على ذلك و انما استند في ثبوته الى ما نقله عن العرب، و غرضه من ذلك الكلام الآخر انما هو دفع السؤال و بيان حكمة الواضع و تصحيح لغرضه لا الاحتجاج على ذلك المطلب و إثباته.

و العجب من إنكار جملة من فضلاء متأخري المتأخرين- كهذين الفاضلين و غيرهما- ورود طهور بمعنى الطاهر المطهر لغة. و كلام صاحب المصباح- كما عرفت- على غاية من الصراحة و الإيضاح، و قد نقله عن جملة من أئمة اللغة، بل ظاهر كلامه انه قول الأكثر، و ان المعنى الوصفي للفظ الطهور إنما هو عبارة عن هذا المعنى. و اما كونه بمعنى طاهر فظاهر آخر كلامه- كما عرفت- انه غير مطرد بل موقوف على السماع كما في البيت الذي أورده. و عبارة القاموس أيضا دالة على ذلك، حيث قال: «الطهور

177

المصدر و اسم ما يتطهر به و الطاهر المطهر» انتهى. و نقل بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) ان الشافعية نقلت ذلك عن أهل اللغة، و نقل هو (قدس سره) عن الترمذي- و هو من أئمة اللغة- انه قال: «الطهور بالفتح من الأسماء المتعدية و هو المطهر غيره» انتهى. و نقله المحقق في المعتبر عن بعض أهل اللغة أيضا.

و من الاخبار الدالة على ذلك

ما رواه المشايخ الثلاثة (رضوان الله عليهم) بأسانيدهم عن الصادق (عليه السلام) قال: «الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر» (1).

و في هذا الحديث الشريف بحث نفيس حررناه في كتاب الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية، و قد تقدم جملة من الكلام فيه في صدر المقدمة الحادية عشرة (2).

و صحيحة داود بن فرقد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، و قد وسع الله عليكم بأوسع ما بين السماء و الأرض و جعل لكم الماء طهورا، فانظروا كيف تكونون؟».

و رواية السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) الماء يطهر و لا يطهر».

و هذا الحديث بناء على القول بنجاسة القليل بالملاقاة لا يخلو من اشكال، فإن

____________

(1) رواه الكليني في الكافي في باب- 1- من كتاب الطهارة، و الشيخ في التهذيب في باب (المياه و أحكامها) في الصحيفة 61 بالنص المذكور في الكتاب، و رواه الصدوق في الفقيه في باب (المياه و طهرها و نجاستها) من الجزء الأول بالنص الآتي:

«كل ماء طاهر إلا ما علمت انه قذر».

(2) في الصحيفة 134.

(3) المروية في الوسائل في باب- 1- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(4) المروية في الوسائل في باب- 1- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

178

قليل الماء إذا تنجس كان طهره بالكثير من الجاري أو الراكد.

و أجيب بأن المراد يطهر غيره و لا يطهره غيره.

و يرد عليه أيضا بأنه على إطلاقه غير مستقيم، لانتقاضه بالبئر، فان تطهيرها بالنزح، و الماء النجس يطهر باستحالته ملحا، و الماء القليل إذا كان نجسا و تمم كرا بمضاف لم يسلبه الإطلاق، فإنه في جميع هذه الصور قد طهر الماء غيره.

و أجيب عن ذلك (اما عن الأول) فبانا لا نسلم ان مطهر البئر حقيقة هو النزح بل هو في الحقيقة الماء النابع منها شيئا فشيئا بعد إخراج الماء المنزوح. و لا يخلو من ضعف. بل التحقيق الجواب بعدم نجاسة البئر بالملاقاة، و حينئذ فأصل الاعتراض بالبئر ساقط.

و (اما عن الثاني) فبان الماء قد عدم بالكلية فلم يبق هناك ماء مطهر بغيره. و مثله ايضا الماء النجس إذا شربه حيوان مأكول اللحم و استحال بولا، فإنه يخرج عن الحقيقة الأولى الى حقيقة أخرى.

و (اما عن الثالث) فبعد تسليم ذلك يمكن ان يقال: المطهر هنا هو مجموع الماء البالغ كرا لا المضاف وحده.

و يمكن الجواب عن أصل الإشكال بأن الماء متى تنجس فطهره بممازجة الكثير له على وجه يستهلك النجس فيه، و هذا لا يسمى في العرف تطهيرا، لاضمحلال النجس حينئذ، و حينئذ يصدق ان الماء لا يطهر. و في الحديث حينئذ دلالة على اعتبار الممازجة في المطهر دون مجرد الاتصال كما هو أحد القولين، و لعل هذا المعنى أقرب من الأول، لسلامته من التكلفات.

(المقالة الثالثة) [في نجاسة كل ماء بتغيره بالنجاسة]

- لا خلاف و لا إشكال في أن الماء الجاري بل كل ماء ينجس باستيلاء النجاسة على أحد أوصافه الثلاثة أعني اللون أو الطعم أو الريح.

179

و تدل عليه الأخبار المستفيضة

كصحيحة حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ منه و اشرب، فإذا تغير الماء و تغير الطعم فلا تتوضأ منه و لا تشرب».

و صحيحة زرارة (2): «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شيء إلا ان تجيء ريح تغلب على ريح الماء».

و رواية عبد الله بن سنان (3) قال: «سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن غدير أتوه و فيه جيفة. فقال: ان كان الماء قاهرا و لا توجد فيه الريح فتوضأ».

و صحيحة أبي خالد القماط (4) انه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول «في الماء يمر به الرجل و هو نقيع فيه الميتة و الجيفة. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ان كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه فلا تشرب و لا تتوضأ منه، و ان لم يتغير ريحه و طعمه فاشرب منه و توضأ».

و رواية العلاء بن الفضيل (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها؟ قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول».

و رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) انه «سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب. فقال: ان تغير الماء فلا تتوضأ منه، و ان لم تغيره أبوالها فتوضأ منه. و كذلك الدم إذا سال في الماء و أشباهه».

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 3- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) المروية في الوسائل في باب- 3- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة بالنص الآتي:

قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام): «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شيء- تفسخ فيه أو لم يتفسخ- إلا ان تجيء له ريح تغلب على ريح الماء».

(3) المروية في الوسائل في باب- 3- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(4) المروية في الوسائل في باب- 3- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(5) المروية في الوسائل في باب- 3- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(6) المروية في الوسائل في باب- 3- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

180

و استدل جمع من متأخري المتأخرين على الحكم المذكور

بقوله (صلى الله عليه و آله): «خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» (1).

بل ادعى السيد السند في المدارك انه من الأخبار المستفيضة.

و العجب منه (قدس سره) انه- بعد ذلك في بحث نجاسة البئر بالملاقاة، حيث أنكر ورود نجاسة الماء بتغير لونه في أخبارنا- طعن في الخبر المذكور بأنه عامي مرسل و الحق كونه كذلك (2) فانا لم نقف عليه في شيء من كتب أخبارنا بعد الفحص التام، و بذلك صرح ايضا جمع ممن تقدمنا.

و ممن صرح بكونه عاميا شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين، ذكر ذلك أيضا في مقام إنكار ورود التغير اللوني في أخبارنا، و الظاهر انه اقتفى في هذه المقالة أثر السيد المذكور.

و العجب منهما (قدس سرهما) في ذلك و رواية العلاء بن الفضيل المتقدمة (3) تنادي بالدلالة عليه.

و مثلها

صحيحة شهاب بن عبد ربه عن ابي عبد الله (عليه السلام) المروية في كتاب البصائر (4) حيث قال في آخرها: «و جئت تسأل عن الماء الراكد، فما.

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في باب- 1- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة عن المعتبر و السرائر.

(2) الذي عثرنا عليه في روايات العامة بهذا المضمون هي النصوص الآتية:

«الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه طعمه أو ريحه».

كما في الجزء الأول من

سنن البيهقي في الصحيفة 259. «ان الماء طاهر الا ان تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيها».

كما في الصحيفة 260 منه. «الماء لا ينجس الا ما غير ريحه أو طعمه».

كما

في الصحيفة 260 منه ايضاو قد رواها عن النبي (ص) مسندة. «الماء طهور الا ما غلب على ريحه أو طعمه».

كما في كنز العمال ج 5 ص 94.

(3) في الصحيفة 179 السطر 12.

(4) ج 5. باب (ان الأئمة يعرفون الإضمار) و في الوسائل في باب- 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

181

لم يكن فيه تغير أو ريح غالبة. قلت: فما التغير؟ قال: الصفرة، فتوضأ منه.

الحديث».

و يدل على ذلك

ما ذكره في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام):

«كل غدير فيه من الماء أكثر من كر لا ينجسه ما يقع فيه من النجاسات إلا ان تكون فيه الجيف فتغير لونه و طعمه و رائحته، فإذا غيرته لم يشرب منه و لم يتطهر منه. الحديث».

و هذا الكتاب و ان لم يشتهر بين الأصحاب النقل عنه و لا الاعتماد عليه بل ربما طعن بعضهم في ثبوته عنه (عليه السلام) الا ان الأظهر كما قدمنا ذكره (2) هو الاعتماد عليه.

و لعل السر- في اشتمال أكثر الاخبار على التغير الطعمي و الريحي دون اللوني- ان تغير الطعم و الريح أسرع من تغير اللون أو لا ينفك تغير اللون من تغيرهما فلا ثمرة في التعرض له حينئذ.

و هل يعتبر التغير الحسي، فلو كان الماء على صفاته الأصلية و كانت النجاسة مسلوبة الأوصاف لم تؤثر في نجاسة الماء و ان كثرت. أو يجب تقدير الأوصاف للنجاسة، فلو كانت مما يتغير بها الماء على تقدير وجود الأوصاف نجس و الا فلا؟ قولان.

المشهور الأول نظرا الى ان التغير حقيقة في الحسي، لصدق السلب بدونه، و اللفظ إنما يحمل على حقيقته، و اعتبار التقدير يتوقف على دليل، و الأصل عدمه.

و يمكن أن يقال: ان التغير حقيقة في النفس الأمري لا فيما كان محسوسا ظاهرا، فقد يمنع من ظهوره مانع، كما اعترفوا به فيما سيأتي مما إذا خالفت النجاسة الجاري في الأوصاف لكن منع من ظهورها مانع، فإنهم قطعوا هناك بوجوب التقدير،

____________

(1) في الصحيفة 5 السطر 18. و قد أسقط (قده) منه ما لا يرتبط بمورد البحث.

(2) في الصحيفة 25 السطر 12.

182

استنادا الى ان التغير حصل واقعا و ان منع من ظهوره مانع، و المناط التغير في الواقع لا الحسي، و الفرق بين الموضعين لا يخلو من خفاء.

و يؤيد ذلك ان الظاهر ان الشارع إنما ناط النجاسة بالتغير في هذه الأوصاف لدلالته على غلبة النجاسة و كثرتها على الماء واقعا، و إلا فالتغير بها من حيث هو لا مدخل له في التنجيس، فالمنجس حقيقة هو غلبة النجاسة و زيادتها و ان كان مظهره التغير المذكور، و حينئذ فلو كانت هذه النجاسة المسلوبة الأوصاف بلغت في الكثرة إلى حد يقطع بتغير الماء بها لو كانت ذات أوصاف، فقد حصل موجب التنجيس حقيقة الذي هو غلبة النجاسة و زيادتها على الماء.

و بالجملة فإنا نقول: كما ان الموجب لنجاسة القليل على المشهور مجرد ملاقاة النجاسة و ان قلت، فالمنجس للكثير كثرتها و غلبتها. و اناطة ذلك بالتغير في تلك الأوصاف انما هو لكونه مظهرا لها غالبا، فمع حصولها بدونه تكون موجبة للتنجيس (1).

و يؤيد ذلك ايضا ما صرح به المحقق الثاني من ان عدم التقدير يفضي الى جواز الاستعمال و ان زادت النجاسة أضعافا، و هو كالمعلوم البطلان.

و الجواب- بأنه مع استهلاك النجاسة الماء لكثرتها يثبت التنجيس قولا واحدا- مما يؤيد ما حققناه آنفا من ان الاعتبار بغلبة النجاسة و كثرتها على الماء و ان تفاوت ذلك

____________

(1) و ممن جنح الى ما ذكرناه في هذا المقام الفاضل السيد نور الدين بن ابى الحسن في شرح المختصر، حيث قال- بعد نقل كلام أخيه السيد السند في المدارك- ما صورته:

«و يشكل ذلك إذا فسر التغير بالاستيلاء و لم يكتف بمطلق التغير كما تشعر به عبارة المصنف و هو الأوفق بالحكمة، إذ الظاهر ان علة النجاسة غلبة النجس على الظاهر حتى صار مقهورا معه فيضعف حكمه، و صدق التغير عليه بهذا المعنى حاصل على التقديرين، فكيف يدعى صحة سلبه عنه إذا لم يكن حسيا؟» انتهى كلامه زيد مقامه (منه (رحمه الله).

183

شدة و ضعفا. و كأن التزام المجيب بالتنجيس في هذه الصورة و دعواه الإجماع دفع للشناعة اللازمة من القول بالطهارة على هذا التقدير، و إلا فمقتضى ما قرروه يقتضي كون الحكم كليا مع الاستهلاك و عدمه، و ظاهر عبائر جملة منهم العموم. و استدلال المحقق المذكور بذلك مبني على ما قلنا من فهمه العموم من كلامهم. و الا لم يتجه دليله. و الظاهر ان العلة في دعوى الإجماع المذكور إنما هو ما ذكرنا، و لهذا ان جملة ممن تعرض للجواب عن هذا الكلام- و منهم: شيخنا الشهيد الثاني في الروض- إنما ردوه بأنه مجرد استبعاد بل صرح بعض متأخري المتأخرين بالتزامه مع عدم ثبوت الإجماع على خلافه.

و يؤيد ذلك ايضا (1) ما صرحوا به في المضاف المسلوب الأوصاف إذا وقع في الماء، من وجوب اعتباره إما بقلة الاجزاء و كثرتها أو بتقديره مخالفا في الأوصاف على اختلاف القولين، و إذا وجب الاعتبار في المضاف ففي النجاسة أولى.

و نقل عن العلامة في أكثر كتبه القول بالثاني، و تبعه ابن فهد في موجزه، و رجحه المحقق الثاني في شرح القواعد، و نفى عنه البعد شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين.

و احتج عليه في المختلف بان التغير الذي هو مناط النجاسة دائر مع الأوصاف فإذا فقدت وجب تقديرها. و رد بأنه إعادة للمدعى.

و يمكن الجواب بما قدمنا تحقيقه من ان المدار لما كان على التغير في نفس الأمر

____________

(1) إنما ذكرنا ذلك على جهة التأييد لكسر سورة الاستبعاد فيما قلناه دون ان يكون دليلا كما ذكره المحقق الثاني (ره) لتطرق القدح اليه بكونه قياسا و ان كان قياس أولوية. و منع بعض المتأخرين الأولوية هنا محض مكابرة، فإنه إذا وجب التقدير في المضاف ليترتب عليه الاجتناب فيما يشترط بالماء المطلق من الطهارة مثلا فبالطريق الاولى في النجس ليترتب عليه الاجتناب فيما يشترط بالطاهر من طهارة و أكل و شرب و نحوها، إذ دائرة المنع في النجس أوسع منها في المضاف كما لا يخفى (منه (قدس سره).

184

لا الظاهر الحسي، لأنه ربما منع منه مانع من فقد الأوصاف في النجاسة أو فقد الأوصاف في الماء. وجب تقديره مع وجود المانع المذكور. و بذلك ايضا يظهر وجه الجواب عما أورد على الدليل الذي نقله عنه ابنه فخر المحققين من استدلاله بان الماء مقهور بالنجاسة، لأنه كلما لم يصر مقهورا لم يتغير بها على تقدير المخالفة، و ينعكس بعكس النقيض الى قولنا: كلما تغير على تقدير المخالفة كان مقهورا. انتهى.

فإنه أورد عليه منع الكلية الأولى، فإن المخالف بقول بعدم صيرورة الماء مقهورا مع تغيره بالنجاسة على تقدير المخالفة. و على ما حققناه يمكن أن يكون مراده انه كلما لم يكن الماء مقهورا في نفس الأمر لم يتغير على تقدير المخالفة، لا انه كلما لم يكن مقهورا شرعا ليتوجه عليه ان المخالف يقول بعدم صيرورة الماء مقهورا مع تغيره بالنجاسة على تقدير المخالفة. و بذلك يظهر سقوط منع كليته الأولى.

و بالجملة فالمسألة لما ذكرنا لا تخلو من الاشكال، و الاحتياط في التقدير ان لم يكن متعينا كما لا يخفى على الناقد البصير، إلا ان تتوقف عليه عبادة مشروطة بالطهارة أو بإزالة النجاسة، فيعود الاشكال بحذافيره.

فوائد

(الاولى)

- لو اشتمل الماء على صفة تمنع من ظهور التغير فيه- كما لو تغير بجسم طاهر يوافق لونه لون النجاسة كتغيره بطاهر أحمر، ثم وقع فيه دم- فالذي قطع به متأخر و الأصحاب من غير خلاف معروف في الباب هو وجوب تقدير خلو الماء من ذلك الوصف كما عرفت آنفا، و كأنهم لحظوا- في الفرق بين هذا الموضع و بين ما كانت النجاسة مسلوبة الأوصاف، حيث أوجبوا التقدير هنا دون هناك- ان المراد بالتغير هو التغير الحسي كما تقدم. و التغير هنا ظاهر حسا لو خلينا و ذات الماء و ذات النجاسة، بخلاف ما هناك، لكون النجاسة عارية عن الأوصاف. و فيه ان خلو

185

النجاسة عن الأوصاف لا يخرجها عن تنجيس ما تلاقيه، و المنجس ليس هو أوصافها و انما المنجس عينها. على ان الخلو عن الأوصاف غالبا انما يكون بعارض من خارج لا من أصل الخلقة، كما هو المشاهد في جميع المطعومات و المرئيات، و حينئذ فكما يقدر خلو الماء عن ذلك الوصف الموافق للون النجاسة لكونه عارضا، ينبغي ان يقدر خلو النجاسة عن هذا العارض الذي أزال وصفها.

(الثانية)

- هل المعتبر على تقدير القول بالتقدير هو الوصف الأشد للنجاسة كحدة الخل و ذكاء المسك و سواد الحبر، لمناسبة النجاسة تغليظ الحكم. أو الوسط لأنه الأغلب؟ ظاهر العلامة في النهاية و الشهيد في الذكرى الأول، و بعض المتأخرين الثاني، و استظهره المحقق الثاني و رجحه في المعالم، و احتمل بعض فضلاء متأخري المتأخرين اعتبار الأقل تغليبا لجانب الطهارة. و الظاهر ان الأوسط أوسط.

و احتمل المحقق الثاني (قدس سره) ايضا اعتبار أوصاف الماء وسطا، نظرا إلى شدة اختلافها كالعذوبة و الملوحة و الرقة و الغلظة و الصفاء و الكدرة، قال: «و لا يبعد اعتبارها، لان له فيها أثرا بينا في قبول التغير و عدمه» انتهى قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: «و هو محتمل حيث لا يكون الماء على الوصف القوي، إذ لا معنى لتقديره حينئذ بما هو دونه» انتهى. و استشكله ايضا بعضهم بما إذا لم يكن الماء خارجا عن أوصافه الأصلية.

(الثالثة)

- لو لم يكن الماء على الصفات الأصلية كسائر المياه كالمياه الزاجية و الكبريتية و كانت النجاسة على صفاتها و لم تغيره باعتبار ما هو عليه من الصفات، لكن لو فرض خلوه منها لغيرته، فهل يجب التقدير هنا أم لا؟ لم أقف لأحد من الأصحاب (رضوان الله عليهم) على كلام في ذلك. و مقتضى النظر ان الكلام هنا كالكلام فيما لو تغير الماء بجسم طاهر يوافق لونه لون النجاسة، و مقتضى حكمهم بوجوب التقدير، هناك هو وجوبه هنا أيضا.

186

إذ لا فرق بين المقامين إلا باعتبار ان خروج الماء عن صفته الأصلية هناك باعتبار وقوع هذا الجسم فيه أخيرا، و خروجه هنا باعتبار كون الأرض كبريتية أو زاجية فاتفق تكيفه برائحتها، أو باعتبار موافقة لون ذلك الجسم الطاهر الذي تغير به الماء للون النجاسة في إحدى الصورتين، و مخالفته لها على وجه يستر رائحتها في الصورة الأخرى.

و كل منهما لا يصلح وجها للفرق الموجب لتغاير الحكم، إلا ان بعض محققي متأخري المتأخرين استظهر ان الكلام هنا كالكلام في النجاسة المسلوبة الأوصاف دليلا و جوابا و ظاهره ان النجاسة في هذه الصورة باعتبار ما عليه الماء من الصفات لم تغيره واقعا، بخلاف الصورة التي تغير فيها بجسم طاهر، فإنه تغير واقعا و ان لم يظهر للحس بسبب الوصف العارضي. و لا يخفى ما فيه، فان الواقع المعتبر القياس اليه، ان لوحظ مع قطع النظر عن العارض فالتغير ثابت في الصورتين، و إلا فلا فيهما. و قد عرفت ان الوجه الفارق لا يوجب تغايرا يترتب عليه ما ذكره (1).

____________

(1) ثم انى وقفت بعد ذلك على كلام لشيخنا البهائي (عطر الله مرقده) في كتاب الحبل المتين يؤيد ما رجحناه، حيث قال: «و قد يستفاد- من

قوله (عليه السلام) في الحديث الثاني: «كل ما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب».

- انه لو كان للماء رائحة كالمياه الزاجية و الكبريتية مثلا فسترت رائحة الجيفة، لم ينجس و ان كان بحيث لو خلا الماء من تلك الرائحة لظهرت، لصدق غلبة الماء على ريح الجيفة. و الحديث السابع من الفصل الثاني كالصريح في ذلك. لكن الحق صرفهما عن ظاهرهما. و تقدير الماء خاليا من رائحته الأصلية. انتهى» و أشار بالحديث السابع الى

حسنة زرارة، قال: «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شيء تفسخ فيه أو لم يتفسخ الا ان تجيء له ريح تغلب على ريح الماء».

و كأن ذلك الفاضل لم يقف ايضا على كلام شيخنا المذكور، حيث انه ذكر ايضا انه لم يقف على كلام لأحد من الأصحاب في ذلك.

أقول: و مما يؤيد ما ذكرنا ايضا ان الأحكام المودعة في الاخبار إنما تحمل على الافراد الغالبة الشائعة كما صرحوا به، و حينئذ فالمعتبر في الغلبة و عدمها هو المياه العارية عن هذه العوارض. و اما هذه فتحمل على تلك و تقدر فيها الغلبة و عدمها (منه (رحمه الله).

187

(الرابعة)

- لو تغيرت رائحة الماء بمرور رائحة النجاسة القريبة لم ينجس الماء قولا واحدا، لأن الرائحة ليست بنجاسة فلا تؤثر تنجيسا.

(الخامسة)

- لو حصل التغير بالمتنجس لا بالنجاسة على وجه لا يسلبه الإطلاق فالأظهر الأشهر عدم التنجيس، و للشيخ (رحمه الله) تعالى) خلاف ضعيف يأتي الكلام عليه في بحث المضاف ان شاء الله تعالى.

(المقالة الرابعة) [في اعتبار الكرية في عدم انفعال الجاري و عدمه]

- المشهور- بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) بل ادعى في المعتبر عليه الإجماع- ان الجاري مطلقا و ان نقص عن الكر لا ينجس بمجرد الملاقاة، و ذهب العلامة في جملة من كتبه الى اشتراط الكرية فيه كالراكد، و يظهر من شيخنا الشهيد الثاني في الروض الميل اليه، بل صرح ابنه المحقق الشيخ حسن في المعالم بأنه ذهب إليه في جملة من كتبه، قال: «إلا أن الذي استقر عليه رأيه بعد ذلك هو المذهب المشهور» (1) و نقل في الروض عن جملة من المتأخرين أيضا موافقة العلامة على هذه المقالة.

احتج القائلون بالأول بأصالة الطهارة، فإن الأشياء كلها على الطهارة إلا ما نص الشارع على نجاسته، لأنها مخلوقة لمنافع العباد، و لا يتم النفع إلا بطهارتها.

و بالأخبار المتقدمة في سابق هذه المقالة (2) لدلالتها على طهارة كل ماء ما لم يتغير، خرج عنه القليل الراكد بالدليل، فيبقى ما عداه داخلا تحت العموم.

____________

(1) و ممن جنح الى هذا القول من متأخري المتأخرين الشارح الجواد في شرح الجعفرية (منه (رحمه الله).

(2) في الصحيفة 179.

188

و صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلا ان يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه، لأن له مادة».

وجه الدلالة أنه علل فيه نفى الانفعال بوجود المادة، و العلة المنصوصة يتعدى بها الحكم الى كل موضع توجد فيه إذا شهدت الحال بان خصوص متعلقها الأول لا مدخل له فيها. و الأمر ههنا كذلك، فإن خصوصية البئر من ذلك القبيل.

و شهادة الحال بذلك ظاهرة لمن أحاط خبرا بأحكام البئر، و حينئذ ينحصر المقتضي لنفي الانفعال في وجود المادة، و هي موجودة في مطلق النابع.

و قول الصادق (عليه السلام) فيما روي عنه بعدة طرق، و قد تقدم الإشارة إلى بعضها (2):

«الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر».

و حسنة محمد بن ميسر (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق و يريد ان يغتسل منه و ليس معه إناء يغرف به و يداه قذرتان. قال: يضع يده و يتوضأ و يغتسل، هذا مما قال الله عز و جل:

مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (4).

و يتوجه على الأول (5) ان الطهارة و النجاسة حكمان شرعيان يتوقف الحكم بهما على الدليل الشرعي، و لا مدخل للدليل العقلي فيهما كما لا مدخل له في غيرهما

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 3 و 14- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) في الصحيفة 177. السطر 5. و رواه صاحب الوسائل في الباب- 1 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة،.

(4) سورة الحج. آية 78.

(5) و هو أصالة الطهارة.

189

من أحكام الشرع. و ما ذكر هنا في بيانه ضعيف، لحصول المنافع في النجس بل في عين النجاسة أيضا كما لا يخفى (1).

و على الثاني (2) ما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في الكلام في نجاسة الماء القليل بالملاقاة، من أن ظاهر هذه الاخبار بواسطة القرائن الحالية و المقالية كون ذلك الماء أكثر من كر بل كرور، فلا تدل على ما ذكروه، و لا يحتاج الى تخصيصها بما دل على نجاسة الماء القليل بمجرد الملاقاة.

و على الثالث (3) (أولا)- ما عرفت في المقدمة الثالثة (4) من الكلام في حجية منصوص العلة و ان الحجة منه هو ما يرجع الى تنقيح المناط القطعي، و كأنه لهذا قيد المستدل في بيان الاستدلال الحجية بشهادة الحال بان خصوص متعلقها الأول لا مدخل له، فمرجعها الى تنقيح المناط المذكور. الا ان فيه ان شهادة الحال بذلك في هذا المقام لا تخلو من اشكال، و بدونه لا يتم الاستدلال.

و (ثانيا)- ما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين من احتمال ان يكون قوله (عليه السلام): «لان له مادة» تعليلا لترتب ذهاب الريح و طيب الطعم على النزح، كما يقال: لازم غريمك حتى يعطيك حقك، لانه يكره ملازمتك. و كما يقال: الزم الحمية حتى يذهب مرضك، فان الحمية رأس الدواء. قال: و مثل ذلك كثير. و مع قيام الاحتمال يسقط الاستدلال.

و الظاهر انه لا يخلو من بعد، فان ذهاب الريح و طيب الطعم بالنزح أمر بديهي محسوس لا يحتاج إلى علة، فحمل الكلام عليه مما يخرجه عن الفائدة، و لا يليق

____________

(1) فإنه قد تكون المصلحة في خلقه دفع الأذى كفضلة الإنسان أو ابتلاء الخلق كخلق المسكرات و نحو ذلك (منه (رحمه الله).

(2) و هي الأخبار المتقدمة في الصحيفة 179.

(3) و هي صحيحة ابن بزيع المتقدمة في الصحيفة 188 السطر 1.

(4) في الصحيفة 60.

190

حينئذ نسبته بكلام الإمام الذي هو إمام الكلام.

و على الرابع (1) ما تقدم تحقيقه في المقدمة الحادية عشرة (2) من ان ظاهر الخبر المذكور- و هو القدر المتيقن فهمه منه- ان الماء كله طاهر حتى يعلم عروض النجاسة له فافراد هذه الكلية إنما هي المياه الطاهرة شرعا و المقطوع بطهارتها، فإنه يستصحب الحكم فيها بذلك حتى تعلم النجاسة. و الغرض منها عدم معارضة الشك بعروض النجاسة ليقين الطهارة التي هي عليه شرعا، لا ان أفرادها ما شك في كونه سببا للنجاسة، كنقصان الجاري عن الكر- مثلا- هل يكون موجبا لانفعاله بالملاقاة أم لا؟ فيحكم بطهارته بهذا الخبر. و الفرق بين المقامين ظاهر.

و نظيره ما ورد مفسرا

في موثقة مسعدة بن صدقة (3) من قوله (عليه السلام):

«كل شيء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و مملوك عندك و هو حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، و امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك. و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة».

و حينئذ فافراد هذه الكلية كما ذكره (عليه السلام) هي الأشياء المحكوم بحلها شرعا و المعلوم حليتها قطعا. فإنه يستصحب الحكم فيها بذلك حتى يظهر دليل الحرمة و ان كانت مما حرمه الشارع بالنسبة إلى العالم بذلك، و لا تخرج عن أصل الحلية المقطوعة بمجرد الشك في حرمتها، لا ان أفرادها ما شك في حليته كالمتولد من نجس العين و طاهرها مع عدم المماثل مثلا، فيقال: ان مقتضى هذا الخبر حله و مقتضى

قوله (عليه السلام): «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر» (4).

طهارته.

____________

(1) و هو الحديث المتقدم في الصحيفة 188 السطر 9.

(2) في الصحيفة 124 السطر 13.

(3) تقدم الكلام فيها في التعليقة (2) في الصحيفة 141.

(4) تقدم الكلام فيه في التعليقة 1 في الصحيفة 42.

191

و بالجملة فمورد الخبرين الأشياء المعلومة الطهارة و النجاسة، و انه لا يدخل أحد أفراد الأول في الثاني إلا مع العلم و اليقين و الأشياء المعلومة الحل و الحرمة و انه لا يدخل أحد أفراد أولهما في الثاني الا مع العلم ايضا.

و على الخامس (1) ان الماء القليل في الخبر المذكور و ان شمل بعمومه الجاري و الراكد، إلا ان وصفه بالقلة ان أخذ على ظاهره- كما هو ظاهر الاستدلال- كان الخبر من أقوى أدلة عدم نجاسة الماء القليل بالملاقاة. و تخصيصه- بالجاري خاصة بناء على قيام الدليل على نجاسة القليل بالملاقاة- بعيد من سياق اللفظ، فالأظهر حمل القلة فيه على المعنى العرفي دون الشرعي، أو حمله على التقية كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى (2) احتج العلامة (رحمه الله) بعموم الأخبار الدالة على اشتراط الكرية في الماء

بقولهم (عليهم السلام) (3): «إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شيء».

فان تقييد عدم انفعال الماء ببلوغ الكرية يقتضي انفعال الماء بدونه، و هو شامل للجاري و الراكد.

و تدل على ذلك أيضا

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (4) قال:

«سألته عن الدجاجة و الحمامة و أشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء. يتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا، إلا ان يكون الماء كثيرا قدر كر من الماء».

و هي بظاهرها شاملة لما كان جاريا أو راكدا (5).

____________

(1) و هي حسنة محمد بن ميسر المتقدمة في الصحيفة 188 السطر 11.

(2) في المقام الأول من الفصل الثالث عند الكلام في رد دلالة الأخبار المستدل بها على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة.

(3) المروي في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

و النص الوارد: «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء».

(4) المروية في الوسائل في الباب- 8 و 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(5) و أجاب المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المعالم عن عموم المفهوم، قال:

«و الجواب- على تقدير تسليم العموم بحيث يتناول محل النزاع- انه مخصوص بصحيح ابن بزيع لدلالته على ان وجود المادة سبب في نفى الانفعال بالملاقاة، فلو كانت الكرية معتبرة في ذي المادة لكانت هي السبب في عدم الانفعال، فلا يبقى للتعليل بالمادة معنى» انتهى و فيه ما عرفت من الصحيحة المذكورة آنفا (منه (رحمه الله).

192

و أجيب بمنع العموم، لفقد اللفظ الدال عليه. و مع تسليمه فيقال: عامان تعارضا من وجه فيجب الجمع بينهما بتقييد أحدهما بالآخر، و الترجيح في جانب الطهارة بالأصل و الإجماع و قوة دلالة المنطوق على المفهوم. هكذا أجاب السيد في المدارك.

و لا يخلو من نظر (أما أولا) فلان منع العموم هنا- مع تصريحه- هو (قدس سره) و غيره من محققي الأصحاب بل و غيرهم- بان المعرف بلام الجنس في كلام الشارع عند عدم قرينة العهد للعموم قضية للحكمة- ليس في محله، كيف؟ و لو تم المنع المذكور لم يتم له الاستدلال بصحيحة حريز المتقدمة (1) و أمثالها في الطرف الآخر، لجواز ان يراد بلفظ الماء فيها بعض افراده و هو غير الجاري، بل قد استدل- هو نفسه (قدس سره) على مساواة مياه الحياض و الأواني لغيرها في عدم انفعال الكر منها- بالعمومات الدالة على عدم انفعال الكر بالملاقاة مطلقا، ردا على ما ذهب اليه المفيد في المقنعة و سلار، فكيف يمنع العموم هنا؟

و ما ذكره المولى الأردبيلي (طاب ثراه) في المقام- من ان القول بالمفهوم لا يستلزم القول بعمومه هنا، لان الخروج من العبث و اللغو يحصل بعدم الحكم في بعض المسكوت عنه، و ذلك كاف و فيما نحن فيه يصدق انه إذا لم يكن الماء كرا ينجسه شيء من النجاسات بالملاقاة في الجملة، و ذلك يكون في الراكد، و كفى ذلك لصحة المفهوم- لو تم لبطل الاستدلال بهذا المفهوم على نجاسة الماء القليل بالملاقاة، مع انه عمدة أدلتهم على ذلك المطلب، و ذلك فان مقتضى منطوق

«إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شيء» (2).

عدم تنجيس شيء من النجاسات

____________

(1) في الصحيفة 179 السطر 1.

(2) تقدم الكلام فيه في التعليقة 3 في الصحيفة 191.

193

للماء بعد بلوغه كرا، و مفهومه تنجيس شيء له مع عدم البلوغ، و يكفي للخروج من العبث و اللغو- كما ذكره (قدس سره)- حصول الحكم في بعض المسكوت عنه. و هو تنجيسه بالنجاسة المغيرة للماء، سيما مع كون (شيء) نكرة في سياق الإثبات، و هو خلاف ما صرحوا به في المقام من ارادة العموم من لفظ (شيء) كما سيأتيك تحقيقه ان شاء الله تعالى في بيان نجاسة الماء القليل بالملاقاة.

و بالجملة فكما ان لفظ (الماء) في المنطوق للعموم فكذا في المفهوم، و مثله لفظ (شيء) فيهما، و دلالته على العموم بتقريب ما ذكرنا آنفا مما لا مجال لإنكاره.

و (اما ثانيا)- فلأن ما ذكره- من تعارض العمومين بناء على دلالة صحيحة حريز و أمثالها (1) على ان كل ماء طاهر ما لم يتغير- محل النظر، لعدم تسليم العموم من تلك الأخبار كما أشرنا اليه (2) و سيأتيك ان شاء الله تعالى (3) ما فيه زيادة تنبيه عليه، و حينئذ فلا عموم في ذلك الطرف و يبقى عموم المفهوم سالما من المعارض.

ثم انه على تقدير تسليم العموم كما يدعونه فالأظهر تخصيصه بعموم المفهوم المؤيد بمنطوق صحيحة علي بن جعفر المتقدمة (4)، و إلا فبالصحيحة المذكورة ان نوقش في تخصيص العام بالمفهوم، بناء على منع بعض الأصوليين ذلك مطلقا أو إلا ان تكون دلالته أقوى من دلالة العام على الفرد الذي يخصص به. فإنه يخصص به العام حينئذ، و إلا فلا.

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 179.

(2) في الصحيفة 189 السطر 3.

(3) في المقام الأول من الفصل الثالث عند الكلام في رد دلالة الأخبار المستدل بها على عدم نجاسة الماء القليل بالملاقاة.

(4) في الصحيفة 191 السطر 12.

194

على ان التحقيق عندي- كما سيأتيك بيانه ان شاء الله تعالى- (1) ان دلالة هذه الأخبار على نجاسة القليل بالملاقاة لا تنحصر في مفهوم مخالفتها، بل المتبادر منها بقرينة المقام ان مقصودهم (عليهم السلام) بيان المعيار الفارق بين ما ينجس بملاقاة النجاسة و بين ما لا ينجس، فههنا في التحقيق دلالتان كما سيتضح لك في محله ان شاء الله تعالى.

و (اما ثالثا)- فلان ما ذكره من تعارض العمومين من وجه، فيه ان الظاهر ان مراده من العمومين عموم المفهوم القائل: ان كل ماء قليل ينجس بالملاقاة و عموم المنطوق الذي نطقت به الروايات الدالة على ان كل ماء لا ينجس ما لم يتغير، القائل بأن كل ماء لا ينجس بمجرد الملاقاة.

و أنت خبير بأن النسبة بين هذين العمومين هو العموم و الخصوص المطلق لا من وجه. و عموم المفهوم أخص مطلقا. و مقتضى القاعدة المقررة تقديم العمل به و تخصيص العام به، و حينئذ فالدليل عليه لا له.

و (اما رابعا)- فلان ترجيحه (قدس سره) جانب الطهارة بالإجماع- مع ان الإجماع عندهم دليل قطعي فلا يحتاج معه الى الترجيح- محل نظر لا يخفى، فكان الأولى أن يقول: و نقل الإجماع. هذا ما اقتضاه النظر العليل و خطر بالفكر الكليل و الاحتياط حيثما توجه أوضح سبيل.

(المقالة الخامسة) [في اعتبار دوام النبع في الجاري و عدمه]

- اشترط شيخنا الشهيد في الدروس في الجاري دوام النبع، و تبعه في هذا الشرط الشيخ جمال الدين احمد بن فهد في موجزه.

قال في الدروس: «و لا يشترط فيه الكرية على الأصح. نعم يشترط فيه

____________

(1) في المقام الأول من الفصل الثالث عند الكلام في رد الوجه الخامس من الوجوه التي استدل بها المحدث الكاشاني على عدم انفعال الماء القليل بمجرد الملاقاة.

195

دوام النبع» فعنده الشرط فيه أحد الأمرين: اما الكرية أو دوام النبع.

و اختلف كلام من تأخر عنه في فهم معنى هذا الكلام و ما المراد منه.

فقيل: ان المراد بدوام النبع عدم الانقطاع في أثناء الزمان ككثير من المياه التي تخرج زمن الشتاء و تجف في الصيف، و هو الذي صرح به شيخنا الشهيد الثاني في كتاب روض الجنان، و لذلك اعترض عليه و طالبه بالدليل. و لا ريب ان هذا المعنى هو الأربط باللفظ و الأقرب إليه، لكونه المتبادر منه عرفا، و لكنه مما يقطع بفساده.

(أما أولا)- فلانه لا شاهد له في الاخبار، و لا يساعد عليه الاعتبار، فهو تخصيص لعموم الأدلة بمجرد التشهي.

و (اما ثانيا)- فلان الدوام بالمعنى المذكور، ان أريد به ما يعم الزمان كله فلا ريب في بطلانه، إذ لا سبيل الى العلم به، و ان خص ببعضها فهو مجرد تحكم.

و بالجملة فالظاهر ان فساده مما لا يخفى على ذلك المحقق النحرير، فساحة شأنه أجل من ان يجري منه به قلم التحرير.

و قيل: ان المراد بدوام النبع استمراره حال ملاقاة النجاسة، و هذا هو الذي ذكره المحقق الشيخ علي بعد ان أطال في التشنيع على من فسر تلك العبارة بالمعنى الأول و استحسن هذا المعنى جملة ممن تأخر عنه. و هو و ان كان خلاف ظاهر اللفظ إلا انه في حد ذاته مستقيم، إذ متى كان حال ملاقاة النجاسة غير مستمر النبع كان بمنزلة القليل. و أنت خبير بان مرجعه الى اعتبار المادة، و حينئذ فلا يزيد على اشتراط الجريان إذ الجاري- كما عرفت- هو النابع، فزيادة هذا القيد حينئذ ليس بمحل من الفائدة.

و بعض محققي متأخري المتأخرين وجه كلام المحقق المذكور فقال بعد نقله و استحسانه: «و تقريبه ان عدم الانفعال بالملاقاة في قليل الجاري معلق بوجود المادة كما علمت، فلا بد في الحكم بعدم الانفعال فيه من العلم بوجودها حال ملاقاة النجاسة،

196

و ربما يتخلف ذلك في بعض افراد النابع كالقليل الذي يخرج بطريق الترشح (1) فان العلم بوجود المادة فيه عند ملاقاة النجاسة مشكل، لانه يترشح آنا فآنا، فليس له فيما بين الزمانين مادة، و هذا يقتضي الشك في وجودها عند الملاقاة فلا يعلم حصول الشرط و اللازم من ذلك الحكم بالانفعال بها عملا بعموم ما دل على انفعال القليل، لسلامته حينئذ عن معارضة وجود المادة، و لا يخفى ان اشتراط استمرار النبع يخرج مثل هذا و لولاه لكان داخلا في عموم النابع، لصدق اسمه عليه. و هذا التقريب و ان اقتضى تصحيح الاشتراط المذكور في الجملة إلا انه ليس بحاسم لمادة الإشكال، من حيث ان ما هذا شأنه في عدم العلم بوجود المادة له عند الملاقاة ربما حصل له في بعض الأوقات قوة بحيث يظهر فيه اثر وجود المادة، و اللازم حينئذ عدم انفعاله، مع ان ظاهر الشرط يقتضي نجاسته. و يمكن ان يقال: ان الشرط منزل على الغالب من عدم العلم بوجود المادة في مثله وقت الملاقاة، و يكون حكم ذلك الفرض النادر محالا على الاعتبار، و هو شاهد بمساواته للمستمر» انتهى كلامه زيد مقامه.

و فسر بعض الفضلاء المحدثين من متأخري المتأخرين النابع على وجوه:

(أحدها)- ان ينبع الماء حتى يبلغ حدا معينا ثم يقف و لا ينبع ثانيا إلا بعد إخراج بعض الماء.

و (ثانيها)- ان لا ينبغ ثانيا إلا بعد حفر جديد كما هو المشاهد في بعض الأراضي.

و (ثالثها)- ان ينبغ الماء و لا يقف الى حد كما في العيون الجارية، قال:

«و شمول الأخبار المستفاد منها حكم الجاري للوجه الثاني غير واضح، فيبقى تحت

____________

(1) هذا الكلام مما يدل على كون الماء الخارج بطريق الرشح من جملة النابع كما صرحنا به في المقالة الأولى (منه (قدس سره).

197

ما يدل على اعتبار الكرية، و كأن مراد شيخنا الشهيد (رحمه الله) ما ذكرنا، و بذلك اندفع عنه ما أورد عليه» انتهى.

(المقالة السادسة) [في تغير بعض الجاري بالنجاسة]

- قد عرفت مما تقدم (1) انه لا خلاف و لا إشكال في ان الجاري ينجس مع استيلاء النجاسة و غلبتها على أحد أوصافه الثلاثة، و حينئذ فإن تغير بعضه اختص بالتنجيس إلا أن يكون الماء ممتدا و ينقص ما تحت المتغير عن الكر و يستوعب التغير عمود الماء- و هو خط ما بين حافتيه عرضا و عمقا- فينجس ما تحت المتغير ايضا، لتحقق الانفصال.

و ناقش بعض محققي متأخري المتأخرين في الحكم بنجاسة ما تحت المتغير في الصورة المذكورة، حيث قال بعد نقل الحكم المذكور: «و هذا الحكم و ان كان مشهورا فيما بين المتأخرين لكن ليس له وجه ظاهر، إذ يتخيل حينئذ انه ينقطع اتصاله بما فوق فيصير في حكم القليل. و ليس بمسلم، إذ الانقطاع إنما يحصل بانقطاع الماء و عدم جريانه اليه بالاتصال. و فيما نحن فيه ليس كذلك، إذ الماء يجري الى ما تحت، غايته في البين ماء نجس. و الحاصل ان الأصل الطهارة و عموم دلائل انفعال القليل قد عرفت حاله، فلا بد في نجاسة هذا الماء من دليل، و لا دليل عليه إلا ان يتمسك بالشهرة أو عدم القول بالفصل. و في الكل نظر لكن الاحتياط فيه» انتهى.

و هو غريب، فإنه ان سلم نجاسة القليل بالملاقاة- كما يعطيه صدر كلامه- فلا ريب انه يصدق على هذا الماء كونه كذلك. و اتصاله بالجاري- بواسطة الماء المتغير بالنجاسة على الوجه المذكور- ليس باتصال. و ان منعها أو منع عموم أدلتها على وجه يشمل موضع البحث فهي مسألة أخرى يأتي تحقيقها ان شاء الله تعالى (2).

____________

(1) في المقالة الثالثة في الصحيفة 178.

(2) يأتي تحقيق نجاسة القليل بالملاقاة و عدمها في المقام الأول من الفصل الثالث و يأتي الكلام في عموم أدلة النجاسة بالملاقاة لموضع البحث و عدمه في المقام الرابع من الفصل الثالث.

198

ثم ان للحكم المذكور زيادة على ما ذكرنا صورا تختلف باختلاف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في اعتبار استواء السطوح و عدمه كما سيأتي تفصيله ان شاء الله تعالى (1).

و جملة صور المسألة ان يقال: إذا تغير بعض الجاري فاما ان يكون متساوي السطوح أولا، و على التقديرين اما ان يقطع التغير عمود الماء على ما قدمنا (2) أو لا و على الأول اما ان يبلغ ما ينحدر عن المتغير مقدار الكر أو لا. فهذه صور ست:

(الأولى)- كون السطوح متساوية و لا يقطع التغير عمود الماء. و لا إشكال في اختصاص المتغير بالتنجيس إذا بلغ الباقي كرا، و مع عدمه فيبني على الخلاف المتقدم (3) من اشتراط كرية الجاري في عدم الانفعال و عدمه.

(الثانية)- الصورة بحالها و لكن استوعبت النجاسة عمود الماء و كان المنحدر عن المتغير كرا، و حينئذ فما فوق المتغير مما يلي المادة ان كان أكثر من كر فالحكم كما في الصورة الأولى، و إلا بني على الخلاف المتقدم (4) ايضا.

و ربما قيل هنا بعدم انفعاله لو كان قليلا و ان اعتبرت الكرية، معللا بأن جهة المادة في الجاري أعلى سطحا من المتنجس فلا ينفعل به. و رد بأنه ليس بشيء، لأن الجريان يتحقق مع مساواة السطوح كما يشهد به العيان.

(الثالثة)- الصورة الثانية بحالها إلا ان ما ينحدر عن المتغير دون الكر،

____________

(1) في المسألة الثانية من الفصل الثاني.

(2) في الصحيفة 197 السطر 6.

(3) في المقالة الرابعة في الصحيفة 187.

(4) في المقالة الرابعة في الصحيفة 187.

199

و لا ريب في نجاسته مع المتغير، لقلته و انفصاله، و حكم ما فوق المتغير كما في سابقتها.

و احتمل بعض المحدثين (1) عدم تنجس ما تحت المتغير، قال: «لانه هارب عن المتغير و استلزام مجرد الاتصال التنجيس غير ثابت» انتهى.

(الرابعة)- ان تختلف السطوح و لم تستوعب النجاسة عمود الماء، و حكمها كما في الصورة الأولى.

(الخامسة)- الصورة بحالها و لكن استوعبت النجاسة عمود الماء و كان ما بعد المتغير مما يبلغ الكر، و الكلام في هذه الصورة مبني على الخلاف الآتي بيانه ان شاء الله تعالى (2) في اشتراط استواء سطوح مقدار الكر من الواقف و عدمه، فعلى الاشتراط ينجس ما تحت المتغير ايضا، و على تقدير عدمه يختص التنجيس بالمتغير.

و اما ما فوق المتغير فان كان فوقيته محسوسة فهو طاهر قطعا و ان اعتبرنا الكرية في الجاري و كان أقل من كر، لأنه أعلى من النجس فلا يؤثر فيه، و ان كان انزل فيبني على الخلاف المتقدم (3).

(السادسة)- الصورة بحالها و لكن المنحدر عن المتغير أقل من كر، و لا ريب في نجاسته. و حكم ما فوق المتغير كما في سابقتها. و الاحتمال المتقدم (4) جار هنا ايضا هذا كله لو كان الماء ممتدا في قناة و نحوها. اما لو كان مجتمعا في مكانه الذي يخرج منه- كمياه العيون الغير الممتدة- فإنه يختص التنجيس بالموضع المتغير ان كان الباقي كرا و الا بني على الخلاف المتقدم (5) و ربما أمكن أيضا فرض الصور الثلاث الأول لو اتسع

____________

(1) هو المحدث الأمين الأسترآبادي (قده) و سيجيء في كلامه (منه (قدس سره).

(2) في المسألة الثانية من الفصل الثاني.

(3) في المقالة الرابعة في الصحيفة 187.

(4) في الصورة الثالثة.

(5) في المقالة الرابعة في الصحيفة 187.

200

المكان الذي فيه الماء على الينابيع التي تخرج من الأرض.

ثم اعلم انه لا وجه هنا بناء على المشهور لاعتبار استواء السطوح في عدم الانفعال بالملاقاة كما سيأتي في الكثير من الراكد، لكن يتجه- على قول العلامة باعتبار ذلك في كثير الراكد عند ملاقاة النجاسة، بناء على ما صرح به في التذكرة كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى- اعتبار ذلك هنا أيضا في مقدار الكر من الجاري، لقوله بانفعاله بالملاقاة. لكنه (رحمه الله) في جملة من كتبه أطلق القول عند تغير البعض من الجاري باختصاص النجاسة بالمتغير دون ما فوقه و ما تحته تساوت سطوحه أو اختلفت و هو لا يخلو من تدافع. الا ان يقال: ان إجماله في الكلام هنا احالة على ما علم تفصيله بالتأمل في مقتضى قواعده المقررة في تلك المسألة (1).

و اعتذر عنه بعض محققي متأخري المتأخرين بان عدم تعرضه هنا لذلك كأنه يرى للجاري خصوصية عن الواقف في الجملة و ان شاركه في انفعال قليله بالملاقاة، و لعل الخصوصية كون الغالب فيه عدم الاستواء، فلو اعتبرت المساواة على حد ما ذكره في الواقف، للزم الحكم بتنجيس الأنهار العظيمة بملاقاة النجاسة أوائلها التي لا تبلغ مقدار الكر و لو بضميمة ما فوقها، و ذلك معلوم الانتفاء.

____________

(1) قال في القواعد: «و لو تغير بعضه بها نجس دون ما قبله و ما بعده». و قال الشيخ علي (ره) في شرحه بعد كلام في المقام: «و إطلاق عبارة المصنف تخرج على مذهب الأصحاب لا على اشتراط الكرية في الجاري، و هكذا صنع في غير ذلك من مسائل الجاري» انتهى. و قال في التذكرة: «لو تغير الجاري اختص المتغير منه بالتنجيس و كان غيره طاهرا، ثم قال: الثاني- لو كان الجاري أقل من كر نجس بالملاقاة للملاقي و ما تحته و في أحد قولي الشافعي انه لا ينجس إلا بالتغير» انتهى. فانظر الى هذا الاختلاف. و يحتمل ان يكون إطلاقه في جميع هذه الموارد محمولا على الجاري الذي هو كر فصاعدا و ان الباقي بعد التغير لو تغير بعضه كر فصاعدا. و الله العالم (منه (رحمه الله).

201

(المقالة السابعة) [في كيفية تطهير الجاري]

- قد عرفت (1) ان الجاري مطلقا بناء على المشهور لا ينجس إلا بتغيره، و حينئذ فطهره- على ما صرح به الأصحاب من غير خلاف فيه بينهم- بتدافع الماء من المادة و كثرته عليه حتى يستهلكه و يزول التغير، هذا ان اشترطنا في تطهير الماء الامتزاج كما هو أحد القولين، و ان اكتفي بمجرد الاتصال كما هو القول الآخر اكتفي بمجرد زوال التغير، لمكان المادة، و بذلك صرح جمع من متأخري المتأخرين منهم: السيد في المدارك.

و نقل عن بعض الأصحاب انه بناء على القول الأخير يتوقف طهره هنا على التدافع و الكثرة، نظرا الى ان الاتصال المعتبر في التطهير هو الحاصل بطريق العلو أو المساواة و ذلك بالنسبة إلى المادة غير متحقق، لأنها باعتبار خروجها من الأرض لا تكون إلا أسفل منه (2) و في التعليل منع ظاهر.

و اعلم انا لم نقف في شيء من الاخبار على تطهير الماء النجس سوى ما ورد في البئر و في باب الحمام.

و يمكن الاستدلال هنا على الطهارة بالوجه المذكور

بما رواه ثقة الإسلام في الكافي (3) عن ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «ان ماء الحمام

____________

(1) في المقالة الرابعة في الصحيفة 187.

(2) و الظاهر انه الى هذا القول يميل كلام المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في كتاب المعالم، حيث قال- بعد نقل القول المذكور و نقل القول بالاكتفاء بمجرد زوال التغير- ما صورته: «و التحقيق انه ان كان للمادة نوع علو على الماء النجس أو مساواة فالمتجه الحكم بالطهارة عند زوال التغير بناء على الاكتفاء بالاتصال، و إلا فاشتراط التكاثر و التدافع متعين» انتهى. و هو ذلك القول بعينه الا ان فيه استدراكا على ذلك القائل، حيث ان ظاهر كلامه ان المادة لا تكون إلا أسفل و أوجب التدافع و التكاثر، مع ان المادة قد تكون أعلى أو مساوية بأن تكون في أرض مرتفعة كما ذكر المحقق المذكور (منه (رحمه الله).

(3) في الباب- 10- من كتاب الطهارة و في الوسائل في الباب- 7- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

202

كماء النهر يطهر بعضه بعضا».

هذا على تقدير القول المشهور. و اما على ما ذهب إليه العلامة من اشتراط الكرية في عدم الانفعال، ففيه إشكال، لأنه متى تغير الجاري على وجه لا يبلغ الباقي كرا فلا يطهر إلا بمطهر من خارج، لان ما يخرج بالنبع لا يكون إلا قليلا فينفعل بالملاقاة بعد خروجه، و هكذا فيما يخرج دفعة ثانية و ثالثة و هكذا، فلا يتصور حصول الطهارة به و ان استهلك المتغير، لان الاستهلاك بماء محكوم بنجاسته كما عرفت.

و قد أطلق (قدس سره) في كتبه طهارة الجاري المتغير بتكاثر الماء و تدافعه حتى يزول التغير، و علله في المنتهى و التذكرة بأن الطارئ لا يقبل النجاسة لجريانه، و المتغير مستهلك فيه (1) و أنت خبير بما فيه، قال- بعض فضلاء متأخري المتأخرين بعد إيراد ذلك على قوله- «و يمكن ان يجعل هذا من جملة الأدلة على بطلان تلك الدعوى» انتهى.

(المقالة الثامنة) [حكم ماء الحمام كالجاري إذا كان له مادة]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان حكم ماء الحمام كالجاري إذا كان له مادة، قالوا: و المراد بماء الحمام يعني ما في حياضه الصغار. ثم اختلفوا في اشتراط الكرية في المادة و عدمه، و حينئذ فالبحث هنا يقع في مواضع ثلاثة:

____________

(1) و يظهر- من كلام العلامة (ره) في حكم تغير البئر- انه يرى تعين النزح و ان أمكن إزالة التغير بغيره، و حمله بعضهم على انه ناظر الى اشتراط الكرية في عدم انفعاله بكونه من جملة أنواع الجاري الذي يعتبر فيه الكرية، فلا تصلح المادة بمجردها للتطهير حيث يزول التغير، قال في المعالم بعد نقل ذلك: «و لا يذهب عليك ان حكمه- بحصول الطهارة بمثل النزح في مطلق الجاري الذي هو العنوان في الاشتراط- يباين هذا الحمل و ينافيه، و لو نظر الى ذلك في حكم البئر لكان مورد الشرط اعنى مطلق الجاري أحق بهذا النظر» انتهى (منه (رحمه الله).

203

(الأول)- في بيان كونه كالجاري، و الظاهر ان المراد من التشبيه عدم نجاسة ما في حياضه الصغار بالملاقاة عند الاتصال بالمادة.

و يدل على أصل الحكم

صحيحة داود بن سرحان (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في ماء الحمام؟ قال: هو بمنزلة الماء الجاري».

و رواية ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «قلت: أخبرني عن ماء الحمام يغتسل منه الجنب و الصبي و اليهودي و النصراني و المجوسي؟ فقال: ان ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا».

و رواية بكر بن حبيب عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة».

و ما رواه في كتاب قرب الاسناد (4) عن إسماعيل بن جابر عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) قال: ابتدأني فقال: «ماء الحمام لا ينجسه شيء».

و ما في كتاب الفقه الرضوي (5) قال (عليه السلام): «و ماء الحمام سبيله سبيل الجاري إذا كانت له مادة».

و ربما أمكن تطرق الإشكال الى هذا الاستدلال بان ذلك لا يتم إلا بعد معرفة الحيضان التي كانت في زمنهم (عليهم السلام) على اي كيفية كانت؟ إذ الظاهر ان الأسئلة كانت عن ماء الحمام المعهود عندهم، سيما ان أصل الإضافة للعهد، لكن لا يخفى ان ضم الأخبار المشتملة على اشتراط المادة الى الأخبار الباقية يعطي بظاهره

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(4) في الصحيفة 128 السطر 9 من المطبوع بطهران سنة 1370، و في الوسائل في الباب- 7- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(5) في الصحيفة 4 السطر 32.

204

ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) من ان المراد بماء الحمام ما في حياضه الصغار التي لا تبلغ الكر، و المادة عبارة عن الحوض الكبير الذي يجري منه الماء الى الحياض الصغار، و لهذا تضمن الخبر الأخير (1) اشتراط مشابهة الجاري بوجود المادة له، و رواية بكر بن حبيب (2) نفي البأس عنه بشرط المادة. و المراد في الخبرين اتصالها به إذ مع عدمه يلحقه حكم القليل حينئذ.

و مما ذكرنا علم الكلام في الموضع الثاني أيضا.

و اما الموضع الثالث فالمشهور بين الأصحاب اشتراط الكرية في المادة استنادا إلى انه مع عدم الكرية يدخل تحت القليل فينفعل بالملاقاة.

و ذهب المحقق في المعتبر الى عدم اعتبار كثرة المادة و قلتها، لكن لو تنجس ما في الحياض لم يطهر بمجرد جريانها اليه (3).

و يدل عليه إطلاق صحيحة داود بن سرحان (4) فان جعله بمنزلة الجاري كالصريح في عدم اشتراط الكرية، و إطلاق رواية بكر بن حبيب (5) فان المادة فيها أعم من كونها كرا أو دونه.

و أجيب عن الاولى بعدم التعرض فيها للمادة و لا للقلة و الكثرة. و اما الثانية

____________

(1) و هو حديث الفقه الرضوي المتقدم في الصحيفة 203 السطر 12.

(2) المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 8.

(3) ظاهر كلام المحقق (ره) ان عدم اعتبار قلة المادة و كثرتها مع اتصالها بالحوض الصغير إنما هو لعدم انفعال المجموع بما يلاقيه من النجاسة، و انه كالجاري لذلك و ان قل الجميع عن الكر. اما لو انفصلت المادة عن الحوض فتنجس ماء الحوض، لم يطهر بمجرد اجراء تلك المادة إليه بل لا بد من كريتها حينئذ، و يكون حكم الحمام حينئذ حكم غيره من الماء القليل إذا أريد تطهيره، فإنه لا بد من إلقاء الكر عليه دفعة على ما في ذلك من التفاصيل الآتية (منه (قدس سره).

(4) المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 3.

(5) المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 8.

205

فبضعف السند أولا، و حمل إطلاق المادة فيها على ما هو الغالب من أكثرية المادة كما هو الآن موجود، أو إرادة الكثرة من لفظ المادة لاشعارها بذلك. و لئن سلمنا العموم في كلا الخبرين فلا ريب ان عموم اشتراط الكرية أقوى دلالة فيجب تخصيص هذا العموم به.

و يرد على ذلك ان عدم التعرض للمادة و القلة و الكثرة لا ينفي صحة الاستدلال بالخبر باعتبار عمومه، و تنزيله منزلة الجاري في الخبر المذكور أخرجه عن حكم القليل، فلا يلزم من الحكم بانفعال القليل بالملاقاة الحكم بانفعاله، فإنه كما خرج ماء الاستنجاء و ماء المطر عن قاعدة الماء القليل بنص خاص، فكذا ماء الحمام ينبغي خروجه بمقتضى النص المذكور. نعم يخرج منه القليل الذي لم يتصل بالمادة أصلا بناء على القول بنجاسة القليل بالملاقاة بإجماع القائلين بذلك عليه، و يبقى غيره داخلا في عموم الخبر.

و بالجملة فهذه الروايات أخص موضوعا من الروايات الدالة على انفعال القليل بالملاقاة، و مقتضى القاعدة تخصيص تلك بهذه لا العكس.

و اما ضعف السند في الرواية الثانية (1) فيدفعه جبر ذلك بعمل الأصحاب كما هو مقرر بينهم، و كلا الأمرين اصطلاحيان. و الحمل على الغالب خلاف الظاهر و خلاف مدلول تلك الصحيحة المذكورة (2).

و الى هذا القول (3) مال جملة من المتأخرين و متأخريهم (4).

____________

(1) و هي رواية بكر بن حبيب المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 8.

(2) و هي صحيحة داود بن سرحان المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 3.

(3) و أيد هذا القول بعضهم بالعمومات الدالة على طهارة مطلق الماء، و العمومات الدالة على طهارة مطلق الماء ما لم يتغير (منه (رحمه الله).

(4) منهم: شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين، فإنه نفى عنه البعد و أيده بنحو ما ذكرنا، و المحدث الكاشاني في الوافي، و المحدث الأسترآبادي في تعليقاته على المدارك، و الفاضل الخراساني في الذخيرة و الكفاية (منه (قدس سره).

206

و ربما بنى ذلك بعضهم على قاعدة الفرق في نجاسة الماء القليل بين ورود النجاسة عليه و وروده على النجاسة، فحكم هنا بعدم النجاسة من حيث ورود الماء على النجاسة، و جعل ذلك هو السر في عدم تنجس ماء الحمام بمجرد الملاقاة و في طهارة ماء الاستنجاء، قال: «فلا حاجة حينئذ إلى اعتبار كرية المادة بل و لا كرية المجموع من المادة و ما في الحوض و الماء النازل» ثم اعترض على نفسه بأن النجاسة ههنا واردة على ماء الحوض و أجاب بأن المفروض ورود الماء من المادة على ماء الحوض و تسلطه على ماء الحوض و على ما يصيبه من القذر، فلم تكن النجاسة واردة على ما هو حافظ لطهارة ماء الحوض بل الأمر بالعكس، ثم قال: «و قد اتضح مما ذكرناه ان على مذهب من يخص تنجيس القليل بصورة ورود النجاسة عليه يتجه القول بعدم اشتراط الكرية في مادة الحمام» انتهى.

و (فيه أولا)- انه ان استند في استثناء ماء الحمام من قاعدة تنجس القليل بالملاقاة الى هذه الأخبار فهي لا اشعار فيها بهذا التخصيص، بل مقتضى ظاهر التشبيه بالجاري هو عدم الانفعال مطلقا، و كذا ظاهر نفي البأس مع وجود المادة، و كذا ظاهر قوله في رواية قرب الاسناد (1):

«لا ينجسه شيء».

فان ذلك كله يدل بظاهره على عدم انفعاله بالملاقاة كيف كانت.

و (ثانيا)- ان ما ذكره إنما يتم لو كان الماء الجاري من المادة إلى الحوض الصغير آتيا عليه من أعلاه. اما لو كان آتيا من أسفله كما هو معمول في كثير من الحياض فلا يتم ما ذكره. مع ان ورود المادة على الحوض الصغير أعم من ان يكون من جهة العلو أو السفل.

و (ثالثا)- انه لا يظهر حينئذ للتشبيه بالجاري هنا مزية، إذ متى كان

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 10.

207

حكمه حكم الماء القليل في تنجسه بورود النجاسة عليه دون وروده عليها- كما هو مختاره في الماء القليل مطلقا- فأي ثمرة لهذا التشبيه؟ فان ما ذكره حكم عام للماء القليل بجميع افراده و هذا أحدها، بل الظاهر- و الله سبحانه و أولياؤه أعلم- من تلك الأخبار المتقدمة (1)- الدال بعضها على انه كالجاري مطلقا، و بعضها انه كماء النهر يطهر بعضه بعضا، و بعضها انه لا ينجسه شيء مطلقا و ان دل دليل من الخارج على تخصيصه بالتغير بالنجاسة، و بعضها على نفي البأس عنه بشرط المادة- ان لماء الحمام خصوصية يمتاز بها عن مطلق الماء القليل، و ليس ذلك إلا باعتبار عدم انفعاله بالملاقاة و ان قل، بخلاف مطلق الماء القليل، و ان خص انفعال مطلق القليل بورود النجاسة عليه دون العكس، كما اختاره القائل المذكور وفاقا لمن سبقه في ذلك ايضا، فلا بد هنا من اعتبار عدم الانفعال مطلقا مع القلة- ورد على النجاسة أو وردت عليه- تحقيقا للخصوصية المميزة المستفادة من تلك الاخبار.

و ينبغي التنبيه هنا على أمور:

(الأول)- هل يشترط بناء على القول بكرية المادة بلوغ المادة وحدها كرا لتعصم ما في الحياض عن الانفعال بالنجاسة بعد الاتصال، أو يكفي بلوغ المجموع منها و مما في الحياض كرا مع تواصلهما مطلقا؟

ظاهر أكثر المتأخرين- حيث أطلقوا القول بكرية المادة- الأول، مع انهم أطلقوا القول بان الغديرين إذا وصل بينهما بساقية و كان مجموعهما مع الساقية كرا، لم ينفعلا بملاقاة النجاسة. و ذلك يقتضي أن يكون حكم الحمام أغلظ، مع انه ليس كذلك، لما عرفت من الأخبار المتقدمة (2).

____________

(1) في الصحيفة 203.

(2) في الصحيفة 203.

208

و ربما أجيب بأن إطلاق القول بكرية المادة في الحمام محمول على ما إذا لم يكونا متساويين بناء على الغالب من علو المادة، فاما مع التساوي فيكفي بلوغ المجموع كرا و نقل في المعالم عن بعض الأصحاب التصريح بالتفصيل المذكور، ثم قال: «و هو الأجود» و إطلاق القول في الغديرين محمول على المتساويين.

و رد بأن العلامة أيضا قد صرح في الغديرين المختلفين بتقوي الأسفل بالأعلى.

و أجيب عنه يحمل الاختلاف في الصورة المذكورة على ما إذا كان بطريق الانحدار دون التسنم من ميزاب و نحوه. و الغالب في الحمام هو الثاني، و حينئذ فإطلاق القول في الغديرين محمول اما على التساوي أو على الاختلاف الحاصل بالانحدار، فإنه متى كان كذلك لم ينفعل شيء منهما. و إطلاق القول في الحمام محمول على الاختلاف الحاصل بالتسنم من ميزاب و نحوه (1).

و لا يخفى ما في هذه التقييدات من التكلف و التمحل، و كأن محصل الفرق المذكور على هذا التقرير دخول الماء المتساوي السطوح و المختلف على وجه الانحدار في الاخبار الدالة على عدم نجاسة الكر بالملاقاة، و مرجعه الى حصول الوحدة في الماء على وجه يكون داخلا تحت تلك الاخبار. و اما إذا كان متسنما من ميزاب و نحوه فإنه ليس كذلك فلا يدخل تحت تلك الاخبار. فاعتبرت كرية المادة في الحمام لكون إتيانها

____________

(1) و أجاب بعض متأخري الأصحاب بأن إطلاق الأصحاب اشتراط كرية المادة مبنى على الغالب من كثرة الأخذ من ماء الحوض، فلو لم تكن المادة وحدها كرا لنقص بالأخذ و انفعل، و الا فالإجماع قائم على انه يكفى بلوغ المجموع كرا و ان اختلفت السطوح و لا يخفى ما فيه حق ان صاحب المعالم عده من المجازفات العجيبة. و بعض آخر عد إطلاق اشتراط الكرية في المادة قولا مغايرا للتفصيل باستواء السطوح و عدمه، و مقتضى ذلك وجود القائل باشتراط كرية المادة وحدها و ان استوت السطوح. و لا يخفى ما بين القولين المذكورين من التباعد (منه (رحمه الله).

209

على الحياض على ذلك الوجه المقتضي لعدم اتحادها مع ما في الحياض، و لا يخفى ما في هذا التقييد من المخالفة لإطلاق النص و إطلاق كلام الأصحاب.

فالتحقيق هو ما قدمنا (1) من عدم اعتبار كرية المادة، و ان هذا الحكم خارج بالنص، فلا يحتاج الى ارتكاب هذه التمحلات. على انه قد صرح المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) بان المستفاد من روايات باب الكر تقوي كل جزء منه بالباقي، قال: «و هذا المعنى موجود في الساكن دون غيره. لعدم تقوي الأعلى بالأسفل في غير الساكن، بل اعتبر الشيخ المحقق ابن العالم الرباني الشهيد الثاني (رحمهما الله تعالى) في كتاب المعالم تقارب اجزاء الماء كما تشعر به روايات هذا الباب ليحصل التقوى المذكور، فان مع تقارب اجزاء الماء النجاسة الواردة عليه تنتشر و تتوزع عليها». انتهى.

كلامه (زيد مقامه).

و أجاب بعض فضلاء متأخري المتأخرين بأن الغرض من اشتراط الكرية في المادة وحدها لتطهير الحوض الصغير لا لمجرد عدم انفعالها.

و نقل- السيد في المدارك عن جده في فوائد القواعد- الثاني، لعموم

قوله (عليه السلام) في عدة أخبار صحيحة (2): «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء».

قال: «و هو متجه، و على هذا فلا فرق بين ماء الحمام و غيره» انتهى.

أقول: و هذا القول من شيخنا الشهيد الثاني (رحمه الله) متجه على ما اختاره مما سيأتي ذكره (3) من الحكم بالوحدة بمجرد الاتصال، و ان استواء سطح الماء غير معتبر في الكر، فلو بلغ الماء المتواصل المختلف السطوح كرا لم ينفعل شيء منه بالملاقاة

____________

(1) في الموضع الثالث في الصحيفة 204.

(2) رواها صاحب الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(3) في المسألة الثانية من الفصل الثاني.

210

سواء في ذلك الأعلى و الأسفل. و سيأتي تحقيق القول في ذلك ان شاء الله تعالى.

هذا. و ظاهر العلامة في التحرير اعتبار زيادة المادة عن الكر، حيث قال بعد الكلام في الجاري: «و حكم ماء الحمام حكمه إذا كان له مادة تزيد على الكر» انتهى و هو غريب (1).

(الثاني)- لو انفصل ماء المادة عن الحوض و تنجس ماؤه، فهل يطهر بمجرد اتصال المادة به أم يشترط فيه الامتزاج و الغلبة؟ وجهان بل قولان مبنيان على الكلام في تطهير القليل بإلقاء الكر عليه كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى (2).

و اختار العلامة- في التذكرة و المنتهى هنا- الثاني، و احتج عليه في المنتهى بان الصادق (عليه السلام) حكم بأنه بمنزلة الجاري (3)، و لو تنجس الجاري لم يطهر إلا باستيلاء الماء عليه بحيث يزيل انفعاله. مع انه (قدس سره) في التحرير و المنتهى و النهاية في مسألة الغديرين حكم بطهارة النجس منهما باتصاله بالبالغ كرا، و هو مناقض لما حكم به في هذه المسألة، لأن المسألتين من باب واحد. كذا أورده عليه جمع من المتأخرين.

____________

(1) و قد تلخص مما ذكرنا من البحث ان الأقوال في المادة خمسة: (أحدها)- ما هو المشهور من اعتبار الكرية فيها وحدها حملا لها على التسنم كما اعتبروه و حكموا عليه بالإطلاق (الثاني)- الاكتفاء ببلوغها مع ما في الحوض كرا ايضا، و هو قول الشيخ الشهيد الثاني (الثالث)- عدم اعتبار الكرية و لو نقصت هي مع ما في الحوض عن الكر، و هو ظاهر المحقق و المؤيد بظواهر الأخبار (الرابع)- هو الثالث بعينه لكنه بشرط ورود الماء على النجاسة، و هو اختيار المحدث الأمين الأسترآبادي. و (خامسها)- ما في التحرير من الزيادة على الكر (منه (رحمه الله).

(2) في الموضع الأول من المقام الخامس من الفصل الثالث.

(3) في صحيحة داود بن سرحان المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 3.

211

و يمكن الجواب عنه (أولا)- بأن ظاهر استدلاله- في المنتهى بالخبر المذكور على الممازجة في ماء الحمام- اختصاص الحكم المذكور بالحمام، لما ذكره من الخبر، فكأن حكم الحمام عنده في المسألة المذكورة مستثنى من مواضع تطهير القليل.

و (ثانيا)- انك قد عرفت ايضا (1) تقييد إطلاق القول في الغديرين بالحمل على المتساويين أو المختلفين بطريق الانحدار دون التسنم، فيمكن حمل كلامه هنا في تلك الكتب بالاكتفاء بمجرد الاتصال على ذلك، بخلاف الحمام، لما عرفت سابقا (2) من كون جريان المادة في الأغلب بطريق التسنم، فلا بد فيه من الممازجة.

و اختار جماعة- منهم: شيخنا الشهيد الثاني- الأول، بناء على أصله المشار إليه آنفا (3) و نقل ايضا عن المحقق الشيخ علي (رحمه الله) و اليه مال في المدارك ايضا، و استدلوا على ذلك بما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى في مسألة تطهير القليل (4).

و لعل الأظهر هنا الثاني، لأن يقين النجاسة لا يحكم بارتفاعه إلا بدلالة معتبرة، و الارتفاع بالممازجة مجمع عليه، مع إشعار جملة من النصوص به كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى (5) مع تحقيق في المقام يكشف عن هذه المسألة و أمثالها نقاب الإبهام.

(الثالث)- هل يشترط في تطهير الحوض زيادة المادة على الكر بمقدار ما تحصل به الممازجة و الغلبة (6) بناء على اشتراط الممازجة، أو بمقدار الماء المنحدر

____________

(1) في الأمر الأول في الصحيفة 207.

(2) في الأمر الأول في الصحيفة 207.

(3) في الصحيفة 209 السطر 16.

(4) في الموضع الأول من المقام الخامس من الفصل الثالث.

(5) في الموضع الأول من المقام الخامس من الفصل الثالث.

(6) فلو اتصل بها على وجه لم تحصل الممازجة و نقص الباقي عن كر، تنجس حينئذ و حينئذ فما لم تحصل الممازجة و الحوض باق على النجاسة لا بد من كون الباقي على قدر يعصمه من النجاسة و بالجملة فإنه يشترط الزيادة على الكرية ما دام الحوض باقيا على النجاسة، فإذا حصلت الممازجة كفى كون الباقي كرا (منه (رحمه الله).

212

للحوض المتصل به (1) بناء على مجرد الاتصال أم لا؟ قولان.

صرح بالأول المحقق الشيخ علي و الشهيد الثاني، و عللاه بأنها لو كانت كرا فقط لكان ورود شيء منها على الحياض موجبا لخروجها عن الكرية، إذ المعتبر كرية المادة بعد الملاقاة، فتقبل الانفعال حينئذ، و هو صريح التحرير كما تقدم (2).

و بالثاني صرح السيد السند في المدارك، قال (قدس سره): «الظاهر الاكتفاء في تطهير ما في الحياض بكرية المادة، و لا يشترط زيادتها على الكر، و به صرح في المنتهى في مسألة الغديرين، و يلوح- من اشتراطهم في تطهير القليل إلقاء كر عليه دفعة- اعتبار زيادة المادة على الكر هنا» انتهى.

و فيه انك قد عرفت سابقا (3)- من مقتضى الجمع بين إطلاقي القول بكرية المادة و القول بالاكتفاء في الغديرين بحصول الكرية من مجموعهما و من الساقية- تقييد المادة بالتسنم، و من ثم اعتبر فيها الكرية على حدة، و تقييد الغديرين بالتساوي أو الاختلاف على جهة الانحدار، و من ثم اكتفي بكرية المجموع. و بذلك يظهر لك ما في كلامه من الاستناد الى ما صرح به في المنتهى في مسألة الغديرين.

نعم لقائل أن يقول: ان هذه الزيادة المعتبرة- سواء اعتبرت في التطهير بمجرد الاتصال أو المزج- لا دليل عليها. قولكم-: انها بعد الملاقاة بأول جزء منها ينجس الملاقي مع كون الباقي أقل من كر- قلنا نجاسة أول المادة باتصالها بالحوض النجس ليس أولى من طهارة النجس باتصالها به، فلا بد لترجيح الأول من دليل. على ان

____________

(1) و ذلك لان الاجزاء التي تتصل بالحوض منها تنفصل في الحكم عن المادة لكونها أسفل منها، فيعتبر في عدم انفعالها بملاقاة ماء الحوض اتصالها بمادة كثيرة عالية (منه (قدس سره).

(2) في الصحيفة 210 السطر 2.

(3) في الأمر الأول في الصحيفة 207.

213

التحقيق كما سيأتي ان شاء الله تعالى (1) ان شرط الطهارة في المطهر و عدم النجاسة إنما هو قبل التطهير. و اما نجاسته حال التطهير فلا دليل على المنع منها.

و المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره)- بناء على ما يختاره من تخصيص نجاسة القليل بالملاقاة بورود النجاسة على الماء دون العكس- صرح هنا بأنه يتجه ان يقال: انه لا حاجة الى كرية المادة بل يكفي جريان الماء الطاهر بقوة بحيث يستهلك الماء فيه، و استند الى ظواهر جملة من الاخبار ستأتي الإشارة إليها ان شاء الله تعالى.

هذا كله مع علو المادة على الحوض. اما مع المساواة كما يتفق في بعض الحياض من جعل موضع الاتصال أسفل الحوض فلا يشترط الزيادة، بل يكفي مجرد الاتصال على أحد القولين أو جريانها إليه بقوة الى ان يحصل الامتزاج على القول الآخر.

(الرابع)- لو شك في كرية المادة فظاهر كلام جملة من الأصحاب- و به صرح بعضهم- انه يبنى على الأصل و هو عدم البلوغ.

و استضعفه بعض محققي متأخري المتأخرين، و استظهر البناء على طهارتها و عدم الحكم بنجاستها بملاقاة النجاسة.

و احتج بالروايات الدالة على ان

«كل ماء طاهر حتى يعلم انه قذر» (2).

و باستصحاب الطهارة الوارد فيه النص بخصوصه كما ورد في تطهير الثياب.

و فيه نظر، لتطرق القدح الى ما أورده من الأدلة.

(اما الأول)- فلما مضى بيانه في المقالة الرابعة (3).

____________

(1) في رد الوجه الثالث من الوجوه التي استدل بها المحدث الكاشاني على عدم انفعال الماء القليل بمجرد الملاقاة، و في المسألة الرابعة من المقام الأول من تتمة باب المياه.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة و قد تقدم الكلام فيما يرجع الى هذا المضمون في التعليقة 1 في الصحيفة 177.

(3) في الصحيفة 190 السطر 3.

214

و (اما الثاني)- فلان استصحاب الطهارة الذي ورد به النص في الثوب هو ما إذا كان الثوب متيقن الطهارة و شك في عروض النجاسة له، كما تضمنته صحيحة زرارة المضمرة (1) و غيرها، فإنه لا يخرج عن يقين الطهارة إلا بيقين النجاسة. و وجه الفرق بين هذا و بين ما نحن فيه ظاهر، فإن صحيحة زرارة المذكورة و ظاهر غيرها ان الغرض المترتب على التمسك بيقين الطهارة في هذه المواضع هو دفع الشك بعروض النجاسة حتى يحصل اليقين بها، فالتمسك بيقين الطهارة إنما هو في مقابلة الشك في عروض النجاسة، و افراد هذه الكليات إنما هي الأمور المقطوع بعدم العلم بملاقاة النجاسة لها. فتستصحب طهارتها الى ان يظهر خلافها. و ما نحن فيه ليس كذلك، إذ هو مما تحقق ملاقاة النجاسة له لكن حصل الشك في بلوغه القدر العاصم من النجاسة و عدمه، و ليس الشك هنا في ملاقاة النجاسة كما هو مساق تلك الاخبار. و مثل ذلك لو حصل في ثوب دم محكوم بنجاسته شرعا لكن حصل الشك في زيادته على الدرهم و عدمها. فإنه ليس للقائل أن يستند الى هذه الاخبار بان الأصل طهارة الثوب

لقوله (عليه السلام): «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر» (2).

و بالجملة فالمراد بالشك الذي لا يعارض اليقين هو الشك في عروض النجاسة و ملاقاة النجس لا الشك في السبب الموجب للتنجيس.

(المقالة التاسعة) [في أن ماء المطر في الجملة حال تفاطره كالجاري]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ان ماء المطر في الجملة حال تقاطره كالجاري. و نقل عن ظاهر الشيخ اشتراط

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 139 السطر 3، و قد تقدم الكلام فيها في التعليقة 1 من نفس الصحيفة، و قد أسندها هناك الى ابى جعفر (عليه السلام).

(2) تقدم الكلام فيه في التعليقة 1 في الصحيفة 42 و سيأتي منه (قدس سره)- في التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة الثانية من مسائل البحث الأول من أبحاث أحكام النجاسات- التصريح بما ذكرناه هناك.

215

الجريان من ميزاب، و إطلاق تشبيهه بالجاري يقتضي عدم انفعاله بملاقاة النجاسة، و تطهيره لما يقع عليه من ماء نجس أو أرض أو ثياب أو ظروف أو نحو ذلك.

و تحقيق القول في ذلك يتوقف على النظر في الاخبار الواردة في المقام، فلنورد ما عثرنا عليه منها ثم نردفه بما يكشف عنه نقاب الإبهام بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر (عليهم أفضل الصلاة و السلام).

فمن الأخبار صحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في ميزابين سالا أحدهما بول و الآخر ماء المطر فاختلطا فأصاب ثوب رجل. لم يضره ذلك».

و رواية محمد بن مروان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لو ان ميزابين سالا أحدهما ميزاب بول و الآخر ميزاب ماء فاختلطا ثم أصابك، ما كان به بأس».

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن البيت يبال على ظهره و يغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر أ يؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة؟

فقال: إذا جرى فلا بأس به. و سألته عن الرجل يمر في ماء المطر و قد صب فيه خمر فأصاب ثوبه. هل يصلي فيه قبل ان يغسله؟ فقال: لا يغسل ثوبه و لا رجله و يصلي فيه و لا بأس».

و صحيحة هشام بن سالم (4) انه «سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فكيف فيصيب الثوب. فقال لا بأس به، ما اصابه من الماء أكثر منه».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

216

و مرسلة الكاهلي عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت أمر في الطريق فيسيل علي الميزاب في أوقات أعلم ان الناس يتوضؤون؟ قال: ليس به بأس لا تسأل عنه. قلت: يسيل علي من ماء المطر ارى فيه التغير و ارى فيه آثار القذر فتقطر القطرات علي و ينتضح علي منه؟ و البيت يتوضأ على سطحه فكيف على ثيابنا؟ قال: ما بذا بأس لا تغسله، كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر».

و رواية أبي بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكنيف يكون خارجا فتمطر السماء فتقطر علي القطرة؟ قال: ليس به بأس».

و مرسلة محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابنا عن ابي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) (3) «في طين المطر انه لا بأس به ان يصيب الثوب ثلاثة أيام الا ان يعلم انه قد نجسه شيء بعد المطر، فإن أصابه بعد ثلاثة فاغسله، و ان كان الطريق نظيفا فلا تغسله».

و روى في الفقيه (4) مرسلا قال: «و سئل (عليه السلام) عن طين المطر يصيب الثوب فيه البول و العذرة و الدم. فقال طين المطر لا ينجس».

و روى علي بن جعفر في كتاب المسائل و الحميري في قرب الاسناد (5) عنه عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب الماء المطلق.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب الماء المطلق.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب الماء المطلق و في الباب- 75- من أبواب النجاسات.

(4) في باب «المياه و طهرها و نجاستها» و رواه صاحب الوسائل في الباب- 6- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(5) في الصحيفة 89 من المطبوع بايران، و في الباب- 6- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة من الوسائل.

217

فيكف فيصيب الثياب، أ يصلى فيها قبل ان تغسل؟ قال: إذا جرى من ماء المطر فلا بأس».

و روى في كتاب المسائل أيضا عن أخيه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المطر يجري في المكان فيه العذرة فيصيب الثوب، أ يصلى فيه قبل ان يغسل؟

قال: إذا جرى به المطر فلا بأس».

و روى في كتاب الفقه الرضوي (2) قال (عليه السلام): «إذا بقي ماء المطر في الطرقات ثلاثة أيام، نجس و احتيج الى غسل الثوب منه. و ماء المطر في الصحاري لا ينجس. و روي طين المطر في الصحاري يجوز الصلاة فيه طول الشتاء».

هذا ما وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالمقام.

و يدل على اعتبار الجريان منها صحيحة هشام بن الحكم (3) و رواية محمد ابن مروان (4) و صحيحة علي بن جعفر (5) و روايتاه المنقولتان من كتابه (6) و لكن اعتبار الجريان من الميزاب انما وقع في الأولتين، و ليس فيهما دلالة على تخصيص الحكم بذلك، فلا تنهضان حجة للمستدل (7) و لعل ذكر الميزاب في كلام الشيخ على جهة التمثيل كما احتمله جمع من المحققين.

و أنت خبير بان هذه الأخبار لا تصريح فيها بكون ماء المطر كالجاري مطلقا أو مقيدا بحالة مخصوصة إلا من حيث أجوبة المسائل المسؤول عنها فيها. فان بعضها

____________

(1) و رواه صاحب الوسائل في الباب- 6- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) في الصحيفة 5 السطر 26.

(3) المتقدمة في الصحيفة 215.

(4) المتقدمة في الصحيفة 215.

(5) المتقدمة في الصحيفة 215.

(6) إحداهما في الصحيفة 216 و الأخرى في هذه الصحيفة.

(7) إذ غاية ما يستفاد منهما هو عدم ضرر ذلك و نفى البأس عنه لو اتفق كذلك، و هذا لا يدل على انحصار الحكم فيه و الاقتصار عليه كما لا يخفى (منه (قدس سره).

218

لا ينطبق على تقدير جعله كالماء القليل المنفعل بالملاقاة على المشهور، و حينئذ فغاية ما يستفاد منها كون ماء المطر قسما ثالثا بين الجاري و الراكد، و له أحكام قد يشارك في بعضها الجاري و في البعض الآخر الراكد، فاما مشاركته للجاري ففي صورة الجريان قطعا و الكثرة على الظاهر، كما يدل عليه ما تضمن اشتراط الجريان من الأخبار المتقدمة، و ما تضمن اعتبار الكثرة، و هو صحيحة هشام (1)، لجعله (عليه السلام) الجريان في تلك الأخبار و الكثرة في الخبر المذكور علة لحصول الطهارة (2) و خصوص

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 215 السطر 17.

(2) و ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة- من ان صحة الاستدلال بهذا الخبر مبنية على تعين إرجاع الضمير في قوله (عليه السلام): «ما أصابه» إلى السطح. و هو ممنوع بل يمكن إرجاعه الى الثوب، فكأنه قال (عليه السلام): «القطرة الواصلة الى الثوب غالب على البول الذي لاقاه» ثم قال: «و ايضا ما ذكره من الدليل على تعدية الحكم على تقدير تمامه إنما يصح إذا رجع ضمير (منه) الى مطلق النجاسة. و ليس كذلك، بل الظاهر رجوع الضمير الى البول، فلا يلزم الانسحاب في كل نجاسة» انتهى- مدفوع (أولا)- بأن ظاهر الرواية قد تضمن السؤال عن ظهر البيت الذي يبال عليه متى اصابه المطر، و عما يقطر منه فيصيب الثوب، و الأول منهما هو المقصود بالذات، لأن الثاني متفرع عليه كما لا يخفى، فلو جعل ضمير (ما اصابه) راجعا الى الثوب لزم كون التعليل المذكور مخصوصا بالسؤال الثاني، و لزم عدم الجواب عن السؤال الأول الذي هو المقصود الذاتي، لأن مرجع ضمير (اصابه) هو مرجع ضمير (به) في (لا بأس به) و متى جعل مرجع الجميع الى الثوب لزم خلو السؤال الأول من الجواب. و (ثانيا)- ان البول إنما هو على ظهر البيت لا في الثوب حتى تكون القطرة الواصلة إليه غالبا على البول الذي لاقاه، و الرواية إنما تضمنت كون القطرة النازلة من السطح النجس بالبول حال المطر هل تنجس الثوب أم لا؟ لا ان الثوب فيه بول و وقع عليه من ماء المطر أكثر منه كما توهمه. و هو غفلة عجيب منه. و (ثالثا)- ان ضمير (منه) انما يرجع الى البول، لكن لما كانت خصوصية البول لا مدخل لها في العلية حكم بالانسحاب الى اى نجاسة كانت كما أوضحناه في المتن (منه (رحمه الله).

219

مورد السؤال لا يصلح لتخصيص الجواب إلا إذا كان لخصوصية السؤال مدخل في العلية و شاهد الحال في المقام دال على عدم المدخلية، و متى كان التعليل يدل على التعدية الى كل ما توجد فيه العلة و شاهد الحال يدل على عدم المدخلية، وجب التعدية الى كل ما توجد فيه العلة.

و ما قيل- في الجواب عن صحيحة علي بن جعفر (1) الدالة على اشتراط الجريان في تطهير البيت الذي يبال على ظهره، من انه يمكن أن يكون الاشتراط هنا لنفوذ النجاسة في السطح، و ان السؤال لما كان يتضمن الجريان أجاب (عليه السلام) على وفق السؤال، فاشترط الجريان حتى يستولي على النجاسة، فهو لا يدل على نفي البأس إلا في هذه الحالة، فمورد السؤال حينئذ مخصص للجواب.

مدفوع (أولا)- بأن صحيحة هشام بن سالم (2) قد تضمنت هذا السؤال بعينه و وقع الجواب فيها بما يدل على الطهارة مع الكثرة دون الجريان، و من الظاهر ان الكثرة لا تستلزم الجريان، إلا أن يراد الجريان و لو بالقوة دون ان يكون بالفعل بخصوصه، فوجه الاستلزام ظاهر، و لعله الأظهر.

و (ثانيا)- بما تضمنته روايتا علي بن جعفر (3) المنقولتان من كتابه. فإنه لا مجال فيهما لتخصيص الجواب، فالظاهر حمل تلك الرواية أيضا عليهما. لكن أصحابنا لاقتصارهم في الاستدلال على ما في الكتب الأربعة لم يتعرضوا لهاتين الروايتين في المقام و لا غيرهما مما خرج عن الكتب المشار إليها، و ما عدا الصورة المذكورة فلا دلالة في شيء من تلك الأجوبة المذكورة على كونه كالجاري. و أقرب ما يتوهم منه الدلالة على كونه كالجاري- و ان لم يدخل في تلك الصورة-

مرسلة الكاهلي (4)

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 215.

(2) المتقدمة في الصحيفة 215.

(3) المتقدمتان في الصحيفة 216 و 217.

(4) المتقدمة في الصحيفة 216 السطر 1.

220

لقوله (عليه السلام): «كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر».

و تقييد إطلاقها بتلك الاخبار غير بعيد، فتحمل عليها حمل المطلق على المقيد. و اما ما دل على النهي عن غسل الثوب و الرجل من اصابة ماء المطر الذي قد صب فيه خمر- و انه يصلى فيه (1) و كذلك طهارة ما يقطر من ظهر البيت النجس بالبول و الكنيف (2)- فمع احتمال تقييده ايضا كما هو مصرح بالقيد في بعض تلك الأخبار لا دلالة فيه، لذهاب جملة من الأصحاب الى عدم انفعال القليل بوقوعه على النجاسة، و تخصيص نجاسته بالملاقاة بورود النجاسة عليه دون العكس. و هو الظاهر من الأخبار كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى (3).

و تنقيح المقام يتوقف على ذكر فروع:

(الأول)- لو وقع المطر على ماء نجس بدون التغير بعد زوال عين النجاسة منه، فان وقع عليه بطريق الجريان أو الكثرة فالظاهر انه لا إشكال في تطهيره له.

نعم يبقى الكلام في الاكتفاء بمجرد الاتصال أو اعتبار التداخل و الامتزاج، فعلى الأول يطهر بمجرد الاتصال، و على الثاني يتوقف على الامتزاج. و سيأتي تحقيق القول في ذلك ان شاء الله تعالى (4) و ان وقع لا بأحد الطريقين المذكورين فالمشهور بين الأصحاب التطهير بناء على حكمهم بكون ماء المطر كالجاري مطلقا. و قد عرفت ما فيه، فإنه لا دليل على هذا الإطلاق في الأخبار، و حديث-

«كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر» (5).

-

____________

(1) و هي صحيحة علي بن جعفر المتقدمة في الصحيفة 215.

(2) و هي صحيحة هشام بن سالم المتقدمة في الصحيفة 215. و روايتا ابى بصير و علي بن جعفر المتقدمتان في الصحيفة 216.

(3) في المقام الثاني من الفصل الثالث.

(4) في الموضع الأول من المقام الخامس من الفصل الثالث.

(5) المتقدم في الصحيفة 216 السطر 1.

221

قد عرفت ما فيه (1)، و مع عدم تقييده بما ذكرنا فقد أورد ايضا على الاستدلال به ان ماء المطر في الصورة المفروضة لا يمكن ان يرى جميع الماء النجس، لامتناع التداخل، و مع إمكانه أيضا فالظاهر ان عند التقاطر- كما هو مذهبهم- لا يمكن ان يصل الى جميع اجزاء الماء. و يمكن الجواب بأن الرواية لما دلت على طهارة ماء المطر المقتضي لطهارة الموضع الذي يصل اليه، فاللازم طهارة ما عداه، إذ لو لم يطهر بذلك للزم عدم طهارة ذلك الموضع بالكلية، أو عود النجاسة الى ما وصل اليه المطر بالمجاورة، و كلاهما خلاف ظاهر النص.

و لقد بالغ بعض المتأخرين (2) فحكم بتطهير القطرة الواحدة من المطر إذا وقعت على الماء النجس، قال في الروض بعد نقله: «و ليس ببعيد و لكن العمل على خلافه» انتهى.

و اعترض هذا القول المحقق الشيخ حسن في المعالم بأنه غلط. قال: «لأن المقتضي لذلك اما كونه في حكم الجاري أو النظر الى ظاهر الآية، حيث دلت على كونه مطهرا بقول مطلق، و كلاهما فاسد (اما الأول)- فانا و ان تنزلنا الى القول بثبوت أحكام الجاري له مطلقا، إلا انك قد علمت ان المقتضي لطهارة الماء بمجرد الاتصال- على القول به- هو كون الجزء الملاقي للكثير يطهر بملاقاته له، عملا بعموم ما دل على كون الماء مطهرا، و بعد الحكم بطهارته يتصل بالجزء الثاني- و هو متقو بالكثير الذي منه طهره- فيطهر الجزء الثاني، و هكذا. و لا يذهب عليك ان هذا التوجيه

____________

(1) في الصحيفة 219 السطر 18.

(2) هو السيد حسن بن السيد جعفر المعاصر لشيخنا الشهيد الثاني، قال في الروض:

و كان بعض من عاصرناه من السادة الفضلاء يكتفى في تطهير الماء النجس بوقوع قطرة واحدة عليه، الى آخر ما نقلناه في المتن (منه (رحمه الله).

222

لا يتوجه هنا، إذ أقصى ما يقال في القطرة الواقعة أنها تطهر ما تلاقيه. و لا ريب ان الانقطاع لا ينفك عن ملاقيها، و هي بعده في حكم القليل كما علمت، فليس للجزء الذي طهر بها مقو حينئذ ليستعين به على تطهير ما يليه، بل هو معها حين الانقطاع ماء قليل، فيعود بها الى الانفعال بملاقاة النجاسة. و (اما الثاني)- فقد مر الكلام فيه و بينا انه ليس له عموم» انتهى.

و يرد عليه ان اتصال هذه الاجزاء بعضها ببعض إنما يكون في زمان واحد، لا ان الجزء الأول يتصل بالثاني في زمان ثم الثاني بالثالث في زمان آخر و هكذا، فان باتصال الجزء الأول من النجس بالجاري أو الكثير صدق اتصال الاجزاء كملا بعضها ببعض، فمتى سلم ان ماء المطر و لو قطرة حكمه حكم الجاري مطلقا و انه يطهر الجزء الملاقي له حال وقوعه عليه، فلا ريب في إجراء التقريب المذكور في الجاري فيه حينئذ. و صدق الانقطاع عليه في الآن الثاني غير ضائر، لحصول الطهارة في الآن الأول بالتقريب المذكور.

(الثاني)- إذا وقع على أرض متنجسة و نحوها و استوعب موضع النجاسة و أزال العين- ان كانت- فعلى المشهور لا ريب في حصول التطهير به، و على اعتبار الجريان فالظاهر انه لا يناط هنا بحصوله، لان الشيخ القائل بذلك صرح- كما نقل عنه- بالاكتفاء في تطهير الأرض بالماء القليل، الا ان مقتضى صحيحة هشام (1) اعتبار كثرة ماء المطر في مثل الصورة المذكورة. و قد عرفت (2) انه لا مدخل لخصوصية السؤال في التعليل المذكور.

و بذلك صرح المحقق الشيخ حسن في المعالم، قال: «و لا بد من كون الماء الواقع أكثر من النجاسة، لجعله في الحديث علة لحصول الطهارة. و كون مورد السؤال

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 215 السطر 17.

(2) في الصحيفة 218 السطر 6.

223

فيه السطح لا يقتضي اختصاص الحكم به، لان التعليل يدل على التعدية الى كل ما توجد فيه العلة، إذ الحال شاهدة بعدم مدخلية الخصوصية فيها، و قد بينا وجوب التعدية حينئذ» انتهى.

و اعترضه في الذخيرة بان صحة الاستدلال بهذا الخبر على ما ذكره مبنية على تعين إرجاع الضمير في قوله (عليه السلام): «ما أصابه» إلى السطح. و هو ممنوع، بل يمكن إرجاعه الى الثوب، فكأنه (عليه السلام) قال: «القطرة الواصلة الى الثوب غالب على البول الذي لاقاه» و ايضا ما ذكره من الدليل على تعدية الحكم- على تقدير تمامه- إنما يصح إذا رجع ضمير (منه) الى مطلق النجاسة. و ليس كذلك، بل الظاهر رجوع الضمير الى البول، فلا يلزم الانسحاب في كل نجاسة. انتهى.

و لا يخفى ما في كلامه (قدس سره) من التكلف التام و البعد عن ظاهر الكلام كما لا يخفى على ذوي الأفهام.

(أما أولا)- فلان المقصود بالذات من السؤال هو ظهر البيت و تطهير المطر له، و السؤال عما يقطر على الثوب إنما هو فرع على الأول، فالأنسب كون الجواب و ما علل به راجعا إلى الأول.

و (اما ثانيا)- فلانه على تقدير رجوع الضمير الى الثوب فالتقريب الذي ذكره ذلك المحقق حاصل به، بكون المعنى حينئذ ما أصاب الثوب من ماء المطر الملاقي للبول أكثر من البول، بمعنى ان المتقاطر على الثوب مجتمع من الماء و البول و لكن الماء أكثر، فبسبب الكثرة صار قاهرا للبول و غالبا عليه. و منه يظهر ان مناط التطهير هو الكثرة الموجبة للقهر و الغلبة.

و (اما ثالثا)- فلان ما ذكره- من ان تعدية الحكم مع رجوع ضمير (منه) الى النجاسة دون البول و معه لا يصح- ففيه ان ضمير (منه) إنما يرجع في الخبر الى البول

224

لكن لما كان خصوصية البول لا مدخل له في العلية حكم بالانسحاب الى اي نجاسة كانت كما ذكره المحقق المذكور و قد قدمنا التنبيه عليه (1).

و ربما استدل على حصول التطهير في الفرع المذكور

بمرسلة الكاهلي (2) لقوله (عليه السلام): «كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر».

و فيه ما عرفت آنفا (3) و بمرسلة محمد بن إسماعيل (4) الواردة في طين المطر، لتصريحها بنفي البأس عن اصابته الثوب ثلاثة أيام إلا ان يعلم انه قد نجسه شيء بعد المطر، و هو دال على حصر البأس فيما إذا نجسه شيء بعد المطر، فما عداه لا بأس به، و هو شامل لما إذا كانت الأرض نجسة قبل المطر. فيستفاد منه تطهير المطر الأرض حينئذ. و في الدلالة تأمل.

(الثالث)- الظاهر انه لا خلاف في ان ما يبقى من ماء المطر بعد انقطاع المطر حكمه حكم القليل و ان كان جاريا. و حكمه مع اختلاف سطوح و استوائها كحكمه كما سيأتي ان شاء الله تعالى (5).

(الرابع)- هل يتقوى الماء الطاهر القليل بماء المطر حال تقاطره و يعصمه من الانفعال بالملاقاة؟ لا ريب في ذلك على المشهور من جعل ماء المطر كالجاري مطلقا و اما على اعتبار الجريان أو الكثرة فيناط بحصول أحدهما. و رجح بعض متأخري المتأخرين التقوى مع عدم الجريان و الكثرة لا من حيث ان ماء المطر كالجاري مطلقا بل من حيث عدم العموم في أدلة انفعال القليل بالملاقاة على وجه يشمل الفرع المذكور.

(الخامس)- صرح العلامة (قدس سره) في جملة من كتبه بان ماء المطر كالجاري،

____________

(1) في الصحيفة 218 السطر 6.

(2) المتقدمة في الصحيفة 216 السطر 1.

(3) في الصحيفة 219 السطر 18.

(4) المتقدمة في الصحيفة 216.

(5) في المسألة الثانية من الفصل الثاني.

225

مع انه شرط في الجاري الكرية، فيلزمه اشتراطها هنا ايضا. و اعتذر عنه بأن مراده أنه كالجاري إذا كان كرا. و أورد عليه ان سؤال الفرق متجه، فلم اشترط الكرية في الجاري دونه. و أجيب بأن الفرق ظاهر، فإن أدلة انفعال القليل بالملاقاة لا معارض لها على وجه يصلح للمعارضة من اخبار الجاري بخلاف اخبار ماء المطر، فإنها صريحة في المعارضة، و هي أخص من تلك الأخبار، فوجب تقييدها بها، و من ثم اشترطت الكرية ثمة دون ما نحن فيه.

و بعض محققي متأخري المتأخرين صرح بان الظاهر من كلام العلامة (رحمه الله) اشتراط الكرية في ماء المطر. و لم نقف على ما يقتضي ذلك في كلامه، بل صريح كلامه في التذكرة يقتضي عدم الاشتراط، حيث قال: «لو انقطع تقاطر المطر و فيه نجاسة عينية اعتبرت الكرية، و لا تعتبر حال التقاطر، و لو استحالت عينها قبل انقطاعه ثم انقطع كان طاهرا و ان قصر عن كر» انتهى.

(السادس)- استشكل بعض فضلاء متأخري المتأخرين في روايتي الميزابين (1) بان ميزاب البول ان سلم عدم تغييره ميزاب الماء فلا أقل من عدم استهلاكه بميزاب الماء، فكيف يحكم بطهارة الماء المختلط منهما؟ ثم احتمل حمل الاختلاط على ترشح ميزاب البول الى ميزاب الماء، فإذا أصاب الثوب لم يكن به بأس، إذ الماء لم ينجس بذلك، و الترشح من البول لم يعلم اصابته. و ايضا قد استهلك في الماء الطاهر فصار طاهرا. ثم استبعده و احتمل القول بان البول يطهر باختلاط ماء المطر و ان لم يستهلك، ثم قال: «و فيه أيضا إشكال» ثم احتمل ايضا رد الروايتين لعدم صحة سندهما.

أقول: لا يخفى ان ما ذكره من الاشكال و ان كان في بادئ النظر ظاهر

____________

(1) و هما صحيحة هشام بن الحكم و رواية محمد بن مروان المتقدمتان في الصحيفة 215.

226

الاحتمال إلا انه- بالتأمل في قرائن الأحوال التي كثيرا ما يبتني عليها الاستدلال- لا تطرق له في هذا المجال، فان الظاهر من سيلان ماء المطر من الميزاب كون ذلك عن قوة و كثرة، و من سيلان البول الذي هو غالبا إنما يقع ببول شخص كون ذلك قليلا مستهلكا في ماء المطر مع اختلاطه به، و الحمل على بول يقاوم المطر في القوة و الكثرة- أو يكون أقل منه على وجه لا يستهلكه المطر- نادر بل مجرد فرض غير واقع. و الأحكام الشرعية إنما تبنى على ما هو المتكرر المتعارف دون الفروض الشاذة النادرة.

الفصل الثاني في الراكد البالغ كرا فما زاد

. و تحقيق القول فيه يقتضي بسطه في مسائل:

(المسألة الأولى) [في أن اعتصام الكر لا يختص بغير الأواني و الحياض]

- المشهور بين الأصحاب (قدس الله تعالى أرواحهم) ان ما بلغ الكر من الراكد لا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة كما تقدم (1) و صريح الشيخ المفيد في المقنعة- و هو المنقول عن سلار- اختصاص الحكم المذكور بغير الحياض و الأواني. و الشيخ (رضوان الله عليه)- في التهذيب بعد نقل عبارة المقنعة المتضمنة للحكم المذكور- طوى البحث عن التعرض له فضلا عن الاستدلال عليه، و حمله بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين على انه إنما فهم من عبارة المفيد (قدس سره) ان مراده إذا نقصت عن كر كما هو الأغلب، قال: «و هو الظاهر، لكن المتأخرين فهموا- من عبارة المقنعة و كلام سلار- أن الأواني و الحياض ملحقان مطلقا بالماء القليل كما حكاه العلامة في المختلف» انتهى.

أقول: لا يخفى بعد ما استظهره (قدس سره) كما يظهر ذلك لمن لاحظ عبارة المقنعة، حيث انه إنما ذكر التفصيل بالكرية و عدمها في ماء الغدران و القلبان، سيما

____________

(1) في المقالة الثالثة في الصحيفة 178.

227

و قد قرن الحياض و الأواني في تلك العبارة بالبئر، مع ان مذهبه فيها النجاسة و ان بلغت كرا، إلا انه ربما ظهر ذلك من كلام الشيخ أخيرا عند شرح قوله في المقنعة:

«و المياه إذا كانت في آنية محصورة فوقع فيها نجاسة، لم يتوضأ منها و وجب اهراقها» فقال الشيخ (رحمه الله): «يدل على ذلك ما قدمنا ذكره من ان الماء متى نقص عن الكر فإنه ينجس بما يحله من النجاسات، و إذا ثبت نجاسته فلا يجوز استعماله بلا خلاف» فإنه يدل بظاهره على انه فهم من عبارة المقنعة في الموضعين التخصيص بما نقص عن الكر، و لعله فهم ذلك من خارج، و إلا ففهم هذا المعنى من العبارة الاولى في غاية البعد، لما عرفت. و الظاهر ان هذا الكلام هو الحامل لشيخنا المشار اليه على الحمل الذي قدمنا نقله عنه إلا انه لم يشر اليه.

هذا. و ظاهر عبارة النهاية أيضا موافقة الشيخ المفيد في الأواني. حيث قال:

«و الماء الراكد على ثلاثة أقسام: مياه الغدران و القلبان و المصانع. و مياه الأواني المحصورة، و مياه الآبار. فاما مياه الغدران و القلبان، فان كان مقدارها الكر فإنه لا ينجسها شيء إلا ما غير لونها أو طعمها أو ريحها، و ان كان مقدارها أقل من الكر فإنه ينجسها كل ما يقع فيها من النجاسة. و اما مياه الأواني المحصورة فإن وقع فيها شيء من النجاسة أفسدها و لم يجز استعمالها» انتهى ملخصا. ثم ذكر بعد ذلك أحكام البئر.

و أنت خبير بان التفصيل بالكرية و عدمها- في القسم الأول وطي الكشح عنه في الثاني- ظاهر في الحكم بالنجاسة في الثاني مطلقا، و لم يتعرض الأصحاب لنقل ذلك عنه في أقوال المسألة.

و حكى جملة من الأصحاب عن الشيخ المفيد و سلار في الاحتجاج على ذلك التمسك بعموم النهي عن استعمال مياه الأواني مع ملاقاة النجاسة. و ردوه بان العموم- على تقدير ثبوته- مخصوص بصورة القلة، جمعا بين الأخبار و العمومات و ان تعارضت من الطرفين،

228

إلا ان الترجيح في تخصيص هذا بذاك (أولا)- بقوة دلالة تلك الأخبار الدالة على عدم انفعال مقدار الكر. و (ثانيا)- باحتمال البناء في هذا العموم على ما هو الغالب من عدم بلوغ ماء الأواني كرا. و مع ذلك فالحجة المذكورة لا تشمل الحياض، فتبقى خالية من الدليل.

و كيف كان فالظاهر هو القول المشهور، إلا انه

روى أبو بصير في الموثق، قال: «سألته عن كر من ماء- مررت به و انا في سفر- قد بال فيه حمار أو بغل أو إنسان. قال: لا تتوضأ منه و لا تشرب» (1).

و الظاهر حمله على تغير موضع البول فينقص الباقي عن الكر فينجس. و ربما حمل على الكراهة. و الظاهر بعده.

ثم ان جملة من الأصحاب (2) ادعوا الإجماع على ان الكثير الواقف لا ينجس بملاقاة النجاسة، فإن أرادوا بالواقف هو الساكن، ففيه ما عرفت من خلاف هؤلاء الفضلاء، و ان أريد ما هو أعم منه و من الجاري لا عن نبع، ففيه- زيادة على ما ذكر- ما سيأتي ان شاء الله تعالى في الجاري لا عن نبع (3) من ذهاب جمع من الأصحاب الى عدم تقوي الأعلى بالأسفل، حتى أورد عليهم لزوم نجاسة النهر العظيم بملاقاة النجاسة إذا لم يكن فوقها ما يبلغ الكر، و لهذا ذهب بعض المحدثين من متأخري المتأخرين (4) الى ان هذا الفرد من الماء يوافق الجاري في بعض الأحكام و الراكد في بعض كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى (5).

(المسألة الثانية) [في اعتبار تساوي السطوح في اعتصام الكر و عدمه]

- هل يشترط في عدم انفعال الكر بالملاقاة مساواة سطحه الظاهر أم لا؟ قد اضطرب كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا المقام، لعدم

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في الباب- 3- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) منهم: السيد السند صاحب المدارك في الكتاب المذكور (منه (رحمه الله).

(3) في المسألة الثانية من هذا الفصل.

(4) هو المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) (منه (رحمه الله).

(5) في المسألة الثانية من هذا الفصل.

229

النصوص الصريحة في ذلك عنهم (عليهم السلام).

و بالثاني صرح شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض و سبطه السيد السند في المدارك، قال في الروض بعد كلام في المقام: «و تحرير المقام ان النصوص الدالة على اعتبار الكثرة- مثل

قوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء» (1).

و كلام أكثر الأصحاب- ليس فيه تقييد الكر المجتمع بكون سطوحه مستوية، بل هو أعم منه و من المختلفة كيف اتفق» ثم قال بعد كلام طويناه على غره: «و الذي يظهر لي في المسألة- و دل عليه إطلاق النص- ان الماء متى كان قدر كر متصلا ثم عرضت له النجاسة لم تؤثر فيه إلا مع التغير، سواء كان متساوي السطوح أم مختلفها.

الى آخر ما ذكره».

و ما نقله (قدس سره) عن كلام أكثر الأصحاب فهو ظاهر كلام العلامة في جملة من كتبه، حيث صرح- في مسألة الغديرين الموصل بينهما بساقية- بالاتحاد و اعتبار الكرية فيهما مع الساقية، و هو أعم من المستوي و المختلف، و كذا أطلق القول في الواقف المتصل بالجاري و حكم باتحادهما من غير تقييد، إلا انه في التذكرة قيده، حيث قال في مسألة الغديرين: «لو وصل بين الغديرين بساقية اتحدا ان اعتدل الماء و إلا في حق السافل، فلو نقص الأعلى عن كر انفعل بالملاقاة» انتهى.

و المحقق في المعتبر صرح في مسألة الغديرين بما نقلناه عن العلامة (2) إلا انه قال بعد ذلك بلا فصل: «لو نقص الغدير عن كر فنجس فوصل بغدير فيه كر، ففي طهارته

____________

(1) تقدم الكلام فيه في التعليقة 3 في الصحيفة 191.

(2) حيث قال: «الفرع الثاني، الغديران الطاهران إذا وصل بينهما بساقية صارا كالماء الواحد، فلو وقع في أحدهما نجاسة لم ينجس و لو نقص كل واحد منهما عن الكر إذا كان مجموعهما مع الساقية كرا فصاعدا، ثم قال: (الثالث)- لو نقص الغدير عن كر.

الى آخر ما هو منقول في الأصل» (منه (قدس سره).

230

تردد، و الأشبه بقاؤه على النجاسة، لأنه ممتاز عن الطاهر» انتهى. و هو بظاهره مدافع لما ذكره أولا، الا ان يحمل كلامه الأول على استواء سطحي الغديرين و الثاني على اختلافهما (1).

و الشهيد في الدروس قال: «لو كان الجاري لا عن مادة و لاقته النجاسة، لم ينجس ما فوقها مطلقا، و لا ما تحتها ان كان جميعه كرا فصاعدا إلا مع التغير» فأطلق الحكم بعدم نجاسة ما تحت موضع ملاقاة النجاسة إذا كان مجموع الماء يبلغ كرا و لم يشترط استواء السطوح، ثم قال بعد ذلك بقليل: «لو اتصل الواقف بالجاري اتحدا مع مساواة سطحهما أو كون الجاري أعلى لا بالعكس» فاعتبر في صدق الاتحاد مساواة السطحين أو علو الكثير.

و قال في الذكرى- بعد حكمه بأن اتصال القليل النجس بالكثير مماسة لا يطهره (2)- ما صورته: «و لو كانت الملاقاة- يعني ملاقاة النجاسة للقليل- بعد الاتصال و لو بساقية لم ينجس القليل مع مساواة السطحين أو علو الكثير».

و في البيان: «لو اتصل الواقف القليل بالجاري و اتحد سطحهما أو كان الجاري

____________

(1) العلامة في المنتهى و التحرير- بعد ان صرح في الغديرين بما نقلناه عنه من الاتحاد- ذكر انه لو نقص الغدير عن كر فوصل بغدير يبلغ الكر طهر به. و في التذكرة- بعد ان صرح بما نقلناه عنه في المتن- ذكر هذا الفرع الثاني و اختار البقاء على النجاسة مع مجرد الاتصال و اشترط في الطهارة الممازجة. و اما المحقق في المعتبر، فإنه- كما نقلنا عنه- اختار في الفرع الأول الاتحاد، و في الفرع الثاني العدم، فانقدح الاختلاف بين كلاميه الا ان يحمل على ما ذكرنا في الأصل (منه (رحمه الله).

(2) حيث قال: «و طهر القليل بمطهر الكثير ممازجا، فلو وصل بكر مماسة لم يطهر للتمييز المقتضى لاختصاص كل بحكمه، و لو كان الملاقاة بعد الاتصال. الى آخر ما هو مذكور في المتن» و لا يخفى عليك ما في هذه الفتاوي من الاضطراب و المخالفة بعضها لبعض (منه (رحمه الله).

231

أعلى اتحدا، و لو كان الواقف أعلى فلا».

و قال- المحقق الشيخ علي في شرح القواعد بعد قول المصنف: «لو اتصل الواقف القليل بالجاري لم ينجس بالملاقاة»- ما لفظه: «يشترط في هذا الحكم علو الجاري أو مساواة السطوح أو فوران الجاري من تحت القليل إذا كان الجاري أسفل، لانتفاء تقويه به بدون ذلك» انتهى. و هو صريح في تقييده إطلاقات العلامة في الوحدة في المسألة بالمساواة أو علو الكثير.

و قال المحقق الشيخ حسن في المعالم بعد تقدم كلام في المسألة: «هذا، و ليس اعتبار المساواة في الجملة بالبعيد، لان ظاهر أكثر الأخبار- المتضمنة لحكم الكر اشتراطا و كمية- اعتبار الاجتماع في الماء و صدق الوحدة و الكثرة عليه. و في تحقق ذلك- مع عدم المساواة في كثير من الصور- نظر. و التمسك- في عدم اعتبارها بعموم ما دل على عدم انفعال مقدار الكر بملاقاة النجاسة- مدخول، لانه من باب المفرد المحلى، و قد بينا في المباحث الأصولية أن عمومه ليس من حيث كونه موضوعا لذلك على حد صيغ العموم، و انما هو باعتبار منافاة عدم إرادته للحكمة، فيصان كلام الحكيم عنه. و ظاهر ان منافاة الحكمة إنما يتصور حيث ينتفي احتمال العهد، و لا ريب ان تقدم السؤال عن بعض أنواع الماهية عهد ظاهر. و هو في محل النزاع واقع إذ النص يتضمن السؤال عن الماء المجتمع، و حينئذ لا يبقى لإثبات الشمول لغير المعهود وجه. نعم يتجه ثبوت العموم في ذلك المعهود بأقل ما يندفع به محذور منافاة الحكمة.

و ربما يتوهم ان هذا من قبيل تخصيص العام بناء على سبب خاص. و هو مرغوب عنه في الأصول. و بما حققناه يعلم انه لا عموم في أمثال موضع النزاع على وجه يتطرق اليه التخصيص» انتهى.

و اعترض عليه بان الظاهر في أمثال هذه المواضع التي في مقام تعيين القوانين و تبيين الأحكام هو العموم، و قد اعترف به ايضا من حيث منافاة عدم إرادته الحكمة

232

و ما ذكره- من احتمال العهد باعتبار تقدم السؤال عن بعض أنواع الماهية- لا وجه له، لأن السؤال إنما هو موجود في بعض الروايات، و كثير من الروايات لا سؤال فيها، و بعض ما فيه سؤال أيضا لا ظهور له في ان السؤال عن الماء المجتمع الذي لا اختلاف في سطوحه. سلمنا عدم الظهور في العموم. فلا شك في عدم ظهوره في عدمه ايضا، و عند الشك يبقى الحكم على أصل الطهارة و استصحابها.

أقول: و الحكم في المسألة لا يخلو من اشكال، ينشأ من ان المستفاد من اخبار الكر تقارب اجزاء الماء بعضها من بعض.

كقوله (عليه السلام) في صحيحة إسماعيل بن جابر (1) حين سأله عن الماء الذي لا ينجسه شيء فقال: «ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته».

و نحوها من الاخبار الدالة على التقدير بالمساحة.

و صحيحة صفوان (2) المتضمنة السؤال عن الحياض التي بين مكة و المدينة، حيث سأل (عليه السلام) فقال: «و كم قدر الماء؟ قال: قلت: الى نصف الساق و الى الركبة و أقل. قال: توضأ».

و يؤيده ايضا ان الكر- الذي وقع تحديد الماء الذي لا ينفعل به- عبارة في الأصل عن مكيال مخصوص يكال به الطعام، جعلوه (عليهم السلام) معيارا لما لا ينفعل من الماء بالملاقاة.

و يؤيده ايضا ان مع تقارب اجزاء الماء تتوزع النجاسة عليه و تنتشر فتضعف بذلك، و انه بتقارب اجزائه يتقوى بعضها ببعض.

و يؤيده ايضا ان ذلك متفق عليه و معلوم قطعا من الاخبار، و ما عداه في محل الشك. لعدم ظهور الدليل عليه من الاخبار، و ذهاب بعض الأصحاب إليه.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

233

و التمسك بأصالة الطهارة هنا ضعيف، لما حققناه سابقا (1) من ان أفراد الكلية القائلة:

«الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر».

إنما هي الأشياء المقطوع بطهارتها شرعا و المعلومة كذلك بالنسبة إلى الأشياء المقطوع بنجاستها شرعا و المعلومة كذلك، فإنه لا يحكم بخروج بعض أفراد الأول إلى الثاني إلا بعلم و يقين. و الغرض منه- كما عرفت- هو دفع الوساوس الشيطانية و الشكوك، و عدم معارضتها للعلم و اليقين الثابت أولا و ان الماء من افراده ما هو طاهر يقينا و هو ظاهر، و منه ما هو نجس يقينا و هو القليل المعلوم ملاقاة النجاسة له، فالكلية المذكورة قد أفادت انه لا يخرج عن الحكم الأول الى الثاني إلا بعلم و يقين. و هذا الماء المختلف السطوح- إذا كان قدر كر و لاقت النجاسة بعض اجزائه- ليس بمقطوع على طهارته و لا على نجاسته بل هو مشكوك فيه.

و بالجملة فالشك المنفي في مقابلة يقين الطهارة هو ما كان شكا في عروض النجاسة لا شكا في سببية النجاسة.

و التمسك بالاستصحاب إنما هو فيما إذا دل الدليل على الحكم مطلقا كما هو التحقيق في المسألة. و هو في موضع البحث ممنوع، لما عرفت. و دلالته عليه قبل عروض النجاسة لا تقتضي انسحاب ذلك الى ما بعده إلا بدليل آخر، لتغاير الحالين.

و ينشأ من إطلاق الاخبار بان بلوغ الماء كرا عاصم له عن الانفعال بالملاقاة.

و الاخبار الدالة على التحديد بالمساحة و ان أ فهمت بحسب الظاهر اعتبار الاجتماع فيه إلا انه، ان أخذ الاجتماع فيها على الهيئة التي دلت عليها فلا قائل به إجماعا، و ان أخذ الاجتماع الذي هو عبارة عن مجرد تساوي السطوح فلا دلالة لها عليه صريحا.

مع معارضته بظهور احتمال محض التقدير كما تضمنته أخبار التقدير بالوزن. و باقي الوجوه المذكورة و ان تضمنت نوع مناسبة لذلك إلا ان الظاهر انها لا تصلح لتأسيس حكم شرعي.

____________

(1) في الصحيفة 190 السطر 2.

234

فمجال التوقف في الحكم المذكور لما ذكرنا بين الظهور، و الاحتياط لا يخفى.

إذا عرفت ذلك فعلى تقدير عدم اشتراط المساواة و الاكتفاء بمجرد الاتصال فهل يكفي الاتصال مطلقا و ان كان بالتسنم من ميزاب و نحوه، أو يشترط في الاختلاف التخصيص بالانحدار لا التسنم؟

ظاهر السيد السند في المدارك الأول، و نقله ايضا عن جده (قدس سرهما) في فوائد القواعد (1) و تبعه بعض فضلاء متأخري المتأخرين، و إطلاق عبائر جملة من لم يشترط التساوي ربما يشمله. لكن قد عرفت- فيما تقدم في المقالة الثامنة (2) في حكم ماء الحمام- انهم جمعوا- بين إطلاق القول بكرية المادة و إطلاق القول في الغديرين- بحمل الإطلاق الأول على ما إذا كان اتصال الماء بطريق التسنم و الثاني على ما إذا كان الغديران متساويين أو مختلفين بطريق الانحدار. و هو كما ترى يؤذن بكون الاتصال بطريق التسنم ينافي الوحدة كما حققناه ثمة. و الجواب- بان اعتبار الكرية في المادة لا لأجل عدم انفعال الحوض الصغير بالملاقاة، بل ليكون حكم المادة حكم الماء الجاري أو لتطهير الحوض الصغير بعد نجاسته بإجراء المادة اليه و استيلائها عليه- مردود بما وقع التصريح به من اشتراط الزيادة على الكرية في تطهير الحياض كما تقدم بيانه (3) مع

____________

(1) قال (قدس سره)- بعد نقله عن المعتبر و المنتهى إطلاق الحكم في الغديرين- كما قدمنا نقله عنهما- المقتضى لعدم الفرق بين متساوي السطوح و مختلفها- ما لفظه: «و ينبغي القطع بذلك إذا كان جريان الماء في أرض منحدرة، لاندراجه تحت عموم قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء» فإنه شامل لمتساوى السطوح و مختلفها، و انما يحصل التردد فيما إذا كان الأعلى متسنما على الأسفل بميزاب و نحوه، لعدم صدق الوحدة عرفا. و لا يبعد التقوى في ذلك ايضا كما اختاره جدي (قدس سره) في فوائد القواعد عملا بالعموم. انتهى. (منه (رحمه الله).

(2) في الأمر الأول في الصحيفة 207.

(3) في الأمر الثالث في الصحيفة 211.

235

اتفاقهم أولا على اشتراط الكرية في المادة، و من الظاهر حينئذ ان هذا الاشتراط الأول إنما هو لعصمة الحياض الصغار عن الانفعال بالملاقاة (1).

ثم انه على تقدير جواز الاختلاف فلا إشكال في تقوي كل من الأعلى و الأسفل بالآخر لو اختلفت السطوح كما صرحوا به، إذ مقتضى الوحدة ذلك.

و على تقدير اشتراط التساوي فقد صرح جملة من القائلين به بأنه لو اتصل القليل بالكثير و كان الكثير أعلى فإن الأسفل يتقوى به دون العكس، كما سلف في كلام المحقق الشيخ علي (2) و الشهيد في الذكرى و الدروس و البيان (3) و كذلك كلام العلامة في التذكرة (4) و ظاهر كلام المحقق ايضا كما حكيناه (5).

و علل المحقق الشيخ علي عدم تقوي الأعلى بالأسفل بأنهما لو اتحدا في الحكم للزم تنجيس كل أعلى متصل بأسفل مع القلة. و هو معلوم البطلان. و حيث لم ينجس بنجاسته لم يطهر بطهارته.

و أجاب في المدارك بان الحكم- بعدم نجاسة الأعلى بوقوع النجاسة فيه مع بلوغ المجموع منه و من الأسفل الكر- انما كان لاندراجه تحت عموم الخبر، و ليس في هذا ما يستلزم نجاسة الأعلى بنجاسة الأسفل بوجه. مع ان الإجماع منعقد على ان النجاسة

____________

(1) و ملخص ما ذكروه ان عدم انفعال الواقف بالملاقاة مشروط ببلوغ مقدار الكر مع تساوى سطح الماء بحيث تصدق عليه الوحدة عرفا، أو باتصاله بمادة هي كر فصاعدا بشرط علوها، قالوا: و لا يعتبر استواء السطوح في المادة بالنظر الى عدم انفعال ما تحتها لصدق المادة الكثيرة مع الاختلاف. نعم يعتبر الاستواء في عدم انفعال المادة بعينها (منه (رحمه الله).

(2) في الصحيفة 231.

(3) في الصحيفة 230.

(4) المتقدم في الصحيفة 229.

(5) المتقدم في الصحيفة 229.

236

لا تسرى إلى الأعلى مطلقا. ثم ألزمهم أن ينجس كل ما كان تحت النجاسة من الماء المنحدر إذا لم يكن فوقه كر و ان كان نهرا عظيما. و هو معلوم البطلان.

أقول: الظاهر ان مقصود المستدل أن تقوي الأعلى بالأسفل لا دليل عليه إلا الاندراج تحت روايات الكر. و الاندراج ليس بمسلم، و إلا لزم تنجس الأعلى بنجاسة الأسفل (1) و حينئذ ففيه دلالة على ان حكمه بتقوي الأسفل بالأعلى ليس مبنيا على الاندراج المذكور. و بذلك يتضح ان الجواب المذكور غير متوجه. إلا انه قد أورد على ما ذكروه من تقوي الأسفل بالأعلى دون العكس (2) بأنه ان كان مبنيا على الاندراج تحت العموم، فالمستفاد من روايات الكر تساوي اجزائه في حكمي الطهارة و النجاسة، فاجزاؤه متقوية بعضها ببعض (3) و ان كان مبنيا على إطلاق المادة في باب البئر، و كذا المادة الواردة في حياض الحمام، و انها يحصل بها التقوى و ان كانت أقل من كر، فكذلك الأعلى ههنا، فإنه مادة لما سفل عنه، فيتقوى الأسفل به دون العكس، ففيه (أولا)- انه لا حاجة حينئذ إلى اعتبار كرية المجموع. و (ثانيا)- انه مناف لما مر من اعتبارهم الكرية في مادة الحياض. و ان كان مبنيا على تقوي اجزاء الماء الساكن بعضها ببعض، فيلزمه- من باب مفهوم الموافقة- تقوي الأسفل بالأعلى دون العكس، فيتوجه عليه ان العلة في تقوي اجزاء الساكن بعضها ببعض هو توزع النجاسة و انتشارها على اجزائه لسكونها و تقاربها، فتكون النجاسة مضمحلة فيه. و النجاسة

____________

(1) لأن الأعلى و الأسفل متى كانا واحدا المقتضى دخولهما تحت عموم روايات الكر فلو نقصا جميعا عن الكر لزم تنجس الأعلى بنجاسة الأسفل تحقيقا للوحدة، كما ان الماء القليل المجتمع إذا لاقته نجاسة نجس جميعه، و هو باطل قطعا، و الا لتعذر التطهير بالصب من الأواني القلية الماء كالإبريق و نحوه (منه (رحمه الله).

(2) هذا الإيراد للمحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) في تعليقاته على المدارك (منه (قدس سره).

(3) فلا ينجس بعض منه دون بعض (منه (رحمه الله).

237

الواقعة في الصورة المفروضة لم تتوزع على المجموع كما في الساكن، فلا يتم كون تقوي الأسفل بالأعلى من باب الموافقة. و ان كان مبنيا على وجه آخر فلا بد من إيراده لننظر في صحته و فساده.

أقول: بل الظاهر انه مبني على ما ذكره المحقق الشيخ حسن في المعالم (1) من ان الوجه فيه ان المقتضي لعدم انفعال النابع بالملاقاة هو وجود المادة له، و لا ريب ان تأثير المادة إنما هو باعتبار إفادتها الاتصال بالكثرة، و ليس الزائد منها على الكر بمعتبر في نظر الشارع، فيرجع حاصل المقتضي الى كونه متصلا بالكر على جهة جريانه اليه و استيلائه عليه، و هذا المعنى بعينه موجود فيما نحن فيه، فيجب ان يحصل مقتضاه. و يؤيد ذلك حكم ماء الحمام، فانا لا نعلم من الأصحاب مخالفا في عدم انفعاله بالملاقاة مع بلوغ المادة كرا، و الاخبار الواردة فيه شاهدة بذلك ايضا، و ليس لخصوصية الحمام عند التحقيق مدخل في ذلك. انتهى.

و أنت خبير بما فيه (اما أولا)- فلان ما ذكره- من ان المقتضي لعدم انفعال النابع بالملاقاة هو وجود المادة له- إشارة إلى التعليل الذي تضمنته صحيحة محمد ابن إسماعيل بن بزيع (2) و لا يخفى ما فيه كما تقدم التنبيه عليه في المقالة الرابعة من الفصل الأول (3).

____________

(1) قال (قدس سره) في الكتاب المذكور- بعد الكلام في الاستدلال على اعتبار المساواة بما قدمنا نقله عنه في متن الكتاب-: «فان قلت هذا الاعتبار يقتضي انفعال غير المستوي مطلقا، مع ان الذاهبين الى اعتبار المساواة مصرحون بعدم انفعال القليل المتصل بالكثير إذا كان الكثير أعلى- و قد سبق نقله عن البيان و الذكرى- فما الوجه في ذلك؟ و كيف حكموا بالاتحاد مع علو الكثير و نفوه في عكسه؟ و المقتضى للنفي على ما ذكرت موجود فيهما قلت: لعل الوجه» ثم ساق الكلام كما نقلناه في متن الكتاب (منه (رحمه الله).

(2) المتقدمة في الصحيفة 188.

(3) في الصحيفة 189 السطر 7.

238

و (اما ثانيا)- فلان قوله: «ليس لخصوصية الحمام عند التحقيق مدخل» إنما يتم على القول المشهور من اشتراط الكرية في المادة. و اما على القول بعدم الاشتراط كما هو الظاهر من الاخبار على ما حققناه سابقا (1) يكون الحكم مقصورا حينئذ على موضع النص.

و (اما ثالثا)- فلأن العلامة مع اشتراطه في المنتهى و التذكرة و غيرهما كرية المادة توقف في الكتابين المذكورين في إلحاق الحوض الصغير ذي المادة في غير الحمام به، و بذلك يظهر ان ما ذكره أولئك الفضلاء من الفرق (2) لا يخلو من المناقشة.

ثم لا يخفى عليك ايضا انه بعد تسليم عموم انفعال القليل بالملاقاة و اشتراط التساوي في اجزاء الكر فإخراج هذا الفرد من البين تحكم محض. و تعليل صاحب المعالم قد عرفت ما فيه. اللهم إلا ان يخص منع تقوي الأعلى بالأسفل بما إذا كان الأعلى متسنما على الأسفل بميزاب و نحوه، فان ثبوت الاتحاد و شمول العموم في المسألة لمثل ذلك في غاية البعد.

و اما الإلزام الذي ذكره في المدارك- بنجاسة كل ما كان تحت النجاسة من الماء المنحدر إذا لم يكن فوقه كر و ان كان نهرا عظيما (3) و هو معلوم البطلان- فيمكن

____________

(1) في الموضع الثالث في الصحيفة 204.

(2) بين الأعلى و الأسفل فيتقوى الأسفل بالأعلى دون العكس (منه (رحمه الله).

(3) لأن الأعلى متى كان أقل من كر لم يفد ما تحته تقوية فينجس الموضع، و ما تحته ايضا لكونه أسفل لا يفيده تقوية، لعدم تقوى الأعلى بالأسفل كما هو مفروض. و يلزم أيضا نجاسة ما تحته، لعدم تقوية ما سفل عنه، فينجس ما سفل بالسراية شيئا فشيئا، لعدم تقوى شيء من تلك الأجزاء المتنجسة بالسراية بما انحدر عنه، فلو لم يتقو الأعلى بالأسفل لزم نجاسة جميع ما جاور النجاسة لا المنتهى السفلى و ان كان نهرا عظيما، مع حكمهم بعدم النجاسة (منه (رحمه الله).

239

الجواب عنه بما ذكره في المعالم من التزام عدم انفعال ما بعد عن موضع الملاقاة بمجردها قال: «لعدم الدليل عليه، إذ الأدلة الدالة على انفعال ما نقص عن الكر بالملاقاة مختصة بالمجتمع و المتقارب، و ليس مجرد الاتصال بالنجس موجبا للانفعال في نظر الشارع، و الا لنجس الأعلى بنجاسة الأسفل، لصدق الاتصال حينئذ، و هو منفي قطعا، و إذا لم يكن الاتصال بمجرده موجبا لسريان الانفعال فلا بد في الحكم بنجاسة البعيد من دليل. نعم جريان الماء النجس يقتضي نجاسة ما يصل اليه، فإذا استوعب الاجزاء المتجددة ينجسها و ان كثرت. و لا بعد في ذلك، فإنها لعدم استواء سطحها بمنزلة المنفصل، فكما انه ينجس بملاقاة النجاسة له و ان قلت و كان مجموعه في نهاية الكثرة فكذا هذه» انتهى. و أورد عليه (1) انه- بعد تسليم انفعال ما نقص عن الكر بالملاقاة مع الاجتماع و التقارب- لا شك انه يلزم نجاسة جميع ماء النهر المذكور، لأن النجاسة ملاقية لبعضه و ذلك البعض ملاق للبعض الآخر القريب منه و هكذا، فينجس الجميع إذ الظاهر ان القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة لا يفرقون بين النجاسة و المتنجس.

و ما ذكره من ان مجرد الاتصال بالنجس لو كان موجبا للانفعال في نظر الشارع لنجس الأعلى بنجاسة الأسفل، ففيه انه مخصص عن العموم بالإجماع، فإلحاق ما عداه به مما لا دليل عليه بل قياس لا نقول به. على ان الفارق ايضا موجود كما ذكره بعض من عدم تعقل سريان النجاسة إلى الأعلى.

و أنت خبير بان المفهوم من كلام المجيب المذكور اختصاص كل جزء من اجزاء الماء الجاري لا عن نبع بحكم نفسه، و انه في حكم المياه القليلة المنفصل بعضها عن بعض لهرب السابق عن اللاحق، كما ينادي به قوله: «فإنها لعدم استواء سطحها بمنزلة المنفصل» و حينئذ فلا تقوي بين اجزائه و لا سراية، و مجرد الاتصال لا يوجب

____________

(1) المورد هو الفاضل الخوانساري (رحمه الله) في شرح الدروس (منه (رحمه الله).

240

السراية، و إلا لسرت النجاسة من الأسفل إلى الأعلى، لحصول الاتصال. و دعوى الإجماع على التخصيص مجازفة في أمثال هذه المقامات كما لا يخفى على من تتبع موارد الإجماعات. و عدم تعقل سريان النجاسة إلى الأعلى كما ذكره المورد مؤيد لما ذكرنا من كون كل سابق بالنسبة الى لاحقه بمنزلة المنفصل عنه، و من هنا ذهب المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) الى ان الماء الجاري لا عن مادة غير ملحق بالراكد مطلقا كما ذكره جمع من الأصحاب، بل يلحق في بعض أحكامه بالجاري و في بعض آخر بالراكد، قال (قدس سره) بعد كلام في المقام، و ملخصه تقوي الأسفل بالأعلى و ان لم يكن المجموع كرا و عدم السراية أصلا، لعدم الدلالة عليها كما سبق نقلا عن المحقق المذكور: «و على هذا الاحتمال حكم الجاري لا عن نبع حكم الجاري عن نبع في تقوي الأسفل بالأعلى و ان لم يكن المجموع كرا. و حكم الماء الساكن القليل في نجاسة أول جزء منه بملاقاة النجاسة و ان كان المجموع كرا فصاعدا. و مما يؤيد الاحتمال الذي ذكرناه

ما روي عن الصادق (عليه السلام): «ماء الحمام بمنزلة الجاري» (1).

و ما روي عنهم (عليهم السلام) ايضا: «ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا» (2).

وجه التأييد عدم تقييد الجاري و النهر بالنابع، و عدم تقييد ماء الحمام بكرية مادته أو كرية المجموع. و مما يؤيده أيضا إطلاق المادة الواردة في ماء البئر و الواردة في ماء الحمام. و الله اعلم» انتهى. و للمناقشة في بعض ما ذكره (قدس سره) مجال.

هذا. و ينبغي ان يعلم ان الحكم بتقوي كل من الأعلى و الأسفل بالآخر و عدم انفعال الماء بعروض النجاسة- سواء عرضت للأعلى أو الأسفل- إنما هو فيما إذا كان عروض النجاسة بعد الاتصال. اما قبله فالظاهر انه لا شك في النجاسة إذا كان ما لاقته أقل

____________

(1) المتقدم في الصحيفة 203 السطر 4.

(2) المتقدم في الصحيفة 203 السطر 6.

241

من كر عند من يقول بنجاسة القليل بالملاقاة، فالماء القليل الواقف المتصل بالكثير أو الجاري إن عرضت له النجاسة قبل الاتصال تنجس بها، و يطهر بالاتصال بالكثير على القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال و إلا فبالممازجة، و بعد الاتصال لا ينجس.

و هكذا ماء المطر الجاري في الطرق بالقياس الى حال التقاطر و بعده. و مثل ذلك عندهم ايضا ما لو صب الماء من آنية حتى اتصل بالكثير أو الجاري، فإنه إن عرضت له النجاسة بعد الاتصال لم تؤثر فيه، و ان عرضت له قبل الاتصال ينجس الماء و الإناء و لا يطهر بمجرد اتصاله بعد ذلك. و يأتي على مذهب من منع تقوي الأعلى بالأسفل ثبوت النجاسة في الحالين.

و قال في كتاب الروض: «و على ما يظهر من إطلاق النص و الفتوى يلزم طهارة الماء النجس عند صب بعضه في الكثير بحيث يطهر الإناء المماس للماء النجس و ما فيه من الماء عند وصول أوله إلى الكثير. و هو بعيد بل هو على طرف النقيض لتفصيل المتأخرين. و المسألة من المشكلات، و لم نقف فيها على ما يزيل عنها الالتباس. و الله اعلم» انتهى.

و العجب منه (قدس سره) انه- قبل هذا الكلام بعد نقل جملة من كلمات القوم- قال: «و الذي يظهر لي في المسألة و دل عليه إطلاق النص ان الماء متى كان قدر كر متصلا ثم عرضت له النجاسة لم تؤثر فيه إلا مع التغير سواء كان متساوي السطوح أم مختلفها، و ان كان أقل من كر نجس الماء بالملاقاة مع تساوي سطوحه و الا الأسفل خاصة. ثم ان اتصل بالكثير بعد الحكم بنجاسته اعتبر في الحكم بطهره مساواة سطوحه لسطوح الكثير أو علو الكثير عليه، فلو كان النجس أعلى لم يطهر. و الفرق بين الموضعين ان المتنجس يشترط ورود المطهر عليه و لا يكفي وروده على المطهر خلافا للمرتضى (رحمه الله) فإذا كان سطحه أعلى من سطح الكثير لم يكن

242

الكثير واردا عليه» انتهى. و لا يخفى ما بينهما من التدافع.

(المسألة الثالثة) [في تغير بعض الكثير]

- إذا تغير بعض الكثير فلا يخلو اما ان يكون الباقي كرا أم لا، و على كلا التقديرين اما ان يكون ساكنا أو جاريا، فههنا صور أربع:

(الاولى)- ان يكون الباقي كرا و الماء ساكنا، و لا خلاف هنا في اختصاص النجاسة بالموضع المتغير و طهارة الباقي.

(الثانية)- كون الباقي أقل من كر مع كون الماء ساكنا، و لا خلاف في نجاسته عند من قال بنجاسة القليل بالملاقاة.

(الثالثة)- كون الباقي كرا و الماء جاريا، فلا يخلوا اما ان تقطع النجاسة عمود الماء أم لا، و على التقديرين فاما ان يكون الأعلى كرا أم لا، و على التقادير الأربعة فاما ان يكون الأسفل عن النجاسة كرا أيضا أم لا.

و تفصيل ذلك. ان قطعت النجاسة عمود الماء و كان الأعلى كرا و الأسفل كرا، فلا اشكال و لا خلاف في اختصاص التنجيس بالمتغير حال الملاقاة. الا انه يأتي على ما ذكره المحقق الشيخ حسن فيما قدمنا نقله عنه (1) نجاسة ما سفل عن النجاسة بعد مرور ذلك الماء على الاجزاء السافلة.

و ان قطعت النجاسة عمود الماء و كان كل من الأعلى و الأسفل أقل من كر، فظاهر كلامهم انه لا خلاف في نجاسة الأسفل عند من قال بالنجاسة بمجرد الملاقاة، لكونه أقل من كر، و يظهر من كلام المحدث الأمين (قدس سره) العدم، لعدم استواء سطح الماء، فاجزاؤه في حكم الماء المنفصل بعضه عن بعض، لهرب السابق عن اللاحق، إلا بعد السيلان على الاجزاء السافلة كما ذكروه. و اما الأعلى فظاهر كلامهم الاتفاق على عدم نجاسته، لعدم تعقل سريان النجاسة إلى الأعلى.

____________

(1) في الصحيفة 239.

243

و من هذا الكلام يعلم حكم صورتي ما لو قطعت النجاسة عمود الماء و كان الأعلى كرا و الأسفل أقل من كر و بالعكس.

و ان لم تقطع النجاسة عمود الماء و كان كل من الأعلى و الأسفل يبلغ الكر، فلا اشكال و لا خلاف في اختصاص التنجيس بالمتغير إلا بعد سيلان ذلك الماء على الاجزاء السافلة بناء على ما ذكره ذلك المحقق المشار اليه.

و ان كان كذلك (1) و كان كل من الأعلى و الأسفل أقل من كر لكن المجموع يبلغ الكر، فعلى تقدير القول بتقوي كل من الأعلى و الأسفل بالآخر لا إشكال في الطهارة، و على تقدير القول بتقوي الأسفل بالأعلى دون العكس يلزم نجاسة الأسفل، لأن الأعلى لقلته لا يقوي ما سفل عنه فيلزم نجاسته لقلته، و بذلك صرح في المعالم (2).

و ان كان كذلك ايضا و كان الأعلى قدر كر و الأسفل أقل من كر، فلا خلاف في تقوي الأسفل به و طهارة الجميع و اختصاص التنجيس بموضع التغير.

و بالعكس فالحكم كذلك أيضا، لأن الأعلى لا تسري إليه النجاسة إجماعا، و الأسفل قد عصم نفسه عن الانفعال بالكرية، فيختص التنجيس بموضع التغير.

(الرابعة)- كون الباقي بعد التغير أقل من كر و الماء جاريا و حكمها يعلم بالتأمل في تلك الشقوق، الا انه يظهر من كلام المحدث الأمين (قدس سره) كما

____________

(1) اى لم تقطع النجاسة عمود الماء (منه (رحمه الله).

(2) قال (قدس سره)- بعد ان صرح بان القليل المتصل بمادة هي كر فصاعدا في حكم الكر المتساوي السطوح، و انه لا يعتبر استواء في المادة بالنظر الى عدم انفعال ما تحتها- ما لفظه: «نعم يعتبر الاستواء في عدم انفعال المادة بعينها، فلو لاقتها نجاسة و هي غير مستوية، نجس موضع الملاقاة، و يلزم منه نجاسة ما تحتها ايضا ما لم يكن فيه كر مجتمع» ثم أشار الى الإشكال المورد في المقام و أجاب عنه بما قدمنا نقله عنه (منه (رحمه الله).

244

قدمنا نقله (1) اختصاص التنجيس بموضع النجاسة، لمنعه السراية و حكمه بتقوي الأسفل بالأعلى و ان لم يكن المجموع كرا فيختص التنجيس بموضع التغير.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في كتاب الروض قد أورد ههنا تناقضا على من منع من تقوي الأعلى بالأسفل بأنهم قد حكموا- في صورة ما إذا تغير بعض الجاري لا عن نبع بالنجاسة- بعدم نجاسة الأعلى مطلقا و عدم نجاسة الأسفل إذا بلغ الباقي كرا الا ان تستوعب النجاسة عمود الماء فيشترط كرية الأسفل، و هذا القول يستلزم تقوي الأعلى بالأسفل و إلا لزم نجاسة الأسفل مطلقا إلا إذا كان الأعلى كرا و لم يستوعب التغير عمود الماء، لان الجزء الأعلى الملاقي للنجاسة على هذا يصير نجسا و الفرض انه لا يتقوى بما تحته فينجس حينئذ و ينجس ما تحته لذلك ايضا و هكذا.

و وجه الجواب عن ذلك ما قدمنا نقله عن المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم و يمكن الجواب ايضا باحتمال قصر الحكم المذكور على الواقف المتصل بالكثير أو الجاري دون الجاري نفسه، فكأنهم يشترطون في التقوى وحدة الماءين في العرف أو يكون القوي أعلى، فالماء الجاري في العرف عندهم ماء واحد و ان كان بعضه أعلى و بعضه أسفل. و اما الماء الواقف المتصل بالكثير أو الجاري فمتى كان أسفل ينتفي فيه الأمران فلا يتقوى بهما.

و يمكن الجواب بما أشرنا إليه آنفا من تخصيص الحكم المذكور بما إذا لم تكن اجزاؤه منحدرة بل يكون العلو بطريق التسنم كالميزاب و نحوه.

(المسألة الرابعة) [في طريق تطهير الماء الكثير المتغير بالنجاسة]

- طريق تطهير الماء المذكور إذا تغير بالنجاسة ان يقال:

لا يخلو اما ان يتغير جميعه أو بعضه، و على الثاني فاما ان يبقى قدر الكر أم لا، فههنا أقسام ثلاثة:

____________

(1) في الصحيفة 240.

245

(الأول)- ان يتغير بعضه مع كون الباقي كرا، و الظاهر انه لا خلاف في طهارته بتموجه بعضه في بعض مع زوال التغير بذلك أو قبله. هذا على القول باشتراط الامتزاج. و اما على القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال فيكفي مجرد زوال التغير.

(الثاني و الثالث)- ان يكون الباقي أقل من كر أو يتغير الجميع، و قد ذكر جملة من الأصحاب ان تطهيره بإلقاء كر عليه دفعة، فان زال التغير و إلا فكر آخر و هكذا حتى يزول التغير، و انه لا يطهر بزوال التغير من قبل نفسه و لا بتصفيق الرياح و لا بوقوع أجسام طاهرة تزيل عنه التغير. و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع:

(الأول)- ان ما ذكروه من إلقاء كر فكر حتى يزول التغير إنما يلزم لو لم يزل التغير اما من قبل نفسه أو بعلاج أو بماء قليل و إلا أجزأ كر واحد، و كذا إنما يلزم لو تغير الكر الملقى على وجه لم يبق من المجموع قدر كر و إلا كان حكمه ما تقدم في القسم الأول.

(الثاني)- انه لا يختص التطهير بما ذكروه، بل يطهر بالمطر ايضا على التفصيل المتقدم، و بالجاري عن نبع أولا عن نبع مع كريته، لكن مع زوال التغير بكل من هذه الأشياء أو قبله، و اشتراط علو الجاري مطلقا أو مساواته أو نبع الماء من تحته بقوة و فوران بحيث يستهلك الماء النجس لا بمثل الترشح. و اعتبار علو الجاري هنا أو مساواته متفق عليه حتى من القائلين بتقوي كل من الأعلى و الأسفل بالآخر، لأنهم يخصون ذلك- كما عرفت مما قدمنا نقله عن شيخنا الشهيد الثاني (1)- بملاقاة النجاسة بعد الاتصال، و وجه الفرق بين المقامين قد تقدم في كلامه. لكن ينقدح على الفرق المذكور الاشكال بتساوي السطوح، إذ لا يتحقق فيه ورود الطاهر حينئذ

____________

(1) في الصحيفة 241.

246

مع اتفاقهم على القول بالطهارة كما عرفت. و أجاب في الروض بأن جماعة من الأصحاب منهم: المصنف (رحمه الله) في التذكرة و الشهيد في الذكرى شرطوا في طهر المتنجس في هذه الحالة امتزاج الطاهر به و لم يكتفوا بمجرد المماسة، و هذا الشرط في الحقيقة يرجع الى علو الجاري، إذ لا يتحقق الامتزاج بدونه، و حينئذ يتحقق الشرط و هو ورود الطاهر على النجس و يزول الاشكال، و هذا الشرط حسن في موضعه. انتهى.

و لا يخفى عليك ان التزامه اشتراط الامتزاج في الصورة المذكورة لضرورة دفع الاشكال و إلا فهو خلاف مقتضى مذهبه كما سيأتي من الاكتفاء بمجرد الاتصال، و يشير الى ذلك قوله أخيرا: «و هذا الشرط حسن في موضعه».

(الثالث)- ما ذكروا من اعتبار الدفعة في الكر الملقى هو أحد القولين في المسألة، و سيأتي تحقيق القول في ذلك في الكلام في بيان تطهير الماء القليل ان شاء الله تعالى.

(الرابع)- ما ذكروا- من عدم طهره بمجرد زوال التغير من قبل نفسه الى آخر ما تقدم- هو أشهر القولين في المسألة و أظهرهما.

و قيل بطهره بمجرد ذلك، و هو منقول عن الفاضل يحيى بن سعيد في الجامع، و احتمله العلامة في النهاية.

و صرح جمع من الأصحاب بأن القول بطهارة المتغير بزوال التغير لازم لكل من قال بالطهارة بالإتمام.

و تنظر فيه بعض أفاضل متأخري المتأخرين بما حاصله: ان القول بالطهارة بالإتمام، إما لخبر

«إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا» (1).

اي يطهره، أو لغيره

____________

(1) هذا مرسل السيد و الشيخ (قدس سرهما) و سيأتي التعرض منه (قده) له في تطهير القليل النجس بإتمامه كرا. و قال ابن الأثير في النهاية في مادة كر:

في حديث ابن سيرين «إذا كان الماء قدر كر لم يحمل القذر».

و في رواية «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجسا».

و في تاج العروس في الجزء الثالث في الصحيفة (519) الكر بالضم مكيال لأهل العراق، و منه: حديث ابن سيرين «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجسا».

247

من الوجوه المذكورة في أدلتهم. فإن كان المستند غير الخبر المذكور فوجه عدم اللزوم ظاهر، و ان كان الخبر المذكور فكذلك أيضا، لأنه و ان دل بعمومه على ان الماء إذا بلغ كرا لم يظهر فيه خبث، الا ان ذلك العموم مخصوص نصا و إجماعا بالخبث الذي لا يكون مغيرا للماء، و الا لكان منجسا للماء البتة، فإذا ثبتت النجاسة بالتغير كان حكمها مستصحبا الى ان يعلم المزيل كما ذكره القائلون بعدم الطهارة بالإتمام، و لو قيل:

ان القدر الثابت من المخصص هو التخصيص بالمتغير ما دام متغيرا، و اما ما بعد زوال التغير فهو داخل في العموم. لقيل: ان هذا بعينه يرد على من تمسك بالرواية المشهورة (1) و هي

«إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شيء».

كما لا يخفى (2).

حجة القول المشهور ان النجاسة و زوالها حكمان شرعيان متوقفان على النص من الشارع، فكما حكم بالنجاسة بالتغير لثبوت ذلك عنه. فلا يحكم بالطهارة بالزوال الا مع ثبوت ذلك عنه ايضا، و الا فيكون حكم النجاسة مستصحبا الى ان تحصل الطهارة بما جعله مطهرا. و ليس الاستصحاب هنا من قبيل الاستصحاب المتنازع فيه بل مرجعه هنا الى العمل بعموم الدليل.

أقول: و تحقيق القول في الاستصحاب و جملة اقسامه قد تقدم في المقدمة الثالثة (3).

____________

(1) تقدم الكلام فيها في التعليقة 3 في الصحيفة 191.

(2) و ذلك لأنها مخصوصة بغير المتغير نصا و إجماعا، فالكر المتغير كلا أو بعضا نجس، و بعد زوال التغير بمقتضى الإيراد المذكور يندرج في العموم، مع انهم لا يقولون به بل يستصحبون حكم النجاسة الى ان تحصل الطهارة بأحد المطهرات الشرعية (منه (رحمه الله).

(3) في الصحيفة 51.

248

و ظاهر كلام المستدل هنا ان الاستصحاب المذكور من قبيل القسم الثالث المذكور هناك الذي هو عبارة عن إطلاق النص، دون القسم الرابع الذي هو محل النزاع، و هذا الموضع أحد المواضع التي أشرنا هناك الى الشك و التردد في اندراجها تحت القسم الثالث أو الرابع من تلك الأقسام.

و تحقيق القول في ذلك ان يقال: إذا تعلق حكم بذات لأجل صفة- كالماء المتغير بالنجاسة و الماء المسخن بالشمس و الحائض أي ذات دم الحيض- فهل يحكم- بمجرد زوال التغير و زوال السخونة و انقطاع الدم- بخلاف الأحكام السابقة، أو يحكم بإجراء الأحكام السابقة إلى ظهور نص جديد؟ إشكال، ينشأ من ان الحكم في هذه النصوص- الواردة في هذه الأفراد المعدودة و نحوها- محتمل لقصره على زمان وجود الوصف، بناء على ان التعليق على الوصف مشعر بالعلية. و ان المحكوم عليه هو العنوان لا الفرد و قد انتفى، و بانتفائه ينتفي الحكم- و محتمل للإطلاق، بناء على ان المحكوم عليه انما هو الفرد لا العنوان، و العنوان إنما جعل آلة لملاحظة الفرد، فمورد الحكم حقيقة هو الفرد. فعلى الاحتمال الأول يكون من القسم الرابع، فان تغير الماء هنا بالنجاسة نظير فقد الماء في مسألة المتيمم الداخل في الصلاة ثم يجد الماء، و كما ان وجود الماء هناك حالة أخرى مغايرة للأولى، فتعلق النص بالأولى لا يوجب استصحابه في الثانية لمكان المخالفة، فكذا هنا زوال الوصف حالة ثانية مغايرة للأولى لا يتناولها النص المتعلق بالأولى. و على الاحتمال الثاني يكون من قبيل القسم الثالث و هو الذي ذكره السيد (قدس سره) في المدارك، و اليه جنح ايضا المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) في تعليقاته على المدارك. و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال.

و الله سبحانه العالم بحقيقة الحال.

(المسألة الخامسة) [في إصابة النجاسة للكثير بعد جموده]

- لو جمد الكثير ثم أصابته نجاسة بعد الجمود فالظاهر- كما استظهره بعض المحققين- النجاسة في خصوص موضع الملاقاة كسائر الجامدات،

249

لخروجه بالجمود عن اسم الماء عرفا و لغة، و يطهر بإلقاء النجاسة و ما يكتنفها ان كان لها عين و الا فالموضع الملاقي لها، و يطهر ايضا باتصال الكثير به بعد زوال العين.

و نقل عن العلامة في المنتهى انه قال: «لو لاقت النجاسة ما زاد على الكر من الماء الجامد فالأقرب عدم التنجيس ما لم تغيره» و احتج لذلك بان الجمود لم يخرجه عن حقيقته بل هو مؤكد لثبوتها، فان الآثار الصادرة عن الحقيقة كلما قويت كانت آكد في ثبوتها، و البرودة من معلولات طبيعة الماء و هي تقتضي الجمود، و إذا لم يكن ذلك مخرجا له عن الحقيقة كان داخلا في عموم

قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء» (1).

و فيه ما عرفت من ان الجمود يخرجه عن الاسم الذي هو المدار في الحفظ عن انفعال القليل لغة و عرفا فيزول بزواله. و لعله (قدس سره) قاس ذلك على مثل الدبس و الدهن و نحوهما، فإنها بالجمود لا تخرج عن الحقيقة، إلا انه قياس مع الفارق، فان الظاهر في الماء الجامد ان أحدا لا يطلق عليه اسم الماء، و الموجود في الأخبار إطلاق اسم الثلج عليه. و بالجملة فإنه لا ريب في ضعفه. و استشكل الحكم في التحرير، و نقل عنه في النهاية القول بالمشهور.

(المسألة السادسة)- في القدر الذي لا ينفعل بالملاقاة من الراكد

، و تنقيح الكلام فيه يستدعي بسطه في مواضع:

(الموضع الأول) [في التقديرات الواردة بغير لفظ الكر]

- اعلم انه قد ورد بتقدير ما لا ينفعل من الماء روايات بغير لفظ الكر لا يخلو ظاهر تقديراتها من تدافع.

(فمنها)-

رواية عبد الله بن المغيرة عن بعض أصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شيء، و القلتان جرتان».

و (منها)-

رواية عبد الله بن المغيرة أيضا عن بعض أصحابه عن ابي عبد الله (عليه

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

250

السلام) (1) قال: «الكر من الماء نحو حبي هذا. و أشار الى حب من تلك الحباب التي تكون بالمدينة».

و (منها)-

رواية زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له:

راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ أو صعوة ميتة؟ قال: إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها و لا تتوضأ و صبها، و ان كان غير متفسخ فاشرب منه و توضأ، و اطرح الميتة إذا أخرجتها طرية، و كذا الجرة و حب الماء و القربة و أشباه ذلك من أوعية الماء».

هذه جملة ما وقفت عليه من ذلك، و هي مشتملة على التحديد بالقلتين تارة و بكونه نحو ذلك الحب المشار إليه أخرى، و بكونه قدر راوية أو حب أو قربة أو شبه ذلك، فلا بد من بيان انطباق مصاديق هذه الألفاظ على ما يصدق عليه الكر الذي بنى عليه الأصحاب و جعلوه المعيار في هذا الباب، ليزول التنافي من البين و تجتمع الأدلة من الطرفين. و يكون ذلك ضابطا كليا و قانونا جليا:

فنقول: اما الرواية الأولى فحملها الشيخ (رحمه الله) في الاستبصار (3)- بعد الطعن فيها أولا بالإرسال- على التقية، قال: «لانه مذهب كثير من العامة» ثم قال: «و يحتمل ان يكون مقدار القلتين مقدار الكر، لان ذلك ليس بمنكر لأن القلة هي الجرة الكبيرة في اللغة» انتهى.

أقول: و يؤيد الحمل على التقية ان المدار عندهم على القلتين كما ان المدار عندنا على الكر، كما ورد في الخبر المتفق على صحته عندهم (4):

«إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(3) في الصحيفة 7 من طبع النجف.

(4) قال ابن تيمية في الجزء الأول من المنتقى في الصحيفة 24 بعد ان ذكر هذا الحديث: رواه الخمسة. و هم باصطلاحه- كما ذكر ذلك في أول الكتاب-: احمد بن حنبل في مسنده و أبو عيسى الترمذي في جامعه. و أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب السنن.

و أبو داود السجستاني في كتاب السنن.

و ابن ماجة القزويني في كتاب السنن. الا ان النص الذي ذكره: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» و قال: و في لفظ ابن ماجة و رواية لأحمد «لم ينجسه شيء».

و في كنز العمال في الجزء الخامس في الصحيفة 95 «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث».

و روى البيهقي في الجزء الأول من سننه في الصحيفة 260 و 261 الحديث بالنص المتقدم و في الصحيفة 261 منه ايضا بالنص المذكور في الكتاب.

و في مصابيح السنة للغوى في الجزء الأول في الصحيفة 33 «إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا».

و قد ورد الكر أيضا في رواياتهم، و يحكى عن بعضهم انه هو المعيار في هذا الباب، قال الجصاص في أحكام القرآن في الجزء الثالث في الصحيفة 419 في قوله تعالى: «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» بعد ان نقل المذاهب في الماء الكثير:

«و قال مسروق و النخعي و ابن سيرين: إذا كان الماء كرا لم ينجسه شيء».

و قال ابن الأثير في النهاية في مادة كر:

في حديث ابن سيرين «إذا كان الماء قدر كر لم يحمل القذر».

و في رواية «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجسا».

و في تاج العروس في الجزء الثالث في الصحيفة 519 في مادة كر:

الكر بالضم مكيال لأهل العراق و منه:

حديث ابن سيرين «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجسا».

و في رواية «إذا كان الماء قدر كر لم يحمل القذر» ..

251

و حمل أيضا في الاستبصار الرواية الثانية على ان الحب لا يمتنع ان يسع من الماء مقدار الكر، و على ذلك حمل الجرة و الراوية و الحب و القربة.

و جملة متأخري الأصحاب (رضوان الله عليهم) أعرضوا عن النظر في هذه الاخبار و أطبقوا على اخبار الكر، و الظاهر ان ذلك اما بناء على ما اعتمدوه من الاصطلاح في تقسيم الحديث، و ان هذه الروايات ضعيفة الأسانيد، فلا تبلغ قوة المعارضة لتلك الأخبار الصحيحة أو الضعيفة المجبورة عندهم بعمل الطائفة، أو انها عندهم غير منافية بناء ما ذكره الشيخ (قدس سره).

252

هذا. و الذي وقفت عليه من كلام أهل اللغة في ذلك، اما بالنسبة إلى القلتين فقال في كتاب المصباح المنير: «و القلة إناء للعرب كالجرة الكبيرة شبه الحب، قال الأزهري: و رأيت القلة من قلال هجر و الأحساء تسع ملء مزادة، و المزادة شطر الراوية، و كأنها سميت قلة لأن الرجل القوي يقلها اى يحملها. و عن ابن جريح قال: أخبرني من رأى قلال هجر: ان القلة تسع فرقا، قال عبد الرزاق: و الفرق يسع أربعة أصواع بصاع النبي (ص)، الى ان قال: و يجوز ان يعتبر قلال هجر البحرين، فان ذلك أقرب عرف لهم، و يقال: كل قلة تسع قربتين» انتهى. و قال في كتاب مجمع البحرين «القلة بضم القاف و تشديد اللام إناء للعرب كالجرة الكبيرة تسع قربتين أو أكثر، و منه قلال هجر، و هي شبه الحباب» و قال في القاموس: «القلة الحب العظيم أو الجرة العظيمة» انتهى. و قال المحقق في المعتبر: «ان أبا علي ابن الجنيد قال في المختصر: الكر قلتان مبلغ وزنه الف و مائتا رطل، و قال ابن دريد: القلة في الحديث من قلال هجر و هي عظيمة، و زعموا أن الواحدة تسع خمس قرب» انتهى.

و نقل العلامة في المنتهى ايضا عن ابن دريد انه قال: «القلة من هجر عظيمة تسع خمس قرب» انتهى.

و أنت خبير بان المستفاد من كلام هؤلاء ان القلة و الجرة و الحب متقاربة المقادير و ان كلا منها مما يختلف صغرا و كبرا، و ان القلة منها: ما تسع قربتين و منها: ما تسع خمس قرب، فلا بعد حينئذ في حمل تلك الظروف المروية في الاخبار على ما يسع الكر.

و اما الحب فقال في المصباح: «و الحب بالضم الخابية فارسي معرب» و قال في المجمع: «و الحب بالضم الجرة الضخمة» و قال في القاموس: «و الحب الجرة أو الضخمة منها».

و أنت خبير بان تفسير الحب بالخابية التي تختلف إفرادها صغرا و كبرا، و تفسير

253

القلة به- و هي كما عرفت سابقا- يعطي ايضا انه مما يختلف مقاديره، فلا يمتنع ان يكون ذلك الحب المشار اليه من الحباب الكبار التي تسع كرا من ماء.

و يؤيد ذلك

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن حب ماء فيه الف رطل وقع فيه أوقية بول، هل يصلح شربه أو الوضوء منه؟ قال: لا يصلح».

و حينئذ فلا بعد في الحمل على ذلك، و مثل ذلك الجرة و القربة، فإنها مما يتفاوت أفرادها أيضا صغرا و كبرا.

و اما الرواية فهي في الأصل تقال على الدابة التي يستقى عليها الماء ثم استعملت في المزادة كما يعطيه كلام صاحب المغرب، أو انها حقيقة فيهما كما يفهم من غيره، و على أيهما فالمراد به في الحديث المزادة، قال في القاموس: «و لا تكون إلا من جلدين تفأم بثالث بينهما لتتسع» انتهى. و قال في كتاب مجمع البحرين: «المزادة الراوية، و سميت ذلك لأنها يزاد فيها جلد آخر من غيرها، و لهذا أنها أكبر من القربة» انتهى. و متى كان كذلك فبلوغها الكر لا خفاء فيه. و مع المناقشة في ذلك فالحمل على التقية التي هي الأصل في اختلاف الاخبار عندنا- كما تقدم بيانه و اشتد بنيانه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب- و ان لم يكن بمضمونها قائل من العامة كما علمته مبرهنا. و اخبار الكر معتضدة بعمل الطائفة عليها قديما و حديثا فهي مجمع عليها، و مخالفة للعامة قطعا (2) فيتعين القول بها. و الله سبحانه و أولياؤه اعلم.

(الموضع الثاني) [في معرفة الكر]

- للأصحاب (رضوان الله عليهم) في معرفة الكر طريقان، و بكل منهما وردت الاخبار، و ان كان على وجه يحتاج الى التطبيق بينها في ذلك المضمار.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) تقدم في التعليقة 4 في الصحيفة 250 ما يوضح ذلك.

254

(الطريق الأول) [تحديد الكر بالوزن]

- معرفة ذلك بالوزن و هو الف و مائتا رطل، و لا خلاف بينهم في هذا المقدار.

و عليه تدل

صحيحة محمد بن ابي عمير عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «الكر من الماء الذي لا ينجسه شيء ألف و مائتا رطل».

و انما اختلفوا في المراد من الرطل في هذا الخبر، هل هو الرطل العراقي أو المدني؟ فالمشهور حمله على الأول، و هو مائة و ثلاثون درهما على المشهور، و قيل انه مائة و ثمانية و عشرون درهما و أربعة أسباع درهم، ذكره العلامة في نصاب الغلات من التحرير و المنتهى (2) و الظاهر انه غفلة. و قيل بحمله على الثاني و هو مائة و خمسة و تسعون درهما، و به قال للمرتضى في المصباح و الصدوق في الفقيه.

و استدل على الأول بوجوه: (أحدها)- عموم

قوله (عليه السلام): «كل ماء طاهر حتى يعلم انه قذر» (3).

و العلم لا يتحقق مع الاحتمال.

و (ثانيها)- ان الأقل متيقن و الزائد مشكوك فيه فيجب نفيه بالأصل.

و (ثالثها)- ان ذلك هو المناسب لرواية الأشبار الثلاثة (4).

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 11- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) ما ذهب اليه (قدس سره) في ذلك منقول عن العامة و مخالف لما صرح به في باقي كتبه، قال بعض المتأخرين: «و الظاهر ان هذا سهو منه، و كأنه كان (ره) عند وصوله الى هذا الموضع ناظرا في كتبهم و تبعهم فيه ذاهلا عن مخالفة نفسه في المواضع الأخر و مخالفة الأخبار و أقوال سائر الأصحاب» انتهى. و هو في محله (منه (رحمه الله).

(3) المروي في الوسائل في الباب- 1 و 4- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(4) و هي صحيحة إسماعيل بن جابر المروية في الباب- 9 و 10- و رواية المجالس المروية في الباب- 10- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة من الوسائل، و سيأتي منه (قده) ذكرهما في الطريق الثاني.

255

و (رابعها)- ما فيه من الجمع بين الرواية المذكورة (1) و بين

صحيحة محمد ابن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «و الكر ستمائة رطل».

بحملها على أرطال مكة، إذ لم يذهب أحد إلى حملها على الأرطال العراقية أو المدنية، و الرطل المكي رطلان بالعراقي.

و (خامسها) ان الأصل طهارة الماء خرج ما نقص عن الأرطال العراقية بالإجماع، فيبقى الباقي.

و يرد على الأول ما تقدم في المقدمة الحادية عشرة (3) في معنى الحديث المذكور و مرت إليه الإشارة أيضا في المقالة الرابعة من الفصل الأول (4) و نزيده هنا بيانا و تأكيدا فنقول: ان الجهل هنا- الذي هو عبارة عن عدم العلم بالقذارة الموجب للتمسك بأصالة الطهارة حتى تعلم النجاسة- اما ان يكون متعلقا بإصابة النجاسة للماء، بمعنى ان المكلف يجهل إصابة النجاسة للماء و لا يعلمها، و اما ان يكون متعلقا بالنجاسة، بمعنى انه يجهل كون هذا الشيء موجبا للتنجيس، و اما يجهل الحكم بالتنجيس بان يعلم ملاقاة النجاسة لكن يشك في تأثيرها كموضع البحث. و مقتضى الدليل العقلي- الدال على امتناع تكليف الغافل عن الخطاب بلزوم تكليف ما لا يطاق، و النقلي الدال على ذلك كنفي الحرج- انما يقوم على العذر بالنسبة إلى القسم الأول دون الأخيرين.

و اخبار معذورية الجاهل خاصها و عامها إنما تدل على الأول و هو الجاهل المحض، دون العالم بالنجاسات و إفرادها و ما يترتب على الملاقاة من الحكم، فربما علم بالملاقاة لكن

____________

(1) و هي صحيحة محمد بن ابى عمير المتقدمة في الصحيفة 254.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 11- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(3) في الموضع الأول في الصحيفة 134.

(4) في الصحيفة 190.

256

جهل الحكم بالتنجيس في بعض الموارد، للشك في بعض الشروط كموضع البحث، أو للشك في بعض الأشياء بكونها موجبة للتنجيس كنطفة غير الإنسان مثلا، بل دلت الاخبار على ان الحكم في الفردين الأخيرين وجوب الفحص و السؤال، و مع العجز فالوقوف على جادة الاحتياط.

كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج «في رجلين أصابا صيدا و هما محرمان، الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما جزاء؟ فقال: لا بل عليهما ان يجزى كل واحد منهما الصيد. قلت: ان بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه. فقال: إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط» (1).

و مثلها

حسنة بريد الكناسي الواردة فيمن علمت ان عليها العدة و لم تدر كم هي؟

حيث قال (عليه السلام): «إذا علمت ان عليها العدة لزمتها الحجة، فتسأل حتى تعلم» (2).

و بالجملة فمورد الخبر المذكور هو العالم بموجبات تنجيس الماء و شرائطه، فإنه متى جهل إصابة النجاسة حكم بالطهارة الى ان يعلم الإصابة، و ما عدا هذا الفرد ففرضه التوقف في الحكم و الاحتياط في العمل.

و مما ذكرنا يظهر الجواب عن الوجه الثاني أيضا، فإن الوجه في أصالة البراءة التي اعتمدوا عليها هو ما قدمنا من الدليل العقلي و النقلي. و لزوم الحرج و تكليف الغافل في صورة بلغنا فيها حكم شرعي و لكن اشتبه علينا المراد منه هل هو الزائد أو الناقص؟ ممنوع، لما عرفت من الروايتين المتقدمتين.

و أورد على الثالث انه و ان ناسب رواية الأشبار الثلاثة (3) لكن المشهور

____________

(1) تقدم الكلام فيها في التعليقة 2 في الصحيفة 73.

(2) تقدم الكلام فيها في التعليقة 4 في الصحيفة 82 و التعليقة 1 في الصحيفة 83.

(3) تقدم بيانها في التعليقة 4 في الصحيفة 254.

257

على تقدير المساحة- إنما هو العمل على رواية أبي بصير (1) البالغ تكسير ما اشتملت عليه الى اثنين و أربعين شبرا و سبعة أثمان شبر، و ليس تباعد المدني عنها أبعد من تباعد العراقي.

و على الرابع ايضا ما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) من انه يجوز ان يحمل الستمائة على الأرطال المدنية ليوافق قول القميين برواية الأشبار الثلاثة (2) بناء على ان الالف و المائتين العراقية توافق رواية الأشبار بزيادة النصف كما ذكره جماعة: منهم- الشهيد في الذكرى. و من ثم عدل بعض متأخري المتأخرين عن كيفية الاستدلال بالرواية إلى نحو آخر، فقال: «لو لم يحمل على العراقي لم يمكن الجمع بين روايات الأرطال، بخلاف ما لو حمل عليه، فإنها تجتمع على ذلك».

و يرد على الخامس أيضا (أولا)- ان الأصل المذكور اما عبارة عن الدليل، و ليس إلا الخبر المتقدم في الوجه الأول و أمثاله. و قد عرفت ما فيه. و اما عبارة عن الحالة السابقة أو الحالة الراجحة التي إذا خلي الشيء و نفسه، و كل منهما قد اخرج عنه معلومية ملاقاة النجاسة، فاستصحابها في موضع النزاع فرع صحة الاستدلال بالاستصحاب في مثل ذلك، و قد حققنا لك في المقدمة الثالثة (3) بطلانه و هدمنا أركانه، فإنه بتجدد الحالة الثانية أعني ملاقاة النجاسة هنا لا يمكن الجزم بالبقاء على الحكم الأول.

و (ثانيا)- ايضا ان المستفاد- من

قوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء

____________

(1) الآتي ذكرها في الصحيفة 261.

(2) و سيأتي بيانها في الصحيفة 262.

(3) في الصحيفة 51.

258

كرا لم ينجسه شيء» (1).

و أمثاله- ان حصول الكرية موجب لعدم الانفعال و انتفاءها موجب للانفعال، فإذا حصل الشك في الكرية كان حكمها في الانفعال و عدمه مشكوكا فيه، و تعيين أحدهما يحتاج الى دليل (فان قيل): الدليل هو العمومات الدالة على طهارة الماء (قلنا): العمومات على تقدير تسليمها مخصوصة بالخبر المذكور، و الشك إنما حصل في كون محل النزاع فردا للمخصص أم لا، فتعيين أحدهما يحتاج الى دليل.

احتج الآخرون بان الحمل على المدني يقتضي الاحتياط، حيث ان الأقل مندرج تحته. و بأنه (عليه السلام) كان من أهل المدينة، فالظاهر انه (عليه السلام) أجاب بما هو المعهود عنده.

و أجيب عن الأول بأن الاحتياط ليس بدليل شرعي. مع انه معارض بمثله، فان المكلف مع تمكنه من الطهارة المائية لا يسوغ له العدول إلى الترابية، و لا يحكم بنجاسة الماء إلا بدليل شرعي، فإذا لم يقم على النجاسة فيما نحن فيه دليل كان الاحتياط في استعمال الماء لا في تركه. و عن الثاني بأن المهم في نظر الحكيم هو رعاية ما يفهمه السائل، و ذلك إنما يحصل بمخاطبته بما يعهده من اصطلاحه، و لم يعلم ان السائل كان مدنيا، و غالب الرواة عنه (عليه السلام) كانوا من أهل العراق، فلعل السائل كان منهم حملا على الغالب.

(قلت): و يؤيد بأن المرسل و هو ابن ابي عمير كان عراقيا، و بجوابه (عليه السلام)- لمحمد بن مسلم الذي هو من الطائف توابع مكة- بستمائة رطل المتعين أو الظاهر حملها على الأرطال المكية. لما تقدم، و

بقوله (عليه السلام) في حديث الكلبي النسابة (2) لما سأله عن الشن الذي ينبذ فيه التمر للشرب و الوضوء: «و كم كان يسع

____________

(1) تقدم الكلام فيه في التعليقة 3 في الصحيفة 191.

(2) المروي في الوسائل في الباب- 2- من أبواب الماء المضاف و المستعمل من كتاب الطهارة.

259

من الماء؟ فقال ما بين الأربعين إلى الثمانين الى ما فوق ذلك. فقلت: بأي الأرطال؟

قال: أرطال مكيال العراق».

و أجاب المحقق الشيخ حسن في المعالم- عن المعارضة الموردة على الجواب الأول- بأن الأخبار الدالة على اعتبار الكرية اقتضت كونها شرطا لعدم انفعال الماء بالملاقاة، فما لم يدل دليل شرعي على حصول الشرط يجب الحكم بالانفعال، ثم قال: «و بهذا يظهر ضعف احتجاجهم بالأصل على الوجه الذي قرروه، لان اعتبار الشرط مخرج عن حكم الأصل».

و فيه نظر، لان كون الكرية شرطا لعدم الانفعال لا يقتضي الحكم بالانفعال في صورة عدم العلم بالشرط، إذ عند عدم الشرط في الواقع ينتفي المشروط لا عند عدم العلم به. على انه معارض بأن الأخبار المذكورة كما تدل على كون الكرية شرطا لعدم الانفعال كذلك تدل على كون القلة شرطا للانفعال، فما لم يدل دليل على حصول الشرط يجب الحكم بعدم الانفعال.

و الظاهر ان ابتناء ما ذكره في المعالم على ما اشتهر بينهم، و به صرح والده (قدس سرهما) في تمهيد القواعد في مبحث تعارض الأصلين، حيث قال: «إذا وقع في الماء نجاسة و شك في بلوغه الكرية فهل يحكم بنجاسته أو طهارته؟ فيه وجهان (أحدهما)- الحكم بنجاسته، و هو المرجح، لأن الأصل عدم بلوغه الكرية. و (الثاني)- انه طاهر، لأن الأصل في الماء الطهارة. و يضعف بأن ملاقاة النجاسة رفعت هذا الأصل لأن ملاقاتها سبب في تنجيس ما تلاقيه» ثم ذكر ما يدل على ان هذا هو القول الشائع بين الفقهاء. انتهى. و فيه- بمعونة ما قررناه سابقا- توجه المنع الى قوله: «بأن ملاقاة النجاسة رفعت هذا الأصل» فإن مجرد ملاقاة النجاسة لا يوجب التنجيس كما ذكره، بل مع القلة. و هي غير متحققة.

260

و التحقيق- في هذا المقام بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر (عليهم السلام)- ان يقال: ان مقتضى الأخبار الواردة في الكر- القائلة بأنه إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شيء، الدالة بمنطوقها على انه مع العلم ببلوغ الكرية لا ينجسه شيء، و بمفهومها الذي هو حجة صريحة صحيحة على انه مع العلم بعدم بلوغه كرا ينجس بالملاقاة- تعليق الحكم بنجاسة ذلك الماء على العلم بعدم بلوغه كرا، و تعليق الحكم بطهارته على العلم ببلوغه كرا (1) و مقتضى هذين التعليقين- و مقتضى الأخبار الدالة على وجوب التوقف في كل ما لم يعلم حكمه على التعيين- هو وجوب التوقف عن الحكمين و الوقوف على جادة الاحتياط في العمل. قولهم-: الاحتياط ليس بدليل شرعي- على إطلاقه ممنوع، لما عرفت في المقدمة الرابعة من ان الاحتياط في مثل هذه الصورة من الأدلة الشرعية كما صرحت به الاخبار، و منها: الخبران المتقدمان (2) و المعارضة التي ذكرها المجيب مندفعة بأنه قد ظهرت الدلالة على وجوب الاحتياط، و انه دليل شرعي على وجوب الاجتناب عن هذا الماء، فالاحتياط الذي ذكره المعارض غير متجه. و ان أردت مزيد إيضاح للفرق بين الاحتياط الواجب الذي هو أحد الأدلة الشرعية و المستحب الذي توهموا حمل ذلك الفرد الآخر عليه، فارجع الى ما حققناه في المقدمة المذكورة. على ان قول القائل: الأصل عدم بلوغ الكرية لا ينطبق على شيء من معاني الأصل التي صرحوا بها كما تقدم في المقدمة الثالثة في بحث

____________

(1) و وجه أخذ العلم من جانب المنطوق و المفهوم ما تقدم لك بيانه في المقدمة الحادية عشرة من ان مناط الحكم بالطهارة و النجاسة هو علم المكلف بذلك لا مجرد كونه كذلك واقعا كما تقدم بيانه ثمة مبرهنا مشروحا (منه (رحمه الله).

(2) و هما صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و حسنة بريد الكناسي المتقدمتان في الصحيفة 256.

261

البراءة الأصلية (1) و حينئذ فمقتضى الاحتياط الواجب في هذا الماء متى لاقته النجاسة هو التوقف في الحكم بالطهارة أو النجاسة و ترك استعماله و الانتقال الى التيمم، و مقتضى الاحتياط المستحب الوضوء بعد ذلك و القضاء. و اما الوضوء به و ضم التيمم- ثم يتطهر بعد حصول الماء و يطهر ما لاقى الماء الأول كما ذكره البعض بدون القضاء بعد ذلك- فلا يخفى ما فيه.

(الطريق الثاني) [في تحديد الكر بالمساحة]

- هو معرفة الكر بالمساحة، و قد اختلف فيه الأصحاب (رضوان الله عليهم).

فالمشهور انه ما كان كل واحد من أبعاده الثلاثة ثلاثة أشبار و نصف، و مبلغ تكسيره اثنان و أربعون شبرا و سبعة أثمان شبر. و قيل: ما كان كل واحد من أبعاده ثلاثة أشبار، و مبلغ تكسيره سبعة و عشرون شبرا، و هو مذهب القميين، و اختاره جملة من المتأخرين منهم: العلامة في المختلف و الشهيد الثاني في الروضة و الروض و المولى الأردبيلي و المحقق الشيخ علي في حواشي المختلف، و نفى عنه البعد في كتاب الحبل المتين و قيل: ما بلغ تكسيره نحو مائة شبر، و نقل عن ابن الجنيد. و قيل: ما بلغت- أبعاده الثلاثة- عشرة و نصفا، و نقل عن القطب الراوندي. و قيل: ما بلغ تكسيره ستة و ثلاثين شبرا، و هو ظاهر المحقق في المعتبر، و اليه مال السيد في المدارك كما سيأتي إيضاحه ان شاء الله تعالى. و قيل بالاكتفاء بكل ما روي، و عزي الى السيد جمال الدين ابن طاوس (قدس سره).

و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالمسألة

رواية أبي بصير (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال: إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصفا في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه. فذلك الكر من الماء».

____________

(1) في الصحيفة 41.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

262

و رواية الحسن بن صالح الثوري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«الكر ثلاثة أشبار و نصف عمقها في ثلاثة أشبار و نصف عرضها».

و صحيحة إسماعيل بن جابر عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له: الماء الذي لا ينجسه شيء؟ قال: ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته».

و صحيحته الأخرى عنه (عليه السلام) (3) قال: «الكر ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار».

و قال الصدوق (طاب ثراه) في كتاب المجالس (4): «روي ان الكر هو ما يكون ثلاثة أشبار طولا في ثلاثة أشبار عرضا في ثلاثة أشبار عمقا».

و قال في كتاب المقنع (5): «روي ان الكر ذراعان و شبر في ذراعين و شبر».

و تنقيح البحث في هذه الأخبار مع ما يتعلق بها من كلام علمائنا الأبرار يتم برسم فوائد:

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9 و 10- من أبواب الماء المطلق و النص المذكور في الكتاب هو نص الكافي و التهذيب. و في الاستبصار في الصحيفة 33 من طبع النجف رواها هكذا: «ثلاثة أشبار و نصف طولها في ثلاثة أشبار و نصف عمقها في ثلاثة أشبار و نصف عرضها» و في التعليقة 4 من الصحيفة المذكورة ان هذه الزيادة لم ترد في النسخة المخطوطة بيد والد الشيخ محمد بن المشهدي صاحب المزار المصححة على نسخة المصنف.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 9 و 10- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(4) في الصحيفة 383، و في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الماء المطلق.

(5) في الصحيفة 4، و في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الماء المطلق.

263

(الاولى) [في عدم ذكر البعد الثالث في أخبار المساحة]

- قد اتفقت هذه الاخبار ما عدا رواية المجالس في عدم ذكر البعد الثالث (1) و ظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض ان رواية أبي بصير (2) قد اشتملت على الأبعاد الثلاثة و لكن أحدها و هو العمق لم يذكر تقديره. و قد تكلف شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين لبيان اشتمالها على مقادير الأبعاد الثلاثة بإعادة الضمير في قوله: «مثله» الى ما دل عليه

قوله (عليه السلام): «ثلاثة أشبار و نصفا»

أي في مثل ذلك المقدار لا في مثل الماء، إذ لا محصل له، و كذا الضمير في قوله (عليه السلام):

«في عمقه» أي في عمق ذلك المقدار في الأرض. و فيه انه يؤذن بكون قوله:

«في عمقه من الأرض» كلاما منقطعا، و به يكون الكلام متهافتا معزولا عن الملاحة لا يليق نسبته بتلك الساحة البالغة أعلى درجات البلاغة و الفصاحة، بل الظاهر من قوله:

«في عمقه» انه اما حال من «مثله» أو نعت «لثلاثة أشبار» الذي هو بدل من «مثله» و على هذا تكون الرواية مشتملة على بيان مقدار العمق مع أحد البعدين الآخرين، و البعد الثالث متروك.

و بالجملة فهذه الاخبار كلها مشتركة في عدم عد الأبعاد الثلاثة (3) و لم أجد لها رادا من هذه الجهة، بل ظاهر الأصحاب قديما و حديثا الاتفاق على قبولها و تقدير البعد الثالث فيها، لدلالة سوق الكلام عليه، و كان ذلك شائعا كثيرا في استعمالاتهم و جاريا دائما في محاوراتهم، و منه: قول جرير:

كانت حنيفة أثلاثا فثالثهم * * * من العبيد و ثلث من مواليها

و عد بعضهم من ذلك

قوله (صلى الله عليه و آله): «حبب الي من دنياكم ثلاث:

____________

(1) قد تقدم في التعليقة 1 في الصحيفة 262 اشتمال رواية الحسن بن صالح الثوري في النسخ المتداولة من الاستبصار على ذكر الأبعاد الثلاثة.

(2) المتقدمة في الصحيفة 261.

(3) قد تقدم في التعليقة 1 في الصحيفة 262 اشتمال رواية الحسن بن صالح الثوري في النسخ المتداولة من الاستبصار على ذكر الأبعاد الثلاثة.

264

الطيب و النساء و قرة عيني الصلاة» (1).

قال: «فإن الصلاة ليست من لذة الدنيا، فهو (صلى الله عليه و آله) لما عد من ملاذ الدنيا اثنتين عزفت نفسه المقدسة عن ذكر الثالثة.

فكأنه يقول: مالي و لملاذ الدنيا؟ قرة عيني في الصلاة، فالواو الثانية استينافية.

(أقول): و هو معنى لطيف مناسب لذلك المقام المنيف (2) و يؤيده أيضا

____________

(1) هذا الحديث رواه الصدوق في الخصال عن انس بن مالك عن النبي (ص) بطريقين في الصحيفة 79 و لم ترد كلمة (ثلاث) في شيء منهما في النسخة المطبوعة.

و رواهما صاحب الوسائل عنه في الباب- 89- من أبواب آداب الحمام و التنظيف. و قد أورد كلمة (ثلاث) في أحدهما، و إليك نصهما كما في الوسائل:

«حبب الي من الدنيا ثلاث:

النساء و الطيب و جعلت قرة عيني في الصلاة».

«حبب الي من دنياكم النساء و الطيب و جعل قرة عيني في الصلاة».

و في سنن البيهقي ج 7 ص 78 عن ثابت عن أنس ان رسول الله (ص) قال:

«انما حبب الي من دنياكم النساء و الطيب و جعلت قرة عيني في الصلاة».

و رواه بهذا اللفظ السيوطي في الجامع الصغير.

و في سنن النسائي ج 2 ص 156 «حبب الي من الدنيا النساء و الطيب و جعلت قرة عيني في الصلاة».

و قال المناوى في فيض القدير ج 3 ص 370: «لم يرد في الحديث لفظ ثلاث كما قال الحافظ العراقي و الزركشي و ابن حجر في تخريج الكشاف، و من زادها كالزمخشري و القاضي فقد وهم، فإنها مفسدة للمعنى، إذ لم يذكر بعدها الا النساء و الطيب.

(2) قال الصدوق في الخصال في الصحيفة 79 بعد ذكر الحديثين: «قال مصنف هذا الكتاب: ان الملحدين يتعلقون بهذا الخبر و يقولون ان النبي (ص) قال: حبب الى من دنياكم النساء و الطيب، و أراد ان يقول الثالث فندم و قال: قرة عيني في الصلاة.

و كذبوا، لانه لم يكن مراده بهذا الخبر إلا الصلاة وحدها، لانه قال:

«ركعتان يصليهما متزوج أفضل عند الله من سبعين ركعة يصليهما غير متزوج».

و انما حبب الله اليه النساء لأجل الصلاة. و هكذا قال:

«ركعتان يصليهما متعطر أفضل من سبعين ركعة يصليهما غير متعطر».

و انما حبب اليه الطيب أيضا لأجل الصلاة. ثم قال:

«و جعل قرة عيني في الصلاة».

لأن الرجل لو تطيب و تزوج ثم لم يصل لم يكن له في التزويج و الطيب فضل و لا ثواب» انتهى.

265

جملة من الأخبار (1) و مما يدخل في حيز هذا المقام قوله تعالى: «فِيهِ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ مَقٰامُ إِبْرٰاهِيمَ» (2)

ففي الحديث عن الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية «أنها ثلاث آيات: مقام إبراهيم حيث قام على الحجر فأثر فيه قدماه، و الحجر الأسود، و منزل إسماعيل» (3).

و للمحدث الأمين في كتاب الفوائد المدنية هنا كلام في توجيه عدم ذكر البعد الثالث في هذه الأخبار، قال: «و من أغلاط جمع منهم انهم يقولون في كثير من الأحاديث الواردة في كمية الكر: أنها خالية عن ذكر أحد الأبعاد الثلاثة. لكنه محذوف ليقاس المحذوف على المذكور، و الحذف مع القرينة شائع ذائع. و في هذا دلالة على إسراعهم في تفسير الأحاديث و في تعيين ما هو المراد منها، و الدلالة على ذلك كله ان أصح أحاديث هذا الباب هكذا:

«ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته» (4).

وجه الدلالة انه يفهم اعتبار أربعة أشبار في العمق و ثلاثة في الأخيرين. فلم تبق دلالة على ان حكم المحذوف حكم المذكور مع وجود هذا الاحتمال، و انه يفهم من هذا الحديث الشريف ان المراد من أحد المذكورين في الأحاديث العمق و من الآخر السعة، و من المعلوم عند كل لبيب غير غافل ان معنى السعة مجموع الطول و العرض، فلا حاجة الى القول بالحذف، و من له أدنى معرفة بأساليب كلام العرب يعرف انهم يقصدون بقولهم:

____________

(1)

فروى في الكافي في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ما أحب من دنياكم الا النساء و الطيب».

و روى فيه عنه (عليه السلام) عنه (صلى الله عليه و آله) قال: «جعل قرة عيني في الصلاة و لذتي في الدنيا النساء و ريحانتي الحسن و الحسين».

وجه التأييد انه (صلى الله عليه و آله) لم يعد في هذه الأخبار الصلاة في الدنيا كما لا يخفى (منه (قدس سره).

(2) سورة آل عمران. آية 92.

(3) رواه الكليني في الكافي في الباب- 10- من كتاب الحج.

(4) و هو صحيح إسماعيل بن جابر المتقدم في الصحيفة 262.

266

ثلاثة في ثلاثة- في الثوب و شبهه- ان كل واحد من طوله و عرضه ثلاثة، و يقصدون- في الحياض و الآبار و شبههما- ان كل واحد من سعته و عمقه ثلاثة. و توضيح المقام ان الكر في الأصل مكيال أهل العراق، و إنما جرت عادة الأئمة (عليهم السلام) بذكر لفظ الكر في معرض بيان الفرق بين مقدار الماء الذي ينجس بمجرد ورود النجاسة عليه، و بين مقدار الماء الذي ليس كذلك. لان مخاطبهم (عليهم السلام) كان من أهل العراق، و من المعلوم ان الكر مدور مثل البئر، و من المعلوم ان المناسب بمساحة المدور ان يذكر قطره و ان يذكر عمقه، و غير مناسب ان يذكر طوله و عرضه و عمقه» انتهى كلامه زيد مقامه.

و هو كلام جيد منطبق على تلك الروايات سالم من تلك التقديرات سيما الصحيحة التي أشار إليها، فإنها ظاهرة فيه بعيدة الحمل جدا على ما ينافيه، إلا ان الأصحاب (رضوان الله عليهم)- قديما و حديثا، اخباريهم و مجتهدهم- كلهم على اعتبار الأبعاد الثلاثة في تقدير الكر و حمل الروايات على ذلك، و ليس ذلك خاصا بالمجتهدين كما زعمه (قدس سره) و جعله من جملة اغلاطهم، بل هذا الصدوق (قدس سره) في الفقيه و المقنع صرح باعتبار الأبعاد الثلاثة. فقال في الفقيه (1): «و الكر ثلاثة أشبار طولا في عرض ثلاثة أشبار في عمق ثلاثة أشبار» و نحوه في المقنع (2) و المجالس (3) استنادا إلى صحيحة إسماعيل بن جابر الثانية (4) الناطقة بأن الكر ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار.

و ما ذاك إلا بتقدير البعد الثالث فيها، و تبعه على ذلك القميون الذين هم أساطين الأخباريين، و لكنه (طاب ثراه) حيث كان مولعا بتتبع عثرات المجتهدين عثر

____________

(1) في باب (المياه و طهرها و نجاستها).

(2) في الصحيفة 4.

(3) في الصحيفة 383.

(4) المتقدمة في الصحيفة 262.

267

من حيث لا يشعر فخص ذلك بالمجتهدين، بل نسبه الى جمع منهم مؤذنا بزيادة ضعفه و تمريضه.

و لا يخفى انه على تقدير ما ذكره لا يبلغ تكسير الكر الى القدر الذي اعتبروه على تقدير اعتبار البعد الثالث في كل من الروايات. و لكنه (طاب ثراه) قد بنى ذلك على ما تقدمت الإشارة إليه آنفا (1) من اعتبار الاجتماع في ماء الكر، و بذلك صرح في تعليقاته على شرح المدارك، فقال- بعد ان نقل ان المشهور بين الأصحاب حمل لفظ (في) الواقع في روايات هذا الباب على ضرب الحساب، و انهم استفادوا منه التكسير، و فرعوا على ذلك انه لو كان قدر الكر من الماء منبسطا على وجه الأرض لا ينفعل بالملاقاة- ما لفظه: «و فيه اشكال، و ذلك لان المتبادر من سياق الروايات اعتبار اجتماع اجزاء الماء، و كون عمقه قدرا يعتد به، و الاعتبار العقلي مساعد على ذلك، لأنه حينئذ يتقوى بعضها ببعض، و تتوزع النجاسة الواقعة فيه على اجزائه و يؤيده ان الكر في الأصل مكيل معروف لأهل العراق، و العادة في هيئات المكاييل ان يكون لها عمق يعتد به. و بعد التنزل نقول: مع قيام الاحتمال لا مجال للاستدلال على ان إجمال الخطاب يوجب رعاية الاحتياط كما مر تحقيقه» ثم أورد صحيحة محمد ابن مسلم (2) الدالة على السؤال عن غدير ماء مجتمع تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب، قال:

«إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء».

و صحيحة صفوان ابن مهران الجمال (3) المتضمنة للسؤال عن الحياض التي بين مكة و المدينة تردها السباع و تلغ فيها الكلاب و تشرب منها الحمير و يغتسل فيها الجنب و يتوضأ منها.

قال:

«و كم قدر الماء؟ قال: الى نصف الساق و الى الركبة. فقال: توضأ منه».

و صحيحة إسماعيل بن جابر المذكورة في كلامه آنفا (4).

____________

(1) في الصحيفة 232.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(4) في الصحيفة 265.

268

و لا يخفى ان ما ذكره (قدس سره) و ان احتمل احتمالا قريبا الا انه لا دليل عليه صريحا، فكما انه بهذا الاحتمال لا يتعين القول المشهور، فكذلك ما ذكره لا يتعين، لعدم الدلالة الصريحة أو الظهور، بل الظاهر ان العمل على إطلاقات الأخبار أظهر، و الأسئلة عن المياه المجتمعة- مع الإغماض عن المناقشة في كيفية هذا الاجتماع- و ان ظهر في بعضها ما يؤيد ما ذكره لا يدل على التخصيص في الجواب كما تقرر في محله.

(الثانية) [في سند رواية أبي بصير الواردة في تحديد الكر]

- قد طعن جملة من المتأخرين- منهم: السيد في المدارك- في سند رواية أبي بصير (1) بضعف الطريق باشتماله على احمد بن محمد بن يحيى، فإنه مجهول، و عثمان بن عيسى، فإنه واقفي، و ابي بصير، فإنه مشترك بين الثقة و الضعيف (2) و فيه ان لفظ احمد بن محمد بن يحيى و ان وقع في التهذيب لكن الموجود في الكافي محمد بن يحيى عن احمد بن محمد، و لا ريب انه أحمد بن محمد بن عيسى، لرواية محمد ابن يحيى العطار عنه، و روايته هو عن عثمان بن عيسى مكررا. و الظاهر ان ما في التهذيب تصحيف، و لهذا ان جملة من متأخري المتأخرين لم يطعنوا في السند إلا بعثمان بن عيسى و ابي بصير، و كأنهم لاحظوا الرواية من الكافي. لكن الراوي عن ابي بصير هنا هو ابن مسكان، و لا يخفى على الممارس انه عبد الله، و هو قرينة ليث المرادي، لتكرر روايته عنه في غير موضع، و المدار في تعيين الرواة عندهم إنما هو على القرائن التي من جملتها قرينة القبلية و البعدية و نحوهما. إلا ان الفاضل الشيخ محمد ابن المحقق الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني ذكر في بعض حواشيه على التهذيب أو الاستبصار، قال: «نقل بعض مشايخنا ان رواية ابن مسكان

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 261.

(2) و قد أورد الرواية شيخنا البهائي في الحبل المتين ايضا على ما في التهذيب و طعن فيها بما طعن به في المدارك ايضا (منه (قدس سره).

269

عن ابي بصير تعين كونه ليث المرادي. و لا يخلو من تأمل، لما قاله الوالد (رحمه الله) من انه اطلع على رواية فيها ابن مسكان عن يحيى بن القاسم، و أظن اني وقفت على ذلك ايضا» انتهى.

(أقول): لم نقف بعد الفحص و التتبع الزائد في كتب الأخبار على ذلك إلا انهم ذكروا ايضا ان رواية عاصم بن حميد عن ابي بصير مما يعين كونه ليث المرادي و قد وقفت في كتاب الاستبصار في باب وقت صلاة الفجر على رواية عاصم بن حميد عن ابي بصير المكفوف، و مثله في التهذيب ايضا، لكن الموجود في الفقيه و الكافي في هذا السند بعينه عن ابي بصير ليث المرادي و المتن بحاله، لكن فيه زيادة في رواية الشيخ في آخر الحديث ليست في رواية ذينك الشيخين.

و كيف كان، و لو مع تقدير صحة رواية الشيخ و عدم تطرق احتمال الغلط أو السهو فيما نقله، فلا شك ان الحمل على الأكثر المتكرر قرينة مرجحة كما صرحوا به في أمثال ذلك.

هذا، و قد ذهب الفاضل ملا محمد باقر السبزواري الخراساني صاحب الكفاية و ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد- في الشرح المذكور- الى ان أبا بصير الذي هو يحيى بن القاسم أو ابن ابي القاسم ثقة، و ان المطعون فيه بالوقف و الضعف إنما هو يحيى بن القاسم غيره، و أبو بصير إنما هي كنية الأول خاصة، و إنما نشأ الاشتباه من العلامة في الخلاصة، و إلا فكتب علماء الرجال المتقدمين صريحة في التعدد.

و استدل على ذلك بوجوه: (منها)- ان أبا بصير اسدي كما يظهر من رجال النجاشي و الكشي و اختيار الرجال و الخلاصة و رجال العقيقي، و الآخر أزدي كما يفهم من رجال الكشي. و (منها)- انه ذكر الشيخ في (قر) (1) يحيى بن ابي القاسم يكنى أبا بصير مكفوف، و اسم ابي القاسم إسحاق. و قال بعده بلا فصل: يحيى بن ابي القاسم

____________

(1) إشارة إلى أصحاب الباقر (عليه السلام).

270

الحذاء. و هذا يشهد بالمغايرة، و في (ظم) (1) يحيى بن القاسم الحذاء واقفي، ثم قال:

يحيى بن ابي القاسم يكنى أبا بصير. و هو أيضا يعطي المغايرة. و (منها)- انه ذكر النجاشي و الشيخ في اختيار الرجال: ان أبا بصير مات سنة خمسين و مائة، و هذا ينافي كونه واقفيا، لأن وفاة الكاظم (عليه السلام) في سنة ثلاثة و ثمانين و مائة.

و كلامه (قدس سره) و ان كان للمناقشة فيه مجال إلا انه لا يخلو من قرب.

و كيف كان فالمفهوم من تتبع الأخبار الواردة- و خطاب الأئمة (عليهم السلام) معه زيادة على ما قد روي في مدحه- جلالة شأنه. و الاخبار الواردة بذمة قد ورد مثلها بل أشنع منها في من هو أجل قدرا و أشهر ذكرا منه، و الجواب في الموضعين واحد. على انا لا نرى الاعتماد في صحة الأخبار على هذا الاصطلاح، بل عملنا إنما هو على اصطلاح متقدمي علمائنا (رضوان الله عليهم) كما قدمنا (2) إيضاحه بأتم إيضاح و افصحنا عنه أي إفصاح.

و من ذلك يعلم الكلام أيضا في عثمان بن عيسى، فإنه و ان كان مما لا خلاف في كونه واقفيا الا ان الكشي نقل فيه قولا بأنه ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه. مضافا الى ما نقله الشيخ في كتاب العدة مما يؤذن بالاتفاق على العمل بروايته و رواية أمثاله من ثقات الواقفية و الفطحية. و هذا مع ان جملة منهم صرحوا بان ضعفها منجبر بالشهرة، و الأمران اصطلاحيان، و حينئذ فالرواية معتمدة.

و قد طعن جماعة من متأخري المتأخرين- منهم: المحقق الشيخ حسن في المنتقى، و السيد في المدارك، و تبعهما جمع ممن تأخر عنهما (3)- في صحيحة

____________

(1) إشارة إلى أصحاب الكاظم (عليه السلام).

(2) في المقدمة الثانية في الصحيفة 14.

(3) منهم: الشيخ على بن سليمان البحراني و العلامة السيد ماجد البحراني (قدس سرهما) (منه (قدس سره).

271

إسماعيل بن جابر الثانية (1) التي هي مستند القميين، قال في كتاب المنتقى بعد ذكر الحديث المشار اليه: «و هذا الحديث قد نص جمهور المتأخرين من الأصحاب على صحته. و ليس بصحيح، لان الشيخ رواه في موضع آخر من التهذيب عن الشيخ المفيد (رحمه الله) عن احمد بن محمد عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد عن محمد ابن خالد عن محمد بن سنان عن إسماعيل بن جابر، فأبدل عبد الله بمحمد، و الراويان قبل و بعد متحدان كما ترى، فاحتمال روايتهما له منتف قطعا، لاختلافهما في الطبقة، و قد ذكرنا في فوائد المقدمة ان الذي يقتضيه حكم الممارسة تعين كونه محمدا، و في الكافي رواه عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن البرقي عن ابن سنان، و الظاهر ان هذا صورة ما وقع في رواية البرقي له، و التعيين من تصرف الراوي عنه، فأخطأ فيه المخطئ و أصاب فيه المصيب» انتهى.

و أجاب عن ذلك شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب مشرق الشمسين- بعد ان ذكر الخبر المذكور- بما لفظه: «و اما هذا السند فقد أطبق علماؤنا من زمن العلامة (طاب ثراه) الى زماننا هذا على صحته و لم يطعن أحد فيه. حتى انتهت النوبة الى بعض الفضلاء الذين عاصرناهم (قدس الله أرواحهم) فحكموا بخطإ العلامة و اتباعه في قولهم بصحته، و زعموا أن ملاحظة طبقات الرواة في التقدم و التأخر يقتضي ان ابن سنان- المتوسط بين البرقي و بين إسماعيل بن جابر- محمد لا عبد الله، و ان تبديل شيخ الطائفة له بعبد الله في سند هذا الحديث توهم فاحش، لان البرقي و محمد بن سنان في طبقة واحدة. فإنهما من أصحاب الرضا (عليه السلام). و اما عبد الله بن سنان فليس من طبقة البرقي. لأنه من أصحاب الصادق (عليه السلام) فرواية البرقي عنه بغير واسطة مستنكرة. و ايضا فوجود الواسطة في هذه الرواية بين ابن سنان و بين الصادق (عليه السلام) تدل على انه محمد لا عبد الله، لان زمان محمد متأخر عن زمانه (عليه

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 262.

272

السلام) بكثير، فهو لا يروي عنه بالمشافهة، بل لا بد من تخلل الواسطة. و اما عبد الله ابن سنان فهو من أصحاب الصادق (عليه السلام) و الظاهر انه يأخذ عنه بالمشافهة لا بالواسطة. هذا حاصل كلامهم. و ظني ان الخطأ في هذا المقام انما هو منهم لا من العلامة و اتباعه (قدس الله أرواحهم) و لا من شيخ الطائفة (نور الله مرقده) فان البرقي و ان لم يدرك زمان الصادق (عليه السلام) لكنه قد أدرك بعض أصحابه و نقل عنهم بلا واسطة، ألا ترى الى روايته عن داود بن ابي يزيد العطار حديث من قتل أسدا في الحرم (1) و عن ثعلبة بن ميمون حديث الاستمناء باليد (2) و عن زرعة حديث صلاة الأسير في باب صلاة الخوف (3) و هؤلاء كلهم من أصحاب الصادق (عليه السلام) فكيف لا تنكر روايته عنهم بلا واسطة و تنكر الواسطة عن عبد الله بن سنان؟ و ايضا فالشيخ قد عد البرقي في أصحاب الكاظم (عليه السلام) و اما تخلل الواسطة بين ابن سنان و بين الصادق (عليه السلام) فإنما يدل على انه محمد لو لم توجد بين عبد الله و بينه (عليه السلام) واسطة في شيء من الأسانيد، لكنها توجد بينهما كتوسط عمر بن يزيد في دعاء آخر سجدة من نافلة المغرب (4) و توسط حفص الأعور في تكبيرات الافتتاح (5)

____________

(1) و هو حديث ابى سعيد المكاري المروي في الوسائل في الباب- 39- من أبواب كفارات الصيد و توابعها من كتاب الحج.

(2) و هو حديث ثعلبة بن ميمون و الحسين بن زرارة الذي رواه صاحب الوسائل في الباب- 3- من أبواب نكاح البهائم و وطء الأموات و الاستمناء من كتاب الحدود و التعزيرات.

(3) و هو حديث سماعة المروي في الوسائل في الباب- 5- من أبواب صلاة الخوف و المطاردة من كتاب الصلاة.

(4) في حديث عمر بن يزيد الذي رواه صاحب الوسائل في الباب- 46- من أبواب صلاة الجمعة و آدابها من كتاب الصلاة.

(5) في حديث حفص المروي في الوسائل في الباب- 7- من أبواب تكبيرة الإحرام من كتاب الصلاة. الا ان في الوسائل بعد كلمة حفص «يعنى ابن البختري».

273

و قد يتوسط شخص واحد بعينه بين كل منهما و بين الصادق (عليه السلام) كاسحاق ابن عمار، فإنه متوسط بين محمد و بينه (عليه السلام) في سجدة الشكر (1) و هو بعينه ايضا متوسط بين عبد الله و بينه (عليه السلام) في طواف الوداع (2) و توسط إسماعيل بن جابر في سندي الحديثين الذين نحن فيهما من هذا القبيل. و الله الهادي إلى سواء السبيل» انتهى.

(الثالثة) [في صحيحة إسماعيل بن جابر]

- لا ريب- بعد ما عرفت- في دلالة رواية أبي بصير (3) على القول المشهور، و دلالة صحيحة إسماعيل بن جابر (4) على قول القميين.

و اما قول ابن الجنيد فلم نقف له على مستند.

و كذلك قول القطب الراوندي، الا ان بعض متأخري المتأخرين حمله على ارادة معنى الجمع و المعية من لفظ (في) دون الضرب كما هو المشهور. و لا يخفى فيه من البعد، لما في التحديد بذلك من التفاوت في التقديرات كما نبه عليه جملة من مشايخنا (طيب الله تعالى مضاجعهم)، فان الماء الذي مجموع أبعاده الثلاثة- عشرة أشبار و نصف كما تكون مساحته مساوية لمساحة الكر على القول المشهور، كما لو كان كل من الأبعاد الثلاثة ثلاثة أشبار و نصفا، فقد تكون ناقصة عنها قريبة منها، كما لو فرض طوله ثلاثة أشبار و عرضه ثلاثة و عمقه أربعة و نصف شبر، فان مساحته حينئذ أربعون شبرا و نصف، و قد تكون بعيدة عنها جدا، كما لو فرض طوله ستة و عرضه

____________

(1) في حديث إسحاق بن عمار الذي رواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 165، و رواه صاحب الوسائل في الباب- 3- من أبواب سجدتي الشكر من كتاب الصلاة.

(2) في حديث إسحاق بن عمار الذي رواه الشيخ في التهذيب في باب (زيارة البيت) من كتاب الحج.

(3) المتقدمة في الصحيفة 261.

(4) المتقدمة في الصحيفة 262 السطر 5.

274

أربعة و عمقه نصف شبر، فان مساحته اثنا عشر شبرا. و جعل شيخنا الشهيد الثاني في الروض أبعد الفروض منها ما لو كان كل من عرضه و عمقه شبرا و طوله عشرة أشبار و نصفا. قال شيخنا البهائي (رحمه الله) بعد نقل ذلك عنه: «و هو محل كلام، لوجود ما هو أبعد منه، كما لو كان طوله تسعة أشبار و عرضه شبرا واحدا و عمقه نصف شبر، فان مساحته أربعة أشبار و نصف (1). و أيضا ففي كلامه (قدس سره) مناقشة أخرى، إذ الأبعاد الثلاثة في الفرض الذي ذكره إنما هو اثنا عشر شبرا و نصف لا عشرة و نصف، ثم قال: هذا. و أنت خبير بان صدور مثل هذا التحديد العظيم الاختلاف الشديد التفاوت من القطب الراوندي (رحمه الله) لا يخلو من غرابة، كما ان صدور مثل هذا الكلام من شيخنا الشهيد الثاني غير خال من غرابة أيضا. ثم الذي يظهر ان مراد القطب الراوندي (رحمه الله) ان الكر هو الذي لو تساوت أبعاده الثلاثة لكان مجموعها عشرة أشبار و نصفا، و حينئذ ينطبق كلامه على المذهب المشهور. و الله أعلم بحقائق الأمور» انتهى كلامه (زيد مقامه) و لا يخفى ان ما ذكره أخيرا- من الحمل لكلام الراوندي- جيد لو أمكن تطبيق كلامه عليه.

و اما ما نقل عن السيد جمال الدين ابن طاوس من العمل بكل ما روي فهو يرجع في التحقيق الى مذهب القميين، فكأنه يحمل ما زاد على الاستحباب.

بقي الكلام في صحيحة إسماعيل بن جابر الدالة على التحديد بذراعين في العمق في ذراع و شبر في السعة (2) و يظهر من المحقق في المعتبر الميل الى العمل بها،

____________

(1) ثم كتب (قدس سره) في حاشية الكتاب ما صورته: «و قد يوجد ما هو أبعد من هذا، كما لو كان طوله عشرة أشبار و عرضه ربع شبر و عمقه كعرضه، فان مجموع أبعاده عشرة و نصف و مساحته خمسة أثمان شبر. انتهى. (منه (رحمه الله).

(2) المتقدمة في الصحيفة 262.

275

حيث قال:- بعد ان ذكر صحيحة إسماعيل التي هي مستند القميين (1) و طعن فيها بقصور الدلالة، ثم رواية أبي بصير (2) و طعن فيها بعثمان بن عيسى، ثم هذه الصحيحة- ما لفظه: «فهذه حسنة، و يحتمل ان يكون قدر ذلك كرا» انتهى. و ربما اعترض عليه بوصفها بالحسن مع انها في أعلى مراتب الصحة. و الجواب عن ذلك ان اصطلاح تقسيم الاخبار الى هذه الأقسام متأخر عنه، فهو لم يرد بالحسن المعنى الذي تقرر بينهم و انما أراد الوصف بما يوجب قبولها و العمل عليها. و يظهر من السيد في المدارك الميل ايضا الى ذلك، حيث قال- بعد ان ذكر روايتي أبي بصير (3) و إسماعيل الأخرى (4) و طعن فيهما بضعف الاسناد- ما صورته: «و أصح ما وقفت عليه في هذه المسألة من الأخبار متنا و سندا ما رواه الشيخ» و ساق الرواية (5) ثم نقل عن المحقق الميل الى العمل بها، و قال: «و هو متجه» و بذلك يظهر لك ما في كلام شيخنا البهائي في الحبل المتين، حيث قال بأنه لم يطلع على قائل بها من الأصحاب. ثم انه (قدس سره) ذكر أن الخبر المذكور غير شديد البعد عن التقدير المشهور، فان المراد بالذراع ذراع اليد و هو شبران تقريبا، و ان المراد بكون سعته ذراعا و شبرا كون كل من طوله و عرضه ذلك المقدار، فيبلغ تكسيره على هذا التقدير ستة و ثلاثين شبرا.

هذا. و يأتي- على ما نقلنا آنفا (6) عن المحدث الأمين (قدس سره) من تفسيره السعة في الخبر- و كذا في جملة الأخبار- بمجموع الطول و العرض الذي هو عبارة عن قطر الدائرة لا كل من الطول و العرض- انه لا يخلو اما ان يخص الكر الذي لا ينفعل بما

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 262.

(2) المتقدمة في الصحيفة 261.

(3) المتقدمة في الصحيفة 261.

(4) المتقدمة في الصحيفة 262.

(5) و هي صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة في الصحيفة 262 السطر 3.

(6) في الصحيفة 265.

276

كان على تلك الهيئة، كما يعطيه ظاهر كلامه من الرد على القول المشهور في حمل لفظ (في) الواقع في روايات هذا الباب على ضرب الحساب، و ان المتبادر من الروايات اعتبار اجتماع اجزاء الماء، و كون عمقه قدرا يعتد به. و فيه تضييق زائد بل لا يكاد يتفق كر على هذه الهيئة، و اما ان يعتبر الضرب فيه و تحصيل قدر المساحة. و طريق معرفة ذلك- كما هو مذكور في علم المساحة- أن يضرب نصف القطر- المعبر عنه في الحديث بالسعة و هو واحد و نصف- في نصف المحيط الذي هو تسعة تقريبا، لما ثبت هناك ان القطر ثلث المحيط تقريبا، فيكون نصف المحيط على هذا أربعة و نصفا، و عند ضرب واحد و نصف في أربعة و نصف يحصل منه ستة و ثلاثة أرباع، و إذا ضربنا هذا في العمق الذي هو أربعة يكون الحاصل سبعة و عشرين شبرا، فيكون موافقا لمذهب القميين. و فيه انه و ان حصل به انطباق صحيحتي إسماعيل بن جابر (1) كل منهما على الأخرى، الا انه- مع مخالفته لما نقلناه من ظاهر كلامه- بعيد غاية البعد، و ان قصر تقدير الكر- على شكل الأسطوانة المستديرة التي لا يعلم تقديرها حقيقة بل تقريبا، و مع ذلك فمعرفتها بالتقريب المذكور يتوقف على المهارة في فن علم المساحة و الحذاقة في فن علم الهندسة التي تتعذر على أكثر الناس- غير معهود وقوع مثله عن أهل العصمة (صلوات الله عليهم) بل ربما يقال غير جائز الوقوع، فيتعين حينئذ حمل الرواية على ما ذكره شيخنا البهائي من الستة و الثلاثين شبرا. و قال المحدث الأمين في تعليقاته على شرح المدارك: «قد اعتبرنا الكر وزنا و مساحة في المدينة المنورة فوجدنا رواية ألف و مائتا رطل (2) مع الحمل على العراقي قريبة غاية القرب من هذه الصحيحة (3)» انتهى. و الظاهر ان اعتباره بناء على ما ذكره مما يرجع الى سبعة و عشرين شبرا.

____________

(1) المتقدمتين في الصحيفة 262.

(2) و هي صحيحة ابن ابى عمير المتقدمة في الصحيفة 254.

(3) و هي صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة في الصحيفة 262 السطر 3.

277

(الموضع الثالث)- في بيان ضبط الكر بالأوزان المتعارفة في زماننا

من المن المتعارف في بلادنا البحرين (حرسها الله من طوارق الشين) و المن التبريزي المتعارف في جملة من ولايات العجم (صانها الله تعالى عن العدم).

فنقول: اعلم ان المتعارف في بلادنا المذكورة ان المن عندهم- بالمثاقيل السوقية الموسومة عندهم بمثاقيل بار- خمسمائة مثقال و اثنا عشر مثقالا، و ربع المن عندهم أربعة آلاف، كل الف بالحساب المتقدم عبارة عن اثنين و ثلاثين مثقالا، و المن ستة عشر ألفا (1)، و نصف الالف باصطلاحهم قياس، و هي ستة عشر مثقالا، و في حدود السنة السابعة و الثلاثين بعد المائة و الالف قد اعتبرنا الصاع بالصنج المذكور لأجل زكاة الفطرة بالشعير- كما ذكره الأصحاب- فوجدناه مشتملا على نقصان فاحش، ثم اعتبرناه بحساب المثاقيل الشرعية المتفق بين الخاصة و العامة على عدم تغيرها في جاهلية و لا إسلام و نسبناها الى مثاقيل البحرين، فكان مبلغ الصاع الشرعي عبارة عن ثلاثة آلاف بالألف المتقدم في اصطلاحهم، و اثني عشر مثقالا بالمثاقيل المذكورة عندهم.

و اما المن التبريزي فهو الآن في شيراز و ما والاها عبارة عن تسع عباسيات بالفلوس السود، و كل عباسية عبارة عن عشرين مرضوفا، و كل مرضوف غازيان، و هو عبارة عن أربعة مثاقيل صيرفية كما اعتبرناه، فتكون العباسية- التي هي عبارة عن عشرين مرضوفا- عبارة عن ثمانين مثقالا صيرفيا، و يكون المن التبريزي- الذي هو عبارة عن تسع عباسيات- سبعمائة مثقال و عشرين مثقالا.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن الرطل يقال بالاشتراك- كما تقدمت الإشارة اليه- على ثلاثة أوزان: العراقي و المدني و المكي.

____________

(1) و ليست الالف كما يتوهم في بادئ الرأي عبارة عن عدد و انما هي اسم للصنج المعروف عندهم (منه (رحمه الله).

278

فأما العراقي فهو مائة و ثلاثون درهما كما عليه الأصحاب، و لا يلتفت الى ما ذكره العلامة مما قدمنا نقله عنه (1) فإنه غفلة بغير ريبة. و على ما ذكره الأصحاب تدل

رواية جعفر بن إبراهيم بن محمد الهمداني عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) و فيها «ان الصاع ستة أرطال بالمدني و تسعة بالعراقي، ثم قال: و أخبرني انه يكون بالوزن ألفا و مائة و سبعين وزنة».

و المراد بالوزنة الدرهم. و هي مطابقة لما ذكرناه في تقدير العراقي فان تسع هذا المقدار المذكور مائة و ثلاثون كما لا يخفى.

و اما الرطل المدني فإنه مائة و خمسة و تسعون درهما، و عليه يدل من الأخبار رواية إبراهيم بن محمد الهمداني عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) المتضمنة أن الصاع ستة أرطال بالرطل المدني، و ان الرطل مائة و خمسة و تسعون درهما.

و اما الرطل المكي فهو رطلان بالعراقي عند الأصحاب، و لم أقف في الاخبار على تحديد له، و حينئذ فيكون الرطل العراقي ثلثي الرطل المدني و نصف الرطل المكي.

و الرطل العراقي بالمثاقيل الشرعية عبارة عن أحد و تسعين مثقالا شرعيا، لان كل عشرة دراهم تعدل سبعة مثاقيل شرعية كما ذكره غير واحد من أصحابنا و غيرهم و بالمثاقيل الصيرفية ثمانية و ستون مثقالا و ربع مثقال، لأن المثقال الصيرفي مثقال و ثلث من الشرعي، و المثقال الشرعي ثلاثة أرباع الصيرفي، فكل أربعة مثاقيل شرعية ثلاثة مثاقيل صيرفية.

و الرطل المدني بالمثاقيل الشرعية عبارة عن مائة مثقال و ستة و ثلاثين مثقالا و نصف

____________

(1) في الصحيفة 254.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب زكاة الفطرة من كتاب الزكاة.

(3) صاحب العسكر كما في التهذيب في باب (تمييز فطرة أهل الأمصار) و في الوسائل في الباب- 7- من أبواب زكاة الفطرة من كتاب الزكاة.

279

مثقال بالتقريب المتقدم، و بالمثاقيل الصيرفية عبارة عن مائة مثقال و مثقالين و ثلاثة أثمان مثقال كما يظهر بالمقايسة.

و لما كان الصاع- على ما ذكروه و ورد به النص أيضا- تسعة أرطال بالعراقي و ستة بالمدني، فإذا نسب الى الرطل العراقي الذي هو أحد و تسعون مثقالا شرعيا يكون مقداره بالمثاقيل الشرعية ثمانمائة مثقال و تسعة عشر مثقالا، و إذا نسب اليه بالمثاقيل الصيرفية يكون قدره ستمائة مثقال و أربعة عشر مثقالا و ربع مثقال، و من ذلك يعلم حساب نسبته الى الرطل المدني بالمثاقيل الشرعية و الصيرفية بزيادة نصف ما ذكر في العراقي على مقداره.

و حينئذ فإذا كان المن التبريزي سبعمائة مثقال و عشرين مثقالا صيرفيا، و الرطل العراقي بالمثاقيل الصيرفية- كما تقدم- ثمانية و ستون مثقالا و ربع مثقال، فكل من تبريزي عشرة أرطال عراقية و نصف رطل و ثلاثة مثاقيل صيرفية و ثلاثة أثمان مثقال.

و أنت إذا قسمت عدد أرطال الكر الذي هو الف و مائتا رطل على عدد المن التبريزي المذكور، ظهر لك ان مقدار الكر بالمن التبريزي مائة من و ثلاثة عشر منا و ثلاثة أرباع من و أربعة و ثلاثون مثقالا صيرفيا و خمسة أجزاء من ستة عشر جزء من مثقال.

و نقل المحدث الكاشاني (قدس سره) في كتاب الوافي ان المن التبريزي كان في عصره ستمائة مثقال صيرفي، فيكون الصاع بالمثقال الصيرفي يزيد عليه بأربعة عشر مثقالا و ربع مثقال، ثم قال: «و منه يعلم مقدار الكر بالأرطال و هو مائة من و ستة و ثلاثون و نصف بالتبريزي» و لعل منشأ التفاوت بين ما ذكرنا و ذكره بزيادة الصنج في هذه الأوقات.

و اما الكر بوزن البحرين فهو عبارة عن ثمانية و عشرين منا و ثمن من، لان

280

الكر بالأصوع العراقية- كما يعلم بالحساب و المقايسة- مائة صاع و ثلاثة و ثلاثون صاعا و ثلث صاع، و الصاع بوزن البحرين- كما عرفت- (1) عبارة عن ثلاثة آلاف بالصنج المتقدم في اصطلاحهم، و اثني عشر مثقالا بمثاقيلهم المتقدمة، و هو ربع منهم الا عشرين مثقالا من مثاقيلهم، و متى كررت هذا المقدار بعدد أصوع الكر يظهر لك ما قلناه من كمية الكر بوزنهم (2) و قد وجدت بخط الوالد (طيب الله تعالى مرقده) انه وجد بخط بعض الفضلاء ما صورته: «وزن الصاع- في شهر رمضان من السنة السادسة و الثلاثين بعد الألف- ربع و الف و أربعة مثاقيل و ربع مثقال شيرازي» انتهى.

و لا يخفى ما فيه من التفاوت الزائد بالنسبة الى ما ضبطناه، و ذلك بزيادة الصنج أخيرا كما أشرنا إليه.

الفصل الثالث في القليل الراكد

، و تفصيل القول فيه يتم برسم مقامات:

(المقام الأول) [في نجاسة القليل و عدمها بالملاقاة]

- الظاهر انه لا خلاف بين أصحابنا (رضوان الله عليهم)- نصا و فتوى- في نجاسة الماء القليل بتغيره بالنجاسة في أحد الأوصاف الثلاثة.

إنما الخلاف في النجاسة بمجرد الملاقاة.

فالمشهور- بل كاد يكون إجماعا بل ادعى عليه في الخلاف في غير موضع الإجماع- هو النجاسة.

____________

(1) في الصحيفة 277،.

(2) لان ضرب ثلاثة آلاف و اثنى عشر مثقالا في مائة صاع يبلغ أحدا و عشرين منا و الف و قياس، فتزيد عليها ثلثها و هو ثلاث و ثلاثون و ثلث يبلغ ما ذكرنا (منه (رحمه الله).

281

و عزي الى الحسن بن ابي عقيل (رحمه الله) القول بعدم النجاسة إلا بالتغير، و اختار هذا القول جمع من متأخري المتأخرين.

و لا بد من نقل الاخبار هنا من الطرفين، و الكلام بما يرفع التناقض من البين فنقول

[الأخبار الدالة على نجاسة القليل بالملاقاة]

اما ما يدل من الاخبار على القول المشهور الذي هو عندنا المؤيد المنصور.

(فمنها)-

صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) و سئل عن الماء تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب، قال: «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء».

و (منها)-

صحيحة زرارة (2) قال: «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شيء- تفسخ فيه أو لم يتفسخ- إلا ان تجيء له ريح تغلب على ريح الماء».

و (منها)-

صحيحة إسماعيل بن جابر (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الماء الذي لا ينجسه شيء؟ قال: ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته».

و (منها)-

صحيحة عبد الله بن سنان (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) المروية في الكافي ج 1 ص 2، و رواها الشيخ في التهذيب ج 1 ص 117 مسندة عن ابى جعفر (عليه السلام) بسند ضعيف، و رواهما صاحب الوسائل في الباب- 3- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(4) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المخطوطة و المطبوعة، مع ان هذا المتن هو صدر صحيحة إسماعيل بن جابر كما في الكافي ج 1 ص 2، و التهذيب ج 1 ص 11 و 12 و الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق، و قد تقدم منه (قده) نقل ذيلها و نسبه الى إسماعيل بن جابر في الصحيفة 262 السطر 5 كما تقدم منه الكلام في سندها و ان الراوي عن إسماعيل بن جابر هو عبد الله بن سنان أو محمد بن سنان في الصحيفة 270، و لم نجد في كتب الحديث رواية لعبد الله بن سنان بهذا المتن عن الإمام مباشرة.

282

عن قدر الماء الذي لا ينجسه شيء. فقال: كر. الحديث».

و (منها)-

رواية عبد الله بن المغيرة عن بعض أصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شيء، و القلتان جرتان».

و (منها)-

رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«و لا تشرب من سؤر الكلب إلا ان يكون حوضا كبيرا يستقى منه».

و (منها)-

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال:

«سألته عن الدجاجة و الحمامة و أشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء، يتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا الا ان يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء».

و (منها)-

صحيحته ايضا عن أخيه (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن رجل رعف- و هو يتوضأ- فتقطر قطرة في إنائه، هل يصلح الوضوء منه؟

قال: لا».

و (منها)-

موثقة عمار الساباطي (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر، لا يدري أيهما هو؟ و ليس يقدر على ماء غيره. قال: يهريقهما جميعا و يتيمم».

و هذا الحديث رواه الشيخ في موضعين

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق و في الباب- 1- من أبواب الأسآر من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 8 و 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 8 و 13- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 8 و 12- من أبواب الماء المطلق و في الباب- 4- من أبواب التيمم و في الباب- 64- من أبواب النجاسات.

283

من التهذيب (1) و رواه ثقة الإسلام و الصدوق أيضا في الموثق عن سماعة (2).

و (منها)-

رواية أبي بصير عنه (عليه السلام) (3) قال: «إذا أدخلت يدك في الإناء قبل ان تغسلها فلا بأس الا ان يكون أصابها قذر بول أو جنابة، فإذا أدخلت يدك في الماء و فيها شيء من ذلك فأهرق ذلك الماء».

و (منها)-

صحيحة أحمد بن محمد بن ابي نصر (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة. قال: يكفأ الإناء».

و (منها)-

موثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «إذا أصاب الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس إذا لم يكن أصاب يده شيء من المني».

و (منها)-

موثقته ايضا (6) قال: «سألته عن رجل يمس الطست أو الركوة ثم يدخل يده في الإناء قبل ان يفرغ على كفيه، الى ان قال (عليه السلام):

و ان كان أصابه جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به إذا لم يكن أصاب يده شيء

____________

(1) رواه في آخر باب (تطهير المياه من النجاسات) عن عمار و عن سماعة، و رواه في آخر باب (التيمم و أحكامه) عن عمار، و رواه في باب (المياه و أحكامها) عن سماعة.

(2) رواه ثقة الإسلام عن سماعة في الباب- 6- من كتاب الطهارة، و رواه صاحب الوسائل عن سماعة في الباب- 8 و 12- من أبواب الماء المطلق و في الباب- 4- من أبواب التيمم و في الباب- 64- من أبواب النجاسات. و لم نجده في الفقيه بعد الفحص عنه في مظانه، كما ان صاحب الوسائل لم يروه عن الفقيه و كذا صاحب الوافي بمقتضى الطبعة الثانية. نعم في

الطبعة الأولى قد اثبت عن الفقيه أيضا.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الماء المطلق و في الباب- 28- من أبواب الوضوء.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

284

من المني، و ان كان أصاب يده فادخل يده في الماء قبل ان يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله».

و (منها)-

رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور فيدخل إصبعه فيه. فقال: ان كانت يده قذرة فأهرقه، و ان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه. الحديث».

و (منها)-

حسنة شهاب بن عبد ربه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في الإناء قبل ان يغسلها؟ انه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده شيء».

و (منها)-

موثقة عمار الساباطي عنه (عليه السلام) (3) قال: «سئل عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب. فقال: كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا ان ترى في منقاره دما، فإذا رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه و لا تشرب».

و (منها)-

موثقة عمار ايضا عنه (عليه السلام) (4) انه «سئل عن ماء شربت منه الدجاجة. فقال: ان كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه و لم يشرب، و ان لم تعلم ان في منقارها قذرا فتوضأ منه و اشرب».

و (منها)-

صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال:

«سألته عن الكلب يشرب من الإناء. قال: اغسل الإناء».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الماء المطلق و في الباب- 7- من أبواب الأسآر من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 4- من أبواب الأسآر من كتاب الطهارة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 4- من أبواب الأسآر، و رواه عن الصدوق مرسلا في الباب- 8- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 1 و 2- من أبواب الأسآر من كتاب الطهارة.

285

و (منها)-

رواية حريز عمن أخبره عنه (عليه السلام) (1) قال: «إذا ولغ الكلب في الإناء فصبه».

و (منها)-

صحيحة الفضل بن عبد الملك البقباق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة و الشاة و البقرة، الى ان قال: فلم اترك شيئا إلا سألته عنه، فقال: لا بأس به، حتى انتهيت الى الكلب. فقال:

رجس نجس لا تتوضأ بفضله و اصبب ذلك الماء، و اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء».

و (منها)-

رواية معاوية بن شريح (3) قال: «سأل عذافر أبا عبد الله (عليه السلام) و انا عنده عن سؤر السنور و الشاة و البقرة و البعير و الحمار و الفرس و البغل و السباع، يشرب منه أو يتوضأ منه؟ فقال: نعم اشرب منه و توضأ.

قال: قلت له: الكلب؟ قال: لا. قلت: أ ليس هو سبع؟ قال: لا و الله انه نجس لا و الله انه نجس».

و (منها)-

حسنة المعلى بن خنيس (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء، أمر عليه حافيا. فقال أ ليس وراءه شيء جاف؟ قلت: بلى. فقال: لا بأس، ان الأرض يطهر بعضها بعضا».

و (منها)-

ما رواه الشهيد في الذكرى (5) و غيره في غيره عن العيص

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب الأسآر من كتاب الطهارة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب الأسآر. و رواها بنحو التقطيع في الباب- 11 و 70- من أبواب النجاسات من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب الأسآر من كتاب الطهارة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 32- من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود من كتاب الطهارة.

(5) في الصحيفة 9 و رواه صاحب الوسائل عن الذكرى و المعتبر في الباب- 9- من أبواب الماء المضاف و المستعمل من كتاب الطهارة.

286

ابن القاسم قال: «سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء. قال: ان كان من بول أو قذر فليغسل ما اصابه».

و (منها)-

رواية ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام، فان فيها غسالة ولد الزنا و هو لا يطهر إلى سبعة آباء، و فيها غسالة الناصب و هو شرهما، ان الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب و ان الناصب أهون على الله من الكلب».

و (منها)-

رواية علي بن الحكم عن رجل عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: «لا تغتسل من غسالة ماء الحمام، فإنه يغتسل فيه من الزنا، و يغتسل فيه ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت، و هو شرهم».

و (منها)-

رواية حمزة بن احمد عن الكاظم (عليه السلام) (3) قال:

«لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب و ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت، و هو شرهم».

و (منها)-

موثقة ابن ابي يعفور المروية في كتاب العلل (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «إياك ان تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت و هو شرهم. الحديث».

و (منها)-

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (5) انه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 11- من أبواب الماء المضاف و المستعمل من كتاب الطهارة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 11- من أبواب الماء المضاف و المستعمل من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 11- من أبواب الماء المضاف و المستعمل من كتاب الطهارة.

(4) في الصحيفة 106 و في الوسائل في الباب- 11- من أبواب الماء المضاف المستعمل من كتاب الطهارة.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود كتاب الطهارة.

287

«سأله عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام. قال: إذا علم انه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، الا ان يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل».

و (منها)-

صحيحته ايضا عن أخيه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات».

و (منها)-

ما رواه في كتاب قرب الاسناد (2) عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن حب ماء فيه الف رطل وقع فيه أوقية من بول، هل يصلح شربه أو الوضوء منه؟ قال: لا يصلح».

و (منها)-

رواية سعيد الأعرج (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجرة تسع مائة رطل من ماء يقع فيها أوقية من دم، اشرب منه و أتوضأ؟ قال: لا».

و (منها)-

رواية حفص بن غياث عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4) قال: «لا يفسد الماء الا ما كانت له نفس سائلة».

و (منها)-

رواية أبي بصير (5) قال: «دخلت أم معبد (6) العبدية على

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب النجاسات و في الباب- 1- من أبواب الأسآر.

(2) هذه الرواية رواها صاحب الوسائل عن كتاب على بن جعفر في الباب- 8- من أبواب الماء المطلق و قد ذكرها المجلسي في المجلد الرابع من البحار في الصحيفة 158 في ضمن مسائل على بن جعفر الواردة من غير طريق عبد الله بن جعفر الحميري، و لم نجدها في كتاب قرب الاسناد.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 8 و 13- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 35- من أبواب النجاسات و في الباب- 10- من أبواب الأسآر.

(5) هذه الرواية و التي بعدها مروية في الكافي في باب الاضطرار الى الخمر للدواء (منه (رحمه الله).

(6) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المخطوطة و المطبوعة، و في الكافي و الوسائل و الوافي (أم خالد) و سيأتي منه (قده) ذلك أيضا في نجاسة الخمر.

288

ابى عبد الله (عليه السلام) و انا عنده، فقالت: جعلت فداك انه يعتريني قراقر في بطني، الى ان قالت (1): و قد وصف لي أطباء العراق النبيذ بالسويق و قد وقفت و عرفت كراهتك له، فأحببت أن أسألك عن ذلك. فقال: و ما يمنعك من شربه؟

قالت: قد قلدتك ديني فألقى الله حين ألقاه فأخبره ان جعفر بن محمد أمرني و نهاني فقال: يا أبا محمد ألا تسمع الى هذه المرأة و هذه المسائل؟ لا و الله لا آذن لك في قطرة منه، فلا تذوقي منه قطرة، الى أن قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما يبل الميل ينجس حبا من ماء، يقولها ثلاثا» (2).

و (منها)-

رواية عمر بن حنظلة (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته و يذهب سكره؟ فقال:

لا و الله و لا قطرة تقطر في حب إلا أهريق ذلك الحب».

و (منها)-

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (4) قال:

«سألته عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه،

____________

(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المخطوطة و المطبوعة، و في الكافي و الوسائل ليس بين قولها: إنه يعتريني قراقر في بطني. و قولها: و قد وصف لي أطباء العراق. إلخ كلام فاصل. نعم في الوافي بينهما العبارة الآتية: فسألته عن أعلال النساء و قالت.

(2) رواها صاحب الوسائل في الباب 20 من أبواب الأشربة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة، و روى قوله (عليه السلام): ما يبل الميل. إلخ في الباب- 38- من أبواب النجاسات من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 18- من أبواب الأشربة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة و رواها الكليني في الكافي في باب (ان رسول الله- ص- حرم كل مسكر قليله و كثيره) من كتاب الأشربة. لا كما ذكره (قده) في التعليقة 5 ص 287.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

289

هل يصلح الوضوء منه؟ قال: ان لم يكن شيء يستبين في الماء فلا بأس، و ان كان شيئا بينا فلا يتوضأ منه».

و (منها)-

صحيحة ابن ابي عمير عن بعض أصحابه (1) قال: و ما أحسبه إلا حفص بن البختري، قال: «قيل لأبي عبد الله (عليه السلام): العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: يباع ممن يستحل أكل الميتة».

و في رواية اخرى (2) انه «يدفن و لا يباع».

و الظاهر ان العجن بالماء إنما وقع قبل العلم بنجاسة الماء حملا لتصرف المسلم على الصحة، فلا يحمل على كون النجاسة بالتغير، إذ التغير لا يشتبه حاله.

و (منها)-

رواية علي بن حديد عن بعض أصحابنا (3) قال: «كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) في طريق مكة فصرنا إلى بئر فاستقى غلام ابي عبد الله (عليه السلام) دلوا فخرج فيه فأرتان، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ارقه، فاستقى آخر فخرجت فيه فأرة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ارقه، قال: فاستقى الثالث فلم يخرج فيه شيء، فقال: صبه في الإناء، فصبه في الإناء».

هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار التي تصلح لان تكون مستندا للقول المشهور. و هي كما ترى على ذلك المطلب واضحة الظهور عارية عن القصور.

و بيان الاستدلال بها ان جملة منها قد دلت على ان ما نقص عن الكر أو الراوية أو نحوهما من تلك المقادير ينفعل بالنجاسة، و دلالتها بمفهوم الشرط الذي هو حجة عند

____________

(1) رواها صاحب الوسائل في الباب- 11- من أبواب الأسآر من كتاب الطهارة.

و في الباب- 7- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

(2) رواها صاحب الوسائل في الباب- 11- من أبواب الأسآر من كتاب الطهارة.

و في الباب- 7- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

290

المحققين، و عليه دلت جملة من الاخبار كما قدمنا في المقدمة الثالثة (1).

و جملة منها قد تضمنت النهي عن الوضوء و الشرب من الإناء بوقوع قطرة من دم فيه أو خمر أو شرب طير على منقاره دم أو قذر. و النهي حقيقة في التحريم عند محققي الأصوليين، و قد تقدم ما يدل على ذلك من الآيات و الاخبار في المقدمة السابعة (2) بل وقع التصريح في بعض هذه الاخبار بالتنجيس.

و جملة منها قد دلت على اهراق ماء الإناء بإدخال اليد القذرة من نجاسة البول أو المني أو غيرهما، و في بعضها بعد الأمر بالإهراق الأمر بالتيمم. و ما ذاك جميعه إلا للنجاسة.

و جملة منها قد دلت على الأمر بغسل الأواني التي شرب منها نجس العين أو وقع فيها ميتة. و من الظاهر ان الأمر بالغسل إنما هو للاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة من عبادة أو أكل أو نحوهما. و الأمر للوجوب كما عليه المحققون، و قد تقدم ما يدل على ذلك أيضا في المقدمة السابعة (3) و ما ذاك إلا للنجاسة.

و جملة منها قد دلت على النهي عن الغسل بما لاقاه نجس العين معللا في جملة منها بالنجاسة.

و قد أورد على هذه الاستدلالات جملة من المناقشات، و سيأتي الكلام فيها على وجه يوضح الحال و يقلع مادة الإشكال بتوفيق ذي الجلال.

[الأخبار التي استدل بها على عدم نجاسة القليل بالملاقاة]

و اما ما استدل به على القول الثاني (فمنها)-

صحيحة حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: «كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب.

و إذا تغير الماء و تغير الطعم فلا توضأ منه و لا تشرب».

____________

(1) في الصحيفة 57.

(2) في الصحيفة 112.

(3) في الصحيفة 112.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

291

و رواية عبد الله بن سنان (1) قال: «سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام)- و انا حاضر- عن غدير أتوه و فيه جيفة. فقال: إذا كان الماء قاهرا و لا يوجد فيه الريح فتوضأ».

و رواية سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يمر بالماء و فيه دابة ميتة قد أنتنت. قال: ان كان النتن الغالب على الماء فلا يتوضأ و لا يشرب».

و حسنة محمد بن ميسر (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، و يريد ان يغتسل منه، و ليس معه إناء يغرف به، و يداه قذرتان، قال: يضع يده و يتوضأ ثم يغتسل. هذا مما قال الله تعالى:

مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (4).

و رواية عثمان بن زياد (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أكون في السفر، فآتي الماء النقيع و يدي قذرة. فأغمسها في الماء؟ قال: لا بأس».

و رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) انه «سأل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب. فقال: ان تغير الماء فلا تتوضأ منه. و ان لم تغيره أبوالها فتوضأ منه، و كذلك الدم إذا سال و أشباهه».

و رواية أبي خالد القماط (7) انه «سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في الماء يمر به الرجل و هو نقيع فيه الميتة و الجيفة. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ان كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه فلا تشرب و لا تتوضأ منه، و ان لم يتغير ريحه و طعمه فاشرب و توضأ».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب الماء المطلق.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب الماء المطلق.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(4) سورة الحج الآية 78.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب الماء المطلق.

(7) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب الماء المطلق.

292

و رواية العلاء بن الفضيل (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها. قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول».

و رواية عبد الله بن مسكان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه و السنور أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك، أ يتوضأ أو يغتسل منه؟ قال نعم إلا ان تجد غيره فتنزه عنه».

و روى في الفقيه (3) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) اتى الماء، فأتاه أهل البادية فقالوا: يا رسول الله ان حياضنا هذه تردها السباع و الكلاب و البهائم؟ فقال لهم: لها ما أخذت أفواهها و لكم سائر ذلك».

و رواية أبي بصير (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انا نسافر فربما بلينا بالغدير من المطر يكون الى جانب القرية، فتكون فيه العذرة و يبول فيه الصبي و تبول فيه الدابة و تروث؟ فقال ان عرض في قلبك منه شيء فقل هكذا، يعني افرج الماء بيدك. ثم توضأ، فإن الدين ليس بمضيق.».

و روى العلامة في المختلف (5) عن ابن ابي عقيل انه قال: تواتر عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) ان «الماء طاهر لا ينجسه إلا ما غير لونه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب الأسآر من كتاب الطهارة.

(3) في باب (المياه و طهرها و نجاستها) و رواه صاحب الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق. و ما ذكره (قده) يوافق رواية الشيخ (قده) في التهذيب لهذا الحديث في الجزء الأول في الصحيفة 117 و اما رواية الفقيه فليس فيها ان رسول الله (ص) اتى الماء، و انما أولها «و أتى أهل البادية رسول الله (ص) فقالوا. إلخ».

(4) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(5) في الصحيفة 2.

293

أو طعمه أو رائحته.

و انه سئل (عليه السلام) عن الماء النقيع و الغدير و أشباههما فيه الجيف و العذرة و ولوغ الكلب و تشرب منه الدواب و تبول فيه، أ يتوضأ منه؟ فقال لسائله: ان كان ما فيه من النجاسة غالبا على الماء فلا تتوضأ منه، و ان كان الماء غالبا على النجاسة فتوضأ و اغتسل».

و روى الصفار في كتاب بصائر الدرجات (1) في الصحيح عن شهاب بن عبد ربه قال: «أتيت أبا عبد الله (عليه السلام) أسأله، فابتدأني فقال: ان شئت فسل يا شهاب و ان شئت أخبرناك بما جئت له، فقلت: أخبرني. قال: جئت تسألني عن الغدير يكون في جانبه الجيفة أتوضأ منه أو لا؟ قلت: نعم. قال: توضأ من الجانب الآخر إلا ان يغلب الماء الريح فينتن».

و رواية أبي مريم الأنصاري (2) قال: «كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) في حائط له فحضرت الصلاة فنزح دلوا للوضوء من ركي له فخرج عليه قطعة من عذرة يابسة فأكفأ رأسه و توضأ بالباقي».

هذه جملة ما اطلعت عليه من الأخبار مما يصلح لان يكون مستندا لذلك القول.

و وجه الاستدلال بها ان بعضها منها قد دل على جواز الوضوء و الشرب من الماء الذي لاقته النجاسة إلا مع غلبة أوصاف النجاسة، و بعضا منها على جواز وضع اليد القذرة في الماء و الوضوء و الغسل منه، و لفظ الماء في تلك الاخبار شامل بإطلاقه للقليل و الكثير. بل في حسنة محمد بن ميسر (3) تصريح بالقليل بخصوصه.

[الجمع بين الطائفتين من الأخبار]

و أنت خبير بأنه لو ثبتت المنافاة بين هذه الاخبار لكان الترجيح للأخبار

____________

(1) في الجزء الخامس باب (ان الأئمة يعرفون الإضمار) و رواه صاحب الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(3) المتقدمة في الصحيفة 291.

294

المتقدمة، لاعتضادها بعمل الطائفة المحقة قديما و حديثا، فإنه لم ينقل الخلاف في هذه المسألة قديما إلا عن ابن ابي عقيل، فشهرة العمل- بمضمون الأخبار الأولة بين قدماء الأصحاب- مما يلحقها بالمجمع عليه في الرواية، الذي هو أحد المرجحات الشرعية كما تقدمت الإشارة إليه في المقدمة الثالثة (1) و بذلك صرح جملة من أصحابنا منهم: السيد المحقق صاحب الغنية (قدس سره) و غيره، و حينئذ فحيث كان معظم الفرقة الناجية- سابقا و لاحقا- قائلين بالنجاسة، فهو دليل على ان ذلك مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فان مذهبهم إنما يعلم بنقل شيعتهم عنهم، كما ان مذهب أبي حنيفة و أمثاله من المذاهب إنما يعلم بنقل اتباعهم و تلامذتهم، و حينئذ فما خالف ذلك مما صح وروده عنهم (عليهم السلام) يتحتم حمله على التقية (2) و ان كانت العامة في المسألة ايضا على قولين، إلا ان حمل الخبر على التقية لا يتوقف على اتفاق العامة على القول بمضمونه بل و لا على قول البعض كما عرفته في المقدمة الأولى.

على ان الذي نقوله- و هو التحقيق الحقيق بالاتباع في المقام و ان غفلت عنه أقوام- ان جل الأخبار التي استند إليها الخصم لا دلالة لها على ما يدعيه و لا صراحة لها فيما يعيه. بل الظاهر منها- عند التأمل الصادق في مضامينها و النظر في قرائن أحوالها و مفاهيمها- انها منطبقة مع تلك الأخبار على معنى صحيح المعيار واضح المنار، و ان اختلفت في ذلك الدلالات في بعضها قربا و بعدا بسبب الانس بالقرائن الحالية و المقالية

____________

(1) في الصحيفة 38.

(2) و يؤيد ذلك ايضا ما صرح به علم الهدى (رضي الله عنه) في أجوبة المسائل الناصرية، حيث نسب القول بنجاسة الماء القليل الى مذهب الشيعة الإمامية و جميع الفقهاء، قال: «و انما خالف في ذلك مالك و الأوزاعي و أهل الظاهر» ثم قال: «و الحجة في صحة مذهبنا إجماع الشيعة الإمامية، و في اجتماعهم عندنا حجة و قد دللنا على ذلك في غير موضع» انتهى (منه (قدس سره).

295

و عدمه. و من ذلك تطرقت إليها الاحتمالات، و لكن الناظر البصير و الناقد الخبير إذا ضم بعضها الى بعض و أمعن النظر في عباراتها و ما تفيده بصريحها و اشاراتها ظهر له صحة ما ندعيه.

و توضيح هذه الجملة أن نقول: الذي ظهر لنا- بعد إمعان النظر في الأدلة المتوهم منها المخالفة- أن جلها إنما ورد في السؤال عن مياه الحياض و مياه الغدران و مياه الطرق، من حيث عموم الحاجة إليها سيما في الاسفار، و عموم البلوى بها و إلجاء الضرورة للانتفاع بها، و انها حيث كانت معرضا لتلك الأشياء المصرح بها في تلك الأخبار من رمي الجيف فيها و شرب الكلاب و السباع منها و بول الدواب و الناس فيها و نحو ذلك فمن أجل ذلك كثر السؤال عنها، و في بعض تلك الاخبار قد صرح بالماء المسؤول عنه بأنه ماء غدير أو ماء حوض أو نحوهما، و في بعض و ان لم يصرح إلا انه يعلم من الرواية بالقرائن انه من ذلك القبيل.

كصحيحة حريز (1) «كلما غلب الماء على ريح الجيفة.».

و صحيحة محمد بن مسلم (2) «سأل عن ماء تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب. إلخ».

فإن ماء يكون معرضا لهذه الأشياء لا يكون إلا في مياه الطرق لكونها مشاعة غير محروزة كما لا يخفى على المتأمل المنصف دون المكابر المتعسف.

و سوق تلك الروايات الباقية على ذلك المنوال مؤيد لذلك.

إذا عرفت ذلك فنقول: من الغالب- و الوجدان يقضي به ايضا- ان تلك المياه لا تنفك عن بلوغ الكرور المتعددة فضلا عن كر واحد. و ربما كان لهم (عليهم السلام) علم ببعض تلك الأماكن المسؤول عنها و انها كذلك. فأجابوا باعتبار التغير و عدمه، و ربما أجابوا عن ذلك ببلوغ الكرية و عدمه.

كما في صحيحة محمد

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 290.

(2) المتقدمة في الصحيفة 281.

296

ابن مسلم (1) حين «سأل عن الماء تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب. فقال: إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شيء».

و هذه الرواية مقيدة بتلك الروايات الدالة على اعتبار التغير، فكأنه قيل: «لم ينجسه شيء إلا التغير» يدل على ذلك

صحيحة زرارة (2) قال «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شيء- تفسخ فيه أو لم يتفسخ فيه- الا ان يجيء له ريح يغلب على ريح الماء».

و يؤيد ما أشرنا إليه

ما رواه صفوان الجمال في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض التي بين مكة و المدينة تردها السباع و تلغ فيها الكلاب و تشرب منها الحمير و يغتسل فيها الجنب، أ يتوضأ منها؟ قال: و كم قدر الماء؟ قلت:

الى نصف الساق و الى الركبة و أقل. قال: توضأ» (3).

فانظر إلى سؤاله (عليه السلام) عن قدر عمق الماء، و لم يسأل عن مساحته، لعلمه بتلك الحياض و ما هي عليه من السعة، فلما عرف (عليه السلام) بلوغه الكثرة التي لا ينفعل معها الماء بمجرد الملاقاة أمره بالوضوء.

و يدل على ذلك ايضا جعلهم (عليهم السلام) مناط النجاسة و الطهارة هو التغير و عدمه في تلك الأحاديث المسؤول فيها عن مثل وقوع الميتة و الجيفة و أبوال الدواب و نحوها مما يكون مغيرا للماء و ان كثر غالبا، دون جعله مناطا لهما في مثل قطرة من بول أو دم أو منقار طير فيه دم أو إصبع فيها قذر أو نحو ذلك إذا لاقت تلك المياه القليلة.

فإن من الجائز بلوغ الماء في القلة في بعض الأحيان الى ان يكون متغيرا بأحد تلك النجاسات إذا لاقته، فينبغي ان يجعل ذلك ايضا مناطا في مثل هذه النجاسات اليسيرة

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

و نص الحديث هكذا: (إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء).

(2) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

297

إذا لاقت هذا الماء اليسير و لو في حديث واحد ليتمشى لنا حمل الباقي عليه و ان كثر و بالجملة فلو كان التغير و عدمه مناطا كليا و معيارا مطردا لم ينحصر وروده في مثل تلك الأحاديث خاصة دون هذه الأحاديث، مع كثرتها و تعددها و زيادة عموم البلوى بما تضمنته سفرا و حضرا، فلما رأينا- ان هذه الاخبار الواردة في الماء القليل المحقق القلة- كماء التور و ماء الركوة و نحوهما- كلها منطبقة الدلالة على النجاسة، للنهي عن استعماله و الأمر بإهراقه، و ان التغير و عدمه إنما جعل مناطا في مثل الماء الذي يكون معرضا لنجاسة الجيف و أبوال الدواب و نحوهما مما يغير الماء و ان كثر غالبا، كمياه الغدران و الحيضان و نحوهما مما لا ينفك عن كرور فضلا عن كر غالبا- علمنا ان جعل التغير مناطا هناك إنما هو من حيث الكثرة المانعة من الانفعال بمجرد الملاقاة الغير القابلة للنجاسة إلا بالتغير، دون تلك المياه القليلة التي تنفعل بمجرد الملاقاة. فلا يحتاج فيها الى ذلك المناط المذكور لانفعالها بما دونه.

و مما يزيدك تأييدا و بيانا انك بالتأمل في السؤالات الواقعة- في تلك الأخبار التي جعل مناطها التغير و عدمه- يظهر لك صحة ما قلناه، حيث ان في بعضها

«تبول فيه الدواب»

بلفظ الجمع أعم من أن يكون ذلك دفعة أو دفعات، و في بعضها

«تردها السباع و الكلاب و البهائم»

و من المعلوم ان ذلك الورود إنما هو للشرب منها دفعة أو دفعات، كما يشعر به

قوله (صلى الله عليه و آله) في بعضها (1): «لها ما أخذت أفواهها»

و من الظاهر البين ان بول الدابة في الماء إنما هو بعد دخولها فيه للشرب أو لغيره، و رمي الجيف فيه التي هي في الغالب في تلك الطرق أما جيفة حمار أو جمل أو فرس أو غنم أو كلب أو غيره من السباع الكثيرة التردد في تلك الطرق، و يظهر لك ان ما يكون معرضا لهذه الأشياء لا تنقص مساحته عن كرور عديدة فضلا عن كر،

____________

(1) و هي رواية الفقيه المتقدمة في الصحيفة 292.

298

و ما قدر كر من ماء و ما قدر مساحته؟ حتى يحتمل انه يقوم بشيء واحد من تلك الأشياء المعدودة.

و يزيد ذلك أيضا تأييدا ان الظاهر ان هذه المياه المسؤول عنها كلها من مياه الطرق الواقعة بين مكة و المدينة، و بينهما و بين العراقات و نحوهما من الأمكنة التي لا وجود للمياه الجارية فيها غالبا. و من المنقول انهم كانوا يعمدون تلك الأيام الى بعض الأمكنة فيجعلون فيها حياضا تسقى من آبار هناك، و امكنة يعدونها لاجتماع السيول فيها. كل ذلك لأجل المسافرين و المترددين في تلك الطرق، و هي بين الحرمين الى الآن موجودة. و قد أشير إليها في الروايات بالسقايات و ماء السبيل. و هذا بحمد الله كله ظاهر لمن تأمل بعين الإنصاف في مضامين تلك الاخبار، و سيأتيك ما فيه زيادة إيضاح للمقام في الكلام على كلام بعض الاعلام.

نعم يبقى الكلام في حسنة محمد بن ميسر (1) المسؤول فيها عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، حيث انها صريحة في كون ذلك الماء قليلا، مع انه (عليه السلام) أمره أن يضع يده فيه و يتوضأ ثم يغتسل. و كذا

ما روي عنه (صلى الله عليه و آله) من قوله: «خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه.

الحديث» (2).

و كذا رواية أبي مريم الأنصاري (3).

و الجواب (اما عن الأول) (4) فباحتماله لوجوه نبه عليها أصحابنا (رضوان الله عليهم):

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 291.

(2) رواه صاحب الوسائل في الباب- 1- من أبواب الماء المطلق عن المعتبر و السرائر. و تقدم في التعليقة 2 في الصحيفة 180 ما يفيد في المقام.

(3) المتقدمة في الصحيفة 293.

(4) و هي حسنة محمد بن ميسر المتقدمة في الصحيفة 291.

299

(الأول)- ان يكون المراد بالقليل هو القليل العرفي دون الشرعي.

(أقول): و هذا الجواب غير بعيد عن جادة الصواب، و ذلك من حيث ان هذا الماء المشار إليه في الرواية لما كان من مياه الطرق- و قد أوضحنا سابقا انها تبلغ في الكثرة إلى حد يزيد على الكر أضعافا مضاعفة- كان قدر الكر و ما زاد عليه يسيرا بالنسبة الى ذلك قليلا.

(الثاني)- ان يكون المراد بالقذر في اليد هو الوسخ. و فيه بعد. حيث ان المتبادر في الأخبار من هذا اللفظ هو النجاسة.

(الثالث)- ما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) من ان المراد بالقليل الشرعي لكن مع الجريان. و فيه ما فيه.

(الرابع)- ما احتمله شيخنا المذكور أيضا في كتاب الحبل المتين، و هو ان يكون الضمير في (يتوضأ) عائدا الى الرجل بتجريده عن وصف الجنابة. و فيه بعد ايضا.

(الخامس)- ما يفهم من كلام شيخنا الصدوق (رحمه الله) في الفقيه من حمل ذلك على الرخصة دفعا للحرج و المشقة (1). حيث قال (2): «فان دخل رجل الحمام و لم يكن معه ما يغرف به و يداه قذرتان. ضرب يده في الماء و قال: بسم الله. و هذا مما قال

____________

(1) أقول: ما ذكره شيخنا الصدوق (عطر الله مرقده) هنا من الحمل لا يخلو من القرب بل ربما كان هو الأظهر، فإن الاستشهاد بالآية المذكورة يعطي كون ذلك رخصة و تخفيفا، و هو انما يتم على تقدير القول بنجاسة القليل بالملاقاة، فيكون هذا الموضع مستثنى من ذلك دفعا للحرج، و الا فلو كان الماء لا ينجس بالملاقاة كما يدعيه الخصم فإنه لا خصوصية لهذا الموضع بدفع الحرج، فان كل ماء قليل على هذا القول يجوز استعماله و لو مع النجاسة و الغسل أو الوضوء به، فأي وجه لا يراد هذه الآية؟ و أي نكتة فيها؟ كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام، سيما في كلام الإمام الذي هو امام الكلام (منه (قدس الله سره).

(2) في باب (المياه و طهرها و نجاستها).

300

الله عز و جل: «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (1) و كذلك الجنب إذا انتهى الى الماء القليل في الطريق و لم يكن معه إناء يغرف به و يداه قذرتان، يفعل مثل ذلك» انتهى (2).

(السادس)- الحمل على التقية، لأن ذلك مذهب كثير من العامة كما ذكره الشيخ (رحمه الله) في الاستبصار (3)، و أيد بعضهم هذا الحمل بذكر الوضوء مع الغسل و لعل هذا الحمل أقرب المحامل المذكورة بعد الحمل الأول.

____________

(1) سورة الحج. الآية 78.

(2) قال في كتاب الفقه الرضوي: «إن اغتسلت من ماء الحمام و لم يكن معك ما نغرف به و يداك قذرتان، فاضرب يدك في الماء و قل: بسم الله. هذا مما قال الله تبارك و تعالى:

مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» انتهى. و هو مصداق ما قدمنا آنفا من ان كثيرا من عبارات شيخنا الصدوق (عطر الله مرقده) مأخوذ من هذا الكتاب (منه (رحمه الله).

(3) لم نجد في الاستبصار نسبة القول بعدم انفعال القليل بالملاقاة إلى كثير من العامة و لعله يشير الى ما ذكره الشيخ في الصحيفة 7 من طبع النجف- عند حمل خبر عبد الله بن المغيرة المتضمن للتقدير بالقلتين على التقية- من انه مذهب كثير من العامة، و قد تقدم منه (قده) حكاية ذلك عن الشيخ في الصحيفة 250 فتكون نسبته (قده) عدم انفعال القليل بالملاقاة إلى كثير من العامة بمقتضى كلام الشيخ (قده) بلحاظ ان مقدار القلتين أقل من مقدار الكر. و قد تقدم في التعليقة 4 في الصحيفة 250 ما يوضح انه مذهب كثير من العامة و قد رجح الفخر الرازي في ج 6 من تفسيره ص 346 عند الكلام في قوله تعالى:

«وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» ما حكاه عن مالك و الحسن البصري و النخعي و داود، و حكى ميل الغزالي إليه في الأحياء، من عدم نجاسة الماء القليل بالملاقاة إلا إذا تغير اعتمادا على هذه الآية، ثم قال: نقلنا تقديرات مختلفة للفرق بين القليل و الكثير، و ليس بعضها اولى من بعض، فوجب التساقط عند التعارض. و تقدير أبي حنيفة- عشر في عشر- تحكم و تقدير الشافعي بالقلتين بناء على

قوله (ص): «إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل خبثا».

ضعيف، ثم أخذ في الخدش في السند، الى ان قال: سلمنا صحة الرواية لكن احالة مجهول على مجهول، لأن القلة غير معلومة، فإنها تصلح للكوز و الجرة و لكل ما يقال باليد.

سلمنا كونها معلومة لكن متن الخبر مضطرب، فقد روي قلتين أو ثلاث أو أربعين قلة، و روى إذا بلغ كوزين. الى آخر ما ذكره في تفنيد الاستدلال بهذا الحديث.

301

و بالجملة فبعد ثبوت الحكم بتلك الأخبار الصحيحة الصريحة المستفيضة، و انطباق جملة أخبار المسألة بعضها على بعض على ذلك، فهذا الخبر لا ينهض بالمعارضة و لا ينوء بالمناقضة.

و اما عن الحديث الثاني (1) فإنا لم نعثر عليه مسندا و لا مرسلا في شيء من كتب الأخبار التي عليها المدار، و قد صرح بذلك أيضا جملة ممن تقدم من مشايخنا (عطر الله تعالى مراقدهم) بل صرح جملة منهم بكونه عاميا (2) و ما هذا حاله فلا يصح الاستناد اليه فضلا عن معارضة الاخبار به. على انا نقول: انه لو ثبت صحته لكان حمله على التقية متعينا، لما عرفت آنفا (3).

[أدلة المحدث الكاشاني على عدم انفعال القليل بالملاقاة]

هذا. و ممن اختار- القول بعدم انفعال القليل بمجرد الملاقاة- المحدث الكاشاني، و قد بالغ في اعلائه و تشييده، و تكلف جمع الاخبار عليه و تأييده، و أكثر من الطعن في أدلة القول الآخر، حتى اغتر به بعض من لم يعض على المسألة بضرس قاطع ممن تأخر، و لأجل ذلك كتبنا في المسألة المذكورة رسالة تشفي العليل و تبرد الغليل، موسومة بقاطعة القال و القيل في نجاسة الماء القليل، قد نقلنا فيها جميع كلامه و ما أطال به من نقضه و إبرامه، و اردفناه بما يكشف عنه نقاب إبهامه و يقشع غياهب ظلامه.

و لنذكر هنا جملة أدلته على سبيل الاختصار، و أجوبته عما يرد عليه من أدلة القول المقابل له في هذا المضمار، و نبين ما فيه من القصور عن درجة الاعتبار.

(أحدها)-

قوله (صلى الله عليه و آله) في حديث السكوني عن ابي عبد الله

____________

(1) و هو

حديث «خلق الله الماء.

إلخ» المتقدم في الصحيفة 298.

(2) تقدم في التعليقة 2 في الصحيفة 180 ما يفيد في المقام.

(3) في الصحيفة 294 و لا يخفى انه (قده) لم يحب عن رواية أبي مريم المشار إليها في ص 298.

302

(عليه السلام): «الماء يطهر و لا يطهر» (1).

حيث قال بعد نقله: «إنما لا يطهر لأنه إن غلب على النجاسة حتى استهلكت فيه طهرها و لم ينجس حتى يحتاج الى التطهير، و ان غلبت عليه النجاسة حتى استهلك فيها صار في حكم تلك النجاسة و لم يقبل التطهير إلا بالاستهلاك في الماء الطاهر، و حينئذ لم يبق منه شيء».

و (ثانيها)- الأخبار المتقدمة (2) و عد منها حديث

«خلق الله الماء طهورا.» (3).

مدعيا استفاضته عنه (صلى الله عليه و آله).

و (ثالثها)- انه لو كان معيار نجاسة الماء و طهارته نقصانه عن الكر و بلوغه اليه. لما جاز إزالة الخبث بالقليل منه بوجه من الوجوه، مع انه جائز بالاتفاق، و ذلك لان كل جزء من اجزاء الماء الوارد على المحل النجس، إذا لاقاه كان متنجسا بالملاقاة خارجا عن الطهورية في أول آنات اللقاء، و ما لم يلاقه لا يعقل ان يكون مطهرا و الفرق بين وروده على النجاسة و ورودها عليه- مع انه مخالف للنصوص- لا يجدي.

إذ الكلام في ذلك الجزء الملاقي و لزوم تنجسه، و القدر المستعلي لكونه دون مبلغ الكر لا يقوى على ان يعصمه بالاتصال عن الانفعال، فلو كانت الملاقاة مناط التنجيس لزم تنجس القدر الملاقي لا محالة، فلا يحصل التطهير أصلا. و اما ما تكلفه بعضهم- من ارتكاب القول بالانفعال هناك من بعد الانفصال عن محل النجاسة- فمن أبعد التكلفات. و من ذا الذي يرتضي القول بنجاسة الملاقي للنجاسة بعد مفارقته عنها و طهارته حال ملاقاته لها بل طهوريته؟ نعم يمكن لأحد ان يتكلف هناك بالفرق بين ملاقاة الماء لعين النجاسة و بين ملاقاته للمتنجس، و تخصيص الانفعال بالأول. و التزام وجوب تعدد الغسل في جميع النجاسات كما ورد في بعضها. الا ان هذا محاكمة من غير

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 1- من أبواب الماء المطلق.

(2) في الصحيفة 290 التي استدل بها للقول بعدم الانفعال بالملاقاة.

(3) تقدم الكلام فيه في التعليقة 2 في الصحيفة 298.

303

تراضي الخصمين، فإن القائلين بانفعال القليل لا يقولون به، و القائلون بعدم الانفعال لا يحتاجون اليه، و ان أمكن الاستدلال عليه بما ورد في إزالة البول من الأمر بغسله مرتين إذا غسل في إجانة كما يأتي.

و (رابعها)- ان اشتراط الكر مثار الوسواس، و لأجله شق الأمر على الناس، يعرفه من يجربه و يتأمله، و مما لا شك فيه ان ذلك لو كان شرطا لكان أولى المواضع بتعذر الطهارة مكة و المدينة المشرفتين، إذ لا يكثر فيهما المياه الجارية و لا الراكدة الكثيرة، و من أول عصر النبي (صلى الله عليه و آله) الى آخر عصر الصحابة لم تنقل واقعة في الطهارة و لا سؤال عن كيفية حفظ الماء من النجاسات، و كانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان و الإماء و الذين لا يتحرزون عن النجاسات بل الكفار، كما هو معلوم لمن تتبع.

و (خامسها)- ان ما يدل على المشهور إنما يدل بالمفهوم، و المفهوم لا يعارض المنطوق (1) و لا الظاهر النص. مع ان أقصى ما يدل عليه هذا المفهوم تنجس ما دون الكر بملاقاة شيء ما لا كل نجاسة، فيحمل على المستولية جمعا، فيكون المراد لم يستول عليه شيء حتى ينجس اي لم تظهر فيه النجاسة، فيكون تحديدا للقدر الذي لا يتغير بها في الأغلب.

و (سادسها)- حمل تلك الأخبار الدالة على النهي عن الشرب و الوضوء مما لاقته النجاسة على التنزه و الاستحباب، حيث قال في كتاب الوافي: «باب ما يستحب التنزه عنه في رفع الحدث و الشرب و ما لا بأس به» ثم أورد فيه الأخبار التي قدمناها مما دل على النهي عن الوضوء من الأواني التي وقع فيها قطرة من بول أو دم و الأواني المأمور بإهراقها لوقوع نحو ذلك فيها.

____________

(1) قوله هنا-: و المفهوم لا يعارض المنطوق. الى آخر العبارة- من كلام صاحب المفاتيح فيه، و باقي ما نقلناه عنه كله من كتاب الوافي لكن على الاختصار و التقديم و التأخير (منه (قدس سره).

304

و (سابعها)- الاختلاف في تقدير الكر، قال: «و الاختلاف في تقدير الكر يؤيد ما قلناه من انه تخمين و مقايسة بين قدري الماء و النجاسة، إذ لو كان امرا مضبوطا و حدّا محدودا لم يقع الاختلاف الشديد في تقديره لا مساحة و لا وزنا، و قد وقع الاختلاف فيهما جميعا».

و (ثامنها)- ما ذكره في تأويل الروايات الدالة على اشتراط الكرية. بجملها على انها مناط و معيار للمقدار الذي لا يتغير من الماء بما يعتاد وروده من النجاسات حيث قال في كتاب الوافي: «باب قدر الماء الذي لا يتغير بما يعتاد وروده من النجاسات» ثم أورد أخبار الكر.

هذا خلاصة ما اعتمد عليه في كتاب الوافي و المفاتيح من الاستدلال. و دفع ما يقابله من الأقوال. و للنظر فيه مجال و أي مجال.

[الجواب عن أدلة المحدث الكاشاني]

(اما الأول) (1) فلأن ما ذكره في معنى الخبر لا يتحتم الحمل عليه ليكون دليلا يجب المصير إليه، فإنه من المحتمل قريبا ما صرحنا به في آخر المقالة الأولى (2) من الفصل الأول من ان معنى

قوله (عليه السلام): «الماء لا يطهر»

انه متى تنجس و لو بالملاقاة فطهره إنما يكون بممازجة الكثير له على وجه يستهلك الماء النجس كما هو أحد القولين في المسألة كما تقدم. و هذا لا يسمى في العرف تطهيرا، لاضمحلال الماء النجس حينئذ. و على هذا ففي الخبر دلالة على اعتبار الممازجة دون مجرد الملاقاة كما هو القول الآخر. و يمكن ايضا الحمل على المعنى الأول الذي قدمنا ذكره ثمة (3).

____________

(1) المتقدم في الصحيفة 301 السطر 17.

(2) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المخطوطة و المطبوعة، و الصحيح (الثانية) و ذلك في الصحيفة 178.

(3) في الصحيفة 178 السطر 2.

305

و (اما الثاني) (1) فقد عرفت ما فيه مما قدمناه (2) و العجب منه (قدس سره) في دعوى استفاضة

حديث «خلق الله الماء طهورا.»

مع ما عرفت من انه لم يثبت من طرقنا لا مسندا و لا مرسلا، و كأنه اغتر بكلام صاحب المدارك هنا، حيث انه صرح باستفاضته أيضا في مقالة تنجس الماء بتغير أحد أوصافه الثلاثة، حيث قال بعد الحكم المذكور: «و الأصل فيه الأخبار المستفيضة كقوله (صلى الله عليه و آله):

خلق الله الماء طهورا. إلخ» إلا ان فيه انه و ان وصفه هنا بذلك لكنه- بعد ذلك في مقالة نجاسة البئر بالملاقاة، حيث أنكر ورود نجاسة الماء بالتغير اللوني- طعن في الخبر المذكور بأنه عامي مرسل، كما قدمنا الإشارة إليه عن جملة من الأصحاب (3).

و (اما الثالث) (4) ففيه انه لا منافاة بين تنجسه و حصول التطهير به في حال واحد، و لا استبعاد في ذلك إذا اقتضته الأدلة الشرعية.

و تحقيق ذلك ان أقصى ما يستفاد من الاخبار هو عدم جواز التطهير بما تنجس قبل ارادة التطهير به لا بما تنجس بسبب التطهير به. و بهذه المقالة صرح جمع من فحول المحققين منهم: المولى الأردبيلي و المحقق الخوانساري و شيخنا صاحب رياض المسائل و حياض الدلائل و الفاضل المتأخر الخراساني، و منهم: والدي (نور الله مراقدهم و أعلى في الفردوس مقاعدهم) و استبعاد ذلك مدفوع بوجود النظير، فإنهم صرحوا بوجود طهارة أحجار الاستنجاء و ان النجس منها لا يطهر، مع انها حين الاستعمال تنجس بمجرد ملاقاة النجاسة، و لا يكون ذلك مانعا من حصول التطهير بها. و ايضا خروج الماء المستعمل في الطهارة الكبرى عن الطهورية- على تقدير القول به- إنما هو بسبب

____________

(1) المتقدم في الصحيفة 302.

(2) في الصحيفة 293 السطر 18.

(3) في الصحيفة 180 و قد تقدم في التعليقة 2 من هذه الصحيفة ما يفيد في المقام.

(4) المتقدم في الصحيفة 302.

306

استعماله و ملاقاته لبدن الجنب وقت الغسل، مع ان ذلك لا يمنع من حصول التطهير بهذا المستعمل.

و بالجملة فأقصى ما يستفاد من الدليل- بالنسبة إلى اشتراط الطهارة في الماء الذي تزال به النجاسة- هو طهارته قبل ملاقاة النجاسة. و اما طهارته حال الملاقاة فلا دليل عليه.

و عدم الدليل على ذلك دليل على العدم، إذ لا تكليف إلا بعد البيان و لا حكم الا بعد البرهان كما تمسك به هذا القائل في جملة من المواضع، و حينئذ فهو حال الملاقاة يفيد التطهير و ان تنجس بذلك، فقوله حينئذ: «إذا لاقاه كان متنجسا بالملاقاة خارجا عن الطهورية» في محل المنع.

و من أقوى الشبه في المقام- كما تمسك به بعض الاعلام بعد وقوعه في شبك الإلزام- انه لو وضع شيء نجس في ماء قليل على هذا القول، فبعد طهارة المحل حال الملاقاة و انتقال النجاسة إلى الماء إما ان ينجس ذلك الشيء بالماء أم لا. لا سبيل الى الثاني لأن الماء قد صار نجسا بملاقاة النجاسة له أولا، فتتعدى نجاسته الى ذلك الشيء و يعود الاشكال بحذافيره.

و الى ذلك أيضا أشار المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره)، حيث انه ممن اختار تخصيص نجاسة القليل بالملاقاة بورود النجاسة دون العكس، كما هو مذهب المرتضى (رضي الله عنه)، فعنده ان تطهير النجاسة بالقليل مخصوص بورود الماء على النجاسة دون العكس، فإنه يصير الماء نجسا و لا يطهر به المحل، و لهذا قال- بعد نقل القول بالتطهير بالقليل في صورة ورود النجاسة على الماء مع نجاسة الغسالة- ما صورته:

«قلت: في هذا القول التزام تنجس الماء بالمحل و تطهير المحل به. و التزامه مشكل.

و ايضا فيه التزام عدم تنجس المحل بالماء النجس. و هو بعيد غاية البعد» انتهى.

و فيه ان ما استبعده من ذلك مردود بأنه بعد قيام الدليل على نجاسة القليل

307

بالملاقاة- مطلقا أو في صورة ورود النجاسة على الماء- فلا مجال لهذا الاستبعاد، إذ الطهارة و النجاسة و نحوهما أحكام تعبدية لا مسرح فيها للاستبعادات العقلية.

(و لو قيل): مقتضى القاعدة الكلية- القائلة بأن كل ماء قليل أو مائع لاقى نجاسة فهو نجس- ينافي ما ذكرتم.

(قلنا): لا عام إلا و قد خص، فان اللبن في ضرع الميتة طاهر عند جملة من الأصحاب، و عليه تدل صحاح الأخبار، و كذا الانفحة من الميتة، و الصيد المجروح لو وجد في ماء قليل، و ما لا يدركه الطرف من الدم عند الشيخ، و ماء الاستنجاء بالإجماع و الاخبار، و غسالة النجاسة عند من قال بطهارتها. و وجود النظير يدفع الاستبعاد.

و يمكن الجواب ايضا باختيار طهارة ماء الغسالة كما هو اختيار جمع منهم: الشهيد في الذكرى، و هو ظاهر الصدوق في من لا يحضره الفقيه، حيث ساوى بينه و بين رافع الحدث الأكبر، و به صرح المحدث الأمين الأسترآبادي، و سيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى، و حينئذ يكون الحكم بطهارته مستثنى من كلية نجاسة القليل بالملاقاة و تطهيره، كما استثني كذلك ماء الاستنجاء، و ما لا يدركه الطرف من الدم على قول الشيخ. و يمكن الجواب ايضا بالفرق بين وروده على النجاسة و ورودها عليه، كما سيأتي تحقيقه في هذا الفصل (1) ان شاء الله تعالى.

و (اما الرابع) (2) ففيه انه ايضا قد اشترط الكر كما سيأتيك بيانه (3) و ان كان الفرق بين الاشتراطين ان الأصحاب جعلوا اشتراطه معيار الطهارة و النجاسة، و هو قد جعل اشتراطه معيار معرفة التغير بالنجاسات المعتادة و عدمه مع عدم ظهورها

____________

(1) في المقام الثاني.

(2) المتقدم في الصحيفة 303.

(3) في الجواب عن الوجه الثامن.

308

حسا، ثم زاد على كلام الأصحاب باشتراطه المقايسة و النسبة في ذلك المقام، حيث ألجأته إليها ضرورة الإلزام، كما سيأتي توضيحه و ينكشف صريحه (1).

مع انه قد استفاضت الأخبار عن الأئمة الأبرار بأصالة الطهارة و وجوب العمل على اليقين، فما لم يعلم و يتيقن وقوع النجاسة في الماء- على وجه يظهر أثرها و يقطع بغلبة أجزاء تلك النجاسة على الماء إذا منع من ظهورها مانع- لا يحكم بالتغير في ذلك الماء، فبمجرد الاخبار بولوغ كلب من إناء- مع عدم العلم بقدر ماء ذلك الإناء و عدم العلم بكثرة الولوغ و قلته- لا يحكم بوقوع التغير في ذلك الماء بلعاب الكلب، و قس عليه غيره من النجاسات. و هو قد حكم بالتغير في أمثال ذلك كما سيأتيك بيانه (2).

و اما قوله: «و مما لا شك فيه ان ذلك لو كان شرطا لكان اولى المواضع. إلخ» فإنه مجرد دعوى عارية عن الدليل، و محض استبعاد ليس له محصل عند ذوي التحصيل، إذ عدم كثرة المياه الجارية و الراكدة في تلك الأماكن- على القول بنجاسة القليل بالملاقاة- لا يستلزم حصول وقائع في الطهارات، و لا السؤال عن حفظ المياه من النجاسات. و لا أمثالها من هذه التسجيلات، لانه مع معلومية الحكم عندهم بنجاسة الماء القليل بالملاقاة يتحرزون عن تطرق النجاسة إليه بكل وجه و بعد العلم بحصول النجاسة فيه يجتنبونه، بل ربما يهريقونه و ما الذي يترتب على ذلك من الوقائع المستحقة للنقل؟ و من الذي اشترط انه لا بد في كل حكم شرعي من واقعة في عصره (صلى الله عليه و آله) تدل عليه؟ حتى يشترط هنا. على انه لو نقلت هناك واقعة تدل على النجاسة لارتكب التأويل فيها كما ارتكبه في تلك الأخبار الصريحة المتعددة، إذ غاية ما يراد ان يعبر به عن النجاسة أو يكنى به عنها هو التصريح بإراقة الماء الدال على عدم الانتفاع به بوجه. و قد مرت لك أخبار مستفيضة بهذا المضمون قد أخرجها

____________

(1) في الجواب عن الوجه الثامن.

(2) في الجواب عن الوجه الثامن.

309

عن صريحها و ارتكب فيها جادة التأويل، فلو ورد هنا شيء عنه (صلى الله عليه و آله) لجعله من ذلك القبيل. و ما الإشكال في حفظ المياه حتى يحتاج إلى السؤال عنه؟

و هل تعاطي الصبيان و الإماء و الذين لا يتحرزون عن النجاسات لاوانيهم يكون موجبا للنجاسة بالملاقاة من غير علم بوصول النجاسة، و اين أصالة الطهارة؟ و اين الحنيفية السمحة و دين محمد (صلى الله عليه و آله) الذي هو أوسع ما بين السماء و الأرض؟

ما هذه إلا احتمالات باردة و تعسفات زائدة.

و لقد روي انه «دخل أعرابي المسجد فما لبث ان بال في ناحية المسجد، فكأنهم عجلوا عليه، فنهاهم النبي (صلى الله عليه و آله) ثم أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه، ثم قال: علموا و يسروا و لا تعسروا» (1).

و أمثال ذلك- مما يدل على سعة الحنيفية السمحة السهلة- كثير.

و (اما الخامس) (2) ففيه (أولا)- ان الدليل ليس مقصورا على تلك

____________

(1) هذه القصة قد وردت من طرق العامة كما في البخاري ج 1 ص 45 و سنن النسائي ج 1 ص 63 و صحيح مسلم ج 1 ص 125 و سنن ابى داود ج 1 ص 103 و جامع الترمذي مع شرحه لابن العربي ج 1 ص 243 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 189 و مسند احمد ج 2 ص 239 و 282 و 503 و ج 3 ص 110 و 114 و 167 و 191 و 226 و مجمع الزوائد لابن حجر ج 1 ص 286. الا ان هذا النص اعنى قوله (ص): «علموا و يسروا و لا تعسروا» قد ورد في عمدة القارئ شرح البخاري للعيني ج 1 ص 884، و في غيره من كتب الحديث قد ورد هذا المضمون بالتعبير الآتي: «إنما بعثتم ميسرين و لم تبعثوا معسرين» و في بعضها لم يرد هذا المضمون أصلا. و قد ورد فيها التعبير بالدلو و الذنوب و السجل و في بعضها التعبير بالماء من دون ذكر الكمية. و الذنوب- كما في القاموس- بالفتح: الدلو أو التي فيها ماء أو الملأى أو دون الملأى. و السجل- كما فيه ايضا-: الدلو العظيمة مملوءة مذكر، و ملء الدلو. هذا. و يأتي منه (قده) التعرض لهذا الحديث في المقام الرابع من المسألة الثالثة من مسائل تطهير الماء و ازالة النجاسة به.

(2) المتقدم في الصحيفة 303.

310

المفهومات، بل هو منطوق جملة من الأخبار التي قدمناها (1) كالأخبار الدالة على النهي عن استعمال تلك المياه القليلة بعد وقوع شيء فيها. و النهي حقيقة في التحريم كما تقدم تحقيقه (2) و الأمر بإراقتها و غسل الأواني منها، فإنه لا يخفى- على الناظر في الاخبار و المعتبر لها حق الاعتبار- ان الحكم بالنجاسة في جل المواضع إنما استفيد من المنع من استعمال ذلك الملاقي لها أو الحكم بغسله أو نحو ذلك، كما صرح به السيد السند في المدارك في الاستدلال على نجاسة البول بعد إيراد الروايات الدالة على الأمر بغسل الثوب منه، حيث قال: «و لا معنى للنجس شرعا إلا ما وجب غسل الملاقي له، بل سائر الأعيان النجسة انما استفيد نجاستها من أمر الشارع بغسل الثوب أو البدن من ملاقاتها» انتهى. بل ربما ورد التصريح بالنجاسة في بعض الموارد فتأولوه بالحمل على المعنى اللغوي و ناقشوا فيه بذلك، بخلاف ورود الأوامر بالغسل و الإراقة و النواهي عن الاستعمال، فإنها أصرح في الدلالة على ذلك.

و (ثانيا)- ان دلالة مفهوم الشرط- بعد ما عرفت من دلالة الأخبار عليه كما قدمناها في المقدمة الثالثة (3)- مما لا ريب في صحة الاعتماد عليها و الاستناد في الأحكام الشرعية إليها. و المناقشة إنما تتطرق إليها مع ظهور فائدة غير مجرد التعليق على الشرط و الانتفاء بانتفائه. و ههنا ليس كذلك اتفاقا.

و (ثالثا)- ان قوله: «فإن أقصى ما يدل عليه هذا المفهوم تنجس ما دون الكر بملاقاة شيء. إلخ» فيه انه قد أجيب عن ذلك بان لفظ (شيء) نكرة وقعت في سياق النفي فيستفاد منها العموم. و مقتضى التقييد بالشرط ان حكم المسكوت مخالف للمذكور، و يكفي للمخالفة تنجسه ببعض ما لم ينجس به الكر و ان لم ينجس ببعض

____________

(1) للقول المشهور في الصحيفة 281.

(2) في المقدمة السابعة في الصحيفة 112.

(3) في المطلب الثالث في الصحيفة 57.

311

آخر، و يضم الى ذلك الإجماع على عدم الفصل في النجاسات الا فيما استثني فيعم حينئذ.

و التحقيق عندي في الجواب ان المقصود بالإفادة بمثل هذا الكلام أمران:

(أحدهما)- عموم المنطوق و (الثاني)- عموم المفهوم. و الرواة قد فهموا حكم المفهوم من ذلك كذلك، و لذلك سكتوا عن الاستفسار، و إلا فمثل هؤلاء الأجلاء كزرارة و محمد بن مسلم و اضرابهما من فضلاء الرواة و محققيهم كيف يسكتون و يرضون بفهم بعض المقصود مع توفر حاجة الأمة الى ذلك؟ و لا سيما زرارة الذي من عادته تنقيح الأسئلة و الفحص عن جملة فروع المسألة، و يقنعون باستفادة انه إذا نقص عن كر نجسه شيء ما.

و يرشدك الى ما ذكرنا جوابه (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم الاولى من تلك الروايات المتقدمة (1) لما سأل عن الماء تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب.

قال: «إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء».

فإنه من الظاهر البين ان السائل أراد السؤال عن حال هذا الماء بعد وقوع هذه الأشياء أو أحدها فيه، و انه هل ينجس بمجرد ملاقاتها أم لا؟ فأجابه (عليه السلام) بوجه عام و قاعدة كلية في كل ماء و كل نجاسة و هو التحديد ببلوغ الكرية و عدمه، و انه لا ينجس مع الأول و ينجس مع الثاني. و لو لم يفهم السائل عموم المفهوم من جوابه (عليه السلام) بذلك، و انه إذا نقص عن الكرية ينجس بملاقاة تلك النجاسات المسؤول عن ملاقاتها، لاستفسر منه البتة، لأنه أحد طرفي الترديد في جوابه (عليه السلام) إذ حاصل جوابه انه «إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شيء، و إذا لم يبلغ نجسه شيء» فلو لم يفهم السائل عموم لفظ (شيء) الذي في جانب المفهوم على وجه يشمل النجاسات المسؤول عنها و غيرها بقرينة المقام، و لا سيما السؤال هنا عن وقوع تلك الأشياء المخصوصة،

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق و النص الوارد (كان) لا (بلغ).

312

لراجع في السؤال عن تنجسه بتلك الأشياء المخصوصة، إذ بناء على ما يقولونه من عدم العموم لم يحصل الجواب عن السؤال، و مع غفلة السائل كيف يرضى الامام (عليه السلام) بعدم افادته ذلك مع انه مناط السؤال و البلوى به عام في جميع الأحوال؟

و بالجملة فالمتسارع الى الفهم السليم- و المنساق الى الذوق المستقيم من حاق اللفظ في أمثال هذه المقامات- هو العموم، و هو عند التأمل و الإنصاف أمر ظاهر معلوم، و ما يتمسك به من ان (شيئا) نكرة في سياق الإثبات فلا يعم- مع تسليمه- فقد خرجوا عنه في مواضع لاقتضاء المقام العموم فيها، كما صرحوا به في المعرف بلام التحلية إذا استعمل في المقامات الخطابية. و قد تقدم تحقيقه في المقالة الاولى (1) من الفصل الأول.

و (رابعا)- ان ما ذكره- من الحمل على المستولية جمعا- فيه انه لم يبق على هذا فرق بين الكر و غيره، لان الكر أيضا انما ينجس بالتغير خاصة، فأين المخالفة بين المفهوم و المنطوق التي لا خلاف في ثبوتها؟ بل لا بد من الحمل على التنجس بمجرد الملاقاة كما ذكرنا تحقيقا لذلك.

و (اما السادس) (2) ففيه (أولا)- ان الواجب حمل النهي عن الاستعمال في تلك الأخبار المذكورة على حقيقته من التحريم، كما هو المشهور بين محققي علماء الأصول، و المؤيد بالآيات و اخبار آل الرسول، كما قدمنا لك بيانه و شددنا أركانه (3).

و (ثانيا)- ان من جملة تلك الأحاديث التي أوردها في ذلك الباب الأحاديث الدالة على اهراق مياه الأواني عند ملاقاة شيء من القذر لها، و ليس ذلك عند التأمل و الإنصاف الا لنجاستها و عدم الانتفاع بها بالمرة، إذ استحباب التنزه عنه

____________

(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ، و الصحيح (الثانية)- و ذلك في الصحيفة 172.

(2) المتقدم في الصحيفة 303.

(3) في المقدمة السابعة في الصحيفة 112،.

313

في الطهارة و الشرب لا يستلزم الإهراق، كيف؟ و وجوه الانتفاعات به كثيرة بل ربما تلجئ إليه الضرورة سيما في الاسفار و نحوها، بل ذلك داخل في الإسراف المنهي عنه كما صرحت به بعض الروايات.

و (ثالثا)- ان موثقة سماعة (1)- المروية أيضا بطريق آخر موثق عن عمار الساباطي- قد دلت على الأمر بالتيمم بعد الأمر بالإهراق. و كيف يسوغ التيمم مع طهارة ذلك الماء و طهوريته؟

و لو قيل: انه يجوز ان يكون الأمر بالإهراق كناية عن عدم الاستعمال لا ان المراد الإهراق بالفعل.

قلنا: مع تسليمه فذلك كاف لنا في الاستدلال، لان ما يكنى عن المنع عن استعماله بإهراقه- بمعنى ان وجوده كعدمه على حال- فهو لا شك مقطوع بنجاسته كما أشار إليه في المعتبر، حيث قال: «و قد يكنى عن النجاسة بالإراقة تفخيما للمنع» و (رابعا)- ان الحمل على الاستحباب و التنزيه و ان تم له بالنسبة إلى الوضوء.

لما دلت عليه بعض الأخبار من خارج بأن ماء الوضوء ينبغي ان يكون له مزية ما على مياه سائر الاستعمالات، فلا ينبغي ان يكون بالآجن و لا بالمشمس و لا بما لاقى سؤر المتهم بالنجاسة، فلا يتم له ذلك في الشرب.

(أما أولا)- فلعدم قيام دليل من الخارج على ان ماء الشرب ينبغي ان يكون ذا مزية، و انه يكره الشرب من بعض المياه لخلوها من المزية حسبما ورد في الوضوء، و لم يدع أحد ذلك بالكلية، حتى يتم له هنا حمل المنع عن الشرب على التنزيه و الاستحباب.

و (اما ثانيا)- فبان من جملة المواضع- التي صرحت الأخبار بكراهة الوضوء

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 282.

314

من ذلك الماء الخالي من المزية- سؤر الحائض، مع انها صرحت بجواز الشرب منه، فلو كان ما يدعيه من الخصوصية و المزية مشتركة بين ماء الوضوء و ماء الشرب، لورد النهي عنه أيضا في مقام النهي عن الآخر.

فمن تلك الأخبار

رواية عنبسة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«اشرب من سؤر الحائض و لا تتوضأ منه».

و مثلها موثقة الحسين بن ابي العلاء (2) و رواية أبي هلال (3) و غيرهما.

و حينئذ فالحق الحقيق بالاتباع هو ان النهي عن الوضوء و الشرب معا في تلك الاخبار ليس إلا لنجاسة الماء.

و (اما السابع) (4) ففيه (أولا)- انه اي مسألة من مسائل الفقه و اي حكم من أحكام الفروع لم تختلف فيه الاخبار؟ حتى يستبعد اختلافها في هذا المكان بخصوصه و يكون ذلك موجبا لما قاله و مؤيدا لما زعمه.

و (ثانيا)- ان الواجب في كل موضع اختلفت فيه الاخبار- على وجه لا يمكن إرجاع بعضها الى بعض من هذا الموضع و غيره- الرجوع الى الضوابط المقررة و القواعد المعتبرة. و مجرد خروجها عنهم (عليهم السلام) مختلفة لا يدل على ما توهمه من التخمين و المقايسة، و إلا لجرى في غير هذا الموضع ايضا، و هو لا يلتزمه.

و (ثالثا)- انه مع تسليم صحة ما ذكره فالإيراد لا يختص بنا، بل يرد عليه ايضا، حيث انه قائل في التحقيق بمضمون تلك الاخبار منطوقا و مفهوما كما تقدمت الإشارة اليه (5) و سيأتي تحقيقه، لأنا نقول: ان التحديد بالكر معيار لعدم

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الأسآر.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الأسآر.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الأسآر.

(4) المتقدم في الصحيفة 304.

(5) في الجواب عن الوجه الرابع و يأتي تحقيقه في الجواب عن الوجه الثامن.

315

الانفعال بالملاقاة لهذا المقدار و انفعال ما دونه. و هو يقول: ان التحديد المذكور معيار للقدر الذي لا يتغير بالنجاسات المعتادة.

و يؤيد ما قلناه ما كتبه بعض تلامذته الناسجين على منواله على حاشية كتاب الوافي على آخر الباب الثالث من أول كتاب الطهارة، حيث قال: «لما دلت هذه الأبواب الثلاثة على ان الماء ما لم ينفعل لم ينجس، علم ان النجاسة دائرة مع الانفعال و عدمه. و لكن لما كان الانفعال في بعض الأوقات خفيا- لتوافقهما لونا و طعما و ريحا، أو لورود النجاسة على الماء قبل ان يتعفن، كتفسخ الفأرة في الماء أول مرة لا يوجد لها ريحها أو طعمها أو لونها مع انه اختلطت أجزاء النجاسة باجزاء الماء. أو لورودها عليه قليلا قليلا، كولوغ الكلب و غيره في الحوض مرة بعد مرة، فإنه لا يدرك شيء من أثرها مع ان لعاب الكلب اختلط باجزاء الماء، فتحصل الحيرة و الاشتباه،- بينوا (عليهم السلام) انه إذا كان الأمر كذلك، ان كان الماء أقل من كر ينفعل اي يختلط و ينجس، و إذا كان أكثر منه لا ينفعل و لا ينجس، كما إذا كان الحوض في طريق و نحن نعلم ان الكلاب تشرب منه و النساء و الصبيان يباشرونه بنجاستهم العينية، فلاحظنا ان كان أقل من كر يحترز عنه و ان كان أكثر منه نستعمله، فكل ماء امره كذلك يحتاج إلى مادة تحفظه من الانفعال، و المادة التي تحفظه اما ستمائة رطل مكي، أو ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته، اعني عرضه و طوله، و هذه الرواية أجود ما ورد في تقدير الكر، لان غيرها لا يخلو من اضطراب أو طعن في سنده أو متنه» انتهى. فانظر الى ما ذكره من اعتباره الكر في بنائه عليه، و اعتماده على تلك الرواية من بين رواياته لصحتها عنده.

و (اما الثامن) (1) ففيه دلالة على ما قدمنا لك من قوله باعتبار الكر و البناء

____________

(1) المتقدم في الصحيفة 304.

316

عليه، و حمله مفهومات تلك الأخبار- الدالة على النجاسة فيما نقص عن ذلك المقدار- على انها قد تغيرت بالنجاسة و ان لم يظهر ذلك للحس.

و قد مهد في كلامه في أول الكتاب المذكور قاعدة لذلك، فقال ثمة:

«و على هذا فنسبة مقدار من النجاسة إلى مقدار من الماء كنسبة مقدار أقل من تلك النجاسة إلى مقدار أقل من ذلك الماء و مقدار أكثر منها الى مقدار أكثر منه، فكلما غلب الماء على النجاسة فهو مطهر لها بالاستحالة، و كلما غلبت النجاسة عليه لغلبة أحد أوصافها فهو منفعل عنها خارج عن الطهورية بها» انتهى. و حينئذ فيصير معنى

قوله (عليه السلام) (1): «إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شيء».

أي لم يغيره شيء من النجاسات المعتادة، لأن الماء عنده لا ينجس إلا بالتغير. فنجاسته في الحديث بمعنى تغيره بها، و مفهومه حينئذ انه إذا لم يبلغ كرا غيره شيء من تلك النجاسات المعتادة.

و قال أيضا في الباب الثاني- بعد ان أورد في صدره صحيحة صفوان المتضمنة للسؤال عن الحياض التي بين مكة و المدينة، و قد تقدمت (2)- ما صورته: «لما كانت الحياض التي بين الحرمين الشريفين معهودة معروفة في ذلك الزمان، اقتصر (عليه السلام) على السؤال عن مقدار الماء في عمقها و لم يسأل عن الطول و العرض، و إنما سأل عن ذلك ليعلم نسبة الماء الى تلك النجاسات المذكورة حتى يتبين انفعاله منها و عدمه فان نسبة مقدار من النجاسة إلى مقدار من الماء في التأثير و التغيير كنسبة ضعفه الى ضعفه مثلا، و على هذا القياس. (فان قيل): تغير أوصاف الماء أمر محسوس لا حاجة فيه الى الاستدلال عليه بنسبة قدره الى قدر النجاسة (قلنا): ربما يشتبه التغير مع ان الماء قد تتغير أوصافه الثلاثة بغير النجاسة فيحصل الاشتباه. يؤيد ما قلناه ما في النهاية

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق. و النص في كتب الحديث

«إذا كان الماء قدر كرم لم ينجسه شيء».

(2) في الصحيفة 296.

317

الأثيرية (1). قال: و في حديث الطهارة

«إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا».

اي لم يظهره و لم يغلب الخبث عليه من قولهم: فلان يحمل غضبه اي يظهره. و قيل: معنى لم يحمل خبثا انه يدفعه عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحمل الضيم إذا كان يأباه و يدفعه عن نفسه» انتهى كلامه (فان قيل): القلتان يحمل الخبث إذا كثر الخبث و غلب عليه (قلنا): أريد به انه في الغالب لا يتغير بالنجاسات المعتاد ورودها عليه، و ذلك لان الناس قد يستنجون في المياه التي تكون في الغدران و يغمسون الأواني النجسة فيها ثم يترددون في أنها تغيرت تغيرا مؤثرا أم لا، فبين انه ان كان قلتين لا يتغير بهذه النجاسات. و بما ذكرناه يتبين معنى الأخبار الآتية و مفهوماتها» انتهى كلامه (زيد إكرامه) و أشار بالأخبار الآتية إلى الروايات الدالة على التحديد بالكر، و ما تدل عليه بمفهوماتها من النجاسة بمجرد الملاقاة كما ادعاه الأصحاب (رضوان الله عليهم) منها.

و أنت خبير بما في جميع هذا الكلام من التكلف الذي لا يخفى على ذوي الأفهام بل عدم الاستقامة و الانتظام.

(أما أولا)- فلان (شيئا) الواقع في لفظ تلك الروايات نكرة في سياق النفي، و لا خلاف في إفادتها العموم، و تخصيصها بالمعتاد من النجاسات كما ادعاه يحتاج الى دليل معلوم، و ليس فليس. نعم قام الدليل على النجاسة المغيرة فيكون مخصوصا بغيرها لقوله (عليه السلام)

في صحيح زرارة (2): «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شيء إلا ان تجيء له ريح تغلب على ريح الماء».

و ما ادعاه- من ان نجاسة الماء هو تغيره بالنجاسة. فمعنى لم ينجسه شيء أي لم

____________

(1) في مادة (حمل).

(2) المروي في الوسائل في الباب- 3- من أبواب الماء المطلق. و نصه كما تقدم في الصحيفة 296.

318

يغيره شيء بالنجاسة، فالنكرة لا يمكن أخذها على عمومها، للقطع بالتغير ببعض افراد النجاسات، فلا بد من التخصيص بالمعتاد حينئذ- ففيه ان تلك الدعوى غير مسلمة عند الخصم، إذ هي أول المسألة. و أيضا فهي غير ظاهرة من اللفظ، بل الظاهر منه هو ما يدعيه الخصم، إذ المتبادر من قول القائل: نجس هذا هذا. يعني جعله نجسا أعم من ان يكون بمجرد الملاقاة كسائر المائعات أو بالتغير كما يدعيه هنا، فلا تقوم تلك الدعوى حجة على الخصم. على ان المتبادر فيما نحن فيه هو المعنى الأول بقرينة صحيح زرارة المذكور، و قوله فيه:

«لم ينجسه شيء إلا ان تجيء له ريح. إلخ»

أي لم يجعله نجسا بمجرد الملاقاة إلا ان يتغير في ريحه، فالتنجيس في الأخبار بمعنى الانفعال بمجرد الملاقاة لا بمعنى التغير بالنجاسة كما تمحله.

و (اما ثانيا)- فلان مقتضى ما ذكره- من ان الشارع إنما جعل الكر معيارا لما لم يتغير بالنجاسات المعتادة، كما هو منطوق ذلك اللفظ عنده، اللازم منه بمقتضى مفهومه ان ما نقص عن الكر يتغير بها- انه لو وقعت نجاسة من تلك النجاسات المعتادة في قدر كر من ماء إلا درهما، فإنه يحكم بتغيره بها و ان لم يظهر أثرها فيه، و لو تمم بدرهم و وقع قدرها من تلك النجاسات بعينها في كر تام، لم يحكم بتغيره (1) و هو من البعد على حال لا يحتاج الى البيان، و من البطلان بمقام يستغني عن اقامة البرهان.

و (اما ثالثا)- فلان ما ذكره في بيان صحيحة صفوان (2)- من انه (عليه السلام)

____________

(1) و من هنا يعلم ان الماء في تلك الأخبار التي استند إليها الخصم مراد به الكثير خاصة، لأنه إذا كان شيء من تلك النجاسات المعتادة تغير ما دون الكر بهذا المقدار اليسير الذي فرضناه فما بالك بمثل الجيف و نحوها؟ و جوابهم (عليهم السلام)- بالترديد بين التغير و عدمه مع معلومية ذلك عندهم- دليل على ان الماء أكثر من كر و ان تنزلنا، لأن الأقل منه معلوم التغير بما هو أدون من تلك النجاسات بمراتب فكيف بهذه النجاسات؟ فلا معنى للترديد بالنسبة إليه، فتأمل و أنصف (منه (قدس سره).

(2) المتقدم في الصحيفة 316.

319

إنما سأل عن عمق الماء ليعلم نسبة الماء الى تلك النجاسات المذكورة- إنما هو من قبيل المعميات و الألغاز، كما لا يخفى على من أنصف و جانب التعسفات، إذ مقتضى المقايسة التي التجأ إليها- و عول في المقام عليها- هو معلومية كل من الماء و النجاسة ليمكن نسبة كل منهما الى الآخر، و هب ان الماء هنا بسؤاله (عليه السلام) صار معلوما، فمن اين حصل العلم بالنجاسة الحاصلة من ورود تلك السباع و الكلاب و أمثالها على وجه تكون مغيرة للماء مع عدم ظهوره حسا؟ فان ذلك يتفاوت بتفاوت افراد الواردة و افراد ورودها قلة و كثرة فيهما، و ليس ذلك امرا مضبوطا و لا حدا معلوما حتى يصح ابتناء الأحكام الشرعية عليه و جعله قاعدة ممهدة لذلك. و العادة التي ادعاها (طاب ثراه) و عنون بها الباب قصارى معرفتها و الاعتماد عليها- ان سلمنا ذلك- في مثل مياه البيوت و نحوها مما يمكن ملاحظتها و استعلامها. و اما في مثل مياه الطرق و الصحاري و منها ما تضمنه الخبر، فغير ممكن (1) على انا نقول من أين يلزم في كل نجاسة لاقت الماء ان يكون لها عين بحيث ينفصل منها اجزاء تداخل الماء؟ حتى يحصل لذلك قانون كلي و ضابط جلي و هو التحديد بالكرية في تلك الاخبار. و على تقدير احتمال مداخلة أجزاء النجاسة في الماء مع عدم ظهورها حسا، فما الدليل على الحكم بالنجاسة بهذه المقايسة و النسبة؟ و كيف يتيسر لنا العلم بذلك؟ اللهم الا ان نعمد الى كل نوع من أنواع النجاسة فنضعه في فرد من افراد المياه بشرط معلومية كل منهما كيلا أو وزنا أو تخمينا، و نعتبر تغيره و عدمه، ثم نقيس عليه بعد ذلك ما قل أو كثر. فلينظر المنصف الى ذلك فأي حرج أعظم منه؟ مع ادعائه سابقا لزوم الحرج في اشتراط

____________

(1) فان من الظاهر- كما عرفت- ان كون تلك الحياض موردا للسباع و الكلاب أعم من ان يكون تلك الكلاب مائة أو عشرة أو أقل أو أكثر تردها كل يوم مرة أو مرارا و ليس هناك عدد معلوم و لا عادة معلومة حتى تتيسر المقايسة عليها و النسبة إليها (منه (قدس سره).

320

الكرية و انه مثار الوسواس، و هو بخروجه عنه- كما ترى- قد وقع في شباك الالتباس و مع هذا فأين أصالة الطهارة التي هي قاعدة كلية في الأخبار و كلام الأصحاب؟ حتى انه بما ذكره من الاحتمال يحتاج الى ما ذكره من الاختبار.

و (اما رابعا)- فلان ما ذكره من قوله: «قلنا ربما يشتبه التغير. إلخ» و تأييده ذلك بما نقله عن النهاية الأثيرية، حاصله ان التغير قد يحصل في الماء واقعا، لوقوع النجاسة فيه مع عدم ظهورها في جانب كثرة الماء، و قد لا يحصل بالكلية، فاعتبار تلك النسبة و المقايسة لأجل استعلام ذلك الحصول الواقعي الغير الظاهر حسا.

و فيه حينئذ (أولا)- ان الحكم بأصالة الطهارة- كما هو أحد القواعد الكلية المتفق على ثبوتها نصا و فتوى- يوجب استصحابها و البقاء عليها حتى تعلم النجاسة، و مجرد الشك و احتمال التغير واقعا غير كاف في الخروج عن مقتضى الأصل المذكور.

و (ثانيا)- ان المعتبر من التغير- في تلك الأخبار الدالة على نجاسة الماء بتغير أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة- هو التغير الحسي كما صرح به جمهور الأصحاب، و لم ينقل الخلاف في ذلك كما عرفته آنفا (1) إلا عن العلامة، حيث اعتبر التقدير فيما إذا اتفق الماء و النجاسة في الصفات، و انما يعتبر التقدير فيما إذا تغير الماء بجسم طاهر من لون النجاسة، و على تقدير وجوب التقدير في هذه المادة اليسيرة النادرة الاتفاق كما لا يخفى، فهل يوجب ذلك إخراج تلك الأخبار المستفيضة المتواترة عن ظواهرها و حملها على هذا الفرد الشاذ القليل الوقوع، و يكون التحديد بالكر إنما هو لأجل ما إذا تغير الماء بجسم طاهر موافق للنجاسة المعتادة؟ ما هذا إلا تمحل بارد و خيال كأسد.

و (اما خامسا)- فما استند اليه من حديث النهاية- و

هو قوله: «إذا بلغ

____________

(1) في الصحيفة 181.

321

الماء قلتين لم يحمل خبثا» (1).

و كون الحمل فيه محتملا لان يكون بمعنى الظهور، فمعنى عدم حمله الخبث عدم إظهاره له المستلزم لوجوده فيه واقعا، و ان لم يظهر حسا- فهو حديث عامي (2) لا يقوم به حجة علينا. نعم هو موافق لمقتضى ما ذهب اليه و عول عليه، فلذا أطال في الجواب عما عسى يرد عليه بقوله: «فان قيل القلتان. إلخ» و اما أخبارنا فالذي فيها انه

«إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شيء» (3).

و لا مجال في لفظ التنجيس لذلك المعنى الذي ذكره، بل هو عبارة عن جعل شيء شيئا آخر نجسا بسبب ملاقاته له برطوبة، كما هو معلوم بالنسبة إلى ملاقاة النجاسة لجميع المائعات و نحوها. نعم قد تستلزم الملاقاة التغير، كما إذا غلبت أوصاف النجاسة أوصاف الماء، إلا ان هذا الفرد غير مراد هنا، كما أشعرت به صحيحة زرارة السالفة (4) الدالة على استثنائه من النجاسة بالملاقاة.

و مع الإغماض عن ذلك فالحكم أعم. و لا دليل على التخصيص و التقييد إلا مجرد خيالات لا تعتبر و لا تفيد.

و (اما سادسا)- فما ذكره- من ان الناس قد يستنجون في المياه التي تكون في الغدران. إلخ- فهو مجرد دعوى خالية من الدليل، و خيال ليس فيه إلا مجرد التسجيل و التطويل، لان التغير الذي قام الدليل على التنجيس به هو المحسوس، فان وجد في الماء حكم عليه بالنجاسة، و إلا فهو على يقين الطهارة و أصالتها، و سعة الحنيفية و سهولتها.

____________

(1) أورده في النهاية في مادة (حمل).

(2) تقدم في التعليقة 4 في الصحيفة 250 ما يفيد في المقام.

(3) روى صاحب الوسائل هذه الاخبار في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق و النص الوارد فيها

«إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء» ..

(4) في الصحيفة 296.

322

تتمة مهمة

قد ارتبك بعض متأخري المتأخرين- و جملة من المعاصرين و التابعين لهذا الفاضل في هذه المقالة، و المغترين بما ذكره و قاله- في الاخبار التي حملها ذلك الفاضل على الاستحباب و التنزيه، و هي ما أشرنا إليها في الدليل السادس من كلامه (1) حيث ظهر لهم بعد ما ذكره من التأويل، فلم يجدوا سبيلا الى الاعتماد عليه و التعويل. فبين من حمل النهي في ظاهر تلك الاخبار على حقيقته من التحريم، لكن زعم ان ذلك لا يستلزم النجاسة. و بين من قصر القول بنجاسة الماء القليل على النجاسات الواردة في هذه الاخبار. و بين من اعترف بدلالتها على النجاسة، لكن رجع فيها إلى القاعدة التي مهدها الفاضل المذكور فيما قدمنا من كلامه (2) و هي اعتبار المقايسة و النسبة، فاثبت النجاسة مدعيا حصول التغير الخفي على الحس.

و لا يخفى على الفطن المتمسك بذيل الإنصاف ما في هذه التأويلات من التكلف و الاعتساف.

(اما الأول) ففيه ما ذكرنا آنفا (3) في الرد على الوجه الخامس من كلام ذلك الفاضل. على انه لو تم ما ذكره لأمكن التعلق به في جملة من موارد النهي و لو في غير مقام التعارض. و لا أراه يلتزمه.

و (اما الثاني) ففيه (أولا)- ان الأحكام المودعة في الاخبار لا يجب ورودها عنهم (عليهم السلام) بقواعد كلية و ان وردت كذلك في بعض الأحكام،

____________

(1) في الصحيفة 303.

(2) في الصحيفة 316.

(3) في الصحيفة 309.

323

كما نبهنا على شطر منها في المقدمة العاشرة (1) بل أكثر ما ترد في ضمن الجزئيات المتفرقة، فيحكم بكلية الحكم، لتوافق افراده الواردة عنهم (عليهم السلام) في ذلك و هذا هو الأغلب في الأحكام على طريق القواعد النحوية المبنية على تتبع آحاد كلام العرب.

و (ثانيا)- ان هذه الأفراد إنما خرجت مخرج التمثيل في الأخبار، لا انها قضايا واقعة حتى يجب قصر الحكم عليها.

و (ثالثا)- ان جملة منها قد تضمنت التعبير بالقذر، كما في موثقتي عمار و رواية أبي بصير (2) و في جملة من الاخبار المتقدمة التعبير بالشيء. و هو دليل على ان المراد جميع النجاسات كما لا يخفى.

و (اما الثالث) ففيه (أولا)- ما قدمنا لك بيانه و أوضحنا برهانه (3) و نزيده هنا و نقول: أي ناظر من ذوي العقول- و ان لم يكن له رؤية في معقول أو منقول- يذهب الى ان الطير الذي في منقاره دم أو الدجاجة التي في رجلها العذرة أو الإصبع فيها قذر. إذا لاقى شيء منها كرا إلا درهما بل نصف كر فإنها تغيره و ان خفي على الحس، بان ينفصل من اجزاء تلك النجاسات بمجرد الملاقاة ما يختلط بذلك الماء و يشيع فيه على وجه يكون المستعمل له مستعملا للنجاسة؟ ما هذا إلا سد للشمس بالراح، و إخفاء لضوء الصباح بالمصباح.

و (ثانيا)- ان اخبار نجاسة الماء القليل ليست مقصورة على هذه الاخبار التي زعم تطرق الاحتمال إليها و التأويل، و ان كان لا اعتماد عليه و لا تعويل، بل فيها

____________

(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة و المخطوطة، و الصحيح (الحادية عشرة) و قد تقدمت في الصحيفة 133.

(2) المتقدمات في الصحيفة 282 و 284.

(3) في الصحيفة 317.

324

- بحمد الله- ما هو ساطع النور في الظهور، مثل خبر العبدية (1) الدال على ان ما يبل الميل من الخمر ينجس حبا من ماء، و خبر عمر بن حنظلة (2) الدال على اهراق الحب لو قطرت فيه قطرة من مسكر. فهل يعقل هنا مجال لاحتمال التغير أو إجراء لما تمحله من المقايسة و التقدير؟ و قد خرجنا الى حد الإسهاب في هذا الباب، لما رأينا من جملة من الأصحاب في جمودهم على هذه المقالة اغترارا بما ذكره هذا الفاضل من الاستدلال و إطالة.

(المقام الثاني) [التفصيل في نجاسة القليل بالملاقاة بين الوارد و المورود]

- المشهور- بين الأصحاب القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة- نجاسته بذلك وردت عليه النجاسة أو ورد عليها.

و ذهب السيد المرتضى (رضي الله عنه) في المسائل الناصرية إلى تخصيص ذلك بورود النجاسة دون العكس، قال في الكتاب المذكور- بعد قول جده الناصر: و لا فرق بين ورود الماء على النجاسة و بين ورود النجاسة على الماء- ما لفظه: «هذه المسألة لا أعرف فيها لأصحابنا قولا صريحا» ثم نقل عن الشافعي الفرق بين ورود الماء على النجاسة و ورودها عليه، و اعتبار القلتين في الثاني دون الأول (3)، و قال بعده:

«و يقوى في نفسي عاجلا- الى ان يقع التأمل- صحة ما ذهب إليه الشافعي. و الوجه فيه انا لو حكمنا بنجاسة القليل الوارد على النجاسة، لأدى ذلك الى ان الثوب لا يطهر من النجاسة إلا بإيراد كر من الماء عليه، و ذلك يشق، فدل على ان الماء الوارد

____________

(1) المتقدم في الصحيفة 287.

(2) المتقدم في الصحيفة 288.

(3) نسب الفرق المذكور إلى الشافعي ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق ج 1 ص 222 و شيخزاده الحنفي في مجمع الانهر ج 1 ص 63، و ابن قدامة الحنبلي في المغني ج 1 ص 58، و يظهر ذلك من الغزالي الشافعي في الوجيز ج 1 ص 5، و ابن حجر الشافعي في شرح المنهاج ج 1 ص 38. و قد تقدم في التعليقة 4 في الصحيفة 250 ما يرجع الى القلتين.

325

على النجاسة لا يعتبر فيه القلة و الكثرة كما يعتبر فيما ترد النجاسة عليه» انتهى.

و مرجعه الى ان الملاقي للثوب ماء قليل فلو نجس حال الملاقاة لم يطهر الثوب، لان النجس لا يطهر غيره. و أجاب عن ذلك في المختلف بالمنع من الملازمة، قال: «فانا نحكم بتطهير الثوب و النجاسة في الماء بعد انفصاله عن المحل» و ضعفه السيد السند في المدارك تبعا لجده (قدس سرهما) بان ذلك يقتضي انفكاك المعلول عن علته التامة و وجوده بدونها، و هو معلوم البطلان.

(أقول): و يرد على ما ذكره السيد المرتضى (رضي الله عنه):

(أولا)- ما قدمنا تحقيقه (1) من عدم المنافاة بين حصول الطهارة بالماء القليل و نجاسته بتلك الملاقاة، إذ غاية ما يستفاد من الدليل المانع من التطهير بالنجس هو ما كان نجسا قبل التطهير لا ما كان نجسا بذلك التطهير كما عرفت ثمة.

و (ثانيا)- ان مقتضى ما ذكره نجاسة الماء القليل بورود النجاسة عليه، و حينئذ فلا يجوز التطهير به، مع انه

قد روى محمد بن مسلم في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول. قال: اغسله في المركن مرتين، فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة» (2).

و المركن- على ما نص عليه الجوهري- الإجانة التي يغسل فيها الثياب. و من الظاهر البين ان الغسل فيها لا يكاد يتحقق بدون ورود النجاسة على الماء كما لا يخفى.

و يرد على ما ذكره في المدارك في تضعيفه جواب العلامة ان الظاهر ان مراد العلامة (قدس سره) ان دليل نجاسة الماء القليل بالملاقاة يقتضي نجاسة الغسالة مطلقا، سواء كان قبل الانفصال أو بعده، بل يقتضي عدم صحة التطهير به، لكن لما قام الدليل على صحة التطهير به و توقف طهارة المحل على عدم نجاسة

____________

(1) في الصحيفة 305.

(2) رواه صاحب الوسائل في الباب- 2- من أبواب النجاسات.

326

الماء- بناء على ان النجس لا يطهر غيره- اقتصر فيه على موضع الضرورة و محل الحاجة و هو ما قبل الانفصال لا ما بعده، فإن الطهارة و النجاسة من الأحكام التعبدية، فيخص الحكم بالنجاسة حينئذ بما بعد الانفصال اقتصارا على محل الضرورة. و ليس ذلك بأبعد مما حكم به شيخنا الشهيد الثاني- الذي هو الأصل في الإيراد المذكور- من نجاسة البئر ببدن الجنب الخالي من النجاسة لمجرد التعبد، و ان كان الدليل عندنا لا ينهض به، و لا بأبعد مما حكموا به من طهارة الدلو و الرشاء و حافة البئر بعد تمام النزح مع تقاطر ماء النزح على حافة البئر و جوانبها و عود الدلو أخيرا إلى الماء، و كذلك طهارة آلات الخمر و مزاولة بعد الانقلاب خلا، بل في الروايات- الواردة في تطهير الأواني بصب الماء فيها و إدارته ثم إهراقه- ما يعضد ذلك، فان الماء- بصبه في الآنية بمقتضى القول بنجاسة القليل بالملاقاة- يجب الحكم بنجاسته، فتحريكه في الزمان الثاني ليستوعب جوانب الإناء لا يفيد المحل طهارة، فلا بد- للقائل بنجاسة القليل بالملاقاة و نجاسة الغسالة- من القول ببقائه على الطهارة حتى ينفصل دفعا للضرورة، و حينئذ فما أورده- من لزوم انفكاك المعلول عن علته التامة و وجوده بدونها- يدفع بجواز ان يقال: ان الشارع لم يجعل مجرد ملاقاة النجاسة موجبا للتنجيس مطلقا، و إلا لما صح التطهير بالماء القليل مطلقا، لحصول العلة المذكورة، إلا على القول بعدم انفعال القليل بالملاقاة. و هم لا يقولون به. و حينئذ لا يصير مجرد الملاقاة سببا للنجاسة دفعا للحرج و الضرورة، فيكون ذلك بمنزلة المستثنى من كلية نجاسة القليل بالملاقاة.

ثم لا يخفى ان هذا كله مبني على تلك المقدمة القائلة: ان النجس لا يطهر غيره. و قد عرفت ما فيها (1) (2).

____________

(1) من انه يجب تخصيص ذلك بما إذا كان نجسا قبل التطهير لا حال التطهير كما تقدم بيانه (منه (رحمه الله).

(2) في الصحيفة 305.

327

ثم انه (قدس سره) قال في المدارك بعد الكلام المتقدم: «نعم يمكن ان يقال انه لا منافاة بين الحكم بطهارة الثوب المغسول و ما يتصل به من البلل، و نجاسة المنفصل خاصة إذا اقتضته الأدلة. لكن يبقى الكلام في إثبات ذلك» انتهى. و الظاهر انه اشارة الى ما ذكرنا. و قال المحدث الأمين (قدس سره) في تعليقاته على الكتاب المذكور: «و لعل وجه هذا الاحتمال ان الماء المغسول به لا يحمل النجاسة إلا بنقله لها عن المحل المتنجس، و النقل إنما يتحقق بالانفصال» انتهى. و لا يخفى بعده (1).

هذا. و ظاهر السيد السند (قدس سره) في المدارك الميل الى ما ذهب اليه السيد المرتضى (رضي الله عنه) حيث قال- بعد الجواب عن أدلة ابن ابي عقيل على عدم انفعال الماء القليل- ما صورته: «لكن لا يخفى انه ليس في شيء من تلك الروايات دليل على انفعال القليل بوروده على النجاسة، بل و لا على انفعاله بكل ما يرد عليه من النجاسات، و من ثم ذهب السيد المرتضى (رضي الله عنه) في جواب المسائل الناصرية الى عدم نجاسة القليل بوروده على النجاسة. و هو متجه» انتهى. و اختار ذلك ايضا المحدث الأمين (طاب ثراه) في تعليقاته على الكتاب المذكور.

و فيه (أولا)- انه و ان كانت جملة من الاخبار الدالة على نجاسة القليل بالملاقاة قد اشتملت على ورود النجاسة على القليل، كأخبار الركوة و التور و نحوهما، إلا ان ذلك لا يقتضي قصر النجاسة عليه دون عكسه، فان الظاهر ان السبب في الانفعال إنما هو ملاقاة النجاسة كيف اتفق، و قابلية القليل من حيث القلة و المائعية للانفعال أعم من وروده على النجاسة أو ورودها عليه. و الحكم بالنجاسة في تلك الأخبار قد

____________

(1) فإن الأخبار الدالة على نجاسة القليل لا تخصيص في شيء منها بما ذكره، بل ظاهر بعضها و صريح بعض هو الانفعال بمجرد الملاقاة. و دعوى ذلك في خصوصية ماء الغسالة تحتاج الى دليل (منه (رحمه الله).

328

وقع في جواب الأسئلة المتضمنة لورود النجاسة على الماء. و خصوص السؤال لا يخصص كما تقرر عندهم.

و (ثانيا)- ان من فروع هذا القول صحة التطهير بالقليل مع وروده على النجاسة دون العكس فلا يصح التطهير به، مع ان صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1) ترده كما عرفت. إلا ان يرتكبوا مخالفة ذلك القائل المذكور هنا.

و (ثالثا)- ان جملة من الاخبار- الدالة بمفهوم الشرط على النجاسة- تدل بإطلاقها على الانفعال بالملاقاة أعم من ورود النجاسة أو عكسه. و من الظاهر ان جعلهم (عليهم السلام) الكر معيارا و مدارا للانفعال و عدمه انه كذلك مطلقا، و الا لوقع التقييد أو الإشارة الى ذلك في بعض تلك الاخبار.

و يمكن ان يقال: ان الأصل في الماء الطهارة بمقتضى القاعدة المنصوصة المتفق عليها، و لا يخرج عن هذا الأصل إلا بدليل قاطع. و المعلوم من الاخبار تحقق الانفعال بورود النجاسة خاصة حملا لمطلق الأخبار على مقيدها. و القول- بان خصوص السؤال لا يخصص- مدفوع بان مثل خبر العبدية و خبر عمر بن حنظلة و خبر حفص بن غياث المتقدم ذلك كله (2) قد دل على ذلك ابتداء من غير تقدم سؤال.

و اما الفرع المذكور فيجاب عنه بما قدمنا تحقيقه (3) من عدم المنافاة بين التطهير بالقليل و نجاسته بذلك التطهير. و حينئذ فيقوى القول بالفرق بين ورود النجاسة و عكسه.

و يمكن تأييده أيضا بأخبار ماء الاستنجاء (4)، حيث حكم فيها بطهارته، فإنه يمكن ان يكون ذلك انما هو لورود الماء على النجاسة.

____________

(1) في الصحيفة 325.

(2) في الصحيفة 287 و 288.

(3) في الصحيفة 305.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

329

إلا انه بعد لا يخلو من شوب الإشكال، لأن تلك الأخبار المشتملة على الانفعال بورود النجاسة لا صراحة لها بل و لا ظهور في التخصيص بصورة الورود حتى تقيد بها تلك الأخبار المطلقة، و بدونه يشكل الحكم بالتقييد، و المسألة لذلك محل تردد.

و اما ما ذكره السيد السند (قدس سره)- من انه ليس في الروايات ما يدل على انفعال القليل بكل ما يرد عليه من النجاسات، حتى تبعه في هذه المقالة جمع ممن تأخر عنه- ففيه انه و ان كان جملة من تلك الاخبار قد اشتملت على نجاسات مخصوصة الا ان جملة منها قد اشتملت على ألفاظ تؤذن بالعموم، كلفظ القذر الوارد في موثقتي عمار و رواية أبي بصير، و لفظ الشيء في الأخبار الدالة على النجاسة بالمفهوم الشرطي، و كذا في حسنة شهاب بن عبد ربه، المتقدم جميع ذلك في أدلة القول بالنجاسة (1) و سيأتي مزيد تحقيق للمقام في مسألة الغسالة ان شاء الله تعالى.

(المقام الثالث) [تفصيل الشيخ (قده) في نجاسة القليل بالملاقاة بين الدم القليل و غيره]

- جمهور القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة لم يفرقوا في النجاسة الملاقية بين قليلها و كثيرها.

و نقل عن الشيخ (قدس سره) في المبسوط القول بعدم نجاسة الماء بما لا يمكن التحرز منه، مثل رؤوس الابر من الدم و غيره، فإنه معفو عنه، لانه لا يمكن التحرز منه.

و نقل عنه في الاستبصار التخصيص بالدم القليل الذي لا يدركه الطرف كرؤوس الابر.

و استدل على ذلك

بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه،

____________

(1) في الصحيفة 281 و 282 و 284.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.

330

هل يصلح الوضوء منه؟ قال: ان لم يكن شيء يستبين في الماء فلا بأس، و ان كان شيئا بينا فلا يتوضأ منه».

و أورد عليه انه ليس في الرواية تصريح بإصابة الدم الماء، و إنما المتحقق منها اصابة الإناء، و هو لا يستلزم اصابة الماء، فيكون باقيا على أصل الطهارة.

و أجيب بأن السائل أجل قدرا من ان يسأل عن مثل ذلك، بل المراد انما هو السؤال عن الماء. و ذكر الإناء إنما هو على حذف مضاف.

و فيه (أولا)- ان هذا الاستبعاد إنما نشأ الآن بعد المعرفة بالأحكام و شيوع مثل هذا الحكم بين الأنام، و إلا فكتاب علي بن جعفر المذكور قد اشتمل على جملة من الأسئلة العارية الآن عن الالتباس. بحيث يعرف أحكامها الآن جهال الناس.

و (ثانيا)- ان من المحتمل قريبا- بل هو الظاهر من الخبر المذكور- انه مع تحقق اصابة الإناء حصل الشك في اصابة الماء أو الظن بذلك، فحسن السؤال حينئذ عن ذلك. و أجاب (عليه السلام) بالبناء على يقين الطهارة إلا ان يعلم ذلك باستبانة الدم في الماء.

نعم لقائل أن يقول: انه من المقرر في كلامهم انه متى اشتمل الكلام على قيد فمورد الإثبات و النفي هو القيد. و حينئذ يكون النفي في قوله: «ان لم يكن شيء يستبين» راجعا إلى الاستبانة التي هي صفة الشيء. و الظاهر ان بناء الاستدلال على ذلك.

و أجيب عن ذلك بأنه انما يحسن لو كان في السؤال تصريح بإصابة الدم الماء. و فيه انه متى كان تقدير السؤال هو ان الدم قد أصاب الإناء و لكن أظن أو أشك في إصابته الماء، فإنه يحسن في الجواب بناء على ذلك التقدير المذكور ان يقال: انه و ان أصاب الماء حقيقة فضلا عن ظن ذلك أو الشك فيه إلا ان مجرد اصابة الماء مع عدم ظهوره و استبانته

331

غير موجب للنجاسة. و اما الجواب- بكون (يستبين) خبرا لكان و ان اسمها (شيء)- فظني بعده، بل الظاهر ان (كان) هنا تامة. و مع تسليمه فهو إنما يتم على تقدير نقل الخبر كذلك كما هو في التهذيب، و اما على ما هو المحكي عن الكافي من ان لفظ الرواية فيه «ان لم يكن شيئا يستبين في الماء» فلا مجال لهذا الجواب. و بذلك تبقى المسألة في قالب الاشكال.

هذا. و بعض محققي متأخري المتأخرين صار الى العمل بالخبر المذكور. استنادا الى ان ما دل على انفعال القليل بالملاقاة لا يدل على العموم، إذ الروايات الدالة بمنطوقها على ذلك مختصة بموارد مخصوصة، و الدالة بمفهومها لا عموم لمفهومها، و إنما يتم ذلك بالإجماع على عدم الفصل بين النجاسات، و هو غير جار في محل الخلاف، فلا جرم كان ما نحن فيه داخلا في عموم أدلة الطهارة. و فيه ما عرفته في المقام الأول في الجواب عن الوجه الخامس (1) من كلام الفاضل المتقدم ذكره من ثبوت العموم في المفهوم على وجه معلوم غير موهوم.

و اعترض بعض محققي متأخري المتأخرين على الشيخ (قدس سره) بان مورد الرواية دم الأنف، فالتعميم لا يخلو من اشكال. و فيه انه لو خصت الأحكام بخصوص الوقائع المخصوصة و مشخصاتها الخارجية، لم يكد يتفق وجود حكم كلي في أحكام الفقه إلا القليل. و الظاهر ان خصوصية الأنف هنا غير ملحوظة، فيتعدى الحكم إلى سائر أفراد الدم من باب تنقيح المناط القطعي كما تقدم بيانه في المقدمة الثالثة (2) فلا اشكال.

نعم تعميم الشيخ الحكم المذكور في المبسوط للدم و غيره لا يخلو من الاشكال لاختصاص مورد الخبر المذكور بالدم، و ظهور التغاير في الأحكام بين افراد النجاسات

____________

(1) في الصحيفة 309.

(2) في الصحيفة 56 و 64.

332

في العفو و عدمه و تعدد الغسل و عدمه و نحو ذلك، فلا يمكن دخول ذلك في تنقيح المناط القطعي. و صار البعض المتقدم ذكره إلى تقوية ما في المبسوط بناء على ما نقلنا عنه.

و فيه ما عرفته. و ما ذكره الشيخ (قدس سره) من عدم إمكان التحرز ممنوع سواء أريد به ما يدل عليه ظاهر اللفظ أو الكناية عن المشقة.

(المقام الرابع) [التفصيل في نجاسة القليل بالملاقاة بين الساكن و الجاري لا عن نبع]

- المفهوم من كلام المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) في تعليقاته على كتاب المدارك تخصيص القول بنجاسة القليل بالملاقاة بالماء الساكن دون الجاري لا عن نبع، حيث قال بعد قول السيد (قدس سرهما) في الكتاب المذكور: «أطبق علماؤنا إلا ابن ابي عقيل على ان الماء. إلخ»- ما صورته:

«قلت: الإطباق ثابت في الماء القليل الساكن دون الجاري لا عن نبع كما سيجيء ان شاء الله تعالى» انتهى. و أشار بقوله: «كما سيجيء» الى ما قدمنا نقله عنه في آخر المسألة الثانية من الفصل الثاني (1).

و قد سبقه الى ذلك ايضا المحقق الشيخ حسن (طاب ثراه) في المعالم كما قدمنا نقله في المسألة المذكورة (2) حيث قال ثمة: «إذ الأدلة الدالة على انفعال ما نقص عن الكر بالملاقاة مختصة بالمجتمع و المتقارب. الى آخر ما تقدم» و مبنى ما ذكروه على ان المستفاد- من أخبار الكر كمية و اشتراطا- اعتبار الاجتماع في الماء، و صدق الوحدة على ذلك الماء إنما هو باعتبار ذلك، فمورد جعل الكر و عدمه مناطا للعصمة عن الانفعال و عدمها إنما هو المجتمع الساكن دون الجاري المذكور. و المسألة محل اشكال كما قدمنا بيانه في المسألة المشار إليها (3).

(المقام الخامس) [تطهير القليل النجس بإلقاء الكر عليه]

- صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف

____________

(1) في الصحيفة 240.

(2) في الصحيفة 239.

(3) في الصحيفة 232.

333

يعرف بينهم- ان مما يطهر القليل النجس إلقاء كر عليه دفعة، فان كان متغيرا و زال تغيره بذلك و إلا فكر آخر حتى يزول التغير.

و قد وقع الخلاف بينهم في اشتراط الدفعة و عدمه، و اشتراط الامتزاج و عدمه و الظاهر ان منشأ ذلك عدم ورود حكم تطهير المياه في النصوص- لا بطريق العموم و لا الخصوص- سوى ما ورد في ماء الحمام مما لا يحسم مادة الإشكال في المقام.

فحينئذ حاول جملة من الأصحاب للحكم بالطهارة هنا وجها يدخل به تحت عموم الاخبار و هو حصول الوحدة بانضمام الماء الطاهر الى الماء النجس ليدخل تحت عموم

قوله (عليه السلام) (1): «إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شيء».

و قد صرحوا أيضا بأنه كما يطهر بإلقاء الكر يطهر بمطهرات أخر سنشير إليها ان شاء الله تعالى (2).

و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع:

(الأول)- قد اختلفت كلمة الأصحاب (رضوان الله عليهم) في اشتراط الامتزاج و عدمه، و اضطربت فتاوى جملة منهم، فممن صرح بذلك المحقق في المعتبر في مسألة الغديرين، حيث قال: «الغديران الطاهران إذا وصل بينهما بساقية صارا كالماء الواحد، فلو وقع في أحدهما نجاسة لم ينجس و لو نقص كل واحد منهما عن الكر إذا كان مجموعها مع الساقية كرا فصاعدا» ثم قال بعد هذا الكلام بلا فصل: «الثالث- لو نقص الغدير عن كر فنجس فوصل بغدير فيه كر ففي طهارته تردد. و الأشبه بقاؤه على النجاسة، لأنه ممتاز عن الطاهر» و لا يخفى عليك ما في ظاهر هذا الكلام من التدافع، الا ان يحمل كلامه الأول على استواء سطحي الغديرين و الثاني على اختلافهما كما أشرنا إليه في المسألة الثانية

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق. و النص- كما في الوسائل و غيره-

«إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء» ..

(2) في الموضع الثامن من المواضع الآتية.

334

من الفصل الثاني. و قال العلامة في التذكرة: «لو وصل بين الغديرين بساقية اتحدا ان اعتدل الماء و الا في حق السافل، فلو نقص الأعلى عن كر انفعل بالملاقاة، و لو كان أحدهما نجسا فالأقرب بقاؤه على حكمه مع الاتصال و انتقاله إلى الطهارة مع الممازجة، لأن النجس لو غلب الطاهر نجسه مع الممازجة فمع التمييز يبقى على حاله» انتهى. و قال الشهيد في الذكرى: «و طهر القليل بمطهر الكثير ممازجا، فلو وصل بكر مماسة لم يطهر، للتميز المقتضي لاختصاص كل بحكمه، و لو كان الملاقاة بعد الاتصال و لو بساقية لم ينجس القليل مع مساواة السطحين أو علو الكثير» انتهى.

و لا يخفى عليك ما في عبائر هؤلاء الأفاضل من المناقشة، فإنه متى كان الاتصال بين الغديرين بساقية مع تساوي السطوح موجبا للاتحاد في صورة عدم النجاسة، فلم لا يكون موجبا له ايضا بعد تنجس أحدهما حتى انه يشترط الممازجة؟ إذ من الظاهر ان عروض النجاسة و عدمه لا مدخل له في الاتحاد و عدمه، فان وصف النجاسة لا يخرج الماء عن حقيقة المائية، و الحكم بالاتحاد إنما ابتنى على ذلك، و إلا فلو تغير الماء بلون طاهر ثم وصل بماء خال من اللون اقتضى ذلك تعدد الماءين، و لا أظنهم يلتزمونه و حينئذ فإن كان مجرد الاتصال كافيا فينبغي أن يكون في الموضعين و إلا فلا، و القائلون بالاكتفاء بمجرد الاتصال و حصول الاتحاد به و ان أوجبوا المساواة أو علو الكثير بعد عروض النجاسة كما نبه عليه شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الروض، إلا ان ذلك ليس من حيث عدم الاتحاد بل من حيث انه يشترط في المطهر علوه و امتزاجه، و الا فهو قد صرح بحصول الاتحاد بمجرد المساواة، و احتمل ايضا فيه الاكتفاء بذلك بناء على حصول الاتحاد به في الصورة المذكورة، بخلاف كلامهم هنا، لتصريحهم بامتياز النجس عن الطاهر.

احتج ثاني المحققين و ثاني الشهيدين على الاكتفاء بمجرد الاتصال بما يرجع الى وجوه ثلاثة:

335

(أحدها)- الأصل.

و (ثانيها)- عدم تحقق الامتزاج. لأنه ان أريد به امتزاج مجموع الاجزاء بالمجموع لم يتحقق الحكم بالطهارة، لعدم العلم بذلك بل ربما علم عدمه. و ان أريد به البعض لم يكن المطهر للبعض الآخر الامتزاج بل مجرد الاتصال. و حينئذ فيلزم اما القول بعدم طهارته، و هو باطل قطعا، للإجماع على انه ليس وراء الامتزاج المذكور شرط آخر لطهر الجميع، أو القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال، و حينئذ فيلزم القول به مطلقا (1).

و (ثالثها)- ان الاجزاء الملاقية للطاهر تطهر بمجرد الاتصال قطعا فتطهر الأجزاء التي تليها، لاتصالها بالكثير الطاهر. و كذا القول في بقية الاجزاء.

و أورد على الأول بأن التمسك بالأصل هنا لا معنى له بالكلية. فإن يقين النجاسة- الموجب لأصالة بقائها حتى يثبت المزيل- معارض و مخرج عن ذلك الأصل و (على الثاني) انا نختار (أولا)- امتزاج المجموع بالمجموع. لكن لا بالمعنى الذي ذكره، بل بمعنى اختلاطهما على وجه يستهلك الماء النجس و لا يظهر له أثر بالكلية. لكن لا يخفى ان عدم ظهور أثر النجس بالكلية كما يحصل بالاستهلاك و الاضمحلال في الماء الطاهر، كذلك قد يكون سببه تشابه الماءين و ان لم يحصل ثمة استهلاك. و حينئذ فالقول به مطلقا مشكل إلا بدعوى الإجماع على الطهارة بذلك.

و فيه ما لا يخفى. نعم لو كان سطح الماء أوسع من سطح القليل و ألقي عليه. فإنه يحصل العلم بالاستهلاك و المداخلة. و سيأتي ما فيه مزيد بيان لذلك ان شاء الله تعالى.

و (ثانيا)- نختار امتزاج البعض و ان الباقي يطهر حينئذ. قوله-: انه متى كان طهر الباقي بمجرد الاتصال يلزم القول به مطلقا- ممنوع. و وجه الفرق ظاهر،

____________

(1) إذ الفرق بين الأبعاض غير معقول، فيكون اعتبار الامتزاج على هذا التقدير مستلزما لعدم اعتباره. و هو فاسد قطعا (منه (رحمه الله).

336

فان الحكم بالطهارة و النجاسة تابع للدلالة الشرعية، و ليس للعقل فيه مدخل بوجه، و نحن إنما حكمنا بطهارة الأجزاء الباقية بعد الامتزاج لما ذكرتموه من الإجماع على حصول الطهارة للمجموع بذلك، و هذا لا يستلزم الحكم بطهارة ما لم يحصل فيه امتزاج أصلا بمجرد الاتصال، لعدم شمول الدليل المذكور له. و لانه ربما كان للممازجة البعض مدخل في التطهير فلا يتم الاكتفاء بمجرد الاتصال.

و (على الثالث)- انه موقوف على وجود دليل على ان الماء يطهر نفسه، و الأدلة العامة الدالة على كونه طهورا (1) غاية ما تدل عليه كونه مطهرا في الجملة.

و ضم الإجماع في تتمة الاستدلال بها لا يتم في مقام النزاع (2) و الخاصة الواردة في جزئيات الأحكام إنما تدل على كونه مطهرا لغيره، بل ربما دل حديث

«انه يطهر و لا يطهر» (3).

بظاهره على عدم وقوع التطهير هنا.

و القول الفصل في المقام ان يقال: لما كان الحكم المذكور غير منصوص فالواجب فيه رعاية الاحتياط الذي به يحصل يقين البراءة، لما عرفت في المقدمة الرابعة (4) من ان الاحتياط في مثل هذا الموضع واجب. و هو لا يحصل إلا بالقول بالامتزاج على وجه يستهلك الماء النجس في جنب الماء الطاهر.

و يؤيد ذلك ما قدمنا (5) من معنى حديث

«الماء يطهر و لا يطهر»

بحمل كونه لا يقبل التطهير على الممازجة الموجبة لاضمحلاله و استهلاكه.

____________

(1) المتقدمة في المقالة الثانية في الصحيفة 172.

(2) بأن يقال: ان الأدلة المذكورة دلت على كونه مطهرا في الجملة، و الإجماع قائم على عدم الفصل و الفرق بين افراد المتنجس (منه (قدس سره).

(3) و هو حديث السكوني المروي في الوسائل في الباب- 1- من أبواب الماء المطلق.

(4) في الصحيفة 68.

(5) في الصحيفة 177.

337

و يؤيده أيضا ما حققه المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في كتاب المعالم، من انه لما دل النص و الإجماع على ان وقوع النجاسة في الكثير أو وقوعها عليه لا يمنع من استعماله و لا يؤثر فيه تنجيسا و ان كثرت ما لم تتغير بها، لاستهلاكها فيه و اضمحلالها في جنبه، فيدل بمفهوم الموافقة على ان الماء النجس بهذه المثابة، فإذا وقع في الماء أو وقع الماء عليه و صار مستهلكا فيه بحيث شاعت اجزاؤه و لم تتميز وجب الحكم بطهارته. نعم فيه ما تقدم من ان العلم بذلك يقينا إنما يحصل فيما لو كان سطح الماء الكثير أوسع من سطح القليل النجس، أو كان الماء النجس ذا طعم أو لون أو رائحة و انعدمت بوضعه في الماء الكثير.

(الموضع الثاني)- انه مع اعتبار الامتزاج و عدم الاكتفاء بمجرد الاتصال. فهل يشترط الدفعة العرفية، بمعنى وقوع جميع اجزاء الماء الكثير في زمان قصير بحيث يصدق عليه الدفعة عرفا (1) حيث ان اعتبار الدفعة الحقيقية محال، أم لا يشترط، بل يكفي وقوعه تدريجا لكن بشرط عدم الانقطاع؟

قد اختلفت عباراتهم أيضا في ذلك، فممن صرح بالدفعة جمع منهم: المحقق في الشرائع و العلامة في جملة من كتبه و كذا الشهيد، بل الظاهر انه المشهور بين المتأخرين. و منهم من أطلق كالمحقق في المعتبر، و هو المنقول ايضا عن الشيخ في الخلاف و المبسوط. و منهم من صرح بالاكتفاء بوقوعه تدريجا كالشهيد في الذكرى

____________

(1) قال المحقق الشيخ حسن (ره) في كتاب المعالم: «اعلم ان المعتبر في الدفعة ما لا يخرج به الماء عن كونه متساوي السطح، و مآله الى ان يبقى به صدق الاجتماع و الوحدة عرفا، لما عرفت من ان الموجب لاعتبارها هو التحرز من انفعال بعض اجزاء الماء، و هو انما يكون بخروجه عن الوحدة المعتبرة» انتهى. و لا يخفى أن إلقاء الماء- بحيث لا يخرج عن المساواة- متعذر أو متعسر في أكثر الأحيان، فلعل المراد باشتراط المساواة الاكتفاء هنا بصدق الوحدة العرفية و الاجتماع و ان اختلفت السطوح في الجملة (منه (رحمه الله).

338

و اعترضه المحقق الثاني بأن فيه تسامحا، لان وصول أول جزء منه الى النجس يقتضي نقصانه عن الكر فلا يطهر، و لورود النص بالدفعة و تصريح الأصحاب بها. ورده السيد السند في المدارك بأنه غير جيد، فإنه يكتفى في الطهارة ببلوغ المطهر الكر حال الاتصال إذا لم يتغير بعضه بالنجاسة و ان نقص بعد ذلك، مع ان مجرد الاتصال بالماء النجس لا يقتضي النقصان كما هو واضح. و ما ادعاه من ورود النص بالدفعة منظور فيه، فانا لم نقف عليه في كتب الحديث و لا نقله ناقل في كتب الاستدلال. و تصريح الأصحاب بالدفعة ليس حجة، مع ان العلامة في المنتهى و التحرير اكتفى في تطهير الغدير القليل النجس باتصاله بالغدير البالغ كرا. و مقتضى ذلك الاكتفاء في طهارة القليل باتصال الكر به و ان لم يلق كله فضلا عن كونه دفعة انتهى. و فيه ان ما ذكره- من انه يكتفى في الطهارة ببلوغ الكر حال الاتصال- محل نظر، لما عرفت آنفا من عدم الدليل على ذلك، إلا ان يكون ذلك إلزاما للمعترض، حيث انه من القائلين بالاكتفاء بمجرد الاتصال.

و فصل المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المعالم، فقال: «و التحقيق في ذلك انه لا يخلو، اما ان يعتبر في عدم انفعال مقدار الكر استواء سطحه أولا، و على الثاني اما ان يشترط في التطهير حصول الامتزاج أولا، و على تقدير عدم الاشتراط اما أن يكون حصول النجاسة عن مجرد الملاقاة أو مع التغير. فههنا صور أربع:

(الاولى)- ان يعتبر في عدم انفعال الكر استواء السطح. و المتجه حينئذ اشتراط الدفعة و الإلقاء، لأن وقوعه تدريجا يقتضي خروجه عن المساواة، فتنفعل الأجزاء التي يصيبها الماء النجس، و ينقص الطاهر عن الكر فلا يصلح لإفادة الطهارة و لا فرق في ذلك بين المتغير و غيره، لاشتراك الكل في التأثير في القليل، و المفروض صيرورة الاجزاء بعدم المساواة في معنى القليل.

339

(الثانية)- ان يهمل اعتبار المساواة و لكن يشترط الامتزاج. و الوجه عدم اعتبار الدفعة حينئذ بل ما يحصل به ممازجة الطاهر بالنجس و استهلاكه له، حتى لو فرض حصول ذلك قبل إتمام إلقاء الكر لم يحتج إلى الباقي. و لا يفرق هنا ايضا بين المتغير و غيره، لكن يعتبر في المتغير مع الممازجة زوال تغيره، فيجب ان يلقى عليه من مقدار الكر ما يحصل به الأمران، و لو قدر قوة المتغير بحيث يلزم منه تغير شيء من اجزاء الكر حال وقوعها عليه، وجب مراعاة ما يؤمن معه ذلك اما بتكثير الاجزاء أو بإلقاء الجميع دفعة.

(الثالثة)- ان لا يشترط الممازجة و لا يعتبر المساواة و تكون نجاسة الماء بمجرد الملاقاة. و المتجه حينئذ الاكتفاء بمجرد الاتصال، فإذا حصل بأقل مسماه كفى و لم يحتج إلى الزيادة عنه.

(الرابعة)- الصورة بحالها و لكن كان الماء متغيرا. و المعتبر حينئذ اندفاع التغير كما في صورة اشتراط الامتزاج، و حينئذ لو فرض تأثير التغير في بعض الاجزاء تتعين الدفعة أو ما جرى مجراها كما ذكر. و حيث قد تقدم منا الميل الى اعتبار المساواة فاعتبار الدفعة متعين» انتهى كلامه (زيد مقامه).

و يرد على ما ذكره في الصورة الاولى انه قد صرح سابقا بان الذاهبين الى اعتبار المساواة مصرحون بعدم انفعال القليل المتصل بالكثير إذا كان الكثير أعلى، كما قدمنا لك عبائر جملة منهم في المسألة الثانية من الفصل الثاني (1) و قال (قدس سره) هناك بعد البحث في ذلك: «و قد تحرر من هذا ان عدم انفعال الواقف بالملاقاة مشروط ببلوغ مقدار الكر مع تساوي السطوح، أو باتصاله بمادة هي كر فصاعدا، و لا يعتبر استواء السطوح في المادة بالنظر الى عدم انفعال ما تحتها. إلخ» و مفهوم هذا الكلام

____________

(1) في الصحيفة 228.

340

ان الشرط في عدم انفعال الكثير الواقف اما تساوي سطوحه أو كون الأعلى منه كرا فصاعدا، لعدم تقوي الأعلى بالأسفل عندهم، و حينئذ فالوحدة و الاجتماع اللذان هما مدار العصمة عن الانفعال حاصلان على تقدير التساوي و الاختلاف على الوجه المذكور، فلا يتجه اعتبار الدفعة بل يجزي الوقوع تدريجا، و يرجع الى ما ذكره في الصورة الثانية و بذلك يظهر لك ما في آخر كلامه من قوله: «و حيث قد تقدم منا الميل. إلخ» فإنه قد تقدم منه كما حكينا عنه (1) الميل الى اعتبار المساواة أو علو الكثير لا اعتبار المساواة خاصة كما يوهمه كلامه هنا.

و يرد على ما ذكره في الصورة الثانية انه مع إهمال اعتبار المساواة و ان اشترط الامتزاج، فالاكتفاء بامتزاج البعض ممنوع. لما عرفت آنفا (2) من عدم النص في تطهير المياه، و الأصل بقاء النجاسة. و غاية ما يمكن التشبث به في هذا الباب الإجماع. و هو إنما يثبت بالإلقاء دفعة على وجه يستلزم دخول جميع الاجزاء بعضها في بعض. و بالجملة فإن وجوب الدفعة كما يترتب على اعتبار المساواة كذلك يترتب على اشتراط الامتزاج، إذ امتزاج البعض و ان أوجب استهلاك النجس، إلا انه لا دليل على حصول التطهير به. و أيضا فإن القائلين باعتبار الممازجة لم يظهر منهم التصريح بالاكتفاء بممازجة البعض، بل ربما ظهر من كلامهم اعتبار ورود جميع الكر عليه، و بذلك يظهر لك ما في تتمة كلامه في الصورة المذكورة.

و يرد على ما ذكره في الصورة الثالثة ان ما ذكر فيها- من عدم اشتراط الممازجة و عدم اعتبار المساواة- أعم من الاكتفاء بالاتصال مطلقا أو حصول الممازجة في بعض.

و عدم اشتراط الدفعة هنا إنما يتم على الأول دون الثاني، لما عرفت آنفا (3).

____________

(1) في الصحيفة 239.

(2) في الصحيفة 333.

(3) في الصحيفة 333.

341

و بالجملة فطريق الاحتياط اعتبار الدفعة على الوجه الذي ذكرنا سابقا في الممازجة و الله اعلم.

(الموضع الثالث)- ينبغي أن يعلم انه على جميع التقادير من القول بالدفعة و الممازجة أو الاكتفاء بمجرد الاتصال، لو كان الماء متغيرا بالنجاسة فالواجب أن يزال التغير أولا، إلا أن يحصل زواله بالإلقاء دفعة بحيث لا يتغير شيء من ماء الكر، أو يزاد في مقدار الماء المطهر على وجه يسلم مقدار الكر عن التغير. و عبائر جملة من الأصحاب و ان دلت بإطلاقها في صورة التغير على انه يجب إلقاء كر يزيل تغيره و ان تغير بعض الكر في ابتداء الوصول، إلا ان الظاهر انه ليس بمراد لهم.

(الموضع الرابع)- انه قد ذكر جملة من الأصحاب انه متى كان الماء القليل متغيرا فطهره بإلقاء كر عليه، فان زال به التغير و الا فكر آخر و هكذا، و قيده جملة من المتأخرين بأن إلقاء الكر الآخر- مع عدم زوال التغير بالكر السابق- إنما هو على تقدير ان لا يتميز كر طاهر غير متغير عن الماء المتغير، و الا فيكفي حينئذ في تطهير النجس المتصل به التموج حتى يزول التغير كما تقدم في تغير بعض الكثير. و لا يخفى ما فيه على إطلاقه من الإشكال، لأنه متى فرض ان القليل قد تغير بعضه، و انه بإلقاء الكر عليه دفعة فالقدر الذي وقع على ذلك البعض المتغير قد تغير ايضا، و الواقع على غير المتغير حينئذ أقل من كر، فإنه يلزم ان ينجس الواقع على غير المتغير في أول آن الملاقاة بوقوعه على النجس و ان بلغ معه بعد الوقوع كرا. و اعتبار الدفعة الواحدة الموجبة لاتحاد الماءين مقيدة بعدم تغير شيء من الكر الملقى كما عرفت آنفا. نعم لو قلنا بالاكتفاء بمجرد الاتصال أو الامتزاج في الجملة، و كان وقوع الكر المذكور في غير الناحية التي فيها التغير، اتجه ان يكون ما وقع عليه الكر أو اتصل به طاهرا البتة، و تختص النجاسة بالمتغير، فيصير من قبيل مسألة الكثير المتغير بعضه. و لعل

342

الى ذلك لحظ السيد السند في المدارك، حيث انه قيد وجوب إلقاء الكر مرة أخرى بتغير الكر الأول أو بعضه بالنجاسة، و خص الطهارة بالتموج و الامتزاج بما إذا بقي الكر الملقى على حاله، و لم يكتف بحصول كر في الجملة و لو من الماء السابق و اللاحق، كما يعطيه ظاهر الكلام الذي نقلناه (1).

(الموضع الخامس)- انه على القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال- كما هو أحد القولين المتقدمين- هل يكفي الاتصال كيف كان أم لا بد من المساواة أو علو المطهر؟

قد عرفت مما تقدم في الفصل الثاني (2) وقوع الخلاف في اشتراط المساواة و الاختلاف في مقدار الكر، و ان جملة من الأصحاب- كشيخنا الشهيد الثاني و غيره- قائلون بعدم انفعاله و ان اختلفت سطوحه كيف كان، و ان جملة منهم- كالشهيد و الشيخ علي و العلامة في أحد قوليه- يقيدون ذلك بالمساواة أو علو الكثير. هذا قبل عروض النجاسة. اما لو عرضت للقيل ثم وصل بالكثير، فظاهر شيخنا الشهيد الثاني- الذي هو أحد القائلين بالاتحاد مع اختلاف السطوح في الشق الأول- عدم القول بالاتحاد هنا. بل يشترط المساواة أو علو الكثير، و حينئذ فظاهرهم الاتفاق هنا على علو المطهر أو مساواته.

(الموضع السادس)- لو كان الماء القليل النجس في كوز و نحوه، توقف طهره على دخول المطهر اليه و ممازجته له على القول بالممازجة. و لو كان الإناء مملوء فالظاهر عدم طهارته، لعدم إمكان التداخل. إلا ان يكون للمطهر قوة و انصباب بحيث يدافع ما في الكوز. و مما يعلم به عدم الممازجة بقاء ماء الكوز على وصفه المباين ان كان كذلك، كعذوبته مع ملوحة المطهر، و حرارته مع برودة المطهر، أو بالعكس فيهما، و يكفي مجرد اتصال المطهر به على القول الآخر على الوجه المذكور.

____________

(1) في الصحيفة 338.

(2) في المسألة الثانية في الصحيفة 228.

343

(الموضع السابع)- لو فرق ماء الكر في ظروف عديدة و ألقي ماء كل منها على حياله على الماء النجس مع اتصال الانصباب الى الفراغ، فالظاهر انه لا يفيد طهارة.

(أما أولا)- فلأن المفهوم من الأخبار و كلام الأصحاب اختصاص اسم الكر بالماء المجتمع، بل قد عرفت آنفا (1) من كلام المحققين الشيخ حسن في المعالم و المحدث الأمين (قدس سرهما) المناقشة في ثبوت صدق الكرية مع اختلاف السطوح، لكون المفهوم عندهما من الأخبار اعتبار تساوي اجزاء الماء في صدق الكر عليه، فكيف مع تفرقة في ظروف عديدة؟

و (اما ثانيا)- فلأن الدفعة العرفية- التي هي عبارة عن الوقوع في أقرب زمان- انما تحصل مع الاجتماع لا مع التفرق.

و (اما ثالثا)- فلأن الشارع قد جعل الكر معيارا لعدم الانفعال بالملاقاة، و لا ريب ان هذا الماء بتفريقه قابل للانفعال، لقلة كل ظرف منه. فلا تصدق عليه الكرية، و متى لم تصدق عليه لم يحصل به التطهير.

و (اما رابعا)- فلأنه بوصول أول كل ماء من مياه تلك الظروف الى الماء النجس، يجب الحكم بنجاسته، لكونه ماء قليلا لاقى نجاسة، فلو اجتمعت منه كرور- و الحال هذه- كان حكمها كذلك. و العجب من جمع ممن رأيناهم- من فضلاء بلادنا البحرين- انهم يحكمون بالتطهير بذلك بل يفعلونه. و قد حضرت ذلك غير مرة و كنت يومئذ قبل ابان الخوض في تحقيق هذه المسائل و البحث عن هذه الدلائل.

و لم أعلم ما الوجه فيه عندهم.

(الموضع الثامن)- انه كما ان من الطرق لتطهير القليل ما ذكرنا من ورود الكر عليه أو اتصاله به على التفصيل المتقدم، كذلك:

____________

(1) في المسألة الثانية في الصحيفة 228.

344

(منها)- وقوعه في الكر ايضا. و حينئذ فإن كان القليل متغيرا اشترط في طهره امتزاجه بما وقع عليه ليرفع التغير، فان ارتفع بذلك و إلا جرى فيه ما ذكرنا في الموضع الرابع. و ان لم يكن متغيرا بني على الخلاف في اعتبار الممازجة أو الاكتفاء بمجرد الاتصال على الوجه المتقدم من اعتبار المساواة أو علو المطهر.

و (منها)- وقوع ماء المطر عليه، و قد تقدم الكلام فيه في الفرع الأول من فروع المقالة التاسعة من الفصل الأول (1).

و (منها)- اتصاله بالنابع لكن مع علو النابع أو مساواته. و في حكمه الجاري عن مادة كثيرة. و الكلام في اشتراط الممازجة أو الاكتفاء بمجرد الاتصال على ما تقدم (2) و يبنى الكلام أيضا في النابع على الخلاف في اشتراط الكرية و عدمه كما تقدم (3).

(الموضع التاسع)- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في تطهير القليل النجس بإتمامه كرا.

فالمنقول عن الشيخ في الخلاف و ابن الجنيد- و اليه ذهب أكثر المتأخرين- القول بالبقاء على النجاسة.

و نقل عن المرتضى في المسائل الرسية القول بالطهارة. و اقتفاه في ذلك ابن إدريس، و يحيى بن سعيد صاحب الجامع و ابن حمزة و المحقق الشيخ علي. و هم بين مصرح بعدم الفرق بين إتمامه بطاهر أو نجس، و بين مقيد له بالطاهر، و بين

____________

(1) في الصحيفة 220.

(2) في الصحيفة 333.

(3) في الصحيفة 187.

345

مطلق يتناول بظاهره الأمرين (1).

احتج الأولون بأنه ماء محكوم بنجاسته شرعا، فتوقف الحكم بارتفاعها على الدليل.

و ليس فليس، لما سيظهر بعد إبطال أدلة الخصم.

(لا يقال): ان هذا تمسك بالاستصحاب، و أنتم قد نفيتم التمسك به آنفا (2).

(لأنا نقول): ان الاستصحاب في مثل هذه الصورة ليس من القسم المتنازع فيه، بل من قبيل ما يدخل تحت عموم الدليل أو إطلاقه، لأن ما دل على نجاسة القليل بالملاقاة لا تقييد فيه بوقت دون آخر و لا بحالة دون اخرى، و لان من جملة أدلة نجاسة الماء القليل الأخبار الدالة على النهي عن الوضوء و الشرب منه متى لاقته نجاسة، و النهي عندهم للتكرار و الدوام، و لأن الأخبار- الدالة على عدم الخروج عن يقين الطهارة أو النجاسة إلا بيقين مثله- شاملة لمحل النزاع.

و ما ذكره بعض فضلاء متأخري المتأخرين- من منع هذه الأدلة هنا من غير ان يبين وجهه بتفصيل و لا إجمال- لا اعرف له وجها إلا مجرد حب المناقشة في أمثال هذا المجال.

احتج المرتضى (رضي الله عنه)- على ما نقل عنه- بوجهين:

(أحدهما)- ان بلوغ قدر الكر موجب لاستهلاكه للنجاسة، فيستوي وقوعها قبل البلوغ و بعده.

و (ثانيهما)- ان الإجماع واقع على طهارة الماء الكثير إذا وجدت فيه نجاسة و لم يعلم هل كان وقوعها قبل بلوغ الكرية أو بعده؟ و ما ذاك إلا لتساوي الحالين،

____________

(1) ممن صرح بالأول ابن إدريس على ما نقل عنه، و ممن صرح بالثاني ابن حمزة على ما نقل عنه، و الباقون أطلقوا (منه (رحمه الله).

(2) في المطلب الثاني في الصحيفة 51.

346

إذ لو اختص الحكم ببعدية الوقوع لم يكن للحكم بالطهارة وجه، لانه كما يحتمل تأخره عن البلوغ يحتمل تقدمه عليه.

و احتج ابن إدريس بالإجماع، و

بقوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا» (1).

و هو عام. و زعم ان هذه الرواية مجمع عليها عند المخالف و المؤالف و بالعمومات الدالة على طهارة الماء و جواز استعماله كقوله سبحانه: «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ(2) و قوله: «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا(3)

و قوله (عليه السلام) لأبي ذر: «إذا وجدت الماء فأمسه جسدك» (4).

و قوله (عليه السلام):

«اما انا فلا أزيد على ان احثو على رأسي ثلاث حثيات. فإذا انى قد طهرت» (5).

____________

(1) تقدم الكلام في هذا الحديث في التعليقة 1 في الصحيفة 246.

(2) سورة الأنفال. الآية 12.

(3) سورة المائدة. الآية 10.

(4) هذا من حديث رواه أحمد في مسنده ج 5 ص 146، و أبو داود في السنن ج 1 ص 91، و روى الترمذي في جامعه ج 1 ص 193 القطعة الأخيرة منه المتعلقة بالتيمم و الغسل. و روى ابن العربي في شرحه على جامع الترمذي الحديث بتمامه. و رواه أيضا البيهقي في السنن ج 1 ص 179. و الحديث 12 من الباب- 14- من أبواب الجنابة من الوسائل يوافق ما رواه هؤلاء إلا انه خال من الذيل المذكور.

(5)

هذا الحديث رواه الشوكانى في نيل الأوطار عن احمد ج 1 ص 215 هكذا.

«اما انا فاحثى على رأسي ثلاث حثيات ثم أفيض فإذا انا قد طهرت».

ثم قال: و قال الحافظ قوله: «فإذا انا قد طهرت» لا أصل له من حديث صحيح و لا ضعيف. و لكنه وقع

من حديث أم سلمة، قال لها: «انما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين الماء عليك فإذا أنت قد طهرت».

و أصله في صحيح مسلم. انتهى ما في نيل الأوطار.

و روى البخاري في صحيحة ج 1 (باب من أفاض على رأسه ثلاثا) قوله (ص): «اما انا فأفيض على رأسي ثلاثا».

و أشار بيديه كلتيهما. و هكذا رواه مسلم في صحيحة ج 1 ص 136 و النسائي في السنن ج 1 ص 49. و ابن ماجة في السنن ج 1 ص 203.

و أبو داود في السنن ج 1 ص 62، و ابن حجر في مجمع الزوائد ج 1 ص 271، و رواه ايضا ابن ماجة في السنن ج 1 ص 203 هكذا «اما انا فاحثو على رأسي ثلاثا».

347

و أجيب عن ذلك، اما عن أول دليلي المرتضى (رضي الله عنه) فبأنه محض قياس لا يعمل به، إذ استهلاك النجاسة الذي دل النص عليه إنما هو بعد البلوغ، فالحلق استهلاك النجاسة الواقعة قبل البلوغ بذلك قياس محض. على ان الفارق موجود، و هو ان الماء بعد البلوغ له قوة في قهر النجاسة إذا وردت عليه بخلافه قبل، لانقهاره بالنجاسة فلا يصير قاهرا لها.

و اما عن ثانيهما فبأن الحكم بالطهارة في صورة دعوى الإجماع إنما هو بناء على أصالة الطهارة حتى تعلم النجاسة. و النجاسة هنا غير معلومة، لاحتمال تأخرها عن البلوغ، إذ عدم العلم بتقدم الوقوع و تأخره يقتضي الشك في التقدم الذي هو سبب النجاسة، فلا جرم تكون النجاسة مشكوكا فيها.

و اما عن أدلة ابن إدريس فبما ذكره المحقق في المعتبر، حيث قال- و نعم ما قال- و تنازعني نفسي إلا ان أذكره بتمامه، فإنه جيد رشيق، و بالإثبات- و ان طال به زمام الكلام- حقيق و اي حقيق، قال (قدس سره) بعد نقل الأدلة المذكورة: «فالجواب دفع الخبر، فانا لم نروه مسندا، و الذي رواه مرسلا المرتضى (رضي الله عنه) و الشيخ أبو جعفر (رحمه الله) و آحاد ممن جاء بعده. و الخبر المرسل لا يعمل به. و كتب الحديث عن الأئمة (عليهم السلام) خالية منه أصلا.

و اما المخالفون فلم اعرف به عاملا سوى ما يحكى عن ابن حي، و هو زيدي منقطع المذهب و ما رأيت أعجب ممن يدعي إجماع المخالف و المؤالف فيما لا يوجد إلا نادرا، فاذن الرواية ساقطة. و اما أصحابنا

فرووا عن الأئمة (عليهم السلام) «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء» (1).

و هذا صريح في ان بلوغه كرا هو المانع لتأثره بالنجاسة. و لا

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق.

348

يلزم من كونه لا ينجسه شيء بعد البلوغ رفع ما كان ثابتا فيه و منجسا قبله. و الشيخ (رحمه الله) قال بقولهم (عليهم السلام) و نحن قد طالعنا كتب الأخبار المنسوبة إليهم فلم نر هذا اللفظ، و انما رأينا ما ذكرناه، و هو

قول الصادق (عليه السلام):

«إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء» (1).

و لعل غلط من غلط في هذه المسألة لتوهمه ان معنى اللفظين واحد. و اما الآيات و الخبر البواقي فالاستدلال بها ضعيف لا يفتقر الى جواب، لأننا لا ننازع في استعمال الطاهر المطلق، بل بحثنا في هذا النجس إذا بلغ كرا يطهر، فان ثبتت طهارته تناولته الأحاديث الآمرة بالاغتسال و غيره. و ان لم تثبت طهارته فالإجماع على المنع منه، فلا تعلق له اذن فيما ذكره. و هل يستجيز محصل ان يقول النبي (صلى الله عليه و آله): «احثوا على رأسي ثلاث حثيات مما يجتمع من غسالة البول و الدم و ميلغة الكلب» و احتج ايضا لذلك بالإجماع، و هو أضعف من الأول لأنا لم نقف على هذا في شيء من كتب الأصحاب، و لو وجد كان نادرا، بل ذكره المرتضى (رحمه الله) في مسائل منفردة و بعده اثنان أو ثلاثة ممن تابعه. و دعوى مثل هذا إجماعا غلط، إذ لسنا بدعوى المائة نعلم دخول الامام فيهم، فكيف بدعوى الثلاثة و الأربعة» انتهى كلامه (زيد مقامه) و من المستطرف قوله: «و هل يستجيز محصل. إلخ».

الفصل الرابع في حكم البئر

، و فيه أبحاث:

(البحث الأول) [تعريف البئر]

- قد عرف شيخنا الشهيد- في شرح الإرشاد- البئر بأنها مجمع ماء نابع من الأرض لا يتعداها غالبا و لا يخرج عن مسماها عرفا. و اعترضه المحقق

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق.

349

الشيخ علي بان القيد الأخير موجب لإجمال التعريف، لان العرف الواقع في العبارة لا يظهر اي عرف هو؟ أ هو عرف زمانه أم عرف غيره؟ و على الثاني فيراد العام أو الأعم منه و من الخاص؟ مع انه يشكل ارادة عرف غيره (صلى الله عليه و آله) و إلا لزم تغير الحكم بتغير التسمية، فيثبت في العين حكم البئر لو سميت باسمه. و بطلانه ظاهر و الذي يقتضيه النظر ان ما يثبت إطلاق البئر عليه في زمنه (صلى الله عليه و آله) أو زمن أحد الأئمة المعصومين (عليهم السلام) كالتي في العراق و الحجاز فثبوت الأحكام له واضح، و ما وقع فيه الشك فالأصل عدم تعلق أحكام البئر به، و ان كان العمل بالاحتياط اولى. انتهى. و أجاب السيد السند في المدارك بأنه قد ثبت في الأصول ان الواجب حمل الخطاب على الحقيقة الشرعية ان ثبتت، و إلا فعلى عرف زمانهم (عليهم السلام) خاصة ان علم، و إلا فعلى الحقيقة اللغوية إن ثبتت، و إلا فعلى العرف العام، إذ الأصل عدم تقدم وضع سابق عليه و عدم النقل عنه. و لما لم يثبت في هذه المسألة شيء من الحقائق الثلاث المتقدمة، وجب الحمل على الحقيقة العرفية العامة في غير ما علم إطلاق ذلك اللفظ عليه في عرفهم (عليهم السلام) و منه يعلم عدم تعلق الأحكام بالآبار الغير النابعة كما في بلاد الشام، و الجارية تحت الأرض كما في المشهد الغروي على ساكنه السلام، و عدم تغير الحكم بتغير التسمية. انتهى.

و فيه ما عرفته في المقدمة الثامنة (1) من عدم الدليل على هذا التفصيل الذي ذكره و القاعدة التي بنوا عليها، مع ان ما ذكره- من ان مع عدم ثبوت شيء من الحقائق الثلاث يجب الحمل على العرف العام- مما لا دليل عليه ايضا. و التمسك بأصالة عدم تقدم وضع سابق عليه و عدم النقل بمحل من الضعف. على انه لا يخفى ما في بناء الأحكام على العرف العام من العسر و الحرج المنفيين بالآية و الرواية كما قدمنا ثمة (2).

____________

(1) في الصحيفة 121.

(2) في الصحيفة 121.

350

أقول: و التحقيق ان القدر المعلوم- من الاخبار و كلام الأصحاب- هو ان ما علم تسميته بئرا في زمنهم (عليهم السلام) فلا ريب في إجراء أحكام البئر عليه، و ما لم يعلم فإنه لا بد فيه من النبع، كما دل عليه بعض صحاح الاخبار من ان له مادة.

يعني الينبوع الذي يخرج منه الماء بقوة. فعلى هذا لو كان مما يخرج رشحا فإنه يكون من قبيل الماء المحقون في بلوغ الكرية و عدمه، و قيل انه يسمى بالثمد. كما تقدمت الإشارة إليه في أول الباب. و لا بد فيه ايضا من التسمية بئرا، لأن الأحكام في الاخبار إنما علقت على صدق هذا العنوان. و بذلك يظهر صحة ما ذكره شيخنا الشهيد (قدس سره) و الله العالم.

(البحث الثاني) [نجاسة البئر بالملاقاة و عدمها]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم)- في نجاسة البئر بالملاقاة و عدمها بعد الاتفاق على نجاستها بالتغير- على أقوال:

أشهرها- على ما نقله جمع من المتأخرين- القول بالنجاسة.

و قيل بالطهارة و استحباب النزح، و نقل عن الحسن بن ابي عقيل، و نسب ايضا الى الشيخ (1) في بعض أقواله، و أسنده جمع ايضا الى شيخه الحسين بن عبد الله الغضائري، و اليه ذهب العلامة في أكثر كتبه و شيخه مفيد الدين بن جهم.

و قيل بالطهارة مع وجوب النزح، ذهب إليه العلامة في المنتهى. و نقل ايضا عن الشيخ في التهذيب. و فيه إشكال، فإن كلام التهذيب هنا لا يخلو من تشويش و اضطراب، و لهذا نسب اليه بعضهم القول بالنجاسة.

و فصل بعض ببلوغ الكر و عدمه، فينجس على الثاني دون الأول و نسب الى الشيخ ابي محمد الحسن بن محمد البصروي من المتقدمين. و الزم بعضهم (2) العلامة بذلك، حيث انه

____________

(1) أنكر بعضهم نسبة هذا القول الى الشيخ (ره) لعدم وجوده في كتبه المعروفة اللهم إلا ان يكون في بعض أجوبة المسائل المنسوبة إليه (منه (رحمه الله).

(2) هو السيد السند في المدارك (منه (رحمه الله).

351

قائل باشتراط الكرية في الجاري، و البئر من أنواعه. و أنت خبير بما فيه (1) و انه لو ترتب حكم البئر على الجاري لورد الإلزام على القول المشهور ايضا كما لا يخفى.

و نقل الشهيد في الذكرى عن الجعفي انه يعتبر فيه ذراعين في الأبعاد الثلاثة حتى لا ينجس.

و قد تلخص من ذلك ان الأقوال في المسألة خمسة.

و الظاهر من الاخبار هو القول بالطهارة و استحباب النزح. و لنا عليه وجوه من الأدلة:

(أحدها)- أصالة الطهارة عموما و خصوصا.

و (ثانيها)- عموم الآيات كقوله تعالى: «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» (2) و نحوها. و الماء كله من السماء بنص القرآن و الأخبار كما تقدم بيانه في صدر الفصل الأول (3) فيجب الحكم بطهارته حتى يقوم دليل النجاسة.

و (ثالثها)- الأخبار الصريحة الصحيحة كما سيأتيك ذكرها.

و (رابعها)- اختلاف الأخبار في مقادير النزح في النجاسة الواحدة، مع صحتها و صراحتها على وجه لا يقبل الحمل و لا الترجيح كما سيأتيك ان شاء الله تعالى و العمل ببعض دون بعض ترجيح بلا مرجح، فيلزم إطراحها رأسا، للزوم التناقض و انسداد باب الحمل و الترجيح.

____________

(1) للإنفاق على عدم نجاسة الجاري بالملاقاة، و البئر بعض أفراد الجاري أيضا، و حينئذ فالوجه ان يقال: ان البئر قد خرجت من أحكام الجاري و ان كانت بعض افراده و اختصت بأحكام على حدة، و لهذا أفردت بالبحث في الكتب الفقهية، فلا ملازمة بينهما (منه (قدس سره).

(2) سورة الفرقان. الآية 51.

(3) في الصحيفة 173 السطر 3.

352

و (خامسها)- رجحان أخبار الطهارة- لو ثبت التعارض- بموافقة القرآن كما عرفت (1)، و مخالفة العامة، فإن جمهورهم- كما نقله العلامة في المنتهى- على القول بالنجاسة، و نقل بعض أفاضل المحدثين ان علماء الحنفية- الذين هم العمدة عند سلاطين العامة قديما و حديثا كما تشهد به كتب التواريخ و السير- بالغوا في الحكم بانفعال البئر بملاقاة النجاسة، و زادوا على كثير من المقدرات الواردة في صحاح أخبارنا (2)

____________

(1) من الوجه الثاني المتقدم في.

(2) قال شيخ الإسلام في الهداية ج 1 ص 11: «إذا وقعت في البئر نجاسة نزحت و نزح جميع ما فيها من الماء طهارة لها بإجماع السلف. و مسائل الآبار مبنية على الآثار دون القياس. و لا يفسد ماء البئر خرء الحمام و العصفور و البعرة و البعرتان من الإبل و الغنم.

و ينزح ماء البئر كله لبول الشاة عند أبي حنيفة و ابى يوسف و ينزح ما بين عشرين دلوا الى ثلاثين لموت الفأرة و العصفور و الصعوة و سام أبرص. و ينزح ما بين أربعين دلوا الى ستين لموت الحمامة و الدجاجة و السنور. و ينزح جميع ما فيها من الماء لموت الشاة و الكلب و الآدمي. و ينزح جميع ما فيها لموت الحيوان إذا انتفخ أو تفسخ سواء كان الحيوان كبيرا أو صغيرا» انتهى. و في بدائع الصنائع ج 1 ص 74 الخنزير ينجس البئر و ان خرج حيا، لانه نجس العين، و الكلب لا ينجس البئر بوقوعه فيه. و المروي عن أبي حنيفة في الكلب و السنور إذا وقعا في الماء القليل ثم خرجا يعجن به. و الآدمي إذا لم تكن على بدنه نجاسة حقيقية و لا حكمية و قد استنجى فلا ينزح شيء، و المروي عن أبي حنيفة ينزح عشرون دلوا. و إذا كانت عليه نجاسة حقيقية أو لم يكن مستنجيا ينزح جميع الماء. و إذا كانت على بدنه نجاسة حكمية بأن كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء فمن لم يجعل هذا الماء مستعملا أو جعله مستعملا و انه طاهر و كان غير المستعمل أكثر من المستعمل لا ينزح من البئر شيء، و من يجعله مستعملا و انه نجس ينزح البئر كله.

و فصل أبو حنيفة في الآدمي الواقع في البئر، ان كان محدثا ينزح أربعون، و ان كان جنبا ينزح كله، و ان كان كافرا نزح كله إلا إذا تيقنت طهارته بان اغتسل و وقع من ساعته فلا ينزح شيء. و في ص 75 عند أبي حنيفة ينزح للإبل و البقر عشرون دلوا و عند ابى يوسف ينزح كله. و المروي عن أبي حنيفة في الحلمة و نحوها عشرة دلاء و الفأرة و نحوها عشرون، و الحمام و نحوه ثلاثون، و الدجاج و نحوه أربعون، و الآدمي و نحوه البئر كله.

و إذا تعدد الحيوان الواقع في البئر، فالى الأربع ينزح عشرون، و من الخمس الى التسع ينزح أربعون، و للعشرة ينزح كله. و عند محمد في الفأرتين ينزح عشرون، و في الثلاث أربعون.

و في ص 76 في البول و الدم و الخمر ينزح كله، و العذرة و خرء الدجاج الرخو ينزح كله قليلا أو كثيرا رطبا أو يابسا. و اما الصلب كبعر الإبل و الغنم، في القياس- ينجس الماء قل أو كثر، و في الاستحسان- القليل لا ينجس و الكثير ينجس، سواء كان رطبا أو يابسا منكسرا أو صحيحا. و الصحيح ان الكثير ما استكثره الناظر. و في ص 77 إذا ماتت فأرة في حب فيه ماء و صب الماء في بئر، فعند ابى يوسف ينزح المصبوب و عشرون دلوا، و عند محمد ان كان المصبوب عشرين دلوا نزح هذا المقدار و ان كان أقل نزح عشرون. انتهى.

353

و حينئذ فيتعين حمل ما ثبت دلالته على النجاسة على التقية.

(سادسها)- انه مع العمل بأخبار الطهارة يمكن حمل أخبار النجاسة على التقية أو الاستحباب. و اما مع العمل بأخبار النجاسة فلا محمل لاخبار الطهارة، مع صحتها و صراحتها و استفاضتها كما ستطلع عليه، بل يلزم طرحها. و العمل بالدليلين مهما أمكن أولى من طرح أحدهما كما قرروه في غير موضع، بل هو من القواعد المسلمة بينهم.

إذا عرفت ذلك فمن الأخبار الدالة على ما اخترناه

صحيحة محمد بن إسماعيل ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلا ان يتغير».

و صحيحته الأخرى عنه (عليه السلام) (2) قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلا أن يتغير ريحه أو طعمه. فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه. لأن له مادة».

و لا يخفى ما هما عليه من الصراحة بعد صحة السند، و بيان ذلك من وجوه:

(أحدها)- وصفه بالسعة المفسرة بعدم إفساد شيء له إلا في مادة التغير خاصة. و الإفساد و ان كان كناية عن عدم جواز استعماله، و هو كاف في المطلوب، إلا

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 3 و 14- من أبواب الماء المطلق.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 3 و 14- من أبواب الماء المطلق.

354

ان الظاهر ان المراد به هنا النجاسة بقرائن المقام التي من جملتها الاستثناء.

و (ثانيها)- التعليل بكون البئر له مادة.

و (ثالثها)- الحصر في التغير.

و (رابعها)- الدلالة على الاكتفاء في طهارته مع التغير بنزح ما يزيله، أعم من أن يزيد مقدر تلك النجاسة على ذلك أو مما يجب له نزح الجميع. و لو لا انه طاهر لوجب استيفاء المقدر و نزح الجميع في الموضعين.

و (منها)-

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن بئر ماء وقع فيها زنبيل من عذرة رطبة أو يابسة أو زنبيل من سرقين، أ يصلح الوضوء منها؟ قال: لا بأس».

و ما أجيب به عنه- من حمل العذرة على عذرة غير الإنسان، و ان وصول الزنبيل الى الماء لا يستلزم وصول العذرة، و ان المراد نفي البأس بعد نزح المقدر- لا يخفى ما فيه من التكلف و البعد.

(اما الأول) فلان العذرة- على ما صرح به بعض الأصحاب، و نقله عن أهل اللغة- مخصوصة بغائط الإنسان. و مع تسليم عدم الاختصاص فالأظهر إرادته هنا بقرينة المقابلة بذكر السرقين بعدها.

و (اما الثاني) فإنه بعيد، بل يستحيل بحسب العادة وقوع الزنبيل في الماء و عدم اتصال الماء بما فيه، بل لا معنى للسؤال عند التأمل بالكلية، لأن الظاهر ان مراد السائل إنما هو السؤال عن وصول العذرة أو السرقين الى الماء، و انه هل ينجس بذلك أم لا؟ لا وصول الزنبيل خاصة مع عدم تعدي ما فيه الى الماء، فإنه في قوة السؤال عن وصول زنبيل خال كما لا يخفى.

و (اما الثالث) فهو من قبيل الألغاز المنافي للحكمة.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الماء المطلق.

355

و (منها)-

صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«سمعته يقول: لا يغسل الثوب و لا تعاد الصلاة مما وقع في البئر إلا ان ينتن، فإن أنتن غسل الثوب و أعاد الصلاة و نزحت البئر».

و ما أجاب به عنه في المعتبر فضعيف غير معتبر، فلا ينبغي ان يصغى اليه و لا يعرج عليه.

و (منها)-

صحيحته الأخرى عن الصادق (عليه السلام) (2) «في الفأرة تقع في البئر فيتوضأ الرجل منها و يصلي و هو لا يعلم، أ يعيد الصلاة و يغسل ثوبه؟ فقال:

لا يعيد الصلاة و لا يغسل ثوبه».

و الجواب- باحتمال حمل عدم الإعادة و عدم غسل الثوب على عدم العلم بتقدم النجاسة، لاحتمال وقوعها بعد- منظور فيه بعطف «يتوضأ الرجل» على قوله: «تقع» بالفاء الدالة على تأخر الوضوء عن الوقوع، و ان كان إنما حصل العلم بالوقوع أخيرا. و هو ظاهر.

و (منها)-

صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) «في البئر تقع فيها الميتة؟ فقال: ان كان لها ريح نزح منها عشرون دلوا».

و الجواب عنها- بأنه لا دلالة لها على انه إذا لم يكن لها ريح لم ينزح شيء- لا يخفى ضعفه (4) فإنه لو لم يكن المراد ذلك لكان حكم المفهوم مسكوتا عنه بالكلية، و كيف قنع السائل بفهم حكم المنطوق خاصة و لم يفحص عن حكم المفهوم مع انه أحد شقي السؤال؟ و كيف رضى الإمام (عليه السلام) بعدم افادته ذلك مع غفلة السائل عنه و دعاء الحاجة إليه.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الماء المطلق.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الماء المطلق.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 22- من أبواب الماء المطلق.

(4) فان مقتضى مفهوم الشرط هنا انه إذا لم يكن لها ريح لم ينزح لها العشرون، و هو أعم من أن لا ينزح لها شيء بالمرة أو ينزح لها أقل، و ذلك الأقل غير متيقن (منه (رحمه الله).

356

و (منها)-

موثقة أبان بن عثمان أو صحيحته عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سئل عن الفأرة تقع في البئر لا يعلم بها إلا بعد ما يتوضأ منها، إيعاد الوضوء؟

فقال: لا».

و الاحتمال المتقدم في صحيحة معاوية بن عمار الأخيرة هنا ممكن.

و (منها)-

موثقة أبي أسامة و ابي يوسف يعقوب بن عثيم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا وقع في البئر الطير و الدجاجة و الفأرة فانزح منها سبع دلاء. قلنا: فما تقول في صلاتنا و وضوئنا و ما أصاب ثيابنا؟ فقال: لا بأس به».

و الاحتمال المذكور آنفا هنا بعيد عن ظاهر اللفظ، إذ لا تصريح في الرواية بعدم العلم بالنجاسة حال الوضوء، و إنما الظاهر من سياق الخبر انه لما أخبر (عليه السلام) بنزح هذا المقدار لموت هذه الأشياء المذكورة، سألوا عن الوضوء و الصلاة و نحوهما قبل نزح المقدر، فأجاب (عليه السلام) بنفي البأس.

و (منها)-

موثقة أبي بصير (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

بئر يستقى منها و يتوضأ به و غسل منه الثياب و عجن به ثم علم انه كان فيها ميت؟ قال:

لا بأس و لا يغسل الثوب و لا تعاد منه الصلاة».

و جريان الاحتمال المتقدم هنا أبعد.

و (منها)-

رواية محمد بن ابي القاسم عن ابي الحسن (عليه السلام) (4):

«في البئر يكون بينها و بين الكنيف خمسة أذرع أو أقل أو أكثر يتوضأ منها؟ قال:

ليس يكره من قرب و لا من بعد، يتوضأ منها و يغتسل ما لم يتغير الماء» (5).

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الماء المطلق.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الماء المطلق.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الماء المطلق.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 14 و 24- من أبواب الماء المطلق، و اسم الراوي في كتب الحديث و الرجال (محمد بن القاسم).

(5) قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين: «انه لا دلالة في هذا الخبر على نجاسة البئر بالملاقاة، لجواز ان يكون جعله (عليه السلام) مناط النجاسة التغير، بناء على ان المتعارف انه لا يحصل العلم بوصول ماء البالوعة إلى البئر ما لم يتغير» أقول: يمكن في الاستدلال دلالة الرواية بإطلاقها على جواز الوضوء و الغسل منها ما لم تتغير، أعم من ان يكون التغير مستندا الى الكنيف أو غيره، و تقييد التغير بالاستناد الى الكنيف بقرينة السؤال فيه انهم كثيرا ما يجيبون بالعموم في أمثال ذلك، كما لا يخفى على من مارس الاخبار و جاس خلال تلك الديار (منه (قدس سره).

357

و (منها)-

ما رواه في الفقيه (1) مرسلا عن الصادق (عليه السلام) قال:

«كانت في المدينة بئر وسط مزبلة، فكانت الريح تهب فتلقي فيها القذر، و كان النبي (صلى الله عليه و آله) يتوضأ منها».

و هو ظاهر الدلالة. الى غير ذلك من الاخبار الدالة بظاهرها على ذلك.

احتج القائلون بالنجاسة بوجوه:

(أحدها)- الاخبار، و منها-

صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (2) قال:

«كتبت الى رجل اسأله ان يسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن البئر تكون في المنزل للوضوء، فيقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شيء من عذرة كالبعرة و نحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقع (عليه السلام) بخطه في كتابي: ينزح منها دلاء».

و صحيحة علي بن يقطين عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (3) قال:

«سألته عن البئر تقع فيها الحمامة و الدجاجة أو الفأرة أو الكلب أو الهرة. فقال:

يجزيك ان تنزح منها دلاء، فان ذلك يطهرها ان شاء الله تعالى».

و صحيحة عبد الله ابن ابي يعفور و عنبسة بن مصعب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا أتيت البئر و أنت جنب، و لا تجد دلوا و لا شيئا تغرف به

____________

(1) في باب (المياه و طهرها و نجاستها) و في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الماء المطلق.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الماء المطلق.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الماء المطلق.

358

فتيمم بالصعيد، فان رب الماء رب الصعيد، و لا تقع في البئر و لا تفسد على القوم ماءهم».

فان الإفساد كناية عن النجاسة كما اعترفوا به في أخبار الطهارة. و التيمم لا يسوغ مع وجود الماء الطاهر.

و حسنة زرارة و محمد بن مسلم و ابي بصير (1) قالوا: «قلنا له: بئر يتوضأ منها يجري البول قريبا منها، أ ينجسها؟ قالوا: فقال: ان كانت البئر في أعلى الوادي و الوادي يجري فيه البول من تحتها و كان بينهما قدر ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع لم ينجس ذلك شيء و ان كان أقل من ذلك نجسها، و ان كانت البئر في أسفل الوادي و يمر الماء عليها و كان بين البئر و بينه تسعة أذرع لم ينجسها، و ما كان أقل من ذلك فلا يتوضأ منه».

و (ثانيها)- انه لو كان طاهرا بعد ملاقاة النجاسة لما ساغ التيمم، لكن التالي باطل فالمقدم مثله. اما الملازمة فظاهرة (2) و اما بطلان التالي فلما مر في صحيحة ابن ابي يعفور. و لانه لو لم يجز التيمم للزم، اما جواز استعمال الماء قبل النزح.

و هو خلاف مدلول الأخبار المستفيضة، أو ترك الصلاة. و هو خلاف الإجماع.

و (ثالثها)- استفاضة الأخبار بالأمر بالنزح للنجاسات. و عمل الطائفة بها قديما و حديثا.

و الجواب عن هذه الأدلة، اما عن الأخبار (فأولا)- بالإجمال بما عرفت آنفا (3) من ان اخبار الطهارة معتضدة بموافقة الأصل و ظاهر القرآن و مخالفة العامة.

و قد عرفت في المقدمة السادسة (4) ان الأخيرين من المرجحات المنصوصة في مقام

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الماء المطلق.

(2) لان جواز التيمم مشروط بفقدان الماء الطاهر (منه (رحمه الله).

(3) في الصحيفة 352.

(4) في الصحيفة 109.

359

التعارض، و انه مع العمل بأخبار النجاسة فلا محمل لاخبار الطهارة بخلاف العكس، فيتعين العمل بأخبار الطهارة و التأويل في اخبار النجاسة.

و (ثانيا)- بالتفصيل، فاما الخبر الأول فالظاهر حمل الطهارة فيه على المعنى اللغوي، و الحل بمعنى تساوي الطرفين، فإنه قبل ازالة المقدر مكروه، فإذا نزح أبيح استعماله بلا كراهة. و يؤيد ذلك انه في الكافي بعد نقل هذه الرواية أردفها بما قدمنا نقله في اخبار الطهارة (1) بالسند المذكور، فقال: و بهذا الاسناد قال:

«ماء البئر واسع لا يفسده شيء الا ان يتغير».

فرواية الراوي بعينه لهذين الحكمين مما يبعد اختلاف الحكمين فيهما، و إلا لفحص و سأل عن ذلك، سيما مع صراحة الرواية الثانية في الطهارة. و يعضد ذلك ان الراوي بعينه قد روى ما يدل على الطهارة بوجه أصرح، كما تقدم من روايته الأخرى، فيتعين التأويل في هذه الرواية جمعا بينهما. على ان ما يتمسك به الخصم من اللفظين المذكورين إنما هو في كلام السائل. و هو ليس حجة. و دعوى- الاستدلال بتقرير الامام (عليه السلام) و إلا لزم الإغراء بالجهل- لا تخلو من مناقشة (2).

و مثل ذلك في الخبر الثاني، و يؤيده انه قال:

«يجزيك ان تنزح منها دلاء».

و هو جمع أقله الثلاثة، مع ان من جملة تلك النجاسات الكلب و الهرة. و الفتوى عندهم في ذلك بأربعين دلوا.

و اما الخبر الثالث فيجاب عنه بأن الإفساد أعم من النجاسة، فلعله هنا باعتبار تغير الماء و اختلاطه بالحمأة و الطين. و ما يقال- من ان الإفساد في أخبار الطهارة في صحيحة ابن بزيع (3) قد حملتموه على عدم الانتفاع بالكلية بل على النجاسة، فكذا

____________

(1) في الصحيفة 353.

(2) فإنه كثيرا ما يسكت (عليه السلام) عن خطأ السائل و يجيبه بما هو الواقع (منه (رحمه الله).

(3) في الصحيفة 353.

360

ينبغي هنا- فجوابه ان وجه الفرق بين المقامين ظاهر، فإن القرائن على ما هو المراد ثمة قائمة كما عرفت، بخلاف ما هنا. و لأن الإفساد ثمة نكرة وقع في سياق النفي فيعم (1).

و اما الأمر بالتيمم في هذه الرواية فيمكن أن يكون هذا من جملة الأعذار المسوغة للتيمم، فان إعذاره لا تنحصر في عدم وجود الماء، بل من جملتها ما يؤدي الى مشقة استعماله أو تحصيله أو تضرر الغير باستعماله. و هذه الوجوه كلها ممكنة الاحتمال في المقام و لعل الأخير أقرب، لقوله: «فتفسد على القوم ماءهم» فإن الإضافة تؤذن باختصاص البئر بالغير. و لعله إنما كان يبيح منها الاغتراف دون النزول فيها. و مما يدل على مشروعية التيمم في مثل ذلك

رواية الحسين بن ابي العلاء (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمر بالركية و ليس معه دلو. قال: ليس عليه ان ينزل الركية، ان رب الماء هو رب الأرض، فليتيمم».

حيث جوز التيمم للرجل مع انه ليس في الخبر انه جنب أو نجس بالكلية. و من ذلك يعلم الجواب عن الدليل الثاني.

و اما الخبر الرابع فالجواب عنه (أولا)- ان القائلين بالتنجيس متفقون على عدم حصول التنجيس بمجرد التقارب بين البئر و البالوعة و لو كان كثيرا، فلا بد من تأويل هذا الخبر عندهم.

و (ثانيا)- انه يقصر عن معارضة الأخبار المتقدمة المعتضدة بالأصل و مطابقة ظاهر القرآن و مخالفة جمهور العامة كما عرفت، فيتعين التأويل فيه بحمل النجاسة على مجرد

____________

(1) فيتناول الإفساد بالنجاسة ان لم يكن مرادا بخصوصه بقرينة المقام، و على التقديرين يكون معينا بدون التغير، و هو المدعى. و اما النهي عنه في هذا الخبر فإنما يصلح دليلا لو كان المقتضي للإفساد حينئذ منحصرا في النجاسة. و لا انحصار بعد ما ذكرنا من الوجوه المحتملة في المقام (منه (رحمه الله).

(2) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب التيمم.

361

الاستقذار، و النهي عن التوضؤ على الكراهة جمعا.

و (ثالثا)- ان المفهوم من سوق الخبر المذكور فرض الحكم في محل يتكثر ورود النجاسة على البئر و يظن نفوذها فيه، و ما هذا شأنه لا يبعد إفضاؤه مع القرب الى تغير الماء خصوصا مع طول الزمان. و يؤيد ذلك تتمة الخبر المذكور، حيث قال زرارة: «فقلت له: فان كان مجرى البول بلزقها و كان لا يلبث على الأرض؟

فقال: ما لم يكن له قرار فليس به بأس و ان استقر منه قليل. فإنه لا يثقب الأرض و لا يغوله حتى يبلغ البئر، و ليس على البئر منه بأس، فتوضأ منه، إنما ذلك إذا استنقع كله» و حينئذ فلعل الحكم بالتنجيس ناظر إلى شهادة القرائن بأن تكرر جريان البول في مثله يفضي الى حصول تغير، أو يقال ان كثرة ورود النجاسة على المحل مع القرب يثمر ظن الوصول الى الماء. بل ربما حصل العلم بقرينة الحال.

و اما الدليل الثالث فجوابه ان الأمر بذلك أعم من أن يكون للنجاسة أو لغيرها من الأسباب التي ذكرها القائل بالاستحباب، و هي زوال النفرة و طيب الماء.

و يختلف ذلك باختلاف الآبار غزارة و نزارة و سعة و ضيقا، و لعله السر في اختلاف الأخبار في المقدرات في النجاسة الواحدة.

و اما القول بالتفصيل باشتراط الكرية و عدمه، فاستدل له بعموم ما دل من الأخبار على اشتراط الكرية في عدم الانفعال.

و برواية الحسن بن صالح الثوري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«إذا كان الماء في الركي كرا لم ينجسه شيء».

و يدل عليه ايضا ما

في كتاب الفقه الرضوي (2) حيث قال (عليه السلام):

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق.

(2) في الصحيفة 5.

362

«و كل بئر عمق مائها ثلاثة أشبار و نصف في مثلها، فسبيلها سبيل الجاري إلا أن يتغير لونها أو طعمها أو رائحتها».

انتهى.

و يمكن ايضا الاستدلال عليه

بموثقة أبي بصير (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن البئر يقع فيها زنبيل عذرة يابسة أو رطبة. قال: لا بأس به إذا كان فيها ماء كثير».

و الجواب عن الأول بتخصيص العموم بما قدمنا من الاخبار (2).

و عن الروايات المذكورة بضعف السند (أولا)- فلا تنهض بمعارضة ما قدمناه من الأخبار، سيما صحيحة محمد بن إسماعيل المتقدمة في صدر أخبار الطهارة (3) الدالة بأوضح دلالة على عدم النجاسة مطلقا سيما لمكان المادة.

و (ثانيا)- بالحمل على ان اشتراط الكرية لعله لعدم الاحتياج الى النزح بالكلية. كما يشعر به قوله

في كتاب الفقه الرضوي: «فسبيلها سبيل الجاري».

و اما إذا نقصت عن كر احتاجت الى النزح و ان كان استحبابا، و لفظ النجاسة في رواية الثوري محمول على المعنى اللغوي.

و اما القول بالطهارة و وجوب النزح، فوجهه بالنسبة إلى الجزء الأول ما قدمنا (4) و بالنسبة الى الثاني الأوامر الدالة على النزح، و الأمر حقيقة في الوجوب.

و الجواب عن الثاني ان القول بوجوب النزح- مع شدة هذا الاختلاف في الاخبار

____________

(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة و المخطوطة. و لم نجد موثقة لأبي بصير بهذا المتن في كتب الحديث، و إنما الموجود فيها نسبة هذا المتن الى عمار و لعل ذلك من اشتباه النساخ. و قد رواها صاحب الوسائل في الباب- 14 و 20- من أبواب الماء المطلق.

(2) في الصحيفة 353.

(3) في الصحيفة 353.

(4) في الصحيفة 353.

363

في تقديره بالنسبة إلى النجاسة الواحدة- مما لا يكاد يقبله الذوق السليم، و حينئذ فيجب حمل الأمر على الاستحباب كما قدمنا. و يؤيد ذلك أيضا الأمر بالنزح مع الاتفاق على عدم النجاسة في جملة من الموارد.

و اما ما نقل عن الجعفي (1) فلم نعثر له على دليل.

(البحث الثالث) [أنموذج من الاختلافات الواقعة في الأخبار في جملة من المقدرات]

- اعلم انه حيث كان القول الراجح عندنا من تلك الأقوال هو القول بالطهارة و استحباب النزح كما أوضحناه، أغمضنا النظر عن الاشتغال بالبحث عن بيان المقدرات لكل من النجاسات و ما وقع فيها من الاختلافات، لعدم مزيد فائدة في البحث عن ذلك. و اعتمادا على ما ذكره أصحابنا (شكر الله سعيهم) فيما هنالك و مسارعة إلى الاشتغال بما هو أهم و في النفع و الإفادة أتم. لكنا نقتصر هنا على نقل أنموذج من تلك الاختلافات الواقعة في الاخبار في جملة من المقدرات مع وحدة النجاسة.

(فمنها)- الفأرة،

ففي صحيح زيد الشحام (2) «ما لم تتفسخ يكفيك خمس دلاء».

و في رواية أبي بصير (3) «سبع دلاء».

و مثله في رواية عمرو بن سعيد بن هلال (4) و رواية علي بن أبي حمزة (5) و رواية سماعة (6)

و في صحيح علي بن يقطين (7) «يجزيك ان تنزح منها دلاء».

و كذا في صحيح الفضلاء (8) و رواية الفضل البقباق (9)

و في صحيح

____________

(1) و هو اعتبار ذراعين في الأبعاد الثلاثة حتى لا ينجس.

(2) المروي في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(3) المروي في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الماء المطلق.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 17 و 18 و 19- من أبواب الماء المطلق. و لم يصرح في كتب الحديث بكون الراوي ابن أبي حمزة، و لكنه استظهر ذلك كما سيأتي في الكلب و السنور.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 17 و 18- من أبواب الماء المطلق.

(7) المروي في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(8) المروي في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(9) المروي في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

364

معاوية بن عمار (1) «ثلاث دلاء».

و في رواية أبي خديجة (2) «أربعون دلوا».

و في موثقة عمار الساباطي (3) «تنزح كلها».

و (منها)- الكلب،

ففي صحيح الشحام المتقدم (4) «خمس دلاء».

و في رواية أبي بصير الآنفة (5) ايضا «سبع دلاء».

و في رواية أبي مريم (6) «نزح الجميع».

و كذا في موثقة عمار (7)

و في صحيح علي بن يقطين المتقدم (8) ايضا «دلاء».

و كذا في صحيح الفضلاءالمتقدم (9) و كذا في رواية الفضل البقباق (10)

و في رواية علي (11)- و الظاهر انه ابن أبي حمزة- «عشرون أو ثلاثون أو أربعون».

و (منها)- بول الصبي،

ففي رواية علي بن أبي حمزة (12) «دلو واحد».

و في رواية منصور بن حازم عن عدة من أصحابنا (13) «سبع دلاء».

و في صحيح معاوية ابن عمار (14) «كله».

مع ان غاية ما ينزح لبول الرجل أربعون دلوا،

و كذا في موثق عمار الساباطي (15).

و (منها)- السنور،

ففي صحيحة علي بن يقطين (16) «يجزيك ان تنزح منها دلاء».

و في رواية علي (17)- و الظاهر كونه ابن أبي حمزة- «عشرون أو ثلاثون أو أربعون».

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 19- من أبواب الماء المطلق.

(2) المروي في الوسائل في الباب- 19- من أبواب الماء المطلق.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 17 و 23- من أبواب الماء المطلق.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق. و النص هكذا

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما يقع في الآبار. فقال: اما الفارة و أشباهها فينزح منها سبع دلاء الا ان يتغير الماء، فينزح حتى يطيب. فان سقط فيها كلب فقدرت ان تنزح ماءها فافعل. الحديث» ..

(6) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(7) المروية في الوسائل في الباب- 17 و 23- من أبواب الماء المطلق.

(8) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(9) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(10) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(11) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(12) المروية في الوسائل في الباب- 16- من أبواب الماء المطلق.

(13) المروية في الوسائل في الباب- 16- من أبواب الماء المطلق.

(14) المروي في الوسائل في الباب- 15 و 16- من أبواب الماء المطلق.

(15) لم نجد في كتب الحديث موثقا لعمار يدل على ذلك، و لعل هذا من اشتباه النساخ.

(16) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(17) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

365

و في موثقة سماعة (1) «ثلاثون أو أربعون».

و في صحيح زيد الشحام المتقدم (2) «خمس دلاء».

و في رواية عمرو بن سعيد المتقدمة (3) «سبع دلاء».

و (منها)- الخنزير،

ففي صحيح الفضلاء المتقدم (4) «دلاء».

و في موثقة عمار المتقدمة (5) «تنزح البئر كلها».

الى غير ذلك من الاخبار الواردة في هذا المضمار.

و قد اضطربت آراء القائلين بالنجاسة في الجمع بينها، و تمييز عثها من سمينها و الشيخ (رحمه الله) تعالى) في كتابي الأخبار قد جمع بينها بوجوه بعيدة و محامل غير سديدة. و المتأخرون- بناء على الاصطلاح المحدث في تنويع الاخبار الى الأنواع الأربعة- هان الخطب عند القائل منهم بالنجاسة في جملة من الموارد برد الأخبار بضعف الاسناد. و اما القائلون بالطهارة فقد حملوا الاختلاف الواقع في هذه الأخبار على الاختلاف في افراد الآبار بالغزارة و النزارة، و اختلاف النجاسة كثرة و قلة و مكثا و عدمه و نحو ذلك، إلا ان فيه ان الاخبار قد وردت مطلقة، ففي كون الاختلاف لذلك نوع بعد.

و لعل الأقرب ان ذلك إنما خرج مخرج التقية، لما قدمنا لك في المقدمة الاولى من تعمدهم (عليهم السلام) المخالفة في الفتاوى و ان لم يكن بذلك قائل من المخالفين.

و احتمل بعض محققي المحدثين من المتأخرين كون هذا الاختلاف من باب تفويض الخصوصيات لهم (عليهم السلام) لتضمن كثير من الاخبار ان خصوصيات كثير من الأحكام مفوضة إليهم (عليهم السلام) كما كانت مفوضة إليه (صلى الله عليه و آله) ليعلم المسلم لأمرهم من غيره، أو من باب الإفتاء تارة بما لا بد منه في تحقيق القدر المستحب و تارة بما هو الأفضل، و تارة بما هو متوسط بينهما.

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(2) المروي في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الماء المطلق.

(4) المروي في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 17 و 23- من أبواب الماء المطلق.

366

(البحث الرابع) [كيفية تطهير البئر إذا تغير ماؤها]

- لو تغير ماء البئر بالنجاسة فعلى ما اخترناه من عدم انفعالها بالملاقاة، فالظاهر حينئذ وجوب النزح حتى يزول التغير، و يدل عليه

قول الرضا (عليه السلام) في صحيح ابن بزيع المتقدم (1) «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلا أن يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه، لأن له مادة».

و في صحيح الشحام عن الصادق (عليه السلام) (2): «فان تغير الماء فخذ منه حتى يذهب الريح».

و في رواية أبي بصير عنه (عليه السلام) (3) «الا ان يتغير الماء، فينزح حتى يطيب».

و في موثقة سماعة (4) «و ان أنتن حتى يوجد ريح النتن في الماء نزحت البئر حتى يذهب النتن من الماء».

و في رواية زرارة (5) «و ان غلبت الريح نزحت حتى تطيب».

و لا ينافي ذلك ما

في صحيحة معاوية بن عمار (6) من قوله (عليه السلام): «و لا تعاد الصلاة مما وقع في البئر إلا ان ينتن، فإن أنتن غسل الثوب، و أعاد الصلاة، و نزحت البئر».

و رواية منهال (7) من قوله (عليه السلام): «و ان كانت جيفة قد أجيفت فاستق منها مائة دلو، فان غلب عليها الريح بعد مائة دلو فانزحها كلها».

و رواية ابي خديجة (8) في الفأرة من قوله (عليه السلام): «و ان انتفخت فيه و نتنت نزح الماء كله».

لإمكان حمل هذه الأخبار على ما لا يزول التغير إلا بنزح الجميع كما يشير اليه الخبر الثاني، و يحتمل في الخبر الأول الحمل على ان اسناد النزح إلى البئر مجاز، و انما المراد ما يذهب به التغير كما تضمنته موثقة سماعة، و يحتمل الحمل الاستحباب ايضا جمعا.

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 3 و 14- من أبواب الماء المطلق.

(2) المروي في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(3) المروي في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(4) المروي في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الماء المطلق.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الماء المطلق.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الماء المطلق.

(7) المروية في الوسائل في الباب- 22- من أبواب الماء المطلق.

(8) المروية في الوسائل في الباب- 19- من أبواب الماء المطلق.

367

هذا. و لم أقف على موافق للصدوق (طاب ثراه) من الأصحاب إلا ما يظهر من كلام المحدث الكاشاني في مفاتيحه و وافيه، حيث قال في الأول- بعد الكلام في المسألة- ما لفظه: «و يحتمل قويا الجواز، لصدق الماء على ماء الورد، لأن الإضافة ليست إلا لمجرد اللفظ كماء السماء، دون المعنى كماء الزعفران و الحناء و الخليط بغيره، مع تأيد الخبر بعمل الصدوق، و ضمانه صحة ما رواه في الفقيه، و عدم المعارض الناص» انتهى. و قال في الثاني- بعد نقل خبر يونس المتقدم- (1) ما لفظه: «و افتى بمضمونه في الفقيه، و نسبه في التهذيبين الى الشذوذ، ثم حمله على التحسين و التطيب للصلاة دون رفع الحدث. مستدلا بما في الخبر الآتي «إنما هو الماء و الصعيد» (2) أقول: هذا الاستدلال غير صحيح، إذ لا منافاة بين الحديثين، فان ماء الورد ماء استخرج من الورد» انتهى. و حاصل هذا الكلام يرجع الى ان الماء المضاف الذي يخرج بالإضافة عن كونه مطلقا إنما هو ما إذا أضيف المطلق الى جسم من الأجسام على وجه يغيره و يسلبه الإطلاق. و اما ما اتخذ من الورد فهو ماء مطلق قد تصاعد حتى تكونت منه تلك الأجسام ثم استخرج منها، فإضافته للورد لفظية كماء السماء و ماء البئر و نحوهما و ان كان قد اكتسب بسبب ذلك تغيرا في الأوصاف. فإن ذلك لا يخرجه عما كان عليه من الإطلاق. و أنت خبير بما فيه من الوهن و القصور: (أما أولا)- فلأنه بمقتضى ذلك لا ينحصر ما ذكره في ماء الورد بخصوصه، بل يجري في ماء العنب و الرمان و نحوهما من الثمار التي يعتصر منها من حيث تصاعده إليها بالسقي. بل مثل أوراق الشجر و نحوها كما لا يخفى، فالواجب بمقتضى ما ذكره جواز الوضوء بالماء المتخذ من جميع ذلك. و لا أظنه يقوله

____________

(1) في الصحيفة 394.

(2) و هو خبر أبي بصير المتقدم في الصحيفة 395.

368

فلو كان الحكم فيما له مقدر منصوص أكثر الأمرين مع التغير، لامروا به (عليهم السلام) و لو في بعض تلك الأخبار. و أنت خبير أيضا بأن القول الثاني عند التأمل لا يصح أن يكون قولا على حدة كما سيظهر لك.

و (ثالثها)- التفصيل بكون النجاسة منصوصة المقدر فيجب نزح أكثر الأمرين من المقدر و ما به يزول التغير، أو غير منصوصة فيجب نزح الجميع و مع التعذر فالتراوح، ذهب اليه ابن إدريس و اختاره في المختلف و قواه في الروض.

و حجته في وجوب أكثر الأمرين فيما له مقدر ما قد عرفت في القول الثاني.

و فيه ما قدمنا ثمة. و اما في وجوب نزح الجميع أو التراوح فالظاهر انه من جهة كونه لا نص فيه، و ما لا نص فيه مع عدم التغير حكمه كذلك. فمع التغير بطريق أولى. و فيه ان المبني عليه لا نص فيه ايضا، مع ان عموم الأخبار المتقدمة شامل لمثل هذه الصورة المذكورة. لتضمنها النزح بما يزول به التغير أعم من أن تكون النجاسة المغيرة منصوصة المقدر أم لا.

و (رابعها)- هو الثالث بعينه بالنسبة إلى الشق الأول، و الاكتفاء بزوال التغير بالنسبة إلى الشق الثاني. اختاره المحقق الشيخ حسن في المعالم بناء على القول بالانفعال. و استظهره أيضا جملة ممن تأخر عنه.

و حجته بالنسبة إلى الشق الأول ما عرفت في حجتي القول الثاني و الثالث.

و فيها ما ذكرنا ثمة. و بالنسبة إلى الشق الثاني عموم الأخبار المتقدمة (1) الدالة على الطهارة بزوال التغير. و لا معارض لها بالنسبة الى ما لا مقدر له، فيجب العمل بها.

و هو حسن. و لا يخفى عليك ان القول الثاني لا يخرج عن أحد هذين القولين. فعده في المسألة قولا على حدة لا يخفى ما فيه كما أشرنا إليه آنفا.

____________

(1) في الصحيفة 366.

369

و (خامسها)- نزح ما يزيل التغير أولا ثم نزح المقدر بعده ان كان لتلك النجاسة مقدر، و إلا فالجميع، و ان تعذر فالتراوح.

و حجة هذا القول بالنسبة إلى الشق الأول إعطاء كل من الأسباب حقه من السببية (1) و بالنسبة إلى الشق الثاني ما عرفت في القول الثالث. و يرد على الحجة الأولى ما قدمنا (2) من الاخبار الدالة على الاكتفاء بزوال التغير مطلقا. و مع تسليم تخصيصها- بناء على ما زعموا من الجمع بينها و بين روايات التقدير- فيكفي في ذلك الاكتفاء بأكثر الأمرين كما ذكروا ثمة، فلا موجب حينئذ للتعدد. مع ان الأظهر هو التداخل مع تعدد النجاسات كما هو أحد الأقوال في المسألة. و على الحجة الثانية ما عرفته في القول الثالث.

و (سادسها)- وجوب نزح الجميع، فان تعذر فالتراوح. و نقل عن الصدوقين و المرتضى و سلار.

و الحجة، اما على وجوب نزح الجميع مع عدم التعذر ما تقدم (3) من رواية ابي خديجة و صحيحة معاوية بن عمار و رواية منهال.

و اما على التراوح مع التعذر

فموثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث طويل، قال: «و سئل عن بئر يقع فيها كلب أو فأرة أو خنزير. قال:

تنزف كلها. ثم قال: فان غلب الماء فلتنزف يوما إلى الليل ثم يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين، فينزفون يوما الى الليل و قد طهرت».

____________

(1) لان وقوع النجاسة ذات المقدر موجب لنزح المقدر لها، فإذا انضم اليه التغير الموجب لنزح ما يزول به صارا سببين، و لا منافاة بينهما، فيعمل كل منهما عمله، و يقدم مزيل التغير، لكون الجمع بين الأمرين لا يتم الا به (منه (قدس سره).

(2) في الصحيفة 366.

(3) في الصحيفة 366.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 23- من أبواب الماء المطلق.

370

و احتجوا أيضا بأنه ماء محكوم بنجاسته فيجب إخراجه اجمع.

و الجميع منظور فيه، اما الروايات المشار إليها فيجب تأويلها بما عرفت آنفا (1) جمعا بينها و بين ما قدمناه من الاخبار. و اما الخبر المذكور فالعمل به فرع وجوب نزح الجميع، و متى لم يثبت بطل ما ترتب عليه. على ان مورد الخبر التراوح مع تعذر نزح الجميع لمجرد النجاسة لا للتغير، و أحدهما غير الآخر كما عرفت آنفا. و اما الحجة الأخيرة فأضعف، لانه بعد ورود النصوص بالطهارة مع زوال التغير لا مجال لإيجاب نزح الجميع.

و (سابعها)- وجوب نزحها أجمع، فإن تعذر فيما به يزول التغير. و نقل عن الشيخ في المبسوط. و نقل عن المحقق نسبته الى المفيد ايضا. و ظاهر هذا القول انه في صورة التعذر يكتفى بمزيل التغير، أعم من ان يكون في نجاسة ذات مقدر أم لا، و وجهه- بالنسبة إلى نزح الجميع- الأخبار الدالة على ذلك، كصحيحة معاوية بن عمار و روايتي ابي خديجة و منهال المتقدمات (2) بحملها على صورة الإمكان. و بالنسبة الى ما به يزول التغير الأخبار التي قدمناها (3) بحملها على صورة تعذر نزح الجميع. و هذا الجمع بين الاخبار و ان كان محتملا إلا ان الظاهر هو رجحان ما قدمنا من المحامل عليه سيما الأول، لدلالة رواية منهال (4) عليه، و لانه مما تجتمع عليه الاخبار من غير ارتكاب تخصيص (5) إلا في اخبار نزح الجميع، فإنها مخصوصة بما إذا لم يزل التغير بدونه.

____________

(1) في الصحيفة 366.

(2) في الصحيفة 366.

(3) في الصحيفة 366.

(4) في الصحيفة 366.

(5) فإن حاصل اخبار الاكتفاء بمزيل التغير حينئذ انه يجب النزح حتى يزول التغير و لو ادى الى نزح الجميع إذا توقف زوال التغير عليه، فنزح الجميع الذي هو مدلول تلك الأخبار الأخر أحد أفراد ما دلت عليه الاخبار الأولة، و هو مخصوص بما إذا لم يزل التغير إلا به، و على القول المذكور يلزم تخصيصان: أحدهما في اخبار الجمع لحملها على الإمكان و ثانيهما في اخبار مزيل التغير لحملها على عدم إمكان نزح الجميع (منه (قدس سره).

371

و على تقدير هذا القول يلزم التخصيص في أخبار الطرفين، و مهما أمكن العمل بالخبر من غير تخصيص بالكلية أو تعدده فهو اولى.

و (ثامنها)- وجوب نزحها أجمع، فإن تعذر بغلبة الماء يعتبر أكثر الأمرين و اختاره الشهيد في الدروس، و استظهر بعض المتأخرين من كلام المعتبر ايضا.

و حجة هذا القول مركبة من الوجوه المتقدمة. و ضعفها يعلم من ضعفها.

فروع:

(الأول)- لو زال تغير البئر بغير النزح

، فعلى المختار من الطهارة و عدم النجاسة بمجرد الملاقاة لا إشكال في طهارتها بذلك. لمكان المادة. و على القول بالنجاسة فهل يجب نزح الجميع، نظرا إلى انه ماء محكوم بنجاسته و قد تعذر ضابطة تطهيره، فيتوقف الحكم بطهارته على نزح الجميع، أو يكتفى بنزح ما يزول به التغير لو كان، نظرا إلى انه مع بقاء التغير يكفي نزح القدر الذي به يزول، فلأن يكتفي به مع الزوال اولى؟

قولان، اختار أولهما- العلامة في التذكرة و ابنه فخر المحققين، و قواه في الذكرى. و ثانيهما ظاهر الشهيد في البيان، و به جزم في المعالم و قبله والده (قدس سرهما) و قواه جملة من متأخري المتأخرين. و أجابوا عن دليل القول الأول بمنع تعذر الضابط مطلقا، فإنه ممكن في كثير من صور العلم بالمقدار الذي يزول به التغير و لو تقريبا. نعم مع فرض عدم العلم في بعض الصور يتوقف الحكم بالطهارة على نزح الجميع، إذ لا سبيل الى العلم بنزح المقدار الا به.

(الثاني)- لو غار ماء البئر بعد النجاسة ثم عاد

، فعلى المختار من عدم الانفعال بالملاقاة لا إشكال في الطهارة. و على القول الآخر فالذي صرح به جملة من الأصحاب انه كذلك ايضا، قالوا: لأن المقتضي للطهارة ذهاب الماء، و هو كما يحصل بالنزح

372

يحصل بالغور، و لا يعلم كون العائد هو الغائر، فالأصل فيه الطهارة. و بان النزح لم يتعلق بالبئر بل بمائها المحكوم بنجاسته، و لا يعلم وجوده و الحال هذه، فلا يجب النزح.

و اعترض عليه بان الوجهين المذكورين ضعيفان (اما الأول) فلأنا لا نسلم ان المقتضي للطهارة ذهاب الماء، لجواز ان يكون المقتضي النزح باعتبار انه يوجب جريان الماء فتطهر أرض البئر و ماؤها. و هذا المعنى مفقود في الغور، فلا تطهر أرض البئر، و كل ما ينبع من الماء يصير نجسا. لملاقاته النجاسة بناء على القول المذكور.

و (اما الثاني) فلأن عدم تعلق النزح بمائها لا دخل له في المقام، إذ الكلام في ان ارض البئر كانت نجسة و لم يعلم لنجاستها مزيل، إذ ما علم من الشرع انه مزيل انما هو النزح، و قياس الغور عليه قياس مع الفارق كما ذكرنا، فتستصحب نجاستها، و كل ما ينبع يصير نجسا كما عرفت.

(أقول): و يؤيده انه يلزم على ما ذكروه من الوجه الأول انه لو غار منه القدر الذي يجب نزحه فإنه يحكم بطهارة الباقي، مع ان الظاهر انهم لا يلتزمونه.

(الثالث) [طهارة الدلو و الرشاء و المباشر بالتبعية]

- قد صرح جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه كما يطهر البئر بالنزح يطهر الدلو و المباشر و الرشاء. و الاخبار خالية من التصريح بذلك، الا ان المحقق في المعتبر ذكر في حكم الدلو انه لو كان نجسا بعد انتهاء النزح لم يسكت عنه الشرع. و لان الاستحباب في النزح يدل على عدم نجاستها، و الا لوجب نجاسة ماء البئر عند الزيادة عليه قبل غسلها، و المعلوم من عادة الشرع خلافه.

و تبعه في هذه المقالة جمع ممن تأخر عنه منهم: العلامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى. و غيرهما في غيرهما.

و لا يخفى ان هذا الوجه جار أيضا في الرضا و المباشر الا انه في الأخير أضعف.

373

و مرجع الدليل الأول الى ما قدمنا الإشارة إليه في المقدمة العاشرة (1) من ان التمسك بالبراءة الأصلية- فيما لم يعثر فيه على نص بعد الفحص و التفتيش مما يعم به البلوى من الأحكام- حجة واضحة. و الأصل هنا براءة الذمة من التكليف بتطهير هذه الأشياء بعد تمام النزح. الا ان الاحتياط في تطهير المباشر ثيابه و بدنه خروجا من احتمال المحذور، و تطهير الباقي أيضا نور على نور.

و أظهر من ذلك اجراء الوجه المذكور في جوانب البئر بالنسبة الى ما يتساقط حال النزح، فإنه يحكم بطهارته لعين ما ذكر. و ربما يظهر من بعض العبارات الحكم بالعفو عنه حال تساقطه، معللا ذلك بالمشقة المنفية. و هو بعيد. و التعليل ممنوع بالحكم بالطهارة بعد تمام النزح كما قلنا. و لعل ذلك كله من مؤيدات القول بعدم انفعال البئر بالملاقاة، للسلامة من هذه التكلفات.

(الرابع) [اعتبار الدلو في النزح و عدمه]

- صرح جملة من الأصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) بأنه لا يعتبر الدلو في النزح لازالة التغير و لا في نزح الجميع، إذ الغرض في الموضعين إخراج الماء و هو يصدق بأي وجه اتفق، و مثله في نزح الكر. اما في نزح المقدرات فهل يتعين نزحه بالدلو، أو تكفي آلة تسع العدد دفعة أو دفعات؟ قولان: اختار أولهما- المحقق في المعتبر، و العلامة في المنتهى و التحرير، و الشهيد في الدروس و البيان، و الشهيد الثاني أيضا. و ثانيهما- العلامة في أكثر كتبه، و الشهيد في الذكرى، و المحقق الشيخ حسن في المعالم، و غيرهم.

احتج القائلون بالثاني بان الأمر بالنزح وارد على الماء و الدلاء مقدار، فيكون

____________

(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة و المخطوطة، و الصحيح (الحادية عشرة) و ذلك في الصحيفة 155.

374

القدر هو المراد، و تقييده بالعدد لانضباطه و ظهوره بخلاف غيره. و بان الغرض من النزح إخراج الماء من حد الواقف الى كونه جاريا جريانا يزيل التأثير الحاصل من النجاسة و يفيده التطهير، و لذلك اختلف فيه التقدير، لاختلاف النجاسات بقوة التأثير و ضعفه، و تفاوت الآبار بسعة المجاري و ضيقها. و لا يخفى ان هذا الغرض يحصل بإخراج القدر المعين بأي وجه اتفق.

و أجيب عن الأول بأنا لا نمنع كون النزح واردا على الماء و ان الدلاء مقدار، و لكن نمنع كون المراد إخراج القدر مطلقا، لأن الأوامر وردت بطريق خاص و اتباعها لازم.

و عن الثاني بأنه و ان كان الغرض من النزح الاجراء إلا أن طرقه مختلفة، و الأدلة إنما وردت ببعض معين منها، و إلحاق غيره به قياس. مع ان الفارق ربما كان موجودا، من حيث ان تكرار النزح موجب لكثرة اضطراب الماء و تموجه. و هو مقتض لاستهلاك أجزاء النجاسة الشائعة فيه، فيكون سببا لطيبة و لعله الحكمة في الأمر به. و من البين ان ذلك لا يحصل مع الإخراج دفعة أو ما في معناها.

و من الجواب عن دليلي القول الثاني علم دليل القول الأول، و مرجعه الى ما ذكره المحقق في المعتبر من عدم الإتيان بالمأمور به على وجهه. و لأن الحكمة تعلقت بالعدد و لا يعلم حصولها مع عدمه.

قال بعض فضلاء المحدثين من متأخري المتأخرين: «هذا هو الصحيح، و من يدعي العلم بحصول الغرض فنقول له: علمك اما من باب مفهوم الموافقة أو تنقيح المناط، و هما مفقودان هنا، لان لتعدد النزح مدخلا عظيما في ميل أجزاء النجاسة و آثارها عن جوانب البئر إلى موضع النزح و خروجها بالنزح» انتهى.

375

و في التعليلات من الجانبين خدش (1) إلا ان الوقوف في مثل ذلك على حادة الاحتياط طريق السلامة.

(الخامس) [حد الدلو التي ينزح بها]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان الدلو التي ينزح بها ما جرت العادة باستعمالها، إذ لم يثبت للشرع فيها حقيقة على القول بالحقائق الشرعية و لا عرف لزمانهم (عليهم السلام) ليحمل عليه. و القاعدة في مثله عند انتفاء الأمرين الرجوع الى العرف الموجود ان لم يخالف وضع اللغة الثابت، و إلا كان هو المقدم. و كل ذلك منتف فيما نحن فيه، فيرجع الى ما يصدق عليه الاسم في العرف صغيرا كان أو كبيرا.

و أنت خبير بما في البناء على القاعدة المذكورة و ان اشتهر البناء عليها بينهم.

لما قدمنا لك في المقدمة العاشرة (2) و غيرها. لكن الظاهر ان الأمر هنا هين، للقطع بان لفظ الدلو ليس من الألفاظ التي اختلفت معانيها بحسب اختلاف الأزمنة

____________

(1) أما تعليل القول الأول فلما عرفت في الأصل. و اما تعليل القول الثاني فلاحتمال ان تكون الأوامر الواردة بالدلاء المعينة إنما هي من حيث كون المتعارف في النزح ذلك، لا من حيث مدخلية خصوص النزح بالدلو في التطهير و ان ذلك لوجه حكمة تبنى عليه. و كما انهم صرحوا في غير موضع بأن الأحكام في مقام الدلالة الإجمالية تحمل على ما هو الغالب الشائع، كذلك في حال ورودها عنهم (عليهم السلام) مفصلة يحمل التفصيل عنهم على ذلك، إذ لو ورد النزح مجملا فإنهم يحملونه على الفرد الشائع المتعارف عادة، فكذا إذا ورد بخصوصية فرد تكون الخصوصية لذلك لا لوجه حكمة اقتضته، و لأنهم صرحوا في الأصول بأن التخصيص بالذكر لا ينحصر بالحكم، كما ذكره السيد السند في المدارك في أول بحث الماء المضاف، و لاحتمال كون ذلك أحد أفراد الكلي، على قياس ما ذكروه في عدم وجوب الابتداء في غسل الوجه في الوضوء و اليدين بالأعلى و المرفقين في كون البيان الوارد بذلك محمولا على كونه أحد أفراد الكلي لا لتعينه بخصوصه، فتدبر (منه (رحمه الله).

(2) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة و المخطوطة، و الصحيح (الحادية عشرة) و ذلك في الصحيفة 121 و قد تقدم أيضا في الصحيفة 162.

376

و الأمكنة، كالرطل و المن و المد و الصاع و نحوها، و بان أفراده مختلفة في كل مكان و زمان.

و اما ما يظهر من كلام بعضهم- من الاكتفاء بما يعتاد على تلك البئر و ان كان نحو آنية الفخار إذا كان مما يستقى به في البلد غالبا- فضعيف جدا، لان تعليق الحكم في الأخبار على الدلو يقتضي الوقوف مع مسماه، و لا ريب في عدم صدقه على الآنية.

و نقل عن بعض الأصحاب ان المراد بالدلو ما كانت هجرية، و هي ثلاثون رطلا و عن الجعفي أربعون رطلا. ورد بعدم وجود المستند.

(أقول): و هو مروي

في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام):

«و إذا سقط في البئر فأرة أو طائر أو سنور و ما أشبه ذلك فمات فيها و لم يتفسخ، نزح منها سبعة أدل من دلاء هجر. و الدلو أربعون رطلا».

الا ان جلّ الأصحاب (رضوان الله عليهم) لما كان اعتمادهم على الكتب الأربعة خاصة، أو ما قاربها في الشهرة عند آخرين، كان هذا الكتاب و أمثاله غير معمول على ما تضمنه من الأخبار، الا ان المفهوم من شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب بحار الأنوار الاعتماد عليه كما أشرنا سابقا اليه (2).

(السادس) [وجوب إخراج النجاسة قبل الشروع في النزح]

- يجب إخراج النجاسة قبل الشروع في النزح على القول بالانفعال بالملاقاة، و ظاهرهم الاتفاق عليه بل صرح بذلك في المنتهى، و ظاهر إطلاق كلامهم عدم الفرق في ذلك بين ما له مقدر و ما ليس كذلك، الا ان المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم صرح بالفرق بينهما، قال: «فإن الملاقاة الموجبة لنزح المقدر تبقى ما بقيت العين فلا يظهر للنزح فائدة، و لا يعتبر ذلك في غير المقدر لفقد العلة» انتهى.

و لعل ذلك مبني على القول بوجوب نزح الجميع لما لا نص فيه كما اختاره (قدس سره)

____________

(1) في الصحيفة 5.

(2) في الصحيفة 25.

377

في الكتاب المذكور بناء على القول بالانفعال، و إلا فعلى القولين الآخرين من الثلاثين أو الأربعين فلا ريب في كون الحكم فيهما كالمقدر بعينه، و العلة الموجبة فيهما واحدة.

(البحث الخامس) [طهارة البئر بغير النزح و عدمها]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في طهر البئر بغير النزح من المطهرات المتقدمة (1) فظاهر الأكثر طهرها بذلك، و النزح الوارد في الاخبار و ان اختص بها إلا انها تشارك غيرها في تلك المطهرات. و كلام المحقق في المعتبر يدل على انحصار تطهيرها في النزح، حيث قال: «و إذا جرى إليها- يعني البئر- الماء المتصل بالجاري لم تطهر، لان الحكم متعلق بالنزح و لم يحصل» و اختاره بعض محققي متأخري المتأخرين، قال: «لان التطهير أمر شرعي لا بد له من دليل و لا دليل ظاهرا على ما عدا النزح» و اختلف فتوى الشهيد (رحمه الله) في هذه المسألة، فقال في الدروس: «لو اتصلت بالجاري طهرت، و كذا بالكثير مع الامتزاج. اما لو تسنما عليها من أعلى فالأولى عدم التطهير، لعدم الاتحاد في المسمى» و مثله أيضا في الذكرى.

و قال في البيان: «ينجس ماء البئر بالتغير، و يطهر بمطهر غيره، و بالنزح» ثم قال:

و الأصح نجاسته بالملاقاة أيضا، و طهره بما مر و نزح كذا، ثم ذكر المقادير.

و لا يخفى ان اشتراطه عدم علو المطهر على جهة التسنم في الكتابين يخالف ما أطلقه في الثالث من طهارته بمطهر غيره مطلقا.

و ممن اختار القول المشهور صاحب المعالم، حيث قال بعد نقل الأقوال في المسألة: «و التحقيق عندي مساواته لغيره من المياه في الطهارة بما يمكن تحققه فيه من الطرق التي ذكرناها سابقا. و وجهه- على ما اخترناه من اشتراط الامتزاج بالمعنى الذي حققناه- واضح، فان ماء البئر- و الحال هذه- يصير مستهلكا مع المطهر، فلو كان عين النجاسة لم يكن له حكم، فكيف؟ و هو متنجس، و لا ريب انه أخف.

____________

(1) كإلقاء الكر دفعة، و نزول الغيث، و وصول الجاري إليها (منه (رحمه الله).

378

و اما على القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال فلان دليلهم- على تقدير تماميته- لا يختص بشيء دون شيء، إذ مرجعه الى عموم مطهرية الماء. فيدخل ماء البئر تحت ذلك العموم و الأمر بالنزح لا ينافيه، لكونه مبنيا على الغالب من عدم التمكن من التطهير بغيره، و لو أمكن في بعض الموارد فلا ريب ان النزح أسهل منه في الأغلب ايضا، فلذلك اقتصروا عليه، ثم ان يجاب النزح- على القول بالانفعال أو مع حصول التغير- ليس إلا لإفادة الطهارة، فإذا صار الماء طاهرا بمقتضى ذلك العموم- و الفرض عدم الدليل على التخصيص- لا يبقى للنزح وجه. نعم لو قلنا بوجوب النزح تعبدا لم يتم القول بسقوطه بمجرد الاتصال و ان قلنا بالطهارة. و اما مع الامتزاج فالظاهر السقوط، لان الاستهلاك يصيره بمنزلة المعدوم. و وجوب النزح إنما تعلق به في حال البقاء على حقيقته. و بما ذكرنا ظهر ضعف تفصيل الشهيد (رحمه الله) لا سيما بعد اشتراط الامتزاج كما صرح به، فان اعتبار الاتحاد مع ذلك مما لا وجه له. و اما ما تمسك به المحقق فدفعه ظاهر بعد ما قررناه» انتهى.

و يرد عليه (أولا)- ان الاستهلاك الذي ذكره ممنوع، كيف؟ و يكتفى في تطهير البئر على هذا القول بمجرد إلقاء الكر مثلا و ان كان ماء البئر أضعاف أضعافه على انه يمكن منع التطهير في حال الاستهلاك ايضا. و ما ذكره- من طهارة النجاسة عند استهلاكها- لا يصلح دليلا، لأنه قياس، مع وجود الفارق، إذ النجاسة إذا استهلكت في الماء و سلب عنها اسمها لم تبق نجاستها التابعة للاسم، بخلاف الماء إذا لم يسلب عنه اسمه و ان اختلط بغيره بحيث لا يميزه الحس.

و (ثانيا)- انه يمكن ان يكون لخصوصية النزح مدخل في التطهير لا يوجد في غيره، و لعل اقتصار الشارع عليه لذلك، لعين ما ذكروه في مسألة تعدد النزح بالدلو فيما له مقدر من وجوب الاقتصار على النزح بالدلو لذلك. و يؤيده اختصاص

379

البئر دون سائر المياه بأحكام خاصة و بنائها على جمع المختلفات و تفريق المؤتلفات كما ذكروه.

و بالجملة فالمسألة محل تردد. و الاحتياط في الوقوف على التطهير بالمنصوص.

و لا يخفى ان ما أورده على الشهيد متجه. و اما ما أورده على المحقق فقد عرفت ما فيه.

ثم انه قد اختلف كلام القائلين بطهرها بغير النزح في وجه العلة في ذلك، فظاهر كلام المحقق الشيخ حسن- كما تقدم- ان العلة هي الاستهلاك بسبب الامتزاج.

و قد عرفت ما فيه. و ظاهر العلامة في المنتهى- حيث قال في تعليل ذلك: «لان المتصل بالجاري كأحد أجزائه فخرج عن البئر»- ان العلة في ذلك هو الخروج عن كونه بئرا و لحوق أحكام الجاري له. و لا يخفى ما فيه. و ظاهر الشهيد في الذكرى- حيث قال: «و امتزاجه بالجاري مطهر، لأنه أقوى من جريان النزح باعتبار دخول مائها في اسمه»- ان العلة فيه هي الامتزاج، حيث انه أقوى من جريان النزح. و فيه منع ان العلة في النزح حصول الجريان، لعدم الدليل عليه، و لجواز ان يكون أمر آخر لا نعلمه.

(البحث السادس) [وجوب التراوح إذا تعذر نزح الجميع]

- المشهور بين الأصحاب- بل نقل الإجماع عليه من القائلين بالتنجس- انه مع تعذر نزح البئر جميعا- لكثرة الماء فيما يجب له ذلك- يجب تراوح أربعة رجال عليها يوما الى الليل، استنادا إلى موثقة عمار الساباطي. و قد تقدمت في البحث الرابع (1).

و اعترض في المعالم على الاستدلال بالخبر المذكور بوجوه:

(أحدها)- كون رواته فطحية.

و (ثانيها)- تضمن متنه نزح الماء كله لتلك الأشياء المذكورة فيه، و لا قائل به من الأصحاب.

____________

(1) في الصحيفة 369.

380

و (ثالثها)- ان ظاهره يدل على وجوب النزح يومين. و لم يذهب إليه أحد.

و الجواب عن الأول، اما على مذاقنا فمعلوم، و اما على مذاق القوم فعند من يعمل بالموثق منهم كذلك ايضا، و اما من يجعله من قسم الضعيف فيجاب بان ضعفه مجبور بعمل الأصحاب و شهرته بينهم في هذا الباب.

و اما عن الثاني، فيمكن بحمل نزح الجميع على الاستحباب أو على التغير كما ذكره في التهذيب (1) و حينئذ فتكون الرواية معمولا بها عند الأصحاب.

و اما عن الثالث. فيجوز أن لا تكون (ثم) هنا للترتيب الخارجي، فإنها كثيرا ما تكون كذلك، كقوله سبحانه: «كَلّٰا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّٰا سَيَعْلَمُونَ» (2) و الجواب باحتمال كونها من كلام الراوي بعيد.

ثم ان الأصحاب (رضوان الله عليهم) ذكروا لذلك أحكاما ربما يستفاد أكثرها من النص المذكور.

(منها)- كون النزح نهارا، للفظ اليوم في الرواية، فلا يجزئ الليل و لا الملفق منهما و ان زاد عن مقدار يوم. وقوفا على ظاهر النص.

و (منها)- انه لا فرق في اليوم بين القصير و الطويل. عملا بالإطلاق. و لهم في تحديد اليوم المذكور عبارات مختلفة. ففي كلام الشيخ المفيد من أول النهار الى آخره و تبعه على ذلك جماعة. و في عبارة الصدوقين من الغدوة إلى الليل، و في نهاية الشيخ من الغدوة إلى العشية. قال في المعتبر بعد نقل هذه الأقوال: «و معاني هذه الألفاظ متقاربة، فيكون النزح من طلوع الفجر الى غروب الشمس أحوط، لأنه يأتي على الأقوال» انتهى. و قال الشهيد في الذكرى بعد ذكر اختلاف العبارات في ذلك:

«الظاهر انهم أرادوا به يوم الصوم فليكن من طلوع الفجر الى غروب الشمس. لأنه

____________

(1) في الصحيفة 69.

(2) سورة النبإ. الآية 5 و 6.

381

المفهوم من اليوم مع تحديده بالليل» و اعترضه في المعالم- بعد أن استحسن ما ذكره المحقق من الاحوطية- بان الحمل على يوم الصوم يقتضي عدم الاجتزاء باليوم الذي يفوت من اوله جزء و ان قل، و عباراتهم لا تدل عليه بل ظاهرها ما هو أوسع من ذلك، و لفظ الرواية أيضا محتمل لصدق اسم اليوم و ان فات منه بعض الاجزاء ان كانت قليلة. انتهى. و هو حسن.

و (منها)- ان جملة من المتأخرين أوجبوا- تفريعا على القول بوجوب كون النزح يوم الصوم- إدخال جزء من الليل أولا و آخرا من باب مقدمة الواجب. و ربما أوجب بعضهم تقديم التأهب بتهيئة الآلات قبل الجزء المجعول مقدمة. و الظاهر ان هذه التدقيقات الناشئة من اعتباره كيوم الصوم غير واضحة.

و (منها)- كون طريق تراوح الأربعة بأن ينزح كل اثنين وقتا، بان يكون أحدهما فوق البئر يمتح بالدلو و الآخر فيها يملأها، ثم يستريحان فيقوم الآخران كذلك كذا ذكره جملة منهم. و تخصيص النزح بالكيفية المخصوصة لا دليل في النص عليه.

بل يكفي أن يكونا معا في أعلى البئر يمتحان الدلو. بل الظاهر انه الاولى (1)، لأنه هو المتعارف، الا ان يبلغ الماء في القلة الى ان الدلو بمجرد وضعه لا يمتلئ ماء بل يحتاج الى وضع الماء فيه. فيتم ما ذكروه، إلا ان كلامهم أعم من ذلك.

و (منها)- انه يستثني لهم من الاشتغال بالنزح الصلاة جماعة و الأكل جميعا صرح به الشهيدان و جماعة. و عللوه باقتضاء العرف له، و اقتصر بعض على الأول.

فارقا بينهما بأن الثاني يمكن حصوله حال الراحة بخلاف الأول، فإن الفضيلة الخاصة للجماعة لا تحصل إلا به. و ربما نفى بعضهم الاستثناء من أصله.

____________

(1) و بما استظهرناه صرح بعض علمائنا المتأخرين. قال: لأنه الأقرب المتعارف و نقل (قدس سره) عن ابن إدريس انه صرح بأن كيفية التراوح ان يستقى اثنان بدلو واحد يتجاذبانه الى ان يتعبا، فإذا تعبا قعدا و قام هذان و استراح الآخران (منه (قدس سره).

382

و (منها)- انه يشترط كون الأربعة رجالا، صرح به الأكثر، لمفهوم لفظ القوم على ما نص عليه جملة من أهل اللغة من الاختصاص بالرجال (1) و قال المحقق في المعتبر: «ان عملنا بالخبر المتضمن لتراوح القوم اجتزأنا بالنساء و الصبيان» و ردّ بما تقدم. و فيه ان صاحب القاموس قد ذكر من أحد معاني القوم ما يدخل فيه النساء، حيث قال: «القوم الجماعة: من الرجال و النساء معا أو الرجال خاصة أو تدخله النساء على التبعية» انتهى. و نقل في كتاب مجمع البحرين عن الصنعاني انه ربما دخل النساء تبعا، لان قوم كل نبي رجال و نساء. و على هذا يزول الإشكال بالنسبة الى النساء و إنما يبقى الكلام في الصبيان. و شرط بعضهم في الاجتزاء بالنساء عدم قصور نزحهن عن نزح الرجال. و الأحوط بل الأظهر الاقتصار على الرجال، و يدل على ذلك

ما في كتاب الفقه الرضوي. حيث قال (عليه السلام) (2): «فان كان كثيرا و صعب نزحه فالواجب عليه ان يكتري أربعة رجال يستقون منها على التراوح من الغدوة إلى الليل».

و (منها)- عدم اجزاء ما دون الأربعة و ان نهض بعملهم، وقوفا على ظاهر الخبر من قوله:

«يتراوحون اثنين اثنين».

و استقرب في التذكرة الاجتزاء بالاثنين القويين اللذين ينهضان بعمل الأربعة. و اما الزيادة عليها فاجازوها من باب مفهوم الموافقة الا ان يفضي التكثر الى الإبطاء و تضييع الوقت.

____________

(1) قال الجوهري: «القوم: الرجال دون النساء» و قال ابن الأثير في نهايته: «القوم في الأصل مصدر قام فوصف به ثم غلب على الرجال دون النساء، و لذلك قابلهن به» يعني في قوله تعالى: «لٰا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ. وَ لٰا نِسٰاءٌ مِنْ نِسٰاءٍ.» قال زهير:

«و ما ادري و سوف أخال أدري * * * أقوم آل حصن أم نساء»

(منه (رحمه الله).

(2) في الصحيفة 5.

383

(البحث السابع) [عدم نجاسة البئر بالبالوعة و المقدار المستحب في التباعد بينهما]

- لا خلاف بين الأصحاب في ان البئر لا ينجس بالبالوعة و ان قربت منه، الا ان يعلم تعدي ما فيها إلى البئر- بناء على القول بانفعالها بالملاقاة- أو بتغير ماء البئر بها على ما اخترناه.

و يدل على ذلك- مضافا الى ما دل على أصالة الطهارة عموما و خصوصا- رواية محمد بن ابي القاسم عن ابي الحسن (عليه السلام) المتقدمة في أدلة القوم بعدم نجاسة البئر بالملاقاة (1) و اما ما يوهم خلاف ذلك- كحسنة الفضلاء المتقدمة في أدلة القول بنجاسة البئر بالملاقاة (2)- فقد عرفت الجواب عنها ثمة. و يزيده تأكيدا ان العمل بظاهرها- من الحكم بالنجاسة بمجرد ظن السريان- مما تدفعه الأخبار المستفيضة بعدم نقض اليقين إلا بمثله، و ان الشك لا يعارض اليقين، فلا بد من تأويله بما ذكرنا آنفا.

ثم ان المشهور بين الأصحاب انه يستحب التباعد بين البئر و البالوعة بخمسة أذرع في الأرض الصلبة أو مع فوقية قرار البئر، و بسبعة فيما عدا ذلك. و الصور على هذا القدر ست، و ذلك لان الأرض اما ان تكون صلبة أو رخوة. و على كل منهما اما ان تكون البئر أعلى قرارا أو أنزل أو مساوية. ففي أربع صور منها- و هي الصلبة بأقسامها الثلاثة و علو قرار البئر في الرخوة- يستحب التباعد بخمسة أذرع، و ما عدا ذلك بسبعة أذرع.

و ضم جمع من المتأخرين إلى الفوقية الحسية الفوقية بالجهة في صورة تساوي القرارين، بناء على ان جهة الشمال أعلى و ان مجاري العيون منها. و حينئذ يحصل من ذلك الفوقية و التحتية و التساوي بحسب الجهة أيضا. و بذلك تصير صور المسألة أربعا و عشرين و ان لم يكن لبعضها تأثير في اختلاف الحكم في المسألة، و تفصيلها انه باعتبار

____________

(1) في الصحيفة 356 و قد تقدم ان اسم الراوي في كتب الحديث و الرجال (محمد بن القاسم).

(2) في الصحيفة 358.

384

الجهة تحصل اربع صور، لأن البئر اما أن تكون في جهة الشمال و البالوعة في الجنوب أو بالعكس، أو تكون البئر في جهة المغرب و البالوعة في جهة المشرق أو بالعكس و على كل من هذه الصور الأربع تجري الست المتقدمة. و من ضرب أربع في ست تحصل اربع و عشرون. ففي سبع عشرة منها يكون التباعد بخمسة أذرع، و في سبع منها بسبعة أذرع (1).

و قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين- بعد ان نقل عنهم- أولا ان- في صورة التعارض بين الفوقيتين يجعلونه بمنزلة التساوي- ما صورته: «و في كلام جمع من الأصحاب هنا تأمل ظاهر، إذ ذكروا ان التباعد بسبع في سبع و بخمس في الباقي و الاعتبار يقتضي ان يكون التباعد بسبع في ثمان أو ست، لان فوقية القرار اما ان تعارض فوقية الجهة و تصير بمنزلة التساوي أولا، فعلى الأول الأول و على الثاني الثاني و اما اعتبار الجهة في البئر دون البالوعة فتحكم» انتهى.

(أقول): ما نقله عنهم- من انه مع تعارض الفوقيتين يجعلونه بمنزلة التساوي ثم اعترض عليهم بسببه- لم أقف عليه فيما حضرني من كلامهم، بل صرح غير واحد منهم بأن الفوقية بالجهة إنما تعتبر في الرخاوة مع تساوي القرارين، و مقتضى ذلك

____________

(1) لأنك قد عرفت ان التباعد بخمسة أذرع في أربع صور من الست المتقدمة و الست هنا قد فرضناها في كل من هذه الصور الأربع، و حينئذ فتؤخذ الأربع المذكورة من كل واحدة من هذه الأربع هنا فتحصل ست عشرة، و تزيد واحدة و هي فوقية الجهة في صورة كون البئر في جهة الشمال مع رخاوة الأرض و تساوى القرارين، فتحصل سبع عشرة حينئذ، و قد عرفت ايضا ان التباعد بسبعة أذرع في صورتين من الست المذكورة، و هما صورتا الرخوة الباقيتان، لخروج صورة علو قرار البئر من صورها، فتؤخذ الاثنتان من كل من الأربع و تزيد واحدة و هي تساوى القرارين في الأرض الرخوة مع كون البالوعة في جهة الشمال و هي عكس الصورة المزيدة سابقا (منه (رحمه الله).

385

اختصاص اعتبارها بالبئر دون البالوعة. و لهذا صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض- في صورة كون البئر في جهة الجنوب مع رخاوة الأرض و علو قرار البئر- بأنه يستحب التباعد بخمسة أذرع نظرا الى علو قرار البئر. و بمقتضى ما ذكره من تعارض القرارين مطلقا ينبغي ان يكون بسبعة.

و نقل عن ابن الجنيد في هذه المسألة ما يخالف المشهور. إلا ان النقل عنه مختلف، فنقل الأكثر عنه انه قال: «ان كانت الأرض رخوة و البئر تحت البالوعة فليكن بينهما اثنا عشر ذراعا، و ان كانت صلبة أو كانت البئر فوق فليكن بينهما سبعة أذرع» و خطأ هذا النقل في المعالم. و نقل عنه انه قال في المختصر ما صورته: «لا استحب الطهارة من بئر تكون بئر النجاسة التي تستقر فيها من أعلاها في مجرى الوادي، إلا إذا كان بينهما في الأرض الرخوة اثنى عشر ذراعا و في الأرض الصلبة سبعة أذرع، فإن كانت تحتها و النظيفة أعلاها فلا بأس، و ان كانت محاذيتها في سمت القبلة فإذا كان بينهما سبعة أذرع فلا بأس، تسليما لما رواه ابن يحيى عن سليمان الديلمي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1)» انتهى. ثم قال في المعالم: «و الذي يستفاد من هذه العبارة انه يرى التقدير بالاثني عشر بشرطين: رخاوة الأرض و تحتية البئر. و مع انتفاء الشرط الأول بسبع، و كذا مع استواء القرار إذا كانت المحاذاة في سمت القبلة، يعني ان إحداهما كانت في جهة المشرق و الأخرى في محاذاتها من جهة المغرب. و هذا الاعتبار يلتفت الى اعتبار الفوقية في الجهة كما حكيناه عن البعض، فحيث تكون المحاذاة في غير جهة القبلة تكون إحداهما في جهة الشمال فتصير أعلى. و قوله-:

فان كانت تحتها و النظيفة أعلاها فلا بأس- ظاهر في نفي التقدير حينئذ» انتهى.

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في الباب- 24- من أبواب الماء المطلق. و السند هكذا: «محمد بن الحسن بإسناده عن محمد بن احمد بن يحيى عن إبراهيم بن إسحاق عن محمد ابن سليمان الديلمي عن أبيه قال سألت أبا عبد الله. الحديث» و سيأتي الخبر في الصحيفة 388.

386

و استدل على المشهور

برواية الحسن بن رباط عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن البالوعة تكون فوق البئر. قال: إذا كانت فوق البئر فسبعة أذرع، و ان كانت أسفل من البئر فخمسة أذرع من كل ناحية، و ذلك كثير» (2).

و رواية قدامة بن ابي يزيد الحمار عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته كم ادنى ما يكون بين البئر و البالوعة؟ فقال: ان كان سهلا فسبعة أذرع و ان كان جبلا فخمسة أذرع، ثم قال: يجري الماء إلى القبلة إلى يمين، و يجري عن يمين القبلة إلى يسار القبلة، و يجري عن يسار القبلة إلى يمين القبلة، و لا يجري من القبلة إلى دبر القبلة».

وجه الاستدلال بهما ان في كل من الروايتين إطلاقا و تقييدا فيجب الجمع بينهما بحمل المطلق من كل منهما على المقيد من الأخرى، و ذلك بالنسبة إلى التقدير بالسبعة، فإنه في الرواية الأولى مطلق بالنسبة إلى صلابة الأرض و رخاوتها، و الثانية قد اشتملت مع الصلابة على خمسة، فتحمل السبعة في الأولى على الرخاوة خاصة جمعا (4). و السبعة في الرواية الثانية أيضا مطلق بالنسبة إلى فوقية البالوعة على البئر و عكسه، و في الأولى

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الماء المطلق.

(2) ما ذكره مطابق لما في الكافي، و اما رواية التهذيب فهي هكذا: «قال: إذا كانت أسفل من البئر فخمسة أذرع، و إذا كانت فوق البئر فسبعة أذرع من كل ناحية، و ذلك كثير».

(3) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الماء المطلق. و الراوي لهذه الرواية قد أهمل في كتب الرجال. و في حاشية الوافي ان كنية أبيه (أبو يزيد) كما في الكافي لا (أبو زيد) و إسقاط الياء- كما في عامة نسخ التهذيبين- من تحريف النساخ، و ان (الحمار) بالحاء المهملة و تشديد الميم. انتهى. و يؤيد ذلك انه قد ذكر في باب الكنى من كتب الرجال (أبو يزيد الحمار) فان من المحتمل ان يكون أبا قدامة هذا.

(4) و حينئذ يكون معنى الرواية الاولى انه إذا كانت البالوعة فوق البئر فسبعة ما لم تكن الأرض صلبة فإنه تكفى الخمسة (منه (قدس سره).

387

قد خص السبعة بفوقية البالوعة و الخمسة بعكسه، و حينئذ فتحمل السبعة المطلقة على فوقية البالوعة (1). و يتلخص من ذلك ان السبعة حينئذ مقيدة برخاوة الأرض مع عدم كون قرار البئر أعلى، و هو أعم من أن يكون مساويا أو يكون قرار البالوعة أعلى.

و أورد عليه ان الجمع بين الخبرين المذكورين لا ينحصر في الطريق المذكور، إذ كما يقيد الحكم بالسبعة في الموضعين يمكن ان يقيد الحكم بالخمسة فيهما (2). و فيه انه لا يخفى ان الغرض من التحديد في هذه الأخبار و الشروط المذكورة فيها إنما هو منع تعدي ماء البالوعة إلى البئر، فمع السهولة فيما عدا صورة علو قرار البئر لما كان مظنة التعدي كان اعتبار البعد بالسبعة أليق، و مع الصلابة و كذا مع علو قرار البئر في السهلة لما كان مظنة عدم التعدي حسن الاقتصار على الخمسة، فلا يحتاج الى قيد آخر، و من ذلك يعلم حكم المساواة في صورة الرخاوة و انه يستحب أن يكون بسبعة. و بذلك يظهر ما في كلام شيخنا الشهيد الثاني من إنكار المستند في ذلك، حيث قال في كتاب الروض: «و الرواية التي هي مستند الحكم ليس فيها ما يدل على حكم التساوي، لأنه جعل السبع مع فوقية البالوعة و الخمس مع فوقية البئر. و التساوي مسكوت عنه» انتهى.

فإنه و ان لم تدل عليه الرواية الأولى لكنه داخل تحت الرواية الثانية، حيث حكم فيها بأنه ان كان سهلا فسبع، خرج عنه بالتقييد بالرواية الأولى صورة ارتفاع البئر قرارا أو جهة على القول الآخر كما عرفت. فيبقى الباقي.

____________

(1) و يكون معنى الرواية الثانية: ان كان سهلا فسبعة أذرع ما لم يكن قرار البئر أعلى فإنه تكفى الخمسة (منه (قدس سره).

(2) فيقال: التقدير بالخمسة في الخبر الأول مقيد بالصلابة لدلالة الثانية على السبعة في صورة الرخاوة. و تقيد في الثانية بعدم فوقية البالوعة، لدلالة الأولى على السبعة في صورة فوقية البالوعة (منه (قدس سره).

388

ثم ان بعض الأصحاب عبر في هذا المقام بأنه إذا كانت البئر فوق البالوعة جهة أو قرارا أو كانت الأرض صلبة فخمس و إلا فسبع، و على هذا يكون حكم المساواة في صورة الرخاوة ما ذكرنا من السبع، و بعضهم- كالعلامة في الإرشاد- قال:

انه إذا كانت البئر تحت البالوعة أو كانت الأرض سهلة فسبع و إلا فخمس. و على هذا فحكم المساواة في الصورة المذكورة خمس. و هو غير جيد، لما عرفت.

و قد تلخص من هذا انه يستحب التباعد بخمس في صور الصلبة جميعا و صورة علو البئر قرارا أو جهة، و ما عداه فبسبع.

و استدل ابن الجنيد- كما أشرنا إليه فيما قدمنا من كلامه، و بذلك ايضا استدل له في المختلف- برواية

محمد بن سليمان الديلمي عن أبيه (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البئر يكون الى جنبها الكنيف. فقال لي: ان مجرى العيون كلها من مهب الشمال، فإذا كانت البئر النظيفة فوق الشمال و الكنيف أسفل منها لم يضرها إذا كان بينهما اذرع. و ان كان الكنيف فوق النظيفة فلا أقل من اثني عشر ذراعا، و ان كان تجاها (2) بحذاء القبلة و هما مستويان في مهب الشمال فسبعة أذرع».

و لا يخفى عليك ان الرواية المذكورة غير منطبقة على مذهب ابن الجنيد على كلا النقلين.

(اما على الأول) فلأنهم نقلوا عنه التباعد بسبع أذرع في صورة فوقية البئر، مع انه ليس في الرواية المذكورة لذلك اثر.

و (اما على الثاني) فلأنه نقل عنه التفصيل في صورة علو البالوعة بالرخاوة و الصلابة، و الرواية- كما ترى- لا تفصيل فيها لشيء من ذلك.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الماء المطلق.

(2) كذا في التهذيب و المقنع، و في المختلف تجاهها (منه (قدس سره).

389

و نقل عنه ايضا القول بأنه ان كانت البالوعة تحتها و النظيفة أعلاها فلا بأس، مع انه صرح في الرواية في هذه الصورة باشتراط ان يكون بينهما اذرع. و تكلف في المعالم للجواب هنا بأنه لعل الوجه في عدم تعرض ابن الجنيد لهذا الشرط- مع كونه مصرحا به في الرواية- هو عدم الانفكاك عنه عادة حيث يحمل لفظ الأذرع على أقل الجمع، فإنه من المستبعد جدا ان توضع بالوعة في جنب بئر بأقل من ثلاثة أذرع. و لا يخلو من بعد، و قد جمع بعض الأصحاب بين هذه الرواية و روايتي المشهور (1) بحمل إطلاق الأذرع في صورة فوقية البئر على الخمس، و تقييد التقدير بالسبع في صورة المحاذاة برخاوة الأرض و تحتية البئر و حمل الزائد على السبع في صورة فوقية الكنيف على المبالغة في القدر المستحب. و اعترضه في المعالم بان في الحمل الأول تكلفا. و اما التقييد ففاسد لان فرض المحاذاة- كما هو صريح لفظ الحديث، و مقتضى المقابلة لصورتي علو كل منهما- كيف يجامع الحمل على تحتية البئر؟ نعم حمل الزيادة في الاثني عشر على المبالغة ممكن. و أجيب بأن رواية ابن رباط قرينة على الحمل بلا تكلف. و ما ذكره من فساد التقييد فاسد، لأن المحاذاة التي في الحديث إنما هي المحاذاة بالنسبة إلى جهة الشمال، و كذا علو كل منهما إنما هو بالنسبة إليها، و هو ظاهر. فحينئذ لا ينافيان تحتية البئر بالنظر الى القرار كما هو مراد (2). و هو جيد.

هذا. و الموجود في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) نسبة الخلاف في هذه المسألة الى ابن الجنيد خاصة، مع ان ظاهر الصدوق في المقنع ذلك ايضا، حيث نقل

____________

(1) المتقدمتين في الصحيفة 386.

(2) لا يخفى انه لا حاجة في الجمع الى اعتبار تحتية البئر، لما عرفت من استحباب السبع في صورة التساوي كما أوضحناه آنفا. نعم لا بد من اعتبار عدم فوقية قرارها، و كذا لا بد في الصورة الاولى من عدم فوقية قرار البالوعة لينطبق على المشهور. و الخبران اللذان هما مستند المشهور قرينة هذا التقييد (منه (رحمه الله).

390

مضمون الرواية المذكورة من غير اشعار بكونها رواية، و هو يعطي افتاءه بذلك و القول به. ثم انه (قدس سره) في الكتاب المذكور قال بعيد ذلك: «و ان أردت أن تجعل الى جنب البالوعة بئرا، فإن كانت الأرض صلبة فاجعل بينهما خمسة أذرع، و ان كانت رخوة فسبعة أذرع» و ظاهر كلاميه يشعر بالفرق بين البالوعة و الكنيف.

إلا انه في كتاب من لا يحضره الفقيه فرض المسألة في الكنيف، و ذكر التباعد بالسبع و الخمس في صورتي الرخوة و الصلبة.

هذا. و قد تقدم في حسنة الفضلاء (1) التقدير بالسبع في صورة علو البالوعة، و بالثلاث أو الأربع في عكسه، قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين: «و الاولى الوقوف على ما تضمنته حسنة الفضلاء، لأنها أحسن سندا و أقرب الى الاحتياط لو لا شهرة خلافه بين الأصحاب، مع انه على المشهور يمكن الجمع بين الروايات الثلاث بحمل الحسنة على شدة الاستحباب. و هو اولى من الطرح» انتهى.

و استند القائلون بإلحاق العلو جهة بالعلو قرارا برواية محمد بن سليمان الديلمي المذكورة (2) و يشكل بأنهم لم يعملوا بها فيما دلت عليه من الأحكام، فكيف يتم لهم الاستناد إليها في خصوصية هذا الحكم؟ فإن أجيب بأنه قد عارضها في تلك الأحكام الروايتان المتقدمتان (3) و هذا الحكم لم يعارضها فيه شيء. قلنا: ان تلك الروايتين قد عارضتهما أيضا حسنة الفضلاء (4) مع كونها أرجح سندا منهما، فيجب عليهم القول بمضمونها.

ثم انه

قد روى الحميري في كتاب قرب الاسناد (5) عن محمد بن خالد الطيالسي

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 358.

(2) في الصحيفة 388.

(3) في الصحيفة 386.

(4) المتقدمة في الصحيفة 358.

(5) في الصحيفة 16 و في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الماء المطلق. و فيهما بدل «تلي الوادي» هنا «مما يلي الوادي».

391

عن العلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن البئر يتوضأ منها القوم و الى جانبها بالوعة. قال: ان كان بينهما عشرة أذرع و كانت البئر التي يستقون منها تلي الوادي فلا بأس».

و الظاهر ان المراد بكونها تلي الوادي يعني كونها في جهة الشمال، بناء على ان مجرى العيون منها. و لم أقف على قائل بمضمون هذا الخبر بل و لا على ناقل له في كتب الاستدلال.

و لا يخفى ما في ظاهر هذا الخبر مضافا الى خبر الديلمي (1) و كذا حسنة الفضلاء (2) من الدلالة على الفوقية بالجهة، و بذلك ايضا يشعر خبر قدامة المتقدم (3).

أقول: و لعل اختلاف التقديرات في هذه الاخبار- مفصلا بالفوقية و التحتية تارة، و اخرى بالصلابة و الرخاوة بالزيادة و النقصان، و مطلقا في بعض- كله قرينة الاستحباب بزيادة و نقصان في مراتبه. و الله اعلم.

الفصل الخامس في المضاف

، و فيه مسائل:

[المسألة] (الأولى) [حكم المضاف من حيث الطهارة و النجاسة]

- المضاف هو ما لا ينصرف اليه لفظ الماء على الإطلاق عرفا بل يحتاج في صدقه الى القيد، كالمصعد من الأنوار و المعتصر من الثمار و الممتزج بما يسلبه الإطلاق.

و لا خلاف في طهارته باعتبار أصله، و يدل على ذلك ايضا

قول الصادق (عليه السلام) في موثقة عمار (4): «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر».

____________

(1) المتقدم في الصحيفة 388.

(2) المتقدمة في الصحيفة 358.

(3) في الصحيفة 386.

(4) راجع التعليقة 1 في 42 و التعليقة 4 في الصحيفة 149.

392

و لا خلاف أيضا في انفعاله بملاقاة النجاسة و ان كثر، نقل الإجماع على ذلك جملة من معتمدي الأصحاب.

و يدل عليه ايضا

ما رواه السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام): «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت فإذا في القدر فأرة. فقال: يهراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل» (1).

و اعترض على الرواية بضعف السند أولا، و ورودها في مورد خاص ثانيا، و عدم ظهورها في النجاسة ثالثا.

و لا يخفى ما في هذه المناقشات من التعسف.

(أما الأولى) فبما عرفت في المقدمة الثانية من مقدمات الكتاب.

و (اما الثانية) فلما عرفت في المقام الخامس من المقدمة الثالثة (2) من ان تعدية الحكم في مثل هذا المقام من قبيل تنقيح المناط القطعي، إذ لا يعلم هنا مدخل لخصوصية السؤال.

و (اما الثالثة) فلأن الأمر بإهراق المرق المذكور و غسل اللحم أظهر دلالة على النجاسة من ان يحوم حوله الإنكار.

و يدل على ذلك أيضا

رواية زكريا بن آدم المروية بطرق ثلاث (3) قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة نبيذ أو خمر مسكر قطرت في قدر فيه لحم

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في الباب- 5- من أبواب الماء المضاف و المستعمل، و في الباب- 44- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(2) في الصحيفة 56.

(3) و رواها صاحب الوسائل في الباب- 38- من أبواب النجاسات، و في الباب- 26- من أبواب الأشربة المحرمة.

393

كثير و مرق كثير. قال: يهراق المرق أو يطعم أهل الذمة أو الكلب، و اللحم اغسله و كله. الحديث».

و استدل ايضا على الحكم المذكور

بصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت، فان كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي، و ان كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به، و الزيت مثل ذلك».

و هذا الاستدلال بمكان من الضعف، إذ مورد الرواية ليس مما نحن فيه، فان المضاف في اصطلاحهم لا يشمل مثل الدهن و الزيت. و قياسه عليهما باعتبار الاشتراك في الميعان باطل عندنا (أما أولا)- فلعدم بناء الأحكام على القياس.

و (اما ثانيا)- فلعدم ثبوت كون مطلق الميعان علة حتى يلزم من الاشتراك فيها ذلك.

و استدل أيضا بأن المائع قابل للنجاسة، و النجاسة موجبة لتنجيس ما لاقته، فيظهر حكمها عند الملاقاة، ثم تسري النجاسة بممازجة المائع بعضه بعضا.

و اعترض عليه بان قبول المائع النجاسة، ان كان باعتبار الرطوبة المقتضية للتأثير عند ملاقاة النجاسة فمن البين أنها موجودة في كثير من افراد الجامد الذي من شأنه الميعان كالسمن، و لا ريب في عدم تأثره بنجاسة ما يتصل به من اجزائه المحكوم بنجاستها مع تحقق الملاقاة بينهما. و قد صرح بهذا في الحديث الذي احتجوا به. و ان كان باعتبار الدليل الدال فكان الاولى الاحتجاج به على تقدير وجوده.

و كيف كان فكون الحكم إجماعيا مما يهون الخطب، و جملة من متأخري المتأخرين إنما عولوا في هذه المسألة عليه. لما نقلنا عنهم من الطعن في الأدلة.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب الماء المضاف و المستعمل، و في الباب- 6- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. و في الباب- 43- من أبواب الأطعمة المحرمة.

394

(المسألة الثانية) [ارتفاع الحدث بالمضاف و عدمه]

- المشهور بين الأصحاب- بل ادعى عليه الإجماع غير و منهم (1)- عدم جواز رفع الحدث بالمضاف.

و خالف في ذلك الصدوق في الفقيه، فقال (2): «و لا بأس بالوضوء و الغسل من الجنابة و الاستياك بماء الورد» و أصرح منه كلامه في الأمالي (3).

و نقل الشيخ في الخلاف عن قوم من أصحاب الحديث جواز الوضوء بماء الورد.

حجة الصدوق- على ما نقل- رواية محمد بن عيسى عن يونس عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) قال: «قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد و يتوضأ به للصلاة؟

قال: لا بأس بذلك».

و أجاب الشيخ (قدس سره) في التهذيب (5) عنه بأنه خبر شاذ شديد الشذوذ و ان تكرر في الكتب و الأصول، فإنما أصله يونس عن ابي الحسن (عليه السلام) و لم يروه غيره، و قد أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره، و ما يكون هذا حكمه لا يعمل به، و لو سلم لاحتمل أن يكون أراد به الوضوء الذي هو التحسين، و قد بينا فيما تقدم ان ذلك يسمى وضوء، ثم قال: «و ليس لأحد أن يقول: ان في الخبر انه سأله عن ماء الورد يتوضأ به للصلاة. لأن ذلك لا ينافي ما قلناه، لانه يجوز ان يستعمل للتحسين و مع هذا يقصد به الدخول في الصلاة، من حيث انه متى استعمل الرائحة الطيبة لدخوله في الصلاة و لمناجاة ربه كان أفضل من ان يقصد به التلذذ حسب دون وجه الله. ثم قال: و يحتمل ايضا أن يكون أراد بقوله: «ماء الورد» الماء الذي وقع فيه الورد.

لان ذلك يسمى ماء ورد و ان لم يكن معتصرا منه، لان كل شيء جاور غيره فإنه

____________

(1) منهم: المحقق في الشرائع، و العلامة في النهاية و المنتهى، و الشهيد في الذكرى، و الشيخ في كتابي الأخبار (منه (رحمه الله).

(2) في باب (المياه و طهرها و نجاستها).

(3) في الصحيفة 383.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(5) في الصحيفة 62.

395

يكسبه اسم الإضافة إليه» انتهى كلامه زيد مقامه. و أشار بقوله: «و قد بينا فيما تقدم ان ذلك يسمى وضوء» إلى

موثقة عبيد بن زرارة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الدقيق يتوضأ به. قال: لا بأس بأن يتوضأ به و ينتفع به».

حيث قال بعد إيراد الخبر المذكور: «معناه انه يجوز التمسح به و التوضؤ الذي هو التحسين دون الوضوء للصلاة» انتهى.

و نقل عن ظاهر ابن ابي عقيل (2) انه جوز الوضوء به حال الضرورة فيقدم على التيمم. و هو- مع عدم الدليل عليه- محجوج بما سيأتي ذكره.

حجة الأكثر على انحصار رفع الحدث في المطلق وجوه:

(منها)- قوله سبحانه: «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا(3) حيث أوجب التيمم عند فقد الماء، و لا خلاف في ان إطلاق الماء لا ينصرف الى المضاف. و منه علم سقوط الواسطة، فإنه لو كان الوضوء جائزا بغيره لم يجب التيمم، و هو ظاهر.

و (منها)-

رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«سألته عن الرجل يكون معه اللبن يتوضأ منه للصلاة؟ فقال: لا، إنما هو الماء و الصعيد».

و رواية عبد الله بن المغيرة عن بعض الصادقين (5) قال: «إذا كان الرجل لا يقدر على الماء و هو يقدر على اللبن فلا يتوضأ باللبن، إنما هو الماء أو التيمم.».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب التيمم.

(2) إنما أسند النقل الى ظاهره لانه صرح بجواز استعماله مع الضرورة، و هو شامل بإطلاقه للاستعمال في رفع الحدث و الخبث، و أكثر الأصحاب انما نقلوا خلافه في رفع الخبث خاصة، و الشهيد في الدروس نقله عنه في رفع الحدث ايضا، حيث قال: «فلو اضطر اليه تيمم خلافا لابن ابى عقيل» و كأنه نظر الى ما ذكرناه (منه (رحمه الله).

(3) سورة النساء. الآية 46 و سورة المائدة. الآية 8.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 1 و 2- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

396

وجه الاستدلال حصر طهارة الوضوء في الماء و الصعيد الدال على نفي غيرهما. و ما يوهم خلاف ذلك- من قوله في ذيل الخبر الثاني:

«فان لم يقدر على الماء و كان نبيذا.

فاني سمعت حريزا يذكر في حديث: ان النبي (صلى الله عليه و آله) قد توضأ بالنبيذ و لم يقدر على الماء».

- فمحمول على التقية، و في الاستشهاد بنقل حريز إيناس بذلك.

و يحتمل ايضا حمل النبيذ على ما ينبذ فيه تمر لكسر مرارة الماء كما كان يستعمل سابقا لكن على وجه لا يخرج به الماء عن الإطلاق، كما تضمنه حديث الكلبي النسابة (1) إلا أن الظاهر بعده (2) و يحتمل ايضا ان تكون هذه التتمة من كلام عبد الله بن المغيرة.

و (منها)- ان الحدث المانع من الدخول في الصلاة معنى مستفاد من الشرع فيجب استمراره بعد وجود سببه الى أن يثبت له رافع شرعي. و الذي ثبت رافعيته من الشرع هو الماء المطلق. و القول بأنه يمكن المناقشة هنا بمنع حجية الاستصحاب مردود بان هذا الاستصحاب ليس من القسم المتنازع فيه. و هو القسم الرابع من الأقسام المتقدمة في المقدمة الثالثة، بل هو من القسم الثاني أو الثالث من الأقسام المتقدمة الذي هو عبارة عن عموم الدليل أو إطلاقه، كما تقدم إيضاحه (3).

و (منها)- قوله تعالى: «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» (4) فإنه تعالى ذكر الماء هنا في معرض الامتنان على العباد. فلو حصلت الطهارة بغيره لكان الامتنان بالأعم أولى. و اعترض على هذا الوجه بأنه يجوز ان يخص أحد الشيئين الممتن بهما بالذكر لكونه أبلغ و أكثر وجودا و أعم نفعا. و قد تقرر ان التخصيص بالذكر لا ينحصر في التخصيص بالحكم.

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 2- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(2) وجه البعد ان المفروض ان النبيذ ماء مطلق ايضا و يتناوله الماء بإطلاقه، فيدخل في عموم المقدورية على الماء في عبارة الخبر، فكيف صح جعله قسيما و مقابلا له؟ (منه (رحمه الله).

(3) في المطلب الثاني في الصحيفة 51.

(4) سورة الفرقان. الآية 51.

397

هذا. و لم أقف على موافق للصدوق (طاب ثراه) من الأصحاب إلا ما يظهر من كلام المحدث الكاشاني في مفاتيحه و وافية، حيث قال في الأول- بعد الكلام في المسألة- ما لفظه: «و يحتمل قويا الجواز، لصدق الماء على ماء الورد، لأن الإضافة ليست إلا لمجرد اللفظ كماء السماء، دون المعنى كماء الزعفران و الحناء و الخليط بغيره، مع تأيد الخبر بعمل الصدوق، و ضمانه صحة ما رواه في الفقيه، و عدم المعارض الناص» انتهى. و قال في الثاني- بعد نقل خبر يونس المتقدم- (1) ما لفظه:

«و افتى بمضمونه في الفقيه، و نسبه في التهذيبين الى الشذوذ، ثم حمله على التحسين و التطيب للصلاة دون رفع الحدث، مستدلا بما في الخبر الآتي

«إنما هو الماء و الصعيد» (2).

أقول: هذا الاستدلال غير صحيح، إذ لا منافاة بين الحديثين، فان ماء الورد ماء استخرج من الورد» انتهى.

و حاصل هذا الكلام يرجع الى ان الماء المضاف الذي يخرج بالإضافة عن كونه مطلقا إنما هو ما إذا أضيف المطلق الى جسم من الأجسام على وجه يغيره و يسلبه الإطلاق.

و اما ما اتخذ من الورد فهو ماء مطلق قد تصاعد حتى تكونت منه تلك الأجسام ثم استخرج منها، فإضافته للورد لفظية كماء السماء و ماء البئر و نحوهما و ان كان قد اكتسب بسبب ذلك تغيرا في الأوصاف، فإن ذلك لا يخرجه عما كان عليه من الإطلاق.

و أنت خبير بما فيه من الوهن و القصور:

(أما أولا)- فلأنه بمقتضى ذلك لا ينحصر ما ذكره في ماء الورد بخصوصه، بل يجري في ماء العنب و الرمان و نحوهما من الثمار التي يعتصر منها من حيث تصاعده إليها بالسقي، بل مثل أوراق الشجر و نحوها كما لا يخفى، فالواجب بمقتضى ما ذكره جواز الوضوء بالماء المتخذ من جميع ذلك. و لا أظنه يقوله.

____________

(1) في الصحيفة 394.

(2) و هو خبر ابى بصير المتقدم في الصحيفة 395.

398

و (اما ثانيا) فلانه لا خلاف بين كافة الناس في ان إطلاق الماء لا يشمل هذه المياه، بخلاف ماء البئر و ماء السماء و نحوهما، و ما ذاك إلا لخروج تلك المياه عن الإطلاق دون هذه.

و (اما ثالثا)- فلأنه كما ان الماء المطلق بإضافته إلى مثل الزعفران يخرج عن الإطلاق لاكتسابه اجزاء منه، كذلك ما تكونت منه تلك الثمار قد استحال عن حقيقته الاولى و خرج عنها إلى حقيقة أخرى، و إلا لكان البول اولى بعدم الخروج عن إطلاق الماء، لانه لم يكتسب بعد شربه إلا المرور على تلك المجاري الباطنة و ان اكتسب عفونة و نتنا باللبث فيها آنا، مع انه لا يسمى ماء بالكلية فضلا عن ان يكون مطلقا. و ما ذاك إلا لخروجه عن حقيقة الماء بالكلية بسبب تغير طبعه و انقلاب حقيقته إلى حقيقة أخرى، مع ان أصله الماء بل بقاء المائية فيه أظهر. و ما نحن فيه كذلك ايضا.

و (اما رابعا)- فلان الصدوق (رضوان الله عليه) ليس معصوما يجب الاقتداء به، و مخالفة هذا القائل (قدس سره) له- و كذا غيره من الأخباريين في جملة من المسائل- أكثر من ان يحصى. على ان كلامه في الفقيه نقل لمتن الخبر، فهو قابل للاحتمال ايضا. و ضمانه صحة ما يرويه في الكتاب المذكور لا تأييد فيه، لانه يكفينا في المقام تأويل الخبر بأحد الوجوه التي ذكرها شيخنا الطوسي (طيب الله مرقده) من غير ضرورة الى رده و طرحه رأسا لينافي ضمانه المذكور.

و (اما خامسا)- فلما ذكره

في كتاب الفقه الرضوي، حيث قال (عليه السلام) (1): «كل ماء مضاف أو مضاف اليه فلا يجوز التطهير به و يجوز شربه، مثل ماء الورد و ماء القرع و ماء الزعفران و ماء الخلوق و غيره مما يشبهها، و كل ذلك لا يجوز استعماله إلا الماء القراح و التراب».

انتهى. و قد قدمنا لك في تتمة المقدمة الثانية (2)

____________

(1) في الصحيفة 5.

(2) في الصحيفة 25.

399

ان الكتاب المذكور معتمد عليه عندنا و عند جملة من مشايخنا (قدس الله تعالى أرواحهم).

(المسألة الثالثة) [ارتفاع الخبث بالمضاف و عدمه]

- المشهور بين الأصحاب (طيب الله مضاجعهم) ان المضاف لا يرفع خبثا، و ذهب السيد المرتضى- و نقل ايضا عن الشيخ المفيد- الى جواز رفع الخبث به، و نقل عن ابن ابي عقيل ايضا القول بذلك، إلا انه خص جواز استعماله بالضرورة. و عبارته المنقولة عنه شاملة بإطلاقها للاستعمال في رفع الحدث و الخبث، كما أشرنا إليه آنفا (1). و ظاهر كلام جملة من الأصحاب تخصيص خلاف السيد هنا بالمضاف، و الذي وقفت عليه في كلامه في المسائل الناصرية- و كذا نقله عنه الشيخ في الخلاف و المحقق في المعتبر- هو جواز ازالة الخبث بالمائعات مطلقا (2).

استدل الجمهور من أصحابنا على ما ذهبوا اليه بوجوه:

(أحدها)- ورود الأوامر بالغسل بالماء، و هي كثيرة ستأتي ان شاء الله تعالى في أحكام النجاسات، و المتبادر عند الإطلاق هو المطلق. و لو كان الغسل بغيره جائزا لكان تعيينه في هذه الأخبار لا يخلو من حرج و ضيق، و هو ممتنع.

و أورد عليه ان الأوامر المذكورة مخصوصة بنجاسات معينة. و المدعى عام.

و أجاب المحقق في بعض مسائله بأنه لا قائل منا بالفرق.

أقول: و يمكن الجواب بالتعدية الى غير ما هو مذكور في تلك الاخبار بطريق تنقيح المناط القطعي الذي تقدمت الإشارة إليه في المقدمة الثالثة (3) و يمكن ايضا ان يدعى ان الغسل حقيقة فيما يقع بالماء المطلق خاصة.

____________

(1) في التعليقة 2 في الصحيفة 395.

(2) قال في المسائل الناصرية- بعد قول جده الناصر: لا يجوز إزالة النجاسة بشيء من المائعات سوى الماء المطلق- ما لفظه: «عندنا انه يجوز إزالة النجاسة بالمائع الطاهر و ان لم يكن ماء، و به قال أبو حنيفة و أبو يوسف (منه (قدس سره).

(3) في الصحيفة 56.

400

(ثانيها)- ان ملاقاة النجاسة للمائع تقتضي نجاسته، و النجس لا يزول به النجاسة.

و اعترض عليه بان مثله وارد في الماء المطلق القليل. فإن النجاسة تزول به مع تنجسه بالملاقاة.

و أجاب المحقق (رحمه الله) بالمنع من نجاسة المطلق عند وروده على النجاسة، كما هو مذهب المرتضى في بعض مصنفاته. و بان مقتضى الدليل التسوية بينهما، لكن ترك العمل به في المطلق للإجماع و لضرورة الحاجة الى الإزالة، و الضرورة تندفع بالمطلق فلا يسوى به غيره، لما في ذلك من تكثير المخالفة للدليل.

(ثالثها)- ان منع الشرع من استصحاب الثوب النجس- مثلا- في الصلاة ثابت قبل غسله بالماء، فيثبت بعد غسله بغير الماء عملا بالاستصحاب.

و أورد عليه (1) ان الاستصحاب المقبول هو ما يكون دليل الحكم فيه غير مقيد بوقت، و في تحقق ذلك هنا نظر، إذ العمدة في إثبات المنع المذكور بطريق العموم هو الإجماع. و من البيّن ان الاتفاق إنما وقع على منع استصحاب النجس قبل الغسل مطلقا لا قبل الغسل بالماء.

و فيه نظر (أما أولا)- فلان العمدة في منع الصلاة في الثوب النجس إنما هي الأخبار الدالة على النهي عن ذلك، و لا شك ان النهي ظاهر في العموم لجميع الأزمنة- كما صرحوا به في الأصول- الى ان يظهر الرافع له.

و (اما ثانيا)- فلانه مع تسليم اختصاص الدليل بالإجماع فلا منافاة، فإن الإجماع متى قام على المنع من الصلاة في الثوب النجس و النهي عن ذلك، فالنهي أيضا عام بالتقريب المذكور الى ان يثبت الرافع، فان المراد بكون دليل الحكم غير مقيد بوقت يعني ان التقييد غير مفهوم من نفس اللفظ الدال على ذلك الحكم. بل هو مطلق

____________

(1) هذا الإيراد ذكره المحقق الشيخ حسن في المعالم. و تبعه عليه الفاضل الخوانساري في شرح الدروس. و فيه ما ذكرناه (منه (قدس سره).

401

أو عام إلى غاية يعلم بها ارتفاع ذلك الحكم. و وقوع الخلاف في الرافع لا يوجب تقييدا في الحكم حتى يقال ان الحكم هنا مقيد. و بالجملة فإن الشارع نهى عن الصلاة في الثوب النجس حتى تزال النجاسة، سواء كان مستند هذا النهي الإجماع أو الخبر.

و النهي- كما ذكرنا- ظاهر في العموم الى وجود الرافع، فلو وقع الخلاف في بعض الأشياء بأنها هل تكون رافعة أم لا فللمانع ان يتمسك بالاستصحاب الذي هو عبارة عن عموم الدليل أو إطلاقه حتى يثبت المدعي كون ذلك رافعا شرعا. و هذا بحمد الله ظاهر لا سترة عليه.

(رابعها)- قوله تعالى: «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ(1).

وجه الاستدلال انه خص التطهير بالماء فلا يقع بغيره. أما المقدمة الأولى فلانه تعالى ذكر الآية في معرض الامتنان، فلو حصلت الطهارة بغيره كان الامتنان بالأعم أولى و لم يكن للتخصيص فائدة. و اعترض عليه بما مر ذكره في المسألة الثانية في الاستدلال بقوله سبحانه: «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» (2).

أقول: و من الأدلة ايضا ان يقال: ان الطهارة و النجاسة حكمان شرعيان لا مدخل للعقل فيهما بوجه كسائر أحكام الشرع، فما علم من الشرع كونه منجسا يجب قصر الحكم بالنجاسة على ملاقاته، و ما علم من الشرع كونه رافعا للنجاسة و موجبا للتطهير يجب قصر الحكم بالطهارة عليه. و لعل هذا أقوى دليل في المقام.

احتج السيد- على ما نقل عنه- بوجوه:

(الأول)- إجماع الفرقة، حكاه عنه العلامة في المختلف، و نقل عن المحقق في بعض مصنفاته ان المفيد و المرتضى أضافا ذلك الى مذهبنا.

أقول: و هو ظاهر كلام السيد (رضي الله عنه) في المسائل الناصرية.

____________

(1) سورة الأنفال. الآية 12.

(2) سورة الفرقان. الآية 51.

402

و أجاب العلامة في المختلف عن ذلك بأنه لو قيل ان الإجماع على خلاف دعواه أمكن ان أريد به أكثر الفقهاء، إذ لم يوافقه على ما ذهب اليه من وصلنا خلافه.

و فيه ان خلاف المفيد- كما حكيناه- محكي في غير موضع من كتب الأصحاب.

و قال المحقق (طاب ثراه)- بعد ما قدمنا نقله عنه من ان المفيد و المرتضى أضافا القول بذلك الى مذهبنا- ما صورته: «اما علم الهدى فإنه ذكر في الخلاف انه إنما أضاف ذلك الى المذهب لانه من أصلنا العمل بدليل العقل ما لم يثبت الناقل، و ليس في الأدلة النقلية ما يمنع من استعمال المائعات في الإزالة و لا ما يوجبها، و نحن نعلم انه لا فرق بين الماء و الخل في الإزالة، بل ربما كان غير الماء أبلغ، فحكمنا حينئذ بدليل العقل. و اما المفيد فإنه ادعى في مسائل الخلاف ان ذلك مروي عن الأئمة (عليهم السلام) ثم قال: اما نحن فقد فرقنا بين الماء و الخل، فلم يرد علينا ما ذكره علم الهدى. و اما المفيد فنمنع دعواه و نطالبه بنقل ما ادعاه» انتهى. و أشار بقوله:

«و اما نحن فقد فرقنا. إلخ» الى ما يأتي من كلامه في جواب الاحتجاج بالآية.

أقول: و بما عرفت في المقام الثاني من المقدمة الثالثة (1)، من أمر الإجماع و ما فيه من النزاع- و كذا في المقدمة العاشرة في الكلام على دليل العقل- يظهر لك ما في هذا الدليل و انه غير واضح السبيل، فإنه لا مجال للعقل في الأحكام الشرعية، لبنائها على التوقيف من المبلغ للشريعة «وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (2).

(الثاني)- قوله تعالى: «وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ» (3) حيث أمر بتطهير الثوب و لم يفصل بين الماء و غيره. حكى ذلك عنه في المختلف، و حكى عنه ايضا انه اعترض على نفسه فيه بالمنع من تناول الطهارة للغسل بغير الماء، ثم أجاب بأن تطهير الثوب ليس بأكثر من إزالة النجاسة عنه. و قد زالت بغير الماء مشاهدة، لأن الثوب لا يلحقه عبادة.

____________

(1) في الصحيفة 35.

(2) سورة الحشر. الآية 8.

(3) سورة المدثر. الآية 5.

403

و أجاب العلامة في المختلف بان المراد بالآية- على ما ورد به التفسير- لا تلبسها على معصية و لا على غدر، فان الغادر الفاجر يسمى دنس الثياب. سلمنا ان المراد بالطهارة المتعارف شرعا، لكن لا دلالة فيه على ان الطهارة بأي شيء تحصل، بل دلالتها على ما قلناه من ان الطهارة إنما تحصل بالماء أولى، لأن مع الغسل بالماء يحصل الامتثال قطعا، و ليس كذلك لو غسلت بغيره. و قوله: النجاسة قد زالت حسا. قلنا:

لا يلزم من زوالها في الحس زوالها شرعا، فان الثوب لو يبس بلله بالماء النجس أو البول لم يطهر و ان زالت النجاسة عنه، مع انه (رحمه الله) أجاب- حين سئل عن معنى نجس العين و نجس الحكم- بأن الأعيان ليست نجسة، لأنها عبارة عن جواهر مركبة و هي متماثلة فلو نجس بعضها لنجس سائرها و انتفى الفرق بين الخنزير و غيره، و قد علم خلافه، و إنما التنجيس حكم شرعي، و لا يقال نجس العين إلا على المجاز دون الحقيقة، و إذا كانت النجاسة حكما شرعيا لم تزل عن المحل إلا بحكم شرعي، فحكمه (رحمه الله) بزوالها عن المحل بزوالها حسا ممنوع. انتهى.

و أجاب المحقق (رحمه الله) عن الآية (1) بمنع دلالتها على موضع النزاع، لأنها دالة على وجوب التطهير، و البحث ليس فيه بل في كيفية الإزالة، ثم اعترض على نفسه- أولا- بأن الطهارة إزالة النجاسة كيف كان. و أجاب بأن هذا أول المسألة. و اعترض- ثانيا- بان الغسل بغير الماء يزيل عين النجاسة فيكون طهارة. و أجاب- أولا- بالمنع فإن النجاسة إذا مازجت المائع شاعت فيه. و الباقي في الثوب منه تعلق به حصة من النجاسة، و لأن النجاسة ربما سرت في الثوب فسدت مسامه فتمنع غير الماء من الولوج حيث هي، و تبقى مرتكبة في محلها. ثم سلم زوال عين النجاسة- ثانيا- و قال: لكن لا نسلم زوال نجاسة تخلفها، فإن المائع بملاقاة النجاسة يصير عين نجاسة، فالبلة المتخلفة

____________

(1) هذا الجواب نقله عنه في المعالم، و الظاهر انه منقول من بعض أجوبته في المسائل و إلا فهو ليس في كتاب المعتبر مما حضرني من نسخته (منه (رحمه الله).

404

منه في الثوب بعض المنفصل النجس فيكون نجسا، أو نقول: للنجاسة الرطبة أثر في تعدي حكمها الى المحل. كما ان النجاسة عند ملاقاة المائع تتعدى نجاستها اليه، فعند وقوع النجاسة الرطبة تعود اجزاء الثوب الملاقية لها نجسة شرعا، و تلك العين المنفعلة لا تزول بالغسل. انتهى.

أقول: لا يخفى عليك ما في هذه الأجوبة من التكلف. و الصواب في الجواب هو ما استفاضت به أخبار أهل الذكر (صلوات الله عليهم) في تفسير الآية المشار إليها من ان المراد بالتطهير فيها إنما هو رفع الثياب و تشميرها،

ففي الكافي (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «اي فشمر».

و في رواية «يقول: ارفعها و لا تجرها».

و في أخرى عن الكاظم (عليه السلام) «ان الله عز و جل قال لنبيه (صلى الله عليه و آله):

وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ. و كانت ثيابه طاهرة و انما أمره بالتشمير».

و في المجمع عن الصادق (عليه السلام) «معناه و ثيابك فقصر».

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال الله تعالى:

وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ. أي فشمر».

و القمي في تفسيره «و تطهيرها تشميرها».

و حينئذ فإذا اتفقت اخبارهم (عليهم السلام) بتفسيرها بهذا المعنى، و اللفظ مجمل يحتاج في تعيين المراد منه الى التوقيف منهم (عليهم السلام) و لا يجوز القطع على مراده (سبحانه) بدون ذلك كما عرفته في المقدمة الثالثة (2) فلا يجوز تجاوزه الى غيره، لان القرآن عليهم انزل، و هم أعرف بما أبهم منه و أجمل.

و اما ما ذكره العلامة (رحمه الله) من التفسير فلم نقف له في الأخبار على خبر، و لعله من كلام سائر المفسرين. إلا انه ينافي ظاهر عبارته (3).

(الثالث)- إطلاق الأمر بالغسل من النجاسة من غير تقييد، و قد وقع

____________

(1) ج 2 ص 207.

(2) في المقام الأول في الصحيفة 27.

(3) فإن نسبته الى الورود يشعر بكونه على سبيل الرواية اللهم إلا أن تكون من طرق العامة (منه (رحمه الله).

405

ذلك في عدة اخبار (1) كما سيأتي ان شاء الله تعالى في مبحث النجاسات. و نقل عنه في المختلف انه اعترض على نفسه هنا أيضا بأن إطلاق الأمر بالغسل ينصرف الى ما يغسل به في العادة، و لم تقض العادة بالغسل بغير الماء. ثم أجاب بالمنع من اختصاص الغسل بما يسمى الغاسل به غاسلا عادة، إذ لو كان كذلك لوجب المنع من غسل الثوب بماء الكبريت و النفط و غيرهما مما لم تجر العادة بالغسل به، و لما جاز ذلك و ان لم يكن معتادا إجماعا علمنا عدم الاشتراط بالعادة و ان المراد بالغسل ما يتناوله اسمه حقيقة من غير اعتبار العادة.

و أجيب عنه (أولا)- بأن الغسل حقيقة في استعمال الماء، و بعض أطلق لفظ الحقيقة و بعض قيدها بالشرعية، و المطلقون احتجوا لذلك بسبقه الى الذهن و تبادره عند الإطلاق كما يعلم مراد الآمر بقوله: اسقني.

و (ثانيا)- بأن إطلاق الأوامر الواردة في الأخبار محمول على المقيد من الأوامر المذكورة مما قدمنا الإشارة إليه.

أقول: ما ادعاه المرتضى (رضي الله عنه)- من نقض الحمل على العادة بالغسل بماء الكبريت- مردود بان الحمل على العادة لا يوجب اشتراط العادة في كل فرد فرد من افراد المياه المطلقة، و إلا لما جاز التطهير بماء مطلق لم يوجد إلا تلك الساعة بل النظر في ذلك الى نوع الكلي، فما أجاب به (قدس سره) من المنع ممنوع.

(الرابع)- ان الغرض من الطهارة إزالة عين النجاسة، كما تشهد به رواية

____________

(1) منها:

قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن ابي يعفور- و قد سأله عن المنى يصيب الثوب-: «ان عرفت مكانه فاغسله، و ان خفي عليك مكانه فاغسل الثوب كله».

و قوله في خبر الحلبي: «و إذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه المنى فليغسل الذي أصاب ثوبه».

الى غير ذلك من الاخبار (منه (قدس سره).

406

حكم بن حكيم الصيرفي (1)، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أبول فلا أصيب الماء، و قد أصاب يدي شيء من البول، فأمسحه بالحائط و التراب، ثم تعرق يدي فامسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي؟ قال لا بأس به».

و رواية غياث ابن إبراهيم عن ابي عبد الله عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: «لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق».

و أجاب المحقق في المعتبر بان خبر حكم بن حكيم مطرح، لان البول لا يزول عن الجسد بالتراب باتفاق منا و من الخصم. و اما خبر غياث فمتروك، لان غياثا بتري ضعيف الرواية و لا يعمل على ما ينفرد به، قال: و لو صحت نزلت على جواز الاستعانة في غسله بالبصاق لا ليطهر المحل به منفردا، فان جواز غسله به لا يقتضي طهارة المحل، و لم يتضمن الخبر ذلك، و البحث ليس إلا فيه.

(أقول): و سيأتي لك الكلام في رواية حكم بن حكيم و تحقيق الحال فيها بما تندفع به شبهة المستند إليها من غير ضرورة إلى طرحها (3).

تذنيب [في كلام المحدث الكاشاني و دفعه]

قال المحدث الكاشاني (قدس سره) في كتاب المفاتيح: «يشترط في الإزالة إطلاق الماء على المشهور، خلافا للسيد و المفيد، و جوزا بالمضاف، بل جوز السيد تطهير الأجسام الصقيلة بالمسح بحيث تزول العين، لزوال العلة. و لا يخلو من قوة، إذ غاية ما يستفاد من الشرع وجوب اجتناب أعيان النجاسات، اما وجوب غسلها بالماء عن كل جسم فلا، فكل ما علم زوال النجاسة عنه قطعا حكم بتطهيره إلا ما خرج

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب النجاسات.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 4- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(3) في المسألة الثالثة من مسائل البحث الأول من أحكام النجاسات.

407

بدليل، حيث اقتضى فيه اشتراط الماء كالثوب و البدن. و من هنا يظهر طهارة البواطن كلها بزوال العين. مضافا الى نفي الحرج، و يدل عليه الموثق (1) و كذا أعضاء الحيوان المتنجسة غير الآدمي كما يستفاد من الصحاح» انتهى.

و هذا الكلام يدل صريحا على موافقته للسيد فيما ذكره من تطهير الأجسام الصقيلة بالمسح على الوجه المذكور، و ظاهرا على موافقته له أيضا في رفع الخبث بالمضاف لكن في غير الثوب و الجسد.

و هو منظور فيه من وجوه: (أحدها)- ان الطهارة و النجاسة- كما عرفت- حكمان شرعيان متوقفان على التوقيف و الرسم من صاحب الشريعة في تعيين ما يجعله نجسا أو طاهرا أو منجسا أو مطهرا، و لم يعلم منه ان مجرد الإزالة أحد المطهرات الشرعية مطلقا. و قوله-: انه لم يعلم من الشرع وجوب غسل النجاسة بالماء عن كل جسم، بل كل ما علم زوال النجاسة عنه قطعا حكم بتطهيره إلا الثوب و البدن- مردود بان المعلوم من الشرع خلافه، و إلا لكان الأمر بتطهير الأواني من ولوغ الكلب و الخنزير و الخمر و موت الفأرة و نحو ذلك عبثا محضا، لإمكان زوال العين بدونه من تمسيح و نحوه، مع انه في إناء الولوغ ورد الأمر بغسله بالماء بعد تعفيره. و لا ريب انه مع فرض وصول لعاب من الكلب في الإناء فإنه يزول بالتعفير، فما الحاجة الى الماء حينئذ؟ سيما على القول بوجوب المرتين كما هو المشهور، مع انه ايضا مروي كما سيأتي في محله ان شاء الله تعالى و كذا المواضع المأمور فيها بالتعدد ثلاثا أو سبعا، فان زوال العين- لو كان ثمة عين- يحصل بأول مرة، فما الموجب للتعدد لو لم يكن المحل باقيا على النجاسة؟ مع بناء الشريعة على السهولة و التخفيف في الأحكام. ما هذا إلا رمي في الظلام من هذا الامام.

____________

(1) الظاهر انه يريد

موثق عمار «كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر. الحديث.

المروي في الوسائل في الباب- 37- من أبواب النجاسات.

408

(ثانيها)- ان- ما ادعاه- من كلية طهارة ما علم زوال النجاسة عنه في غير الفردين المذكورين- دعوى لا دليل عليها، بل للخصم ان يقلب ذلك عليه و يقول: ان كل متنجس يجب تطهيره بالماء إلا ما خرج بدليل، و لا شك ان هذه الكلية أكثر افرادا و أشمل أعدادا من الكلية التي ادعاها، لما عرفت من الأوامر الواردة بغسل الأواني و ازالة النجاسات عن الثوب و البدن و غسل الفرش و البسط و نحو ذلك. و نحن لم نجد من افراد الكلية التي ادعاها في النصوص سوى الفردين المذكورين، و هما طهارة البواطن و طهارة أعضاء الحيوان بالغيبة. و هل يصح في الأذهان السليمة و الطباع المستقيمة ان يدعى- في الأحكام الشرعية المبنية على التوقيف و السماع من صاحب الشرع- حكم كلي و قاعدة مطردة و لم يرد لها في الخارج عنهم (عليهم السلام) إلا فردان أو ثلاثة؟ ما هذا إلا نوع من الاجتهاد الصرف و التخريج البحث، بل لم يبلغ المجتهدون- الذين قد بسط عليهم لسان التشنيع في جملة مصنفاته، سيما رسالته المسماة بسفينة النجاة- إلى مثل هذا، لان قصارى ما ربما يرتكبه بعضهم إلحاق بعض الافراد الغير المنصوصة بما هو منصوص و إثبات الحكم في مادة جزئية، لا إثبات حكم كلي و قانون أصلي مع كونه خاليا من الدليل بمجرد وجود فرد أو فردين و لو كان هذا الحكم كما يدعيه كليا مع مطابقته للسهولة و التخفيف الذين عليهما بناء الشريعة المحمدية، لتكثرت في الخارج افراده و استفاضت عنهم (عليهم السلام) جزئياته ان لم يصرحوا بكليته.

(ثالثها)- انه قد اختار في مسألة الأرض و البواري و نحوها- إذا جففتها الشمس بعد زوال عين النجاسة- عدم الطهارة، بل حكم بالعفو خاصة مع بقاء النجاسة و عدم طهرها إلا بالماء. مع ان هذا مما يدخل تحت هذه القاعدة التي ادعاها هنا. إذ هو مما علم زوال النجاسة عنه قطعا. فلم لم يحكم بطهره؟ بل حكم بالنجاسة، مستدلا

409

على ذلك بالروايات الواردة هناك التي من جملتها

صحيحة ابن بزيع (1) قال: «سألته عن الأرض و السطح يصيبه البول و ما أشبهه، هل تطهره الشمس من غير ماء؟ قال:

كيف يطهر من غير ماء».

فانظر أيدك الله تعالى الى قوله: (عليه السلام) على جهة التعجب:

«كيف يطهر من غير ماء»

و ما فيه من الصراحة في ان التطهير مطلقا لا يكون إلا بالماء.

(رابعها)- انه قد تفرد بان المتنجس لا ينجس، بمعنى ان النجاسة لا تتعدى إلا من عين النجاسة دون محلها بعد زوال العين، مع حكمه هناك ببقاء المحل على النجاسة و احتياجه الى التطهير. و ظاهر كلامه- كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى (2)- أعم من ان يكون في البدن أو غيره. و هنا قد حكم بالطهارة بمجرد زوال العين في غير الموضعين المشار إليهما في كلامه. و لا يخفى عليك ما بينهما من التدافع. و سيأتي الكلام معه أيضا في هذه المسألة ان شاء الله تعالى.

(المسألة الرابعة) [اختلاط المطلق بالمضاف]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في انه لو خالط المطلق مضاف مخالف له في الصفات و لم يسلبه الإطلاق لم يخرجه عن الطهورية و قد نقل الإجماع عليه غير واحد منهم. اما لو كان ذلك المضاف مسلوب الأوصاف- كماء الورد العديم الرائحة- فعن الشيخ (رحمه الله) انه جعل الحكم منوطا بالأكثرية، ثم قال: «فان تساويا ينبغي القول بجواز استعماله، لأن الأصل الإباحة. و ان قلنا يستعمل ذلك و يتيمم كان أحوط» و عن ابن البراج انه لا يجوز استعماله في رفع الحدث و لا إزالة النجاسة، و يجوز في غير ذلك. حكى ذلك عنهما العلامة في المختلف. و نقل فيه عن ابن البراج انه نقل مباحثة جرت بينه و بين الشيخ في ذلك، و خلاصتها تمسك

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 29- من أبواب النجاسات.

(2) في المسألة الثالثة من مسائل البحث الأول من أحكام النجاسات.

410

الشيخ بالأصل الدال على الإباحة، و تمسكه هو بالاحتياط، ثم قال في المختلف: «و الحق عندي خلاف القولين معا و ان جواز التطهير به تابع لإطلاق الاسم، فان كانت الممازجة أخرجته عن الإطلاق لم تجز الطهارة به، و إلا جازت، و لا اعتبر في ذلك المساواة و التفاضل و لو كان ماء الورد أكثر و بقي إطلاق اسم الماء أجزأت الطهارة به، لانه امتثل المأمور به و هو الطهارة بالماء المطلق. و طريق معرفة ذلك ان يقدر ماء الورد باقيا على أوصافه.

ثم يعتبر ممازجته حينئذ فيحمل عليه منقطع الرائحة» انتهى. و ما ذكره من التقدير لم يتعرض لوجهه هنا، إلا انه وجهه في النهاية بأن الإخراج عن الاسم سالب للطهورية، و هذا الممازج لا يخرج عن الاسم بسبب الموافقة في الأوصاف، فيعتبر بغيره، كما يفعل في حكومات الجراح.

و أنت خبير بان ما ذكره في المختلف من تبعية التطهير لإطلاق الاسم حق لا اشكال فيه، لأن إجراء الأحكام تابع للتسمية. و اما ما ذكره من التقدير فلا دليل عليه شرعا و لا عرفا. و ما علله به في النهاية محل نظر، فإنه إذا سلم ان هذا الممازج لا يخرج عن الاسم بسبب الموافقة في الأوصاف لزم حينئذ جواز الطهارة به، لابتنائها- كما عرفت- على وجود الاسم. إلا انه يمكن أن يقال: انه مع تقدير انتفاء الأوصاف في المضاف و اتفاقه مع المطلق، لا يظهر سلب الإطلاق و لا يتميز عن المطلق في مادة بالكلية و لو فرض انه خالطه من المضاف المفروض أضعافا مضاعفة، فلو بني الكلام على ملاحظة الإطلاق و عدم تميز المضاف عن الماء المطلق لأشكل الأمر في ذلك، فلا بد من تقدير الأوصاف حينئذ. و يمكن الجواب ببناء الأمر على استهلاك أحدهما في جنب الآخر، و يدعى حينئذ ان حصول الاسم لأحدهما تابع لاكثريته و غلبته على الآخر بحيث يستهلكه.

و الى القول باعتبار تقدير المخالفة- كما ذكره العلامة- ذهب الشهيد في الدروس

411

و الشيخ علي في بعض فوائده. و وجهه بان الحكم لما كان دائرا مع بقاء اسم الماء مطلقا- و هو إنما يعلم بالأوصاف- وجب تقدير بقائها قطعا، كما يقدر الحر عبدا في الحكومة. و التقريب بهذا التقدير أجود مما ذكره العلامة (1) إلا ان فيه- كما ذكرنا- ان الاستعلام ممكن بدون اعتبار تقدير الأوصاف. كما إذا علم مقدار الماءين في الجملة قبل المزج، و لا يحتاج الى التقدير.

ثم اعلم ان العلامة (رحمه الله) ذكر اعتبار تقدير الوصف في كثير من كتبه، و لم يتعرض فيها لبيان الوصف المقدر. و قد حكى عنه المحقق الشيخ علي انه قال في بعض كتبه: «يجب التقدير على وجه تكون المخالفة وسطا، و لا تقدر الأوصاف التي كانت قبل ذلك» و استوجهه الشيخ علي ايضا، و قربه بأنه بعد زوال تلك الأوصاف صارت هي و غيرها على حد سواء، فيجب رعاية الوسط، لأنه الأغلب و المتبادر عند الإطلاق قال: «و إنما قلنا ان الزائد هنا لا ينظر اليه بعد الزوال لانه لو كان المضاف في غاية المخالفة في أوصافه فنقصت مخالفته لم يعتبر ذلك القدر الناقص، فكذا لو زالت أصلا و رأسا» انتهى. و اعترض عليه بان النظر الى كلامه الأخير يقتضي كون المقدر هو أقل ما يتحقق معه الوصف لا الوسط. و تحقيقه ان نقصان المخالفة- كما فرضه- لو انتهى الى حد لم يبق معه إلا أقل ما يصدق به المسمى، لم يؤثر ذلك النقصان، و لا اعتبر مع الوصف الباقي أمر آخر، فكذا مع زوال الوصف من أصله، و اعتبار الأغلبية و التبادر هنا مما لا وجه له كما لا يخفى، فظهر ان المتجه على القول بتقدير الوصف هو اعتبار الأقل.

____________

(1) لأنه جعل المدار على إطلاق الماء، و العلم بالأوصاف انما هو لأجل العلم ببقاء الإطلاق و عدمه، فيجب تقدير بقائها ليمكن العلم ببقاء الإطلاق و عدمه. إلا ان فيه ما عرفت من ان الطريق الى استعلام بقاء الإطلاق و عدمه لا ينحصر في ذلك (منه (قدس سره).

412

فرع

لو كان مع المكلف ما لا يكفيه للطهارة من المطلق و أمكن إتمامه بمضاف على وجه لا يسلبه الإطلاق. فنقل عن الشيخ انه قال: «ينبغي أن يجوز استعماله و ليس واجبا، بل يكون فرضه التيمم، لانه ليس معه من الماء ما يكفيه لطهارته».

و استضعفه العلامة في المختلف باستلزامه التنافي بين الحكمين، فان جواز الاستعمال يستلزم وجوب المزج، لان الاستعمال إنما يجوز بالمطلق، فان كان هذا الاسم صادقا عليه بعد المزج وجب المزج، لأن الطهارة بالمطلق واجبة و لا تتم إلا بالمزج، و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. و ان كذب الإطلاق عليه لم يجز استعماله في الطهارة و يكون خلاف الفرض، فظهر التنافي بين الحكمين (1) ثم قال:

«و الحق عندي وجوب المزج ان بقي الإطلاق، و المنع من استعماله ان لم يبق» انتهى.

و أجاب ابنه فخر المحققين في الشرح بأن الطهارة واجب مشروط بوجود الماء و التمكن منه، فلا يجب إيجاده، لأن شرط الواجب المشروط غير واجب، اما مع وجوده فيتعين استعماله.

و أورد عليه المحقق الشيخ علي في شرح القواعد انه ان أراد بإيجاد الماء ما لا يدخل تحت قدرة المكلف فاشتراط الأمر بالطهارة حق و لا يضرنا، و ان أراد به الأعم فليس بجيد، إذ لا دليل يدل على ذلك، و الإيجاد المتنازع فيه معلوم كونه

____________

(1) الظاهر ان مراد الشيخ (ره) من هذه العبارة ان المزج فيه غير واجب، لكن لو مزج فلا شك في وجوب الطهارة به بعد المزج، معللا بان وجوب الطهارة المائية مشروط بوجود الماء، و قبل المزج الماء غير موجود ففرضه التيمم. و ربما قيل: ان معنى كلامه (رحمه الله) انه لا يجب المزج، و لو مزج لا يجب التطهير به بل يتخير بعد المزج ايضا بين الطهارة به و التيمم، معللا بان الاشتباه في الحس لا يستلزم اتحاد الحقيقة، و الوجوب تابع لاتحاد الحقيقة، فلا يجب الطهارة به، و اما جوازها فلصدق الاسم و لا يخفى بعده من كلام الشيخ الأجل «قده» (منه (رحمه الله).

413

مقدورا للمكلف، و الأمر بالطهارة خال من الاشتراط. فلا يجوز تقييده إلا بدليل ثم قال: «و الأصح مختار المصنف».

أقول: أنت خبير بأنه لا خلاف في ان الطهارة المائية مشروطة بوجدان الماء كما يدل عليه قوله سبحانه (1): «. فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا(2) و حينئذ فلا معنى لقوله: «ان الأمر بالطهارة خال من الاشتراط».

و بعض فضلاء متأخري المتأخرين (3) دفع كلام فخر المحققين بان وجدان الماء صادق عرفا على ما نحن فيه قبل المزج، فشرط الطهارة المائية و هو وجدان الماء موجود، قال: «و هو ليس بأبعد من الوجدان فيما إذا أمكن حفر بئر مثلا، و الظاهر انه لا نزاع في انه إذا أمكن حفر بئر- مثلا- لتحصيل الماء وجب، فلم لم يحكم بالوجوب هنا،

____________

(1) في سورة النساء. الآية 46. و سورة المائدة. الآية 8.

(2) فإنه يدل على ان الفرض عند عدم وجدان الماء هو التيمم. و منه يعلم ان وجوب الطهارة بالماء مشروط بوجدانه (منه (رحمه الله).

(3) هو الفاضل الخوانساري في شرح الدروس. و قال أيضا في موضع آخر- بعد ان ادعى صدق وجدان الماء عرفا على ما نحن فيه و انه في العرف يقولون انه واجد للماء- ما لفظه:

«و هذا نظير ما إذا فرض ان شرط الحج هو الزاد و الراحلة و كان لأحد مال غير الزاد و الراحلة و لكن أمكنه أن يشتريهما به، فإنه في العرف يقولون انه واجد للزاد و الراحلة و ان شرط وجوب الحج متحقق، بخلاف ما إذا لم يكن له مال أصلا و لكنه يقدر على الاكتساب، إذ حينئذ لا يقولون ان شرط الحج متحقق» انتهى. و فيه ان الظاهر ان التنظير المذكور ليس في محله، إذ لا يخفى ان وجدان الماء الذي لا يقوم بالطهارة في حكم العدم لوجوب الانتقال الى التيمم بالنظر اليه، فمزجه بالماء المضاف ليحصل به إيجاد الماء المطلق الموجب للطهارة أشبه شيء بالاكتساب بتقريب ما قالوه في قبول هبة ما يستطيع به الحج من انه نوع اكتساب فلا يجب عليه. و لا ريب ان ما نحن فيه أدخل في الاكتساب في الاحتمال فيكون حينئذ من قبيل ما إذا لم يكن له مال للاستطاعة و لكنه يقدر على الاكتساب لا من قبيل ما ذكره. و نظير ما ذكره انما هو من له مال يمكنه ان يشترى به ماء كما لا يخفى (منه (رحمه الله).

414

و التفرقة خلاف ما يحكم به الوجدان» و الى هذا يشير كلام السيد السند في المدارك ايضا و فيه ان الظاهر الفرق بين الوصول الى الماء الموجود بحفر و نحوه و تحصيله بعد وجوده في حد ذاته و بين إيجاده، لأنك تعلم ان هذا الماء المطلق الموجود قبل المزج في حكم العدم، لوجوب التيمم معه لو لم يكن المضاف موجودا إجماعا، فالمزج حينئذ نوع إيجاد لما تجب به الطهارة المائية. و بذلك يظهر لك رجحان كلام الشيخ (رضوان الله عليه) و ان بناء كلامه إنما هو على عدم صدق وجدان الماء في الصورة المفروضة.

(المسألة الخامسة) [طريق تطهير المضاف إذا تنجس]

- اختلف الأصحاب (نور الله تعالى مراقدهم) في طريق تطهير المضاف بعد نجاسته على أقوال:

(أحدها)- ما ذهب اليه الشيخ في المبسوط حيث قال: «لا يطهر إلا بان يختلط بما زاد على الكر من المطلق. ثم ينظر. فان سلبه إطلاق اسم الماء لم يجز استعماله بحال، و ان لم يسلبه إطلاق اسم الماء و غير أحد أوصافه: إما لونه أو طعمه أو ريحه، لم يجز استعماله ايضا بحال» و ربما كان الظاهر من المعتبر ايضا اختيار هذا القول، حيث نقل هذا الكلام و لم يتعرض لرده. و الى هذا ذهب العلامة في التحرير الا انه لم يعتبر الزيادة على الكر. و بعضهم عده لذلك قولا رابعا في المسألة، إلا ان الظاهر- كما ذكره البعض- ان ذكر الزيادة في كلام الشيخ إنما خرج مخرج التساهل في التعبير.

و اعترض على هذا القول بان الدليل إنما دل على نجاسة الكثير من المطلق بتغير أحد أوصافه الثلاثة إذا كان التغير بالنجاسة لا بالمتنجس، و التغير هنا إنما هو بالمتنجس. و بينهما فرق واضح.

و أجيب بأن المضاف صار بعد تنجيسه في حكم النجاسة، فكما ينجس الملاقي له ينجس المتغير به.

و فيه انه ان أريد بصيرورته في حكم النجاسة يعني في جميع الأحكام فهو ممنوع، و ان أريد في بعضها فهو غير مجد في المقام.

415

قيل: و يمكن أن يحتج عليه باستصحاب النجاسة حتى يثبت المزيل.

و أجيب بأن التمسك بالاستصحاب هنا مشكل، إذ ثبوت أصل النجاسة للمضاف إنما ثبت بالإجماع، و هو مفقود في هذه الصورة، فيصير بمنزلة المتيمم الواجد للماء في أثناء الصلاة.

و فيه نظر، فان بعض الأخبار التي قدمناها في المسألة الأولى ظاهر بل صريح في النجاسة، و الدليل غير منحصر في الإجماع كما توهموه. و لا ريب ان الأخبار الدالة على المنع من استعمال المتنجس عامة لجميع الأحوال الى ان يظهر الرافع.

و الحق في الجواب ان من شروط العمل بالاستصحاب عدم معارضة استصحاب آخر له، و لا ريب ان استصحاب الطهارة في الماء المطلق هنا معارض، و لا ترجيح لأحد الاستصحابين على الآخر فتساقطا، و يرجع الى أصالة الطهارة العامة في جميع الأشياء و أصالة الحل. بل التحقيق في المقام ان يقال: انه لما كانت الأخبار دالة على ان الكر لا ينفعل بمجرد الملاقاة و انما ينفعل بتغير أوصافه بالنجاسة، و قد اتفق الأصحاب على انه مطهر لما مازجه و استهلك فيه من النجاسة أو المتنجس ماء كان أو غيره، وجب القول بطهارة ما نحن فيه، لاندراجه تحت عموم تلك الأخبار، و اتفاق الأصحاب، و تحقق الرافع لاستصحاب النجاسة (1) و خلاف من خالف في هذه المادة لا يثمر نقضا.

(أما أولا)- فلعدم الدليل بل الدليل على خلافه واضح السبيل.

و (اما ثانيا)- فلكون المخالف نفسه هنا أحد القائلين هناك، فلا تقدح مخالفته هنا في الإجماع المدعى. و بالجملة فالظاهر ان الطهارة في الصورة المذكورة مما لا يحوم حولها الشك.

____________

(1) فيه إشارة إلى انه لو تمسك الخصم بالاستصحاب فجوابه انه قد تحقق رافعه كما تقدم بيانه (منه (رحمه الله).

416

(الثاني)- ما ذهب إليه العلامة في المنتهى و القواعد (1) من الاكتفاء بممازجة الكر له من غير اشتراط للزيادة عليه، و لا لعدم تغير أحد أوصافه بالمضاف، بل و لا لعدم سلبه الإطلاق و ان خرج المطلق بذلك عن كونه مطهرا، فاما الطهارة فتثبت للجميع (2).

و علل بان بلوغ الكرية سبب لعدم الانفعال إلا مع التغير بالنجاسة، فلا يؤثر المضاف في تنجيسه باستهلاكه إياه، لقيام السبب المانع. و ليس ثمة عين نجسة يشار إليها تقتضي التنجيس.

و أجيب بأن بلوغ الكرية وصف للماء المطلق، و إنما يكون سببا لعدم الانفعال مع وجود موصوفه، و مع استهلاك المضاف للمطلق و قهره إياه يخرج عن الاسم، فيزول الوصف الذي هو السبب لعدم الانفعال، فينفعل حينئذ و لو بالمتنجس كسائر أقسام المضاف.

قيل: و لا يخفى ان هذا الجواب إنما يتم لو تمسك باستصحاب نجاسة المضاف، و قد عرفت عدم تماميته، إذ الإجماع فيما نحن فيه مفقود. و فيه نظر قد تقدم بيانه.

(الثالث)- ما ذهب إليه العلامة أيضا في النهاية و التذكرة و اقتفاه جملة من المتأخرين، و هو الاكتفاء بممازجة الكر له من غير زيادة، لكن بشرط بقاء الإطلاق بعد الامتزاج، و لا أثر لتغير أحد الأوصاف. و الوجه فيه، اما بالنسبة

____________

(1) و الى هذا القول جنح الفاضل الخوانساري في شرح الدروس بناء على توقف إبطال دليله على الاستصحاب، و هو غير مسلم، فان الدليل على نجاسة المضاف بالملاقاة انما هو الإجماع، و الخلاف في موضع النزاع يدفعه. و أنت خبير بان الدليل غير منحصر في الإجماع كما توهمه هو و غيره. بل الأخبار التي قدمناها صريحة في ذلك (منه (رحمه الله).

(2) قال في القواعد: «لو نجس المضاف ثم امتزج بالمطلق الكثير فغير أحد أوصافه فالمطلق على طهارته. فان سلبه الإطلاق خرج عن كونه مطهرا لا طاهرا» انتهى. (منه (رحمه الله).

417

الى الاكتفاء بالكر فلأن الغرض من الكثرة عدم قبول المطلق النجاسة، و بلوغ الكرية كاف فيه، فلا وجه لاعتبار الزائد، و اما بالنسبة إلى اشتراط بقاء الإطلاق فلان المضاف يتوقف طهره على شيوعه في المطلق بحيث يستهلك فيه. و هذا لا يتم بدون بقاء المطلق على إطلاقه، و إذا لم تحصل الطهارة للمضاف و صار المطلق بخروجه عن الاسم قابلا للانفعال فلا جرم ينجس الجميع، و بالنسبة الى عدم تأثير تغير أحد الأوصاف به ان الأصل في الماء الطهارة، و الدليل انما دل على نجاسته مع التغير بالنجاسة و لم يحصل كما عرفت.

و اعلم ان المحقق الشيخ علي (قدس سره) في شرح القواعد صرح بالنسبة إلى القول الثاني بأن موضع النزاع ما إذا أخذ المضاف النجس و ألقي في المطلق الكثير فسلبه الإطلاق، فلو انعكس الفرض وجب الحكم بعدم الطهارة جزما، لان موضع المضاف النجس نجس لا محالة، فيبقى على نجاسته، لان المضاف لا يطهره و المطلق لم يصل اليه، فينجس المضاف به على تقدير طهارته. انتهى. و بذلك صرح جمع ممن تأخر عنه.

الفصل السادس في الأسآر

. و البحث فيها يقع في مواضع:

[الموضع] (الأول) [تعريف السؤر]

- السؤر لغة: البقية و الفضلة كما في القاموس، أو البقية بعد الشرب كما نقله في المعالم عن الجوهري، و قيل عليه ان ما نسبه الى الجوهري لم نجده في الصحاح، و لعله أراد أنه بهذه العبارة ليس فيه، و إلا فقد ذكر فيه ان سؤر الفأرة و غيرها ما يبقى بعد شربها. و نقل في كتاب مجمع البحرين عن المغرب و غيره ان السؤر هو بقية الماء التي يبقيها الشارب في الإناء أو في الحوض ثم أستعير لبقية

418

الطعام. و نقل فيه ايضا عن الأزهري ان السؤر هو ما يبقى بعد الشراب. و قال الفيومي في كتاب المصباح المنير: «و السؤر بالهمزة من الفأرة و غيرها كالريق من الإنسان» و هو- كما ترى- مخالف لما تقدم. و منه يظهر ان كلام أهل اللغة غير متفق في المقام (1).

و في اصطلاح أصحابنا- على ما ذكره الشهيد (رحمه الله) و جملة ممن تأخر عنه- انه ماء قليل باشره جسم حيوان، و استظهر في المدارك تعريفه في هذا المقام بأنه ماء قليل باشره فم حيوان. ثم اعترض على التعريف الأول، قال: «أما أولا- فلأنه مخالف لما نص عليه أهل اللغة و دل عليه العرف العام بل و الخاص، كما يظهر من تتبع الأخبار و كلام الأصحاب، و ان ذكر بعضهم في باب السؤر غيره استطرادا. و كون الغرض هنا بيان الطهارة و النجاسة لا يقتضي هذا التعميم، لأن حكم ما عدا السؤر يستفاد من مباحث النجاسات. و (اما ثانيا)- فلان الوجه الذي لأجله جعل السؤر قسيما للمطلق- مع كونه قسما منه بحسب الحقيقة- وقوع الخلاف في نجاسة بعضه من طاهر العين و كراهة بعض آخر. و ليس في كلام القائلين بذلك دلالة على اعتبار مطلق المباشرة، بل كلامهم و دليلهم كالصريح في أن مرادهم بالسؤر المعنى الذي ذكرناه خاصة» انتهى. و أنت خبير بما فيه من المناقشات التي ليس في التعرض لها كثير فائدة (2).

____________

(1) فإن كلام القاموس ظاهر الدلالة في العموم للماء و غيره مع الملاقاة بالفم و غيره و ما نقله في المجمع صريح في التخصيص بالماء المباشر بالفم، و كلام المصباح ظاهر أيضا في المغايرة لكل من المعنيين المتقدمين (منه (رحمه الله).

(2) (اما أولا)- فلما عرفت من اختلاف كلام أهل اللغة كما قدمنا ذكره. و اما الاخبار فكذلك كما ذكرناه، و به يظهر بطلان الاستناد إلى اللغة و العرف الخاص. و اما العام فقد عرفت الكلام فيه في غير مقام و (اما ثانيا)- فلان التعريف المقصود به افادة حكم- شرعي كلي و جعله قاعدة كلية لا يبتنى على كلام الأصحاب و اختلافهم أو اتفاقهم، و انما يبتنى على الأدلة الواردة في المقام (منه (قدس سره).

419

و التحقيق ان يقال: انه لما كان الغرض من التعريف- حيث كان- هو بيان حكم كلي و قاعدة تبتني عليها الأحكام الشرعية، فلا بد من ابتنائه على الدليل الشرعي و لا تعلق له بالخلاف و الوفاق، و حينئذ فإن أريد بالتعريف هنا بالنظر الى ما أطلق فيه لفظ السؤر من الأخبار، ففيه انه لا دلالة في الأخبار على الانحصار في خصوصية الشرب بالفم، إذ غاية ما فيها- كما ستمر بك ان شاء الله تعالى- السؤال عن سؤر ذلك الحيوان هل يتوضأ منه و يشرب أم لا؟ بل فيها ما يدل على إطلاق السؤر على الفضلة من الجوامد، كاخبار الهرة التي منها

قول علي (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): «ان الهر سبع و لا بأس بسؤره، و اني لأستحيي من الله ان ادع طعاما لان الهر أكل منه».

و ان أريد بالنظر الى ما دل عليه بعض الاخبار من المغايرة بين السؤر و ذي السؤر في الحكم أو الاتفاق، فالمفهوم منها ايضا ما هو أعم من المباشرة بالفم أو غيره، كما

في صحيحة عيص بن القاسم (2) حيث قال (عليه السلام):

«و توضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة و تغسل يدها قبل ان تدخلها الإناء».

و بالجملة فالأظهر في التعريف- بالنظر الى ظواهر الاخبار- تعميم الحكم في المباشرة بالفم و غيره ماء كان أو غيره. نعم متى أريد السؤر من الماء خاصة اختص بالتعميم الأول.

على ان الحق ان يقال: ان أفراد السؤر بالبحث على حدة- و جعله قسيما للمطلق مع كونه قسما منه- مما لم يقم عليه دليل، و ان جرت الأصحاب (رضوان الله عليهم) على ذلك جيلا بعد جيل، فإن الذي يظهر من الأخبار ان الأمر لا يبلغ الى هذا المقدار الموجب لاستقلاله و امتيازه عن المطلق على حياله، و توضيحه ان

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب الأسآر.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب الأسآر.

420

ما حكموا فيه من الأسآر بالطهارة و النجاسة ليس لخصوصية كونه سؤرا، و إنما هو من حيث التبعية لذي السؤر في الطهارة و النجاسة، و هذا حكم عام، و محله مبحث النجاسات و المطهرات. و ما اختلفوا فيه منها طهارة و نجاسة فإنما نشأ من اختلافهم في حيوانه بذلك ايضا، و محل هذا ايضا هناك. و اما خلاف من خالف- فحكم بنجاسة أسآر بعض الحيوانات مع حكمه بطهارة ذلك الحيوان- فلا دليل عليه كما سيظهر لديك ان شاء الله تعالى. و ما حكموا فيه بالكراهة من تلك الأسآر فهو ايضا خال من الدليل، كما سنتلوه عليك ان شاء الله تعالى، عدا موضع واحد و هو سؤر الحائض المتهمة، فإن الأخبار قد دلت على النهي عنه، إلا ان غاية ما تدل عليه هو النهي بالنسبة إلى الوضوء خاصة دون الشرب و غيره، و الظاهر ان الوجه فيه هو اختصاص ماء الطهارة بالمزية زيادة على غيره من سائر المياه المستعملة كما ورد من كراهة الوضوء بالماء الآجن و المشمس و نحوهما، و هذا بمجرده لا يوجب افراد بعض اجزاء الماء المطلق بعنوان على حدة و جعله قسيما له، و إلا لكان الفردان المذكوران كذلك و لان اختصاص الكراهة بالوضوء دون غيره يخرج ذلك عن كونه حكما كليا في السؤر كما يدعونه.

(الموضع الثاني) [أقسام السؤر و ذي السؤر]

- ان ذا السؤر اما ان يكون آدميا أو غيره، و الأول اما مسلم و من بحكمه أو كافر و من بحكمه، و الثاني اما مأكول اللحم أو غيره، و غير مأكول اللحم اما طاهر العين أولا، فالأقسام خمسة. و السؤر عندهم اما طاهر أو نجس أو مكروه. و لا يخفى ان أكثر مباحث هذا الفصل- و ما يتعلق بها من التحقيق و بسط الأدلة التي بها تليق- قد وكلناها الى مبحث النجاسات، فإنها بذلك انسب كما أشرنا إليه آنفا، و لنشر هنا إجمالا الى ما يخص هذا المقام جريا على وتيرة من تقدمنا من علمائنا الأعلام جزاهم الله تعالى عنا أفضل جزاء في دار الإكرام.

421

فنقول: حيث كانت الأقسام التي أشرنا إليها خمسة فالبحث يقع ههنا في موارد خمسة:

[المورد] (الأول) [في الطاهر و النجس من سؤر المسلم]

- سؤر الآدمي المسلم، و المراد به ما هو أعم من منتحل الإسلام كما أطلق عليه في كلام أصحابنا (رضوان الله عليهم) و حينئذ فينقسم السؤر بالنسبة الى ذلك الى الأقسام الثلاثة المتقدمة، فالقسم الأول و الثاني الطاهر و النجس.

و تحقيق القول فيهما هنا ان نقول: ان بعض أفراد ذي السؤر هنا مما اتفق على طهارته و بعض مما اتفق على نجاسته و بعض مما اختلف فيه.

(فالأول)- المؤمن عدا من يأتي ذكره في القسم الثالث، و لا خلاف و لا إشكال في طهارته و طهارة سؤره بل أفضليته، لما روي من استحباب الشرب من سؤره و الوضوء من فضل وضوئه.

و (الثاني)- الخوارج و النواصب و الغلاة، و لا خلاف بين أصحابنا في نجاستهم و نجاسة سؤرهم.

و (الثالث)- منه- المجسمة و المجبرة، و قد نقل عن الشيخ في المبسوط القول بنجاستهم، و تبعه- في المجسمة- العلامة في المنتهى، و المشهور الطهارة. و الكلام في السؤر تابع للقولين. الا ان جملة من القائلين بالطهارة ذهبوا هنا إلى الكراهة- كما سيأتي ذكره- تفصيا من خلاف الشيخ (رحمه الله).

و منه- ولد الزنا، فالمنقول عن المرتضى القول بنجاسته، لانه كافر، و يعزى القول بكفره الى ابن إدريس أيضا. و ربما ظهر ذلك ايضا من كلام الصدوق (رحمه الله) في الفقيه، حيث قال (1): «و لا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي و النصراني و ولد الزنا و المشرك و كل من خالف الإسلام» و ما قيل- من ان عدم جواز الوضوء به

____________

(1) في باب (المياه و طهرها و نجاستها).

422

أعم من النجاسة، فكلامه ليس بصريح في النجاسة- مردود بان ذكره مع المشرك و نحوه قرينة واضحة على إرادة النجاسة، و المشهور الطهارة. و الكلام في السؤر تابع للقولين.

و منه- المخالف، فقد نقل عن ابن إدريس القول بنجاسته عدا المستضعف، و عن المرتضى القول بنجاسة غير المؤمن، و أكثر متأخري الأصحاب على الطهارة.

و حكم السؤر تابع لذلك.

(القسم الثالث)- المكروه، و منه- سؤر الحائض على الإطلاق عند جملة من أصحابنا، و مقيدا بالمتهمة عند آخرين.

احتج الأولون بجملة من الاخبار،

كرواية عنبسة بن مصعب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سؤر الحائض يشرب منه و لا يتوضأ».

و مثلها رواية الحسين بن ابي العلاء (2) و رواية أبي بصير (3).

و يدل على الثاني

موثقة علي بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) «في الرجل يتوضأ بفضل الحائض؟ قال: إذا كانت مأمونة فلا بأس».

و موثقة عيص بن القاسم (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن سؤر الحائض قال: توضأ منه، و توضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة و تغسل يدها قبل ان تدخلها الإناء».

هكذا رواها في التهذيب (6)

و اما في الكافي (7) فرواها في الصحيح، و فيها في حكاية جوابه (عليه السلام) قال: «لا توضأ منه و توضأ من سؤر الجنب. الحديث».

و حينئذ فيكون منتظما في سلك الأخبار المتقدمة، و قضية حمل المطلق على المقيد- كما هي القاعدة المعمول عليها بينهم- تقتضي رجحان القول الثاني.

____________

(1) المروية في الوسائل في باب- 8- من أبواب الأسآر.

(2) المروية في الوسائل في باب- 8- من أبواب الأسآر.

(3) المروية في الوسائل في باب- 8- من أبواب الأسآر.

(4) المروية في الوسائل في باب- 8- من أبواب الأسآر.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب الأسآر.

(6) في الصحيفة 63.

(7) ج 1 ص 4.

423

إلا انه لا يخفى ان الأخبار كلها إنما اتفقت في النهي عن الوضوء خاصة، و اما الشرب ففي بعضها تصريح بجوازه و في بعضها قد طوي ذكره، و لعل الوجه في ذلك ما أشرنا إليه آنفا (1) من اختصاص ماء الوضوء بالمزية كما في غير هذا الموضع، لا من حيث كونه سؤرا، و إلا لعم.

بقي هنا شيء و هو ان أكثر الأصحاب خصوا الكراهة بسؤر المتهمة، و هي التي لا تتحفظ من النجاسة، و الروايات المقيدة إنما دلت على جواز الوضوء من سؤر المأمونة، و هي المتحفظة من الدم، و لا ريب ان غير المأمونة أعم من أن تكون متهمة أو مجهولة، و الظاهر انه لذلك عدل المحقق في الشرائع عن العبارة المشهورة فعبر بغير المأمونة، و به صرح السيد السند في شرحه، حيث قال مشيرا إلى عبارة المصنف:

ان ذلك اولى من إناطتها بالتهمة كما ذكره غيره. قال: «لأن النهي إنما يقتضي انتفاء المرجوحية إذا كانت مأمونة، و هو أخص من كونها غير متهمة، لتحقق الثاني في ضمن من لا يعلم حالها دون الأول. و ما ذكره بعض المحققين- من ان المأمونة هي غير المتهمة، إذ لا واسطة بين المأمونة و من لا امانة لها، و التي لا امانة لها هي المتهمة- غير جيد، فان المتبادر من المأمونة من ظن تحفظها من النجاسة و نقيضها من لم يظن بها ذلك، و هو أعم من المتهمة و المجهولة» انتهى. و يمكن ان يقال: انه و ان كان نقيض المأمونة ما ذكره من الأعم من المتهمة و المجهولة، لكن المراد هنا هو المتهمة خاصة، لأن تعلق الحكم الذي هو الكراهة بانتفاء المأمونية يقتضي حصول العلم أو الظن بمتعلقه الذي هو عدم المأمونية، و هو لا يحصل مع الجهل بحالها، لاحتمال كونها مأمونة واقعا.

____________

(1) في الصحيفة 420.

424

فرع

ألحق الشهيد في البيان بالحائض المتهمة- بناء على ما اختاره من التقييد بالمتهمة- كل متهم، و استحسنه جملة ممن تأخر عنه- منهم: الشهيد الثاني في الروضة. و رده المحقق الشيخ علي بأنه تصرف في النص. و نقل بعض فضلاء المتأخرين عبارة الشيخ علي بما صورته بأنه تصرف في التصرف. و قال في توجيهها: «و كأنه أراد بذلك ان قصر الكراهة في سؤر الحائض على المتهمة- للجمع بين الاخبار- تصرف أول، ثم تعدية الحكم الى كل متهم إنما حصل بهذا التصرف، فهو تصرف ثان في التصرف الأول» و فيه ان مرمى هذه العبارة يؤذن بعدم قوله بالتقييد و اختياره له، مع انه صرح في صدر هذا الكلام بأنه الأصح عنده، حيث قال- بعد قول المصنف: و الحائض المتهمة- ما لفظه: «اي بعدم التحفظ من النجاسة و المبالاة بها على الأصح، جمعا بين روايتي النهي عن الوضوء بفضلها و نفي البأس إذا كانت مأمونة» و الظاهر ان ما نقله الفاضل المذكور ناشئ عن غلط في نسخته و تصحيف النص بالتصرف، و المعنى على ما نقلنا ظاهر لا سترة عليه.

و من هذا القسم ايضا ما اختلف فيه بالطهارة و النجاسة عند من اختار الطهارة خروجا من خلاف من قال بالنجاسة و ان كان من غير الآدمي كما سيأتي، قال في المعالم بعد ذكر جملة من الافراد المختلف في طهارتها و نجاستها، و نقل القول بالكراهة في بعضها عن المحقق خروجا من خلاف من قال بالنجاسة، و اعتراضه عليه بأنه لا وجه للتخصيص بالبعض، لان دليله آت في الكل- ما صورته: «و بالجملة فكراهة المذكورات لا ينبغي التوقف فيها حيث يقال بالطهارة، فإن رعاية الخروج من الخلاف كافية في مثله» انتهى. و فيه نظر، فإن الكراهة حكم شرعي يتوقف على الدليل و مجرد ذهاب البعض و خلافه في الحكم ليس بدليل شرعي حتى تبنى عليه الأحكام

425

الشرعية، فإن أجيب بان الوجه فيه الاحتياط، قلنا: فيه (أولا)- ان الاحتياط عندهم ليس بدليل شرعي. و (ثانيا)- انه مع جعله دليلا شرعيا- كما هو الأظهر عندنا كما قدمنا تحقيقه في المقدمة الرابعة- فهو يدور مدار الاختلاف بين الأدلة كما هو أحد موارده لا مدار الاختلاف بين العلماء و ان كان لا عن دليل، و حينئذ فالحكم بالكراهة- فيما تعارضت فيه أدلة الطهارة و النجاسة مع رجحان الأول- متجه.

و يلحق بالمسلم- في الطهارة و النجاسة عند الأصحاب- من بحكمه من الطفل المتولد منه، و مسبيه و المجنون، و لقيط دار الإسلام، و مثله لقيط دار الكفر إذا أمكن تولده من مسلم على قول.

(المورد الثاني)- سؤر الكافر و من بحكمه

. و لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في نجاسة من عدا اليهود و النصارى من أصناف الكفار، سواء كان كفرا أصليا أو ارتداديا، و نجاسة سؤرهم حينئذ تابع لهم. و اما اليهود و النصارى فمحل خلاف بين الأصحاب و الأخبار، كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في محله.

و الحكم في سؤرهم تابع للمترجح من الطرفين. و ظاهر القائلين بالطهارة الحكم بكراهة اسآرهم على ما نص عليه في المعالم و غيره. و لا بأس به، لا لما ذكروه من التفصي من خلاف من ذهب الى القول بالنجاسة، بل من حيث ان الأخبار متعارضة فيهم طهارة و نجاسة، فمتى ترجح القول بالطهارة منها فلا بأس بالاحتياط بالنجاسة بحمل ما دل على النجاسة على الاستحباب.

و بحكم الكافر طفله عند الأصحاب، معللين ذلك بنجاسة أصله، و استشكله في المدارك بان الدليل ان تم فإنما يدل على نجاسة الكافر المشرك و اليهود و النصارى، و الولد قبل بلوغه لا يصدق عليه شيء من ذلك. و هو جيد في الظاهر، و يؤيده الخبر المشهور

عنه (صلى الله عليه و آله) «ان كل مولود يولد على الفطرة، و إنما أبواه

426

يهودانه أو ينصرانه» (1).

فان من الظاهر ان التهويد و التنصير إنما يثبت له مع البلوغ أو بعده، لما يحصل له من طول المعاشرة و الممارسة معهما و الانس بهما قبل ذلك، فيؤثر فيه و يورثه الميل الى مذهبهما و اختياره. و تحقيق المسألة كما هو حقه يأتي ان شاء الله تعالى في باب التطهير من النجاسات.

(المورد الثالث)- سؤر غير الآدمي من الحيوان المأكول اللحم

. و لا خلاف في طهارته لطهارة حيوانه، إلا ان الأصحاب (رضوان الله عليهم) حكموا بالكراهة في جملة من افراده.

فمن ذلك- سؤر الحيوانات الثلاثة: الخيل و البغال و الحمير الأهلية (2) و لم نقف له على مستند، و ربما علل بان فضلات الفم التي لا تنفك عنها تابعة للجسم. و هو مجرد دعوى خالية من الدليل.

____________

(1) رواه المجلسي في البحار ج 2 ص 88 عن غوالي اللئالي عن النبي (صلى الله عليه و آله) و في ج 15 ص 36 قال: و قال (صلى الله عليه و آله): «كل مولود. إلخ»

و في أصول الكافي باب (فطرة الخلق على التوحيد) في حديث عن ابى جعفر (عليه السلام) «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): كل مولود يولد على الفطرة، يعنى على المعرفة بأن الله تعالى خالقه».

و رواه صاحب الوسائل في الباب 48 من كتاب الجهاد عن الصادق (عليه السلام) هكذا: «ما من مولود يولد الا على الفطرة فأبواه اللذان يهودانه و ينصرانه و يمجسانه».

و رواه أحمد في مسنده ج 2 ص 275 عن أبي هريرة عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و رواه عنه ايضا مسلم في الصحيح ج 2 ص 412 و رواه البخاري في آخر كتاب الجنائز باب (أولاد المشركين) و في كتاب القدر باب (الله اعلم بما كانوا عاملين) عن أبي هريرة بلفظ «ما من مولود. إلخ» و رواه ابن حجر في مجمع الزوائد ج 7 ص 218.

(2) في التقييد بالأهلية إشارة إلى خروج الوحشية من هذه الحيوانات، لما نقله بعض الأصحاب من الاتفاق على انتفاء الكراهة في الوحشية، و هو الذي يظهر من الدليل كما سيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى (منه (رحمه الله).

427

و يمكن الاستدلال على ذلك بمفهوم

رواية سماعة (1) قال: «سألته هل يشرب سؤر شيء من الدواب و يتوضأ منه؟ فقال: أما الإبل و البقر و الغنم فلا بأس».

و ثبوت البأس بالمفهوم و ان كان أعم من التحريم، إلا ان جملة من الأخبار لما دل على جواز الشرب و الوضوء من سؤرها، حمل البأس هنا على الكراهة.

و مما دل على الجواز خصوص

صحيحة أبي العباس (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة و الشاة و البقرة و الإبل و الحمار و الخيل و البغال و الوحش و السباع، فلم اترك شيئا إلا سألته عنه، فقال: لا بأس به. حتى انتهيت الى الكلب، فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله و اصبب ذلك الماء.».

و رواية معاوية بن شريح (3) قال: «سأل عذافر أبا عبد الله (عليه السلام)- و انا عنده- عن سؤر السنور و الشاة و البقرة و البعير و الحمار و الفرس و البغل و السباع يشرب منه أو يتوضأ منه؟ فقال: نعم اشرب منه و توضأ. قال: قلت له:

الكلب؟ قال: لا. قلت: أ ليس هو سبع؟ قال: لا و الله انه نجس، لا و الله انه نجس».

و صحيحة جميل بن دراج (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن سؤر الدواب و الغنم و البقر أ يتوضأ منه و يشرب؟ فقال: لا بأس».

و عموم صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال:

«لا بأس بأن يتوضأ مما يشرب منه ما يؤكل لحمه».

و مثلها

موثقة عمار (6) و فيها «كل ما

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب الأسآر.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب الأسآر، و في الباب- 11- من أبواب النجاسات.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب الأسآر.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب الأسآر.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب الأسآر.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 4- من أبواب الأسآر.

428

أكل لحمه يتوضأ من سؤره و يشرب».

و الحق تقديم العمل بهذه الأخبار، لاستفاضتها و صراحتها صحة أكثرها، و ضعف ما عارضها سندا و دلالة.

و منها- سؤر الدجاج. و قد أطلق العلامة و غيره كراهة سؤرها، و علل بعدم انفكاك منقارها عن النجاسة غالبا، و حكى في المعتبر عن الشيخ (رحمه الله) انه قال:

«يكره سؤر الدجاج على كل حال» ثم قال بعده: و هو حسن ان قصد المهملة، لأنها لا تنفك عن الاغتذاء بالنجاسة. و به جزم في المعالم ايضا.

و أنت خبير بأن الأخبار الواردة هنا عموما و خصوصا متفقة في نفي البأس عن ذلك و جواز الوضوء و الشرب منه.

فمن الأول- صحيحة عبد الله بن سنان و موثقة عمار المتقدمتان.

و من الثاني-

رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «فضل الحمامة و الدجاج لا بأس به و الطير».

و موثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه «سئل عن ماء شربت منه الدجاجة. قال: ان كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه و لم يشرب، و ان لم تعلم ان ان في منقارها قذرا توضأ منه و اشرب، و قال: كل ما يؤكل لحمه فليتوضأ منه و ليشربه».

و لا يخفى ان الخروج عن مدلول هذه الروايات عموما و خصوصا- و حملها على مجرد نفي الحرمة بمجرد ما ذكروا من التعليل- لا يخلو من مجازفة، سيما ان الكراهة- كما عرفت آنفا- حكم شرعي، فيتوقف ثبوته على الدليل.

و ما ربما يقال- من ان الأمر بالاحتياط في الدين الوارد في جملة من الأخبار

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 4- من أبواب الأسآر.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 4- من أبواب الأسآر.

429

يشمل مثل هذا- ففيه (أولا)- ما قدمنا من ان الاحتياط عندهم ليس بدليل شرعي.

و (ثانيا)- ان المستفاد من الأخبار الدالة على عدم السؤال و الفحص عما يشترى من أسواق المسلمين و يؤخذ من أيديهم- و النهي عن ذلك و ان كان احتمال التحريم أو النجاسة فيه قائما، و البناء في ذلك على ظاهر الحل و الطهارة، عملا بسعة الحنيفية السمحة السهلة- عدم الاحتياط هنا.

(المورد الرابع)- سؤر غير الآدمي من الحيوان الغير المأكول اللحم عدا الكلب و الخنزير

. و قد اختلف الأصحاب في ذلك، فذهب الفاضلان و جمهور المتأخرين إلى طهارة سؤر كل حيوان طاهر، و نقل ايضا عن النهاية و الخلاف، إلا انه استثنى في النهاية سؤر آكل الجيف من الطير، و نقل عن المرتضى و ابن الجنيد استثناء الجلال، و نقل عن ظاهر الشيخ (رحمه الله) في كتابي الأخبار المنع من سؤر ما لا يؤكل لحمه، لكنه في الاستبصار استثنى من ذلك سؤر الفأرة و البازي و الصقر و نحوهما من الطيور. و نقل عن المبسوط انه ذهب الى عدم جواز استعمال سؤر ما لا يؤكل لحمه من الحيوان الانسي عدا ما لا يمكن التحرز منه كالفأرة و الحية و الهرة، و جواز استعمال سؤر الطاهر من الحيوان الوحشي طيرا كان أو غيره، حكاه عنه المحقق في المعتبر.

و نقل في المختلف عن ابن إدريس انه حكم بنجاسة سؤر ما لا يؤكل لحمه من حيوان الحضر من غير الطير مما يمكن التحرز عنه. و الأظهر من هذه الأقوال هو القول الأول و محل الخلاف هنا في مواضع أربعة:

(أحدها)- الجلال، و قد عرفت ان المرتضى و ابن الجنيد استثنياه من السؤر المباح، و كذا نقل عن الشيخ في المبسوط. و مقتضى كلامهم الحكم بنجاسة السؤر مع طهارة حيوانه. و قد اعترف جمع ممن تقدمنا انهم لم يقفوا له على دليل.

و ربما استدل عليه بان رطوبة أفواهها ينشأ من غذاء نجس فيجب الحكم بالنجاسة.

430

ورد بمنع الملازمة، و بالنقض ببصاق شارب الخمر إذا لم يتغير به، و بما لو أكل غير العذرة مما هو نجس.

أقول: و من المحتمل قريبا ان حكم الشيخ (رحمه الله) بنجاسة اللعاب هنا لحكمه بنجاسة العرق. إلا ان فيه ان مورد الدليل العرق خاصة، و التعدية قياس.

و يدل على المشهور أصالة الطهارة، و عموم صحيحة الفضل المتقدمة (1) و كذا رواية أبي بصير السالفة (2)

و موثقة عمار (3)، حيث قال فيها: «و سئل عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب. فقال: كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا ان ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه و لا تشرب».

و حكم جمهور الأصحاب هنا بالكراهة أيضا خروجا من خلاف أولئك الجماعة.

و فيه ما عرفت آنفا (4) نعم يمكن الاستدلال على ذلك

برواية الوشاء عمن ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) «انه كان يكره سؤر كل شيء لا يؤكل لحمه».

و مفهوم موثقة عمار المتقدمة (6) الدالة على ان كل ما يؤكل لحمه يتوضأ من سؤره و يشرب فان الظاهر ان المقام هنا قرينة على التقييد بالوصف، لكونه مناط الحكم. إلا انه لا يخلو ايضا من خدش.

(ثانيها)- آكل الجيف، و قد عرفت ان الشيخ في النهاية استثناه من طهارة سؤر كل حيوان طاهر و حكم بنجاسته، و المشهور الطهارة كما تقدم. و لم نقف للشيخ على دليل، و بذلك اعترف جمع من الأصحاب أيضا، و ظواهر الأخبار المتقدمة و غيرها ظاهر في العدم.

____________

(1) في الصحيفة 427.

(2) في الصحيفة 428.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 4- من أبواب الأسآر.

(4) في الصحيفة 424.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب الأسآر.

(6) في الصحيفة 428.

431

و قد صرح الأصحاب هنا بالكراهة أيضا لعين ما تقدم. و فيه ما عرفت غير مرة.

و صار المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) إلى الكراهة هنا تمسكا بما قدمنا ذكره في الجلال من التمسك برواية الوشاء و موثقة عمار.

و فيه (أولا)- انه لا يقوم دليلا على العموم، لعدم جريانه فيما يؤكل لحمه.

و (ثانيا)- ان الحكم معلق على عدم كونه مأكول اللحم، و لا مدخل فيه لأكل الجيف، و هو ظاهر.

(ثالثها)- ما لا يؤكل لحمه عدا ما استثني، و قد تقدم الإشارة إلى الخلاف فيه.

و نقل عن الشيخ في الاستبصار الاستدلال عليه بقوله (عليه السلام) في موثقة عمار المتقدمة (1): «كل ما يؤكل لحمه يتوضأ من سؤره و يشرب» (2).

حيث قال (قدس سره): «هذا يدل على ان ما لا يؤكل لحمه لا يجوز التوضؤ به و الشرب منه، لأنه إذا شرط في استباحة سورة ان يؤكل لحمه دل على ان ما عداه بخلافه، و هذا يجري مجرى قول النبي (صلى الله عليه و آله) في سائمة الغنم الزكاة. في انه يدل على ان المعلوفة ليس فيها زكاة».

أقول: و يدل على الاستثناء الذي ذكره (طاب ثراه) موثقة عمار بن موسى الأخيرة (3) الدالة على حكم الطير،

و رواية إسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) «ان أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الإناء

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 4- من أبواب الأسآر.

(2) الاستدلال بهذه الموثقة على ذلك موجود في التهذيب ايضا، و العبارة التي ينقلها هي عبارة التهذيب ص 63، و ليست هذه العبارة في الاستبصار عند تعرضه للموثقة ص 25 من طبع النجف.

(3) المتقدمة في الصحيفة 430.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الأسآر.

432

أن يشرب منه و يتوضأ منه».

و غيرهما مما تضمن نفي البأس عن تلك الأشياء التي استثناها عموما أو خصوصا.

ورد هذا القول (أولا)- بابتنائه على حجية مفهوم الوصف. و الأصح عدم حجيته و (ثانيا)- باشتمال سند الرواية على جملة من الفطحية.

و (ثالثا)- بالمعارضة بما هو أكثر عددا و أصح سندا، و قد تقدم من ذلك شطر فيما قدمنا من الأخبار.

و من أظهر الأدلة التمسك بأصالة الطهارة عموما و خصوصا، فإنها أقوى دليل في الباب و ان غفل عن الاستدلال بذلك الأصحاب.

و قد حكم جمهور الأصحاب هنا بالكراهة أيضا تفصيا من الخلاف. و لا بأس به، لكن لا لما ذكروا، بل لما عرفت من دلالة رواية الوشاء المتقدمة (1).

(رابعها)- المسوخ. و قد حكي عن ابن الجنيد انه استثنى المسوخ من الحكم بطهارة سؤر ما لا يؤكل لحمه، و ذكر في المعالم ان كلامه محتمل لنجاستها، أو نجاسة لعابها وحده، كما نقل التصريح به عن بعض الأصحاب. و نقل المحقق في المعتبر عن الشيخ القول بنجاستها، و نسب هذا القول في المختلف الى سلار و ابن حمزة أيضا. و كلام سلار في رسالته كالصريح في نجاسة اللعاب و محتمل لنجاسة العين و المشهور بين الأصحاب الطهارة على كراهية. و الحكم بالكراهة عندهم جار على نحو ما تقدم. و مما يدل على الطهارة عموم الأخبار المتقدمة كصحيحة الفضل (2) و نحوها.

(المورد الخامس)- سؤر نجس العين من الحيوان

غير المأكول اللحم و غير الآدمي، و هو الكلب و الخنزير. و لا خلاف نصا و فتوى في نجاسته لنجاسة أصله.

____________

(1) في الصحيفة 430.

(2) المتقدمة في الصحيفة 427.

433

فذلكة

(1) المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) طهارة فم الهرة بمجرد زوال عين النجاسة سواء غابت عن العين أم لا، صرح بذلك الشيخ و المحقق و العلامة و غيرهم، و ألحق جملة من المتأخرين بها كل حيوان غير الآدمي، و استحسنه السيد السند في المدارك. و قيل بالنجاسة، لأصالة البقاء عليها. و قيل بالطهارة بالغيبة، ذهب إليه العلامة في النهاية، قال: «لو نجس فم الهرة بسبب كأكل الفأرة و شبهه، ثم ولغت في ماء قليل و نحن نتيقن نجاسة فمها، فالأقوى النجاسة، لأنه ماء قليل لاقى نجاسة، و الاحتراز يعسر عن مطلق الولوغ لا عن الولوغ بعد تيقن نجاسة الفم، و لو غابت عن العين و احتمل ولوغها في ماء كثير أو جار، لم ينجس، لأن الإناء معلوم الطهارة فلا يحكم بنجاسته بالشك» انتهى.

و تمسك الأولون بالأخبار الواردة بنفي البأس عن سؤر الهرة، و جواز الوضوء و الشرب منه، بناء على ان الهرة لا ينفك فمها عن النجاسة غالبا.

و من الأخبار في ذلك

صحيحة زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«في كتاب علي: ان الهر سبع و لا بأس بسؤره، و اني لأستحيي من الله ان ادع طعاما لان الهر أكل منه».

و رواية أبي الصباح عنه (عليه السلام) (3) قال: «كان علي (عليه السلام) يقول: لا تدع فضل السنور أن تتوضأ منه، انما هي سبع».

و غيرهما.

قال في كتاب المعالم بعد الاستدلال على ذلك بنحو ما ذكرنا: «و لو فرضنا

____________

(1) في القاموس فذلك حسابه أنهاه و فرغ منه. و هذه اللفظة كثيرا ما يستعملها المصنفون في مثل هذا الموضع، و كان المراد بها الإشارة الى ان ما يذكر فيها نهاية و آخر البحث المتقدم (منه (رحمه الله).

(2) المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب الأسآر.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب الأسآر.

434

عدم دلالة الأخبار على العموم فلا ريب ان الحكم بتوقف الطهارة في مثلها على التطهير المعهود شرعا منفي قطعا، و الواسطة بين ذلك و بين زوال العين يتوقف على الدليل.

و لا دليل» انتهى. و حاصله يرجع الى ما أشرنا إليه غير مرة و حققناه في المقدمة الحادية عشرة (1) من جواز التمسك بالبراءة الأصلية فيما تعم به البلوى من الأحكام بعد الفحص عن الدليل و عدم الوقوف عليه. و هو هنا كذلك، فان عدم وجود دليل على التكليف بإزالة النجاسة في مثل ذلك مع عموم البلوى بذلك دليل على عدم التكليف بذلك و حصول البراءة منه، و ليس بعد ذلك إلا الحكم بالطهارة بمجرد زوال عين النجاسة.

و اما القول بالتوقف على الغيبة فلا دليل عليه، كما أشار إليه بقوله:

«و الواسطة بين ذلك. إلخ» (2).

و استدل في المدارك على إلحاق غير الهرة من الحيوانات بها بالأصل و عدم ثبوت التعبد بغسل النجاسة عنه.

(أقول): و الاحتجاج بالأصل هنا لا يخلو من ضعف، فان عروض النجاسة أوجب الخروج عن حكمه، فلا يسوغ التمسك به. و اما الثاني فجيد كما أشرنا إليه هذا بالنسبة الى غير الآدمي.

و اما الآدمي فهل يحكم بطهارته بمجرد غيبته زمانا يمكن فيه إزالة النجاسة أو مع تلبسه بما هو مشروط بالطهارة عنده، أو حتى يعلم إزالة النجاسة؟ أقوال، ظاهر

____________

(1) في الصحيفة 155.

(2) و توضيحه انه اما ان يكتفى في طهر فمها بمجرد زوال العين كالبواطن أو يعتبر فيها ما يعتبر في تطهير المتنجسات من الطرق المعهودة شرعا، فعلى الأول لا حاجة الى غيبتها، و على الثاني فلا يكتفى بمجرد الاحتمال لا سيما مع بعده، لان يقين النجاسة لا يزيله إلا يقين الطهارة، و الواسطة غير معقولة (منه (رحمه الله).

435

المشهور الأخير، و بالأول صرح جملة من المتأخرين، لكنهم بين مطلق لذلك كما تقدم، و بين مقيد بشرط علمه بالنجاسة و أهليته للإزالة بكونه مكلفا عالما بوجوب الإزالة عليه، و الى الثاني مال السيد السند في المدارك على تردد فيه بعد ان نقل القول الأول و استشكله. و العجب منه (قدس سره) في ذلك، فان دليله على طهارة الحيوان غير الآدمي جار هنا بعينه، فإنه لم يثبت ايضا التعبد بالعلم بزوال النجاسة عن ثوب الغير و بدنه. و اما ما اختاره (طاب ثراه) من اشتراط التلبس بمشروط بالطهارة عنده، فيشكل الأمر فيه ايضا بجواز نسيانه، و لعل ذلك هو وجه التردد الذي ذكره.

و لعل أرجح هذه الأقوال هو الأول، تمسكا بأصالة البراءة التي أشرنا إليها، فإن الحكم مما تعم به البلوى، و لو لم يكن مجرد الغيبة كافيا في الطهارة، لورد فيه أثر عنهم (عليهم السلام) و لبلغنا ذلك، و لامتنع الاقتداء بإمام الجماعة حتى يسأله، لأن عروض النجاسة له بالبول و الغائط أمر متيقن، و عروض النسيان له ممكن.

و بطلانه أظهر من ان يحتاج الى البيان، و لا شكل الحال في الحكم بطهارة سائر الناس ممن لم تعلم عدالته مع معلومية الحدث منهم كما ذكرنا، فلا يحكم بطهارتهم و ان أخبروا بذلك، مع ان المعلوم من الشرع خلافه، لدلالة الاخبار و اتفاق الأصحاب على قبول قول المسلم في ذلك.

ختام مستطاب يشتمل على مقامين تتمة للباب

المقام الأول في الماء المستعمل

و المراد منه هنا ما يكون مستعملا في إزالة حدث أو خبث أو مطلقا، و الأول اما في حدث أصغر أو أكبر، و الثاني اما في الاستنجاء أو غيره من الأخباث، و الثالث غسالة ماء الحمام، فالكلام هنا يقع في مسائل خمس:

436

(المسألة الاولى)- في مستعمل الحدث الأصغر

. و لا خلاف بين أصحابنا (قدس الله أرواحهم) و نور أشباحهم) في طهارته و طهوريته، حكاه غير واحد منهم.

و يدل ايضا على الأول أصالة الطهارة عموما و خصوصا.

و على الثاني عموم الأخبار الدالة على استعمال الماء المطلق في رفع الحدث.

و هذا ماء مطلق.

و خصوص

رواية عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل. و قال: الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز ان يتوضأ به و أشباهه. و اما الماء الذي يتوضأ به الرجل فيغسل به وجهه و يده في شيء نظيف، فلا بأس ان يأخذه غيره و يتوضأ به».

و رواية زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «كان النبي (صلى الله عليه و آله) إذا توضأ أخذ ما يسقط من وضوئه فيتوضؤون به».

و نقل عن أبي حنيفة الحكم بنجاسته نجاسة مغلظة، حتى انه إذا أصاب الثوب أكثر من درهم منع أداء الصلاة (3) و لعله حق في حقه. نعم نقل شيخنا الشهيد

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(3) قال ابن حزم في المحلى ج 1 ص 185: «عند أبي حنيفة لا يجوز الغسل و لا الوضوء بما قد توضأ به أو اغتسل به و يكره شربه، و روى انه طاهر، و الأظهر عنه انه نجس و انه لا ينجس الثوب إذا اصابه الماء المستعمل الا ان يكون كثيرا فاحشا، الى ان قال: و قال أبو حنيفة و أبو يوسف: إذا توضأ الرجل و هو طاهر من بئر فقد تنجس ماؤها و تنزح كلها، و لا يجزيه ذلك الوضوء ان كان غير متوضئ، و كذلك ان اغتسل فيها نجسها كلها و لو اغتسل في سبعة آبار نجسها كلها» و قال ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق ج 1 ص 94 تحت عنوان «الماء المستعمل في رفع الحدث»: «اختلفت الرواية عن أبي حنيفة، فروى محمد عنه انه طاهر غير مطهر، و روى أبو يوسف عنه انه نجس نجاسة خفيفة، و روى الحسن بن زياد عنه انه نجس نجاسة غليظة، و المشهور عنه عدم التفصيل بين المحدث و الجنب، و في التنجيس استثنى الجنب لعموم البلوى في المحدث لعدم صون الثياب في الوضوء و إمكان صونها في الجنب» و قال ابن قدامة في المغني ج 1 ص 18: «المستعمل في رفع الحدث طاهر غير مطهر لا يرفع حدثا و لا يزيل خبثا، قال به الليث و الأوزاعي و المشهور عن أبي حنيفة و احدى الروايتين عن مالك و ظاهر مذهب الشافعي، و عن أحمد في رواية انه طاهر مطهر، و قال به الحسن و عطاء و النخعي و الزهري و مكحول و أهل الظاهر، و الرواية الثانية لمالك، و القول الثاني للشافعي».

437

في الدروس عن الشيخ المفيد انه استحب التنزه عنه، و ظاهر كلامه في المقنعة ربما أشعر أيضا باستحباب التنزه عن ماء الأغسال المستحبة بل و الغسل المستحب كغسل اليد للأكل.

و لم نقف له على دليل من الاخبار بل و لا من الاعتبار، بل ربما دلت رواية زرارة المتقدمة على خلافه. الا انه يحتمل قريبا الاختصاص به (صلى الله عليه و آله) للتبرك و الشرف.

و المفهوم من كلام شيخنا البهائي (طاب ثراه) في كتاب الحبل المتين الاستدلال له بما

رواه في الكافي (1) عن محمد بن علي بن جعفر عن الرضا (عليه السلام) قال:

«من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فاصابه الجذام فلا يلومن إلا نفسه».

حيث قال (قدس سره) بعد إيراد الخبر المذكور: «و إطلاق الغسل في هذا يشمل الغسل الواجب و المندوب. و في كلام المفيد (طاب ثراه) في المقنعة تصريح بأفضلية اجتناب الغسل و الوضوء بما استعمل في طهارة مندوبة، و لعل مستنده هذا الحديث، و أكثرهم لم يتنبهوا له» انتهى. و فيه انه و ان سلم ذلك ظاهرا بالنسبة الى ما نقله من الخبر إلا ان عجز الرواية المذكورة يدل على ان مورد الخبر المشار اليه إنما هو ماء الحمام، حيث قال في تتمة الرواية:

«فقلت: ان أهل المدينة يقولون: ان فيه شفاء من العين.

فقال: كذبوا، يغتسل فيه الجنب من الحرام و الزاني و الناصب الذي هو شرهما

____________

(1) في ج 2 ص 220، و رواه صاحب الوسائل في الباب- 11- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

438

و كل من خلق الله ثم يكون فيه شفاء من العين»

و هذا هو أحد العيوب المترتبة على تقطيع الحديث و فصل بعضه عن بعض، فإنه بذلك ربما تخفى القرائن المفيدة للحكم كما هنا، و سيأتي لك كثير من نظائره ان شاء الله تعالى. و حينئذ فظاهر الخبر كراهة الاغتسال من ذلك الماء من حيث كونه ماء الحمام الذي يغتسل منه هؤلاء المعدودون، و هو لا يقتضي كراهة مستعمل الأغسال مطلقا. و كيف كان فهو مقصور على الغسل و لا دلالة له على كراهة مستعمل الوضوء، و المدعى أعم من ذلك كما عرفت.

(المسألة الثانية)- في مستعمل الحدث الأكبر

. و الظاهر انه لا خلاف بينهم (رضوان الله عليهم) في طهارة المستعمل في الأغسال المسنونة و طهوريته، كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. و قد تقدم النقل عن الشيخ المفيد (رضي الله عنه) بالكراهة.

و اما مستعمل الأغسال الواجبة فلا خلاف في طهارته ايضا، و يدل عليه أصالة الطهارة عموما و خصوصا، و ان التنجيس حكم شرعي، و هو موقوف على الدليل، و ليس فليس. و تدل على ذلك أخبار مستفيضة:

(منها)-

صحيحة الفضيل بن يسار (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يغتسل فينتضح من الأرض في الإناء. فقال: لا بأس، هذا مما قال الله: ما جعل عليكم في الدين من حرج (2)».

و لا خلاف أيضا في تطهيره من الخبث كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى.

و انما الخلاف في التطهير به من الحدث ثانيا، فالمشهور بين المتأخرين هو الجواز و نقل عن الشيخين و الصدوقين المنع، و أسنده في الخلاف الى أكثر أصحابنا، و هو

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(2) سورة الحج الآية 78.

439

مؤذن بشهرته في الصدر الأول، و يظهر من المحقق في كتبه الثلاثة التوقف في ذلك، حيث نسب المنع في المعتبر إلى الأولوية، و جعل وجهه التفصي من الخلاف و الأخذ بالأحوط، و في الشرائع علله ايضا بالاحتياط. و في المختصر اقتصر على نقل القولين ناسبا المنع إلى الرواية.

و الذي يدل على المنع أخبار عديدة: منها- رواية عبد الله بن سنان السالفة (1)

و صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «سألته عن ماء الحمام. فقال: ادخله بإزار، و لا تغتسل من ماء آخر إلا ان يكون فيه جنب، أو يكثر أهله فلا تدري فيهم جنب أم لا».

و رواية حمزة بن احمد عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: «سألته أو سأله غيري عن الحمام. قال: ادخله بمئزر، و غض بصرك، و لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب و ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت، و هو شرهم».

و صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) «و سئل عن الماء تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب. قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء».

هذا ما حضرني من الأخبار التي تصلح ان تكون مستندا لهذا القول.

و احتج المانع أيضا بأن الماء المستعمل في غسل الجنابة مشكوك فيه، فلا يحصل باستعماله يقين البراءة.

و الذي يدل على الجواز ما تقدم في المسألة الاولى من عموم الأدلة الدالة على استعمال

____________

(1) في الصحيفة 436.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب الماء المطلق.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 11- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق.

440

المطلق في رفع الحدث من الآيات (1) و الروايات، و هذا ماء مطلق.

و خصوص

صحيحة علي بن جعفر عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع، أ يغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة؟ إذا كان لا يجد غيره، و الماء لا يبلغ صاعا للجنابة و لا مدا للوضوء، و هو متفرق، الى ان قال (عليه السلام): فان كان في مكان واحد و هو قليل لا يكفيه لغسله، فلا عليه ان يغتسل و يرجع الماء فيه، فان ذلك يجزيه».

و يدل على ذلك أيضا الأخبار المشار إليها آنفا في الاستدلال على أصل الطهارة، فإنها قد اشتركت في الدلالة على نفي البأس عما ينتضح من جسد الجنب في الإناء حال غسله.

و تفصيل القول في هذه المسألة ان يقال: ان دلالة صحيحة علي بن جعفر على الجواز لا تخلو من اشكال، لإمكان حملها على الضرورة كما يقتضيه سياق الخبر، و على ذلك حملها الشيخ (رضي الله عنه) في كتابي الأخبار. و هو جيد، لما قلنا.

و ربما يفهم منه ان مذهبه حينئذ جواز الاستعمال في الضرورة، إلا انه لم ينقل ذلك قولا عنه في المسألة. و التحقيق ان مجرد جمعه بين الأخبار بالوجوه القريبة أو البعيدة لا يوجب كون ذلك مذهبا له، كما قدمنا الإشارة إليه في مقدمات الكتاب (3) إذ ليس غرضه ثمة إلا مجرد رفع التنافي بينها ردا على من زعمه، حتى أوجب خروجه عن المذهب كما أشار إليه في التهذيب (4) و اما الأخبار الدالة على نفي البأس عما ينتضح

____________

(1) و منها قوله تعالى: «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا» حيث علق التيمم على عدم وجود الماء، فينتفى مع وجوده، و هو صادق على ما نحن فيه، فلا يسوغ التيمم مع وجود هذا الماء، و نحو ذلك من العمومات (منه (رحمه الله).

(2) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(3) في الصحيفة 90.

(4) في الصحيفة 2 من الجزء الأول.

441

من بدن الجنب فسيأتي ما فيها. و حينئذ فلم يبق إلا الدليل الأول، فلقائل أن يقول: ان عموم تلك الأدلة مخصوص بالأخبار المذكورة كما هو القاعدة المطردة. إلا ان ذلك فرع سلامة هذه الاخبار من الطعن، و هي غير سالمة.

أما الخبر الأول (1) فضعيف السند باشتماله على احمد بن هلال الذي حاله في الضعف أشهر من ان يذكر، و احتمال الحمل على وجود النجاسة في بدن الجنب، بل الظاهر رجحانه كما سيأتي بيانه.

و اما الثاني (2) ففيه (أولا)- انه معارض

بصحيحة محمد بن مسلم أيضا الأخرى (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الحمام يغتسل فيه الجنب و غيره، اغتسل من مائه؟ قال: نعم لا بأس ان يغتسل منه الجنب».

و رواية ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قلت:

أخبرني عن ماء الحمام يغتسل منه الجنب و الصبي و اليهودي و النصراني و المجوسي؟ فقال:

ان ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا».

إلا انه يمكن حمل هذين الخبرين على ما له مادة أو كان كثيرا، و يخص الأول بما ليس كذلك كما نقل عن الشيخ الجمع به بين صحيحتي محمد بن مسلم، و حينئذ تبقى الصحيحة الأولى سالمة من المعارض.

و (ثانيا)- تضمنه للتعويل على الشك و الاحتمال في المنع في مقابلة يقين

____________

(1) و هو خبر عبد الله بن سنان المتقدم في الصحيفة 436.

(2) و هو صحيح محمد بن مسلم المتقدم في الصحيفة 439.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب الماء المطلق، و الباب- 9- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب الماء المطلق.

442

الطهارة الثابت بالأصل، و هو خلاف القواعد الشرعية المتفق عليها (1) فلا بد من الخروج عن ظاهره الى الحمل على الكراهة و مرجوحية الاستعمال. إلا انه يمكن تطرق النظر الى هذا الوجه أيضا بأن يقال: ان هذا مخصوص بصورة الشك بوجود الجنب، و الخروج فيه- عن الظاهر باعتبار ما ذكر من المعارض- متجه. لكن يبقى الكلام في صورة العلم بوجود الجنب، كما هو أحد الأمرين المذكورين في الخبر، و الخروج عن الظاهر ثمة لمعارض لا يستلزم الخروج عنه فيما لا معارض فيه، غاية الأمر أنه يراد من الخبر الحقيقة و المجاز باعتبارين، و لا نكير فيه.

و ما أجاب به في المعالم عن ذلك- حيث قال: «ان هذا تكلف، و التعلق بهذا التكلف إنما يتوجه لو كانت الرواية ظاهرة في المدعى من غير هذا الوجه.

و الأمر على خلاف ذلك.

(اما أولا)- فلان عدم الاغتسال من ماء الحمام مع مباشرة الجنب له إنما أفاده فيها استثناؤه من النهي عن الاغتسال بماء آخر، و هو أعم من الأمر به، إذ يكفي في رفع النهي الإباحة.

و (اما ثانيا)- فلان الاغتسال فيها مطلق بحيث يصلح لإرادة رفع الحدث و ازالة الخبث، و ستعلم ان المانعين من رفع الحدث به قائلون بجواز استعماله في إزالة الخبث، فلا بد من التأويل بالنظر اليه، فتضعف الدلالة، و يشكل الخروج عن ظواهر العمومات بمجرد ذلك» انتهى- مخدوش بوجهيه.

____________

(1) فإنه تضمن المنع من استعمال ماء الحمام إذا كثر الناس فيه و احتمل وجود الجنب فيهم، و الاتفاق واقع على ان الشك في حصول المقتضى و احتماله غير موجب للمنع فلا بد من صرفه عن ظاهره. و مما يدل ايضا من الاخبار على ما ذكرنا في خصوص هذا المقام مضمرة أبي الحسن الهاشمي قال سئل عن الرجال يقومون على الحوض في الحمام لا أعرف اليهودي من النصراني و لا الجنب من غير الجنب؟ قال: تغتسل منه و لا تغتسل من ماء آخر، فإنه طهور (منه (قدس سره).

443

(اما أولهما)- فلما تقرر من أن الاستثناء يقتضي ثبوت الحكم للمستثنى إثباتا و نفيا على عكس ما ثبت للمستثنى منه، و لذا عرف نجم الأئمة في شرح الكافية المستثنى بأنه المذكور بعد (إلا) و أخواتها مخالفا لما قبلها نفيا و إثباتا، و حينئذ فإذا قيل:

لا تضرب أحدا إلا زيدا. فهم منه انه مريد لضرب زيد و آمر به لا انه أعم من الأمر بضربة و عدمه، و كذا

قوله (عليه السلام) (1): «اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة».

مفيد للنهي عن قتل أهل الذمة لا انه للأعم منه و من عدمه، و لو تم ما ذكره لا طرد في جميع صور الاستثناء، فلا يثبت للمستثنى بمجرد الاستثناء حكم على الخصوص، بل لا بد معه من التصريح، فلو قال: لزيد علي عشرة إلا ثلاثة.

لم يفد نفي الثلاثة عنه بطريق اليقين، بل لا بد في نفيها جزما من أمر زائد على الاستثناء و هو ظاهر البطلان. و بذلك يظهر لك ان

قوله (عليه السلام) في الخبر المذكور:

«و لا تغتسل من ماء آخر إلا ان يكون فيه جنب.».

دال على الأمر بالاغتسال من الماء الآخر مع وجود الجنب لا لمجرد إباحة الآخر و عدم النهى عنه.

و (اما ثانيهما)- فلان الاغتسال شرعا و عرفا مخصوص بغير ازالة الخبث، إذ إنما يطلق عليها الغسل لا الاغتسال (2).

____________

(1) لم نعثر على هذا الحديث بعد الفحص عنه في مظانه، و الذي وجدناه في الوسائل في الباب 18 من كتاب الجهاد

عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «اقتلوا المشركين و استحيوا شيوخهم و صبيانهم» ..

(2) و حاصل كلامه ان الاستثناء عبارة عن رفع الحكم السابق، و الحكم السابق هنا هو النهى عن الاغتسال بماء آخر، و رفعه هو عدم النهى عن ذلك، و عدم النهي أعم من الأمر، فيرجع الى الإباحة. و فيه ان الاستثناء إنما هو إثبات نقيض ما ثبت للمستثنى منه من الحكم، كما عرفته من تعريف نجم الأئمة. و ايضا على تقدير ما ذكره فرفع الحكم السابق لا يتحقق الا بوجود نقيضه و إثباته للمستثنى، لانه مع ارادة العموم كما زعمه المحتمل لجواز ان يثبت للمستثنى ما ثبت أولا للمستثنى منه لا يحصل رفع الحكم السابق كما لا يخفى (منه (قدس سره).

444

و التحقيق ان الأظهر في الجواب هو الحمل على وجود النجاسة في بدن الجنب، حملا على الغالب المتكرر من تأخيرها إلى وقت الغسل. و على ذلك ايضا يحمل الخبر الثالث و الرابع (1) و الى ذلك أشار أيضا في المعالم، حيث قال: «و لعل الأخبار الواردة بالنهي عن استعمال ما يغتسل به الجنب ناظرة الى ما هو الغالب من عدم انفكاكه من بقايا آثار المني» انتهى.

بل نقول: ان المستفاد من الأخبار الواردة في بيان كيفية غسل الجنابة حمل الجنب في الأخبار- حيث يطلق- على من كان كذلك، و ان لم يكن كليا فلا أقل ان يكون غالبا.

ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «سألته عن غسل الجنابة. قال: تبدأ بكفيك فتغسلهما، ثم تغسل فرجك، ثم تصب الماء على رأسك. الحديث».

و صحيحة زرارة (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: تبدأ فتغسل كفيك، ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك. الحديث».

و صحيحة ابن ابي نصر (4) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: تغسل يدك اليمنى من المرفق إلى أصابعك، و تبول ان قدرت على البول ثم تدخل يدك في الإناء، ثم اغسل ما أصابك منه. الحديث».

الى غير ذلك من الأخبار المستفيضة بذلك، فمن أحب الوقوف عليها فليرجع الى مظانها.

____________

(1) و هما رواية حمزة بن احمد و صحيحة محمد بن مسلم المتضمنة لعدم نجاسة الكر المتقدمتان في الصحيفة 439.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 26- من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 26- من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 26 و 34 من أبواب الجنابة.

445

وجه الدلالة ان اشتمال اجوبتهم (عليهم السلام) عن بيان كيفية غسل الجنابة على إزالة المني يشعر بان له مدخلا في الكيفية، و ما ذلك إلا بناء على ما قلنا من انه لما كان الغالب تأخير إزالة المني إلى حين ارادة الاغتسال أدرجه في الكيفية. و الأحكام في الاخبار- كما ذكرنا في غير مقام- إنما تبنى على ما هو الغالب المتكرر، ألا ترى ان أحد سببي الجنابة الموجب للغسل ايضا الإيلاج خاصة، مع ان الأخبار الواردة في بيان الكيفية إنما خرجت بناء على السبب الآخر الذي هو الانزال، و ما ذاك الا بناء على ما ذكرنا، و حينئذ فحيث يطلق الجنب في أخبارهم (عليهم السلام) يحمل على من كان كذلك إلا مع قيام القرينة المخرجة. و بهذا التحقيق في المقام يحصل المخرج من المضيق في جملة من الأحكام: منها- اخبار هذا الموضع، و منها- الأخبار الواردة بنزح سبع دلاء لاغتسال الجنب في البئر، فإنه مع عدم النجاسة في بدنه لا يظهر للنزح- واجبا أو مستحبا- وجه حسن في ذلك المجال. و ما تكلفه جملة من أصحابنا لدفع ذلك لا يخلو من تمحل و إشكال، الى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع للاخبار.

و على هذا فتكون الأخبار التي أشرنا إليها آنفا- مما دل على نفي البأس عما ينتضح من الجنب حال اغتساله- محمولة على الاستثناء من نجاسة القليل دفعا للحرج، كما يشير اليه الاستشهاد بالآية في صحيحة الفضيل (1) المتقدمة (2).

____________

(1) فإن ظاهر الاستشهاد بالآية المذكورة حصول الحرج لو منع من استعمال ذلك الماء الذي انتضح فيه من غسل الجنب، و من المعلوم انه لو كان طاهرا فلا منع و لا حرج في ذلك فإنه متى كان بدن الجنب طاهرا و الأرض التي يغتسل عليها طاهرة فالمنتضح منها باق على أصله الطهارة كسائر المواضع الملاقية للماء الطاهر، فأي نكتة تترتب على إيراد الآية هنا؟ بل إنما يتجه إيرادها على تقدير نجاسة الأرض أو بدن الجنب، إذ موردها كون ذلك رخصة و تخفيفا، و من شأن الرخص ورودها في المقامات المقتضية للمنع. و يؤيد ذلك و يوضحه رواية عمر بن يزيد المذكورة، فان نفى البأس عما ينزو من الأرض التي يبال عليها صريح فيما ذكرناه. و الله العالم (منه (رحمه الله).

(2) في الصحيفة 438.

446

و أصرح منها دلالة على الاستثناء المذكور

رواية عمر بن يزيد (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اغتسل في مغتسل يبال فيه و يغتسل من الجنابة، فيقع في الإناء ما ينزو من الأرض؟ فقال: لا بأس به».

و ينبغي التنبيه على فوائد:

(الأولى) [تحديد الماء المستعمل في الحدث الأكبر]

- ان الماء المستعمل الذي يتعلق به البحث هل هو عبارة عن البقية بعد الاستعمال- سواء كان بعد تمام الاستعمال أو في أثنائه- أو عبارة عما ينفصل عن البدن و لو تتقاطر و ترشح، أو يخص بما كان له قدر يعتد به فلا يدخل فيه التقاطر و نحوه.

الظاهر انه لا خلاف في خروج الأول و جواز رفع الحدث به، و يدل عليه الأخبار المتضمنة لاغتساله (صلى الله عليه و آله) مع عائشة من إناء واحد، و منها

صحيحة زرارة (2) و فيها «فضرب بيده في الماء قبلها فأنقى فرجه، ثم ضربت هي فأنقت فرجها. ثم أفاض هو و أفاضت هي على نفسها حتى فرغا. الحديث».

قال في الفقيه (3). «و لا بأس بأن يغتسل الرجل و المرأة من إناء واحد، و لكن تغتسل بفضله و لا يغتسل بفضلها».

و اما الثاني فالذي يظهر من المنتهى انه محل البحث، إلا ان الظاهر من كلام الصدوق (رحمه الله) خلافه. لانه مع منعه التطهير بغسالة الجنب قال (4): «و ان اغتسل الجنب فنزا الماء من الأرض فوقع في الإناء أو سال من بدنه في الإناء، فلا بأس به» انتهى. و على ذلك تدل الأخبار المستفيضة التي أشرنا إليها آنفا (5) و مما يؤيد

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 32- من أبواب الجنابة.

(3) في باب (المياه و طهرها و نجاستها).

(4) في باب (المياه و طهرها و نجاستها).

(5) و هي الأخبار الدالة على نفى البأس عما ينتضح من الجنب حال اغتساله. المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

447

ذلك ان الشيخ (رضوان الله عليه) قد روى أكثر تلك الروايات و لم يتعرض لردها و لا تأويلها بوجه، مع كونها مخالفة لمذهبه لو كان ذلك من محل النزاع، و فيه إيذان بأنه ليس من محل النزاع في شيء. و مع فرض دخوله في محل البحث فهو مردود بالاخبار المشار إليها، لدلالتها على جواز الاستعمال مع تساقط ماء الغسل في الإناء.

و اما الثالث فالظاهر انه هو محل البحث على الخصوص.

(الثانية)

- ينبغي ان يعلم ان موضع البحث هو الماء الذي يغتسل به المحدث الخالي بدنه من نجاسة خبثية، و إلا كان حكم الماء المتساقط عن الموضع النجس حكم غسالة النجاسة، و بذلك صرح ايضا جمع من الأصحاب. و الظاهر انه بهذا خرجت الأخبار التي استند إليها الخصم كما أشرنا إليه آنفا.

(الثالثة) [إزالة الخبث بالمستعمل في الحدث الأكبر]

- الظاهر انه لا خلاف في إزالة الخبث بهذا الماء كما مرت الإشارة اليه، و ممن نقل الإجماع على ذلك العلامة في المنتهى و ابنه فخر المحققين في الشرح.

و احتج له مع ذلك في المنتهى فقال ما لفظه: «الثالث- المستعمل في غسل الجنابة يجوز إزالة النجاسة به إجماعا منا، لإطلاقه. و المنع من رفع الحدث به عند بعض الأصحاب لا يوجب المنع من إزالة النجاسة، لأنهم إنما قالوه ثم لعلة لم توجد في إزالة الخبث، فان صحت تلك العلة ظهر الفرق و بطل الإلحاق، و إلا حكموا بالتساوي في الماءين كما قلناه» انتهى.

و عبارة الذكرى هنا ظاهرة في الخلاف، حيث قال: «جوز الشيخ و المحقق إزالة النجاسة به، لطهارته و لبقاء قوة إزالته الخبث و ان ذهب قوة رفعه الحدث، و قيل: لا، لان قوته استوفيت فالتحق بالمضاف» انتهى، و من ثم اعترض به بعض المتأخرين على مدعي الإجماع. و أجاب في المعالم باحتمال ان يكون المنقول عنه في عبارة الذكرى بعض المخالفين، كما يشعر به تعليله الواهي المنقول ثمة. و فيه ان المعهود

448

من كلامه التصريح بذلك لو كان، ثم احتمل ايضا ان يكون هذا القول مستحدثا بعد دعوى الإجماع فلا يقدح. و فيه ما فيه. إلا ان فيه ان الخطب هين بعد الإحاطة بما أسلفنا من ضعف أدلة المنع من رفع الحدث، و حينئذ فلا تكون في شك من ضعف هذا القول في هذا المكان من أي قائل كان.

(الرابعة) [في أن البحث في خصوص الجنابة أو مطلق الحدث الأكبر]

- المنقول في كتب الأصحاب (رضوان الله عليهم) جعل محل الخلاف هو غسالة الحدث الأكبر، حتى ان المحقق الشيخ حسن في المعالم- بعد ان نقل عن المنتهى الاقتصار- في جواز إزالة النجاسة بالمستعمل- على ما استعمل في غسل الجنابة كما قدمنا من عبارته- حمل ذكر غسل الجنابة على التمثيل دون الحصر. و أنت خبير بان كلام الصدوق في الفقيه صريح في التخصيص بغسالة الجنابة، و كذا الأخبار المنقولة دليلا للقول المذكور كما أسلفناها، و مثله ايضا ما نقله في المختلف عن الشيخ (رحمه الله) من الدليل، حيث قال: احتج الشيخ (رحمه الله) بأن الإنسان مكلف بالطهارة بالمتيقن طهارته المقطوع على استباحة الصلاة باستعماله، و المستعمل في غسل الجنابة ليس كذلك، لانه مشكوك فيه، فلا يخرج عن العهدة باستعماله، و لا معنى لعدم الاجزاء إلا ذلك. و بما رواه عبد الله بن سنان ثم ساق الرواية كما قدمنا (1).

و لم يحضرني من كتب أولئك القائلين زيادة على ما ذكرت لا حقق منه الحال، و ينبغي التنبيه لمثل ذلك. و على تقدير كون محل البحث على ما نقله الأصحاب من العموم فلا يخفى ان الدليل حينئذ أخص من المدعى لما عرفت. نعم ربما يتمسك بقوله (عليه السلام) في رواية عبد الله بن سنان (2) التي هي أحد أدلة ذلك القول: «و أشباهه» بعطفه على «الماء الذي يغتسل به من الجنابة». إلا ان فيه احتمال عطفه على فاعل «يجوز» اعني قوله: «ان يتوضأ به» بمعنى انه لا يجوز الوضوء به و لا أشباه الوضوء من سائر الاستعمالات في رفع حدث أو خبث.

____________

(1) في الصحيفة 436.

(2) في الصحيفة 436.

449

(الخامسة) [المستعمل في الأغسال المندوبة]

- نفى جملة من المتأخرين الخلاف عن المستعمل في الأغسال المندوبة و نقل ذلك ايضا عن الشيخ في الخلاف، و هو ظاهره في الاستبصار أيضا. و الظاهر انه بناء منهم على عدم رفعه الحدث، كما هو المشهور من عدم التداخل بين الأغسال المستحبة و الواجبة و عدم رفع المستحب للحدث، و إلا فإنه يأتي الكلام فيه ايضا كما لا يخفى. و سيأتي ما يوضح هذه الجملة في بحث نية الوضوء ان شاء الله تعالى.

(السادسة) [المستعمل في الغسل من حدث مشكوك فيه]

- إذا وجب الغسل من حدث مشكوك فيه- كمن تيقن الجنابة و الغسل و شك في المتأخر منهما، و واجد المني في ثوبه المختص به، و نحوهما- فهل يكون الماء مستعملا أم لا؟ اشكال نبه عليه في المنتهى، قال: «لأنه ماء طاهر في الأصل لم تعلم ازالة الجنابة به، فلا يلحقه حكم المستعمل. و يمكن ان يقال انه مستعمل، لانه قد اغتسل به من الجنابة و ان لم تكن معلومة، الا ان الاغتسال معلوم فيلحقه حكمه، لأنه ماء أزال مانعا من الصلاة، فانتقل اليه المنع كالمتيقن» انتهى.

و استظهر بعض (1) الاحتمال الأول، و وجهه غير ظاهر.

و الأظهر عندي الثاني، لأنه متى حكم بكونه محدثا شرعا و ممنوعا من الصلاة بدون الغسل، ترتب على غسله ما يترتب على غسل متيقن الحدث. و اما كونه كذلك واقعا أم لا فلا يؤثر في المقام، إذ الأحكام الشرعية- كما عرفت في غير موضع- إنما ترتبت على الظاهر لا على نفس الأمر و الواقع.

(السابعة) [اعتبار الانفصال عن البدن في صدق الاستعمال و عدمه]

- هل يشترط في صدق الاستعمال الانفصال عن البدن أم لا؟

المفهوم من كلام العلامة (قدس سره)- في النهاية و المنتهى- الثاني، قال في المنتهى: «لو اغتسل من الجنابة و بقيت في العضو لمعة لم يصبها الماء فصرف البلل الذي على العضو الى تلك اللمعة جاز، اما على ما اخترناه نحن فظاهر، و اما على قول

____________

(1) هو المحقق الشيخ حسن في المعالم، و الفاضل الخراساني في الذخيرة (منه (رحمه الله).

450

الحنفية فكذلك (1) لأنه إنما يكون مستعملا بانفصاله عن البدن، الى ان قال: و ليس للشيخ فيه نص، و الذي ينبغي ان يقال على مذهبه عدم الجواز في الجنابة، فإنه لم يشترط في المستعمل الانفصال» انتهى.

و أنكر هذه النسبة إلى الشيخ (رحمه الله) جمع ممن تأخر عنه، لعدم تصريحه بذلك في كتبه المشهورة، مع استلزام ذلك عدم الاجتزاء بإجراء الماء في الغسل من محل الى آخر بعد تحقق مسماه. و هو بمحل من البعد بل البطلان، كما لا يخفى على من لاحظ الأخبار الواردة في كيفية الغسل من الجنابة (2).

(الثامنة) [الكر المجتمع من الماء المستعمل]

- لو اجتمع كر فصاعدا من الماء المستعمل، فهل يزول عنه حكم الاستعمال بذلك أم لا؟ قولان، اختار أولهما الشيخ في المبسوط و العلامة في المنتهى، و ثانيهما المحقق في المعتبر. و تردد الشيخ في الخلاف.

احتج في المنتهى بما حاصله ان بلوغ الكر مانع من الانفعال بالنجاسة. فمنعه من الانفعال بارتفاع الحدث أولى، إذ لو كانت نجاسة لكانت تقديرية. و بأنه لو اغتسل في كر لما انفعل فكذا المجتمع. ثم قال: «لا يقال: يرد ذلك في النجاسة العينية. لأنا نقول: هناك إنما حكمنا بعدم الزوال لارتفاع قوة الطهارة بخلاف المتنازع» انتهى.

احتج المحقق في المعتبر بان ثبوت المنع معلوم شرعا فيقف ارتفاعه على وجود الدلالة، قال: «و ما يدعى- من

قول الأئمة (عليهم السلام): «إذا بلغ الماء كرا

____________

(1) تقدم الكلام في قول الحنفية في التعليقة 3 في الصحيفة 436.

(2) لتصريح جملة منها «انه يصب على منكبه الأيمن مرتين و على منكبه الأيسر مرتين، فما جرى عليه الماء فقد أجزأه» و في بعض «ان كان يغتسل في مكان يسيل الماء على رجليه بعد الغسل فلا عليه ان لا يغسلهما، و ان كان يغتسل في مكان يستنقع رجلاه في الماء فليغسلهما» (منه (رحمه الله).

451

لم يحمل خبثا» (1).

- لم نعرفه و لا نقلناه عنهم، و نحن نطالب المدعي نقل هذا اللفظ بالإسناد إليهم. اما

قولهم (عليهم السلام): «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء» (2).

فإنه لا يتناول موضع النزاع، لان هذا الماء عندنا ليس بنجس، و لو بلغ كرا ثم وقعت فيه نجاسة لم تنجسه. نعم لا يرتفع ما كان فيه من المنع» انتهى.

و نقل عن الشيخ في الخلاف ان منشأ التردد عنده، من انه ثبت فيه المنع قبل أن يبلغ كرا فيحتاج في جواز استعماله بعد بلوغه الى دليل، و من دلالة ظاهر الآيات و الأخبار على طهارة الماء، خرج منه الناقص عن الكر بدليل فيبقى ما عداه،

و قولهم (عليهم السلام): «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا» (3).

و لا يخفى على المنصف الخبير ان ما ذهب اليه المحقق هو الحري بالتخيير، قال في المعالم بعد نقل كلمات القوم في هذا المجال، و نعم ما قال: «و العجب ان الشيخ احتج في الخلاف- على عدم زوال النجاسة في المجتمع من الطاهر و النجس- بأنه ماء محكوم بنجاسته، فمن ادعى زوال حكم النجاسة عنه بالاجتماع، فعليه الدليل، و ليس هناك دليل فيبقى على الأصل. و لو صح الحديث الذي جعله في موضع النزاع منشأ لاحتمال زوال المنع، لكان دليلا على زوال النجاسة هناك، و ليس بين الحكمين في الخلاف إلا أوراق يسيرة. و الحق بناء الحكم هنا على الخلاف الواقع في زوال النجاسة بالإتمام، فمن حكم بالزوال هناك تأتى له الحكم هنا بطريق اولى، و من لا فلا. و اما التفرقة التي صار إليها الشيخ و العلامة فلا وجه لها» انتهى.

(التاسعة) [لو غسل رأسه خارجا ثم أدخل يده في القليل]

- قال في المنتهى: «لو غسل رأسه خارجا ثم أدخل يده في القليل

____________

(1) تقدم الكلام فيه في التعليقة 1 في الصحيفة 346.

(2) المروي في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق.

(3) تقدم الكلام فيه في التعليقة 1 في الصحيفة 346.

452

ليأخذ ما يغسل به جانبه، فالأقرب ان الماء لا يصير مستعملا، و لو نوى غسل يده صار مستعملا» انتهى.

و توقف في النهاية في صورة وضع اليد ليأخذ ما يغسل به.

قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين (1): «و كأن وجه التوقف انه لا دخل للقصد في غسل اليد، بل إدخاله يده في الإناء يحسب من الغسل و ان لم يقصده، فيصير به مستعملا. و لا يخفى ان لهذا الوجه قوة سيما إذا كان عند إدخال اليد ذاهلا عن أنه يقصد الغسل و الأخذ، و حينئذ يقوى الاشكال. و ما ذكره بعضهم- من انه لا وجه لهذا التوقف- لا وجه له» انتهى. و أشار بقوله: «و ما ذكره بعضهم. إلخ» الى صاحب المعالم، حيث قال بعد نقل التوقف عن النهاية: «و لا وجه له».

أقول: و ما ذكره هذا الفاضل مردود من وجوه:

(أحدها)- ما تقدم في الفائدة الاولى من الاتفاق على خروج مثل ذلك عن المستعمل، كما يدل عليه أخبار غسله (صلى الله عليه و آله) مع عائشة.

و (ثانيها)- ما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في بحث النية من ان المدار في تميز الأفعال بعضها عن بعض من عبادات و غيرها على القصود و النيات.

و (ثالثها)- انه يأتي على قوله انه لو ارتمس في الماء و كان جنبا ذاهلا عن قصد الغسل فضلا عن ان يكون ناويا لأخذ شيء من داخل الماء، فإنه يحصل له الطهارة من حدث الجنابة. و لا أظنه يلتزمه.

و بالجملة فكلامه هنا مما لا ينبغي ان يلتفت اليه و لا يعرج في مقام التحقيق عليه.

(العاشرة) [مورد الخلاف في المستعمل في الغسل الارتماسي]

- لا يخفى انه كما يصدق المستعمل بالنسبة الى ما يسيل و يتقاطر من الاغتسال ترتيبا، كذلك يصدق بالنسبة الى ما يغتسل فيه ارتماسا من الماء القليل

____________

(1) هو الفاضل الخوانساري في شرح الدروس (منه (رحمه الله).

453

من غير خلاف يعرف فيه بينهم. إلا ان الخلاف هنا وقع في موضعين:

(أحدهما)- ان المرتمس إذا نوى خارج الماء سواء كان بجميع بدنه أم لا، فهل يحكم بصحة غسله و ان كان الماء يصير مستعملا بعد إتمام غسله، أو يصير الماء بمجرد إدخال عضو فيه بعد النية مستعملا و يكون غسله حينئذ باطلا، بناء على المنع من استعمال المستعمل ثانيا.

قرب في المنتهى الأول و جعله في النهاية احتمالا، حيث قال فيها: «لو نوى قبل تمام الانغماس اما في أول الملاقاة أو بعد غمس بعض البدن، احتمل ان لا يصير مستعملا، كما لو ورد الماء على البدن، فإنه لا يحكم بكونه مستعملا بأول الملاقاة، لاختصاصه بقوة الورود، و الحاجة الى رفع الحدث، و عسر افراد كل موضع بماء جديد. و هذا المعنى موجود سواء كان الماء واردا أو هو» انتهى.

أقول: و ربما كان وجه الاحتمال الآخر هو الفرق بين الغسل الترتيبي و الارتماسي، بأن يقال: ان عدم الحكم بكونه مستعملا في الترتيبي بأول الملاقاة- لما ذكر من الضرورة و لزوم الحرج- لا يستلزم الحكم بذلك في الارتماسي، لانتفائهما فيه، بأن ينوي بعد تمام الانغماس لئلا يلزم المحذور المذكور. إلا ان فيه ان ما دل على جواز الارتماس من الأخبار مطلق لا تقييد فيه بكونه في الكثير أو كون النية بعد تمام الانغماس في الماء. و ما دل من الأخبار على منع استعمال المستعمل ثانيا- بعد تسليمه- لا شمول له للصورة المذكورة حتى تقيد به تلك الأخبار، فيجب العمل بإطلاق تلك الأخبار، و الحكم باجزاء الارتماس على اي نحو كان.

و (ثانيهما)- إذا نوى بعد تمام انغماسه في الماء فإنه يصح غسله إجماعا و يكون الماء مستعملا، لكن هل يكون مستعملا بالنسبة اليه و الى غيره و ان لم يخرج من الماء، أو لا يكون مستعملا بالنسبة إليه حتى يخرج من الماء أو ينتقل الى محل آخر و ان كان مستعملا بالنسبة إلى غيره بدون ذلك، أو يكون

454

مستعملا بالنسبة إليه بدون ذلك و لا يكون مستعملا بالنسبة إلى غيره إلا بذلك؟ أقوال:

(أولها)- صريح العلامة في المنتهى، حيث قال: «لو انغمس الجنب في ماء قليل، فان نوى بعد تمام انغماسه و اتصال الماء بجميع البدن ارتفع حدثه، لوصول الماء الطهور الى محل الحدث مع النية، و يكون مستعملا، و هل يحكم بالاستعمال في حق غيره قبل انفصاله عنه؟ الوجه ذلك» انتهى.

و (ثانيها)- ظاهر الشهيد في الذكرى، حيث قال: «يصير الماء مستعملا بانفصاله عن البدن، فلو نوى المرتمس في القليل بعد تمام الارتماس ارتفع حدثه و صار مستعملا بالنسبة إلى غيره و ان لم يخرج».

و أورد عليه بان حكمه- بصيرورته مستعملا بالنسبة إلى غيره قبل الخروج- مشكل بعد قوله أولا: ان الاستعمال يتحقق بانفصاله عن البدن، إذ مقتضاه توقف صيرورته مستعملا حينئذ على خروجه أو انتقاله تحت الماء الى محل آخر غير ما ارتمس فيه.

و أجيب بأنه كان مراده اعتبار الانفصال عن البدن بالنسبة إلى نفس المغتسل و ان كان ظاهر عبارته العموم. و لا يخلو من بعد، لعدم صحة تفريع «فلو نوى» على ما قبله (1).

و لعل الأظهر في الجواب انه (قدس سره) جعل تمام الارتماس المترتب عليه ارتفاع الحدث و صيرورة الماء مستعملا في حكم انفصال الماء عن البدن، فيكون مراده بانفصال الماء عن البدن المترتب عليه صيرورته مستعملا ما هو أعم من ذلك. و بهذا المعنى

____________

(1) لانه متى فسر قوله: «يصير الماء مستعملا. إلخ» بالمغتسل نفسه و خص به يصير اعتبار الانفصال عن البدن بالنسبة إليه خاصة، مع ان ما فرع عليه من صيرورة الماء مستعملا بعد نية المرتمس بعد تمام الارتماس انما هو بالنسبة إلى الغير، و لا وجه للتفريع المذكور، لتغاير محل الحكم المذكور (منه (رحمه الله).

455

صرح شيخنا الشهيد الثاني في شرح الإرشاد (1) و الظاهر ان تحقق الاستعمال و صدقه على الماء متفرع على رفع الحدث به في صورة الارتماس و ان لم يخرج، إذ يصدق عليه انه ماء اغتسل به من الجنابة، فتشمله رواية ابن سنان (2) القائلة بان ما يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز ان يتوضأ به. و يجب بناء على العمل بها التجنب عنه. و اما التوقف على الخروج أو الانتقال فمما لا دليل عليه في حقه و لا في حق غيره.

لما ذكرناه.

و (ثالثها)- ظاهر العلامة في النهاية، حيث قال: «لو انغمس الجنب في ماء قليل و نوى، فان نوى بعد تمام انغماسه فيه و اتصال الماء بجميع البدن ارتفع حدثه و صار مستعملا للماء، و هل يحكم باستعماله في حق غيره قبل انفصاله؟ يحتمل ذلك، لانه مستعمل في حقه فكذا في حق غيره. و عدمه، لان الماء ما دام مترددا على أعضاء المتطهر لا يحكم باستعماله. فعلى الأول لا يجوز لغيره رفع الحدث به عند الشيخ و يجوز على الثاني» انتهى. و لا يخفى عليك ما في تعليله العدم من الوهن بما حققناه قال في المعالم بعد نقل كلام الذكرى و كلام النهاية: «و التحقيق ان الانفصال إنما يعتبر في صدق الاستعمال بالنظر الى المغتسل، فما دام الماء مترددا على العضو لا يحكم باستعماله بالنسبة اليه، و إلا لوجب عليه افراد كل موضع من البدن بماء جديد، و لا ريب في بطلانه، إذ الأخبار ناطقة بخلافه، و البدن كله في الارتماس كالعضو الواحد. و اما بالنظر الى غير المغتسل فيصدق الاستعمال بمجرد اصابة الماء المحل المغسول بقصد الغسل، و حينئذ فالمتجه هنا صيرورة الماء مستعملا بالنسبة الى غير المغتسل بمجرد النية و الارتماس، و توقفه بالنظر اليه على الخروج أو الانتقال. و قد حكم

____________

(1) حيث قال: «لو ارتمس في القليل ارتفع حدثه بعد تمام الارتماس، لأنه في حكم الانفصال، و صار مستعملا بالنسبة إلى غيره و ان لم يخرج منه» انتهى. (منه (رحمه الله).

(2) المتقدمة في الصحيفة 436.

456

في المنتهى بصيرورته مستعملا بالنسبة إليهما قبل الانفصال. و الوجه ما ذكرناه» انتهى.

و فيه نظر من وجوه:

(اما أولا)- فلان هذا الفرق الذي ذكره بين المغتسل و غيره اما مستفاد من كلام المانعين أو من الأدلة الواردة لهم، و كلاهما ممنوع (اما الأول) فلعدم تصريح أحد منهم بذلك. و (اما الثاني) فلأن المستفاد من رواية ابن سنان (1) التي هي أصرح أدلتهم صدق الاستعمال على هذا الماء بعد حصول رفع الحدث به، انفصل أو لم ينفصل. و اما ما علل به عدم الاستعمال بالنسبة إلى المغتسل نفسه- من انه ما دام الماء مترددا على العضو لا يحكم. إلخ- ففيه ان هذا انما يلزم بالنسبة إلى المغتسل ترتيبا أو ارتماسا إذا نوى خارج الماء مثلا كما تقدمت الإشارة إليه آنفا، لا فيما إذا نوى بعد تمام الارتماس كما هو المفروض. و عدم الحكم بكونه مستعملا ثمة للحرج الذي ذكره لا يستلزم ذلك في محل البحث، لعدم العلة المذكورة.

و (اما ثانيا)- فلانه يرد عليه انه لو لم يخرج من الماء مدة يوم مثلا لا يحكم باستعمال الماء بالنسبة إليه فيجوز له الوضوء أو الاغتسال منه، بل و لو خرج بعض بدنه و لم يخرج بتمامه. و التزامه لا يخلو من بعد.

و (اما ثالثا)- فلان حكمه بأن الانتقال بمنزلة الخروج- في صدق الاستعمال به- فيه ان جميع هذا الماء اما في حكم الماء الواحد أو المياه المتعددة، فعلى الأول فما لم ينفصل عنه بتمامه فإنه يجري فيه الدليل الذي ذكره، و على الثاني فإنه يلزم جواز ان يتطهر به شخص آخر في موضع آخر منه و ان انتقل أو خرج ايضا، و هو لا يقول به. نعم اعتبار الانتقال أو الخروج انما يعتبر بعد النية داخل الماء في صدق الغسل الذي هو عبارة عن جري جزء من الماء على جزءين من البشرة بنفسه أو بمعاون لو كان الماء ساكنا، و هو غير محل البحث.

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 436.

457

(الحادية عشرة) [اختصاص البحث في هذه المسألة بالقليل و عدمه]

- هل يختص البحث في هذه المسألة و الخلاف فيها بما كان قليلا فقط، أو يشمل الكثير ايضا؟

الظاهر من كلمات جمع من الأصحاب- تصريحا تارة و تلويحا اخرى- هو الاختصاص بالقليل.

و نقل بعض فضلاء متأخري المتأخرين عن شيخنا المفيد في المقنعة انه حكم بكراهة الارتماس في الماء الكثير الراكد. و الظاهر انه ليس الوجه فيه إلا صيرورته مستعملا يمتنع الطهارة به من الحدث ثانيا بناء على مذهبه. و الكراهة في كلام المتقدمين- كما هو في الأخبار- أعم من المعنى المصطلح.

قال شيخنا البهائي (قدس سره) في حواشي كتاب الحبل المتين- بعد ان نقل في الأصل صحيحة صفوان بن مهران الجمال الدالة على السؤال عن الحياض التي بين مكة و المدينة، و قد تقدمت في مبحث نجاسة الماء القليل بالملاقاة (1)

و صحيحة محمد بن إسماعيل ابن بزيع (2) قال: «كتبت الى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء أو يستقى فيه من بئر، فيستنجي فيه الإنسان من البول أو يغتسل فيه الجنب، ما حده الذي لا يجوز؟

فكتب: لا توضأ من مثل هذا إلا من ضرورة إليه».

- ما صورته: «استدلال العلامة في المختلف بالحديث السابع و الثامن يعطي ان الخلاف ليس في الماء المنفصل عن أعضاء الغسل فقط، بل هو جار في الكر الذي يغتسل فيه ايضا فتدبر» انتهى.

أقول: فيه ان الظاهر ان استدلال العلامة بصحيحة صفوان إنما هو من حيث الإطلاق الشامل للأقل من كر، و لهذا انه نقل ثمة عن الشيخ (رحمه الله) الجواب عن الصحيحة المذكورة بالحمل على بلوغ الكر و لم يتعرض لرده. و هو ظاهر في ان الكر ليس محل خلاف كما لا يخفى.

____________

(1) في الصحيفة 296.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق.

458

و اما صحيحة محمد بن إسماعيل فلا يخفى ما فيها من الإجمال. لأن الماء المسؤول عنه و ان كان السائل قد سأل عن بيان حده الذي يجوز التوضؤ معه لكن الامام (عليه السلام) لم يبينه له، إلا انه بالنظر الى قيام الدليل على نجاسة الماء القليل و انه بالنسبة إلى الطهارة حينئذ في حكم العدم، فلا بد من الحمل على الكرية و حمل النهي عنه إلا مع الضرورة على التنزيه، بناء على انه يشترط في ماء الطهارة ما لا يشترط في غيره من المزية، و حينئذ يتم ما ذكره شيخنا البهائي (رحمه الله) بالنسبة الى هذا الخبر.

نعم يبقى الكلام في استدلال العلامة به على الجواز، فان للخصم الاستدلال به على المنع و حمل الجواز هنا على الضرورة كما ينطق به لفظه، بعين ما تقدم (1) من حمل الشيخ صحيحة علي بن جعفر على ذلك. و قول العلامة في المختلف- في بيان وجه الاستدلال بهذه الرواية: «انه لو كان هذا الماء غير مطهر لما جاز الوضوء منه من ضرورة و غيرها»- مردود بحصول الرخص في الشريعة في مواضع لا تحصى، و ليس الرخصة إلا بتجويز ما منع منه تخفيفا و تسهيلا في بعض الموارد كما لا يخفى. إلا ان كلام الشيخ في التهذيب (2) ظاهر الإباء لذلك، حيث انه- بعد ان نقل عبارة المقنعة الدالة على انه بالاغتسال في الكثير يخالف السنة- استدل عليه بالصحيحة المذكورة، قائلا بعد نقلها:

«قوله (عليه السلام):- لا توضأ من مثل هذا إلا من ضرورة إليه

- يدل على كراهة النزول فيه، لانه لو لم يكن مكروها لما قيد الوضوء و الغسل منه بحال الضرورة. ثم قال: و اما الذي يدل على انه لا يفسد الماء إذا زاد على الكر- بنزول الجنب فيه- ما تقدم من الأخبار و انه إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شيء» انتهى. و هو- كما ترى- صريح في عدم دخول قدر الكر في محل الخلاف، و عبارة المقنعة المنقولة ايضا ظاهرة الانطباق على هذا الكلام، فحينئذ فما توهم من نسبة الخلاف إليهما في قدر

____________

(1) في الصحيفة 440.

(2) في الصحيفة 42.

459

الكر ايضا ظاهر البطلان إلا ان يعلم تصريحهما بذلك في محل آخر. و الله أعلم.

(الثانية عشرة) [الكلام في صحيح علي بن جعفر المتعلق بهذا المقام]

-

روى الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع، أ يغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة، إذا كان لا يجد غيره، و الماء لا يبلغ صاعا للجنابة و لا مدا للوضوء، و هو متفرق، فكيف يصنع به و هو يتخوف ان يكون السباع قد شربت منه؟ فقال: إذا كانت يده نظيفة فليأخذ كفا من الماء بيد واحدة فلينضحه خلفه و كفا امامه و كفا عن يمينه و كفا عن شماله. فإن خشي ان لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات ثم مسح جلده بيده، فان ذلك يجزيه. و ان كان الوضوء غسل وجهه و مسح يده على ذراعيه و رأسه و رجليه. و ان كان الماء متفرقا فقدر ان يجمعه و إلا اغتسل من هذا و هذا. فان كان في مكان واحد و هو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه ان يغتسل و يرجع الماء فيه، فان ذلك يجزيه».

أقول: و هذا الخبر من مشكلات الأخبار و معضلات الآثار، و قد تكلم فيه جملة من علمائنا الأبرار رفع الله تعالى أقدارهم في دار القرار، و حيث كان مما يتعلق بهذا المقام و يدخل في سلك هذا النظام رأينا بسط الكلام فيه و إردافه بما يكشف عن باطنه و خافية.

فنقول: ان الكلام فيه يقع في مواضع:

(الأول)- اختلف أصحابنا (رضوان الله عليهم) في ان النضح للجوانب الأربعة في الخبر المذكور هل هو للأرض أم البدن. و على اي منهما فما الغرض منه و ما الحكمة فيه؟

فقيل بان محل النضح هو الأرض، و قد اختلف في وجه الحكمة على هذا القول.

____________

(1) في الصحيفة 118، و في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

460

فظاهر الخبر المشار اليه- و به صرح البعض- ان ذلك لدفع النجاسة الوهمية الناشئة من تخوف شرب السباع التي من جملتها الكلاب و نحوها مع قلة الماء. و لكن فيه ان تعداد النضح في الجهات الأربع لا يظهر له وجه ترتب على ذلك، إذ يكفي النضح في جهة واحدة. و لعل الأقرب كون ذلك لما ذكر مع منع رجوع الغسالة إلى الماء، كما يشير اليه

قوله (عليه السلام) في آخر الخبر: «فان كان في مكان واحد و هو قليل لا يكفيه لغسله، فلا عليه ان يغتسل و يرجع الماء فيه».

فإنه يشعر بكون النضح أولا لمنع رجوع الغسالة، لكن مع قلة الماء على الوجه المذكور لا عليه ان يغتسل و يرجع الى مكانه.

و يؤيد ذلك و يوضحه ان الذي صرح به غير هذا الخبر من الأخبار الواردة في هذا المضمار هو ان العلة منع رجوع الغسالة.

و منها-

رواية ابن مسكان (1) قال: «حدثني صاحب لي ثقة أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق فيريد ان يغتسل و ليس معه إناء و الماء في وهدة، فإن هو اغتسل رجع غسله في الماء، كيف يصنع؟ قال:

ينضح بكف بين يديه و كفا من خلفه و كفا عن يمينه و كفا عن شماله، ثم يغتسل».

و ما رواه في المعتبر (2) و المنتهى عن جامع البزنطي عن عبد الكريم عن محمد ابن ميسر عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن الجنب ينتهي إلى الماء القليل و الماء في وهدة، فإن هو اغتسل رجع غسله في الماء، كيف يصنع؟ قال: ينضح بكف بين يديه و كف خلفه و كف عن يمينه و كف عن شماله، و يغتسل».

و بذلك ايضا صرح شيخنا الصدوق (عطر الله مرقده) في كتاب من لا يحضره الفقيه (3) حيث قال: «فان اغتسل الرجل في وهدة و خشي ان يرجع ما ينصب عنه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الماء الماء المضاف و المستعمل.

(2) في الصحيفة 22.

(3) في باب (المياه و طهرها و نجاستها).

461

الى الماء الذي يغتسل منه، أخذ كفا و صبه امامه و كفا عن يمينه و كفا عن يساره و كفا من خلفه، و اغتسل منه».

و قال ايضا والده (قدس سره) في رسالته اليه: «و ان اغتسلت من ماء في وهدة و خشيت ان يرجع ما ينصب عنك الى المكان الذي تغتسل فيه، أخذت له كفا و صببته عن يمينك و كفا عن يسارك و كفا خلفك و كفا امامك، و اغتسلت».

و الخبران المنقولان مع العبارتين المذكورتين و ان اشتركا في كون العلة منع رجوع الغسالة لكنها مجملة بالنسبة إلى كون المنضوح الأرض أو البدن.

و ما ذكره في المعالم- من ان العبارة المحكية عن رسالة ابن بابويه ظاهرة في الأول حيث قال فيها: أخذت له كفا. الى آخره. و الضمير في قوله: «له» عائد إلى المكان الذي يغتسل فيه، لانه المذكور قبله في العبارة، و ليس المراد به محل الماء كما وقع في عبارة ابنه، حيث صرح بالعود الى الماء الذي يغتسل منه، و كان تركه للتصريح بذلك اتكالا على دلالة لفظ الرجوع عليه، فالجار في قوله: «الى المكان» متعلق ب«ينصب» و صلة «يرجع» غير مذكورة. لدلالة المقام عليها. انتهى- فظني بعده، لاحتمال كون الضمير في «له» عائدا الى ما يفهمه سوق الكلام من خوف رجوع ما ينصب عنه، بمعنى انك إذا خشيت ذلك أخذت لأجل دفع ما تخشاه كفا، و يؤيده السلامة من تقدير صلة ل«يرجع» بل صلته هو قوله: «الى المكان» غاية الأمر انه عبر هنا عن الماء الذي يغترف منه- كما وقع في عبارة ابنه- بالمكان الذي يغتسل فيه. و هو سهل.

و قيل بأن الحكمة فيه اجتماع أجزاء الأرض، فيمتنع سرعة انحدار ما ينفصل عن البدن الى الماء. ورده ابن إدريس و بالغ في رده بان استعداد الأرض برش الجهات المذكورة موجب لسرعة نزول ماء الغسل. و الظاهر ان لكل من القولين وجها

462

باعتبار اختلاف الأراضي، فإن بعضها بالابتلال يكون قبولها لابتلاع الماء أكثر و بعضها بالعكس.

و قيل بأن الحكمة هي عدم عود ماء الغسل، لكن لا من جهة كونه غسالة بل من جهة النجاسة الوهمية التي في الأرض، فالنضح إنما هو لإزالة النجاسة الوهمية منها. و الظاهر بعده، فإنه لا إيناس في الخبر المذكور و لا في غيره من الأخبار التي قدمناها بذلك.

و قيل بأن الحكمة إنما هي رفع ما يستقذر منه الطبع من الكثافات بأن يأخذ من وجه الماء أربع أكف و ينضح على الأرض.

صرح بذلك السيد السند صاحب المدارك في حواشي الاستبصار.

و أيده

بحسنة الكاهلي (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

إذا أتيت ماء و فيه قلة فانضح عن يمينك و عن يسارك و بين يديك، و توضأ».

و رواية أبي بصير (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انا نسافر، فربما بلينا بالغدير من المطر يكون الى جانب القرية فتكون فيه العذرة و يبول فيه الصبي و تبول فيه الدابة و تروث؟ فقال: ان عرض في قلبك منه شيء فقل هكذا، يعني افرج الماء بيدك، ثم توضأ.».

و فيه (أولا)- انه يكفي على هذا مطلق النضح و ان كان الى جهة واحدة، مع ان الخبر قد تضمن تفريقه في الجهات الأربع، و مثله الخبران الآخران. و اما النضح الى الجهات الثلاث في خبر الكاهلي فالظاهر انه عبارة عن تفريج الماء كما في خبر ابي بصير.

و (ثانيا)- ان ظاهر الخبرين الذين قدمناهما- و كذا كلام الصدوقين- كون

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المطلق.

463

العلة منع رجوع الغسالة. و هذا الخبر و ان كان مجملا بالنسبة الى ذلك إلا ان الظاهر- كما قدمنا لك- ان ذلك مما استشعره الامام (عليه السلام) من سؤال السائل كما يشعر به آخر الخبر، و لا ينافي ذلك ظهور ما ادعاه في حسنة الكاهلي و رواية أبي بصير، فان الظاهر ان هذا حكم آخر مرتب على علة أخرى غير ما تضمنته هذه الأخبار.

و (ثالثا)- ان ظاهر الخبر- كما أشرنا إليه آنفا- إنما هو إزالة النجاسة الوهمية من الماء. و ربما احتمل بعضهم بناء على ذلك ان المنضوح هو الماء، و أيده أيضا بحسنة الكاهلي و رواية أبي بصير. و لا يخفى بعده و ان قرب احتماله في الخبرين المذكورين.

و قيل بان محل النضح هو البدن، و قد اختلف أيضا في وجه الحكمة على هذا القول على أقوال:

(منها)- ان الحكمة في ذلك هو ترطيب البدن قبل الغسل لئلا ينفصل عنه ماء الغسل كثيرا فلا يفي بغسله لقلة الماء.

و فيه (أولا)- ان ذلك و ان احتمل بالنسبة الى الخبر المذكور لكنه لا يجري في خبر ابن مسكان و الخبر المنقول عن جامع البزنطي (1) لظهورهما في كون العلة إنما هي خوف رجوع الغسالة. و الظاهر- كما قدمنا الإشارة إليه- كون مورد الأخبار الثلاثة أمرا واحدا.

و (ثانيا)- انه يلزم من ذلك عدم جواب الامام (عليه السلام) في الخبر المبحوث عنه عن استشكال السائل المتخوف من ورود السباع.

و (منها)- ان الحكمة ازالة توهم ورود الغسالة، اما بحمل ما يرد على الماء على وروده مما نضح على البدن قبل الغسل الذي ليس من الغسالة، و اما انه مع الاكتفاء

____________

(1) المتقدمين في الصحيفة 460.

464

بالمسح بعد النضح لا يرجع الى الماء شيء. و لا يخلو ايضا من المناقشة (1).

و (منها)- ان الحكمة في ذلك ليجري ماء الغسل على البدن بسرعة، و يكمل الغسل قبل وصول الغسالة الى ذلك الماء.

و اعترض عليه بان سرعة جريان ماء الغسل على البدن مقتض لسرعة تلاحق اجزاء الغسالة و تواصلها، و هو يعين على سرعة الوصول الى الماء.

و أجيب بأن انحدار الماء عن أعالي البدن الى اسافله أسرع من انحداره إلى الأرض المائلة إلى الانخفاض، لانه طالب للمركز على أقرب الطرق، فيكون انفصاله عن البدن أسرع من اتصاله بالماء الذي يغترف منه، هذا إذا لم تكن المسافة بين مكان الغسل و بين الماء الذي يغترف منه قليلة جدا، فلعله كان في كلام السائل ما يدل على ذلك، كذا نقل عن شيخنا البهائي (قدس سره).

(الثاني)- ان هذا الخبر قد اشتمل على جملة من الأحكام المخالفة لما عليه علماؤنا الأعلام.

(منها)- امره (عليه السلام) بغسل رأسه ثلاث مرات و مسح بقية بدنه، فإنه يدل على اجزاء المسح عن الغسل عند قلة الماء، و هو غير معمول عليه عند جمهور الأصحاب عدا ابن الجنيد، فان المنقول عنه وجوب غسل الرأس ثلاثا و الاجتزاء بالدهن في بقية البدن. إلا ان اخبار الدهن الآتية ان شاء الله تعالى في بحث الوضوء تساعده.

____________

(1) اما التعليل الأول فلان الوارد على الماء ان علم و رئي حال وروده فلا مجال للحمل المذكور، و إلا فأصالة العدم كافية. و اما الثاني فلان المسح انما ذكر في الخبر على سبيل الفرض بناء على عدم كفاية الماء للغسل بعد النضح المذكور، كما يشير اليه قوله: «فإن خشي ان لا يكون. إلخ» و حينئذ فلا يتم ذلك (منه (قدس سره).

465

و (منها)-

قوله (عليه السلام): «و ان كان الوضوء. إلخ».

فإنه صريح في الاجتزاء بمسح اليدين عن غسلهما في الوضوء عند عوز الماء.

و (منها)-

قوله (عليه السلام): «فان كان في مكان واحد. إلخ».

فإنه يدل على ان الجنب إذا لم يجد من الماء إلا ما يكفيه لبعض أعضائه غسل ذلك البعض به و غسل الآخر بغسالته، و انه لا يجوز ذلك إلا مع قلة الماء، كما يفيده مفهوم الشرط و هو مؤيد لما ذهب اليه المانعون من استعمال الغسالة ثانيا. و مؤذن بما أشرنا إليه سابقا من ان النضح المأمور به في صدر الخبر إنما هو للمنع من رجوع الغسالة. إلا ان الأكثر يحملون ذلك على الفضل و الكمال.

(الثالث)- انه على تقدير جعل متعلق النضح في الخبر المذكور الأرض- و ان وجه الحكمة فيه هو عدم رجوع ماء الغسل الى الماء الذي يغتسل منه، كما هو أظهر الاحتمالات المتقدمة، مع اعتضاده بخبري ابن مسكان و محمد بن ميسر المتقدمين (1)- يكون ظاهر الدلالة على ما ذهب اليه المانعون من استعمال المستعمل ثانيا. و ظاهر الأكثر حمل ذلك على الاستحباب. كما صرح به العلامة في المنتهى مقربا له بحسنة الكاهلي المتقدمة (2)، و وجه التقريب ان الاتفاق واقع على عدم المنع من المستعمل في الوضوء، فالأمر بالنضح له في الحديث محمول على الاستحباب عند الكل، فلا يبعد ان تكون تلك الأوامر الواردة في تلك الأخبار كذلك. و أنت خبير بأنه يأتي بناء على ما حققناه سابقا احتمال ابتناء ذلك على ما هو الغالب من بقاء النجاسة إلى آن الغسل. إلا انه يدفعه في الخبر المبحوث عنه قوله في آخره في صورة فرض قلة الماء: «فلا عليه ان يغتسل و يرجع الماء فيه، فإنه يجزيه».

(الرابع)-

روى في كتاب الفقه الرضوي (3) قال (عليه السلام): «و ان

____________

(1) في الصحيفة 460.

(2) في الصحيفة 462.

(3) في الصحيفة 4.

466

اغتسلت من ماء في وهدة و خشيت ان يرجع ما تصب عليك، أخذت كفا فصبت على رأسك و على جانبيك كفا كفا، ثم تمسح بيدك و تدلك بدنك».

أقول: و هذا الخبر قد ورد بنوع آخر في منع رجوع الغسالة. و هو ان يغتسل على الكيفية المذكورة في الخبر. و الظاهر تقييد ذلك بقلة الماء كما دل عليه الخبر المبحوث عنه، إذ الاجتزاء بالغسل المذكور- مع كثرة الماء و إتيانه على الغسل الكامل- لا يخلو من الإشكال إلا على مذهب المانعين من استعمال الغسالة.

(الخامس)- قال الشيخ في النهاية: «متى حصل الإنسان عند غدير أو قليب و لم يكن معه ما يغترف به الماء لوضوئه، فليدخل يده فيه و يأخذ منه ما يحتاج اليه و ليس عليه شيء. و ان أراد الغسل للجنابة و خاف- ان نزل إليها- فساد الماء، فليرش عن يمينه و يساره و امامه و خلفه، ثم ليأخذ كفا كفا من الماء فليغتسل به» انتهى.

قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: «و هو لا يخلو من اشكال، فإن ظاهره كون المحذور في الفرض المذكور هو فساد الماء بنزول الجنب اليه و اغتساله فيه، و لا ريب ان هذا يزول بالأخذ من الماء و الاغتسال خارجه. و فرض إمكان الرش يقتضي إمكان الأخذ فلا يظهر لحكمه بالرش حينئذ وجه» ثم نقل عن المحقق في المعتبر انه تأوله فقال: «ان عبارة الشيخ لا تنطبق على الرش إلا أن يجعل في «نزل» ضمير ماء الغسل، و يكون التقدير «و خشي- ان نزل ماء الغسل- فساد الماء» و إلا فبتقدير ان يكون في «نزل» ضمير المريد لا ينتظم المعنى، لأنه ان امكنه الرش لا مع النزول امكنه الاغتسال من غير نزول» ثم قال بعده: «و هذا الكلام حسن و ان اقتضى كون المرجع غير مذكور صريحا، فان محذورة هين بالنظر الى ما يلزم على التقدير الآخر، خصوصا بعد ملاحظة كون الغرض بيان الحكم الذي وردت به النصوص، فإنه لا ربط للعبارة به على ذلك التقدير. و في بعض نسخ النهاية «و خاف ان ينزل إليها فساد الماء» على صيغة المضارع، فالإشكال حينئذ مرتفع، لانه مبني على كون

467

العبارة عن النزول بصيغة الماضي، و جعل «ان» مكسورة الهمزة شرطية، و فساد الماء مفعول «خشي»، و فاعل «نزل» الضمير العائد إلى المريد. و على النسخة التي ذكرناها يجعل «ان» مفتوحة الهمزة مصدرية، و فساد الماء فاعل «ينزل»، و المصدر المأول من «ان ينزل» مفعول «خشي»، و فاعله ضمير المريد. و حاصل المعنى انه مع خشية نزول الماء المنفصل عن بدن المغتسل الى المياه التي يريد الاغتسال منها- و ذلك بعود الماء الذي اغتسل به إليها- فإن المنع المتعلق به يتعدى إليها بعوده فيها، و هو معنى نزول الفساد إليها، فيجب الرش حينئذ حذرا من ذلك الفساد. و هذا عين كلام باقي الجماعة و مدلول الأخبار فلعل الوهم في النسخة التي وقع فيها لفظ الماضي، فإن حصول الاشتباه في مثله وقت الكتابة ليس بمستبعد» انتهى كلامه زيد مقامه.

أقول: ما نقله عن بعض نسخ النهاية- من التعبير في تلك اللفظة بلفظ المضارع- هو الموجود في أصل النسخة التي عندي و هي معتمدة، إلا ان الياء قد حكت، و على الهامش مكتوب بخط شيخنا العلامة أبي الحسن الشيخ سليمان البحراني (قدس سره) «نزل» بيانا لذلك. و لا ريب انه على تقدير النسخة المذكورة يضعف الاشكال كما ذكره (قدس سره). إلا انه من المحتمل بل الظاهر انه على تقدير نسخة الماضي ان المعنى انه إذا أراد الغسل للجنابة و خاف- بنزوله في الماء للغسل ارتماسا- فساد الماء. اما باعتبار نجاسة بدنه أو باعتبار إثارة الحمأة أو نحو ذلك، فإنه يغتسل ترتيبا خارج الماء، و لكن يرش الأرض لأحد الوجوه المتقدمة التي أظهرها و أوفقها بمذهبه منع رجوع الغسالة.

و لا ريب انه معنى صحيح لا غبار عليه و لا اشكال يتطرق إليه.

(المسألة الثالثة)- في الماء المستعمل في الاستنجاء

، و البحث فيها يقع في مواضع:

(الأول) [عدم وجوب إزالة ماء الاستنجاء لما هو مشروط بالطهارة]

- اتفق الأصحاب (رضوان الله عليهم)- على ما نقله غير واحد

468

منهم- على عدم وجوب ازالة ماء الاستنجاء عن الثوب و البدن لما هو مشروط بالطهارة من صلاة و غيرها، و على ذلك تدل الاخبار ايضا.

(فمنها)-

صحيحة محمد بن النعمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«قلت له: استنجي ثم يقع ثوبي فيه و انا جنب؟ فقال: لا بأس به».

و استظهر بعض محدثي المتأخرين كون الاستنجاء هنا من المني بقرينة قوله:

«و انا جنب» قال: «فينبغي استثناء الاستنجاء من المني أيضا».

و احتمل آخر كون الاستنجاء مختصا بغير المني و ذكر الجنابة لتوهم سراية النجاسة المعنوية الحدثية إلى الماء.

و (منها)-

صحيحة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به، أ ينجس ذلك ثوبه؟ قال: لا».

و (منها)-

حسنة محمد بن النعمان الأحول (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اخرج من الخلاء فاستنجي بالماء، فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به؟ فقال: لا بأس به» و زاد في الفقيه «ليس عليك شيء».

و (منها)-

ما رواه الصدوق عطر الله مرقده في كتاب العلل (4) عن الأحوال أيضا قال: «دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال لي: سل عما شئت فارتجت علي المسائل، فقال لي: سل ما بدا لك فقلت: جعلت فداك الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به؟ فقال: لا بأس به. فسكت فقال: أو تدري لم صار لا بأس به؟

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(4) في الصحيفة 105 و في الوسائل في الباب- 13- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

469

قلت: لا و الله جعلت فداك. فقال: ان الماء أكثر من القذر».

و هذه الأخبار و ان اشتركت في نفي البأس عن ملاقاته الثوب كما في أكثرها و عدم التنجيس كما في بعضها، إلا ان الظاهر- كما عليه الأصحاب- انه لا مدخل لخصوصية الثوب في ذلك، فيتعدى الحكم الى غيره من باب تنقيح المناط القطعي الذي تقدمت الإشارة إليه غير مرة، و إلا للزم ايضا اختصاص الحكم بالرجل دون المرأة كما هو مورد تلك الاخبار، و هو خلاف ما عليه كافة علمائنا الأبرار. و ربما أشعر التعليل الذي في آخر رواية العلل بعدم نجاسة غسالة الخبث مطلقا مع عدم التغيير.

و سيأتي الكلام فيه في محله ان شاء الله تعالى. و إطلاق هذه الاخبار يقتضي عدم الفرق بين المخرجين، لصدق الاستنجاء بالنسبة الى كل منهما. و بذلك صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) أيضا.

(الثاني) [ماء الاستنجاء طاهر أو معفو عنه]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم)- بعد الاتفاق- كما عرفت- على عدم وجوب إزالته- في ان ذلك لطهارته أو لكونه معفوا عنه. و ربما أشعر ذلك (1) بكون العفو عبارة عن الحكم بنجاسته مع الرخصة في مباشرته. و الذي يظهر من كلام شيخنا الشهيد في الذكرى- و تبعه عليه جمع ممن تأخر عنه- كون العفو هنا إنما هو بمعنى سلب الطهورية، حيث قال بعد نقل القولين: «و تظهر الفائدة في استعماله» و حينئذ فيصير محط الخلاف في جواز رفع الحدث أو الخبث به و عدمه، و كذا تناوله و عدمه. إلا انهم نقلوا الإجماع ايضا على عدم جواز رفع الحدث بما تزال به النجاسة مطلقا كما سيأتي في تالي هذه المسألة، و حينئذ فينحصر الخلاف في الآخرين.

و الظاهر- كما هو المشهور- الجواز تمسكا بأصالة الطهارة عموما و خصوصا، و صدق

____________

(1) اى مقابلة العفو بالطهارة و جعل القول بالعفو مقابلا للقول بالطهارة، و قد نقل السيد في المدارك عن المحقق الثاني في حواشي الشرائع انه نقل عن المحقق في المعتبر انه اختار كونه نجسا معفوا عنه (منه (قدس سره).

470

الماء المطلق عليه، فيجوز شربه و ازالة الخبث به.

و جملة من متأخري المتأخرين (1) أيدوا ذلك أيضا بأن أدلة نجاسة القليل بالملاقاة لا عموم لها بحيث تشمل ما نحن فيه، و إنما كان التعدي عن الموارد المخصوصة التي وردت فيها الروايات الى بعض الصور لأجل الشهرة و عدم القول بالفصل، و كلاهما مفقودان فيما نحن فيه، فيبني على الأصل، فيثبت جواز الطهارة و التناول.

و أنت خبير بما فيه، بل الحق ان هذا الموضع مما خرج بالأخبار المتقدمة عن قاعدة نجاسة القليل بالملاقاة.

و استدل جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) على الطهارة بلزوم الحرج و المشقة لو لم يكن كذلك، و الظاهر ان مرادهم الاستدلال على خروجه عن قاعدة نجاسة القليل بالملاقاة، بمعنى انه لو حكم بنجاسته كغيره من افراد الماء القليل للزم الحرج من ذلك و المشقة، لتكرره و عدم إمكان التحرز عنه، لا ان مرادهم الاستدلال على الطهارة بالمعنى المقابل للعفو، و حينئذ فلا يرد ما أورده الفاضل الخوانساري في شرح الدروس على شيخنا الشهيد الثاني في الروض، حيث قال- بعد نقل الاستدلال عنه على الطهارة بان في الحكم بالنجاسة حرجا و مشقة، لعموم البلوى، و كثرة تكرره و دورانه، بخلاف باقي النجاسات- ما لفظه: «و فيه ان الحرج على تقدير تسليمه إنما يرتفع بالعفو و لا يتوقف على طهارته، إذ لا حرج في عدم جواز استعماله في رفع الخبث و التناول، و هو ظاهر» انتهى.

و بالجملة فههنا مطلبان: (أحدهما)- الحكم بطهارته و استثنائه من عموم نجاسة القليل بالملاقاة. و (ثانيهما)- انه هل يثبت له حكم الطاهر بجميع موارده، أم يخص بما دون التناول و رفع الخبث و الحدث؟ و استدلال شيخنا الشهيد الثاني إنما هو

____________

(1) منهم: المحقق الشيخ حسن في المعالم و الفاضل الخوانساري في شرح الدروس و غيرهما (منه (رحمه الله).

471

على الأول دون الثاني، و يدلك على ذلك إناطتهم الحرج و المشقة بالنجاسة، مع ان العفو عندهم هنا- كما عرفت- ليس المراد به النجاسة مع جواز الاستعمال، بل المراد به سلب الطهورية.

نعم ناقش المحدث الأمين الأسترآبادي (عطر الله مرقده) في الاستدلال بهذا الوجه قائلا: «لا يخفى ان هذا الوجه غير سديد، لان المقدار الذي اعتبره الشارع من الحرج و العسر غير منضبط في أذهاننا فكيف يتمسك بهما؟ نعم يمكن التمسك بهما من باب مفهوم الموافقة مع وجود نص في فرد أخف، فتأمل» انتهى. و هو متجه.

و ما ذكره من التمسك بهما من باب مفهوم الموافقة متجه باعتبار ورود النص بالعفو عما ينزو من غسالة الجنب في إنائه، و ما ينزو من الأرض المتنجسة بالبول، و ما يتساقط من غسالته كما تقدم في المسألة الثانية. إلا ان في العمل بمفهوم الموافقة ما عرفت في المقدمة الثالثة (1) و ان كان المحدث المذكور ممن يعتمد عليه في غير موضع من تحقيقاته

(الثالث) [كلام المحقق المتعلق بالمقام]

- اعلم ان ممن رجح القول بالعفو شيخنا الشهيد الأول في الذكرى، حيث قال: «و في المعتبر ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة و إنما هو بالعفو، و تظهر الفائدة في استعماله. و لعله أقرب، لتيقن البراءة بغيره» انتهى. و يظهر ذلك من المنتهى ايضا.

و اما كلام المعتبر في هذا الباب فلا يخلو من إجمال بل اضطراب، و لهذا اختلفت في نقل مذهبه كلمة من تأخر عنه من الأصحاب، قال (عطر الله مرقده): «و اما طهارة ماء الاستنجاء فهو مذهب الشيخين. و قال علم الهدى في المصباح. لا بأس بما ينتضح من ماء الاستنجاء على الثوب و البدن. و كلامه صريح في العفو و ليس بصريح في الطهارة. و يدل على الطهارة ما رواه الأحول عن ابي عبد الله (عليه السلام) ثم ساق حسنته المتقدمة (2) و أردفها برواية عبد الكريم بن عتبة الهاشمي المتقدمة أيضا (3)

____________

(1) في الصحيفة 57.

(2) في الصحيفة 468.

(3) في الصحيفة 468.

472

ثم قال: و لأن في التفصي عنه عسرا فشرع العفو دفعا للعسر» انتهى.

و أنت خبير بان مقتضى قوله: «و يدل على الطهارة. إلخ» بعد نقله القولين أولا هو اختيار الطهارة التي هي أحد ذينك القولين. و قوله في الدليل الثاني: «و لأن في التفصي عنه عسرا فشرع العفو. إلخ» ظاهر في اختيار العفو الذي هو القول الآخر ايضا (1) و أيضا ففي حكمه على كلام المرتضى بالصراحة في القول بالعفو- مع حكمه على رواية الأحول بالدلالة على الطهارة- نوع تدافع، فإن العبارة فيهما واحدة، إذ نفي البأس ان كان صريحا في العفو ففي الموضعين، و ان كان في الطهارة فكذلك، و حينئذ فنسبة القول بالطهارة إلى المعتبر- كما فهمه السيد السند في المدارك و جمع ممن تأخر عنه- كما ترى، و أعجب من ذلك نقل شيخنا الشهيد في الذكرى- كما تقدم في عبارته- القول بالعفو عن المعتبر بتلك العبارة. و تبعه على ذلك المحقق الشيخ علي (رحمه الله) في شرح القواعد و شيخنا الشهيد الثاني في الروض فقال في شرح

____________

(1) أقول: الذي يظهر من كلام المحقق (رحمه الله) هنا هو ان مراده بالعفو هو الطهارة، بمعنى انه و ان كان مقتضى كلية نجاسة القليل بالملاقاة هو النجاسة هنا إلا انه لما كان في التفصي عنه عسر و حرج. استثناه الشارع من تلك الكلية فحكم بطهارته عفوا عنه و رحمة للعباد، كما هو شأن الرخص الواردة في الشريعة، و التعبير بالعفو إشارة الى ان الطهارة هنا من قبيل الرخص تخفيفا، إذ مقتضى تلك الكلية هو النجاسة كما عرفت، و يبعد من مثل المحقق (ره)- على تقدير ارادة المعنى الذي فهموه- التعبير بمثل هذه العبارة المضطربة كما عرفته في الأصل، و يؤيد ما قلناه قوله- بعد هذه المسألة في الفرع الذي ذكره في حكم غسالة إناء الولوغ، بعد ان نقل عن الشيخ الاستدلال على طهارة هذه الغسالة مطلقا بأنه لو كان المنفصل نجسا لما طهر الإناء، لأنه كان يلزم نجاسة البلة الباقية بعد المنفصل ثم ينجس الماء الثاني بنجاسة البلة و كذا ما بعده- ما صورته «و الجواب ان ثبوت الطهارة بعد الثانية ثابت بالإجماع فلا يقدح ما ذكره، و لانه معفو عنه دفعا للحرج» انتهى. فان حكمه بطهارة البلة بالإجماع أولا و استدلاله بالعفو ثانيا لا يجتمع إلا على ما ذكرناه و حينئذ فالظاهر من عبارته في ماء الاستنجاء هو الطهارة و الله العالم (منه (رحمه الله).

473

القواعد: «و اعلم ان قول المصنف-: فإنه طاهر- مقتضاه انه كغيره من المياه الطاهرة في ثبوت الطهارة له. و نقل في المنتهى على ذلك الإجماع. و قال المحقق في المعتبر:

ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة و انما هو بالعفو. و تظهر الفائدة في استعماله. قال شيخنا في الذكرى: و لعله أقرب، لتيقن البراءة بغيره» انتهى. و قال في الروض:

«و في المعتبر هو عفو، و قربه في الذكرى».

و الظاهر ان أصل السهو من شيخنا الشهيد في الذكرى، و تبعه من تبعه من غير ملاحظة لكتاب المعتبر (1) و عبارة المعتبر- كما مرت بك- خالية عما ذكروه.

و ما اعتذر به الفاضل الخوانساري في شرح الدروس- بعد ان ناقش في دلالة الاخبار على الطهارة، من ان مراد الذكرى من ان في المعتبر ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة، انه ليس في الروايات لا في كلام الأصحاب، و هو كذلك كما قررنا. الى آخر كلامه- غير مستقيم، إذ تفسير العبارة المذكورة بما ذكره فرع وجودها أو وجود ما يؤدي معناها، و ليس فليس.

بقي هنا شيء و هو ان ما ذهب إليه في الذكرى و تبعه عليه جمع من المتأخرين- من ان العفو مراد به سلب الطهورية دون النجاسة مع سلب حكمها (2)- مما لا يساعد عليه كلام المعتبر، فان نقله عن المرتضى (رضي الله عنه) القول بالعفو- و نفيه عنه

____________

(1) و مما يؤيد ذلك نقل المحقق الشيخ على (قدس سره) قوله: «و تظهر الفائدة. إلخ» من تتمة كلام المعتبر ظنا منه ان هذا من جملة المنقول عن المعتبر، حيث أخر نقل كلام الذكرى عن هذه العبارة، مع انها من كلام الذكرى قطعا، كما لا يخفى على من راجع عبارته (منه (رحمه الله).

(2) اى ان نفى البأس أعم من الطهارة، إذ قد يكون نجسا و يجوز مباشرته و الصلاة فيه كما في غيره من النجاسات المعفو عنها، و حينئذ فنفى البأس غايته العفو خاصة (منه (رحمه الله).

474

صراحة القول بالطهارة بمجرد نفيه البأس عما ينتضح على الثوب و البدن من ماء الاستنجاء- يؤذن بأن محل النزاع في ملاقاة هذا الماء للثوب و البدن و انه هل ينجس به و ان انتفى البأس عن الصلاة فيه كما هو مذهب المرتضى، أو يحكم بالطهارة كما هو القول الآخر؟ (1)، لا ان مظهر النزاع استعماله ثانيا و ان الملاقي للثوب و البدن منه طاهر إجماعا. و هذا بحمد الله ظاهر غاية الظهور، و حينئذ فلا استبعاد في حمل العفو في عبارة المعتبر على المعنى المعهود. نعم يبقى الإشكال في نسبة ذلك اليه كما عرفت.

و كيف كان فالتحقيق في المقام ان يقال: ان أكثر الأخبار المتقدمة قد اشتركت في نفي البأس عن ملاقاته للثوب و البدن، و نفي البأس و ان كان أعم من الطهارة إلا ان تصريح صحيحة عبد الكريم (2) بعدم التنجيس يقتضي حمل نفي البأس في تلك الأخبار على الكناية عن الطهارة. و أيضا فإنه من الظاهر البين الظهور انه متى عفي عن ملاقاته لما هو مذكور في الاخبار، و قد عرفت انه لا خصوصية لها بذلك، فيتعدى الحكم الى غيرها، و انه لا تتعدى النجاسة من تلك الأشياء الى ما تلاقيه برطوبة من ماء قليل و غيره، فإنه يلزم ان يكون طاهرا البتة، إذ لا معنى للطاهر شرعا إلا ذلك.

قال المحقق الشيخ علي (رحمه الله) في شرح القواعد- على اثر الكلام المتقدم

____________

(1) و بالجملة فالعفو ان أخذ بالمعنى الذي ذكره شيخنا الشهيد- و هو عبارة عن سلب الطهورية- كان مقابلته بالطهارة بمعنى المطهرية، و ان أخذ بالمعنى المشهور، كانت الطهارة المقابلة له بمعنى عدم النجاسة، و حينئذ فنسبة صاحب المعتبر الى السيد (رحمه الله) القول بالعفو دون الطهارة من حيث نفيه البأس عن ملاقاة ماء الاستنجاء للثوب و البدن للترجيح له على المعنى الأول، إذ لا معنى لأخذ الطهورية و عدمها في ملاقاة الماء للثوب و البدن، بل يتعين المعين الثاني البتة، و حينئذ لا يستقيم ما ذكره في الذكرى (منه (قدس سره).

(2) المتقدمة في الصحيفة 468.

475

نقله- ما صورته «قلت: اللازم أحد الأمرين: اما عدم إطلاق العفو عنه أو القول بطهارته، لأنه إن جاز مباشرته من كل الوجوه لزم الثاني، لأنه إذا باشره بيده ثم باشر به ماء قليلا و لم يمنع من الوضوء به، كان طاهرا لا محالة، و إلا وجب المنع من مباشرة نحو ماء الوضوء به إذا كان قليلا، فلا يكون العفو مطلقا، و هو خلاف ما يظهر من الخبر و من كلام الأصحاب، فلعل ما ذكره المصنف أقوى و ان كان ذلك أحوط» انتهى. و هو جيد. و فيه دلالة على ما ذكرنا من ان معنى العفو في هذا المقام إنما هو عبارة عن النجاسة مع سلب حكمها لا ما ذكره شيخنا الشهيد (رحمه الله).

(الرابع) [شروط الطهارة أو العفو في ماء الاستنجاء]

- قد اشترط الأصحاب في ثبوت ما تقدم من اي الحكمين لهذا الماء شروطا:

(منها)- عدم تغيره بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة. و لا بأس به. الا ان بعض فضلاء متأخري المتأخرين إنما اعتمد في ذلك على كون الحكم به إجماعيا، قال: «و الظاهر ان الحكم به إجماعي، و إلا لأمكن المناقشة، إذ الروايات الدالة على نجاسة المتغير عامة، و هذه الروايات خاصة».

و (منها)- عدم ملاقاته لنجاسة أخرى خارجة معه كالدم المصاحب للخارج و نحوه، أو خارجة عنه كالأرض النجسة لو وقع عليها. و اشتراطه واضح، لان ظاهر الأخبار الواردة في المسألة نفي البأس باعتبار إزالة النجاسة المخصوصة لا باعتبار غيرها. و لا يخفى ان ماء الاستنجاء لا يزيد قوة على المياه الأخر مما لم يستنج به، فحيث تنجس تلك بمجرد الملاقاة فهو ينجس ايضا. و ما ناقش به بعض فضلاء متأخري المتأخرين- بالنسبة إلى النجاسة المصاحبة للخارج، مستندا إلى إطلاق اللفظ في تلك الأخبار- مردود بجريان ذلك في النجاسة الغير المصاحبة، و هو لا يقول به. و ما ادعاه- من ان الغالب عدم انفكاك الغائط من شيء آخر من الدم أو الأجزاء الغير المنهضمة من الغذاء أو الدواء- ممنوع بل الغالب خلافه كما لا يخفى، إذ حصول شيء

476

مما ذكره إنما يكون لعلة أو مرض، و من كان صحيح الطبيعة فلا يحصل له شيء من ذلك نعم في صحيحة محمد بن النعمان المتقدمة (1) إشعار بدخول نجاسة الجنابة على أحد الاحتمالين المتقدمين.

و (منها)- كون الخارج غائطا أو بولا، فلو كان غيرهما لم يلحقه الحكم المذكور، لعدم صدق الاستنجاء على ازالة غير ذينك الحدثين. و هو جيد.

و (منها)- عدم انفصال اجزاء من النجاسة متميزة معه، و إلا كان حكمها حكم النجاسة الخارجة، فينجس بها الماء مع مفارقة المحل. و فيه إشكال، لإطلاق أخبار المسألة، الا ان الاحتياط يقتضيه.

و (منها)- ان لا يتفاحش بحيث يخرج عن صدق الاستنجاء عليه.

و هو كذلك.

و (منها)- ما نقل عن بعض المتأخرين من سبق الماء اليد، فلو سبقت اليد تنجست و كان كالنجاسة الخارجة. ورد بان وصول النجاسة إليها لازم على كل حال.

و الظاهر- كما ذكره المحقق الشيخ حسن في المعالم- ان نجاسة اليد انما تستثنى من حيث جعلها آلة للغسل، فلو اتفق لغرض آخر كان في معنى النجاسة الخارجية.

و (منها)- ما صرح به شيخنا الشهيد في الذكرى من عدم زيادة وزنه، و المنقول عن العلامة في النهاية جعل زيادة الوزن في مطلق الغسالة كالتغير. و لا ريب في ضعف الجميع.

و ربما استدل على هذا الشرط هنا بالتعليل المذكور في آخر رواية العلل المتقدمة (2) حيث انه يعطي ان نفي البأس عنه لاكثريته و اضمحلال النجاسة فيه و حينئذ فلو زاد في وزنه لدل على وجود شيء من النجاسة فيه و عدم اضمحلالها.

____________

(1) في الصحيفة 468.

(2) في الصحيفة 468.

477

و فيه ان الأقرب ان غرضه (عليه السلام) إنما هو بيان اشتراط غلبة المطهر على قياس ما تقدم في صحيحة هشام بن سالم المتقدمة في المقالة التاسعة من الفصل الأول (1)، الواردة في السطح يبال عليه، فتصيبه السماء، فيكف فيصيب الثوب،

فقال (عليه السلام): «لا بأس به، ما اصابه من الماء أكثر منه».

(الخامس) [ما ادعي من الإجماع على عدم جواز رفع الحدث بماء الاستنجاء]

- لا ريب ان ما ادعوه- من الإجماع على عدم جواز رفع الحدث بماء الاستنجاء- إنما يتم عند من يعول على هذه الإجماعات المتناقلة في كلامهم و المتكررة على ألسن أقلامهم، و إلا فمقتضى الأخبار المذكورة- الدالة على استثنائه من كلية نجاسة القليل بالملاقاة- هو الطهورية مطلقا من حدث كان أو من خبث، و بذلك ايضا يشعر كلام المولى المحقق الأردبيلي (نور الله تعالى تربته) في شرح الإرشاد، حيث قال: «و الظاهر هو بقاء الطهارة و الطهورية، للاستصحاب، و عدم الخروج بالاستعمال الموجب للنجاسة بأدلة نجاسة القليل، للخبر بل الإجماع فيبقى على حاله، و لأن النجاسة إذا لم تخرجه عن الطهارة للأدلة فكذا عن الطهورية بالطريق الاولى» انتهى.

(المسألة الرابعة)- في الماء المستعمل في إزالة النجاسة

عدا ما تقدم. و لا خلاف في نجاسته مع التغير في أحد أوصافه الثلاثة. اما مع عدمه فقد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك على أقوال:

(أحدها)- النجاسة مطلقا و ان حكمها حكم المحل قبل الغسل

، و حينئذ فيجب غسل ما لاقته العدد المعتبر في المحل، اختاره المحقق و العلامة، بل الظاهر انه المشهور بين المتأخرين.

احتج المحقق في المعتبر بأنه ماء قليل لاقى النجاسة فيجب ان ينجس.

و ما رواه العيص بن القاسم (2) قال: «سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت

____________

(1) في الصحيفة 215.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

478

فيه وضوء. قال: ان كان من بول أو قذر فيغسل ما اصابه».

و زاد بعضهم في آخر هذه الرواية «و ان كان وضوء الصلاة فلا يضره».

و احتج العلامة في المختلف برواية عبد الله بن سنان المتقدمة في المسألة الثانية (1) الدالة على ان الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به من الجنابة لا يتوضأ به و أشباهه.

و احتج بعضهم أيضا بإيجاب تعدد الغسل و اهراق ماء الغسلة الأولى بالكلية من الظروف، و وجوب العصر فيما يجب فيه العصر، و عدم تطهير ما لا يخرج منه الماء إلا بالكثير، و الإجماع المدعى من العلامة في المنتهى، حيث قال: «و متى كان على جسد الجنب أو المغتسل من حيض و شبهه نجاسة، فالمستعمل ان قل عن الكر نجس إجماعا» فإنه يعطى الإجماع على نجاسة الغسالة هنا، و يضم الى ذلك عدم القائل بالفرق بين الاستعمال في الغسل و غيره.

و أجيب عن هذه الأدلة، أما عن الأول فبمنع كلية كبراه، لأنها عين المتنازع، فأخذها في الدليل مصادرة.

و فيه ان الدليل على كلية الكبرى المذكورة الأخبار الدالة بمفهوم الشرط على نجاسة الماء القليل بالملاقاة كما تقدم تحقيقه في تلك المسألة. و ما شاع في كلام جملة من فضلاء متأخري المتأخرين- من عدم العموم في هذا المفهوم- مدفوع بما أسلفنا تحقيقه في المسألة المذكورة. و العجب من شيخنا الشهيد الثاني و أمثاله من القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة، حيث احتجوا على ذلك بهذا المفهوم ثم يعترضون هنا بمنع الكلية المذكورة.

و اما عن الثاني فبضعف السند، لعدم وجود الخبر المذكور في شيء من كتب الأخبار، و إنما نقله الشيخ في الخلاف و جمع ممن تأخر عنه مع كونه مضمرا. و منع

____________

(1) في الصحيفة 436.

479

الدلالة، إذ الجملة الخبرية لا ظهور لها في الوجوب.

و يمكن الجواب عن الأول بأن الظاهر ان الشيخ (رحمه الله) إنما أخذ الرواية المذكورة من كتاب العيص، فإنه نقل في الفهرست ان له كتابا، و طريقه في الفهرست الى الكتاب المذكور حسن على المشهور بإبراهيم بن هاشم، و صحيح عندنا وفاقا لجملة من متأخري مشايخنا. و قد صرح أيضا في كتابي الأخبار بأنه إذا ترك بعض اسناد الحديث يبدأ في أول السند باسم الرجل الذي أخذ الحديث من كتابه فلعل نقله لها في الخلاف جار على تلك القاعدة. و بالجملة فرواية الشيخ (رضوان الله عليه) له في كتب الفروع لا تقصر عن روايته في كتب الأخبار.

و اما الإضمار في أخبارنا فقد حقق غير واحد من أصحابنا انه غير قادح في الاعتماد على الخبر، فان الظاهر ان منشأ ذلك هو ان أصحاب الأصول لما كان من عادتهم أن يقول أحدهم في أول الكلام: «سألت فلانا» و يسمي الإمام الذي روى عنه، ثم يقول: و سألته أو نحو ذلك، حتى تنتهي الأخبار التي رواها. كما يشهد به ملاحظة بعض الأصول الموجودة الآن ككتاب علي بن جعفر و كتاب قرب الاسناد و غيرهما، و كان ما رواه عن ذلك الامام (عليه السلام) أحكاما مختلفة، فبعضها يتعلق بالطهارة و بعض بالصلاة و بعض بالنكاح و هكذا، و المشايخ الثلاثة (رضوان الله عليهم) لما بوبوا الاخبار و رتبوها، اقتطعوا كل حكم من تلك الأحكام و وضعوه في بابه بصورة ما هو مذكور في الأصل المنتزع منه، وقع الاشتباه على الناظر فظن كون المسؤول غير الامام (عليه السلام) و جعل هذا من جملة ما يطعن به في الاعتماد على الخبر.

و اما منع دلالة الجملة الخبرية على الوجوب، ففيه انه لا خلاف و لا إشكال في كون الجملة الخبرية في مثل هذا الموضع إنما أريد بها الإنشاء دون الخبر، فيكون بمعنى الأمر. و الأدلة الدالة على كون الأمر للوجوب من الآيات و الاخبار التي

480

قدمناها في المقدمة السابعة (1) لا اختصاص لها بلفظ الأمر و ان جعلوه في الأصول مطرح البحث و النزاع، و حينئذ فيقرب الاعتماد على الرواية المذكورة.

و أجاب المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) عنها- حيث انه اختار في الغسالة الطهارة- بالحمل على كون الاستنجاء في الطشت إنما وقع بعد التغوط أو البول فيه، مدعيا ان ذلك مقتضى العادة.

و هو بعيد (أما أولا)- فإنه لا تصريح في الخبر بكون ذلك الوضوء ماء استنجاء، إذ الوضوء بفتح الواو- و هو اسم لما يتوضأ به اي يغسل به- كما يطلق في الاخبار على ماء الاستنجاء، كذلك يطلق على ما يغسل به الوجه و اليدان بل سائر الجسد من نجاسة أو بدونها.

و (اما ثانيا)- فلانه لا ملازمة بين التغوط أو البول في الإناء و بين الاستنجاء فيه.

و أجاب عنها في الذكرى بالحمل على التغير أو الاستحباب. و فيه ان الحمل على خلاف الظاهر فرع وجود المعارض.

و اما عن الثالث فبضعف السند أولا، و كونه أعم من المدعى ثانيا. فان المنع من الوضوء أعم من النجاسة فلا يستلزمها، بل ربما كان عطف الجنابة يؤذن برفع الطهورية لا الطهارة. و الثاني منهما متجه.

و اما عن الرابع و الخامس فبجواز ان يكون تعبدا. و كذا عن السادس و فيه ما فيه.

و اما عن كلام المنتهى فبعد تسليم الاعتماد على هذا الإجماع المتناقل فالظاهر ان كلامه إنما هو في الاستعمال بطريق الارتماس، كما يشعر به قوله بعد هذا الكلام:

«فإذا ارتمس فيه ناويا للغسل. إلخ».

____________

(1) في الصحيفة 112. و في النسخ المطبوعة و المخطوطة (الرابعة).

481

(الثاني)- القول بالنجاسة لكن حكمه حكم المحل قبل الغسلة

، فيجب غسل ما اصابه ماء الغسلة الأولى مرتين و الثانية مرة فيما يجب فيه المرتان، و هكذا. و نقل هذا القول عن شيخنا الشهيد و من تأخر عنه، و اليه مال المحقق المولى الأردبيلي (عطر الله مرقده) في شرح الإرشاد. و الوجه في الفرق بين الغسلتين- باعتبار التعدد في الأولى دون الثانية فيما يجب غسله مرتين مثلا- هو ان المحل المغسول تضعف نجاسته بعد كل غسلة و ان لم يطهر، و لهذا يكفيه من العدد بعدها ما لا يكفي قبلها، فيكون حكم ماء الغسلة كذلك، لان نجاسته مسببة عنه، فلا يزيد حكمه عليه. لان الفرع لا يزيد على الأصل. و هذا هو المقيد لتلك الأدلة الدالة على النجاسة على الإطلاق. قال والدي (نور الله تعالى مرقده) بعد نقل هذا الكلام: «أقول: هذا التفصيل بالفرق بين المنفصل من الغسلتين و ان كان لا يفهم من الأخبار، لكنه قريب من جهة الاعتبار» انتهى. و هو كذلك إلا انه بمجرده لا يمكن الاعتماد عليه في تأسيس حكم شرعي.

(الثالث) [القول بأن حكمه حكم المحل بعد الغسلة]

- القول بالنجاسة ان كان من الغسلة الاولى و الطهارة ان كان من الثانية فيما يغسل مرتين مثلا، و مرجعه الى ان حكمه كالمحل بعد الغسلة. و هذا القول منقول عن الشيخ في الخلاف، و نقل عنه ايضا تخصيص ذلك بتطهير الثوب. و اما المستعمل في تطهير الآنية فلا ينجس عنده مطلقا سواء كان من الأولى أو من غيرها.

احتج في الخلاف- على ما نقل عنه- على الأول بأنه ماء قليل معلوم حصول النجاسة فيه فيجب ان يحكم بنجاسته. و برواية العيص المتقدمة (1).

و على الثاني بأن الماء على أصل الطهارة، و النجاسة تحتاج الى دليل. و بالروايات المتقدمة في مسألة الاستنجاء (2).

و على الثالث بان الحكم بالنجاسة يحتاج الى دليل، و ليس في الشرع ما يدل عليه. و بأنه لو حكم بالنجاسة لما طهر الإناء أبدا، لأنه كلما غسل فما يبقى فيه من النداوة

____________

(1) في الصحيفة 477.

(2) في الصحيفة 468.

482

يكون نجسا، فإذا طرح فيه ماء آخر نجس ايضا، و ذلك يؤدي الى ان لا يطهر ابدا.

و أورد عليه ان التوجيه الذي ذكره لنجاسة الغسلة الاولى في غسل الثوب- على تقدير تمامه- يقتضي نجاسة الثانية، لأن المحل لم يطهر بعد، و إلا لم يحتج إليها، و إذا كان الحكم بنجاسته باقيا فالماء الملاقي له- و الحال هذه- ينجس ايضا، لعين ما ذكره في الاولى. و الرواية التي تمسك بها ليس فيها تقييد بالأولى، فإن كانت صالحة للاحتجاج فهي متناولة للصورتين. و ما ذكره من التعليل لطهارة غسالة الإناء جار بعينه في غسالة الثوب كما لا يخفى.

و نقل شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض عن الشيخ في الخلاف انه احتج على طهارة الغسلة الأخيرة بأن المحل بعدها طاهر مع بقاء مائها فيه، و الماء الواحد لا تختلف أجزاؤه في الطهارة و النجاسة، ثم أجاب عنه باختصاص المتصل بالعفو للحرج و الضرورة بخلاف المنفصل. و انه يعارض بماء الاولى، للقطع ببقاء شيء منه. و بالجملة فكلام الشيخ (رحمه الله) في هذا المجال لا يخلو من الاشكال، و تعليلاته لا تخلو من الاختلال.

و التحقيق ان يقال: انه لما قام الدليل على طهارة المحل بعد الغسل في ثوب كان أو إناء مع العصر فيما ورد فيه، و كان من المعلوم عادة تخلف شيء في المحل المغسول، فإنه يجب الحكم بطهارة المحل مع ما تخلف فيه، فان ثبت الدليل على نجاسة الغسالة وجب الحكم بها، و لا ينافيه اتصالها سابقا بذلك الماء المتخلف، و اي بعد في ان يوجب الشارع اجتناب ما ينفصل من الغسالة عن الثوب و البدن و لا يوجبه في المتخلف و الباقي منها؟ فإن أحكام الشرع تعبدية لا مجال للعقل فيها بوجه.

(الرابع)- القول بالطهارة مطلقا

و ان حكمها كالمحل بعد الغسل. و هو على طرف النقيض من القول الأول، و قواه الشيخ في المبسوط، و جعل الأحوط في تطهير الثياب النجاسة مطلقا، و الأحوط في تطهير الأواني النجاسة في الغسلة الاولى.

و الى القول بالطهارة مطلقا يميل ظاهر كلام الشهيد في الذكرى، و ربما كان الظاهر

483

من كلام ابن بابويه في الفقيه اختياره، حيث ساوى بينه و بين رافع الحدث الأكبر و رافع الحدث الأكبر طاهر إجماعا، و نقل عن المحقق الشيخ علي في بعض فوائده اختياره، و يعزى الى جماعة من متقدمي الأصحاب اختياره ايضا كما نقله في المعالم.

و مقتضى مذهب السيد المرتضى (رضي الله عنه) الطهارة بشرط ورود الماء على النجاسة، و اقتفاه ابن إدريس في ذلك، و اليه يميل كلام السيد السند في كتاب المدارك، و المحدث الأمين الأسترآبادي في تعليقاته عليه.

و نقل عن المبسوط الاستدلال عليه بان ما يبقى في الثوب جزء منه، و هو طاهر إجماعا، فيكون المنفصل ايضا كذلك.

و فيه زيادة على ما سلف- ان ما يبقى في الثوب ان أريد به ما هو أعم من الغسلة الأولى فالإجماع على طهارته ممنوع. و ان كان من الأخيرة فلا يثبت به المدعى بتمامه.

و نقل السيد في المدارك عن جماعة من الأصحاب ان من قال بطهارة الغسالة اعتبر فيها ورود الماء على النجاسة، قال: «و هو الذي صرح به المرتضى (رضي الله عنه) في المسائل الناصرية. و لا بأس به، لأن أقصى ما يستفاد من الروايات انفعال القليل بورود النجاسة عليه، فيكون غيره باقيا على حكم الأصل» انتهى.

أقول: و من ثم احتجوا على هذا القول- على ما نقله شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض- بأنه لو حكم بنجاسة القليل الوارد لم يكن لوروده اثر، و متى لم يكن له أثر لم يشترط الورود، فيطهر النجس و ان ورد على القليل، و لانه لو حكم بنجاسته لم يطهر المحل بالغسل العددي. و التالي باطل بالإجماع. و الملازمة واضحة.

و أنت خبير بما في الحجة الأولى كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في الكلام في المطهرات، من ان جملة من علمائنا القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة اشترطوا في التطهير بالقليل وروده على النجاسة و ان نجس بعد حصول التطهير به، و حينئذ فالأثر المترتب على وروده حصول التطهير به و ان تنجس بعد ذلك.

484

و اما الثانية فقد تقدم نقل جواب العلامة عن ذلك- و ما أورد عليه، و ما أجبنا به عن الإيراد المشار اليه، و ما هو الحق في الجواب عن ذلك- في المقام الثاني من الفصل الثالث في الماء القليل الراكد.

و تنظر والدي (نور الله تعالى ضريحه) فيما نقله في المدارك من اشتراط القائلين بطهارة الغسالة ورود الماء على النجاسة دون العكس، قائلا بعد نقله ذلك عنه: «لا يخفى ما فيه، لان من جملة القائلين بطهارة الغسالة من قال بعدم نجاسة القليل مطلقا بالملاقاة و من المعلوم انه لا يظهر للشرط وجه عندهم. و منهم من قال بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا كالشيخ (قدس سره) و ابن إدريس و من وافقهما من المتأخرين، فكيف يتم اشتراط ورود الماء على النجاسة دون عكسه في صحة التطهير بالقليل و طهارة الغسالة؟

بناء على ان الماء حينئذ لا ينجس بالملاقاة، مع قولهم بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا من غير فرق بين الأمرين، و من ثم استوجه في الذكرى عدم اعتبار الورود مع ميله إلى طهارة الغسالة مطلقا، لانه لو اقتضى ورود النجاسة على الماء نجاسة الغسالة و عدم صحة التطهير به، لاقتضى ذلك ايضا ورود الماء على النجاسة، لأن الامتزاج بالنجاسة حاصل على كل تقدير. و بهذا يعلم ما في الاستدلال على طهارة الغسالة ايضا، لابتنائه على هذا الاشتراط. و بالجملة فهذا الاشتراط- و كذا الاستدلال المبني عليه- لا يتم على القول بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا، و لا على القول بطهارته مطلقا. نعم يتجه على مذهب السيد المرتضى (عطر الله مرقده) حيث حكم بعدم نجاسة القليل في مادة ورود الماء على النجاسة دون عكسه، فيتجه هنا اشتراط الورود في صحة التطهير و طهارة الغسالة، لأنه مع ورود النجاسة على الماء ينجس، فلا يفيد المحل عنده طهارة فضلا عن طهارة غسالته.

نعم يبقى الإشكال في الحكم بطهارة الغسالة مع القول بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا، لحصول المنافاة بين الأمرين. و ربما يجاب عنه حينئذ باختيار أن الغسالة قد خرجت بالدليل عن قاعدة نجاسة القليل بالملاقاة مطلقا، كما خرج ماء الاستنجاء منها.

485

و لا استبعاد بعد قيام الدليل عليه، مع ما في النجاسة من العسر و الحرج، و كون النجاسة و الطهارة من التعبديات المحضة، مع ضعف أدلة النجاسة. و فيه نظر» انتهى كلامه زيد في الخلد مقامه. و هو وجيه.

(الخامس)- القول بالنجاسة مطلقا

و ان كان بعد طهارة المحل، بمعنى ان ماء كل غسلة كمغسولها قبل الغسل و ان ترامت الغسلات الى غير النهاية، حكاه الشهيد (رحمه الله) في حاشية الألفية عن بعض الأصحاب، قال في المدارك بعد حكاية القول المذكور: «و ربما نسب الى المصنف و العلامة، و هو خطأ، فإن المسألة في كلامهما مفروضة فيما تزال به النجاسة، و هو لا يصدق على الماء المنفصل بعد الحكم بالطهارة» انتهى.

أقول: نقل الشيخ مفلح الصيمري في شرح كتاب موجز الشيخ ابن فهد عن مصنفه انه نقل هذا القول في كتاب المهذب و المقتصر عن المحقق و العلامة و ابنه فخر المحققين، ثم نسبه في ذلك الى الغلط الفاحش و السهو الواضح و أطال في بيان ذلك و نقل شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض- بعد نقله القول المذكور- ان قائله احتج بأنه ماء قليل لاقى نجاسة، قال: «و بيانه ان طهارة المحل بالقليل على خلاف الأصل المقرر من نجاسة القليل بالملاقاة. فيقتصر فيه على موضع الحاجة، و هو المحل دون الماء» ثم رده بحكم الشارع بالطهارة عند تمام الغسلات، فلا اعتبار بما حصل بعد ذلك، و بلزوم الحرج المنفي. و ناقش بعض أفاضل متأخري المتأخرين في كلام شيخنا الشهيد الثاني هنا بما لا ينبغي ان يصغى اليه و لا يعرج في المقام عليه. و كيف كان فهذا القول بمحل سحيق عن جادة التحقيق فهو بالإعراض عنه حقيق.

إذا عرفت ذلك فاعلم انا لم نعثر في الأخبار على ما يقتضي الحكم في الغسالة إلا على رواية العيص و رواية عبد الله بن سنان السالفتين (1) و الاولى منهما ظاهرة

____________

(1) في الصحيفة 477 و 436.

486

في النجاسة و ان أجيب عنها بما تقدم، إلا انك قد عرفت ما فيه. و اما الثانية فهي مجملة في ذلك، إذ غاية ما يستفاد منها المنع من الوضوء به، و هو أعم من النجاسة كما عرفت آنفا.

نعم ربما يستفاد- من جملة من الأخبار المتفرقة في أحكام متعددة- الطهارة، إلا انه ايضا ربما يستفاد من جملة أخرى النجاسة.

فما يستفاد من ظاهره الطهارة- الأخبار الدالة على نفي البأس عما ينتضح من غسالة الجنب في إنائه حال الغسل (1) بناء على ما قدمنا بيانه من ان الغالب في المغتسل من الجنابة بقاء النجاسة إلى آن الغسل، كما تشعر به الاخبار الواردة في صفة غسل الجنابة (2).

و منه-

صحيحة هشام بن سالم (3) الواردة في السطح يبال عليه فتصيبه السماء فكيف فيصيب الثوب، قال: «لا بأس به، ما اصابه من الماء أكثر منه».

وجه الدلالة التعليل المستفاد منها مع ضم تنقيح المناط اليه. و قريب منها ظاهر التعليل المتقدم في رواية العلل المتقدمة في المسألة الثالثة (4) كما أشرنا إليه ثمة.

و منه- الاخبار الدالة على الأمر بالرش أو النضح فيما يظن فيه النجاسة من ثوب أو أرض أو نحوهما و هي كثيرة، و منها-

صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن الصلاة في البيع و الكنائس و بيوت المجوس. فقال: رش وصل».

وجه الدلالة انه لو تنجس الماء الوارد بالملاقاة لكان الرش سببا لزيادة المحذور.

و منه-

صحيحة إبراهيم بن عبد الحميد (6) قال: «سألت أبا الحسن (عليه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 36- من أبواب الجناية.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب الماء المطلق.

(4) في الصحيفة 468.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب مكان المصلي.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب النجاسات.

487

السلام) عن الثوب يصيبه البول فينفذ الى الجانب الآخر، و عن الفرو و ما فيه من الحشو. قال: اغسل ما أصاب منه و مس الجانب الآخر، فان أصبت مس شيء منه فاغسله و إلا فانضحه».

و التقريب ما تقدم.

و مما يؤيد ذلك إطلاق الاخبار الواردة بتطهير البدن من البول من غير تقييد بالأعضاء السافلة.

كصحيحة الحسين بن ابي العلاء (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد. قال: صب عليه الماء مرتين، فإنما هو ماء».

و مما يؤيده ايضا نفي البأس عما ينزو من الأرض النجسة في إناء المغتسل كما في رواية عمر بن يزيد (2) و عد التجنب عن ذلك من الحرج كما في رواية الفضيل (3) فإنه يدل بمفهوم الموافقة على ان ما يترشح من الغسالة حال الغسل لا بأس به و ان اجتنابه حرج ايضا.

و أنت خبير بان المستفاد من هذه الأدلة مع ضم رواية عبد الله بن سنان (4) هو الطهارة مع عدم الطهورية من الحدث. و اما الطهورية من الخبث فيبقى على حكم الأصل، إذ لا مخرج له من الأدلة.

و الى هذا القول مال المحدث الأمين (قدس سره) حيث قال بعد الكلام في المسألة: «ملاحظة الروايات الواردة في أبواب متفرقة تفيد ظاهرا طهارة غسالة الأخباث و سلب طهوريتها بمعنى رفع الحدث، و لم أقف على دلالة على سلب طهوريتها بمعنى إزالة الخبث، و الأصل المستصحب بمعنى الحالة السابقة- و أصالة الطهورية بمعنى القاعدة الكلية، و البراءة الأصلية بمعنى الحالة الراجحة، و العمومات- تقتضي

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب النجاسات.

(2) المتقدمة في الصحيفة 446.

(3) المتقدمة في الصحيفة 438.

(4) المتقدمة في الصحيفة 436.

488

إجراء حكم الطهورية بهذا المعنى الى ظهور مخرج. و الله اعلم».

و مما يستفاد منه النجاسة ما تقدم في مبحث نجاسة الماء القليل بالملاقاة من الأخبار الدالة على اهراق ماء الركوة و التور و نحوهما متى وقع فيها إصبع أو يد فيها قذر، فإن إطلاق تلك الاخبار شامل لما لو كان بقصد الغسل أم لا بل و لو لم يكن بقصد الغسل، فإنه يجب الحكم بالطهارة متى زالت العين و لم يتغير الماء بمجرد ذلك الوضع أو لم يكن ثمة عين، إذ لا يشترط في إزالة الخبث و تطهير النجاسة القصد الى ذلك كما لا يخفى. نعم هذا انما يتمشى على تقدير القول بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا، و اما من خص ذلك بورود النجاسة على الماء دون العكس- كالسيد المرتضى و المحدث الأمين و غيرهما ممن اختار هذه المقالة، كما أسلفنا نقله في المقام الثاني من الفصل الثالث في الماء القليل الراكد- فلا يتجه ذلك عنده، لانه يحكم بنجاسة الماء بمجرد ملاقاته النجاسة، و لا يفيدها تطهيرا عنده فضلا عن ان يكون طاهرا بعد الانفصال عنها. و قد تقدم البحث معهم في اعتبار الورود و عدمه في المقام المشار اليه و حصول الإشكال في ذلك، و منه ينقدح الاشكال هنا ايضا.

و مما يدل بظاهره ايضا على نجاسة الغسالة ما تقدم ذكره في أدلة القول بالنجاسة من إيجاب تعدد الغسل فيما ورد فيه ذلك، و إهراق الغسلة الاولى من الظروف، و وجوب العصر فيما ورد فيه، و عدم تطهير ما لا يخرج منه الماء إلا بالكثير، فإنه لا وجه لهذه الأشياء على تقدير القول بطهارة الغسالة. و ما أجيب به عن ذلك- من كون ذلك تعبدا- بعيد جدا.

و منه- رواية العيص المتقدمة (1) و ما أجيب به عنها مما قدمنا نقله قد عرفت ما فيه. و بالجملة فالمسألة عندي محل توقف و الاحتياط فيها لازم. و الله العالم.

____________

(1) في الصحيفة 477.

489

تنبيهات

(الأول)

- اعلم ان ما ذكره جملة من المتأخرين و متأخريهم بالنسبة إلى القول بالنجاسة مطلقا و هو القول الأول من الأقوال التي قدمنا ذكرها- من ان حكم الغسالة كالمحل قبل الغسل فيعتبر التعدد فيما تلاقيه متى كان معتبرا في المحل- لم أجد له أثرا في كلام القائلين بهذا القول كالمحقق و العلامة، بل يحتمل ان يكون مرادهم انه في حكم المحل قبل الغسلة، إذ غاية ما يدل عليه كلامهم هو النجاسة، و اما انه يجب فيما يلاقيه العدد المعتبر في المحل فلا، بل ظاهر كلام شيخنا الشهيد في الذكرى ان القول المنسوب اليه و هو القول الثاني من الأقوال المتقدمة هو بعينه القول الأول، و ان القول بالنجاسة مطلقا عبارة عن كون حكم الغسالة حكم المحل قبل الغسلة، فإنه نقل أولا القول بالطهارة عن المبسوط، ثم نقل مذهب الشيخ في الخلاف، ثم نقل مذهب المحقق و العلامة و هو القول بالنجاسة مطلقا و نقل أدلته و طعن فيها. ثم قال: «و لم يبق دليل سوى الاحتياط و لا ريب فيه. فعلى هذا ماء الغسلة كمغسولها قبلها و على الأول كمغسولها بعدها أو كمغسولها بعد الغسل» انتهى. و مثله كلام المحقق الشيخ علي (قدس سره) في شرح القواعد. و حينئذ فما ذكره شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) و غيره- من المغايرة بين القولين- كما ترى. و الجواب- بأنه لا منافاة لجواز اختيار الشيخين المشار إليهما كون الحكم في الغسالة على تقدير النجاسة انها كالمحل قبل الغسلة، و اختيار أولئك على هذا التقدير كونها في حكم المحل قبل الغسل- فيه (أولا)- ان ذلك فرع تصريح القائلين بالنجاسة مطلقا بكونها كالمحل قبل الغسل.

و (ثانيا)- ان التفريع في عبارة الذكرى إنما جرى على مقتضى الأقوال المتقدمة، فإن قوله: «فعلى هذا» اي فعلى القول بالنجاسة، و هو المنقول عن

490

المحقق و العلامة، و قوله: «و على الأول. إلخ» إشارة إلى مذهبي المبسوط و الخلاف و ان كان على سبيل اللف و النشر المشوش، و على تقدير ما ذكر في الجواب يلزم عدم التفريع على مذهب المحقق و لعلامة.

(الثاني)

- الظاهر- على تقدير القول بنجاسة الغسالة- الاكتفاء في تطهير ما لاقته بالمرة الواحدة، وفاقا للمحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم، و نقله أيضا في الكتاب المذكور عن بعض مشايخه المعاصرين.

لنا- أصالة البراءة من التكليف به، إذ مورد التعدد في الأخبار نجاسات مخصوصة، و هذا ليس منها، فلا مقتضي للتعدد فيه سواء كان من الغسلة الأولى أو غيرها.

و ما ذكره الأصحاب من الأقوال المتقدمة في ذلك لم نقف له على دليل معتمد.

(الثالث)

- ادعى المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى الإجماع على ان ما تزال به النجاسة مطلقا لا يجوز رفع الحدث به. و احتجا لذلك- مع الإجماع- برواية عبد الله بن سنان المتقدمة (1) الدالة على ان ما يغسل به الثوب لا يجوز ان يتوضأ به. و يرد على الأول ما سيأتي من ظاهر عبارتي الدروس و الذكرى، مضافا الى ما عرفت في المقدمة الثالثة (2) من المجازفة في دعوى الإجماعات في كلامهم (رضوان الله عليهم) و قد تقدم في المسألة الثالثة (3) من النقل عن المولى الأردبيلي ما يوهن هذه الدعوى ايضا و على الثاني ان الرواية أخص من المدعى، إلا ان يضم الى ذلك تنقيح المناط.

(الرابع)

- قال شيخنا الشهيد في الدروس: «و في إزالة النجاسة نجس ان تغير بالإجماع، و إلا فنجس في الأولى على قول، و مطلقا على قول، و كرافع الأكبر على قول، و طاهر إذا ورد على النجاسة على قول. و الاولى ان ماء الغسلة كمغسولها قبلها» انتهى.

____________

(1) في الصحيفة 436.

(2) في الصحيفة 35.

(3) في الصحيفة 477.

491

و لا ريب ان القول الأول هو ما ذهب اليه الشيخ في الخلاف. و اما القول الثاني فالظاهر انه هو المنقول عن المحقق و العلامة، و هو أول الأقوال التي قدمناها.

و ربما ظهر من كلام المحقق الشيخ علي في فوائد التحرير ان ذلك إشارة إلى القول الخامس الذي قدمناه. و هو بعيد. و اما القول الثالث فنقله في الذكرى عن ابن حمزة و البصروي، حيث قال: «و ابن حمزة و البصروي سويا بين رافع الأكبر و مزيل النجاسة» انتهى. و الظاهر أنهما قائلان مع طهارته برفعه الحدث حينئذ، و يكون هذا هو الفرق بين هذا القول و بين ما بعده بلا فصل. و يحتمل ان يكون وجه الفرق باعتبار ورود الماء في الثاني دون هذا القول. و شيخنا الشهيد الثاني في الروض- مع استقصائه نقل الأقوال في هذه المسألة- لم ينقل هذا القول معها، مع ان صريح العبارة المذكورة- و ظاهر عبارة الذكرى- انه قول آخر في المسألة. و نسب هذا القول المحقق الشيخ علي (رحمه الله) في شرح القواعد إلى الأشهر بين المتقدمين، ثم نقل بعده قول المرتضى و ابن إدريس، مع ان شيخنا الشهيد في الذكرى قال: «و العجب خلو أكثر كلام المتقدمين عن الحكم في الغسالة مع عموم البلوى بها» انتهى.

بقي الكلام في قوله: «و الاولى ان ماء الغسلة كمغسولها قبلها» هل هو قول آخر خارج عن الأقوال المتقدمة أم لا؟ الذي يظهر لي من كلام الذكرى- كما قدمنا بيانه- ان هذا إشارة إلى اختيار القول المتقدم بالنجاسة لكن لا على سبيل الجزم، و نسبته إلى الأولوية هنا مثل نسبته الى الاحتياط في عبارة الذكرى، و قد عرفت ان مقتضى كلام شيخنا الشهيد الثاني عد ذلك قولا مغايرا.

(الخامس)

- قال السيد السند في المدارك: «اختلف القائلون بعدم نجاسة الغسالة في ان ذلك هل هو على سبيل العفو بمعنى الطهارة دون الطهورية، أو تكون باقية على ما كانت عليه من الطهورية، أو يكون حكمها حكم رافع الحدث الأكبر؟

492

فقال بكل قائل» و قال في المعتبر: «ان ما تزال به النجاسة لا يرفع به الحدث إجماعا» انتهى.

و أنت خبير بان مقتضى القول الأول من هذه الأقوال التي نقلها هو الطهارة خاصة دون الطهورية من حدث كان أو من خبث حسبما تقدم في معنى العفو عندهم في ماء الاستنجاء، و مقتضى القول الثاني هو الطهورية من الخبث و الحدث، كما يشعر به التعبير ببقائه على ما كان عليه من الطهورية، و حينئذ فلا معنى للقول الثالث و جعله ثالثا إلا باعتبار الطهارة و الطهورية من الخبث خاصة دون الحدث لتتم مقابلته بالقولين الآخرين. و في فهم هذا المعنى من التشبيه نوع اشكال، اللهم إلا ان يعلم ان مذهب القائل بهذا القول كون رافع الحدث مطهرا من الخبث دون الحدث كما هو مذهب الشيخين. و قد عرفت ان هذا القول منسوب الى ابن حمزة و البصروي، الا انه لم ينقل مذهبهما في تلك المسألة. و الذي يقرب الى الفهم- و به صرح ايضا المحقق الشيخ حسن في المعالم و غيره في غيره- ان المراد من التشبيه هو كونه طاهرا مطهرا من الحدث و الخبث كما هو المشهور، إلا انه لا يخلو ايضا من شيء. و بالجملة فإن فهم المراد من هذه العبارة يتوقف على معرفة مذهب هذا القائل في مسألة غسالة الحدث الأكبر ليمكن تمشية التشبيه. و يحتمل ان يكون مراد القائل المذكور بالتشبيه لحوق حكم الغسالة من سائر الأخباث لغسالة الحدث الأكبر و ترتبها عليها، فان قيل بالرفع من الحدث في تلك قيل به في هذه و إلا فلا. و الظاهر بعده.

(السادس)

- قال في المدارك ايضا- بعد نقل اشتراط القائلين بطهارة الغسالة ورود الماء على النجاسة دون العكس- ما صورته: «و ربما ظهر من كلام الشهيد (رحمه الله) في الذكرى عدم اعتبار ذلك، فإنه مال الى الطهارة مطلقا و استوجه عدم اعتبار الورود في التطهير. و هو مشكل، لنجاسة الماء بورود النجاسة عليه عنده، اللهم إلا ان يقول: ان الروايات إنما تضمنت المنع من استعمال القليل بعد ورود النجاسة

493

عليه، و ذلك لا ينافي الحكم بطهارة المحل المغسول فيه، لصدق الغسل مع الورود و عدمه» انتهى.

و فيه (أولا)- ان ظاهر الشهيد (رحمه الله) ايضا القول بنجاسة القليل مع ورود الماء على النجاسة، لتصريحه بان الامتزاج بالنجاسة حاصل على التقديرين، و الورود لا يخرجه عن كونه ملاقيا للنجاسة، و حينئذ فلا وجه لاختصاص الإشكال بمادة ورود النجاسة على القليل دون عكسه.

و (ثانيا)- ان ما ذكره في الاعتذار عنه- من ان الروايات إنما تضمنت المنع من استعمال الماء بعد ورود النجاسة عليه، و هو لا ينافي طهارة المحل المغسول، لصدق الغسل في حال الورود و عدمه- لا يكاد يحسم مادة الإشكال، بل ربما يزيد في الاختلال، إذ غاية ما يعطيه هو صحة التطهير به مع نجاسة الغسالة، فلا يدفع الإشكال بالنسبة إلى حكمه بطهارة الغسالة بل يؤكده. نعم لو كان المعلوم من مذهبه القول بصحة التطهير و طهارة الغسالة مع ورود الماء على النجاسة، و القول بالتطهير دون الطهارة مع ورود النجاسة على الماء، لاتجه ما ذكره. الا ان الظاهر من مذهبه هو الميل إلى طهارة الغسالة مطلقا من غير اعتبار الورود كما نقله عنه فيما تقدم من عبارته، و حينئذ فالظاهر ان وجه الاشكال هو ما سبق التنبيه عليه في مسألة نجاسة القليل بالملاقاة من ان القول بنجاسة القليل بالملاقاة يقتضي عدم صحة التطهير به فضلا عن طهارة الغسالة، فكيف يتم مع ذلك القول بصحة التطهير و طهارة الغسالة؟ و الجواب عنه ما عرفته في آخر الكلام المتقدم نقله عن الوالد (قدس سره) من خروج غسالة النجاسة من كلية نجاسة القليل بالملاقاة بالدليل كما خرج ماء الاستنجاء. إلا ان فيه ما عرفته آنفا من الاشكال و عدم وضوح الدليل في هذا المجال.

(السابع)

- هل الباقي في المحل بعد العصر فيما يجب فيه ذلك- أو الإراقة

494

في الأواني و نحوها- طاهر مطلقا، أو نجس مطلقا، أو معفو عنه، أو طاهر ما دام في المحل و نجس بعد الانفصال؟ أقوال:

ظاهر المشهور الأول، و هو الظاهر من الأدلة كما قدمنا ذكره.

و مقتضى القول الخامس هو الثاني. و قد عرفت ما فيه.

و نقل عن ظاهر المحقق في المعتبر الثالث. و فيه إشكال، فإن عبارته في هذا المقام لا تخلو من الإبهام، و ذلك فإنه- بعد ان اختار النجاسة في غسالة إناء الولوغ و نقل عن الشيخ الحكم بالطهارة، و احتجاجه بأنه لو كان المنفصل نجسا لما طهر الإناء، لأنه كان يلزم نجاسة البلة الباقية بعد المنفصل ثم ينجس الماء الثاني بنجاسة البلة و كذا ما بعده- قال: «و الجواب ان ثبوت الطهارة بعد الثانية ثابت بالإجماع فلا يقدح ما ذكره، و لانه معفو عنه دفعا للحرج» انتهى. و لا ريب ان حكمه بالطهارة التي ادعى عليها الإجماع مناف للعفو الذي هو عبارة عن النجاسة و ان سلب حكمها. و لا مجال لحمل العفو هنا على المعنى الذي ذكروه في الاستنجاء، إذ الكلام في تأثر الملاقي لهذه البلة بالنجاسة و عدمه، لا في رفع الحدث و الخبث و نحوهما و عدمه.

و الذي يظهر لي ان مراده بالعفو هنا ليس هو المعنى المصطلح بل التنبيه على بيان ان الحكم بالطهارة إنما هو من قبيل الرخص الواردة في الشريعة، إذ مقتضى كلية نجاسة الماء القليل بالملاقاة هو النجاسة، لكنه لما كان اللازم من النجاسة هنا الحرج عفى الشارع عن النجاسة و حكم بالطهارة دفعا للعسر و الحرج، و لا يبعد ايضا حمل عبارته المتقدمة في الاستنجاء على ذلك، و به يرتفع التناقض الذي أوردناه عليها ثمة.

و بالجملة فالظاهر عندي من عبارته هنا هو الحكم بطهارة البلة الباقية و ان كانت العلة هو العفو، و إلا لتناقض طرفا كلاميه. نعم ذكر المحقق المولى الأردبيلي (عطر الله مرقده) العفو في هذا المقام احتمالا، حيث قال: «و إذا خرج منه ما يمكن الإخراج عادة بقي المحل مع ما فيه طاهرا أو عفوا، للضرورة و الحرج و السهلة» انتهى.

495

و بالقول الرابع صرح العلامة في القواعد، و الظاهر انه مبني على ما اختاره من عدم نجاسة القليل الذي تزال به النجاسة إلا بعد الانفصال عن المحل، قال في الكتاب المذكور: «و المتخلف في الثوب بعد عصره طاهر، فان انفصل فهو نجس» انتهى. فعنده انه إذا عصر الثوب من الغسل المعتبر في تطهيره حكم بطهارته قطعا، و المتخلف فيه على حكم الطهارة، فلو بالغ أحد في عصره فانفصل منه شيء كان نجسا، لأن أثر ملاقاته للمحل النجس عنده إنما يظهر بعد الانفصال. و لعل هذا منشأ وهم من نقل عنه القول بالنجاسة و ان حكم بطهر المحل كما تقدم في القول الخامس، قال المحقق الشيخ علي (قدس سره) في شرح الكتاب: «و الظاهر ان هذا الحكم عنده مختص بالغسل المقتضي لحصول الطهارة، فلو غسل زيادة على الموظف كان ماء الغسل الزائد طاهرا، لعدم ملاقاته للمحل في حال نجاسته، مع إمكان أن يقول بنجاسته ايضا، لانفصال شيء من الماء المتخلف في المحل معه و التنجيس فيه بعد انفصاله. و هو بعيد، مع ان الأصل العدم» انتهى. و كيف كان فالقول المذكور و ما يبتني عليه بمحل من البعد عن ساحة الاخبار المعصومية.

(الثامن)

- قال العلامة في المنتهى: «إذا غسل الثوب من البول في إجانة بأن يصب عليه الماء، فسد الماء و خرج من الثانية طاهرا، اتحدت الآنية أو تعددت».

ثم احتج على ذلك بوجهين: (أحدهما)- انه قد حصل الامتثال بغسله مرتين فيكون طاهرا.

و (ثانيهما)-

صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول. قال: اغسله في المركن مرتين، فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة».

و أورد عليه بأنه يشكل حكمه بطهارة الثوب مع نجاسة الماء المجتمع تحته في الإجانة

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب النجاسات.

496

سيما على مذهبه المتقدم من عدم نجاسة الغسالة إلا بعد الانفصال عن المحل المغسول، و من المعلوم ان الماء هنا بعد انفصاله عن الثوب المغسول يلاقيه في الإناء، و اللازم مما ذكر تنجسه به.

و قد يتكلف في دفع الإيراد المذكور بان المراد من الانفصال خروج الغسالة عن الثوب أو الإناء المغسول فيه، تنزيلا للاتصال الحاصل باعتبار الإناء منزلة ما يكون في نفس المغسول، للحديث المذكور.

قيل: و لا يخفى ان هذا التكلف إنما يحسن ارتكابه مع قيام الدليل الواضح على نجاسة الغسالة، و إلا فظاهر الرواية يدل على طهارة الغسالة.

و فيه (أولا)- ان هذا التكلف إنما ارتكب لدفع المنافاة بين كلامي العلامة (قدس سره) من حكمه بنجاسة الغسالة بعد الانفصال و حكمه بطهارة الثوب في الصورة المفروضة، فنزل الإناء في الصورة المفروضة منزلة الثوب لتندفع به المنافاة بين كلاميه و اما الكلام في نجاسة الغسالة و طهارتها فهو بحث آخر.

و (ثانيا)- ان دعوى دلالة الرواية على طهارة الغسالة مع تضمنها وجوب التعدد في الغسل محل اشكال كما عرفت، إلا ان يدعى حمل التعدد على محض التعبد و فيه ما تقدم. على انه ربما يقال: ان أصل الإشكال مما لا ورود له في هذا المجال و ان ذكره بعض علمائنا الأبدال، و ذلك فان الثوب بعد وضعه في الإجانة و صب الماء عليه حتى يغمره و يأتي عليه، فان الماء يدخل في جميع اجزائه و ان انفصل بأسفل الإجانة. و لكن مثل هذا لا يعد انفصالا عرفا، بل الانفصال في مثل هذا إنما يصدق بعد رفع الثوب من الإجانة و خروج الماء بنفسه أو بالعصر.

(التاسع)

- قد عرفت ان محل الخلاف في الغسالة- طهارة و نجاسة- إنما هو مع عدم التغير، و الا فلو تغيرت بالاستعمال تنجست إجماعا، و المشهور ان التغير المعتبر هنا هو التغير في أحد الأوصاف الثلاثة خاصة كما تقدم. و نقل عن العلامة في النهاية

497

انه استقرب اجراء زيادة الوزن مجرى التغير، فلو غسلت النجاسة بماء فزاد وزنه بعد الغسل كان حكمه كالمتغير. و هو- مع عدم الوقوف له على دليل- عديم الرفيق في ذلك السبيل.

(المسألة الخامسة)- في غسالة الحمام

، و قد اختلف كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) في حكمها، فقال الصدوق عطر الله مرقده (1): «و لا يجوز التطهير بغسالة الحمام، لانه تجتمع فيه غسالة اليهودي و المجوسي و النصراني و المبغض لآل محمد (صلى الله عليه و آله) و هو شرهم» و قريب منه كلام أبيه في رسالته اليه و قال الشيخ في النهاية: «غسالة الحمام لا يجوز استعمالها على حال» و جرى عليه ابن إدريس، فقال: «غسالة الحمام لا يجوز استعمالها على حال، و هذا إجماع، و قد وردت به عن الأئمة (عليهم السلام) آثار معتمدة قد أجمع الأصحاب عليها لا أحد خالف فيها» و قال المحقق في المعتبر:

«و لا يغتسل بغسالة الحمام إلا ان يعلم خلوها من النجاسة» و نحوه قال العلامة في القواعد.

و ظاهر ما عدا عبارتي النهاية و ابن إدريس هو الطهارة، إذ مقتضاها عدم جواز الاستعمال، و هو أعم من النجاسة. و يؤيده نقل الصدوق الرواية الدالة على نفي البأس عن ملاقاتها الثوب (2) و ربما حمل كلام النهاية على ما تقضي به العادة من عدم انفكاك غسالة الحمام عن ملاقاة النجاسة، كما اعتذر به المحقق عنه في نكت النهاية،. إذ لم نقف له على حجة في تعميم المنع من استعمالها.

و بالطهارة صرح العلامة في المنتهى. فقال بعد نقل بعض الأقوال المتقدمة:

«و الأقوى عندي انه على أصل الطهارة» ثم استدل بمرسلة الواسطي الآتية. و بالنجاسة صرح في الإرشاد فقال: «غسالة الحمام نجسة ما لم يعلم خلوها من النجاسة»

____________

(1) في باب (المياه و طهرها و نجاستها).

(2) و هي رواية أبي يحيى الواسطي الآتية في الصحيفة 498.

498

و في التحرير عبر بعدم جواز الاستعمال كما هو عبارة النهاية.

و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالمسألة روايات.

(منها)-

رواية حمزة بن احمد عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) (1) قال: «سألته أو سأله غيري عن الحمام. قال: ادخله بمئزر، و غض بصرك، و لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب و ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت، و هو شرهم».

و (منها)-

رواية ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام، فان فيها غسالة ولد الزنا، و هو لا يطهر إلى سبعة آباء. و فيها غسالة الناصب، و هو شرهما».

و (منها)-

رواية علي بن الحكم عن رجل عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: «لا تغتسل من غسالة ماء الحمام، فإنه يغتسل فيه من الزنا، و يغتسل فيه ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت، و هو شرهم».

و (منها)-

رواية أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام) (4) قال: «سئل عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب. قال: لا بأس».

و (منها)-

ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب العلل (5) في الموثق عن عبد الله بن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «و إياك

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 11- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 11- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 11- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(5) في الصحيفة 106 و في الوسائل في الباب- 11- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

499

ان تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت، و هو شرهم».

و أنت خبير بان الظاهر ان مطرح النزاع في هذه المسألة إنما هو حال الشك في عروض شيء من النجاسات، و إلا فمع العلم بملاقاة شيء منها فلا خلاف في الحكم بالنجاسة ممن قال بنجاسة القليل بالملاقاة، و مع العلم بالخلو عنها فالظاهر انه لا إشكال في الحكم بالطهارة، و لا خلاف في ذلك إلا ما يظهر من عبارة الصدوق، إلا ان الظاهر صرفها الى ما ذكره المحقق من التفصيل، حيث استثنى من المنع من الغسل بالغسالة صورة العلم بخلوها من النجاسة، و كذا ظاهر عبارتي النهاية و ابن إدريس، إلا انه لا يبعد صرفهما الى ما ذكرنا آنفا.

و قال المحقق في المعتبر- بعد نقل ما تقدم من كلام ابن إدريس و ان عبر عنه ببعض المتأخرين إلا انه هو المراد على التعيين- ما صورته: «و هو خلاف الرواية، و خلاف ما ذكره ابن بابويه، و لم نقف على رواية بهذا الحكم سوى تلك الرواية و رواية مرسلة ذكرها الكليني، قال: بعض أصحابنا عن ابن جمهور، و هذه مرسلة و ابن جمهور ضعيف جدا، ذكر ذلك النجاشي في كتاب الرجال، فأين الإجماع و اين الأخبار المعتمدة؟ و نحن نطالبه بما ادعاه و أفرط في دعواه» انتهى.

و أشار بقوله: و هو خلاف الرواية. إلى رواية الواسطي، حيث قدمها أولا، و بالرواية التي رواها الكليني إلى رواية ابن ابي يعفور.

ثم انه مع الشك في ملاقاة النجاسة الذي هو محل النزاع كما ذكرنا، فهل يحكم بالطهارة أو النجاسة أو المنع من الاستعمال خاصة؟ الأول صريح العلامة في المنتهى كما عرفت، و اليه مال جملة من المتأخرين و متأخريهم، منهم: المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، حيث قال: «و الذي يقتضيه النظر انه مع الشك في النجاسة تكون على حكمها الثابت لها قبل الاستعمال و ان كان اجتنابها أحوط» و الى ذلك مال المحقق الشيخ حسن

500

في المعالم، و قبله والده في الروض و غيرهم. و الثاني صريح العلامة في الإرشاد، و ربما تبعه فيه بعض من تأخر عنه، قال في المعالم: «و ربما قيل انه حجته النهي عن استعمالها و سقوطها ظاهر» انتهى. و الثالث ظاهر الصدوقين و المحقق. إلا انهم خصوا المنع بالغسل، و الذي فهمه من تأخر عنهم من كلامهم هو الحكم بالطهارة و ان امتنع الغسل بها.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه لقائل أن يقول: ان جل الأخبار المتقدمة قد دلت على المنع من الغسل، و الظاهر انه لا خصوصية لذكر الغسل إلا من حيث ان الحمام غالبا إنما اتخذ لذلك، و الأحكام في الاخبار- كما نبهنا عليه غير مرة- إنما تخرج بناء على الافراد المتكررة الغالبة، و حينئذ فلا فرق في المنع من الاستعمال بين الغسل و غيره و مما يوضح ذلك ان الحكم بالنجاسة في أكثر المواضع إنما استفيد من نهي الشارع عن استعمال ما لاقته أو الأمر بغسله أو نحو ذلك، حتى انه لو ورد شيء بلفظ النجاسة في مقام النزاع لسارعوا إلى تأويله بالحمل على المعنى اللغوي، و يؤيد ذلك ما ذكره السيد السند في المدارك، حيث قال- بعد الاستدلال على نجاسة البول من غير المأكول بحسنة عبد الله بن سنان المتضمنة للأمر بغسل الثوب من أبوال ما لا يؤكل لحمه (1) و كلام في البين- ما صورته: «و لا معنى للنجس شرعا إلا ما وجب غسل الملاقي له، بل سائر الأعيان النجسة إنما استفيد نجاستها من أمر الشارع بغسل الثوب أو البدن من ملاقاتها» انتهى. و الأمر فيما نحن فيه كذلك.

فان قيل: ان القاعدة الكلية الدالة على طهارة ما لا يعلم ملاقاته النجاسة ترد ما ذكرتم.

قلنا: ما ذكرنا من الاخبار بالتقريب المذكور خاص، و هو مقدم على العام كما تقرر بين العلماء الأعلام.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب النجاسات.

501

إلا انه يبقى الكلام في مرسلة الواسطي، حيث دلت على نفي البأس عن ملاقاته للثوب، و لا ريب ان الترجيح لما عارضها بالكثرة.

نعم استدل المحقق المولى الأردبيلي (عطر الله مرقده) في شرح الإرشاد على الطهارة

بصحيحة محمد بن مسلم (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

الحمام يغتسل فيه الجنب و غيره، أغتسل من مائه؟ قال: نعم لا بأس ان يغتسل منه الجنب، و لقد اغتسلت فيه ثم جئت فغسلت رجلي، و ما غسلتهما إلا مما لزق بهما من التراب».

و مثلها صحيحته الأخرى (2)

و موثقة زرارة (3) قال: «رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يخرج من الحمام فيمضي كما هو لا يغسل رجليه حتى يصلي».

و فيه ان مورد الروايات في هذه المسألة هو البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، و إلحاق المياه المنحدرة في سطح الحمام بها مما لا دليل عليه، سيما مع ورود هذه الروايات دالة على الطهارة، و حينئذ فمحل الخلاف في المسألة مختص بالبئر خاصة، فالاستدلال بهذه الاخبار هنا مما لا وجه له. إلا ان الأقرب الى النظر هو ما ذكره المحقق المشار إليه، فإن الظاهر ان وصول الماء إلى البئر المشار إليها إنما يكون بعد المرور في سطح الحمام، لان تلك البئر إنما أعدت للمياه التي تجري من الحياض التي يغتسل عليها، و من الظاهر مرورها على سطح الحمام، فالكلام في سطح الحمام كالكلام في الآبار نعم لو كان لوصول الماء الى تلك الآبار طريق على حدة لا يتعلق بالسطح فالاستدلال بتلك الأخبار في غير محله، و على تقدير فرض محل النزاع ما يشمل السطح فالاستدلال على الطهارة بتلك الاخبار، فتحمل الأخبار الأول على الكراهة المغلظة، و لعل في عد

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب الماء المطلق و في الباب- 9- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب الماء المطلق.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

502

الاغتسال من الزنا و غسالة ولد الزنا اشعارا بذلك، سيما مع أردف الثاني بقوله:

«و هو لا يطهر إلى سبعة آباء» فإنه لم يقل بنجاسة ابن الزنا على هذا الوجه قائل من الأصحاب، و لا دليل عليه من سنة أو كتاب.

المقام الثاني في الماء المشتبه

، و فيه صور:

[الصورة] (الأولى)- اشتباه الطاهر بالنجس

، و الظاهر انه لا خلاف بين، الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ان الماء إذا كان طاهرا و هو في إناء و اشتبه بماء نجس في إناء آخر فإنه يجب اجتنابهما معا، نقل الإجماع على ذلك جماعة من أجلاء الأصحاب منهم:

الشيخ في الخلاف و المحقق في المعتبر و العلامة في المختلف.

و احتج في المعتبر- بعد نقل الاتفاق- بان يقين الطهارة في كل منهما معارض بيقين النجاسة، و لا رجحان، فيتحقق المنع.

و أورد عليه في المعالم بان يقين الطهارة في كل واحد بانفراده إنما يعارضه الشك في النجاسة لا اليقين.

و نقل السيد السند في المدارك عن العلامة انه احتج في المختلف ايضا على ذلك بان اجتناب النجس واجب قطعا، و هو لا يتم إلا باجتنابهما معا، و ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.

و اعترضه بان اجتناب النجس لا يقطع بوجوبه إلا مع تحققه بعينه لا مع الشك فيه. و استبعاد سقوط حكم هذه النجاسة شرعا- إذا لم تحصل المباشرة بجميع ما وقع فيه الاشتباه- غير ملتفت اليه، و قد ثبت نظيره في حكم واجدي المني في الثوب المشترك، و اعترف به الأصحاب في غير المحصور ايضا. و الفرق بينه و بين المحصور غير واضح عند التأمل. انتهى. و قد تقدمه في هذا الكلام شيخه المولى الأردبيلي. و قد جرى

503

على هذا المنوال جملة ممن تأخر عنه من علمائنا الأبدال. و ما نقله (قدس سره) عن المختلف لم نجده فيه في المسألة المذكورة و لعله في موضع آخر منه.

و التحقيق في هذا المقام- على ما يستفاد من أخبار أهل الذكر (عليهم السلام)- انه لا يخفى- على من خلع عنقه من ربقة التقليد للرجال و اعطى النظر حقه فيما ورد عن الآل في هذا المجال- ان الشارع كما حكم بالنجاسة و الحرمة فيما تحقق كونه نجسا أو حراما، كذلك اعطى المشتبه بكل منهما في الافراد المحصورة حكم ما اشتبه به من النجاسة أو التحريم ايضا، بخلاف غير المحصورة، فإنه حكم بطهر الجميع و حله دفعا للحرج و المشقة و التكليف بما لا يطاق.

و حيث ان المسألة المذكورة مما لم يعطها حقها من التحقيق أحد من الأصحاب، و لم يميز القشر منها من اللباب، مع تكثر أفرادها في الأحكام، فحري بنا ان نطيل فيها الكلام بما يقشع عنها غياهب الظلام، و نبين ما في كلام هؤلاء الاعلام من سقوط ما اعترضوا به في المقام.

فنقول (أولا)- لا يخفى ان القواعد الكلية الواردة عنهم (عليهم السلام) في الأحكام الشرعية، كما تكون باشتمال القضية على سؤر الكلية، كذلك تحصل بتتبع الجزئيات الواردة عليهم (عليهم السلام) كما في القواعد النحوية. و ما صرح به الأصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم المحصور و غير المحصور- مما اشتبه بالنجس أو الحرام، حيث حكموا بالنجاسة و التحريم في الأول دون الثاني- و ان كان لم يرد في الاخبار بقاعدة كلية إلا أن المستفاد منها- على وجه لا يزاحمه الريب في خصوصيات الأفراد التي تصلح للاندراج تحت كل من قاعدتي المحصور و غير المحصور- هو ما ذكروه، بل في بعض تلك الأخبار- كما سيأتيك ان شاء الله تعالى- تصريح بكلية الحكم في بعض تلك الموارد.

و ها أنا اذكر لك ما وقفت عليه من المواضع المتعلقة بكل من تلك القاعدتين

504

و مما دل على حكم المحصور- و انه يلحق المشتبه فيه حكم ما اشتبه به من نجاسة أو تحريم- ما نحن فيه من مسألة الإناءين،

فقد روى عمار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه «سئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو و ليس يقدر على ماء غيره. قال: يهريقهما و يتيمم» (1) و مثله روى سماعة في الموثق عنه (عليه السلام) (2)

فإنهما كما ترى صريحان في الحكم المذكور.

و طعن جملة من متأخري المتأخرين في الخبرين بضعف السند بناء على الاصطلاح المحدث بينهم. و قد عرفت ما في هذا الاصطلاح في المقدمة الثانية من مقدمات الكتاب. و بعض منهم جبر ذلك بقول الأصحاب للروايتين المذكورتين. و جملة منهم انما اعتمدوا في هذا الباب على الإجماع المنقول في المسألة. و الكل بمكان من الضعف.

و من ذلك الثوب الطاهر المشتبه بثوب آخر نجس، فإنه لا خلاف بين الأصحاب- (رضوان الله عليهم) ممن منع الصلاة عاريا- في انه يجب الصلاة فيهما على جهة البدلية، حتى من أولئك الفضلاء المنازعين في هذه المسألة، و لم يجوز أحد منهم الصلاة في واحد خاصة، مع ان مقتضى ما قالوه في هذه المسألة جواز ذلك.

و يدل على الحكم المذكور من النصوص

حسنة صفوان بن يحيى عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) انه «كتب إليه يسأله عن رجل كان معه ثوبان فأصاب أحدهما بول و لم يدر أيهما هو، و حضرت الصلاة و خاف فوتها، و ليس عنده ماء، كيف

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في الباب- 8 و 12- من أبواب الماء المطلق، و في الباب- 4- من أبواب التيمم، و في الباب- 64- من أبواب النجاسات.

(2) رواه صاحب الوسائل في الباب- 8 و 12- من أبواب الماء المطلق، و في الباب- 4- من أبواب التيمم، و في الباب- 64- من أبواب النجاسات.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 64- من أبواب النجاسات. و الرواية- كما في الفقيه ص 161 و التهذيب ص 199 عن ابى الحسن (عليه السلام)، و لكن ما وقفنا عليه من نسخ الحدائق تنص على انها عن ابى عبد الله (عليه السلام).

505

يصنع؟ قال: يصلي فيهما جميعا»

قال شيخنا الصدوق (رضي الله عنه) في الفقيه بعد نقل الرواية: «يعني على الانفراد».

قال في المدارك- بعد ان نقل القول بذلك عن الشيخ و أكثر الأصحاب و قال: انه المعتمد. و نقل عن بعض الأصحاب انه يطرحهما و يصلي عريانا- ما صورته:

«و متى امتنع الصلاة عاريا ثبت وجوب الصلاة في أحدهما أو في كل منهما، إذ المفروض انتفاء غيرهما. و الأول منتف، إذ لا قائل به، فيثبت الثاني، و يدل عليه ما رواه صفوان.» ثم ساق الرواية.

و أقول: أنت خبير بما فيه، فان مقتضى ما ذكره في مسألة الإناءين و اختاره فيها- و ما ذكره أيضا في مسألة السجود مع حصول النجاسة في المواضع المتسعة، حيث قال بعد البحث في المسألة: «و الذي يقتضيه النظر عدم الفرق بين المحصور و غيره، و انه لا مانع من الانتفاع بالمشتبه فيما يفتقر إلى الطهارة إذا لم يستوعب المباشرة بجميع ما وقع فيه الاشتباه» انتهى- انه يجزي هنا الصلاة في ثوب واحد. و توقف القول به على وجود القائل جار في الموضعين الآخرين. فإنه لم يخالف في تلك المسألتين أحد سواه، و من حذا حذوه و اقتفاه.

و الجواب عنه- بوجود النص المعتمد في الثوب النجس المشتبه و عدم وجوده هناك، لضعف النص في مسألة الإناءين، و عدم النص في مسألة السجود- ضعيف:

(أولا)- بأنه بالتأمل في النصوص الواردة في الأحكام المتفرقة و ضم بعضها الى بعض- كما سنوضحه ان شاء الله تعالى- يعلم ان ذلك حكم كلي.

و (ثانيا)- ان ما ذكره من التعليل في الموضعين يعطي كون الحكم عنده كليا في مسألة الطاهر المشتبه بالنجس مطلقا لا بخصوص تلك المسألتين.

و من ذلك- الثوب النجس بعضه مع وقوع الاشتباه في جميع اجزاء الثوب، فإنه لا خلاف بين الأصحاب- حتى من هذا الفاضل و من تبعه- في انه لا يحكم بطهارة

506

الثوب إلا بغسلة كملا، و به استفاضت الأخبار.

ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) انه قال في المني يصيب الثوب: «فان عرفت مكانه فاغسله. و ان خفي عليك فاغسله كله».

و مثلها صحيحة زرارة (2) و حسنة محمد بن مسلم (3) و رواية ابن ابي يعفور (4) و غيرها.

قال السيد في المدارك بعد نقل عبارة المصنف في ذلك: «هذا قول علمائنا و أكثر العامة (5) قاله في المعتبر، و استدل عليه بان النجاسة موجودة على اليقين، و لا يحصل اليقين بزوالها إلا بغسل جميع ما وقع فيه الاشتباه، و يشكل بان يقين النجاسة يرتفع بغسل جزء مما وقع فيه الاشتباه يساوي قدر النجاسة و ان لم يحصل القطع بغسل ذلك المحل بعينه» انتهى.

و فيه (أولا)- ان الظاهر ان ما ذكره المحقق (قدس سره) من التعليل

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 7 و 16- من أبواب النجاسات.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب النجاسات.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 7 و 9- من أبواب النجاسات.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 7 و 16- من أبواب النجاسات.

(5) في بدائع الصنائع في الفقه الحنفي ج 1 ص 81 «لو ان ثوبا أصابته النجاسة و هي كثيرة، فجفت و خفي مكانها و ذهب أثرها غسل جميع الثوب، و لو أصابت أحد الكمين و لا يدرى أيهما هو، غسل جميعهما. و القول بغسل موضع من الثوب و الحكم بطهارة الباقي غير سديد، لان موضع النجاسة غير معلوم، و ليس البعض بأولى من البعض» و في مجمع الانهر لشيخزاده الحنفي ج 1 ص 64 «لو تنجس طرف من الثوب فنسي المحل المصاب بالنجاسة و غسل طرفا بلا تحر حكم بطهارته، و في متفرقات ركن الإسلام لا يطهر و ان تحرى، و في شرح الطحاوي إذا خفي موضع النجاسة يغسل جميع الثوب» و في فتح القدير لابن همام الحنفي ج 1 ص 132 عن الظهيرية «الثوب تكون فيه النجاسة فلا يدرى مكانها، يغسل الثوب كله» و في الأم للشافعي ج 1 ص 47 «كل ما أصاب الثوب من غائط رطب أو بول أو دم أو خمر فاستيقنه صاحبه فعليه غسله، و ان أشكل عليه موضعه لم يجزه إلا غسل الثوب كله».

507

- هنا و في مسألة الإناءين بل في سائر المواضع- إنما هو على جهة التوجيه للنص و بيان حكمه الأمر فيه، لانه مع وجود النص فلا ضرورة تلجئ إلى التعليل بالوجوه العقلية.

على ان أحكام الشرع توقيفية لا تعلل بالعقول، كما أطال به المحقق الكلام في أول كتاب المعتبر و غيره في غيره، و حينئذ فلا اشكال. نعم هذا الاشكال موافق لما اختاره في ذينك الموضعين المتقدمين، و لكنه وارد عليه في هذا الموضع، حيث ان مقتضى ما اختاره ثمة الاكتفاء بغسل جزء من الثوب كما ذكره، و لكن النصوص تدفعه، و هو دليل على ما ادعيناه و صريح فيما قلناه.

و (ثانيا)- انه متى كان يقين النجاسة هنا يرتفع بغسل جزء مما وقع فيه الاشتباه- بمعنى انا لا نقطع حينئذ ببقاء النجاسة، لجواز كونها في ذلك الجزء الذي قد غسل- فانا نقول ايضا مثله في مسألة الإناءين: انه بعد وقوع النجاسة في واحد منهما لا على التعيين فقد زال يقين الطهارة الحاصل أولا عن كل من ذينك الإناءين، و هكذا في الثوب و المكان المحصورين، فإنه قد تساوى احتمال الملاقاة و عدم الملاقاة في كل جزء جزء من تلك الاجزاء المشكوك فيها، و هذا القدر يكفي في زوال ذلك اليقين الحاصل قبل الملاقاة و الخروج عن مقتضاه.

و من ذلك- اللحم المختلط ذكية بميتة، فقد ذهب الأصحاب إلى تحريم الجميع من غير خلاف، و عليه دلت الأخبار:

و (منها)-

حسنة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه «سئل عن رجل كانت له غنم و بقر و كان يدرك الذكي منها فيعزله و يعزل الميتة، ثم ان الميتة و الذكي اختلطا فكيف يصنع؟ قال: يبيعه ممن يستحل الميتة و يأكل ثمنه».

و مثلها

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب (ان الميتة إذا اختلطت بالمذكى جاز بيع الجميع ممن يستحل الميتة و أكل ثمنه) من أبواب الأطعمة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

508

حسنته الأخرى (1) أيضا. و يأتي- بمقتضى ما ذكره السيد و من تبعه- ان كل قطعة لاحظناها من هذا اللحم فهي حلال لا يحكم بنجاستها و لا تحريم أكلها، لأن الواجب إنما هو اجتناب ما تحقق تحريمه بعينه لا ما اشتبه بالحرام، و النصوص تدفعه. و لو قيل: انه يتمسك هنا بأصالة عدم التذكية. قلنا: يعارضه التمسك بأصالة الطهارة و أصالة الحلية.

و مما ورد في حكم غير المحصور جملة من الأخبار في مواضع:

(منها)- الأخبار الدالة على ان كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر (2) فان القدر المعلوم منها- كما مر تحقيقه في المقدمة الحادية عشرة- ان كل صنف يكون فيه طاهر و نجس- كالدم و البول و أمثالهما مما لم يميز الشارع بين فرديه بعلامة- فهو طاهر حتى يعلم انه من الفرد النجس، و فيه- كما ترى- دلالة على حكم غير المحصور بوجه كلي.

و (منها)- الأخبار الدالة على ان كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعلم الحرام بعينه فتدعه (3).

و منها-

صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه

____________

(1) المروية في الوسائل في باب (ان الميتة إذا اختلطت بالمذكى جاز بيع الجميع ممن يستحل الميتة و أكل ثمنه) من أبواب الأطعمة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(2) تقدم بعضها في الصحيفة 134، و سيذكرها (قدس سره) في التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة الثانية من البحث الأول من أحكام النجاسات.

(3) تقدم ذكرها في قاعدة الحل في الصحيفة 140.

(4) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ. و لكن هذه الرواية- كما في كتب الحديث- هي رواية عبد الله بن سليمان عن ابى جعفر (عليه السلام) المتقدمة في قاعدة الحل في الصحيفة 141 و قد رواها الكليني في الكافي ج 2 ص 175. نعم الراوي عن عبد الله بن سليمان هو عبد الله بن سنان. كما في المحاسن ايضا ج 2 ص 495 و قد رواها صاحب الوسائل في الباب- 61- من أبواب الأطعمة المباحة من كتاب الأطعمة و الأشربة. و لم نجد في كتب الحديث- بعد التتبع- في المظان صحيحة لعبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) بهذا المتن. نعم لعبد الله بن سنان صحيحة تتضمن الكلية المتقدمة في رواية عبد الله بن سليمان فقط، و قد تقدمت في الصحيفة 140.

509

«سأل عن الجبن. فقال: سألتني عن طعام يعجبني، ثم اعطى الغلام درهما فقال:

يا غلام ابتع لنا جبنا، ثم دعى بالغداء فتغدينا معه، فاتى بالجبن فأكل و أكلنا، فلما فرغنا من الغداء قلت: ما تقول في الجبن؟ قال: أو لم ترني أكلته؟ قلت: بلى و لكني أحب ان أسمعه منك. فقال: سأخبرك عن الجبن و غيره، كل ما كان فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه».

و ما رواه

في كتاب المحاسن (1) عن ابي الجارود، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن، فقلت له: أخبرني من رأى انه يجعل فيه الميتة. فقال:

أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الأرضين؟ إذا علمت أنه ميتة فلا تأكل، و ان لم تعلم فاشتر و بع و كل، و الله انى لأعترض السوق فاشتري بها اللحم و السمن و الجبن، و الله ما أظن كلهم يسمون هذه البربر و هذه السودان».

الى غير ذلك من الأخبار التي لا يأتي عليها قلم الإحصاء في هذا المضمار.

و أنت خبير بان الحكم الوارد في هذه الأخبار على وجه كلي، فكل شيء من الأشياء متى كان له افراد بعضها معلوم الحل و بعضها معلوم الحرمة. و لم يميز الشارع أحدهما بعلامة، و تلك الافراد مما يتعسر أو يتعذر ضبطها- كما أشار إليه

في رواية المحاسن بقوله: «أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الأرضين»

- فالجميع حلال حتى يعرف الحرام بعينه فيجتنبه. و هذا من التوسعات و الرخص الواقعة في الشريعة المبنية على السهولة، لرفع الحرج و المشقة اللازمين بوجوب التكليف باجتناب ذلك، بخلاف الافراد المحصورة، فإنه لا حرج في التكليف

____________

(1) في الصحيفة 495، و في الوسائل في الباب- 61- من أبواب الأطعمة المباحة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

510

باجتنابها كما لا يخفى. و هذه الاخبار كما انها تدل على حكم غير المحصور بالنسبة إلى اشتباه الحلال بالحرام كذلك تدل عليه بالنسبة إلى اشتباه الطاهر بالنجس، فان التحريم الذي حصل الاشتباه به إنما نشأ من حيث النجاسة كما لا يخفى.

و (منها)- جوائز الظالم، فإنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في حلها و جواز أكلها، مع العلم و اليقين بكون أكثرها حراما، و به استفاضت الأخبار:

و منها-

صحيحة أبي ولاد (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

ما ترى في رجل يلي أعمال السلطان، ليس له مكسب إلا من أعمالهم، و انا أمر به فانزل عليه فيضيفني و يحسن إلي، و ربما أمر لي بالدراهم و الكسوة، و قد ضاق صدري من ذلك؟ فقال لي: كل و خذ منه فلك المهنا و عليه الوزر».

هذا ما خطر بالبال مما يدخل في هذا المجال.

و بذلك يتضح لك ما في كلام المحدث الكاشاني في المفاتيح و الفاضل الخراساني في الكفاية، حيث ذهبا الى حل ما اختلط بالحرام و ان كان محصورا، استنادا إلى صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (2).

و فيه (أولا)- انك قد عرفت بمعونة ما قدمناه ان مورد الرواية- كما هو ايضا مقتضى سياقها- إنما هو الأفراد الغير المحصورة، و ان ذلك قاعدة كلية في الطهارة و النجاسة و الحل و الحرمة.

و (ثانيا)- ان الاخبار الدالة على وجوب الاجتناب للحرام- عموما و خصوصا- متناولة لما نحن فيه، و هو لا يتم هنا إلا باجتناب الجميع.

و (ثالثا)- ان جملة من الأخبار قد صرحت بالتحريم في خصوص المحصور،

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب (ان جوائز الظالم و طعامه حلال. إلخ) من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

(2) راجع التعليقة 4 في الصحيفة 508.

511

كروايتي الحلبي المتقدمتين في اللحم المختلط ذكية بميتة كما تقدم (1).

و ما رواه الشيخ في التهذيب (2) بسنده عن ضريس الكناسي قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن السمن و الجبن نجده في أرض المشركين بالروم أ ناكله؟

فقال: اما ما علم انه قد خلطه الحرام فلا تأكل، و اما ما لم تعلم فكله حتى تعلم انه حرام».

و ما رواه عبد الله بن سنان (3) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «كل شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان ان فيه ميتة».

و الجميع- كما ترى- صريح في الحكم بالتحريم. و لا ريب ان طريق الجمع- بينها و بين صحيحة عبد الله بن سنان (4) و ما في معناها- إنما يتم بالحمل على الفرق بين المحصور و غير المحصور، كما يقتضيه سياق كل من تلك الاخبار. و سيجيء تحقيق هذه المسألة ان شاء الله تعالى و إعطاء البحث حقه مع هذين الفاضلين في محله.

و بالجملة فإنك إذا أعطيت التأمل حقه فيما نقلنا من الاخبار خاصها و عامها و ضممت بعضها الى بعض، فلا أراك تستريب فيما ذكرنا من صحة تلك الكليتين و ظهور تلك القاعدتين، اعني كليتي المحصور و غير المحصور، و ان الاخبار الدالة بعمومها على طهارة كل شيء حتى تعلم نجاسته و حلية كل شيء حتى تعلم حرمته مقيدة باخبار

____________

(1) في الصحيفة 507.

(2) في ج 2 ص 302 و في الوسائل في باب (حكم السمن و الجبن و غيرهما إذا علم انه خلطه حرام) من أبواب الأطعمة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(3) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة و المخطوطة. و الذي وجدناه في كتب الحديث بهذا المضمون هي

رواية عبد الله بن سليمان عن ابى عبد الله (عليه السلام) في الجبن قال: «كل شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك ان فيه ميتة».

و قد رواها في الوسائل في الباب- 61- من أبواب الأطعمة المباحة.

(4) راجع التعليقة 4 في الصحيفة 508.

512

المحصور طهارة و نجاسة و حلية و حرمة. و من القواعد المتفق عليها عندهم تقديم العمل بالخاص، و حينئذ فتخصيص اخبار أصالة يقين الطهارة و أصالة يقين الحلية بغير موضع الاشتباه في الأشياء المعلومة بشخصها، فتأمله بعين البصيرة و تناوله بيد غير قصيرة، ليظهر لك ما في الزوايا من الخبايا.

هذا. و ما أورده في المعالم على المحقق فيندفع بما أشرنا إليه آنفا من انه قد حصل لنا اليقين بنجاسة بعض تلك الأشياء المعلومة بشخصها، و هذا اليقين أوجب حدوث حالة متوسطة بين الطهارة و النجاسة، و حينئذ فهو من باب نقض اليقين بيقين مثله.

و اما ما ذكره السيد السند- من ان اجتناب النجس لا يقطع بوجوبه الا مع تحققه بعينه- فمردود بأن الاخبار كما دلت على وجوب الاجتناب مع اليقين دلت على وجوب الاجتناب مع الاشتباه بمحصور. و قياسه هذه المسألة و نحوها على مسألة واجدي المني في الثوب المشترك قياس مع الفارق، لوجود النصوص الدالة على الاجتناب في هذه المسألة و نظائرها، و عدم النص في تلك المسألة على ما ذكروه فيها من الأحكام.

و سيأتي ان شاء الله ما فيه تحقيق الحال و دفع الإشكال في المسألة المذكورة.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه هنا على فوائد:

(الاولى)

- لو لاقى هذا الماء شيئا طاهرا فهل يحكم بنجاسته أم لا؟ قولان مبنيان على ان هذا الماء هل يكون حكمه حكم النجس من كل وجه أو بالنسبة الى عدم الاستعمال في الطهارة خاصة؟

و بالأول صرح العلامة في المنتهى، فقال: «لو استعمل أحد الإناءين و صلى به لم تصح صلاته، و وجب عليه غسل ما اصابه المشتبه بماء متيقن الطهارة كالنجس» ثم نقل عن بعض العامة انه نفى وجوب الغسل عنه، معللا بان المحل طاهر بيقين فلا يزول بالشك في النجاسة. و أجاب عنه بأنه لا فرق في المنع بين يقين النجاسة و شكها هنا و ان فرق بينهما في غيره.

513

و بالثاني صرح جملة من المتأخرين و متأخريهم: منهم- السيد السند في المدارك و جده في الروض.

و احتج عليه في المدارك بان احتمال ملاقاة النجاسة لا يرفع يقين الطهارة، فقال- في رد كلام العلامة بأن المشتبه بالنجس حكمه حكم النجس- ما صورته: «و ضعفه ظاهر، للقطع بان موضع الملاقاة كان طاهرا في الأصل، و لم يعرض له ما يقتضي ظن ملاقاته للنجاسة فضلا عن اليقين. و قولهم بان المشتبه بالنجس حكمه حكم النجس لا يريدون به من جميع الوجوه، بل المراد صيرورته بحيث يمنع استعماله في الطهارة خاصة. و لو صرحوا بإرادة المساواة من كل وجه كانت دعوى خالية من الدليل» انتهى و أنت خبير بأنه بمقتضى ما نقلنا من الأخبار المتعلقة بحكم المشتبه في الأفراد المحصورة مما ورد في هذه المسألة و نظائرها، و ان ذلك قاعدة كلية. إعطاء المشتبه بالنجس حكم النجس على التفصيل الآتي، و المشتبه بالحرام حكم الحرام كذلك، ألا ترى ان ملاقاة النجاسة لبعض الثوب مع الاشتباه بباقي اجزائه موجب لغسله كملا كما تقدم في الأخبار. و من الظاهر انه لا وجه لذلك إلا توقف يقين طهارته الموجب لإجراء حكم الطاهر عليه- من صحة الصلاة فيه و منع تعدي حكم النجاسة منه الى ما يلاقيه برطوبة- على ذلك، و بمقتضى ما ذهب اليه- من حكمه في هذه المسألة بعدم وجوب تطهير الملاقي لهذا الماء- انه لا يجب تطهير ما لاقى بعض اجزاء هذا الثوب برطوبة، مع ان ظاهر النصوص الواردة بوجوب تطهيره كملا يدفعه، لأن إيجاب الشارع تطهيره كملا دال على ترتب حكم النجس عليه قبل التطهير. إلا ان هؤلاء الفضلاء لما كان نظرهم في المسألة مقصورا على الموثقتين الواردتين فيها (1)- و هما إنما تضمنتا المنع من الاستعمال في الطهارة خاصة، مع كون الحكم فيهما جاريا على خلاف

____________

(1) و هما موثقتا عمار و سماعة المتقدمتان في الصحيفة 504.

514

القوانين المقررة- اقتصروا على موردهما على تقدير العمل بهما. و حينئذ فما ذكره العلامة في المنتهى من ان المشتبه بالنجس حكمه حكم النجس، ان أراد به من جميع الوجوه فهو مردود بحسنة صفوان (1) الواردة في الثوبين المشتبه طاهرهما بنجسهما، إذ لا تكرر الصلاة في الثوبين النجسين و لا الطاهرين، و ان أراد من بعض الوجوه التي من جملتها ملاقاته برطوبة فصحيح.

و بالجملة فإن للمشتبه في هذه المسألة و أمثالها حالة متوسطة، فمن بعض الجهات- كالأكل و الشرب و الملاقاة برطوبة- حكمه حكم النجس، و من بعض الجهات- كالصلاة في الثوبين المشتبهين باعتبار تكرارها فيهما- له حالة ثالثة. و الى ذلك يميل كلام المحدث الأسترآبادي (قدس سره) في كتاب الفوائد المدنية في مسألة ما لو تنجس الماء مع الشك في بلوغه الكرية، حيث قال- بعد ان اختار فيه التوقف عن الحكم بالطهارة و النجاسة- ما صورته: «ثم اعلم ان هنا أقساما ثلاثة: المحكوم عليه بالطهارة و المحكوم عليه بالنجاسة و المحكوم عليه بوجوب التوقف عن الحكمين و بوجوب الاجتناب و من المعلوم ان الملاقي لأحد الثلاثة حكمه حكم أحد الثلاثة» انتهى.

و العجب منهم (نور الله تعالى مراقدهم) فيما ذهبوا اليه هنا من الحكم بطهارة ما تعدى اليه هذا الماء. مع اتفاقهم ظاهرا في مسألة البلل المشتبه الخارج بعد البول و قبل الاستبراء على نجاسة ذلك البلل و وجوب غسله. كما سيأتي- ان شاء الله تعالى- الكلام فيه في المسألة المذكورة. و المسألتان من باب واحد كما لا يخفى.

(الثانية)

- لو اشتبه ماء إناء طاهر يقينا بأحد الإناءين، فهل يكون الحكم فيه كالحكم فيما اشتبه به من وجوب الاجتناب. أو يحكم بطهارتهما معا، بناء على ان مورد النص إنما هو اشتباه الطاهر يقينا بالنجس يقينا؟

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 504.

515

لا ريب ان مقتضى كلام القائلين بتخصيص حكم الاشتباه بالنجس بالطهارة خاصة دون سائر الاستعمالات هو الثاني. و اما على تقدير القول بإجراء حكم النجس على المشتبه به مطلقا فيحتمل الحكم بوجوب الاجتناب، لان هذا بعض الأحكام المترتبة على النجس، و بذلك صرح العلامة في المنتهى ايضا. و اعترضه في المعالم بان ذلك خارج عن مورد النص و محل الوفاق، فلا بد له من دليل. و يحتمل العدم وقوفا على مورد النص كما عرفت. و الاحتياط لا يخفى.

(الثالثة)

- نص كثير من الأصحاب (رضوان الله عليهم)- كالشيخين و الفاضلين و غيرهما- على عدم الفرق في وجوب الاجتناب مع الاشتباه بين ما لو كان الماء في إناءين أو أكثر. بل نبه بعضهم على عدم الفرق بين كون ذلك إناءين أو غديرين.

قال في المعالم- بعد نقل ذلك عنهم، و الاعتراض بان الحديثين اللذين احتجوا بهما للحكم (1) إنما وردا في الإناءين- ما صورته: «و لو تم الاحتجاج بالاعتبارات التي ذكروها لكانت دليلا في الجميع، و اما النص فخاص كما علم، فتتوقف التسوية التي ذكروها على الدليل، و لعله الاتفاق مضافا الى الاعتبار» انتهى. و على هذا الكلام جرى جملة ممن تأخر عنه.

و فيه ما قد عرفت من ان نظرهم لما كان مقصورا على الخبرين المذكورين- مع ما عرفت من طعنهم فيهما و مناقشتهم في أصل المسألة- كان التعدي عن موردهما يحتاج الى دليل.

و من سرح بريد نظره فيما حققناه و تأمل ما شرحناه عرف ان الحكم في ذلك أمر كلي و قاعدة مطردة لا يداخله شوب الإشكال في تعدي الحكم الى ما ذكره أولئك الفضلاء. على ان التخصيص بالإناءين إنما وقع في كلام السائل، و خصوص السؤال لا يخصص كما تقرر عندهم.

____________

(1) و هما موثقا عمار و سماعة المتقدمان في الصحيفة 504.

516

(الرابعة)

- هل الأمر بالإراقة في النص (1) على جهة الوجوب أم لمجرد الإباحة؟

ظاهر كلام الشيخين و الصدوقين (عطر الله مراقدهم) الأول، إلا ان كلام الصدوقين ربما أشعر باختصاص الحكم بحال ارادة التيمم، حيث قالا في الرسالة و الفقيه: «فان كان معك إناءان فوقع في أحدهما ما ينجس الماء و لم تعلم في أيهما وقع فأهرقهما جميعا و تيمم» و اما كلام الشيخين- سيما المفيد في المقنعة- فظاهر في عدم التقييد بذلك، حيث ذكر انه بعد الإهراق يتوضأ بماء سواهما.

و صريح كلام ابن إدريس و من تأخر عنه الثاني، و ربما يؤيد بورود الأمر بالإراقة في جملة من الأخبار، كما تقدم في أدلة نجاسة الماء القليل بالملاقاة، مع انه لم يقل أحد بوجوب الإراقة ثمة، قال في المعتبر: «و قد يكنى عن النجاسة بالإراقة في كثير من الأخبار تفخيما للمنع» و هو جيد.

و نقل في المعتبر عن بعض الأصحاب ان علة الأمر بالإراقة ليصح التيمم، لانه مشروط بعدم الماء.

و رده بان وجود الماء الممنوع من استعماله لا يمنع التيمم، كالمغصوب و ما يمنع من استعماله مرض أو عدو، و منع الشارع أقوى الموانع. و هو متجه.

و كيف كان فلا يخفى عليك ما في الأمر بالإراقة من الدلالة على عدم الانتفاع بالماء المذكور و ان وجوده في حكم العدم، و به يظهر لحوقه للنجس في جملة أحكامه لا بخصوص الطهارة من الحدث كما ذكره أولئك الفضلاء (رضوان الله عليهم) لانه متى جاز الانتفاع به في غير الطهارة من أكل و شرب و نحوهما فاراقته مما يدخل في باب الإسراف المنهي عنه عموما و خصوصا. و الحق ان التعبير بإراقته هنا دليل ظاهر في لحوق أحكام النجس كملا كما لا يخفى.

(الخامسة)

- قال السيد السند في المدارك بعد الكلام الذي نقلناه في صدر

____________

(1) و هو موثق عمار و موثق سماعة المتقدمان في الصحيفة 504.

517

المسألة: «و يستفاد من قواعد الأصحاب انه لو تعلق الشك بوقوع النجاسة في الماء و خارجه لم ينجس الماء بذلك و لم يمنع من استعماله، و هو مؤيد لما ذكرناه» انتهى.

أقول: وجه الفرق بين ما نحن فيه و بين ما فرضه (قدس سره) ممكن، فان مقتضى القاعدة المستفادة من الأخبار بالنسبة إلى الاشتباه في المحصور ان تكون افراد الاشتباه أمورا معلومة معينة بشخصها و بالنسبة الى غير المحصور ان لا تكون كذلك، و ما ذكره من الصورة المشار إليها انما هو من الثاني لا الأول. على ان القاعدة المذكورة إنما تتعلق بالأفراد المندرجة تحت ماهية واحدة، و الجزئيات التي تحويها حقيقة واحدة ان اشتبه طاهرها بنجسها و حلالها بحرامها، فيفرق فيها بين المحصور و غير المحصور بما تضمنته تلك الأخبار لا وقوع الاشتباه كيف اتفق.

(السادسة)

- الظاهر انه لا فرق في ترتب حكم الاشتباه المذكور بين ان يكون الماءان طاهرين ثم يقع في أحدهما قذر و لا يعلم على التعيين، أو يكون أحدهما طاهرا و الآخر نجسا ثم يشتبه أحدهما بالآخر، أو يكونا كذلك ثم ينقلب أحدهما و يشتبه الباقي بكونه هو الطاهر أو النجس.

(السابعة)

- لو أمكن الصلاة بطهارة متيقنة من هذين الماءين بان يتطهر بأحدهما ثم يصلي ثم يغسل أعضاءه مما لاقاه ماء الوضوء ثم يتوضأ بالآخر، فهل تصح الصلاة أم لا؟

الذي صرح به جمع من الأصحاب المنع، و هو الظاهر، قال في المعتبر في توجيهه: «لانه ماء محكوم بالمنع منه فجرى استعماله مجرى النجس» انتهى.

و علله بعضهم بأنه يصدق عليه بعد الطهارة الاولى انه متيقن الحدث شاك في الطهارة و من هذا شأنه لا يسوغ له الدخول في الصلاة نصا و إجماعا، و وضوؤه الثاني يجوز ان يكون بالنجس فيكون قد صلى بنجاسة.

و علله في المدارك بان هذين الماءين قد صارا محكوما بنجاستهما شرعا، و استعمال

518

النجس في الطهارة مما لا يمكن التقرب به، لأنه بدعة. ثم قال: «و فيه ما فيه».

و الحق ما علله به في المعتبر. و كيف كان فالظاهر انه لا خلاف في الحكم المذكور.

(الثامنة)

- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لا يجوز التحري في الاجتهاد بتحصيل الأمارات المرجحة لطهارة أحدهما. و هو كذلك، لثبوت النهي عن استعمال هذا الماء. و القرينة التي لا تثمر اليقين غير كافية في الخروج عن عهدة النهي الشرعي.

(الصورة الثانية)- الاشتباه بالمغصوب

، و قد صرح جمع من الأصحاب بأن الحكم فيها كالاشتباه بالنجس.

و استشكله بعض أفاضل متأخري المتأخرين نظرا إلى

صحيحة عبد الله بن سنان (1) الدالة على ان «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه».

و ما في معناها.

و فيه نظر، فان مورد هذه الرواية و ما في معناها- كما عرفت آنفا- إنما هو الافراد الغير المحصورة.

و حينئذ فما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو الظاهر، وقوفا على القاعدة الواردة في المحصور إذا اشتبه حلاله بحرامه كما عرفت، فتحريم الاستعمال مما لا ينبغي ان يستراب فيه.

لكن لو توضأ بهما و ارتكب المحرم، فهل تحصل له طهارة صحيحة يجوز له الدخول بها في الصلاة أم لا؟

صرح بعض محققي متأخري المتأخرين بالأول، قال: «لأن أحدهما ماء

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 4- من أبواب ما يكتسب به، و في باب (حكم السمن و الجبن و غيرهما إذا علم انه خلطه حرام) من أبواب الأطعمة المحرمة. و قد تقدمت في الصحيفة (140).

519

مباح و لا شك انه قد وقعت الطهارة به، فيلزم ان تكون صحيحة» ثم انه اعترض على نفسه بان استعمال كل منهما حرام منهي عنه و النهي في العبادة موجب للفساد.

و أجاب بمنع كون النهي موجبا للفساد في العبادة.

و لم أقف لغيره على كلام في المقام الا ان الموافق لمذاق الأصحاب بمقتضى القاعدة التي منعها- لاتفاقهم على العمل بها- هو البطلان.

أقول: و مع الإغماض عن ذلك فيمكن أن يقال:

(أولا)- ان التقرب بما نهى الشارع عنه نهى تحريم غير معقول، و لعل ذلك هو الوجه في القاعدة التي بنى عليها الأصحاب، من ان النهى في العبادة موجب لفسادها.

و (ثانيا)- ان هذه المسألة نظير المسألة التي مرت في الفائدة السابعة. و قد عرفت انه لا خلاف في البطلان ثمة.

و (ثالثا)- ان هذا الماء باعتبار تحريم الشارع استعماله يصير في حكم العدم، و حينئذ ينتقل الفرض الى التيمم لو لم يوجد غيره، و لا ريب انه مع انتقال الفرض الى التيمم فلا يجزي الوضوء، كما في سائر المواضع التي ينتقل الفرض فيها الى التيمم و ان كان الماء موجودا.

(الصورة الثالثة)- الاشتباه بالمضاف

. و قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يجب الوضوء بكل منهما. و هو كذلك، فإن المسألة هنا من قبيل الصلاة في الثوبين المشتبه طاهرهما بنجسهما.

و ما يتوهم في مثل هذه المسألة- من أنه لا بد من الجزم بالنية- فلا دليل عليه، بل الدليل قائم على خلافه، لما ورد (1) من صحة صلاة من نسي فريضة من الخمس ثنائية

____________

(1) في روايتي علي بن أسباط و الحسين بن سعيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) المرويتين في الوسائل في الباب- 11- من أبواب قضاء الصلوات.

520

و ثلاثية و رباعية مرددة. و مع تسليم ما ذكروه فهو مخصوص بصورة يتيسر فيها الجزم.

ثم انه هل تصح الطهارة بهذين الماءين المشتبهين مع وجود ماء غير مشتبه أم لا؟

ظاهر الأصحاب الثاني كما صرح به جملة منهم، و علله شيخنا الشهيد الثاني في الروض بالقدرة على الجزم التام في النية مع استعمال الآخر فلا يصح بدونه.

و لو انقلب أحدهما فذهب ماؤه، فالذي صرحوا به انه يجب الوضوء بالآخر و التيمم مقدما للأول على الثاني.

و اعترضه في المدارك بان الماء الذي يجب استعماله في الطهارة ان كان هو ما علم كونه ماء مطلقا، فالمتجه الاجتزاء بالتيمم و عدم وجوب الوضوء به كما هو الظاهر، و ان كان هو ما لا يعلم كونه مضافا اكتفي بالوضوء، فالجمع بين الطهارتين غير واضح و مع ذلك فوجوب التيمم إنما هو لاحتمال كون المنقلب هو المطلق، فلا يكون الوضوء بالآخر مجزيا، و هذا لا يتفاوت الحال فيه بين تقديم التيمم و تأخيره كما هو واضح. انتهى.

و أجيب بأنه لما كان الحكم بالوضوء متعلقا بوجدان الماء و الحكم بالتيمم معلق بعدم وجدانه. فإذا وجد ما يشك في كونه ماء كان كل من وجوب الوضوء و التيمم مشكوكا. إذ لا ترجيح لأحدهما على الآخر. فيجب الوضوء و التيمم معا حتى يحصل اليقين بالبراءة. و هو جيد.

و يوضحه انه لما كان هذا الماء بالاشتباه بين ذينك الفردين تعرض له حالة ثالثة يخرج بها عنهما كالمشتبه بالنجس على ما عرفت تحقيقه آنفا. فلا يحكم بكونه مضافا و لا مطلقا بل محتمل لهما احتمالا متساوي الطرفين، فيترتب عليه ما يترتب على كل منهما من الوضوء و التيمم، و حينئذ فلا معنى لترتب الحكم فيه على فرض كون ما يتطهر به ماء مطلقا أو هو ما لا يعلم كونه مضافا كما ذكره المعترض. نعم ما ذكره من إيجابهم تقديم الوضوء على التيمم لا يظهر له وجه.

521

(الصورة الرابعة)- الاشتباه المستند الى الشك في وقوع النجاسة أو ظنه

، و لا خلاف في عدم البناء عليه في الأول، و أولى منه الوهم.

نعم وقع الخلاف في الظن، فلو ظن وقوع النجاسة في الماء فهل يعمل عليه مطلقا أو لا مطلقا أو يفصل بين ما يستند الى سبب شرعي أم لا، فعلى الأول يكون كالأول و على الثاني كالثاني؟ أقوال:

و قد تقدم تحقيق البحث في ذلك في المقدمة الحادية عشرة (1) و أشبعنا الكلام فيه في كتاب الدرر النجفية. نسأل الله تعالى التوفيق لإتمامه.

نعم يبقى الكلام هنا فيما لو تعارضت البينتان في الماء بالطهارة و النجاسة، و له صورتان:

[الصورة] (الاولى)- ان يقع التعارض في إناء واحد

، بان تشهد احدى البينتين بعروض النجاسة له في وقت معين و تشهد الأخرى بعدمه في ذلك الوقت، لادعائها ملاحظته في ذلك الوقت و القطع بعدم حصول النجاسة. و قد اختلفت فيه أقوالهم:

فقيل بإلحاقه بالمشتبه بالنجس، و هو قول العلامة في التذكرة و القواعد، و جعله فخر المحققين في الشرح اولى، و نقل في المعالم عن والده انه قواه في بعض فوائده، و علله المحقق الشيخ علي في شرح القواعد بتكافؤ البينتين.

و قيل بالطهارة، إلا انه اختلف التعليل لذلك، فبين من عللها بالعمل ببينة الطهارة لاعتضادها بالأصل، حكاه فخر المحققين عن بعض الأصحاب. و بين من عللها بتساقط البينتين و الرجوع الى حكم الأصل و هو الطهارة، ذكره الشهيد في البيان، و قال انه قوي بعد ان قرب القول الأول، و نسبه فخر المحققين الى الشيخ.

و قيل بالعمل ببينة النجاسة، لأنها ناقلة عن حكم الأصل و بينة الطهارة مقررة و الناقل اولى من المقرر عند التعارض، كما قرروه في الأصول في البحث عن تعادل

____________

(1) في الصحيفة 137.

522

الأدلة، و لموافقتها للاحتياط، و لأنها في معنى الإثبات و الطهارة في معنى النفي، و يعزى هذا القول الى ابن إدريس، و نقل في المعالم عن بعض المتأخرين الميل اليه، قال: «و هو أحوط غير ان القول بالطهارة- للتساقط- أقرب» انتهى.

و ما قربه (قدس سره) هو الأنسب بقواعد الأصحاب، لتطرق القدح الى ما عداه من الأقوال المذكورة.

(اما الأول) فيرد عليه انه لا دليل عليه، لان الاشتباه الملحق به دليله اما النص المتقدم كما حققناه أو الإجماع كما استند اليه آخرون، و كل منهما لا يتناول موضع النزاع. و شمول القاعدة المستفادة من النصوص لذلك محل إشكال، إذ ظاهر تلك النصوص هو استناد الاشتباه الموجب لاشتباه الحكم الى امتزاج تلك الافراد و اختلاطها على وجه لا يتميز طاهرها من نجسها و لا حلالها من حرامها، لا مجرد الاشتباه كيف اتفق. و تكافؤ البينتين- كما ذكره المحقق الشيخ علي- إنما يكون موجبا لطرحهما، لعدم إمكان الترجيح بغير مرجح. لا موجبا للعمل بهما.

و (اما الثاني) ففيه ان ما ذكر من المقدمات المبنى عليها دليله و التعليلات المذكورة و ان ذكرها علماء الأصول إلا انها مما لم يقم على الاعتماد عليها دليل معتمد، فلا يخرج عن مجرد التطويل الذي لا يهدي الى سبيل و لا يشفي العليل و لا يبرد الغليل، فلا يمكن الاعتماد عليها في تأسيس حكم شرعي. و اما الاحتياط فليس بدليل شرعي عندهم بل غايته ثبوت الأولوية به.

هذا. و التحقيق في المقام ان المسألة لما كانت عارية عن نصوص أهل الذكر (عليهم السلام) فالحكم فيها الوقوف على ساحل الاحتياط، و هو العمل بالنجاسة، و ان كان القول الثاني ليس بذلك البعيد باعتبار التعليل الثاني دون الأول، لتطرق القدح إليه بأنه لا بد في المرجح من ان يكون مما اعتبره الشارع مرجحا، و لم يثبت هنا كونه كذلك.

523

(الصورة الثانية)- ان يتعارضا في إناءين

، بأن تشهد احدى البينتين، انه هذا و تشهد الأخرى بأنه الآخر.

و قد اختلفت فيها كلمتهم ايضا، فذهب جمع- منهم: المحقق في المعتبر و العلامة في التحرير و الشهيد في الذكرى و الشيخ علي في شرح القواعد و الشهيد الثاني في بعض فوائده على ما نقله ابنه عنه في المعالم- إلى أنهما كالمشتبه بالنجس. و نقل عن الشيخ في الخلاف القول بسقوط الشهادتين و الرجوع الى أصل الطهارة.

و قال في المبسوط على ما نقل عنه في المختلف: «لا يجب القبول سواء أمكن الجمع أو لم يمكن، و الماء على أصل الطهارة أو النجاسة، فأيهما كان معلوما عمل عليه.

و ان قلنا: إذا أمكن الجمع بينهما قبل شهادتهما و حكم بنجاسة الإناءين، كان قويا، لان وجوب قبول شهادة الشاهدين معلوم في الشرع، و ليسا متنافيين» انتهى.

و قال العلامة في المختلف: «لو شهد عدلان بان النجس أحد الإناءين و شهد عدلان بان النجس الآخر، فان أمكن العمل بشهادتهما وجب، و ان تنافيا اطرح الجميع و حكم بأصل الطهارة» ثم انه مال في آخر كلامه الى كونهما بمنزلة الإناءين المشتبهين.

احتج الذاهبون الى القول الأول بأن الاتفاق حاصل من البينتين على نجاسة أحد الإناءين، و التعارض إنما هو في التعيين، فيحكم بما لا تعارض فيه، و يتوقف في موضع التعارض.

و احتج الشيخ في الخلاف بان الماء على أصل الطهارة، و ليس على وجوب القبول من الفريقين و لا من واحد منهما دليل، فوجب طرحهما و بقي الماء على حكم الأصل.

و احتج العلامة في المختلف بأنه مع إمكان الجمع يحصل المقتضي لنجاسة الإناءين فيثبت الحكم، و مع امتناع الجمع تكون كل واحدة من الشهادتين منافية للأخرى،

524

و يعلم قطعا كذب إحداهما، و ليس تكذيب واحدة منهما بعينها اولى من تكذيب الأخرى. فيجب طرح الجميع و الرجوع الى الأصل و هو الطهارة.

و أنت خبير بان سياق حجة القول الأول ينادي بالاختصاص بصورة عدم إمكان الجمع، و لعلهم في صورة إمكان الجمع يحكمون بنجاسة الإناءين باعتبار قبول الشهادتين كما هو ظاهر، لان فرض قبول البينة في كل من الإناءين مع الانفراد يقتضي القبول مع الاجتماع، للقطع بعدم تأثير الاجتماع في اختلاف الحكم حيث لا تنافي كما هو المفروض، و لعله لظهوره لم يتعرضوا له. و ظاهر كلام الشيخ في الخلاف عدم الفرق بين صورتي إمكان الجمع و عدمه، كما هو صريح صدر عبارته في المبسوط.

و أورد على كلامه في الخلاف انه لا مقتضي للطرح إلا التعارض، و هو منفي بالنظر الى أحد الإناءين من غير تعيين، و إنما وقع التعارض في التعيين، و الإطراح فيه لا يقتضي الإطراح مطلقا فيبقى معنى الاشتباه موجودا. هذا بالنظر الى صورة عدم إمكان الجمع. و اما بالنظر الى صورة إمكانه فقد عرفت ان مقتضاه هو الحكم بالنجاسة.

و اما كلام العلامة في المختلف فما يتعلق منه بصورة إمكان الجمع متجه كما تقدم وجهه، و اما ما يتعلق بصورة عدم الإمكان فيرد عليه ما يرد على كلام الخلاف، لاتفاقهما في الحكم بذلك. و كأنه (قدس سره) في المختلف تنبه لورود المناقشة بذلك فقال بعد الكلام المتقدم: «لا يقال: يحكم بنجاسة أحد الإناءين و صحة إحدى الشهادتين، فيكون بمنزلة الإناءين المشتبهين. لأنا نقول: نمنع حصول العلم بنجاسة أحد الإناءين و صحة إحدى الشهادتين، لأن صحة الشهادة إنما تثبت مع انتفاء الكذب، اما مع وجوده فلا» و ضعفه في المعالم بان التكذيب إنما وقع في التعيين لا مطلقا. و كأنه لما كان مجال المناقشة مع هذا الجواب باقيا بحاله استدرك في آخر كلامه، فقال: «على انه لو قيل بذلك- يعني بمنزلة الإناءين المشتبهين- كان وجها، و لهذا يردهما المشتري سواء تعدد أو اتحد» انتهى. و حينئذ فيرجع كلامه الى ما ذكره

525

الشيخ في المبسوط كما تقدم من عبارته، و هو مؤذن بالتردد.

و كيف كان فالاحتياط في مثل هذه المسائل الغير المنصوصة مما لا ينبغي تركه.

(الصورة الخامسة)- الاشتباه المستند الى اشتباه ما وقع في الماء بكونه طاهرا أو نجسا.

و الذي صرح به جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو الحكم بطهارة الماء و البناء على يقين الطهارة حتى يثبت يقين النجاسة. إلا انك قد عرفت في المقدمة الحادية عشرة (1) ان بعض الأصحاب قد منع جريان هذه القاعدة في مثل هذا الموضع مدعيا ان المنع عن نقض اليقين بالشك مراد به الشك في وجود الرافع، يعني لا بد من ثبوت الرافعية له أولا، فإذا شك في وجوده و عدمه فان هذا الشك لا يعارض اليقين الثابت له أولا لا الشك في ثبوت الرافعية له. و تحقيق القول في ذلك تقدم في المقدمة المشار إليها.

و بالجملة فكلام من وقفنا على كلامه من الأصحاب متفق هنا في البناء على يقين الطهارة في الصورة المذكورة.

و لكن نقلوا الخلاف هنا في صورة واحدة، و هي ما إذا وقع صيد مجروح حلال اللحم نجس الميتة في ماء قليل، و كان المحل الملاقي للماء منه خاليا من النجاسة، فمات فيه و لم يعلم استناد موته الى الجرح أو الماء، فهل يحكم بطهارة الماء حينئذ أو نجاسته؟ قولان:

نقل أولهما عن العلامة في بعض كتبه، و به صرح المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، و اختاره جملة ممن تأخر عنه.

و اختار الثاني جمع من الأصحاب: منهم- العلامة في أكثر كتبه و ابنه

____________

(1) في الصحيفة 143.

526

فخر المحققين في الشرح، و نقل عن الشهيدين ايضا. و توقف المحقق في المعتبر.

وجه القول الأول التمسك بأصالة طهارة الماء السالمة عن معارضة يقين الرافع لها شرعا، فان الشك في استناد الموت الى الجرح أو الماء يقتضي الشك في عروض النجاسة فلم يعلم حصول الرافع، فتبقى العمومات الدالة على طهارة الماء سالمة عن المعارض، كذا قرره في المعالم بعد ان اختار فيه القول بالطهارة. و وجهه فخر المحققين في شرح القواعد، فقال- بعد نقل كلام والده (قدس سرهما) باحتمال العمل بالأصلين، يعني أصالة الطهارة في الماء و أصالة التحريم في الصيد- ما لفظه: «أقول: لأصل الطهارة حكمان: (الأول)- الحكم بها. (الثاني)- حل الصيد، و لأصالة الموت حكمان: (الأول)- لحوق أحكام الميت للصيد (الثاني)- نجاسة الماء، فيعمل كل منهما في نفسه لأصالته فيه، دون الآخر لفرعيته فيه، و لعدم العلم بحصول سبب كل منهما، و الأصل عدمه. و لا تضاد، لعدم تضاد سببيهما، لان سبب الحكم بالطهارة هو عدم العلم بموت الصيد حتف انفه، و سبب تحريم الصيد عدم العلم بذكاته، و هما لا يتضادان، لصدقهما هنا لانه التقدير. و كلما لم تتضاد الأسباب لم تتضاد المسببات. ثم قال: و الأقوى الحكم بنجاسة الماء، لامتناع الخلو عن الملزومين، اعني موت الصيد بالجرح و لا بالجرح المستلزمين لحل الصيد، فإنه لازم للأول، و نجاسة الماء فإنه لازم للثاني. و امتناع الخلو عن الملزومين مستلزم لامتناع الجمع بين نقيضي اللازمين. و تحريم الصيد ثابت بالإجماع،

و لما رواه الحلبي في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه «سئل عن رجل رمى صيدا و هو على جبل أو حائط، فيخرق فيه السهم فيموت؟ قال: كل منه، و ان وقع في الماء من رميتك فمات فلا تأكل منه» (1).

فيثبت الحكم بالنجاسة» انتهى.

و صاحب المعالم قرر دليل النجاسة بما لفظه: احتجوا بان تحريم الصيد ثابت

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب- 20- من أبواب الصيد.

527

بالإجماع و جملة من الأخبار: منها- صحيحة الحلبي، و ساق الخبر كما تقدم. ثم قال: و الحكم بتحريم اللحم يدل على عدم تحقق الذكاة، و ذلك يقتضي الحكم بموته حتف انفه، و النجاسة لازمة له. ثم أجاب بالمنع من دلالة حرمة اللحم على عدم تحقق الذكاة. و إنما يدل على ذلك لو كان الحكم بالتحريم موقوفا عليه، و هو في حيز المنع ايضا، لجواز استناده إلى جهالة الحال و حصول الاشتباه، فان التحريم حينئذ هو مقتضى الأصل، لاشتراط الحل بأمر وجودي، و لا ريب ان الأصل في مثله العدم، فيعمل بكل من أصلي طهارة الماء و حرمة اللحم. ثم قال: و ما يقال- من ان العمل بالأصلين إنما يصح مع إمكانه، و هو منتف، لانه كما يستحيل اجتماع الشيء مع نقيضه كذلك يستحيل اجتماعه مع نقيض لازمه- فجوابه ان عدم الإمكان إنما يتحقق إذا جعل التحريم مستندا الى العلم بعدم التذكية الذي هو عبارة عن موته حتف انفه، لا إذا جعل مسببا عن عدم العلم بالتذكية. و الحكم بطهارة الماء إنما يتوقف على عدم العلم بوجود النجاسة لا على العلم بعدمها، إذ الشك في نجاسة الرافع لا يقتضي نجاسة الماء قطعا. انتهى.

و على هذا المنوال جرى جمع ممن تقدمه و تأخر عنه في الاستدلال، و ملخصه ان تحريم الصيد الذي ثبت بالإجماع و النصوص في الصورة المفروضة إنما يستلزم نجاسة الماء لو كان العلة فيه عدم تذكية الصيد و موته حتف أنفه، اما لو كان العلة فيه عدم العلم بالتذكية فلا، إذ النجاسة إنما تلزم العلة الأولى دون الثانية، فإن طهارة الماء عبارة عن عدم العلم بملاقاة النجاسة، و ههنا كذلك. للشك في نجاسة الصيد باحتمال موته حتف انفه و احتمال تذكيته.

أقول: و الذي يظهر لي ان كلام الجميع في هذا المجال غير خال من الإجمال بل الاختلال، إذ لا يخفى ان ثبوت النجاسة للماء و عدمها إنما نشأ من الصيد و الحكم بطهارته أو نجاسته، فالواجب أولا بيان الحكم فيه بالطهارة أو النجاسة، و لا ريب

528

ان مقتضى أصالة عدم التذكية عندهم كما تكون موجبة للتحريم كذلك تكون موجبة للنجاسة، كما صرحوا به في جملة من المواضع: منها- مسألة اللحم و الجلد المطروحين، حيث حكموا بالتحريم و النجاسة بناء على الأصل المشار اليه، و حينئذ فكما يكون العلم بعدم التذكية موجبا للتحريم و النجاسة كذلك حال الاشتباه و عدم العلم بالتذكية موجب لهما. و لا ريب ان الصيد في الصورة المفروضة مما اشتبه فيه الحال بالتذكية و عدمها، و التمسك بأصالة عدم التذكية يوجب الحكم بتحريمه و نجاسته، و متى ثبت نجاسته فوقوعه في الماء القليل موجب لتنجيسه عند القائل بنجاسة القليل بالملاقاة، فالنجاسة لا تختص بالترتب على العلم بعدم التذكية خاصة الذي هو الموت حتف الأنف، حتى يتم لهم ان النجاسة هنا مشكوك فيها لاحتمال التذكية، بل كما تترتب على ذلك تترتب على الشك أيضا في التذكية كما عرفت، فإنه لما كان كل من حل الصيد و طهارته مترتبا على العلم بالتذكية، كان انتفاؤهما بانتفاء ذلك تحقيقا للسببية. و عدم العلم بالتذكية- كما عرفت- أعم من العلم بالعدم.

و بالجملة فإن نجاسة الماء و طهارته في الصورة المفروضة دائرة مدار طهارة الصيد و نجاسته، و قد عرفت ان عدم العلم بالتذكية كما يكون سببا في التحريم يكون سببا في النجاسة، و حينئذ فقول المستدل-: ان الشك في استناد الموت الى الجرح أو الماء يقتضي الشك في عروض النجاسة- مسلم لو كانت النجاسة مرتبة على الموت حتف الأنف خاصة كما ذكروه. فاما إذا قلنا بترتبها ايضا على الشك في التذكية و عدم العلم بها فلا. و حينئذ فالظاهر هو القول بالنجاسة. و أصالة الطهارة التي استندوا إليها ممنوعة بوجود النجاسة يقينا. و بما ذكرناه تخرج هذه الصورة المذكورة عن فرض المسألة، إذ موضوع المسألة وقوع شيء مشكوك في نجاسته أو طهارته في الماء القليل، و الصيد في الصورة المفروضة محكوم بنجاسته قطعا، لعدم العلم بالتذكية، فإنه موجب لتحريمه و نجاسته كما عرفت.

نعم لو كان موجب النجاسة هو العلم بعدم التذكية خاصة اتجه ما ذكروه، إلا انه ليس كذلك.

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة


الجزء الأول


تأليف

الشيخ يوسف بن احمد البحراني


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org