1

2

[تتمة كتاب التجارة]

[تتمة أحكام العقود و المعاملات]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين

الفصل العاشر في السلم

و يقال له السلف، و عرفوه بأنه بيع مضمون في الذمة مضبوط بمال معلوم مقبوض في المجلس إلى أجل معلوم بصيغة خاصة، فالكلام في هذا الفصل يقع في مقامين.

[المقام] الأول- في الشرائط

، و هي الإيجاب و القبول، و ذكر الجنس، و ذكر الوصف، و قبض الثمن قبل التفرق، و تقدير المبيع و الثمن بالكيل و الوزن، و اعتبار الأجل بما لا يحتمل الزيادة و النقصان، و غلبة وجوده وقت الحلول.

و تفصيل الكلام في هذه الشروط يقع في مواضع،

[الشرط] الأول- الإيجاب و القبول

، و دليل وجوبهما ظاهر، لان السلم قسم من أقسام البيع المتوقف على ذلك، و ينعقد الإيجاب بلفظ بعت، و كذا ينعقد بلفظ التمليك على ما ذكره بعض الأصحاب، و استلمت منك كذا، و اما أسلفتك و أسلمت إليك، فهما من المشترى، و كذا سلفتك بالتضعيف.

قال في التذكرة: و يجيء سلمت الا ان الفقهاء لم يستعملوه، و ينبغي القول

3

بجوازه لدلالته صريحا على المقصود، و وروده لغة فيه، و الإيجاب بأحد هذه العبارات من المسلم و هو المشترى، و القبول حينئذ من المسلم اليه، و هو البائع، و هذا الحكم من خواص السلم بالنسبة إلى أقسام البيع، و مثله في صحة الإيجاب من كل من المتعاقدين الصلح، و هل ينعقد البيع بلفظ السلم كما ينعقد السلم به؟ بأن يقول أسلمت إليك هذا الدرهم في هذا الشيء قولان:

المشهور الجواز، و مثله- على ما ذكره في القواعد- ما لو قال البائع: أسلمت إليك هذا الثوب في هذا الدينار، قالوا: و وجه الصحة ان البيع يصح بكل ما أدى ذلك المعنى المخصوص، و السلم نوع من البيع، اعتبره الشارع في نقل الملك، فجاز استعماله في الجنس مجازا تابعا للقصد، و لأنه إذا جاز استعماله لما في الذمة المحتمل للغرر كان مع المشاهدة أدخل، لأنه أبعد من الغرر، إذ مع المشاهدة يحصل العلم أكثر من الوصف، و الحلول يتيقن معه إمكان التسليم و الانتفاع بخلاف الأجل، فكان أولى بالصحة، و وجه العدم أن لفظ السلم موضوع حقيقة للنوع الخاص من البيع، فاستعماله في غير ذلك النوع مجاز، و العقود اللازمة لا تثبت بالمجازات، و لان الملك انما ينتقل بما وضعه الشارع ناقلا، و لم يثبت جعل الشارع هذا ناقلا في موضع النزاع، و فصل ثالث- فقال: الحق انا ان قلنا باختصاص البيع بما يثبت شرعا من الألفاظ، لم يصح هنا، و ان جوزناه بكل لفظ دل صريحا على المراد صح، لان هذا اللفظ مع قصد البيع صريح في المطلوب، و كلام الأصحاب في تحقيق ألفاظ البيع مختلف، و القول بعدم انعقاد البيع بلفظ السلم لا يخلو من قوة.

أقول: و هذا التفصيل جيد إلا انك قد عرفت مما حققناه آنفا في صدر الفصل الأول في البيع في البحث عن الصيغة انه لم يقم دليل على هذه الألفاظ التي اعتبروها و عينوها و زعموا أن الشارع حصر النقل فيها على الكيفية التي أدعوها، بل المفهوم من الاخبار ان كل ما دل من الألفاظ على التراضي من الطرفين فهو كاف في الصحة،

4

حتى تخطأ بعض المحدثين الى الحكم بالجواز بمجرد الرضا و ان لم يقع بالألفاظ، و ظاهر هذا القائل الرجوع الى ما ذكره من الوجه الأول و هو مردود بما قلناه و الله العالم.

[الشرط] الثاني و الثالث- الجنس و الوصف

و المراد بالجنس هنا اللفظ الدال على الحقيقة النوعية، كالحنطة و الشعير و نحوهما، و الوصف هو الفارق بين أصناف ذلك النوع، فلو أخل بهما أو بأحدهما بطل العقد، و الوجه في ذلك- مضافا الى الاخبار الاتية- لزوم الغرر المنفي لو لم يذكر و يشير الى ذلك جملة من الاخبار.

منها ما رواه

في الكافي و التهذيب عن معاوية بن عمار (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): لا بأس بالسلم في المتاع إذا سميت الطول و العرض».

و ما رواه

في الكافي عن جميل بن دراج (2) في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: «لا بأس بالسلم في المتاع إذا وصفت الطول و العرض».

و في موثقة سماعة (3) قال: «و سألته عن السلم في الحيوان إذا وصفته إلى أجل معلوم فقال: لا بأس به».

و في صحيحة زرارة (4) المروية في الفقيه و التهذيب عن الباقر (عليه السلام) قال: «لا بأس بالسلم في المتاع إذا وصفت الطول و العرض، و في الحيوان إذا وصفت أسنانه».

و في حسنة زرارة (5) و صحيحة المروية في الكافي عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بالسلم في الحيوان إذا وصفت أسنانها».

____________

(1) الكافي ج 5 ص 199.

(2) الكافي ج 5 ص 199.

(3) الوسائل الباب- 3- من أبواب السلف الرقم 8.

(4) الفقيه ج 3 ص 168 التهذيب ج 7 ص 41.

(5) الكافي ج 5 ص 220.

5

و في موثقة لزرارة (1) أيضا عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بالسلم في في الحيوان إذا سميت سنا معلوما».

و في موثقة سماعة (2) المروية في الكافي قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن السلم في الحيوان قال: أسنان معلومة و أسنان معدودة إلى أجل معلوم لا بأس به».

و قول ابى عبد الله (عليه السلام) في رواية ابن الحجاج الكرخي (3) «و من اشترى من طعام موصوف و لم يسم فيه قرية و لا موضعا فعلى صاحبه أن يؤديه».

و في صحيحة الحلبي (4) «قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسلم في وصفاء بأسنان معلومة و لون معلوم الحديث».

الى غير ذلك من الاخبار المتفرقة الاتى إنشاء الله تعالى جملة منها.

و الضابط في الوصف أن كل ما يختلف لأجله الثمن اختلافا لا يتسامح بمثله عادة فإنه يجب ذكره، قالوا: و المرجع في هذه الأوصاف إلى العرف، فإنه ربما كان العامي أعرف بها من الفقيه و حظ الفقيه فيها البيان الإجمالي، ثم انه متى وصفه فلا يبالغ في الوصف و يستقصي فيه، إذ ربما تعذر وجوده، فيبطل السلم، بل ينبغي الاقتصار على ما يتناوله اسم الموصوف بالوصف الذي يزيل اختلاف أثمان الأفراد الداخلة في ذلك المعين، فان استقصى ذلك و وجد الموصوف صح السلم، و الا بطل كما ذكرناه.

قالوا: و لو شرط الأجود لم يصح لتعذره، إذ ما من فرد جيد الا و يمكن أن يكون فرد أجود منه فلا يتحقق حينئذ كون المدفوع من أفراد الحق، و كذا لو شرط الأردى لعين ما تقدم، و قيل هنا بإمكان التخلص من ذلك بأن الأردى و ان لم يمكن الوقوف عليه لما عرفت من انه لا فرد كذلك الا و يمكن أن يكون فوقه ما هو أردى

____________

(1) الكافي ج 5 ص 221 عن عبيد بن زرارة.

(2) الكافي ج 5 ص 222.

(3) الفقيه ج 3 ص 131.

(4) الكافي ج 5 ص 221.

6

منه، الا انه يمكن التخلص من الحق بدونه، و طريقه ان يدفع فردا من الافراد، فإن كان هو الأردى فهو الحق و ان لم يكن كذلك كان قد دفع الجيد عن الردى، و هو جائز كما سيأتي- إنشاء الله تعالى- ذكره، فيحصل التخلص، و لا يبطل العقد، بخلاف ما لو شرط الأجود.

و أورد عليه بأنه و ان أمكن التخلص بالوجه المذكور، لكنه غير كاف في صحة العقد، إذ الواجب تعيين المسلم فيه بالضبط بحيث يمكن الرجوع اليه، عند الحاجة و يمكن تسليمه و لو بالقهر بان يدفعه الحاكم الشرعي من مال المسلم اليه لو فرض امتناعه من تسليمه، و من الظاهر أن هذين الأمرين منتفيان عن الأردى لأنه غير متعين، فلا يمكن تسليمه، و الجيد غير مستحق عليه، فلا يجوز للحاكم و نحوه دفعه من ماله. و كذا لا يجب عليه مع المماكسة و حينئذ فيتعذر التخلص، و به يظهر ان الأقوى عدم الصحة في هذا الفرد ايضا كسابقه.

و لشيخنا الشهيد (عطر الله مرقده) في الدروس هنا كلام في ذكر أوصاف جملة من المبيعات سلما لا بأس بذكره و ان طال به زمام الكلام في المقام، قال (قدس سره) و لنذكر مما يعم به البلوى ثلاثة عشر، أحدها الرقيق، و ليذكر فيه الذكورة و الأنوثة، و النوع و اللون، و السن و القد كالطويل و القصير و الربعة، و لو قدره بالأشبار كالخمسة و الستة احتمل المنع، لإفضائه إلى العزة و يحتمل وجوب ذكر الكحل (1) و الدعج (2) و الزجج (3) و تكلثم الوجه في الجارية و كونها خميصة ريانة اللمس، ثقيلة الردف، أو أضداد ذلك لتفاوت الثمن به و عدم عزته، و الأقرب تعيين البكارة و الثيوبة في الأمة، فلو أطلق بطل، و لا يشترط ذكر الملاحة فلو ذكرها روعي العرف و يحمل على أقل درجة، و يحتمل البطلان لعدم انضباطها، فان مرجعها

____________

(1) و كحلت العين كحلا من باب تعب و هو سواد يعلو جفونها خلقة.

(2) الدعج و الدعجة: السواد في العين.

(3) الزجج: و هو تقويس في الحاجب مع طول في طرفه.

7

الى الاستحسان و الشهوة المختلفين باختلاف الطبائع، و لا يجب التعرض لآحاد الأعضاء لعدم تفاوت الثمن فيه بينا، و ربما ادى الى عزة الوجود، و كذا لو شرط الولد مع الام المقصود بها التسري، و لو قصدها الخدمة كالزنجية جاز لقلة التفاوت و اولى بالجواز اشتراط كونها حاملا سواء كانت حسناء أو شوهاء، و منع في المبسوط منه لعدم إمكان ضبطه، و منع ابن الجنيد من اشتراط الحمل في الحيوان كله، و الوجه الجواز و لا يجب وصف الحمل لانه تابع.

و ثانيهما الإبل فيذكر السن كالثني و الذكورة و الأنوثة و اللون كالأسود و الأحمر، و الصنف كالعرابى و البخاتي، و النتاج إذا كان معروفا عام الوجوه كالعبادى.

و ثالثها الخيل فيذكر الذكورة و الأنوثة و السن و النوع و العربي و التركي، و اللون، و لو ذكر الشباب و الهيئات كالأغر و المحجل و اللطبم جاز و ان لم يجب ذكرها.

و رابعها- البقر و الحمير، و يتعرض فيه للسن و النوع و الذكورة و الأنوثة و اللون و البلد.

و خامسها- الطير و يتعرض فيه للنوع و اللون و كبر الجثة أو صغرها، لان سنها غير معلوم، و كلما لم يعلم سنه يرجع فيه الى البينة فإن فقدت، فالى السيد ان كان رقيقا صغيرا أو الى الرقيق ان كان بالغا فإن فقد فالى ظن أهل الخبرة:

و سادسها زوائد الحيوان كاللبن و اللبأ و السمن و الزبد و الرائب (1) و الصوف و الشعر و الوبر فيتعرض في اللبن للنوع كالماغر و المرعى فان قصد به الجبن أو الكشك احتمل ذكر الزمان في الصفا و الغيم، فان لهما أثرا بينا في ذلك عند اهله و يلزم عند الإطلاق حليب يومه، و في اللبإ ذلك و يزيد في اللون و الطبخ أو عدمه و في السمن النوع كالبقري، و اللون و الحداثة و العتاقة و في الجبن ذلك، و الرطوبة أو اليبوسة و كذا القريش و الأقط، و ربما وجب في القريش ذكر اليومي أو غيره

____________

(1) الرائب: لبن الخاثر.

8

لتفاوته بذلك، و في الزبد جميع ما تقدم و يتعرض في الصوف و الشعر و الوبر للنوع و الزمان و الطول و القصر و النعومة و الخشونة و الذكورة و الأنوثة ان ظهر لهما تأثير في الثمن.

و سابعها- الثياب و يذكر فيه النوع و البلد و العرض و الصفافة و الغلظ و النعومة أو أضدادها و لا يجب ذكر الوزن لعسره، و له الخام عند الإطلاق و ان ذكر المقصور جاز، فان اختلف البلدان ذكر بلد القصارة كالبعلبكى و القبطي (1) و الروسى و يجوز اشتراط المصبوغ فيذكر لونه و إشباعه أو عدمه و لا فرق بين المصبوغ بعد نسجه أو قبله على الأقوى و منع الشيخ إذا صبغ بعد غزله، لان الصبغ مجهول، و لانه يمنع من معرفة الخشونة و النعومة و في وجوب ذكر عدد الخيوط نظر أقربه ذلك لاشتهاره بين أهله و تأثير في الثمن.

ثامنها- الحرير و الكرسف و الكتان: و يذكر فيهما البلد و اللون و النعومة و الخشونة و يختص الحرير بالغلظ أو الرقة، و يجوز السلف في جوز القز، فيذكر اللون و الطراوة أو اليبس و البلدة و أبطله الشيخ إذا كان فيه دود، لان الحي يفسد بالخروج، و الميت لا يصح بيعة، قلنا هو كنوى التمر في بلد لا قيمة له فيه، و الكرسف بوجوب ذكر حلجه أو عدمه و قيل يحمل الإطلاق على عدمه و هو بعيد الا مع القرينة، و لو سلف في الغزل وجب ذكر ما سلف، و اشتراط الغلظ و الدقة و لو أسنده إلى غزل امرأة بعينها بطل.

تاسعها- الحبوب و الفواكه و الثمار فيذكر في الحنطة البلد و الحداثة و العتق و اللون و الكبر و الصغر و الصرابة أو ضدها، و لا يشترط ذكر حصاد عام أو عامين، و ان ذكره جاز و في الشعير و القطنية (2) ذلك كله و في التمر البلد و النوع و الكبير

____________

(1) القبطية: ثياب بيض من كتان يتخذ بمصر.

(2) القطنية بكسر القاف و سكون الطاء اسم جامع للحبوب التي تطبخ مثل العدس و الباقلاء و اللوبيا و الحمص و غيرها.

9

و الصغير و الحداثة و العتاقة و اللون ان اختلف النوع، و في الرطب ذلك كله إلا العتاقة و يجب المتعارف، و لو شرط المنصف أو المذنب لزم، و في الزبيب البلد و النوع و الكبر و الصغر و اللون ان اختلف نوعه، و المزيت أو غيره، و له الجاف من التمر و الزبيب الخالي من التفالة، و لا يجب تناهي الجفاف.

و في الفواكه البلد و النوع و الطراوة أو ضدها، و اللون ان اختلف.

و في الجوز الصنف و الكبر و الصغر و البلد و الحديث أو العتيق، و له منزوع القشرة العليا و كذا اللوز.

و في الطلاء البلد و النوع و الحديث و العتيق و اللون و الصفا و القوام، و يجب كونه مما ذهب ثلثاه فصاعدا خاليا من التفل غير المعتاد، و ان ضم اليه ظروفه، و يشترط كونها مما يصح فيه السلم فلو كانت من أديم احتمل المنع، لعسر وصفه، و الأقرب الجواز لعدم تعلق الغرض بجميع أوصافه.

و في السيلان و المعصر البلد و النوع و القوام و اللون، و في الدبس كذلك و لا يمنع منه سليس النار، و يجوز السلم في المصفر من الرطب و التمر و يوصف بوصفهما.

و عاشرها- العسل و يذكر فيه البلد و الزمان و اللون و يحمل الإطلاق على المصفى لا الشهد، و يحمل المصفى على ما لم تمسه النار الا ان يشترط ذلك.

و حادي عاشرها الخشب و الحطب فيذكر النوع و اليبس و الرطوبة و الطول و الثخن، و لا يجيئان في الحطب، نعم يذكر فيه الغلظ و الدقة و الوزن و في خشب العريش ذلك و يزيد السمع أو المعقد.

و ثاني عاشرها- الحجر و اللبن و الآجر، ففي الحجر النوع و اللون و القدر و الوزن، و للطحن يزيد الرقة أو الثخن و البلد، و في اللبن القالب المشهور، و المكان الذي يضرب فيه و كذا في الآجر و يزيد فيه اللون.

و ثالث عشرها- الآنية فيذكر النوع و الشكل و القدر و الطول و السمك و السعة

10

و كونه مصبوبا أو مضروبا و الوزن، خلافا للشيخ و مدار الباب البناء على الأمور العرفية، و ربما كان العوام اعرف بها من الفقهاء و حظ الفقيه البيان الإجمالي، انتهى.

و أنت خبير بان الظاهر من الاخبار المتقدمة و نحوها هو الاكتفاء بالوصف في الجملة فإنها دلت في الحيوان على الاكتفاء بوصف الأسنان، و في المتاع بوصف الطول و العرض دون الاستقصاء في جميع الأوصاف كما هو ظاهر كلامهم، و ان كان ما ذكروه أحوط.

فوائد

إذا عرفت ذلك فهنا فوائد يجب التنبيه عليها

الاولى [جواز إسلاف الاعراض في الاعراض إذا اختلفت]

- المشهور جواز إسلاف الاعراض في الاعراض إذا اختلفت، بل ادعى عليه المرتضى الإجماع، و كون الثمن نقدا أو عرضا ما لم يؤد الى الربا، و عن ابن الجنيد انه منع من إسلاف عرض في عرض إذا كانا مكيلين أو موزونين أو معدودين كالسمن بالزيت.

أقول: و يدل على ما ذهب اليه ابن الجنيد هنا ما رواه

في الكافي و التهذيب عن عبد الله بن سنان (1) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أسلف رجلا زيتا على ان يأخذ منه سمنا قال: لا يصلح».

و ما رواه

في الفقيه و التهذيب عن عبد الله بن سنان (2) في الحسن قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، يقول: لا ينبغي إسلاف السمن بالزيت و لا الزيت بالسمن».

و يدل على المشهور ما رواه

في الفقيه و التهذيب عن وهب (3) «عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) قال: لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال، و ما يكال فيما يوزن».

و الشيخ جمع بين الخبرين الأولين و الثالث، بحمل الخبرين الأولين المذكورين اما على المنع من حيث كونهما متفاضلين، قال: لان التفاضل بين الجنسين

____________

(1) الكافي ج 5 ص 189.

(2) الكافي ج 5 ص 190 و الفقيه ج 3 ص 167.

(3) الفقيه ج 3 ص 167.

11

المختلفين انما يجوز إذا كان نقدا، و إذا كان نسيئة فلا يجوز، و اما ان يكون على الكراهة قال: و لأجل ذلك قال: «لا يصلح و لا ينبغي» و لم يقل انه لا يجوز أو ذلك حرام و الأصحاب حملوها على الثاني لمنع ما ذكره الشيخ من التحريم في المتفاضلين نسيئة كما تقدم في تحقيق المسألة المذكورة.

و أنت خبير بأن استعمال لا يصلح و لا ينبغي في التحريم في الاخبار أكثر كثير. نعم هما في العرف الآن بمعنى الكراهة، و نقل عن ابن ابى عقيل انه منع من إسلاف غير النقدين، و لم نقف له على دليل، بل ظاهر جملة من الاخبار يرده و اما إسلاف الأثمان في العروض فهو متفق عليه نصا و فتوى، و اما إسلاف الأثمان و ان اختلفا فالظاهر انه لا خلاف في عدم جوازه لدخوله في باب الصرف المشترط فيه التقابض في المجلس.

نعم يأتي على ما تقدم نقله عن الصدوق في باب الصرف من عدم اشتراط ذلك الصحة هنا إلا أنك قد عرفت ضعف القول المذكور، و فيه ايضا مع تماثل العوضين مانع آخر، و هو الزيادة الحكمية في الثمن المؤجل باعتبار الأجل، فإن له حظا من الثمن، فيلزم الربا حينئذ.

الثانية [في أن كلما ينضبط وصفه يصح السلم منه]

- قد ذكر جملة من الأصحاب للسلم ضابطة، و هي أن كلما ينضبط وصفه يصح السلم منه، كالأشياء المعدودة في كلام صاحب الدروس، و منعوا من السلم في اللحم و الخبز و الجلود و النبل المعمول، و الجواهر و اللئالي، و العقار و الأرض، لتعذر الضبط، و ناقش بعض محققي متأخر المتأخرين في هذا الضابط قال هذا الضابط ظاهر، و لكن العلم بتحققه في بعض الجزئيات غير ظاهر، و الفرق مشكل.

نعم قد يوجد في بعض الافراد، و لكن غير معلوم، لنا كليته، فان الفرق بين الحيوان و لحومه مشكل، و كذا بين اللحم و الشحم حتى لا يصح في الأول منهما و يصح في الثاني، و ان تخيل الفرق بينهما، و يمكن ان يقال بالصحة فيما

12

ينضبط في الجملة إلا ما ورد النهى عن مثله، و ما علم التفات العظيم بين افراده مثل اللحم، فإنه ورد النهى عنه، و مثل اللؤلؤ الكبير فان التفاوت بين افراده باللون و الوضع كثير جدا بحيث يشكل ضبطه في العبارة، و كذا أكثر ما يباع عددا مشاهدة كالبطيخ و الباذنجان و القثاء و النارنج و غير ذلك. انتهى و هو جيد.

أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك ما رواه

في الكافي عن جابر (1) عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن السلف في اللحم قال: لا تقربنه فإنه يعطيك مرة السمين، و مرة التساوي و مرة المهزول و اشتره معاينة يدا بيد، قال: و سألته عن السلف في روايا الماء فقال: لا تقربنها فإنه يعطيك مرة ناقصة و مرة كاملة، و لكن اشتره معاينة و هو أسلم لك و له».

و الظاهر من هذا الخبر ان النهى عن السلم في هذين الجنسين المذكورين انما هو من حيث عدم وفاء المسلم اليه بما اشترط عليه لا من حيث عدم الانضباط، و لهذا ان ظاهر بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) جعل الخبر المذكور على الكراهة (2) و هو جيد.

و ما رواه

المشايخ الثلاثة عطر الله مراقدهم عن حديد بن حكيم (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل اشترى الجلود من القصاب فيعطيه كل يوم شيئا معلوما قال:

لا بأس به».

و الخبر و ان كان مطلقا الا انه محمول على تعيين الأجل، و اما احتمال ان يكون المراد بقوله يعطيه في كل يوم شيئا يعنى من الثمن، فيكون من باب النسية، فالظاهر بعده، نعم يحتمل حمله على وقوع البيع حالا و ان تأخر التسليم، و انه انما يعطيه آنا فآنا و يوما فيوما مع حصول التراضي، فإنه لا ينافي الحلول، و بعض الأصحاب

____________

(1) الكافي ج 5 ص 222 الفقيه ج 3 ص 165.

(2) قال (قدس سره) المشهور بين الأصحاب و المقطوع به في كلامهم عدم جواز السلم في اللحم و الخبز، و الخبر مع ضعفه يمكن حمله على الكراهة بقرينة آخر الخبر، مع أنه أضبط من كثير مما جوزوا السلم فيه انتهى. منه (رحمه الله).

(3) الكافي ج 5 ص 322 مع اختلاف يسير الفقيه ج 3 ص 165.

13

استدل بهذا الخبر لما ذهب اليه الشيخ من جواز السلم في الجلود مع المشاهدة.

و فيه ما عرفت من الاحتمال الذي ذكرناه، الا انه

قد روى في الكافي و التهذيب عن أبى مخلد السراج (1) قال: «كنا عند أبى عبد الله (عليه السلام)، فدخل عليه معتب فقال:

بالباب رجلان، فقال أدخلهما فدخلا فقال أحدهما: انى رجل قصاب و انى أبيع المسوك (2) قبل ان أذبح الغنم؟ قال: ليس به بأس، و لكن انسبها غنم أرض كذا و كذا».

و هذا الخبر كما ترى ظاهر في جواز السلم في الجلود، و المشهور في كلام الأصحاب العدم، تمسكا بحصول الجهالة و اختلاف الخلقة، و تعذر الضبط حتى بالوزن، لأن القيمة لا ترتبط به.

و عن الشيخ القول بالجواز مع المشاهدة (3) و أورد عليه انه مع المشاهدة يخرج عن السلم، لان المبيع في السلم أمر في الذمة مؤجل إلى مدة، و أجيب بأن المراد مشاهدة جملة كثيرة يكون المسلم فيه داخلا فيها، و لهذا لا يخرج عن السلم، لان المبيع غير معين، و انما يخرج عن السلم مع تعيين المبيع، و كلام الشيخ أعم منه فيمكن حمله على ما ذكرناه، أنت خبير بان النص المذكور ظاهر في الجواز كما عرفت فلا تسمع هذه المناقشات في مقابلته، و هو أيضا أحد الاحتمالين في الخبر

____________

(1) الكافي ج 5 ص 201 التهذيب ج 7 ص 27.

(2) أى الجلود.

(3) قال في الخلاف: اختلفت روايات أصحابنا في السلم في الجلود فروى انه لا بأس به إذا شاهد الغنم، و روى انه لا يجوز، ثم استدل على الجواز بآية البيع و باخبار المروية في ذلك و بالأصل الدال على الجواز مع انتفاء المانع، و قال في المبسوط بجواز السلم في جلود الغنم إذا شاهدها و روى انه لا يجوز و هو أحوط لأنه مختلف الخلقة و اللون و لا يمكن ضبطه بالصفة لاختلاف خلقته، و لا يمكن ذرعه و لا يجوز وزنه لانه يكون ثقيلا و ثمنه أقل من ثمن الخفيف، و تبعه في الجواز ابن البراج في الكامل و رجع عنه في كتابه الآخر و ابن إدريس و من تأخر عنه عدا القول بالمنع. منه (رحمه الله).

14

الأول كما عرفت، و لذلك عده في الوسائل في جملة أخبار السلم.

و العلامة قد نقل في المختلف الخبرين المذكورين حجة للشيخ، و أجاب عن خبر مخلد السراج بضعف السند الذي قد عرفت في غير موضع انه غير مرضى و لا معتمد و عن الأخر بأنه لا دلالة فيه على بيع السلم، و الظاهر انه اشارة الى ما ذكرناه من الاحتمال في الخبر المذكور.

و اما الجواهر و اللئالي فظاهر جملة من الأصحاب عدم الفرق فيها بين الكبار و الصغار، لاشتراك الجميع في علة المنع، و هو تعذر ضبطها على وجه يرتفع بسببه اختلاف الثمن، و فرق آخرون فخصوا المنع بالكبار، لما ذكر من تفاوتها باعتبارات لا تحصل بدون المشاهدة أما الصغار التي تستعمل في الأدوية و الكحل و نحوها فهي لا تشتمل على أوصاف كثيرة بحيث يختلف القيمة باختلافها، فيجوز السلم فيها و ما ذكرنا من التفصيل مثل المعاجين خيرة الشهيدين رحمهما الله و هو جيد.

و اما ما ذكروه من العقار و الأرض فلم أقف فيه على خبر، الا ان

الحميري روى في قرب الاسناد عن على بن جعفر (1) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن السلم في النخل قبل أن يطلع قال: لا يصلح السلم في النخل و في موضع آخر قال: «سألته عن الرجل يسلم في النخل قبل ان يطلع قال: لا يصلح السلم في النخل».

و الظاهر أن المراد منه ما هو ظاهره من كون السؤال عن السلم في العقار لا في الثمرة، إذ لا اشكال و لا خلاف في جوازه، فيكون الخبران المذكوران مستندا لعدم جواز السلم في العقار، الا ان موردهما النخل كما ترى.

الثالثة

شرط الشيخ في جواز السلم في البيض و الجوز ضبطهما بالوزن لاختلافهما، و الأظهر الاكتفاء بالعدد مع ذكر النوع الذي يقل الاختلاف فيه بحيث يختلف الثمن باختلافه، و منع الشيخ من السلم في جوز القز محتجا بان في جوفه دودا ليس مقصودا و لا فيه مصلحة، فإنه إذا ترك فيه أفسده، لانه يقرضه و يخرج منه،

____________

(1) الوسائل الباب 1- من أبواب بيع الثمار الرقم- 18 و 20.

15

و ان مات فيه لم يجز من حيث انه ميتة، و الأشهر الأظهر الجواز، لان المقصود بالبيع خال من هذه الموانع، و الدود غير مقصود، و انما هو بمنزلة النوى الذي لا فائدة فيه.

و منع الشيخ ايضا من السلم في الشاة معها ولدها، محتجا بأنه لا يوجد الا نادرا، و كذا في الجارية الحامل لجهالة الحمل، و عدم إمكان وصفه، و رد الأول بإمكان الوصف بالصفات المعتبرة في السلم من غير أداء الى عزة الوجود، و الثاني باغتفار الجهالة في الحمل، لانه تابع، و وافقه العلامة في الجارية الحسناء مع ولدها لعزة وجودها، قيل و في الفرق نظر.

و بالجملة فضابط المنع و عدمه عزة الوجود و عدمه، و يجوز الإسلاف في شاة لبون، و المراد بها ما من شأنها ذلك، بان يكون لها لبن، و ان لم يكن موجودا بالفعل حال البيع، بل لو كان موجودا حال البيع لم يجب تسليمه، بل له أن يحلبه و يسلمها بعد ذلك، و بالجملة فضابط اللبون ما يكون لها لبن يحلب في اليوم أو الليلة.

و اما الحامل فالمراد بها ما كان الحمل موجودا فيها بالفعل، لا ما يمكن ان تحمل فان الحامل لا يطلق عرفا الا على الأول، بخلاف اللبون، فإنه يطلق على ما يحلب في اليوم أو الليلة لا ما كان موجودا بالفعل خاصة.

الشرط الرابع: قبض الثمن قبل التفرق

فيبطل بدونه على الأشهر، بل نقل في التذكرة عليه الإجماع، قال: فلا يجوز التفرقة قبله، و ان تفارقا قبل القبض بطل السلم عند علمائنا اجمع، و ظاهره انه مع البطلان يحصل الإثم أيضا و قد تقدم.

قولهم في الصرف ايضا بنحو ذلك. و قد بينا ما فيه ثمة و نقل عن ابن الجنيد جواز تأخير القبض ثلاثة أيام، و لم أقف في الحكم المذكور على نص، و الظاهر أن دليل الأصحاب انما الإجماع المدعى مع ما عرفت من خلاف ابن الجنيد، و كأنه غير ملتفت اليه عندهم بناء على قاعدتهم من عدم الاعتداد بمخالفة معلوم النسب.

16

و لعله لعدم وجود النص هنا توقف صاحب البشرى (1) في الحكم المذكور كما نقل عنه و هو في محله.

قالوا و لو قبض بعض الثمن خاصة، صح فيما يخصه من المبيع و بطل في الباقي، ثم انه لو كان عدم الإقباض بتفريط المسلم اليه و هو البائع فلا خيار له، و الا تخير لتبعيض الصفقة، و لو شرط تأجيل بعض الثمن قالوا: بطل في الجميع، لجهالة ما يواذى المقبوض (2) و احتمل في الدروس الصحة و انه يقسط فيما بعد البيع سلعتين فيستحق إحديهما.

و لو كان للمشتري دين في ذمة البائع فأراد جعله ثمنا فهنا صورتان إحديهما أن يشترط ذلك في العقد بمعنى أن يجعل الثمن ما في الذمة بأن يقرنه بالباء، و المشهور بين الأصحاب بطلان العقد لانه بيع دين بدين، قالوا: أما كون المسلم فيه دينا فواضح، و أما، الثمن الذي في الذمة فلانه دين في ذمة المسلم اليه، فإذا جعل عوضا للمسلم فيه الذي هو دين كما عرفت صدق بيع الدين بالدين، و قيل بالجواز على كراهة و هو اختيار المحقق في الشرائع و العلامة في التحرير (3) و وجهه أن ما في الذمة بمنزلة المقبوض.

الثانية- المحاسبة به قبل التفرق، بمعنى أن يتقابضا في المجلس من غير أن يعينه

____________

(1) هو السيد الفاضل أبو الفضائل أحمد بن طاوس أخ السيد رضى الدين على بن طاوس منه (رحمه الله).

(2) و وجهه أنه بتأجيل البعض كما هو المفروض يبطل البيع في المؤجل لاشتراط قبض الثمن قبل التفرق المنافي له، و إذا بطل البيع في المؤجل بطل في الحال لجهالة قسطه من الثمن و ان جعل كلا منهما قسطا معلوما عين للتأجل خمسين من مائة لان المعجل يقابل قسطا من المبيع أكثر مما يقابله المؤجل بتعيين الثمن على الآجل و النسبة عند العقد غير معلوم منه (رحمه الله).

(3) حيث قال في التحرير و لو شرط ان يكون الثمن بأجمعه من دين عليه فالوجه الكراهة و قيل بالمنع، انتهى منه (رحمه الله).

17

ثمنا لانه استيفاء دين قبل التفرق، مع عدم ورود العقد عليه فلا يقصر عما لو أطلقا الثمن، ثم أحضره في المجلس، و ينبغي أن يعلم انه انما يفتقر إلى المحاسبة مع تخالفهما جنسا أو وصفا أو هما معا، اما لو اتفق ما في الذمة و ما عينه ثمنا فيهما وقع التهاتر قهريا و لزم العقد، و ظاهر شيخنا الشهيد في الدروس (1) الاستشكال في صحة العقد على هذا التقدير من حيث ان مورد العقد دين بدين، ورد بان بيع الدين بالدين المنهي عنه انما يتحقق إذا جعلا جميعا في نفس العقد متقابلين في المعاوضة بمقتضى الباء و هي هنا منتفية، لأن الثمن هنا أمر كلي، و تعيينه بعد العقد في شخص لا يقتضي كونه هو الثمن الذي جرى عليه العقد، و مثل هذا التقابض و التحاسب استيفاء لا معاوضة، و لو اثر مثل ذلك للزم مثله فيما لو أطلق ثم أحضره في المجلس، لصدق بيع الدين بالدين ابتداء مع انه لا يقول به.

أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا الفرع ما رواه

الشيخ عن إسماعيل بن عمر (2) «انه كان له على رجل دراهم فعرض عليه الرجل ان يبيعه بها طعاما إلى أجل مسمى فأمر إسماعيل من يسأله، فقال: لا بأس بذلك قال: ثم عاد إليه إسماعيل فسأله عن ذلك و قال: انى كنت أمرت فلانا فسألك عنها فقلت:

لا بأس، فقال: ما يقول فيها من عندكم؟ قلت: يقولون: فاسد، قال: لا تفعله فإني أوهمت».

و ما رواه

في الكافي و التهذيب عن طلحة بن زيد (3) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا يباع الدين بالدين».

____________

(1) قال في الدروس: و لو أطلقا ثم تقابضا في المجلس فالظاهر الجواز و يقع التقابض قهرا ان كان الجنس و الوصف واحدا، و يلزم منه كون مورد العقد دينا بدين فيشكل انتهى.

منه (رحمه الله).

(2) الوسائل الباب- 8- من أبواب السلف الرقم- 1.

(3) الكافي ج 5 ص 100 التهذيب ج 8 ص 189.

18

و ما رواه

عبد الله الجعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر (1) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن المسلم في الدين قال: إذا قال: اشتريت منك كذا و كذا بكذا و كذا فلا بأس».

و الكلام في هذه الاخبار مع أصل المسألة يتوقف على بيان مقدمة، و هي ان بيع الدين بالدين الممنوع منه كما دل عليه خبر طلحة هل هو عبارة عما كان دينا قبل العقد كان يكون العوضان دينا قبل العقد كما لو باعه الذي في ذمته بدين آخر له في ذمته أيضا أو في ذمة ثالث أو تبايعا دينا في ذمة غريم لأحدهما بدين في ذمة غريم آخر للآخر فيخص المنع بهذه الصورة، أو يشمل ما صار دينا بسبب العقد و ان لم يكن دينا قبله كما إذا بيع بمؤجل في العقد، و يدخل ذلك في بيع الدين بالدين بناء على ان الثمن مؤجل غير حال. المشهور الثاني، و قيل بالأول و هو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الدين من الروضة الا انه ناقض نفسه في باب السلم من الروضة أيضا في مسألة اشتراط قبض الثمن قبل التفرق أو المحاسبة به من دين عليه فقال بعد ذكر المصنف «لو جعل الثمن نفس ما في الذمة بطل لانه بيع الدين بالدين» ما لفظه اما كون المسلم فيه دينا فواضح و اما الثمن الذي في الذمة فلانه دين في ذمة المسلم اليه انتهى. (2)

و فيه انما صار دينا بالعقد لا قبله و هو في كتاب الدين قد منع من كون ذلك من باب بيع الدين بالدين، حيث قال- بعد قول المصنف «و يصح بيعه اى الدين بحال لا بمؤجل ما صورته لانه بيع الدين بالدين، و فيه نظر لان الدين الممنوع منه ما كان عوضا حال كونه دينا بمقتضى تعلق الباء به، و المضمون عند العقد ليس بدين و انما يصير دينا بعد، فلم يتحقق بيع الدين بالدين الى آخر كلامه زيد في إكرامه.

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من أبواب السلف الرقم- 3.

(2) اما المسلم فيه فظاهر و اما الثمن فلأنه أمر كلي ثابت في الذمة فهو دين و ان كان غير مؤجل منه (رحمه الله).

19

و سؤال الفرق متجه فان المسلم فيه ايضا كذلك انما يصير دينا بعد العقد لا قبله، و بذلك يظهر ان الحكم بالبطلان في الصورة الاولى من الصورتين المتقدمتين انما يتجه على القول بالعموم، كما هو المشهور، و اما على القول الأخر فلا، و حينئذ فموافقة الأصحاب في البطلان هنا غفلة عما اختاره، و خالفهم فيه في تلك المسألة و على هذا فيمكن ان يقال: ان نفى البأس في خبر إسماعيل بن عمر المتقدم انما وقع بناء على القول الثاني الذي اختاره شيخنا المتقدم ذكره من عدم دخول بيع الطعام سلما في الدين و ان صار دينا بعد العقد فلا يدخل في بيع الدين بالدين، و حينئذ يصح البيع سواء كان الدراهم التي جعلت ثمنا حالة أو مؤجلة، و يحتمل على بعد، في الخبر المذكور- ان وجه الصحة و نفى البأس انما هو من حيث الثمن، و ان تلك الدراهم التي في الذمة كانت حالة، و البيع انما وقع بعد حلولها، و ان بيع الطعام سلما داخل في الدين كما هو المشهور- و الصحة انما اتجهت من جهة كون الثمن حالا و المبيع و ان كان دينا لكن الثمن حال فلا يدخل في بيع الدين بالدين، و الى هذا الاحتمال جنح صاحب الوافي فذكر الخبر المشار إليه في باب بيع الدين بالدين، و اما على ما ذكرناه فالأنسب به باب السلف كما أوضحناه في حواشينا على الكتاب المذكور.

و اما خبر قرب الاسناد فالظاهر ان المراد بقوله و سألته عن السلم في الدين في حال كون الثمن دينا و جوابه (عليه السلام) بنفي البأس «فيما إذا قال: اشتريت منك كذا و كذا بكذا و كذا» فالظاهر ان مراده كون الثمن كليا في الذمة، لا عين ما في الذمة و الا لقال: بما في ذمتك، و حينئذ يصير من قبيل الصورة الثانية المتقدمة، و تحصل المقاصة و المحاسبة بعد العقد أو التهاتر و التساقط على الوجهين المتقدمين.

و اما رجوعه (عليه السلام) عما افتى به أولا في رواية إسماعيل بن عمر و نسبة نفسه الى الوهم فإنما خرج مخرج التقية كما ينادى به سياق الكلام، و كيف كان فقد عرفت ان أصل المسألة خال من النص، و به ينقدح الإشكال في بعض فروع

20

المسألة، و ان كان الاحتياط في الوقوف على ما ذكروه و الله العالم.

الشرط الخامس تقدير المبيع و الثمن بالكيل و الوزن

، و لا خلاف فيه نصا و فتوى لما تقدم في أحكام البيع المطلق و هذا أحد أقسامه.

و من الاخبار هنا ما رواه

المشايخ الثلاثة نور الله تعالى مراقدهم عن غياث بن إبراهيم (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا بأس بالسلف بكيل معلوم إلى أجل معلوم لا يسلم الى دياس و لا الى حصاد».

و الدياس دق السنبل يخرج منه الحب.

و ما رواه

في الكافي و التهذيب عن محمد الحلبي (2) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السلف في الطعام بكيل معلوم قال: لا بأس به».

و ما رواه

في الفقيه عن صفوان بن يحيى عن عبد الله بن سنان (3) في الصحيح و الحسن بإبراهيم بن هاشم عن ابى عبد الله (عليه السلام) «قال سالته عن الرجل يسلم في غير زرع و لا نخل قال: يسمى كيلا معلوما إلى أجل معلوم» الحديث.

و ما رواه

الشيخ عن الشحام (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام) «في رجل اشترى من رجل مأة من صفرا و ليس عند الرجل شيء منه قال: لا بأس به إذا وفى بالوزن الذي اشترط له».

و رواه الصدوق بإسناده عن ابى الصباح الكناني (5) عن الكناني عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله.

و في صحيحة الحلبي (6) عن ابى عبد الله (عليه السلام) «و الزعفران يسلم فيه الرجل الدرهم في عشرين مثقالا أو أقل أو أكثر من ذلك قال: لا بأس» الحديث.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 184 الفقيه ج 3 ص 167 التهذيب ج 7 ص 27.

(2) الكافي ج 5 ص 184 التهذيب ج 7 ص 28.

(3) الفقيه ج 3 ص 165.

(4) التهذيب ج 7 ص 44، بتفاوت الفقيه ج 3 ص 175.

(5) الفقيه ج 3 ص 179.

(6) الكافي ج 5 ص 186 الفقيه ص 166.

21

و لا بد في الكيل و الوزن من المعلومية فيما يكال به و يوزن كما صرح به في رواية غياث المتقدمة، و صحيحة محمد الحلبي، فلا يجزى ما كان مجهولا من مكيال أو ضنج و ان تراضيا عليه، و قد تقدم الكلام في ذلك في البيع، و ظاهر الأصحاب هنا انه لا فرق في ذلك بين ما يعتاد كيله و وزنه و ما يعتاد بيعه جزافا كالحطب و القصب و الحجارة و نحوها، لأن المشاهدة ترفع الضرر، و في السلم حيث كان ما سلم فيه غائبا أو معدوما فلا بد من معلوميته بأحد الوجهين ليصح العقد عليه، فعلى هذا لا يجوز السلم في القصب اطنابا و لا في الحطب حزما و لا في المجز و رجزا لما عرفت من اختلاف المذكورات الموجب للغرر في عقد السلف، بخلاف ما لو بيع مشاهدا فإن المشاهدة ترفع الغرر عنه، و يجوز السلم في الثوب أذرعا و ان قلنا بجواز بيعه مع المشاهدة بدون الذرع، لما عرفت من ان المشاهدة ترفع الغرر بخلاف ما لم يشاهد، و هل يجوز الإسلاف في المعدود عددا قيل لا، لعدم انضباط المعدود فلا يحصل العلم بقدره بدون الوزن، و قيل بالتفصيل و عدم جواز ذلك في مثل الرمان لحصول التفاوت في أفراده، و جواز ذلك في مثل الجوز و اللوز و البيض لعدم التفاوت في بعض و قلته في آخر بحيث يتسامح به.

و في الدروس الحق البيض بالرمان الممتنع فيه، و على كل تقدير لا بد في البيض من تعيين الصنف، و لا بد في الثمن أيضا ان يكون مقدرا بالكيل أو الوزن، فلا يكفى مجهولا كقبضة من دراهم و صبرة من طعام، و لا يجوز الاقتصار على مشاهدته إذا كان مما يكال أو يوزن أو يعد، اما لو كان مما يباع جزافا جاز الاقتصاد على مشاهدته كما لو بيع، و لو كان الثمن من المذروعات كالثوب فهل يكتفى بمشاهدته عن ذرعه كما لو بيع حسبما تقدم، فكذا إذا كان ثمنا أم لا بد من ذرعه، قطع الشيخ باشتراط ذرعه و توقف العلامة في المختلف و اختار في المسالك بناءه على جواز بيعه كذلك فان قلنا به في البيع أجزناه هنا، و خالف المرتضى رضى الله عنه في ذلك كله فاكتفى بالمشاهدة في الثمن مطلقا مكيلا أو موزونا أو معدودا أو مذروعا قال في المسائل

22

الناصرية حيث ذكر المسألة أن معرفة مقدار رأس المال شرط في صحة السلم، ما أعرف لأصحابنا إلى الان نصا في هذه المسألة، الا أنه يقوى في نفسي أنه رأس مال السلم إذا كان معلوما بالمشاهدة مضبوطا بالمعاينة لم يفتقر الى ذكر صفاته و مبلغ وزنه و عدده، و هو المعمول عليه من قول الشافعي، ثم نقل عن أبي حنيفة القول بما عليه الأصحاب من الاشتراط إذا كان مكيلا أو موزونا أو معدودا، و المشهور الأول و به صرح الشيخ في المبسوط و الخلاف.

احتج العلامة في المختلف للقول المشهور قال: لنا انه غرر فيكون منهيا عنه،

لأن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «نهى عن الغرر».

و لانه عقد لا يمكن إتمامه في الحال و لا تسليم المعقود عليه، و لا يؤمن انفساخه فوجب معرفة مقدار رأس المال ليرد بدله، و لانه لولاه لأفضى إلى التنازع و الشارع أرشد إلى المصالح النافية للتنازع، كالشهادة و غيرها، و معلوم أن الضرر الناشي من تجهيل الثمن أشد من ضرر ترك الشهادة و لانه لا يؤمن أن يظهر بعض الثمن مستحقا فيفسخ العقد في قدره، فلا يدرى كم بقي و كم انفسخ.

و نقل عن المرتضى أنه احتج بما روى

عن النبي (2) (صلى الله عليه و آله) «انه قال: من أسلم فليسلم في كيل معلوم و وزن معلوم إلى أجل معلوم».

فاذن النبي (صلى الله عليه و آله) في السلم على هذه الصفات و لم يشترط سواها» ثم أجاب عنه بأنه بين أولا النهي عن الغرر، و من جملته جهالة الثمن، فالإذن في السلم بعد ما بين أولا غير دال على ما ادعاه انتهى. و حاصله أن الخبر مطلق يجب تقييده بما دل على النهى عن الغرر.

و بالجملة فالظاهر هو القول المشهور لأنه الأنسب بالقواعد الشرعية و الضوابط المرعية مع موافقته للاحتياط المطلوب في الدين كما لا يخفى على الحاذق المكين.

____________

(1) الوسائل الباب 40 من أبواب آداب التجارة الرقم 4.

(2) المستدرك ج 2 ص 478.

23

و يمكن أن يستدل على ذلك زيادة على ما ذكر بما رواه

في الكافي عن ابى مريم الأنصاري (1) في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) «أن أباه لم تكن يرى بأسا بالسلم في الحيوان بشيء معلوم إلى أجل معلوم».

فان الظاهر ان الشيء المعلوم عبارة عن الثمن بمعنى أنه يشتريه سلما بشيء معلوم، و من الظاهر ان المعلومية في المكيل لا يتحقق الا بكيله و الموزون الا بوزنه و هكذا في المعدود و الله العالم.

الشرط السادس اعتبار الأجل بما لا يحتمل الزيادة و النقصان

، فلو ذكر أجلا مجهولا كان يقول: حتى أردت أو ما يحتمل الزيادة و النقصان كقدوم الحاج أو إدراك الثمن كان كان باطلا، و قد تقدم ما دل عليه في رواية غياث بن إبراهيم و صحيحة الحلبي و صحيحة عبد الله بن سنان أو حسنته و نحوها قوله (عليه السلام) في رواية أبي مريم الأنصاري المتقدمة بشيء معلوم إلى أجل معلوم و فر له (عليه السلام) في

رواية قتيبة الأعشى (2) «أ ليس يسلم في أسنان معلومة إلى أجل معلوم قلت: بلى قال: لا بأس».

الى غير ذلك من الاخبار المؤيدة باتفاق الأصحاب.

و تحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مواضع

الأول [حكم ما لو اشتراه حالا]

- قال في الشرائع و لو اشتراه حالا قيل يبطل، و قيل يصح، و هو المروي، لكن يشترط أن يكون عام الوجود في وقت العقد أقول قال الشيخ في النهاية لو أخل بالأجل كان البيع غير صحيح، و في الخلاف السلم لا يكون إلا مؤجلا، و لا يصح أن يكون حالا، و تبعه ابن إدريس و هو قول ابن أبى عقيل.

قال في المختلف بعد نقل ذلك و التحقيق أن نقول ان قصد السلم وجب- الأجل، و اما لو قصد الحال مثل ان يقول أسلمت إليك هذا الدينار في هذا الكتاب أو في قفيز حنطة فالأقرب الصحة، و ينعقد بيعا مطلقا، لا سلما، لنا أن البيع جزء من السلم و يصح إطلاق اسم الكل على جزئه فإذا قصداه وجب انعقاده عملا بالقصد، و لانه عقد يصح مؤجلا فيصح حالا لبيوع الأعيان، و لأنه إذا جاز مؤجلا كان الحال

____________

(1) الكافي ج 5 ص 220.

(2) الكافي ج 5 ص 220.

24

أولى بالجواز، لانه من الغرر أبعد، ثم نقل عن الشيخ انه احتج بإجماع الفرقة، و بالإجماع على الصحة مع الأجل، و ما عداه لا دليل عليه، و بما رواه

ابن عباس (1) عن النبي (صلى الله عليه و آله) «أنه قال: من أسلف فليسلف في كيل معلوم و أجل معلوم».

و الأمر يقتضي الوجوب، و لأنه أمر بهذه الأمور تثبيتا للسلم، و لهذا لا يصح إذا انتفى الكيل أو الوزن، فكذا الأجل، ثم أجاب بالقول بموجب هذه الأدلة قال: لأنا نسلم ان مع قصد السلم يجب ذكر الأجل، و ليس صورة النزاع، بل البحث فيما لو تبايعا حالا بحال بلفظ السلم انتهى.

و ظاهر كلامه (قدس سره) أن محل الخلاف في هذه المسألة صحة و بطلانا انما هو فيما إذا تبايعا بقصد الحلول، سواء صرح به في العقد أم لم يصرح به، فإنه هل يكون بيعا كسائر أفراد البيوع و ان وقع بلفظ السلم كما اختاره، أو يكون باطلا بناء على أن وضع السلم على التأجيل. و أنت خبير بأنه على هذا التقدير يرجع الى الخلاف المتقدم في صدر البحث في أن البيع المطلق هل ينعقد بلفظ السلم أم لا، فعلى القول بالانعقاد كما هو المشهور تثبت الصحة هنا، و على العدم العدم.

و ظاهر عبارة المحقق المتقدمة أن موضع الخلاف انما هو فيما إذ قصد السلم لا البيع المطلق، و أخل بذكر الأجل على ذلك التقدير و أظهر منها عبارة الشهيد في الدروس حيث قال: الثالث ان يكون المسلم فيه دينا (2) لانه موضوع لفظ السلم لغة و شرعا، فلو أسلم في عين كان بيعا، و لو باع موصوفا كان سلما نظرا الى المعنى في الموضعين

____________

(1) المستدرك ج 2 ص 487.

(2) قال المحقق الشيخ على في شرح القواعد- بعد قول المصنف الخامس كون المسلم فيه دينا الى آخره- ما لفظه و ذلك لان السلم لا يكون إلا مؤجلا، فإذا وقع حالا امتنع كونه من افراد السلم، و كون العين موصوفة لا يصيره سلما لانتفاء الأجل، و لكن سيأتي أنه لا بد من التصريح بالحلول. انتهى و هو ظاهر في خلاف ما اختاره في الدروس من كون ذلك سلما و أنه ليس الأجل شرطا في السلم مطلقا. منه (رحمه الله).

25

و ليس المانع من السلف في العين اشتراط الأجل الذي لا يحتمله العين، لأن الأصح انه لا يشترط الأجل، نعم يشترط التصريح بالحلول و عموم الوجود عند العقد، و لو قصد الحلول و لم يتلفظا به صح أيضا، و لو قصد الأجل اشترط ذكره، فيبطل العقد بدونه و لو أطلقا العقد حمل على الحلول انتهى.

و ظاهره أن الأصح أنه لا يشترط الأجل في السلم بقول مطلق لجواز السلم في العين حالا بالشرطين المذكورين، و انما يشترط ذكر الأجل فيه فيما إذا قصد التأجيل و خلاف الأصح هو اشتراط الأجل في السلم مطلقا، كما هو ظاهر كلام الشيخ المتقدم و من تبعه، و استجود في المسالك أن هذا هو محل الخلاف دون الأول.

و الظاهر ان الرواية التي أشار إليها في عبارة الشرائع هي ما رواه

الصدوق في الفقيه عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشترى الطعام من الرجل ليس عنده، فيشترى منه حالا قال: ليس به بأس قلت:

انهم يفسدونه عندنا، قال: و أي شيء يقولون في السلم؟ قلت: لا يرون به بأسا، يقولون هذا إلى أجل، و إذا كان الى غير أجل و ليس عند صاحبه فلا يصلح، فقال:

إذا لم يكن أجل كان أجود، ثم قال: لا بأس بأن يشترى الطعام و ليس هو عند صاحبه إلى أجل، و حالا (2) لا يسمى له أجلا، الا أن يكون بيعا لا يوجد مثل العنب و البطيخ و شبهه في غير زمانه. فلا ينبغي شراء ذلك حالا».

____________

(1) الفقيه ج 3 ص 179 التهذيب ج 7 ص 49.

(2) الذي في التهذيب في هذه الرواية «قال: لا بأس بان يشترى الطعام و ليس هو عند صاحبه إلى أجل، فقال لا يسمى له أجلا» فأبدل لفظ «و حالا» كما في الفقيه بلفظ «فقال» و لا ريب انه غلط من قلمه، و العجب انه في الوافي نقل الرواية عن الكتابين بلفظ (فقال) مع ما عرفت فيه من الاختلال، و لم ينبه على ما في الفقيه، و كذا في بعض نسخ التهذيب ايضا و هو الأصح- منه (رحمه الله).

26

أقول: و الذي يقرب عندي أنه لا ثمرة في هذا الخلاف على كل من التقديرين المذكورين، و ملخص الكلام في المقام أنه اما ان قلنا بوقوع البيع بلفظ السلم كما هو المشهور فلا مانع من البيع حالا بهذا اللفظ، و الا فلا، و على هذا لو تبايعا بهذا اللفظ بشرط الحلول بنى في الصحة و البطلان على الخلاف المذكور، و أما لو قصد السلم الذي هو عبارة عن شراء ما في الذمة فلا بد من الأجل و لا يصح بدونه كما صرح به الشيخ و اتباعه، و اليه أشار في الدروس في صدر العبارة المنقولة، و اما قوله في الدروس «و ليس المانع من السلف في العين اشتراط الأجل» الى آخره فإنه لا يخرج عما ذكرناه من جواز البيع و الاشتراء بلفظ السلم كما هو المشهور، و الرواية المذكورة لا دلالة فيها على أزيد من جواز بيع الإنسان ما ليس عنده بشرط أن يكون عام الوجود وقت العقد، و مثلها في هذا المعنى أخبار عديدة و لا إشارة في شيء منها فضلا عن التصريح بكون ذلك سلما.

نعم المفهوم من الاخبار أن البيع قد يقع على ما في الذمة من غير اشتراط التأجيل بل قصد الحلول كما دلت عليه الأحاديث المذكورة، و قد يقع مع اشتراط التأجيل و هو السلم المشهور و قد يقع على العين المشخصة الموجودة، فإن أريد أن الأول من حيث كونه في الذمة يطلق عليه السلم كالثاني و يسمى سلما فلا مشاحة في ذلك.

و

الثاني [كون الأجل معلوما للمتعاقدين على وجه يكون مضبوطا في نفسه]

قالوا: و لا بد أن يكون الأجل معلوما للمتعاقدين على وجه يكون مضبوطا في نفسه بما لا يحتمل الزيادة و النقصان، فلا يكفى تعينه في نفسه بحيث يحتاج إلى مراجعة غيرهما في معرفته كالنيروز الذي هو عبارة عن انتهاء الشمس إلى أول برج الحمل، و هو الاعتدال الربيعي، و المهرجان الذي هو عبارة عن انتهائها إلى أول برج الميزان و هو الاعتدال الخريفي و لو قال: الى جمادى فهل يحمل على أقربهما و يكون العقد صحيحا أم لا لكون اللفظ مشتركا و احتمال الأمرين متساويا فلا يمكن حمل الإطلاق على أحدهما وجهان بل قولان: للأول أنه قد

27

علق العقد على هذا الاسم و بدخول الأول من الشهرين يصدق الاسم فلا يعتبر غيره فيكون الإطلاق دالا عليه بالتقريب المذكور فيحمل عليه و يصح العقد.

و للثاني ما تقدم من أن اللفظ مشترك و محتمل لهما معا فلا يمكن حمل الإطلاق على أحدهما، و هل يكون الحكم كذلك فيما لو شرط التأجيل إلى يوم معين من أيام الأسبوع كالخميس و الجمعة أم لا، فرق في التذكرة فحكم في اليوم بحمله على الأول، لدلالة العرف عليه، و تردد في الأول، و احتمل في المسالك التساوي بينهما في الحمل على الأول.

و التحقيق أن يقال: أنه ان كان فهم المتعاقدين متفقا على إرادة الأول فلا إشكال في الصحة، و حمل إطلاقهما عليه، لان قصد ذلك في قوة ذكره في اللفظ و الا كان باطلا، سواء اعتقد نقيضه أم لا لان ما جعلا، من الأجل محتمل للزيادة و النقصان فلا يمكن حمل الإطلاق على أحدهما.

الثالث [حمل الشهر على الهلالي]

يحمل الشهر على الهلالي إن اتفق التأجيل في أوله سواء كان ثلاثين يوما أو أقل، و على ثلاثين يوما ان اتفق في الأثناء، و يعتبر في الأولية و الأثناء العرف لا الحقيقة لانتفائها غالبا أو دائما، إذ لا يتفق المقارنة المحضة لغروب الشمس ليلة الهلال، فعلى هذا لا يقدح فيه نحو اللحظة، و الظاهر أن الساعة غير قادحة ايضا، أما نصف الليل فقد صرحوا بأنه قادح، فيرجع حينئذ إلى العدد.

و لو قال: الى شهر كذا حل بأول جزء منه ليلة الهلال، و الغاية و ان اختلفت دخولا و خروجا (1) الا أن العرف هنا قاض بالخروج فيحكم به لانه المرجع حيث لا حقيقة شرعية، كما أنه قاض بالدخول لو قال: الى شهر و أطلق، فإنه يتمه بآخره و يكون الغاية داخلة، و الوجه فيه انه لولا ذلك للزم خلو السلم عن الأجل.

____________

(1) فإنها قد تكون داخلة، كما إذا قلت قرأت القرآن الى آخره، و قد تكون خارجة، كقوله سبحانه «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ» و قد تكون محتملة لكل من الأمرين كغسل اليد الى المرفق منه (رحمه الله).

28

و لو قال: الى شهرين فان كان في أول شهر فلا اشكال و لا خلاف في انه يعد شهرين هلاليين، لأن الأصل في الشهر عند الإطلاق هو الهلالي، و انما يعدل عنه إلى العددي عند تعذر حمله على الهلالي.

و ان كان في الأثناء فأقوال أحدها اعتبار الشهرين المذكورين بالهلالي، اما الثاني فظاهر لوقوعه بأجمعه هلاليا، و اما الأول فلصدق معنى القدر الحاصل منه عرفا كنصفه و ثلثه مثلا، فيتم من الثالث قدر ما فات منه حتى لو كان ناقصا كفى إكمال ما يتم تسعة و عشرين يوما، لان النقص جاء في آخره، و هو من جملة الأجل و الثابت من الأول لا يختلف بالزيادة و النقصان، و هذا القول نقله المحقق في الشرائع.

و ثانيها اعتبار ما عدا الأول هلاليا و أنه يتمم الأول ثلاثين يوما، و الوجه فيه اما بالنسبة إلا ما عدا الأول فلصدق الهلالي، و قد عرفت ان الأصل في الشهر ذلك، و اما بالنسبة إلى الشهر الأول المكسور فلأنه بإهلال الثاني لا يصدق عليه انه شهر هلالي فيكون عدديا، و لا يمكن اعتبار الجميع بالهلالي لئلا يلزم اطراح المنكسر و تأخر الأجل عن العقد مع الإطلاق، و حينئذ فيكمل الأول ثلاثين يوما بعد انقضاء المقصود من الهلالي من شهر أو أكثر قال في المسالك و هو قول الأكثر.

أقول: و هو اختيار المحقق في الشرائع و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و نقله في المختلف عن الشيخ ايضا و هو الأوفق بالقواعد المقررة.

و ثالثها انكسار الجميع بكسر الأول فيقدر الكل بالعدد ذهب اليه الشيخ في أحد قوليه، و نفى عند البعد في المختلف قال: و لا استبعد بكونها كلها عددية بناء على المتعارف من الحمل عليه عند قرب الهلال، و فيه ما يأتي ذكره إنشاء الله (تعالى)، و الوجه في هذا القول أن الشهر الثاني لا يعقل دخوله الا بعد انقضاء الأول، فالأيام الباقية اما ان لا تحتسب من أحدهما أو من الثاني و كلاهما محال، أو من الأول فلا يعقل دخول الثاني حتى يتم الأول بعدد ما فات منه من الثاني فينكسر الثاني و هكذا، و فيه- زيادة

29

على ما تقدم- أن الأشهر الباقية يمكن إجراؤها على حكم الأصل، و هو الاعتبار بالهلال إذ لا مانع منه فيتعين الحمل عليه، و لا يلزم إكمال الشهر الأول المنكسر من الذي يليه بلا فاصلة لصدق الإكمال مما بعده سواء كان مما يليه أو يتأخر عنه، إذ لا محذور لازم من الإكمال من غيره، بخلاف ما لو أكمل من الذي يليه فإنه يلزم اختلال الشهر الهلالي مع إمكان اعتباره بالهلالي، و لأن الأجل إذا كان ثلاثة أشهر مثلا فبعد مضى شهرين هلاليين و ثلاثين يوما ملفقة من الأول و الرابع يصدق أنه قد مضى ثلاثة أشهر عرفا فيحل الأجل، و الا كان أزيد من المشترط، و لأنه إذا وقع العقد في نصف الشهر مثلا و مضى بعده شهران هلاليان يصدق انه مضى من الأجل شهران و نصف، فيكفي إكمالها خمسة عشر يوما لصدق الثلاثة معها، و هذا أمر ثابت في العرف حقيقة و الله العالم.

الشرط السابع- غلبة الوجود وقت الحلول إذا اشترط الأجل

كما هو الأشهر الأظهر، و المراد غلبة الوجود في البلد الذي شرط تسليمه فيه، أو بلد العقد حين يطلق على أحد الأقوال الاتية. أو فيما قاربه بحيث ينتقل إليه عادة، و ظاهر الأكثر انه لا يكفى وجوده نادرا، و في القواعد جعل الشرط إمكان وجوده (1) في ذلك الوقت و هو يشعر بدخول النادر و تأولوه بما يرجع الى قول الأكثر، و لم نقف في أصل هذا الشرط على دليل واضح، بل ربما الظاهر من الاخبار ما ذكره القواعد و لم أقف على مخالف لما ذكروه في هذا المقام سوى المحقق الأردبيلي طاب ثراه حيث قال بعد قول المصنف «و غلبة وجوده وقت الحلول» ما لفظه هذا هو الثامن من الشروط و دليله غير واضح بل الظاهر عدم ذلك و الاكتفاء بإمكان وجوده كما هو ظاهر

____________

(1) قال المحقق الشيخ على في شرح القواعد: المراد بإمكان وجوده كونه بحيث يوجد كثيرا عادة بحيث لا يندر تحصيله، فالمراد بإمكان وجوده عادة هو الذي لا يعز وجوده انتهى، و لا يخفى ما فيه من التكلف و الخروج عن ظاهر العبارة. منه (رحمه الله).

30

عبارة القواعد و التذكرة على ما نقل في شرح الشرائع (1) بمعنى القدرة على تسليم المبيع حين الأجل بناء على ظنه، كما تشعر به عبارة الدروس حيث جعل الشرط القدرة على التسليم عند الأجل و يؤيده ما

في موثقة عبد الرحمن بن الحجاج (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بان يشترى الطعام و ليس هو عند صاحبه إلى أجل، و حالا لا يسمي أجلا الا ان يكون بيعا لا يوجد مثل العنب و البطيخ و شبهه في غير زمانه فلا ينبغي شراء ذلك حالا».

و صحيحة زرارة (3) «قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل اشترى طعام قرية بعينها؟ فقال: لا بأس ان خرج فهو له و ان لم يخرج كان دينا عليه.

و رواية خالد بن الحجاج (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يشترى طعام قرية بعينها، و ان لم يسم له قرية بعينها أعطاه من حيث شاء».

و هما يدلان على جواز اشتراط القرية المعينة، و المشترطون غلبة وجود المسلم فيه لا يقولون به، بل صرحوا بأنه لو شرطت بطل السلم، و يظهر ان ظن الوجود و إمكانه حين الأجل في الجملة يكفي، و لا شك في حصول الظن بحصول غلة قرية و ان كانت صغيرة، بل و لو أرضا معينة قليلة، و لهذا يتكل صاحبها على غلة تلك الأرض، و لا يزرع غيرها ظنا بأنه يحصل له منها غلة، و يبيع و يشترى رجاء للوفاء منها، و كذا غزل امرأة معينة، و لا اعتبار بإمكان موتها لحصول الظن بالحياة للاستصحاب، و لهذا يكتب إليها كتابة و يبعث إليها هدايا بعد الغيبة بمدة طويلة

____________

(1) أقول الموجود في شرح الشرائع انما هو النقل عن القواعد، و اما عن التذكرة فليس فيما حضرني من نسخ المسالك له اثر و لعله كان في النسخ التي كانت عنده (قدس سره) و الله العالم: منه (رحمه الله).

(2) الفقيه ج 3 ص 179 التهذيب ج 7 ص 49.

(3) الوسائل الباب- 12- من أبواب السلف الرقم- 1 الفقيه ج 3 ص 132.

(4) الكافي ج 5 ص 187 التهذيب ج 7 ص 39.

31

و بمثل هذا جعل الاستصحاب دليلا فعدم صحة مثله على ما قالوه محل التأمل انتهى و هو جيد وجيه.

المقام الثاني في الأحكام

و فيه مسائل

[المسألة] الأولى [الخلاف في اشتراط ذكر موضع التسليم في العقد]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في اشتراط ذكر موضع التسليم في العقد- مع اعتراف جملة منهم بأنه لا نص فيه- على أقوال: أحدها اشتراطه مطلقا، و هو مذهب الشيخ في الخلاف، و تبعه عليه جمع ممن تأخر عنه، و استقر به الشهيد (رحمة الله عليه) و عللوه بان مكان التسليم مما يختلف فيه الأغراض، و يختلف باختلافه الثمن و الرغبات، فإنه قد يكون بعيدا من المشترى و لا يرغب في تكثير الثمن، و لا في الشراء على بعض الوجوه، و قد يكون قريبا فينعكس الحكم، و كذا القول في البائع.

أقول فيه ما أشرنا إليه في غير مقام مما تقدم من ان مثل هذه التعليلات لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، على انه لو صلح كون ذلك علة كما ذكروه لما خفي على الأئمة (صلوات الله عليهم) فكيف لم ينبهوا عليه، و لم يذكروا في شروط السلم موضع التسليم، كما ذكروا غيره مما تقدم ذكره، أ رأيت انهم (رضوان الله عليهم) اهتدوا الى ما لم يهتد إليه الأئمة (صلوات الله عليهم) على تطاول مدتهم و أزمانهم، و لم يهتد إليه أحد من نقلة اخبارهم، بل الحق ان ذلك انما هو من باب اسكتوا عما سكت الله عنه، كما في جملة من الاخبار (1).

____________

(1) و هكذا ما ذكروه ايضا من ان المطالبة بالمبيح فرع ثبوته في الذمة و استحقاق المطالبة و ذلك في السلم المؤجل غير معلوم، لأنه انما يكون عند الحلول، و لا يعلم في أي مكان يتحقق الحلول على البائع، و لهذا يفرق بينه و بين القرض حيث الصرف الى مكان العقد و كذا البيع لا يلزم مثله في بيع النسيئة لخروجه بالإجماع على عدم اشتراط تعيين محله، و الا لكان الدليل قائما فيه فلا يلحق به المختلف فيه انتهى و فيه ان ما ذكروه كله مبنى على ما اصطلحوا عليه و ذكروه في التعليلات التي من هذا القبيل و الا فلا نص في شيء من ذلك، و الواجب مع الحلول ما حل عليه في أي مكان كان و في سلف أو بيع أو قرض، و الفرق بين بعضها و بعض في الأمكنة لا اعرف عليه دليلا واضحا و الله العالم منه (رحمه الله).

32

و ثانيها عدمه مطلقا و هو ظاهر الشيخ في النهاية و اختاره العلامة في التحرير و الإرشاد و المحقق في الشرائع و جمع آخرون و هو ظاهر ابن ابى عقيل على ما نقله في المختلف و وجهه مضافا الى أصالة العدم إطلاق الأوامر بالوفاء بالعقود «و حل البيع» و الإجماع على عدم اشتراطه في باقي أنواع البيع و ان كان مؤجلا و هذا هو الأظهر عندي.

و اختار هذا القول ابن إدريس و ادعى عليه الإجماع، قال: و ليس من شرط صحة السلم ذكر موضع التسليم بغير خلاف بين أصحابنا و الأصل براءة الذمة و قوله تعالى «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» و هذا بيع و قوله «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و ما ذكره الشيخ في الخلاف لم يذهب إليه أحد من أصحابنا و لا ورد به خبر عن أئمتنا (عليهم السلام) و انما هو أحد قولي الشافعي اختاره شيخنا أبو جعفر (رحمة الله عليه) ا لا تراه في استدلاله لم يتعرض بإجماع الفرقة و لا أورد خبرا في ذلك لا من طريقنا و لا من طريق المخالفين.

و اعترضه العلامة في المختلف فقال: و من العجب قول ابن إدريس انه لا يشترط بغير خلاف بين أصحابنا، مع وجود ما نقلناه من الخلاف بين أصحابنا و قوله الأصل براءة الذمة يعارضه أصالة بقاء المال على صاحبه، «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» مصروف الى البيع الصحيح دون الفاسد، و نحن نمنع من صحة المتنازع فيه.

و كذا قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و نسبة ما ذكره الشيخ في الخلاف الى أحد قولي الشافعي و ليس قولا لأحد من أصحابنا يدل على قلة معرفته بمواضع الخلاف، و قوله لم يوجد في أحاديث أصحابنا و لا غيرهم ممنوع، لأنهم (عليهم السلام) نصوا

33

على اشتراط الوصف، و هو يتناول المكان، لأن الأين من جملة الأوصاف اللاحقة بالماهية، فكون الشيخ لم يستدل بالإجماع و لا بالاخبار لا يدل على بطلان الحكم، لإمكان الاستدلال عليه بغيرها انتهى.

أقول: لا يخفى عليك ما فيه من الوهن الظاهر لكل ناظر، و لا سيما معارضته لأصالة براءة الذمة بأصالة بقاء المال على صاحبه، فان هذه الأصالة يجب الخروج عنها بالأدلة العامة و الخاصة بالسلف، من الآيات و الروايات الدالة على حل البيوع، و صحتها بجميع أنواعها- و خصوصا أخبار بيوع السلف حيث أنها خالية عن ذلك- الا ما قام الدليل الواضح على فساده، و كان الواجب عليه اقامة الدليل على فساد البيع في موضع البحث، ليتجه له تخصيص تلك الأدلة، و الا فتخصيصها بمجرد الدعوى مصادرة محضة، و مجازفة ظاهرة، و أضعف من ذلك دعواه دلالة الاخبار على ذلك، بتقريب أنها دلت على اشتراط الوصف، و المكان من جملة الأوصاف، فإن الوصف عندهم انما هو عبارة عما يفرق به بين أصناف النوع كما تقدم ذكره في كلام الدروس.

و لهذا انهم عدوا من الشروط الوصف على حدة، و عدوا ذكر موضع التسليم على حده، على أنك قد عرفت مما أشرنا إليه آنفا أنه ليس في الاخبار ما يدل على استقصاء الأوصاف على الوجه الذي ذكروه، حتى أنه يتعدى الى ما يحمله هنا، و ادعى أنه من جملة الأوصاف، و بالجملة فإن كلامه (قدس سره) انما هو محض تعصب على ابن إدريس كما هو عادته، و قبله المحقق «عطر الله مرقديهما»، من الرد عليه غالبا بما هو حق تارة و باطل أخرى.

و ثالثها التفصيل بأنه ان كان في حمله مؤنة وجب تعيين محل حمله، و الا فلا، و ذهب اليه الشيخ في المبسوط و ابن حمزة، و وجهه ظاهر مما تقدم في القول الأول، فإن الأغراض إنما تختلف في محل يفتقر الى المؤنة، و أما غيره فلا، و فيه ما أوردناه على القول الأول.

34

و رابعها التفصيل أيضا لكن بنحو آخر، و هو أنه ان كانا في برية أو بلد غربة قصدهما مفارقته اشترط تعيينه، و الا فلا، اختاره العلامة في القواعد و المختلف، و الوجه فيه ما ذكره في المختلف قال: لنا انهما متى كانا في برية أو بلد لا يجتمعان فيه لم يمكن التسليم في مكان العقد، و يتعين غيره، و ليس أحد الأمكنة أولى من الأخر، و ذلك يفضى الى التنازع لجهالته، و أما إذا كانا في بلد يجتمعان فيه فان إطلاق العقد يفتضى التسليم في بلده، و لأن في تعيين المكان غرضا و مصلحة لهما فالأشبه تعيين الزمان.

أقول: و فيه ما تقدم في القول الأول، و يزيد هنا بأن مبنى الاشكال الذي أوجب له القول بالتفصيل المذكور هو ما ذكروه من أن إطلاق العقد يقتضي وجوب التسليم في مكان العقد، و هذا مما لم نقف له على دليل من النصوص، لا بالعموم و لا الخصوص، بل الواجب مع حلول الدين هو الأداء في أي مكان كان، و سيأتي- إنشاء الله تعالى- ما فيه مزيد إيضاح لما ذكرنا و بيان.

و خامسها أنه ان كان لحمله مؤنة أو لم يكن المحل صالحا كالقرية اشترط تعيينه و الا فلا، و هو خيرة العلامة في التذكرة، و وجهه مركب من القولين السابقين عليه.

قال في المسالك بعد نقل الأقوال المذكورة (1): و لكل من الأقوال وجه، الا أن الأخير يضعف السابقين عليه، و يبقى الإشكال في ترجيح أحد الثلاثة، فأصالة البراءة و حمل الإطلاق في نظائره على موضع العقد يرجح الأول، و اختلاف الأغراض و عدم الدليل الدال على تعيين موضع العقد في المتنازع يؤيد الثاني، و وجه الأخير ظاهر و لا ريب أن التعيين مطلقا أولى، و انا في ترجيح أحدهما من

____________

(1) أقول صورة نقل شيخنا المذكور للأقوال حسبما ذكرنا الا انه جعل الأول هو الثاني و الثاني أولا و باقي الأقوال الثلاثة حسبما أوردناه من الترتيب و به ينكشف غشاوة الإجمال عن عبارته التي نقلناها في الأصل- منه (رحمه الله).

35

المترددين انتهى.

أقول و التحقيق أن ما ذكروه من هذه التعليلات فيما عدا القول الأول غاية ما تفيده الأولوية دون الوجوب كما يدعونه، فإن الأحكام الشرعية من الوجوب و التحريم و نحوهما لا تثبت بمثل هذه التخريجات، بل لا بد فيها من التعليل الشرعي الواضح من آية أو رواية، و الا كان قولا على الله بغير علم، و قد استفاضت الآيات و الروايات بالمنع منه و الزجر عنه، و التحقيق عندي في هذا المقام هو ما ذكره المحقق الأردبيلي (قدس سره) و ان كان قد هجس بفكري قبل الوقوف على كلامه (قدس سره) حيث قال بعد قول المصنف «و ليس ذكر موضع التسليم شرطا» ما صورته:

دليل عدم الاشتراط هو عموم أدلة جواز هذا البيع و خصوصها مع خلوها عن سبب اشتراط ذكر موضع التسليم مع عدم المانع، و الجهالة و احتمال النزاع و اختلاف الأغراض يندفع بانصرافه الى موضع يقتضيه العرف، كما في سائر البيوع و العقود خصوصا النسيئة.

نعم الأحوط ذلك خصوصا مع وقوعه في موضع يعلمان مفارقته قبل حلول الأجل، أو يحتاج نقله إلى مؤنة و لم تكن عادة، فإن كان مقتضى العادة و القرينة شيئا و الا انصرف الى موضع الحلول، لان مقتضى العقد وجوب تسليم المبيع عند الحلول في أي مكان كان مع وجود المسلم فيه عادة، و عدم قرينة إرادة خلافه، و لكن ظاهر كلام الأصحاب أن موضع التسليم موضع العقد، فان كان لهم دليل من الإجماع و الا فالظاهر ما مر لما مر. انتهى و هو جيد نفيس.

المسألة الثانية لو أراد بيع ما أسلف فيه

فهنا صور، احديها بيعه قبل حلول الأجل حالا، و الظاهر أنه لا خلاف في عدم الجواز لعدم استحقاقه له (1).

____________

(1) أقول عبائر جملة الأصحاب حتى الأصحاب المتون انه لا يجوز بيعه قبل حلوله و هو أعم من أن يكون المبيع حالا أو مؤجلا، و الثمن ايضا حالا أو مؤجلا، و قال في المهذب: الدين المؤجل منع ابن إدريس من بيعه مطلقا و ادعى عليه الإجماع، و أجاز العلامة بيعه على من هو عليه، فيباع بالحال لا بالمؤجل انتهى. و تعليل المحقق المشار إليه في الأصل في الصورة الثانية بلزوم منع من الدين انما يتجه فيما إذا كان الثمن مؤجلا و اما لو كان نقدا فلا، و المدعى في كلامهم أعم من ذلك كما عرفت- منه (رحمه الله).

36

و ثانيها الصورة المذكورة الا انه يبيعه مؤجلا، و ظاهر الأصحاب العدم ايضا، قال بعض المحققين بعد نقل ذلك عنهم: و كان دليله الإجماع، و احتمال دخوله تحت بيع الدين بالدين، ثم قال: فتأمل خصوصا على من هو عليه، لانه مقبوض له انتهى.

و ثالثها بيعه بعد الحلول و بعد القبض، و لا خلاف في صحة البيع.

و رابعها بعد الحلول و قبل القبض، و المشهور أنه يجوز بيعه من البائع بزيادة و نقصان، سواء كان من جنس الثمن أم لا، و منع الشيخ في التهذيب من بيعه بعد الأجل بجنس الثمن مع الزيادة، و به قال ابن الجنيد و ابن ابى عقيل و ابن البراج و ابن حمزة، و الروايات في هذه الصورة لا يخلو من اختلاف، فالواجب أولا نقل ما وصل إلينا منها ثم الكلام فيما يحصل به الجمع بينها.

الاولى ما رواه

الشيخ في التهذيب في الصحيح عن محمد بن قيس (1) عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من اشترى طعاما أو علفا إلى أجل فلم يجد صاحبه و ليس شرطه الا الورق، فان قال: خذ منى بسعر اليوم ورقا فلا يأخذ إلا شرطه، طعامه أو علفه، فان لم يجد شرطه و أخذ ورقا لا محالة قبل ان يأخذ شرطه فلا يأخذ إلا رأس ماله، لا تظلمون و لا تظلمون».

و روى هذه الرواية في الاستبصار بإسقاط قوله فلم يجد الى قوله فان لم يجد و هو أوضح.

الثانية ما رواه

في الكافي و التهذيب في الصحيح عن محمد بن قيس (2)

____________

(1) التهذيب ج 7- ص 32 الاستبصار ج 3 ص 75.

(2) الكافي ج 5 ص 220 التهذيب ج 7 ص 32.

37

عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أعطى رجلا ورقا في وصيف إلى أجل مسمى فقال له صاحبه: لا أجد لك وصيفا خذ منى قيمة وصيفك اليوم ورقا قال: لا يأخذ إلا وصيفه أو ورقه الذي أعطاه أول مرة لا يزاد عليه شيئا».

الثالثة ما رواه

في التهذيب عن الحلبي (1) في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بالسلم في الحيوان إذا سميت الذي تسلم فيه فوصفته، فان وفيته و الا فأنت أحق بدراهمك».

الرابعة- ما رواه

في الكافي و الفقيه في الصحيح عن الحلبي (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن الرجل يسلم في الغنم ثنيان و جذعان و غير ذلك الى أجل مسمى قال: لا بأس ان لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه، ان يأخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثها أو ثلثيها و يأخذ رأس مال ما بقي من الغنم دراهم».

الخامسة- ما رواه

الشيخ عن على بن جعفر (3) قال: «سألته عن رجل له على آخر تمرا و شعير أو حنطة أ يأخذ بقيمته دراهم؟ قال: إذا قومه دراهم فسد، لأن الأصل الذي يشترى به دراهم، فلا تصلح دراهم بدراهم».

السادسة ما رواه

في التهذيب عن يعقوب بن شعيب (4) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يسلف في الحنطة و التمر بمأة درهم فيأتي صاحبه حين يحل له الذي له فيقول: و الله ما عندي إلا نصف الذي لك فخذ منى ان شئت بنصف الذي لك حنطة، و بنصفه ورقا فقال: لا بأس إذا أخذ منه الورق كما أعطاه».

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 41.

(2) الكافي ج 5 ص 221.

(3) التهذيب ج 7 ص 30.

(4) التهذيب ج 7 ص 32.

38

السابعة ما رواه

في الكافي و التهذيب في الصحيح عن أبان (1) عن بعض، أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام)، «في الرجل يسلف الدراهم في الطعام إلى أجل فيحل الطعام فيقول: ليس عندي طعام، و لكن انظر ما قيمته فخذ منى ثمنه قال:

لا بأس بذلك».

الثامنة ما رواه

الشيخ عن الحسن بن على بن فضال (2) قال: «كتبت الى ابى الحسن (عليه السلام) الرجل يسلفني في الطعام فيجيء الوقت و ليس عندي طعام أعطيه بقيمته دراهم؟ قال: نعم».

التاسعة ما رواه

عن على بن محمد (3) قال: «كتبت اليه رجل له على رجل تمر أو حنطة أو شعير أو قطن فلما تقاضاه قال: خذ بما لك عندي دراهم يجوز ذلك له أم لا؟ فكتب (عليه السلام): يجوز ذلك عن تراض منهما إنشاء الله تعالى».

العاشرة ما رواه

في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن عبد الله بن سنان (4) «قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، الى ان قال: أ رأيت إن أوفاني بعضا و عجز عن بعض أ يجوز ان آخذ بالباقي رأس مالي؟ قال: نعم ما أحسن ذلك».

الحادي عشر- ما رواه ايضا

عن سليمان بن خالد (5) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسلم في الزرع فيأخذ بعض طعامه و يبقى بعض، لا يجد وفاء فيعرض عليه صاحبه رأس ماله؟ قال: يأخذه فإنه حلال» الحديث.

الثانية عشر ما رواه

المشايخ الثلاثة في الصحيح عن الحلبي (6) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل أسلفته دراهم في طعام فلما حل طعامي عليه بعث الي بدراهم فقال:

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 30 و الكافي ج 5 ص 185.

(2) الكافي ج 5 ص 187.

(3) التهذيب ج 7 ص 44.

(4) الكافي ج 5 ص 185 التهذيب ج 7 ص 41.

(5) الكافي ج 5 ص 185 التهذيب ج 7 ص 29.

(6) الكافي ج 5 ص 186 التهذيب ج 7 ص 30.

39

اشتر لنفسك طعاما فاستوف حقك، قال: أرى ان يولى، ذلك غيرك و تقوم معه حتى تقبض الذي لك و لا تتولى أنت شراءه».

الثالثة عشر ما رواه

في الكافي و التهذيب عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله (1) في الموثق «قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أسلف دراهم في طعام فحل الذي له فأرسل إليه بدراهم فقال: اشتر طعاما و استوف حقك، هل ترى به بأسا؟ قال:

يكون معه غيره يوفيه ذلك».

الرابعة عشر ما رواه

في التهذيب عن يعقوب بن شعيب (2) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن الرجل يكون له على الرجل أحمال من رطب أو تمر فيبعث اليه بدنانير فيقول: اشتر بهذه و استوف منه الذي لك قال لا بأس إذا ائتمنه».

و رواه في الفقيه عن صفوان عن يعقوب بن شعيب، قال سألت أبا جعفر (عليه السلام)، مثله.

الخامس عشر ما رواه

في التهذيب و الفقيه عن ابن بكير (3) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن رجل أسلفه في شيء يسلف الناس فيه من الثمار فذهب زمانها و لم يستوف سلفه قال: فليأخذ رأس ماله أو لينظره».

السادس عشر ما رواه

في التهذيب عن ابن حجاج الكرخي (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: «كل طعام اشتريته في بيدر أو طسوج فأتى الله عليه فليس للمشتري إلا رأس ماله، و من اشترى من طعام موصوف و لم يسم فيه قرية و لا موضعا فعلى صاحبه ان يؤديه».

و رواه في الفقيه مرسلا.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 186 و التهذيب ج 7 ص 30.

(2) التهذيب ج 7 ص 42 مع اختلاف يسير الفقيه ج 3 ص 164.

(3) التهذيب ج 7 ص 31 الفقيه ج 3 ص 165.

(4) التهذيب ج 7 ص 39 الفقيه ج 3 ص 131.

40

السابع عشر: ما رواه

المشايخ الثلاثة عن الحلبي (1) في الصحيح قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل يسلف دراهم في خمسة مخاتيم حنطة أو شعير إلى أجل مسمى و كان الذي عليه الحنطة و الشعير لا يقدر على أن يقضيه جميع الذي له إذا حل فشاء صاحب الحق أن يأخذ نصف الطعام أو ثلثه أو أقل أو أكثر و يأخذ رأس ماله ما بقي من الطعام دراهم؟ قال: لا بأس به و سئل عن الزعفران يسلم فيه الرجل دراهم في عشرين مثقالا أو أقل من ذلك أو أكثر قال: لا بأس- ان لم يقدر الذي عليه الزعفران ان يعطيه جميع ماله- ان يأخذ نصف حقه أو ثلثه أو ثلثيه و يأخذ رأس مال ما بقي من حقه دراهم».

و لفظ دراهم في آخر الخبر في الفقيه دون الكتابين الآخرين.

الثامن عشر ما رواه

في الكافي و الفقيه عن العيص بن القاسم (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل أسلف رجلا دراهم بحنطة حتى إذا حضر الأجل لم يكن عنده طعام و وجد عنده دوابا و دقيقا و متاعا أ يحل له أن يأخذ من عروضه تلك بطعامه، قال: نعم يسمى كذا و كذا بكذا و كذا صاعا».

هذا جملة ما حضرني من الاخبار، و المشهور بين الأصحاب في هذه المسألة هو جواز البيع على من عليه الحق و غيره بزيادة أو نقيصة، و ان كان على كراهية في المكيل و الموزون، لان هذه المسألة عندهم أحد جزئيات مسألة بيع الشيء قبل قبضه، و قد تقدم الكلام عليها في فصل بيع النقد و النسية و المشهور بينهم ثمة هو الجواز على كراهية في المكيل و الموزون فجروا هنا على ذلك، و قد عرفت آنفا أن المختار في تلك المسألة هو التحريم، وفاقا لجمع من المتقدمين و لشيخنا الشهيد الثاني من المتأخرين.

و لكن أخبار هذه المسألة كما سيظهر لك إنشاء الله مما يؤذن بمغايرة المسألتين، و يعضده أن مورد أخبار هذه المسألة كلها على كثرتها و اختلافها مخصوصة بالبيع على من عليه الدين، بخلاف أخبار تلك المسألة فإنها بعد ضم مطلقها الى مقيدها و مجملها

____________

(1) الكافي ج 5 ص 186 التهذيب ج 7 ص 29 الفقيه ج 3 ص 166.

(2) الكافي ج 5 ص 186 الفقيه ج 3 ص 165.

41

الى مفصلها ظاهرة في البيع على الغير، و يدل على القول المشهور الخبر السابع و الثامن و التاسع، فإنها ظاهرة في الجواز بزيادة أو نقيصة.

و يؤيده أيضا أنه كسائر أمواله له الاختيار في بيعها بزيادة عما اشترى أو نقيصة، الا أن جل الأخبار المتقدمة قد منعت من الزيادة على رأس المال صريحا في بعض و ظاهرا في آخر، و هذا مما يؤذن بالمغايرة بين المسألتين أيضا، و الأصحاب (رضوان الله عليهم) لم ينقلوا إلا صحيحتي محمد بن قيس، و حملوهما على كراهة البيع قبل القبض، أو الاستحباب:

و الأقرب في الجمع بين الاخبار المذكورة انما هو حمل ما دل على أخذ رأس المال خاصة- و المنع من الزائد- على ما إذا فسخ العقد الأول (1) لتعذر المبيع كلا أو بالنسبة الى ما تعذر منه من نصفه أو ثلثه، فإنه في هذه الحال لا يجوز أخذ الزائد على رأس المال، لاستلزامه الربا، و الاخبار الدالة على القول المشهور على ظاهرها من بقاء المبيع من غير فسخ، فله بيعه بما شاء زيادة و نقيصة.

و أما ما دل عليه الخبر الثاني عشر و الثالث عشر- من النهى عن الشراء بالدراهم المرسلة اليه الا ان يكون معه آخر يشترى و يوفيه فهي محمولة على خوف التهمة، بدليل الخبر الرابع عشر، لا ما حمله عليه في الوافي من فسخ البيع و الوقوع في الربا، فان ظاهر الاخبار الثلاثة أنه أرسل إليه الدراهم و جعله وكيلا عنه في الاشتراء و الإقباض، و لكن حصل النهي في بعضها للعلة التي ذكرناها، كما أفصح به

____________

(1) و انما حملت الأخبار المذكورة على فسخ العقد لأن الحق الثابت في الذمة انما هو الجنس الذي أسلم فيه، فالواجب دفعه أو قيمته ان كان قيميا أو مثله ان كان مثليا، فان هذا هو مقتضى القواعد الشرعية، لكن لما دلت هذه الاخبار على خلاف ذلك من أخذ رأس المال خاصة فلا بد من حملها على فسخ العقد، لتعين أخذ رأس المال خاصة، و لا يجوز الزيادة حينئذ لوقوع الربا بذلك.

منه (رحمه الله).

42

البعض الأخر.

و استند الشيخ فيما تقدم نقله عنه الى الخبر الخامس، قال في التهذيب بعد إيراد الخبر السابع و الثامن ثم الخبر الخامس قال محمد بن الحسن: الذي افتى به ما تضمنه الخبر الأخير من أنه إذا كان الذي أسلف فيه دراهم لم يجز له أن يبيع عليه بدراهم، لانه يكون قد باع دراهم بدراهم.

و ربما كان فيه زيادة و نقصان، و ذلك ربا، و لا تنافي بين هذا الخبر و الخبرين الأولين، لأن الخبر الأول مرسل غير مسند، و لو كان مسندا لكان قوله «انظر ما قيمته على السعر الذي أخذت منى» فإنا قد بينا أنه يجوز له أن يأخذ القيمة برأس ماله من غير زيادة و لا نقصان، و الخبر الثاني أيضا مثل ذلك، و ليس في واحد من الخبرين أنه يعطيه القيمة بسعر الوقت، و إذا احتمل ما ذكرناه فلا تنافي بينهما على حال، على أن الخبرين يحتملان وجها آخر و هو أن يكون انما جاز له أن يأخذ الدراهم بقيمته إذا كان قد أعطاه في وقت السلف غير الدراهم، و لا يؤدى ذلك الى الربا لاختلاف الجنسين انتهى.

و لا يخفى بعد ما ذكره، سيما الاحتمال الأخير فإن أحد الخبرين المذكورين في كلامه و هو مرسلة أبان صريح في كونه أسلف دراهم، و قد اعترضه في هذا الاستدلال بعض من تأخر عنه، بأن الخبر الذي استند اليه يدل على خلاف ما ذهب اليه، فلا يصح له الاعتماد عليه، لانه (عليه السلام) منع من التقويم بالدراهم مطلقا سواء كان بقدر الثمن أو أقل أو أزيد، و الشيخ قد جوز بالمساوي فما يدل عليه الحديث بإطلاقه لا يقول به، و ما يقول به لا يدل عليه الخبر، إذ لا دلالة للعام على الخاص فلا يمكنه الاحتجاج به و هو جيد.

و كيف كان فان روايات المسألة كلها متفقة على الجمع الذي قدمنا ذكره (1)

____________

(1) أقول و ملخص الكلام في اخبار هذا الباب بعد الجمع بينها كما ذكرناه في الأصل ان جملة منها قد دل على انه الفسخ يرجع الى رأس ماله و مع عدم الفسخ فان بعضها دل بأنه يبيعه عليه بما شاء كما هو القول المشهور، و بعضها دل على انه يعطيه دراهم يشترى بها وكالة عنه و يقبض جنسه الذي اشتراه من وجه طلبه، و بعضها دل على انه مع قبض بعض له الفسخ في الباقي و أخذ رأس ماله، و بعضها دل على انه يجوز عوض سلفه عروضه يكون قيمة سلفه، و الجميع موافق لمقتضى الأصول و القواعد و لم يخرج من تحت رواية على بن جعفر لما عرفت في الأصل منه (رحمه الله).

43

و أما هذه الرواية فهي مخالفة للقواعد الفقهية المتفق عليها نصا و فتوى، فإنه بالبيع قد استحق المال المسلم فيه و صار ماله، يتصرف فيه كيف شاء، سواء اشتراه بدراهم أو عروض، و له بيعه بما شاء من الدراهم و العروض، الا أن يفسخ البيع، فيلزم رأس المال خاصة.

و أما مع عدم الفسخ فلا وجه للمنع من تقويمه بالدراهم، و كون المدفوع في قيمته دراهم و بيعه الان بدراهم لا يوجب ذلك الربا، لأنه إنما باع المتاع الذي أسلم فيه لا الثمن الذي دفعه قيمة، و أما ما دل عليه الخبر الخامس عشر فسيأتي الكلام فيه في محله إنشاء الله تعالى.

و بالجملة فالظاهر من الاخبار المذكورة بمعونة الجمع الذي قدمنا ذكره أنه مع عدم فسخ البيع الأول فله ان يبيع ما في ذمة المسلم اليه بما أراد من زيادة و نقيصة عليه أو على غيره، لانه ماله يتصرف فيه كيف شاء و لا مانع من ذلك شرعا إلا ما ربما يتخيل مما تقدم في مسألة البيع قبل القبض، و ان المختار ثمة هو التحريم كما دل عليه جل روايات تلك المسألة.

و الجواب عن ذلك ان الظاهر عندي ان هذه المسألة غير مترتبة على تلك، بل هي مسألة على حيالها كما لا يخفى على المتأمل في أخبار المسألتين و موضوع اخبار هذه المسألة انما هو بيع مال السلم على من هو عليه، و اخبار تلك المسألة انما هو الشراء على غير وجه السلم و بيعه على الغير قبل قبضه كما لا يخفى على المتأمل

44

فيها و ان اشترك الجميع في كونه بيعا قبل القبض، و المختار عندنا هنا هو الجواز كما عرفت من الاخبار التي أشرنا إليها، و هي الخبر السابع و الثامن و التاسع بالتقريب المتقدم، و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني اختيار التحريم هنا بناء على اختياره التحريم في تلك المسألة كما قدمنا نقله عنه (1) و هو غفلة عن ملاحظة روايات هذه المسألة المذكورة فإنها صريحة في الجواز كلا و انما اختلفت في الزيادة عن رأس المال منعا و تجويزا و إلا فأصل البيع لا خلاف فيه لا في الاخبار و لا في كلام الأصحاب بخلاف روايات تلك المسألة، فإنها مختلفة في جواز البيع و عدمه، و جل الاخبار على العدم، كما رجحناه ثمة، و الظاهر ان الكراهة التي

____________

(1) حيث قال بعد قول المصنف «و يجوز بيعه على من هو عليه و على غيره و ان لم يقبضه على كراهية: ما صورته هذا إذا كان بما يكال أو يوزن» اما لو كان مما يعد ففي الكراهية نظر، لعدم الدليل، و قد تقدم في ذلك و ان الأقوى التحريم إذا كان طعاما أو إذا كان مما يكال أو يؤزن على ما فصل انتهى.

و هو ظاهر في بناء هذه المسألة على تلك المسألة فإن قوله و قد تقدم الكلام إشارة الى ما قدمه في تلك المسألة و ان عنده التحريم هنا و ان من اختار في تلك المسألة الكراهية اختار الكراهية هنا ايضا و أنت خبير في الجميع فإن الكراهة التي جمعوا بها بين اخبار تلك المسألة راجعة إلى أصل البيع حيث ان اخبار تلك المسألة اختلفت في صحة البيع و بطلانه.

و اما اخبار هذه المسألة فلم يختلفن في أصل البيع و انما اختلفت في الثمن فالكراهة إنما ترجع الى الثمن و زيادته على رأس المال لا إلى أصل البيع، فإنه لا دلالة في شيء من هذه الاخبار على بطلان البيع و انما قيد المنع من الزيادة على رأس المال و في رواية على بن جعفر المنع من خصوص الدراهم و هم حملوا على الكراهة و على ما ذكرناه من الجمع باعتبار فسخ العقد و عدمه فلا يحتاج الى ما ذكروه و بالجملة فإن كلامه هنا مبنى على تلك المسألة و غفلته عن روايات هذه المسألة و الله العالم- منه (رحمه الله).

45

ذكرها القائلون بالجواز في هذه المسألة حيث انهم صرحوا بجواز بيع السلم على من هو عليه على كراهية، إنما استندوا فيها الى اخبار تلك المسألة لاختلافها في جواز البيع قبل القبض و عدمه، فجمعوا بينها بالكراهة، و الا فأخبار هذه المسألة على كثرتها متفقة على الجواز، و انما اختلفت في الزيادة على رأس المال.

و الظاهر ان السبب في ذلك كله هو ادراجهم هذه المسألة تحت تلك المسألة و الغفلة عن ملاحظة أخبار هذه المسألة مع كثرتها و تعددها، و التحقيق بالنظر الى اخبار كل من المسألتين هو تغاير الحكمين، و ان الأظهر في هذه المسألة هو الجواز للاخبار المتقدم ذكرها بلا كراهة بناء على ما جمعنا به بين اخبارها، و في تلك المسألة هو التحريم لما قدمناه فيها و الله العالم.

تذنيبان:

الأول [إذا حل الأجل و تأخر التسليم لعارض]

- المشهور بين الأصحاب أنه إذا حل الأجل و تأخر التسليم لعارض.

ثم طالب المشترى بعد انقطاعه كان بالخيار بين الفسخ و الصبر- و نقل عن ابن إدريس إنكار الخيار في هذه المسألة، تمسكا بأن العقد ثابت بالإجماع، و آية «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و انه لا دليل على فسخه، و يدل على القول المشهور الخبر الخامس عشر من الاخبار المتقدمة، و هو نص في الباب.

و يؤيده الأخبار المذكورة ثمة الدالة على جواز أخذ رأس المال، فإنك قد عرفت انها محمولة على فسخ العقد، مع ان ظاهرها أن المسلم فيه غير معدوم يومئذ و ان لم يوجد عند البائع فإذا جاز الفسخ مع وجوده، فمع تعذره بطريق اولى، و به يظهر بطلان ما ذهب اليه ابن إدريس، و قيل في المسألة قول ثالث، و هو انه لا يفسخ و لا يصبر بل يأخذ قيمته الآن، قال في المسالك: و هو حسن لأن الحق هو العين، فإذا تعذرت رجع الى القيمة حيث يتعذر المثل.

أقول لا ريب ان هذا القول هو الموافق للأصول الشرعية، و القواعد المرعية

46

و يؤيده الأخبار المتقدمة الدالة على القول المشهور، و هو بيعه على من هو عليه، و أخذ قيمته يومئذ، الا ان موثقة ابن بكير المذكورة ظاهرة الدلالة على القول المشهور هنا، و المسألة لا تخلو عن شوب الاشكال، قالوا: لو كان العارض الموجب لتأخر التسليم من جهة المشترى مع بذل البائع، فإنه لا فسخ لاستناد الفوات الى تقصير، قالوا: و الخيار ليس على الفور، و حينئذ لا يسقط بالتأخير بل قيل انه لو صرح بالإمهال لم يسقط و توقف في الدروس.

و لو قبض البعض قالوا: تخير بين الصبر به و بين فسخ العقد من أصله لتبعيض الصفقة التي هي عيب عندهم، و ان لم نقف لها على دليل إذ المسلم فيه انما هو المجموع، و قد تعذر، فتبعيضه ضرر عليه، و بين الفسخ في المختلف خاصة لأنه الذي تعذر فله الرجوع الى ثمنه، لان الصبر ضرر لا يلتزم به، و يدل على هذا الوجه الثالث- من الاخبار المتقدمة- الخبر الرابع، و الخبر العاشر، و الحادي عشر و السابع عشر.

الثاني [بيع السلف على من هو عليه، أو على غيره قبل حلوله]

قد عرفت في صدر المسألة أن من جملة صورها بيع السلف على من هو عليه، أو على غيره قبل حلوله، يعنى حال كونه دينا و انه لا خلاف بينهم في عدم الجواز، لعدم استحقاقه له يومئذ، و ظاهرهم أن ذلك أعم من أن يبيعه حالا أو مؤجلا للعلة المذكورة، و ظاهر المحقق المتقدم ذكره ثمة أن دليلهم الإجماع، مع أنه في المسالك نقل عن العلامة في التذكرة القول بالجواز، و اليه يميل ايضا كلامه في المسالك مستندا إلى أنه حق مالي إلى آخر ما يعتبر في البيع فينبغي أن يصح بيعه على حالته التي هو عليها، و ان لم يجز المطالبة قبل الأجل. ثم اعترض على نفسه بأنه ربما أشكل بعدم إمكان قبضه الذي هو شرط في الصحة، ثم أجاب بمنع اشتراط إمكان القبض حين العقد، بل إمكانه مطلقا و يمكن تحققه بعد الحلول، كما لو باعه عينا غائبة منقولة لا يمكن قبضها الا بعد مضى زمان يمكن فيه الوصول إليها.

أقول و الاشكال المذكور انما يتوجه فيما إذا كان البيع على غير من عليه الحق،

47

و الا فلو كان على من هو عليه فإنه مقبوض، لكونه في ذمته، و الى ذلك يميل أيضا كلام المحقق الشيخ حسن بن شيخنا الشهيد الثاني في حواشيه على شرح اللمعة على ما نقله عنه ابنه الشيخ محمد، حيث أن شيخنا المشار إليه جرى في الكتاب المذكور على القول المشهور، فقال: و اما بيعه قبل حلوله فلا، لعدم استحقاقه حينئذ، فكتب عليه ابنه المحقق المذكور ان أريد بالاستحقاق استحقاق أصل الملك على أن المراد أنه لا يملك أصل المسلم فيه الا بعد الأجل فتوجه المنع اليه ظاهر، و ان أريد به عدم استحقاقه المطالبة، فمنع ذلك البيع غير واضح انتهى: ثم ان ابنه الشيخ محمد كتب على ما ذكره أبوه الجواب نختار الشق الثاني و منعه البيع واضح، لاشتراط القدرة على التسليم انتهى.

أقول و كأنه غفل عما ذكره جده في المسالك، و لم يقف عليه من الجواب عما ذكره، و اليه يميل ايضا كلام المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد و هو الذي عبرنا عنه ببعض المحققين في صدر المسألة، و قد تقدم كلامه في صدر المسألة، و بالجملة فالمسألة لخلوها عن النص لا يخلو عن اشكال، و ان كان ما ذكره هؤلاء المحققون ظاهر القوة خصوصا في البيع على من هو عليه، و كذا في صورة ما لو كان البيع مع تأجيل المبيع إلى المدة المضروبة أو لا، و ان كان على غير من هو عليه، لحصول الاستحقاق بعد المدة.

ثم ان ظاهر القول المشهور من المنع من بيعه قبل حلوله أنه لا فرق بين أن يكون الثمن حالا أو مؤجلا، لما عرفت من التعليل المذكور في كلامهم، و هو عدم الاستحقاق، و أما على القول بالجواز فلا إشكال في صحته بالحال، مشخصا كان أو مضمونا، و لا إشكال أيضا في عدم الصحة لو كان الثمن دينا قبل العقد، للزوم بيع الدين بالدين المنهي عنه، و انما الكلام فيما لو شرط تأجيله في العقد بمعنى أنه انما يكون دينا بعد العقد لا قبله، فظاهر جملة من الأصحاب دخوله في بيع الدين بالدين، و الظاهر انه المشهور.

48

و ظاهر جملة منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و الروضة العدم، قال في المسالك بعد قول المصنف في مسألة بيع الدين بعد حلوله بما شرط تأجيله قيل يبطل، لانه بيع دين بدين، و قيل يكره، و هو الأشبه ما لفظه:

و أما بيعه بمؤجل فقد ذهب جماعة إلى المنع منه، اعتمادا على أن المؤجل يقع عليه اسم الدين، و فيه أنهم ان أرادوا إطلاق اسم الدين عليه قبل العقد، و حالته فظاهر منعه، لانه لا يعد دينا حتى يثبت في الذمة، و لا يثبت الا بعد العقد، فلم يتحقق بيع الدين بالدين، و ان أرادوا أنه دين بعد ذلك لزم مثله في المضمون الحال، و لا يقولون ببطلانه، و أما دعوى إطلاق اسم الدين على المؤجل قبل ثبوته في الذمة دون الحال فهو تحكم.

و الحق أن اسم بيع الدين بالدين لا يتحقق إلا إذا كان العوضان معا دينا قبل المعاوضة، كما لو باعه الدين الذي في ذمته بدين آخر له في ذمته، أو في ذمة ثالث أو تبايعا دينا في ذمة غريم لأحدهما بدين في ذمة غريم آخر للآخر، و نحو ذلك لاقتضاء الباء كون الدين نفسه عوضا، و المضمون الذي لم يكن ثابتا في الذمة قبل ذلك لا يعد جعله عوضا بيع دين بدين، و أما ما يقال: اشترى فلان كذا بالدين، مريدين به أن الثمن في ذمته لم يدفعه، فهو مجاز يريدون به أن الثمن بقي في ذمته دينا بعد البيع، و لو لا ذلك لزم مثله في الحال لإطلاقهم فيه ذلك نعم. الدين المبيع يطلق عليه اسم الدين قبل حلوله و بعده، فلا بد في المنع من دين آخر يقابله، فظهر أن ما اختاره المصنف من جواز ذلك على كراهية أوضح. انتهى و هو جيد، الا ان ما ذكره من ان الدين المبيع كالسلم مثلا يطلق عليه اسم الدين بعد الحلول أيضا و ان كان هو الظاهر من كلام غيره من الأصحاب أيضا، الا ان الدين لغة كما صرح به جملة من أرباب اللغة مخصوص بالمؤجل دون الحال، قال في القاموس: الدين ماله أجل، و ما لا أجل له فقرض.

و قال في النهاية الأثيرية فيه انه نهى عن الكالي أي النسيئة، بالنسيئة و ذلك ان يشترى الرجل شيئا الى أجل، فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضى به فيقول بعينه

49

إلى أجل آخر بزيادة شيء فيبيعه منه، و لا يجرى بينهما تقابض.

و قال في كتاب الغريبين قوله تعالى «إِذٰا تَدٰايَنْتُمْ بِدَيْنٍ» الدين ما له أجل، و القرض ما لا أجل له، و هو عين ما ذكره في القاموس، الا ان الظاهر من كلام الفيومي في المصباح المنير خلاف ذلك، قال بعد ذكر كلمات جملة من أهل اللغة في مادة الاشتقاق: تشتمل على إطلاق الدين على القرض، ثم ذكر قوله سبحانه «إِذٰا تَدٰايَنْتُمْ بِدَيْنٍ» اى تعاملتم بدين من سلم و غيره: ما لفظه فثبت بالآية و بما تقدم ان الدين لغة هو القرض، و ثمن المبيع الى آخره، و ربما ظهر منه الاختصاص بما ذكره، و الحال كما ترى لا يخلو من الاشكال، و مثله يأتي فيما ألزمهم به من إطلاق الدين على المضمون الحال، فإنه يمكن الجواب عنه بأنه بناء على ما ذكره من تخصيص الدين بالمؤجل لغة لا يرد ما أورده، الا ان يكون مراده الإطلاق عرفا كما هو ظاهر سياق الكلام، و كيف كان فالمسألة لا تخلو عن شوب الاشكال كما تقدمت الإشارة اليه و الله العالم.

المسألة الثالثة [في دفع السلم دون الصفة و فوقها]

إذا دفع دون الصفة و رضى المشترى فلا إشكال في الجواز، و براءة ذمة البائع، و ان دفع فوق الصفة فظاهر الأصحاب وجوب قبوله، اما لو دفع أكثر لم يجب قبول الزيادة.

قال في المسالك: الفرق بين العين و الصفة ان زيادة الصفة لا تنافي عين الحق، بل تؤكده، إذ المفروض كونه مساويا للحق في النوع و غيره، و يزيد الصفة، اما العين فهي خارجة عن الحق زائدة عليه، فلا يجب قبولها، لأنها عطية جديدة، و يمكن تخليصها و الحق معها غير متعين انتهى.

و لا يخفى ما فيه فان ما ذكره في العين يمكن إجراءه في زيادة الصفة، فان الحق الذي له موصوف بصفة خاصة، و المدفوع موصوف بصفة أخرى، و به يحصل التغاير، فكيف لا تنافي عين الحق، و اما قوله في الزيادة فلا يجب قبولها لأنها عطية، فإنه يجري في زيادة الوصف، فإنها مشتملة على المنة، و لا يجب قبولها ايضا كما صرحوا به في غير موضع،

50

و منه قبول ما يوهب مما يستطيع به الحج، و المنقول عن ابن الجنيد التسوية بين الأمرين في عدم وجوب القبول، و يدل عليه بعض الاخبار الآتية، و بالجملة فإنه مع التراضي من الطرفين لا اشكال و لا خلاف في جواز الأخذ ناقصا و زائدا في العين أو الصفة، و انما الكلام في وجوب القبول و تحتمه شرعا.

و الذي وقفت عليه من الاخبار في المقام ما رواه

في الكافي عن قتيبة الأعشى (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) و انا عنده فقال رجل: ان أخي يختلف الى الجبل فيجلب الغنم فيسلم في الغنم في أسنان معلومة إلى أجل معلوم، فيعطى الرباع جذاعا مكان الثني فقال له: أ بطيبة من نفس صاحبه؟ قال: نعم قال: لا بأس».

و ما رواه

المشايخ الثلاثة نور الله تعالى مراقدهم، عن أبى بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السلم في الحيوان؟ قال: ليس به بأس، قلت: أ رأيت أن أسلم في أسنان معلومة أو شيء معلوم من الرقيق فأعطاه دون شرطه أو فوقه بطيبة النفس منهم؟ قال: لا بأس».

و ما رواه

في الكافي عن الحلبي (3) في الصحيح قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام)، عن الرجل يسلم في وصفاء أسنان معلومة و لون معلوم ثم يعطى دون شرطه أو فوقه فقال: إذا كان عن طيبة نفس منك و منه فلا بأس».

و رواه الشيخ عن سليمان بن خالد عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثله.

و عن معاوية بن عمار (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل أسلف في وصفاء أسنان معلومة و غير معلومة ثم يعطى دون شرطه؟ قال: إذا كان بطيبة النفس منك و منه فلا بأس، الى أن قال: و لا يأخذ دون شرطه إلا بطيبة نفس صاحبه».

و عن الحلبي (5) في الصحيح و رواه في الفقيه أيضا عن الحلبي في الصحيح

____________

(1) الكافي ج 5 ص 222 التهذيب ج 7 ص 46.

(2) الكافي ج 5 ص 220 التهذيب ج 7 ص 46.

(3) الكافي ج 5 ص 221 التهذيب ج 7 ص 46 و 41.

(4) الكافي ج 5 ص 221.

(5) الكافي ج 5 ص 221 الفقيه ج 3 ص 167.

51

عن أبى عبد الله (عليه السلام)، في حديث قد تقدم قال: «و يأخذون دون شرطهم و لا يأخذون فوق شرطهم،».

و رواه الشيخ في الصحيح أيضا عن سليمان بن خالد (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثله، و يمكن الاستدلال بهذا الخبر لما نقل آنفا عن ابن الجنيد من عدم وجوب أخذ ما زاد على الوصف، و المراد أنه لا يجب عليهم قبول ما زاد على الوصف، و لا ينافيه ما تقدم في صحيحة الحلبي من نفى البأس مع طيبة النفس منهما إذا كان فوقه، لان الكلام كما عرفت في وجوب الأخذ عليه لا في الجواز، بل هذه الرواية أيضا ظاهرة فيما ذكره ابن الجنيد حيث شرط فيها أخذ ما فوق الشرط بطيبة نفسي الآخذ، فلا يجبر عليه، كما هو ظاهر كلامهم من وجوب القبول.

و بالجملة فإن الظاهر هو قوة ما ذهب اليه ابن الجنيد لما عرفت من ضعف التعليل الذي ذكره في المسالك، مع اعتضاد قول ابن الجنيد بظاهر الصحيحة المذكورة، و لو دفع اليه ما هو على الصفة المشروطة وجب القبول أو الإبراء من حقه، و لو امتنع من الأمرين جبره الحاكم، و الا قبضه له إذا سأل المسلم اليه ذلك، و الظاهر انه يبرئ لو عزله له، و قد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام في المسألة الثالثة (2) من المطلب الأول في النقد و النسيئة من الفصل الرابع في أحكام العقود و متى قبضه برئت ذمة المسلم إليه.

المسألة الرابعة لو وجد في المبيع أو الثمن عيب بعد القبض

فهنا مقامان

الأول- لو وجد بالمبيع عيبا بعد القبض

فإنه يتخير بين الرضاء به مجانا و بين رده، فيرجع الحق إلى ذمة المسلم اليه، بمعنى أن المدفوع لا يتعين بمجرد الدفع، و ان كان من الجنس و على الوصف، للعيب المذكور، لأنه إنما أسلفه في صحيح، و لا أرش هنا، لانه لم يتعين الحق حتى يجب قبوله و يجبر بالأرش، بل الحق في الذمة أمر كلي، و دفع هذا المعيب عنه بعد ظهور العيب يكون ملكا متزلزلا يتخير فيه بين الرضاء به

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 32-.

(2) ح 19 ص 131.

52

مجانا فيستقر ملكه عليه، و بين أن يرده، فيرجع الحق إلى الذمة سليما بعد ان خرج خروجا متزلزلا.

بقي الكلام في النماء المنفصل المتجدد زمن الخيار بعد القبض و قبل الرد متى اختار الرد، و الظاهر من كلامهم أنه للقابض، فإنه متجدد في ملكه و ان كان متزلزلا، كنظائره من النماء المتجدد زمن الخيار، و اما المتصل كالسمن فإنه تابع للعين.

الثاني [إذا ظهر في الثمن بعد قبضه عيب]:

قالوا: إذا ظهر في الثمن بعد قبضه عيب فان كان من غير الجنس كان يكون نحاسا و الثمن فضة، بطل العقد، و ان كان من جنسه رجع بالأرش ان اختار البيع، و ان اختار الرد كان له ذلك، و هو لا يخلو من إجمال، و تفصيل الكلام في ذلك بمعونة ما تقدم في باب الصرف أن يقال هنا ان العيب اما أن يكون من الجنس أو من غيره، و على كل من التقديرين فاما أن يكون في جملة الثمن أو بعضه، و على كل من هذه التقادير اما ان يظهر قبل التفرق أو بعده، و على كل من هذه التقادير اما أن يكون الثمن معينا أو كليا.

و جملة الأقسام تنتهي إلى ستة عشر، أحدها ان يكون العيب من غير الجنس، و يكون في جملة الثمن بعد التفرق، و كان معينا و لا إشكال في البطلان هنا، لانتفاء شرط السلم، و هو القبض قبل التفرق، كما تقدم.

ثانيها: الصورة بحالها و لكن قبل التفرق، و الحكم هو المطالبة بالبدل قبل التفرق.

ثالثها: الصورة الأولى بحالها و لكن كان العيب في بعض الثمن، و الحكم فيها صحة البيع فيما هو من الجنس، و البطلان في غيره.

رابعها: الصورة بحالها و لكن قبل التفرق، و الحكم فيها الصحة فيما هو من الجنس، و المطالبة بالبدل قبل التفرق.

خامسها: العيب من غير الجنس في جملة الثمن بعد التفرق، و لكن الثمن كلي في

53

الذمة و حكمها كالصورة الأولى لعدم العيب للعلة المذكورة ثمة.

سادسها: الصورة بحالها و لكن قبل التفرق و الحكم فيها كما في الصورة الثانية سابعها: العيب من غير الجنس بعد التفرق و كون الثمن كليا لكن العيب في بعض الثمن، و الحكم فيها كما في الصورة الثالثة.

ثامنها: الصورة كسابقها و لكن قبل التفرق و الحكم فيها كما في الرابعة، فهذه ثمان صور فيما لو كان من غير الجنس.

تاسعها: العيب من الجنس كخشونة الجوهر و اضطراب السكة و نحوهما و كون ذلك في جملة الثمن بعد التفرق، مع كون الثمن معينا و الحكم فيها التخيير بين الرد و الرضاع مع الأرش، كما تقدم في كلامهم.

عاشرها: الصورة بحالها لكن مع كون الثمن كليا في الذمة، فهل يكون العقد صحيحا لحصول التقابض سابقا و لو في الجملة أو يكون باطلا لعدم التقابض حقيقة قبل التفرق؟ اشكال تقدم بيانه في المسألة الحادية عشر من مسائل الصرف.

الحادي عشر: الصورة كسابقتها لكن ظهور العيب قبل التفرق، و الحكم هنا وجوب الإبدال، لأن الثمن أمر كلي في الذمة محمول على الصحيح السالم من العيب، فمتى كان المدفوع معيبا وجب رده قبل التفرق، لان المقبوض في حكم العدم، و يرجع الحق إلى الذمة، فيجب الأبدال و لا خيار هنا و لا أرش، لاختصاص ذلك بما إذا كان الثمن معينا.

الثانية عشر: الصورة الاولى من صور العيب الجنسي لكن مع ظهور العيب قبل التفرق، و الحكم فيها كما في تلك الصورة من التخيير، و هذه الصور الأربع في العيب الجنسي مبنية على ما إذا كان العيب في جملة الثمن، و قس عليها ما إذا كان العيب في بعض الثمن، فإنه يأتي فيه الصور الأربع المذكورة، و الحكم فيما قابل الصحيح صحة البيع، و فيما قابل المعيب ما تقدم في كل من الصور الأربع من الخيار في الاولى، و الاشكال في الثانية، و وجوب الإبدال في الثالثة، و التخيير في الرابعة.

54

المسألة الخامسة لو اختلفا في قبض الثمن هل كان قبل التفرق أو بعده؟

أو ادعى البائع انه قبضه ثم رده قبل التفرق.

و الكلام هنا في موضعين

الأول- ما إذا اختلفا في القبض هل هو قبل التفرق أو بعده؟

و مقتضى هذا الكلام أنهما قد اتفقا على القبض، الا أن أحدهما ادعى أن القبض وقع قبل التفرق، فيصح العقد حينئذ لوجود شرطه.

و الأخر ادعى انه بعده فيبطل، و مقتضى قواعد الأصحاب أن القول قول مدعى الصحة، و به أفتوا في المسألة، أما لو اختلفا في أصل قبض الثمن، فان القول قول منكر القبض و ان تفرقا و استلزم البطلان، و النزاع في الحقيقة في كل من المسألتين يرجع الى طرو المفسد، و الا فهما متفقان على أصل الصحة، و لا نزاع بينهما فيها، لاتفاقهما على وقوع العقد.

و لكن في المسألة الأولى ادعى أحدهما أن القبض انما وقع بعد التفرق، و هو موجب لبطلان العقد، و في الثانية ادعى البائع عدم القبض، و حصول التفرق الموجب للبطلان، و في الأولى قدم قول مدعى الصحة المتفق عليها، لأن الأصل عدم طرو المفسد، و في الثانية المقتضي للفساد قائم و هو التفرق، و يترتب على ما هو الأصل من عدم قبض الثمن، فان مقتضى الأصل ذلك، فمن أجل ذلك حكم بالبطلان.

هذا مع عدم البينة، و لو أقام كل منهما بينة بالنسبة إلى المسألة الأولى، بنى على تقدم بينة الداخل- و هو هنا مدعى الصحة- أو الخارج، و اختار في المسالك الثاني، و نقل عن العلامة تقديم بينة الأول لقوة جانبه بدعوى أصالة عدم طرو المفسد، و لكون دعواه مثبتة، و الأخرى نافية، و بينة الإثبات مقدمة.

الثاني لو قال البائع: قبضت الثمن ثم رددته إليك، و أنكر المشتري القبض

، و ظاهرهم أن القول قول البائع مع يمينه، مراعاة لجانب الصحة، و تفصيل ذلك أنهما الان متفقان على أن الثمن عند المشترى، اما في ذمته، أو أمانة عنده (1) و انما

____________

(1) أقول كون الثمن في ذمته بناء على إنكار المشتري الإقباض، و كونه عنده يعني امانة بناء على دعوى البائع أنه رده عليه- منه (رحمه الله).

55

اختلفا في كون ذلك على وجه مفسد للعقد بأن لا يكون البائع قبضه بل بقي في ذمة المشترى، فلم يحصل التقابض، أو على وجه مصحح بأن يكون قبضه البائع ثم رده اليه، و الأصحاب قدموا قول البائع رعاية لصحة العقد.

و قد يقال: ان أصالة صحة العقد معارضة بأن الأصل عدم حصول القبض، الا انه يمكن أن يقال أيضا أنه مع تعارض الأصلين المذكورين يحصل الشك في طرو المفسد، و الأصل عدمه، أو يقال المقتضى للفساد مشكوك فيه، إذ لا يعلم ان التفرق كان قبل القبض، و الأصل عدمه، فيتمسك بأصل الصحة.

و كيف كان فإنه يبقى هنا إشكال في المقام، و هو ان دعوى البائع مشتملة على شيئين، قبض الثمن و رده، و انما قدم قوله في القبض مراعاة لصحة العقد، و أما في الرد فمقتضى القواعد الشرعية أنه غير مقبول كنظائره، إذ لا مدخل له في الصحة و حينئذ فمع قبوله في القبض هل له مطالبة المشتري بالثمن أم لا؟ إشكال ينشأ من عدم قبوله في الرد مع اعترافه بحصول القبض، فليس له المطالبة، و من اتفاق المتبايعين على أن الثمن عند المشترى، اما على دعوى البائع فظاهر، و أما على دعوى المشترى فلاعترافه بعدم الإقباض، فإذا قدم قول البائع في صحة العقد ألزم المشتري بالثمن، فيجوز المطالبة حينئذ، الا أنه يشكل أيضا بأن المشتري بناء على فرض المسألة لا يدعى شيئا في ذمة البائع، لاعترافه بفساد البيع، و أنه لم يقبضه الثمن قبل التفرق، فلا تبقى الا دعوى البائع، و هي مشتملة على الاعتراف بالقبض، و دعوى الرد، و الثانية غير مقبول بمقتضى القواعد الشرعية فكيف تجوز له المطالبة.

و بالجملة فأمثال هذه الفروع الخالية من النصوص على العموم و الخصوص سيما مع تعارض الاحتمالات العقلية فيها محل الاشكال، و ان كان الأقرب بالنظر الى هذه التعليلات هو عدم المطالبة، إلزاما له بالاعتراف بالقبض الذي بنوا عليه صحة العقد، و عدم سماع دعوى الرد، و الله العالم.

56

الفصل الحادي عشر في بيع الغرر و المجازفة

و فيه مسائل

الاولى [في من اشترى شيئا بحكم نفسه]

قال الشيخ في النهاية من اشترى شيئا بحكم نفسه و لم يذكر الثمن بعينه كان البيع باطلا، فان هلك في يد المبتاع كان عليه قيمته يوم ابتياعه، الا أن يحكم على نفسه بأكثر من ذلك، فيلزمه ما حكم به دون القيمة، و ان كان الشيء قائما بعينه كان لصاحبه انتزاعه من يد المبتاع، فإن أحدث المبتاع فيه حدثا نقص به ثمنه كان له انتزاعه منه و أرش ما أحدث فيه، فان كان الحدث يزيد في قيمته و أراد انتزاعه من يده كان عليه أن يرد على المبتاع قيمة الزيادة لحدثه فيه، فان ابتاعه بحكم البائع فحكم بأقل من قيمته كان ذلك ماضيا، و لم يكن له أكثر من ذلك، و ان حكم بأكثر من قيمته لم يكن له أكثر من القيمة في حال البيع، الا أن يتبرع المبتاع بالتزام ذلك على نفسه، فان لم يفعل لم يكن عليه شيء و كذا قال الشيخ المفيد و ابن البراج و أبو الصلاح على ما نقله في المختلف.

و قال سلار: من لم يسم ثمنا بطل بيعه و شراؤه فإن هلك المبيع في يد من ابتاع و لم يسم الثمن كان عليه قيمته يوم أخذه، فإن كان باقيا فللبائع أخذه، فإن كان قد أحدث فيه حدثا فان نقصت به قيمته فللبائع أرش النقصان، و ان زادت فالأرش للمبتاع.

و قال العلامة في المختلف: لا يجوز البيع بحكم أحدهما في الثمن، فان بيع كذلك بطل البيع، و لو حكم الحاكم منهما بأي شيء كان لم يلزم بل يبطل البيع، فان كانت السلعة قائمة استردها البائع، و ان كانت تالفة وجب على المشترى قيمتها و لا اعتبار بما يحكم به أحدهما، هذا إذا كانت من ذوات القيم، و ان كانت من ذوات الأمثال وجب عليه مثلها، فان تعذر المثل فقيمة المثل يوم الإعواز ثم قال: و قال ابن إدريس كما قلناه إلا في موضعين.

أحدهما أن مع التلف و لا مثل يجب عليه أكثر القيم من وقت القبض الى وقت التلف كالغصب.

57

و الثاني- أن الحدث الذي أبره المشترى ان كان عين مال له أخذه، و ان كان فعلا لم يكن له الرجوع على البائع بشيء، ثم انه احتج في المختلف على البطلان، قال: لنا على بطلان البيع مع الجهالة الإجماع عليه، و النهى عن الغرر و الحكم غير لازم، إذ ذلك لا يصير ما ليس بثابت في الذمة ثابتا، أقول: الظاهر من كلام الشيخ و من تبعه ممن تقدم ذكره هو التفصيل في البيع بحكم أحدهما، و أنه ان كان الحاكم هو المشترى فالبيع عندهم باطل، و ان كان الحاكم هو البائع، فإن حكم بأقل من قيمته كان البيع ماضيا، و لم يكن له أكثر من ذلك، و ان حكم بأكثر فالبيع أيضا صحيح و لكن ليس له أكثر من القيمة في حال البيع، الا أن يرضى المشترى بتلك الزيادة، و ظاهر ابن إدريس و من تأخر عنه كالمحقق و العلامة و غيرهما من المتأخرين هو البطلان مطلقا.

و ابن إدريس قد خالف الشيخ في مواضع، منها في قوله فان هلك في يد المبتاع كان عليه قيمة يوم ابتاعه، فقال: هكذا قال شيخنا أبو جعفر في نهايته، و الذي يقتضيه أصول المذهب أن الشيء ان كان له مثل فعليه مثله لا قيمته، و ان أعوز المثل فعليه ثمن المثل يوم الإعواز، و ان كان المبيع مما لا مثل له فإنه يجب عليه قيمة أكثر ما كانت الى يوم الهلاك، لان هذا بيع فاسد، و البيع الفاسد عند المحصلين يجرى مجرى الغصب في الضمان.

أقول: ما ذكره من التفصيل بالمثلي و القيمي جيد كما هو المتكرر في كلامهم، و أما تعيين وقت القيمة فقد تقدم الكلام فيه، و منها في قول الشيخ فان كان الحدث يزيد في قيمته و أراد انتزاعه من يده كان عليه أن يرد على المبتاع قيمة الزيادة لحدثه.

فقال: هكذا قال شيخنا في نهايته، و الاولى أن يقسم الحدث فيقول:

ان كان آثار أفعال لا أعيان أموال، فلا يرد على المبتاع شيء، و ان كان الحدث أعيان أموال فهو على ما قاله (رحمه الله).

58

أقول: و بما أطلقه الشيخ هنا أفتى المحقق في الشرائع، و وافقه في المسالك لكن قيده بصورة الجهل، و الظاهر أن مراده الجهل بصحة البيع ثم قال: أما مع علمه فليس له الا الزيادة العينية التي يمكن فصلها، فالوصفية كالصنعة لا يستحق بسببها شيء، و بالجملة حكمه حكم الغاصب، و هذا هو أصح الأقوال في المسئلة انتهى: و حينئذ يصير هذا قولا ثالثا في المسألة.

و منها في قوله «فان ابتاعه بحكم البائع فحكم بأقل من قيمته» الى آخر الكلام فقال: هكذا أورده في نهايته و الاولى أن يقال البيع باطل، لان كل مبيع لم يذكر فيه الثمن يكون باطلا بغير خلاف بين المسلمين، فإذا كان كذلك فان كان باقيا بعينه فللبائع انتزاعه من يد المشترى، و ان كان تالفا و تحاكما فلصاحبه مثله ان كان له مثل، و ان كان لا مثل له فله قيمته أكثر القيم الى يوم الهلاك، لا قيمته في حال البيع، فإن أقر البائع بشيء لزمه إقراره على نفسه، الا أن يقر بأزيد من قيمته التي يوجبها الشارع، و انما هذه أخبار آحاد أوردها في نهايته إيرادا لا اعتقادا انتهى.

و أنت خبير بأنه قد تقدم في المسئلة السابعة من مسائل المقام الثالث من الفصل الأول نقل صحيحة رفاعة الدالة على بيع الجارية بحكم المشترى و عدم قبول البائع لما حكم به بعد أن دفع الجارية إلى المشترى، و وطأها المشترى، و حكمه (عليه السلام)، في الصورة المذكورة بأن يقوم الجارية قيمة عادلة، فإن كان قيمتها أكثر مما بعث اليه كان عليه أن يرد عليه ما نقص من القيمة، و ان كان قيمتها أقل مما بعث فهو له، و لا يسترد منه شيئا، و لكن الأصحاب لم يذكروها، و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك بما خطر بالبال العليل، و الفكر الكليل.

و أما ما ذكره الشيخ هنا من الصحة في صورة حكم البائع على الوجه الذي ذكره فلم أقف فيه على دليل، و اما ما ذكروه من الضمان على المشترى للقاعدة المقررة عندهم «من ان كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» فقد تقدم الكلام

59

فيه أيضا في بعض المواضع المشار إليها آنفا.

الثانية [بطلان البيع إذا كان الثمن مجهولا]

قال في المختلف: لا خلاف بيننا في ان الثمن إذا كان مجهولا بطل البيع الا عن ابن الجنيد- فإنه قال: لو وقع على مقدار معلوم بينهما، و الثمن مجهول لأحدهما جاز إذا لم يكن بواجبه، و كان للمشتري الخيار إذا علم، و ذلك كقول الرجل يعنى كر طعام بسعر ما بعت، فاما ان جهلا جميعا قدر الثمن وقت العقد لم يجز، و كان البيع منفسخا- و الا من السيد المرتضى في المسائل الناصرية، فإنه قال: لا يشترط العلم برأس مال السلم إذا كان معلوما بالمشاهدة مضبوطا بالمعاينة- و الا من الشيخ في المبسوط في كتاب الإجارة فإنه قال: إذا باع شيئا بثمن جزاف جاز إذا كان معلوما مشاهدا و ان لم يعلم وزنه، و كذا مال السلم، لنا انه غرر فيكون منهيا عنه انتهى.

أقول- و نحو هذا الكلام ذكر في الدروس، و قد تقدم نقل عبارته، و الكلام في حكم هذه المسألة صحة و بطلانا تقدم في المسألة السابعة المشار إليها في سابق هذه المسألة.

الثالثة [بطلان بيع الصبرة]

قال في المختلف: بيع الصبرة باطل الا ان يعلما قدرها أو يعلمه أحدهما و يخبر الآخر حالة العقد، و لو جهلاها وقت العقد أو أحدهما بطل، سواء شاهداها أم لا، و سواء كالاها بعد ذلك أو لا، ذهب إليه علماؤنا أجمع، إلا ابن الجنيد فإنه جوز ذلك، و الشيخ قال في المبسوط: إذا قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم صح البيع، لأن الصبرة مشاهدة، و مشاهدة المبيع تغني عن معرفة مقداره، و قد روى أن ما يباع كيلا لا يباع جزافا و هو الأقوى عندي، ثم فرع على الوجهين بعض الفروع و هو مشعر بتردده، و ان قوى أحدهما، و رده المختلف بأنه غرر منهي عنه بالإجماع، و جزم في الخلاف بالبطلان.

أقول و قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة المشار إليها آنفا فيما يصح بيعه من صور بيع الصبرة و ما يبطل.

60

الرابعة [عدم البأس بأن يعطى الغنم و البقر بالضريبة]

قال الشيخ في النهاية: لا بأس أن يعطى الإنسان الغنم و البقر بالضريبة مدة من الزمان بشيء من الدراهم و الدنانير و السمن، و إعطاء ذلك بالذهب و الفضة أجود في الاحتياط، و نقل عن المختلف عن ابن إدريس أنه لا يجوز ذلك، و قال في المختلف بعد نقل ذلك: و التحقيق أن هذا ليس ببيع، و انما هو نوع معاوضة و مراضاة غير لازمة، بل سائغة و لا منع في ذلك.

أقول: و الذي حضرني من الاخبار الواردة في هذا المقام ما رواه

في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يكون له الغنم يعطيها بضريبة سمنا شيئا معلوما أو دراهم معلومة من كل شاة كذا و كذا قال:

لا بأس بالدراهم، و لست أحب أن يكون بالسمن».

و ما رواه

في الكافي عن إبراهيم بن ميمون (2) «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال:

نعطي الراعي الغنم بالجبل يرعاها و له أصوافها و ألبانها و يعطينا الراعي لكل شاة درهما قال: ليس بذلك بأس، فقلت: ان أهل المسجد يقولون: لا يجوز لان منها ما ليس له صوف و لا لبن، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): و هل يطيبه الا ذاك يذهب بعضه و يبقى بعض».

و رواه في التهذيب مثله.

و ما رواه

في الكافي و التهذيب عن مدرك بن الهزهاز (3) عن ابى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يكون له الغنم فيعطيها بضريبة شيئا معلوما من الصوف أو السمن أو الدراهم فقال: لا بأس بالدراهم و كره السمن».

و ما روياه

في الكتابين ايضا عن عبد الله بن سنان (4) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن رجل دفع الى رجل غنمه بسمن و دراهم معلومة لكل شاة كذا و كذا في كل شهر قال: لا بأس بالدراهم، و اما السمن فما أحب ذلك الا ان تكون حوالب فلا بأس بذلك».

____________

(1) الكافي ج 5 ص 223 التهذيب ج 7 ص 127.

(2) الكافي ج 5 ص 224 التهذيب ج 7 ص 127.

(3) الكافي ج 5 ص 224 التهذيب ج 7 ص 127.

(4) الكافي ج 5 ص 224 التهذيب ج 7 ص 127.

61

و ما رواه

في التهذيب عن إسماعيل بن الفضل (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدفع الى الرجل بقرا و غنما على ان يدفع اليه كل سنة من ألبانها و أولادها كذا و كذا قال: ذلك مكروه».

أقول: الظاهر تقييد ما أطلق من الاخبار في كراهة أخذ الثمن بصحيحة عبد الله بن سنان الدالة على الجواز إذا كانت حوالب، و يستفاد من الجميع ان المراد السمن من تلك الغنم التي يدفعها للراعي، و المستفاد من هذه الاخبار بعد ضم بعضها الى بعض هو أنه يجوز أن يعطى الغنم و نحوها الى من يرعاها بضريبة يضربها المالك على الراعي من نقد أو سمن بالشرط المتقدم، و ان ما عدا ما شرطه مما حصل من الغنم من لبن و دهن و صوف و نحو ذلك فهو للراعي في مقابلة قيامه بها و حفظها و دورانه بها في مواضع القطر و العلف، و حينئذ يكون ذلك أجرة عمله.

لكن يشكل ذلك على قواعد الأصحاب من وجوب معلومية الأجرة و تعيينها، و المفهوم من كلام ابن إدريس ان منعه لذلك، لان دفعها على هذا الوجه من قبيل الإجارة، و ان الإجارة هنا باطلة، لأن ثمرة الإجارة تمليك المنفعة، دون العين، و الذي أخذه الراعي انما هو من الأعيان لا المنافع.

قال في السرائر: و قد روى «انه لا بأس ان يعطى الإنسان الغنم و البقر بالضريبة مدة من الزمان بشيء من الدراهم و الدنانير و السمن» و إعطاء ذلك بالذهب و الفضة أجود في الاحتياط و يمكن ان يعمل بهذه الرواية على بعض الوجوه و هو ان يحلب بعض اللبن و يبيعه مع ما في الضروع مدة من الزمان على ما وردت به الاخبار، أو يجعل عوض اللبن شيئا من العروض و يبيعه مع ما في الضروع مدة من الزمان، لأن الإجارة لا تصح هيهنا، لأن الإجارة استحقاق منافع السلعة المستأجرة دون الأعيان منها، و الأقوى عندي المنع من ذلك كله، لانه غرر و بيع مجهول و الرسول (عليه السلام) نهى عن بيع الغرر، فمن اثبت ذلك عقدا يحتاج الى دليل شرعي و الذي ورد فيه اخبار

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 121.

62

آحاد شذاذ، و قد بينا أن اخبار الآحاد عند أصحابنا لا توجب علما و لا عملا، و الواجب على المفتي الرجوع في صحة الفتوى إلى الأدلة القاطعة انتهى.

و المراد من قوله «و يمكن ان يعمل بهذه الرواية الى آخره، ان المالك يبيع الراعي ما في ضروع الغنم من الألبان مدة من الزمان بضميمة يضمها الى ذلك من لبن يحلبه منها أو عرض، فتصير الألبان أو ما يخرج منها من سمن و نحوه للراعي بالبيع، و يشترط عليه المالك بما يريد من سمن أو لبن أو دراهم، فيكون ما يأخذه الراعي من السمن و الألبان حلالا خاليا من الشبهة، بخلاف ما لو لم يعمل كذلك، فإنه لا وجه لاستحقاقه شيئا منها حتى انه يشترط عليه المالك بعضا و يترك له بعضا، لأن أخذه للغنم بطريق الإجارة لها أو لالبانها غير صحيح، لما ذكر من أن الإجارة انما تفيد تمليك المنفعة لا العين، و لهذا ان العلامة إنما تفصى عن ذلك بان هذه المعاملة ليست من قبيل البيع، و لا الإجارة، و انما هي نوع معاوضة و تراض من الطرفين، و ان كان غير لازم شرعا لو أريد فسخه و إبطاله، و هو جيد وقوفا على ظواهر الأخبار المذكورة و الله العالم.

الخامسة [في بيع اللبن في الضرع]

قال الشيخ في النهاية: لا يجوز بيع اللبن في الضرع، فمن أراد بيع ذلك حلب منه شيئا و اشتراه مع ما بقي منه في الضرع في الحال أو مدة من الزمان، و ان جعل معه عرضا آخر كان أحوط، و به قال ابن البراج و ابن حمزة و ابن الجنيد، و قال الشيخ المفيد: لا يجوز بيع اللبن من الغنم الى وقت انقطاعه، لان ذلك جزاف و مجهول، و لا بأس ببيعه أرطالا مسماة، و به قال أبو الصلاح، نقل جميع ذلك العلامة في المختلف.

ثم قال: و قال ابن إدريس لا يجوز ذلك، و هو المعتمد، لنا انه بيع مجهول ضم الى معلوم، و كان المجهول أصلا في البيع، فلم يصح لتطرق الجهالة، إلى المبيع، إذ انضمام المعلوم اليه لا يصير جملة المبيع- بل المقصود الذاتي- معلوما، فيكون غررا انتهى.

63

أقول أما ما نقله عن ابن إدريس ففيه أن الذي وقفت عليه في كتابه ظاهر بل صريح في موافقة كلام الشيخ المتقدم، حيث قال في باب بيع الغرر و المجازفة ما لفظه: و لا يجوز أن يباع اللبن في الضروع، فمن أراد بيع ذلك حلب منه شيئا و اشتراه مع ما بقي في الضروع في الحال أو مدة من الزمان على ما رواه أصحابنا، و ان جعل معه عرضا آخرا كان أحوط انتهى.

و أنت خبير بأن ظاهر الجميع الاتفاق على المنع من بيعه في الضروع حالا من غير ضم شيء الا أن الشيخ و من تبعه جوزوه مع الضميمة، سواء كان بالنسبة إلى الموجود في الضروع وقت العقد، أو ما يتجدد في الزمان المستقبلة، و الشيخ المفيد جوز ذلك أرطالا معينة، و لم يتعرض لبيعه مع الضميمة نفيا و لا إثباتا، و العلامة على الجواز مع الضميمة لكن بشرط ان يكون الضميمة هي المقصودة بالبيع، و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين.

قال في المسالك في مسألة بيع السمك في الآجام مع القصب: و القول بالجواز مع الضميمة مذهب الشيخ و جماعة، استنادا الى أخبار ضعيفة، و الذي أجازه المتأخرون أن المقصود بالبيع ان كان هو القصب، و جعل السمك تابعا له صح البيع، و ان انعكس أو كانا مقصودين لم يصح، و هو الأقوى، و كذا القول في كل مجهول ضم الى معلوم كالحمل و اللبن في الضرع و غيرهما انتهى.

ثم ان الذي وقفت عليه من الاخبار هنا اما بالنسبة الى ما ذكره الشيخ المفيد (نور الله تعالى مرقده) فهو ما رواه

في الكافي و الفقيه عن أبى ولاد الحناط (1) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له الغنم يحلبها لها ألبان كثيرة في كل يوم ما تقول فيمن يشترى منه الخمسمائة رطل أو أكثر من ذلك، المأة رطل بكذا و كذا درهما فيأخذ منه في كل يوم أرطالا حتى يستوفى ما يشترى منه؟ قال: لا بأس بهذا و نحوه».

و رواه الشيخ في التهذيب عن أبى ولاد في الموثق مثله على اختلاف

____________

(1) الكافي ج 5 ص 222، الفقيه ج 3 ص 145 التهذيب ج 7 ص 126.

64

في ألفاظه:

و هذا الخبر يحتمل أن يكون البيع حالا و ان كان يأخذ منه في كل يوم ما يريده و يحتمل أن يكون مؤجلا بآجال مختلفة فيكون من باب السلم، و لعل الأظهر الأول كما هو ظاهر عبارة الشيخ المفيد، و الرواية ظاهر الدلالة على ما ذكره (قدس سره).

و أما ما يدل على ما ذكره الشيخ فهو ما رواه في الموثق و مثله

الصدوق في الفقيه عن سماعة (1) قال: «سألته عن اللبن يشترى و هو في الضرع فقال: لا، الا أن يحلب لك منه سكرجة فتقول: اشترى منك هذا الذي في السكرجة و ما بقي في ضروعها بثمن مسمى و ان لم يكن في الضرع شيء كان ما في السكرجة».

و السكرجة بضم السين و الكاف و الراء المشددة إناء صغير فارسي معرب، و أجاب العلامة في المختلف- و مثله غيره ممن تأخر- عن هذه الرواية بضعف السند، و أنها غير مسندة الى امام، و فيه ما لا يخفى على المتأمل المنصف، فإنهم قد صرحوا بالاعتماد على مضمرات سماعة و غيره، و استدلوا بها في غير موضع، ثم قال في المختلف: و يحمل على ما إذا كان المحلوب يقارب الثمن، و يصير أصلا.

و اما ما ذكروه في اشتراط صحة البيع بالضميمة بأن يكون الضميمة هي المقصودة بالبيع دون المضموم اليه فلا إشعار في شيء من روايات الضمائم على تعددها و كثرتها بذلك، بل الظاهر منها انما هو العكس، و هو أن المقصود بالبيع انما هو المضموم اليه، و انما جعلت الضميمة تفاريا من ذهاب الثمن مجانا، على تقدير عدم التمكن من البيع المقصود بالذات، و لذا اعتبروا في الضميمة بأن يكون مما يتمول في الجملة و ان قل، و كان الثمن في غاية الكثرة كما لا يخفى على من نظر في تلك الاخبار بعين التأمل و الاعتبار.

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 123 الفقيه ج 3 ص 141.

65

و منها أخبار بيع الآبق و غيرها، و قد تقدم في المسألة السابعة من المقام الثالث من مقامات الفصل الأول ما يوضح ما ذكرناه، و من اخبار المسألة أيضا ما رواه

في الكافي عن عيص بن القاسم (1) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل له نعم يبيع ألبانها بغير كيل قال: نعم حتى ينقطع أو شيء منها».

و فيه إجمال موجب لتعدد الاحتمال و قد تقدم الكلام في المسألة المشار إليها آنفا و الله العالم.

السادسة [في بيع الصوف على ظهر الغنم]

اختلف الأصحاب في بيع الصوف على ظهر الغنم مع المشاهدة، فجوزه الشيخ المفيد (عطر الله مرقده) و منعه الشيخ الا أن يضم اليه غيره، و تبعه أبو الصلاح و ابن البراج، و اختار العلامة في المختلف مذهب الشيخ المفيد، و كذلك ابن إدريس نظرا إلى أنه مشاهد، و الوزن فيه حال كونه على ظهور الغنم غير معتبر، و إلا لما جاز بيع الثمر على رءوس الأشجار، و ان كانت موزونة أو مكيلة بعد القطع، و صرح المحقق في الشرائع بالمنع و ان ضم اليه غيره، و حينئذ ففي المسألة أقوال ثلاثة و قد تقدم تحقيق القول في هذه المسألة أيضا في الموضع الثاني عشر من المسألة المتقدم ذكرها قريبا.

السابعة [في بيع ما في بطون الأنعام]

قال الشيخ في النهاية: لا يجوز بيع ما في بطون الانعام و الأغنام و غيرهما من الحيوان، فإن أراد بيع ذلك جعل معه شيئا آخر، فان لم يكن ما في البطون حاصلا كان الثمن في مقابل الآخر، و تبعه ابن البراج و ابن حمزة، و قال ابن إدريس: لا يجوز بيع ما في بطون الانعام و الأغنام من الحيوان، فإن أراد بيع ذلك جعل معه شيئا آخر ليسلم من الغرر، و ان لم يكن ما في البطون حاصلا كان الثمن في الأخر على ما روى في الاخبار من طريق الآحاد، و الأولى عندي ترك العمل بذلك أجمع لأنه غرر و جزاف منهي عنهما، و قد روى أن من اشترى أصواف الغنم مع ما في بطونها في عقد واحد كان البيع صحيحا ماضيا، و الأولى عندي ترك العمل بهذه الرواية، لأنها زيادة غرر إلى

____________

(1) الكافي ج 5 ص 193 التهذيب ج 7 ص 123.

66

غرر انتهى.

أقول: ما ذكره أخيرا من زيادة غرر الى غرر في الصورة المذكورة انما يتم بناء على المنع من بيع الصوف على ظهور الغنم، كما هو أحد الأقوال في المسألة و أما على ما اختاره من الجواز كما قدمنا نقله عنه فليس الا غرر واحد، كما لا يخفى.

و الرواية التي أشار إليها أخيرا هي رواية

إبراهيم الكرخي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل اشترى من رجل أصواف مأة نعجة و ما في بطونها من حمل بكذا و كذا درهما؟ فقال: لا بأس ان لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله في الصوف».

و اما الاخبار التي أشار إليها و طعن فيها بأنها من طريق الآحاد فلم نقف على شيء منها سوى الرواية المذكورة، و بالجملة فإن ما ذكره جيد على أصله الغير الأصيل، و هذه الرواية المذكورة مما يؤيد مذهب الشيخ المفيد و من تبعه في جواز بيع الصوف على ظهور الانعام بمجرد المشاهدة، لأن جعله ضميمة لما لا يجوز بيعه لولا ذلك أظهر ظاهر في جواز بيعه وحده خاصة كما هو شأن سائر الضمائم، فلا يتوهم من الرواية الدالة على مذهب الشيخ في تلك المسألة، بمعنى جعل الحمل ضميمة إلى جواز بيع الصوف كما يشعر به كلام العلامة في المختلف، لان الحمل لا يجوز بيعه وحده، و من شأن الضميمة صحة بيعها وحدها، لتكون مصححة لبيع ذلك المجهول.

ثم انه لا يخفى أن ما ذكره ابن إدريس من عدم جواز البيع بالضميمة في هذا الموضع يجري في جميع ما ورد جواز بيعه بالضمائم، لعدم جواز بيعه منفردا مع تكاثر الاخبار بذلك في جملة من المواضع.

و في ارتكاب ردها من الشناعة ما لا يرتكبه محصل و لا متدين، لان مقتضى كلامه أن العلة المانعة من جواز بيعه منفردا و هو الغرر هنا باقية مع الضميمة، فكذلك العلة

____________

(1) الكافي ج 5 ص 194 التهذيب ج 7 ص 123 الفقيه ج 3 ص 146.

67

المانعة من بيع الآبق مثلا، و هو عدم التسليم الى المشتري باقية، و هكذا في كل موضع ورد صحة بيعه بالضميمة، كما تقدم في فصل بيع الثمار ايضا و غيره، مع أنه في بيع الآبق جوزه مع الضميمة (1) و هو ترجيح بغير مرجح، و سؤال الفرق متجه.

الثامنة [في تقبل جزية رؤس أهل الذمة]

قال الشيخ في النهاية: لا بأس أن يشتري الإنسان أو يتقبل بشيء معلوم جزية رؤس أهل الذمة، و خراج الأرضين و ثمرة الأشجار، و ما في الآجام من السموك إذا كان قد أدرك شيء من هذه الأجناس، و كان البيع في عقد واحد و لا يجوز ذلك ما لم يدرك منه شيء على حال، و منع ابن إدريس من ذلك، قال: لان هذا بيع مجهول، و لا يرجع في مثل هذا الى أخبار الآحاد، و ظاهر العلامة في المختلف موافقة ابن إدريس هنا.

أقول و الذي يدل على ما ذكره الشيخ ما رواه

الشيخ و الكليني عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يتقبل بجزية رؤس الرجال و بخراج النخل و الآجام و الطير، و هو لا يدرى لعله لا يكون من هذا شيء أبدا أو يكون؟ قال: إذا علم من ذلك شيئا واحدا أنه قد أدرك اشتراه و تقبل به».

و ما رواه

في الفقيه عن أبان بن عثمان عن إسماعيل بن الفضل (3) عن ابى عبد الله (ع) قال: «سالته عن الرجل يتقبل خراج الرجال و جزية رؤوسهم و خراج النخل و الشجر و الآجام و المصايد و السمك و الطير و لا يدرى هذا لا يكون أبدا أو يكون أ يشتريه و في أي زمان يشتريه و يتقبل به منه، فقال: إذا كان علمت ان من ذلك شيئا واحدا قد أدرك فاشتراه و تقبل به».

و طريق الصدوق الى أبان بن عثمان هنا صحيح

____________

(1) قال: و لا يجوز أن يشترى الإنسان عبدا آبقا على الانفراد فان اشتراه لم ينعقد البيع إلا إذا اشتراه مع شيء آخر من متاع أو غيره منضم الى العقد، و يكون العقد ماضيا انتهى منه (رحمه الله).

(2) الكافي ج 5 ص 195 التهذيب ج 7 ص 125.

(3) الفقيه ج 3 ص 141.

68

و العلامة في المختلف طعن في رواية إسماعيل بن الفضل بعد أن نقل استدلال الشيخ بها، فقال: و الرواية ضعيفة السند و مقطوعة، مع أنها محمولة على أنه يجوز شراء ما أدرك، و مقتضى اللفظ ذلك من حيث عود الضمير إلى الأقرب، على أنا نقول: ان هذا ليس بيعا في الحقيقة، و انما هو نوع مراضاة غير لازمة، و لا محرمة انتهى.

أقول: أما الطعن بضعف السند فإنما يتجه على روايتي الشيخين الأولين، و الطعن بالقطع انما يتجه على رواية الشيخ في التهذيب حيث أن في السند ابن سماعة عن غير واحد، و الا فرواية الكليني ليست كذلك، الا أن في طريقها عبد الله بن محمد، و هو مجهول أو مشترك، و بالجملة فالرواية بطريق الصدوق صحيحة، فينتفى الطعن بالضعف، هذا مع تسليم صحة هذا الاصطلاح، و الا فإن الطعن بالضعف لا يرد على الشيخ و نحوه من المتقدمين الذين لا أثر لهذا الاصطلاح المحدث عندهم، بل الاخبار عندهم كلها صحيحة، كما اعترف به جملة من متأخري أصحاب هذا الاصطلاح، و أما الحمل على شراء ما أدرك خاصة دون الباقي فهو تعسف محض، و الظاهر من الخبرين المذكورين انما هو المجموع، و أن هذا الذي أدرك انما هو بمنزلة الضميمة المتقدم ذكرها، بمعنى أنه لو لم يحصل شيء من هذه الأشياء كان وجه القبالة بإزاء هذا الذي أدرك.

و بالجملة فالظاهر هو ما ذكره الشيخ (رحمة الله عليه) للخبرين المذكورين بالتقريب الذي قلناه من كون ذلك ضميمة للصحة، سواء كان المعاملة المذكورة بيعا أو صلحا أو قبالة.

بقي هنا شيء و هو أن القبالة هل هي من قبيل الصلح، أو عقد برأسها قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره): ظاهر الأصحاب أن للقبالة حكما خاصا زائدا على البيع و الصلح، لكون الثمن و المثمن واحدا و عدم ثبوت الربا، و ظاهر الشهيد (رحمة الله عليه) في الدروس أنها نوع من الصلح، و قال في كتاب مجمع البحرين: و القبالة بالفتح الكفالة. و هي في الأصل مصدر قبل إذا كفل، و قبالة

69

الأرض أن يتقبلها الإنسان من الامام بأن يعطيها إياه مزارعة أو مساقاة و ذلك في ارضن الموات و أرض الصلح انتهى.

و الظاهر أن ما هنا من قبيل الكفالة، فإنه تكفل بهذا المبلغ المعلوم الذي تراضيا به من هذه الأشياء المعدودة في الخبرين، سواء حصل منها ما هو أزيد أو أنقص و الله العالم.

التاسعة [في شراء تبن البيدر لكل كر بشيء معلوم و إن لم يكل]

قال الشيخ في النهاية لا بأس أن يشترى الإنسان تبن البيدر لكل كر من طعام تبنة بشيء معلوم و ان لم يكل بعد الطعام، و به قال ابن حمزة، و قال ابن إدريس لا يجوز بيعه، لانه مجهول وقت العقد غير معلوم، و لا بد أن يكون معلوم القدر وقت العقد عليه، و هذا غير معلوم و لا محصل، فالبيع باطل، لانه لا فرق بين ذلك و بين من قال: بعتك هذه الصبرة من الطعام كل قفيز بدينار، و لم يختبر كم فيها وقت العقد و لا كالها ذلك الوقت، و يكون العقد و الصحة موقوفا على كيلها فإذا كالها صح البيع المتقدم، و هذا باطل بالإجماع انتهى.

و اختار في المختلف قول الشيخ (رحمة الله عليه) قال: لنا أنه مشاهد فيصح بيعه لانتفاء الغرر فيه، و ما رواه

زرارة (1) في الصحيح قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام)، عن رجل اشترى تبن بيدر قبل أن يداس تبن كل بيدر بشيء معلوم يأخذ التبن و يبيعه قبل أن يكال الطعام؟ قال: لا بأس».

و الجهالة ممنوعة إذ من عادة الزراعة قد يعلم مقدار ما يخرج من الكر غالبا و لا يشترط الإحاطة بجميع المبيع بحيث ينتفي الجهالة من كل أحواله، بل يبنى في ذلك على المتعارف انتهى.

أقول: هذه الرواية قد رواها الشيخ في التهذيب و الصدوق في الفقيه عن جميل عن زرارة في الصحيح، الا أن الذي في الفقيه كل كر بشيء معلوم، و هو أظهر.

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 125 الفقيه ج 3 ص 142.

70

و رواها أيضا

المشايخ الثلاثة في الصحيح عن جميل (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اشترى رجل تبن بيدر كل كر بشيء معلوم فيقبض التبن و يبيعه قبل أن يكال الطعام قال: لا بأس به».

قال بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم) بعد نقل خبر جميل المذكور:

هذا مخالف لقواعد الأصحاب من وجهين الأول من جهة جهل المبيع، لان المراد به اما كل كر من التبن، أو تبن كل كر من الطعام، كما هو ظاهر من قوله قبل أن يكال الطعام، و على التقديرين فيه جهالة.

الثاني من جهة البيع قبل القبض، ثم أجاب عن الأول بما ذكره في المختلف و قال في الجواب عن الثاني: فعلى القول بالكراهة لا اشكال، و على التحريم فلعله لكونه غير موزون، أو لكونه غير طعام، أو لأنه مقبوض و ان لم يكتل الطعام يعد، كما هو مصرح به في الخبر، انتهى.

أقول: لا يخفى على من أحاط خبرا بما قدمناه في المسألة التي تقدم مكررا الإشارة إليها من سهولة الأمر في معرفة المبيع الموجبة للخروج من الجهالة و الغرر، و انها تكفي و لو بوجه ما، ان الأمر في هذه المسألة انما خرج ذلك المخرج، فان التبن لا اشتباه و لا تعدد في أفراده بحيث يحتاج الى وصفه، و ليس بمعدود و لا مكيل و لا موزون حتى يحتاج إلى شيء من ذلك، فيكفي في قصد بيعه تخصيصه ببيدر مخصوص، و اشتراط تبن كل كر من الطعام بكذا و كذا كما تضمنته الرواية، فإن بذلك تحصل المعلومية في الجملة، و بالجملة فالواجب الوقوف على النص المذكور و عدم الالتفات الى هذه التعليلات العليلة، سيما مع تأيده بما قدمناه من النصوص التي من هذا القبيل و الله العالم.

العاشرة [في أنه يكره بيع صك الورق حتى يقبض]

قد روى الشيخ في التهذيب عن غياث بن إبراهيم (2) عن جعفر

____________

(1) الكافي ج 5 ص 180 عن جميل التهذيب ج 7 ص 125 مع اختلاف يسير الفقيه ج ص 142.

(2) الوسائل الباب 16 من أبواب أحكام العقود الرقم- 20.

71

عن أبيه عن على (عليهم السلام) «أنه كره بيع صك الورق حتى يقبض».

قال في النهاية الأثيرية في حديث أبي هريرة قال المروان: أحللت بيع الصكاك، هي جمع صك و هو الكتاب، و ذلك أن الأمراء كانوا يكتبون الناس بأرزاقهم و عطياتهم كتبا فيبيعون ما فيها قبل أن يقبضوها معجلا، و يعطون المشترى الصك ليمضي و يقبضه فنهوا عن ذلك لانه بيع ما لم يملك و لم يقبض، انتهى.

و قال ابن إدريس في السرائر: و لا يجوز أن يبيع الإنسان رزقه على السلطان قبل قبضة له، لان ذلك بيع غرر، و بيع ما ليس يملك له، لانه لا يملكه الا بعد قبضه إياه، و لا يتعين ملكه الا بعد قبضه إياه، و كذلك بيع أهل مستحق الزكوات و الأخماس قبل قبضها، لانه لا يتعين ملكها لهم الا بعد قبضها، فجميع ذلك غير مضمون، و بيعه غير جائز و لا صحيح، انتهى.

و قد تقدم كثير من مسائل هذا الفصل في الفصول المتقدمة.

الفصل الثاني عشر في نكت متفرقة

و هي بمنزلة النوادر لكتاب البيع،

الاولى: لو أمر العبد آمر أن يبتاع له نفسه من مولاه

فظاهر كثير منهم الجواز، و قيل: بالعدم، و علل العدم بأمرين، أحدهما اعتبار التغاير بين المتعاقدين، و عبارة العبد كعبارة سيده، و ثانيهما اشتراط اذن المولى في تصرف العبد، و لم يسبق له منه اذن، و رد الأول بأن المغايرة الاعتبارية كافية، و من ثم اجتزئنا بكون الواحد الحقيقي موجبا قابلا و هنا أولى، و الثاني بأن مخاطبة السيد له بالبيع في معنى التوكيل له في تولى القبول، و يظهر من بعض محققي متأخري المتأخرين المناقشة في الثاني قال: إذ ينبغي ثبوت الوكالة قبل العقد، و يمكن القول بأنه حاصل هنا لان خطابه بأن يبيعه من موكله يدل على تجويز الوكالة سابقا و الرضا، الا أن يقال: لا بد من التصريح حتى يعلم العبد الذي هو الوكيل، و ذلك غير معلوم، و قد يناقش في القبلية أيضا، إذ قد يكفي المعية و حين العقد، بحيث لا يقع جزء من العقد قبل الوكالة، انتهى.

72

أقول: و المسألة لخلوها عن النص موضع إشكال، فإن مقتضى قواعدهم و هو ظاهر الاخبار أيضا أن المملوك محجور عليه، لا يصح شيء من أفعاله من بيع و غيره الا بإذن مولاه، و ظاهر تفرع الصحة على تقدم الاذن و الوكالة، و الذي هنا ليس كذلك و الله العالم.

الثانية [في أنه يجوز للحاكم أن يبيع على السفيه و المفلس و الغائب]:

قد صرح جملة من الأصحاب بل الظاهر أنه لا خلاف فيه- بأنه يجوز للحاكم الشرعي أن يبيع على السفيه و المفلس و الغائب مع المصلحة، و ظاهر أخبار نيابته عن الامام (عليه السلام) يقتضي ذلك، فإن للإمام (عليه السلام) ذلك لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

و كما ورد في خصوص المفلس مثل

رواية عمار (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه، ثم يأمر فيقسم ماله بينهم بالحصص، فان أبى باعه فيقسم بينهم يعنى ماله».

و مثلها رواية غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام)

و في مرسلة جميل (2) عن جماعة من أصحابنا عنهما (عليهما السلام) قالا الغائب يقضى عنه إذا قامت عليه البينة و يباع ماله و يقضى عنه دينه و هو غائب و يكون الغائب على حجته إذا قدم» الحديث.

و هو ظاهر في بيع الحاكم الشرعي الذي قد ثبت الدين عنده بالبينة، و يتعدى ذلك الى عدول المؤمنين مع فقد الحاكم الشرعي كما يدل عليه بعض الاخبار من جواز تولى عدول المؤمنين لبعض الحسبيات مع فقد الحاكم، و لأنه إحسان محض، و لا سبيل على المحسنين.

الثالثة [في أنه يجوز الجمع في عقد واحد من المختلفات]:

قد صرح جملة من الأصحاب بأنه يجوز الجمع في عقد واحد بين لمختلفات كبيع، و اجارة، و نكاح، و سلف، بعوض واحد، و يقسط عن ثمن المثل،

____________

(1) الكافي ج 5 ص 102 الوسائل الباب- 6 من أبواب أحكام الحجر الرقم- 1.

(2) الكافي ج 5 ص 102.

73

و أجرة المثل و مهره، كان يقول: بعتك هذا الثوب، و آجرتك هذا الدار سنة، و أنكحتك ابنتي، و بعتك مأة من حنطة إلى شهر، بمأة دينار، فيقول: قبلت، فإنه صحيح عندهم، و اعترضهم في هذا المقام المحقق الأردبيلي (عطر الله مرقده) فقال:

بعد نقل ذلك عنهم، دليله عموم أدلة جواز العقود، و عدم ظهور المانع، و يمكن عدم الجواز، لجهالة ثمن المبيع، و أجرة السكنى، و مهر الابنة حال البيع، و هو ليس أقل في الجهل مما إذا قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بكذا، و هو غير جائز عندهم للجهالة، و لهذا نقل في التذكرة عن الشيخ عدم جواز بيع عبدين يكون كل واحد منهما لشخص و باعاهما صفقة لجهالة ثمن كل واحد، و يمكن الفرق بأن هذا الكل لشخص واحد، و الظاهر أنه لا ينفع على أن المهر للبنت، و أنهم ما يفرقون و يؤيد عدم الجواز ما روى من طرقهم و طرقنا المنع من جواز بيع و شرط مثل

رواية عمار (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «بعث رسول الله (صلى الله عليه و آله) رجلا من أصحابه واليا فقال له: انى بعثتك الى أهل الله يعني الى أهل مكة فأنهاهم عن بيع ما لم يقبض و عن شرطين في بيع و عن ربح ما لم يضمن».

و يطلق الشرط على البيع كثيرا.

و رواية سليمان بن صالح (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن سلف و بيع، و عن بيعين في بيع، و عن بيع ما ليس عندك، و عن ربح ما لم يضمن».

و المصنف في التذكرة رد دليل الشيخ بأنه يكفي معلومية ثمن الكل، و لا يحتاج إلى معرفة ثمن الاجزاء لان الصفقة الواحدة يكفي معلومية الثمن الذي فيها و قال: ليس المراد بالشرط كل الشرط لجواز البعض بالاتفاق فكأنه محمول على الشرط المخالف للكتاب و السنة فحمل الشرط على معناه، و الظاهر ما قلناه كما يفهم من هذه الرواية، و يمكن أن يقال: الروايتان غير صحيحتي السند، فلا يصلحان لمعارضة عموم أدلة الكتاب و السنة و الأصل، و يمكن حملها على بعض الشرائط المخالفة للكتاب و السنة، و البيوع الغير الجائزة فتأمل و الاحتياط واضح، انتهى كلامه زيد مقامه.

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 231.

(2) التهذيب ج 7 ص 230.

74

أقول: و يمكن تطرق النظر إليه في مقامين: أحدهما ما ذكره من جهالة ثمن المبيع و أجرة السكنى، فان فيه ما ذكره العلامة هنا، و هو المفهوم من قواعدهم في أمثال هذا المقام، و حاصله أن اعتبار معلومية القيمة انما هو باعتبار العقد الواقع و الصفقة التي انعقد عليها البيع، سواء كان ما وقع عليه متحدا أو متعددا و ان احتيج بعد ذلك الى التقسيط في المتعدد، كما لو باع ملكه و ملك غيره، و الجهالة بالنسبة إلى قسط كل واحد مما وقع عليه العقد غير مؤثر.

قال في المسالك: لا خلاف عندنا في صحة ذلك كله، لان الجميع بمنزلة عقد واحد، و العوض فيه معلوم بالإضافة إلى الجملة، و هو كاف في انتفاء الغرر و الجهالة، و ان كان عوض كل منها بخصوصه غير معلوم، و كون كل واحد بخصوصه بيعا في المعنى، و بعضه إجارة أو غيرها الموجب لعوض معلوم لا يقدح، لان لهذا العقد جهتين، فبحسب الصورة هو عقد واحد، فيكفي العلم بالنسية اليه، ثم ان احتيج الى التقسيط قسط على ما ذكر، و هو نص فيما قلنا، الا أن يحمل كلامه (قدس سره) على منع ذلك، و أنه حيث كان مرجع هذا العقد في المعنى الى عقود متعددة فإنه يشترط في كل من تلك العقود، و هذا التفريع الذي ذكره في المسالك انما يتجه لو قام الدليل على صحة مثل هذا العقد، و قد عرفت أنه لا دليل عليه زيادة على ما يدعونه من الإجماع بينهم.

و ثانيهما ما استند اليه من الخبرين المذكورين، فانى لا أعرف لذلك وجها ظاهرا و ان سلمنا إطلاق الشرط على البيع، فإنه ليس في العقد المفروض أولا بيعان في بيع، ليدخل تحت هذين الخبرين، و بيان معنى الخبرين المذكورين أن معنى بيعين في بيع على ما ذكره بعضهم هو أن يقول بعتك هذا الثوب نقدا بعشرة، و نسيئة بخمسة عشر، قال: و انما نهى عنه لانه لا يدرى أيهما الثمن الذي يختاره ليقع عليه العقد.

أقول فيه أن ما ذكره، و ان كان هو المصرح به في كلام الأصحاب لكنه مردود بما صرحت به الاخبار من صحة البيع، و أنه ليس له الا أقلهما نظرة، و قيل: ان

75

معناه هو أن يقول: بعتك هذا بعشرين على أن تبعني ذلك بعشرة، و أما معنى بيع و سلف فهو أن يقول: بعتك منا من طعام حالا بعشرة، و سلفا بخمسة.

و أما النهي عن بيع ما ليس عنده فيجب تخصيصه بما إذا كان البيع حالا، و المبيع غير موجود في ذلك الوقت، كالبطيخ و نحوه في غير أوانه، و الا فلا مانع من الصحة اتفاقا نصا و فتوى.

و أما النهي عن ربح ما لم يضمن فالمراد ان يبيع المتاع الذي اشتراه مرابحة قبل أن يوجب البيع، فإنه قد ورد النهى عنه في عدة أخبار.

و أما بيع ما لم يقبض، فقد تقدم الكلام و الخلاف فيه تحريما و كراهة بالنسبة إلى المكيل و الموزون، أو الطعام بخصوصه، و بالجملة فإني لا أعرف لاستناده الى هذين الخبرين وجها ظاهرا.

نعم يمكن ان يقال: ان الأصل بقاء كل شيء على أصله حتى يثبت الناقل شرعا، و لم يثبت كون مثل هذا العقد المشتمل على هذه الأشياء المختلفة ناقلا، و الذي علم من الاخبار و هو الذي استمر عليه عمل الناس و عادتهم انما هو استقلال البيع بعقد على حدة، و النكاح بعقد على حدة، و السلف كذلك، و الإجارة و نحو ذلك، و الأحكام التي بحثوا عنها في هذه العقود انما تترتب على ذلك، ثبوت ذلك في بيع أمتعة متعددة في عقد واحد و تقسيط الثمن على الجميع لو سلم الدليل على صحته، لا يقتضي قياس هذا العقد عليه كلية، لظهور الفارق و لا سيما بالنسبة إلى عقد النكاح، فإنهم إنما حكموا هنا بمهر المثل، مع أن الظاهر أن هذه من قبيل المفوضة، و هي التي لم يعين لها مهر، و قد صرحوا بأنها ترجع الى مهر السنة لو زاد مهر المثل عنه، فلا يتم إطلاق مهر المثل هنا، و بالجملة فالمسألة محل توقف و اشكال.

و اما كيفية التقسيط بناء على ما ذكروه من صحة العقد المذكور فهو أن يقوم كل من تلك الأشياء منفردا و تنسب قيمته الى المجموع، ثم يؤخذ من ذلك

76

العوض الذي وقع عليه العقد بتلك النسبة (1).

الرابعة: لو تضمن عقد البيع شرطا فاسدا

قال الشيخ يبطل الشرط خاصة دون البيع، و به قال ابن الجنيد و ابن البراج، و قال العلامة في المختلف بعد نقل ذلك:

و المعتمد عندي بطلان العقد و الشرط معا، قال لنا أن للشرط قسطا من الثمن، فإنه قد يزيد باعتباره، و قد ينقص، و إذا بطل الشرط بطل ما بإزائه من الثمن و هو غير معلوم فتطرقت الجهالة إلى الثمن، و يبطل البيع، و أيضا البائع إنما رضي بنقل سلعته بهذا الثمن المعين على تقدير سلامة الشرط له و كذا، المشتري إنما رضي ببذل هذا الثمن في مقابلة العين على تقدير سلامة الشرط، فإذا لم يسلم لكل منهما ما شرطه، كان البيع باطلا، لانه يكون تجارة عن غير تراض ثم نقل عن الشيخ انه احتج بقوله تعالى (2) «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» و هذا بيع فيكون صحيحا، و الشرط باطلا، لانه مخالف للكتاب و السنة.

و بما روى

عن عائشة (3) «أنها اشترت بريرة بشرط العتق، و يكون ولائها لمولاها فأجاز النبي (صلى الله عليه و آله) البيع و أبطل الشرط، و صعد المنبر، و قال: ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل و كتاب الله أحق، و شرطه أوثق».

ثم قال مجيبا عن ذلك: و الجواب عن الأول أن المبيع انما يكون حلالا لو وقع على الوجه المشروع، و نحن نمنع من شرعيته،

____________

(1) و توضيحه أن يقال: قيمة الثوب يومئذ بخمسة دنانير، و أجرة الدلال ديناران، و مهر المثل عشرون دينارا و قيمة الحنطة إلى المدة المذكورة ثلاثة دنانير، مجموع هذه الدنانير ثلاثون دينارا، و نسبة قيمة الثوب و هي الخمسة إلى الثلاثين السدس، فيؤخذ من العوض المذكور في العقد سدسه، و هكذا باقي تلك الأشياء المذكورة في العقد. منه (رحمه الله).

(2) سورة البقرة الآية- 275.

(3) المستدرك ج 2 ص 473.

77

و عن الثاني من وجوه الأول الطعن في السند، الثاني الحديث ورد هكذا (1).

«قالت عائشة: جائتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فاعينينى فقالت لها عائشة: ان أحب أهلك ان أعدها لهم، و يكون ولاؤك لي فعلت فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم: ذلك فأبوا عليها، فجائت من عند أهلها و رسول الله (صلى الله عليه و آله) جالس، فقالت: انى عرضت ذلك عليهم فأبوا الا أن يكون الولاء لهم، فسمع ذلك النبي (صلى الله عليه و آله) فسألها فأخبرت عائشة النبي (صلى الله عليه و آله) فقال:

خذيها و اشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة، ثم قام:

رسول الله (صلى الله عليه و آله) فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله عز و جل فهو باطل و ان كان مأة شرط، فقضاء الله أحق و شرط الله أوثق، و انما الولاء لمن أعتق».

و هذا ينافي ما ذكره الشيخ و استدل به عليه، لأن بريرة أخبرت بأنها كوتبت و طلبت الإعانة من عائشة، فسقط الاستدلال به بالكلية.

الثالث المراد بقوله (عليه السلام) «اشترطي لهم الولاء» اى عليهم لانه (عليه السلام) أمرها به، و لا يأمرها بفاسد، و كيف يتأتى عن الرسول مع تحريم خائنة الأعين و هو الغمز وضع حيلة لا تتم انتهى كلامه زيد إكرامه.

و لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه الذي قد جاس خلال ديار الاخبار و ما جرت به في هذا المضمار و ان كان قد تبعه على هذا القول جل المتأخرين بل كلهم على ما يظهر من كلام من وقفنا على كلامه، و منهم شيخنا الشهيد الثاني و سبطه السيد السند في شرح النافع و غيرهم.

و ما ذكره (قدس سره) من التعليل لبطلان العقد بالعلل الاعتبارية المذكورة و ان كان مما يتسارع الى الذهن قبوله، الا أن الاخبار ترده و تدفعه، و ما ذكره من خبري بريرة هنا من كلام الشيخ الذي نقله عنه و في كلامه هو «(قدس سره)» الظاهر انه من طرق العامة.

____________

(1) سنن البيهقي ج- 10- 295.

78

و الذي وقفت عليه من طرقنا هو ما رواه

المشايخ الثلاثة في الصحيح عن الحلبي (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام)، أنه ذكر أن بريرة كانت عند زوج لها و هي مملوكة فاشترتها عائشة فأعتقتها، فخيرها رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و قال: ان شائت تقر عند زوجها و ان شائت فارقته، و كان مواليها الذين باعوها اشترطوا على عائشة أن لهم ولاءها فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): الولاء لمن أعتق».

و ما رواه

في الكافي في الصحيح عن عيص بن القسم (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قالت عائشة لرسول الله (صلى الله عليه و آله): ان أهل بريرة اشترطوا ولاءها فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): الولاء لمن أعتق».

و الحديثان كما ترى صحيحان صريحان في صحة البيع مع فساد الشرط، و به يظهر أن خبر الشيخ و ان كان عاميا الا انه هو الأصح لموافقته لاخبار أهل البيت (عليهم السلام) بخلاف خبره. و بذلك ايضا يظهر بطلان ما ذكره من تلك التعليلات العليلة.

و من الاخبار الواردة في المسألة المذكورة بالنسبة إلى النكاح ما رواه

الشيخ في الصحيح عن محمد بن قيس (3) «عن أبى جعفر (عليه السلام) في رجل يتزوج المرأة إلى أجل مسمى، فان جاء بصداقها إلى أجل مسمى فهي امرأته و ان لم يأت بصداقها إلى الأجل فليس له عليها سبيل، و ذلك شرطهم بينهم حين انكحوا، فقضى للرجل أن بيده بضع امرأته و أحبط شرطهم».

و نحوها صحيحة ثانية له أيضا.

و ما رواه

في الكافي عن الوشاء (4) عن الرضا (عليه السلام) قال: «سمعته يقول لو ان رجلا تزوج امرأة جعل مهرها عشرين ألفا و جعل لأبيها عشرة آلاف كان المهر جائزا و الذي جعله لأبيها فاسدا».

____________

(1) الفقيه ج 3 ص 79.

(2) الكافي ج 5 ص 198 التهذيب ج 6 ص 250.

(3) الوسائل الباب- 10 من أبواب المهور الرقم- 2.

(4) الوسائل الباب- 9- من أبواب المهور الرقم- 1.

79

قال السيد السند في شرح مختصر النافع يستفاد من هذه الرواية عدم فساد العقد باشتماله على هذا الشرط الفاسد انتهى، و قدم تقدم الكلام في هذه المسألة مرارا عديدا سيما في مقدمات الكتاب في جلد كتاب الطهارة، و قد ذكرنا ثمة ورود بعض الاخبار دالة أيضا على القول المشهور (1) و ان الاولى هو الوقوف على الاخبار في كل جزئي من الأحكام من غير أن يكون ذلك قاعدة كما ادعوه.

ثم انه لا يخفى أن ما أجاب به عن حجة الشيخ الاولى محض مصادرة، و أن حديثه الثاني الذي أورده على الشيخ دال على ما دل عليه خبر الشيخ، فان قوله (صلى الله عليه و آله) لعائشة:

خذيها اشترطي لهم الولاء، ثم خط بعد ذلك بما يدل بطلان الشرط خاصة، أظهر ظاهر في المدعى، و العجب منه «(قدس سره)» اعتذاره عما دل عليه الخبر المذكور من الغمز و خيانة الأعين، مع كون الخبر عاميا، و أعجب من ذلك جعل الاعتذار المذكور وجها ثالثا من وجوه الجواب عن حديث الشيخ، مع أن ذلك انما هو في حديثه، و بالجملة فإن الاستعجال و عدم التدبر في المقال مما يوجب مزيد الاختلال.

الخامسة [جواز بيع الشيء اليسير بأضعاف قيمته بشرط أن يقرضه أو يسلمه]:

قال العلامة في المختلف: المشهور بين علمائنا الماضين و من عاصرناه الا من شذ أنه يجوز بيع الشيء اليسير بأضعاف قيمته بشرط أن يقرض البائع المشتري شيئا، لأنهم نصوا على جواز أن يبيع الإنسان شيئا و يشترط الإقراض أو الاستقراض، أو الإجارة أو السلف أو غير ذلك من الشروط السابقة، و قد كان بعض من عاصرناه يتوقف في ذلك، لنا وجوه.

____________

(1) أقول: و من الاخبار الظاهرة في القول المشهور ما رواه

المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح عن الحلبي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى ثوبا و لم يشترط على صاحبه شيئا فكرهه ثم رده على صاحبه فأبى أن يقبله إلا بوضيعة، قال لا يصلح أن يأخذه بوضيعة، فإن جهل فأخذه فباع بأكثر من ثمنه رد على صاحبه الأول ما زاد».

و هو كما ترى ظاهر في بطلان الإقالة لبطلان اشتراط الوضيعة و أن الثوب باق على ملك الأول فله زيادة الثمن إذا باعه بأكثر من ثمنه.

منه (رحمه الله).

80

الوجه الأول: قوله تعالى (1) «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» و هذا أحد جزئياته.

الثاني: قوله تعالى (2) «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ» دل الاستثناء على تسويغ التجارة المقترنة بالرضا، و صورة النزاع داخل تحته.

الثالث: أنه لا خلاف بين علماء الأمصار في جواز بيع الشيء بأضعاف قيمته، فنقول انضمام الشرط اليه لا يغير حكمه، لأنه شرط سائغ يجوز اشتراطه في البيع بثمن المثل، أو في الإجارة أو غيرهما من العقود إجماعا فيجوز في صورة النزاع، إذ الحكمة الداعية إلى شرعيته في تلك الصور موجودة هنا،

و لقولهم (عليهم السلام) (3) «المؤمنون عند شروطهم».

الرابع: اتفاق علماء الإمامية السابقين، فإنهم قالوا لا بأس أن يبتاع الإنسان من غيره متاعا أو حيوانا أو غير ذلك بالنقد و النسية، و يشترط أن يسلفه البائع شيئا في مبيع أو يقرضه شيئا معلوما إلى أجل. أو يستقرض منه، فيكون حجة، لما ثبت من أن إجماع الإمامية حجة.

قال المفيد: لا بأس ان يبتاع الإنسان من غيره متاعا أو حيوانا أو عقارا بالنقد و النسيئة معا على أن يسلف البائع شيئا في مبيع أو يستسلف منه في مبيع، أو يقرضه مأة درهم الى أجل أو يستقرض منه.

قال: و قد أنكر ذلك جماعة من أهل الخلاف و لسنا نعرف لهم حجة في الإنكار و ذلك ان البيع وقع على وجه حلال، و السلف و القرض جائزان، و اشتراطهما في عقد البيع غير مفسد له بحال، قال:

و قد سئل الباقر (عليه السلام) عن القرض يجر النفع «فقال: خير القرض ما جر المنفعة».

الخامس: تظاهر الروايات عليه و تطابقها من غير معارض، فيتعين العمل عليه،

روى سليمان بن محمد الديلمي (4) عن أبيه عن رجل «كتب الى العبد

____________

(1) سورة البقرة الآية- 275.

(2) سورة النساء الآية- 29.

(3) الكافي ج 5 ص 196 التهذيب ج 7 ص 22.

(4) التهذيب ج 7 ص 33 لكن فيه عن محمد بن سليمان الديلمي.

81

الصالح (عليه السلام): يسأله أنى أعامل قوما أبيعهم الدقيق أربح عليهم في القفيز درهمين إلى أجل معلوم، و هم يسألوني أن أعطيهم عن نصف الدقيق دراهم، فهل من حيلة لا أدخل في الحرام؟ فكتب إليه أقرضهم الدراهم قرضا و ازدد عليهم في نصف القفيز ما كنت تربح عليهم».

و في الصحيح عن عبد الملك بن عتبة (1) قال: «سألته عن الرجل يريد أن أعينه المال و يكون لي عليه مال قبل ذلك فيطلب منى مالا أزيده على مالي الذي عليه أ يستقيم أن أزيده مالا و أبيعه لؤلؤة تسوى مأة درهم بألف درهم، فأقول له: أبيعك هذه اللؤلؤة بألف درهم على أن أؤخّرك بثمنها و بمالي عليك كذا و كذا شهرا؟

قال: لا بأس».

و عن محمد بن إسحاق بن عمار (2) قال: «قلت للرضا (عليه السلام):

الرجل يكون له المال قد حل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تسوى مأة درهم بألف درهم و يؤخر عنه المال الى وقت؟ قال: لا بأس، قد أمرني أبي ففعلت ذلك و زعم أنه سأل أبا الحسن (عليه السلام): عنها فقال له: مثل ذلك».

ثم أطال في الاستدلال الى أن بلغ خمسة و عشرين دليلا و أوضحها ما ذكرناه.

ثم نقل حجة المانعين فقال: احتج المانعون بما رواه

يعقوب بن شعيب (3) في الصحيح عن الصادق (عليه السلام): قال: «سألته عن رجل يسلم في بيع أو تمر عشرين دينارا و يقرض صاحب السلم عشرة دنانير أو عشرين دينارا قال: لا يصلح، إذا كان قرضها يجر نفعا فلا يصلح».

و عن محمد بن قيس (4) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «من أقرض رجلا ورقا

____________

(1) الكافي ج 5 ص 206 التهذيب ج 7 ص 52.

(2) الكافي ج 5 ص 205 التهذيب ج 7 ص 53.

(3) الوسائل الباب 19 من أبواب الدين الرقم- 9.

(4) الوسائل الباب- 19- من أبواب الدين الرقم 11.

82

فلا يشترط الا مثلها، فإن جوزي بأجود منها فليقبل، و لا يأخذ أحد منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترط من أجل قرض ورقه».

و ما رواه

خالد بن الحجاج (1) قال: «جاء الربا من قبل الشروط».

و ما رواه

الوليد بن صبيح (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: «الذهب بالذهب و الفضة بالفضة و الفضل بينهما هو الربا المنكر».

و لان البيع بالمحاباة نفع و هو مشترط في القرض، فيجب ان يكون حراما.

ثم أجاب عن ذلك قال: و الجواب عن الروايات بعد سلامة سندها أنها دالة على الكراهة لا التحريم، على أنا نقول الرواية الاولى- و هي الصحيحة- معارضة برواية محمد بن مسلم، و نقول بموجب الرواية الثانية، فإن اشتراط النفع في القرض حرام بالإجماع، و هو غير صورة النزاع، و كذا عن الرواية الثلاثة، فإن كل شرط لو تضمن الربا لكان باطلا بالإجماع، مع انا نصحح أكثر الشروط بالإجماع، فإذا لا محل لها الا مع اشتراط الزيادة في المتساوي جنسا مع عقد البيع، و هذا هو الربا بعينه، و هو غير محل النزاع.

و كذا الرابعة فإنها صريحة في تناول الربا إذ لا قائل بإباحة الفضة بالفضة مع الزيادة، و لا الذهب بالذهب مع الزيادة.

و عن الثاني بوجهين الأول- المعارضة بما روى من

قولهم (عليهم السلام) (3) «خير القرض ما جر نفعا».

و لان المتنازع اباحة البيع بالمحاباة مع اشتراط القرض، لا العكس انتهى ملخصا.

أقول منشأ شبهة القائل المذكور هو أنه لما كان السبب في هذا القرض من

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 112.

(2) التهذيب ج 7 ص 98.

(3) الوسائل الباب- 19- من أبواب الدين الرقم 5.

83

البائع للمشتري هو كون المشتري أخذ سلعته بأضعاف قيمتها، فيصير الحامل للبائع على القرض هو ذلك، و القرض إذا جر المنفعة كان باطلا، فالواجب الحكم ببطلان البيع المذكور، و هو توهم فاسد، لان المستفاد من الاخبار- كما سيأتي ذكرها إنشاء الله تعالى جميعا في كتاب الديون و الجمع بينهما- هو أن المحرم انما هو القرض الذي يشترط فيه النفع، لا ما يجر النفع بقول مطلق، و المستفاد من بعضها أن تحريم ما يجر النفع مطلقا مذهب العامة، كما تقدم ذكره في كلام شيخنا المفيد (رحمه الله).

و حينئذ فما دل على خلاف ما ذكرناه من الاخبار كصحيحة يعقوب بن شعيب المذكورة فهو محمول على الاشتراط أو التقية، و العلامة إنما أجاب عنها بالمعارضة لصحيحة محمد بن مسلم، و الظاهر أنها ما رواه

المشايخ الثلاثة عنه (1) و عن غيره قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يستقرض من الرجل قرضا و يعطيه الرهن اما خادما و اما آنية و اما ثيابا، فيحتاج إلى شيء من منفعته، فيستأذنه فيه فيأذن له؟

قال: إذا طابت نفسه فلا بأس به، فقلت: ان من عندنا يرون أن كل قرض يجر منفعة فهو فاسد، فقال: أو ليس خير القرض ما جر منفعة».

و هذه الرواية هي التي أشرنا إليها في الدلالة على ان ذلك مذهب العامة و نحوها في الدلالة على ان خير القرض ما جر منفعة غيرها ايضا.

و العجب انه سكت عن الجواب عن رواية محمد بن قيس، مع انها ظاهرة في الدلالة على ان التحريم انما هو من حيث الشرط لا مطلقا، لقوله أو لا «فلا يشترط الا مثلها، و ان جوزي بأجود منها فيقبل، و قوله ثانيا «يشترط من أجل قرض ورقه» يعنى لا يجعل عارية المتاع أو ركوب الدابة شرطا في القرض، و هو ظاهر.

و مما ذكرنا يعلم أن ما أطال به (قدس سره) من الوجوه التي ذكرها غير محتاج إليه، لأن بيع الشيء بأضعاف ثمنه مما لا نزاع فيه، و كذا وقوع الشروط

____________

(1) الوسائل الباب- 19- من أبواب الدين الرقم 4.

84

في العقود في الجملة، و انما منشأ الشبهة هو ما ذكرناه.

و الجواب عنها هو ما عرفت، على أن النهى في الصورة المفروضة انما هو كون القرض شرطا في البيع، و الممنوع منه شرعا انما هو شرط النفع في القرض، و اليه أشار العلامة آنفا، و بالجملة فالإشكال انما يقع فيما لو أقرضه بشرط أن يشترى ماله بأضعافه (1) بأنه موجب لاشتراط النفع في القرض المنهي عنه في الاخبار، و ان كانت الصورة المفروضة راجعة الى هذا في المعنى، الا أنه انما يحلل و يحرم الكلام، كما ورد في بعض الاخبار (2) لا مجرد القصد بأي وجه اتفق و الله العالم.

السادسة [إذا قوم على الواسطة بثمن و جعل باقي قيمة البيع له]:

قال الشيخ المفيد (عطر الله مرقده): إذا قوم التاجر على الواسطة المتاع بدراهم معلومة- ثم قال له: بعه فما تيسر لك فوق هذه القيمة فهو لك و القيمة لي جاز و لم يكن بين التاجر و الواسطة بيع مقطوع، فان باعه الواسطة بزيادة على القيمة كانت له، و ان باعه بها لم يكن على التاجر شيء، و ان باعه بدونها كان عليه تمام القيمة لصاحبه، و ان لم يبعه كان له رده، و لم يكن للتاجر الامتناع من قبوله و لو هلك المتاع في يد الواسطة من غير تفريط منه كان من مال التاجر، و لم يكن على الواسطة ضمان، و إذا قبض الواسطة المتاع من التاجر على ما وصفناه لم يجز أن يبيعه مرابحة، و لا يذكر الفضيلة على القيمة في الشراء، و إذا قال الواسطة للتاجر خبرني بثمن هذا الثوب و اربح على فيه شيئا لأبيعه، ففعل التاجر ذلك و باعه الواسطة بزيادة على رأس المال و الربح كان ذلك للتاجر، دون الواسطة، الا أن يضمنه

____________

(1) و من ثم ورد

في موثقة إسحاق بن عمار قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام):

الرجل يكون له عند الرجل المال قرضا فيطول مكثه عند الرجل لا يدخل على صاحبه منفعة، فينيله الرجل الشيء بعد الشيء كراهية أن يأخذ ماله حيث لا يصيب منه منفعة، أ يحل ذلك؟ قال: لا بأس إذا لم يكن بشرط».

و نحوها رواية الحسين بن ابى العلاء منه (رحمه الله).

(2) الكافي ج 5 ص 201.

85

الواسطة، و أوجبه على نفسه، فان فعل ذلك جاز له أخذ الفضل على الربح، و لم يكن للتاجر الا ما تقرر بينه و بينه انتهى، و نحوه قال الشيخ في النهاية و ابن البراج.

و قال ابن إدريس بعد إيراد كلام الشيخ في النهاية: ما أورده الشيخ غير واضح، و أشار به الى ما ذكره أولا من أنه إذا قوم التاجر متاعا على الواسطة بشيء معلوم، و قال له بعه فما زدت على رأس المال فهو لك و القيمة لي، ثم زاد كانت الزيادة للواسطة، و لا يجوز له أن يبيعه مرابحة قال: لان هذا جميعه لا بيع مرابحة و لا اجارة، و لا جعالة محققة، و إذا باع الواسطة بزيادة على ما قوم عليه لم يكن للواسطة في الزيادة شيء، لأنها من جملة ثمن المتاع، و المتاع للتاجر لم ينتقل عن ملكه بحال و للواسطة أجرة المثل، لانه لم يسلم له العوض، فيرجع الى المعوض، و كذلك أن باعه برأس المال، و ان باعه بأقل كان البيع باطلا، و ان تلف المبيع كان الواسطة هنا ضامنا، ثم أى شراء بين التاجر و الواسطة حتى يخبر بالثمن، و ليس هذا موضع بيع المرابحة في الشريعة بغير خلاف، و انما أورد أخبار الآحاد في هذا الكتاب إيرادا لا اعتقادا، و قول الشيخ ثانيا و إذا قال الواسطة خبرني بثمن هذا المتاع و اربح على فيه كذا ففعل كانت الزيادة للتاجر، و له أجرة المثل يوضح ما نبهنا عليه انتهى.

أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه

ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في رجل قال لرجل: بع ثوبي بعشرة دراهم فما فضل فهو لك، قال ليس به بأس».

و ما رواه

المشايخ الثلاثة (قدس الله أرواحهم) عن سماعة (2) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يحمل المتاع لأهل السوق و قد قوموا عليه قيمة، فيقولون بع فما ازددت فلك، قال: لا بأس بذلك، و لكن لا يبيعهم مرابحة».

____________

(1) الكافي ج 5 ص 195 التهذيب ج 7 ص 54.

(2) الكافي ج 5 ص 195 التهذيب ج 7 ص 54.

86

و ما رواه

الشيخ في التهذيب عن زرارة (1) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يعطى المتاع فيقال: ما ازددت على كذا و كذا فهو لك، فقال: لا بأس».

و رواه بسند آخر في الموثق عن زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) مثله.

و هذه الاخبار كما ترى متفقة الدلالة على ما قاله الشيخان، و ردها بأنها أخبار آحاد خارج عن جادة السداد.

بقي الكلام في ان الظاهر أن هذا من باب الجعالة، و مال الجعالة يجب أن يكون معلوما، و هنا ليس كذلك، و هذا هو السبب في منع ابن إدريس هنا من صحة ما ذكره الشيخ، و فيه ما ذكره جمع من الأصحاب من أن وجوب معلومية الجعالة انما هو في موضع يؤدى الجهل بها الى التنازع، و هو منفي هنا، إذ الزيادة للواسطة متى زاد على ما قومه عليه التاجر مهما كانت الزيادة قليلة أو كثيرة، و الا فلا شيء له لحصول التراضي على ذلك، بخلاف الجعالة المجهولة المؤدية إلى التنازع، و بذلك يظهر الفرق بين ذلك، و بين ما إذا قال الواسطة: خبرني بثمن المتاع و اربح على فيه ففعل، فإن الزيادة للتاجر و للواسطة أجرة المثل، فإنه على هذه الصورة لا بيع و لا جعالة، فمن أجل ذلك حكم بالزيادة للتاجر، و للواسطة بأجرة المثل، فاعتضاد ابن إدريس بهذه الصورة في الرد على الشيخ حيث قال: و قول الشيخ ثانيا الى آخره ليس في محله، لظهور الفرق، و قد تقدم تحقيق القول في هذا المقام في الفصل الخامس في المرابحة و المواضعة و التولية هذا.

و النهى عن البيع مرابحة في موثق سماعة اما من حيث أنه لم ينتقل المبيع اليه بهذا الكلام الذي وقع بينهما، لعدم تحقق البيع بمجرد التقويم عليه هذا ان كان باع لنفسه، و ان كان للتاجر وكالة فرأس المال غير معلوم، لان تقويمه على الدلال بقيمة أعم من أن يكون برأس المال أو بزيادة فيه، بل الغالب هو الثاني، و الواجب في بيع المرابحة معلومية رأس المال و الربح، و أما ما حكم به الشيخان- من صحة البيع لو باعه

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 54.

87

بأقل مما قومه عليه، و أن على الدلال تمام القيمة، و قول ابن إدريس ان البيع هنا باطل- فالظاهر أنه متفرع على الكلام في صحة البيع الفضولي و بطلانه و ظاهر ابن إدريس الثاني، و أما على تقدير القول بصحته فينبغي التفصيل في المقام بأنه ان رضى المالك، و أجاز البيع المذكور فليس له المطالبة بما زاد على القيمة التي باع بها الواسطة، و ان لم يجز البيع فان له المطالبة بعين ماله ان كانت العين قائمة، فيلزم الدلال بتخليصها و إرجاعها، و ان تعذر ذلك كان له الرجوع على الدلال بالقيمة، و على هذا فينبغي أن يحمل كلام الشيخين هنا على ما إذا لم يجز البيع، و تعذر الرجوع الى العين.

السابعة [في أن أجرة الكيال و الوزان على البائع و أجرة الدلال على الآمر]:

قد صرح الأصحاب بأن أجرة الكيال و الوزان على البائع، و أجرة الناقد و وزان الثمن على المشترى، و أجرة الدلال على الآمر، و لو باع و اشترى فأجرة البيع على الآمر به، و أجرة الشراء على الآمر به.

أقول: و الوجه في الأولين ظاهر، لانه يجب على البائع توفية المشترى المبيع و تسليمه بعد معلوميته بالكيل و الوزن، و حينئذ فأجرة هذا العمل عليه لو لم يفعله بنفسه، و نقد الثمن و وزنه، واجب على المشترى، لأنه يجب عليه توفية الثمن و تسليمه فيجب عليه أجرة هذا العمل لو لم يفعله بنفسه.

و اما الثالث فكذلك، لان الدلال بمنزلة الأجير، فإن كان وكيلا في البيع فأجرته على البائع، و ان كان في الشراء فأجرته على المشترى.

بقي هنا شيء و هو أن الشيخ (رحمه الله)، قال في النهاية: لو نصب نفسه لبيع الأمتعة كان له أجر البيع على البائع، و لو نصب نفسه للشراء كان له أجرة على المبتاع، فان كان ممن يبيع و يشترى كان له أجرة على ما يبيع من جهة البائع، و أجرة على ما يشترى من جهة المبتاع انتهى.

و قال ابن إدريس: في قوله فان كان ممن يبيع و يشترى الى آخره و لا يظن ظان أن المراد بذلك في سلعة واحدة يستحق أجرين، و انما المراد بذلك ان من كان صنعته يبيع تارة للناس، و يشترى لهم تارة، فيكون له أجرة على من يبيع له

88

في السلعة المبتاعة، فإن اشترى للناس سلعة غيرها كان له أجرة على من اشترى له تلك السلعة، لا أنه يشترى سلعة واحدة و يبيعها في عقد واحد، لأن المشتري غير البائع، و البائع غير المشترى، و انما مقصود شيخنا ما نبهنا عليه فليتأمل ذلك انتهى.

و اعترضه العلامة في المختلف بأنه ليس بجيد، لأنا يجوز كون الشخص الواحد وكيلا للمتعاقدين كالأب يبيع على ولده من ولده الأخر، و حينئذ يستحق اجرة البيع على آمره، و أجرة الشراء على آمره، و قوله العقد لا يكون الا بين اثنين مسلم و هو هنا كذلك لتعدد المنتسب اليه كالأب العاقد عن ولديه. انتهى.

و هو جيد الا ان المفهوم من كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروضة- حيث قال: المصنف و أجرة الدلال على الأمر و لو أمراه فالسابق (1) و لو أمراه بتولي الطرفين فعليهما- ان الذي عليهما متى أمراه بتولي الطرفين الإيجاب و القبول انما هو أجرة واحدة بالتنصيف، حيث قال بعد قول المصنف في آخر العبارة المذكورة فعليهما: ما صورته أجرة واحدة بالتنصيف اقترنا أم تلاحقا، ثم قال: و لو منعنا من تولى الطرفين من الواحد امتنع أخذ أجرتين، لكن لا يتجه حمل كلام الأصحاب أنه لا يجتمع بينهما لواحد عليه، لانه قد عبر به من يرى جوازه، بل المراد أنه لا يجمع بينهما لعمل واحد، و ان أمره البائع بالبيع، و المشترى بالشراء، بل له أجرة واحد عليهما، أو على أحدهما كما فصلناه انتهى. و هو ظاهر في أنه مع تولى الطرفين ليس الا أجرة واحدة بالتنصيف، و من الظاهر أنه لا فرق في تولى الطرفين بين الولي الشرعي كما تقدم في كلام العلامة،

____________

(1) أقول: قوله و لو امراه في السابق حاصل معنى هذه العبارة على ما يفهم من الشرح أنه لو أمراه يعني كل من البائع و المشترى فالأجرة على الآمر أو لا ان كان مراد كل منهما المماكسة فقط من غير تولى طرفي العقد، و ان كان مرادهما الأمر بتولي طرفي العقد فالأجرة عليهما معا بالمناصفة، سواء أقترنا أو تلاحقا لكن بقيت هنا صورة ثالثة و هي ما لو أمراه بالمماكسة و لكن اقترنا من غير تقدم أحدهما الأخر، و ربما ظهر من فحوى كلام الشارح أنها ملحقة بالصورة الثانية و هو الأمر بالعقد منه (رحمه الله).

89

و لا بين الوكيل فيهما من جهة البائع و المشترى.

و كيف كان فهو ظاهر المنافاة لما تقدم في كلام العلامة، و قوله و لو منعناه الى آخره خرج مخرج الرد على المصنف في الدروس حيث قال: و لو منعنا من تولية الطرفين امتنع أخذ أجرتين، و عليه يحمل كلام الأصحاب أنه لا يجمع بينهما لواحد، و حاصله أنه فسر كلامهم بأن معناه انه لا يجمع بين الأجرتين لشخص واحد، و ان ذلك مبنى على المنع من تولية الطرفين لشخص واحد بأن يتولى الإيجاب و القبول، فقولهم ذلك إشارة إلى المنع في هذه الصورة على تقدير القول به.

و الشارح رده بأنه قد صرح بهذا الكلام من جوز تولى الطرفين لشخص واحد، و حينئذ فلا يصح تفسير كلامهم بما ذكره، بل مرادهم بذلك الكلام انما هو أنه لا يجمع بين الأجرتين لعمل واحد، و ان كان هنا أمران أحدهما البيع، و الآخر الشراء، فإنه عمل واحد يستحق عليه أجرة واحدة منهما أو من أحدهما على التفصيل الذي قدمه، و لا مدخل لبنائه على تولى الطرفين و عدمه.

و بالجملة فإن كلامه هنا ظاهر في أنه مع تولى الطرفين ليس له الا أجرة واحدة و هو ظاهر في خلاف ما قدمنا نقله عن العلامة.

و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام ما رواه

في الكافي و التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام)، و أنا أستمع فقال له: ربما أمرنا الرجل فيشترى لنا الأرض و الغلام و الدار و الخادم و الجارية و نجعل له جعلا قال: لا بأس بذلك».

و رواه الشيخ بسندين آخرين مثله.

و ما رواه في الكتابين المذكورين

عن ابن ابى عمير (2) في الصحيح عن بعض أصحابنا من أصحاب الرقيق قال: «اشتريت لأبي عبد الله (عليه السلام)، جارية فناولني أربعة دنانير فأبيت قال: لتأخذنها فأخذتها فقال: لا تأخذ من البائع».

و ما رواه

المشايخ الثلاثة في الصحيح عن أبى ولاد (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام)

____________

(1) الكافي ج 5 ص 285 التهذيب ج 7 ص 156.

(2) الكافي ج 5 ص 285 التهذيب ج 7 ص 156.

(3) الكافي ج 5 ص 285 التهذيب ج 7 ص 156.

90

و غيره عن ابى جعفر (عليه السلام) «قالوا: قالا: لا بأس بأجر السمار انما هو يشترى للناس يوما بعد يوم بشيء معلوم، و انما هو مثل الأجير».

و السمار بالكسر المتوسط بين البائع و المشترى، و مرسل ابن أبى عمير ظاهر في النهي عن أخذ الأجرة من البائع بعد أخذها من المشترى، و الظاهر أن الوجه في ذلك أن الآمر له انما هو المشترى، و البائع لم يأمره بالبيع له، فلا يستحق عليه شيئا، بل لو فرضنا أن المشترى لم يدفع اليه أجرة فإنه لا رجوع له، على البائع متى كان لم يأمره، و هو ظاهر.

الثامنة [في استحباب الإقالة]:

قد تكاثرت الاخبار باستحباب الإقالة، و قدمنا طرفا منها في المقدمة الثانية من مقدمات هذا الكتاب.

و منها زيادة على ما تقدم ما رواه

الصدوق (1) (قدس الله روحه) في المقنع مرسلا عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: «أيما مسلم أقال مسلما بيع ندامة أقاله الله عثرته يوم القيامة».

و الكلام فيها يقع في مواضع

الأول [الإقالة فسخ أم بيع؟]

- الإقالة عند الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف فسخ لا بيع، سواء كان في حق المتعاقدين أو غيرهما، و سواء وقعت بلفظ الفسخ أو الإقالة، و أشير بهذه القيود الى خلاف العامة في هذا المقام، فذهب بعضهم إلى انها بيع مطلقا، و بعض آخر إلى أنها بيع ان وقعت بلفظ الإقالة، و فسخ ان وقعت بلفظ الفسخ و يلحقها أحكامه و ذهب بعض إلى انها بيع بالنسبة إلى الشفيع خاصة، فيستحق الشفعة بها و ان كانت فسخا في حق المتعاقدين، (2) و بطلان الجميع ظاهر، إذ لا يطلق

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من أبواب آداب التجارة الرقم 4.

(2) القائل بأنها بيع في حق غير المتبايعين أبو حنيفة، و القائل بالتفصيل بالفسخ و غيره بعض الشافعية، و القائل بأنها بيع مطلقا جماعة منهم المالك و الشافعي في القديم، كذا نقله بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم) منه (رحمه الله).

91

عليها اسم البيع في شيء من هذه الصور، و للبيع ألفاظ خاصة ليست هذه منها (1) و صيغتها أن يقول كل منهما تقايلنا أو تفاسخنا، أو يقول أحدهما أقلتك العقد الواقع بيننا فيقبل الآخر، أو يقول تفاسخنا، و لا فرق في ذلك بين النادم و غيره، و لا يكفى التماس أحدهما عن قبوله أو إيجابه، بل لا بد فيها من الإيجاب و القبول بالألفاظ المذكورة، و لا يعتبر فيها سبق الالتماس، بل لو ابتدء أحدهما بالصيغة فقبل الآخر صح.

الثاني [عدم صحتها مع زيادة أو نقيصة في الثمن]

- قالوا: لا تصح بزيادة في الثمن الذي وقع عليه العقد و لا نقيصة لأنها فسخ، و مقتضاه رجوع كل عوض الى مالكه، فلو شرط فيها ما يخالف مقتضاها فسد الشرط، و يترتب عليه فسادها كما في كل شرط فاسد، لأنهما لم يتراضيا على الفسخ الا على ذلك الوجه، و لم يحصل لبطلانه، فما تراضيا عليه لم يحصل، و ما حصل لم يتراضيا عليه.

أقول و يشير الى ما ذكروه من عدم الزيادة و النقيصة بعض الاخبار التي لا يحضرني الآن موضعها، و أما ما ذكروه من بطلان العقد هنا لاشتماله على شرط فاسد بناء على ما اشتهر بين المتأخرين من جعل ذلك قاعدة كلية، فقد عرفت ما فيه آنفا في بعض نكت هذا الفصل.

الا أن ما يؤيد كلامهم هنا ما رواه

المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم)، عن الحلبي (2) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى ثوبا و لم يشترط على صاحبه شيئا فكرهه، ثم رده على صاحبه فأبى أن يقبله إلا بوضيعة قال: لا يصلح أن يأخذه بوضيعة، فإن جهل فأخذه فباع بأكثر من ثمنه رد على الأول ما زاد».

____________

(1) أقول: قال الشيخ في المبسوط: الإقالة فسخ سواء كان قبل القبض أو بعده في حق المتعاقدين و في غيرهما، بدلالة أنه لا يجوز الزيادة في الثمن و لا النقصان إجماعا. انتهى. منه (رحمه الله).

(2) الكافي ج 5 ص 195 التهذيب ج 7 ص 56 الفقيه ج 3 ص 137.

92

و به يظهر ما قدمنا ذكره من أن الاولى الوقوف في كل حكم حكم على ما يرد به الاخبار فيه من غير أن يكون ذلك قاعدة كلية كما ادعوه، فإن الاخبار في بعض العقود توافق ما ذكروه، كهذا الخبر و نحوه غيره أيضا، و بعض كالاخبار التي قدمناها تخالف ما ذكروه، فكيف يمكن جعل ذلك قاعدة كلية.

ثم انهم قالوا بناء على هذه القاعدة ايضا: أنه لا فرق في المنع من الزيادة و النقيصة بين العينية و الحكمية، فلو أقاله على أن ينظره بالثمن أو يأخذ الصحاح عوض المكسور و نحو ذلك لم يصح.

الثالث [صحتها في العقد و بعضه]

- الظاهر أنه لا خلاف بينهم في أنها تصح في العقد و في بعضه، سلما كان أو غيره، خلافا لبعض العامة حيث منع من الإقالة في بعض السلم، محتجا بأنه يصير حينئذ سلما و بيعا، و قد نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عنه، و فيه مع تسليم الخبر أنه مبنى على كون الإقالة بيعا كما تقدم نقله عن بعضهم، و هو ممنوع على أنه قد تقدم في النكتة الثالثة ذكر معنى لهذا اللفظ، فلا يتعين الحمل على ما ذكروه، و الاخبار الواردة باستحباب الإقالة شاملة بإطلاقها للكل و البعض، بل هو صريح جملة من الاخبار المتقدمة في المسألة الثانية من المقام الثاني من الفصل العاشر في السلم كما أوضحناه ذيل تلك الاخبار، و على هذا فمتى وقع التقابل في البعض خاصة اقتضى تقسيط الثمن على المثمن، فيرتجع في نصف المبيع نصف الثمن، و في ربعه ربعه و هكذا.

الرابع [عدم سقوط أجرة الدلال بالإقالة]

- قالوا: و لا تسقط أجرة الدلال لسبق استحقاقه الأجرة، فإنه كان على السعى المتقدم و قد حصل و مثله أجرة الكيال و الوزان و الناقد و هو جيد.

الخامس [حكم النماءات]

- قد عرفت أنه بالإقالة يرجع كل عوض الى مالكه و حينئذ فإن كان باقيا أخذه و نماءه المتصل به فإنه تابع للعين، و اما المنفصل فلا رجوع به و ان كان حملا لم تضعه يومئذ و لم ينفصل، أما اللبن في الضرع فهل يكون كالولد منفصلا أو يكون متصلا كالسمن؟ اشكال و ان كان الأقرب الأول.

و أما الصوف و الشعر قبل الجز فأشد إشكالا و استظهر في المسالك أنه من

93

المتصل مع احتمال العدم، و ان كان تالفا رجع بمثله ان كان مثليا و بقيمته ان كان قيميا و كذا يرجع بالقيمة في المثلي لو تعذر المثل، و في تعيين وقت القيمة الخلاف المتقدم في الأبحاث السابقة من أنه يوم تلف العين، أو يوم القبض، أو يوم الإقالة، أو الأعلى من هذه القيم، و لو وجده معيبا فله أرش العيب، لان الجزء الفائت بالعيب بمنزلة التالف فيضمنه كما يضمن الجميع.

التاسعة [في أحكام العينة]:

قد تكاثرت الروايات بذكر العينة و لم أقف في الكتب الفقهية على من تعرض لذكرها بهذا العنوان الا ما سيأتي من نقل كلام لابن إدريس في السرائر قال ابن الأثير في النهاية و في حديث ابن عباس أنه كره العينة، و هو أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به، فان اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم و قبضها فباعها من طالب العينة إلى أجل، فقبضها ثم باعها المشترى من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضا عينة، و هي أهون من الاولى، و سميت عينة لحصول النقد الذي لصاحب العينة، لأن العين هي المال الحاضر من النقد، و المشترى إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة يصل إليه معجلة انتهى.

و قال ابن إدريس في كتاب السرائر على ما نقله عنه بعض الأصحاب و ذكر شيخنا في الاستبصار في كتاب المكاسب باب العينة و هي بالعين غير المعجمة المكسورة- و الياء الساكنة و النون المفتوحة مخففة و الهاء المنقلبة عن تاء، و معناها في الشريعة هو أن يشترى السلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها بدون ذلك (1) نقدا ليقضى دينا عليه ممن قد حل له عليه و يكون الدين الثاني و هو العينة من صاحب الدين الأول روى ذلك أبو بكر الحضرمي، مأخوذ ذلك من العين: و هو النقد الحاضر انتهى و هو يرجع الى المعنى الأول، الذي ذكره في النهاية، و الواجب نقل ما وقفت عليه

____________

(1) قوله بدون ذلك: يعني بأدون و أنقص، لا أن الدون بمعنى الغير.

94

من الاخبار الواردة بذلك في المقام. و الكلام ذيل كل منها بما يكشف عن معناه نقاب الإبهام.

الأول: ما رواه

في الكافي عن إسماعيل ابن عبد الخالق (1) في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام)، عن العينة و ذلك أن عامة تجارنا اليوم يعطون العينة فأقص عليك كيف نعمل قال: هات قلت: يأتينا الرجل المساوم يريد المال فيساومنا و ليس عندنا متاع فيقول: أربحك ده يازده و أقول أنا: ده دوازده، فلانزال نتراوض حتى نتراوض على أمر، فإذا فرغنا قلت له: أى متاع أحب إليك ان اشترى لك؟ فيقول: الحرير لانه لا يجد شيئا أقل وضيعة منه، فأذهب و قد قاولته من غير مبايعة فقال: أ ليس إن شئت لم تعطه و ان شاء لم يأخذ منك؟ قلت: بلى، قلت فأذهب فأشترى له ذلك الحرير و أماكس بقدر جهدي ثم أجيء به الى بيتي فأبايعه فربما ازددت عليه القليل على المقاولة، و ربما أعطيته على ما قاولته، و ربما تعاسرنا و لم يكن شيء، فإذا اشترى منى لم يجد أحدا أغلى به من الذي اشتريته منه، فيبيعه منه، فيجيئني ذلك فيأخذ الدراهم، فيدفعها اليه و ربما جاء فيحيله على، فقال: لا تدفعها الا الى صاحب الحرير، قلت: و ربما لم يتفق بيني و بينه البيع به، فأطلب اليه ليقيله منى فقال: أو ليس لو شاء لم يفعل و ان شئت أنت لم ترد، فقلت: بلى لو أنه هلك فمن مالي قال: لا بأس بهذا إذا أنت لم تعد هذا فلا بأس».

أقول: ما اشتمل عليه هذا الخبر هو المعنى الثاني من المعنيين اللذين ذكرهما في النهاية، و إطلاق كلام ابن إدريس شامل لهذه الصورة أيضا، لأن قوله ثم يبيعها بدون ذلك أعم من أن يكون البيع على من اشترى منه أو على غيره.

و في الخبر أيضا دلالة على أنه لا يختص العينة بما إذا كان الغرض منها قضاء دين عليه كما يشعر به كلام ابن إدريس، و ان كان قد ورد ذلك في جملة من أخبار المسألة لأن ظاهر الخبر المذكور انما هو أخذ المال لينتفع به.

و ظاهر هذا الخبر و غيره من أخبار العينة أن الغرض من ذلك هو الحيلة في

____________

(1) الكافي ج 5 ص 203.

95

الخروج من الربا، بأن يجيء الرجل محتاجا الى مبلغ من النقد يريده إلى مدة بنفع يكون لصاحب النقد في ذلك المال ضمن المدة المذكورة، فيشتري منه متاعا بقيمة زائدة على القيمة الواقعية مؤجلة عليه إلى مدة معلومة بينهما، فإذا اشتراه و استقر الثمن في ذمة المشترى و هو طالب العينة باعه من صاحبه الأول أو غيره بثمن أنقص مما اشتراه و قبض ثمنه، و بقي ذلك المبلغ الأول عليه الى حلول الأجل، فربما تعذر عليه بعد حلول الأجل فيتعين أيضا من ذلك الشخص أو غيره ليوفي دينه، السابق.

فقوله في الخبر يأتينا الرجل المساوم يريد المال، أى المال النقد، و انما يريد اقتراضه إلى مدة بنفع يكون فيه، و هذه المساومة بده دوازده و نحوها الى آخر ما ذكر انما هو حيلة في التخلص من الوقوع في الربا، قوله لم يجد أحدا أغلى به، أى لم يجد أحدا يشترى منه بثمن غال كثير، و أما منعه (عليه السلام) لقبول الحوالة و منعه من الدفع الا الى صاحب الحرير فلا أعرف له وجها، و لهذا حمله بعض مشايخنا على الكراهة.

قوله و ربما لم يتفق بيني و بينه البيع الى آخر الخبر معناه أنه ربما لم يتفق بيني و بين طالب العينة البيع، فالتمس من الذي باعني المتاع أن يفسخ البيع الذي بيني و بينه، و يقبل متاعه، فقال (عليه السلام) أو ليس البيع الأول الذي وقع بينك و بينه لازما بحيث أنه لو شاء لم يفسخ البيع، و لو شئت أنت عدم الرد لم يجب عليك الرد، فقال: بلى الأمر كذلك، و لو هلك المتاع قبل الفسخ كان من مالي فقال (عليه السلام) إذا لم تعد هذا الشرط أي إنشاء لم يقبل، و ان شئت لم ترد فلا بأس، فهو من عدا يعدو أى تجاوز.

الثاني: ما رواه

في الكافي و التهذيب عن الحسين بن المنذر. (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يجيئني الرجل فيطلب العينة فاشترى له المتاع من أجله ثم أبيعه إياه ثم أشتريه منه مكاني قال: فقال: إذا كان بالخيار إنشاء باع، و ان شاء لم يبع، و كنت أيضا بالخيار ان شئت اشتريت و ان شئت لم تشتر فلا بأس، قال:

____________

(1) الكافي ج 5 ص 202 التهذيب ج 7 ص 51.

96

فإن أهل المسجد يزعمون أن هذا فاسد و يقولون: ان جاء به بعد أشهر صلح فقال انما هذا تقديم و تأخير فلا بأس به».

أقول ما ذكره في هذا الخبر هو المعنى الأول من المعنيين المذكورين في النهاية، و من هذا الخبر يظهر أن مذهب العامة تحريم العينة، لأن المراد بأهل المسجد علماء العامة الذين كانوا يجلسون في مسجد النبي (صلى الله عليه و آله)، لأجل نشر العلوم، و تعليم الناس و الى ذلك يشير كلام صاحب النهاية المتقدم، و قوله (عليه السلام) «إذا كان بالخيار» الى آخره كناية عن تحقق البيع و لزومه واقعا، بمعنى أنه إذا تحقق البيع الأول و جميع شروط الصحة فلا بأس بشراءك منه، و كان العامة كانوا يشترطون الفصل بين البيعين بمدة مديدة، فقال (عليه السلام): انما هذا تقديم و تأخير، فلا مدخل له في الجواز ثم لا يخفى أن الخبر المذكور و ان كان مطلقا بالنسبة إلى التأجيل و عدمه، و حصول النفع و عدمه، الا أنه يجب حمله على غيره من أخبار المسألة كالخبر المتقدم و غيره، و كان ذلك لمعلومية الحكم من لفظ العينة كما عرفت من معناها آنفا.

الثالث: ما رواه

في الكافي و التهذيب عن منصور بن حازم (1) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلب من رجل ثوبا بعينة، فقال: ليس عندي و هذه دراهم فخذها و اشتر بها فأخذها، و اشترى ثوبا كما يريد، ثم جاء به ليشتريه منه؟ فقال: أ ليس ان ذهب الثوب فمن مال الذي أعطاه الدراهم؟ فقلت: بلى، فقال: ان شاء اشترى و ان شاء لم يشتر قال: فقال: لا بأس به».

أقول: الاشتراء هنا قد وقع وكالة عن صاحب الدراهم، و الغرض هنا انما تعلق بالسؤال عن الشراء على هذه الكيفية، و قوله (عليه السلام)، «أ ليس ان ذهب الثوب» الى آخره بمعنى أن ضمان الثوب على الذي اعطى الدراهم: و أن الذي اشتراه بالخيار بين أن يشتريه من صاحب الدراهم، و أن لا يشتريه، مما يوضح أن الشراء الأول انما كان وكالة عن صاحب الدراهم، لا أنه أقرضه الدراهم فشرى بها لنفسه

____________

(1) الكافي ج 5 ص 203 التهذيب ج 7 ص 52.

97

لانه لو كان كذلك لكان الزيادة التي يوقعها صاحب العينة ربا، و لا معنى لقوله في الخبر ثم جاء به ليشتريه منه، و الظاهر كما استظهره بعض مشايخنا عطر الله مراقدهم أنه قد سقط لفظ «قلت: بلى» بعد قوله «و ان شاء لم يشتر» من قلم النساخ، فان المعنى لا يستقيم الا بذلك، و حاصله أنه (عليه السلام) قال للسائل أولا: أ ليس ان ذهب الثوب فمن مال الذي أعطاه الدراهم، فأجاب بلى، فقال له ثانيا: «أ ليس ان شاء اشترى و ان شاء لم يشتر» فأجاب بلى، قال: «فقال: لا بأس» و الخبر لم يذكر فيه بقية أحكام العينة، لأن الغرض انما تعلق بالسؤال عن هذا الأمر الخاص.

الرابع: ما رواه

في التهذيب عن منصور بن حازم (1) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يريد أن يتعين من الرجل عينة، فيقول له الرجل أنا أبصر بحاجتي منك، فأعطني حتى اشترى فيأخذ الدراهم فيشترى حاجته ثم يجيء بها الى الرجل الذي له المال فيدفعها اليه، فقال: أ ليس إنشاء اشترى و ان شاء ترك، و ان شاء البائع باعه و ان شاء لم يبع؟ قلت: نعم، قال: لا بأس».

و التقريب في هذا الخبر كما في سابقه و هو أوضح دلالة لما عرفت في الأول (2).

الخامس: ما رواه

المشايخ الثلاثة برد الله مضاجعهم، عن بشار بن يسار (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبيع المتاع بنسإ و يشتريه من صاحبه الذي

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 52.

(2) قال ابن إدريس في كتاب السرائر: و إذا أخذ الإنسان من تاجر مالا و اشترى به متاعا يصلح له ثم جاء به الى التاجر ثم اشتراه منه لم يكن بذلك بأس، لأنه وكيل التاجر نائب عنه في الشراء، و يكون التاجر مخيرا بين أن يبيعه، و ان لا يبيعه، فان كان الإنسان الذي هو الوكيل اشتراه لنفسه في ذمته لا بعين مال موكله ثم نقد الثمن على أنه ضامن له لم يكن للتاجر عليه سبيل، و ان اختلفا في ذلك فالقول قول الوكيل دون الموكل، و ان كان الوكيل شراه بعين مال موكله فان الملك يقع للتاجر الذي هو الموكل دون الوكيل انتهى منه (رحمه الله).

(3) الكافي ج 5 ص 208 التهذيب ج 7 ص 47 الفقيه ج 3 ص 134.

98

يبيعه منه؟ قال: نعم لا بأس، فقلت: أشترى متاعي؟ قال: ليس هو متاعك و لا بقرك و لا غنمك».

أقول هذه هي العينة على ما عرفت، و أنه يدفع له قيمة ما اشتراه منه و يجعل الأول دينا عليه إلى الأجل المعلوم بينهما، و السائل توهم المنع، لأنه يشترى متاع نفسه، و أجابه (عليه السلام) بأنه قد انتقل عنك بالبيع الأول الذي جعلت ثمنه نسيئة، فليس هو متاعك، و انما هو متاع المشترى و أنت تريد شراءه منه».

السادس: ما رواه

في الكافي و التهذيب عن أبى بكر الحضرمي (1) في الحسن قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل تعين ثم حل دينه فلم يجد ما يقضى أ يتعين من صاحبه الذي عينه و يعطيه؟ قال: نعم».

السابع: ما روياه أيضا

عن الحضرمي (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

يكون لي على الرجل الدراهم فيقول لي: بعني شيئا أقضيك فأبيعه المتاع ثم أشتريه منه فاقبض مالي؟ قال لا بأس به».

الثامن: ما رواه

في الكافي عن هارون بن خارجة (3) «قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): عينت رجلا عينة فقلت له: اقضني فقال: ليس عندي تعينى حتى أقضيك قال: عينه حتى يقضيك».

و رواه

في الفقيه عن صفوان الجمال (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)، عينت رجلا عينة فحلت عليه فقلت: اقضني» الحديث.

دلت هذه الاخبار على التعين ثانيا من صاحب العينة الأولى كما ذكره ابن إدريس، و كأنه لم يطلع إلا على خبر الحضرمي و لا اختصاص لها بهذه الصورة، لما عرف في ما تقدم و هو أن يشترى طالب العينة من صاحب الطلب متاعا بما يزيد على قيمته السوقية مؤجلا عليه، ثم يشتريه البائع بأنقص و يدفع الثمن الى صاحب العينة، ثم ان طالب العينة يدفعه لصاحب الطلب عن طلبه

____________

(1) الكافي ج 5 ص 204 التهذيب ج 7 ص 48.

(2) الكافي ج 5 ص 204 التهذيب ج 7 ص 48.

(3) الكافي ج 5 ص 205.

(4) الفقيه ج 3 ص 83.

99

السابق، و يبقى قيمة ما باعه عليه أولا في ذمته دينا عليه.

العاشرة [في أحكام العربون]

قال ابن الجنيد: العربون من جملة الثمن، و لو شرط المشترى للبائع أنه ان جاء بالثمن، و الا فالعربون له كان عوضا عما منعه من البيع، و هو التصرف في سلعته، قال في المختلف بعد نقل ذلك عن ابن الجنيد: و المعتمد أن يكون من جملة الثمن، فان امتنع المشترى من دفع الثمن و فسخ البائع العقد وجب عليه رد العربون.

لنا الأصل بقاء الملك على المشترى، فلا ينتقل عنه الا بوجه شرعي، و ما رواه

وهب (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام)، يقول: لا يجوز بيع العربون الا ان يكون هذا من الثمن».

ثم نقل عن ابن الجنيد انه احتج

بقوله (عليه السلام) (2) «المؤمنون عند شروطهم».

ثم أجاب عنه بان المراد الشروط السائغة.

أقول: ما نقله من الرواية بلفظ هذا من الثمن هو الموجود في التهذيب، و في غيره، «الا أن يكون نقدا من الثمن» و الظاهر على هذا أن يكون من الثمن بدلا من نقد.

و كيف كان فالظاهر ضعف ما ذكره ابن الجنيد ان لم يكن ذلك الشرط في عقد صحيح لازم، لوجوب الوفاء بالشرط- و منع كونه سائغا كما ذكره العلامة- لا أعرف له وجها، نعم لو وقع ذلك من غير أن يكون في عقد لم يلزم، الا ان يقال: بوجوب الوفاء بالوعد كما دل عليه ظاهر القرآن، و يدل عليه أيضا بعض الاخبار، و اليه جنح بعض مشايخنا المتأخرين و هو قوي.

الحادية عشر [جواز الرشوة لدفع الظلم المتعدي]:

روى الشيخ في التهذيب عن حكم بن حكيم الصيرفي (3) قال: «سمعت أبا الحسن (عليه السلام)، و سأله حفص الأعور فقال: ان السلطان يشرون منا القرب و الادواة فيوكلون الوكيل حتى يستوفيه منا، فنرشوه حتى لا يظلمنا، فقال:

____________

(1) الكافي ج 5 ص 233 التهذيب ج 7 ص 234.

(2) الكافي ج 5 ص 169.

(3) التهذيب ج 7 ص 235.

100

لا بأس ما تصلح به مالك، ثم سكت ساعة ثم قال: إذا أنت رشوته يأخذ أقل من الشرط؟

قلت: نعم قال: فسدت رشوتك».

أقول: فيه دلالة على جواز الرشوة لدفع الظلم المتعدي، و الظاهر أن الجواز انما هو بالنسبة الى المعطى لا الى القابض، فإنها محرمة عليه البتة، لأنه إنما أعطى لأجل دفع ظلمه، و هذا انما يوجب زيادة في التحريم.

و اما إعطاء الوكيل هنا لأجل أن يقبل أقل من الحق الواجب أداؤه، فإنه محرم البتة، و لهذا قال (عليه السلام) لما سأله أنه بعد أخذ الرشوة يأخذ أقل من الشرط يعني الحق الذي شرط عليه فقال نعم: «فسدت رشوتك» فان ذلك خيانة و ظلم، و هو ظاهر.

و الله العالم بحقائق أحكامه و أولياؤه القائمون بمعالم حلاله و حرامه.

كتاب الدين

و لنقدم هنا جملة من الاخبار الواردة في الاستدانة فإن كتابنا هذا كتاب أحكام و أخبار كما لا يخفى على من تأمله بعين الفكر و الاعتبار،

فروى سماعة (1) في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل منا يكون عنده الشيء يتبلغ به و عليه دين أ يطعمه عياله حتى يأتي الله عز و جل بميسرة، فيقضي دينه؟ أو يستقرض على ظهره في خبث الزمان و شدة المكاسب، أو يقبل الصدقة؟ قال: يقضى بما عنده دينه، و لا يأكل من أموال الناس الا و عنده ما يؤدى إليهم حقوقهم، ان الله عز و جل يقول (2) «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ» و لا يستقرض على ظهره الا و عنده وفاء، و لو طاف على أبواب الناس فردوه باللقمة و اللقمتين و التمرة و التمرتين، الا ان يكون له ولي يقضى دينه من بعده، ليس منا من يموت الا جعل الله له وليا يقوم في عدته و دينه فيقضى عدته و دينه».

____________

(1) الكافي ج 5 ص 95 التهذيب ج 8 ص 185 الوسائل الباب- 2- من أبواب الديون.

(2) سورة النساء الآية 29.

101

و روى عبد الرحمن بن الحجاج (1) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «تعوذوا بالله من غلبة الدين، و غلبة الرجال و بوار الأيم».

أقول الأيم التي لا زوج لها و بوارها كسادها، و في التهذيب «نعوذ بالله».

و في كتاب معاني الأخبار روى عن الكاهلي «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) أ كان على (عليه السلام) يتعوذ من بوار الأيم؟ فقال: نعم، و ليس حيث تذهب انما كان يتعوذ من العاهات، و العامة يقولون بوار الأيم و ليس كما يقولون».

قيل: لعل المراد أن التعوذ منه انما هو البوار الذي يكون من جهة العاهة بها لا مطلق البوار، و ان كانت صحيحة ليس بها بأس.

و عن مسعدة بن صدقة (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا وجع الا وجع العين، و لا هم إلا هم الدين.

و بهذا الاسناد (3) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): الدين ربقة الله عز و جل في الأرض، فإذا أراد الله جل اسمه أن يذل عبدا وضعه في عنقه.

و عن عبد الله بن ميمون القداح (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام)، عن آبائه عن على (عليهم السلام) قال: «إياكم و الدين فإنه مذلة بالنهار مهمة بالليل، و قضاء في الدنيا و قضاء في الآخرة».

و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب المشيخة لابن محبوب عن أبي أيوب عن سماعة (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن الرجل منا يكون عنده الشيء يتبلغ به و عليه دين، أ يطعمه عياله حتى يأتي الله بميسرة فيقضي دينه؟ أو يستقرض على ظهره في جدب الزمان و شدة المكاسب أو يقضي بما عنده دينه و يقبل

____________

(1) الكافي ج 5 ص 92 التهذيب ج 8 ص 183.

(2) الكافي ج 5 ص 101.

(3) الكافي ج 5 ص 101.

(4) الكافي ج 5 ص 95 التهذيب ج 8 ص 183.

(5) الوسائل الباب- 4- من أبواب الدين.

102

الصدقة قال: يقضى بما عنده دينه و يقبل الصدقة، و قال: لا يأكل أموال الناس الا و عنده ما يؤدى إليهم حقوقهم، ان الله تعالى يقول (1) «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ» و قال ما أحب له أن يستقرض الا و عنده وفاء بذلك، اما في عقده أو تجارة، و لو طاف على أبواب الناس فردوه باللقمة و اللقمتين، الا أن يكون له ولي يقضى دينه عنه من بعده، ثم قال: انه ليس منا من يموت الا جعل الله له وليا يقوم في دينه فيقضى عنه».

و عن حنان بن سدير (2) عن أبيه، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «كل ذنب يكفره القتل في سبيل الله الا الدين، فإنه لا كفارة له الا أداؤه أو يقضي صاحبه، أو يغفر الذي له الحق».

و عن معاوية بن وهب (3) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انه ذكر لنا أن رجلا من الأنصار مات و عليه ديناران دينا فلم يصل عليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قال: صلوا على صاحبكم حتى ضمنها عنه بعض قرابته، فقال: أبو عبد الله (عليه السلام) ذلك الحق ثم قال: ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) انما فعل ذلك ليتعظوا و ليرد بعضهم على بعض، و لئلا يستخفوا بالدين، و قد مات رسول الله (صلى الله عليه و آله) و عليه دين، و قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، و عليه دين، و مات الحسن (عليه السلام) و عليه دين، و قتل الحسين (عليه السلام) و عليه دين» (4).

____________

(1) سورة النساء الآية- 27.

(2) الكافي ج 5 ص 94.

(3) الكافي ج 5 ص 93.

(4)

و روى في كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن طريف عن الحسين بن علوان «عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) قال: لقد قبض رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و ان درعه لمرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعا من شعير استلفها نفقة لعياله».

و بالسند المذكور عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من طلب رزقا حلالا فأغفل فليستدن على الله و على رسول الله (صلى الله عليه و آله)».

منه (رحمه الله).

103

و في كتاب كشف المحجة لابن طاوس (1) قال: «رأيت في كتاب إبراهيم بن محمد الأشعري الثقة بإسناده عن أبى جعفر (عليه السلام)، «قال: قبض على (عليه السلام) و عليه دين ثمان مأة ألف درهم، فباع الحسن (عليه السلام) ضيعة له بخمسمأة ألف درهم، و قضاها عنه و باع ضيعة له بثلاثمائة الف فقضاها عنه و ذلك أنه لم يكن يرزأ من الخمس شيئا و كانت تنوبه نوائب».

قال: و رأيت في كتاب عبد الله بن بكير (2) بإسناده عن أبى جعفر (عليه السلام) «أن الحسين (عليه السلام) قتل و عليه دين، و أن على بن الحسين (عليهما السلام)، باع ضيعة له بثلاثمائة ألف فقضى دين الحسين (عليه السلام) و عدات كانت عليه».

و عن موسى بن بكر (3) قال: «قال لي أبو الحسن (عليه السلام): من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه و عياله كان كالمجاهد في سبيل الله عز و جل، و ان غلب عليه فليستدن على الله عز و جل و على رسوله (صلى الله عليه و آله) ما يقوت به عياله، فان مات و لم يقضه كان على الإمام قضاؤه، و ان لم يقضه كان عليه وزره، فان الله عز و جل «يقول إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ الى قوله وَ الْغٰارِمِينَ فهو فقير مسكين مغرم».

و عن العباس بن عيسى (4) قال: «ضاق على على بن الحسين (عليهما السلام) ضيقة فأتى مولى له فقال له: أقرضني عشرة آلاف درهم الى ميسرة، فقال: لا لانه ليس عندي، و لكني أريد وثيقة، قال: فنتف له من ردائه هدبة، فقال: هذه الوثيقة قال: فكان مولاه كره ذلك، فغضب (عليه السلام) فقال: أنا أولى بالوفاء أم حاجب بن زرارة، فقال: أنت أولى بذلك منه، قال فكيف صار حاجب بن زرارة يرهن قوسا و هي خشبة على مأة حمالة، و هو كافر فيفي و أنا لا أفي بهدية ردائي؟ قال: فأخذها الرجل منه و أعطاه الدراهم و جعل الهدبة في حق، فسهل الله عز و جل له المال فحمله الى الرجل، ثم قال: له أحضرت مالك فهات وثيقتي،

____________

(1) الوسائل الباب- 2- من أبواب الدين الرقم 11.

(2) الوسائل الباب- 2- من أبواب الدين الرقم 12.

(3) الوسائل الباب- 2- من أبواب الدين الرقم 2.

(4) الكافي ج 5 ص 96.

104

فقال له: جعلت فداك ضيعتها فقال: إذا لا تأخذ مالك منى، ليس مثلي من يستخف بذمته، فقال: فأخرج الرجل الحق فإذا فيه الهدبة، فأعطاها على بن الحسين (عليهما السلام) الدراهم، فأخذ الهدبة فرمى بها ثم انصرف».

و عن موسى بن بكر (1) قال: «ما أحصى ما سمعت أبا الحسن (عليه السلام) ينشد:

فان يك يا أميم على دين * * * فعمران بن موسى يستدين

». قيل: المراد موسى بن عمران و انما قلب محافظة على الوزن.

و عن موسى بن بكر (2) قال: «من طلب الرزق من حله فغلب فليستقرض على الله عز و جل و على رسوله (صلى الله عليه و آله)».

و عن أيوب بن عطية الحذاء (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول: أنا أولى من كل مؤمن بنفسه، و من ترك مالا فللوارث، و من ترك دينا أو ضياعا فالى و على».

و الضياع بالفتح العيال.

و عن أبى موسى (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك يستقرض الرجل و يحج؟ قال: نعم، قلت: يستقرض و يتزوج؟ قال: نعم انه ينتظر رزق الله غدوة و عشية».

أقول: الوجه في الجمع بين هذه الاخبار هو جواز الاستدانة على كراهة، و روايتا سماعة المتقدمتان محمولتان على شدة الكراهة و تأكدها، لما عرفت أولا من استدانة الأئمة (عليهم السلام)، و ثانيا بما دلت عليه رواية موسى بن بكر و رواية أبي موسى من أنه يستقرض على الله و أنه ينتظر رزق الله.

و يؤكده ما رواه

الشيخ عن صفوان بن يحيى عن على بن إسماعيل عن رجل

____________

(1) الكافي ج 5 ص 95.

(2) الفقيه ج 3 ص 111.

(3) الوسائل الباب- 3- من أبواب كتاب الفرائض و المواريث الى قم 14.

(4) الفقيه ج 3 ص 111.

105

من أهل الشام (1) «انه سأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رجل عليه دين قد قدحه (2) و هو يخالط الناس، و هو يؤتمن يسعه شراء الفضول من الطعام و الشراب فهل يحل له أم لا و هل يحل له أن يتضلع من الطعام أم لا يحل له الا قدر ما يمسك به نفسه و يبلغه؟ قال لا بأس بما أكل».

و الظاهر أنه تزول الكراهة مع الحاجة، و على هذا يحمل استدانة الأئمة (عليهم السلام) كما يشير اليه خبر استدانة على بن الحسين (عليهما السلام) قال: في الدروس و لا كراهة مع الضرورة، فقد مات رسول الله- عليه و على آله الصلوات و السلام- و الحسنان و عليهم دين، قال: و لو كان له مال بإزائه خفت الكراهة، و كذا لو كان له ولى يقضيه و ان لم يجب عليه قضاؤه، فزالت مناقشة ابن إدريس (3) لأن عدم وجوب القضاء لا ينافي وقوع القضاء، ثم نقل عن الحلبي أنه حرم الاستدانة على غير القادر على القضاء، و كان مراده عدم القدرة على الأداء حالا و مؤجلا لعدم شيء عنده.

و يرده ما تقدم من قوله (عليهم السلام) في ما تقدم «يستقرض على الله و على رسوله، و أنه ينتظر رزق الله» و كذا ظواهر أخبار الجواز لإطلاقها في ذلك.

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 194.

(2) يقال قدحه الدين: أي أثقله، و يتضلع: اى امتلى شبعا، و يبلغه من البلغة بالضم و هي ما يكتفى به من العيش. منه (رحمه الله).

(3) و صورة مناقشة ابن إدريس هو ان الشيخ ذكر في النهاية ان الاولى ان لا يستدين إلا إذا كان له ما يرجع اليه، أو يكون له ولى يعلم انه ان مات قضى عنه، فاعترضه ابن إدريس بأن هذا غير واضح لأن الولي لا يجب عليه قضاء دين من هو ولى له، و خطأته العلامة في المختلف بان الشيخ لم يدع وجوب القضاء على الولي، بل قال: إذا علم بأن له وليا يقضى عنه زالت الكراهة، و هو الذي أشار إليه في الدروس. و أنت خبير بان الشيخ قد عول في ذلك على روايتي سماعة المذكورتين في الأصل. منه (رحمه الله).

106

ثم انه حيث كان الدين عبارة عما يوجب شغل الذمة، فالظاهر شمول الكراهة هنا للبيع سلفا و نسيئة، بل ربما أمكن شموله للحال مع عدم إحضار النقد، بل تأخيره إلى وقت آخر الا أن يخص الدين بالمؤجل، كما قيل: ان الدين ما له أجل، و القرض ما لا أجل له.

و حيث ان الدين الذي عنونا به الكتاب أعم من القرض، فالكلام هنا يقع في مقصدين.

[المقصد] الأول في القرض

و ثوابه جسيم و أجره عظيم، و منعه من الطالب المحتاج اليه ذميم،

فروى الصدوق في كتاب ثواب الأعمال عن محمد بن حباب القماط (1) عن شيخ كان عندنا قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لأن أقرض قرضا أحب الى من أن أتصدق بمثله، و كان يقول: من أقرض قرضا و ضرب له أجلا و لم يؤت به عند ذلك الأجل كان له من الثواب في كل يوم يتأخر عن ذلك الأجل مثل صدقة دينار واحد في كل يوم».

و عن الفضيل (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما من مسلم أقرض مسلما قرضا حسنا يريد به وجه الله الا حسب له اجره كحساب الصدقة حتى يرجع اليه».

و عن جابر (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من أقرض مؤمنا قرضا ينظر به ميسوره، كان ماله في زكاة، و كان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه اليه».

و عن هيثم الصيرفي (4) و غيره عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «القرض الواحد بثمانية عشر و ان مات حسبه من الزكاة».

و روى في كتاب الهداية (5) قال: «قال

____________

(1) الوسائل الباب- 6- من أبواب الدين و القرض.

(2) الوسائل الباب- 6- من أبواب الدين و القرض.

(3) الوسائل الباب- 6- من أبواب الدين و القرض.

(4) الوسائل الباب- 6- من أبواب الدين و القرض.

(5) المستدرك ج 2 ص 398.

107

الصادق (عليه السلام): مكتوب على باب الجنة الصدقة بعشرة، و القرض بثمانية عشر».

و انما صار القرض أفضل من الصدقة لأن المستقرض لا يستقرض الا من حاجة، و قد يطلب الصدقة من غير الاحتياج إليها.

و روى في كتاب عقاب الأعمال في حديث (1) عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: «من شكى إليه أخوه المسلم فلم يقرضه حرم الله عليه الجنة يوم يجزى المحسنين».

و روى الراوندي في نوادره (2) بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): الصدقة بعشرة، و القرض بثمانية عشر، و صلة الإخوان بعشرين، و صلة الرحم بأربع و عشرين».

و روى في الأمالي في خبر المناهي (3) قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله)، من احتاج اليه أخوه المسلم في قرض و هو يقدر عليه و لم يفعل حرم الله عليه ريح الجنة».

و روى الشيخ و جملة ممن تأخر عنه في الكتب الفقهية منهم العلامة في جملة من كتبه أن القرض أفضل من الصدقة بمثله من الثواب، و الظاهر كما استظهره بعض مشايخنا المتأخرين أن الضمير في مثله متعلق بأفضل، بمعنى أن فضل القرض أكثر من الصدقة في الثواب بقدر المثل، اى أن ثواب القرض ضعف ثواب الصدقة، و ربما أشكل الجمع بينه و بين ما تقدم من أن الصدقة الواحدة بعشرة، و القرض بثمانية عشرة، حيث ان ظاهر الخبر أن درهم الصدقة بعشرة، و درهم القرض بعشرين، و عند التأمل في ذلك لا إشكال، لأن المفاضلة و المضاعفة انما هي في الثواب، و لا ريب انه إذا تصدق بدرهم، فإنه إنما يصير عشرة باعتبار ضم الدرهم المتصدق به حيث أنه لا يرجع، و الحاصل من الثواب الذي اكتسبه بالصدقة في الحقيقة مع قطع النظر عن ذلك الدرهم انما هو تسعة، و على هذا فثواب القرض و هو ثمانية عشر ضعف التسعة، لان المفاضلة و المضاعفة انما هي في الثواب المكتسب.

____________

(1) الوسائل الباب- 6- من أبواب الدين و القرض.

(2) الوسائل الباب- 11 من أبواب المعروف.

(3) الفقيه ج 4 ص 9.

108

و لك أن تقول ان درهم الصدقة لما لم يكن بعشرة الا من حيث عدم رجوع الدرهم فدرهم القرض، لما كان يرجع بعينه، و يرجع ما قابله من الثواب المخصوص بتلك العين، يكون الباقي ثمانية عشر، و على كل من التقديرين فالمضاعفة حاصلة.

ثم انه ينبغي أن يعلم أن تحقق أصل الثواب في القرض فضلا عن أفضليته على الصدقة انما يكون مع قصد القربة لله سبحانه، كما في نظائره من الطاعات، فلو قصد به الأغراض الدنيوية لم يترتب عليه ذلك.

و يدل عليه ما رواه

الثقة الجليل على بن إبراهيم القمي في تفسيره بسنده فيه عن حفص (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): الربا رباءان أحدهما حلال، و الأخر حرام، فأما الحلال فهو أن يقرض الرجل أخاه قرضا طمعا أن يزيده، و يعوضه بأكثر مما يأخذه من غير شرط بينهما، فإن أعطاه أكثر مما أخذه بلا شرط بينهما فهو مباح له، و ليس له عند الله ثواب فيما أقرضه، و هو قوله «فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ» و أما الحرام فالرجل يقرض قرضا يشترط أن يرد أكثر مما أخذه فهذا هو الحرام».

و كيف كان فالكلام في هذا المقصد يقع في مواضع

[الموضع] الأول [توقف القرض على الإيجاب و القبول]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم)، بأن القرض عقد يتوقف على الإيجاب و القبول مثل سائر العقود، الا أنه عقد جائز لا لازم، مثل البيع و نحوه، و هو ظاهر في تحقق الملك على المشهور من تملكه بالإيجاب و القبول و القبض (2) و أما على القول بأنه لا يملك الا بالتصرف فمقتضى ذلك أنه قبل التصرف انما هو بمنزلة الإباحة، و على هذا فينبغي أن لا يتوقف على العقد، الا أن يقال: بأن الآثار

____________

(1) الوسائل الباب- 18- من أبواب الربا و فيه عن المنقري عن جعفر بن غياث.

(2) و من أظهرها في وجوب الزكاة على المقترض بعد قبضه مال القرض و دخول الحول عليه عنده، و لو كان اباحة لكان باقيا على ملك المقترض، و كانت الزكاة عليه، و بالجملة فإن ظاهر الاخبار يدل على حصول الملك بذلك لا على مجرد الإباحة، و من الظاهر ان حصول الملك يحتاج الى ناقل شرعي عما كان عليه سابقا فتأمل. منه (رحمه الله).

109

المترتبة على التصرف في هذا الباب- المغايرة للتصرف على وجه الإباحة- تتوقف على ما يدل على جواز التصرف، و ليس الا العقد و القبض، قالوا: و إيجابه أن يقول أقرضتك أو أسلفتك أو ملكتك و عليك عوضه، أو خذه أو تصرف فيه أو انتفع به و نحو ذلك.

و بالجملة فإن صيغته لا تنحصر في لفظ كالعقود الجائزة، بل كل لفظ دل عليه كفى، الا ان أقرضتك صريح في معناه، فلا يحتاج إلى ضميمة عليك رد عوضه، و نحوه و غيره من الألفاظ يحتاج إليها، فلو تركها و كان بلفظ التمليك أفاد الهبة ان لم يكن ثمة ما يدل على القرض من قرائن المقام، و لم يعلم قصده، لان اللفظ المذكور صريح في ذلك، و لو كان بلفظ السلف كان فاسدا، لأنه حقيقة في السلم، و لم يوجد ما يصرف عنه كما هو المفروض، و لم يجتمع شرائطه، و لو كان بغيرهما من الألفاظ الدالة على الإباحة فهو على ما يقتضيه ظاهر اللفظ، الا مع القصد إلى الهبة فيدخل فيها، و لو اختلفا في القصد فالقول قول الموجب، لأنه أبصر بما قاله.

و لو اختلفا في الهبة بأن ادعى القابض كونه هبة، و ادعى المعطى كونه قرضا فقد قطع في التذكرة بتقديم قول صاحب المال محتجا بأنه أعرف بلفظه، و أن الأصل عصمة ماله و عدم التبرع، و وجوب الرد على الأخذ

لقوله (1) (صلى الله عليه و آله) «على اليد ما أخذت حتى تؤدى».

ثم احتمل تقديم دعوى الهبة.

و استشكل في القواعد و أورد على ما احتج به في التذكرة بأن لفظ التمليك حقيقة في الهبة، لأنه تمام مفهومه الشرعي، و أما كونه بمعنى القرض فيفتقر إلى ضميمة أخرى، لأنه معنى مجازي يتوقف الحمل عليه على القرينة، و الفرض انتفاؤها، و لا خلاف و لا شبهة في أن دعوى خلاف الظاهر و الحقيقة- في سائر العقود- لا يلتفت إليها، و القصد و ان كان معتبرا الا أن الظاهر في الألفاظ الصريحة اقترانها بالقصد، و أنه لو أريد غيره لذكرت القرينة معه، و من هنا أجمعوا على أنه لو ادعى عدم القصد الى البيع و نحوه مع تصريحه بلفظه لم يلتفت اليه.

و من ذلك يعلم أن أصالة العصمة قد انقطعت باللفظ الصريح الدال على الانتقال،

____________

(1) المستدرك ج 2 ص 504.

110

و مثله القول في الخبر فإنه مع وجود اللفظ الصريح في الدلالة على النقل عن الملك الرافع للضمان يخرج موضع النزاع من ذلك، و الكلام في القبول كما تقدم في الإيجاب من أنه لا ينحصر في لفظ، بل كلما دل على الرضا بالإيجاب.

و هل يكفى القبول الفعلي و يترتب عليه ما يترتب على القولي من تمام الملك أو إنما يكفي بالنسبة إلى إباحة التصرف خاصة؟ قطع جمع من الأصحاب بالأول، و تنظر فيه بعضهم، و استظهر الثاني إذا عرفت ذلك فالذي يظهر عندي من تتبع الاخبار ان الأمر هنا كما قدمنا شرحه في كتاب التجارة (1) من سعة الدائرة في العقود، و الاكتفاء فيها بما دل على الرضا، و عدم اشتراط شيء زائد على ذلك.

و الاكتفاء هنا بمجرد الطلب و الإعطاء و أخذ ذلك بالألفاظ الدالة على ارادة القرض، كما عرفت من حديث استقراض على بن الحسين (عليهما السلام) المتقدم، فإنه ليس فيه بعد طلبه القرض من مولاه بقوله أقرضني و المحاورة بينهما في الوثيقة، الا انه أعطاه المال بعد قبض الوثيقة، فأخذ (عليه السلام) المال و انصرف، و ليس هنا صيغة و لا عقد زائد على ما ذكر في الخبر.

[الموضع] الثاني في حكم النفع المترتب على القرض

، و الكلام في ذلك يقتضي بسطه في موارد

أحدها [تحريم اشتراط النفع في القرض]:

لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)، في تحريم اشتراط النفع في القرض، بل نقل بعض محققي متأخرين المتأخرين إجماع المسلمين على ذلك، و ربما ظهر من بعض الاخبار تحريم حصول النفع، و ان كان لا بشرط، و الواجب نقل ما وصل إلينا من الاخبار في ذلك، ثم الجمع بين مختلفاتها و تأليف متشتتاتها.

فمنهما ما رواه

المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن محمد بن

____________

(1) ج 18 ص 355.

111

مسلم (1) و غيره قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يستقرض من الرجل قرضا و يعطيه الرهن اما خادما و اما آنية و اما ثيابا فيحتاج إلى شيء من منفعته، فيستأذنه فيه فيأذن له، قال: إذا طابت نفسه فلا بأس، فقلت: ان من عندنا يرون أن كل قرض يجر منفعة فهو فاسد؟ قال: أو ليس خير القرض ما جر منفعة».

و ما رواه

في الكافي و التهذيب عن محمد بن عبده (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القرض يجر المنفعة؟ قال: خير القرض الذي يجر المنفعة».

و ما رواه

في الكافي عن بشر بن مسلمة (3) و غير واحد عمن أخبره عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «خير القرض ما جر المنفعة» و رواه الشيخ في التهذيب عن بشر بن مسلمة عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال: قال أبو جعفر (عليه السلام)»، الحديث.

و ما رواه

الصدوق و الشيخ عن إسحاق بن عمار (4) في الموثق قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يكون له عند الرجل المال قرضا فيطول مكثه عند الرجل، لا يدخل على صاحبه منه منفعة، فينيله الرجل الشيء كراهة ان يأخذ ماله حيث لا يصيب منه منفعة أ يحل ذلك له؟ قال: لا بأس إذا لم يكونا شرطاه».

و ما رواه

في الكافي عن إسحاق بن عمار (5) عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون له مع الرجل مال قرضا فيعطيه الشيء من ربحه مخافة أن يقطع ذلك عنه، فيأخذ ماله من غير أن يكون شرط عليه قال: لا بأس».

و ما رواه

في التهذيب عن محمد بن قيس (6) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «من أقرض رجلا ورقا فلا يشترط الا مثلها، فإن جوزي بأجود منها فليقبل و لا يأخذ أحد منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترطه من أجل قرض ورقه».

و ما رواه

في التهذيب عن أبى بصير (7) في الموثق عن أبى جعفر (عليه السلام)،

____________

(1) الكافي ج 5 ص 255 التهذيب ج 6 ص 201.

(2) الكافي ج 5 ص 255 التهذيب ج 6 ص 202.

(3) الكافي ج 5 ص 255 التهذيب ج 6 ص 202.

(4) التهذيب ج 6 ص 205 الفقيه ج 3 ص 181.

(5) الكافي ج 5 ص 103.

(6) التهذيب ج 6 ص 203.

(7) التهذيب ج 6 ص 203.

112

قال: «قلت له: الرجل يأتيه النبط بأحمالهم فيبيعها لهم بالأجر فيقولون:

له أقرضنا دنانير فانا نجد من يبيع لنا غيرك، و لكنا نخصك بأحمالنا من أجل أنك تقرضنا قال: لا بأس به، انما يأخذ دنانير مثل دنانيره، و ليس بثوب ان لبسه كسر ثمنه، و لا دابة ان ركبها كسرها و انما هو معروف يصنعه إليهم».

و ما رواه

في الفقيه و في التهذيب عن جميل بن دراج (1) عن رجل عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: أصلحك الله انا نخالط نفرا من أهل السواد فنقرضهم القرض، و يصرفون إلينا غلاتهم فنبيعها لهم بأجر، و لنا في ذلك منفعة؟ قال: فقال لا بأس، و لا أعلمه، الا و قال: لو لا ما يصرفون إلينا من غلاتهم لم نقرضهم، فقال:

لا بأس».

و ما رواه

الشيخ في الصحيح عن الحلبي (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أقرضت الدراهم ثم جائك بخير منها فلا بأس إذا لم يكن بينكما شرط».

و عن خالد بن الحجاج (3) قال: «سألته عن رجل كانت لي عليه مأة درهم عددا فقضاها مأة ورقا قال لا بأس ما لم يشترط، قال: و قال: جاء الربا من قبل الشروط انما يفسده الشروط».

و عن الحلبي (4) في الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عددا ثم يعطى وزنا و قد عرف أنها أثقل مما أخذ و يطيب نفسه ان يجعل له فضلها؟ فقال: لا بأس به إذا لم يكن فيه شرط، و لو وهبها له كملا كان أصلح».

و عن أبى الربيع (5) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل أقرض رجلا

____________

(1) الفقيه ج 3 ص 180 التهذيب ج 6 ص 204.

(2) التهذيب ج 6 ص 201.

(3) التهذيب ج 7 ص 112.

(4) التهذيب ج 7 ص 109.

(5) التهذيب ج 6 ص 200.

113

دراهم فرد عليه أجود منها بطيب نفسه، و قد علم المستقرض و القارض انه انما أقرضه ليعطيه أجود منها قال: لا بأس إذا طابت نفس المستقرض».

و ما رواه

في التهذيب عن إسحاق بن عمار (1) في الموثق عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يرهن الثوب أو العبد أو الحلي أو المتاع من متاع البيت، فيقول صاحب الرهن للمرتهن: أنت في حل من لبس هذا الثوب فالبس الثوب و انتفع بالمتاع، و استخدم الخادم؟ قال: هو له حلال إذا أحله و ما أحب له أن يفعل».

و عن على بن محمد (2) قال: «كتبت اليه القرض يجر المنفعة هل يجوز أم لا؟ فكتب (عليه السلام)، يجوز ذلك عن تراض منهما ان شاء الله».

و عن يعقوب بن شعيب (3) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يسلم في بيع أو تمر عشرين دينارا و يقرض صاحب السلم عشرة دنانير أو عشرين دينارا؟ قال: لا يصلح إذا كان قرضا يجر شيئا، فلا يصلح، قال: و سألته عن الرجل يأتي حريفه و خليطه فيستقرضه الدنانير فيقرضه، و لولا أن يخالطه و يحارفه و يصيب عليه لم يقرضه؟ فقال: ان كان معروفا بينهما فلا بأس، و ان كان انما يقرضه من أجل أنه يصيب عليه فلا يصلح».

و ما رواه

في الكافي عن غياث بن إبراهيم (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ان رجلا أتى عليا (عليه السلام) فقال له: ان لي على رجل دينا فأهدى الى هدية قال: احسبه من دينك عليه».

و عن هذيل بن حيان أخي جعفر بن حيان الصيرفي (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انى دفعت الى أخي جعفر مالا فهو يعطيني ما أنفقه و أحج به و أتصدق، و قد سألت من قبلنا فذكروا أن ذلك فاسد لا يحل، و أنا أحب أن انتهى الى قولك،

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 200.

(2) التهذيب ج 6 ص 204.

(3) التهذيب ج 6 ص 205.

(4) الكافي ج 5 ص 103.

(5) الكافي ج 5 ص 103.

114

فقال لي: أ كان يصلك قبل ان تدفع اليه مالك؟ قلت: نعم، قال: خذ ما يعطيك فكل منه و اشرب و حج و تصدق، فإذا قدمت العراق فقل جعفر بن محمد أفتاني بهذا».

و ما رواه

الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر (1) عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل اعطى رجلا مأة درهم على أن يعطيه خمسة دراهم، أو أقل أو أكثر قال: هذا الربا المحض».

هذا ما حضرني من اخبار المسألة و جلها كما ترى متفق الدلالة واضح المقالة على حل الانتفاع بما يحصل في القرض، و يترتب عليه من المنافع الا مع الشرط.

و اما ما دل عليه صحيح يعقوب بن شعيب مما ينافي ما ذكرناه فقد حمله الشيخ على الكراهة تارة، و على الشرط اخرى، و الأقرب عندي حمله على التقية لما يفهم من الخبر الأول و خبر هذيل بن حيان، فان ظاهرهما ان مذهب العامة تحريم القرض الذي يجر المنفعة مطلقا.

و قد رووا

عن النبي (صلى الله عليه و آله) «ان كل قرض يجر المنفعة فهو حرام» (2).

و لهذا تكاثرت الاخبار ردا عليهم، بأن خير القرض ما جر المنفعة، و انما منعت في صورة الشرط خاصة، كما تقدم في الاخبار خصوصا

رواية خالد بن الحجاج من قوله (عليه السلام) «جاء الربا من قبل الشروط، انما يفسده الشروط».

و اما ما دل عليه خبر غياث بن إبراهيم من حساب الهدية من الدين، فحمله الشيخ على الهدية الغير المعتادة أو المشترطة جمعا بين الاخبار، و حمله بعضهم على الاستحباب، و لا بأس به، و يشير الى ذلك قول (عليه السلام) في موثق إسحاق بن عمار «و ما أحب له أن يفعل» بعد ان صرح بالجواز، و لا منافاة في ذلك لباقي الأخبار، فإن غاية ما يدل عليه الجواز، و هو لا ينافي الكراهة.

____________

(1) الوسائل الباب 19- من أبواب الدين الرقم 8.

(2) المستدرك- ج 2 ص 492 الجامع الصغير- ج 2 ص 94 ط احمد حنفي لكن فيهما «فهو ربا».

115

و على هذا ينبغي ان يحمل مفهوم رواية هذيل بن حيان، فان ظاهرها تخصيص جواز القول بما إذا كان يصله سابقا قبل دفع ماله اليه، و مفهومه عدم الجواز لو كان بعد دفع المال، و ما ذاك الا من حيث ترتب النفع على دفع المال، فيحمل حينئذ على الكراهة جمعا (1) و يشير الى ذلك ايضا قوله في آخر حسنة الحلبي المتقدمة «و لو وهبها له كان أصلح» فكأنما بالهبة تزول الكراهة، و حينئذ فيمكن القول بالجواز على كراهة الا ان ظاهر

قولهم (عليهم السلام) «خير القرض ما جر المنفعة».

ربما نافى ذلك، فإنه لا تثبت الخيرية مع الكراهة.

و بعدم الكراهة صرح ايضا شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، فقال بعد قول المصنف «لو تبرع المقترض بزيادة في العين أو الصفة جاز»: لا فرق في الجواز بين كون ذلك من نيتهما أو عدمه، و لا بين كونه معتادا أو عدمه بل لا يكره قبوله، للأصل و إطلاق النصوص بذلك،

و قد روى ان النبي (صلى الله عليه و آله) (2) «اقترض بكرا فرد باذلا (3) رباعيا، و قال: ان خير الناس أحسنهم قضاء».

و روى مثله كثيرا عن الصادق (عليه السلام) انتهى.

____________

(1) و يحتمل ايضا الحمل على التقية بل الظاهر انه الأقرب كما يشير اليه قوله في آخر الخبر إذا قدمت العراق فقل: جعفر بن محمد أفتاني بهذا، فإنه حيث كانت هذا الفتوى موافقا لما عليه العامة من تحريم النفع أمر بإضاعتها و عدم كتمانها منه (رحمه الله).

(2) أقول: هذا الخبر من طريق العامة كما ذكره بعض المحققين، و صورة الخبر هكذا

ان النبي (صلى الله عليه و آله) اقترض قرضا من رجل بكرا فقدمت عليه بإبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقبض الرجل بكره فرجع أبو رافع فقال: لم أجد فيها الا جملا جبارا فقال أعطها إياه، ان خير الناس أحسنهم قضاء».

منه (رحمه الله)- سنن البيهقي ج 5 ص 351 و ج 6 ص 21.

(3) الباذل الذي تم له ثمان سنين ثم يقال له باذل عام و باذل عامين و هكذا كل سنة. منه (رحمه الله).

116

و يؤيده ما ذكره أيضا

صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن الرجل يستقرض من الرجل الدراهم فيرد عليه المثقال أو يستقرض المثقال فيرد عليه الدراهم؟ فقال: إذا لم يكن شرط فلا بأس، و ذلك هو الفضل كان أبى (عليه السلام) يستقرض الدراهم الفسولة فيدخل عليه الدراهم الجياد، فيقول:

يا بنى ردها على الذي استقرضتها منه فأقول: يا أبت ان دراهمه فسولة و هذه خير منها فيقول: يا بنى ان هذا هو الفضل فأعطه إياها».

أقول: الظاهر أن قوله (عليه السلام)، «ان هذا هو الفضل» إشارة إلى قوله عز و جل (2) «وَ لٰا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» و يمكن الجمع- بأن هذه الاخبار حيث أنك قد عرفت ظهور الكراهة من الاخبار التي أشرنا إليها- بأن يقال: لا منافاة بين استحباب إعطاء الفضل من المقترض و ان كره على المقارض أخذه، الا ان اجراء هذه الحمل في اخبار «خير القرض ما جر المنفعة» لا يخلو من تعسف و تكلف.

و

ثانيها [بطلان القرض إن اشترط فيه النفع]

الظاهر أن لا خلاف بين الأصحاب في بطلان القرض و عدم افادته الملك متى اشتمل على اشتراط النفع.

بل نقل في المسالك الإجماع على ذلك، قال: و مستنده

«ما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) (3) «أنه قال: كل قرض يجر منفعة فهو حرام».

و المراد مع الشرط، إذ لا خلاف في جواز التبرع. انتهى. و حينئذ فمع شرط الزيادة تصير الزيادة و الإقراض و الاقتراض حراما، و كذا التصرف في المال المقترض مع العلم، و يكون مضمونا كالمغصوب، لان المفروض بطلان العقد بذلك، فيترتب الأحكام المذكورة، فلو قبضه كان مضمونا عليه، كالبيع الفاسد للقاعدة المشهورة «من أن

____________

(1) الكافي ج 5 ص 254 التهذيب ج 7 ص 115 الفقيه ج 3 ص 181.

(2) سورة البقرة، الاية 237.

(3) المستدرك ج 2 ص 492 الجامع الصغير ج 2 ص 94 ط احمد حنفي لكن فيهما «فهو ربا».

117

كل عقد يضمن بصحيحه، يضمن بفاسده» و نقل عن ابن حمزة أنه ذهب الى كونه أمانة و هو ضعيف، لما عرفت.

أقول: أما ما ذكروه من تحريم الشرط المذكور فهو مما لا اشكال فيه، و ما ذكروه من بطلان أصل العقد فان كان من حيث اشتماله على الشرط الفاسد، و كل عقد كان كذلك فهو باطل، فقد عرفت الخلاف في ذلك فيما تقدم، الا ان الظاهر أنه ليس البطلان هنا عندهم مبنيا على ذلك، و لهذا انما استند شيخنا المتقدم ذكره بعد دعوى الإجماع الى الخبر النبوي المذكور، و هو صريح فيما ذكره، الا أن الظاهر أن الخبر المذكور انما هو من طريق العامة، فإني لم أقف عليه بعد التتبع في شيء من كتب أخبارنا، و أخبار المسألة المتقدمة على كثرتها و تعددها ليس فيها اشعار فضلا عن الدلالة الصريحة ببطلان أصل العقد، بل الظاهر منها انما هو بطلان الشرط، فان مفهوم نفى البأس مع عدم الشرط في كثير مما تقدم من الاخبار انما- توجه إلى الزيادة، كما لا يخفى على المتأمل فيها.

فمنها موثقة إسحاق بن عمار (1) المشتملة على أنه ينيله الشيء بعد الشيء كراهة أن يأخذ ماله أ يحل ذلك؟ «قال: لا بأس إذا لم يكونا شرطاه» و هو ظاهر في أن السؤال انما هو عن حل الزيادة، فأجاب (عليه السلام) بالحل مع عدم الشرط، و مفهومه أنه مع الشرط لا تحل، و أما أصل العقد فلا تعرض في الخبر له بوجه.

و قس على ذلك غيره من الاخبار التي مثله في هذه العبارة مثل خبر إسحاق الثاني و حسنة الحلبي و نحو ذلك قوله (عليه السلام)

في صحيحة محمد بن قيس: «و لا يأخذ أحدكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترطه من أجل قرض ورقه».

فإنه نهى (عليه السلام) عن أخذ الزيادة بالشرط.

و بالجملة فإن الأخبار المتقدم لا دلالة فيها و لو بنوع اشارة على بطلان العقد من أصله، و لا أعرف لهم دليلا إلا الإجماع المدعى كما عرفت، و المسألة لذلك محل

____________

(1) الكافي ج 5 ص 103.

118

أشكال (1).

و

ثالثها [حكم الزيادة العينية و الحكمية]:

لا يخفى أن الزيادة التي يحرم اشتراطها في القرض- و يجوز أخذها مع عدم الشرط- اما أن يكون عينية و هو ظاهر، أو حكمية كدفع الجيد بدل الردى و الصحيح بدل المكسور، و الكبير بدل الصغير، و لا إشكال في صورة عدم الاشتراط في أن المقرض يملك الزيادة المذكورة ملكا مستقرا بقبضه ذلك، لأنها تابعة للعين، كان ذلك استيفاء لحقه.

و انما الإشكال في الزيادة العينية كما لو دفع اثنا عشر من عليه عشرة، فهل يكون الحكم في هذه الزيادة كالزيادة الحكمية؟ بناء على أنها معاوضة عما في الذمة، غايته كونه متفاضلا، و هو مع عدم الشرط جائزا أو أنه يكون الزائد بمنزلة الهبة- فيترتب عليه أحكامها التي من جملتها الرجوع في العين ما دامت موجودة على بعض الوجوه، نظرا الى أن الثابت في الذمة انما هو مقدار الحق، فالزائد تبرع خالص، و إحسان محض، و عطية منفردة- اشكال.

قال في المسالك بعد ذكر نحو ذلك و بعد أن اعترف بأنه لم يقف فيه على شيء ما صورته: و لعل الثاني أوجه، خصوصا مع حصول الشك في انتقال الملك عن مالكه على وجه اللزوم انتهى و هو جيد.

و يؤيده أن غاية ما يفهم من الاخبار المتقدمة هو حل ذلك له، و ان كان على كراهية كما قدمنا ذكره، و هو لا ينافي جواز الرجوع مع وجود العين، و أما ما ذكره المحقق الأردبيلي (قدس سره) في هذا المقام- حيث قال- بعد نقل حسنة الحلبي المتقدمة الدالة على أن الرجل يستقرض الدراهم البيض عدد اثم يعطى وزنا الى آخره-: و فيها دلالة على أن الزيادة هبة مستأنفة يجرى فيها أحكامها، و لا يحتاج إلى صيغة على حدة، بل يكفي الإعطاء بطيب النفس عوضا، فيجري فيه أحكام المعوضات،

____________

(1) و بموجب ما ذكرناه انه لو أقرضه بشرط شيء من النفع عينيا أو حكميا فان القرض صحيح يملكه المقترض، و أنما يحرم ما اشترطه من النفع خاصة- منه (رحمه الله).

119

كما هو مقتضى الأصل و القواعد، و قد تردد فيه في شرح الشرائع، ثم رجح ما رجحناه، و قال: و لم أقف ثم نقل باقي العبارة كما قدمناه.

ففيه أولا أنه لا يخفى أن كلام شيخنا الشهيد الثاني المتقدم انما هو في الزيادة العينية، و الذي تضمنه الخبر انما هو الزيادة الحكمية، فإن الثقل الحاصل في الدرهم انما هو من قبيل الحكمية، كما تقدم في دفع الكبير بدل الصغير، و قد عرفت أنه لا إشكال في انتقالها و ملك المقرض لها.

و ثانيا أن عبارة الخبر «و لو وهبها له كان أصلح» ظاهرة في أن ما تضمنه السؤال و الجواب أولا انما يعطى مجرد الإباحة التي قد بنينا سابقا على دخول الكراهة فيها، و قد ذكرنا أن قوله «و لو وهبها» الى آخره إنما أريد به الإشارة إلى دفع الكراهة، بأن يهبه الزيادة بصيغة شرعية، ليخرج بذلك من الكراهة، فظاهر الخبر انما هو ان الدفع انما كان على جهة الإباحة و العطية المطلقة، و أن الامام (عليه السلام)، استدرك ذلك بقوله «و لو دفع ذلك على وجه الهبة لكان أصلح».

و فيه إشارة الى أن الذي ذكر في الخبر أولا على غير الوجه الأصلح لا أن الرواية دلت على كون الزيادة هبة كما فهمه، و فرع عليه ما ذكره، فان توسط (لو) في المقام ظاهر في تغاير ما قبلها، و ما بعدها و أن ما بعدها، فرض آخر، بمعنى أن الأصلح أن يكون كذلك، و ما ذكرناه بحمد الله سبحانه ظاهر للناظر.

و

رابعها [الخلاف في رد الصحاح عوضا عن المكسرة]:

قد عرفت تحريم اشتراط النفع في القرض مطلقا عينيا كان أو حكميا، و قال الشيخ في النهاية: و ان أعطاه الغلة و أخذ منه الصحاح شرط ذلك أو لم يشترط لم يكن به بأس، و قال أبو الصلاح يجوز القرض بشرط أن يعطيه عوض الغلة صحاحا، و عوض المصوغ من الذهب عينا، و من الفضة ورقا، و عوض نقد مخصوص من خالص الذهب و الفضة العتيق من نقد غيره، و يلزم ذلك مع الشرط، و مع عدمه ليس له الا مثل ما أقرض الا أن يتبرع أحدهما.

و قال ابن حمزة يصح اشتراط الصحيح عن الغلة، و كذا قال ابن البراج، و ظاهر كلام أكثر هؤلاء هو استثناء اشتراط أخذ الصحاح عن الغلة من القاعدة

120

المتقدمة، و زاد أبو الصلاح على ذلك ما هو مذكور في عبارته.

و قال ابن إدريس لا يجوز أن يشترط رد الصحاح عوضا عن المكسرة، و به أفتى جملة من تأخر عنه، و هو كذلك.

و نقل عن الشيخ و من معه الاستناد فيما ذكروه الى ما رواه

عن يعقوب بن شعيب (1) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقرض الرجل الدراهم الغلة و يأخذ منه الدراهم الطازجية (2) طيبة بها نفسه قال: لا بأس».

و ذكر ذلك عن علي (عليه السلام).

و رده الأصحاب بأنه لا دلالة فيه على ما ادعاه، إذ لم يذكر فيه الشرط، و غايته أنه مطلق، فيجب تقييده بعدم الشرط، جمعا بينه و بين ما دل من الاخبار المتقدمة على تحريم الاشتراط، و لا سيما

صحيح محمد بن قيس (3) فإنه نص في المطلوب حيث قال فيه: «من أقرض رجلا ورقا فلا يشترط الا مثلها».

و ظاهر المحقق الأردبيلي (رحمه الله عليه) هنا الميل الى ما ذكره الشيخ و من تبعه، و تعميم الحكم في المنفعة الحكمية لا بخصوص ما في عبارة النهاية، بل نقل عن الشيخ و الجماعة المذكورين العموم أيضا، قال «(قدس سره)»: و أما اشتراط الزيادة وصفا مثل أن يشترط الصحيح عوضا عن المكسور فنقل عن الشيخ و جماعة جوازه، و لأنه مثل اشتراط الجيد عوض الردى، و للأصل، و عدم ظهور دخوله تحت الربا، و عدم دليل آخر من إجماع و نحوه، و خبر العامة ليس بصحيح، و معارض بخبر محمد بن مسلم ثم ذكر جملة من الاخبار المتقدمة المطلقة في جواز

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 201.

(2) قال في المختلف و يريد بالطازجية الدراهم البيض الجيدة، و هي بالطاء غير المعجمة و الزاي و الجيم انتهى و قال في المسالك: و المراد بالطازج الخالص و بالغلة غيره و قال في السرائر الطازجية: بالطاء غير المعجمة و الزاء المعجمة و الجيم:

الدراهم البيض الجيد، و الغلة مكسرة الدراهم منه (رحمه الله).

(3) التهذيب ج 6 ص 203.

121

أخذ نفع القرض، الى أن قال: نعم يمكن حملها على ما إذا لم يشترط جمعا بين الأدلة.

ثم أورد جملة من الروايات الدالة على نفى البأس ما لم يشترط، ثم ذكر صحيحة محمد بن قيس، و قال: هذه صريحة في المنع و التحريم عن الزيادة الوصفية، الى أن قال: فلو لا الحمل، بل و لو لا هذه الرواية لكان قول الشيخ و الجماعة قويا بما تقدم، مع عدم نص صحيح في المنع في الوصف، لأن الأخبار المتقدمة إنما دلت بالمفهوم على البأس مع الشرط، و هو أعم من الكراهة و التحريم، فكان الحمل على الكراهة أولى فتأمل.

و فيه أولا أن ما نقله عن الشيخ و الجماعة من عموم الجواز في الزيادة الوصفية مطلقا لا أعرف له وجها، و قد قدمنا لك عبائرهم، و كيف لا و الشيخ في النهاية مصرح في غير موضع بتحريم الزيادة وصفية أو عينية مع الشرط (1) و انما استثنى هذا الفرد الذي قدمنا نقله عنه، و هو مدلول روايته التي نقل عنه الاستناد إليها.

و ثانيا أنه قد تقدم في رواية خالد بن الحجاج «انما يفسده الشروط» و هو أعم من أن يكون الزيادة المشروطة عينية أو وصفية، و لكن له الجواب هنا بأن الخبر غير صحيح، كما يشير اليه قوله «مع عدم نص صحيح في المنع في الوصف».

و ثالثا قوله «فكان الحمل على الكراهة أولى» فإن فيه أن الاولى انما هو العكس، لان ثبوت البأس المدلول عليه بالمفهوم في تلك الاخبار و ان كان أعم من الكراهة و التحريم كما ذكره، الا أن صحيحة محمد بن قيس لما صرحت بالتحريم- كما اعترف به- فالمناسب حمل هذا الإطلاق في هذه الاخبار عليها، و تقييده بها، كما

____________

(1) فمن ذلك قوله فإذا أقرض الإنسان مالا، فرد عليه ما هو الأجود منه من غير شرط كان ذلك جائزا، و ان أقرض وزنا فرد عليه عددا أو أقرض عددا و رد عليه وزنا من غير شرط زاد أو نقص بطيبة نفسه منها لم يكن بذلك بأس، ثم قال: «و ان أعطاه الغلة» العبارة المتقدم نقلها عنه في الأصل، و هو كما ترى ظاهر في تخصيص الجواز بهذه الصورة. منه (رحمه الله).

122

و القاعدة المشهورة و الله العالم.

و

خامسها [في وجوب أخذ الأجود]:

قال المحقق الأردبيلي (قدس سره) بعد البحث في المسألة و تقديم جملة من الاخبار التي قدمناها: ثم ان ظاهر الاخبار المتقدمة وجوب أخذ الأجود، ذكره في التذكرة، و ليس ببعيد، و عدم الأخذ بعيد، و تكليف المقترض بغير الأجود منفي بالأصل، و بأنه فضل ماله و زيادة بلا مانع، فيجب القبول، و لدخوله تحت مثل المال. نعم يمكن المنع في الزيادة العينية، و هنا أيضا لا ينبغي مع عدم المنة، بل قد يكون المنة له لو قبل، الى آخر كلامه (زيد في إكرامه).

و فيه نظر أما أولا فإن ما نقله عن التذكرة و نفى عنه البعد من ظهور الاخبار في وجوب أخذ الأجود- لا اعرف له وجها، فإن غاية ما تدل عليه الاخبار المشار إليها هو نفى البأس عن أخذ الأجود، كما تضمنته صحيحة الحلبي (1) و رواية خالد بن الحجاج، (2) و حسنة الحلبي، (3) و رواية أبي الربيع، (4) و هو ان لم يدل على البأس- كما قيل ان نفى البأس، يشير إلى البأس- لم يدل على الوجوب، على أن الوجوب حكم شرعي يحتاج الى دليل صريح واضح.

و أما ثانيا فلما عرفت فيما تقدم في المورد الأول من أنه يكره للمقرض قبول الزيادة عينية أو وصفية، فكيف يتم الوجوب عليه، و قد أوضحنا ذلك من جملة من الاخبار، و بذلك أيضا صرح الشيخ في النهاية حيث أنه- بعد أن عد جملة من المواضع التي يجوز قبول الزيادة فيها عينية أو وصفية مع عدم الشرط، قال:

«و الاولى تجنب ذلك أجمع، و هو مؤيد لما ذكرناه حيث فهم من الاخبار ما فهمناه.

و أما ثالثا فان ما ذكره من الوجوه التخريجية زاعما دلاتها على الوجوب حيث قال بعدها: فيجب القبول عجيب من مثله (قدس سره) فان مثل هذه العلل التخريجية لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، إذ الأدلة عندنا منحصرة في الكتاب و السنة، و على تقدير زيادتهم الإجماع و دليل العقل فلا إجماع في المقام، و لا دليل عقليا، لانحصار ذلك عندهم في الاستصحاب و البراءة الأصلية.

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 200.

(2) التهذيب ج 6 ص 200.

(3) التهذيب ج 6 ص 201.

(4) التهذيب ج 6 ص 201.

123

على أن قوله و تكليف المقترض بغير الأجود منفي بالأصل، معارض بأن مقتضى القواعد أن التكليف انما يقع بما استقر في الذمة، و جواز الزائد على ذلك انما خرج هنا مخرج الرخصة، فالأصل ان أريد به بمعنى القاعدة، فالدليل مقلوب عليه، كما عرفت، و غير هذا المعنى لا وجه لاحتماله هنا، و بالجملة فإن الكلام المذكور لا يخلو عن مجازفة و قصور و الله العالم.

الموضع الثالث [في أن القرض يملك بالقبض]

المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) أن القرض يملك بالقبض، و كثير منهم لم يذكر خلافا في ذلك، و قيل: بأنه يملك بالتصرف، و نقل عن الشهيد (رحمة الله عليه) في بعض حواشيه أنه نسب هذا القول الى الشيخ، و في الدروس نسب القول المشهور الى الشيخ، و حكى الأخر بلفظ قيل.

احتجوا للقول المشهور بأن التصرف فرع الملك و تابع له، فيمتنع كونه شرطا فيه، و الا لزم الدور. و توجيهه أن التصرف فيه لا يجوز حتى يصير ملكا، لقبح التصرف في مال الغير، فلو كان لا يصير ملكا حتى يتصرف فيه للزم توقف التصرف على الملك، و الملك على التصرف و هو دور.

و رد بمنع تبعية التصرف للملك، و عدم تسليم قولكم أن التصرف لا يجوز حتى يصير ملكا، فإنه يكفي في جواز التصرف اذن المالك، كما في غيره من المأذونات، و لا شك في حصول الإذن بالإيجاب و القبول، فيكون ذلك سببا تاما في جواز التصرف، و ناقصا بالنسبة إلى إفادة الملك، فإذا تصرف حصل تمام الملك، كذا ذكره في المسالك.

و أورد عليه المحقق الأردبيلي (رحمه الله عليه) بأن الاذن انما حصل من المالك بأن يكون مالكا و يكون عليه العوض لا مطلقا، كما في سائر المعاوضات فإنها على تقدير بطلانها لا يجوز التصرف بأن الإذن قد حصل، و لانه يشكل جميع التصرفات، لأن الوطي مثلا لا يمكن الا بالملك أو التحليل، و معلوم عدم الثاني، فإذا لم يكن

124

الأول لم يجز، و كذا البيع و نحوه، فإنه لا يجوز لغير مالكه إلا بالوكالة، أو فضولا ان جوز، و معلوم انتفاؤهما انتهى (1) و هو جيد.

ثم انه في المسالك ايضا قال- على أثر الكلام المتقدم: ثم انه ان كان التصرف غير ناقل للملك و اكتفينا به، فالأمر واضح، و ان كان ناقلا أفاد الملك الضمني قبل التصرف بلحظة يسيرة، كما في العبد المأمور بعتقه عن الآمر غير المالك. و نقل في الدروس أن هذا القائل يجعل التصرف كاشفا عن الملك مطلقا، و على هذا فلا اشكال من هذا الوجه بالنسبة إلى التصرف الناقل انتهى.

و اعترضه أيضا المحقق المتقدم ذكره هنا فقال: على أثر الكلام المتقدم- و لا يجعل حصول الملك قبل التصرف بلحظة كما في العبد المأمور بعتقه للضرورة، إذ لا ضرورة هنا، مع أن فيه ما فيه، لانه ليس بواضح، و لا موجب له، و لهذا ترك المحقق الثاني ذلك التأويل.

و فيه أيضا و قال: نقول: ان هذا العبد ملك للمأمور بالدليل الشرعي، و بما نصرف فيه و موجبه و لا يضر ذلك انتهى.

ثم انه قال في المسالك ايضا: و يؤيد هذا القول أصالة بقاء الملك على أصله الى أن يثبت المزيل، و ان هذا العقد ليس تبرعا محضا، إذ يجب فيه البدل، و ليس على طريق المعاوضات، فيكون كالإباحة بشرط العوض، و لا يتحقق الملك معه الا مع استقرار بدله، و كالمعاطاة، و مع ذلك كله فالعمل على المشهور، بل لا يكاد يتحقق الخلاف انتهى.

____________

(1) أقول: معنى كلامه (قدس سره) حيث أن عبارته لا يخلو من تعقيد أن الاذن انما حصل من المالك الذي هو المقرض بأن يكون القرض ملكا للمقترض، و عليه عوضه، فالإذن انما حصل بهذا النحو كما في سائر المعاوضات، و لا ريب أن هذا القائل يدعى بطلان المعاوضة ما لم يتصرف المقترض في القرض، و حينئذ فإذا كانت المعاوضة باطلة لا يمكن أن يقال بأنه يجوز التصرف بأصل الإذن بأنه قد حصل، و إلا لزم مثله في غيره من المعاوضات الباطلة، و هو معلوم البطلان منه (رحمه الله).

125

و ظاهر كلامه (قدس سره) هو ان الأقوى بحسب القواعد المقررة بينهم هو هذا القول، لعدم تمامية الدليل الذي احتج به للقول المشهور بناء على ما قرره، و تأيد هذا القول بما ذكره من هذه الأمور، و أنه انما صار الى القول المشهور من حيث الشهرة، بل عدم تحقق المخالف في ذلك.

أقول و على هذا النهج كلام غيره في هذا المقام من علمائنا الاعلام، و العجب منهم (قدس الله أرواحهم و نور أشباحهم) في الركون الى هذه التعليلات. و ما أكثروا فيها من التطويلات، و أخبار أهل البيت (عليهم السلام) ظاهرة في القول المشهور أتم الظهور، بل هي كالنور على الطور و منها

صحيحة زرارة (1) قال: «قلت لأبي جعفر (ع): رجل دفع الى رجل مالا قرضا على من زكاته على المقرض أو على المقترض؟ قال: لا بل زكاتها ان كانت موضوعة عنده حولا على المقترض، قال: قلت: فليس على المقرض زكاتها قال: لا يزكى المال من وجهين في عام واحد، و ليس على الدافع شيء، لأنه ليس في يده شيء، إنما المال في يد الآخذ، فمن كان المال في يده زكاه، قال:

قلت: أ فيزكى مال غيره من ماله؟ قال: انه ماله ما دام في يده، و ليس ذلك المال لأحد غيره، ثم قال: يا زرارة أ رأيت وضيعة ذلك المال أو ربحه لمن هو و على من هو؟ قلت: للمقترض، قال: فله الفضل و عليه النقصان، و له أن ينكح و يلبس منه و يأكل منه، و لا ينبغي له أن يزكيه فإنه عليه جميعا».

فانظر إلى صراحة هذا الخبر المذكور في الدلالة على القول المشهر بأوضح دلالة، لا يقترنها شائبة القصور، و يؤيده غيره من الاخبار الدالة على وجوب الزكاة على المقترض، و ان لم تكن بهذه الصراحة.

و بذلك يظهر لك ان ما قدمنا نقله عنهم كله من قبيل التطويل بغير طائل، و الترديد الذي لا يرجع الى حاصل، و لا سيما دعوى قوة هذا القول النادر، و انما

____________

(1) الكافي ج 3 ص 520 و ليس في الكافي كلمة جميعا.

126

أطلنا الكلام بنقله لتحيط علما بالحال، و أنه لا ينبغي الاقتصار على مراجعة كلامهم بدون الرجوع الى كتب الاخبار، فكم لهم من غفلة مثل ما عرفت في هذا المضمار، و لما في ذلك أيضا من مزيد الفائدة في تشحيذ الذهن بممارسة هذه التحقيقات، و ما يترتب عليها من الفوائد في أمثال هذه المقامات.

ثم انه بناء على ما ذكروه من الخلاف فرعوا عليه بأن يظهر فائدة الخلاف في مواضع، منها جواز الرجوع في العين ما دامت باقية، و وجوب قبولها لو ردها المقترض، و في النماء قبل التصرف، و في نفقته لو كان حيوانا، و في وقت انعتاقه لو كان ممن ينعتق على المقترض.

أقول: و من أظهر ذلك أيضا الزكاة الا أنهم لم يذكروها، ثم انه على تقدير القول المذكور فالمراد بالتصرف الذي يوجب الملك هل هو التلف للعين أو الناقل للملك، أو مطلق التصرف و ان لم يزل الملك، أو كل تصرف يستدعي الملك؟ فلا يكفى الرهن احتمالات، و حيث قد عرفت ضعف القول المذكور بما ذكرنا من الصحيحة الصريحة الدالة على القول المشهور، فلا فائدة في التطويل بما يتعلق به زيادة على ما ذكرنا للفرض المتقدم ذكره.

الموضع الرابع [في جواز الرجوع في العين ما دامت باقية]

قد عرفت فيما نقدم أن من جملة ما جعلوه مظهرا للخلاف المتقدم هو جواز الرجوع في العين ما دامت باقية على القول الغير المشهور، لأنها لم يخرج عن ملك المقرض، و عدم الجواز بناء على المشهور، حيث أن المستقرض ملكها بالعقد و القبض، و لم يبق للمقرض إلا عوضها من القيمة أو المثل، فليس له الرجوع فيها، الا أنه يظهر من جملة منهم تفرع ذلك أيضا على القول المشهور من الملك بمجرد القبض، فإن القائلين بهذا القول اختلفوا في ذلك، فقال الشيخ في المبسوط و الخلاف: يجوز للمقرض أن يرجع في عين القرض.

127

و قال ابن إدريس: ليس له ذلك الا برضا المقرض، و هو مذهب العلامة و المحقق و من تأخر عنهما، و استدلوا عليه بأنه ملكه بالقرض و القبض، فلا يتسلط المالك على أخذه منه لانتقال حقه الى المثل أو القيمة.

احتج الشيخ (رحمة الله عليه) بأنه كالهبة في جواز الرجوع فيها، و أجيب بالمنع من المساواة بين المسألتين، و توضيحه أنه قد ثبت ملك المستقرض للعين بالقرض و القبض، و أن اللازم للمقرض في الذمة إنما هو المثل أو القيمة، و ثبوت التخيير في الرجوع في الهبة بدليل خارج لا يستلزم انسحابه الى ما لا دليل فيه.

و عندي فيه إشكال، فإن المفهوم من كلامهم و قواعدهم أن الفسخ موجب لرجوع كل شيء إلى أصله، لأن معناه إبطال أثر العقد السابق الذي رتبه الشارع عليه قبل العقد، و هو هنا كونه ملكا للمقترض، فإذا لم تخرج العين الموجودة بالفسخ عن ملك المقترض و أن الذي للمقرض انما هو المثل أو القيمة فهذا مقتضى العقد أولا، فأي أثر لهذا الفسخ يترتب عليه.

و بما ذكرناه يشكل ما ذكره المتأخرون من ابن إدريس و من تبعه من أن القرض عقد جائز يجوز فسخه من الطرفين، ثم يدعون بعد الفسخ أنه ليس له الرجوع الى العين، و انما يرجع بالمثل أو القيمة، و كذا عدم وجوب قبوله مع رد المقترض له على مالكه، مع أن هذا هو مقتضى أصل العقد كما عرفت، فأي أثر ظهر هنا للفسخ.

و بما ذكرنا يظهر لك أيضا ما في كلام شيخنا الشهيد الثاني- في الاستدلال للقول المشهور- حيث قال: و يمكن الاحتجاج للمشهور بناء على الملك بالقبض بأن الأصل في ملك الإنسان ان لا يتسلط عليه غيره الا برضاه، و الثابت بالعقد و القبض للمقرض انما هو البدل، فيستصحب الحكم الى أن يثبت المزيل، و لأسند له يعتد به الا كون العقد جائزا يوجب فسخه ذلك.

و فيه منع ثبوت جوازه بالمعنى الذي يدعيه، إذ لا دليل عليه، و ما أطلقوه من كونه جائزا لا يعنون ذلك، لانه قد عبر به من ينكر هذا المعنى و هو الأكثر، و انما

128

يريدون بجوازه تسلط المقرض على أخذ البدل إذا طالب به متى شاء، و إذا أرادوا بالجواز هذا المعنى فلا مشاحة في الاصطلاح، و ان كان مغايرا لغيره من العقود الجائزة من هذا الوجه، و حينئذ فلا اتفاق على جوازه بمعنى يثبت به المدعى، إذ لا دليل صالحا على ثبوت الجواز له بذلك المعنى المشهور، فيبقى للملك و ما ثبت في الذمة حكمها الى ان ثبت خلافه و هذا هو الوجه انتهى (1).

و فيه أنك قد عرفت بما ذكرنا أن الاستصحاب- الذي أعتمده في بقاء الحكم الأول و هو الذي أشار إليه في آخر كلامه فيبقى للملك الى آخره- قد ارتفع و زال بالفسخ، سواء فسر به الجواز أم لا و الا لم يكن لهذا الفسخ أثر بالكلية، و المعلوم من القواعد الشرعية خلافه.

____________

(1) أقول: و التحقيق أن يقال ان قلنا بأن القرض من العقود الجائزة- كما هو المشهور بينهم- فإنه برجوع المالك في العين مع وجوده له أخذها، لأنها و ان كانت قد صارت ملكا للمقترض، الا أنه ملك متزلزل مراعى بعدم مطالبة المالك بالعين ما دامت موجودة، و حينئذ فيكون مثل الهبة على بعض الوجوه، و كالبيع في زمن الخيار، لان الفرض ان العقد جائز غير لازم، و قضية جوازه ذلك.

و أما حكم الأكثر بجوازه مع المنع من الرجوع في العين، و انما يرجع بالعوض الذي في الذمة، فإنه يرد عليهم أن هذا مما يوجب كون العقد لازما لا جائزا، و ان قلنا بلزومه كما هو ظاهر الأدلة التي ذكرناها في الأصل، فإنه برجوعه ليس له الا العوض الذي في الذمة، لأن العين قد انتقلت منه بالعقد الى المقترض و خرجت عن ملكه، فصار حقه العوض، فلو طالبت فإنما حقه بالعوض.

و فسخه العقد على هذه الكيفية إنما يوجب العوض، أما لو حصل التفاسخ من الطرفين و الإقالة من الجانبين فالواجب دفع العين مع وجودها، و الا فالعوض، لانه لا فرق بينه و بين سائر العقود اللازمة من بيع و غيره، فكما أنه متى تفاسخ المتبايعان و حصلت الإقالة من عقد البيع فإنه يرجع كل عوض الى مالكه مع وجوده و الا فعوضه من مثل أو قيمة، فكذلك هنا و الله العالم منه (رحمه الله).

129

فالتحقيق أن كلامه (قدس سره) في هذا المقام يرجع الى القول باللزوم، و ان تستر عنه بما هو أوهن من بيت العنكبوت، و ذلك فان مظهر الجواز و اللزوم هنا انما هو بالنسبة الى مال المقرض، فان قلنا بكون عقد القرض من العقود الجائزة، ترتب عليه صحة الرجوع مع وجود العين، و ان قلنا أنه من العقود اللازمة فليس له الا العوض المستقر في الذمة و ان كانت العين موجودة.

و ما تستر به من تسميته جائزا باعتبار استحقاق العوض الذي في الذمة فيرجع اليه كلام قشري، فإن ذلك ثابت بأصل العقد، سواء سمى جائزا أو لازما، و مجرد التسمية بذلك من غير ثمرة ترتب عليها لا معنى له، و بالجملة فإن المستفاد من الصحيحة المتقدمة في سابق هذا الموضع هو حصول الملك بالقبض، و مقتضاه أن الثابت في الذمة انما هو العوض من قيمة أو مثل، و أما أنه بعد رجوع المالك فيما دفعه مع وجود عينه هل له العين أو العوض؟ فلم أقف فيه على نص.

و الموافق لقواعدهم من أن القرض عقد جائز- و أنه ينفسخ بالفسخ من الطرفين، أو أحدهما، و أن الفسخ يوجب رد كل شيء إلى أصله، لأنه يرجع الى إبطال العقد السابق- هو ما ذكره الشيخ من الرجوع الى العين مع وجودها، و الا فالعوض (1) الا أن أكثرهم كما عرفت على خلافه، من أنه انما يرجع الى العوض و ان كانت العين موجودة، و لا مخرج من ذلك الا بالقول بأن العقد لازم، و انه بالفسخ يرجع الى العوض الذي في الذمة، كما نبه عليه شيخنا المشار اليه آنفا، مع أنهم لا يقولون

____________

(1) حيث قال في الاحتجاج للشيخ (رحمة الله عليه) و يمكن تعليله أيضا بالاتفاق على أن عقد القرض جائز، و من شأن العقد الجائر أن من اختار فسخه رجع الى عين ماله، لا الى عوضه، كالهبة و البيع بالخيار، فلو جاز فسخ القرض من دون أخذ العين لأدى إلى لزومه، و مقتضى فسخ العقد الجائز ان يرجع كل منهما الى عوصه مع بقائه، و الى بدله مع تلفه، و خروج هذا العقد عن هذا الحكم مع جوازه لا وجه له، و أما رجوعه بالعوض الذي ثبت في ذمة المقترض بالقبض فالحق فيه أنه انما يناسب لزوم المعاوضة لا جوازها ايضا انتهى منه (رحمه الله).

130

باللزوم.

و كيف كان فإن المسألة لعدم النص مع تدافع كلامهم في المقام محل اشكال و الله العالم.

الموضع الخامس [في أن القرض من العقود الجائزة]:

قد عرفت ان المشهور ان القرض من العقود الجائزة التي يجوز الرجوع فيها من الطرفين بل ادعى عليه الإجماع، و على هذا فلو شرط التأجيل فيه لم يلزم، و بذلك صرحوا أيضا، و كذا كل شرط سائغ، و ان كان يستحب الوفاء بذلك، و عللوا الأول بأن القرض تبرع، و المتبرع به ينبغي له الخيار في تبرعه متى أراد الرجوع إليه في المجلس أو غيره، الا أن يشترط التأجيل في عقد آخر لازم، أما في نفس عقد القرض فلا، لأنه جائز فلا يلزم ما شرط فيه، حيث أن الشرط جزء من العقد يتبعه في لزومه و جوازه.

و يظهر من المحدث الكاشاني في المفاتيح القول بلزوم العقد المذكور، و لزوم التأجيل متى اشترط في العقد، و هو الظاهر من الأدلة الشرعية كما ستقف عليه.

و الى ذلك أيضا يميل كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) و ظاهر الفاضل الخراساني الميل الى ذلك ايضا.

و الذي وقفت عليه من الأدلة الشرعية في المقام مما يدخل في سلك هذا النظام قوله عز و جل (1) «إِذٰا تَدٰايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ» و هي شاملة للسلم و النسية و القرض، و نحوها من الديون

و رواية الحسين بن سعيد (2) قال: «عن رجل أقرض رجلا دراهم إلى أجل مسمى ثم مات المستقرض أ يحل مال القارض بعد موت المستقرض منه؟ أم لورثته من الأجل ما للمستقرض في حياته فقال: إذا مات فقد حل مال القارض».

____________

(1) سورة البقرة الآية- 289.

(2) الوسائل الباب- 12- من أبواب الدين الرقم- 2.

131

و التقريب فيها من وجهين أحدهما- تقريره (عليه السلام) للسائل في أن الأجل لازم في القرض مطلقا (1) بل ظاهره كون ذلك في عقد القرض، و ثانيهما- دلالته بمفهوم الشرط الذي هو حجة عند المحققين، و عليه دلت الاخبار ايضا على صحة التأجيل و رواية ثواب الأعمال المتقدمة في صدر المقصد (2)

و قوله (عليه السلام) «من أقرض قرضا و ضرب له أجلا» الحديث.

و ما ذكره

الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) حيث قال «و روى من أقرض قرضا و لم يرد عليه عند انقضاء الأجل كان له من الثواب في كل يوم صدقة دينار».

و هذان الخبران- كما ترى كالاية و الخبر المتقدم- صريحان في صحة التأجيل في عقد القرض، و ارتكاب التأويل فيها بأن الأجل قد وقع في عقد آخر لازم لما يتجشمه من له أدنى فهم و روية بمعرفة سياق الكلام، و متى ثبت صحة الشرط و لزومه ثبت لزوم أصل العقد لاتفاقهم على أن لزوم الشرط تابع للزوم العقد، و هم انما منعوا من لزوم التأجيل في عقد القرض بناء على اتفاقهم على جوازه، و حملوا رواية الحسين بن سعيد على الاستحباب تفاريا من طرحها.

و فيه أن الحمل على الاستحباب فرع وجود المعارض، و ليس الا مجرد اتفاقهم المدعى في المقام مع تأيد الرواية المذكورة بما ذكرنا من عموم الآية و خبري ثواب الأعمال و كتاب الفقه و غيرهما مما ستعرف إنشاء الله تعالى.

قال المحدث الكاشاني (قدس سره) بعد نقل نحو ما قدمنا عنهم: «و فيه نظر» مع أنه ينفيه عمومات الوفاء بالعقود، و التزام الشروط، و خصوص (4) «من مات و قد أقرض إلى أجل يحل»، و أيضا ينافيه قول الأكثر بعدم جواز الارتجاع

____________

(1) قوله مطلقا اى سواء كان في عقد آخر لازم أو في نفس عقد القرض- منه (رحمه الله).

(2) ص 109.

(3) المستدرك ج 2 ص 490.

(4) التهذيب ج 6 ص 190.

132

كما مر، الا أن (1) يقال: المراد بالجواز تسلط المقرض على أخذ البدل متى شاء و فيه أنه لا فرق بينه و بين اللازم حينئذ، غير أنه لا يقع مؤجلا، و فيه كما ترى، مع أن قوله إلى أجل و الحديث المذكور يناديان بخلافه، مضافا الى العمومات فان كان إجماعا و الا فالعمل على الظواهر انتهى.

و هو جيد و أيده المحقق الأردبيلي (عطر الله مرقده) ايضا بما دل على وجوب الوفاء بالوعد، قال في شرح الإرشاد- بعد أن نقل عنهم الاستدلال على بطلان اشتراط التأجيل في العقد بالأصل مع عدم موجبه، إذ القول ليس بموجب عندهم و الإجماع:- ما ملخصه و لكن نفهم وجوب الوفاء بالوعد من العقل و النقل، الا أن عدم العلم بالقول به يمنع عن ذلك، و الا كان القول به جيدا كما نقل عن بعض العامة (2) الى أن قال بعد نقل كلام لهم في البين: و الظاهر أن دليله الإجماع، و الأصل مع عدم الموجب، كما مر، الا أن ما قلناه مما يدل على وجوب الوفاء بالوعد و العقد مثل «أَوْفُوا» «و لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ» «و المسلمون عند شروطهم» و غير ذلك يدل على اللزوم، و لو وجد القائل به لكان القول به جيد جدا، و ان لم يكن بعدم الخروج عن قولهم ايضا دليل واضح، إذ الإجماع غير واضح

____________

(1) إشارة الى ما تقدم عن اعتذار شيخنا الشهيد الثاني عن الأكثر تحمل الجواز على هذا المعنى، و فيه ما ذكره مع ما سيأتي في البحث أيضا إنشاء الله تعالى منه- (رحمه الله).

(2) نقل العلامة في التذكرة عن مالك أن القرض يثبت له الأجل ابتداء و انتهاء بأن يقرضه مؤجلا و يقرضه حالا ثم يؤجله، ثم أجاب عن دليله بأن المؤمنين عند شروطهم لا يدل على الوجوب، فتحمل على الاستحباب.

أقول: لا يخفى أنهم في غير موضع قد استدلوا على وجوب الوفاء بالشرط لهذا الخبر و أفتوا به، و قد عرفت من الاخبار المذكورة في الأصل، و ظاهر الآية ما فيه الكفاية الدالة على المراد، و لا سيما رواية الحسين بن سعيد- منه- (رحمه الله).

133

و لا دليل غيره، الا أنه يحتاج إلى جرأة انتهى ملخصا.

أقول: لا يخفى أن ما ذكره هنا و كرره من توقف القول- بعد وجود الدليل عليه على قائل بذلك من المتقدمين- ضعيف واه، بل أوهن من بيت العنكبوت و أنه لأوهن البيوت، إذ لا يخفى على الخائض في الفن و المتدبر لما وقع للأصحاب سيما المتأخرين من الاختلاف، و كثرة الأقوال في المسائل الشرعية أنهم لم يجروا على هذه القاعدة التي ذكرها.

و توضيح ذلك هو أنه لا يخفى أن أول من فتح هذا الباب من التفريع في الأحكام و كثرة الأقوال هو الشيخ و المرتضى (رضى الله عنهما)، و قد نقل بعض الأصحاب انحصار الفتوى في زمن الشيخ و برهة من الزمان بعده فيه (قدس سره) و لم يبق الا حاك عنه و ناقل حتى انتهت النوبة الى ابن إدريس، ففتح باب الطعن على الشيخ، ثم انتشر الخلاف في المسائل الشرعية، و تعددت الأقوال فيها على ما هي عليه الآن، حتى أنك لا تجد حكما من الأحكام الا و قد تعددت فيه أقوالهم بل من الواحد منهم في كتبه الا الشاذ النادر منها و لو أنهم اتفقوا على كلام الشيخ و المرتضى اللذين هما أول من فتح هذا الباب لما اتسعت الدائرة الى هذا التعدد في الأقوال الموجودة الان، فكيف استجاز هذا المحقق المنع من الفتوى بما قام عليه الدليل، لعدم قائل به من المتقدمين، مع أن من تقدمه من المتأخرين لم يلتزموا به، و لم يقفوا عليه، و لله در شيخنا الشهيد الثاني (طيب الله مرقده) حيث قال في المسالك في مسئلة «ما لو أوصى له بأبيه فقبل الوصية»، بعد الطعن في الإجماع و نعم ما قال:

و بهذا يظهر جواز مخالفة الفقيه المتأخر لغيره من المتقدمين في كثير من المسائل.

التي ادعوا فيه الإجماع، إذا قام الدليل على ما يقتضي خلافهم، و قد اتفق ذلك لهم كثيرا، و لكن زلة المتقدم متسامحة بين الناس دون المتأخر انتهى و هو جيد رشيق كما لا يخفى على من نظر بعين التحقيق.

134

و بالجملة فإن مقتضى ما ذكرنا من الآية و الاخبار و المؤيدات المذكورة هو صحة التأجيل في القرض و لزوم عقده، و ليس لها مقابل يمنع من العمل بها، و يوجب ارتكاب التأويل فيها سوى مجرد دعويهم الاتفاق على الجواز، و عدم صحة التأجيل حيث أنه لا يصح تأجيل الحال.

قال في الشرائع: «و لو شرط التأجيل في القرض لم يلزم، و كذا لو أجل الحال لم يتأجل، و فيه رواية مهجورة يحمل على الاستحباب»، و أشار بها الى رواية الحسين بن سعيد المتقدمة.

و فيه زيادة على ما عرفت أن ثبوت الحلول له مع إطلاق العقد لا ينافي التأجيل مع اشتراطه، فإن إطلاق عقد البيع يقتضي حلول الثمن الا أن يشترط تأجيله، و بعين ذلك يقال في القرض، فإنه عقد أوجب انتقال العين المقترضة إلى المقترض و ثبوت عوضها في ذمته حالا، و لا مانع من اشتراط تأجيله إذا حصل التراضي عليه، و بالجملة ان مجرد كونه حالا لا ينافي التأجيل إذا اشترط.

ثم ان الذي يظهر من شيخنا الشهيد الثاني في المسالك هو لزوم العقد، و لزوم شرط التأجيل، حيث قال في شرح قول المصنف: «و لو شرط التأجيل في القرض» الى آخره: و يجيء على ما قررناه من لزومه على ذلك الوجه احتمال لزوم هذا الشرط، مضافا الى عموم

قوله (صلى الله عليه و آله) (1) «المؤمنون عند شروطهم».

و غير ذلك مما دل على لزوم ما شرط في العقد اللازم، إذ ليس هذا العقد على حد العقود الجائزة ليقطع فيه بعدم لزوم الشرط، و لا على حد اللازمة ليلحقه حكمها، و يمكن على هذا أن يرجع الى عموم الأدلة الدالة على لزوم الالتزام بالشرط، و الوفاء بالعقود انتهى.

أقول: أشار بقوله ما قررناه الى ما قدمنا نقله عنه في سابق هذا الموضع من قوله «و يمكن الاحتجاج للمشهور» الى آخره و قد عرفت ما فيه، و أنه يرجع

____________

(1) الكافي ج 5 ص 169.

135

في الحقيقة إلى القول بلزوم عقد القرض كما اخترناه، وفاقا لمن ذكرناه، و تسميته له جائزا باعتبار ما ذكره من الرجوع الى العوض الذي في الذمة كلام شعري لا ثمرة له لما عرفت آنفا.

ثم ان قوله «انه ليس على حد العقود الجائزة و لا اللازمة» لا أعرف له معنى بالنسبة إلى سلب اللزوم عنه، أما سلب الجواز فقد عرفته مما قدمناه من الاخبار، و مما ذكره أيضا، و أما سلب اللزوم فلا أعرف له مستندا الا مجرد دعواهم ذلك، و الا فظواهر الأدلة التي قدمناها و المؤيدات التي ذكرناها كلها شاهدة باللزوم.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن المشهور أنه متى وقع اشتراط تأجيل القرض في عقد لازم فإنه يصح الشرط المذكور، و انما منعوا من ذلك في عقد القرض من حيث أن عقد القرض من العقود الجائزة، فلا يلزم الشرط، لانه يتبع في اللزوم و عدمه، العقد في لزومه و جوازه، و حيث كان العقد عندهم غير لازم فكذا ما اشتمل عليه، بخلاف العقد المتفق على لزومه، كالبيع بأن يبيعه شيئا و يشترط في متن العقد تأجيل ما يستحقه عنده من القرض أو الدين، و قيل: بالعدم، بل ان اشتراطه في العقد اللازم يقلب اللازم جائزا.

قال في الدروس: و لو شرط تأجيله لم يلزم، و لو شرط تأجيله في عقد لازم قال الفاضل: يلزم تبعا للازم، و يشكل بأن الشرط في اللازم يجعله جائزا، فكيف ينعكس، و في رواية الحسين بن سعيد «في من اقترض إلى أجل فمات يحل» و فيها اشعار بجواز التأجيل، فيمكن حملها على الندب انتهى.

أقول: الحمل على الندب فرع وجود المعارض، مع أنك عرفت تأيد الرواية المذكورة بالآية و الروايتين المتقدمتين، و غيرهما من المؤيدات المتقدمة الظاهر جميعه في جواز التأجيل، فلا التفات الى ما ذكره، و المراد من قولهم أن الشرط الجائز في العقد اللازم يقلب اللازم جائزا، و جعلوا ذلك قاعدة كلية يعنى أن المشروط عليه لو أخل بالشرط تسلط الأخر على فسخ العقد المشروط فيه، و فيه أن ذلك هو أحد القولين

136

في المسألة كما تقدم ذكره في المسألة الثانية من المقام الثاني في أحكام الخيار (1) من الفصل الثاني الخيار، و الذي اخترناه ثمة و به صرح جملة من الأصحاب هو أنه يجب الوفاء بالشرط، و يأثم بتركه، و يجبر على الوفاء به لو امتنع، و لو برفع الأمر إلى الحاكم الشرعي، فإن تعذر تحصيل الشرط من جميع الوجوه تسلط على الفسخ ان شاء، و هذا الأمر العارض للعقد لا ينافي لزومه في أصله، و بذلك يحصل الجمع بين الحقين، و الأدلة التي في البين من الجانبين.

الموضع السادس [كلما يضبط وصفه و قدره يجوز إقراضه]:

قد قرروا لما يصح إقراضه ضابطة، و هي كلما يضبط وصفه و قدره، فإنه يجوز إقراضه، فيجوز إقراض الذهب و الفضة وزنا، و الحنطة و الشعير كيلا و وزنا فلو اقترض شيئا من ذلك من غير الاعتبار بما يعتبر به لم يفد الملك، و لم يجز له التصرف فيه و ان اعتبره بعد ذلك، و لو تصرف فيه قبل الاعتبار ضمنه، و لا طريق الى التخلص منه الا بالصلح، لكونه مجهولا، و يجوز اقتراض الخبز وزنا بلا اشكال، و كذا يجوز عددا و لا يضر التفاوت اليسير المتسامح به عادة بين أفراده.

و يظهر من التذكرة أنه إجماعي عندنا، و نحوه البيض و الجوز، و شرط في الدروس في قرض الخبز عددا عدم التفاوت، و الا اعتبر وزنا، و لعله محمول على التفاوت الذي لا يتسامح به عادة و عرفا، مع أنه

قد روى الصدوق (عطر الله مرقده) في الفقيه عن الصباح بن سيابة (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان عبد الله بن أبى يعفور أمرني أن أسألك قال: انا نستقرض الخبز من الجيران فنرد أصغر منه، أو أكبر فقال (عليه السلام): نحن نستقرض الجوز الستين و السبعين عددا فيه الصغيرة و الكبيرة فلا بأس».

و روى

الشيخ عن إسحاق بن عمار (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): استقرض

____________

(1) ج 19 ص 66.

(2) الفقيه ج 3 ص 116.

(3) التهذيب ج 7 ص 162.

137

الرغيف من الجيران و نأخذ كبيرا و نعطي صغيرا أو نأخذ صغيرا و نعطي كبيرا؟ قال:

لا بأس».

و عن غياث (1) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: «لا بأس باستقراض الخبز».

و الروايتان الأولتان مصرحتان بالجواز مع التفاوت، فيجب حمل كلامه (قدس سره) على التفاوت الزائد على المعتاد، ثم ان الثابت في الذمة في المثلي هو المثل، و في القيمي هو القيمة.

و ضابط الأول هو ما يتساوى أجزاؤه في القيمة و المنفعة و ان تفاوتت بعض صفاته، بمعنى أن قيمة نصفه تساوى قيمة النصف الأخر، و يقوم مقامها في المنفعة، و هكذا كل جزء بالنسبة إلى نظيره كالحبوب و الادهان، و الظاهر أن ذلك بناء على الغالب، و الا فإن الحنطة مثلا قد يتفاوت أفرادها و أوصافها، فإنا نرى بعض أفراد الحنطة ليس قيمته كقيمة غيره و هكذا الادهان.

و ضابط الثاني هو ما يختلف أجزاؤه في القيمة و المنفعة كالحيوان، فالمثلي يجب قبول مثله، و الظاهر أنه يجب قبول عين ماله بالطريق الأولى، لأنه مخير في جهات القضاء بين العين و المثل، و ان كان الثابت في الذمة انما هو المثل، و لو تعذر وجود المثل رجع الى القيمة، و هل هي عبارة عن قيمته يوم القرض، أو التعذر، أو المطالبة؟ أوجه: اختار في المسالك منها الأخير، قال: لانه وقت الانتقال إلى القيمة، لأن الثابت في الذمة أنما هو المثل الى أن يطالب به.

أقول: الظاهر أنه ينبغي تقييد هذا القول باقتران المطالبة بالتسليم بمعنى أنه لما طالبه بالمثل و تعذر و سلم إليه القيمة في ذلك الوقت، لانحصار الحق فيها، و الا فلو فرضنا أنه طالب و لم يسلم اليه ثم اتفق وجود المثل فالظاهر انحصار الحق فيه، لا في القيمة، و الظاهر أن مراد هذا القائل ما ذكرناه.

و نقل في المختلف عن ابن إدريس أنه مع التعذر فالواجب القيمة يوم المطالبة

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 238.

138

ثم قال: و الأجود يوم الدفع، ثم احتج على ذلك بأن الثابت في الذمة المثل، و لا يبرئ الا بالمعاوضة عليه انتهى. و فيه تأييد لما ذكرناه من أن مجرد المطالبة لا يوجب الانتقال إلى القيمة استصحابا لبقاء ما كان ثابتا قبلها الى وقت التسليم، فإنه هو الذي يوجب الانتقال إلى القيمة كما عرفت.

و علل الوجه الأول بسبق علم الله تعالى بتعذر المثل وقت الأداء، فيكون الواجب حينئذ انما هو القيمة يومئذ. و رد بأنه لا منافاة بين وجوب المثل وقت القرض طردا للقاعدة الإجماعية، و الانتقال إلى القيمة عند المطالبة لتعذره.

أقول و يؤيده ان الأحكام الشرعية لا يناط بعلم الله سبحانه، و لا بالواقع و نفس الأمر، و انما تبتنى على الظاهر من حال المكلف و يسره و عسرة، و قدرته و عدم قدرته و علمه و جهله، و نحو ذلك.

و علل الوجه الثاني بأنه وقت الانتقال الى البدل الذي هو القيمة. و رد بأن التعذر بمجرده لا يوجب الانتقال إلى القيمة لعدم وجوب الدفع، و حينئذ فيستصحب الواجب الى أن يجب دفعه بالمطالبة، فحيث لم يوجد وقت المطالبة ينتقل إلى القيمة، و أنت خبير بما في هذه التعليلات من عدم الصلاحية لتأسيس الأحكام الشرعية مع فرض سلامتها من المناقشات، و ان كان القول بالقيمة وقت المطالبة و التسليم أقرب الى الاعتبار، و قد تقدم الكلام في نظير هذه المسئلة، هذا بالنسبة إلى المثلي.

و أما القيمي فالكلام فيه في موضعين: أحدهما في بيان ما هو الواجب في عوضه و فيه أقوال: أحدها- و هو المشهور قيمته مطلقا، لعدم تساوى أجزائه و اختلاف صفاته، فالقيمة فيه أعدل.

و ثانيها- ما أشار إليه في الشرائع بعد ذكر القول الأول بقوله: «و لو قيل يثبت مثله أيضا كان حسنا» و ظاهره عدم وجود القائل به، و ان كان ظاهر كلامه اختياره، و اعترف في المسالك بأنه لا قائل به من أصحابنا.

و المراد من هذا القول ضمانه بالمثل مطلقا، لان المثل أقرب الى الحقيقة،

139

و ربما احتج عليه بأن

النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «أخذ قصعة امرأة كسرت قصعة أخرى» (2).

و حكم بضمان عائشة إناء حفصة و طعامها لما كسرته، و ذهب الطعام بمثلهما» قال في المسالك: و الخبران عاميان، و مع ذلك فهما حكاية حال لا تعم، فلعل الغريم رضى بذلك، و موردهما مطلق الضمان، و عورضا بحكمه (صلى الله عليه و آله) بالقيمة في المعتق الشقص انتهى.

و ثالثها المثل الصوري فيما يضبطه الوصف، و هو ما يصح السلم فيه كالحيوان و الثياب، و ضمان ما ليس كذلك بالقيمة كالجواهر و القسي، اختاره العلامة في التذكرة محتجا على الأول بأن

النبي (صلى الله عليه و آله) (3) «اقترض بكرا و رد بازلا».

و أنه استقرض بكرا و أمر برد مثله.

و أجيب بأن فيه على تقدير صحة السند ان مطلق الدفع أعم من الوجوب، و لا شبهة في جواز ذلك مع التراضي كيف و قد زاده خيرا فيما دفع.

أقول ما ذكره من الخبرين المذكورين لا وجود له في أخبارنا، بل الظاهر أن ذلك من طريق العامة، و هم كثيرا ما يحتجون الى مثل هذه الاخبار في موضع الضرورة، مع ردهم الأخبار المروية في الأصول المعتمدة، بزعم أنها ضعيفة باصطلاحهم المحدث، و صورة الرواية العامية على ما نقله بعض المحققين

أن النبي (صلى الله عليه و آله) (4) «اقترض قرضا من رجل بكرا فقدمت عليه إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقتضي الرجل بكره، فرجع أبو رافع و قال: لم أجد فيها الا جملا جبارا رباعيا، فقال:

أعطه إياه ان خير الناس أحسنهم قضاء».

و مما ذكرنا يظهر أن أظهر الأقوال هو الأول.

الموضع الثاني: أنه على اعتبار القيمة مطلقا كما هو الأول من الأقوال المتقدمة أو على بعض الوجوه كما تضمنه القول الثالث، فهل المعتبر قيمته وقت القبض أو وقت القرض؟ قولان: اختار أولهما المحقق في الشرائع، و ثانيهما العلامة في القواعد.

____________

(1) سنن البيهقي ج 6 ص 96.

(2) سنن البيهقي ج 6 ص 96.

(3) سنن البيهقي ج 6 ص 21.

(4) سنن البيهقي ج 6 ص 96.

140

و علل الأول بأنه وقت الثبوت في الذمة، بناء على ما هو المشهور من أن القرض يملك بالقبض، و علل الثاني في شرح القواعد بذلك ايضا.

و رد بأنه غير واضح، إذ لا انتقال إليها قبل القبض، و يمكن الجمع بين القولين بناء على ما هو الغالب من القبض بعد صيغة القرض من غير فاصل، أو جعل القبض قبولا بناء على الاكتفاء بالقبول الفعلي كما هو الغالب ايضا، فيحمل القرض في القول الثاني على القبض لعدم تخلفه عنه، بناء على ما هو الغالب من كون القرض مستلزما للقبض.

و الا فلو أريد به مجرد الصيغة و ان تأخر القبض فبطلانه أظهر من أن يذكر، لان الملك لا يترتب على مجرد الصيغة من دون قبض اتفاقا نصا و فتوى، و متى لم يحصل الملك لم يستقر القيمة في الذمة، و يأتي على القول بأنه انما يملك بالتصرف الانتقال إلى القيمة وقت التصرف، حيث ان الملك لا ينتقل الا به، و لا اعتبار بالقيمة يوم المطالبة هنا قولا واحدا، الا على القول بضمان المثل و تعذره، فيعتبر يوم المطالبة على الوجه الذي قدمنا بيانه و الله العالم.

تذنيبان

الأول [جواز إقراض الجواري]:

قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بجواز إقراض الجواري، قال في المسالك لا خلاف فيه، للأصل و الضبط، و جواز السلف فيهن فجاز قرضهن كالعبيد، و خالف في ذلك بعض العامة مع اطباقهم على جواز اقتراض العبيد، و الجارية التي لا يحل وطؤها بنسب أو رضاع أو مصاهرة: انتهى. مع أن الشهيد في الدروس نقل عن الشيخ في الخلاف و المبسوط انه قال: لا نص لنا و لا فتيا في إقراض الجواري و قضية الأصل الجواز. انتهى.

و الذي وقفت عليه في نسخة كتاب المبسوط و هي نسخة صحيحة ما هذه عبارته لا اعرف نصا لأصحابنا في جواز إقراض الجواري و لا في المنع، و الأصل جوازه، و عموم الاخبار في جواز القرض يقتضي جوازه، فلعل العبارة المنقولة

141

في الدروس صورة ما في الخلاف أو نقل بالمعنى.

و كيف كان فان كلامه (قدس سره) ظاهر في أن هذه الشهرة التي ادعى في المسالك انها إجماع انما هي من الشيخ و من تأخر عنه، و اما ما ذكره في المبسوط من ان عموم الاخبار في جواز القرض يقتضي الجواز، فلا يخلو من اشكال، إذ غاية ما تدل عليه ترتب تلك الأحكام المذكورة فيها على القرض، فلا بد أولا من معرفة ما يجوز قرضه و ما لا يجوز، ليحمل عليه ذلك الإطلاق، و ترتب تلك الأحكام و يقضى عنه.

و بالجملة فالمسألة لخلوها عن النص الواضح غير خالية عندي من الاشكال سيما مع ما ورد عنهم (عليهم السلام) في تأكيد الاحتياط في الفروج.

ثم ان مقتضى ما ذكروه من جواز اقتراض الجواري انه يملكها بالقبض، كما هو المشهور، فإنه يحل له وطئوها كما يباح له غيره من المنافع، و على القول الأخر من توقف الملك على التصرف لا يحل، و لو كان ممن ينعتق عليه ايضا بالملك انعتقت عليه بناء على ذلك.

ثم انه لو طالب المقرض بحقه بنى الكلام في ذلك على ما تقدم من الواجب في عوض القيمي هل هو القيمة مطلقا، أو ضمان مثله، أو التفصيل.

قال في المسالك: و أولى بالجواز لو رد العين، لان الانتقال إلى القيمة انما وضع بدلا عن العين، فإذا أمكنت ببذل المقترض كانت أقرب الى الحق من القيمة انتهى.

و لو حملت من المقترض امتنع ردها، و تعينت القيمة أو المثل على الخلاف المتقدم، و لو ظهر النقص فيها تعينت القيمة أيضا الا ان يتراضيا بالأرش.

الثاني [حكم ما لو ظهر في العين المقترضة عيب]

- قال في الدروس لو ظهر في العين المقترضة عيب فله ردها و لا أرش، و ان أمسكها فعليه مثلها أو قيمتها معيبة، و هل يجب اعلام المقترض الجاهل بالعيب؟

عندي فيه نظر، من اختلاف الأغراض و حسم مادة النزاع، و من قضية الأصل.

نعم لو اختلفا في العيب حلف المقرض مع عدم البينة، و لو تجدد عنده عيب آخر منع من الرد، الا ان يرضى المقرض به مجانا بالأرش، انتهى.

142

الموضع السابع [في حكم من أقرض غيره الدراهم فسقطت و جازت غيرها]:

قال الشيخ في النهاية: من أقرض غيره الدراهم ثم سقطت تلك الدراهم و جازت غيرها لم يكن له عليه الا الدراهم التي أقرضها إياه أو سعرها بقيمة الوقت الذي أقرضها فيه، و كذا قال ابن البراج، و ابن إدريس.

و قال الصدوق في المقنع: و ان استقرضت من رجل دراهم ثم سقطت تلك الدراهم و تغيرت فلا يباع بها شيء فلصاحب الدراهم، الدراهم التي تجوز بين الناس.

و قال في كتاب من لا يحضره الفقيه: كان شيخنا محمد بن الحسن يروى حديثا «في أن له الدراهم التي تجوز بين الناس»، عقيب رواية يونس عن الرضا (1) (عليه السلام)، «أن له الدراهم الاولى» ثم قال الصدوق: و الحديثان متفقان غير مختلفين فمتى كان للرجل على الرجل دراهم بنقد معروف فليس له الا ذلك النقد، و متى كان له على رجل دراهم بوزن معلوم بنقد غير معروف فإنما له الدراهم التي تجوز بين الناس.

و قال ابن الجنيد: من أعطى رجلا له عليه دنانير عروضا من فلوس، و غيرها أو دراهم في وقت ثم تغيرت الأسعار حسب المعطى على الآخر سعر يوم أخذه، لأن ذلك من ماله، فان كان ما أعطاه قرضا فارتفعت الفلوس كان على المستقرض رد ما أخذه على من أقرضه لا برأس ماله، و لا قيمته يوم القرض و لا يختار المستقرض الا أن يعطى ما ينفق بين الناس كما أخذ ما ينفق بين الناس.

و قال ابن إدريس في موضع آخر: من كان له على انسان دراهم أو دنانير أو غيرهما من السلع جاز له أن يأخذ مكان ماله من غير الجنس الذي له عليه بسعر الوقت، فان كانت دراهم و تعامل الناس بغيرها، و أسقط الاولى السلطان فليس له الا مثل دراهمه الاولى، و لا يلزمه غيرها مما يتعامل الآن به الا بقيمتها من غير الجنس، لانه لا يجوز بيع الجنس بالجنس متفاضلا.

____________

(1) الفقيه ج 3 ص 118.

143

و قال العلامة في المختلف بعد نقل هذه الأقوال: و المعتمد أن نقول: لصاحب الدراهم من النقد الأول، فإن تعذر فقيمته الآن من غير الجنس، لنا انها من ذوات الأمثال و حكم المثل ما قلناه.

أقول: و منشأ اختلاف هذه الأقوال اختلاف ظواهر الأخبار المتعلقة بهذه المسألة:

و منها ما رواه

الكليني و الشيخ (نور الله مرقديهما) عن يونس (1) قال: «كتبت الى أبى الحسن الرضا (عليه السلام)، ان لي على رجل ثلاثة آلاف درهم، و كانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الأيام، و ليست تنفق اليوم، فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها أو ما ينفق اليوم بين الناس؟ فكتب (عليه السلام) لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس، كما أعطيته ما ينفق بين الناس».

و ما رواه

في التهذيب و الفقيه عن يونس (2) قال: «كتبت الى ابى الحسن الرضا (عليه السلام)، أنه كان لي على رجل دراهم و أن السلطان أسقط تلك الدراهم، و جائت دراهم على تلك الدراهم الاولى و لها اليوم وضيعة، فأي شيء لي عليه؟ الاولى التي أسقطها السلطان أو الدراهم التي أجازها السلطان فكتب (عليه السلام) الدراهم الاولى».

و ما رواه

الشيخ في التهذيب عن صفوان (3) في الصحيح قال: «سأله معاوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم من رجل و سقطت تلك الدراهم أو تغيرت و لا يباع بها شيء، أ لصاحب الدراهم الدراهم الأولى أو الجائزة التي تجوز بين الناس؟

قال: فقال: لصاحب الدراهم الدراهم الاولى».

و الشيخ (رحمه الله) قد جمع بين هذه الاخبار بحمل ما ينفق بين الناس في الخبر الأول على معنى قيمة ما كان ينفق أولا و كذلك أول الدراهم الاولى في الخبرين الأخيرين بقيمة الدراهم الاولى دفعا للتنافي. قال: لانه يجوز ان تسقط الدراهم الأولة حتى لا يكاد يؤخذ، فلا يلزم أخذها و هو لا ينتفع بها و انما له قيمة الدراهم الأولة و ليس له المطالبة بالدراهم التي تكون في الحال: انتهى.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 252 التهذيب ج 7 ص 116.

(2) التهذيب ج 7 ص 117 و أخرج الأول في الفقيه ج 3 ص 118.

(3) التهذيب ج 7 ص 117.

144

و لا يخلو من بعد، لعدم قرينة يونسه بهذا المضاف الذي قدره في الكلام، بل السياق ظاهر في أن الجواب وقع على حسب السؤال المتعلق بعين كل من النقد الأول أو الثاني، و ان أجيب في الخبر الأول بالنقد الثاني، و في الأخيرين بالنقد الأول.

و اما ما جمع به الصدوق فأبعد، لعدم القرينة المونسة بهذا التفصيل في شيء من اخبار المسألة، مع انه يرد عليه لزوم الربا في صورة ما ان كان له عليه بوزن معلوم و نقد غير معروف، فإنه حكم بأخذ الدراهم التي تجوز بين الناس. و ربما أمكن التفاوت بالزيادة و النقصان بينها و بين ما في ذمته، فإنه متى كان له في ذمته ألف درهم بوزن معلوم من تلك الدراهم الأولة و أخذ عوضها ألف درهم من هذه الأخيرة فربما حصل الزيادة و النقصان بين الاولى و الثانية، فيلزم الربا الا ان يحمل كلامه على أخذ الثانية وزنا ايضا، لكنه خلاف ظاهر كلامه.

و الموافق للقواعد- و هو ظاهر كلام من عدا الصدوق في المقنع و الفقيه و ابن الجنيد- هو انه ليس له الا الاولى ان وجدت، و الا فقيمتها، لكن من غير ذلك الجنس أو منه مع التساوي حذرا من الربا، لان ذلك حكم المثلي كما تقدم، و تخرج الروايتان الأخيرتان شاهدا على ذلك و يبقى الكلام في الرواية الاولى و قد عرفت ما في جمع الشيخ و الصدوق من البعد و العلامة في المختلف بعد ان احتج بما قدمنا نقله احتج بالخبرين الأخيرين ثم نقل عن الصدوق الاحتجاج بالرواية الاولى و أجاب عنها بضعف السند و أطال في الطعن به ثم ذكر جواب الشيخ عنها بالحمل على أخذ ما ينفق بين الناس على جهة القيمة عن الدراهم الاولى.

و فيه ان قوله (عليه السلام) كما أعطيته ما ينفق بين الناس لا يخلو من المنافرة لذلك (1)

____________

(1) فان ظاهره انما هو أنك أعطيته ما ينفق بين الناس، فان لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس، بمعنى أن الاعتبار ليس بذات النقد من حيث هو، و انما اعتباريته من حيث رواجه، و المعاملة بين الناس، و به يحصل الاشكال و المخالفة الظاهرة بين الروايتين الأخيرتين كما عرفت منه (رحمه الله).

145

و بعض محدثي متأخري المتأخرين (1) حمل الروايتين الأخيرتين على القرض، كما صرح به في رواية صفوان، قال: لئلا يحصل الربا، و حمل الاولى على مهر الزوجة أو ثمن المبيع، قال: لان المطلق ينصرف إلى الرائج (2).

و فيه أولا أن ظاهر الرواية الاولى أن ذلك كان قرضا ايضا، حيث قال (عليه السلام) «كما أعطيته ما ينفق بين الناس» فحملها على ما ذكره من ثمن المبيع و مهر الزوجة خروج عن حاق لفظها و ظاهر سياقها.

و ثانيا بأن المبلغ الذي استقر في الذمة حال البيع انما هو رائج ذلك الوقت لأن الإطلاق ينصرف اليه كما تقدم بيانه، فإذا سقط و لم يتعامل به و ظهرت دراهم

____________

(1) هو المحدث المولى محمد تقي المجلسي في حواشيه على كتب الاخبار منه (رحمه الله).

(2) أقول: قال شيخنا الشهيد (قدس سره) في الدروس: لو سقطت المعاملة بالدراهم المقترضة فليس على المقترض الا مثلها فان تعذر قيمتها من غير الجنس- حذرا من الربا- وقت الدفع لا وقت التعذر و لا وقت القرض خلافا للنهاية.

و قال ابن الجنيد و الصدوق: عليه ما ينفق بين الناس، و القولان مرويان، الا أن الأول أشهر، و لو سقطت المعاملة بعد الشراء فليس على المشترى إلا الاولى، و لو تبايعا بعد السقوط و قبل العلم فالأولى.

نعم يتخير المغبون في فسخ البيع و إمضائه، و هو مؤيد لما قلناه في الأصل بالنسبة إلى القرض، و الى ثمن المبيع، و لم نقف عليه الا بعد ما جرى القلم بما أثبتناه في الأصل.

و أثبتناه في الحاشية لتأييده لما ذكرناه، و ما ذكره (قدس سره) في الرجوع الى القيمة، و أنها قيمة وقت الدفع، لا وقت العقد، هو ظاهر عبارة العلامة المنقولة في الأصل أيضا- منه (رحمه الله).

146

آخر في المعاملة رجع حكمه الى حكم القرض، و لم أقف لهم على كلام هنا في ثمن المبيع و مهر الزوجة لو كسرت سكة المعاملة الأولى- التي انصرف العقد إليها، و ظهرت سكة أخرى- في أن له الأولى أو الأخيرة؟ الا أن مقتضى قواعدهم هو ما ذكرناه، من رجوعه بالأخرة إلى حكم القرض.

و بالجملة فإن العمل بمقتضى الخبرين الأخيرين هو الأوفق بالقواعد الشرعية، و يبقى الكلام في الرواية الاولى و لا يبعد خروجها مخرج التقية التي في اختلاف الأحكام الشرعية أصل كل بلية، فإن جميع ما ذكر من المحامل المتقدمة لا يخلو من تعسف و بعد عن ظواهر الأخبار المذكورة كما عرفت، و الاحتياط في المسألة يقتضي الرجوع الى الصلح من الطرفين، و أحوط منه الإبراء بعد ذلك من الجانبين و الله العالم بحقائق أحكامه.

المقصد الثاني في الدين

و البحث فيه يقع في مقامين

[المقام] الأول- في الدين المطلق

، و فيه مسائل.

[المسألة] الأولى [في أحكام الدين]

- قد صرح جملة من الأصحاب بأنه لو غاب المدين وجب نية القضاء و العزل عند امارة الموت، و لو آيس منه تصدق به عنه، و ان قطع بموته و انتفاء الوارث كان للإمام (عليه السلام).

أقول: و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع: أحدها- ما ذكروه من وجوب نية القضاء هو ظاهر جملة من الاخبار من غير تقييد بالغيبة.

قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: وجوب نيته القضاء ثابت على كل من عليه حق، سواء كان ذو الحق غائبا أم حاضرا، لان ذلك من أحكام الإيمان انتهى.

و مقتضى كونه من أحكام الايمان كما ذكره الخروج عنه لو لم ينو، و هو مشكل لعدم الوقوف على دليله، الا ان يراد الايمان الكامل، و كان تخصيصهم وجوب النية بالغائب انه في المدين الحاضر يجب الدفع اليه عند الطلب، و أما

147

الغائب فإن النية تقوم مقام ذلك، الا ان فيه ان مع الحضور قد لا يتمكن من الدفع، فتجب النية حينئذ متى امكنه ذلك.

و اما الاخبار التي أشرنا إليها فمنها ما رواه

في الكافي عن عبد الغفار المجازي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل مات و عليه دين قال: ان كان أتى على يديه من غير فساد لم يؤاخذه الله عز و جل إذا علم بنيته الا من كان لا يريد ان يؤدى عن أمانته فهو بمنزلة السارق، و كذلك الزكاة أيضا و كذلك من استحل ان يذهب بمهور النساء».

و ما رواه

في الفقيه عن أبى خديجة (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «أيما رجل أتى رجلا فاستقرض منه مالا و في نيته أن لا يؤديه فذلك اللص العادي».

و ما رواه

في الكافي عن ابن فضال عن بعض أصحابه (3) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «من استدان دينا فلم ينو قضاءه كان بمنزلة السارق».

و ما ذكره

الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (4) في كلام له (عليه السلام) في الدين قال: «فان لم ينو قضاءه فهو سارق، فاتق الله و أد الى من له عليك، و ارفق بمن لك عليه» الخبر.

و يدل على خصوص الغائب

رواية زرارة بن أعين (5) في الصحيح قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه الدين لا يقدر على صاحبه، و لا على ولى له، و لا يدرى بأي أرض هو، قال: لا جناح عليه بعد أن يعلم الله منه أن نيته الأداء».

____________

(1) الكافي ج 5 ص 99.

(2) الفقيه ج 3 ص 112.

(3) الكافي ج 5 ص 99.

(4) المستدرك ج 2 ص 489.

(5) التهذيب ج 6 ص 188.

148

و يؤكد هذه الاخبار ما رواه

في الكافي عن حمدان بن إبراهيم الهمداني (1) رفعه الى بعض الصادقين (عليهم السلام) قال: «انى لأحب للرجل أن يكون عليه دين ينوي قضاءه».

و ما رواه

في الكافي و التهذيب عن ابن رباط (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، يقول: من كان عليه دين ينوي قضائه كان معه من الله عز و جل حافظان يعينانه على الأداء عن أمانته فإن قصرت نيته عن الأداء قصرا عنه من المعونة بقدر ما قصر من نيته».

و ثانيها: ما ذكروه من وجوب العزل عند امارة الموت، و الذي صرح به الشيخ (رحمه الله) هو الوجوب مطلقا، و ابن إدريس قد منع ذلك.

قال في السرائر: و قال شيخنا أبو جعفر في نهايته و من وجب عليه دين و غاب عنه صاحبه غيبة لم يقدر عليها معها وجب عليه أن ينوي قضاءه، و يعزل ماله عن ملكه، و هذا غير واجب، أعنى عزل المال بغير خلاف من المسلمين، فضلا عن طائفتنا انتهى.

و قال في المسالك: و أما العزل عند الوفاة فظاهر كلامهم خصوصا على ما يظهر من المختلف أنه لا خلاف فيه، و الا لأمكن تطرق القول بعدم الوجوب، لأصالة البراءة مع عدم النص انتهى.

أقول: الذي وقفت عليه في المختلف هو أنه بعد أن نقل عبارة النهاية المتقدمة و كلام ابن إدريس قال: ليس عندي بعيدا من الصواب حمل قول الشيخ على من حضرته الوفاة، أو حمل العزل على استبقاء ما يساوى الدين بمعنى أنه يجوز له التصرف في جميع أمواله بالصدقة و غيرها الا ما يساوى الدين، فإنه يجب عليه إبقاءه للايفاء انتهى.

و في فهم عدم الخلاف من هذه العبارة نظر، إذ لعل ذلك بالنسبة الى ما يرجحه

____________

(1) الكافي ج 5 ص 93.

(2) الكافي ج 5 ص 95 التهذيب ج 6 ص 185.

149

و يختاره في المسألة.

و كيف كان فأصالة العدم مع عدم ورود نص في المقام أقوى مستمسك، قال المحقق الأردبيلي (قدس سره): و أما وجوب العزل فذكروه ايضا، و دليله غير ظاهر، الا ما يتخيل أنه غاية ما يمكن و أنه أقرب الى الوفاء، و بعيد عن تصرف الغير، و لكن تمسك الأصحاب بمثل هذا مشكل، الا أن يكون إجماع و نحوه، و يشكل أيضا تعينه بذلك بحيث لو تلف يكون من مال الغريم من غير ضمان الا مع التفريط و التقصير، و القول به بعيد انتهى و هو جيد.

نعم يمكن القول بوجوب الوصية به كما ذكره بعض الأصحاب أيضا لأنه مع ترك الوصية ربما أدى الى فواته، و بقاء ذمته مشغولة بالدين، لعدم علم الورثة، بل ظاهر جملة من الأصحاب القول بوجوب الوصية مطلقا بما له و عليه، و يدل عليه جملة من الاخبار الآتية في محلها إنشاء الله تعالى و الله العالم.

و ثالثها: الصدقة به عنه، قال العلامة في المختلف: إذا غاب المالك غيبة منقطعة و مات و لم يعرف له وارث قال الشيخ في النهاية: يجتهد المديون في طلب الوارث، و ان لم يظفر به تصدق عنه، و تبعه ابن البراج، و قال ابن إدريس: يدفعه الى الحاكم إذا لم يعلم له وارثا، فان قطع أنه لا وارث له كان لإمام المسلمين لأن الإمام يستحق ميراث من لا وارث له.

و المعتمد أن نقول: ان لم يعلم انتفاء الوارث وجب حفظه، فان آيس من وجوده و الظفر به أمكن أن يتصدى به، و ينوي القضاء عند الظفر بالوارث، و ان علم انتفاء الوارث كان للإمام.

أما الأول فلأنه مال معصوم يجب حفظه على مالكه، كغيره من الأموال و مع اليأس من الظفر بالوارث، و عدم العلم به يمكن التصدق به، لئلا يعطل المال إذ لا يجوز له التصرف فيه، و لا يمكن إيصاله إلى مستحقه فأشبه اللقطة فحكمه، ان الحكم المنوط بها حكم اللقطة موجود هنا، فيثبت الحكم عملا بوجود المقتضى.

و أما الثاني فلأن له ميراث من لا وارث له، فيكون للإمام (عليه السلام)

150

انتهى.

و قال شيخنا الشهيد الثاني (نور الله تعالى مرقده) في المسالك بعد أن ذكر الاجتهاد في طلبه: فان آيس منه قال الشيخ «رحمة الله عليه»: يتصدق عنه، و تبعه عليه جماعة من الأصحاب و توقف المصنف هنا، و العلامة في كثير من كتبه لعدم النص على الصدقة و من ثم ذهب ابن إدريس الى عدم جوازها، لأنها تصرف في مال الغير غير مأذون فيه شرعا، و لا شبهة في جوازه، انما الكلام في تعينه، و وجه الصدقة أنها إحسان محض بالنسبة إلى المالك، لأنه ان ظهر ضمن له عوضها أن لم يرض بها، و الا فالصدقة أنفع له من بقائها المعرض لتلفها بغير تفريط، المؤدي إلى سقوط حقه، و قد قال الله تعالى (1) «مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ».

خصوصا ورود الأمر بالصدقة في نظائره كثيرة، و حينئذ فالعمل بهذا القول أجود، خصوصا مع تعذر قبض الحاكم لها، أما معه فهو أحوط، و حيث يمكن مراجعته فهو اولى من الصدقة بغير اذنه، و ان كان جائزا لأنه أبصر بمواقعها و مصرفها انتهى.

أقول: هذه جملة من كلماتهم في المقام أطلنا بنقلها لتحيط خبرا بالأقوال في المسألة و التعليلات التي اعتمدوها أدلة لما صار كل منهم اليه، و ظاهرهم بل صريح عبارة المسالك عدم وجود نص في المسألة، مع أن النصوص موجودة، و ان كانت لا تخلو عن تناف بحسب الظاهر.

و الذي وقفت عليه منها ما تقدم من صحيح زرارة (2) «الدال على أنه لا جناح عليه بعد أن يعلم الله منه أن نيته الأداء».

قال العلامة في التذكرة بعد نقله أنه يدل من حيث المفهوم على منع التصدق و وجوب الطلب دائما: و لا يخفى ما فيه لان الطلب مع اليأس و عدم إمكان الوجدان عبث لا يحسن أن يأمر به (عليه السلام) فيمكن حمله على عدم اليأس، و الأظهر عندي أن الغرض

____________

(1) سورة التوبة الآية- 91.

(2) التهذيب ج 6 ص 188.

151

من السؤال انما هو أنه هل يؤاخذ لشغل الذمة على هذه الحال أم لا؟ فأخبره بأنه لا جناح عليه إذا علم الله سبحانه من نيته الأداء.

و منها ما رواه

المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) بأسانيدهم و فيها الصحيح عن معاوية بن وهب (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل كان له على رجل حق ففقده و لا يدرى أين يطلبه، و لا يدرى أ حي هو أم ميت، و لا يعرف له وارثا و لا نسبا و لا ولدا، قال: أطلب قال: ان ذلك قد طال، فأتصدق به؟ قال: أطلبه».

قال: في الفقيه و قد روى في هذا خبر آخر «ان لم تجد له وارثا و علم الله منك الجهد فتصدق به».

أقول: ربما أشعر ظاهر هذا الخبر أيضا بوجوب الطلب دائما، و لو مع اليأس، و فيه ما عرفت آنفا، و الواجب حمله على إمكان الوجود و عدم اليأس، أو الاستحباب و التخيير جمعا بينه و بين ما يأتي، و منه المرسلة المذكورة، و هذا المرسلة ظاهرة فيما ذهب الى الشيخ، و من تبعه من وجوب الصدقة.

و منها ما رواه

في الكافي و التهذيب عن (نصر بن) حبيب (2) صاحب الخان قال: «كتبت الى عبد صالح (عليه السلام) قال: قد وقعت عندي مائتا درهم (و أربعة دراهم)، و انا صاحب فندق فمات صاحبها، و لم أعرف له ورثة فرأيك في إعلامي حالها، و ما أصنع بها فقد ضقت بها ذرعا؟ فكتب أعمل فيها و أخرجها صدقة قليلا قليلا حتى تخرج».

قال في الاستبصار (3): «إنما له أن يتصدق بها إذا ضمن لصاحبها أو أنها للإمام، فأمره أن يتصدق عنه».

أقول: الظاهر بعد الاحتمال الثاني، لأن عدم معرفته الورثة لا يدل على العدم، سيما أنه لم يطلب و لم يفحص، و كون ذلك للإمام مشروط بالعلم بعدم الوارث كما لا يخفى، و به يظهر أن هذا الخبر دليل على قول الشيخ و من تبعه، و أن ما ذكره

____________

(1) الفقيه ج 4 ص 241 التهذيب ج 6 ص 188.

(2) التهذيب ج 9 ص 389 و فيه عن فيض بن حبيب.

(3) الاستبصار ج 4 ص 197.

152

الأصحاب من عدم النص على ذلك غفلة عن الوقوف عليه و على أمثاله.

و ما رواه

في الكافي و التهذيب عن الهيثم ابن أبى روح صاحب الخان (1).

قال: «كتبت الى عبد صالح (عليه السلام) أنى أتقبل الفنادق فينزل عندي الرجل فيموت فجأة و لا أعرفه و لا أعرف بلاده، و لا ورثته فيبقى المال عندي كيف أصنع به؟ و لمن ذلك المال؟ فقال: اتركه على حاله».

و ظاهر هذا الخبر بقاؤه أمانة عنده حتى يظهر له طالب.

و عن هشام بن سالم (2) قال: «سأل «خطاب الأعور» أبا إبراهيم (عليه السلام) و أنا جالس، فقال: انه كان عند أبي أجير يعمل عنده بالأجر ففقدناه، و بقي من أجره شيء و لا نعرف له وارثا قال: فاطلبوه قال: قد طلبناه و لم نجده، فقال: مساكين و حرك يديه، قال: فأعاد عليه قال: اطلب و اجهد فإن قدرت عليه، و الا هو كسبيل مالك حتى يجيء له طالب، فان حدث بك حدث فأوص به ان جاء له أن يدفع اليه».

قال المحدث الكاشاني: في ذيل هذا الحديث «مساكين» يعنى أنتم مساكين حيث ابتليتم بهذا، أو حيث لم تعرفوا أنه لمن هو فإنه للإمام (عليه السلام)، فكأنه (عليه السلام)، لم ير المصلحة في الإفصاح بذلك، و يؤيد هذا المعنى ما يأتي في باب من مات و ليس له وارث، أو فقد وارثه من كتاب الجنائز من الاخبار، و يحتمل أن يكون المراد بقوله «مساكين» يدفع الى المساكين أو رأيك أن تدفع الى المساكين على سبيل الاخبار أو الاستفهام كما يدل عليه الخبران الإتيان انتهى.

أقول: الظاهر عندي بعد ما ذكره من الاحتمالين، فان عجز الخبر ينادى بصريحه أنه بعد مراجعة السائل أمره أنه يكون عنده في ذمته حتى يجيء طالبه، و هو أحد الوجوه في المسألة كما سيأتي إيضاحه إنشاء الله تعالى، و حينئذ فالمراد بقوله مساكين انما هو الترحم لهم لأجل ابتلائهم بذلك كما هو المعنى الأول الذي ذكره.

____________

(1) الكافي ج 7 ص 154 التهذيب ج 9 ص 389.

(2) التهذيب ج 9 ص 389 و فيه (حفص الأعور).

153

و ما رواه

في التهذيب عن هشام بن سالم (1) في الموثق قال: «سأل حفص الأعور أبا عبد الله (عليه السلام)، و أنا عنده جالس، فقال: أنه كان لأبي أجير كان يقوم في رحاه و له عندنا دراهم، و ليس له وارث، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): تدفع الى المساكين، ثم قال: رأيك فيها، ثم أعاد عليه المسألة فقال له: مثل ذلك فأعاد عليه المسألة ثالثة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): تطلب له وارثا، فان وجدت له وارثا، و الا فهو كسبيل مالك، ثم قال: ما عسى أن نصنع بها، ثم قال: توصي بها فان جاء طالبها و الا فهي كسبيل مالك».

أقول: قوله «و ليس له وارث» يعنى باعتبار علمنا، و الا فلو كان عدم الوارث معلوما كان من الأنفال، و لم يتجه الجواب هنا بما ذكره (عليه السلام)، ثم أن الخبر قد تضمن أولا جوابه (عليه السلام) بالدفع الى المساكين، يعنى الصدقة به كما دل عليه الخبران المتقدمان، فيكون مؤيدا لقول الشيخ و من تبعه، ثم انه بعد مراجعة السائل ثانيا أجابه بذلك ايضا، و بعد المراجعة ثالثا أجابه بأنه بعد طلب الوارث و عدم وجوده يكون كسبيل ماله.

و الظاهر أن المراد بذلك الكناية عن جواز التصرف فيه، و التملك له بشرط الرد ان ظهر طالب، و الوصية بذلك عند الموت، كما دل عليه هذا الخبر، و خبر خطاب الأعور المتقدم، و حينئذ فيجب حمل الخبر على التخيير بين الأمرين المذكورين كما يجمع به بين الاخبار المتقدمة، فإن بعضا منها دل على الصدقة، و بعضا على أنه كسبيل ماله، و ربما أشعر هذا الخبر بأن الأفضل هو الصدقة، و ان جاز التملك مع الضمان، حيث أنه (عليه السلام)، انما سوغ له الثاني بعد المراجعة ثلاثا، و لعل قصد السائل في هذه المراجعات مع أمره له بالصدقة أولا و ثانيا هو أنه قد سمع جواز التملك مع الضمان، و كان رغبته في ذلك فجوزه (عليه السلام) له أخيرا.

و ما رواه

في الفقيه في الصحيح عن صفوان بن يحيى عن ابن جنيد عن هشام

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 177.

154

بن سالم (1) قال: «سأل حفص الأعور أبا عبد الله (عليه السلام)، و أنا حاضر فقال: كان لأبي أجير و كان له عنده شيء، فهلك الأجير و لم يدع وارثا و لا قرابة، و قد ضقت بذلك فكيف أصنع؟ فقال: رأيك المساكين، فقلت: جعلت فداك انى ضقت بذلك، فكيف أصنع؟ فقال: هو كسبيل مالك، فان جاء طالب أعطيته».

و هذا الخبر موافق لعجز سابقه، و لخبر خطاب الأعور و أنت خبير بما ذيلنا به هذه الاخبار، أن بعضا منها دل على الصدقة، و بعضا على الأمانة في يده، و بعضا دل على التملك، و أنه كسبيل ماله يتصرف فيه كما شاء مثل سائر أمواله مع الضمان و الوصية به، و الجمع بينهما بالحمل على التخيير بين الأمور الثلاثة.

و الأصحاب القائلون بالصدقة قيدوها بأنه يتصدق به عن المالك، و متى ظهر المالك و رضى بذلك فلا اشكال: و مع عدم رضاه فيغرم للمتصدق له، و يكون ثواب الصدقة للمتصدق، و لا بأس به، و ان كانت الأخبار مطلقة إذ التصدق بمال الغير بغير اذنه و التصرف فيه كذلك ممنوع عقلا و نقلا، و أما التصدق به على الوجه المذكور فاحسان محض، «و مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» لانه قد نوى التصدق به على المالك، فان اتفق موته قبل الصدقة أو بعدها فقد وصل اليه ثواب الصدقة، و ان اتفق حياته و رجوعه الى ماله، فهو مخير بين قبول ثواب الصدقة، و غرامة ماله، و رجوعه عليه، فالاحسان ظاهر، و في بقائه أمانة- من خطر التلف بغير تفريط الموجب لعدم الضمان- ما هو ممكن، و كذا في جواز التصرف فيه و تملكه مع الوصية من حيث احتمال عدم رجوعه و ظهوره، فالتصدق على كل حال أرجح (2).

____________

(1) الفقيه ج 4 ص 241.

(2) و من جملة الفروع على ذلك قالوا لو دفعها الى الحاكم فلا ضمان و ان تلف في يده بغير تفريط و لم يرض المالك، أما مع بقاء عينها معزولا في يده أو يد وارثه فينبغي أن يكون حكمها حكم ما لو كانت في يد الحاكم، لأن الإذن الشرعي في عزلها يصيرها أمانة في يده، فلا يتبعه الضمان مع احتماله، لأن الأمانة هنا شرعية لا مالكية و الأمانة الشرعية قد يتبعها الضمان انتهى.

و ظاهر الشهيد في الدروس التخيير بين الدفع للحاكم و بين إبقائه في يده أمانة و بين الصدقة مع الضمان- منه (رحمه الله).

155

ثم ان ما ذكره الأصحاب من الرجوع للحاكم الشرعي و أطالوا به، و فرعوا عليه لا وجود له في أخبار المسألة كما سمعت، الا أن العذر لهم ظاهر من جهة عدم ذكرهم لما نقلناه من هذه الاخبار، بل عدم وقوفهم عليها، و أن كانوا غير معذورين من جهة التتبع للأدلة من مظانها، و الاستعجال في التصنيف و جمود من اللاحق على ما ذكره السابق، نسأل الله سبحانه لنا و لهم المسامحة في زلات الاقدام، و العفو عن هفوات الأقلام، و زيغ الأفهام في الأحكام.

قال في المسالك: و مصرف هذه الصدقة مصرف المندوبة، و ان وجبت على المديون أو وارثه بالعارض، فإنه بمنزلة الوكيل و الوصي الذي يجب عليه الصدقة و ان كانت في أصلها مندوبة انتهى.

و رابعها: ما ذكروه من أنه مع القطع بموته و عدم وجود الوارث فهو للإمام (عليه السلام) و هو مما لا خلاف فيه بين علمائنا الاعلام، و به استفاضت الاخبار كما تقدمت الإشارة إليه في كتاب الخمس في بحث الأنفال، و حيث أنا لم نعط المسألة حقها ثمة من التحقيق و نقل جملة الأخبار المتعلقة بها، حيث أن هذا الخاطر انما خطر لنا في الكتب الأخيرة فتنقل هنا جملة أخبار المسألة و ما يتعلق بها من البحث و التحقيق.

فمنها ما رواه

الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) «عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: من مات و ليس له وارث من قرابته، و لا مولى عتاقه قد ضمن جريرته فماله من الأنفال».

و في رواية حماد بن عيسى (2) الطويلة المتقدمة في الكتاب المشار اليه آنفا قال: «فيه و هو وارث من لا وارث له».

____________

(1) التهذيب ج 9 ص 387 الفقيه ج 4 ص 242.

(2) الكافي ج 7 ص 169.

156

و ما رواه

الصدوق في الفقيه عن أبان بن تغلب (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل يموت لا وارث له و لا مولى له؟ قال: هو من أهل هذه الآية «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ».

و ما رواه

في الكافي عن الحلبي (2) في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «من مات و ترك دينا فعلينا دينه و إلينا عياله، و من مات و ترك مالا فلورثته، و من مات و ليس له موالي فماله من الأنفال».

و ما رواه

في الكافي في الصحيح أو الحسن و الشيخ في الموثق عن محمد الحلبي (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في قول الله عز و جل (4) «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ» قال: من مات و ليس له مولى فماله من الأنفال».

و أما ما رواه

في الكافي و التهذيب عن داود عمن ذكره (5) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «مات رجل على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن له وارث فدفع أمير المؤمنين (عليه السلام) ميراثه الى همشهريجه».

و ما رواه

في الكافي عن خلاد السندي (6) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: كان على (عليه السلام) يقول في الرجل يموت و يترك مالا و ليس أحد: أعط الميراث همشاريجه».

و ما رواه

في التهذيب عن خلاد عن السري (7) رفعه الى أمير المؤمنين (عليه السلام)، «في الرجل يموت و يترك مالا ليس له وارث قال: فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أعط همشاريجه».

فقد أجاب الشيخ عن هذه الروايات بعد الطعن

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 23 التهذيب ج 9 ص 387.

(2) الكافي ج 7 ص 168.

(3) الكافي ج 7 ص 169 التهذيب ج 9 ص 386.

(4) سورة الأنفال الآية- 1.

(5) الكافي ج 7 ص 169 التهذيب ج 9 ص 387.

(6) الكافي ج 7 ص 169 التهذيب ج 9 ص 387.

(7) التهذيب ج 9 ص 387.

157

في الأسانيد- بالحمل على تبرعه بحقه، لا أن هذا حكم كل مال لا وارث له، و هو جيد.

و قال الصدوق في الفقيه: متى كان الامام ظاهرا فماله للإمام (عليه السلام) و متى كان الإمام غائبا فماله لأهل بلده متى لم يكن له وارث، و لا قرابة أقرب إليه بالبلدية.

أقول: أنت خبير بما فيه فان قصد بذلك الجمع بين هذه الاخبار بما ذكره ففيه أن اخبار الدفع الى أهل البلد صريحة في وجود الامام (عليه السلام)، فان الدافع هو أمير المؤمنين (عليه السلام) فكيف يصح حملها على زمن الغيبة، و الاخبار الاولى و ان كانت مطلقة الا أن هذه الاخبار ظاهرة في زمن الحضور، و ان كان ذلك حكما كليا لا بالنظر الى هذه الاخبار فلا دليل عليه و الله العالم.

المسألة الثانية [في حكم من كان لأحد في ذمة آخر دين فباعه بأقل منه]:

لو كان لأحد في ذمة آخر دين فباعه بأقل منه عينا أو قيمة على وجه لا يحصل فيه الربا، و لا الإخلال بشروط الصرف لو كان العوضان من الأثمان، فالمشهور بين الأصحاب أنه يجب على الذي عليه الدين دفع ذلك الدين كملا إلى المشتري، لأنه قد انتقل اليه بالعقد الصحيح كما انتقل الثمن بأجمعه إلى البائع.

و قال الشيخ و جماعة: انه لا يلزم المدين أكثر مما دفعه المشترى من الثمن، و لا ريب في مخالفة هذا القول للقواعد الشرعية، و الضوابط المرعية، الا أنه قد وردت به الاخبار و عليها اعتمد الشيخ (رحمة الله عليه) فيما أفتى به هنا.

و منها ما رواه

في الكافي و التهذيب عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كان لرجل عليه دين، فجاء رجل فاشترى منه بعرض، ثم انطلق إلى الذي عليه الدين، فقال له: أعطني مال فلان عليك، فانى قد اشتريته منه، كيف يكون القضاء في ذلك؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) يرد عليه الرجل الذي عليه الدين ماله الذي اشترى به من الرجل الذي له الدين».

____________

(1) الكافي ج 5 ص 100 التهذيب ج 6 ص 189.

158

و عن محمد بن الفضيل (1) قال: «قلت للرضا (عليه السلام): رجل اشترى دينا على رجل، ثم ذهب الى صاحب الدين، فقال له: ادفع الى ما لفلان عليك فقد اشتريته منه؟ قال: يدفع اليه ما دفع الى صاحب الدين، و بريء الذي عليه المال من جميع ما بقي عليه».

و المشهور بين المتأخرين رد الخبرين بضعف الاسناد، و مخالفة القواعد الشرعية كما ذكرناه آنفا، خصوصا الرواية الثانية المتضمنة لبراءة المدين عليه المال من جميع ما بقي عليه، فإنه لا يعقل هيهنا وجه للبراءة لأنه قبل البيع ملك البائع و بعد البيع فاما أن ينتقل بالبيع إلى المشتري أم لا؟ فان انتقل فالواجب دفع الجميع إلى المشترى، و الا فلا موجب لخروجه عن ملك الأول.

و أما الرواية الأولى فيمكن حملها على مساواة ما اشترى به الدين الذي اشتراه فإنها و ان كانت مطلقة، لكن تنزيلها على ما ذكرناه ممكن لئلا يخرج عن مقتضى القواعد الصحيحة و الضوابط الصريحة.

و بالجملة فالمسألة بمحل من الإشكال، إذ الخروج عن مقتضى القواعد المذكورة مشكل، و طرح الخبرين من غير معارض في المقام أشكل، و لو وقع بطريق الصلح صح و لا اشكال، و لا يراعى فيه شروط الصرف، لاختصاصه بالبيع، أما الربا فينبغي مراعاته للقول بعدم اختصاصه بالبيع، كما تقدم في بابه (2).

____________

(1) الكافي ج 5 ص 100، التهذيب ج 6 ص 191.

(2) و مما يؤيد الخبرين المذكورين، رواه في الكافي و التهذيب عن عمر بن يزيد (الكافي ج 5 ص 259) «قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن رجل ضمن على رجل ضمانا ثم صالح عليه قال: ليس له الا الذي صالح عليه» فإنه ظاهر في براءة ذمة المضمون عنه فيما زاد عن مال الصلح، و بذلك صرح الأصحاب أيضا في هذه المسألة و الفرق بين المسألتين لا يخلو من خفاء و اشكال، و ان أمكن تكلفه الا أن الخبر المذكور لا يخلو من تأييد لما نحن فيه. منه (رحمه الله).

159

و للعلامة في المختلف هنا مع ابن إدريس كلام قد بسط فيه لسان الطعن على ابن إدريس و التشنيع لنسبته الى التجهيل مع التأويل للخبرين المذكورين لا بأس بنقله في المقام، و ان طال به زمام الكلام، لما فيه من الفوائد الظاهرة لذوي الأفهام.

قال (قدس سره) في الكتاب المذكور: لو باع الدين بأقل مما له على المديون، قال الشيخ: لم يلزم المدين أكثر مما وزن المشترى من المال، و تبعه ابن البراج على ذلك، و قال ابن إدريس: قول الشيخ طريف عجيب يضحك الثكلى، و هو أنه إذا كان الدين، ذهبا كيف يجوز أن يبيعه بذهب أقل منه، و ان كان فضة كيف يجوز بيعه بفضة أقل منه، أو ان كان ذهبا فباعه بفضة، أو فضة فباعه بذهب، كيف يجوز انفصالهما من مجلس البيع الا بعد أن يتقابضا الثمن و المثمن، يقبض البائع الثمن، و المشترى المثمن، فان هذا لا خلاف فيه بين طائفتنا، بل لا خلاف فيه بين المسلمين، و قوله لم يلزم المدين أكثر مما وزن المشترى من المال ان كان البيع صحيحا لزم المدين تسليم ما عليه جميعه إلى المشتري، لأنه صار مالا من أمواله بالشراء، و قد يشتري الإنسان ما يساوى خمسين قنطارا بدينار واحد، إذا كان البائع من أهل الخبرة، و انما هذه أخبار آحاد أوردها على ما وجدها إيرادا لا اعتقادا.

ثم قال العلامة: و اعلم أن كلام الشيخ قد اشتمل على حكمين، الأول- جواز بيع الدين بأقل منه. و لا ريب في جوازه، و نسبة ابن إدريس كلام الشيخ فيه الى أنه طريف عجيب يضحك به الثكلى جهل منه، و قلة تأمل و سوء فهم، و عدم بصيرة و انتفاء التحصيل لكلام العلماء، و عدم معرفة بمدلول أقوالهم، فإن الشيخ لم يحصر هو و لا غيره من المحصلين الدين في النقود، بل يجوز أن يكون ذهبا أو فضة أو غيرهما من الأقمشة و الأمتعة، ثم لم يحصروا بيع الدين بالنقود، و لا أوجبوا أن يكون الثمن من الذهب، أو الفضة حتى يتعجب من ذلك، و يظهر للعامة قلة إدراكه و عدم تحصيل و سوء أد به و مواجهة مثل هذا الشيخ المعظم الذي هو رأس المذهب و المعلم له، و المستخرج للمعاني من كلام الأئمة (عليهم السلام)، بمثل هذه السفه

160

و القول الردى، و هل منع أحد من المسلمين بيع قفيز حنطة في الذمة يساوي دينارا بربع دينار، أو بيع الدينار الدين بربع القفيز، فإن أداه سوء فهمه و قلة تحصيله الى اشتراط المساواة في الجنس باعتبار لفظة أقل كان ذلك غلطا ظاهرا، و جعل المال ما لا يدخل فيه الربا فيه، لظهور مثل هذه القواعد الممهدة و القوانين الموطدة من تحريم الربا، على انه في باقي كلامه صرح بجواز ذلك حيث تعجب من عدم التزام المديون بجميع الدين، و سوغ بيع ما يساوى خمسين قنطارا بدينار، لكن هذا الرجل لقلة تحصيله لا يفهم وقوع التناقض في كلامه، و تعجبه بنفسه لا يبالي أين يذهب.

الحكم الثاني- عدم إلزام المديون بأكثر مما وزنه المشترى و الشيخ عول في ذلك على رواية محمد بن الفضيل، ثم ذكر الرواية كما قدمناه، ثم ذكر رواية أبي حمزة، ثم قال: و لا ريب في صحة البيع و لزومه و وجوب إيفاء المشتري ما على المديون.

و لا بد حينئذ من محمل للروايتين و ليس بعيدا من الصواب أن يحملا على أحد الأمرين، الأول- الضمان و يكون إطلاق البيع عليه و الشراء بنوع من المجاز، إذ الضامن إذا أدى عن المضمون باذنه عرضا عوضا عن الدين كان له المطالبة بالقيمة، و هو نوع من المعاوضة يشبه البيع، بل هي هو في الحقيقة، و انما ينفصل عنه بمجرد اللفظ لا غير.

المحمل الثاني أن يكون البيع وقع فاسدا فإنه يجب على المديون دفع ما ساوى مال المشتري إليه بالإذن الصادر من صاحب الدين، و يبرئ من جميع ما بقي عليه من المشترى، لا من البائع، و يجب عليه دفع الباقي الى البائع لبرائته من المشترى، و هذان المحملان قريبان، يمكن صرف الروايتين إليهما، و كلام الشيخ أيضا يحمل عليهما من غير أن ينسب الشيخ الى ما نسبه ابن إدريس انتهى كلامه زيد مقامه.

و لا يخفى ما في كل من محمليه للخبرين من التكلف و التعسف، الذي يقطع

161

بعدمه، و ربما يفهم من مثل هذا التشنيع من العلامة هنا و مثله ما وقع في كلام شيخنا المفيد في مقام الرد على الصدوق- في مسألة نفى السهو عن المعصوم، و في شرح الاعتقادات و مثلهما غيرهما أيضا من المتأخرين- جواز الغيبة و استثنائها من التحريم المتفق عليه في مثل هذه المواضع، و الا فالأمر مشكل، فان جلالة مثل هؤلاء المشايخ و عدالتهم و ورعهم و تقواهم الظاهر كالشمس في رابعة النهار، يمنع من قدومهم على هذا الأمر المتفق على تحريمه نصا و فتوى، و ان كانوا لم يصرحوا بذلك في مستثنيات الغيبة. و الله سبحانه العالم.

تذنيب [الدين المؤجل لا يجوز بيعه على غير من هو عليه]:

قال في المختلف: قال ابن إدريس: الدين المؤجل لا يجوز بيعه على غير من هو عليه بلا خلاف، و الوجه عندي الكراهة، للأصل الدال على الجواز و الإجماع ممنوع، و أما ان كان حالا لم يجز بيعه بدين آخر مثله، و هل يجوز بيعه نسيئة؟ قال في النهاية: يكره ذلك مع أنه منع من بيعه بدين آخر مثله، و قال ابن إدريس: لا يجوز بيعه نسيئة، بل هو حرام محظور، لانه بعينه بيع الدين بالدين، و هو حسن انتهى.

أقول: قد تقدم في مباحث الفصل الثاني في السلف ما يتعلق بهذا المقام و يأتي إنشاء الله تعالى في بعض مسائل هذا الكتاب ما فيه كفاية لذوي الأفهام.

المسألة الثالثة [عدم جواز مطالبة الدين في الحرم]

- قال الشيخ في النهاية: إذا رأى صاحب الدين المديون في الحرم لم يجز له مطالبته فيه و لا ملازمته، بل ينبغي أن يتركه حتى يخرج من الحرم، ثم يطالبه كيف شاء.

و قال على بن بابويه على ما نقله عنه العلامة في المختلف و الشهيد في الدروس: إذا كان لك على رجل حق فوجدته بمكة أو في الحرم فلا تطالبه، و لا تسلم عليه، فتفزعه الا أن يكون أعطيته حقك في الحرم، فلا بأس بأن تطالبه به في الحرم.

و قال ابن إدريس: قول الشيخ محمول على أن صاحب الدين طالب المديون خارج الحرم، ثم هرب منه فالتجأ الى الحرم، فلا يجوز لصاحب الدين مطالبته و لا إفزاعه، فأما إذا لم يهرب الى الحرم و لا التجأ اليه خوفا من المطالبة بل وجده

162

في الحرم و هو مليء بماله موسر بدينه، فله مطالبته و ملازمته، و قول ابن بابويه- الا ان يكون أعطيته حقك في الحرم فلك أن تطالبه في الحرم- يلوح ما ذكرناه، و لو كان ما روى صحيحا لورد ورود أمثاله متواترا، و الصحابة و التابعون و المسلمون في جميع الأمصار يتحاكمون الى الحكام في الحرم، و يطالبون الغرماء بالديون، و يحبس الحاكم على الامتناع من الأداء الى عصرنا هذا من غير تناكر منهم في ذلك، و الإنسان مسلط على أخذ ماله، و المطالبة عقلا و شرعا.

و قال العلامة في المختلف: و الأقرب عندي كراهة ذلك على تقدير الإدانة خارج الحرم، دون التحريم، عملا بالأصل و الإباحة مطلقا على تقدير الإدانة في الحرم، و بما ذهب اليه الشيخ في النهاية من التحريم صرح ابن إدريس و أبو الصلاح، إلا أنهما أضافا إلى الحرم مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) و مشاهد الأئمة (عليهم السلام).

أقول: أما ما ذهب اليه الشيخ من التحريم في الحرم فيدل عليه

موثق سماعة (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل لي عليه مال فغاب عنى زمانا فرأيته يطوف حول الكعبة، فأتقاضاه؟ قال: فقال: لا تسلم عليه و لا تروعه حتى يخرج من الحرم».

و ظاهر العلامة الاستدلال بهذه الرواية على الكراهة كما اختاره.

و فيه أن النهى حقيقة في التحريم كما صرح به هو و غيره في الأصول، و الحمل على خلافه يحتاج إلى قرينة، و أما ما نقل عن الشيخ على بن بابويه فهو مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي على النهج الذي كررنا ذكره في كتب العبادات، حيث إنه (2)

قال (عليه السلام) «ان كان لك على رجل حق فوجدته بمكة أو في الحرم فلا تطالبه، و لا تسلم عليه فتفزعه، الا أن تكون أعطيته حقك في الحرم، فلا بأس أن تطالبه في الحرم».

و هي عين عبارة الشيخ المذكور، كما قدمنا ذكره في جملة من المواضع، سيما في كتب العبادات في إفتاء الشيخ المذكور في رسالة الى ابنه بعبارات الكتاب،

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 194.

(2) المستدرك ج 2 ص 493.

163

و نحوه ابنه الصدوق في الفقيه، كما تقدم التنبيه عليه في الكتب المذكورة، و من ثم اعتمدنا على الكتاب المذكور لاعتماد هذين العمدتين عليه.

و أنت خبير بأنه لا منافاة بين الخبرين، فان الخبرين متفقان على أن تحريم المطالبة انما هو في صورة ما إذا كان الدين خارج الحرم، ثم انه وجده في الحرم، و أما لو كانت الاستدانة في الحرم فحكمها في موثق سماعة غير مذكور، إذ مورده ظاهرا انما هو ما قلناه، فاشتمال رواية الكتاب المذكور على حكم الاستدانة في الحرم لا معارض لها، فيجب العمل بها كما عمل بها الشيخ المذكور.

و قال المحدث الكاشاني (رحمه الله عليه) في المفاتيح في ضمن عد جملة من المستحبات: و أن لا يطالبه في الحرم، بل لا يسلم عليه، و لا يروعه حتى يخرج، كذا في الخبر، أما لو التجأ المديون اليه لم يجز مطالبته فيه، بل يضيق عليه في المطعم و المشرب، الى أن يخرج، لقوله تعالى (1) «وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» كذا قالوه انتهى.

أقول: ما نقله عنهم من الكلام الأخير لم أقف عليه فيما حضرني من كلامهم في الدين. نعم ذلك في الجناية كما وردت به الأخبار، و صرح به الأصحاب.

و أما ما ذكره ابن إدريس و طول به من الكلام فهو نفخ في غير ضرام، و أى موجب لتأويل كلام الشيخ مع وجود الرواية به، و أي منافاة في الخبر المذكور مع ما علم من اختصاص الحرم بأحكام عديدة لا يشاركه غيره فيها، فتخصص به العمومات، و هذا من جملتها. ثم من الذي اشترط في الاخبار- الواردة في الأحكام- ورودها متواترة في كل حكم حكم، و جزئي جزئي حتى أنه يرد هذه الرواية لعدم كونها كذلك.

ثم أى دليل فيما احتج به من فعل الصحابة و التابعين و من بعدهم الى يومه، و الجميع انما هم من قضاة المخالفين، و علمائهم- الذين نسبهم إلى الإسلام هنا-

____________

(1) سورة آل عمران الآية- 97.

164

مع قوله بكفرهم و نجاستهم و نحو ذلك مما تقدم في كتب العبادات، و هل يدعي أحد أنه منذ وقت موت النبي (صلى الله عليه و آله) الى يومنا هذا صار للشيعة حكم و قضاة، يحكمون و يقضون في الحرم أو غيره، يحسبون و نحو ذلك مما ذكره حتى أنه يمكنه الاحتجاج بما ذكره، ما هذا الا تحكمات باردة، و تمحلات شاردة.

و العجب منه عفى الله تعالى عنه في رده هذا الاخبار و أمثالها، و تكذيبه بها مع ما استفاض عنهم (عليهم السلام) من النهى عن التكذيب بما جاء عنهم و لو جاء به خارجي أو قدري، و أن ما رانت له قلوبكم فاقبلوه، و ما اشمأزت منه فردوه إلينا، ما هذه الا جرءة زائدة من هذا الفاضل النحرير، و خروج عن الدين من حيث لا يشعر صاحبه نسأل الله- تعالى- المسامحة لنا و له من هفوات الأقلام، و زلات الاقدام.

و أما ما ذكره العلامة من التفصيل- تبعا لابن بابويه لكنه حكم بالكراهة فيما حكم به ابن بابويه بالتحريم- ففيه ما عرفت من أن ظاهر الرواية هو التحريم، و حمله لها على الكراهة يحتاج الى دليل.

و الاستناد الى الأصل في مقابلة الخبر الذي ظاهره التحريم غير مسموع، هذا بالنسبة إلى الاستدانة خارج الحرم، و أما مع وقوعها في الحرم فجيد، لما عرفت من كلام الرضا (عليه السلام) في الكتاب المتقدم، و الأنسب له هنا الاستناد الى الأصل، فإنه في محله، و تخرج الرواية المذكورة شاهدة على ذلك.

و أما إضافة مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) و المشاهد المقدسة إلى الحرم كما ذكره الفاضلان المتقدمان فلم نقف له على مستند، و كأنهما لاحظا اشتراك الجميع في شرف المكان، و هو قياس محض و الله العالم.

المسألة الرابعة [في أنه إذا مات الرجل حل ما له و ما عليه]

- الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في أنه بموت- المديون تحل ديونه المؤجلة، و انما الخلاف في الحل بموت الغريم، فذهب جماعة منهم الشيخ في النهاية و أبو الصلاح و ابن البراج و الطبرسي الى ذلك.

و المشهور و هو قول الشيخ في الخلاف، و المبسوط خلافه، و علل الأول بأن بقاء الدين على الميت بعد موته لا معنى له، و معلوم أنه لم ينتقل إلى ذمة الورثة،

165

للأصل (1)، و لعدم تكليف أحد بفعل غيره، و علل الثاني بأن المال كان مؤجلا و انتقل الى الوارث، و ينبغي أن يكون كما كان، لعدم لزوم شيء على أحد بموت غيره، و للاستصحاب.

و الذي وقفت عليه من الاخبار في المقام ما رواه

في الكافي مسندا عن أبى بصير (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) و الصدوق في الفقيه مرسلا «قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا مات الرجل حل ماله، و ما عليه من الدين».

و ما رواه

في التهذيب و الفقيه عن السكوني (3) عن جعفر عن أبيه ع «أنه قال: إذا كان على رجل دين إلى أجل و مات الرجل حل الدين».

و ما رواه

في التهذيب عن الحسين بن سعيد (4) في الصحيح قال: «سألته عن رجل أقرض رجلا دراهم إلى أجل مسمى، ثم مات المستقرض أ يحل مال القارض عند موت المستقرض منه، أو للورثة من الأجل ما للمستقرض في حياته؟ فقال: إذا مات فقد حل مال القارض».

و القائلون بالحلول بموت الغريم استندوا إلى رواية أبي بصير المذكورة، و ظاهر الصدوق بناء على قاعدته المذكورة في صدر كتابه القول بذلك أيضا، و لكن لم أطلع على من نقله عنه، الا أنه لازم مما ذكرناه، حيث أنهم يستندون المذهب إليه في هذا الكتاب بما ذكرناه، و غاية ما أجاب به المتأخرون عن الخبر المذكور

____________

(1) أقول: و الأظهر تعليله بأن الحق لا ينتقل من شخص الى آخر الا برضاء صاحب الحق فلا ينتقل إلى ذمة الوارث بمجرد موت المورث و أظهر في الدلالة قوله سبحانه «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ» تمنع الورثة من التصرف في التركة إلا بعد أداء الدين و محل المسألة داخل تحت إطلاق الآية كما لا يخفى و العمدة مع ذلك- الأخبار المذكورة مضافا الى الاتفاق على الحكم. منه (رحمه الله).

(2) الكافي ج 5 ص 99 الفقيه ج 3 ص 116.

(3) التهذيب ج 6 ص 190 الفقيه ج 3 ص 116.

(4) التهذيب ج 6 ص 190.

166

هو رده بضعف السند، كما ذكره جملة منهم، و هو مشكل عند من لا يرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث، سيما ان الخبر من مرويات الفقيه التي يعتمدونها في غير مقام.

و حمله بعض الأفاضل- (1) في حواشيه على كتاب الفقيه- على سائر الحقوق غير الدين، مثل العمرى الموقت بحياته، و الإجارة، و العارية، و الشركة، و القراض، و الأمانات، قال: و معنى حلولها انتهاء العقد، فيلزم تسليمها إلى الورثة، أو تسليم العقد انتهى.

و لا يخفى ما فيه من البعد عن الظاهر، فان الخبر مصرح بالدين، فكيف يحمل على غير الدين، و مع قطع النظر عن ذلك فهو ظاهر في مساواة ماله لما عليه، مع اتفاقهم على الحلول فيما عليه من الدين، فيكون ماله كذلك.

و بالجملة فإن الخبر لا معارض له الا ما تقدم من التعليلات العقلية الراجعة إلى الاستصحاب، و فيها ما لا يخفى على ذوي الأفهام و الألباب، و الحكم لذلك موضع اشكال و الله العالم.

تذنيب: قال المرتضى رضى الله عنه في المسائل الناصرية: هذه المسألة- و أشار بها الى أن الدين المؤجل لا يصير حالا بموت من عليه الدين- لا أعرف إلى الان لأصحابنا فيها نصا معينا فأحكيه، و فقهاء الأمصار كلهم يذهبون الى أن الدين المؤجل يصير حالا بموت من عليه، و يقوى في نفسي ما ذهب اليه الفقهاء، و يمكن أن يستدل عليه بقوله- تعالى (2) «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ» علق القسمة بقضاء الدين، فلو أخرت تضررت الورثة، و لانه يلزم انتقال الحق من ذمة الميت إلى ذمة الورثة، و الحق لا ينتقل الا برضاء من له انتهى.

و ليت شعري كيف غفل عن الروايات الواردة في المسألة، و لكنه قليل

____________

(1) هو الفاضل الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن شيخنا الشهيد الثاني «(قدس الله أرواحهم)» منه (رحمه الله).

(2) سورة النساء الآية- 11.

167

المراجعة للاخبار، كما لا يخفى على من له أنس بطريقته (رضى الله عنه) و قاعدته.

المسألة الخامسة [جواز اقتضاء الدين من أثمان المحرمات إذا كان المديون ذميا]:

قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يجوز اقتضاء الدين من أثمان المحرمات على المسلم، إذا كان المديون البائع ذميا مستترا، و التقييد بالذمي لإخراج الحربي، إذ لا يجوز أخذ ثمن ذلك منه، لعدم إقرار الشريعة له على ذلك، و المسلم لعدم جواز بيعه و بطلانه، و بالاستتار الاحتراز عما لو تظاهر به، فإنه لا يجوز أخذ ذلك لما ذكر، فان من شرائط الذمة عدم التظاهر بأمثال ذلك.

و الواجب أولا ذكر ما وصل إلينا من أخبار المسألة، ثم الكلام فيها بما يسر الله سبحانه فهمه منها.

و من الاخبار المذكورة ما رواه

ثقة الإسلام و الشيخ (عطر الله مرقديهما) عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) و رواه الشيخ أيضا في التهذيب بسند آخر عن داود بن سرحان (2) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في رجل كان له على رجل دراهم فباع خمرا أو خنازير و هو ينظر اليه فقضاه؟ قال: لا بأس به، أما للمقتضي فحلال، و أما للبائع فحرام».

و ما رواه

في الكافي عن زرارة (3) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يكون لي عليه الدراهم فيبيع بها خمرا أو خنزيرا ثم يقضى عنها فقال:

لا بأس أو قال: خذها».

و ما رواه

الشيخ عن محمد بن يحيى الخثعمي (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون لنا عليه الدين فيبيع الخمر و الخنازير فيقضينا فقال:

لا بأس به ليس عليك من ذلك بأس.

و عن أبى بصير (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يكون له على الرجل مال فيبيع بين يديه خمرا أو خنازير يأخذ ثمنه قال لا بأس».

____________

(1) الكافي ج 5 ص 231.

(2) التهذيب ج 6 ص 195.

(3) الكافي ج 5 ص 232.

(4) التهذيب ج 7 ص 137.

(5) التهذيب ج 7 ص 137.

168

و ما رواه

في الكافي عن منصور (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): لي على رجل ذمي دراهم فيبيع الخمر و الخنزير و أنا حاضر فهل لي أن آخذها؟ فقال: انما عليه دراهم فقضاك دراهمك».

و أنت خبير بأن إطلاق الروايات الأربع المتقدمة ظاهر في حل أخذ ذلك و لو من المسلم، إذ لا تقييد فيها بالذمي، و لا قائل به فيما أعلم إلا ما يظهر عن صاحب الكفاية، حيث قال: قال بعضهم: و لو كان البائع مسلما لم يجز، و هو مناف لإطلاق أخبار كثيرة، فالحكم به مشكل، الا أن يكون المقصود المنع بالنسبة إلى البائع انتهى ملخصا.

أقول: و يمكن تأييد ما ذكره من حمل المنع على البائع خاصة، و ان جاز لصاحب الطلب أخذه بقوله (عليه السلام) أما للمقتضي فحلال، و أما للبائع فحرام، الا أنه لا يخلو من الإشكال أيضا، فإن تحريمه على البائع يوجب رده على مالكه، لبطلان البيع فكيف يكون حلالا على المقتضى.

و مما يؤيد ما دل عليه ظاهر إطلاق الاخبار المذكورة ما رواه

الشيخ في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) «في رجل ترك غلاما له في كرم له يبيعه عنبا أو عصيرا فانطلق الغلام فعصره خمرا ثم باعه قال: لا يصلح ثمنه، ثم قال: ان رجلا من ثقيف اهدى الى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) روايتين من خمر بعد ما حرمت فأمر بهما رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأهريقتا و قال: ان الذي حرم شربها قد حرم ثمنها، ثم قال: أبو عبد الله (عليه السلام) ان أفضل خصال هذه التي باعها الغلام أن يتصدق بثمنها».

و ما رواه

في الكافي عن أبي أيوب الخراز (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)

____________

(1) الكافي ج 5 ص 232.

(2) التهذيب ج 7 ص 136.

(3) الكافي ج 5 ص 231.

169

: رجل أمر غلامه أن يبيع كرمه عصيرا فباعه خمرا ثم أتاه بثمنه؟ فقال: ان أحب الأشياء الى أن يتصدق بثمنه».

و الأمر بالتصدق في هذين الخبرين مع بطلان البيع و تحريم الثمن الموجب لرده على صاحبه لا يجتمعان، الا أن يحمل على عدم معرفة المشتري، أو عدم إمكان تحصيله، و هو غاية البعد.

و بالجملة فإن ظاهر الخبرين مشعر بالحل في هذه الصورة و اليه يميل كلام بعض مشايخنا من متأخري المتأخرين (1) حيث قال: و لا يبعد القول بكون البائع مالكا للثمن، لأنه أعطاه المشترى باختياره و ان كان فعل فعلا حراما، ثم قال: المقطوع به في كلام الأصحاب وجوب الرد انتهى.

و يمكن تأييده أيضا بما رواه

في الكافي عن يونس (2) «في مجوسي باع خمرا أو خنازير إلى أجل مسمى ثم أسلم قبل أن يحل المال؟ قال: له دراهمه، و قال: ان أسلم رجل و له خمر و خنازير ثم مات و هي في ملكه و عليه دين قال:

يبيع ديانه أو ولى له غير مسلم خمره و خنازيره و يقضى دينه، و ليس له أن يبيعه و هو حي و لا يمسكه».

الا أن الاخبار متظافرة بتحريم بيع الخمر و الخنازير كما تقدم شطر منها في المقدمة الثالثة، و ان ذلك من السحت، و من الممكن و ان كان لا يخلو عن بعد تقييد هذه الاخبار بالذمي كما اشتمل عليه الخبر الأخير.

لكن يبقى الإشكال أيضا عن وجهين أحدهما ما اشتمل عليه بعضها صريحا و بعضها ظاهرا من حضور المسلم البيع، مع ان الأصحاب قيدوا الجواز بالتستر كما عرفت، و صرحوا بالعدم مع عدمه، و الحمل على أن الذمي يبيع في بيته أو نحوه من الأماكن المستورة، و ان اطلع عليه صاحب الطلب من حيث لا يشعر به بعيد غاية البعد، أو يقال: بعدم كون التستر مشروطا عليهم في الذمة، و لعله الأقرب و ان كان خلاف ما

____________

(1) هو شيخنا المجلسي (قدس سره) في حواشيته على كتب الاخبار- منه (رحمه الله).

(2) الكافي ج 5 ص 232.

170

عليه ظاهر الأصحاب فإن الذي وقفت عليه في الاخبار بالنسبة إلى شرائط الذمة خال من ذلك، بل من أكثر الشروط التي ذكرها الأصحاب (رضوان الله عليهم) (1).

و ثانيا ما اشتمل عليه الخبر الأول من قوله «أما للمقتضي فحلال، و أما للبائع فحرام» و الظاهر أنه لا اشكال فيه بعد حمل الخبر على أهل الذمة، لما ورد في أخبار أخذ الجزية مع التصريح بحل أخذها من ثمن خمورهم و خنازيرهم، كما في

صحيحة محمد بن مسلم (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «حيث قال: فيها عليهم الجزية في أموالهم، تؤخذ منهم من ثمن لحم الخنزير أو الخمر، فكل ما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك عليهم، و ثمنه للمسلمين حلال، و يأخذونه في جزيتهم».

و نحوه روى شيخنا المفيد في المقنعة عن محمد بن مسلم (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام).

و ظاهر هذين الخبرين هو عدم التستر ايضا، و احتمال كون المراد ذلك بحسب الواقع مع عدم علم المسلمين الظاهر بعده، و بذلك يظهر ما في توقف بعض (4)

____________

(1) و منه ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال:

ان رسول الله (صلى الله عليه و آله)، قبل الجزية من أهل الذمة على أن لا يأكلوا الربا و لا يأكلوا لحم الخنزير و لا ينكحوا الأخوات و لا بنات الأخ و لا بنات الأخت، فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة الله و ذمة رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و قال: و ليست لهم اليوم ذمة، و زاد في خبر آخر على أن لا يهودوا أولادهم و لا ينصروا، و لم أقف على غير هذين الخبر بعد التتبع و الله العالم- منه (رحمه الله).

(2) الوسائل الباب- 70- من أبواب كتاب الجهاد.

(3) الوسائل الباب- 70- من أبواب كتاب الجهاد.

(4) و هو المحقق الأردبيلي (قدس سره) حيث قال بعد ذكر رواية المشار إليها أن فيها تأملا لأنه إن حملت على كون البائع مسلما، فظاهر الأصحاب و بعض الاخبار عدم جواز الأخذ، و ان حملت على الذمي فقوله للبائع حرام محل التأمل، إذ يجوز له ذلك خاصة الا أن يحمل على الإظهار كما هو الظاهر، و لو سلم تحريمه للبائع حينئذ فكونه حراما للقابض مشكل، و بالجملة هذا لا يخلو عن اشكال انتهى أقول: و بما ذكرناه و أوضحناه فلا اشكال بحمد الله سبحانه في هذا المجال- منه (رحمه الله).

171

المحققين في تحريمه على البائع و حله للقابض- مع تسليمه حمل الخبر على الذمي فإنه لا وجه له بعد تصريح هذه الاخبار بذلك، و الفرق بين الجزية و قضاء الدين غير ظاهر.

و كيف كان فان القول المشهور هو الأوفق بالاحتياط المطلوب في الدين، كما لا يخفى على الحاذق المكين، فيتعين حمل إطلاق الاخبار المتقدمة على أهل الذمة و ارتكاب جواز ذلك للمسلم مع استفاضة الأخبار بتحريم ذلك عليه، و بطلان بيعه مضافا الى اتفاق الأصحاب على ذلك لا يخلو من شناعة، و حينئذ فلا يلتفت الى ما ذكره أولئك الفضلاء المشار إليهم آنفا و الله العالم.

المسألة السادسة [حكم ما لو كان لاثنين فصاعدا مال في ذمم غيرهم و أرادوا قسمته]

- المفهوم من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) أنه إذا كان لاثنين فصاعدا مال في ذمم غيرهم و أرادوا قسمته، فإنه لا تصح ما لم يقبض، و لو اقتسموا و الحال كذلك لم يصح، بل يكون كل ما خرج فهو على الشركة، و ما توى على الجميع.

و يدل على ذلك جملة من الاخبار منها ما رواه

الشيخ في الصحيح عن سليمان بن خالد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين كان لهما مال بأيديهما و منه متفرق عنهما، فاقتسما بالسوية ما كان في أيديهما، و ما كان غائبا عنهما، فهلك نصيب أحدهما مما كان غائبا، و استوفى الآخر عليه أن يرد على صاحبه؟ قال: نعم ما يذهب بماله».

و رواه الصدوق بإسناده عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد (2) مثله.

و عن عبد الله بن سنان (3) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجلين بينهما مال منه دين و منه عين، فاقتسما العين و الدين، فتوى الذي كان لأحدهما من الدين أو بعضه و خرج الذي للآخر أ يرد على صاحبه؟ قال: نعم ما يذهب بماله».

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 207 الفقيه ج 3 ص 23.

(2) التهذيب ج 6 ص 207 الفقيه ج 3 ص 23.

(3) التهذيب ج 7 ص 186.

172

و عن أبي حمزة (1) قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجلين بينهما مال منه بأيديهما، و منه غائب عنهما فاقتسما الذي بأيديهما و أحال كل واحد منهما بنصيبه من الغائب، فاقتضى أحدهما و لم يقتض الأخر، قال: ما اقتضى أحدهما فهو بينهما، و ما يذهب بينهما».

نعم

روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن (2) عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجلين اشتركا في السلم أ يصلح لهما أن يقتسما قبل أن يقبضا قال: لا بأس».

و حمل على الجواز دون اللزوم.

و بما ذكرنا من الاخبار الصريحة الدلالة على القول المذكور يظهر لك ما في كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله عليه) هنا من القصور، حيث انه لم يقف في المقام الا على رواية غياث المذكورة، فقال بعد ذكر كلام الأصحاب: ما لفظه الحكم مشهور بينهم، و مستندهم رواية غياث ثم ساق الرواية الى أن قال: و الشهرة ليست بحجة، و ابن إدريس مخالف، و نقل عنه ان لكل واحد ما اقتضى كما هو مقتضى القسمة، و المستند غير معتبر، لوجود غياث كأنه ابن إبراهيم البتري، و أدلة لزوم الشرط تقتضيه، و كذا التسلط على مال نفسه، و جواز الأكل مع التراضي و التعيين التام ليس بمعتبر في القسمة، بل يكفي في الجملة كما في المعاوضات، فإنه يجوز البيع و نحوه، و لان الدين المشترك بمنزلة دينين لشخصين، و للمالك ان يخص أحدهما دون الأخر، فلو كان قابل بتخصيص كل واحد قبل القسمة بحصة لأمكن ذلك أيضا، فإن الثابت في الذمة أمر كلي قابل للقسمة، و انما يتعين بتعيين المالك فله ان يعين، و لكن الظاهر انه لا قائل به قبل القسمة، و بعدها القول به نادر من غير دليل، و الشهرة مع الخبر المجبور بها يمنع ذلك، و يؤيد بالاستصحاب

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 185.

(2) الوسائل الباب- 29- من أبواب الدين الرقم- 2.

173

و الاحتياط فتأمل انتهى.

و ليت شعري كيف ذهب عليه الوقوف على هذه الاخبار مع تعددها- و روايتها في الأصول متكثر الطرق- حتى ارتكب ما ارتكب من هذه التمحلات- التي لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية- و تجاوز ذلك الى احتمال القول بتخصيص كل واحد قبل القسمة بحصة، و لم يمنعه منه الا عدم وجود القائل، و الكل كما عرفت نفخ في غير ضرام، كما لا يخفى على من وقف على ما نقلناه من أخبارهم (عليهم السلام).

و قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: و الحيلة في تصحيح ذلك أن يحيل كل منهما صاحبه بحصته التي يريد إعطائها صاحبه، و يقبل الآخر بناء على صحة الحوالة ممن ليس في ذمته دين، فلو فرض سبق دين له عليه فلا إشكال في الصحة، و لو اصطلحا على ما في الذمم بعضها ببعض فقد قرب في الدروس صحته، و هو حسن بناء على أصالته انتهى.

أقول: ما ذكره من الحيلة- في تصحيح ذلك بالحوالة- فيه أن رواية أبي حمزة و رواية غياث ظاهرتان في عدم صحتها، و أنها لا تفيد فائدة، بل الواجب هو اقتسام ما خرج و ما ذهب فهو على الجميع، و يمكن بناؤه على ما ذكره من عدم صحة الحوالة ممن ليس في ذمته دين، فيكون الخبران المذكوران حجة لذلك، و أما ما ذكره من الصلح فالظاهر صحته لعموم أدلة الصلح.

و يؤيده ما رواه

في الكافي عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح أو الحسن عن أحدهما (عليهما السلام) «أنه قال في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه و لا يدرى كل واحد منهما كم له عند صاحبه، فقال كل واحد منهما: لك ما عندك و لي ما عندي قال: لا بأس إذا تراضيا، و طابت أنفسهما».

و من هذه الرواية و أمثالها يظهر أن الصلح عقد برأسه، لا متفرع على البيع كما أشار إليه، لعدم صحة البيع في الصورة المذكورة، و الرواية المذكورة و ان لم تكن من محل البحث، الا أن صحة الصلح على هذه الكيفية مستلزمة للصحة

____________

(1) الكافي ج 5 ص 258.

174

فيما نحن فيه، فإنه إذا جاز مع هذه الجهالة التامة ففيما نحن فيه اولى، و الجميع مشترك في كون المال في الذمم و الله العالم.

المسألة السابعة [حكم ما لو دفع المديون عروضا عما في ذمته من غير مساعرة]

- الظاهر أنه لا خلاف في أنه لو دفع المديون عروضا عما في ذمته من غير مساعرة، فإنه يحتسب بقيمتها يوم القبض، لأنه إنما دفعها عوضا عما في ذمته، و الظاهر أنها تدخل في ملك الغريم بمجرد القبض، و ان لم تحصل المساعرة.

و يدل على ذلك ما رواه

الشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار (1) قال: «كتبت إليه في رجل كان له على رجل مال فلما حل عليه المال أعطاه بها طعاما أو قطنا أو زعفرانا و لم يقاطعه على السعر، فلما كان بعد شهرين أو ثلاثة ارتفع الزعفران و الطعام و القطن أو نقص بأي السعرين يحسبه؟ قال: لصاحب الدين (2) سعر يومه الذي أعطاه و حل ماله عليه، أو يوم حاسبه؟ فوقع (عليه السلام) ليس له الا على حسب سعر وقت ما دفع اليه الطعام إنشاء الله، قال: و كتبت اليه الرجل استأجر أجيرا ليعمل له بناء أو غيره من الأعمال و جعل يعطيه طعاما و قطنا أو غيرهما ثم يتغير الطعام و القطن عن سعره الذي كان أعطاه إلى نقصان أو زيادة، أ فيحتسب له بسعره يوم أعطاه أو بسعر يوم شارطه؟ فوقع (عليه السلام) يحتسب له بسعر يوم شارطه فيه ان شاء الله».

و روى في الكافي عن محمد بن يحيى (3) في الصحيح قال: «كتب محمد بن الحسن الى أبى محمد (عليه السلام) رجل استأجر أجيرا يعمل له بناء و غيره و جعل يعطيه طعاما و قطنا أو غير ذلك ثم تغير الطعام و القطن من سعره الذي كان أعطاه إلى نقصان أو زيادة أ فيحتسب له بسعره يوم أعطاه أو سعر يوم شارطه؟ فوقع (عليه السلام): يحسب له بسعر يوم شارطه فيه إنشاء الله، و أجاب (عليه السلام) في المال

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 196.

(2) الظاهر زيادة لفظة قال.

(3) الكافي ج 5 ص 181 مع اختلاف يسير.

175

يحل على الرجل فيعطى به طعاما عند محله و لم يقاطعه ثم تغير السعر، فوقع (عليه السلام): له سعر يوم أعطاه الطعام».

و الخبران صريحان في المدعى بالنسبة إلى محل المسألة.

و أما بالنسبة إلى الأجرة و قوله (عليه السلام) بسعر يوم شارطه فلا يخلو من اشتباه و خفاء، و الأظهر عندي رجوعه الى يوم القبض ايضا، كما في السؤال الأخر و توضيحه أنه لا ريب أنه بالاستيجار يستحق الأجرة و ان توقف وجوب الدفع على العمل، و حينئذ فإذا دفع عروضا في ذلك الوقت انتقل اليه بالملك، و صار عوضا عن أجرته كما أنه بالحلول- في السؤال الآخر- يستحق المال، و كل ما يدفع اليه من العروض فإنه يملكه عوضا عما في ذمة المستدين، و حينئذ فيعتبر في كلا المسألتين قيمة ذلك الوقت الذي دخل فيه في ملك القابض، فكأنه بمنزلة نقد دفعه إليه في ذلك الوقت، و لا ينافيه حصول مدة مثلا لو فرض بين يوم الإجارة و يوم القبض، لان ظاهر الخبر أن السعر واحد في ذلك المدة، و انما تغير بعد تمام القبض، كما يشير اليه قوله في أحد الخبرين «بعد شهرين أو ثلاثة» يعنى من وقت القبض.

و حينئذ فلا منافاة في إطلاق سعر يوم الشرط على يوم القبض، فإنه مبنى على عدم الفاصلة المعتد بها على استمرار القيمة و امتدادها، و أنه لم يحصل التغير الا بعد مدة مديدة، و باب التجوز في الكلام أوسع من ذلك.

و الظاهر ايضا انسحاب الحكم في النقدين لو كان أحدهما في ذمته و أعطاه الأخر قضاء عن دينه من غير محاسبة ثم تغير السعر بعد مدة، فإنه يحتسب يوم القبض.

و يدل عليه جملة من الاخبار منها ما رواه

المشايخ الثلاثة نور الله مراقدهم عن إسحاق بن عمار (1) في الموثق قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يكون لي عليه المال فيقضيني بعضا دنانير و بعضا دراهم، فإذا جاء يحاسبني ليوفيني يكون قد تغير سعر الدنانير، أى السعرين أحسب له؟ الذي يوم أعطاني الدنانير أو سعر يومي الذي

____________

(1) الكافي ج 5 ص 248 التهذيب ج 7 ص 107 الفقيه ج 3 ص 185.

176

أحاسبه؟ فقال: سعر يوم أعطاك الدنانير، لأنك حبست منفعتها عنه» (1).

و الظاهر أن قوله «حبست منفعتها عنه» كناية عن انتقالها الى القابض بالملك، و بزوال ملك الدافع عنها، فلا انتفاع له بها بالكلية، لخروجها عن ملكه، و به يحصل حبس منفعتها عنه، و إذا انتقلت الى ملك القابض سقط بإزائها من تلك الدراهم ما قابلها بصرف ذلك اليوم، لأنها لم ينتقل اليه مجانا، و انما انتقلت عوضا فلا بد من سقوط عوضها ذلك اليوم بذلك الصرف الأول.

و منها ما رواه

في التهذيب عن يوسف بن أيوب (2) شريك إبراهيم بن ميمون عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال في الرجل يكون له على الرجل دراهم فيعطيه دنانير و لا يصارفه، فتغير الدنانير بزيادة أو نقصان قال: له سعر يوم أعطاه».

و ما رواه

في الكافي و التهذيب عن عبد الملك بن عتبة الهاشمي (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يكون عنده دنانير لبعض خلطائه فيأخذ مكانها ورقا في حوائجه و هو يوم قبضت سبعة و سبعة و نصف بدينار، و قد يطلب صاحب المال بعض الورق، و ليست حاضرة فيبتاعها له من الصيرفي بهذا السعر، ثم يتغير السعر قبل ان يحتسبا حتى صار الورق اثنى عشر درهما بدينار، فهل يصلح له ذلك و انما هي بالسعر الأول من يوم قبضت كانت سبعة؟ و سبعة و نصف بدينار، قال: إذا دفع اليه الورق بقدر الدينار فلا يضره كيف كان الصرف، و لا بأس».

____________

(1) و أما حمل حبس المنفعة على ظاهره- من انه كان يمكن صاحب الدنانير أن يبيعها بقيمة أزيد من ذلك الوقت- فلا يطرد كليا، لان الكلام في تغيير السعر مطلقا زيادة و نقيصة، فإنها قد ينقص صرفها بعد ذلك عن يوم القبض فالنفع حاصل لصاحب الدنانير كما لا يخفى، بل المراد انما هو حبس الانتفاع بها لصيرورتها ملكا للقابض و خروجها عن ملك الدافع كما ذكرناه في الأصل- منه (رحمه الله).

(2) التهذيب ج 7 ص 108.

(3) التهذيب ج 7 ص 106 الكافي ج 5 ص 245.

177

أقول: لعل المعنى في قوله (عليه السلام) «إذا دفع اليه الورق» الى آخره أنه إذا كان دفع الورق على جهة العوض عن الدنانير، و أداء لها فإنه ينصرف مقدار قيمة الدينار في ذلك الوقت الى ما يقابلها من تلك الدنانير، لان الفرض ان دفع تلك الورق انما هو لتفريغ ذمته من الدنانير التي عليه، لا لغرض آخر. و حينئذ فلا يضره زيادة الصرف أو نقصانه بعد وقوع التهاتر و التساقط بين تلك الورق و الدنانير، فإنه قد برئت الذمة و خلت العهدة بما دفعه عن قدر ما دفعه كلا أو بعضا.

و منها ما رواه

الشيخ في الموثق عن إبراهيم بن عبد الحميد عن (1) عبد صالح (عليه السلام)، قال: «سألته عن الرجل يكون له عند الرجل دنانير أو خليط له، يأخذ مكانها ورقا في حوائجه و هي يوم قبضها سبعة و سبعة و نصف بدينار، و قد يطلبها الصيرفي و ليس الورق حاضرا فيبتاعها له الصيرفي بهذا السعر سبعة و سبعة نصف ثم يجيء يحاسبه و قد ارتفع سعر الدنانير فصار باثني عشر كل دينار، هل يصلح ذلك له؟ أو انما هي له بالسعر الأول يوم قبض منه الدراهم فلا يضره كيف كان السعر؟

قال: يحسبها بالسعر الأول فلا بأس به».

و منها ما رواه

الصدوق و الشيخ عن إسحاق بن عمار (2) في الموثق قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يكون له على الرجل الدنانير فيأخذ منه دراهم ثم يتغير السعر؟ قال: فهي له على السعر الذي أخذها منه يومئذ، و ان أخذ دنانير فليس له دراهم عنده، فدنانيره عليه يأخذها برؤسها متى شاء».

كذا في رواية الشيخ، و في رواية الصدوق «و ليس له دراهم عنده» الى آخره.

قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقل الخبر برواية التهذيب ما صورته: بيان: يعنى وقع الفضل بينهما بأخذه الدراهم أو لإمكان دنانيره ثم ان أخذ دنانير ثانيا بعد ذلك، فليس للمعطي أن يجعلها في مقابلة دنانيره التي كانت

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 107.

(2) التهذيب ج 7 ص 107 الفقيه ج 3 ص 184.

178

له عليه أولا، و يطلب منه دراهمه، إذ لا دراهم له عليه حينئذ بل ليس له الا دراهمه التي أعطاها ثانيا يأخذها متى شاء انتهى.

أقول: ما ذكره جيد بالنظر الى ما نقله من رواية الشيخ، و أما على تقدير رواية الصدوق بالواو فالظاهر أن المعنى أن صاحب الطلب إذا أخذ دنانير عوض دنانيره، و الحال أنه لم يقبض دراهم عوض طلبه كما في الفرض الأول، فهذه الدنانير عوض دنانيره التي في ذمة المديون يأخذها برؤسها متى شاء.

و الحق أن الخبر لا يخلو من إجمال بالنسبة إلى قوله ثم «تغير السعر» الى آخره، و أنه هل أراد سعر الدراهم أو سعر الدنانير؟ فيحتمل أن يكون المراد سعر الدنانير، و يكون حاصل المعنى أنه إذا أقرض رجل رجلا دنانير ثم أخذ المقرض عوض دنانيره دراهم من غير مساعرة، ثم تغير سعر الدنانير بالزيادة أو النقصان، فما الذي يعمل عليه يوم المحاسبة؟ فأجاب (عليه السلام) بقوله «فهي له» أى الدنانير للمقرض، بسعر اليوم اقترضها فيه للمستدين، فعليه أداء قيمتها بسعر ذلك اليوم، و حينئذ فيحسب له قيمة الدنانير من تلك الدراهم التي دفعها اليه بالسعر المذكور، و ان أخذ المقرض من المستدين دنانير بجنسها لا بالتبديل، و الحال أنه ليس له دراهم عنده بالتبديل، فهذه الدنانير عوض دنانيره حسبما قدمناه في كلامنا على صاحب الوافي.

و أنت خبير بان هذا المعنى مبنى على نسخة (الواو) كما في الفقيه، و يحتمل أن المراد سعر الدراهم و ضمير هي راجع إليها، بمعنى أنه إذا تغير سعر الدراهم من وقت دفعها الى سعر آخر يوم المحاسبة، فتلك الدراهم للمقرض يأخذها بسعر يوم أخذها، لا يوم المحاسبة، ثم ذكر صورة أخرى بقوله «و ان أخذ» يعنى المقرض دنانير و الحال أنه لم يكن دراهم سابقة في ذمة معطي الدنانير ليكون أخذه عوضا عنها، فليس له ذلك، بل هي عليه يأخذها صاحبها برؤسها هذا على نسخة الواو، و على نسخة الفاء يكون المعنى ما قدمنا نقله عن الوافي- و الله العالم.

المسألة الثامنة- إذا قتل المديون عمدا و لا مال له

قال الشيخ في النهاية: لم

179

يكن لأوليائه القود الا بعد تضمين الدين عن صاحبهم، فان لم يفعلوا ذلك لم يكن لهم القود، و جاز لهم العفو بمقدار ما يصيبهم، و به قال أبو الصلاح و ابن البراج و نسب هذا القول في الدروس الى المشهور، و قال أبو منصور الطبرسي (1): إذا بذل القاتل الدية لم يكن للأولياء القود الا بعد ضمان الدين، و ان لم يبذل جاز لهم القود من غير ضمان، و قال ابن إدريس و المحقق و العلامة:

ان للورثة استيفاء القصاص، و ان بذل الجاني الدية من غير ضمان للدين، و احتجوا على ذلك بأن موجب العمد القصاص، و أخذ الدية اكتساب، و هو غير واجب على الوارث في دين مورثه، و لعموم قوله تعالى (2) «فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً» و قوله تعالى (3) «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ».

و نقل العلامة في المختلف عن الشيخ أنه احتج بما رواه عبد الحميد بن سعيد (4) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رجل قتل و عليه دين و لم يترك مالا، فأخذ أهله الدية من قاتله، أ عليهم أن يقضوا الدين؟ قال: نعم، قال:

قلت: و هو لم يترك شيئا، قال: إذا أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا عنه الدين».

ثم أجاب عن الرواية المذكورة بالمنع من الدلالة على محل النزاع، قال:

أما أولا فلاحتمال أن يكون القتل خطاء أو شبهة، و اما ثانيا فلان السؤال وقع عن أولياء أخذوا الدية، و نحن نقول بموجبه، فإن الورثة لو صالحوا القاتل على الدية وجب قضاء الدين منها انتهى.

____________

(1) الظاهر أن المراد بالطبرسي هنا هو الشيخ أبو منصور احمد بن أبي طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج، فإنه صاحب هذه الكنية، و لم أقف على نقل قوله في الفقه الا هذا المكان و سيأتي جملة من المواضع لفظ الطبرسي خاصة، و هو يحتمل للمذكور هنا و للشيخ ابى على صاحب مجمع البيان- منه.

(2) سورة الإسراء الآية 33.

(3) سورة المائدة الآية 45.

(4) التهذيب ج 6 ص 192.

180

أقول: ما أجاب به عن الرواية المذكورة جيد، الا أن إيراده هذه الرواية دليلا للشيخ رحمة الله عليه ليس في محله، بل هنا رواية أخرى صريحة فيما ذهب اليه الشيخ، و الظاهر أنها هي المستند له فيما ذهب إليه في نهايته.

و الذي وقفت عليه مما يتعلق بهذا المقام من الروايات منها ما رواه

في التهذيب و الصدوق في الفقيه عن أبى بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قتل و عليه دين و ليس له مال، فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله و عليه دين؟ فقال: أن أصحاب الدين (هم الخصماء) للقاتل، و ان وهب أولياؤه دمه للقاتل ضمنوا الدية للغرماء، و الا فلا».

و رواه

الشيخ أيضا بطريق آخر عن أبى بصير (2) ايضا مثله، الا انه قال: «فان وهبوا أولياؤه دية القاتل فهو جائز، و ان أرادوا القود ليس لهم ذلك، حتى يضمنوا الدين للغرماء، و الا فلا».

و هذه الرواية هي التي أشرنا إليه بأنها دليل لما ذهب اليه الشيخ، قال في الوافي في ذيل هذا الخبر: انما جاز لهم الهبة و لم يجز القود حتى يضمنوا، لانه مع الهبة يتمكن الغرماء من الرجوع الى القاتل بحقهم، بخلاف ما إذا قيد منه.

أقول: ان الخبر الأول قد دل على أنهم يضمنون الدين مع الهبة أيضا، و يدل على ذلك أيضا الخبر الاتى، و مقتضاهما أن الورثة بالهبة يضمنون دين الغرماء، و أنه ليس لهم العفو بدون ذلك، و هو أحد الأقوال في المسألة أيضا على ما نقله في المسالك، فكيف يتم الحكم بجواز الهبة لهم، و رجوع الغرماء على القائل بالدين، كما يظهر من كلامه.

و العجب أنه نقل هذه الاخبار كلها في باب واحد، و لم يتفطن لما ذكرناه، و لا يحضرني وجه للجواب عن ذلك الا بأن تحمل الرواية على جواز الهبة فيما يخصهم من الدية،

____________

(1) الفقيه ج 4 ص 119 التهذيب ج 10 ص 180 و فيه (هم الغرماء).

(2) التهذيب ج 6 ص 312.

181

إذا كان فيها زيادة على الدين، كما يشير اليه كلام الشيخ فيما تقدم من عبارته، و قوله «و جاز لهم العفو بمقدار ما يصيبهم» فان حاصل كلامه أنهم ان لم يفعلوا ذلك أى ان لم يضمنوا الدين لم يكن لهم القود، بل تعين عليهم أخذ الدية، و جاز لهم العفو بمقدار ما يصيبهم من الدية بعد الدين، بحمل ذلك على زيادة الدية على الدين.

و منها ما رواه

في الفقيه عن محمد بن أسلم عن على بن أبي حمزة (1) عن أبى الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)، قال: «قلت له: جعلت فداك رجل قتل رجلا متعمدا أو خطأ و عليه دين و مال فأراد أولياؤه أن يهبوا دمه للقاتل؟ فقال: ان وهبوا دمه ضمنوا الدين، قلت: فإنهم أرادوا قتله فقال: ان قتل عمدا قتل قاتله، و أدى عنه الامام الدين من سهم الغارمين، قلت: فان هو قتل عمدا و صالح أولياؤه قاتله على الدية فعلى من الدين؟ على أوليائه من الدية أو على امام المسلمين؟ فقال: بل يؤدوا دينه من ديته التي صالحوا عليها أولياؤه فإنه أحق بديته من غيره».

و أجاب الشهيد (قدس سره) في كتاب نكت الإرشاد عن رواية أبي بصير التي برواية الشيخ خاصة، لأنها هي المتضمنة لمحل البحث، بضعف السند و ندورها، فلا تعارض الأصول، و حملها الطبرسي المتقدم ذكره على ما إذا بذل القاتل الدية، فإنه يجب على الأولياء قبولها، و لا يجوز للأولياء القصاص الا بعد الضمان، حسبما قدمنا من نقل كلامه.

و أنت خبير بأن رد الخبر بضعف السند غير مرضى على رأينا و لا معتمد، و كذا ارتكاب تأويله من غير معارض، و لا معارض له الا ما نقلناه عنهم آنفا من العمومات، و الواجب تخصيصها به، إذ لا منافاة بين المطلق و المقيد و الخاص و العام، و هذا مقتضى قواعدهم في غير مقام.

و يؤيد الخبير المذكور ما دل من الخبرين المذكورين، على أنه ليس لأولياء الدم هبته حتى يضمنوا الدين ايضا (2).

____________

(1) الفقيه ج 4 ص 83.

(2) وجه التأييد هو أن ظاهر هذه الاخبار مراعاة تقديم أداء الدين و براءة ذمة الميت، فليس لهم عفو عن الدم أو قصاص حتى يضمنوا الدية، إيثارا لبراءة ذمته و خلو عهدته من الدين، فلعل استيفاء القصاص و ان كان حقا لهم كما دلت عليه الآيات و الروايات، لكنه ينبغي في تقييدها بغير صورة الدين مع انحصار المال في الدية، كما هو فرض المسألة، فيجب أخذ الدية البتة و مع عدم أخذها باختيار القصاص أو العفو عن الدم فيجب عليهم ضمانها كما ذكرنا منه- (رحمه الله).

182

و إذا عرفت ذلك فاعلم ان الأشهر الأظهر أن الدية في حكم المال المقتول يقضى منها دينه و يقضى منه وصاياه و ترثها ورثته، و قيل انها لا تصرف في الدين لتأخر استحقاقها عن الحياة التي هي شرط الملك، و الدين كان متعلقا بالذمة حال الحياة، و بالمال بعدها، و الميت لا يملك بعد وفائه.

و لا يخفى ما فيه، فإنه اجتهاد في مقابلة النصوص، و جرءة على أهل الخصوص، و قد عرفت دلالة الروايات المتقدمة على وجوب أداء الدين منها.

و نحوها ما رواه

في الكافي في الصحيح عن يحيى الأزرق (1) و هو مجهول عن أبى الحسن (عليه السلام) «في رجل قتل و عليه دين و لم يترك مالا فأخذ أهله الدين من قاتله أ عليهم أن يقضوا الدين؟ قال: نعم قال: قلت: و هو لم يترك شيئا، قال: قال: إنما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه».

و نحوها رواية أخرى له، و أصرح من ذلك ما ورد من الاخبار الدالة على انه يرثها الورثة على كتاب الله و سنة نبيه (2) (صلى الله عليه و آله) مثل صحيحة سليمان بن خالد و صحيحة عبد الله بن سنان و صحيحة محمد بن قيس و في بعضها عدم إرث الأخوات من الام من الدية.

و بالجملة فإن القول المذكور ظاهر القصور، و قيل: أيضا بالفرق بين دية الخطاء و دية العمد، إذا رضي الوارث بها معللا بأن العمد انما يوجب القصاص، و هو حق للوارث فإذا رضي بالدية كانت عوضا عنه، فكانت أبعد من استحقاق الميت

____________

(1) التهذيب ج 9 ص 167 و ص 245 الفقيه ج 4 ص 167.

(2) التهذيب ج 9 ص 375.

183

من دية الخطاء و فيه ما في سابقه من الضعف و القصور، لعموم جملة من الاخبار المتقدمة و خصوص روايات أبى بصير الثلاثة و لا سيما الأخيرة لقوله فيها «بل يؤدوا دينه من ديته التي صالح عليها أولياؤه فإنه أحق بديته من غيره».

بقي الكلام في أن خبر أبى بصير الثالث ظاهر في أنه مع اختيار الورثة القتل في العمد فالدين على الإمام يؤديه عن الميت من سهم الغارمين، و خبره الثاني يدل على انه على الورثة كما هو فول الشيخ (رحمه الله)، و أنه لا يجوز لهم اختيار القتل الا بعد ضمان الدين، و يمكن الجمع بينهما بحمل الخبر الثالث على وجود الامام و تمكنه من القيام بذلك و حمل الأخر على عدم ذلك و الله العالم.

المسألة التاسعة: إذا جحد المديون المال و لا بينة للمدعى

فهنا صورتان

الاولى- أن يحلف المديون

، و الأشهر الأظهر عدم جواز مطالبته، و ان أقام البينة بذلك، لان اليمين قد ذهب بحقه، و قد تقدمت الأخبار الدالة على ذلك في المسألة الخامسة (1) من المقام الثاني من الفصل الأول في البيع و أركانه.

و قد ورد بإزائها من الاخبار ما يدل على خلاف ذلك. و قد تقدم وجه الجمع بينها ثمة، و في المسألة أقوال آخر شاذة (2) يأتي ذكرها إنشاء الله تعالى في بابها.

نعم لو رجع الحالف بعد ذلك و أتى بالمال من قبل نفسه من غير طلب، و أكذب نفسه فإنه يجوز قوله، صرح بذلك الشيخ في النهاية، فقال: إذا جحد المديون المال و لا بينة فحلفه المدعى عند الحاكم لم يجز له بعد ذلك مطالبته بشيء، فإن جاء الحالف ثانيا و رد عليه ماله جاز له أخذه، فإن أعطاه مع رأس المال ربحا أخذ رأس المال و نصف الربح انتهى. و به صرح ابن البراج.

____________

(1) ج 18 ص 409.

(2) منها قول الشيخ بسماع البينة مطلقا، و قول آخر له في موضع آخر بسماعها مع عدم علمه بها أو نسيانها، و اليه ذهب ابن إدريس، و قول آخر للشيخ المفيد و هو انها تسمع الا مع اشتراط سقوطها- منه (رحمه الله).

184

و قال ابن إدريس: ان كان المال دينا أو قرضا أو غصبا و اشترى الغاصب في الذمة، و نقد المغصوب فالربح كله له دون المالك، و ان اشترى بالعين المغصوبة فالصحيح بطلان البيع، و الأمتعة لأصحابها، و الأرباح و الأثمان لأصحابها، و ان كان مضاربة شرط له من الربح النصف صح قول الشيخ و حمل عليه، و خص ما ورد من الاخبار بذلك، فان العموم قد يخص، للدلالة، و قال العلامة في المختلف بعد نقل القولين المذكورين: أقول: الشيخ (رحمه الله) لم يتعرض لبيان مستحق الربح، و انما قال: إذا دفع الحالف المال و الربح أخذ المالك المال لاستحقاقه إياه، و أخذ نصف الربح من حيث ان الحالف أباحه الأخذ، و كان ينبغي ان يأخذ نصفه على عادات العاملين في التجارات انتهى.

أقول: الذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك ما رواه

الصدوق و الشيخ في كتابيهما عن مسمع (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انى كنت استودعت رجلا مالا فجحدنيه فحلف لي، ثم انه جاءني بعد ذلك بسنتين بالمال الذي كنت استودعته إياه، فقال: هذا مالك فخذه، و هذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك فهي لك مع مالك، و اجعلني في حل فأخذت المال منه، و أبيت أن آخذ الربح منه، و وقفت المال الذي كنت استودعته، و أتيت حتى أستطلع رأيك فما ترى؟ قال: فقال:

خذ نصف الربح، و أعطه النصف، و حلله ان هذا رجل تائب و الله يحب التوابين».

و بمضمونه أفتى الصدوق في باب بطلان حق المدعى بالتحليف، و ان كان له بينة من كتاب الفقيه، فقال: متى جاء الرجل الذي حلف على حق ثانيا و حمل ما عليه ما ربح فيه فعلى صاحب الحق أن يأخذ منه رأس المال و نصف الربح، و يرد عليه نصف الربح، فان هذا رجل تائب انتهى.

و ما

في كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام)، و إذا أعطيت رجلا مالا فجحدك و حلف عليه ثم أتاك بالمال بعد مدة و بما ربح فيه و ندم على ما كان منه فخذ منه رأس

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 180 الفقيه ج 4 ص 194.

185

مالك، و نصف الربح، و رد عليه نصف الربع هذا رجل تائب انتهى (1).

ثم ان الظاهر ان مناقشة ابن إدريس هنا واهية، و تخصيصه جواز الأخذ بالمضاربة و شرط نصف الربح أبعد بعيد، فإنه لا يخفى أن المتعارف بين التجار كما هو الآن المعمول عليه بينهم فكذا في الأزمنة السابقة أن الاشتراء انما يقع في الذمة، فالبيع صحيح بلا اشكال، و الربح للمشتري بلا خلاف، و لكن الرجل لما قصد التوبة و ندم على ما وقع منه ظن أن ما حصله من الربح بواسطة هذا المال انما هو لصاحب المال فاتى به ليطلب طيب نفسه، و أن يحلله و يبرئ ذمته، و الامام (عليه السلام) أمره بأخذ رأس المال لانه حقه في ذمته، و ان لم يجز له المطالبة به بعد الرضا باليمين، فلما بذله الرجل و اعترف به جاز له أخذه و امره بأخذ نصف الربح في مقابلة تحليله و إبراء ذمته و رضاء نفسه لا تكون ذلك حقا شرعيا، فهو من قبيل الصلح على ذلك، و انما خصه بالنصف إيثارا للرجل المديون من حيث توبته، و أن الله تعالى يحبه من هذه الجهة، فينبغي أن يسامحه له نصف الربح، و ان كان هو قد سمح بالربح، هذا هو الظاهر من سياق الخبرين (2) المذكورين.

ثم ان الظاهر من كلام الأصحاب أنه لو أكذب نفسه و ان لم يأت بالمال فإنه يجوز مطالبته، و تحل مقاصته مما يجده الغريم من أمواله متى امتنع من التسليم، و لم أقف فيه على نص: و مورد الروايتين المتقدمتين انما هو بذل المديون المال، و الإتيان به، بل ربما ظهر من رواية المسئلة- الدالة على أنه إذا استحلفه فليس

____________

(1) أقول: قال (عليه السلام) في كتاب الفقه بعد هذا الكلام بيسير فإن أتاك الرجل بحقك بعد ما حالفته من غير ان تطالبه، فان كنت مؤسرا أخذته فتصدقت به، و ان كنت محتاجا أخذت لنفسك، و الظاهر حمله على الاستحباب جمعا بينه و بين كلامه المذكور في الأصل- منه (رحمه الله).

(2) هذا الأمر هنا مفهوم من سياق الكلام و ان لم يقع التصريح به في الخبر الا أنه ظاهر بغير اشكال منه (رحمه الله).

186

له أن يأخذ منه شيئا، و ان لم يستحلفه فهو على حقه- هو عدم الجواز، لأنها شاملة بإطلاقها لما لو أكذب نفسه، أو بقي على إنكاره، نعم خرج منها مورد النص المذكور من إعطائه المال من قبل نفسه، و يبقى ما عداه و الى ما ذكرنا يشير كلام صاحب الكفاية (1).

الثانية- أن يجحد نفسه و يتعذر استيفائه منه

، و لا إشكال في جواز الأخذ منه مقاصة، و ان أمكن إقامة البينة بالحق عند الحاكم، و قيل: بعدم الجواز مع إمكان الإثبات عند الحاكم الشرعي، و قد تقدم تحقيق في هذا المقام في المسألة المشار إليها في صدر هذا الكلام مفصلا جليا و الله العالم.

المسألة العاشرة- من المستحبات في هذا الباب

هو أنه يستحب للغريم

الإرفاق بالمديون في الاقتضاء و المسامحة في الحساب و عدم الاستقضاء

، و يدل على ذلك ما رواه

الشيخ في التهذيب عن حماد بن عثمان (2) قال: «دخل رجل على أبى عبد الله (عليه السلام) فشكى اليه رجلا من أصحابه فلم يلبث أن جاء المشكو فقال له:

أبو عبد الله (عليه السلام) ما لأخيك فلان يشكوك؟ فقال له: يشكوني أني استقضيت منه حقي قال: فجلس مغضبا فقال: كأنك إذا استقضيت حقك لم تسئ أ رأيت ما حكى الله تعالى في كتابه فقال «وَ يَخٰافُونَ سُوءَ الْحِسٰابِ» (3) أ ترى أنهم خافوا الله أن يجور عليهم، لا و الله ما خافوا الا الاستقضاء فسماه الله عز و جل سوء الحساب، فمن استقضى

____________

(1) حيث قال: قالوا و لو أكذب نفسه جاز مطالبته، و حل مقاصته مما يجده له مع امتناعه من التسليم، لتصادقها على بقاء الحق في ذمة الخصم، لكن ظاهر الروايات المذكورة على خلافه انتهى، و ممن صرح بالحكم المنقول عنهم (رضوان الله عليهم) المحقق في الشرائع، فقال: أما لو أكذب الحالف نفسه جاز مطالبته، و حل مقاصته مما يجد له مع امتناعه من التسليم- منه (رحمه الله).

(2) التهذيب ج 6 ص 194 الكافي ج 5 ص 101.

(3) سورة الرعد الآية- 23.

187

فقد أساء».

و روى العياشي في تفسيره عن حماد بن عثمان (1) مثله

و روى الصدوق في كتاب معاني الاخبار عن حماد بن عثمان (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه قال: لرجل يا فلان مالك و لأخيك؟ قال: جعلت فداك كان لي عليه شيء فاستقضيت عليه حقي فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أخبرني عن قول الله عز و جل «يَخٰافُونَ سُوءَ الْحِسٰابِ» أ تريهم يخافون أن يحيف الله عليهم أو يظلمهم و لكن خافوا الاستقضاء و المداقة».

و ما رواه

في الكافي (3) عن محمد بن يحيى رفعه الى أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قال له رجل: ان لي على بعض الحسنيين مالا و قد أعياني أخذه و قد جرى بيني و بينه كلام، و لا آمن أن يجرى بيني و بينه ما اغتم له، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) ليس هذا طريق التقاضي، و لكن إذا أتيته فاطل الجلوس، و الزم السكوت قال الرجل: فما فعلت ذلك الا يسيرا حتى أخذت مالي».

و منها الانظار و التحليل

- و يدل على الأول بعد الآية أعنى قوله عز و جل (4) وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ»- الأخبار

فروى في الكافي عن معاوية بن عمار (5) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «من أراد أن يظله الله يوم لا ظل الا ظله، قالها ثلاثا و هابه الناس أن يسألوه فقال: فلينظر معسرا أو يدع له من حقه».

و بهذا المضمون أخبار عديدة في كتاب ثواب الأعمال.

و روى في التهذيب عن إبراهيم بن عبد الحميد (6) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان لعبد الرحمن بن سيابة دينا على رجل قد مات، و كلمناه أن يحلله فأبى، قال: ويحه أما يعلم أن له بكل درهم عشرة دراهم إذا حلله، فان لم يحلله فإنما له درهم بدرهم».

____________

(1) الوسائل الباب 16- من أبواب الدين و القرض.

(2) الوسائل الباب 16- من أبواب الدين و القرض.

(3) الكافي ج 5 ص 101.

(4) سورة البقرة الآية 280.

(5) الكافي ج 4 ص 35.

(6) التهذيب ج 6 ص 195 الفقيه ج 3 ص 117.

188

و أما ما رواه في

التهذيب عن هيثم الصيرفي (1) عن رجل عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في رجل كان له على رجل دين و عليه دين، فمات الذي عليه فسأل أن يحلله منه أيهما أفضل يحلله منه أو لا يحلله قال: دعه ذا بذا».

فقيل: انه محمول على ما إذا كان صاحب الدين معسرا عن أداء ما عليه من الدين، فإنه لعل الله أن يتيح له من يقضى دين ذلك الميت فيقضى به الحي دينه.

و منها حسن القضاء

، فروى في الفقيه مرسلا (2) «قال النبي (صلى الله عليه و آله): ليس من غريم ينطلق من عند غريمه راضيا الا صلت عليه دواب الأرض، و نون البحور، و ليس من غريم ينطلق صاحبه غضبان و هو مليء إلا كتب الله له بكل يوم يحبسه و ليلة ظلما».

و روى في الكافي عن أبى بصير (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): المدين ثلاثة، رجل كان له فأنظر، و إذا كان عليه أعطى و لم يمطل، فذاك له و لا عليه، و رجل إذا كان له استوفى، و إذا كان عليه أوفى فذاك لا له و لا عليه، و رجل إذا كان له استوفى، و إذا كان عليه مطل فذاك عليه و لا له».

و منها أن لا ينزل على غريمه

، و لا يأكل طعامه و شرابه، فان فعل فلا يزيد على ثلاثة أيام، و أن يحتسب ما يهديه اليه من دينه.

فروى في الكافي و التهذيب عن جراح المدائني (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام) أنه كره أن ينزل الرجل على الرجل و له عليه دين، و ان كان قد صرها له الا ثلاثة أيام».

و روى المشايخ الثلاثة نور الله تعالى مراقدهم، عن سماعة (5) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينزل على الرجل و له عليه دين أ ياكل من طعامه فقال:

نعم يأكل من طعامه ثلاثة أيام، ثم لا يأكل بعد ذلك شيئا».

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 189.

(2) الفقيه ج 3 ص 113.

(3) الكافي ج 5 ص 97.

(4) الكافي ج 5 ص 102 التهذيب ج 6 ص 204.

(5) الكافي ج 5 ص 102 التهذيب ج 6 ص 204.

189

و روى في التهذيب عن جميل بن دراج (1) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يأكل عند غريمه أو يشرب من شرابه أو يهدي له الهدية؟ قال: لا بأس به».

و روى في التهذيب عن الحلبي (2) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) «أنه كره للرجل أن ينزل على غريمه، قال: لا يأكل من طعامه، و لا يشرب من شرابه، و لا يعتلف من علفه».

و روى في الفقيه (3) مرسلا قال: «و سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل الدراهم و المال، فيدعوه الى طعامه أو يهدي له الهدية قال:

لا بأس».

و روى في الكافي و التهذيب عن غياث بن إبراهيم (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «ان رجلا أتى عليا فقال له: ان لي على رجل دينا فأهدى الى هدية فقال (عليه السلام): احسبه من دينك عليه».

أقول: المستفاد من هذه الاخبار- بعد ضم بعضها الى بعض بحمل مطلقها على مقيدها و مجملها على مبينها و به صرح الأصحاب أيضا- هو كراهة النزول على الغريم مطلقا، و ان كانت الثلاثة أخف كراهة و هي و ان كانت سنة بالنسبة إلى الضيف النازل على أهل البلد، لكن في غير صورة الدين، و المنقول عن الحلي التحريم فيما زاد على الثلاثة، و يحتمل خروج الثلاثة من الكراهة بالنظر الى ما قلناه، و تخصيصها بما عدا الثلاثة، و أنه، يستحب احتساب الهدية من الدين، كما قدمنا ذكره في صدر الكلام.

و مثل رواية غيث في الدلالة على ذلك مفهوم رواية هذيل بن حيان الصيرفي المتقدمة في الموضع الأول من المقصد الأول في القرض، و قوله فيها «ان كان يصلك

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 204.

(2) التهذيب ج 6 ص 204.

(3) الفقيه ج 3 ص 181.

(4) الكافي ج 5 ص 103.

190

قبل أن تدفع اليه مالك فخذ ما يعطيك» فان مفهومه المنع من قبول ذلك لو لم يكن كذلك، و قد قدمنا ثمة بيان حمله على الكراهة، و الاستحباب أن يحسبه من الدين قال في الدروس: و يستحب احتساب هدية الغريم من دينه، للرواية عن على (عليه السلام) و يتأكد فيما لم يجر عادته به انتهى. و الظاهر أنه أشار بقوله و يتأكد الى آخره الى ما ذكرنا من رواية هذيل بن حبان، فإنها هي المتضمنة لذلك مما وصل إلينا من الاخبار.

و كيف كان فما ذكرناه من كراهة النزول ينبغي حمله على ما لم يظهر من المديون كراهة النزول عليه، و التأذي بالجلوس عنده و أكل طعامه، و الا فلا يبعد التحريم، و الاحتياط لا يخفى.

و منها ترك التعرض للمديون في الحرم

و قد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام في المسألة الثالثة من هذا المقصد.

و منها استحباب التقصير على نفسه لأجل التوصل إلى أداء دينه

، و به يجمع بين ما دل من الاخبار على وجوب ذلك، كروايتي سماعة المتقدمتين في صدر هذا الكتاب، و بين ما دل على العدم، كرواية أبي موسى و رواية موسى بن بكر و مرسلة على بن إسماعيل المتقدم جميعه ثمة (1).

قال في الدروس: و يجب على المديون الاقتصاد في النفقة، و يحرم الإسراف، و لا يجب التقتير، و هل يستحب؟ الأقرب ذلك إذا رضي عياله.

و منها استحباب الاشهاد على الدين

فروى في الكافي عن جعفر بن إبراهيم (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «أربعة لا يستجاب لهم دعوة، الرجل جالس في بيته يقول اللهم ارزقني، فيقال له: أ لم آمرك بالطلب، و رجل كانت له امرأة فدعا عليها، فيقال له: أ لم أجعل أمرها إليك، و رجل كان له مال فأفسده، فيقول: اللهم ارزقني، فيقال: أ لم آمرك بالاقتصاد، أ لم آمرك بالإصلاح، ثم قال:

____________

(1) ص 100.

(2) أصول الكافي ج 2 ص 511.

191

«وَ الَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً» و رجل كان له مال فأدانه بغير بينة، فيقال له: أ لم آمرك بالشهادة».

و عن عمران بن أبى عاصم (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) أربعة لا يستجاب لهم دعوة، أحدهم رجل كان له مال فأدانه بغير بينة، يقول:

الله عز و جل أ لم آمرك بالشهادة».

و عن عبد الله بن سنان (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «من ذهب حقه على غير بينة لم يؤجر».

و منها استحباب ترك الاستدانة مع الاستغناء

و قد تقدمت الأخبار الدالة على ذلك في صدر هذا الكتاب.

و منها انه يستحب أداء الدين على الأبوين

و يتأكد بعد الموت،

فروى الحسين بن سعيد في كتاب الزهد عن محمد بن مسلم (3) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «ان العبد ليكون بارا بوالديه في حياتهما ثم يموتان فلا يقضى عنهما الدين و لا يستغفر لهما فيكتبه الله عاقا، و انه ليكون غير بار لهما في حياتهما فإذا ماتا قضى عنهما الدين، و استغفر لهما، فيكتبه الله بارا، قال: و قال أبو عبد الله (عليه السلام) أن أحببت أن يزيد الله في عمرك فبر أبويك، و قال: البر يزيد في الرزق».

و عن سالم الحناط (4) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: أ يجزي الولد الوالد؟ قال: لا إلا في خصلتين يجده مملوكا فيشترى فيعتقه، أو يكون عليه دين فيقضيه عنه».

و رواه الكليني و كذا الذي قبله.

المسألة الحادية عشر- لو ضمن أحد عن الميت دينه

، فالظاهر أنه لا خلاف في أنه تبرأ ذمته و ينتقل المال إلى ذمة الضامن، سواء كان في مرض الموت أو قبله أو بعده، و استدل عليه بأن الضمان ناقل فهو بمنزلة الأداء، و المعتمد في ذلك انما هو الاخبار المتفقة على الحكم المذكور.

و منها ما رواه

ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله

____________

(1) الوسائل الباب- 10 من أبواب الدين.

(2) الوسائل الباب- 10 من أبواب الدين.

(3) الوسائل الباب- 30 من أبواب الدين.

(4) الوسائل الباب- 30 من أبواب الدين.

192

بن سنان (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يموت و عليه دين فيضمنه ضامن للغرماء، فقال: إذا رضى به الغرماء فقد برئت ذمة الميت».

و ما رواه

الشيخ في التهذيب عن إسحاق بن عمار (2) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يكون عليه دين فحضره الموت فيقول وليه: على دينك قال:

يبرؤه ذلك و ان لم يوفه وليه من بعده، و قال: أرجو ان لا يأثم و انما إثمه على الذي يحبسه».

و ما رواه

في الكافي و التهذيب عن الحسين بن الجهم (3) في الموثق قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل مات و له على دين و خلف ولدا رجالا و نساء و صبيانا فجاء رجل منهم فقال: أنت في حل مما لأبي عليك من حصتي، و أنت في حل مما لإخوتي و أخواتي و أنا ضامن لرضاهم عنك، قال: تكون في سعة من ذلك و حل، قلت:

فان لم يعطهم؟ قال: ذلك في عنقه، قلت: فان رجع الورثة على؟ فقالوا أعطنا حقنا فقال: لهم ذلك في الحكم الظاهر، فأما ما بينك و بين الله عز و جل فأنت في حل إذا كان الرجل الذي أحل لك يضمن لك عنهم رضاهم فيحتمل لما ضمن لك، قلت:

فما تقول في الصبي لامه أن تحلل؟ قال: نعم إذا كان لها ما ترضيه أو تعطيه، قلت: و ان لم يكن لها، قال: فلا، قلت: فقد سمعتك تقول: أنه يجوز تحليلها، فقال: إنما أعني بذلك إذا كان لها، قلت: فالأب يجوز تحليله على ابنه فقال له: ما كان لنا مع أبى الحسن (عليه السلام) أمر يفعل في ذلك ما شاء، قلت: فان الرجل ضمن لي عن ذلك الصبي، و أنا من حصته في حل فان مات الرجل قبل أن يبلغ الصبي فلا شيء عليه؟ قال الأمر جائز على ما شرط لك».

و أنت خبير بأنه بالنظر الى هذه الاخبار لا اشكال فيما ذكرنا من الحكم المذكور، انما الإشكال في أن المشهور اشتراط صحة الضمان برضا المضمون

____________

(1) الكافي ج 5 ص 99 التهذيب ج 6 ص 187.

(2) التهذيب ج 6 ص 188.

(3) التهذيب ج 9 ص 167.

193

له، و نقل عن الشيخ العدم، و هذه الاخبار قد اختلفت في ذلك، فظاهر صحيحة عبد الله بن سنان المذكورة بل صريحها الدلالة على القول المشهور.

و ظاهر الخبرين الأخيرين الدلالة على القول الأخر، و مثلهما أيضا في الدلالة على ذلك، ما رواه

الشيخ عن حبيب الخثعمي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يكون عنده المال وديعة يأخذ منه بغير اذن صاحبه؟ قال: لا يأخذ الا أن يكون له وفاء، قال: قلت: أ رأيت ان وجد من يضمنه و لم يكن له وفاء و أشهد على نفسه الذي يضمنه يأخذ منه؟ قال: نعم».

قال في الوافي يعني و أشهد الضامن على نفسه بأنه ضامن، و ينبغي حمله على ما إذا كان الضامن مليا، لما تقدم في موثقة الحسين بن الجهم، و المسألة لذلك محل اشكال، حيث أنه لا يحضرني الان وجه يجمع به بين هذه الاخبار-

[فوائد في موثقة الحسين بن الجهم]

ثم انه لا يخفى ان موثقة الحسين بن الجهم قد اشتملت على فوائد لطيفة، و نكت شريفة يحسن التنبيه عليها في المقام.

الفائدة الأولى

- يفهم من الخبر المذكور أن الأحكام الشرعية انما تبنى على ما هو الظاهر دون الواقع و نفس الأمر، كما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم، سيما في كتب العبادات، فإنه حكم بجواز رجوع الورثة عليه في الحكم الظاهر، و ان كان في الواقع صار بريء الذمة بضمان الولي.

الفائدة الثانية

- فيه دلالة على القاعدة المشهورة من تقييد المطلق و تخصيص العام، حيث أنه بعد ان أفتى بأن تحليل الام مشروط بأن يكون لها مال، قال له السائل: انى سمعت تقول أنه يجوز تحليلها مطلقا، أجاب (عليه السلام) بأني إنما أردت بذلك أن يكون لها مال، فصار فتواه في هذا الخبر مخصصا لما أطلقه أولا مما سمعه الراوي قبل هذه المسألة.

الثالثة

- ما ذكره (عليه السلام) من جواز تحليل الأب على ابنه، لعله محمول على الاستحباب، بمعنى أنه يستحب للابن الرضا بذلك، كما يشير حكايته عن أبيه (عليه السلام)

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 180 الفقيه ج 3 ص 194.

194

و أنه ليس لهم معه أمر، و أنه يفعل في أموالهم ما يشاء، و قد تقدم تحقيق المسألة و أن الحق انه ليس للأب التصرف في مال ابنه زيادة على النفقة الواجبة الا على جهة القرض، و ان دل جملة من الاخبار على الجواز مطلقا، مثل ظاهر هذا الخبر، و قد ذكرنا أن الأظهر حملها على التقية، و اما هذا الخبر فالظاهر حمله على الاستحباب كما ذكرناه.

الرابعة

- فيه دلالة على اشتراط أن يكون الضامن مليا لانه (عليه السلام) شرط في تحليل الام أن يكون لها مال- و به صرح الأصحاب أيضا- إلا مع رضاء المستحق بضمان المعسر، فإنه يلزم أيضا، و يدل عليه حديث ضمان على بن الحسين (عليه السلام) لدين عبد الله بن الحسن (1).

الخامسة

- ظاهر الخبر المذكور و كذا خبر إسحاق بن عمار صحة الضمان بغير الصيغة التي اشترطها الأصحاب، حتى أن بعضهم صرح بأنه لو قال: على دينه أو ما عليه على، فإنه لا يوجب الضمان، لجواز إرادته أن للغريم تحت يده مال، أو أنه قادر على تخليصه، مع أن موثقة إسحاق صريح في براءة ذمته، لقوله على دينك، و هو مما يؤيد ما قدمناه من سعة الدائرة في العقود الشرعية.

المسألة الثانية عشر [وجوب دفع جميع ما يملكه المديون في الدين مع حلول الدين و طلب صاحبه]

- المفهوم من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) أنه يجب على المديون دفع جميع ما يملكه في الدين مع حلول الدين و طلب صاحبه، و لا يجوز تأخيره و الحال هذه، فإن أخره كان عاصيا، و وجب على الحاكم حبسه.

____________

(1) و هو ما رواه

في الفقيه و التهذيب عن عيسى بن عبد الله انه احتضر عبد الله بن الحسن (عليه السلام) فاحتج عليه غرماؤه و طالبوه بديونهم فقال: لا مال عندي فأعطيكم و لكن ارضوا بمن شئتم من بنى عمى على بن الحسين (عليهما السلام) أو عبد الله بن جعفر (رضى الله عنه) فقال الغرماء: اما عبد الله بن جعفر فملي مطول، و على بن الحسين رجل لا مال له صدوق، و هو أحبها إلينا فأرسل إليه أخبره بالخبر فقال: أضمن لكم المال إلى غلة و لم يكن له غلة، فقال القوم: قد رضينا و ضمنه، فلما أتت الغلة أتاح الله عز و جل- له بالمال فاداه منه- (رحمه الله).

- التهذيب ج 6 ص 211 الفقيه ج 3 ص 55.

195

و يستثني له من ما يملكه دار السكنى، و عبد الخدمة و فرس الركوب ان كان من أهلهما، و قوت يوم و ليلة له و لعياله، و ثياب تجمله، و كذا ثياب عياله، و زاد بعض استثناء كتب العلم.

و لعل مستندهم في الحكم الأول عموم أدلة وجوب أداء الدين و إبراء الذمة من أموال الناس مع القدرة و التمكن، و كأنه مجمع عليه بينهم، بل قيل: بين المسلمين و حينئذ فلا بد لكل ما استثنى من دليل، فأما دار السكنى فنقل في التذكرة إجماع علمائنا على عدم جواز بيعها، خلافا للعامة.

و يدل على ذلك جملة من الاخبار، منها ما رواه

في الكافي عن عثمان بن زياد (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان لي على رجل دينا و قد أراد أن يبيع داره فيقضيني فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أعيذك بالله ان تخرجه من ظل رأسه، أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه، أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه».

و ما رواه

في الفقيه و التهذيب عن إبراهيم بن هاشم (2) «أن محمد بن أبى عمير كان رجلا بزازا فذهب ماله و افتقر، و كان له على رجل عشرة آلاف درهم فباع دارا له كان يسكنها بعشرة آلاف درهم، و حمل المال الى بابه فخرج اليه محمد بن أبى عمير فقال: ما هذا فقال: هذا مالك الذي لك على قال: ورثته؟ قال:

لا، قال: وهب لك؟ قال: لا، قال: فهل هو ثمن ضيعة بعتها؟ قال: لا، قال: فما هو؟ قال: بعت داري التي أسكنها لأقضي ديني، فقال: محمد بن أبى عمير حدثني ذريح المحاربي عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: لا يخرج الرجل عن مسقط رأسه بالدين، ارفعها فلا حاجة لي فيها، و الله انى لمحتاج في وقتي هذا الى درهم واحد، و ما يدخل ملكي منها درهم واحد».

و ما رواه

في الكافي عن الحلبي (3) في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله

____________

(1) الكافي ج 5 ص 97 لكن فيه مرة واحدة (أعيذك بالله) الى آخره.

(2) التهذيب ج 6 ص 198 الفقيه ج 3 ص 117.

(3) الكافي ج 5 ص 98.

196

(عليه السلام) قال: «لا تباع الدار و لا الجارية في الدين، و ذلك أنه لا بد للرجل من ظل يسكنه و خادم يخدمه».

و ما رواه

الشيخ عن مسعدة بن صدقة (1) قال: «سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول و سئل عن رجل عليه دين و له نصيب في دار و هي تغل غلة فربما بلغت غلتها فوته، و ربما لم تبلغ حتى يستدين، و ان هو باع الدار و قضى دينه بقي لا دار له؟

فقال: ان كان في داره ما يقضى به دينه و يفضل منها ما يكفيه و عياله فليبع الدار و الا فلا».

و عن ذريح المحاربي (2) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه قال: لا يخرج الرجل من مسقط رأسه بالدين.

و قال الصدوق: كان شيخنا محمد بن الحسن رضى الله عنه (3) «يروى انه ان كانت الدار واسعة يكتفى صاحبها ببعضها فعليه أن يسكن منها ما يحتاج و يقضى ببقيتها دينه، و كذا ان كفته دار بدون ثمنها باعها و اشترى بثمنه دارا ليسكنها و يقضى بباقي الثمن دينه».

و هذه الروايات كما ترى ظاهرة في استثناء الدار كما ذكره الأصحاب، و دلت صحيحة الحلبي أو حسنته على استثناء الجارية أيضا، و في معناها العبد أيضا، و لعل ذكر الجارية إنما خرج مخرج التمثيل.

و الظاهر أن الاستثناء انما هو بالنسبة الى ما يجب عليه من وجوه الأداء، بمعنى أنه لا يجب عليه بيع داره لوفاء دينه، و لا يجبره الحاكم على ذلك، أو يبيع عليه قهرا، أما لو اختار هو قضاء دينه ببيع داره فالظاهر أنه لا مانع منه، و أما حديث ابن ابى عمير و امتناعه من القبول، فالظاهر أنه لمزيد ورعه و تقواه، فعلى هذا ينبغي أن يحمل كلام الأصحاب بقولهم لا يجوز بيع الدار و نحوها على ما ذكرناه بمعنى أنه لا يقهر على ذلك و يلزم به.

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 198.

(2) الفقيه ج 2 ص 118.

(3) الفقيه ج 2 ص 118.

197

و أما ما رواه

الشيخ بسنده عن سلمة بن كهيل (1) قال: «سمعت عليا (عليه السلام) يقول لشريح: انظر الى أهل المعك و المطل و رفع حقوق الناس من أهل القدرة و اليسار ممن يدلي بأموال المسلمين الى الحكام فخذ للناس بحقوقهم منهم، و بع فيها العقار و الديار، فانى سمعت رسول الله (عليه السلام) يقول: مطل المسلم الموسر ظلم للمسلم، و من لم يكن له عقار و لا دار و لا مال فلا سبيل عليه» الحديث.

و رواه الصدوق عن الحسن بن محبوب عن عمر بن أبى المقدام عن أبيه عن سلمة بن كهيل (2) مثله، فقيل انه مخصوص بالغني إذا أمطل و أخفى ماله، و احتمل فيه أيضا الحمل على ما يزيد على قدر الحاجة، و الأقرب عندي الحمل على التقية كما يفهم من عبارة التذكرة المتقدمة، و ممن نقل عنه ذلك لشريح المذكور في هذا الخبر، الشافعي و مالك في تتمة الخبر- مما لم نذكره- ما يساعد على هذا الاحتمال أيضا (3).

و ما نقله الصدوق عن شيخه المذكور يدل عليه خبر مسعدة بن صدقة (4) و العمل به متجه، و لا منافاة فيه، لباقي أخبار المسألة لأن الظاهر منها كما يشير اليه

قوله (عليه السلام) في خبر عثمان بن زياد «أعيذك بالله أن تخرجه».

الى آخره انما كونه مع بيع الدار يبقى بلا دار بالكلية» و اليه يشير أيضا قوله في رواية الحلبي لا بد للرجل من ظل يسكنه.

و أما ما يدل على استثناء الخادم فالظاهر أنه الإجماع، مضافا الى رواية الحلبي

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 225 الفقيه ج 3 ص 8.

(2) التهذيب ج 6 ص 225 الفقيه ج 3 ص 8.

(3) حيث قال فيه «ورد اليمين على المدعى مع بينته، فان ذلك اجلى للعمى و أثبت في القضاء» فان اليمين لا محل لها هنا عندنا، لأن وظيفة المدعى البينة، فإذا أقام البينة ثبت حقه، و لا يكلف اليمين معها، و انما هو مذهب جملة من العامة، و احتمل بعض مشايخنا الاختصاص بشريح المخاطب بهذا الكلام حيث انه ليس أهل للقضاء- منه (رحمه الله).

(4) التهذيب ج 6 ص 198.

198

المتقدمة، و اما غيرهما فلم أقف عليه في شيء من الاخبار، و الظاهر انه من أجل ذلك اقتصر المحدث الكاشاني في المفاتيح عليهما، مع أن عادته غالبا اقتفاء اثر المشهور في هذا الكتاب، و لعل المستند فيه هو الضرورة و الحاجة مع انه

قد روى في الكافي عن عمر بن يزيد (1) قال: «اتى رجل أبا عبد الله (عليه السلام) يقتضيه و انا حاضر فقال له:

ليس عندنا اليوم شيء و لكن يأتينا خطر و وسمة فتباع و نعطيك إنشاء الله تعالى فقال له الرجل: عدني فقال له: كيف أعدك و انا لما لا أرجو أرجى منى لما أرجو».

و أنت خبير بما في هذا الخبر من الدلالة على التوسعة و عدم ما ذكروه من التضييق، فإنه يبعد كل البعد ان لا يكون له (عليه السلام) مال بالكلية سوى المستثنيات المذكورة، إذ المستفاد من الاخبار أنه كان ذا ثروة و أملاك و ان تعذر عليه النقد في ذلك الوقت.

و يؤيده أيضا ما رواه

في الكافي و التهذيب و الفقيه عن بريد العجلي (2) في الصحيح في بعضها قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان على دينار- و أظنه قال:- لأيتام- و أخاف ان بعت ضيعتي بقيت و ما لي شيء، فقال: لا تبع ضيعتك و لكن أعطه بعضا و أمسك بعضا».

و احتمال انظار الولي له، أو انه (عليه السلام) رخص له لولايته العامة كما قيل الظاهر بعده، سيما انا لم نقف لهم لما ذكروه من التضييق هنا على الوجه المذكور في كلامهم على دليل واضح من كتاب و سنة، و نحو صحيحة بريد المذكور فيما دلت عليه قوله (عليه السلام)

في كتاب فقه الرضوي (3) «و ان كان له ضيعة أخذ منه بعضها، و ترك البعض إلى ميسرة».

على أنه مما يبعد كل البعد استثناء مثل الخادم و الفرس و نحوهما مما تقدم مع عدم جواز أزيد من قوت يوم و ليلة، مع أن القوت أضر، و بالجملة فالمسألة لا يخلو من شوب الإشكال (4).

____________

(1) الكافي ج 5 ص 98 التهذيب ج 6 ص 186.

(2) الكافي ج 5 ص 98 التهذيب ج 6 ص 187.

(3) المستدرك ج 2 ص 491.

(4) أقول و ملخص ما ذكر أنه مع ثبوت المنع من بيع هذه الأشياء في الدين و استثنائها لأجل الضرورة، أو لورود النص في بعضها لا يدل على وجوب بيع ما سواها في الدين، كما ادعوه، لما عرفت من حديث الصادق (عليه السلام) مع غريمه، و نحوه الذي بعده، فإنه لو كان الأمر كما ذكروه لم يتجه لما دل عليه هذان الخبران من حمل يحملان عليه منه (رحمه الله).

199

و أما ما تقدم من أنه مع القدرة على الوفاء و المقابلة بالمطل فإنه يحبس، فيدل عليه ما رواه

في الكافي و التهذيب عن عمار بن موسى (1) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه ثم يأمر فيقسم ماله بينهم بالحصص، فان أبى باعه فيقسمه بينهم يعنى ماله».

و عن غياث (2) «عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام)، انه كان يحبس بالدين فإذا تبين له إفلاس و حاجة خلى سبيله حتى يستفيد مالا».

و في معناهما أخبار أخر.

و ما رواه

في التهذيب عن السكوني (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أن عليا (عليه السلام)، كان يحبس في الدين ثم ينظر فان كان له مال اعطى الغرماء، و ان لم يكن له المال دفعه الى الغرماء فيقول لهم اصنعوا به ما شئتم، ان شئتم آجروه و ان شئتم استعملوه».

الحديث هذا- و لا يخفى ما فيه.

أما ما دل عليه خبر السكوني من أنه دفعه الى الغرماء ليؤجروه أو يستعملوه مع ظهور إفلاسه، ظاهر المنافاة لما دل عليه خبر غياث، و ما في معناه من أنه يخلى سبيله حتى يستفيد مالا، و ظاهر جملة من الأصحاب حمل خبر السكوني على من يمكنه التكسب و أنه مع إمكان ذلك يجب عليه، و هو أحد القولين في المسألة، و به قال ابن حمزة و العلامة في المختلف و الشهيد في الدروس (4) و منع ذلك الشيخ في الخلاف

____________

(1) الكافي ج 5 ص 102 التهذيب ج 6 ص 191.

(2) التهذيب ج 6 ص 299.

(3) التهذيب ج 6 ص 300.

(4) قال في الدروس: و يجب التكسب لقضاء الدين على الأقوى بما يليق بالمديون و لو كان بإجارة نفسه، و عليه تحمل الرواية عن على (عليه السلام) و هذا القول ظاهره ايضا في اللمعة، و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في شرحها، الا ان ظاهره في المسالك خلاف ذلك، حيث انه نسب العمل بالرواية الى ابن حمزة، و العلامة في المختلف، و الشهيد خاصة، لكنه قال: قيل ذلك بعد أن نقل عن جماعة من الأصحاب أنهم أطلقوا عدم وجوب التكسب عليه، و عدم قبول الهبة، و لا الصدقة و لا الوصية، و نحوها ما لفظه: و لو قيل بوجوب ما يليق بحاله كان حسنا، و أنت خبير بأن هذا قول الشهيد في الدروس كما قدمنا نقله عنه، و عليه حمل الرواية المذكورة و مقتضى ما استحسنه موافقته لهم على ذلك، و هو لا يخلو من منافرة لتخصيصه العمل بالرواية إلى أولئك الثلاثة خاصة كما لا يخفى، فإنه موافق لهم في العمل بها على الوجه الذي ذكره في الدروس منه (رحمه الله).

200

و ابن إدريس لأصالة البراءة، و للاية و هي قوله عز و جل (1) «وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ» أقول: و يدل عليه أيضا خبر غياث المذكور.

و نحوه ما رواه

الصدوق و الشيخ مرسلا عن الأصبغ بن نباتة (2) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر قال فيه: «و قضى (عليه السلام) في الدين أنه يحبس صاحبه، و ان تبين إفلاسه و الحاجة فيخلى سبيله حتى يستفيد مالا».

و يؤيد أيضا ما رواه

الشيخ عن السكوني (3) «عن جعفر عن أبيه عن على (عليه السلام) أن امرأة استعدت على زوجها أنه لا ينفق عليها و كان زوجها معسرا فأبى أن يحبسه، و قال إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً».

و التقريب فيه أنه لو وجب الاكتساب لأمره به، و حيث ان الشيخ في الخلاف (4) انما احتج بالآية أجاب في المختلف عنها

____________

(1) سورة البقرة الآية- 280.

(2) التهذيب ج 6 ص 232 الفقيه ج 3 ص 19.

(3) التهذيب ج 6 ص 299.

(4) أقول ظاهر العلامة في التذكرة اختيار ما ذهب اليه الشيخ و ابن إدريس حيث، قال: إذا ثبت إعسار المديون لم يجز حبسه، و لا ملازمته، و وجب إنظاره بقوله تعالى «وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ» ثم استدل بخبر من طريق العامة، و خبر غياث المذكور في الأصل منه (رحمه الله).

201

بانا نمنع من إعسار المكتسب، و لهذا تحرم عليه الزكاة، و الظاهر أن له أن يجيب عن هذه الاخبار بالحمل على من لا يمكنه التكسب جمعا بينها و بين خبر السكوني المذكور الا أن الظاهر بعده، و المسألة لا تخلو من الاشكال و لا يحضرني الآن مذهب العامة في هذه المسألة، و لعل رواية السكوني إنما خرجت مخرج التقية.

المسألة الثالثة عشر [في أنه لا يباع الدين بالدين]

- الظاهر انه لا خلاف بينهم في تحريم بيع الدين بالدين، و يدل، على ذلك من طريق الخاصة

رواية طلحة ابن زيد (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا يباع الدين بالدين».

و من طريق العامة (2) ما رووه عن النبي (صلى الله عليه و آله) «لا يجوز بيع الكالي بالكالي».

قال في النهاية الأثيرية: أنه نهى عن بيع الكالي بالكالي اى النسيئة بالنسيئة و ذلك أن يشترى الرجل شيئا الى أجل فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضى به، فيقول بعنيه الى آخر بزيادة شيء فيبيعه منه، و لا يجرى بينهما تقابض انتهى.

و الحكم مما لا إشكال فيه في الجملة إلا أن الاشكال هنا في موضعين أحدهما أن المفهوم من كلام أكثر أهل اللغة اختصاص اسم الدين بالمؤجل، و به صرح في القاموس و الغريبين الا أن المفهوم من كتاب المصباح للفيومى على الحال، و قد تقدم ذلك في آخر المسألة الثانية من المقام الثاني في أحكام السلم من الفصل العاشر في السلم لا أن الظاهر من كلام الأصحاب هو ما صرح به في القاموس.

و ثانيهما أن المشهور إطلاق الدين على ما يقع تأجيله في العقد، و قيل: و هو

____________

(1) الكافي ج 5 ص 100.

(2) المستدرك ج 2 ص 491.

202

اختيار شيخنا الشهيد الثاني بأنه مخصوص بما كان كذلك قبل العقد، و أما ما يقع فيه التأجيل بالعقد، فإنه لا يصدق عليه بيع الدين بالدين، و قد تقدم نقل ذلك في الموضع المشار اليه آنفا، و كذا قبله في الشرط السابع من شروط السلم.

و منع ابن إدريس من بيع الدين على غير المديون، استنادا الى دليل قاصر، و تقسيم غير حاصر، كما أوضحه شيخنا العلامة في المختلف، و المشهور الصحة لعموم الأدلة.

و قال في الدروس: و لو كان الدين مؤجلا لم يجز بيعه مطلقا، و قال ابن إدريس:

لا خلاف في تحريمه على من هو عليه، و يلزم بطريق أولى تحريمه على غيره، و جوز الفاضل بيعه على من هو عليه، فيباع بالحال لا بالمؤجل، و لو كان حالا جاز بيعه بالعين و الدين، و الحال لا بالمؤجل أيضا انتهى.

أقول: أما ما ذكره من عدم جواز بيع الدين المؤجل مطلقا، يعنى لا بحال و لا مؤجل فهو المشهور بينهم، لانه لا يستحقه قبل حلول الأجل و هو مذهب العلامة في التذكرة و وافقه في المسالك الجواز و قد تقدم تحقيق ذلك في المسألة الثانية من المقام الثاني في أحكام السلم.

و اما ما ذكره من أولوية التحريم على غير من هو عليه، بناء على ما ذكره ابن إدريس، فلأنه إذا امتنع فيمن عليه المال مع أنه مقبوض بالنسبة إليه فإن يمتنع في غيره لعدم المقبوضية أولى، الا أنه قد أجاب في المسالك بأنه لا يشترط المقبوضية حين العقد، بل يكفي إمكانه و تحققه بعد الحلول، و قد تقدم ذكر ذلك في الموضع المشار اليه.

و أما اشتراط العلامة مع الجواز البيع بالحال لا بالمؤجل، فلانه بالمؤجل يدخل تحت بيع الدين بالدين، و أما البيع بالحال فلا مانع منع. الا ما يدعونه من عدم استحقاقه يومئذ، و اشتراط القبض وقت العقد، و فيهما ما عرفت كما أوضحه في المسالك.

و أما أنه مع الحلول فإنما يجوز بالحال دون المؤجل، فالظاهر أنه مبنى على

203

ما قد قدمنا نقله عن المسالك من صدق اسم الدين على المبيع قبل حلوله و بعده، كما تقدم نقله عنه في الموضع المشار إليه، فإنه يلزم على ذلك بيع الدين بالدين المنهي عنه، و لم نقف لهم في هذه الدعوى على مستند، سيما مع تصريح أكثر أهل اللغة بأن الدين اسم للمؤجل خاصة، و موافقتهم على ذلك في الأثمان فليتأمل المقام، فإنه حرى بالتدبر التام و الله العالم.

المسألة الرابعة عشر [في أنه لا يؤدى عن المديون من سهم الغارمين الا مع إنفاقه في غير معصية]:

ظاهر الاخبار و هو ظاهر اتفاق كلمة الأصحاب أنه لا يؤدى عن المديون من سهم الغارمين الا مع إنفاق الدين في غير معصية، و أنه لا يعطى منه، و انما الخلاف فيما إذا جهل حاله، فقال الشيخ: انه كالثاني، و قال ابن إدريس:

بالأول، و به صرح الأكثر.

و نقل عن الشيخ أنه احتج بما رواه

في الكافي عن محمد بن سليمان (1) «عن رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا (نجاد) قال: سأل الرضا (عليه السلام) رجل و أنا أسمع، فقال له: جعلت فداك ان الله عز و جل يقول «وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ» أخبرني عن هذه النظرة التي ذكرها الله عز و جل في كتابه لها حد يعرف إذا صار هذا المعسر إليه لا بد من أن ينظر؟ و قد أخذ مال هذا الرجل و أنفقه على عياله، و ليس له غلة ينتظر إدراكها، و لا دين ينتظر محله، و لا مال غائب ينتظر قدومه، قال:

نعم فينظر بقدر ما ينتهى خبره الى الامام، فيقضي عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله عز و جل، و ان كان أنفقه في معصية الله فلا شيء على الامام له، قلت: فما لهذا الرجل الذي ائتمنه و هو لا يعلم فيما أنفقه في طاعة الله عز و جل أم في معصيته؟ قال: يسعى له في ماله فيرده عليه و هو صاغر».

و ردها الأكثر بضعف الاسناد فلا يمكن التعويل عليها في إثبات حكم مخالف للأصل، لأن الأصل في تصرفات المسلمين وقوعها على وجه الصحة و المشروع،

____________

(1) الكافي ج 5 ص 93 التهذيب ج 6 ص 185 في الكافي و التهذيب يكنى أبا محمد.

204

و لان تتبع مصارف الأموال عسير.

أقول: قد سبق البحث في هذه المسألة في كتاب الزكاة من كتب العبادات و أوضحنا ثمة ان الرواية لا دلالة فيها على ما ادعوه، من أنه لو جهل حال إنفاقه لم يدفع له من سهم الغارمين، فليرجع اليه من أراد تحقيق الحال.

فروع:

الأول و الثاني [حبس المديون و بطلان صلاته لو لم يؤد الدين]

مما فرعوه على وجوب أداء الدين مع الحول و طلب صاحب و إمكان دفعه حبسه، كما تقدم، و بطلان صلاته ما لم يتضيق الوقت، قال في التذكرة إذا ثبت هذا فلو أصر على الالتواء كان فاسقا لا تقبل شهادته، و لا تصح صلاته في أول الوقت، بل إذا تضيق، و لا يصح شيء من الواجبات الموسعة المنافية للقضاء في أول وقتها، و كذا غير الدين من الحقوق الواجبة كالزكاة و الخمس، و ان لم يطالب به الحاكم، لأن أربابها في العادة يطالبون، و أيضا الحق ليس لشخص معين حتى يتوقف على الطلب.

أقول لا يخفى أن ما ذكروه هنا مبنى على ثبوت أن الأمر بالشيء يستلزم النهى عن ضده الخاص، و هو مما لم يقم عليه دليل شرعي ان لم تكن الأدلة قائمة على عدمه، و قد تقدم الكلام في ذلك في مواضع من كتب العبادات، و بالعدم صرح جملة من المحققين، منهم شيخنا الشهيد الثاني عطر الله مرقده.

الثالث [عدم الإثم لو مات و لم يتمكن من أدائه]

- الظاهر من جملة الاخبار أنه لو مات المديون و لم يتمكن من القضاء أو تمكن و لكن لم يطالب بالحق، سواء خلف ما يقضى به عنه أو لم يخلف، و سواء قضى عنه أو لم يقض، و الحال أن عزمه و نيته كانت على القضاء في جميع هذه الصور و كان مصرف الدين الذي عليه في الأمور المباحة، فإنه لا يؤاخذ و لا يعاقب و أما مع عدم شيء من هذه القيود، فالظاهر الإثم و المؤاخذة و الملخص أنه في جميع ما ذكرنا أولا لا يجب الأداء، و عليه ترتب عدم المؤاخذة.

و مما يدل على ما قلناه

رواية عبد الغفار الجازي (1) المتقدمة في صدر هذا المقصد

____________

(1) الكافي ج 5 ص 99 التهذيب ج 6 ص 191.

205

فيمن مات و عليه دين حيث قال (عليه السلام): «ان كان أتى على يديه من غير فساد لم يؤاخذه الله عز و جل إذا علم نيته» الخبر.

و في صحيحة (1) زرارة المتقدمة ثمة أيضا «في الرجل عليه الدين لا يقدر على صاحبه، و لا على ولى له، قال: لا جناح عليه بعد أن يعلم الله منه أن نيته الأداء».

، و نحو ذلك رواية نضر بن سويد (2) و مجمل ذلك انه متى كان من نيته الأداء و اتفق موته على أحد الوجوه المذكورة فإنه غير مؤاخذ.

الرابع [وجب أداء الدين على الإمام إذا لم يتمكن المديون من أدائه]:

المفهوم من جملة من الاخبار انه متى لم يتمكن المديون من أداء الدين وجب على الامام ان يؤدى عنه من سهم الغارمين إذا كان قد أنفق ما استدانه في طاعة أو في مباح، فلو أنفقه في معصية لم يكن له ذلك.

و منها رواية «أبي نجاد» المتقدمة (3) و منها رواية موسى بن بكر (4) و قد تقدمت في صدر هذا الكتاب.

و رواية صباح بن سيابة (5) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أيما مؤمن أو مسلم مات و ترك دينا لم يكن في فساد و لا إسراف فعلى الامام ان يقضيه، و ان لم يقضه فعليه اثم ذلك، ان الله تبارك و تعالى يقول «إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ»- الاية- فهو من الغارمين، و له سهم عند الإمام، فإن حبسه عنه فإثمه عليه».

و رواية أيوب بن عطية الحذاء (6) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 188 و قد قدمنا ان المراد من صحيحة زرارة انما هو السؤال عن المؤاخذة لثبوت الذمة على هذه الحال و عدمها، و أجاب (عليه السلام) بما يدل على عدم المؤاخذة و الحال هذه منه (رحمه الله).

(2) الكافي ج 5 ص 93 التهذيب ج 6 ص 183.

(3) الكافي ج 5 ص 93 و في الكافي (أبا محمد).

(4) الكافي ج 5 ص 93 و في الكافي (أبا محمد).

(5) المستدرك ج 1 ص 525.

(6) الوسائل الباب- 3- من أبواب ضمان الجريرة الرقم- 14.

206

رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول: انا أولى بكل مؤمن من نفسه، و من ترك مالا فللوارث، و من ترك دينا أو ضياعا فالى و على».

أقول الضياع بالفتح العيال.

و رواية عطاء (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: جعلت فداك ان على دينا إذا ذكرته فسد على ما انا فيه، فقال: سبحان الله أما بلغك أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يقول في خطبته من ترك ضياعا فعلى ضياعه، و من ترك دينا فعلى دينه، و من ترك مالا (فأكله) فكفالة رسول الله (صلى الله عليه و آله) ميتا ككفالته حيا فقال الرجل: نفست عني جعلني الله فداك».

قيل انما كان له (صلى الله عليه و آله) يأكله لأنه وارث من لا وارث له، و ان معنى قوله نفست عني لأنه علم به انه يقضى دينه بضمان النبي (صلى الله عليه و آله) على يد من شاء الله.

أقول: و ينبغي ان يزاد على ما ذكره انه ان لم يتفق الأداء في الدنيا، فإنه (صلى الله عليه و آله) في الآخرة يقضيه عنه، و لو بإرضاء غريمه، و تعويضه كما يستفاد من بعض الاخبار.

و قال في كتاب الفقه الرضوي (2) «فإن كان غريمك معسرا و كان أنفق ما أخذ منك في طاعة الله فانظره إلى ميسرة، و هو ان يبلغ خبره الى الامام فيقضي عنه، أو يجد الرجل طولا فيقضى دينه و ان كان أنفق ما أخذه منك في معصية الله فطالبه بحقك، فليس هو من أهل هذه الآية».

أقول: و يحتمل بالنظر الى هذا الكلام منه (عليه السلام) في هذا المقام حمل رواية السكوني الدالة على دفعه الى الغرماء على ما إذا كان ما أخذه قد صرفه في معصية الله و انه لا يسامح و لا يترك مؤاخذة له بسوء عمله، و ان كان معسرا فإنه غير داخل تحت الآية على الإنظار إلى ميسرة، و تحمل تلك الروايات الدالة على انه يخلى سبيله على ما إذا كان مصرف الدين في طاعة أو مباح، و هو بمقتضى كلامه (عليه السلام) في هذا الكتاب وجه حسن في الجمع بين هذه الاخبار، الا ان الذي صرح به في

____________

(1) الوسائل الباب- 9- من أبواب الدين (فلأهله) نسخة.

(2) المستدرك ج 2 ص 493.

207

الدروس هو عموم وجوب الانظار، و هو ظاهر أكثر عباراتهم.

قال في الكتاب المذكور و لا فرق في وجوب انظار المعسر بين من أنفق بالمعروف و غيره، و قال الصدوق و لو أنفق في المعصية طولب و ان كان معسرا و فيه بعد، مع ان المنفق في المعروف أوسع مخرجا بحل الزكاة له انتهى.

أقول الظاهر ان مستند الصدوق هنا فيما ذكره هو ما ذكره (عليه السلام) في هذا الكتاب، كما أوضحناه عما يكشف عن وجهه نقاب الارتياب في مواضع عديدة من كتب العبادات، و قبله والده في رسالته اليه.

و يمكن تأييده أيضا بما يشير اليه قوله (عليه السلام) في رواية أبي نجاد المتقدمة، فيرد عليه ماله و هو صاغر، فان المراد بذلك- كما يعطيه سياق الخبر- انه مع الفقر و الاستحقاق، فإن الإمام يؤدى عنه من سهم الغارمين ان أنفق ما استدانه في طاعة، و ان أنفق في معصية فلا شيء له على الامام، بل عليه ان يرد عليه ماله و هو صاغر، و هو كناية عن عدم إنظاره كما لا يخفى، و انه يطالب و ان كان معسرا كما ذكره الصدوق.

و أما قوله في الدروس مع أن المنفق في المعروف أوسع مخرجا مشيرا به الى انه متى كان يجب إنظاره في صورة تحل له الزكاة ففي الصورة التي لا تحل له بطريق اولى.

ففيه انه يمكن ان يقال ان وجوب المطالبة في الصورة المذكورة، و عدم إنظاره انما وقع عقوبة له، و مؤاخذة بما فعله من الأمر الغير المشروع، كما قدمنا الإشارة إليه، فلا تثبت الأولوية بظهور الفارق.

الخامس [في أنه يقضى على الغائب إذا قامت البينة]:

الظاهر انه لا خلاف في انه يقضى على الغائب إذا قامت البينة، و لكن بالكفلاء و يكون الغائب على حجته.

و يدل عليه ما رواه

في الكافي و التهذيب عن محمد بن مسلم (1) عن أبى جعفر (عليه السلام)» قال: الغائب يقضى عنه إذا قامت البينة عليه و يباع ماله و يقضى عنه و هو

____________

(1) الكافي ج 5 ص 102 التهذيب ج 6 ص 191.

208

غائب، و يكون الغائب على حجته إذا قدم، و لا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلا بكفلاء إذا لم يكن مليا».

و ذهب جمع من الأصحاب إلى ضم اليمين هنا إلى البينة، كما في الدعوى على الميت، و الخبر كما ترى خال من ذلك، و ليس في المسئلة غيره فيما أعلم، و تعليلهم بما ذكروه من الوجوه التخريجية. عليل.

السادس [عدم بطلان الحق بتأخير المطالبة]:

المعروف من كلام جل الأصحاب (رضوان الله عليهم) و به صرح جملة منهم أنه لا يبطل الحق بتأخير المطالبة، و ان طالت المدة، و قال الصدوق من ترك دارا أو عقارا أو أرضا في يد غيره فلم يتكلم و لم يطالب. و لم يخاصم في ذلك عشر سنين فلا حق له.

و يدل عليه ما رواه

في الكافي و التهذيب عن يونس (1) عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: «قال: ان الأرض لله عز و جل جعلها وقفا على عباده، فمن عطل أرضا ثلاث سنين متوالية بغير سبب، أو علة أخرجت من يده، و دفعت الى غيره، و من ترك مطالبة حق له عشر سنين فلا حق له».

و روى الشيخان المذكوران عن يونس (2) أيضا عن رجل عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «من أخذت منه أرض ثم مكث ثلاث سنين لا يطلبها لا يحل له بعد ثلاث سنين أن يطلبها».

و من ذكر هذه المسألة من الأصحاب رد هذه الاخبار بضعف الاسناد حتى صاحب المفاتيح.

أقول: أما الكلام في الأرض فهو محمول على أنها من أرض الخراج و قد تقدم البحث فيها في المقدمة الرابعة من مقدمات كتاب البيع، و بيان هذه المسألة ثمة فليراجع.

و أما بالنسبة إلى ترك الحق عشر سنين كما دل عليه عجز الخبر الأول فإن مما يؤيده أيضا ما رواه

الشيخان المتقدمان عن على بن مهزيار (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن دار كانت لامرأة و كان لها ابن و ابنة، فغاب الابن في البحر، و ماتت

____________

(1) الكافي ج 5 ص 297 التهذيب ج 7 ص 233.

(2) الكافي ج 5 ص 297 التهذيب ج 7 ص 233.

(3) التهذيب ج 9 ص 390 الكافي ج 7 ص 154.

209

المرأة فادعت ابنتها ان أمها كان صيرت هذه الدار لها، فباعت أشقاصا منها، و بقيت في الدار قطعة الى جنب دار لرجل من أصحابنا و هو يكره أن يشتريها لغيبة الابن، و يتخوف من أن لا تحل له شراؤها، و ليس يعرف للابن خبر، فقال لي: و منذ كم غاب؟ فقلت: منذ سنين كثيرة، فقال: ينتظر به غيبته عشر سنين ثم يشترى، فقلت فإذا انتظرته غيبة عشر سنين حل شراؤها؟ قال: نعم».

و طريق هذه الرواية و ان كان ضعيفا في الكافي حيث أن فيه سهل بن زياد، الا أنه في التهذيب صحيح، لروايته لها عن على بن مهزيار، و طريقه إليه في المشيخة صحيح، و هي ظاهرة الدلالة فيما ذكره الصدوق من زوال حقه بعد عشر سنين، و هي و ان كان موردها الغائب الا أن ظاهرهم عدم الفرق في ذلك بين الغائب و الحاضر، فان من ملك مالا لم يزل ملكه عنه بغير ناقل شرعي و لم يعد هذا عندهم منها، و لم يفرقوا بين الغائب و الحاضر.

و به يظهر أن قول الصدوق قريب سيما مع ما عرفت، من أن الطعن بضعف الاسناد ليس عندنا بمحل من الاعتماد، الا أن ظاهر الشيخ المفيد تخصيص هذا الخبر بالمفقود، حيث أن الأصحاب اختلفوا في مال المفقود على أقوال.

منها قول الشيخ المذكور بأنه بالنسبة إلى عقاره ينتظر به عشر سنين، و مع ذلك يكون البائع ضامنا درك الثمن، فان رجع المفقود خرج اليه من حقه، و بالسنة إلى سائر أمواله جوز اقتسام الورثة لها بشرط الملائة و الضمان على تقدير ظهوره، و استدل على الأول بصحيحة على بن مهزيار المذكورة، و على الثاني بموثقة إسحاق بن عمار، و في ما ذكره (رحمه الله) من الاستدلال في كلا الموضعين بحث ليس هنا موضع ذكره، و سيأتي إنشاء الله تعالى في محله.

و بالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الاشكال لما عرفت و الله العالم:

السابع [جواز تعجيل بعض الديون المؤجلة بنقصان منها]:

يجوز تعجيل بعض الديون المؤجلة بنقصان منها بإبراء أو صلح أو بمد الأجل في الباقي، و لا يجوز تأجيل منها بزيادة.

210

و يدل على ذلك ما رواه في الكافي و التهذيب عن أبان (1)

في الصحيح عمن حدثه عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سالته عن الرجل يكون له على الرجل الدين فيقول له قبل أن يحل الأجل: عجل النصف من حقي على أن أضع عنك النصف، أ يحل ذلك لواحد منهما؟ قال: نعم».

و ما رواه

في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن الرجل يكون له دين إلى أجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول له: انقدني كذا و كذا و أضع عنك بقيته، أو يقول: انقدني بعضه و أمد لك في الأجل فيما بقي عليك؟ قال: لا ارى به بأسا انه لم يزدد على رأس ماله، قال الله جل ثناؤه «فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ».

و في التهذيب «الرجل يكون عليه الدين».

و هو أظهر و على تقدير هذه النسخة كان اللام بمعنى على، و قد تقدم ما يتعلق بهذا المقام أيضا في المسألة العاشرة من الفصل السادس.

الثامن [تقدم الكفن على الدين]:

الظاهر انه لا خلاف في ان الكفن مقدم على الدين، و يدل عليه ايضا ما رواه

المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) في الصحيح عن زرارة (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات و عليه دين بقدر كفنه قال: يكفن بقدر ما ترك، الا أن يتجر عليه انسان فيكفنه، و يقضى بما ترك دينه».

و ما رواه

الشيخ عن إسماعيل بن ابى زياد (4) «عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ان أول ما يبدأ به من المال الكفن، ثم الدين، ثم الوصية، ثم الميراث».

و قال الرضا (عليه السلام) (5) في كتاب الفقه الرضوي: «و إذا مات رجل عليه دين و لم يكن له الا قدر ما يكفن به كفن به، فان تفضل عليه رجل بكفن، كفن به و يقضى ما ترك دينه، و إذا مات رجل و عليه دين و لم يخلف شيئا فكفنه رجل من زكاة ماله،

____________

(1) الكافي ج 5 ص 258 التهذيب ج 6 ص 206.

(2) الكافي ج 5 ص 259 التهذيب ج 6 ص 207.

(3) التهذيب ج 6 ص 187 الفقيه ج 4 ص 143.

(4) التهذيب ج 6 ص 188.

(5) المستدرك ج 1 ص 108 مع اختلاف يسير.

211

فهو جائز له، فان اتجر عليه رجل آخر بكفن كفن من الزكاة و جعل الذي اتجر عليه لورثته يصلحون به حالهم لان هذا ليس بتركة الميت انما هو شيء صار إليهم بعد موته و بالله الاعتصام».

أقول: فيه دلالة على أن ما يصير الى الميت بعد الموت و يوهب له لا يجب صرفه في الدين، و يحل للورثة أكله، سيما مع الإعسار و الحاجة.

التاسع: يجوز القرض في بلد مع شرط أن يقضيه في بلد آخر

، و ادعى عليه في التذكرة الإجماع.

و عليه تدل جملة من الاخبار منها

صحيحة أبي الصباح (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يبعث مالا إلى أرض، فقال الذي يريد ان يبعث به: أقرضنيه و انا أوفيك إذا قدمت الأرض قال: لا بأس بهذا» و في التهذيب «يريد ان يبعث به معه».

و هو أظهر.

و عن زرارة (2) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام)،

و يعقوب بن شعيب عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: يسلف الرجل الرجل الورق على أن ينقده إياه بأرض أخرى، و يشترط عليه ذلك؟ قال: لا بأس».

و روى السكوني (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا بأس أن يأخذ الرجل الدراهم بمكة، و يكتب سفاتج أن يعطوها بالكوفة».

أقول: السفاتج جمع سفتجة بالضم (4) و المراد أنه يدفع ماله لأحد في

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 203.

(2) التهذيب ج 6 ص 203.

(3) الكافي ج 5 ص 256.

(4) قال في مجمع البحرين في حديث محمد بن صالح الا رجل واحد كانت عليه سفتجة بأربعمائة دينار: السفتجة قيل بضم السين و قيل بفتحها و أما التاء فمفتوحة فيهما فارسي معرب، و فسرها بعضهم فقال: هي كتاب صاحب المال لوكيله أن يدفع مالا قرضا يأمن به خطر الطريق، و في الدر السفتجة كقرطبة أن تعطى مالا لأحد و الآخذه مال في بلد فيوفيه إياها ثم، فيستفيد آمن الطريق و فعله السفتجة بالفتح و الجمع «السفاتج» انتهى. منه.

212

بعض البلدان فيكتب ذلك المدفوع اليه كتابا بأن يدفع اليه ذلك المال في بلد أخرى، و أن الكتاب بهذه الصورة يسمى سفتجة.

و صحيحة إسماعيل بن جابر (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له، ندفع الى الرجل الدراهم فاشترط عليه أن يدفعها بأرض أخرى سودا بوزنها، و أشترط ذلك؟ قال: لا بأس».

قال بعض المحققين بعد ذكر الحكم المذكور و إيراد صحيحة يعقوب بن شعيب: هذا ظاهر، انما البحث في أنه يلزم ذلك أم لا؟ بل يجوز له أن يطلب أينما يريد، ظاهر كلامهم في عدم لزوم الأجل في القرض- و ان القرض جائز دائما الا أن يشترط في عقد لازم- الجواز، و مقتضى أدلة لزوم الشرط عدمه، و كذا نفى الضرر إذا فرض، إذ قد يتعسر أو يكون قليلا في بلد المطالبة دون بلد الشرط، و نحو ذلك من الضرر، و أما العكس فالظاهر أنه ليس بلازم، بل كان للمقترض دفع ذلك و يجب القبول، تأمل في الفرق انتهى.

أقول: الظاهر من لزوم العقد بناء على القول به هو اللزوم من الطرفين، فكما أنه لا يجوز للمقرض المطالبة في غير ذلك المكان كما ذكره، كذلك لا يجوز للمقترض الدفع في غيره، و حديث الضرر الذي ذكره جار أيضا في الجانب الآخر، بل ربما كان أظهر فإن ظاهر هذه الاخبار أن الغرض من هذه المعاملة المذكورة هو خوف المقرض على ماله بالسفر به الى تلك البلد، و هو مضطر الى نقله الى تلك البلاد على وجه لا يحصل عليه، فدفعه الى ذلك الرجل ليدفعه له في تلك البلد بنفسه أو وكيله أو سفاتج تكتب بينهم، فلو جوزنا للمقترض أن يدفع ذلك في بلد القرض مثلا أو بلد أخرى غير البلد التي وقع الاشتراط عليها، لربما تضرر المقرض بإيصاله إلى

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 110.

213

تلك البلد باحتمال الخطر، و خوف الطريق في السفر.

و بالجملة فلزوم العقد يقتضي تعلقه بالطرفين كما في البيع و غيره، و ما ذكره من الفرق غير ظاهر، بل الظاهر، انما هو عدمه، فإنه قضية اللزوم كما عرفت و الله العالم.

العاشر [انتقال جميع ما في ذمة المقتول إلى ذمة قاتله]:

قد اشتهر بين جملة من الأصحاب وجود القول بأنه متى قتل أحد أحدا ظلما، فإنه ينتقل جميع ما في ذمة المقتول من الحقوق المالية و غيرها الآدمية الإلهية إلى ذمة القاتل، و ربما نسب الى شيخنا الشهيد (عطر الله مرقده) و ردوه بالضعف و عدم الدليل، و قد وقفت في بعض الأجوبة المنسوبة إلى السيد العلامة السيد ماجد البحراني- المدفون بشيراز في تحت قبة السيد أحمد بن مولانا الكاظم (عليه السلام) المشهور بشاة چراغ- الجواب عن هذه المسألة بما هذه صورته حيث قال السائل: سيدنا ما قولكم فيمن قتل شخصا هل ينتقل كلما على ذمة المقتول الى القاتل من الإلهية و الآدمية مالية و غيرها؟ فأجاب السيد المشار اليه (قدس سره) بما لفظه أما انتقال ما على المقتول إلى ذمة القاتل من الحقوق المالية و الإلهية فلا نعرف له وجها، و ان وجد في بعض الفوائد منقولا عن بعض الأعيان انتهى.

أقول: و قد وقفت في بعض الاخبار على ما يدل بظاهره على القول المذكور و هو ما رواه

شيخنا الصدوق (عطر الله مرقده) في كتاب عقاب الأعمال بسنده عن الباقر (عليه السلام) قال (1): من قتل مؤمنا أثبت الله على قاتله جميع الذنوب، و بريء المقتول منها، و ذلك قول الله عز و جل (2) «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحٰابِ النّٰارِ».

و هو كما ترى صريح الدلالة في انتقال الحقوق الإلهية من ذمة المقتول إلى ذمة القاتل و به يظهر أن ما ذكره المفسرون في معنى الآية المذكورة نفخ في

____________

(1) ثواب الأعمال ص 328 ط طهران.

(2) سورة المائدة الآية- 29.

214

غير ضرام، المعتمد عندنا في تفسير القرآن انما هو ما ورد عنهم (عليهم السلام) حيث تأولوا الاية بتقدير مضاف، في قوله «بِإِثْمِي» أى بإثم قتلي ان قتلتني، و إثمك الذي كان منك قبل قتلي» أو المراد اثمى لو بسطت يدي إليك، و إثمك ببسط يدك الى.

و مما يؤيد القول المذكور أيضا بالنسبة إلى الحقوق المالية ما رواه

في الكافي بسند حسن عن الوليد بن صبيح (1) قال: «جاء رجل الى أبى عبد الله (عليه السلام) يدعى على المعلى بن خنيس دينا فقال: ذهب بحقي فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ذهب بحقك الذي قتله، ثم قال للوليد: قم الى الرجل فاقضه من حقه، فإني أريد أن أبرد عليه جلده و ان كان باردا».

فان ظاهر قوله «ذهب بحقك الذي قتله» يعطي أن القاتل هو المؤاخذ بذلك، و هو الذي ذهب بحقه دون المقتول، و احتمال التجوز- باعتبار حيلولة القاتل بينه و بين أداء الدين بسبب قتله إياه، فكأنه ذهب به- ان أمكن لكن ينافيه قوله (عليه السلام) أريد أبرد جلده و ان كان باردا فإنه انما يكون باردا ببراءة الذمة من الدين، الحال أنه ليس هنا شيء موجب للبراءة سوى ما يدعيه من القتل، و انما أراد الإمام بدفعه ذلك زيادة تبريده، و ان لم يستحق عنده شيئا.

و بالجملة فإن ظاهر الخبر هو ما قلناه و ارتكاب التأويلات- و ان بعدت و التكلفات و ان غمضت- غير عسير الا أن الاستدلال انما بنى على الظواهر، و ارتكاب التأويل إنما يلجئ اليه وجود معارض أقوى، و الحال أنه ليس هنا ما يعارض ذلك، بل الموجود انما هو ما يؤيده، و لا سيما الاعتضاد بظاهر الآية، و الخبر المتقدم، و بما ذكرنا يظهر أن المسألة لا يخلو عن شوب الاشكال، و الله سبحانه و أولياؤه أعلم بحقيقة الحال.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 94.

215

المقام الثاني في دين العبد

[الأخبار في المقام]

و الواجب أولا نقل الأخبار الواردة في هذا المقام، ثم الكلام فيما ذكره الأصحاب من الأحكام و ما يستفاد من كلامهم (عليهم السلام) الأول: ما رواه

في الكافي و التهذيب عن ظريف الأكفاني (1) قال: «كان اذن لغلام له في الشراء و البيع فأفلس و لزمه دين، فأخذ بذلك الدين الذي عليه، و ليس يساوى ثمنه ما عليه من الدين، فسأل أبا عبد الله (عليه السلام)، فقال: ان بعته لزمك الدين و ان أعتقت لم يلزمك الدين، فأعتقه و لم يلزمه شيء».

الثاني: ما رواه

الشيخان المذكوران عن زرارة (2) في الموثق قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل مات و ترك عليه دينا و ترك عبدا له مال في التجارة و ولدا، و في يد العبد مال و متاع، و عليه دين استدانه العبد في حياة سيده في تجارته، فإن الورثة و غرماء الميت اختصموا في ما في يد العبد من المال و المتاع و في رقبة العبد، فقال: ارى أن ليس للورثة سبيل على رقبة العبد، و لا على ما في يده من المتاع و المال الا أن يضمنوا دين الغرماء جميعا فيكون العبد و ما في يده من المال، للورثة، فإن أبوا كان العبد و ما في يده للغرماء، يقوم العبد و ما في يده من المال، ثم يقسم ذلك بينهم بالحصص فان عجز قيمة العبد و ما في يده عن أموال الغرماء رجعوا على الورثة فيما بقي لهم ان كان الميت ترك شيئا، و ان فضل من قيمة العبد و ما كان في يديه عن دين الغرماء رد على الورثة».

الثالث: ما رويا

عن أبى بصير (3) و الظاهر أنه ليث المرادي بقرينة رواية عاصم و حميد عنه في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام)، قال: «قلت له: رجل يأذن لمملوكه في التجارة فيصير دين عليه؟ قال: ان كان أذن له أن يستدين؟ فالدين على

____________

(1) الكافي ج 5 ص 303 التهذيب ج 6 ص 199.

(2) الكافي ج 5 ص 303 التهذيب ج 6 ص 199.

(3) الكافي ج 5 ص 303 التهذيب ج 6 ص 200.

216

مولاه، و ان لم يكن أذن له أن يستدين؟ فلا شيء على المولى، و يستسعى العبد في الدين.

الرابع: ما رواه

الشيخ في الموثق عن وهب بن حفص (1) عن أبى جعفر (عليه السلام)، قال: «سألته عن مملوك يشترى و يبيع قد علم بذلك مولاه حتى صار عليه مثل ثمنه؟ قال: يستسعى فيما عليه».

الخامس- ما رواه

الشيخ أيضا عن شريح (2) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في عبد بيع و عليه دين قال: دينه على من أذن له في التجارة، و أكل ثمنه».

السادس- ما رواه

بهذا الاسناد عن أشعث (3) «عن الحسن (عليه السلام) في رجل يموت و عليه دين قد أذن لعبده في التجارة، و على العبد دين قال: يبدأ بدين السيد».

السابع- ما رواه

عن روح بن عبد الرحيم (4) «عن أبى عبد الله (عليه السلام)، في رجل مملوك استئجره مولاه فاستهلك مالا كثيرا، قال: ليس على مولاه شيء و لكنه على العبد، و ليس لهم أن يبيعوه، و لكن يستسعى و ان حجر عليه مولاه فليس على- مولاه شيء و لا على العبد».

الثامن- ما رواه

عن أبى بصير (5) و الظاهر انه المرادي بقرينة الراوي في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في رجل يستأجر مملوكا فيستهلك مالا كثيرا فقال:

ليس على مولاه شيء و ليس لهم ان يبيعوه، و لكن يستسعى و ان عجز عنه فليس على مولاه شيء و لا على العبد شيء».

التاسع- ما رواه ايضا

عن ظريف (6) بياع الأكفان قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 200.

(2) التهذيب ج 8 ص 248.

(3) التهذيب ج 8 ص 248.

(4) التهذيب ج 7 ص 229.

(5) الوسائل الباب 11- من أبواب كتاب الإجارة.

(6) التهذيب ج 6 ص 196.

217

عن غلام لي كنت أذنت له في الشراء و البيع فوقع عليه مال للناس، و قد أعطيت به مالا كثيرا فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ان بعته لزمك ما عليه، و ان أعتقته فالمال على الغلام و هو مولاك».

إذا عرفت ذلك فتحقيق القول في هذا المقام يقع في مواضع

الأول [صحة تملك العبد]

- قد تقدم ان الأصح هو ان المملوك يصح تملكه و ان كان محجورا عليه التصرف فيما يملكه بدون اذن السيد، و بطريق الاولى تصرفه في نفسه بإجارة أو استدانة أو نحو ذلك من الحقوق، فإنه لا يجوز بدون اذن السيد (1).

إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لو أذن السيد لعبده في الاستدانة لنفسه، أى لنفس العبد، كان الدين لازما للمولى ان استبقاه أو باعه، و أما لو أعتقه فقيل: انه يستقر الدين في ذمة العبد، و قيل: يكون باقيا في ذمة المولى، و القولان للشيخ (رحمه الله) أولهما في النهاية، و تبعه عليه جماعة منهم العلامة في المختلف، و هو ظاهر الشهيد في اللمعة، و الثاني في الاستبصار، و به قال ابن إدريس، و هو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و الروضة، و هو الأظهر.

و أما لو كانت الاستدانة للسيد، فلا خلاف في كونه عليه دون العبد، كما ذكره في المسالك، احتج القائلون بالقول الأول بالرواية الاولى و التاسعة، و أنت خبير بأن غاية ما يدل عليه الخبران المذكوران هو الاذن في التجارة، و هو لا يستلزم الاذن في الاستدانة، كما دل عليه الخبر الثالث.

____________

(1) قال في كتاب النهاية إذا استدان العبد باذن مولاه، فان باعه أو مات لزم المولى قضاءه و ان أعتقه كان المال في ذمة العبد، و لا يلزم المولى شيئا مما عليه انتهى.

و أنت خبير بأنه قد فرض المسألة في استدانة العبد باذن المولى، و الروايتان اللتان استند إليهما خاليتان من ذلك، و انما تضمنت الاذن في التجارة، و به يظهر ضعف الاستدلال بهما في المقام، مضافا الى مخالفة الأصول الشرعية، فإنه متى كان مأذونا له في الاستدانة، فأي فرق بين حال العتق و عدمه- منه (رحمه الله).

218

و حينئذ فالخبران ليسا من محل البحث في شيء، فلا يحتاج الى ردهما بمخالفة القواعد الشرعية كما ذكره في المسالك، بل ما تضمناه بناء على ما قلناه موافق للقواعد، إلا أنهما ليسا من محل البحث في شيء، و مقتضاهما بناء على ما ذكرناه أن الدين انما هو على العبد حيث أنه لم يؤذن له في الاستدانة كما صرح به في الخبر الثالث.

و أنه انما يلزم المالك إذا باعه من حيث حيلولته بين أصحاب الدين و بين العبد ببيعه، لا من حيث أن المال لازم له بأصل الاذن في التجارة، و الحال أنه لم يحصل الاذن في الاستدانة كما عرفت.

و مما يدل على لزوم ذلك للمولى في صورة البيع خبر شريح، مع قضية الاذن في التجارة خاصة، و ليس ذلك الا لما قلناه، لما عرفت من أن الاذن في التجارة لا يستلزم الاذن في الاستدانة، فلا وجه لكونه على المولى الا من هذه الجهة المذكورة.

و أما الاستدلال على هذا القول

برواية عجلان (1) عن الصادق (عليه السلام) «في رجل أعتق عبدا و عليه دين، قال: دينه عليه، لم يزده العتق الا خيرا».

و استدل به العلامة في المختلف فلا دلالة فيه، لإمكان حمله على الاستدانة بغير اذن المولى كما ذكرنا في ذينك الخبرين.

و بالجملة فإن الاستدانة إن وقعت باذن المولى سواء كانت للمولى أو للعبد فالغرم على المولى، و الا فهو على المملوك، و يعضده ما ذكره في المسالك من أن العبد هنا بمنزلة الوكيل، و إنفاقه المال على نفسه في المعروف باذن المولى إنفاق لمال المولى، فيلزمه كما لو لم ينعتق.

و بذلك يظهر أن ما ذهب اليه الشيخ- و من تبعه هنا من تخصيص كون الدين على العبد في صورة العتق دون صورة الاستبقاء- لا وجه له.

و احتج القائلون بالقول الثاني بالرواية الثانية، و هي ظاهرة بل صريحة،

____________

(1) التهذيب ج 8 ص 248.

219

فيما ذكروه، مع صحة السند هذا خلاصة تحريم الكلام في المقام.

و أما ما ذكره في المختلف احتجاجا لما ذهب اليه فهو لا يخلو من تهافت بمنع التعويل عليه.

الثاني: لو اذن له في التجارة دون الاستدانة

، و حصل عليه ديون، قال الشيخ في النهاية: ما يحصل عليه من الدين يستسعى فيه، و لا يلزم مولاه من ذلك شيء، و قال في المبسوط: إذا أذن لعبده في التجارة فركبه دين، فان كان أذن له في الاستدانة، فإن كان في يده مال قضى عنه، و ان لم يكن في يده مال كان على السيد القضاء عنه، و ان لم يكن أذن له في الاستدانة كان ذلك في ذمة العبد يطالبه به إذا أعتق، و قد روى أنه يستسعى العبد في ذلك، و كذا قال في الخلاف، الا انه أسقط ذكر الرواية.

و قال ابن حمزة: ان كان المدين علم أنه غير مأذون في الاستدانة بقي في ذمته الى أن يعتق، و ان لم يعلم استسعى فيه إذا تلف المال، و أبو الصلاح لم يفصل إلى المأذون له في التجارة و غيره، بل إلى المأذون له في الاستدانة و غيره، و قال عن الثاني: انه لا ضمان على المولى، و لا على العبد الا أن يعتق فيلزمه الخروج إلى مدينة مما عليه.

و قال ابن إدريس: لا يستسعى بل يتبع بعد العتق، و قال في المختلف:

و المعتمد أن يقول: ان استدان لمصلحة التجارة لزم المولى أداءه كالأجنبي، و ان لم يكن لمصلحته لم يلزم مولاه شيء و تبع به بعد العتق عملا بأصالة براءة ذمة المولى، و لانه فعل غير مأذون فيه، و الحديث الذي رواه أبو بصير في المسألة السابقة يعطى وجوب الاستسعاء، و ليس ببعيد، فان المولى عاد بالإذن في التجارة فوجب عليه التمكين من السعى انتهى.

أقول الظاهر من الاخبار المتقدمة بعد ضم بعضها الى بعض و حمل مطلقها على مقيدها و مجملها على مفصلها أنه متى استدان العبد بغير اذن مولاه فالدين لازم للعبد، و أنه يستسعى في الدين، لكن بشرط اذن المولى، فان لم يأذن المولى- حيث إن المولى غر صاحب الدين بالاذن للعبد في التجارة- مردود بما تضمنه رواية

220

روح «من أنه متى حجر عليه مولاه فليس على مولاه شيء، و لا على العبد شيء» و حينئذ فالواجب تقييد إطلاق الصحيحة المذكورة بهذه الرواية، و حمل ما تضمنته من الاستسعاء على رضى المولى، جمعا بين الخبرين، و لكنه معذور بعدم اطلاعه على الخبر المذكور حيث لم يورده في المقام.

و أما استثناء ما استدانه لمصلحة التجارة مع عدم الاذن له في الاستدانة و أنه يكون على المالك، فالظاهر أن وجهه عندهم أنه حيث كان مأذونا في التجارة فهو مأذون فيما يتعلق بمصالحها التي من جملتها ذلك، و هو و ان احتمل، الا أن إطلاق صحيحة أبي بصير يرده، و تخصيصها بمجرد ما ذكروه بعيد.

الثالث [غريم العبد من غرماء المولى]:

قد صرح الأصحاب بأنه لو مات المولى الدين في تركته، و لو كان له غرماء كان غريم العبد من جملتهم، و الوجه فيه ظاهر بعد الحكم بلزوم دينه للمولى، و عليه يدل الخبر الثاني، و حينئذ فيسقط الدين على الغرماء أجمع، الا أن ظاهر الخبر السادس بل صريحه تقديم غرماء المولى، فعلى هذا لو لم يبق شيء سقط غرماء العبد مع أن الجميع لازم لذمة المولى، و هو مشكل، و لم أر من تعرض لنقل الرواية المذكورة، فضلا عن الجواب عما اشتملت عليه من الحكم المذكور، و مقتضي اصطلاح المتأخرين طرح الرواية المذكورة لضعفها، و يعضده مخالفتها للقواعد الشرعية و الله العالم.

الرابع [عدم لزوم شيء على المولى لو لم يأذن له في التجارة]

- قال الشيخ في النهاية لو لم يأذن له في التجارة و لا في الاستدانة لا يلزم المولى منه شيء، و لا يستسعى المملوك بل كان ضائعا، و قال ابن حمزة يكون ضائعا إلا إذا بقي المال في يده، أو كان قد دفع الى سيده.

و قال ابن إدريس: يتبع به بعد العتق و به فسر قول الشيخ كان ضائعا، و هو اختيار أبى الصلاح أيضا قال في المختلف: و هو المعتمد.

أقول: ظاهر الرواية الرابعة أنها من هذا القبيل، فان قوله يشترى و يبيع قد علم بذلك مولاه يشعر بأنه غير مأذون منه في شيء من الأمرين، و انما رآه يشترى و يبيع، و لم ينكر ذلك عليه، مع أنه حكم بأنه يستسعى فيما عليه، و ظاهره الاستسعاء

221

في حياة المالك، و هو مشكل، لان منافع العبد مملوكة للمالك، و كسبه له فاستسعاؤه متفرع على ضمان المالك، مع أنه لا ضمان عليه، لعدم الإذن بالكلية، فلا بد من حمل الاستسعاء على كونه بعد العتق، و حينئذ يكون الرواية دالة على قول ابن إدريس، و هو الأوفق بالقواعد الشرعية.

الخامس: إذا اقترض المملوك مالا فأخذه المولى و تلف في يده

تخير المقرض في المطالبة للعبد أو المولى، و علل بان كلا منهما قد ثبت يده على المال، فيتخير في الرجوع على من شاء منهما، فان رجع على المولى قبل ان يعتق العبد لم يرجع المولى على العبد و ان عتق، لاستقرار التلف في يده، و لان المولى لا يثبت له مال في ذمة عبده، و ان كان الرجوع على المولى بعد عتق العبد، فان كان عند أخذه المال عالما بأنه قرض فلا رجوع له على العبد أيضا، و ان كان قد غره العبد بأن المال له، و من جملة أمواله و ليس بقرض اتجه رجوعه على العبد، للغرور.

و لو رجع المقرض على العبد بعد عتقه و يساره فله الرجوع على المولى لاستقرار التلف في يده، الا ان يكون قد غر المولى، فلا رجوع عليه كما تقدم، كذا قيل، و في بعض المواضع منه تأمل، و منها قوله لا يثبت له مال في ذمة عبده، فان الظاهر أنه مبنى على أن العبد لا يملك، و الا فمع القول بملكه و ان كان محجورا عليه كما هو الأظهر، فإنه لا مانع من رجوعه عليه.

و منها أنه إذا كان العبد مأذونا في الاقتراض و قلنا بملكه فإنه يكون المال للعبد. قد ملكه بالاقتراض و القبض، فلا يجوز للمالك أخذه، و مقتضى ذلك رجوع المقرض على العبد. لاستقرار المال في ذمته و ملكه له، و رجوع العبد على سيده لانه غاصب.

و منها إذا كان الاقتراض للمولى و كان عن إذنه فإنه لا رجوع للمولى على العبد، و بالجملة فإن كلامهم هذا انما يتم فيما إذا كان القرض بغير اذن المولى، سواء اقترضه لنفسه أو للمولى، فان القرض يكون حينئذ باطلا فيلزمه لوازم القبض بالعقد الفاسد و الله العالم.

222

كتاب الرهن

و الرهن لغة الثبوت و الدوام، يقال: رهن الشيء رهونا: كقعد قعودا إذا ثبت و دام، و منه نعمة راهنة: أى دائمة ثابتة، قال في كتاب المصباح المنير:

و يتعدى بالألف فيقال أرهنته: إذا جعلته ثابتا، و إذا وجدته كذلك، و رهنته المتاع بالدين رهنا حبسته به، فهو مرهون، و الأصل مرهون بالدين، فحذف للعلم به، و أرهنته بالدين بالألف لغة قليلة و منعها الأكثرون. انتهى.

و به يظهر ما في قوله في المسالك بعد نسبة المعنى الأول إلى اللغة، و يطلق على الحبس بأي سبب كان، قال الله تعالى (1) «كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» أي محبوسة بما كسبته من خير و شر، و أخذ الرهن الشرعي من هذا المعنى أنسب، فإن ظاهره أن المعنى اللغوي للفظ انما هو الأول، و به صرح غيره أيضا، و أن الثاني انما هو معنى مجازي يطلق عليه، و يستعمل فيه مع أن مقتضى كلام المصباح ان الثاني أيضا معنى لغوي، فاستعماله شرعا في هذا المعنى هو أحد معنييه لغة.

و الكلام في هذا الكتاب يجب بسطه في فصول

الفصل الأول- في الرهن

و فيه مسائل،

[المسألة] الأولى- في الصيغة المشتملة على الإيجاب و القبول

، ظاهر كلام بعض الأصحاب الاكتفاء في الإيجاب بكل لفظ دل على الارتهان، كقوله رهنتك أو هذا وثيقة عندك، و هذا رهن عندك و زاد في الدروس أنه لو قال: خذه على مالك أو بمالك فهو رهن.

أقول: في قوله خذه بمالك ما يوهم المعاوضة، و دخوله في قسم البيع، بناء على عدم اشتراط الصيغة الخاصة، و وقوعه لكل ما دل على التراضي من الطرفين، فلا ينبغي عده في سياق هذه الألفاظ.

و بالجملة فإنه يستفاد منه أنه أن الرهن لا يختص بلفظ. و ربما ظهر من عبائر جملة منهم في التعبير عنه بأنه عقد، أنه يشترط فيه ما يشترط في العقود اللازمة من الإيجاب

____________

(1) سورة المدثر الآية- 38.

223

و القبول باللفظ العربي على صيغة الماضي و المقارنة، و تقديم الإيجاب كما في غيره من العقود اللازمة، لأنه المتبادر من لفظ العقد.

قيل: لعل دليله أن الأصل عدم الانعقاد و ترتب أحكام الرهن الا على ما ثبت كونه رهنا بالإجماع و نحوه و الإجماع هنا غير ثابت، و كذا غيره.

أقول: فيه ما عرفت مما تقدم في صدر الفصل الأول من كتاب البيع (1) من عدم الدليل على ما ذكروه، و استفاضة الاخبار في العقود بخلاف ما اعتبروه، مضافا الى أصالة العدم، و يؤيده- ما ذكره بعض المحققين- من أن الرهن ليس على حد العقود اللازمة، لأنه جائز من طرف المرتهن، فترجيح جانب اللزوم- و لزوم ما يعتبر في اللازم- ترجيح من غير مرجح، و أما القبول فهو عبارة عن الرضا بذلك الإيجاب، و القبول فيه كما تقدم في الإيجاب.

و قال في التذكرة: الخلاف في الاكتفاء بالمعاطاة- و الاستيجاب و الإيجاب المذكور في البيع- آت هنا، و اعلم أن الرهن اما أن يكون مبتدأ متبرعا به، و هو الذي لا يقع شرطا في عقد لازم، بل يقول الراهن: رهنت هذا الشيء عندك على الدين الذي على، فيقول المرتهن: قبلت، و اما أن يقع شرطا في عقد لازم كبيع أو إجارة أو نكاح أو غير ذلك، فيقول: بعتك هذا الشيء بشرط أن ترهنني عبدك، فيقول: اشتريت و رهنت، أو زوجتك ابنتي على مهر قدره كذا، بشرط أن ترهنني دارك على المهر، فيقول الزوج: قبلت و رهنت.

و القسم الأول لا بد فيه من الإيجاب و القبول عند من اشترطهما و لم يكتف بالمعاطاة.

و أما القسم الثاني فقد اختلفوا فيه، فقال بعض الشافعية: إذا قال البائع: بعتك كذا بشرط أن ترهنني كذا، فقال المشترى: شريت و رهنت، لا بد و أن يقول البائع بعد ذلك: قبلت الرهن، و كذا إذا قالت المرأة: زوجتك نفسي بكذا بشرط أن

____________

(1) ج 18 ص 355.

224

ترهنني كذا، فقال الزوج: قبلت النكاح و رهنتك كذا، فلا بد و أن تقول المرأة بعد ذلك: قبلت الرهن. لانه لم يوجد في الرهن سوى مجرد الإيجاب، و هو بمجرده غير كاف في إتمام العقد.

و قال آخرون: ان وجود الشرط من البائع و الزوجة، يقوم مقام القبول لدلالته عليه انتهى. و ظاهر نقله الخلاف في القسم الثاني من غير ترجيح شيء يؤذن بالتوقف في ذلك، و احتمال الاكتفاء بالإيجاب هنا.

و فيه اشكال- كما أشار إليه بعض المحققين- من أن مقتضى الشرط أنه لا يقع البيع و التزويج الا بعد الرهن، مع أن الرهن متأخر. و لانه يلزم أن يرهن على الثمن قبل إتمام الشراء و لزومه، و يتحقق الشراء قبل الرهن، مع أنه قد جوز المعاطاة في البيع، فيجوز هنا أيضا بل بالطريق الاولى، فيحتمل الاكتفاء بها، و عدم اشتراط الإيجاب و القبول انتهى و هو جيد.

قالوا و لو عجز من النطق كفت الإشارة، و لو كتبه و الحال هذه و عرف ذلك من قصده جاز، و قيد بعضهم الإشارة أيضا بأنه لا بد أن تكون مفهمة للمقصود، و هو كذلك.

و بالجملة فإنه كما يعتبر في اللفظ افهام المقصود، كذلك يعتبر فيما قام مقامه مع تعذره، و لهذا مال بعض المحققين الى الاكتفاء بالإشارة و الكتابة المفهمين، و ان كان مع القدرة على اللفظ، لان الغرض فهم ذلك، فحيثما وجد كفى.

المسألة الثانية [الخلاف في أن قبض الرهن شرط فيه أم لا؟]

- اختلف الأصحاب في أن قبض الرهن شرط في الرهن أم لا؟

و بالأول قال الشيخ في النهاية، و الشيخ المفيد، و ابن الجنيد، و أبو الصلاح، و ابن البراج، و سلار، و أبو منصور الطبرسي، و ابن حمزة، و المحقق في الشرائع، و الشهيد في الدروس، و كتاب النكت و اللمعة.

و بالثاني قال في الخلاف، فإنه صرح بأنه يلزم بالإيجاب و القبول خاصة، و به قال ابن إدريس، و العلامة في المختلف، و هو ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و اختلف كلامه في المبسوط، ففي كتاب الرهن كما في النهاية

225

و قال فيه أيضا كما قال في الخلاف في فصل بيع الخيار: الأحوط أن نقول ان الرهن من قبل الراهن بالقول، و يلزمه إقباضه.

احتج الأولون بقوله عز و جل (1) «فَرِهٰانٌ مَقْبُوضَةٌ» و التقريب فيها أنه سبحانه أمر بالرهن المقبوض فلا يتحقق المطلوب شرعا بدونه، كما اشترط التراضي في التجارة، و العدالة في الشهادة، حيث قرنا بهما و بما رواه

الشيخ في الموثق عن محمد بن قيس (2) عن أبى جعفر (عليه السلام)، قال: «لا رهن الا مقبوضا» (3).

أقول:

و روى العياشي في تفسيره أيضا عن محمد بن عيسى (4) عن أبى جعفر (عليه السلام): قال: «لا رهن إلا مقبوضا».

أجاب العلامة في المختلف أما عن الآية فبأنها انما تدل من حيث دليل الخطاب و ليس حجة عند المحققين، ثم قال: على أنا نقول: دليلنا، أما أولا فلان القبض لو كان شرطا كالإيجاب و القبول لكان قوله تعالى «مَقْبُوضَةٌ» تكرارا لا فائدة تحته، و كما لا يحسن أن يقول: مقبولة، كذا كان يحسن أن لا يقول: مقبوضة، و اما ثانيا فلان الآية سيقت لبيان الإرشاد إلى حفظ المال، و ذلك انما يتم بالإقباض كما أنه لا يتم الا بالارتهان (5) فالاحتياط يقتضي القبض كما يقتضي الرهن، و كما أن الرهن ليس شرطا في الدين، فكذا القبض ليس شرطا في الرهن، ثم أجاب عن الرواية بضعف السند مع أنها مشتملة على إضمار، فلا تبقى حجة انتهى.

____________

(1) سورة البقرة الآية- 283.

(2) التهذيب ج 7 ص 176.

(3) هذه الرواية رواها في المسالك و نقله العلامة في التذكرة عن الصادق (عليه السلام) و الذي في التهذيب انما هو عن الباقر (عليه السلام) كما نقلناه في الأصل- منه (رحمه الله).

(4) الوسائل الباب 3 من أبواب الرهن الرقم- 2.

(5) و يعضده أن الآية قد اشتملت ايضا على السفر و على عدم وجود الكاتب و هما غير شرط في الرهن اتفاقا، فيكون القبض كذلك كما هو ظاهر- منه (رحمه الله).

226

و أجاب الشهيد في نكت الإرشاد عن ذلك، قال: و الجواب ان الآية دلت على شرعية الرهن مع القبض، فإذا لم يقبض كان منفيا بالأصل، لا بدليل الخطاب، و حفظ المال واجب، فيجب مقدمة، و الحديث متلقى بالقبول، فلا يضره ضعف سنده، و الإضمار بالصحة أولى، و لا تكرار في قوله «مَقْبُوضَةٌ» لأن اللغوي صادق فيصير شرعيا بالقبض انتهى.

و يمكن تطرق المناقشة إليه بما يخرجه عن الاعتماد عليه، أما قوله ان الآية دلت على شرعية الرهن مع القبض- الى آخر دليله- ففيه أن صدق الرهن- و تحقق عقد بدون القبض الموجب لدخوله تحت قوله «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» «و المؤمنون عند شروطهم» مما يمنع ذلك، و يعضده إطلاق الاخبار الواردة في جملة من أحكام الرهن التي لا تكاد تحصى كثرة، كما ستمر بك إنشاء الله تعالى- فإنها كلها اشتملت على ذكر الرهن من غير تقييد بالقبض، فلو كان شرطا كما هو المدعى لم يحسن ذلك، بل يجب التفصيل، و قد تقرر في كلامهم أن عدم التفصيل دليل على العموم.

و أما قوله ان حفظ المال واجب فيجب مقدمة، ففيه أنه لا قائل بوجوب أخذ الرهن، فالوجوب هنا غير ظاهر.

و أما قوله: ان الحديث متلقى بالقبول، ففيه أنه و ان كان كذلك الا أن الدلالة غير صريحة، بل و لا ظاهرة، و دعوى أولوية ترجيح إضمار الصحة لا دليل عليها.

و أما قوله لا تكرار في قوله «مَقْبُوضَةٌ» الى آخره ففيه أنه متى وجد المعنى الشرعي فمقتضى القاعدة الحمل عليه، و انصراف معنى اللفظ اليه، على أن الوصف بالقبض لا يناسب المعنى اللغوي عندهم الذي هو الثبوت و الدوام، الا أن يكون بمعنى المرهون.

و أما ما أجاب به هنا- في المسالك- من أن الصفة قد يكون للكشف، ففيه أن الأصل في الوصف عدم كونه كذلك، لما تقرر من «أن التأسيس خير من

227

التأكيد» كما هو مشهور في كلامهم، و بالجملة فالمسألة لما عرفت محل اشكال و الله العالم.

بقي الكلام هنا في شيئين: أحدهما- في تعيين محل الخلاف في المسألة، و ان شرطية القبض هل هي في الصحة، أو اللزوم؟ قد اضطرب في ذلك كلامهم، فظاهر جملة منهم أن محل الخلاف نفيا و إثباتا انما هو في كونه شرطا في الصحة، فالقائل بشرطيته يحكم بكون الرهن بدونه باطلا، و القائل بكونه شرطا في اللزوم يحكم بالجواز.

فممن ظاهره الأول العلامة في الإرشاد و القواعد، و الشهيد في نكت الإرشاد و المحقق الثاني في شرح القواعد، و الشهيد في الدروس، و فرع عليه فروعا كثيرة قال في كتاب نكت الإرشاد بعد قول المصنف- و لا يفتقر الى القبض: هذا قول الشيخ في الخلاف الى أن قال: و ذهب الشيخ في النهاية- و موضع من المبسوط- الى أن القبض شرط في صحته، و هو مذهب المفيد و ابن الجنيد الى آخره و هو كما ترى ظاهر فيما قلناه.

و ممن ظاهره الثاني العلامة في التذكرة حيث قال: اختلف علماؤنا في القبض هل هو شرط في لزوم الرهن أولا على قولين: الى آخره، ثم ذكر جملة من الفروع المرتبة على ذلك.

و منهم الشهيد الثاني في المسالك حيث قال: اختلف أصحابنا في اشتراط القبض في الرهن بمعنى كونه جزء لسبب لزومه من قبل الراهن، كالقبض في الهبة في كونه كذلك بالنسبة إلى ملك المتهب و عدمه، و هو أيضا كالأول، ظاهر فيما قلناه.

و من هنا قال بعض المحققين: إنه يمكن أن تكون المذاهب ثلاثة، أحدها- عدم اشتراط القبض بوجه، و ثانيها- اشتراطه في الصحة، و ثالثها اشتراطه في اللزوم فقط، كما في الهبة، فإنه نقل فيها في الدروس ثلاثة أقوال، مثل ما قلناه هنا، و ان قال في شرح الشرائع- بعد تقرير الخلاف- في لزوم الرهن من جانب

228

الراهن، كالقبض في الهبة، و هو مشعر بكون الخلاف في الهبة أيضا في اللزوم و عدمه و الظاهر أنه ليس كذلك، و لهذا قال في القواعد و غيره: لو مات الواهب بطلت الهبة، و لهذا يحصل الجمع بين كلام القوم انتهى و هو جيد.

و ثانيهما- أنه قد صرح في المسالك بأن إطلاق الشرطية على القبض انما هو بطريق المجاز، لان الشرط مقدم على المشروط في الوجود، و هنا لا يعتبر تقدمه إجماعا، فكونه جزء من السبب أنسب، و قيل عليه: ان الظاهر أن المراد بالشرط هنا انما هو الأمر الذي لا بد من حصوله، لحصول المشروط، لا الخارج المقدم على المشروط الذي يجب حصوله قبله، و هو إطلاق شائع خصوصا عند الفقهاء في مثل هذا الباب و هو جيد.

فروع

الأول- لو قبض المرتهن الرهن بغير اذن الراهن

، فان قلنا: بأن القبض شرط في الصحة كان عقد الرهن باطلا، لان القبض على هذا الوجه كلا قبض، و ان قلنا: أنه شرط في اللزوم كان العقد صحيحا غير لازم.

و يمكن التفصيل بناء على الأول بأنه ان كان قبضه بغير اذنه من حيث امتناع الراهن من الإقباض، فالظاهر أنه لا وجه للبطلان، لانه من قبيل الحقوق المستحقة عليه، فإذا أخل بدفعها جاز لصاحب الحق التوصل إلى أخذ حقه و ان كان لا كذلك فما ذكروه صحيح و الله العالم.

الثاني- لو عرض للراهن الجنون أو الإغماء أو الموت بعد العقد و قبل القبض

، و قلنا: باشتراط القبض كما هو المشهور، فان قلنا: بكون القبض شرطا في الصحة فإنه يبطل العقد من أصله، و بذلك صرح في القواعد و الدروس تفريعا على ما اختاراه من كون القبض شرطا في الصحة كما تقدم نقله عنهما.

و ان قلنا بكونه شرطا في اللزوم كان العقد صحيحا، و به قطع في التذكرة تفريعا على ما اختاره فيها من كون القبض شرطا في اللزوم، كما تقدم نقله عنه، فعلى

229

الثاني يقوم الولي مقام الراهن في استحقاق الإقباض، لكن ولى المجنون يراعى مصلحته في ذلك، فان رأى أن المصلحة في الإقباض كما إذا كان في بيع يتضرر بفسخه أو نحو ذلك من المصالح التي يقتضيها الحال أقبضه، و الا فلا.

و بذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المسالك في هذا المقام، حيث أنه فرع البطلان و عدمه على القول بكون القبض شرطا في اللزوم، كما اختاره و غفل عن الخلاف الذي قدمنا ذكره من أن جملة منهم انما جعله شرطا في الصحة، و آخرين في اللزوم، و الصحة و البطلان هنا انما تفرعا على ذلك كما أوضحناه، و لو كان عروض أحد هذه الأشياء المتقدمة للمرتهن قبل قبضه.

فالظاهر ان العقد صحيح على كل من القولين المتقدمين، و ينتقل حق القبض إلى الولي، و لهذا انه في الدروس مع قوله بالبطلان بموت الراهن أو جنونه قال: بالصحة هنا (1) و وجه ذلك هو الفرق بين المقامين، فإنه في صورة موت الراهن قبل الإقباض تعلق حق الورثة و الديان به، فلا يستأثر به أحد، بخلاف موت المرتهن فان الدين باق فتبقى وثيقة لعدم المنافي، هذا كله على تقدير القول باشتراط القبض (2) و اما على القول

____________

(1) قال في الدروس: لو مات الراهن أو جن بطل، و في المبسوط إذا جن الراهن أو أغمي عليه أو رجع قبل القبض، قبض المرتهن لان العقد أوجب القبض، و هذا يشعر بان القبض ليس بشرط، و ان كان للمرتهن طلبه ليتوثق به، و لو مات المرتهن انتقل حق القبض الى وارثه و الفرق تعلق حق الورثة و الديان بعد موت الراهن به فلا يستأثر به أحد، بخلاف موت المرتهن فان الدين باق فتبقى وثيقته، و يحتمل البطلان فيها لانه من العقود الجائزة قبل القبض و الصحة فيهما وفاقا للقاضي و المبسوط و الفاضل الى آخر كلامه منه (رحمه الله).

(2) أما على القول بالصحة بناء على ان القبض شرط في اللزوم فظاهر و أما على القول بالبطلان بناء على ان القبض شرط في الصحة فللفرق المذكور في الأصل، و توضيحه أنه بموت الراهن قبل الإقباض مع كون القبض شرطا في الصحة يتعلق حق الورثة و الديان بالرهن، و لا ترجيح لأحدهما بعد الحكم بالبطلان، و اما على تقدير موت المرتهن فان دينه باق، و وثيقته تقتضي عقد الرهن باقية على مقتضاه و لم يبق الا حق قبضه، حيث مات قبله، فلذا الحق ينتقل الى وليه و يقوم مقام الميت في القبض و لا يبطل الرهن بذلك و هو ظاهر منه (رحمه الله).

230

الأخر فلا اثر لهذا البحث و لا لما قبله لحكم هذا القائل بصحة العقد و لزومه قبل القبض فلا تؤثر فيه هذه العوارض و الله العالم.

الثالث [عدم شرطية استدامة القبض]

- قد صرحوا بأنه ليس استدامة القبض شرطا، فلو عاد الى الراهن أو تصرف فيه لم يخرج عن الرهانة، و ظاهرهم أنه موضع وفاق، بل نقل عن التذكرة دعوى الإجماع عليه (1).

الرابع- لو رهن ما في يد المرتهن قبل الرهن

، فان كان بعارية أو وديعة أو إجارة و نحو ذلك مما كان قبضا مأذونا فيه شرعا، فالظاهر أنه لا خلاف في الصحة، لأن المعتبر تحقق القبض و هو حاصل، و لو بالاستصحاب، فان استدامة القبض قبض حقيقة، فيصدق عليه أنه رهن مقبوض، و أما انه يشترط كون القبض واقعا ابتداء بعد الرهانة، فلا دليل عليه، و حينئذ فلا فرق بين السابق و المقارن.

و ان كان قبضا غير مأذون فيه شرعا كقبض الغاصب، و المستام، و المشترى فاسدا، فقد أطلق الأكثر الاكتفاء به أيضا، لما تقدم من الدليل، و لانه متى اشترط القبض في الرهن كان مستحقا على الراهن، فإذا كان في يد المرتهن وصل الى حقه و على تقدير كون القبض منهيا عنه لا يقدح هنا، لأن النهي في غير العبادة لا يقتضي الفساد.

و قيل: بعدم الاكتفاء به، لان القبض على تقدير اشتراطه ركن من أركان العقد من الجهة التي تعتبر لأجلها و هو اللزوم، و لهذا أوجبوا عليه الإقباض لو كان الرهن مشروطا عليه، و إذا وقع منهيا عنه لا يعتد به شرعا، و انما لا يقتضي النهي

____________

(1) اى كرنه في يده يأخذ هذه الأشياء منه (رحمه الله).

231

الفساد في مثل ذلك حيث تكمل أركان العقد، مع أنهم قطعوا بأنه لو قبض بلا اذن الراهن لم يعتد به، فلو كان مطلق القبض كافيا، لزم مثله في ذلك القبض المبتدأ بغير اذن الراهن، و نمنع استحقاقه على الراهن بمجرد الصيغة.

أقول: و المسألة لما كانت عارية عن النص تطرق إليها الإشكال، الا انه يمكن أن يقال: ان المقبوض بيد أحد هؤلاء المذكورين و ان كان قبل الرهن غير مأذون فيه شرعا و هو منهي عنه، الا أنه بعد عقد الرهن و حصول الرضا من الراهن ببقائه في يد المرتهن من أحد هؤلاء لا مانع من ذلك، و اما القياس على القبض بغير اذن الراهن فهو قياس مع الفارق إذ المفروض هنا كما ذكرنا هو رضا الراهن ببقائه رهنا عند أحد هؤلاء و اذنه في ذلك، و كونه سابقا مقبوضا بغير وجه شرعي لا يمنع من ذلك مع تجدد الرضا و الاذن أخيرا، بخلاف المقبوض بعد الرهن بغير اذن على ما تقدم من التفصيل فيه.

و نقل عن العلامة في التذكرة أنه قطع باشتراط الاذن و مضى زمان يمكن فيه تجدد القبض هنا، قال في المسالك: و هو متجه، بل ربما قيل: باشتراطهما في المقبوض صحيحا ثم أطال في بيان تعليل ذلك بعلل عليلة.

أقول: أما اشتراط الاذن فلا ريب أن قرينة المقام شاهدة به، لانه مع جعله رهنا، و العلم باشتراط القبض في الرهن لا يتجه و لا يتم الا مع الرضا و الاذن في القبض، و الا فكيف يجعله رهنا يجب عليه إقباضه للمرتهن، مع عدم الرضا و الاذن في قبضه، و لا ريب أنه و ان كان مقبوضا سابقا على غير وجه شرعي، الا انه بعد جعله رهنا صار الأمر على خلاف ما كان سابقا، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا خفاء عليه.

و أما اشتراط مضى زمان يمكن فيه تجدد القبض فلا وجه له، و ما علل به مما طوينا نقله لا يخفى ما فيه على من راجعه.

الخامس- لو رهن ما هو غائب

و قلنا باشتراط القبض، فلا بد من حضور المرتهن أو وكيله عند الرهن و قبضه، و أنه لا يصير رهنا صحيحا أو لازما بناء على القولين المتقدمين الا بذلك.

232

و المعتبر في القبض ما تقدم في كتاب البيع من اعتباره في كل بما يناسبه من النقل في المنقولات، و الكيل و الوزن في المكيلات و الموزونات، و التخلية فيما لا يكون كذلك- حسبما تقدم تحقيقه.

و بالجملة فإن القبض هنا كالقبض في البيع، فجميع ما تقدم آت هنا، و لو قلنا بعدم اشتراط القبض سقط البحث.

السادس [لو أقر الراهن بالإقباض]

- قالوا-: لو أقر الراهن بالإقباض قضى عليه به، إذا لم يعلم كذبه و لو رجع لم يقبل رجوعه، و تسمع دعواه لو ادعى المواطاة على الاشهاد، فيتوجه اليمين على المرتهن على الأشبه.

أقول: أما القضاء عليه بإقراره فظاهر، لما ورد من أن

«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز (1)».

و أما عدم ذلك مع علم كذبه فظاهر أيضا، كما لو قال: رهنته اليوم داري التي بالحجاز و أقبضته إياها مع كونهما في الشام مثلا فإنه لا يسمع، لانه محال عادة، و قد عرفت أن شرطه وصول المرتهن أو وكيله الى موضع الرهن و قبضه.

و أما أنه لو رجع عن إقراره بالإقباض لم يقبل رجوعه، فلانه بإقراره أولا دخل تحت مضمون الخبر المتقدم فيجب إلزامه و الحكم عليه، و لا تسمع دعواه، بحيث تتوجه على المرتهن اليمين.

نعم لو ادعى الغلط في إقراره و أظهر تأويلا ممكنا في حقه كما لو قال استندت فيه الى كتاب كتبه وكيلي فظهر مزورا و نحو ذلك فان الظاهر سماع دعواه، بمعنى توجه اليمين على المرتهن بان القبض حقيقي، أو على نفى ما يدعيه الراهن، لأن الأصل صحة الإقرار و مطابقته للواقع.

و استقرب العلامة في التذكرة توجه اليمين له على المرتهن و ان لم يظهر تأويلا، محتجا بأن الغالب في الوثائق كون الشهادة قبل تحقق ما فيها، فلا حاجة

____________

(1) الوسائل الباب- 3 من أبواب الإقرار- الرقم 2.

233

الى تلفظه به.

و أما لو ادعى المواطاة في الإشهاد إقامة لرسم الوثيقة أي لأجل كتابتها و الشهادة عليها حذرا من تعذر ذلك إذا تأخر الى أن يتحقق القبض، فالأقوى أنها مسموعة، بمعنى توجه اليمين بها كما على المرتهن أيضا، حسبما تقدم، لجريان العادة بوقوع مثل ذلك، و قيل: انه يحتمل عدم السماع لانه مكذب لإقراره الأول.

و ينبغي أن يعلم أن سماع دعواه انما يتم لو شهد الشاهدان على إقراره، فادعى الغلط أو المواطاة كما تقدم، أما لو شهدا على نفس الإقباض و فعله لم تسمع دعواه، لتضمنها تكذيب الشاهدين، بخلاف الشهادة على الإقرار، فإنها لا تنافي دعواه بأحد الوجهين المذكورين، و على هذا فلا يثبت على المرتهن باليمين لو وقعت الشهادة على نفس الإقباض، و كذا لو شهدا على إقراره بالإقباض فأنكر الإقرار، فإنه لا يلتفت الى إنكاره، لما تقدم من استلزامه تكذيب الشاهدين.

السابع- لو رهن ما هو مشترك بينه و بين غيره على سبيل الإشاعة

. فإن كان مما ينقل و يحول فإنه لا يجوز الإقباض إلا بإذن الشريك، لاستلزامه التصرف في مال الغير بغير اذنه، فلو أقبضه و الحال هذه فعل محرما.

و هل يحصل الإقباض بذلك و يتم شرط الرهن أم لا؟ قولان: ثانيهما للشهيد (رحمة الله عليه) لانه كما لو قبضه بدون اذن المرتهن، و أولهما للعلامة و جماعة، و وجهه أن النهى انما هو من حيث حق الشريك فقط، و الا فالإذن حاصل من الراهن بالنسبة إلى حقه، و اشتمال المقبوض على حق الراهن و غيره لا يمنع من تحقق القبض لحق الراهن الذي هو شرط في صحة الرهن على القول به، و ان فعل محرما بالتصرف في حق الغير، و هذا القول بحسب الاعتبار أقوى.

و ان كان مما لا ينقل و لا يحول فان ظاهر المحقق في الشرائع إلحاق ذلك بالصورة الاولى في اشتراط الاذن، حيث قال: و لا يجوز تسليم المشاع الا برضاء شريكه، سواء كان مما ينقل أو لا ينقل على الأشبه.

و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك العدم، حيث قال: و أما ما يكفى

234

فيه مجرد التخلية ففي اشتراط اذنه نظر، أقربه العدم، لان الغرض مجرد رفع يد الراهن و تمكين المرتهن من قبضه، و هو لا يستدعي تصرفا في ملك الغير انتهى و هو جيد.

المسألة الثالثة [في أن الرهن أمانة في يد المرتهن]

- المشهور بل ادعى عليه الشيخ الإجماع أن الرهن أمانة في يد المرتهن، لا يضمن الا مع التفريط، فلا يسقط بتلفه شيء مع عدم التفريط.

و يدل عليه جملة من الاخبار منها- ما رواه

في الفقيه في الصحيح عن جميل بن دراج (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في رجل رهن عند رجل رهنا فضاع الرهن قال: هو من مال الراهن، و يرجع المرتهن عليه بماله».

و عن أبان بن عثمان (2) «عن رجل عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل رهن عند رجل دارا فاحترقت أو انهدمت؟ قال: يكون ماله في تربة الأرض، و قال في رجل رهن عنده مملوك فجذم أو رهن عنده متاع فلم ينشر المتاع. و لم يتعاهده و لم يتحركه فتأكل هل ينقص من ماله بقدر ذلك؟ فقال: لا».

و في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يرهن الرهن عند الرجل فيصيبه شيء أو يضيع قال: رجع بماله عليه».

و عن عبيد بن زرارة (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل رهن سوارين فهلك أحدهما قال: يرجع عليه بحقه فيما بقي، و قال في رجل رهن عند رجل دارا فاحترقت» الحديث.

كما تقدم في مرسلة أبان بأدنى تفاوت، و فيه «فأكل» يعني أكله السوس.

و في الصحيح عن الفضيل بن عبد الملك (5) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل رهن عنده آخر عبدين فهلك أحدهما أ يكون حقه في الأخر؟ قال: نعم،

____________

(1) الفقيه ج 3 ص 195.

(2) التهذيب ج 7 ص 171.

(3) التهذيب ج 7 ص 170.

(4) التهذيب ج 7 ص 170.

(5) الفقيه ج 3 ص 199.

235

قلت: أو دارا فاحترقت أ يكون حقه في التربة؟ قال: نعم، أو دابتين فهلكت إحداهما أ يكون حقه في الأخرى؟ قال: نعم، قلت: أو متاعا فهلك من طول ما تركه، أو طعاما ففسد أو غلاما فأصابه جدري فعمي أو ثيابا تركها مطوية لم يتعاهدها و لم ينشرها حتى هلكت؟ قال: هذا نحو واحد يكون حقه عليه».

و عن أبان (1) عن رجل «عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته كيف يكون الرهن بما فيه ان كان حيوانا أو دابة أو ذهبا أو فضة أو متاعا فأصابته جائحة حريق أو لص فهلك ماله أو نقص متاعه، و ليس له على مصيبته بينة، قال: إذا ذهب متاعه كله فلم يوجد له شيء فلا شيء عليه، و ان قال: ذهب من بيتي مالي و له مال فلا يصدق».

و عن إسحاق بن عمار (2) في الموثق «عن أبي إبراهيم (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يرتهن العبد فيصيبه عور أو ينقص من جسده شيء على من يكون نقصان ذلك؟ قال: على مولاه، قال: قلت: ان الناس يقولون ان رهنت العبد فمرض أو انفقأت عينه فأصابه نقصان في جسده ينقص من مال الرجل بقدر ما- ينقص من العبد، قال أ رأيت لو أن العبد قتل قتيلا على من يكون جنايته؟ قال:

جنايته في عنقه».

و عن إسحاق بن عمار (3) أيضا في الموثق قال: «قلت: لأبي إبراهيم (عليه السلام) الرجل يرهن الغلام أو الدار فتصيبه الآفة على من يكون؟ قال: على مولاه، ثم قال: أ رأيت لو قتل هذا قتيلا على من يكون؟ قلت: هو في عنق العبد، قال: ألا ترى فلم يذهب من مال هذا؟ ثم قال: أ رأيت لو كان ثمنه مأة دينار فزاد و بلغ مأتي دينار لمن كان يكون؟ قلت: لمولاه، قال: و كذلك يكون عليه ما يكون له».

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 173 الفقيه ج 3 ص 198.

(2) الفقيه ج 3 ص 195.

(3) الكافي ج 5 ص 234 التهذيب ج 7 ص 172.

236

الا أن بإزاء هذه الاخبار أيضا ما يدل على خلاف ما دلت عليه و هو وجوب الضمان على المرتهن.

و منها ما رواه

في الفقيه عن محمد بن قيس (1) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قضى- أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا كان الرهن أكثر من مال المرتهن فهلك- ان يؤدى الفضل الى صاحب الرهن، و ان كان أقل من ماله فهلك الرهن ادى الى صاحبه فضل ماله، و ان كان الرهن يسوى ما رهنه فليس عليه شيء».

و ما رواه

في الكافي و التهذيب عن ابن بكير (2) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرهن؟ فقال: ان كان أكثر من مال المرتهن فهلك أن يؤدى الفضل الى صاحب الرهن، و ان كان أقل من ماله فهلك الرهن أدى اليه صاحبه فضل ماله، و ان كان سواء فليس عليه شيء».

و ما رواه

في الكافي و التهذيب في الصحيح عن أبي حمزة (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول على (عليه السلام) في الرهن يترادان الفضل؟ قال: كان على (عليه السلام) يقول: ذلك، قلت: كيف يترادان الفضل؟ فقال: ان كان الرهن أفضل مما رهن به ثم عطب رد المرتهن على صاحبه، و ان كان لا يساوى رد الراهن ما نقص من حق المرتهن، قال: و كذلك كان قول على (عليه السلام) في الحيوان و غير ذلك».

و ما رواه

المشايخ الثلاثة عن إسحاق (4) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يرهن بمأة درهم و هو يساوي ثلاثمائة درهم فهلك، أعلى الرجل ان يرد على صاحبه مائتي درهم؟ قال: نعم لأنه أخذ رهنا فيه فضل- و ضيعه، قلت:

____________

(1) الفقيه ج 3 ص 199.

(2) الكافي ج 5 ص 234 التهذيب ج 7 ص 171.

(3) الكافي ج 5 ص 234.

(4) التهذيب ج 7 ص 172 الكافي ج 5 ص 234 الفقيه ج 3 ص 199.

237

فهلك نصف الرهن فقال: على حساب ذلك» و زاد في الكافي و الفقيه «قلت:

فيترادان الفضل قال: نعم».

و ما رواه

في الفقيه عن محمد بن حسان عن ابى حمران الأرمني (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل رهن عند رجل على ألف درهم، و الرهن يساوي ألفين فضاع فقال: يرجع عليه بفضل ما رهنه، و ان كان انقص مما رهنه عليه رجع على الراهن بالفضل، و ان كان الرهن يساوى ما رهنه عليه فالرهن بما فيه».

قيل:

و يعنى قوله «و الرهن بما فيه» انه يحسب الرهن من دينه و يرجع بالباقي.

أقول: و هو معنى صحيح في حد ذاته، الا أنه بعيد عن ظاهر اللفظ المذكور و جمع الشيخ (رحمة الله عليه) بين هذا الاخبار بحمل الأخبار الأولة على عدم التفريط، و الأخيرة على التفريط استنادا الى ما رواه

في الكافي عن أبان (2) عمن أخبره عن أبى عبد الله (عليه السلام) و في الفقيه و التهذيب عن أبان عن أبى عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في الرهن إذا ضاع عند المرتهن من غير أن يستهلكه: رجع في حقه على الراهن فأخذه فإن استهلكه ترادا الفضل فيما بينهما».

أقول: و يشير الى ذلك أيضا قوله (عليه السلام)، في رواية إسحاق الأخيرة «لأنه أخذ رهنا فيه فضل و ضيعة».

و على ذلك أيضا يحمل ما رواه

الشيخ في التهذيب عن سليمان بن خالد (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا ارتهنت عبدا أو دابة فماتا فلا شيء عليك، و ان هلكت الدابة أو أبق الغلام فأنت ضامن».

فإنه لا بد من حمل هلاك الدابة و إباق الغلام على التفريط، و الا يحصل التنافي بين صدر الخبر و عجزه.

____________

(1) الفقيه ج 3 ص 196.

(2) الكافي ج 5 ص 234 التهذيب ج 7 ص 172 الفقيه ج 3 ص 196.

(3) التهذيب ج 7 ص 173 الكافي ج 5 ص 236.

238

قال الشيخ بعد نقل الخبر المذكور: المعنى فيه أن يكون سبب هلاكها أو سبب إباق الغلام شيئا من جهة المرتهن، فاما إذا لم يكن كذلك فلا يلزمه شيء، و كان حكمه حكم الموت سواء انتهى.

و احتمل بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين حمل الأخبار الأخيرة على التقية، قال: فقد روى العامة عن الشعبي و شريح و الحسن (1) ذهبت الرهانة بما فيها و يدل عليه خبر أبان أيضا انتهى.

أقول نقل العلامة في التذكرة القول بما عليه الأصحاب عن عطاء، و الزهري، و الأوزاعي و الشافعي، و أبى ثور و أحمد و ابن المنذر، و نقل عن شريح و النخعي و الحسن البصري، أن الرهن يضمن بجميع الدين، و ان كان أكثر من قيمته، و نقل عن الثوري و أصحاب الرأي أنه يضمنه المرتهن بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الدين، فان كانت قيمته أقل سقط بتلفه من الدين قدر قيمته، و الا سقط الدين، فلا يضمن الزيادة انتهى.

و أنت خبير بان ثبوت التقية انما يتم على قول شريح و من معه، و هو أشد الأقوال الثلاثة فإن ظاهر المشهور عندهم موافق لما عليه الأصحاب، و قول أبي حنيفة و أتباعه و هم المشار إليهم بأصحاب الرأي لا ينطبق عليه الاخبار المذكورة، لأنها دلت على أن المرتهن يضمن الزيادة لو كان الرهن أكثر، و هم ينفون ذلك، و الحمل على التقية باعتبار هؤلاء الثلاثة بعيد.

الا أنه ربما يمكن تأييده بما تقدم

في موثقة إسحاق بن عمار من قوله، قال: «قلت: أن الناس يقولون: ان رهنت العبد فمرض أو أنفقا عينه فأصابه نقصان في جسده ينقص من مال الرجل بقد ما ينقص من العبد».

و يؤيده أن جل الاختلاف في الاخبار انما نشأ من التقية، و لا ينافيه التفصيل الذي دلت عليه مرسلة أبان المتقدمة و نحوها، فإنه يجوز أن يكون الحكم الشرعي هو التفصيل الذي دلت عليه، و ان كان إطلاق هذه الاخبار انما خرج مخرج التقية.

____________

(1) سنن البيهقي ج 6 ص 39.

239

و أما قول شيخنا المشار اليه و يدل عليه خبر أبان أيضا فلا أعرف له وجها، فان خبر أبان دل على التفصيل بالتفريط و عدمه، كما هو المعمول عليه بين الأصحاب، و لا دلالة فيه على أزيد من ذلك.

بقي الإشكال فيما قدمنا من الاخبار في مقامين، أحدهما: ما دل عليه جملة منها كصحيحة الفضل بن عبد الملك و رواية عبيد بن زرارة، و مرسلة أبان- من عدم ضمان المتاع إذا لم ينشره و لم يتعاهده، و لم يتحركه حتى تأكل و هلك، و ان كان بذلك أفتى الصدوق في المقنع، فقال: ان رهن عنده متاعا فلم ينشر المتاع، و لم يخرجه و لم يتعهده، ففسد فان ذلك لا ينقص من ماله شيئا انتهى و هو مشكل.

فإنك قد عرفت أن الرهن في يده أمانة مضمونة مع التفريط، و من الظاهر ان ترك المتاع الذي يتوقف حفظه و سلامته على النشر و التعاهد بغير نشر و لا تعاهد تفريط، و لهذا قال العلامة في المختلف- بعد نقل عبارة المقنع: و الأقرب أن على المرتهن الضمان، لان ترك نشر الثوب المفتقر الى نشره يكون تفريطا، و المفرط ضامن انتهى.

و كأنه (قدس سره) لم يخطر بباله الأخبار المذكورة التي هي مستند الصدوق في هذه الفتوى، و الا لكان الواجب عليه الجواب عنها، و يمكن- و ان بعد- حملها على عدم علمه بوصول الضرر الى المتاع مع بقائه على تلك الحال.

و ثانيهما: ما دلت عليه مرسلة أبان الثانية من عدم تصديق المرتهن إذا ادعى ذهاب الرهن وحده، فإنه مخالف لمقتضى القواعد المعمول عليه بين الأصحاب أيضا، حيث أن المرتهن أمين كما عرفت، و الأمين مصدق بيمينه.

و بمضمون هذه الرواية أفتى ابن الجنيد، فقال: و المرتهن يصدق في ضياع الرهن إذا كانت جائحة ظاهرة، أو إذا ذهب متاعه، و المرهون فان ادعى ذهاب الرهن وحده لم يصدق.

و رده العلامة في المختلف بما ذكرناه، فقال: لنا انه أمين و القول قوله مع اليمين، و نقل عنه الاحتجاج بأن دعواه ذهاب الرهن بخصوصه خلاف الظاهر و بالرواية، ثم رد الأول بالمنع، و الرواية بالإرسال، و أن في أبان قولا، و هذا الجواب

240

عندنا غير حاسم لمادة الاشكال، و لا يحضرني الآن وجه تحمل الرواية عليه، الا أن يكون للتقية، و يمكن تأييده بذهاب ابن الجنيد الموافق للعامة غالبا في كثير من فتاويه الى ذلك، و الله العالم.

المسألة الرابعة [في دخول فوائد الرهن في الرهن]:

المشهور بين الأصحاب أن فوائد الرهن و زوائده المتجددة بعد الرهن ان كانت منفصلة كالولد و الثمرة بعد الجذاذ أو يقبل الانفصال كالشعر و الصوف و الثمرة قبل الجذاذ، فإنها تدخل في الرهن، و به قال الشيخ في النهاية و الشيخ المفيد و ابن الجنيد و أبو الصلاح و ابن البراج و ابن حمزة و ابن إدريس مدعيا عليه الإجماع، و قبله المرتضى على ما نقله عنه في الكفاية.

و اما المتصلة اتصالا لا يقبل الانفصال كالسمن و الطول فإنه لا خلاف بينهم في دخولها، و انما الخلاف فيما عداه مما ذكرناه، فإنه قد ذهب الشيخ في الخلاف و المبسوط الى عدم الدخول، و اختاره العلامة و ولده فخر المحققين و المحقق الشيخ على.

احتج الأولون بالإجماع المنقول بخبر الواحد، و ان النماء من شأنه تبعية الأصل في الحكم كما يتبع ولد المدبرة لها فيه، و احتج الآخرون بأصالة العدم و بأن الأصل في الملك ان يتصرف فيه مالكه كيف شاء خرج منه الأصل بوقوع الرهن عليه.

و احتج العلامة في المختلف بما رواه

السكوني (1) في الموثق «عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن على (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): الظهر يركب إذا كان مرهونا و على الذي يركب نفقته، و الدر يشرب إذا كان مرهونا، و على الذي يشرب نفقته».

قال: فأثبت (عليه السلام) منفعة الحلب و الركوب، و ليس ذلك للمرتهن إجماعا و لانتفاء ملكه و يبقى أن يكون للراهن.

و عن إسحاق بن عمار (2) في الصحيح عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «فان رهن

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 176.

(2) الكافي ج 5 ص 235 التهذيب ج 7 ص 173.

241

دارا لها غلة لمن الغلة؟ قال: لصاحب الدار».

و ادعاء ابن إدريس- ان قوله: مذهب أهل البيت، و ان إجماعهم عليه، و ان ما ذكره الشيخ في الخلاف و المبسوط مذهب المخالفين- خطأ لا برهان عليه، و لا شبهة له انتهى كلامه في المختلف.

أقول: لا يخفى ما في حجج الأولين، اما ما احتجوا به من الإجماع فقد عرفت ما فيه في غير مقام، و انه لا يحسم مادة النزاع، و اما دعوى التبعية و الاستناد إلى تبعية الولد المدبر لأمه في التدبير، ففيه ما ذكره شيخنا في المسالك حيث قال- بعد نقل احتجاجهم بما ذكرناه- و الإجماع ممنوع، و التبعية في الملك مسلمة لا في مطلق الحكم، و تبعية ولد المدبرة لتغليب جانب العتق.

و أما ما احتج به على القول الثاني من التمسك بالأصل فهو قوى، و يعضده ما عللوا به عدم التبعية في مسألة بيع الحامل من أن العقد انما وقع على الأم، و اللفظ لا يتناول سواها، فكذلك هنا.

و أما احتج به العلامة في المختلف، ففيه أن محل الخلاف على ما قرره هو و غيره انما هو الزيادات المنفصلة، أو القابلة الانفصال كما ينادى به التمثيل بالولد و الثمرة و الشعر و الصوف، لا أنه مطلق المنافع كغلة الدار و نحوها، فإنه لا خلاف و لا إشكال في كونها للراهن، كما استفاضت به الاخبار، و ستأتي إنشاء الله- تعالى في الفصل الثالث.

و حينئذ فلا وجه لاستدلاله بموثقة إسحاق بن عمار التي وصفها بكونها صحيحة، لاعتضاده بها تنويها بشأنها، مع أنه و غيره انما يعدونها في الموثق.

و أما رواية السكوني- و ان وصفها بكونها موثقة، لاتفاقهم على عدها في الضعيف- فغاية ما تدل عليه كون النفقة في مقابلة النفقة في كل من الركوب و شرب اللبن و سيأتي الكلام في ذلك، و بالجملة فالمسألة لخلوها عن النص الواضح لا تخلو من الاشكال، و ان كان القول الثاني لا يخلو من قوة لما عرفت، و يظهر من المسالك اختياره أيضا، و ربما اعترض على القول بعدم التبعية بأنه يلزم جواز انتفاع الراهن بالرهن، لأن المنفعة

242

إذا لم تكن رهنا لا وجه لمنعه من التصرف فيها، مع أن الإجماع على منعه.

و الجواب عن ذلك أولا: بمنع هذه الدعوى و منع الإجماع، كما سيأتي إنشاء الله تعالى تحقيقه في بعض مواضع الفصل الثالث.

و ثانيا: أنه مع تسليم ذلك يمكن أن يقال: ان منعه من التصرف لا من حيث المنفعة، بل من حيث استلزامه التصرف في المرهون، و لهذا لو انفصلت المنفعة كالثمرة و الولد لم يمنع من التصرف فيها- و ينبغي أن يعلم أنه لو شرط المرتهن دخولها أو الراهن خروجها زال الاشكال، لوجوب الوفاء بالشرط، هذا كله بالنسبة إلى النماء المتجدد بعد الرهن.

و أما الموجود حال الرهن فالمشهور بينهم عدم الدخول، و نقل في المختلف عن ابن الجنيد الخلاف في ذلك، قال في المختلف: النماء الموجود حالة الارتهان إذا كان منفصلا كالولد و اللبن أو متصلا اتصالا لا يقبل الانفصال كالصوف و الشعر خارج عن الرهن، ذهب إليه أكثر علمائنا. و قال ابن الجنيد: ان جميع ذلك يدخل في الرهن، لنا أن العقد تناول الأصل، و ليس النماء جزء من المسمى، فلا يدخل في الرهن، احتج بأن النماء تابع في الملك، فكذا في الرهن، و الجواب المنع من الملازمة انتهى.

أقول: لا يبعد التفصيل بالفرق بين مثل الولد و الثمرة، و بين مثل الشعر و الصوف على ظهر الحيوان، بخروج الأول، و دخول الثاني، فإن من الظاهر عدم دخول الولد و الثمرة في مسمى الام و النخل، و دخول الشعر و الصوف في الحيوان اللذين هما على ظهره، فإنه كالمتبادر عرفا، فإنه متى باعه حيوانا كذلك أو وهبه أو نقله له بأحد النواقل الشرعية، فإن ظاهر العرف الحكم بدخول ذلك فيه.

و لهذا انه في التذكرة استقرب دخول الصوف و الشعر على ظهر الحيوان، محتجا بأنه كالجزء، و استحسنه المحدث الكاشاني في المفاتيح، و تردد في التذكرة في دخول اللبن في الضرع، و في القواعد تردد في الأمرين، و كيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال و الله العالم.

243

المسألة الخامسة [في أن الرهن لازم من جهة الراهن]:

لا خلاف في أن الرهن لازم من جهة الراهن حتى يخرج من الحق الموجب للرهن، اما بأدائه و لو من متبرع عنه، أو ضمان الغير له مع قبول المرتهن، أو الحوالة أو إبراء المرتهن له، قالوا: و في حكمه الإقالة المسقطة للثمن المرهون به، أو الثمن المسلم فيه المرهون به.

و بالجملة فالظابط براءة ذمة الراهن من جميع الدين، و إذا خرج من بعضه دون بعض فهل يخرج الرهن بأجمعه عن الرهانة، أو يبقى كذلك أو بالنسبة، أوجه:

صرح في الدروس بالثاني، و هو ظاهره في الروضة أيضا، و لو شرط كونه رهنا على المجموع خاصة تعين الأول، كما انه لو جعله رهنا على كل جزء جزء تعين الثاني.

السادسة [إذا وجد المرتهن بالرهن عيبا سابقا]:

قال الشيخ في المبسوط: إذا وجد المرتهن بالرهن عيبا سابقا كان له الرد بالعيب، فيتخير معه في فسخ البيع، و أجازته بلا رهن إذا كان الرهن باقيا بالصفة التي قبضه، فأما إذا مات أو حدث في يده عيب فليس له رده في فسخ البيع، لان رد الميت لا يصح، و رد المعيب مع عيب حدث في يده لا يجوز، لانه لا دلالة عليه كما نقوله في البيع، و لا يرجع في ذلك بأرش العيب، بخلاف البيع.

قال في المختلف- بعد نقل ذلك- عنه: و الأقوى عندي أنه له الفسخ، لفقدان الشرط، سواء مات العبد أو رده، لان العبد في يده أمانة فليس للراهن الامتناع من قبضه بالعيب السابق، فكذا الموت انتهى. و مرجع مناقشته للشيخ الى عدم الفرق بين الموت، و ظهور العيب السابق في جواز الفسخ، و هو لا يخلو من قوة.

و أما العيب الحادث في يد المرتهن فالحكم فيه كما ذكره الشيخ (رحمة الله عليه) لما ورد من الاخبار الدالة على بقاء الرهانة و عدم انفساخها بذلك، و الرد انما يتجه مع الفسخ.

و من الاخبار المشار إليها ما تقدم في المسألة الخامسة من الاخبار الدالة على أن العبد إذا أصابه الجذام أو العمى أو نحو ذلك فإنه باق على الرهانة، و ان نقص ذلك على الراهن، و الاخبار ثمة إنما اختلفت في الضمان و عدمه، و الا فصحة الرهانة لا خلاف فيها و لا اشكال و الله العالم.

244

السابعة [إذا رهن عصيرا فصار خمرا]:

قد صرح جملة من الأصحاب بأنه إذا رهن عصيرا فصار خمرا بطل الرهن، و بالغ أبو الصلاح فقال: فان صار خمرا بطلت وثيقة الرهن، و وجبت إراقته، و الشيخ في الخلاف قال: يجوز إمساكه للتخلل و التخليل، و لا يجب عليه الإراقة، لأنه لا خلاف بين الطائفة في جواز التخلل و التخليل.

و قال في الشرائع: و لو رهن عصيرا فصار خمرا بطل الرهن، فلو عاد خلا عاد الى ملك الراهن. و ظاهر هذه العبارات بطلان الرهن رأسا بعد صيرورته خمرا.

و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني- في المسالك- حمل البطلان في كلامهم على كونه بطلانا مراعى ببقائه على الخمرية، لأنه متى صار خمرا خرج عن ملك صاحبه فيبطل الرهانة لذلك، لأنها مشروطة بالملكية، و متى صار خلا و صلح أن يكون ملكا عادت الملكية و الرهانة.

و لهذا استدرك على المصنف في عبارته المذكورة، من حيث حكمه بالبطلان، و أنه بصيرورته خلا يعود الى الملك، و لم يصرح بكونه يعود إلى الرهانة، قال:

و الحاصل انهم لا يعنون ببطلان الرهن هنا اضمحلال أثره بالكلية، بل ارتفاع حكمه ما دامت الخمرية باقية، و تبقى علاقة الرهن لبقاء أولوية المالك على الخمر المتجدد للتخليل، فكأن الملك و الرهن موجودات فيه بالقوة القريبة، لأن تخلله متوقع، و الزائل- المعبر عنه بالبطلان- الملك و الرهن، لوجود الخمرية المنافية، و نظير ذلك أن زوجة الكافر إذا أسلمت خرجت بذلك من حكم العقد، و حرم وطؤها عليه فإذا أسلم قبل انقضاء العدة عاد حكم العقد، و كذلك إذا ارتد أحد الزوجين انتهى.

أقول: لقائل أن يقول: ان ما ذكره (قدس سره) من التوجيه لعود الرهن بعد بطلانه- و أن حكم الأصحاب بالبطلان مراعى ببقاء الخمرية- انما يصلح وجها للنص، و بيان الحكمة فيه لو كان هنا نص، لا أنه يصلح لتأسيس الحكم المذكور، و بنائه عليه، فان قضية الحكم بالبطلان بصيرورته خمرا و عدم صحة

245

تملك الخمر، هو بقاء البطلان و استمراره و ان انقلب خلا، و العود الى كونه رهنا يتوقف على الدليل.

و هذا هو الظاهر من إطلاقهم، سيما عبارة الشيخ ابى الصلاح و حكمه بوجوب الإراقة، فإنه لا ينطبق الا على ما ذكرناه، و مجرد عوده في الملك بعد انقلابه خلا لا يستلزم عوده رهنا للفرق بين الأمرين، فإن الرهن متوقف على الصيغة و العقد الشرعي و قد بطل، فعوده يحتاج الى عقد آخر بخلاف الملك، و لانه قد قام الدليل على ذلك في الملك، فيجب القول به، و لم يقم دليل عليه في الرهن الا مجرد هذا التخريج المذكور الذي لا يصلح لتأسيس حكم شرعي عليه.

و ما ذكرناه هو الظاهر من إطلاقهم، سيما عبارة الشرائع، و حكمه فيها بالملك بعد العود دون الرهانة، و استدراكه عليها ليس في محله، لعدم الدليل كما عرفت، و التنظر بما ذكره لا يفيد فائدة، فإن الأحكام الشرعية لا تبنى على النظائر و المشابهات كما يقوله أهل القياس، و انما يعمل فيها على النصوص الواضحة.

و بالجملة فإن كلامه (قدس سره) غير خال عندي من النظر، و ان اقتفاه فيه المحقق الأردبيلي أيضا حيث قال: و سبب عودها بعد صيرورته خلا عود الملكية فيما كان رهنا، و زوال المانع عن الرهانة، فيعود ما كان ثابتا تابعا للملكية، و ما كان سبب النزول إلا زوال الملكية. فتأمل فيه انتهى.

و فيه ان زوال المانع غير كاف في الصحة، بل لا بد من وجود المقتضى أولا، و المقتضى قد حكم ببطلانه، و الكلام في محل البحث في عوده، و مجرد عود الملكية لا يستلزمه كما عرفت.

و نحن و لو خلينا و ظاهر الحكم بالبطلان ثم لا يحكم بعود الملكية و لا الرهن، لكن لما قام الدليل من خارج و دلت الاخبار على عود الخمر بصيرورته خلا الى ملك صاحبه حكمنا بذلك، و أما عوده رهنا فيحتاج ايضا الى الدليل كما احتاج اليه عوده في الملك، و لعل في قوله فتأمل فيه إشارة الى ما ذكرناه و الله العالم.

246

الفصل الثاني في شرائط الرهن

و فيه مسائل

الأولى [اشتراط كون الرهن عينا مملوكة]

- المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) أنه يشترط كون الرهن عينا مملوكة، فلا يصح رهن ما في الذمة من الديون، و لا المنافع، مثل سكنى الدار و خدمة العبد، و الوجه في الثاني ظاهر، و هو أنه ليس هنا شيء موجود يمكن استيفاء الدين منه الذي هو الغرض من الرهن، لان هذه المنافع تستوي شيئا فشيئا، و كل ما حصل منها شيء عدم ما قبله، و المطلوب من الرهن أنه متى تعذر استيفاء الدين استوفى من الرهن.

و بالجملة فإن المنافع لا يصح إقباضها إلا بإتلافها، و مع ذلك فالمنع من رهنها موضع وفاق، كما صرحوا به، و أما الوجه في الأول فهو مبنى على أمرين أحدهما- عدم صحة بيع ما في الذمة، و ثانيهما- اشتراط القبض في الرهن، و الدين لا يمكن قبضه، لأنه أمر كلي لا وجود له في الخارج.

و في كل من الأمرين نظر، أما عدم صحة بيع ما في الذمة فهو على إطلاقه ممنوع، و انما ذلك في صورة خاصة كما تقدم تحقيقه، و أما اشتراط القبض فقد تقدم ما فيه من البحث، و أنه لم يقم دليل واضح عليه، و مع تسليمه فإنه يجتزي بقبض ما يعينه المديون، و يحصل الشرط المذكور، و الأصل و العمومات يقتضي الجواز.

و الى ما ذكرنا يميل كلام جملة من محققي متأخري المتأخرين كالمحقق الأردبيلي و الفاضل الخراساني، و قد صرح العلامة في التذكرة ببناء المنع على اشتراط القبض، فقال: لا يصح رهن الدين ان شرطنا في الرهن القبض، لانه لا يمكن قبضه لعدم تعينه حالة الرهن.

لكنه في القواعد جمع بين الحكم بعدم اشتراط القبص، و عدم جواز رهن الدين، فتعجب منه الشهيد في الدروس.

و اعتذر له المحقق الشيخ على في شرحه بأن عدم اشتراط القبض لا ينافي

247

اشتراط كون الرهن مما يقبض مثله، نظرا الى أن مقصوده لا يحصل الا بكونه مما يقبض، كما أرشدت اليه الآية الكريمة، فأحدهما غير الآخر.

و اعترضه في المسالك بأن فيه مع ما أشرنا إليه من تصريح العلامة ببناء الحكم على القبض، مع اعتبار كون الرهن مما يقبض مثله معجلا، إذ لا دليل عليه، و الآية قد تقدم عدم دلالتها على اعتبار القبض بل الإرشاد اليه.

و المعتذر (رحمه الله) قد بالغ في تحقيق دلالتها على ذلك، و منع دلالتها على اعتبار القبض، و لو سلم اعتبار صلاحية الرهن للقبض فالدين صالح لذلك بتعيين المديون له في فرد من أفراد ماله، فالمنع من رهنه على القول بعدم اشتراط القبض غير متوجه. انتهى.

أقول: و قد تلخص من ذلك أنه لا مانع من رهن الدين حتى و لو قلنا باشتراط القبض كهبة ما في الذمم و يجتزى بقبض ما يعينه هنا.

و المراد باشتراط كون الرهن مملوكا ما هو أعم من ملك الأصل أو المنفعة، كما لو أذن له المالك في رهن ماله، فلا يصح رهن ما لا يملكه و لا يؤذن فيه، و على هذا فالمملوكية بمعنييها من شروط الصحة، كما في الشروط الآتية، الا أنه قد صرح بعضهم بجواز رهن غير المملوك و لا المأذون و صحته، و يكون موقوفا على اجازة المالك، كالبيع الفضولي و على هذا يكون هذا الشرط من شروط اللزوم، و مقتضى ما قدمناه من البحث عن عدم صحة بيع الفضولي عدم جواز رهن ما كان كذلك، لانه تصرف في مال الغير بغير اذنه، و هو قبيح عقلا و نقلا.

الثانية [الخلاف في رهن المدبر]

اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في رهن المدبر، فالأكثر على أنه يوجب ابطال تدبيره، بمعنى أنه يصح الرهن و لكن يبطل التدبير، و قيل بصحتها فان رهنه لا يوجب إبطال تدبيره، و نقل ذلك عن الشيخ.

و علل الأول بأن التدبير من الصيغ الجائزة التي يصح الرجوع فيها كالوصية، فإذا تعقبه الرهن أبطله، كما لو تعقبه غيره من العقود كالبيع و الهبة، لكون ذلك رجوعا عنه، لان الغرض من العقود المملكة ملك من انتقل اليه، و لا يتم الا بالرجوع،

248

و الغرض من الرهن استيفاء الدين من قيمته، فهو مناف لتدبيره.

و علل الثاني بأن الرهن لا يستلزم نقل المرهون عن ملك الراهن، و يجوز فكه، فلا يثبت التنافي بين الرهن و التدبير بمجرد الرهن، بل التصرف فيه.

و نقل عن الشيخ (رحمة الله عليه) الاحتجاج عليه بعدم الدليل على بطلان كل واحد منهما، و على هذا فيكون التدبير مراعى بفكه، فان فكه استقر و ثبت، و الا أخذ في الدين، فيبطل التدبير (1) و نقل عن الشهيد في الدروس أنه استحسن هذا القول، و المسألة لا يخلو من شوب الاشكال، لعدم النص الواضح في هذا المجال، و ان كان القول الثاني لا يخلو من قرب، لما ذكر في بيان وجهه.

قال في الكفاية: و في جواز رهن المدبر خلاف، فقيل يصح و أن رهن رقبته إبطال لتدبيره، و قيل: لا يصح، و قيل: ان التدبير يراعى بفكه، فيستقر أو يأخذه في الدين فيبطل.

أقول: ما نقله هنا من القول بعدم صحة الرهن لم أقف على من نقله سواه، و المنقول في المسألة هو ما قدمنا ذكره من القولين، و هو الذي صرح به شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و الروضة، و تعبيره عن القول الثاني الذي قدمناه بما ذكره- من أن التدبير يراعى الى آخره- غير جيد، فان القول المنقول عن الشيخ انما هو صحة الرهن و التدبير كما قدمنا ذكره، الا أن اللازم منه أن صحة التدبير هنا ليست صحة مستقرة، بل هي مراعاة بفكه، و تعبيره عن القول بلازمه ليس بجيد

____________

(1) أقول: و الى ذلك أيضا يميل كلام العلامة المحقق الأردبيلي (عطر الله مرقده) حيث قال ما ملخصه: إذ الظاهر صحة الرهن مع عدم بطلان التدبير لعموم أدلة الرهن و جواز التصرف في المدبر، و لكن لما لم يكن بينه و بين الرهن منافاة فالظاهر بقاؤه موقوفا فان بيع في الرهن بطل تدبيره، و ان لم يبع بقي مدبرا، و يؤيده أنه لو كان بينهما منافاة لزم عدم صحة الرهن بوجود التدبير قبله انتهى منه (رحمه الله).

249

في التعبير.

ثم انهم اختلفوا في صحة رهن خدمة المدبر، مع أن ظاهرهم الاتفاق- كما تقدم في المسألة المتقدمة- على عدم صحة رهن المنافع، فقيل: بالصحة هنا، للرواية الواردة بجواز بيع خدمته، و قد تقرر عندهم أن ما جاز بيعه جاز رهنه، و الرواية المذكورة لم أقف عليها بعد التتبع، و الموجود في كلام جملة منهم انما هو بهذا العنوان من غير نقل مضمونها.

و منه يظهر قوة القول بالعدم، لما عرفت فيما تقدم في تعليل عدم صحة بيع المنفعة، مع عدم وجود ما يعارضه، و يوجب الخروج عنه، و الرواية المذكورة غير معلومة، و لعلها من روايات العامة.

الثالثة [حكم رهن الخمر]

- قالوا: لا يجوز رهن المسلم الخمر و لو كان عند ذمي، و كذا لو رهنها الذمي عند مسلم لم يصح و ان وضعها على يد ذمي.

و للشيخ في الخلاف هنا قول بأنه يجوز للذمي أن يرهن عند المسلم خمرا إذا وضعها عند ذمي، لأن الحق في وفاء الدين للذمي، فيصح الرهن، كما لو باعها و وفاه ثمنها، لان الرهن لا يملك للمرتهن، و انما يصير محبوسا عن تصرف الراهن.

و رده الأكثر بأن يد الذمي الودعي كيد المسلم، و له تسلط على الرهن بالبيع و الاستيفاء، و هو هنا ممتنع.

و منعوا أيضا من رهن الأرض الخراجية الا أن تكون بعنوان التبع لآثار التصرف من بناء و شجر و نحوهما، و قد تقدم تحقيق القول في هذه المسألة بالنسبة إلى البيع.

و منعوا أيضا من رهن ما لا يصح إقباضه، كالطير في الهواء، و السمك في الماء الا أن يكون الطير مما يعتاد عوده، و السمك في ماء محصور، فيصح.

و اختلفوا فيما لو رهن عند الكافر عبدا مسلما أو مصحفا، فقيل بعدم الجواز، لان ارتهانه لهما يقتضي الاستيلاء عليهما من بعض الوجوه ببيع و نحوه، و ان كان في

250

يد غيره، و هو سبيل عليهما منفي بالآية، و يؤيده القول بعدم جواز بيعهما على الكافر.

و قيل بالجواز إذا وضعا على يد مسلم، لمنع تحقق السبيل بذلك، لأنه إذا لم يكن تحت يده لم يستحق الاستيفاء من قيمته الا ببيع المالك، أو من يأمره بذلك، و مع التعذر رفع أمره الى الحاكم ليبيع و يوفيه، و مثل هذا لا يعد سبيلا.

أقول: قد قدمنا في المسألة السادسة من المقام الثاني من الفصل الأول في البيع و أركانه من كتاب البيع ما في الاستناد الى هذه الآية في مثل هذا الموضع و نحوه، من النظر الذي شرحناه ثمة، و أن المراد بالسبيل المنفي في الآية انما هو من جهة الحجة و الدليل، كما ورد به الخبر في تفسير الآية المذكورة، و حينئذ فتبقى المسألة خالية من الدليل نفيا و إثباتا كسائر فروعهم التي من هذا القبيل.

و أما ما ذكره القائل بالجواز إذا وضع على يد مسلم و أنه بذلك يتحقق منع السبيل، ففيه ما تقدم من إيرادهم على الشيخ في جواز رهن الخمر عند المسلم إذا وضع على يد ذمي، حيث أوردوا عليه بأن يد الذمي الودعي كيد المسلم، و له تسلط على الرهن بالبيع، فإنه بعينه جار فيما ذكروه هنا، لان يد المسلم هنا يقام مقام الكافر، و نيابته عنه كيد الكافر، و ما أطالوا به من التعليل لا يشفي العليل، و لا يبرد الغليل.

و بالجملة فإن الحكم في أمثال هذه الفروع مع خلوها عن النصوص اعتمادا على هذه التعليلات لا يخلو من جازفة، و لهم في هذا المقام جملة من الفروع التي من هذا القبيل، طوينا عن نقلها لما ذكرنا و الله العالم.

الفصل الثالث في الحق و الراهن و المرتهن

فههنا مقامان

المقام الأول- في الحق الذي يؤخذ عليه الرهن

، و المشهور أنه الدين الثابت في الذمة، و ظاهر اشتراط كونه دينا عدم جواز الرهن على العين، سواء كانت أمانة في يده كالوديعة، و العارية الغير المضمونة و المستأجرة، أو مضمونة عليه كالمغصوبة، و العارية المضمونة، و المقبوض بالسوم، و عدم جواز

251

الرهن في الأول موضع وفاق، كما ذكره غير واحد منهم، و ان احتمل طرو الضمان بالتعدي في الوديعة و نحوها مما ذكر.

و أما في الثاني فهو أحد القولين، حيث أطلقوا المنع عن أخذ الرهن في الأعيان، نظرا الى أن مقتضى الرهن استيفاء المرهون به من الرهن، و في الأعيان يمتنع ذلك، لامتناع استيفاء العين الموجودة من شيء آخر.

و قيل: بجواز الرهن عليها، و به صرح العلامة في التذكرة، فقال: فالأقوى جواز الرهن عليها، أى على الأعيان المضمونة (1) و أجابوا عما علل به وجه المنع، بأن الأمر لا ينحصر في الاستيفاء عند وجود العين، بل يمكن التوثق بالرهن، لأجل أخذ عوضها عند تلفها، قالوا: و لا يرد مثله في الأعيان التي ليست مضمونة، حيث يحتمل تجدد سبب الضمان، لعدم كونها وقت الرهن مضمونة، فان الرهن انما يصح عند وجود سبب الضمان اما بدين أو ما في حكمه، كالعين المضمونة، بخلاف ما يمكن تجدد سبب ضمانه، كما سيتجدد من الدين، و إطلاق الأدلة الدالة على جواز الرهن على الحقوق يتناول محل النزاع، و المراد بالثابت على الذمة في العبارة المتقدمة ما كان مستحقا فيها، أعم من أن يكون ثبوته مستقرا كسائر الديون أو غير مستقر كالثمن في زمن الخيار، و ظاهر الأكثر أنه لا بد من ثبوته و استقراره في الذمة قبل الرهن.

قال في التذكرة: يصح عقد الرهن بعد ثبوت الحق و تقرره في الذمة، و في جوازه مع المقارنة وجه، مال إليه في التذكرة حيث قال- بعد الكلام المتقدم نقله عنه-: أما لو قارنه و امتزج الرهن بسبب ثبوت الدين مثل أن يقول: بعتك هذا العبد بألف، و ارتهنت هذا الثوب به، فقال المشترى: اشتريت و رهنت، أو قال:

أقرضتك هذه الدراهم و ارتهنت بها دارك فالأقرب الجواز انتهى.

____________

(1) قال في المسالك: حيث جوز الرهن على الأعيان المضمونة فمعناه الاستيفاء منه إذا تلف أو نقصت أو تعذر الرد، و الا فلا انتهى- منه (رحمه الله).

252

و أيده المحقق الأردبيلي (قدس سره) بعموم الأدلة و عدم ظهور مانع الا اشتراطهم ذلك، و هو غير ثابت بالدليل في محل النزاع، قال: و لذا نجد تجويزهم في الدرك على الثمن في المبيع و غير ذلك فتأمل انتهى.

أقول: و المسألة لخلوها من النص الصريح لا يخلو من الاشكال، و ان كان ما ذكره المحقق المشار اليه لا يخلو من قرب.

ثم انهم قد صرحوا بأنه لا يجوز الرهن على الحق الذي لا يمكن استيفاؤه من من الرهن كالحق المتعلق بعين مخصوصة، كما لو آجره نفسه شهرا أو دابته المعينة، أو داره و نحو ذلك، فان تلك المنفعة لا يمكن استيفاؤها الا من تلك العين المخصوصة، حتى لو تعذر الاستيفاء منها لموت أو خراب أو نحوهما بطلت الإجارة، بخلاف الإجارة المطلقة المتعلقة بالذمة، كما لو استأجره على تحصيل عمل كخياطة ثوب أو كتابة كتاب أو نحو ذلك بنفسه أو غيره، فان الواجب عليه تحصيل تلك المنفعة بأي وجه اتفق، و من أى عين كانت، فيصح الرهن عليها، لكونها حقا ثابتا في الذمة يمكن استيفاؤه من الرهن.

فروع:

الأول- هل يلحق بالأعيان المضمونة [أخذ الرهن على المبيع و ثمنه؟]

على تقدير القول بجواز أخذ الرهن عليها أخذ الرهن على المبيع و ثمنه؟ لاحتمال فساد البيع باستحقاقهما أو نقصان قدرهما كيلا أو وزنا، و نحو ذلك مما يوجب الضرر على أحد المتبايعين، قولان:

اختار أولهما الشهيد (رحمة الله عليه) و جماعة، لتحقق الفائدة، و هي التوثق و الإرفاق، و قيل: بالعدم، لعدم تحقق المقتضى الآن.

و أما ما يتجدد فلو جاز بالنسبة إليه لجاز أيضا في الأمانات باعتبار ما يتجدد من موجبات الضمان، مع أن ظاهرهم الإجماع على عدم جواز الرهن عليها.

و أجيب بالفرق بين ما نحن فيه و بين الأمانات، بأن ما يتجدد من الأسباب للموجبة للضمان فيما نحن فيه كاشف عن حصوله من حين العقد، كما هو واضح في نقصان المبيع

253

أو الثمن، أو ظهور استحقاقهما، فيكون عقد الرهن مضمونا في نفس الأمر على تقدير الحاجة إليه، بخلاف الأمانات، فإن سبب الضمان متجدد ظاهرا و في نفس الأمر، فلا يتحقق المقتضى حين العقد، و هو جيد، الا ان المسألة لخلوها من النصوص محل التوقف.

الثاني [بطلان الرهن على مال الجعالة]:

المشهور أنه لا يصح الرهن على مال الجعالة لعدم استحقاق المجعول له المال قبل تمام العمل و ان شرع فيه، و قيل بجوازه بعد الشروع و ان لم يتم، لانتهاء الأمر فيه الى اللزوم، كالثمن في مدة الخيار و نقل عن العلامة في التذكرة.

و رد بعدم استحقاقه الآن شيئا و ان عمل أكثره، و الفرق بينه و بين المبيع في زمن الخيار ظاهر، لان المبيع متى أبقى على حاله انقضت مدة الخيار، و ثبت له اللزوم، و الأصل فيه عدم الفسخ، بخلاف الجعالة، فإن العمل فيها لو ترك على حالة لم يستحق بسببه شيء، و الأصل عدم الإكمال.

الثالث [جواز الرهن على مال الكتابة]:

المشهور جواز الرهن على مال الكتابة مطلقا، لانه لازم للمكاتب بكلا معنييه، و نقل عن الشيخ- رحمة الله عليه- و جماعة التفصيل في ذلك، بأنها ان كانت مطلقة فهي لازمة إجماعا فيجوز الرهن على مالها بغير خلاف، و ان كانت مشروطة فهي جائزة من قبل العبد، فيجوز له تعجيز نفسه فلا يصح الرهن على مالها، لانتفاء فائدة الرهن، و هي التوثق، إذ للعبد إسقاط المال متى شاء. و لانه لا يمكن استيفاء الدين من الرهن، لأنه ان عجز صار الرهن للسيد، لانه من جملة مال المكاتب.

أقول: و منشأ الخلاف من أن مال المكاتبة المشروطة هل هو لازم مطلقا كما هو المشهور، أو أنه جائز من قبل العبد، كما يدعيه الشيخ و من تبعه.

و قد احتج الأصحاب على لزومه مطلقا بالأدلة العامة، مثل قوله عز و جل (1) «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و نحوه و متى كان لازما تحققت الفائدة، و صح الرهن عليه، قالوا:- و مع تسليم ما ادعاه الشيخ من جوازها- لا يمتنع الرهن، كالثمن في مدة الخيار

____________

(1) سورة المائدة الآية- 1.

254

فإنه يجوز الرهن عليه مع كونه في معرض السقوط بانقضاء الخيار و لزوم البيع.

و نقل عن شيخنا الشهيد الثاني في الروضة قولا ثالثا، و هو ان المشروطة جائزة من الطرفين، و المطلقة لازمة من طرف السيد خاصة، قال: و يتوجه عدم صحة الرهن ايضا كالسابق، و نقل هذا القول في باب المكاتبة من الكتاب المذكور عن ابن حمزة، ثم قال: و هو غريب.

أقول: لعل وجه غرابته من حيث الإجماع المدعى عندهم على لزوم المطلقة، و انما الخلاف في المشروطة.

الرابع [لو رهن على مال رهنا ثم استدان مالا آخر و جعله عليهما]

- قالوا: لو رهن على مال رهنا ثم استدان مالا آخر و جعل ذلك الرهن عليهما معا جاز، لعدم المانع منه مع وجود المقتضى، فإن التوثيق بشيء لشيء آخر لا ينافي التوثق لاخر به، خصوصا مع زيادة قيمته على الأول، و لا يشترط فسخ الرهن الأول ثم تجديده لهما، بل يضم الثاني بعقد جديد، و يجوز العكس أيضا، بأن يرهن على المال رهنا آخر فصاعدا، و ان كانت قيمة الأول تفي بالدين الأول، لجواز عروض ما يمنع من استيفائه منه، و لزيادة الارتفاق، و أنت خبير بأنه ان كان الدين الأخر الذي يريد جعل الرهن الأول عليه لصاحب الدين الأول فيمكن ما ذكروه، و ان كان لغيره فان وقع باذنه و رضاه فكذلك، و الا فإشكال.

قال في التذكرة- في مقام الرد على أبى حنيفة حيث نقل عنه أنه لا يجوز الرهن عند غير المرهون و ان وفى بالدينين جميعا بعد كلام في المقام ما صورته:

فإنه لا استبعاد في صحة الرهن عند غير المرتهن، و يكون موقوفا على اجازة المرتهن و ان أجاز المرتهن الأول صح الثاني و هو مؤذن بتوقف صحة ذلك على اذن المرتهن الأول و سيأتي- إنشاء الله تعالى- تحقيق المسألة في محلها.

المقام الثاني في الراهن و المرتهن

و يشترط فيهما كمال العقد، و جواز التصرف برفع الحجر عنهما في التصرف المالي و الاختيار، فلو أكرها أو أحدهما لم ينعقد، و المراد أنه لم ينعقد انعقادا تاما

255

على حسب ما يقع من المختار، لانه لو أجازه بعد ذلك مختارا صح، فهو كعقد الفضولي، لا أنه يقع باطلا كعقد الغير الكامل العقل، الا أن يبلغ الإكراه إلى كونه رافعا للقصد، فإنه يصير كعقد غير الكامل.

و الكلام في هذا المقام يقع في مواضع

[الموضع] الأول- يجوز لولي الطفل رهن ماله

إذا ألجأته الحاجة الى الاستدانة له، مع مراعاة المصلحة في ذلك، و لو كانت المصلحة في بيع شيء من ماله دون الاستدانة فهو أولى ان أمكن البيع، و حيث يجوز الرهن يجب كونه في يد أمين يكون وديعة عنده.

و في المسالك ان هذا الحكم لا خلاف فيه عندنا، و انما خالف فيه بعض الشافعية، فمنع من رهن ماله مطلقا، و لولي اليتيم أخذ الرهن له وجوبا كما هو ظاهر كلام الأصحاب فيما لو أدان ماله أو باعه نسيئة.

قالوا: و يعتبر كون الرهن مساويا للحق، أو زائدا عليه، ليمكن استيفاؤه منه، و كونه بيد الولي أو بيد عدل ليتم التوثق و الاشهاد على الحق لمن يثبت به عند الحاجة إليه عادة، فلو أخل ببعض هذه الشروط ضمن مع الإمكان، و هو جيد لما فيه من الاحتياط لمال اليتيم المبنى جواز التصرف فيه على المصلحة و الغبطة، فضلا عن عدم دخول نقص عليه.

[الموضع] الثاني [عدم جواز إقراض مال اليتيم]

- قالوا: لا يجوز إقراض مال اليتيم: لعدم ظهور الغبطة و المصلحة الا أن يخشى عليه من التلف بحرق أو غرق أو نحوهما، فإذا أقرضه فليكن من ثقة ملي، و يأخذ رهنا عليه، و يشهد كما تقدم، هذا إذا أقرضه غيره.

و اما اقتراضه لنفسه، فيحتمل كونه كذلك، لانه تصرف في مال اليتيم و هو منوط بالمصلحة، و يحتمل جواز الاقتراض و ان لم يظهر وجه للغبطة و المصلحة من غير رهن متى كان ثقة مليا، و يدل على هذا الوجه الأخير جملة من الاخبار الدالة على جواز الاستدانة في الصورة المذكور.

منها ما رواه

في الكافي بسندين أحدهما صحيح عن منصور بن حازم (1)

____________

(1) الكافي ج 5 ص 131 التهذيب ج 6 ص 341.

256

«عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل ولى مال اليتيم أ يستقرض منه؟ قال: على بن الحسين (عليهما السلام) كان يستقرض من مال أيتام كانوا في حجره»- و زاد في الرواية الصحيحة «و لا بأس بذلك».

و قد تقدم الكلام في هذه المسألة في بعض المسائل المقدمة الرابعة من كتاب التجارة، و ظاهر الخبر المذكور جواز الاستقراض من غير رهن، و لا ظهور وجه للغبطة و المصلحة كما ادعوه.

قال في المسالك: و يحتمل جواز اقتراضه مع عدم الضرر على الطفل، و ان لم يكن له مصلحة، لإطلاق

رواية أبي الربيع (1) عن الصادق (عليه السلام) «انه سئل عن رجل ولى لليتيم فاستقرض منه؟ فقال: ان على بن الحسين (عليه السلام)».

ثم ساق الرواية كما قدمنا، ثم قال: و الرواية مع تسليم سندها مطلقة، يمكن تقييدها بالمصلحة، ثم نقل عن التذكرة أنه شرط في جواز اقتراضه الولاية و الملائة و مصلحة الطفل، و احتج عليه بالرواية المذكورة أقول: ما ذكره من السند المشتمل على ابى الربيع مذكور في التهذيب، و الذي في الكافي انما هو عن منصور بن حازم بسندين، أحدهما صحيح، فلا مجال حينئذ للطعن بالسند، و أما تقييدها بالمصلحة فالظاهر بعده، و يعضد هذه الرواية أيضا

رواية أحمد بن محمد بن أبى نصر (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يكون في يده مال لأيتام فيحتاج اليه فيمد يده فيأخذه و ينوي أن يرده؟ فقال: لا ينبغي له أن يأكل إلا القصد، و لا يسرف و ان كان من نيته أن لا يرده عليهم فهو بالمنزل الذي قال الله تعالى عز و جل إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً».

و هذه الرواية أظهر في عدم المصلحة لأن ظاهرها أن المسوغ للاقتراض هو مجرد

____________

(1) الكافي ج 5 ص 132 التهذيب ج 6 ص 341.

(2) الكافي ج 5 ص 128 التهذيب ج 6 ص 339.

257

الاحتياج و ان لم يكن ثمة مصلحة، نعم يجب تقييده بعدم الضرر كما يشير اليه قوله و ان كان من نيته أن لا يرده إلى أخره.

و من العجب استدلاله في التذكرة على اعتبار المصلحة بالرواية الاولى، مع أنها مطلقة، ثم ظاهر جملة منهم العلامة في التذكرة أنه يشترط في إقراضه غيره الوثاقة و الملاثة و الرهن جميعا مع الإمكان، و أسقط اعتبار الرهن مع عدم إمكانه.

و ظاهر بعضهم أنه مع إمكان الرهن لا يعتبر كونه ثقة و لا مليا، لانضباط الدين بالرهن، و الظاهر أنه الأقرب، و ان كان الأحوط، و ظاهرهم انه مع تعذر الرهن و الوثاقة لا يجوز الإقراض، و استشكله بعضهم حيث يؤدى تركه الى تلف المال، كالحنطة تتلف بالسوس و نحوها، فإنه لا يزيد على أكل المقترض له، قال: بل الظاهر أن المقبوض كذلك أولى، لإمكان حصوله منه بخلاف ما لو ترك، و على تقدير تحقق عدم الوفاء و تحقق التلف بدون الإقراض، يمكن أولوية الإقراض لثبوته في ذمته، فيحتمل تخلصه أو وارثه منه، أو أخذه في الآخرة، بخلاف التلف من الله الا أن يقال: بثبوت العوض عليه تعالى، فيحتمل ترجحه لأنه أكثر.

الموضع الثالث [مجرد إطلاق الرهن لا يقتضي كون المرتهن وكيلا في بيع الرهن لو تعذر الأداء]:

لا يخفى أن مجرد إطلاق الرهن لا يقتضي كون المرتهن وكيلا في بيع الرهن لو تعذر الأداء. نعم يجوز له ان يشترط كونه وكيلا في البيع عند الحلول و تعذر الوفاء، لانه من الشروط السائغة، و كذا يجوز اشتراطها لوارثه من بعده أو وصيه بعد موته، و كذا يجوز اشتراطها لأجنبي غيره، و غير وارثه و وصيه و دليل لزوم الشرط المذكور ما تقدم من أدلة وجوب الوفاء بالشروط الواقعة في العقود اللازمة، و لما كان الرهن لازما من جهة الراهن فقط، كانت الوكالة لازمة من جهته، و أما من جانب المرتهن فلا: و له عزل نفسه و كذا الغير فإنه لمصلحته، و هل للراهن فسخها بعد ذلك؟ قولان، أظهرهما العدم، لما عرفت من أن عقد الرهن لازم من جهته، فيلزم ما شرط فيه كذلك.

احتج القائلون بالجواز بوجوه: أحدها- أن الوكالة من العقود الجائزة و من شأنها تسلط كل منهما على الفسخ، و ثانيها- أن الشروط لا يجب الوفاء بها

258

و ان كانت في عقد لازم، بل غايتها تسلط المشروط له على فسخ العقد المشروط فيه، و ثالثها- أن لزوم الشرط انما يكون مع ذكره في عقد لازم كالبيع و نحوه، و الرهن ليس كذلك، فان ترجيح أحد طرفيه على الأخر ترجيح من غير مرجح.

و الجواب عن الأول أن الوكالة و ان كانت في نفسها و من حيث هي كذلك، الا أنه لا ينافي حصول اللزوم لها بعارض، كجعلها شرطا في عقد لازم و هو هنا كذلك.

و عن الثاني- بمنع ما ذكره، و قد تقدم تحقيق المسألة في المسألة الثانية من المقام الثاني في أحكام الخيار من كتاب البيع، و أن الأظهر هو وجوب الوفاء بالشرط الواقع في العقد اللازم.

و عن الثالث- بما قدمنا من أن عقد الرهن لما كان لازما من طرف الراهن كان ما يلتزمه الراهن لازما من قبله، عملا بمقتضى اللزوم، و الشرط وقع من الراهن على نفسه فيلزم، و لما كان من طرف المرتهن جائزا كان ما يلتزمه كذلك، فيجوز له فسخ الوكالة، لأنها حقه، فيجوز له تركه.

و تبطل الوكالة بموت المشروط له، لا من حيث كونها من العقود الجائزة و من شأنها أن تبطل بالموت، بل من حيث أن الغرض من الوكالة الاذن في التصرف، فيقتصر فيها على من أذن له، فإذا مات بطلت من هذه الجهة. كما تبطل العقود اللازمة الجارية على نحو ذلك، كالإجارة المشروطة فيها العمل بنفسه، فإنها بموته تبطل و أما أصل عقد الرهن فلا يبطل بموت أحدهما، لأنه وثيقة على الدين، فيبقى ببقائه فعلى هذا لو كانت الوكالة للمرتهن فإنه بموته ينتقل الرهانة إلى وارثه، دون الوكالة، الا أن يكون مشترطة للوارث.

و لو كان المرتهن وكيلا في بيع الرهن، فهل يجوز له ابتياعه و تولى طرفي العقد أم لا؟ قولان: و علل الأول- بأن الغرض و هو البيع بثمن المثل حاصل، و خصوصية المشتري ملغاة، حيث لم يتعرض لها.

و علل الثاني- بأن ظاهر الوكالة لا يتناوله، قال في المسالك بعد نقل ذلك: و

259

الأقوى الجواز في كل وكالة انتهى.

و المشهور جواز البيع على ولده بطريق أولى. و نقل عن ابن الجنيد المنع من البيع على نفسه و ولده و شريكه و من يجرى مجريهما للتهمة.

أقول: و مرجع المسألة الاولى الى جواز بيع الوكيل من نفسه و عدمه، و قد تقدم الكلام في هذه المسألة في المقدمة الثانية في آداب التجارة من كتاب التجارة، و كذا في بعض مواضع المسألة الرابعة من المقام الثاني من الفصل الأول في البيع من الكتاب المذكور، و أما ما نقل عن ابن الجنيد من التعميم المذكور فلم نقف له على مستند معتمد.

الموضع الرابع [حكم الراهن إذا مات و عليه ديون]:

المشهور ان الراهن إذا مات و عليه ديون يقصر ماله عنها، فالمرتهن أحق باستيفاء دينه من الرهن، دون غرماء الميت، و علل بأن ذلك مقتضى الرهانة، و أنه استحق الاستيفاء من المرتهن قبل تعلق سائر الديون بالأموال و التركة، فلا يشاركه أحد، و هو جيد الا أن ما وصل إلينا من الاخبار المتعلقة بذلك على خلافه.

و منها ما رواه

الشيخ عن عبد الله بن الحكم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أفلس و عليه دين لقوم، و عند بعضهم رهون، و ليس عند بعضهم فمات، و لا يحيط ماله بما عليه من الدين، قال: يقسم جميع ما خلف من الرهون و غيرها على أرباب الدين بالحصص».

و رواه الصدوق بإسناده عن محمد بن حسان عن أبى عمران الأرمني عن عبد الله بن الحكم مثله.

و ما رواه

الشيخ و الصدوق جميعا عن محمد بن عيسى بن عبيد عن سليمان بن حفص المروزي (2) قال: «كتبت الى أبى الحسن (عليه السلام) في رجل مات و عليه دين، و لم يخلف شيئا إلا رهنا في يد بعضهم فلا يبلغ ثمنه أكثر من مال المرتهن، أ يأخذه بماله أو هو و سائر الديان فيه شركاء؟ فكتب (عليه السلام) جميع الديان في ذلك سواء،

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 178 الفقيه ج 3 ص 196.

(2) التهذيب ج 7 ص 178 الفقيه ج 3 ص 198.

260

يوزعونه منهم بالحصص» الحديث.

و لم أر من تعرض للجواب عن الخبرين المذكورين من القائلين بالقول المشهور.

و المشهور وجوب تقديم صاحب الرهن أيضا فيما لو كان الراهن حيا، بل صرح بعض محققي متأخري المتأخرين بأن ذلك إجماع، قال: و مستنده كون ذلك من خصائص الرهن، فان الدين المتعلق بالرهن لا محالة له تعلق بالاستيفاء، و ان ذلك من فوائده التي شرع لها.

أقول: و لم أقف هنا على نص ينافي ذلك، فلا بأس بالقول به، و انما الإشكال في الميت، فان ظاهرهم القول بالاختصاص، بل لم أقف على مخالف صريح في الحكم المذكور، و صريح الخبرين المذكورين التشريك، و اطراحهما- و الخروج عنهما بغير معارض- مشكل، فالظاهر هو القول بما دلا عليه من التشريك، و يكون الحكم هنا مستثنى من قاعدة الرهن التي أشاروا إليها و تمسكوا بها.

و نقل عن بعض الفضلاء المعاصرين (1) (قدس الله روحه) القول بذلك، بعد أن اختاره عن ظاهر الصدوق في الفقيه، و لعله لذكره خبر المروزي في الكتاب المذكور، بناء على ما ذكره في صدر كتابه، و نقله عن المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر، و عن جده العلامة المحدث السيد نعمة الله الجزائري طاب ثراهما، ثم قال: و هو لازم على جميع أهل الاخبار، لصراحتهما في المطلوب، و سلامتهما من المعارض.

ثم نقل عن الفاضل المشهور بخليفة سلطان- في حواشيه على كتاب الفقيه- تأويل الخبرين بأن المراد ما رهنه بعد الحكم بإفلاسه، ثم رده بأنه مع يعده غير محتاج اليه لتوقفه على وجود المعارض، ثم قال: و ما استندوا إليه في التسوية بين الحي و الميت- من سبق تعلق حق المرتهن بالرهن- يمكن منعه، بما أورده ابن فهد في المهذب

____________

(1) هو الفاضل الآقا السيد عبد الله بن المقدس السيد نور الدين بن العلامة السيد نعمة الله الجزائري (نور الله تعالى مراقدهم) في بعض أجوبة مسائل له- منه (رحمه الله).

261

من أن الحي له ذمة يتعلق بها ديون الباقين، و يمكن وفاءهم مع حياته، و بعد الموت يتعلق حقوق الديان بأعيان التركة، فيتساوى الجميع في ذلك، نظير ما قالوه في غريم الميت الذي يجد عين ماله، أنه ليس له أخذها، لان دينه و دين غيره متعلق بذمة الميت، و هم مشتركون فيه، و ان كان في ذلك كلام بيناه في محله انتهى كلامه (قدس سره) و هو جيد.

الموضع الخامس [عدم جواز تصرف المرتهن في الرهن إلا مع الإذن]

- المشهور أنه ليس للمرتهن التصرف في الرهن مطلقا الا بإذن الراهن، فان تصرف لزمته الأجرة في ماله أجرة، كركوب الدابة و سكنى الدار، لانه انتفاع بمال الغير بغير اذنه، فيضمن أجرته المثلية في المثل، أو القيمة فيما يضمن كذلك، كاللبن و نحوه، و لو أنفق على الدابة فإن كان بأمر المرتهن رجع بها عليه، و الا استأذنه، فإذا امتنع أو غاب رجع الى الحاكم الشرعي، و ان تعذر أنفق بنية الرجوع. و أشهد على ذلك، ليثبت له به الحق.

و قال الشيخ في النهاية: و إذا كان الرهن دابة فركبها المرتهن كانت نفقتها عليه، و كذلك ان كانت شاة شرب لبنها كانت عليه نفقتها، و إذا كان عند الإنسان دابة أو حيوان رهنا فان نفقتها على الراهن دون المرتهن، فإن أنفق المرتهن عليها كان له ركوبها و الانتفاع بها، أو الرجوع على الراهن بما أنفق.

و قال ابن إدريس بعد كلام في المقام: و الأولى عندي أنه لا يجوز له التصرف في الرهن على حال، للإجماع على أن الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرف في الرهن.

و قال أبو الصلاح: يجوز للمرتهن إذا كان الرهن حيوانا، فيكفل مؤنته أن ينتفع بظهره أو خدمته أو صوفه أو لبنه و ان لم يتراضيا، و لا يحل شيء من ذلك من غير تكفل مؤنة و لا مرضاة، و الاولى ان تصرف قيمة منافعه في مؤنته.

أقول: و الذي وقفت عليه في هذا المقام من الاخبار ما رواه

ثقة الإسلام في الكافي عن أبى ولاد (1) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأخذ الدابة و البعير

____________

(1) الكافي ج 5 ص 236 الفقيه ج 3 ص 196.

262

رهنا بماله أ له أن يركبه؟ قال: فقال: ان كان يعلفه فله أن يركبه، و ان كان الذي رهنه عنده يعلفه، فليس له أن يركبه».

و رواه الصدوق في الفقيه عن ابن محبوب عن أبى ولاد مثله، إلا أنه عبر بضمير التثنية في المواضع الخمسة، و رواه الشيخ في الصحيح ايضا مثله.

و ما رواه

الشيخ عن السكوني (1) «عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن على (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): الظهر يركب إذا كان مرهونا، و على الذي يركبه نفقته، و الدر يشرب إذا كان مرهونا و على الذي يشرب نفقته».

و رواه الصدوق عن إسماعيل بن مسلم عن جعفر بن محمد (عليه السلام).

و الخبران كما ترى دالان بظاهرهما على ما ذكره الشيخ في النهاية، و الأصحاب حملوهما على ما إذا أذن له الراهن في الإنفاق مع تساوى الحقين.

و أنت خبير بما فيه من البعد عن سياق الخبرين، سيما الأول، لأن السائل سأله عن الرجل يأخذ الدابة أو البعير إله أن يركبه يعنى من غير اذن الراهن، و الا فمع الاذن لا معنى للسؤال بالكلية، فأجاب (عليه السلام) بأن له ذلك ان كان يعلفه، و اعتبار مساواة الحقين مع عدم انضباط الركوب- و احتماله القلة و الكثرة، و ان أمكن انضباط العلف- بعيد جدا، و تخصيص القواعد- التي ألجأتهم الى هذا التأويل- بهذين الخبرين سيما الأول لصحته و صراحته غير بعيد و يظهر من الفاضل الخراساني في الكفاية الميل الى ما ذهب اليه الشيخ، حيث قال بعد نقل الصحيحة المذكورة: و قول الشيخ قوى، و يؤيده رواية السكوني انتهى و هو جيد.

و لو كان للرهن غلة و فوائد و تصرف فيها المرتهن وجب عليه أن يحتسبها من دينه، و بذلك تكاثرت الاخبار مضافا إلى اتفاق الأصحاب.

و منها ما رواه

في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن ابن

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 175 الفقيه ج 3 ص 195.

263

سنان (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في كل رهن له غلة أن غلته تحتسب لصاحب الرهن مما عليه».

و عن محمد بن قيس (2) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: في الأرض البور يزرعها الرجل ليس فيها ثمرة فزرعها و أنفق عليها من ماله: أنه تحتسب له نفقته و عمله خالصا، ثم ينظر نصيب الأرض فيحتسب من ماله الذي ارتهن به الأرض حتى يستوفى ماله، فليدفع الأرض إلى صاحبها».

و ما رواه

في الفقيه عن الحسن بن محبوب عن الكرخي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل رهن بماله أرضا أو دارا لهما غلة كثيرة، فقال: على الذي ارتهن الأرض و الدار بماله أن يحسب لصاحب الأرض و الدار ما أخذ من الغلة و يطرحه عنه من الدين الذي له».

و عن محمد بن قيس (4) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «ان رهن رجل أرضا فيها ثمرة فإن ثمرتها من حساب ماله، و له حساب ما عمل فيها و أنفق منها، و إذ استوفى ماله فليدفع الأرض إلى صاحبها».

و إطلاق هذه الاخبار شامل لما لو كان التصرف باذن الراهن أو بغير اذن، و لا فرق بينهما في الحكم المذكور الا باعتبار الإثم و عدمه.

قال الصدوق في كتاب المقنع: إذا كان الرهن دارا لها غلة فالغلة لصاحب الدار، فان سكنها المرتهن لم تكن عليه غلتها لصاحبها، الا أن يكون استأجرها منه، فان آجرها فعليه أن يحسب كراها من رأس ماله.

قال في المختلف: و هذا الإطلاق ليس بجيد، بل ينبغي التقييد بالسكنى باذن الراهن، و الظاهر أن مراده ذلك.

أقول من العجب أن الصدوق لا يفتي في هذا الكتاب الا بمتون الاخبار، مع ان

____________

(1) الكافي ج 5 ص 235.

(2) الكافي ج 5 ص 235.

(3) الفقيه ج 3 ص 196.

(4) الفقيه ج 3 ص 197.

264

كلامه هنا مما يخالف ما نقلناه من الاخبار، مع عدم وجود خبر به فيما وصل إلينا من الاخبار و الله العالم.

الموضع السادس [جواز بيع الرهن عند موت الراهن و خوف جحود الورثة للدين]

- قد صرحوا بأنه إذا لم يكن المرتهن وكيلا في البيع اما لعدم الوكالة، أو لبطلانها بموت الراهن كما تقدم (1) فإنه يجوز له لو مات الراهن و خاف جحود الورثة للدين أن يبيع بنفسه، و يستوفى حقه، و يرجع الباقي ان كان على الورثة، و كذا يجوز له لو خاف جحود الرهن أيضا و لم يكن وكيلا، و ينبغي أن يعلم ان ذلك مع البينة التي يمكن بها إثبات الحق عند الحاكم الشرعي، و الا وجب أن يثبت عنده الدين و الرهن، و يستأذنه في البيع، كذا قالوا:

و يدل على أصل الحكم المذكور ما رواه

الصدوق و الشيخ عن سليمان بن حفص المروزي (2) «أنه كتب الى أبى الحسن (عليه السلام) في رجل مات و له ورثة، فجاء رجل و ادعى عليه مالا و أن عنده رهنا فكتب (عليه السلام) ان كان له على الميت مال، و لا بينة له فليأخذ ماله عما في يده، و ليرد الباقي على الورثة، و متى أقر بما عنده أخذ به، و طولب بالبينة على دعواه و أوفى حقه بعد اليمين، و متى لم يقم البينة و الورثة ينكرون، فله عليهم يمين علم، يحلفون بالله ما يعلمون له على ميتهم حقا».

و ظاهر الخبر أن أخذه مما في يده مشروطة بعدم البينة، كما ذكره الأصحاب، و في معناه عدم إمكان الإثبات عند الحاكم لآمر آخر غير عدم البينة، و يؤيده قبح التصرف في مال الغير إلا بإذنه، خرج صورة عدم إمكان الإثبات للضرورة و الإجماع، فبقي ما عداه، و ينبغي أن يراعى في الخوف الموجب للتصرف ما كان مستندا إلى القرائن المفيدة للظن الغالب بجحود الورثة أو الراهن، فلا يكفى مجرد توهم ذلك و الله العالم.

____________

(1) في الموضع الثالث ان الوكالة من العقود الجائزة و من شأنها أن يبطل بالموت كما صرح به الأصحاب- منه (رحمه الله).

(2) التهذيب ج 7 ص 178 الفقيه ج 3 ص 198.

265

[الموضع] السابع [حرمة التصرف لكل من الراهن و المرتهن إلا بإذن الآخر]:

الظاهر أنه لا خلاف في تحريم التصرف لكل من الراهن و المرتهن في الرهن إلا بإذن الآخر، أما المرتهن فظاهر، لانه غير مالك، و مجرد الرهن لا يستلزم جواز التصرف.

و يدل عليه أيضا جملة من الاخبار، منها ما رواه

الشيخ في التهذيب عن ابن بكير (1) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن الرجل رهن رهنا ثم انطلق، فلا يقدر عليه أ يباع الرهن؟ قال: لا حتى يجيء صاحبه».

و ما رواه

المشايخ الثلاثة «عطر الله مراقدهم، عن، عبيد بن زرارة (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في رجل رهن رهنا الى وقت غير موقت، ثم غاب هل له وقت يباع فيه رهنه؟ قال: لا حتى يجيء».

و فيهما دلالة لا سيما الثانية على جواز الرهن من غير تعيين وقت، و لا وكالة في البيع، و على المنع من البيع على تقدير التعذر.

و ما رواه

في الكافي و التهذيب و الفقيه عن إسحاق بن عمار (3) في الموثق برواية الثالث قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يكون عنده الرهن، فلا يدرى لمن هو من الناس، فقال: لا أحب أن يبيعه حتى يجيء صاحبه، قلت: لا يدرى لمن هو من الناس؟ فقال: فيه فضل أو نقصان؟ فقلت: فان كان فيه فضل أو نقصان فقال:

ان كان فيه نقصان فهو أهون يبيعه فيؤجر فيما نقص من ماله، و ان كان فيه فضل فهو أشدهما عليه يبيعه و يمسك فضله حتى يجيء صاحبه» (4).

و في رواية الفقيه قد-

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 169.

(2) الكافي ج 5 ص 234 التهذيب ج 7 ص 169 الفقيه ج 3 ص 197.

(3) الكافي ج 5 ص 233 التهذيب ج 7 ص 168 الفقيه ج 3 ص 197.

(4) أقول: احتمل بعض مشايخنا المحدثين من متأخر المتأخرين أن يكون قوله يبيعه و يمسك فضله بأن يكون المبيع مجموع الرهن، و على هذا المراد لفضله الباقي من الثمن زائدا على الدين، و أن يكون المبيع قدر حقه، و يكون المراد بالفضل باقي الرهن و الأشدية على هذا الوجه لعلها باعتبار الضمان، أو باعتبار عدم تيسر مشتر لهذا الباقي، أقول: لا يخفى بعد الحمل الثاني و سياق الخبر انما يقتضي معنى الأول كما يشير اليه كلامه (عليه السلام) في صورة النقصان و مرجع الضمائر في سياق الخبر انما هو الى الرهن، و الحمل على قدر الحق تقتضي تفكيك الضمائر و هو معيب- منه (رحمه الله).

266

سقط بعد الناس الاولى، الى الناس الثانية، و حمل البيع هنا على كونه وكيلا أو بإذن الحاكم الشرعي.

قال في المختلف: إذا حل الدين لم يجز بيعه الا أن يكون وكيلا، أو يأذن له الحاكم، قاله ابن إدريس و هو جيد، و أطلق أبو الصلاح جواز البيع مع عدم التمكن من استيدان الراهن، و لا يبعد عندي العمل بظاهر الخبر في الصورة المذكورة من بيع المرتهن من غير أحد الأمرين، بناء على ظاهر الاذن منه (عليه السلام) هنا، و لعل وجه الأشدية في صورة الفضل من حيث أنه يلزمه حفظ الفضل الى أن يظهر صاحبه.

بقي الكلام في أن هذا الخبر دل على جواز البيع مع التعذر، و ما قبله دل على المنع، كما قدمنا الإشارة اليه، و يمكن الجمع بالفرق بين الموقت و غيره، فيحمل الأول على غير الموقت، كما هو ظاهر الخبر المذكور، و الثاني على الموقت و المؤجل، فإنه متى حل الأجل جاز البيع على النحو المتقدم، و يحتمل حمل الخبر الأول على الكراهة المؤكدة، كما يشير اليه قوله (عليه السلام) في الخبر الثاني «لا أحب أن يبيعه حتى يجيء صاحبه».

و أما الراهن فظاهر الأصحاب كما عرفت أنه كذلك، و هو بالنسبة الى ما يخرجه عن كونه رهنا كبيع و عتق و نحوهما، أو يوجب نقصانه، كإجارة و نحوها مما لا اشكال فيه، و أما التصرف بما لا يوجب شيئا من ذلك، كتزويج العبد و تقبيل الأمة و تعليمها الصنعة و نحو ذلك فلا دليل عليه، الا أن يدعى الإجماع في المقام و مما يؤيد ما ذكرناه ما رواه،

في الكافي في الصحيح أو الحسن عن

267

الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل رهن جارية عند قوم أ يحل له أن يطأها؟ قال: ان الذين ارتهنوها يحولون بينه و بينها، قلت أ رأيت ان قدر عليها خاليا قال: نعم لا أرى هذا عليه حراما».

و عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) «في رجل رهن جاريته قوما أ يحل له أن يطأها قال: فقال: ان الذين ارتهنوها يحولون بينه و بينها، قلت: أ رأيت ان قدر عليها خاليا، قال نعم لا أرى به بأسا».

و رواهما الشيخ (رحمه الله) أيضا و الصدوق روى الثاني بإسناده عن العلاء عن محمد بن مسلم مثله، الا أنه قال «ان قدر عليها خاليا و لم يعلم به الذين ارتهنوها».

و من العجب ما نقل عن بعضهم من عدم جواز الوطي و ان أذن المرتهن، و الاخبار الصحيحة كما ترى تنادي بالجواز مع عدم الاذن.

و قال في الدروس و في رواية الحلبي يجوز وطؤها سرا و هي متروكة، و نقل في المبسوط الإجماع عليه، و أنت خبير بما فيه، فان ترك الرواية سيما مع صحة سندها و تأيدها بالصحيحة الأخرى مع عدم المعارض لا يخلو من مجازفة.

و بالجملة فإني لا أعرف لهم دليلا على ما يدعونه من العموم، الا دعوى الإجماع، كما سمعت من نقله عن المبسوط، و نحوه ما تقدم في كلام ابن إدريس في الموضع الخامس، و فيه ما عرفت في غير موضع.

قال في المسالك: لما كان الرهن وثيقة لدين المرتهن لم يتم الوثيقة إلا بالحجر على الراهن، و قطع سلطنته، فيتحرك إلى الأداء، فمن ثم منع الراهن من التصرف في الرهن، سواء أزال الملك كالبيع أم النفقة كالإجارة أم انتقض المرهون و قل الرغبة فيه، كالتزويج، أم زاحم المرتهن في مقصوده كالرهن لغيره، أم أوجب انتفاعا و ان لم يضر بالرهن كالاستخدام و السكنى، و لا يمنع من تصرف يعود نفعه على الرهن

____________

(1) الكافي ج 5 ص 235 التهذيب ج 7 ص 169.

(2) الكافي ج 5 ص 237 التهذيب ج 7 ص 169 الفقيه ج 3 ص 201.

268

كمداواة المريض، و رعى الحيوان، و تأبير النخل، و ختن العبد، و خفض الجارية ان لم يؤد الى النقص انتهى.

و هو ظاهر في تخصيص جواز تصرف الراهن بما يعود به النفع على الرهن، و أما ما عداه فهو محرم، و حينئذ فمحل البحث معهم في ما عدا هذا الموضع، و ما عدا ما أشرنا إليه آنفا مما يخرجه عن كونه رهنا أو يوجب نقصا، فإنه لا بحث بينهم فيه.

و ظاهر كلامه هنا أن الموجب للتحريم في محل البحث هو التحرك إلى أداء الدين، فإنه لو جاز له التصرف فيه، و الانتفاع به في الوجوه المذكورة مما عدا ما استثنى لم يتحرك إلى الأداء.

و فيه مع الإغماض عما عرفت- في غير مقام من عدم صلاحية أمثال هذه التعليلات لتأسيس الأحكام الشرعية- ان ذلك يمكن استدراكه ببيع الرهن بعد حلول الأجل، و استيفاء الدين كما هو قضية الرهن انتفع به أو لم ينتفع به، و نحن انما وافقناهم في صورة التصرف بما يزيل الملك أو يوجب النقصان لما في الأول من فوات الرهن، و في الثاني من دخول الضرر على المرتهن، و أما ما عدا ذلك فلا وجه للمنع منه مع عدم النص، و يخرج ما ذكرنا من الخبرين الصحيحين شاهدا.

و الى ما اخترناه يميل كلام المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد حيث قال- بعد البحث في المقام و ذكر الخبرين المتقدمين- ما لفظه: و بالجملة المنع مطلقا غير ظاهر الوجه، كما هو ظاهر أكثر العبارات، خصوصا عن الوطي و مثله، أو أقل ضررا منه، أو ما لا ضرر على الرهن مثل الاستخدام، و لبس الثوب إذا لم ينقص و لا يضر، و سكنى الدار و ركوب الدابة و استكتاب المملوك الى آخر كلامه زيد في إكرامه و هو جيد.

و نحوه أيضا الفاضل الخراساني في الكفاية و هو ظاهر الصدوق بناء على نقله صحيحة محمد بن مسلم و ما ذكره في صدر كتابه و الله العالم.

269

[الموضع] الثامن [حكم ما لو وطئ الراهن الأمة المرهونة]:

إذا وطأ الراهن الأمة المرهونة بإذن المرتهن أو بدونه و أحبلها صارت أم ولد، لأنها لم تخرج من ملكه بالرهن، و ان منع من التصرف فيها كما هو المشهور بينهم، و على تقديره يأثم و يستحق التعزير مع عدم الاذن، و على ما قدمناه في سابق هذا الموضع من دلالة الخبرين الصحيحين على صحة الوطي مع عدم الاذن فلا اثم، و لا تعزير.

ثم انه مع الاحبال و صيرورتها أم ولد فهل تباع في دين المرتهن؟ كما هو قضية الرهن أقوال: أحدها: جواز البيع مطلقا، عملا بما دل على بيع الرهن عند حلول الأجل و عدم أداء الراهن، و لان حق المرتهن قد سبق الاستيلاد المانع، و هذا القول مختار الشهيدين.

و ثانيها: المنع مطلقا عملا بما دل على المنع من بيع أمهات الأولاد و هذا منها.

و ثالثها: التفصيل بإعسار الراهن فتباع، و يساره فلا تباع، و يلزمه القيمة من غيرها يكون رهنا، و هذا القول نقل عن الشيخ في الخلاف، و العلامة في التذكرة.

و رابعها: التفصيل بجواز البيع مع وطئها بغير اذن المرتهن، و العدم مع وقوعه باذنه، و نقل عن الشهيد (رحمه الله) في بعض حواشيه.

و مرجع الأقوال المذكورة إلى تعارض دليلي جواز بيع الرهن، و منع بيع أم الولد، فمن الأصحاب من جمع بينهما بالتفصيل المذكور في القولين الأخيرين، و منهم من عمل بالترجيح، كما في القولين الأولين، فبعض رجح أدلة جواز بيع الرهن، و الآخر رجح أدلة منع بيع أم الولد، و الحق في المسألة أن ما ذكر من التفصيل في كل من القولين الأخيرين لا دليل عليه الا مجرد أمور اعتبارية، و انما يبقى التعارض بين أدلة جواز بيع الرهن و أدلة منع بيع أم الولد.

و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني الاستناد في ترجيحه أدلة جواز بيع الرهن الى سبق سببه، قال في المسالك: و أقوى ترجيح جانب الرهن بسبق سببه، فتجويز

270

البيع مطلقا أقوى و فيه ما لا يخفى.

و بالجملة فإنه قد تعارض إطلاق أدلة جواز بيع الرهن و إطلاق أدلة المنع من بيع أم الولد، و تخصيص أحد الإطلاقين بالآخر يحتاج الى دليل، الا أنى لم أقف بعد التتبع للاخبار على ما يدل منها على ما ذكروه، و ان اشتهر بينهم، بل ادعى الإجماع عليه من اختصاص الرهن بحق المرتهن، فيطلب من الرهن بيعه إذا لم يكن وكيلا عنه في البيع، أو الاذن فيه، فان فعل و الا رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي كما ذكروه (رضوان الله عليهم).

بل ظاهر الاخبار المتقدمة في الموضع الرابع (1) من هذا المقام انما هو العدم، فيما إذا مات الراهن، و استغرقت ديونه التركة، حيث حكم (عليه السلام) فيها بالتشريك بين جميع هذه الغرماء، و ان كان الأصحاب لم يقولوا بمضمونها، لخروجها عن قاعدتهم المذكورة، و لم أقف في الاخبار على ما ذكروه إلا في صورة ما لو خاف المرتهن جحود الورثة، كما مر في الموضع السادس (2) فإن الرواية قد صرحت في هذه الصورة بأنه يأخذ ماله مما في يده، و اما ما عدا ذلك فلا، و حينئذ فيقوى بناء على ما ذكرناه القول بالمنع من البيع عملا بالأخبار الدالة على عدم جواز بيع أم الولد من غير معارض في هذا المقام سوى صورة خوف الجحود.

لكن ربما نافى ذلك ما ورد في جملة من أخبار الرهن من قولهم (عليهم السلام) استوثق من مالك، إذ لا معنى للاستيثاق الا باعتبار أخذ الدين من الرهن بعد تعذر الأداء من الراهن.

و من الاخبار الدالة على ذلك

صحيحة عبد الله بن سنان (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السلم في الحيوان و الطعام و يرتهن الرجل بماله رهنا؟ قال: نعم استوثق من مالك».

____________

(1) ص 259.

(2) ص 264.

(3) الفقيه ج 3 ص 165.

271

و في موثقة سماعة (1) الواردة في أخذ الرهن على مال المسلم ايضا «قال (عليه السلام): لا بأس أن تستوثق من مالك».

و نحوهما غيرهما و لعل هذه الاخبار و نحوها هي مستند الأصحاب فيما ذكروه هنا، و ان كانت غير صريحة فيما ادعوه من القاعدة المذكورة، فإن مجرد الاستيثاق لا يدل على جواز البيع، و لعله باعتبار الحجر عن الانتفاع به.

و كيف كان فالمسألة لا يخلو من الاشكال، ثم انه ينبغي أن يعلم أنها بالوطء بل بالحمل لا تخرج عن كونها رهنا، إذ لا منافاة بينهما، و ان منعنا من بيع أم الولد لإمكان موت الولد، فإنه مانع، و إذا مات عمل السبب السابق عمله.

التاسع: لو وطأها المرتهن بغير اذن الراهن مكرها لها

، فالذي ذكره جملة من الأصحاب أن عليه عشر قيمتها ان كانت بكرا، و نصف العشر ان كانت ثيبا، و قيل:

مهر أمثالها مطلقا، لانه عوض الوطي شرعا.

و نقل عن الشهيد (رحمه الله) في بعض حواشيه القول بتخير المالك بين الأمرين و هل يجب على كل من التقديرين المذكورين أرش البكارة زائدا على المهر، أو العشر؟ جعله شيخنا الشهيد الثاني في المسالك احتمالا، و جزم به في الروضة، قال:

لانه حق جناية، و عوض جزء فائت، و المهر على التقديرين عوض الوطي.

ثم اعترض على نفسه بأنه إذا وجب أرش البكارة صارت ثيبا فيجب عليه مهر الثيب خاصة، و أجاب بأنه إذا وطأها بكرا فقد استوفى منفعتها على تلك الحال، و فوت جزء منها، فيجب عوض كل منهما، فلا يتداخلان، و لأن أحدهما عوض جزء و الأخر عوض منفعة.

و ربما قيل: بدخوله في العشر، و عدم دخوله في مهر المثل، و أكثر عبارات الأصحاب هنا مطلقة، و لو طاوعته فالمشهور أنه لا شيء عليه، استنادا الى

قوله (صلى الله عليه و آله) (2) «لا مهر لبغي».

و هو نكرة في سياق النفي فيعم، و رد بمنع دلالته على موضع النزاع،

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 42 الفقيه ج 3 ص 166.

(2) التهذيب ج 10 ص 36 لكن عن ابى جعفر عن آبائه (عليهم السلام) مع اختلاف يسير.

272

لأن الأمة لا تستحق المهر و لا تملكه، و انما هو لمولاها فلا ينافي استحقاق مولاها، مع كون التصرف وقع في ملكه بغير اذنه، مع أن المهر شرعا انما يطلق على عوض بضع الحرة، حتى سميت بسببه مهيرة، بخلاف الأمة فالنفي في النص محمول عليها، قالوا: و بذلك يظهر أن ثبوت المهر أقوى، و المراد به أحد الأمرين السابقين فيما تقدم من القولين، قيل: و على تقدير نفيه كما هو المشهور لا شبهة في ثبوت أرش البكارة، لأنها جناية على مال الغير، فثبت أرشها.

أقول: لم أقف في هذا المقام على نص يتعلق بما ذكروه من هذه الأحكام بالنسبة إلى الزاني بأمة غيره، رهنا كانت أم لا، و ان كان ظاهر كلامهم الاتفاق على جل هذه الأحكام في الجملة.

و الذي وقفت عليه مما ربما يناسبه، و يمكن أن يكون هو المستند لهم بالنسبة إلى العشر، و نصف العشر، ما رواه

الكليني في الصحيح عن الفضيل بن يسار (1) قال: «قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: قلت له: فما تقول في رجل عنده جارية نفيسة، و هي بكر أحل لأخيه ما دون فرجها إله أن يفتضها؟ قال: لا ليس له الا ما أحل منها، و لو أحل له قبلة منها لم يحل له ما سوى ذلك، قلت: أ رأيت ان أحل له ما دون الفرج، فغلبته الشهوة فافتضها، قال: لا ينبغي له ذلك، قلت: فان فعل أ يكون زانيا قال: لا، و لكن يكون خائنا، و يغرم لصاحبها عشر قيمتها ان كانت بكرا، و ان لم تكن بكرا فنصف عشر قيمتها».

و صريحها أن الواطئ في هذه الصورة ليس بزان، و كذا صحيحة الوليد بن صبيح المتقدمة في المسألة التاسعة من المقصد الثاني من الفصل التاسع في بيع الحيوان من كتاب البيع (2) و موردها تدليس المزوج للجارية، و هي أخص من المدعى أيضا، فإن ظاهر كلامهم أن هذا حكم الزاني بأمة غيره، و ان كان لشبهة شراء أو تدليس أو نحو ذلك، و لعل مستندهم

____________

(1) الكافي ج 5 ص 468.

(2) ج 19 ص 452.

273

أنه إذا ثبت ذلك في التزويج بتدليس الولي، و كذا في صورتي التحليل لغير الفرج و ان لم يكن زانيا ففي صورة الزنا بطريق أولى، سيما مع قوله في صحيحة الوليد المشار إليها بعد ذكر العشر و نصف العشر، بما استحل من فرجها» فإنه ظاهر في أن وجوب ذلك مترتب على استحلاله ما ليس له شرعا «و لا ريب أنه في صورة الزنا أشد و أفضع، و لا أعرف هنا دليلا غير هاتين الروايتين، فانى بعد الفحص و التتبع لم أقف على غيرهما، و مع تسليم اجراءهما في مطلق الزاني و أنه يجب أن يكون الحكم فيه كذلك، يبقى القول الثاني و الثالث عاريين عن الدليل، و نحو ذلك القول في أرش البكارة، سيما مع القول بزيادته على أحد الأمرين المذكورين، كما ذكره ذلك القائل.

و قد تقدم في المسألة الرابعة عشر في الجارية المشتركة يطأها أحد الشركاء من المقصد الثاني من الفصل التاسع في بيع الحيوان (1) تحقيق البحث في هذه المسألة، و ان جملة من الأصحاب قد منعوا وجوب الأرش في الصورة المذكورة، لعدم الدليل عليه، و الاكتفاء بوجوب المهر على القول به، أو العشر أو نصفه على القول الآخر و الله العالم.

العاشر [في أنه لو مات المرتهن و لم يعلم الرهن كان كسبيل ماله]:

الظاهر من كلام جملة من الأصحاب «(رضوان الله عليهم)» أنه لو مات المرتهن و لم يعلم الرهن كان كسبيل ماله، بمعنى أنه لم يعلم وجود الرهن في التركة و لا عدمه، فإنه يكون كسبيل مال المرتهن في الحكم بكونه ميراثا، و لا يحكم للراهن هنا بشيء، لأن الأصل براءة الذمة من حقه، إذ الرهن لم يتعلق بالذمة حيث أنه أمانة، و لا يتعلق أيضا بماله، لأصالة بقاء ماله على ما كان عليه، من عدم استحقاق أحد فيه شيئا.

هذا بالنظر الى ظاهر الأمر و ان احتمل بحسب الواقع كون الرهن في التركة و من جملتها، فإن الأحكام الشرعية انما تبنى على الظاهر، لا على الواقع، سيما ان احتمال التلف بغير تفريط قائم.

____________

(1) ج 19 ص 474.

274

و العجب أنهم «(رضوان الله عليهم)» ذكروا المسألة هنا كما نقلها عنهم جازمين بالحكم المذكور، مع أنه في باب القراض و الوديعة قد استشكل جملة منهم في الحكم بذلك، نظرا الى ما ذكرناه هنا، و الى أن الأصل أيضا بقاء المال، لان المفروض أنه في يد المرتهن،

و للخبر عنه (1) (صلى الله عليه و آله) «على اليد ما أخذت حتى تؤدي».

بل صرح جملة منهم في الوديعة، و ربما كان هو المشهور بأن الوديعة في الصورة المذكورة تخرج من أصل التركة، مع تصريحهم هنا بكون الرهن كسبيل مال المرتهن، و المسألة في المواضع الثلاثة من باب واحد، بل الحكم في كل أمانة، و سيأتي مزيد تحقيق لذلك إنشاء الله تعالى في كتاب الوديعة.

الحادي عشر: إذا حل الأجل و تعذر الأداء

فإن كان المرتهن وكيلا فلا إشكال في جواز بيعه، و استيفاء حقه، و الا لم يكن له البيع بنفسه، لانه تصرف في مال الغير بغير اذنه.

و يؤيده ما تقدم في الموضع السابع (2) من روايتي ابن بكير و عبيد بن زرارة و حينئذ فعليه أن يرجع الى الراهن، و يلزمه بالبيع أو الاذن فيه، فان امتنع رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي، فيلزمه الحاكم بالبيع أو يبع عليه كما يفعل ذلك في سائر الحقوق، على ما رواه

سماعة (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال كان أمير المؤمنين يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه، ثم يأمر فيقسم ماله بالحصص، فان أبى باعه فقسمه فيهم يعنى ماله.

بقي الكلام هنا في موضعين

أحدهما لو غاب الراهن و لم يقدر عليه

، و الظاهر رفع الأمر إلى الحاكم ليبيع عليه، فان تعذر فليبعه المرتهن، و قد تقدم في موثقة إسحاق بن عمار في الموضع السابع ما يدل على جواز بيع المرتهن، و ظاهرها

____________

(1) المستدرك ج 2 ص 503.

(2) ص 265.

(3) الكافي ج 5 ص 102 لكن عن عمار.

275

عدم التوقف على الرجوع الى الحاكم، الا أنه الاولى، و الأحوط ذلك.

و

ثانيهما: لو استلزم رفع الأمر إلى الحاكم إثبات الدين مع عجزه عن الإثبات

- لعدم البينة أو تقدم حضورها أو عدم كونها مقبولة- فالظاهر أيضا جواز مباشرة المرتهن لذلك، و استيفاء حقه لخبر (1)

«لا ضرر و لا ضرار».

و يؤيده جواز المقاصة في صورة جحود الدين و عدم البينة كما ورد في الاخبار و خبر المروزي المتقدم في الموضع السادس (2) الدال على جواز أخذ ماله مما في يده مع خوف جحود الورثة.

و نقل في المسالك القول بجواز مباشرة المرتهن و توليه البيع بنفسه في صورة عدم إمكان الإثبات و عدم إمكان الوصول للحاكم، أما لعدمه أو لكونه في بلد بعيد يشق التوصل اليه عن العلامة في التذكرة، و هو ظاهر اختياره أيضا في الكتاب المذكور.

و قد عرفت ما يؤيده و يدل عليه، و لو أمكن الإثبات عند الحاكم بالبينة لكن افتقر لي اليمين معها، لكون المدعى عليه ميتا أو غائبا، بناء على المشهور، فيمكن أن يقال: انه غير مانع من الرجوع الى الحاكم، فلا يجوز له الاستقلال بالأخذ بل يحلف، و هو ظاهر اختياره في المسالك مع احتماله فيه الجواز أيضا، دفعا لمشقة الحلف بالله تعالى، و لو أذن المرتهن في البيع بعد الحلول جاز البيع بقي، الكلام في التصرف في الثمن، و قد أطلق جواز التصرف بناء على الاذن المذكور، و فصل آخرون- و هو الظاهر- بأنه ان كان الحق موافقا للثمن جنسا و وصفا جاز التصرف، كما قيل مثله فيما إذا كان ما في ذمة المديون، مثل الدين جنسا و وصفا، فإنه يجوز له الأخذ مقاصة من غير توقف على التراضي، و لو لم يكن موافقا له لم يجز إلا بإذن الراهن، لأنها معاوضة أخرى، كما أنه لا يجوز له التصرف في الرهن لذلك و ربما كان وجه الإطلاق هو أن جواز التصرف مفهوم من الاذن في البيع

____________

(1) الكافي ج 5 ص 293.

(2) ص 264.

276

و التوكيل، لأن فائدته جواز التصرف في الثمن و هو جيد ان دل عليه شيء من قرائن المقام، و الا فالتفصيل أجود.

و أما لو اذن له في البيع قبل حلول الأجل جاز البيع، و لكن ليس له التصرف في الثمن الا بعد حلول الأجل، لعدم الاستحقاق قبله، و الاذن في البيع لا يقتضي تعجيل الاستيفاء، و هل يكون الثمن في هذه الصورة رهنا فلا يجوز للراهن طلبه أم لا؟ اشكال، و لم يحضرني الان تصريح أحدهم بالحكم المذكور، و يمكن ترجيح العدم، بأن حق المرتهن انما تعلق بالعين، فلا يتعدى الى الثمن الا بدليل، و ليس، فليس.

و الله العالم.

الفصل الرابع في جملة من المسائل المتعلقة بالنزاع

[المسألة] الاولى: لو اختلف الراهن و المرتهن في الدين الذي على الراهن مع عدم البينة

، فقيل: بأن القول قول الراهن بيمينه، و هو المشهور، ذهب اليه الشيخ في النهاية و الخلاف و المبسوط، و الصدوق، و أبو الصلاح، و ابن البراج، و ابن حمزة، و ابن إدريس، و المحقق، و العلامة، و المتأخرون.

و قيل: بأن القول قول المرتهن ما لم يستغرق دعواه ثمن الرهن، و اليه ذهب ابن الجنيد حيث قال: و المرتهن يصدق في دعواه حتى يحيط بالثمن ما لم يكن بينة، فان زادت دعوى المرتهن على القيمة لا يقبل إلا ببينة، و له أن يستحلف الراهن على ما يقوله و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا المسألة ما رواه

في الكافي عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح عن أبى جعفر «(عليه السلام)» «في رجل رهن عند صاحبه رهنا لا بينة بينهما فيه، فادعى الذي عنده الرهن أنه بألف، فقال صاحب الرهن:

انه بمأة، قال: البينة على الذي عنده الرهن انه بألف و ان لم يكن له بينة فعلى الراهن اليمين».

و رواه الشيخ في الصحيح ايضا مثله.

و ما رواه

الشيخان المذكوران عن ابن أبى يعفور (2) في الموثق عن أبي

____________

(1) الكافي ج 5 ص 237 التهذيب ج 7 ص 174.

(2) الكافي ج 5 ص 237 التهذيب ج 7 ص 174.

277

عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا اختلفا في الرهن فقال أحدهما: رهنته بألف درهم، و قال الأخر: بمأة درهم، فقال يسأل صاحب الألف البينة فان لم يكن بينة حلف صاحب المأة» الحديث.

و سيأتي تمامه إنشاء الله تعالى في المسألة الاتية و رواه الصدوق بإسناده عن أبان (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثله و ما رواه

الشيخ عن عبيد بن زرارة (2) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في رجل رهن عند صاحبه رهنا لا بينة بينهما فادعى الذي عنده الرهن أنه بألف و قال صاحب الرهن: بمأة فقال: البينة على الذي عنده الرهن أنه بألف فان لم يكن عنده بينة فعلى الذي له الرهن اليمين أنه بمأة».

و هذه الاخبار كلها كما ترى ظاهرة في القول المشهور، و يعضدها أن ما دلت عليه هو مقتضى القواعد الشرعية، لأن المرتهن يدعي الزيادة و الراهن منكر، و قد تظافرت الاخبار (3)

«بان البينة على المدعى، و اليمين على المنكر».

و من أخبار المسألة أيضا ما رواه

الشيخ عن النوفلي عن السكوني (4) «عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام)، في رهن اختلف فيه الراهن و المرتهن، فقال الراهن:

هو بكذا و كذا، و قال المرتهن: هو بأكثر قال على (عليه السلام): يصدق المرتهن حتى يحيط بالثمن، لأنه أمينه».

و رواه الصدوق بإسناده عن إسماعيل بن مسلم عن جعفر عن أبيه (عليهم السلام) مثله و هذا الخبر هو مستند ابن الجنيد فيما تقدم نقله عنه، و الشيخ قد أجاب عنه بالحمل على أن الاولى للراهن أن يصدق المرتهن.

و أقول: لا يبعد حمل الرواية المذكورة على التقية، فإنه أحد قولي العامة، و ان كان خلاف المشهور بينهم و كيف كان فهي قاصرة عن معارضة ما قدمناه من الاخبار،

____________

(1) الفقيه ج 3 ص 199.

(2) التهذيب ج 7 ص 174.

(3) الوسائل الباب- 3 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى.

(4) التهذيب ج 7 ص 175 الفقيه ج 3 ص 197.

278

فحملها على أحد الأمرين المذكور متعين، و ليس بعد ذلك الا طرحها و إرجاعها إلى قائلها.

و هنا شيء ينبغي التنبيه عليه، و هو أن بعض الأصحاب كالمحقق في الشرائع نقل عن ابن الجنيد أن القول قول المرتهن ما لم يستغرق دعواه ثمن الرهن، و الأكثر و منهم المحقق في النافع، عبروا بأن القول قوله ما لم يدع زيادة على ثمن الرهن، و مقتضى العبارة الاولى أنه مع الاستغراق الذي هو أعم من الإحاطة بثمن الرهن أو الزيادة عليه لا يقدم قوله، و مقتضى العبارة الثانية أنه لو ادعى ما يحيط بالرهن خاصة، فإنه يقدم قوله، و الظاهر أن منشأ ذلك من عبارة ابن الجنيد المتقدمة، فإنه في صدر العبارة جعل غاية التصديق إحاطة الدعوى بالثمن، و الغاية خارجة عن المغيا، فمفهومه أنه مع الإحاطة لا يصدق، ثم قال في آخر العبارة: فإن زادت دعوى المرتهن على القيمة لا يقبل، و مفهومه أنه يقبل مع عدم الزيادة، فإن أحاط بالثمن فقد تعارض في كلامه مفهوم الغاية، و مفهوم الشرط، فاختلف النقل عنه لذلك.

و المفهوم من الرواية يوافق ما ذكره ابن الجنيد في صدر عبارته، حيث لم يتعرض في الرواية للزيادة، و كان مبنى الاختلاف أن المحقق في الشرائع نظر الى اعتضاد صدر عبارة ابن الجنيد بالرواية، و بنى على خروج الغاية و لم يلتفت الى مفهوم الشرط، فنقل عنه أنه يقبل قوله ما لم يستغرق دعواه الرهن، و من حمله الاستغراق بالإحاطة بثمنه، و الأكثر كأنهم غفلوا عن الرواية فرجحوا العمل بمفهوم الشرط، و حملوا مفهوم الغاية على أنه داخل هنا في المغيا، جمعا بين المفهومين، فنقلوا عنه أنه يقبل قوله ما لم يزدد دعواه على القيمة و الله العالم.

المسألة الثانية- لو اختلفا فقال المالك: هو وديعة، و قال الآخر: هو رهن

، فالمشهور بين الأصحاب «(رضوان الله عليهم)»، أن القول قول المالك، و قيل: القول قول الآخر، ذهب اليه الصدوق و الشيخ في الاستبصار، قال الصدوق في المقنع:

على صاحب الوديعة البينة، فان لم يكن له بينة حلف صاحب الرهن، و وافقه الشيخ في الاستبصار.

279

و فصل ابن حمزة، فقال: ان ادعى صاحب المتاع كونه وديعة عنده، و خصمه كونه رهنا، فان اعترف صاحب المتاع بالدين، كان القول قول خصمه، و ان لم يعترف بالدين كان القول قول صاحب المتاع مع اليمين، و منشأ هذا الخلاف اختلاف الاخبار في المسألة.

و منها ما رواه

الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) عن أبى جعفر «(عليه السلام)» أنه قال في رجل رهن عند صاحبه رهنا فقال الذي عنده الرهن:

ارتهنته عندي بكذا و كذا، فقال الأخر: انما هو عندك وديعة، قال: البينة على الذي عنده الرهن أنه بكذا و كذا، فان لم يكن له بينة فعلى الذي له الرهن اليمين.

و ما رواه

في الموثق عن ابن أبى يعفور (2) عن أبى عبد الله «(عليه السلام)» في حديث تقدم صدره في المسألة السابقة، قال: «و ان كان الرهن أقل مما رهن به أو أكثر و اختلفا فقال: أحدهما: هو رهن، و قال الأخر: هو وديعة، قال: على صاحب الوديعة البينة فان لم يكن له بينة حلف صاحب الرهن».

و رواه الصدوق بإسناده عن فضالة عن أبان عن أبى عبد الله (عليه السلام) نقله و طريقه في المشيخة صحيح، لانه عن أبيه عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن سعيد، عن فضالة، و رواه في الكافي في الموثق عن ابن ابى يعفور مثله.

و ما رواه

الشيخ عن عباد بن صهيب (3) قال: «سألت أبا عبد الله «(عليه السلام)» عن متاع في يد رجلين فقال: أحدهما يقول: استودعتكه، و الأخر يقول: هو رهن فقال: القول قول الذي يقول أنه رهن عندي الا أن يأتي الذي ادعى أنه أودعه بشهود.

و رواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن محبوب عن عباد بن صهيب مثله، إذا عرفت ذلك فاعلم أن القائلين بالقول المشهور استندوا إلى صحيحة محمد بن مسلم، و القائلون بالقول الآخر استندوا إلى روايتي ابن أبى يعفور و عباد بن صهيب،

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 174 الفقيه ج 3 ص 199 الكافي ج 5 ص 237.

(2) التهذيب ج 7 ص 174 الفقيه ج 3 ص 199 الكافي ج 5 ص 237.

(3) التهذيب ج 7 ص 176 الفقيه ص 195.

280

و العلامة في المختلف و شيخنا الشهيد في المسالك ردوهما بضعف الاسناد، و ان كانت الأولى موثقة، و فيه ما عرفت من أن الصدوق في الفقيه قد رواها في الصحيح عن أبان كما أوضحناه، و لكنهم غفلوا عن ملاحظتها منه، و اعتمدوا على ما في التهذيب و هي فيه موثقة، و به يظهر ضعف ما ذكروه، هذا مع البناء على اصطلاحهم المحدث، و الا فالروايات جميعا عندنا من باب واحد، و يؤيده صحيحة محمد بن مسلم «ان الذي عنده المتاع يدعى دينا و رهنا، و المالك ينكر كلا من الأمرين» و مقتضى القاعدة أن القول قوله بيمينه، و ان الأصل العدم في كل من الأمرين المذكورين، و الشيخ في الاستبصار قد أجاب عن الصحيحة المذكورة بأنه انما قال «عليه البينة» على مقدار الدين الذي ارتهنه به، لا على أصل الرهن، و حينئذ فيمين المالك مع تعذر البينة انما هي على نفى الدين، و استبعد جملة ممن تأخر عنه.

و يمكن أن يقال عن جانب الشيخ: ان الأصل و ان كان كما ذكروه، الا أنه يجب الخروج عنه بالدليل، و هي صحيحة أبان المؤيدة بالرواية الأخرى، و له نظائر في الاخبار غير عزيزه.

و منها من استودع شخصا مالا فتلف فقال صاحب المال: هو قرض في ذمتك، و قال الآخر: هو أمانة، فان مقتضى الأصل الذي اعتمدوه هو تقديم قول مدعى الأمانة لأن صاحب المال يدعي أمرا زائدا و هو اشتغال الذمة، و الأصل عدمه.

و الحال أن موثقتي إسحاق بن عمار (1) قد صرحتا بأن القول قول مدعى القرض بيمينه، و أن مدعى الوديعة تكلف البينة، و مع عدمها يحلف مدعى القرض.

و من الموثقتين المذكورتين ما رواه الراوي المذكور (2)

في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في رجل قال لرجل: لي عليك ألف درهم، فقال الرجل: لا و لكنها وديعة،

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 176 و 179.

(2) الكافي ج 5 ص 238.

281

فقال أبو عبد الله (عليه السلام) القول قول صاحب المال مع يمينه»،.

و نحوها الموثقة الأخرى، و بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين احتمل في صحيحة ابن ابى يعفور الحمل على التقية، أو على ما إذا اعترف بالمال، و أنكر الرهن أو على ما إذا دلت عليه القرائن.

أقول: و مرجع الثاني من هذه الاحتمالات الثلاثة الى ما ذهب اليه ابن حمزة و احتج في الكفاية بقول الشيخ و الصدوق حيث اختاره بروايات الثلاثة، قال:

و يدل على قول الشيخ أخبار ثلاثة أحدها- صحيحة أبان أوردها الصدوق في الفقيه و ثانيها- رواية عبد الله بن أبى يعفور، و ثالثها- رواية عباد بن صهيب. انتهى ملخصا.

و فيه أن رواية أبان المروية في الفقيه هي بعينها رواية ابن أبى يعفور التي رواها الشيخ، الا أن الشيخ نقلها عن أبان عن ابن أبى يعفور، و الصدوق في الفقيه نقلها عن أبان عن أبى عبد الله من غير واسطة ابن أبى يعفور، و المتن واحد، فعدها روايتين مجازفة، نعم هي في الفقيه صحيحة، و في التهذيب موثقة.

و باختيار القول المشهور صرح أيضا المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، اعتمادا على صحيحة محمد بن مسلم، و ضعف ما عارضها بناء على ما ذكره العلامة و صاحب المسالك و لم يقف على رواية صاحب الفقيه التي ذكرناها.

و أما ما ذكره ابن حمزة مما قدمنا نقله عنه، فالظاهر أن وجهه الجمع بين أخبار المسألة، فإن الاعتراف بالدين قرينة على صحة دعوى الرهن، و فيه ما لا يخفى من أن بناء الأحكام الشرعية على هذه الاحتمالات مجازفة محضة.

و بالجملة فالمسألة في محل من الاشكال لتعارض الأخبار المذكورة، و بعد ما ذكروه من التأويلات في كل من الجانبين مع تعارضها كما عرفت و الله العالم.

المسألة الثالثة- إذا تلف الرهن بتفريط المرتهن و اختلفا في القيمة

فهاهنا مقامان

[المقام] الأول- أنه هل القول في ذلك قول الراهن أو المرتهن؟

المشهور الأول، و هو

282

قول الشيخين، و سلار و أبى الصلاح. و ابن البراج، و ابن حمزة، و ابن الجنيد.

و قال ابن إدريس: القول قول المرتهن، و تبعه المحقق و العلامة و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين، و علله في المسالك بأنه منكر الزائد، و الأصل عدمه، و براءته منه، ثم نقل عن الأكثر الاستناد فيما ذهبوا إليه الى أن المرتهن صار خائنا فلا يقبل قوله، قال: و يضعف بانا لم نقبل قوله من هذه الحيثية، بل لما ذكرناه.

أقول: و مرجعه الى أن خيانته و سقوط عدالته الموجب لرد قوله لا يوجب سقوط ما دلت عليه الاخبار من (1)

«أن البينة على المدعى و اليمين على المنكر».

و بذلك يظهر قوة القول الثاني.

المقام الثاني في تعيين القيمة هل هي قيمته يوم هلاكه أو يوم قبضه أو أعلى القيم؟

أقوال: و المشهور الأول، نظرا إلى أنه وقت الحكم بضمان القيمة، لأن الحق قبله كان منحصرا في العين و ان كانت مضمونة.

و الثاني مذهب المحقق في الشرائع، و اعترضه في المسالك قال: و حكم المصنف باعتبار قيمته يوم قبضه مبنى على أن القيمي يضمن بمثله، و مع ذلك ففي اعتبار يوم القبض نظر، لانه ثم لم يكن مضمونا، فينبغي على ذلك اعتبار المثل يوم الضمان انتهى.

و أما القول الثالث فقد اختلفوا في تشخيصه، و ما المراد من هذه العبارة هل المراد أعلى القيم من يوم القبض الى يوم التلف؟ كما نقله المحقق في النافع قولا في المسألة، نسب الى الشيخ في المبسوط أو المراد أعلى القيم من يوم التلف الى حكم الحاكم عليه بالقيمة؟ كما هو قول ابن الجنيد أو المراد أعلى القيم من حين التفريط الى وقت التلف؟ و هو ظاهر العلامة، و اختاره ابن فهد في موجزه، قال: لانه من حين التفريط كالغاصب، و أطلق جماعة من غير إشارة الى هذه الأقوال.

____________

(1) الوسائل الباب- 3 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى.

283

و يضعف القول الأول من هذه الأقوال الثلاثة بأنه غير مضمون قبل التفريط، فلا وجه لاعتبار قيمته، و حمله على الغاصب قياس مع الفارق (1) و يضعف قول ابن الجنيد بأن المطالبة لا دخل لها في ضمان القيمة، بل الضمان ثابت و أن لم يطالب.

أقول: و الأنسب بالقواعد من هذه الأقوال أن يقال: ان قلنا في الغاصب بأن الواجب عليه أعلى القيم، وجب هنا على المرتهن أعلى القيم من حين التفريط الذي صار به كالغاصب الى وقت التلف، و ان قلنا بأن الواجب عليه قيمة يوم التلف فكذا هنا، أعنى الحكم بقيمة يوم التلف إذا كان اختلاف القيم بسبب السوق أو بسبب نقص في العين غير مضمون، أما لو كان مضمونا كما لو فرط فنقصت العين بهزال و نحوه، تعين الأول، و هو أن يعتبر أعلى القيم من حين التفريط الى حين التلف، هذا كله فيما إذا كان الرهن قيميا.

أما لو كان مثليا فإنه يضمن بمثله ان وجد، و الا فقيمة المثل يوم الأداء على الأظهر، لأن الواجب قبل التعذر انما كان المثل، و انما وقع الرجوع الى القيمة بعد تعذره، بخلاف القيمي فإن القيمة استقرت في الذمة من حين التلف قطعا، و انما وقع الاختلاف و الاشتباه في قدرها بسبب الاعتبارات المتقدمة و الله العالم.

المسألة الرابعة- إذا اذن المرتهن للراهن في البيع ثم رجع فاختلفا

، فقال المرتهن رجعت قبل البيع، و بموجبه يكون الرهن باقيا، و البيع باطل، و قال الراهن: انما رجعت بعد البيع فالبيع صحيح، و الرهن باطل.

قيل: القول هنا قول المرتهن، ترجيحا لجانب الوثيقة، بمعنى أن الدعويين متكافئان، و ذلك أن الراهن يدعى تقدم البيع على الرجوع، و الأصل عدمه، و المرتهن يدعى تقدم الرجوع على البيع، و الأصل أيضا عدمه، فقد تعارض الأصلان

____________

(1) فإنه في الغاصب مضمون عليه بمجرد الغصب، بخلاف الرهن فإنه قبل التفريط غير مضمون منه (رحمه الله).

284

فيتساقطان، و يبقى حكم الرهن على العين باقيا، لأن الأصل بقاء الرهن و استصحابه، و به يظهر أن القول قول المرتهن.

و قيل: ان أصالة بقاء الرهن معارض بأصالة بقاء البيع، فان وقوعه معلوم كما ان وقوعه الرهن معلوم فيتعارضان أيضا و يتساقطان و يبقى، مع الراهن ملكية المرتهن، و صحة تصرفه فيه المتفرع على ذلك، «فان الناس مسلطون على أموالهم» فيكون القول حينئذ قول الراهن، و يمكن أن يجاب عنه بأن الرجوع هنا متحقق، و أصالة بقاء البيع لو لم يكن المانع متحققا، و المانع و هو الرجوع هنا موجود.

و بالجملة فالمسألة محل اشكال لعدم النص فيها، و الرجوع الى هذه التعليلات العقلية، سيما مع تعارضها و تدافعها غير جائز عندي، لما دلت عليه الآيات و الروايات من انحصار أدلة الأحكام الشرعية في الكتاب و السنة، و لأصحابنا في هذا الباب فروع أكثروا فيها من البحث، طوينا ذكرها في هذا الكتاب لما ذكرناه و الله العالم بحقائق أحكامه، و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه.

كتاب الشفعة

و عرفها المحقق في الشرائع بأنها استحقاق أحد الشريكين حصة شريكه بسبب انتقالها بالبيع، و اعترضه في المسالك في هذا التعريف، و أطال في ذلك و أجاب عنه المحقق الأردبيلي منتصرا للمحقق بما لا مزيد فائدة في التعرض الى نقله.

و لهذا قال المحقق المذكور في آخر كلامه، و نعم ما قال: ثم إني أظن عدم مناسبة هذه المضايقات في هذه التعريفات اللفظية في الفقه التي المقصود منها التمييز في الجملة، و لكن لما تعرض الشارح لأمثالها أطنبت فيه بما عرفت، فخرجت عن مقصود التعلق بذلك، و لدفع الشبهة عن مثل المحقق و غيره، و الا فظني أن التوجه الى مثلها و التعرض للعبارات غير مناسب، و ليس وظيفة الفقيه، بل ينبغي له ان يبذل جهده في تحقيق المسألة و تحريرها و توضيحها مع الخفاء، و دليلها و إثباتها لا غير انتهى ملخصا. و على ما ذكره «(قدس سره)» قد جرينا في هذا الكتاب كما لا يخفى على

285

من لاحظه في جميع الأبواب.

و كيف كان فالكلام في هذا الكتاب يقع في مقاصد

[المقصد] الأول فيما تثبت فيه الشفعة

، لا خلاف بين الأصحاب كما نقله غير واحد في ثبوتها في العقار الثابت القابل للقسمة كالأراضي و البساتين و المساكن، و انما الخلاف فيما عدا ذلك.

فذهب جملة من المتأخرين و أكثر المتقدمين الى ثبوتها في كل مبيع، منقولا كان أم لا، قابلا للقسمة أم لا، و اليه مال الشهيد في الدروس و نفى عنه البعد، و قيده جماعة بالقابل للقسمة، و حكم بعضهم بثبوتها للمقسوم أيضا، و نقله في المسالك عن ابن أبى عقيل.

و ذهب أكثر المتأخرين إلى اختصاصها بغير المنقول عادة مما يقبل القسمة، و أضاف بعض هؤلاء العبد، دون غيره من المنقولات، و لا بأس بنقل جملة من عبائر المتقدمين.

قال الشيخ في النهاية: كل شيء كان بين الشريكين من ضياع أو عقار أو حيوان أو متاع ثم باع أحدهما نصيبه كان لشريكه المطالبة بالشفعة، ثم قال: و لا شفعة فيما لا يصح قسمته و هو ظاهر في الشفعة في المنقولات القابلة.

و قال في الخلاف: لا شفعة في السفينة و كلما يمكن نقله من الثياب و الحيوان و الجرب و السفن و غير ذلك عند أكثر أصحابنا، و على الظاهر من رواياتهم، و حكى المالك أن الشفعة في كل شيء من الأموال و الثياب و الطعام و الحبوب و الحيوان، و في أصحابنا من قال بذلك، و هو اختيار المرتضى (رحمه الله).

و قال الصدوق في المقنع: لا شفعة في سفينة، و لا طريق، و لا حمام، و لا رحى، و لا نهر، و لا ثوب، و لا في شيء مقسوم، و هي واجبة في كل شيء عدا ذلك من حيوان و أرض و رقيق و عقار، و رواه في الفقيه و قال أبوه؟ الشفعة واجبة في كل شيء من حيوان أو عقار أو رقيق إذا كان الشيء بين شريكين، و ليس في الطريق شفعة، و لا في نهر، و الارحى، و لا في حمام، و لا في ثوب، و لا في شيء مقسوم.

و قال ابن أبى عقيل: لا شفعة في سفينة و لا رقيق.

286

و قال المرتضى مما انفردت به الإمامية إثباتهم حق الشفعة في كل شيء من المبيعات من عقار و ضيعة و متاع و عروض و حيوان، كان ذلك مما يتحمل القسمة أو لا يتحملها، و نقل ذلك عن ابن الجنيد و أبى الصلاح و ابن البراج و ابن إدريس.

قال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال: و المعتمد أنها انما تثبت فيما يصح قسمته خاصة إلا المملوك، و ظاهره ما يصح قسمته منقولا كان أو غير منقول.

و قال المحقق في النافع و في ثبوتها في الحيوان قولان: المروي أنها لا تثبت و من فقهائنا من أثبتها في العبد دون غيره، و الواجب أولا نقل ما وصل إلينا من الاخبار المتعلقة بالمقام ثم النظر فيما يظهر منها من الأحكام.

فمن الاخبار المشار إليها ما رواه

المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) عن عقبة بن خالد (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال قضى رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكن، و قال: لا ضرر و لا ضرار، و قال: إذا أرفت الأرف- و في الفقيه و قال الصادق (عليه السلام): إذا أرفت- و حدت الحدود فلا شفعة».

قال الفيومي في كتاب المصباح المنير: «الأرفة الحد الفاصل بين الأرضين، و الجمع أرف مثل غرفة و غرف» انتهى و حينئذ فالعطف في قوله و حدت الحدود تفسيري.

و ما رواه

في الكافي و التهذيب عن يونس (2) عن بعض رجاله عن أبى عبد الله «(عليه السلام)» و في الفقيه عن أبى عبد الله (عليه السلام) مرسلا «قال: سألته عن الشفعة لمن هي؟ و في أي شيء هي؟ و لمن تصلح و هل تكون في الحيوان شفعة؟ و كيف هي؟

فقال: الشفعة جائزة في كل شيء من حيوان أو أرض أو متاع إذا كان الشيء بين شريكين لا غيرهما فباع أحدهما نصيبه فشريكه أحق به من غيره، و ان زاد على الاثنين فلا شفعة، لأحد منهم».

و زاد في الكافي و روى أيضا: أن الشفعة لا تكون إلا في الأرضين و الدور فقط.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 280 التهذيب ج 7 ص 164 الفقيه ج 3 ص 45.

(2) الكافي ج 5 ص 281 التهذيب ج 7 ص 164 الفقيه ج 3 ص 46.

287

و ما رواه

في الكافي و التهذيب عن السكوني (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا شفعة في سفينة، و لا في نهر، و لا في طريق».

و ما رواه

الصدوق في الفقيه عن السكوني (2) «عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن على (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا شفعة في سفينة، و لا في نهر، و لا في طريق، و لا في رحى، و لا في حمام».

و ما رواه

الشيخ في التهذيب عن سليمان بن خالد (3) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس في الحيوان شفعة».

و عن عبد الله بن سنان (4) بسند صحيح و آخر موثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المملوك يكون بين شركاء فباع أحدهم نصيبه فقال أحدهما: أنا أحق به إله ذلك؟ قال: نعم إذا كان واحدا».

و ما رواه

في التهذيب في الصحيح عن الحلبي (5) «عن أبى عبد الله «(عليه السلام)»: أنه قال في المملوك يكون بين الشركاء فيبيع أحدهم نصيبه فيقول صاحبه: أنا أحق به إله ذلك؟ قال: نعم إذا كان واحدا، قيل له في الحيوان شفعة؟

فقال: لا».

و ما رواه

في الفقيه عن أحمد بن محمد بن أبى نصر عن عبد الله بن سنان (6) قال: «سألته عن مملوك بين شركاء أراد أحدهم بيع نصيبه؟ قال: يبيعه، قلت: فإنهما كانا اثنين فأراد أحدهما بيع نصيبه فلما أقدم على البيع قال له شريكه: أعطني قال:

هو أحق به، ثم قال (عليه السلام) لا شفعة في حيوان الا أن يكون الشريك فيه واحدا».

____________

(1) الكافي ج 5 ص 282.

(2) الفقيه ج 3 ص 46.

(3) التهذيب ج 7 ص 165.

(4) التهذيب ج 7 ص 165.

(5) التهذيب ج 7 ص 166.

(6) الفقيه ج 3 ص 46.

288

و قال في كتاب الفقه الرضوي (1) «و روى أن الشفعة واجبة في كل شيء من الحيوان و العقار و الرقيق إذا كان بين شريكين، فباع أحدهما فالشريك أحق به من الغريب، و إذا كان الشركاء أكثر من اثنين فلا شفعة لواحد منهم

الى أن قال

و روى أنه ليس في الطريق شفعة، و لا في النهر، و لا في رحاء، و لا في حمام، و لا في ثوب، و لا في شيء مقسوم».

انتهى.

هذا ما حضرني من أخبار المسألة و باختلافها كما ترى اختلف كلام الأصحاب و يدل على القول الأول من هذه الاخبار مرسلة يونس المتقدمة، و هو ظاهر الرواية الاولى من الروايتين المنقولتين في كتاب الفقه الرضوي.

الا أن هذا العموم مما ينافيه جملة من أخبار المسألة كالمرسلة المنقولة من الكافي، الدالة على انحصار الشفعة في الأرضين و الدور، و الظاهر ان المراد منها العقار مطلقا، و ما ذكر فيها من الفردين المذكورين انما خرج مخرج التمثيل، و نحوها مفهوم رواية عقبة بن خالد الدالة على الأرضين و المساكن، فإنها و ان لم يكن مثل الاولى صريحة، الا ان ظاهرها ذلك و الاخبار الدالة على نفى الشفعة في السفينة و النهر في الطريق.

و في رواية السكوني و كذا رواية كتاب الفقه اضافة الرحى و الحمام، و هو فتوى الشيخ على بن بابويه كما تقدم، و الظاهر أن مستنده انما هو الكتاب المذكور كما عرفته في غير موضع، و لا سيما في كتب العبادات.

و أما صحيحة الحلبي الدالة على نفى الشفعة في الحيوان يعنى غير الأناسي بقرينة جوازها في العبد و كذا موثقة سليمان بن خالد فيجب تقييدها بما دل عليه رواية ابن سنان من الجواز إذا كان بين شريكين، فيخص النفي بما إذا كان أزيد و بذلك يظهر ضعف القول المذكور.

و يمكن تأييد مرسلة يونس المذكورة بما رواه

في الكافي و التهذيب عن

____________

(1) المستدرك ج 3 ص 148.

289

هارون بن حمزة الغنوي (1)، عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الشفعة في الدور أ شيء واجب للشريك و يعرض على الجار فهو أحق بها من غيره؟ فقال: الشفعة في البيوع إذا كان شريكا فهو أحق بها من غيره بالثمن».

و عن جميل بن دراج (2) عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «الشفعة لكل شريك لم يقاسم».

و أما القول المشهور بين أكثر المتأخرين و هو اختصاصها بغير المنقول عادة مما يقبل القسمة، فقد استدل عليه بأن الأدلة عقلا و نقلا كتابا و سنة مما تدل على عدم جواز التسلط على مال المسلم الا بطيب نفسه منه، و الأخذ بالشفعة مناف لذلك، خرج منه ما وقع عليه الإجماع، و هو ما لا ينقل، و بقي الباقي تحت المنع بالأدلة المتقدمة.

و يؤيده مرسلة الكافي المتقدمة، و ما ورد من نفى الشفعة في الجملة من المعدودات في الاخبار كالسفينة و النهر و نحوهما مما تقدم، و الحيوان في روايتي الحلبي و سليمان بن خالد، و لا ينافي ذلك صريحا إلا مرسلة يونس، و قد حملها بعض محققي متأخري المتأخرين على التقية.

أقول: و مثلها رواية كتاب الفقه فإنه يجب حملها على ذلك أيضا، إلا أنك قد عرفت أن روايتي الحلبي و سليمان بن خالد مخصصان برواية عبد الله بن سنان، فيشكل حينئذ الاستناد إليهما في ذلك، و أما التقييد بقبول القسمة فاستدل عليه بالأخبار الدالة على نفى الشفعة في السفينة و نحوها مما ذكر في رواية السكوني و غيرها.

و أنت خبير بأنه لا دلالة فيها على ذلك، إذ لا تعرض فيها لذكر القسمة و عدمها، و كأنهم بنوا على أن العلة في النفي في هذه الأفراد انما هي من حيث عدم قبول هذه الأشياء القسمة.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 281 و 280 التهذيب ج 7 ص 164.

(2) الكافي ج 5 ص 281 و 280 التهذيب ج 7 ص 164.

290

و فيه أن هذه علة مستنبطة لا يجوز العمل عليها عندنا. نعم يمكن الاستدلال عليه بما في

رواية عقبة بن خالد من قوله (عليه السلام) «إذا رفت الأرف و حدت الحدود فلا شفعة».

و في معناها روايات أخر، فإن ظاهرها أنه لا شفعة إلا فيما يقع فيه الحدود، و تضرب له الطرف و يقع فيه السهام.

و أما القول بثبوتها في المقسوم كما ذهب اليه ابن ابى عقيل، فيرده رواية عقبة بن خالد، و الرواية الثانية من روايتي كتاب الفقه الرضوي، و مرسلة جميل بن دراج المتقدمة هنا،

و رواية محمد بن مسلم (1) «عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: إذا وقعت السهام ارتفعت الشفعة».

و نحوه روايات أخر أعرضنا عن ذكرها فالقول المذكور بمحل من الضعف و القصور.

و أما ما ذكره المحقق في النافع من القول بعدم ثبوتها في الحيوان.

ففيه ما عرفت من أنه و ان دل على ذلك بعض الأخبار الا أن البعض الآخر دل على جوازها مع اتحاد الشريك، فيجب تقييد ما أطلق به.

و كيف كان فالمسألة لا تخلو من الاشكال، و القدر المعلوم جواز الشفعة فيه هو ما وقع عليه الاتفاق مما قدمنا ذكره، و ما عداه فهو محل توقف و اشكال.

نعم يمكن القول بالجواز في العبد، لدلالة جملة من الاخبار عليه، و منها صحيحة عبد الله بن سنان، و صحيحة الحلبي، و رواية عبد الله بن سنان الثانية، و ظاهر جملة من المتأخرين التوقف في المسألة، كشيخنا الشهيد الثاني في المسالك و المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، و المحدث الكاشاني، في المفاتيح، و الفاضل الخراساني في الكفاية، و هو في محله بالنسبة الى ما عدا ما ذكرناه و الله العالم.

تنبيهات

الأول- إذا بيعت الأرض و ما فيها من نخل أو شجر أو أبنية

فالظاهر ثبوت الشفعة

____________

(1) الكافي ج 5 ص 280.

291

في تلك التي في الأرض تبعا لها، بل الظاهر أنه لا اشكال فيه لدخولها في عموم النصوص الدالة على ثبوتها في الرباع و المساكن و الدور، كما تقدم في رواية عقبة بن خالد، و مرسلة الكافي و للرواية الاولى من روايتي كتاب الفقه، و رواية الغنوي.

أما لو بيعت منفردة نازعة عن تلك الأرض أو منضمة إلى أرض أخرى غير ما هي فيها بنى جواز الشفعة فيما على ما تقدم من القول بالعموم في كل مبيع، فتجوز الشفعة فيها.

و على ما قيل: من التخصيص بالأرضين و المساكن و البساتين كما هو المتفق عليه، فإنه لا شفعة فيها، لأنها لا تدخل منفردة في شيء من هذه المذكورات، لان المساكن اسم للمجموع المركب من الأرض و الأبنية التي فيها، و كذا البساتين بالنسبة إلى الشجر، و ضمها الى غير أرضها غير نافع، لعدم الصدق، فلا تكون تابعة لها.

الثاني- هل يثبت الشفعة في الثمرة و ان بيعت على رؤس النخل و الشجر منضمة إليها

قولان: مبنيان على ما تقدم من القول بالعموم في كل مبيع، كما هو قول أكثر المتقدمين، و جملة من المتأخرين، فيثبت الشفعة فيها.

و ما تقدم مما هو المشهور بين المتأخرين من الاختصاص بغير المنقول، و الثمرة في حكم المنقول إذ لا يراد دوامها، و انما له أجل معين ينتظر وصوله فتقطع، و لأنها غير داخلة في مفهوم البستان، و نحوه و من ثم لا يدخل في بيع الأصل بعد الظهور، كما تقدم، فلا يثبت الشفعة فيها، و في معناها الزرع الثابت.

قال الشيخ في الخلاف و المبسوط: إذا باع النخل منضما إلى الأرض و هو مثمر، و شرط الثمرة في البيع (1) كان للشفيع أخذ ذلك أجمع.

قال العلامة في المختلف بعد نقله عنه: و قال بعض فقهائنا: ليس للشفيع

____________

(1) معنى قوله و شرط الثمرة في البيع: أى دخولها لأنها لو شرط بعد الظهور لا تدخل من غير تقدم دخولها في مسمى النخل كما تقدم تحقيقه في موضعه- منه (رحمه الله).

292

أخذ الثمرة، بل يأخذ النخل و الأرض بحصتهما من الثمن، و هو المعتمد، لنا الأصل عدم الأخذ بالشفعة، و لأنا قد بينا أن الشفعة لا تثبت فيما ينقل و يحول، و الثمرة على رؤس النخل من هذا الباب، فلا شفعة فيها، ثم نقل عن الشيخ الاحتجاج بعموم الأخبار المروية في وجوب الشفعة في البيع، و أجاب بأن العام قد يخص بدليل أقوى.

أقول: و قد عرفت الكلام في ذلك، و أن ما نقل عن الشيخ هنا هو مقتضى ما نقل عن السيد المرتضى و من تبعه كما تقدم ذكره، و بالجملة فإنه هو المشهور بين المتقدمين كما عرفت.

الثالث [عدم ثبوت الشفعة في النهر و الطريق و الحمام و نحو ذلك مما تضر قسمته]

- المشهور بين المتأخرين عدم ثبوت الشفعة في النهر و الطريق و الحمام و نحو ذلك مما تضر قسمته، و أنه يشترط في الأخذ بالشفعة كونه مما يقبل القسمة الإجبارية، و لو أضرت به القسمة فلا شفعة، استنادا الى ما تقدم من رواية السكوني، و نحوها رواية فقه الرضا (عليه السلام) قالوا: و ليس المراد من الطريق فيهما و النهر و الحمام ما كان واسعا فيكون المراد ما كان ضيقا.

و ما رواه

الشيخ عن طلحة بن زيد (1) «عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) قال:

لا شفعة إلا لشريك غير مقاسم» (2).

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 167.

(2) أقول: و نحو

رواية طلحة المذكورة- موثقة أبي العباس و عبد الرحمن بن أبى عبد الله «قالا سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الشفعة لا تكون الا لشريك لم يقاسم».

و أنت خبير بأن غاية ما يدل عليه الخبران المذكوران هو أن الشفعة لا يكون بعد القسمة، يعني بالنسبة الى ما يقبل القسمة، و فيه رد على العلامة و القائلين بجواز الشفعة، و ان كان بعد القسمة، كما هو مذهب ابن ابى عقيل، و لا دلالة فيه صريحا و لا ظاهرا على اشتراط قبول القسمة في جواز الشفعة- منه (رحمه الله).

293

قال في المسالك: و لا يخفى عليك ضعف هذه الأدلة، و من ثم ذهب المرتضى و ابن إدريس رحمهما الله، الى عدم اشتراطه، لعموم الأدلة الدالة على ثبوتها من غير تخصيص، و لأن المقتضي لثبوت الشفعة و هو ازالة الضرر عن الشريك قائم في غير المقسوم بل أقوى، لأن المقسوم يمكن التخلص من ضرر الشريك بالقسمة، بخلاف غيره انتهى.

و اقتفاه في ذلك المحدث الكاشاني في المفاتيح، و هو جيد لما عرفت آنفا، فان هذين الخبرين لإجمالهما مضافا الى ضعفهما لا يبلغان قوة في تخصيص ما دل على العموم صريحا، ثم انه بناء على القول المذكور فهل المراد من الضرر الرافع للإجبار عن القسمة هو المبطل لمنفعة المال بالكلية- بمعنى أنه متى قسم خرج عن حد الانتفاع به لضيقه أو لقلة النصيب، أو لأن أجزاءه غير منتفع بها كالأمثلة المذكورة إذا كانت بالغة في الصغر هذا الحد، فلو بقي للسهم بعد القسمة نفع ما، يثبت الشفعة- أو أن المراد بالضرر هو أن ينقص قيمة المقسوم بسبب القسمة نقصا فاحشا- أو أن المراد أن يبطل منفعته المقصودة قبل القسمة، و ان بقيت فيه منافع، كالحمام و الرحى إذا خرجا بالقسمة عن صلاحية الانتفاع بهما في الغسل و الطحن على الوجه الأول؟ احتمالات، سيأتي تحقيق الكلام فيها إنشاء الله تعالى في محله اللائق به ثم أنه يأتي على المعنى الأول من هذه الثلاثة المذكورة أنه لو كان الحمام أو الطريق أو النهر واسعا لا تبطل منفعته بالقسمة أجبر الممتنع من القسمة، و تثبت الشفعة.

المقصد الثاني في الشروط

و هي أمور

الأول- الشركة

، على الأشهر الأظهر، فلو كان مقسوما فلا شفعة، خلافا لابن أبى عقيل كما تقدم نقله عنه، و قد تقدمت جملة من الروايات الدالة على ذلك، و لا تثبت بالجواز عندنا.

نعم قد اتفق النص و الفتوى عن استثناء صورة واحدة، و هي ما إذا كانت دار فيها دور مقسومة لكل طرف مالك على حده، و طريق الجميع واحدة، فباع أحد

294

المالكين منزله و ما يخصه من الطريق، فإن الشفعة حينئذ تثبت في مجموع المبيع و ان كان بعضه غير مشترك، فلو انفردت الدار بالبيع، دون الطريق فلا شفعة، و لو بيعت الطريق خاصة تثبت الشفعة إذا كانت الطريق واسعة، بناء على اشتراط قبول القسمة.

و الذي وقفت عليه مما يتعلق بهذا الحكم من الاخبار ما رواه

الكليني عن منصور بن حازم (1) في الحسن قال: «قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): دار بين قوم اقتسموها فأخذ كل واحد منهم قطعة، فبناها و تركوا بينهم ساحة فيها ممرهم، فجاء رجل فاشترى نصيب بعضهم إله ذلك؟ قال: نعم و لكن يسد بابه، و يفتح بابا الى الطريق، أو ينزل من فوق البيت و يسد بابه، فإن أراد صاحب الطريق بيعه، فإنهم أحق به، و الا فهو طريقه يجيء حتى يجلس على ذلك الباب».

و عد هذه الرواية في الصحيح جملة من الأصحاب أولهم العلامة في التذكرة و تبعه جمع ممن تأخر عنه منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك.

و فيه أن في سندها الكاهلي و هو غير موثق. نعم هو ممدوح، فحديثه في الحسن، لا الصحيح، و

رواه الشيخ عن منصور في الموثق مثله، الا أنه قال:

«أو ينزل من فوق البيت، فإن أراد شريكهم أن يبيع منقل قدميه فإنهم أحق به، و ان أراد يجيء حتى يقعد على الباب المسدود الذي باعه لم يكن لهم أن يمنعوه».

و ما رواه

في الكافي عن منصور بن حازم (2) في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن دار فيها دور و طريقهم واحد في عرصة الدار، فباع بعضهم منزله من رجل هل لشركائه في الطريق أن يأخذوا بالشفعة؟

فقال: ان كان باع الدار و حول بابها الى طريق غير ذلك فلا شفعة لهم، و ان باع الطريق مع الدار فلهم الشفعة».

و رواه الشيخ مثله.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 281 التهذيب ج 7 ص 167.

(2) الكافي ج 5 ص 280 التهذيب ج 7 ص 165.

295

و أنت خبير بأن الرواية الاولى لا دلالة لها على محل البحث، لأنها انما تضمنت التفصيل بين بيع الدار دون حصة من الساحة- و هي الطريق، و قد حكم (عليه السلام) بأن المشتري يسد بابه الشارع إلى المساحة و يفتح له بابا الى الطريق، أو ينزل من فوق البيت لعدم استحقاقه المرور من تلك الساحة، حيث أنها غير داخلة في البيع، و لا شفعة هنا لعدم الشركة- و بين بيع حصته من الساحة خاصة التي هي الممر، و للشركاء حينئذ الشفعة من حيث الشركة- فيها، دون الدار، لانه لم يبعها معها فلا شفعة فيها، و ان لم يبع حصته من تلك الطريق بعد بيعه الدار فله المجيء و السلوك فيها الى أن ينتهي الى ذلك الباب المسدود، و لا تعرض في الرواية لبيع الدار مع الطريق، كما هو موضوع المسألة.

و اما الثانية- فهي صريحة في ذلك حيث قال: «و ان باع الطريق مع الدار فلهم الشفعة» و قد عد العلامة في التذكرة و غيره الرواية الأولى دليلا للمسألة المذكورة.

و يمكن أن يكون منشأ توهمهم ذلك حمل قوله فيها برواية الكافي «فإن أراد صاحب الطريق بيعه» على معنى بيع الطريق مع الدار، و هو غلط، فإن العبارة ظاهرة بل صريحة في كون البيع، انما وقع على الطريق خاصة. و أصرح منها قوله في رواية الشيخ «و ان أراد شريكهم أن يبيع منقل قدميه فهم أحق به» و يؤيده أيضا قوله بعد هذه العبارة «و الا فهو طريقه» كما في الكافي و قوله «و ان أراد يجيء» الى آخره كما في رواية التهذيب، فإنه ظاهر في انه قد باع الدار أولا.

و هذا الكلام في الطريق خاصة بعد بيعه الدار، و أنه ان باع حصته منها فللشريك فيها الشفعة، و الا فالطريق له يجيء و يمضى منه الى أن ينتهي الى باب الدار المسدود، هذا ظاهر الخبرين كما هو رأى العين.

و قال في كتاب الفقه الرضوي (1) «فإذا كانت دار فيها دور و طريق أبوابها في عرصة واحدة، فباع رجل داره منها من رجل كان لصاحب الدار الأخرى شفعة،

____________

(1) المستدرك ج 3 ص 147.

296

إذا لم يتهيأ له أن يحول باب الدار التي اشتراها الى موضع آخر، فان حول بابها فلا شفعة لأحد عليه».

انتهى.

و الظاهر أن قوله: «إذا لم يتهيأ له أن يحول» الى آخره كناية عن دخول الطريق في البيع و عدمه، بمعنى أنه ان باع الدار وحدها من غير دخول الطريق معها، فلا شفعة لما عرفت من عدم موجب الشفعة، و ان أدخل الطريق في البيع لعدم إمكان طريق له غير ذلك فله الشفعة في الجميع.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه على أمور

الأول

لا يخفى أن مورد الخبرين المذكورين انما هو الطريق كما عرفت، و الأصحاب قد أضافوا إليها الشرب، و هو النهر الذي يجري فيه الماء إلى الأرض المقسومة، بمعنى أن الأرض مقسومة، و النهر مشترك، فلو باع أحد الشريكين حصته من الأرض مع حصته من النهر، فللشريك الأخر الشفعة و لا يخفى ما فيه، فان الحكم على خلاف أصولهم المقررة، و الروايات المعتبرة من عدم جواز الشفعة في المقسوم مؤيدا بأصالة عدم التسلط على مال الغير، فالواجب الوقوف فيما خالف ذلك على مورد النص، كما قرروه في غير مقام.

الثاني

- إطلاق الرواية الاولى من الروايتين المذكورتين يدل على جواز الشفعة في الطريق، متى بيعت وحدها، سواء كانت قابلة للقسمة أم لا، و المشهور بين المتأخرين اعتبار قبولها ذلك، أما في صورة بيعها مع الدار كما هو موضوع المسألة فالظاهر من كلامهم عدم اشتراط ذلك، نظرا الى أن الطريق تابعة، و المبيع حقيقة انما هو الدار، فيكفي قبولها للقسمة.

الثالث

- هل يشترط في جواز الشفعة في هذه المسألة كون الدور مقسومة بعد الشركة أو لا؟ أو يكفي كونها منفردة من أصلها، و كل منها على حدة من غير تقدم شركة و ان اشتركت في الطريق؟ فعلى هذا يجوز الشفعة فيها أعم من أن يكون مشتركة في الأصل، أم لا؟ قولان: و بالثاني صرح العلامة في التذكرة، و هو اختياره في المسالك.

و عليه تدل ظاهر الرواية الثانية، حيث أن السؤال فيها عن دار فيها دور، و هو أعم

297

من كونها مقسومة بعد الاشتراك أم لا، و بالأول صرح المحقق في الشرائع، و غيره في غيره.

قال في المسالك بعد نقله الثاني عن التذكرة: و هو الظاهر، لان هذا مستثنى من اعتبار الشركة، و يكتفى فيه بالشركة في الطريق، و لان زوال الشركة بالقسمة قبل البيع يلحقها بالجواز، فلا وجه لاعتبارها.

و يظهر من عبارة المصنف و جماعة- حيث فرضوا الحكم في الأرض المقسومة مع الاشتراك في الطريق- اعتبار الشركة في الأصل، و احتج له بأن ضم غير المشفوع الى المشفوع لا يوجب ثبوت الشفعة في غير المشفوع اتفاقا، و المبيع الذي لا شركة فيه في الحال و لا في الأصل، ليس من متعلقات الشفعة، إذ لو بيع وحده لم يثبت فيه شفعة بحال، و إثباتها لا يكون الا بمحض الجوار، و إذا ضم الى المشترك وجب أن يكون الحكم كذلك، و لعموم

قوله (عليه السلام) «لا شفعة إلا لشريك مقاسم».

و لا شريك هنا لا في الحال، و لا في الأصل،

و لرواية أبي العباس (1) «الشفعة لا تكون الا لشريك».

و غير ذلك مما في معناه.

و لا يخفى عليك ضعف هذا الاحتجاج، لان هذه الصورة مستثناة من اشتراط الشركة بالنص و الإجماع، فلا يقدح فيها ما دل على اشتراط الشركة، و لا على نفى الشفعة بضميمة غير المشفوع اليه، من أن المقسوم خرج عن تعلق الشفعة عندهم، فضميمته كضميمة غيره لولا الطريق المشتركة، و لان مدلول هذه الروايات اعتبار الشركة بالفعل، و هو منتف مع القسمة، و لو أريد منها ما يعم السابقة لزم ثبوتها في المقسوم، و ان لم يكن له شركة في الطريق.

و أما معارضة رواية منصور الصحيحة و الحسنة بتلك الأخبار- الدالة على اعتبار الشركة، و ترجيح تلك بالكثرة، و موافقتها للأصل- فعجيب، لان مدلولها على تقدير قطع النظر عن سندها اعتبار الشركة بالفعل كما ذكرناه، و روايات منصور دلت على الاكتفاء بالشركة في الطريق، فهي خاصة، و تلك عامة، فيجمع

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 165.

298

بينهما بتخصيص العام بما عدا ذلك انتهى.

و هو جيد وجيه، الا أن في اعتضاده بروايات منصور ما عرفته آنفا من أن ذلك انما هو مدلول إحديهما دون الأخرى.

الرابع

- ظاهر روايتي منصور المتقدمتين مع اعتبار إسناديهما كما عرفت جواز الشفعة مع تعدد الشركاء، و هو خلاف فتوى جمهور الأصحاب، و خلاف ما دل عليه غيرهما من الاخبار، الا أن ظاهر كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه كون الشريك متحدا، و سيجيء الكلام في هذه المسألة إنشاء الله تعالى في المقام،

الخامس

- قالوا: لو باع عرصة مقسومة و شقصا من أخرى، فالشفعة في صفقة الشقص خاصة بحصته من الثمن، و الوجه فيه ظاهر، لان المقسوم لا شفعة فيه كما تقدم، و ليس هذا من قبيل الصورة المتقدمة المستثناة من هذه القاعدة، و أما الشقص فالعلة الموجبة للشفعة موجودة فيه، و هي الشركة، فيعطى كل واحد حكمه، و لا يقدح في ذلك كونه بيعا واحدا لصدق البيع على كل واحد بانفراده أيضا.

و من هذا الباب لو باع البستان بثمره و الأرض بزرعها، بناء على ما هو المشهور بين المتأخرين من عدم الشفعة في الثمرة و الزرع، لكونهما مما ينقل، و الشفعة مخصوصة بما لا ينقل عندهم كما تقدم ذكره.

فعلى هذا تثبت الشفعة في غير الثمرة و الزرع بحصته من الثمن، بأن ينسب قيمة المشفوع فيه منفردا إلى قيمة المجموع، فحصته من الثمن بتلك النسبة، فإذا قيل:

قيمة المجموع مأة، و قيمة ما عدا الثمرة و الزرع ثمانون، أخذ الشفيع المشفوع بأربعة أخماس الثمن كائنا ما كان.

الثاني [انتقال الشقص بالبيع خاصة]

من الشرائط المتقدم ذكرها- انتقال الشقص بالبيع خاصة، فلو جعله صداقا أو صدقة أو هبة أو صالح عليه فلا شفعة على الأشهر الأظهر، بل كاد يكون إجماعا، و خالف فيه ابن الجنيد، فأثبت الشفعة في مجرد النقل حتى الهبة بعوض و غيرها.

قال على ما نقله عنه في المختلف: إذا زال ملك الشريك عنه بهبة منه بعوض شرط يعوضه إياه، أو غير عوض كانت للشفيع شفعة فيه، فان حبس ملكه أو أسكنه لم يكن للشفيع

299

شفعة، ثم نقل عنه أنه احتج بأن الحكمة الباعثة لإيجاب الشفعة في صورة البيع موجودة في غيره من عقود المعاوضات، و لا اعتبار بخصوصيات العقود في ذلك في نظر الشارع، فاما أن يثبت الحكم في الجميع، أو ينتفي عن الجميع، فإثباته في البعض دون البعض ترجيح من غير مرجح.

ثم أجاب عنه بأن الحكمة لا يجوز التعليل بها، لعدم انضباطها فلا بد من ضابط، و لما رأينا صور ثبوت الشفعة موجود فيها مطلق البيع، جعلناه ضابطا للمناسبة و الاقتران، على أن القياس عندنا باطل انتهى.

و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الميل الى ما ذهب اليه ابن الجنيد هنا، حيث قال بعد ذكر المصنف الحكم المذكور: هذا هو المشهور بين الأصحاب، بل كاد يكون إجماعا، و ليس عليه دليل صريح، و انما تضمنت الروايات ذكر البيع، و هو لا ينافي ثبوتها بغيره.

و من ثم خالف ابن الجنيد، فأثبتها لمطلق النقل، حتى بالهبة بعوض و غيره لما أشرنا إليه من عدم دليل يقتضي التخصيص، و اشتراك الجميع في الحكمة الباعثة على إثبات الشفعة، و هو دفع الضرر عن الشريك، و لو خصها بعقود المعاوضات كما تقوله العامة كان أبعد، لأن أخذ الشفيع للموهوب بغير عوض بعيد، و به خارج عن مقتضى الأخذ انتهى.

أقول: لا يخفى أن مقتضى الدليل العقلي و النقلي كتابا و سنة و الإجماع هو عدم جواز التصرف في مال الغير إلا بإذن منه، و الشفعة قد خرجت على خلاف مقتضى هذه الأدلة المتفق عليها و على قوتها و الاعتماد عليها، و حينئذ فلا بد في كل فرد ادعى فيه جواز الشفعة من دليل واضح من الكتاب أو السنة أو الإجماع الذي يعتمدونه، ليمكن الخروج به عما اقتضته هذه الأدلة المذكورة.

و غاية ما وجد في الاخبار بالنسبة الى هذه المسألة هو جواز الشفعة بالانتقال بالبيع خاصة، و مدعى الجواز في الانتقال بغيره عليه الدليل، ليخرج عن عموم تلك الأدلة القاطعة المانعة من جواز التصرف في مال الغير إلا باذنه،

300

و بذلك يظهر لك في ما كلام شيخنا المذكور من القصور، حيث أنه أنما مال الى مذهب ابن الجنيد، لعدم الدليل على التخصيص بالبيع، و مجرد ورود الروايات بالبيع لا يقتضي التخصيص به، و غفل عن أن الشفعة إنما خرجت على خلاف الأصول المقررة، و القواعد المعتبرة كتابا و سنة و إجماعا، فيجب الاقتصار في ثبوتها على موارد الأدلة كما قرروه في غير مقام.

و التمويه هنا بهذه الحكمة التي يدعونها لم نقف عليه في خبر من الاخبار، و انما استنبطوها من أخبار الشفعة الواردة في البيوع، و على تقدير حكم الشارع بالشفعة في البيع لدفع الضرر عن الشريك، فالتعدية الى غير البيع قياس محض، لان هذه العلة مخصوصة بصورة البيع، و حمل غيره عليه قياس محض، إذ يمكن أن يكون للبيع خصوصية في ذلك لا نعلمها، فكيف يمكن التعدية بمجرد ذلك.

و بالجملة فإن التمسك بذلك في مقابلة ما ذكرنا من الأدلة القاطعة و البراهين الساطعة مجازفة محضة هذا.

و أما الاخبار الدالة على ما هو المشهور و المؤيد المنصور فمنها ما رواه

الشيخ في التهذيب عن أبى بصير (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) «قال سألته عن رجل تزوج امرأة على بيت في دار له، و له في تلك الدار شركاء قال: جائز له و لها، و لا شفعة لأحد من الشركاء عليها».

و وصف هذه الرواية في المسالك بالصحة، مع أن أبا بصير فيها مشترك، و لا قرينة تعين كونه المرادي الثقة، و من قاعدتهم عدها في الضعيف، و هي واضحة في رفع ما ادعوه من الحكمة الموجبة للعموم في جميع الانتقالات، و منها

رواية الغنوي المتقدمة في المقصد الأول (2) و قوله فيها «الشفعة في البيوع إذا كان شريكا فيها فهو أحق بها من غيره بالثمن».

و منها

مرسلة يونس المتقدمة ثمة أيضا و فيها «الشفعة جائزة في كل شيء من

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 167.

(2) ص 289.

301

حيوان أو أرض أو متاع إذا كان الشيء بين شريكين لا غير، فباع أحدهما نصيبه» الحديث.

و منها روايتا منصور بن حازم المتقدمتان في الشرط الأول من هذا المقصد (1) فان موردهما البيع، الى غير ذلك من الاخبار.

الثالث [أن لا يكون الشريك أكثر من واحد]

من الشروط المعتبرة في الشفعة: أن لا يكون الشريك أكثر من واحد على المشهور، و اليه ذهب الشيخان و المرتضى و أتباعهم، حتى ادعى ابن إدريس عليه الإجماع، و نقل في المختلف عن الشيخين، و على بن بابويه، و السيد المرتضى و سلار، و أبى الصلاح، و ابن البراج، و ابن حمزة، و الطبرسي، و ابن زهرة، و قطب الدين الكيدري، و ابن إدريس، و نقله في المختلف أيضا عن والده.

و الصدوق في المقنع وافق المشهور، و نسب ثبوتها مع الكثرة إلى الرواية و في الفقيه ذهب الى ثبوتها مع الكثرة في غير الحيوان، فإنه روى فيه رواية طلحة بن زيد (2) الدالة على ثبوت الشفعة على عدد الرجال، ثم قال بعد نقل روايات في البين (3):

«و سئل الصادق (عليه السلام) عن الشفعة لمن هي و في أي شيء هي؟

و هل تكون في الحيوان شفعة؟ قال: الشفعة واجبة في كل شيء من حيوان أو أرض أو متاع إذا كان الشيء بين شريكين لا غيرهما فباع أحدهما نصيبه، فشريكه أحق به من غيره، فإذا زاد على الاثنين فلا شفعة لأحد منهم».

ثم قال: قال المصنف هذا الكتاب: يعنى بذلك الشفعة في الحيوان وحده فاما في غير الحيوان فالشفعة واجبة للشركاء، و ان كان أكثر من اثنين، و تصديق ذلك ما رواه

أحمد بن محمد بن ابى نصر عن عبد الله بن سنان (4) قال: «سألته عن مملوك».

ثم ساقه كما سنذكره هنا إنشاء الله تعالى.

و ذهب ابن الجنيد الى ثبوتها مع الكثرة مطلقا، و قواه العلامة في المختلف بعد ذهابه الى المشهور، و خطأ ابن إدريس في دعواه الإجماع، و نقل المحقق

____________

(1) ص 294.

(2) الفقيه ج 3 ص 45.

(3) الفقيه ج 3 ص 46.

(4) الفقيه ج 3 ص 46.

302

قولا بثبوتها مع الكثرة في غير العبد.

أقول: و الأصل في هذا الخلاف اختلاف الاخبار في هذه المسألة فمما يدل على القول المشهور ما رواه

في الكافي و التهذيب عن عبد الله بن سنان (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تكون الشفعة إلا لشريكين ما لم يتقاسما، و إذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة».

و عد هذه الرواية في المسالك صحيحة، مع أن في سندها محمد بن عيسى عن يونس، و هو يعد هذا السند دائما في الضعيف، فوصفه هنا بالصحة غفلة منه (قدس سره).

و منها

مرسلة يونس (2) المتقدمة و هي التي ذكرها الصدوق هنا مرسلة عنه (عليه السلام) «و فيها و الشفعة جائزة في كل شيء من حيوان أو أرض أو متاع إذا كان الشيء بين شريكين لا غير، فباع أحدهما نصيبه فشريكه أحق به من غيره، فإذا زاد على الاثنين فلا شفعة لهم».

و ما رواه

في التهذيب عن عبد الله بن سنان (3) في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المملوك يكون بين شركاء فباع أحدهم نصيبه، فقال أحدهما:

أنا أحق به إله ذلك؟ قال: نعم إذا كان واحدا».

و منها ما رواه

في الفقيه في الصحيح عن البزنطي عن عبد الله بن سنان (4) قال: «سألته عن مملوك بين شركاء أراد أحدهم بيع نصيبه قال: يبيعه، قلت: فإنهما كانا اثنين فأراد أحدهما بيع نصيبه فلما أقدم على البيع قال له شريكه: أعطني قال: أحق به، ثم قال (عليه السلام): لا شفعة في حيوان الا أن يكون الشريك فيه واحدا».

____________

(1) الكافي ج 5 ص 281 التهذيب ج 7 ص 164 و اخرج الأخير الفقيه ج 3 ص 46.

(2) الكافي ج 5 ص 281 التهذيب ج 7 ص 164 و اخرج الأخير الفقيه ج 3 ص 46.

(3) التهذيب ج 7 ص 166.

(4) الفقيه ج 3 ص 46.

303

و ما رواه

في الكافي و التهذيب في الصحيح و الحسن أو الصحيح عن الحلبي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في المملوك يكون بين الشركاء فيبيع أحدهم نصيبه فيقول صاحبه: أنا أحق به إله ذلك، قال: نعم إذا كان واحدا، قيل له: في الحيوان شفعة؟ قال: لا».

و في كتاب الفقه الرضوي (2) قال (عليه السلام): «و روى أن الشفعة واجبة في كل شيء من الحيوان أو العقار و الرقيق إذا كان الشيء بين شريكين فباع أحدهما فالشريك أحق به من الغريب، و إذا كان الشركاء أكثر من اثنين فلا شفعة لواحد منهم».

و أما ما يدل على الشفعة مع الكثرة فمنه ما رواه

في التهذيب و الفقيه عن السكوني (3) «عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن على (عليه السلام) قال: الشفعة على عدد الرجال».

و ما رواه

في الفقيه عن طلحة بن زيد (4) «عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهم السلام) قال: قال على (عليه السلام): الشفعة على عدد الرجال».

هذا ما حضرني من روايات هذا الحكم، و الشيخ قد حمل الروايتين الأخيرتين على التقية، قال، لموافقتهما بعض العامة و هو جيد، و يؤيده أن رواتهما من رجال العامة، و أنت خبير بأنه مع قطع النظر عن ذلك، فان هاتين الروايتين لا يبلغ قوة في معارضة الأخبار المتقدمة، و من قواعدهم أنهم لا يجمعون بين الاخبار الا مع المعارضة، و الا فإنهم يطرحون المرجوح منها.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 210 التهذيب ج 7 ص 166 الصحيح في رواية التهذيب و الحسن أو الصحيح في رواية الكافي باعتبار إبراهيم ابن هاشم- منه (رحمه الله).

(2) المستدرك ج 3 ص 148.

(3) التهذيب ج 7 ص 166 الفقيه ج 3 ص 45.

(4) الفقيه ج 3 ص 45.

304

و أما جمع الصدوق في الفقيه بينها بحمل الأخبار الدالة على التخصيص بالاثنين على الحيوان خاصة، و جواز الشفعة مع الكثرة في غيره.

فيرده تصريح جملة من الاخبار الدالة على اشتراط كونها اثنين في غير الحيوان، مثل مرسلة يونس، و رواية كتاب الفقه الرضوي، و هو معتمد عليه عنده، و قد أكثر الإفتاء بعبائره في كتابه كما قدمنا ذكره، سيما في كتب العبادات.

و أما قوله في ما تقدم نقله عنه بعد إيراد مضمون مرسلة يونس: يعنى بذلك الشفعة في الحيوان وحده» فهو عجيب من مثله (قدس سره) فان سياق كلامه (عليه السلام) أن الشفعة واجبة في كل شيء من حيوان أو أرض أو متاع بشرط أن يكون ذلك الشيء بين اثنين لا أزيد، فأي مجال هنا للتخصيص بالحيوان كما زعمه، على أن المتبادر من الحيوان في هذه الروايات انما هو الحيوان الغير الأناسي، كما هو صريح صحيحة الحلبي، حيث صرح فيها باشتراط الاثنينية في المملوك، و أنه لا يجوز الشفعة فيه الا بذلك، ثم نفى الشفعة عن الحيوان، و حينئذ فيكون الروايات الدالة على اشتراط الاثنينية في العبد مخالفة لما ذكره.

و بالجملة فالأظهر عندي هو القول المشهور، و حمل خبري السكوني و طلحة بن زيد على التقية. نعم ربما أوهم الدلالة على هذا القول روايتا منصور بن حازم المتقدمتان، مع اعتبار إسناديهما كما أشرنا إليه آنفا.

و مثلهما

رواية عقبة بن خالد (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قضى رسول الله (صلى الله عليه و آله)، بالشفعة بين الشركاء».

و توجيه الاستدلال بهذه الأخبار بأنها وردت بلفظ الجمع في الشركاء، و أقله ثلاثة، و كذا لفظ القوم في إحدى روايتي منصور بن حازم و أجاب الشهيد في الدروس عن روايتي منصور بالحمل على التقية، قال: لموافقتهما لمذهب العامة، و هو جيد.

و يمكن الجواب أيضا بحمل الجمع على الاثنين، فإنه و ان كان مجازا على

____________

(1) الكافي ج 5 ص 280.

305

المشهور بين الأصوليين، الا أنه لا بأس به في مقام الجمع بين الاخبار، و اليه يميل كلام المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، و نقله أيضا عن الاستبصار، قال: فإنه يصح إطلاق الجمع على الاثنين بل على الواحد، كالقوم، و ان كان مجازا، لجمع بين الأدلة، ثم ذكر الحمل على التقية أيضا.

أقول: و يؤيده ما قدمنا نقله عن كتاب الفقه الرضوي، حيث أن ظاهر عبارته كون الشريك في هذه الصورة المفروضة في هذا الخبرين واحدا، كما قدمنا الإشارة إليه.

ثم أقول: لا يخفى أن ما قدمناه في سابق هذا الشرط من التحقيق، و أن الأصل- بمقتضى الأدلة العقلية و النقلية كتابا و سنة و الإجماع- هو عدم جواز الشفعة التي هي عبارة عن التصرف في مال الغير بغير اذنه، فيتوقف الخروج عن هذا الأصل الأصيل على دليل واضح صريح صحيح في جواز الشفعة، و الذي دلت عليه الاخبار المعتمدة بصريحها هو التخصيص بصورة ما إذا كانا اثنين خاصة.

و ما دل على أكثر، لتطرق الاحتمال اليه بالحمل على التقية التي هي في اختلاف الأحكام الشرعية أصل كل بلية، و احتمال الحمل على التجوز الذي هو باب واسع في الآيات و الروايات، و كلام البلغاء لا يمكن الخروج به عن ذلك الأصل المشار اليه.

و ما ادعاه في المسالك- من أن روايات هذا القول أكثر و أوضح دلالة و أن رواية منصور أصح طريقا- ففيه أنه لم يورد من روايات القول المشهور إلا رواية عبد الله بن سنان- التي قدمنا النقل عنه أنه وصفها بالصحة- و مرسلة يونس، و الحال كما عرفت أن دليل القول المشهور هو جملة الروايات التي قدمناها، و هي أكثر عدوا و أصرح دلالة، و فيها جملة من الصحاح، و ما ذكره من صحة صحيحة منصور مسلم، لكنها غير صريحة، لما عرفت من تطرق الاحتمالات إليها، بخلاف تلك الروايات.

و كيف كان فإنه ينبغي أن يستثني المملوك من محل الخلاف، لما تضمنه

306

جملة من الاخبار الصحيحة الصريحة في اشتراط وحدة الشريك في صحة الشفعة فيه، و يجعل محل الخلاف فيما عداه، و به يظهر قوة القول الذي نقله المحقق كما قدمنا ذكره في جملة أقوال المسألة: و الله العالم.

تنبيه:

قال في المسالك- بعد تمام البحث في المسألة المذكورة-: إذا عرفت ذلك فقد اختلف القائلون بثبوتها مع الكثرة، هل هي على عدد الرؤوس، أو على قدر السهام، صرح الصدوق بالأول، و نقله الشيخ عنهم مطلقا، و قال ابن الجنيد: الشفعة على قدر السهام من الشركة، و لو حكم بها على عدد الشفعاء جاز، و يدل على الأول

رواية طلحة بن زيد «أن عليا (عليه السلام) قال: الشفعة تثبت على عدد الرجال».

أقول: و مثلها رواية السكوني أيضا كما تقدم، و به يظهر رجحان هذا القول على تقدير العمل بروايات الكثرة، إلا أنك قد عرفت حمل الخبرين المذكورين على التقية، و الكلام في هذا الفرع لا محصل له على ما اخترناه.

الرابع [أن يكون مما يمكن قسمته]

- ما ذكره جملة من المتأخرين كالعلامة في الإرشاد من أن من شروط الشفعة أن يكون مما يمكن قسمته، و نقل عنه في التذكرة أن هذا شرط عند أكثر علمائنا.

أقول: قد عرفت في صدر المقصد الأول الخلاف في هذا المقام، و أن المشهور بين المتقدمين و جملة من المتأخرين هو ثبوتها في كل مبيع منقول أو غيره قابل للقسمة أم لا، فلعل ما نقل عن التذكرة من نسبة هذا القول الى أكثر علمائنا يعنى المعاصرين له، و الا فإن ابن إدريس و من تقدم كما تقدم ذكره انما هم على خلاف ذلك، و شهرة هذا القول بين المتأخرين كما تقدم نقله عنهم انما وقع بعد العلامة.

و بالجملة فإن نسبته الى أكثر علمائنا لا يخلو من الاشكال لما عرفت، و تحقيق الكلام في هذا الشرط قد تقدم في المقصد الأول (1).

____________

(1) ص 299.

307

المقصد الثالث في الشفيع

قالوا: و هو كل شريك بحصة مشاعة قادر على الثمن، و يشترط فيه الإسلام إذا كان المشترى مسلما.

أقول. و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع

الأول [اشتراط الشركة بحصة مشاعة]

- قد عرفت في الشرط الأول من المقصد الثاني أن من شروط الشفعة الشركة بحصة مشاعة، فلا شفعة فيما قسم، و لا في الجوار الا فيما تقدم من صورة الاشتراك في الطريق، كما تقدم تحقيقه.

الثاني [المراد بالقادر على الثمن]

- قالوا: المراد بالقادر على الثمن ما يشمل القدرة بالفعل أو القوة، ليدخل فيه الفقير القادر على دفعه و لو بالاقتراض، و استشكلوا في المماطل و الهارب، لصدق القدرة عليهما بالفعل، فضلا عن القوة، فتصح الشفعة بناء على ذلك الحكم، الا ان اللازم من ذلك الضرر على المشترى، و الظاهر كما استظهره المحقق الأردبيلي عدم صدقه عليهما، لأنهما في قوة العاجز عن الثمن بل أقبح، و من هنا قالوا: لو ماطل القادر على الأداء بطلت الشفعة، قالوا: و لو ادعى غيبة الثمن فان ذكر أنه ببلده، أخر ثلاثة أيام من وقت حضوره للأخذ، و ان ذكر أنه ببلد آخر أجل بمقدار ذهابه اليه و أخذه و عوده و ثلاثة أيام.

و الذي وقفت عليه من الاخبار هنا ما رواه

الشيخ في التهذيب عن على بن مهزيار (1) في الحسن قال: «سألت أبا جعفر الثاني (عليه السلام) عن رجل طلب شفعة أرض فذهب على أن يحضر المال فلم ينض، فكيف يصنع صاحب الأرض ان أراد بيعها أ يبيعها أو ينتظر مجيء شريكه صاحب الشفعة؟ قال: ان كان معه في المصر فلينتظر به ثلاثة أيام، فإن أتاه بالمال و الا فليبع و بطلت شفعته في الأرض، و ان طلب الأجل لي أن يحمل المال من بلد الى بلد آخر فلينتظر به مقدار ما يسافر الرجل الى تلك البلدة و ينصرف، و زيادة ثلاثة أيام إذا قدم، فان وافاه و إلا فلا شفعة له».

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 167.

308

و أنت خبير بأن مورد الرواية المذكورة انما هو الشفعة قبل البيع، و أن الذي ينتظر الشريك الذي يريد أن يبيع لا المشترى، و الأصحاب قد استدلوا بها على الشفعة بعده، و لعلهم قاسوا حال المشترى على البائع، و هو مشكل، و أيضا فظاهر الخبر الجواز، أعم من أن يكون في ذلك ضرر أم لا، و هم قد قيدوا الجواز بعدم الضرر، و كأنهم قيدوا الخبر بذلك، لأنه منفي بالعقل و النقل و حينئذ فلو كان البلد بعيدا جدا و يتضرر بالتأخير فلا شفعة، و ما ذكره المحقق الأردبيلي (قدس سره) من المناقشة هنا الظاهر ضعفه (1).

الثالث [الشفعة في ذوات القيم]

لا خلاف بين الأصحاب كما نقله في المختلف في الثمن إذا كان من ذوات الأمثال تثبت الشفعة، إنما الخلاف فيما إذا كان من ذوات القيم، فذهب الشيخ في الخلاف الى بطلان الشفعة، و نقله في المبسوط عن بعض أصحابنا، و هو منقول أيضا عن الطبرسي و ابن حمزة، و اختاره العلامة في المختلف (2).

____________

(1) حيث قال: و ظاهر الرواية غير مقيد بعدم الضرر فكأنهم قيدوا بعدم الضرر، لأنه منفي بالعقل و النقل، لكنه غير ظاهر، لأنا نجد وقوعه في الشرع كثيرا فليس له ضابط واضح خصوصا مع وجود النص. انتهى، و فيه أن ما ادعاه عن وقوعه في الشرع كثيرا في محل المنع، و مع تسليمه فيجب الاقتصار به على موضعه، و يخص به الدليل العقلي و النقلي الدال على عدم جوازه. و ما أطلق من هذه الرواية و نحوها يجب تخصيصها بالأدلة المذكورة كما هو مقتضى القواعد المقررة، و بالجملة، فإن مناقشته بمحل من الضعف و النظر- منه (رحمه الله).

(2) أقول: و يؤيد القول بالبطلان أن الشفعة انما يكون بمثل الثمن، و الثمن هنا ليس من ذوات الأمثال، و القائلون بالجواز انما يوجبون القيمة وقت العقد، و هي ليست مثل الثمن و المثمن، و يشير الى ذلك أيضا رواية الغنوي المتقدمة في المقصد الأول، و قوله فيها فهو أحق بها من غيره بالثمن، و هو انما يتحقق بالمثل، لان الحمل على الثمن الحقيقي متعذر فيصار حينئذ إلى أقرب المجازات و هو المثل و المحقق في النافع بعد أن اختار جواز الشفعة نسب القول بسقوط الشفعة إلى رواية فيها احتمال، و قال بعض الأصحاب في الاحتمال المذكور قصر الرواية على موردها و لا يخفى ما فيه من البعد سيما مع اعتضاد الرواية المذكور بما ذكرناه في الأصل منه (رحمه الله).

309

و قال الشيخ: بصحة الشفعة، و أنه يأخذ بقيمته، و به قال المفيد، و أبو الصلاح و ابن إدريس، و المحقق في النافع، و الأقرب الأول تمسكا بما ذكرنا من الأصل المتقدم ذكره حتى يقوم الدليل على جواز الشفعة في موضع البحث، و يدل عليه أيضا ما رواه

الشيخ في التهذيب عن ابن رئاب (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل اشترى دارا برقيق و متاع و بز و جوهر قال: ليس لأحد فيها شفعة».

استند أصحاب القول الثاني إلى عموم ثبوت الشفعة، و فيه أن العموم مخصص بما ذكرناه من الدليل.

الرابع: هل يدخل الموقوف عليه فيمن يجوز له الأخذ بالشفعة أم لا؟

و توضيح ذلك أنه إذا كان بعض الدار أو الأرض وقفا و البعض الأخر طلقا، فان بيع الوقف على وجه يصح بيعه فالظاهر أنه لا إشكال في أن للشريك و هو صاحب الطلق الشفعة، لوجود المقتضى و عدم المانع.

إنما الاشكال و الخلاف فيما إذا بيع الطلق، و قال السيد المرتضى (رضى الله عنه): لإمام المسلمين و خلفائه المطالبة بشفعة الوقوف التي ينظرون فيها على المساكين، أو على المساجد و مصالح المسلمين، و كذلك كل ناظر بحق في وقف من وصى و ولى، له أن يطالب بشفعته.

و قال الشيخ (2) في المبسوط: إذا كان نصف الدار وقفا و نصفها طلقا فبيع الطلق

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 167.

(2) قال في الكتاب المذكور: لو كانت الدار وقفا و بعضها طلقا فبيع الطلق لم يكن للموقوف عليهم شفعة و لو كان واحدا، لانه ليس مالكا للرقبة على الخصوص انتهى. منه (رحمه الله).

310

لم يستحق أهل الوقف الشفعة بلا خلاف، و تبعه المحقق في الشرائع و الشهيد في الدروس.

و قال ابن إدريس: ان كان الموقوف، عليه واحدا صحت الشفعة، و الا فلا، و اختاره العلامة في المختلف و احتج عليه بأنه مع الاتحاد يصدق شريك واحد في بيع، فكان له الشفعة كالطلق، ثم نقل عن الشيخ الاحتجاج بعدم انحصار الحق في الموقوف عليه، و بعدم الانتقال اليه.

قال: و الجواب المنع من المتقدمتين و هذا القول هو المشهور بين المتأخرين، و الظاهر أن الخلاف المذكور مبنى على أنه هل ينتقل الوقف الى الموقوف عليه مطلقا، أو مع اتحاده، أو لا مطلقا؟ فيرجع كل من الأقوال الثلاثة الى ذلك، الا أن الشهيد في الدروس- مع اختياره في الوقف انتقاله الى الموقوف عليه- حكم هنا بعدم الشفعة، معللا بنقص الملك، بمعنى أن تملك الموقوف عليه تملك ناقص، و لهذا لا ينفذ تصرفه فيه، فلا يتسلط على الأخذ بالشفعة.

و أورد عليه بأن المعتبر في ثبوتها، الشركة المتحققة بالملك في الجملة، نقصه بالحجر على المالك في التصرف لا ينافي كونه مالكا، و من ثم ثبتت لغيره ممن يجرى عليه في التصرف. أقول: و المسألة لعدم النص في محل الاشكال. و الله العالم.

الخامس [اشتراط إسلام الشفيع لو كان المشتري مسلما]

- قد صرح جملة من الأصحاب: بأنه يشترط في الشفيع الإسلام إذا كان المشترى مسلما، قالوا: لان الشفيع انما يأخذ من المشترى قهرا و أخذه منه على وجه القهر سبيل على المسلم، و هو منفي بقوله عز و جل (1) «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا».

و فيه أن المراد من الآية المذكورة كما قدمناه في كتاب البيع انما هو السبيل من جهة الحجة، كما ورد به النص في تفسيرها عنهم (عليهم السلام) و ان كانوا (رضوان الله

____________

(1) سورة النساء الآية 141.

311

عليهم) قد أكثروا من الاستدلال بها في مثل هذا الموضع.

نعم يدل على ذلك ما رواه في الكافي و التهذيب عن السكوني (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام)،

و رواه في الفقيه مرسلا عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس لليهود و لا للنصارى شفعة».

و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (2) «و لا شفعة ليهودي و لا نصراني و لا مخالف».

و هو صريح في عدم جواز الشفعة للمخالف، و فيه رد على من حكم بإسلام المخالفين من أصحابنا (رضوان الله عليهم) فان الظاهر منهم بناء على حكمهم بإسلام المخالفين، ثبوت الشفعة لهم، و أما من يحكم من أصحابنا بكفرهم كما هو المشهور بين المتقدمين فلا، و كلامه (عليه السلام) هنا مؤيد لذلك، و في التقييد في نفى شفعتهم بكون المشترى مسلما إشارة إلى أنه لو كان المشترى منهم فلهم الشفعة، و هو كذلك بغير خلاف، و عليه يحمل إطلاق الخبرين المذكورين ايضا (3) و الله العالم.

السادس [اشتراط قدرة الشفيع على الثمن]

- قد تقدم اشتراط قدرة الشفيع على الثمن، و حينئذ فلو كان عاجزا عن الثمن فلا شفعة له، و يتحقق العجز باعترافه بذلك، و الظاهر أن المراد بالعجز ما هو أعم من إعساره عن الثمن، و العجز عن تحصيله، و لو على جهة القرض، بمعنى أنه عاجز عن تحصيله بكل وجه من الوجوه، لما تقدم من أن المراد بالقدرة ما هو أعم من أن يكون بالفعل أو القوة، فيدخل فيه الفقير القادر على القرض.

و بذلك يظهر لك ما في كلامه في المسالك حيث قال- بعد أن حكم بتحقق العجز باعترافه: و في تحققه بإعساره وجهان: أجودهما العدم، لإمكان تحصيله

____________

(1) الكافي ج 5 ص 281 التهذيب ج 7 ص 166 الفقيه ج 3 ص 45.

(2) المستدرك ج 2 ص 148.

(3) بمعنى ان إطلاق الخبرين دال على نفى الشفعة أعم من أن يكون المشترى مسلما أم لا، و لا بد من تقييده بكونه مسلما، لعدم الخلاف في جواز الشفعة لو كان منهم. منه (رحمه الله).

312

بقرض و نحوه، مع أنه سابقا فسر القدرة بما ذكرناه، من أنها أعم من القادر بالفعل أو القوة، ليدخل الفقير القادر على القرض.

و حينئذ فإذا كان الفقير القادر على القرض داخلا في القادر على تحصيل الثمن. فلا معنى للتردد في تحقق العجز بالإعسار حتى أنه يتردد هنا في ذلك، ثم يقول: و الأجود العدم، بل مقتضى ما قدمه أن المعسر ليس بعاجز، لإمكان تحصيله بالقرض فلا وجه للتردد بالكلية.

ثم أنه حكم في المسالك بأن المعسر ينظر ثلاثة أيام كمدعي غيبته، و فيه إشكال فإنه مع تسليم دلالة الرواية على ما ادعاه- مع ما عرفت آنفا من أن موردها انما هو الشفعة قبل البيع، فهي خارجة عن محل البحث، و محض قياس، فان مورد النص بناء على ما يدعيه غيبة الثمن، فإلحاق المعسر به قياس محض.

نعم يمكن أن يقال: ان الرواية ليست صريحة في أن التأخير من حيث غيبة المال، بمعنى أن المال موجود و لكنه غير حاضر، بل الظاهر منها ما هو أعم من ذلك و من عدمه بالكلية، لأنه قال فيها: «مذهب على أن يحضر المال فلم ينض (1)» اى لم يحصل فجوز (عليه السلام) له النظرة إلى ثلاثة أيام، و ظاهر عدم الحصول هو المعنى الثاني الذي ذكرناه.

ثم انهم حكموا بأن المماطل و الهارب كالعاجز لا شفعة بهما، و المراد بالمماطل هو القادر على الثمن و لا يؤدى، قال في المسالك: و لا يشترط فيه مضى ثلاثة أيام، لأنها محدودة للعاجز، و لا عجز هنا، و يحتمل الحاقه به بظاهر رواية على بن مهزيار (2) عن الجواد (عليه السلام) بانتظاره ثلاثة أيام حيث لم ينض الثمن.

انتهى.

____________

(1) قال في كتاب المصباح المنير: نض الثمر: حصل و تعجل، و قال ابن الفوته نض الشيء: حصل- الى أن قال- لانه يقال ما نض بيدي من شيء: أي ما حصل انتهى. منه (رحمه الله).

(2) التهذيب ج 7 ص 167.

313

و فيه ما عرفت آنفا ثم قال: و أما الهارب فان كان قبل الأخذ فلا شفعة له، لمنافاته الفورية على القول بها، و ان كان بعده، فللمشتري الفسخ، و لا يتوقف على الحاكم لعموم

«لا ضرر و لا ضرار».

السابع [ثبوت الشفعة للغائب و الصبي و المجنون]

قد صرح الأصحاب بثبوت الشفعة للغائب و الصبي و المجنون، و يتولى الأخذ وليهما مع الغبطة.

أقول: و يدل عليه بالنسبة إلى الغائب و الصبي

ما رواه المشايخ الثلاثة عن أبى عبد الله (عليه السلام) اما الكليني و الشيخ فبطريق السكوني (1) المتقدم في الموضع الخامس، و أما الصدوق فبالإرسال عنه (عليه السلام) في حديث قد تقدم ذكره في الموضع المشار اليه قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): وصى اليتيم بمنزلة أبيه يأخذ له الشفعة، إذا كان له فيه رغبة: و قال: للغائب شفعة» (2).

و كأنهم حملوا المجنون على الصبي، الا أن ظاهر كلامهم أن ثبوت هذا الحكم لهؤلاء انما هو بالأدلة العامة، دون هذه الرواية.

قال في المسالك- بعد ذكر المصنف ثبوتها للغائب و السفيه و المجنون و الصبي- ما صورته: لا شبهة في ثبوتها لمن ذكر لعموم الأدلة المتناولة للمولى عليه و غيره، و هو جيد، مؤيد بالرواية المذكورة، و حينئذ فثبوت الشفعة للغائب بعد حضوره و ان طال زمان الغيبة فيتولى الشفعة بنفسه.

قالوا: و لو تمكن من المطالبة في الغيبة بنفسه أو وكيله فكالحاضر، و في حكمه المريض الذي لا يتمكن من المطالبة، و كذا المحبوس ظلما أو بحق يعجز عن أدائه، و فيه توقف، و أما الصبي و المجنون و السفيه فيطالب لهم الولي مع الغبطة كما أشار إليه في الرواية، لقوله «إذا كان له فيه رغبة» و الظاهر أنه لو ترك الولي

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 166 الكافي ج 3 ص 45.

(2) أقول فيه دلالة على ان الوصي بمنزلة الأب حتى في الأخذ بالشفعة منه (رحمه الله).

314

الأخذ مع الغبطة لم يسقط حقهم من الشفعة، بل لهم الأخذ بها بعد زوال المانع لأن التأخير وقع لعذر كالغائب.

الثامن [ثبوت الشفعة للولي إذا كان شريكا لليتيم و باع ماله لمصلحته]

- لا إشكال في أن لولي اليتيم أن يبيع ماله لمصلحته، كالإنفاق عليه و نحوه، سواء كان أبا أو جدا أو وصيا، انما الكلام في ثبوت الشفعة للولي إذا كان شريكا لليتيم في ذلك الشقص، فقيل: لا يصح بالشفعة مطلقا، لرضا الولي بالبيع فإنه مسقط للشفعة و ان كان قبل العقد، و به صرح العلامة في المختلف.

و فصل الشيخ في المبسوط فقال: إذا باع ولى اليتيم حصته من المشترك بينه و بينه، لم يكن له الأخذ بالشفعة، الا أن يكون أبا أو جدا، لأن الوصي متهم، فيؤثر تقليل الثمن، و لانه ليس له أن يشترى لنفسه، بخلاف الأب و الجد، فإنهما غير متهمين، و لهما أن يشتريا لأنفسهما.

و ما ذكره الشيخ هنا من أنه ليس للوصي أن يشترى لنفسه كالأب و الجد منعه العلامة في المختلف، فقال: و يجوز عندنا أن يشترى الوصي لنفسه كالأب و الجد.

و ظاهر المحقق في الشرائع القول بالجواز مطلقا، و ظاهره في المسالك الميل اليه، حيث أنه قرره و أوضحه، و لم يتعرض عليه، فأجاب عن إبطال الشيخ شفعة الوصي بالتهمة، بأن المفروض وقوع البيع على الوجه المعتبر، و أجاب عن تعليل العلامة البطلان برضا الولي، فقال: و لا يتم أن الرضا بالبائع قبله يسقط الشفعة، لأن ذلك تمهيد للأخذ بالشفعة و تحقيق لسببه، فلا يكون الرضا به مسقطا لها، إذ الرضا بالسبب من حيث هو سبب يقتضي الرضا بالمسبب، فكيف يسقطه، و المسألة لخلوها عن النص محل اشكال، و مرجع قول المحقق الى تفريع الأخذ بالشفعة على جواز الشراء، و لا يخلو من قرب و الله العالم.

315

المقصد الرابع في كيفية الأخذ بالشفعة

و فيه مسائل

الاولى [عدم توقف الشفعة على انقضاء الخيار]

- الظاهر أنه لا خلاف كما نقله في المسالك في أنه لو اشتمل البيع المشفوع على خيار و كان الخيار للمشتري فإن للشفيع الشفعة بنفس العقد، و لا يتوقف على انقضاء الخيار، قالوا: لان انتقال الملك عن البائع يحصل بالعقد من غير توقف على انقضاء الخيار، و الشفعة مترتبة على صحة البيع و الانتقال إلى المشتري ليؤخذ منه.

و ظاهرهم سقوط خياره، لانتفاء الفائدة من فسخه، لان غرضه على تقدير الفسخ حصول الثمن، و قد حصل من الشفيع بالشفعة، فلا ثمرة تترتب على فسخه، بخلاف فسخ البائع، لأن غرضه الرجوع الى المبيع.

و أما لو كان الخيار للبائع أولهما، أو للبائع و أجنبي، فإن قلنا بانتقال المبيع بنفس العقد كما هو الأشهر الأظهر، ثبتت الشفعة، لحصول المقتضى، و هو البيع الناقل للملك مع وجود الشريك، و انتفاء المانع، إذ ليس الا الخيار و هو غير صالح للمانعية، لأن غايته كون العقد بسبب الخيار متزلزلا، و لم يثبت كونه مؤثرا في المنع، و ان لم نقل بالانتقال بنفس العقد، بل يتوقف على مضى الخيار، كما هو قول الشيخ، فلا شفعة حتى ينقضي الخيار، لأن الشفعة مترتبة على الانتقال و الملك، و هو لا يحصل الا بعد مضى الخيار.

ثم انه على تقدير القول المشهور من الانتقال بنفس العقد، فهل يسقط خيار البائع بالأخذ بالشفعة؟ لانتقال الملك عن المشتري، لأن البائع إذا فسخ انما يرجع على المشترى، و الحال أن المبيع قد خرج عن ملك المشترى، و صار الى مالك آخر أم لا يسقط؟ لأن الأصل بقاء الخيار، فان فسخ البائع أو ذو الخيار بطلت الشفعة، و ان لم يفسخ حتى انقضت مدة الخيار ثبتت الشفعة، قولان: و ثانيهما لا يخلو من قوة، و هو اختياره في المسالك.

بقي هنا شيء ينبغي التنبيه عليه، و هو أن ما ذكرنا من التفصيل من كون الخيار

316

للمشتري أو للبائع، و أنه على الأول ينتقل المبيع إلى المشتري، بخلاف الثاني لما فيه من الخلاف، صرح به الشيخ في الخلاف و المبسوط في باب الشفعة، مع أنه في الخلاف في باب الخيار من كتاب البيع قال: انه إذا كان الخيار للمشتري وحده زال ملك البائع عن الملك بنفس العقد، لكنه لم ينتقل إلى المشتري حتى ينقضي الخيار فإذا انقضى ملك المشترى بالعقد الأول.

و مقتضى هذا الكلام التسوية عنده بين البائع و المشترى في عدم ثبوت الشفعة مع الخيار مطلقا، لعدم انتقال الملك إلى المشترى، و الشفعة متوقفة على ذلك كما اعترف به هو و غيره، الا أنه لما كان هذا القول لم يقل به غيره- مع موافقته في باب الشفعة من الخلاف و المبسوط على ما قدمنا نقله عنه- لم يتحقق الخلاف في المسألة زيادة على ما قدمناه من التفصيل

الثانية [استحقاق الشفيع لمجموع الشقص المشترك]

- لا يخفى أن مقتضى الأدلة الدالة على الشفعة، هو استحقاق الشفيع لمجموع الشقص المشترك إذا أخذه بالشفعة، و أن ذلك حقه شرعا، و حينئذ فهل له تبعيض حقه بأن يشفع في بعضه و يترك بعضا أم لا؟ ظاهر الأصحاب من غير خلاف يعرف هو الثاني، لما في التبعيض من الإضرار بالمشتري، و لا يناسب بناء الأخذ بالشفعة الذي شرع لدفع الإضرار على الإضرار.

و الأظهر في تعليل ذلك انما هو ما قدمناه من أن الأصل بمقتضى الأدلة العقلية و النقلية كتابا و سنة هو عدم الأخذ بالشفعة، فيقتصر في جواز الأخذ بها على ما قام عليه الدليل، و الاخبار الواردة بالشفعة على كثرتها و تعددها انما وردت باعتبار المجموع، و ما عداه تبقى صحته موقوفة على الدليل.

و مما فرعوه على ذلك أنه لو قال: أخذت نصف الشقص بناء على اعتبار وجوب الفورية، بطلت شفعته، لأن المأخوذ لا تصح الشفعة فيه لما عرفت، و أما الباقي فإن ظهر منه إسقاط حقه منه فظاهر، و الا فقد حصل التراخي الموجب لفوات الفورية، و حينئذ فتبطل الشفعة في الجميع.

و ربما قيل بالصحة في الجميع إذا وقعت الشفعة على الوجه المذكور نظرا

317

الى أن أخذ البعض يستلزم أخذ الجميع لعدم صحة أخذه وحدة، و ضعفه ظاهر، لمنع الاستلزام، و جواز تعلق الغرض بالبعض خاصة.

الثالثة [أخذ المال بالثمن الذي وقع العقد عليه]

- مقتضى الأدلة و به صرح الأصحاب أنه يأخذه بالثمن الذي وقع العقد عليه و ان كان قيمة الشقص المشفوع في حد ذاته أكثر أو أقل و لا يلزمه ما يغرمه المشترى من المؤن كأجرة الدلال و الوزان و نحو ذلك، و المراد من أخذه بالثمن يعنى مثله، لعدم إمكان الأخذ به نفسه غالبا.

الرابعة [لو كان قيميا هل تصح الشفعة أم لا؟]

- يدفع الشفيع مثل الثمن لو كان الثمن مثليا كالذهب و الفضة بلا خلاف، و انما الخلاف فيما لو كان قيميا كالحيوان و الثوب و الجواهر و نحوها، فهل تصح الشفعة أم لا؟ و قد تقدم نقل الخلاف المذكور في الموضع الثالث من سابق هذا المقصد (1) و ذكرنا أن الأقرب العدم، الا أن لشيخنا الشهيد الثاني هنا في المسالك كلاما يتضمن نصرة القول بالصحة لم ننقله فيما سبق، و لا بأس بنقله، و بيان ما فيه.

قال بعد الطعن في رواية ابن رئاب المتقدمة: و دلالته على موضع النزاع ممنوعة، فان نفى الشفعة أعم من كونه بسبب كون الثمن قيميا أو غيره، إذ لم يذكر أن في الدار شريكا، فجاز نفى الشفعة لذلك عن الجار و غيره، أو بكونها غير قابلة للقسمة أو لغير ذلك.

و بالجملة فإن المانع من الشفعة غير مذكور و أسباب المنع كثيرة فلا وجه لحمله على المتنازع أصلا، و العجب مع ذلك من دعوى أنها نص في الباب، مع أنها ليست من الظاهر فضلا عن النص انتهى.

أقول: لا يخفى على المتدرب في الصناعة، و المتأمل في الاخبار بعين التدبر و الاعتبار أن الأجوبة فيها انما تخرج على وفق ما يفهم من الاسؤلة و ما يظهر منها.

و من الظاهر أن السؤال في الرواية المشار إليها انما أريد به من حيث الشراء

____________

(1) ص 308.

318

بذلك الثمن، و أنه هل يجوز الشفعة إذا كان الشراء بهذا الثمن أم لا؟ و لو كان المراد من السؤال معنى آخر من كون الدار لا شريك فيها، و أن المراد نفى الشفعة بالجوار لما كان لذكر القيمة وجه بالكلية، و لكان حق السؤال التصريح بذلك، و أن يؤتى بعبارة تؤدي هذا المعنى، و الا فإن فهمه من عبارة الخبر انما هو من قبيل التعمية، و الألغاز الذي هو بعيد عن الحقيقة بمراحل بل المجاز.

و بالجملة فإن غاية ما يتعلق به هنا هو إطلاق الشفعة في الدار من غير تصريح بكونها مشتركة، و مثل هذا الإطلاق في الاخبار أكثر كثير، اعتمادا على قرائن الحال وقت السؤال، كما لا يخفى على الناظر فيها، و سياق السؤال في الخبر المذكور ظاهر فيما قلناه، و هو الذي فهمه من عداه من الأصحاب كالشيخ و العلامة و غيرهما.

و استدل جملة من الأصحاب منهم العلامة في المختلف على المنع أيضا بحسنة هارون بن حمزة الغنوي المتقدمة، بقوله فيها «و هو أحق بها من غيره بالثمن» و هو انما يتحقق في المثلي، لأن الحقيقة غير مرادة إجماعا، فيحمل على أقرب المجازات إلى الحقيقة و هو المثل.

ثم انه على تقدير القول بثبوت الشفعة مع كون الثمن قيميا فهل المعتبر قيمته وقت العقد؟ لانه وقت استحقاق الثمن، و العين متعذرة، فوجب الانتقال إلى القيمة، أو المعتبر وقت الأخذ؟ لوجوبه حينئذ على الشفيع، فيعتبر قيمته وقت الوجوب بتعذر العين، أو يعتبر الأعلى من وقت العقد الى وقت الأخذ كالغاصب؟ أقوال:

أضعفها الأخير و أشهرها الأول.

الخامسة [وجوب دفع الشقص المشفوع بعد الشفعة ما لم يدفع الشفيع الثمن]

- ظاهر متأخري الأصحاب أنه يجب على المشترى دفع الشقص المشفوع بعد الشفعة ما لم يدفع الشفيع الثمن، فاعتبروا هنا دفع الثمن أولا، و لم يعتبروا ذلك في غير باب الشفعة من المعاوضات كالبيع و غيره، بل صرحوا ثمة بوجوب التسليم على الجميع من غير أولوية تقدم أحدهما على الأخر.

قيل: و وجه الفرق بين الشفعة و غيرها لأن الشفعة معاوضة قهرية، أخذ العوض

319

فيها بغير رضا المشترى، فجبر وهن قهره بتسليم الثمن إليه أولا، بخلاف البيع، فان مبناه على الاختيار، فلم يكن أحد من المتبايعين أولى بالبدأة من الأخر.

قال شيخنا في المسالك و نعم ما قال: و هذه في الحقيقة علة مناسبة، لكن لا دلالة في التعويض عليها، و إثباتها بمجرد ذلك لا يخلو من اشكال.

نعم اعتبرها العامة في كتبهم و هي مناسبة على قواعدهم، و لو قيل هنا المعتبر التقابض كالبيع كان وجها انتهى.

و كيف كان فالظاهر أن الشفيع يملك الشقص بمجرد الشفعة، كما أن المشترى يملك المبيع بمجرد العقد، لكن هل يتم الملك بمجرد الأخذ القولي بدون تسليم الثمن، أم يتوقف على التقابض؟ قولان: و على الأول هل يكون دفع الثمن جزءا من السبب للملك؟ أم كاشفا عن حصول الملك بالأخذ القولي؟ وجهان: و يظهر الفائدة في النماء المتخلل، و الأقرب أن الكلام هنا كما حققناه في البيع من أن كلا منهما قد وجب عليه تسليم ما انتقل عنه الى صاحبه، و لا أولوية في تقدم أحدهما على الآخر، و عدم دفع أحدهما لو أحل بما وجب عليه، لا يقتضي جواز التأخير للآخر مع وجوب الدفع عليه و الله العالم.

السادسة [وجوب الفورية في الشفعة]

- المشهور وجوب الفورية في الشفعة، و هو مذهب الشيخ في النهاية و الخلاف و المبسوط، و به قال ابن البراج و ابن حمزة و الطبرسي و العلامة، و نقله في المختلف عن والده، و ادعى الشيخ عليه الإجماع.

و قال السيد المرتضى (رضى الله عنه) أنها على التراخي، و لا تسقط إلا بالإسقاط، و ادعى عليه الإجماع، و به قال ابن الجنيد، و الشيخ على بن بابويه، و ابن إدريس، و ظاهر كلام أبى الصلاح، و بالأول قال الشهيدان في اللمعة و شرحها، و المحقق في الشرائع و غيرهم.

و ظاهر الشهيد الثاني في المسالك التوقف في المسألة، و في الدروس بعد أن نقل أولا القول بالفورية عن الشيخ و اتباعه، ثم نقل العدم عن المرتضى و من

320

تبعه، قال: و لم نظفر بنص قاطع من الجانبين، و لكن في رواية على بن مهزيار (1) دلالة على الفور مع اعتضادها بنفي الضرر عن المشتري، لأنه ان تصرف كان معرضا للنقص، و ان أهمل انتفت فائدة الملك، الى أن قال: و الوجه الأول لما اشتهر من

قوله (صلى الله عليه و آله) (2) «الشفعة كحل عقال».

أي إذا لم يبتدر فات كالبعير يحل عقاله انتهى.

و ظاهر صدر كلامه التوقف في المسألة، لعدم النص القاطع، و في آخر كلامه جزم باختيار القول الأول، للخبر الذي ذكره مع أنه عامي كما صرح به الشهيد الثاني في الروضة، و هو كذلك فانا لم نقف عليه في كتب أخبارنا.

احتج القائلون بالقول الأول بأن الأصل عدم الشفعة، و عدم التسلط على ملك الغير بغير رضاه، فيفتقر فيها على موضع الوفاق، و لأن التراخي فيها لا ينفك عن ضرر على المشترى، فإنه لا يرغب في عمارة ملكه مع علمه بتزلزله، و انتقاله عنه فيؤدي إلى تعطيل حكمة ملكه، و ذلك ضرر عظيم.

و احتج في المختلف أيضا على ذلك برواية على بن مهزيار التي أشار إليها في الدروس بأن فيها دلالة ما، و هذه الرواية قد تقدمت في صدر المقصد الثالث، قال بعد إيرادها، وجه الاستدلال أنه (عليه السلام) حكم ببطلان الشفعة بعد مضى ثلاثة أيام، و لو كان حق الشفعة ثابتا على التراخي لم تبطل شفعته، بل كانت تثبت له متى حصل الثمن، لأنها تثبت كذلك و ان لم يطالب، فلا تؤثر المطالبة بها الذي هو أحد أسباب وجودها في عدمها.

احتج الآخرون بالإجماع الذي ادعاه المرتضى، و بأن البيع سبب في استحقاق الشفعة، و الأصل ثبوت الشيء على ما كان عملا بالاستصحاب.

قال المرتضى (رضى الله عنه): و يقوى ذلك أن الحقوق في أصول الشريعة و في العقول أيضا لا تبطل بالإمساك عن طلبها، فكيف خرج حق الشفعة عن أصول

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 167.

(2) سنن ابن ماجة ج 2 ص 835 ط دار احياء الكتب العربية ستة 1373.

321

الأحكام الشرعية و العقلية، فإن من لم يطلب دينه أو وديعته لا يبطل حقه بالتغافل عن الطلب ثم أجاب عن الضرر على المشترى- الذي احتج به الأولون- بأنه يمكنه التحرز عن ذلك بأن يعرض المبيع على الشفيع، و يبذل تسليمه اليه، فاما أن يتسلم، أو يترك الشفعة، فيزول الضرر على المشترى، فان لم يفعل المشترى ذلك كان التفريط من قبله، ثم أطال كما عادته هي (قدس سره) بأدلة أخرى أيضا، و أجاب في المختلف عن ذلك بما يطول بنقله الكلام.

و التحقيق أن المسألة لعدم النص الواضح محل اشكال، و ان كان القول الأول لاعتضاده بالأصل الذي قدمنا ذكره في غير موضع مما تقدم، مع اعتضاده بالاحتياط الذي هو واجب في موضع الاشتباه الذي منه خلو المسألة من الدليل لا يخلو من قرب.

و أما استدلال العلامة على هذا القول برواية على بن مهزيار بالتقريب الذي ذكره، فيمكن معارضته بأنه لو كانت الفورية واجبة لما رخص في التأخير ثلاثة أيام ايضا.

السابعة- [بطلان الشفعة] حيث تعتبر الفورية [و أهمل مع العلم]

فإذا علم و أهمل مختارا بطلت شفعته، و يعذر جاهل الفورية كما يعذر جاهل الشفعة، و يقبل دعوى الجهل ممن يمكن في حقه عادة و كذا لا يقدح فيها تأخيره لعذر يمنع المباشرة أو التوكيل.

و من الأعذار التي صرح بها الأصحاب في هذا الباب ما لو ترك لتوهمه كثرة الثمن لامارة أوجبته، كاخبار مخبر ثم ظهر كذبه و نحو ذلك، لا مجرد الاحتمال، فإن الشفعة باقية الى حين العلم بالحال، فتصير فورية على القول بها و انما كان ذلك عذرا، لأن قلة الثمن مقصودة في المعاوضة، و مثله ما لو أعتقده ذهبا فبان فضة، أو حيوانا فبان قماشا، و نحو ذلك، فإن الأغراض قد يتعلق بجنس دون آخر لسهولته، و كذا لو كان محبوسا بحق عاجز عنه، بخلاف ما لو كان قادرا، فان التقصير من

322

من قبله (1) و أولى منه الحبس بظلم، لكن الظاهر أنه يشترط في هذين (2) عجزه عن الوكالة.

ثم انه ينبغي أن يعلم أن وجوب المبادرة على تقدير الفورية ليس المبادرة بكل وجه ممكن، بل المرجع فيه الى العادة و العرف، فيكفي مشيه إلى المشتري لأخذ الشفعة بالمعتاد و ان قدر على الزيادة، و انتظار الصبح لو علم ليلا، و لا يمنع من ذلك أيضا الصلاة إذا حضر وقتها، و كذا مقدماتها و متعلقاتها الواجبة و المندوبة.

و منها انتظار الجماعة، و انتظار زوال الحر و البرد المانعين، و الخروج من الحمام لو علم فيه بعد قضاء وطره، و تحرى الرفقة حيث يكون الطريق مخوفا و المشترى في غير البلد، و السلام على المشترى بعد الدخول عليه بل التحية المعتادة و نحو ذلك. هذا كله مع غيبة المشتري عنه في حال العلم، أما مع حضوره فلا يعد شيء من هذه عذرا، لان قوله أخذت بالشفعة لا ينافي شيئا من ذلك.

الثامنة [عدم سقوط الشفعة بتقابل المتبايعين]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم)، من غير خلاف يعرف أنه لا تسقط الشفعة بتقابل المتبايعين (3)، لان استحقاق الشفعة قد حصل بالعقد، فحق الشفيع متقدم، نعم لو عفى الشفيع سقطت الشفعة من جهة الشراء، و هل يتجدد بالإقالة بناء على انها بيع مطلقا أو في حق الشفيع؟ الأشهر الأظهر العدم، لعدم كون الإقالة بيعا، و انما هي فسخ كما تقدم تحقيقه في بعض نكت الفصل الثاني عشر من كتاب البيع.

و لو قلنا بأنها بيع أخذ الشقص من البائع بعد الشفعة، ثم انه ان حصل التقايل

____________

(1) و انما كان التقصير من قبله لانه يجب عليه دفعه الثمن ليخلص من الحبس المانع من تعجيل المطالبة. منه (رحمه الله).

(2) يعنى من الحبس بحق هو عاجز عنه منه (رحمه الله).

(3) بل الظاهر أنه لا خلاف فيه منه (رحمه الله).

323

قبل علم الشفيع بالشفعة لم تسقط بالإقالة، (1) لما عرفت من سبق حق الشفيع فله فسخ الإقالة، و الأخذ من المشترى على قاعدة الشفعة، و دركه على المشترى كما لو يكن ثمة إقالة، فان درك المشفوع في جميع أفراد الشفعة على المشترى، فلو ظهر استحقاق الشقص رجع عليه بالثمن و غيره مما يغرمه، و لو كان المشترى لم يقبضه من البائع لم يكلف أخذه منه ثم إقباضه الشفيع بل الشفيع يقبضه من البائع، لانتقال الحق إليه فقبضه كقبض المشترى.

و على كل حال فيبقى الدرك على المشترى، و كما لا تسقط الشفعة بالتقايل، فكذا لا تسقط ببيع المشترى، و لا وقفه و لا جعله مسجدا، و لا نحو ذلك من تصرفاته، لأنها و ان كانت صحيحة من حيث أن المشفوع ملكه، لكن لا يبطل ذلك حق الشفيع لسبقه على هذه التصرفات فمتى أخذ بالشفعة بطل ما سبقها من التصرفات.

بقي الكلام في أن تصرف المشترى ان كان مما تثبت فيه الشفعة كالبيع، فالظاهر من كلامهم أنه يتخير الشفيع بين أخذه من المشترى الأول أو الثاني أو الثالث، و هكذا لو تعدد، لان كل واحد من البيوع المتعددة سبب تام في ثبوت الشفعة.

ثم ان أخذ الشفيع بالشراء الأول وقع الثمن الأول و بطل المتأخر مطلقا، و ان أخذ بالشراء الأخير أخذها بثمنه، و صح السابق عليه مطلقا، لان الرضا به يستلزم الرضا بما سبق عليه. و ان أخذ من المتوسط أخذ بثمنه، و صح ما تقدمه، و بطل ما تأخر عنه.

و ان كان التصرف مما لا تثبت فيه الشفعة، كالوقف و الهبة و الإجارة فللشفيع نقضه و أخذ الشقص بالشفعة، لسبق حقه، و الثمن في الهبة للواهب لازمة كانت أو

____________

(1) لأنه في صورة الإقالة صار مشتريا، فان بالإقالة على تقدير كونها بيعا يصير المشتري بائعا و البائع مشتريا منه (رحمه الله).

324

جائزة، و المتصدق، و لا خلاف عندهم في هذه الأحكام، و انما نقلوا الخلاف في بعضها عن بعض العامة حيث صرحوا بصحة التصرف بالبيع و الوقف و نحوهما، و أبطلوا الشفعة بعض آخر منهم حيث حكموا ببطلان التصرف المشترى و الله العالم

التاسعة [حكم ما لو انهدم البيت أو عاب]

- قالوا: لو انهدم البيت أو عاب فهنا صور، أحدها أن يكون ذلك بفعل المشترى قبل مطالبة الشفيع بالشفعة، و لا يحصل معه (1) تلف شيء من العين، و المشهور أن للشفيع الخيار بين الأخذ بكل الثمن أو الترك، لأن المشتري إنما تصرف في ملكه تصرفا سائغا، فلا يكون مضمونا عليه.

و العائب (2) لا يقابل بشيء من الثمن فلا يستحق الشفيع في مقابلته شيئا كما لو تعيب في يد البائع، فإن المشتري يتخير بين الفسخ، و بين الأخذ بمجموع الثمن، و قيل بضمانه على المشترى، لأن حق الشفيع قد تعلق به بمجرد البيع و ان لم يطالب، و المطالبة إنما تفيده تأكيدا كما تضمن الراهن الرهن إذا جنى عليه.

و ثانيها- أن يكون ذلك بفعل المشترى بعد المطالبة بالشفعة، و المشهور أنه يضمن النقص بمعنى سقوط ما قابله من الثمن، لان الشفيع قد استحق أخذ المبيع كاملا بالمطالبة، و تعلق حقه به، فإذا نقص بفعل المشترى ضمنه له.

و قيل: بعدم الضمان، و هو ظاهر الشيخ في المبسوط استنادا الى ان الشفيع

____________

(1) و انما هو مثل شق الجدار، و افك الجذع و نحو ذلك، أما لو تضمن تلف شيء من العين فإنه يضمن بحصته من الثمن لو اختار الشفيع الأخذ بالشفعة، لأن الثمن في مقابلة العين، فإذا تلف منها شيء سقط من الثمن بنسبة التالف فيضمنه المشتري حينئذ- منه (رحمه الله).

(2) قوله و العائب لا يقابل بشيء من الثمن، كأنه جواب عن سؤال مقدر بأن يقال: ان الشفيع يأخذه بالشفعة، و لكن ينقص من الثمن ما قابل العائب، و أجاب بأن الثمن انما جعل في مقابلة الصحيح دون العائب، و لهذا لو بقيت في يد البائع تخير المشترى بين الفسخ و الأخذ بالثمن كملا، دون أخذ الصحيح بما يلحقه من الثمن كما ذكرناه- منه (رحمه الله).

325

لا يملك بالمطالبة بل يملك الأخذ فيكون المشترى قد تصرف في ملكه تصرفا سائغا، فلا يتعقبه الضمان، و رد بأن التصرف في الملك لا ينافي ضمانه كتصرف الراهن، و هذا منه لاشتراكهما في تعلق حق العين.

و ثالثها- أن يكون ذلك بفعل غيره، سواء كان قد طالب الشفيع أم لا، فإنه يتخير الشفيع بين الأخذ بمجموع الثمن، و الترك، لانه لا تقصير من المشترى، و لا تصرف حال استحقاق الغير، و وجه الضمان المذكور في الصورة الأولى آت هنا، الا أنه هنا أضعف باعتبار أن العيب بغير فعل المشتري.

أقول: و قد ورد في هذه الصورة ما يدل على ما ذكروه، و هو ما رواه

الشيخ في التهذيب في الصحيح عن الحسن بن محبوب (1) عن رجل قال: «كتبت الى الفقيه (عليه السلام) في رجل اشترى من رجل نصف دار مشاعا غير مقسوم، و كان شريكه الذي له النصف الأخر غائبا، فلما قبضها و تحول عنها تهدمت الدار و جاء سيل جارف و هدمها و ذهب بها، فجاء شريكه الغائب فطلب الشفعة من هذا فأعطاه الشفعة على أن يعطيه ماله كملا الذي نقد في ثمنها فقال له: ضع عني قيمة البناء، فان البناء قد تهدم و ذهب به السيل، ما الذي يجب في ذلك؟ فوقع (عليه السلام) ليس له الا الشراء و البيع الأول إنشاء الله».

و ما تقدم في الصورتين السابقتين من القول المشهور فيهما و ان لم يرد به نص، الا أنه موافق للقواعد الشرعية و الله العالم.

العاشرة [الخلاف في أن الشفعة هل تورث أم لا؟]

- اختلف الأصحاب في أن الشفعة هل تورث أم لا؟ فقال: الأكثر منهم الشيخ المفيد و السيد المرتضى (رضى الله عنهما) انها تورث كالأموال، و به قال ابن الجنيد، و قال الشيخ في النهاية و الخلاف أنها لا تورث، و به قال ابن البراج و الطبرسي و ابن حمزة.

و للشيخ قول آخر في كتاب البيوع من الخلاف يدل على انها تورث حيث قال: خيار الثلاثة موروث، و كذا إذا مات الشفيع قبل الأخذ بالشفعة قام وارثه

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 192.

326

مقامه، و هو اختيار ابن إدريس و العلامة في المختلف و هو المشهور بين المتأخرين و به صرح في المسالك، و احتجوا على ذلك بآيات الإرث (1) الدالة على إرث ما ترك (2) و حق الشفعة من جملة المتروكات كما دخل فيه الخيار الثابت بالمورث بالإجماع، و الشفعة في معنى الخيار ثبتت لدفع الضرر، و احتج في المسالك ايضا بقوله (3) (صلى الله عليه و آله) ما ترك الميت من حق فهو لوارثه» قال: و هي أوضح دلالة من الاية.

احتج الشيخ بما رواه

في التهذيب عن طلحة بن زيد (4) عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) في حديث قال: «لا تورث الشفعة».

و احتج أيضا بأن ملك الوارث متجدد على الشراء فلا يستحق شفعة، و أجيب عن الرواية بضعف السند و أن طلحة بتري، و عن الثاني بأن الوارث يأخذ ما استحقه مورثه و حقه، فلا يقدح تجدد ملكه.

أقول: و المسألة لا يخلو من توقف، فان ثبت الحديث النبوي الذي رواه في المسالك من طرقنا فإنه لا يحضرني الان ذلك، فالقول الأول أصح، و الا فالمسألة محل إشكال، لمعارضة الأدلة المذكورة لرواية طلحة، و ردها بضعف السند جيد

____________

(1) سورة النساء الآية 11- 14- 176.

(2) و اما الآيات فإن إطلاقها يحمل على الافراد الشائعة المتكررة، لما تقرر عندهم في أمثال هذه المواضع، دون الأفراد الشاذة النادرة، و من الظاهر ان الافراد المتكررة انما هي أعيان الأموال دون الحقوق، و أما الشفعة في الخيار فان ثبت بدليل شرعي- فوجوب العمل بها فيه- لا يقتضي حمل غيره عليه، فإنه قياس محض، و الاشتراك في العلة المذكورة لا يوجب ذلك، مع أنها غير منصوصة، و بالجملة فإن باب المناقشة في ذلك غير منسد، و يظهر من المحقق الأردبيلي الميل الى القول بالعدم، من حيث عدم الدليل الواضح على القول المشهور، قال: إذ شمول آية الإرث لها غير ظاهر، و هو مؤيد لما ذكرناه بالنسبة إلى استدلالهم بآيات الميراث و الله العالم منه (رحمه الله).

(3) ما اثرنا على هذه الرواية بعد الفحص في مظانها.

(4) التهذيب ج 7 ص 167.

327

على الاصطلاح المحدث، و اما على طريقة القدماء و المحدثين فلا، فتبقى المعارضة بينها و بين ما ذكر من الأدلة المشار إليها، مع ما يتطرق إلى الأدلة المشار إليها من المناقشة، و إمكان تأييد رواية طلحة المذكورة بما قدمناه من أن مقتضى الأدلة العقلية و النقلية عدم جواز الشفعة إلا ما دل عليه دليل واضح.

ثم أنها على تقدير القول المشهور لو مات و خلف زوجة (1) و ابنا قال الشيخ في المبسوط تفريعا على هذا القول: ان الإرث على فريضة الله فللزوجة الثمن، و قيل: انه كذلك على رأى من يقول الشفعة في صورة الكثرة على قدر السهام، أما من يقول بأنها على عدد الرؤس، فإنه يجعلها في المثال المذكور نصفين بين الزوجة و الولد، كما يظهر من المبسوط أيضا، فحينئذ تصير المسألة خلافية، و قد تقدم نقل الخلاف المذكور بالنسبة إلى الشفعة مع الكثرة في آخر المقصد الثاني، و الأظهر كما صرح به الأكثر أنها هنا على تقدير القول المذكور على قدر السهام و ان لم نقل به في كثرة الشركاء، لظهور الفرق بين الموضعين، لان كل واحد من الورثة لا يستحق الشفعة باعتبار نفسه، بل باعتبار مورثه، و مورثه مستحق للجميع، و قد انتقل عنه الى ورثته فيجب أن يثبت لهم على حد الإرث، فهم بالإرث يأخذون لا بالشركة، و لهذا أثبتها هنا من لم يثبت الشفعة مع الشركة، و المراد بحق الشفعة الذي هو محل البحث هو مجرد استحقاق الشفعة، و ان لم يأخذ بها الشفيع قبل موته، فان لوارثه أن يأخذ بها كما هو صريح عبارة الشيخ المتقدم نقلها من كتاب الخلاف، و بطريق الاولى ما لو أخذ بها قبل الموت و لكن لم يقبض و لم يتصرف.

قالوا: و لو عفى أحد الورثة عن نصيبه من الشفعة لم يسقط الشفعة، لأن

____________

(1) قال في المسالك: و خص المثال بالزوجة لدفع توهم أنها لا تورث من الشفعة من حيث أنها ممتنع في الجملة من بعض المتروكات، أقول: هذا المثال قد ذكره الشيخ في المبسوط و تبعه الجماعة في التمثيل به، و شيخنا المذكور ذكر وجه النكتة في اختياره دون غيره من أمثلة الميراث- منه (رحمه الله).

328

الحق للجميع فلا يسقط حق واحد بترك غيره، و كان لمن لم يعف أن يأخذ الجميع، لانه لا يجوز تبعيض الصفقة على المشترى، فالمستحق اما أن يأخذ الجميع أو يتركه.

قيل: و يحتمل هنا سقوط حق الآخر بعفو صاحبه و ان لم نقل بذلك في الشريكين، لان الوارث يقوم مقام المورث، فعفوه عن نصيبه كعفو المورث عن البعض، فيسقط الباقي.

و رد بأن الشركاء، في الإرث يصيرون بمنزلة الشركاء في أصل الشفعة، لأنها شفعة واحدة بين الشركاء سواء كان بالإرث أو بالشركة، و لا يسقط من البعض بعفو البعض، بخلاف عفو المورث عن بعض نصيبه، فان حقه في المجموع من حيث هو مجموع لا في الأبعاض، فعفوه عن بعض حقه كعفوه عن جميعه.

و ظاهر المحقق الأردبيلي «(قدس سره)» المناقشة في أصل هذا الحكم، حيث قال: و لو ترك بعضهم و عفى لم يسقط حق الباقين، بل لهم الأخذ، و لكن أخذ الجميع أو الترك، و ليس لهم أخذ حصتهم فقط، للزوم التشقيص و التبعيض الممنوع منه عندهم فتأمل، فإن الأصل و الاستصحاب يقتضي جواز أخذ الحصة فقط، و لعل عدم التبعيض مجمع عليه، و الا فالقول به متوجه انتهى.

و بالجملة فالمسألة لعدم النص الواضح في أصلها محل اشكال كما عرفت، و في فروعها أشكل و الله العالم.

الحادية عشر [حكم ما لو حمل النحل بعد الابتياع فأخذه الشفيع قبل التأبير]

- لو حمل النحل بعد الابتياع فأخذه الشفيع قبل التأبير قال الشيخ: الطلع للشفيع، لانه بحكم السعف، و لانه يتبع الأصل في البيع، فكذا هنا، لأن المقتضي للتبعية هناك ليس الا كونه جزءا من المسمى، و رده المتأخرون بأن هذا الحكم مختص بالبيع، وقوفا على مورد النص، فإلحاق غيره به قياس، و كونه بحكم السعف ممنوع، و كذا دعواه كونه جزءا من المسمى، و المقتضي في البيع انما هو النص.

و ظاهرهم أنه لا خلاف في أن الثمرة إذا ظهرت في ملك المشترى قبل الأخذ

329

بالشفعة يكون للمشتري و ان بقيت على الشجرة، لأنها بحكم المنفصل، و منه ثمرة النخل بعد التأبير، أما قبله فقد عرفت خلاف الشيخ في ذلك، فيكون هذا الفرد مستثنى من الإجماع المشار اليه.

و الحق كما عرفته- أن حكمها بالنسبة إلى الشفعة قبل التأبير كحكمها بعده في كونها للمشتري غير داخلة في الشفعة، و على هذا فيكون الطلع غير مؤبر وقت الشراء للمشتري، فإن أخذه الشفيع و هو بتلك الحال بقي للمشتري، كما لو أخذه بعد التأبير، و يكون البيع في هذه الصورة بمنزلة ما إذا ضم غير المشفوع، فيأخذ الشفيع المشفوع و هو غير الثمرة بحصته من الثمن، و طريقه كما تقدم في غير موضع أن تقوم المجموع، ثم يقوم الثمرة و تنسب قيمتها الى المجموع، و يسقط من الثمن بتلك النسبة.

الثانية عشر [إذا باع الشريك الذي له الشفعة نصيبه من المال المشترك قبل الأخذ بالشفعة]

- قد صرح الأصحاب «(رضوان الله عليهم)»، بأنه إذا باع الشريك الذي له الشفعة نصيبه من المال المشترك قبل الأخذ بالشفعة فهنا صورتان

الاولى- أن يكون بيعه بعد العلم بالشفعة

، و حصول شرائطها و شرائط فوريتها على تقدير القول بالفورية، و لا إشكال في بطلان شفعته، أما على تقدير الفورية فلفواتها بالاشتغال بالبيع، لانه مخل بالفورية، و أما على تقدير عدم الفورية، فلان السبب في استحقاق الشفعة الملك، و قد زال فيزول معلوله.

الثانية أن يكون قبل العلم بالشفعة

، و مثله أيضا ما لو كان قبل ثبوت الفورية فيها لما تقدم من الاعذار، كعدم العلم بقدر الثمن، أو جهله بالفورية أو نحو ذلك، فباع و الحال هذه ففي بقائها مطلقا، أو زوالها مطلقا، أو التفصيل أقوال:

أحدها ما اختاره المحقق في الشرائع من بقائها مطلقا، لان الاستحقاق ثبت بالشراء سابقا على بيعه، فيستصحب لأصالة عدم السقوط، و لقيام السبب المقتضى له، و هو الشراء، فيجب أن يحصل المسبب.

و بهذا القول صرح الشيخ في المبسوط أيضا، حيث قال: الاولى ثبوت الشفعة، لأنها وجبت له أولا و لم يوجد سبب إسقاطها و الأصل بقاؤها.

330

و ثانيها سقوطها، و هو اختيار العلامة و جمع من الأصحاب، و عللوه بأن السبب في جواز الأخذ ليس هو الشراء وحده، بل هو مع الشركة، و قد زال أحد جزئي السبب فتزول، و لا يكفى وجودها حال الشراء، بل لا بد من وجودها حال الأخذ بالشفعة،

لقوله (عليه السلام) «لا شفعة إلا لشريك غير مقاسم».

فلو أثبتنا له الشفعة بعد البيع، لاثبتناها لغير شريك مقاسم، و الجهل مع انتفاع السبب لا أثر له.

و ثالثها- التفصيل بالجهل بالشفعة حال البيع، و العلم، فتثبت في الأول دون الثاني، و هو منقول عن الشيخ (رحمه الله)، لان البيع بعد العلم يؤذن بالإعراض عنها، كما لو بارك، بخلاف ما إذا لم يعلم، فإنه معذور: و أجيب بأن الجهل لا أثر له إذا انتفى السبب، لان خطاب الوضع لا يتفاوت الأمر فيه بالعلم و الجهل.

أقول: و المسألة لعدم النص لا يخلو من توقف، الا أن الأظهر بحسب هذه التعليلات و قربها و بعدها من القواعد الشرعية هو القول الثاني من هذه الأقوال الثلاثة.

أما الأول- فقد علم جوابه من دليل القول الثاني، و يزيده تأكيدا أن ما استند اليه من الاستصحاب و هو الذي عبر عنه في المبسوط بالأصل، فقال: و الأصل بقاؤها مردود بما حققناه في مقدمات الكتاب في جلد كتاب الطهارة من عدم ثبوت حجية هذا الاستصحاب.

و اما الثالث- فلما سمعت من الجواب عن دليله، و الى ما ذكرناه من القول الثاني يميل كلامه في المسالك أيضا، حيث قال- بعد ذكر الأقوال الثلاثة على الترتيب الذي ذكرناه-: و القول الوسط لا يخلو من قوة انتهى و الله العالم.

الثالثة عشر [حكم ما لو عرض البائع الشيء على صاحب الشفعة فلم يرده فباعه من غيره]

- لو عرض البائع الشيء على صاحب الشفعة بثمن معلوم فلم يرده فباعه من غيره بذلك الثمن أو زائدا عليه، فهل يكون لصاحب الشفعة المطالبة بها أم لا؟ قولان: و بالثاني قال الشيخان و ابن حمزة، و بالأول قال ابن إدريس، و احتج الشيخان- على ما نقله في المختلف- بأن الشفعة تثبت في موضع الاتفاق على خلاف الأصل، لكونه أخذ ملك المشترى من غير رضاه، و يجبر على المعاوضة، لدخوله مع البائع في العقد الذي أساء فيه بإدخال الضرر على شريكه، و ترك الإحسان إليه

331

في عرضه اليه، و هذا المعنى معدوم هنا، فإنه قد عرضه عليه، فامتناعه من أخذه دليل على عدم الضرر في حقه ببيعه، و ان كان فيه ضرر، فهو الذي أدخله على نفسه كما لو أخر المطالبة. انتهى.

و احتج ابن إدريس بأنه انما يستحق المطالبة بعد البيع، و لا حق له قبل البيع فإذا عفى قبله، فما عفى عن شيء يستحقه، فله إذا باع شريكه أخذ الشفعة، لأنه تجدد له حق، و لا دليل على إسقاطه، و قبل البيع لم يسقط شيئا، و كذا لو قال الشفيع للمشتري:

اشتر نصيب شريكي، فقد نزلت عن الشفعة و تركتها، ثم اشترى المشترى ذلك على هذا، لا تسقط شفعته بذلك، و له المطالبة، لأنه انما يستحق الشفعة بعد العقد، فإذا عفى قبل ذلك لم يصح، لانه قد عفى عما لم يجب له و لا يملكه، فلا يسقط حقه حين وجوبه، و كذا الورثة إذا عفوا عما زاد على الثلث في الوصية قبل موت الموصى، ثم مات بعد ذلك، فلهم الرجوع لمثل ما قلناه على الصحيح من المذهب انتهى.

و الى هذا ذهب ابن الجنيد أيضا فقال: و كما ان الشفعة لا تجب الا بعد صحة البيع و تمامه، فكذلك لا يكون ترك الشفيع إياها قبل البيع مبطلا لما وجب له منها بعد البيع، و العلامة في المختلف بعد أن نقل كلامي ابن إدريس و ابن الجنيد قال:

و هو المختار، لنا أنه إسقاط حق قبل ثبوته، فلا يصح كما لو أبرأه عما لم يجب له، أو أسقطت المرأة صداقها قبل التزويج، ثم نقل بعد هذا احتجاج الشيخين بما قدمنا نقله عنهما، و قال: و فيه قوة، و هو ظاهر في تردده في المسألة.

و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ترجيح مذهب ابن إدريس للوجه الذي ذكره، و الظاهر أنه الأقرب نظرا الى عموم أدلة الشفعة، و أن الاسقاط قبل ثبوت الشفعة غير مؤثر في المنع، و الا لصح ذلك في غير هذا الحق من الحقوق، مع أنهم لا يقولون به.

و ظاهر المحقق الأردبيلي (قدس سره)، الميل الى مذهب الشيخين، لكن لا لما تقدم في الاحتجاج المنقول عنهما، بل من حيث أن هذا وعد، و الأدلة دالة على وجوب

332

الوفاء بالوعد، قال: و لو لا خوف خرق الإجماع (1) لكان القول بوجوب الإيفاء- كما هو قول بعض العامة- متوجها، فالقول به هنا غير بعيد، لعدم الإجماع على خلافه، الى أن قال: و أما دليل القول بعدم البطلان فهو أنه إسقاط لما ليس له، فهو مثل إبراء عما لم يكن في الذمة، و يمكن أن يقال: ليس هذا إبراء و إسقاط، بل قول و وعد و شرط، و مخالفته قبيحة عقلا و شرعا، و انه غدر و إغراء و ليس من صفات المؤمن انتهى.

و ظاهر شيخنا الشهيد في شرح نكت الإرشاد الميل أيضا الى مذهب الشيخين، قال: لأن الشفعة وضعت لازالة الضرر، و نزوله عنها يؤذن بعدم الضرر، و لما

روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) (2) أنه قال: «لا يحل أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فان باع و لم يؤذن فهو أحق به».

علق الاستحقاق على عدم الاستيذان، فلا يثبت معه و النزول، أما بعد الاستيذان فالظاهر سقوط الشفعة، و أما قبله فكذلك إذ لا يبقى للاستيذان معنى معقول، و لا نسلم ان ذلك من باب الاسقاط، فيتوقف على تحقق الاستحقاق كالدين انتهى.

و المحقق الأردبيلي بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه اعتضد أيضا بهذا الكلام، و لم ينكر منه شيئا، و ظاهره الموافقة على صحة الحديث المذكور، حيث قال: و دلالته

____________

(1) ظاهر كلامه (قدس سره) ان الأصحاب ادعوا الإجماع على عدم وجوب الوفاء بالوعد، و الا لم يمنعه من القول بالوجوب الا ذلك، و فيه ما حققناه في غير موضع من مؤلفاتنا و به صرح جمع من المحققين منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك من أن ذلك غير مانع متى قام الدليل على الحكم، لما علم من إجماعاتهم المدعاة في غير موضع، و هو قد اعترف فيما تركنا نقله من كلامه بأن الأدلة على وجوب الوفاء بالوعد كثيرة، و الأدلة دالة على وجوب الوفاء بالشروط فالخروج منها بمجرد ما ذكره مجازفة ظاهرة- منه (رحمه الله).

(2) المستدرك ج 3 ص 147.

333

ظاهرة على السقوط بعد الاستيذان، و أنت خبير بأنا لم نقف على هذا الخبر في كتب أخبارنا، و الظاهر أنه عامي و سيما شيخنا المذكور كثيرا ما يستسلفون الأخبار العامية و يستدلون بها في أمثال هذه المقامات الخالية من الاخبار المعصومية، و لو صح الخبر المذكور لما كان عنه معدل لدلالته بالمفهوم الشرطي الذي هو حجة صحيحة كما أوضحناه في صدر كتاب الطهارة على ما يدعونه، و لكن الأمر كما ترى و أما منعه أن ذلك من باب الاسقاط، فليس بعده الا ان يكون من قبيل الوعد، كما ذكره المحقق المتقدم ذكره، و تعليله الأول، و قوله فيه «و نزوله عنها يؤذن بعدم الضرر» انما يناسب الاسقاط، لا الوعد، لان المراد بنزوله عنها معنى تركه لها، قال في كتاب المصباح المنير: و نزلت عن الحق تركته، على أنه متى لم يكن من باب الاسقاط كما ذكره، فالحق باق لا مزيل له، و مجرد عدم إرادته بعد العرض عليه لا يوجب منع الإرادة بعد تحقق حقه و استحقاقه الشفعة بالبيع.

و أما دعوى كونه وعدا و شرطا كما ذكره المحقق المشار اليه و استدل بأدلة وجوب الوفاء بالوعد و الشرط فظني بعده، و ان أمكن احتماله على بعد باعتبار حصوله ذلك من هذا الكلام ضمنا، فإن غاية الأمر أنه عرض عليه الشراء فامتنع منه و لم يرده و هذا لا يسمى بحسب العرف وعدا إلا بتأويل و تمحل.

و بالجملة فالمسألة لخلوها عن النص محل اشكال كغيرها من الفروع المذكورة، و ان كان القول بما ذهب اليه ابن إدريس و من تبعه أقرب لما عرفت. و الله العالم.

الرابعة عشر [الخلاف في الأخذ بالشفعة فيما لو كان الثمن مؤجلا]

- اختلف الأصحاب فيما لو كان الثمن مؤجلا فالمشهور أنه يأخذ بالشفعة عاجلا بالثمن المؤجل الذي وقع عليه العقد، فان العقد انما وقع على المؤجل و هو قول الشيخ المفيد و ابن البراج و ابن إدريس، و به قال الشيخ في النهاية، و زاد أنه ان لم يكن الشفيع مليا الزم بإقامة كفيل يضمنه.

و قال في الخلاف و المبسوط: انه يتخير الشفيع بين أخذه بالثمن حالا و بين التأخير إلى حلول الأجل و أخذه بثمن حال، و نقل في الكتابين ما ذكره في النهاية قولا عن بعض أصحابنا.

334

و قال في الخلاف- بعد نقله و قد ذكرناه في النهاية-: و هو قوى و بهذا القول الثاني قال ابن الجنيد و الطبرسي على ما نقله في المختلف، و الأقرب هو الأول بناء على القول بالفورية، كما هو المشهور عندهم، و قد تقدم تحقيق الكلام فيه.

و توضيحه أن الشفيع بمنزلة المشتري يأخذ بالثمن الذي أخذ به المشترى، و ليس له أكثر من حقه قدرا و أجلا، على أنه قد تقرر أن للأجل قسطا من الثمن، فلو أخذ بالثمن حالا في الصورة المذكورة للزم الزيادة في الثمن المأخوذ به على أصل الثمن الذي وقع به الشراء.

و به يظهر أن القول الثاني يستلزم أحد محذورين، اما إسقاط الشفعة بعد ثبوتها ان أخر إلى حلول الأجل للإخلال بالفورية المستلزم لبطلانها، أو زيادة وصف في الثمن ان أخذ بالشفعة، و عجل بالثمن، لان تعجيله زيادة وصف فيه من غير موجب، بل يستلزم زيادة الثمن، لما عرفت من أن التأجيل له قسط من الثمن، فليرم زيادة الثمن على الأصل، و يتفرع على هذا القول أنه لو مات المشترى حل عليه الثمن، و بقي الشفيع على التخيير الثابت له أولا، فإن شاء عجل، و ان شاء أخر إلى حلول الأجل.

احتج الشيخ على ما ذهب إليه في الخلاف و المبسوط بأن الشفعة قد وجبت بنفس الشراء و الذمم لا تتساوى فوجب عليه الثمن حالا أو يصبر الى وقت الحلول فيطالب بالشفعة مع الثمن، و أجيب عنه بأنه لا يلزم من عدم تساوى الذمم، ثبوت أحد الأمرين المذكورين لإمكان التخلص بالضمين، اما مطلقا كما يظهر من العلامة في المختلف، أو مع عدم الملاءة.

أقول: و أشار إليه الشيخ فيما قدمنا من عبارته في النهاية بقوله ان لم يكن الشفيع مليا الزم بإقامة كفيل.

الخامسة عشر- إذا اختلف المشترى و الشفيع في القيمة بعد الاتفاق في الشراء

، فقال المشترى: اشتريت بمأة، و قال الشفيع: بل بخمسين، فان لم يكن بينة لأحدهما فالظاهر من كلام أكثر الأصحاب أن القول قول المشترى مع يمينه،

335

و به صرح الشيخ في النهاية و الشيخ المفيد و أبو الصلاح و ابن إدريس.

قال في المختلف: و هو جيد، لانه العاقد فهو أعرف بالثمن، و لان الشقص ملكه، فلا ينزع منه بالدعوى بغير بينه، و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الخلاف في ذلك، قال: لان النزاع ليس في العقد، لاتفاقهما معا على وقوعه صحيحا، و استحقاق الشفعة به، و انما نزاعهما في القدر الواجب على الشفيع دفعه من الثمن، فالمشتري يدعى زيادته عما يدعيه، و الشفيع ينكره، فيكون المشترى هو المدعى و الشفيع هو المنكر، فيدخل في عموم اليمين على من أنكر انتهى.

و هو جيد.

و أما مع البينة قال في المسالك: فان كان من الشفيع على ما يدعيه قبلت، بناء على أنه خارج، و قد تقدم قول المشترى فيكون البينة بينة الأخر، فإن كانت من المشترى قيل: أفادت اندفاع اليمين عنه، و ان كان في دفع اليمين عن المنكر بالبينة في غير هذه الصورة تردد، و الفرق أنه يدعى دعوى محضة، و قد أقام بها بينة فتكون مسموعة، و يشكل بأن جعله مدعيا دعوى محضة يوجب عدم قبول قوله فإنما توجه قبوله بتكلف كونه منكرا فلا يخرج عن حكم المنكر انتهى.

و ان كانت من الطرفين فقد اختلف كلامهم في ذلك فقال الشيخ في الخلاف و المبسوط: البينة بينة المشتري أيضا، و علله في المبسوط بأنه الداخل، و في الخلاف بأنه المدعي لزيادة الثمن، و الشفيع ينكره فالبينة على المدعى، و قال ابن الجنيد:

إذا اختلف الشفيع و المشترى في الثمن كانت البينة على الشفيع في قدر الثمن إذا لم يقر له بالشفعة، فإن أقر بها المشترى كانت البينة في قدر الثمن عليه، و الا كانت له يمين الشفيع، لانه لا يستحق عليه زيادة على ما يقر به له من الثمن.

و قال ابن إدريس: البينة بينة الشفيع، لانه خارج، و قال العلامة في المختلف بعد نقل ذلك: و يحتمل عندي في هذه المسألة أمور ثلاثة أقويها تقديم بينة المشتري، لأنها يرجح يقول المشتري، فإنه مقدم على قول الشفيع، و هذا بخلاف الداخل و الخارج، لان بينة الداخل يمكن أن تستند الى اليد، فلهذا قدمنا بينة الخارج.

336

الثاني- بينة الشفيع، لأنهما بينتان معارضتان، فقدمت بينة من لا يقبل قوله عند عدمها كالداخل و الخارج، و الثالث- القرعة لأنهما تنازعا في العقد، و لا يد لهما عليه فصارا كالمتنازعين في عين في يد غيرهما انتهى.

أقول: و أنت خبير بأن مرجع هذا الخلاف الى الخلاف في تقديم بينة الخارج أو الداخل عند التعارض، فعلى الأول تقدم بينة المشترى، و على الثاني بينة الشفيع، الا أن ظاهر كلامه في المختلف أن تقديم بينة المشترى لا من الحيثية المذكورة، بل من حيث ترجحها بتقديم قوله، و هذا الترجيح انما يتم بناء على ما هو المشهور عندهم، و الا فعلى ما قدمنا نقله عن المسالك من ان القول قول الشفيع بيمينه فلا.

و بالجملة فالمسألة لخلوها من النص الواضح صارت مطرحا للأنظار، و مسرحا للافكار مع ما هي عليه من الاختلاف الذي لا يقف على حد، و لا يصل الى عد. و الله العالم.

السادسة عشر- إذا ظهر في الشقص الذي هو محل الشفعة عيب

، فان كان ذلك حال البيع و قبل أخذ الشفيع بالشفعة فالواجب أولا النظر فيما يستقر عليه حكم المشترى في هذه الصورة، فإن اختار أخذ الأرش، أو كان الحق منحصرا في الأرش بأن حدث في المبيع ما يمنع الرد، فالحكم في الشفيع أنه يسقط عنه من الثمن ما قابل الأرش الذي أخذ المشتري، لأنه جزء من الثمن، و الثمن حقيقة انما هو الباقي بعد الأرش، و ان لم يأخذ الأرش بل عفا عنه، لانه حقه ان شاء تركه، تخير الشفيع بين الأخذ بمجموع الثمن الذي وقع عليه العقد، و بين الترك، لانه لم يتجدد للثمن ما يوجب نقصه كما في الصورة الاولى.

و ان كان ظهور العيب بعد الأخذ بالشفعة فهيهنا صور أربع، لانه اما أن يكون المشترى و الشفيع عالمين به وقت البيع، أو جاهلين أو أحدهما عالم و الأخر جاهل، و هذه الصورة الثالثة تنحل الى صورتين، و هو أن يكون المشترى عالما و الشفيع جاهلا و بالعكس.

فالأولى أن يكونا عالمين

فلا خيار لأحدهما و لا أرش، لقدوم المشترى على الشراء و الحال هذه، و الشفيع على الأخذ بالشفعة و الحال كما عرفت، و هذا ظاهر.

337

الثانية أن يكونا جاهلين

، فان اتفقا بعد العلم على رده فلا بحث، و ان اتفقا على أخذه مع الأرش أو بدونه صح، و الثمن اللازم للشفيع على الأول هو ما بعد الأرش، و على الثاني هو ما وقع عليه العقد.

و أطلق في المسالك أن الثمن اللازم للشفيع ما بعد الأرش، و لا أعرف له وجها، لانه مع الاتفاق على عدم الأرش يبقى الثمن الذي وقع عليه العقد على حاله، لم يعرض له ما يوجب نقصانه، فكيف يكون اللازم للشفيع ما بعد الأرش و الحال أنه لا أرش، لاتفاقهما على الأخذ بدونه، و ان اختلفت إرادتهما فأراد الشفيع رده دون المشترى فله ذلك، و يرجع المبيع إلى المشتري فيتخير بين أخذه مع الأرش أو بدونه أو عدم الأخذ بالكلية ان لم يحدث في المبيع ما يمنع الرد، و ان انعكس الأمر بأن أراد الشفيع أخذه، و أراد المشتري رده، فظاهر الأصحاب تقديم ارادة الشفيع لثبوت حقه و سبقه (1) و علل أيضا بأن فيه جمعا بين الحقين، لأنا لو قدمنا المشترى بطل حق الشفيع بالكلية مع ما عرفت من ثبوته و سبقه، و إذا قدمنا الشفيع فإن المشتري يحصل له مثل ثمنه أو قيمته من الشفيع، و لا يفوت عليه شيء فيكون تقديمه جامعا بين الحقين.

بقي الكلام في أنه على ما ذكرنا من تقديم الشفيع و أخذه المبيع بما وقع عليه العقد من الثمن، فلو أراد المشتري طلب الأرش و الحال هذه، فهل تجب اجابته و دفعه إليه أم لا؟ قولان: و بالثاني قال الشيخ (رحمه الله) و علله بأنه استدرك ظلامته برجوع جميع الثمن اليه من الشفيع، فلم يقف منه شيء يطالب به.

و بالأول قال المحقق في الشرائع، لأن حقه انما هو عند البائع، حيث أن الأرش جزء من الثمن عوض جزء فات من المبيع، فلا يجب عليه أن يقبل عوضه من الشفيع، لان الواقع بين البائع و المشترى معاوضة مستقلة مغايرة لما وقع بينه و

____________

(1) و ذلك فان حقه ترتب على البيع و اما حق المشترى فإنه انما ثبت بظهور العيب المتأخر عن وقت البيع و وقت الشفعة كما هو المفروض في أصل المسألة فيكون حق الشفيع أسبق- منه (رحمه الله).

338

بين الشفيع، و حقه انما هو عند البائع، و لا يجب عليه قبول عوضه من الشفيع.

و الى هذا القول مال في المسالك أيضا، و قال: انه أقوى، قال: و حينئذ فله الرجوع على البائع بالأرش، فيسقط عن الشفيع من الثمن بقدره، لان الثمن ما يبقى بعد الأرش.

الثالثة- أن يعلم الشفيع بالعيب دون المشترى

، و الحكم فيه لزومه للشفيع لقدومه على الأخذ مع علمه بالعيب، و أما المشتري فالظاهر أنه ليس له الرد لانتقال المبيع الى الشفيع، و به صرح الأصحاب أيضا، و عللوه بمراعاة حق الشفيع.

قالوا: و في ثبوت الأرش للمشتري الوجهان المتقدمان، قال في المسالك:

و الأصح ان له ذلك فيسقط عن الشفيع بقدره، و لا يقدح فيه علمه بالحال لما بيناه من أنه يأخذ بالثمن و هو ما بعد الأرش.

الرابعة- أن يعلم المشتري خاصة

، و حينئذ فللشفيع رده بالعيب حيث أنه جاهل به، و ليس له أرش، لأنه انما يأخذ بالثمن الذي وقع عليه العقد، و المشترى لا أرش له هنا لقدومه على الشراء مع علمه بالعيب، و استحقاق الشفيع الأرش فرع أخذ المشتري إياه و الله العالم.

السابعة عشر [طريق الأخذ بالشفعة]

- قالوا: و طريق الأخذ بالشفعة أن يقول: أخذت أو تملكت أو اخترت الأخذ، و لكن لا يكفى مجرد القول، بل لا بد من تسليم الثمن مع ذلك، هذا مع عدم رضى المشترى بالشفعة، فتصح الشفعة بذلك رضى أو لم يرض، و أما مع رضاه بالشفعة، و الصبر بالثمن فلا يلزم تسليمه في صحة الشفعة، و لكن يجب على الشفيع تسليمه عند الطلب، كسائر الحقوق، أقول: الظاهر أن كلما دل من الألفاظ على الأخذ بالشفعة، و طلبها فهو موجب لذلك، إذ لا تعرض للتخصيص بشيء من الألفاظ في الاخبار، لا في هذا الباب و لا في غيره من العقود حتى البيع الذي هو مطرح الانظار في أمثال هذه المقامات و أما الكلام في الثمن و وجوب تسليمه أو لا فقد تقدم الكلام فيه في المسألة الخامسة من هذا المقصد، ثم ان ظاهر كلامهم أنه لا بد في الأخذ بالشفعة من معلومية الثمن عند الشفيع جنسا و قدرا و وصفا، و عللوه بأنه لما كان الأخذ بالشفعة في

339

معنى المعاوضة المحضة، لأنه يأخذ الشقص بالثمن الذي بيع به، اشترط علمه به حين الأخذ حذرا من الغرر اللازم على تقدير الجهل، لان الثمن يزيد و ينقص و الأغراض تختلف فيه قلة و كثرة، و ربما يزيد حيلة على زهد الشفيع في الأخذ مع اتفاقهما على إسقاط بعضه، فلا يكفي أخذه بالشفعة مع عدم العلم به جنسا و قدرا و وصفا و ان رضى بأخذه مهما كان الثمن، لان دخوله على تحمل الغرر لا يرفع حكمه المترتب عليه شرعا من بطلان المعاوضة مع وجوده، كما لو أقدم المشترى على الشراء بالثمن المجهول و رضى به كيف كان.

قالوا: و حيث لا يصح الأخذ لا تبطل الشفعة، بل يجددها إذا علم به، و ظاهر المحقق الأردبيلي (قدس سره) المناقشة في الحكم المذكور حيث قال بعد ان نقل قول المصنف «انه لو قال: أخذت بالثمن كائنا ما كان و كان عالما بقدره صح و الا فلا»: ما صورته «لا شك في الصحة مع العلم و أما مع الجهل فقال المصنف: لا يكفى و ان ضم إليه كائنا ما كان، و لعل دليله الجهل بالثمن و ان الشفعة بمنزلة البيع بينه و بين المشترى، و لا بد من العلم بالعوضين، و ذلك غير ظاهر، و ما نعرف لاشتراط العلم دليلا لا عقليا و لا شرعيا الا أن يكون إجماعا فتأمل انتهى.

و بالجملة فإن مرجع ما قدمنا من كلامهم الى إلحاق الشفعة بالبيع، و حملها عليه من حيث الاشتراك في كونهما معاوضة، و قد قام الدليل في البيع على وجوب العلم بالعوضين جنسا و قدرا و وصفا فكذا هنا.

و أنت خبير بما فيه، فإنه عند التحقيق لا يخرج عن القياس المنهي عنه في الاخبار، حيث أن أخبار الشفعة على تعددها و تكاثرها لا إشعار في شيء منها بذلك و الحكم به بدون ذلك مشكل.

و أما التعليل بالغرر فيمكن دفعه بأن الشفيع قد أقدم على ذلك و رضى به، و قوله «أن دخوله على تحمل الغرر لا يدفع حكمه» مسلم لو ثبت هنا عدم جواز الدخول في هذا الحال، و قياسه على البيع ممنوع، لقيام الدليل في البيع، فيتم ما ذكروه فيه، أما هنا فهو محل البحث و عين المتنازع فيه و الله العالم.

340

المقصد الخامس في موجبات سقوط الشفعة و بطلانها

فمنها أن يشترى شقصا لا يستوي إلا عشرة بمأة و يدفع عوض المأة ما يساوى عشرة، فالشفيع اما ان يدفع المأة، أو ينزل عن الشفعة، لأنك قد عرفت أنه يأخذ بالثمن الذي وقع عليه العقد ان أراد الشفعة، و أما دفع المشترى عوض المأة ما يساوى عشرة فهي معاوضة أخرى، لا تعلق للشفيع بها، و هذا من جملة الحيل لإسقاط الشفعة، و في معناه أن يبرءه من بعض الثمن.

و منها ترك المطالبة بالشفعة مع العلم و عدم العذر، بناء على القول بالفورية، و أما على القول بعدمها فلا، و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في المسألة السادسة من المقصد السابق، و أنه على القول الغير المشهور لا تسقط إلا بالإسقاط، و الا فهي ثابتة على التراخي.

و منها ما لو نزل عن الشفعة قبل البيع على أحد القولين، و قد تقدم تحقيق ذلك في المسألة الثالثة عشر من المقصد المذكور.

و منها أن يشهد على البيع على أحد القولين فذهب الشيخ في النهاية و جماعة إلى بطلانها، لدلالته على الرضا بالبيع، و ذهب في المبسوط الى عدمه، للأصل و منع الدلالة، و تأثيرها على تقديرها في الابطال، و اختاره في المسالك.

و منها أن يبارك للمشتري أو البائع العقد، و هو محل خلاف أيضا، و علل القول بالبطلان اما لتضمنه الرضا، أو لمنافاته الفورية، قال في المسالك: و الأصح عدم البطلان، لمنع، الأمرين، أما الأول فواضح، و أما الثاني فلان المعتبر فيها العرف، و نحو السلام و الدعاء عند الاجتماع لذلك و أشباهه لا ينافيها عرفا، بل ربما كانت المبادرة إلى الأخذ بدون الكلام مستهجنا عادة انتهى.

أقول: و يزيده تأكيدا بالنسبة إلى الدلالة على الرضا أنه من المحتمل قريبا بل هو الظاهر- متى حصلت منه الشفعة أن الرضا بالبيع انما كان لكونه وسيلة إلى الأخذ بالشفعة، فيكون مؤكدا لا منافيا، و بالنسبة الى الثاني ما تقدم في المسألة

341

السادسة من المقصد المتقدم.

و منها أن يأذن للمشتري في الابتياع، و فيه أيضا قولان: أظهرهما عدم الابطال و احتج القائل بالإبطال بدلالة الاذن على الرضا المبطل لها، و فيه منع ظاهر، لما عرفت آنفا من أن الرضا ان لم يكن دالا على الجواز لكونه وسيلة إلى الأخذ بالشفعة لم يكن مبطلا.

و التحقيق في هذه المواضع الخلافية و نحوها أن الشفعة لا تبطل الا مع التصريح بإسقاطها بمد ثبوتها، أو منافاته الفورية على القول باعتبارها.

و منها و هو من الحيل أيضا في إسقاط الشفعة أن ينقل الشقص بغير البيع كالهبة و الصلح على الأشهر الأظهر من اختصاص الشفعة بالبيع، كما تقدم تحقيقه في المقصد الثاني في الشروط، و سقوط الشفعة هنا حقيقة لفقد الشرط المقتضى لثبوتها، و هو انتقال الشقص بالبيع.

و منها أن يبيع جزءا من الشقص بثمن كله، ثم يهب له باقي الشقص.

و منها أن يبيع عشر الشقص مثلا بتسعة أعشار الثمن، ثم يبيع تسعة أعشاره بعشر الثمن، فالشريك الأول لا يرغب في الشفعة في البيع الأول لقلة المبيع، و كثرة الثمن، و لا شفعة له أيضا في البيع الثاني لتعدد الشركاء، لان الأشهر الأظهر اشتراط وحدة الشريك كما تقدم تحقيقه، و ذلك لان المشتري حال البيع الثاني صار شريكا.

و منها أن يبيعه بثمن قيمي كثوب مثلا، ثم يبادر البائع بعد قبضه إلى إتلافه قبل العلم بثمنه، أو يخلطه بغيره بحيث لا يتميز، فإنه تندفع الشفعة هنا لعدم معلومية الثمن و الجهل به، لأن الشفعة في القيمي انما يكون بقيمته، و هي هنا غير معلومة.

342

كتاب الحجر

و هو لغة المنع، و منه سمى الحرام حجرا، لما فيه من المنع، قال الله تعالى (1) «وَ يَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً» أى حراما محرما، و سمى العقل حجرا، لانه يمنع صاحبه من ارتكاب القبيح، قال الله تعالى (2) «هَلْ فِي ذٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ» و شرعا هو المنع من التصرف في المال، أى مال ذلك المحجور عليه، أعم من أن يكون في الجميع أو البعض، فيشمل الممنوع من التصرف في الجميع، كالصبي أو في البعض كالمريض، و أيضا فالظاهر المنع في الجملة و على بعض الوجوه، إذ لا منع شرعا من الكل، إذ لا يكون أضعف من الصبي و المجنون، و هما غير ممنوعين من الأكل و الشرب و السكنى و نحوها.

ثم اعلم ان جملة من الأصحاب كالعلامة في التذكرة و المحقق في الشرائع جعلوا للحجر كتابا و بابا على حدة، و للمفلس كتابا و بابا على حدة، و العلامة في الإرشاد أدرج المفلس في كتاب الحجر، و جعله من جملة مباحثه، و هو الأظهر كما ستقف عليه إنشاء الله تعالى، و كأن أولئك نظروا إلى كثرة الأبحاث المتعلقة بالمفلس فجعلوه لذلك مستقلا بالبحث، و الأمر في ذلك هين.

و نحن قد جرينا في هذا الكتاب على ما جرى عليه شيخنا العلامة في الإرشاد و حينئذ فالبحث في هذا الكتاب يقع في مطالب ثلاثة

المطلب الأول- في موجبات الحجر

، و هي عند الأصحاب ستة، الصغر، و الجنون، و الرق، و المرض و الفلس، و السفه، و الحصر في هذه الستة المذكورة جعلي لا استقرائي، حيث قد جرت عادتهم بالبحث في هذا المقام عن هذه الستة.

و الا فهنا أقسام كثيرة غير هذه الستة، كالحجر على الراهن و المرتهن في

____________

(1) سورة الفرقان الآية- 22.

(2) سورة الفجر الآية- 5.

343

الرهن، و على المشترى فيما اشتراه قبل دفع الثمن، و على البائع في الثمن المعين، و على المكاتب في كسبه لغير الأداء و النفقة، و على المرتد الذي يسوغ عوده، و غير ذلك مما هو مذكور في تضاعيف الفقه. (1)

و كيف كان فالكلام في هذه الستة المذكورة يقع في مواضع

[الموضع] الأول- الصغر

، و فيه مقامات

المقام الأول- لا خلاف في الحجر على الصغير ما لم يبلغ في الجملة

، و يدل عليه الآية و هي قوله تعالى (2) «وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ» الآية.

و الاخبار منها ما رواه

في التهذيب عن الأصبغ بن نباتة (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «أنه قضى أن يحجر على الغلام حتى يعقل» الحديث.

قال في التذكرة: و هو محجور عليه بالنص و الإجماع، سواء كان مميزا أو لا، في جميع التصرفات الا- ما استثنى كعباداته و إسلامه و إحرامه و تدبيره، و وصيته و إيصال الهدية و اذنه في دخول الدار على خلاف في ذلك.

أقول: المفهوم من كلام جملة من الأصحاب كالمحقق في الشرائع و غيره أن الحجر انما هو باعتبار التصرف المالي، فإنه عرفه في الشرائع بأنه الممنوع من التصرف في ماله، و هو المتبادر من الإطلاق أيضا، و ظاهر كلام العلامة هنا أن المراد جميع

____________

(1) سورة النساء الآية- 6.

(2) التهذيب ج 6 ص 232 الفقيه ج 3 ص- 19.

(3) أقول عد المشترى هنا و البائع فيمن يحجر عليه بناء على ما تقدم في كتاب البيع من انه لا يجب على واحد منهما التسليم قبل الأخر كما هو المشهور، فيكون المبيع محجورا على المشترى، و لا يجب على البائع تسليمه قبل قبض الثمن و قد تقدم ما فيه، و احترز بالمعين عما في الذمة، فإن الحجر انما يتوقف بالنسبة إلى العين و المنع من التصرف فيها بأحد وجوه التصرفات، و ما في الذمة أمر كلي لا وجود له في الخارج إلا بالتبعية في فرد خارجي منه (رحمه الله).

344

التصرفات، و على هذا فاستثناء الثلاثة الأول ظاهر.

و أما تدبيره و وصيته فهو محل خلاف بين الأصحاب الا أن الاخبار قد دلت على جواز ذلك من ابن عشر سنين و كذا العتق، و سيأتي في أبوابها إنشاء الله تعالى.

و أما إيصال الهدية و الاذن فقد صرحوا بأنه لا يحتاج علم المهدى اليه، و الداخل يكون ذلك بإذن الولي صريحا.

قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) بعد نقل ذلك عنهم لعله اكتفى بالظاهر للعادة بأن الهدية في محلها لم يجئها الولد إلا بإذن وليه، و كذا الاذن في الدخول لا يكون إلا بإذنه للقرينة، فكأنه اكتفى فيهما بمثله للظهور و سهولة الأمر لكثرة التداول، و الشيوع بين المسلمين من غير نكير، و كأنه كان في زمانهم (عليهم السلام) مع عدم المنع فتقريرهم هنا ثابت، و هو حجة و لا يبعد ذلك و أمثاله، مثل قبول مثله من عبده و ولده و تسليم ظرفه إليهما، و كذا تسليم ما كان عند الإنسان بالعارية و نحوها الى شخص يوصله اليه من غير اذنه، سواء كان عبد المرسل أو ولده أو غيرهما، كما هو المتعارف خصوصا إذا كان بينهما الصداقة، أو عرف من حاله أنه لا يكره، بل يرضى علما أو ظنا متاخما له، و يدل عليه عموم أدلة قبول الهدية من غير تفصيل، بأن يكون الموصل حرا بالغا، و مع ذلك الاحتياط أمر مطلوب انتهى.

أقول: لو ثبت عموم الحجر كما هو ظاهر كلام التذكرة بالأدلة القاطعة من كتاب أو سنة لكان في الخروج عنه بما ذكره (قدس سره) من هذه التوجيهات محل نظر و إشكال، الا؟ أن القدر المعلوم ثبوته من الكتاب و السنة و الإجماع، انما هو التخصيص بالمالي، و حينئذ فيهون الخطب فيما ذكره، و يقوى اعتباره.

المقام الثاني [عدم زوال حجر الصغير إلا بالبلوغ]

قد عرفت أن الصغر سبب في الحجر، و لا يزول الا بالبلوغ، و هو يعلم في الذكور بأمور، منها- خروج المنى و تشركه في هذه العلامة الأنثى، و المراد منه الماء الدافق الذي يخلق منه الولد في يقظة كان أو نوم، و عليه تدل

345

جملة من الآيات و الروايات، كقوله تعالى (1) «إِذٰا بَلَغَ الْأَطْفٰالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ»- «وَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ» «و حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ» الاية، و الحلم بالضم لغة واحد الأحلام النومية، قال في التذكرة: الاحتلام هو خروج المنى و هو الماء الدافق الذي يخرج منه الولد، و قال أيضا: «الحلم خروج المنى من الذكر أو قبل المرأة مطلقا، سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، و سواء كان بجماع أو غير جماع، و سواء كان في نوم أو يقظة» و كأنه يريد أن ذلك المعنى المقصود منه شرعا، و الا فإن المذكور في كلام أهل اللغة انما هو التخصيص بالنوم كما يظهر من القاموس و غيره، و لهذا قال في التذكرة:

و لا يختص بالأحلام.

و الاخبار بذلك متكاثرة أيضا

ففي رواية على بن جعفر (2) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الغلام متى يجب عليه الصوم و الصلاة؟ قال: إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فان احتلم قبل ذلك فقد وجب عليه الصلاة، و جرى عليه القلم».

و في صحيحة البزنطي (3) عن الرضا (عليه السلام) قال: «يؤخذ الغلام بالصلاة و هو ابن سبع سنين، و لا تغطي المرأة شعرها عنه حتى يحتلم».

و في هذه الخبر دلالة على جواز كشف المرأة رأسها ما لم يبلغ، و الظاهر أن ذكر الشعر انما خرج مخرج التمثيل، لانه لا فرق بينه و بين سائر الجسد في تحريم النظر اليه من الأجنبي الذي ليس بمحرم.

و في صحيحة هشام (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام و هو أشده، و ان احتلم و لم يونس منه رشده و كان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه ماله».

____________

(1) سورة النور الآية 59.

(2) التهذيب ج 2 ص 381 لكن عن عمار الساباطي.

(3) الفقيه ج 4 ص 163.

(4) الفقيه ج 4 ص 163.

346

و في رواية عبد الله بن سنان المروية في الخصال (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سأله أبى و أنا حاضر عن اليتيم متى؟ قال: حتى يبلغ أشده، قال:

و ما أشده؟ قال: احتلامه» الحديث.

الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة.

و منها الإنبات، و المراد به ما على العانة من الشعر، و هذه العلامة أيضا مشتركة بين الذكر و الأنثى، قال في التذكرة: و هو مختص بشعر العانة الخشن، و لا اعتبار بالشعر الضعيف الذي قد يوجد في الصغر، بل الخشن الذي يحتاج في إزالته إلى الحلق حول ذكر الرجل و فرج المرأة، و قال أيضا في الكتاب المذكور: إنبات هذا الشعر دليل البلوغ في حق المسلمين و الكفار عند علمائنا أجمع (2).

أقول: و يدل عليه أيضا مضافا الى الإجماع المذكور الأخبار،

ففي حسنة يزيد الكناسي (3) عن الباقر (عليه السلام) و هي طويلة قال في آخرها: «ان الغلام إذا زوجه أبوه كان له الخيار إذا أدرك، أو بلغ خمس عشرة سنة، أو أشعر في وجهه، أو أنبت في عانته».

و الظاهر أن المراد بالشعر في وجهه هو اللحية و الشارب، و استقرب في التحرير كون نبات اللحية دليلا دون غيره من الشعور، و العادة قاضية به.

و في معنى هذه الرواية

رواية حمران (4) و فيها «ان الغلام تجب عليه الحدود إذا احتلم، أو بلغ خمس عشرة سنة أو أشعر أو أنبت قبله، و الجارية لتسع».

و هل الإنبات دليل بنفسه على البلوغ كالسن، أو على سبقه كالحيض و الحمل؟

قولان:

____________

(1) الوسائل الباب- 2 من أبواب أحكام الحجر الرقم- 5.

(2) نبه به على خلاف بعض العامة نظرا إلى انه لا يمكن الرجوع إليهم في الاخبار بالسن و الاحتلام بخلاف المسلم، قال في المسالك: و ربما نسب هذا القول الى الشيخ (رحمه الله) و هذا التفصيل بالنسبة إلى الحرب من الكفار: باعتبار جواز القتل في البالغ دون غيره- منه (رحمه الله).

(3) الوسائل الباب- 4- من أبواب مقدمة العبادات.

(4) الوسائل الباب- 4- من أبواب مقدمة العبادات.

347

قال في المسالك بعد قول المصنف «و يعلم بلوغه بإنبات الشعر الخشن على العانة» ما لفظه: احترز بالشعر الخشن عن الشعر الضعيف- الذي ينبت قبل الخشن ثم يزول و يعبر عنه بالزغب- و يشعر العانة عن غيره، كشعر الإبط و الشارب و اللحية فلا عبرة بها عندنا إذ لم يثبت كون ذلك دليلا شرعا، خلافا لبعض العامة، و لا شبهة في كون شعر العانة علامة على البلوغ، انما الكلام في كونه نفسه بلوغا أو دليلا على سبق البلوغ، و المشهور الثاني، لتعليق الأحكام في الكتاب و السنة على الحلم و الاحتلام، فلو كان الإنبات بلوغا بنفسه لم يختص غيره بذلك، و لان البلوغ غير مكتسب، و الإنبات قد يكتسب بالدواء، و لحصوله على التدريج، و البلوغ لا يكون كذلك، و وجه الأول ترتب أحكام البلوغ عليه و هو أعم من الدعوى انتهى.

أقول: فيه أولا أن ما ذكره- من أن شعر الشارب و اللحية لا عبرة به إذ لم يثبت كونه دليلا شرعيا- مردود بدلالة الروايتين المذكورتين على كونه دليلا شرعيا، و الثانية منهما و ان كانت مجملة حيث لم يذكر موضع الشعر فيها، الا أن الأول مصرحة بكونه شعر الوجه.

و من الظاهر أن الشعر في الوجه انما هو اللحية و الشارب، فيحمل إجمالها على تفصيل الاولى و بيانها، فإنه (عليه السلام)، جعل إنبات الشعر في عداد البلوغ بالسن و الإنبات و الاحتلام، فيكون احدى علامات البلوغ، و الظاهر أنه غفل عن الاطلاع على الخبرين المذكورين، كما غفل عنهما غيره، حيث لم يعدوا ذلك في العلامات المذكورة و رد الخبرين المذكورين من غير معارض ظاهر لا يخفى ما فيه.

و ثانيا ان ما ذكره من الخلاف- في كون الإنبات دليلا على البلوغ أو على سبقه، و اختياره الثاني و قوله أنه هو المشهور- فيه أن ظاهر عبارة العلامة المتقدمة و قوله نبات هذا الشعر دليل البلوغ في حق المسلمين و الكفار عند علمائنا أجمع عدم الاعتداد بهذا القول المشهور، و انه لا خلاف في كونه دليلا على البلوغ بنفسه، و هو المؤيد بظاهر الخبرين المذكورين، فان ظاهر عد الإنبات في عداد السن و الاحتلام- اللذين لا خلاف في كونهما علامتين للبلوغ لا على سبق البلوغ- كون الإنبات مثلهما في ذلك.

348

و بذلك يظهر لك ما في قوله في الاحتجاج للقول المشهور، لتعليم الأحكام في الكتاب و السنة على الحلم و الاحتلام الى آخره، فإنه ظاهر في ما قدمنا ذكره من عدم اطلاعه على الخبرين المذكورين، و الا فمع الوقوف عليهما كيف يتم له دعوى تعليق الحكم في السنة على الاحتلام، و أنه مختص بذلك دون الإنبات، و الروايتان قد اشتملتا كما عرفت على عد الجميع من علامات البلوغ، و المتبادر منه كون كل منها علامة على البلوغ لا على سبقه.

و ثالثا أن قوله «ان البلوغ غير مكتسب، و الإنبات قد يكون مكتسبا» فإنه بظاهره لو تم لدل على عدم جواز عد الإنبات في العلامات المذكورة، و لو بكونه علامة على السبق، مع أنه لا يقول به، و القائلون بعده انما يريدون به الإنبات الحاصل من الله- «سبحانه»- بمقتضى العادة و الطبيعة، و هو بهذا المعنى لا يمنع من كونه علامة على البلوغ، لا أنه مراد به ما هو أعم حتى يتجه ما ذكره، و كذا قوله «و لحصوله على التدريج» فان فيه ان العلامة تحصل بمجرد خروج شيء من الشعر، و لا توقف لها على تزايده و كماله، حتى يتجه قوله «و البلوغ لا يكون كذلك» يعنى تدريجا، و بالجملة فإن كلامه «(قدس سره)» هنا لا يخلو من الغفلة عن النصوص المذكورة، و المجازفة في هذه التعليلات العليلة.

و أنت خبير بأن مورد الروايات في هذه العلامة و التي قبلها انما هو المذكر، فكان مستند هاتين العلامتين في الأنثى انما هو الإجماع، حيث لا قائل بخلاف ذلك.

و منها السن و المشهور أنه في الذكر ببلوغ خمس عشرة سنة، و في الأنثى ببلوغ تسع، و يدل عليه بالنسبة إلى الذكر ما تقدم في حسنة يزيد الكناسي (1) و رواية

حمران (2) و بالنسبة إلى الأنثى ما في رواية حمران المذكورة، حيث قال قال فيها: «ان الجارية إذا تزوجت و دخل بها و لها تسع سنين ذهب عنها اليتم، و دفع إليها مالها، و جاز أمرها في الشراء و البيع» الحديث.

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من أبواب مقدمة العبادات.

(2) الوسائل الباب- 4- من أبواب مقدمة العبادات.

349

و رواية عبد الله بن سنان (1) عن ابى عبد الله «(عليه السلام)» و إذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك، و ذلك لأنها تحيض لتسع سنين».

و عن الشيخ في كتاب الصوم من المبسوط و ابن حمزة أن بلوغ المرأة بعشر سنين. مع أن الشيخ وافق المشهور في موضع آخر من الكتاب المذكور، و ما ذكر من القول بالعشر لم نقف له على دليل، و في موثقة عمار (2) بلوغها بثلاث عشرة، و هو غير معمول عليه، و قيل في المذكر بأربع عشرة سنة، نقله في المختلف عن ابن الجنيد، و نقل بعض أفاضل متأخر المتأخرين (3) عن بعض القدماء و الشيخ في كتابي الاخبار و أكثر محققي المتأخرين أنهم قالوا بحصول البلوغ بالدخول في الرابع عشر، قال: في المفاتيح: و لا يخلو من قوة، و يدل عليه

قوله «(عليه السلام)»: في صحيحة عبد الله بن سنان (4) إذا بلغ الغلام أشده ثلاث عشرة سنة و دخل في الأربع عشرة وجب عليه ما يجب على المحتلمين، احتلم أو لم يحتلم كتب عليه السيئات، و كتبت له الحسنات و جاز له كل شيء الا أن يكون سفيها أو ضعيفا».

و منها موثقة أخرى له (5) و على هذا فما تقدم نقله عن ابن الجنيد من القول بالأربع عشرة ان أريد به الدخول فيها فهو راجع الى هذا القول الذي دلت عليه هذه الاخبار.

و ان أريد به إكمالها فيمكن أن يكون مستنده قوله «(عليه السلام)»

في رواية عيسى بن زيد (6) «و يحتلم لأربع عشرة».

بحملها على كمال الأربع عشرة، و قد بسطنا الكلام في هذا المقام في كتاب الصيام (7) و ذكرنا جملة من الاخبار و ما قيل في الجمع

____________

(1) الوسائل الباب- 44- من أبواب أحكام الوصايا.

(2) الوسائل الباب- 4- من أبواب مقدمة العبادات.

(3) هو الفاضل المولى أبو الحسن بن محمد طاهر المجاور بالمشهد الغروي حيا و ميتا في شرحه على المفاتيح- منه (رحمه الله).

(4) الوسائل الباب- 44- من أبواب أحكام الوصايا.

(5) الوسائل الباب 44- من أبواب أحكام الوصايا.

(6) الوسائل الباب 44- من أبواب أحكام الوصايا.

(7) ج 13 ص 181.

350

بينها، فمن أحب الوقوف عليه فليرجع إليه، بقي هنا شيء و هو أن ظاهر عبارات الأصحاب الاكتفاء بمجرد الدخول، و هو ظاهر الاخبار، حيث صرحت بأن بلوغ الخمس عشرة موجب للبلوغ، و ظاهره هو الاكتفاء بالدخول فيها و ان لم يتمها، الا أن شيخنا الشهيد الثاني في المسالك قال: و يعتبر إكمال السنة الخامسة عشرة، و التاسعة في الأنثى، فلا يكفى الطعن فيها عملا بالاستصحاب و فتوى الأصحاب، و لان الداخل في السنة الأخيرة لا يسمى ابن خمس عشرة ستة لغة و لا عرفا، و الاكتفاء بالطعن فيها وجه للشافعية انتهى. و تبعه على ذلك جملة ممن تأخر عنه، و ظاهره أن ذلك فتوى من تقدمه من الأصحاب، مع أن أكثر العبارات على ما حكيناه، و كذا عبارات الاخبار.

و ظاهر المحقق الأردبيلي الميل الى ما ذكرنا، الا أن عبارته لا يخلو من تعقيد، أو غلط في النسخة الموجودة عندنا، فإنه قال ما ملخصه: و الظاهر أنه لا يشترط إكمال خمس عشرة، بل يحصل بالمشروع فيه، و إكمال أربع عشرة، و بذلك يمكن الجمع بين الاخبار، ثم نقل عبارة المسالك المتقدمة، ثم قال بعد كلام في البين: و تعرف أنه ليس فتوى جميع الأصحاب و ليس بحجة، و أن ليس خامس عشر بواقع في كتاب و لا سنة معتبرة و لا إجماع حتى يكون معناه إكماله انتهى.

و منها الحيض، و الحبل للأنثى بغير خلاف يعرف في ذلك، و لا في كونهما دليلين على سبقه.

و يدل على الأول

رواية عبد الرحمن بن الحجاج (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «ثلاث يتزوجن على كل حال، و عد منها التي لم تحض و مثلها لا تحيض، قلت: و متى يكون كذلك؟ قال: ما لم يبلغ تسع سنين، فإنها لا تحيض و مثلها لا تحيض».

و قوله في رواية عبد الله بن سنان المتقدمة (2) «لأنها تحيض لتسع سنين».

____________

(1) التهذيب ج 8 ص 137.

(2) التهذيب ج 9 ص 184.

351

و لا خلاف في جواز تصرف المرأة في مالها بعد البلوغ، و ما ورد في بعض الاخبار الصحيحة «من توقف عتقها على اذن زوجها، و كذا تصرفها في مالها» فقد حمله بعض الأصحاب على تأكد استحباب استيذانه.

المقام الثالث [عدم ارتفاع حجر الصغير إلا مع الرشد]

كما أن الحجر لا يرتفع عن الصغير الا بالبلوغ كذلك يعتبر معه الرشد أيضا، فلا يرتفع عنه الحجر الا بالبلوغ و الرشد، و يدل عليه قوله عز و جل (1) «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ» قال في المسالك: الحق أن الرشد ملكة نفسانية يقتضي إصلاح المال، و تمنع من إفساده و صرفه في غير الوجوه اللائقة بأفعال العقلاء.

أقول: مرجعه إلى أنه يعتبر فيه أمور ثلاثة: أحدها أن يكون مصلحا لماله على الوجه اللائق بحاله، و ثانيها- كونه غير مفسد له بالتضييع، و ثالثها- أن لا يصرفه في المصارف الغير اللائقة بحاله، و لا يخفى ما بين هذه الأمور من التلازم.

و بالجملة فالظاهر أنه لا بد أن يكون هذه الأمور عن ملكة يقتدر بها عليها من حفظه، و صرفه في الأغراض الصحيحة، فلا يكفى ذلك مرة أو مرات من غير أن يكون ذلك على جهة الملكة، بل يكون من عقله و معرفته أن لا يضيع المال، و لو بتحمل الغبن الفاحش في المعاملات، و الصرف في المحرمات، و التبذير و الإسراف، فإنه مناف للرشد بغير خلاف.

و انما الخلاف في اشتراط العدالة في الرشد، فالمشهور العدم، و ذهب الشيخ (رحمه الله) الى اعتبارها، و هو مذهب جماعة من العامة منهم الشافعي، و احتج الشيخ و من قال بهذا القول بقوله عز و جل (2) «وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ» و ما روى

عن ابن عباس في قوله تعالى «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً» هو أن يبلغ ذا وقار و حلم و عقل».

____________

(1) سورة النساء الآية- 6.

(2) سورة النساء الآية- 6.

352

و ما روى في أخبارنا (1) «أن شارب الخمر سفيه».

فيثبت في غيره، إذ لا قائل بالفصل.

و الظاهر أن الأقوى هو القول المشهور للأصل، و لصدق مطلق الرشد على غير العادل،

و لقوله «(عليه السلام)» (2) «الناس مسلطون على أموالهم».

خرج منه ما خرج بدليل، فيبقى الباقي تحت العموم، و لزوم الحرج و الضيق بذلك، قال في المسالك و نعم ما قال: و اعلم أنه لو اعتبرت العدالة في الثبوت لم تقم للمسلمين سوق، و لم ينتظم للعالم حال، لان الناس الا النادر منهم اما فاسق، أو مجهول الحال، و الجهل بالشرط يقتضي الجهل بالمشروط، و يؤيده ورود الأوامر بالمعاملة و المناكحة مطلقا من غير تقييد بالعدالة.

و في الاخبار ما يدل على معاملة الفساق مثل الأخبار (3) الدالة على جواز بيع الخشب ممن يعمله صنما، و العنب و التمر ممن يعمله خمرا، و لو كان الأمر كما ذكره القائل المذكور لما جاز ذلك، و لكان مع عموم البلوى به يخرج فيه خبر يدل على المنع.

و بالجملة فالظاهر أن القول المذكور في غاية من الضعف، قالوا: و انما تعتبر العدالة على القول باعتبارها ابتداء لا استدامة، نقل في التذكرة الإجماع عليه، و قال في التذكرة أيضا: ان الفاسق ان كان ينفق ماله في المعاصي لشرب الخمور و آلات اللهو و القمار، أو يتوصل به الى الفساد، فهو غير رشيد لا يدفع إليه أمواله إجماعا، لتبذيره ماله، و تضييعه إياه في غير فائدة، و ان كان فسقه بغير ذلك كالكذب و منع الزكاة و إضاعة الصلاة مع حفظه ماله دفع اليه ماله، لان الغرض من الحجر حفظ المال، و هو يحصل بدون الحجر، فلا حاجة اليه، و كذا إذا طرأ الفسق

____________

(1) الفقيه- ج 4 ص 168.

(2) البحار ج 2 ص 272 ط جديد.

(3) التهذيب ج 6 ص 373.

353

الذي لا يتضمن تضييع المال و لا تبذيره، فإنه لا يحجر عليه إجماعا انتهى.

و يعلم الرشد بالاختبار فيما يلائمه من الأعمال، ذكرا كان أو أنثى، ففي الذكر لا يفك عنه الحجر حتى ينظر لو كان من التجار مثلا في بيعه و شرائه، لا بمعنى أن يفوض اليه البيع و الشراء، بأن يبيع و يشترى لانه لم يتحقق رشده بعد، بل بمعنى أن تماكس في الأموال على هذا الوجه، أو يدفع اليه المتاع ليبيعه أو الثمن ليشتري به، و لا يلاحظ الى أن يتم المساومة فيتولاه الولي، فإذا تكرر منه ذلك و سلم من الغبن، و التضييع و صرف المال في غير موضعه ثبت رشده، و هكذا في كل أحد بنسبة عمله الذي يمارسه، و المرأة تستعلم بما يناسب حال النساء من الغزل، و الطبخ و تدبير المنزل و نحو ذلك مما يعتاد ممارسته النساء.

الموضع الثاني الجنون

و دليل الحجر على المجنون ظاهر من العقل و النقل.

الموضع الثالث- الرق

و المملوك محجور عليه في التصرف إلا بإذن المولى، أما على القول بعدم ملكه فظاهر، و أما على القول بملكه فان الظاهر من الاخبار كما تقدم تحقيقه في المقصد الثاني من الفصل التاسع في بيع الحيوان من كتاب المتاجر (1) أنه محجور عليه التصرف فيه الا بإذن المولى، و استثنى من المنع الطلاق، فيجوز بدون اذن مولاه بل و ان كره، لان الطلاق بيد من أخذ بالساق، هذا في غير أمة مولاه.

الموضع الرابع- المرض

، و المريض ممنوع من الوصية بما زاد على الثلث إجماعا، كما نقلوه ما لم يجز الورثة، بمعنى أنه ممنوع من إيقاعها على جهة النفوذ بدون إجازتهم، لا بمعنى انها يقع باطلة في حد ذاتها، فهي صحيحة موقوفة على الإجازة، فإن أجازوها صحت و لزمت، و نقل في المسالك عن الشيخ على بن بابويه:

____________

(1) ج 19 ص 395.

354

انه أجاز وصيته بجميع ماله، و رده بأن الرواية قاصرة، و حملت على من لا وارث له، أو ما إذا أجاز الورثة.

أقول: قال العلامة في المختلف: المشهور عند علمائنا كافة أن الوصية تمضى من ثلث المال، و تبطل في الزائد إلا مع الإجازة.

و قال على بن بابويه: فإن أوصى بالثلث فهو الغاية في الوصية، فإن أوصى له كله فهو اعلم و ما فعله، و يلزم الوصي إنفاذ وصيته على ما أوصى.

و احتج على ذلك برواية

عمار الساباطي (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح، ان أوصى به كله فهو جائز له».

و الرواية ضعيفة، و المطلوب مستبعد، و الأحاديث الصحيحة معارضة لهذه الرواية، مع ان الشيخ تأولها على من لا وارث له، أو على ما إذا أجاز الورثة إلى آخر كلامه (زيد في مقامه) و ما ذكره (قدس سره) من ان مستند الشيخ المذكور هو هذه الرواية تكلف منه، كما هي قاعدته في تكلف الأدلة للأقوال التي ينقلها في هذا الكتاب، و انما مستنده هو كتاب الفقه الرضوي، و منه أخذ العبارة بلفظها، فأفتى في رسالته بها كما أوضحنا مثله في كتب العبادات في مواضع عديدة، فإنه «(عليه السلام)»

قال في الكتاب المذكور (2) «فإن أوصى رجل بربع ماله فهو أحب الى من أن يوصى بالثلث،

فإن أوصى بالثلث فهو الغاية في الوصية فإن أوصى بماله كله فهو أعلم بما فعله، و يلزم الوصي إنفاذ وصيته على ما أوصى به».

و هي كما ترى عين عبارة الشيخ المذكور، و لكن الكتاب المذكور لما لم يصل إليهم تكلفوا لدليله بهذه الرواية، و أنت خبير بأن فتوى الشيخ المذكور بعبارة الكتاب المذكورة مع منافاتها لجملة من الاخبار المروية في الأصول المعتمدة دليل واضح على صحة الكتاب المذكور، و ثبوته عنه «(عليه السلام)» عنده و اختلف

____________

(1) التهذيب ج 9 ص 186 الفقيه ج 4 ص 149.

(2) المستدرك ج 2 ص 519 و 520.

355

الأصحاب- في منعه من التبرعات المنجزة الزائدة على الثلث- على قولين مشهورين، و كل منهما معتضدة بجملة من الاخبار، و الذي يقرب عندي من الاخبار المشار إليها هو عدم المنع، و أن مخرج الوصية على الوجه المذكور من الأصل دون الثلث، كما هو القول الأخر، و المراد بالمنجزة يعنى المعجلة في حال الحياة كالهبة و العتق و الصدقة و نحو ذلك.

[الموضع] الخامس: الفلس

- و سيأتي الكلام فيه مستوفى إنشاء الله- تعالى- في المطلب الثالث.

[الموضع] السادس: السفه

- و هو مقابل الرشد، و لما كان الرشد كما عرفت سابقا عبارة عن الملكة التي تترتب عليها تلك الأمور، من إصلاح المال، و عدم إفساده، و عدم صرفه في غير الوجوه اللائقة، فالسفه حينئذ عبارة عن الملكة التي تترتب عليها أضداد تلك الأمور، فلا يقدح الغلط في بعض الأحيان، و الانخداع نادرا لوقوع ذلك من كثير من المتصفين بالرشد.

و من السفه على ما ذكروه الإنفاق في المحرمات، و صرف المال في الأطعمة النفيسة التي لا يليق بحاله، و مثله اللباس الفاخر و نحوه و أما صرفه في وجوه الخيرات كالصدقات و بناء المساجد و القناطر و المدارس و اقراء الضيوف و نحو ذلك، فان كان لائقا بحاله لم يكن سفيها قطعا، فان زاد على ذلك فالمشهور على ما نقله في المسالك انه كذلك، استنادا إلى أنه لا سرف في الخير، كما لا خير في السرف.

و نقل عن العلامة في التذكرة أن ما زاد منه على ما يليق به تبذير، لأنه إتلاف في المال، و قال الله تعالى (1) «وَ لٰا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ وَ لٰا تَبْسُطْهٰا كُلَّ الْبَسْطِ» قال: و هو مطلق فيتناول محل النزاع و ظاهر المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد الميل الى القول الأول مستندا

____________

(1) سورة الإسراء الآية- 29.

356

الى تصدق أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي نزلت فيه سورة «هل أتى» حيث ورد بأنهم صاموا ثلاثة أيام طاوين لم يذوقوا الا الماء القراح، و القصة مشهورة.

و ما روى

في وصية رسول الله (صلى الله عليه و آله) لأمير المؤمنين «(عليه السلام)» (1) حيث قال فيها: «و أما الصدقة فجهدك حتى يقال أسرفت و لم تسرف، ثم قال: و لا سرف في الخير».

مشهور.

و الروايات و الاخبار الدالة على الإنفاق و الترغيب اليه و الترهيب على تركه لا تعد و لا تحصى كثرة (2) ثم أطال بأمثال ذلك، و نقل كلام التذكرة و اعترض عليه و قال في المسالك أيضا: و من المستفيض خروج جماعة من أكابر الصحابة و بعض الأئمة (عليهم السلام) كالحسن (عليه السلام) من أموالهم في الخير.

أقول: لا يخفى على من راجع الأخبار الواردة في هذا المضار- و تتبعها من مظانها حق التتبع، و كذا الآيات القرآنية- ضعف هذا القول المشهور، و أنه في محل من القصور، لاستفاضتها و تكاثرها بالمنع عن ذلك، و عده إسرافا محرما.

و ها نحن نتلو عليك جملة مما وقفنا عليه ليظهر لك صحة ما ذكرناه، فمنها رواية اللحام المروية

في الكافي و تفسير العياشي (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لو أن رجلا أنفق ما في يده في سبيل من سبيل الله ما كان أحسن، و لا وفق للخير، أ ليس الله تبارك و تعالى يقول «وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» يعنى المقتصدين.

و صحيحة الوليد بن صبيح (4) قال: «كنت عند أبى عبد الله (عليه السلام) فجاءه سائل فأعطاه، ثم جاء آخر فأعطاه، ثم جاء آخر فقال: يسع الله عليك، ثم قال: ان رجلا لو كان له مال ثلاثين أو أربعين ألف درهم، ثم شاء أن لا يبقى منها الا وضعها في حق فيبقى لا مال له، فيكون من الثلاثة الذين يرد دعاءهم، قلت:

____________

(1) الكافي ج 3 ص- 3 الى 11.

(2) الكافي ج 3 ص- 3 الى 11.

(3) الكافي ج 4 ص 100.

(4) الكافي ج 4 ص 53.

357

من هم؟ قال: أحدهم رجل كان له مال فأنفقه في وجهه، ثم قال: يا رب ارزقني، فيقال له: أ لم أرزقك».

و هما كما ترى صريحا الدلالة في المنع عن ذلك.

و ظاهرهما أن الإنفاق في هذه الصورة معصية، لاستدلاله «(عليه السلام)» في الخبر الأول بقوله سبحانه (1) «وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» الذي لا خلاف في تحريمه إيذانا بأن الصدقة هنا من قبيل ذلك، و قوله «(عليه السلام)» أنه ما أحسن يعني بل أساء، و في الثاني أنه يرد دعائه بذلك، و المعاصي هي التي تحبس الدعاء، كما ورد في جملة من الاخبار.

و منها الآيات كقوله عز و جل (2) «وَ الَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً» و قوله (3) «وَ لٰا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ وَ لٰا تَبْسُطْهٰا كُلَّ الْبَسْطِ»

ففي صحيحة عبد الله بن سنان (4) عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى (5) «وَ الَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً» فبسط كفه و فرق أصابعه و حناها شيئا، و عن قوله «وَ لٰا تَبْسُطْهٰا كُلَّ الْبَسْطِ» فبسط راحته و قال هكذا، و قال: القوام ما يخرج من بين الأصابع و يبقى في الراحة منه شيء».

و ما رواه

ابن أبى نصر في الصحيح عن أبى الحسن (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن قول الله عز و جل «وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ وَ لٰا تُسْرِفُوا» قال: كان أبو عبد الله (عليه السلام) يقول: من الإسراف في الحصاد و الجذاذ أن يصدق الرجل بكفيه جميعا و كان أبى إذا حضر شيئا من هذا فرأى أحدا من غلمانه يتصدق بكفيه صاح به أعط بيد واحدة، القبضة بعد القبضة، الضغث بعد الضغث من السنبل».

____________

(1) سورة البقرة الآية 195.

(2) سورة الفرقان الآية- 67.

(3) سورة الإسراء الآية- 29.

(4) الكافي ج 4 ص 56.

(5) الكافي ج 4 ص 56.

(6) الوسائل الباب 16 من أبواب زكاة الغلات.

358

و في الحسن عن ابن أبى عمير عن هشام بن المثنى (1) قال: «سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل (2) «وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ وَ لٰا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» فقال كان فلان بن فلان الأنصاري سماه و كان له حرث و كان إذا أخذ يتصدق به، و يبقى هو و عياله بغير شيء فجعل الله ذلك سرفا».

و مما يدل أيضا على ذلك بأوضح دلالة الحديث المروي

عن الصادق (عليه السلام) في الكافي (3) في باب دخول الصوفية على أبى عبد الله (عليه السلام) «و إنكاره عليهم فيما يأمرون به الناس من خروج الإنسان من ماله بالصدقة على الفقراء و المساكين».

الى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع البصير و لا ينبئك مثل خبير هذا.

و أما ما استندوا إليه في هذا المقام فبعضه قابل للحمل على عدم التصدق بجميع المال، و أصرح ما يدعونه تصدق أمير المؤمنين (عليه السلام) بالأرغفة و الجواب عنه الاختصاص بهم (صلوات الله عليهم) إذا شاؤا جمعا بين الاخبار، على

أن المروي (4) عن الحسن (عليه السلام): انما هو قاسم ربه ماله حتى النعل،.

لا أنه خرج منه كملا، كما ادعاه في المسالك.

و القول بما ذكروه على إطلاقه مستلزم لطرح هذه الاخبار التي ذكرناها و نحوها مع صحتها و صراحتها و تعددها مع اعتضادها بالآيات المذكورة و هو مما لا يلتزمه محصل كما لا يخفى.

المطلب الثاني في الأحكام

و فيه مسائل

الاولى [عدم ضمان السفيه لو باع حال السفه]

- الظاهر أنه لو باع السفيه في حال السفه لم يضمن بيعه،

____________

(1) الكافي ج 4 ص 55.

(2) سورة الانعام الآية- 141.

(3) الكافي ج 5 ص 65.

(4) الوسائل الباب- 54 من أبواب الصدقة.

359

و كذا لو وهب أو تصدق أو أقر بمال، و الضابط هو منعه من جميع لتصرفات المالية، و يصح طلاقه و خلعه و ظهاره، و إقراره بالنسب و ما يوجب القصاص، لانه ليس في شيء من هذه ما يوجب تضييع المال الذي فسر به السفه.

نعم في الإقرار بالنسب اشكال باعتبار أنه قد يوجب النفقة، فيرجع الى الإقرار بالمال، و لا يبعد أن يقال انه لما كان الإقرار بالنسب على هذا التقدير يوجب شيئين أحدهما إلحاق النسب، و هو ليس بمالي، فلا مانع من الحكم به.

و ثانيهما- الإنفاق، و هو مالي مثله ثبت بإقراره، فيحكم بالأول، دون الثاني، و حينئذ يجب ان ينفق على من استلحقه من بيت المال، لانه معد لمصالح المسلمين و نقل عن الشهيد قول بأنه ينفق عليه من ماله، لانه فرع على ثبوت النسب، و لأن في الإنفاق عليه من بيت المال إضرارا بالمسلمين، فكما يمنع من الإضرار بماله، فكذا يمنع من الإضرار بمال غيره.

و رد بأن إقراره انما ينفذ فيما لا يتعلق بالمال كما تقدم، و بيت المال معد لمصالح المسلمين، فكيف يقال: ان ذلك مضربهم، و إلا لأدى ذلك الى كل ما يؤخذ منه جزاء، و لانه لو قبل إقراره في النفقة لأمكن أن يفعل ذلك وسيلة إلى تضييع ماله، لان ذلك من مقتضيات السفه، و ينبغي أن يعلم أنه في صورة الخلع لا يسلم اليه مال الخلع، لانه تصرف مالي و هو ممنوع منه.

و أما توكله لغيره في البيع مثلا فهو صحيح للأصل، و عموم أدلة جواز التوكل، و صدق البيع في محله عن اهله، و منعه من التصرف في ماله- لاحتمال إضاعة المال- لا يستلزم منعه من مال غيره إذا كان باذن صاحبه، و يمكن أن يكون اجازة الولي أيضا كافية على تقدير القول بصحة العقد الفضولي، و الا فلا.

الثانية [اعتبار حكم الحاكم في ثبوت السفه و زواله]

- هل يثبت الحجر على السفيه بمجرد ظهور السفه، أم يتوقف على حكم الحاكم؟ و هل يزول بزوال سفهه، أم يتوقف على حكم الحاكم؟ أقوال: و وجه علل التوقف على حكم الحاكم في الموضعين، أن الحجر حكم شرعي لا يثبت و لا يزول الا بدليل شرعي، و أن السفه أمر خفي، و الانظار فيه يختلف، فناسب كونه

360

منوطا بنظر الحاكم.

و هذا القول مختار المحقق في الشرائع، و هو قول الشيخ في المبسوط، (1) و علل القول بعدم التوقف في الموضعين بأن المقتضي للحجر هو السفه، فيجب تحققه، فإذا ارتفع زال المقتضى فيجب أن يزول، و لظاهر قوله تعالى (2) «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ» حيث علق الأمر بالدفع على إيناس الرشد، فلو توقف معه على أمر آخر لم يكن الشرط صحيحا، و مفهوم الشرط حجة عند المحققين، و المفهوم هنا ان مع عدم إيناس الرشد لا يدفع إليهم، فدل على أن وجود السفه و زواله كافيان في إثبات الحجر و دفعه، لان السفه و الرشد متقابلان، و لظاهر قوله تعالى (3) «فَإِنْ كٰانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً» الاية أثبت عليه الولاية بمجرد السفه، فتوقفها على أمر آخر يحتاج الى دليل، و الآية الأخرى تساق لرفعه كما مر.

و هذا القول مختار شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و الروضة للتعليل المذكور هنا، و هو الأقرب، لأن المفهوم من الدليل آية و رواية أن الحجر و عدمه دائر مدار تحقق السفه و عدمه، و سيأتيك الروايات في المقام إنشاء الله تعالى، و لا دلالة في شيء منها على حكم الحاكم لا في الحجر و لا في زواله و ظاهر الشهيد في شرح الإرشاد المناقشة في دلالة الآية الأولى حيث قال: و لقائل أن يقول: إيناس الرشد شرط في زوال الحجر عن الصبي ابتداء فلا يلزم كونه شرطا

____________

(1) حيث قال: حجر السفيه لا يثبت الا بحكم الحاكم، و لا يزول الا بحكم الحاكم كذا نقله في المختلف ثم نقل عن ابن حمزة أنه ان صلح السفيه انفك الحجر، ثم قال: و الأقرب الأول لنا أنه على حكم شرعي يثبت فلا يزول الا بدليل شرعي و فيه ما عرفت في الأصل- منه (رحمه الله).

(2) سورة النساء الآية- 6.

(3) سورة البقرة الآية- 282.

361

في السفيه بعد زوال الحجر عنه.

و ظني أن هذه المناقشة ليست في محلها، فإنه و ان كان الأمر كما ذكره من أن مورد الآية انما هو الحجر على الصبي ابتداء، لكن من المعلوم الظاهر عند التأمل بالفكر الصائب أن التعليق على الرشد هنا انما هو من حيث كونه في حد ذاته مناطا لصحة التصرف حيثما كان، لا من حيث خصوصية الصبي، حتى يتم قوله فلا يلزم كونه شرطا في السفه، و على هذا بنى الاستدلال بالآية المذكورة.

و قال المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد- بعد قول المصنف و يثبت حجر السفيه بحكم الحاكم لا بمجرد سفهه على اشكال- ما لفظه: المراد ثبوت حجر السفيه بالمعنى المتقدم بعد أن صار رشيدا و زال حجره، ثم صار سفيها بحيث لو كان قبله كان ممنوعا و محجورا، هكذا ينبغي التقييد، فالظاهر أنه لا نزاع في أنه يثبت الحجر على السفيه المتصل سفهه بعدم البلوغ بمجرد السفه، و عدم توقفه على حكم الحاكم، و كذا زواله بزواله من دون الحكم، للاية بل الإجماع على ما فهم من شرح الشهيد و لما سيأتي، فتأمل فقيل: المشهور توقفه على حكم الحاكم و حجره، و هو مذهب المصنف في التذكرة، للأصل «و تسلط الناس على أموالهم» عقلا و نقلا (1) و شمول أدلة التصرفات تصرفه الذي فعله في زمان سفهه من الكتاب و السنة، و صدقها عليه حينئذ، و لعدم الدليل من الكتاب و السنة الا على استصحاب السفه الى ان يرشد، و أما الحادث بعده فلا، و هذا دليل قوى، و يؤيده الإجماع على عدم تحققه في المفلس الا بعده.

و يؤيده أيضا الشريعة السهلة، فإنه ان كان مجرد السفه حجرا أشكل المعاملات و الأنكحة فان غالب الناس مجهول الحال أو معلوم السفاهة انتهى.

أقول: ظاهر كلامه أن محل الخلاف انما هو حدوث السفه بعد بلوغه رشيدا، و الا فلو كان متصلا بالصغر، فإنه لا خلاف هنا بأنه يحكم بالحجر عليه بمجرد السفه، و لا يتوقف على حكم الحاكم، و أنت خبير بان الظاهر من كلام الأصحاب

____________

(1) البحار ج 272 ط جديد.

362

ان محل الخلاف ما هو أعم من الأمرين، و ما نقله عن شرح الشهيد من الإجماع على ما ادعاه.

و الظاهر انه أشار به الى شرحه على الإرشاد، كما يشير إليه دائما، فلم أقف عليه في الكتاب المذكور، و لم يتعرض لهذه المسألة بالكلية، بل ظاهر عبارته مثل عبارات غيره انما هو العموم، لأنهم جعلوا العنوان في الخلاف السفيه بقول مطلق، كما عنونا به المسألة، و هو أعم من أن يكون متصلا بالصغر أو منفصلا، غاية الأمر أنهم لم يبحثوا عنه في حال الصغر متى كان متصلا، اعتمادا على ثبوت الحجر بمجرد الصغر، فإنه أحد أسبابه كما عرفت، و انما بحثوا عنه بعد البلوغ، لزوال ذلك السبب الأول، و مرادهم ما هو أعم كما ذكرنا، و هذا التفصيل الذي ذكره لم أقف عليه الا في كلامه.

و أما استناده الى الآية فإن كان المراد بها قوله سبحانه «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً» فقد عرفت- في الجواب عما أورده الشهيد على الاستدلال بها فيما تقدم ما يدل على الجواب هنا- من أن التعليق على الرشد في الآية انما وقع من حيث ان الرشد حيث ما كان هو مناط صحة التصرف، و مفهومه انه مع عدم الرشد و هو السفه يجب الحجر، و لا دلالة فيها على ما ذكره من التفصيل بوجه.

نعم هي دالة على الحجر بمجرد ظهور السفه من غير توقف على حكم الحاكم في الصبي المتصل سفهه ببلوغه كما اخترناه، الا أن القائل بالتوقف على حكم الحاكم يقول به هنا أيضا و لكن الآية حجة عليه، و الآية أيضا دالة بالتقريب الذي قدمناه على السفه غير المتصل، و أنه يثبت الحجر بمجرد السفه، لتعليق رفع الحجر على الرشد، و مفهومه ثبوت الحجر مع عدمه الذي هو السفه، و سياق الآية في اليتيم لا ينافي ذلك، لان التعليق فيها وقع على علة عامة له و لغيره، و دخوله تحتها انما هو من حيث العموم.

و أما ما اختاره من التوقف على حكم الحاكم و حجره في موضع الخلاف، ففيه أن الظاهر من الآية بالتقريب الذي ذكرناه أن الرشد شرط في رفع الحجر حيثما

363

كان، و حيث إن السفه هو ما يقابل الرشد كما عرفت، فإنه يكون شرطا في الحجر حيثما كان، و أينما كان السفه هو المقتضى للحجر بالتقريب المذكور، كان الحجر بمجرد حصول السفه و لو لم يتحقق الحجر به لم يكن مقتضيا، و قد عرفت أنه مقتض، و هذا خلف.

و حينئذ فلا وجه للتوقف على حكم الحاكم، و ما استدل به من الأدلة التي أطال بها فغايتها ان يكون مطلقة دالة على ما ذكره بإطلاقها، و ما استدلنا به خاص، فيجب تقديمه كما هو القاعدة، و تخصيص تلك العمومات به، و أما تأيده بالإجماع على المفلس، ففيه أن ثبوت الحكم هناك بدليل لا يستلزم إجراءه فيما لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه كما عرفت.

و أما تأيده بالشريعة السهلة و ان غالب الناس مجهول الحال أو معلوم السفاهة، ففيه أنه يجب المنع من معاملة معلوم السفاهة إجماعا، و أما مجهول الحال و هو الأغلب في الناس فلا مانع منه إذ المقتضي للمنع كما عرفت هو وجود السفاهة و الأصل عدمها حتى تثبت، فعده مجهول السفاهة في قرن معلوم السفاهة غلط محض، و بالجملة فالظاهر ان كلامه (قدس سره) في هذا المقام لا يخلو من مجازفة و مسامحة.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن في المسألة قولين آخرين أحدهما عدم توقف ثبوته على حكم الحاكم، و توقف زواله عليه، و هو مذهب الشهيد في اللمعة، و علل الأول بأن المقتضي له هو السفه، فيجب تحققه بتحققه، و لظاهر قوله عز و جل (1) «فَإِنْ كٰانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً» حيث أثبت الولاية عليه بمجرد السفه.

و علل الثاني بأن زوال السفه يفتقر الى الاجتهاد و قيام الأمارات، لأنه أمر خفي فيناط بنظر الحاكم، و لا يخفى ما في الأخير من الضعف، و عدم صلوحه لتأسيس حكم شرعي.

و ثانيهما عكسه، قال في المسالك: قيل ان به قائلا و لا نعلمه. نعم في التحرير جزم بتوقف الثبوت على حكمه، و توقف في الزوال بحكمه: انتهى.

____________

(1) سورة البقرة الآية 282.

364

أقول: و في الإرشاد استشكل في ثبوت الحجر، و جزم في زواله بالتوقف على حكم الحاكم فهو عكس ما في التحرير.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا المقام ما رواه

الشيخ في التهذيب (1) في تفسير قوله عز و جل «فَإِنْ كٰانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً» عن الصادق (عليه السلام) قال: «السفيه الذي يشترى الدرهم بأضعافه، و الضعيف الأبله».

و في تفسير العياشي عنه (2) (عليه السلام) «السفيه شارب الخمر، و الضعيف الذي يأخذ واحدا باثنين».

و روى العياشي في تفسير قوله (3) عز و جل «وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ» الاية عن الصادق (عليه السلام) قال: «هم اليتامى لا تعطوهم حتى تعرفوا منهم الرشد، قيل:

فكيف يكون أموالهم أموالنا؟ فقال: إذا كنت أنت الوارث لهم».

و في خبر (4) كل من يشرب الخمر فهو سفيه».

و في الفقيه عن الباقر «(عليه السلام)» (5) أنه سئل عن هذه الآية، قال: «السفهاء و الولد، إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة و ولده سفيه مفسد، لا ينبغي له أن يسلط واحدا منهم على ماله الذي جعل الله له قياما» الحديث.

و في خبر آخر (6) عن أبى جعفر (عليه السلام) في هذه الآية «قال لا تؤتوها شراب الخمر، و لا النساء، ثم قال: و أى سفيه أسفه من شارب الخمر».

و في مجمع البيان «اختلف في معنى

____________

(1) التهذيب ج 9 ص 182.

(2) الوسائل الباب- 46 من أبواب أحكام الوصايا الرقم- 8.

(3) الوسائل الباب- 45 من أبواب أحكام الوصايا الرقم- 10 و 8.

(4) الوسائل الباب- 45 من أبواب أحكام الوصايا الرقم- 10 و 8.

(5) المستدرك ج 2 ص 490 و فيه عن على بن إبراهيم.

(6) الفقيه ج 4 ص 168.

365

السفهاء على أقوال: أحدها- أنهم النساء و الصبيان، و رواه أبو الجارود (1) عن أبى جعفر (عليه السلام)، و ثانيها- أنه عام في كل سفيه من صبي أو مجنون أو محجور عليه للتبذير».

و قريب منه ما روى (2)

عن أبى عبد الله (عليه السلام) «أنه قال: ان السفيه شارب الخمر و من جرى مجراه» الى آخره.

و روى في الفقيه في تفسير قوله تعالى «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً» (3) عن الصادق (عليه السلام) «إيناس الرشد حفظ المال».

و روى في المجمع عن الباقر (عليه السلام) (4) «الرشد: العقل و إصلاح المال».

و القمي في تفسيره عنه (عليه السلام) «في هذه الآية قال: من كان في يده مال بعض اليتامى فلا يجوز له أن يعطيه حتى يبلغ النكاح و يحتلم، فإذا احتلم وجب عليه الحدود و اقامة الفرائض، و لا يكون مضيعا، و لا شارب خمر، و لا زانيا، فإذا آنس منه الرشد دفع اليه المال، و أشهد عليه، و ان كانوا لا يعلمون أنه بلغ فإنه يمتحن بريح إبطه، أو نبت عانته، فإذا كان كذلك فقد بلغ، فيدفع اليه ماله إذا كان رشيدا، و يجوز أن يحبس عنه ماله و يعتل عليه انه لم يكبر بعد».

و روى في الكافي عن أبى الجارود (5) قال: «قال أبو جعفر «(عليه السلام)»:

إذا حدثتكم بشيء فسلوني من كتاب الله، ثم قال: و في حديثه ان الله نهى عن القيل و القال: و فساد المال و كثرة السؤال فقيل: يا بن رسول الله و أين هذا من كتاب الله؟

____________

(1) المستدرك ج 2 ص 525.

(2) الوسائل الباب- 46 من أبواب أحكام الوصايا الرقم- 2.

(3) الفقيه ج- 4 ص 146.

(4) المستدرك ج 2- 496.

(5) التهذيب ج 7 ص 231 الكافي ج 5 ص 300.

366

قال: ان الله يقول (1) «لٰا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوٰاهُمْ إِلّٰا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلٰاحٍ بَيْنَ النّٰاسِ» و قال (2) «وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّٰهُ لَكُمْ قِيٰاماً» و قال (3) «لٰا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ».

أقول: يستفاد من هذه الاخبار بعد ضم بعضها الى بعض أن السفه مقابل للرشد، كما ذكره الأصحاب، و أن مجرد السفه موجب و مقتض لعدم الدفع الى من اتصف به، لان قوله سبحانه «لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ» اما أن يراد به أموالهم كما عرفت من خبر العياشي المذكور، أو ما هو الظاهر من الآية كما يدل عليه غيره، و النهى عن إعطائهم انما هو من حيث السفه، لان التعليق على الوصف يشعر بالعلية، فيكون المعنى لا تدفعوا الى السفهاء أموالهم أو أموالكم من حيث اتصافهم بالسفه.

و منه يعلم أنه العلة في المنع و المقتضى له و هو الظاهر من جملة الأخبار المذكورة و به يظهر قوة القول الذي اخترناه من الحكم بالحجر بمجرد السفه، و عدم التوقف على حكم الحاكم، و أنه يزول أيضا الحجر بزواله، لانه متى زالت العلة زال معلولها.

و منها يعلم أيضا أن الرشد مناط صحة التصرف حيث ما كان، و ذكره في الاية أعنى قوله «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً» انما وقع من حيث كونه كذلك، فان قوله (عليه السلام) إيناس الرشد حفظ المال، و في الرواية الأخرى الرشد العقل و إصلاح المال، انما هو تفسيره للرشد في حد ذاته، لا لخصوصية رشد الصبي.

و يستفاد أيضا من قوله (عليه السلام) في رواية القمي- فيمن يجهل حال بلوغه، فإنه يمتحن بريح إبطيه، و نبت عانته، و إذا كان كذلك فقد بلغ- أن نبت العانة علامة على البلوغ، لا على سبقه، كما قيل.

و ظاهر الاخبار المذكورة هو ترتب السفه على مجرد تضييع المال و إفساده، و اما اعتبار كون ذلك ملكة كما تقدم ذكره، فهو غير ظاهر منها.

____________

(1) سورة النساء الآية- 114.

(2) سورة النساء الآية- 5.

(3) سورة المائدة الآية- 101.

367

و ظاهرها ايضا حصول السفه بارتكاب بعض المعاصي، كشرب الخمر و الزنا، و ان لم يتضمن تضييع المال، و لم أطلع على قائل به، الا أن يحمل على ما يتضمن التضييع و فيه بعد.

و حمل بعض أصحابنا السفه الوارد في الاخبار في شارب الخمر على معنى غير المعنى المذكور هنا، و كأنه أراد به الفسق، و هو غير بعيد الا ان في بعض الاخبار في تفسير الآية و هي قوله «وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ» تفسيرها بشارب الخمر، فلا يتم ما ذكره.

و ظاهر كلام العلامة في التذكرة- المتقدم نقله في المقام الثالث من الموضع الأول في الصغر- أن ما لا يتضمن تضييع المال من المعاصي كمنع الزكاة و ترك الصلاة و نحوهما لا يعد سفها مع حفظ المال.

الا أن في المقام اشكالا قل من تنبه له، و هو أنه قد دلت الاخبار على جواز معاملة الظلمة و الحكام، و أخذ جوائزهم و عطاياهم، و قد تقدم نقل جملة من الاخبار بذلك و قبول الأخماس و الزكوات منهم، و نحو ذلك مع انه لا إشكال في ثبوت السفاهة في حقهم بصرف الأموال في غير حلها، مثل شراء الخمر و آلات اللهو و صرف الأموال إلى المغنين، و أصحاب اللهو و اللعب كما شاهدناه في زماننا، و صرف الأموال رياء و سمعة و نحو ذلك من المصارف المحرمة.

و مقتضى ذلك الحكم بسفاهتهم و عدم جواز معاملتهم، و لأصحاب و الاخبار على خلافه، و أن غاية ما حكم به الأصحاب الكراهة، تفاريا من طرح الأخبار الدالة على جواز ذلك، و أيضا أن الأصحاب صرحوا بأن الرشد شرط في صحة المعاملات كما هو ظاهر الآية المتقدمة.

و حينئذ فلا بد من تحققه، و العلم به في صحة المعاملة، تحقيقا للشرطية، و على هذا فمن دخل سوقا ليشتري متاعا سيما إذا كان غريبا كيف له بمعرفة ذلك، و العلم به أولا لتصح معاملته، مع أنه شرط إجماعا، و مقتضى الأصل العدم، حتى يعلم ذلك.

368

اللهم الا أن يقال: ن البناء هنا على الظاهر دون الأصل، باعتبار حمل أفعال المسلمين على الصحة، كما ورد في جملة من الاخبار من الأمر بحسن الظن بالمؤمن، حتى أن الفقهاء جعلوا هذا أصلا من الأصول المتداولة في كلامهم، و بنوا عليهم فروعا كثيرة، الا أن هذا انما يحسم مادة الإشكال الثاني، دون الأول. و الله العالم.

الثالثة [بطلان البيع بعد ثبوت الحجر على السفيه]

- إذا ثبت الحجر على السفيه فباعه انسان كان البيع باطلا، فان كان المبيع موجودا فلصاحبه استعادته، قالوا: و لا فرق في جواز استعادته مع وجوده بين كون من باعه عالما بالسفه أو جاهلا، لان البيع في نفسه باطل، فله الرجوع في ماله متى وجده، و ان تلف و كان القبض باذن صاحبه مع كونه عالما بالسفه، فان تلفه من مال صاحبه، لانه سلطه عليه مع علمه بأنه محجور عليه، و ان فرض فك الحجر عنه بعد ذلك، لأنه إذا لم يلزم حال الإتلاف لا يلزم بعد الفك.

و بالجملة فإن العلم بوجود السفه مانع من العوض، فإذا تلف و الحال هذه ففك الحجر بعد ذلك لا أثر له في ضمانه، أما لو تلف و الحال أن البائع جاهل بالسفه فالمشهور أن حكمه كذلك.

قيل: و وجهه أن البائع تصرف في معاملته قبل اختبار حاله، و علمه بأن العوض المبذول منه ثابت أم لا، فهو مضيع لماله، و لا يخفى ما في هذا التعليل العليل من الضعف، فإنه لا قائل بتوقف صحة البيوع على اختيار البائع أو المشتري بكونه محجورا عليه أم لا، بل و الأصل عدم ذلك و قد تقدم في سابق هذه المسألة ما يؤيده، و ظهور المانع بعد ذلك لا يوجب ما ذكروه، و لهذا ان العلامة في التذكرة نقل عن بعض الشافعية أن السفيه إذا أتلف المال بنفسه ضمن بعد رفع الحجر، ثم قال: و لا بأس به، و مراده مع الجهل، و الا فمع العلم لا خلاف و لا إشكال في كون تلفه من صاحبه، و أما إذا كان السفيه قد قبضه بغير اذن صاحبه و أتلفه، فإنه يضمنه مطلقا، سواء كان البائع عالما أو جاهلا، لان البيع كما عرفت فاسد، فلا يقتضي الاذن في القبض، فيدخل فيمن تصرف في مال غيره بغير اذن، كما لو غصب مالا أو أتلفه بغير اذن مالكه، فإنه يضمنه

369

و لو أذن الولي للسفيه في البيع، قال الشيخ في المبسوط: لا يصح، و تبعه ابن البراج و نقل العلامة القول بالصحة في المختلف عن بعض علمائنا، و قال: انه الأقوى، و احتج عليه بأن المقتضي للصحة و هو صدور البيع من أهله في محله موجود، و المانع و هو السفه مفقود، إذ التقدير الاذن، فأمن من الانخداع، فيثبت الحكم انتهى و هو جيد.

و لو أودعه شخص وديعة فأتلفها، فقيل: بأنه لا ضمان عليه، و اختاره المحقق في الشرائع، و علل ذلك بتفريط المودع بإعطائه، و قد نهى الله عن ذلك بقوله «وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ» فيكون بمنزلة من ألقى ماله في البحر و قيل: انه يضمن إذا أتلفها أو تلفت بتفريطه، و اختاره العلامة في التذكرة، و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و احتج على ذلك بأن المالك لم يسلطه على الإتلاف، و انما أمره بالحفظ فقد حصل منه الإتلاف بغير اختيار صاحبها، كما لو غصب، و الحال أن السفيه بالغ عاقل، و الأصل عصمة مال الغير الا بسبب، مع أن وضع اليد حال الإتلاف غصب.

قالوا: و في حكم الوديعة العارية، و أيده المحقق الأردبيلي بعد ان استظهر بعموم دليل الضمان، قال: و كونه سفيها و تسليم مالكه إياه لا يستلزم عدم الضمان لان له أهلية الضمان و الحفظ، لانه بالغ عاقل، الا أنه تسامح في ماله و ذلك غير قادح في أهليته فلا يستلزم كون المالك هو المضيع و لهذا يجوز توكيله انتهى.

أقول: و يمكن تأييد القول الأول بأنه لا ريب في دلالة الآية المتقدمة على النهى عن إعطاء السفيه الأموال، و من الظاهر أن تحريم ذلك انما هو من حيث تطرق التلف إليها، و فواته من جهة السفه، و لو تم القول بالضمان المستلزم لعدم الفوات لم يكن لهذا النهى وجه بالكلية، لأنه لا فرق بين أن يرده بعينه، أو عوضه من قيمة أو مثل، فلا يحصل هنا ضرر على المودع و المعير، فأي ثمرة لهذا التحريم الذي دلت عليه الآية و يمكن أيضا تأييد ذلك بما رواه

في الكافي عن حريز في الصحيح أو الحسن (1)

____________

(1) الكافي ج 5 ص 299.

370

قال: كان لاسماعيل بن أبى عبد الله (عليه السلام) دنانير و ساق الخبر و مضمونه أنه أراد أن يستبضع رجلا فنهاه أبوه (عليه السلام) عن ذلك لان ذلك الرجل كان يشرب الخمر، فخالف أباه فاستبضعه، فاستهلك ماله فحج أبو عبد الله (عليه السلام) و حج معه ابنه إسماعيل، فجعل يطوف البيت و يقول: اللهم أجرني، و اخلف على، فلحقه أبو عبد الله (عليه السلام) فهمزه بيده من خلفه.

فقال له: مه يا بنى، فلا و الله ما لك على الله حجة، و لا لك أن يأجرك و لا يخلف عليك و قد بلغك أنه يشرب الخمر فائتمنته الى أن قال: و لا تأتمن شارب الخمر فان الله عز و جل يقول: في كتابه (1) «وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ» فأي سفيه أسفه من شارب الخمر ان شارب الخمر لا يزوج و لا يؤتمن على أمانة فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها لم يكن للذي ائتمنه على الله عز و جل أن يأجره و يخلف عليه».

و التقريب فيه ان الظاهر من قوله (عليه السلام) انه ليس لمن ائتمن شارب الخمر لكونه سفيها أن يأجره الله و يخلف عليه هو أنه قد أتلف ماله بنفسه، و ضيعه بدفعه الى من كان كذلك كمن رمى ماله في البحر فليس له على الله حق لتفريطه في نفسه، و لا على من دفعه اليه فهو غير مستحق لشيء بالكلية عقوبة له و مؤاخذة له بمخالفته الله سبحانه.

و لو كان المال مضمونا و الحق ثابتا في ذمة ذلك السفيه كسائر الحقوق المضمونة في ذمم المديونين- لم يكن للمنع من الدعاء بخروجه، أو المعاوضة عنه بالأجر و الثواب وجه لانه حق ثابت كسائر الحقوق، يستحق التوصل اليه بكل وجه ممكن، و من وجوه التوصلات الدعاء مع عدم الحيلة في الوصول بغيره من الأمور الموجبة لذلك.

و بالجملة لو ثبت كونه حقا شرعيا في ذمة من دفعه اليه لاستحق المعاوضة من- الله سبحانه عليه عقلا و نقلا، كسائر الحقوق التي تفوت على أصحابها، و كيف

____________

(1) سورة النساء الآية- 5.

371

كان فالمسألة لا يخلو من شوب الاشكال.

قال العلامة في التذكرة: و حكم الصبي و المجنون كما قلناه في السفيه من من وجوب الضمان عليهما إذا أتلفا مال غيرهما بغير اذنه أو غصبا فتلف في يديهما، و انتفاء الضمان عنهما فيما حصل في أيديهما باختيار صاحبه كالبيع و القرض، و أما الوديعة و العارية إذا دفعها صاحبها إليهما فتلف فلا ضمان عليهما، فإن أتلفاهما فالأقرب انه كذلك، و لبعض العامة وجهان انتهى.

و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بالنسبة إلى الوديعة و العارية إذا دفعهما صاحبهما إلى الصبي و المجنون فتلفتا أو أتلفاهما بعد ان ذكر أن في ضمانهما قولين: التفصيل في ذلك، و الفرق بين التلف و الإتلاف، و أن الأجود الضمان في الثاني دون الأول.

و علل بأن الضمان باعتبار الإهمال انما يثبت حيث يجب الحفظ و الوجوب من باب خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين، فلا يتعلق بالصبي و المجنون، و وجوب الضمان في الثاني بأن إتلاف مال الغير مع عدم الاذن فيه سبب في ضمانه، و الأسباب من باب خطاب الوضع لا يتوقف على التكليف، قال: و منه يعلم وجه ضمان ما يتلف به من مال الغير بغير اذنه.

أقول عندي فيما ذكروه و حكموا به من الضمان على الصبي و المجنون في جميع هذه من الصور المفروضة نظر،

لحديث (1) «رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، و المجنون حتى يفيق».

و ظاهر رفع التكليف و المؤاخذة بحقوق الله (سبحانه) و حقوق الناس و أن كلما يفعلانه فهو في حكم العدم.

و لو قيل- ان المراد برفع القلم انما هو بالنسبة إلى المؤاخذة، و المعاقبة فيما يفعلانه مخالفا للشرع- قلنا: إيجاب الضمان عليهما في الصور المذكورة ان تم فهو موجب للمؤاخذة، لان من أخذ بما أوجب الله عليه استحق المؤاخذة

____________

(1) الوسائل الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات الرقم 11.

372

و المعاقبة، فاللازم اما سقوط وجوب الضمان الذي ادعوه أو حصول المؤاخذة و المعاقبة، و في الأول رد لقولهم، و في الثاني رد للخبر المتفق على صحته، و أيضا فإن قوله في المسالك بان الوجوب من باب خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين فلا يتعلق بالصبي و المجنون، يجري في الحكم بوجوب الضمان عليهما في هذه الصور التي ذكروها و الله العالم.

الرابعة [من ولي السفيه؟]

- لا خلاف في أن الولاية في مال الصغير و المجنون المتصل جنونه بالبلوغ للأب و الجد له و ان علا، و أما السفيه فان ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، ان المشهور ان ولايته للحاكم، سواء تجدد سفهه بعد البلوغ رشيدا أو بلغ سفيها، قال: و وجهه على تقدير القول بتوقف الحجر بالسفه على حكم الحاكم و رفعه عليه ظاهر، لكون النظر حينئذ إليه، ثم نقل القول بأنه ان بلغ سفيها فالولاية للأب و الجد ثم وصي أحدهما ثم الحاكم و الصبي ان بلغ رشيدا ثم تجدد سفهه فأمره إلى الحاكم دونهما، قال: و هو أجود استصحابا لحكم ولايتهما في الأول، و ارتفاعها في الثاني فيحتاج عودها الى دليل، و الحاكم ولى عام، لا يحتاج الى دليل. نعم يتخلف إذا قدم عليه غيره و قد انتفى هنا.

أقول: ان من القائلين بتوقف الحجر و زواله على حكم الحاكم العلامة في جملة من كتبه، كالمختلف و التذكرة، مع أنه قال في التذكرة: إذا بلغ الصبي لم يدفع اليه ماله، الا بعد العلم برشده، و يستديم التصرف في ماله من كان متصرفا فيه قبل بلوغه، أبا كان أو جدا أو وصيا أو حاكما أو أمين حاكم، فان عرف رشده انفك الحجر عنه، و دفع اليه المال، و هل يكفى بالبلوغ و الرشد في فك الحجر عنه، أم يقتصر الى حكم الحاكم و فك القاضي؟ الأقرب الأول، لقوله تعالى (1) «فَإِنْ آنَسْتُمْ» و لزوال المقتضى للحجر كالمجنون، و لانه لو توقف على ذلك، لطلب الناس عند بلوغهم فك الحجر عنهم من الحاكم، و لكان عندهم من أهم الأشياء

____________

(1) سورة النساء الآية- 6.

373

الى آخره.

و هو ظاهر في استمرار ولاية الأب و الجد على من بلغ سفيها، مع أن مذهبه كما قدمنا نقله عنه، توقف الحجر و زواله على حكم الحاكم، و ما ذاك الا من حيث تخصيصهم القول بالتوقف على حكم الحاكم بصورة تجدد السفه بعد البلوغ، و أنه لا نزاع في عدم توقف حجر السفيه على حكم الحاكم، إذا كان السفه متصلا بالبلوغ، و حينئذ فتفريع ولاية الحاكم في صورة اتصال السفه بالبلوغ على القول بتوقف الحجر و زواله على حكم الحاكم كما ذكره لا وجه له، مع أن ظاهر الآية و الاخبار التي قدمناها انما هو استمرار ولاية الأب و الجد الثابتة قبل البلوغ في صورة اتصال السفه بالبلوغ، كقوله

في رواية هشام بن سالم (1) «و ان احتلم و لم يونس منه رشد أو كان ضعيفا، أو سفيها فلممسك عنه وليه».

و هو الظاهر من قوله سبحانه «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ» فإن مفهومه أنه مع عدم إيناس الرشد ان كان سفيها أو مجنونا لا يدفع اليه، و الخطاب للأولياء حال الصغر، و هم الأب و الجد و من تفرع عليهما، بغير خلاف الا مع عدم الجميع (2).

و بذلك يظهر لك ضعف القول المذكور. و ان كان هو المشهور.

بقي الكلام هنا في مواضع

الأول [الولاية في نكاح السفيه]

- قال في المفاتيح في باب النكاح:

تثبت الولاية في النكاح للأب و الجد و ان علا على الصغير، للنصوص المستفيضة و على السفيه و المجنون ذكورا كانوا أو اناثا مع اتصال السفه و الجنون بالصغر بلا خلاف.

و فيه أن دعوى عدم الخلاف- هنا بالنسبة إلى السفيه- يدفعه ما قدمنا نقله-

____________

(1) التهذيب ج 9 ص 183.

(2) يعنى ان الولاية لهؤلاء دون الحاكم الا مع عدم الجميع فإذا عدموا رجعت الولاية للحاكم- منه (رحمه الله).

374

عن المسالك- من أن المشهور ان الولاية للحاكم على السفيه مطلقا، اتصل سفهه بالبلوغ، أو تجدد بعده بل صرح بذلك هو نفسه في الباب الخامس في التصرف بالنيابة فقال بعد أن صرح بأن ولاية الصبي و المجنون للأب و الجد: ما لفظه قيل: و كذا حكم الولاية في مال من بلغ سفيها استصحابا لولاية الأب و الجد، أما من تجدد سفهه بعد أن بلغ رشيدا و المفلس فولايتهما للحاكم لا غير، و قيل: بل الولاية في السفيه مطلقا للحاكم لا غير، كالمفلس، و هو أشهر انتهى.

نعم المفهوم من كلام بعض الأصحاب في كتاب النكاح أن هذا الإجماع انما هو في المجنون خاصة، بمعنى انه ان بلغ مجنونا فان ولايته للأب و الجد بلا خلاف.

و به يظهر ان الظاهر ان لفظ السفيه هنا في العبارة المتقدمة وقع سهوا من قلمه، و أما حمل ذلك على النكاح بالخصوص- دون المال كما ربما يتوهم من ذكر ذلك في باب النكاح- فيرده ما يفهم من المسالك من أنه لا فرق في هذا الخلاف بين المال و النكاح (1).

الثاني- لو بلغ عاقلا ثم تجدد سفهه

فقد تقدم أن الولاية فيه للحاكم، و هو المشهور، و قيل: يعود ولاية الأب و الجد بعد زوالهما، قال: و كذا في الجنون لو طرء بعد البلوغ و الرشد.

____________

(1) حيث قال بعد قول المصنف ولايته يعنى الحاكم على من بلغ غير رشيد أو تجدد فساد عقله: ما لفظه و أما من بلغ غير رشيد فإطلاق الولاية فيه للحاكم مشكل، لأن ولاية الأب و الجد مع وجودهما متحققة قبل البلوغ، و لا مانع من استصحابها، و الظاهر ان مراد المصنف ثبوتها للحاكم مطلقا، و ان ولاية الأب و الجد مخصوصة بالصغير، و قد تقدم في باب الحجر مثله في ولاية المال، و المتجه التصفية بينهما في التفصيل باتصال السفه و تجدده، فيكون الولاية في الأول للأب و الجد، و في الثاني للحاكم مطلقا- منه (رحمه الله).

375

قال: في المفاتيح و ان طرأ الوصفان بعد البلوغ و الرشد ففي ثبوت ولايتهما قولان: و بذلك صرح في الكفاية أيضا.

أقول: و المسألة خالية من النص الظاهر، الا أن الأقرب بالنظر الى ما ذكروه من التعليلات هو القول المشهور، لانه بعد زوال الولاية بالبلوغ و الرشد فرجوعها يحتاج الى دليل.

و غاية ما يفهم من الآيات و الاخبار هو ثبوت الولاية على الصغير، و من اتصل جنونه أو سفهه بالصغر، و أما من تجدد له بعد البلوغ فلا دليل عليه، و ولاية الحاكم ثابتة على الإطلاق، و المراد به الامام (عليه السلام) أو نائبه الخاص، أو العام و هو الفقيه الجامع للشرائط، فيدخل هذا الفرد تحت ذلك (1).

الثالث [لو تعارض عقد الأب و الجد]

- قد عرفت في صدر المسألة أن الولاية في مال الصغير و المجنون المتصل جنونه بالبلوغ للأب و الجد و ان علا بلا خلاف و لا اشكال، و انما الإشكال فيما لو تعارض عقد الأب و الجد، بأن أوقعاه دفعة، فهل يقع باطلا لاستحالة الترجيح أو تقدم عقد الجد، أو عقد الأب؟ أوجه: و الكلام في ولاية المال، أما النكاح فسيأتي الكلام في بابه إنشاء الله تعالى، و نقل عن التذكرة في هذا الباب: القول بتقديم عقد الجد، و في باب الوصايا من الكتاب المذكور قال: ان ولاية الأب مقدمة على ولاية الجد، و ولاية الجد مقدمة على ولاية الوصي للأب.

و بذلك صرح في المسالك أيضا في كتاب الوصايا فقال: الأمور المفتقرة إلى الولاية، اما أن تكون أطفالا، أو وصايا، أو حقوقا، أو ديونا، فان كان الأول فالولاية فيهم لأبيه ثم لجده لأبيه، ثم لمن يليه من الأجداد على ترتيب الولاية الأقرب

____________

(1) فقال: لو طرء الجنون بعد البلوغ و الرشد ففي ثبوت الولاية لهما أو للحاكم قولان: و قال في السفه بعد ذكر حكم السفه المتصل بالبلوغ و الخلاف فيه: أما الطاري بعد البلوغ و الرشد المشهور انها للحاكم- منه (رحمه الله).

376

فالأقرب منهم الى الميت، فان عدم الجميع فوصى الأب، ثم وصى الجد، و هكذا فان عدم الجميع فالحاكم، و الولاية في الباقي غير الأطفال للوصي، ثم الحاكم انتهى.

هذا كلامه في كتاب الوصايا و ظاهره الجزم به و مع أنه في كتاب الحجر اقتصر على نقل الاحتمالات الثلاثة التي ذكرناها، و نقل كلام التذكرة و لم يرجح شيئا في البين، و الظاهر أن وصى الأب لا حكم له مع الجد، و به صرح في التذكرة، لأن ولاية الجد شرعية، و ولاية الوصي جعلية، و لو تعدد الأجداد بوجود الأدنى و الأعلى، فإنه يأتي فيهم ما تقدم في الجد و الأب من الأوجه الثلاثة كذا صرح في المسالك في هذا الكتاب، مع أن ظاهر كلامه الذي نقلناه في كتاب الوصايا تقديم الأقرب فالأقرب من الأجداد إلى الميت.

الرابع- هل يعتبر العدالة في الأب و الجد؟

أكثر عبارات الأصحاب عارية عن ذلك، قيل: و في عبارة القواعد و شرحه اشارة اليه، و الاخبار الدالة على ولايتهما مطلقة، و الأصل عدمها حتى يقوم دليل واضح على ثبوتها، و هو اختيار جملة من محققي متأخري المتأخرين و الظاهر من كلام الأصحاب أيضا و أما الوصي فالمشهور بين الأصحاب اعتبار العدالة فيه، و ظاهر جملة من أفاضل متأخري المتأخرين كالمحقق الأردبيلي و الفاضل الخراساني عدم اعتبار ذلك، استنادا الى عموم الروايات الدالة على اجراء حكم الوصي من غير اشتراط العدالة، و كذا عموم ما دل على مضاربة الرجل بمال ولده، و الوكالة فيه من غير اشتراط العدالة.

أقول: و يمكن أن يستدل على اشتراطها في الوصي بما رواه

محمد بن إسماعيل (1) في الصحيح قال: ان رجلا من أصحابنا مات و لم يوص، فرفع أمره الى قاضي الكوفة فصير عبد الحميد بن سالم القيم بماله، و كان رجلا خلف ورثة صغار أو متاعا

____________

(1) التهذيب ج 9 ص 240 و لكن عن سماعة.

377

و جواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه في بيعهن، ان لم يكن الميت صير اليه وصيته، و كان قيامه بهذا بأمر القاضي لأنهن فروج، قال فذكرت ذلك لأبي جعفر «(عليه السلام)» فقلت له: يموت الرجل من أصحابنا و لم يوص الى أحد، و يخلف جواري فيقيم القاضي رجلا منا ليبيعهن، أو قال: يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه لأنهن فروج فما ترى في ذلك القيم؟ قال: فقال: إذا كان القيم مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس».

و المراد المماثلة في الوثاقة و العدالة

و رواية رفاعة (1) قال: «سألته عن رجل مات و له بنون صغار و كبار من غير وصية، و له خدم و مماليك و عقار كيف يصنعون الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال:

ان قام رجل ثقة فقاسمهم ذلك كله فلا بأس».

و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) الواردة في وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) قال فيها: «و ان حدث بالحسن و الحسين (عليهما السلام) حدث فإن الأخر منهما ينظر في بنى على، فان وجد فيهم من يرضى بهديه و إسلامه و أمانته، فإنه يجعله ان شاء، و ان لم ير فيهم بعض الذي يريد، فإنه يجعله الى رجل من أبى طالب يرضى به، فان وجد آل أبى طالب قد ذهب كبراؤهم و ذوو آرائهم فإنه يجعله الى رجل يرضاه من بنى هاشم» الخبر.

و مورد هذا الخبر الوصي لكنه لا دلالة له على العموم في كل وصى، و بما يفرق بين الوصي و بين ما دل عليه الخبران الأولان، بأن الوصي قد عينه و ان كان غير عدل، و في تبديله و عزله دخول تحت قوله تعالى (3) «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ».

و فيه أن تبديله و عزله انما وقع رعاية للموصى، و محافظة على تنفيذ وصاياه، حيث أن الوصي لما كان غير عدل فلا يؤمن منه التغيير و التبديل، و الإخلال بتنفيذ

____________

(1) التهذيب ج 9 ص 240 و لكن عن سماعة.

(2) التهذيب ج 9 ص 127.

(3) سورة البقرة الآية 181.

378

الوصايا كما أمر.

و الظاهر أن الاحتياط في المقام أن يضم الحاكم اليه عدلا يكون ناظرا عليه في تنفيذ الوصايا، و يستفاد من الخبرين الأولين الاذن لعدول المؤمنين في تولى بعض الأمور الحسبية المنوطة بالحاكم الشرعي، و به صرح الأصحاب أيضا.

الخامسة [حكم السفيه في العبادات البدنية و المالية الواجبة]

- المفهوم من كلام جملة من الأصحاب ان السفيه حكمه في العبادات البدنية و المالية الواجبة حكم الرشيد في وجوب الإتيان بهما، الا أنه لا يمكن من من صرف المال، و على هذا فمتى كان الحج عليه واجبا فليس للولي منعه، بل يجب عليه المبادرة اليه، و على الولي تولى الإنفاق عليه بنفسه أو وكيله، سواء زادت نفقته سفرا على نفقة الحضر أم لا، و لا فرق في ذلك بين حجة الإسلام أو حج النذر إذا كان النذر سابقا على الحجر.

و أما لو أراد الحج ندبا فإنهم اشترطوا فيه أن لا يزيد نفقته سفرا عن نفقته حضرا لعدم الضرر.

و لا أعرف لهذا الشرط وجها إذا كان الولي هو أو وكيله المتولي الإنفاق عليه، و الضرر انما يتطرق بتمكينه من النفقة على نفسه، على انه من الظاهر البين أن نفقة السفر يزيد على نفقة الحضر غالبا، لما يحتاج اليه من الدواب، و الغرم كما هو المشاهد المعلوم في جميع الأزمان، و حينئذ فكيف يمنع من هذا الثواب العظيم المرتب على الحج، و هو مكلف عاقل لا مانع سوى السفه الذي هو عبارة عن صرف المال في غير محله، و هو هنا مندفع بتولي الولي أو وكيله لذلك، و المسألة المذكورة غير منصوصة كما اعترف به في المسالك، ليجب الوقوف فيها على ما ذكروه، و العجب انهم قالوا: كما تقدم نقله عنهم أنه يجوز للإنسان أنه يتصدق بجميع أمواله، و ينفقها في الخيرات و الطاعات و لا يكون ذلك سفها مع ما فيه من الضرر العظيم، و يمنعون هنا من زيادة نفقة السفر، لكون ذلك ضررا.

و الى ما ذكرناه يميل كلام المحقق الأردبيلي أيضا كما أشار إليه بقوله:

379

الظاهر عدم منعه من المندوب أيضا، كمثل ما مر، و ان استلزم صرف المال زائدا على الحضر، على أن ما ذكروه من عموم الحجر- على وجه يتناول منعه من فعل الطاعات، و القربات المستحبة و النذر و نحو ذلك في محل المنع، فإن غاية ما يفهم من الاخبار و الآيات التي تقدم ذكرها، هو أنه لسفهه لا يمكن من المال خوفا أن يصرفه في المصارف الغير الشرعية.

و حينئذ فلو أراد أن يتصدق بصدقة أو يبنى مسجدا أو نحو ذلك، على وجه لا يدفع المال اليه، فما المانع منه، حتى انهم يحكمون بالحجر فيه و في أمثاله، فإنه عاقل كامل داخل تحت الخطاب بتلك الأخبار الدالة على استحباب الصدقة، و فعل الخير و بذل المعروف، و تخصيص هذه الأخبار بأخبار الحجر ليس اولى من العكس، بل العكس أولى، فإن غاية ما يتمسكون به كونه سفيها، و مجرد السفه من حيث هو لا يصلح للمنع من ذلك كالفاسق.

نعم الذي يقتضيه السفه هو الحجر عليه في المال، لئلا يصرفه في غير المصارف الشرعية من وجوه السفه، و الفرض هنا أنه انما صرف في المصارف الشرعية التي ليست بسفه على وجه لم يدفع اليه المال بنفسه (1).

و بالجملة فإن دعوى عموم الحجر على وجه يتناول ما ذكرناه و أمثاله ممنوعة، لا أعرف عليها دليلا، ثم انهم قالوا أيضا: أنه إذا حلف انعقدت يمينه، لانه لا تعلق له بالمال، و مثله لو نذر أو عاهد على وجه لا تعلق له بالمال، أما لو كان النذر أو

____________

(1) و ان قوله (عليه السلام) في بعض تلك الأخبار إذا علم الرجل أن أقرانه سفيهة مفسدة و ولده سفيه لا ينبغي له أن يسلط واحدا منهم على ما حوله، ان النهى من تسليطهم انما هو لخوف وقوع صرفه في الفساد و هو الأمور غير المشروعة، و كذا قوله في آخر لا يعطوهم حتى تعرفوا منهم الرشد، انما هو خوف صرف المال في تلك الأمور الممنوع منهما شرعا، و حينئذ فلا تعلق لذلك بما لو تصدق بمال و نحوه من وجوه الطاعات على وجه يكون صرف المال فيه بواسطة الولي من غير أن يدفع المال إليه، فإنه من أفعال العقلاء و ذوي الرشد فلا مانع منه. منه (رحمه الله).

380

العهد متعلقا بالمال كأن نذر أن يتصدق بمال مثلا، فان كان معينا بطل النذر، و ان كان في الذمة روعي في انعقاده زوال السفه.

و إذا حلف و حنث في يمينه فإنه يجب عليه الكفارة قطعا، لانه بالغ عاقل، الا أنه يبقى الإشكال في تعين التكفير بالصوم، لانه محجور عليه المال، فيصير كالعبد و الفقير، أو جواز التكفير بالمال؟ نظرا الى أن الكفارة تصير واجبة عليه، و هو مالك للمال، فيخرج من المال، كما يجب أخرج الزكاة و الخمس و مؤنة الحج الواجب، و الكفارة التي قد سبق وجوبها الحجر قولان:

و بالأول صرح العلامة في جملة من كتبه، و ظاهر المحقق في الشرائع التردد في المسألة لما ذكرنا من تعارض الوجهين المذكورين، و ظاهره في المسالك الميل الى القول الأول، و أجاب عن دليل الثاني قال: و يضعف بأن هذه الواجبات ثبت عليه بغير اختياره، فلا تصرف له في المال، و انما الحاكم به الله تعالى، بخلاف الكفارة في المتنازع فان سببها مستند الى اختياره، و مخالفته لمقتضى اليمين، فلو أخرجها من المال أمكن جعل ذلك وسيلة له الى ذهابه، لان مقتضى السفه توجيه صرفه الى ما لا ينبغي انتهى.

أقول: فيه ما عرفت من أنه لا دليل على ما ادعوه في هذا المقام، بل الدليل على خلافه ظاهر من أخبارهم (عليهم السلام) و ذلك فإنه متى حلف أو نذر أو عاهد دخل تحت الأخبار الدالة على وجوب الوفاء بهذا الأشياء و ما يترتب عليها، لانه مكلف و سفهه لم يسقط عنه التكليف.

و غاية ما يوجبه السفه منعه من الصرف في المال بغير الوجوه المشروعة، لا مطلقا كما ادعوه، فانا لم نقف لهم فيه على دليل، بل ظاهر الآية و الاخبار المتقدمة انما هو ما قلناه على أنا لا يجوز دفع المال اليه فيما يتوقف على المال في هذه الأمور، بل المتولي لصرفه هو وليه الذي بيده المال.

و التحقيق انه قد تعارض هنا أدلة وجوب الوفاء بهذه الأمور، و ما يترتب عليها كما في غيره من المكلفين، و أدلة الحجر و تخصيص أحد الدليلين بالاخر يحتاج

381

الى مخصص، فبأي جهة قدموا العمل بأدلة الحجر، و خصصوا بها تلك الأدلة، مع أن الأمر عند النظر بعين التحقيق انما هو بالعكس، فإن أدلة الحجر كما عرفت لا عموم فيها، كما يدعونه على وجه تشتمل هذه الأمور و نحوها، و حينئذ فيجب العمل بتلك الأخبار الدالة على وجوب الوفاء لهذه الأمور و ما يترتب عليها، و بذلك يظهر لك أن حكمهم بكون النذر بالصدقة بمال معين باطلا، و كذا كونه موقوفا لو نذر التصدق بمال في الذمة في محل المنع، لعدم الدليل عليه مع قيام الأدلة على الصحة كما عرفت.

و الاستناد في منع ذلك الى أنه لو صح تصرفه كذلك لأمكن أن يجعل ذلك وسيلة إلى ذهاب ماله، لان مقتضى السفه يوجب صرفه الى ما لا ينبغي- مردود بأن السفيه ليس مجنونا يصرف ماله فيما لا يشعر به، بل غاية أمره انه لسفهه و عدم خوف الله عز و جل يصرف أمواله في المصارف المحرمة الموجبة للذاته كالزنا و شرب الخمر و نحو ذلك من المصارف التي يتلذذ بها.

و حينئذ فكيف يصير صرفه المال في النذر و الصدقة و الكفارة وسيلة إلى صرفه فيما لا ينبغي، و كيف تصير هذه الأشياء مما لا ينبغي، و هي عبادات يترتب عليها الأجر و الثواب و هو مكلف عاقل قد يريد الثواب و الأجر و ان كان سفيها في بعض أموره، على أنا قد اعتبرنا تولى الولي لذلك، و عدم تمكينه من المال كما تقدم.

و أما ما ذكره في المسالك في الجواب عن دليل القول الثاني من الفرق، ففيه أنه كما أن الزكاة قد أوجبه الله سبحانه كذلك الكفارة قد أوجبها لانه مكلف مخاطب بالأحكام و ليس بمجنون يسقط عنه التكليف، فإنه لا خلاف في كون يمينه مشروعة و لازمة له، و أنه بالحنث تجب عليه الكفارة كما في غيره من المكلفين، و حينئذ فلما حنث أوجب الله عليه الكفارة كما أوجب عليه الزكاة، و كون السبب في إيجابها الحنث الذي هو من المكلف لا يمنع من تعلق حكم الوجوب بها، و أن المطالب بها هو الله عز و جل، كما يطالب بالزكاة و نحوها، على أن من جملة المعدودات التي وافق على وجوبها الكفارة التي سبق وجوبها الحجر، فان

382

سببها أيضا مستند الى المكلف و الفرق بينها، و بين ما نازع فيه غير واضح.

و بالجملة فإن غاية ما يتمسكون به هنا هو ما يدعونه من عموم الحجر، و قد عرفت ما فيه، و ما ذكره في المسالك في آخر كلامه المتقدم نقله بقوله فلو أخرجها من المال أمكن جعل ذلك وسيلة الى آخره، فيه ما عرفت و الله العالم العالم.

المطلب الثالث في المفلس

و هو بكسر اللام لغة الذي ذهب خيار ماله من دراهم و دنانير، و بقي فلوسه، فهو مأخوذ من الفلس، واحد الفلوس يقال: أفلس الرجل بصيغة اللازم، فهو مفلس بكسر اللام، إذا صار كذلك كما يقال: أذل الرجل أى صار ذا ذل، فالمعنى هنا أنه صار ذا فلوس، بعد أن كان ذا دراهم، و مرجعه الى الانتقال من حال اليسر الى حال العسر، حيث أنه قد ذهب خيار ماله، فلم يبق الا الفلوس.

و اما شرعا فإنه يقال: مفلس بفتح: و هو الممنوع من التصرف في ماله، يقال فلسه القاضي تفليسا إذا حكم بإفلاسه، و نادى عليه، و شهره بين الناس بأنه صار مفلسا، و المراد به هنا من يكون عليه ديون تقصر أمواله عن أدائها.

قالوا: و لا يتحقق الحجر عليه الا بشروط أربعة

الأول- أن يكون ديونه ثابتة عند الحاكم

. الثاني- أن يكون أمواله قاصرة عن الديون التي عليه. الثالث- أن يكون ديونه حالة، الرابع- أن يلتمس الغرماء أو بعضهم الحجر عليه.

أقول: اما الأول- من هذه الشروط فظاهر، لان الحجر انما يقع من الحاكم، و حينئذ فلا بد من ثبوت الديون عنده بإقرار أو بنية أو علم منه بذلك على أظهر القولين و أما الثاني فلأنه لو كانت أمواله زائدة أو مساوية فلا حجرا جماعا، كما نقله في المسالك، بل يطالب لها، فان قضاها و الا رفع أمره الى الحاكم، فيحبسه الى أن يقضى ذلك، أو يبيع عليه متاعه و يقضى عنه دينه، و المراد بأمواله القاصرة عن أداء ديونه ما يشمل معوضات الديون، و هي الأموال التي ملكها بعوض ثابت في

383

ذمته، كالأعيان التي اشتراها أو استدانها، فإنها ملكه فيكون من جملة أمواله، و ان تخير أصحابها بين الرجوع فيها عند قسمة أمواله أو الطلب بعوضها، و كما تحتسب هذه الأشياء من جملة أمواله، فتحتسب أعواضها من جملة ديونه.

و أما الثالث فلانه مع كون الديون مؤجلة لا وجه للحجر، لعدم استحقاق المطالبة و ان لم يف ماله بما عليه، و يجوز أن يسهل الله (سبحانه) له الوفاء عند حلول الأجل و المطالبة، و أما ما نقل عن ابن الجنيد من حلول ديونه المؤجلة قياسا على الموت فضعيف.

و اما الرابع فلان الحق للغرماء فلا يتبرع الحاكم بالحجر لأجلهم مع عدم طلبهم ذلك- الا أن تكون الديون لمن له الولاية عليه، كاليتيم و المجنون و السفيه و كذا لو كان بعضها لهم و البعض الآخر لغيرهم مع التماس ذلك الغير.

و كذا لو سأل هو الحجر على المشهور، فإنه لا يجاب الى ذلك، و علل بأن الحجر عقوبة، و الرشد و الحرية ينافيانه فلا يصار اليه الا بدليل، و استقرب العلامة في التذكرة جواز اجابته، استنادا إلى انه كما أن في الحجر مصلحة للغرماء بحفظ حقوقهم، كذلك فيه مصلحة للمفلس ببراءة ذمته، و خلاصها من حق الغرماء، و أنه

قد روى عن النبي (1) (صلى الله عليه و آله) «أنه حجر على معاذ بالتماسه».

و فيه من الضعف ما لا يخفى، فان بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العليلة مجازفة محضة، و أما الخبر المذكور فلم أقف عليه في أخبارنا، و الظاهر أنه عامي.

بقي هنا شيء لم أقف على من تنبه له، و هو ان ما اشتهر في كلام الأصحاب بل الظاهر أنه لا خلاف فيه من كون المفلس يجب الحجر عليه، كما يجب على الصبي و السفيه و المجنون، لم أقف فيه على نص واضح، كما ورد في الثلاثة المذكورة من الآيات و الروايات المتقدمة في سابق هذا المطلب.

____________

(1) سنن البيهقي ج 6 ص 48.

384

و الذي وقفت عليه من الروايات المتعلقة بهذا المقام، التي ربما يدعى منها ذلك

موثقة عمار (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه، ثم يأمر فيقسم ماله بينهم بالحصص، فان أبى باعه فيقسمه بينهم، يعنى ماله».

و رواية غياث بن إبراهيم (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام)، كان يفلس الرجل إذا التوى على غرمائه ثم يأمر به فيقسم ماله» الحديث.

المتقدم و ما رواه

في التهذيب عن الأصبغ بن نباتة (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «انه قضى أن يحجر على الغلام حتى يعقل، و قضى (عليه السلام) في الدين أنه يحبس صاحبه، فان تبين إفلاسه و الحاجة فيخلى سبيله حتى يستفيد مالا، و قضى (عليه السلام) في الرجل يلتوي على غرمائه أن يحبس، ثم يأمر به فيقسم ماله بين غرمائه بالحصص، فان أبى باعه فيقسمه بينهم».

و رواه الصدوق في الفقيه، و زاد لفظ المفسد بعد الغلام في صدر الخبر

و رواية السكوني (4) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) عن على (صلوات الله عليه) «أنه كان يحبس في الدين ثم ينظر فان كان له مال أعطى الغرماء، و ان لم يكن له مال دفعه الى الغرماء، فقال لهم: اصنعوا به ما شئتم، ان شئتم آجروه، و ان شئتم فاستعملوه».

و أنت خبير بأن غاية ما يدل عليه أكثر هذه الاخبار انه (عليه السلام) كان يحبس في الدين إذا التوى على غرمائه، و هذا لا دلالة فيه على كونه مفلسا، بل ظاهرها أن الحبس انما هو من حيث المطل و عدم الأداء، لأنه معنى الالتواء، فيجوز أن يكون عنده ما يفي بالديون التي عليه، و لكنه يماطل في دفعه، فهو (عليه السلام) يحبسه حتى يتبين حاله، فان وجد عنده مالا قسم ما وجده عنده بين غرمائه، و ان لم يجد عنده شيئا أطلقه حتى

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 191.

(2) التهذيب ج 6 ص 299.

(3) التهذيب ج 6 ص 232.

(4) التهذيب ج 6 ص 300.

385

يستفيد مالا (1) كما دل عليه حديث الأصبغ.

و مثله أيضا رواية غياث، أو دفعه الى أصحاب الدين كما تضمنه خبر السكوني.

نعم في خبر غياث يفلس الرجل أى يحكم بكونه مفلسا.

و كيف كان فإن غاية ما تدل عليه هذه الاخبار هو أنه بعد رفع الأمر إليه أنه يحبس الرجل، فان وجد له مالا قسمه بين الغرماء، و الا فلا، و أما أنه يحجر عليه التصرف فيه مع بقاء المال في يده، كما هو المفروض في كلامهم و المبنى عليه تفريعاتهم الاتية فلا دلالة في شيء منها عليه، و الشروط المتقدمة إنما بنيت على ذلك.

و بالجملة فإن غاية ما تدل عليه الاخبار هو استيفاء المال منه، و تحصيله بعد رفع الأمر إلى الحاكم، و قسمته بين الغرماء، و مرجع البحث معهم في هذا المقام هو صحة الحجر من الحاكم الشرعي و عدمه، فإنه إذا كان الامام (عليه السلام) في هذه الاخبار لم يحجر عليه، و لم يأمر به، و ليس غيرها في الباب فكيف يسوغ لنائبه و هو الفقيه أن يفعل ذلك، و هو غير مأذون فيه و لا مأمور به عنهم (عليهم السلام).

و انما الوارد عنهم كما عرفت انما هو قسمة ماله بالحصص إذا رفع الأمر اليه، و هذا حكم على حده، و الحجر حكم على حده، و الأحكام الشرعية توقيفية مقصورة على ما ورد عنهم (عليهم السلام) و البحث في هذا الكتاب كله انما ترتب على الحجر كما سيظهر لك.

ثم انه بناء على ما ذكروه من الشروط المتقدمة قالوا: إذا تحققت الشروط المذكورة، و حصل الحجر من الحاكم، تعلقت به أمور أربعة: الأول: منع التصرف بأن يمنعه الحاكم من جميع التصرفات، و الكلام هنا في مواضع

أحدها [المراد من التصرفات الممنوع منها]

- قالوا:

ان المراد من التصرفات الممنوع منها هي التصرفات الابتدائية المتعلقة بالمال

____________

(1) و هي ما رواه

عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام) كان يحبس في الدين فإذا تبين له إفلاس و حاجة خلى سبيله حتى يستفيد مالا».

منه (رحمه الله).

386

الموجود حال الحجر، كالعتق و الرهن و البيع و الهبة، و لا يمنع من إمضاء تصرف سابق أو إبطاله، مثل فسخ بيع أو إمضائه في زمن الخيار أو بالعيب.

و كذا لا يمنع من التصرفات المتعلقة بغير المال كنكاح المرأة بنفسها، و الرجل ايضا بشرط عدم إيقاع العقد على المال الممنوع، و كالطلاق و اللعان و الخلع، و استيفاء القصاص و العفو عنه، و لا عن كسب المال مثل قبول الوصية، و قبول الهبة، و الاحتشاش و الاحتطاب.

و لا اعرف لهم دليلا في المقام الا ما ربما يدعى من الإجماع، و قد عرفت ما في أصل المسألة من تطرق النزاع، و حينئذ فلو تصرف فيما منع من التصرف فيه كان تصرفه باطلا، و هل المراد بالبطلان هنا حقيقة- و كون عبارته كعبارة الصبي، فلا تصح و ان لحقته الإجازة- أو البطلان بمعنى عدم اللزوم؟ فلا ينافي صحته لو أجاز الغرماء، أو فضل عن الدين بعد قسمة ماله عليهم قولان:

قالوا: و يؤيد الأول: أنه هو المناسب للحجر، فان معنى قول الحاكم حجرت عليك منعتك من التصرفات، و مقتضاه تعذر وقوعها منه.

و يؤيد الثاني: أنه لا يقصر عن التصرف في مال الغير، فيكون كالفضولي و حينئذ فلا ينافيه منعه من التصرف، لان المراد منه التصرف المنافي لحق الغرماء، و لا دليل على ارادة غيره، و على التقدير الثاني فان اجازه الغرماء نفذ، و الا أخر الى أن يقسم المال، فلا يباع و لا يسلم الى الغرماء، فان لم يفضل من ماله شيء يبين بطلانه، و ان فضل ما يسعه صح.

و

ثانيها- لو أقر بدين سابق صح

، لعموم (1)

«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».

و الظاهر أنه لا خلاف فيه، انما الخلاف في أنه هل يشارك ذلك المقر له بالدين الغرماء أم لا؟ و الى الأول ذهب الشيخ في المبسوط، و المحقق و العلامة في الشرائع و التذكرة و التحرير، و قيل: بعدم المشاركة، و قواه في المسالك، و هو ظاهر العلامة

____________

(1) الوسائل الباب- 2- من أبواب الإقرار الرقم- 2.

387

في الإرشاد حيث قال: لو أقر بمال فالوجه اتباعه بعد الفك، بمعنى أنه يتبع المقر بعد فك حجره، و لا يشارك الغرماء، و هو اختيار المحقق الأردبيلي في شرحه ايضا جازما به حيث لم ينقل خلافا في المسألة بالكلية، مع ما عرفت من تعدد القائل بذلك القول الأخر.

حجة القول الأول أنه عاقل فينفذ إقراره للخبر، و عموم الخبر في قسمة ماله بين غرمائه، و المقر له أحدهم، و لأن الإقرار كالبينة، و مع قيامها لا إشكال في المشاركة، و لانتفاء التهمة على الغرماء، لان ضرر الإقرار في حقه أكثر منه في حق الغرماء، و لان الظاهر من حال الإنسان أنه لا يقر بدين عليه مع عدمه، هكذا قرر في المسالك حجة القول المذكور.

ثم اعترضه فقال: و يشكل بمنع دلالة الخبر على المدعى، لأنا قبلناه على نفسه، و من ثم التزمناه بالمال بعد زوال الحجر، و لم يدل على أنه جائز على غيره، و لو شارك المقر له الغرماء لنفذ عليهم، لتعلق حقهم بجميع ماله، و لا معنى لمنعه من التصرف الا عدم نفوذه في ماله الموجود، و المشاركة يستلزم ذلك، و تمنع مساواة الإقرار للبينة في جميع الأحكام، و يظهر أثره فيمن لا يقبل إقراره إذا أقيمت عليه البينة، و إذا لم تكن القاعدة كلية لم تصلح كبرى للشكل (1) فلا ينتج المطلوب و التهمة موجودة في حق الغرماء، لانه يريد إسقاط حقهم بإقراره، و تحقق الضرر عليه لا يمنع من إيجابه الضرر عليهم، و لإمكان المواطاة بينه و بين المقر له في ذلك، فلا يتحقق الضرر الا عليهم.

و على كل حال لا يمكن الحكم بنفي التهمة على الإطلاق، بل غايته أنه قد يكون متهما و قد لا يكون، فلا يصلح جعل عدم التهمة وجها للنفوذ مطلقا، و الأقوى عدم المشاركة انتهى.

____________

(1) بان يقال: هذا إقرار، و كل إقرار كالبينة، يصح ان هذا كالبينة في المشاركة، و المنع هنا توجه إلى كلية الكبرى فإنه ليس كل إقرار كالبينة لما عرفت منه (رحمه الله).

388

أقول: و أنت خبير بأنه بمقتضى ما قررناه سابقا من عدم وجود الحجر عليه في الاخبار و انما غاية ما تدل عليه هو أنه (عليه السلام) يقسم أمواله بين غرمائه بالحصص- إذا رفع الأمر إليه- هو قوة القول الأول، لأن هذا المقر له من جملتهم، و به يظهر قوة قوله في حجة القول الأول، و عموم الخبر في قسمة ماله بين غرمائه، و المقر له أحدهم.

و أما جواب شيخنا المذكور عن ذلك بقوله: و لو شارك المقر له الغرماء الى آخره فإنه صحيح لو كان هنا دليل على الحجر، بأن قام الدليل على أن للحاكم الشرعي أن يحجر على المفلس التصرف في أمواله، مع أنه ليس كذلك، و الذي ثبت له انما هو قسمته بالحصص بعد رفع الأمر إليه، فإن قيل-: ان مقتضى قسمته بين الغرماء بالحصص بعد رفع الأمر إليه أنه يحجر على صاحبه التصرف فيه حتى يقسمه بين الغرماء بالحصص-، قلنا قد عرفت من كلامهم أنه لا بد أن يقول الحاكم بعد رفع الأمر إليه: قد حجرت عليك التصرف في أموالك، فإنه يترتب عليه الأحكام الأربعة المشار إليها آنفا، و بدونه لا يثبت شيء منها.

و من جملة فروع ذلك ما نحن فيه، من أنه بهذه الصيغة الواقعة من الحاكم انتقل المال الى الغرماء قبل القسمة، فلا يجوز لمن أقر له بعد الحجر المشاركة لهم، كما أشار إليه شيخنا المذكور بقوله لتعلق حقهم بجميع ماله، و أصرح منها في هذا المعنى ما يأتيك- إنشاء الله تعالى- في عبارة المحقق الأردبيلي.

و بالجملة فإنه لا بد عندهم من هذه العبارة المذكورة ليترتب عليها الأحكام المذكورة، مع أنك قد عرفت أنه لا دليل عليها، لا أن مجرد الأمر بالقسمة يستلزم الحجر، فإنه و ان استلزمه لكنه ليس من محل البحث عندهم في شيء.

و ملخص الكلام انه بالنظر الى ما جروا عليه في هذا الباب من دعوى الحجر و ثبوته فالأقوى هو القول الثاني، لما ذكره شيخنا المذكور، و مثله المحقق الأردبيلي حيث أنه ممن اختار القول المذكور، فقال في الاستدلال له: دليله أن

389

المال المحجور عليه صار بسبب الحجر للديان الذي حجر بسبب ديونهم، فلا يمكن أن يتعلق به غيرها بسبب إقرار المديون، فإنه بالحقيقة إقرار في حق الغير انتهى.

و بالنظر الى ما ذكرناه من عدم دليل على هذا الحجر، فليس للحاكم الشرعي إيقاعه، فالأقوى هو القول الأول، لأن غاية ما دلت عليه الاخبار هو أن للحاكم قسمة أمواله بالحصص بين الغرماء بعد رفع الأمر إليه.

نعم لو تأخر الإقرار عن القسمة، فالظاهر أنه لا يلتفت اليه، و يصح ما ذكروه، و أما قبلها فظاهر الأخبار اشتراك جميع الغرماء، و غاية ما استندوا اليه تقدم حق أولئك بالحجر أولا قبل القسمة، و قد عرفت أنه لا أثر لهذا الحجر.

ثم انه لا يخفى ان محل البحث هو الاعتراف بالدين السابق، كما وقع في عنوان المسألة، و هو احتراز عما لو أسند الدين الى ما بعد الحجر، فإنه و ان كان الإقرار به صحيحا في نفسه للخبر المتقدم، الا أنه لا ينفذ عندهم في حق الغرماء، لما تقدم من الحكم ببطلان المعاملات الابتدائية المتعلقة بالمال، و الإقرار بها في حكم وقوعها، و يأتي فيها الخلاف المتقدم من بطلان المعاملة بالكلية، أو كونها موقوفة، هذا كله في الإقرار بالدين.

و لو أقر بعين فقيل: بأنها تدفع الى المقر له، و هو اختيار ابن إدريس و ظاهر المحقق في الشرائع على تردد، و قيل: بالعدم، و هو اختيار العلامة في الإرشاد.

و اعلم أن الأقوال بالنسبة إلى العين و الدين ترجع إلى أربعة أقوال: أحدها نفوذ الإقرار فيهما، و هو خيرة العلامة في التذكرة، و ثانيها عدم النفوذ و هو خيرة العلامة في الإرشاد، و المحقق الأردبيلي في شرحه و نقل عن الشهيد و جماعة، و هو اختياره في المسالك، و ثالثها- ثبوته في العين دون الدين، و نقل عن ابن إدريس، و رابعها العكس و نسبه في المسالك الى المصنف، و فيه إشكال، فإن ظاهره في الشرائع انما هو القول الأول، لكنه تردد في العين بعد أن حكم بالمشاركة كما قدمنا نقله عنه و الله العالم.

390

و

ثالثها [الخلاف في تعلق الحجر على المال المتجدد بعد الحجر]

لا خلاف و لا اشكال عندهم في تعلق الحجر بالمال الموجود حال الحجر، و انما الإشكال في المتجدد بعده، فيحتمل تحقق الحجر فيه أيضا لوجود المقتضي في الأول، و هو صيانة حق الغرماء، حيث أنه يجب قسمة أمواله على ديونه، و هو مشترك في الموجود و المتجدد، و هو مختار العلامة في القواعد و التحرير، و عدمه للأصل في تسلط المسلم على ماله، و لخبر (1)

«الناس مسلطون على أموالهم».

فالحجر عليه خلاف الأصل، و لا خلاف في الحجر فيما كان موجودا وقت الحجر، فيبقى ما عداه في حكم الأصل، اقتصارا على موضع الوفاق، قيل: و التحقيق (2) أن يقال: ان كان المراد شمول حجر الحاكم لذلك المال، فإنه ينظر فان كان كلامه في حجره شاملا له يتعدى اليه الحجر، مثل أن يقول: حجرتك عن جميع التصرفات المالية، و الا فلا، لانه قد ثبت أنه لا بد فيه من حكم الحاكم، و أنه لا يثبت بدونه، و ان كان شاملا له ثبت، و الا فلا، و هو ظاهر و ان كان المراد أنه هل له أن يحجره عن جميع المال الموجود و المتجدد حينئذ حتى يؤدى الديون؟ فالظاهر التعدي، لأن دليل الثبوت و شرائطه ثابت، و ان كان المراد هل للحاكم أن يحجره ثانيا في ذلك المال المتجدد؟ فالظاهر التعدي بمعنى أن له الحجر عليه فيه أيضا بالشرائط المتقدمة، إذ لا فرق و لا مانع، و لا يمنع من ذلك ثبوت الحجر أولا على غيره، و هو أيضا واضع انتهى.

و ملخصه انه يجب أن يرجع الى الحاكم الذي صدر منه الحجر، فان لم يمكن و لا يعلم شموله و عدم شموله فلا يتعدى، للأصل و عدم الدليل.

أقول: أنت خبير بأن مقتضى ما قدمنا ذكره من أنه ليس على هذا الحجر دليل و لا نص، و انما المستفاد من الاخبار هو قسمة مال المفلس بالحصص بعد رفع

____________

(1) البحار ج 2 ص 272 ط جديد.

(2) هذا التحقيق للمحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد- منه (رحمه الله).

391

الأمر إلى الحاكم، فإنه لا ثمرة لهذا الخلاف، و أن الواجب هو قسمه كل ما كان له من مال يومئذ على الغرماء.

و

رابعها [عدم صيرورة الديون المؤجلة حالا بالحجر]

- المشهور انه لا تحل الديون المؤجلة عليه بالحجر، و انما تحل بالموت كما تقدم في كتاب الدين، و نقل عن ابن الجنيد أنها تحل، و كذا المشهور أنه لا يحل بالحجر الدين المؤجل الذي له على غيره، و عن ابن الجنيد أنه يحل أيضا، و رد بالأصل، لأن الأصل بقاء ما كان عليه، حتى يقوم دليل على خلافه.

احتج ابن الجنيد للقول الأول بالقياس على الميت، و رد ببطلان القياس، سيما مع وجود الفارق بتحقق الضرر على الورثة ان منعوا من التصرف في التركة إلى حلوله، و صاحب الدين ان لم يمنعوا بخلاف المفلس.

قيل: و لا فرق في دين الميت بين مال السلم و الجناية المؤجلة و غيرهما على الأقوى، لعموم النص.

و وجه احتمال خروجها أن الأجل في السلم جزء من العوض، فلو حل مال السلم لزم نقصان العوض، و أجل الجناية بتعيين الشارع، فبدونه لا يكون له تلك الدية، و عموم النص يدفع ذلك، و يسقط ما ادعى تأثيره، لأنهما فردان من افراد الديون فيتناولهما كغيرهما انتهى.

و أما ما ذكره ابن الجنيد من القول الثاني فإنه احتج أيضا بالقياس على الميت، و رد بمنع ذلك في الميت أيضا، و فيه أن رواية أبي بصير قد دلت على ذلك في الميت كما تقدم في كتاب الدين، و به قال الشيخ و جماعة، الا أن الأصحاب ردوا الرواية بضعف السند، و قد تقدم الكلام في ذلك في الكتاب المذكور.

و كيف كان فإنه و ان ثبت ذلك في الميت الا ان حمل الحجر عليه قياس لا يوافق أصول المذهب، و لكنه لما كان يذهب الى العمل بالقياس كالعامة قال به هنا، و العجب من أصحابنا كيف يعتمدون أقواله و ينقلونها مع ارتكابه هذا المرتكب الفاحش الموجب لفسق فاعله.

و

خامسها [لو أقرض مالا بعد الحجر أو باعه بثمن في ذمته لم يشارك الغرماء]

- قالوا: لو أقرض إنسان مالا بعد الحجر أو باعه بثمن في ذمته لم

392

يشارك الغرماء، بل كان ثابتا في ذمته، و هو في العالم بحاله موضع وفاق بينهم، لان فعله ذلك مع علمه بإفلاسه و حجر الحاكم عليه و تعلق حق الغرماء بأمواله رضا منه ببقاء ماله في ذمته الى أن يفك حجره.

أما لو كان جاهلا فقد جزم المحقق في الشرائع بأنه كذلك، لتعلق حق الغرماء الموجودين عند الحجر بأمواله، و ان كانت متجددة بناء على دخول المتجدد في الحجر أيضا، فلا يتوجه له الضرب مع الغرماء بدينه، و لا أخذ عين ماله.

و قيل: فيه وجهان آخران: أحدهما- جواز فسخه و اختصاصه بعين ماله، لعموم

قوله (1) (صلى الله عليه و آله) «صاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه».

و ثانيهما الضرب مع الغرماء، لان له حقا ثابتا في الذمة، و هو غريم فيضرب به كسائر الغرماء، و لانه قد أدخل في مقابلة الثمن مالا فيضرب بالثمن، إذ ليس فيه إضاعة على الغرماء.

و رد كل من الوجهين بما تقدم من أن حق الغرماء بالحجر قد تعلق بعين تلك الأموال و صارت لهم و ان كانت متجددة، على أن الوجهين متنافران، لأنه ان كان غريما اختص بعين ماله كما يأتي إنشاء الله تعالى فيمن وجد عين ماله بعد الحجر، و ان لم يكن غريما لم يضرب.

أقول: و أنت خبير بما في هذا الفرع أيضا بناء على ما قدمنا ذكره، فان مقتضى ما قدمنا ذكره هو المشاركة للغرماء ما لم يكن بيعه و قرضه بعد قسمة المال بين الغرماء فإنه غريم، قولهم ان أمواله قد صارت للغرماء بسبب الحجر، قلنا:

لا دليل على هذا الحجر و لا مستند له.

و ليت شعري كيف رتبوا هذه الأحكام على الحجر بما ذكر، و ما سيأتي من جميع الأحكام المذكورة في كتاب الفلس مع أنه لا مستند له، اللّهمّ الا أن يكون إجماعهم على ذلك، و الا فالروايات كما عرفت خالية عنه.

و بالجملة فإني لا أعرف لهم حجة سوى الإجماع فالقول بخلافه لا ضير فيه

____________

(1) المستدرك ج 2 ص 496.

393

عند من لا يلتفت الى هذه الإجماعات، الا أن يثبت ذلك في كلام المتقدمين، و يعلم اتفاقهم عليه، فإنه يكون حجة عندنا كما قدمنا ذكره في محله.

و

سادسها [عدم جواز قبض دون الحق للغارم]

- قالوا: لو كان له حق فليس له قبض دون حقه، و كان للغرماء منعه عن ذلك، لانه محجور عليه في أمواله و التصرف في أمواله ابتداء، و هذا منه، حتى لو تعين له الأرش فإنه لا يجوز له إسقاطه، و به صرح في التذكرة.

أقول: و فيه ما عرفت. و من ثم أعرضنا عن نقل جملة من تفريعاتهم في هذا المقام لعدم الدليل الواضح على صحة هذه القاعدة، فالتطويل بكثرة فروعها عار عن الفائدة و في ما ذكرناه أنموذجا كفاية للمتدرب في الصناعة.

الثاني [اختصاص الغريم بعين ماله إذا وجده]

من الأمور الأربعة المتقدم ذكرها: اختصاص الغريم بعين ماله إذا وجده، و تحقيق الكلام هنا ايضا يقع في موارد

الأول [أن من وجد منهم عين ماله كان له أخذها]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) أن من وجد منهم عين ماله كان له أخذها و ان لم يكن سواها، و له أن يضرب بدينه مع الغرماء سواء حصل في المال وفاء أم لا.

و نقل عن الشيخ أنه لا اختصاص الا أن يكون هناك وفاء و بالأول صرح الشيخ في الخلاف و ابن إدريس و ابن جنيد، و بالثاني صرح الشيخ في النهاية و الاستبصار و رجحه في المبسوط.

و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا المقام

صحيحة عمر بن يزيد (1) عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يركبه الدين فيوجد متاع رجل عنده بعينه، قال: لا يحاصه الغرماء».

و هذه الرواية حجة القول المشهور، و هي ظاهرة فيه تمام الظهور.

و صحيحة جميل (2) عن بعض أصحابنا «عن ابى عبد الله (عليه السلام) في رجل باع متاعا من رجل فقبض المشترى المتاع، و لم يدفع الثمن ثم مات المشترى و المتاع قائم بعينه فقال: إذا كان المتاع قائما بعينه رد الى صاحب المتاع، قال:

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 193.

(2) الوسائل الباب 5 من أبواب الحجر الرقم- 1.

394

و ليس للغرماء ان يحاصوه».

و صحيحة أبي ولاد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل باع من رجل متاعا إلى سنة، فمات المشترى قبل أن يحل ماله، و أصاب البائع متاعه بعينه، إله أن يأخذه إذا حقق له؟ قال: فقال: ان كان عليه دين، و ترك نحوا مما عليه فليأخذ ان حقق له، فان ذلك حلال له، و لو لم يترك نحوا من دينه فان صاحب المتاع كواحد ممن له عليه شيء يأخذ بحصته، و لا سبيل له على المتاع».

و هذه الرواية هي مستند الشيخ فيما تقدم نقله عنه، و رد بأن مورد الرواية الميت، و الحكم فيه ذلك كما سيظهر لك، و محل البحث انما هو الحي و حينئذ فلا دلالة للخبر على مدعاه،

و رواية أبي بصير (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن رجل كانت عنده مضاربة و وديعة، و أموال أيتام و بضائع، و عليه سلف لقوم فهلك و ترك ألف درهم أو أكثر من ذلك، و الذي للناس عليه أكثر مما ترك، فقال: يقسم لهؤلاء الذين ذكرت كلهم على قدر حصصهم أموالهم».

و الشيخ جمع بين هذه الاخبار بحمل الأولين على الآخرين، فقال: انه لا يحاصه الغرماء إذا كان له ما يفي بمالهم من غير ذلك، فان لم يكن له شيء سوى ما للرجل بعينه كان هو و غيره من الديان في ذلك سواء، لان دينه و دين غيره متعلق بذمته، و هم مشتركون في ذلك.

أقول: و تفصيل الكلام في المقام أن يقال: إذا كان المديون مفلسا و وجد صاحب الدين عين متاعه فلا يخلو اما أن يكون ذلك في حياة المديون أو بعد موته، فان كان ذلك في حياته فالمشهور كما عرفت أن لصاحب المتاع أخذ عين متاعه و لو لم يكن سواها، و يدل عليه صحيحة عمر بن يزيد المذكورة، و خالف الشيخ كما تقدم نقله عنه، و قال: أنه لا اختصاص له الا أن يكون هناك وفاء استنادا إلى صحيحة أبي ولاد.

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 169.

(2) التهذيب ج 9 ص 161.

395

و قد عرفت عدم دلالتها على موضع النزاع لان موردها الميت، و الفرق بينه و بين الحي ظاهر، لإمكان تجدد الوفاء بالنسبة إلى الحي بإرث أو اكتساب أو زيادة قيمة في أعيان أمواله، أو تجدد نماء أو نحو ذلك، بخلاف الميت.

و ان كان ذلك بعد موته، فالمشهور أنه إذا وجد صاحب الدين عين متاعه فليس له أخذه الا ان يترك الميت نحوا مما عليه، فيجوز له أخذها، و عليه تدل صحيحة أبي ولاد المذكورة.

و نقل عن ابن الجنيد الحكم باختصاصه هنا و ان لم يكن غيرها، كما هو المشهور في الحي (1) و يدل عليه إطلاق مرسلة جميل، الا أن يحمل إطلاقها على وجود ما يحصل به وفاء الدين سواها، كما تقدم نقله عن الشيخ، و كيف كان فالظاهر هو القول المشهور في الموضعين، بحمل الاخبار مطلقها على مقيدها.

تنبيهات

الأول

- قال في المسالك: و لا فرق في الحكم المذكور في الميت بين أن يموت المديون محجورا عليه أم لا، لان الموت بمنزلة الحجر و قيل الحكم مختص بالمحجور عليه، و إطلاق النص يدفعه. انتهى.

أقول: لا إشعار في هذه الروايات المذكورة هنا بالحجر لا في الميت و لا في الحي، بل قد عرفت آنفا أنه لا دليل عليه مطلقا، و مقتضى كلامهم أنه في الحي لا بد

____________

(1) بمعنى انه يشترط في الاختصاص بالعين كونه حيا و لو لم يكن سواها، بخلاف صورة الموت، فإنه لا يختص الا أن يكون هناك وفاء فإن الحكمة في ذلك ظاهرة، لان الميت لا تبقى له ذمة، فلا يناسب الاختصاص الا مع الوفاء، لئلا يتضرر الغرماء، بخلاف الحي فإن ما يتخلف من الدين يتعلق بذمته، و ربما لا يضيع، بأن يحصل بأحد الوجوه المذكورة في الأصل- منه (رحمه الله).

396

من حصول الحجر، مع ان إطلاق النصوص المذكورة يدفعه، و حينئذ فتكلف الجواب بالنسبة إلى الميت خاصة لا وجه له.

الثاني

- لا يخفى أن ما ذكروه من الخيار في صورة جواز أخذ العين في الحي أو الميت و انه يتخير بين أخذ العين أو الضرب مع الغرماء لا أعرف له دليلا واضحا، فان الروايات انما اشتملت على أخذ العين، و ظاهرها ان ذلك هو مقتضى الحكم شرعا، و اما ان ذلك محمول على الرخصة ان اختاره، و إلا فسبيله سبيل الغرماء كما هو ظاهر كلامهم، فلا إشارة في الأخبار المذكورة إليه، فضلا عن الدلالة عليه، و لربما لم يرض الغرماء بذلك، و ظاهرهم انه يشاركهم لو أراد رضوا أم لم يرضوا (1) و هو مشكل لعدم ظهور الدلالة عليه من هذه الاخبار، بل ظاهرها كما عرفت انما هو اختصاصه بمتاعه.

و بالجملة فإن الأصل عدم المشاركة لهم. و إثباتها يحتاج الى الدليل، و ظاهرها ايضا اختصاصه بعين ماله، فلا يشاركه الغرماء فيها، و هو أعم من ان يقتصر على أخذ العين أو يشاركهم و تضرب معهم فيشاركونه في تلك العين كما شاركهم في غيرها، فان نفى المحاصة في الروايتين أعم من الأمرين المذكورين.

الثالث

- قيل: الظاهر أن المراد برجوع صاحب العين إليها هو فسخ العقد الذي كان موجبا لملكية المفلس، و قال في التذكرة: الفسخ قد يكون بالقول مثل فسخت البيع و نقضته و رفعته، و قد يكون بالفعل كما لو باع صاحب السلعة سلعته،

____________

(1) قال المحقق الأردبيلي (قدس سره): و الظاهر أن رجوعه على سبيل الجواز فله أن يترك، و يشارك الغرماء رضوا أم لا، ثم ان بعد نقل صحيحة أبي ولاد و الكلام فيها قال: و هي تدل على أن أخذ العين جائز لا واجب متعين. انتهى.

و أنت خبير بأن ظاهر الخبر ان لم يدل على ما قلناه، فلا يدل على ما ذكره، لانه لما سأله السائل إله أن يأخذ إذا تحقق كون ذلك ماله؟ أجاب (عليه السلام) «بأنه ان تحقق ذلك، فليأخذ بالشرط المذكور» و ظاهر الأمر هو تعين الأخذ و وجوبه، لا جوازه، كما ادعاه- منه (رحمه الله).

397

أو وهبها أو وقفها.

و بالجملة إذا تصرف فيها تصرفا يدل على الفسخ كوطئ الجارية المبيعة على الأقوى، صونا للمسلم عن فاسد التصرفات.

أقول: المفهوم من الاخبار أن الفسخ لا يتوقف على صيغة، و انما هو عبارة عن تراضى الطرفين على نقض البيع الأول، و قد تقدم في بحث خيار الشرط (1) الإشارة الى ذلك، فإن غاية ما دلت عليه تلك الاخبار هو انه برد مثل الثمن في المدة المضروبة يحصل الفسخ و يبطل البيع الأول، و أما هنا فإنه لما كان المفلس يجب قسمة أمواله على الغرماء و هذا المتاع من جملتها، فيخص به الحاكم صاحبه، و يصير ذلك فسخا للبيع الأول، و ان لم يحصل الرضا من المالك، لان جميع هذه التصرفات و قسمة أمواله قهرية غير متوقفة على رضاه.

الرابع

- ما تقدم من القول المشهور و هو الرجوع الى العين مشروط عندهم بشروط ثلاثة: أحدها تعذر استيفاء تمام ثمن العين الذي في ذمة المفلس الا من العين. فلو كان في ماله وفاء مع كونه مفلسا بأن نمى المال بعده، أو وجد مال آخر، أو حصلت الزيادة يسبب ارتفاع القيمة السوقية و صارت القيمة أعلى من وقت الحجر، فلا رجوع له الى العين، إذ سبب الرجوع انما هو تعذر الثمن، و الفرض أنه ممكن بناء على ما ذكرناه.

و ثانيها كونه مفلسا محجورا عليه لفلسه، فلو كان المفلس غير محجور عليه لفلسه، فان الحكم فيه كما في غيره من أصحاب الديون، فان كان قادرا على الأداء و امتنع حبسه الحاكم حتى يوفي، أو يبيع ماله و يوفى عنه، و مع تعذر الحكم يمكن الأخذ منه مقاصة، و ان لم يكن قادرا فالأشهر الأظهر الصبر عليه، و قد تقدمت الأخبار المتعلقة بذلك في صدر هذا المطلب و ثالثها- كون المال حالا حين الحجر، فلو كان مؤجلا يومئذ فلا رجوع

____________

(1) ج 19 ص 35.

398

له، لأنك قد عرفت أنه بالحجر لا تحل الديون المؤجلة عليه، و انما تحل بالموت خاصة، و العين المذكورة و غيرها قد تعلق بها حق الغرماء الذين حجر لأجلهم، و صاحب هذا الدين لكونه مؤجلا ليس منهم، بل وجوده كعدمه.

الخامس- هل الخيار المذكور هنا في الحي أو الميت على الفور أو على التراخي؟

قولان: قالوا: للأول وجوب الوفاء بالعقد، و بناء البيع على اللزوم، فيقتصر في الخروج عن ذلك على موضع الضرورة جمعا، و للثاني إطلاق النص بثبوته، فيستصحب الى ان يثبت المزيل، و الى هذا القول مال في المسالك قال: و هو اختيار المصنف أيضا.

أقول: ليت شعري أي نص هنا دل بإطلاقه هذا الخيار، و ظاهر النصوص كما عرفت انما هو تعين أحد القولين، قال في المسالك: و الحق ان هذا الخيار خاص، خرج لما ذكر عن العموم، أو مقيد له، فيثبت مطلقا، و ان كان مراعاة الفورية أولى انتهى و فيه ما عرفت من أنه لا دليل عليه، و دعوى إطلاق النص به مجازفة ظاهرة و الله العالم.

الثاني [حكم ما لو وجد العين ناقصة]

قال الشيخ في المبسوط: إذا وجد العين ناقصة، فإن كان الناقص يمكن افراده بالبيع- كما لو كان المبيع عبدين تلف أحدهما كان له أخذ الباقي بحصته من الثمن، و ضرب مع الغرماء بما يخص التالف من الثمن، لتقسط الثمن عليهما على قدر قيمتهما- و ان لم يمكن افراده بالبيع كذهاب طرف العبد، فان لم يوجب أرشا بأن يذهبه الله تعالى أو المشتري، تخير البائع بين الضرب بالدين، و بين أخذ العين ناقصة من غير أن يضرب مع الغرماء بما نقص، لأن الأطراف لا يقابلها الثمن و لا جزء منه، و ان أوجب أرشا بأن يتلف بجناية أجنبي تخير البائع بين الضرب بدينه، و بين أخذه و الضرب بقسط ما نقص بالجناية من الثمن و قال ابن الجنيد ان وجد بعض متاعه أخذ بالقيمة يوم يسترده، و ضرب بما بقي له من الثمن مع الغرماء فيما وجد للمفلس، و كذلك لو وجده ناقصا أخذه بقيمته و كان بما بقي من أصل ثمنه كالغرماء في باقي مال المفلس.

399

قال في المختلف بعد نقل ذلك: فقد خالف الشيخ في موضعين، الأول إطلاق الضرب بالنقص، الثاني احتساب المأخوذ بالقيمة و التالف بها، و الشيخ نسبهما الى الثمن، و قول ابن الجنيد لا يخلو من قوة انتهى.

و تفصيل هذه الجملة أنه إذا وجد البائع بعض ماله المبيع دون بعض، فالبعض الفائت لا يخلو اما أن يكون مما يقسط عليه الثمن، بمعنى أنه يبسط عليه، و ذلك فيما يصح افراده بالبيع كعبد من عبدين، و نصف الأثواب، أو لا يكون كذلك كيد العبد، و على التقديرين فاما أن يكون تلفه من قبل الله تعالى بآفة سماوية أو جناية أجنبي أو المشتري أو البائع، فالصور ثمان، و ملخص الكلام فيها أنها ترجع الى ثلاث صور

احديها ان يكون للفائت قسط من الثمن، و يجوز افراده بالبيع

، فإن البائع عندهم يتخير هنا بين أن يأخذ الباقي بحصته من الثمن، و يضرب مع الغرماء بحصة التالف، و بين أن يضرب بجميع الثمن مع الغرماء، و لا خلاف في الحكم المذكور عندهم و سبيله سبيل ما لو وجد العين سالمة كاملة كما تقدم، حيث أن الموجود يصدق فيه أنه وجد عين ماله، فله أن يأخذها، و ظاهرهم أنه لا فرق ههنا في وجوه التلف المتقدمة، فإنه بأيها اتفق فالحكم فيه ما ذكر.

الثانية ما إذا كان الفائت لا قسط له من الثمن

كيد العبد بأن وجده بعد البيع و عند ارادة الرجوع فيه بغير يد، فان كان فواتها من الله عز و جل أو من المشترى، فالمشهور و هو الذي ذكره الشيخ في عبارته أنه ليس للبائع إلا الرضا به على تلك الحال، و أخذه ناقصا من غير أن يضرب مع الغرماء بنقصانه، و هو أرشه، أو الضرب بالدين، و عللوا عدم الأرش هنا بأنه لا حق له في العين الا بالفسخ المتجدد بعد العيب، و انما حقه قبل الفسخ في الثمن، فالعين في يد المشترى غير مضمونة للبائع، فلم يكن له الرجوع بأرش المتجدد، و ظاهر عبارة ابن الجنيد المتقدمة انه لا فرق في الرجوع بالنقصان إذا اختار أخذ العين الباقية بين الصورتين المذكورتين، فكما أنه يرجع بالنقصان في صورة ما إذا كان للفائت قسط من الثمن، كذلك فيما إذا لم يكن قسط، فإنه حكم بأنه يضرب بالناقص في الموضعين، و عبارته

400

و ان كانت لا يخلو من إجمال، الا أن مراده بالأولى هي الأولى التي ذكرناه، و بالثانية في كلامه هي الثانية التي نحن فيها، و وافقه العلامة فحكم بقوة ما ذكره، و الى هذا القول مال جملة من أفاضل المتأخرين كالمحقق الشيخ على في شرح القواعد، و الشهيد الثاني في المسالك، معللين له بأن فسخ المعاوضة يوجب رجوع كل مال لصاحبه، فان كان باقيا رجع به، و ان كان تالفا رجع ببدله كائنا ما كان قالوا: و كون العين في يد المشترى غير مضمونة للبائع، معارض بماله قسط، حيث أنهم أوجبوا للرجوع بالنقصان ثمة، على أنا لا نقول أنها مضمونة مطلقا، بل بمعنى أن الفائت في يد المشتري يكون من ماله، لان ذلك مقتضى عقود المعاوضات المضمونة فإذا ارتفع عقد المعاوضة و حصل فسخه، وجب رجوع كل من العوضين الى مالكه، أو بدله ان فات، على أن كون مثل اليد لا قسط لها من الثمن محل نظر، فإنه لولاها لم يبذل المشترى ذلك الثمن كله قطعا.

الثالثة- ما إذا كان فوات ذلك الجزء الذي لا قسط له من الثمن بجناية أجنبي

، قالوا: تخير البائع بين أخذه و الضرب بأرش العيب، و بين الضرب بجميع الثمن، و ذلك لان الأجنبي لما ثبت عليه أرش الجناية و قبضه منه المشترى، و الأرش جزء من البيع، فإذا فسخ البائع رجع به، لانه جزء من مبيعه، و هذا بخلاف العيب الذي من جهة الله عز و جل، حيث أنه ليس له عوض.

أورد عليهم أولئك الفضلاء المتقدم ذكرهم، بان ما ذكروه في هذه الصورة ينافي ما ذكروه سابقا في الصورة الثانية، لأنه بمقتضى التعليل الذي عللوا به سقوط الأرش في تلك الصورة، من أن العيب انما وقع في وقت لم تكن العين مضمونة على المشترى، و البائع لم يستحقها الا بعد الفسخ، فلم يكن له الرجوع بأرش المتجدد، ينبغي أن لا يكون له هنا الا الرضا بالمعيب، لانه لم يجد سواه، قالوا:

و على ما قررناه من أن الفسخ يوجب رجوع كل من المتعاوضين الى ماله أو بدله، فالإشكال منتف، قيل: و أما جناية البائع فيحتمل كونها كجناية الأجنبي، و يحتمل كونها كالآفة السماوية، و في المسالك رجح الأول قال: لانه جنى على ما ليس

401

بمملوك له و لا في ضمانه، قال: و ان كان بجناية، فقد قطع المصنف بكونه كالفوات من قبل الله تعالى، لما سبق من التعليل.

و انما اعتبروا كون الأرش الذي يرجع به بنسبة نقصان القيمة، لأن هذا هو قاعدة الأرش، من أن الذي يرجع به جزء من الثمن، نسبته إليه كنسبة نقصان القيمة إليها، و لانه لو رجع بما تضمنه الجاني من حيث ضمانه أرش الجناية للزم منه الضرر في بعض الصور، لان ضمان أرش الجناية قد يكون بتقدير شرعي بحيث يكون بقدر قيمة المجني عليه، فيلزم الرجوع بالعوض و المعوض، و كذا لو كان العبد يساوى مأتين مثلا و قد اشترى بمأة، فجنى عليه الجاني بقطع يده، فإن أرشها نصف القيمة و هو مأة فلا يجوز أن يرجع بها و بالعبد، لئلا يجمع بينهما، بل الذي يرجع به انما هو ما قدمنا ذكره في قاعدة الأرش.

و أما حكم أرش الجناية فخارج بأمر شرعي يستحقه مالك العين حين الجناية أقول: هذا ملخص كلامهم في هذا المقام و حيث ان المسألة عارية من النص الواضح فللتوقف فيها بجميع شقوقها مجال فأي مجال، سيما مع تعارض هذه الأقوال و تصادم أدلتهم، و للمحقق الأردبيلي هنا كلام- على ما ذكر أولئك الفضلاء المتقدم ذكرهم و بحث معهم، و مناقشة فيما ذكروه، أعرضنا عن نقله لما ذكرناه، و منشأ ذلك عدم النص القاطع لمادة القيل و القال.

و أما التعليلات العقلية فهي لا تقف على ساحل، لاختلاف العقول و الافهام، فمن ثم لا يجوز الاعتماد عليها في الأحكام و الله العالم.

الثالث: إذا رجع الى العين و وجدها زائدة

فلا يخلو اما أن يكون تلك الزيادة منفصلة كالولد و اللبن أو متصلة كالسمن و الطول الموجب لزيادة القيمة، و لا خلاف في أن الزيادة بالمعنى الأول للمشتري، لأنها انفصلت في ملكه، فلم يكن للبائع الرجوع فيها، لأنها ليست عين ماله، و لا فرق في الولد بين الحمل و المنفصل و لا في اللبن بين المحلوب و ما في الضرع، لصدق الانفصال على الجميع، و مثل ذلك الثمرة المتجددة.

402

و انما الخلاف في الزيادة بالمعنى الثاني، فظاهر الشيخ في المبسوط القول بالتبعية للأصل، قال في الكتاب المذكور: إذا وجد العين زائدة متصلة كالسمن و الكبر، و تعلم الصنعة كان للبائع الرجوع في العين و تتبعها الزيادة، بخلاف المنفصلة، لأن النماء المتصل يتبع الأصل فإذا فسخ العقد فيه تبعه الزيادة، و تبعه ابن البراج في ذلك، و كذلك العلامة في القواعد، و احتجوا على ذلك بأن هذه الزيادة محض صفه و ليست من فعل المفلس فلا تعد مالا له، و لانه يصدق أنه وجد عين ماله، فيرجع به و ذهب ابن الجنيد الى عدم التبعية حيث قال: و لو وجده زائدا أخذه أيضا بقيمته، و رد على الغرماء فضل القيمة ان شاء و الا سلمه، و اختاره العلامة في المختلف و احتج عليه بان أخذ العين خارج عن الأصل، فيثبت في الموضع المتفق عليه و هو إذا وجدها كما هي أو ناقصة و يبقى الباقي على حكم الأصل، و لان فيه ضررا على المفلس و الغرماء فيكون منفيا، و لا ضرر على المالك لو أخذ العين و دفع قيمة الزيادة، و لأن الزيادة مملوكة للمفلس، فلا يخرج عنه مجانا، و لأنها ليست عين مال الغير، بل زائدة عليه، فليس له أخذها، و انما سوغنا أخذها بدفع القيمة جمعا بين المصالح، و هو أخذ عينه التي لا تتم إلا بأخذها، و استعادة قيمة الزيادة للمفلس و الغرماء، إذ لا فرق بين أخذ عين الشيء و قيمته في المالية، و لا اعتبار في نظر الشرع بالخصوصيات.

و قول الشيخ أن- العقد انفسخ في الأصل فتتبعه الزيادة- ممنوع كالمنفصلة لان وجود الفسخ المجدد ان كان في تقدير وجود حال العقد، لزم في المنفصلة ما قاله في المتصلة، و الا لزم في المتصلة ما قاله في المنفصلة انتهى.

و أقول: من تدافع هذه التعليلات و تعارضها توقف جمع في الحكم المذكور كالمحقق في الشرائع، و هو ظاهر الشارح في المسالك أيضا، حيث اقتصر على نقل الأقوال و التعليلات المتعلقة بها، و لم يرجح شيئا كما هي قاعدته، و مقتضى مذهب ابن الجنيد و من تبعه أنه إذا رجع البائع في العين و لم يرد على الغرماء قيمة

403

الزيادة يكون شريكا لهم بقدر ما يستحقونه من الزيادة.

و نقل عن العلامة في التذكرة أنه استقرب عدم جواز الرجوع في العين و أطلق، و ظاهره أنه ليس له ذلك، و لو مع رد قيمة الزيادة و حينئذ فالأقوال في المسألة ثلاثة و كلها للعلامة.

أقول: أنت خبير بأن المسألة المذكورة لما كانت عارية عن النصوص كثر فيها الاحتمال، الا أنه لا يبعد بالنسبة إلى إطلاق النصوص التي قدمناها في أصل المسألة ترجيح القول الأول، و هو التبعية، فإن

قوله (عليه السلام) «إذا كان المتاع قائما بعينه رد الى صاحبه».

أعم من أن تحصل فيه هذه الزيادة أم لا، لصدق وجدان المتاع قائما بعينه مع حصولها، و أما تخصيص ذلك بالعينية التي كان عليها وقت الانتقال، بمعنى أن المعنى في قوله «قائما بعينه» انما هو ذلك، فالظاهر بعده تمام البعد، لما سيأتي إنشاء الله تعالى من تصريحهم بأنه لو نسج الغزل أو قصر الثوب، أو شق الحطب ألواحا أو جعله بابا لا يمنع من الرجوع في العين، لصدق وجود العين في جميع هذه الفروض و نحوها.

و انما المراد بهذه العبارة انما هو الاحتراز عن تلفه و ذهابه، فيكفي وجوده على أى حالة كان، و كيف كان فالمسألة لا يخلو من شوب الاشكال و الله العالم.

الرابع [حكم ما لو نسج الغزل أو قصر الثوب و نحوهما]

- قالوا: لو نسج الغزل أو قصر الثوب أو خبر الدقيق أو جعل الخشب ألواحا أو عمله بابا لم يبطل حق البائع، و هو الرجوع الى العين، و ان كان للغرماء ما زاد على الأصل بالأعمال المذكورة ان أوجبت زيادة، و الفرق بين الزيادة هنا و ما تقدم في سابق هذا المورد أن الزيادة في ما تقدم من نفس المبيع، لا من خارجه، متصلة كانت أو منفصلة، و أما هنا فهي من خارجه، و قد يكون صفة محضة كنسج الغزل و قصر الثوب، و قد تكون صفة من وجه، و عينا من آخر كصبغ الثوب.

و حينئذ فإذا اشترى عينا و عمل فيها عملا يزيد في صفتها كالأعمال المذكورة أولا فقد صرحوا بأنه لا يسقط حق رجوعه في العين، كما دلت عليه الاخبار المتقدمة، لأن العين لم يخرج عن حقيقتها بتوارد هذه الصفات عليها، فيصدق عليه أنه واجد

404

عين ماله، ثم انه لم تزد العين بهذه الصفات فإنه لا شيء للمفلس، سواء غرم عليه أم لا، و ان نقصت فلا شيء للبائع على المفلس لو اختار أخذ العين، و ان زادت القيمة بذلك صار المفلس شريكا بنسبة ذلك، فتباع العين و يكون للمفلس بنسبة ما زاد، فلو كان قيمة العين حال كون الثوب خاما أو بغير صبغ مأة، و مع أحدهما مأة و عشرين، كان للمفلس سدس الثمن الذي يباع به الثوب، أو أنه ينظر إلى أجرة النسج و الصبغ و القصارة، فتؤخذ من البائع، و الأوفق بقواعدهم هو الأول، و هذا أحد القولين في المسألة و قيل: انه تسلم العين إلى البائع مجانا إلحاقا لهذه الزيادة المتصلة كالسمن و نحوه، بناء على ان حكم المتصلة ذلك، و قد عرفت الخلاف ثمة، و أن الأقرب ذلك، و من حكم في تلك المسألة بأن الزيادة للمشتري يحكم هنا بطريق أولى، و من حكم ثمة بكونها للبائع فإنه يمكن أن يحكم هنا بكونها للمشتري، لكون هذه الزيادة هنا مستندة اليه اما بفعله أو بالاستيجار عليها، و دفع الأجرة بخلاف السمن و الكبر و نحوهما، فإنه من فعل الله سبحانه، و ان كان ربما استند الى فعل المكلف من إعطاء العلف و السقي، الا أنه ربما تخلف السمن عنهما في بعض الموارد و ربما حصل بدونهما في بعض، و على تقدير استناده إليهما فالفاعل هو الله عز و جل، بخلاف طحن الحنطة و خبز الدقيق و نحوهما، قال في المسالك: و الأقوى في الموضعين ان الزيادة للمفلس و حينئذ فالمعتبر بالقيمة مع الزيادة حين الرجوع، انتهى.

أقول: قد أشرنا سابقا إلى أنه لم يظهر له في تلك المسألة ترجيح شيء من الأقوال، و يظهر منه هنا ترجيح القول الثاني من الأقوال الثلاثة المتقدمة ثمة، فإن مراده بالموضعين هنا الزيادة المستندة إلى فعل الله تعالى كما في تلك المسألة السابقة، و الزيادة المستندة إلى المفلس كما في هذه المسألة.

الخامس [حكم ما لو باعه نخلا حائلا فأطلع فأخذه البائع قبل تأبيره]

- قالوا: لو باعه نخلا حائلا فأطلع بعد البيع فأخذ البائع النخل قبل

405

تأبيره، لم يتبعه الطلع، و الوجه فيه ظاهر مما تقدم في حكم الزيادة المنفصلة، و الطلع هنا من جملة ذلك، فلا يتبع حينئذ، و انما تبع في البيع بنص خاص، و نقل في المختلف عن الشيخ هنا القول بالتبعية ما لم يؤبر، ثم رده بأن الحمل على البيع قياس من غير جامع، فلا يجوز المصير اليه، و هذا القول منقول عن الشافعي قياسا على البيع، و الشيخ تبعه فيه مع انه لا يقول بالقياس.

أما مع التأبير فالظاهر أنه لا خلاف في عدم التبعية، لأنه نماء حصل للمشتري في ملكه، فلا يزول و لا يتصور تبعيته بوجه، و هكذا القول في باقي الثمار بعد الظهور، و الظاهر أنهم خصوا النخل بالذكر هنا قبل التأبير للتنبيه على خلاف الشيخ في المقام، و حيث ثبت أن الثمرة للمشتري، ففي صورة اختيار البائع لأخذ الأصل يجب عليه إبقاؤها الى أبان قطعها بغير أجرة.

و لو باعه النخل و الثمرة قبل بلوغها ثم بلغت بعد التفليس فلا ريب أنه قد حصلت هنا زيادة المبيع بسبب البلوغ على ما كان سابقا، و الظاهر أن هذه من قبيل الزيادة المتصلة، فيجري فيها ما تقدم في المورد الثالث، لأنها فرد من أفراده، و هذا هو الذي يقتضيه حال الثمرة.

و اما لو كانت الزيادة هي في القيمة مع بقاء الثمرة على قدرها. قالوا: في إلحاقها بها وجهان: من كون الزيادة القيمية حصلت في ملك المفلس فلا تؤخذ منه مجانا، و من بقاء عين مال البائع من غير تغير، فيدخل في عموم الخبر الدال على رجوعه مع قيام عين ماله، و استقرب في التذكرة عدم جواز الرجوع في العين مطلقا متى زادت قيمتها، لزيادة السوق، و ألحق به ما لو اشتراها المفلس بدون ثمن المثل، و لا يخلو من الاشكال، للخروج عن ظاهر إطلاق الاخبار المتقدمة و تخصيصها من غير دليل و الله العالم.

السادس [لو اشترى أرضا فغرسها أو بنى فيها ثم أفلس]

- قالوا: لو اشترى أرضا فغرسها أو بنى فيها ثم أفلس، كان صاحب الأرض أحق بأرضه، و ليس له ازالة الغروس و لا البناء، و قيل: ان له ذلك مع الأرش، و تفصيل هذه الجملة انه تقدم دلالة الاخبار و كلام الأصحاب على أنه مع تفليس

406

المديون لو وجد بعض الغرماء عين ماله فله الرجوع فيها. و ما هنا أحد أفراد تلك القاعدة. و لا يمنع من ذلك ما وقع فيها من التصرف بالغرس و البناء. لأنها متميزة عن مال المفلس. غاية الأمر انه يجب إبقاء مال المفلس من تلك الغروس و البنيان الى ان يفنى بغير أجرة. لأنها وضعت بحق في ملكه. فتكون محترمة. و لا يجوز إزالتها على المشهور.

و قال الشيخ في المبسوط: يجوز إزالتها مع الأرش. و ربما استدل له بظاهر الخبر. بتقريب ان الغرض من الرجوع في العين استحقاق منافعها. فحيث وضع الغرس و البناء فيها بحق فطريق الجمع بين الحقين هو جواز قلعه بالأرش. فإنه على هذا الوجه لا يفوت على صاحب الأرض الانتفاع بأرضه. و لا ضرر على صاحب الغرس و البناء لأخذه الأرش، و على هذا ينبغي ان يجوز الإبقاء بأجرة لا مجانا، لان ذلك هو مقتضى التعليل المذكور، الا انه لم يذكر أحد استحقاقه الأجرة لو أبقاها.

نعم هو وجه لبعض الشافعية على ما قيل: هذا في الغرس و البناء، كما وقع في عنوان المسألة، أما الزرع فإنهم صرحوا بأنه يجب على البائع بعد رجوعه في المبيع إبقاؤه بغير أجرة الى أبان قطعه قولا واحدا قالوا: و الفرق أن للزرع أمدا قريبا ينتظر فلا تعد العين معه كالتالفة، بخلاف الغرس و البناء لما فيه من طول المدة المتضمن لفوات الأرض، و أنها في حكم التالفة.

ثم انه على القول بجواز قطع الغرس و ازالة البناء بالأرش، فالطريق الى ذلك هو أن يقوم الغرس قائما الى أن يفنى بغير أجرة و يقوم البناء ثابتا كذلك، و يقوم مقلوعا و ينظر ما بينهما من التفاوت فهو الأرش.

و أما على تقدير القول الآخر من عدم استحقاق البائع إزالتهما، فالطريق الى وصول كل ذي حق الى حقه، هو أن تباع الأرض بما فيها من البناء و الغرس، فلكل منهما من الثمن ما قابل ما يخصه، و يعلم ذلك بأن يقوما معا ثم تقوم الأرض مشغولة بهما ما بقيا مجانا، و ينسب قيمتها كذلك إلى قيمة المجموع و يؤخذ من الثمن للأرض

407

بنسبة ذلك، فالباقي للمفلس، مثلا لو قوما معا بمأة درهم، و قومت الأرض مشغولة بهما مجانا بخمسين، فنسبة قيمة الأرض إلى المجموع بالنصف، فتؤخذ لصاحب الأرض من الثمن النصف و الباقي للمفلس، هذا ان رضى البائع ببيع الأرض فلو امتنع لم يجبر بل يباع مال المفلس على الحالة المذكورة، من كونه في أرض الغير المستحق للبقاء الى ان يفنى مجانا، فان ذلك هو حقه، و حيث يباع كذلك يصير حكمه حكم من باع أرضا و استثنى شجرة في جواز دخول مالكها إليها و سقيها الى غير ذلك مما تقدم في باب البيع في هذه المسألة و الله العالم.

الثالث [في قسمة ماله]

- من الأمور المتقدمة قسمة ماله و فيه مسائل

الاولى [في مستحبات القسمة]

قالوا: يستحب إحضار كل متاع في سوقه ليتوفر الرغبة، قال في المسالك: و الاولى الوجوب لان بيعه فيه أكثر لطلابه و أضبط لقيمته، و لكن أطلق الجماعة الاستحباب، و يستحب حضور الغرماء تعرضا للزيادة.

أقول: الظاهر أنه لا خصوصية هنا للغرماء، قال في المسالك: و يمكن وجوبه مع رجاء الزيادة بحضورهم، ثم ذكر أنه يستحب أيضا حضور المفلس أو وكيله لأنه أخبر بقيمة متاعه و أعرف بجيده من رديه، و يعرف المعيب من غيره، و ربما كان أكثر للرغبة فيه و أبعد عن التهمة، و أطيب بنفس المفلس.

و كذا يستحب أن يبدأ ببيع ما يخشى تلفه، كالفاكهة و نحوها، قال في المسالك: جعل هذا من المستحب ليس بواضح، بل الأجود وجوبه، لئلا يضيع على المفلس و على الغرماء، و لوجوب الاحتياط على الإيفاء، و الوكلاء في أموال مستأمنيهم فهنا أولى، لأن ولاية الحاكم قهرية فهي أبعد من مسامحة المالك.

أقول: أنت خبير بما في كلماتهم في هذا المقام من البناء على المسامحة و المجازفة في الأحكام، فان الوجوب و الاستحباب أحكام شرعية مبنية على الدليل الشرعي، و الأدلة عندنا منحصرة في الكتاب و السنة، و قد عرفت انه لا نص في هذا الباب الا ما قدمناه في صدر هذا المطلب من الاخبار الدالة على قسمة الامام مال المفلس إذا

408

التوى غرمائه، و لا تعرض في شيء منها لشيء من هذه الأحكام بالكلية، فضلا عن أن يكون على جهة الوجوب أو الاستحباب، و حينئذ فإثبات الوجوب أو الاستحباب بمثل هذه الاعتبارات العقلية و التعليلات الوهمية لا يخلو من المجازفة كما ذكرنا.

ثم انهم ذكروا في ترتيب المبيعات انه يبدء بما يخاف عليه الفساد عاجلا كالفاكهة، ثم الحيوان، ثم سائر المنقولات، ثم بالعقارات قالوا: هذا هو الغالب، و قد يعرض لبعض ما يستحق التأخير التقديم بوجه، ثم بالرهن و بعضهم عد الرهن بعد ما يخاف عليه الفساد، و المراد به انه إذا كان للمفلس مال مرهون عند أحد فإنه يبدء ببيعه، لانه ربما زادت قيمته فيضم الزائد الى مال الغرماء و يقسم عليهم، و ربما نقصت فيضرب المرتهن بالناقص مع الغرماء.

قال في المسالك: و هذا التقديم يناسب الاستحباب، لان الغرض منه معرفة الزائد و الناقص، و هو يحصل قبل القسمة، و في التذكرة قدمه على بيع المخوف و ما هنا أولى انتهى.

الثانية [وجوب إيصال الديون الى الغرماء بكل وجه اتفق]

- قالوا: و من المستحبات ان يعول على مناد يرضى به الغرماء و المفلس دفعا للتهمة، و ان تعاسروا عين الحاكم، قال في المسالك: ينبغي ان يكون هذا على سبيل الوجوب، لأن الحق في ذلك لهم، لكونه مال المفلس و مصروفا الى الغرماء.

ثم قال: و يمكن مع ذلك الاستحباب، لان الحاكم بحجره على المفلس أسقط اعتباره، و كان لوكيله و حق الغرماء الاستيفاء من القسمة، و هي حاصلة بنظر الحاكم، ثم انه ان وجد من يتبرع بذلك، و إلا بذلت الأجرة من بيت المال، لانه معد لمصالح المسلمين، و هذا من جملتها، و لو تعذر لعدم بيت المال، أو لعدم سعة فيه لذلك، جاز أخذها من مال المفلس، لان البيع حق عليه.

و في القواعد أطلق أن الأجرة على المفلس، و لا يخلو من قرب للعلة المذكورة و الرجوع الى بيت المال يحتاج الى دليل، و مجرد كونه موضوعا لمصالح المسلمين لا يستلزم ذلك، و الواجب إعطاء ديون الغارمين منه و ان كانوا قادرين على أدائها،

409

مع أنه ليس كذلك.

و بالجملة فإنه يجب على المفلس إيصال الديون الى الغرماء بكل وجه اتفق، و من جملتها ما نحن فيه، و حينئذ فقوله في المسالك- بعد أن ذكر القول الأول ثم نقل عن القواعد ما نقلناه عنه: و ما هنا أجود- لا أعرف له وجها:

أقول: و هذا الحكم و ان لم أقف له على دليل الا أنه يمكن استنباطه من الاخبار المتقدمة، فإن تولى الحاكم للبيع انما يكون بنصب رجل يعتمده ينادى على المتاع في السوق لبيعه، هذا ان تولى ذلك الحاكم، و ان حصل اتفاق المفلس و الغرماء على رجل ينادى عليه و يبيعه لهم، فكذلك أيضا، و الكلام في الأجرة كما تقدم، و أما دعواه المسالك الوجوب فبعيد لا ينهض به دليله.

الثالثة [عدم إجبار المفلس على بيع داره التي يسكنها]

- الظاهر أنه لا خلاف بينهم في أنه لا يجبر المفلس على بيع داره التي يسكنها، الا من ابن الجنيد (1) فان ظاهره موافقة العامة هنا في وجوب البيع، و هو شاذ مردود بالأخبار الصريحة الصحيحة، ثم انه على القول المشهور يباع منها ما يفضل عن حاجته. و قالوا: يعتبر كونها لائقة بحاله كما و كيفا، فلو زاد في أحدهما وجب الاستبدال بما يليق به- و ببيع الفاضل ان أمكن إفراده بالبيع.

قال الصدوق في الفقيه: و كان شيخنا محمد بن الحسن رضى الله عنه يروى أنه ان كانت الدار واسعة يكتفى صاحبها ببعضها فعليه أن لا يسكن منها ما يحتاج اليه

____________

(1) حيث قال: و يستحب للغريم إذا علم عسر من عليه الدين أن لا يحوجه الى بيع مسكنه و خادمه الذي لا يجد غنى، و لا ثوبه الذي يتجمل به، و أن ينظره الى أن ينتهي خبره الى من بيده الصدقات ان كان من يصلها أو الخمس ان كان أهله فان لم يفعل و ثبت ماله عند الحاكم و طالب الحاكم بيع ذلك فلا بأس أن يجعل ذلك الملك رهنا في يد غريمه فان أبى الا استيفاء حقه أمره الحاكم بالبيع و توفية أهل الدين بحقوقهم فان امتنع حبسه الى أن يفعل ذلك و الا دفع عليه الحاكم انتهى، و كلامه كما ترى صريح في خلاف الأصحاب في الدار و الخادم و الثياب، و بطلانه أظهر من أن ينكر- منه (رحمه الله).

410

و يقضى ببقيتها دينه و كذلك ان كفته دار بدون ثمنها باعها- و اشترى بثمنها دارا يسكنها- و يقضى أيضا بالثمن دينه، و مثل ذلك الأمة التي تخدمه، فإنه لا يجبر على بيعها و يعتبر فيها أيضا نسبة حاله، قالوا: و مثلها العبد و الدابة التي يحتاج الى ركوبها، و لو احتاج الى التعدد استثنى كالمتحد، و كذا يستثني له دست ثياب يليق بحاله شتاء و صيفا، و أضاف بعض كتب العلم.

قال في التذكرة: و الاولى اعتبار ما يليق بحاله في إفلاسه، لا في حال ثروته و كذا يترك لعياله من الثياب ما يترك له، قال: و لا يترك له الفرش و البسط، بل يسامح باللبد و الحصير القليل القيمة، قالوا: و لا فرق في المستثنيات بين كونها من مال بعض الغرماء و عدمه عندنا، و يجرى عليه النفقة له و لعياله بحسب حاله و عادة أمثاله من يوم الحجر الى يوم القسمة، فيعطى هو و عياله نفقة ذلك اليوم.

أقول: و قد تقدم الكلام في هذه المسألة و نقل الأخبار المتعلقة بها و بيان ما يستفاد منها في كتاب الدين (1) و قد أشرنا ثمة الى أن ما ذكروه من التضييق في النفقة لم يقم عليه دليل بل ظاهر جملة من الاخبار أن الأمر أوسع من ذلك على أن ما ذكروه من استثناء ما زاد على الدار و الخادم لم يأتوا عليه بدليل الا ان يدعى إلجاء الضرورة اليه و الظاهر أنه لا خلاف في استثناء الكفن و تقديمه على حقوق الغرماء و قد تقدمت الأخبار الدالة على ذلك في كتاب الديون في التذنيبات الملحقة في آخر الكتاب و الأصحاب قد ذكروا أيضا وجوب تقديم كفن من يجب نفقته عليه ممن يجب تكفينه عليه قبل الإفلاس، و لم أقف فيه على دليل، فان مورد النصوص المشار إليها هو كفنه خاصة.

و كيف كان فان يقتصر على الواجب منه و هي الأثواب الثلاثة قالوا: و يعتبر فيها الوسط مما يليق به عادة و لا يقتصر على الأدون و به قطع الشهيد في البيان، و لا بأس به فإنه المتبادر إليه الإطلاق، و ألحقوا به مؤنة التجهيز من سدر و كافور

____________

(1) ص 198.

411

و ماء و نحوها، و هو غير بعيد لاستلزام الأمر بالتكفين لهذا الأشياء فإن قوله (عليه السلام) في بعض تلك الاخبار «يكفن بقدر ما ترك» أمر بالتكفين و هو أمر يلازمه.

الرابعة [ظهور غريم بعد القسمة]

قالوا: إذا قسم الحاكم مال المفلس، ثم ظهر غريم بعد القسمة نقضها و قسمت على الجميع و هذا الكلام غير خال من الإجمال، و تفصيل الكلام في ذلك أن يقال: أن هذا الغريم الظاهر بعد القسمة اما أن يطالب بعين من مال المفلس بأن يكون قد باعه مبيعا و عينه قائمة في أموال المفلس، فان له ان يرجع في تلك العين كما تقدم تحقيقه أو يطالب بدين في الذمة و على تقدير الأول فاما أن يكون تلك العين قد صارت بالقسمة في حصة بعض الغرماء، أو صارت الغرماء جميعا بالسوية فهي في أيديهم جميعا أو في يد أجنبي بأن يكون قد باعها الحاكم و قسم قيمتها على الغرماء فههنا صور أربع: ففي صورتي ما إذا كان الطلب عينا و اختص بها بعض الغرماء، أو باعها الحاكم لا سبيل الا بنقض القسمة، لأن العين إذا انتزعت من أحدهما و ردت إلى البائع بقي الآخر بغير حق، و حينئذ فلا بد من نقض القسمة.

و اما في صورتي ما إذا كان الطلب دينا أو عينا و لكنها في يد جميع الغرماء بالسوية، فقولان: أحدهما نقض القسمة كالأول، لتبين فسادها من حيث ان جميع الغرماء يستوون في المال، و قد وقعت القسمة بغير رضا البعض فيكون كما لو اقتسم الشركاء فظهر لهم شريك آخر.

و ثانيهما- انها لا ينقض بل يرجع الغريم على كل واحد بحصة يقتضيها الحساب، لان كل واحد منهم قد ملك ما هو قدر نصيبه بالإقباض الصادر من أهله في محله، فلا يجوز النقض لأنه يقتضي إبطال الملك الثابت، أما الحصة الزائدة على قدر نصيبه باعتبار الغريم الآخر فإنها عين مملوكة له فتستعاد، و المسألة من أصلها لخلوها عن النص محل اشكال.

و الظاهر ان بناء الإطلاق الذي قدمنا نقله عنهم في صدر المسألة على اختيار القول الأول من هذين القولين فإنه يأتي على ذلك نقض القسمة في الصور الأربع كملا

412

و الله العالم.

الخامس إذا كان عليه ديون حالة و مؤجلة وقت القسمة

، قسم المال على الديون الحالة، اما لو كانت مؤجلة وقت الحجر و حلت وقت القسمة شارك فيها أربابها و ان كان الحجر في ابتدائه انما وقع لأجل الديون الحالة كذا قالوا، و فيه انه قد تقدم تصريح جملة منهم بأنه بالحجر قد انتقل المال المحجور إلى أولئك الغرماء الذين وقع الحجر لأجلهم، فلا تقبل الشركة كما تقدم في مسألة من أقر بدين سابق في الموضع الثاني من الأمر الأول من الأمور الأربعة، و الأقرب الأول سيما على ما قدمناه من عدم دليل على هذا الحجر و ما يترتب عليه، قالوا: و لو حل بعد قسمة البعض شارك في الباقي و ضرب بجميع المال و ضرب باقي الغرماء ببقية ديونهم و الله العالم.

الرابع [حبس الغريم]

من الأمور الأربعة المتقدم ذكرها الحبس و ينبغي أن يعلم أنه لا يجوز حبس الغريم مع ظهور إعساره بموافقة الغريم، أو قيام البينة أو علم الحاكم، و لو تعدد الغريم فوافق بعض و خالف آخرون فللمخالف البحث الا ان يكون الموافق ممن يحصل باخباره الثبوت الشرعي، فيدخل في قيام البينة بالنسبة إلى المخالف (1) و المستفاد من الاخبار الواردة في هذا المقام و قد تقدمت في صدر هذا المطلب

«أن عليا (عليه السلام) كان يحبس في الدين إذا التوى على أصحابه».

اى ماطل بالوفاء، ثم يأمر بقسمة ماله بين الغرماء، ان كان له مال ظاهر، و مع عدم ظهوره فإنه يحبسه حتى تبين إفلاسه و حاجته، فإذا تبين له خلى عنه حتى يستفيد مالا- و هو منطبق على ما دل عليه كلام الأصحاب.

____________

(1) فيه إشارة الى ان هذا الحكم لا يختص بالمفلس، كما يظهر من كثير من عباراتهم بل لا معنى لتعلقه بالمفلس، لان المفلس عندهم هو الذي حجر عليه الحاكم و منعه من التصرف فلا معنى لحبسه و لا مماطلته التي يستحق الحبس بسببهما، و لا ببيعه بنفسه و لا البيع عليه، بل هذه الأحكام انما تجري في غيره كما لا يخفى- منه (رحمه الله).

413

قالوا: لو كان له مال ظاهر و امتنع من الوفاء تخير الحاكم بين حبسه حتى يوفى بنفسه، و بين أن يوفى الحاكم عنه بنفسه، فان كان ماله من جنس الحق صرف فيه الغريم، و ان كان مخالفا باعه منه و أوفى، و جميع ما ذكر مما يستفاد من الاخبار المذكورة و يحل لصاحب الدين الاغلاظ له في القول، كأن يقول: يا ظالم و نحوه للخبر المشهور

عنه (صلى الله عليه و آله) «للواجد يحل عقوبته و عرضه و الملي المطل».

و العقوبة الحبس، و العرض الاغلاظ له في القول. و لو لم يكن له مال ظاهر و ادعى الإعسار فظاهر الأخبار المتقدمة

انه (عليه السلام): «كان يحبسه حتى يتبين له الإعسار».

و الأصحاب (رضوان الله عليهم) هنا قد صرحوا بأنه ان وجدت البينة على الإعسار قضى بها، لكن ان كان مستند البينة في الشهادة علمها بتلف أمواله قبلت و ان لم تكن مطلقة على باطن أمره، لأن الشهادة بذلك على الإثبات المحض، و بثبوت تلف ماله يحصل الغرض من فقره، و ان شهدت بالإعسار مطلقا من غير تعرض لتلف ماله، فلا بد في ذلك من كون الشاهدين لهما معه صحبة أكيدة، و معاشرة باطنة بحيث يطلعان بها على باطن أحواله.

و انما اعتبر هنا ذلك دون ما إذا كان الشهادة بتلف المال، لان مرجع هذه الشهادة هنا إلى الشهادة على النفي، فإن معنى إعساره أنه لا مال له، و الشهادة على النفي غير مسموعة، و أما مع تقييدها بما ذكرناه من الاطلاع على باطن أمره بالمعاشرة الأكيدة فإنها ترجع إلى إثبات تتضمن النفي، بأن يقول انه معسر لا يملك الا قوت يومه، و ثياب بدنه و نحو ذلك، و ان لم توجد البينة على أحد الوجهين المذكورين و كان له أصل مال، أو كان أصل الدعوى مالا، حبس حتى يثبت إعساره، و المراد من قولنا كان له أصل مال أنه كان له مال قبل الآن، و لكن ادعى الآن تلفه، و بقولنا أو كان أصل الدعوى مالا أن غريمه الذي قد ثبت دينه دفع إليه في مقابلته مالا، بأن يكون قد باعه سلعة، و هو يطالب بثمنها أو أقرضه مالا، و المديون يدعى تلفه، أو ينكر وصوله اليه مع قيام البينة بوصوله اليه، و حكمه حينئذ أن يحبس حتى يثبت إعساره، لأن الأصل بقاء تلك الأعيان، و ظاهرهم أنه يحبس بمجرد ثبوت الدين

414

و امتناعه من أدائه.

و قال العلامة في التذكرة: إذا لم يكن له بينة بذلك يحلف الغرماء على عدم التلف، فإذا حلفوا حبس، ثم إنه مع عدم ذلك كله من البينة على الوجهين المتقدمين، و أنه لا أصل مال، و لا أصل الدعوى مال، فإنه جاز أن يستند في إعساره إلى ظاهر حاله، و مع ذلك فللغرماء إحلافه، كما ذكره جمع منهم المحقق و غيره، فيقبل قوله بيمينه ان لم يكن للمدعى بينة على وجود المال، و طلب اليمين منه لاحتمال وجود المال، و يجوز الإحلاف بمجرد الاحتمال، و لا يشترط العلم و الظن على الظاهر، لعموم أدلة اليمين على المنكر من غير معارض، و ظاهر أنه ينكر المال و هم يدعون وجوده عنده، و الأصل عدمه، و قوله أنا معسر بمنزلة قوله لا مال لي أو عندي يجب على أداؤه إليكم، و لا يكلف باليمين لو أقام بينة على إثبات مدعاه، كما صرح به المحقق و العلامة في غير التذكرة، و أما فيها فإنه عكس الحكم و أثبت عليه اليمين في بينة التلف، دون بينة الإعسار، محتجا بأن البينة إذا شهدت بالتلف كان كمن ثبت له أصل مال، و اعترف الغريم بتلفه، و ادعى مال لا غيره، فإنه يلزمه اليمين، و افتى في موضع آخر منها بأنه لا يمين في الموضعين، محتجا بان فيه تكذيبا للشهود

و لقوله (صلى الله عليه و آله) (1) «البينة على المدعى و اليمين على المنكر».

و التفصيل قاطع للشركة.

أقول: و هذا هو الأقوى و إذا قسم المال بين الغرماء وجب إطلاقه من الحبس ان كان محبوسا، الا ان يكون هناك سبب آخر للحبس و هل يزول الحجر بناء على ما ذكروه بمجرد الأداء أو يتوقف على حكم الحاكم؟

قيل: بالأول لزوال سببه، لان الحجر عليه انما كان لتحصيل حقوق الغرماء و قد قسمت أمواله عليهم، و بزوال السبب يزول المسبب، و قيل: بالثاني لأنه لم يثبت إلا بإثباته، فلا يرتفع الا برفعه، و لانه يحتاج الى نظر و اجتهاد، كحجر السفيه.

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى.

415

و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك و بيان قوة القول الأول

، إلى هنا آخر الكلام في هذا المجلد، و هو المجلد السابع من كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، و يتلوه إنشاء الله تعالى الكلام في المجلد الثامن في كتاب الضمان نسأل الله تعالى بمزيد فضله و إحسانه و جميل كرمه و امتنانه التوفيق لإتمامه، و الفوز بسعادة ختامه على يد مؤلفه تراب أقدام العلماء العاملين و خادم الفضلاء الصالحين، الفقير الى ربه الكريم يوسف بن احمد بن إبراهيم البحراني، أصلح الله تعالى له أمر داريه و أذاقه حلاوة نشأتيه، و كان ذلك في الأرض المقدسة كربلاء المعلى على مشرفيها و آبائه و أبنائه أفضل صلوات ذي العلاء.

و كان ذلك في اليوم الثاني و العشرين من شهر ربيع الثاني من السنة الثالثة و الثمانين بعد المأة و الالف من الهجرة النبوية على مهاجرها و آله أفضل الصلاة و التحية حامدا مصليا مسلما مستغفرا آمين آمين.

إلى هنا تم الجزء العشرون حسب تجزئتنا بحمد الله و منه، و قد بذلنا الجهد في تصحيحه و مقابلته و استخراج أحاديثه، و سيليه الجزء الحادي و العشرون و أوله كتاب الضمان، و الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد و آله الطاهرين.

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة


الجزء العشرون


تأليف

الشيخ يوسف بن احمد البحراني


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org