3
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد خاتم النبيين و آله الطاهرين
كتاب الضمان
اعلم أن الضمان عند الفقهاء لفظ مشترك يطلق على معنيين أحدهما أخص من الأخر و المعنى الأعم عبارة عن عقد شرع للتعهد بمال أو نفس، و التعهد بالنفس هو الكفالة و التعهد بالمال ان كان ممن في ذمته مال فهو الحوالة و الا فهو الضمان بالمعنى الأخص الا ان في هذا المقام اشكالا من حيث الخلاف في الحوالة، و أنه هل يشترط فيها شغل الذمة أم لا قولان: و الأقسام الثلاثة انما تتم بناء على الأول و أما على الثاني فهي داخلة في الضمان بالمعنى الأخص. و المحقق في الشرائع مع قوله بعدم اعتبار شغل لذمة المحال عليه للمحيل قائل بالتقسيم إلى الأقسام الثلاثة، و هو جعل الحوالة قسيما للضمان بالمعنى الأخير و هو مشكل لما عرفت و لا مخرج من هذا الإشكال إلا بجعل التقسيم مخصوصا بمحل الوفاق، أو باعتبار القسم الأخر للحوالة، و هو- تعهد مشغول الذمة للمحيل، فيكون هو أحدا للأقسام الثلاثة خاصة، و يكون القسم المشترك ذا جهتين من حيث تسميته هنا ضمانا خاصا و حوالة، فيسهل الخطب بذلك.
4
و كيف كان فالمراد هنا عندنا بالضمان هو المعنى الأخص و هو التعهد بالمال من البريء و المتبادر من إطلاق لفظ الضمان في كلامهم هو المعنى الأخص و لذا ان جملة منهم أفراد لكل من الثلاثة كتابا على حده و بعض لاحظ المعنى الأعم، و جعل الثلاثة في كتاب واحد، و قسمه الى الأقسام الثلاثة كالمحقق في الشرائع، و العلامة في الإرشاد و غيرهما في غيرهما، و على هذا النهج جرينا في هذا الكتاب، و حينئذ فالبحث في هذا الكتاب يقع في مقاصد ثلاثة
[المقصد] الأول في الضمان بالمعنى الأخص
و هو التعهد بالمال من البريء و فيه بحوث ثلاثة:
[البحث] الأول- في الضامن:
و الكلام فيه يقع في مواضع،
أحدها [في اشتراط جواز التصرف المالي في الضامن]
- لا خلاف في أنه يشترط في الضامن جواز التصرف المالي، فلا يصح ضمان الصبي و لا المجنون، بل الغافل و الساهي أيضا، و الظاهر أنه لا خلاف فيه كما ذكره بعضهم، و الظاهر أن السفيه المحجور عليه لسفهه كذلك، و به صرح في التذكرة و غيرها.
و أما المملوك فان ضمن بغير اذن سيده ففي صحته قولان: أحدهما- و به قطع المحقق في الشرائع من غير نقل خلاف- العدم، و هو قول الشيخ و ابن الجنيد، و استدلوا عليه بأن العبد لا يقدر على شيء- كما وصفه الله تعالى (1) و ذمته مملوكة للمولى، فلا يملك إثبات شيء فيها إلا باذنه.
و قيل: بالصحة، و اختاره العلامة في المختلف، و قربه في التذكرة، و علل بانتفاء الضرر على المولى، لان استحقاق المطالبة له بما يستقر في ذمته بعد العتق لا ضرر فيه، كما لو استدان بغير اذن سيده، و أجاب في المختلف عن الآية بأن المراد بالشيء المال، لقوله في مقابلته:- «وَ مَنْ رَزَقْنٰاهُ مِنّٰا رِزْقاً حَسَناً» و المسألة محل توقف و اشكال، و ان كان ضمانه باذن سيده، فإنه يصح إجماعا كما ذكره العلامة في المختلف.
____________
(1) سورة النحل الآية 75.
5
لكن بقي الكلام في أنه لو أطلق له الاذن و لم يشترط له الأداء من كسبه، و لا الصبر الى أن يعتق، فهل يتعلق بذمته أم بكسبه، قولان: قال في المبسوط:
قيل: انه يتعلق بكسبه، و قيل: انه يتعلق بذمته، و ان عينه في ذمته أو كسبه أو غيرهما من أمواله تعين، و وجب قضاؤه، و لم يرجح الشيخ هنا شيئا من القولين المذكورين، و علل القول الأول بأن إطلاق الضمان أعم من كل منهما، و العام لا يدل على الخاص، فلم يقع من المولى ما يدل على التزامه في ملكه، و كسبه ملكه، و لأن الاذن في الكلي ليس إذنا في الجزئي المعين، و ان كان لا يوجد إلا في ضمنه كما حقق في الأصول، و علل القول الثاني بأنه انما يتعلق بكسبه، لأن إطلاق الضمان انما يحمل على الضمان الذي يستعقب الأداء، فإنه المعهود، و الأداء من غير مال السيد يمتنع، و كذا في مال غير الكسب، و الا لكان هو الضامن لا العبد، و هو خلاف التقدير فيكون في كسبه، قال في المسالك: و البحث في ذلك قريب مما لو أذن له في الاستدانة فينبغي ترتب قول ثالث، و هو ان الضمان يتعلق بالمولى و لا يختص بكسب العبد، و لعله أقوى. انتهى.
أقول: هذا القول الثالث مستقر على حمله هذه المسألة على مسألة الاذن في الاستدانة، فإنه لا إشكال في كون ذلك على السيد، سواء كان الاستدانة للعبد أو السيد كما تقدم تحقيقه في كتاب الديون، و حينئذ فيتجه هنا هذا القول الثالث بناء على ذلك، و هو قريب من حيث الاعتبار، لأن الاذن في الضمان في معنى الاذن في الاستدانة، الا أن المسألة لخلوها من النص بجميع شقوقها محل اشكال. و الله العالم.
الثاني- هل يشترط علم الضامن بالمضمون له، و المضمون عنه؟
، و معرفتهما بنسبهما أو وصفهما، قيل: نعم، و قيل: لا يشترط، و قيل: يشترط معرفة المضمون عنه دون معرفة المضمون له، و القول الأول- للشيخ في المبسوط، و الثاني له أيضا في الخلاف، و هو اختيار المحقق في الشرائع، و الشهيد، و العلامة في غير المختلف، و الشهيد الثاني في المسالك و جماعة، و الثالث للعلامة في المختلف، و على القول
6
الثاني فإنه و ان لم يشترط المعرفة على الوجه المتقدم، لكن يشترط عندهم ان يمتاز المضمون عنه عند الضمان بما يصح معه القصد الى الضمان عنه.
استدل العلامة في المختلف على اشتراط معرفة المضمون عنه قال: لنا ان المضمون عنه لا بد و أن يتميز عند الضامن، و يتخصص عن غيره ليقع الضمان عنه، و ذلك يستدعي العلم به.
و ما رواه
أبو سعيد الخدري (1) «قال كنا مع رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في جنازة فلما وضعت قال (صلى الله عليه و آله): هل على صاحبكم من دين؟
قالوا: نعم، درهمان، فقال: صلوا على صاحبكم، فقال على (عليه السلام): هما على يا رسول الله و أنا لهما ضامن، فقام رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فصلى عليه، ثم أقبل على على فقال: جزاك الله عن الإسلام خيرا، و فك رهانك كما فككت رهان أخيك».
و روى جابر بن عبد الله (2) «أن النبي (صلى الله عليه و آله) كان لا يصلى على رجل عليه دين فأتي بجنازة فقال: هل على صاحبكم دين؟ فقالوا: نعم ديناران، فقال صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة هما على يا رسول الله قال: فصلى عليه فلما فتح الله على رسوله، قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن ترك مالا فلورثته، و من ترك دينا فعلى».
و هما يدلان على صحة الضمان مع عدم العلم بالمضمون له، ثم قال: احتج الشيخ في الخلاف بالحديثين، «فإن النبي (صلى الله عليه و آله)» لم يسأل عليا (عليه السلام) و لا أبا قتادة عن صاحب الدين و لا الميت، فلا يشترط علمهما و على قوله في المبسوط بأنه يشترط معرفة المضمون له ليعرف هل هو سهل المعاملة أم لا، و مع انتفاء ذلك يتطرق الغرر، و معرفة المضمون عنه لينظر هل يستحق بذلك عليه أم لا.
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 151 الباب 3 من أبواب أحكام الضمان الرقم 2.
(2) الوسائل ج 13 ص 151 الباب 3 من أبواب أحكام الضمان الرقم 3.
7
ثم قال: و الجواب عن الأول القول بالموجب في المضمون له، و أما المضمون عنه فإنه متعين لتشخصه، و حضوره عنده، و لا يشترط علمه بنسبه و لا حاله، و الغرر ليس بمعتبر، إذ لا يشترط علمه حال الضمان بحسن معاملة المضمون له و عدمه، و ان علمه بعينه إجماعا فلو كان الغرر معتبرا كان العلم بهذه الوصف شرطا، و ليس كذلك بالإجماع انتهى.
أقول: و بذلك علم حجج هذه الأقوال المذكورة في المقام، و هي عند التحقيق لا اعتماد عليها في تأسيس الأحكام، أما قوله لنا: ان المضمون عنه الى آخره، ففيه أولا أنه مصادرة محضة، لأن هذا عين المدعى، و مع تسليمه فإنه يكفي التميز بوجه ما، كما اعترف به القائلون بعدم الاشتراط بالنسبة إلى المضمون عنه، و به يظهر ضعف قوله و ذلك يستدعي العلم به.
و أما الخبران المذكوران فإنهما و ان ذكرهما الشيخ في الخلاف، الا أن الظاهر أنهما من روايات العامة، فإنهم كثيرا ما يستسلفون رواياتهم، و لا سيما الشيخ في الكتاب المذكور، فلا تقوم بهما حجة، و مع تسليم صحتهما فهما بالدلالة على العدم- في كل من المضمون له، و عنه- أقرب، كما ذكره الشيخ في الخلاف، حيث استدل بهما على ذلك بالتقريب الذي تقدم نقله عنه. (1)
و أما ما استدل به الشيخ في المبسوط فهو أظهر ضعفا من أن يتعرض لبيانه،
____________
(1) أقول: هذان الخبران و ان لم ينقلا في كتب أخبارنا، لكن في بعض الاخبار، ما يشير الى ذلك،
كصحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أنه ذكر لنا أن رجلا من الأنصار مات و عليه ديناران دينا فلم يصل عليه النبي (صلى الله عليه و آله) و قال: صلوا على صاحبكم حتى ضمنهما عنه بعض قرابته فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ذلك الحق، ثم قال ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) انما فعل ذلك ليتعظوا و ليرد بعضهم على بعض، و لئلا يستخفوا بالدين. الحديث.
الوسائل ج 13 ص 79 الباب 2 من أبواب الدين و القرض الرقم- 1. و قد تقدم في صدر كتاب الدين- منه (رحمه الله).
8
و لو صح بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات الواهية لاتسع المجال و الكلام في تشريع الأحكام مع استفاضة النصوص عن ذوي الخصوص بالمنع من القول فيها الا بما ورد عنهم (عليهم السلام) و الا فالسكوت، و ما أجاب به في المختلف عن حجة المبسوط- بالنسبة إلى المضمون عنه بأنه متعين لتشخصه و حضوره عنده- انما يتم بالنسبة إلى مورد الخبرين، و المدعى أعم من ذلك.
و بالجملة فإن الاعتماد في تأسيس الأحكام على مثل هذا الكلام مجازفة محضة في أحكام الملك العلام، و العجب منهم (رضوان الله عليهم) أنهم يطعنون في الاخبار المتفق على روايتها في الأصول المشتهرة المتعمدة، بناء على الاصطلاح المحدث، و يعولون هنا على نقل هذه الروايات الواهية التي هي كبيت العنكبوت، و أنه لأوهن البيوت مضاهية.
و بذلك يظهر لك أن الأصح من هذه الأقوال هو القول بعدم الاشتراط مطلقا، و مما يدل صريحا على عدم معرفة المضمون له ما رواه
في الكافي عن فضيل و عبيد (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «لما حضر محمد بن أسامة الموت دخل عليه بنو هاشم فقال لهم: لقد عرفتم قرابتي و منزلتي منكم، و على دين فأحب أن تقضوه عنى، فقال على بن الحسين (عليهما السلام) ثلث دينك على، ثم سكت و سكتوا، فقال على بن الحسين (عليهما السلام) على دينك كله، ثم قال على بن الحسين (عليهما السلام) أما انه لم يمنعني أن أضمنه أولا إلا كراهة أن يقولوا: سبقنا».
و هذا الخبر كما أنه يدل على عدم اشتراط معرفة المضمون له، كذلك يدل على عدم اشتراط معرفة قدر الدين، و سيأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى، و الأصحاب القائلون بعدم الاشتراط مطلقا عللوا عدم اعتبار العلم بالمضمون عنه بأن الضمان وفاء دين عنه، و هو جائز عن كل مديون.
و أما المضمون له فان اعتبر فيه القبول لفظا كما هو مقتضى العقد اللازم،
____________
(1) الكافي ج 8 ص 332 ح 514، الوسائل ج 13 ص 151.
9
اقتضى ذلك تميزه و ان لم يعتبر، فإنه لا يعتبر العلم به.
أقول: الأظهر في الاستدلال على ذلك هو التمسك بأصالة العدم حتى يقوم دليل على الاشتراط في المضمون عنه، أو المضمون له.
و أما اعتبار القبول و أنه لا بد من عقد يشتمل عليه فقد عرفت من الخبر المذكور ما يدفعه، فإنه (عليه السلام) بمجرد اخبار محمد المذكور أن عليه دينا ضمنه من غير فحص، و لا علم بصاحب الدين بالكلية، و لا علم بقدر الدين، و كذلك يؤيده الخبران المتقدمان هذا.
و أما ما ذكره القائلون بهذا القول- من اشتراط امتياز المضمون عنه عند الضامن ليصح معه القصد الى الضمان عنه كما قدمنا نقله عنهم.
فقيل: ان وجهه أن الضمان يتوقف على القصد، و هو متعلق بالمضمون عنه و الحق، فلا بد من تميزه بوجه تزول عنه الجهالة ليمكن القصد اليه.
و أورد عليه بأنه يشكل بمنع توقف القصد على ذلك، فان المعتبر القصد الى الضمان، و هو التزام المال الذي يذكره المضمون له في الذمة، و هو غير متوقف على معرفة من عليه الدين، و الدليل انما دل على اعتبار القصد في العقد، لا في من كان عليه الدين، فلو قال شخص مثلا: انى استحق في ذمة شخص مأة درهم، فقال له آخر: ضمنتها لك، كان قاصدا الى عقد الضمان، على أى من كان الدين عليه، و لا دليل على اعتبار ما زاد عن ذلك.
و الى ذلك مال في التذكرة حيث قال: «و هل يشترط معرفة ما يميزه عن غيره؟ الأقرب العدم، بل لو قال: ضمنت الدين الذي لك على من كان من الناس جاز. نعم لا بد من معرفة المضمون عنه بوصف يميزه عند الضامن، بما يمكن القصد معه الى الضمان عنه، لو لم يقصد الضمان عن أى من كان. انتهى.
أقول: ما حكموا به من صحة الضمان و ثبوته في هذه الصورة بمعنى على أى من كان من الناس لم أقف فيه على نص يدل عليه، أو يشير اليه، و المفهوم من الروايات
10
الواردة في هذا الباب انما هو اعتبار معرفة المضمون عنه و لو بوجه ما، و الحكم بالصحة فيما ذكروه يتوقف على الدليل، لأن الأصل براءة الذمة، و الحكم باشتغالها يحتاج الى دليل واضح، و الركون الى هذه التعليلات العليلة مجازفة محضة كما عرفت، و دعوى العموم في بعض روايات الضمان- على وجه يشمل هذه الصورة- ممنوعة، و بذلك يظهر أن الأظهر في الاحتجاج على اعتبار ذلك انما هو كونه هو الوارد في النصوص، لا ما عللوا به من القصد الذي تطرقت اليه هذه المناقشة.
و الله العالم.
الثالث [اشتراط رضا المضمون له في صحة الضمان]
- المشهور عند الأصحاب اشتراط رضا المضمون له في صحة الضمان، و عللوه بأن حقه يتحول من ذمة غريمه إلى ذمة الضامن، و الناس يختلفون في حسن المعاملة و سهولة القضاء، فلو لم يعتبر رضاه لزم الضرر و الغرر، و نقل عن الشيخ قول بعدم اشتراط رضاه، محتجا بأن عليا (عليه السلام) و أبا قتادة ضمنا الدين عن الميت، و لم يسأل النبي (صلى الله عليه و آله) عن رضا المضمون له، و أجيب بأنها واقعة لا عموم لها، و أن ذلك انما يدل على عدم بطلان الضمان قبل علمه ورده، و نحن نقول بموجبه، لانه صحيح، و لكن لا يلزم الا برضا المضمون له.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه
ثقة الإسلام و الشيخ نور الله تعالى مرقديهما عن عبد الله بن سنان (1) في الصحيح «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يموت و عليه دين فيضمنه ضامن للغرماء، فقال: إذا رضى به الغرماء فقد برئت ذمة الميت».
و رواه في الفقيه (2) عن الحسن بن محبوب عن الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله، و الحسن بن صالح زيدي ضعيف، و الخبر المذكور ظاهر في الدلالة على القول المشهور، و به استدل جملة من أصحابنا المتأخرين من غير أن ينقلوا له معارضا في ذلك، مع وجود المعارض في الاخبار، بل تعدده كما
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 187 ح 17 و فروع الكافي ج 5 ص 99 ح 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 116 ح 33.
11
ستقف عليه.
و مثل هذا الخبر
قول الرضا (عليه السلام) في كتاب فقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام): «و ان كان لك على رجل مال، و ضمنه رجل عند موته و قبلت ضمانه فالميت قد برء و قد لزم الضامن رده عليك».
و منها ما رواه
الشيخ في التهذيب في الموثق عن إسحاق بن عمار (2) عن أبى- عبد الله (عليه السلام) في الرجل يكون عليه دين فحضره الموت فيقول وليه: على دينك قال: يبرئه ذلك، و ان لم يوفه وليه من بعده، و قال: أرجو أن لا يأثم، و انما إثمه على الذي يحبسه،.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن الحسين بن الجهم في الموثق قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل مات و له على دين، و خلف ولدا رجالا و نساءا و صبيانا، فجاء رجل منهم فقال: أنت في حل مما لأبي عليك من حصتي و أنت في حل مما لإخوتى و أخواتي، و أنا ضامن لرضاهم عنك، قال: تكون في سعة من ذلك و حل، قلت فان لم يعطهم؟ قال: كان ذلك في عنقه، قلت: فان رجع الورثة على فقالوا: أعطنا حقنا، فقال: لهم ذلك في الحكم الظاهر، فأما بينك و بين الله عز و جل فأنت منها في حل إذا كان الرجل الذي أحل لك يضمن لك عنهم رضاهم فيحتمل الضامن لك» الحديث (3).
و الخبران المذكوران ظاهرا الدلالة، صريحا المقالة، و لا سيما الثاني في صحة الضمان و لزومه، من غير توقف على رضا المضمون له، فإن الثاني صريح في أنه مع عدم الرضا، فان الضمان لازم، و قد ذكرنا في هذا الخبر جملة من الفوائد
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 491.
(2) التهذيب ج 6 ص 188 ح 22.
(3) فروع الكافي ج 7 ص 25 كتاب الوصايا ح 7، و في التهذيب ج 9 ص 167 كتاب الوصايا ح 28- إذا كان الرجل الذي حللك يضمن عنهم رضاهم فيحتمل لما ضمن لك، و في الوسائل ج 13 ص 152 الباب- 4- من أبواب أحكام الضمان- إذا كان الرجل الذي حللك يضمن عنهم رضاهم فيحمل لما ضمن لك.
12
الزائدة على محل الاستدلال في كتاب الديون.
و يدل على ذلك أيضا ما رواه
الشيخ في الصحيح عن حبيب الخثعمي و الصدوق في الفقيه عن ابن ابى عمير عن حبيب الخثعمي عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يكون عنده المال وديعة يأخذ منه بغير اذن صاحبه قال: لا يأخذ الا أن يكون له وفاء قال: قلت أ رأيت ان وجدت من يضمنه و لم يكن له وفاء و أشهد على نفسه الذي يضمنه يأخذ منه؟ قال: نعم». (1).
و هو كما ترى أيضا ظاهر في صحة الضمان من غير اشتراط رضا المضمون له، و المراد من الخبر أن الضامن أشهد على نفسه بأنه ضامن، و ينبغي تقييده بملائة الضامن أيضا، و حمله على ذلك.
و لم أقف على من تعرض لنقل هذه الاخبار في المقام، فضلا عن الجواب عنها سوى صاحب الكفاية، فإنه نقل موثقة إسحاق بن عمار، و أجاب عنها بأنها تضعف عن مقاومة الخبر الصحيح المعتضد بالشهرة بين الأصحاب، و هو كما ترى، مع أن المخالفة غير منحصرة في الموثقة المذكورة كما عرفت، و المسألة عندي محل توقف و اشكال، لعدم معلومية ما يجمع به بين هذه الاخبار. (2)
____________
(1) (في الوسائل ج 13 ص 232 كتاب الوديعة الباب- 8- قال: قلت. بغير اذن فقال. أ رأيت ان وجد من. إلخ)- (و في من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 194 ح 4)- (و في التهذيب ج 7 ص 180 ح 5 كتاب الوديعة).
(2) و العجب من المحدث الكاشاني في المحجة حيث أنه ممن اختار القول المشهور فقال:- بعد ذكر المسألة خلافا للشيخ في أحد قوليه للخبر- و هو قاصر الدلالة، و الظاهر أنه أشار بالخبر إلى موثقة إسحاق بن عمار و لا أدرى بما أراد من قصور الدلالة مع أنها واضحة الدلالة على القول المذكور فان ظاهرها أنه بمجرد قول وليه على دينك، تبرأ ذمة المضمون عنه من الدين، و تنتقل إلى ذمة الولي المذكور، من غير توقف على العلم بالمضمون له، فضلا عن رضاه بذلك، و أخرج منها رواية الحسين بن الجهم كما عرفت. منه (رحمه الله).
13
ثم انه بناء على القول المشهور من اشتراط رضا المضمون له فهل المعتبر مجرد رضاه كيف اتفق و لو مع التراخي؟ أم لا بد من كونه بصيغة القبول، قولان:
استجود في المسالك الثاني، قال: لانه عقد فلا بد فيه من القبول، و لأصالة بقاء ما كان من شغل ذمة المضمون عنه و سلامة ذمة الضامن، و انتفاء حق المضمون له الى أن يتحقق المزيل، و حينئذ فيعتبر فيه ما يعتبر في سائر العقود من التواصل المعهود بين الإيجاب و القبول، و كونه بلفظ الماضي و اللفظ العربي، لأنه من العقود اللازمة.
ثم قال: و وجه العدم قصة على (عليه السلام) و أصالة عدم الاشتراط، و مخالفته لغيره من العقود المملكة، لأن الضمان لا يثبت ملكا جديدا و انما يتوثق به الدين الذي كان مملوكا، و فيه ان استحقاق المضمون له عند الضامن حقا ضرب من التملك ثم ينتقض بالرهن، فإنه فائدته التوثق مع اشتراطه فيه انتهى.
أقول جميع ما ذكره و أطال به لا يخرج عن مجرد الدعوى، و لم أره استند الى دليل يدل عليه و لا برهان يلجأ اليه الا التمسك بأصالة بقاء شغل ذمة المضمون عنه، و عدم شغل ذمة الضامن، و فيه أنه و ان كان الأمر كذلك لكن يجب النظر في الدليل المخرج عن ذلك من الاخبار الواردة في هذا المضمار، لا مجرد الدعاوي العارية عن الاعتبار.
و أنت خبير بأنه لم يرد في الاخبار مما يدل على اشتراط رضا المضمون له الا صحيحة عبد الله بن سنان، و قوله «فيها إذا رضى به الغرماء فقد برئت ذمة الميت» و ظاهرها بل صريحها هو توقف ذلك على ما يدل على الرضا بأي لفظ كان، بل بغير لفظ أيضا، و في معناها عبارة كتاب الفقه الرضوي، و من أين يفهم من ذلك اشتراط كونه عقدا مشتملا على الإيجاب و القبول بهذه الاعتبارات التي أطال بها، مضافا إلى ما عرفته في كتاب البيع من عدم دليل على هذه الأمور المذكورة، بل قيام الدليل على خلافها، و هو ممن وافق على ذلك ثمة، على أنك قد عرفت من الروايات الثلاث التي أوردناها أنه يكفى في حصول الضمان- و انتقال المال إلى ذمة الضامن- قوله
14
«على دينك أو أنا ضامن لرضاهم عنك»، و نحو ذلك من الألفاظ الدالة على ذلك، و بالجملة فإن كلامه هنا بمحل من الضعف الذي لا يخفى على المصنف و الله العالم.
الرابع [عدم اشتراط رضا المضمون عنه في صحة الضمان]:
ظاهر جملة من الأصحاب أن رضى المضمون عنه غير شرط في صحة الضمان، بل يظهر من المسالك أن ذلك موضع وفاق، حيث قال بعد قول المصنف:
- و لا عبرة برضا المضمون عنه، لان الضمان كالقضاء، هذا موضع وفاق، و لأن أداء الدين كما يجوز بغير اذنه فالتزامه في الذمة أولى، و لصحة الضمان عن الميت كما مر في واقعة المصلى عليه و لا يتصور رضاه. انتهى.
و أشار بالواقعة المذكورة إلى حديثي على (عليه السلام) و أبى قتادة المتقدمين.
أقول: ما نقله هنا من الاتفاق على الحكم المذكور ينافيه ما نقله في المختلف عن الشيخ أنه قال في النهاية: متى تبرع الضامن من غير مسألة المضمون عنه، و قبل المضمون له ضمانه، فقد برء عهدة المضمون عنه، الا أن ينكر ذلك و يأباه، فيبطل ضمان المتبرع، و يكون الحق على أصله لم ينتقل عنه بالضمان، ثم نقل عن ابن البراج أنه قال: إذا تبرع انسان بضمان حق ثم أنكر المضمون عنه ذلك كان الحق باقيا في جهته، لم ينتقل الى المتبرع بضمان ذلك، قال: و هذا يوافق قول الشيخ من اعتبار رضى المضمون عنه في الضمان، و به قال ابن حمزة، و هو قول شيخنا المفيد (رحمه الله) في المقنعة، ثم نقل عن ابن إدريس أنه لا يعتبر رضى المضمون عنه، بل يلزم الضمان مع رضى الضامن و المضمون له، قال: و هو مذهب والدي (رحمه الله)، ثم استدل على ذلك فقال: لنا
قوله (عليه السلام) (1) «الزعيم غارم».
و ما رواه
داود الرقي (2) في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: مكتوب في التوراة «كفالة ندامة غرامة».
و لانه كالقضاء فلا خيار له كما لو قضى عنه. انتهى و منه يظهر ما في دعوى الاتفاق مع ظهور خلاف هؤلاء الأجلاء و القائلون
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 497.
(2) الوسائل ج 13 الباب 7 من أبواب الضمان ص 155 ح 5.
15
بعدم اشتراط رضى المضمون عنه، قالوا: تفريعا على ذلك: بأنه لو أنكر المضمون عنه بعد الضمان لم يبطل الضمان، و عللوه بأنه لا أثر له، فإنه إذا لم يعتبر رضاه ابتداء فلا عبرة بإنكاره بعده، ثم نقلوا هنا خلاف الشيخ و جماعة حيث حكموا ببطلانه بعد إنكاره، و ردوه بأنه ضعيف جدا.
أقول: ان الشيخ انما حكم هنا ببطلان الضمان بالإنكار تفريعا على قوله باشتراط رضى المضمون عنه في صحة الضمان، مع أنهم لم ينقلوا خلافه هناك، بل ادعوا الاتفاق، و هو يشعر بموافقة الشيخ لهم في تلك المسألة، و تخصيص مخالفته بهذه، و من ثم نسبوه الى كونه ضعيفا جدا.
و أنت خبير بأنا لم نجد لهم دليلا شافيا على ما ادعوه من عدم اشتراط رضى المضمون عنه في صحة الضمان، الا ما يذكرونه من جواز أداء الدين عنه بغير رضاه، و غاية ما يستند اليه هنا في أداء الدين حديث الضمان عن الميت، حيث أنه لا يتصور الرضا أو عدمه من الميت.
و ما ادعوه من جواز أداء الدين عن الحي و براءة ذمته مع عدم رضاه بذلك لم نقف له على دليل و مع وجود الدليل عليه فحمل الضمان على ذلك قياس، و ان كان مما يرجع اليه بنوع من الاعتبار و الاستناد الى الضمان عن الميت أو الأداء عنه غير دال على ما نحن فيه، لظهور الفرق بين الحي و الميت، فهو قياس مع الفارق، و ما ذكره العلامة من الدليل عليل لا يهدى الى سبيل و بالجملة فالمسألة لما عرفت محل اشكال.
الخامس [نقل ذمة المضمون عنه إلى الضامن]:
الظاهر أنه لا خلاف في أنه متى تحقق الضمان على الوجه المعتبر شرعا انتقل المال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، و برء المضمون عنه من حق المضمون له، و انما يبقى الحق في ذمة الضامن إذا كان الضمان باذنه دون ما إذا كان تبرعا و خالف كافة العامة في ذلك حيث قالوا: بان الضمان غير ناقل، و انما هو ضم ذمة إلى ذمة، فللمضمون له مطالبة من شاء من الضامن و المضمون عنه.
16
و يدل على القول المذكور مضافا الى اتفاق الأصحاب (رضوان الله عليهم)، صحيحة عبد الله بن سنان، و موثقة إسحاق بن عمار، و موثقة الحسين بن الجهم المتقدمات، فإنها صريحة في خلو ذمة المضمون عنه، و انتقال المال إلى ذمة الضامن، فعلى هذا لو أبرأ المضمون له ذمة المضمون عنه لم يفد شيئا، بل كان لغوا و ذلك لأنك قد عرفت أنه بالضمان انتقل المال إلى ذمة الضامن، و برئت ذمة المضمون عنه من حق المضمون له، فهذا الإبراء لم يصادف محلا لانه غير مشغول الذمة له.
نعم لو أبرأ ذمة الضامن برئا جميعا، أما الضامن فلانه مشغول الذمة له، فإذا أبرئه برئت ذمته، و أما المضمون عنه فلان الضامن لا يرجع عليه الا بما أداه عنه، و هو هنا لم يؤد عنه شيئا، فلا يرجع إليه بشيء، و خالف الجمهور في ذلك، فقالوا:
ان كل واحد من الضامن و المضمون عنه ذمته مشغولة، فإذا أبرأ المضمون له المضمون عنه فقد أبرأ الضامن، لسقوط الحق كما لو أدى المال، و لو أبرأ الضامن لم يبرء المضمون عنه، لان الضامن عندهم كالوثيقة فلا يلزم من سقوطها سقوط الدين كفك الرهن.
و الحكم المذكور اتفاقي بين أصحابنا كما ذكره في التذكرة: حيث ادعى إجماع علمائنا على ذلك، و المحقق في الشرائع نسبه إلى قول مشهور، و ربما كان فيه اشعار بوجود مخالف منا، أو إشارة الى عدم تحقق الإجماع المدعى.
السادس [اشتراط الملاءة في الضامن أو العلم بإعساره]:
قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يشترط في الضامن الملاءة أو العلم بإعساره و المراد انه شرط في اللزوم لا في الصحة فلو ضمن ثم بان إعساره كان للمضمون له الفسخ، قالوا: لان عقد الضمان مبنى على الارتفاق، و القصد منه استيفاء الدين من الضامن، و انما يكون ذلك إذا أمكن الأداء بإيساره، فإذا فات هذا المقصود ثبت للمضمون له الخيار بين الصبر على الضامن، و بين فسخ العقد و الرجوع على المضمون عنه.
و هل الخيار هنا على الفور أم لا لم أقف فيه على كلام لهم، و الأصل يقتضي
17
امتداده الى ان يثبت المزيل، و المراد بالملاءة المشترطة في الضامن أن يكون مالكا لما يؤدى به الدين فاضلا عن المستثنيات في البيع، و انما تعتبر الملاءة ابتداء لا استدامة فلو كان مليا وقت الضمان ثم تجدد عدمها قبل الأداء لم يبطل الضمان، و لم يجز له الفسخ، لحصول الشرط حين الضمان.
و لم يحضرني الان خبر في المقام الا ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب عن عيسى بن عبد الله قال احتضر عبد الله بن الحسن و رواه في الفقيه مرسلا قال: «و روى أنه احتضر عبد الله بن الحسن فاجتمع إليه غرماؤه فطالبوه بدين لهم فقال لهم: ما عندي ما أعطيكم و لكن ارضوا بمن شئتم من أخي و بنى عمى على بن الحسين أو عبد الله بن جعفر فقال الغرماء: اما عبد الله بن جعفر فملي مطول، و اما على بن الحسين، فرجل لا مال له صدوق و هو أحبهما إلينا، فأرسل إليه فأخبره الخبر فقال (عليه السلام):
أضمن لكم المال إلى غلة و لم تكن له غلة فقال القوم: قد رضينا و ضمنه فلما أتت الغلة أتاح الله عز و جل له المال فأداه». (1).
و الخبر مع ضعف سنده و عدم إسناده الى الامام (عليه السلام) لا دلالة فيه على محل البحث، و ظني أن الأصحاب لو جعلوا الشرط هنا رضا المضمون له بالضامن، و قبوله له مليا كان أو غير ملي لكان أظهر، فإن مجرد الملاءة مع حصول المطل كما تضمنه هذا الخبر لا تفيد فائدة في ترتب الأثر عليها.
و بالجملة فإن اشتراطهم رضا المضمون له كما هو المشهور بينهم بالضمان و الضامن كاف عن هذا الشرط هنا، مع أنه لا دليل عليه الا ما ذكروه من التعليل الذي يحصل بالرضا بالضامن، إلا أنك قد عرفت اختلاف الاخبار في ذلك، و أن أكثر الأخبار ظاهر في العدم. و الله العالم.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 97 باب قضاء الدين ح 7 و في التهذيب ج 6 ص 211 ح 12 و في من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 55 باب الحوالة حديث 2- (و لا يخفى ان في النسخ اختلافا جزئيا) و في الوسائل ج 13 ص 152 ح 1.
18
السابع [في صور الضمان و حكمها]
- الحق المضمون اما أن يكون حالا أو مؤجلا، ثم انه اما أن يضمنه الضامن حالا أو مؤجلا، و على تقدير ضمان المؤجل مؤجلا، اما أن يكون الأجل الثاني مساويا للأول، أو أنقص أو أزيد، و على التقادير اما ان يكون الضمان تبرعا، أو بسؤال المضمون عنه، فالصور اثني عشرة، و قد صرح جملة من محققي المتأخرين و متأخريهم بأنها كلها جائزة، للأصل، و عموم دلائل مشروعية الضمان، و تحقق الغرض المطلوب منه في الجميع، و لانه كالقضاء عن المدين، و بعض هذه الصور إجماعي، و بعضها محل خلاف، الا أن محل الخلاف في كلامهم غير محرر.
و ظاهر كلام المحقق في الشرائع أن الضمان المؤجل جائز إجماعا، و في الحال تردد أظهره الجواز، و المراد من الثاني الذي هو محل التردد عنده ما لو كان الدين مؤجلا فضمنه الضامن حالا.
و المنقول عن الشيخ و جماعة منع الضمان هنا، لان مبنى عقد الضمان على الإرفاق، و تسهيل الأمر على المضمون عنه، و الضمان في هذه الصورة ينافي الغرض المذكور، لان الدين مؤجل و الضامن يريد أن يضمنه حالا، و يرجع به على المضمون عنه، و وجه آخر و هو أن ثبوت المال في ذمة الضامن فرع ثبوته في ذمة المضمون عنه، و الفرع لا يكون أقوى من الأصل، (1) و القائلون بالصحة أجابوا عن ذلك بأن المنتقل بالضمان هو الدين، و أما الأجل فإذا أسقطه المديون و أدى المال حالا جاز، فكذا إذا سأل الضمان كذلك، لان الضمان انما ضمن كذلك باذنه و سؤاله، فهو في معنى الاسقاط له، لكنه لا يرجع على المضمون عنه الا بعد تمام
____________
(1) قال في المبسوط: إذا ضمن المؤجل حالا الأقوى أنه لا يصح، لانه لا يجوز ان يكون الفرع أقوى من الأصل، قال في المختلف: بعد نقل ذلك عنه: الوجه عندي الصحة، و لا نسلم تحقق القوة هنا، فإنه يجوز للمضمون عنه دفع المال معجلا كذا يجوز الضمان معجلا، فان الضمان كالقضاء إذا ثبت هذا، فإذا ضمن حالا لم يكن له الرجوع على المضمون عنه، الا بعد الأجل و ان أخذ منه المال حالا انتهى. منه (رحمه الله).
19
الأجل، و ان أداه حالا بمقتضى الضمان، و لو كان الضامن متبرعا بالضمان فأولى بعدم الاشتراط، إذ لا رجوع له على المضمون عنه فيكون في معنى ما لو أدى عنه- دينه المؤجل قبل الأجل، و هو جائز.
و من ذلك يظهر أن الجواز هو الأقوى و في هذه الصورة أعني صورة الضمان حالا صورة أخرى، و هي ما إذا كان الدين حالا، و سيأتي الكلام فيها في المقام.
ان شاء الله تعالى.
و أما الصورة الأولى مما نقلناه من كلام المحقق و هي قوله ان الضمان المؤجل جائز إجماعا فهي شاملة لجملة من الصور، منها ما لو كان الدين حالا فضمنه مؤجلا، و هذه الصورة مجمع عليها، و دعواه الإجماع هنا في محله، و التعليل بالارتفاق و تسهيل الأمر على المضمون عنه هنا متجه، لان الدين حال و بالضمان صار مؤجلا، قالوا: و ليس هذا تعليقا للضمان على الأجل، بل تأجيل للدين الحال في عقد لازم، (1) و من حكم هذه الصورة أن المضمون عنه لا يطالب قبل حلول الأجل.
أما من المضمون له، فلانه لا طلب له عليه، لانتقال حقه الى ذمة الضامن، و أما من الضامن فلانه ليس له المطالبة حتى يؤدى و لو كان حالا فمع الأجل أولى و ليس للمضمون له أيضا مطالبة الضامن قبل حلول الأجل عملا بمقتضى الشرط.
و من صور تلك الصورة المشار إليها ما لو كان الحق مؤجلا مع قصور أجل الضمان أو مساواته و تعليل الشيخ و الجماعة المانعين من ضمان المؤجل حالا يقتضي المنع من هاتين الصورتين، لما عرفت من أنهم عللوا ذلك و به صرح في المختلف و غيره أيضا بأن الضمان إرفاق، (2) فالإخلال به يقتضي تسويغ المطالبة للضامن،
____________
(1) بمعنى أنه ليس له مطالبة المضمون عنه حتى يؤدى ما ضمنه في صورة حلول الدين، فكيف في صورة الأجل، فهو بطريق أولى. منه (رحمه الله).
(2) أما لو كان أجل الضمان أزيد من أجل الحق، فإنه داخل في الإجماع، لأن الأجل الزائد يحصل فيه الارتفاق المطلوب من الضمان. منه (رحمه الله).
20
فيتسلط على مطالبة المضمون عنه في الحال، فينتفى فائدة الضمان، و هذا التعليل بعينه آت في الأجل المساوي و القاصر، و يقتضي أن الضامن لو كان متبرعا لم يضر، لانتفاء المانع من التسلط على المضمون عنه.
و الشيخ فخر الدين منع من ضمان الحال كما ذهب اليه الشيخ، الا أنه علله بعلة أخرى قال: لانه ضمان ما لم يجب، و هذا التعليل يجري في الأجل القاصر عن أجل الدين، كما هو شامل للحال، و مخرج للمساوي (1) و بالجملة فإطلاق كلام الشيخ و من تبعه حيث خصوا المنع بصورة ضمان المؤجل حالا يقتضي ثبوت الإجماع المدعى في صورة الضمان مؤجلا لما كان حالا أو مؤجلا بجميع أقسامه، و بالنظر الى التعليلات يدل على اختصاصه بغير الصورتين المذكورتين، و أما الضمان حالا فان كان الدين مؤجلا فقد اتفق المانعون على منعه نصا و تعليلا كذا قيل.
و فيه أن الشيخ فخر الدين من القائلين بهذا القول، و قد تقدم تعليله بغير ما علل به الشيخ و ان كان حالا، فالشيخ فخر الدين و أتباعه جوزوه لوجوب الحق، و الشيخ و أتباعه منعوه لعدم الارتفاق. و الله العالم.
الثامن: لو ضمن مؤجلا مع كون الدين حالا ثم مات قبل حلول الأجل
حل الدين المذكور، و أخذ من تركته، لما تقدم من أن الميت تحل ديونه المؤجلة بموته، و هذا من جملة أفرادها، و للورثة حينئذ مطالبة المضمون عنه، لان الدين عليه حال كما هو المفروض، و لم يحصل ما يقتضي تأجيله، و المؤجل انما هو الدين الذي في ذمة الضامن، لا الذي في ذمته، و الضامن انما امتنع رجوعه عليه في حياته
____________
(1) قال العلامة في المختلف: بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه في الحاشية المقدمة من نقل كلام الشيخ في المبسوط ورده له: ما صورته و قد استخرج ولدي العزيز محمد جعلت فداه وجها هنا يقوى قول الشيخ (رحمه الله)، و هو أن الحلول زيادة في الحق، و لهذا يختلف الأثمان به، و هذه الزيادة غير واجبة على المديون، و لا ثانية في ذمته، فيكون ضمان ما لم يجب فلا يصح عندنا انتهى. منه (رحمه الله).
21
من حيث أنه لا يرجع الا بعد دفع ما ضمنه، و حيث أنه قد مات و حل عليه الدين و أخذ من تركته زال المانع من مطالبة المضمون عنه، و يأتي مثله أيضا في ما لو دفع الضامن المال في حياته قبل حلول الأجل باختياره، فان له الرجوع على المضمون عنه، لعين ما ذكر.
و هذا بخلاف ما لو كان الدين مؤجلا على المضمون عنه فضمنه الضامن كذلك، فإنه بحلوله عليه بعد الموت و أخذه من تركته لا يحل على المضمون عنه، لان الحلول عليه لا يستلزم الحلول على الأخر كما لا يحل عليه المؤجل لو ضمنه الضامن حالا على القول بذلك.
التاسع [في رجوع الضامن إلى المضمون عنه بما دفعه]:
قد صرح الأصحاب من غير خلاف يعرف بأنه متى حصل الضمان على الوجه المعتبر شرعا، فإنه يرجع الضامن على المضمون عنه بما دفعه الى المضمون له ان ضمن باذنه و لو أدى بغير اذنه، و لو ضمن بغير اذنه لم يرجع عليه، و ان أدى باذنه، و لو ضمن باذنه و أدى بإذنه فأولى بالضمان، و لو ضمن بغير اذنه و أدى بغير إذنه فأولى بعدم الضمان.
و ظاهر المحقق الأردبيلي (قدس سره) المناقشة في هذا المقام، حيث قال:
بعد ذكر عدم الرجوع مع عدم الاذن في الضمان ما صورته: و أما الرجوع مع الاذن في الضمان مع الاذن في الأداء و عدمه ففيه تأمل، إذ الاذن في الضمان و الأداء لا يدل على قبول أداء العوض، بشيء من الدلالات، و الأصل عدمه، الا أن تدل قرينة حال أو مقال على ذلك، كما في لزوم الأجرة على من أمر شخصا بفعل له أجرة عادة، و لهذا قال في التذكرة: لو قال: أعط فلانا ألفا ففعل لم يرجع، و كذا لو قال: أعتق عبدك أو الق متاعك في البحر عند خوف الغرق و عدمه، الا أن ينضم اليه ما يدل على قبول العوض، مثل قوله عنى في الأولين، و على ضمانه و عوضه في الثالث، و بهذا المقدار يلزم، و هذا دليل على عدم اشتراط الصيغة الخاصة، و المقارنة و غيرهما فافهم، و لي في اللزوم مع انضمام قوله عني أيضا تأمل، و ان قالوه الا أن ينضم إليه قرينة، و
22
يعلم من التذكرة الإجماع على الرجوع مع الاذن في مجرد الضمان فتأمل. انتهى أقول: و يدل على ما ذكره الأصحاب مضافا الى الإجماع المنقول عن التذكرة ما رواه
الشيخ في التهذيب عن الحسين بن خالد قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام):
جعلت فداك قول الناس الضامن غارم، قال: فقال: ليس على الضامن غرم، الغرم على من أكل المال». (1).
و هو ظاهر كما ترى في رجوع الضامن على المضمون عنه بما اغترمه للمضمون له، و أنه لا غرم عليه، بمعنى عدم رجوعه على المضمون عنه، و لو صح ما ذكره من عدم الرجوع للزم حصول الغرم عليه، مع أنه (عليه السلام) قد نفاه عنه، و جعل الغرم على من أكل المال و هو المضمون عنه، و بالخبر المذكور يجب الخروج عن الأصل الذي استند اليه، و الخبر و ان كان مطلقا الا أنه محمول على ما إذا كان الضمان باذن المضمون عنه.
و ما رواه
الشيخ بإسناده عن عمر بن يزيد (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ضمن ضمانا ثم صالح على بعض ما صالح عليه قال: ليس له، الا الذي صالح عليه».
و رواه
الكليني عن عمر بن يزيد في الموثق (3) و رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب عبد الله بن بكير عنه (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ضمن عن رجل ضمانا ثم صالح على بعض ما ضمنه فقال قال: ليس له الا الذي صالح عليه».
و هو أيضا ظاهر في الرجوع، و محمول على الاذن في الضمان، و لو كان ما توهمه من عدم الرجوع حقا لنفاه (عليه السلام) و لم يثبت له الرجوع بشيء بالكلية.
و بالجملة فإن كلامه هنا ناش عن عدم الوقوف على شيء من الاخبار المذكورة، و أما
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 209 ح 485.
(2) التهذيب ج 6 ص 206 ح 4.
(3) الكافي ج 5 ص 259 ح 7.
(4) التهذيب ج 6 ص 210 الباب 84 باب الكفالات و الضمانات.
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 149 الباب 1 و ص 153 الباب 6 من كتاب الضمان.
23
قياسه على لزوم الأجرة فهو- مع كونه قياسا لا يجوز التعويل عليه في الأحكام الشرعية- قياس مع الفارق، لأنه ان كان ذلك الفعل المأمور به يرجع الى الأمر بمعنى أنه أمره أن يفعله له- فان دعوى عدم استحقاق الأجرة ممنوعة، و ان كان لا كذلك كالأمر برمي ماله في البحر و نحوه فهو ليس من محل البحث في شيء و الفرق بينه و بين ما نحن فيه ظاهر، و القياس عليه قياس مع الفارق كما ذكرناه. و الله العالم.
العاشر [في رجوع الضامن بأقل الأمرين فيما دفع عروضا]:
لو دفع الضامن للمضمون له عما في ذمته عروضا برء الضامن مما عليه، و كان له الرجوع مع الاذن في الضمان بأقل الأمرين من قيمة العروض و ما تباع به في السوق، و مما كان في ذمة المضمون عنه، لان الضامن لا يستحق أكثر مما أدى، و المضمون عنه لا يؤدى أكثر مما في ذمته و مما أداه الضامن، فلو فرضنا أن الذي في ذمته كان مأة درهم، و العروض التي دفعها الضامن كانت تساوى خمسين درهما فليس عليه الا الخمسين، و كذا لو فرضنا أن العروض كانت تساوى مأة و عشرين فليس عليه الا المأة.
أما الأول فلان الضامن لا يستحق الرجوع بأزيد مما دفعه، و لهذا لو أبرء المضمون له لم يرجع بشيء و لو ابرء عن البعض لم يرجع إلا بالباقي.
و أما الثاني فلان المضمون عنه لا يجب عليه أداء أكثر مما في ذمته اتفاقا، و قال ابن الجنيد على ما نقل عنه في المختلف: لو ضمن زيد لعبد الله دينا على عمرو، فصالح زيد عبد الله عن جملة ضمانه عن عمرو، على ما يجوز التتابع به بينهما، فان كان ذلك قبل وجوب الحكم على زيد بالمال الذي ضمنه (1) لم يكن له الا قيمته، أو قدر ما أعطاه عبد الله يرجع به على عمرو، و ان كان بعد وجوب الحكم كان له الرجوع بأصل الحق على عمرو.
و أجاب عنه العلامة فقال لنا: انه وضع للإرفاق، و الرجوع بأكثر مما دفع
____________
(1) أقول: الظاهر أن مراده بوجوب الحكم على زيد كناية عن وقت المطالبة و وجوب الدفع عليه. منه (رحمه الله).
24
مناف له، فلا يصح ثم قال: احتج بأن الثابت في ذمة الضامن قدر المال، و دفع الأقل بعد الحكم عليه، بالأكثر ابتداء عطية من المضمون له للضامن فلا يسقط.
و الجواب ما تقدم من منافاة الضمان لذلك، فالحكمة يقتضي عدم الصحة. انتهى أقول: و الأظهر في الجواب هو ما قدمناه سابق هذا الموضع من روايتي عمر بن يزيد و عبد الله بن بكير الواردتين في الصلح، و انه ليس له الا الذي صالح عليه، و هي مبنية على أنه أقل الأمرين كما هو الغالب، فان الظاهر من المصالحة هو دفع ما هو أقل من الحق و تراضى الطرفين عليه، و الا فلو كان ذلك قدر الحق كان أداء للدين، و لا يحتاج الى صلح و لا تراض عليه، و الرواية دالة بإطلاقها على ذلك، سواء كان قبل الحكم الذي هو كناية عن المطالبة، و الحكم بوجوب الدفع أو بعده، و ما ذكره العلامة طاب ثراه يكون مؤيدا لذلك. و الله العالم.
الحادي عشر [حكم ما لو ادعى الضامن الجنون حالة الضمان]:
قال الشيخ في المبسوط: إذا ضمن باذنه كان له مطالبة المضمون عنه بتخليصه و ان لم يطالبه المضمون له، و قال أيضا في الكتاب المذكور: إذا ادعى الضامن الجنون حالة الضمان و لم يعرف له حالة الجنون كان القول قوله، لأن الأصل براءة الذمة، و كلا الحكمين محل بحث و إشكال.
أما الأول فإن ظاهر الأصحاب هو المنع من المطالبة في الصورة المذكورة، لأنه انما يرجع عليه بعد الأداء بما يؤديه، و الحال أنه هنا لم يؤد شيئا، و لعل المضمون له يبرؤه من الدين كلا أو بعضا فكيف يتسلط الان على المطالبة، و أما الثاني فإن ما استند اليه من أصالة البراءة معارض أيضا بأن الأصل عدم الجنون، و الأصل صحة الضمان فيعارض ما ذكره من الأصل بأحد هذين الأصلين، و يبقى الأصل الثاني سالما عن المعارض.
الثاني عشر [في عدم جواز ضمان المضمون عنه عن الضامن ما ضمنه عنه]:
- قال الشيخ في المبسوط: إذا ضمن رجل عن رجل ألف درهم و ضمن المضمون عنه عن الضامن لم يجز، لان المضمون عنه أصل للضامن، و هو فرع للمضمون عنه، فلا يجوز أن يصير الأصل فرعا و الفرع أصلا، و أيضا فلا فائدة فيه.
25
قال في المختلف بعد نقل ذلك: و الوجه عندي صحة ذلك لوجود المقتضى، و انتفاء المانع، أما وجود المقتضى فلان عقد الضمان صدر من أهله في محله، و أما انتفاء المانع فليس إلا الأصالة و الفرعية، و ذلك لا يصح للمانعية، لتحقق المال في ذمة الضامن، و براءة ذمة المضمون عنه، فيكون كالأجنبي، قوله «لا فائدة فيه» قلنا:
ممنوع لجواز أن يضمن الحال مؤجلا و بالعكس انتهى.
أقول: ظاهر كلام جملة من الأصحاب جواز التسلسل في الضمان، بأن يضمن ضامن، ثم يضمن عنه آخر، و هكذا، و يصح دوره، كما صرح به العلامة فيسقط بذلك الضمان، و يرجع الحق كما كان، و لم يخالف في ذلك الا الشيخ كما عرفت.
و من فروعه المترتبة عليه أنه لو وجد المضمون له الأصل الذي صار ضامنا معسرا جاز له الفسخ و الرجوع الى الضامن السابق، و منها الاختلاف، بأن يضمن الحال مؤجلا و بالعكس، كما ذكره العلامة، و به يندفع كلام الشيخ أنه لا فائدة فيه.
و بالجملة فإنه لا مخالف في الحكم المذكور الا ما تقدم حكايته عن الشيخ، و العجب هنا من المحقق الأردبيلي حيث ادعى الاتفاق على الحكم المذكور، مع اشتهار خلاف الشيخ، و تصريح الأصحاب به (1) و الله العالم.
____________
(1) حيث انه (قدس سره) قال بعد قول المصنف و ترامى الضمان ما صورته أى يصح أن يضمن ضامن شخصا ثم يضمنه آخر و هكذا و يسمى التسلسل و يكون حكم كل لا حق مع سابقه حكم الأولين و الظاهر عدم الخلاف عند الأصحاب في ذلك و وجهه ظاهر مما تقدم و كأنهم يريدون الرد على بعض العامة و الظاهر تجويز دوره أيضا عندهم بخلاف العامة. انتهى و مما ذكرنا يعلم ان الأصحاب انما أرادوا بما ذكروه الرد على الشيخ كما عرفت، لكنه لما غفل عن خلاف الشيخ، و ظن الاتفاق في الحكم حمل كلامهم على الرد في هذا المقام على العامة. منه (رحمه الله).
26
البحث الثاني في الحق المضمون
و فيه مسائل-
الأولى [اشتراط كون المال المضمون ثابتا في الذمة]
يشترط في المال المضمون أن يكون ثابتا في الذمة و ان لم يكن مستقرا، كالثمن في مدة الخيار فيصح ضمانه، و هذا الضمان قد يكون للبائع القابض الثمن، فيضمن له عن المشترى على تقدير ظهور كونه مستحقا للغير، أو على تقدير ظهور عيب فيه، ليرجع بأرشه، و قد يكون ضمانه للمشتري على تقدير ظهور كون البيع مستحقا للغير ليرجع به، و على التقديرين فإنما هو ضمان لعهدته، لا له نفسه، و الفرق بين الضمانين ظاهر من جهة اللفظ و المعنى.
أما الفرق اللفظي فإنه في ضمانه نفسه، يقول ضمنت لك الثمن الذي في ذمة زيد مثلا، و في ضمان العهدة يقول ضمنت لك عهدته أو دركه.
و أما المعنوي فإنه بالنسبة إلى ضمانه نفسه يفيد انتقاله إلى ذمة الضامن، كما عرفت فيما تقدم، و برأيه المضمون عنه، و ضمان العهدة ليس كذلك، بل انما يفيد ضمان دركه على بعض التقديرات، و في ضمان المال ليس بلازم، و لكن يؤل الى اللزوم كمال الجعالة قبل فعل ما شرط، و مال السبق و الرماية على خلاف.
و وجه الصحة- على ما ذكروه- هو أن الجعالة و ان كانت من العقود الجائزة و المال فيها لا يلزم الا بتمام العمل، فإن بقي منه شيء و ان قل فليس له شيء الا انه يؤل الى اللزوم بتمام العمل، و قد وجد سبب اللزوم، و هو العقد فيكون كالثمن في مدة الخيار، و أجيب عن ذلك بمنع وجود السبب، فإنه العقد و العمل معا لا العقد وحده، و انما هو جزء السبب، و لم يحصل به ثبوت و لا لزوم، حتى أنه لو لم يتم العمل و بقي منه شيء، فإنه لا يستحق شيئا بما مضى، فيكون الباقي بمنزلة الشرط في استحقاق الجميع، فكيف إذا كان قبل الشروع في العمل، و الفرق بينه و بين الثمن في مدة الخيار ظاهر، لان الثمن ثابت في ذمة المشترى- مملوك للبائع، غاية الأمر أنه
27
متزلزل بخلاف الجعالة، فإنها لا ثبوت لها أصلا حتى يكمل الفعل كما عرفت.
نعم يمكن أن يستدل على هذا القول بظاهر قوله عز و جل (1) «وَ لِمَنْ جٰاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ» فان فيها دلالة على جواز ضمان مال الجعالة قبل العمل، لانه ضمنه قبل العمل، و قد استدل الفقهاء بهذه الآية على جملة من مسائل الجعالة و الضمان، و الظاهر أن ما نحن فيه من قبيل ذلك.
و قطع العلامة في التذكرة بعدم الجواز قبل الشروع في العمل، لانه ضمان ما لم يجب، و استقرب الجواز بعد الشروع، هذا بالنسبة إلى الجعالة، و أما مال السبق و الرماية فلا إشكال في جواز ضمانه بعد العمل كما تقدم، و أما قبله، فإنه يبنى على كونه جعالة أو إجارة، و فيه خلاف سيأتي ذكره إنشاء الله تعالى في موضعه، قال في المسالك: و الأقوى أنه عقد لازم كيف كان فيلزم المال فيه بالعقد فيصح ضمانه.
الثانية [الخلاف في صحة ضمان مال الكتابة المشروطة]:
اختلف الأصحاب في مال الكتابة المشروطة هل يصح ضمانه أم لا؟
فقيل: بالثاني، لأنه ليس بلازم و لا يؤل الى اللزوم، و هو مذهب الشيخ في المبسوط، قال: لانه ليس بلازم في الحال، و لا يؤل الى اللزوم لان للمكاتب إسقاطه بفسخ الكتابة للعجز فلا يلزم العبد في الحال و لا يؤول إلى اللزوم، لأنه إذا أداه عتق، و إذا عتق خرج عن أن يكون مكاتبا، فلا يتصور أن يلزمه في ذمته مال الكتابة بحيث لا يكون له الامتناع، و لان الضمان إثبات مال في الذمة، و التزام لأدائه، و هو فرع للمضمون عنه، فلا يجوز أن يكون المال في الأصل غير لازم و يكون في الفرع لازما، فلهذا منعنا من صحة ضمانه.
و المشهور الجواز، و به صرح المحقق و العلامة، و الخلاف هنا مبنى على الخلاف في مال الكتابة المشروطة هل هو لازم أم لا؟ و حيث أن مذهب الشيخ عدم لزومه من قبل العبد، لانه لو عجز نفسه رجع، و قد بنى عليه مسئلة الضمان.
و مذهب الأصحاب لما كان هو القول باللزوم ثمة، قالوا: باللزوم هنا.
____________
(1) سورة يوسف الآية 72.
28
قال في المسالك: و لو تنزلنا الى الجواز فالصحة متجهة أيضا، لأن المال ثابت في ذمة المكاتب بالعقد، غايته أنه غير مستقر كالثمن في مدة الخيار، فعلى هذا متى ضمنه ضامن انعتق لأنه في حكم الأداء بناء على انه ناقل، و امتنع التعجيز كما ادى المال بنفسه. انتهى.
و بالجملة فالظاهر هو المشهور لما عرفت، و موضع الخلاف كما عرفت هو الكتابة المشروطة.
أما المطلقة، فالظاهر أنه لا خلاف في لزومها و صحة ضمانها. و الله العالم.
الثالثة [في صحة ضمان النفقة للزوجة]:
لا خلاف في أنه يصح ضمان نفقة الزوجة الماضية و الحاضرة، لاستقرارها في ذمة الزوج.
أما المستقبلة كنفقة الشهر المستقبل فلا، و وجه الفرق بين الحالين أن النفقة عوض التمكين، و هو بالنسبة إلى الزمان المستقبل غير حاصل، لجواز النشوز، فالنفقة فيه غير متعلقة بالذمة، فلا يصح ضمانها، ثم ان ما علل به الضمان في الموضعين الأولين من استقرار النفقة في الذمة إنما يتجه في النفقة الماضية، و أما الحاضرة فإنه لا اشكال عندهم في وجوبها و ثبوتها في الذمة مع التمكين.
لما صرحوا به من أنها تجب في كل يوم حاضر بطلوع فجره مع التمكين.
و اما استقرارها ففيه اشكال، مبنى على انها لو نشزت في أثناء النهار هل يسترد منها نفقة ذلك اليوم أم لا؟ و فيه خلاف يأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى في محله.
قالوا: أما لو ماتت أو طلقها استقرت، و في تخصيص نفقة الزوجة بالذكر في هذا المقام مع وجوب الإنفاق على غيرها من العمودين إشارة الى عدم الضمان في نفقة غيرها، لأن الفائت منها لا يثبت في الذمة، كما تثبت نفقة الزوجة، بل غاية ما يلزم من الإخلال بها الإثم و المؤاخذة، لأن الغرض المقصود من الأمر بها البر و الصلة، فتفوت بفوات وقتها، بخلاف نفقة الزوجة فإنها معاوضة، وقعت في مقابلة التمكين فسبيلها سبيل الدين.
29
و قد وقع الخلاف هنا في موضعين
الأول
- قال الشيخ في المبسوط: يصح ضمان النفقة الماضية و الحاضرة للزوجة دون المستقبلة، لأنها تجب بالتمكين، و متى ضمن النفقة فإنما يصح مقدار نفقة المعسر، لأنها ثابتة لكل حال، و أما الزيادة عليها الى تمام نفقة الموسر، فهي غير ثابتة لأنها تسقط بإعساره، و تبعه ابن البراج على ذلك.
و هذا الكلام غير خال من الأشكال بل الاختلال، لأنه متى كان الذي يجب قضاؤه انما هو النفقة الماضية و الحاضرة، و الزوج يضمن بنسبة حاله، فأن كان موسرا ضمن نفقة الموسر، و ان كان معسرا ضمن نفقة المعسر، و لا يسقط الزائد على نفقة المعسر بإعسار الموسر بعد وجوبه.
و لا يتم هذا الكلام الا على مذهب من يقول بضمان النفقة المستقبلة، كما صرح به في المختلف حيث قال: و انما يتم ذلك على مذهب القائلين بصحة ضمان النفقة المستقبلة، و قول الشيخ في المبسوط كأنه مذهب المخالف، و تفريع على تسويغ ضمان النفقة المستقبلة، و تبعه ابن البراج توهما أن ذلك فتواه. انتهى و ما ذكره (قدس سره) جيد في حد ذاته، الا أن تطبيق عبارة الشيخ عليه مشكل، و الحق أن كلامه (قدس سره) هنا في المبسوط لا يخلو عن سهو و غفلة، لعدم ارتباط العبارة و انتظامها.
الثاني:
قال ابن إدريس: في الموضع الذي يصح ضمانها فلا تصح الا أن تكون معلومة، لأن ضمان المجهول على الصحيح من المذهب و عند المحصلين من أصحابنا لا يصح، و هو ظاهر في عدم صحة ضمان النفقة مع مجهوليتها، و عدم معلومية قدرها و كميتها، و فيه ما يأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في هذه المسألة.
الرابعة [الخلاف في ضمان المجهول]:
اختلف الأصحاب في ضمان المجهول، و المراد به ما يمكن استعلامه بعد ذلك كما لو ضمن ما في ذمته، أما لو لم يكن الاستعلام لم يصح الضمان قولا واحدا كما لو قال: ضمنت لك شيئا مما لك على فلان، لصدق الشيء على القليل و الكثير، و احتمال لزوم أقل ما يتناوله الشيء كالإقرار، يندفع بأنه ليس هو المضمون، و ان كان بعض أفراده.
30
و ممن قال بصحة الضمان في المسألة، الشيخ في النهاية، و شيخنا المفيد في المقنعة، و ابن الجنيد و سلار و أبو الصلاح و ابن زهرة و ابن البراج في الكامل، و المحقق و العلامة و هو القول المشهور على ما نقله في المسالك.
و ممن ذهب الى العدم، الشيخ في المبسوط و الخلاف، و به قال ابن البراج في المهذب و ابن إدريس.
احتج في المختلف على القول الأول قال: لنا الأصل الصحة، و عموم قوله تعالى (1) «وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ» و أشار الى حمل البعير، و الأصل عدم تعينه،
و قوله (عليه السلام) (2) «الزعيم غارم».
و ما رواه
عطاء عن الباقر (3) (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك ان على دينا إذا ذكرته فسد على ما أنا فيه: فقال (ع): سبحان الله أو ما بلغك أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يقول في خطبته: من ترك ضياعا فعلى ضياعه، و من ترك دينا فعلى دينه، و من ترك مالا فأكله (4) فكفالة رسول الله (صلى الله عليه و آله) ميتا ككفالته حيا و كفالته حيا ككفالته ميتا، فقال الرجل:
نفست عني جعلني الله فداك».
و لو لم يكن ضمان المجهول صحيحا لم يكن لهذا الضمان حكم و لا اعتبار، إذ الباطل لا اعتبار به فامتنع من الامام (عليه السلام) الحكم بأن النبي (صلى الله عليه و آله) كافل.
ثم نقل عن الشيخ: أنه احتج بأن النبي (صلى الله عليه و آله) «نهى عن الغرر» و ضمان المجهول غرر، لانه لا يدرى كم قدرا من المال عليه، و لعدم الدليل على صحته، ثم أجاب عنه (قدس سره) بأن الغرر انما هو في المعاوضات التي تفضي إلى التنازع، أما مثل الإقرار و الضمان و شبههما، فلان الحكم فيها معين، و هو الرجوع الى قول المقر في الإقرار، و الى البينة في الضمان، فلا غرر هنا، و الدليل قد بيناه انتهى.
____________
(1) سورة يوسف الآية 72.
(2) المستدرك ج 2 ص 497.
(3) التهذيب ج 6 ص 211 ح 11- و الوسائل ح 13 ص 92 ح 5.
(4) قيل قوله فأكله أى إرثه، لأنه (ص) و الأئمة من بعده وارث من لا وارث له.
منه (رحمه الله).
31
أقول: و يدل على القول المشهور زيادة على المذكور ما تقدم من حديث ضمان على بن الحسين (1) (عليهما السلام)، لدين عبد الله بن الحسن، و حديث ضمانه (عليه السلام) لدين محمد بن أسامة (2) فإنهما ظاهران بل صريحان في عدم معلومية الدين قدره و كميته وقت الضمان، الا أن لقائل أن يقول: ان الظاهر من كلام المانعين من ذلك من حيث الغرر أن محل البحث و الخلاف في المسألة انما هو بالنسبة إلى الضمان الذي يرجع به صاحبه على المضمون عنه، و ظاهر هذه الاخبار أعني خبر ضمان النبي (صلى الله عليه و آله) و ضمان على بن الحسين (عليهما السلام) أنه ليس كذلك فلا تكون هذه الاخبار من محل البحث في شيء، و هكذا الكلام في الاية فإنه متى خص محل البحث بما ذكرناه، فان الآية ليست من ذلك في شيء أيضا، لأن الظاهر منها انما هو ضمان الجعالة كما تقدمت الإشارة اليه.
و بالجملة فإنه ان جعل موضع البحث الضمان بقول مطلق، فالحق في جانب القول المشهور للاية و الاخبار المذكورة، و ان خص بما ذكرناه فباب المناقشة غير مسدود لما عرفت. و الله العالم.
الخامسة [الخلاف في ما يرجع إليه في بيان المجهول]:
قد عرفت في سابق هذه المسئلة أن المشهور صحة ضمان المجهول، الا أن القائلين بذلك اختلفوا فيما يرجع إليه في بيان ذلك المجهول و تعيين قدره، فقيل بالرجوع في ذلك الى البينة، بأنه كان ثابتا في ذمته وقت الضمان، لا ما يوجد في كتاب، و لا ما يقربه المضمون عنه و لا ما يحلف عليه المضمون له برد اليمين عليه من المضمون عنه، فلو لم يكن ثابتا وقت الضمان بأن تجدد بعده، فإنه لا يصح لانه ضمان ما لم يجب، و الشهادة به لا تفيد فائدة- و لا عبرة أيضا بما يوجد في دفتر أو كتاب لعدم الثبوت في ذمته بذلك، و انما يلزم ضمان الثابت، و لا ما يقر به المضمون عنه، لأن إقراره انما ينعقد على نفسه لا على غيره و لا يحلف عليه المضمون له برد اليمين عليه من المضمون عنه، لأن الخصومة الان بين الضامن و المضمون عنه، فلا يلزم ما ثبت
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 151 و ص 153 الباب 3 و 5 من أبواب الضمان.
(2) و قد تقدم حديث محمد بن أسامة في الموضع الثاني من البحث الأول، و اما حديث عبد الله بن الحسن فقد تقدم في الموضع السادس من البحث المذكور منه (رحمه الله).
32
بمنازعة غيره، كما لا يثبت بما يقربه.
نعم لو كان حلف المضمون له برد اليمين عليه من الضامن، فان كان النزاع بينه و بين الضامن ثبت على الضامن ما حلف عليه المضمون له و قيل: بلزوم ما يقربه الغريم أيضا، و نقل عن أبى الصلاح و ابن حمزة، و فيه ما عرفت آنفا من ان إقرار المقر انما ينعقد على نفسه لا على غيره (1).
نعم لو كان الإقرار سابقا على الضمان فإنه يلزم الضامن ما أوجبه الإقرار، كما صرح في المختلف، و قيل: بلزوم ما يحلف عليه المضمون له مطلقا (2) و هو منقول عن الشيخ المفيد، قال (قدس سره)- على ما نقله عنه في المختلف: ضمان المجهول لازم، كضمان المعلوم حتى يخرج منه بحسب ما تقوم به البينة للمضمون عنه، أو يحلف عليه، و تفسير هذا أن يقول: لإنسان قد لازم عليه على حق له عنده خل سبيله، و أنا ضامن لحقك عليه كائنا ما كان، فإن أقام المضمون له البينة على مقدار الحق خرج له الضامن، و لا يقبل دعواه بغير بينة، الا أن يحلف على ما يدعيه، و لا يجوز أن يضمن انسان عن غيره ما يدعيه كائنا ما كان، و لا ما يقترحه من الحقوق، و لا ما يخرج حساب في كتاب لا حجة فيه الا أن يتعين المضمون، أو يقوم به حجة على ما ذكر انتهى.
و هو ظاهر في إلزام الضامن ما يحلف عليه المضمون له و هو قول الشيخ أيضا الا أنه قيده برضا الضامن بالحلف، و حينئذ فيكون هذا قولا رابعا في المسألة، و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك احتمل أن المراد بالرضا هنا الرد من الضامن بأن حلف المضمون له برد اليمين عليه من الضامن كما هو أحد فردي الإطلاق في عبارة الشيخ المفيد، و قد عرفت آنفا أنه في هذه الصورة يلزم الضمان و يجب عليه الأداء.
____________
(1) و اما إذا كان حلفه انما هو لدفع المضمون عنه و إثباته الدعوى عليه باليمين المردودة من قبل المضمون عنه فلا يلزم منهما ثبوت ذلك على الضامن و الدعوى الان انما هو معه كما لا يخفى. منه (رحمه الله).
(2) اى أعم من ان يكون رد اليمين عليه من الضامن أو المضمون عنه منه (رحمه الله).
33
و انما الإشكال في صورة رد المضمون عنه، و حينئذ بناء على هذا الاحتمال يرجع الى قول المفيد، و يكون تخصيصا له بهذه الصورة، و هو جيد، الا انه باعتبار حمل الرضا على الرد لا يخلو من بعد، لان الرد أعم من ذلك كما عرفت.
و العلامة في المختلف فرع ذلك على أن يمين المدعى هل هي كالبينة، أو كالإقرار؟ قال: و التحقيق أن يقول: ان جعلنا يمين المدعى كالبينة كان له الرجوع على الضامن، سواء رضى بيمينه أم لا، و ان جعلناها كالإقرار افتقر الى رضا الضامن إذا ضمن المجهول.
و بالجملة فالقدر المتيقن من ذلك هو القول الأول و هو الحكم بالبينة و كذا مع رد اليمين من الضامن و حلف المضمون عليه و ما عدا ذلك محل توقف و اشكال و العجب هنا من المحقق الأردبيلي (قدس سره) حيث قال: و لا يلزمه ما يقربه المضمون عنه و لا ما يثبت عليه برد اليمين، لأن الإقرار و الحلف لا يؤثر في ثبوت حق على الغير و هو ظاهر، و كأنه مجمع عليه انتهى.
و توهم الإجماع على الانحصار في البينة مع وجود الخلاف كما عرفت، و انتشاره في كتب الأصحاب كالمسالك و المختلف و غيرهما عجيب منه (قدس سره) و لو ضمن ما يشهد به عليه لم يصح الا ان يكون ثابتا في ذمته وقت الضمان فإنه لا مانع من صحة ضمانه، و أما ما تجدد بعد ذلك فلا، لانه ضمان ما لم يجب، و من شرط صحة الضمان تعلقه بالدين الثابت في الذمة وقت الضمان، و حينئذ فضمانه لما يشهد به عليه شامل لما كان ثابتا في ذمته وقت الضمان و ما كان متجددا، و الأول صحيح دون الثاني و بذلك يظهر ان إطلاق بعض العبارات بأنه لا يصح أن يضمن ما يشهد به عليه لانه لا يعلم بثبوته في الذمة وقت الضمان- ليس في محله.
السادسة [في ضمان الأعيان المضمونة]
قد صرح أكثر الأصحاب بجواز ضمان الأعيان المضمونة التي يجب على من هي في يده ردها، و لو تلفت رد قيمتها كالمغصوب و المقبوض بالبيع الفاسد، و العارية المضمونة كأحد النقدين المشروط قال في التذكرة: يجوز ضمان أعيانها فإنه مال مضمون على المضمون عنه فجاز الضمان عنه، و لو ضمن قيمتها لو تلفت فالأقوى عندي الصحة، لأن ذلك ثابت في ذمة القابض انتهى.
34
و تردد المحقق في الشرائع ثم قال: الا شبه الجواز.
أقول: ضمان هذه الأعيان اما أن يكون بمعنى تكليف الضامن برد أعيانها على مالكها، أو بمعنى ضمان قيمتها لو تلفت عند الغاصب، و المستام و نحوهما، أو الأعم منهما، و في صحة الكل اشكال، لعدم الدليل على ما ذكروه من الجواز، و الأصل عدمه.
و ما استدلوا به- من أن منشأه وجود سبب الضمان للعين، و القيمة و هو القبض على الكيفية المخصوصة، فيصح، أما الأول فلأنه ضمان مال مضمون على المضمون عنه، و أما الثاني فلثبوت القيمة في ذمة الغاصب و نحو لو تلفت- منظور فيه بأن الثابت في الأول انما هو وجوب الرد، و هو ليس بمال، و الثاني ليس بواقع، فهو ضمان ما لم يجب و ان وجد سببه، لأن القيمة لا تجب الا بالتلف و لم يحصل.
و منه يظهر أن الأظهر عدم الجواز و هو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في المسالك لما ذكرناه و زاد أيضا في القسم الأول فسادا من وجه آخر، و هو ان من خواص الضمان كما قد عرفت انتقال الحق إلى ذمة الضامن، و براءة المضمون عنه، و هنا ليس كذلك، لان الغاصب مخاطب بالرد و مكلف به إجماعا، و انما يفيد هذا الضمان ضم ذمة إلى ذمة، و ليس من أصولنا.
و مرجعه الى ما قدمناه من أن الحق الواجب على من بيده المال انما هو الرد الى صاحبه، و هو لا ينتقل، كما هو الحكم الجاري في الضمان، بل يجب على من هو في يده رده، و لا يخاطب به غيره.
و أما ما ذكره المحقق الأردبيلي (قدس سره) حيث قال: و يحتمل الثبوت لصدق الضمان عرفا مع ثبوت شرعيته مطلقا، و ليس بمعلوم كون ما ذكر من لوازمه أو شرائطه. نعم غالبا انما يكون كذلك، و لهذا قال في التذكرة: ضمان المال عندنا ناقل، و في ضمان الأعيان المضمونة و العهدة اشكال، أقربه عندي جواز مطالبة كل من الضامن و المضمون عنه الى آخره، بعد ان اختار جواز ضمان الأعيان المضمونة و العهدة، و كأنه لذلك تردد البعض و استشكل فتأمل. انتهى.
ففيه نظر لان الرجوع الى صدق الضمان عرفا ممنوع، إذ لا مدخل للعرف
35
هنا مع وجود النهي الشرعي و ثبوته نصا و فتوى، و دعوى ثبوت شرعيته مطلقا ممنوع أيضا فإنه محل البحث و مطرح النزاع، فان الخصم يمنع من ثبوت شرعيته على الوجه المذكور.
و قوله- انه ليس بمعلوم كون ما ذكر من لوازمه أو شرائطه، مشيرا بذلك الى ما احتج به الخصم من أن مقتضى الضمان الانتقال إلى ذمة الضامن، و براءة المضمون عنه- فيه أنه قد تقدم في الموضع الخامس من البحث الأول ما يدل على أن الحكم اتفاقي نصا و فتوى، و دعوى كونه غالبا دون أن يكون كليا ممنوعة.
نعم هذا الحكم انما ورد في المواضع التي قام الدليل على صحة الضمان فيها، و أما ما ذكر هنا من ضمان الأعيان فإنا لم نقف في الاخبار ما يدل عليه، و انما جوزه من جوزه بما عرفت من ذلك الوجه الاعتباري الذي تقدم ذكره مع انتقاضه بما عرفت أيضا، و كلامه في التذكرة الذي استند اليه هنا لا يسمن و لا يغني من جوع فإنه يرد عليه جميع ما ذكرنا.
و بالجملة فإنه لما لم يقم هنا على الضمان كما ادعوه دليل واضح، فالمانع مستظهر، و الأصل العدم، و دعوى عموم أدلة الضمان لذلك ممنوع لما عرفت، ثم انه بناء على المشهور من الحكم بجواز ضمان الأعيان المضمونة نفوا الجواز عن الأعيان الغير المضمونة كالوديعة و العارية الغير المضمونة و مال المضاربة و ما في يد الوكيل و أمين الحاكم و الوصي فإنه لا يصح ضمانها، و قد ادعى في التذكرة الإجماع على ذلك، و جعلوا الفرق بينها و بين ما سبق باعتبار الضمان، و عدمه، فحيث كانت تلك الأعيان مضمونة على من هي في يده، لان يده يد عارية صح جواز الضمان فيها، بخلاف هذه حيث أنه لا ضمان عليه، و ان فرض ضمانه لها على تقدير التعدي و التفريط، الا أن السبب الان ليس بواقع.
نعم لو كان قد تعدى فيها و صارت مضمونة عليه جاز الضمان، و صارت من جملة أفراد تلك المسألة، لوجود السبب و هو كونها مضمونة، و البحث فيها عن جواز ضمان الأعيان المضمونة أعم من أن يكون ضمانها بالأصل أو العارض، و أنت خبير بما في هذا الفرق الذي بنوا عليه، لما عرفت من أن مجرد كونها مضمونة على من
36
هي بيده لا تصلح سببا لجواز ضمانها، لاختلال شروط الضمان كما عرفت، و العمدة في ثبوت الأحكام على النصوص الشرعية و حيث لم يرد فيها نص فإثبات الحكم و الاعتماد على مثل هذه التعليلات مجازفة سيما مع ما عرفت من انتقاضها و عدم تمامها، و الله العالم.
البحث الثالث في اللواحق
و فيه أيضا مسائل،
[المسألة] الاولى [في ضمان العهدة]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب «(رضوان الله عليهم)» في جواز ضمان العهدة، و هو أن يضمن عهدة الثمن للمشتري عن البائع إذا كان قد قبضه البائع في كل موضع يثبت فيه بطلان البيع من أصله، بأن يكون مستحقا لغير البائع، و لم يجز المالك البيع على تقدير صحة بيع الفضولي أو أجازه و لم يرض بقبض الثمن و مثله ما لو تبين خلل في البيع اقتضى فساده كتخلف شرط فيه أو اقترانه بشرط فاسد على القول بكون ذلك مبطلا لأصل العقد، و ملخصه اشتغال الذمة بالمضمون على أحد هذه الوجوه وقت الضمان، فان ضمان الثمن للمشتري يصح في جميع ذلك و كما يصح ضمان العهدة عن البائع للمشتري، يصح للبائع أيضا عن المشتري، بأن يخرج الثمن مستحقا لغيره و نحوه، و أن يكون معيبا يستحق الأرش به و ظاهر جملة منهم أن دليل هذا النوع من الضمان انما هو الإجماع أو الضرورة فإنه لو لم يجز مثله للزم تعطيل بعض المعاملات، فان كثيرا ما يحتاج الإنسان إلى المعاملات مع من لا يوثق به في تلف الثمن، على تقدير بطلان البيع و عمل المسلمين و الى ذلك أشار في التذكرة فقال: و هذا الضمان عندنا صحيح ان كان البائع قد قبض الثمن، الى أن قال: لإطباق الناس عليه في جميع الأعصار، و لأن الحاجة تمس إلى معاملة من لا يعرف و لا يوثق بيده و ملكه و يخاف عدم الظفر به لو خرج مستحقا للغير.
أقول: و كأنه لذلك: قال به من قال: بعدم جواز ضمان الأعيان، قال في المسالك: و في الحقيقة هذا فرد من أفراد الأعيان المضمونة على تقدير كونه موجودا حالة الضمان، و قد تقدم ما في ضمان الأعيان و المصنف هنا انما رتب الحكم على مذهبه هناك، أو أن هذا الفرد خارج من البين، لمكان الضرورة: فإن ظاهرهم
37
الإطباق على جوازه انتهى.
و أنت خبير بما في تعليلاتهم في هذا المقام من عدم الصلوح لتأسيس الأحكام، و لو تم الرجوع الى مثل هذه التعليلات العليلة في تأسيس الأحكام الشرعية لا تسع المجال، و كثر الخبط في شريعة ذي الجلال، مع استفاضة الاخبار عن الآل بالمنع عن الفتوى الا بما يعلم عنهم (صلوات الله عليهم) و الأمر بالرد إليهم فيما لم يرد فيه نص عنهم، و الأمر بالسكوت عما سكت الله عنه و نحو ذلك كما لا يخفى على من تتبع الاخبار، و جاس خلال تلك الديار.
نعم لا يبعد فيما ذكروه في ضمان الثمن بعد التصرف فيه و رجوعه إلى الذمة، فإنه يصير حينئذ من قبيل ضمان ما في الذمة لا ضمان الأعيان، و هو مما لا خلاف فيه، فإنه متى كان ثابتا في ذمة المضمون عنه و ضمنه الضامن و الحال هذه فإنه لا إشكال في صحته.
و قال المحقق الأردبيلي (قدس سره) و لا استبعاد في ضمان الأعيان بمعنى جواز طلب العين ممن في يده و الضامن مخير في وجوب رد العين عليهما، و عوضها بعد التلف بعد الضمان، بل لا يبعد كونه ناقلا أيضا بمعنى وجوب الرد، فيطلب العين عن الضامن فيأخذها من المضمون عنه و يردها إلى أهلها ان ثبت النقل بالدليل مطلقا و الا يكون النقل مخصوصا فيما يمكن من الأموال التي في الذمة.
قال في التذكرة ضمان المال عندنا ناقل للمال من ذمة المديون إلى ذمة الضامن على ما يأتي، و في ضمان الأعيان المضمونة و العهدة اشكال، أقربه عندي جواز مطالبة كل من الضامن و المضمون عنه، أما الضامن فللضمان، و أما المضمون عنه فلوجود العين في يده أو تلفها فيه، و في العهدة ان شاء المشترى طالب البائع و ان شاء طالب الضامن، لان القصد هنا بالضمان التوثق لا غير انتهى.
و لا يخفى عليك ما في هذا الكلام فإنه مجرد دعوى و عارية عن الدليل، و البحث في صحة الضمان في هذا المقام و إثباته بالدليل الظاهر ليمكن بناء ما ذكروه من هذه الأحكام عليه، و ان كان بنوع من التجوز في بعض الموارد، و متى كان ذلك غير ثابت و لا صحيح.
38
فجميع هذا الكلام نفخ في غير ضرام، و تفسير الضمان بمعنى طلب العين ممن في يده كما ذكره في صدر كلامه مجاز بعيد، لا يصار اليه الا بدليل، و الا فمعنى الضمان شرعا هو انتقال الحق إلى ذمة الضامن، و تفسير النقل بما ذكره من وجوب الرد أبعد، و قوله و الا يكون النقل مخصوصا بما في الذمة فيه ما تقدمت الإشارة إليه من أنه انما اختص بما في الذمة، لكونه هو مورد الضمان شرعا.
و أما غيره مما ذكروه في ضمان العين المضمونة و العهدة الراجع إليه أيضا فليس من الضمان في شيء لعدم الدليل عليه، فلم يترتب عليه الحكم المذكور و تكلف ترتيبه عليه بهذه التجوزات السخيفة فرع ثبوته أولا، و ليس فليس.
و بما ذكرنا يظهر لك ان ضمان العهدة ان تعلق بالعين الموجودة فهو داخل تحت ضمان الأعيان المضمونة و ان كان ظاهرهم هنا الاتفاق عليه للضرورة كما ادعوه بخلافه ثمة لما تقدم من الخلاف في تلك المسئلة و ان تعلق بالثمن بعد تلفه و استقراره في الذمة فهو داخل في ضمان الديون التي في الذمة، و لا إشكال في الصحة.
تنبيهات
الأول [المناط في ضمان العهدة]
قال في التذكرة المناط في ضمان العهدة أن يقول الضامن للمشتري: ضمنت لك عهدته أو ثمنه أو دركه أو خلصتك، و الظاهر أن مراده من ذكر هذه الألفاظ مجرد التمثيل، بمعنى أن كل لفظ يفهم منه ذلك كهذه الألفاظ و نحوها، فإنه، يقع به الضمان، و يصح ذلك للبائع أو المشترى، و محل الضمان المذكور كل موضع يظهر فيه بطلان العقد، كما تقدم.
الثاني [اشتراط اشتغال الذمة في صحة ضمان العهدة]
- قد عرفت مما تقدم أن من شروط صحة ضمان العهدة اشتغال الذمة بالمضمون على أحد الوجوه السابقة، و حينئذ فالمعتبر في ضمان العهدة وجود الضمان حالته، فلا عبرة بالتجدد بعد ذلك كالفسخ بالتقابل، و تلف المبيع قبل القبض، و الفسخ بخيار الحيوان، و خيار المجلس و نحوها فإنه حالة الضمان ليس بفاسد، و لم يحصل الاستقرار في الذمة الذي هو شرط في الضمان، فلم يكن مضمونا فضمانه على هذا التقدير يكون من قبيل ضمان ما لم يجب و حينئذ فلا يدخل هذا في ضمان العهدة، و مثله أيضا لو فسخ المشترى بعيب سابق فإنه لا يدخل ذلك في ضمان العهدة
39
فلا يلزم الضامن الثمن على تقدير الفسخ بالعيب بل يرجع به المشترى على البائع، و يطالبه به، لان الفسخ بالعيب إنما أبطل العقد من حينه، لا من أصله كما في ضمان العهدة الذي تقدم تحقيقه فلم يكن حالة الضمان و هو وقت البيع مضمونا.
حتى أنه لو صرح بضمانه في ذلك الوقت فسد (1) لانه ضمان ما لم يجب، و الذمة إنما اشتغلت به بعد الفسخ، و الشرط الذي يبنى عليه الضمان كما تقدم هو ضمانه حال اشتغال الذمة به، فوقت الضمان الذمة غير مشغولة، و وقت الاشتغال متأخر لم يقع فيه ضمان، فلم يصادف الضمان محله، و لا يؤثر هنا تقدم سبب الفسخ، و هو العيب الموجود حال البيع، لأنك قد عرفت أن المدار على اشتغال الذمة وقت الضمان، و هو غير حاصل، و مجرد تقدم السبب مع أنه قد يرضى به المشترى و لا يفسخ العقد غير موجب لصحة الضمان لما عرفت.
الثالث [دليل تسميته بضمان العهدة و الدرك]
- قد اشتهر في كلام الفقهاء تسمية هذا الضمان بضمان العهدة، و ضمان الدرك، و قد صرح العلامة في التحرير و غيره في غيره بأن العهدة، في الأصل اسم للوثيقة، أو الكتاب الذي يكتب فيه وثيقة البيع، و يذكر فيه مقدار الثمن و أحواله من وصف و حلول و تأجيل، ثم نقل الى نفس الثمن، و غلب فيه.
و قال في التذكرة: سمي ضمان العهدة لالتزام الضامن ما في عهدة البائع رده، لما ذكره في الصحاح، فقال: يقال في الأمر: عهدة بالضم: أى لم يحكم بعد و في عقله عهدة أي ضعف، فكان الضامن ضمن ضعف العقد، و التزم ما يحتاج اليه فيه من عزم، أو أن الضامن من التزم رجعة المشترى عليه عند الحاجة. انتهى.
و أما تسمية ضمان الدرك فقال في التذكرة أيضا: و أما الدرك فقال في الصحاح الدرك التبعة، و قيل: سمى ضمان الدرك لالتزامه الغرامة عند ادراك المستحق عين ماله.
و قال في المسالك: و قيل: يسمى ضمان الدرك لالتزامه الغرامة عند ادراك الشخص عين ماله.
أقول: قال في القاموس الدرك و يسكن: التبعة، و في الصحاح، الدرك:
____________
(1) فيه إشارة إلى الرد على من قال بدخول هذا الفرد في الإطلاق و صحة ضمانه و أنه من جملة ضمان العهدة لتقدم سبب الفسخ و فيه ما عرفت في الأصل. منه (رحمه الله).
40
التبعة، و قال في كتاب المصباح المنير بعد أن قال: أدركته إذا طلبته فلحقته، و الدرك بفتحتين و سكون الراء لغة من أدركت الشيء، و منه ضمان الدرك انتهى.
الرابع [عدم جريان ضمان العهدة لو فسخ المشترى بعيب سابق]
- قد عرفت أنه لو فسخ المشترى بعيب سابق فإنه لا يدخل ذلك في ضمان العهدة، و لا يلزم الضامن الثمن لعدم اشتغال ذمة المضمون عنه وقت العقد بالثمن، و انما حصل ذلك بعد الفسخ.
و انما يبقى الاشكال (1) (فيما لو طالب المشتري بالأرش، فهل يرجع به على الضامن متى ضمنه لان استحقاقه ثابت وقت العقد، و هو مناط الفرق بين الثمن و الأرش، فيدخل الأرش في ضمان العهدة، دون الثمن على تقدير الفسخ بالعيب، فان الثمن انما يجب بالفسخ اللاحق المتأخر عن الضمان.
و أما الأرش فإنه جزء من الثمن ثابت به وقت الضمان، فيندرج في ضمان العهدة غاية الأمر انه مجهول القدر، و قد تقدم صحة ضمان المجهول على التفصيل المتقدم، و الحكم هنا مبنى على ما ثبت هناك، أم لا يرجع نظرا الى أن الاستحقاق للأرش انما جعل بعد العلم بالعيب، و اختيار أخذ الأرش، و الموجود حالة العقد من العيب ما كان يلزمه بغير الأرش، بل اللازم التخيير بينه و بين الرد، فلم يتعين الرد الا بالاختيار.
و ملخص الاشكال المذكور يرجع الى أن الأرش هل هو ثابت بالعقد، و انما يزول بالفسخ، و الرجوع الى الثمن أو أن سببه و ان كان حاصلا، فإنه لا يثبت الا باختياره، و لعل الأول أقرب، بناء على هذه التعليلات، نظرا الى أن الأرش كان واجبا بالأصل، لأنه عوض جزء فائت من مال المعاوضة، و يكفي في ثبوته بقاء المشترى على الشراء و انما ينتقل الى الثمن بارتفاق آخر حيث لم يسلم له المبيع تاما، و الله العالم.
المسألة الثانية [في رجوع المشتري إلى الضامن إذا خرج المبيع مستحقا]
- قالوا: إذا خرج المبيع مستحقا رجع على الضامن، أما
____________
(1) و فيه إشارة إلى أنه لو كان الضمان انما هو بعهدة الثمن فإنه لا يشمل الأرش، الا أن يكون ذلك معلوما و مقصودا منهما، و يمكن أن يكون هذا وجه الرد و الاشكال، و أما إذا ضمن الأرش و خرج به، فإنه لا إشكال في صحة الضمان لما ذكرناه في الأصل، و ظاهرهم أن محل الخلاف انما هو إذا ضمن الثمن خاصة، و كلام الأكثر خال من التخصيص بالثمن. منه (رحمه الله).
41
لو خرج بعضه فإنه يرجع على الضامن بما قابل المستحق، و كان في الباقي بالخيار، فان فسخ رجع بما قابله على البائع خاصة.
أقول: أما الكلام فيما إذا خرج الجميع مستحقا فظاهر، و أما فيما لو خرج بعضه مستحقا فإنه يطالب الضامن بحصته من الثمن، و ذلك فان ثمن ذلك البعض حيث أن البائع باعه، و هو لا يستحقه بقي في ذمة البائع وقت البيع، فصح ضمانه.
و لو قلنا بصحة بيع الفضولي توقف على اجازة المالك لذلك البعض، فان أجازه صح، و ان لم يجز فالحكم كما ذكر، ثم ان المشترى يتخير بين الفسخ لتبعيض الصفقة، و بين الرضا على الوجه المذكور، فان فسخ في الباقي رجع بثمنه على البائع خاصة على المشهور، لعدم تناول الضمان له، فان ثبوت ثمن هذا الباقي انما حصل بعد الفسخ، لا حال الضمان، و من شرط الضمان كما تقدم اشتغال الذمة بالمضمون حال الضمان.
و نقل عن الشيخ الخلاف هنا، و القول بجواز الرجوع على الضامن للجميع قال في المختلف: إذا خرج بعض المبيع مستحقا رجع المشترى على الضامن للعهدة بما قابل المستحق من الثمن، فان فسخ البيع لتبعيض الصفقة، قال الشيخ: رجع بما قابل الباقي أيضا على الضامن ان شاء، و ليس بجيد، لنا انه حصل بسبب متأخر و هو الفسخ المتجدد بعد البيع، فلا يرجع به على الضامن لعدم دخوله في ضمانه، لانه لم يجب وقت الضمان، احتج الشيخ: بأن السبب فيه الاستحقاق الذي حصل في بعضه، و الجواب المنع، بل السبب الفسخ، انتهى.
أقول: قد تقدم في مسألة الرجوع بالأرش بسبب العيب ان الأشهر الأظهر الرجوع به على الضامن، لوجود سبب الاستحقاق وقت الضمان، فإنه ضمنه، و المبيع معيب يستحق للمشتري فيه الأرش، لأنه عوض من ذلك الجزء الفائت من المبيع و ما نحن فيه كذلك كما ذكره الشيخ، فان تبعيض الصفقة الذي هو سبب الفسخ الناشئ من استحقاق بعض المبيع كان متحققا وقت المبيع، و القائل- بعدم جواز الضمان هنا- عليه بيان الفرق بين الموضعين، فإنهما من باب واحد لا يعرف بينهما فرق، و بذلك يظهر أن المسألة لا تخلو من الاشكال، و الله العالم.
42
المسألة الثالثة [عدم صحة ضمان درك ما يحدث من بناء أو غرس]
- قالوا لو ضمن ضامن للمشتري درك ما يحدث من بناء أو غرس لم يصح، لانه ضمان ما لم يجب، و المراد أنه حيث كان للمشتري التصرف فيما يشتريه بالبناء و الغرس و نحو ذلك، فلو خاف ظهور كون المبيع مستحقا و يذهب ما يغرسه فيه و يبنيه مجانا فضمن له ضامن أنه ان ظهر كونه مستحقا و قلع المالك الغرس و هدم البناء فهو ضامن لدرك ذلك، هل يصح هذا الضمان أم لا؟ الوجه أنه لا يصح، لانه ضمان ما لم يجب، لانه حين الضمان لم يكن مستحقا للأرش على البائع، و انما استحقه بعد القلع، و خراب البناء، المتأخرين عن وقت الضمان.
و المراد بالدرك الذي ضمنه الضامن هو الأرش الذي يلزم للمشتري في مثل هذه الصورة، و هو تفاوت ما بين قيمة تلك الأشجار، و البناء مثبتة و مقلوعة، و يأتي على ما تقدم من صحة الضمان مع تقدم سبب الاستحقاق صحة الضمان هنا، لانه و ان كان الأرش غير مستحق الا بعد القلع و هو الذي بنى عليه عدم الضمان كما عرفت، الا أن سببه كان موجودا وقت الضمان، و هو كون الأرض مستحقة للغير، فينبغي جريان الاحتمال السابق فيما نحن فيه، و حيث انه قد تقرر و علم أنه إذا ظهرت الأرض مستحقة و قد بنى المشتري فيها أو غرس، فأزال المالك ما أحدثه فإن له الرجوع على البائع بالأرش كما تقدم، فلو ضمن البائع و الحال هذه درك ذلك.
فهل يصح الضمان، قيل: نعم، لانه لازم بنفس العقد، و كأنه أريد انه لازم بالعقد ضمن أم لم يضمن، فضمانه يصير مؤكدا.
و أورد عليه بأنه لا يلزم من ضمانه لكونه بايعا مسلطا له على الانتفاع مجانا ضمانه، لعقد الضمان، مع عدم شرائطه التي من جملتها كونه ثابتا حال الضمان، فعدم الصحة أولى.
و بذلك يظهر أنه ليس الخلاف في ثبوته على البائع أم لا فإنه ثابت عليه بغير اشكال كما تقدم، بل الخلاف انما هو في ثبوته بسبب الضمان- و ان كان ثابتا بدونه، بمعنى أن كلا منهما سبب على حده، و يظهر الفائدة فيما لو أسقط المشتري عن البائع حق الرجوع بسبب البيع، فإنه يبقى له الرجوع بسبب الضمان لو قلنا بصحته كما لو كان له خياران فأسقط أحدهما فإن له الفسخ بالاخر ان شاء، و الله العالم.
43
المسألة الرابعة- إذا اختلف الضامن و المضمون له في قبض مال الضمان
و ادعى الضامن دفعه مع كون ضمانه باذن المضمون عنه، و أنكر المضمون له ذلك فان مقتضى القاعدة أن القول قول المضمون له بيمينه، لانه منكر، و الأصل عدم الدفع فها هنا أحوال:
الأولى- هذه الحال
و مقتضاها أنه ليس للضامن رجوع على المضمون عنه بشيء لأنه انما يرجع عليه بما غرمه، و هنا لم يتحقق غرمه، و استحقاق الرجوع مشروط به و على هذا فلا فرق بين أن يكون ضمانه بالاذن و عدمه، و انما قيدنا بالاذن أولا ليترتب الأحكام الاتية عليه، إذ لا تهمة مع التبرع- و لا رجوع.
الثانية- أن يشهد المضمون عنه للضامن بأنه دفعه
، بشرط عدالته و عدم تطرق التهمة إليه، فإنه تثبت شهادته على القول بدفعه، و الوجه فيه أن شهادته بذلك متضمنة للشهادة على نفسه، حيث انه لما كان الضمان باذنه موجبا لرجوع الضامن عليه فشهادته بالأداء شهادة على نفسه، و شهادة لغيره فتسمع، الا أن يتطرق إليها التهمة.
و قد فرضوا للتهمة صورا، منها- أن يكون الضامن قد صالح على أقل من الحق، فيكون رجوعه انما هو بذلك الأقل، فشهادة المضمون عنه له بذلك تجر الى نفسه نفعا، فان ذلك إذا لم تثبت يبقى مجموع الحق في ذمته للضامن.
ورد ذلك بأنه يكفي في سقوط الزائد عن المضمون عنه اعتراف الضامن بذلك و لا حاجة الى الثبوت بالبينة كما سيأتي، و على هذا تندفع التهمة فتقبل الشهادة.
قالوا: و منها أيضا أن يكون الضامن معسرا ثم يعلم المضمون له بإعساره، فإن له الفسخ حيث لا تثبت الأداء، و يرجع المضمون له على المضمون عنه، فيدفع بشهادته عود الحق إلى ذمته.
و منها أن يكون الضامن قد تجدد عليه الحجر بالفلس، و المضمون عنه عليه دين، فإنه يوفر بشهادته مال الضمان، فيزداد ما يضرب به.
الثالثة- أن لا يكون شهادة المضمون عنه مقبولة
لأحد الوجهين المتقدمين، فيحلف المضمون له، فإنه متى حلف كان له مطالبة الضامن، و يرجع الضامن على المضمون عنه بما ادعى أنه أداه أولا، لاعترافه بأنه لا يستحق سواه، و أن ما أخذ
44
منه بعد اليمين انما هو ظلم و عدوان، مع موافقة المضمون عنه له على ذلك، و ينبغي أن يعلم أن رجوعه بما دفعه أولا مقيد بأن يكون مساويا للحق أو أقل منه، و إلا رجع بأقل الأمرين لأنه لا يستحق الرجوع بأزيد من الحق.
الرابعة- لو لم يشهد المضمون عنه
قالوا: يرجع الضامن بما أداه أخيرا، لأنه لم يثبت ظاهرا أداء سواه، هذا إذا لم يزد على ما ادعاه أولا و لا على الحق، و إلا رجع بالأقل من الثلاثة، لأن الأقل ان كان هو ما غرمه أولا فلزعمه أنه لا يستحق سواه، فإن الثاني ظلم، و ان كان الأقل ما غرمه ثانيا، فلانه لم يثبت ظاهرا سواه، و ان كان الأقل هو الحق، فلأنه انما يرجع بالأقل من المدفوع و الحق، هذا.
أقول: و عندي في الفرق بين هذه الصورة و سابقتها تأمل. حيث حكم في هذه بالرجوع بما أداه أخيرا لما ذكروا في سابقتها بما أداه أولا لما تقدم، مع إمكان إجراء كل من العلتين بل في كل من الموضعين.
و بالجملة فالغرض من التطويل بهذه الأحكام مع عدم النصوص فيها من أهل الذكر (عليهم السلام) تشحيذ الأذهان و الافهام، و الاطلاع على تفريعاتهم في كل مقام، مع أن جملة منها لا يمكن استنباطه من القواعد الشرعية، و الضوابط المرعية، و العمل على الاحتياط، في كل حكم خلا من النصوص. و الله العالم.
المسألة الخامسة: إذا كان له على رجلين مال، فضمن كل منهما صاحبه
، فإنه لا إشكال في صحة هذا الضمان من استكمال شرائطه المتقدمة، و على هذا يتحول ما كان على كل واحد منهما الى صاحبه، و حينئذ فإن تساوى المالان و كان ضمان كل واحد بسؤال الأخر و لم يتغير وصف الدين بالحلول و التأجيل، ففائدة هذا الضمان تعاكسهما في الأصالة و الفرعية.
و مما يترتب على ذلك، ما لو أبرء المضمون له أحدهما، فإنه يبرء الأخر، و هذا الإبراء انما ينصرف الى ما ضمنه عن صاحبه، لانه هو الباقي في ذمته للمضمون له، و الا فأصل المال الذي دفعه قد انتقل بالضمان إلى ذمة صاحبه، فلا معنى للإبراء منه كما تقدم، و حينئذ فإذا أبرأه من مال الضمان لم يكن له الرجوع على صاحبه، لانه لا يرجع عليه الا بما اغترمه عنه، و الحال أنه لم يغرم شيئا بسبب الإبراء، فمن
45
أجل ذلك برئت ذمة الأخر من ذلك.
و أما ما اشتغلت به ذمة الأخر من مال الضمان الذي ضمنه عن ذلك الذي أبرأه المضمون له، فهو باق في ذمته فبراءة ذمة الأخر انما هو مما كان عليه لا مما ضمنه، و انما يتحول ما كان على كل واحد الى صاحبه مع ضمانهما دفعة، و رضى المضمون له بهما فلو رد أحدهما و اجتمع الحقان على الأخر، و كذا لو ضمنا على التعاقب اجتمعا على الأخير الا أن يحصل التخصيص. (1)
المسألة السادسة- إذا رضي المضمون له من الضامن ببعض المال، أو أبرأه من بعضه
لم يرجع على المضمون عنه الا بما اداه و لو أبرأ من بعضه لم يرجع على المضمون عنه الا بما أداه و لو أبرأه منه كملا لم يرجع بشيء، و كذا لو دفع الضامن عرضا عما في ذمته للمضمون له، فإنه يرجع على المضمون عنه بأقل الأمرين من قيمته السوقية و من أصل الدين.
قال في المسالك: و لا فرق في ذلك بين أن يكون قد رضى المضمون له بالعرض عن دينه بغير عقد، و بين ان يصالحه الضامن به عن ماله، فلو كان ثوبا يساوى مأة و صالحه عن الدين و هو مائتان لم يرجع إلا بقيمة الثوب هذا إذا أجرى البيع على العرض بنفس المال المضمون له.
أما لو صالحه عليه في المثال بمأتين مطلقا ثم تقاصا فالمتجه رجوعه بالمأتين لأنها تثبت له في ذمته بغير الاستيفاء، و انما وقع الأداء بالجميع، و يحتمل الرجوع بقيمته خاصة، لأن الضمان وضع للإرفاق، و توقف في التذكرة في ذلك. انتهى.
أقول: و قد تقدم الكلام في هذه المسألة في الموضع الخامس و الموضع العاشر من البحث الأول.
____________
(1) و وجهه أنه إذا ضمن زيد ما في ذمة عمرو انتقل ما في ذمة عمرو إلى ذمة زيد مع ما كان في ذمة زيد أولا، و حينئذ فإذا ضمن عمرو ما في ذمة زيد انتقل جميع ما في ذمة زيد من الدين الذي عليه أولا و مال الضمان الذي ضمنه عن عمرو كله إلى ذمة عمرو، أما لو خصص الضمان فان قال: ضمنت ما في ذمتك من المال الذي استدنته من فلان اختص الضمان به، و هذا فائدة القيد الذي رووناه في الأصل منه (رحمه الله).
46
المسألة السابعة [جواز ترامي الضمان و دوره]
- قد صرح الأصحاب بجواز ترامى الضمان و دوره، بان يضمن ضامن ثم يضمن عنه آخر و هكذا الى عدة ضمناء، و لا مانع منه لتحقق شرطه، و هو ثبوت المال في ذمة المضمون عنه، و هو هنا كذلك، و حينئذ فيرجع كل ضامن على من ضمن عنه إذا كان الضمان باذنه بما أداه عنه، و يصح دوره، بأن يضمن الأصل ضامنه، أو ضامن ضامنه و ان تعدد، فيسقط بذلك الضمان، و يرجع الحق كما كان، و يترتب عليه أحكامه، كما لو وجد المضمون له الأصل. الذي صار ضامنا معسرا مثلا.
فان له الفسخ و الرجوع الى الضامن السابق، و قد يختلفان بأن يضمن الحال مؤجلا، و بالعكس كما تقدم في الموضع السابع من البحث الأول، و قد تقدم نقل خلاف الشيخ في ذلك. و الله العالم.
المقصد الثاني في الحوالة
و البحث فيها يقع في مسائل
الأولى [تعريف الحوالة]:
قيل الحوالة عقد شرع لتحويل المال من ذمة إلى ذمة مشغولة بمثله، و في التذكرة: عرفها بأنها تحويل الحق من ذمة إلى ذمة، و لم يشترط في الذمة المحول إليها الاشتغال بمثل المال المحول، إدخالا للحوالة على البريء في التعريف المذكور، و ظاهر التعريف الأول خروجه، مع أنهم عدوا الحوالة على البريء من هذا الباب، و أورد على العلامة في تعريفه في التذكرة- بأنه و ان قصد بإسقاط هذا القيد المحاولة لإدخال هذا الفرد لئلا ينتقض التعريف في عكسه، الا أنه وقع فيما هو أصعب منه، لشموله حينئذ للضمان بالمعنى الأخص لأن المال يتحول فيه من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، فانتقض في طرده.
و أجاب عنه المحقق الأردبيلي (رحمه الله عليه)، بأن المراد كما هو الظاهر التحويل من ذمة المحول الذي هو المحيل لا مطلقا، قال: على أنه ليس أصعب، لأن التعريف بالأعم جائز عند المتقدمين، بخلاف الأخص فإنه غير جائز عند أحد فقوله في شرح الشرائع: فوقع فيما هو أصعب منه محل التأمل، انتهى.
ثم ان في تعريفهم لها بأنها تحويل الحق أو تحويل مال، ما يشير الى أن الحوالة ناقلة للمال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، و من أجل ذلك سميت حوالة.
47
قال في التذكرة: الحوالة عقد لازم، فلا بد فيها من إيجاب و قبول، كغيرها من العقود، و الإيجاب كل لفظ يدل على النقل و التحويل مثل أحلتك و قبلتك و اتبعتك، و القبول ما يدل على الرضا نحو رضيت و قبلت، و لا تقع معلقة بشرط و لا صفة، بل من شرطها التنجيز، فلو قال: إذا جاء رأس الشهر أو ان قدم زيد فقد أحلتك عليه لم يصح، لأصالة البراءة و عدم الانتقال، و لا يدخلها خيار المجلس.
لانه مختص بالبيع، و ليست بيعا عندنا، و هل يدخلها خيار الشرط، منع منه أكثر العامة، و الحق جواز دخوله
لقولهم (1) (عليهم السلام): «كل شرط لا يخالف الكتاب و السنة فإنه جائز».
، و لو قال: أحلنى على فلان، فقال أحلتك، افتقر الى القبول، و لا يكفي الإيجاب، انتهى.
أقول: قد عرفت في غير موضع و لا سيما في كتاب البيع مما في اشتراطهم للإيجاب و القبول و نحوهما من الشروط التي أوجبوها في العقود من عدم الدليل على ذلك، بل إطلاق الاخبار و عبارات العقود المذكورة فيها تردد جميع ما ذكروه، و أن الأمر في العقود أوسع مما ضيقوه، و الظاهر أيضا تطرق المناقشة الى ما ذكره من عدم جواز كونها معلقة على شرط، لعدم الدليل عليه، و لعموم (2)
«المسلمون عند شروطهم».
، و الله العالم.
الثانية [أركان الحوالة]
- لا يخفى أن أركان الحوالة ثلاثة: المحيل، و المحتال، و المحال عليه و يعتبر رضا الثلاثة عند الأصحاب، أما المحيل فموضع وفاق، قال في التذكرة:
يشترط في الحوالة رضى المحيل، و هو الذي عليه الحق إجماعا، فلو اكره على أن يحيل فأحال بالإكراه لم يقع الحوالة، و لا نعرف فيه خلافا، فان من عليه الحق مخير من جهات القضاء، فله أن يقضى من أي جهة شاء، لا يتعين عليه بعض الجهات قهرا.
و أما المحتال فالوجه في اعتبار رضاه أن حقه ثابت في ذمة المحيل، فلا يلزمه نقله إلى ذمة أخرى إلا برضاه، و الحكم في ذلك أيضا إجماعي كما صرح به في التذكرة، فقال: يشترط رضاء المحتال عند علمائنا أجمع، و به قال الشافعي و أبو حنيفة، ثم ذكر نحو ما ذكرناه من التعليل.
____________
(1) الوسائل ج 12 الباب 6- من أبواب الخيار ص 353.
(2) الوسائل ج 12 الباب 6- من أبواب الخيار ص 353.
48
و أما المحال عليه فالمشهور بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) اعتبار رضاه أيضا، (1) بل ادعى عليه الشيخ الإجماع، قال في المختلف: احتج الشيخ على ما اختاره بأن الإجماع واقع على صحة الحوالة مع رضى المحال عليه و لا دليل على صحتها من غير رضاه، و لأن إثبات المال في ذمة الغير مع اختلاف الغرماء في شدة الاقتضاء و سهولته تابع لرضاه.
و يمكن أن يجاب بأن نفى الإجماع نفى دليل خاص، و نفى الخاص لا يستلزم نفى العام، مع أن الأصل يقتضي الصحة لقوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (2)، و نمنع اعتبار رضاه كما لو باعه، و لم نقف على حديث- يتضمن ما ادعاه علمائنا في هذا الباب، مع أن الشيخ المفيد لم يذكر اعتبار رضى المحال عليه، بل عبارته تشعر بعدم اعتبار رضاه، ثم نقل العبارة المذكورة، ثم قال: و كذا قال الشيخ في النهاية.
أقول: لا يخفى أنه و ان لم يرد في الاخبار ما يقتضي رضى أحد من هذه الثلاثة المذكورة، الا أن ما علل به رضى الأولين مضافا الى الإجماع على ذلك لا يخلو من قوة، و أما ما علل به الأخير فهو ظاهر الضعف عند التأمل، و مثله أيضا ما قيل: من أن الأصل بقاء المال في ذمة المحال عليه للمحيل، فيستصحب.
و التحقيق كما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، أن المحيل قد أقام المحتال مقامه في القبض بالحوالة، فلا وجه لافتقاره الى رضاء من عليه الحق، كما لو و كله في القبض منه، بخلاف الأولين لما عرفت.
____________
(1) المفهوم من كلام العلامة في التذكرة أيضا عدم الخلاف في ذلك حيث قال: في أصحابنا من يشترط رضى الثلاثة، و قال في موضع آخر: و يشترط عندنا رضى المحال عليه، ثم نقل الخلاف عن بعض العامة فقط، و هو كما ترى ظاهر فيما قلناه، مع انه في المختلف كما نقلناه في الأصل خالف في ذلك، و تبعه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و هو الأقرب كما أوضحناه في الأصل، و يشير أيضا الى وجود الخلاف في المقام، ما في عبارة ابن حمزة على ما نقله في المختلف، حيث قال: تصح الحوالة بشروط عشرة الى أن قال: و رضى المحال عليه على الصحيح، قال في المختلف و هو يشعر بوجود قول لبعض أصحابنا ينافيه و انه لا يعتبر رضاه، انتهى و بذلك يظهر ما في كلام المحقق الأردبيلي حيث انه نسب الخلاف في هذه المسألة إلى الشهيد الثاني في المسالك خاصة مع اعترافه بنقل الشيخ الإجماع و فيه ما عرفت. منه (رحمه الله).
(2) سورة المائدة- الاية 1.
49
و اختلاف الناس في الاقتضاء لا يمنع مطالبة المستحق و من يعينه لذلك، و التوقف على رضاه محل البحث، فأخذه في الدليل مصادرة محضة.
قوله: و لأن إثبات المال في ذمة الغير تابع لرضاه، بمعنى أن نقلة من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه يتوقف على رضاه، يمكن دفعه، بأنا نمنع من اقتضاء الحوالة النقل، و انما هي إيفاء لما في ذمة الغير، فلا تقصر عن بيعه كما أشار إليه العلامة فيما تقدم من جوابه عن كلام الشيخ، و أصالة بقاء الحق معارضة بأصالة عدم الاشتراط، و الاستصحاب انقطع بما ذكرناه، خصوصا مع اتفاق الحقين جنسا و وصفا.
نعم لو كانا مختلفين و كان الغرض استيفاء مثل الحق المحال، توجه اعتبار رضى المحال عليه، لأن ذلك بمنزلة المعاوضة الجديدة، فلا بد من رضى المتعاوضين، و مع ذلك لو رضى المحتال بأخذ جنس ما على المحال عليه، زال المحذور.
و بذلك يظهر قوة القول بعدم اشتراط رضى المحال عليه، الا في صورة اختلاف المال المحال، مع ما في ذمة المحال عليه، و عدم رضا المحتال بأخذه، لما عرفت.
تنبيهات
الأول
- ينبغي أن يعلم أنه على تقدير القول المشهور من اعتبار رضى الثلاثة فإن اعتبار رضى المحال عليه ليس على حسب رضى الآخرين، فان الآخرين ركنا العقد الذي لا يتم إلا بالإيجاب و القبول، فالإيجاب من المحيل و القبول من المحتال، و يعتبر في عقدها عند الأصحاب ما يعتبر في غيره من العقود من اللفظ و المقاربة و نحوهما بخلاف المحال عليه، فإنه يعتبر رضاه كيف اتفق، مقارنا أو متراخيا، أو متقدما أيضا، لحصول الغرض المطلوب منه على كل من هذه الوجوه.
الثاني
- لا يخفى أنه على ما اخترناه من القول بعدم اعتبار رضى المحال عليه، انما يتجه فيما إذا كان مشغول الذمة بمال المحيل، أما لو كان بريء الذمة و قلنا بصحة الحوالة كما هو أصح القولين- فإنه يشترط رضاه إجماعا.
الثالث
- ان ما تقدم من الإجماع على اشتراط رضى المحيل في صحة الحوالة مخصوص بما إذا لم يتبرع عنه متبرع بوفاء الدين الذي عليه، أما لو تبرع المحال عليه بالوفاء فإنه لا تعتبر رضى المحيل قطعا، لانه وفاء دينه و ضمانه بغير اذنه،
50
و العبارة عنه أن يقول المحال عليه للمحتال: احتلت بالدين الذي لك على فلان على نفسي، فيقبل، و في هذه الصورة انما يشترط رضى المحتال و المحال عليه و يقومان بركن العقد.
الثالثة [في براءة المحيل من حق المحتال بمجرد الحوالة]
- المشهور انه مع تحقق الحوالة فإنه يبرأ المحيل من حق المحتال من غير أن يتوقف على الإبراء بل يبرئ بمجرد الحوالة، و ذهب الشيخ: في النهاية و ابن الجنيد و الشيخ المفيد و ابن البراج و ابن حمزة و أبو الصلاح الى توقف ذلك على الإبراء زيادة على الحوالة، و قال ابن إدريس و من تأخر عنه: بالأول.
و يدل على ما ذهب اليه المشايخ المتقدم ذكرهم: ما رواه
ثقة الإسلام و الشيخ بأسانيد فيها الصحيح عن زرارة (1) عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يحيل الرجل بمال كان له على رجل آخر فيقول له: الذي احتال: برئت من ما لي عليك، قال: إذا أبرأه فليس له أن يرجع اليه، و ان لم يبرئه فله أن يرجع على الذي أحاله».
و هي ظاهرة الدلالة فيما ذكروه: و المفهوم منها أن الحوالة لا تفيد نقل المال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، لانه مع حصول النقل بالحوالة لا يصادف الإبراء محلا.
هذا ان تأخر الإبراء عن الحوالة، و الا لم يصادف الحوالة محلا، و لا خلاف بين الأصحاب في أن الحوالة تفيد نقل المال إلى ذمة المحال عليه، و أن المحتال ليس له الرجوع على المحيل.
و على ذلك تدل الاخبار، و منها ما رواه
في الكافي (2) عن منصور بن حازم قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يحيل على الرجل بالدراهم أ يرجع عليه قال: لا يرجع عليه أبدا الا أن يكون قد أفلس قبل ذلك».
و ما رواه
الصدوق في الفقيه (3) عن أبي أيوب أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 104 ح 2، التهذيب ج 6 ص 211 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 104 ح 4.
(3) الفقيه ج 3 ص 55 ح 3 و هذه الروايات في الوسائل ج 13 الباب 11 ص 158 ح 2 و 3 و 1.
51
عن الرجل يحيل الرجل بالمال أ يرجع عليه؟ قال: لا يرجع عليه أبدا الا أن يكون قد أفلس قبل ذلك».
و ما رواه
في التهذيب (1) عن عقبة بن جعفر عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحيل الرجل بمال على الصيرفي ثم يتغير حال الصيرفي أ يرجع على صاحبه إذا احتال و رضى فقال: لا».
و هذه الاخبار كما ترى ظاهرة في نقل الحوالة و براءة ذمة المحيل بعد الحوالة، للمنع من رجوع المحتال عليه معتضدة باتفاق الأصحاب على ذلك.
و بالجملة فان كلا من الحوالة و البراءة موجب لخلو ذمة المحيل، فأيهما سبق كان الثاني لاغيا، لا أثر له.
و به يظهر ما في الرواية المذكورة من الاشكال، و مخالفة القواعد الشرعية (2) و قد تأولها الأصحاب بتأويلات بعيدة، أقلها بعدا ما ذكره في المسالك، و هو أن الإبراء في الخبر كناية عن قبول المحتال الحوالة، فمعنى قوله برئت من مالي عليك أنى رضيت بالحوالة الموجبة للتحويل، فبرئت أنت فكنى عن الملزوم باللازم و هكذا القول في قوله: و لو لم يبرأه فله أن يرجع، لان العقد بدون رضاه غير لازم، فله أن يرجع فيه.
و مذهب جمهور العامة في هذه المسألة موافق لمذهب أصحابنا في عدم التوقف على البراءة، و يمكن حملها على التقية، لا بهذا الاعتبار، بل باعتبار ما قدمناه في المقدمة الاولى من المقدمات المذكورة في صدر كتاب الطهارة من أنهم (صلوات الله عليهم) كثيرا ما يقصدون المخالفة في الأحكام تقية و ان لم يكن بها قائل من العامة محافظة على الشيعة لو اتفقوا على نقل الأحكام عنهم كما تقدم تحقيقه ثمة، فإن الخبر كما عرفت: فيه من الاشكال، و مخالفة القواعد المتفق عليها ما يمنع من العمل به.
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 212 ح 6، الوسائل ج 13 ص 158 ح 4.
(2) منها ما إذا ظهر إعسار المحال عليه حل الحوالة فإن له الرجوع على المحيل إذا لم يبرءه، و منها ما إذا اشترط المحيل البراءة فإنه يستفيد بذلك عدم الرجوع لو ظهر إفلاس المحال عليه فلا يخفى فيه من البعد عن سياق الخبر و ان كان في حد ذاته جيدا الا ان فهم ذلك من الخبر انما هو من قبيل الألغاز و المعما. منه (رحمه الله).
52
و ما ذكر من التأويلات لا يخلو من التعسف، و ليس بعد ذلك الا ما ذكرناه. و الله العالم.
الرابعة [جواز الحوالة على البريء]
- قد صرح جملة من الأصحاب، و الظاهر أنه المشهور، بجواز الحوالة على البريء للأصل، فان الأصل الجواز، و الأصل أيضا عدم اشتراط شغل ذمة المحال عليه بمال المحيل.
و الشيخ في المبسوط في أول كتاب الحوالة جوزها على من ليس عليه شيء للمحيل، ثم قوى في آخره المنع، و لم ينقل المنع هنا عن غير الشيخ.
قال في المسالك: و مبنى القولين على أن الحوالة هل هي استيفاء أو اعتياض؟
فعلى الأول يصح دون الثاني، لأنه ليس على المحال عليه شيء يجعل عوضا عن حق المحتال.
أقول: لا يخفى أن الوارد من الاخبار في هذه المسئلة، و هو ما قدمناه في سابق هذه المسئلة، و ليس غيره في الباب دالا بظاهر إطلاقه على صحة الحوالة، أعم من أن يكون المحال عليه مشغول الذمة أو بريئا، فالأظهر في الاستدلال على هذا الحكم هو الاستناد إلى إطلاق الاخبار المذكورة، و عدم التعويل على هذه الاعتبارات المتكلفة، و الله العالم.
الخامسة [شرائط صحة الحوالة]
- من شروط الحوالة رضى الثلاثة المتقدم ذكرهم، و قد عرفت الكلام في الاتفاق على المحيل و المحتال، و الخلاف في المحال عليه.
و منها كمالهم و عدم الحجر عليهم، و أكثرهم لم يذكر هذا الشرط و كأنه لظهوره و الاكتفاء بذكره في أمثال هذا المقام من الضمان و نحوه.
و منها أنه يشترط ملاءة المحال عليه أو العلم بإعساره وقت الحوالة، فلو قبل الحوالة جاهلا بحاله ثم بان إعساره وقت الحوالة كان له فسخ الحوالة، و الرجوع على المحيل، و يدل عليه ما تقدم من رواية منصور بن حازم (1) و رواية أبي أيوب (2).
و لو كان وقت الحوالة مليا ثم تجدد له الإعسار فلا خيار، و تدل عليه رواية عقبة بن جعفر المتقدمة (3) و مفهوم الروايتين المذكورتين أيضا حيث منعتا من
____________
(1) ص 50.
(2) ص 50.
(3) ص 51.
53
الرجوع بعد الحوالة مطلقا الا في صورة إفلاسه وقت الحوالة.
و لو انعكس الفرض المذكور بأن كان وقت الحوالة معسرا ثم تجددت الملائة قبل أن يفسخ المحتال، فهل يزول الخيار أم لا؟ اشكال، لزوال الضرر المترتب على الإعسار، فيزول الخيار، و من ثبوت الخيار أولا فيستصحب، لان الموجب للخيار ليس هو الإعسار مطلقا، ليزول بزواله بل الإعسار وقت الضمان و هو، متحقق فيثبت حكمه، و رجحه في المسالك، فقال: بأن الأقوى ثبوت الخيار لذلك.
و منها ثبوت المال في ذمة المحيل للمحتال إجماعا، فلو لم يكن المحيل مشغول الذمة للمحتال لم تصح الحوالة و لم تتحقق.
نعم لو أحال على شخص و الحال هذه فان كان ذلك الشخص المحال عليه غير مشغول الذمة، فإن هذه الحوالة تصير وكالة في القرض منه. فهي وكالة، و ان كانت بهذا اللفظ: فإنها جائزة بكل لفظ دل على ذلك، و ان كان مشغول الذمة فهي وكالة أيضا، لكن في الاستيفاء.
و بالجملة فإن ما لم يكن ثابتا في الذمة لا تجزى الحوالة فيه، و ان وجد سببه كمال الجعالة قبل العمل، فإنه لا يصح احالة الجاعل به للمجعول له، لعدم ثبوته، أما لو أحال به المجعول له على الجاعل لمن له عليه دين ثابت، فإنه يجوز، بناء على القول بصحة الحوالة على البريء.
و منها أن يكون المال المحال معلوما عند المحيل، فلو أحاله بمال مجهول عنده كما لو أحاله بماله من الدين لم يصح للغرر، و لأن الحوالة اما أن تكون اعتياضا أو استيفاء و على الأول فلا يصح على المجهول، كما أنه لا يصح بيعه، و على الثاني فإنه انما يمكن استيفاء المعلوم.
قال في التذكرة: و يحتمل هنا (1) الصحة، و يكون على المحال عليه للمحتال ما يقوم به البينة، كما قلنا في الضمان، و لا فرق في اشتراط كونه معلوما بين أن
____________
(1) أى على تقدير كونه استيفاء. منه (رحمه الله).
54
يكون مثليا كالطعام، أو قيميا كالعبد و الثوب خلافا للشيخ (1) و جماعة حيث منعوا من جواز الحوالة بالقيمي، لكونه مجهولا.
ورد بأنه معلوم بالوصف المصحح للبيع، و الواجب فيه القيمة و هي مضبوطة أيضا تبعا لضبطه، فلا مانع مع شمول عموم الأدلة.
و منها سبق اشتغال ذمة المحال عليه عند بعض، و هو من قال بعدم جواز الحوالة على البريء، و أما على ما قدمناه من القول بالجواز فإنه لا وجه لهذا الشرط.
و منها انه يشترط تساوى المالين جنسا و وصفا تفصيا من التسلط على المحال عليه، إذ لا يجب أن يرفع الا مثل ما عليه، و تردد المحقق في الشرائع في هذا الشرط.
قال في التذكرة: من مشاهير الفقهاء وجوب تساوى الدينين، أعنى الدين الذي للمحتال على المحيل، و الدين الذي للمحيل على المحال عليه جنسا و وصفا و قدرا، فلو كان له دنانير على شخص فأحاله عليه بدراهم لم يصح، لئلا يلزم التسلط على المحال عليه بما لا يستحق، و أما قدرا (2) فلا يجوز التفاوت بمعنى
____________
(1) قال الشيخ في المبسوط: انما تصح الحوالة في الأموال التي هي ذوات الأمثال، و نحوه كلام ابن حمزة، و قال ابن الجنيد: الحوالة جائزة بسائر ما يصح السلم فيه من الأمتعة مع من تجوز ذلك معه و لم يذكر الشيخ المفيد و لا السلار و لا ابن إدريس ذلك، قال في المختلف: و المعتمد عدم الاشتراط كما قال ابن الجنيد: أصالة صحة العقد عدم اشتراط كونه مثليا، احتج المانعون بأنه مجهول، و الجواب المنع من الجهالة، بل ربما يوصف به السلم، قال الشيخ في الخلاف: نمنع كونه مجهولا، لأنه لا بد أن يكون معلوما يعنى الحيوان بوصفه و سمنه و جنسه، فان لم يكن كذلك لم يصح الحوالة، انتهى، منه (رحمه الله).
(2) أقول: المراد بقوله و أما قدرا الى آخره أنه لو كان للمحيل في ذمة المحال عليه عشرة، و للمحتال في ذمة المحيل خمسة، فلا يحيل تلك الخمسة على تلك العشرة، بمعنى أنه يأخذ تلك العشرة عوض هذه الخمسة، و كذا بالعكس لما علله به في التذكرة قال: ان هذا العقد للإرفاق و لا لإيصال كل حق الى مستحقه و لم يوضع لتحصيل زيادة أو حط شيء، و المراد بذلك وقوع المعاوضة بالقليل عن الكثير و بالعكس، انتهى. نعم على تقدير التفاوت بين الدينين يجوز الحوالة بالمساوي كأن يحيل إليه في الصورة الأولى بخمسة من تلك العشرة، قال في التذكرة: و للشافعية وجه في الإحالة بالقليل على الكثير أنها جائزة، و كان المحيل يتبرع بالزيادة منه (رحمه الله).
55
الحوالة بالزائد على الناقص و كذا العكس و مع التفاوت يجوز بالمساوي، و أما الأجل فيجوز الحال بالحال، و المؤجل بمثله و بالحال و الا بعد بالأنقص لا العكس، لأنه تأجيل حال. نعم لو شرط في الحوالة في الحالين عدم القبض الا بعد أشهر مثلا يجوز، لدليل وجوب العمل بالشرط. انتهى.
كذا نقل عنه المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد، و الظاهر أنه نقل بالمعنى لمخلص ما ذكره في الكتاب المذكور، كما لا يخفى على من راجع كتاب التذكرة.
أقول: و تفصيل الكلام في المقام هو أن الشيخ (رحمة الله عليه) و جماعة ذهبوا الى اشتراط تساوى المالين أى المال المحال به، و المال المحال عليه جنسا و وصفا، لأن حقيقة الحوالة تحويل ما في ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فإذا كان الدين الذي على المحيل دراهم مثلا، و الدين الذي على المحال عليه دنانير، فكيف يصير حق المحتال على المحال عليه دراهم، و لم يقع عقد يوجب النقل من الدنانير التي في ذمته الى الدراهم.
و الجواب عن ذلك أنه متى قيل باشتراط رضى المحال عليه كما هو المشهور أو لم نقل ثمة به، و لكن نقوله في هذا المقام حيث أنها معاوضة تتوقف على رضاه كما أشار إليه العلامة في المختلف، حيث أنه ممن منع اشتراط رضاه، و لكن أوجبه في هذا المقام، حيث أنها معاوضة.
و كذا إذ قلنا بجواز الحوالة على البريء- كما هو الأشهر الأظهر مما عرفت فيما تقدم- فإنه لا وجه لما ذكروه من المنع بالكلية، و متى جاز الحوالة على البريء الذي لاحق عليه بالكلية، فلأن يجوز على من عليه حق مخالف اولى، و غاية ما يلزم هو مخالفة الحق المحال به لما هو عليه، و هذا لا يصلح للمنع، لأن الحوالة ان كانت استيفاء، فالاستيفاء يجوز بالجنس و غير الجنس مع التراضي على ذلك، و ان كانت اعتياضا فكذلك، لجواز المعاوضة على المختلفين و هذه المعاوضة هنا ليست من قبيل المعاوضة في البيع، حتى يعتبر فيها التقابض و نحوه مما اعتبر في البيع، بل هي معاوضة مبنية على الإرفاق و المسامحة.
56
و بالجملة فإنه متى حصل التراضي من الجانبين كما هو المفروض فلا مانع و التسلط الذي التجأوا إليه في المنع انما يتم مع عدم التراضي و المفروض وجوده، نعم لو قلنا بعدم جواز الحوالة على البريء اتجه ما ذكروه. و الله العالم.
السادسة [جواز ترامي الحوالات و دورها]
- الظاهر أنه لا خلاف بينهم في جواز ترامى الحوالات و دورها، لحصول شرائط الصحة، و عدم المانع فكما تصح الاولى تصح الثانية و الثالثة، و هكذا لعين ما ثبت به صحة الاولى، فلو أحال المديون زيدا على عمرو ثم أحال عمرو زيدا على خالد، ثم أحال خالد زيدا على بكر صح، و هذا في صورة تعدد المحيل و المحال عليه، فان كلا منهم ما عدا الأول محيل و محال عليه، مع اتحاد المحتال، فان المحتال في جميع هذه الفروض واحد، و هو زيد، و يجوز أن يرجع الأخير منهم على المديون الأول، و يحيل عليه، أما بأن تكون ذمته مشغولة بدين لمن أحال عليه، أو بناء على جواز الحوالة على البريء فيصح دورها، و مثله (1) باقي الحوالات السابقة.
السابعة- لو أحال عليه فقبل الحوالة و أدى ثم رجع على المحيل بما أداه مدعيا براءة ذمته
من مال المحيل، و ادعى المحيل اشتغال ذمته، و أنه انما أحال عليه من حيث كونه مشغول الذمة بماله، فان قلنا بجواز الحوالة على البريء كما هو أظهر القولين، و أشهرهما، فإن القول هنا قول المحال عليه بيمينه، لانه منكر لاشتغال الذمة، و ان اعترف بصحة الحوالة، فإن صحتها لا تستلزم شغل الذمة لما عرفت من جوازها على البريء، فيرجع بما أداه على المحيل بعد اليمين، و ان قلنا بأن الحوالة مشروطة بشغل ذمة المحال عليه فوجهان:
أحدهما- أنه لا يقبل قوله في نفى شغل الذمة، لأن الحوالة تقتضي شغلها، حيث أن الحوالة لا تصح الا مع شغل الذمة كما هو المفروض، و هو موافق على الحوالة.
و بالجملة فالمنكر و ان كان معه أصالة عدم شغل الذمة، الا أن ذلك يقتضي
____________
(1) المراد مثل ذلك في الحوالة على البريء أو مشغول الذمة فإنك قد عرفت صحة الحوالة على البريء فيما تقدم، فهو جائز في كل موضع تصح الحوالة فيه بدون ذلك.
منه (رحمه الله).
57
بطلان الحوالة على هذا التقدير، و مدعى الدين يدعى صحتها، و مدعى الصحة عندهم مقدم، و على هذا فلا تسمع دعوى المحال عليه، و لا يرجع على المحيل بشيء، و ثانيهما- أن يقال: ان هنا أصلين تعارضا، أصالة عدم شغل الذمة مع المحال عليه و أصالة صحة العقد مع المحيل فتساقطا، و بقي مع المحال عليه أنه أدى عن المحيل باذنه، فيرجع عليه حينئذ على التقديرين (1).
و استحسنه في المسالك ثم اعترضه بأن الاذن في الأداء انما وقع في ضمن الحوالة، و إذا لم يحكم بصحتها لا يبقى الاذن مجردا، لانه تابع فيستحيل بقاؤه بدون متبوعه.
ثم أجاب بأن الاذن و ان كان واقعا في ضمن الحوالة الا أنه أمر يتفقان على وقوعه، و انما يختلفان في أمر آخر، فإذا لم يثبت لا ينتفي ما وقع الاتفاق منهما عليه، انتهى.
و منه يظهر أن الأقرب الى الاعتبار هو كون القول قول المحال عليه مطلقا و هو اختيار المحقق الأردبيلي (قدس سره) أيضا في شرح الإرشاد، و الله العالم.
الثامنة [إذا أحال المشتري البائع بالثمن ثم رد المبيع بعيب سابق]
- قالوا: إذا أحال المشتري البائع بالثمن ثم رد المبيع بعيب سابق فهل تبطل الحوالة؟ لأنها تبع للبيع، فيه تردد، فان لم يكن البائع قبض المال فهو باق في ذمة المحال عليه للمشتري، و ان كان البائع قبضه فقد بريء المحال عليه، و يستعيده المشترى من البائع.
أما لو أحال البائع أجنبيا بالثمن على المشترى، ثم فسخ المشترى بالعيب أو بأمر حادث لم تبطل الحوالة، لأنها تعلقت بغير المتبايعين، و لو ثبت بطلان البيع بطلت الحوالة في الموضعين.
أقول: تفصيل إجمال هذا الكلام و بيان ما اشتمل عليه من الأحكام يقع في مواضع
الأول- فيما إذا أحال المشتري البائع بالثمن على شخص آخر، ثم رد المبيع بعيب سابق و فسخ العقد
، فهل تبطل الحوالة أم لا؟ قد تردد في ذلك المحقق
____________
(1) أى على تقدير صحة الحوالة على البريء، أو اشتراط شغل الذمة في صحة الحوالة و عدم جواز الحوالة على البريء. منه (رحمه الله).
58
في الشرائع، و العلامة في الإرشاد.
و منشأ التردد من جهة ما ذهب اليه الشيخ: من بطلان الحوالة في الصورة المذكورة، معللا ذلك بأن الحوالة تابعة للبيع، فإذا بطل البيع بطلت، لاستحالة وجود التابع من جهة ما هو تابع بدون متبوعه، و من أن الحوالة ناقلة للمال إلى ذمة المحال، عليه، فقد انتقل ما في ذمة المشترى من المال الذي هو ثمن المبيع للمحتال إلى ذمة المحال عليه، فلا يبطله الفسخ المتأخر، لأن الفسخ انما يبطل العقد من حينه لا من أصله.
و ربما بنى التردد ايضا و حصول الوجهين المذكورين على أن الحوالة هل هي استيفاء ما على المحيل؟- نظرا الى عدم اشتراط القبض فيها و لو كان الحقان من الأثمان، بمعنى أن المحتال استوفى دينه الذي على المحيل بمجرد الحوالة من غير أن يقبض منه شيئا، و لو كانت اعتياضا كان ذلك بيع دين بمثله.
و لتحقق برأيه الأخر و هو المحيل بمجرد الحوالة، و على هذا تبطل الحوالة، لأنها نوع إرفاق (1) و إذا بطل الأصل بطل مهية الإرفاق، كما لو اشترى شيئا بدراهم مكسرة و تطوع بأداء صحاح عوضها ثم فسخ، فإنه يرجع عليه بالصحاح، و لا يقال:
انه يطالب بمثل المكسرة ليبقي التطوع بحاله، لأن التطوع انما بنى على البيع، و البيع قد انفسخ و بطل، فيبطل ما تفرع عليه، أو ان الحوالة اعتياض لا استيفاء نظرا إلى أنه لم يقبض نفس حقه، بل أخذ بدله عوضا عنه، و هو معنى الاعتياض، و على هذا لا تبطل كما لو اعتاض البائع عن الثمن ثوبا ثم فسخ، فإنه يرجع بالثمن لا بالثوب.
أقول: و هذا الوجه الأخير الذي بنى عليه التردد نقله العلامة في التذكرة عن الشافعية: بالاحتمالين المترتبين عليه، و ظاهره و كذا ظاهر جملة من الأصحاب، التوقف هنا، لاقتصارهم على نقل الأوجه المذكورة في المسألة، و الخلاف المنقول عن الشيخ من غير أن يرجحوا شيئا و هو في محله.
____________
(1) وجه كونها نوع إرفاق أنه يستحق الثمن في ذمته فالواجب دفع عين الثمن، و قبول الحوالة إرفاق بالمحيل و مسامحة له، فإذا كان بناء الحوالة على الإرفاق و المسامحة للمحيل، فحين بطل البيع بالفسخ تبعه ما يترتب عليه من الإرفاق فيبطل حسب ما ذكر في المثال المذكور في الأصل منه (رحمه الله).
59
و ينبغي أن يعلم أنه لا فرق فيما ذكر من الحكم المذكور بالوجوه المتقدمة، بين كون الرد بالعيب بعد قبض المبيع أو قبله، و لا بين أن يتفق الرد بعد قبض المحتال مال الحوالة أو قبله، و لا بين الفسخ بخيار العيب أو غيره من أنواع الخيار، و الإقالة و الفسخ بالتحالف و نحو ذلك مما لا يبطل البيع من أصله.
و لكن المتأخرين من الأصحاب مثلوا بالعيب تبعا لمن فرض المسألة، و كذا لا فرق بين العيب السابق على البيع أو اللاحق على وجه يجوز الفسخ، كالعيب قبل القبض و قبل انقضاء الثلاثة في الحيوان، لاشتراك الجميع في العلة الموجبة للحكم المذكور في الصورة المفروضة في كلام من فرضها، و أصل هذه الفروض و الفروع في هذه المسألة و أمثالها كله من كلام العامة، كما لا يخفى على من لاحظ التذكرة، و أصحابنا كالشيخ: و أتباعه جروا عليها.
الثاني [في براءة ذمة المحال عليه فيما قلنا ببطلان الحوالة]
- أنه متى قلنا ببطلان الحوالة كما هو أحد الوجهين المتقدمين بأي سبب من السببين المتقدمين أيضا، فإن كان المحتال و هو البائع قد قبض المال من المحال عليه فقد برئت ذمة المحال عليه، و يستعيده المشترى من البائع ان كان موجودا بعينه، و لو تلف لزمه بدله و ان تلف بغير تفريط، لانه مضمون عليه حيث أنه قبضه عوضا عن الثمن، و ليس للمحتال رده على المحال عليه، فان رده عليه فللمشتري مطالبته، و ان كان لم يقبض فليس له قبضه، لبطلان الحوالة، فيبقى في ذمة المحال عليه لصاحبه، و هو المشترى كما كان.
فلو خالف المحتال و قبضه بعد بطلان الحوالة لم يقع عنه لبطلان حقه. و هل يقع للمشتري قالوا: فيه وجهان (1)؟ و متى قلنا بصحة الحوالة كما هو الوجه الأخر، فإن كان البائع قد قبض برأ المحال عليه، و رجع المشترى على البائع، و لا يتعين حقه فيما قبضه، و ان لم يكن قد قبض فله القبض، و للمشتري الرجوع عليه، قبل
____________
(1) منشأهما من أن الحوالة متضمنة للإذن في القبض، فان قلنا أن الاذن يبطل ببطلان الحوالة، لأنه متى كان من لوازمها فإنه يتبعها وجودا و عدما، فإذا بطلت بطل، لاستحالة تخلف اللازم عن ملزومه، و ان قلنا بأن الإذن الضمني لا يبطل ببطلان ما كان في ضمنه كما هو أحد القولين فيه، كما ذكروه في الشركة و الوكالة و تحقيق ذلك في باب الوكالة، ان شاء الله تعالى.
منه (رحمه الله).
60
القبض لأن الحوالة كالمقبوض، و من ثم يسقط حق حبس المبيع لو أحال المشتري البائع بالثمن.
قيل: و يحتمل عدم جواز رجوعه الى أن يقبض، لعدم وجود حقيقة القبض، و ان وجد ما هو بمعناه في بعض الأحكام.
أقول: من المحتمل قريبا أن ترتب الرجوع على القبض أو ما في معناه لا يظهر له وجه وجيه، لأن الحوالة بناء على ما هو المفروض من القول بصحتها أمر منفك عن البيع غير مترتب عليه صحة و بطلانا، فيعمل في الحوالة بما هو مقتضاها من قبض المحتال من المحال عليه متى أراد، رجع عليه المشتري أو لم يرجع، و في البيع ما يقتضيه من رجوع المشترى بالثمن بعد الفسخ على البائع، قبض مال الحوالة أم لم يقبض. و الله العالم.
الثالث- لو أحال البائع أجنبيا بالثمن على المشترى ثم فسخ المشترى بالعيب أو بأمر حادث
لم تبطل الحوالة لما ذكر من التعليل، و هو تعلق الحوالة هنا بغير المتبايعين، بخلاف المسألة المتقدمة، و هي حوالة المشتري البائع بالثمن، فإن الحوالة متعلقة بالمتبايعين، و هذا هو وجه الفرق بين المسألتين.
و بيان الفرق ان الحق في تلك المسألة كان مختصا بالمتبايعين بسبب البيع، فإذا بطل السبب بطل ما يترتب عليه، بخلاف حوالة الأجنبي، فإنه لا تعلق له بالبيع، و لا بصحته و لا ببطلانه، و ان حكمنا ببطلان البيع بعد الفسخ، حيث أن الثمن صار مملوكا لذلك الأجنبي المحتال قبل فسخ العقد، و نقل عن الشيخ: هنا الإجماع على عدم بطلان الحوالة، قيل: و يحتمل ضعيفا البطلان هنا أيضا، لأن استحقاق المحتال فرع استحقاق المحيل، فإذا بطل حق المحيل بطل تابعه، و وجه ضعفه أنه تابعه حين الحوالة لا بعد ذلك، لإفادتها الملك حين وقعت بغير معارض.
أقول: و على هذا فلا فرق بين أن يكون المحتال قد قبض أم لا، لان الناقل للملك الحوالة، لا القبض، و حينئذ فإن المحتال يرجع على المشترى بما أحيل له به من الثمن لو لم يقبضه، و المشترى بعد الفسخ يرجع به على البائع.
الرابع [في بطلان الحوالة بظهور بطلان البيع]
- لو ثبت بطلان البيع بطلت الحوالة في كل من الموضعين المذكورين،
61
اعنى حوالة المشتري البائع بالثمن كما مر في المسألة الاولى، و حوالة البائع الأجنبي بالثمن على المشترى.
و توضيحه أن صحة الحوالة فرع استحقاق البائع الثمن، و ثبوته له على كل من التقديرين المذكورين، و مع تبين بطلان البيع من أصله يظهر عدم استحقاق البائع الثمن في ذمة المشترى في نفس الأمر.
و التحقيق أن الحوالة وقعت باطلة من أصلها، الا أنه انما انكشف البطلان بظهور بطلان البيع، و عدم استحقاق الثمن، فيكون بطلان البيع كاشفا عن بطلانها، و حينئذ فإن كان البائع بالنسبة إلى المسألة الأولى أو المحتال بالنسبة إلى الثانية لم يقبض، فليس له القبض بظهور البطلان كما عرفت، و ان كان قد قبض، فإن للمشتري أن يرجع عليه بذلك، و للمشتري أيضا الرجوع في المسئلة الثانية (1) على البائع بما قبضه محتاله، لانه قد وفى عنه ما في ذمته للمحتال، و هو الأجنبي، فقبضه منسوب اليه، و ليس للمشتري الرجوع في المسألة الاولى، و هي ما إذا أحال المشتري البائع بالثمن على شخص آخر على ذلك الشخص الأخر المحال عليه لصدور القبض باذنه، و انما يرجع على البائع. و الله العالم.
المقصد الثالث في الكفالة:
المفهوم من جملة من الاخبار كراهة الكفالة و التأكيد في المنع منها،
فروى في الكافي عن حفص بن البختري (2) في الصحيح قال: «أبطأت عن الحج، فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام): ما أبطأ بك عن الحج؟ فقلت: جعلت فداك تكفلت برجل فخفر بي فقال: مالك و الكفالات، أما علمت أنها أهلكت القرون الاولى، ثم قال: ان قوما أذنبوا ذنوبا كثيرة فأشفقوا منها و خافوا خوفا شديدا، فجاء
____________
(1) و هي ما إذا أحال البائع أجنبيا على المشترى بالثمن، و وجه رجوعه على البائع ان البائع إنما أحال بالثمن على المشترى للأجنبي، لأنه مشغول الذمة للأجنبي، فيكون المشترى قد أدى عنه ما في ذمته باذنه، فيرجع به عليه حينئذ، فعلى هذا يتخير بين الرجوع على البائع و على محتاله. منه (رحمه الله).
(2) الكافي ج 5 ص 103 ح 1 باب الكفالة و الحوالة.
62
آخرون فقالوا: ذنوبكم علينا فانزل الله عز و جل عليهم العذاب، ثم قال تبارك و تعالى:
خافوني و اجترأتم على».
و الخفر نقض العهد.
و روى الشيخ في التهذيب عن أبى الحسن الخزاز (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لأبي العباس الفضل بن عبد الملك: ما منعك عن الحج؟ قال: كفالة تكفلت بها قال: مالك و الكفالات أما علمت أن الكفالة هي التي أهلكت القرون الاولى».
و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) و قال الصادق (عليه السلام): الكفالة خسارة غرامة ندامة».
و بإسناده
عن إسماعيل بن جابر (3) «عن أبي عبد الله (عليه السلام)، انه قال:
لا تتعرضوا للحقوق، فاذ ألزمتكم فاصبروا لها».
و روى الشيخ بإسناده عن داود الرقى (4) قال: قال: أبو عبد الله (عليه السلام) مكتوب في التورية كفالة ندامة غرامة».
و البحث في هذا المقصد يقع في مواضع
الأول [تعريف الكفالة]
- الكفالة هي التعهد بالنفس بمعنى التزام إحضار المكفول متى طلبه المكفول له، فهي متعلقة بثلاثة، الكفيل و هو هنا بمعنى الفاعل و ان كانت هذه الصيغة تصلح للمفعول أيضا، الا أنهم انما أرادوا به هنا الكافل، و المكفول له، و المكفول، و لا ريب في اعتبار رضى الأولين، و لا خلاف فيه أيضا لأن الكفالة من جملة العقود اللازمة المتوقفة على الإيجاب و القبول و نحوهما.
قال في التذكرة: و لا بد فيه من صيغة دالة على الإيجاب و القبول، فيقول الكفيل: كفلت لك بدن فلان، أو أنا كفيل بإحضاره، أو كفيل به أو بنفسه، أو ببدنه.
أو بوجهه أو برأسه، لأن ذلك يعبر به عن الجملة و حينئذ فلا بد من وقوعها بين اثنين، و هما الكفيل و المكفول له، و لا بد من رضاهما.
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 209 ح 1.
(2) الفقيه ج 3 ص 55 ح 6.
(3) الفقيه ج 3 ص 103 ح 67.
(4) التهذيب ج 6 ص 210 ح 9 و الروايات في الوسائل ج 13 ص 154 الباب 7.
63
أما الكفيل فلانه ملتزم للحق، و هو غير صحيح الا برضاه، و أما المكفول له فلانه صاحب الحق، فلا يجوز إلزامه شيئا إلا برضاه، و بهما يتم العقد.
و أما المكفول فالمشهور أنه لا يعتبر رضاه، لوجوب الحضور عليه متى طلبه صاحب الحق و ان لم يكن ثمة كفالة، و الكفيل انما هو بمنزلة الوكيل حيث يأمره المكفول له بإحضاره، فغاية الكفالة هي حضور المكفول حيث يطلب.
و ظاهر العلامة في التذكرة الإجماع على ذلك، حيث قال: تصح الكفالة و ان كرهها المكفول عند علمائنا، مع أنه نقل غير واحد من أصحابنا عن الشيخ في أحد قوليه (1) أنه يشترط رضاه، و قواه هو أيضا في التحرير، و به قال ابن إدريس أيضا، و نقل عنهم الاحتجاج على ذلك بأنه إذا لم يأذن فيها أو يرضى بها لم يلزمه الحضور مع الكفيل، فلم يتمكن من إحضاره، و لا تصح كفالته لأنها بغير المقدور عليه، و هذا بخلاف الضمان، لإمكان تأديته من مال غيره بغير اذنه، و لا يمكن أن ينوب عنه في الحضور.
ورد ذلك بأن مدار هذا الاستدلال على عدم وجوب الحضور معه بغير رضاه، و هو ممنوع، لان المستحق متى طلبه وجب عليه الحضور و ان لم يكن مكفولا كما قدمنا ذكره، و هو مما لا خلاف فيه، و الغرض من الكفالة له راجع الى التزام الكفيل بإحضاره متى طلبه المكفول له، و متى ثبت وجوب الحضور عليه بعد الطلب و ان لم يكن مكفولا، فإنه لا يجب في صورة الكفالة أيضا، لأن الكفيل انما هو بمنزلة الوكيل في طلب الإحضار، و بالجملة فضعف القول المذكور أظهر من أن يخفى على الناظر. و الله العالم.
الثاني [صحة الكفالة حالة و مؤجلة]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) أن الكفالة تصح حالة و مؤجلة، للأصل، و لان الحضور حق شرعي فلا يمنعه الحلول، و منع الشيخ في
____________
(1) قال في المبسوط: إذا تكفل رجل ببدن رجل لرجل عليه مال أو يدعى عليه مالا.
يصح الا انها لا تصح إلا بإذن من يكفل عنه و تبعه ابن البراج، و ابن حمزة و ابن إدريس، قال في المختلف: و لم يشترط باقي علمائنا ذلك، و هو المعتمد، لنا الأصل و لانه لا يشترط رضاه في كفالة المال، فكذا البدن، انتهى. منه (رحمه الله).
64
النهاية و الشيخ المفيد الكفالة الحالة، قالا: لا يصح ضمان مال و لا نفس إلا بأجل معلوم، و تبعهما ابن حمزة، و هو الظاهر من كلام السلار، و لابن البراج قولان، و سوغ في المبسوط الحالة، و به قال ابن إدريس و جملة المتأخرين لما تقدم.
ثم انه متى اشترط الأجل وجب أن يكون معلوما كما في غير هذا الموضع لما في الجهالة من الغرر، إذ ليس له وقت يستحق المطالبة فيه كغيره من الآجال و لا خلاف في ذلك الا لبعض العامة، حيث جوز أن يكون الأجل هنا مجهولا، لاشتمال الكفالة على التبرع فيتسامح فيها كالعارية.
ورد بأن العارية غير لازمة فلا يقدح فيها الأجل المجهول، لجواز المطالبة بالمستعار في الأجل و ان كان معلوما.
الثالث- للمكفول له مطالبة الكفيل بإحضار المكفول
عاجلا ان كانت الكفالة مطلقة أو معجلة، و بعد الأجل ان كانت مؤجلة، فإن أحضره و سلمه فقد بريء، و إلا وجب حبسه حتى يحضره أو يؤدى ما عليه، كذا ذكره بعض الأصحاب.
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا الحكم ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي عن عمار (1) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل تكفل بنفس رجل فحبسه و قال أطلب صاحبك».
و رواه الشيخ في التهذيب عن عمار بن مروان (2) عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) مثله.
و ما رواه
الشيخ في التهذيب عن إسحاق بن عمار (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أن عليا (عليه السلام) أتى برجل كفل برجل بعينه فأخذ بالمكفول فقال: احبسوه حتى يأتي بصاحبه».
و ما رواه
في الفقيه عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة (4) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل تكفل بنفس رجل أن يحبس، و قال له: أطلب
____________
(1) الكافي ج 5 ص 105 ح 6.
(2) التهذيب ج 6 ص 209 ح 4.
(3) التهذيب ج 6 ص 209 ح 3.
(4) الفقيه ج 3 ص 54 ح 1 و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 156 الباب 9.
65
صاحبك،.
و قضى (عليه السلام) أنه لا كفالة في حد».
و في كتاب الفقه الرضوي (1) على ما نقله عنه في كتاب بحار الأنوار روى إذا كفل الرجل بالرجل حبس الى أن يأتي بصاحبه.
أقول: و هذه الاخبار على تعددها لم يتضمن أزيد من حبسه حتى يحضر المكفول، و الأصحاب (رضوان الله عليهم) قد قيدوا التسليم بكونه تسليما تاما، بمعنى أنه لو اشترط الوقت و المكان في العقد فلا بد من أن يكون التسليم في ذلك الوقت و ذلك المكان المشترطين، و الا لم يكن تسليما تاما، و نحوهما في بلد العقد و لو مع الإطلاق، لانصراف الإطلاق إليه عندهم، و أن لا يكون للمكفول مانع من تسليمه، بأن يكون في يد ظالم أو متغلب يمنعه منه، أو في حبسه، أو يكون المكفول قويا و المكفول له ضعيفا لا يتمكن من وضع اليد عليه و نحو ذلك، فإذا سلمه كذلك كان تسليما تاما موجبا لبرائته و خلو عهدته.
و لو لم يتسلمه المكفول له و الحال هذه قيل: سلم الى الحاكم ان أمكن، و برء أيضا، و ان لم يكن أشهد عدلين بإحضاره إلى المكفول له و امتناعه من قبضه، و قيل بالاكتفاء بالإشهاد بدون التسليم الى الحاكم و ان قدر عليه، لان مع وجود صاحب الحق لا يلزم دفعه الى من ينوب عنه من حاكم و غيره.
و عندي أيضا في وجوب الاشهاد نظر، لعدم الدليل عليه في المقام: كما أنه لا دليل على التسليم للحاكم أيضا، الا أن يراد بذلك براءة الذمة عن المطالبة بالإحضار مرة أخرى، و الا فهو في حد ذاته من غير ملاحظة ذلك لا وجه له في كل من الموضعين، هذا ما يتعلق بالكفيل إذا سلم.
أما لو امتنع التسليم فقد عرفت من الاخبار المتقدمة أن للحاكم حبسه حتى يحضره، و الأصحاب قد ذكروا هنا أن للحاكم حبسه حتى يحضره، و له عقوبته عليه كما في كل ممتنع عن أداء الحق.
و فيه أن غاية ما دلت عليه الاخبار المتقدمة هو الحبس حتى يحضره، و هذا كاف في عقوبته فلا معنى لعقوبته زيادة على ذلك، لعدم الاذن فيه شرعا ثم انهم
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 498.
66
ذكروا أنه ان سلمه بعد ذلك فلا كلام، و ان أبى و بذل ما عليه فقد صرح الشيخ:
و جمع منهم المحقق في الشرائع و غيره كما قدمنا الإشارة إليه ببراءة ذمته من الكفالة لحصول الغرض من الكفالة.
ورد بأنه على تقدير تمامه انما يصح فيما يمكن أخذه من الكفيل كالمال، و لو لم يكن كذلك كالقصاص و زوجية امرأة و الدعوى بعقوبة توجب حدا، فلا بد من إحضاره.
و ذهب جمع من الأصحاب منهم العلامة في التذكرة إلى أنه لا يتعين على المكفول له قبول الحق، بل له إلزامه بالإحضار مطلقا، و هذا هو ظاهر الاخبار التي قدمناها، كما أشرنا إليه ذيلها، و أصحاب هذا القول عللوا ما ذكروه بعدم انحصار الأغراض في أداء الحق، و قد يكون له غرض لا يتعلق بالأداء، أو بالأداء من الغريم لا من غيره، و خصوصا فيما له بدل، فإنه بدل اضطراري، لا عين الحق الذي يتعلق الغرض غالبا بحصوله.
و أنت خبير بما في هذا التعليل العليل من تطرق المناقشة، فإن البناء على هذه الأغراض انما يصح فيما لو كانت حقوقا شرعية لا مجرد التشهي، و الكفالة انما وقعت و ترتبت على حق شرعي.
و الأظهر في التعليل انما هو الوقوف على ظاهر الاخبار المتقدمة، حيث أن ظاهرها انحصار الحق في إحضار المكفول، و أنه لا تبرئ الذمة إلا بإحضاره، و قبول ما بذله عنه من المال المطلوب عنه على تقدير كون متعلق الكفالة المال انما هي معاملة أخرى بمنزلة الصلح، يتوقف على رضى الطرفين.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لو تراضيا على قبول المال كما ذكرنا فبذله الكفيل و قبله المكفول له و رضى به عن حقه الذي تعلقت به الكفالة، فهل يرجع بما دفعه على المكفول عنه؟ قالوا: ان كان قد كفل باذن الغريم، أو أدى باذنه و ان كان كفل بغير اذنه فله الرجوع عليه، و ان انتفى الأمران، فإن أمكنه إحضاره فلم يحضره لم يرجع عليه، و كذا ان كفل بغير اذنه، و أدى بغير اذنه مع تمكنه من مراجعته، لأن الكفالة لم تتناول المال اختيارا فيكون كالمتبرع، و ان تعذر عليه إحضاره رجع
67
عليه مع اذنه في الكفالة، و في رجوعه مع عدمه نظر، و ظاهرهم أنه يرجع أيضا كذا ذكره في المسالك.
و فيه أن ظاهر صدر كلامه أنه إذا كفل باذن الغريم فله الرجوع مطلقا، و ظاهر كلامه بعد ذلك أنه لا يرجع مع الاذن في الكفالة إلا مع تعذر الإحضار، فلو أمكن الإحضار لم يرجع، و هذا هو الا وفق بقواعدهم، لأن الاذن في الكفالة انما يقتضي تسليم المكفول دون المال، فمتى أمكن إحضاره و دفع عنه المال و الحال هذه، فإنه لا معنى لرجوعه به عليه، لانه كالمتبرع كما تقدم. نعم لو تعذر الإحضار أمكن ذلك لظهور المانع. و الله العالم.
الرابع [في حكم من ضمن غيره إلى أجل]
- قال الشيخ في النهاية: و من ضمن غيره إلى أجل و قال: ان لم آت به كان على كذا و حضر الأجل لم يلزمه إلا إحضار الرجل، فان قال: على كذا الى كذا ان لم أحضر فلانا ثم لم يحضره وجب عليه ما ذكره من المال.
و قال ابن حمزة ان قدم ضمان المال على الكفالة، و عجز عن التسليم يلزمه المال، و ان قدم الكفالة على ضمان المال لزمه إحضاره دون المال.
و قال ابن البراج: ان قال ان لم أحضره في وقت كذا فعلى كذا، فقد قدم ذكر الوقت و أخر ذكر المال لم يجب عليه إذا حضر الأجل إلا إحضاره دون المال، و ان كان قال: على كذا ان لم أحضره في وقت كذا فقدم ذكر المال و أخر ذكر الوقت، وجب عليه إذا حضر الأجل و لم يحضره- المال الذي ذكره.
و قال ابن إدريس: الفرق أنه ان بدأ بضمان المال، فقال: على المال المعين الى كذا ان لم أحضره ثم لم يحضره وجب عليه ما ذكره من المال، و ان بدأ بضمان النفس، فقال: ان لم أحضره عند حلول الأجل كان على كذا، و حضر الأجل لم يلزمه إلا إحضار الرجل دون ما ذكره من المال، لانه بدأ بضمان النفس قبل المال و افترق الأمران.
و قال ابن الجنيد: إذا قال الكفيل لطالب الحق: مالك على فلان فهو على دونه الى يوم كذا، و أنا كفيل لك بنفسه صح الضمان على الكفيل بالنفس، و بالمال ان لم يؤد المطلوب الى الطالب الى ذلك الأجل و سواء قال له عند الضمان: ان لم يأتك به أو لم يقل ذلك، فان قدم الكفالة بالنفس، و قال أنا كفيل لك بنفس فلان
68
الى يوم كذا، فان جاء بمالك عليه و هو ألف درهم، و الا فأنا ضامن للألف، صحت الكفالة بالنفس، و بطل الضمان للمال، لان ذلك كالقمار و المخاطرة، و هو كقول القائل ان طلعت الشمس غدا فمالك على فلان غريمك و هو ألف درهم على، الذي قد اجمع على أن الضمان لذلك باطل.
قال العلامة في المختلف: و عندي في هذه المسئلة نظر، ثم قال: و قول ابن الجنيد أنسب. (1)
أقول: و الأصل في هذه المسئلة ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب عن أبى العباس (2) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل كفل لرجل بنفس رجل فقال: ان جئت به و الا فعليك خمسمائة درهم، قال: عليه نفسه، و لا شيء عليه من الدراهم، فان قال: على خمسمائة درهم ان لم أدفعه إليك قال: تلزمه الدراهم ان لم يدفعه اليه».
هكذا في رواية الكافي،
و في رواية الشيخ في التهذيب هكذا» فقال: ان جئت به، و الا فعلى خمسمائة درهم» الخبر.
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن أبى العباس (3) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتكفل بنفس الرجل إلى أجل، فان لم يأت به فعليه كذا و كذا درهما، قال: ان جاء به الى الأجل فليس عليه مال، و هو كفيل بنفسه أبدا الا أن يبدأ بالدراهم، فان بدأ بالدراهم فهو لها ضامن ان لم يأت به الى الأجل الذي أجله».
و قد أطال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الكلام في هذه المسئلة ينقل ما وقع
____________
(1) قال في المسالك بعد أن نقل عن العلامة في هذه المسئلة قولا غريبا نقله عن ابنه فخر المحققين: و قد صار للعلامة وحده في هذه المسئلة أربعة أقوال، هذا أحدها، و الثاني قوله في القواعد بلزوم المال في الثانية مطلقا، و الثالث في التحرير و التذكرة بلزوم المال ان لم يحضره، و الرابع في المختلف مذهب ابن الجنيد و هو قول يحتاج تقريره مع تطويل فأعرضنا عنه هنا، انتهى. منه (رحمه الله).
(2) الكافي ج 5 ص 104 ح 3- التهذيب ج 6 ص 210 ح 10.
(3) الفقيه ج 3 ص 54 ح 4 و التهذيب ج 6 ص 209 ح 5 هما في الوسائل ج 13 ص 157 ح 1 و 2.
69
فيها من الأقوال، و المناقشة في كل منها، و وجه الإشكال في الخبرين المذكورين، و خروجهما عن مقتضى القواعد.
و نحن نذكر هنا ملخص ذلك ليتضح به الحال، و يظهر به ما في الخبرين المذكورين من الاشكال، و ذلك فان ظاهر الخبرين الاشتمال على حكمين مختلفين، و مسئلتين متغايرتين باعتبار الفرق بين تقديم الجزاء على الشرط، و تأخيره عنه، مع أن ذلك لا مدخل له في اختلاف الحكم، لان الشرط و ان تأخر فهو في حكم المتقدم، الا أن الجماعة جمدوا على النص، و مع ذلك فإن جملة منهم لم يقفوا على قيوده، فان الشيخ و المحقق في الشرائع (1) و العلامة في الإرشاد و القواعد ذكروا لزوم المال في المسئلة الثانية غير مقيد بقيد، مع أنه مقيد في الخبرين بقوله في الاولى ان لم يدفعه اليه، و في الثانية بقوله ان لم يأت به الى الأجل الى آخره، و قد تفطن لذلك المحقق في النافع، فقال: كان ضامنا للمال ان لم يحضره إلى الأجل، و كذلك العلامة في التحرير و التذكرة.
ثم ان جملة منهم جمدوا على النص و لم يلتفتوا الى تعليل في دفع ما اشتمل عليه من المخالفة، لمقتضى القواعد كما هو طريقة الشيخ في النهاية، و منهم من التجأ الى أن الحكم في المسئلتين إجماعي، و مع ذلك فإنه منصوص، فلا يمكن العدول عنه بمجرد التباس الفرق بين الصيغتين، و على هذا بنى الشيخ ابن فهد في المهذب، و تبعه المحقق الشيخ على في شرح القواعد.
و فيه نظر لعدم تحقق الإجماع المذكور (2) و منهم من اكتفى بمجرد الدعوى
____________
(1) قال في الشرائع: و لو قال: ان لم أحضره كان على كذا لم يلزمه إلا إحضاره دون المال، و لو قال: على كذا الى كذا ان لم أحضره وجب عليه ما شرط من المال. و قال في الإرشاد: و لو قال: ان لم أحضره كان على كذا لزمه الإحضار خاصة، و لو قال: على كذا الى كذا ان لم أحضره وجب المال، انتهى. منه (رحمه الله).
(2) و توضيحه ان أحدا لم يدع الإجماع في المسئلة، و الموجود كلامهم في المسئلة جماعة يسيرة من الأصحاب و الباقون لم يتعرضوا للكلام فيها بالكلية مع ان العلامة كما تقدم نقل كلامه في المختلف و تنظر في ذلك، ثم قال الى كلام ابن الجنيد المخالف لما ذكروه و قد عرفت أيضا اختلاف قولي المحقق في الشرائع و النافع في ذلك، فدعوى الإجماع و الحال كما عرفت مجازفة محضة. منه (رحمه الله).
70
كابن إدريس على ما تقدم في كلامه، و هو فرق بمجرد الدعوى لا يتحصل له فائدة، و لهذا قال المحقق في نكت النهاية في رده: ان الشرط متقدم على المشروط طبعا فلا عبرة بتأخره وضعا، و منهم من علل ذلك بعلة ظنها وافية بالمراد، خالية عن الإيراد، كالشيخ (رحمة الله عليه) حيث ذكر أن السر في لزوم المال إذا قدمه براءة ذمة المضمون عنه، فيمتنع الكفالة، و إذا قدم الكفالة كان الضمان المتعقب لها لكونه معلقا على شرط باطلا، و لمنافاة الضمان صحة الكفالة و هذا السر الذي أظهره ناش من عبارة العلامة في القواعد و الإرشاد، و المحقق في الشرائع (1) حيث أطلقوا لزوم المال في المسئلة الثانية، و قد عرفت مما قدمنا ذكره أنه في الرواية مشروط بعدم إحضاره، فتكون الكفالة أيضا صحيحة، و ان تأخرت عن ذكر المال.
هذا مع أنه مع تقديم المال قد جعل ضمانه مشروطا بعدم إحضاره، فكيف يقال:
ببراءة ذمة المضمون عنه حتى تمتنع كفالته؟ و ما هذا الا رجوع الى فرق ابن إدريس الذي لم يجد نفعا، و مع تقديم الكفالة قد ذكر في الرواية أنه ان جاء به الى الأجل فليس عليه مال، و مفهوم الشرط أنه ان لم يجيء به لزمه المال، فدل بمفهومه على خلاف ما ذكره الجماعة- و أبدأوه من الفرق الا أن لا يقولوا بمفهوم الشرط.
أقول: لا يخفى ان فهم هذا الحكم الذي ذكروه و اختلفوا التفصي عن صحته من الرواية الأولى انما يتم على تقدير رواية الشيخ لها في التهذيب كما تقدم ذكره و أما على رواية الكافي فإن الظاهر أن القائل بقوله «ان جئت به و الا فعليك خمسمائة درهم» انما هو المكفول له خاطب بذلك الكفيل، كما هو ظاهر سياق الرواية، و حينئذ فقوله (عليه السلام): «عليه نفسه و لا شيء عليه من الدراهم» ظاهر، لان مقتضى الكفالة إحضار المكفول خاصة، و ما اشترطه عليه المكفول له لغو من القول، لا عبرة به، و لا أثر يترتب، و حينئذ فلا تكون هذه الرواية من
____________
(1) و انهم ذكروا أنه مع تقديم ذكر الكفالة في العبارة، فالواجب الإحضار، دون المال، و الرواية دلت بالمفهوم الشرطي على أنه ان لم يجيء بالرجل إلى الأجل فعليه المال فإطلاق لزوم الكفالة بمجرد تقديمها في العبارة لا وجه له لما دل عليه النص من التفصيل في ذلك. منه (رحمه الله).
71
المسئلة في شيء.
بقي قوله في تتمة الرواية، «فإن قال» يحمل على قول الكفيل، بمعنى أنه ان قال ذلك و ألزم نفسه المبلغ المذكور لزمه ان لم يدفعه، و ما ربما يقال:
- من أنه يخالف المشهور، من أن مقتضى الكفالة أداء المال ان لم يحضر المكفول- مردود بما قدمنا ذكره، من أن غاية ما يفهم من أخبارها المتقدمة انما هو إحضار المكفول خاصة، غاية الأمر انهما إذا اصطلحا و تراضيا بدفع المال صح ذلك، و الا فالحق الذي أوجبته الكفالة انما هو الإحضار خاصة.
نعم يبقى الإشكال بالنسبة الى الخبر الثاني، قال في الوافي- و نعم ما قال، بعد ذكر الخبرين المتقدمين على الترتيب الذي قدمناه و نقله الرواية الأولى بما في الكافي- ما لفظه: بيان الفرق بين الصيغتين في الخبرين غير بين و لا مبين، و قد تكلف في ابدائه جماعة من أصحابنا بما لا يسمن و لا يغني من جوع، صونا لهما من الرد، و قد ذكره الشهيد الثاني في شرحه للشرائع، من أراد الوقوف عليه و على ما يرد عليه فليرجع اليه و يخطر بالبال أن مناط الفرق ليس تقديم الشرط على الجزاء و تأخيره عنه، كما فهموه، بل مناطه ابتداء الكفيل بضمان الدراهم من قبل نفسه مرة، و إلزام المكفول له بذلك من دون قبوله أخرى كما هو ظاهر الحديث الأول و الحديث الثاني، و ان كان ظاهره خلاف ذلك الا أنه يجوز حمله عليه، فان قول السائل «فان لم يأت به فعليه كذا» (1) ليس صريحا في أنه قول الكفيل، و على تقدير إبائه عن هذا الحمل يحمل على وهم الراوي، أو سوء تقريره، فان صدر الخبرين واحد، و السائل فيهما واحد، هذا على نسخة الكافي كما كتبناه.
و أما على نسخة التهذيب الذي نشأت فيها تكلفات الأصحاب فلا يتأتى هذا التوجيه، فان الحديث فيه هكذا «رجل تكفل لرجل بنفس رجل، فقال: ان جئت به و الا فعلى خمسمائة درهم» الحديث، و الظاهر أنه من غلط النساخ و العلم عند الله. انتهى.
أقول: بل الظاهر انه من سهو قلم الشيخ، فإنه لا يخفى على من نظر الكتاب
____________
(1) الأظهر في العبارة ان نقول إلزام المكفول له الكفيل بذلك من دون قبوله، و لعله سقط من النسخة التي عندنا. منه (رحمه الله).
72
المذكور بعين التأمل، فإنه قلما يخلو حديث من أحاديثه من التغيير أو التبديل أو التحريف في السند أو المتن. و الله العالم.
الخامس [في حكم إطلاق الغريم من يد صاحب الحق]
- قالوا: من أطلق غريما من يد صاحب الحق قهرا ضمن إحضاره أو أداء ما عليه، و لو كان قاتلا لزمه إحضاره أو دفع الدية. و الوجه في وجوب الإحضار في كل من المسئلتين أنه بإطلاقه الغريم قهرا غاصب، فعليه ضمان ما غصبه بإحضاره، لأن اليد المستولية يد الشرعية مستحقة و به يتحقق الغصب، و يبتنى عليه الضمان بالإحضار.
و أما الوجه في أداء ما عليه في المسئلة الاولى فإنهم عللوه بأنه بإطلاقه له غصبا فاللازم له اما إرجاعه و تسليمه، أو أداء ما عليه من الحق الذي بسببه ثبتت اليد عليه.
و الظاهر أنه يبنى على ما تقدم في الكفيل الممتنع من الإحضار و تسليم المكفول، فان قلنا بالتخيير بين الإحضار و دفع ما عليه ثم ما ذكروه هنا، و الظاهر أن القائل به هنا بنى على ذلك في تلك المسئلة.
و ان قلنا: بأن الحق الذي اقتضته الكفالة انما هو الإحضار خاصة و الرضى بما عليه معاملة أخرى، تتوقف على التراضي لم يتجه ما ذكروه هنا من التخيير، و بالنسبة إلى دفع الدية في المسئلة الثانية هو الحيلولة أيضا بينه و بين غريمه.
و لكن الظاهر تقييد ذلك بعدم التمكن من إحضاره و ان كان ظاهر كلامهم الإطلاق، و لم أقف في المقام على خبر الا ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي عن حريز (1) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام)» قال: سألته عن رجل قتل رجلا عمدا فرفع إلى الوالي فدفعه الوالي إلى أولياء المقتول ليقتلوه، فوثب عليهم قوم فخلصوا القاتل من أيدي الأولياء، فقال: أرى أن يحبس الذين خلصوا القاتل من أيدي الأولياء حتى يأتوا بالقاتل، قيل فان مات القاتل و هم في السجن، قال: فان مات فعليهم الدية يؤدونها جميعا إلى أولياء المقتول».
و هذا الخبر كما ترى ظاهر الدلالة، في أن حكم المسئلة الثانية انما هو حبس من أطلق للقاتل حتى يحضره، و لا تعرض فيه لما ذكروه من التخيير بين إحضاره،
____________
(1) الكافي ج 7 ص 286 ح 1- التهذيب ج 10 ص 223 ح 8- الفقيه ج 4 ص 80 ح 15 الوسائل ج 19 ص 34: الباب 16.
73
و بين دفع الدية و الامام (عليه السلام) انما أوجب عليه الدية بعد موت القاتل و عدم إحضاره، فهو ظاهر في أنه مع حيوة القاتل فليس الحكم إلا إحضاره و تسليمه الى أولياء الدم، و هو موافق لما تقدم من أخبار الكفالة من حيث أن مقتضاها انما هو إحضار المكفول، دون أداء ما عليه كما ادعاه جملة منهم.
و منه يفهم أيضا حكم المسئلة الاولى، و أن الحكم فيها انما هو إحضاره لا أداء ما عليه، لان مرجع المسئلتين إلى أمر واحد، و هو من أطلق من عليه حق من يد غريمه قهرا، فإنه يضمنه، و يجب عليه إحضاره و تسليمه لمن أخذه من يده، و أن للحاكم أن يحبسه كما يحبس الكفيل حتى يحضره.
بقي الكلام في أنهم قالوا في المسئلة الاولى: و حيث يؤحذ المال لا رجوع له على الغريم إذا لم يأمره بدفعه، إذ لم يحصل من الإطلاق ما يقتضي الرجوع، و هو جيد لو ثبت جواز أخذ المال، الا أنه لا دليل عليه كما عرفت.
و قالوا في الثانية: لا فرق بين كون القتل عمدا و غيره، إذ القصاص لا يجب الا على المباشر، فإذا تعذر استفاؤه وجبت الدية، كما لو هرب القاتل عمدا أو مات، ثم ان استمر القاتل هاربا ذهب المال على المخلص، و ان تمكن الولي منه وجب عليه رد الدية إلى الغارم و ان لم يقبض من القاتل، لأنها انما وجبت لمكان الحيلولة و قد زالت، و عدم القتل الان مستند الى اختيار المستحق (1).
أقول: و في هذا أيضا ما في سابقه، فان وجوب الدية على المخلص انما ثبت في صورة موت القاتل خاصة، كما عرفت من الخبر المتقدم، بمعنى أن المخلص له لم يسلمه حتى مات، و الا فمع حياته فالحكم انما هو إحضاره، فيحبس المخلص له حتى يحضره.
____________
(1) بمعنى أنه بعد الهرب أخذ الولي الدية من المخلص فان استمر على هربه ذهب ما دفعه المخلص، و ان تمكن منه الولي فلا ريب في رده الدية إذا اختار القصاص، و كذا يجب عليه ردها لو لم يتخير القصاص، لأنه إنما أخذها من حيث الحيلولة، و قد سقطت بعد رؤيته فيرجع بالدية على القاتل، و يجب ردها على المخلص، هذا حاصل كلامه، و فيه ما عرفت في الأصل. منه (رحمه الله).
74
فقوله «انه مع تعذر استيفاء القصاص يجب الدية، كما لو هرب القاتل عمدا أو مات»، مسلم بالنسبة إلى الموت خاصة، دون الهرب، فإنه لا دليل على أخذ الدية في الصورة المذكورة، و به يظهر ما في تفريعه على ذلك بقوله «ثم ان استمر القاتل هاربا» الى آخره.
و قالوا أيضا لو كان تخليص الغريم من يد كفيله و تعذر استيفاء الحق من قصاص أو مال و أخذ المال أو الدية من الكفيل كان له الرجوع على الذي خلصه لعين ما ذكر في تخليصه من يد المستحق.
و فيه أيضا ما عرفت من أن الواجب بمقتضى النصوص في هذه الصورة انما هو حبس المخلص حتى يحضر الغريم الذي خلصه و يدفعه الى الكفيل، ثم ان الكفيل يدفعه الى المكفول له، و ليس على الكفيل أن يغرم المال كما ادعوه، حتى أنه يرجع به بعد ذلك على الذي خلصه.
نعم قد ورد ذلك كما عرفت في صورة موت الغريم، و يحتمل قريبا إجرائه في كل موضع تعذر فيه تحصيل الحق من الغريم، لا مطلقا كما ادعوه، و قد تقدم في الموضع الثالث ان الواجب على الكفيل بمقتضى الأخبار المذكورة ثمة انما هو الإحضار خاصة دون أداء ما على الغريم.
و بالجملة فإن كلامهم في هذا المقام كله مبنى على وجوب الأداء على الكفيل في الكفالة، و المخلص في صورة هذا الموضع، و قد عرفت ما فيه، و أنه مع عدم الدليل عليه مدفوع بالأخبار الواردة ثمة و هنا أيضا. و الله العالم.
السادس [وجوب كون المكفول معينا]
- الظاهر أنه لا خلاف بينهم في وجوب كون المكفول معينا، فلو قال: كفلت أحد هذين لم يصح، و كذا لو قال: كفلت بزيد أو فلان، و كذا لو قال: كفلت بزيد فان لم آت به فبعمرو، لاشتراك الجميع في الجهالة، و إبهام المكفول فتبطل لان الغرض من الكفالة هو وجوب إحضار المكفول متى طلبه المكفول له و إذا لم يعلم المكفول بعينه لم يستحق المطالبة بإحضاره.
و في الصورة الثالثة ما يوجب البطلان- زيادة على الجهالة- من تعليق كفالة عمرو على شرط، و هو عدم الإتيان بزيد فتبطل من هذا الوجه أيضا، و كفالة زيد
75
ليست متعينة، لأن الكفيل جعل نفسه في فسحة بإحضار عمرو ان اختار، فيرجع الى الإبهام كالسابق، هكذا قرروه.
و التحقيق أن يقال: ان الكفالة من العقود اللازمة الموجبة لاشتغال الذمة فيجب الوقوف فيها على ما ورد به الشرع، و قرره من المواضع التي تتحقق فيه، و هو ما إذا كان المكفول متعينا معلوما، و أما ما عداه فلا يصح، لعدم الدليل عليه.
السابع [في إحضار المكفول قبل الأجل]:
قال الشيخ في المبسوط: إذا تكفل مؤجلا صح، فإن أحضره قبل الأجل و سأله تسلمه نظر، فان كان لا ضرر عليه لزمه تسلمه، و ان كان عليه ضرر لم يجب، و تبعه ابن البراج على ذلك.
و المشهور بين المتأخرين و به صرح المحقق و العلامة و غيرهما هو عدم الوجوب، لانه غير التسليم الواجب، حيث أن وجوبه مشروط بحلول الأجل، فحقه مخصوص بحلول الأجل، فلا يجب أن يقبض غير حقه و لا يعتديه.
و مثله ما لو شرط تسليمه في مكان أو قلنا باقتضاء الإطلاق الانصراف الى موضع العقد، فسلمه في غيره و ان انتفى الضرر أو كان أسهل، كذا قالوا، و لو سلمه الكفيل الا أن المكفول له لا يمكنه تسلمه و قبضه، لكونه ممنوعا بيد قاهر لم يبرأ الكفيل، لأن براءة مشروطة بالتسليم التام كما تقدم بيانه في الموضع الثالث، فلا يعتبر بالتسليم الممنوع معه من استيفاء الحق بقاهر أو غيره.
و لو كان في حبس الحاكم الشرعي لم يمنع ذلك تسليمه، للتمكن من استيفاء الحق، بخلاف ما إذا كان في حبس الجائر، و الفرق بينهما واضح في الأغلب، فإن الحاكم الشرعي لا يمنع من إحضاره و مطالبته بالحق، بخلاف الجائر، فإنه قد يمنع، فلا بد من التقييد بمنعه، و الا فلو فرض أن المكفول له قادر على تسلمه من حبس الجائر، لصحبة كانت بينه و بينه، أو قوة المكفول له أو نحو ذلك، فإنه في قوة عدم الحبس بالكلية، و الأصحاب انما أطلقوا الحكم بناء على الغالب من عدم تسلمه تاما لو كان في حبس الجائر.
ثم انه لو كان في حبس الحاكم الشرعي فطلبه الكفيل من الحاكم أمر الحاكم بإحضاره، و حكم بينهما فان انفصلت الحكومة بينهما رده الى الحبس
76
بالحق الأول، و لو توجه عليه حق يوجب الحبس حبسه أيضا بالحقين معا، و توقف فكه على خلاصه من الحقين معا.
الثامن [حكم ما لو تكفل بتسليمه في موضع معين]
- المشهور في كلام جملة منهم أنه إذا تكفل بتسليمه في موضع معين وجب عملا بالشرط و لا يبرء بالدفع في غيره.
و قال الشيخ في المبسوط: إذا تكفل على أن يسلمه إليه في موضع، فسلمه في موضع آخر، فان كان عليه مؤنة في حمله الى موضع التسليم لم يلزم قبوله، و لا يبرء الكفيل، و ان لم يكن عليه مؤنة و لا ضرر لزمه قبوله، كما ذكرنا في الأجل سواء و تبعه ابن البراج في ذلك.
ورد الأصحاب بما ردوا به قوله في سابق هذا الموضع من أن حقه انما هو في ذلك الموضع المشترط، فلا يجب عليه القبول في غيره، لانه ليس حقه، و أما إذا تكفل بتسليمه مطلقا و لم يعين موضعا فظاهرهم أن الإطلاق ينصرف الى بلد العقد، لانه المفهوم، و قد تقدم الكلام في ذلك في فصل السلم في كتاب البيع (1) و يشكل ما ذكروه بما لو كان محل العقد مكانا لا رجوع لهما اليه كبرية أو بلد غربة، يقصدان مفارقته، و نحو ذلك، الا أن تدل القرائن على استثناء مثل ذلك، و خروجه عن الإطلاق.
و نقل في المختلف عن الشيخ في المبسوط: أنه إذا أطلق موضع التسليم وجب التسليم في موضع الكفالة، ثم نقل عن ابن حمزة أنه يلزمه التسليم في دار الحاكم أو موضع لا يقدر على الامتناع، و رده قال: لنا انه إطلاق لموضع التسليم فتعين موضع العقد كالسلم، و لعدم أولوية بعض الأمكنة.
التاسع- إذا كان المكفول غائبا، و الكفالة حالة أو مؤجلة، و حل الأجل و هو غائب
، فإن كان الغائب ممن يعرف موضعه و لم ينقطع خبره انتظر بقدر ما يمكن الذهاب اليه و العود به، و ان لم يعرف له خبر و لا موضع و صار مفقود الخبر لم يكلف الكفيل بإحضاره، لتعذره و عدم إمكانه، و لا شيء عليه، لانه لم يقصر في الإحضار ليؤخذ بالمال، كما ذكره جملة منهم و لم يضمن المال، فلا يتعلق به شيء.
العاشر [في تكفل رجلين ببدن رجل لرجل]
- قال الشيخ في المبسوط: إذا تكفل رجلان ببدن رجل لرجل، فسلمه
____________
(1) ج 20 ص 31.
77
أحدهما لم يبرء الأخر، لأنه لا دليل عليه، و لتغاير الحقين، و تبعه ابن حمزة و ابن البراج.
و المشهور في كلام المتأخرين برأيه الأخر، لأن المقصود تسليمه له و قد حصل، بل لو سلم نفسه أو سلمه أجنبي بريء الكفيل من الكفالة، لحصول الغرض فكيف مع تسليم أحد الكفيلين- فإنه أولى.
و تظهر الفائدة لو هرب بعد التسليم الأول، فعلى المشهور لا حق للمكفول له، و على قول الشيخ و من تبعه له الرجوع على الكفيل الثاني، لبقاء حقه عليه، ثم انه على تقدير القول المشهور هل يشترط في تسليم أحد الكفيلين وحده قصد تسليمه عنه و عن شريكه؟ أم يكفي الإطلاق؟ بل يكفى تسليمه عن نفسه احتمالان: و يأتي مثلهما فيما لو سلم نفسه أو سلمه أجنبي، و يأتي مثله أيضا في وجوب قبول المكفول له و قبضه عمن لم يسلم، إذ لم يجب عليه قبول الحق ممن ليس له عليه أو بدله- و من حصول الغرض و هو التسليم.
و ظاهر إطلاق الأصحاب القائلين بهذا القول هو الاجتزاء به مطلقا في هذه المسئلة، و سيأتي الكلام في ذلك بالنسبة الى غير هذه الصورة.
و لو انعكس الفرض بأن تكفل رجل لرجلين برجل، ثم سلمه الى أحدهما لم يبرء من الأخر عند الأصحاب، قالوا: و الفرق بين هذه الصورة و سابقتها- بناء على القول المشهور من براءة الجميع- هو أن عقد الكفالة في هذه الصورة وقع مع اثنين، فهو بمنزلة عقدين، كما لو تكفل لكل واحد منهما على انفراده، و كما لو ضمن دينين لشخصين، فأدى أحدهما، فإنه لا يبرء من دين الأخر.
أقول: و الأظهر في التنظير انما هو كالمال المشترك بين اثنين في ذمة آخر، فإنه لا يبرئ بالدفع الى أحد الشريكين، الا أن يكون وكيلا عن الأخر في القبض، فيكون المتسلم هنا أصالة من نفسه، و وكالة عن الأخر. بخلاف الصورة السابقة، فإن الغرض من كفالتهما إحضاره، و قد حصل و ان كان بفعل أحدهما فتبطل الكفالة لحصول الغرض منها.
الحادي عشر- لو قال الكفيل: أبرأت المكفول، فأنكر المكفول له
، فان كان للكفيل بينة تثبت دعواه فلا اشكال، و ان لم تكن بينة فاليمين من طرف المكفول له فاما أن يحلف على بقاء حقه أو يرد اليمين على الكفيل،
78
فان حلف برأ من دعوى الكفيل عليه، و تثبت الكفالة، ثم ان جاء الكفيل بالمكفول فادعى البراءة أيضا لم تكف اليمين الأولى التي حلفها المكفول له للكفيل، بل عليه له يمين أخرى، لأنها دعوى ثانية لا تعلق له بالدعوى الأولى، فإن الدعوى الاولى في ثبوت الكفالة و عدمها، و ان لزمها برأيه المكفول لو ثبتت، و الدعوى الثانية في ثبوت الحق و عدمه.
و ان رد المكفول له اليمين على الكفيل فحلف برأ من الكفالة، و لا يبرء المكفول من المال، و ان كان اللازم من يمينه ذلك، الا أن الدعويين مختلفان، و لأن الإنسان لا يبرء بيمين غيره.
نعم في صورة الدعوى بين المكفول و المكفول له لو حلف المكفل اليمين المردودة عليه بأنه بريء الذمة من دعوى المكفول له برأ المكفول و الكفيل، لانه متى ثبت بها براءة الذمة بطلت الكفالة، و ان كان قد حلف المكفول له للكفيل أولا على عدم الإبراء، لسقوط الحق بيمين المكفول و تصير في حكم ما لو أدى الحق فتبرئ ذمته، و تبطل الكفالة كما ذكرناه.
الثاني عشر [في براءة الكفيل إذا مات المكفول]
- قالوا: إذا مات المكفول برأ الكفيل، و كذا لو جاء المكفول و سلم نفسه الى المكفول له.
أقول: أما الحكم الأول فوجهه واضح، لان متعلق الكفالة النفس و قد فاتت بالموت، و الإحضار المذكور في الكفالة انما ينصرف الى حال الحياة، لأنه الفرد الشائع الذي يترتب عليه الأحكام فيحمل عليه الإطلاق.
قال: بعض محققي متأخري المتأخرين، و كأنه مجمع عليه بين الأصحاب و الغرض من ذكره انما هو الرد على بعض العامة، حيث أوجبوا المال على الكفيل، الا أنه قال في المسالك: هذا كله إذا لم يكن الغرض الشهادة على صورته، و الا وجب إحضاره ميتا مطلقا، حيث يمكن الشهادة عليه بأن لا تكون قد تغيرت بحيث لا تعرف، و لا فرق في ذلك بين كونه قد دفن و عدمه، لان ذلك مستثنى من تحريم نبشه. انتهى.
أقول: ما ذكره من الفرع المذكور قد نقله العلامة في التذكرة عن بعض الشافعية، و رده، و لا بأس بنقل ملخص كلامه في هذه المسئلة في الكتاب قال (قدس سره)
79
إذا مات المكفول به بطلت الكفالة و لم يلزم الكفيل شيء عند علمائنا، ثم نقل ذلك عن جملة من علماء العامة، ثم نقل عن جملة منهم القول بوجوب المال على الكفيل، معللين ذلك بأن الكفيل وثيقة على الحق، فإذا تعذر استيفاء الحق ممن عليه استوفى من الوثيقة كالرهن.
ثم رده بالفرق بين الموضعين المذكورين، ثم قال: و قال بعض الشافعية:
لا تبطل الكفالة، و لا ينقطع طلب الإحضار عن الكفيل، و هو أصح قولي الشافعية عندهم، بل عليه إحضاره ما لم يدفن و قلنا بتحريم النبش لأخذ المال إذا أراد المكفول له إقامة الشهادة على صورته، كما لو تكفل ابتداء ببدن الميت.
ثم رده بأنه ليس بجيد، قال: لأن الكفالة على الإحضار إنما يفهم منها إحضاره حال الحياة، و هو المتعارف بين الناس- و الذي يخطر بالبال، فيحمل الإطلاق عليه.
و يمكن كما احتمله بعض المحققين حمل كلامه في المسالك على ما إذا اشترط إحضاره ميتا لأجل الاشهاد في عقد الكفالة.
و أما الحكم الثاني فالظاهر أنه لا إشكال في صحته، و برأيه الكفيل لو سلم نفسه تسليما تاما، لحصول الغرض به بأي نحو كان، و قيده في التذكرة بما إذا سلم نفسه من جهة الكفيل، فلو لم يسلم نفسه من جهته لم يبرء الكفيل، لانه لم يسلمه، و لا أحد من جهته، و أطلق في موضع آخر من الكتاب البراءة كما هو ظاهر عبائر كثير من الأصحاب، و هو الأظهر.
قال في المسالك: و هو أجود، و به جزم المحقق الأردبيلي (قدس سره) و لو سلمه أجنبي عن الكفيل فلا خلاف و لا اشكال، و لو لم يكن عنه فالوجهان المتقدمان. و جزم في التذكرة هنا بالتفصيل، بأنه ان كان عن الكفيل صح و برئت ذمة الكفيل، و الا فلا، قال: لانه لا يجب على المكفول له قبوله، الا أن يكون التسليم صادرا عن اذن الكفيل، محتجا بعدم وجوب قبض الحق الا ممن هو عليه، لكن لو قبل برء الكفيل.
قال في المسالك و نعم ما قال: و في كل هذه الفروع نظر، و إطلاق المصنف و جماعة يقتضي عدم الفرق، و لعله أوجه.
80
و كلام التذكرة مختلف، و سياقه يقتضي التفريع عند الشافعية، و أنه لا يرتضيه، الا أن عبارته وقعت مختلفة.
الثالث عشر [ترامي الكفالة]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بترامي الكفالة، كما تقدم مثله في الضمان و الحوالة، لأنه لما كان ضابط جواز الكفالة ثبوت حق على المكفول و ان لم يكن مالا صح كفالة الكفيل من كفيل ثان، لان الكفيل الأول عليه حق المكفول له، و هو إحضار المكفول الأول، و هكذا القول في كفالة كفيل الكفيل، و هكذا في المرتبة الثالثة و ما بعدها، و هو المراد بالترامي، الا أنه يختلف حكم الإحضار في هذه المراتب، فإنه متى أحضر الكفيل الأخير في هذه المراتب المتعددة مكفولة برء من الكفالة خاصة، و بقي على مكفولة إحضار من كفله، و هكذا، و لو أحضر الكفيل الأول مكفوله برء الجميع. لأنهم فروع عليه، و هكذا لو أحضر الكفيل الثاني الكفيل الأول بريء هو و من بعده من الكفلاء للفرعية عليه كما عرفت، و نحو ذلك لو أبرء المكفول له الأول غريمه، و هو المكفول الأول بريء جميع من تأخر عنه، لزوال الكفالة بسقوط الحق بالإبراء، و لو أبرء بعض أصحاب هذه المراتب غيره من حق الكفالة، بمعنى أنه أسقط عنه حق الكفالة، برء كل من كان بعده دون من كان قبله.
و متى مات واحد منهم برء من كان فرعا عليه فبموت من عليه الحق يبرؤن جميعا، و بموت الكفيل الأول يبرء من بعده، و بموت الثاني يبرء الثالث و من بعده دون من يكون قبله، و هكذا بعد موت الثالث يبرء من بعده، و لا يبرئ الأولان، كل ذلك لما عرفت من الفرعية في المتأخر، فيسري إليه الإبراء دون المتقدم.
و قد تقدم في الضمان و الحوالة وقوع الترامي و الدور فيهما، و الترامي هنا قد عرفت صحته، و أما الدور، فإنه لا يصح هنا، لان حضور المكفول الأول يوجب براءة من كفله، و ان تعدد، فلا معنى لمطالبته بإحضار من كفله كذا أفاده شيخنا الشهيد الثاني (عطر الله مرقده) في المسالك. و الله العالم.
الرابع عشر [فيما يعتبر عقد الكفالة من اللفظ]
- لا يخفى أنه حيث أن الغرض من الكفالة إحضار ذات المكفول، فالواجب في عقد الكفالة الإتيان بلفظ يدل على ذلك، و لا خلاف و لا اشكال فيما
81
لو قال: كفلت لك فلانا أو أنا كفيل به، أو بإحضاره، و في حكم لفظ ذاته، لفظ نفسه و بدنه، لان الجميع بمعنى واحد في العرف العام، و ان اختلفت تحقيقا في الحقيقة.
انما الكلام في مثل لفظ الرأس و الوجه، بأن يقول: كفلت لك برأسه- أو بوجهه، فظاهر جملة من الأصحاب كالعلامة و المحقق و غيرهما، بل الظاهر أنه المشهور بينهم صحة الكفالة، لأن هذين اللفظين مما يعبر بهما عن الجملة.
و الحق بهما العلامة في التذكرة الكبد و القلب، و كل عضو لا تبقى الحياة بدونه، و الجزء المشاع كالثلث و الربع، قال: لانه لا يمكن إحضار المكفول الا بإحضاره كله، و تنظر في ذلك بعض محققي المتأخرين، قال: أما الأول فإن العضوين المذكورين و ان كانا قد يطلقان على الجملة، الا أن إطلاقهما على أنفسهما خاصة أيضا شائع متعارف، ان لم يكن أشهر، و حمل اللفظ المحتمل للمعنيين على الوجه المصحح- مع الشك في حصول الشرط و أصالة البراءة من لوازم العقد غير واضح.
نعم لو صرح بإرادة الجملة من الجزء اتجهت الصحة، كإرادة أحد معنيي المشترك، كما أنه لو قصد الجزء بعينه لم يمكن الحكم بالجملة قطعا، بل كالجزء الذي لا يمكن الحياة بدونه، و بالجملة فالكلام عند الإطلاق و عدم قرينة تدل على أحدهما، فعند ذلك لا يصح تعليل الصحة بأنه قد يعبر بذلك عن الجملة.
و أما الثاني و هو الاجزاء التي لا يعيش بدونها و ما في حكمها، فلان إحضاره و ان كان غير ممكن بدونها، الا أن ذلك لا يقتضي صحة العقد، لان المطلوب من الكفالة هو المجموع، أو ما يطلق عليه كما في السابق على تقدير ثبوته.
أما إذا تعلق ببعضه فلا دليل على صحته، و ان توقف إحضار الجزء المكفول على الباقي لأن الكلام ليس في مجرد إحضاره، بل في إحضاره على وجه الكفالة الصحيحة، فوجوب إحضار ما لا يتعلق به الكفالة يترتب على صحة كفالة الجزء الذي تعلقت به، و ذلك الجزء ليس هو المطلوب شرعا بل في الجملة، فلا يتم التعليل، و لا إثبات الأحكام الشرعية المتلقاة من الشرع بمثل هذه المناسبات،
82
و لو جاز إطلاق هذه الاجزاء على الجملة مجازا لم يكن ذلك كافيا، لكونه غير متعارف مع أن المتعارف ما قد سمعت، و حينئذ فالقول بعدم الصحة أوضح.
و أما الجزء الذي تبقى الحياة بعد زواله، و لا يطلق عليه اسم الجملة كاليد و الرجل فعدم الصحة فيه أشد وضوحا، كما جزم به بعضهم، و استشكل فيه في القواعد مما ذكر، و من عدم إمكان إحضاره على حالته بدون الجملة، فكان كالرأس أو القلب، و لا يبعد القول بالصحة لمن يقول بها فيما سبق و ان كان الحكم فيه أضعف. انتهى كلامه (زيد مقامه) و هو جيد وجيه، أقول: لا يخفى على من راجع كتاب التذكرة، أن هذه الفروع و ما وشحت به من التعليلات كلها من كلام العامة، و قد تبعهم فيه أصحابنا، و اختلفوا باختلافهم و عللوا بتعليلاتهم، و هكذا في جملة هذه الفروع الغريبة مما تقدم في الكتب المتقدمة، و ما يأتي كلها انما جروا فيها على نهج أولئك، فإنه لا يخفى على من طالع مصنفات قدمائنا (رضوان الله عليهم) انهم لا يذكرون غير مجرد الاخبار، و هذا التفريع و تكثير الفروع في الأحكام الشرعية مبدء كان من الشيخ تبعا لكتب المخالفين في مبسوطه و خلافه، و تبعه من تأخر عنه نسأل الله عز و جل المسامحة لنا و لهم من زلات الاقدام، و مداحض الافهام. و الله العالم بحقائق الأحكام و نوابه القائمون بمعالم الحلال و الحرام.
83
كتاب الصلح
و هو عقد شرع لقطع التجاذب، و الأصل فيه الكتاب و السنة و الإجماع.
قال الله عز و جل (1) «وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يُصْلِحٰا بَيْنَهُمٰا صُلْحاً وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ» و قال عز و جل (2) «وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا».
و روى في الكافي عن حفص ابن البختري (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الصلح جائز بين الناس».
و روى في الفقيه مرسلا (4) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):
«الصلح جائز بين المسلمين الا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا».
و روى في البحار (5) نقلا عن كتاب الإمامة و التبصرة مسندا عن مسعدة بن صدقة عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) الحديث.
____________
(1) سورة النساء الآية 128.
(2) سورة الحجرات الآية 9.
(3) الكافي ج 5 ص 259 ح 5.
(4) الفقيه ج 3 ص 21 ح 1.
(5) البحار ج 103- ص 178- ح 2- و الوسائل ج 13 ص 164 الباب 3 من كتاب الصلح.
84
و روى في الكافي عن هشام بن سالم (1) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لأن أصلح بين اثنين أحب الى من أن أتصدق بدينارين.
و عن المفضل (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة فافتدها من مالي».
و عن أبي حنيفة سائق الحاج (3) قال: من بنا المفضل و أنا و ختني نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة ثم قال لنا: تعالوا الى المنزل، فأتينا فأصلح بيننا بأربعمائة درهم، فدفعها إلينا من عنده حتى إذا استوثق كل واحد منا من صاحبه.
قال لنا: أما أنها ليست من مالي و لكن أبو عبد الله (عليه السلام) أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن أصلح بينهما و أفتدى بها من ماله، فهذا من مال أبي عبد الله (عليه السلام).
، الى غير ذلك من الاخبار الواردة في المقام، و سيأتي شطر منها في بعض الأحكام.
و ما ذكرنا هنا من الآيتين و بعض الاخبار و ان لم يكن صريحا في هذا العقد المخصوص الذي هو محل البحث في هذا الكتاب، الا أنه صالح لشموله و إدخاله في ذلك.
إذا عرفت ذلك فالبحث في هذا الكتاب يقع في مطلبين:
[المطلب] الأول- في جملة من الأحكام
، و فيه مسائل
[المسألة] الاولى [في عدم اشتراط سبق النزاع في صحة الصلح]
- الظاهر أنه لا خلاف بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) في أنه لا يشترط في صحة الصلح سبق نزاع، بل لو وقع ابتداء على عين بعوض معلوم صح، و أفاد نقل كل من العوضين كما في البيع، لإطلاق الأدلة الدالة على جوازه من غير تقييد بالخصومة، كالحديث النبوي المتقدم، و صحيحة حفص بن البختري المتقدمة. (4)
و صحيحة محمد بن مسلم (5) عن الباقر (عليه السلام) أنه قال في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه و لا يدرى كل واحدكم له عند صاحبه فقال كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك، و لي ما عندي فقال: لا بأس بذلك إذا
____________
(1) في الكافي ج 2 ص 209 باب الإصلاح بين الناس ح 2 أيضا في الوسائل ج 13 ص 162 ح 1.
(2) في الكافي ج 2 ص 209 باب الإصلاح بين الناس ح 3 أيضا في الوسائل ج 13 ص 162 ح 3.
(3) في الكافي ج 2 ص 209 باب الإصلاح بين الناس ح 4 أيضا في الوسائل ج 13 ص 162 ح 4.
(4) ص 83.
(5) التهذيب ج 6 ص 206 ح 1 و الوسائل ج 13 ص 165 ح 1.
85
تراضيا،.
و صحيحة منصور بن حازم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجلين الحديث كما في سابقه و زاد و طابت به أنفسهما.
و صحيحة الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) و غير واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يكون عليه الشيء فيصالح، فقال: إذا كان بطيبة نفس من صاحبه فلا بأس».
و صحيحة الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يعطى أقفزة من حنطة معلومة يطحنها بدراهم، فلما فرغ الطحان من طحنه نقد الدراهم، و قفيزا منه و هو شيء اصطلحوا عليه فيما بينهم، قال: لا بأس به، و ان لم يكن ساعره على ذلك».
الى غير ذلك من الاخبار الظاهرة في المراد.
هذا و الأصل في العقود الصحة، للأمر بالوفاء، لا يقال: انهم قد عرفوه كما قدمنا ذكره بأنه عقد شرع لقطع التجاذب، و هو مستلزم لتقدم الخصومة، لأنا نقول: أولا أن الظاهر أن هذا التعريف انما وقع من العامة، و تبعهم أصحابنا فيه و لهذا ان بعض العامة شرط فيه تقدم الخصومة، فلا تقوم به حجة في الخروج عن ظواهر الأدلة المشار إليها، و ثانيا أنه مع الإغماض عن ذلك، فإنه لا يلزم من كون أصل مشروعيته لذلك أنه لا يكون الا كذلك، الا ترى أنه قد ورد في وجوب العدة و أصل مشروعيتها التعليل باستبراء الرحم، مع وجوبها في جملة من المواضع المقطوع فيها ببراءة الرحم، كمن طلق زوجته أو مات عنها بعد مفارقته لها سنين عديدة، و نحوه ما ورد من تعليل استحباب غسل الجمعة بالتأذى من روائح الأنصار إذا حضروا الجمعة، فتأذى الناس بريح آباطهم، فأمروا بالغسل لدفع تأذى الناس بذلك، مع ما استفاض من استحباب الغسل و ان كانت رائحته كرائحة المسك، الى غير ذلك.
و بالجملة فإن الخلاف في هذا المقام انما هو من العامة، نعم اختلف أصحابنا في كونه عقدا برأسه أو فرعا على غيره، فالمشهور الأول و ان أفاد في ذلك فائدة غيره
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 206 ح 1.
(2) التهذيب ج 6 ص 206 ح 2.
(3) التهذيب ج 6 ص 207 ح 9.
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 165 ح 1 و ص 166 ح 3 و ص 169 ح 1.
86
و مجرد افادته فائدة غيره لا يستلزم فرعيته عليه.
و ذهب الشيخ في المبسوط إلى أنه فرع على عقود خمسة، فجعله فرع البيع إذا أفاد نقل الملك بعوض معلوم، و فرع الإجارة إذا وقع منفعة مقدرة بمدة معلومة بعوض معلوم، و فرع الهبة إذا تضمن ملك العين بغير عوض، و فرع العارية إذا تضمن إباحة منفعة بغير عوض، و فرع الإبراء إذا تضمن إسقاط دين أو بعضه.
و الأصحاب ردوه بأن افادة عقد فائدة عقد آخر لا تقتضي كونه من أفراده، مع دلالة الدليل على استقلاله بنفسه، كغيره من العقود.
و يظهر الفرق بين القولين: أنه على المشهور عقد لازم لدخوله في عموم الأمر بالوفاء بالعقود، و على قول الشيخ يلحقه حكم ما ألحق به من العقود في ذلك الفرد الذي ألحق به.
أقول: لا يخفى أن ما ذهب اليه الشيخ هنا قد تبع فيه الشافعي حسبما نقل عنه، قال في التذكرة: الصلح عند علمائنا أجمع عقد قائم بنفسه، ليس فرعا على غيره، بل أصل في نفسه، منفرد في حكمه، و لا يتبع غيره في الأحكام، لعدم الدليل على تبعية الغير، و الأصل في العقود الأصالة.
و قال الشافعي: انه ليس بأصل منفرد بحكمه، و انما هو فرع على غيره، و قسمه على خمسة أضرب، ضرب فرع البيع، و هو أن يكون في يده عين أو في ذمته دين فيدعيها انسان فيقر له بها ثم يصالحه على ما يتفقان عليه، و هو جائز فرع على البيع، بل هو بيع عنده، يتعلق به أحكامه.
و ضرب هو فرع الإبراء و الحطيطة، و هو أن يكون له في ذمته دين فيقر له به ثم يصالحه على أن يسقط بعضه، و يدفع اليه بعضه و هو جائز و هو فرع الإبراء.
و ضرب هو فرع الإجارة، و هو أن يكون له عنده دين أو عين فصالحه عن ذلك على خدمة عبد أو سكنى دار فيجوز ذلك و يكون فرع الإجارة.
و ضرب هو فرع الهبة، و هو أن يدعى عليه دارين أو عبدين و شبههما فيقر له بهما و يصالحه من ذلك على إحديهما، و يكون هبة للأخرى.
و ضرب هو فرع العارية، و هو أن يكون في يده دار فيقر له بها و يصالحه
87
على سكناها شهرا و هو جائز و يكون ذلك عارية. انتهى.
و العجب من دعوى العلامة هنا الإجماع من أصحابنا أجمع أنه عقد قائم بنفسه، ليس فرعا على غيره، مع ما عرفت من تصريح الشيخ بما نقله عن الشافعي من الفرعية من المواضع الخمسة، و اشتهار النقل عنه في كتب الأصحاب، و منهم هو (قدس سره) في المختلف، حيث نسب فيه القول بالأصالة إلى المشهور، و نقل عن الشيخ في المبسوط أنه فرع لغيره.
و كيف كان فهذا القول بمحل من الضعف و القصور، فالاعتماد على القول المشهور، لعدم الدليل على هذه الدعوى، فإن الأصل في جميع العقود من صلح و غيره هو كون ذلك العقد أصلا برأسه، و جعله في حكم غيره أو فرعيته عليه فيلحقه أحكام غيره يحتاج الى دليل واضح.
و من هنا أنكر المحقق الأردبيلي (رحمه الله) كون قول الشيخ في المبسوط بذلك مذهبا له، و انما هو نقل لقول العامة، و استند في ذلك الى دعوى الإجماع في التذكرة، و هو عجيب منه (قدس سره) و كأنه لم يلاحظ كتاب المبسوط في هذا المقام، فان عبارته صريحة في كونه مذهبه، حيث قال بعد ذكر الأدلة الدالة على مشروعية الصلح من الآيات و الروايات: ما صورته فإذا ثبت هذا فالصلح ليس بأصل في نفسه، و انما هو فرع لغيره، و هو على خمسة أضرب، أحدها فرع البيع، و ثانيها فرع الإبراء، ثم ساق الكلام في هذه الخمسة الى أن قال: إذا ورث رجلان من مورثهما مالا فصالح أحدهما صاحبه على نصيبه من الميراث بشيء يدفعه إليه، فإن هذا الصلح فرع البيع يعتبر فيه شرائط البيع، فما جاز في البيع جاز فيه، و ما لم يجز فيه لم يجز فيه، الا أنه يصلح بلفظ الصلح، و من شرط صحة البيع أن يكون معلوما، ثم ذكر جملة من شروط البيع و أحكامه، و منها خيار المجلس الا أنه قال في آخر الكلام، و يقوى في نفسي أن يكون هذا الصلح أصلا بنفسه، و لا يكون فرع البيع، فلا يحتاج الى شروط البيع، و اعتبار خيار المجلس على ما بيناه فيما مضى، ثم ساق الكلام في باقي الأقسام، و كلامه (قدس سره) ظاهر بل صريح في كون ذلك مذهبا له، لا نقلا لمذهب العامة كما توهمه المحقق المذكور.
88
لكنه كما ترى قد صرح بالرجوع عن ذلك في صورة الفرعية على البيع، و قال: بأن الأقوى عنده أنه أصل برأسه في هذه الصورة مع اشتهار النقل عنه في كتب الأصحاب بالفرعية في البيع و غيره، كما لا يخفى على من وقف على كلامهم، و كأنهم لم يراجعوا الكتاب المذكور، و اعتمدوا في ذلك على نقل بعضهم عن بعض، و الافاق العبارة كما ترى صريحة في العدول عن مذهبه في هذه الصورة بخصوصها، فينبغي المراجعة في أمثال هذه المقامات، و عدم الاعتماد على النقول، و ان كانت من مثل هؤلاء الفحول، و المعصوم من عصمه الله تعالى فيما يفعل و يقول. و الله العالم.
المسئلة الثانية [في صحة الصلح مع الإقرار و الإنكار]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بصحة الصلح مع الإقرار و الإنكار، إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا.
أقول: أما الحكم الأول فلا خلاف فيه عندهم، قال في التذكرة: يصح الصلح على الإقرار و الإنكار معا سواء كان المدعى به دينا أو عينا عند علمائنا أجمع، و به قال أبو حنيفة و احمد انتهى.
و قال في المسالك- بعد قول المصنف يصح مع الإقرار و الإنكار- هذا عندنا موضع وفاق.
و نبه بذلك على خلاف الشافعي حيث منعه مع الإنكار، نظرا إلى أنه عاوض على ما لم يثبت له، فلا تصح المعاوضة، كما لو باع مال غيره، و نحن نمنع بطلان المعاوضة على ما لم يثبت بالصلح، فإنه عين المتنازع، و الفرق بينه و بين البيع ظاهر، فان ذلك تصرف في مال الغير بغير إذنه، بخلافه هنا، و لان معنى شرعيته عندنا و عنده على قطع التنازع و هو شامل للحالين. انتهى.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن صحة الصلح مع الإقرار و الاعتراف بالمدعى مما لا اشكال فيها لمعلوميته عند صاحبه: و لا فرق بين أن يصالح عنه بأقل، أو أكثر أو ما ساواه، للمعلومية في الجميع، و حصول التراضي من الطرفين.
إنما الإشكال في صورة الإنكار بأن يدعى شخص على غيره دينا أو عينا فينكر المدعى عليه، فتقع المصالحة بينهما اما بمال آخر، أو ببعض المدعى أو غير ذلك من منفعة و غيرها، فإنه باعتبار الإنكار، و اختلاف الخصمين في ذلك نفيا و إثباتا يحتمل أن
89
يكون المدعى محقا: و المدعى عليه مبطلا في إنكاره، و أنه مشغول الذمة في الواقع، فالصلح هنا و ان أفاد قطع النزاع بحسب الظاهر- و عدم صحة الدعوى بعد ذلك، لصحته بحسب الظاهر- الا أنه لا يفيد براءة ذمة المدعى عليه مما يزيد على مال الصلح، فيما لو فرض أنه صالحه على أقل مما في ذمته في الواقع، أو بعض العين أو المال الأخر، بل يبقى مشغول الذمة بالباقي و انما تبرأ ذمته بقدر ما دفعه خاصة.
و تدل على ذلك
صحيحة عمر بن يزيد (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان للرجل على الرجل دين فمطله حتى مات، ثم صالح ورثته على شيء، فالذي أخذته الورثة لهم، و ما بقي فهو للميت يستوفيه منه في الآخرة، و ان هو لم يصالحهم على شيء حتى مات و لم يقض عنه فهو للميت يأخذه به».
حتى أنه لو كانت الدعوى على عين في يده و صالح عنها بأقل من قيمتها فالعين بأجمعها في يده مغصوبة، و لا يستثني له منها مقدار ما دفع، لعدم صحة المعاوضة في نفس الأمر. و يحتمل أن يكون المدعى مبطلا و المدعى عليه محقا في إنكاره، و أنه بريء الذمة في الواقع، فان الصلح و ان صح ظاهرا، لكنه لا يصح بحسب الواقع، و لا يستبيح للمدعى ما دفع اليه من مال الصلح، لأنه أكل مال بالباطل، و المدعى عليه انما دفعه اليه افتداء من هذه الدعوى الكاذبة، أو خوف الضرر على نفسه و ماله لو لم يفعل، و مثل هذا لا يعد عن تراض يحصل به الإباحة.
نعم لو كانت الدعوى مستندة الى شبهة و قرينة تخرج بها عن الكذب المحض، كما لو وجد المدعى بخط مورثه أن له على فلان مالا أو شهد له من لا يثبت الحق بشهادته شرعا و لم يكن المدعى عالما بالحال، و انما ادعى بناء على هذا الفرض، و توجهت له اليمين على المدعى، فصالحه على إسقاط اليمين بمال أو قطع المنازعة، فالظاهر هنا صحة الصلح في نفس الأمر، و استحقاق ما يأخذه من مال الصلح، و بذلك صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك أيضا.
و بالجملة فالحكم بالصحة في صورة الإنكار مراد بها ما هو أعم من الصحة
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 208 ح 11- الوسائل ج 13 ص 166 ح 4.
90
بحسب ظاهر الشرع دون نفس الأمر تارة كما عرفت، و من الصحة ظاهرا و واقعا فيما إذا حصل الصلح على مقدار ما في الذمة، كما في الصورة الاولى (1).
و أما الحكم الثاني و هو قولهم «الا ما أحل حراما أو حرم حلالا» فهو عين ما صرح به الحديث النبوي المتقدم، و فسر الأصحاب تحليل الحرام بالصلح على استرقاق حر أو استباحة بضع لا سبب لإباحته إلا الصلح، أو يشربا أو أحدهما الخمر و نحو ذلك.
و بالجملة ما يكون محرما في حد ذاته، و يراد تحليله و إباحته بالصلح، و تحريم الحلال بأن لا يطأ أحدهما حليلته أو لا ينتفع بماله، أو نحو ذلك مما هو حلال له في حد ذاته، و انما يراد تحريمه بالصلح.
و على هذا فالاستثناء متصل، لان الصلح على هذا باطل ظاهرا و واقعا، و ربما فسر بصلح المنكر على بعض المدعى أو منفعته أو بدله مع كون أحدهما عالما ببطلان الدعوى: كما تقدم بيانه، و على هذا يكون الاستثناء منقطعا، لما عرفت من الحكم بصحة الصلح هنا ظاهرا، و انما بطلانه بحسب الواقع و نفس الأمر، و الحكم بالصحة، و البطلان انما يتوجه الى الظاهر، فلا يصح أن يكون الاستثناء متصلا، و يحتمل كونه متصلا بالنظر الى الواقع، و هذا المثال يصلح للأمرين معا فإنه محل للحرام بالنسبة إلى الكاذب (2) و محرم للحلال بالنسبة إلى المحق.
و الله العالم.
المسألة الثالثة [في صحة الصلح مع العلم بالمتنازع فيه و جهله]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يصح الصلح مع العلم بالمتنازع فيه و جهله، دينا كان أو عينا، و ما ذكروه من الصلح مع العلم فلا ريب في صحته، لارتفاع الجهالة، و حصول التراضي، و ان كان يبقى الكلام في المبطل منهما باعتبار الاستحقاق واقعا و عدمه، فيجري فيه ما تقدم في سابق هذه المسألة.
____________
(1) و هي احتمال ان يكون المدعى محقا و المدعى عليه مبطلا في إنكاره. منه (رحمه الله).
(2) فان الكاذب أخذ ما لا يستحقه واقعا بهذا الصلح و صار حلالا له بحسب الظاهر من هذا الصلح ما لا يستحقه واقعا من المال الذي يدعيه. منه (رحمه الله).
91
و اما مع الجهل فيحتمل أن يكون مرادهم به كما ذكره جملة من المتأخرين ما كان ناشئا عن عدم إمكان العلم، بحيث يتعذر عليهما استعلامه، لا مطلقا للزوم الغرر المنهي عنه شرعا، و لوالدي العلامة (قدس سره) و روحه و نور ضريحه) في هذا المقام تفصيل حسن، يحسن ذكره و ان طال به زمام الكلام، فإنه من أهم المهام، قال (عطر الله مرقده و أعلى في جوار أئمته (صلوات الله عليهم) مقعده) بعد كلام في المقام: إذا عرفت هذا فنقول الصلح اما ان يقع على معلوم عند المتصالحين أو مجهول عندهما، أو معلوم عند أحدهما و مجهول عند الأخر.
و على الثاني فاما أن يتعذر معرفته مطلقا، أو في الحال فقط مع إمكان معرفته في وقت آخر. أو يمكن معرفته مطلقا.
و على الثالث فالعالم فيه اما أن يكون هو المستحق، أو من عليه الحق، فإن كان الأول فاما أن يقع الصلح بأكثر من حقه أو لا، فان كان الثاني فاما أن يعلم الغريم المستحق بمقدار حقه أو لا، و مع عدم إعلامه فاما أن يصالحه بأقل من حقه أو لا فهذه تسع صور:
الاولى- أن يكون المدعى معلوما عند كل من المتصالحين
، و الحكم فيه بالصحة واضح، لارتفاع الجهالة و الغرر فيه، و لا فرق بين كون المدعى عينا أو دينا، و كون الصلح بمقدار مال المدعى من الحق أو أقل منه أو أكثر، مع حصول الرضا الباطني من كل منهما لصحة المعاوضة ظاهرا و باطنا.
الثانية- أن يكون مجهولا عندهما و كان مما يتعذر معرفته
و الإحاطة به منهما مطلقا عينا كان أو دينا كوارث يتعذر العلم بحصته، و دين غير معلوم الجنس أو الكم، و قفيز من دقيق حنطة أو شعير ممتزج، و كصبرة من طعام أتلفها شخص على آخر، و لم يعلما بقدرها، ففي هذه كلها يصح الصلح ظاهرا و في نفس الأمر و يفيد نقل الملك و إبراء الذمة، و ان كان على المجهول كما صرح به الأصحاب (رضوان الله عليهم).
بل ظاهر عبارة الشهيد الثاني في المسالك الإجماع على جوازه، و ذلك لان إبراء الذمة أمر مطلوب، و الحاجة إليه ماسة، و لا طريق اليه الا هذا الصلح
92
و يدل على صحته أيضا عموم الآية كقوله تعالى (1) «وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ» و الاخبار
كقوله (صلى الله عليه و آله) (2) «و الصلح جائز بين المسلمين الا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا».
و قول الصادق (عليه السلام) في حسنة حفص بن البختري (3) «الصلح جائز بين الناس».
و خصوص صحيحة محمد بن مسلم (4) عن الباقر (عليه السلام)، و
صفوان عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) «انهما قالا في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه و لا يدرى كل واحدكم له عند صاحبه، فقال كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك و لي ما عندي، فقال: لا بأس بذلك إذا تراضيا».
فان الظاهر من الروايات عدم إمكان العلم و المعرفة بقدر ذلك الطعام من كل منهما كما هو واضح.
الثالثة- أن يكون مجهولا عندهما و لكن لا يتعذر العلم به
، بل يمكن معرفته مطلقا، فهذا لا يصلح الصلح عليه قبل العلم به على الأظهر، لحصول الجهل فيه و الغرر الموجب للضرر بالزيادة و النقيصة مع إمكان التحرز عنه، بل لا بد من العلم به أولا بالكيل في المكيل، و الوزن في الموزون، و العد في المعدود و الذرع في المذروع، فلو صالحه على صبرة من طعام من غير كيل و لا وزن لم يصح كما قد سبق، لان الاستعلام فيه ممكن.
و كذا ظرف البر و الأرز، و وعاء التمر و نحوه لا يصلح عليه الا بعد معرفة كيله أو وزنه مثلا، و من هذا القبيل الصلح على نصيب شخص من عين أو ميراث مع جهلهما به و إمكان العلم بقدره و تعيينه بعد الملاحظة و المراجعة، و ان كان في الحال، فان الصلح و الحال هذه غير صحيح لا ظاهرا و لا باطنا، و لا يفيد تمليكا
____________
(1) سورة النساء الآية 128.
(2) الفقيه ج 3 ص 21 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 259 ح 5.
(4) التهذيب ج 6 ص 206 ح 1- الفقيه ج 3 ص 21 و ذيل رواية منصور و طابت به أنفسهما ح 2، و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 164 ح 2 و 1 و ص 165 ح 1.
93
و لا إبراء، و عموم الآية و الاخبار الدالة على جواز الصلح بين المسلمين مخصص بما لا غرر فيه و لا جهالة، للنهى عن ذلك في الخبر كما عرفته.
الرابعة- أن يكون مجهولا عندهما، و العلم به ممكن في الجملة
، لكنه متعذر لعدم الميزان و المكيال في الحال، و مساس الحاجة الى الانتقال، و قد استقرب جمع من الأصحاب منهم الشهيد (قدس سره) في الدروس و الشيخ المقداد في التنقيح و الشهيد الثاني في المسالك صحة الصلح، و الحال هذه، و وجهه تعذر العلم به في الحال مع اقتضاء الضرورة، و مساس الحاجة لوقوعه، و التضرر بتأخيره و انحصار الطريق في نقله فيه مع تناول عموم الآية، و الاخبار السالفة.
و من هذا القبيل أيضا الصلح على نصيب شخص من ميراث أو عين يتعذر العلم بقدره في الحال، مع إمكان الرجوع في وقت آخر إلى فرضي أو عالم به مع مسيس الحاجة الى نقل النصيب في الحال.
الخامسة- أن يكون مجهولا عند المستحق و معلوما عند الأخر، و هو من عليه الحق و لم يعلمه بقدره
، و صالحه بأقل من حقه، و ذلك كتركة موجودة يعلمها الذي هو في يده و يجهلها الأخر، و كذا كل من له نصيب من ميراث أو غيره لا يعلم به، و يعلم به خصمه إذا صالحه بأقل منه من غير اعلامه، سواء كان من عليه الحق منكرا ظاهرا أو مقرا بمقدار ما صالح به أو أقل منه، فان الصلح حينئذ غير صحيح، و المعاوضة في نفس الأمر باطلة، و الواجب عليه اعلام صاحب الحق، فإن رضي بالصلح بالأقل، و الا وجب إيصال حقه اليه بتمامه، فأما الصلح قبل الاعلام فهو حرام، لا يثمر تمليكا- لو كان المدعى عينا- و لا إبراء من الباقي لو كان دينا حتى لو صالح على العين بمال آخر فهي بأجمعها في يده مغصوبة، و لا يستثني له مقدار ما دفع، لعدم صحة المعاوضة في نفس الأمر.
و الذي يدل على عدم صحة هذا الصلح و جوازه- مضافا الى ما فيه من الغرر و الخدع المنهي عنه و كونه من قبيل الصلح الذي أحل حراما و حرم حلالا- ما رواه
على بن أبي حمزة (1) قال: «قلت لأبي الحسن» (عليه السلام): رجل يهودي
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 206 ح 3- الوسائل ج 13 ص 166 ح 2.
94
أو نصراني كانت له عندي أربعة آلاف درهم فمات، أ يجوز لي ان أصالح ورثته و لا أعلمهم كم كان؟ قال: لا يجوز حتى تخبرهم».
و نحوها
صحيحة عمر بن يزيد (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام)» قال: إذا كان للرجل على الرجل دين فمطله حتى مات ثم صالح ورثته على شيء: فالذي أخذته الورثة لهم، و ما بقي فهو للميت يستوفيه منه في الآخرة الحديث».
و موثقته (2) أيضا» و قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ضمن على رجل ضمانا ثم صالح عليه قال: ليس له الا الذي صالح عليه».
نعم هذا الصلح مع فساده و عدم صحته في نفس الأمر، هو صحيح بحسب ظاهر الشرع، كما صرح به جماعة من الأصحاب، منهم الشيخ على بن عبد العالي في شرح القواعد، و الشهيد الثاني في شرح الشرائع، فيحكم به على كل واحد منهما، و لا يجوز لهما الخروج عن مقتضاه ظاهرا، لعدم العلم بكون من عليه الحق مبطلا في صلحه خادعا فيه، و احتمال كونه محقا فيكون حاله مشتبها، فلا يكون صلحه باطلا في الظاهر- و ان كان على مجهول.
نعم لو انكشف أمره ظاهرا بعد الصلح، بحيث علم مقدار المدعى، أو زيادته على ما صالح عليه، أو اعترف هو بذلك اتجه بطلان الصلح حينئذ ظاهرا أيضا، و وجب عليه تسليم المدعى ظاهرا لظهور شغل ذمته، و بطلان المعاوضة ظاهرا و باطنا، هذا إذا لم يكن من له الحق قد رضى باطنا بالصلح بالأقل، أما لو رضى به باطنا كان الصلح صحيحا في نفس الأمر حينئذ كما قطع به العلامة (قدس سره) في التذكرة، و حينئذ فلا يجوز له أخذ ما زاد عن مال الصلح، و ان علم الزيادة لحصول الرضا منه باطنا بذلك الأقل عوضا عن حقه، و ان كثر فيكون العبرة في إباحة الباقي بالرضا الباطن، لا بالصلح.
و يمكن أن يستدل عليه
بصحيحة الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يكون عليه الشيء فيصالح فقال: إذا كان بطيبة نفس من صاحبه فلا بأس».
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 208 ح 11 و الكافي ج 5 ص 259 ح 6.
(2) التهذيب ج 6 ص 210 ح 7. و الكافي ج 5 ص 259 ح 7 و 8.
(3) التهذيب ج 6 ص 206 ح 2.
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 166 ح 4 و ص 153 ح 1 و ص 166 ح 3.
95
فهي دالة بإطلاقها الشامل لذلك كما هو ظاهر.
السادسة- ان يكون مجهولا عند المستحق معلوما عند من عليه الحق، و لم يعلم قدره
لكن صالحه بمقدار حقه أو أكثر، و قد صرح جمع من الأصحاب منهم الشهيد الثاني في شرح الشرائع بصحة الصلح حينئذ، و ان كان على مجهول، لانتفاء الغرر و الخدع فيه، مع أن العبرة بوصول حقه اليه لا بالصلح، و أما اشتراط الاعلام في صحة الصلح كما في خبر على بن أبي حمزة السالف فالظاهر أنه مخصوص بما إذا أريد الصلح بالأقل، لأنه مظنة الغرر و الخدع، فمع وقوع الاعلام بقدره ينتفي الغرر و الخدع رأسا أما مع المصالحة بتمام الحق أو أكثر منه فلا خدع فيه قطعا، فلا يجب فيه الاعلام مع دخوله في عموم الأدلة الدالة على جواز الصلح بين المسلمين.
السابعة- أن يكون مجهولا عند المستحق معلوما عند من عليه الحق، و لكن أعلمه بقدره
و لا شك في جواز الصلح و صحته حينئذ، سواء صالحه بمقدار حقه أو بأقل مع الرضا به لحصول العلم و ارتفاع الجهالة و حصول الرضا، و عموم أدلة جواز الصلح. و الله العالم.
الثامنة: أن يكون معلوما عند المستحق مجهولا عند الأخر فصالحه بأكثر من حقه
الذي له في الواقع، لقصد التخلص من دعواه لم يصح هذا الصلح في نفس الأمر، و لم يستبح به ما زاد عن حقه الذي له في الواقع، لبطلان المعاوضة في نفس الأمر، و ان كانت صحيحة بحسب ظاهر الشرع، كما سبق نظيره، فالظاهر أن ذلك باطل مع عدم الرضا الباطني من الغريم، لكونه حينئذ من قبيل أكل المال بالباطل، أما مع رضاه بالصلح كذلك باطنا فالظاهر صحة الصلح حينئذ، و اباحة ذلك للزائد عن حقه لطيب نفسه به، و الظاهر أن العبرة حينئذ في إباحة ذلك الزائد بالرضا به، لا بالصلح كما سبق مثله.
التاسعة- الصورة بحالها و لكن صالحه بقدر حقه أو أنقص
، و لا شك في صحة الصلح فيها ظاهرا و باطنا. و الله العالم. انتهى كلامه علت في الخلد أقدامه، و رفع فيها مقامه.
أقول: ما ذكره (قدس سره) من هذه الصور التسع بالتقريبات التي ذيلها
96
بها ظاهر، الا أن ما ذكره في الصورة الثالثة مما يمكن تطرق المناقشة إليه، فإن مرجع استدلاله الى تخصيص عمومي الآية و الاخبار- الدالة على صحة الصلح في مثل هذه الصورة- بالأخبار الدالة على النهى عما يشتمل على الغرر و الجهالة في المعاوضة.
و التحقيق أن يقال: لا ريب أن هنا عمومين قد تعارضا، و هما عموم أخبار الصلح الدال على دخول مثل هذه الصورة، و عموم أخبار النهي عن الغرر و الجهالة الشامل للصلح و غيره من المعاوضات، و ليس تخصيص عموم أخبار الصلح- بعموم أخبار النهي عن الغرر ليتم ما ذكره- بأولى من تخصيص عموم أخبار النهي عن الغرر و الجهالة بأخبار الصلح، فيقال: حينئذ بصحة الصلح في هذه الصورة و ان استلزم الغرر و الجهالة كما أن ذلك حاصل في الصورة الثانية و الرابعة، و لا بد لترجيح أحدهما على الأخر من دليل، و يمكن ترجيح الثاني بظهور عموم أخبار الصلح مع تكاثرها و تعددها على وجه يشمل الصورة المذكورة، بخلاف ما دل على النهى عن الغرر و المجهول، فانا لم نقف فيه على رواية صريحة، و ان تكرر دورانه في كلامهم، و تداول على رؤوس أقلامهم.
و قد تقدم في كتاب البيع قول جملة من الأصحاب بصحة بيع المجهول في جملة من المواضع، و دلت جملة من الاخبار على الصحة أيضا في مواضع، و قد حققنا البحث ثمة على وجه يظهر منه أنه ليس ذلك بقاعدة كلية، و لا ضابطة جلية كما ادعاه جملة منهم، و بذلك يظهر لك أن الأظهر هنا هو ترجيح عموم أخبار الصلح و إبقائها على عمومها، و التخصيص فيما دل على النهى عن الغرر و المجهول، فإنه إذا ثبت صحة العقد مع الجهل و الغرر في البيع الذي هو أكثر شروطا و أضيق مدخلا ثبت في الصلح بطريق أولى، لأنه موضوع على المسامحة و المساهلة، و لأن العمدة فيه كما هو المفهوم من أخباره هو التراضي من الطرفين، اما ظاهرا و باطنا. فيصح حينئذ كذلك أو ظاهرا خاصة فتختص الصحة بالظاهر، و التراضي في موضع النزاع حاصل ظاهرا و باطنا.
و يؤيد ما قلناه ما هو ظاهر من كلام جملة من متقدمي المتأخرين كالمحقق و العلامة و غيرهما من الحكم بصحة الصلح مع العلم و الجهل مطلقا، كما قدمناه
97
في صدر المسئلة.
قال في التذكرة: لا يشترط العلم بما يقع الصلح عنه لا قدرا و لا جنسا، بل يصح سواء علما قدر ما تنازعا عليه و جنسه أو جهلاه، دينا كان أو عينا، و سواء كان إرثا أو غيره عند علمائنا أجمع، ثم استدل بالأدلة العامة من آية و رواية على صحته مع الجهل، و لم يفصل في أثناء كلامه بين ما يمكن استعلامه و ما لا يمكن، و هو ظاهر فيما قلناه.
و الأظهر منه ما صرح به المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد حيث قال في هذا المقام: و لا بد أن يكون معلوما ليندفع الغرر، و لكن الظاهر أنه يكفى العلم به في الجملة. اما بوصفه أو بمشاهدته، و لا يحتاج الى الكيل و الوزن و معرفة أجزاء الكرباس و القماش و الثياب، و ذوق المذوقات و غير ذلك مما يعتبر في البيع و نحوه، للأصل و عدم دليل واضح على ذلك، و عموم أدلة الصلح المتقدم، و لان الصلح شرع للسهولة و الإرفاق بالناس ليسهل إبراء ذمتهم، فلا يناسبه الضيق و لانه مبنى على المسامحة و المساهلة، و اليه أشار بقوله و يكفي المشاهدة في الموزون و ان خالف فيه البعض.
قال في الدروس: و الأصح أنه يشترط العلم في الموضعين إذا أمكن، و قال في موضع آخر: و لو تعذر العلم بما صولح عليه جاز، الى قوله: و لو كان تعذر العلم لعدم المكيال و الميزان في الحال و مساس الحاجة الى الانتقال، فالأقرب الجواز و هو مختار شارح الشرائع أيضا، و لا نعرف له دليلا، و ما تقدم ينفيه، و يؤيده التجويز عند التعذر، فان ذلك لا يجوز في البيع عندهم، فتأمل، انتهى. ثم أمر بالاحتياط و هو كما ترى أظهر ظاهر فيما ادعيناه مؤيد لما قدمناه.
و بالجملة فالظاهر هو الصحة في الصورة المذكورة لما عرفت، و الاحتياط لا يخفى، و الله العالم.
المسئلة الرابعة [أركان الصلح]
- لا يخفى أن أركان الصلح أربعة، المتصالحان، و المصالح عليه، و هو مال الصلح، و المصالح عنه، و هو المتنازع فيه لو كان ثمة نزاع.
أما المتصالحان فإنه لا خلاف كما نقله في التذكرة في أنه يشترط فيهما
98
الكمال، بأن يكون كل واحد منهما بالغا عاقلا جائز التصرف فيما وقع الصلح عليه.
و أما المصالح عليه فإنه يشترط فيه صحة التملك، فلو كان خمرا أو خنزيرا أو استرقاق حر أو إباحة بضع محرم قبل ذلك لم يصح، لما تقدم في الحديث النبوي و كما لا يقع هذه الأشياء مالا للصلح لا يقع مصالحا عنه، و الجميع محرم بما تقدم من النص النبوي.
و من شرائطه العلم بما يقع الصلح عنه عند بعض كالشهيدين في الدروس و المسالك، و قد تقدم الكلام فيه.
و من شروطه رضا المتصالحين، فلا يقع مع الإكراه إجماعا، كغيره من العقود و لقوله عز و جل (1) «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ» فما لم يكن عن التراضي فإنه أكل مال بالباطل، و من صور الإكراه ما لو كان له على غيره حق مالي فأنكره المديون، فصالحه المالك على بعضه، توصلا إلى أخذ بعض حقه، فإنه و ان صح الصلح ظاهرا الا أنه لا يصح واقعا، و لا تحصل به براءة ذمة المديون من الحق الباقي في ذمته، سواء عرف المالك قدر الحق أم لا، و سواء ابتدء المالك بطلب الصلح أم لا، و قد تقدم تحقيق ذلك في الصور المتقدمة في سابق هذه المسئلة.
و متى استكملت شروطه صار لازما من الطرفين عملا بعموم أدلة الوفاء بالعقود المقتضى لذلك الا ما خرج بدليل من خارج، و يجيء على قول الشيخ الجواز في بعض موارده، كما إذا كان فرع العارية التي هي جائزة، و الهبة على بعض الوجوه و قد عرفت ضعفه، نعم لو اتفقا على فسخه بمعنى الإقالة من ذلك العقد كما في البيع و أوقعا صيغة التقابل انفسخ.
المسئلة الخامسة [في اشتراط كون الربح و الخسران على أحدهما]
- إذا وقع الصلح بين شريكين على أن يكون الربح و الخسران على أحدهما، و للآخر رأس ماله صح، و الأصل في هذا الحكم ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجلين اشتركا في مال فربحا فيه، و كان من المال دين و عليهما دين، فقال أحدهما لصاحبه:
____________
(1) سورة النساء الآية 29.
(2) الكافي ج 5 ص 258 ح 1- التهذيب ج 6 ص 207 ح 7- الفقيه ج 3 ص 144 ح 7- الوسائل ج 13 ص 165 ح 1.
99
أعطني رأس المال و لك الربح و عليك التوى، فقال: لا بأس إذا اشترطا، فإذا كان شرط يخالف كتاب الله عز و جل فهو رد الى كتاب الله عز و جل، و رواه في الفقيه و التهذيب، الا أنه قال: «و كان من المال دين و عين»،.
و لم يقل و عليهما دين و رواه
في التهذيب بسند آخر عن الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله، الا أنه قال: «و كان المال دينا».
و لم يذكر العين و لا عليهما دين، و رواه
في التهذيب أيضا بسند آخر عن داود الأبزاري (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله، الا أنه قال:
«و كان المال عينا و دينا»،.
قال في المسالك بعد قول المصنف (قدس الله روحهما)نحو ما قدمنا من العبارة المذكورة ما هذا لفظه: هذا إذا كان عند انتهاء الشركة و ارادة فسخها لتكون الزيادة مع من هي معه بمنزلة الهبة و الخسران على من هو عليه بمنزلة الإبراء، أما قبله فلا لمنافاته وضع الشركة شرعا و المستند صحيحة أبي الصباح، ثم ساق الرواية المذكورة الى أن قال: و هذا الخبر مشعر بما شرطناه من كون الشرط عند الانتهاء، لا كما أطلقه المصنف. انتهى.
أقول: و قد تقدمه في ذلك المحقق الشيخ على في شرح القواعد، فإنه قيد إطلاق عبارة المصنف فقال بعد ذكرها هذا إذا انتهت الشركة و أريد فسخها، و للمناقشة في ذلك مجال، فإنه لا يخفى أنه و ان كان هذا الشرط مما ينافي الشركة الا أن هذا شأن أكثر الشروط، فان مقتضى عقد البيع اللزوم من الطرفين، فلا يجوز لأحدهما فسخه بغير سبب موجب، مع أنه يصح لأحدهما اشتراط خيار الفسخ بلا خلاف، و لا ريب أنه مناف لمقتضى العقد الذي هو اللزوم من الطرفين (3) و دعوى أن في
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 25 ح 24، الوسائل ج 12 ص 353 ح 4.
(2) التهذيب ج 7 ص 186 ح 9، الوسائل ج 13 ص 165 ح 1.
(3) قال في الدروس: لو اصطلح الشريكان عند ارادة الفسخ جاز أن يأخذ أحدهما رأس ماله، و الأخر الباقي ربح أو توى للرواية الصحيحة و لو جعل ذلك في ابتداء الشركة، فالأقرب المنع، لمنافاته موضوعها و الرواية لم تدل عليه، انتهى، أقول فيه ما عرفت في الأصل من ثبوته بالأخبار الدالة على وجوب الوفاء بها و ان نافى موضوع الشركة فإنه بمنزلة الاستثناء فيه كما عرفت من مثال خيار الفسخ في البيع المنافي لمقتضى البيع و هو اللزوم من الطرفين و قد تقدم في كتاب البيع ما يشير الى ما ذكرناه ايضا. منه (رحمه الله).
100
الرواية إشعار بما شرطه من ان ذلك القول عند انتهاء الشركة، و ارادة فسخها- ممنوع فإن غاية ما تدل عليه كون هذا الشرط وقع بعد الشركة و العمل بالمال المشترك، حتى صار بعضه أو كله دينا، و هذا لا يلزم منه ارادة الفسخ، و أنه آخر الشركة، بل يمكن أن يكون هذا الكلام وقع في الأثناء بأنهم لما اشتركوا على العمل بذلك المال بمقتضى الشركة من كون الزيادة للجميع، و النقص على الجميع، اشترط بعضهم هذا الشرط في الأثناء و استمروا على الشركة بهذا الشرط، و لعل في قوله (عليه السلام) «لا بأس إذا اشترطا» ما يشير اليه، بمعنى أنه لا بأس بالشركة على هذا الوجه، فيستمران على العمل بالشركة على هذا الوجه الذي اشترط، و الا فلو كان المراد انما هو ما ذكره من أن هذا القول عند انتهاء الشركة و ارادة فسخها، فإنه لا وجه للتعبير بالشرط، بل كان ينبغي أن يقول لا بأس إذا تراضيا بذلك، فان لفظ الشرط انما يناسب استمرار العقد، بأن يكون العقد باقيا بهذا الشرط، لا انقطاعه و تمامه كما لا يخفى. و بذلك يظهر صحة إطلاق من أطلق في العبارات المذكورة و الله العالم.
المسئلة السادسة [في تنازعهما فيما بأيديهما]
- قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الكتاب أحكاما لا أعرف لذكرها فيه وجها، لعدم صدق العنوان فيها، و انما ذكرتها تبعا لهم في المقام.
منها أنه لو كان معهما درهمان فادعاهما أحدهما، و ادعى الأخر أحدهما كان لمدعيهما معا درهم و نصف، و للآخر نصف درهم، و يدل على ذلك ما رواه
الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب عن عبد الله بن المغيرة (1) عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجلين كان معهما درهمان فقال أحدهما: الدرهمان لي، و قال الأخر: هما بيني و بينك فقال: اما الذي قال: هما بيني و بينك فقد أقر بأن أحد الدرهمين ليس له و انه لصاحبه و يقسم الأخر بينهما.
و ما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن محمد بن أبي حمزة (2) عمن ذكره
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 22 ح 8- التهذيب ج 6 ص 208 ح 12.
(2) المصدر ص 292 ح 16 و هما في الوسائل ج 13 ص 169: الباب 9.
101
عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله بأدنى تفاوت، و المراد بكون الدرهمين معهما كما تضمنه الخبران هو كونهما تحت يديهما معا، ليتساويا في الدعوى، فلو كانا في يد مدعى الدرهمين لقدم قوله فيهما بيمينه، و لو كانا في يد مدعى الدرهم لقدم قوله فيه بيمينه و أما إذا كانا في يديهما معا فالحكم ما ذكره (عليه السلام).
و الوجه في أحد الدرهمين واضح، لان مدعى الدرهم قد اعترف لصاحبه بأنه لا يستحق من الدرهم الثاني شيئا، و انما يبقى النزاع بينهما في درهم، و كل منهما يدعيه، و قد حكم (عليه السلام) بالقسمة بينهما أيضا، و حينئذ فلمدعي الدرهمين درهم و نصف، أما الدرهم فلاعتراف صاحبه له به، و أما النصف من الدرهم الثاني فمن حيث حكمه (عليه السلام) في الدعوى على هذه الكيفية بالقسمة انصافا.
و يستفاد منه كون الحكم كذلك في كل عين ادعاها اثنان مع إثبات يديهما عليهما و لا بينة، أو يكون لكل منهما بينة، الا أنه لا رجحان لإحديهما على الأخرى و ظاهر الرواية المذكورة و كذا كلام جملة ممن ذكر المسئلة هو أن الدرهم يقسم بينهما انصافا من غير يمين.
و المفهوم من كلام جملة من المتأخرين أنه لا بد من أن يحلف أولا كل منهما للآخر على استحقاق النصف، و من نكل من أحدهما قضى به للآخر، و لو نكلا معا أو حلفا قسم بينهما نصفين، بل صرح بذلك في التذكرة فقال: لو كان في يد شخصين درهمان فادعاهما أحدهما و ادعى الأخر واحدا منهما اعطى مدعيهما معا درهما و كان الأخر (1) بينهما نصفين، لان مدعى أحدهما غير منازع في الدرهم الأخر فيحكم به لمدعيهما، و قد تساويا في دعوى أحدهما يدا و دعوى فيحكم به لهما.
هذا إذا لم يوجد بينة، و الأقرب أنه لا بد من اليمين فيحلف كل واحد منهما على استحقاق نصف الأخر الذي تصادم دعواهما فيه، فمن نكل منهما قضى به للآخر، و لو نكلا معا أو حلفا معا قسم بينهما نصفين لما رواه عبد الله بن المغيرة، ثم ساق الرواية كما قدمناه. انتهى.
____________
(1) أى الدرهم الأخر الذي هو محل الدعوى. منه (رحمه الله).
102
و ظاهره حمل إطلاق الخبر على هذا التفصيل الذي ذكره حيث أنه مقتضى القواعد عندهم، و قال في الدروس بعد فرض المسئلة و ان في الرواية المشهورة للثاني نصف درهم، و الباقي للأول ما لفظه و يشكل إذا ادعى الثاني النصف مشاعا فإنه يقوى القسمة نصفين، و يحلف الثاني للأول و كذا كل مشاع. انتهى.
قال بعض الأفاضل (1): و كأن نظره (2) على أن النصف في الحقيقة بيد الأول و النصف بيد الثاني، فمدعى التمام خارج بالنسبة الى الثاني، فيكون البينة على الأول و اليمين على الثاني، لكن العدول عن الرواية المعتبرة مشكل، و سيأتي إنشاء الله تعالى في لاحق هذه المسئلة ما فيه مزيد إيضاح للمقام.
و منها ما لو أودعه إنسان دينارين و آخر دينارا و امتزج الجميع ثم تلف أحد الدنانير الثلاثة، فإن الحكم هنا كما في سابق هذه المسئلة، لما رواه
في الفقيه و التهذيب عن السكوني (3) عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) «في رجل استودع رجلا دينارين و استودعه آخر دينارا فضاع دينار منها فقضى أن لصاحب الدينارين دينارا و يقتسمان الدينار الباقي بينهما نصفين».
و جملة من المتأخرين قيدوا الحكم المذكور بما إذا كان امتزاج الدنانير و كذا ضياع أحدهما بغير اختيار و لا تفريط من الأمين، و الا لكان ضامنا، فيخرج
____________
(1) هو الفاضل الخراساني في الكفاية. منه (رحمه الله).
(2) قوله و كأن نظره الى آخره، أقول: توضيحه هو أنه من حيث كون الدرهمين في يديهما معا فكان الأمر يرجع في الحقيقة الى أن درهما في يد الأول و هو مدعى الدرهمين، و درهما في يد الثاني و هو مدعى الدرهم، و حينئذ فمدعى الدرهمين خارج لكون ما يدعيه من الدرهمين، ليس في يده، و انما في يده واحد خاصة فيكون عليه البينة من حيث كونه خارجا، و اليمين على الثاني من حيث كونه منكرا لدعوى الدرهمين فيقدم قوله بيمينه، فإذا حلف على نفى استحقاقه الدرهمين بقي الأخر بينهما انصافا أيضا، قال: و هكذا في كل مشاع كما ذكر الشهيد، و منها لو كان في يديهما ثوب ادعاه أحدهما كملا و ادعى الأخر نصفه، فإنه يقدم قول الأخر بيمينه و يقسم الثوب بينهما انصافا، و الوجه في قسمة الدرهم الباقي إنصافا بعد التمثيل أنه قد سقط دعوى صاحب الدرهمين باليمين، و الأخر انما يدعى درهما خاصة، و هو يتضمن الإقرار لصاحبه بدرهم، فيبقى الدرهم الأخر بينهما. منه (رحمه الله).
(3) الفقيه ج 3 ص 23 ح 12، التهذيب ج 7 ص 181 ح 10، الوسائل ج 13 ص 171 ح 1.
103
عن محل المسئلة، لأنها بعد تضمينه يقتسمان بغير كسر و هو حسن، قال في التذكرة فإن كان بغير تفريط في الحفظ و لا في المزج بأن أذن له في المزج أو حصل المزج بغير فعله و لا اختياره، فلا ضمان عليه، لأصالة البراءة، و لو فرط ضمن التالف.
و قال في الدروس بعد ذكر هذه المسئلة على أثر سابقتها: و هنا الإشاعة ممتنعة، و لو كان ذلك في اجزاء ممتزجة كان الباقي أثلاثا، و لم يذكر الأصحاب في هاتين المسئلتين يمينا، و ذكروهما في باب الصلح فجاز أن يكون ذلك الصلح قهريا، و جاز أن يكون اختيارا. فان امتنعا فاليمين. انتهى.
أقول: أما قوله «و لم يذكر الأصحاب في هاتين المسئلتين يمينا» فان فيه أن ما قدمنا نقله عن التذكرة، في المسئلة السابقة صريح في اختياره اليمين ثمة، و الظاهر أنه غفل عن الوقوف عليه في الكتاب المذكور، و هو ظاهر جملة ممن تأخر عنه منهم الشهيد الثاني و غيره.
نعم لم أقف على من ذكر اليمين هنا و بذلك اعترف في المسالك أيضا.
و أما ما ذكره من أن الأصحاب ذكروهما في باب الصلح فجاز أن يكون الصلح قهريا، ففيه ما قدمنا ذكره في صدر المسئلة من أن إيرادهما في هذا الباب لا وجه له بالكلية، لعدم انطباق العنوان عليهما، و عدم جريان الشروط فيهما، بل ظاهر الروايات المذكورة هو كونه صلحا قهريا كما احتمله و أنه ليس من باب الصلح الاختياري الذي هو موضوع هذا الباب.
و أما قوله «و لو كان ذلك في أجزاء ممتزجة كان الباقي أثلاثا» فتوضيحه أنه لو كان بدل الدنانير المفروضة في هذه المسئلة ما يمتزج أجزاؤه مع تساوى الاجزاء بحيث لا يتميز كالحنطة أو الشعير أو الأرز أو نحوها، فأودعه أحد قفيزين من حنطة مثلا و استودعه الأخر قفيزا منها أيضا، فامتزج الجميع و تلف قفيز منها بعد الامتزاج فإنهم قالوا أنه يقسم المال التالف على نسبة المالين، و كذا الباقي فيكون لصاحب القفيزين قفيز و ثلث قفيز، و لصاحب القفيز ثلثا قفيز، و الفرق ظاهر، لان الذاهب هنا عليهما معا من حيث الامتزاج، و تساوى الاجزاء بخلاف الدنانير، فان الذاهب مختص بأحدهما، أما صاحب الدينارين، أو صاحب الدينار.
104
بقي الإشكال هنا من وجه آخر، كما نبه عليه شيخنا الشهيد الثاني، قال في المسالك بعد ذكر المسئلة: هذا هو المشهور بين الأصحاب، و مستنده رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) و يشكل الحكم- مع ضعف المستند- بأن التالف لا يحتمل كونه بينهما بل هو من أحدهما خاصة، لامتناع الإشاعة هنا و الموافق للقواعد الشرعية القول هنا بالقرعة، و مال إليه في الدروس الا أنه تحاشي عن مخالفة الأصحاب، و مقتضى الرواية أنه يقسم كذلك و ان لم يتصادم دعواهما في الدينار، و أنه لا يمين، و كذا لم يذكر الأصحاب هنا يمينا، بناء على كون الحكم المذكور قهريا كما ذكروه في المسئلة السابقة، و ربما امتنعت اليمين هنا، إذا لم يعلم كل منهما بعين حقه. انتهى. و هو جيد.
و بالجملة فالظاهر من روايات المسئلتين المذكورتين أن الحكم المذكور فيهما قهري غير مشروط بشيء من القيود التي ذكروها من يمين و غيرها و الله العالم.
و منها أنه لو كان لواحد ثوب بعشرين درهما و للآخر ثوب بثلاثين درهما ثم اشتبها فان خير أحدهما صاحبه فقد أنصفه و ان تعاسرا بيع الثوبان و قسم الثمن بينهما، و أعطى صاحب العشرين سهمين من الثمن، و صاحب الثلاثين ثلاثة أسهم.
و المستند في ذلك ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن إسحاق بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام)» في الرجل يبعضه الرجل ثلاثين درهما في ثوب و آخر عشرين درهما في ثوب، فبعث بالثوبين و لم يعرف هذا ثوبه و لا هذا ثوبه قال: يباع الثوبان فيعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن، و الأخر خمسي الثمن قال: فقلت: فان صاحب العشرين قال لصاحب الثلاثين. اختر أيهما شئت، قال: قد أنصفه».
و قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا المقام فذهب الشيخ و جماعة منهم المحقق و غيره الى الوقوف على ما دلت عليه الرواية، و ذهب ابن إدريس إلى العمل بالقرعة، قال بعد ذكر المسئلة: ان استعملت القرعة كان أولى للإجماع على أن كل أمر ملتبس فيه القرعة، و هذا من ذاك، و اليه يميل كلام شيخنا الشهيد
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 23 ح 11، التهذيب ج 6 ص 208 ح 13، الوسائل ج 13 ص 170 ح 1.
105
الثاني في المسالك.
و رده العلامة في المختلف فقال بعد نقل ذلك عنه: و ليس بجيد، إذ لا اشكال مع ورود النقل ايضا، و هذا المجموع بضاعة لشخصين لكل واحد منهما قدر معين، فيباع و يبسط الثمن على نسبة المالين كغيرهما من الأموال، و كما لو اشتراهما بالشركة مع الإذن، فإن الشركة قد تحصل ابتداء، و قد تحصل بالمزج الموجب للاشتباه كما هي هنا، و إذا كانا شريكين كان لكل منهما بقدر رأس المال الذي له كما لو امتزج الطعامان.
و نقل في المسالك عن العلامة هنا القول بالتفصيل (1) فقال: ان أمكن بيعهما منفردين وجب، ثم ان تساويا فلكل واحد منهما ثمن ثوب و لا اشكال، و ان اختلفا فالأكثر لصاحبه، و كذا الأقل بناء على الغالب و ان أمكن خلافه، الا أنه نادر لا أثر له شرعا و ان لم يمكن صارا كالمال المشترك شركة اختيارية، كما لو امتزج الطعامان فيقسم الثمن على رأس المال، و عليه تنزل الرواية.
و اعترضه في المسالك بأن ما ذكره من البناء على الغالب ليس أولى من القرعة، لأنها دليل شرعي على هذه الموارد، و من الجائز اختلاف الأثمان، و القيم بالزيادة و النقصان لاختلاف الناس في المساهلة و المماكسة.
أقول: فيه ما قدمنا نقله عن العلامة في رده لكلام ابن إدريس من أن موضوع القرعة كل أمر مشكل، و الحال أنه لا اشكال بعد ورود النص بالحكم المذكور، و به يظهر ضعف قوله «لأنها دليل شرعي على هذه الموارد»، و أن البناء على الغالب في موارد الأحكام الشرعية، من القواعد الكلية المتفق عليها في كلامهم، و المتداولة على رؤس أقلامهم.
____________
(1) أقول: ما نقله عنه من التفصيل قد جعله في المختلف أحد الاحتمالين حيث أنه بعد الرد على ابن إدريس مما نقلناه في الأصول قال: إذ نقول ان كان الثوبان متساويين فلكل واحد منهما ثوب، إذ قد اشترى بمال كل منهما ثوبا بانفراده، و ان تفاوتا أعطى صاحب الثلاثين الأجود منهما إذ الظاهر ذلك و ان جاز خلافه فهو نادر لا اعتبار في نظر الشرع له، فالقرعة لا وجه لها البتة كما توهمه ابن إدريس. انتهى و هو تقرير لما نقله عنه في المسالك بنوع آخر و ان رجع في المعنى الى ما نقله. منه (رحمه الله).
106
ثم انه قال في المسالك: و على تقدير العمل بالرواية يقصر حكمها على موردها، و لا يتعدى الى الثياب المتعددة، و لا الى غيرهما من الأمتعة و الأثمان، مع احتماله لتساوى الطريق.
و استقرب في الدروس القرعة في غير مورد النص. و هو حسن، و لو قيل به فيه كما اختاره ابن إدريس كان حسنا أيضا انتهى.
أقول: ذهاب ابن إدريس إلى القرعة هنا- بناء على أصله الغير الأصيل من رد الأخبار بأنها أخبار آحاد لا يفيد علما و لا عملا جيد، أما على مذهبه (قدس سره) فهو غير جيد، و لهذا أنه قال أولا في صدر كلامه بعد نقل قول الشيخ و قول العلامة بالتفصيل، ما صورته: و أنكر ابن إدريس ذلك كله، و حكم بالقرعة، لأنها لكل أمر ملتبس، و هو هنا حاصل، و هو أوجه من الجميع، لو لا مخالفة المشهور، و ظاهر النص مع أنه قضية في واقعة يمكن قصره عليها، و الرجوع الى الأصول الشرعية انتهى.
و هو ظاهر في التوقف من حيث النص، و لكنه هنا عدل عن ذلك، و هو غير جيد لما عرفت، و بالجملة فالأظهر الوقوف على النص المذكور في مورده، و القول بالقرعة فيما خرج عن مورد الخبر كما اختاره في الدروس و استحسنه في المسالك و كيف كان فان الصلح هنا بمقتضى العمل بالخبر قهري، كما في سابقيه.
و الله العالم.
المسئلة السابعة- لو صالحه على عين بعين أو على منفعة بمنفعة أو على عين بمنفعة أو بالعكس
صح، و الوجه فيه أن الصلح لما كان مفاده مفاد غيره من العقود المتقدمة، و تلك العقود المشار إليها متعلق بعضها العين و متعلق بعضها المنفعة لم يمتنع صحة الصلح كذلك، بل لا يختص جوازه بما ذكر، فلو صولح على إسقاط خيار، أو على إسقاط حق أولوية تحجير في سوق أو مسجد، صح أيضا بعين أو منفعة لعين ما ذكر.
و كيف كان فلو بان أن أحد العوضين كان مستحقا بطل الصلح، إذا كان ذلك العوض معينا في العقد و لو كان مطلقا رجع ببدله، قالوا: و لو ظهر فيه عيب فله الفسخ و في تخيره بينه و بين الأرش وجه.
107
قال في المسالك: و لو ظهر غبن لا يتسامح بمثله ففي ثبوت الخيار وجهان:
أجودهما ذلك دفعا للإضرار و ان لم يحكم بالفرعية و هو خيرة الدروس، و قد تقدم في خيار الغبن من البيع انه لا نص عليه بالخصوص فيمكن استفادته هنا كما استفيد هناك من الأدلة العامة انتهى.
المسألة الثامنة- لو صالحه على دراهم بدنانير أو بدراهم
فعلى المشهور من أن الصلح عقد مستقل بنفسه يصح، و على قول الشيخ بالفرعية تصير الصحة مراعاة لحصول شروط الصرف و الربا.
قال في المبسوط: إذا ادعى دراهم أو دنانير في ذمته، فاعترف بها ثم صالحه بدراهم و دنانير صح الصلح، و هو فرع الصرف، فما صح فيه صح في الصلح، و ما بطل في الصرف بطل فيه، و لا يجوز حتى يتقابضا، فان كان المقر به دراهم، فصالحه على دنانير معينة أو موصوفة فعينها و قبضها قبل التفرق جاز، و لو قبض البعض و فارقه بطل الصرف فيما لم يقبض، و لو ادعى عليه دراهم فأقربها ثم صالحه منها على بعضها لم يجز، لانه ربا، و لكن ان قبض بعضها و أبرئه من الباقي صح، و كان هذا الصلح فرع الإبراء انتهى.
و على المشهور لا يتعلق به حكم الصرف من وجوب التقابض قبل التفرق، و أما حكم الربا فإنه يبنى على الخلاف المتقدم في باب الربا من انه هل يثبت في كل معاوضة؟ أم يختص بالبيع؟ و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في بابه، فعلى الأول ينبغي مراعاته هنا أيضا دون الثاني.
و ممن جزم بالأول هنا بناء على ذلك الشهيد الثاني في المسالك، و ممن جزم بالثاني العلامة في المختلف، و مما يتفرع على الخلاف المذكور هنا أيضا ما لو أتلف على رجل ثوبا قيمته درهم مثلا فصالحه عنه على درهمين، فإنه ان قلنا ان الواجب ضمان القيمي بمثله كما هو أحد القولين ليكون الثابت في الذمة ثوبا صح الصلح المذكور، لان الصلح وقع عن الثوب، لا عن الدراهم الذي هو قيمته، و ان قلنا أن القيمي يضمن بقيمته، فاللازم لذمة المتلف انما هو الدراهم، فعلى هذا إذا صالحه بدرهمين تفرع صحة الصلح هنا على الخلاف المتقدم للزوم الربا، فيصح الصلح عند من قال بتخصيص التحريم بالبيع، و يبطل
108
عند من قال بالعموم في جميع المعاوضات، و لهذا اختار في المسالك هنا البطلان، بناء على ما اختاره أيضا من وجوب ضمان القيمي بقيمته.
المسئلة التاسعة- لو ادعى اثنان عينا في يد ثالث
من دار أو ثوب أو نحوهما بأنهما لهما بالمناصفة، و صرحا معا بالسبب الموجب للملك من أنهما ورثاهما معا أو وكلا من شراها لهما معا بالمناصفة، أو نحو ذلك فصدق المدعى عليه أحدهما فيما يدعيه من أن النصف له، و كذب الأخر، ثم انه صالح المدعى عليه ذلك الذي صدقه على النصف الذي أقر له به بعوض، و حينئذ فإن كان هذا الصلح باذن شريكه سابقا على الصلح، أو لاحقا بناء على صحة الفضولي صح الصلح على تمام النصف الذي وقع العقد عليه، و يكون العوض بينهما نصفين، كما أن الأصل كان كذلك، و ان لم يكن الصلح باذن شريكه صح الصلح في حقه المقر له. و هو الربع الذي هو نصف ما وقع عليه الصلح، و بطل في ربع شريكه، و يكون شريكا مع المدعى عليه بذلك الربع، و الوجه في ذلك انه لما اتفق المدعيان على كون سبب ملكهما مقتضيا للشركة بالمناصفة كما فرضناه سابقا، فإقرار المدعى عليه لأحدهما يقتضي اشتراكهما فيما أقر به، و ان لم يصدق هما على السبب الموجب للاشتراك، لان مقتضى السبب المذكور كالميراث و نحوه هو التشريك، و يمتنع استحقاق المقر له بالنصف خاصة دون شريكه، كما أن الفائت يكون ذاهبا عليهما بمقتضى إقرارهما بسبب الشركة، و من أجل ذلك تفرع عليه ما قدمناه من التفصيل بصحة الصلح على النصف مع اذن الشريك، و الاشتراك في العوض و عدم الصحة إلا في الربع مع عدم الاذن، و كون الشريك حينئذ شريكا للمدعى عليه بالربع.
هذا كله فيما إذا صرحا بالسبب الموجب للملك بالإشاعة و المناصفة، أما لو لم يصرحا بما يقتضي الشركة سواء صرحا بما ينافيه أم لا كما لو ادعى أحدهما ملك نصف المدعى فيه بالميراث، و ادعى الأخر ملكه بالشراء، فإنهما لا يشتركان فيما أقر به المدعى عليه، فان ملك أحدهما لا يستلزم ملك الأخر، فلا يقتضي
109
الإقرار لأحدهما بما يدعيه مشاركة الأخر إياه. (1)
قال في المسالك بعد ذكر الحكمين المذكورين: هذا تقرير ما ذكره المنصف و جماعة في القسمين، و فيه بحث، لان هذا لا يتم الا على القول بتنزيل البيع و الصلح على الإشاعة، كالإقرار، و هم لا يقولون به بل يحملون إطلاقه على ملك البائع و المصالح، حتى لو باع ابتداء مالك النصف نصف العين مطلقا انصرف الى نصيبه، و وجهوه بأن اللفظ من حيث هو و ان تساوت نسبته الى النصفين، الا أنه من خارج قد ترجح انصرافه الى النصف المملوك للبائع، نظرا الى ان إطلاق البيع انما يحمل على المتعارف في الاستعمال، و هو البيع الذي يترتب عليه انتقال الملك بفعل المتعاقدين، و لا يجرى، ذلك إلا في المملوك بخلاف الإقرار، فإنه اخبار عن ملك الغير بشيء، فيستوي فيه ما هو ملكه و ملك غيره، و حينئذ فاللازم هنا أن ينصرف الصلح الى نصيب المقر خاصة، فيصح في جميع الحصة بجميع العوض، و تبقى المنازعة بين الأخر و المتشبث.
هذا ان وقع الصلح على النصف مطلقا أو على النصف الذي هو ملك المقر له.
أما لو وقع على النصف الذي أقر به المتشبث توجه قول الجماعة لأن الإقرار ينزل على الإشاعة و الصلح وقع على المقر به، فيكون تابعا له فيها، و على هذا ينبغي حمل كلامهم، لئلا ينافي ما ذكروه من القاعدة التي ذكرناها.
و هذا توجيه حسن لم ينبهوا عليه، و انما ذكر الشهيد (رحمة الله عليه) في بعض تحقيقاته احتمال انصراف الصلح إلى حصة المقر له من غير مشاركة الأخر مطلقا، و تبعه عليه الشيخ على (رحمة الله عليه) انتهى.
أقول: و ينبغي أولا إيضاح ما ذكره، ثم بيان ما فيه فنقول: قوله ان هذا لا يتم الا على القول بتنزيل البيع و الصلح على الإشاعة، الى آخره بمعنى أنه لو باع
____________
(1) قيل: و مثله ما لو ادعى كل منهما أنه اشترى النصف من غير تقييد بالمقيد نعم لو قالا اشتريناها معا أو اتهبناها و قبضنا معا و نحو ذلك، فقد حرر في التذكرة أن الحكم فيه كالأول لاعتراف المقر بأن السبب المقتضى لتملكه قد افتقر بتملك الأخر، و يحتمل العدم، لان نقل الملك لاثنين بهذا الوجه بمنزلة الصفقتين. منه (رحمه الله).
110
شخص حصته من مال مشترك بينه و بين غيره كالنصف مثلا فإنه بمقتضى تقريرهم لم ينصرف الى ماله، بل الى النصف المعلوم المشاع مطلقا بينه و بين شريكه، فيكون المبيع ربع البائع و ربع الشريك، و هم لا يقولون به في البيع، و لا في الصلح، بل يخصونه بنصف البائع و المصالح، و انما ينزل على الإشاعة الإقرار، فلو أقر بالنصف للغير يكون إقرارا بربعه و ربع الشريك، و وجه الفرق بين الأمرين أن البائع إنما يبيع مال نفسه، و لا يصح بيع مال غيره الا فضولا على القول به، أو وكالة، و هما منتفيان هنا، فينصرف الى ماله كما هو المتبادر و المتعارف، بخلاف الإقرار فإنه كالشهادة بأنه للغير، و هو قد يكون في ماله، و قد يكون في مال غيره، فهنا ينبغي أن يكون ما يصالح عليه هو نصف المقر به، و هو الربع بالنسبة إلى المجموع، فيكون العوض كله له، لا أنه يكون انصافا كما ذكروه، و النزاع يبقى للشريك الأخر مع المدعى عليه.
هذا إذا كان الصلح على النصف مطلقا، أو على النصف الذي هو ملك المقر له، و أما إذا صالح المقر له على النصف الذي أقر له به كان الصلح هنا منزلا على الإشاعة، لأنه تابع للإقرار المنزل على ذلك كما عرفت، فيكون قول الجماعة متجها على هذا الوجه، و على هذا ينبغي حمل كلامهم، هذا حاصل ما ذكره (قدس سره).
و فيه أولا أن الظاهر أن قول الجماعة- بأن إطلاق البيع و الصلح انما ينصرف الى ملك البائع و المصالح دون الشائع- انما هو في المال المشترك الخالي عن النزاع، و القاعدة المذكورة إنما هي بالنسبة الى ذلك، و ما نحن فيه ليس كذلك لوجود النزاع و عدم ثبوت نصف خالص للمصالح، بل الثابت له بحسب الشرع انما هو الربع كما عرفت، لان الفرض أن ما اعترف به المدعى عليه، مشترك بينه و بين شريكه بحسب نفس الأمر، و ظاهر الشرع من حيث إقرارهما بموجب الشركة، و لا نزاع في أن ما أقر به المدعى عليه مشترك بينه و بين شريكه، فهو انما صالح على ربعه و ربع شريكه، إذ ليس نصف المصالح عليه الا ذلك، و به يظهر أن ما نحن فيه ليس من جزئيات القاعدة المذكورة، و لا من أفرادها لتحصيل المنافاة
111
كما زعمه (قدس سره).
و ثانيا- أنه مع الإغماض عن ذلك- فان الظاهر من المقام و المتبادر من سياق الكلام كما صرح به من ذكر المسئلة من علمائنا الاعلام (1) أن الصلح انما وقع على النصف الذي أقر له به المدعى عليه، و لم يقصد المدعى عليه، و الذي أقر له الا ذلك، لا أن الصلح وقع على نصفه الذي له في نفس الأمر و الخروج عن قاعدة البيع و الصلح انما يحصل على الثاني، دون الأول و بما ذكرناه يظهر أيضا أن الاحتمال الذي ذكره الشهيد (رحمة الله عليه) و تبعه عليه الشيخ على (رحمة الله تعالى عليه) ليس بجيد، و الله العالم.
المسئلة العاشرة [في مصالحة المدعى عليه على سقي زرعه بمائة]
- قالوا: لو ادعى عليه شيئا فأنكر فصالحه المدعى عليه على سقى زرعه أو شجره بمائه، قيل: لا يجوز، لان العوض و هو الماء مجهول، و هذا القول منقول عن الشيخ (رحمة الله عليه) و المشهور الجواز مع ضبط السقي بمدة معلومة، و مثله ما لو كان الماء معوضا.
و بالجملة فإنه يجوز السقي بالماء عوضا للصلح، بأن يكون مورده أمرا آخر من عين أو منفعة، و كذا يجوز كونه موردا له، و عوضه أمر آخر من عين أو منفعة، كل ذلك مع ضبطه بمدة معلومة.
و الشيخ قد خالف في الجميع، محتجا بجهالة الماء مع أنه جوز بيع ماء العين و البئر و بيع جزء مشاع منه، و جوز جعله عوضا للصلح، كذا قالوا.
____________
(1) و من ذلك عبارة المحقق في الشرائع حيث قال: و لو ادعى اثنان دارا في يد ثالث بسبب موجب للشركة كالميراث فصدق المدعى عليه أحدهما، و صالحه على ذلك النصف بعوض، فان كان باذن صاحبه صح الصلح في النصف أجمع، و كان العوض بينهما و ان كان بغير اذنه صح في حقه، و هو الربع. انتهى، و لا يخفى أن قوله فصالحه على ذلك النصف مراد به النصف الذي أقر له بالذي صار بالإقرار مشتركا بينه و بين صاحبه، فالإشارة راجعة إليه كما هو ظاهر، و الشارح قد جرى في تقرير معنى العبارة على ذلك أيضا، فقال في أثناء الكلام: فإذا صالح المقر له المثبت على النصف المقر له فان كان الصلح باذن صاحبه الى آخره و هو ظاهر في أن الصلح انما وقع على ذلك النصف المقر به، و على هذا النهج كلام غيرهما من الأصحاب (رضوان الله عليهم). منه (رحمه الله).
112
أقول: و يمكن أن يكون منعه من الصلح على السقي المذكور من حيث عدم الضبط بالمدة، فإنهم إنما جوزوا ذلك مع الضبط بها، و يدل عليه إطلاق كلامه، فإنه لا دلالة فيه على المنع مع الضبط، بالمدة ليتجه نسبة الخلاف إليه في المقام.
و بالجملة فإنه يمكن تخصيصه المنع هنا بغير المضبوط، فيكون موافقا لما ذكروه، و الاعتراض عليه- بأنه صرح بجواز بيع ماء العين و البئر و جزء مشاع منه و جوز جعله عوضا للصلح- يمكن دفعه بأن الماء في صورة محل البحث مجهول لا يدخل في أحد الأقسام المذكورة، لأنه لم يستحق بالصلح جميع الماء، و لا بعضا منه معينا، و انما استحق سقيا لا يعرف قدره، و لا مدة انتهائه، و من ثم شرطوا في الجواز ضبط المدة، و هو لم يصرح بالمنع مع الضبط كما عرفت.
بقي الكلام فيما لو تعلق الصلح بسقي شيء مضبوط دائما أو بالسقي بالماء أجمع دائما و ان جهل السقي، و نفى البعد عن الصحة شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و الروضة، للتسامح بذلك في باب الصلح، و هو غير بعيد لما قدمناه و ذكره غير واحد من الأصحاب من أن مبنى الصلح على المساهلة و المسامحة.
قالوا: و كذا يصح الصلح على اجزاء الماء على سطحه أو ساحته بعد العلم بالموضع الذي يجري فيه الماء، بأن يعرف مجراه طولا و عرضا، ليرتفع الجهالة عن المحل المصالح عليه، و لا يعتبر تعيين العمق، لان من ملك شيئا ملك قراره الى تخوم الأرض، و لا فرق في ذلك بين جعله عوضا بعد المنازعة و بين إيقاعه ابتداء، و قد أطلق جملة منهم حكم الماء من غير أن يشترطوا مشاهدته ليرتفع الغرر، و قيد آخرون بمشاهدته أو وصفه خروجا من الغرر، لاختلاف الحال بقلته و كثرته، فقد يتعلق الغرض بأحدهما دون الأخر، و لو سقط السطح بعد الصلح أو احتاجت الساقية إلى إصلاح فعلى مالكهما، لتوقف الحق عليه، و ليس على المصالح مساعدته.
المسئلة الحادية عشر [في عدم كون قول المدعى عليه صالحني إقرارا]
- الظاهر أنه لا خلاف في أنه لو قال المدعى عليه:
صالحني عليه فان ذلك لا يكون إقرارا بالملك، لان الصلح يصح مع الإنكار،
113
فطلبه هنا لا يستلزم الإقرار، إذ قد يكون ذلك لأجل رفع المنازعة و المخاصمة و خالف فيه بعض العامة حيث زعم أن الصلح لا يصح الا مع الإقرار: و فرع على ذلك ان المدعى عليه لو قال قبل الإقرار صالحني على العين التي أدعيتها يكون ذلك منه إقرارا، لأنه طلب منه التمليك، و هو يتضمن الاعتراف بالملك، فصار كما لو قال: ملكني و فيه أنه متجه بناء على أصله المذكور من حيث تخصيص الصلح بالإقرار و أما على ما هو المتفق علة عندنا و عند جملة منهم من صحة وقوعه على الإقرار و الإنكار، فطلبه لا يكون موجبا للإقرار.
نعم لو قال: بعني أو ملكني اقتضى ذلك الإقرار بعدم ملكه له، لانه صريح في طلب التمليك المنافي لكونه ملكا له، لاستحالة تحصيل الحاصل، و بالجملة فإنه لا إشكال في إقراره بعدم الملك بقوله ذلك.
بقي الكلام في أنه هل يكون بذلك ملكا لمن طلب منه البيع أو التمليك أم لا؟ الأقرب العدم، لانه يحتمل أن يكون المطلوب منه وكيلا، و إذا قام احتمال ذلك لم تتم الدلالة على كونه ملكا له.
و بالجملة فالمترتب على الإقرار المذكور هو كونه مالكا ليبيع، لا مالكا للمبيع، لأنه أخص، و العام لا يدل على الخاص.
و قيل: نعم لو اقترن بذلك كون المطلوب بيعه تحت يد المخاطب ترجح جانب ملكه، لدلالة اليد على الملكية، و الأصل عدم مالك آخر، قال في المسالك:
و قد تنبه لذلك العلامة في المختلف و الشهيد في الدروس و هو قوى. انتهى.
أقول: لا يخفى أن ما تقدم من الكلام و به صرحوا أيضا أن مبنى الشك في كونه ملكا لمن طلب منه البيع و عدمه- انما هو على إقراره من غير انضمام شيء آخر له من خارج يدل على الملكية أو عدمها، و الا فمع انضمام ما يدل على أحد الأمرين لا إشكال في الحكم بما دل عليه.
و به يظهر أن ما ذكروه من هذا الفرع لا أعرف له مزيد فائدة على أن ما ذكروه من مجرد دلالة اليد على الملكية محل توقف، بل لا بد مع ذلك من ادعاء الملكية، و الا فإن المال في يد الوكيل أيضا لكنه معترف بالوكالة عن الغير،
114
هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه.
الثانية عشر
- و فيها حكمان-
أحدهما انه لو ضمن شخص عن شخص مالا باذنه ثم صالح الضامن المضمون له بأقل مما ضمنه
لم يكن له الرجوع على المضمون عنه الا بما صالح به، و الظاهر أنه لا خلاف فيه، و عليه تدل
موثقة عمر بن يزيد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ضمن ضمانا ثم صالح عليه قال:
ليس له الا الذي صالح عليه».
رواه الكليني و الشيخ (رحمة الله عليهما).
و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب عبد الله بن بكير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ضمن عن رجل ضمانا ثم صالح على بعض ما صالح عليه قال: ليس عليه الا الذي صالح عليه».
و الخبران و ان كانا مطلقين بالنسبة إلى اذن المضمون عنه و عدمه الا أنه يجب تقييدهما بالاذن، لما تقدم في كتاب الضمان أنه لا رجوع الا مع الاذن، و بدونه لا رجوع.
و كذا لو صالح الضامن المضمون له عن المال الذي ضمنه بعروض دفعها إليه، فإنه لا يرجع على المضمون عنه الا بأقل الأمرين من قيمة العروض و ما كان في ذمة المضمون عنه، و قد تقدم ذكر هذه المسئلة و تحقيق الكلام فيها في كتاب الضمان فليرجع اليه من أحب الوقوف عليه.
الثاني- يجوز الصلح على تعجيل بعض الدين المؤجل بنقصان منه
، و لا يجوز تأجيل شيء منه بزيادة، و لا يجوز الصلح على تعجيل البعض أيضا بمد الأجل في الباقي.
و يدل على ذلك ما رواه
المشايخ الثلاثة بأسانيد عديدة فيها الصحيح و الحسن عن الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن الرجل يكون له دين إلى أجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول: انقدني كذا و كذا و أضع عنك بقيته، أو يقول:
____________
(1) الكافي ج 5 ص 259 ح 7 التهذيب ج 6 ص 210 ح 7.
(2) التهذيب ج 6 ص 210 ح 6 و الوسائل ج 13 ص 153 ح 1 و 2.
(3) الكافي ج 5 ص 259 ح 4، التهذيب ج 6 ص 207 ح 6، الوسائل ج 13 ص 168 ح 1.
115
انقدني بعضه و أمد لك في الأجل فيما بقي عليك قال: لا أرى به بأسا، انه لم يزد على رأس ماله، قال الله عز و جل (1) فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ» و في قوله (عليه السلام)» انه لم يزدد على رأس ماله».
ثم أورد الآية إشارة الى عدم جواز التأجيل بالزيادة على الحق، و ان كان على سبيل الصلح، فإنه رباء كما يدل عليه إيراد الآية، فيمكن الاستدلال بالخبر المذكور على تحريم الربا في الصلح أيضا الا أن الربا لازم هنا مع النقصان أيضا، و كأنه حينئذ مستثنى بالخبر، و يعضده أيضا
حسنة أبان (2) عمن حدثه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال، سألته عن الرجل يكون له على الرجل الدين فيقول له قبل أن يحل الأجل عجل لي النصف من حقي على أن أضع عنك النصف، أ يحل ذلك لو أحد منهما، قال. نعم».
المطلب الثاني في تزاحم الحقوق و التنازع في الاملاك:
و الكلام فيه يقع في مقامات
المقام الأول [في جواز إخراج الرواشن و الأجنحة في الطرق النافذة]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يجوز إخراج الرواشن (3) و الأجنحة إلى الطرق النافذة إذا كانت عالية لا تضر بالمارة، و هما عبارة عن إخراج خشب من حائط المالك الى الطريق بحيث لا يصل الى الجدار المقابل له و يبنى عليها، و لو وصل الى الجدار سمى ساباطا و على هذا فهما عبارة عن أمر واحد، و ربما فرق بينهما بأن الأجنحة ينضم إليها مع ما ذكر أن يوضع لها أعمدة من الطريق، و ربما قيل ذلك في الرواشن.
و الكلام هنا يقع في مواضع
الأول- المرجع في التضرر الى العرف
بالنظر
____________
(1) سورة البقرة الآية 279.
(2) الكافي ج 5 ص 258 ح 3، التهذيب ج 6 ص 206 ح 5، الوسائل ج 13 ص 168 ح 2.
(3) قال في مجمع البحرين: الرواشن جمع الروشن و هي أن يخرج اخشابا الى الدرب و يبنى عليها و يجعل عليها قوائم من أسفل. انتهى، و في اللغويين الروشن بأنه الكوة كذا ذكره المحقق الشيخ على على ما في شرح القواعد. و في القاموس: الروشن الكورة، فليتأمل فلعل الغلط في أحد الموضعين، و لا يحضرني الان من نسخ الكتابين ما يمكن تحقيق الحال منه فان تحريف الكوة بالكورة أو بالعكس قريب فليلاحظ منه (رحمه الله).
116
الى المارة في تلك الطريق و ما يليق بها، فلو كانت من الطرق التي تمر فيها الجيوش و الجمال و الفرسان وجب أن لا يضر بالعماريات و الكنائس، و اعتبر ارتفاع ذلك بحيث يمر فيه الفارس لا يصدم رمحه مما لا على عنقه، و اعتبر العلامة في التذكرة أن يتمكن الفارس من الممر تحته و رمحه منتصب لا يبلغه، قال: لانه قد تزاحم الفرسان فيحتاج الى أن تنصب الرماح، و منعه في الدروس لندرته، و قواه في المسالك لإمكان اجتماعهم مع إمالته بحيث لا يبلغهم.
الثاني [حكم الجناح في ملكه إذا كان مشرفا]
- المفهوم من كلامهم و تقييد الضرر بالمارة كما قدمنا ذكره أنه لو أضر بغيرهم من جار و نحوه بحيث استلزم الاشراف عليه لم يمنع منه، كما لا يمنع لو كان وضع الجناح و الروشن في ملكه فاستلزم الاشراف على جاره.
و خالف في ذلك العلامة في التذكرة فقال: بالمنع من ذلك فارقا بينه و بين الوضع في ملكه، قال في الكتاب المذكورة: إذا أخرج جناحا أو روشنا في الشارع النافذ فقد بينا أنه ليس لأحد منعه مع عدم التضرر به، فلو تضرر جاره بالإشراف عليه فالأقرب أن له المنع، لانه قد حصل به الضرر، بخلاف ما لو كان الوضع في ملكه فإنه لا يمنع و ان حصل معه الاشراف، لأن للإنسان التصرف في ملكه كيف شاء، و يمنع في الملك من الاشراف على الجار لا من التعلية المقتضية لإمكانه، قال: و لست أعرف في هذه المسئلة بالخصوصية نصا من الخاصة و لا من العامة، و انما صرت الى ما قلت عن اجتهاد، و لعل غيري يقف عليه أو يجتهد فيؤديه اجتهاده الى خلاف ذلك انتهى ملخصا.
و اعترضه في المسالك فقال: و فيه نظر لان المعتبر في الموضوع في الطريق عدم الإضرار بأهل الطريق، لانه موضوع للاستطراق فيمتنع ما ينافيه، أما اعتبار عدم الإضرار بغيرهم فلا دليل على المنع منه، بل قد تقدم أنه لا يمنع مما يضر بغير من يعتاد سلوكه خاصة، فضلا عن غير المار، و الجار خارج عن ذلك كله، فلا وجه للمنع مما يقتضي إضراره، كما لو أحدث بناء في مباح يقابله و استلزم الاشراف عليه، و كلام العلامة و غيره حيث قيدوا الضرر بالمارة دليل عليه؛ و انما عمم هو الضرر في فرعه، انتهى.
117
أقول: و يقول العلامة (قدس سره) في هذه المسئلة و لست أعرف في هذه المسئلة نصا و انما صرت الى ما قلت عن اجتهاد، تعلق المحدث الأمين الأسترآبادي و نحوه من الأخباريين في التشنيع على المجتهدين، و يمكن الاعتذار عنه (قدس سره) بأن مراده بالاجتهاد انما هو الاستنباط من الأدلة العامة، فإنه إنما نفى وجود الخبر الخاص بهذه المسئلة، فلا ينافيه إمكان استنباط دليل لها من الأدلة العامة، و هو هنا
حديث (1) «لا ضرر و لا ضرار».
لأنه إنما استند في المنع بضرر الجار بذلك.
نعم يمكن أن يجاب عن ذلك بأن الضرر المنهي عنه انما هو نفس الاشراف، لا الروشن المقتضى له، كما لو فعله في ملكه أو أحدث بناء في مباح يقابله و استلزم الاشراف كما تقدم في كلام شيخنا المتقدم ذكره.
الثالث [في عدم مانعية معارضة المسلم عن إخراج الرواشن]
- ما قدمنا ذكره من جواز إخراج الرواشن و الأجنحة إلى الطرق النافذة ما لم يضر بالمارة هو المشهور، سواء عارضه فيه مسلم أو لم يعارضه أحد، و هو قول الشيخ في الخلاف.
و قال في المبسوط: بأنه لو عارض فيه مسلم وجب قلعه، و به قال ابن البراج، و الأول اختيار ابن إدريس، مستندا الى جريان العادة من غير أن ينكره أحد، قال: و سقيفة بني ساعدة و بنى النجار مشهورتان، و لم ينكرهما أحد من المسلمين، و نفس الطريق غير مملوكة، و انما يملك المسلمون منافعها دون رقبتها، انتهى.
و به قال العلامة و غيره، و ما ذهب اليه الشيخ في المبسوط هنا نقله في التذكرة عنه، و عن أبي حنيفة، قال: و قال الشيخ (رحمه الله) و أبو حنيفة لا عبرة بالضرر و عدمه، بل ان عارضه فيه رجل من المسلمين نزع و وجب قلعه و ان لم يكن مضرا به و لا بغيره، و الا ترك، لانه بنى في حق غيره بغير اذنه، فكان له مطالبته بقلعه، كما لو بنى دكة في المسلوك، أو وضع الجناح في ملك غيره، ثم رده بان القياس ممنوع، فان الضرر يحصل ببناء الدكة، بخلاف الجناح و الساباط و الرواشن، لان الأعمى يعتبر بها، و كذا في الليل المظلم يعثر البصير بها، و يضيق الطريق بها بخلاف الجناح، و ملك الغير لا يجوز التصرف فيه الا بإذنه، بخلاف الطريق فافترقا.
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 147 ح 18، الكافي ج 5 ص 292 ح 2، الوسائل ج 17 ص 341 ح 3.
118
أقول: و العمدة في ذلك كله هو اباحة الهواء، و انه غير مملوك هنا للمارة و لا لغيرهم فلا مانع من التصرف فيه الا على وجه يتضرر به المارة، و المفروض عدمه، فلو حصل الضرر به وجب إزالته و لا يختص الوجوب بالواضع، و ان كان آكد، بل يجب على كل من له قدرة بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر.
الرابع [عدم الجواز في الطرق المرفوعة]
- المفهوم من تقييدهم الطرق بالنافذة عدم الجواز في الطرق المرفوعة، و الوجه فيه ظاهر، لأنها ملك لأربابها، كسائر الأملاك المشتركة لا يجوز التصرف فيها إلا بإذن أربابها فلا يجوز لأحد منهم احداث جناح أو باب شارع إلا بإذن الباقين، سواء أضر بهم أم لم يضر، للمنع من التصرف في مال الغير إلا بإذنه مطلقا، و المراد بالمرفوعة المسدودة التي لا ينتهي إلى طريق آخر و لا مباح، بل الى ملك الغير، و المراد بأربابها من له باب شارع إليها، و مما يترتب على ملكهم لها جواز سدهم لها عن السكة، مع اتفاقهم على ذلك، و كما يحرم التصرف فيها بما تقدم ذكره كذلك يحرم بغيره من أنواع التصرفات، فلا يجوز المرور فيها إلا بإذنهم و لا الجلوس فيها، و لا إدخال الدواب فيها و نحو ذلك الا مع الاذن، و يمكن الاكتفاء في جواز المرور بشاهد الحال، و كذا الجلوس خفيفا، فلو اتفق في تلك الطرق المرفوعة السلوك الى مسجد أو رباط أو مطهرة أو نحوها من المشتركات بين العامة لم يكن لأصحاب الطريق المنع من السلوك إليها، و لا احداث ساباط أو جناح يضر بالمارة و ان رضى أهل السكة، لأنها صارت مشتركة بينهم و بين عامة الناس المترددين الى تلك المواضع، و نحوه لو جعل أحدهم داره أحد تلك المواضع، و الوجه فيه ظاهر مما تقدم.
هذا و المفهوم من كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف هو أن الطرق المرفوعة ملك لأربابها، و ظاهر المحقق الأردبيلي (رحمه الله عليه) هنا المناقشة في ذلك مستندا الى المنع من ذلك الا أن يعلم بدليل شرعي، و لو بدعوى الملكية بشرط أن لا يكون مستنده مجرد الاستطراق، فإن الذي علم من الاستطراق استحقاقهم ذلك لا غير، و لما كان أكثر الطرق و الاستطراق يحصل في غير الملك لا يعلم منه الملكية التي هي منفية بالأصل، إذ لا فرق بين المسلوك و المرفوع في الحصول، الا أن المترددين في الأول أكثر، هذا غاية ما استند اليه (قدس سره).
119
و فيه نظر، إذ لا يخفى أن الظاهر أنه لا خلاف في أن التصرف امارة الملك، فلو تصرف أحد في شيء و مات و هو في تصرفه حكم به ميراثا لورثته، و لو ادعى مدع في أن تصرفه عاد طولب بالبينة، و لا يخفى أيضا أن التصرف غير مضبوط بحد معلوم و انما هو في كل شيء بنسبته، يعنى بالنظر الى المنافع المترتبة على ذلك الشيء فكل من تصرف في شيء بتحصيل المنافع المترتبة عليه ثبت له الملك، و المنافع المترتبة على الطريق التي بها ثبت التصرف ليس الا الاستطراق، لأنها موضوعة له و ان أمكن وجود منافع آخر أيضا، الا أن هذا هو المقصود منها و الغالب عليها، و أما ما ذكره من أن الاستطراق يحصل في غير الملك- فلا يدل على الملكية كما في الاستطراق في الشوارع- ففيه أن ما ذكرنا من أن التصرف امارة الملك فان التصرف في كل شيء انما هو بنسبة حاله، مما يثبت به المدعى، إذ لا خلاف في هاتين المقدمتين فيما أعلم، و عدم ثبوت ذلك في الشوارع انما هو من حيث عدم حصر السالك فيها، و المالك لا بد أن يكون له مالك معين، و التصرف الموجب للملك الذي يكون في كل شيء بنسبته لا بد أن يكون مستمرا كما في التصرفات في سائر الاملاك.
و حينئذ فلو مر شخص في الجادة يوما و لم يعد إليها في باقي عمره لا يعد مالكا، و ان كان قد تصرف مرة، و هكذا في سائر السالكين و ان تفاوتوا، بخلاف ملاك السكة المرفوعة. فإنهم مستمرون على الاستطراق منها الى بيوتهم كما في جملة التصرفات في الاملاك مع كونهم معينين محصورين، و بذلك يظهر لك الفرق بين الطريقين، و عدم قياس إحديهما على الأخرى في البين. و الله العالم.
الخامس [تعارض الجارين في إخراج الجناح و الروشن]
- قد عرفت أن الأظهر أنه ليس لأحد من المسلمين معارضته في إخراج الجناح و الروشن، و يدخل فيه الجار، فليس له المعارضة، ليكون الهواء بينهما، بل أيهما سبق استحق ذلك.
نعم للآخر إخراج روشن فيما بقي من الهواء، و ليس لصاحب الأول منعه ما لم يضع على خشبته شيئا منه، و يجوز للآخر إخراج روشنه فوق الأول أو تحته ما لم يضر به، و يعتبر أن يكون عاليا لا يضر بالمارة على الوجه المتقدم، و لو أظلم
120
الطريق بوضع الثاني أزيل خاصة، لأن الضرر انما حصل به، و ان كان للأول أيضا أثر في ذلك الا أن الحد الموجب للضرر انما حصل بالثاني.
السادس [في مصالحة واضع الروشن مع أرباب الدرب]
- قال في التذكرة: لو صالح واضع الروشن أو الجناح أو الساباط أرباب الدرب، و أصحاب السكة على وضعه جاز على الأظهر عندنا، لكن الاولى اشتراط زمان معين، لانه حق مالي بتعين المالك فجاز الصلح عليه، و أخذ العوض عنه كما في القرار، و منع منه الشافعية، بناء منهم على أن الهواء تابع، فلا يفرد بالمال صلحا كما لا يفرد به بيعا، و نمنع مانعية التبعية من الانفراد بالصلح، بخلاف البيع لانه يتناول الأعيان، و الصلح هنا واقع عن الوضع مدة، و كذا الحكم في صلح مالك الدار عن الجناح المشرع إليها من الجواز عندنا، و المنع عندهم. انتهى.
و ظاهره أن الحكم إجماعي عندنا في كل من الموضعين، و انما المخالف فيه الشافعية خاصة، مع أن عبارة الشيخ في المبسوط ظاهرة في ما نقله عن الشافعية حيث قال: إذا أخرج جناحا الى زقاق غير نافذ لم يجز، لأن أربابه معينون، فان صالحوه على تركه بعوض يأخذونه منه لم يجز، لأن في ذلك افرادا للهواء بالبيع، و ذلك لا يصح. انتهى.
و الأصحاب قد نقلوا ذلك عنه أيضا، و الظاهر أنه غفل عن مراجعة ذلك، و المحقق في الشرائع قد تردد في المسئلة من أجل خلاف الشيخ أيضا.
و كيف كان فان الظاهر أن كلام الشيخ هنا (رحمه الله) مبنى على ما تقدم نقله عنه من فرعية الصلح على البيع كما هو مذهب الشافعية، و قد تقدم نقله عن الجميع و بيان ضعفه، و المفهوم من كلامهم كما هو ظاهر عبارة التذكرة المذكورة استحقاق جميع ملاك الطريق المرفوعة لذلك، و هو مخالف لما صرحوا به كما سيأتي ان شاء الله تعالى من اختصاص الداخل منهم بما بين البابين، و اشتراك الجميع انما يحصل فيما خرج عن الأبواب كملا، فالمناسب للتفريع على ذلك أن يقال:
أن الروشن المحدث ان كان خارجا عن جميع الأبواب فالحق للجميع، و الصلح على إخراج الروشن مع الجميع، و ان كان داخلا عن بعضها لم يتوقف على اذن الخارج، و قيل: يتوقف على رضى الجميع كالأول، و قواه في الدروس، و سيأتي
121
الكلام في ذلك إنشاء الله تعالى.
السابع [في بقاء حق الأولوية بعد سقوط الروشن]
- قالوا: لو سقط الروشن فسبق جاره الى وضع روشن في ذلك الهواء لم يكن للأول منعه، لأن الأول لم يملك الموضع بوضع الروشن فيه، و انما اكتسب بوضعه الأولوية، كالقعود في المسجد.
بل قال في التذكرة: لو هدمه جار قهرا و تعديا ثم وضع الجار روشنا أو جناحا في محاذاته و مده الى مكان روشن الأول جاز، و صار أحق به، لأن الأول كان يستحق ذلك بسبقه اليه، فإذا أزال و سبقه الثاني إلى مكانه كان أولى، كرجل جلس في مكان مباح كمسجد أو درب نافذ ثم قام عنه أو أقيم، فإنه يزول حقه من الجلوس، و يكون لغيره الجلوس في مكانه. و ليس للأول إزعاجه، و ان أزعج الأول فكذا هنا، ثم نقل المنع عن بعض الشافعية.
و ملخص كلامهم أنه انما يزول حقه بالإعراض عن إعادته لا بالهدم و الانهدام كالجالس في المكان للأولوية، و بذلك صرح غيره أيضا، و ظاهره أن غاية ما يلزم الثاني بكسر روشن الأول الإثم و الضمان خاصة، و الا فإن أولويته تزول بذلك.
و لا يخفى ما فيه من الاشكال، لعدم النص في ذلك مع ظهور كون الثاني غاصبا و ان لم يكن غصب ملك بل غصب أولوية، فإطلاق أدلة الغصب و عمومها يشمل مثل ذلك.
و قد تنبه لما ذكرناه المحقق الأردبيلي (قدس سره)، حيث أنه بعد نقل كلام التذكرة و ما ذكره من كلام بعض الشافعية، قال: و الذي يتخيل أولوية قول بعض الشافعية، إذ لا شك في حصول الأولوية، و الأصل بقاؤها، و معلوم زوالها بالإعراض لا غير، و الظاهر أنه ليس بأقل من التحجير قهرا يمكن عدم زوال أولوية الحجر، و بالجملة الحكم ليس بمنصوص و لا مجمعا عليه على الظاهر، فليس ببعيد قول بعض الشافعية، و لا شك أنه أحوط، انتهى.
و أشار بقوله: ليس أقل من التحجير الى آخره- و ان كانت العبارة لا يخلو من غموض و لعله لغلط في الكتاب المنتسخ منه- الى ما صرحوا به ثمة من أنه بالتحجير الذي هو شروع في الإحياء لا يصلح لغيره التخطي اليه و ان لم يفد ملكا، بل
122
انما يفيد أولوية، و هو نظير ما نحن فيه، فيكون مؤيدا لما ذكرناه.
و يؤيده أيضا ما تقدم في أحكام المساجد من كتاب الصلاة بالنسبة إلى السابق الى موضع منها من تصريح شيخنا الشهيد الثاني بأنه لو أزعجه مزعج فلا شبهة في إثمه، و هل يصير أولى بعد ذلك يحتمله، لسقوط حق الأول بالمفارقة، و عدمه للنهى، فلا يترتب عليه حق، و يتفرع على ذلك صحة صلاة الثاني و عدمها، مع أنه (قدس سره) ممن وافق العلامة فيما نقلناه عنه في كتاب المسالك، و الحكم في المسألتين من باب واحد، و الله العالم.
المقام الثاني- في الطرق
و هي على قسمين، نافذة و يقال شارعة، و مرفوعة و الكلام في هذا المقام يقع أيضا في مواضع،
الأول [حكم فتح الأبواب المستحدثة في الطرق]
- الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في جواز فتح الأبواب المستحدثة في الطرق النافذة، لأن المسلمين فيها شرع، فيجوز احداث الأبواب فيها لمجاوزها، سواء كان لتلك الدار باب آخر إليها أم الى غيرها من الطرق النافذة؟ أو المرفوعة.
أما الطرق المرفوعة فلا يجوز الا برضاء أهلها، و لا حد الشركاء فيها إلا بإذن الباقين، و كذا لا خلاف في جواز وضع الميازيب في الطرق النافذة، و احتج عليه في التذكرة بأن الناس بأسرهم اتفقوا على وضع الميازيب و نصبها على سطوحهم قديما و حديثا من غير إنكار أحد منهم، فكان إجماعا هذا إذا لم يتضرر بوضعها أحد، فإن تضرر بوضعه وجب قلعه.
أقول: الأظهر الاستدلال على ذلك بأصالة الإباحة، إذ لا شيء هنا مما ربما يتوهم المنع منه الا الاستطراق الذي هو حق للمسلمين، و المفروض أنه لا يضربه، فيكون كوضعه مشرفا على الأماكن المباحة.
الثاني [حكم فتح الروازن و الشبابيك في الطرق]
- يجوز فتح الروازن و الشبابيك في الطرق النافذة بلا اشكال، و كذا في الطرق المرفوعة و أن استلزم ذلك الاشراف على جاره، لما تقدم من أن المحرم هو الاشراف و التطلع، لا التصرف في الملك، ليستفيد بذلك الاضائة في بيته.
نعم للجار وضع شيء في ملكه يمنع الاشراف عليه و ان استلزم سد الضوء،
123
و لا فرق بين أن يكون لصاحب الحائط الذي فتح فيه الروزنة أو الشباك باب في تلك الدرب أم لا، لان له رفع جميع الحائط، و أن يضع عوضه شباكا فبعضه أولى.
نعم يمنع من فتح الباب لو لم يكن له باب قديم، و ان لم يستطرق فيه دفعا للشبهة، اعنى شبهة استحقاقه التطرق، و المرور من تلك الطريق، و بهذا يفرق بين فتح الشباك و الروزنة بل رفع جميع الحائط، و بين فتح الباب، فإن الشبهة المذكورة لا تترتب على الثلاثة الأول، بل انما نترتب على الرابع، فإنه بعد تطاول الزمان و اشتباه الحال يمكن الاستناد إليه في استحقاق المرور و التطرق من تلك الطريق، بخلاف رفع الجدار فضلا عن الشباك و الروزنة، فإنه لا يقتضي استحقاق المرور به بوجه، هذا كله إذا لم يأذن أرباب تلك الطريق، فلو أذنوا سقط.
الثالث [في حكم أبواب السكة المرفوعة]
- لو كان في السكة المرفوعة أبواب بعضها أدخل من الأخر فهل يشترك جميعهم في جميع السكة فيكون الاستحقاق في جميعها لجميعهم، أم شركة كل واحد يختص بما بين رأس السكة و باب داره؟ لان محل تردده هو ذلك المكان خاصة، المشهور بين الأصحاب الثاني، و الوجه فيه أن المقتضى لاستحقاق كل واحد هو الاستطراق و نهايته بابه، فلا يشارك في الداخل، فحكمه بالنسبة الى هذا الداخل الزائد على بابه حكم الأجنبي من غير أهل السكة.
و قيل: بالأول، فيشترك الجميع في الجميع حتى في الفضلة الداخلة عن الأبواب و هو صدر السكة ان كان ذلك، و علل باحتياجهم الى ذلك عند ازدحام الأحمال، و وضع الأثقال عند الإدخال و الإخراج.
و قوى في الدروس هذا القول، و نقل القولين في التذكرة عن الشافعية، و قال: ان أظهر الوجهين لهم الثاني، و المسألة غير منصوصة عندنا، الا أن الأوفق بالقواعد الشرعية هو القول المشهور؟ و لو فضل في صدر الزقاق فضلة عن الاستطراق فظاهر الأصحاب أن أرباب الأبواب فيها سواء و لا أولوية لواحد على غيره لاستوائهم في الارتفاق بها. بخلاف ما بين البابين أو الأبواب، فإن أدخلية الباب تقتضي الاستطراق اليه، و هو مختص بالمستطرق، فيتحقق الترجيح، فالادخال ينفرد بما
124
بين البابين، و هكذا لو كانت أكثر من بابين، و يشترك الجميع في الطريقين أعنى صدر السكة الخالي عن الاستطراق، لما تقدم، و آخرها الزائد على الأبواب، لاشتراك الجميع في استطراقه، قال في التذكرة: فعلى المشهور عندنا ان الأدخل عنده ينفرد بما بين البابين، و يتشاركان في الطريقين، و لكل منهما الخروج ببابه مع سد الأول و عدمه، فان سده فله العود اليه مع الثاني، و ليس لأحدهما الدخول ببابه و يحتمله، لانه قد كان له ذلك في ابتداء الوضع و يستصحب، و له رفع جميع الجدار فالباب أولى انتهى.
أقول: الظاهر ان هذا الاحتمال مبنى على القول الأخر الذي تقدم تقويته عن الدروس، و الا فإنه يشكل بناء على المشهور من حيث اختصاص تملكه بما يستطرفه، و هو الى الباب الموجود يومئذ، فادخاله للباب الى داخل السكة مع أنه ملك غيره من أصحاب الأبواب الداخلة مشكل.
و أورد المحقق الأردبيلي (رحمه الله) هنا عليهم اشكالا قد أشرنا إليه في الموضع السادس من المسئلة السابقة، قال (رحمه الله) ثم هيهنا اشكال و هو أنهم قد حكموا بكون المرفوعة ملكا لكل من فيها، فالهواء و الأرض كله ملك مشترك بين أربابها، و أيضا قالوا: لا يجوز لأحد التصرف بإحداث الرواشن و الأجنحة و الساباط و فتح الأبواب المستحدثة حتى لغير الاستطراق أيضا، و كذا وضع الميزاب، سواء حصل الضرر أم لا إلا بإذن الأرباب، فمعه يجوز مطلقا، فهو مؤيد للاشتراك ثم حكموا هنا بالاختصاص بما بين البابين لذي الباب الأدخل و الأول، الى أن قال:
فكأنهم جوزوا ما حرموه.
و قد تقدمه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، فإنه أيضا أشار الى ذلك، و يتفرع على ذلك ما أشرنا إليه آنفا من توقف وضع الجناح أو الروشن على اذن الجميع، بناء على حكمهم بعموم الملك للجميع، و التفصيل بما تقدم بناء على كلامهم هنا من اختصاص الداخل بما بين البابين.
الرابع [كيفية صيرورة الموضع شارعا و حكم السرداب في الطرق]
- قال العلامة في التذكرة: يصير الموضع شارعا بأمور أن يجعل
125
الإنسان ملكه شارعا و سبيلا مسبلا و يسلك فيه شخص آخر، أو يجيء جماعة أرض قرية أو بلدة و يتركوا مسلكا نافذا بين الدرب و المساكن، و يفتحوا اليه الأبواب، أو يصير موضع من الموات جادة يسلك الناس فيها، فلا يجوز تغييره، و كل موات يجوز استطراقه، لكن لا يمنع أحد من إحيائه بحصول الممر عليه، فليس هو حكم الشوارع. انتهى.
و قال في الدروس: يجوز عمل سرداب في الطريق النافذ، إذا أحكم أزجه و لم يحصر الطريق من وجهها، و لو كان في المرفوع لم يجز و ان أحكم إلا بإذنهم، و مثله الساقية من الماء إذا لم يكن لها رسم قديم، و منع الفاضل من عمل الساقية و ان أحكم الأزج عليها في النافذ، أما لو بناها بغير أزج فإنه يمنع منها إجماعا، و يجوز لكل أحد إزالتها انتهى.
المقام الثالث في الجدران:
و البحث فيها يقع في موارد
الأول- الجدار بين الملكين
اما أن يكون لواحد من صاحبي الملكين، أو يكون مشتركا بينهما، فان كان مختصا بأحدهما كان له التصرف فيه كيف شاء، بهدم و بناء و نحو ذلك، و ليس للآخر وضع جذع و لا خشبته عليه الا بإذن صاحبه، و هذا كله مما لا خلاف فيه و لا اشكال، و ان كان مشتركا لم يجز لأحدهما التصرف فيه الا بإذن الأخر، كوضع وتد و فتح كوة و نحو ذلك، حتى أنه عد في التذكرة من ذلك أخذ تراب ليترب به الكتاب، فإنه لا يجوز إلا بإذن شريكه ثم استثنى من ذلك ما لا يقع المضايقة به كالاستناد اليه، و اسناد المتاع إليه إذا لم يتضرر الجدار بذلك، و هذا الحكم عام في جدار الغير مطلقا، لأنه بمنزلة الاستظلال بجدار الغير، و الاستضائة بسراجه، و لو منع المالك أو الشريك من الاستناد فهل يحرم أم لا؟ جزم في التذكرة بذلك و تبعه في المسالك و استقرب في الدروس العدم لانتفاء الضرر قال في المسالك: و موضع الخلاف ما إذا كان المجلس للمستند و الا لم يجز إجماعا.
126
الثاني [في حكم الرجوع بعد وضع الخشب المعار]:
قالوا، إذا التمس الجار وضع جذوعه على حائط جاره لم يجب على جاره اجابته. نعم يستحب، و استدل في المسالك على الاستحباب بما روى عنه (صلى الله عليه و آله) من قوله» من كان يؤمن بالله و اليوم الأخر فلا يمنعن جاره من وضع خشبة على جداره».
أقول: لم أقف على هذا الخبر في كتب أخبارنا، و الظاهر أنه من طريق العامة حيث انه نقل في المسالك أن بعضهم أجاز وضع الخشب بدون الاذن مستندا الى هذا الخبر.
و كيف كان فان عموم اخبار قضاء الحوائج للمؤمنين و التوصية بالجار و نحو ذلك مما يدل على الاستحباب في مثل ذلك، فلا بأس به.
ثم انه لو أذن له في الوضع فله الرجوع في الاذن ما لم يضعه اتفاقا، أما لو وضعه فقيل: انه ليس له الرجوع لاقتضاء الاذن في ذلك الدوام و التأبيد كالإذن في دفن الميت في الأرض، و للإضرار الحاصل بالنقض حيث يفضى الى خراب ملك المأذون، ذهب اليه الشيخ في المبسوط و جماعة، و المشهور بين المتأخرين، و منهم المحقق و العلامة و الشهيدان و غيرهم أن له الرجوع لأنه عارية، و الأصل جواز تصرف المالك في ملكه بأي نحو كان، قالوا: و الحاقه بالدفن قياس مع الفارق، لتحريم نبشه، لا من حيث تخريب البناء و الإضرار يندفع بضمان الأرش.
أقول: و هذا الجواب جيد، الا أن بعضهم احتمل جواز النقض مجانا من غير أرش، بناء على أن الاذن إنما أفاد العارية، و لازمها الرجوع متى أراد مع أصالة براءة ذمة المالك من ثبوت مال لغيره عليه على تخليص ملكه منه، بل أصالة البراءة مطلقا.
و القائلون بالأول استندوا إلى أنه بناء محترم صدر بالاذن، فلا يجوز قلعه الا بعد ضمان نقصه، و لان فيه جمعا بين الحقين، و لانه سبب الإتلاف لإذنه، و المباشر ضعيف، لأنه بالأمر الشرعي.
ثم انه على تقدير وجوب الأرش فهل هو عوض بما نقصت آلات الواضع بالهدم؟
127
أو هو عبارة عن تفاوت ما بين العامر و الخراب؟ وجهان: اختار أولهما في المسالك، و زاد المحقق الأردبيلي (رحمه الله) وجها ثالثا قال، و يحتمل ثالثا و هو جميع ما أخرجه المالك في الجدار بعد وضع قيمة الآلات الموجودة منه، فتدخل فيه أجرة الأكار و غيرها و هو الأظهر انتهى.
و لو اتفقا على بقائه بالأجرة زال الإشكال.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن ظاهر المحقق المذكور في شرحه على الإرشاد الميل الى مذهب الشيخ في المبسوط في هذه المسئلة (1) قال (قدس سره): و ظاهر المصنف بل الأكثر جواز إخراج الخشب المعار، و ان كان مستلزما للخراب على المأذون، فيعطى الأرش، و يحتمل عدم الجواز، و هو مذهب الشيخ، لأن العارية في مثل هذا للتأبيد، فكأنه قال: أعرني بحيث يكون دائما عندي ما دام الجدار، و لا يكون لك الرجوع بوجه، و التزم ذلك فصار لازما، لان المسلمين عند شروطهم، و لأن الأصل في العقود اللزوم، و خرجت العارية في غير محل النزاع بالإجماع و نحوه، و بقي الباقي و لانه مستلزم للضرر،
«و لا ضرر و لا ضرار في الإسلام».
، و لا ينجبر بالأرش، إذ قد يكون بحيث لو لم يعر الخشبة لسهل عليه تحصيل غير الخشب يبقى دائما، و قد تخيل بقاؤه دائما، و حينئذ يخرب ملكه، و قد لا يوجد من يبني أو يكون الخرج زائدا بكثير على الأول و لا يعارضه ان المنع أيضا ضرر على مالك الخشب، لانه فعله بنفسه من غير إجبار، مع أن العادة قاضية بأن مثل هذه العارية انما تكون للدوام، فإن أحدا لا يرتكب مثل هذه العارية مع تجويز رجوع مالكه إذا كان
____________
(1) قال (قدس سره): الثالث على تقدير ثبوت الأرش فهل هو عوض ما نقصت آلات الواضع بالهدم أو تفاوت ما بين العامر و الخراب، وجهان: مبناهما على أن البناء إذا كان محترما فهو بهيئته حق لبانيه فيكون جبره بتفاوت ما بين كونه عامرا و خرابا، لان ذلك هو نقص المالية، و من أن نقص هذه المالية مستند الى ملك صاحب الجدار فلا يضمن، انما تضمن في نقصان الغير الذي كان سبب إتلافه و فواته و هو أقوى لأن جميعه مال للواضع غايته كونه موضوعا على ملك الغير و ذلك الملك انما أثر جواز النقص لا المشاركة في المالية. انتهى. منه (رحمه الله).
128
مستلزما للخراب، كما في العارية للدفن، و لا ينفع الفرق بأن النبش حرام و أنه قياس، لما تقدم، و لأن الغرض التمثيل و التأييد، على أنه قد يقال به، لظهور العلة المشتركة، و يدفع الفرق بأنه على تقدير جواز الرجوع لا يكون النبش حينئذ حراما، بل يكون هذه من الصور المستثنيات الكثيرة.
ثم ان الظاهر على تقدير الجواز ما كان ينبغي وجوب الأرش، لأنه انما هو بسبب كونه عارية، و هي جائزة دائما، و المالك قد أضر نفسه بقبول العارية الجائزة، فكأنه جوز على نفسه الرجوع و التخريب لما بنى، فكأنه المخرب و المهدم، فلا يتوجه أنه سبب، و مالك الخشب مباشر، على أنه إذا كان جائزا فله أن يجبر مالك الجدار بحكم الحاكم بدفع ماله اليه، فيكون هو المباشر فتأمل، انتهى أقول: و المسئلة لخلوها عن النص محل توقف و اشكال، و الاعتماد على هذه التعليلات في تأسيس الأحكام الشرعية مجازفة ظاهرة، سيما مع تدافعها كما عرفت.
نعم يمكن تأييد مذهب الشيخ بما دل على وجوب الوفاء بالوعد من الآية و الرواية، فإن هذه المسئلة و ان كانت من قبيل العارية التي حكمها جواز الرجوع فيها، الا أن قرائن الحال تشهد بأن المطلوب منها هنا الدوام، فان المعير انما أعار جداره على هذا الوجه، فلا يجوز له الرجوع بعد ذلك، لما دل على وجوب الوفاء بالوعد، و يؤيده حديث الوفاء بالشروط، و الله العالم.
تذنيبان:
الأول [في احتياج إعادة الجذوع إلى إذن جديد و عدمه]
- قال في التذكرة: ان رفع صاحب الجذوع جذوعه لم يكن له إعادتها إلا بإذن جديد، لأن الإذن الأول زال بزواله و كذا لو أذن في وضع روشن على حائطه أو جناح أو ساباط، و هو أحد قولي الشافعي.
و الثاني أن له الوضع عملا باستصحاب الاذن الأول و كذا لو سقطت الجذوع أو الروشن أو الساباط أو الجناح بنفسه، و لو سقط الجدار فبناه صاحبه بتلك الآلة فكذلك، لأن الإذن لا يتناول إلا مرة، و للشافعية وجهان، و لو بناه بغير تلك الآلة
129
لم يعد الوضع إلا بإذن جديد عندنا و عند الشافعية قولا واحدا، انتهى.
أقول: ما ذكره من الاتفاق على التوقف على الاذن الجديد إذا كان البناء بغير تلك الإله مشعر بالخلاف فيما إذا بناه بتلك الإله، الا أن ظاهره أن الخلاف إنما هو من الشافعية، حيث قال: و للشافعية وجهان، مع أن الشيخ قد صرح بذلك في المبسوط أيضا، و نقله عنه الأصحاب.
و منهم العلامة في المختلف قال: إذا أذن له في وضع الجذوع على جداره ثم استهدم الجدار للمعير نقضه، فإذا أعاده قال الشيخ في المبسوط: ان أعاده بتلك الآلة لم يكن له منعه من رد الخشب و السقف عليه، و ان أعاده بغير تلك الآلة كان له منعه، و قيل: ليس له منعه، و الأول أقوى (1)، ثم قال في المختلف:
و الوجه الأخير لنا أنها عارية، و للمالك الرجوع فيها خصوصا إذا لم يتضمن ضرر المستعير، و لا ضرر هنا، لأن إزالة الجذوع كان سائغا، مع ان الشيخ قال أولا: لو انهدم الحائط أو أهدمه المستعير لم يكن له الإعادة إلا بإذن مستأنف، و أى فارق بين الموضعين سوى مباشرة الهدم في الثاني دون الأول، و تلك لا توجب دوام الإعارة بل نقول أبلغ من ذلك، و هو أن المالك لو هدم الحائط من غير حاجة لم يكن للمستعير الإعادة و ان وجب عليه الأرش ان قلنا به، انتهى.
أقول: و من أجل اضطراب كلام الشيخ و اختلافه هنا كما سمعت من كلام المختلف لم يذكر كثير منهم خلاف الشيخ المذكور، كما يشير إليه عبارة التذكرة، و كأنهم أخذوا بقوله الموافق لما عليه الأصحاب من المنع من الرجوع مطلقا، و أطرحوا هذا التفصيل الذي ذكره، و القولان للشافعية، و الشيخ جمع
____________
(1) أقول و مما اقرعه الشيخ على هذا التفصيل ما لو حلف أن لا يستند الى هذا الحائط ثم هدم و بنى بتلك الإله، فإنه يحنث، قال في المبسوط و قال العلامة في المختلف:
و يقوى في نفسي أنه لا يحنث لأن الحائط الثاني ليس هو الأول، لأن الحائط عبارة عن آلة و تأليف مخصوص و لا خلاف في أن تأليفه بطل انتهى، منه (رحمه الله).
130
بين الحكمين المختلفين.
إذا عرفت ذلك فهنا شيء لم أعثر على من تنبه له و لا نبه عليه و هو أن ما ذكره الشيخ من التفصيل المتقدم نقله محل الخلاف منه انما هو الشق الأول، و هو ما إذا أعاد الجدار بتلك الإله فالشيخ حكم بأنه ليس له منعه من الإعادة، و الأصحاب حكموا بالمنع، و ظاهر العبارة المذكورة ان الخلاف انما هو في الثاني، و العبارة بهذه الكيفية قد ذكرها في المبسوط، كما في نقل المختلف، و المعنى لا يصح الا بإسقاط لفظ ليس، مع أنها موجودة في الكتابين، و قول العلامة في المختلف و الوجه الأخير ثم علله بما ذكره انما يتم بحذف ليس، لانه هو الوجه الأخير الذي في مقابلة التفصيل الأول، و المراد أن له منعه مطلقا فليتأمل. و الله العالم.
الثاني: لو وقع الصلح بينهما على وضع الخشب أو الجذوع على الجدار بشيء
صح، لعموم أدلة الصلح الا أنه يشترط عندهم معرفة الخشب أو الجذوع الموضوعة طولا و وزنا، لاختلاف ضرر الجدار باختلاف ذلك، و تكفي المشاهدة عن اعتبارها بما ذكر، و لكن لا بد من تعيين المدة و ضبطها، هذا إذا كان الصلح قبل البناء و وضع الخشب.
و أما لو كان بعده فإنه لا يفتقر الا الى تعيين المدة خاصة، لأن الباقي صار معلوما، قالوا: و لو كان الجدار غير مملوك بل موقوفا كجدار المسجد لم يجز التصرف بوضع شيء عليه الا بإذن الحاكم الشرعي، و ليس له الإذن إلا بعوض، و في الجواز مع العوض بشرط عدم الضرر نظرا إلى المصلحة بحصول العوض و عدمه نظرا إلى أنه تصرف في الوقف بغير ما وضع له، و لانه يثمر شبهة الاستحقاق بتطاول الأزمان- وجهان: أجودهما الأخير، و هو خيرة الشهيدين في الدروس و المسالك.
الثالث- لو تداعيا جدارا
فاما أن يكون لأحدهما عليه يد في الجملة، أم لا يد بالكلية، فعلى الثاني ان حلف عليه أحدهما مع نكول صاحبه قضى به للحالف،
131
و ان حلفاهما معا أو نكلا قضى به لهما انصافا، و على الأول فاما أن يكون تلك اليد التي في الجملة مثل كونه في أرض أحدهما فإنه يحكم له به، أو يكون متصلا ببنائه اتصالا يبعد به كونه محدثا، كتداخل اللبن و الأحجار، و مثلهما ما لو كان لأحدهما عليه قبة أو غرفة أو نحو ذلك فإنه بجميع ذلك يصير صاحب يد، فالقول قوله بيمينه مع فقد البينة، و كذا لو كان لأحدهما عليه جذع أو جذوع، لان حكم الجذع و الجذوع حكم ما تقدم من المرجحات، فيكون القول قوله مع يمينه، و نقل عن الشيخ هنا أنه لا يقضى له بذلك، قال في المبسوط: إذا تنازعا جدارا بين ملكيهما غير متصل ببناء أحدهما، و لأحدهما عليه جذع أو جذوع له يحكم له.
و قال ابن إدريس: يحكم لصاحب الجذوع، قال في المختلف: و هو مذهب والدي (رحمه الله) و هو المعتمد، لنا أنه متصرف فيه، و له عليه يد دون الأخر، فيحكم مع عدم البينة له بعد اليمين، كغيره من الأموال، ثم قال: احتج الشيخ
بقوله (صلى الله عليه و آله) (1) «البينة على المدعى و اليمين على المدعى عليه».
و لم يفرق و أيضا فإن هذا الحائط قبل طرح الجذوع كان بينهما نصفين بلا خلاف، فمن قال بطرح الجذوع بغير الحكم عليه و الدلالة، بل يقال لصاحب الجذع، أقم البينة على انك وضعت هذه الجذوع بحق، فإن أقامها، و الا كان على حاله قبل وضعها فيه، و أيضا فإن وضع الجذوع قد يكون عارية لأن في الناس من يوجب اعارة ذلك، و هو مالك، فإنه قال يجبر على ذلك
لقوله (عليه السلام) «لا يمنعن أحدكم جاره أن يوضع خشبته على جداره».
و الجواب عن الأول أنا نقول: بموجب الحديث، فان اليمين هنا على المدعى عليه و هو صاحب الجذوع، لانه متصرف و ذو يد، فالقول قوله مع اليمين، و على الأخر البينة، لأنه مدع و خارج.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 20 ح 1 و الوسائل ج 18 ص 170 و 171.
132
و عن الثاني أن التنصيف ثابت مع عدم التصرف لتساوى نسبتهما اليه، كما لو تداعيا عينا في يدهما أو يد ثالث لا يعترف لأحدهما، فإنهما متساويان في الدعوى لعدم اليد، أو لثبوتها لهما أما في صورة النزاع فان يد أحدهما ثابتة عليه، فكان قوله مقدما، و الأصل وضع الجذوع بحق، فلا يطالب صاحبها بإقامة البينة على ذلك، الا أن يثبت الأخر دعواه، و الأصل عدم العارية، و التخريج على المذهب الفاسد فاسد، انتهى كلامه (زيد مقامه) و هو جيد، و لو تفرقت هذه المرجحات بأن كان لأحدهما بعض، و للآخر بعض، بان كان البناء متصلا ببناء كل منهما، أو اختص أحدهما بالجذوع و الأخر بالقبة أو الغرفة، أو نحو ذلك حكم باليد لهما، فيرجع الكلام الى ما تقدم من اختصاص الحالف مع نكول الأخر، أو القسمة بينهما مع حلفهما أو نكولهما.
قالوا: و لا يرجع دعوى أحدهما بالخوارج التي في الحيطان، و هو كل ما خرج عن وجه الحائط من نقش و وتد و رف و نحو ذلك، لإمكان احداثه من جهته من غير شعور صاحب الجدار به، و نحوها أيضا الدواخل في الجدار كالطاقات غير النافذة، و الروازن النافذة لما ذكر، و فيه على إطلاقه تأمل.
الرابع [فيما لو انهدم الجدار المشترك]
- الظاهر أنه لا خلاف بينهم في أنه لو انهدم الجدار المشترك و أراد أحد الشريكين عمارته دون الأخر، فإنه لا يجبر الممتنع على المشاركة في عمارته، و عللوه بأن الإنسان لا يجب عليه عمارة ماله.
و انما يبقى الكلام في موضعين
أحدهما- أنه لو أراد أحد الشريكين عمارته فهل يتوقف على اذن شريكه الممتنع؟
أم يجوز البناء و ان نهاه؟ قولان: و علل الأول بأنه مال مشترك، فيمتنع التصرف فيه بدون اذن الشريك، كما في جميع المشتركات، و علل الثاني بأنه نفع و إحسان في حق الشريك حيث يعمر له حائطه و لا يغرمه في نفقته، و لا ضرر عليه بوجه، و نقل هذا القول عن الشيخ، و في المسالك قوى الأول.
و في الحكم بقوته على إطلاقه إشكال، لأنه ربما يتضرر الشريك بترك عمارته
133
فيلزم من عدم الاذن له الإضرار به،
و حديث (1) «نفى الضرر و الإضرار».
يدفعه، و ربما قيل بالتفصيل بين إعادته بالآلة المشتركة، فلا يشترط رضاه، و بين إعادته بآلة من عنده فيشترط، لانه على الأول يبقى شريكا كما كان، بخلاف الثاني.
ثم انه قال في المسالك: و حيث يتوقف البناء على اذن الشريك و يمتنع رفع أمره الى الحاكم ليجبره على المساعدة أو الاذن، فإن امتنع اذن له الحاكم انتهى.
أقول: مقتضى ما قدمنا نقله عنه من تقويته القول الأول هو عدم جواز البناء لو لم يأذن، و فيه ما عرفت آنفا، و مقتضى كلامه هنا هو أنه يجبر على الاذن، أو يأذن الحاكم نيابة عنه، و هو على إطلاقه أيضا لا يخلو عن إشكال، لأنهم صرحوا بأنه لا يجب عليه عمارة ماله، و ظاهر كلامهم أنه أعم من أن يكون مشتركا أو مختصا به، و سواء كان بنفقة ينفقها عليه أم لا، فكيف يجبر على ذلك هنا، و الأظهر عندي انما هو التفصيل بما قدمنا ذكره من أنه مع ارادة الشريك التعمير و امتناع شريكه من ذلك، فان كان في امتناعه ضرر على شريكه فإنه يجوز للشريك التعمير من غير اعتبار اذنه، فيسقط الاذن هنا أيضا وقوفا على حديث «نفى الضرر و الإضرار» و الا فلا، وقوفا على ما ذكروه من عدم وجوب تعمير الإنسان ماله، و لا مدخل هنا للحاكم بوجه.
و ثانيهما [لو خالف و عمره بغير الاذن، فهل للشريك نقضه؟]
انهم قالوا: على القول باعتبار اذنه لو خالف و عمره بغير الاذن، فهل للشريك نقضه؟ احتمال من حيث تصرفه في ملك غيره، و تغيير هيئته و وضعه الذي كان عليه، فصارت الكيفية الثانية كأنها مغصوبة، فله إزالتها.
و فصل في المسالك فقال: الأقوى العدم، ان كان بناه بالآلة المشتركة، لان هدمه أيضا تصرف في مال الغير، و هو الشريك الذي بنى، فلا يصح كالأول، و انما تظهر الفائدة في الإثم، و الجواز ان كان بناه بغير آلته، لانه عدوان محض، و تصرف في أرض الغير، فيجوز تغييره. انتهى.
أقول: يمكن تطرق المناقشة الى ما ذكره (قدس سره) بأن البناء كما أنه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 292 ح 2- الفقيه ج 3 ص 147 ح 18- الوسائل ج 17 ص 319 ح 1.
134
مشتمل على الإله فهي أحد أجزائه فهي أيضا مشتملة على الكيفية المخصوصة و هي أحد أجزائه، و كما يحصل العدوان و الغصب بالبناء بغير آلته القديمة كما اعترف به، يحصل أيضا بتغيير الهيئة و الكيفية السابقة، و به يظهر أن قوله فيما لو بناه بالآلة المشتركة- ان هدمه أيضا تصرف في مال الغير و هو الشريك الذي بنى- غير تام، لان هذا التصرف بناء على ما ذكرناه تصرف عاد غير جائز، فيجوز إزالته، و بما ذكرناه يظهر قوة الاحتمال الأول و ضعف ما ذكره من التفصيل.
ثم ان الموافق لما قدمناه من التفصيل بالضرر و عدمه أن يقال: انه على القول باعتبار الاذن لو خالف و عمره بغير اذنه، فان كان في نقضه ضرر على الشريك الذي بناه فليس للآخر نقضه، عملا بالخبر المتقدم ذكره، و الا فله نقضه، للعلة المذكورة في وجه الاحتمال من حيث التصرف في ملك الغير، و تغيير هيئته، ثم انه على تقدير تحريم الهدم لو هدمه الشريك لزمه الأرش، كما لو هدمه ابتداء.
و الله العالم.
الخامس [في حكم اختلافهما في خص]
- قالوا: لو اختلفا في خص قضى به لمن اليه معاقد القمط، و الخص بالضم البيت الذي يعمل من القصب، و القمط بالكسر حبل يشد به الخص، و بالضم جمع قماط، و هي شداد الخص من ليف، و خوص، و يستفاد من الفقيه أن الخص هو الحائط من القصب بين الدارين، و هو الأوفق بالأخبار الواردة في المسئلة، و كذا يفرض المسئلة في كلامهم.
و الذي وقفت عليه من الاخبار ما رواه
ثقة الإسلام و الشيخ عن منصور بن حازم (1) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن خص بين دارين فزعم أن عليا (عليه السلام) قضى به لصاحب الدار الذي من قبله وجه القماط.
و رواه في الكافي بسند آخر في الصحيح أو الحسن عن منصور بن حازم (2) مثله، الا أنه قال: عن حظيرة عوض خص، و رواه الصدوق بإسناده عن منصور بن حازم مثله الا أن فيه «فذكر» عوض «فزعم»،
و روى في الفقيه بإسناده عن عمرو بن شمر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 296 ح 9- التهذيب ج 7 ص 146 ح 34.
(2) الكافي ج 5 ص 295 ح 3 التهذيب ج 3 ص 56 ح 1.
135
عن جابر (1) «عن أبى جعفر عن أبيه عن جده عن على (عليهم السلام) أنه قضى في رجلين اختصما إليه في خص فقال: ان الخص للذي إليه القمط».
و الأصحاب لم ينقلوا في هذه المسئلة إلا الرواية الأخيرة، و لهذا قال في المسالك بعد نقله الرواية المذكورة: و الطريق ضعيف، الا أن الأصحاب تلقوها بالقبول، و ردها بعضهم و منهم المصنف في النافع، و قال انها قضية في واقعة، فلا تتعدى، و حينئذ فحكم الخص حكم الجدار بين الملكين انتهى.
و قال المحقق الأردبيلي (قدس سره) بعد نقل ذلك عن المسالك و كأنه أوفق بالأصول و القوانين، الا أنه يفهم من شرح الشرائع و التذكرة الإجماع عليه، ثم ذكر رواية منصور بن حازم المتقدمة، و قال: انها مروية بطريق صحيح، و بطريق آخر حسن، الى أن قال: فالمشهور لا بأس به، و لا اعتبار بما تقدم، و ان احتمل كونها قضية في واقعة عرفها (عليه السلام)، فلا تتعدى، انتهى ملخصا.
و صدر كلامه (رحمه الله) يميل الى ما ذكره في النافع من طرح الرواية، و جعل الخص المتنازع فيه كالجدار المتقدم ذكره، و حكم التنازع فيه، ثم ذكر رواية منصور المروية بطريق صحيح، و آخر حسن، و وافق المشهور في العمل بالرواية، و نفى الاعتبار بما ذكره أولا، الا أنه احتمل الوقوف على مورد الخبرين من غير أن يتعدى الحكم الى غير الخص، و الظاهر أن السبب في ذلك هو أن ظاهر الروايات المذكورة الاعتماد في ذلك على القرائن، فهي تدل على اعتبار القرائن في إثبات الأحكام الشرعية، مع أن الأمر بحسب الشرع ليس كذلك، و حيث كانت الرواية بذلك متعددة مع صحة بعضها، وجب الوقوف فيها على موردها.
و الله العالم.
السادس [لو انهدم الجدار المشترك]
- قد تقدم الكلام في أنه لو انهدم الجدار المشترك لم يجبر شريكه على المشاركة في عمارته، قالوا: و كذا لا يجبر صاحب السفل و لا العلو على بناء الجدار الذي يحمل العلو، و الوجه فيه أنه لا يجب على الإنسان عمارة ملكه، لأجل
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 157 ح 2، الوسائل ج 13 ص 173 ح 2.
136
الغير، الا أن الشهيد في الدروس قيده بان لا يكون لازما بعقد، بمعنى أن لا يكون حمل جدار العلو أو السقف لازما على صاحب جدار السفلى بعقد لازم فلو كان واجبا عليه، فإنه يجبر و هو جيد، و لو أراد صاحب الجدار الا على بناء الأسفل تبرعا فهل لصاحب الجدار الأسفل منعه أم لا؟ الكلام فيه كما تقدم في المورد الرابع، و أطلق العلامة في التحرير أنه ليس له منعه، هذا كله إذا انهدم الحائط بنفسه، أو هدماه معا.
أما لو هدمه أحدهما بدون اذن الآخر أو بإذنه لكن بشرط أن يعمره، فقد اختلف الأصحاب في ذلك، فقيل: بأنه يجب عليه إعادته، و نقل عن الشيخ (رحمه الله) و به صرح المحقق في الشرائع، و العلامة في الإرشاد، و نقله في المسالك عن التذكرة، الا أن الذي وقفت عليه في التذكرة خلاف ما نقله، كما ستسمعه- إنشاء الله تعالى- من العبارة المشار إليها.
و قيل: بأن الواجب انما هو الأرش، صرح به العلامة في القواعد و التذكرة، قال في التذكرة: لو هدم أحد الشريكين الجدار المشترك من غير اذن صاحبه، فان كان استهدامه في موضع وجوب الهدم لم يكن عليه شيء، فان كان مما لا يجب هدمه، أو هدمه و هو معمور لا يخشى عليه السقوط فقد اختلف قول علمائنا، قال بعضهم، يجبر الهادم على عمارته الى ما كان عليه أولا، و الأقوى لزوم الأرش على الهادم، لان الجدار ليس بمثلي. انتهى.
و منه يظهر لك غلط ما في نقله في المسالك عن التذكرة من القول بوجوب الإعادة، و قيل. بالتفصيل في ذلك كما ذكره في الدروس، قال: و لو هدمه فعليه إعادته أن أمكنت المماثلة، كما في جدران بعض البساتين و المزارع، و الا فالأرش، و الشيخ أطلق الإعادة، و الفاضل أطلق الأرش انتهى.
و قال في المسالك بعد نقل ذلك عنه. و فيه مناسبة الا أنه خارج عن القواعد الشرعية لانتفاء المثلية في الفائت، فإنه محض صفة، إذ الأعيان باقية، و المماثلة في الصفة بعيدة، و القول بالأرش مطلقا أوضح.
و ظاهر المحقق الأردبيلي الميل هنا الى ما ذكره في الدروس، فإنه بعد أن
137
ذكر الاعتراض على القول بالإعادة، بأن ضمان المثل انما يكون في المثلي، و الجدار قيمي لا مثلي، و ذكر أن القائل بذلك استند الى ما في التذكرة قال:
و لا يخفى أن الإعادة غير بعيد فيما أمكن المماثلة في الجملة، و ان كان الجدار قيميا باصطلاحهم.
الا أن العرف قد يقضي بالمماثلة في بعض الجدران، و عدم دقة فيها إذا كان المطلوب الحائل و المانع، و لا يريدون في أمثال ذلك غير تلك المماثلة في الجملة، فليس ببعيد الاكتفاء في أمثاله بهذا المقدار، فان العقل يجد أن لا تكليف في أمثاله الا بالمثل، و هو المضمون، و يؤيده أن الأرش بعيد، فإنه لا يسوى بعد الهدم إلا بشيء قليل جدا، و الجدار الصحيح تكون له قيمة كثيرة، بل المناسب على القول بالأرش أن يراد به ما يحتاج في تعميره بمثل ذلك التعمير، و فيه أيضا تأمل إذ قد يتفاوت العمل و الأجرة كثيرا فتأمل الى أن قال- بعد ذكر قوله في المسالك في الاعتراض على كلام الدروس أنه خارج عن القواعد الشرعية و الخروج عن القواعد لوجه إذا لم تكن مأخوذة من النص الصريح لا بأس به. انتهى.
أقول: و المسألة كنظائرها محل اشكال، لعدم المستند الواضح لشيء من هذه الأقوال، و تدافع التعليل في كل منها و الاحتمال، و ان كان كلام الدروس لا يخلو من قرب في هذا المجال. و الله العالم.
السابع [في اختلاف صاحب البيت و الغرفة في جدران البيت و سقفه]
- المشهور أنه إذا كان البيت لرجل و عليه غرفة لاخر فتداعيا جدران البيت فإنه يحكم به لصاحب البيت بيمينه، و لو تداعيا في جدران الغرفة، فالقول قول صاحبها بيمينه، و الوجه في ذلك أن جدران البيت جزؤه، و جدران الغرفة جزؤها، فيجب أن يحكم بهما لصاحب الجملة.
و نقل عن ابن الجنيد أن جدران البيت بينهما معا، لان حاجتهما إليه واحدة بخلاف جدران الغرفة، إذ لا تعلق لصاحب البيت بها، قال في المختلف: قال في المبسوط: لو تنازع صاحب البيت و الغرفة في حيطان البيت قضى به لصاحب البيت.
138
و قال ابن الجنيد: لو كان على رأس الدرج روشن ليستطرقه صاحب العلو و هو على منزل صاحب السفل كان الروشن لصاحب العلو، و اجذاع السقف و بواريه و جميع آلة السقف لصاحب العلو، و الحيطان الحاملة له بينهما مع موضعها من الأرض، و كأنه نظر الى أن لكل من صاحب العلو و السفل يدا عليه، و تصرفا فيه، و لا بأس بهذا القول انتهى، و ظاهره الميل الى ما ذكره ابن الجنيد.
و قال في المسالك أيضا: أنه قول جيد، لكن الأول أجود، و لو كان التنازع في سقف البيت الذي هو أرض الغرفة فقد اختلف فيه كلامهم، قال في المبسوط:
فان لم يكن لأحدهما بينة حلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه، فان حلفا كان بينهما نصفين، و الأحوط أن يقرع بينهما فمن خرج منهما حلف و حكم له به، و قال في المختلف يقرع بينهما، فمن خرج اسمه حلف لصاحبه، و حكم له به، و ان قلنا أنه يقسم بينهما نصفين كان جائزا، و استدل بإجماع الفرقة على أن كل مجهول يستعمل فيه القرعة، و هذا من الأمر المشتبه.
و قال ابن إدريس: يحكم لصاحب الغرفة بالسقف، و قد تلخص من ذلك أن في المسئلة أقوالا ثلاثة، القول باستوائهما فيه، و هو قول الشيخ في المبسوط، و قواه في الدروس: و وجهه اشتراكهما في الانتفاع به، لانه سقف لصاحب البيت، و أرض لصاحب الغرفة.
و القول بالقرعة، و هو للشيخ أيضا كما عرفت، و استحسنه المحقق في الشرائع، و وجهه ما تقدم في كلام الشيخ، و ربما أورد عليه بمنع الاشتباه هنا، لان رجحان أحد الطرفين في نظر الفقيه يزيل الاشتباه بالنسبة إلى الحكم، و عندي فيه نظر، إذ المفروض أنه لا نص في المسئلة، و المرجح في نظر الفقيه بمجرد هذه التخريجات لا يخرج الحكم عن الاشتباه، ان جوزنا للفقيه الترجيح بمثل ذلك، و الا فهو محل المنع أيضا، فإن الحكم في المسائل الشرعية موقوف على النصوص من الكتاب و السنة: فلا تثبت بمجرد هذه التقريبات العقلية سيما مع تصادمها كما عرفت في أكثر مسائل هذا الباب.
139
و القول الثالث الحكم به لصاحب الغرفة، و هو مذهب ابن إدريس، و هو الظاهر من عبارة ابن الجنيد المتقدمة، و اختاره العلامة في جملة من كتبه، و اليه يميل كلامه في المسالك، و استدل عليه في المختلف قال: لنا أن الغرفة انما يتحقق بالسقف، إذ هو أرضها، و البيت قد يكون بغير سقف، و قد اتفقا على أن هنا غرفة لصاحبها، و بدون السقف لا غرفة، و لان تصرفه فيها دون صاحب السفلى.
أقول: و مرجعه الى أن السقف و ان أمكن الانتفاع به لهما الا أنه بالنسبة الى صاحب الغرفة أغلب، و في حقه أضر فيكون الترجيح باعتبار أغلبية الحاجة و أضريتها، و يرد عليه حينئذ أن ذلك يجري في جدران البيت الذي قد تقدم اختياره فيها القول بالاشتراك، من حيث أن كلا منهما صاحب يد، مع أن البيت لا يوجد الا بالجدران، لأنها أجزاؤه، و لا وجود للكل بدون الجزء، بخلاف الغرفة، فإنها يمكن أن تبنى على الأعمدة و الأساطين، و لا يتوقف على الجدران فيرجع الأمر هنا إلى أنهما و ان اشتركا في الانتفاع بها الا أن صاحب البيت أضره بعين ما قاله في السقف: فان قيل: ان ما فرضتموه نادر، قلنا: وجود البيت بدون السقف كذلك أيضا، و بذلك يظهر لك ما في بناء الأحكام الشرعية على أمثال هذه التقريبات العقلية من المجازفة الظاهرة.
قال في المسالك: موضع الخلاف السقف الذي يمكن احداثه بعد بناء البيت، أما ما لا يمكن كالأزج الذي لا يعقل احداثه بعد بناء الجدار الأسفل، لاحتياجه إلى إخراج بعض الاجزاء عن سمت وجه الجدار قبل انتهائه، ليكون حاملا للعقد فيحصل به التوصيف بين السقف و الجدران، و هو دخول آلات البناء من كل منهما في الأخر، فإن ذلك دليل على أنه لصاحب السفل، فيقدم قوله فيه بيمينه. انتهى. و هو كذلك و الله العالم.
140
المقام الرابع في مسائل متفرقة من هذا الباب
الاولى [حكم ما لو خرجت أغصان الشجرة إلى ملك الجار]
- المشهور أنه إذا خرجت أغصان الشجرة إلى ملك الجار وجب على مالك الشجرة عطف تلك الأغصان إن أمكن، و الا قطعها، لانه يجب عليه تفريغ أرض الغير و هواه من ماله كيف ما أمكن، و ان امتنع المالك من ذلك فلما لك الأرض و الهواء تولى ذلك، مقدما للعطف على القطع ان أمكن، و لا يتوقف مالك الأرض مع امتناع مالك الشجرة على اذن الحاكم، لان سبيل هذا الحكم سبيل بهيمة دخلت في ملكه، فان له إخراجها من غير توقف على اذن الحاكم، قالوا: و هكذا الحكم في العروق.
و ربما قيل: بجواز ازالة مالك الأرض لها من دون مراجعة مالك الشجرة لأن إزالة العدوان عليه أمر ثابت له، و توقفه على اذن الغير ضرر، و يؤيده ما تقدم من جواز إخراج البهيمة الداخلة في ملكه من غير مراجعة مالكها، و المفهوم من كلام العلامة في التذكرة أنه لا يجب على مالك الشجرة إزالة الأغصان المذكورة، و ان جاز لمالك الأرض، مستندا إلى أنه ليس من فعله، فلا يجبر على إزالته، و هو خلاف ما تقدم من القول المشهور: و مرجع القولين إلى أنه هل يجب على الإنسان تفريغ أرض الغير من ماله إذا لم يكن ذلك بفعله أو لا يجب عليه و لا يخاطب به؟ و انما يكون الحكم متعلقا بصاحب الأرض، فإن شاء تفريغ أرضه من مال الغير فله ذلك، وجهان: و لا يحضرني الان دليل على ترجيح أحد الوجهين.
و لو قطع الأغصان المذكورة مالك الأرض مع إمكان عطفها ضمن بلا اشكال لكن هل يضمن جميع ما قطعه أم تفاوت ما بينه و بين المعطوف اشكال، من التعدي بالقطع فيضمنه، و من أن العطف حق له، و ما يفوت به في حكم التالف شرعا، فلا يضمن الا التفاوت، و لعل الثاني أقرب.
و في حكم أغصان الشجرة التراب المنتقل من ملكه الى ملك غيره، و الحائط المائل في هواء الغير فيجب المبادرة إلى تخليص الأرض و الهواء منهما، و لو
141
ملكه التراب و قبله سلم من نقله، و ان امتنع من قبوله وجب نقله، و ان شق لما تقدم، هكذا قالوا، و فيه ما عرفت من التردد.
و لو صالحه على إبقاء الأغصان المذكورة في الهواء فالمشهور الصحة، و منع منه الشيخ، بناء على أصله المتقدم ذكره من تفريع الصلح على البيع، و أن الهواء تابع لا يصح افراده بالبيع، و قد تقدم نظير هذه المسئلة في الموضع السادس من المقام الأول.
بقي الكلام هنا في أن الشيخ قد علل ذلك بعلة أخرى، فقال: لو صالحه على إبقاء الغصن البارز الى ملك الغير في الهواء لم يصح ان كان رطبا، لانه يزيد في كل حال، و لا يعرف قدره، و كذا ان كان يابسا لانه يتبع الهواء من غير قرار و ذلك لا يجوز. انتهى، و مرجع المنع إذا كان رطبا من حيث المجهولية في المصالح عليه، فلا بد من معلوميته.
قال في المسالك بعد قول المصنف و لو صالحه على طرحه على الحائط جاز مع تقدير الزيادة أو انتهائها ما لفظه: و المراد بقوله مع تقدير الزيادة أو انتهائها ان الأغصان ان كانت قد انتهت في الزيادة، بحسب ظن أهل الخبرة صح الصلح على إيقاعها مطلقا، و ان كانت أخذت في الزيادة فلا بد من تقدير الزيادة ليكون الصلح مضبوطا، و لا بد مع ذلك من تقدير مدة الإقامة، فلا يصح المؤيد على ما ذكره الجماعة. انتهى.
و حينئذ فالخلاف بينه و بين الأصحاب انما هو في صورة عدم الزيادة بأن يكون يابسا أو قد تناهت زيادته بحيث لا يزيد على ذلك بحسب نظر أهل الخبرة.
الثانية [اختلاف الشريكين في الدرجة]
- قالوا: إذا كان لإنسان بيوت الخان السفلى: و لاخر بيوته العليا و تداعيا الدرجة، فإنه يقضى بها لصاحب البيوت العليا مع يمينه، لاختصاصه بالتصرف فيها بالسلوك الى بيوته العليا و ان كانت موضوعة في الأرض التي هي لصاحب البيوت السفلى، لان مجرد ذلك لا يوجب اليد، و كما يحكم بها لصاحب العليا، فكذا محلها، هذا مع اختلافهما أيضا في الخزانة التي تحت الدرج.
أما لو اتفقا على أن الخزانة لصاحب البيوت السفلى، و انما النزاع في الدرج
142
خاصة، فإنهم قالوا: ان الدرج حينئذ كالسقف المتوسط بين الأعلى و الأسفل، فيجري فيه الخلاف السابق، فعلى تقدير القول ثمة بأن السقف لصاحب الغرفة، فإنه يحكم هنا بالدرجة للأعلى مطلقا، سواء اختلفا في الخزانة أم اتفقا على أنها للأسفل، و انما يتجه الفرق على تقدير القول بالاشتراك، فإنه مع الاتفاق على الخزانة يجعل الدرج هنا مشتركا بينهما كالسقف ثمة، أما مع الاختلاف فيها فالحكم في الدرج ما تقدم من كونها للأعلى مع يمينه.
و لو تداعيا في الخزانة التي تحت الدرج خاصة كانا في دعويها على السواء، و الوجه فيه أن لكل منهما شاهدا بالملك، أما صاحب الأعلى فلأنك قد عرفت أن له الدرجة: فيكون مكانها كذلك، و ان كان مكانها الهواء: لان الهواء كالقرار و أما صاحب الأسفل فلأنها متصلة بملكه، بل هي من جملة البيوت السفلى، و حينئذ فيقضى بها لهما بعد التحالف أو النكول كما تقدم.
أقول: و يمكن ترجيح دعوى صاحب الأسفل بأن يقال: أنه قد ثبت أن الهواء تابع للقرار، و لهذا منع الشيخ كما تقدم من بيعه و الصلح عليه منفردا عن القرار، فالأصل فيه حينئذ أن يكون تابعا للقرار، و مجرد وضع الدرجة فيه لا يستلزم الملك، و تبعيته للدرجة في ذلك، لأنه أعم من ذلك.
و لو تداعيا الصحن قالوا: ان ما يسلك فيه الى العلو يكون بينهما، و ما خرج عن ذلك فهو لصاحب الأسفل: و الوجه فيه أن صاحب العلو لما افتقر سلوكه إليه إلى التصرف في قدر الممر كان له اليد عليه بذلك، دون باقي الصحن، فلا يد له عليه، و لما كان صاحب الأسفل يشاركه في الانتفاع بذلك القدر مغدا و مجيئا كان له يد عليه أيضا، فاقتضى ذلك الشركة فيه، دون ما زاد، لاختصاص صاحب الأسفل به، و على هذا لو كان المرقى الى العلو خارجا عن الدهليز لم يكن لصاحب العلو مشاركة في العرصة و لا في الدهليز بالكلية، إذ لا يدله على شيء منهما و لو كان المرقى في وسط الصحن فمن أول الدهليز الى المرقى بينهما لتصرفهما فيه، و ما وراء ذلك فهو لصاحب الأسفل.
الثالثة- لو تنازع راكب الدابة و قابض لجامها
، فقيل: انه يقضى بها
143
للراكب، لقوة يده و شدة تصرفه بالنسبة إلى القابض، و هو قول الشيخ في المبسوط فإنه قال: انه يحكم بها لأقواهما يدا و آكدهما تصرفا، و هو الراكب، و به قال المحقق في الشرائع و العلامة في المختلف.
و قيل: هما سواء في الدعوى و هو قول الشيخ في الخلاف: قال: إذا تنازعا في دابة و أحدهما راكب، و الأخر أخذ بلجامها و لم يكن مع أحدهما بينة، جعلت بينهما نصفين، لعدم دليل على وجوب تقديم أحدهما على الأخر. انتهى و به قال ابن إدريس.
و قال في المسالك: و وجه التسوية اشتراكهما في اليد، و قوتها لا مدخل له في الترجيح، و لهذا لم يؤثر في ثوب بيد أحدهما أكثره كما سيأتي. نعم مع الراكب زيادة التصرف، الا أنه لم يثبت شرعا كونه مرجحا، و تعريف المدعى و المنكر منطبق عليهما، بتفسيراته، و حينئذ فالقول بالتساوي أقوى بعد أن يحلف كل منهما لصاحبه إذا لم يكن بينة. انتهى.
أقول: فيه أن ما ذكره هنا جار في التنازع في السقف الذي بين الغرفة و الدار السفلى، مع أنه قد اختار هناك القول باختصاص صاحب الغرفة به لقوة يده، فإنه قال بعد نقل تعليل العلامة الذي قدمنا نقله ثمة: ما لفظه و لان تصرفه فيه أغلب من تصرف صاحب السفلى، و الفرق بين المسئلتين غير ظاهر.
و قال في المسالك أيضا تفريعا على ما اختاره: و لا عبرة عندنا بكون الراكب غير معتاد فنية الدواب، و المتشبث معتادا لذلك: و ما ذكر حكم الدابة، أما اللجام فلمن في يده، و السرج لراكبه.
أقول: مقتضى ترجيحهم بالقرائن في أمثال هذه المقامات كما تقدم في غير موضع أنه لا مانع من الترجيح هنا أيضا بما منعه من كون الراكب غير معتاد لقنية الدواب، و قابض اللجام معتادا لذلك.
و يؤيده ما ذكره المحقق الأردبيلي هنا حيث قال: و يمكن اعتبار القرائن مثل كون الدابة بحيث يعلم عادة كونها للراكب، دون القابض: فيحكم له
144
أو بالعكس.
و أما ما ذكره بالنسبة إلى اللجام و السرج فإنه رده المحقق المتقدم ذكره بالبعد، قال: أنه يبعد أن يكون اللجام لشخص، و الدابة لاخر، و كذا الجل و الرحل فالحكم غير واضح، انتهى.
أقول: و يؤيده ما تقدم في غير مقام من أن الأحكام انما تبنى على الافراد المتكررة الغالبة، دون الفروض النادرة.
و كيف كان فان الحكم في هذه المقامات بمجرد هذه التعليلات من غير وجود نص واضح لا يخلو من مجازفة. و الله العالم.
الرابعة [لو تنازعا ثوبا في يديهما]
- قيل: لو تنازعا ثوبا في يديهما لكن في يد أحدهما أكثره، فهما سواء فيه لاشتراكهما في مسمى اليد، و لا ترجيح لقوتها: و الفرق بين هذه المسئلة و سابقتها عند هذا القائل هو أن التصرف الذي كان مع الراكب بالركوب زائدا على اليد، منتف هنا فاختلف الحكم لذلك.
و أما على ما ذكره في المسالك في ما قدمنا نقله عنه من أنه يثبت شرعا كونه مرجحا يصير حكم المسئلتين من باب واحد، فيحكم بالتساوي فيهما بعد حلف كل منهما لصاحبه، قال في المسالك: نعم لو كان أحدهما لابسا للثوب و الأخر ممسكا له فهي كمسألة الراكب و القابض، لزيادة تصرف اللابس على اليد، و ربما قيل هنا: بتقديم اللابس، لان الظاهر أنه لم يتمكن من لبسه، الا و هو غالب مستقل باليد انتهى.
أقول: الظاهر أن هذا القول هنا يجرى مجرى القول بتقديم الراكب في مسئلة تنازع الراكب و القابض، لأنهما مشتركان في زيادة التصرف بالركوب و اللبس على مطلق اليد في كل من الموضعين، و مقتضى ما ذكره في المسالك في تلك المسئلة من عدم ثبوت الترجيح بذلك، ينبغي ان يجرى في هذا الموضع بمقتضى حكمه بالمساواة بين المسئلتين، الا أنه أغمض النظر هنا عن ذلك، و ربما
145
أشعر كلامه هنا و إعراضه عن المناقشة بأن الحكم في الراكب و القابض هو ترجيح الراكب، مع أنه خلاف ما قدمه، و سيأتي إنشاء الله تعالى ما يوضح ذلك أيضا.
الخامسة- لو تداعيا جملا كان بيديهما
بان كانا قابضين لزمامه، و نحو ذلك مما يكون به كل واحد منهما ذائد، و لأحدهما عليه حمل، قالوا: ان القول قول صاحب الحمل، لان وضع الحمل يستدعي كمال الاستيلاء، فيرجح به صاحبه، و لو كان لأحدهما حمل، و لا يد للآخر فإنه لا شبهة في الترجيح لصاحب الحمل، و لو كان أحدهما قابضا لزمام الحمل، و للآخر عليه حمل، كان كمسئلة الراكب و القابض، بل الحمل أقوى دليلا على كمال الاستيلاء من الركوب. فان الركوب أسهل تعلقا من الحمل، و لم ينقلوا في هذا الحكم خلافا، و ظاهره في المسالك القول بذلك على جميع هذه الوجوه، خصوصا انه قال بعد ذكره نحو ما ذكرناه، و في الدروس جعل حكم الراكب و لابس الثوب و ذي الحمل سواء في الحكم، و هو كذلك انتهى و نحوه في الروضة.
و فيه كما ترى مخالفة ظاهرة لما قدمه في مسئلة الراكب و القابض، حيث اختار التساوي ثمة، و طعن في زيادة التصرف بالركوب بأنه لم يثبت شرعا كونه مرجحا، و في هذا الموضع وافق الدروس في حكمه بترجيح الراكب و اللابس و ذي الحمل، و تقديم قول كل منهم بيمينه، فإنه قد صرح في الدروس و اللمعة بذلك، و المسئلتان في صفحة واحدة ليس بينهما إلا أسطر يسيرة، و مثل ذلك وقع له في الروضة أيضا، و هو عجيب من مثله (قدس سره).
السادسة [لو تداعيا غرفة على بيت أحدهما، و بابها إلى غرفة الأخر]
- قالوا: لو تداعيا غرفة على بيت أحدهما، و بابها إلى غرفة الأخر كان القول قول صاحب البيت، لأنها موضوعة في ملكه، فان هواء بيته ملكه، لانه تابع للقرار، و مجرد فتح الباب الى الغير لا يثبت به اليد، و لا الملك، فيقدم صاحب البيت بيمينه، هذا إذا لم يكن من اليه الباب متصرفا في تلك الغرفة بالسكنى و نحوه، و الأقدم قوله، لان يده عليها بالفعل، فان التصرف مقتض لذلك، و يد صاحب
146
الهواء انما كانت بالتبعية ليده على القرار، و اليد الفعلية أقوى من التابعة، و يحتمل التساوي لثبوت اليد من الجانبين و عدم تأثير قوة اليد كما تقدم.
أقول: و الحكم الأول لا اشكال فيه و أما الثاني فإنه لا يخلو من الاشكال، و ان كان ما ذكروه أقرب. و الله العالم.
147
كتاب الشركة
و هي بكسر الشين و إسكان الراء و بفتح الشين و كسر الراء: و البحث في هذا الكتاب يقع في فصول.
[الفصل] الأول- في حقيقة الشركة و ما يتبعها
، و فيه مسائل
[المسألة] الأولى [تعريف الشركة و أسبابها]
- قد عرف المحقق في الشرائع الشركة بأنها اجتماع حقوق الملاك في الشيء الواحد على سبيل الشياع، و نحوه العلامة في التذكرة.
و قال في التذكرة أيضا: و سببها قد يكون إرثا أو عقدا أو مزجا أو حيازة بأن يقتلعا شجرة أو يغر فاماء دفعة، و ظاهر الشهيد الثاني في المسالك اعترافهم فيما ذكروه من هذا التعريف، حيث قال: ان الشركة تطلق على معينين، أحدهما- ما ذكره المصنف، و هذا المعنى هو المتبادر من الشركة لغة و عرفا، الا أنه لا مدخل له في الحكم الشرعي المترتب على الشركة من كونها من جملة العقود المفتقرة إلى الإيجاب و القبول، و الحكم عليها بالصحة و البطلان، فان هذا الاجتماع يحصل بعقد و غيره بل بغيره أكثر، و ثانيهما عقد ثمرته جواز تصرف الملاك للشيء الواحد على سبيل الشياع فيه، و هذا هو المعنى الذي به تندرج الشركة في جملة العقود، و يلحقها الصحة و البطلان.
و اليه يشير المصنف فيما بعد بقوله قيل: يبطل الشركة، أعني الشرط و التصرف، و قيل: يصح، و لقد كان على المصنف أن يقدم تعريفها على ما ذكره،
148
لأنها المقصود بالذات هنا، أو ينبه عليهما معا على وجه يزيل الالتباس عن حقيقتها و أحكامها، و لكنه اقتصر على تعريفها بالمعنى الأول إلى آخر كلامه.
أقول: لا يخفى على من تأمل الأخبار الجارية في هذا المضمار أنه لا يفهم منها معنى للشركة غير ما ذكره الفاضلان المتقدمان و نحوهما، كالشهيد في اللمعة و غيره، و هو المتبادر لغة و عرفا من لفظ الشركة، و هذا المعنى الثاني الذي ذكره لا يكاد يشم له رائحة منها بالمرة.
و من الاخبار الواردة في الباب
صحيحة هشام بن سالم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «سألته عن الرجل يشاركه في السلعة، قال: ان ربح فله، و ان وضع فعليه».
و موثقة محمد بن مسلم (2) «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يشتري الدابة و ليس عنده نقدها فاتى رجلا من أصحابه فقال يا فلان انقد عنى ثمن هذه الدابة و الربح بيني و بينك فنقد عنه فنفقت الدابة، قال: ثمنها عليهما لانه لو كان ربح فيها لكان بينهما،.
و بمضمون هذه الرواية أخبار عديدة (3).
و صحيحة ابن رئاب (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا ينبغي للرجل المسلم ان يشارك الذمي و لا يبضعه بضاعة و لا يودعه وديعة و لا يصافيه المودة».
و رواية الحسين بن المختار (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يكون له الشريك فيظهر عليه أنه قد اختان منه شيئا، إله أن يأخذ منه مثل الذي أخذ من غير أن يبين له؟ فقال: شوه، لهما أنما اشتركا بأمانة الله و أنى لا حب له ان
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 185 ح 3.
(2) التهذيب ج 7 ص 43 ح 72 و الوسائل ج 13 ص 174 ح 1 و 2.
(3) الظاهر من رواية محمد بن مسلم و أمثالها أن منشأ الشركة هنا و سببها هو الصلح على أن ينقد عنه ثمن المبيع و يشركه فيه بالمناصفة. منه (رحمه الله).
(4) التهذيب ج 7 ص 185 ح 1 الكافي ج 5 ص 286 ح 1 الوسائل ج 13 ص 176 ح 1.
(5) التهذيب ج 7 ص 192 ح 35 الوسائل ج 13 ص 178 ح 1.
149
رأى منه شيئا من ذلك أن يستر عليه و ما أحب له أن يأخذ منه شيئا بغير علمه» (1).
الى غير ذلك من الاخبار الاتية في محالها إنشاء الله تعالى.
فهل تجد للشركة فيها معنى غير المعنى الأول، و هو اجتماع حقوق الملاك في الشيء الواحد على سبيل الإشاعة، و أي قرينة فضلا عن الدلالة على العقد المذكور. نعم قد يكون سببها العقد كما تقدم بان يشترى اثنان مالا انصافا أو أثلاثا أو يشترى نصف حيوان بنصف حيوان آخر، و قد يكون سببها الإرث، و نحوه مما تقدم، و عرفها بعضهم شرعا بأنها عقد جائز من الطرفين، الى آخر ما تقدم في كلام الشهيد الثاني، و أنت خبير بما ذكرنا بأنه لا عقد بالكلية و لا عاقد، و انما الشركة هي اجتماع الأموال على الوجه المذكور، فلا معنى لوصفه بالجواز.
نعم، البقاء على حكمه أمر جائز بمعنى أنه لا يجب عليه الصبر على الشركة، بل يجوز رفعها، و أخذ حصته، ثم بعد اجتماع هذه الأموال و اشتراكها و امتزاجها لا يصح لأحد الشركاء التصرف فيها إلا بإذن باقي الشركاء، و إذا أذن كل منهم لصاحبه صح التصرف في مال نفسه و مال غيره، و هذه ثمرة العقد عندهم.
قال في التذكرة: الثاني الصيغة، و قد بينا أن الأصل عصمة الأموال على أربابها و حفظها لهم، فلا يصح التصرف فيها إلا بإذنهم، و انما يعلم الرضا و الاذن باللفظ الدال عليه، فاشترط اللفظ الدال على الاذن في التصرف و التجارة، فإذا أذن كل واحد منهما لصاحبه صريحا فلا خلاف في صحته.
____________
(1) الظاهر أن النهى في هذه الرواية عن أخذ عوض ما خانه محمول على الكراهة و يشير اليه قوله و ما أحب و الأمر بالستر عليه و بذلك صرح ابن إدريس في كتابه حيث قال: و متى عشر أحد الشريكين على صاحبه بخيانة فلا يدخل هو في مثلها اقتصاصا منه، و ذلك على طريق الكراية دون الحظر لأنه إذا تحقق أخذ ماله و علم ذلك يقينا فله أخذ عوضه، و انما النهى على طريق الكراهة و الاولى و الأفضل انتهى. و قال ابن الجنيد إذا وقف أحد الشريكين على أن شريكه قد خانه لم يجز له أن يخونه، و هو صريح في التحريم و الظاهر هو الأول و به صرح العلامة في المختلف ايضا. و الله العالم. منه (رحمه الله).
150
انتهى.
و ظاهره بل صريحه كما ترى أن مجرد الاذن كاف في جواز التصرف و التجارة و نحو ذلك، و ان عبر عنه بلفظ الصيغة الموهم للعقد.
و مثل هذا الكلام كلام الشهيد في اللمعة أيضا حيث قال: كتاب الشركة و سببها قد يكون إرثا أو عقدا أو مزجا بحيث لا يتميز، الى أن قال: و ليس لأحد الشركاء التصرف إلا بإذن الجميع، لقبح التصرف في مال الغير و يقتصر على التصرف المأذون، فإن تعدى ضمن، قال الشارح بعد ذكر هذه العبارة الثانية:
و اعلم أن الشركة كما تطلق على اجتماع حقوق الملاك في المال الواحد على أحد الوجوه السابقة، كذلك تطلق على العقد المثمر جواز تصرف الملاك في المال المشترك، و بهذا المعنى اندرجت الشركة في قسم العقود، و قبلت الحكم بالصحة و الفساد، لا بالمعنى الأول، و المصنف أشار الى المعنى الأول بما افتتح به من الأقسام، و الى الثاني بالاذن المبحوث عنه هنا. انتهى.
أقول: مرجع كلامه السابق و كلامه هنا الى أن ارتكاب هذا التكلف انما هو لأجل إدخال الشركة في قسم العقود، حيث نظموها في هذا السلك، و فيه أن هذا انما يتم لو ثبت ذلك شرعا أو لغة أو عرفا، و شيء من هذه الأمور غير حاصل. أما عدم ثبوت الأخيرين، فقد اعترف به فيما مضى من كلامه.
و أما الأول فلما عرفت من الاخبار، إذ لا يستفاد من لفظ الشركة فيها أزيد من هذا المعنى اللغوي و العرفي، نعم يتوقف التصرف بعد حصول الشركة بالمعنى الذي ذكرناه على الاذن، و ما يقع منهما عليه التراضي في التجارة و نحوها من التصرفات، و تبعية الربح لرأس المال و نحو ذلك، و بذلك يتم المقصود و ان لم يدخل في باب العقود، و هذا هو المفهوم من كلام الفضلاء المذكورين.
و أما قوله ان الشهيد في اللمعة أشار الى العقد الذي ادعاه بقوله:
«و ليس لأحد الشركاء التصرف إلا بإذن الجميع» بمعنى أن المراد بالاذن
151
العقد، و حاصله أن لا يجوز التصرف الا بالعقد، ففيه أن الاذن ليس منحصرا في اللفظ، فضلا عن العقد المشتمل على قيود كثيرة، و أحكام عديدة، بل يحصل بالإشارة و الكتابة و الفعل.
و بالجملة فالمراد أن المدار على العلم بالرضا بأي نحو كان، و عليه يترتب الأحكام التي جعلها منوطة بالعقد، و الظاهر أن هذا هو مراد أولئك الفضلاء حيث عرفوها بالتعريف الأول الراجع الى أن الشركة الحقيقة هي الاجتماع، و عقبوه بذكر الاذن إشارة الى أن الأحكام يترتب على الاذن في التصرف في المال المشترك و أنه بذلك يصير عقدا جائزا، فإطلاق العقد عليه تجوز، و هو باب واسع في الكلام و الا فإنه لا عقد و لا عاقد كما أوضحناه في المقام. و الله أعلم.
المسئلة الثانية [أركان الشركة]
- قال في التذكرة: أركان الشركة ثلاثة،
الأول- المتعاقدان
و يشترط في كل منهما البلوغ، و الرشد، و العقد، و الاختيار، و القصد، و جواز التصرف، و الضابط أهلية التوكيل و التوكل، لان كل واحد من الشريكين متصرف في جميع المال، أما فيما يخصه فبحق الملك، و أما في مال غيره فبحق الاذن (1) من ذلك الغير، فهو وكيل عن صاحبه، و موكل لصاحبه في التصرف في ماله، فلا يصح وكالة الصبي، لعدم اعتبار عبارته في نظر الشرع، و لا المجنون و لا السفيه، و لا المكره، و لا الساهي و الغافل و النائم، و لا المفلس المحجور عليه، لانه ممنوع من جهة الشرع من التصرف في أمواله، و لا يفرق بين من يأذن من له الولاية عليهم في ذلك أولا إلا المفلس، فإنه إذا أذن له الحاكم في التوكيل أو التوكل جاز، و كذا السفيه
، الى أن قال
الثاني الصيغة
إلى آخر العبارة المتقدم نقله عنها آنفا.
ثم قال بعدها: و لو قال كل واحد منهما: اشتركنا و اقتصرا عليه مع قصدهما
____________
(1) قوله فبحق الاذن من ذلك الغير فيه تأييد لما قدمناه من أنه ليس المدار الا على الاذن و ان سموه عقدا مجازا كما عبر به في صدر الكلام بقوله الأول المتعاقدان و كذلك قوله الثاني الصيغة و مرجع جميع ذلك الى الاذن بأي نحو كان. منه (رحمه الله).
152
الشركة بذلك، فالأقرب الاكتفاء به في تسلطهما على التصرف به من الجانبين، لفهم المقصود عرفا و هو أظهر وجهي الشافعية، و به قال أبو حنيفة، و الثاني- أنه لا يكفى لقصور اللفظ عن الاذن، و احتمال قصد الاخبار عن حصول الشركة في المال، من غير الاختيار بأن يمتزج المالان بغير رضاهما.
الى أن قال
الثالث: المال
، يشترط في المال المعقود عليه الشركة أن يكون متساوي الجنس، بحيث لو مزج ارتفع الامتياز بينهما، و حصل الاشتباه بينهما سواء كان المال من الأثمان أو العروض، كما لو مزج ذهب بذهب مثله، أو حنطة بمثلها، أو دخن بمثله، الى غير ذلك مما يرتفع فيه المائز بينهما، و لا خلاف في أنه يجوز جعل رأس المال الدراهم و الدنانير، لأنهما أثمان الأموال و المباعات، و لم يزل الناس يشتركون فيها في زمن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الى وقتنا هذا من غير نكير أحد في صقع من الأصقاع أو عصر من الأعصار فكان إجماعا.
و أما العروض عندنا يجوز الشركة فيها مع الشرط المذكور، سواء كانت من ذوات الأمثال، أو من ذوات القيم، الى أن قال: مسئلة: لا تصح الشركة إلا بمزج المالين، و عدم الامتياز بينهما عند علمائنا فالخلطة شرط في صحة الشركة، و متى لم يختلطا لم يصح، و به قال الشافعي، ثم نقل عن أبي حنيفة أنه ليس من شرط الشركة خلط المالين، بل متى أخرجا المالين و ان لم يمزجاه و قالا قد اشتركنا انعقدت الشركة، لأن الشركة انما هي عقد على التصرف، فلا يكون من شرطها الخلط كالوكالة. انتهى المقصود من نقل كلامه.
أقول، أما ما ذكره في المتعاقدين من الشروط فجيد، الا أن قوله «لان كل واحد من الشريكين متصرف» الى آخره، فيه أن ذلك غير معتبر في الشركة، بل يكفى جواز التصرف من أحدهما بعد إذن الأخر، و كذا قوله «في السقية بجواز التصرف مع اذن الحاكم كالمفلس» فان فيه إشكالا، فإنه ليس له أهلية التصرف و المعرفة بالمعاملات و كيفية حفظ مال نفسه، فكيف يسلطه الحاكم على تصرفه في مال نفسه و غيره.
153
و أما قوله في الركن الثاني «و انما يعلم الرضا و الاذن باللفظ الدال عليه»، فقد عرفت ما فيه من أن الاذن لا ينحصر في اللفظ، فضلا عن العقد المخصوص، ثم لا يخفى أن الشركة بهذا المعنى الذي ذكره و اعتبر فيه هذه الأركان الثلاثة و هي التي يبحث عنها في هذا الكتاب انما هي الشركة المسببة عن المزج، دون غيرها مما كان سببه الميراث أو الحيازة أو العقد مع أن هذه الأفراد سيما الثالث منها مما دلت الاخبار عن جريان بعض أحكام الشركة فيه، مثل كون الربح بينهما، أو النقص عليهما و نحو ذلك.
ثم أنه لا يخفى أيضا أن الظاهر من كلامهم أن المراد بالشركة- ما امتزج من المالين و اشتبه فيه التميز بين الحقوق بحسب الظاهر، لا ما كان كذلك بحسب الواقع و نفس الأمر، بمعنى أن يصير كل جزء جزء من ذلك المال المشترك كذلك في نفس الأمر: فإن الغالب من أسبابها المزج، و قد صرح في التذكرة فيما قدمنا نقله عنه بان ذلك أعم من أن يكون في الأثمان، أو العروض التي من ذوات الأمثال مثل الحنطة و الدخن.
نعم قد يتحقق الاشتراك النفس الأمري في الميراث. و شراء شيء بالاشتراك و نحو ذلك، و من هنا يظهر من المحقق الأردبيلي المناقشة في اشتراط اتحاد الجنس، حيث قال: فإن الشركة بالمعنى المتقدم (1) تجري في غير المتجانسين أيضا، حيث ارتفع المائز، و حينئذ فما ذكره في التذكرة في الركن الثالث في بيان المال الذي تجري فيه الشركة حيث اشترط تساوى الجنس في المال المشترك أثمانا و عروضا- محل تأمل، فإنه متى ثبت أن الشركة تحصل بمجرد المزج الموجب لعدم تميز الحقوق، و ان لم يكن كذلك في نفس الأمر، صح أيضا حصول الشركة في غير المتجانسين أيضا عند ارتفاع المائز، و حصول الاشتباه، و أيده أيضا بأن المدار في حصول الشركة على الاشتباه و هو حاصل في الموضعين فإنه قد يحصل التفاوت قيمة و وصفا في المتجانسين أيضا (2) و هو واضح.
____________
(1) و مراده بالمعنى المتقدم هو الشركة ظاهرا دون نفس الأمر. منه (رحمه الله).
(2) قوله قد يحصل التفاوت في المتجانسين الى آخره جواب عن سؤال مقدر و هو أن عدم حصول الشركة فيما لو كانا مختلفين غير متجانسين لحصول التفاوت قيمة و وصفا مع الاختلاف. منه (رحمه الله).
154
و أيضا لا شك في تحقق الاذن في التصرف على وجه الشركة بالشراء بالعين المماثل و غيره، فتحصل فائدة الشركة بل يحصل ذلك مع الامتياز أيضا، الا أنه يكون الشركة باعتبار القيمة فلا مانع منها حينئذ.
أقول: ان كان مراده بما ذكره في غير المتجانسين من حصول الاشتباه و عدم المائز الذي جعله مناطا للشركة، باعتبار عسر التميز بينهما و لو مجازا، فما ذكره محتمل، و الا فإنه مع اختلاف الجنسين لا اشتباه، بل التميز حاصل، فإنه متى خلط حنطة بشعير، فان الامتياز حاصل، و الاشتباه مرتفع الا انه يعسر تخليص أحدهما من الأخر فدعوى حصول الاشتباه و عدم المائز لا يتم إلا إذا كان باعتبار ما ذكرناه من التجوز عن عسر تخليص أحدهما من الأخر، و ان كان الجميع مشتركا في الاشتراك الظاهري، دون النفس الأمري، فان كلا من المشترك في الجنس كحنطة بحنطة، أو المختلف كحنطة بشعير، الاشتراك فيه انما هو بحسب الظاهر، لا نفس الأمر.
و بالجملة فإن كلامه هنا لا يخلو من إجمال، و ظاهره الميل الى ما قدمنا نقله عن أبي حنيفة من عدم اعتبار الامتزاج، و أنه تصح الشركة مع الامتياز، و أنت خبير بانا لم نظفر لهم بدليل على ما ذكروه من شرط التجانس، و لا شرط الامتزاج، بل ظاهر الاخبار العموم، كما أنك قد عرفت أيضا أنه لا دليل على العقد الذي ادعوه، و أن الشركة شرعا عبارة عن ذلك العقد، و المفهوم من ظواهر الاخبار أنه إذ اشتركا في مال و اتجرا به ترتبت عليه أحكام الشركة، سواء كانت ثمة عقد أو لم يكن، اتفق المال جنسا أو اختلف، مزج بعضه ببعض أم لم يمزج.
و منها رواية حسين بن المختار المتقدمة،
و حسنة الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجلين اشتركا في مال فربحا ربحا و كان من المال دين، الحديث.
و قد تقدم في كتاب الدين.
و بالجملة فإن أبحاثهم و تفريعاتهم في هذه المواضع الخالية من النصوص قد جروا فيها على أبحاث مخالفيهم في ذكرها، و البحث عنها، و رجحوا منها ما
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 144 ح 7، الوسائل ج 13 ص 165 ح 1.
155
رجحوه بأفكارهم، و ردوا ما ردوه بذلك، حيث أن كتب متقدمي الأصحاب خالية من هذه الأبحاث، و هذه الفروع مقصورة على الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار، و أول من سلك هذه الطريقة الشيخ (رحمة الله عليه) و تبعه من تأخر عنه. و الله العالم.
تذنيب: قال في التذكرة: يكره مشاركة المسلم لأهل الذمة من اليهود و النصارى و المجوس و غير أهل الذمة من سائر أصناف الكفار عند علمائنا.
أقول: و يدل عليه صحيحة ابن رئاب (1) المتقدمة في المسئلة الاولى.
و ما رواه
الكافي عن السكوني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) ان أمير- المؤمنين (صلوات الله عليه) كره مشاركة اليهودي و النصراني و المجوسي، الا أن تكون تجارة حاضرة لا يغيب عنها المسلم،.
و مورد الروايتين الذمي، (3) و لعل دخول سائر الكفار في الحكم المذكور من باب الأولوية، لأنه إذا ثبت ذلك في أهل الذمة فغيرهم من سائر أصناف الكفار بالطريق الاولى.
المسئلة الثالثة [جريان الشركة في العين و المنفعة و الحق]
- الشركة قد تكون في عين، و هو ظاهر، و قد تكون في منفعة كالإجارة و الحبس و السكنى، و قد تكون في حق كالاشتراك في الخيار، و الشفعة بالنسبة إلى الورثة، و القصاص و الرهن و الحد و قد تقدم أن سببها قد يكون إرثا و هو يجري في الأقسام الثلاثة السابقة، بأن يرثا مالا، أو يرثا منفعة دار استأجرها مورثهم، أو منفعة عبد موصى بخدمته، أو يرثا حق شفعة أو خيار أو رهن، و قد يكون سببها عقدا، و هو يجري أيضا في الأقسام الثلاثة المذكورة، فجريانه في العين بأن يشتريا دارا و في المنفعة بأن يستاجراها، و في الحق بأن يشتريا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 286 ح 1 باب مشاركة الذمي و التهذيب ج 7 ص 185 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 286 ح 2، و هما في الوسائل ج 13 ص 176 ح 1 و 2.
(3) و منها روايات عديدة تقدمت في كتاب الدين و هي بهذا المضمون في رجلين بينهما مال منه دين و منه عين فاقتسما العين و الدين فتوى الذي كان لأحدهما من الدين أو بعضه و خرج الذي للآخر يرد على صاحبه قال: نعم ما يذهب ماله منه (رحمه الله).
156
بخيار، و قد يكون حيازة، و هو انما يتصور في العين خاصة.
و سببية الحيازة اما بأن يشتركا في نصب حبالة الصيد المشترك، و رمى السهم المثبت له فيشتركان في ملكه، أو بأن يقتلعا شجرة أو يقترفا ماء دفعة، فإنه يتحقق الشركة بذلك في الجملة، الا أنه يكون لكل منهما من ذلك المحاز بنسبة عمله، و يختلف ذلك بالقوة و الضعف، و لو اشتبه مقدار كل واحد فطريق التخلص الصلح، و ما كان من الحيازة على غير الوجوه المذكورة فإنه يختص كل بما حازه على الأظهر.
هذا مع تميزه، لأنه في معنى شركة الأبدان، و هي جائزة على الأشهر الأظهر، اما مع امتزاجه فإنه يكون مشتركا، لكن لا من حيث سببية الحيازة، بل من حيث المزج الذي هو أحد الأسباب كما عرفت، كما لو امتزج المالان و هو خارج عن محل الفرض.
و قد يكون مزجا و هو انما يتصور في العين خاصة، و ينبغي أن يعلم أن سببية المزج في الشركة أعم من أن يكون المزج اختيارا أو وقع ذلك اتفاقا، بأن وقع أحد المالين على الأخر و امتزجا على الوجه المعتبر في الشركة، فإنه يثبت بذلك الشركة، و ضابط الامتزاج الذي يثبت به الشركة عدم التميز، فلهذا اعتبر فيه الاتفاق في الجنس و الصفة عندهم، فلو لم يكونا من جنس واحد و تحقق الامتياز و ان عسر التخلص كما في مزج الحنطة بالشعير فإنه لا شركة هنا، و مثله الدخن بالسمسم، و كذا لو لم يكونا على صفة واحدة كحبة الحنطة الحمراء بغيرها، فإنه لا شركة أيضا.
و يأتي على ما تقدم نقله عن المحقق الأردبيلي حصول الشركة و صحتها في في الموضعين المذكورين إلا أنت قد عرفت ما فيه و لا فرق فيما ذكرنا من حصول الشركة بالامتزاج على الوجه المذكور بين الأثمان و العروض المثلية، كالحنطة و غيرها من الحبوب، و هو إجماعي عندنا، و لم ينقل الخلاف هنا الا عن بعض العامة
157
حيث خص ذلك بالأثمان كالمضاربة (1).
بقي الكلام في العروض الغير المثلية كالثوب و الخشب و العبد و نحو ذلك، فهل يتحقق فيه الشركة بالمزج أم لا؟ و انما يتحقق بالإرث و العقد، و بالأول منهما صرح في التذكرة، حيث قال: تذنيب، إذ اشتركا فيما لا مثل له كالثياب و حصل المزج الرافع للامتياز تحققت الشركة و كان المال بينهما، فان علمت قيمة كل واحد منهما كان الرجوع الى نسبة تلك القيمة، و الا تساويا عملا بأصالة التساوي انتهى.
و الثاني ظاهر المحقق في الشرائع، حيث قال: أما ما لا مثل له كالثوب و الخشب و العبد فلا يتحقق فيه المزج، بل قد تحصل بالإرث أو أحد العقود الناقلة.
و ظاهره في المسالك الميل الى ما ذكره العلامة في التذكرة، حيث اعترض المصنف هنا، فقال: في عدم تحققه بالمزج مطلقا منع بين، بل قد يتحقق كالثياب المتعددة المتقاربة في الأوصاف، و الخشب كذلك، فيتحقق الشركة فيه و الضابط عدم الامتياز، و لا خصوصية للمثلي و القيمي في ذلك. انتهى.
ثم انه على تقدير القول الأول من ثبوت الشركة هنا فان علم قيمة ما لكل واحد منهما كان الاشتراك بنسبة القيمة، فان لم تعلم فهل يحكم بالتساوي؟ لأنه الأصل أم يرجع الى الصلح، قولان: أولهما صريح عبارة التذكرة المتقدمة، و ثانيهما اختياره في المسالك، و هو أيضا ظاهر المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد حيث قال بعد الكلام في معنى عبارة التذكرة المذكورة: ما لفظه، الا أن في الحكم- مع عدم العلم بالقيمة- بالتساوي- للأصل محل التأمل، بل ينبغي هنا الصلح
____________
(1) هذا الخلاف من بعض العامة انما هو بالنسبة إلى الشركة شرعا لا بالنسبة إلى المعنى المشهور المفهوم منها لغة و عرفا فإنه لا خلاف بين الخاصة و العامة في تحققها بمجرد الامتزاج كيف اتفق مع التماثل. منه (رحمه الله).
158
و التراضي، فإن مساواة الاعراض بحسب القيمة مع تخالف الجنس نادر، و الأصل لا يقتضي ذلك. نعم مع التشاح و عدم الرضا بالصلح، لا وجه للخلاص سوى ما ذكره، فيقسمان جميع المال قسمة متساوية مع عدم العلم بالتفاوت أصلا، و معه و مع الاشتباه يمكن القرعة انتهى.
و أنت خبير بما في قوله: «فإن مساواة الاعراض بحسب القيمة مع تخالف الجنس نادر» من الغفلة، فإن الجنس هنا غير مختلف، إذ محل البحث في القيمي كالثياب و الخشب و نحوها، بمعنى أن المشترك بينهما ثياب متفقة في الأوصاف، أو خشب كذلك، أو نحو ذلك.
و على تقدير القول الثاني من عدم ثبوتها بالمزج في الصورة المفروضة، فلو أراد الشركة باع كل منهما حصته مما في يده بحصته مما في يد الأخر، و مثله ما لو أرادا الشركة في المثلي مع اختلاف الجنس أو الوصف.
و مثل هذه الحيلة في حصول الشركة ما لو وهب أحدهما صاحبه حصة من ماله و وهب الأخر كذلك أو باعه حصته بثمن معين ثم اشترى به حصة من الأخر، و المراد من الشركة في جميع هذه الصور الشركة المشهورة لا الشركة الخاصة التي هي عبارة عن الاذن في التصرف. و الله العالم.
المسئلة الرابعة [في حكم أنواع الشركة]
- قال في التذكرة: الشركة على أربعة أنواع، شركة العنان و شركة الأبدان، و شركة المفاوضة، و شركة الوجوه، فأما شركة العنان فهي أن يخرج كل مالا و يمزجاه، و يشترطا العمل فيه بأبدانهما، الى أن قال: و أما شركة الأبدان بأن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبون بأيديهم، كالصناع يشتركون على أن يعملوا في صناعتهم، فما رزق الله فهو بينهم على التساوي، أو التفاوت.
و اما شركة المفاوضة فهو أن يشتركا ليكون بينهما ما يكتسبان، و يربحان و يلتزمان من غرم و ما يحصل لهما من غنم، فيلزم كل واحد منهما ما يلزم الأخر من أرش جناية، و ضمان غصب، و قيمة متلف، و غرامة لضمان أو كفالة، و يقاسمه فيما يحصل له من ميراث، أو يجده من ركاز أو لقطة، أو يكسبه
159
شركة المفاوضة أن يكون مالهما من كل شيء يملكانه بينهما.
و أما شركة الوجوه فقد فسرت بمعان، أشهرها أن يشترك اثنان وجيهان عند الناس لا مال لهما، ليبتاعا في الذمة إلى أجل على أن ما يبتاعه كل واحد منهما يكون بينهما، فيبيعاه و يؤديا الأثمان، فما فضل فهو بينهما، و قيل: أن يبتاع وجيه في الذمة و يفوض بيعه الى خامل، و يشترطان أن يكون الربح بينهما، و قيل ان يشترك وجيه لا مال له، و خامل ذو مال ليكون العمل من الوجيه و المال من الخامل، و يكون المال في يده لا يسلمه الى الوجيه، و الربح بينهما، و قيل: أن يبيع الوجيه مال الخامل بزيادة ربح، ليكون بعض الربح له، و لا يصح شيء من أنواع الشركة سوى شركة العنان انتهى كلامه (قدس سره).
و الكلام هنا يقع في مواضع
الأول [عدم صحة غير شركة العنان]
- أن ما ذكره من أنه لا يصح شيء من هذه الأنواع سوى شركة العنان هو المشهور بين الأصحاب، و قال ابن الجنيد:
لو اشترك رجلان بغير رأس مال على أن يشتريا و يبيعا بوجههما جاز ذلك، و لو اشترك رجلان و كان من عند أحدهما بذر و بقر، و على الأخر العمل و الخراج، كانت الشركة جائزة بينهما، و لو اشترك رجلان على أن يعملا عملا لكل واحد منهما فيه عمل منفرد (1) أو أن يكون يداهما جميعا في العمل، و تقسم الأجرة بينهما لم يجز ذلك، لان الأجرة عوض عن عمل، فإذا لم يتميز مقدار عمل كل واحد منهما لم آمن أن يلحق أحدهما غبن أو أن يأخذ ما لا يستحقه، فان تتاركا الفضل و تحالا، أو يضمن أحدهما بالعمل ثم قسمه على الأخر من غير شركة جاز انتهى.
و هو ظاهر في جواز شركة الوجوه، و شركة الأبدان على التفصيل المذكور:
____________
(1) قال في المسالك: لا خلاف عندنا في بطلان شركة الأعمال الا من ابن الجنيد حيث أجازها مع تشاركهما الفضل أو عمل أحدهما و قسمته على الأخر من غير شركة، مع أنه راجع الى بطلانهما لان تداركهما الفضل بعد مزج الأجرتين و تحالهما أمر خارج عن صحة هذه الشركة و كذا لو تبرع أحدهما عن الأخر بمشاركته في أعماله انتهى. و هو جيد. منه (رحمه الله).
160
و ان شركة الوجوه عبارة عن المعنى المشهور المذكور في كلام العلامة.
قال العلامة في المختلف- في مقام الرد عليه: لنا إجماع الفرقة، و خلاف ابن الجنيد غير معتد به، لانقراضه، و حصول الاتفاق بعده، و لأن الأصل عدم الشركة، و بقاء حق كل واحد عليه، و لانه ضرر عظيم، و لأن الشركة عقد شرعي يتوقف على الاذن فيه. انتهى.
و المفهوم من كلامه و كذا غيره من الأصحاب هو بطلان الشركة في جميع الأنواع المتقدمة ما عدا شركة العنان، و ظاهر المحقق الأردبيلي المناقشة هنا في بعض المواضع حيث قال: بعد نقل قول العلامة في التذكرة: و أما شركة الأبدان فعندنا باطلة، سواء اتفق عملهما أو اختلف، بأن يكون كل واحد منهما خياطا، و يشتركا في فعل الخياطة، أو يكون أحدهما خياطا و الأخر نجارا، أو يعمل كل واحد منهما في صنعة، و يكون الحاصل بينهما، و سواء كانت الصنعة البدنية في مال مملوك، أو في تحصيل مال مباح، كالاصطياد و الاحتشاش و الاحتطاب.
فقال المحقق المشار اليه و لا يظهر دليل على عدم الجواز، سوى الإجماع، فإن كان فهو، و الا فلا مانع، فإنه يرجع الى الوكالة في بعض الأمور (1) و تمليك مال في البعض الأخر، و بذل نفس و عمل في مقابله عوض، و لا مانع منه في العقل و الشرع، و لهذا جوز بعض أقسامها بعض العامة، ثم نقل عنه أيضا أن شركة المفاوضة عندنا باطلة، و ليس لها أصل، و به قال الشافعي، و مالك، ثم نقل عنه أيضا في شركة الوجوه أنها عندنا باطلة، و به قال الشافعي و مالك، ثم قال: و البحث فيهما مثل ما تقدم فتأمل. انتهى.
____________
(1) الظاهر ان الرجوع الى الوكالة في مثل الشركة في الاحتطاب و نحوه فان كلا منهما جعل الأخر وكيلا عنه في ذلك و تمليك المال في ما لو تبرع أحدهما في ماله و أعطى شريكه حصة من الربح فإنه يرجع الى تمليك مال و أما الثالث فلا أعرف له وجها منه (رحمه الله).
161
و كلامه لا يخلو من غموض و خفاء، و ان سلم صحة ما ذكره، الا أن دخوله تحت لفظ الشركة بأي المعنيين محل اشكال.
و أما ما ذكره ابن الجنيد من أنه لو اشترك رجلان و كان من عند أحدهما بذر و بقر، و على الأخر العمل و الخراج، كانت الشركة جائزة بينهما، فهو خلاف ما يفهم من كلام الأصحاب، بل الظاهر أنه لا شركة هنا، و انما الحاصل لصاحب البذر، و للعامل الأجرة.
قال في التذكرة: لو كان لواحد البذر، و للآخر الدواب، و لثالث الأرض، و اشتركوا مع رابع ليعمل، و يكون الحاصل بينهما فالشركة باطلة، و النماء لصاحب البذر، و عليه أجرة المثل لصاحب الأرض، عن أرضه: و لصاحب الدواب عن عملها، و لصاحب العمل عن عمله، فإن أصاب الزرع آفة و لم يحصل شيء من الغلة لم يسقط حقهم من أجرة المثل انتهى.
و هذا هو الموافق لمقتضى الأصول الشرعية، و أنت خبير بأن أخبارنا خالية من ذكر هذه الأنواع، و الظاهر أنها من اصطلاحات العامة، و لهذا اختلفوا في كل منها صحة و بطلانا، و إطلاقا و تقييدا، كما لا يخفى على من راجع كتاب التذكرة، و أصحابنا قد اقتفوا أثرهم في ذكرها، و البحث عنها و اتفقوا عدا ابن الجنيد على بطلان ما عدا شركة الأموال. و الله العالم.
الثاني [في وجه تسمية شركة العنان]
- قد عرفت أن أحد الأنواع المتقدمة شركة العنان بكسر العين ككتاب، و هو سير اللجام الذي تمسك به الدابة، و هي المتفق على جوازها، و هي عبارة عن الشركة في الأموال.
بقي الكلام في وجه هذه التسمية فقيل: من عنان الدابة، أما لاستواء الشريكين في ولاية الفسخ و التصرف و استحقاق الربح على قدر رأس المال، كاستواء طرفي العنان، أو تساوى الفارسين إذا سويا بين فرسيهما، و تساويا في السير يكونان سواء، و اما لان لكل واحد منهما أن يمنع الأخر من التصرف كما يشتهي و يريد، كما يمنع العنان الدابة، و اما لان الأخذ بعنان الدابة حبس أحدى يديه
162
على العنان، و يده الأخرى مطلقة يستعملها كيف شاء، كذلك الشريك يمنع بالشركة نفسه عن التصرف في المشترك كما يشتهي، و هو مطلق اليد و التصرف في سائر أمواله.
و قيل: من «عن» إذا ظهر أما لانه ظهر لكل واحد منهما مال صاحبه، أو لأنها أظهر أنواع الشركة، و لهذا أجمع على صحتها، و قيل: من «العانة» و هي المعارضة، لأن كل واحد منهما عارض بما أخرجه الأخر.
الثالث [المراد بالشركة]
- ما ذكره في آخر العبارة المتقدمة من قوله «و لا يصح شيء من أنواع الشركة سوى شركة العنان» محتمل لكون المراد بالشركة بالمعنى المشهور المتبادر، و هو اجتماع حقوق الملاك كما تقدم، و هو الذي يقتضيه السياق في عد هذه الأنواع، و يحتمل المعنى الخاص، لانه الغرض الذاتي منها، و يؤيده تعريفه لها بما ذكره من أنها عبارة عن أن يخرج كل مالا، و يمزجاه، و يشترطا العمل فيه بأبدانهما.
قال في المسالك: و لا بد لها بهذا المعنى مع اشتراكهما في المالين من صيغة تدل على الاذن في التصرف، لأنهما ممنوعان منه، كسائر الأموال المشتركة و هي كل لفظ يدل على الاذن فيه على وجه التجارة، سواء كان قبل الامتزاج أو بعده، و سواء وقع من كل منهما للآخر، أم اختص بأحدهما، و بهذا المعنى لحقت بقسم العقود على تكلف أيضا، و تترتب عليها الأحكام التي يذكرها المصنف بعد هذا انتهى.
أقول: قد عرفت آنفا ما في هذا الكلام، و أنه لا دليل على اعتبار هذا العقد لكن يتجه الإيراد على الأصحاب بأنهم لما ذكروا للشركة معنى آخر، و هو الذي تترتب عليه الأحكام الاتية كان الواجب عليهم أن يعرفوا الشركة في هذا المقام بغير التعريف المشهور كما ذكره شيخنا المذكور: لان غرضهم بيان الشركة التي هي مثل العقود تترتب عليها الأحكام من جواز التصرف و استحقاق الربح و نحو ذلك، و أنه عقد جائز، و له أركان ثلاثة، و مع ذلك لم يعرفوها بشيء زيادة
163
على التعريف المشهور، مع أن الأحكام لا تترتب على ذلك التعريف المشهور بمجرده و لعلهم بنوا كلامهم كما قدمنا ذكره على أن المقصود واضح، و أن الشركة الحقيقة هو اجتماع المال كما تقدم، و أما الأحكام فتناط بالإذن في التصرف في المال المشترك، و الاذن كما تقدم يحصل بأي نحو كان، و تجوزوا في إطلاق العقد على هذا الاذن في أثناء الكلام في المقام. و الله العالم.
المسئلة الخامسة [الأقوال في اشتراط أحدهما زيادة الربح مع تساوي المالين]
- لا اشكال و لا خلاف في أنه مع تساوى المالين يتساوى الشريكان في الربح و النقصان، و كذا لو زاد رأس مال أحدهما كان له من الربح بنسبة الزيادة، و عليه من الخسران بالنسبة أيضا، و انما الاشكال و الخلاف فيما إذا اشترط أحدهما زيادة الربح مع تساوى المالين، أو التساوي في الربح و الخسران مع تفاوت المالين.
و قد اختلف الأصحاب في ذلك على أقوال ثلاثة
الأول- ما ذهب اليه الشيخ و ابن إدريس و المحقق
و جمع منهم من بطلان الشركة، لانتفاء ما يدل على الصحة فيكون أكل مال بالباطل، لأن الزيادة ليس في مقابلها عوض، لان الفرض انها ليست في مقابلة عمل، و لا وقع اشتراطها في عقد معاوضة، لتضم الى أحد العوضين و لا اقتضى تملكها عقد هبة، و الأسباب المثمرة للملك معدودة، و ليس هذا أحدها فيكون اشتراطها اشتراطا لتملك شخص مال غيره بغير سبب ناقل للملك، كما لو دفع إليه دابة يحمل عليها، و الحاصل لهما، فيبطل العقد المتضمن له إذ لم يقع التراضي بالشركة و الاذن بالتصرف الا على ذلك التقدير، و قد تبين فساده، و لا يندرج في الأمر بالإيفاء بالعقود، و لا في
«المؤمنون عند شروطهم».
الثاني- ما ذهب اليه المرتضى
و اليه ذهب العلامة و والده و ولده من القول بالصحة، و ادعى عليه المرتضى الإجماع، و احتجوا بالأدلة العامة مثل قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) و «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» (2) و قد وقع على
____________
(1) سورة المائدة الآية 1.
(2) سورة النساء الآية 28.
164
ما اشترطاه، و
قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «المؤمنون عند شروطهم» (1).
و الإجماع المنقول بخبر الواحد كما يقبل نقل غيره من الأدلة به، و أصالة الإباحة و بناء الشركة على الارتفاق بكل منهما و من جملته موضع النزاع.
الثالث- ما ذهب إليه أبو الصلاح
من صحة الشركة دون الشرط، و جعل شرط الزيادة أباحه لها يجوز الرجوع فيها ما دامت العين باقية، قال على ما نقله عنه في المختلف: إذا تكاملت الشروط انعقدت الشركة، و وجب لكل واحد من الشريكين من الربح بمقدار ماله، و من الوضيعة بحسبه، فان اصطلحوا في الربح على أكثر من ذلك، حل تناول الزيادة بالإباحة، دون عقد الشركة، و يجوز لمبيحها الرجوع فيها ما دامت العين قائمة، فإن اشترط في عقد الشركة، تفاضل في الوضيعة صحت الشركة، و بطل الشرط، و كانت الوضيعة بحسب الأموال، الا أن يتبرع أحد الشريكين على الأخر، فإن كان أحد الشريكين عاملا فجعل له الأخر فضلا في الربح بإزاء عمله لم يمض الشرط، و كان للعامل أجرة عمله من الربح، و بحسب ماله انتهى.
أقول: الظاهر ان محل الخلاف هنا ما لو شرط الزيادة مع عدم زيادة عمل له يقابل تلك الزيادة، أما لو كان له عمل زائد يقابلها، فالظاهر أنه لا خلاف في جواز العقد: و صحة الشرط قال في التذكرة: لو اختص أحدهما بمزيد عمل و شرط مزيد ربح له صح عندنا و الى ذلك ايضا يشير قولهم في حجة دليل القول الأول، لأن الفرض أنها ليست في مقابلة عمل و بالجملة فالظاهر أنه لا إشكال في ذلك، و على هذا ينبغي أن يقيد بذلك إطلاق القولين الأولين.
و أما ما احتج به أصحاب القول الثاني: فقد عرفت جواب بعضه من احتجاج أصحاب القول الأول، و بقي منه دعوى الإجماع، و هو تشبث بما هو أوهن من بيت العنكبوت، و أنه لأوهن البيوت.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 371 ح 1503، الاستبصار ج 3 ح 835، الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
165
و اما الاستناد الى الآية» الا أن تكون تجارة عن تراض «ففيه أن الشركة ليست تجارة، فلا تناولها الآية. نعم لو كانت الزيادة في مقابلة زيادة في العمل كان ذلك معاوضة و تجارة عن تراض، إلا أنك قد عرفت أن هذا ليس من محل البحث في شيء، و يمكن أن يقال: بصحة الشرط، لكن لا من حيث الشركة، بل من حيث أنه وعد، و قد دلت الآية و الرواية على وجوب الوفاء بالوعد كما تقدم في الأبحاث السابقة، لأن صاحب الزيادة قد وعد بإعطائها و رضى بذلك، ورد كلام أبى الصلاح بأنه مبنى على أن الشرط الفاسد لا يفسد العقد و الأقوى خلافه، و فيه ما عرفت فيما تقدم في الأبحاث السابقة، و في مقدمات كتاب الطهارة.
و كيف كان فالمسئلة كغيرها مما تقدم من أمثالها لا يخلو من الاشكال، لعدم النص الواضح في هذا المجال، و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك التوقف في ذلك، حيث اقتصر على نقل الأقوال المذكورة و نقل حججها و لم يرجح شيئا منها، و هو في محله هذا في ما لو عملا معا اما لو كان العامل أحدهما مع شرط الزيادة للعامل فالظاهر أنه لا إشكال في صحته، و يكون العقد حينئذ قراضا، و شركة، فيشتركان في الربح من حيث كون رأس المال شركة، و يختص العامل بالزيادة المشروطة في مقابلة عمله كما يختص عامل المضاربة بالحصة المعينة له من الربح في مقابلة عمله، و يأتي مثل ذلك فيما قدمناه من أنهما لو عملا معا و لكن كان في عمل أحدهما زيادة، و شرطت الزيادة له في مقابلة زيادة عمله.
اما مع تساويها في المالين و زيادة عمله، أو مع نقصان ما له مع تساويهما في العمل، أو زيادته بطريق أولى، لاشتراك الجميع في كون الزيادة في الربح في مقابلة عمل، فكان العقد عقد معاوضة من الجانبين، بالنظر الى أن العمل متقوم بالمال.
و لكن الشيخ و من تبعه أطلقوا المنع، و المرتضى و من تبعه أطلقوا الجواز، و التفصيل بما ذكرناه كما صرح به شيخنا الشهيد الثاني و غيره أجود، و ينبغي تقييد الإطلاقين المذكورين بذلك، لما قدمناه سابقا من تصريح العلامة في التذكرة بذلك، بل ظاهره دعوى الإجماع في ذلك، حيث قال: عندنا، مع كونه من القائلين بقول المرتضى، و ما ذكر في حجة القول الأول: مع أن الدعوى
166
مطلقة، فذكر ذلك في دليلها، دليل على أنه ليس المراد بتلك الدعوى على إطلاقها. و الله العالم.
المسئلة السادسة [في كون الشركة بحسب الواقع توكيلا و توكلا]
- متى حصلت الشركة بالمعنى المشهور فإنه لا يجوز لكل من الشريكين التصرف إلا بإذن الأخر، لما ثبت عقلا و نقلا من عدم جواز التصرف في مال الغير إلا بإذنه، فإن اذن أحدهما للآخر اختص المأذون بالتصرف و لا يجوز للاذن التصرف إلا بإذن المأذون: و الاذن توكيل في التصرف، فلا يجوز له أن يتعدى ما أذن له من العموم و الخصوص، و الإطلاق و التقييد، فإن أطلق في التصرف تصرف كذلك، و ان خصص اختص بما خصصه، و يراعى فيه المصلحة، فإن أطلق له في التجارة تصرف كيف شاء من أنواع التجارة، من البيع و الشراء مرابحة، و مساومة، و تولية، و مواضعة، حيث تقتضيها المصلحة و قبض الثمن و اقباض المثمن، و نحو ذلك مما تقدم في كتاب البيع.
و هل يتناول الإطلاق السفر حيث شاء؟ احتمالان: من حيث دخوله تحت الإطلاق، و من حيث كونه مظنة الخطر، و لا يجوز له إقراض شيء من المال الا مع المصلحة، و لا المضاربة عليه لانه ليس من توابع التجارة.
و قد صرح في التذكرة في غير موضع بأن اذن الشريك توكيل، فيجب حينئذ أن يراعى فيه ما يجب مراعاته في الوكالة فلا بد أن يقتصر على ما اذن له فيه، كما يجب على الوكيل ان يقتصر على ما وكل عليه، فلو تعدى في بعض المواضع عن محل الإذن أثم و ضمن، و حيث كانت الشركة من العقود الجائزة دون اللازمة بالإجماع فلكل من الشركاء الرجوع في الاذن و المطالبة بالقسمة.
أما الأول فإن مبناها على الاذن في التصرف، و هو في معنى الوكالة، فتكون جائزة، و أما الثاني فلانه لا يجب على الإنسان مخالطة غيره في ماله و مقتضى الأصل أن يتصرف كل منهما في ماله كيف شاء.
قال في التذكرة: الشركة عقد جائز من الطرفين، و ليست من العقود اللازمة إجماعا فإذا اشتركا بمزج المالين، فأذن كل واحد منهما لصاحبه في
167
التصرف (1) فلكل واحد من الشريكين فسخها لأن الشركة في الحقيقة توكيل و توكل، فلو قال أحدهما للآخر: عزلتك عن التصرف، أو لا تتصرف في نصيبي انعزل المخاطب عن التصرف في نصيب العازل، و يبقى التصرف في نصيبه، و لا ينعزل العازل عن التصرف في نصيب المعزول الا بقول متجدد منه، و لو فسخاها معا فان الاشتراك باق و ان لم يكن لأحدهما التصرف في نصيب الأخر، و لو قال أحدهما:
فسخت الشركة ارتفع العقد، و انفسخ من تلك الحال، و انعزلا عن التصرف، لارتفاع العقد. انتهى.
قيل: و في قوله «و لو قال أحدهما الى آخره» تأمل، لأن أحدهما تكلم فقط بقوله «فسخت الشركة» و هو يؤل الى عدم اذنه للآخر في التصرف، و عزله و إبطال وكالته، لما قد مر مرارا ان هذا العقد و الاذن توكيل، و غاية ما يكون عزلا لنفسه أيضا فإذا بدا له يجوز التصرف إذا قلنا ان الوكيل لا ينعزل بمجرد عزله، و لا يحتاج إلى إذن جديد، الا أن يعلم الأخر الموكل بل يرضى بعزله أو يعزله فتأمل. انتهى.
و ملخص كلامه المناقشة في ارتفاع العقد بالكلية، فإن هذا القول انما وقع من أحدهما، و الذي يدل عليه عزله الأخر عن التصرف، و إبطال وكالته، و غاية ما يمكن التزامه أنه عزل لنفسه أيضا، الا أنه بمجرد ذلك لا يلزم بطلان العقد و ارتفاعه، بناء على أن الوكيل لا ينعزل بمجرد عزل نفسه، بل يجوز له الرجوع بغير توكيل آخر، فكذا هنا يجوز له الرجوع بدون إذن أخر، فلا يتم حينئذ الحكم بارتفاع العقد.
و كما ينفسخ الشركة بالفسخ تنفسخ ايضا بالجنون و الموت، لبطلان الوكالة بهما، و هي في معناها كما عرفت، بل هي وكالة في التحقيق، و نحوهما أيضا الإغماء و الحجر
____________
(1) إشارة إلى الشركة بمعنى المشهور و قوله فأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف إشارة إلى المعنى الخاص المصطلح عليه بين الأصحاب المعبر عنه بالعقد و هو دائما إنما يعبر عنه بالاذن و هو مؤيد لما قدمناه من التحقيق من أنه ليس هنا عقد كما يدعونه و ليس إلا الاذن و ان سموه عقدا تجوزا، منه (رحمه الله).
168
لسفه أو فلس.
قال في التذكرة: و كذا ينفسخ بموت أحدهما و جنونه، و إغمائه و الحجر عليه للسفه، كالوكالة، ثم في صورة الموت ان لم يكن على الميت دين، و لا هناك وصية تخير الوارث بين القسمة مع الشريك و فسخها، و بين تقرير الشركة ان كان بالغا رشيدا، و ان كان صغيرا أو مجنونا فعلى الولي ما فيه الحظ من فسخ الشركة أو إبقائه، و لا بد في تقرير الشركة من عقد مستأنف، و ان كان على الميت دين لم يكن للوارث التقرير على الشركة الا أن يقضى الدين من غير مال الشركة، و لو كان هناك وصية، فان كانت لمعين فهو كأحد الورثة، يتخير بين التقرير و الفسخ ان تعلقت الوصية بذلك المال، و ان كانت لغير معين كالفقراء لم يجز تقرير الشركة إلا بعد خروج الوصية، فإذا خرجت الوصية بقي المال كما لو لم تكن وصية، يتخير الوارث بين التقرير و الفسخ، انتهى.
المسألة السابعة [شرط التأجيل في الشركة]
- لو شرط التأجيل في الشركة بمعنى ترتب أثرها عليها من التصرف للتجارة و نحوها إلى أجل مخصوص لم يلزم الشرط المذكور، بل لكل منهما فسخها قبل الأجل، لأنها عقد جائز، فلا يؤثر شرط التأجيل فيه.
نعم يترتب على الشرط المذكور عدم جواز تصرفهما بعد الأجل إلا بإذن جديد، لعدم تناول الاذن السابق له، فهذا الشرط و ان لم يؤثر في وجوب المضي على الشركة الا أنه يؤثر فيما ما ذكرناه، فله أثر في الجملة.
و نقل في المختلف عن الشيخين أنهما قالا: الشركة بالتأجيل باطلة، قال:
و الظاهر أن مرادهما ليس البطلان من رأس، بل عدم اللزوم، و لهذا قال المفيد عقيب ذلك: و لكل واحد من الشريكين فراق صاحبه أى وقت شاء، ثم نقل عن أبى الصلاح أنه قال: و لا تأثير للتأجيل في عقد الشركة، و لكل شريك مفارقة شريكه أى وقت شاء و ان كانت مؤجلة.
ثم قال: و العبارتان رديتان، و التحقيق أن للتأجيل أثرا و هو منع كل
169
منهما من التصرف بعده إلا بإذن مستأنف، و ان لم يكن له مدخل في الامتناع من الشركة، إذ لكل منهما الفسخ قبل الأجل. انتهى.
المسئلة الثامنة [في كون الشريك أمينا]
- ينبغي أن يعلم أن الشريك أمين لا يضمن تلف ما في يده إلا بالتعدي أو التفريط، لانه وكيل كما عرفت فيما سبق، و يقبل قوله مع يمينه في دعوى التلف، سواء ادعى سببا ظاهرا كالغرق، أو خفيا كالسرق. قال في التذكرة:
كل واحد من الشريكين أمين يده يد أمانة على ما تحت يده، كالمستودع و الوكيل، يقبل قوله في الخسران و التلف مع اليمين، كالمستودع إذا ادعى التلف، سواء أسند التلف الى سبب ظاهر أو خفي، فلا يضمن الا مع التفريط، و يقبل قوله في عدم ما يوجب الضمان من التعدي، و كذلك في عدم الخيانة، و يقبل قوله في عدم الشراء بمال الشركة إذا ادعى الشراء بما يخصه، و كذا إذا ادعى الشراء بالمشترك.
الفصل الثاني في القسمة:
و هي تمييز حق أحد الشركاء عن حق الأخر، و البحث فيها يقع في مسائل:
الأولى [حصول الملك بالشركة]
- الظاهر أنه لا خلاف بين أصحابنا في أنها برأسه أمر موجب لتمليك الشريك حصة الشريك الأخر بحصته، فإذا حصلت بشرائطها حصل بها الملك، و ليست بيعا و لا صلحا و لا غيرهما، لعدم وجود خواص الغير فيها كصيغة البيع إيجابا و قبولا، أو غيره من العقود، و يدخلها الإجبار في غير أفراد البيع التي يدخلها الإجبار، و يتقدر أحد النصيبين بقدر الأخر مع تساويهما، و البيع ليس كذلك، بل يجوز فيه الزيادة و النقصان بينهما، و اختلاف اللوازم تدل على اختلاف الملزومات.
خلافا لبعض العامة حيث جعلها بيعا مع أنه لا خلاف عندهم في أنه إذا طلب أحد الشركاء القسمة، يجب على الأخر إجابته، و عدم منعه إذا لم يحصل له ضرر بالقسمة، سواء كان في تركها ضرر أم لا، و سواء كان أحدهما مضطرا إلى القسمة أم لا، لانه يجب إيصال حق الغير اليه، و لا يجوز منعه عنه، و هو هنا بالقسمة،
170
و لا تصح إلا بإذن الشركاء الا ما سيأتي التنبيه عليه.
الثانية [في عدم جواز القسمة مع الضرر على الكل]
- لا خلاف في أنه مع الضرر على الكل و عدم ضرورة لا تجوز القسمة، لأنه تضييع مال، و هو سفه و إسراف منهي عنه، و أما ما لا ضرر في قسمته فإنه يجبر الممتنع مع التماس الشريك القسمة، و هو مما لا خلاف فيه أيضا.
و انما الخلاف في معنى الضرر المانع في الصورتين، فقيل: بأنه عبارة عن نقصان العين أو القيمة نقصانا لا يتسامح به عادة، لأن فوات المالية مناط الضرر في الأموال. و لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم)
«لا ضرر و لا ضرار» (1).
و هو عام، و قيل:
بأنها عبارة عن عدم الانتفاع بالنصيب منفردا لتضمنه الضرر و الحرج، و إضاعة المال المنهي عنه مثل كسر الجوهرة الكبيرة التي لها ثمن كثير، و بعد الكسر لا تسوى شيئا أو تسوى شيئا قليلا.
و قيل: بأنها عبارة عن عدم الانتفاع به منفردا، فيما كان ينتفع به مع الشركة، مثل أن يكون بينهما دار صغيرة إذا قسمت أصاب كل واحد منهما موضع ضيق لا ينتفع به في السكنى مثل الأول، و ان أمكن الانتفاع به في غير ذلك.
قال في المسالك بعد نقل ذلك كما ذكرناه و الأقوى اعتبار الأول، و اليه أيضا مال المحقق الأردبيلي، قال: و اعتبار الثاني بعيد، و الثالث أبعد، و أشار بهما الى ما ذكرناه هنا ثانيا و ثالثا، ثم انه على تقدير اعتبار المعنى الأول متى انتفى مثل هذا الضرر عن الشريك، و طلب الأخر القسمة مع انتفاءه عنه أيضا، فإنه يجب الإجابة إلى القسمة، و يجبر الممتنع، و هو ظاهر لما تقدم من أنه يجب إيصال حقه اليه متى طلبه، و لا يجوز منعه، إذ الفرض أنه لا مانع من ذلك، و أما عدم وجوبها مع ضرر الشريك فهو أيضا ظاهر،
لخبر (2) «لا ضرر و لا ضرار».
الا مع تضرر الطالب للقسمة بالشركة، فيتعارض الضرران، فينبغي أن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 292 ح 2 الفقيه ج 3 ص 147 ح 18 و الوسائل ج 17 ص 319 ح 1 باب الشفعة. و باب احياء الموات ص 341 ح 1 و 2 و 3.
(2) الكافي ج 5 ص 292 ح 2 الفقيه ج 3 ص 147 ح 18 و الوسائل ج 17 ص 319 ح 1 باب الشفعة. و باب احياء الموات ص 341 ح 1 و 2 و 3.
171
يرجح الأقل ضررا، و مع التساوي يشكل الأمر، فيحتمل الرجوع الى القرعة.
و أما لو تضرر الطالب بالقسمة دون الممتنع، فالظاهر أنه لا يجب إجابته، لأن ارتكاب ذلك سفه و تضييع لماله، الا أن يترتب على ذلك غرض صحيح.
قال في الدروس، و لو تضرر أحد الشريكين دون الأخر بالقسمة أجبر غير المتضرر بطلب الأجر دون العكس، و في المبسوط لا يجبر أحدهما لتضرر الطالب، و هو أحسن، ان فسر التضرر بعدم الانتفاع، و ان فسر بنقص القيمة فالأول أحسن، و بذلك يظهر أن في المسألة أقوالا ثلاثة.
ثالثها التفصيل الذي استحسنه شيخنا المذكور و هو جيد، و لو اتفقا على القسمة مع تضمنها الضرر كالجوهر و السيف و العضائد الضيقة (1) فقد صرح المحقق في هذا الكتاب بأنه لا يجوز قسمتها، و المفهوم من كلام غيره أن القسمة المشتملة على ضرر لا يجبر الممتنع عليها لكنها تصح بالتراضي و الاتفاق عليها، مع أنه في كتاب القضاء من الشرائع فسر الضرر بنقص القيمة، فحكمه هنا بعدم الجواز مع تفسير الضرر بما ذكره مشكل، فان مجرد نقص القيمة لا يبلغ حد المنع.
نعم لو فسر الضرر بعدم الانتفاع أمكن من حيث استلزامها تضييع المال بغير عوض، فإنه إذا لم ينتفع بالاجزاء فلا فائدة في القسمة، بل هو محض إتلاف و هو منهي عنه.
ثم انه في كل موضع يتوقف القسمة على الجبر، فالظاهر أن المجبر هو الحاكم الشرعي أو أمينه، و الظاهر أن مع تعذرهما فعدول المؤمنين كما هو في سائر الحسبيات التي يتعذر إرجاعها إلى الحاكم: و الأحوط العدلان، و في
____________
(1) قال في القاموس: و أعضاد الحوض و غيره ما يشد حواليه من البناء، و لم أقف في كلام أهل اللغة على معنى يناسب ما ذكروه بعد فان دخول القسمة فيما كان هكذا لا يخلو من تعسف و ظاهر كلامهم أن العضائد عبارة عن أماكن ضيقة تتضرر بالقسمة و الله العالم منه (رحمه الله).
172
و في الاكتفاء بالواحد احتمال قوى.
الثالثة [تعريف متساوي الأجزاء]
- لا يخفى أن متساوي الاجزاء و هو المثلي الذي يصدق على قليله و كثيره اسم الكل، و أجزاؤه متساوية في ذلك، و لا تفاوت بينها غالبا كالحبوب و الادهان تقسم قسمة إجبار على جميع الأقوال الثلاثة المتقدمة، إذ لا ضرر بالقسمة فيتحقق فيها قسمة الإجبار مطلقا، فان تراضيا بالقسمة و الا أجبر الممتنع، كذا صرحوا به من غير خلاف يعرف.
قال في المسالك: و مثله الثياب المتعددة المتحدة في الجنس التي يمكن تعديلها بالقيمة، و كذا الحيوان و العبد على الأقوى، و ظاهر المحقق الأردبيلي المناقشة هنا قال بعد ذكر ذلك، و فيه تأمل، إذ قد يكون المقسوم يسيرا بحيث لو قسم لم يبق لكل قسم أو لبعضه قيمة أصلا، أو ينقص نقصانا فاحشا بخلاف ما لو بيع جميعا يجعل لكل واحد من الشركاء من القيمة ما ينتفع به، و هو غير بعيد.
أقول: بل الظاهر بعده: لأن الأحكام الشرعية انما تبنى على الافراد الكثيرة المتعارفة بين الناس دون الفروض الشاذة النادرة التي لا تكاد توجد الا فرضا، و أما غير متساوي الاجزاء و هو القيمي كالثياب و الحيوان و العبيد، فإنه لا بد فيه من تقويم و تعديل، فان حصل التساوي على وجه يقتضيه النظر من غير رد فإنه يقسم كذلك، و لكنه في هذه الصورة يجري فيه الإجبار كما أشار إليه شيخنا في المسالك في العبارة المتقدمة- بقوله «على الأقوى».
و ان لم يحصل التساوي فلا بد أن يضم اليه بعض الدراهم أو العروض مما يقابل به السهم الأخر، فيقسم قسمة تراض، و القسمة في هذه الصورة يعبر عنها بقسمة الرد لا يدخلها الإجبار، فلا يجبر الممتنع، بل انما تصح مع التراضي، لأنها مشتملة على معاوضة و بمنزلة البيع جزء من المال بذلك المضاف الى المال الأول، فلا بد من الرضا حينئذ.
الرابعة [في اعتبار القرعة في تعيين السهام]
- متى حصلت القسمة و التمييز بين السهام سواء كانت القسمة إجبارية،
173
أو قسمة رد بحيث عدلت السهام على ما يقتضيه القسمة، فلا بد للتعيين بحيث يصير كل سهم ملكا لمالك من أولئك الشركاء من القرعة، و بها يصير ملكا له، لا يجوز التصرف فيه الا بإذنه، كسائر أملاكه.
و الظاهر كما صرح به المحقق الأردبيلي- انه بعد خروج القرعة لا يحتاج الى رضاء الشريك مرة أخرى، زيادة على الرضاء بأصل القسمة ان كانت قسمة رد، لأن القرعة قد أخرجت للتعيين، و قد تعين بها مال كل واحد منهما، و قيل انه ان كانت القسمة إجبارية، فإنه لا يحتاج الى الرضا بعد القرعة، و ان كانت قسمة رد، فان كان القاسم منصوبا من الامام فكذلك أيضا، (1) و ان كانت القسمة و القرعة إنما حصلت من المتقاسمين توقفت على تراضيهما بعدها، لاشتمالها على المعاوضة، فلا بد من لفظ يدل عليها، و أقله ما يدل على الرضا، و نقل ذلك عن الشيخ على في شرح القواعد، و به صرح في المسالك أيضا، و هو ظاهر العلامة أيضا، بل الظاهر أنه المشهور.
و رده المحقق المتقدم ذكره، بأن الرضى الأول كاف، و القرعة و التعديل بأنفسهما قد يكفيان، على أن منصوب الامام ليس بوكيل للشريك حتى يقبل له، فإنه منصوب للقسمة و القرعة فقط، على أن القسمة مطلقا معاوضة كما صرح به الشهيد الثاني في شرح الشرائع، ثم قال: كأن هذا القائل نظر الى ما ذكرناه من أصل بقاء الملك على ملك مالكه، و بقائه على الاشتراك و عدم خروج شيء عن ملك أحدهم، و الدخول في ملك آخر حتى يتحقق الدليل، و مع الرضا بعدها أو القرعة من قاسم الامام ناقل بالإجماع، و الباقي غير ظاهر كونه ناقلا حتى يتحقق، و يمكن أن يقال: القرعة مع الرضى الأول ناقل فتأمل.
و اعلم أن الظاهر أن القرعة و الرضا ثانيا انما هو محتاج اليه للتملك، بحيث لا يجوز لأحد العدول عنه، و الا الظاهر أنه يكفى الرضا بأخذ كل واحد قسما بعد التعديل
____________
(1) قال في الشرائع في كتاب القضاء و المنصوب من قبل الامام بمعنى قسمته بنفس القرعة و لا يشترط رضاهما بعدها و في غيره يقف اللزوم على الرضا بعد القرعة و في هذا اشكال من حيث ان القرعة وسيلة إلى تعيين الحق و قد قارنها الرضا. انتهى منه (رحمه الله).
174
بالرضا، فإنه إذا رضي أن يأخذ عوض ماله من حصة الأخر من ماله، الظاهر أن له ذلك، و هو مسلط، على ماله، فله أن يفعل ما يريد الا الممنوع، و لا منع هنا، لان الظاهر أنه تجارة عن تراض أيضا، و أكل مال الغير بطيب نفس منه.
و الظاهر أنه و ان لم يكن مملكا فلا كلام في جواز التصرف فيه تصرف الملاك، مثل ما قيل في العطايا و الهدايا و التحف، و يحتمل أن يكون تصرفا بعقد باطل، فيكون حراما و هو بعيد جدا، و عمل المسلمين على غير ذلك، بل على الملك فتأمل انتهى كلامه، و هو جيد وجيه.
و أنت خبير بأن أحدا من الأصحاب لم ينقل في هذا المقام خبرا و لا دليلا على شيء من هذه الأحكام، بل غاية ما يستدلون به أمور اعتبارية، مع أن هنا جملة من الاخبار يمكن الاستناد إليها في بعض هذه الأحكام.
و الذي وقفت عليه مما يتعلق بما نحن فيه
رواية غياث (1) «عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام) في رجلين بينهما مال منه بأيديهما، و منه غائب عنهما فاقتسما الذي بأيديهما، و أحال كل واحد منهما بنصيبه، فقبض أحدهما و لم يقبض الأخر فقال: ما قبض أحدهما فهو بينهما، و ما ذهب فهو بينهما».
و بهذا المضمون رواية أبي حمزة الثمالي (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) و رواية محمد بن مسلم (3) عن «أحدهما (عليهما السلام)» و صحيحة معاوية بن عمار (4) و صحيحة عبد الله بن سنان (5) و رواية سليمان بن خالد (6) و المتبادر من هذه الروايات ان الاقتسام انما وقع من الشركاء بمجرد تميز سهام كل واحد
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 212 ح 5 الفقيه ج 3 ص 55 ح 1 الوسائل ج 13 ص 159.
(2) الوسائل ج 13 باب عدم قسمة الدين المشترك قبل قبضه ص 179 ح 1.
(3) الوسائل ج 13 باب عدم قسمة الدين المشترك قبل قبضه ص 179 ح 1.
(4) الوسائل ج 13 باب عدم قسمة الدين المشترك قبل قبضه ص 180 ح 2.
(5) الوسائل ج 13 باب عدم قسمة الدين المشترك قبل قبضه ص 180 ح 2.
(6) التهذيب ج 6 ص 207 ح 8، الوسائل ج 13 ص 116 ح 1.
175
من ذلك المال المشترك الموجود بأيديهم، مثليا كان ذلك المال أو قيميا بعد تعديله كما تقدم، من غير توقف على قاسم من جهة الامام، و لا قرعة في البين بأن رضى كل منهم بعد تساوى السهام بنقل حصته، مما في يد شريكه بحصة شريكه مما في يده، و كذلك قسمة ما في الذمم مما لم يكن في أيديهما، الا أنه (ع) أبطل قسمة الغائب.
و بالجملة فإني لم أقف في الاخبار على ما ذكروه من القرعة، و القاسم من جهة الإمام، بل ظاهرها كما ترى هو الصحة مع تراضيهما بما يقتسمانه، و هو مؤيد لما تقدم نقله عن شيخنا الشهيد الثاني من أن القسمة مطلقا معاوضة، و ما ذكره المحقق المذكور من قوله، و الا الظاهر أنه يكفى الرضا بأخذ كل واحد قسما بعد التعديل، الى آخره فان هذا هو ظاهر هذه الاخبار، فإن قيل:
ان غاية ما يدل عليه هذه الاخبار أنهما اقتسما فيمكن حمله على القسمة التي ذكرها الأصحاب، كما تقدم من حضور القاسم من جهة الامام و القرعة، و حكم المثلي و القيمي- قلنا: هذا فرع ثبوت هذه المذكورات في الاخبار، و الا فالمتبادر انما هو ما قلناه من تمييز الحصص و السهام بعضها عن بعض من أولئك الشركاء، لا من شخص آخر، و هو ظاهر الاخبار، حيث نسب الاقتسام الى الشريكين، و الأصحاب قد ذكروا القسمة في هذا الكتاب، و في كتاب القضاء، و ذكروا لها أحكاما عديدة لم نقف لها على أثر في الاخبار في كل من الموضعين المذكورين، و القرعة قد وردت بها الاخبار في جملة من الموارد، و لم يذكر فيها هذا الموضع الذي ذكروه هنا، و غاية ما يدل عليه عمومات بعض أخبارها التوقف عليها في موضع النزاع، مثل
قول الصادق (عليه السلام) فيما رواه الصدوق (1): و ما تقارع قوم ففوضوا أمرهم الى الله تعالى الإخراج سهم المحق،.
و أما مع التراضي فلا أثر في الاخبار لاعتبارها و التوقف عليها، و كأنه بسبب التراضي يكون من
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 52 ح 3، الوسائل ج 18 ص 188 ح 6.
176
قبيل الصلح في هذه المعاوضة، كما ورد في
صحيحة محمد بن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) انه قال: في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه، و لا يدرى كل واحد منهما كم له عند صاحبه، فقال كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك و لي ما عندي، فقال: لا بأس بذلك إذا تراضيا، و طابت أنفسهما».
نعم لو لم يحصل التراضي بعد تعديل القسمة أمكن القول بالقرعة، لهذا الخبر و نحوه، و بالجملة فإن القسمة و ما ذكر فيها من الأحكام غير موجود في كلام متقدمي علمائنا الاعلام، و لا أخبار أهل الذكر، (عليهم السلام).
و الذي يغلب على الظن القاصر أن الشيخ و من تبعه من الأصحاب قد تبعوا في هذه المقامات العامة حيث أطالوا البحث عن ذلك في كتبهم بهذه الفروع التي ذكرها الأصحاب اختلافا و اتفاقا، و لا يخفى على الخائض في الفن و الناظر في كتب المتقدمين المقصورة على الاخبار، و أنه لم يقع التفريع في الأحكام، و كثرة الفروع في المسألة الواحدة، سيما في هذا الباب الا من الشيخ و تبعه من تأخر عنه، و كلها من كتب العامة، و قد تقدمت الإشارة الى ذلك أيضا و الله العالم.
الخامسة [في عدم صحة قسمة الوقف]
- قد صرح الأصحاب بأنه لا يصح قسمة الوقف بأن يأخذ كل واحد من الشركاء فيه بعضا و يتصرف فيه على حدة و تفصيل هذا الإجمال أنه يقال: انه متى كان الواقف واحدا أو متعددا و الموقوف عليه متعددا كأن يقف زيد داره على ذريته من الموجودين و ما تناسل منهم وقفا مؤيدا مشتملا على شرائط الصحة و اللزوم، أو يكون نصف الدار لزيد، و نصفها لعمرو، فيقف كل منهما حصته على تلك الذرية مثلا، فإنه في هذه الصورة لا يجوز للموقوف عليهم قسمة الوقف، لأنه أولا على خلاف وضع الواقف و الموقوف على ما وقفت عليه، كما ورد
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 206 ح 1، الكافي ج 5 ص 258 ح 2، الوسائل ج 13 ص 165 ح 1.
177
به النص. (1)
و ثانيا أن الوقف ليس ملكا لأولئك الموجودين الان، لمشاركة البطون الأخر لهم في ذلك.
و ثالثا ان الحق يتغير بزيادة البطون و نقصانها، فربما استحق بعض بطون المتقاسمين أكثر مما ظهر بالقسمة، لمورثهم و بالعكس، و أما لو تعدد الواقف و الموقوف عليه بأن كانت الدار مشتركة بين زيد و عمرو أنصافا، فوقف زيد نصفه على ذريته و وقف عمرو نصفه على ذريته، فإنه يجوز للموقوف عليهم من الطرفين قسمة هذا الوقف، بأن يميزوا أحد الوقفين عن الأخر، و متى كان جزء من المال وقفا، و جزء منه ملكا، كبيت مثلا نصفه وقف، و نصفه ملك، فإنه يجوز قسمته، و تميز الملك من الوقف، و يكون ناظر الوقف بمنزلة الشريك يتولى المقاسمة مع المالك.
قال في المسالك: هذا إذا لم تشتمل على رد، أو اشتملت و كان الرد من الموقوف عليه، لأنه زيادة في الوقف، فلو انعكس لم يصح، لانه كبيع جزء من الوقف، ثم على تقدير الرد من الموقوف عليه، هل يصير جميع حصته وقفا؟
أم يكون ما قابل الرد من الحصة ملكا له، لانه معاوض عليها، احتمالان، و الثاني أوجه.
____________
(1) أقول: و توضيحه أنه إذا وقف على ذريته على السوية ما تناسلوا بطنا بعد بطن فاتفق أن البطن الأول كان اثنين فإنهم يقتسمون الحاصل أنصافا، و لو كان البطن الثاني ثلاثة، فإنهم يقتسمونه أثلاثا و هكذا، فلو أن أصحاب البطن الأول اقتسموا الوقف أنصافا ثم اتفق أن ورثة أحدهما كان اثنين و ورثة الأخر واحدا فان هذين الاثنين يستحقان ثلثا الوقف بالنظر الى وقف الواقف، و ان كان مورثهم انما يستحق النصف و ذلك الواحد بالنظر الى ما ذكرنا انما يستحق الثلث و ان كان مورثه يستحق النصف و على هذه الصورة فقس. منه (رحمه الله).
178
نعم لو كان في مقابلة الرد وصف محض كالجودة كان الجميع وقفا، لعدم قبوله الانفصال، و لا فرق في جواز قسمة الوقف من الطلق بين كون الجميع لواحد، أو مختلف. انتهى.
السادسة [استحباب نصب القاسم للإمام]
- قد صرح غير واحد منهم بأنه يستحب للإمام (عليه السلام) نصب قاسم و يشترط عدالته و معرفته بالحساب، و قيل: بل ينبغي ذلك للحاكم مطلقا، و قال في الدروس: يستحب للقاضي نصب قاسم كامل مؤمن عاقل عارف بالحساب و لو كان عبدا، و لا يراعى فيمن تراض به الخصمان ذلك. انتهى، و علله بعضهم باحتياج الناس إليه، إذ قد يحصل الرضا في التعديل بقول بعضهم بعضا و لا يعرفون ذلك خصوصا في قسمة الرد و دليل اشتراط عدالته الوثوق بقوله، و أما معرفته للحساب، فلا بد منها بمقدار ما يحتاج إليه في القسمة، و انه لا يكفى الواحد في قسمة الرد الا مع الرضا، لانه يحتاج فيها الى التعديل في القسمة حتى يتساوى الأقسام، بأن يقوم تلك العروض المراد قسمتها، و هل المراد بقسمة الرد هي ما اشتملت على رد من أحد الطرفين دراهم أو عروضا في مقابلة الزيادة من الطرف الأخر أو ما هو أعم من ذلك و من التعديل و التسوية بين الأقسام! و ان لم يحتج الى رد.
و بالجملة المراد بقسمة الرد التعديل، لا الرد الحقيقي، قولان. و الأول منقول عن الدروس، و بالثاني صرح المحقق الأردبيلي (رحمه الله عليه).
أقول: و يؤيد الأول قولهم أنه يقسم ما اشتمل على الرد قسمة تراض، و كيف كان فالاحتياج الى العدلين، و عدم الاكتفاء بالواحد لأن القسمة يتوقف على التقويم، فلا بد من مقومين عدلين، ليكونا حجة شرعية، و لانه لا يحصل الوثوق بحيث يلزم الا بقولهما، هذا إذا لم يتراضيا بينهما بالقسمة بأنفسهما أو بشخص يتفقان عليه، عدل أو غير عدل، لان الرضا سيد الأحكام كما قيل.
قالوا: و أجرة القسام من بيت المال، لانه موضوع لمصالح العامة، و لو لم
179
يكن فيه شيء أو لم يكن ثمة بيت مال فمن مال الشركاء، لانه لمصالحهم فهو كالكيال و الوزان لهما، و ينبغي أن يكون ذلك بالحصص بينهم، بأن يقسم أجرة المثل على الحصص، فيعطى كل بنسبة ماله.
أقول: لا يخفى أنه لا وجود لهذه الأحكام في الاخبار كما أشرنا إليه آنفا، و ان كان بعضها يمكن استنباطه، و عمومات الاخبار في غير هذا المقام يأتي ان شاء الله في كتاب القضاء، وفق الله تعالى للوصول اليه.
الفصل الثالث في لواحق هذا الباب:
و فيه أيضا مسائل
[المسألة] الأولى [في مشاركة الآخر فيما استوفاه شريكه من الثمن]
- المشهور بين الأصحاب أنه إذا باع الشريكان المتاع صفقة بثمن معلوم ثم استوفى أحدهما من المشترى شيئا من الثمن، فإنه يشاركه فيه الأخر، و احترزوا بقولهم صفقة عما إذا باع كل منهما نصيبه بعقد على حدة، فإنهما لا يشتركان فيما يقتضيه أحدهما إجماعا.
و الأصحاب فرضوا هذا الحكم في بيع الشريكين المتاع صفقة، لمناسبة باب الشركة، و الا فهو يجري أيضا فيما لو كان سبب الشركة ميراثا و نحوه، و لم ينقل الخلاف في هذه المسئلة الا عن ابن إدريس، فإنه منع من الشركة فيما يقتضيه أحدهما لنفسه من ذلك المال المشترك، و حكم به لقابضه.
قال: و إذا كان بينهما شيء فباعاه بثمن معلوم، كان لكل منهما ان يطالب المشترى بحقه، فإذا أخذ حقه شاركه فيه صاحبه على ما قدمناه، لان المال الذي في ذمة المشترى غير متميز، فكل جزء يحصل من جهته، فهو شركة بعد بينهما على ما ذكره شيخنا في نهايته، «و الذي يقتضيه أصول مذهبنا أن كل واحد من الشريكين يستحق على المدين قدرا مخصوصا و حقا غير حق شريكه، و له هبة الغريم، و إبراءه منه، فمتى أبرءه أحدهما من حقه برء منه فقط، و بقي حق الأخر الذي لم يبرءه منه فقط بلا خلاف، فإذا استوفاه و تقاضاه منه لم يشاركه شريكه الذي وهب، أو
180
أبرأ أو صالح منه على شيء بلا خلاف.
فان كان شريكه بعد في المال الذي في ذمة الغريم، لكان في هذه الصور كلها يشارك من لم يهب و لم يبرء فيما، يستوفيه منه و يقبضه، ثم ان عين المال الذي كان شركة بينهما ذهبت و لم يستحقا في ذمة الغريم الذي هو المدين عينا لهما معينة، بل دينا في ذمته لكل واحد منهما مطالبة نصيبه، و إبراء ذمته و هبته، و إذا أخذه و تقاضاه فما أخذ عينا من أعيان الشركة حتى يقاسمه شريكه فيها» و لم يذهب الى ذلك سوى شيخنا أبى جعفر الطوسي في نهايته، و من قلده و تابعه، بل شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان لم يذكر ذلك في كتاب له و لا تصنيف، و كذلك السيد المرتضى، و لا تعرضا للمسألة، و لا وصفها أحد من أصحابنا المتقدمين في تصنيف له جملة، و لا ذكرها أحد من القميين، و انما ذكر ذلك شيخنا في نهايته من طريق أخبار الآحاد أورد ثلاثة أخبار أحدها مرسل، و عند من يعمل بأخبار الآحاد لا يلتفت اليه، و لو سلم الخبران الآخران تسليم جدل، لكان لهما وجه صحيح يستمر على أصول المذهب و الاعتبار، و هو أن المال الذي هو الدين كان على رجلين، فأخذ أحد الشريكين و تقاضا جميع ما على أحد الرجلين فالواجب عليه هنا أن يقاسم شريكه على نصف ما أخذه منه، لأنه أخذ ما يستحقه عليه و ما يستحقه شريكه أيضا عليه، لان جميع ما على أحد المدينين لا يستحقه أحد الشريكين بانفراده، دون شريكه الأخر، فهذا وجه صحيح، فيحمل الخبران على ذلك إذا أحسنا الظن براويهما، فليتأمل ذلك، و ينظر بعين الفكر الصافي ففيه غموض، انتهى.
و ملخص استدلاله يرجع الى دليلين، أحدهما أن لكل واحد من الشريكين أن يبرء الغريم من حقه، و يهبه له و يصالح على شيء منه دون الأخر، و متى أبرأه برء من حقه، و ان بقي حق الأخر، و كذا إذا وهب أو صالح، فكما لا يشارك من وهب أو صالح لشريك الأخر إذ استوفى حقه، فكذلك لا يشاركه هو لو استوفى حقه.
و ثانيهما أن متعلق الشركة بينهما كان هو العين و قد ذهبت، و لم يبق عوضها
181
الا دين في ذمته، فإذا أخذ أحدهما حقه منه لم يكن قد أخذ عينا من أعيان الشركة، بل من أمر كلي في ذمته لا يتعين الا بقبض المالك أو وكيله، و هنا ليس كذلك، لأنه إنما قبض لنفسه.
أقول: فيه أولا أن ما ذكره من الدليل الأول ظاهر البطلان، إذ لا ملازمة بين الأمرين، بل الفرق بين الحالين ظاهر، فإنه في صورة الإبراء أو الهبة أو الصلح قد برئت ذمة الغريم من مال الشريك الذي أبرأه، أو وهبه أو صالحه، و لم يبق في ذمته إلا حصة الشريك الأخر، فكيف يشاركه فيما استوفاه، و هو لم يستحق شيئا بالكلية بل صار كالأجنبي، بخلاف ما لو لم يقع شيء من هذه الثلاثة، و بقي المال المشترك في ذمة الغريم، كما هو محل البحث، فإذا دفع شيئا و الحال هذه فإنما دفع عما في ذمته من المال المشترك، و المدفوع انما هو من المال المشترك، فلا يختص به القابض.
و ثانيا أن ما ذكره في الدليل الثاني فهو وجه عقلي لا يسمع في مقابلة النصوص الصريحة الصحيحة، فإنها اجتهاد بحت في مقابلة النصوص، و هو على قاعدته المنهدمة و طريقته المنخرمة من عدم العمل باخبار الآحاد جيد أما عند من لا يقول بقوله، بل يعمل بها فلا وجه لهذا التعليل في مقابلتها، و أما ما يفهم من المسالك من الميل الى ما ذهب اليه ابن إدريس، تمسكا بما ذكره في الدليل الثاني حيث أيده و شيده بوجوه أطال بذكرها، و طعن في أخبار المسئلة حيث قال:
انها قاصرة عن الاستدلال بها لإرسال بعضها، و ضعف الأخر و عدم صراحة المطلوب في بعضها، ففيه أن الكلام معه في هذا المقام يرجع الى الاستدلال بالأخبار المذكورة، و بيان صحتها و صراحتها في المدعى، فالواجب ذكرها هنا و بيان ما يدل عليه، و ان كنا قد قدمناها في كتاب الدين من المجلد المتقدم.
فنقول من الاخبار المذكورة، ما رواه
الشيخ و الصدوق في الصحيح عن
182
سليمان بن خالد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين كان لهما مال منه بأيديهما و منه متفرق عنهما، فاقتسما بالسوية ما كان في أيديهما و ما كان غائبا عنهما، فهلك نصيب أحدهما مما كان عنه غائبا، و استوفى الأخر أ يرد على صاحبه؟ قال: نعم ما يذهب ماله».
و ما رواه
الشيخ في الموثق عن عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجلين بينهما مال، منه دين و منه عين فاقتسما العين و الدين، فتوى الذي كان لأحدهما من الدين أو بعضه، و خرج الذي للآخر أ يرد على صاحبه؟
قال: نعم ما يذهب بماله».
و عن أبي حمزة (3) قال: «سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجلين بينهما مال، منه بأيديهما، و منه غائب عنهما فاقتسما الذي بأيديهما، و أحال كل واحد منهما بنصيبه من الغائب، فاقتضى أحدهما و لم يقتضي الأخر قال: ما اقتضى أحدهما فهو بينهما، ما يذهب بماله؟»،.
و مثل ذلك رواية غياث (4) عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام)، و موثقة محمد بن مسلم (5) عن أحدهما، و موثقة معاوية بن عمار (6) عن أبى عبد الله (عليه السلام)، و لا يخفى على المتأمل المنصف أنه لا مجال للطعن في هذه الاخبار، و بعد ضم بعضها الى بعض، فإنهم في كثير من الأحكام يعتمدون على خبر واحد ضعيف باصطلاحهم مع جبره بالشهرة فكيف بهذه الاخبار على تعددها و شهرة القبول بها، إذ لا مخالف في ذلك سوى ابن إدريس، و وجود الصحيح
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 23 ح 9، التهذيب ج 6 ص 207 ح 8، الوسائل ج 13 ص 116 ب 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 186 ح 7.
(3) التهذيب ج 7 ص 185 ح 4.
(4) الفقيه ج 3 ص 55 ح 1، التهذيب ج 6 ص 212 ح 5.
(5) التهذيب ج 7 ص 186 ح 5، و هذه الرواية في الوسائل ج 13 ص 179.
(6) التهذيب ج 7 ص 186 ح 6، و هذه الرواية في الوسائل ج 13 ص 180.
183
باصطلاحهم فيها و به يظهر أن المناقشة فيها من حيث السند واهية لا يلتفت إليها هذا مع تسليم العمل بهذا الاصطلاح المحدث، و الا فالأمر أهون من ذلك، كما تقدم تحقيقه في جلد كتاب الطهارة من الكتاب.
و أما من حيث الدلالة فهي دالة بعمومها على جريان الحكم المذكور في الدين مطلقا، اتحد المديون أو تعدد، و تخصيصها كما ادعاه ابن إدريس فيما قدمنا نقله عنه بما إذا كان الدين على رجلين الى آخر ما ذكره يحتاج الى مخصص من الاخبار فليس، و به يظهر ما في المناقشة في الدلالة بأنها غير صريحة في المطلوب، كما ذكره شيخنا المتقدم ذكره، و لو تم ما ذكره لبطل الاستدلال بالعمومات، و هو خلاف ما عليه جميع العلماء الاعلام، و أرباب النقض و الإبرام، و غاية ما تعلق به في دليله الثاني أن متعلق الشركة انما هو العين و قد فاتت فإذا أخذ أحد حقه لم يكن قد أخذ عينا من الأعيان المشتركة، بل من أمر كلي إلى آخر ما ذكره.
و فيه أنه ما المانع من جعل الثمن مشتركا كالعين، إذا اقتضته الأدلة الشرعية، بحيث يترتب عليه ما يترتب عليها، و أى وجه قبح في ذلك، فكل جزء يحصل من ذلك، فهو بينهما كما أن الأمر في العين كذلك.
و بالجملة فإن الخروج عن ظواهر الاخبار بمجرد هذا الاعتبار مقابلة للنص بالاجتهاد، و فيه خروج عن جادة السداد. و أما قوله ان هذه المسألة لم يتعرض لها أحد من المتقدمين، ففيه أولا أن عدم التعرض لها و الغفلة عنها لا يوجب عدم القول بها، مع قيام الدليل عليها، و كم قد غفل المتقدمون عن جملة من الأحكام، و نبه عليه المتأخرون، بل المتأخرون و نبه عليها متأخر و المتأخرين.
و ثانيا أن جل المتقدمين لم يصنفوا في فروع الأحكام و يبسطوا القول فيها، و التفريع و البحث عنها، و انما كانوا يذكرون الأخبار المتعلقة بالأحكام، و هذه الطريقة كما أشرنا إليه آنفا، انما كان مبدؤها من الشيخ، على أن الصدوق قد نقل في الفقيه صحيحة سليمان بن خالد المذكورة، و هو يؤذن بقوله بمضمونها، بناء
184
على قاعدته المذكورة في كتابه، و الأصحاب انما ينسبون اليه الأقوال باعتبار ذلك، فهو حينئذ من جملة القائلين بالقول المشهور.
و ابن الجنيد قد صرح أيضا بذلك، و هو من المتقدمين على الشيخ فإنه قال:
لو اقتسم الشريكان و كان بعض المال في أيديهما و بعضه غائبا عنهما فاقتسما الذي بأيديهما، و اختار كل واحد منهما بنصيبه من الغائب فقبض أحدهما، و لم يقبض الأخر فما قبض من المال بينهما. انتهى.
إذا عرفت ذلك فاعلم: أن في المقام اشكالا و ذلك أن مقتضى كلام الأصحاب في هذه المسألة أن الدين لا يقبل القسمة، و أن كل ما خرج منه فهو مشترك سواء كان في ذمة واحدة أو ذمم متعددة، و قضية الحكم بالاشتراك برأيه الغريم من حصة الشريك الأخر الذي لم يقبض من ذلك المدفوع لاستحالة بقاء الدين في الذمة مع صحة قبض عوضه، و أنه لو تلف في يد القابض يكون التالف بينهما كلا أو بعضا، لأن الحق الكلي المشترك الذي كان في الذمة تعين بالقبض في المأخوذ، فهو لهما فلا يجوز لأحدهما التصرف فيه، الا بإذن الأخر.
و هذا هو ظاهر الاخبار المتقدمة، و الأصحاب لا يقولون بذلك في الموضعين المذكورين، فإنهم صرحوا بالنسبة إلى الأول بأنه مخير في الرجوع على الشريك أو الغريم، و بالنسبة الى الثاني أن التالف يكون من القابض خاصة لا يرجع على الشريك بشيء منه.
قال في التذكرة: لا يصح قسمة ما في الذمم الى أن قال: فلو تقاسما ثم توى بعض المال رجع من توى ماله على من لم يتو، و قال في موضع آخر: لو كان لرجلين دين بسبب واحد، اما عقد أو ميراث أو استهلاك أو غيره فقبض أحدهما منه شيئا فللاخر مشاركته فيه، و هو ظاهر مذهب احمد بن حنبل، لما تقدم في المسألة السابقة في رواية معاوية بن عمار، و لان تمليك القابض ما قبضه يقتضي قسمة الدين في الذمة من غير رضاء الشريك، و هو باطل، فوجب أن يكون المأخوذ
185
لهما، و الباقي بينهما، و لغير القابض الرجوع على القابض بنصفه، سواء كان باقيا في يده أو أخرجه عنها، و له أن يرجع على الغريم، لأن الحق ثابت في ذمته لهما على وجه سواء، فليس له تسليم حق أحدهما إلى الأخر، فإن أخذ من الغريم لم يرجع على الشريك بشيء، لأن حقه ثابت في أحد المحلين، فإذا اختار أحدهما سقط حقه من الأخر، و ليس للقابض منعه من الغريم، بأن يقول: إنما أعطيك نصف ما قبضت، بل الخيرة له من أيهما شاء قبض، و ان هلك المقبوض في يد القابض تعين حقه فيه، و لم يضمنه الشريك، لانه قدر حقه فيما تعدى بالقبض، و انما كان لشريكه مشاركته، لثبوته في الأصل مشتركا، و لو أبرأ أحد الشريكين الغريم من حقه برء، لأنه بمنزلة قبضه، و ليس للشريك الرجوع عليه بشيء، لأنه لم يقبض شيئا من حق الشريك انتهى.
و هو ظاهر فيما قدمنا نقله عنهم مع ورود ما ذكرناه عليه.
و يزيده بيانا أنه لا يخلو الأمر في هذا المقبوض، اما أن يتعين كونه من الدين المشترك الذي في الذمة، و حينئذ فيترتب عليه ما يترتب على المشترك، من أنه لو تلف كان من الجميع، و عدم الرجوع على الغريم بحصته من ذلك لان الحق المشترك قد تعين، و انحصر في المأخوذ، و أنه لا يجوز للشريك التصرف فيه الا بإذن الأخر.
و اما أن لا يتعين كونه منه، فإنه يكون باقيا على ملك الغريم، و لا يتعين حق القابض فيه، فضلا عن الشريك الأخر و هم لا يقولون بذلك، أو يتعين كون الكل حقه، كما يدل عليه قولهم أنه لو تلف في يده تعين حقه فيه، و لم يضمنه الشريك، فلا وجه لرجوع الشريك عليه، و كونه شريكا له فيه، و لا معنى لقولهم: «أن الدين غير قابل للقسمة».
و بالجملة: فإن كلامه هنا لا يخلو من تدافع و تناقض، و توضيحه زيادة على ما عرفت أن قوله: «يقتضي قسمة الدين في الذمة من غير رضى الشريك و هو باطل» يعطي أنه مع الرضاء صحيح، و هم لا يقولون بذلك، و قوله: «فوجب أن يكون المأخوذ لهما،
186
و الباقي بينهما» صريح في الشركة، و كذا قوله: «رجع من توى ماله على من لم يتو» و حينئذ فيجب أن يترتب عليه ما ذكرناه من عدم الرجوع على الغريم و كان التالف منهما، و قوله: «فليس له تسليم حق أحدهما إلى الأخر» ظاهر في عدم تعين حق للشريك الأخر في ذلك المقبوض، و كذا قوله: «تعدى بالقبض» مع أنه لا خلاف في التشريك.
و يمكن الجواب عن الاشكال المذكور و ما يترتب عليه من هذه الأمور، بأن يقال: ان الحكم بأن ما خرج فهو مشترك بينهما- يجرى فيه ما يجري في المشتركات- ليس على إطلاقه، اللازم منه تعين حق الشريك في ذلك المقبوض من حيث الشركة.
و كذا قولهم: «ان الدين المشترك لا يقبل القسمة» ليس على إطلاقه، بل المراد أنه إذا طالب أحد الشريكين بحقه فلا شبهة في استحقاقه ذلك، و من ثم أجمعوا على أن له المطالبة منفردا، فإذا دفع له المديون شيئا من المال المشترك على أن يكون حقه و حصته، فللشريك الأخر إجازة ذلك و الرضاء به، فيكون شريكا له فيه، و أن لا يرضى به و لا يجيزه، فيكون حقه باقيا في ذمة المديون، و من هنا قالوا: بالتخيير بين الرجوع على الشريك، أو الرجوع على المديون، و أنه مع التلف يكون على القابض خاصة، دون الشريك، يعنى من حيث عدم الإجازة و الرضاء بذلك، و أن حقه رجع الى ذمة المديون، و أما قولهم: «أن الدين المشترك لا يقبل القسمة،» فالمراد أنه لا يقبل القسمة مع استلزامها فوات حق أحد الشريكين، و الا فالقسمة فيه جائزة مفيدة للملك في الجملة، الا أن لزومها متوقف على حصول حصة كل من الشريكين بيده أو يد وكيله، فلو تراضيا بالقسمة صحت بشرط وصول كل حق الى مستحقه أو بمعنى أن ما حصل فلهما و ما توى فعليهما.
ألا ترى أن الاخبار المتقدمة كلها متفقة في أنه بعد القسمة ان توى مال أحدهما و خرج مال الأخر رجع من لم يقبض على من قبض و أن رجوع من لم يقبض
187
على من قبض، انما هو من حيث ذلك، و لا دلالة فيها على المنع من القسمة، مع وصول كل حق الى مستحقه، بل ظاهرها أنه مع ذلك فالقسمة صحيحة، فإن قوله (عليه السلام) من جملتها «ما يذهب بماله» ظاهر، في أنه لو لم يذهب شيء من المال، كانت صحيحة، و حينئذ فلو فرضنا وقوع القسمة بغير رضاها، بأن أخذ أحد الشريكين حصة من الغريم، على أنها حصته فقط، فليس للشريك الأخر مزاحمته و الأخذ منه لان حقه في ذمة الغريم، و قد أعطاه حقه، فيكون المال له الا أن لزوم ذلك و صيرورته بحيث لا يزاحمه الشريك الأخر موقوف على وصول حق الشريك اليه و عدم تلفه، و هذا الوجه أنسب بالنظر الى الاخبار كما عرفت، و الأول أنسب بالنسبة إلى كلام الأصحاب و الله العالم.
المسألة الثانية [في عدم جواز الشركة بكون الجمل من أحدهما و السقاء من الآخر]
- قال في المختلف: إذا شارك نفسان في سقاء، على أن يكون من أحدهما جمل، و من الأخر رواية، و استقى فيها على أن ما يرتفع يكون بينهم لم يصح هذه الشركة، لان من شرطها اختلاط الأموال، و هذا لم يختلط، و لا يمكن أن يكون إجارة، لأن الأجرة فيها غير معلومة، فالحاصل للسقاء، و يرجع الآخران عليه بأجرة المثل في مالهما من جمل و رواية.
قاله ابن إدريس و الشيخ أيضا، قال ذلك في المبسوط، قال فيه: و قيل:
يقتسمون بينهم أثلاثا، و يكون لكل واحد منهما ثلثها، و يكون لكل واحد منهم على صاحبه أجرة ماله على كل واحد منهما ثلثها، و يسقط الثلث، لان ثلث النفع حصل له، قال الشيخ: و الوجهان قريبان، و يكون الأول على وجه الصلح، و الثاني من الحكم، و ما قربه الشيخ قريب انتهى.
أقول: لا ريب في بطلان الشركة المذكورة لأنها مركبة من شركة الأبدان و شركة الأموال مع عدم المزج، و كل منها باطل كما تقدم، و مقتضى القواعد في مثل هذا هو ما ذكر أولا من أن الحاصل للسقاء و يرجع عليه الآخران بأجرة المثل.
188
و أما الثاني فلا وجه له، الا، أن يرجع الى أجرة المثل، فقول الشيخ أن الأول على وجه الصلح، و الثاني من الحكم لا أعرف له وجها وجيها، و توضيح الثاني من الوجهين المذكورين أنه يقسم الحاصل بينهم أثلاثا، فإن كانت أجرة مثلهم متساوية فلا بحث، و ان كانت متفاضلة رجع كل واحد منهم بثلث أجرة مثله على الآخرين، مضافا الى الثلث الذي حصل له، فلو فرض أن الحاصل كان ستة دراهم، فإنهم يقتسمونها أثلاثا لكل واحد درهمان، و كان أجرة المثل للسقاء ثلاثة دراهم، و لصاحب الرواية درهمان، و لصاحب الدابة درهم، فإنه يرجع السقاء بثلث أجرته، و هو درهم على صاحب الدابة، و بثلثهما و هو درهم على صاحب الرواية فيحصل عنده أربعة دراهم، و يرجع صاحب الرواية على كل من السقاء و صاحب الدابة بثلثي درهم، فصار معه درهمان و ثلث درهم، و يرجع صاحب الدابة على كل من الآخرين بثلث درهم فصار معه درهم، و حينئذ فيصير لكل واحد أجرة مثله، و هي ثلاثة للسقاء و اثنان لصاحب الرواية، و واحد لصاحب الدابة.
قال في المسالك بعد ذكر الوجه الأول. و هذا يتم مع كون الماء ملكا للسقاء أو مباحا و نوى الملك لنفسه أو لم ينو شيئا، أما لو نواه لهم جميعا كان كالوكيل، و الأقوى أنهم يشتركون فيه، حينئذ و يكون أجرته و أجرة الرواية و الدابة عليهم أثلاثا فيسقط عن كل واحد ثلث الأجرة المنوية اليه، و يرجع على كل واحد بثلث انتهى.
و أنت خبير بأن ظاهر عبارة الشيخ المتقدمة هو كون محل الوجهين أمرا واحدا، و عليه جمد العلامة في نقله له، و ظاهر كلامه هنا أن كلا من الوجهين مبنى على أمر غير ما بنى عليه الأخر، على انه سيأتي في المسئلة الاتية ما يدل
189
على أن المراد مجرد هذه النية التي فرع عليها هذا الوجه لا يؤثر في الاشتراك، كما هو صريح عبارة المحقق الاتية في تلك المسألة، و كذا صريح عبارة الشيخ الاتية، و ظاهره الجمود على عبارة المحقق الاتية، و انما نازع في الوكيل خاصة، و دعواه هنا أنه كالوكيل يجري في عبارة المحقق الاتية، مع أنه لم يقل بذلك.
و الله العالم.
[المسألة] الثالثة: لو هاش صيدا و احتطب أو حش بنية أنه له و لغيره
لم تؤثر تلك النية، و كان بأجمعه له خاصة، صرح به المحقق في الشرائع، و بنحو ذلك صرح الشيخ في المبسوط، فقال: إذا أذن الرجل أن يصطاد له صيدا فاصطاد الصيد بنية أن يكون للأمر دونه، فلمن يكون هذا الصيد؟ قيل فيه: ان ذلك بمنزلة الماء المباح إذ استسقاه السقاء بنية أن يكون بينهم، و أن الثمن يكون له دون شريكه، فهيهنا يكون الصيد للصياد دون الأمر، لأنه تفرد بالحيازة، و قيل: أنه يكون للأمر لانه اصطاده بنيته، فاعتبرت النية و الأول أصح انتهى.
و مقتضى القول الثاني فيما نقله هنا أن يكون كذلك في المسألة التي نقلناها عن المحقق، مع أنه لم ينقل ثمة خلافا، و بناء ما حكموا به على أن المملك هو الحيازة، و النية لا أثر لها هنا و هو مشكل، و قد نقل في المختلف عن الشيخ في باب احياء الموات من الكتاب المذكور أنه إذا نزل قوم موضعا من الموات فحفروا فيه بئرا ليشربوا منها، و يسقوا بها غنمهم و مواشيهم منها مدة مقامهم، و لم يقصدوا التملك بالإحياء؛ فإنهم لا يملكونها لأن المحيي إنما يملك بالإحياء إذا قصد تملكه به، فإنه اعتبر هنا النية و القصد الى الملك، و الا لم يملك، و هو ظاهر في عدم الاكتفاء بمجرد الأحياء و الحيازة، و قال في باب الشركة من المبسوط أيضا: يجوز أن يستأجره ليحتطب له أو يحش له مدة معلومة.
أقول: و هذا الكلام أيضا ظاهر في أنه لا بد في صحة الحيازة، من
190
نية التملك و الا لما صح الاستيجار لأن المستأجر يملكه بمجرد الحيازة فلا يتصور ملك المستأجر له، و أما إذا قلنا بتوقفه على النية، فإنه يصح الاستيجار، و كذا يصح التوكيل في ذلك، لان الملك يكون تابعا للنية، فإذا نوى ملك غيره مع كونه نائبا عنه صح.
قال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال عن الشيخ: و عندي في ذلك تردد.
و قال في المسالك- بعد نقل عبارة الشرائع المتقدمة الدالة على جزمه بعدم تأثير النية و أن الجميع لمن حازه خاصة: ما صورته هذا الجزم انما يعم لو لم يكن وكيلا للغير في ذلك، و الا أتى الإشكال الذي ذكروه من توقف ملك المباح على النية، فإنا لو قلنا بتوقفه و كان وكيلا ثبت الملك لهما؛ و لو قلنا بعدم توقفه ففي ثبوت الملك للمحيز نظر، من حصول علة الملك و هي الحيازة، فيثبت المعلول، و من وجود المانع للملك و هو نية عدمه، بل إثباته للغير انتهى.
و أنت خبير بأن مقتضى ما قدمنا نقله عنه في سابق هذه المسئلة من أن السقاء لو نوى كون الماء المباح لهم جميعا كان كالوكيل، ينافي ما جمد عليه من جزم المصنف هنا بأنه بأجمعه للمحيز خاصة، و أن النية لم تؤثر شيئا حيث أنه لم يناقش الا فيما لو كان وكيلا بالفعل.
و بالجملة فإن كلامه في هذين المقامين لا يخلو من نوع مدافعة، و كيف كان فان الكلام في هذا المقام مبنى على الكلام في حيازة المباح، و أنه هل يكفى مجرد الحيازة، أو يحتاج إلى النية، أو تكفى الحيازة مع عدم نية عدم الملك فلو نوى عدمه أثرت و لم يتم الملك؟ أقوال ثلاثة.
و ظاهر جملة من المحققين كالمحقق في الشرائع و العلامة في جملة من كتبه و منها ما تقدم في عبارة المختلف و نقل عن الشيخ أيضا التوقف في ذلك، و هو في محله، لعدم الدليل الواضح على شيء من هذه الأقوال. و لا يخفى أن هذه
191
المسئلة لا تعلق لها بكتاب الشركة الا من حيث هذين الفرعين المذكورين، و الا فمحلها انما هو كتاب احياء الموات و سنحقق البحث فيها بعد الوصول إليه إنشاء الله تعالى. و الله العالم.
[المسألة] الرابعة [في حكم بيع أحد الشريكين سلعة بينهما]:
قال المحقق: لو باع أحد الشريكين سلعة بينهما و هو وكيل في القبض، و ادعى المشترى تسليم الثمن إلى البائع، و صدقه الشريك برء المشترى من حقه، و قبلت شهادته على القابض في النصف الأخر، و هو حصة البائع لارتفاع التهمة عنه في ذلك القدر، و لو ادعى تسليمه الى الشريك فصدقه البائع، لم يبرء المشترى من شيء من الثمن، لأن حصة البائع لم تسلم اليه و لا الى وكيله، و الشريك منكر، فالقول قوله مع يمينه، و قيل: يقبل شهادة البائع، و المنع في المسئلتين أشبه. انتهى.
أقول: تحقيق الكلام في هذا المقام يقع في موضعين: أحدهما- ما لو كانت الدعوى بين البائع من الشريكين و المشترى، و هي تنجر بالأخرة أيضا الى الدعوى بين الشريكين كما سيظهر لك إنشاء الله تعالى، فهيهنا صورتان: الاولى- وقوع الدعوى بين البائع من الشريكين و المشترى، و المفروض فيها أن البائع من الشريكين وكيل من جهة الشريك الأخر في قبض الثمن، كما أنه وكيل في البيع، ففي هذه الحالة ادعى المشترى أنه دفع الثمن إلى البائع، و صدقه الشريك الأخر، و أنكر البائع ذلك، فإن أقام المشتري البينة برئت ذمته من الحقين، أما من حق البائع فبالبينة و اما من حق الشريك الأخر فبها و بتصديقه للبائع في دعواه.
و لو كان عدلا قبلت شهادته على شريكه؛ لأن الشهادة على الشريك مقبولة، لا مانع منها، لعدم التهمة، لكنها انما تقبل في حصة الشريك البائع لا في الجميع المتضمن لحصة نفسه، لتطرق التهمة فيها (1) كما يشير اليه قوله: «و قبلت شهادته
____________
(1) و وجهه على ما ذكروه أنه لو ثبت ذلك بشهادته لطالب الشهود عليه بحقه، و ذلك جر نفع ظاهر، فلا تقبل حينئذ للتهمة. منه (رحمه الله).
192
على القابض في النصف الأخر» و هو حصة البائع، لارتفاع التهمة عنه في ذلك القدر.
و ان لم يقم المشترى بينة بأداء الثمن كان القول قول البائع بيمينه، لانه منكر، و حينئذ فإن حلف استحق أخذ نصيبه خاصة، لاعتراف شريكه ببراءة ذمة المشترى، حيث أنه وافقه على دفع الثمن، و أنه صار بريء الذمة، و أن شريكه قد قبض ذلك أصالة لنفسه، و وكالة عنه، و الوكالة قد بطلت بفعل متعلق الوكالة و هو القبض، فليس له مشاركة الشريك فيما قبضه باليمين و ان كان المال في الأصل مشتركا، لاعترافه بأن ما قبضه شريكه ظلم، و أن حقه انما هو في ذمة شريكه البائع بالقبض الأول، و ان نكل البائع عن اليمين ردت على المشترى.
فان حلف أنه اقبض الثمن جميعه انقطعت عنه المطالبة، و ان نكل (1) الزم بنصيب البائع خاصة.
قالوا: و حيث يثبت الأداء الى البائع بالبينة، فللشريك المطالبة بحصته، دون ما إذا ثبت ذلك بشاهد و يمين أو باليمين المردودة على المشترى، أو بنكول البائع على القول بالقضاء به، لان ذلك انما يؤثر في حق المتخاصمين، لا في حق غيرهما.
أقول: و الظاهر أن السبب في ذلك من حيث اليمين، لأنها لا يثبت مالا لغير الحالف كالبينة، و عليه يتفرع النكول كما لا يخفى.
الصورة الثانية: الدعوى بين الشريكين، و قد عرفت أن الشريك البائع وكيل من جهة شريكه المدعى هنا في قبض الثمن، و هو قد صدق المشترى في
____________
(1) قال في المسالك: فان نكل يعني المشتري الزم نصيب البائع ان لم نقض بالنكول، لأصالة بقاء الثمن في ذمته، حيث لم يثبت الأداء بحصة البائع. انتهى.
أقول: و الظاهر ان رد اليمين على المشترى بعد نكول البائع مبنى على ما هو المشهور بين المتأخرين و الا فإنه على القول الأخر، و هو انه متى نكل المنكر عن اليمين يقضى عليه بمجرد نكوله لا يتجه الرد على المشترى. منه (رحمه الله).
193
قبض شريكه له، و حينئذ فالشريك هنا يدعى على شريكه البائع حصته من الثمن، و شريكه يدعى بقاءها في ذمة المشترى لإنكاره القبض منه و على هذا فإن أقام الشريك بينة بأن شريكه البائع قد قبض الثمن من المشترى كما يدعيه رجع عليه بحقه منه، و الا فالقول قول شريكه، لانه منكر القبض، فيقبل قوله مع يمينه، فان حلف انقطعت الدعوى، و ان نكل أورد اليمين حلف الشريك المقر، و أخذ منه حصته، و لا يرجع البائع بذلك على المشترى، لاعترافه بظلم شريكه له في فعله، و أنه لا يستحق في ذمته شيئا، و انما حقه باق في ذمة المشترى، و لأن ذمة المشترى بريئة من حصته، لاعترافه بدفع ذلك الى البائع، فلا يمكن أن يقال ان رجوعه عليه لكونه قد أدى عنه دينا في ذمته، فيرجع به عليه.
هذا كله فيما إذا تقدمت الخصومة الأولى على الثانية كما رتبناه.
اما إذا تقدمت الثانية فإن الحكم كما ذكر أيضا، الا أن الشريك المقر لا تقبل شهادته على البائع، لسبق خصومته فيتطرق إليه التهمة.
و ثانيهما: ما لو كانت الدعوى بين المشترى و الشريك الاذن بأن ادعى المشترى أنه بعد الشراء من الشريك البائع سلم الثمن الى شريكه الأخر، و صدقه الشريك البائع على ذلك، و الشريك المدعى عليه منكر، فالقول قوله بيمينه، كما هي القاعدة المتفق عليها.
و تفصيل الكلام هنا أن يقال ان البائع هنا اما أن يكون قد أذن للشريك المدعى عليه في قبض حصته من الثمن أولا و على التقديرين فاما أن قد أذن أيضا لشريكه البائع في القبض أم لا، و حينئذ فإن كان الشريك المدعى عليه مأذونا في القبض بريء المشترى من حصة البائع، لاعترافه بقبض وكيله حيث
194
أنه صدق المشترى في دعواه الدفع لشريكه، و الحال أنه مأذون منه و ان لم يكن مأذونا في القبض لم يبرئ المشترى من حصة البائع، لأنه لم يدفع حصته اليه، و لا الى وكيله، أما عدم الدفع اليه فظاهر، لأن المشتري انما يدعى الدفع على شريكه، و أما عدم الدفع الى وكيله فلان المدعى عليه غير وكيل، و لا مأذون كما هو المفروض، و كذا لا تبرئ ذمته من حصة الشريك المدعى عليه، لإنكاره القبض. و حينئذ فيقدم قول الشريك المدعى عليه بيمينه مع عدم البينة.
ثم ان طالب البائع المشتري بحصته، فلشريكه مشاركته في ذلك كما في كل مال مشترك لأنه منكر للقبض، و المال الذي في ذمة المشترى مشترك بينهما، و له أن لا يشاركه، بل يرجع على المشترى بحصته و يطالبها، و على تقدير مشاركته للبائع في حصته التي قبضها من المشترى، إنما يبقى للبائع ربع الثمن و ليس للبائع مطالبة المشتري بعوض ما أخذه شريكه، لانه يعترف بظلم الشريك له في المشاركة، و أخذه نصف ما قبضه.
ثم انه متى شارك فيما قبضه (1) رجع ببقية حصته على المشترى، لأن حقه منحصر فيهما، و أما قوله في آخر العبارة «و قيل: تقبل شهادة البائع و المنع في المسألتين أشبه»، و أشار بالمسألتين الى هذه المسئلة و سابقتها باعتبار اشتمالها على شهادة الشريك للمشتري على البائع ففيه تفصيل.
أما في المسئلة السابقة فقد تقدم بيانه، و أما في هذه فإنه لا يخلو اما أن يكون الشريك المدعى عليه القبض مأذونا من جهة شريكه البائع في القبض أم لا، فعلى
____________
(1) أقول: مشاركته له فيما قبضه بناء على ظاهر كلام الأصحاب في مسألة المال المشترك كما تقدم، و اما على ما يظهر من الاخبار كما تقدمت الإشارة إليه من أن رجوع الشريك على شريكه مقاسمة له مخصوصة بما إذا توى بقية المال، و الا فالقسمة صحيحة، و حصة الغير القابض يرجع بها على من عليه المال في ذمته لا على شريكه، الا ان يتعذر حصولها فيرجع على الشريك حينئذ و لا يرجع هنا على الشريك. منه (رحمه الله).
195
الأول لا تقبل لحصول التهمة، لأنه بالنسبة إلى حصته يشهد لنفسه على الذي لم يبع لان المفروض أن القابض مأذون من جهته في القبض، و وكيل عنه، فهو في الحقيقة ليشهد لنفسه على شريكه.
و حينئذ يلزم تبعيض الشهادة، و الشهادة إذا ردت في بعض المشهود به هل تسمع في الباقي أم لا؟ وجهان: عندهم.
و أما على الثاني فإنها تقبل لعدم التهمة، حيث إن الشريك ليس وكيلا للبائع في القبض، و انما حق البائع باق على المشترى كما تقدم، فليست الشهادة متبعضة كالأولى، هذا ما يفهم من تقرير الأصحاب في المسئلة.
و أما كلام المحقق هنا و اختياره المنع من قبول شهادة البائع، مع أن المفروض في كلامه انما هو الثاني من هذا الترديد، فقيل: ان الوجه فيه أن البائع و هو الشاهد، و ان لم يكن شريكا للقابض فيما قبضه، لعدم الاذن له، الا أن الشهادة تجر نفعا، من حيث أنه إذا حصل الثبوت بهذه الشهادة بانضمام شاهد آخر أو يمين مثلا، و قبض هذا الشاهد نصيبه من المشترى مسلم له، و لا يشاركه فيه شريكه، بناء على استحقاق المشاركة إذا لم يثبت القبض، هذا ملخص كلامهم في هذا المقام.
و لا يخفى على من راجع كتاب التذكرة أن أصل هذه المسئلة و طرحها في محل البحث انما هو من العامة، كسائر المسائل المذكورة، و لهم فيها أقوال منتشرة، و اختلافات متكثرة، و قد جرى فيها أصحابنا على بعض ما جروا عليه، و اختاروا فيها ما جنحوا اليه، و جملة من شقوقها موافقة للأصول الشرعية، و جملة منها مداركها غامضة خفية، و الله العالم.
[المسألة] الخامسة [في اختلاف المشتري و الشريك غير البائع في القبض]:
قال الشيخ في الخلاف: إذا كان لرجلين عبدان لكل واحد منهما
196
عبد بانفراده، فباعاهما من رجل واحد بثمن واحد لا يصح البيع، لأنه بمنزلة عقدين، لانه لعاقدين، و ثمن كل واحد منهما مجهول، لان ثمنهما يتقسط على قدر قيمتهما، و ذلك مجهول و الثمن إذا كان مجهولا بطل العقد، بخلاف ما لو كانا لواحد، لانه عقد واحد، و انما بطل الأول من حيث كانا عقدين.
و قال في المبسوط: إذا كانا مختلفي القيمة بطل، و ان تساويا صح انتهى.
و ظاهر كلام جملة من المتأخرين الصحة مطلقا.
قال في المختلف بعد نقل ذلك عن الشيخ: و القولان ضعيفان عندي، و الحق صحة البيع فيهما، سواء كان متفاوتي القيمة أو متساوي القيمة، لأن الثمن في مقابلة المجموع، و التقسيط الحكمي لا يقتضي التقسيط لفظا، و الجهالة إنما تتطرق بالاعتبار الثاني، دون الأول، و لهذا لو كان عبدا واحدا و لأحدهما فيه حصة و الباقي للآخر و لم يعلم حصة كل واحد منهما فباعاه صفقة واحدة صح البيع، و ان اختلف عوض كل واحد من الحصتين، باعتبار اختلافهما و كونهما في حكم العقدين لا يقتضي كونهما عقدين، و لهذا لو فسخ في أحدهما لم يكن له الا رد الأخر، و ذلك يدل على اتحاد الصفقة، انتهى.
و بهذا الكلام بأدنى تفاوت عبر في المسالك، و ربما أشعر ظاهر كلام المحقق في الشرائع بالتوقف، حيث اقتصر على نقل القولين في المسألة مع حجة القول بالبطلان، و لم يتعرض لأزيد من ذلك، و الظاهر هو القول بالصحة لما عرفت، و قد مر نظير ذلك في كتاب البيع في مسئلة بيع ما يملك و ما لا يملك.
أما لو كان العبدان لهما معا أو كانا لواحد فلا اشكال و لا خلاف في الجواز، لزوال ما توهم منه المنع في تلك المسئلة و هو تقسيط الثمن عليهما، بل يقسمانه على نسبة الحصص، و كذا لو كانا لواحد مع أن ذلك التقسيط لو أثر لأمكن
197
تطرقه هنا لو عرض لأحد هما ما يبطل البيع كما لو خرج مستحقا للغير، أو ظهر كونه حرا، فان البيع في نفس الأمر انما وقع على المملوك، و لا يعلم قسطه من الثمن، و وجه الصحة في الجميع أن ثمن المبيع وقت العقد معلوم، و التوزيع لاحق، فلا يقدح في الصحة.
[المسألة] السادسة [بطلان شركة الأبدان]:
قد تقدم أن شركة الأبدان باطلة، و حينئذ فلو اشتركا كذلك فان تميز أجرة كل واحد عن صاحبه اختص كل واحد بحصته، و لو تميز بعضها اختص أيضا به، و هو مما لا خلاف فيه و لا اشكال، و انما الإشكال مع اشتباه الحال فقيل: أنه يقسم الحاصل على قدر أجرة مثل عملهم، نظرا الى أن الغالب العمل بأجرة المثل، و أن الأجرة تابعة للعمل.
و مثله قسمة ثمن ما باعاه مشتركا بينهما على ثمن مثل ما لكل منهما، و على هذا لو تميز بعض حق كل منهما أو أحدهما ضم إلى الباقي في اعتبار النسبة، و ان اختص به مالكه، و هذا القول اختيار المحقق في الشرائع.
و قيل: بتساويهما في الحاصل من غير نظر الى العمل، لأصالة عدم زيادة أحدهما على الأخر، و لأن الأصل مع الاشتراك التساوي، و لصدق العمل على كل واحد منهما، و الأصل عدم زيادة أحد العملين على الأخر، و الحاصل تابع للعمل، و نقل هذا عن العلامة في أحد وجهيه، ورد بمنع كون الأصل في المال و العمل التساوي، بل الأصل هنا يرجع إليه، لأن زيادة مال شخص أو عمله على آخر و نقصانه و مساواته ليس أصلا لا بحسب العادة، و لا في نفس الأمر.
و بالجملة فضعف هذا الوجه أظهر من أن يحتاج الى مزيد تطويل.
و قيل: بالرجوع الى الصلح، لانه طريق الى تيقن البراءة كما في كل مال مشتبه، و نقل أيضا عن العلامة في الوجه الأخر.
198
قال في المسالك: و لا شبهة في أنه أولى مع اتفاقهما عليه، و الا فما اختاره المصنف أعدل من التسوية.
أقول: و لا يخفى أن المسئلة غير منصوصة، و الاحتياط فيها واجب، و هو يحصل بالقول الثالث، و أما الأول فإنه و ان كان أقل بعدا من الثاني الا أنه لا يخلو أيضا من شيء فان مجرد كون الغالب العمل بأجرة المثل لا يصلح لان يكون سببا مملكا شرعيا لما زاد بحسب الواقع، فإنه يجوز أن يكون أجرة عمل أحدهما بالنظر الى أجرة المثل درهمين، و أجرة الأخرى بالنظر الى ذلك ثلاثة دراهم، فلو اقتسما كذلك و كان الأمر بحسب الواقع الذي قبضه كل منهما هو بالعكس، لأحد الأسباب المقتضية لذلك من تراض، و مسامحة أو مناقشة، فإنه لا يكون مبيحا للزيادة التي في أحد الطرفين، و لا حاسما لمادة الإشكال واقعا في البين بل الواجب عليهما لتحصيل براءة الذمة بيقين هو الرضاء بالصلح ليخرجوا بذلك من غصب رب العالمين. و الله العالم.
199
كتاب المضاربة:
قال في التذكرة: و هي عقد شرعي لتجارة الإنسان بمال غيره بحصة من الربح. انتهى.
و هذه التسمية لغة أهل العراق، و أما أهل الحجاز فيسمون هذه المعاملة قراضا، قيل: و وجه المناسبة بالنسبة إلى التسمية الأولى أنها من الضرب في الأرض، قال الله تعالى «وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ» (1) لان العامل يضرب فيها للسعي على التجارة و ابتغاء طلب الربح بطلب صاحب المال، فكان الضرب مسببا عنها طردا لباب المفاعلة في طرفي الفاعل، أو من ضرب كل منهما في الربح بسهم، أو لما فيه من الضرب بالمال و تقليبه.
و أما وجه المناسبة في التسمية الثانية، فهو اما من القرض، و هو القطع كما يقال: قرض الفار الثوب أى: قطعه، و منه المقراض، لانه يقطع به، فكان صاحب المال اقتطع من ماله قطعة، و سلمها الى العامل، و اقتطع له قطعة من الربح، أو من المقارضة، و هي المساواة و الموازنة، يقال: تقارض الشاعران إذا وازن كل منهما الأخر بشعره.
____________
(1) سورة المزمل الآية 19.
200
و حكى عن أبى الدرداء أنه قال: قارض الناس ما قارضوك، فان تركتهم لم يتركوك يريد ساوهم فيما يقولون، و هذا المعنى تحقق هنا، لان المال من جهة رب المال، و من جهة العامل العمل، فقد تساويا في قيام العقد بهما، فمن هذا المال و من هذا العمل، و يحتمل أن يكون ذلك لاشتراكهما في الربح، و تساويهما في أصل استحقاقه، و ان اختلفا في كميته، و يقال منه للمالك مقارض بكسر الراء، و للعامل مقارض بالفتح، و من اللفظة الأولى يقال للعامل: مضارب بكسر الراء، لأنه الذي يضرب في الأرض بالمال و يقلبه، و لم يشتق أهل اللغة لرب المال من المضاربة أسماء، بخلاف القراض، كذا في التذكرة، و نحوه في المسالك.
و قال في المسالك: و اعلم أن من دفع الى غيره مالا ليتجر به فلا يخلو اما أن يشترطا كون الربح بينهما، أو لأحدهما أو لا يشترطا شيئا، فإن اشترطاه بينهما فهو قراض، و ان اشترطاه للعامل فهو قرض، و ان اشترطاه للمالك فهو بضاعة، و ان لم يشترطا شيئا فكذلك، الا أن للعامل أجرة المثل، و نحوه قال في التذكرة.
و اعترضهما المحقق الأردبيلي هنا في موضعين: أحدهما- في البضاعة، حيث حكما بأن للعامل أجرة المثل، قال بعد نقل عبارة التذكرة قوله:
«و عليه أجرة المثل للعامل» محل التأمل، لأن الأصل عدم لزوم الأجرة، و ما ذكر من أنه إذا استعمل شخص بعمل له أجرة عادة لمثل هذا الشخص، يستحق به أجرة المثل ان ثبت ذلك، و كان ما نحن فيه من ذلك القبيل يكون له أجرة المثل، و الا فهو متبرع لما مر. انتهى.
و حاصله يرجع الى قيام احتمال التبرع، فالحكم بالأجرة مع الإطلاق يحتاج الى دليل، و ليس فليس، و هو جيد.
201
و ثانيهما- قولهما في صورة ما إذا اشترطا الربح للعامل أنه قرض، فان ظاهره المنع من الحكم بكونه قرضا بمجرد هذا الشرط، قال (رحمة الله عليه):
و كذا قوله: «كان المال قرضا و دينا» فان القرض يحتاج إلى صيغة خاصة، و له أحكام خاصة، و المفروض عدم وجودها من المالك، فكيف يحكم بوجوده، و ترتب أحكامه عليه، و لان خروج المال عن ملك مالكه و دخوله في ملك آخر يحتاج الى ناقل، و ما وجد الا نحو قوله: «اتجر فيه فيكون الربح لك» و غير معلوم كون هذا المقدار مملكا، باعتبار أن كون الربح له فرع كون المال له، فكأنه قال: المال لك بالعوض، فربحه لك، لان الاكتفاء في خروج مال عن ملكه و دخوله في ملك آخر بمثله من غير دلالة شرع به مشكل، على أنه قد يكون العامل أو القائل جاهلا لا يعلم أنه لا يمكن كون المال باقيا على ملكه، و كون الربح للعامل، إذ يكون مقصوده إعطاء الربح للعامل، بعد ان كان له، و بالجملة ان وجد دليل مفيد لنقل الملك مع العوض يكون قرضا، و الا فلا. انتهى.
و هو جيد أيضا، الا أنه يمكن الجواب هنا بأنه ليس المراد ثبوت القرض و حصوله بمجرد هذا الاشتراك بل مع حصول القرض أولا بصيغته الدالة عليه، و الا لورد ما قاله أيضا بالنسبة إلى القراض الذي هو محل البحث، فإنه لا بد فيه من صيغة خاصة عندهم، مع أن ظاهر هذا الكلام الاكتفاء بمجرد هذا الاشتراط، و هم لا يقولون به.
و بالجملة فالمراد انما هو أن اشتراط الربح لهما معا انما يكون في القراض، و اشتراطه للعامل خاصة انما يكون في القرض، و للمالك خاصة انما يكون في البضاعة، و هذا لا يدل على حصول القراض بمجرد هذا الاشتراط كما يوهمه ظاهر الكلام المتقدم، و لا على حصول القرض كذلك (1).
____________
(1) قال في المسالك: و عقد القراض مركب من عقود كثيرة لأن العامل مع صحة التعدد و عدم ظهور ربح و دعى أمين، و مع ظهوره شريك و مع التعدي غاصب و في تصرفه وكيل و مع فساد العقد أجير. انتهى. أقول: الظاهر أن المراد أنه يترتب على هذا العقد من اللوازم باعتبار وجود بعض الأمور و عدم بعض ما يترتب على تلك العقود، لان تلك العقود حاصلة في ضمن العقد كما يشعر به ظاهر الكلام. منه (رحمه الله).
202
على أنه يمكن الاستدلال هنا بما رواه
في الكافي و التهذيب عن محمد بن قيس (1) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: قال أمير المؤمنين (ع): من اتجر مالا و اشترط نصف الربح فليس عليه ضمان،.
و قال: من ضمن تاجرا فليس له الا رأس ماله، و ليس له من الربح شيء».
و مثله
موثقة محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى على (عليه السلام) في تاجر اتجر بمال و اشترط نصف الربح فليس على المضارب ضمان.
و قال ايضا: «من ضمن مضاربة فليس له الا رأس المال، و ليس له من الربح شيء».
و التقريب فيهما أنه بمجرد تضمين المالك للمضارب يصير المال قرضا، و يخرج عن المضاربة، و ان لم يتقدم هناك عقد القرض أولا، و هو في معنى اشتراط الربح للعامل، فإن الأمرين من لوازم القرض.
قال في الوافي بعد نقل الخبرين المذكورين: أريد بالحديثين أن في المضاربة لا ضمان على العامل، فان اشترط عليه الضمان يصير قرضا انتهى. و مرجعه إلى أنه باشتراطه الضمان كأنه قصد أن المال يكون قرضا حينئذ، كما أنه باشتراط الربح للعامل خاصة كأنه قصد ذلك، و به يندفع الإيراد الثاني، و أما الأول فهو لازم.
و الكلام في هذا الكتاب يقع في مقاصد أربعة:
[المقصد] الأول: في العقد و ما يلحق به
، و فيه مسائل
الأولى [شروط عقد المضاربة]
- قال العلامة في
____________
(1) الكافي ج 5 ص 240 ح 3، التهذيب ج 7 ص 188 ح 16، الوسائل ج 13 ص 185 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 240 ح 3، التهذيب ج 7 ص 188 ح 16، الوسائل ج 13 ص 185 ح 4.
203
التذكرة: لا بد في هذه المعاملة من لفظ دال على الرضا من المتعاقدين، إذ الرضاء من الأمور الباطنية التي لا يطلع عليها الا الله تعالى، و هذه المعاملة كغيرها من المعاملات يشترط فيها الرضا للاية، و اللفظ الدال على الإيجاب أن يقول رب المال: ضاربتك أو قارضتك أو عاملتك على أن يكون الربح بيننا نصفين، أو أثلاثا، أو غير ذلك من الوجوه، بشرط تعيين الأكثر لمن هو منهما، و الأقل كذلك، و القبول أن يقول العامل قبلت أو رضيت أو غيرهما من الألفاظ الدالة على الرضاء بالإيجاب، و كذا الإيجاب لا يختص لفظا فلو قال: خذه و اتجر به على أن ما سهل الله في ذلك من ربح و فائدة يكون بيننا على السوية، أو متفاوتا جاز، و لا بد من القبول على التواصل المعتبر في سائر العقود، و هل يعتبر اللفظ؟
الأقرب العدم، فلو قال: خذ هذه الدراهم و اتجر بها على أن الربح بيننا على كذا، فأخذها و اتجر بها فالأقرب الاكتفاء به في صحة العقد، كالوكالة و يكون قراضا.
ثم نقل عن جملة من العامة أنه لا بد من القبول، بخلاف الوكالة، فإن القراض عقد معاوضة، فلا يشبه الوكالة التي هي اذن، ثم قال: و الوجه الأول.
أقول: قد عرفت في غير موضع مما تقدم سهولة الأمر في العقد، و أنه ليس الا ما دل على التراضي بتلك المعاملة، و ظاهر كلامه هنا و كذا كلام غيره الاكتفاء بما دل على الرضا، و ان كان فعلا في جانب القبول.
قال شيخنا الشهيد الثاني في الروضة: و في اشتراط وقوع قبوله لفظا أو جوازه بالفعل، قولان: لا يخلو ثانيهما من قوة، و بذلك يظهر لك ما في قوله: «فلا بد من القبول على التواصل المعتبر في سائر العقود» من التأمل، فإنه متى صح القبول بالفعل دون القول فلا معنى لاشتراط التواصل الذي هو عبارة عندهم
204
عن تعقيب الإيجاب بالقبول، و عدم الفصل بينهما، فان هذا انما يتجه فيما لو كان القبول لفظا، الا أن يراد أنه لا بد من التواصل و ان كان القبول فعلا، بأن يكون الأخذ بعد الإيجاب بلا فصل، و هو بعيد.
و بالجملة فإنه لا دليل على اعتبار هذه المقارنة، بل ربما دلت ظواهر جملة من الاخبار المشتملة على العقود على خلاف ذلك، و الأصل إناطة صحة العقد بالرضا، و الألفاظ الدالة عليه من الطرفين، فان ذلك غاية ما تدل عليه الآية و الروايات، و ما عداه من المقارنة المذكورة خال من الدليل، و لا خلاف بينهم في أن القراض من العقود الجائزة من الطرفين، و يؤيده أنه وكالة في الابتداء، ثم قد يصير شركة بعد العمل، و كل من الوكالة و الشركة من العقود الجائزة، و لا فرق في ذلك بين انضاض المال بمعنى صيرورته دراهم بعد أن كان عروضا، أو كان عروضا لم ينض، فلكل منهما فسخه و ان كان عروضا، و ليس لصاحب المال أن يكلف المضارب بإنضاض العروض بان يصيرها دراهم كالأول و ليس للمضارب أيضا أن يقول للمالك اصبر حتى ينض المال.
الثانية [في لزوم العمل بما شرط]:
في جملة من الشروط الواقعة في العقد، قال في التذكرة: يجب التنجيز في العقد، فلا يجوز تعليقه على شرط أو صفة مثل إذا دخلت الدار أو إذا جاء رأس الشهر فقد قارضتك، و كذا لا يجوز تعليق البيع و نحوه لأن الأصل عصمة مال الغير. انتهى.
أقول: لا يخفى ما في دليله من تطرق النظر إليه، فإن عموم الأدلة الدالة على جواز هذا العقد من آية و رواية شامل لما ذكره، فإنه تجارة عن تراض، و عقد المضاربة التي قدمنا نقله عنه في صدر الكتاب شامل له.
و بالجملة فإنه لا دليل يعتمد عليه في ما ذكره من البطلان بهذا الشرط، و الأصل عدمه و لو قال ضاربتك سنة بمعنى انه جعل أجلا للمضاربة لم تلزم
205
المضاربة في هذه المدة، بل لكل منهما فسخها قبل الأجل، و الشرط و العقد صحيحان، أما الشرط ففائدته المنع من التصرف بعد السنة، لأن جواز التصرف تابع للاذن عن المالك، و لا اذن بعد المدة المذكورة، و أما العقد فإنه لا مانع من صحته الا ما ربما يتوهم من هذا الشرط، و هو غير مناف لمقتضى العقد، إذ غايته أن التصرف ليس مطلقا بل محدود بوقت معين، و هو صحيح لما عرفت، و كذا لو قال له: ان مرت بك سنة فلا تشتر و بع، أو قال: فلا تبع و اشتر، فان العقد صحيح، و كذا الشرط لعين ما عرفت، من أن أمر البيع و الشراء منوط بنظر المالك و أمره، فله المنع منهما بعد السنة، أو من أحدهما بطريق اولى، و هذا بخلاف ما لو شرط اللزوم، بأن قال: على أنى لا أملك منعك، فان هذا الشرط مناف لمقتضى العقد، إذ مقتضاه كما عرفت الجواز، فيكون الشرط المذكور باطلا، و به يبطل العقد على المشهور من أن العقد المشتمل على شرط فاسد باطل، و شرط الأجل مرجعه الى تقييد التصرف بوقت خاص، و هو غير مناف لمقتضى العقد كما عرفت.
و لو شرط عليه أن لا يشترى الا من زيد، و لا يبيع الا على عمرو أولا يشتري إلا المتاع الفلاني، أو لا يسافر الا الى البلد الفلانية، أو لا يسافر بالكلية صح و وجب عليه العمل بالشرط فان خالف ضمن، لكن لو ربح كان الربح بينهما.
و يدل على ذلك جملة من الاخبار منها ما رواه
ثقة الإسلام و الشيخ عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الرجل يعطى المال مضاربة، و ينهى أن يخرج به فخرج قال: يضمن المال، و الربح بينهما».
و روى الحلبي (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال:
____________
(1) الكافي ج 5 ص 240 ح 2، التهذيب ج 7 ص 189 ح 836.
(2) المصدر ح 1، الوسائل ج 13 ص 181 ح 1 و 2.
206
في الرجل يعطى الرجل المال فيقول له: ائت أرض كذا و كذا و لا تجاوزها، و اشتر منها قال: فان جاوزها و هلك المال فهو ضامن، و ان اشترى متاعا فوضع فيه فهو عليه و ان ربح فهو بينهما».
و ما رواه من
الكافي عن ابى الصباح الكناني (1) في الحسن «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يعمل المال مضاربة قال: له الربح و ليس عليه من الوضيعة شيء، الا أن يخالف عن شيء مما أمره صاحب المال».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب عن أبى بصير (2) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يعطى الرجل مالا مضاربة و نهاه أن يخرج به الى أرض أخرى، فعصاه فقال: هو له ضامن، و الربح بينهما إذا خالف شرطه و عصاه».
و عن الحلبي (3) في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) «قال المال الذي يعمل به مضاربة له من الربح و ليس عليه من الوضيعة شيء، الا أن يخالف أمر صاحب المال».
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن أبى الصباح (4) «قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المضاربة يعطى الرجل المال يخرج به الى الأرض، و نهى أن يخرج به الى أرض غيرها، فعصى فخرج به الى أرض أخرى فعطب المال، فقال:
هو ضامن، و ان سلم فربح فالربح بينهما».
و ما رواه
الشيخ عن جميل (5) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل دفع الى رجل ما لا يشترى به ضربا من المتاع مضاربة، فذهب فاشترى به غير الذي أمره به، قال: هو ضامن، و الربح بينهما على ما شرط».
و هذه الرواية في طريقها معاوية بن حكيم، و هو و ان قال النجاشي:
____________
(1) الكافي ج 5 ص 241 ح 7.
(2) التهذيب ج 7 ص 187 ح 13.
(3) التهذيب ج 7 ص 187 ح 14.
(4) التهذيب ج 7 ص 189 ح 23، الفقيه ج 3 ص 143 ح 1 و هذه الرواية في الوسائل ج 13 ص 181.
(5) التهذيب ج 7 ص 193 ح 39، الفقيه ج 3 ص 143 ح 1 و هذه الرواية في الوسائل ج 13 ص 182.
207
انه ثقة جليل، الا أن الكشي قال: انه فطحي، و هو عدل عالم، و بذلك يظهر لك ما في قول المحقق الأردبيلي ان هذه الرواية أصح الروايات التي في هذا الباب.
و ما رواه
الشيخ عن الشحام (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في المضاربة إذا أعطى الرجل المال و نهى أن يخرج المال إلى أرض أخرى، فعصاه فخرج به، فقال: هو ضامن و الربح بينهما».
و هذه الاخبار على كثرتها و تعددها فقد اشتركت في الدلالة على أن الربح بينهما مع المخالفة، و ضمان العامل لو عطب المال أو حصلت فيه نقيصة، و هو لا يوافق قواعدهم.
و لهذا قال في المسالك: و لو لا النص لكان مقتضى لزوم الشرط فساد ما وقع مخالفا أو موقوفا على الإجازة، انتهى.
و توضيحه ما عرفت من أن القراض في معنى الوكالة، بل هو وكالة، و حينئذ فان لم يكن وكيلا في شراء عين فكيف يصح الشراء، و يترتب عليه حل الربح بينهما، و كذا فيما لو نهى عن السفر إلى جهة أو البيع أو الشراء على شخص بعينه، مع أنه في الوكالة لا تصح ذلك، فإنه متى وكل على أمر مخصوص و تجاوزه إلى أمر آخر غير ما وكل عليه فإنه يكون بيعه و شرائه باطلا، و كيف يستحق ربح عمل لم يكن مأذونا فيه، و لا مقارضا عليه، بل يكون آثما ضامنا مع أن الاخبار كما عرفت قد اتفقت على حل الربح، و أنه بينهما.
و هو مؤيد لما قدمناه في غير مقام من أن الواجب هو الوقوف على مقتضى الاخبار، و ان خالفت مقتضى قواعدهم، و من الجائز تخصيص قواعدهم بهذه
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 191 ح 32، الوسائل ج 13 ص 183 ح 11.
208
الاخبار، فيكون ما دلت عليه مستثنى من مقتضى تلك القواعد، كما قدمنا مثله مرارا.
و أما ما ارتكبه المحقق الأردبيلي هنا من الاحتمالات البعيدة، و التمحلات غير السديدة، فلا يخفى ما فيه على من تأمله، و تدبر ما في باطنه و خافية.
و لو اشترط أن يشترى أصلا يشتركان في نمائه كالشجر و الغنم و نحوهما، قيل: يفسد العقد، لان مقتضى عقد المضاربة التصرف في رأس المال بالبيع و الشراء، و تحصيل الربح بالتجارة، و من هنا استحق العامل حصته من الربح في مقابلة هذا العمل، و ما ذكر هنا ليس كذلك، لأن فوائده تحصل من غير تصرف بل من عين المال، و تردد بعضهم في الصورة المذكورة نظرا- الى ما ذكر مما يدل على البطلان- و الى أن حصول هذه الأشياء انما وقع بسبب سعى العامل، إذ لو لا شرائه لم يحصل النماء، و ذلك من جملة الاسترباح بالتجارة، فيكون صحيحا.
و ضعف الثاني بأن الحاصل بالتجارة هو زيادة القيمة لما وقع عليه العقد لا نماؤه الحاصل مع بقاء عين المال، و بأن المضاربة تقتضي معاوضتين، أحدهما بالشراء، و الأخرى بالبيع، و أقل ما يتحققان بمرة، و بها يظهر الربح.
و التحقيق أن الفرع المذكور لما كان غير منصوص، فالحكم فيه بأحد الوجهين مشكل، و البناء على هذه العلل الاعتبارية مجازفة في الأحكام الشرعية المطلوب فيها العلم و اليقين بالاستناد إلى السنة النبوية، أو الكتاب المبين، و لا سيما مع تعارضها و تدافعها كما عرفت.
ثم انه على تقدير القول بفساد المضاربة، الظاهر أنه لا مانع من صحة الشراء المذكور، لدخوله تحت إطلاق الإذن للعامل بالبيع و الشراء، فيكون
209
النماء الحاصل بأجمعه للمالك، و عليه أجرة المثل للعامل، و يحتمل البطلان بالنظر الى أنه مأذون في البيع و الشراء الذي يقع في المضاربة بأن يترتب عليه الربح لا مطلقا، بحيث يشمل ما وقع هنا هذا.
و ينبغي أن يعلم ان الممتنع على القول به انما هو مع انحصار الربح في النماء المذكور، كما يقتضيه هذه المعاملة، و الا فلا مانع من كون النماء بينهما مع عدم انحصار الربح فيه على بعض الوجوه، بأن يشترى شيئا له غلة، فظهرت غلته قبل أن يبيعه، فإن الغلة تكون من جملة الربح الذي يحصل بعد البيع و يكون الجميع بينهما على ما شرطاه و الله العالم.
الثالثة [في أن للعامل أن يتولى ما يتولاه المالك]:
متى صحت المضاربة فللعامل تولى ما يتولاه المالك من عرض القماش و نشره و طيه و إحرازه، و بيعه و قبض ثمنه، و الاستيجار على نقله أن احتيج اليه، و دفع الأجرة في ما جرت العادة بدفعها فيه، كالدلال و الحمال، و اجرة الكيل و الوزن، و نحو ذلك، و الوجه فيه أنه لما كانت المضاربة معاملة على المال لتحصيل الربح كان إطلاق العقد مقتضيا لفعل ما يتولاه المالك لو باشر ذلك بنفسه من هذه الأشياء، و كلما لم تجر العادة بالاستيجار عليه لو استأجر عليه، فالأجرة من ماله لا يلحق المالك منها شيء، حملا للإطلاق على المتعارف و ما جرت العادة بالاستيجار عليه لو عمله بنفسه فهو متبرع، لا يستحق عليه أجرة.
و لو قصد بالعمل الأجرة بأن يأخذ الأجرة كما يأخذ غيره ففي استحقاقه لها احتمال قوى، خصوصا على القول بأن للوكيل في البيع أن يبيع على نفسه، و في الشراء أن يشترى لنفسه، فيكون له أن يستأجر نفسه أيضا، و لكن إطلاق الأصحاب يقتضي العدم، و هو الأحوط و أما لو أذن له المالك في ذلك زال الاشكال.
و الله العالم.
210
الرابعة [نفقة السفر من رأس المال]:
المشهور بين الأصحاب أن جميع ما ينفقه في السفر للتجارة من رأس المال سواء كانت النفقة زيادة على نفقة الحضر أو ناقصة أو مساوية، و كل ما يحتاج إليه للأكل و الشرب لنفسه و دوابه و خدامه حتى القرب و الجواليق و نحوهما، الا أنها بعد انتهاء السفر و الاستغناء عنها يكون كل ذلك من أصل المال، سواء حصل له ربح أم لا.
و قيل: انه لا يخرج من أصل المال، الا ما زاد على نفقة الحضر، للإجماع على أن نفقة الحضر على نفسه، فما ساواه في السفر يحتسب أيضا عليه، و الزائد على ذلك من مال القراض، و أيد ذلك بعضهم بأنه انما حصل بالسفر الزيادة لا غير، اما غيرها فسواء كان مسافرا أم حاضرا لا بد منها، فلا يكون من مال القراض.
و قيل: ان نفقة السفر كلها على العامل كنفقة الحضر، و علل بأن الربح مال المالك، و الأصل أن لا يتصرف فيه الا بما دل عليه الاذن، و لم يدل الا على الحصة التي عينها للعامل، و هو لم يدخل في العمل الا على هذا الوجه، فلا يستحق سواه.
و يدل على القول الأول ما رواه
الكليني في الصحيح «عن على بن جعفر (1) عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: في المضارب ما أنفق في سفره فهو من جميع المال، فإذا قدم بلده فما أنفق من نصيبه».
و عن السكوني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): في المضاربة» الحديث.
و رواه في الفقيه (3) مرسلا «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): مثله» و به يظهر قوة القول المشهور، و أنه المؤيد المنصور، فلا يلتفت الى هذه التخريجات الضعيفة، و التعليلات السخيفة كما عرفت في غير مقام.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 241 ح 5.
(2) الكافي ج 5 ص 241 ح 5.
(3) الفقيه ج 3 ص 144 الحديث 5 و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 187 باب 6.
211
تنبيهات:
الأول: المراد بالسفر
هنا هو السفر العرفي لا الشرعي، و هو ما يجب فيه القصر، فلو كان السفر قصيرا أو أقام في الطريق و أتم الصلاة فنفقة تلك المدة من أصل المال، الا أنه يجب الاقتصار في ذلك على ما يحتاج إليه التجارة، فلو أقام زيادة على ما يحتاج اليه كان الزائد عليه.
الثاني [المراد بالنفقة]:
قد عرفت أن المراد بالنفقة ما يحتاج اليه من مأكول و ملبوس و مشروب له، و لمن في صحبته ممن يتوقف عليه سفره و آلات السفر و أجرة المسكن، و نحو ذلك، و يراعى فيها ما يليق بحاله شرفا و ضعة و وسطا على وجه الاقتصاد، فلو أسرف حسب عليه، و ان قتر على نفسه لم يحتسب له، لأن الذي له ما أنفق على الوجه المتقدم، و بعد العود من السفر، فما بقي من أعيان النفقة، و لو من الزاد يجب رده الى مال التجارة أو تركه وديعة عنده الى أن يسافر ان كان ممن يتكرر سفره، و لم يكن بيعه أعود على التجارة من تركه.
الثالث: لو شرط المالك على العامل عدم النفقة
لم يجز له الإنفاق من المال اتفاقا، و لو أذن له في الإنفاق بعد ذلك فهو تبرع محض، و قد عرفت أنه مع الإطلاق فالأشهر الأظهر ثبوتها، فلو شرطها و الحال هذه كان ذلك تأكيدا و مخرجا من الخلاف المتقدم، و ان كان ضعيفا كما عرفت، و على هذا فهل يشترط تعيينها حينئذ حذرا من الجهالة في الشرط الذي هو جزء من العقد، فتسرى الجهالة إلى العقد و يؤيده اشتراط نفقة الأجير حيث لا يثبت على المستأجر، فإنه لا بد من تعيينها كما ذكروه أم لا؟ نظرا الى أن الأشهر الأظهر كما عرفت ثبوتها بمجرد العقد مع عدم اعتبار وجوب ضبطها فلا يجب ضبطها بالشرط إذ لا يزيد الثبوت بالاشتراط على الثبوت بالأصل إشكال، و لعل الثاني أقوى و رجح في المسالك الأول.
212
الرابع [لزوم النفقة و لو مع عدم الربح]:
قد عرفت أنه لا يشترط بالنفقة وجود ربح بل ينفق من أصل المال، و ان قصر المال و لم يكن ربح لكن لو حصل الربح فإنه تخرج النفقة منه مقدمة على حق العامل.
الخامس [اشتراط الإذن في السفر في لزوم النفقة]:
ما ذكرنا من وجوب النفقة مخصوص بالسفر المأذون فيه، فلو سافر الى غيره اما بتجاوز السفر المأذون فيه الى مكان غير مأذون فيه أو الى جهة غير جهة السفر المأذون فيه فلا نفقة له، و ان كانت المضاربة صحيحة و الربح بينهما كما عرفت آنفا.
السادس: لو تعدد أرباب المال
الذي في يده بأن كان بعضه له مثلا، و بعضه لزيد، و بعضه لثالث، و هكذا. قسطت النفقة على حسب المال، فلو كان نصف المال للعامل، و نصفه للمالك كانت النفقة انصافا، و هكذا. هذا هو الأظهر الأشهر.
و قيل: بأن التقسيط بنسبة العملين اى ما يعمله لكل واحد من أصحاب المال، ورد بأن استحقاق النفقة في مال المضاربة منوط بالمال، و لا ينظر الى العمل، قالوا: و لا فرق في التقسيط بين أن يكون قد شرطها على كل واحد منهما أو أطلق، بل له نفقة واحدة عليهما على التقديرين، لان ذلك منزل على اختصاص المشروط عليه بالعمل.
هذا مع جهل كل واحد منهما بالاخر، أما لو علم صاحب القراض الأول بالثاني، و شرط على ماله كمال النفقة جاز، و اختصت به، و لا شيء على الثاني.
السابع: لو اتفق موته أو مرضه في السفر
كان ما ينفق في ذلك من ماله، إذ لا تعلق لذلك بالتجارة، و استثنى بعضهم ما لو كان معلوما أنه لو كان في بلده لم يمرض، أو أن مؤنة مرضه يكون في الحضر، و في بلده أرخص منها في تلك البلد، قال فيمكن حينئذ احتساب الزيادة من مال المضاربة.
213
الثامن: لو سافر بالمال للمضاربة فاتفق عزله في السفر
، و انتزع المال منه كانت نفقة الرجوع عليه، لأنه إنما استحق النفقة في السفر للمضاربة، و قد ارتفعت بالفسخ و عزله عنها.
و ما توهمه بعض العامة من حصول الضرر عليه مردود، بأن دخوله في عقد يجوز فسخه كل وقت قدوم منه على ذلك، و هذا القائل أثبت له نفقة الرجوع لما ذكره و فيه ما عرفت. و الله العالم.
الخامسة [في بيان مقتضى إطلاق الإذن]:
قد صرح جملة من الأصحاب بأن مقتضى إطلاق الاذن في المضاربة هو البيع نقدا بثمن المثل من نقد البلد، فلو خالف لم يمض الا مع اجازة المالك، و كذا مقتضى الإطلاق هو ان يشترى بعين المال، فلو اشترى في الذمة لم يصح الا مع الإجازة.
و تفصيل الكلام في هذه الجملة أن يقال انه لما كان عقد المضاربة محمولا على ما هو المتعارف في التجارة و الموجب لتحصيل الربح وجب قصر تصرف العامل على ما يوجب حصول الغاية المذكورة.
قال في التذكرة: لما كان الغرض الأقصى من القراض تحصيل الربح، و الفائدة وجب أن يكون تصرف العامل مقصورا على ما يحصل هذه الغاية الذاتية و ان يمنع من التصرف المؤدي الى ما يضادها فينفذ تصرفه بما فيه الغبطة و الفائدة، كتصرف الوكيل للموكل لأنها في الحقيقة نوع وكالة، و ان كان له أن يتصرف في نوع مما ليس للوكيل التصرف به تحصيلا للفائدة، فإن له أن يبيع بالعروض، كما له أن يبيع بالنقد بخلاف الوكيل، فان تصرفه في البيع انما هو بالنقد خاصة، لأن المقصود من القراض الاسترباح، و البيع بالعروض قد يكون وصلة اليه و طريقا فيه، و أيضا له أن يشترى المعيب إذا رأى فيه ربحا بخلاف
214
الوكيل. انتهى.
و حينئذ فليس له البيع الا نقدا لما في النسية من التغرير بمال المالك و جعله في معرض التلف، كما في الوكالة، مع أنه يمكن أن يكون في بعض الأحوال حصول الربح في جانب النسية مع المصلحة و أمن التلف، الا أنهم منعوا من ذلك مطلقا، و كأنهم بنوا على أن الأغلب في مثل ذلك التلف، و التعرض له محل خطر و تغرير، و كذا ليس له البيع الا بثمن المثل، و هو ظاهر، لان البيع بدونه تضييع على المالك، مع أنه يمكن حصول الزائد، و أما البيع بنقد البلد فلان الإطلاق في الوكالة انما ينصرف اليه، و القراض في معناه، فلذا أطلقوا الحكم هنا.
و فيه أن القراض قد يفارق الوكالة في بعض الموارد، لان القرض المطلوب به تحصيل الربح قد يتفق في غير نقد البلد كالعروض، و اليه يميل كلام الشهيد الثاني في المسالك، فيجوز البيع بغير نقد البلد مع ظهور الغبطة، و حصول المصلحة لأنها هي المدار في القراض و هو الظاهر من كلام التذكرة المذكور، و تردد في القواعد.
و بالجملة فإنه لما كان المدار في القراض انما هو تحصيل الربح و الفائدة فينبغي أن يترتب الجواز عليه، سواء كان في البيع بالعروض التي هي غير نقد البلد، أو في البيع بالنسية التي ليست نقدا، بل يمكن أيضا في البيع بأقل من ثمن المثل إذا اقتضته المصلحة، و ترتبت عليه الغبطة، بأن يبيع بأقل من ثمن المثل، و يشترى مالا فيه ربح كثير، فإطلاق الجماعة المذكورة أن إطلاق الاذن في المضاربة يقتضي الأمور المذكورة محل تأمل كما ظهر لك، و الحمل على الوكالة غير مطرد كما عرفت من كلامه في التذكرة.
و العجب انهم اعترفوا بذلك في شراء المعيب، فجوزوا للعامل شراء
215
المعيب إذا رأى الغبطة في شراءه بحصول الربح فيه، حيث أنه المدار في القراض مع أن ذلك لا يجوز للوكيل، و حينئذ فالواجب بمقتضى ذلك هو دوران الحكم جوازا و منعا مدار الغرض المذكور وجودا و عدما، هذا كله مع إطلاق الاذن.
أما لو أذن له في شيء من هذه الأمور خصوصا أو عموما كتصرف حيث شئت، و بع بما أردت، و اعمل بحسب رأيك و نظرك، فالظاهر حينئذ هو الجواز في جميع ما ذكرناه (1).
أما قوله في المسالك أنه يجوز له البيع بالعروض قطعا و أما النقد و ثمن المثل فلا يخالفهما الا بالتصريح، فانى لا أعرف له وجها وجيها مع دخوله في الإطلاق المذكور، سيما مع ظهور الغبطة، كما شرحناه آنفا.
و كيف كان فإنه يستثني من ثمن المثل نقصان ما يتسامح الناس به عادة فلا يدخل تحت المنع.
ثم انه لو خالف العامل ما دل عليه اللفظ بخصوصه أو إطلاقه، فهل يقع العقد باطلا أم صحيحا موقوفا على اجازة المالك، المشهور الثاني، بناء على ما هو المشهور بينهم من صحة البيع الفضولي، و ان لزومه موقوف على اجازة المالك، و حينئذ فإن أجاز نفذ البيع و لزم فعلى تقدير كون البيع نسية فان حصل الثمن فلا اشكال و الا ضمن العامل الثمن للمالك لثبوته بالبيع الصحيح
____________
(1) أقول: و يؤيد ما ذكرناه، ما صرح به العلامة في المختلف حيث قال: قال الشيخ في المبسوط: إذا دفع اليه مالا قراضا و قال له اتجر به أو قال: اصنع ما ترى أو تصرف كيف شئت فإنه يقتضي أن يشترى بثمن مثله، نقدا بنقد البلد، و الوجه عندي أن له البيع كيف شاء سواء كان بثمن المثل أم لا، و بنقد البلد أو لا، و حالا أو لا، لانه جعل المشية إليه. نعم انه منوط بالمصلحة انتهى، و هو ظاهر فيما قلناه و قد وفقني الله سبحانه للوقوف عليه بعد ذكرنا ما ذكرناه في الأصل فنقلنا كلامه في الحاشية و هو من نوادر الخاطر، منه (رحمه الله).
216
لا القيمة، و ان لم يجز المالك ذلك وجب استرداد المبيع مع إمكانه فلو تعذر ضمن قيمة المبيع ان كان قيميا أو مثله ان كان مثليا، لا الثمن المؤجل و ان كان أزيد من القيمة، و لا التفاوت في صورة النقيصة، لأنه مع عدم اجازة المالك البيع يكون البيع باطلا، فيضمن للمالك عين ماله الذي تعدى فيه و سلمه من غير إذن شرعي، هكذا قالوا (رضى الله عنهم).
و فيه ما حققناه سابقا في كتاب البيع في مسئلة البيع الفضولي (1) من الإشكالات التي أوردناها عليهم في هذا المقام، هذا كله مع القول بصحة العقد الفضولي.
و أما على ما اخترناه من القول ببطلانه كما قدمنا تحقيقه ثمة فالأمر واضح، و أما اقتضاء الإطلاق الاشتراء بعين المال فلان المضاربة إنما وقعت على ذلك المال و الوكالة التي اقتضتها المضاربة انما تعلقت بذلك المال، و الربح الذي اشترطه العامل انما تعلق بذلك المال.
و أيضا فإنه ربما يتطرق التلف الى رأس المال، فتبقى عهدة الثمن متعلقة بالمالك، و قد لا يمكنه الخروج منها، و على هذا فلو اشترى في الذمة من غير اذن المالك وقف على اجازة المالك بناء على ما تقدم من الحكم بصحة البيع الفضولي و لو اشترى في الذمة و لم يعين العقد لا للمالك و لا لنفسه وقع الشراء له ظاهرا و باطنا، و ان عينه لنفسه تعين له أيضا و ان عينه للمالك فإنه مع الاذن لازم، و بدونه فهو كما عرفت أولا يكون موقوفا على اجازة المالك، بناء على صحة البيع الفضولي، و أن عين المالك بنية وقع للعامل ظاهرا و تمام تحقيق الكلام في المقام يأتي إنشاء الله في كتاب الوكالة و الله العالم.
____________
(1) ج 18 ص 376.
217
السادسة [في بطلان المضاربة بموت كل منهما]:
لا خلاف بين الأصحاب فيما أعلم في أنه مع موت كل منهما تبطل المضاربة، لان بالموت يخرج المال عن ملك المالك و يصير للورثة، فلا يجوز التصرف بالإذن الذي كان من المورث، بل لا بد من اذن الوارث، هذا مع موت المالك.
و أما مع موت العامل فلان المأذون له في المضاربة كان هو العامل لا وارثه فلا يجوز لوارثه التصرف إلا بإذن جديد، و هو المراد من بطلان المضاربة هنا، و لأنها أيضا من العقود الجائزة فتبطل بما تبطل به من موت كل منهما أو جنونه أو إغمائه أو الحجر عليه للسفه.
ثم ان كان الميت هو المالك، فان كان المال ناضا لا ربح فيه أخذه الوارث، و ان كان فيه ربح اقتسمه العامل مع الورثة، و تقدم حصة العامل على الغرماء، لو كان على الميت ديون مستوعبة لملكه لحصته من الربح، بظهوره، فكان شريكا للمالك، و لان حقه متعلق بعين المال لا بذمة المالك، و ان كان المال عروضا فللعامل بيعه رجاء الربح، و الا فلا، و للوارث إلزامه بالإنضاض، و سيأتي تحقيق الكلام في ذلك إنشاء الله تعالى في مسئلة الفسخ.
و ان كان الميت هو العامل، فان كان المال ناضا و لا ربح أخذه المالك، و ان كان فيه ربح دفع الى الورثة حصة مورثهم منه، و لو كان عروضا و احتيج الى البيع و التنضيض فان أذن المالك للوارث في ذلك جاز، و الا عين له الحاكم أمينا يبيعه، فان ظهر فيه ربح أوصل حصة الوارث اليه، و الا سلم الجميع الى المالك و الله العالم.
المقصد الثاني في مال القراض:
و البحث يقع فيه في مواضع
الأول [في اشتراط كون مال القراض عينا]
لا خلاف بين الأصحاب في أنه يشترط في مال القراض أن يكون عينا لا دينا و ان يكون دراهم أو دنانير، و نقل في
218
التذكرة الإجماع على ذلك.
أقول: و يدل على كونه عينا لا دينا ما رواه
المشايخ الثلاثة عن السكوني (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): في رجل له على رجل مال فتقاضاه و لا يكون عنده ما يقتضيه، فيقول: هو عندك مضاربة، قال:
لا يصلح حتى يقبضه منه».
و هو صريح في المطلوب و لا يضر ضعف السند خصوصا مع تلقى الأصحاب له بالقبول و إجماعهم على ذلك.
و مثله ما لو أذن للعامل في قبضه من الغريم، فإنه لا يخرج بذلك عن كون المضاربة قد وقعت بالدين، الا أن يجدد العقد بعد القبض.
و أما اشتراط كونه دراهم أو دنانير فقد اعترف جملة من الأصحاب بأنهم لم يقفوا له على دليل غير الإجماع المدعى في المقام، و الظاهر أنه كذلك، حيث انا لم نقف بعد الفحص و التتبع على دليل من النصوص على ذلك، و تردد المحقق في الشرائع في الجواز بالنقرة، و هي بضم النون القطعة المذابة من الذهب و الفضة.
قال في المسالك: و منشأ التردد فيها من عدم كونها دراهم و دنانير الذي هو موضع الوفاق، و من مساواتها لهما في المعنى، حيث أنها من النقدين، و انما فاتها النقش و نحوه، و انضباط قيمتها بها و أصالة الجواز، ثم قال: و هذا كله يندفع لما ذكرناه من اتفاقهم على اشتراط إحديهما، و مع ذلك لا نعلم قائلا بجوازه بها، و انما ذكرها المصنف مترددا في حكمها، و لم ينقل غيره فيها خلافا، و إذا كانت المضاربة حكما شرعيا فلا بد من الوقوف على ما ثبت الاذن فيه شرعا، و ربما أطلقت النقرة على الدراهم المضروبة من غير سكة، فإن صح هذا الاسم كان التردد من حيث أنها قد صارت دراهم و دنانير: و انما تخلفت السكة و هي وصف في النقدين، و ربما لا يقدح خصوصا إذا تعومل بهما على ذلك الوجه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 240 ح 4، التهذيب ج 7 ص 192 ح 34 الفقيه ج 3 ص 144 ح 4 الوسائل ج 13 ص 187 باب 5.
219
و مما تقدم من وجوه المنع، انتهى و هو جيد.
أقول: لا يخفى أن من لا يلتفت الى دعوى مثل هذه الإجماعات، لعدم ثبوت كونها دليلا شرعيا فإنه لا مانع عنده من الحكم بالجواز في غير النقدين نظرا الى عموم الأدلة الدالة على جوازه، و تخصيصها يحتاج الى دليل شرعي، و ليس فليس.
قالوا تفريعا على ما تقدم: فلا يصح المضاربة بالفلوس، و لا بالدراهم المغشوشة، سواء كان الغش أقل أو أكثر، و لا بالعروض (1) و أنت خبير بما فيه بعد ما عرفت، حيث أنه لا مستند لهم هنا أيضا سوى دعوى الإجماع.
و لكن ينبغي تقييد المنع من الدراهم المغشوشة بما لو كان التعامل بها ساقطا، و الا فلو جرت في المعاملة فإنه لا مانع من المضاربة بها.
قال في المسالك: هذا إذا لم يكن متعاملا بالمغشوش، فلو كان معلوم الصرف بين الناس جازت به المعاملة، و صح جعله مالا للقراض، سواء كان الغش أقل أو أكثر، انتهى.
الثاني [حكم دفع آلة الصيد بحصة منه]:
قالوا: لو دفع آلة الصيد كالشبكة بحصة من الصيد كان الصيد للصائد و عليه أجرة الإله، و ذلك لان هذه المعاملة ليست بمضاربة إذ المضاربة كما هو المجمع عليه عندهم انما يكون بالدراهم و الدنانير، و لان مقتضى المضاربة التصرف في عين المال المدفوع، و إتلافه بالبيع أو الشراء، و هنا ليس كذلك، لا بالنسبة إلى الأول و لا الثاني. و ليس أيضا بشركة، لأنها هنا مركبة من شركة
____________
(1) العروض بضم العين جمع عرض بفتحها و سكون الراء و فتحها أيضا هو المتاع و كل شيء غير النقدين كما ذكره في القاموس، و حكى الجوهري عن أبى عبيد أن العروض هي التي لا يدخلها كيل و لا وزن، و لا تكون حيوانا و لا عقارا، و ظاهر، إطلاقات الفقهاء في هذه الأبواب على المعنى الأول فإنهم يقابلون بها النقدين كما لا يخفى على المتتبع منه (رحمه الله).
220
الأبدان و غيرها، و قد تقدم بطلانها مع تميز مال صاحب الشبكة، و عدم حصول الشركة فيه، و ليست أيضا بإجارة، و هو ظاهر.
ثم ان الحكم هنا بكون الصيد للصائد خاصة يبنى على عدم تصور التوكيل في تملك المباح، كما هو أحد القولين، و الا فإنه يصير الصيد مشتركا بينهما حسبما يراه الصائد، و قد تقدم الكلام في ذلك في المسئلة الثالثة من الفصل الثالث في اللواحق من الكتاب المتقدم (1) و احتمال أنه انما قصد الصيد لنفسه، و لم ينو مشاركة الأخر بعيد، فان الظاهر أن دخوله انما كان على جهة الشركة.
قال في المسالك: و حيث يكون الصيد لهما فعلى كل منهما من أجرة مثل الصائد و الشبكة بحسب ما أصابه من الملك.
أقول: قد مر توضيح ذلك في المسئلة الثانية من الفصل المتقدم ذكره من الكتاب المتقدم (2)، و مرجعه الى أن لكل منهما أجرة المثل فيرجع كل منهما على الأخر بما يخصه من ذلك.
الثالث [في اعتبار معلومية مقدار مال القراض و لو مشاعا]:
لا اشكال و لا خلاف فيما إذا كان مال القراض معلوم المقدار معينا و ان كان مشاعا، لان المشارع معين في نفسه مع كونه جامعا لباقي الشرائط، و لا فرق بين أن يكون العقد مع الشريك أو غيره، و لو كان مشاهدا مع كونه مجهولا قيل: لا يصح للجهالة، و قيل: بالصحة لزوال معظم الضرر بالمشاهدة، بل حكى في المختلف عن المشهور القول بجواز المضاربة بالجزاف و ان لم يكن مشاهدا محتجا بالأصل، و
قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «المؤمنون عند شروطهم» (3).
____________
(1) ص 189.
(2) ص 187.
(3) التهذيب ج 7 ص 371 ح 1503، الاستبصار ج 3 ح 835، الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
221
أقول: قال الشيخ في الخلاف: لا يصح القراض إذا كان رأس المال جزافا (1) لان القراض عقد شرعي يحتاج الى دليل شرعي، و ليس في الشرع ما يدل على صحة هذا القراض، فوجب بطلانه، و الظاهر أنه هو المشهور.
و قال في المبسوط: يبطل، و قال قوم يصح، و يكون القول قول العامل في قدره، فإن أقاما بينتين كان الحكم لبينة المالك، لأنها بينة الخارج، قال: و هذا هو الأقوى عندي.
قال في المختلف: و ما قواه الشيخ هو الأجود، لنا الأصل الصحة،
و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «المؤمنون عند شروطهم».
و قد وجد شرط سائغ فيحكم به، انتهى.
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ترجيح الأول من حيث الجهالة، و ظاهر المحقق الأردبيلي الميل الى الثاني، لعموم الأدلة، و عدم الدليل الواضح على المنع، و المسئلة محل توقف لعدم الدليل الواضح على الجواز، و التعلق بإطلاق الأدلة مردود بما عرفت في غير مقام مما تقدم، من أن الإطلاق يجب حمله على الافراد المتعارفة المتكررة الشائعة، و ذلك انما هو مع التعين، و معلومية المقدار، و عدم تطرق الجهالة بوجه من الوجوه.
و كيف كان فإنه لا إشكال في كون القول قول العامل بيمينه لو اختلفا في قدره، صحت المضاربة أم بطلت، لانه منكر، و مقتضى القاعدة تقديم قوله بيمينه، و مع وجود البينتين و تعارضهما فان الحكم لبينة المالك، لانه المدعى
____________
(1) قال في التذكرة: لا يصح القراض على الجزاف و ان كان مشاهدا له مثل قبضة من ذهب أو فضة مجهولة القدر أو كيس من الدراهم مجهول القدر سواء شاهده العامل و المالك أو لا، و به قال الشافعي، لعدم إمكان الرجوع اليه عند المناضلة فلا بد من الرجوع الى رأس المال عندها، و أن جهالة رأس المال يستلزم جهالة الربح، و قال أبو حنيفة:
يجوز أن يكون رأس المال مجهولا و يكون القول قول العامل بيمينه الا أن يكون لرب المال بينة فبينة رب المال أولى انتهى، منه (رحمه الله).
222
و مقتضى القاعدة تقديم قوله ببينته، و كذا لا ينعقد القراض بناء على ما قدمنا لو أحضر مالين معدودين، فقال: قارضتك بأيهما شئت، لانتفاء التعيين الذي هو شرط في صحة العقد، كما عرفت، و لا فرق بين أن يكون المالان متساويين جنسا و قدرا أو مختلفين، خلافا لبعض العامة، حيث جوزه مع التساوي، و ظاهر المحقق المتقدم ذكره الميل الى الجواز هنا أيضا استنادا الى عموم الأدلة، و فيه ما عرفت.
الرابع: لو أخذ مالا للمضاربة مع عجزه عنه
بمعنى أنه يعجز عن تقليبه في التجارة و البيع و الشراء به لكثرته، قالوا: لا يخلو اما أن يكون المالك عالما بعجزه، أو جاهلا بذلك، فان كان الثاني فإنه يضمن، لانه مع علمه بنفسه و أنه يعجز عن ذلك يكون واضعا يده على المال على غير الوجه المأذون له فيه، فإنه إنما دفع اليه ليعمل به في التجارة.
لكن هل يكون ضامنا للجميع أو القدر الزائد على مقدوره قولان: اختار أولهما في المسالك، و وجه الأول من عدم التميز و النهى عن أخذه على هذا الوجه و وجه الثاني من أن التقصير انما حصل بسبب الزائد، فيختص به، و ربما قيل:
انه ان أخذ الجميع دفعة، فالحكم الأول، و ان أخذ المقدور ثم أخذ الزائد و لم يمزجه به ضمن الزائد خاصة، و أورد عليه بأنه بعد وضع يده على الجميع عاجز عن المجموع من حيث هو مجموع، و لا ترجيح الان لأحد أجزائه، إذ لو ترك الأول و أخذ الزيادة لم يعجز.
أقول: لا يخفى ما في هذه التعليلات العليلة من عدم الصلوح لابتناء الأحكام الشرعية عليها، و الحكم غير منصوص، و به يظهر ما في الاستناد في عموم الضمان إلى النهى، و أى نهى هنا مع عدم نص في المسئلة، و كأنه أشار بهذا النهي الى ما ذكر من قوله يكون واضعا يده على المال غير الوجه المأذون فيه.
و فيه أنه يمكن تخصيصها بالزائد لأنه هو الذي حصل فيه العجز، فيكون
223
هو الغير المأذون فيه، و أما ما كان يمكن العمل به فإنه يكون مأذونا فيه.
و بالجملة فالحكم لا يخلو من شوب الاشكال لما عرفت لعدم الدليل الواضح.
قالوا: و لو كان المالك عالما بعجزه لم يضمن، اما لقدومه على الخطر، أو أن علمه بذلك يقتضي الإذن له في التوكيل.
أقول: و فيه بالنسبة إلى التعليل الأول ما في سابقه من الإشكال، إذ من الممكن أن يكون عالما بعجزه، لكن يجوز حصول القدرة له بعد ذلك بوجود من يساعده، أو بتجدد بعض الأسباب الموجبة للقدرة، و مع عدم إمكان ذلك فانا لا نسلم أنه بمجرد علمه بعدم القدرة مع أنه انما دفعه إليه لأجل المعاملة به، و تحصيل الربح و النفع ينتفي عنه الضمان، إذ لا أقل أن يكون في يده كالأمانة، و مجرد دفعه له على هذا الوجه لا يستلزم جواز فواته على مالكه، لان المدفوع اليه عاقل مكلف أمين ليس بمجنون و لا سفيه، حتى يكون المالك قد فرط بدفعه اليه، و لكن قد تقدم لهم مثل هذا الكلام في مسئلة بيع الفضولي، و قد أوضحنا ما فيه (1).
قالوا: و حيث يثبت الضمان لا يبطل العقد، إذ لا منافاة بين الضمان و صحة العقد.
أقول: و يدل عليه ما تقدم في تلك الاخبار و عليه اتفاق الأصحاب من أنه مع المخالفة لما شرطه المالك فإنه يضمن، و الربح بينهما.
الخامس [في حكم مقارضة المالك الغاصب على مال المغصوب]:
لو كان له مال مغصوب في يد شخص و ذلك المال موجود معين معلوم القدر، فإنه يجوز عندهم أن يقارض عليه الغاصب مع استكمال باقي
____________
(1) و أما بالنسبة إلى التعليل الثاني فعدم الضمان عليه انما هو من حيث أنه مأذون في دفعه الى الغير ليعمل به، فلو حصل من ذلك الغير تفريط يوجب ذهاب المال مثلا فإن الأول لا يضمن من حيث الاذن في الدفع، و انما الكلام في الثاني فيراعى فيه حكم عامل المضاربة منه (رحمه الله).
224
الشروط، و الظاهر أن الحكم اتفاقي عند الأصحاب، إذ لم أقف على نقل خلاف في المسئلة و الظاهر أنه لا إشكال في ذلك المضاربة، و كذا لا اشكال و لا خلاف في أنه متى وقعت المضاربة و اشترى العامل و هو الغاصب بذلك المال المغصوب عروضا و دفعه عن قيمتها، فإنه تبرئ ذمته من الضمان الثابت عليه بالغصب، لانه قضى دين المالك بإذنه.
إنما الخلاف في انه هل تبرئ ذمته بمجرد عقد المضاربة أم لا؟ الظاهر أن المشهور الثاني، و بالأول صرح العلامة و ولده في الشرح، قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: و وجه بقاء الضمان أنه كان حاصلا قبل و لم يحصل ما يزيله، لان عقد القراض لا يلزمه عدم الضمان، فإنه قد يجامعه بأن يتعدى فلا ينافيه، و
لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «على اليد ما أخذت حتى تؤدى».
و حتى لانتهاء الغاية، فيبقى الضمان إلى الأداء اما الى المالك، أو من أذن له، و الدفع إلى البائع مأذون فيه، فيكون من جملة الغاية. ثم نقل عن العلامة أنه استقرب زوال الضمان هنا، و تبعه ولده في الشرح، مستندا الى أن القراض أمانة، فصحة عقده يوجب كون المال أمانة، لأن معنى الصحة ترتب الأثر، و لانتفاء علة الضمان لزوال الغصب، و لانه أذن في بقائه في يده.
ثم اعترض عليه بأن معنى كون القراض أمانة من حيث أنه قراض، و ذلك لا ينافي الضمان من حيثية أخرى، كما لو كان غصبا لعدم المنافاة، فإن الضمان قد يجامعه كما إذا تعدى العامل، الى أن قال: اما اقتضاء العقد الاذن في القبض فضعفه ظاهر، لان مجرد العقد لا يقتضي ذلك، و انما يحصل الإذن بأمر آخر و لو حصل سلمنا زوال الضمان انتهى.
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 504.
225
أقول: قال العلامة في التذكرة (1) و هل يزول عن الغاصب ضمان الغصب بعقد المضاربة عليه أو بدفعة إلى بائع السلعة للقراض؟ أبو حنيفة و مالك على الأول، لأنه ماسك له باذن صاحبه، و الشافعي على الثاني لعدم التنافي بين القراض و ضمان الغصب كما لو تعدى فيه، و الوجه عندي الأول، لأن ضمان الغصب يتبع الغصب و الغصب قد زال بعقد القراض، فيزول تابعه انتهى.
و الظاهر أن الحق في المسئلة هو ما ذكره العلامة، و بيانه أنه لا ريب أن ترتب الضمان على الغصب- و وجوب الضمان على الغاصب- انما هو من حيث كون المقبوض كذلك بغير رضا المالك و لا أجازته، و حينئذ فلو فرض ان المالك رضى بالغصب و أجاز قبض الغاصب، لا يتعقبه ضمان و لا اثم، و بذلك يعلم أن الضمان و عدمه دائر مدار الرضا بالقبض و عدمه، و لا أظن أن شيخنا المذكور و لا غيره يخالف في شيء مما ذكرناه.
و حينئذ فإذا حصلت المضاربة بذلك المال المغصوب قد حصل الرضا بالقبض، فيزول موجب الضمان كما عرفت.
و أما قول شيخنا المذكور أنه لا مانع من اجتماع صحة القراض مع الضمان، و هو صحيح، الا أن ذكر ذلك هنا نوع مغالطة، فإنا لا نمنع ذلك، و لكنا نقول أن ثبوت الضمان متوقف على وجود سبب يقتضيه، و في ما ذكره السبب موجود، و هو المخالفة، و أما فيما نحن فيه فلا سبب له الا استصحاب الضمان وقت الغصب، و الاستصحاب هنا غير تام، لعروض حالة أخرى غير الحالة التي كان عليها وقت الغصب، و شرط العمل بالاستصحاب على تقدير تسليم حجيته أن لا يعرض ما يخالف العلة الاولى و يرفعها، و الأمر هنا على خلاف ذلك، لما عرفت من عدم الرضا
____________
(1) أقول: صورة كلام التذكرة إذا ثبت هذا فإذا اشترى شيئا للقراض و سلم المال المغصوب إلى البائع صح و برء من الضمان حيث سلمه باذن صاحبه، فإن المضاربة تضمنت تسليم المال إلى البائع في التجارة و هل يزول عن الغاصب الى آخر ما هو مذكور في الأصل منه (رحمه الله).
226
أولا و حصول الرضا ثانيا و قد عرفت أن ثبوت الغصب و عدمه دائر مدار الرضا و عدمه.
و أما قوله: ان مجرد العقد لا يقتضي ذلك، و انما يحصل الإذن بأمر آخر فلا يخفى ما فيه، اما أولا فلأنه قد تقدم في صدر الكتاب تعريف المضاربة بأنها عقد شرعي لتجارة الإنسان بمال غيره بحصة من الربح.
و من الظاهر أن ثبوت شرعية هذا العقد على الوجه المذكور لا تجامع الغصب، بل لا يكون الا مع الاذن و الرضا، فكيف لا يكون مجرد العقد متعينا للرضا بالقبض، و أيضا فإنه قال في المسالك في شرح قول المصنف و هو جائز من الطرفين: إذ لا خلاف في كون القراض من العقود الجائزة من الطرفين، و لأنه وكالة في الابتداء ثم قد يصير شركة و هما جائزان الى آخره، و حينئذ كيف يتم كون هذا العقد وكالة في الابتداء مع البقاء على الغصب كما يدعيه، بل اللازم من الحكم بكونه وكالة هو حصول الاذن و الرضا بالقبض، و الا فإنه لا يتم الحكم بكونه وكالة و هو ظاهر.
و اما ثانيا فانا لم نقف في كلام أحد منهم على اشتراط الإذن زيادة على العقد المذكور كما لا يخفى على من تتبع كلامهم، بل ظاهر كلامهم أن مجرد العقد مستلزم للإذن في التصرف، و ترتب سائر الأحكام.
و بالجملة فإن كلامه (رحمة الله عليه) هنا لا أعرف له وجها وجيها، و أما ثالثا فإنه لا يخفى أنه لما كان ثمرة هذا العقد، و الغرض منه انما هو التصرف في المال و العمل به، فكيف يتم وقوع هذا العقد من المالك مع عدم الرضا، و الاذن ما هذه الا سفسطة ظاهرة، و قد تقدم نظير هذه المسئلة في كتاب الرهن أيضا، و العجب من العلامة أنه في هذه المسئلة صرح بما نقلناه عنه من زوال الغصب بمجرد عقد المضاربة، و في الرهن اشترط الاذن في القبض زائدا على عقد الرهن، كما قدمنا نقله عنه ثمة، و المسألتان من باب واحد كما لا يخفى.
227
و الله العالم.
السادس [فروع في المقام]:
و هو يشتمل على فروع في المقام
الأول [حكم ما لو قال: بع- هذه السلعة فإذا نض ثمنها فهو قراض]
- قالوا: لو قال: بع هذه السلعة فإذا نض ثمنها فهو قراض كان باطلا، لان شرط صحة القراض أن يكون مال القراض عينا معينة مملوكة للمالك، و ما هنا ليس كذلك، فان ثمن السلعة حال العقد مجهول، و لأنه أمر كلي بعد البيع في ذمة المالك، و هو أيضا غير مملوك للمالك حال العقد، و أيضا فإن العقد معلق على شرط، و قد تقدم أنه لا يصح عندهم.
الثاني- لو مات رب المال و المال عروض في يد العامل
، و أقرّه الوارث على العقد الأول، فإنهم صرحوا بأنه لا يصح، لان العقد الأول بطل بالموت، كما تقدم من أنه من العقود الجائزة التي تبطل بالموت، فلا يصح الا بتجديد العقد من المالك الثاني، و التجديد أيضا غير جائز، لأنه لا بد في مال المضاربة أن يكون من النقدين، و الموجود الان عروض، فلا يصح المضاربة بها.
و لو مات رب المال و المال في يد العامل كان نقدا صح تجديد الوارث عقد القراض معه بلا اشكال، و هل يصح بلفظ التقرير؟ قيل: لا، لأنه يؤذن باستصحاب الأول و إمضائه، فإنه انما يقول له: قد تركتك على ما أنت عليه، أو أقررتك على ما كنت عليه، و الحال أن ما هو عليه قد بطل كما عرفت.
قال في المسالك: و الأقوى الصحة ان استفاد من اللفظ معنى الإذن، لأن عقد القراض لا ينحصر في لفظ كغيره من العقود الجائزة، و التقرير قد يدل عليه، انتهى.
و هو جيد. و في كلامه هنا كما ترى رد لما زعمه سابقا من أن عقد القراض لا يقتضي الإذن، بل انما يحصل الإذن بأمر آخر فإنه جعل مناط الصحة هنا في الاكتفاء بالتقرير عن تجديد العقد كونه يفيد ما يفيده العقد من الاذن، و هو ظاهر في بطلان كلامه الأول.
228
الثالث- لو اختلف العامل و المالك في قدر رأس المال
فمقتضى القاعدة أن القول قول العامل بيمينه، لانه ينكر قبض الزيادة، و المالك يدعي إقباضها و لا فرق في ذلك بين كون المال باقيا، أو تالفا بتفريط العامل، بل الحكم في الثاني بطريق أولى، فإن العامل حينئذ غارم، فالقول قوله في القدر.
قال في المسالك: هذا كله إذا لم يكن ظهر ربح، و الا ففي قبول قوله اشكال من جريان التعليل المذكور، و هو الظاهر من إطلاق المصنف، و من اقتضاء إنكاره لزيادة رأس المال توفير الربح، فيزيد حصته منه، فيكون ذلك في قوة اختلافهما في قدر حصته منه مع أن القول قول المالك فيه بيمينه، و لانه مع بقاء المال الأصل يقتضي كون جميعه للمالك، الى أن يدل دليل على استحقاقه الزائد، و مع تلفه بتفريط فالمضمون قدر مال المالك، و إذا كان الأصل استحقاق المالك لجميعه قبل التلف الا ما أقر به للعامل، فالضمان تابع للاستحقاق و هذا هو الأقوى، و ربما قيل: ان القول قول المالك الا مع التلف بتفريط مطلقا، و هو ضعيف جدا انتهى.
ثم انه كتب في الحاشية في بيان صاحب هذا القول: قال القائل به الامام فخر الدين في شرح القواعد.
المقصد الثالث في الربح:
و فيه مسائل-
الأولى [استحقاق المضارب من الربح ما وقع عليه الشرط]:
المشهور بين الأصحاب أن المضارب يستحق من الربح ما وقع عليه الشرط من النصف أو الثلث أو الربع أو غير ذلك، و هو اختيار الشيخ في الخلاف و المبسوط و الاستبصار، و قال في النهاية ان له أجرة المثل، و الربح بتمامه للمالك، قال: و قد روى أنه يكون للمضارب من الربح بمقدار ما وقع الشرط عليه من نصف أو ربع، أو أقل أو أكثر، و نقل هذا القول أيضا عن الشيخ المفيد، و سلار و ابن البراج.
229
و مرجع هذا الخلاف الى أن عقد المضاربة هل هو عقد شرعي صحيح أو باطل؟ و القول المشهور مبنى على الأول، و الثاني على الثاني.
و الأول هو المستفاد من الاخبار المتظافرة من طرق الخاصة و العامة، و به قال كافة العلماء من الطرفين الا ما ذكرناه، و قد تقدمت جملة من الاخبار الدالة على ذلك في المسئلة الاولى من المقصد الأول، و منها صحيحة محمد بن قيس (1) و موثقته المتقدمتان في صدر هذا الكتاب، و منها أيضا زيادة على ذلك
موثقة إسحاق بن عمار (2) عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن مال المضاربة؟
قال: الربح بينهما، و الوضيعة على المال».
و حسنة الكاهلي (3) عن أبى الحسن موسى (عليه السلام) «في رجل دفع الى رجل مالا مضاربة فجعل له شيئا من الربح مسمى. فابتاع المضارب متاعا فوضع فيه؟ قال: على المضارب من الوضيعة بقدر ما جعل له من الربح (4)».
احتج القائلون بالقول الثاني بأن النماء تابع للأصل بالأصالة، فيكون الربح للمالك، و لان هذه المعاملة معاملة فاسدة لجهالة العوض فتبطل، فيكون الربح لصاحب المال، و عليه أجرة المثل للعامل.
و الجواب أن جميع ما ذكروا ان كان هو مقتضى قواعدهم كما صرحوا به في غير موضع، الا أنه بعد استفاضة النصوص و تكاثرها كما عرفت بصحة هذه المعاملة، و فيها الصحيحة و غيرها مع عدم مخالف و لا مناقض فيها، فإنه يجب القول بصحة العقد،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 240 ح 3، التهذيب ج 7 ص 188 ح 16، الوسائل ج 13 ص 185 ح 2 و 4.
(2) المصدر ح 15، الوسائل ج 13 ص 186 ح 5.
(3) التهذيب ج 7 ص 188 ح 17، الوسائل ج 13 ص 186 ح 6.
(4) أقول: هذا الخبر بحسب ظاهره لا يخلو من الاشكال و نقل عن الشيخ أنه حمله على ما إذا كان المال بينهما شركة، و انما أطلق عليها المضاربة مجازا و الأقرب كما ذكره بعض مشايخنا المحققين من متأخر المتأخرين هو أن يكون المراد أنه حصل ربح ثم بعد ذلك وضيعة فإنه ينقص من ربح كل منهما بنسبة نصيبه من الربح، منه (رحمه الله).
230
و عدم الضرر بجهالة العوض كما قيل مثله في المزارعة و المساقاة، و منع تبعية النماء للأصل.
أقول: و هذا الموضع أيضا مؤيد لما قدمنا ذكره في غير موضع من عدم وجوب الالتزام بقواعدهم، و الوقوف عليها في مقابلة النصوص، فان ما ذكروه هنا من القواعد المذكورة قد بنوا عليه الأحكام في جملة من المواضع، و احتجوا به في غير مقام، الا أنه لما وردت النصوص هنا كما ترى على خلافها، وجب الخروج عنها بذلك، و حينئذ فالواجب هو الوقوف على النصوص حيثما وجدت.
الثانية [حكم اشتراط الشياع في الربح]:
الظاهر أنه لا خلاف بينهم في أنه يشترط في الربح الشياع، بمعنى أن يكون كل جزء جزء منه مشتركا، لانه مقتضى المضاربة كما تنادي به الاخبار المتقدمة من حكمها، بأن الربح بينهما، يعنى كل جزء جزء منه، و ما لم يكن مشتركا فإنه خارج عن مقتضاها، فهذا الشرط داخل في مفهوم المضاربة.
و يتفرع عليه صور، منها- أن يجعل لأحدهما شيئا معينا كعشرة دراهم مثلا، فإنه باطل اتفاقا، و كذا لو ضم الى ذلك أن الباقي بينهما، و لانه ربما لا يربح الا ذلك القدر، فيلزم أن يختص به من شرط له، و يبقى الأخر بغير شيء مع أن الروايات المتقدمة قد اتفقت على أن الربح بينهما.
و بالجملة فإن عقد المضاربة يقتضي الاشتراك بينهما في كل ما يحصل من الربح بمقتضى الأخبار المذكورة، و هيهنا الربح ليس بينهما، سواء ضم الى ذلك ان الباقي بينهما أم لا، بل الذي بينهما انما هو بعضه على تقدير الزيادة، و جميعه على تقدير عدم الزيادة انما هو لمن شرط له، فيبطل العقد البتة على كل من الصورتين.
و منها أن يقول: خذه قراضا و الربح لي، و وجه الفساد فيه أيضا ظاهر، لان مقتضى القراض كما عرفت من النصوص و اتفاق كلمة الأصحاب الاشتراك في
231
الربح، و قوله: و الربح لي ينافي ذلك، و حينئذ فلا يصح أن يكون قراضا البتة، و هل يكون في هذه الصورة بضاعة؟ بمعنى أن العامل لا يستحق على عمله أجرة كما هو المقرر في البضاعة، أم يكون قراضا باطلا؟ للإخلال بشرط القراض مع التصريح بكونه قراضا- وجهان: و المشهور الثاني لما ذكر، و على تقديره حينئذ قراضا يكون الربح للمالك خاصة، لأنه نماء ماله، و عليه أجرة المثل للعامل، هذا مقتضى قواعدهم، و به صرحوا هنا.
قيل: و وجه الأول النظر الى المعنى، فإنه دال على البضاعة، و ان كان بلفظ القراض و لأن البضاعة توكيل في التجارة تبرعا، و هو لا يختص بلفظ، و ما ذكر دال عليها، و لانه لا يحكم بإلغاء اللفظ ما أمكن حمله على الصحة، و ذكر القراض و ان كان منافيا بحسب الظاهر، الا أنه يمكن أن يكون مأخوذا من معنى المساواة التي هي أن يكون من أحدهما المال، و من الأخر العمل، من غير التفاوت إلى أمر آخر، و هو أخذ ما اشتق منه المعنى الشرعي.
و لو قيل: ان ذلك بحسب اللغة، و الحقيقة الشرعية تأباه، أمكن أن يتجوز فيه، فان الحقائق اللغوية تصير مجازاة شرعية، و هو أولى من الفساد انتهى.
أقول: لا يخفى ما فيه من التكلف البعيد، و التمحل الغير السديد، و لو انفتح هذا الباب في مفاهيم الألفاظ، لانفتح الباب في الجدال، و اتسعت دائرة القيل و القال.
و كيف كان فالمسئلة لخلوها من الدليل الواضع لا يخلو من الاشكال، كغيرها مما جرى في هذا المجال.
بقي الكلام في أن ظاهر الأصحاب أنه- مع الحكم بكونه قراضا فاسدا- يكون الربح للمالك، و للعامل أجرة المثل كما عرفت.
و قال العلامة في المختلف بعد أن نقل عن الشيخ في الخلاف و المبسوط أنه لو قال: خذه قراضا على أن الربح كله لي، كان قراضا فاسدا و لا يكون بضاعة-
232
ما لفظه: و الوجه عندي أنه لا أجرة للعامل، لانه دخل على ذلك فكان متبرعا بالعمل، فلا أجرة له حينئذ، و ظاهره أنه و ان كان قراضا فاسدا فإنه لا أجرة له لدخوله مع عدم تعيين أجرة، فكان عمله تبرعا، و قواه في المسالك، الا أنه احتمل بناء كلام العلامة على البضاعة أيضا، و لا يخلو من قوة، اما بالنسبة إلى البضاعة فظاهر، و أما بالنسبة إلى القراض، فلما عرفت من فساده، و دخول العامل فيه على هذا الوجه.
هذا إذا لم ينضم الى الكلام المذكور ما يفهم منه إرادة أحد الأمرين المذكورين من القراض، أو البضاعة من القرائن الحالية أو المقالية، و الا كان العمل على ذلك، و ما يقتضيه من صحة أو بطلان.
و منها أن يقول: خذه قراضا و الربح كله لك، و قد عرفت آنفا وجه الفساد فيه، و أنه لا يصح قراضا، و هل يكون ذلك قرضا بالتقريب المتقدم في البضاعة بالنظر الى تلك العبارة، أو قراضا فاسدا كما تقدم أيضا، فعلى الأول يكون الربح كله للعامل، و المال مضمون عليه، كما هو شأن القرض و لا شيء للمالك و على الثاني فالربح كله للمالك، و عليه أجرة المثل للعامل.
هذا إذا لم يتحقق قصد شيء من الأمرين، بأن لم يقصد شيئا بالكلية، أو لم يعلم ما قصده، و الا كان قرضا في الأول، و قراضا فاسدا في الثاني.
نعم لو قال في الصورة الثانية: خذه فاتجر به و الربح لي، فإنه يكون بضاعة بغير اشكال، و كذا لو قال في الصورة الثالثة: خذه و اتجر به و الربح لك فإنه قرض بغير اشكال، و الوجه في ذلك أنه لم يذكر في هاتين الصيغتين ما ينافي البضاعة في الاولى، و القرض في الثانية، بخلاف ما تقدم، حيث قال: خذه قراضا و أضاف اليه و الربح لي، أو لك فصرح بأن الأخذ قراضا و هو حقيقة شرعية في العقد المخصوص الذي يترتب عليه الشركة في الربح، مع أنه قد ضم اليه ما ينافي ذلك من قوله «و الربح لي أو لك» و لو قال: خذه على النصف فالظاهر الصحة
233
لأن المتبادر من ذلك أن الربح بينهما نصفين، و هو متضمن لتعيين حصة العامل و كذا لو قال: على أن الربح بيننا، فإنه يقتضي التوزيع بينهما انصافا، قيل:
ان الوجه في ذلك استوائهما في السبب المقتضى للاستحقاق، و الأصل عدم التفاضل كما لو أقر لهما بمال، و كما لو قال المقر: الشيء الفلاني بيني و بين زيد.
و نقل عن بعض الشافعية الحكم ببطلان العقد، لأن البينة تصدق مع التفاوت فحيث لم يبينها يتحمل استحقاق الربح، و رد بمنع صدقها على غير المتساوي مع الإطلاق.
نعم لو انضم إليه قرينة صح حمله على غيره بواسطتها، و علل بعضهم الحكم بالمناصفة في هذه العبارة، بأن قوله: الربح بيننا ظاهر في ان جميع ما يربح يكون بيننا و هو يرجع الى أن كل جزء جزء مما يصدق عليه الربح فإنه بينهما و هو يقتضي المناصفة بلا اشكال، و به يظهر ضعف ما تعلق به ذلك القائل بالبطلان من أن البينة تصدق مع التفاوت، فان دعوى صدقها ممنوع لما عرفت.
أقول: في دعوى ثبوت الحكم بالمناصفة من هذه العبارة إشكال، و ذلك لان هذه العبارة قد تكررت في الاخبار المتقدمة من قولهم (عليهم السلام):
«و الربح بينهما» و لو اقتضت المناصفة كما يدعونه لكان الحكم في المضاربة هو أن يكون للعامل النصف مطلقا، مع أنهم لا يقولون بذلك، و انما فهموا منها مجرد الاشتراك، كما هو قول هذا البعض من الشافعية هنا، و به يظهر قوة القول بالبطلان، كما ذهب اليه هذا القائل.
و لو قيل: ان بعض روايات المسئلة قد اشتمل على أنه بينهما على ما شرط فيقيد به إطلاق تلك الاخبار، قلنا: هذا مما يؤيد ما ذكرناه، بإشعاره بأنه لو لا التقييد لكان مدلول العبارة هو الاشتراك مطلقا كيف اتفق فكيف يحكم هنا باقتضائها المناصفة.
قيل: و لو قال: على أن لك النصف صح، و لو قال: ان لي النصف و اقتصر
234
بطل، و علل وجه الفرق بين الصيغتين بصحة الاولى، و بطلان الثانية، بأن الربح لما كان تابعا للمال و الأصل كونه للمالك لم يفتقر الى تعيين حصته، فان عينها كان ذلك تأكيدا، و أما تعيين حصة العامل فلا بد منه، لعدم استحقاقها بدونه، فإذا قال: النصف لك، كان تعيينا لحصة العامل، و بقي الباقي على حكم الأصل و أما إذا قال: النصف لي لم يقتض ذلك كون النصف الأخر لغيره، بل هو باق على حكم الأصل أيضا، فيبطل العقد.
و ربما قيل: بأنه يحتمل الصحة أيضا، و حمل النصف الأخر على حصة العامل نظرا الى عدم الفرق بين الصيغتين عرفا و عملا بمفهوم التخصيص، إذ لو كان النصف الأخر له أيضا لم يكن لهذا التخصيص وجه، و رد بعدم استقرار العرف على ذلك و ضعف دلالة المفهوم.
أقول: و الحكم لا يخلو من شوب الاشكال، و ان كان للحكم بالبطلان نوع قرب لما ذكر، و الله العالم.
الثالثة [في صحة اشتراط أحدهما لغلامه حصة من الربح]:
قالوا: لو شرط أحدهما لغلامه حصة من الربح، صح، عمل الغلام أم لم يعمل، أما لو شرط لأجنبي فإنه لا يصح الا أن يكون عاملا.
و قيل: يصح و ان لم يكن عاملا، أقول: و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع ثلاثة: أحدها- أنه متى شرط أحدهما لغلامه حصة، فإنه يصح، و الحكم فيه مبنى على عدم ملك العبد كما هو المشهور، فإنه يرجع حينئذ إلى سيده، فهو في معنى ما لو شرط أحدهما حصة زائدة على حصته، و لا نزاع في الصحة.
أما لو قلنا بملك العبد كان الحكم فيه كاجنبى الاتى حكمه، و ثانيها- لو شرط لأجنبي فإنه لا يصح الا أن يكون عاملا، و الوجه فيه أنه حيث أن الأصل في الربح أن يكون بين المالك و العامل خاصة، أما المالك ففي مقابلة ماله، و أما العامل ففي مقابلة عمله، فلا يصح إدخال الأجنبي في ذلك، و لا جعل شيء من الربح له.
235
نعم إذا كان عاملا كان بمنزلة العامل المتعدد، فلا يكون أجنبيا، و من هنا ربما ينقدح إشكال في المقام، و هو أنه متى شرط العمل كان من قبيل العامل المتعدد كما ذكرتم، مع أن المفروض كونه أجنبيا، و حينئذ فلا معنى لكونه أجنبيا عاملا، لأن الأجنبي من لا مدخل له في العمل.
و الجواب أن العامل في هذا الباب حيثما يطلق انما يراد به المفوض إليه أمر التجارة كما تقدم، و أنه وكيل عن المالك، و المراد بالعامل هنا بالنسبة الى هذا الأجنبي ليس كذلك، بل المراد به من له دخل في العمل في الجملة، كأن شرط عليه حمل المتاع الى السوق، و من السوق الى البيت مثلا، و نحو ذلك من الأعمال الجزئية المخصوصة، و لهذا انهم اشترطوا هنا ضبط العمل بما يرفع الجهالة، و أن يكون من أعمال التجارة، لئلا يخرج عن مقتضاها.
و ثالثها انه قيل: بصحة الشرط للأجنبي و ان لم يكن عاملا و لا مدخل له في العمل بالكلية، و كأنه لعموم (1)
«المؤمنون عند شروطهم».
و «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (2) و عموم أدلة وجوب الوفاء بالوعد، و قد تقدم نظيره في مواضع عديدة.
و قيل: ان هذا المشروط ان كان مع العمل فهو للعامل كما تقدم، و ان لم يجامعه عمل فهو للمالك، رجوعا إلى أصله، لئلا يخالف مقتضى العقد، و لقدوم العامل على أن له ما عين له خاصة.
أقول: قد تقدم في غير مقام ما في هذا التعليل أعنى قوله لئلا يخالف مقتضى العقد، فإنه جار في جميع الشروط، فان الشرط في الحقيقة بمنزلة الاستثناء مما دل عليه العقد، و الأدلة على وجوب الوفاء بالشروط هي دليل الاستثناء المذكور، و قد تقدم تحقيق ذلك.
الرابعة [حكم ما لو قال: لاثنين لكما نصف الربح]:
قالوا: لو قال: لاثنين لكما نصف الربح صح، و كانا فيه سواء
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 371 ح 1503، الاستبصار ج 3 ح 835، الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
(2) سورة المائدة الآية 1.
236
و لو فضل أحدهما صح أيضا و ان كان عملهما سواء، و علل الحكم الأول و هو تساويهما مع الإطلاق باقتضاء الاشتراك و أن الأصل عدم التفصيل، و لانه المتبادر منه عرفا كما سبق في قوله بيننا.
أقول: لا يخفى ما فيه، فان اقتضاء الاشتراك التساوي ممنوع، بل هو أعم، و هو أول المسئلة أيضا، و دعوى أنه المتبادر منه عرفا كذلك، و قد تقدم ما في الاستناد الى قوله «بيننا» من أن ظاهره انما هو الاشتراك مطلقا كما هو ظاهر الاخبار، لا التنصيف كما ادعوه، و علل الثاني و هو تفصيل أحدهما مع استوائهما في العمل بأن غايته اشتراط حصة قليلة لصاحب العمل الكثير، و هو مما لا منافاة فيه لأن الأمر في الحصة راجع الى ما يشترطانه، و يتفقان عليه قل أو كثر، و لان العقد الواحد مع اثنين في قوة عقدين فيصح، كما لو قارض أحدهما في نصف المال بنصف الربح، و الأخر في النصف الأخر بربع الربح، فإنه جائز اتفاقا مع تساويهما في العمل، و الخلاف هنا انما هو من بعض العامة، حيث اشترط التسوية بينهما في الربح مع التساوي في العمل، قياسا على اقتضاء شركة الأبدان ذلك، و الأصل و الفرع عندنا باطلان.
الخامسة: لو اختلفا في نصيب العامل
فان مقتضى القواعد الشرعية أن القول قول المالك بيمينه، لانه منكر لما يدعيه العامل من الزيادة، و لان الاختلاف في فعل المالك الذي هو تعيين الحصة و هو أبصر به، و لأن الأصل تبعية الربح لرأس المال، فلا يخرج عنه الا ما أقر المالك بخروجه، و المعتمد من هذه الوجوه هو الوجه الأول، فإنه المعتضد بالنصوص الصحيحة الصريحة، و ما عداه من المؤيدات الواضحة.
و قيل: ان هذا مع عدم ظهور الربح، أما معه فالحكم هو التحالف، لان كلا منهما مدع، و مدعى عليه، فان المالك يدعى استحقاق العمل الصادر بالحصة الدنيا، و العامل ينكر ذلك، فيجيء القول بالتحالف، لان ضابطه كما
237
سلف في البيع أن ينكر كل واحد منهما ما يدعيه الأخر، بحيث لا يجتمعان على أمر و يختلفان فيما زاد عليه، و رد بأنه ضعيف، لان نفس العمل لا يتناوله الدعوى، لانه بعد انقضائه لا معنى لدعوى المالك استحقاقه، و كذا قبله، لان العقد الجائز، لا يستحق به العمل، و انما المستحق المال الذي أصله للمالك، و حقيقة النزاع فيه فيجيء فيه ما تقدم من الأصول و هو جيد.
السادسة [في حكم دفع المالك مال القراض في مرض الموت]:
الظاهر أنه لا اشكال فيما لو دفع المالك مال القراض في مرض الموت على الوجه المعتبر من تعيين الحصة من الربح للعامل و نحوه، لوجود المقتضى و هو دخوله تحت الأدلة الدالة على مشروعية القراض و صحته، و عدم المانع، إذ ليس الا ما ربما يتوهم من التفويت على الوارث بالنسبة إلى الحصة المعينة للعامل من الربح، و إدخال النقص عليه بذلك، فيتعلق به الخلاف بين كونه من الأصل أو الثلث، و الحال أنه ليس كذلك إذ لا تفويت على الوارث في الصورة المذكورة.
و محل الخلاف في تلك المسئلة انما هو ما يتبرع به المريض من المال الموجود حال التبرع و هنا ليس كذلك، لان الربح غير موجود يومئذ، بل هو متوقع الحصول، و قد لا يحصل فلا يتصف بكونه مالا للمريض، ليترتب عليه الخلاف المذكور، ثم انه بعد حصوله فهو متجدد بسعي العامل بعد العقد، فليس للوارث فيه اعتراض، و لا نزاع بوجه من الوجوه، و هو ظاهر، و لا فرق في تلك الحصة المعينة للعامل بين كونها قدر أجرة المثل أو أكثر أو أقل حسبما مر في غير هذه الصورة من صور القراض.
و بالجملة فإن مقتضى الأدلة كما عرفت صحة المعاملة المذكورة حتى يقوم دليل على البطلان، و ليس فليس، و الله العالم.
السابعة [الأقوال في تملك العامل الربح]:
يملك العامل من الربح بظهوره من غير توقف على انضاض العروض و لا قسمة المال بينهما، قال في المسالك: هذا هو المشهور بين الأصحاب بل لا يكاد
238
يتحقق فيه مخالف، و لا نقل في كتب الخلاف عن أحد من أصحابنا ما يخالفه و وجهه مع ذلك إطلاق النصوص بأن العامل يملك ما شرط له من الربح و هو متحقق قبل الانضاض، و قبل القسمة، و لان سبب الاستحقاق هو الشرط الواقع في العقد، فيجب أن يثبت مقتضاه متى وجد، لان الربح بعد ظهوره مملوك، فلا بد له من مالك، و رب المال لا يملكه اتفاقا، و لا يثبت أحكام الملك في حقه، فيلزم أن يكون للعامل، إذ لا مالك غيرهما اتفاقا.
أقول: و من أظهر الأدلة على ذلك ما رواه
الشيخ و الصدوق عن محمد بن قيس (1) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل دفع الى رجل ألف درهم مضاربة فاشترى إياه، و هو لا يعلم، قال: يقوم فان زاد درهما واحدا أعتق، و استسعى في مال الرجل»،.
و التقريب فيها انه لو لم يكن مالكا لحصته بمجرد الظهور لم ينعتق عليه أبوه في الصورة المفروضة في الخبر، مع أنه قد حكم بأنه بعد تقويم العبد فان حصل في الثمن زيادة على رأس المال و لو درهم، فإنه ينعتق الأب على ابنه بنصيبه من ذلك الدرهم، فالمقتضي للانعتاق انما هو دخوله في ملكه بتلك الحصة فيسري العتق في الباقي كما هو القاعدة في العتق.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد نقل فخر المحققين عن والده العلامة.
ان في هذه المسئلة أقوال أربعة:
أحدها- أنه يملك بمجرد الظهور
كما عرفت.
و
ثانيها- أنه يملك بالإنضاض
لأنه قبل الانضاض غير موجود خارجا بل مقدر موهوم، و المملوك لا بد أن يكون محقق الوجود، فيكون الظهور موجبا لاستحقاق الملك بعد التحقيق، و لهذا يورث عنه و يضمن حصة من أتلفها سوى المالك و الأجنبي.
و
ثالثها- أنه يملك بالقسمة
، لأنه لو ملك قبلها لكان النقصان الحادث بعد
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 144 ح 3، التهذيب ج 7 ص 190 ح 27، الوسائل ج 13 ص 188 ح 1.
239
ذلك شائعا في المال كسائر الأموال المشتركة، و التالي باطل، لانحصاره في الربح، و لانه لو ملك لاختص بربحه، و لان القراض معاملة جائزة و العمل فيها غير مضبوط، فلا يستحق العوض فيها الا بتمامه، كمال الجعالة.
و
رابعها- أن القسمة كاشفة عن ملك العامل
، لأن القسمة ليست من الأسباب المملكة، و المقتضى للملك انما هو العمل، و هي دالة على تمام العمل الموجب للملك قال في المسالك بعد نقل هذه الأقوال: و في التذكرة لم يذكر في المسئلة عن سائر الفقهاء من العامة و الخاصة سوى القولين الأولين، و جعل الثاني للشافعي في أحد قوليه، و لأحمد في إحدى الروايتين، و وافقا في الباقي على الأول، و لا ندري لمن ثبتت هذه الأقوال، و هي مع ذلك ضعيفة المأخذ فإنا لا نسلم ان الربح قبل الانضاض غير موجود، لان المال غير منحصر في النقد، فإذا ارتفعت قيمة العرض فرأس المال منه ما قابل قيمة رأس المال و الزائد ربح و هو محقق الوجود، و لو سلم انه غير محقق الوجود لا يقدح في كونه مملوكا فان الدين مملوك و هو غير موجود في الخارج بل هو في الذمة أمر كلي هذا ما على الثاني.
و على الثالث انه لا ملازمة بين الملك و ضمان الحادث على الشياع و يجوز ان يكون مالكا و يكون ما يملكه وقاية رأس المال فيكون الملك متزلزلا فاستقراره مشروط بالسلامة، و كذا لا منافاة بين ملك الحصة و عدم ملك ربحها بسبب تزلزل الملك و لانه لو اختص بربح نصيبه لاستحق من الربح أكثر مما شرط له و لا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه و لأن القسمة ليست من العمل في شيء فلا معنى لجعلها تمام السبب في الملك فلا وجه لإلحاقها بالجعالة و قد نبه عليه و لو سلم انه غير محقق الوجود في الوجه الرابع و من ضعف ما سبق يستفاد ضعف الرابع لانه مترتب عليها انتهى كلامه زيد مقامه و هو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه.
ثم انه ينبغي ان يعلم انه و ان كان العامل يملك حصته بمجرد ظهور الربح الا انه يكون ملكا متزلزلا مراعى بإنضاض جميع المال أو قدر رأس المال مع
240
الفسخ أو القسمة حيث ان الربح وقاية لرأس المال فيجبر به ما وقع في التجارة من تلف و خسران، سواء كان الربح و الخسران في مرة واحدة أو مرتين، و في صفقة أو صفقتين، و في سفر أو سفرين، لان معنى الربح هو الزائد على رأس المال مدة العقد، فلو لم يفضل منه شيء بعد أن حصل و جبرت بالتجارة فلا ربح، و هو موضوع وفاق كما ذكره في المسالك، و سيأتي الكلام- إنشاء الله تعالى- في بعض ما يدخل في هذا المقام من الأحكام، و الله العالم.
المقصد الرابع في اللواحق:
و فيه مسائل
[المسألة] الاولى [في كون العامل أمينا]
- لا خلاف بين الأصحاب في ان العامل أمين فيقبل قوله في التلف بغير تفريط بيمينه، سواء كان التلف ظاهرا كالحرق أو خفيا كالسرق، و سواء أمكن إقامة البينة عليه أم لم يكن، و كذا يقبل قوله في الخسارة و لا يضمن الا مع التفريط، و قد تقدم الكلام في الاختلاف في قدر رأس المال، و أن الأظهر قبول قول العامل بيمينه في الموضع السادس من المقصد الثاني (1) و كذا الاختلاف في حصة العامل و ان الأظهر فيها أن القول قول المالك بيمينه في المسئلة الخامسة من المقصد الثالث (2).
و بقي الكلام هنا في الاختلاف في الرد، فهل يقبل قول العامل في رد المال الى المالك أم لا؟ قولان: أولهما للشيخ في المبسوط قال: إذا ادعى العامل رد المال الى المالك فهل يقبل قوله؟ فيه قولان: أحدهما و هو الصحيح أنه يقبل قوله.
أقول: و قد علل ذلك بأنه أمين كالمستودع، و لما في عدم تقديم قوله من الضرر لجواز أن يكون صادقا فتكليفه بالرد ثانيا تكليف ما لا يطاق، و المشهور بين الأصحاب الثاني، لأصالة العدم، و لان المالك منكر فيكون القول قوله بيمينه، كما هو القاعدة المتفق عليها نصا و فتوى، كما أن العامل في ذلك مدع فعليه
____________
(1) ص 228.
(2) ص 236.
241
البينة بمقتضى القاعدة المذكورة و ثبوت قول العامل في دعوى التلف لدليل خارج لا يقتضي ثبوت قوله مطلقا.
و أما ما علل به من أنه أمين كالمستودع و كل أمين يجب قبول قوله، ففيه منع كلية الكبرى، و الفرق بين العامل هنا و بين المستودع ظاهر، فان العامل هنا قبض لنفع نفسه و المستودع قبض لنفع المالك، و هو محسن محض، فلا يناسب إثبات السبيل عليه بعدم قبول قوله، لما فيه من الضرر.
و أما ما علل به هنا من الضرر لو لم يقدم قوله، فإنه مدفوع بأن الحكم بذلك لما ثبت شرعا كما عرفت من أنه مقتضى القاعدة المتفق عليها نصا و فتوى، فلا يلتفت الى هذا الاستبعاد، و هذا الضرر، فإنه لو تم ذلك لجرى في كل مدعى عليه، و هو خلاف الإجماع نصا و فتوى.
قال في المسالك بعد ذكر نحو مما ذكرناه: لكن يبقى في المسئلة بحث، و هو أنه إذا لم يقبل قوله في الرد يلزم تخليده في الحبس لو أصر على إنكاره، خصوصا مع إمكان صدقه، و هم قد تحرجوا من ذلك في الغاصب حيث يدعى التلف، فكيف بثبوته في الأمين، الا أن يحمل على مؤاخذته و مطالبته به، و ان أدت إلى الحبس للاستظهار به، الى أن يحصل اليأس من ظهور العين، ثم يؤخذ منه البدل للحيلولة، الا أن مثل هذا يأتي في دعوى التلف، خصوصا من الغاصب، و ليس في كلامهم تنقيح لهذا المحل، فينبغي النظر فيه انتهى.
أقول: ما ذكره من أنه إذا لم يقبل قوله- في الرد يلزم تخليده في الحبس الى آخره- لا أعرف له وجها وجيها بحسب نظري القاصر، و فكرى الفاتر، و أى موجب للحبس هنا، و ذلك فان المسئلة هنا أحد أفراد مسئلة المدعى و المنكر، و لا ريب أن الحكم الشرعي فيها هو البينة على المدعى، و الا فاليمين على المنكر، فإن أقام المدعى البينة على الرد انقطعت الدعوى و الا حلف المالك و وجب على مدعى الرد دفع الحق اليه. و النظر الى كونه أمينا غير ملتفت اليه
242
هنا، لما عرفت آنفا، و كذا احتمال صدقه، فإنه جار في كل دعوى، و كونه كذلك بحسب الواقع لا يوجب الخروج عن مقتضى الحكم الشرعي ظاهرا، فان الشارع حكم بثبوت الحق مع قيام البينة مطلقا، أعم من أن تطابق الواقع أم لا و حكم بسقوطه مع حلف المنكر مطلقا، و الحق المدعى هنا هو الرد، فبالبينة يثبت، فينبغي المطالبة، و باليمين يسقط، و تتوجه المطالبة بالمال، و ان احتمل بحسب الواقع براءة ذمته لصحة دعواه.
و بالجملة فهذا الحبس الذي ذكره في المقام لا أعرف له وجها و لا ذكره غيره من الاعلام، و مقتضى الحكم الشرعي في المسئلة انما هو ما ذكرناه، هذا بالنسبة إلى كلام الأصحاب في المسئلة.
و أما بالنسبة الى الاخبار فالذي وقفت عليه مما يتضمن الحبس، الروايات المتقدمة في كتاب الدين (1)، و موردها كلها أن الامام (عليه السلام) يحبس في الدين إذ التوى الغريم حتى تبين له حاله من ملائه أو إفلاس، فإذا تبين إفلاسه خلا عنه، و في رواية يدفعه إلى غرمائه، و ان تبين ملائته استوفى الحق منه، و ما نحن فيه لا تعلق له بما دلت عليه هذه الاخبار.
نعم
روى الشيخ في الصحيح عن زرارة (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: كان على (عليه السلام) لا يحبس في السجن إلا ثلاثة: الغاصب، و من أكل مال اليتيم ظلما، و من ائتمن على أمانة فذهب بها، و ان وجد له شيئا باعه غائبا كان أو شاهدا»،.
و هذا الخبر على ظاهره غير معمول عليه بين الأصحاب فيما أعلم، و لذا حمله الشيخ على الحبس على سبيل العقوبة أو الحبس الطويل، قال (قدس سره):
هذا الخبر يحتمل وجهين: أحدهما- انه ما كان يحبس على وجه العقوبة، إلا الثلاثة الذين ذكرهم، و الثاني- انه ما كان يحبس طويلا إلا الثلاثة الذين
____________
(1) ج 20 ص 199.
(2) التهذيب ج 6 ص 299 ح 43، الوسائل ج 18 ص 181 ح 2.
243
استثناهم، لان الحبس في الدين انما يكون مقدار ما يتبين حاله، انتهى، و هو جيد.
و بالجملة فإن مقتضى النظر فيما نحن فيه هو إدراجه في قاعدة الدعوى الواقعة بين كل مدع و منكر، و العمل فيه بما تقتضيه القاعدة المذكورة شرعا و الله العالم.
الثانية [في شراء العامل من ينعتق على المالك بإذنه]:
إذا اشترى العامل من ينعتق بالشراء على المالك، فهنا مقامان:
الأول- أن يكون ذلك باذن المالك
و علم العامل أنه أبو المالك مثلا و لا ريب في صحة الشراء لوجود شرائطها، و لا ريب أيضا في انعتاقه على ابنه، كما لو اشتراه الابن بنفسه، أو وكيل له غير العامل.
و حينئذ فإن بقي من مال المضاربة شيء بعد الثمن كان الباقي مضاربة، و الا بطلت المضاربة في الثمن، و الوجه في ذلك عندهم هو أن مبنى المضاربة على طلب الربح و تحصيل الانتفاع بتقليب المال في الشراء و البيع، و حينئذ فكل تصرف ينافي ذلك يكون باطلا، و من جملته شراء من ينعتق على المالك، لانه موجب للخسارة، فضلا عن الاشتمال على الغرض الذاتي من القراض، فتبطل المضاربة في ثمنه، لأنه بمنزلة التالف، فإن بقي هناك مال بعد الثمن استمرت المضاربة فيه، و الا بطلت كما لو تلف جميع مال المضاربة.
و هل للعامل هنا أجرة المثل أم لا شيء له؟ قولان: الثاني منهما للشيخ في المبسوط، و بالأول صرح العلامة في المختلف، و الشهيد الثاني في المسالك (1) و هذا في ما لو لم يكن في العبد المشترى ربح و اما لو حصل فيه ربح فهل يكون العامل شريكا في العبد بما استحقه من حصته من الربح أو أنه لا يترتب على هذا
____________
(1) هذا الخلاف انما يتجه على تقدير القول المشهور بأن حصة العامل يتملك بالظهور كما هو المؤيد المنصور، و أما على القول بأنها تملك بالإنضاض أو القسمة فلا ريب في عدم استحقاق الربح حينئذ لانتفائهما، منه (رحمه الله).
244
الربح أثر، و انما للعامل أجرة المثل؟ قولان: الأول منهما للشيخ في المبسوط و بالثاني صرح العلامة في المختلف.
قال في المبسوط: إذا اشترى من ينعتق على رب المال باذنه، و كان فيه ربح انعتق، و ضمن للعامل حصته من الربح، و ان لم يكن ربح انصرف العامل و لا شيء له.
قال العلامة في المختلف بعد نقل ذلك: و الوجه، الأجرة على التقديرين، لبطلان القراض بالشراء المأذون فيه، و الوجه في القول الأول من هذين القولين هو ثبوت حصة العامل في العبد، لتحقق الملك بالظهور كما هو الصحيح المشهور و ان وجب ضمانها على المالك، من حيث سريان العتق في العبد كما أشار إليه الشيخ في عبارته بقوله: و ضمن للعامل حصته من الربح، و لا يقدح في استحقاقه الحصة المذكورة، عتقه القهري لصدوره باذن المالك.
و الوجه في القول الثاني و هو اختيار العلامة كما عرفت، و مثله الشهيد الثاني في المسالك (1) أيضا و الظاهر أن المشهور ما أشار إليه العلامة فيما تقدم من كلامه بقوله، لبطلان القراض و توضيحه ما قدمنا ذكره من أن هذا الشراء خارج عن مقتضى المضاربة، فإن متعلق الاذن فيها اشتمل على تقليب المال بالأخذ و العطاء مرة بعد أخرى لتحصيل الربح، و هذا انما تضمن الخسارة لتعقب العتق له، و حينئذ فإذا بطلت المضاربة فيه لم يترتب على ذلك الربح أثر، و انما للعامل أجرة المثل عوض عمله خاصة.
فإن قيل: انه إذا كان هذا الشراء ليس من مقتضيات عقد القراض، فإنه كما لا يستحق شيئا من الربح فكذا لا يستحق أجرة، لأنه خلاف مقتضى العقد،
____________
(1) قالوا: فكأنه استرد طائفة من المال بعد ظهور الربح و أتلفها حينئذ فيسري على العامل مع يسار المالك ان قلنا بالسراية في مثله من العتق القهري أو مع اختيار الشريك السبب، و يقوم له نصيبه مع يساره و الا استسعى العبد فيه، منه (رحمه الله).
245
فالجواب أن استحقاق الأجرة ليس باعتبار هذا الأمر بخصوصه بل بالنظر اليه و الى غيره من المقدمات، كالسفر للتجارة، و نحو ذلك من الحركات و السكنات التي انما أتى بها لذلك، و مع تسليم الانحصار في ما ذكر، فإنه ان كان من الأمور التي تثبت في مثلها أجرة المثل يثبت الأجرة، و الا فكيف كان فالمسئلة لا تخلو من شوب الاشكال، لعدم النص الواضح الذي ينقطع به مادة القيل و القال.
الثاني: أن يكون الشراء بغير اذن المالك
، و حينئذ فإن وقع الشراء بعين المال، فالظاهر أن المشهور بطلانه، بناء على ما تقدم من منافاته للغرض الذاتي المطلوب من عقد القراض، بل اشتماله على الإتلاف المحض.
و رد ذلك بأن غايته التصرف في مال الغير بغير اذنه، و مقتضى ذلك هو كونه فضوليا فان قلنا بصحة الفضولي فهو صحيح هنا، و ان وقف في اللزوم على اجازة المالك، هذا مع علمه بالنسب، و علمه بالحكم، و أنه ينعتق عليه قهرا.
و أما مع جهله فإنه يحتمل كونه أيضا كذلك، لأن الاذن في هذا الباب انما ينصرف الى ما يمكن بيعه و تقليبه في التجارة للاسترباح، و لا يتناول غير ذلك، فلا يكون ما سواه مأذونا فيه: غاية ما في الباب أنه قد التبس الأمر على العامل هنا ظاهرا من حيث الجهل، و هو لا يقتضي الاذن، و انما يقتضي عدم الإثم.
و بالجملة فالذي يترتب على الجهل انما هو عدم الإثم و المؤاخذة، لا الصحة و يحتمل صحة البيع و يحكم بعتقه على المالك قهرا، و لا ضمان على العامل، لان مقتضى عقد القراض شراء ما يترتب عليه الربح بحسب الظاهر، لا بحسب نفس الأمر، و هذا من حيث الجهل كذلك، و ظهور كونه في نفس الأمر ليس كذلك لا يمنع من الصحة التي وقع عليها عقد الشراء، و يترتب عليها العتق لاستحالة توجه الخطاب الى الغافل و الا لزم التكليف بما لا يطاق.
و بالجملة فإن الأحكام الشرعية انما تترتب على الظاهر لا على نفس الأمر و الخطابات و التكليفات انما تناط بما هو الظاهر في نظر المكلف من حل و تحريم
246
و طهارة و نجاسة و نحوها، لا ما كان كذلك في الواقع، و لعل هذا الاحتمال أقرب من الأول.
و ان وقع الشراء في الذمة لم تقع المضاربة، لما تقدم في المسئلة الخامسة من المقصد الأول (1) من ان مقتضى إطلاق الإذن هو الشراء بعين المال، و على هذا فلو اشترى في الذمة فلا يخلو اما أن لا يعين العقد لا للمالك و لا لنفسه، و حينئذ يكون الشراء له ظاهرا و باطنا، و ان عينه لنفسه تعين له كذلك، و ان عينه للمالك لفظا فهو فضولي على القول بصحة الفضولي، و ان عينه له نية وقع للعامل بحسب الظاهر، و بطل باطنا، فلا ينعتق، و يجب التخلص منه على وجه شرعي، إذ ليس مملكا له في الواقع و نفس الأمر للنية المذكورة الصارفة عنه و الله العالم.
الثالثة [في شراء العامل زوج المالك]:
- إذا كان مال القراض لامرأة فاشترى العامل زوجها فلا يخلو اما أن يكون الشراء بإذنها، و حينئذ يكون الشراء صحيحا، و ينفسخ نكاحها لما قرر في محله من امتناع اجتماع الملك و النكاح.
أولا يكون الشراء بإذنها، و فيه قولان: فقيل: بالصحة، الا أنه ذكر في المسالك أن القائل به غير معلوم، و انما ذكره المصنف بلفظ قيل: و لم يعلم قائله.
أقول: و هذا القول قد نقله العلامة أيضا في القواعد في المسئلة، و علل وجه الصحة هنا بأنه اشترى ما يمكن طلب الربح فيه، و لا يتلف به رأس المال، فيجوز حينئذ كما لو اشترى ما ليس بزوج.
و قيل: ببطلان الشراء المذكور لحصول الضرر على المالك به، و يكون ذلك دليلا على عدم الرضا، و تقييدا لما أطلقت من الاذن بدليل منفصل عقلي.
أقول: و هذان القولان حكاهما المحقق في الشرائع، و اختار منهما القول بالبطلان، معللا له بأن عليها في ذلك ضررا، و بينه في المسالك بما قدمنا ذكره،
____________
(1) ص 213.
247
و العلامة في الإرشاد اقتصر مع عدم الاذن على القول بالبطلان جازما به من غير نقل قول آخر غيره.
و في القواعد قال: قيل: يبطل الشراء لتضررها به، و قيل: يصح موقوفا، و قيل: مطلقا، و أنت خبير بأن ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و كذا ظاهر الأردبيلي في شرح الإرشاد أن مقتضى التعليل الذي ذكر في وجه البطلان هو الرجوع الى العقد الفضولي، لما عرفت من تعليل ذلك بحصول الضرر على المالك و موجب ذلك أنه لو رضى المالك زال المانع، فيكون التعبير بالعقد الفضولي أنسب من الحكم بالبطلان مطلقا، و ظاهر العلامة في القواعد أن المشابهة بالعقد الفضولي و الحمل عليه انما هو في جانب القول بالصحة، حيث عبر عنه بأنه يصح موقوفا، يعنى على الإجازة، و فيه إشارة الى أن المراد بالقول بالبطلان انما هو مطلقا، لا باعتبار عدم الإجازة كما فهمه في المسالك، ثم انه ذكر القول بالصحة مطلقا.
و بالجملة فإنه قد تلخص أن أقوالهم في المسئلة ثلاثة، صحة القول بالشراء مطلقا، و بطلانه مطلقا، و القول بكونه كالعقد الفضولي، و نسب في المسالك نقل الأقوال الثلاثة إلى العلامة، و هو كذلك كما سمعته من كلامه في القواعد، الا أنه اقتصر على مجرد نقلها، و لم يرجح شيئا منها، و في الإرشاد ظاهره الجزم بالبطلان مطلقا.
و الظاهر أن المراد بالضرر الذي جعلوه حجة للإبطال هو انفساخ النكاح، مع صحة الشراء، و الافاق العبد بعد الحكم بصحة الشراء يكون من جملة أموال القراض، يترتب عليه ما يترتب عليها من جواز البيع، و تحصيل الربح.
و في ثبوت الضرر بذلك على إطلاقه إشكال، فإن ثبت دليل على أن هذا ضرر يوجب بطلان الشراء ترتب عليه ما قالوه، و الا فالظاهر أن الشراء صحيح و ان فسد النكاح، و جرى العبد في مال المضاربة كغيره من أموالها.
248
ثم انه على تقدير كون ذلك ضررا يوجب البطلان، فالظاهر انه يرجع الى العقد الفضولي، لا كما هو ظاهر القائل بذلك من البطلان مطلقا، نظرا الى تلك القرينة المدعاة آنفا، و حينئذ فإن قلنا ببطلان العقد الفضولي كما هو الأظهر و ان كان خلاف الأشهر، فالأمر واضح، و ان قلنا بصحته مع وقوفه في اللزوم على اجازة المالك، رجع الأمر إلى الإجازة، فان أجازته المرأة كان حكمه ما تقدم في صورة ما إذا كان الشراء بإذنها، و الا وقع باطلا.
إذا تقرر ذلك فاعلم أنه على تقدير القول بالبطلان مطلقا أو مع عدم الإجازة فالحكم واضح، و أما على تقدير القول بالصحة، فإن كان مستند الصحة انما هو اذن المرأة في الشراء، أو إجازتها ذلك، بناء على كون العقد فضوليا لم يضمن العامل ما فاتها من المهر و النفقة، لأن فواته مستند إلى اذنها و رضاها.
و أما على القول بالصحة مطلقا و ان لم يستند إلى اذنها أو رضاها كما هو أحد الأقوال الثلاثة المتقدمة، فإن العامل يضمن المهر مع علمه بالزوجية، و هو الذي صرح به في القواعد، و غيره في غيره، و ربما قيل، بضمانه في هذه الصورة ما فات مطلقا من مهر و نفقة، و هو في المهر كما ذكرنا ظاهر، فإنه جاء التفويت من قبله لعلمه بالزوجية، و أن ملكها له موجب لبطلان النكاح و ذهاب المهر، و مع هذا شراه.
أما في النفقة فمشكل كما ذكره في المسالك، قال: لأنها غير مقدرة بالنسبة إلى الزمان، و لا موثوق باجتماع شرائطها، بل ليست حاصلة لان من جملتها التمكين في الزمان المستقبل، و هو غير واقع الآن، الى أن قال: و الظاهر اختصاصه بالمهر على هذا القول، و هو الذي ذكره جماعة، انتهى و هو جيد، و الله العالم.
المسئلة الرابعة [في شراء العامل أباه أو من ينعتق عليه]:
لو اشترى العامل أباه أو من ينعتق عليه، فان ظهر فيه ربح حال الشراء، فالأشهر الأظهر انه ينعتق نصيب العامل من العبد بقدر ماله من
249
الربح فيه، و يستسعى العبد في الباقي، و هو حصة المالك سواء كان العامل مؤسرا أو معسرا.
و على هذا يدل
صحيحة محمد بن قيس (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل دفع الى رجل ألف درهم مضاربة، فاشترى أباه و هو لا يعلم؟ قال: يقوم فان زاد درهما واحدا أعتق و استسعى في مال الرجل».
و الحكم المذكور مبنى على تملكه الربح بمجرد الظهور، كما هو مدلول الصحيحة المذكورة، و هو الأشهر الأظهر.
و أما على القول بأن الملك انما يحصل بالقسمة أو الانضاض فإن البيع صحيح، الا أنه لا ينعتق لعدم الملك حينئذ، و إطلاق الحكم بالاستسعاء شامل لما لو كان العامل مؤسرا أو معسرا، فان عدم الاستفصال دليل على العموم في المقال، حيث حكم (عليه السلام) بالاستسعاء، و لم يفصل فيه بين كون العامل مؤسرا أو معسرا و هو ظاهر.
و قيل: بأنه مع اليسار يقوم على العامل، لاختياره السبب، و هو موجب للسراية، لأن اختيار السبب اختيار المسبب، و حملت الرواية على إعسار العامل جمعا بين الأدلة، أو على تجدد الربح بعد الشراء.
و فيه أن الرواية المذكورة دلت على أنه اشترى أباه و هو لا يعلم أى لا يعلم بكونه أباه، فكيف يتم اختياره للسبب، و هو لا يعلم حال الشراء.
نعم يحتمل صحة ما ذكروه على تقدير العلم، الا أنه خارج عن مورد الخبر، فلا يحتاج الى الجمع بما ذكروه، و قيل: ببطلان البيع لانه مناف لمقصود القراض، إذ الغرض هو السعي للتجارة التي تقبل التقليب للاسترباح و هذا الشراء بتعقب العتق له ينافي ذلك، فيكون مخالفا للتجارة، فيكون باطلا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 241 ح 8 و فيه عن محمد بن ميسر، الفقيه ج 3 ص 144 ح 3 الوسائل ج 13 ص 188 ح 1.
250
لعدم الاذن فيه، أو موقوفا على الإجازة.
و فيه أنه اجتهاد في مقابلة النص الصحيح، فإنه دل على الصحة، لكن مورده كما عرفت جهله بكونه ممن ينعتق عليه، و العجب أنه لم يتنبه أحد من الأصحاب لهذا القيد في الخبر، بل جعلوا الحكم فيه مطلقا كما سمعت من كلامهم، و كأنهم بنوا على أنه إذا كان كذلك مع الجهل، فمع العلم بطريق أولى.
و فيه أنه يمكن مع العلم أنه لا يجوز له الشراء، لما فيه من المخالفة للغرض المقصود من القراض، كما علل به القول بالبطلان في المسئلة كما سيأتي ذكره، و يؤيده ما تقدم في المقام الثاني من المسئلة الثانية (1)، فيما إذا اشترى من ينعتق على المالك بغير إذنه.
أما مع الجهل فيصح و يترتب عليه ما ذكر في الخبر، و على هذا ينبغي إجراء الخلاف المذكور في غير مورد الخبر، و هو العلم بكونه أباه، فإنه لخلوه من النص حينئذ قابل لهذه الاحتمالات و الأقوال المتعددة، و الحكم في هذه الصورة محل اشكال لما عرفت من خروجها عن مورد النص، مع عدم دليل واضح على شيء مما ذكروه، سيما مع تدافع هذه التعليلات التي عللوا بها كلا من هذه الوجوه المذكورة، هذا كله إذا كان ظهور الربح حال الشراء.
أما لو كان بعد ذلك كتجدده بارتفاع السوق، و نحوه فإشكال، لعدم النص الدال على حكم يكون المعول عليه في هذا المجال، الا أنه يمكن أن يقال:
انه بعد ظهور الربح بناء على التملك بمجرد الظهور كما هو الظاهر المشهور فإنه يجري فيه الحكم المذكور في الخبر المتقدم، من أنه ينعتق نصيب العامل منه، و يستسعى في الباقي، لأن الظاهر من الخبر ترتب الحكم على ظهور الربح أعم من أن يكون وقت الشراء أو بعد ذلك، فإنه هو السبب في العتق، لكن
____________
(1) ص 245.
251
ينبغي التقييد بصورة الجهل كما أشرنا إليه آنفا إذ مع العلم لا يبعد القول بالبطلان كما عرفت أيضا، و الله العالم.
الخامسة [في جواز فسخ كل من العامل و المالك القراض]:
قد صرح جملة من الأصحاب بأنه لما كان القراض من العقود الجائزة، فلكل من المالك و العامل فسخه بقوله فسخت القراض، أو أبطلته أو رفعته أو نحو ذلك مما يؤدى هذا المعنى أو بقول المالك للعامل لا تتصرف بعد هذا، أو يقول رفعت يدك، و كذا يحصل ببيع المالك المال لا بقصد اعانة العامل و حينئذ فإن كان هناك ربح يقسم بعد إخراج رأس المال، و ان لم يكن ثمة ربح فللعامل أجرة المثل الى ذلك الوقت الذي حصل فيه الفسخ.
و لو كان في المال عروض فهل للعامل أن يبيعها بغير اذن المالك؟ قولان:
و لو طلب منه المالك الانضاض هل يجب عليه أم لا؟ قولان: أيضا، و ان كان سلفا كان عليه جبايته.
قال في التذكرة: قد بينا أن القراض من العقود الجائزة من الطرفين كالوكالة و الشركة، بل هو عينهما، فإنه وكالة في الابتداء، ثم يصير شركة في الأثناء، فلكل واحد من المالك و العامل فسخه، و الخروج منه متى شاء، و لا يحتاج فيه الى حضور الأخر و رضاه، لان العامل يشترى و يبيع لرب المال باذنه فكان له فسخه كالوكالة، الى أن قال: إذا ثبت هذا فان فسخا العقد أو أحدهما فإن كان قبل العمل عاد المالك في رأس المال، و لم يكن للعامل أن يشترى بعده و ان كان قد عمل فان كان المال ناضا و لا ربح فيه أخذه المالك أيضا، و كان للعامل أجرة عمله الى ذلك الوقت، و ان كان فيه ربح أخذ رأس ماله و حصته من الربح، و أخذ العامل حصته منه، و ان لم يكن المال ناضا فان كان دينا بأن باع نسية باذن المالك، فان كان في المال ربح كان على العامل جبايته، و به قال الشافعي و أبو حنيفة، و ان لم يكن هناك ربح، قال الشيخ (رحمة الله عليه) يجب على العامل جبايته، و به قال الشافعي إلى آخر كلامه.
252
أقول: و الكلام هنا يقع في مواضع
الأول- قولهم أنه متى فسخ المالك و كان المال ناضا و لا ربح فيه
فللعامل أجرة المثل، قيل و وجهه من حيث أن عمله محترم باذن المالك، و ليس على وجه التبرع بل في مقابلة الحصة، و حيث أنه فاتت بفسخ المالك قبل ظهور الربح فإنه يستحق أجرة عمله الى حين الفسخ.
و فيه نظر، لانه لم يدخل الا على تقدير الحصة من الربح على تقدير وجودها، و من الجائز أن لا يحصل ربح بالكلية، أو يحصل مع فواته بجبر نقص رأس المال، فلا يحصل له شيء بالكلية، و الحصة فيما نحن فيه غير موجودة، و إثبات أجرة المثل يتوقف على الدليل، فان قيل: أنه انما جعل له الحصة على تقدير استمراره الى أن يحصل، و هو يقتضي عدم عزله قبل حصولها، فان خالف فقد فوتها عليه، فيجب عليه أجرته، قلنا: لا يخفى أن مقتضى عقد القراض حيث كان من العقود الجائزة هو جواز فسخه في كل وقت منهما، أو من أحدهما، فدخول العامل في هذا العقد مع علمه بما يقتضيه و يترتب عليه رضا منه بذلك فقول هذا القائل: أن العقد يقتضي عدم عزله قبل حصول الحصة، ليس في محله على أنك قد عرفت أنه يجوز أن يستمر العقد، و لا يحصل ربح بالكلية، أو يحصل و لكن يفوت بجبر نقصان رأس المال.
و بالجملة فإن إثبات هذه الأجرة المذكورة يحتاج الى دليل واضح، و ليس فليس، و التعليل المذكور عليل بما عرفت.
و هذا البحث يأتي أيضا فيما لو لم يكن المال ناضا لا ربح فيه، فان الكلام المذكور جار فيه أيضا، هذا كله فيما إذا كان الفسخ من المالك.
أما لو كان الفسخ في هذه الحال من العامل، فإنه لا شيء له كما هو ظاهر بعضهم، و الوجه فيه ظاهر، لقدومه على ذلك، و عدم صبره الى أن يحصل الربح و أجرة المثل انما أوجبوها على المالك في الصورة الأولى حيث أنه كان سببا في تفويت الأجرة، و حينئذ فلا شيء له.
253
و في التذكرة أطلق الحكم بثبوت الأجرة لو فسخا العقد أو أحدهما، و كان ناضا لا ربح، و الظاهر بعده.
الثاني- ما ذكروه فيما إذا كان الفسخ قبل الانضاض
، و كلامهم هنا مجمل يحتاج الى توضيح و تنقيح، فإنه لا يخلو في هذه الصورة اما أن يكون في المال ربح، أو لا، فعلى الأول متى قلنا بأن الربح يملك بمجرد الظهور كما هو الصحيح المشهور، و المؤيد المنصور، فان اتفقا على أن العامل يأخذ حصته من تلك العروض فلا بحث، و كذا ان اتفقا على الانضاض، و أخذ العامل حصته بعد الانضاض.
أما لو طلب المالك من العامل الانضاض من غير إرادته ذلك، فظاهرهم وجوب ذلك على العامل، قالوا: لان استحقاقه الربح و ان ثبت بالظهور الا أن استقراره مشروط بالإنضاض، لاحتمال ما يقتضي سقوطه.
و عندي فيه إشكال، لأن ذلك انما يتم قبل الفسخ، حيث أنه مقتضى عقد القراض، و أما بعده و صيرورة العامل كالأجنبي الشريك في ذلك المال، فإلزامه بما قالوه يتوقف على دليل واضح، سيما مع إمكان أخذ الحصة من العروض، فان غايته أنه يكون شريكا في تلك العروض، و الشريك لا يجب عليه الانضاض بطلب شريكه.
و هكذا باقي الكلام فيما لو طلب العامل الانضاض، فهل يجب على المالك إجابته أم لا؟ قولان: و الظاهر العدم لما عرفت أيضا.
و بالجملة فإن إثبات الوجوب على أحدهما بعد فسخ المعاملة يحتاج الى دليل واضح، و التمسك في دفعه بالأصل أقوى مستمسك.
و على الثاني فإن للمالك أن يأخذه ان شاء، و هل عليه أجرة المثل للعامل هنا أم لا؟ قولان: و الكلام هنا كما تقدم فيما إذا كان المال ناضا و لا ربح، كما أشرنا إليه آنفا.
254
و هل للعامل أن يبيعه ان أراد بغير رضا المالك أم لا؟ قولان: أظهرهما الثاني، لأن هذه العروض ملك للمالك، و لا تعلق للعامل فيها بوجه إذ المفروض عدم الربح و التصرف فيها بغير اذن المالك محرم بلا ريب.
و أما ما تعلق به القائل بالجواز من تعلق حق العامل به، و احتمال وجود زبون يزيد في الثمن، فيحصل الربح مردود. بأن تعلق حق العامل به انما يتم مع وجود شيء من الربح، إذ لا حق له في رأس المال، و المفروض هنا عدم وجود ربح بالكلية، و احتمال وجود زبون أضعف.
نعم لو كان الزبون موجودا بالفعل اتجه ما ذكره، و كان من قبيل ما لو ظهر فيه ربح كما قدمنا ذكره.
و هل للمالك في هذه الصورة إلزام العامل بالإنضاض أم لا؟ قولان: أيضا، و استدل على الأول
بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «على اليد ما أخذت حتى تؤدى».
و قد أخذه نقدا فيجب رده اليه، و لحدوث التغيير في المال بفعله، فيجب رده.
و لا يخفى ما فيه، فان الأخذ و التصرف بالشراء انما حصل باذن المالك، و التغيير انما نشأ عن اذنه، فلا يستعقب ضررا على العامل، و الأصل عدم الوجوب، و الخبر المذكور لا عموم فيه على وجه يشمل محل البحث، و مع تسليمه فإن الأداء أعم من أن يكون بالمثل أو العوض.
و بالجملة فالأصل العدم، و هو أقوى دليل في المقام، فلا يخرج عنه الا بنص واضح، و كذلك أيضا الأصل بعد ارتفاع العقد، البراءة من عمل لا عوض عليه.
الثالث [في كون المال سلفا بعد فسخ المضاربة]
- ما ذكروه فيما إذا كان المال سلفا و تفصيل القول في ذلك أنه لا ريب كما عرفت فيما تقدم أن العامل ليس له البيع بالدين الا مع الإذن، لأنه خلاف مقتضى عقد المضاربة، و كذا ليس له الشراء نسية الا مع ذلك لما ذكر، فلو فعل بغير اذن كان الثمن مضمونا عليه، و لا إشكال في ذلك.
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 504.
255
و انما الكلام فيما إذا أذن له المالك، و قد أطلق جمع منهم المحقق في الشرائع وجوب جبايته بعد الفسخ على العامل، و ظاهر عبارة التذكرة المتقدمة تقييد ذلك بما إذا كان في ذلك المال ربح، و عن الشيخ القول بالإطلاق كما هو ظاهر الجماعة المذكورين، و به صرح في القواعد أيضا فقال: إذا فسخ و المال دين وجب على العامل تقاضيه، و ان لم يظهر ربح.
و بالجملة فظاهرهم الاتفاق على وجوب الانضاض في الجملة، و انما الخلاف في تخصيص ذلك بصورة وجود الربح كما هو ظاهر التذكرة أو مطلقا، كما هو ظاهر الأكثر، و عللوا ذلك باقتضاء المضاربة رد رأس المال عن صفته، و الزبون لا يجرى مجرى المال، و لان الدين ملك ناقص، و الذي أخذه كان ملكا تاما فليؤد كما أخذ لظاهر «على اليد ما أخذت حتى تؤدى».
و أنت خبير بما في هذه التعليلات من عدم الصلوح، لابتناء الأحكام الشرعية عليها، كما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم، فان الوجوب و التحريم و نحوهما أحكام شرعية يتوقف على الدليل الواضح، و الأدلة عندنا منحصرة في الكتاب و السنة، و عندهم بضم الإجماع، و لا إجماع مدعى في المسئلة، على أن ما ذكروه من التعليل المذكور معارض بأن الإدانة إنما حصلت باذن المالك كما هو المفروض.
و قولهم ان المضاربة تقتضي رد رأس المال على صفته مسلم مع الاستمرار على العقد، و أما مع فسخه سيما ان كان الفاسخ هو المالك، فهو ممنوع و الأصل عدم الوجوب، و براءة الذمة منه، و هو أقوى دليل حتى يقوم الدليل الواضح على خلافه.
و أما قوله في المسالك في رد ذلك: أنه يضعف بأن اذن المالك فيه انما كان على طريق الاستيفاء لا مطلقا، بدلالة القرائن، و لاقتضاء الخبر ذلك.
ففيه ان ذلك انما يتم مع الاستمرار على العقد المذكور لا مع فسخه، سيما إذا كان الفاسخ له هو المالك.
256
و بالجملة فإن مقتضى عقد القراض و الاذن فيه هو جميع ما ذكره، و أما بعد فسخه فدعوى كون ذلك الإذن يقتضي ما ذكروه مع الحكم ببطلان العقد بالفسخ محل المنع، لاختلاف الحالين، و تغاير الحكمين من جميع الجهات، و من جملتها هذا الموضع، و المانع مستظهر و أما دعواه اقتضاء الخبر ذلك فهو أضعف، لما عرفت، و لو تم الاستدلال بهذا الخبر على ما ذكروه للزم منه أيضا جريان ذلك في الوكيل، إذا اشترى باذن موكله عروضا ثم عزله الموكل عن الوكالة، فإنه يجب عليه بيع تلك العروض، و تنقيد الثمن، و الرد على المالك كما قبضه منه و لا قائل بذلك فيما أعلم، و هم قد صرحوا كما تقدم بأن عقد القراض يتضمن الوكالة، بل هو وكالة في الأول كما تقدم في كلام العلامة و غيره مع أنه لم يصرح أحد منهم في الوكالة بذلك بل الظاهر أنه متى عزله الموكل امتنع تصرفه سواء كان المال نقدا أو عروضا.
فرع [انفساخ العقد بموت صاحب المال]:
لو مات صاحب المال انفسخ العقد لان موت أحدهما من جملة أسباب الفسخ، فلو كان ذلك و المال عروض فالظاهر أنه لا إشكال في جواز بيع العامل له مع الاتفاق على ذلك بينه و بين الوارث.
و أما مع عدم الاتفاق على ذلك فظاهر الأصحاب أن الكلام هنا حسب ما تقدم من الخلاف في صورة الفسخ مع حيوة المالك، من أنه هل لكل واحد منها مطالبة الأخر بالإنضاض أم لا؟ و ظاهر جملة منهم أن للعامل هنا البيع بالاذن السابق الا أن يمنعه الوارث، و قيل: انه ليس للعامل البيع، و ان لم يمنعه الوارث، لان المال الان حق لغير من أذن فيه أو لا، فلا يجوز التصرف فيه الا بإذنه لبطلان العقد، و هو جيد.
و في التذكرة نسب الأول إلى المشهور بين الشافعية و الثاني إلى وجه
257
آخر لهم أيضا، و نفى عنه البأس، و وجهه ظاهر كما عرفت، و الله العالم.
السادسة [في عدم جواز مضاربة غيره إلا بإذن المالك]:
قد تقرر ان مقتضى المضاربة هو عمل العامل بنفسه، فلا يجوز أن يضارب غيره الا بإذن المالك لما فيه من التغرير بمال المالك، و التصرف فيه بغير اذنه، و هو محرم، فان اذن له المالك صح و كان وكيلا من قبل المالك في ذلك، فان كان بعد عمل العامل الأول و قد ظهر فيه ربح فله حصته من الربح، بناء على الأشهر الأظهر من أنه يملك الربح بمجرد الظهور.
و أما على القول بتوقفه على الانضاض أو القسمة فلا، و لكن له أجرة المثل بمقتضى كلام الأصحاب و به صرح في التذكرة هنا أيضا، و أيما كان فإنه ليس للعامل الأول على هذا التقدير أن يشترط لنفسه شيئا من الربح، إذ ليس له مال و لا عمل هنا، و الربح تابع لهما، و لا فرق في هذه الصورة بين جعل الحصة للعامل الثاني بقدر حصة الأول التي وقع عليها الاتفاق بين المالك و العامل الأول، أو أقل، و على تقدير كونها أقل فإن هذه الزيادة لا يستحقها العامل الأول، إذ ليس هذا عملا من أعمال التجارة التي يستحق به حصة، بل هي للمالك، و لو كان أذن المالك للعامل الأول في المضاربة، لا بهذا المعنى المذكور، بل بمعنى إدخال من أراد معه، و جعلهما اثنين مثلا، و حاصله جعل الثاني شريكا له في العمل و الحصة، فلا مانع من ذلك، بل يكون صحيحا لزوال المانع المذكور آنفا، و هو عدم العمل، هذا كله مع الاذن له في المضاربة.
أما لو لم يأذن له فإنه لا يصح القراض الثاني، لما عرفت آنفا من أنه تصرف بغير اذن المالك، و تغرير به.
و حينئذ فلو عمل به العامل الثاني و الحال هذه و ظهر فيه ربح فلا خلاف في أن نصفه للمالك، و انما الخلاف في النصف الأخر، و فيه أقوال ثلاثة:
أحدها- أنه للعامل الأول، و اختاره في الشرائع و العلامة في الإرشاد و علل
258
بوقوع العقد الصحيح بينه و بين المالك، على أن يكون ذلك له، فيستحقه لاشتراطه له، و عقده مع الثاني باطل لما عرفت.
قالوا: و على هذا فللعامل الثاني على الأول أجرة مثل عمله، لانه غره.
و فيه انه انما يتم مع جهل العامل الثاني أما مع علمه بكون العامل الذي ضاربه غير مالك، و لا مأذون من المالك، فإنه لا يستحق شيئا، لأنه تصرف في مال الغير بغير اذنه مع علمه بأنه ممنوع منه، و في هذا القول أيضا زيادة على ما عرفت أنه لا يخلو اما أن يكون العامل الثاني قد شرى بعين المال، أو في الذمة، و على الأول فإن العقد يكون فضوليا، لانه غير مأذون من المالك فينبغي بمقتضى صحة العقد الفضولي عندهم أن يكون موقوفا على الإجازة، فان اجازه المالك فالواجب أن يكون الربح كله له، لان العامل الأول لم يعمل شيئا، و الثاني غير مأذون.
و على الثاني فإن نوى و صرح بالمالك فكذلك أيضا، و الا وقع لمن نواه و لنفسه ان أطلق، و به يظهر أن ما أطلق في هذا القول من كون الحصة للعامل الأول ليس في محله.
و ثانيها- أن النصف الأخر للمالك، و هو ظاهر العلامة في التذكرة قال بعد ذكر المسئلة: فان حصل ربح فالأقرب أنه للمالك، ثم لا يخلو اما أن يكون العامل الثاني عالما بالحال أو لا، فان كان عالما لم يكن له شيء، و ان لم يكن عالما رجع على الأول بأجرة المثل، انتهى.
و كلامه ظاهر في منع العامل الثاني من الربح و عدم استحقاقه شيئا منه، و أما الأول فلم يتعرض له، و ينبغي أن يعلم أن الوجه في عدم استحقاقه، هو انه لم يعمل شيئا يوجب استحقاقه بشيء من الربح، و علل منع الثاني أيضا، بأن عقده فاسد، فلا يترتب عليه أثر، و الحق هو التفصيل بما تقدم في القول الأول من أن الشراء وقع بعين المال أو في الذمة حسب ما عرفت، و به يظهر أنه
259
لا يتم القول بأن عقده فاسد.
و ثالثها- ان النصف بين العاملين بالسوية، اتباعا للشرط، خرج منه النصف الذي أخذه المالك، فكأنه تالف، و انحصر الربح في الثاني، قالوا: و على هذا فيرجع العامل الثاني على الأول بنصف أجرته، لأنه دخل على نصف الربح بتمامه، و لم يسلم اليه الا نصفه.
قيل: و يحتمل هنا عدم الرجوع، لان الشرط محمول على اشتراكهما فيما يحصل، و لم يحصل الا النصف.
و كيف كان فينبغي أن يعلم أن هذا كله مع الجهل ليتم التوجيه المذكور و الا فمع العلم فالعمل على ما تقدم من التفصيل بكون الشراء بالعين، أو في الذمة، فلا يتم ما ذكر هنا.
أقول: و هذه الأقوال الثلاثة نقلها المحقق في الشرائع في المسئلة، و اختار الأول منها، و قال في المسالك: و هذه الأقوال ليست لأصحابنا، و لا نقلها عنهم أحد ممن نقل الخلاف، و انما هي وجوه للشافعية، موجهة ذكرها المصنف و العلامة في كتبه.
و فيه انك قد عرفت اختيار المحقق القول الأول من هذه الأقوال الثلاثة، و هو أيضا اختيار العلامة في الإرشاد و الثاني منها اختيار العلامة في التذكرة، و مثله في القواعد.
و اما الثالث فلم أقف على قائل به، و به يظهر أن قوله في المسالك ان هذه الأقوال ليست لأصحابنا، و انما هي وجوه للشافعية ليس في محله، فان ذكر الشافعية لها وجوها في المسئلة لا ينافي اختيار أصحابنا لما يترجح عندهم منها، بل أنت إذا تأملت بعين التحقيق عرفت أن جميع الفروع الغير المنصوصة في أخبارنا في جل أبواب الفقه انما هي للعامة، و أصحابنا قد جروا على ما جروا عليه فيما يختارونه منها، كما تقدم التنبيه عليه في غير موضع، و منها هذه المسئلة.
260
و القول الثالث في هذه الأقوال قد نقله العلامة في التذكرة بعد اختياره القول الثاني عن المزني من الشافعية، و قال: انه قول الشافعي في القديم، ثم انه قال في المسالك بعد البحث و ذكر الأقوال فيها: و التحقيق في هذه المسئلة المترتب على أصولنا أن المالك ان أجاز العقد فالربح بينه و بين الثاني على الشرط، و ان لم يجزه بطل، ثم الشراء ان كان بالعين وقف على اجازة المالك، فان أجازه فالملك له خاصة، و لا شيء لهما في الربح، أما الأول فلعدم العمل، و أما الثاني فلعدم الاذن له، و عدم وقوع العقد معه، و الثاني أجرة مثل عمله على الأول مع جهله، لا مع علمه، و ان كان الشراء في الذمة و نوى صاحب المال فكذلك، و ان نوى ممن عامله وقع الشراء له، لانه وكيله و ان لم ينو شيئا أو نوى نفسه فالعقد له، و ضمان المال عليه لتعديته بمخالفة مقتضى المضاربة، و حيث لا يقع العقد للعامل الثاني فله الأجرة على الأول مع جهله ان لم يتعد مقتضى المضاربة عمدا، انتهى.
و هو جيد الا انه في جل المواضع مبتن على القول بصحة العقد الفضولي و توقفه على الإجازة، و أما على القول ببطلانه كما هو الظاهر عندي و عند جملة من المحققين كما تقدم في محله فالأمر واضح في جملة هذه المواضع و الله العالم.
السابعة: لو أنكر العامل مال القراض
فأثبته المالك بالبينة، فادعى العامل بعد ذلك التلف، فقد صرح الأصحاب بأن هذه الدعوى الأخيرة غير مقبولة، و كذا الحكم فيما لو ادعى عليه وديعة أو غيرها من الأمانات فأنكرها، ثم بعد الإثبات ادعى التلف قالوا: و الوجه فيه أن دعواه التلف مكذبة لإنكاره الأول و موجبة للإقرار به، و إنكاره الأول نوع تعد في المال، و الواجب عليه في جميع هذه المواضع البدل أو القيمة.
أما لو كان جوابه لا يستحق عندي شيئا و ما أشبهه لم يضمن، إذ ليس في
261
ذلك تكذيب للبينة، و لا للدعوى الثانية فإن المال إذا تلف بغير تفريط لا يستحق عليه بسببه شيئا، و حينئذ فيقبل قوله في التلف من غير تفريط بيمينه، و ثبوت القراض بالبينة لا ينافي جواز تلفه بعد ذلك بغير تفريط، و قد تقدم أن العامل أمين يقبل قوله بيمينه، و هو ظاهر.
و لو ادعى الغلط في الربح أو قدره بأن قال أولا ربحت، أو ربحت كذا، ثم ادعى الغلط في ذلك، و انه ما ربح شيئا أو ربح شيئا أقل مما ذكره أولا، فإنه يؤخذ بإقراره الأول، و لا يسمع دعوى الغلط كما هو شأن جميع الأقارير.
نعم لو قال: خسرت بعد ذلك أو تلف، فإنه يقبل قوله بيمينه كما تقدم.
و لو ذكر لما ادعاه من الغلط وجها يمكن استناده اليه و ابتناءه عليه فلا يبعد قبول قوله، كما مر مثله، بأن ظن هنا أن متاعه يشترى بكذا و كذا زيادة على القيمة التي ابتاع بها، فظهر كذب ظنه، و نحو ذلك فليس فيه الا ارتكاب التجوز في اخباره بالبناء على الظن، و مثله في باب المجاز غير عزيز و الله العالم.
الثامنة [عدم استحقاق شيء من الربح حتى يستوفى المالك جميع رأس ماله]:
- الظاهر أنه لا خلاف في أنه ليس لأحد من العامل و المالك استحقاق شيء من الربح استحقاقا تاما حتى يستوفى المالك جميع رأس ماله، فلو كان في المال خسران و ربح جيرت الوضيعة من الربح، سواء كان الخسران و الربح في مرة واحدة، أو الخسران في صفقة، و الربح في أخرى أو الربح في سفر، و الخسران في سفر آخر لان معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال، و إذا لم يفضل شيء فلا ربح.
قال في التذكرة بعد ذكر الحكم المذكور: و لا نعلم في هذا خلافا، إذا تقرر ما ذكرناه فاعلم: أنهم قد صرحوا بأنه ليس لأحدهما قسمة الربح قبل فسخ العقد قسمة إجبار، بل يتوقف على رضاهما معا، فلا يجبر أحدهما لو امتنع.
أما العامل فإنه لا يجبر لو طلب المالك القسمة، لأنه لا يأمن أن يخسر المال بعد ذلك، و يكون قد خرج ما أخذه من الربح، و فات من يده، فيحتاج
262
الى غرم ما حصل له بالقسمة، و في ذلك ضرر عليه، فلا يلزم الإجابة الى ما فيه ضرر عليه.
و أما المالك فإنه لا يجبر أيضا على القسمة لو طلبها العامل، لان الربح وقاية لرأس ماله، فله أن يقول: لا ادفع إليك شيئا من الربح حتى يسلم لي رأس مالي، ثم انه لو تراضيا بالقسمة قبل الفسخ، فقد عرفت أنه لم يحصل استقرار الملك للربح، و على هذا فلو حصل الخسران بعد ذلك صبر المالك الى أن ينجبر هذا النقص بتجارة أخرى، و الا فإنه يجب على العامل جبره بما أخذ من الربح، لانه لم يملك ما أخذه ملكا مستقرا، بل مراعى بعدم الحاجة إليه لجبر الخسران، و حينئذ فإذا اتفق الخسران بعد قسمتهما الربح رد العامل أقل الأمرين مما وصل اليه من الربح، و مما يصيبه من الخسران، لأن الأقل ان كان هو الخسران، فلا يلزمه سوى جبر المال، و الفاضل له، و ان كان هو الربح، فلا يلزمه الجبر الا به، و كذا يحتسب المالك برجوع أقل الأمرين اليه.
و توضيح ذلك بأن نفرض أن أصل المال مأة درهم، و الربح عشرون درهما، و الشرط أن يكون الربح بينهما نصفين، و بموجبه يكون النقصان كذلك، فاقتسما الربح و صار حصة العامل عشرة دراهم ثم انه اتفق نقصان المال من التجارة عشرين درهما، فعلى العامل عشرة دراهم، و هي تمام حصته، لان له نصف الربح فعليه نصف النقصان، و باقي النقصان على حصة المالك، و لو كان الخسران ثلاثين درهما و الربح كما تقدم، فان حصته من النقصان بموجب ما عرفت خمسة عشر درهما، و حصته من الربح انما هي عشرة، فيأخذ هنا بالأقل الذي هو حصته من الربح، فإنه لا يلزم بأزيد مما يأخذه، و لا يكلف بالجبر من غير الربح، و لو كان الخسران عشرة دراهم فان حصته من الخسران خمسة دراهم بموجب ما عرفت، و هي أقل من حصته من الربح التي هي عشرة كما عرفت فيؤخذ بالأول الذي هو الأقل و الخمسة الأخرى على المالك، و على هذا يكون الزائد له، لأن الأمر هنا بالحصة،
263
و الرصد و الذي يتعلق بالعامل من ذلك هو النصف، و النصف الأخر بالمالك، و منه يعلم ما يتعلق بالمالك.
التاسعة [في أن التالف من مال التجارة يجبر بالربح]:
الظاهر أنه لا خلاف في أن التالف من مال التجارة كلا أو بعضا بعد دورانه في التجارة يجبر بالربح، و المراد بدورانه في التجارة التصرف فيه بالبيع و الشراء، لا مجرد السفر به، قبل وقوع شيء من ذلك، و يمكن أن يستدل على هذا الحكم أعنى جبر الفائت كلا أو بعضا بالربح بالأخبار الكثيرة المتقدمة، الدالة على أنه مع المخالفة يضمن المال، و الربح بينهما.
و منها
صحيحة محمد بن مسلم (1) «عن أحدهما (عليهما السلام) «قال:
سألته عن الرجل يعطى المال مضاربة و ينهى أن يخرج به، فيخرج قال: يضمن المال و الربح بينهما».
و التقريب فيها ما تقدم من أن الربح هو الفاضل عن رأس المال فيما لم يفضل عن رأس المال شيء فلا ربح، و قد ادعى عليه في التذكرة الإجماع، كما تقدمت الإشارة اليه، و حينئذ فلا بد من جبر التالف ليحصل بقاء المال، فما زاد على ذلك يتصف بكونه ربحا يتعلق به القسمة بينهما، و ظاهر الأصحاب أنه لا فرق في الفوائت التي يترتب عليها الخسران بين أن يكون بآفة سماوية أو بغصب غاصب أو سرقة أو نحو ذلك.
و وجه الإطلاق في ذلك ما عرفت من أن الربح وقاية لرأس المال فما دام المال لا يكون موجودا بكماله، فلا ربح، و ربما قيل: باختصاص الحكم بما لا يتعلق فيه الضمان بذمة المتلف، لأنه حينئذ بمنزلة الموجود فلا حاجة الى جبره، و لانه نقصان لا يتعلق بتصرف العامل و تجارته بخلاف النقصان الحاصل بانخفاض السوق و نحوه: و المشهور عدم الفرق.
قال في التذكرة: لو حصل في المال نقص بانخفاض السوق، فهو خسران
____________
(1) الكافي ج 5 ص 240 ح 2 الوسائل ج 13 ص 181 ح 1.
264
مجبور بالربح، و كذا ان نقص المال بمرض حادث أو بعيب متجدد، و أما ان حصل نقص في العين بأن يتلف بعضها فان حصل بعد التصرف في المال بالبيع و الشراء، فالأقرب انه كذلك، و أكثر الشافعية على أن الاحتراق و غيره من الآفات السماوية خسران مجبور بالربح أيضا.
و أما التلف بالسرقة و الغصب ففيه لهم وجهان، و فرقوا بينهما بأن في الغصب و السرقة يحصل الضمان على الغاصب و السارق، و هو يجبر النقص فلا حاجة الى جبره بمال القراض، و أكثرهم لم يفرقوا بينهما، و سووا بين التلف بالآفة السماوية و غيرها، فجعلوا الوجهين في النوعين: أحدهما المنع، لانه نقصان لا تعلق له بتصرف العامل و تجارته، بخلاف النقصان الحاصل بانخفاض السوق، و ليس هو بناش من نفس المال الذي اشتراه العامل، بخلاف المرض و العيب فلا يجب على العامل جبره.
و كيف كان فالأصح عندهم أنه مجبور بالربح انتهى كلامه.
و به يظهر لك أن ما ذكره الأصحاب في المقام مأخوذ من كلام الشافعية هنا، كما أشرنا إليه فيما تقدم، و هذا كله فيما إذا حصل التلف في المال بعد دورانه في التجارة.
أما لو كان قبل ذلك فلا يخلو اما أن يكون التالف الجميع أو البعض، و على الثاني فالأقرب عندهم جبره بالربح، كما لو دفع له مأة فتلف منها قبل الاستعمال خمسون، فإنه يجبر التالف بالربح، لانه تعين للقراض بالعقد و الدفع الى العامل و قبض العامل له، و حينئذ يكون رأس المال مأة كذا صرح به في التذكرة.
و على الأول فالذي صرح به في التذكرة، هو أنه ان كان التلف بآفة سماوية أو من جهة المالك انفسخ العقد، لزوال المال الذي تعلق به العقد، فان اشترى بعد ذلك للمضاربة كان لازما له، و الثمن عليه، سواء علم بتلف المال قبل نقد الثمن أو جهل ذلك، الا أن يجيز المالك الشراء، فإن أجاز احتمل أن يكون
265
قراضا- كما لو لم يتلف المال- و عدمه كما لو لم يأخذ شيئا من المال، أما لو أتلفه أجنبي قبل دورانه في التجارة، و قبل تصرف العامل فيه، فان العامل يأخذه بماله، و يكون القراض باقيا فيه، لان القراض كما يتناول عين المال فكذا يتناول بدله كاثمان السلعة التي يبيعها العامل، و المأخوذ من الأجنبي عوضا بدل.
و قال في المسالك: أنه أى تلف المال كلا قبل الدوران موجب لبطلان العقد، فلا يمكن جبره، الا أن يحمل على ما لو أذن له في الشراء في الذمة فاشترى، ثم تلف المال و نقد عنه الثمن، فان القراض يستمر و يمكن جبره حينئذ بالربح المتجدد، كلامهما متفق على البطلان في الصورة المذكورة إلا مع التأويل بما ذكره كل منهما، و ان تغاير التأويلان.
و قال في الشرائع: إذا تلف مال القراض أو بعضه بعد دورانه في التجارة احتسب التالف من الربح، و كذا لو تلف قبل ذلك، و في هذا تردد.
قال في المسالك: وجه التردد فيما لو كان تلفه قبل الدوران من أن وضع المضاربة على أن الربح وقاية لرأس المال، فلا يستحق العامل ربحا الا بعد أن يبقى رأس المال بكماله، لدخوله على ذلك، و عدم دورانه لا دخل له في الحكم بخلافه، و من أن التلف قبل الشروع في التجارة يخرج التالف عن كونه مال قراض، و الأقوى عدم الفرق، لأن المقتضي لكونه مال قراض هو العقد، لا دورانه في التجارة، فمتى تصور بقاء العقد و ثبوت الربح جبر ما تلف مطلقا انتهى.
أقول: قد عرفت أن مقتضى تلف المال قبل الدوران هو بطلان المضاربة كما اعترف به فيما قدمنا نقله عنه، و كذا في ما قدمناه من كلام التذكرة، و مقتضى ذلك أنه لا ربح هنا بالكلية ليحصل به الجبران، و لم يبق الا الحمل على ما ذكره من التأويل، و هو مع بعده عن ظاهر عبارة المصنف غاية البعد، مدخول بأن الظاهر انما هو عدم الجبران.
قوله: ان وضع المضاربة على أن الربح وقاية لرأس المال الى آخره مسلم
266
الا أنه فرع وجود رأس المال فإن رأس المال انما يصدق كما هو المتبادر على المبلغ الذي دفعه المالك، و هو قد تلف كما هو المفروض، و الربح الذي يجب الجبر به انما هو ما حصل من ذلك المال بعد المعاملة به، و هذا الربح الذي حصل بالشراء في الذمة لم يترتب على ذلك المال المقروض، لانه قد ذهب قبل دورانه، و يؤيده أن الأصل بقاء ملك العامل لهذا الربح و خروجه عنه الى أن يجبر به الفائت يحتاج الى الدليل.
نعم قام الإجماع. و ظاهر ما تقدم من الاخبار على الجبر بعد الدوران، فيبقى ما عداه على حكم الأصل، و بذلك يظهر أن قوله و عدم دورانه لا دخل له في الحكم بخلافه ليس في محله.
و بالجملة فإنا لا نمنع بقاء العقد في صورة التأويل الذي فرضه- و بنى عليه الكلام، لعدم فسخه و ارتفاعه مع الاذن في الشراء في الذمة، و ظهور ربح هناك- و انما نمنع من جبر التالف بهذا الربح، إذ المتبادر من الاخبار و كلام الأصحاب أن الربح الذي يجبر التالف انما هو ربح ذلك المال الذي وقعت المعاملة به، و رأس المال الذي يخرج أولا انما هو المستعمل في التجارة و كونه مال التجارة، إنما يصدق حقيقة بعد الدوران لا قبله، بمعنى جبر التالف بالربح أي الذي عرض له التلف بعد حصول الربح فيه، لا ما لم يكن كذلك.
و كيف كان فالمانع مستظهر، و الله العالم.
العاشرة [جواز تعدد كل من العامل و المالك]:
يجوز تعدد كل من العامل و المالك فيضارب المالك اثنين، و بالعكس، فإذا تعدد العامل بأن قارض الواحد اثنين، اشترط تعين الحصة لهما و لا يجب عندهم تفصيلها، بل يجوز أن يجعل النصف لهما، فيحكم بالنصف لهما بالسوية، لاقتضاء الإطلاق ذلك، و أصالة عدم التفصيل، و فيه نظر قد تقدم ذكره في المسئلة الرابعة من المقصد الثالث في
267
الربح و لو شرط التفاوت بينهما بأن جعل لأحدهما ثلث الربح، و للآخر ربعه فأبهم و لم يعين بطل، و لو عين الثلث لواحد بعينه، و الربح للآخر صح، لان عقد الواحد مع اثنين في حكم عقدين قد قارض في أحدهما بثلث الربح، و في الأخر بالربع، و قد تقدم إيضاح ذلك في المسئلة المذكورة، و إذا اتحد العامل و تعدد المالك فلو بينا نصيب العامل من الربح بأن جعلا له نصف الربح، و لهما الباقي يكون بينهما على ما يشترطانه من التفاضل و التساوي، سواء كان على نسبة المالين أم لا، و به أفتى في التذكرة و نقل عن الشافعي المنع من التفاضل مع تساوى المالين، و التساوي مع تفاضلهما، لان الربح يكون تابعا للمال، فإذا شرطا له النصف كان النصف الأخر بينهما بالسوية، فشرط التفاوت فيه يكون شرطا لاستحقاق ربح بغير عمل و لا مال.
و لو شرط أحدهما للعامل النصف من حصته من الربح، و شرط الأخر له الثلث على أن يكون الباقي بينهما نصفين صح على القول الأول، و بطل على قول الشافعي، قال: انه لا يجوز، لأن أحدهما يستحق مما بقي بعد شرطه النصف و الأخر يستحق الثلثين، و لا يجوز أن يشترط التساوي، فيكون قد شرط أحدهما على الأخر من ربح ماله بغير عمل عمله، و لا مال يملكه.
أجاب القائلون بالقول الأول بأن الفاضل الذي أخذه الشريك من حصة العامل، لا من حصة شريكه، و توضيحه أن الأصل لما اقتضى التساوي في الربح للشريكين مع التساوي في المال كان شرط التفاوت المذكور منصرفا إلى حصة العامل، بمعنى أن شارط الزيادة يكون قد جعل للعامل أقل مما جعل له أخذ النقيصة، و هو جائز، و منه علم حجة القول الأول.
أقول: و من تعارض هذين الوجهين في المسئلة تردد المحقق في المسئلة المذكورة و هو في محله، لعدم النص الواضح في المقام، و ان كان القول الأول لا يخلو من قوة.
268
هذا فيما لو اشترطا التفاضل في القسمة مع إطلاق النصف الذي عيناه للعامل بمعنى أنه لم يعين نصيب كل منهما من ذلك النصف الذي جعلاه له، أما لو عيناه بأن قالا لك نصف الربح على أن يكون بالمناصفة بيننا، فيرجع الى أنه قد جعل له كل واحد منهما ربع الربح، فإنه بهذا التعيين يخرج المسئلة عما قلناه هنا من الخلاف، و يرجع الكلام في ذلك الى ما تقدم في كتاب الشركة من اشتراط التفاوت في الربح مع تساوى المالين، و بالعكس و قد تقدم البحث في ذلك في المسئلة الخامسة (1) من الفصل الأول من الكتاب و الله العالم.
الحادية عشر [في شراء العامل شيئا للقراض و تلف الثمن قبل الدفع]
- اختلف الأصحاب في ما لو اشترى العامل شيئا للقراض فتلف الثمن قبل دفعه البائع، قال الشيخ في الخلاف: إذا دفع إليه ألفا للقراض فاشترى به عبدا للقراض، فهلك الالف قبل أن يدفعه في ثمنه، اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب، قال أبو حنيفة و محمد: يكون المبيع لرب المال، و عليه أن يدفع إليه ألفا غير الأول، ليقضي به دينه، و يكون الأول و الثاني قراضا و هما معا رأس المال، و قال مالك: رب المال بالخيار بأن يعطيه ألفا غير الأول ليقضي به الدين و يكون الألف الثاني رأس المال دون الأول، أو لا يدفع إليه شيئا، فيكون المبيع للعامل، و الثمن عليه، و نقل البزنطي عن الشافعي أن المبيع للعامل، و الثمن عليه، و لا شيء على رب المال، و هو اختيار أبى العباس، قال الشيخ: و هو الذي يقوى في نفسي لأنه لا يخلو اما أن يكون الالف تلف قبل الشراء، أو بعده، فان كان تلف قبل الشراء وقع الشراء للعامل، لانه اشتراه بعد زوال القراض، و ان كان التلف بعد الشراء فالبيع وقع لرب المال، و عليه أن يدفع الثمن من ماله الذي سلمه اليه، فإذا هلك المال فحول الملك الى العامل، و كان الثمن عليه، لان رب المال انما فسخ للعامل في التصرف في ألف اما أن يشترى به بعينه، أو في الذمة، و ينقد عنه، و لم يدخل على أن يكون له في القراض أكثر منه.
____________
(1) ص 163.
269
و قال في المبسوط: إذا دفع ألفا قراضا فاشترى به عبدا للقراض فهلك الالف قبل أن يدفعه، قال قوم: ان المبيع للعامل و الثمن عليه و لا شيء على رب المال و قال قوم: المبيع لرب المال، و عليه أن يدفع إليه ألفا غير الأول، فيقضي به دينه، و يكون الألف الأول و الثاني قراضا و هما معا رأس المال و هو الأقوى، و به قال ابن البراج، ثم نقل مذهب مالك الذي قدمنا نقله عنه في الخلاف، ثم قال: و إذا سرق المال قبل أن يدفعه في ثمن المبيع قال قوم: يكون للعامل و الثمن عليه، و لا شيء على رب المال، و في الناس من قال: إذا تلف المال قبل الشراء، فالمبيع للمشتري، لأنه اشتراه بعد زوال عقد القراض، و ان كان بعد الشراء كان الشراء للقراض و وقع الملك لرب المال، لانه اشتراه و القراض بحاله، لأن الإذن قائم، و إذا كان الشراء له كان الثمن عليه، و إذا دفع إليه ألفا آخر ليدفعه في الثمن، نظرت فان سلم فلا كلام، و ان هلك فعليه غيره كذلك أبدا، فعلى هذا إذا هلك الالف الأول، و دفع إليه ألفا آخر فدفعه في الثمن، فإن الألفين يكون رأس المال، و هو الصحيح، لأن الألف تلف بعد أن قبضه العامل، فلم يكن من أصل المال، كما لو كان في التجارة، انتهى.
و قال الشيخ المفيد: إذا ابتاع المضارب متاعا لصاحب المال، و أراد نقد الثمن، فوجد المال قد هلك، فنقد من عنده في المتاع كان المتاع له دون صاحب المال، و كان الربح له و الخسران عليه، و لم يكن لصاحب المال فيه نصيب على حال.
و قال ابن إدريس: ان كان المضارب اشترى العبد بثمن في الذمة لا بعين المال فالعبد للمضارب دون رب المال، و يجب على العامل الذي هو المضارب أن يدفع من ماله ألفا ثمن العبد، و البيع لا ينفسخ، لأن الأثمان إذا كانت في الذمة لا ينفسخ البيع بهلاكها، لأنها غير معينة، و ان اشترى بعين مال المضاربة انفسخ البيع، و كان العبد ملكا لبائعه، على ما كان دون العامل، و دون رب مال المضاربة لان
270
هلاك الثمن المعين يوجب الفسخ، قال: و هذا الذي اخترناه مذهب شيخنا في مواضع كثيرة من كتب مسائل الخلاف و المبسوط، انتهى.
أقول: و المسئلة المذكورة و ان كانت خالية من النصوص على العموم و الخصوص، الا أن مقتضى قواعدهم في هذا الباب هو التفصيل، بأن يقال: ان كان تلف المال بعد الشراء بتفريط من العامل اما بعدم الحفظ أو بالتأخير عن الدفع فإنه يكون ضامنا، و يكون القراض باقيا و يجب عليه الدفع إلى البائع، و ان لم يكن بتفريط، فلا يخلو اما أن يكون الشراء بالعين أو في الذمة، فإن كان الشراء بالعين بطل البيع، و وجب دفع المبيع إلى بائعه كما ذكره ابن إدريس، و ان كان في الذمة فإن كان مأذونا من المالك وقع الشراء للقراض، و وجب على المالك دفع الثمن عوض التالف، و يكون الجميع رأس المال فيجبر بالربح عندهم، كما تقدم.
و ان لم يكن مأذونا من المالك بطل الشراء ان أضاف ذلك الى المالك و القراض، و ترد المبيع على بائعه، الا أن يجيز المالك ذلك بناء على صحة العقد الفضولي، فإن أجاز المالك وجب عليه دفع الثمن ثانيا و ثالثا و هكذا، و يكون الجميع رأس المال كما تقدم، و ان لم يضف ذلك الى المالك و لا القراض، بل أضافه الى نفسه أو أطلق وقع الشراء للعامل، و عليه دفع الثمن، و عليه يحمل إطلاق كلام ابن إدريس هذا مقتضى قواعدهم في الباب و الله العالم بحقيقة الحق و الصواب.
الثانية عشر [فيما دفع إليه مالا قراضا على أن يأخذ له بضاعة]
- إذا دفع اليه مالا قراضا و شرط عليه أن يأخذ له بضاعة، فهل يصح القراض و الشرط، أولا يصح شيء منهما، أو يصح القراض و يبطل الشرط؟
أقوال: أولها- للعلامة في المختلف و المحقق في الشرائع، و ثانيهما- أحد قولي الشيخ و به جزم ابن البراج، و ثالثهما- للشيخ أيضا.
271
قال في المبسوط: إذا دفع إليه ألفا قراضا بالنصف على أن يأخذ منه ألفا بضاعة بطل الشرط، لان العامل في القراض لا يعمل عملا بغير جعل، و لا قسط من الربح، و إذا بطل الشرط بطل القراض، لان قسط العامل يكون مجهولا، لان المالك انما يحصل له النصف حتى اشترط العامل له عملا بغير جعل، فيذهب من نصيب العامل قدر ما زيد فيه لأجل البضاعة، و هو مجهول.
ثم قال: و ان قلنا أن القراض صحيح، و الشرط جائز- لكنه لا يلزم الوفاء به، لأن البضاعة لا يلزم القيام بها- كان قويا، و جزم ابن البراج بالأول.
و قال في المختلف بعد نقل ذلك: و الحق صحة الشرط و العقد، و أي منافاة بين أن يعمل العامل عملا في مال بعوض، و في غيره بغير عوض، لنا وجود المقتضى و هو العقد، و
قوله (عليه السلام) (1): «المؤمنون عند شروطهم».
و المانع منتف لما بيناه، فيثبت القراض و الشرط، و يجب عليه القيام به، لقوله (عليه السلام) «المؤمنون عند شروطهم»، و قال في المسالك: و هو الأقوى.
أقول، و ملخص حجة القول ببطلان الجميع أن وضع القراض على أن يكون للعامل في مقابلة عمله جزء من الربح، و هذا العمل ليس في مقابلة شيء فيفسد الشرط، و يتبعه العقد، لان قسط العامل يكون مجهولا، لاقتضاء الشرط قسطا من الربح، و قد بطل، فيبطل ما يقابله فيجهل الحصر في النصف.
و رد بمنع منافاة هذا الشرط لمقتضى العقد، فان مقتضاه أن يكون عمله في مال القراض بجزء من الربح، أما غيره فلا، فإذا تناوله دليل مجوز لزم القول بجوازه.
و أنت خبير بأن المسئلة غير خالية من الاشكال على كل من هذه الأقوال، و توضيح ذلك أن البضاعة لا يجب القيام بها، لان مبناها على الجواز، و القراض
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
272
أيضا من العقود الجائزة كما عرفت لا يلزم الوفاء به، فلا يلزم الوفاء بما شرط في عقده، لأن الشرط كالجزء من العقد تابع له، فلا يزيد عليه، و الحال أن المالك لم يعين للعامل هذه الحصة الا من حيث هذا الشرط، فإن وفى به فلا بحث، و الا أشكل الأمر.
و مقتضى القواعد كما عرفت أنه لا يلزم للعامل الوفاء به، فمتى أخل به تسلط المالك على الفسخ، و لو كان ذلك له بدون الشرط الا أن هذا سبب زائد، فلو فسخ و الحال هذه فان كان قبل ظهور ربح، فمقتضى قواعدهم أن للعامل عليه الأجرة كما تقدم، و ان كان بعد ظهوره فهل يكون جميع الربح للمالك نظرا إلى أنه لم يبذله للعامل الا بالشرط، و قد فات، أو للعامل حصته المعينة، نظرا الى ملكه لها بالظهور قبل الفسخ، و الأصل بمعنى الاستصحاب يقتضي بقائه، و يؤيده أن المالك قد قدم على ذلك حيث اقتصر على شرط ذلك في عقد لا يلزم الوفاء فيه بالشرط اشكال، و قيل: هنا بالأول، و فيه ما عرفت، و الله العالم.
الثالثة عشر [في عدم جواز وطي جارية اشتراها للقراض]
- لا خلاف و لا إشكال في أنه لو اشترى جارية للقراض لم يجز له وطئها، لأنها ملك لرب المال، ظهر فيها ربح أم لا، غاية الأمر بظهور الربح أن تكون مشتركة بين المالك و العامل، و الجارية المشتركة لا يجوز لأحد الشريكين وطئها بدون إذن الأخر، فإن وطأها و الحال كذلك فقد تقدم الكلام في تحقيق القول في ذلك بالنسبة إلى الحد و المهر و الولد في كتاب البيع في المسئلة الرابعة عشر من المقصد الثاني من الفصل التاسع في بيع الحيوان (1).
و قد صرح العلامة في التذكرة هنا بأن المهر المأخوذ منه هنا يجعل في مال القراض، قال: لانه ربما وقع خسران فيحتاج الى الجبر.
و قال في التذكرة أيضا: أنه لا يجوز للمالك أن يطأها أيضا سواء كان هناك ربح أم لا، لان حق العامل قد تعلق بها، و الوطي ينقصها ان كانت بكرا، أو
____________
(1) ج 19 ص 474.
273
يؤدى الى خروجها من المضاربة، لأنه ربما يؤدى الى إحبالها، الى أن قال:
و لو لم يكن فيها ربح لم يكن للمالك أيضا، لأن انتفاء الربح في المتقومات غير معلوم، و انما يتيقن الحال بالتنضيض للمال، اما لو تيقن عدم الربح فالأقرب أنه يجوز له الوطي، انتهى.
أقول: و على هذا ينبغي أن يحمل قوله أولا لا يجوز للمالك أن يطأها سواء كان هنا ربح أم لا، على الربح الذي من أصل المال، لا من الجارية جمعا بين كلاميه، و انما الخلاف و الاشكال فيما إذا أذن له في شراء الجارية و وطأها، فالمشهور أنه كالأول، لأن الإذن قبل الشراء لا أثر لها في التحليل، سواء قلنا أن التحليل تمليك أو عقد، فإنه على تقدير كل منهما لا يحصل شيء منهما قبل الشراء، فلا يدخل تحت الحصر في قوله تعالى «إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ» (1) الا انه
قد روى الشيخ في التهذيب عن الحسن بن محمد بن سماعة عن محمد بن زياد عن عبد الله بن يحيى الكاهلي (2) عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: «قلت: رجل سألني أن أسألك أن رجلا أعطاه مالا مضاربة يشترى له ما يرى من شيء، فقال: اشتر جارية تكون معك، و الجارية انما هي لصاحب المال ان كان فيها وضيعة فعليه، و ان كان فيها ربح فله، للمضارب أن يطأها؟ قال: نعم».
و بهذا الرواية أفتى الشيخ في النهاية، و ظاهر المحدث الكاشاني في الوافي الميل الى ذلك، حيث قال: و انما أجاز له وطأها لأن قوله تكون معك تحليل لها إياه، انتهى.
و الأصحاب قد ردوها بما عرفت، قال في المسالك: و القول بالجواز للشيخ في النهاية استنادا إلى رواية ضعيفة السند، مضطربة المفهوم، قاصرة الدلالة.
____________
(1) سورة المؤمنون- الاية 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 191 ح 31، الوسائل ج 13 190 باب 11.
274
أقول: أما ضعف السند فهو غير وارد على الشيخ و أمثاله من المتقدمين الذين لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم، بل الاخبار كلها صحيح باصطلاحهم، الا ما نصوا عليه، و قد تقدم تحقيق ذلك في المجلد الأول من الكتاب (1).
و أما قصور الدلالة فهو مردود بأنه لا أصرح في الجواز من قوله (عليه السلام) «نعم» بعد قول السائل «إله أن يطأها» و أما اضطراب المفهوم فهو غير مفهوم و لا معلوم، و أما ما استندوا اليه من أن الاذن قبل الشراء لا أثر له في التحليل فهو أول المسئلة و محل البحث، و أى مانع منع منه «قولهم: سواء قلنا أن التحليل تمليك أو عقد» مدخول بعدم الانحصار في القسمين المذكورين، فان التحليل قسم ثالث، ليس بتمليك و لا عقد، و قد دلت الاخبار على جواز النكاح به، و ان كان ظاهر كلامهم إرجاعه الى أحد القسمين المتقدمين، الا أن ظاهر الاخبار كونه قسما برأسه.
و بالجملة فإن رد الخبر من غير معارض مشكل، و الركون الى هذه التعليلات العليلة ورد الخبر بها مجازفة ظاهرة، هذا كله فيما إذا كان الاذن قبل الشراء.
أما لو كان بعد الشراء فان الظاهر أنه لا خلاف و لا إشكال في جواز الوطي الا أن يكون الشراء للقراض و يكون قد ظهر فيها ربح، فإنه تصير المسئلة هنا راجعة إلى مسئلة تحليل أحد الشريكين لصاحبه، و فيها خلاف و إشكال سيأتي التنبيه عليه في محله ان شاء الله، و منشؤه من حيث لزوم حل النكاح بسببين مختلفين، الا أن هذا خارج عن مورد الخبر المذكور، فان ظاهره أن الجارية للمالك خاصة، و ليست من القراض في شيء.
و كيف كان فالمسئلة لما عرفت محل توقف و اشكال، و الاحتياط فيما ذكره الأصحاب و الله العالم.
الرابعة عشر- إذا مات و في يده أموال مضاربة
فان علم مال أحدهم بعينه
____________
(1) ج 1 ص 25.
275
حكم له به، و ان جهل كانوا فيه سواء، فان جهل كونه مضاربة حكم به للورثة، و يدل على الأولين ما رواه
الشيخ في التهذيب عن السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن على (عليهم السلام) انه كان يقول: من يموت و عنده مال مضاربة قال: ان سماه بعينه قبل موته فقال: هذا لفلان فهو له، و ان مات و لم يذكر فهو أسوة الغرماء».
و رواه الصدوق مرسلا، و يدل على الثالث أصالة العدم، و الحكم باليد، ثم انه على تقدير الثاني فالمراد باستوائهم في المال كما ذكره الأصحاب هو أن يقسم بينهم على نسبة أموالهم لا بمعنى أن يقسم بالسوية كما في اقتسام غيرهم من الشركاء.
هذا إذا كانت أموالهم مجتمعة في يده على حده، و أما ان كان المال ممتزجا مع جملة ماله مع العلم بكونه موجودا فالغرماء بالنسبة الى جميع التركة كالشريك ان وسعت التركة أموالهم أخذوها، و ان قصرت تحاصوا و على تقدير الثالث فالمراد به أن العامل كان في يده مضاربة في الجملة، و لكن لم يعلم بقاؤها و لا تلفها و من أجل ذلك حصل الجهل بكون المال الذي في يده مضاربة، إذ كما يحتمل أن يكون من مال المضاربة، يحتمل أن يكون من ماله، فيحكم بكونه ميراثا، عملا بظاهر اليد، و لكن يبقى الإشكال في أنه هل يحكم بضمانه لمال المضاربة من حيث أصالة بقائها الى أن يعلم التلف بغير تفريط و لعموم
«على اليد ما أخذت حتى تؤدى» (2).
أم لا؟ لأصالة براءة الذمة، و كون مال المضاربة أمانة غير مضمونة، و أصالة بقائه لا يقتضي ثبوته في ذمته مع كونه أمانة إشكال، و لعل الثاني أقوى و الله العالم.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 192 ح 37 الفقيه ج 3 ص 144 ح 6 الوسائل ج 13 ص 191 باب 13.
(2) المستدرك ج 2 ص 504 كتاب الوديعة.
277
كتاب المزارعة و المساقاة
و الكلام في هذا الكتاب يقع في مطلبين
[المطلب] الأول- في المزارعة
، و هي مفاعلة من الزرع، و مقتضى الصيغة الوقوع منهما معا كما هو قضية باب المفاعلة و لعله هنا باعتبار أن أحدهما زارع، و الأخر آمر به، فكأنه لذلك فاعل من حيث السببية، كما قيل: مثله في باب المضاربة،
[فوائد]
و هنا فوائد يحسن التنبيه عليها قبل الشروع في المقصود.
الاولى [التعبير بالمخابرة للمزارعة]
- و قد ذكر جملة من الأصحاب أن المزارعة قد يعبر عنها بالمخابرة اما من الخبير، و هو الأكار، أو من الخبارة و هي الأرض الرخوة، أو مأخوذ من معاملة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أهل خيبر حيث جعلها في أيديهم على النصف من حاصلها، فقيل: خابرهم أى عاملهم في خيبر.
قال الصدوق في كتاب معاني الأخبار (1) بعد أن روى مرفوعا عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه نهى عن المخابرة و هي المزارعة بالنصف و الثلث و الربع و أقل من ذلك و أكثر.
و هو الخبر و كان أبو عبيد يقول: لهذا سمى الأكار
____________
(1) معاني الأخبار ص 278 ط طهران 1379.
278
الخبير، لانه يخبر الأرض و المخابرة المؤاكره، و الخبرة بالفعل و الخبير الرجل، و لهذا سمى الأكار لانه يواكر الأرض أي يشقها، انتهى.
قال بعض أصحابنا: و ما روى أنه (عليه السلام) نهى عن المخابرة، كان ذلك حين تنازعوا فنهاهم عنها.
أقول: الظاهر أنه أشار الى هذا الخبر فانى لم أقف في أخبارنا على ما يدل على النهى عنها، بل الاخبار كما سيأتيك إنشاء الله تعالى ظاهرة في مشروعيتها و صحتها، و لم ينقل الخلاف في ذلك عن أحد من أصحابنا، و لا من العامة إلا عن أبي حنيفة و الشافعي في بعض المواضع، و أيضا فإن الظاهر ان هذا الخبر الذي نقله الصدوق هنا انما هو من طريق العامة، حيث أنه رواه عن محمد بن هارون عن على بن عبد العزيز عن أبى عبيد (1) رفعه إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه نهى الخبر و الله العالم.
الثانية [في وقوع المزارعة بلفظ الأمر]
- قد عرفوا المزارعة بأنها معاملة على الأرض بحصة من حاصلها، و الصيغة فيها زارعتك أو ازرع هذه الأرض أو سلمتها إليك و نحو ذلك مما يفيد هذا المعنى مدة كذا بحصة معلومة من حاصلها، و الظاهر أنه لا خلاف بينهم في كونها من العقود اللازمة التي لا تنفسخ الا بالتقايل فلا بد فيها من الإيجاب و القبول الدالين على الرضا بالتسليم و في المسالك «أنه لا بد من كونهما بالعربية و الماضوية، فلا تصح بلفظ الأمر و أن الأقوى اعتبار القبول اللفظي كغيره من العقود اللازمة، و في الجميع نظر قد تقدم في كتاب البيع، و تقدم من هذا القائل ثمة ما يوهن ما ذكره في هذا المقام و أمثاله، و يدل على وقوعها، و كذا وقوع المساقاة بلفظ الأمر الذي منع منه هنا جملة من الاخبار.
و منها ما رواه
في الكافي عن يعقوب بن شعيب (2) في الصحيح عن أبى عبد الله
____________
(1) معاني الأخبار ص 278 ط طهران سنة 1379، الوسائل ج 12 ص 266 ح 13.
(2) الكافي ج 5 ص 268 ح 2، الوسائل ج 13 ص 203 ح 2.
279
(عليه السلام) في حديث قال: «سألته عن رجل يعطى الرجل أرضه و فيها رمان أو نخل أو فاكهة، و يقول: اسق هذا من الماء، و أعمره و لك نصف ما خرج قال، لا بأس».
و بذلك يظهر لك ما في قوله في المسالك، و أما قوله ازرع هذه الأرض بصيغة الأمر فإن مثل ذلك لا يجيزونه في نظائره من العقود، و لكن المصنف (رحمة الله عليه) اجازه هنا استنادا إلى روايتي أبي الربيع الشامي و النضر بن سويد عن أبى عبد الله (عليه السلام) و هما قاصرتان عن الدلالة، فالاقتصار على لفظ الماضي أقوى.
أقول: أما رواية
أبي الربيع (1) التي أشار إليها و هي ما رواه الشيخ عنه عن ابى عبد الله (عليه السلام) «انه سئل عن رجل يزرع أرض رجل آخر فيشترط عليه ثلثا للبذر و ثلثا للبقر فقال: لا ينبغي أن يسمى بذرا و لا بقرا، و لكن يقول لصاحب الأرض ازرع في أرضك و لك منها كذا و كذا نصف أو ثلث أو ما كان من شرط» و لا يسمى بذرا و لا بقرا الحديث.
و أما رواية النضر فالظاهر أن نسبتها الى النضر سهو من قلمه (رحمة الله عليه) و انما هي رواية عبد الله بن سنان (2) و ان كان الراوي عنه النضر كما هو في التهذيب فانا لم نقف على روايتي النضر بما قاله، فان سندها
في التهذيب الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان «انه قال: في الرجل يزارع أرض غيره فيقول: ثلث للبقر، و ثلث للبذر، و ثلث للأرض قال: لا يسمى شيئا من الحب و البقر، و لكن يقول: ازرع و لي فيها كذا و كذا ان شئت نصفا، و ان شئت ثلثا».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 194 ح 3، الوسائل ج 13 ص 201 ح 10.
(2) التهذيب ج 7 ص 197 ح 18، الوسائل ج 13 ص 200 ح 5.
280
و أشار بقصورهما عن الدلالة إلى احتمال كون أزرع بلفظ المستقبل، بل هو الظاهر من الرواية الاولى.
و فيه أولا انه و ان كان بلفظ المستقبل الا أن فيه ردا عليه فيما ادعاه من الانحصار في لفظ الماضي، و ثانيا ما عرفت من الصحيحة المتقدمة الصريحة في وقوع المساقاة و المزارعة بلفظ الأمر، ثم انه قال: أيضا و في عبارة المصنف تجوز، لانه قال: و عبارتها كذا و لم يذكر القبول، مع أنه أحد ركني العبارة عنها، فلا بد من ذكره، و لعله أشار بما ذكر الى الاكتفاء بالقبول الفعلي كما اختاره العلامة في القواعد، فتنحصر العبارة في الإيجاب، و الأقوى اعتبار القبول اللفظي كغيره من العقود اللازمة.
أقول: فيه ان المفهوم من الاخبار كصحيحة يعقوب بن شعيب المتقدمة، و جملة من الاخبار التي قدمناها في كتاب البيع أن المدار في القبول على حصول الرضا بما دل عليه الإيجاب، و ان لم يكن بلفظ، و كذا في جانب الإيجاب الا ان الأظهر اشتراط اللفظ في جانب الإيجاب، و ان كان بعض متأخري المحدثين، قد اكتفى أيضا بمجرد الرضا، و ما ذكره في الصحيحة المذكورة هو صورة عقد المساقاة، و هو خال من ذكر لفظ القبول، كما ادعاه.
و كذلك جملة من العقود التي وردت بها الاخبار كما لا يخفى على من راجع الروايات التي قدمناها في كتاب البيع، و به يظهر ضعف ما ادعاه من أن الأقوى اعتبار القبول اللفظي، فإنه- مع كونه لا دليل عليه- مردود بظهور الدليل على خلافه كما عرفت.
الثالثة [في عدم اعتبار كون الأرض ملكا لأحدهما]
- المفهوم من كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك أنه لا بد من كون الأرض ملكا لأحدهما عينا أو منفعة، لأنه المستفاد من حقيقة المزارعة و صيغتها، فلا تشرع المزارعة في الأرض الخراجية إلا باستعمال حيلة من الحيل الشرعية.
281
ثم ذكر جملة من الحيل في ذلك، و منها جعل البذر منهما قال (رحمة الله عليه) فلو اتفق اثنان على المعاملة في مثل ذلك في الأرض الخراجية فطريق الصحة الاشتراك في البذر، بحيث يمتزج على الوجه المقرر في باب الشركة، و يجعلان باقي الأعمال بينهما على نسبة المال، و لو اتفقا على زيادة عمل من أحدهما نوى به التبرع، فلا رجوع له بالزائد، و لو أرادا جعل الحاصل مختلفا مع التساوي في البذر أو بالعكس، بنى على ما تقرر في الشركة من جواز ذلك، و قد عرفت أن المختار جواز الزيادة في القدر للعامل، أو من له زيادة في العمل، فليلحظ ذلك أو غيره من الحيل الشرعية على توسيع هذه المعاملة، لأنها متداولة في كثير من البلاد التي أرضها غير مملوكة، فيحتاج فيها الى وجه مجوز و يمكن فرضه بأمور، ثم عد جملة من الحيل في ذلك.
و أنت خبير بأن غاية ما يفهم من حقيقة المزارعة و صيغتها و تعريفها هو أولوية أحدهما بمنفعة تلك الأرض، أعم من أن يكون بالملك الطلق لرقبة الأرض، و منفعتها بالإجارة، أو الأولوية الحاصلة في الأرض الخراجية أو المباحة بالتحجير أو الإحياء، و ان لم نقل بحصول الملك به.
و بالجملة فما يدل على كون المنفعة له بأي نحو كان، و يدل على ذلك الأخبار الواردة في مزارعة أرض الخراج من غير اشتراط شيء مما ذكره.
و منها
صحيحة يعقوب ابن شعيب (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون له الأرض من أرض الخراج فيدفعها الى رجل على أن يعمرها، و يصلحها و يؤدى خراجها و ما كان من فضل فهو بينهما، قال: لا بأس».
و صحيحة الحلبي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث «أنه سئل عن مزارعة أهل الخراج بالربع و النصف و الثلث؟ قال: لا بأس به» الحديث.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 268 ح 2، التهذيب ج 7 ص 198 ح 22، الوسائل ج 13 ص 203 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 268 ح 2، التهذيب ج 7 ص 201 ح 34، الوسائل ج 13 ص 200 ح 8.
282
على أنه قد صرح هو و غيره بل الظاهر انه لا خلاف فيه، الا من بعض متأخري المتأخرين كما تقدم ذكره بأنه يجوز بيع الأرض الخراجية تبعا للآثار، و متى جاز البيع جازت المزارعة بطريق أولى، و بذلك يظهر أن إطلاقه المنع من المزارعة في الأرض الخراجية بناء على أنها ملك للمسلمين قاطبة، و ان هذا الزارع لا يملكها، و من شرط المزارعة الملك لأحدهما كما ذكره غير جيد.
فان قيل:- انه بعد حصول الآثار فيها كما يجوز بيعها يجوز المزارعة أيضا، و المدعى أنما هو قبل حصول الآثار فيها- قلنا: هذه الآثار التي يترتب عليها جواز البيع انما حصلت بعد الفتح، و ثبوت كونها خراجية، فالمجوز لهذه الآثار مجوز للمزارعة عليها، و هو ظاهر.
الرابعة [كون المزارعة عقدا لازما]
- قد عرفت أن عقد المزارعة عندهم من العقود اللازمة التي لا تبطل الا بالتقايل، أما كونه من العقود اللازمة فلأنه مقتضى الأصل، إذ الأصل لزوم العقد الا ما خرج بدليل، و للخبر المشهور
«المؤمنون عند شروطهم» (1).
و آية «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (2) و نحو ذلك من الأدلة العامة.
و أما كونه لا يبطل الا بالتقايل، فالمراد به بالنظر الى اختيار المتعاقدين يعنى ليس كالعقود الجائزة التي لكل من المتعاقدين فسخها، و الا فإنه يبطل أيضا بغير التقائل كانقطاع الماء عن الأرض، و فساد منفعة الأرض، فالحصر في التقائل ليس حصرا حقيقيا، و انما هو بالإضافة إلى المتعاقدين.
و الظاهر أن المستند في بطلانه بالتقايل هو الإجماع، و لا يبطل بالبيع و لا بموت أحد المتعاقدين: لعدم المنافاة بين البيع أو الموت و بين بقاء المزارعة كما سيأتي مثله في الإجارة على الأظهر، و ان كان فيه ثمة قول بالبطلان بالموت.
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
(2) سورة المائدة- الاية 1.
283
أما هنا فالظاهر أنه لا خلاف في عدم البطلان بالموت، عملا بلزومه و أصالة بقائه و دوامه، و ليس الاستصحاب هنا من قبيل الاستصحاب المختلف في حجيته، لان مرجع هذا الاستصحاب الى عموم الدليل حتى يقوم وجود الرافع كما في البيع و نحوه، ثم انه ان كان الميت العامل قام مقامه ورثته، في العمل، و الا رفع الأمر إلى الحاكم فيستأجر الحاكم من يقوم بالعمل من مال الميت أو من حصته من الغلة، و ان كان الميت المالك بقي العامل على عمله، و عليه القيام بتمام العمل، و ربما استثنى من الأول ما لو شرط عليه المالك العمل بنفسه، فإنها تبطل بموته، كما قيل مثله في الإجارة، و هو متجه لو كان الموت قبل ظهور الحاصل، أما بعد ظهوره فيشكل ذلك، فإنه قد ملك الحصة، و ان وجب عليه بقية العمل، و الحكم بخروجها عن ملكه بالموت- بعد دخولها كما عرفت- الظاهر بعده.
الخامسة [في عدم البأس بالمزارعة بالثلث أو الربع]
- قال الشيخ في النهاية: لا بأس بالمزارعة بالثلث و الربع أو أقل أو أكثر، و يكره أن يزارع بالحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و ليس ذلك بمحظور، فان زارع بشيء من ذلك فليجعله من غير ما يخرج من تلك الأرض مما يزرعه في المستقبل، بل يجعل ذلك في ذمة الزارع.
قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: قوله و يكره أن يزارع بالحنطة و الشعير:
ان قصد بذلك المزارعة فهو ممنوع و ان قصد الإجارة فهو حق، ثم نقل عن الشيخ المفيد أنه قال: المزارعة بالربع و الثلث و النصف جائزة، كما يجوز بالذهب و الفضة، ثم اعترضه فقال: و هذه العبارة أشكل من الأولى، لأنه ان قصد بالمزارعة الإجارة لم تصح بالحصة، و ان قصد المزارعة لم تصح بالذهب و الفضة، و الظاهر أن قصده بالأول المزارعة، و بالثاني الإجارة انتهى.
أقول: و الوجه في ذلك ظاهر مما تقدم في تعريف المزارعة من أنها بحصة من الحاصل من ثلث أو نصف أو نحوهما، فلا يجوز بالدراهم و الدنانير، و لا غيرهما من العروض الخارجة عن الحاصل، و الإجارة انما تكون بالدراهم و الدنانير
284
و العروض المعينة، لا بالحصة من الحاصل من ربع أو ثلث أو نحو ذلك، و هاتان العبارتان مضطربتان في ذلك كما عرفت، الا أنه قد وقع مثل ذلك في بعض الاخبار أيضا كما
في رواية أبي بصير (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تستأجر الأرض بالتمر و لا بالحنطة و لا بالشعير و لا بالأربعاء و لا بالنطاف، قلت: و ما الأربعاء قال الشرب و النطاف فضل الماء، و لكن تقبلها بالذهب و الفضة، و النصف و الثلث و الربع».
فان هذه القبالة ان حملت على المزارعة لم تجز بالذهب و لا بالفضة، و ان حملت على الإجارة لم تجز بالنصف و الثلث و الربع، و احتمال ما ذكره العلامة (رحمه الله عليه) في عبارة الشيخ المفيد بعيد في العبارة المذكورة، و في الخبر المذكورة، و لا يحضرني الان وجه في المخرج عن ذلك، الا أنه يمكن أن يقال:
ان القبالة أعم من المزارعة و الإجارة، فيطلق على كل منهما، و حينئذ فيكون المعنى في الخبر و لكن تقبلها بالذهب و الفضة يعنى استأجرها، و بالنصف و الثلث و الربع يعنى زارع عليها، هذا أقصى ما يمكن أن يقال و الله العالم.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن البحث في هذا المطلب يقع في مقامين: أحدهما
[المقام الأول] في الشروط
و هي ثلاثة:
الأول- أن يكون النماء مشاعا بينهما
تساويا فيه أو تفاضلا، و الظاهر أن دليله الإجماع، و هو ظاهر الاخبار أيضا مثل
قوله (عليه السلام) في حسنة الحلبي (2) «لا تقبل الأرض بحنطة مسماة، و لكن بالنصف و الثلث و الربع و الخمس لا بأس به».
و قال: لا بأس بالمزارعة بالثلث و الربع و الخمس، و قوله (عليه السلام)
في صحيحة الحلبي (3) أيضا أو حسنة «لا بأس بالمزارعة بالثلث و الربع و الخمس»،.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 195 ح 8، الكافي ج 5 ص 265 ح 2، الوسائل ج 13 ص 210 ح 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 197 ح 17، الوسائل ج 13 ص 199 ح 3.
(3) التهذيب ج 7 ص 194 ح 6، الوسائل ج 13 ص 200 ح 7.
285
و قوله (عليه السلام)
في صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة، و لكن تقول ازرع فيها كذا و كذا ان شئت نصفا و ان شئت ثلثا».
و نحوها رواية أبي الربيع المتقدمة أيضا إلى غير ذلك من الاخبار.
و بالجملة فالذي دلت عليه الاخبار في المقام هو الإشاعة في الحصة فتقف الصحة في ما عداه على الدليل، و ليس فليس و على هذا فلو شرطه أحدهما لم يصح، و كذا لو اختص أحدهما بنوع من الزرع دون صاحبه، كما لو شرط أحد هما ما حصل أولا فهو له، و يسمى ذلك الهرف، و الأخر ما يحصل أخيرا و يسمى الأفل.
قال في المسالك (الهرف): ساكن الوسط، المتقدم من الزرع و الثمر يقال: أهرفت النخلة: أى عجلت إتاءها قاله الجوهري (1): و الأفل بالتسكين أيضا خلاف الهرف، و هو المتأخر عنه انتهى.
أقول: قد تتبعت ما حضرني من كتب اللغة كالقاموس و المصباح المنير فلم أظفر في شيء منهما بهذا المعنى لهذين اللفظين، و احتمل التحريف في اللفظين المذكورين بأن يكونا على غير ما كتبناه ممكن، إلا أنا تتبعنا أيضا جملة من الألفاظ التي ربما وقع التحريف عنها فلم أظفر بذلك.
و كيف كان فالنقل المذكور لا شك فيه، و انما الشك في تعيين المادة في كل من اللفظين و ضبطها، فليراجع ذلك، و وجه البطلان في الاشتراط المذكور في الصورتين المذكورتين هو ما عرفت من خروج ذلك عن وضع المزارعة الذي دلت عليه الاخبار، و مثلها أيضا ما لو شرط أحدهما ما يزرع على الجداول، و الأخر ما زرع على غيرها، لمنافات جميع ذلك الإشاعة التي دلت عليه الاخبار و قام عليها الإجماع.
____________
(1) الصحاح ج 4 ص 1442 و في أقرب الموارد هرفت النخلة: تهريفا عجلت اتاءها أى: ثمرتها و أهرفت النخلة: عجلت اتاءها مثل هرفت.
286
نعم وقع الخلاف هنا في موضعين،
أحدهما لو شرط أحدهما قدرا من الحاصل و الزائد عليه يكون مشتركا بينهما
، فالظاهر- و به صرح جملة من الأصحاب أيضا- أنه لا يصح، لجواز أن لا يزيد شيء، و لان ظاهر الاخبار المتقدمة هو الاشتراك في جميع ما يحصل من النماء الا ما خرج بالشرط، و لا فرق بين ذلك من كون القدر المشروط هو البذر و غيره، و لا بين كون الغالب على تلك الأرض أن يخرج منها ما يزيد على الشروط عادة أم لا، لاشتراك الجميع في الخروج عن قاعدة المزارعة، مضافا الى حصول الجهل في العوض الموجب لكون العقد على خلاف الأصل فيبطل حينئذ، و نقل عن الشيخ في النهاية و جماعة جواز استثناء البذر من جملة الحاصل، و في المختلف جواز استثناء شيء من الحاصل مطلقا، و الأشهر الأظهر الأول.
و ثانيهما- لو شرط أحدهما شيئا يضمنه كعمل يعمله مضافا إلى الحصة
، فقيل: أيضا بالصحة، و هو المشهور لعموم ما دل على وجوب الوفاء بالشروط، مع عدم منافاته لمقتضى العقد، لخروجه عن النماء الذي اقتضى العقد، إشاعته كما عرفت، و قيل: بالبطلان و هذا القول نقله المحقق في الشرائع، إلا أنه في المسالك قال: لا نعلم القائل به، و استدل في الكفاية للقول المشهور زيادة على ما ذكر من العمومات برواية محمد بن سهل عن أبيه عن أبى الحسن موسى (عليه السلام).
و الظاهر أنه أراد بها ما رواه
المشايخ الثلاثة عن الراوي (1) المذكور قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن رجل يزرع له الحراث الزعفران، و يضمن له أن يعطيه في كل جريب أرض يمسح عليه وزن كذا و كذا درهما، فربما نقص و غرم، و ربما زاد و استفضل قال: لا بأس به إذا تراضيا».
أقول:
____________
(1) الكافي ج 5 ص 266 ح 9، التهذيب ج 7 ص 196 ح 15، الوسائل ج 13 ص 206 ح 1.
287
و ما ذكره و ان احتمل باعتبار أحد الاحتمالين في الرواية الا انه غير متعين.
و توضيح ذلك أن قوله (عليه السلام) «وزن كذا» الظاهر أنه مفعول «يعطيه» و يكون المعنى أنه يعطيه من الزعفران وزن كذا و كذا درهما، و يحتمل أن يكون «و كذا» الثانية معطوفا على الوزن، لا على كذا، و يكون المعنى و يعطيه وزن كذا من الزعفران، و يعطيه كذا درهما، فيكون الدراهم ضميمة إلى الزعفران، و على هذا المعنى الثاني مبنى الاستدلال بالخبر المذكور.
و أنت خبير بأن الظاهر انما هو المعنى الأول فإنه هو المتبادر من هذه العبارة حيثما تذكر.
قال في المسالك: و على القول بالجواز يكون قراره مشروطا بالسلامة كاستثناء أرطال معلومة من الثمرة في البيع، و لو تلف البعض سقط منه بحسابه لانه كالشريك، و ان كانت حصته معينة، مع احتمال أن لا يسقط منه شيء بتلف البعض متى بقي قدر نصيبه، عملا بإطلاق الشرط، انتهى.
إلحاق [في إجارة الأرض للزراعة بالحنطة و الشعير]:
قد اختلف الأصحاب في إجارة الأرض للزراعة بالحنطة و الشعير، إذا كان الزرع حنطة أو شعيرا، و أن يؤاجرها بأكثر مما استأجرها، و حق هذه المسئلة انما هو كتاب الإجارة، الا أن الأصحاب حيث ذكروها في هذا المقام جرينا على حذوهم.
و كيف كان فمحل الخلاف و البحث هنا في مواضع ثلاثة:
الأول- هل يجوز أن يستأجر الأرض بالحنطة، و يزرعها حنطة أم لا؟
المشهور الأول على كراهة، و قال ابن البراج: لا يجوز على كيل معين من جنس ما زرع الأرض، مثل أن يستأجر بحنطة و يزرع فيها حنطة، احتج الأصحاب بالأصل، و عموم الأدلة الواردة في الإجارة بنقد كان أو عرض وافق ما زرع فيها أم لم يوافق.
288
احتج ابن البراج
بصحيحة الحلبي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تستأجر الأرض بالحنطة، ثم تزرعها حنطة.
أجاب الأصحاب عنها بالحمل على ما إذا اشترط ذلك من حاصل تلك الأرض أما لو أطلق أو اشترط من غيره فلا بأس، و استندوا في ذلك الى
رواية الفضيل بن يسار (2) «قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن إجارة الأرض بالطعام قال:
ان كان من طعامها فلا خير فيه».
و في رواية أبي بردة (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن إجارة الأرض المحدودة بالدراهم المعلومة؟ قال: لا بأس، قال:
و سألته عن إجارتها بالطعام؟ فقال: ان كان من طعامها، فلا خير فيه».
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك المناقشة في ذلك، و الميل الى ما ذكره ابن البراج هنا، قال بعد إيراد صحيحة الحلبي حجة لابن البراج، و النهى حقيقة في التحريم، و أجيب بحمله على اشتراطه مما يخرج منها، لدلالة رواية الفضيل عليه، و بحمل النهى على الكراهة، و فيه نظر لأن النهي مطلق، و لا منافاة بينه و بين تحريم شرطه من طعامها، حتى يجمع بينهما بحمله عليه، و التحقيق أن المطلق و المقيد متى كانا منفيين لا يلزم الجمع بينهما، بل يحمل المطلق في إطلاقه، بخلاف المثبتين، و بملاحظته يتخرج فساد كثير مما قرروه في هذا الباب، و قد مضى مثله في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، مع ورود نص آخر بتحريم بيع المكيل و الموزون كذلك، حيث جمع الأكثر بينهما بحمل المطلق على المقيد، و ليس بشيء الى أن قال: و قول ابن البراج بالمنع لا يخلو من قوة، نظرا إلى الرواية الصحيحة، الا أن المشهور خلاف قوله، انتهى.
أقول: لا ريب أن مفهوم روايتي الفضيل و أبى بردة أنه إذا كان إجارة الأرض
____________
(1) الكافي ج 5 ص 265 ح 3، التهذيب ج 7 ص 195 ح 9، الوسائل ج 13 ص 209 ح 3.
(2) التهذيب ج 7 ص 195 ح 10، الكافي ج 5 ص 265 ح 6.
(3) التهذيب ج 7 ص 209 ح 63 و هما في الوسائل ج 13 ص 210 ح 5 و 9.
289
بغير طعامها، ففيه خير، يعنى جائز و صحيح، و هو ظاهر في جواز إجارة الأرض بالحنطة، و ان زرعت حنطة إذا لم يشترطه منها، و هذا المفهوم مفهوم شرط، و هو حجة عند المحققين، و عليه دلت الاخبار أيضا كما حققناه في مقدمات الكتاب من مجلد كتاب الطهارة (1) و مخالفته لظاهر ما دلت عليه صحيحة الحلبي واضحة، و حينئذ فلا بد من الجمع، و ليس الا ما ذكره الأصحاب أولا أو حمل النهى على الكراهة، و الثاني منهما قد عرفت ما فيه في غير موضع مما تقدم، فلم يبق إلا الأول.
و يعضد الروايتين المذكورتين
حسنة الوشاء (2) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل اشترى من رجل أرضا جربانا معلومة بمأة كر على أن يعطيه من الأرض، قال: حرام، فقلت له: فما تقول جعلني الله فداك أن اشترى منه الأرض بكيل معلوم و حنطة من غيرها؟ قال: لا بأس».
، على أنه يمكن حمل حسنة الحلبي التي استند إليها ابن البراج على المزارعة، حسب ما دلت حسنة المتقدمة في صدر الكلام في الشرط المتقدم، و يكون حاصل المعنى فيهما معا واحد، و هو أنه لا يزارع بالحنطة المسماة بينهما، و انما يزارع بالحصة الشائعة من النصف أو الثلث أو نحوهما، و ان عبر في هذه بلفظ الإجارة كما عبر في الأولى بلفظ القبالة و باب التجوز أوسع من ذلك.
و مما يعضد ما ذكرناه من حمل الإجارة على المزارعة و أن المراد بها ذلك تجوزا ما رواه
الشيخ في الصحيح عن أبى المغراء (3) قال: «سأل يعقوب الأحمر أبا عبد الله (عليه السلام) و أنا حاضر فقال: أصلحك الله انه كان لي أخ فهلك فترك في حجري يتيما ولى أخ يلي ضيعة لنا و هو يبيع العصير ممن يصنعه خمرا، و يؤاجر الأرض بالطعام: و أما ما يصيبني فقد تنزهت، فكيف أصنع
____________
(1) ج 1 ص 55.
(2) التهذيب ج 7 ص 195 ح 11، الكافي ج 5 ص 265 ح 8.
(3) التهذيب ج 7 ص 196 ح 12، الوسائل ج 13 ص 210 ح 7، ص 23 ح 2.
290
بنصيب اليتيم فقال: أما إجارة الأرض بالطعام فلا تأخذ نصيب اليتيم منه الا أن يؤاجرها بالربع و الثلث و النصف، و أما بيع العصير مما يجعله خمرا فليس به بأس خذ نصيب اليتيم منه».
فإن الإجارة في الخبر لا يصح حملها على المعنى المعهود من هذا اللفظ فإنها لا تصح بالحصة من الحاصل، و انما تصح بأجرة معلومة، و بهذا عرفوا المزارعة كما تقدم بأنها معاملة على الأرض بحصة من الحاصل، قالوا: و المعاملة تشمل الإجارة و المساقات و لكن خرجت الإجارة بقيد الحصة من الحاصل، لأنها انما تصح بأجرة معلومة، و خرجت المساقات بالأرض، فإنها معاملة على الأصول بحصة من حاصلها، و حينئذ فلا إشكال في حمل حسنة الحلبي على المزارعة، كما ذكرنا بقرينة الروايتين المذكورتين كما عرفت.
بقي في المقام ما رواه
الصدوق (رحمة الله عليه) في العلل عن إسماعيل بن مرار (1) «عن أبى جعفر و أبى عبد الله (عليهما السلام) أنهما سئلا ما العلة التي من أجلها لا يجوز أن تؤاجر الأرض بالطعام، و تؤاجرها بالذهب و الفضة؟ قال: العلة في ذلك ان الذي يخرج منها حنطة و شعير، و لا يجوز إجارة حنطة بحنطة، و لا شعير بشعير».
و هذا الخبر و ان كان ظاهره مما يؤيد ما ذكره ابن البراج لإطلاقه الا أنه يجب تقييده بما عرفت من خبري الفضيل و أبى بردة، لدلالتهما كما تقدم على الجواز، بما إذا لم يكن من الأرض.
و يؤيد ذلك ما رواه
في الكافي و التهذيب عن أبى بصير (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تؤاجر الأرض بالحنطة و لا بالشعير و لا بالتمر و لا بالأربعاء
____________
(1) العلل ص 518 باب 291، الوسائل ج 13 ص 211 ح 11.
(2) الكافي ج 5 ص 264 ح 1، التهذيب ج 7 ص 195 ح 7، الوسائل ج 13 ص 210 ح 6.
291
و لا بالنطاف و لكن بالذهب و الفضة، لأن الذهب و الفضة مضمون، و هذا ليس بمضمون».
و التقريب فيهما أن عدم المضمونية في الحنطة و الشعير هنا انما يتجه فيما إذا كان مال الإجارة من حاصل تلك الأرض، فإنه يجوز أن لا يخرج منها شيء، بخلاف الذهب و الفضة الثابتين في الذمة بمجرد العقد، و الحنطة و الشعير الخارجان عن الحاصل في حكم الذهب و الفضة في صحة المضمونية أيضا، فلا وجه لإدخالهما فيما لا يكون مضمونا و الله العالم، و بالجملة فالأقرب هو القول المشهور، لما عرفت و الله العالم.
الثاني- هل يجوز أن يستأجر الأرض بحنطة منها أم لا؟
ظاهر المشهور التحريم، استنادا إلى روايتي الفضيل و أبى بردة المتقدمتين، بل لا أعلم قائلا بخلافه صريحا.
و قال في الشرائع: و يكره إجارة أرض للزراعة بالحنطة و الشعير مما يخرج منها و المنع أشبه، و وجه القول بالجواز و ان كان على كراهة عدم صراحة الروايتين في التحريم، لأن غاية ما يدلان عليه، انه لا خير فيه، و هو انما يشعر بالكراهة، و علل القول بالمنع أيضا بأن خروج ذلك القدر منها غير معلوم، فربما لا يخرج منها شيء أو يخرج بغير ذلك الوصف، و من ثم لم يجز السلم في حنطة من قراح معين لذلك. و أجيب بأنه على إطلاقه ممنوع، إذ ربما كانت الأرض واسعة لا تحبس بذلك القدر عادة فلا يتم إطلاق المنع.
أقول: الظاهر هو القول المشهور، أما على القول بالتحريم في المسئلة المتقدمة كما نقل عن ابن البراج فظاهر، و أما على القول بالجواز ثمة فلظاهر الخبرين المذكورين المؤيد بحسنة الوشاء المتقدمة الصريحة في التحريم إذا كان من حاصلها و موردها، و ان كان البيع و ما نحن فيه انما هو الإجارة، الا أن الظاهر أن الوجه الجامع الذي أوجب البطلان في الكل من حيث عدم صحة المعاوضة بما كان من الحاصل في بيع كان أو
292
إجارة لخروج ذلك عن الشروط المعتبرة في ثمن المبيع و مال الإجارة من معلومية حصوله و كميته عددا أو كيلا أو وزنا و قد عرفت ان ما كان من الأرض غير مضمون، و لا ثابت في الذمة و لا هو معلوم الحصول كما عرفت و حينئذ فلا يجوز الإجارة به و لا البيع.
الثالث [في إجارة الأرض بأكثر مما استأجرت مع عدم إحداث شيء]:
لا خلاف بين الأصحاب في جواز إجارة الأرض و غيرها من الأعيان المستأجرة بأقل مما استأجرها به و بالمساوي و ان لم يحدث فيها شيئا، و كذا بأكثر مما استأجرها به إذا كان قد أحدث فيها عملا.
و انما الخلاف فيما لو استأجرها بالأكثر و لم يحدث فيها شيئا، فقيل:
بالتحريم، و قيل: بالجواز على كراهة، و بالأول قال الشيخان، و هو ظاهر المرتضى و اختيار سلار و ابن الجنيد، و به قال الصدوق في المقنع و أبو الصلاح و ابن البراج في المهذب، و هو ظاهر العلامة في الإرشاد، و الظاهر أنه المشهور بين المتقدمين، و بالثاني قال: ابن إدريس و العلامة في المختلف و المحقق، و نقله العلامة في المختلف عن والده و اليه ذهب سلار في موضع آخر و ابن البراج في الكامل، و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين و منشأ الخلاف اختلاف الاخبار في المسئلة المذكورة، و لا بأس بنقلها أولا ثم الكلام فيها بما وفق الله عز و جل لفهمه منها.
فمنها ما رواه
المشايخ الثلاثة (رحمهم الله) عن أبى الربيع الشامي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتقبل الأرض من الدهاقين فيؤاجرها بأكثر مما يتقبلها، و يقوم فيها بحظ السلطان؟ قال: لا بأس به، أن الأرض ليست مثل الأجير، و لا مثل البيت ان فضل الأجير و البيت حرام».
و منها ما رواه
في التهذيب و الكافي في الصحيح أو الحسن عن أبى المغراء (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يستأجر الأرض ثم يؤاجرها بأكثر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 271 ح 1، التهذيب ج 7 ص 203 ح 40، الفقيه ج 3 ص 157 ح 11، الوسائل ج 13 ص 259 ح 2 و 3.
(2) التهذيب ج 7 ص 203 ح 41 و ص 202 ح 39، الكافي ج 5 ص 272 ح 3 و 5، الوسائل ج 13 ص 260 ح 4 و 5.
293
مما استأجرها، قال: لا بأس ان هذا ليس كالحانوت، و لا كالأجير، فإن فضل الحانوت و الأجير حرام».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن إبراهيم بن ميمون (1) «ان إبراهيم بن المثنى سأل أبا عبد الله (عليه السلام) و هو يسمع عن الأرض يستأجرها الرجل ثم يؤاجرها بأكثر من ذلك، قال: ليس به بأس ان الأرض ليست بمنزلة البيت و الأجير، ان فضل البيت حرام و ان فضل الأجير حرام».
و هذه الروايات الثلاثة هي حجة المتأخرين على القول بالجواز، الا أن ذلك انما هو في الأرض خاصة، لأنها صريحة في التحريم بالنسبة إلى الأجير، و البيت، و الحانوت، و المدعى أعم من ذلك كما عرفت في فرض المسئلة، فلا تكون وافية بتمام المطلوب.
و ينبغي أن يعلم أن تحريم الفضل بالنسبة الى هذه الثلاثة ليس على الإطلاق بل مخصوص بما إذا لم يعمل في ذلك عملا قبل أن يؤجره، لما رواه
في الكافي و التهذيب عن الحلبي (2) في الصحيح أو الحسن «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: لو أن رجلا استأجر دارا بعشرة دراهم، فسكن «ثلثيها» و آجر ثلثها بعشرة لم تكن به بأس، و لا يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به الا أن يحدث فيها شيئا».
و رواه
في الفقيه عن ابى الربيع (3) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) لو أن رجلا» الحديث.
و عن الحلبي (4) أيضا في الصحيح أو الحسن «عن أبى عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 203 ح 41 و ص 202 ح 39، الكافي ج 5 ص 272 ح 3 و 5، الوسائل ج 13 ص 260 ح 4 و 5.
(2) الكافي ج 5 ص 272 ح 4، التهذيب ج 7 ص 209 ح 1 و لكن بدل «ثلثيها و ثلثها» «بيتا منها»، الوسائل ج 13 ص 263 ح 3.
(3) الفقيه ج 3 ص 157 ذيل حديث 11، الوسائل ج 13 ص 259 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 273 ح 8، الوسائل ج 13 ص 263 ح 4.
294
في الرجل يستأجر الدار ثم يؤاجرها بأكثر مما استأجرها قال: لا يصلح ذلك الا أن يحدث فيها شيئا».
أقول: و على هذا فيكون الفرق في الروايات الثلاثة المتقدمة بين الأرض و الثلاثة المعدودة فيها هو أنه يجوز إجارة الأرض بالأكثر، أحدث فيها شيئا أم لم يحدث، و في الثلاثة المذكورة لا تجوز الا مع إحداث شيء فيها.
و به يظهر ما في الجمع بين هذه الاخبار و بين ما سيأتي مما يدل على التحريم مع إحداث شيء فيها، بتقييد إطلاق هذه الاخبار بتلك من الاشكال و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل استأجر من السلطان من أرض الخراج بدراهم مسماة أو بطعام مسمى، ثم آجرها و شرط لمن يزرعها أن يقاسمه النصف أو أقل من ذلك أو أكثر و له في الأرض بعد ذلك فضل، أ يصلح له ذلك؟ قال: نعم إذا حفر لهم نهرا أو عمل لهم شيئا يعينهم بذلك، فله ذلك قال: و سألته عن رجل استأجر أرضا من أرض الخراج بدراهم مسماة أو بطعام معلوم، فيؤاجرها قطعة قطعة أو جريبا جريبا بشيء معلوم، فيكون له فضل فيما استأجره من السلطان، و لا ينفق شيئا أو يؤاجر تلك الأرض قطعا قطعا على أن يعطيهم البذر و النفقة، فيكون له في ذلك فضل على إجارته، و له تربة الأرض أو ليست له؟ فقال: إذا استأجرت أرضا فأنفقت فيها شيئا أو رممت فيها فلا بأس بما ذكرت».
و رواه في الفقيه مرسلا (2) «قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل استأجر أرضا من أرض الخراج الحديث.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 272 ح 2، التهذيب ج 7 ص 203 ح 42، الوسائل ج 13 ص 263 ح 3 و 4.
(2) الفقيه ج 3 ص 157 ح 12، الوسائل ج 13 ص 261 ح 3 و 4.
295
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن الحلبي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أتقبل الأرض بالثلث أو الربع فأقبلها بالنصف؟ قال: لا بأس، قلت: فأتقبلها بألف درهم فأقبلها بألفين؟ قال: لا يجوز، قلت: كيف جاز الأول و لم يجز الثاني، قال: لان هذا مضمون و ذاك غير مضمون».
قال الفاضل المحدث الأمين الأسترآبادي قوله «لان هذا مضمون» الى آخره أقول: يعنى في الصورة الأولى لم يضمن شيئا، بل قال: ان حصل شيء يكون ثلثه أو نصفه لك، و في الثانية ضمن شيئا معينا، فعليه أن يعطيه و لو لم يحصل شيء، انتهى.
و هو جيد فان الغرض بيان علة الفرق واقعا و ان لم يعلم سبب عليتها، و لا يخفى على هذا أن ذكر الدراهم انما خرج مخرج التمثيل، و يكون الغرض الفرق بين المزارعة و الإجارة فإن المزارعة لا تصح إلا بالحصة الشائعة من نصف أو ثلث أو نحوهما، بخلاف الإجارة، فإنها لا تصح كذلك، بل لا بد من كون مال الإجارة دنانير أو دراهم، أو عروضا مضمونة أو منقودة.
و قال الفاضل المشهور بخليفة سلطان في حواشيه على الفقيه: المراد أن ما أحدث شيئا زائدا مما دفعت من الذهب و الفضة فهو مضمون و أنت ضامن له يجب دفعه الى صاحبه، فهو نقل للحكم، لا بيان للحكمة، و لا يخفى بعده، و هذه الاخبار و نحوها- مما سيأتي ان شاء الله تعالى- ظاهرة في عدم الجواز مطلقا الا مع القيود المذكورة فيها.
و لهذا ان الشيخ في الاستبصار بعد أن نقل الأخبار الثلاثة الأول قال:
قال محمد بن الحسن: هذه الاخبار مطلق في جواز إجارة الأرض بأكثر مما استأجرها، و ينبغي أن يقيدها بأحد أشياء، اما أن نقول يجوز له إجارتها إذا كان
____________
(1) الكافي ج 5 ص 272 ح 6، التهذيب ج 7 ص 204 ح 43، الوسائل ج 13 ص 260 ح 1.
296
استأجرها بدراهم و دنانير معلومة أن يواجرها بالنصف أو الثلث أو الربع، و ان علم بأن ذلك أكثر يدل على ذلك ما رواه محمد بن يحيى، ثم ساق رواية الهاشمي المتقدمة إلى آخر السؤال الأول خاصة، و هو قوله فله ذلك، ثم قال:
و الثاني أنه يجوز مثلا إذا استأجرها بالثلث و الربع أن يوجرها بالنصف، لان الفضل انما يحرم إذا كان استأجرها بدراهم، و آجرها بأكثر منها، و أما على هذا الوجه فلا بأس، يدل على ذلك ما رواه أحمد بن محمد، ثم ساق رواية الحلبي المتقدمة التي بعد رواية الهاشمي، ثم أردفها بما رواه
عن إسحاق بن عمار (1) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا تقبلت أرضا بذهب أو فضة فلا تقبلها بأكثر مما تقبلتها به، و ان تقبلتها بالنصف أو الثلث فلك أن تقبلها بأكثر مما تقبلتها به، لان الذهب و الفضة مضمونان».
و منها أنه انما جاز ذلك إذا أحدث فيها حدثا، و أما قبل ذلك فلا ينبغي ذلك و هو الأحوط، يدل على ذلك ما رواه
محمد بن يحيى، ثم ساق تتمة رواية الهاشمي من قوله:
«و سألته عن رجل استأجر أرضا من أرض الخراج بدراهم مسماة».
الى آخرها ثم قال: و منها أنه يجوز له أن يؤاجرها بعضا منها بأكثر من مال إجارة الأرض و يتصرف هو في الباقي من ذلك بجزء من ذلك و ان قل.
يدل على ذلك ما رواه
في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يستكري الأرض بمائة دينار فيكري نصفها بخمسة و تسعين دينارا و يعمر هو بقيتها قال: لا بأس».
انتهى.
و نقل في التذكرة عن الشيخ أنه قال: لا يجوز أن يؤجر المسكن و لا الخان و لا الجير بأكثر مما استأجره، الا أن يؤجره بغير جنس الأجرة، أو يحدث ما يقابل التفاوت، و كذا لو سكن بعض الملك لم يجز أن يؤجر الباقي بزيادة عن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 273 ح 7، الوسائل ج 13 ص 262 ح 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 205 ح 48، الوسائل ج 13 ص 262 ح 1.
297
الأجرة و الجنس واحد، و يجوز بأكثرها لرواية الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) «استأجر دارا بعشرة دراهم» الحديث كما قدمناه، و الظاهر أنه من أجل هذا النقل خص بعض مشايخنا المتأخرين خلاف الشيخ بهذه الثلاثة، و الذي يظهر من العلامة في المختلف أنه أعم، حيث قال: قال الشيخان: إذا استأجر شيئا لم يجز أن يؤجره بأكثر مما استأجره به الا أن يحدث فيه حدثا من مصلحة و نفع إذا اتفق الجنس الى آخره.
و كيف كان فالذي يظهر من تتبع الاخبار هو العموم، و انما الإشكال في كون ذلك على جهة التحريم أو الكراهة، أما العموم فقد عرفت من الروايات الثلاث المتقدمة أولا الدلالة على البيت و الأجير و الحانوت، و منها الدار كما تقدم في صحيحة الحلبي أو حسنته، و منها الأرض كما تقدم في رواية الهاشمي و رواية الحلبي التي بعدها و موثقة إسحاق بن عمار المذكورة في كلام الشيخ.
و منها الرحا لما رواه
المشايخ الثلاثة عن أبى بصير (2) قال: «قال:
أبو عبد الله (عليه السلام): انى لأكره أن استأجر رحا وحدها ثم أؤاجرها بأكثر مما استأجرتها به، الا أن يحدث فيها حدثا أو يغرم فيها غرامة».
و منها السفينة مع بعض ما تقدم لما رواه
الشيخ في التهذيب عن إسحاق بن عمار (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) ان أباه كان يقول: لا بأس بأن يستأجر الرجل الدار أو الأرض أو السفينة ثم يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به إذا أصلح فيها شيئا».
و منها العمل لما رواه
في الكافي عن محمد بن مسلم (4) في الصحيح عن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 272 ح 4، الوسائل ج 13 ص 263 ح 3.
(2) التهذيب ج 7 ص 204 ح 46، الفقيه ج 3 ص 149 ح 4 و فيه عن سليمان بن خالد، الكافي ج 5 ص 273 ح 9، الوسائل ج 13 ص 263 ح 5.
(3) التهذيب ج 7 ص 223 ح 61، الوسائل ج 13 ص 263 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 273 ح 1، الوسائل ج 13 ص 165 ح 1.
298
أحدهما (عليهما السلام) أنه سئل عن الرجل يتقبل بالعمل فلا يعمل فيه و يدفعه الى آخر فيربح فيه، قال: لا، الا أن يكون قد عمل فيه شيئا».
و ما رواه
في التهذيب (1) عن أبي حمزة في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) الحديث المتقدم الى قوله «لا»،.
و لم يذكر الاستثناء.
و ما رواه
المشايخ الثلاثة عن حكم الخياط (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انى أتقبل الثوب بدرهم و أسلمه «بأقل» من ذلك لا أزيد على أن أشقه قال: لا بأس بذلك، ثم قال: لا بأس فيما تقبلته من عمل استفضلت فيه».
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن مجمع (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أتقبل الثياب أخيطها ثم أعطيها الغلمان بالثلثين فقال: أ ليس تعمل فيها؟ قلت: أ قطعها و أشترى لها الخيوط قال: لا بأس».
و ما رواه
في الكتابين المذكورين عن على الصائغ (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أتقبل العمل ثم أقبله من الغلمان يعملون معى بالثلثين؟ فقال لا يصلح ذلك الا أن تعالج معهم فيه، قلت: فإني أذيبه لهم» «قال: فقال: ذلك عمل فلا بأس».
و ما رواه
في التهذيب عن محمد بن مسلم (5) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الرجل الخياط يتقبل العمل فيقطعه و يعطيه من يخيطه و يستفضل؟
قال: لا بأس قد عمل فيه».
هذه جملة ما وقفت عليه من أخبار المسئلة، و هذه الاخبار كلها متفقة
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 210 ح 5، الوسائل ج 13 ص 165 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 274 ح 2، التهذيب ج 7 ص 210 ح 7، الوسائل ج 13 ص 265 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 211 ح 8، الفقيه ج 3 ص 159 ح 10، الوسائل ج 13 ص 266 ح 7.
(4) التهذيب ج 7 ص 211 ح 9، الفقيه ج 3 ص 159 ح 9 و فيه «ادينه»، الوسائل ج 13 ص 266 ح 6.
(5) التهذيب ج 7 ص 210 ح 6، 8 الوسائل ج 13 ص 266 ح 5.
299
الدلالة واضحة المقالة على النهى عن الإجارة بأكثر مما يستأجره في كل شيء الا أن يعمل فيه شيئا، و إذا ضممت بعضها الى بعض ظهر لك العموم في الحكم فان ذكر هذه الأشياء المخصوصة في الاخبار انما هو من قبيل التمثيل. بمعنى أن كل فرد فرد من هذه الأفراد المذكورة، سئل عن حكمه في الإجارة بأكثر مما استوجر عليه أجيب فيه بذلك، و العموم كما يحصل بالأداة الموضوعة له، كذا بتتبع الافراد و الجزئيات على نحو القواعد النحوية المبتنية على تتبع أقوال العرب، و ظاهرها الاكتفاء بعمل ما، و ان قل، فلا يشترط فيه المقاومة لما يأخذه زائدا، و نظيره ما تقدم في الضمائم.
و أما وجه الاشكال فمن حيث دلالة الأخبار الثلاثة المتقدمة في صدر البحث على الجواز في الأرض، و ما ذكره المتأخرون في الجمع بينها و بين هذه الاخبار من حمل هذه الاخبار على الكراهة، قد عرفت ما فيه مما قدمناه في غير مقام من البحث معهم في هذه القاعدة التي بنوا عليها في جميع أبواب الفقه من الجمع بين الاخبار بحمل الأمر على الاستحباب، و النهى على الكراهة.
على أن بعض هذه الاخبار المذكورة قد اشتمل على ما هو صريح في التحريم، مثل قوله (عليه السلام) في رواية الحلبي فيمن تقبل الأرض بألف و قبلها بألفين «لا يجوز»، و قوله (عليه السلام) في الروايات الثلاثة المتقدمة في صدر البحث و فيها «ان فضل الأجير و البيت و الحانوت حرام»:
و بذلك يظهر ضعف ما استند اليه بعض محققي متأخري المتأخرين في تأييد الكراهة بقوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير الواردة في الرحى «أنه لأكره أن استأجرها» فإن فيه ان استعمال الكراهة في الاخبار بمعنى التحريم أكثر كثير، و استعمالها في هذا المعنى العرفي انما هو اصطلاح متأخر.
و بالجملة فإن المتأمل في ما ذكرناه سيما مع تصريح الاخبار بالتحريم لا يخفى عليه ضعف الحمل المذكور.
300
و أما الجمع بتقييد إطلاق الاخبار الثلاثة- بما دلت عليه هذه الاخبار من عمل شيء قبل الإجارة كما ذهب اليه الشيخ و جمع من الأصحاب فمعنى نفى البأس عن إجارة الأرض بأكثر مما استأجرها التقييد بما إذا عمل فيها شيئا.
ففيه ما أشرنا إليه آنفا من أن التحريم في البيت و الأجير و الحانوت انما هو مع عدم احداث عمل، و أما مع احداث العمل فالفضل ليس بحرام، بل هو جائز، و اى فرق على هذا بين الأرض و هذه الثلاثة، حتى أنه يقول: في تلك الاخبار ان الأرض ليست كالأجير و البيت، و العجب من أصحابنا حيث لم يتنبه منهم أحد لذلك، و الإجماع قائم منهم على أنه مع احداث عمل فإنه يجوز.
و بالجملة فإنه متى قيد التحريم في الثلاثة المذكورة بعدم إحداث شيء كما أوضحناه سابقا، و قيد الجواز في الأرض بما إذا أحدث فيها شيئا كما ذكروه رجع الجميع إلى أمر واحد، و لم يبق فرق مع أن ظاهر الاخبار المذكورة أنها ليست سواء، و هذا انما يتجه على تقدير جواز إجارة الأرض مع الفضل و ان لم يحدث فيها شيئا، و هو بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه، و ان لم يتنبه أحد من الأصحاب اليه.
و أما باقي محامل الشيخ التي تكلفها في كتاب الاستبصار كما قدمنا نقله عنه فإنها لا تخلو من اشكال، و ان لم أقف على من تنبه له من علمائنا الأبدال.
أما الأول و هو أن يستأجرها بدراهم و دنانير و يجوز له مؤاجرتها بالنصف و الثلث و الربع و ان علم أن ذلك أكثر، فهو و ان دل عليه الخبر الذي ذكره الا أنه لا يخلو من الاشكال، لدلالته على جواز الإجارة بالحصة من نصف أو ثلث و نحوهما، و هو مما لا قائل به، و قد تقدم في الفائدة الخامسة من الفوائد المتقدمة التنبيه على ذلك، على أن الخبر المذكور قد دل مع ذلك على التقييد بما إذا حفر لهم نهرا أو عمل لهم شيئا يعينهم، و بذلك ترجع الرواية إلى غيرها من الروايات الدالة على التقييد بعمل شيء، و ترجع الى ما ذكرناه من التأويل المتقدم،
301
و به يظهر أن هذا الحمل ليس بشيء، لرجوعه من حيث التقييد الى الحمل الأخر.
و أما الحمل الثاني و هو أن يستأجرها بالثلث و الربع و يؤجرها بالنصف، فهو أيضا و ان دل عليه الخبران المذكوران، الا أن ما ذكرنا من الاشكال المتقدم جار فيهما، فإن الإجارة لا تصح بالحصة كما عرفت، و ان حمل الخبران على المزارعة فإنها هي التي يصح فيها ذلك، خرجا عن موضع البحث، فلا يصح الاستدلال بهما كما لا يخفى.
و أما الحمل الثالث- فقد عرفت الكلام فيه، و أما الحمل الرابع ففيه انه لا يظهر بهذا فرق بين الأرض و بين تلك الثلاثة المعدودة في تلك الأخبار، فان كلا منهما متى عمل به كذلك صح، أرضا كان أو بيتا أو غيرهما، و أنت قد عرفت دلالة الأخبار الثلاثة على أنه ليست الأرض مثل تلك الثلاثة في حد الزائد، و جواز المؤاجرة به، بمعنى أنه يحل في الأرض دون تلك الثلاثة.
و ما ذكره في هذا الحمل مشترك في الجميع، فأي معنى في الجمع به بين تلك الاخبار، و بما أوضحناه من بطلان هذه المحامل من كل من الطرفين تبقى المسئلة في قالب الإشكال، فإن الروايات الثلاثة المتقدمة ظاهرة في جواز الزيادة في مؤاجرة الأرض و ان لم يحدث شيئا، و ما عداها من الاخبار الكثيرة ظاهر في المنع، و بعضها كما عرفت صريح في التحريم، و لا يحضرني الان مذهب العامة في هذه المسئلة، فلعل أخبار أحد الطرفين انما خرج مخرج التقية و الله العالم.
الثاني [تعيين المدة]
من الشروط الثلاثة المتقدم ذكرها تعيين المدة، و هو المشهور في كلام الأصحاب، و فيه وجه بالعدم، قال المحقق في الشرائع: و لو اقتصر على تعيين المزروع من غير ذكر المدة فوجهان: أحدهما يصح، لان لكل زرع أمدا فيبني على العادة كالقراض، و الأخر يبطل كالإجارة و هو أشبه.
قال في المسالك: الأقوى اشتراط تعيين المدة على الوجه السابق، لان مقتضى العقد اللازم ضبط أجله، و الفرق بينها و بين القراض واضح، لانه عقد
302
جائز لا فائدة في ضبط أجل له لو شرط، لجواز الرجوع قبله، بخلاف المزارعة فكان إلحاقها بالإجارة أشبه.
أقول: لم أظفر في الاخبار بما يدل صريحا على اشتراط المدة في هذه المعاملة، و اليه يشير هنا الاستناد في الاشتراط إلى الإلحاق بالإجارة، و في العدم إلى الإلحاق بالقراض، و لو كان هنا دليل من الاخبار لم يحتج إلى الإلحاق بالإجارة، و مجرد كونه عقدا لازما كما ذكره في المسالك مع تسليمه لا يستلزم المدة، لما علم من أن الغرض المترتب عليه حصول الحصة المشترطة، فيناط حينئذ بالأمد المتعارف لذلك الزرع، و حصول الحصة المشترطة، و أى مانع من ذلك فاشتراط ما زاد على ذلك يحتاج الى دليل واضح.
و ربما استدل على اعتبار الأجل فيها بما رواه
في الكافي عن يعقوب بن شعيب (1) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «و سألته عن الرجل يعطى الرجل الأرض فيقول: اعمرها و هي لك ثلاث سنين أو خمس سنين أو ما شاء الله؟ قال لا بأس».
و رواه
الصدوق و الشيخ نحوه و عن الحلبي (2) في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بقبالة الأرض من أهلها عشرين سنة، و أقل من ذلك أو أكثر، فيعمرها و يؤدى ما خرج عليها، و لا يدخل العلوج في شيء من القبالة، فإنه لا يحل».
و بهذا الاسناد (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام)؟ قال: ان القبالة أن يأتي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 268 ح 2، الفقيه ج 3 ص 154 ح 1، التهذيب ج 7 ص 198 ج 22، الوسائل ج 13 ص 203 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 199 ح 25، الكافي ج 5 ص 269 ح 3، الوسائل ج 12 ص 219 ح 3.
(3) التهذيب ج 7 ص 197 ح 20، الكافي ج 5 ص 268 ح 3، الوسائل ج 13 ص 204 ح 2.
303
الأرض الخربة فتقبلها من أهلها عشرين سنة أو أقل من ذلك، أو أكثر فيعمرها و يؤدى ما خرج عليها فلا بأس به».
و ما رواه
الشيخ عن الحلبي (1) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) «أنه قال: في القبالة أن يأتي الرجل الأرض الخربة فيتقبلها من أهلها عشرين سنة، فان كانت عامرة فيها علوج فلا يحل له قبالتها، الا أن يتقبل أرضها فيستأجرها من أهلها و لا يدخل العلوج في شيء من القبالة فإنه لا يحل».
و عن أبى الربيع الشامي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن أرض يريد رجل أن يتقبلها فأي وجوه القبالة أحل؟ قال: يتقبل الأرض من أربابها بشيء معلوم الى سنين مسماة فيعمر و يؤدى الخراج، قال: فان كان فيها علوج فلا يدخل العلوج في قبالة الأرض، فإن ذلك لا يحل».
و أنت خبير بما فيه، فان غاية ما يدل عليه ما عدا الخبر الأخير هو أن مالك الأرض يعطى أرضه شخصا آخر ليعمرها، و يأكل حاصلها و يؤدى خراجها كما هو صريح الخبر الأول، و ان عبر عن ذلك في غيره بلفظ القبالة، و لهذا قال المحدث الأمين الأسترآبادي في حاشية له على صحيحة الحلبي الثانية: و قوله فيها «ان القبالة أن يأتي الأرض» الى آخره كأنه إشارة إلى قبالة متعارفة في بلد الراوي أو بلده و ليس المقصود حصر القبالة في ذلك انتهى.
و قال شيخنا المجلسي في حواشيه على صحيحة الحلبي الأولى: كأنه استأجره لإعمال معلومة، من تنقية القنوات و كرى الأنهار، و العمل في الأرض و غيرها، و جعل وجه الإجارة منفعة الأرض أو أجرة مثلها، و لما كان بعقد القبالة لا تضر الجهالة، و يمكن حمله على الجعالة.
و قال والده في حاشية له على صحيحة يعقوب بن شعيب: يمكن حمله على الجعالة في العمل بحاصل الملك، فلا تضر الجهالة أو على أن يؤجره الأرض
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 201 ح 33، الوسائل ج 13 ص 213 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 201 ح 34، الوسائل ج 13 ص 214 ح 5.
304
بشيء ثم يستأجره للعمل بذلك الشيء و الأول أظهر انتهى.
و أنت خبير بأنه حيث كان ظاهر الاخبار المذكورة ما قدمناه من إعطاء الأرض تلك المدة ليعمرها، و يأكل حاصلها و هذا بحسب ظاهره غير منطبق على شيء من المعاملات الموجبة لحل أكل حاصل الأرض المذكورة، فتارة حملوه على الجعالة من حيث عدم صحة حمله على الإجارة، لجهالة الأجرة و عدم معلوميتها، و منهم من جعلها معاملة متعارفة كانت في ذلك الزمان و نحو ذلك من هذه التكلفات التي ذكروها، و كيف كان فهي من الدلالة على ما ادعاه هذا القائل بمعزل.
و أما الأخير من الاخبار المذكورة فإنه ظاهر في الإجارة فلا اشكال فيه، و بالجملة فإني لا أعرف لهم دليلا في هذه المسئلة على اشتراط الأجل في المزارعة، و لا موجبا لفسادها بدونه، الا مجرد ظاهر اتفاقهم على الحكم المذكور، و ما علل به في المسالك قد عرفت ما فيه، على أن في دعوى كونها عقدا على الوجه الذي تقدم نقله عنه في صدر الكتاب مناقشة ظاهرة قد تقدمت الإشارة إليها.
و غاية ما يفهم من الاخبار وقوع التراضي من الطرفين على المزارعة بالنصف أو الثلث أو نحوهما على حسب ما يتفقان عليه من البذر و العوامل و الخراج عليهما معا، أو على أحدهما، أو بالتفريق، و الأرض من أيهما كان.
فمن الاخبار في هذا المقام
رواية إبراهيم الكرخي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشارك العلج، فيكون من عندي الأرض و البذر و البقر، و يكون على العلج القيام و السقي و العمل في الزرع حتى يصير حنطة و شعيرا و يكون القسمة فيأخذ السلطان حقه، و يبقى ما بقي على أن للعلج منه الثلث، و لي الباقي، قال: لا بأس بذلك، قلت: فلي عليه أن يرد على مما أخرجت الأرض البذر و يقسم الباقي قال: انما شاركته على ان البذر من عندك، و عليه السقي و القيام.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 267 ح 1، الوسائل ج 13 ص 202 ح 1.
305
و عن يعقوب بن شعيب (1) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون له الأرض» الخبر.
و قد تقدم في الفائدة الثالثة من الفوائد المذكورة في صدر الكتاب
و عن يعقوب بن شعيب (2) في خبر قال: و سألته عن المزارعة؟ قال: النفقة منك و الأرض لصاحبها، فما أخرج الله تعالى منها قسم على الشرط، و كذلك أعطى رسول الله (صلى الله عليه و آله) أهل خيبر حين أتوه، فأعطاهم إياها على أن يعمروها، و لهم النصف.
و عن سماعة (3) في الموثق «قال سألته عن مزارعة المسلم المشرك فيكون من عند المسلم البذر و البقر، و تكون الأرض و الماء و الخراج و العمل على العلج؟
قال: لا بأس».
الى غير ذلك من الاخبار التي من هذا القبيل، و ليست المزارعة فيها إلا عبارة عن تراضيهما على هذه الوجوه بأي نحو اتفق، و لا عقد كما يدعونه و لا صيغة خاصة بالكلية، و ليس في شيء منها على كثرتها إشارة إلى أجل و لا مدة، بل المناط فيها ادراك الحاصل كما يشير اليه قوله
في رواية الكرخي (4) «حتى يصير حنطة و شعيرا».
بقي الكلام في أنه لو ذكرت المدة في العقد مع كونها كما عرفت لا دليل عليها، فهل يترتب عليها أثر أم تكون لغوا من القول؟
و وجوده كعدمه، الظاهر الثاني و الله العالم.
و تمام تحقيق الكلام في المقام يتوقف على بيان أمور:
الأول [في اعتبار امتداد المدة المذكورة إلى إدراك الزراعة و عدمه]
- هل يعتبر في المدة المذكورة امتدادها إلى إدراك الزراعة علما أو ظنا غالبا، فلو اقتصر على ما دون ذلك بطل العقد أم لا؟ ظاهر إطلاق جملة من عبارات الأصحاب الثاني، و منهم المحقق في الشرائع، و العلامة في الإرشاد و صريح جملة منهم الأول، و استشكل في القواعد.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 268 ح 2 الوسائل ج 13 ص 203 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 268 ح 2 الوسائل ج 13 ص 203 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 268 ح 4 الوسائل ج 13 ص 204 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 198 ح 21، الوسائل ج 13 ص 202 ح 1.
306
قال في المسالك بعد نقل عبارة المصنف المشار إليها: مقتضى إطلاق العبارة عدم الفرق مع ضبط المدة بين كونها وافية بإدراك الزرع فيها و قاصرة و محتملة و هو أحد الوجهين في المسئلة، و الأقوى اعتبار مدة يدرك فيها الزرع علما أو ظنا غالبا، فلو اقتصر على ما دون ذلك بطل العقد، لان الغرض في المزارعة هو الحصة من النماء، فإذا لم يتحقق في المدة غالبا بقي العقد بلا عوض، و انه خلاف وضع المزارعة، و الاعتذار بإمكان التراضي بعد ذلك على بقائه لا ينفع لأن التراضي غير لازم، فلا يعلق عليه شرط لازم، انتهى.
أقول: و قد عرفت أنه لا دليل على اشتراط المدة في المزارعة، و انما الظاهر من الاخبار التي قدمناها و نحوها هو اناطة ذلك بإدراك الحاصل، بمعنى أن يتراضيا على المعاملة المذكورة بالشروط المقررة بينهما، و العمل فيها حتى يدرك الحاصل و يقتسماه، فان الغرض من المزارعة انما هو تحصيل الحاصل منها لكل من المالك و المزارع، فيأخذ المزارع حصته و يأخذ المالك حصته الباقي، و حينئذ فلو فرضنا قيام دليل على اشتراط الأجل فيها، فإنه لا معنى لجعله أقل من وقت ادراك الحاصل، فالقول به أو الاستشكال من أجله لا أعرف له وجها بالكلية.
الثاني [في أنه إذا مضت المدة و الزرع باق]
- انهم قالوا: بناء على ما قدمنا نقله عنهم من اشتراط المدة في العقد المذكور لو مضت المدة و الزرع باق بأن ذكر مدة يظن الإدراك فيها فلم يحصل، فهل لمالك الأرض إزالته أو ليس له ذلك، أو له الإزالة مع ضمان الأرش أقوال ثلاثة، قالوا: وجه الأول انقضاء المدة التي يستحق عليه فيها التبقية، و الأصل تسلط المالك على ملكه كيف شاء، و لان الزارع بعد المدة لا حق له، فيكون إبقاءه بدون اذن المالك ظلما.
و وجه الثاني أنه قد حصل في الأرض بحق فلم يكن للمالك قلعه: و لان للزرع أمدا معينا غير دائم الثبات، فإذا اتفق الخلل لا يسقط حق الزارع كما لو استأجر مدة للزرع فانقضت قبل إدراكه.
307
و وجه الثالث الجمع بين الحقين، و أورد عليه بأنه يشكل فيما لو كان التأخير بتقصير الزارع.
و بالأول صرح المحقق في الشرائع، و اختاره في المسالك، قال: و ما اختاره المصنف أقوى، لزوال حق الزارع بانقضاء المدة، فلا أرش له و لا استحقاق و هو جيد لو ثبت دليل على اعتبار المدة.
و يا لله و العجب أنه إذا كان الغرض من المزارعة انما هو الحاصل من الزرع و الانتفاع به، فلو فرضنا أن مالك الأرض هو صاحب القسط الأعظم من الحاصل و صاحب الحصة انما هو العلج مثلا و انقضت المدة قبل الإدراك كما فرضوه فكيف يقدم المالك على ضرر نفسه بقلع الزرع، و يتصور النزاع بينه و بين العلج في ذلك، و يترتب عليه هذا الخلاف، و اين هذا من ذلك الغرض الباعث على المزارعة و خسران ما صرفوه من بذر و عوامل و عمل و نحو ذلك، و هل يتصور في عقل عاقل القدوم على مثل ذلك و الحال كما عرفت.
و كيف كان فان البناء على هذه التعليلات التي ذكروها لكل من هذه الأقوال بمحل من الاشكال، لما عرفت في غير مقام مما تقدم، و المسئلة غير خالية من الاشكال و الالتباس، خصوصا لما عرفت من عدم البناء فيها على أساس.
نعم لو جعل هذا الخلاف بعد إدراك الغلة لكان أقرب الى الصواب و على تقديره فالأظهر هو القول الأول من الأقوال المتقدمة، قيل: و على تقدير القول الأول فينبغي أولا تكليف المزارع بالإزالة، و الا فرفع الأمر إلى الحاكم ثم بعد تعذره مباشرة المالك بنفسه.
و اختار في القواعد أن للمالك الإزالة مع الأرش، أو التبقية بأجرة للمالك، و حينئذ يصير هذا قولا رابعا في المسئلة و أورد عليه بأنه يلزم منه إيجاب عوض في ذمة المزارع بدون رضاه، و ذلك غير معقول.
ثم انه على تقدير جواز القلع بأرش أولا به، فالمقلوع مشترك بينهما بناء
308
على أن الزارع يملك الحصة، و ان لم ينعقد الحب، خلافا لابن زهرة.
ثم انه على تقدير ثبوت الأرش بقلعه قال في المسالك: طريق تحصيله أن يقوم الزرع قائما بالأجرة إلى أو ان حصاده و مقلوعا، ثم انه على تقدير القول الأول لو اتفقا معا على التبقية، جاز بعوض كان أم لا، الا أنه متى كان بعوض افتقر في لزومه الى تعيين مدة زائدة.
و على تقدير القول الثاني و هو القول بوجوب إبقائه فهل تجب الأجرة أم لا؟
قولان: أولهما للعلامة في التذكرة، و ثانيهما له أيضا في القواعد، قالوا: و على تقدير اتفاقهما على البقاء بأجرة تكون إجارة الأرض حقيقة، لانقضاء مدة المزارعة، فلا بد من ضبط المدة كالإجارة، فإن جاز الإطلاق في المزارعة فلو لم يضبطاها أو اتفقا على الإبقاء بالأجرة، و أطلقا وجب أجرة المثل.
الثالث [اشتراط تأخير الزرع الى أن يدرك]
- قالوا: إذا عقد المزارعة إلى مدة معينة فشرط في متن العقد تأخير الزرع الى أن يدرك أو الى مدة أخرى أن بقي الزرع بعد المدة المشترطة غير مدرك بطل العقد، لانه يعود إلى الجهالة في المدة، لأن المدة في الحقيقة تصير هي المجموع مما وقع عليه الشرط، و مما عين أولا في متن العقد، و الذي عين في متن العقد، و ان كان مدة مضبوطة الا أن المذكورة في الشرط مجهولة و شرطها في متن العقد من جملة العوض، فإذا تضمن جهالة بطل العقد، كما لو كان جميع المدة مجهولا.
و يحتمل على هذا القول صحة الشرط المذكورة، و ان تضمن الجهالة، لأن المدة المذكورة في العقد مضبوطة، و ما تضمنه الشرط انما هو من قبيل التابع، ذكر احتياطا، لاحتمال الحاجة، و جهالة التابع غير مضر، كما تقدم نظيره في الضمائم الا أن المشهور بينهم هناك هو البطلان متى كان المقصود بالبيع الجميع، و انما يصح عندهم فيما إذا كان المقصود المعلوم، و جعل المجهول تابعا و قد بينا ضعفه ثمة و من هنا رجح في المسالك القول الأول بناء على ما اختاره هناك من القول المشهور.
309
الرابع [فيما لو ترك العامل المزارعة حتى انقضت المدة]
- من فروع اعتبار المدة في هذا العقد ما لو ترك العامل المزارعة حتى انقضت المدة، فإنه تلزمه أجرة المثل، كما لو استأجرها مدة معلومة، فإنه تلزمه الأجرة، لأن منفعتها قد صارت مستحقة له، حيث لا يتمكن المالك من استيفاءها، و قد فوتها عليه فتلزمه الأجرة لذلك.
و الأكثر على أنه لا فرق في لزوم أجرة المثل للمزارع بين تركه العمل و الانتفاع بالأرض اختيارا أو غيره، و قيل: بالفرق بين الأمرين، لعدم التقصير على تقدير الثاني، و مقتضى العقد لزوم الحصة خاصة، و لم يحصل منه تقصير في عدم حصولها يوجب الانتقال الى ما لا يقتضيه العقد، و هو أجرة المثل الذي ذكروه.
أقول: و يأتي على ما ذكرناه: من عدم دليل على اعتبار التأجيل في هذه المعاملة و عدم اعتبار المدة فيها و ان ذكرها في حكم العدم هو عدم لزوم شيء للعامل، لأصالة براءة الذمة، و الفرق بينهما و بين الإجارة ظاهر، لأنه بالإجارة ينتقل المنفعة إلى المستأجر، و ترتفع يد المالك عن الأرض بالكلية تلك المدة، فتلزمه الأجرة بلا اشكال بالتقريب المتقدم.
و على ذلك دلت جملة من الاخبار الاتية- إنشاء الله تعالى- في كتاب الإجارة بخلاف ما نحن فيه، فان للمالك متى لم يزرع فيها العامل فسخ العقد و دفعها الى غيره، و منفعة الأرض لم تنتقل له بالعقد، و انما هي مشتركة مع العمل فيها، و للعامل الحصة المقررة، فإذا أخل بالعمل فيها كما لو شرط عليه فللمالك فسخه، بل الظاهر انفساخ العقد بنفسه و الله العالم.
الثالث [أن يكون الأرض مما يمكن الانتفاع بها في الزرع]
- من الشروط الثلاثة المشار إليها آنفا أن يكون الأرض مما يمكن الانتفاع بها في الزرع، بأن تكون من أرض الزراعة، و أن يكون لها ماء معتاد تسقى به من نهر أو بئر أو عين أو نحوها، و من ذلك الأرض في بلد تسقيها الغيوث و الأمطار عادة، و كثير منهم حصر و الماء في الافراد السابقة. و ذكروا الغيوث في مسئلة على حدة، و الحق أن الجميع من باب واحد، لان المراد أن يكون
310
الماء ماء يعتاد سقيها به، أعم من أن يكون من الله تعالى أو من جهة العمال فيها، بحفر السواقي و الأنهار، و الضابط إمكان الانتفاع بها في الزراعة، فلو لم يكن كذلك بطلت المزارعة.
و الكلام هنا يقع في مواضع
الأول [لو زارعها أو آجرها له و لا ماء لها]
- قال العلامة في القواعد بعد ذكر الشرط المذكور: و لو زارعها أو آجرها له و لا ماء لها تخير العامل مع الجهالة لا مع العلم، لكن في الأجرة يثبت المسمى، و هو ظاهر في صحة المزارعة مع علمه بعدم الماء، و أما مع الجهل فيتخير بين الرضا بالعقد و فسخه، و مرجعه الى اللزوم مع العلم و عدم اللزوم مع الجهل، دون البطلان في شيء من الموضعين، ففي صورة العلم لا خيار له حيث أقدم على ذلك، بخلاف صورة الجهل، فيكون له الخيار، و يأتي بناء على ما قدمناه من البطلان في الموضعين لفوات الشرط الذي هو إمكان الانتفاع، و هو الأقوى بالنظر الى قواعدهم.
و ربما حمل كلام العلامة هنا على أنه متى أمكن الانتفاع بتلك الأرض في غير المزارعة التي تحتاج الى الماء، فإنه يجوز أن يزرع ما لا يحتاج الى الماء فعدم الماء لا يستلزم عدم إمكان الانتفاع، مع القول باشتراط إمكان الانتفاع بغير الزرع إذا تعذر، و لا يخفى تعسفه، فان الظاهر من الاخبار و كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف أن المزارعة المبحوث عنه في هذا المقام انما هي عبارة عن زرع ما يتوقف على الماء من حنطة و شعير و أرز و نحوها من الحبوب، على انا لا نعرف هنا زرعا يقوم بغير الماء بالكلية.
و ربما حمل كلامه أيضا على أن المراد لا ماء لها غالبا، لا أنه لا ماء لها أصلا و يؤيده تصريحه بذلك في التذكرة حيث نقل عنه فيها التردد فيما لو كان لها ماء نادرا هل يصح المزارعة عليها أم لا، و منشأ التردد من عدم التمكن من إيقاع ما وقع عليه العقد بالنظر الى الغالب، و من إمكان الزرع و لو نادرا، و هو و ان كان أقل تعسفا من الأول، الا أن الظاهر ضعف المبنى عليه، و ان تردد
311
فيه في التذكرة، لما عرفت في غير مقام مما تقدم أن الأحكام المودعة في الاخبار انما تحمل على الافراد الشائعة الغالبة المتكثرة، دون الشاذة النادرة.
و ما ذكره العلامة في القواعد من هذا الحكم المتقدم نقله عنه قد سبقه اليه المحقق في الشرائع أيضا مع أنهما معا قد ذكرا قبل هذا الكلام الشرط المشار اليه، و قد عرفت أن قضية الشرط المذكور بطلان المزارعة مع عدمه.
و بالجملة فإن كلامهما هنا مع ما عرفت لا يخلو من الإشكال.
الثاني [فيما لو أمكن الانتفاع ثم تجدد انقطاع الماء]
- حيث قد عرفت أن إمكان الانتفاع شرط في صحة المزارعة، و أنها بدونه تكون باطلة، فلو وجد الشرط المذكور ثم تجدد انقطاع الماء فمقتضى القواعد بطلان العقد، لفوات الشرط في المدة الباقية، فإن الظاهر شرطيته ابتداء و استدامة ليترتب عليه الغرض المطلوب من المزارعة، الا أن ظاهر المحقق و العلامة الصحة، و ان للزارع الخيار، حيث أطلقا القول بعدم البطلان، و انما حكما بتسلطه على الفسخ.
قيل: و كأنهما نظرا إلى صحة العقد ابتداء، فتستصحب و الضرر اللاحق للمزارع بانقطاع الماء ينجبر بتسلطه على الفسخ، و الظاهر ضعفه، لعدم حجية الاستصحاب على هذا الوجه كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب في صدر جلد كتاب الطهارة (1).
الثالث [صحتها لو استأجرها مطلقا و لم يشترط الزراعة]
- ينبغي أن يعلم أن ما تقدم من البحث و الخلاف مخصوص بالمزارعة، و كذا الإجارة بشرط الزراعة، لاشتراكهما في المعنى، أما لو استأجرها مطلقا و لم يشترط الزراعة فإنهم قد صرحوا هنا بصحة الإجارة، لإمكان الانتفاع بها بغير الزراعة، فليس له الفسخ حينئذ، و الظاهر أن هذا الحكم مخصوص بالجاهل بكون الأرض لا ماء لها، و الا فإنه متى علم أنه لا ماء لها، و استأجرها مع علمه بذلك فإنه لا معنى لتخييره، بل اما أن يكون العقد باطلا، أو صحيحا، و الوجه حينئذ
____________
(1) ج 1 ص 52.
312
في صحة الإجارة مع الجهل، و عدم جواز الفسخ متى علم أنه استأجرها مطلقا لا بشرط الزراعة، و وجوه الانتفاعات لا تختص بالزراعة بخصوصها، لأنها نوع من أنواع الانتفاعات، فإنه يمكن الانتفاع بها في وضع المتاع، و كونها مراحا و مسرحا و غير ذلك، كذا ذكروه.
و يشكل بأنه متى كانت الأرض إنما أعدت للزراعة، و أن الغالب عليها انما هو الاستعمال و الانتفاع بها في الزرع لا في غيره، و قد عرفت في غير موضع مما تقدم أن الإطلاق انما ينصرف الى الافراد الغالبة المتكررة، فالحكم بالصحة و اللزوم و الحال هذه مشكل، فيحتمل تسلطه على الفسخ حملا على المعتاد و الغالب.
الرابع [حكم ما لو فسخ أحدهما]
- قد عرفت من مذهبي المحقق و العلامة أن للمزارع و المستأجر الفسخ في المسألتين المتقدمتين، قالوا: فلو فسخ فعليه في المزارعة أجرة ما سلف، و عليه المسمى في الإجارة، و الوجه فيه أن كلا من المزارع و المستأجر فسخ العقد باختياره، فبطل العقد بفعله، و لم تحصل الحصة المعينة في المزارعة، و الأرض لا بد لها من أجرة، فعليه في المزارعة أجرة ما مضى من الزمان قبل الفسخ، و المسمى بالنسبة إلى الإجارة، و يشكل بأن الفسخ انما وقع بسبب انقطاع الماء الذي هو شرط لوجود الحصة، و صحة الإجارة.
و بالجملة فإن إثبات ما ذكروه يحتاج الى دليل، و الا فالأصل عدمه، هذا ان فسخ، و ان لم يفسخ فان حصل شيء فهو لهما، و الا لم يكن لأحدهما على الأخر شيء، و هو ظاهر و الله العالم.
المقام الثاني في الأحكام
و فيه مسائل
المسألة الأولى [في أن إطلاق المزارعة يقتضي زراعة ما شاء]
- قالوا: لا يخلو الحال في المزارعة من أمرين
أحدهما [في أن إطلاق المزارعة يقتضي زراعة ما شاء]
- أن يطلق المزارعة على المشهور فله أن يزرع ما شاء، و الظاهر ان
313
المراد بالإطلاق هنا ما قابل التعيين، سواء كان ما يدل على العموم وضعا من الألفاظ الموضوعة له، أو ما يدل على الفرد المنتشر وضعا، و على التقديرين فإنه ظاهر في جواز أن تزرع ما شاء سواء أضر بالأرض أم لا.
أما على الأول فظاهر، و أما على الثاني فلان تجويز فرد منتشر تجويز لكل واحد بدلا من الأخر، و لهذا أن الأمر بالكلي أمر بواحد أى واحد كان من أفراد الماهية، بمعنى براءة الذمة و الإتيان بالمأمور به بأي فرد فعل، و الا لزم الإجمال و التكليف بالمحال.
و استشكل بعض محققي متأخري المتأخرين في صحة هذا العقد، قال:
لاشتماله على الغرر، كما يمنع بعتك هذا بما تريد، أو بأي شيء تعطى، ثم قال:
و قد يفرق بالنص و الإجماع، و بأنه لا شك في جواز زراعة ما هو الأضر للمالك، فله أن يعطيه غيره أن يفعل ذلك له بأجرة و غيرها انتهى.
و نقل عن العلامة في التذكرة أنه قوى وجوب التعيين لتفاوت ضرر الأرض، باختلاف جنس المزروعات فيلزم بتركه الغرر، و هو الذي أشار إليه المحقق المذكور في صدر كلامه.
لكنه قد أورد عليه أيضا بأنه منظور فيه بدخول المالك و قدومه على أضر الأنواع من حيث دخوله في الإطلاق المستلزم لذلك، فلا غرر حينئذ، و كيف كان فالأقرب القول المشهور.
ثم ان ما ذكروه من العبارة التي صدرنا بها الكلام لا يخلو من حزازة، فإن الظاهر أن ضمير يزرع في قوله فله أن يزرع، ما شاء راجع الى العامل الزارع و هو انما يتم لو كان البذر من عنده، أما لو كان من عند المالك فالتخيير يرجع اليه، لا الى الزارع.
و ثانيهما [حكم ما لو تعين الزرع]
أن تعين العين المراد زرعها تعينا نوعيا كالحنطة، أو شخصيا كهذه الحنطة، أو صنفيا كالحنطة الفلانية، سواء كان ما عدل إليه أضر مما عين
314
في العقد، أو أقل ضررا، أو مساويا، فإن قضية التعيين و الاشتراط هو عدم جواز التعدي لما عين مطلقا، و لو خالف فمقتضى كلام جملة منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و المحقق الأردبيلي هو أن للمالك أجرة المثل.
قال المحقق المذكور: لا شك في انه يلزمه أجرة المثل على تقدير التعدي، و ينفسخ العقد، الا أن تكون مدة الانتفاع باقية، لانه قد ضيع منفعة الأرض بغير اذنه، فيلزمه عوضها، و هو أجرة المثل كما في غيرهما انتهى.
و مقتضى كلام المحقق و العلامة التخيير بمعنى أنه يتخير مالك الأرض في فسخ العقد و أخذ أجرة المثل و عدمه، فيأخذ المسمى و الأرش أيضا ان نقصت الأرض و حصل لها ضرر بذلك.
قال العلامة في القواعد و يتعين بالتعيين، فان زرع الأضر فللمالك الخيار بين المسمى مع الأرش، و بين أجرة المثل، و لو زرع الأخف تخير المالك بين الحصة مجانا، و أجرة المثل.
و قال المحقق في الشرائع: فإن عين الزرع لم يجز التعدي، و لو زرع الأضر و الحال هذه كان لمالكها أجرة المثل ان شاء، و النماء مع الأرش، و لو كان أقل ضررا جاز انتهى.
و فيه نظر من وجهين الأول ان مقتضى التعيين و العمل بالشرط عدم جواز العدول عنه، و أنه ينفسخ العقد بالتعدي كما تقدم في كلام المحقق الأردبيلي، فكيف يتم ما ذكره في الشرائع من أنه لو كان أقل ضررا جاز، و ما ربما يقال في الجواب- و الاعتذار عن المنافاة في كلامه- بأن الرضا بزرع الأضر على الأرض يقتضي الرضا بالأقل ضررا بطريق أولى- مردود بأن غرض المالك ربما كان الانتفاع بالزرع، لا مصلحة الأرض، فإنه المقصود الذاتي، و مصلحة الأرض انما هي تابعة و لا شك أن الأغراض تختلف في أنواع المزروع، فربما كان غرضه في الأشد ضررا من حيث يزيد نفعه، أو الحاجة اليه، و ان تضررت الأرض به.
315
ثم انه على تقدير ما ذكره من الجواز يلزم من ذلك أخذ المالك الحصة من ذلك المزروع مجانا، و هو باطل، لانه غير داخل في العقد، فكيف يستحق فيه المالك شيئا، و عين البذر مال العامل و ملكه، و لا دليل على انتقال شيء منه عن ملكه إلا بالمزارعة عليه و دخوله في عقد المزارعة، و المفروض أنه ليس كذلك.
و به يظهر أيضا ما في عبارة القواعد هنا من التخيير بين أخذ الحصة مجانا و بين أجرة المثل، فإنه لا وجه لأخذ الحصة مجانا كما عرفت، بل الحق انما هو أجرة المثل و انفساخ العقد.
الثاني- أن ما ذكراه من التخيير في صورة زرع الأضر بين المسمى مع الأرش، و بين أجرة المثل، منظور فيه بأن الحصة المسماة إنما وقعت في عقد المزارعة بالنسبة الى ذلك المعين في العقد، و الذي زرعه العامل لم يتناوله العقد، و لا الاذن، فكيف يستحق منه المالك حصته، فإذا زارعه على حنطة بأن يكون للمالك نصف حاصلها، و بذر العامل شعيرا فبأي وجه يستحق المالك حصته من ذلك الشعير، و هو غير داخل في العقد، و مقتضى ملك العامل له أن يكون نماؤه و ما يخرج منه لمالكه خاصة، و به يظهر أن الأقوى انما هو أجرة المثل في الموضعين المذكورين، هذا بالنسبة إلى المزارعة.
أما في الإجارة فإنه لو استأجر منه الأرض لزراعة نوع معين، مثلا فان زرع الأضر فالكلام عندهم كما تقدم في المزارعة، و ان زرع الأخف ضررا فإنهم صرحوا هنا بالفرق بين العقدين في ذلك، و أنه يصح في الأول، دون الثاني.
قال في المسالك في تعليل ذلك: فان عدول المستأجر إلى زرع ما هو أخف ضررا منه متجه، لان الغرض من الإجارة للمالك تحصيل الأجرة، و هي حاصلة على التقديرين، و تبقى معه زيادة تخفيف الضرر عن أرضه، و أولى منه لو ترك
316
الزرع طول المدة، فإنه لا اعتراض للمالك عليه، حيث لا يتوجه ضرر على الأرض، لحصول مطلوبه، و هو الأجرة، بخلاف المزارعة، فإن مطلوبه الحصة من الزرع، فلا يدل على الرضا بغيره، و لا يتناوله بوجه، انتهى.
و أما المساوي فاحتمالان.
الثانية [في إجارة الأرض للزراعة مع عدم انكشاف الماء عنها]:
قيل: لو استأجر للزراعة أرضا لا ينكشف عنها الماء لم يجز، لعدم الانتفاع، و لو رضى بذلك المستأجر جاز، و لو قيل: بالمنع لجهالة الأرض كان حسنا، و ان كان قليلا يمكن معه بعض الزرع جاز، و لو كان الماء ينكشف عنها تدريجا لم يصح لجهالة وقت الانتفاع.
أقول: و تفصيل هذا الإجمال- بما يتضح به المراد من هذا المقال- هو أن يقال: إذا كانت الأرض مغمورة بالماء بالكلية في جميع الأوقات، فإنه لا ريب في بطلان إجارتها، لعدم إمكان الانتفاع بها فيما استوجرت له، و هو ظاهر، و أما لو كان الماء ينكشف عنها وقت الانتفاع عادة، فإن كانت مغمورة به حال العقد، فإنهم صرحوا بالصحة إذا كان قد رأى الأرض أولا قبل استيلاء الماء عليها، و أن الماء المجلل لها صافيا لا يمنع من رؤيتها، هذا إذا كان الاستيجار للزراعة.
أما لو كان الاستيجار مطلقا أو لغير الزراعة مما يمكن استيفاؤه منها، فإن الإجارة صحيحة، و ينتفع بها فيما شاء، و لو باصطياد السمك ان كان، و مع تعذر الانتفاع بها بوجه من الوجوه، فالظاهر هو البطلان، لان شرط الصحة إمكان الانتفاع، و لو رضى المستأجر بالإجارة مع فرض الانغمار بالماء جاز، و هو مما لا اشكال فيه، الا أنه لا بد من تقدم رؤية الأرض قبل الانغمار بالماء، أو إمكان الرؤية حال وجود الماء لصفائه، كما تقدم ذكره.
و به يظهر أن تعليل المنع من الصحة في هذه الصورة بجهالة الأرض لا يصح على إطلاقه.
317
نعم لو فرض الجهل بها على كل حال اتجه المنع، و بالجملة فإنه إذا رضي المستأجر بذلك مع العلم بالأرض بأحد الوجوه جاز، و أما مع الجهل مطلقا و عدم العلم بوجه فلا، و لو كان الماء قليلا يمكن معه بعض الزروع جاز، لإمكان الانتفاع في الجملة، سواء أمكن الزرع في جميع الأرض على النقصان، أو أمكن في بعض دون بعض، مع إلحاق ما لا يمكن فيه من الأرض بالجميع.
و كيف كان فلا بد من علم المستأجر بذلك و الا تسلط على الفسخ للعيب، و أما لو كان الماء ينكشف عن الأرض تدريجا فإن الإجارة لا تصح، لجهالة وقت الانتفاع، و الظاهر أنه لا فرق في ذلك بين رضاء المستأجر بذلك و عدمه، لان رضاه بعقد غير صحيح لا يوجب صحته، لما عرفت من أن العقد باطل من حيث جهالة وقت الزرع.
و في القواعد قيد المنع بعدم رضا المستأجر، فلو رضى بذلك صح، ورد بأن هذا انما يتم في العيب، فإنه يتخير بالرضاء و الخيار، لا في الجهالة التي هو موجبة لبطلان العقد، و لو قيل:- بإلحاق هذا الفرد بما ذكر نظرا إلى إمكان الانتفاع في الجملة- قلنا: لا ريب ان ما يوجبه انقطاع الماء تدريجا نقصان المنفعة، و اللازم من ذلك تخير المستأجر مع الجهل، لا الحكم بعدم الصحة، مع أنه قد حكم بعدم الصحة مع عدم الرضا.
و بالجملة فما نقلناه أولا أوفق بالقواعد المقررة بينهم.
قال في المسالك بعد ذكر نحو ذلك: و هذه الأحكام آتية في المزارعة على الأرض المذكورة، فكان ذكرها في بابها أولى من استطراد الحكم الأجنبي، أو التعميم، و ربما قيل: في هاتين المسألتين أن المنع مخصوص بالإجارة، أما المزارعة عليها فجائزة، و الفرق ابتناء الإجارة على المعلومية، لانضباط الأجرة، فلا بد من انضباط المنفعة في مقابلتها، بخلاف المزارعة، فإن النفقة التي هي الحصة لما كانت مجهولة، تسومح في مقابلتها من العوض بما لا يتسامح في غيرها، و لا بأس به، انتهى.
318
الثالثة [تعيين مقدار كل واحد من الغرس و الزرع لو اشترطا في العقد]
- قالوا: إذا اشترط في استيجار الأرض الغرس فيها و الزرع معا فلا بد من تعيين مقدار كل واحد منهما.
أقول: و الوجه في لزوم الشرط المذكور عموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء به، و الوجه في وجوب التعيين في الزرع و الغرس هو اشتراط العلم، و عدم الجهل الموجب للغرر لما علم من تفاوت ضرريهما، فان الغرس أضر على الأرض و افراد المغروسات، و كذا افراد المزروعات متفاوتة في الضرر شدة و ضعفا، و حينئذ فلا بد من تعيين أفرادها، و كذا لو استأجر لغرسين أو لزرعين، فإن الحنطة أضر من الشعير، و المغروسات تختلف باعتبار سريان العروق في الأرض، و نحو ذلك فلا بد من التعيين لما عرفت، قيل: و اشتراطه في الإجارة ظاهر، كما إذا آجره الأرض للزراعة و الغرس.
و أما في المزارعة فبان يكون شرط في المزارعة غرس أشجار له، كما نقل عن المحقق الثاني، و ربما قيل: بأنه كما يجب التعيين في المتفاوتين في الضرر، يحتمل أيضا في غير المتفاوتين، خصوصا في المزارعة لما تقدم، من أن الغرض المطلوب منها الحصة، و معلوم تفاوتها بتفاوت أفراد المزروعات.
قال في المسالك: و يمكن حمل الإطلاق على جعل كل واحد منهما في نصف الأرض، لأن المتبادر من لفظ الشريك التسوية كما في نظائره، و لان مقتضى الإجارة لهما أن يكون المنفعة المطلوبة من كل واحد منهما نصف فضل الجميع بحسب التنصيف لئلا يلزم الترجيح من غير مرجح، و هذا هو الأقوى و حينئذ فلا يجب التعيين، انتهى.
و ما ادعاه من أن المتبادر من لفظ الشريك التسوية، و أن اشتهر ذلك في كلام غيره أيضا، الا أنه قد تقدم ضعفه، بل هو أعم مما ذكروه، و قوله أيضا فلا يجب التعيين، بناء على الفرض الذي ذكره محل اشكال، مع تفاوت أفراد المغروسات و المزروعات، فإنه مع فرض نصف تلك الأرض للغرس، و النصف الأخر للزرع
319
متى كانت أفراد كل منهما متفاوتة في الضرر، جرى في هذا النصف ما جرى في أصل الأرض المفروضة في الكلام السابق مما اقتضى وجوب التعيين، ثم انه قال:
هذا كله إذا استأجرها مطلقا، أما لو استأجرها لينتفع بها بما شاء منها- صح و تخير، لان ذلك تعميم في الافراد، و قدوم على الرضا بالأضر، و يبقى الكلام في تعيين النوع الواحد من الزرع و الغرس و إطلاقه ما تقدم، انتهى.
الرابعة [في استيجار الأرض مدة لغرس ما يبقى بعدها غالبا]
- اختلف الأصحاب فيما إذا استأجر أرضا مدة معينة ليغرس فيها ما يبقى بعد المدة غالبا، فقيل: انه يجب على المالك إبقاؤه، يعنى بالأجرة، أو إزالته مع الأرش.
و قيل: انه له إزالته كما لو غرس بعد المدة، و بالأول صرح المحقق في الشرائع و العلامة في الإرشاد، و نقل عن فخر المحققين، و بالثاني صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك.
و علل الأول من القولين المذكورين بأن المستأجر غير معتد بالزرع، لانه مالك المنفعة تلك المدة، فله الزرع، و ذلك يوجب على المالك إبقاءه، لمفهوم
قوله (1) (عليه السلام) «ليس لعرق ظالم حق».
قال فخر المحققين: أجمع الأصوليون على دلالة المفهوم من هذا الحديث، و ان اختلفوا في دلالة مفهوم الوصف في غيره، لكن لما لم يكن له في الأرض حق بعد المدة، لانقضاء الإجارة، جمع بين الحقين بإبقائه، بالأجرة أو قلعه بالأرش.
و علل القول الثاني بأن المستأجر دخل على أن لا حق بعد المدة، لأن منفعة المدة هي المبذولة في مقابلة العوض، فلا يستحق بالإجارة شيئا آخر، فللموجر قلعه مجانا كما لو غرس المستأجر بعد المدة.
قال في المسالك: هذا هو الأقوى، ثم قال في الجواب عما تقدم: و عدم تعدى المستأجر بزعمه في المدة لا يوجب له حقا بعدها مع اسناد التقصير اليه، و المفهوم ضعيف، و الإجماع على العمل هنا لم يثبت، و على تقدير صحته نمنع
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 206 ح 55، الوسائل ج 17 ص 311 باب 3 ح 1.
320
من كونه بعد المدة غير ظالم، لانه واضع عرقه في أرض لا حق له فيها، و إلزام المالك بأخذ الأجرة على الإبقاء، أو تكليفه بالأرش على خلاف الأصل، فلا يصار اليه بمثل ذلك انتهى.
و قال المحقق الأردبيلي بعد نقل القول الأول عن المحقق، و الثاني عن الشهيد الثاني «و هو غير بعيد» يعنى القول الثاني ثم نقل كلام فخر المحققين و دعواه الإجماع على العمل بمفهوم الوصف في الخبر المذكور ما لفظه، و كان هذا الحديث ثابت عند الكل، و هو موجود في التهذيب بسند غير صحيح في باب المزارعة فهو دليل على الأول، لعل منشأ اعتبار المفهوم هنا هو ما ثبت بالعقل و النقل «أن لعرق المحق و غير ظالم حق» و هو كاف، و لا يحتاج الى هذا المفهوم، و ان ذلك ظاهر و لا شك أن العامل غير ظالم، فلعرقه حق، أما بأن يخلى بالأجرة أو يقلع بالأرش، و هو جميع بين المصلحتين أيضا فإن لكل منهما دخلا في الإبقاء، و نقضه بمنع الإجماع غير جيد، و كذا منع كونه بحق بأنه بعد المدة ظالم، كما فعله في شرح الشرائع، لأنه ثبت بحق، و ان كان المنع الثاني أولا، و وجه الثاني لا يخلو من قوة لما تقدم، الا أن الأول أحوط و بالنصف أقرب فتأمل انتهى.
أقول: الخبر المشار إليه في كلامهم هنا هو ما رواه
الشيخ في التهذيب عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من أخذ أرضا بغير حقها أو بنى فيها قال: يرفع بناؤه، و يسلم التربة إلى صاحبها ليس لعرق ظالم حق ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من أخذ أرضا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها الى المحشر.
و أنت خبير بأن مورد الخبر و سياقه من أوله الى آخره انما هو من اغتصب أرضا فتصرف فيها ببناء أو غرس مع كونها مملوكة لغيره، فإنه لا يملكها بذلك، بل هي ملك لمن سبق إليها أولا، و انه يجب عليه أن يدفع بناءه و يزيل غرسه،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 206 ح 55، الوسائل ج 17 ص 311 باب 3 ح 1.
321
للتعليل المذكور فيهما.
و مفهوم هذا التعليل بناء على ما ذكرنا أنه لو لم يكن مملوكة و لا مستحقة لأحد قبله، فإنه يملكها و يستحقها، لكون عرقه عرق غير ظالم، و مرجعه الى كون تصرفه شرعيا، و به يظهر الإشكال في انطباق الاستدلال بمفهوم الخبر على المدعى في هذا المقام، لان التصرف هنا و ان كان شرعيا بالنظر الى مدة الإجارة، فيدخل تحت مفهوم الخبر الا أنه بعد انقضاء المدة و زوال الموجب لصحة التصرف، لا يمكن دخوله تحت المفهوم المذكور، و محل البحث و النزاع انما هو هنا، لا فيما تقدم من التصرف في المدة.
فقول المحقق المتقدم ذكره أنه ثبت بالعقل و النقل أن لعرق المحق و غير ظالم حق، و العامل غير ظالم، فلعرقه حق، ان أراد بالنسبة إلى مدة الإجارة فمسلم، و لكن لا يجدى نفعا و ان أراد بعد انقضائها فهو عين البحث و محل النزاع، فلا يخرج كلامه عن المصادرة، فان شمول المفهوم المذكور له غير متجه، إذ لا ريب انه تصرف في مال الغير بغير اذنه، و لهذا اضطروا الى القول بالأجرة فرارا مما ذكرناه، فكيف يدخل تحت المفهوم المذكور، و انه محق و غير ظالم، فيكون لعرقه حق.
و لو قيل: ببطلان هذا العقد من أصله لم يكن بعيدا من الصواب: لعدم الدليل عليه بالخصوص، و خروجه عن مقتضى قواعد الإجارة، فلا يتناوله عموم أدلتها، فإن من قواعد الإجارة قصر جواز التصرف على مدة الإجارة، و هذا العقد على هذا الوجه المذكور خارج عن ذلك، فلا يدخل تحت عموم أدلتها.
و اللازم منه على تقدير الحكم بصحته أحد المحذورين، اما تضرر المستأجر بقلع الغرس مجانا كما هو مقتضى القول الثاني، أو جواز التصرف في مال الغير بغير اذنه كما هو مقتضى القول الأول و هو أشد إشكالا.
و الالتجاء في المخرج عن ذلك- الى ما ذكروه من وجوب تبقيته بالأجرة
322
أو جواز قلعه بالأرش جمعا بين الحقين- انما يصح إذا دل دليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع، بناء على قواعدهم، و لا شيء من هذه الثلاثة في المقام، فاللازم منه إثبات حكم بلا دليل، و هو مما منعت منه الآيات المتكاثرة، و الروايات المتظافرة، و لو صح الرجوع في ذلك الى العقل لأمكن ما ذكروه، لاندفاع الضرر من الجانبين و الجمع بذلك بين الحقين، و لكن قد علم من الآيات القرآنية و السنة النبوية أنه لا يجوز بناء الأحكام الشرعية الا على ما ظهر منهما من الأدلة الواضحة الجلية، و الله العالم.
إلحاق
أقول: ما ورد في الخبر المتقدم من
«أنه ليس لعرق ظالم حق» (1).
قد ورد مثله من طريق العامة عنه (صلى الله عليه و آله) و هو محتمل لتنوين عرق، فيكون ظالم صفة له، و اضافة عرق فيكون ظالم مضافا اليه.
قال في النهاية الأثيرية (2) و في حديث احياء الموات «ليس لعرق ظالم حق» هو أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله، فيغرس فيها غرسا غصبا ليستوجب به الأرض و الرواية لعرق بالتنوين و هو على حذف مضاف: أي لذي عرق ظالم، فجعل عرق نفسه ظالما و الحق لصاحبه، أو يكون الظالم من صفة صاحب العرق، و ان روى عرق ظالم بالإضافة فيكون الظالم صاحب العرق، و الحق للعرق، و هو أحد عروق الشجرة انتهى.
الخامسة [في صحة المزارعة إذا كان من أحدهما الأرض و الباقي من الآخر]
- قد صرحوا بأنه تصح المزارعة إذا كان من أحدهما الأرض حسب، و من الأخر البذر، و العمل و العوامل، و كذا لو كان من أحدهما الأرض و البذر و من الأخر العمل، أو كان من أحدهما الأرض و العمل، و من الأخر البذر خاصة.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 206 ح 55، الوسائل ج 17 ص 311 باب 3 ح 1.
(2) النهاية ج 3 ص 219 ط القاهرة سنة 1385.
323
و بالجملة فإن هنا أمورا أربعة، الأرض، و البذر، و العمل، و العوامل، و الضابط أن الصور الممكنة في اشتراك هذه الأربعة بينهما كلا أو بعضا جائزة، لإطلاق الاذن في المزارعة من غير تقييد بكون بعض ذلك بخصوصه من أحدهما.
أقول: و من الاخبار التي تتعلق بذلك ما رواه
المشايخ الثلاثة عن إبراهيم بن أبى زياد الكرخي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أشارك العلج «المشرك» فيكون من عندي الأرض و البذر و البقر، و يكون على العلج القيام و السقي و العمل في الزرع حتى يصير حنطة و شعيرا و تكون القسمة، فيأخذ السلطان حقه و يبقى ما بقي على أن للعلج منه الثلث، و لي الباقي قال: لا بأس بذلك الحديث.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن يعقوب بن شعيب (2) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون له الأرض من أرض الخراج فيدفعها الى الرجل على أن يعمرها و يصلحها و يؤدى خراجها و ما كان من فضل و هو بينهما، قال: لا بأس- الى أن قال-: و سألته عن المزارعة فقال: النفقة منك و الأرض لصاحبها، فما أخرج الله من شيء قسم على الشطر، و كذلك أعطى رسول الله (صلى الله عليه و آله) خيبر حين أتوه، فأعطاهم إياها على أن يعمروها و لهم النصف مما أخرجت».
و ما رواه
في الكافي عن سماعة (3) في الموثق قال: سألته (عليه السلام) عن مزارعة المسلم المشرك فيكون من عند المسلم البذر و البقر، و تكون الأرض و الماء و الخراج و العمل على العلج؟ قال: لا بأس».
و نحوها موثقة (4) أخرى له
____________
(1) الكافي ج 5 ص 267 ح 1، التهذيب ج 7 ص 198 ح 21، الفقيه ج 3 ص 156 ح 9، لفظ المشرك ليس في الكافي و التهذيب.
(2) الكافي ج 5 ص 268 ح 2، التهذيب ج 7 ص 198 ح 22، الوسائل ج 13 ص 202 باب 10 ح 1 و 2.
(3) الكافي ج 5 ص 268 ح 4، الوسائل ج 13 ص 204 باب 12 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 194 ح 4، الوسائل ج 13 ص 204 باب 12 ح 2.
324
أيضا، و الظاهر من هذه الاخبار بعد ضم بعضها الى بعض هو ما قدمناه من الضابط المتقدم، و هو مما لا خلاف فيه و لا اشكال، فيما إذا كان عقد المزارعة بين اثنين خاصة فإنه لا خلاف في الصحة.
و انما الخلاف فيما إذا زاد عليهما، قال في القواعد بعد ذكر نحو هما ذكرناه في مزارعة الاثنين: و في صحة البذر من ثالث نظر، و كذا إذا كان البذر من ثالث، و العوامل من رابع.
و قال في المسالك بعد ذكر نحو ذلك أيضا: هذا إذا كانا اثنين خاصة، فلو جعلا معهما ثالثا و شرطا عليه بعض الأربعة، أو رابعا كذلك ففي الصحة وجهان:
من عموم الأمر بالوفاء بالعقود، و الكون مع الشرط، و من توقف المعاملة سيما التي هي على خلاف الأصل على التوقيف من الشارع، و لم يثبت عنه مثل ذلك، و الأصل في المزارعة قصة خيبر، و مزارعة النبي (صلى الله عليه و آله) اليهود عليها على أن يزرعوها، و لهم شطر ما يخرج منها، و له (عليه السلام) شطره الأخر، و ليس فيها أن المعاملة مع أكثر من واحد، و كذلك باقي النصوص التي وردت من طرقنا، و لان العقد يتم باثنين موجب و هو صاحب الأرض، و قابل، فدخول ما زاد يخرج العقد عن وضعه، و يحتاج إثباته إلى دليل، و الأجود عدم الصحة انتهى.
أقول: لا يخفى ما في كلامه (رحمة الله عليه) من تطرق البحث اليه، و الإيراد عليه، أما أولا فإن ما استند اليه في منع أكثر من اثنين- من توقف هذه المعاملة على التوقيف من الشارع بمعنى دليل خاص- فهو خلاف ما يستندون إليه في أكثر الأحكام من التمسك بعموم الأدلة و إطلاقاتها، كما لا يخفى على من له أنس بالاطلاع على أقوالهم، و خاض في بحور استدلالهم.
و أما ثانيا فان ما ادعاه من أن معاملة النبي (صلى الله عليه و آله) مع أهل خيبر لا تدل على أن المعاملة مع أكثر من واحد من أعجب العجاب عند ذوي
325
الألباب، لاستفاضة الأخبار بأنه بعد فتح خيبر أقر الأرض في أيدي الذين فيها و قاطعهم بالنصف يعنى جميع من كان فيها من اليهود لا شخصا بعينه منهم، أو اثنين أو ثلاثة مثلا، و منها
صحيحة يعقوب بن شعيب (1) المذكورة هيهنا، و قوله فيها «أعطاهم إياها على أن يعمروها و لهم النصف مما أخرجت».
و في حديث الكناني (2) قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان النبي (صلى الله عليه و آله) لما فتح خيبر تركها في أيديهم على النصف، فلما بلغت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة إليهم، فخرص عليهم فجاؤا إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقالوا: انه قد زاد علينا فأرسل الى عبد الله و قال: ما يقول هؤلاء؟ قال: قد خرصت عليهم بشيء، فإن شاؤا يأخذون بما خرصنا و ان شاؤا أخذنا، فقال رجل من اليهود: بهذا قامت السماوات و الأرض».
و في معناه غيره من الاخبار الكثيرة، فهل ترى هنا بعد ذكرهم بطريق الجمع في هذه الموارد مجالا للحمل على واحد منهم، بل الظاهر لكل ناظر انما هو دفع الأرض إليهم كملا بعد فتحها و أخذها عنوة، على أن يزرعوها بالمناصفة، و هذا هو الذي عليه العمل الان في جميع الأصقاع و البقاع و ذكر الاثنين في أكثر الاخبار انما خرج مخرج التمثيل، لا الحصر.
و أما ثالثا فان كون العقد يتم باثنين موجب و قابل لا ينافي التعدد في جانب كل منهما كما في سائر العقود من بيع و غيره، بأن يوجب عنه و عن غيره، و يقبل كذلك فان قيل: انه قد ثبت ذلك بدليل من خارج- قلنا: و هذا قد ثبت بعموم أدلة المزارعة، و لا سيما قضية خيبر كما عرفت، على أنك قد عرفت في كتاب البيع أن ما ذكروه من العقد المشتمل على الإيجاب و القبول بالنحو الذي تقدم ذكره عنهم لا دليل عليه، و انما الذي دلت عليه الاخبار هو مجرد التراضي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 268 ح 2، التهذيب ج 7 ص 193 ح 2، مع اختلاف يسير، الوسائل ج 13 ص 203 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 267 ح 2، الوسائل ج 13 ص 199 ح 1.
326
بالألفاظ الجارية بينهم، و كلامه انما يتم على الأول كما هو المشهور بينهم، مع أنك قد عرفت أنه لا دليل عليه.
قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله عليه) في هذا المقام: و نعم ما قال و أيضا لا خصوصية بالاثنين فيجوز بين الثلاثة و ما زاد لما تقدم، و ليست المعاملة مطلقا، و لا هذه موقوفة على النص الخاص شرعا، بل يكفى العموم، و لهذا ليس في شيء من المعاملات بخصوصه دليل شرعي، كيف و لو احتاج الى ذلك لا شكل الأمر، فإنه معلوم عدم ورود نص في كل صنف صنف من كل معاملة، مع العلم بالمغايرة بمثل هذه، أى كون المعاملين أكثر من الاثنين، و هو الظاهر و لهذا يجوزون النكاح من الزوج فقط، بأن يكون موجبا و قابلا معا مع عدم نص بخصوصه فيه مع وجوب الاحتياط في الفروج، و كذا يجوزون في الطلاق كون المطلق زوجته بالوكالة، مع عدم دليل بخصوصه، و منع البعض الوكالة في الطلاق مع الحضور، و منع البعض وكالة النساء خصوصا المطلقة و غيرها مع عدم نص، بل ورد نص بعدم جواز الاتحاد في النكاح، و ليس لهم دليل الا عموم العقود و صدق النكاح مع عدم ثبوت المنع.
و بالجملة أمثاله كثيرة جدا و لا يشترطون فيه النقل بخصوصه، و أنه لو شرط لبطل أكثر ما ذكروه، فقول الشارح في شرح الشرائع بعدم الصحة- إذا زاد على الاثنين محتجا بأن القابل و الموجب اثنان فيتم بهما، و لا يتعدى الى الغير، و أن دليل المزارعة خبر حكاية خيبر، و ليس فيه غير الاثنين، و كذا غيره من الاخبار عندنا لما تقدم- غير ظاهر، على أنه ما يظهر من حكاية خيبر و غيرها كونهما اثنين فقط، بل هو أعم، بل الظاهر أن أهل خيبر كانوا كثيرين، فوقع بينه (عليه السلام) و بينهم.
و بالجملة ما ذكره نجده بعيدا جدا و هو أعرف انتهى.
السادسة [في صحة وقوع المزارعة بلفظ الإجارة و عدمها]
- قال المحقق (رحمة الله عليه) في الشرائع و لو كان بلفظ الإجارة
327
لم تصح لجهالة العوض، أما لو آجرها بمال مضمون أو معين من غيرها جاز.
أقول: ما ذكره من قوله «و لو كان بلفظ الإجارة لم تصح لجهالة العوض» محتمل لمعنيين أحدهما- ما ذكره في المسالك قال (قدس سره): لا إشكال في عدم وقوعها بلفظ الإجارة لاختلاف أحكامهما، فإن الإجارة يقتضي عوضا معلوما و المزارعة تكفى فيها الحصة المجهولة، انتهى.
و حاصله أنه يقصد بالعقد المزارعة، و لكن يأتي بلفظ الإجارة، و ثانيهما- أن يقصد الإجارة لا المزارعة، لكن جعل الأجرة الحصة، فإنه لا يصح هذه الإجارة، لوجوب العلم بالعوض في الإجارة، و العوض هنا انما هو الحصة، و هي مجهولة، و الظاهر أن هذا هو الأقرب في العبارة بقرينة قوله «أما لو آجرها» الى آخره، فإنه ظاهر في أن المقصود انما هو الإجارة في كل من الموضعين، لكنه في الأول جعل العوض الحصة، و هي مجهولة فتبطل الإجارة لزوال شرطها و هو معلومية العوض، و في الثاني تصح، و أيضا فإنه على تقدير أن يكون العقد مقصودا به المزارعة، لكن أتى فيه بلفظ الإجارة كما ذكره ليس فيه أزيد من ارتكاب التجوز في التعبير عن المزارعة بلفظ الإجارة، و هو جائز مع القصد اليه و القرائن الدالة عليه، و إطلاق لفظ الإجارة و ارادة المزارعة منه في الاخبار غير عزيز، و منه ما
في صحيحة أبي المعزا (1) المتقدمة من قوله (عليه السلام):
«أما إجارة الأرض بالطعام».
فلا تأخذ نصيب اليتيم منه، الا أن تؤاجرها بالربع و الثلث و النصف كما تقدم تحقيق ذلك في إلحاق المذكور بعد الشرط الأول من المقام الأول من هذا المطلب.
السابعة- في جملة من أحكام التنازع
، منها- أن يتنازعا في المدة
لما عرفت آنفا من أن المدة من جملة شروط هذه المعاملة، و قد عرفت ما فيه، قالوا:
فلو تنازعا فيها فالقول قول منكر الزيادة مع يمينه، و لا ريب أن هذا مقتضى
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 196 ح 12، الوسائل ج 13 ص 210 ح 7.
328
القاعدة المتفق عليها نصا و فتوى، لأن الأصل عدم الزيادة.
و قيده بعض محققي متأخري المتأخرين بأن لا يكذبه العرف، و لعله أراد بأن يدعى نقصان المدة عن وقت يدرك فيها الزرع يقينا، حيث أن المعلوم عادة و عرفا أن القصد من المزارعة و بذل المال فيها هو الحاصل فلا بد أن يكون المدة تبلغ ذلك و لو ظنا، فإذا ادعى ما يوجب نقصانها عن ذلك يقينا فإنه يكذبه العرف و لا بأس به، لما عرفت في غير موضع مما تقدم من بناء الإطلاق على المعروف المتكرر عادة.
و منها ما لو اختلفا في قدر الحصة
، فإنهم صرحوا بأن القول قول صاحب البذر، و علل بأن الحصة نماء ملكه، و الأصل بقائه على مالكه حتى يتحقق الانتقال شرعا، فكان الحاصل في يد صاحب البذر حيث ثبت أنه له، و المنازع خارج يدعيه فعليه البينة، و حينئذ فالقول قول صاحب البذر بيمينه، حيث عدمت البينة كما في المدة، و لو أقام كل واحد منهما بينة بنى على الخلاف في تقديم بينة الداخل أو الخارج، و المشهور الثاني.
و على هذا فالقول قول مالك الأرض في تقليل المدة، و البينة بينة العامل في دعوى الزيادة، و كذا القول قول صاحب البذر في قدر الحصة، و البينة بينة الأخر، و هو من لا بذر له في ذلك.
و قيل: هنا بالقرعة، لأنها لكل أمر مشكل، و فيه أنه لا اشكال هنا، فان من كان القول قوله فالبينة بينة صاحبه، كما هو مقتضى النصوص المتفق عليها.
و منها ما لو اختلفا فقال الزارع: انها في يدي عارية، فأنكر المالك
و ادعى الحصة أو الأجرة، و لا بينة فالمشهور أن القول قول صاحب الأرض في نفى العارية بيمينه، لانه منكر، فيقدم قوله في ذلك، و القول قول الزارع بيمينه في نفى الإجارة أو المزارعة، لأنه منكر لهما، و حينئذ فيحلف كل واحد منهما على نفى ما يدعيه الأخر، و حيث انتفت الدعويان و الحال أن الزارع قد تصرف في أرض غيره و انتفع بها، فاللازم له أجرة المثل لذلك الزرع الى أو ان
329
نزعه، الا أنهم قيدوا أجرة المثل هنا بما إذا لم تزد على ما يدعيه المالك من الأجرة و الحصة، و الا وجب له ما يدعيه خاصة، لاعترافه بأنه لا يستحق سواه، و مرجعه إلى أقل الأمرين من أجرة المثل و المسمى في العقد.
و قيل: هنا بالقرعة و هو مجهول القائل، و نسبه في التذكرة الى بعض علمائنا و في المختلف حكاه بلفظ قيل، و الشراح أبهموه.
و كيف كان فهو ضعيف كما ذكره غير واحد من أصحابنا، لأن القرعة انما هي مع اشكال الحكم، و أما مع بيان وجهه و معرفة طريقه فلا اشكال، و طريقه هو ما ذكروه مما قدمنا نقله عنهم.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن عندي في هذا المقام اشكالا من وجهين: الأول- ما ذكروه من وجوب أقل الأمرين من أجرة المثل و ما يدعيه المالك من الحصة أو الأجرة، لما ذكروه من التعليل، فان فيه أولا أن أجرة المثل التي أوجبوها هنا الراجعة إلى أقل الأمرين كما عرفت انما صاروا إليها بعد الحكم ببطلان الدعويين الأوليين من كل من الطرفين بالتحالف، و بطلان ما يترتب عليهما، و حينئذ فالحكم بأجرة المثل هنا لا تعلق له باعتراف المالك، لأنه لا يستحق أزيد من ذلك، أو يستحق مثلا، و انما فرض المسئلة- بعد بطلان الدعويين الأوليين- فرض ما لو لم يكن شيء من هذين الدعويين، و حينئذ فالواجب انما هو أجرة المثل زادت أم نقصت أم ساوت.
و ثانيا ما أورده في المسالك حيث قال: و اعلم أنه إذا كان الواجب للمالك بعد يمينه أقل الأمرين مما يدعيه و أجرة المثل، و كان الأقل هو ما يدعيه، فلا وجه ليمين الزارع، لانه لو اعترف له بما يدعيه لم يكن له أزيد منه، و كذا لو حلف أورد اليمين، و ما هذا شأنه لا فائدة فيه. نعم لو كان ما يدعيه أزيد من أجرة المثل اتجهت فائدة يمين الزارع، لأنها تنفي الزائد مما يدعيه المالك عن الأجرة، و لو ردها أو اعترف للزم الزائد انتهى.
330
و لا يخفى ظهور ورود ما أورده عليهم، و أما على ما ذكرناه فلا اشكال بحمد الله المتعال.
الثاني: انهم قد صرحوا في هذا الكتاب بهذه المسئلة أعنى مسئلة اختلاف الزارع و المالك في العارية و المزارعة و الإجارة، و نقلوا فيها القولين المتقدمين، و لم يذكروا لهما ثالثا، و في كتاب العارية ذكروا المسئلة و هي اختلاف المالك و المستعير بأن المالك ادعى الإجارة و المستعير العارية، و ذكروا فيها قولين: أحدهما أن القول قول المستعير بيمينه، لان المالك يدعي الأجرة، و الأصل عدمها.
و الثاني أن القول قول المالك في عدم العارية، فإذا حلف سقط دعوى المستعير، و ثبت عليه أجرة المثل، و لم ينقلوا القول بالقرعة هناك، و ظاهر الأكثر منهم ترجيح القول الثاني، و ظاهر العلامة في القواعد التوقف، حيث ذكر القولين المذكورين بطريق الاحتمال في المسئلة، و لم يرجح شيئا منهما.
و أنت خبير بأن المسئلة واحدة في الكتابين، و القولان المذكوران في كتاب العارية يجريان فيما هو مذكور في هذا الكتاب، و استدل للقول الأول كما ذكره جملة منهم بأنهما قد اتفقا على أن تلف المنافع وقع على ملك المستعير، و أن تصرفه فيها كان مباحا، و انما يختلفان في أن ذلك بأجرة أم لا و الأصل عدم الأجرة، فإذا حلف الراكب على نفى الأجرة ثبت ذلك له.
و علل القول الثاني بأن المنافع أموال كالأعيان فهي بالأصالة لمالك العين، و ادعاء المستعير ملكيتها بغير عوض على خلاف الأصل، و أصالة براءة الذمة انما تصح من خصوص ما ادعاه المالك، لا من مطلق الحق، بعد استيفاء منفعة ملك غيره و حينئذ فيحلف على نفى العارية، و يثبت له أجرة المثل بالتقريب المتقدم، و ظاهر المحقق الأردبيلي (رحمه الله عليه)، في شرح الإرشاد تقوية القول الأول من هذين القولين، حيث قال بعد ذكر التحالف من الطرفين كما صرحوا به في المسئلة المذكورة في هذا الكتاب: على نحو ما قدمناه، و إن للمالك بعد
331
ذلك أجرة المثل، أو أقل الأمرين منها و من المسمى: ما لفظه، و يمكن أن يقال:
لا يجوز له يعنى المالك أخذ شيء، لانه ادعى الحصة، و قد سقطت باليمين، فان الحق و عوضه لا يمكن الأخذ في الدنيا بعد الحلف، كما هو المقرر عندهم، و لانه لا يدعى عليه الا الحصة، و قد ثبت شرعا نفيها، و لا يدعى غيرها، و يأخذه هو، فكيف يكلف الشارع العامل بشيء آخر، بل قائل بعدمه، فلا يحتاج الى التحالف، بأن يحلف المالك بنفي العارية، إذ ليس للعامل غرض في تلك الدعوى، بل غرضه نفى الحصة، و قد نفاها بيمينه.
و بالجملة لا شك أن المدعى هنا هو المالك للحصة فقط، و العامل منكر، و إذا حلف سقطت، و ليس للمالك دعوى أخرى، فإن كانت مسموعة عمل بمقتضاها، و ليس للعامل غرض يتعلق بدعوى العارية، بل غرضه نفى دعوى الحصة و قد حصل، فلا تحالف فتأمل، و سيجيء مثله في دعوى الإجارة و العارية، انتهى.
أقول: لقائل أن يقول: أن الغرض من دعوى العارية هو أنه لما ثبت من الشارع تحريم التصرف في مال الغير الا بوجه شرعي، و الا لكان ذلك موجبا للمؤاخذة دينار و دنيا، أما في الدين فباستحقاق العقاب، و أما في الدنيا فباستحقاق العوض، احتاج العامل الى التعلق بشيء يدفع عنه الأمرين، فتعلق بدعوى العارية لذلك، و مجرد كون دعوى العامل متضمنا لدفع الحصة و ان غرضه من هذه الدعوى ذلك لا يخرجه عن كونه مدعيا يترتب عليه ما يترتب على المدعى، حتى أنه يحصر المدعى في المالك، و أن العامل منكر خاصة، و حيث أن المالك ادعى الإجارة و طلب الأجرة المسماة في العقد بزعمه، و حصل التحالف من الطرفين على نفى الدعويين بطل ما تقدم من الدعويين، و ما يترتب عليهما من الحكمين، و رجعنا الى أن الأصل حرمة مال المسلم و عصمته عن تصرف غيره الا بوجه شرعي، و حيث أن العامل قد تصرف بغير وجه شرعي
332
أوجبنا عليه أجرة المثل لذلك، سواء زادت عما يدعيه سابقا أو نقصت كما قدمنا ذكره، و ان كان على خلاف ما صرحوا به كما عرفت.
و بالجملة فالمسئلة لخلوها عن النص الواضح محل اشكال، و للنظر فيها مجال كما عرفت من اختلاف هذه الأقوال.
هذا كله فيما إذا وقع النزاع و الاختلاف بعد تصرف العامل، و استيفاء المنفعة كلا أو بعضا، أما لو كان قبل ذلك فإنه متى تحالفا انتفت العارية و المزارعة و الإجارة، و حرم على العامل التصرف بلا خلاف و لا اشكال، و حيث قد ثبت بناء على ما هو المشهور أن اللازم بعد التحالف انما هو أجرة المثل، و حينئذ فيكون الاختيار في الزرع ببقائه الى أو ان الحصاد أو قصله قبل ذلك للزارع، لما علم من أن أصل الزراعة وقع بوجه شرعي و اذن من المالك باتفاق الخصمين، و انما الخلاف في الأجرة وجودا و عدما، فهو زرع بحق، فلا يجوز للمالك قلعه بغير اذن مالكه، مع أن إبقائه انما هو بأجرة لا مجانا، و الأجرة ثابتة من وقت الزرع الى وقت إزالته، سواء كان وقت الحصاد أو قبله، كذا ذكروه، و عندي فيه إشكال، لأنه و ان كان أصل الزرع بالاذن أعم من أن يكون عارية أو إجارة مثلا، الا أنه بعد التحالف قد بطل كل من دعوى العارية و دعوى الإجارة، فكيف ترتب عليهما حكم جواز البقاء، و الحال أنه بعد التحالف قد زال الأمر الأول، و هو الاذن المتفق عليه بل اللازم بمقتضى ذلك جواز قلع الزرع و إزالته، و أجرة المثل انما هي لما مضى من المدة، الا أن يتفقا على بقائه بأجرة و هو خارج عن محل البحث، و حينئذ فينبغي أن يجوز للمالك إزالته ان لم يرض ببقائه بالأجرة.
و بالجملة فإن الحالين باعتبار التحالف و بطلان الدعويين قد اختلفا، و الاذن انما ثبت سابقا باعتبار عدم خلو الحال من صحة إحدى الدعويين، و لما ثبت بالتحالف بطلانهما معا تغير الحكم و الله العالم.
333
و منها ما لو اختلفا فقال العامل: أنها اعارة، و قال المالك: انها غصب، و لم يدع عقدا محللا كما تقدم، فالقول هنا قول المالك بيمينه، لأصالة عدم الإعارة، و بقاء منافع أرضه على ملكه، و عدم خروجها عنه بعارية و لا غيرها، و متى حلف على نفى دعوى العارية و ثبت كون وضع الزرع فيها بغير وجه شرعي تخير المالك بين قلعه و بين مطالبته بأجرة المثل، لما مضى من المدة، و أرش الأرض ان نقصت، و طم الحفر و نحو ذلك مما يلزم الغاصب كما يأتي إنشاء الله تعالى- في كتاب الغصب، و ان اتفقا على بقائه بأجرة جاز.
و نقل في المسالك عن التذكرة أنه يحلف العامل على نفى الغصب، و لم يذكر يمين المالك، و رتب باقي الأحكام، ثم قال: و الحق ما ذكر هنا من أن الحالف المالك على نفى العارية لا غير، انتهى.
الثامنة [في جواز مشاركة العامل غيره في العمل بالحصة المعلومة]
- قد صرح الأصحاب من غير خلاف يعرف بأنه يجوز للعامل أن يشارك غيره في العمل بالحصة المعلومة، و أن يزارع غيره من غير توقف على اذن المالك، إذا لم يكن شرط عليه العمل بنفسه، لما سيأتي في الإجارة ان شاء الله.
و لكن لا يسلم الأرض الا بإذن المالك، و الا كان ضامنا، كما يأتي في الإجارة أيضا، و الأصل في ذلك عندهم انه لما كانت المزارعة من العقود اللازمة الموجبة لنقل منفعة الأرض إلى العامل بالحصة المخصوصة، كان للعامل نقلها الى غيره، و المشاركة فيها لعموم
«الناس مسلطون على أموالهم» (1).
فلا يتوقف ذلك على اذن المالك، إذ لا حق له في المنفعة.
نعم تسليم الأرض يتوقف على اذنه كما عرفت، و اشترط بعضهم في جواز مزارعة غيره كون البذر من العامل، ليكون تمليك الحصة منوطا به، و به يفرق بينه و بين عامل المساقات، حيث لا يصح له أن تساقى غيره كما سيأتي ان شاء الله تحقيقه في المطلب الثاني، و لان البذر ان كان من صاحب الأرض، فالأصل أن
____________
(1) البحار ج 2 ص 272 ح 7.
334
لا يتسلط عليه الا مالكه، أو من أذن له و هو الزارع.
قال في المسالك: و هو حسن في مزارعة غيره، أما المشاركة فلا، لان المراد بها أن يبيع بعض حصته في الزرع مشاعا بعوض معلوم، و هذا لا مانع منه لملكه لها فيتسلط على بيعها كيف شاء، بخلاف ابتداء المزارعة، إذ لا حق له حينئذ إلا العمل، و به يستحق الحصة مع احتمال الجواز مطلقا، لان لزوم عقدها اقتضى تسلطه على العمل بنفسه و غيره، و ملكه للمنفعة، و التصرف في البذر بالزرع، و ان لم يكن بنفسه، حيث لا يشترط عليه الاختصاص، فيجوز نقله الى الغير، كما يجوز الاستنابة.
و يضعف بأن البذر حينئذ ليس ملكا له، و انما هو مأذون في التصرف فيه بالزرع، و به يملك الحصة.
و قد يقال: ان هذا كاف في جواز مزارعة الغير، لأنها عبارة عن نقل حقه في ذلك اليه، و تسليطه على العمل، فيجوز كما يجوز له التوكيل فيه و الاستنابة و غيرها من الوجوه.
هذا كله إذا لم يشترط المالك العمل عليه بنفسه، و الا لم يجز المشاركة و لا المزارعة بحيث يصير العمل أو بعضه متعلقا بغيره.
و لا يرد أن ذلك يقتضي منع المالك من التصرف في ماله، فيكون منافيا للشرع، «لان الناس مسلطون على أموالهم» لأن ذلك حيث لا يعارضه حق غيره، و الا لم تتم الكلية، ضرورة تخلفه في كثير كالراهن و المفلس، انتهى.
و ظاهر المحقق الأردبيلي المناقشة هنا في موضعين: أحدهما- في الشرط المنقول عن بعضهم في جواز مزارعة غيره من أنه لا بد من كون البذر من العامل فلو كان من المالك لم تصح.
و ثانيهما في ما ذكره في المسالك في بيان معنى المشاركة من أن المراد بها أن يبيع بعض حصته في الزرع الى آخره قال: و اشترط بعض في هذا كون
335
البذر من العامل، و به يفرق بين المزارعة و المساقاة، حيث لا تجوز المساقاة من المساقى، و تجوز المزارعة من العامل، و عموم الأدلة- «و تسلط الناس على أموالهم»، و تملك المنفعة و الحصة مع العمل، و عدم ظهور مانع- يفيد الجواز و لو كان في المساقاة ما يمنع من إجماع و نحوه فهو، و الا فينبغي القول به فيها أيضا ثم انه قيل: في شرح الشرائع: المراد بالمشاركة هو بيع العامل بعض حصته المعلوم من الحصة التي له من الأرض بعوض معين، و هو انما يكون ببلوغ الزرع أو ان البيع، و يكون الثمن غير العمل على الظاهر، و ظاهر العبارات أعم من ذلك، بل غير ذلك، فانا نفهم أن المراد أن يشارك غيره بأن يعمل معه العمل المشترط بعوض و غيره، و كون العوض جزء من حصته، فكأنه يرجع الى المزارعة في البعض، أو إجارة شخص لعمل بعوض، أو استعماله بغير عوض فتأمل، انتهى.
أقول: و هو يرجع في التحقيق الى ما ذكره أخيرا في المسالك بقوله، و قد يقال: «ان هذا كاف» الى آخره، و لا بأس به و الذي وصل الى من الاخبار المتعلقة بهذا المقام ما رواه
المشايخ الثلاثة (رحمة الله عليهم) عن سماعة (1) في الموثق قال: «سألته عن المزارعة قلت: الرجل يبذر في الأرض مائة جريب أو أقل أو أكثر طعاما أو غيره فيأتيه رجل فيقول: خذ منى نصف ثمن هذا البذر الذي زرعته في الأرض، و نصف نفقتك على و أشركني فيه، قال: لا بأس» و زاد في غير الفقيه «قلت: و ان كان الذي يبذر فيه لم يشتره بثمن، و انما هو شيء كان عنده، قال: فليقومه قيمة كما يباع يومئذ فليأخذ نصف الثمن و نصف النفقة و يشاركه».
و ما اشتملت عليه الرواية المذكورة أحد أنواع المشاركة و أفرادها، و ظاهرها أن البذر و العوامل و العمل كله من الزارع، و أنه أعطاه نصف جميع ذلك، فصار شريكه، يعمل فيما بقي معه، و يأخذ نصف ما شرط له من الحصة، و هو ظاهر و الله العالم.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 268 ح 4، التهذيب ج 7 ص 198 ح 23 «و فيه من الطعام» بدل طعاما، الفقيه ج 3 ص 149 ح 8، الوسائل ج 13 ص 205 ح 1.
336
التاسعة [في خراج الأرض و مؤنتها]
- الظاهر أنه لا خلاف بينهم في أن خراج الأرض و مؤنتها على المالك الا مع شرطها أو بعضها على المزارع، أما الخراج فلانه موضوع على الأرض، كالأجرة لها بل هو أجرة، حتى أنه روى أنه لو زاد السلطان في الخراج و أخذ من الزارع فالزيادة على المالك، يجب عليه دفعها إليهم، لأنها انما زيدت على أرضه.
روى ذلك
الشيخ في التهذيب عن سعيد الكندي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انى آجرت قوما أرضا فزاد السلطان عليهم قال: أعطهم فضل ما بينهما، قلت: أنا لا أظلمهم و لم أزد عليهم، قال: انهم انما زادوا على أرضك».
و أما المؤنة فذكرها المحقق و العلامة في بعض كتبه إجمالا، و لم يتنبهوا على ما هو المراد منها، مع أنهم أطلقوا أن العمل على الزارع أو من شرط عليه.
قال في المسالك: و الظاهر أن المراد بمؤنة الأرض هنا ما يتوقف عليه الزرع، و لا يتعلق بنفس عمله و تنميته، كإصلاح النهر و الحائط و نصب الأبواب إذا احتاج إليها، و اقامة الدولاب، و ما لا يتكرر في كل سنة كما فصلوه في المساقاة، و المراد بالعمل الذي على الزارع ما فيه صلاح الزرع و بقاؤه مما يتكرر كل سنة، كالحرث و السقي و آلاتهما، و تنقية النهر من الحمأة، و حفظ الزرع و حصاده و نحو ذلك، انتهى.
هذا مع عدم اشتراطها على الزارع، أما لو اشترطها المالك على الزارع كلا أو بعضا تعلقت بالزارع، الا أن ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك معلومية القدر المشروط و ضبطه كلا أو بعضا، حيث قال: فان شرط عليه لزم إذا كان القدر معلوما، و كذا لو شرط بعضه معينا أو مشاعا مع ضبطه، و لو شرط عليه الخراج فزاد السلطان فيه زيادة فهي على صاحب الأرض، لأن الشرط لم يتناولها، و لم يكن معلومة، فلا يمكن اشتراطها، انتهى.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 208 ح 61، الوسائل ج 13 ص 211 ح 10.
337
أقول: المفهوم مما حضرني من الاخبار المتعلقة بهذه المسئلة خلاف ما ذكره (رحمه الله) و هو ما رواه
في الكافي و التهذيب عن داود بن سرحان (1) في الصحيح «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يكون له الأرض عليها خراج معلوم، و ربما زاد و ربما نقص فيدفعها الى رجل أن يكفيه خراجها و يعطيه مأتي درهم في السنة، قال: لا بأس».
و رواه الصدوق في الفقيه عن يعقوب بن شعيب (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثله.
و ما رواه
في الكافي عن يعقوب بن شعيب (3) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل تكون له الأرض من أرض الخراج فيدفعها الى الرجل على أن يعمرها و يصلحها، و يؤدى خراجها، و ما كان من فضل فهو بينهما، قال: لا بأس».
و هذه الاخبار كما ترى ظاهرة في عدم ضرر جهالة الشرط المذكور هنا، سيما الخبرين الأولين، بل ورد ما هو أظهر اشكالا من ذلك مما يدل على جواز قبالة الأرض و إجارتها بما عليها من الخراج قل أو كثر.
كما رواه
في الكافي عن إبراهيم بن ميمون (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قرية لا ناس من أهل الذمة لا أدرى أصلها لهم أم لا غير أنها في أيديهم، و عليهم خراج، فاعتدى عليهم السلطان، فطلبوا إلي فأعطوني أرضهم و قريتهم أن أكفيهم السلطان بما قل أو كثر ففضل لي بعد ذلك فضل، بعد ما قبض السلطان ما قبض قال: لا بأس بذلك لك ما كان من فضل».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 265 ح 5، التهذيب ج 7 ص 196 ح 14، الوسائل ج 13 ص 211 ح 1.
(2) الفقيه ج 3 ص 154 ح 1، الوسائل ج 13 ص 211 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 268 ح 2، الوسائل ج 13 ص 203 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 270 ح 5، الوسائل ج 13 ص 212 ح 2.
338
و ما رواه
الشيخ في الصحيح عن داود بن سرحان (1) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القوم يدفعون أرضهم الى رجل فيقولون له كلها و أد خراجها، قال: لا بأس به، إذا شاءوا أن يأخذوها أخذوها».
و ما رواه
في الفقيه عن أبى الربيع (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في رجل يأتي أهل قرية و قد اعتدى عليهم السلطان و ضعفوا عن القيام بخراجها، و القرية في أيديهم و لا يدرى هي لهم أم لغير هم فيها شيء، فيدفعونها اليه على أن يؤدى خراجها فيأخذها منهم و يؤدى خراجها، و يفضل بعد ذلك شيء كثير، فقال: لا بأس بذلك إذا كان الشرط عليهم بذلك».
و هي ظاهرة في جهالة مال الإجارة، إذ ليس لهذه الاخبار محمل على غير الإجارة، و هذه الاخبار مما يؤيد القول بالاكتفاء بمعلوميتها في الجملة، خلافا لظاهر المشهور من اشتراط معلوميتها تفصيلا بالكيل لو كانت مكيلة، و الوزن كذلك و نحو ذلك، و سيأتي تحقيق المسئلة- ان شاء الله تعالى- في محلها و الله العالم.
العاشرة [لزوم أجرة المثل في موارد بطلان المزارعة]
- قد صرحوا بأنه في كل موضع يحكم فيه ببطلان المزارعة، فإنه يجب لصاحب الأرض أجرة المثل، و هو مبنى على ما إذا كان البذر من الزارع، لان الحاصل حينئذ يكون له، حيث أنه نماء بذره، و يجب لصاحب الأرض عليه أجرة مثله، لتصرفه فيها و أخذه منفعتها من غير أن يكون ذلك تبرعا و لا بتعيين أجرة، فيلزم العوض و هو أجرة المثل.
و أما لو كان البذر لصاحب الأرض فإن النماء يكون له لما عرفت، و عليه للعامل أجرة المثل بالنسبة إلى العمل، و العوامل و الآلات.
و لو كان البذر منهما معا أنصافا مثلا، فالحاصل بينهما كذلك، و لكل منهما
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 209 ح 64 لكن عن أبى بردة بن رجا، الوسائل ج 13 ص 212 ح 3.
(2) الفقيه ج 3 ص 158 ح 3، الوسائل ج 13 ص 212 ح 4.
339
على الأخر أجرة ما يخصه على نسبة ما للآخر من الحصة، فلو كان البذر بينهما أنصافا كما فرضناه رجع المالك بنصف أجرة أرضه على العامل، و رجع العامل على المالك بنصف أجرة عمله و عوامله و آلاته.
و على هذا القياس لو كان البذر من ثالث بناء على جواز المزارعة مع الزيادة على اثنين، فان الحاصل له، و عليه أجرة المثل بالنسبة إلى الأرض لصاحبها، و أجرة المثل لعاملها بالنسبة إلى عمله و عوامله و آلاته و الله العالم.
الحادية عشر [في أنه يجوز لصاحب الأرض أن يخرص على الزارع]
- قد صرحوا بأنه يجوز لصاحب الأرض أن يخرص على الزارع، و الزارع بالخيار في القبول و الرد فان قبل كان استقراره مشروطا بالسلامة، فلو تلف الزرع بآفة سماوية أو أرضيته لم يكن عليه شيء.
أقول: اما جواز الخرص و تخيير الزارع بين القبول و عدمه فيدل عليه جملة من الاخبار، مضافا الى ظاهر اتفاق الأصحاب، و منها أخبار خيبر، و قد تقدم في المسئلة الخامسة خبر الكناني، الدال على خرص عبد الله بن رواحة عليهم، و تخييرهم.
و مثلها
صحيحة يعقوب بن شعيب (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) و فيها فلما بلغت الثمرة أمر عبد الله فخرص عليهم النخل، فلما فرغ منه خيرهم فقال:
قد خرصنا هذا النخل بكذا صاعا فإن شئتم فخذوه و ردوا علينا نصف ذلك، و ان شئتم أخذناه و أعطينا كم نصف ذلك، فقال اليهود بهذا قامت السموات و الأرض.
و أما ان ذلك يكون لازما له بعد القبول، و بموجب ذلك يكون الزيادة له و النقص عليه فيدل عليه ما رواه
في الكافي و الفقيه (2) عن محمد بن عيسى عن بعض أصحابه، قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): ان لنا أكرة فنزارعهم فيجيؤن و يقولون لنا: قد حزرنا هذا الزرع بكذا و كذا فأعطوناه، و نحن نضمن لكم أن نعطيكم حصتكم على هذا الحزر فقال: و قد بلغ؟ قلت: نعم قال:
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 193 ح 2، الوسائل ج 13 ص 20 ح 5.
(2) الكافي ج 5 ص 287 ح 1، الوسائل ج 13 ص 19 ح 4.
340
لا بأس بهذا، قلت: فإنه يجيء بعد ذلك فيقول لنا: ان الحرز لم يجيء كما حزرت و قد نقص، قال: فإذا زاد يرد عليكم؟ قلت: لا قال: فلكم أن تأخذوه بتمام الحرز كما أنه إذا زاد كان له كذلك إذا نقص كان عليه.
و ما رواه
الشيخ في الموثق عن محمد بن مسلم (1) عن أبى جعفر و أبى عبد الله (عليهما السلام) قال: «سألته عن الرجل يمضى ما خرص عليه في النخل؟
قال: نعم، قلت: أ رأيت ان كان أفضل مما خرص عليه الخارص أ يجزيه ذلك؟
قال: نعم».
و قد صرح الأصحاب بأن محل الخرص بعد بلوغ الغلة، و هو عبارة عن انعقاد الحب، و اليه يشير قوله في صحيحة يعقوب المذكورة «فلما بلغت الثمرة» و قوله في مرسلة محمد بن عيسى قال «و قد بلغ قلت: نعم قال: لا بأس».
و أما ان استقراره مشروط بالسلامة بمعنى أنه لو تلفت الغلة بآفة من جهة الله تعالى فلا شيء عليه، و لو تلف البعض فبالنسبة، فالأخبار خالية منه، مع ظهور منافاة ذلك الحكم باللزوم بعد القبول كما عرفت، الا أن ظاهر الأصحاب عدا ابن إدريس الاتفاق على الحكمين المذكورين.
قال في المسالك- بعد أن ذكر أن المشهور ان لزوم العوض فيه مشروط بالسلامة- ما لفظه و الحكم بذلك هو المشهور بين الأصحاب، و مستنده غير واضح و حكمه لا يخلو من اشكال ان لم يكن انعقد عليه الإجماع، و انى لهم به، و انما هو شيء ذكره الشيخ في بعض كتبه، و تبعه عليه الباقون معترفين بعدم النص ظاهرا على هذه اللوازم، انتهى.
و هو كما ترى ظاهر في توقفه في الحكم بذلك، و ظاهر المحقق الأردبيلي (قده) الميل الى ذلك بتكلف بالوجوه المصححة له حيث قال: و وجه توقفه على السلامة من الآفات السماوية و الأرضية أنه بمنزلة معاملة مشترطة بقبض العوض، و وصوله
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 205 ح 51. الوسائل ج 13 ص 206 ح 3.
341
الى يد صاحبه، فلو لم يسلم لم يحصل ذلك كالمبيع إذا تلف قبل القبض، الى أن قال:
فالحكم غير خال من وجه مع شهرته، بل كاد أن يكون إجماعا، إذ المخالف غير ظاهر مع التتبع، غير ما نقل عن ابن إدريس (رحمه الله)، من منع هذه المعاملة.
و هو غير جيد للنصوص المتقدمة و عموم أدلة العقود و الشروط نعم قد يحصل التردد في بعض اللوازم، مثل توقفه على السلامة، مع كونه لازما، على ذلك غير بعيد لما قدمناه مع عدم الخلاف من القائلين به فتأمل، انتهى.
و بالجملة فإن الحكم المذكور محل الاشكال لما عرفت من ظهور الاخبار في لزوم هذه المعاملة و صحتها، و قضية ذلك ان ذهابه بالآفة من مال المتقبل خاصة، مع ظهور اتفاقهم على خلافه كما عرفت.
و قال في المسالك بعد ذكر تخير الزارع في القبول و عدمه: ما لفظه و على تقدير قبوله يتوقف نقله اليه على عقد- كغيره من الأموال- بلفظ الصلح أو التقبيل على ما ذكره الأصحاب.
أقول: لا يخفى أن غاية ما يفهم من الاخبار المتقدمة التي هي المستند في هذه الأحكام هو حصول التراضي بينهما كيف اتفق، كما هو القدر المحقق من الاخبار في سائر العقود التي اشترطوا فيها ما اشترطوه من القيود الكثيرة، نعم يمكن القول بكون ذلك من قبيل الصلح، فإنه كما تقدم تحقيقه، لا شرط فيه زيادة على ما يدل على التراضي بينهما بالألفاظ الجارية في المحاورة في ذلك المقام.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد قال الشيخ في النهاية: و من زارع أرضا على ثلث أو ربع و بلغت الغلة جاز لصاحب الأرض أن يخرص عليه الغلة، ثمرة كانت أو غيرها، فإن رضي المزارع بما خرص أخذها و كان عليه حصة صاحب الأرض، سواء نقص الخرص أو زاد، و كان له الباقي، فإن هلكت الغلة بعد الخرص بآفة سماوية لم يكن عليه للمزارع شيء انتهى، و على هذه المقالة و ما تضمنته من
342
جميع الأحكام جرى الأصحاب ممن تأخر عنه.
و قال ابن إدريس: الذي ينبغي تحصيله انه لا يخلو أن يكون قد باعه حصته من الغلة و الثمرة بمقدار ما في ذمته من الغلة و الثمرة، أو باعه الحصة بغلة من هذه الأرض، فعلى الوجهين معا البيع باطل، لانه داخل في المزابنة و المحاقلة، و كلاهما باطلان و ان كان ذلك صلحا لا بيعا فان ذلك بغلة و ثمرة في ذمة الأكار الذي هو الزارع فإنه لازم له، سواء هلكت الغلات بالآفة السماوية أو الأرضية، و ان كان ذلك الصلح بغلة من تلك الأرض، فهو صلح باطل لدخوله في باب الغرر، لانه غير مضمون فان كان ذلك فالغلة بينهما سواء، زاد الخرص أو نقص، تلفت منهما أو سلمت لهما، فليلحظ ذلك، فهو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، و تشهد به الأدلة فلا يرجع عنها بأخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا، انتهى كلامه.
أقول: لا يخفى ان هذه الأصول التي يستند في غير مقام إليها و الأدلة التي نبذه بالاعتماد عليها ان كانت من الاخبار المعلومة من الأئمة الأطهار (عليهم السلام) فهي لا تخرج عما رده هنا من هذه الاخبار، لان الجميع مشترك في نسبته إليهم، و ثبوته عنهم (عليهم السلام) فان سماها أخبار آحاد، لم ينقل عنهم في حكم من الأحكام الفقهية أخبار بطريق التواتر، ليكون مقابلة لهذه الاخبار، بل ليس الا هذه الاخبار المروية في الكتب الأربعة المشهورة و نحوها، و ان سماها بما ذكره، و ان كانت من القرآن فمن المعلوم بطلانه، لان القرآن لم يتضمن أمثال هذه الجزئيات و الخصوصيات، و ان كان الإجماع فهو غير حقيق بالاستماع، و لا جدير بالاتباع، و ليس فيه الا تضييع المداد، و تكثير السواد كما لا يخفى على أدنى ذي مسكة من العباد، فضلا عن ذي الفهم النقاد.
و من الاخبار الزائدة على ما قدمناه
صحيحة الحلبي (1) عن أبى عبد الله
____________
(1) الكافي ج 5 ص 266 ح 1، التهذيب ح 7 ص 193 ح 1، الوسائل ج 13 ص 18 ح 2.
343
(عليه السلام) أن أباه حدثه أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أعطى خيبر بالنصف أرضها و نخلها فلما أدركت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة و قوم عليهم قيمة فقال لهم: اما أن تأخذونه و تعطوني نصف الثمن، و اما أن أعطيكم نصف الثمن و آخذه، فقالوا: بهذا قامت السماوات و الأرض».
على أن لقائل أن يقول أنه لا دليل على انحصار النقل في هذه العقود المشهور بينهم من البيع و الصلح و نحوهما، لوجود جملة من المواضع قد دلت الاخبار على حصول النقل فيها مع خروجها عن هذه المواضع، كالأخبار الدالة على جواز قبالة الأرض بما عليها من الخراج، و قد تقدمت في المسألة التاسعة و الاخبار الدالة على جواز قبالة الأرض لمن يعمرها و يؤدى خراجها و يأكل حاصلها، و قدمت في الشرط الثاني من شروط المزارعة، فلتكن هذه الاخبار هنا من قبل ذلك، و ان أمكن إدراج الجميع في الصلح، إذ لا دليل على تخصيصه بما اصطلحوا عليه و خصصوا به من الشروط.
و بالجملة فإنه حيث تكاثرت الأخبار بصحة هذه المعاملة و استحقاق ذلك بعد التخيير و القبول و وجوب دفع الحصة المشترطة على المتقبل، فإنه لا يلتفت الى كلامه، و انما يبقى الاشكال فيما ذكروه من اشتراط السلامة كما عرفت و الله العالم.
الثانية عشر [استحقاق مطالبة قلع الزرع لو استحقت الأرض]
- نقل في المختلف عن ابن الجنيد أنه قال: لو استحقت الأرض كان للمالك أن يطالب الزارع بقلع الزرع، الا أن يكون في ذلك ضرر على أهل الزكاة و غيرهم، بتلف حقوقهم منه، فان ضمنه رب الأرض لهم و قلع الزرع كان مخيرا بين أن يأخذ الجزء منه على تلك الحال، و بين أن يضمن الذي غر الزارع قيمة نصف الزرع ثابتا و سلم الزرع كله اليه.
ثم اعترضه فقال: و الوجه أن للمالك قلع الزرع مطلقا و ان تضرر أرباب الزكاة، و يأخذ أرباب الزكاة نصيبهم من العين، إذا تعلقت بها الزكاة، و له الرجوع
344
في الزرع بالأجرة و يرجع الزارع على الغار، انتهى و هو جيد.
الثالثة عشر [في عدم جواز جعل شيء من الحصة للبقر و نحوه]
-
روى ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب عن عبد الله بن سنان (1) في الصحيح، انه قال: في الرجل يزارع فيزرع أرض غيره، فيقول ثلث للبقر، و ثلث للأرض، و ثلث للبذر، قال: لا يسم شيئا من الحب و البقر، و لكن يقول: ازرع فيها كذا و كذا ان شئت نصفا و ان شئت ثلثا».
و عن سليمان بن خالد (2) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يزرع أرض آخر فيشترط للبذر ثلثا و للبقر ثلثا؟ قال: لا ينبغي أن يسمى بذرا و لا بقرا فإنما يحرم الكلام».
و روى الشيخ في التهذيب عن أبى الربيع الشامي (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثل الخبر الثاني: و زاد قبل قوله «و انما يحرم الكلام» «و لكن يقول لصاحب الأرض: ازرع في أرضك و لك منها كذا و كذا نصف أو ثلث أو ما كان من شرط و لا يسمى بذرا و لا بقرا».
و روى في الفقيه عن أبى الربيع (4) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يزرع أرض رجل على أن يشترط للبقر الثلث، و لصاحب الأرض الثلث، فقال:
لا ينبغي أن يسمى بقرا و لا بذرا، و لكن يقول لصاحب الأرض: ازرع في أرضك و لك كذا و كذا مما أخرج الله تعالى».
و روى في الكافي في الصحيح عن الحلبي (5) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يزرع الأرض فيشترط للبذر ثلثا و للبقر ثلثا؟ قال: لا ينبغي أن يسمى شيئا فإنما يحرم الكلام».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 267 ح 4، التهذيب ج 7 ص 197 ح 18، الوسائل ج 13 ص 200 ح 5.
(2) الكافي ج 5 ص 267 ح 5، الوسائل ج 13 ص 200 ح 6.
(3) التهذيب ح 7 ص 194 ح 3، الوسائل ج 13 ص 201 ح 10.
(4) الفقيه ج 3 ص 158 ح 2، الوسائل ج 13 ص 201 ح 10.
(5) الكافي ج 5 ص 267 ح 6، الوسائل ج 13 ص 199 ح 4.
345
أقول: و هذه الاخبار قد اشتركت في الدلالة على تحريم اشتراط شيء للبقر و البذر كما عرفت، و لم أقف على قائل بذلك إلا في كلام ابن الجنيد و ابن البراج.
قال ابن الجنيد: و لا بأس باشتراك العمال بأموالهم و أبدانهم في مزارعة الأرض و إجارتها، إذا كان على كل واحد قسط من المؤنة و العمل، و له جزء من الغلة، و لا يقول أحدهم: ثلث للبذر، و ثلث للبقر، و ثلث للعمل، لان صاحب البذر يرجع اليه بذره، و ثلث الغلة من الجنس، و هذا ربا، فان جعلت البذر دينا جاز ذلك، و قال ابن البراج: لا يجوز أن يجعل للبذر ثلثا و للبقر ثلثا.
و العلامة في المختلف بعد أن نقل عنهما ذلك و استدل لهما برواية أبي الربيع المروية في التهذيب قال: و الوجه الكراهة، و لا ربا هنا، إذ الربا انما يثبت في البيع خاصة.
أقول: أنت خبير بان الدليل غير منحصر في رواية أبي الربيع المذكور، لما عرفت من الروايات الصحيحة الصريحة في التحريم غيرها، و عدم ظهور الوجه لنا في التحريم لا يدل على نفيه فلعل هنا علة لا يدركها فهمنا، على أن ما ذكره من اختصاص الربا بالبيع خاصة قد تقدم ما فيه، و أنه ثابت في غيره أيضا.
قال بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين في حواشيه على التهذيب: و قوله للبذر ثلثا و للبقر ثلثا يحتمل وجهين، أحدهما أن يكون اللام للتمليك، فالنهي لكونهما غير قابلين للملك، و ثانيهما أن يكون المعنى ثلث بإزاء البذر، و ثلث بإزاء البقر، فالنهي لشائبة الربا في البذر، و قال العلامة في المختلف: بالكراهة، و ابن البراج و ابن الجنيد ذهبا إلى الحرمة، و لا يخلو من قوة، انتهى.
تتميم نفعه عميم في استحباب المزارعة و الغرس
، و ما يقال و يفعل وقت الحرث و الزرع و نحو ذلك قد استفاضت الاخبار باستحباب الزرع، فروى
346
المشايخ الثلاثة عن سيابة (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سأله رجل فقال له: جعلت فداك أسمع قوما يقولون: ان الزراعة مكروهة، فقال: ازرعوا و اغرسوا فلا و الله ما عمل الناس عملا أحل و لا أطيب منه، و الله ليزر عن الزرع و ليغرسن النخل بعد خروج الدجال».
و روى في الكافي و الفقيه عن محمد بن عطية (2) قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان الله تعالى اختار لأنبيائه الحرث و الزرع كيلا يكرهوا شيئا من قطر السماء».
و زاد في الفقيه (3) «و سئل عن قول الله تعالى «وَ عَلَى اللّٰهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ» قال: الزارعون.
و روى في الكافي عن سهل (4) رفعه قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):
ان الله جعل أرزاق أنبيائه في الزرع و الضرع لئلا يكرهوا شيئا من قطر السماء».
و عن مسمع (5) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لما هبط آدم (عليه السلام) الى الأرض احتاج الى الطعام و الشراب فشكى ذلك الى جبرئيل (عليه السلام) فقال له جبرئيل: يا آدم كن حراثا قال: فعلمني دعاء قال: قل: اللّهمّ اكفني مؤنة الدنيا و كل هول دون الجنة، و ألبسني العافية حتى تهنئني المعيشة».
و روى في الكافي مرسلا (6) قال: «روى أن أبا عبد الله (عليه السلام) قال: الكيمياء الأكبر الزراعة».
و عن يزيد بن هارون الواسطي (7) قال: سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 260 ح 3، التهذيب ج 7 ص 236 ح 53، الفقيه ج 3 ص 158 ح 5، الوسائل ج 13 ص 193 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 260 ح 1، الوسائل ج 13 ص 193 ح 3.
(3) الفقيه ج 3 ص 160 ح 13، الوسائل ج 13 ص 193 ح 4.
(4) الكافي ج 5 ص 260 ح 2، الوسائل ج 13 ص 193 ح 2.
(5) الكافي ج 5 ص 260 ح 4، الوسائل ج 13 ص 194 ح 5.
(6) الكافي ج 5 ص 261 ذيل ح 6، الوسائل ج 13 ص 194 ح 8.
(7) التهذيب ج 6 ص 384 ح 259، الوسائل ج 12 ص 25 ح 3.
347
عن الفلاحين فقال هم الزارعون كنوز الله في أرضه، و ما في الأعمال شيء أحب الى الله من الزراعة، و ما بعث الله نبيا الا زراعا إلا إدريس فإنه كان خياطا.
و عن يزيد بن هارون (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
الزارعون كنوز الأنام يزرعون طيبا أخرجه الله عز و جل، و هم يوم القيامة أحسن الناس مقاما و أقربهم منزلة يدعون المباركين.
و روى في الكافي عن السكوني (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سئل النبي (صلى الله عليه و آله) أى المال خير؟ قال: الزرع زرعه صاحبه، و أصلحه و أدى حقه يوم حصاده، قال: فأي المال بعد الزرع خير؟ قال: رجل في غنم له قد تبع بها مواضع القطر يقيم الصلاة، و يؤتى الزكاة، قال: فأي المال بعد الغنم خير؟ قال: البقر تغدو بخير و تروح بخير، قال: فأي المال بعد البقر خير؟
قال: الراسيات في الوحل و المطعمات في المحل. نعم الشيء النخل من باعه فإنما ثمنه بمنزلة رماد على رأس شاهق اشتدت به الريح في يوم عاصف إلا أن يخلف مكانها، قيل: يا رسول الله فأي المال بعد النخل خير؟ قال: فسكت قال:
فقام اليه رجل فقال له: يا رسول الله فأين الإبل؟ قال: فيها الشقاء و الجفاء و العناء و بعد الدار، تغدو مدبرة و تروح مدبرة، لا يأتي خيرها إلا من جانبها الأشأم، أما أنها لا تعدم الأشقياء الفجرة».
و رواه
الصدوق في الفقيه مرسلا (3) قال: سئل النبي (صلى الله عليه و آله) الحديث،.
ثم قال: معنى قوله لا يأتي خيرها الا من جانبها الأشأم هو أنها لا تحلب و لا تركب الا من الجانب الأيسر.
و في معاني الأخبار (4) يقال لليد الشمال: الشؤم، منها قال الله تعالى
____________
(1) الكافي ج 5 ص 260 ح 7، الوسائل ج 13 ص 194 ح 7.
(2) الكافي ج 5 ص 261 ح 6، الوسائل ج 8 ص 392 ح 1.
(3) الفقيه ج 2 ص 190 ح 6.
(4) معاني الأخبار ص 322 ط طهران 1379.
348
«وَ أَصْحٰابُ الْمَشْئَمَةِ» (1) يريد أصحاب الشمال.
و قال في الوافي: و معنى قوله «لا تعدم الأشقياء الفجرة» أن الإبل لا تزال تجد أشقياء يتخذونها، انتهى.
و نحوه نقل عن بعض المشايخ أيضا حيث قال: أريد أنه من جملة مفاسد الإبل أنه يكون معها غالبا الأشقياء الفجرة، و هم الجمالون الذين هم شرار الناس، انتهى.
أقول:
قد روى الصدوق في كتابي الخصال و معاني الاخبار (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): الغنم إذا أقبلت أقبلت و إذا أدبرت أقبلت، و البقر إذا أقبلت أقبلت، و إذا أدبرت أدبرت، و الإبل أعنان الشياطين إذا أقبلت أدبرت و إذا أدبرت أدبرت و لا يجيء خيرها الا من جانبها الأشأم، قيل يا رسول الله: فمن يتخذوها بعد ذا قال: فأين الأشقياء الفجرة».
و حينئذ فالظاهر حمل إجمال الخبر الأول على هذا الخبر، و يكون حاصل المعنى في الخبر الأول أن هذا الكلام منى لا يصير سببا للناس في ترك اتخاذها، فإنه يتخذها الأشقياء الفجرة.
و روى في الكافي عن شعيب العقرقوفي (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا بذرت فقل اللهم قد بذرنا و أنت الزارع و اجعله حبا متراكما».
و عن بكير في الحسن (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أردت أن تزرع زرعا فخذ قبضة من البذر و استقبل القبلة، و قل «أَ فَرَأَيْتُمْ مٰا تَحْرُثُونَ، أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّٰارِعُونَ» (5) ثلاث مرات ثم تقول بل الله الزارع ثلاث
____________
(1) سورة الواقعة الآية 9.
(2) معاني الأخبار ص 321، الوسائل ج 8 ص 393 ح 4 ط طهران 1379.
(3) الكافي ج 5 ص 263 ح 2، الوسائل ج 13 ص 197 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 262 ح 1، الوسائل ج 13 ص 197 ح 3.
(5) سورة الواقعة الآية 62 و 63.
349
مرات ثم قل: اللهم اجعله حبا مباركا و ارزقنا فيه السلامة، ثم انثر القبضة التي في يدك في القراح».
و عن على بن محمد (1) رفعه قال: «قال على (عليه السلام) إذا غرست غرسا أو نبتا فاقرأ على كل عود أو حبة سبحان الباعث الوارث، فإنه لا يكاد يخطئ إنشاء الله تعالى».
و عن محمد بن يحيى رفعه (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «تقول إذا غرست أو زرعت و مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين باذن ربها».
و روى الصدوق في كتاب العلل بسنده فيه عن عيسى بن جعفر العلوي (3) عن آبائه أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: مر أخي عيسى بمدينة فإذا في ثمارها الدود. فسألوا إليه ما بهم، فقال: دواء هذا معكم و ليس تعلمون، أنتم قوم إذا غرستم الأشجار صببتم التراب، و ليس هكذا يجب، بل ينبغي أن تصبوا الماء في أصول الشجر ثم تصبوا التراب لكيلا يقع فيه الدود، فاستأنفوا كما وصف فذهب عنهم ذلك».
و روى في الكافي عن ابن عرفه (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):
من أراد أن يلقح النخيل إذا كان لا يجود حملها و لا يتبعل النخل فليأخذ حيتانا صغارا يابسة فيدقها بين الدقتين ثم يذر في كل طلعة منها قليلا و يصر الباقي في صرة نظيفة ثم يجعله في قلب النخلة ينفع باذن الله تعالى».
و عن صالح بن عقبة (5) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) قد رأيت حائطك فغرست فيه شيئا بعد قال: قلت: قد أردت أن آخذ من حيطانك وديا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 263 ح 5، الوسائل ج 13 ص 197 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 263 ح 6، الوسائل ج 13 ص 197 ح 5.
(3) علل الشرائع ص 574 ح 1 باب 376، الوسائل ج 13 ص 192 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 263 ح 3، الوسائل ج 13 ص 197 ح 1 من باب 6.
(5) الكافي ج 5 ص 263 ح 4، الوسائل ج 13 ص 198 ح 2 من باب 6.
350
قال: أفلا أخبرك بما هو خير لك منه، و أسرع، قلت: بلى قال: إذا أينعت البسرة و همت أن ترطب فاغرسها، فإنها تؤدي إليك مثل الذي غرستها سواء ففعلت ذلك فنبتت مثله سواء».
351
المطلب الثاني في المساقاة
و هي معاملة على أصول ثابتة بحصة من ثمرها، فالمعاملة بمنزلة الجنس، لتناولها لجميع عقود المعاوضات، و قولنا على الأصول بمنزلة الفصل، و يخرج به المزارعة، و قولنا ثابتة لإخراج مالا ثبوت لأصله، و عرقه في الأرض مثل الخضروات، و الورد الذي لم يغرس، و المغروس قبل ثبوت عروقه و استقرارها، و نقل في المختلف عن الشيخ أنه يجوز المساقات على البقل جرة بعد جرة للأصل، ثم رده فقال: و الأقرب المنع، لأنها معاملة على مجهول، فتصح في موضع الإجماع، انتهى.
و قولنا: بحصة من ثمرها يخرج به الإجارة، فإنها و ان صحت على الأصول الثابتة لكن لا بحصة من الثمرة، بل بأجرة معينة معلومة أو مضمونة، و هل المراد بالثمرة هنا المعنى المتبادر، أو ما يدخل فيه النماء للشجرة، فتصح المساقاة على ما يقصد ورده، و ورقه، كشجرة الحناء و التوت اشكال، و لعل الأرجح الأول، حملا للفظ على المعنى المعهود المتبادر من اللفظ، فلا تصح المساقاة الا على أصول لها ثمرة متعارفة، و يؤيده عدم وجود نص في المساقاة على ما كان كذلك، و الأصل العدم، و أما دليل صحة هذه المعاملة فالإجماع و النصوص.
352
و منها
صحيحة يعقوب بن شعيب (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) و فيها قال: سألته عن الرجل يعطى الرجل أرضه و فيها الرمان و النخل و الفاكهة و يقول اسق هذا من الماء و أعمره و لك نصف مما خرج، قال: لا بأس».
و صحيحة الحلبي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «أن أباه حدثه أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أعطى خيبر بالنصف أرضها و نخلها» الحديث.
و المراد أنه، أعطى أرضها بالمزارعة و نخلها بالمساقاة، و نحوه غيره من أخبار خيبر، إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام هنا يقع في فصلين.
الفصل الأول في الأركان:
و هي خمسة، العقد، و المحل الذي تقع المساقاة عليه، و المدة، و العمل، و الفائدة، و حينئذ فالبحث يقع في مقامات خمسة:
[المقام] الأول- العقد
، و حيث كانت المساقاة عندهم من العقود اللازمة، صرحوا فيها بما يشترط في غيرها من العقود اللازمة، كالبيع و أمثاله، فأوجبوا فيها الإيجاب و القبول، بأن يقول: ساقيتك و عاملتك أو سلمت إليك، و عقدت معك عقد المساقاة، و قبلتك عملها، و نحو ذلك من الألفاظ الدالة على الإنشاء بلفظ الماضي.
قالوا: و اللفظ الصريح من ذلك لفظ ساقيتك، و زاد في التذكرة على ما تقدم من الألفاظ أتعهد نخلي بكذا و كذا، و أعمل فيه كذا و كذا.
قال في المسالك بعد نقل ذلك عنه: و يشكل بما مر في نظيره من عدم صراحة الأمر في الإنشاء، و لا وجه لإخراج هذا العقد اللازم من نظائره، و قد نوقش في الاكتفاء به في المزارعة بلفظ الأمر مع الاستناد فيها الى النص، و هو
____________
(1) الكافي ج 5 ص 268 ح 2، التهذيب ج 7 ص 198 ح 22، الوسائل ج 13 ص 202 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 266 ح 1، التهذيب ج 7 ص 193 ح 1، الوسائل ج 13 ص 199 ح 2.
353
منتف هنا، و جريان المعاطاة هنا بعيد، لاشتمال هذا العقد على الغرر و جهالة العوض، بخلاف البيع و الإجارة، فينبغي الاقتصار فيه على موضع اليقين، انتهى.
و أنت خبير بما فيه مما أسلفنا بيانه في غير مقام مما تقدم، و لا سيما في كتاب البيع (1) و بالجملة فالمستفاد من الاخبار على وجه لا يعتريه شائبة الإنكار، هو الاكتفاء بالألفاظ الدالة على التراضي بذلك على أى نحو اتفق.
و منها صحيحة يعقوب بن شعيب المتقدمة، فإن ما اشتملت عليه من قول المالك «اسق هذا من الماء و أعمره و لك نصف ما خرج» هو عقد المساقاة الذي أوجبوا ترتب أحكام المساقاة عليه، و هو ظاهر أيضا في أنه يكفى في القبول الرضا الفعلي، دون القولي كما تقدم نظيره في المزارعة، و المفهوم أيضا من أخبار خيبر و دفع النبي (صلى الله عليه و آله) أرضها و نخلها لهم بالنصف، هو مجرد التراضي على ذلك بقول أو فعل بأي نحو كان ذلك.
على أن ما ادعوه من لفظ المساقاة في هذه المعاملة- و تسميتها بهذا الاسم فضلا عن كونه أصرح ألفاظها- لم يرد في خبر من الاخبار بالكلية، و انما هو شيء اصطلحوا عليه، و تبعوا العامة في التسمية بهذا الاسم، و لفظ المزارعة و ان وجد في الاخبار الا أن هذا اللفظ لم نقف عليه في خبر منها بالكلية، و الذي وجدناه من أخبارها هو ما قدمناه و ربما أطلق عليها في بعض الاخبار لفظ القبالة.
و بالجملة فإن ما ذكروه في المقام كما ذكروه في غير نفخ في غير ضرام لعدم ثبوته في شيء من أخبارهم (عليهم السلام) التي هي المعتمد، و عليها المعول في النقض و الإبرام.
تنبيهات:
الأول [كونها من العقود اللازمة]
- الظاهر أنه لا خلاف بينهم في أنه يكون عقد المساقاة من العقود اللازمة، و استندوا في ذلك الى الأدلة العامة، مثل قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (2)
____________
(1) ج 18 ص 348.
(2) سورة المائدة- الاية 1.
354
«و المسلمون عند شروطهم» (1).
فلا يجوز لأحدهما فسخه الا مع التراضي و التقايل من الطرفين.
نعم ربما يعرض له البطلان بأسباب آخر من خارج، مثل عدم حصول شرط، و البطلان لعدم الانتفاع، مثل انقطاع الماء و نحوه مما تقدم في المزارعة.
الثاني [الخلاف في صحة المساقاة بعد ظهور الثمرة]
- لا خلاف في صحة المساقاة قبل ظهور الثمرة بالكلية، لظهور تأثير العمل في استحقاق الحصة، مضافا إلى عموم الأدلة المشار إليها آنفا، و كذا لا خلاف في عدم الصحة بعدم الظهور على وجه لا يفيد العمل فيها زيادة.
و انما الخلاف فيها لو كان بعد الظهور، و قد بقي عمل يحصل به الزيادة و النماء في الثمرة، فقيل: بالصحة و هو اختيار المحقق بعد التردد في المسئلة و استجوده في المسالك، و به صرح العلامة في التذكرة، قال (رحمه الله) في الكتاب المذكور: لا تصح المساقاة على ثمرة قد وجدت و بد إصلاحها، و استغنت عن السقي، و لم يبق لعمل العامل فيها مستزاد إجماعا، لأنها و الحال هذه قد ملكها رب البستان، و لم يحصل بالمساقاة زيادة الثمار، و الغرض بها تحصيل الثمار أو جودة أنواعها، و إذا لم يحصل الغرض، خلا العقد من الفائدة، فيكون باطلا، و أما إذا كانت الثمار قد ظهرت و لم يبدو صلاحها، فإن بقي للعامل ما فيه مستزاد الثمرة كالتأبير و السقي و إصلاح الثمرة جازت المساقاة، تحصيلا لتلك الفائدة، انتهى.
و أيد القول بالصحة في المسالك أيضا، قال و لان العقد حينئذ أبعد عن الغرر للوثوق بالثمرة فيكون أولى مما لو كانت معدومة انتهى و اليه يميل كلام المحقق الأردبيلي أيضا، و الظاهر أنه المشهور و قيل: بعدم الجواز نظرا الى أن الثمرة إذا ظهرت فقد حصل المقصود فصار بمنزلة القراض بعد ظهور الربح، و لان المقصود من المساقاة ظهور الثمرة بعمله، قال: في المسالك بعد نقل ذلك: و فيها منع
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 127 ج 5، الوسائل ج 12 ص 353 ح 1.
355
ظاهر، و المسئلة لا تخلو من نوع توقف، لعدم النص و ان كان القول الأول لا يخلو من قوة و رجحان، و الله العالم.
الثالث [في عدم بطلان المساقاة بموت كل من المساقي و العامل]
- المشهور بين الأصحاب أنه لا تبطل المساقاة بموت المساقى و لا بموت العامل، و لا بموتهما معا.
و قال الشيخ في المبسوط: إذا مات أحدهما أو ماتا انفسخت المساقاة، كالإجارة عندنا، و من خالف في الإجارة خالف هنا.
و الظاهر هو القول المشهور، لان ذلك هو مقتضى لزوم العقد حتى يقوم دليل على البطلان، الا أن يكون المالك قد شرط على العامل العمل بنفسه، فإنها تبطل بموت العامل قبل ظهور الثمرة، بلا اشكال.
و أما بعد ظهورها فإشكال ينشأ من حصول ملكه، لما ظهر منها بالعمل السابق، فلا يزول بموته، و من أن الظاهر من إطلاق المساقاة هو أن الملك مشروط بإكمال العمل و لم يحصل، فيكون الملك قبل ذلك بمنزلة المتزلزل، و أطلق جمع من الأصحاب البطلان إذا شرط عليه العمل بنفسه.
و فيه ما عرفت، و لعله بناء منهم على ما أشرنا إليه من أن ملك الحصة انما يستقر بإتمام العمل، و الا نسب بما تقدم- من جواز المساقاة بعد ظهور الثمرة مع بقاء عمل يحصل به الزيادة فيها كما هو ظاهر المشهور- هو الأول من وجهي الإشكال هنا، لاشتراكهما في التبعض، و عدم الإكمال.
ثم انه ان كان الميت المالك استمر العامل على عمله، و قاسم الوارث، لما عرفت من عدم بطلانها بموت أحد منهما، و ان كان الميت هو العامل، رجع الأمر إلى التفصيل المتقدم من أنه مع شرط العمل عليه بنفسه، هل موته قبل ظهور الثمرة، أو بعدها، و قد عرفت الكلام في ذلك.
و انما بقي الكلام فيما لم يشترط عليه العمل بنفسه، بل هو في ذمته، فإنه يقوم وارثه مقامه في العمل، الا أنه صرح في المسالك بأنه ليس للمالك منعه
356
في هذه الحال، و لا إجباره لو امتنع من العمل، قال: لان الوارث لا يلزمه حق لزم المورث الا ما أمكنه دفعه من ماله، و العمل ليس بمال المورث، فلا يجب على الوارث، كما لا يؤدى الحقوق من مال نفسه، ثم ان خلف العامل تركة تخير الوارث بين العمل، و بين الاستيجار عليه من التركة، فإن امتنع منهما استأجر الحاكم عليه من التركة، فان لم يتفق ذلك تخير المالك بين الفسخ و الإنفاق من ماله، بنية الرجوع كما سيأتي تحقيقه فيما لو هرب العامل، انتهى.
المقام الثاني- في المحل الذي يرد عليه عقد المساقاة
و هو كل أصل ثابت له ثمرة ينتفع بها مع بقائه، و المراد بالأصل الثابت كالنخل، و الشجر الذي له ساق، فلا تصح المساقاة على نحو البطيخ و الباذنجان و القطن و قصب السكر و البقول قال في التذكرة: لا يثبت المساقاة عليها إجماعا، لأن أصول هذه لا بقاء لها غالبا و اضمحلالها معلوم عادة، و لا عبرة بالنادر إذا ثبت في بعضها.
بقي الكلام هنا في موضعين
أحدهما [في صحة المساقاة في كل ما يقصد ورقه أو ورده]
- ما لا ثمرة له، انما له ورق ينتفع به، أو ورد، أو نحو ذلك كالحناء و شجر الورد و التوت و نحوها و قد تردد المحقق في صحة المساقاة على ذلك، و لم يرجح شيئا و وجه الشارح في المسالك التردد المذكور بان منشأه من أن هذه المعاملة باشتمالها على ضرب من الغرر، بجهالة العوض على خلاف الأصل، فيقتصر بها على محل الوفاق، و هو شجر الثمر، و من أن الورق المقصود كالثمرة في المعنى فيكون مقصود المساقاة حاصلا به، قال: و في بعض الاخبار ما يقتضي دخوله، ثم قال: و القول بالجواز لا يخلو من قوة، و مثله ما يقصد زهره كالورد، انتهى، و العلامة في القواعد بعد أن استشكل في الحكم المذكور مال الى الجواز.
أقول: ما ذكره في المسالك من أن في بعض الاخبار ما يقتضي دخوله لم أقف عليه، فان ثبت ذلك فلا معدل عنه، و الا فالحكم مشكل، و ترجيح العدم كما قدمنا ذكره في صدر البحث أقرب، و لم أقف في الاخبار على ما يتضمن
357
جواز هذا العقد، الا على الخبرين المتقدمين، و نحوهما أخبار خيبر، و مورد الجميع الشجر و النخل.
و بمثل ما ذكرنا صرح المحقق الأردبيلي أيضا، فقال بعد أن نقل عن المسالك ذلك: ما رأيت شيئا خاصا الا ما يدل على عموم الفواكه في الجملة، و لعله يريد العمومات كما أشرنا إليه، لكنها موجودة في الكتاب أيضا، انتهى.
ثم انه لا يخفى أن التوت المذكور مع الحناء في كلامهم و أنه محل الاشكال و التردد، مراد به الذكر منه، و هو الذي لا يقصد ثمرته، أما الأنثى المقصود منه الثمرة فإنه لا اشكال و لا خلاف في جواز المساقاة عليه.
قال في التذكرة: أما التوت الأنثى فإنه يجوز المساقاة عليه عندنا، لانه مثمر، و أما التوت الذكر و ما أشبهه مما يقصد ورقه كالحناء و شبهه ففي جواز المساقاة عليه خلاف، و الأقرب جوازها، لان الورق في معنى الثمرة، و لكونه مما يتكرر في كل عام، و يمكن أخذه، و المساقاة عليه بجزء منه، فيثبت له مثل حكم غيره، و كذا شجر الخلاف لاغصانها التي تقصد كل سنة أو سنتين، و الأقرب الجواز في التوت بنوعيه، و كلما يقصد ورقه أو ورده كالنيلوفر و الياسمين و الأس و أشباه ذلك، و كذا في فحول النخل، لان لها طلع يصلح كشا للتلقيح، فأشبهه الثمرة.
قال المحقق الأردبيلي بعد نقل ذلك عنه: و لا يبعد قرب ما قربه، لعموم «أَوْفُوا» (1)
و «المسلمون عند شروطهم» (2).
و «لان الناس مسلطون على أموالهم» (3).
فلهم ما يفعلون الا ما منع، ثم أطال بنحو ذلك من التقريبات الى أن قال: و لو لا نقل الإجماع المذكور- في شرح الشرائع في عدمها في غير
____________
(1) سورة المائدة- الاية 1.
(2) الكافي ج 5 ص 169 ح 1، الفقيه ج 3 ص 127 ح 5، الوسائل ج 12 ص 353 ح 1.
(3) البحار ج 2 ص 272 ح 7.
358
المغروس و نحوه- لكان القول بالجواز فيه متجها لما تقدم، انتهى.
و بالجملة فالمسئلة لما عرفت غير خالية من شوب الاشكال، قال في المسالك:
و التوت بالتائين المثناتين من فوق و في لغة نادرة بالثاء المثلثة أخيرا وردها الجوهري.
أقول: قال في القاموس في باب الثاء المثلثة التوت الفرصاد لغة في المثناة، حكاه ابن فارس.
الثاني [في عدم صحة المساقاة على ودي أو شجر غير ثابت]:
أنهم قالوا لو ساقاه على ودى أو شجر غير ثابت لم يصح، اقتصارا على موضع الوفاق، أما لو ساقاه على ودى مغروس إلى مدة يحمل مثله فيها غالبا صح و لو لم يحمل فيها، و ان قصرت المدة المشترطة عن ذلك غالبا أو كان الاحتمال على السواء لم يصح.
أقول: الودي بفتح الواو و كسر الدال المهملة و تشديد الياء كغني: فسيل النخل، قبل أن يغرس، كذا ذكره في المسالك، و الذي في القاموس و كذا في المصباح المنير للفيومى أنه صغار الفسيل، و قال في كتاب مجمع البحرين:
و الودي بالياء المشددة: هو صغار النخل قبل أن يحمل، الواحدة و دية، و منه لو ساقاه على ودى غير مغروس ففاسد، انتهى.
و الفسيل على ما ذكره في كتاب المصباح هو ما ينبت مع النخل و يقطع منها، قال: الفسيل صغار النخل، و هي الودي و الجمع فسلان، مثل رغيف و رغفان، الواحدة فسيلة، و هي التي تقطع من الأم أو تقلع من الأرض، فتغرس، و هو ظاهر في أن إطلاق الفسيلة عليها انما هو بعد القلع أو القطع، و به يظهر أن إطلاقه في المجمع تفسير الودي بصغار النخل قبل أن يحمل لا يخلو من تسامح.
ثم ان ما أشار إليه من الحديث الدال على فساد المساقاة على الودي لم نقف عليه في أخبارنا، و لا نقله غيره في ما أعلم من الأصحاب، إذا عرفت هذا فاعلم أنه لو ساقاه على ودى أو شجر غير ثابت لم يصح بلا خلاف نصا و فتوى.
359
أما لو كان مغروسا ثابتا فإنه قد اشتمل على شرط الصحة من جهة المحل، و لكن بقي الاشكال و تطرق الاختلال من جهة المدة التي توجد فيها الثمرة، فإن ساقاه إلى مدة معينة لا يثمر، مثل هذا الودي فيها علما أو ظنا متاخما له بالنظر الى العرف و العادة، أو يكون الاحتمالان متساويين في وجود الثمر تلك المدة و عدمه، فإنها تكون باطلة لجهالة المدة، و عدم الجزم بحصول الثمرة.
و لو فرض تخلف الظن بأن حصلت الثمرة في المدة، فلا يبعد صحة العقد لحصول الاحتمال وقت العقد، مع مطابقته الواقع فيأخذ العامل الحصة و حينئذ ينبغي تقييد ما ذكروه بعدم الحصول فإنه كما عرفت لو حصلت لا يبعد الحكم بالصحة، و على تقدير البطلان فان كان العامل عالما بذلك فليس له أجرة المثل، لانه متبرع كمن زارع على أن لا يكون له شيء أو استأجر على أن لا يكون له أجرة.
و ان كان جاهلا فله أجرة المثل، خصوصا مع علم صاحب الأرض، فإن ذلك مقتضى قاعدتهم المصرح بها في كلامهم من أنه متى بطل العقد فللعامل أجرة المثل، لان الحاصل لصاحب الأرض خاصة لبطلان العقد، فلا بد للعامل في مقابلة عمله من عوض، و هو المراد بأجرة المثل و ان ساقاه إلى مدة يحمل مثله غالبا صح و ان لم يحصل الحمل على خلاف العادة. لأن مناط الصحة تجويز ظهور الثمرة، و ظنه بحسب العادة فإذا حصل المقتضى صح، و ان تخلف الغرض منها كما لو ساقاه على شجر كثير فاتفق أنه لم يحمل تلك المدة، و ظاهرهم أنه ليس له أجرة المثل هنا على جميع العمل، لقدومه على ذلك، و أنه يجب عليه إتمام العمل و ان علم الانقطاع قبله، فان عدم الثمرة غير قادح في صحة المساقاة إذا كان حصولها مظنونا عادة وقت العقد، إذ هو المناط في الصحة كما عرفت و نظيره ما لو تلفت الثمرة كلها أو أكلها الجراد أو غصبها غاصب، فإنه في جميع ذلك يجب على العامل إتمام العمل؛ و لا أجرة له و ان تضرر كما يجب على عامل المضاربة انضاض المال و ان ظهر الخسران، بل هنا أقوى، للزوم العقد و وجوب العمل.
360
و استشكل الحكم المذكور في التذكرة، و احتمل انفساخ العقد لو تلف الثمار بأسرها، و أيده المحقق الأردبيلي بعد نقل ملخص كلامه المذكور.
و فيه اشكال كما نقل عن التذكرة، و الظاهر العدم، فان الظاهر أنه كالمعاوضة، فمع عدم العوض لا ينبغي التكليف، فإنه مثل تلف المبيع قبل القبض و لو سلم في القراض ما ذكر لدليل، فلا يقاس و الا يجيء المنع فيه أيضا مع إمكان الفرق فتأمل، انتهى.
و بالجملة فالمسئلة لعدم الدليل الواضح فيها لا يخلو من شوب الاشكال، كما في أمثالها من هذا المجال، و الله العالم.
المقام الثالث في المدة
- المشهور بين الأصحاب اشتراط مدة معينة و أجل مضبوط في عقد المساقاة بما لا يحتمل الزيادة و النقصان، كقدوم الحاج و إدراك الغلة و ان كانت الغلة المعامل عليها وقوفا فيما خالف الأصل، و احتمل الغرر و الجهالة على موضع اليقين، و قال ابن الجنيد: و لا بأس بمساقاة النخل و ما شاكله سنة و أكثر من ذلك إذا حضرت المدة أو لم تحصر كذا نقل عنه في المختلف.
و نقل عنه في المسالك أنه اكتفى بتقديرها بالثمرة المساقى عليها نظرا إلى أنه بالنسبة إلى ثبوته عادة، كالمفهوم، و لان المقصود منها هو العمل الى كمالها و لان العقد مبنى على الغرر و الجهالة، فلا يقدحان فيه، ثم قال: و الأجود الأول و ان كان كلامه لا يخلو من وجه.
أقول: لا يخفى أن العبارة المنقولة عنه أعم مما نقله عنه في المسالك، الا أن يحمل إطلاق عبارته على ذلك.
و من ثم أنه احتج له في المختلف بعد نقل عبارته المذكورة فقال: احتج بأن ضبط الثمار يكفى عن الأجل، إذ القصد ذلك.
و ما رواه
يعقوب بن شعيب (1) في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: «
____________
(1) الكافي ج 5 ص 268 ح 2، التهذيب ج 7 ص 198 ح 22، الوسائل ج 13 ص 202 ح 2.
361
سألته عن الرجل يعطى الرجل أرضه فيها الرمان و النخل و الفاكهة، فيقول:
اسق هذا من الماء و أعمره و لك نصف ما خرج قال: لا بأس».
ثم أجاب عن ذلك قال: و الجواب المنع، و عن الحديث أن نفى البأس لا يستلزم اللزوم، انتهى.
و قال في المسالك: و اعلم أن الاتفاق على اشتراط تقديرها في الجملة كما قررناه، و أما تركها رأسا فيبطل العقد قولا واحدا، و لان عقد المساقاة لازم كما تقدم، و لا معنى لوجوب الوفاء به دائما، و لا إلى مدة غير معلومة، و لا بسنة واحدة، لاستحالة الترجيح بلا مرجح.
أقول: ان ثبت كون عقد المساقاة من العقود اللازمة كما ادعوه، فما ذكره جيد لا حيود عنه الا أنى لا أعرف لهم دليلا على هذه الدعوى زيادة على ما يظهر من اتفاقهم على ذلك.
و ربما كان الظاهر من عبارة ابن الجنيد المنقولة عن المختلف انما هو الجواز كما قال به جملة من العامة، ثم أنه مع تسليم ذلك فإنه لا يخفى أن المقصود من المساقاة هو أخذ العامل الحصة من الحاصل، بعد القيام بالعمل.
و حينئذ فلو اتفقا على المساقاة على ثمرة عام واحد فالظاهر أنه لا يحتاج في التحديد إلى أزيد من التحديد بالثمرة المساقى عليها كما تقدم نقله عن ابن الجنيد، و عليه يحمل صحيحة يعقوب بن شعيب المذكورة، فكأنه قيل: فيها اسق هذا النخل و الرمان و الفاكهة الى أن تأخذ حصتك من الثمرة و هو النصف.
فإنك قد عرفت مما أسلفناه أن ما اشتملت عليه من هذا اللفظ هو صورة عقد المساقاة، إذ ليس في الخبر ما يدل على زيادة على ذلك، و هو بحسب ظاهره غير مشتمل على المدة التي أوجبوها في العقد، فاللازم أما كونه جائزا كما قدمنا ذكره، فلا ينافيه الإخلال بالمدة، لجواز الفسخ متى شاء أحدهما، أو انه لازم كما صرحوا به، فلا بد من اعتبار ما ذكرناه، و تقدير ما قدرناه ليتم ما ذكروه.
362
و أما قول العلامة في المختلف في الجواب عن الرواية بعد استدلاله بها لابن الجنيد أن نفى البأس لا يستلزم اللزوم فليس بموجه، لأنه ان سلم كون هذا عقدا كما هو ظاهر الرواية، فلا بد له من الحكم بلزومه، و نفى البأس إنما أريد به ذلك: بمعنى أنه عقد صحيح، و ان منع كونه عقدا فلا معنى لنفي البأس عنه، حيث أنه لغو من القول، لا معنى له و لا ثمرة يترتب عليه.
ثم انه لو لم يقع التحديد على الوجه المشهور و لا الوجه المنقول في المسالك عن ابن الجنيد فظاهر كلامه الاتفاق على بطلان العقد، الا أن ظاهر عبارة ابن الجنيد المتقدم نقلها عن المختلف هو الصحة في الصورة المذكورة، و الظاهر بعده، الا أن يحمل كلامه على حكمه بجواز عقد المساقاة دون لزومه، كما تقدمت الإشارة اليه.
و لو اتفقا على المساقاة على أزيد من ذلك العام فإنه لا خلاف و لا إشكال في وجوب تعيين المدة بسنتين أو ثلاث أو أزيد أو أقل على حسب ما يتفقان عليه و وجهه ما تقدم في عبارته في المسالك، و الله العالم.
المقام الرابع في العمل
- اعلم أن الظاهر من كلامهم في هذا المقام أن بعض الأعمال مع الإطلاق يختص بالعامل و بعضها يختص بالمالك، و جعلوا لكل منهما قاعدة فالذي يختص بالعامل هو كل عمل يتكرر كل سنة مما يحصل به نفس الثمرة وجودتها و زيادتها، و منها إصلاح الأرض بالحرث و الحفر حيث يحتاج اليه و ما يتوقف عليه من الآلات و تنقية الأجاجين، جمع الاجاجه بالكسر و التشديد و المراد بها هنا الحفر التي يقف فيها الماء في أصول الشجر التي تحتاج إلى السقي.
و كذا تنقية الأنهار، و ازالة الحشيش المضر و تهذيب جرائد النخل بقطع ما يحتاج الى قطعه منه كالأجزاء النابتة من كرم العنب و الأغصان اليابسة المضمرة من الأشجار، بل و لو كانت رطبة مع حصول الضرر بها، كما في شجر الكرم مما يجرى به العادة.
363
و منها السقي و مقدماته المتكررة، كالدلو و الرشاء و إصلاح طريق الماء، و تنقيتها من الحمأة و نحوها، و استقاء الماء و أداة الدولاب إذا كان السقي من بئر و نحوه و تلقيح الأنثى من الذكر، على الوجه المعتاد و المعتبر، و تعديل الثمرة أى إصلاحها بإزالة ما يضرها من الأغصان و الورق، ليصل إليها الهواء أو الشمس أو لتيسر قطعها عند ارادة ذلك، و وضع الحشيش و نحوه فوق العناقيد صونا لها عن الشمس المضمرة بها، و رفعها من الأرض حيث تضربها و نحو ذلك و منها اللقاط بفتح اللام و كسرها و هو لقاط الثمرة أى أخذها في أوانها عن محلها بحسب العادة و حسب نوعها و وقتها فما يؤخذ عنبا، أو رطبا ففي وقتهما، و ما يؤخذ للزبيب يجب قطعه عند حلاوته في الوقت الصالح له، و ما يعمل دبسا فكذلك في الوقت الصالح، و يحتمل أن يراد باللقاط ارادة ما سقط من الشجر على الأرض، بمعنى التقاطه، الا أن الأشهر في كلامهم هو الأول، و منها أيضا إصلاح موضع التشميس و هو الموضع الذي يجعل فيه الثمرة للشمس لأجل يبسها ان كانت العادة فيها ذلك، كما في بعض البلدان خصوصا البحرين، و نقل الثمرة الى ذلك الموضع، و حفظها الى وقت القسمة، و هل نقلها الى منزل المالك ان لم يتول المالك ذلك على العامل؟ يحتمل،- لانه من تمام العمل، و لعموم
«على اليد ما أخذت حتى تؤدى» (1).
- و عدمه، لانه ليس من أعمال الثمرة، و الأظهر الرجوع في ذلك الى عرف البلد و عادة أهلها في ذلك.
قالوا: و الضابط أنه يجب العمل الى وقت القسمة، هذا كله مع الإطلاق، أما لو شرط بعضها على المالك فلا إشكال في لزومه إذا لم يكن منافيا لمقتضى العقد، عملا بما دل على وجوب الوفاء بالشروط.
قالوا: لو أخل العامل بشيء مما يجب عليه فان كان وجوبه بطريق الشرط تخير المالك بين فسخ العقد و إلزامه، بمثل أجرة العمل، فان فسخ قبل عمل شيء
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 504.
364
فلا شيء له، و ان كان بعده فله الأجرة، سواء كان قبل ظهور الثمرة أم بعده، قضية للشرط، و ان كان وجوبه من حيث الإطلاق، فالظاهر أنه يكون كذلك قبل ظهور الثمرة، أما بعده ففيه نظر، و لا يبعد الجواز، و لو حصل على الأصل نقص بسبب التقصير لزمه الأرش، و الظاهر أن الثمرة كذلك، انتهى هذا بالنسبة إلى العامل.
و أما المالك فالضابط في ما يجب عليه عندهم هو ما لا يتكرر في كل سنة، و ان عرض له في بعض الأحوال التكرر مما يتعلق نفعه بالأصول بالذات و ان حصل النفع منه للثمرة عرضا فإنه على المالك دون العامل.
و من ذلك حفر الابار و الأنهار التي منها و بها تسقى الأصول، و بناء الحائط، قال في المسالك: و لا فرق في بناء الحائط بين جميعه و بعضه، و في حكمه وضع الشوك و نحوه على رأسه، قاله في التذكرة، و يشكل لو كان مما يتكرر كل سنة عادة طردا لضابطين، انتهى.
أقول: لا يخفى أن بناء هذه الأفراد المعدودة في كل من الموضعين و جعلها ضابطين انما هو على العرف و العادة، و الا فإنه ليس هنا تحديد شرعي في كل من الموضعين، فينبغي أن يكون مناط الحكم في كل من الموضعين هو ذلك.
و منها عمل ما يستقى به من دولاب و أدواته و نحو ذلك من آلات السقي مما لا يتكرر غالبا، دون ما يتكرر غالبا كالدلو و الرشاء، فإنه قد تقدم أن ذلك على العامل، خلافا لابن إدريس (رحمه الله) حيث أوجب الجميع على العامل، و المشهور و به صرح الشيخ ان الكش على المالك، و العامل انما عليه التلقيح، و استندوا في ذلك الى أن الكش ليس بعمل، و انما هو من الأعيان و العامل انما عليه العمل، و أن الأصل البراءة من وجوبه على العامل.
و نقل عن ابن إدريس أنه على العامل، و استحسنه في الشرائع، و نقل عن ابن إدريس التعليل بأنه مما يتم به نماء الثمرة و صلاحها الواجبين على العامل.
قال في المسالك: و الاولى الرجوع الى العادة و مع عدم اطرادها في شيء فالأولى التعيين، انتهى.
365
قال في التذكرة: ان شراء الزبل و أجرة نقله على رب المال، لانه ليس من العمل، فجرى مجرى ما يلقح به، و تفريق ذلك على الأرض على العامل، كالتلقيح انتهى.
و بالجملة فالظاهر أن الكش مثل الخيوط بالنسبة إلى الخياط، و المداد و القرطاس للكاتب في كون الجميع على المالك، و انما على العامل العمل بذلك، الا أن تجري العادة بخلاف ذلك لما أشرنا إليه آنفا من بناء الضابطتين المتقدمتين على العرف و العادة.
بقي الكلام هنا في مواضع
الأول [في الأعمال المختصة مع الإطلاق بالمالك]
- قد تقدمت الإشارة الى أن جميع ما ذكر سابقا مما يجب على المالك و العامل انما هو من حيث اقتضاء الإطلاق ذلك، فلو وقع الشرط منهما على خلاف ذلك بأن شرط ما على المالك من تلك الأعمال على العامل، فالمشهور الصحة بعد أن يكون ذلك معلوما بينهما على وجه لا يحتمل الضرر، و كذا لو شرط بعضه بطريق أولى.
قال الشيخ في المبسوط: و على المالك ما فيه حفظ الأصل، و هو سد الحيطان، و إنشاء الأنهار، فإن شرط على العامل ذلك أو بعضه قال قوم: تبطل المساقاة، لأنه شرط ليس من مصلحة العقد، و ينافي مقتضاه، و الذي يقوى في نفسي أنه لا يمنع من صحة هذا الشرط مانع، انتهى.
و قال ابن الجنيد: ليس لصاحب الأرض أن يشترط على المساقي إحداث أصل جديد من حفر بئر و غرس يأتي به لا يكون للمساقي في ثمرته حق، و لو جعل له على ذلك عوضا في قسطه، لان ذلك بيع المثمرة قبل خروجها فان جعله بعد ما يحل بيع الثمرة جاز.
قال في المختلف بعد نقل القولين المذكورين: و الوجه ما قواه الشيخ، لقوله (عليه السلام) (1)
«المؤمنون عند شروطهم».
سواء جعل له زيادة قسط أم لا و ليس ذلك بيعا، انتهى و هو جيد.
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
366
و لو شرط ما يجب على العامل على المالك، فان كان المشروط جميع العمل، فالظاهر أنه لا خلاف في بطلان المساقاة، لأن الحصة انما يستحقها العامل في مقابلة العمل فإذا لم يعمل شيئا لم يستحق شيئا، و أيضا فإنها تصير كالبيع بغير ثمن، و الإجارة بغير مال في مقابلتها، و بالجملة فإنها من عقود المعاوضات يترتب صحتها على وصول العوض لكل من الطرفين.
نعم لو كان المشروط بعض العمل و أبقى لنفسه منه شيئا، و كان مما يحصل به الزيادة في الثمرة، فإنه لا مانع منه، و لعموم أدلة لزوم الشرط، و تكون الحصة حينئذ في مقابلة ذلك.
و ظاهر الشيخ في المبسوط الخلاف هنا، حيث قال: إذا ساقاه بالنصف على أن يعمل رب المال معه، فالمساقاة باطلة، لأن موضوع المساقاة أن من رب المال المال، و من العامل العمل، كالقراض، فإذا شرط على رب المال العمل بطل كالقراض.
و رده العلامة في المختلف بأنه قد سوغ أن يشترط العامل على المالك أن يعمل معه غلامه، و أن يكون على المالك بعض العمل، و قواه لانه لا مانع منه، و هذا نفس ذاك، انتهى و هو جيد.
و نقل أيضا أنه قال في المبسوط: إذا ساقاه على أن أجرة الأجراء الذين يعملون و يستعان بهم من الثمرة، فالعقد فاسد، لأن المساقاة موضوعة على أن من رب المال المال، و من العامل العمل، فإذا شرط أن يكون أجرة الاجراء من الثمرة كان على رب المال المال، و العمل معا، و هذا لا يجوز، ثم رده بأن الأقوى الجواز إذا بقي للعامل عمل لما بيناه، انتهى.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن ظاهر إطلاق كلام العلامة هو ترتب الصحة على بقاء شيء من العمل- اللازم للعامل- أعم من أن يكون مما يترتب عليه الزيادة في الثمرة أو لا بأن يكون كمجرد الحفظ لها، و الذي صرح به في المسالك هو ما
367
قدمناه من أنه لا بد من أن يكون مما يحصل به الزيادة في الثمرة، و لا يكفى ما فيه مجرد الحفظ، قال: و لو بقي للعامل ما لا يحصل به مستزاد الثمرة كالحفظ لم تصح، أيضا، لمنافاة وضع المساقاة، كما لو ساقاه و قد بقي من العمل ذلك.
نعم لو جعلا ذلك بلفظ الإجارة مع ضبط المدة صح، انتهى.
و ظاهر ابن فهد في المهذب الاكتفاء بمجرد العمل، كالحفظ و التشميس و الكيس في الظروف و نحو ذلك، و ظاهره جواز المساقاة بمجرد بقاء هذه الأعمال، و الأظهر الأول، فإنه هو المستفاد من الأدلة، و غيره لا دليل عليه و الله العالم.
الثاني [في صحة اشتراط العامل أن يعمل غلام المالك معه]:
قالوا: لو شرط العامل أن يعمل غلام المالك معه جاز، أما لو شرط أن يعمل الغلام لخاص مال العامل ففيه تردد، و الأشبه الجواز.
أقول: هنا مقامان: أحدهما- أن يشترط العامل على المالك عمل غلامه معه في مال المساقات، و ظاهر الأصحاب هو الجواز من غير ظهور مخالف، و انما المخالف فيه بعض العامة، مستندا الى أن يد العبد كيد مالكه، و عمله كعمله، فكما لا يصح اشتراط عمل المالك فكذلك غلامه المملوك له، و لانه مخالف لوضع المساقاة، و هو أن يكون من المالك المال، و من العامل العمل.
و أجيب عن ذلك أولا بأن عمل غلام المالك مال له، فهو ضم مال الى مال، كما أنه يجوز في القراض أن يدفع الى العامل بهيمة يحمل عليها، و الفرق بين الغلام و سيده ظاهر، فان عمل العبد يجوز أن يكون تابعا لعمل العامل، و لا يجوز أن يكون عمل المالك تابعا له، لانه هو الأصل و يجوز في التابع مالا يجوز في المنفرد.
و ثانيا منع حكم الأصل لما عرفت آنفا من جواز أن يشترط العامل على المالك أكثر العمل، فإذا جاز ذلك بالنسبة إلى المالك فمملوكه أولى بالجواز.
و ثانيهما- أن يكون الشرط في عمل الغلام العمل في ملك العامل خاصة،
368
بأن يكون الأرض للعامل بخصوصه لا في مال المساقاة، كما هو المفروض أولا، و ظاهر المحقق و العلامة وقوع الخلاف هنا من أصحابنا، لتردد المحقق في الشرائع في ذلك، و ان رجح الجواز، و كذا العلامة، الا أن شيخنا الشهيد الثاني في المسالك نبه هنا على أن الخلاف في هذا المقام انما هو من الشافعي، و ظاهره أنه لا خلاف بين أصحابنا في الجواز، حيث قال: و المعروف أن المانع من ذلك الشافعي، لكن المصنف (رحمه الله) و العلامة ذكرا المسئلة على وجه يشعر بالخلاف عندنا، و قد تكرر هذا منهما في مواضع كثيرة.
أقول: و فيه تأييد لما قدمناه من أن أصل هذه التفريعات كلها أو جلها انما هي من العامة، حيث أنه ليس لقدماء أصحابنا أثر في ذلك، ثم ان الشيخ تبعهم في ذلك، و اقتفى أثره من تأخر عنه، و وجه الجواز عند أصحابنا أنه وجه سائغ لا مانع من اشتراطه، و لأنه إذا جاز أن يعمل في المشترك بينه و بين مولاه كما في الفرض الأول، فلان يجوز في المختص بطريق أولى.
و وجه المنع أنه شرط عملا في مقابلة عمله، فصار في قوة اشتراط جميع العمل على المالك، و أجابوا عنه بأن فساده ظاهر.
أقول: و يمكن أن يقال: بناء على تعليلاتهم في أمثال هذا المجال بأنه لا يصح ذلك لو فرض أن عمل الغلام أكثر أو مساو لعمل العامل في مال المساقاة لأنه يلزم كون الحصة التي يأخذها العامل بغير عوض، لان عمل العامل قد وقع في مقابلة عمل الغلام في أرضه، فلم يبق له عمل يستحق به الحصة، و يصير عقد المساقاة بلا عوض من جانب العامل، فيلزم بطلانه، و ربما أمكن الجواب بأنه لا مانع من جعل عمل الغلام و ان كثر في مقابلة بعض عمل العامل و ان قل، و تصير الحصة في مقابلة البعض الباقي، و يؤيده الأدلة العامة من وجوب الإيفاء بالعقود و الشروط.
و كيف كان فالركون في أمثال هذه الفروع الى هذه التعليلات لا يخفى ما فيه كما أسلفنا التنبيه عليه في غير مقام مما تقدم، و الله العالم.
369
الثالث [اشتراط العامل على المالك أجرة الأجراء]
- المشهور بينهم أنه لو شرط العامل على المالك أجرة الأجراء بأن يستأجر للعمل أجراء لإعانته، و يدفع الأجرة من الثمرة على وجه يبقى له من العمل ما يحصل به الزيادة في الثمرة، كما تقدم فلا بأس، و قد تقدم في الموضع الأول نقل خلاف الشيخ في هذه المسئلة، و قد عرفت ضعفه.
و لو شرط العامل على المالك بأن يستأجر على جميع العمل بحيث لا يبقى له الا استعمال الاجراء و القيام عليهم، و السمسرة، قال في المسالك: في صحة هذا الشرط وجهان: أحدهما الجواز، لان ذلك عمل تدعو الحاجة إليه، فإن المالك قد لا يهتدى إلى الدهقنة و استعمال الاجراء، و لا يجد من يباشر الأعمال و يأتمنه فتدعوه الحاجة أن يساقى من العرق ذلك لينوب عنه في الاستعمال.
و ثانيهما المنع للشك في أن مثل ذلك يسمى عملا من أعمال المساقاة الذي هو شرط في صحتها، فان المتبادر من أعمالها خلاف ذلك، و العقود انما تكون بتوقيف الشارع، خصوصا في هذا العقد الذي هو على خلاف الأصل، انتهى.
أقول: لا يخفى ضعف الوجه الأول من الوجهين المذكورين، فالعمل على الثاني. و الله العالم.
المقام الخامس في الفائدة
- و الكلام في هذا المقام يقع في موارد:
الأول [في اشتراط أن يكون للعامل جزء مشاع من الحاصل]
- الظاهر أنه لا خلاف في أنه يشترط أن يكون للعامل جزء مشاع من الحاصل ليكون مساقاة كما مر في تعريفها، فهنا شيئان: أحدهما- الحصة، و الثاني- كونها شائعة في مجموع الحاصل، فلو لم تكن شايعة بل كانت معينة كان ذلك اجارة، و ان وقع العقد بلفظ المساقاة لصحة ارتكاب التجوز في هذا الإطلاق و لو لم تكن حصة بالكلية كان العقد باطلا و كذا يبطل لو شرط أحدهما الانفراد بالفائدة و فساد هذا الشرط متفرع على اشتراط التشريك، بمعنى أنه لما كان من شرط المساقاة أن تكون الفائدة شائعة في الحاصل فلو شرطها أحدهما
370
و انفرد بها و ميزها عن الحاصل في نخيل مفردة أو أشجار معينة، خرج ذلك عن وضع المساقاة، و ما بنيت عليه، فيبطل العقد حينئذ، لكن يختلف الحكم في ذلك بين العامل و المالك، فإنه ان كان شرط الفائدة على الوجه المذكور وقع للعامل بطل العقد كما عرفت، و متى بطل لزم أن يكون الثمرة كلها للمالك، و للعامل أجرة المثل حينئذ، كما يأتي بيانه- ان شاء الله- من أن كل موضع حكم بالبطلان فللعامل أجرة المثل، و الوجه فيه أن العامل انما دخل في العمل للحصة المعينة له، و حيث لم تسلم له هنا لظهور بطلان العقد، وجب الرجوع الى أجرة المثل.
و ان كان الشرط المذكور للمالك فالأقوى عندهم أنه لا أجرة له لدخوله في العمل على وجه التبرع، و المتبرع لا أجرة له و لا حصة، كما تقدم نظيره في القراض.
و ربما احتمل ضعيفا استحقاق الأجرة لأن المساقاة يقتضي العوض في الجملة، فلا يسقط بالرضا بدونه، و كذا يبطل لو شرط لنفسه شيئا معينا، و ما زاد بينهما، و كذا لو قدر لنفسه أرطالا أو ثمرة، نخلات معينة.
أقول: و هذا كله مما يتفرع على اشتراط الشيوع في الحصة، و الاشتراك المتفق عليه نصا و فتوى في عقد المساقاة، فإن جميع هذه الصور خارجة عن ذلك، و يؤكد البطلان زيادة على ما عرفت أنه إذا اتفق عدم حصول شيء من الحاصل الا ذلك المقدار المعين فلا يكون للآخر شيء بالكلية.
الثاني [في جواز أن يفرد كل نوع بحصة]
- قالوا: يجوز أن يفرد كل نوع بحصة مخالفة للحصة من النوع الأخر إذا كان العامل عالما بمقدار كل نوع، لان الغرض ثبوت حصة معلومة كيف كان و لو لم يعلم مقدار أحد الأنواع لم يصح، لجهالة الحصة، فإن المشروط فيه أقل الجزئين، قد يكون أكثر الجزئين، فيحصل الغرر، و كذا صرح به في المسالك.
أقول: ظاهر المحقق الأردبيلي (رحمه الله) المناقشة في هذا المقام،
371
حيث قال بعد ذكر عبارة المصنف في هذا المقام: إذا كان في البستان الذي ساقاه عليه أنواع مختلفة من الثمرة و اشترط الثلث من أحدهما، و النصف من الأخر مثلا صح المساقاة، بشرط علم العامل بمقدار كل نوع من تلك الأنواع، و مفهوم الكلام يدل على عدم الصحة لو لم يعلم وجهه للجهالة، و كذا مفهومه الصحة لو لم يكن الحصة مختلفة، بل إذا ساقاه على ذلك البستان بالنصف مثلا صح مطلقا، سواء علم مقدار الأنواع أم لا، و هو مشكل فإن الجهالة واقعة، فلو كانت مانعة من الصحة لمنعت هنا أيضا، و كونه مفهوما من الكلام غير واضح، فلا يبعد عدم الصحة بناء على اعتبار العلم و عدم الجهالة، فتأمل، انتهى و هو جيد.
و كيف كان فالمسئلة لخلوها عن النص لا يخلو الحكم فيها من الاشكال، كغيرها من الفروع التي أكثروا فيها المقال و الأقوال، فإن غاية ما يستفاد من نصوص المساقاة هو الحصة من حاصل ما اشتمل عليه البستان، نوعا واحدا كان أو أنواعا عديدة، علم كل منها على تقدير التعدد أم لم يعلم.
و أما صحة المساقاة مع تعدد الحصة بتعدد الأنواع سواء كانت الأنواع معلومة أو مجهولة فلا دليل عليه، و رجوعه بنوع من الاعتبار في بعض الموارد إلى الأول لا يكفي في الحكم بالصحة، إذ لعل ثمة مانعا لم نهتد اليه، سيما مع عدم الدليل عليه.
و ملخص ذلك الرجوع في صحة العقود و بطلانها الى التوقيف، و الله العالم.
الثالث [لو شرط مع الحصة من النماء حصة من الأصل الثابت]
- قالوا: لو شرط مع الحصة من النماء حصة من الأصل الثابت احتمل الصحة، لعموم الأمر بالوفاء بالعقود،
و المؤمنون عند شروطهم (1)،.
و ان ذلك يجرى مجرى اشتراط شيء غيره من ذهب أو فضة، و هو جائز، و ان ذكروا البطلان نظرا الى أن مقتضى المساقاة جعل الحصة من الفائدة و أن الحصة من الأصول تدخل في ملكه بالشرط المذكور، فلا يكون
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
372
العمل المبذول في مقابلة الحصة واقعا في ملك المالك، و لا واجبا بالعقد، إذ لا يعقل أن يشترط عليه العمل في ملك نفسه.
و الى هذا الوجه مال في المسالك فقال: و القول بالمنع أوجه، و تردد المحقق في الشرائع بعد أن حكم بعدم الصحة، و استشكل في القواعد مع جزمه بالمنع في الإرشاد.
أقول: و الظاهر هو المنع لما ذكر، و زيادة ما قدمناه في سابق هذا المورد.
الرابع [في جواز اشتراط رب الأرض على العامل شيئا]
- قالوا: يجوز أن يشترط رب الأرض على العامل شيئا من ذهب أو فضة، و يجب الوفاء به، الا أن ذلك مكروه، و عللوا الحكم الأول بعموم ما دل على الوفاء بالعقود و الشروط و أنه مع ذلك غير مناف لمقتضى العقد، لأن الثمرة مشتركة بينهما، و هذا شرط زائد، و أما الحكم الثاني فلم أقف لهم فيه على مستند سوى ظهور اتفاقهم عليه.
قال في المسالك: و أما كراهته فهو المشهور بين الأصحاب لا نعلم خلافا في ذلك، ثم نقل عن العامة أنهم أطبقوا على منع هذا الشرط، و أبطلوا به المساقاة، هذا مع سلامة الثمرة و عدم تلفها، فلو تلفت أجمع أو لم تخرج ذلك العام بالكلية، فإن ظاهرهم الحكم بسقوط الشرط المذكور، إذ لو لا الحكم بسقوطه لكان اللازم أكل مال بالباطل، فان العامل قد عمل و لم يحصل له عوض في مقابلة عمله، فكيف يحكم عليه بوجوب الوفاء بالشرط المذكور، فإنه ضرر منفي بالآية و الرواية (1)، و إيجاب استحقاقه بالشرط انما وقع بناء على سلامة الحاصل و أخذه الحصة، على أن ما حكموا به من الصحة في أصل المسئلة غير خال من الاشكال سيما في صورة زيادة ما شرط من الذهب أو الفضة على مقدار الحصة، أو المساواة لاستلزام ذلك لذهاب عمله بغير عوض، و هو خارج عن أفعال العقلاء و معاملاتهم
____________
(1) الوسائل ج 17 ص 341 ح 3.
373
بل ربما أدى ذلك الى الحكم بعدم الرشد، و لعله الى هذا نظر العامة فحرموا ذلك، و أبطلوا به العقد كما تقدم ذكره.
نعم لو كان هناك غرض صحيح يمكن ترتب هذا العمل عليه يتم ما ذكر، و بالجملة فإن عندي في أصل الحكم المذكور أعني صحة هذا الشرط اشكالا لعدم النص الواضح عليه، و ان احتمل ذلك بناء على ما ذكروه من العمومات، الا أنه لخروجه عما هو المعلوم من طريقة أرباب العقول و معاملاتهم المحتمل للسفاهة محل إشكال، أما لو كان هذا الشرط من العامل على المالك مضافا الى الحصة المعينة، فالظاهر أنه لا اشكال فيه، و به صرح الأصحاب أيضا.
و الظاهر أنه لا كراهة فيه أيضا، و بطريق الاولى في ارتفاع الاشكال لو ذهبت الثمرة أو لم تخرج، فإنه بعد العمل و التعب و ذهاب حصته المقررة له لا وجه لسقوط هذا الشرط في حقه، بل الاولى و الأظهر في المعقول و المنقول هو دفعه اليه جبرا لما فاته من ذهاب حصته، و عوضا عن خدمته.
و ربما قيل: بمساواته للأول و هو خيال ضعيف و توهم سخيف لما عرفت من الفرق بين الحالين، و البون بين الصورتين، ثم انه بالنسبة إلى الصورة الاولى لو كان التالف البعض خاصة، فالمختار عندهم عدم سقوط شيء من الشروط، لأصالة العدم، و لان المعتبر حصول عوض العمل، و لا اعتبار بكثرته و قلته، و من ثم لا يسقط من شروط العمل شيء، بتلف بعض الثمرة أو أكثرها.
و نقل عن العلامة في التذكرة أنه قال: يكره أن يشترط أحدهما لنفسه شيئا من ذهب أو فضة، و ان شرط ذلك وجب الوفاء به مع السلامة، و فيه على إطلاقه بحث يعلم مما قدمناه، ثم الظاهر أن ما ذكروه من الذهب و الفضة إنما خرج مخرج التمثيل في المقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام و الله العالم.
الخامس [بطلان المساقاة لو ساقاه بالنصف ان سقى بالنواضح و بالثلث ان سقى بالسيح]
- قال المحقق في الشرائع: و لو ساقاه بالنصف ان سقى بالنواضح و بالثلث ان سقى بالسيح بطلت المساقاة، لأن الحصة لم تتعين و فيه تردد.
374
قال في المسالك: وجه البطلان واضح، لان العمل مجهول، و النصيب مجهول، فهو مثل بعتك بدينار مؤجلا و بنصفه حالا، و يحتمل صحة ذلك لتعيين الحصة على التقديرين، كما تصح الإجارة إذا قال: ان خطته روميا فلك كذا، و ان خطته فارسيا فلك كذا، و من ذلك يظهر منشأ التردد، و الأقوى البطلان، و مسئلة الإجارة ان ثبتت فهي خارجة بدليل خارج، انتهى.
أقول: ما فرضه المحقق (رحمه الله) هنا في المسئلة أظهر مما فرضه العلامة في الإرشاد، حيث قال: «و لو شرط فيما سقت السماء النصف، و فيما سقى بالناضح الثلث، أو شرط مع الحصة جزء من الأصل بطل» انتهى.
فان وجه البطلان على هذا الفرض غير ظاهر، الا من حيث الجهل بكل من النوعين، كما تقدم في المورد الثاني، فمع العلم بكل منهما في الجملة يصح.
و بالجملة فإن هذا الفرض من أفراد تلك المسئلة فلا يكون الحكم كليا، كما هو ظاهر الأصحاب، و به يظهر أن ما فرضه في الشرائع و نحوه فرض المسئلة في القواعد أيضا أظهر.
بقي الكلام في التردد المذكور في الفرض الأول، فإنه لا يبعد أن يقال بالصحة، قوله- ان العمل مجهول، و النصيب مجهول- قلنا: ان أريد الجهل من كل وجه فهو ممنوع، لانه على كل من التقديرين معلوم، و الاختيار إليه في قبول أى العملين أراد، و ان أريد في الجملة أمكن أن يقال: انه غير مانع، لان بناء هذه المعاملة انما وقع أيضا مع المجهولية في الحصة كما صرحوا به، فالجهل في الجملة غير ضائر، و قد تقدم نظيره في مسئلة البيع بثمن مال معجلا بأزيد منه مؤجلا و ان كان المشهور بينهم البطلان ثمة، الا أن الرواية الصحيحة دلت على الصحة، و ان كان فيها اشكال من وجه آخر كما تقدم تحقيقه في المسئلة المذكورة.
و بالجملة فالمسئلة لخلوها من النص الواضح غير خالية من التردد، و الاشكال
375
و ان كان الأقرب هو الصحة، لما ذكرناه، و يؤيده أيضا ما ذكره من صحة الإجارة في أمثال الخياطة، و الله العالم.
الفصل الثاني في الأحكام:
و فيه مسائل
الأولى [لزوم أجره المثل للعامل في كل موضع يحكم فيه بفساد المساقاة]
- المشهور في كلامهم أن كل موضع يحكم بفساد المساقاة فيه فللعامل أجرة المثل، و للمالك جميع الثمرة، أما الثاني فلأنها نماء ملكه، و لم يحصل ما يوجب نقلها أو نقل شيء منها، لظهور فساد العقد الموجب لانتقال الحصة إلى العامل، و أما الأول فلأنه لم يتبرع بعمله، و انما دخل فيه بناء على الحصة المشترطة له، و الحصة لم تسلم له لفساد العقد، فلا بد لعمله من عوض و أجرة، فوجب الرجوع الى أجرة المثل، الا أنه ينبغي تقييده بأمرين: أحد هما- أن يكون جاهلا بالفساد، إذ لو كان عالما به و مع هذا أقدم على العمل كان متبرعا بعمله، و المتبرع لا شيء له شرعا، و ثانيهما أن لا يكون الفساد باشتراط المالك جميع الثمرة له، لانه مع فرض ذلك قد دخل على أن لا شيء له من الثمرة، و ان كان جاهلا يكون ذلك مفسدا للعقد.
و بالجملة فإنه على الفرضين المذكورين قد أقدم على العمل عالما بأنه لا يستحق أجرة و لا حصة، ثم ان ما ذكرناه من وجوب أجرة المثل في صورة الجهل بالفساد و عدم الفساد باشتراط المالك الثمرة لنفسه، هو الظاهر من كلام جل الأصحاب كما أشرنا إليه آنفا.
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني أن الواجب أقل الأمرين من الحصة المشترطة و أجرة المثل، قال بعد الكلام في المسئلة: ينبغي على ما قررناه أن يثبت للعامل أقل الأمرين من الحصة المشترطة، و أجرة المثل، لأن الأقل ان كان هو الأجرة فظاهر، لان فساد العقد أسقط الحصة، فيرجع الى الأجرة، و ان كان الأقل هو الحصة فالعامل أقدم على أن لا يكون له سواها في مقابلة عمله، حتى لو كانت في مقابلة عشر العمل، لكان مسقطا للزائد، فيكون متبرعا بالزائد على هذا التقدير،
376
كما يتبرع على تقدير اشتراط جميع الثمرة للمالك، و على تقدير علمه بالفساد.
ثم قال: و يمكن أن يجاب بالفرق بين الموضعين فإنه على هذا التقدير لم يقدم على التبرع بعمله أصلا، بل كما يحتمل أن يكون الحصة قاصرة عن مقابلة العمل، يحتمل مساواتها له و زيادتها عليه أضعافا مضاعفة، فهو قادم على عمل محتمل للزيادة و النقصان، فليس متبرعا به مطلقا و ان احتمل قصوره في بعض الأحوال، بخلاف العالم و شرط جميع الحصة للمالك، فإنه قادم في ابتداء الأمر على التبرع المحض على كل تقدير.
و هذا الفرق لا بأس به، و ان كان ما اقتضاه البحث متوجها أيضا، و أكثر الأصحاب أطلقوا وجوب أجرة المثل مع الفساد، و فيه تردد، انتهى.
أقول: لقائل أن يقول في تأييد القول المشهور و بيان أنه صحيح عار عن القصور: أن الحصة انما وجبت و تعينت بحيث لا يجوز الزيادة عليها و لا النقصان من حيث اشتراطها في العقد، و لما بطل العقد بطل التعلق بها و الرجوع إليها، و ان كان المالك قد رضى بها في العقد على تقدير صحته، و صار الحكم مبنيا على قاعدة أخرى من كونه عملا موجبا للأجرة، و أن الداخل فيه انما دخل بذلك، و لكن لم تسلم له لظهور استحقاقها أو فسادها فلا بد لعمله من أجرة، و رضى العامل بتلك الحصة على تقدير صحة العقد لا مدخل له هنا، لان تلك المعاملة قد بطلت، و رجعنا الى مسئلة أخرى كما ذكرناه، و هذا حق أوجبه له الشارع، بناء على الغرض المذكور، و رضاه بأقل منه لو كان في تلك المال لا يوجب الحكم عليه به هنا، الا أن يتجدد منه رضا آخر بذلك.
و قد تقدم نظير ذلك في المزارعة في مسئلة ما لو اختلفا في المزارعة أو العارية، بأن ادعى المالك المزارعة و ادعى العامل العارية، و الله العالم.
الثانية [في استيجار المالك أجيرا للعمل بجزء من الثمرة]
- قالوا: إذا استأجر المالك أجيرا للعمل بجزء من الثمرة، فإن كان قبل ظهورها بطلت الإجارة من غير خلاف، لما قرر عند هم من أن عوض
377
الإجارة يجب أن يكون موجودا معلوما كعوض المبيع، و الحال أنه هنا ليس كذلك كما هو المفروض، و جواز ذلك في المساقاة، حيث أنهم قد اتفقوا على جواز العوض فيها مع الجهالة، و عدم الوجود خرج بالنص و الإجماع، مؤيدا بمساس الحاجة الى ذلك، و ان كان بعد ظهورها، فان كان بعد بدو صلاحها جاز بلا اشكال و لا خلاف، و ان كان قبل بدو الصلاح فإنهم بنوا الحكم هنا فيها على جواز نقلها بالبيع في هذه الحال، و قد تقدم الكلام في ذلك في الفصل الثامن في بيع الثمار من كتاب البيع (1) و ذكر الخلاف في جواز البيع مطلقا أو عدم الجواز إلا بأحد أمور ثلاثة ضم ضميمة إليها، أو شرط القطع، أو عامين فصاعدا، و من ثم ان المحقق هنا اختار القول بالجواز بعد ظهورها، و قبل بدو صلاحها، بشرط القطع، حيث ان مذهبه في البيع ذلك، الا أن الواجب عليه كان أن يذكر الضميمة، مضافة الى القطع، و التخيير بينهما كما هو مذهبه ثمة.
و لهذا اعترضه في المسالك بذلك ثم اعتذر عنه بما هو مذكور هناك، و العلامة في القواعد صرح بالجواز مطلقا، فقال: و لو استأجره على العمل بحصة منها أو بجميعها بعد ظهورها، و العلم بقدر العمل جاز، و الا فلا.
و أنت خبير بما في الحكم المذكور من الاشكال لعدم الدليل الواضح في هذا المجال، و الحمل على البيع كما ذكروه محض قياس لا يوافق أصول الشريعة، سيما مع ما قدمنا من الإشكال، في اشتراط القطع في مسئلة البيع.
بقي هنا اشكال آخر أيضا في هذه الصورة على تقدير كون الأجرة جزء من الحاصل، فإنه متى قيل بصحة الإجارة هنا بشرط القطع، و الحال أن الثمرة مشتركة بين العامل و المالك، فإن الشركة تمنع من التسلط على القطع، فيتعذر التسليم لتوقف جواز القطع على اذن الشريك، و من ثم قيل: في هذه الصورة بعدم الصحة، و قيل: بالصحة و هو اختيار المحقق في الشرائع نظرا إلى إمكان
____________
(1) ج 19 ص 325.
378
القطع و التسليم بالاذن، كما في كل مشترك و لو فرض امتناع الشريك من الاذن يمكن اذن الحاكم الشرعي، و الى هذا القول مال الشارح أيضا فحكم بأنه الأصح، أما لو كان الأجرة مجموع الحاصل فإنه لا اشكال لاندفاع المحذور المذكور، و كذا لو اكتفى بالضميمة عن اشتراط القطع كما أشرنا إليه، فإنه يندفع ذلك أيضا، إلا أنك قد عرفت ما فيه من الاشكال.
و كيف كان فإنه يشترط تعيين العمل المستأجر عليه كما هو مقتضى قاعدة الإجارة، و اليه يشير قوله في القواعد «و العلم بقدر العمل» و الله العالم.
الثالثة [إذا قال: ساقيتك على هذا الحائط بالنصف على أن أساقيك على هذا الأخر بالثلث]
- قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: ساقيتك على هذا الحائط بالنصف على أن أساقيك على هذا الأخر بالثلث بطلت، لأنهما بيعان في بيعة، فإنه ما رضي أن يعطيه من هذا النصف الا أن يرضى منه بالثلث من الأخر، و هكذا في البيع إذا قال: بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني عبدك بخمس مأة، فالكل باطل، لان قوله: على أن تبيعني عبدك بخمس مأة، انما هو وعد من صاحب العبد بذلك، و هو بالخيار بين الوفاء به و بين الترك، فإذا لم يف به سقط، و هذا ما رضي أن يبيعه بألف الا أن يشترى منه العبد بخمس مأة، فقد نقصه من الثمن لأجله، فإذا بطل ذلك رددنا الى الثمن ما نقصناه لأجله، و ذلك المردود مجهول، و المجهول إذا أضيف إلى معلوم كان الكل مجهولا، فلهذا بطل و يفارق هذا إذا قال: ساقيتك على هذين الحائطين بالنصف من هذا، و الثلث من هذا، حيث يصح، لأنه صفقة واحدة و عقد واحد، و ليس كذلك هيهنا، لأنهما صفقتان في صفقة، ألا ترى أنه لو قال: بعتك داري هذه بألف على أن تبيعني عبدك بمأة بطل الكل، و لو قال: بعتك داري هذه و عبدي هذا معا بألف، الدار بستمأة و العبد بأربعمائة صح، و كان الفصل بينهما ما مضى، انتهى.
و رده جملة ممن تأخر عنه كالمحقق و العلامة و غيرهما ممن تأخر عنهما بما سيأتي ذكره.
379
و ابن الجنيد عكس الحكم الذي ذكره الشيخ فجوز ما منعه الشيخ، و منع ما جوزه، حيث قال: و لا اختار إيقاع المساقاة صفقة واحدة على قطع متفرقة، بعضها أشق عملا من بعض، الا أن يعقد ذلك على واحدة، و يشترط في العقد على العقد الأخرى.
قال في المختلف بعد نقل كلامي الشيخ و ابن الجنيد: و الوجه عندي جواز جميع هذه العقود في البيع و المساقاة، و قد مضى البيع و بينا صحته، و الشيخ أيضا جوزه في موضع من المبسوط، و هو الحق و لا جهالة هنا.
و قال في المسالك بعد ذكر ملخص كلام الشيخ و كلام ابن الجنيد: و الأقوى صحة الجميع، و نمنع الجهالة التي ادعاها الشيخ، لعموم الأمر بالوفاء بالعقود، و ما يتضمنه من الشرط كالجزء منه، و وجوب الوفاء بالشرط، و لو فرض عدم الوفاء لا يقتضي ذلك رد الناقص من الثمن كما ادعاه، بل يسلط المشروط له على الفسخ، كما في الإخلال بغيره من الشروط.
و أما ابن الجنيد (رحمه الله) فلم يذكر على ما ادعاه دليلا، و مقتضى الأصل جواز الأمرين، معا، انتهى و هو جيد.
و بالجملة فإن مقتضى الأصول و القواعد الشرعية صحة العقد المذكور، مع ما شرط فيه كغيره من العقود المشروطة بشروط سائغة فيصح العقد و يجب الوفاء بالشرط بمعنى أنه يلزم ذلك لوقوعه في عقد لازم، فلو لم يف بالشرط تسلط الأخر على الفسخ على أحد القولين، أو مع عدم إمكان جبره على القيام بالعقد و ما اشتمل عليه من الشرط كما هو القول الأول فيأثم على هذا القول بالإخلال بذلك كما تقدم تحقيقه في كتاب البيع، و أولى منه بالجواز ما منعه ابن الجنيد و الله العالم.
الرابعة- لو كانت الأصول لمالكين فساقيا واحدا
إما بإيقاع العقد منهما معا أو من أحد هما أصالة و وكالة، فلا يخلو إما أن يكون الحصة المشترطة للعامل منهما سواء كالنصف أو الثلث كان يقول أحدهما: ساقيتك على هذه الأصول أصالة و وكالة
380
بنصف حاصلها و لا إشكال في الصحة، سواء علم العامل بقدر حصة كل منهما أم لم يعلم، لان حصته معلومة من الجميع، و الجميع معلوم له أيضا، فلا يضره الجهل بحصة كل منهما أو تكون متفاوتة، بأن شرط له أحدهما النصف، و الأخر الثلث فقال:
ساقيتك من نفسي و عن شريكي على هذه الأصول على أن لك من حصتي النصف و من حصة شريكي الثلث، فلا بد في صحة العقد من علم العامل بحصة كل واحد، لئلا يتجهل حصته لأنه بمنزلة عقدين فلو ساقاه و الحال هذه بطلت المساقاة، و رجعت الثمرة إلى المالكين، و كان للعامل أجرة المثل كما تقدم ذكره.
قال في المسالك بعد البحث في المقام: و لا فرق على تقدير العلم بحق كل واحد بين الاثنين و الزائد عليهما، فلو كان بستانا واحدا بين ثلاثة بالسوية فساقوا عليه واحدا يعلم بقدر النصيب على أن له من نصيب واحد النصف، و من نصيب الثاني الربع، و من نصيب الثالث الثمن، صح، و تصح مسألتهم من أربعة و عشرين مخرج السهام في عدد الشركاء، لكل واحد منهم ثمانية، فللعامل من حصة الأول أربع، و من الثاني اثنان، و من الثالث واحد، و الباقي لهم على التفاوت المقرر، و لو كانت البستان لستة ملاك بالسوية و ساقوا عليه على أن له من نصيب واحد النصف، و من نصيب الثاني الربع، و من الثالث الثمن، و من الرابع الثلثين و من الخامس الثلث، و من السادس السدس، صح و تصح مسألتهم من مائة و أربعة و أربعين لكل واحد منهم أربعة و عشرون فيأخذ العامل ممن شرط له النصف اثنتي عشر، و من الثاني ستة، و من الثالث ثلاثة، و من الرابع ستة عشر، و من الخامس ثمانية، و من السادس أربعة، فيجتمع له تسعة و أربعون، و للمالك خمس و سبعون يتفاوتون فيها على ما تقرر، و طريق بلوغها ذلك أن مخارج الثلاثة الأولى متداخلة يكفي فيها مخرج الثمن و مخارج الثلاثة الأخيرة متداخلة يكفي فيها مخرج السدس، فتبقى ستة و ثمانون، و بينهما موافقة بالنصف تضرب نصف أحدهما في الأخر ثم تضرب المرتفع، و هو أربعة و عشرون في عدد الشركاء، و قس على
381
هذا ما شئت من فروض المسئلة ذكرنا منها هذا القدر للتدرب، انتهى.
الخامسة- إذا هرب العامل بعد العمل، و قبل إتمامه
قالوا: انه لا يصح للمالك الفسخ بمجرد ذلك، لان المساقاة من العقود اللازمة لا تنفسخ بمجرد هرب العامل و لا يتسلط المالك على فسخها فيستصحب اللزوم حتى يثبت الفسخ كما لو امتنع عن العمل مع حضوره، بل للمالك أن يطلبه و يجبره على العمل فان أبى مع حضوره أو تعذر طلبه مع هربه فان حصل من يقوم بالعمل تبرعا و لو كان المالك بنفسه، و الا رفع الأمر إلى الحاكم فيطلبه و يجبره، فان تعذر أخذ من ماله و استأجر عنه، لإتمام العمل، لانه مستحق عليه، فان لم يكن له مال يستأجر بالدين عليه الى وقت الحاصل أو يستأجر من بيت المال قرضا عليه، و لو تعذر جميع ذلك اما لعدم الحاكم، أو لعدم من يعمل له أو لعدم بسط يده، أو لعدم إمكان إثبات الحق عنده، تخير المالك بين فسخ المساقاة دفعا للضرر، و بين إبقائها.
أقول: حيث كان الحكم المذكور غير منصوص لا بالعموم و لا الخصوص فللمناقشة فيما ذكروه مجال، و للقائل فيه مقال، فإنه يمكن أن يتطرق اليه الاحتمال بأن يقال: لو كان العقد يقتضي كون العمل من العامل خاصة أو أنه لا يوجب العمل المشترط من غيره، فينبغي جواز الفسخ للمالك، للزوم الحرج و الضرر لو لم يجز له ذلك، و ان وجد باذل متبرع أو حاكم يعين من يقوم بالعمل فهو ظاهر بل يمكن القول بجواز الفسخ له مع الإطلاق أيضا، خصوصا مع عدم الباذل، و ما ذكروه من التكلفات بالرجوع الى الحاكم و ما أوجبوه على الحاكم كله منفي بالأصل و يؤيده أن حقه ثابت في ذمة العامل، فله أن لا يقبل من غيره، و لا يجب عليه تحصيله من غيره و ان أمكنه، و لأن الحصة انما جعلت له بشرط العمل فإذا امتنع عنه سقط حقه كما قالوا في البيع من أن لأحد المتبايعين الامتناع من حق الأخر على تقدير امتناع ذلك الأخر، و كذا الإجارة.
و يعضده أيضا أن شرط العمل هنا ليس بأقل من الشروط المذكورة في
382
العقود، و هم قد صرحوا بأن فائدة الشرط على تقدير عدم الإتيان به ممن شرط عليه تسلط الأخر على الفسخ.
و بالجملة فإن ما ذكروه من الحكم الذي قدمنا نقله عنهم لا يخلو من شوب الاشكال لما عرفت، ثم انهم قالوا في صورة تخير المالك بين الفسخ و إبقاء العقد مع تعذر العمل- على الوجه المتقدم تفصيله في كلامهم-: انه ان فسخ المالك صارت الثمرة له، و عليه أجرة المثل لذلك العمل الذي عمله العامل قبل هربه، لانه عمل محترم صدر باذن المالك في مقابلة عوض، و قد فات العوض بالفسخ، فيجب قيمته و هو المراد من أجرة المثل.
لكن انما يفسخ إذا كان ذلك قبل ظهور الثمرة، أو بعده إذا لم يمكن بيعها أو بعضها للإنفاق على العمل ان لم يف به، و الا باعها أو بعضها ان أمكن الاجتزاء به، و الا فسخ لزوال الضرر، و لو لم يوجد راغب في البعض مع الاكتفاء به في العمل باع الجميع، و حفظ الباقي للعامل، و ان لم يفسخ- و اختار البقاء على العقد و الحال على ما عرفت فقد اختلف كلامهم هنا، فقيل: ان له أن يستأجر على بقية العمل، و يشهد على ذلك، و يرجع به على العامل، و لو لم يشهد لم يرجع سواء أمكنه الاشهاد أم لم يمكن، لأن الإشهاد شرط في جواز الرجوع، كإذن الحاكم فينتفى بدونه.
و ظاهر المحقق الأردبيلي أنه يرجع أيضا في صورة تعذر الاشهاد دفعا للضرر، و للزوم العقد، و حمل الإطلاق في كلام من قال بهذا القول على التقييد بالإمكان، و المحقق في الشرائع قد جزم هنا بأنه لو لم يشهد لم يرجع، و تردد في الرجوع مع الاشهاد، فقال: و لو لم يفسخ و تعذر الوصول الى الحاكم كان له أن يشهد انه استأجر عنه، و يرجع عليه على تردد، و لو لم يشهد لم يرجع.
قال في المسالك: في توجيه التردد: من لزوم الضرر بدون ذلك، و هو منفي بالآية و الرواية، و من أصالة عدم التسلط على مال الغير، و ثبوت شيء في ذمته بغير أمره أو من يقوم مقامه.
383
أقول: يمكن الجواب بأن الضرر انما نشأ من اختياره عدم الفسخ، و الا فإنه يمكنه إسقاطه بالفسخ، لتسلطه على ذلك.
و قيل: انه يرجع مع تعذر الاشهاد لا مع إمكانه، كما في اذن الحاكم دفعا للحرج و الضرر، و هذا القول لا أعرف له وجها ظاهرا و قيل: انه يرجع مع الإنفاق بنية الرجوع مطلقا أشهد له أم لم يشهد، و اليه مال في المسالك، قال:
و هو الأقوى إذ لا مدخل لشهادة الشاهدين في التسلط على مال الغير و إثبات شيء في ذمته، و لا ولاية لهما على العامل، و انما فائدتهما التمكن من إثبات الحق، و هو أمر آخر و المقتضى لعدم الرجوع هو نية التبرع أو عدم نية الرجوع، و لأصالة عدم الاشتراط، فعلى هذا يثبت حقه في ذمته في ما بينه و بين الله تعالى، و يحتمل قويا قبول قوله بيمينه، لأن الأصل أن الإنسان لا يتبرع بعمل يحصل به غرامة عن الغير، انتهى.
و هو جيد بالنسبة إلى تعليلات باقي الأقوال المذكورة هنا، لكن قد عرفت ما في المسئلة من الاشكال لعدم الدليل الواضح القاطع لمادة القيل و القال، مع ما قدمنا ذكره من الاحتمال، ثم انه على أى من هذه الأقوال متى تحقق الرجوع على العامل فإنه إن أمكن الأخذ منه، و الا أخذ من الحصة التي له، فان زادت على ذلك رد عليه، و ان نقصت كان الباقي دينا عليه يتبع به، و الله العالم.
السادسة [في دعوى المالك أن العامل خان أو سرق أو أتلف]:
قيل: إذا ادعى المالك أن العامل خان أو سرق أو أتلف أو فرط فتلف و أنكر فالقول قوله مع يمينه، و بتقدير ثبوت الخيانة هل يرفع يده أو يستأجر من يكون معه من أصل الثمرة، الوجه أن يده لا ترفع عن حصته من الربح، و للمالك رفع يده عما عداه، و لو ضم المالك إليه أمينا كانت أجرته على المالك خاصة.
أقول: الكلام هنا يقع في مواضع ثلاثة: أحدها- أن ما ذكره من أن القول
384
قول العامل بيمينه هو مقتضى القواعد الشرعية، لأنه في الحقيقة بالنسبة إلى حصة المالك أمين، كعامل القراض، و الأصل عدم ما ادعاه المالك، فيكون القول قول المنكر بيمينه.
قال العلامة في التذكرة انما تسمع دعوى المالك في ذلك كله إذا حرر الدعوى و بين قدر ما خان فحينئذ يقبل قول العامل بيمينه ان لم يكن بينة، و اعترضه في المسالك بأن هذا الكلام منه بناء على أن الدعوى المجهولة لا تسمع، مع أن مذهبه في باب القضاء سماع الدعوى المجهولة.
ثم قال: فلو قلنا بسماعها كما هو الأقوى كفى في توجه الدعوى مجرد دعوى أحد هذه الأمور من غير احتياج الى بيان القدر، و هذه قاعدة ببابها أليق، فلا وجه لتخصيص البحث فيها بهذه الدعوى، انتهى.
و ثانيها ما ذكره من الوجه الجامع بين عدم رفع يده بالكلية، و بين تصرفه في الجميع، كالحال الأولى فإنه جيد، و مرجعه الى تصرفه في حصته خاصة، و لكن لما كانت الحصة شائعة و مشتركة و التصرف فيها مستلزم للتصرف في مال المالك، فإنه يضم إليها المالك أمينا من جهته، و كان الوجه في رفع يده بالكلية، هو ما ذكرنا من أن إثبات يده على حصة يستدعي إثباتها على حصة المالك من حيث الاشتراك، و عدم التمييز، و إثبات يده على حصة المالك غير جائز، بل الواجب رفع يده عنها، و لا يتم ذلك الا برفع يده عن حصته، و ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب، فيجب عليه رفع يده عن حصته من باب مقدمة الواجب.
و رد مع- ظهور مخالفته للقواعد الشرعية
و «أن الناس مسلطون على أموالهم» (1).
- بأن اللازم منه ترجيح أحد الحقين بلا مرجح، و أنه يمكن دفع ذلك بضم المالك للعامل أمينا من جهته.
و ثالثها ما ذكره من أن أجرة النائب على المالك خاصة، و الوجه فيه ظاهر،
____________
(1) البحار ج 2 ص 272.
385
لأنه قائم مقامه في حفظ ماله، و عمله لمصلحته.
و خالف فيه بعض العامة فجعلها على العامل، لأن مؤنة الحفظ عليه، و فيه أن العامل انما يجب عليه العمل، و هو باذل له، و خيانته لا ترفع ذلك، و لا يجوز أن يجعل الأجرة من الأصل، لأن في ذلك حق العامل، فلا يصح بدون اذنه، و الله العالم.
السابعة [في ظهور الأصول المساقى عليها مستحقة للغير]
- لا خلاف في أنه لو ظهرت الأصول المساقى عليها مستحقة للغير، بطلت المساقاة كما صرحوا به، الا أنه يجب تقييده بناء على قولهم بصحة العقد الفضولي بعدم اجازة المالك، لان الغاصب عندهم- داخل في الفضولي كما قدمنا نقله عنهم في كتاب البيع، (1) بل صرح به في المسالك هنا أيضا (فقال: ان المساقى الغاصب- لا يقصر عن كونه فضوليا، فينبغي تقييده بما إذا لم يجز المالك المساقاة، ثم اعترض على نفسه، فقال: لا يقال: ان مثل ذلك لا يتصور فيه إجازة المساقاة مع وقوع العمل له بغير عوض، فكيف ترضى بدفع العوض، و هو الحصة مع ثبوتها له مجانا، ثم أجاب بأن هذا الاستبعاد انما يتم لو كان الظهور بعد تمام العمل، و المسئلة مفروضة في ما هو أعم، فيمكن أن يبقى من العمل ما يؤثر المستحق منه دفع الحصة في مقابلة الباقي، لأن الأغراض لا تنضبط، انتهى و هو جيد لو قلنا بصحة الفضولي.
ثم انه مع الحكم ببطلان المساقاة فإن الثمرة تكون لمستحق الأصل، لأنها نماء ملكه، و لم يحصل الانتقال منه لا في الكل و لا في البعض، و للعامل الأجرة على من ساقاه، لانه استعمله بعوض لم يسلم له، فيجب عليه دفع أجرة المثل، كما تقدم ذكره من أن كل موضع تبطل المساقاة فالواجب أجرة المثل، و يجيء على القول الأخر أقل الأمرين كما تقدم أيضا.
هذا كله مع جهل العامل كما هو مقتضى عنوان المسئلة و سياق الكلام،
____________
(1) ج 18 ص 381.
386
و الا فلو كان عالما بالغصب لم يرجع على المساقي بشيء، و لو هلكت الثمرة كملا أو سرقت فلا شيء للعامل و الفرق بين هلاكها و سرقها و بين استحقاق الغير لها الموجب لاجرة المثل أن ظهور استحقاقها موجب لبطلان العقد و بطلان العقد موجب لاجرة المثل كما عرفت، و أما في صورة هلاكها و سرقها فان العقد صحيح، و العامل شريك المالك بالحصة المقررة له، فإذا تلف ذلك كان على الجميع.
و لو كان ظهور استحقاق الأصول بعد ظهور الثمرة فهيهنا صورتان: الاولى- أن يكون الثمرة باقية، و لا إشكال في وجوب ردها على المالك كما تقدم، الثانية:- أن يتلف الثمرة بعد اقتسامها بين المساقى و العامل، فقيل: بأنه يرجع المالك على كل منهما بما قبضه و أتلفه، و هو المنقول عن الشيخ في المبسوط، و قيل: بأن له مع ذلك الرجوع بالجميع على الغاصب، فيتخير بين الأمرين، و هو اختيار المحقق في الشرائع، و قيل: له مع ذلك الرجوع على العامل بالجميع، فيتخير بين الأمور الثلاثة، و هو اختياره في المسالك، و هذا هو الموافق لقواعدهم في الغصب، من أن كل من وقع يده على المغصوب و تصرف فيه فللمالك الرجوع عليه.
قال في الشرائع: و لو اقتسما الثمرة، و تلف كان للمالك الرجوع على الغاصب بدرك الجميع، و يرجع الغاصب على العامل بما حصل له، و للعامل على الغاصب أجرة عمله، أو يرجع على كل واحد منهما بما حصل له، و قيل: له الرجوع على العامل بالجميع ان شاء، لان يده عارية و الأول أشبه، الا أن يكون العامل عالما به.
و قال في المختلف: إذا ظهر النخل مستحقا بعد أن اقتسما الثمرة و أتلفاها رجع المالك على العامل بنصف الثمرة، لا جميعها، قاله الشيخ في المبسوط، لانه ما قبض الثمرة كلها، و انما كان مراعيا لها حافظا نائبا عن الغاصب، فعلى هذا لو تلفت كلها بغير تفريط فلا ضمان عليه، و الأقرب أن عليه الضمان في الموضعين للجميع و يرجع على الغاصب، لانه غار، انتهى و هو ظاهر في اختياره جواز الرجوع على
387
العامل بالجميع كما اختاره في المسالك.
إذا عرفت ذلك فحجة القول الأول اشتغال ذمة كل منهما بمال المالك، فيرجع على كل منهما بما أتلفه، و عدم رجوعه بالجميع على العامل لما علله به في المختلف، و أما حجة القول الثاني فبالنسبة إلى الرجوع عليهما ما عرفت، و أما الرجوع على الغاصب بالجميع، فلانه الأصل في تلف الجميع من حيث تصرفه بالأخذ منه، و إعطاء العامل منه، و أما عدم رجوعه بالجميع على العامل فلما عرفت من التعليل المذكور في المختلف.
و حجة القول الثالث ما تقدمت الإشارة اليه، و سيأتي بيانه- ان شاء الله تعالى- في كتاب الغصب و ملخصه تخير المالك في الرجوع على كل منهما بالجميع و بالبعض، لان كلا منهما ضامن لجميع الثمرة، بوضع يده عليها، و قوله في تعليل نفى ضمان الجميع عن العامل أنه انما كان راعيا حافظا نائبا عن الغاصب لا يمنع كون يده على الثمرة، و ان كان بطريق النيابة، و السبب الموجب للضمان هو ذلك.
و على هذا فان رجع المالك على الغاصب بالجميع رجع الغاصب على العامل بالحصة التي قبضها و أتلفها، لعدم استحقاقه لها بعد ظهور فساد العقد، و رجع العامل على الغاصب بأجرة المثل مع جهله، و ان رجع بالجميع على العامل رجع العامل على الغاصب بما استهلكه من الثمرة، و بأجرة مثله مع جهله، و مع علمه لا يرجع بالأجرة، و انما يرجع بحصة الغاصب خاصة، و لو رجع على كل منهما بما قبضه، فليس لأحدهما الرجوع على الأخر بشيء من الثمرة، نعم يرجع العامل على الغاصب بأجرة المثل مع الجهل كما عرفت.
بقي هنا صورتان آخران أيضا: و هو أن يتلف الجميع في يد العامل، أو يتلف الجميع في يد الغاصب، قالوا في الاولى: انه لا ريب في رجوعه على العامل بحصة، و كذا يرجع عليه بحصة الغاصب، لانه و ان كان يده عليها يد أمانة بالنظر الى ظاهر الأمر أو لا حيث أنه أمين من جهة المساقى، الا أنه بعد ظهور
388
الغصب فإنه يرجع على الغاصب بما أخذه من المالك، لانه غيره، فيرجع عليه، لغروره له، و في الثانية يترتب على كون يد الغاصب يد أمانة أو يد ضمان؟ فيترتب على كل منهما مقتضاه كما سيأتي- إنشاء الله- تحقيقه في كتاب الغصب.
الثامنة- الخراج في الأرض الخراجية
، و هي المفتوحة عنوة على المالك لأنه بمنزلة الأجرة، بل هو أجرة الأرض مع خلوها عن الشجر، و قد يوضع على الشجر المغروس فيها بواسطة الأرض، لأن حق المسلمين انما هو في الأرض لا في الشجر، حيث انه مال المالك الذي غرسه، الا أن يكون فيها وقت الفتح، فإنه للمسلمين أيضا، و بالجملة فإن الأرض و الأشجار لما كانت ملكا للمالك فجميع ما عليها و ما يحتاجان اليه يلحق بالمالك، و منه الخراج، الا أن يشترط على العامل، أو يشترط كونه بينهما معا، و حينئذ فلا بد من علمهما بقدره، ليصح اشتراطه في العقد اللازم، و لا يتجهل لجهل العوض، و لو زاد السلطان بعد ذلك فهو على المالك، و لا يدخل في الشرط كما تقدم نظيره في المزارعة.
التاسعة [ليس للعامل أن يساقى غيره]
- قالوا: ليس للعامل أن يساقى غيره، أما إذا شرط في متن العقد العمل على العامل بنفسه فظاهر، لوجوب الوفاء بالشرط، و بطلان المشروط بالإخلال بالشرط، و أما مع الإطلاق بأن يكون العمل في الذمة فإنهم عللوا المنع بأن المساقاة انما تصح على أصل مملوك للمساقي و العامل لا يملك الأصول و انما يملك الحصة من الثمرة بعد ظهورها، كما تقدم في تعريفها، و ظهر من أحكامها.
و توضيحه أن في المساقاة تسليطا على أصول الغير، و عملها و الناس يختلفون في ذلك اختلافا زائدا، فليس لمن رضى المالك بعمله و أمانته أن يولى من لم يرضه المالك لذلك، و هذا بخلاف المزارعة كما تقدم ذكره في المطلب الأول من أنها لما كانت من العقود اللازمة الموجبة لنقل المنفعة إلى العامل بالحصة المعينة كان للعامل نقلها الى غيره، لعموم
«الناس مسلطون على أموالهم» (1).
و لا يتوقف ذلك
____________
(1) البحار ج 2 ص 272.
389
على اذن المالك، إذ لا حق له في المنفعة.
نعم تسليم الأرض يتوقف على اذنه الا أن هذا انما يتم فيما إذا كان البذر من العامل، أما لو كان من صاحب الأرض فالأصل أن لا يتسلط عليه الا مالكه، أو من أذن له و هو الزارع.
و ظاهر المحقق الأردبيلي جواز مساقاة الغير هنا، لعموم الأدلة، و عدم المانع إذا فهم الاذن من المالك، فإنه لا فرق بينها و بين المزارعة.
و يظهر من المسالك الجواز فيما لو ظهرت الثمرة، و بقي بسببها عمل يحصل بسببه الزيادة فيها، فان المساقات حينئذ جائزة، و العامل يصير شريكا، الى آخر كلامه.
و كيف كان فالمسئلة عندي محل توقف و اشكال، لخلوها من النص القاطع لمادة القيل و القال، و قد تقدم في مسئلة جواز مزارعة الزارع لغيره ما هو من هذا القبيل و الله الهادي إلى سواء السبيل.
العاشرة [في القول بوجوب الزكاة على من كان البذر منه]
- لا خلاف بينهم في أن الفائدة تملك بالظهور، و أسنده في التذكرة إلى علمائنا، مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، و في المسالك لا نعلم فيه خلافا، و الخلاف فيه من بعض العامة، حيث جعل ملك العامل موقوفا على القسمة.
و الوجه في القول المشهور- زيادة على الإجماع المذكور- أن العقد قد اقتضى كون الثمرة بينهما، لاشتراط ذلك فيه، و صحة العقد و الشرط تقتضي ثبوت مقتضاهما، كغيره من الشروط الصحيحة، فمتى تحققت و ظهرت دخلت في ملكها، و يتفرع على ذلك وجوب الزكاة على من بلغ نصيبه منها نصاب الزكاة، لتحقق شرط وجوب الزكاة، و هو ملك الثمرة قبل تحقق الوجوب و نموها في ملكه.
و نقل الخلاف هنا عن السيد بن زهرة، فإنه أوجب الزكاة على من كان منه البذر، مستندا الى أن الحصة كالأجرة، قال- على ما نقله عنه في المختلف-:
لا زكاة على العامل، لأنه أخذ حصته أجرة.
390
أقول: و بذلك قال أيضا في المزارعة، حيث قال: كل من كان البذر منه وجبت الزكاة عليه دون الأخر، لأن ما يأخذه كالأجرة.
و قال ابن إدريس في كتاب المزارعة من كتاب السرائر: فأما الزكاة فإن بلغ نصيب كل واحد منهم ما يجب فيه الزكاة وجب عليه، لانه شريك مالك، سواء كان البذر منه أو لم يكن، و ليس ما يأخذه المزارع الذي منه العمل دون البذر أجرة، و لا كالأجرة.
و قال بعض أصحابنا المتأخرين في تصنيف له: كل من كان البذر منه وجب عليه الزكاة، و لا تجب الزكاة على من لا يكون البذر منه، قال: لان ما يأخذه كالأجرة، و القائل بهذا القول العلوي أبو المكارم بن زهرة الحلبي، شاهدته و رأيته و كاتبته و كاتبني، و عرفته ما ذكره في تصنيفه من الخطأ، فاعتذره بأعذار غير واضحة، و أبان بها أنه ثقل الرد عليه، و لعمري ان الحق ثقيل كله، و من جملة معاذيره و معارضاته لي في جوابه أن المزارع مثل الغاصب للحب، إذا زرعه، فإن الزكاة تجب على رب الحب، دون الغاصب، و هذا من أقبح المعارضات و أعجب الشبهات، و انما كانت مشورتي عليه أن يطالع تصنيفه و ينظر في المسئلة و يغيرها قبل موته، لئلا يستدرك عليه مستدرك بعد موته، فيكون هو المستدرك على نفسه، فعلت ذلك في علم الله شفقة و سترة عليه و نصيحة له، لان هذا خلاف مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، و شيخنا (رحمة الله عليه) قد حقق المسئلة في مواضع عدة (عديدة) من كتبه، و قال: الثمرة و الزرع نماء على ملكهما، فيجب على كل واحد منهما الزكاة إذا بلغ نصيبه مقدار ما يجب فيه ذلك، و انما السيد أبو المكارم نظر الى ما ذكره شيخنا من مذهب أبي حنيفة في مبسوطه، فظن أنه مذهبنا، فنقله في كتابه على غير بصيرة و لا تحقيق، و عرفته أن ذلك مذهب أبي حنيفة ذكره شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، لما شرح أحكام المزارعة، ثم عقب بمذهبنا
391
و أومأت إلى المواضع التي حققها شيخنا في كتاب القراض و غيره فما رجع و ما غيرها في كتبه، و مات (رحمه الله) و هو على ما قاله نسئل الله له بالغفران و حشره مع آبائه في الجنان، انتهى. كلامه.
و قال العلامة في المختلف بعد نقل ملخص هذا الكلام عن ابن إدريس:
و قول ابن إدريس و ان كان جيدا مستفادا من الشيخ أبى جعفر الا أن قول ابن زهرة ليس بذلك البعد من الصواب.
أقول: الظاهر أن الحامل لشيخنا العلامة (رحمه الله عليه) لنفى البعد عن هذا القول انما هو التحامل على ابن إدريس، و الا فهو في البعد من الصواب أظهر من أن يخفى على سائر ذوي الألباب.
قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك- بعد نقل القول المذكور و نعم ما قال-:
و ضعفه ظاهر، لأن الحصة قد ملكت هنا بعقد المعاوضة، في وقت يصلح لتعلق الزكاة بها، لا بطريق الأجرة، ثم لو سلم كونها كالأجرة فمطلق الأجرة لا تمنع من وجوب الزكاة، بل إذا تعلق الملك بها بعد الوجوب، إذ لو استأجره بزرع قبل بدو صلاحه، أو آجره المالك الأرض بالزرع كذلك، لوجبت الزكاة على مالك الأجرة، كما لو اشترى الزرع كذلك.
نعم لو كان يذهب الى أن الحصة لا يملكها من لا بذر له بالظهور، بل بعد بدو صلاحها و نحوه أمكن ترتب الحكم عليه، لكنه خلاف إجماع الأصحاب، و مع ذلك لا يتم تعليله بالأجرة، بل بتأخر ملكه عن الوجوب، ثم نقل كلام ابن إدريس، و أنه كاتبه الى حلب، و نبهه على فساد قوله و لم يقبل، و أنه مات على ما قاله، ثم نقل كلام العلامة في المختلف، و أن هذا القول ليس بذلك البعد من الصواب، ثم قال: و هو خلاف الظاهر، و الظاهر أن الحامل له على ذلك كثرة تشنيع ابن إدريس عليه، انتهى.
392
تذنيب [في بطلان المغارسة و الحكم المترتب عليه]:
أجمع أصحابنا على بطلان المغارسة، و به قال أكثر العامة أيضا و هي عبارة عن أن يدفع أحد أرضا إلى غيره ليغرسها على أن يكون الغرس بينهما معا، و مستند الأصحاب في البطلان هو عدم ورود نص بجوازها، لان المعاوضات موقوفة على اذن الشارع، و حيث لم يرد فيها كغيرها من العقود المشهورة اذن، لا جرم وجب الحكم ببطلانها.
و تنظر فيه المحقق الأردبيلي (رحمه الله عليه) و تبعه الفاضل الخراساني في الكفاية، بأنه يمكن استفادة ذلك من بعض العمومات، فإنه لو لا الإجماع المدعى لأمكن القول بصحة ذلك، قالوا: و لا فرق بين أن يكون المغروس من مالك الأرض، أو من العامل، و لا بين أن يشترط العامل جزء من الأرض مع حصة من الغرس، و عدمه، و حيث ثبت بطلان المعاملة المذكورة، فالغرس لصاحبه، الا أنه ان كان صاحبه هو صاحب الأرض، فعليه للعامل أجرة مثل عمله، لانه لم يعمل مجانا بل بحصة لم تسلم له، و ان كان صاحبه هو العامل، فعليه لصاحب الأرض أجرة المثل، عوضا عن مدة شغله لها، و لصاحب الأرض قلعه، لبطلان المعاملة، و أنه غير مستحق للبقاء فيها، لكن بالأرش حيث أنه صدر عن اذنه، فليس بعرق ظالم، و ظاهر كلامهم أنه لا فرق في ذلك بين العالم بالبطلان، و الجاهل به.
و أنت خبير بأنه لا يبعد الفرق بين الحالين و تخصيص الحكم المذكور بحال الجهل، و أما مع العلم فإنه لا أجرة للعامل فيما إذا كان الغرس لصاحب الأرض، و لا لصاحب الأرض فيما إذا كان الغرس للعامل، و لا أرش لصاحب الغرس مع علمه، لأن الأول مع علمه ببطلان العقد و أنه لا يستحق الحصة في مقابلة عمله يكون متبرعا بالعمل حينئذ، و مقتضى تعليل وجوب الأجرة بأنه انما عمل لأجل الحصة و لم
393
تسلم له فوجب له الأجرة لا يجري إلا في صورة الجهل، كما هو ظاهر.
و الثاني قد أذن للعامل في التصرف في أرضه بالحصة مع علمه بعدم استحقاقها، فيكون في معنى الاذن بغير عوض، فكيف يستحق عليه أجرة و الحال هذه.
و الثالث فمن حيث ظلمه بالغرس مع علمه بعدم استحقاقه، و في هذا نظر، فإنه إنما غرس بالاذن كما هو المفروض أولا فعرقه ليس بظالم، فيكون مستحقا للأرش.
بقي الكلام في المعنى المراد من الأرش هنا، قال في المسالك: و المراد بالأرش هنا تفاوت ما بين قيمته في حالتيه، على الوضع الذي هو عليه، و هو كونه حال غرسه باقيا بأجرة، أو مستحقا للقلع بالأرش، و كونه مقلوعا لان ذلك هو المعقول من أرش النقصان، لا تفاوت ما بين قيمته قائما مطلقا، أو مقلوعا، إذ لا حق له في القيام كذلك ليقوم بتلك الحالة، و لا تفاوت ما بين كونه قائما بأجرة و مقلوعا لما ذكرنا، فان استحقاقه للقلع بالأرش من جملة أوصافه، و لا تفاوت ما بين كونه قائما مستحقا للقلع، و مقلوعا لتخلف بعض أوصافه أيضا كما بيناه، و لا بين كونه قائما مستحقا للقلع بالأرش و مقلوعا لتخلف وصف القيام بأجرة.
و هذه الوجوه المنفية ذهب الى كل منها بعض، و اختار الثاني منها الشيخ على (رحمة الله عليه) و الأخير فخر الدين فيما ينسب اليه، و الآخران ذكر هما من لا يعتد بقوله، ثم قال: و يجب على العامل مع ذلك أرش الأرض لو نقصت به، و طم الحفر، خصوصا لو قلعه بغير أمر المالك، و قلع العروق المتخلفة عن المقلوع.
تنبيهان:
الأول:
قال في المسالك: لو كان الغرس من مالك الأرض لكن الغارس ركب فيه نوعا آخر كما في شجر التوت و نحوه، فالمركب للغارس ان كان أصله
394
ملكه، و كذا نماؤه مدة بقائه، و عليه مع أجرة الأرش أجرة أصول الغرس أيضا، و للمالك ازالة المركب مع الأرش كما مر، انتهى.
الثاني:
قالوا: لو بذل صاحب الأرض للغارس قيمة الغرس ليكون الغرس له، بأن يبيعه إياه لم يجب عليه القبول، و كذا لو دفع الغارس أجرة الأرض ليبقي غرسه فيها لم يجب عليه القبول، و الوجه في الموضعين واضح، لأنها معاوضة و صحتها موقوفة على التراضي من الطرفين، و الله العالم.
395
كتاب الوديعة
و تحقيق الكلام في هذا الكتاب يقتضي بسطه في بحوث ثلاثة:
البحث الأول [في أحكام الوديعة]
[مشروعية الوديعة بالأدلة الأربعة]
- الوديعة ثابتة بالكتاب و السنة و الإجماع، قال الله تعالى «إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا» (1)، و قال تعالى «فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمٰانَتَهُ وَ لْيَتَّقِ اللّٰهَ رَبَّهُ» (2).
و أما السنة فالأخبار بذلك مستفيضة تكاد تبلغ حد التواتر المعنوي،
فروى في الكافي و التهذيب عن الحسين الشيباني (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: ان رجلا من مواليك يستحل مال بنى أمية و دمائهم و انه وقع لهم عنده وديعة، فقال: أدوا الأمانات إلى أهلها و ان كانوا مجوسيا، فان ذلك لا يكون حتى يقوم قائمنا (عليه السلام) فيحل و يحرم.
أقول: الظاهر أنه لا منافاة بين استحلال أموالهم و دمائهم و بين وجوب أداء الأمانة لهم لما سيظهر لك من تكاثر الاخبار بوجوب أدائها، و ان كان من يحل ماله، كما يشير اليه التمثيل بالمجوس.
____________
(1) سورة النساء- الاية 58.
(2) سورة البقرة- الاية 282.
(3) الكافي ج 5 ص 132 ح 2، التهذيب ج 6 ص 351 ح 114 الوسائل ج 13 ص 222 ح 5.
396
و يحتمل حمل الخبر على عمومه من تحريم أموالهم و دمائهم، و يكون حينئذ خارجا مخرج التقية كما يشير اليه آخر الخبر، و يمكن حمل آخر الخبر بناء على المعنى الأول على أنه يجب أداء الأمانة لهم في ذلك الوقت، و أنه يتغير هذا الحكم بعد ظهوره (عليه السلام) و لا يخلو عن شيء.
و روى في الكافي عن محمد بن مسلم (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) أدوا الأمانات و لو الى قاتل ولد الأنبياء (عليهم السلام)».
و روى في الكافي و التهذيب عن عمر بن أبى حفص (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: اتقوا الله و عليكم بأداء الأمانة، الى من ائتمنكم فلو أن قاتل على بن أبى طالب (عليه السلام) ائتمنني على أمانة لا ديتها اليه.
و عن عمار بن مروان (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في وصية له:
اعلم أن ضارب على (عليه السلام) بالسيف و قاتله لو ائتمنني على سيف و استنصحني أو استشارني ثم قبلت ذلك منه لأديت إليه الامانة».
و عن محمد بن القاسم بن الفضيل (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل استودع رجلا من مواليك مالا له قيمة، و الرجل الذي عليه المال رجل من العرب يقدر على أن لا يعطيه شيئا، و لا يقدر له على شيء و الرجل الذي استودعه رجل خبيث خارجي فلم ادع شيئا، فقال لي: قل له: رده عليه، فإنه ائتمنه عليه بأمانة الله عز و جل».
و روى في الكافي عن عبد الرحمن بن سيابة (5) قال: لما أن هلك أبى سيابة جاء رجل من إخوانه إلى فضرب الباب على فخرجت اليه فعزانى و قال لي: هل ترك أبوك شيئا، فقلت له: لا فدفع الى كيسا فيه ألف درهم و قال:
____________
(1) الكافي ج 5 ص 133 ح 3 الوسائل ج 13 ص 223 ح 6.
(2) الكافي ج 5 ص 133 ح 4، التهذيب ج 6 ص 351 ح 115، الوسائل ج 13 ص 221 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 133 ح 5، التهذيب ج 6 ص 351 ح 116، الوسائل ج 13 ص 223 ح 8.
(4) الكافي ج 5 ص 133 ح 8، التهذيب ج 6 ص 351 ح 117، الوسائل ج 13 ص 223 ح 9.
(5) الكافي ج 5 ص 134 ح 9. الوسائل ج 13 ص 219 ح 6.
397
أحسن حفظها و كل فضلها، فدخلت إلى أمي و أنا فرح فأخبرتها فلما كان بالعشي أتيت صديقا كان لأبي فاشترى لي بضائع سابري و جلست في حانوت فرزق الله فيها خيرا كثيرا، فحضر الحج فوقع في قلبي فجئت إلى أمي و قلت لها: قد وقع في قلبي أن أخرج الى مكة؟ فقالت لي: فرد دراهم فلان عليه، فهيأتها و جئت بها اليه فدفعتها اليه فكأني و هبتها اليه، فقال، لعلك استقللتها فأزيدك، قلت:
لا و لكن وقع في قلبي الحج فأحببت أن يكون شيئك عندك، ثم خرجت فقضيت نسكي ثم رجعت الى المدينة، فدخلت مع الناس على أبى عبد الله (عليه السلام) و كان يأذن إذنا عاما فجلست في مواخير الناس، و كنت حدثا فأخذ الناس يسئلونه و يجيبهم فلما خف الناس عنه أشار الى فدنوت اليه فقال لي: أ لك حاجة؟
فقلت له: جعلت فداك أنا عبد الرحمن بن السيابة فقال لي: ما فعل أبوك قلت:
هلك، فتوجع و ترحم، قال: ثم قال لي: فترك شيئا؟ قلت: لا قال: فمن أين حججت؟ قال: فابتدأت فحدثته بقصة الرجل، قال: فما تركني أفرغ منها حتى قال لي: فما فعلت في الألف قال: قلت: رددتها على صاحبها، قال لي: قد أحسنت و قال لي: إلا أوصيك؟ قلت: بلى جعلت فداك، فقال: عليك بصدق الحديث و أداء الأمانة، تشرك الناس في أموالهم هكذا، و جمع بين أصابعه قال: فحفظت ذلك عنه فزكيت ثلاثمأة ألف درهم».
الى غير ذلك من الاخبار الجارية في هذا المضمار.
و أما الإجماع فقد نقله جملة من الأصحاب منهم العلامة في التذكرة قال:
و قد أجمع المسلمون كافة على جوازها، و تواترت الاخبار بذلك.
أقول: و يؤكد ذلك دلالة العقل و النقل على قضاء حاجة المؤمن و إدخال السرور عليه مع عدم المانع، كما لو لم يثق من نفسه بالحفظ لبعض الأسباب المتوقف عليها ذلك، قال في التذكرة- بعد أن صرح بالاستحباب كما ذكرنا-:
و لو لم يكن هناك غيره فالأقوى أنه يجب عليه القبول، لانه من المصالح العامة.
و بالجملة فإن القبول واجب على الكفاية، ثم استثنى ما إذا تضمن بالقبول
398
ضررا في نفسه أو ماله أو على أحد من إخوانه المؤمنين و لا بأس به
، و قال في التذكرة أيضا: الوديعة مشتقة من ودع يدع: إذا استقر و سكن، أو من قولهم يدع كذا أى يتركه، و الوديعة متروكة مستقرة عند المستودع، و قيل: إنها مشتقة من الدعة، و هي الخفض و الراحة، يقال: ودع الرجل: فهو وديع و و ادع، لأنها في دعة عند المودع، لا تتبدل و لا تتبذل و لا تستعمل، و الوديعة يطلق في العرف على المال الموضوع عند الغير ليحفظه، و الجمع الودائع، و استودعته الوديعة أي استحفظته إياها، و عن الكسائي أو دعته كذا: إذا دفعت إليه الوديعة فقبلها، و أو دعته كذا: إذا دفع إليك الوديعة فقبلتها، و هو من الأضداد و المشهور في الاستعمال المعنى الأول، انتهى.
أقول: قال في كتاب المصباح المنير: و الوديعة: هو فعلية بمعنى مفعولة، و أودعت زيدا مالا، دفعته اليه ليكون عنده وديعة، و جمعها ودائع، و اشتقاقها من الدعة و هي الراحة، أو أخذته منه وديعة، فيكون الفعل من الأضداد، لكن الفعل في الدفع أشهر، و استودعته مالا، دفعته له وديعة يحفظه، و قد ودع زيد بضم الدال و فتحها و داعة بالفتح، و الاسم الدعة و هي الراحة، و خفض العيش و الهاء عوض من الواو، انتهى.
و قد عرفها بعض الفقهاء بأنها الاستنابة في الحفظ، و عرفها في التذكرة بأنها عقد يفيد الاستنابة في الحفظ، و هو أظهر قال: و هي جائزة من الطرفين بالإجماع، و لكل منها فسخه، و لا بد فيها من إيجاب و قبول، فالإيجاب كل لفظ دل على الاستنابة بأي عبارة كان، و لا ينحصر في لغة دون أخرى، و لا في عبارة دون أخرى، و لا يفتقر الى التصريح، بل يكفى التلويح و الإشارة، و القبول قد يكون بالقول، و هو كل لفظ يدل على الرضا بالنيابة في الحفظ، بأي عبارة كان، و قد يكون بالفعل، و هل الوديعة عقد برأسه؟ أو اذن مجرد، الأقرب الأول، انتهى.
399
و بنحو ذلك صرح جملة ممن تأخر عنه منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، حيث قال: مقتضى كونه عقدا تركيبه من الإيجاب و القبول بالقولين، و مقتضى جوازه عدم انحصاره في عبارة، بل يكفى كل لفظ دل عليه، و لا يعتبر فيه التصريح، بل يكفى التلويح و الإشارة المفهمة لمعناه اختيارا، ثم قال بعد قول المصنف (رحمة الله عليه): و يكفى الفعل الدال على القبول، أطلق المصنف و جماعة أنه يكفى القبول الفعلي مع اعترافهم بكونه عقدا نظرا الى أن الغاية منه انما هو الرضا بالاستنابة، و ربما كان الفعل فيه أقوى من القبول، باعتبار التزامه و دخوله في ضمانه لو قصر، بخلاف القبول القولي، فإنه و ان لزمه ذلك شرعا الا أنه ليس صريحا في الالتزام من حيث أنه عقد جائز، فإذا فسخه و لم يكن قبضه لم يظهر أثره و اليد توجب الحفظ الى أن يرده الى مالكه، لعموم
«على اليد ما أخذت حتى تؤدى» (1).
و هذا حسن، الا أن فيه بعض الخروج عن حقيقة العقد، و من ثم ذهب بعض العلماء إلى أنها اذن مجرد، لا عقد، و فرع عليه عدم اعتبار القبول القولي، و آخرون الى أن الإيجاب ان كان بلفظ أو دعتك و شبهه مما هو على صيغ العقود وجب القبول لفظا، و ان قال احفظه و نحوه لم يفتقر الى القبول اللفظي، كالوكالة، و هو كلام موجه.
أقول: لا يخفى أن ما طولوا به الكلام في هذا المقام من أنه لا بد من عقد يشتمل على الإيجاب و القبول و الخلاف في القبول بكونه قوليا أو فعليا، و كذا الخلاف بكونه عقدا أو إذنا كله تطويل بغير طائل، إذ لا يظهر له عند التأمل و التحقيق ثمرة و لا حاصل، و الأمر في ذلك معروف بين جملة الناس من عالم و جاهل، فإنه لا خلاف و لا إشكال في أن من قصد غيره بمال ليودعه عنده، و جرى بينهما من الكلام ما يدل على الرضا بذلك، من الطرفين بحيث لا يتوهم كونه هدية و لا عطية و لا بيعا، و لا نحو ذلك ترتب عليه أحكام الوديعة شرعا، سواء
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 504 ح 12.
400
سمى ذلك عقدا أو إذنا أو غير ذلك، و لا فرق أيضا في ذلك بين أن يكون الدال على المراد من ذلك لفظا أو فعلا إذا اقترن بما يدل على المراد.
و بالجملة فالظاهر أنه يكفى ما يدل على الاستنابة و قبولها مطلقا، و أنها مجرد الاذن في النيابة، و أنه ما لم يقبض أو يقبل بما يفيد القبول لم يدخل في الضمان و الا فإنه يلزم الضمان، و ليس في النصوص زيادة على ما ذكرنا عين و لا أثر و كيف كان فتحقيق الكلام في المقام يقع في مواضع
الأول [في الصور الخمسة المتصورة في طرح الوديعة عنده]
- إذا طرح الوديعة عنده فهيهنا صور:
الاولى- أن يطرحها عنده و لا يحصل منه ما يدل على الاستنابة في الحفظ، و لم يحصل من الأخر ما يدل على القبول، و لا إشكال في عدم ثبوت الوديعة، و لا في عدم وجوب الحفظ.
الثانية- الصورة بحالها و لكن حصل القبول القولي من الأخر، و حكمها كسابقها، فإنه بمجرد الطرح ما لم يضم الى ذلك كونه وديعة، لا يستلزم وجوب الحفظ، و لا الضمان.
الثالثة- الصورة الأولى بحالها، و لكن قبضه الأخر و لا ريب أنه لا يصير وديعة، و لكن يجب حفظه، و يضمنه لخبر
«على اليد ما أخذت حتى تؤدى» (1).
الرابعة- أن يطرحه و يضم الى ذلك ما يدل على قصد الإيداع، و يحصل القبول من الأخر قولا أو فعلا، و لا ريب في ثبوت كونه وديعة، فيجب الحفظ، و يضمن مع التفريط.
الخامسة- الصورة بحالها و لكن لم يحصل من الأخر ما يدل على القبول لا قولا و لا فعلا، و لا ريب في أنها لا تصير وديعة، و لا يجب عليه حفظها حتى لو ذهب و تركها لم يضمن، الا أنهم صرحوا بأنه لو كان ذهابه بعد أن غاب المالك فإنه يأثم لوجوب الحفظ عليه من باب المعاونة على البر، و اعانة المحتاج، فيكون
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 504 ح 12.
401
من باب الواجبات الكفائية، و فيه ما فيه.
ثم انه بالنسبة إلى الصورة الرابعة المشتملة على تحقق الوديعة لو ذهب المستودع بعد طرح الوديعة و المالك حاضر، فإنه جزم في التذكرة بأن ذلك رد الوديعة، و لو كان المالك غائبا ضمن.
قال في المسالك: و يشكل تحقق الرد بمجرد الذهاب عنها، مع حضور المالك، لأصالة بقاء العقد، و كون الذهاب أعم منه ما لم ينضم إليه قرائن تدل عليه، و هو جيد من حيث التعليل الثاني.
أما الأول أعني الاستناد إلى أصالة العقد فهو ضعيف، لما أشرنا إليه آنفا من أنه لا عقد هنا.
و أما الثاني فإنه جيد، لانه لما ثبت كونه وديعة كما هو المفروض فالأصل البقاء على حكمها حتى يثبت ما يوجب فسخها، و ذهاب المستودع لا يدل عليه، لأنه أعم من ذلك، و العام لا يدل على الخاص، إذا عرفت فاعلم أن ظاهر الفاضل الخراساني في الكفاية المناقشة في الصورة الثانية و الثالثة مدعيا حصول الوديعة بمجرد الطرح، فان ظاهر وضع المال عنده أن غرض المالك الاستنابة في الحفظ و ان لم يقل لفظا يدل عليه، و الظاهر أنه لا يعتبر في إيجاب الوديعة لفظ، بل يكفى ما يدل على الرضا مطلقا، فلا حاجة الى انضمام أمر آخر يدل على الاستنابة في حفظه.
أقول: لا ريب أن مجرد الطرح أعم مما ذكره، و العام لا دلالة له على الخاص نعم ان انضم الى ذلك قرينة حالية أو مقالية تفهم قصد الوديعة فالأمر كذلك و نحن لا نوجب لفظا مخصوصا و لا فعلا مخصوصا، و لكن لا بد من شيء يفهم منه قصد الوديعة، و مجرد الطرح لا يفيده كما عرفت.
الثاني- لو أكره على قبض الوديعة
لم تصر وديعة، و لا يجب عليه حفظها و لا ضمانها، مع احتمال حفظها، كل ذلك لمكان الإكراه.
402
و استثنى شيخنا الشهيد الثاني (رحمه الله عليه) في الروضة أن يكون المكره مضطرا إلى الإيداع، قال: فيجب عليه إعانته عليه كالسابق، و أشار به الى ما قدمنا ذكره في الصورة الخامسة.
نعم لو وضع يده عليها بعد زوال الإكراه مختارا، فإنه يجب عليه حفظها، باليد الجديدة، لخبر
«على اليد ما أخذت» (1).
لا من حيث الإكراه، و هل تصير بذلك وديعة أم أمانة شرعية؟ قال في المسالك: يحتمل الأول، لأن المالك كان قد أذن له، و استثنا به في الحفظ، غايته أنه لم يتحقق معه الوديعة، لعدم القبول الاختياري، و قد حصل الان، و المقاربة بين الإيجاب و القبول غير لازمة، و من إلغاء الشارع ما وقع سابقا فلا يترتب عليه أثر، و يشكل بأن إلغائه بالنظر الى القابض لا بالنظر الى المالك.
ثم قال: و يمكن الفرق بين وضع اليد اختيارا بنية الاستيداع، و عدمه، و يضمن على الثاني، دون الأول، إعطاء لكل واحد حكمه الأصلي، انتهى.
أقول: و المسئلة لخلوها من النص لا تخلو من الاشكال، و ان كان ما ذكره أخيرا من التفصيل لا يخلو من وجه، و الله العالم.
الثالث [وجوب حفظ الوديعة و عدم الدرك مع عدم التفريط]
- قال بعض المحققين: إذا استودع وجب عليه الحفظ، و لا يلزمه دركها لو تلفت من غير تفريط، أو أخذت منه قهرا نعم لو تمكن من الدفع وجب و لو لم يفعل ضمن، و لا يجب تحمل الضرر الكثير بالدفع، كالجرح و أخذ المال، و لو أنكرها فطولب باليمين ظلما جاز الحلف صوريا ما يخرج به عن الكذب، انتهى.
أقول: و تفصيل هذا الإجمال و بيان ما اشتمل عليه هذا المقال يقع في موارد
أحدها [دليل وجوب الحفظ]
أن ما ذكره من وجوب الحفظ عليه متى استودع أى قبل الوديعة مما لا ريب فيه، و يدل عليه الاخبار المتقدمة الدالة على وجوب أداء الأمانة،
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 504 ح 12.
403
فإنه لو لا وجوب حفظها لم يجب أداؤها، و ذلك أنه متى رخص له في إهمالها و عدم حفظها كيف يترتب عليه وجوب الأداء و يدل عليه أيضا ما يأتي- ان شاء الله- من الاخبار الدالة على وجوب الضمان مع مخالفة أمر المالك في الحفظ أو الرد، و وجوب الحفظ عليه ما دام مستودعا لا مطلقا، لأن الوديعة من العقود الجائزة التي لهما فسخها متى أرادا، و الواجب حينئذ هو ردها أو حفظها، فيصدق وجوب الحفظ في الجملة من حيث أنه أحد فردي الواجب المخير.
و اعلم أنه قد قسموا القبول الذي يتفرع عليه حكم الحفظ إلى أقسام،- فمنه ما يكون واجبا كما إذا كان المودع مضطرا الى الاستيداع، فإنه يجب على كل قادر على ذلك واثق من نفسه بالحفظ قبول ذلك منه كفاية، و لو انحصر في واحد كان واجبا عليه عينا، و وجوب الحفظ على هذا واضح كفاية أو عينا، و قد يكون مستحبا كما في الصورة المذكورة، الا أن المودع غير مضطر لما فيه من المعاونة على البر، و قضاء حوائج المؤمنين.
و قد يكون محرما كما إذا كان عاجزا عن الحفظ، أو غير واثق من نفسه بالأمانة لما فيه من تعريض مال الغير الى الذهاب، و التعرض للتفريط المحرم، و مثله ما لو تضمن القبول ضررا على المستودع في نفسه أو ماله أو بعض المؤمنين، و بهذا التقسيم يظهر وجوب الحفظ و عدمه، و أما كيفية الحفظ فسيأتي الكلام فيه ان شاء الله تعالى.
و
ثانيها [دليل عدم الدرك مع عدم التفريط]
- ما ذكره من أنه لا درك عليه مع عدم التفريط، فالظاهر أنه إجماعي نصا و فتوى، فمن الأخبار الدالة على ذلك ما رواه
المشايخ الثلاثة عن الحلبي في الصحيح أو الحسن (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «صاحب
____________
(1) الكافي ج 5 ص 238 ح 1، التهذيب ج 7 ص 179 ح 3، الفقيه ج 3 ص 193 ح 1، الوسائل ج 13 ص 227 ح 2.
404
الوديعة و البضاعة مؤتمنان».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن زرارة (1) في الصحيح أو الحسن قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وديعة الذهب و الفضة فقال: كل ما كان من وديعة و لم تكن مضمونة لا تلزم».
و المراد بقوله لم يكن مضمونة أى لم يشترط المستودع فيها الضمان لمن أودعه إياها، فإنه لا يلزمه، غرمها.
و عن إسحاق بن عمار (2) في الموثق قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل استودع رجلا ألف درهم فضاعت فقال الرجل: كانت عندي وديعة، و قال الأخر أنها كانت عليك قرضا، فقال: المال لازم له الا أن يقيم البينة أنها كانت وديعة».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (رحمة الله عليهم) بأسانيدهم و فيها الصحيح و غيره عن محمد بن مسلم (3) «عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: سألت عن الرجل يستبضع المال فيهلك أو يسرق، أعلى صاحبه ضمان؟ فقال: ليس عليه غرم بعد أن يكون الرجل أمينا».
و ما رواه (4)
في التهذيب و الفقيه في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل استأجر أجيرا فأقعده على متاعه فسرق؟ قال:
هو مؤتمن».
الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة، و قد تقدمت جملة منها في الكتب المتقدمة.
و
ثالثها [في عدم الضمان لو أخذت الوديعة منه قهرا]
- ما ذكره من عدم الضمان عليه لو أخذت منه قهرا، و الظاهر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 239 ح 7، التهذيب ج 7 ص 179 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 239 ح 8، التهذيب ج 7 ص 179 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 238 ح 4، التهذيب ج 7 ص 184 ح 15، الفقيه ح 4092.
(4) التهذيب ج 7 ص 184 ح 14، الفقيه ج 3 ص 194 ح 2.
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 228 ح 4 و ص 232 ب 7 و ص 237 ح 8 و ص 227 ح 2.
405
أنه لا اشكال فيه، سواء كان قد تولى الظالم أخذها من يده أو من مكانها التي كانت فيه، أو قهره على الإتيان بها فدفعها اليه، لانتفاء التفريط في كل من الحالين و حينئذ فيرجع المالك على الظالم بالعين أو العوض: و نقل في المختلف عن أبى الصلاح أنه يضمن إذا سلمها بيده و ان خاف التلف، و لا ريب في ضعفه.
و هل للمالك الرجوع على المؤتمن في الصورة الثانية، من حيث أنه باشر تسليم مال الغير الى غير مالكه، بمعنى أنه يتخير في الرجوع على أيهما شاء؟ استقرب العلامة في التذكرة ذلك على ما نقله عنه في المسالك، قال:
و على هذا فمعنى عدم ضمانه أنه لا يستقر عليه، بل يرجع بما غرم على الظالم، و احتمله في المسالك أيضا الا أنه قال: و الأقوى عدم جواز مطالبته، لعدم تفريطه و لأن الإكراه صير فعله منسوبا الى المكره، و لانه محسن فلا سبيل عليه، و التسليم باذن الشارع، فلا يستعقب الضمان، انتهى.
أقول: و هذا الاحتمال الذي استقربه في التذكرة يرجع الى ما قدمنا نقله عن أبى الصلاح، و ما ذكره في المسالك في رده جيد، يمكن تأييده بما تقدم في كتاب المزارعة
عن حديث سعيد الكندي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى أجرت قوما أرضا فزاد السلطان عليهم، قال: أعطهم فضل ما بينهما، قلت:
أنا لم أظلمهم و لم أزد عليهم، قال: انهم انما زادوا على أرضك».
فإنه ظاهر في أنه و ان كان الظالم انما ظلم أولئك و أخذ من مالهم لكن لما كان منشأه الأرض المذكورة حكم (عليه السلام) بذلك على المالك، و مثله ما لو طلب الظالم ما لا في ذمته لزيد بقصد الظلم لزيد، فان مقتضى الخبر أنه لا يرجع زيد بما أخذه الظالم على من كان المال في ذمته، فبطريق الاولى لا يرجع فيما نحن فيه من حيث قبضه عين الامانة.
و بالجملة فالظاهر عندي ضعف ما نقل عن العلامة من قرب القول المذكور
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 208 ح 61، الوسائل ج 13 ص 211 ح 10.
406
نعم لو كان الأمين هو الساعي بها الى الظالم، و لم يقدر بعد ذلك على دفعه، فإنه لا يبعد ضمانه من حيث تفريطه في الحفظ بالسعاية اليه، و بذلك صرحوا جازمين بالحكم المذكور، بخلاف ما لو كان السعاية من غيره، أو علم بها الظالم من غير سعاية أحد.
قالوا: و مثله ما لو أخبر اللص بها فسرقها و هو ظاهر فيما لو أخبره بمكانها، أما لو أخبره بها في الجملة فإن ظاهر العلامة في التذكرة: أنه لا يضمن.
قال في المسالك بعد نقل ذلك عنه: و يشكل مع كونه سببا في السرقة لانه تفريط نعم لو لم يقصدها اللص فاتفقت مصادفته لها توجه ذلك، و هذا بخلاف الظالم، فإنه بعمله يضمن مطلقا، و الفرق أن الظالم إذا علم بها أخذها قهرا و السارق لا يمكنه أخذها إلا إذا علم موضعها، انتهى.
أقول: و ما ذكره في الفرق يرجع الى ما قدمناه من أنه لا يضمن في صورة إخبار السارق الا مع اخباره لمكانها فلا وجه لما ذكره من الاستشكال و دعوى الضمان بكونه سببا في السرقة و أنه تفريط، فان ذلك لا يتم الا مع الاعلام بالمكان كما لا يخفى، و بما ذكرناه في المقام يعلم ما في كلام بعض مشايخنا الاعلام من متأخري المتأخرين الكرام في بعض أجوبة مسائله من الغفلة في المقام، حيث سأله السائل بما صورته إذا سأل الجائر هل عندك وديعة لفلان أم لا؟ فقال: نعم فأنفذ إلى داره و أخذها، فهل يضمن الودعي أم لا؟ فان اعتذر بأن خاف الكذب فهل يعذر أم لا؟
فأجاب بما صورته أقول: هنا مسألتان: أما الاولى فلا يضمن الودعي بمجرد اخباره- إذا لم ينقلها اليه و ان كان السبب في إتلافه إخباره بها- لكنه فعل محرما لإعانته على المعصية، لأن الدال على الشر كفاعله، و أما الثانية فالكذب هنا غير حرام بل واجب، لحفظ مال المسلمين من التلف، و قد ورد في الحديث أن الله يبغض الصدق في الإفساد كما يحب الكذب في الإصلاح، انتهى.
فان فيه كما عرفت من كلامهم أنه متى كان هو الساعي بها الى الظالم و السبب
407
في أخذها فإنه يكون ضامنا، و لا ريب أنه في اخباره الظالم بذلك بعد سؤاله له يكون قد سعى بها اليه.
و يؤكده أيضا ما ذكروه و سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى من أنه لو يتمكن من الدفع وجب، و لو لم يفعل ضمن، فإنه إذا كان يضمن بعدم الدفع عنها لكونه مستلزما للتفريط في حفظها، فلان يضمن مع اخباره بها بطريق أولى، الا أنى لم أقف في الحكم المذكور على نص بالخصوص يوجب الضمان في الصورة المذكورة، و ان كان ظاهر كلامهم الاتفاق على ذلك، و لعل المستند فيه صدق التفريط بذلك و النصوص قد دلت على الضمان معه، و ظاهر كلامه تخصيص الضمان بصورة نقلها اليه و دفعها بيده دون السعى بها.
و بالجملة فالظاهر أن كلامه هنا ناش عن الغفلة عن مراجعة كلام الأصحاب و إعطاء التأمل حقه في الباب، و الله العالم.
و
رابعها [في وجوب دفع الظالم عن الوديعة مع التمكن]
- ما ذكره من أنه لو تمكن من الدفع وجب، أى تمكن من دفع الظالم عن الوديعة، و لا إشكال في وجوبه، لوجوب الحفظ عليه كما تقدم، فيجب كلما توقف عليه، فلو أهمل مع قدرته على ذلك ضمن بالتقريب المتقدم، سواء كان الدفع بالاختفاء و التواري عن الظالم، أو التوسل الى ذلك بالوسائل، و لو توقف ذلك على دفع المال منها أو من غيرها بحيث لا يندفع بدونه عادة، قال في المسالك: الأقرب جوازه، و يرجع به على المالك ان لم يمكن استيذانه قبل الدفع، أو استيذان وليه، و عدم نية التبرع و لو ترك الدفع عنها ببعضها مع إمكانه ضمن، ما يزيد عما يدفعه به لا الجميع لان مقدار المدفوع ذاهب على التقديرين انتهى.
و أشار بقوله: و لا يجب تحمل الضرر الكثير بالدفع كالجرح و أخذ المال إلى أنه لو كان الضرر قليلا وجب تحمله في دفع الظالم الا أن فيه ان ذلك مما يختلف باختلاف إقدار الناس و مراتبهم، فرب رجل لمزيد شرفه و رفعة قدره
408
يكون الكلمة اليسيرة من الأذى ضررا كثيرا في حقه، و رب رجل لا يكون الضرر في حقه لمهانته و ضعته ضررا كثيرا، الا أن يقيد بذلك فيكون المعتبر ما كان ضررا كثيرا بالنسبة إلى المؤتمن لا مطلقا، و الأظهر حمل الضرر على ما كان كذلك في حد ذاته عرفا لا بالنسبة إلى المؤتمن، فلا يجوز له و ان كان شريفا على المرتبة دفع الوديعة بمجرد كلمة تؤذيه و ان كانت ضررا كثيرا بالنسبة إليه كما تقدم، و يؤيده أنه الا وفق بالاحتياط لبراءة الذمة.
و
خامسها [في وجوب اليمين إذا توقف الحفظ عليها]
- ما ذكره من أنه لو أنكرها و طولب باليمين الى آخره، فإنه جيد إذ لا ريب في أن حفظ الامانة واجب عليه و هو موقوف هنا على هذه اليمين الكاذبة، و الاخبار قد دلت على جوازها في أمثال هذا المقام فإذا أبيحت في أمثال ذلك كانت هنا واجبة، لتوقف الواجب، و هو الحفظ عليها من باب مقدمة الواجب، الا أنهم ذكروا أنه يوري في يمينه للتحرز عن الكذب ان أمكن و عرفها، و الا حلف من غير تورية، و علله في المسالك قال: لانه و ان كان قبيحا الا أن ذهاب حق الأدمي أشد قبحا من حق الله تعالى في اليمين الكاذبة فيجب ارتكاب أخف الضررين.
و فيه نظر لأنا نمنع ما ذكره من قبح اليمين في هذه الحال، بعد اذن الشارع بها، و هو قد اعترف أيضا بذلك بعد هذا الكلام، فقال: لان اليمين الكاذبة عند الضرورة مأذون فيها شرعا كمطلق الكذب النافع، و حينئذ فأي وجه للقبح بعد الإذن الشرعي فيها.
و كيف يكون قبيحا مع كونه واجبا كما صرح به هو و غيره في المقام، و الا لزم اجتماع القبح و الحسن و الضرر و النفع في شيء واحد، فيلزم الذم و المدح و الثواب و العقاب في شيء واحد، و هو محال. و كون الكذب قبيحا في حد ذاته لا يستلزم كونه هنا قبيحا بعد ما عرفت.
و من الاخبار التي تدل على ما ذكرنا هنا من أرجحية اليمين الكاذبة
409
و مشروعيتها ما رواه
في الكافي و التهذيب في الحسن عن أبى الصباح الكناني (1) قال: «و الله لقد قال لي جعفر بن محمد (صلوات الله عليه): الى أن قال: ثم قال: ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة»،.
و روى في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): التقية في كل ضرورة و صاحبها أعلم بها حين نزل به».
و روى في الفقيه و التهذيب عن السكوني (3) «عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن على (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): احلف بالله كاذبا و نج أخاك من القتل».
و روى في الفقيه بسنده الى ابن بكير عن زرارة (4) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) نمر بالمال على العشار فيطلبون منا أن نحلف لهم و يخلون سبيلنا و لا يرضون منا الا بذلك: قال فاحلف لهم فهو أحلى من التمر و الزبد».
و روى فيه أيضا بسنده عن الحلبي (5) قال: «سألته عن الرجل يحلف لصاحب العشور يحرز بذلك ماله؟ قال: نعم».
و ما رواه
في الكافي عن محمد بن مسعود الطائي (6) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): ان أمي تصدقت على بدار لها أو قال: بنصيب لها في دار، فقالت لي: استوثق لنفسك فكتبت انى اشتريت و أنها قد باعتني و أقبضت الثمن فلما ماتت قال الورثة: احلف أنك اشتريت و نقدت الثمن، فان حلفت لهم أخذته،
____________
(1) الكافي ج 7 ص 442 ح 15، التهذيب ج 8 ح 1052، الوسائل ج 16 ص 162 ح 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 230 ح 15 الوسائل ج 16 ص 163 ح 7.
(3) الفقيه ج 3 ص 235 ح 41، التهذيب ج 8 ص 300 ح 103، الوسائل ج 16 ص 162 ح 4.
(4) الفقيه ج 3 ص 230 ح 14، الوسائل ج 16 ص 163 ح 6.
(5) الفقيه ج 3 ص 231 ح 21، الوسائل ج 16 ص 163 ح 8.
(6) الكافي ج 7 ص 32 ح 17. الوسائل ج 13 ص 301 ح 5.
410
و ان لم أحلف لهم لم يعطوني شيئا، قال: فقال: فاحلف و خذ ما جعلت لك»،.
و نحو هذا الخبر ما رواه في التهذيب و الفقيه عن محمد بن أبى الصباح (1) عن أبى الحسن.
و أما ما يدل على جواز التورية في اليمين فهو ما رواه
في الكافي عن صفوان (2) في الصحيح أو الحسن قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يحلف و ضميره على غير ما حلف عليه؟ قال: اليمين على الضمير».
رواه في الفقيه عن إسماعيل بن سعد الأشعري (3) عن أبى الحسن الرضا مثله، ثم قال: يعنى على ضمير المظلوم، كأنه بنى على ما يظهر من الخبر الاتى الا أن الظاهر عندي أنه أريد بذلك جواز التورية، و ان كان في غير مقام الظلم.
و ما رواه
في الكافي عن مسعدة بن صدقة (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) و سئل عما يجوز و عما لا يجوز في النية على الإضمار في اليمين، فقال: قد يجوز في موضع، و لا يجوز في موضع آخر، فأما ما يجوز فإذا كان مظلوما فما حلف عليه و نوى اليمين فعلى نيته، و أما إذا كان ظالما فاليمين على نية المظلوم».
و الظاهر أن المراد منه أن التورية انما تصح في حال كونه مظلوما، و أراد الحلف للنجاة من الظالم كما هو محل البحث في المقام، و أما لو كان ظالما و أراد الحلف لإثبات ما يدعيه ظلما فان التورية لا ينفع هنا، و لا تدفع عنه ضرر اليمين دنيا و آخرة، بل تصير يمينا كاذبة بالنظر الى نية المظلوم.
و كيف كان فإنه متى ترك الحلف عند توقف حفظ المال عليه فأخذه الظالم فإنه يضمنه لما عرفت من حصول التفريط بذلك، و به صرح الأصحاب أيضا و الله العالم.
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 138 ح 27، الفقيه ج 4 ص 183 ح 24، الوسائل ج 16 ص 211 ح 1.
(2) الكافي ج 7 ص 444 ح 3، الوسائل ج 16 ص 179 ح 2 من باب 20.
(3) الفقيه ج 3 ص 233 ح 30، الوسائل ج 16 ص 179 ح 1 من باب 20.
(4) الكافي ج 7 ص 444 ح 2، الوسائل ج 16 ص 179 ح 1 من باب 20.
411
الرابع [في بطلان الوديعة بالموت و الجنون و الإغماء]
- الظاهر أنه لا خلاف بينهم في أن الوديعة كما تبطل بالفسخ تبطل بالموت و الجنون و الإغماء من أحد الطرفين، أما على القول بكونها إذنا فواضح، و أما على القول بكونها عقدا كما هو المشهور فلانه لا خلاف بينهم في كونه من العقود الجائزة و من شأن العقود الجائزة البطلان بذلك كالوكالة و نحوها، لخروج كل منهما عن أهلية التكليف بحصول أحد هذه الأسباب الثلاثة، و لان المال انتقل الى الغير بالموت فلا يصح التصرف فيه الا بإذن المالك، و هو الوارث، و في الجنون و نحوه قد خرج عن أهلية التكليف، و صلاحية الاذن، و التصرف فهو في معنى الميت، و متى ثبت البطلان كانت أمانة شرعية يجب ردها الى المالك فورا، فان اتفق أحد هذه الأسباب للمودع وجب على المستودع المبادرة إلى ردها الى المالك في صورة الفسخ، و الى الوارث في صورة الموت و الى الولي و الحاكم في صورة الجنون و الإغماء، و ان اتفق ذلك للمستودع وجب ردها الى المالك في صورة الفسخ و الى الولي و الحاكم في صورة الجنون و الإغماء و على الوارث في صورة الموت قالوا: و معنى كونها أمانة شرعية بعد ذلك لحصولها في يده بغير اذن المالك، لكنها غير مضمونة عليه لإذن الشارع في وضع اليد عليها الى أن يردها على وجهه، و من حكم الأمانة الشرعية وجوب المبادرة بردها على الفور الى المالك، أو من يقوم مقامه، فإن أخر عن ذلك مع قدرته ضمن، و لو تعذر الوصول الى المالك أو وكيله أو وليه الخاص سلمها الى الحاكم لأنه ولي الغائب، بقي الكلام هنا في أنه متى مات المودع و طلب الوارث الوديعة من المستودع مع شك المستودع في كونه وارثا أو في انحصار الإرث فيه و أراد البحث عن ذلك، و تحقيق الحال، و الحال أنه ليس ثمة حاكم يرجع اليه، فهل يكون ضامنا؟ و الحال هذه، قال في المسالك: الأقوى عدم الضمان، خصوصا مع الشك في كون الموجود وارثا، لأصالة عدمه.
و أما مع العلم بكونه وارثا فالأصل أيضا عدم استحقاقه، لجميع المال و القدر المعلوم انما هو كونه مستحقا في الجملة، و هو لا يقتضي انحصار الحق
412
فيه، و أصالة عدم وارث آخر معارضة بهذا الأصل، فيبقى الحكم في القابض، وجوب البحث عن المستحق، كنظائره من الحقوق، انتهى.
أقول: لا إشكال في قوة ما رجحه (رحمة الله عليه) و قواه في صورة الشك في كونه وارثا، و انما يبقى الإشكال في صورة العلم بكونه وارثا مع عدم العلم بالانحصار فيه، و ظاهر المحقق الأردبيلي (رحمه الله عليه) هنا خلاف ما ذكره، حيث قال- في شرح الإرشاد بعد أن ذكر أنه متى كان الميت أو الخارج عن صلاحية الإيداع هو المالك، فيمكن وجوب الرد الى الوارث ما لفظه:- الظاهر وجوبه أو جوازه و ان لم يعلم الانحصار فيه، و لا يجوز مع الشك في أنه وارث، و دليل الأول الأصل عدم وارث آخر مع العلم باستحقاق الموجود، و لا يعارض بأصل عدم استحقاق الكل، لان الاستحقاق واضح، و وجود آخر مانع، و ظاهر كلام البعض عدم الوجوب، بل عدم الجواز مع عدم العلم بالحصر، و هو محل التأمل، انتهى.
و الظاهر أنه أشار بالبعض الى ما قدمنا نقله عن المسالك، و بالجملة فالمسئلة محل توقف و اشكال، لعدم الدليل الواضح القاطع لمادة القيل و القال، و يمكن ترجيح ما ذكره المحقق المشار إليه بأنه متى علم كونه وارثا و لم يعلم وارث سواه الا بمجرد احتمال وجوده، فان ظاهر آيات الإرث و أخباره يقتضي الحكم بإرثه لجميع التركة، فقول شيخنا- المتقدم ذكره- الأصل عدم استحقاقه لجميع المال ممنوع، فان مقتضى الأدلة الاستحقاق، للجميع لمعلومية كونه وارثا، و انما يعارضه احتمال وجود آخر، و الظاهر أنه لا دليل شرعا على تأثير هذا الاحتمال في دفع ما علم بظاهر الأدلة المذكورة، فإنه إذا قام الدليل على أن الولد يرث أباه مثلا، و مات الأب و له ولد معلوم، و احتمل أن يكون له ابن آخر، فان مقتضى الأدلة وجوب دفع التركة إلى الولد المذكور المعلوم كونه وارثا، و احتمال وجود غيره لا يؤثر شرعا في دفعه عن الجميع، و الله العالم.
413
ثم انهم قالوا: ان من جملة أحكام الأمانة الشرعية- مع ما تقدم من وجوب المبادرة إلى ردها و ان لم يطالب المالك- أنه لا يقبل قول من هي في يده في ردها الى المالك مع يمينه، بخلاف الوديعة، و الفرق أن المالك لم يستأمنه عليها، فلا يقبل قوله في حقه مع أصالة عدمه، بخلاف الوديعة، مع ما انضم اليه من الإحسان الموجب لمنع السبيل.
و لها صور كثيرة: أحدها- ما ذكر من الوديعة التي يعرض لها البطلان، و كذا غيرها من الأمانات كالمضاربة، و الشركة، و العارية.
و منها ما لو أطارت الريح ثوبا و نحوه الى داره.
و منها ما لو انتزع المغصوب من الغاصب بطريق الحسبة.
و منها ما لو أخذ الوديعة من صبي أو مجنون عند خوف تلفها.
و منها ما يصير بأيدي الصبيان من الأموال التي يكتسبونها بالقمار كالجوز و البيض، و علم بها الولي، فإنه يجب عليه رده الى مالكه، أو وليه.
و منها ما لو استعار صندوقا و نحوه أو اشتراه أو غيره من الأمتعة فوجد فيه شيئا فإنه يكون أمانة شرعية، و ان كان المستعار مضمونا.
و منها اللقطة في يد الملتقط مع ظهور المالك، و ضابطه ما كان وضع اليد عليه من غير اذن المالك مع الاذن فيه شرعا و الله العالم.
الخامس [في صور الأمانة الشرعية و كيفية حفظ الوديعة]
- يجب حفظ الوديعة بما يناسب حالها، و الوجه فيه أنه حيث علم من الشارع وجوب الحفظ، و لم يعلم منه كيفية معينة لذلك، وجب الرجوع في ذلك الى العادة و العرف الذي عليه الناس، كالدنانير و الدراهم، فان محل حفظها الصندوق المقفل، و الثياب منها ما يكون محل حفظه الصندوق أيضا، و منها ما يكون البيت، و الدابة في الإصطبل، و الشاة في المراح و نحو ذلك، و لو جعل أحد هذه الأشياء في مكان أوثق في الحفظ كالشاة و الدابة في الدار المغلقة، فالظاهر أنه مزيد إحسان لا يتعقبه الضمان، و ربما قيل: بالضمان من حيث مخالفة
414
المعهود و المعتاد، و الظاهر ضعفه، و الظاهر أنه لا فرق بين علم المودع بأن المستودع متمكن من تحصيل الحرز و عدمه، فلو أودعه مالا مع علمه أنه لا صندوق عنده، أو دابة مع علمه أنه لا إصطبل عنده أو نحو ذلك، فإنه لا يكون ذلك عذرا بل يجب الحفظ عليه في المكان المعتاد له متى قبل الوديعة.
قال في المسالك: و اعلم أنه ليس مطلق الصندوق كافيا في الحفظ، بل لا بد معه من كونه محرزا عن غيره، أما بأن لا يشاركه في البيت الذي فيه الصندوق يد أخرى مع كون البيت محرزا بالقفل و نحوه، و كون الصندوق محرزا بالقفل كذلك، و كونه كبيرا لا ينقل عادة، بحيث يمكن سرقته كذلك مقفلا، و هكذا القول في الإصطبل و المراح و غيرها انتهى.
و لا يخلو من اشكال سيما مع علم المودع و رضاه بما هو دون هذا القدر من الضبط، و الظاهر أنه لا يعتبر في وجوب ضبط الوديعة و حفظها أزيد مما يعتبر من ضبط المالك لما له و حفظه له، و زيادة حرسه على حفظه، و هو لا يبلغ الى هذا المقدار، سيما ما ذكره من أن لا يشاركه في ذلك البيت الذي فيه الصندوق يد فإن الإنسان لا يخلو من العيال و الأزواج و الأولاد و الخدم الذين يترددون في البيت دخولا و خروجا، و الإنسان لا يمكنه الاحتباس في البيت لأجل المحافظة، بل يحتاج الى التردد في حوائجه من الأسواق و غيرها، و بما صرح به في المسالك من الكلام في هذا المقام صرح به العلامة في التذكرة أيضا: فقال: لو كانت له خزانة مشتركة بينه و بين ابنه، فدفع الوديعة الى ابنه ليضعها في الخزانة المشتركة فالأقرب الضمان، إلا إذا علم المالك بالحال، ثم قال: لا يجوز أن يضع الوديعة في مكان مشترك بينه و بين غيره، كدكان أو دار مشتركة الى آخره و هو مشكل كما عرفت، و قد تنبه لما ذكرناه من الإشكال أيضا المحقق الأردبيلي (رحمه الله عليه) في شرح الإرشاد.
السادس [في حكم الإنفاق على الدابة المودعة]
- لو أودعه دابة، و المراد بها مطلق الحيوان المحترم حتى العبد
415
فاما أن يأمره بالإنفاق عليه أو ينهاه عن الإنفاق، أو يطلق فهيهنا صور ثلاث:
الاولى- أن يأمره [بالإنفاق]
و حينئذ فيجب عليه كما صرحوا به، و يرجع بذلك على المالك، و لو أخل به كان مفرطا ضامنا، و يحصل التفريط و الضمان، و لو بمرة واحدة، و في كل موضع يحصل به التفريط يكون ضامنا، و يخرج عن كونه أمينا بمقتضى القاعدة المقررة عندهم، من أنه لو خالف و تعدى، فإنه يخرج عن كونه ودعيا أمينا، و لا يرجع الى ذلك إلا بإذن جديد من المالك، و لو امتنع المستودع من الإنفاق في هذه الصورة، فقد صرح في التذكرة بأنه متى مضت مدة تموت مثل الدابة في مثل تلك المدة نظر، فان ماتت ضمنها، و ان لم تمت دخلت في ضمانه، و ان نقصت ضمن النقصان، قال: و تختلف المدة باختلاف الحيوان قوة و ضعفا.
الثانية- ان ينهاه عن الإنفاق
فإن ترك الإنفاق امتثالا لأمره، قالوا: كان عاصيا لله تعالى لما فيه من تضيع المال المنهي عنه، لأنها من الأموال المحترمة التي لا يجوز إتلافها بغير وجه شرعي، و مرجعه الى أن الإنفاق (حق الله تعالى) كما هو حق للمالك، فلا يسقط حق الله تعالى بإسقاط المالك حقه، و هل يضمن في هذه الحال استشكل ذلك في التذكرة، ثم قرب العدم، قال: و هو قول الشافعية كما قال: اقتل دابتي فقتلها أو أمره برمي قماشه في البحر فرماه، أو أمره بقتل عبده فقتله، فإنه يأثم و لا ضمان عليه، فكذا هنا انتهى.
و الواجب في هذه الصورة رفع الأمر إلى الحاكم ليأمره بذلك و يجبره عليه، لما عرفت من عدم جواز إتلاف المال بغير وجه شرعي، و ترك الإنفاق موجب لذلك، قالوا: و للحاكم أن يستدين عليه أو يبيع بعض الوديعة للنفقة، أو بعض أمواله لذلك، و أن ينصب أمينا من قبله، فان تعذر جميع ذلك أنفق المستودع و أشهد و يرجع بما أنفقه مع قصد الرجوع، و لو تعذر الاشهاد فظاهرهم الاقتصار على نية الرجوع، فينفق بنية الرجوع كما تقدم في أمثاله.
416
الثالثة: أن يطلق
و قد صرح في المسالك بأنه يجب التوصل الى اذنه أو اذن وكيله، فان تعذر رفع الأمر إلى الحاكم ليأمره بذلك الى آخر ما تقدم في سابق هذه الصورة، و قال العلامة في التذكرة: و ان أطلق الإيداع و لم يأمره بالعلف و السقي و لم ينهه عنهما يجب على المستودع العلف و السقي، لأنه التزم بحفظها، و لانه ممنوع من إتلافها جوعا، فإذا التزم حفظها تضمن ذلك علفها و سقيها، و به قال الشافعي، و قال أبو حنيفة: لا يجب عليه العلف و السقي، لأنه أستحفظه إياها و لم يأمره بعلفها، و قد بينا الأمر الضمني، انتهى.
و ظاهر هذا الكلام أنه يجب على المستودع القيام بذلك كما في الصورة الاولى، و لا فرق بينهما الا باعتبار كون الأمر في الأولى صريحا و في هذه الصورة ضمنيا، و الا فهو مأمور في الصورتين، و هو ظاهر في خلاف ما قدمنا نقله عن المسالك في هذه الصورة.
و أصرح منه في ذلك كلام المحقق الأردبيلي حيث قال: ثم ان الظاهر أن حكم الإطلاق هو حكم الأمر بالعلف و السقي، لوجوبهما عليه، فكأنه قال:
وديعة عندك و أعلفها و اسقها، فالأمر الضمني فيها هنا موجود، و حكمه حكم الصريح، أشار إليه في التذكرة، انتهى، الا أنه قال في التذكرة أيضا بعد هذه المسئلة بلا فصل: مسئلة لا خلاف في أنه لا يجب على المستودع الإنفاق على الدابة و الأدمي من ماله، لأصالة البراءة و التضرر المنفي شرعا، لكن ان دفع المالك إليه النفقة فذاك، و ان لم يدفع إليه فإن كان المالك قد أمره بعلفها و سقيها رجع به عليه، لأنه أمره بالإنفاق على ماله فيما عاد نفعه عليه، فكان كما لو ضمن عنه مالا يأمره و أداه عنه، و ان أطلق الإيداع و لم يأمره بالعلف و السقي و لانهاه فان كان المالك حاضرا أو وكيله، طالبه بالإنفاق عليه، أو أذن له بالمالك في الإنفاق، فينفق و يرجع به ان لم يتطوع بذلك، و ان لم يكن المالك حاضرا و لا وكيله رفع الأمر إلى الحاكم، الى آخر ما قدمنا ذكره
417
في الصورة الثانية، بما يرجع إليه في المعنى.
و أنت خبير بما في هذا الكلام من المدافعة لما قدمنا نقله عنه أولا، فإن مقتضى الأول هو حصول الأمر بالإنفاق، و ان كان أمرا ضمنيا، فيجب الإنفاق حينئذ على المستودع بعد قبوله الوديعة، و هو صريح كلام المحقق الأردبيلي كما عرفت مسندا له إلى التذكرة، كما قدمنا نقله عنه، فأين هذا من كلامه الثاني.
ثم انه قال في التذكرة- أيضا في هذه المسئلة الأخيرة:- و لو ترك المستودع الإنفاق مع إطلاق الاستيداع و لم يرفع الى الحاكم و لم ينفق عليها حتى تلفت ضمن ان كانت تلفت من ترك ذلك، لانه تعدى بتركه، و ان تلفت في زمان لا يتلف في مثله لعدم العلف، لم يضمن، لأنها لم تتلف بذلك.
قالوا: و في حكم النفقة ما يحتاج اليه المريض من دواء، و في حكم الحيوان الشجر الذي يحتاج إلى السقي و نحوه من الخدمة، و حيث ينفق مع عدم الإشهاد اما لتعذره، أو لعدم اشتراطه، فلو اختلفا في قدره فالقول قول المستودع مع يمينه، و لو اختلفا في مدة الإيداع، فالقول قول المودع عملا بالأصل في الموضعين.
تنبيهان:
الأول [في جواز تولي المستودع علف الدابة و سقيها]
- إطلاق كثير من عبائر الأصحاب يدل على جواز أن يتولى المستودع علف الدابة و سقيها بنفسه، أو غلامه أمينا كان ذلك الغلام أم غير أمين غائبا كان المستودع أو حاضرا، و الوجه في ذلك الجري على ما هو مقتضى العادة من تولى الغلام و الخادم لذلك، الا أنه قال في المسالك- بعد نقل ذلك:- و ليس كل ذلك جائزا هنا بل انما يجوز تولى الغلام لذلك مع حضور المستودع عنده، ليطلع على قيامه بما يجب، أو مع كونه أمينا، و الا لم يجز، و نحو ذلك صرح في التذكرة، و الوجه في ذلك أما في جواز الاستنابة مع الحضور فظاهر.
418
و أما مع كونه أمينا فلقضاء العادة بالاستنابة في ذلك، و لو لا ذلك لما جاز لما يتضمنه من إيداع الودعي، و هو غير جائز عندهم مع الإمكان كما سيأتي ذكره إنشاء الله تعالى، و ربما قيل: بأن ذلك فيمن يمكن مباشرته لهذا الأمر و نحوه، أما من لا يكون كذلك فإنه يجوز له الاستنابة كيف كان.
و رده في المسالك بالضعف، و لا يخلو من اشكال، فإن الظاهر أن الودعي مع علمه بان المستودع يترفع عن هذا الأمر، و لا يباشره بنفسه، و انما يباشره خدمه مثلا و مع ذلك أودعه، فإنه إنما أودعه لقبوله لذلك، و رضاه بما هو عادة الرجل المذكور و طريقته الجارية في أمواله و دوابه.
و الظاهر أن المراد بالأمين هنا هو من تسكن النفس الى فعله، و أنه لا يخالف ما يؤمر به، لا العدل، و الا أشكل غاية الاشكال و صار الأمر عضالا بذلك و أى عضال.
الثاني [عدم جواز إخراج الدابة من المنزل إلا مع الضرورة]
- قد صرح جملة منهم المحقق و العلامة: بأنه لا يجوز إخراج الدابة من المنزل الا مع الضرورة، كعدم إمكان السقي أو العلف في المنزل، و لا ضمان عليه، و الوجه في الأول أن النقل تصرف فيها، و هو غير جائز مع إمكان تركه، و الثاني في أن الحفظ يتوقف على ذلك، فإنه من ضروريات الحيوان، و لا فرق في المنع من إخراجها لذلك بين كون الطريق أمنا أو مخوفا، لما عرفت من أن النقل تصرف و هو غير جائز مع إمكان تركه، و لا بين كون العادة مطردة بالإخراج و عدمه لما ذكر، و لا بين كون المتولي لذلك المستودع بنفسه أو غلامه، مع صحبته له و عدمها، لاتحاد العلة في الجميع.
و قرب في التذكرة عدم الضمان لو أخرجها مع أمن الطريق، و ان أمكن سقيها في موضعها، مستندا الى اطراد العادة بذلك، قال في الكتاب المذكور:
إذا احتاج المستودع إلى إخراج الدابة لعلفها أو سقيها جاز له ذلك، لان الحفظ يتوقف عليه و لا ضمان، و لا فرق بين أن يكون الطريق أمنا أو مخوفا إذا خاف
419
التلف بترك السقي، و اضطر إلى إخراجها من غير ضرورة العلف و السقي، فإن كان الطريق أمنا لا خوف فيه و امكنه سقيها في موضعها فالأقرب عدم الضمان، لاطراد العادة بذلك و هو أظهر قولي الشافعي.
السابع [في عدم جواز نقل الوديعة عن موضع عينه المالك]
- لا خلاف في أنه متى عين له موضعا لحفظ الوديعة، فإنه لا يجوز له نقلها الى ما هو دونه، أما لو نقلها الى ما هو أحرز فقد ذهب جمع من الأصحاب إلى الجواز، محتجين بالإجماع و دلالة مفهوم الموافقة عليه، و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك التوقف في ذلك، نظرا الى مقتضى التعيين، و منع دلالة مفهوم الموافقة هنا، قال: فإن الأغراض تختلف في مواضع الحفظ اختلافا كثيرا من غير التفات الى كون بعضها أحفظ من بعض، و الإجماع على جوازه ممنوع، بل ظاهر جماعة من الأصحاب منع التخطي مطلقا، انتهى.
و نقل في المسالك عن الشهيد في حواشيه على كتاب القواعد القول بعدم الجواز هنا أيضا، و اختاره المحقق الأردبيلي (رحمه الله عليه) أيضا في شرح الإرشاد، و نقله عن ابن إدريس و المحقق الشيخ على.
و لو نقلها إلى المساوي فقولان: الجواز نظرا الى أن التعيين أفاد الاذن في حفظها فيما كان في تلك المرتبة، كما في تعيين نوع الزرع و المراكب في الإجارة، فإنهم جوزوا التخطي إلى المساوي، لتوافق المتساويين في الضرر و النفع المأذون فيه.
و قيل: بالمنع و هو اختياره في المسالك، قال: لعدم الدليل على جواز تخطى ما عينه، و إلحاق مساويه به قياس.
أقول: و المسئلة لخلوها من النصوص في الموضعين محل توقف، و ان كان ما اختاره في المسالك في الموضعين المذكورين لا يخلو من قوة، سيما مع أوفقيته بالاحتياط المطلوب، بل الواجب في أمثال هذه الفروع الخالية من النصوص، و على هذا فلو نقلها إلى الأحرز أو المساوي ضمن، و على القول بالجواز
420
لا ضمان عليه، الا أنه نقل عن العلامة هنا أيضا القول بالضمان، فإنه قال: بجواز النقل إليهما و الضمان مع تلفها فيهما، و هو مشكل، فإن قضية الجواز تنفى الضمان كما لا يخفى.
نعم لو علم الخوف عليها في المكان المعين أو ظن ظنا قويا فالظاهر أنه لا إشكال في جواز النقل، و ينبغي أن يتحرى في ذلك الأحرز، ثم المساوي مع الإمكان، ثم الأدون، لسقوط حكم المعين في الحال المذكورة.
و الظاهر أنه لا ضمان عليه في الصورة المذكورة، حيث أنه مأذون فيه، و هو محسن في ذلك، فلا سبيل عليه، و لو نهاه المالك عن النقل عن ذلك المكان المعين، فقد صرحوا بأنه يضمن بالنقل كيف كان و لو الى الأحرز إجماعا، الا أن يخاف تلفها فيه، فإنه يجوز النقل و ان نهاه المالك و الحال كذلك، و قال له: لا تنقلها و ان تلفت، و عللوا ذلك بأن الحفظ عليه واجب، و لا يتم الا بالنقل، و للنهى عن إضاعة المال، فلا يسقط هذا الحكم بنهي المالك و ان صرح بقوله و ان تلفت، و عندي فيه نظر، لان مرجع ما ذكروه الى وجوب الحفظ على الغير، مع قصد المالك إضاعة ماله و إعراضه عنه، و لا أعرف عليه دليلا، و الأصل براءة الذمة من هذا التكليف، قولهم للنهى عن إضاعة المال مسلم بالنسبة إلى مالكه خاصة، و كذا وجوب الحفظ، فإنه بالنسبة إلى المالك و نحوه، و وجوب الحفظ على المستودع انما يعلم مع عدم قصد المالك إضاعته و إتلافه، و أما إذا قصد ذلك فأي دليل يدل على وجوب حفظ الغير عليه، مع أنه ليس بطفل و لا مجنون يجب حفظ ماله على غيره.
و بالجملة فإني لا أعرف لما ذكروه هنا وجها وجيها، ثم انهم قالوا: لو ترك نقلها و الحال كما ذكرنا أثم و لا ضمان، لإسقاط المالك ذلك عنه، و قد عرفت ما في الإثم من الإشكال أيضا.
و لو توقف النقل على أجرة قال في التذكرة: انه لا يرجع بها على المالك،
421
فإنه متبرع، و استحسنه في المسالك الا أنه احتمل أيضا الرجوع مع نيته، قال:
لإذن الشارع له في ذلك فيقدم على اذن المالك، و لان فيه جمعا بين الحقين مع مراعاة حق الله تعالى في امتثال أمره بحفظ المال، انتهى.
أقول: لا يخفى ما في هذا الاحتمال، بناء على ما قدمنا ذكره من النظر.
الثامن [في عدم صحة وديعة الطفل و المجنون و لا إيداعهما]
- الظاهر أنه لا خلاف و لا إشكال في عدم صحة وديعة الطفل و المجنون و لا إيداعهما، بمعنى أنه لا يترتب على ذلك أحكام الوديعة، أما الحكم الأول- فلانه لا شبهة في عدم أهليتهما للإذن، و اللازم منه كون يد المستودع على المال يدا عارية بغير حق، فيضمن البتة سواء كان المال لهما أو لغيرهما و ان ادعيا الاذن في إيداعه.
بقي هنا شيء و هو أن ظاهر جملة من الأصحاب إطلاق الضمان هنا كما ذكرناه، و الأقرب كما قواه في المسالك أيضا أنه لو كان قبضه للوديعة بعنوان استنقاذها من يديهما، و خوف هلاكها عندهما بنية الحسبة في الحفظ، فإنه لا ضمان عليه، لانه محسن، و ما على المحسنين من سبيل.
لكن يجب مراجعة الولي أو الحاكم الشرعي إن أمكن، و الا كان في يده و ترتب عليه أحكام الوديعة، الا أنه لا يبرء بالرد إليهما، لا في هذه الصورة و لا في الصورة المتقدمة، للحجر عليهما المانع من ذلك، و لا يبرء الا بالرد إلى الولي أو الحاكم أو هما بعد زوال المانع.
و أما الحكم الثاني فلأنه لو استودعهما لم يضمنا بالإهمال، فإن المودع لهما مع علمه بعدم تكليفهما قد أهمل ماله، و أتلفه، و لان الضمان بالإهمال انما يثبت حيث يجب الحفظ، و الوجوب غير متعلق بهما، لانه من خطاب الشرع المختص بالمكلف، فإذا لم يجب الحفظ عليهما لم يترتب على الإهمال ضمان، و هو ظاهر.
نعم لو كان التلف بغير الإهمال بأن تصرفا في الامانة و تعديا فيها فتلفت
422
فهل يضمنان مطلقا أم لا مطلقا أم للمميز خاصة وجوه ثلاثة.
و المختار عند جملة من الأصحاب منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك هو الضمان مطلقا، قال: لأن الإتلاف لمال الغير سبب في ضمانه إذا وقع بغير اذنه، و الأسباب من باب خطاب الوضع يشترك فيها الصغير و الكبير، و مثله القول في ما يتلقانه من مال الغير، و يأكلانه منه، فإنهما يضمنان.
ثم نقل الوجه الثاني و هو عدم الضمان مطلقا لعدم التكليف، و تسليط مالكها لهما عليها فكان سببا قويا، و المباشر ضعيف، قاله في المسالك بعد نقل ذلك ثم قال: و جوابه يظهر مما سبق، ثم نقل الوجه الثالث و هو الفرق بين المميز و غيره، فيضمن المميز خاصة، لعدم قصد غيره إلى الإتلاف، فكان كالدابة ثم تنظر فيه بأن المقتضي للضمان و هو الإتلاف موجود، و المانع غير صالح للمانعية.
أما القصد فإنه لا مدخل له في الضمان و عدمه، كما يعلم من نظائره، و أما تسليط المالك فإنه انما وقع على الحفظ لا على الإتلاف، غاية ما في الباب أنه عرض ماله له بسبب عدم صلاحيتهما للحفظ، و هو غير كاف في سقوط الضمان عنهما لو باشراه، بخلاف ما إذا تركا الحفظ.
أقول: و المسئلة محل توقف لعدم الدليل الواضح و الركون الى هذه التعليلات في تأسيس الأحكام الشرعية سيما مع تقابلها و تدافعها لا يخلو من الاشكال كما نبهت عليه في غير مقام مما تقدم، ثم انه على تقدير وجوب الضمان عليهما فإنه صرح بأن المخاطب بالدفع هو الولي ان كان لهما مال، و الا كان دينا عليهما قضائه بعد التكليف، و لا يسقط بعدم المال وقت الإتلاف، لأن تعلق الحق بالذمة لا يتوقف عليه، نعم إيجاب التخلص من الحق عليهما يتوقف على التكليف.
أقول: و فيه من الاشكال ما في سابقه و قد تقدم في كتاب الحجر في المسئلة الثالثة: من المطلب الثاني من الكتاب المذكور من التحقيق (1) ما فيه دلالة
____________
(1) ج 20 ص 269.
423
على عدم وجوب الضمان الذي ادعاه هنا، و قد تقدم في الموضع المذكور أنه من باع للسفيه مالا و دفعه اليه مع علمه بذلك، فتلف، فان تلفه من مال صاحبه، لانه سلطه عليه مع علمه بأنه محجور عليه، و ان فرض فك الحجر عنه بعد ذلك و تقدم أيضا النقل عن العلامة في التذكرة أن حكم المجنون و الصبي حكم السفيه في ذلك، فإنهما إذا أتلفا الوديعة و العارية فالأقرب أنه لا ضمان عليهما، و هكذا الحكم فيما أتلفاه من مال الغير مطلقا.
و بالجملة فمن أراد تحقيق المسئلة ليظهر له صحة ما ذكرناه هنا فليرجع الى الموضع المذكور، و الله العالم.
التاسع [في وظيفة المستودع إذا ظهرت له أمارات الموت]
- لو ظهر للمستودع أمارات الموت بأن حصل له مرض من الأمراض القاتلة أو حبس للقتل و نحو ذلك.
فأقوال ثلاثة: أحدها- وجوب الرد على المالك أو وكيله، أو الحاكم عند تعذرهما أو إيداعها الثقة عند تعذره، فان تعذر ذلك أشهد عليها اختاره العلامة في التذكرة، الا أنه رجع عنه بعد ذلك الى الإيصاء بها.
و ثانيها- الاشهاد على ذلك اختاره جمع منهم المحقق في الشرائع و العلامة في الإرشاد.
و ثالثها- الوصية بها و قد عرفت أنه مذهب العلامة في التذكرة، و الوجه في ذلك أن حفظ الوديعة لما كان واجبا على المستودع وجب كلما يتوقف عليه الحفظ من أحد هذه الأمور الثلاثة، الا أنى لم أقف على نص في المقام يتضمن وجوب شيء مما أوجبوه، و الاحتياط في المسئلة مطلوب بل واجب، لخلوها عن النص و هو أحد مواضع وجوب الاحتياط عندنا، حيث أن المسئلة صارت بذلك من الشبهات، حلال بين، و حرام بين، و شبهات بين ذلك. و الاحتياط هنا في العمل بالقول الأول، ثم انه على تقدير القول بالإشهاد، فالظاهر أن المراد به إشهاد عدلين، بحيث يحصل الإثبات بها لو أنكر الورثة، أو كانوا جميعا أو بعضهم
424
صغارا، و ربما قيل: بالاكتفاء بواحد، و اليه يشير كلام العلامة في جملة من كتبه، حيث جعل الواجب هو الإيصاء بها، و هو متحقق بدون الاشهاد كذا ذكره في المسالك.
و التحقيق أن القول بالإيصاء غير القول بالإشهاد، كما قدمنا ذكره، و كيف كان فلو أخل بالإشهاد و الوصية ضمن، و كذا لو أخل بالرد على الوجه المتقدم، و لكن لا يستقر الضمان الا بالموت، و لو فرض موته فجأة فلا ضمان، و ان لزم التلف إذ لا يعد مقصرا و الحال هذه، و الا لوجب الاشهاد على كل ودعي، لإمكان ذلك في حقه، و لا قائل به، و لا دليل على ما قالوا.
و يعتبر في الوصي على القول بوجوب الوصية العدالة، و الظاهر أن المراد به الأمين الثقة الذي تسكن النفس إلى إيصاله لها الى المالك، و لا فرق بين الأجنبي و الوارث في التعيين للوصاية، و المراد بالوصية إليه بذلك أن يعلمه بها و يأمره بردها بعد الموت، لا أن يسلمها إليه، لأنه إيداع لا يصح ابتداء كما سيأتي ذكره إنشاء الله.
قال في التذكرة: توهم بعض الناس أن المراد من الوصية بها تسليمها إلى الوصي ليدفعها الى المالك، و هو الإيداع بعينه، و ليس كذلك، بل المراد الأمر بالرد من غير أن يخرجها من يده، فإنه و الحال هذه مخير بين أن يودع للحاجة، و بين أن يقتصر على الاعلام و الأمر بالرد لان وقت الموت غير معلوم، و يده مستمرة على الوديعة ما دام حيا، انتهى.
و لو لم يوص و لم يشهد و أنكر الورثة فالقول قولهم، كما لو أنكرها المورث، لأن الأصل عدمها، و كذا كل من يدعى عليه، و لا يمين على الورثة، الا أن يدعى عليهم العلم بالوديعة، لأن دعوى العين انما يتعلق بالمورث، كما لو ادعى عليه بدين، الا أنه إذا ادعى عليهم العلم بذلك لزمهم الحلف على نفى العلم لا على البت، لان ذلك ضابط الحلف على نفى فعل الغير.
425
قال في المسالك: و مثله ما لو أقر الورثة بالوديعة، و لكن لم توجد في التركة فادعى المستودع أنه قصر في الاشهاد، و قال الورثة: لعلها تلفت قبل أن ينسب الى التقصير فالقول قولهم، عملا بظاهر براءة الذمة، و لا يمين أيضا إلا مع دعواه عليهم التقصير، انتهى.
و عندي في هذا الكلام إشكال، لأن مرجعه- كما يفهم من تتمة عبارته في المقام- الى أن المالك يدعى بقاءها، و تقصير الودعي في الاشهاد، و الورثة مقرون بها، و لكن يدعون عدم وجودها في التركة، و أنه لعلها تلفت قبل أن ينسب المالك الى التقصير، و ظاهر هذا الكلام أن كلام المالك يتضمن دعويين إحديهما- أنها كانت باقية في التركة، و ظاهر هذه الدعوى يرجع الى الورثة بأنها عندهم، و أن إنكارهم لكونها في التركة بعد الإقرار بها غير مسموع، و ثانيهما تقصير المورث بعدم الاشهاد ليتحقق الضمان، و سقوط اليمين عن الورثة إنما يتجه على الدعوى الثانية، دون الاولى، اللهم الا أن يحمل على أن المالك موافق على عدم وجودها في التركة، و انما يدعى بقاءها الى وقت عروض المرض الذي هو السبب الموجب للوصية، أو الإشهاد، فيلزم الضمان بالتفريط في ذلك، و الورثة ينكرون الوجود الى ذلك الوقت، و حينئذ فلا يتعلق الدعوى بالورثة على الوجه المذكور أولا، و الله العالم.
العاشر [في وجوب رد الوديعة إلى المالك متى طلبها]
- لا خلاف في وجوب رد الوديعة إلى المالك متى طلبها، و هي باقية في أول أوقات الإمكان مسلما كان أو كافرا، للاية و هي قوله تعالى (1) «إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا» و الروايات المتقدمة في صدر الكتاب (2) فإن جملة منها قد صرحت بوجوب الرد و لو إلى غير مسلم فلو أخل و الحال كذلك كان ضامنا، و نقل عن أبى الصلاح أنه إذا كان المودع حربيا وجب على المودع أن يحمل ما أودعه إلى سلطان الإسلام، و هو ضعيف مردود بالاخبار المشار إليها
____________
(1) سورة النساء- الاية 58.
(2) ص 395.
426
من أن كونه حلال المال مقيد بغير الامانة، فيجب استثناؤها للاخبار الصريحة المذكورة.
و بالجملة فالحكم مما لا يخالف فيه سواه و ظاهرهم القول بالفورية كما أشرنا إليه، لأنه حق مضيق للادمى، قالوا: و المراد بالإمكان ما يعم الشرعي و العقلي و العادي، فلو كان في صلاة واجبة أتمها، أو بينه و بينه مانع من مطر و نحوه صبر حتى يزول، أو في قضاء حاجة ضرورية فإلى أن ينقضي، و هل يعد أكل الطعام و الحمام، و صلاة النافلة و انقطاع المطر الغير المانع عذرا؟ وجهان: و استقرب في التذكرة العدم مع حكمه في باب الوكالة بأنها أعذار في رد العين إذا طلبها الموكل، و ينبغي أن يكون هنا أولى، و حيث كان وجوب الرد فوريا فإنه يأتي بناء على ذلك، و على أن الأمر بالشيء يستلزم النهى عن ضده الخاص بطلان الصلاة الواجبة مع سعة الوقت لو حصل الطلب قبل الدخول فيها، و كذا بطلان النافلة مطلقا، و كذا بطلان جميع العبادات المنافية لذلك، الا أن الظاهر عندي كما تقدم تحقيقه في كتب العبادات عدم ثبوت ما ادعوه، من أن الأمر بالشيء يستلزم النهى عن ضده الخاص، بل قام الدليل على خلاف ذلك، و لما فيه من لزوم الحرج و الضيق المنفي بالآية و الرواية.
قالوا: و المراد بوجوب الرد لا بمعنى مباشرته للرد و تحمل مؤنته، كما ربما يظهر من بعض العبارات، بل بمعنى رفع اليد عنها و التخلية بين المالك و بينها، فلو كانت في صندوق مقفل فتحه، و ان كانت في البيت المغلق فكذلك، و هكذا.
و لو أخر الدفع لأجل الإشهاد عليه فهل يكون ذلك عذرا مرتفعا به الضمان؟ أقوال: الأول نعم، ليدفع عن نفسه النزاع و اليمين لو أنكر المالك.
و الثاني لا، لان قوله في الرد مقبول، فلا حاجة الى البينة، و لأن الوديعة مبنية على الإخفاء غالبا.
الثالث التفصيل بأنه ان كان المالك وقت الدفع قد أشهد عليه بالإيداع
427
فله الاشهاد ليدفع عن نفسه التهمة، و الا لم يكن له ذلك، و هذا القول من حيث الاعتبار أقوى الثلاثة، الا أن ما ادعوه من الفورية عندي محل توقف، إذ لا أعرف عليه دليلا واضحا أزيد من الأمر بالرد متى طلبها المالك، و الأمر من حيث هو لا يقتضي الفورية، فإيجابها يحتاج الى دليل واضح، زيادة على الأمر بالرد، كما لا يخفى، و كونه حقا لادمى لا يقتضي تضييقه بهذا النحو الذي ذكروه.
نعم لو فهم منه التضييق فالأمر كما ذكروه، و لو كان المودع غاصبا فإنه لا يجوز ردها عليه، و لا على وارثه لو طلبها، بل يجب إعادتها على مالكها ان عرف، و لو لم يعرف فأقوال: أحدها ما ذهب اليه الشيخ في النهاية، قال:
انه يعرفها حولا كما يعرف اللقطة، فإن جاء صاحبها، و الا تصدق بها عنه، و تبعه ابن البراج و هو المنقول عن ابن الجنيد أيضا، و به صرح العلامة في التذكرة و الإرشاد، و في المسالك: انه هو المشهور بين الأصحاب.
و ثانيها- ما ذهب، اليه الشيخ المفيد قال: ان لم يعرف أربابها أخرج منها الخمس الى فقراء آل محمد (صلى الله عليه و آله) و أتباعهم، و أبناء سبيلهم و صرف منها الباقي الى فقراء المؤمنين.
و قال سلار: و ان لم يعرف أربابها جعل خمسها لفقراء أهل البيت (عليهم السلام) و الباقي لفقراء المؤمنين و هو يرجع الى قول الشيخ المفيد.
ثالثها- ما ذهب إليه أبو الصلاح قال: إذا لم يعرف صاحبها و لا من ينوب منابه حملها الى الامام العادل، فان تعذر ذلك في المسلمين فعلى المودع حفظ الوديعة إلى حين التمكن من إيصالها إلى مستحق ذلك، و الوصية بها الى من يقوم مقامه، و لا يجوز ردها على المودع مع الاختيار.
و قال ابن إدريس: ان لم يتعين له حملها الى الامام العادل، و ان لم يتمكن لزمه الحفظ بنفسه في حياته، و بمن يثق به في ذلك بعد وفاته الى حين التمكن من المستحق، قال في المختلف: و هو الأقوى، لنا أنه أحوط.
428
و قال في المسالك بعد نقل ذلك عن ابن إدريس و قواه في المختلف: و هو حسن.
أقول: و هو يرجع الى قول أبى الصلاح المتقدم، و الذي وقفت عليه من الاخبار هنا ما رواه
الشيخ عن حفص بن غياث (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا و اللص مسلم هل يرده عليه؟ قال: لا يرده، فإن أمكنه أن يرده على صاحبه فعل، و الا كان في يده بمنزلة اللقطة، يعرفها حولا فإن أصاب صاحبها ردها عليه و الا تصدق بها، فان جاء بعد ذلك خيره بين الأجر و الغرم، فان اختار الأجر فله، و ان اختار الغرم غرم له، و كان الأجر له».
و هذه الرواية ظاهر في ما ذهب اليه الشيخ، و ليس غيرها في المسئلة، و لم أقف على دليل يدل على شيء من القولين الأخيرين.
قال في المختلف- بعد نقل الرواية-: و الجواب الطعن في السند، و لا نسلم مساواته للقطة، ثم قال: على أن قول الشيخ لا يخلو من قوة، و فيه أن الطعن بالسند لا يقوم حجة على الشيخ و أمثاله الذين لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم، و منع المساواة للقطة بعد تصريح الخبر بذلك ممنوع، و هو انما تمسك في قوة ما اختاره بالاحتياط، و الاحتياط عندهم ليس بدليل شرعي، ورد الخبر بلا معارض غير معقول و لا منقول.
و قال في المسالك- بعد الإشارة الى الخبر المذكور-: و الطريق ضعيف، لكنه مجبور بالشهرة، و به يعلم قوة ما ذهب اليه الشيخ و أتباعه.
و في المسالك- بعد أن استحسن مذهب ابن إدريس كما قدمنا نقله عنه- قال: و ان كان القول بجواز التصرف بها بعد اليأس و التعريف متوجها أيضا كما في كل مال ييأس من معرفة صاحبه، لان فيه جمعا بين مصلحتي الدنيا و الآخرة بالنسبة
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 180 ح 7، الوسائل ج 17 ص 368.
429
الى مالكها، فإنه لو ظهر غرم له ان لم يرض بالصدقة، فلا ضرر عليه، ثم قال- بعد نقل مذهب الشيخ المفيد-: و الأجود التخيير بين الصدقة بها و إبقائها أمانة، و ليس له التملك بعد التعريف هنا، و ان جاز في اللقطة، و ربما احتمل جوازه بناء على الرواية، فإنه جعلها فيه كاللقطة، و هو ضعيف، و يمكن أن يريد بها منزلته منزلة اللقطة في وجوب التعريف مطلقا، و لم يذكر من عمل بالرواية جواز التملك، انتهى.
و لا يخفى ما فيه من المدافعة للكلام الأول لدلالته على التملك، و جواز التصرف مع الضمان، و بيان الوجه في قوة ذلك، و دلالة هذا الكلام على عدم جواز التملك هنا و ان جاز في اللقطة، و المراد بجواز التملك حيث كان انما هو مع الضمان، و احتمال العدول عما ذكر أولا، و لا سيما مع بيان الوجه في القول الأول و التصريح بالعلة و عدم التعرض لذلك في الثاني بعيد، و مقتضى هذا الكلام الأخير حدوث قول رابع في المسئلة كما لا يخفى، و ظاهره أن ذلك هو الحكم هنا و ان لم يعرفها بالكلية.
و قال في المسالك أيضا: و انما يجب منع الغاصب منها مع إمكانه، فلو لم يقدر على ذلك سلمها اليه، و في الضمان حينئذ نظر، و الذي يقتضيه قواعد الغصب أن للمالك الرجوع على أيهما شاء، و ان كان قرار الضمان على الغاصب انتهى.
و لو مزج الغاصب الامانة بماله و أودع الجميع فقد أطلق جمع منهم المحقق في الشرائع أنه إن أمكن الودعي تمييز المالين ميزهما ورد عليه ماله، و منعه الأخر و ان لم يمكنه وجب رد الجميع على الغاصب، و علل الوجوب هنا بأن منعه منهما يقتضي منعه من ماله، لان الفرض عدم إمكان التمييز، و منعه من ماله غير جائز.
و استشكله في المسالك بأن في الرد تسليطا للغاصب على مال غيره بغير حق، و هو غير جائز، ثم قوى الرد الى الحاكم ليقسمه إن أمكن إلى آخر كلامه.
أقول: و هذا الفرع أيضا كغيره من الفروع المشكلة لعدم الدليل الواضح
430
في صورة ما إذا أودع الجميع مع تعذر التمييز أو تعسره، فهل يرد عليه الجميع لو طلبه أم لا، أم يرجع فيه الى الحاكم، و لعل الأقرب الى القواعد الشرعية رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي، فيلزم الغاصب بالإقرار بالقدر المغصوب، و يلزمه المقاسمة إن أمكن و لو بالصلح نيابة عن المالك، و الله العالم.
البحث الثاني في موجبات الضمان:
و هو دائر بين أمرين التفريط و التعدي فهنا مقامان
[المقام] الأول: التفريط
- و يرجع الى ترك ما يجب عليه من الحفظ و نحوه، و هو أمر عدمي بخلاف التعدي فإنه عبارة عما لا يجوز فعله كلبس الثوب و ركوب الدابة و نحو ذلك، و هو أمر وجودي و التفريط كان يطرحها في غير حرز أو يترك نشر الثوب الذي يتوقف حفظه على النشر أو يودعها غيره من غير ضرورة، و لا اذن، أو يسافر بها كذلك مع خوف الطريق و أمنه، و طرح الأقمشة في المواضع التي تعفنها و ترك سقي الدابة أو علفها مدة لا تصبر عليه في العادة فتموت و نحو ذلك.
و الكلام هنا يقع في مواضع
الأول [هل الطرح في غير الحرز من أسباب الضمان؟]
- ما ذكر من أن من جملة أسباب الضمان أن يطرحها في غير حرز.
قالوا: و يجب تقييده بما إذا طرحها و ذهب عنها، أما لو بقي مراعيا لها بنظره لم يعد تفريطا لان العين حرز، الا أن يكون المكان غير صالح لوضعها فيه بحسب حالها، و هو نوع آخر من التفريط.
أقول: ما ذكر من التقييد المذكور لما كان شاذا نادرا صح الإطلاق، لأن الإطلاق انما ينصرف الى الافراد المتكررة المتعارفة الشائعة كما تقدمت الإشارة إليه في غير موضع، و كذا عد من أسباب الضمان تأخير الإحراز مع المكنة، و قيده بعض المحققين بالتأخير الزائد على المتعارف، قال: و أما إذا كان تأخيرا قليلا و في الجملة على الوجه المتعارف فليس بموجب للضمان و هو جيد.
431
الثاني [في أنه يضمن بترك كل ما يتوقف عليه الحفظ]
- ما ذكر من أنه يضمن بترك نشر الثوب الذي يتوقف على النشر، و الوجه في ذلك أنه يجب عليه الحفظ و من جملة ما يتوقف عليه نشر الثوب الذي يحتاج الى النشر و تعريضه للهواء في كل وقت يفتقر إليه عادة، قالوا: حتى لبسه لو لم يندفع ضرره الا به.
و بالجملة فكل ما يتوقف عليه الحفظ كما يجب عند الإطلاق سقي الدابة و علفها، و نحو ذلك مما يتوقف عليه بقاؤها، و حفظها، الا أن ينهاه المالك عن ذلك فإنه لا يلزمه الضمان، و ان جاز له الحفظ كما تقدم مثل ذلك، في نفقة الدابة، و لم أقف في المقام على خبر، و لكن ظاهرهم الاتفاق على ذلك، و مقتضى قواعدهم يقتضيه، الا أنه قد تقدم في كتاب الرهن من الاخبار ما هو ظاهر، بل صريح في المنافاة فإن جملة منها يدل على أنه لو كان الرهن ثيابا و تركه المرتهن و لم يتعهده و لم ينشره حتى هلك و تأكل فإنه من مال الراهن، مع أنه لا خلاف في أن الرهن في يد المرتهن أمانة، يضمنها مع التفريط، و بمضمون هذه الاخبار المذكورة أفتى الصدوق في المقنع أيضا، فقال: ان رهن عنده متاعا فلم ينشر المتاع و لم يخرجه و لم يتعهده و فسد فان ذلك لا ينقص من ماله شيئا، انتهى.
و هو كما ترى صريح في أنه لا ضمان عليه حسب ما دلت عليه الاخبار المشار إليها، و منها
صحيحة الفضل بن عبد الملك (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال:
«سألته عن رجل رهن عنده آخر عبدين فهلك أحدهما أ يكون حقه في الأخر قال:
نعم، قلت أو دارا فاحترقت أ يكون حقه في التربة؟ قال: نعم، أو دابتين فهلكت إحديهما أ يكون حقه في الأخرى؟ قال: نعم، أو متاعا فهلك من طول ما تركه أو طعاما ففسد، أو غلاما فأصابه جدري فعمي أو ثيابا فتركها مطوية لم يتعاهدها و لم ينشرها حتى هلكت؟ قال: هذا يجوز أخذه يكون حقه عليه».
و نحوها غيرها و هي كما ترى صريحة في خلاف ما ذكروه من وجوب التعاهد و الضمان مع
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 175 ح 30، الوسائل ج 13 ص 128 ح 1.
432
عدمه، لو تضرر بذلك، و لا معارض لها في البين الا ما يظهر من ظاهر اتفاقهم، مع أنك قد عرفت خلاف الصدوق في ذلك، و لم أقف على من تنبه لذلك منهم، (رحمهم الله) و العلامة في كتاب الرهن من المختلف نقل عبارة الصدوق المذكورة، ثم قال: و الأقرب ان على المرتهن الضمان، لان ترك نشر الثوب المفتقر الى نشره يكون تفريطا و المفرط ضامن، انتهى.
و هو مؤذن بغفلته عن الاخبار المذكورة، و عدم اطلاعه عليها، و الا كان الواجب ذكرها، لأنها مستندة في هذه المسئلة، و الجواب عنها، و بالجملة فالمسئلة عندي لما عرفت محل توقف و اشكال، و الله العالم.
الثالث [في أنه يضمن مع إيداع الوديعة من غير إذن و لا ضرورة]
- ما ذكر من أنه يضمن مع إيداعها الغير من غير ضرورة و لا اذن، و هو مما لا خلاف فيه عندهم، قال في التذكرة: إذا أودع المستودع الوديعة غيره فان كان باذن المالك فلا ضمان عليه إجماعا، لانتفاء العدوان، و ان لم يكن باذن المالك فلا يخلو اما أن يودع من غير ضرورة، أو بعذر، فان أودع بغير عذر ضمن إجماعا لأن المالك لم يرض بيد غيره و أمانته، و لا فرق في ذلك الغير بين عبده أو زوجته أو ولده أو أجنبي عند علمائنا أجمع، انتهى.
و مقتضى كلامهم انه يسقط الضمان بأحد شيئين: أحدهما الاذن، فإنه يجوز الإيداع على النحو المأذون به و لا ضمان، و ثانيهما العذر كخوف سرقة أو نهب أو حرق أو أراد سفرا الا أن ظاهرهم هنا هو أن الواجب أولا ردها الى المالك أو وكيله إن أمكن، و الا فإلى الحاكم، لأنه قائم مقام المالك شرعا مع تعذره و لا يسمى هذا ايداعا، و مع عدم إمكان الحاكم فإنه يودعها الثقة، و هذا هو الخارج بالقيد المذكور، فلو دفعها الى الحاكم مع إمكان الدفع الى المالك أو وكيله ضمن كما أنه لو دفعها الى الثقة مع إمكان الدفع الى الحاكم ضمن، و لا فرق في المنع من إيداع الغير بدون أحد الوجهين المذكورين، بين أن يكون الغير مستقلا بها، أو شريكا في الحفظ بحيث تغيب عن نظره.
433
قال في المسالك: و هو موضع وفاق، و لانه تصرف في مال الغير بغير اذنه، قال:
و في حكم مشاركته في الوديعة وضعها في محل مشترك في التصرف، بحيث لا يلاحظه في سائر الأوقات نعم لو كان عند مفارقته لضروراته يستحفظ من يثق به و يلاحظ الحرز في عوداته، رجح في التذكرة اغتفاره لقضاء العادة به و لأنه إيداع عند الحاجة، ثم قال: و لو فوض الحفظ الى الغير لا لضرورة أو أشركه أو لم يحرز عنه ضمن، انتهى.
و لو أودعها من غير اذن و لا ضرورة ضمن، و كان لصاحبها أن يرجع على من يشاء منها لو تلفت، فان رجع على المستودع الأول فلا رجوع له على الثاني، و ان رجع على المستودع الثاني كان للمستودع الثاني أن يرجع على المستودع الأول، لأنه دخل معه على أن لا يضمن كذا ذكره في التذكرة.
و الوجه فيه أن الحكم هنا كما في الغاصب، و قد ذكروا ثمة أنه مع رجوع المالك على أيهما شاء، فان الجاهل منهم بالغصب يرجع على من غره، فسلطه على مال الغير، و لم يعلمه بالحال، و أما العالم فلا رجوع له فهيهنا أيضا كذلك فمتى رجع المالك على المستودع الأول، فإنه لا رجوع للمستودع الأول على الثاني، لعلمه بعدم جواز ما فعله، فقد سلطه على إتلافه، بخلاف رجوع المالك على المستودع الثاني لأنه مغرور، فلا ضمان عليه، بل يرجع على الأول.
الرابع [في أنه يضمن مع السفر بالوديعة]
ما ذكر من أنه يضمن مع السفر بها على الوجه المذكور، و الظاهر أنه مما لا خلاف فيه، قال في التذكرة: لو عزم المستودع على السفر كان له ذلك، و لم يلزمه المقام لحفظ الوديعة، لأنه متبرع بإمساكها، و يلزمه ردها الى صاحبها أو وكيله، و الا فالحاكم، و يجب عليه قبولها، لانه موضوع للمصالح فان لم يجد دفعها الى أمين، و لا يكلف تأخير السفر، لأن النبي (صلى الله عليه و آله) كانت عنده ودائع، فلما أراد الهجرة سلمها إلى أم أيمن، و أمر عليا (عليه السلام)
434
أن يردها، فان ترك هذا الترتيب فدفعها الى الحاكم أو الأمين مع إمكان الدفع الى المالك أو وكيله ضمن، و لا يجوز أن يسافر بها، فان سافر بها مع القدرة على الرد على صاحبها أو وكيله أو الحاكم أو الأمين ضمن عند علمائنا أجمع، سواء كان السفر مخوفا أو غير مخوف، انتهى.
قيل: و المراد بتعذر الوصول الى المالك أو وكيله أو الحاكم المشقة الكثيرة الراجعة إلى التعسر، لان ذلك معنى هذا اللفظ عرفا و لغة، لما في التزامه بتحمل ما يزيد على ذلك من الحرج و الضرر المنفيين، و هو جيد.
بقي الكلام في ما لو اضطر الى السفر بالوديعة بأن يضطر الى السفر، و ليس في البلد حاكم و لا أمين و لم يجد المالك و لا وكيله أو اتفق في البلد ما يوجب الخروج من حريق أو غارة أو نهب، و لم يجد أحدا من هؤلاء المذكورين. فان ظاهرهم جواز السفر بها، و لا ضمان و ادعى عليه في التذكرة الإجماع، قال: لان حفظها حينئذ في السفر بها و الحفظ واجب، و إذ لم يتم الا بالسفر بها كان السفر بها واجبا، و لا نعلم فيه خلافا أما لو عزم السفر من غير ضرورة في وقت السلامة و أمن البلد و عجزه عن واحد هؤلاء المذكورين و سافر بها فالأقرب الضمان لانه التزم الحفظ في الحضر، فليؤخر السفر أو يلزم خطر الضمان، انتهى.
و ظاهر آخر كلامه جواز السفر من غير ضرورة مع العجز عن أحد هؤلاء و استصحاب الامانة مع التزام الضمان، و منعه في المسالك في الصورة المذكورة فقال بعد نقل ذلك عنه: و الأجود المنع، و هو الأقرب الى جادة الاحتياط المطلوب في أمثال هذه المقامات الخالية من النصوص.
و كيف كان فالضمان مما لا اشكال فيه، فان ظاهر إطلاق الإيداع و الحفظ انما ينصرف الى الحضر، و لان السفر لا يخلو من خطر في الجملة، و يؤيده أنه الا وفق بالاحتياط.
435
تنبيهات:
أحدها [لو عزم المستودع على السفر فدفن الوديعة]
- قال في التذكرة: لو عزم المستودع على السفر فدفن الوديعة ثم سافر ضمنها ان كان دفن في غير حرز، فان دفنها في منزله في حرز و لم يعلم بها أحدا ضمنها أيضا، لأنه غرر بها، و لانه ربما هلك في سفره فلا يصل صاحبها إليها، لأنه ربما خرب المكان أو غرق فلا يعلم أحد مكانها، فإن أعلم بها غيره و كان غير أمين ضمن، لانه قد زادها تضييعا، و ان كان أمينا و لم يكن ساكنا في الموضع ضمنها، لأنها لم يودعها عنده، و ان كان ساكنا في الموضع فان كان مع عدم صاحبها و الحاكم جاز، لان الموضع و ما فيه في يد الأمين، و الاعلام كالإيداع، انتهى.
و ثانيها- هل المراد بالسفر هنا هو السفر الشرعي أعني قصد المسافة أو ما هو أعم منه
و من العرفي كالتردد فيما دون ذلك، قال في شرح القواعد: لم أقف على تحديد، و المتبادر منه شرعا قصد المسافة، فعلى هذا لا يجب الرد الا بالخروج إلى مسافة، و هو مشكل لانه متى خرج المستودع من بلد الوديعة على وجه لا يعد في يده عرفا يجب أن يقال أنه ضامن، لأنه أخرج الوديعة من يده، فقصر في حفظها فيضمن، و ينبغي الجزم بأن تردده في البلد و ما حوله في المواضع التي لا يعد الخروج إليها في العادة خروجا عن البلد و انقطاعا عنه كالبساتين و نحوها لا يجب معها رد الوديعة، و من تعذر الحاكم و الثقة كذا ذكره المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، و هل الجميع من كلام الشرح أو ممزوجا بكلامه احتمالان، حيث أنه لا يحضرني الان الشرح المشار اليه.
و قال في المسالك: و أما السفر فالأولى حمله على العرفي أيضا لا الشرعي، فعلى هذا لا يجوز استصحابها في تردداته في حوائجه إلى حدود البلد، و ما قاربه من القرى التي لا يعد الانتقال إليها سفرا مع أمن الطريق، و لا يجوز إيداعها في مثل ذلك مع إمكان استصحابها، كما لا يجب ردها على المالك، انتهى.
436
و قال المحقق الأردبيلي- بعد ذكر ما قدمنا ذكره نقلا عنه من كلام شرح القواعد و كلام في البين و نعم ما قال: فإنه الحق الحقيق بالامتثال-: و اعلم أنه ليس في الآيات و الاخبار ما يمنع السفر بالوديعة، و لا عدم السفر للودعي الا بأن يسلمها الى المالك أو الى الحاكم أو يودعه عند ثقة، حتى يجب علينا تحقيق السفر، بل هو كلام الفقهاء، بل فقهاء العامة.
ثم قاله الأصحاب أيضا، و الذي علم أنه يجب حفظها على ما يقتضيه العرف و العادة في ذلك الشيء و من مثل ذلك الشخص كما أشرنا إليه، فيجوز له فعل كل شيء ما لم يكن تركا للحفظ عرفا، و لا يجب الكون عندها بعد وضعها في الحرز، انتهى و هو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه.
و المفهوم من كلام العلامة في التذكرة- بالنظر الى سياق البحث- أن المراد بالسفر الشرعي، فإنه الذي يدور عليه كلامه و تمثيلاته، و ان لم يصرح بشيء من الفردين المذكورين.
و ثالثها [وجوب القبول على الحاكم لو عزم على السفر]
- ما تقدم في عبارة التذكرة من وجوب القبول على الحاكم لو عزم على السفر، و لم يتمكن من الدفع الى المالك أو وكيله، قد صرح به في القواعد أيضا، فقال: و الأقرب وجوب القبض على الحاكم، و كذا المدين و الغاصب إذا حملا الدين و الغصب اليه، و علل الشارح وجه القرب قال: لانه منصوب للمصالح و لو لم يجب القبض فاتت المصلحة المطلوبة من نصبه، و هو الأصح، و يحتمل ضعيفا العدم، تمسكا بأصالة البراءة، و هو يرجع الى ما ذكره في التذكرة.
و فيه أنه لا دليل على ما ذكروه، من أن الغرض من نصبه هو ذلك، بل غاية ما يفهم من الاخبار أنه منصوب للحكم و القضاء و الفتوى خاصة، و هي الأخبار الدالة على نيابته عن الامام (عليه السلام) و كما لم يقم دليل على وجوب ذلك على الامام (عليه السلام) الذي هو المنوب عنه في الأحكام، كذلك لم يقم بالنسبة إليه، بل غاية أخبار النيابة انما هو ما ذكرناه، على أنه إذا كان الغرض من
437
الدفع اليه انما هو الحفظ للمالك، فهو غير منحصر فيه، بل يحصل ذلك بالثقة.
و بالجملة فإني لا أعرف لما ذكروه من الوجوب هنا دليلا واضحا.
و رابعها- أنه ينبغي أن يعلم أن جواز السفر لضرورته أو ضرورتها مشروط بأمن الطريق، فلو كان مخوفا علما أو ظنا بظهور بعض الأمارات فظاهرهم أنه لا يجوز السفر بها و الحال كذلك، فلو سافر ضمن، لانه تعزير بها، قالوا: حتى لو فرض الخوف أيضا في الحضر، و تعارض الخطران رجح الإقامة، لأن السفر في حد ذاته خطر، فإذا انضم إليه أمارة الخوف زاد خطره على الخطر، و الله العالم.
الخامس [حكم طرح الأقمشة في المواضع التي تعفنها]
- ما ذكر من أنه يضمن بطرح الأقمشة في المواضع التي تعفنها و المراد طرحها كذلك مدة يمكن حصول التعفن فيها، فلو لم يكن كذلك بأن طرحها مدة لا يحصل ذلك بل يقطع بعدم التضرر فلا ضمان، فإنه لا يعد تفريطا يوجبه، و مثله وضع الكتب التي يخاف عليها من النداوة المفسدة بها، و نحو ذلك و المرجع في الجميع في ذلك الى اشتراط كون الموضع صالحا للوديعة بحسب حالها و ما يناسبها مكانا و زمانا، إلا أنك قد عرفت في الموضع الثاني ما ينجر به المناقشة الى هذا الحكم في هذا الموضع أيضا، و الله العالم.
السادس [حكم ترك سقي الدابة أو علفها]
- ما ذكر من الضمان مع ترك سقي الدابة أو علفها مدة لا تصبر عليه فتموت، فإنه لا خلاف فيه الا أن تخصيص الضمان بذلك محل اشكال كما سيظهر لك ان شاء الله.
و كيف كان فإنها لو ماتت بغيره، فإنه لا يضمن، و كذا لو ماتت في زمان لا تتلف في مثله لم يضمن أيضا، لأنها لم تتلف بذلك، صرح به في التذكرة، و قد تقدم نقله عنه آنفا، و كذا لا يضمن لو كان بها جوع و عطش سابق لا يعلم بهما فماتت بهما، بحيث لو لا التقصير لما ماتت، أما لو كان عالما بهما فإنه يضمن، و لو لم تمت بذلك بل نقصت ضمن النقصان.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن عبارات الأصحاب في هذا المقام لا يخلو من اختلاف
438
و اضطراب، فان المفهوم من بعضها أن مجرد الترك و لو مرة واحدة تفريط موجب للضمان، و كذا مجرد المخالفة لما أمر به المالك و ان لم يترتب عليه الفوات، و متى تحقق الضمان زال حكم الوديعة كما تقدم ذكره ما لم يحصل إيداع جديد، و المفهوم من بعضها تخصيص الضمان بترك العلف و السقي مدة لا تصبر عليه فماتت، كما عرفت من العبارة المتقدمة، و هو مؤذن بتخصيص الضمان بصورة الموت، و نحوها الصور الملحقة بها، و كذا مجرد التقصير في الحفظ لا يوجب ضمانا الا مع التلف، و لهذا قال في المسالك- و نعم ما قال بعد ذكر عبارة المصنف بنحو ما قدمنا ذكره ما صورته-: و اعلم أن الواجب علفها و سقيها بحسب المعتاد لأمثالها، فالنقصان عنه يعد تفريطا سواء صبرت عليه أم لا، و متى عد تفريطا صار ضامنا لها، و ان ماتت بغيره، هذا الذي يقتضيه قواعد الوديعة.
و حينئذ فتعليق المصنف الحكم على موتها بسبب ترك ذلك مدة لا تصبر عليه عادة ان أريد به هذا المعنى، فلا اشكال من هذه الحيثية، لكن يشكل اختصاص حكم الضمان بموتها به، مع كونها قد صارت مضمونة بالتفريط، و من شأن المضمون به أن لا تفترق الحال بين تلفه و نقصه بذلك السبب و غيره، و سيأتي له نظائر كثيرة في كلام المصنف و غيره.
و ان أراد به معنى آخر أخص مما ذكرناه كما هو الظاهر أشكل الحكم بما سبق، و من توقف الضمان على ترك هذه المدة مع أن الواجب القيام بالمعتاد منه، و بتركه يتحقق التفريط، و في عبارة العلامة ما هو أبلغ مما هنا، قال في التذكرة: لو امتنع المستودع من ذلك، و عنى به العلف و السقي حتى مضت مدة يموت مثل الدابة في مثل تلك المدة، نظر ان ماتت ضمنها، و ان لم تمت دخلت في ضمانه، و ان نقصت ضمن النقصان، و ان ماتت قبل مضى تلك المدة لم يضمنها، هذه عبارته، و قد علق الضمان فيها كما ترى على ترك ذلك مدة تموت فيها عادة، لا تأخيره زيادة عن العادة، و لا زيادة على ما تصبر عليه عادة، انتهى.
439
و بالجملة فالمسئلة لا تخلو من الاشكال، لعدم الدليل الواضح في هذا المجال و لم أقف في المقام الا على ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي عن محمد بن الحسن (1) في الصحيح قال: «كتبت الى أبى محمد (عليه السلام) رجل دفع الى رجل وديعة فوضعها في منزل جاره، فضاعت هل يجب عليه إذا خالف أمره و أخرجها عن ملكه، فوقع (عليه السلام) هو ضامن لها ان شاء الله».
و رواه
في الفقيه (2) هكذا «رجل دفع الى رجل وديعة و أمره أن يضعها في منزله أو لم يأمره فوضعها في منزل جاره».
الى آخر ما تقدم و مورد الخبر وقوع التلف بالمخالفة، و هو مما لا اشكال فيه، انما الإشكال في الضمان بمجرد المخالفة و ان لم يترتب عليه التلف، كما هو ظاهر شيخنا المتقدم ذكره و غيره.
المقام الثاني في التعدي:
و قد عرفت أنه عبارة عن فعل ما لا يجوز فعله، قالوا: مثل أن يلبس الثوب أو يركب الدابة أو يخرجها من حرزها لينتفع بها، و كذا لو طلبت منه فامتنع من ردها مع الإمكان، فإنه يضمن أيضا، و نحوه لو جهدها ثم قامت عليه البينة، أو اعترف بها و يضمن بالخلط بماله على وجه لا يتميز، و يضمن أيضا بفتح الكيس المختوم، و كذا لو أودعه كيسين فمزجهما و يضمن لو حمل الدابة أثقل مما أذن له فيه، أو أشق و لو أودعه المالك في حرز مقفل ففتح القفل و أخذ بعضها ضمن الجميع، و لو لم يكن في حرز أو كان الحرز من الودعي و أخذ بعضها ضمن ما أخذ خاصة.
و الكلام في تحقيق هذه المواضع يقتضي بسطه في موارد
الأول [الضمان بلبس الثوب و ركوب الدابة]
- ما ذكر من الضمان بلبس الثوب و ركوب الدابة و يجب تقييده بما إذا لم يتوقف الحفظ عليهما، و الا كان واجبا فضلا عن أن يكون جائزا كما لو كان الثوب من الصوف يتوقف حفظه من الدود على لبسه، بحيث أنه لا يندفع ذلك بمجرد النشر في
____________
(1) الكافي ج 5 ص 239 ح 9.
(2) الفقيه ج 3 ص 194 ح 880، الوسائل ج 13 ص 229 ح 1.
440
الهواء و كذا الدابة لو توقف نقلها الى الحرز أو سقيها على ركوبها، و في حكم الثوب الكتب المودعة، فلو توقف حفظها على المطالعة فيها، أو النسخ منها لم يكن ذلك تعديا.
قال في التذكرة: و لو استودع ثياب صوف وجب على المستودع نشرها و تعريضها للريح، لئلا يفسدها الدود، و لو لم يندفع الفساد الا بأن يلبس و يفتق به رائحة الأدمي وجب على المستودع لبسها، و ان لم يفعل ففسدت بترك اللبس أو تعريض الثوب للريح كان ضامنا، سواء أمره المالك أو سكت عنه.
أقول قد عرفت في الموضع الثاني من المقام الأول (1) ما في هذا الكلام من الاشكال و الداء العضال لدلالة الاخبار على عدم الضمان في صورة عدم التعريض للهواء، و عدم وجوب ذلك و ان هلك بطول المكث، كما هو ظاهر الصحيحة المتقدمة، و نحوها غيرها مما تقدم في كتاب الرهن (2) و كما يضمن في الصورة المذكورة، كذا يضمن عندهم لو أخرج الثوب من محله ليلبسه و الدابة ليركبها، فإنه يضمن أيضا، و ان لم يلبس و لم يركب كذا ذكره في التذكرة، قال: لأن الإخراج على هذا القصد خيانة، فوضع يده على مال الغير خيانة و عدوانا من غير أمانة فيكون ضامنا انتهى.
و لو نوى ذلك و لم يخرج شيئا منهما عن محله و لم يستعمله، و كذا لو نوى أخذ الدراهم من الكيس و لم يأخذ، قال في التذكرة في الضمان إشكال، ينشأ من أنه لم يحدث في الوديعة فعلا و لا قولا، فلا يضمن، و من أنه قصد الخيانة فصار خائنا و لا أمانة للخائن فيكون خائنا ضامنا، ثم انه صرح أيضا بأنه لو أخذ الوديعة من المالك بقصد الخيانة، فالأقوى الضمان، لانه لم يقبضها على سبيل الامانة، فيده يد خيانة لا يد أمانة، فلا يكون أمينا بل خائنا ضامنا.
____________
(1) ص 430.
(2) ج 20 ص 234.
441
و فيه أن الظاهر أن صدق الخائن عليه شرعا و عرفا لا يحصل الا بفعل ما يوجب الخيانة، لا بمجرد النية، و الا لصدق على من نوى الزنا و لم يزن أنه زان، و نحو ذلك، و لا ريب في بطلانه.
الثاني [وجوب الرد مع الطلب]
- ما ذكر من الضمان لو طلبها المالك أو من يقوم مقامه فامتنع من ردها مع الإمكان.
أقول: أما وجوب الرد مع الطلب فلا ريب فيه للاية و الرواية قال الله تعالى (1) «إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا» و الاخبار بذلك قد تقدمت في صدر الكتاب (2) و الأمر بالرد فوري عندهم، و أما وجوب الضمان في الصورة المذكورة فالظاهر أن دليله الإجماع على أن التقصير موجب للضمان، و لم أقف على نص في ذلك، و قد تقدم في الموضع العاشر من البحث الأول (3) تحقيق معنى الرد و تفصيل الكلام في هذا المقام.
فروع:
الأول [في جواز الامتناع و التأخير في دفع الوديعة إلى أن يشهد]
- قال في التذكرة: لو أمره المالك بدفع الوديعة إلى الوكيل فطلبها الوكيل لم يكن له الامتناع، و لا التأخير مع المكنة، فإن فعل أحدهما كان ضامنا، و حكمه حكم ما لو طلب المالك فلم يرد عليه، الا أنهما يفترقان في أن المستودع له التأخير الى أن يشهد المدفوع اليه على القبض لان المدفوع اليه و هو الوكيل لو أنكر الدفع صدق بيمينه، و ذلك يستلزم ضرر المستودع بالغرم انتهى.
أقول: مرجع الفرق بينهما إلى أنه في صورة إنكار الوكيل الدفع يحتاج المستودع إلى البينة، و مع عدمها يمين المنكر، لان هذا الفرد أحد أفراد الكلية
____________
(1) سورة النساء- الاية 58.
(2) ص 395.
(3) ص 426.
442
القائلة (1)
«بأن البينة على المدعى، و اليمين على المنكر».
و أما في صورة إنكار المالك لو ادعى الودعي الدفع إليه فإنه و ان كان أيضا أحدهما مدعيا و الأخر منكرا الا أنه من حيث كونه أمينا و محسنا و قابضا لمصلحة المالك فالقول قوله بيمينه، و لا يكلف البينة كما هي قاعدة الأمين في أي موضع كان، فهي مستثناة من القاعدة المذكورة بالنصوص الكثيرة هذا هو المشهور.
و قيل: ان عليه البينة في دعوى الرد على المالك أيضا، عملا بالقاعدة المذكورة، و الأظهر ضعفه عملا بالأخبار الدالة على حكم الامانة، و أنه يقبل قول الأمين بيمينه، و الوديعة من جملتها كما تقدم ذكره.
الثاني [عدم تمكن المستودع من الرد]:
لو قال المالك له: رد الوديعة على فلان وكيلي، فلم يطلب الوكيل الرد، قال في التذكرة: ان لم يتمكن المستودع من الرد فلا ضمان عليه قطعا، لعدم تقصيره، و ان تمكن من الرد احتمل الضمان، لانه لما أمره بالدفع الى وكيله فكأنه عزله، فيصير ما في يده كالأمانات الشرعية.
الثالث [الإشهاد على الإيداع]
- قال في التذكرة أيضا: لو أمره المالك بالدفع الى وكيله أو أمره بالإيداع لما دفع اليه ابتداء، فالأقرب أنه لا يجب على المدفوع إليه الإشهاد على الإيداع، بخلاف قضاء الدين، لأن الوديعة أمانة.
و قول المستودع مقبول في الرد و التلف، فلا معنى للإشهاد، و لأن الودائع حقها الإخفاء بخلاف قضاء الدين، و هو أظهر وجهي الشافعية.
أقول: فيه أنه قد صرح في الفرع الأول بأن للودعي التأخير عن الدفع الى الوكيل الى أن يشهد له على القبض، لما يلزم بعدم الاشهاد من الضرر عليه لو أنكر الوكيل القبض، و قد بينا الوجه فيه، و هنا نفى الوجوب عنه، و هذا لا يجامع الحكم الأول، لان مقتضى ما ذكره أولا أنه لا يجب على الودعي الدفع الا مع الاشهاد له بالقبض، و مقتضى هذا الكلام أنه لا يجب على الوكيل الاشهاد،
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 20 ح 1، الوسائل ج 18 ص 171 ح 5.
443
و اللازم من ذلك أنه لا يجب على الودعي الدفع في صورة أمر المالك بالدفع، كما هو المفروض في كل من الموضعين، و لا ريب في بطلانه، و قوله في الكلام الأخير لأن قول المستودع مقبول في الرد انما هو مسلم بالنسبة إلى دعواه الرد على المالك لما عرفت، بناء على القول المشهور.
و بالجملة فإن الظاهر عندي هو التدافع فيما ذكره في هذين الكلامين
الثالث [ما يعتبر في تحقق الضمان بالجحود]
- ما ذكر من الضمان لو جحدها ثم قامت عليه البينة أو اعترف بها و علل بأنه انما كان الجحود موجبا للضمان، لأنه خيانة، حيث انه بإنكاره يزعم أن يده عليها ليست نيابة عن المالك، فلا يكون أمينه، فيصير يده عليها يد ضمان لا يد وديعة و أمانة.
قالوا: و يعتبر في تحقيق الضمان بالجحود أمور
الأول- أن يكون بعد طلب المالك لها
، فلو جحدها ابتداء أو عند سؤال غيره لم يضمن، لأن الوديعة مبنية على الإخفاء فإنكاره بغير طلب يوجب الرد أقرب الى الحفظ، و لو لم يطلبها المالك لكن سأله عنها فقال: لي عندك وديعة فجحد فلهم في الضمان قولان: أحدهما ما اختاره في التذكرة، و هو العدم، لانه لم يمسكها لنفسه و لم يقر يده عليها بغير رضى المالك، حيث لم يطلبها، و مجرد السؤال لا يبطل الوديعة، و لا يرفع الامانة.
و ثانيها- ما اختاره الشيخ على (رحمه الله) و استوجهه في المسالك من ثبوت الضمان، قال المحقق المذكور: لان جحوده يقتضي كون يده ليست عن المالك لان نفى الملزوم يقتضي نفى لازمه من حيث هو لازمه، فلا يكون أمينا عنه فيضمن.
الثاني- أن لا يظهر بجحوده عذرا بنسيان أو غلط أو نحوهما
فإنه لا يضمن ان صدقه المالك على العذر و الا ففي الضمان وجهان: و استقرب في التذكرة الضمان، و وجهه يعلم مما سبق.
و في المسالك أن عدم الضمان لا يخلو من وجه.
الثالث- أن لا يكون الجحود لمصلحة الوديعة
بأن يقصد به دفع ظالم أو
444
متغلب على المالك أو نحو ذلك، لانه محسن في ذلك، و ما على المحسنين من سبيل.
الرابع- ما ذكر من الضمان بالخلط بماله على وجه لا يتميز
، قال في التذكرة: إذا مزج المستودع الوديعة بماله مزجا لا يتميز أحدهما عن صاحبه كدراهم مزجها بمثلها أو دنانير بمثلها، بحيث لا يتميز بين الوديعة و بين مال المستودع أو مزج الحنطة بمثلها، صار ضامنا، سواء كان المخلوط بها دونها أو مثلها، أو أزيد منها، انتهى.
و مرجع ذلك الى اشتراك الجميع في التعدي الناشي عن التصرف في الوديعة تصرفا غير مشروع، و تعيبها بالمزج المفضي إلى الشركة الموجب إلى المعاوضة على بعض ماله بغير رضاه عند القسمة، و لا ريب أن الشركة عيب، و ربما يفهم من قوله بماله أنه لو كان الخلط بمال المالك لم يضمن، و ليس كذلك بل يضمن أيضا كما صرح به في التذكرة في تتمة كلامه، حيث قال: و لو مزجها بمال مالكها بأن كان له عنده كيسان وديعة، يمزج أحدها بالاخر بحيث لا يتميز ضمن أيضا، لأنه تصرف غير مشروع في الوديعة، و ربما ميز بينهما لغرض دعى اليه و الخلط خيانة، انتهى.
و سيأتي الكلام في ذلك أيضا ان شاء الله تعالى، و كما يضمن في الصورتين المذكورتين، فكذا فيما لو خلطه بمال مغصوب، بل هو أشد الجميع أو بمال يكون عنده أمانة بغير الوديعة، لصدق التصرف المنهي عنه في الجميع.
و في التقييد بعدم التمييز بين المالين إشارة إلى أنه لو تميز المالان فلا ضمان و هو كذلك عندهم ان لم يستلزم المزج أمرا آخر موجبا للضمان، كما لو كان المال في كيس مختوم، فإنه و ان لم يضمن بالمزج من حيث التميز الا أنه يضمن من حيث فكه الختم الذي على الكيس كما سيأتي ذكره إنشاء الله تعالى.
الخامس [في حكم هتك الحرز]
- ما ذكر من الضمان بفتح الكيس المختوم، قال في التذكرة:
لو أودعه عشر دراهم مثلا في كيس، فان كان مشدودا أو مختوما فكسر الختم و حل
445
الشداد أو فعل واحدا منهما ضمن، لانه هتك الحرز على ما تقدم، و ظاهرهم أنه لا فرق في الضمان بكسر الختم و حل الشداد و بين أن يأخذ من الكيس شيئا و عدمه و لا في الختم بين أن يكون مشتملا على علامة للمالك و عدمه، لاشتراك الجميع في العلة الموجبة للضمان، و هي هتك الحرز و التصرف المنهي عنه، و مثله الصندوق المقفل لو فتح قفله، هذا كله إذا كان الختم و الشد من المالك، فلو كان ذلك من الودعي فلا ضمان، إذ لا هتك و لا تصرف فيما فعله المالك، الا أن يكون ذلك بأمر المالك، فإنه عندهم في حكم فعل المالك ذلك.
بقي الكلام في أنه ربما كان القصد من الختم أو الشد انما هو الحفظ و المنع من الانتشار دون الإخفاء، و عدم الاطلاع على ذلك، و الفارق بين الأمرين القرائن فإنه لا يبعد عدم الضمان في الصورة الاولى، و به جزم في المسالك و حيث يضمن للمظروف بفتح الظرف على الوجه المتقدم، فهل يضمن الظرف أيضا أم لا؟ وجهان بل قولان: أولهما- اختاره في المسالك قال: للتصرف فيه المنهي عنه، و ثانيهما- استقر به في التذكرة، لأنه لم يقصد الخيانة في الظرف و ضعفه في المسالك بأن قصد الخيانة لا دخل له في الضمان، بل التصرف، قال: و قد استشكل في حكم ما لو عد الدراهم غير المختوم أو وزنها أو ذرع الثوب، مع أن مقتضى تعليله عدم الضمان، و لو خرق الكيس المختوم فان كان الخرق تحت الختم، فهو كفض (1) الختم و يزيد ضمان الظرف أيضا و ان كان فوق الختم فليس الا ضمان الظرف.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن ظاهر المحقق الأردبيلي (رحمه الله) المناقشة في هذا الحكم، فإنه قال: بعد أن نقل عن التذكرة الضمان بمجرد فض الختم، و خرق الكيس على الوجه المذكور.
و الظاهر عدم الضمان في الموضعين لما فيه من عدم التصرف بخيانة، و كأنه يخص التصرف هنا بغير الدراهم التي في الكيس، حيث أنه لم يدخل يده فيها،
____________
(1) الفض بمعنى الكسر- فضه اى كسره.
446
و أن التصرف الموجب لضمانها انما هو وضع اليد فيها و الأخذ منها، و الا فإنما ذلك تصرف في الكيس خاصا، و المسئلة كغيرها بمحل من الإشكال، فإن كلامه لا يخلو من قرب، و ان كان ظاهرهم الاتفاق على أنه يضمن بمجرد فض الختم، و الله العالم.
السادس- ما ذكره من الضمان لو أودعه كيسين فمزجها
، ظاهر هذا الكلام يعطى وجوب الضمان بمجرد المزج و لو أمكن التميز بينهما، و لعله مبنى على استلزامه ذلك التصرف في المالين بغير اذن المالك، الا أنه قد تقدم في المورد الرابع عدم الضمان مع إمكان التمييز، و يمكن أن يكون المراد بالمزج هنا هو ما كان على وجه لا يتميز أحدهما من الأخر و لعل هو الظاهر من لفظ المزج، و حينئذ فباخراجه ما في أحد الكيسين و صبه على الأخر يضمن ذلك المخرج خاصة، لتصرفه فيه، و لا يضمن ما في الكيس المصبوب عليه مع تميزه، لانه لم يتصرف فيه ان لم يكن مختوما، و فك ختمه، فإنه يضمن من حيث فك الختم، و ربما نقل عن بعض الأصحاب الضمان مطلقا، و ان لم يكن مختوما هذا كله إذا كان الكيسان للمودع، كما هو المفروض أولا، أما لو كان أحدهما للمستودع فإنه لا ضمان مع بقاء التمييز كما تقدم، لان له نقل الوديعة من محل الى آخر، و له تفريغ ملكه، و لا يتعين عليه الحفظ فيما وضع فيه.
السابع [في تعدي عما أذن له في الإجارة]
- ما ذكر من الضمان لو حمل الدابة أثقل أو أشق مما أذن له فيه، و لا ريب في الضمان مع المخالفة و استعمالها في الأشق و الأثقل، لانه تعد محض و تفريط موجب لذلك.
قال في المسالك: بعد قول المصنف و كذا لو أمره بإجارتها لحمل أخف فآجرها لا ثقل، و لا سهل فآجرها لا شق كالقطن و الحديد- ما لفظه: لا اشكال هنا في الضمان مع استعمال المستأجر لها في الأثقل، و هل يتحقق بمجرد العقد؟
يحتمل ذلك، لتسليطه على الانتفاع و العدوان، فيخرج عن كونه أمينا، كما
447
يضمن بجحوده، بل مجرد نيته على قول مع عدم فعل ما يوجب الضمان و عدمه كما لو نوى الخيانة أو التفريط، أو قال: أنه يفعل ذلك و لم يفعل، و لم أقف في ذلك على شيء يعتد به، انتهى.
أقول لا ريب أن عقد الإجارة على هذا الوجه باطل، لان المالك انما أذن له في الإجارة بحمل الأخف و هو قد آجرها لحمل الأثقل و الأشق و هو خلاف ما أذن له فيه، فيكون باطلا، و لا يبعد تحقق الضمان بذلك من حيث التصرف بهذا العقد الموجب لتسليط المستأجر على خلاف ما أمر به المالك.
على أن التمثيل لعدم الضمان بما لو نوى الخيانة أو التفريط مع عدم الفعل محل إشكال أيضا، فإن العلامة في التذكرة قد صرح هنا بالضمان كما تقدم نقله عنه في المورد الأول، و ان كان فيه ما فيه كما أشرنا إليه ثمة.
و بالجملة فالظاهر أن الأقرب بمقتضى قواعدهم هو القول بالضمان في الصورة المذكورة، ثم انه على تقدير المخالفة و وجوب الضمان فهل يضمن الجميع أو بالنسبة؟ ظاهره في المسالك الأول، مع احتمال الثاني.
و جزم المحقق الأردبيلي بالأول من غير احتمال، قال: لانه تعد، فلو تلف يأخذ منه تمام القيمة، لا أن يقسط على المأذون و غيره، و وجه الاحتمال الذي ذكره في المسالك هو في صورة حمل الأثقل، أن القدر المأذون فيه غير مضمون، و انما تعدى بالزائد فيقسط التالف عليهما.
أقول: ما ذكره جيد بالنسبة إلى الأثقل، كما لو أذن له في حمل وزن مخصوص أو كيل مخصوص لا ثقل فيه، فزاد على ذلك الوزن أو الكيل ما حصل به الثقل، فإنه لا يبعد ما ذكره من التقسيط، أما لو كان ما استأجر عليه أضر و أشق على الدابة فمجموع الحمل مغاير لما أذن به المالك، فيتوجه النهي إلى المجموع، بخلاف الأول، فإنه انما يتوجه الى ما حصل به الثقل من الزيادة، و هذا التفصيل بحسب الظاهر لا بأس به على مقتضى قواعدهم.
و قال في المسالك- بالنسبة إلى تمثيل المصنف بالقطن و الحديد- و المراد
448
من الأشق في المثالين: أن الحديد أشق عند سكون الهوى، و القطن أشق عند الهواء، و من ثم جمع بين المثالين.
الثامن [في فتح القفل و أخذ بعض الوديعة]
- ما ذكر من الضمان لو جعلها المالك في حرز مقفل، ففتح القفل و أخذ بعضها، الى آخر ما تقدم.
أقول قد تقدم أنه إذا دفع اليه كيسا مختوما ففضه فإنه يضمن الجميع بفض الختم، و ان لم يأخذ منه شيئا، فكذا هنا يضمن هنا بفك القفل. و ان لم يأخذ شيئا، ففيما إذا أخذ بعضها بطريق أولى.
أما لو لم يكن في حرز أو كانت و لكن الحرز للودعي، فإنه يضمن ما أخذه خاصة، لأنه لم يحصل منه تعد الا فيما أخذه.
و أما لو كان الكيس للودعي و شده بأمر المالك فهو بمنزلة شد المالك فيضمن بفتحه كما ذكروه.
قال في المسالك: و لا فرق في ضمان المأخوذ بين أن يصرفه في حاجته و عدمه عندنا، لأن الإخراج على هذا القصد خيانة، و على هذا فلو نوى التصرف في الوديعة عند أخذها بحيث أخذها على هذا القصد كانت مضمونة عليه مطلقا، لانه لم يقبضها على وجه الامانة، بل على سبيل الخيانة.
و في تأثير النية في استدامة الأخذ كما تؤثر ابتداء وجهان: من ثبوت اليد في الموضعين- مقترنا بالنية الموجبة للضمان- و من أنه لم يحدث فعلا مع قصد الخيانة، و الشك في تأثير مجرد القصد في الضمان، و تردد في التذكرة.
و يتحقق ذلك في صور: منها- أن ينوي الأخذ و لم يأخذ: و الاستعمال و لم يستعمل، و أن لا يرد الوديعة بعد طلب المالك، و لم يتلفظ بالجحود و غير ذلك، و قد جزم المصنف (رحمه الله) في ما سبق بأنه لو نوى الانتفاع لا يضمن بمجرد النية، انتهى.
أقول: فيه أن ما ذكروه من الضمان بمجرد النية في المواضع المذكورة
449
مبنى على وجوب نية قصد الايتمان في قبض الوديعة، و الا كان خائنا يترتب على قبضه الضمان، و هو مشكل لعدم الدليل عليه، و صدق الخائن عليه بمجرد هذه النية ممنوع، إذ الظاهر أن الاتصاف بالخيانة لغة و شرعا و عرفا انما يتحقق بالتعدي و التصرف، لا بمجرد النية، و الا لصدق على الإنسان كونه زانيا بمجرد نية الزنا، و سارقا بمجرد نية السرقة، و هكذا و لا يقوله أحد، و لهذا ان الله تعالى لا يأخذ بمجرد النية و القصد، و انما يؤاخذ بالفعل و التصرف في جميع أفراد المعاصي من خيانة و غيرها.
و بالجملة فإني لا أعرف لكلامهم هنا وجها وجيها، بل الظاهر خلافه كما عرفت و ما نقله عن التذكرة من التردد قد تقدم ذكره في المورد الأول، و قد أشرنا في رده الى ما ذكرناه هنا على أن ما ذكروه أيضا من الضمان للجميع بمجرد فتح القفل و فض الختم لا يخلو من المناقشة، لعدم الدليل على ذلك، و الأصل براءة الذمة، و التصرف هنا حقيقة أنما وقع في القفل و الختم، و الى ما ذكرناه يميل كلام المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد أيضا.
قال في التذكرة: و ان كان الصندوق مقفلا و الكيس مختوما، ففتح القفل و فض الختم و لم يأخذ ما فيه فالأقوى الضمان لما فيه من الثياب و الدراهم، و هو أصح وجهي الشافعية، لأنه هتك الحرز، و الثاني للشافعية أنه لا يضمن ما في الصندوق و الكيس، بل يضمن الختم الذي تصرف فيه، و به قال أبو حنيفة، انتهى.
قال المحقق الأردبيلي- بعد نقل هذا الكلام بحذافيره-: هذا أولى لما مر غير مرة من الأصل و عدم تصرف و تقصير في الحفظ و غير ثابت كون هتك الحرز موجبا للضمان، و لا بد له من دليل فتأمل، انتهى و هو جيد.
تذنيب:
قد تقدم في صدر هذا الكلام أنه لو أخذ البعض ضمن ما أخذ خاصة في صورة ما إذا كان الحرز من المستودع أو لم يكن في حرز، بقي الكلام في أنه
450
لو أعاد ما أخذه إلى موضعه أو أعاد بدله، فأما على الأول فإن ظاهرهم بقاء الضمان، و أنه لا يزول بإعادته لأن يده عليه صارت يد خيانة، لا يخرج عنها الا بما تقدم من إيداع المالك له مرة ثانية، كما في كل تفريط و تعد، و سيأتي تحقيقه ان شاء الله.
و لا فرق في ذلك بين أن يمزجه بغير المضمون مزجا لا يتميز عنه، أم لا، لان الجميع مال المالك، غايته أنه قد صار بعضه مضمونا و بعضه غير مضمون، و أن هذا الاختلاط كان حاصلا قبل الأخذ.
قال في التذكرة- بعد فرض المسئلة في إيداع كيس فيه عشرة دراهم- و ان لم يكن الكيس مشدودا و لا مختوما فأخرج منه درهما لنفسه ضمنه خاصة، لأنه لم يتعد في غيره، فان رده لم يزل عنه الضمان، فان لم يختلط بالباقي لم يضمن الباقي، لأنه لم يتصرف فيه، و كذا ان اختلط و كان متميزا لم يلتبس بغيره و ان امتزج بالباقي مزجا يرتفع معه الامتياز فالوجه أنه كذلك لا يضمن الباقي، بل الدرهم خاصة، لأن هذا المزج كان حاصلا قبل الأخذ و هو أصح قولي الشافعية و الثاني عليه ضمان الباقي لخلطه المضمون بغير المضمون، فعلى ما اخترناه لو تلفت العشرة لم يلزمه الا درهم واحد و لو تلف منها خمسة لم يلزمه الا نصف درهم، انتهى.
و أما على الثاني فإنه لا يبرئ أيضا بإعادة البدل، فإنه إذا كان الضمان باقيا بإعادة ما أخذه ففي بدله بطريق أولى، لأنه لم يتعين ملكا للمالك، إذ لا يحصل الملك الا بقبضه أو قبض وكيله و المستودع ليس وكيلا في تعيين العوض، و انما هو وكيل في الحفظ، و حينئذ فلا يخلو اما أن يكون المردود متميزا عن الباقي بحيث لم يخلط به، أو كان فيه علامة من سكة أو غيرها توجب الامتياز، فإنه لا يضمن سواء ذلك، و لا يضمن الباقي، أو لا يكون متميزا بل مزجه بتلك الدراهم مزجا لا يتميز منها، فان ظاهرهم وجوب ضمان الجميع، لما تقدم من أن مزج الوديعة بماله من موجبات الضمان للجميع و الله العالم.
451
البحث الثالث في اللواحق:
و فيه مسائل
الاولى [في جواز فسخ الوديعة أي وقت شاء المستودع]
- حيث أن الوديعة من العقود الجائزة بناء على أنه عقد، فإنه يجوز فسخها أى وقت شاء المستودع، و بطريق الاولى لو كانت إذنا خاصة، الا أنه لا يجوز تسليمها الا الى المالك أو وكيله، و مع تعذرهما فالى الحاكم الشرعي، و مع تعذره فيدفعها إلى ثقة، و لا ضمان مع عمله بهذا الترتيب فلو خالف و دفع الى الحاكم مع إمكان الدفع الى المالك أو وكيله أو دفع الى الثقة مع إمكان الدفع الى الحاكم ضمن عند الأصحاب من غير خلاف يعرف.
بقي الكلام في أن الظاهر أن جواز الرد في أي وقت شاء انما يتم بالنسبة إلى الرد على المالك أو وكيله، أما الرد على الحاكم أو الثقة فإنما يجوز مع العذر المانع من الايتمان، كخوف تلف الأمانة في يده بحرق أو سرق أو اضطراره الى السفر و نحو ذلك من الأسباب المانعة من بقاءها أمانة في يده، و ان لم يكن له عذر لم يجز الدفع الى الحاكم و لا الثقة، مع عدمه لانه و ان جاز له فسخ عقد الوديعة متى شاء، لانه عقد جائز الا أنه بقبول الوديعة قد التزم حفظها الى أن يردها على مالكها، فلا يبرئ الا بالدفع الى المالك، و لا عذر هنا يجوز له الخروج به عن ذلك من ضرورة تعرض له أو للوديعة كما تقدم.
و ربما نقل عن بعضهم أنه أجاز دفعها الى الحاكم عند تعذر المالك مطلقا، لأنه بمنزلة وكيله، قال في المسالك: و ليس بذلك البعيد.
و قال في المسالك أيضا: ثم انه على تقدير جواز دفعها الى الحاكم هل يجب عليه القبول؟ كما إذا كان له عذر و لم يجد المالك و لا وكيله وجهان: من أنه نائب عن الغائب حينئذ، و أنه منصوب للمصالح و لو لم يجب عليه القبض فاتت المصلحة المطلوبة من نصبه، و من أصالة البراءة، و الأقوى الأول، و الوجهان آتيان في ما لو حمل اليه المديون الدين مع غيبة المدين، و الغاصب المغصوب أو بدله مع تلفه، و غير ذلك من الأمانات التي يليها الحاكم، انتهى.
452
أقول: و قد تقدمه العلامة في ذلك، و المحقق الشيخ على كما تقدم ذكره، و قد بينا ما فيه في التنبيه الثالث (1) من التنبيهات الملحقة بالموضوع الرابع من المقام الأول من سابق هذا البحث.
الثانية [في عود حكم الوديعة بعد رفع اليد عن التعدي و التفريط]
- الظاهر من كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف أنه متى صارت يد المستودع يد ضمان بالتعدي أو التفريط على الأنحاء المتقدمة، فإنه لا يخرج عن ذلك، و لا يعود الى حكم الوديعة برد الوديعة الى ما كانت عليه، لانه صار بمنزلة الغاصب بتعديه، فيستصحب الحكم بالضمان الى أن يحصل من المالك ما يوجب زواله، و العود الى الحال الاولى.
قال في التذكرة: إذا صارت الوديعة مضمونة على المستودع اما بنقل الوديعة و إخراجها من الحرز أو باستعمالها كركوب الدابة و لبس الثوب أو بغيرها من أسباب الضمان، ثم انه ترك الخيانة ورد الوديعة إلى مكانها و خلع الثوب لم يبرء بذلك عند علمائنا أجمع، و لم يزل عنه الضمان و لم تعد أمانة، و به قال الشافعي، لأنه ضمن الوديعة بعد و ان، فوجب أن يبطل الاستيمان كما لو جحد الوديعة، ثم أقر بها، و قال أبو حنيفة: يزول عنه الضمان، لأنه إذا ردها فهو ما سك لها بأمر صاحبها، فلم يكن ضمانها.
أقول: لم أقف لهم (رضوان الله تعالى عليهم) على دليل في المقام، سوى ما يظهر من كلامهم من الأخذ بالاستصحاب، مضافا الى دعوى الإجماع كما سمعت من كلام العلامة، و قد عرفت ما في الاستصحاب في مقدمات الكتاب المذكور في صدر كتاب الطهارة (2) و ما في أمثال هذه الإجماعات من المناقشة التي تقدمت في غير باب و القول بما ذكروه على إطلاقه مشكل، لما عرفت من عدم الدليل، و ان أمكن القول بذلك في بعض الموارد بنوع من التقريب الموجب لما ذكروه، كلبس الثوب و ركوب الدابة.
____________
(1) ص 435.
(2) ج 1 ص 52.
453
و مما يؤيد ما ذكرناه ما رواه
ابن إدريس في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي (1) «قال سألته عن رجل كانت عنده وديعة لرجل فاحتاج إليها هل يصلح له أن يأخذ منها و هو مجمع على ان يردها بغير اذن صاحبها؟ قال: إذا كان عنده وفاء فلا بأس أن يأخذ و يرده».
و رواه
الحميري في قرب الاسناد عن على بن جعفر (2) عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته» الخبر.
و بمضمون ذلك أخبار أخر قد تقدمت في المسئلة السابعة من المقدمة الرابعة من كتاب التجارة (3) و التقريب فيها أنها ظاهرة في أنه لا يخرج بهذا التصرف عن كونه أمينا لكون تصرفه جائزا.
و قال ابن إدريس- بعد إيراد خبر البزنطي المذكور- قال محمد بن إدريس لا يلتفت الى هذا الحديث، لانه ورد في نوادر الاخبار، و الدليل بخلافه و هو الإجماع منعقد على تحريم التصرف في الوديعة بغير اذن ملاكها، فلا يرجع عما يقتضيه العلم الى ما يقتضيه الظن، انتهى، و هو جيد على أصله الغير الأصل، و كيف لا؟ و الاخبار بما قلناه متظافرة كما أشرنا إليه من ذكرها في الموضع المشار اليه، و الحكم ليس منحصرا في هذا الخبر، و قد تقدم الكلام أيضا في المناقشة في بعض الموارد المذكورة.
ثم انه على تقدير ما ذكروه من لزوم الضمان و الخروج عن الوديعة فإنهم ذكروا أنه لا يعود الى الحكم الأول الا بأن يرده على المالك، ثم يجدد له المالك و هذا الفرد مما لا خلاف و لا اشكال فيه عندهم، لأنه وديعة مستأنف يترتب عليها أحكام الوديعة التي من جملتها كون الودعي أمينا.
قال في التذكرة: لورد الوديعة- بعد أن تعلق ضمانها به اما بالإخراج من الحرز أو بالتصرف أو بغيرهما من الأسباب- إلى المالك ثم ان المالك أودعه
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 233 ح 2 الباب 8 من أبواب أحكام الوديعة الرقم 2.
(2) قرب الاسناد ص 119.
(3) ج 18 ص 325.
454
إياها ثانيا فإنه يعود أمينا إجماعا، و برء من الضمان، انتهى.
و أما لو لم يردها و لكن جدد له المالك الإيداع بأن أذن له في الحفظ فقال:
أذنت لك في حفظها أو قال: أودعتكها أو استأمنتك عليها فظاهر الأكثر أنه كالأول.
و علل بأن الضمان انما كان بحق المالك، و قد رضى بسقوطه بإحداثه ما يقتضي الامانة، و هو اختياره في التذكرة، حيث قال: لو لم يسلمها الى المالك لكن أحدث المالك له استئمانا فقال: أذنت لك في حفظها أو أودعتكها أو استأمنتك أو برءتك من الضمان فالأقرب سقوط الضمان عنه، و عوده أمينا لأن التضمين حق المالك، و قد رضى بسقوطه، و هو أصح قولي الشافعي.
و الثاني أنه لا يزول الضمان و لا يعود أمينا لظاهر
قوله (عليه السلام) (1) «على اليد ما أخذت حتى تؤدى».
انتهى، و ظاهره في المسالك التوقف في هذا المقام، قال: و يمكن بناء ذلك على أن الغاصب إذا استودع هل يزول الضمان عنه أم لا؟ فان المستودع هنا قد صار بتعديه بمنزلته، و المسئلة موضع إشكال- إذ لا منافاة بين الوديعة و الضمان كما في الفرض المذكور، فلا يزول الضمان السابق بتجدد ما لا ينافيه، مع عموم
قوله (صلى الله عليه و آله) على اليد ما أخذت حتى تؤدى» (2).
- و من أنه قد أقام يده مقام يده، و جعله وكيلا في حفظها، و ذلك يقتضي رفع الضمان، و قد سلف البحث في نظائرها في مواضع، كالرهن و القراض و الأقوى هنا زوال الضمان، لان المستودع نائب عن المالك في الحفظ، فكانت يده كيده، و قبضه لمصلحته، فكان المال في يده بمنزلة ما كان في يد المالك، بخلاف الرهن، انتهى.
و مرجع الوجه الثاني إلى ثبوت المنافاة بين الوديعة و الضمان الذي معه أولا و هو الأظهر و لهذا رجع به في آخر كلامه عن الاستشكال الذي ذكره أولا.
و ظاهر عبارة التذكرة المتقدمة أن الإبراء من الضمان في حكم الألفاظ
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 504 ح 12.
(2) المستدرك ج 2 ص 504 ح 12.
455
المذكورة في تجدد الوديعة، لما علله به من أن التضمين حق للمالك، و قد رضى بسقوطه، و ربما أشكل بأن معنى الضمان أن العين لو تلفت وجب عليه بدلها، و الحال أنها الان لم تتلف، فتكون البراءة من الضمان إبراء مما لم يجب.
و رد بأن الضمان المسبب عن التعدي معناه جعل ذمة الودعي متعلقة بالمال على وجه يلزمه بدل المال على تقدير تلفه، و لزوم البدل ثمرة الضمان و فائدته، لا نفسه، و الساقط بالإبراء هو الأول لا الثاني.
و يدل على أن المراد من الضمان هو المعنى الأول أنهم يحكمون عليه بمجرد العدوان، فيقولون صار ضامنا، و لو فعل كذا ضمن و نحو ذلك، مع أن لزوم البدل لم يحصل بذلك، و انما حصل قبول ذمته له، و هذا معنى زواله بالبراءة، بل هو متعلق البراءة.
الثالثة [في إنكار الوديعة أو الإقرار بها مع دعوى التلف]
- إذا أنكر الوديعة أو أقر بها و لكن ادعى التلف أو ادعى الرد و لا بينة فهيهنا مقامات ثلاثة.
الأول- الإنكار
، و الظاهر أنه لا خلاف و لا إشكال في قبول قوله فيه، لانه منكر، و الأصل عدمها من غير معارض.
الثاني:
دعوى التلف، و المشهور قبول قوله فيه بيمينه و ان كان مدعيا و مخالفا للأصل، لأنه أمين فيقبل قوله على من ائتمنه، بل ظاهر التذكرة دعوى الإجماع على ذلك، قال: إذا طلب المالك من المستودع الرد فادعى التلف، فالقول قوله مع اليمين عند علمائنا، سواء ادعى التلف بسبب ظاهر، أو خفي.
لأنه أمين في كل حال، فكان القول قوله في كل حال هو أمين فيها، انتهى.
و ظاهر الأصحاب أنه لا فرق في الحكم المذكور بين دعواه التلف بسبب ظاهر كالحرق و الغرق، أو خفي كالسرق، لاشتراكهما في المعنى و قد عرفت من ظاهر العلامة دعوى الإجماع على ذلك.
و ظاهر الشيخ في المبسوط الفرق بين ذلك، فقال: بقبول قوله في الثاني،
456
دون الأول، حيث قال بعد كلام في المقام-: و جملته أن كل موضع يدعى الحرق و النهب و الغرق فإنه لا يقبل قوله الا بالبينة، و كل موضع يدعى السرقة و الغصب أو يقول: تلف في يده، فان القول قوله مع يمينه بلا بينة، و الفرق أن الحرق و الغرق لا يخفى، و يمكن إقامة البينة عليه، بخلاف السرقة، انتهى.
و ظاهر العلامة في التذكرة القبول مع الإطلاق، و عدم تعيين السبب الموجب للتلف، كما يشير اليه كلام الشيخ المذكور أيضا، حيث خص عدم القبول بدعوى السبب الظاهر، و عد دعوى التلف مطلقا فيما يقبل قوله.
ثم ان ظاهر الأكثر قبول قوله مع اليمين لا بدونها، و قد سمعت من عبارة التذكرة دعوى الإجماع عليه، مع أن الصدوق في المقنع قال: يقبل دعوى التلف و الضياع بلا يمين.
قال: «و سئل الصادق (عليه السلام) عن المودع إذا كان غير ثقة هل يقبل قوله؟ قال: نعم و لا يمين عليه» (1).
قال: و روى في حديث آخر (2) أنه قال:
«لم يخنك الأمين و لكنك ائتمنت الخائن».
و قال في كتاب من لا يحضره الفقيه (3) مضى مشايخنا (رضي الله عنهم) على أن قول المودع مقبول، فإنه مؤتمن و لا يمين عليه و قال الشيخ في النهاية و لا يمين على المودع، بل قوله مقبول، فان ادعى المستودع أن المودع قد فرط أو ضيع كان عليه البينة، فان لم يكن معه بينة كان على المودع اليمين.
و قال ابن الجنيد و إذا قال: قد ضاعت أو تلفت فالقول قوله، فان اتهم أحلف، و كذا قال: أبو الصلاح.
أقول: كلامهما يرجع الى ما ذكره في النهاية، و المشهور بين المتأخرين اليمين مطلقا، قال في المختلف: و الأشهر التسوية بين الحكمين في وجوب
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 195 ح 7، الوسائل ج 13 ص 228 ح 7.
(2) الفقيه ج 3 ص 194، الوسائل ج 13 ص 228 ح 8.
(3) الفقيه ج 3 ص 194، الوسائل ج 13 ص 228 ح 8.
457
اليمين، لان قول المودع أنها سرقت أو ضاعت دعوى، فلا بد فيها من اليمين و لم يوجب البينة، لأنه أمين، انتهى.
و حينئذ فالأقوال في المسئلة أربعة، و لم أقف على حديث ظاهر في اليمين في هذا المقام، و غاية ما استدل به العلامة في المختلف لذلك
حسنة الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) «قال صاحب الوديعة و البضاعة مؤتمنان».
و أنت خبير بما فيه، بل ربما كان بالدلالة على خلاف ما ادعاه أنسب، فان مقتضى كونه أمينا أن يقبل قوله من غير يمين، كما هو ظاهر جملة من الاخبار، منها الخبر المتقدم نقله عن المقنع، مع فرض كون الودعي غير ثقة، و هو أبلغ في الدلالة.
و منها ما رواه
في الكافي عن مسعدة بن صدقة (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس لك أن تتهم من ائتمنته، و لا تأمن الخائن و قد جربته».
و ما رواه
في قرب الاسناد عن مسعدة بن صدقة (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس لك أن تأتمن من خانك لا تتهم من ائتمنت».
و عن مسعدة بن زياد (4) «عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: ليس لك أن تتهم من ائتمنته، و لا تأمن الخائن و قد جربته».
و التقريب في هذه الاخبار أن منشأ اليمين انما هو الاتهام له، و عدم تصديقه، و قد نهوا عن اتهامه، فلا وجه لليمين حينئذ بل يجب تصديقه و قبول قوله من غير يمين ففي هذه الاخبار رد أيضا على الشيخ و من قال بقوله من أن له إحلافه مع تهمته فان هذه الاخبار نهت عن اتهامه و يؤيد هذه الاخبار أيضا الأخبار الدالة على أنه لم يخنك الأمين، و لكن ائتمنت الخائن، فإنها ظاهرة في أنه لا يجوز له أن يخونه، و ينسبه إلى الخيانة بعد اعتقاد كونه أمينا، و إيداعه لذلك.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 193 ح 1، الوسائل ج 13 ص 227 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 298 ح 1، الوسائل ج 13 ص 229 ح 9.
(3) الوسائل ج 13 ص 229 ح 9 الباب 4 من أبواب أحكام الوديعة الرقم 9 قرب الاسناد ص 35.
(4) الوسائل ج 13 ص 229 ح 10 الباب 4 من أبواب أحكام الوديعة الرقم 10 قرب الاسناد ص 35.
458
و منها ما رواه
في الفقيه مرسلا (1) قال: «و روى أن رجلا قال للصادق (عليه السلام) انى ائتمنت رجلا على مال أودعته عنده فخانني و أنكر مالي، فقال:
لم يخنك الأمين و لكن ائتمنت أنت الخائن».
و رواه الشيخ أيضا (2) مرسلا.
و هو ظاهر فيما قلناه، و به يظهر لك قوة قول الصدوق في المسئلة، و يمكن حمل كلام الشيخ و ابن الجنيد و أبى الصلاح على ائتمان من يتهمه، بمعنى أنه لا يعتقد أمانته وقت الإيداع، بل يجوز الخيانة عليه كما يدل عليه بعض الاخبار الواردة في تضمين القصار و نحوه.
أقول: و يؤيد ما قلناه هنا ما سيأتي إنشاء الله من الاخبار في كتاب العارية، و ما ذكرناه غير خاص بالوديعة، بل كل موضع ثبت كونه أمانة من عارية، أو مضاربة، أو وكالة أو نحوها، كما سيأتي تحقيقه- إنشاء الله تعالى- في كتاب العارية.
الثالث- ما لو ادعى الرد على المالك
، و فيه اشكال من حيث أن الأصل عدم الرد و عدم البينة على المدعى، و من حيث أنه أمين و محسن و قابض لمصلحة المالك، و المشهور قبول قوله بيمينه.
قال في التذكرة، فإن ادعى ردها على من ائتمنه و هو المالك قدم قوله باليمين، على اشكال ينشأ- (عليه السلام) من أنه أمين يقبل قوله مع اليمين كالمتلف و من كونه مدعيا فافتقر إلى البينة، و ظاهره التوقف في الحكم، و بقائه على الاستشكال لعدم الترجيح بشيء من الدليلين على الأخر.
و كذلك شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حيث جرى على ما جرى عليه في التذكرة، و نحوه الشهيد في شرح نكت الإرشاد حيث اقتصر على مجرد نقل وجهي الإشكال المذكور و هو في محله.
و لو ادعى الرد الى وكيل المالك فظاهرهم أنه كدعوى الرد على المالك،
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 195 ح 7، الوسائل ج 13 ص 228 ح 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 181 ح 9 الوسائل ج 13 ص 228 ح 6.
459
لان يده كيده، و لو ادعى الرد على الوارث فعليه البينة، لخروج هذا الفرد عما نحن فيه، لان الوارث لم يأتمنه، فلا يكلف تصديقه، و الأصل عدم الرد.
الرابعة [في دعوى رد الوديعة إلى المأذون من المالك]
- قد عرفت الحكم فيما لو ادعى الودعي رد الوديعة على المالك أو وكيله أو وارثه بقي الكلام هنا في ما لو ادعى الرد على غير من ذكر لكن باذن المالك، و لا يخلو الحال هنا، اما أن يوافق المالك على دعوى الاذن، أو ينكر ذلك، فهنا مقامان
الأول- أن يوافق المالك على ذلك
، و لكن المدفوع اليه ينكر ذلك، و الدافع لم يشهد عليه، و قد اختلف كلامهم في هذا المقام، و مثله ما لو أمره بقضاء دينه فقضاه عنه، و لم يشهد على الدفع، مع إنكار المدفوع اليه، و الأقوال هنا ثلاثة: فقيل: يضمن الدافع في الموضعين، و قيل: لا يضمن فيهما و قيل: بالتفصيل، فيضمن في القرض، و لا يضمن في الوديعة.
قال في المختلف: إذا أمره بالإيداع فلم يشهد عليه قوى الشيخ عدم الضمان، و لو أمره بقضاء الدين قال: يضمن بترك الاشهاد و ان صدقه عليه، فإنه فرط حيث دفع دفعا غير مبرئ، و لو قيل بالتسوية في الموضعين في عدم الضمان كان وجها، لانه امتثل ما أمره به، و جهود القابض لا يوجب الضمان على الدافع، و البراءة في نفس الأمر قد وقعت، انتهى.
مع أنه في التذكرة قوى مذهب الشيخ، و منع ما اختاره هنا، فقال: لو أمره بالإيداع لما دفعه اليه ابتداء فالأقرب أنه لا يجب على المدفوع إليه الإشهاد على الإيداع، بخلاف قضاء الدين، لأن الوديعة أمانة، و قول المستودع مقبول في الرد و التلف، فلا معنى للإشهاد، و لأن الوديعة حقها الإخفاء بخلاف قضاء الدين و هو أظهر وجهي الشافعية.
و الثاني أنه يلزمه الاشهاد كقضاء الدين، و قد بينا الفرق، انتهى.
ثم قال- في المسئلة التي هي محل البحث-: و لو اعترف المالك بالاذن و الدفع معا لكنه قال: انك لم تشهد عليه، و المدفوع اليه، ينكر، كان مبنيا
460
على الخلاف السابق، في وجوب الاشهاد على الإيداع، فإن أوجبناه ضمن، و الا فلا، و من هذا الكلام علم القول الثاني، و الثالث، و حجة كل منهما.
و أما القول الأول فنقله في المسالك قولا في المسئلة، و لم يسنده، و علله بأنه يضمن فيهما، لأن إطلاق الإذن يقتضي دفعا ثابتا يمكن الرجوع اليه عند الحاجة، فإذا ترك الاشهاد فقد قصر، خصوصا الدين، فان الغرض منه برأيه الذمة، و لا يظهر إلا بالإشهاد، لأن الغريم إذا أنكر فالقول قوله.
و المحقق في الشرائع اختار في كتاب الوديعة عدم وجوب الاشهاد على أداء الوديعة، و في كتاب الوكالة قال بالتفصيل على تردد، و ظاهره في المسالك اختيار القول بالتفصيل، حيث أنه استحسنه من بين الأقوال المذكورة، و المسئلة عندي محل توقف و اشكال، لعدم الدليل من النصوص، و تدافع هذه التعليلات، مع ما عرفت في غير موضع من أنها لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية و الله العالم.
الثاني- أن ينكر المالك الاذن
و حينئذ فالقول قوله بيمينه، إذا لم يكن بينة، لانه منكر، و يكون الحكم فيه كدعوى الرد على الوارث، لان المدفوع اليه لم يأتمنه ليقبل قوله عليه، و ليس بوكيل لتكون يده كيد الموكل.
و بالجملة فالظاهر أن المسئلة المذكورة من جزئيات مسئلة المدعى و المنكر يوجب البينة على المدعى، و اليمين على المنكر.
و احتمل بعض المحققين كون القول قول المستودع بيمينه، نظرا الى ما تقدم من أنه أمين، و الظاهر ضعفه، لان القدر المقطوع به من الاخبار و كلام الأصحاب اختصاص ذلك بغير ما ذكرناه من دعوى التلف بأي أنواعه، أو الرد على المالك أو وكيله.
بقي الكلام في أنه متى حلف المالك فلا يخلو اما أن يكون من ادعى عليه القبض مقرا بذلك، أو منكرا، و على تقدير الأول اما أن يكون موجودة أو تلفت، فهيهنا صور ثلاثة
أحدها- أن يقر بالقبض و العين موجودة
، و لا
461
إشكال في وجوب ردها الى المالك، قال في التذكرة: فإن غاب المدفوع إليه في هذه الصورة كان للمالك أن يغرم المستودع، فإذا قدم الغائب أخذها المستودع و ردها على المالك، و استرد البدل الذي دفعه، و هو ظاهر في التخيير بين الرجوع على الودعي و الصبر الى قدوم الغائب، الا أنه مع الرجوع على الودعي فالحكم ما ذكره.
الثانية- الصورة المذكورة مع تلف العين
، و الحكم عندهم أنه يتخير المالك في الرجوع على من شاء منهما، و ليس للغارم منهما أن يرجع على صاحبه، لزعمه أن المالك ظالم له في أخذ البدل منه، فلا يرجع به على غير من ظلمه.
الثالثة- أن ينكر القبض الذي ادعاه المستودع
، و حينئذ فالقول قوله بيمينه مع عدم البينة، فيختص الغرم بالمستودع.
الخامسة [في إنكار الوديعة ثم الاعتراف بها مع دعوى التلف]
- اختلف الأصحاب فيما لو أنكر الوديعة فأقام المالك البينة عليها فصدقها بعد الإنكار الا أنه ادعى التلف قبل إنكاره، فقيل: لا يسمع دعواه التلف، لأنه بإنكاره السابق مكذب لدعواه الأخيرة فلا تسمع لتناقض كلاميه، و لا يتوجه بها يمين عليه و لا على المدعى عليه، و لو أقام بينة أيضا فإنها لا تسمع بينته، لانه مكذب لها و نقل هذا القول في المختلف عن الشيخ، و أيده بعضهم بأنه بإنكاره الوديعة يصير خائنا، فخرج عن الامانة و صار ضامنا.
و قيل: أنه إذا قال المودع: ما أودعتني شيئا ثم اعترف بالوديعة و ادعى هلاكها لم يضمن إذا حلف، لأن إنكاره يجوز أن يكون عن سهو و نسيان لها، و نقله في المختلف عن ابن الجنيد، و هو ظاهر في قبول قوله مع عدم البينة.
و ذهب العلامة في المختلف الى ما قدمنا نقله عن الشيخ من أنه لا تسمع دعواه و ان أقام بينة، لانه مكذب لدعواه الهلاك بإنكاره الوديعة، الا أنه قال:
لو طلب إحلاف الغريم فله ذلك، و فيه كما ترى دلالة على نوع من سماع دعواه، فان ظاهر مذهب الشيخ أنه يجب عليه الضمان مطلقا.
462
و قيل: أنه تسمع دعواه، و تقبل بينته، لجواز استناد جحوده الى النسيان فيعذر و هو اختيار المحقق في الشرائع، و العلامة في التذكرة، على ما نقله عنه في المسالك، و هذا القول يرجع الى ما قدمنا نقله عن ابن الجنيد.
و في القواعد اختار القول الأول و قد تبين من ذلك أن في المسئلة أقوالا ثلاثة، و كلها للعلامة في كتبه المذكورة، و في المسئلة أيضا قول رابع نقله في المسالك عن الشهيد (رحمه الله) و استحسنه، و هو أنه ان أظهر لإنكاره تأويلا كقوله ليس لك عندي وديعة يلزمني ردها أو ضمانها أو نحو ذلك، قبلت دعواه، و سمعت بينته، و ان لم يظهر له تأويلا لم يقبل.
أقول: و يؤيد هذا القول ما يظهر من المسالك من أن محل الخلاف في المسئلة ما إذا كان الجحود بإنكار أصل الإيداع، أما لو كانت صورته لا يلزمني شيء إليك أو نحو ذلك من الألفاظ المذكورة في هذا القول فقامت البينة بها، فادعى التلف أو الرد سمعت دعواه ببينته، لعدم التناقض بين كلاميه.
قال في القواعد: و ان أقيمت عليه البينة فادعى الرد أو التلف من قبل، فان كان صيغة جحوده إنكار أصل الوديعة لم يقبل قوله بغير بينة و لا معها على الأقوى لتناقض كلاميه، و ان كان صيغة الجحود لا يلزمه شيء قبل قوله في الرد و التلف مع البينة بدونها في الأخير، و في الأول على رأى.
أقول: قوله على الأقوى إشارة الى ما قدمنا نقله عنه من اختياره القول الأول، و قوله و في الأول على رأى، يعنى الرد، إشارة إلى الإشكال المتقدم ذكره فيما لو ادعى الرد.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن عندي في عده في المسالك ما نقله عن الشهيد من التفصيل قولا رابعا نظرا، بل الظاهر أنه يرجع الى القول الأول و ذلك فان الظاهر من كلامه كما قدمنا الإشارة اليه أن محل الخلاف انما هو فيما إذا كان الجحود بإنكار أصل الإيداع حيث قال بعد نقل الأقوال الأربعة: هذا كله إذا كان الجحود بإنكار
463
أصل الإيداع، أما لو كان صورته ما يلزمني شيء أو لا يلزمني تسليم شيء إليك أو مالك عندي وديعة أو ليس لك عندي شيء فقامت البينة بها فادعى التلف أو الرد سمعت دعواه و بينته، لعدم التناقض بين كلاميه، انتهى.
و مرجع هذا الكلام الى ما ذكرناه من أن محل الخلاف و الأقوال الأربعة التي قدمناها قبل هذا الكلام انما هو في صورة الجحود بإنكار أصل الإيداع، و القول الذي نقله رابعا ظاهر في أنه مع الجحود بهذه الكيفية، حيث لا يقبل قوله التأويل لا يقبل قوله، و أما إذا كان جحوده لا بهذه الكيفية بل بهذه الألفاظ التي يقبل التأويل فإنه و ان كان يقبل، الا أنه خارج عن محل البحث، و الخلاف في المسئلة كما ذكره في كلامه الأخير و بالجملة فبالتأمل في كلامه يظهر صحة ما قلناه.
قال في المسالك: و حيث قلنا بقبول بينته ان شهدت بتلفها قبل الجحود برء من الضمان و ان شهدت بتلفها بعده ضمن لخيانته بالجحود، و منع المالك منها و هو جيد، و الله العالم.
السادسة [في موت الودعي بعد الاعتراف بالوديعة]
- المشهور بين الأصحاب على ما نقله في المسالك أنه إذا اعترف بالوديعة ثم مات و جهلت عينها فإنها تخرج من أصل تركته، و لو كان له غرماء و ضاقت التركة حاصهم المستودع، و علل بأن اعترافه بالوديعة في حياته أوجب ثبوت يده عليها، و التزامه بها الى أن يردها الى مالكها، فإذا لم تعلم كان ضامنا لها، لعموم (1)
«على اليد ما أخذت حتى تؤدى».
و لانه بترك تعيينها مفرط فيها، فيضمن، و لأن الأصل بقاءها في يده الى الموت و بعده يكون في جملة التركة، فإذا تعذر الوصول الى عينها، وجب البدل فيكون بمنزلة الدين، فيحاص الغرماء و تردد في هذه المسئلة المحقق في الشرائع، و استشكل فيها العلامة في القواعد و الإرشاد، و منشأ التردد و الاستشكال مما ذكر، و من أن اعترافه بها في حياته انما يقتضي وجوب الحفظ، و الا فذمته بريئة من ضمانها فإذا مات و لم تعلم، احتمل
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 504 ح 12.
464
تلفها قبل الموت بغير تفريط، أو ردها الى المالك، و الأصل براءة ذمته من الضمان، و كون التلف على خلاف الأصل معارض بهذا الأصل، و ليسا متنافيين حتى يقال: أنهما تعارضا فتساقطا، إذ لا يلزم من بقاءها و عدم تلفها تعلقها بالذمة ليلزم الضمان كما ادعوه.
قال- شيخنا الشهيد (رحمه الله) في شرح نكت الإرشاد بعد قول المصنف (و لو مات و لم يوجد أخذت من التركة على اشكال)-: ما لفظه منشأ النظر إلى أصالة براءة الذمة من الضمان، فينزل على تلفها بغير تفريط، إذ الأصل عدمه، و الالتفات الى
قوله (1) (صلى الله عليه و آله) «على اليد ما أخذت».
و لأصالة عدم التلف بها، انتهى.
و أنت خبير بأنه بالنظر الى الجحود على أمثال هذه التعليلات هو عدم الضمان، لأن الوديعة من حيث هي لا تعلق لها بالذمة الا من حيث أسباب التعدي أو التفريط المتقدمة، و المفروض أنه لا شيء منها، و غاية ما يجب على الودعي الحفظ لها خاصة، و مجرد عدم وجودها بينها بعد الموت لا يستلزم تفريطا و لا تعديا ليحصل به الضمان، فأصالة عدم الضمان ظاهرة، و ان فرض احتمال بقاءها و احتمال الرد الى المالك، و التلف بغير تفريط قائم في العين، و حديث (2)
«على اليد ما أخذت».
يمكن تخصيصه بالأمانات، بمعنى خروج الأمانات من عمومه، و ليس هنا ما يوجب الخروج عن كونها أمانة من تفريط أو تعد يوجب الضمان و التعلق بالذمة، حتى يقال: ان عليها ما أخذت.
و به يظهر وجه ما استظهرناه، و من ثم قال في المسالك- بعد الكلام في المسئلة- و الأقوى انه ان علم بقاء عينها الى ما بعد الموت و لم تتميز قدم مالكها على الغرماء، و كان بمنزلة الشريك، و ان علم تلفها بتفريط فهو أسوة الغرماء، و الا فلا ضمان أصلا، لأصالة براءة الذمة، و أصالة بقائها إلى الان لو سلمت لا تقتضي
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 504 ح 12.
(2) المستدرك ج 2 ص 504 ح 12.
465
تعلقها بالذمة، انتهى و هو جيد.
ثم ان ما ذكرناه من عدم الضمان هنا هو ظاهر اختيار العلامة في التذكرة حيث قال: قد بينا الخلاف فيما إذا كان عنده وديعة، و لم توجد في تركته، و ان الذي يقتضيه النظر عدم الضمان، و الذي عليه فتوى أكثر العلماء منا و من الشافعية أن عليه الضمان، ثم نقل عن الشافعي أنها إذا لم توجد بعينها خاص المالك الغرماء، و نقل اختلاف أصحابه في هذه المسئلة.
و كيف كان فالمسئلة المذكورة لخلوها عن النص الواضح غير خالية من الاشكال، و ان كان ما ذكرناه لا يخلو من قرب بالنظر الى هذه التعليلات و الله العالم.
السابعة [في ادعاء الاثنين الوديعة]
- لو كان في يده وديعة فادعاها اثنان، يأن ادعى كل واحد أنها له بخصوصه، فاما أن يقربها الودعي لأحدهما، أو يقر لهما، أو يكذبهما، أو يقول:
لا أدرى لايكما هي مع قطعه بانحصارها فيهما، أو يقول، لا أدرى لمن هي لكما أو لغيركما فهنا صور
الاولى أن يقر بها لواحد منهما خاصة
و قد صرح الأصحاب بأنها يحكم بها لمن أقر له بها، و يجب دفعها اليه، و يجب على الودعي أن يحلف للآخر. فان حلف سقطت دعوى الأخر عنه، و بقي النزاع بين المدعيين، و لمن لم يقر له الودعي إحلاف صاحبه الذي أقر له الودعي، و دفع إليه الوديعة، فإن حلف استقر الملك له. و ان نكل الودعي عن اليمين للآخر أحلف ذلك للآخر على استحقاقها ان لم نقل بأنه يقضى عليه بالنكول، و على كل من الوجهين فإنه يغرم الودعي حينئذ لذلك الأخر المثل أو القيمة لحيلولته بينه و بين الوديعة بإقراره للأول، أما في صورة القضاء بالنكول فظاهر، و أما في صورة حلف الأخر فلان اليمين المردودة عندهم بمنزلة إقرار المنكر، فإنه لو أقر بها ثانيا للآخر بعد أن أقر بها أولا للأول، لزمه الغرم مثلا أو قيمة، و كذا ما هو بمنزلة الإقرار.
و ربما قيل: بأن اليمين المردودة كالبينة من المدعى، و حينئذ فكما
466
يحتمل- أن يكون الحكم فيها ما تقدم في تنزيل اليمين بمنزلة الإقرار من تغريم الودعي مع بقاء العين في يد الأول- يحتمل أن تنزع العين من يد الأول، لان مقتضى العمل بالبينة كون العين لمن شهدت له.
و رد بأنها انما تكون كالبينة بالنسبة إلى المتداعيين خاصة، لا في حق غير هما و هذه العين قد صارت حقا للأول، و النزاع هنا انما هو بين الودعي و بين الأخر و كونها كالبينة في حق المدعى عليه، يقتضي غرمه له للحيلولة بينه و بينها بإقراره للأول، قالوا: و اليمين منهما هنا على البت، لأنها ترجع الى الاستحقاق و نفيه.
الثانية- أن يقر لهما معا على سبيل الاشتراك
، و فيه تكذيب لدعوى كل الاستقلال بالاستحقاق، فقد كذب كل واحد منهما في دعواه الجميع و صدقه في البعض، و حينئذ فيقسم بينهما، و يبقى النزاع بينهما في النصف، فان حلفا معا أو نكلا قسم بينهما أيضا، و ان حلف أحدهما خاصة قضى له به، و لا خصومة للناكل مع الودعي.
و بالجملة فإنه يكون بمنزلة مال في يد شخصين يدعيانه هذا بالنسبة إليهما و أما بالنسبة إلى الودعي فإن حكم التصديق و التكذيب في النصف كما في الجميع بالنسبة اليه، و حينئذ فلكل منهما عليه يمين، فان حلف سقطت دعوى كل واحد منهما عنه و ان نكل فكما تقدم من الحكم بالنكول، أو إرجاع اليمين و ما يترتب على ذلك.
الثالثة- أن يكذبهما معا
قالوا فإنه ينتفي دعواهما، لان اليد له، و لكل منهما إحلافه على البت، فان نكل عن اليمين ردت عليهما بناء على عدم القضاء بالنكول، و صارا في الدعوى سواء، لان يدهما خارجة، فان حلفا أو نكلا قسمت بينهما أنصافا، و ان حلف أحدهما اختص بها.
الرابعة- أن يقول هي لأحدكما، و لا أدرى من هو على التعيين
فان وافقاه على عدم علمه بالتعيين، فلا خصومة لهما معه، و ان كذباه في دعواه عدم العلم
467
و ادعى كل واحد منهما عليه أنه يعلم أنه المالك، فالقول قوله مع يمينه، الا أن الحلف هنا على عدم العلم، و هل يكفى يمين واحد أو لا بد من يمينين؟ المشهور الأول، و هو قول الشيخ في الخلاف و ظاهر ابن الجنيد، اختاره في المختلف، و جعله الأقوى في المسالك، و القول الثاني للشيخ في المبسوط.
و وجه الأول أن المدعى شيء واحد و هو علمه بكون المال لمعين، بخلاف سابق هذه الصورة، فإنه يبقى استحقاق كل واحد منهما، فيحلف له.
و وجه الثاني أن كلا منهما مدع، فيدخل في عموم الخبر المشهور، و القول الأول نقله في التذكرة عن الشافعي، و الثاني عن أبي حنيفة، و حينئذ فإذا حلف سقطت الدعوى عنه، و بقيت المنازعة بينهما، و ان نكل عن اليمين و حلفا على علمه بناء على عدم القضاء بالنكول أغرم القيمة، و تجعل مع اليمين في أيديهما.
بقي الكلام في أنه متى حلف لهما، و بقيت المنازعة بينهما فقيل: بأنه يقرع بينهما، فمن خرج اسمه و حلف سلمت اليه، و قيل: يقف حتى يصطلحا.
قال الشيخ في الخلاف: لو كان عنده وديعة فادعاها اثنان، فقال المودع:
هي لأحدهما و لا أعلم صاحبها بعينه، و ادعى كل منهما علمه بذلك احلف يمينا واحدة، فإذا حلف و أخرجت الوديعة من عنده، و بذل كل من المتداعيين اليمين أنها له استخرج واحد منهما بالقرعة، فمن خرج اسمه و حلف سلمت اليه، أو يقسم بينهما نصفين.
و قال ابن الجنيد: توقف حتى يصطلحا أو يقوم بينة بها لأحدهما، و نقله الشيخ عن الشافعي، و تردد في المبسوط، فتارة حكم بالإيقاف حتى يصطلحا، و تارة قوى القرعة، و ادعى في الخلاف الإجماع على أن لكل أمر مشكل فيه القرعة.
أقول: و الأقرب بمقتضى قواعدهم هنا هو ما اختاره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، حيث قال- بعد نقل القولين المذكورين-: و الأقوى أنهما يحلفان
468
و يقسم بينهما لتكافؤ الدعويين، و تساويهما في الحجة، و هو يقتضي القسمة كذلك و لا يكون الأمر مشكلا، و الإيقاف حتى يصطلحا ضرر، و الاصطلاح غير لازم، انتهى.
الخامسة- أن يقول لا أدرى لمن هي لكما أو لغيركما
و الذي صرح به في التذكرة هنا أنه إذا ادعيا عليه العلم كان القول قوله مع اليمين، فإذا حلف على نفى العلم تركت في يده الى أن يقوم بينة، و ليس لأحدهما تحليف الأخر لأنه لم يثبت لواحد منهما يد، و لا استحقاق بخلاف الصورة الأولى، انتهى.
و لم يتعرض لبيان الحكم فيما لو نكل عن اليمين، و قال في المسالك:
و لو نكل عن اليمين ففي تسليمها إليهما مع حلفهما على الاستحقاق و غرامته لهما القيمة لو حلفا على علمه احتمالا، لانحصار الحق فيهما ظاهرا و لا منازع لهما الان، و يحتمل العدم لعدم حصر ذي اليد الحق فيهما، و لم أقف في هذا القسم على شيء يعتد به، انتهى.
تنبيه:
ظاهر كلام المحقق في الشرائع أنه في صورة قوله لا أدرى الشامل للصورة الرابعة و الخامسة أنها تقر في يده، حتى يثبت لها مالك، و هو في ثاني الصورتين المذكورتين مما لا يظهر فيه خلاف.
و يؤيده أن يده يد أمانة، و لم يتعين لها مالك يجب الدفع اليه، و الحق في هذه الصورة غير منحصر فيهما، ليتوهم سقوط أمانته بمطالبتهما.
و أما أولى الصورتين المذكورتين فقيل: ان الحكم كما ذكر من كونها أمانة و لم يتعين المالك، و قيل: بأنها تنزع من يده، لانحصار الحق فيهما و مطالبتهما إياه، و القولان للشيخ (رحمه الله)، ففي المبسوط قوى بقائها في يده، و ظاهره في الخلاف كما تقدم في عبارته انها تنزع من يده، و استوجه في المختلف رد الأمر إلى الحاكم، و استحسنه في المسالك، و الله العالم.
469
الثامنة- لو اختلفا في القيمة بعد ثبوت التفريط
فهل القول قول المالك بيمينه، أو القول قول الغارم؟ قولان: و بالأول قال الشيخان على ما نقله في المختلف، و نقل عنهما أنهما احتجا ببطلان الأمانة بالخيانة، فلا يكون قوله مسموعا.
و نقل في المختلف عن أبى الصلاح أنه قال: و روى أن اليمين في القيمة على المودع فتكون هذه الرواية دليلا للشيخين فيما ذهبا اليه هنا.
و رد الأول بأنه على تقدير قبول قول الودعي فإنا لم نقبله من حيث كونه أمينا ليلزم ما ذكروه، و انما قبلنا قوله من حيث كونه منكرا للزيادة التي يدعيها المالك، فالقول قوله بيمينه لذلك، كما أن البينة هنا على المالك، لكونه مدعيا، و أما الخبر المذكور فلم يثبت على وجه تقوم به الحجة.
و بالقول الثاني صرح المحقق، و العلامة، و ابن حمزة، و ابن إدريس، و هو المشهور، و لا ريب أنه الا وفق بالقواعد الشرعية، قال في المسالك: و هذا الحكم لا يختص الأمين، بل الحق تعديه الى كل من شاركه في هذا المعنى، و ان كان غاصبا، انتهى و هو جيد نظرا الى الاندراج تحت القاعدة المنصوصة، و الله العالم.
التاسعة [تسليم الوديعة إلى الورثة بعد موت المودع]
- لا ريب أنه إذا مات المودع سلمت الوديعة إلى ورثته، فان كانوا جماعة بلغاء سلمت الوديعة إلى الجميع أو وكيلهم أو وليهم أو وصيهم لو كانوا أطفالا، أو الحاكم مع غيبة الوارث، أو عدم وجود ولى خاص للأطفال، قالوا:
و تجب المبادرة بالتسليم، لأنها بموت المودع تصير أمانة شرعية، و قد تقدم أن الحكم فيها وجوب المبادرة بالرد الى المالك فورا.
و المشهور أنه لا فرق في وجوب المبادرة بالرد بين علم الورثة بذلك و عدمه، و نقل في التذكرة عن بعض الشافعية أن مع علمهم لا يجب الدفع الا بالطلب، و نفى عنه البأس.
و قال في المسالك- بعد نقل ذلك عنه-: و هو وجيه، الا أنه لم يتحقق
470
به قائل منا، و ان كان القول به ممكنا، لعدم تحقق الإجماع.
أقول: لا أعرف لما رجحاه في هذا المقام وجها بعد الاتفاق على كونها أمانة شرعية، لحصولها في يده بغير اذن المالك، و من شأن الأمانة الشرعية وجوب ردها فورا، و خروج هذا الفرد يحتاج الى دليل يوجب التخصيص، الا أن يخرجوا عن أصل القاعدة المذكورة في الأمانة الشرعية، و الله العالم.
العاشرة- لو كان في يده سلعة فادعى أنها رهن و ادعى صاحبها انها وديعة
فهل القول قول من هي في يده، أو قول المالك؟ قولان، و قد تقدم تحقيق المسئلة مستوفى منقحا في كتاب الرهن.
الحادية عشر [في اتجار الودعي بالوديعة بغير إذن المالك]
- المشهور بين الأصحاب أنه إذا اتجر الودعي بالوديعة بغير اذن المالك كان ضامنا، و الربح بأجمعه للمالك، ذهب اليه الشيخان و سلار و أبو الصلاح و ابن البراج و غيرهم.
و كذا قال ابن الجنيد الا أن الجماعة أطلقوا و ابن الجنيد، قال: و لو تعدى فيها بالتجارة كان الربح لصاحب المال، الا أن يكون صاحبها خيره على أن ضمنه إياها، و لو خيره على ذلك و لم يتجر فيها، و لا انتفع بها و لا تعدى لم يلزمه ضمانه إياها.
قال في المختلف- بعد نقل ذلك عنه-: و لا بأس بهذا القول، لان التضمين و ان لم يكن لازما، الا أنه يفيد الاذن في التصرف، و حينئذ يكون الربح للودعي، لأنه في الحقيقة استدانة.
ثم نقل رواية مسمع، و هي ما رواه
في التهذيب و الفقيه عن مسمع (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انى كنت استودعت رجلا مالا فجحدنيه فحلف لي عليه ثم أنه جائني بعد ذلك بسنين بالمال الذي كنت استودعته إياه، فقال: هذا مالك فخذه و هذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك فهي لك مع
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 180 ح 6، الفقيه ج 3 ص 194 ح 5، الوسائل ج 13 ص 235 ح 1.
471
مالك، و اجعلني في حل فأخذت المال منه، و أبيت أن آخذ الربح منه، و أوقفته المال الذي كنت استودعته و أتيت حتى أستطلع رأيك فما ترى؟ قال: فقال: خذ نصف الربح و أعطه النصف و حلله ان هذا رجل تائب و الله يحب التوابين».
ثم قال- بعد نقل الخبر- و الظاهر أن ذلك على وجه الاستحباب، و الشيخ (رحمه الله) أفتى بما تضمنته الرواية في الدين.
أقول: لا يخفى ما في كلامهم على إطلاقه هنا من الإشكال، لأن هذا المتجر في هذه الصورة غاصب بلا اشكال، و لا ريب في ضمانه، الا أن الشراء متى وقع في الذمة فإنه يكون صحيحا شرعا بلا اشكال، و ان كان دفع الثمن من الوديعة محرما لانه تصرف في مال الغير بغير اذن منه، و الربح يكون للمشتري، لصحة الشراء المذكور، و لا أعرف للحكم بكونه للمالك وجها و الحال كما ذكرنا.
و أما لو وقع الشراء بالعين، فإنه يكون باطلا لا يترتب عليه استحقاق ربح لا للمالك، و لا للبائع، لأن حل الربح فرع صحة العقد، بل الواجب هو رد كل ملك على مالكه من مبيع و ثمن و ربح، هذا مقتضى القواعد الشرعية، و الضوابط المرعية في البيع و الرواية أيضا لا تخلو من الإشكال، الا أن تحمل على كون الشراء وقع في الذمة، و الربح حينئذ للمتجر دون المالك، الا أنه لأجل رضى المالك و طلب التحليل منه بذل له هذا المبلغ، ليرضيه بذلك فيحلله مما فعل فكأنه بمنزلة الصلح بينهما، و الامام (عليه السلام) أمره بقبول ذلك، و رد النصف عليه في مقابلة توبته، و قد تقدم الكلام في هذا المقام في المسئلة التاسعة من المقصد الثاني من كتاب الدين (1) و الله العالم.
الثانية عشر- لو اختلف المالك و من عنده الوديعة في أنه وديعة أو دين
، فادعى الذي عنده المال أنه وديعة، و ادعى المالك أنه دين، قال الشيخ في النهاية أن القول قول صاحب المال، و على الذي عنده المال البينة على أنه وديعة، فإن
____________
(1) ج 20 ص 183.
472
لم يكن له بينة وجب عليه رد المال، فان هلك كان ضامنا و ان طالب صاحب المال باليمين أنه لم يودعه ذلك المال كان له.
و قال ابن الجنيد و إذا أقر الرجل لرجل بمال و ادعى فيه عليه ما يزيل به حقا وجب لصاحب المال من أنه كان وديعة فهلك، أو مضاربة فخسر لم يصدق إلا ببينة، و كان القول قول صاحب المال مع يمينه انتهى، و هو يرجع الى قول الشيخ المذكور.
و فصل ابن إدريس هنا فقال: الوجه عندي أن يكون المدعى عليه قد وافق المدعى على صيرورة المال اليه، و كونه في يده ثم بعد ذلك ادعى أنه وديعة لك عندي فلا يقبل قوله، و يكون القول قول من ادعى أنه دين، لانه قد أقر بأن الشيء في يده أولا و ادعى كونه وديعة، و
الرسول (صلى الله عليه و آله) (1) قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤدى».
و هذا قد اعترف بالأخذ و القبض و ادعى الوديعة، و هي تسقط الحق الذي أقر به لصاحب المال، فلا يقبل قوله في ذلك، فأما لو لم يقر بقبض المال أولا، بل ما صدق المدعى على دعواه بأن له عنده مالا دينا، بل قال: لك عندي وديعة، كذا و كذا فيكون حينئذ القول قوله مع يمينه، لانه ما صدق على دعواه، و لا أقر أولا بصيرورة المال اليه، بل قال: لك عندي وديعة فليس الإقرار بالوديعة إقرارا بالتزام الشيء في الذمة، ثم أمر بأن يلحظ ذلك و زعم أن فيه غموضا، انتهى.
و بموجب تفصيله يوافق الشيخ في الشق الأول خاصة، و العلامة في المختلف وافق الشيخ و ابن الجنيد، و رد تفصيل ابن إدريس بأنه ضعيف جدا، قال: إذا البحث وقع في مال في يد المقر ادعى أنه وديعة، و ادعى صاحبه أنه دين، لنا أنه اعترف بثبوت يده على مال الغير، و هو يقتضي ظاهرا الضمان، فيكون القول قول من يدعى الدين، قضاء بالظاهر، انتهى.
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 504 ح 12.
473
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسئلة ما رواه
الكليني و الشيخ و الصدوق في الموثق عن إسحاق بن عمار (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل استودع رجلا ألف درهم فضاعت فقال الرجل: كانت عندي وديعة، و قال الأخر: انما كانت عليك قرضا؟ قال: المال لازم له الا أن يقيم البينة أنها كانت وديعة».
و ما رواه
الكليني و الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار (2) أيضا عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في رجل قال لرجل: عليك ألف درهم فقال الرجل: لا و لكنها وديعة، فقال (عليه السلام): القول قول صاحب المال مع يمينه».
و لا يخفى ما في هذين الخبرين من الظهور في ما ذهب اليه الشيخ، و الرد لما فصله ابن إدريس، و استشكل بعض الأفاضل في هذه الاخبار بأن الامانة و القرض متعارضان، ثم رجح الحمل على ما إذا كان صاحب المال ثقة، و الذي يدعى الوديعة متهما.
و فيه أن الأمانة التي عارض بها دعوى القرض بناء على ما ورد «من أن صاحب الوديعة مؤتمن» انما يتم البناء عليها مع الاتفاق على كون ذلك وديعة، و أما مع الاختلاف كما في الصورة المفروضة فلم تثبت الوديعة، حتى يفرع عليه كونها أمانة، و أن قول الأمين مقبول، و بالجملة فدعوى القرض لا معارض له الا دعوى الوديعة، و هذه الدعوى غير مسموعة بظاهر هذه الاخبار الا بالبينة، و كان الوجه فيه أنه باعترافه بقبضه المال يلزم منه اشتغال ذمته به حتى يؤديه الى صاحبه، نظرا الى الحديث النبوي المتقدم ذكره، و دعواه الوديعة لدفع الضمان عنه يحتاج إلى البينة، و حينئذ فالحكم بما دلت عليه الاخبار المذكورة.
نعم يجب تقييد الاولى من أن المال لازم لمن ادعى الوديعة مطلقا بما دلت عليه الثانية من اليمين على صاحب المال و أن القول قوله بيمينه، و الله العالم.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 239 ح 8، التهذيب ج 7 ص 179 ح 1، الفقيه ج 3 ص 194 ح 6، الوسائل ج 13 ص 232 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 238 ح 3، التهذيب ج 7 ص 176 ح 34، الوسائل ج 13 ص 138 ح 1.
475
كتاب العارية
و الكلام في هذا الكتاب يقع في فصول:
الفصل الأول- في جملة من الفوائد
ينبغي تقديمها في المقام
الاولى [تعريف العارية]
- قال في التذكرة: العارية بتشديد الياء عقد شرع لإباحة الانتفاع بعين من الأعيان على وجه التبرع، و شددت الياء كأنها منسوبة إلى العار، لان طلبها عار، قاله صاحب الصحاح.
و قال غيره: منسوبة إلى العارة: و هي مصدر يقال: أعار و يعير اعارة و عارة كما يقال: أجاب يجيب اجابة و جابة، و أطاق يطيق أطاقه و طاقة.
و قيل انها مأخوذة من عار يعير إذا جاء و ذهب، و منه قيل للبطال عيار لتردده في بطالته، فسميت عارية لترددها من يد الى يد.
476
و قيل: انها مأخوذة من التعاور و الاعتوار، و هو أن يتداول القوم الشيء بينهم، و قال الخطائي في غريبه: أن اللغة الغالبة العارية و قد تخفف، انتهى.
أقول: و ما نقله عن الصحاح قد صرح به ابن الأثير في نهايته أيضا، فقال:
و العارية مشددة الياء كأنها منسوبة إلى العار، لان طلبها عار و عيب، و تجمع على العواري مشددا انتهى، الا أن المفهوم من كلام أحمد بن محمد الفيومي في كتاب المصباح المنير تغليط ما ذكره في الصحاح و النهاية من الاشتقاق من المعنى الذي ذكراه، لأن العارية المبحوث عنها من الواو و العار بمعنى العيب من الياء.
و يؤيده كلام القاموس أيضا، حيث أنه ذكر العارية في مادة عور، و العار بمعنى العيب في مادة عير، ثم انه نقل في المصباح أيضا معنى زائدا على ما قدمنا ذكره، و هو الاشتقاق من عار الفرس إذا ذهب عن صاحبه، لخروجها من يد صاحبها، و غلطه أيضا بأنه من الياء و في القاموس أيضا عده من الياء، و في القاموس أيضا. عد عار بمعنى جاء و ذهب، و العيار المأخوذ من ذلك في مادة عير، دون عور التي قد عرفت أن العارية مأخوذة منها.
و حينئذ فقد بطل هذا المعنى، فلم يبق الا الاشتقاق من التعاور بمعنى التداول، أو من العارة التي هي مصدر أعار يعير اعارة، و هذا هو الذي جمد عليه صاحب المصباح، و العجب من شيخنا العلامة و نحوه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حيث نقل كلام التذكرة، و جمد عليه حيث لم يتنبها لذلك، مع اختلاف أهل اللغة كما عرفت.
الثانية [في ثبوت العارية بالكتاب و السنة و الإجماع]:
لا يخفى أن العارية مما ثبتت بالكتاب و السنة و الإجماع، أما الأول: فقوله تعالى (1) «تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ» و لا ريب أن العارية من جملة البر، و قال تعالى (2) «وَ يَمْنَعُونَ الْمٰاعُونَ» قال في كتاب مجمع البحرين:
____________
(1) سورة المائدة- الاية 2.
(2) سورة الماعون- الاية 7.
477
الماعون اسم جامع لمنافع البيت، كالقدر و الدلو و الملح و الماء و السراج و الخمرة و نحو ذلك مما جرت العادة بعاريته.
و روى في كتاب من لا يحضره الفقيه مرسلا (1) قال: «نهى النبي (صلى الله عليه و آله) أن يمنع أحد الماعون جاره».
و قال: «من منع الماعون جاره، منعه الله خيره يوم القيامة، و وكله الى نفسه، و من وكله الى نفسه فما أسوء حاله».
و روى في الكافي عن أبى بصير (2) قال: «كنا عند أبى عبد الله (عليه السلام) و معنا بعض أصحاب الأموال فذكروا الزكاة و ساق الخبر الى أن قال: و قوله عز و جل «وَ يَمْنَعُونَ الْمٰاعُونَ» قال: هو القرض يقرضه، و المعروف يصنعه، و متاع البيت يعيره، و منه الزكاة فقلت له: ان لنا جيرانا إذا أعرناهم متاعا كسروه و أفسدوه، فعلينا جناح أن نمنعهم؟ فقال: لا ليس عليكم جناح أن تمنعوهم إذا كانوا كذلك».
و في خبر آخر
عن سماعة (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: و الماعون أيضا و هو القرض يقرضه، و المتاع يعيره، و المعروف يصنعه، الحديث.
و أما الثاني فالأخبار الكثيرة، منها ما ذكر، و ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن أبى بصير (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعت يقول: بعث رسول الله (صلى الله عليه و آله) الى صفوان ابن أمية فاستعار منه سبعين درعا بأطراقها قال: فقال: أ غصبا يا محمد؟ فقال النبي (صلى الله عليه و آله): بل عارية مضمونة».
و قال في الفقيه (5): استعار النبي (صلى الله عليه و آله) من صفوان بن أمية الجمحي سبعين درعا حطمية، و ذلك قبل إسلامه فقال: أ غصب أم عارية يا
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 8، الوسائل ج 6 ص 31 ح 12.
(2) الكافي ج 3 ص 499 ح 9، الوسائل ج 6 ص 28 ح 3.
(3) الكافي ج 3 ص 498 ح 8، الوسائل ج 6 ص 31 ح 11.
(4) الكافي ج 5 ص 240 ح 10، التهذيب ج 7 ص 183 ح 6، الوسائل ج 13 ص 236 ح 4.
(5) الفقيه ج 3 ص 193 ح 4، الوسائل ج 13 ص 238 ح 1.
478
أبا القاسم؟ فقال (صلى الله عليه و آله): بل عارية مؤداة فجرت السنة في العارية إذا اشترط فيها أن تكون مؤداة».
أقول: قوله في الخبر الأول بأطراقها اختلف النسخ في هذه اللفظة بكونها بالفاء أو بالقاف، و على تقدير الثاني الظاهر أن يكون المراد بها البيضة الحديد، قال في القاموس: الطراق ككتاب الحديد الذي يعرض ثم يدار فيجعل بيضة، و على تقدير الأول فلعل المراد بها المغفر و ما يلبس على الساعدين و غيرهما، فإنها تجعل في أطراف الدرع.
و قال بعض المحدثين: يحتمل أن يكون بالقاف و نسب النسخ التي بالفاء الى التصحيف و هو جيد، و أما الحطمية في الخبر الثاني بالمهملتين منسوبة إلى الحطمة بن المحارب الذي كان يعمل الدرع، كذا ذكره بعض المحدثين.
و في كتاب مجمع البحرين و في الحديث زوج رسول الله (صلى الله عليه و آله) فاطمة على درع حطمية تسوى ثلاثين درهما، قيل سميت بذلك لأنها تحطم السيوف أى تكسرها، و قيل: هي العريضة الثقيلة، و هي منسوبة إلى بطن من عبد قيس يقال: حطمة بن الحارث كانوا يعملون الدروع، انتهى.
و أما الثالث: فإنه قال في التذكرة: لا خلاف بين علماء الأمصار في جميع الأعصار في جوازها و الترغيب فيها و لانه لما جازت هبة الأعيان جازت هبة المنافع و لذلك صحت الوصية بالمنافع و الأعيان جميعا، انتهى.
و المفهوم من الآية و الاخبار تأكد استحبابها أما الآية فلان الله تعالى قد قرن تاركها بالساهي في صلاته، فنسبهما معا الى الويل، و هي كلمة يقال عند الهلكة، و قيل: ويل واد في جهنم، و ليس المراد بالسهو هنا هو النسيان كما ربما يتوهم، بل المراد المضيع لصلاته التارك لها عن أول وقتها كما وردت به الاخبار في تفسير الآية المذكورة.
أما الاخبار فما تقدم في مرسلة الفقيه حتى أن بعض العامة ذهب الى
479
وجوبها، لما رووه من مزيد التأكيد و الترغيب فيها، و الجميع عندنا محمول على مزيد التأكيد في استحبابها، فإنهم (عليهم السلام) كثيرا ما يؤكدون على المستحبات بما يكاد يلحقها بالواجبات، و يؤكدون في النهي عن المكروهات بما يكاد يدخلها في المحرمات.
الثالثة [في اعتبار الإيجاب و القبول اللفظيين]:
مقتضى ما عرف به العارية في التذكرة كما تقدم نقله عنه من أنها عقد شرع لإباحة الانتفاع، هو أنه لا بد من الإيجاب و القبول اللفظيين، كما في سائر العقود، و لهذا ان المحقق في الشرائع لما عرفها بأنها عقد ثمرته التبرع، قال في المسالك: العقد اسم للإيجاب و القبول، و تعليق الثمرة عليه يقتضي أن للقبول مدخلا فيها مع أن التبرع بالمنفعة يتحقق بالإيجاب خاصة، لأن المتبرع انما هو باذل العين، لا المنتفع بها.
ثم قال: و يمكن الجواب بأن القبول لما كان شرطا في صحة العارية لم يتحقق الثمرة بدونه و ان بذلها المعير، فإنه لو تبرع المعير بالعين و أوقع الإيجاب فرده الأخر لم تحصل الثمرة، و ان حصل التبرع بالمنفعة فالمترتب على العقد هو التبرع على وجه يثمر ذلك، و لا يتم بدون القبول، انتهى.
و هو كما ترى نص صريح في إيجاب الإيجاب و القبول، و أنه لا بد من عقد يشتمل عليها، و أصرح منه ما صرح به أيضا أخيرا حيث قال: و اعلم أن جعلها عقدا يقتضي اعتبار الإيجاب و القبول اللفظيين، لان ذلك هو المفهوم من العقد، و ان لم ينحصر في لفظ كما هو شأن العقود الجائزة، و قد يتجوز في القبول فيطلق على ما يكفى فيه القبول الفعلي، كما ذكروه في الوديعة و الوكالة و نحوهما، لكن يبقى الإيجاب لا يتحقق العقد بدون التلفظ به، و هذا هو الظاهر من عبارات كثير من الأصحاب انتهى، هذا و قد صرح العلامة في التذكرة في الركن الرابع بما هو ظاهر بل هو صريح في خلاف ما ذكره في المسالك، و ما يفهم من ظاهر عبارته المشار إليها آنفا، حيث صرح بأنه لا يشترط فيه اللفظ في الإيجاب و القبول،
480
بل يكفى ما يقوم مقام ذلك من الأمور الدالة على الظن بالرضا، قال: لانه عقد ضعيف، لانه يثمر اباحة الانتفاع، و هي تحصل بغير عقد كما لو حسن ظنه بصديقه كفى في الانتفاع به عن العقد، و كما في الضيف بخلاف العقود اللازمة، فإنها موقوفة على ألفاظ خاصة اعتبرها الشرع.
ثم قال في مسئلة أخرى: و الأقرب عندي أنه لا يفتقر العارية إلى لفظ، بل يكفي قرينة الإذن بالانتفاع من غير لفظ دال على الإعارة و الاستعارة، لا من طرف المعير و لا من طرف المستعير، كما لو رآه عاريا فدفع اليه قميصا فلبسه تثبت العارية، و كذا لو فرش لضيفه فراشا أو بساطا أو مصلى أو حصيرا أو ألقى اليه و سادة، فجلس عليها أو مخدة فاتكى عليها كان ذلك اعارة، بخلاف ما لو دخل فجلس على الفرش المبسوطة، و لانه لم يقصد بها انتفاع شخص بعينه، و هو قول بعض الشافعية قضاء بالظاهر، و
قد قال (عليه السلام): «نحن نقضي بالظاهر» (1)،.
ثم نقل عن بعض الشافعية الافتقار الى اللفظ، و قال: و الأقرب ما تقدم، و قد جرت العادة بالانتفاع بظرف الهدية المبعوث اليه و استعماله، كأكل الطعام من القصعة المبعوث فيها، فإنه يكون عارية، لأنه منتفع بملك الغير باذنه، و ان لم يوجد لفظ يدل عليها بل بشاهد الحال، انتهى.
و هو جيد وجيه الا أن فيه عدولا عن مقتضى ما قدمنا نقله عنه أولا، و هو الذي يقتضيه كلام غيره أيضا.
و بالجملة فالظاهر هو ترتب ذلك على الرضا كيف اتفق من المعير و المستعير و لا دليل على ما زاد على ذلك.
الرابعة [في المواضع المستثناة عن جواز الرجوع في العارية]:
انهم قالوا- بناء على كونه عقدا كما تقدم نقله عنهم-: انه من العقود الجائزة التي لكل من المتعاقدين فسخه متى شاء.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 9 ح 11 ما نقله في الفقيه في هذا الباب ليس بهذه العبارة فراجع، الوسائل ج 18 باب 22 من أبواب كيفية الحكم، و أحكام الدعوى من كتاب القضاء حديث 1 و ما نقله في الوسائل أيضا ليس بهذه العبارة، فراجع.
481
قال في المسالك: و هو موضع وفاق، إلا أنهم استثنوا من ذلك مواضع بعضها اتفاقي، و بعضها خلافي، أحدها الإعارة للرهن بعد وقوع الرهن عليه، فإنه لا رجوع للمعير، و توضيح ذلك- حيث أنه لم يسبق لهذه المسئلة تحقيق في كتاب الرهن- أنه لو استعار مال غيره و رهنه باذن المالك، فالظاهر أنه لا إشكال في صحة الرهن، بل نقل عليه في المسالك إجماع العلماء، قال: و سموه استعارة الرهن و جعلوها مضمونة على الراهن، و ان تلفت بغير تفريط.
و بالجملة فإنه يترتب عليه أحكام الرهن، فيلزم العارية، و تباع عند الحلول و يؤخذ الدين من ثمنها كما في غيرها من أفراد الرهن، و ليس للمعير الرجوع فيها بحيث يتسلط على فسخ عقد الرهانة نعم له مطالبة الراهن بالفك عند الحلول.
بقي الكلام فيما يجب لمالكه في صورة بيع المرتهن الرهن، و أخذ ماله من قيمته بأن يكون وكيلا أو بإذن الحاكم أو البائع الحاكم، فقيل: انه يرجع المالك بأكثر الأمرين من القيمة و ما يبيع به، و هو المشهور في كلام الأصحاب.
قال في التذكرة: فإذا بيع في الدين رجع المالك بأكثر الأمرين من القيمة و من الثمن الذي بيعت به، لأن القيمة ان كانت أكثر فهو المستحق للمالك، لأنها عوض عنه، و ان كان الثمن أكثر فهو عوض العين، انتهى.
و فيه انه موهم لجواز بيعه بأقل من القيمة، و هو ممتنع، إذ لا يجوز البيع بأقل من ثمن المثل فصاعدا كما هو الحكم في كل وكيل، و هذا أحدهم و التحقيق أنه ان باعه بثمن المثل فلا إشكال في أن للمالك ذلك، و ان باعه بأكثر من ذلك فلا ريب أيضا في أنه للمالك، لأنه ثمن ملكه، إذ العين باقية على ملكه الى وقت البيع، و لا يتصور البيع بدون ثمن المثل كما عرفت.
هذا كله إذا كان مع اذن المالك كما تقدمت الإشارة اليه، أما لو لم يكن بإذنه فإن للمالك انتزاعه بغير خلاف، و يدل عليه أيضا ما رواه
في الفقيه عن أبان عن حريز (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في رجل استعار ثوبا ثم عمد اليه فرهنه،
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 193 ح 3، الكافي ج 5 ص 239 ح 6 الوسائل ج 13 ص 241 ح 1، التهذيب ج 7 ص 184 ح 12.
482
فجاء أهل المتاع الى متاعهم؟ فقال: يأخذون متاعهم».
و رواه الكليني عن أبان بن عثمان عمن حدثه (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثله.
و ثانيها: لو أعار أرضا لدفن ميت مسلم و من بحكمه، فإنهم صرحوا بأنه لا يجوز الرجوع فيها بعد الدفن، لتحريم النبش و تهتك حرمته الى أن تفنى عظامه.
و نقل في التذكرة أنه موضع وفاق قال: أما لو رجع قبل الحفر أو بعده قبل وضع الميت فإنه يصح رجوعه، و يحرم دفنه فيه و لو رجع بعد وضع الميت في القبر، و قبل أن يواريه بالتراب، فالأقرب أن له الرجوع أيضا، و مؤنة الحفر إذا رجع بعد الحفر، و قبل الدفن لازمة لولي الميت، و لا يلزم لولي الميت الطم، لان الحفر مأذون فيه، انتهى.
و استشكل في المسالك و الروضة في لزوم مؤنة الحفر لولي الميت فيما لو لم يمكنه الدفن الا كذلك، قال: إذ لا تقصير منه حينئذ، فينبغي كونه من مال الميت، و مراده أنه لو تعذر على الولي الدفن إلا في أرض بهذه الصورة فإنه لا تقصير منه في الدفن فيها، حتى أنه يغرم مؤنة الحفر لو أمكنه الدفن في أرض غيرها فإنه يمكن مؤاخذته بقدومه على هذه الأرض التي لصاحبها الرجوع فيها قبل الدفن فلا يكون أجرة الحفر فيها على الميت، و يكون أجرة حفر الأرض الأخرى عليه أيضا، بل يكون أجرة هذا الحفر عليه خاصة لتقصيره، و أنت خبير بأن هذا الحكم هنا مبنى على تحريم النبش، و قد تقدم في كتاب الطهارة في بحث غسل الميت (2) أنه لم يقم لنا دليل واضح على التحريم الا ما يدعونه من الإجماع.
و ثالثها: ما لو أعاره جدارا ليضع عليه أطراف خشبته، و الأطراف الأخر حائط المستعير.
قال الشيخ: لم يكن له بعد الوضع الإزالة و ان ضمن الأرش، لانه يؤدى الى قلع جذوعه من ملكه مجيرا و هو غير جائز، و تبعه ابن إدريس.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 239 ح 6، الوسائل ج 13 ص 241 ح 1.
(2) ج 4 ص 143.
483
و ذهب العلامة في المختلف الى الجواز قال: لأنه عارية فللمالك الرجوع فيها و ان أدى الى تخريب مال الغير، لانجباره بالأرش، و اليه ذهب في المسالك أيضا، و تردد المحقق في الشرائع في ذلك.
و رابعها: لو أعاره لوحا يرقع به السفينة ثم لج في البحر، فإنه لا يجوز للمعير هنا الرجوع ما دامت في البحر، لما فيه من الضرر بالغرق الموجب لذهاب المال، أو تلف النفس، قالوا: و هكذا في ما إذا حصل بالرجوع ضرر بالمستعير لا يمكن استدراكه، و لو لم يدخل السفينة في البحر أو خرجت جاز الرجوع قطعا، و لو كانت في البحر لكن يمكن إخراجها إلى الشاطئ وجب إذا لم يحصل به ضرر على صاحبها، قيل: و يحتمل الجواز، و لو كانت في البحر و ثبتت له القيمة مع تعذر المثل لما فيه من الجميع بين الحقين، أو يقال: بجواز الرجوع و ان لم يجب تعجيل التسليم، و تظهر الفائدة في وجوب المبادرة بالرد بعد زوال المانع، و هو الضرر من غير مطالبة جديدة.
و خامسها: أن يعيره أرضا للزرع فيزرع فيها، قال الشيخ: ليس له المطالبة بقلعه قبل إدراكه، و ان دفع الأرش لأن له وقتا ينتهى اليه، و تبعه ابن إدريس.
و قال في المختلف بعد نقل ذلك عنهما: و لو قيل له ذلك كان وجها، لأنها عارية، فلا تجب و الظاهر أن مراده الجواز مع الأرش، و الا فهو مشكل، و بذلك صرح في المسالك فجوز ذلك مع الأرش.
و سادسها: أن يعيره أرضا ليبنى فيها أو يغرس مدة معلومة، قال ابن الجنيد: لو أعاره براحا ليبنى فيه أو يغرس مدة معلومة، لم يكن لصاحب الأرض أن يخرجه من بناءه أو غرسه كرها قبل انقضاء المدة، فإن فعل ذلك كان كالغاصب و عليه أعلى قيمة بناءه و غرسه قائما و منفردا، و لو كانت الإعارة غير موقتة كان لصاحب الأرض إخراجه، إذا أعطاه قيمة بناءه و غرسه، ثم يخرجه و هو بحاله.
و قال في المبسوط: إذا أذن له في الغرس و لم يعين مدة فغرس كان للمالك
484
مطالبته بالقلع، إذا دفع الأرش أن يغرم له ما ينقص فتقوم قائمة و مقلوعة، و يغرم ما بين القيمتين، و ان قال المعير: أنا أغرم لك قيمتها أجبر المستعير على قلعها، لانه لا ضرر عليه فيه، و لو قال المستعير: أنا أضمن قيمة الأرض لم يكن له ذلك.
قال في المختلف- بعد نقل كلام الشيخ المذكور-: و الوجه عندي أنه لا يجبر المستعير على أخذ قيمة غرسه، بل له المطالبة بعينه و الأرش، و قال بعد نقل كلام ابن الجنيد: أما الحكم الثاني فقد وافق الشيخ فيه، فيما تقدم و بينا ما عندنا فيه.
و أما الحكم الأول فالوجه أن للمالك المطالبة بالقلع مع دفع الأرش، كما قلنا في المطلق، و لا يجب الشراء و لو طلبه الغارس، و نمنع مساواته للغاصب و اختار ذلك في المسالك أيضا.
الخامسة [في عدم جواز الانتفاع بالعارية في غير الجهة المعينة]:
قال في التذكرة: لا تخلو العين التي تعلقت بها العارية أما أن يكون جهة الانتفاع فيها واحدة أو أكثر فإن كانت واحدة كالدراهم و الدنانير التي لا ينتفع بها الا بالتزين و البساط الذي لا ينتفع بها إلا في فرشه، و الدار التي لا ينتفع بها الا بالسكنى، فمثل هذا لا يجب التعرض للمنفعة، و لا ذكر وجه الانتفاع، لعدم الاحتياج إليه إذ المقتضي للتعيين في اللفظ حصر أسباب الانتفاع و هو في نفسه محصور فلا حاجة الى مائز لفظي.
و ان تعددت الجهات التي يحصل بها الانتفاع كالأرض التي تصلح للزراعة و الغرس و البناء، و الدابة التي تصلح للحمل و الركوب فلا يخلو اما أن يعمم أو يخصه بوجه واحد أو أزيد، أو يطلق فان عمم جاز له الانتفاع بسائر وجوه الانتفاعات المباحة المتعلقة بتلك العين، كما لو أعاره الأرض لينتفع بها في الزرع و الغرس و البناء و غير ذلك بلا خلاف، و ان خصص الوجه كان يعيره الأرض للزرع أو البناء أو الغرس اختص التحليل بما خصصه المعير، و بما ساواه و قصر عنه في الضرر ما لم
485
ينص على التخصيص، و يمنع من التخطي إلى غيره، فلا يجوز له التجاوز قطعا.
أقول: في جواز التعدي مع التخصيص و ان لم يمنع من التخطي إلى غيره الى ما ساواه أو قصر عنه اشكال، للخروج عن موضع الاذن و الرخصة، فإن الظاهر أن التخصيص في قوة المنع عن غيره، و لا خلاف بينهم في عدم جواز الغير مع المنع عن غير ما خصصه.
ثم قال: و ان أطلق فالأقوى أن حكمه حكم التعميم، لأن إطلاق الاذن في الانتفاع يشعر بعموم الرضا بجميع وجوهه، إذ لا وجه من الوجوه أولى بالضرر من الأخر. ثم قال: إذا أذن له في الزرع فاما أن يطلق أو يعمم أو يخصص، و لا بحث في الأخيرين.
و أما الأول فإنه يصح عندنا و يستبيح المستعير جميع الزرع، اختلف ضررها أو اتفق و هو أصح وجهي الشافعية عملا بإطلاق اللفظ.
و قال بعضهم: تصح العارية و لا يزرع إلا أقل الأنواع ضررا لأصالة عصمة مال الغير، و لا بأس به.
أقول: ظاهره الرجوع عما أفتى به أولا في هذه المسئلة من العمل بالإطلاق و ان اختلف الضرر، و هو وارد عليه أيضا فيما ذكره من اختيار العمل بالإطلاق في المسئلة الاولى، مع أنه قوى أن حكمه حكم التعميم، ثم قال: و لو قال:
أعرتكها لزرع الحنطة و لم ينه عن غيرها كان له زرع ما هو أقل ضررا من الحنطة عملا بشاهد الحال كالشعير و الباقلاء، و كذا زرع ما يساوى ضرره ضرر الحنطة، و ليس له زرع ما ضرره أكثر.
أقول: قد تقدم ما فيه من الاشكال، ثم قال: ينقسم العارية باعتبار الزمان إلى ثلاثة كما انقسمت باعتبار النفع إليها، لأن المعير قد يطلق العارية من غير تقييد بزمان، و قد يوقت بمدة، و قد يعمم الزمان كقوله أعرتك هذه الأرض و لا يقرن لفظه بوقت أو زمان، أو أعرتك هذه الأرض سنة أو شهر أو أعرتك هذه
486
الأرض دائما، و انما جاز الإطلاق فيها بخلاف الإجارة، لأن العارية جائزة و له الرجوع فيها متى شاء، فتقديرها لا يفيد شيئا.
أقول: الظاهر ان الغرض من التقييد بالمدة دواما أو تعيينا انما هو صحة التصرف في هذه المدة المضروبة، بمعنى أنه لا يكون عاصيا في تصرفه، و كذا مع الإطلاق، لا أنه يقيد العارية بذلك، إذ لا اشكال من حيث كونها عقدا جائزا، أن له الرجوع متى أراد إلا فيما تقدم من المواضع المستثناة، و متى رجع فإنه ليس للمستعير التصرف، فان تصرف ضمن.
الفصل الثاني في المعير و المستعير:
و فيه مسائل
الاولى [في شروط المعير و المستعير]:
لا إشكال في أنه يشترط في المعير أن يكون مالكا مكلفا جائز التصرف، و المراد بالمالك ما هو أعم من ملك العين أو المنفعة، كما صرح به في التذكرة، فلا تصح اعارة الغاصب للنهى عن التصرف بدون اذن المالك و الإعارة تصرف، و لا فرق بين غاصب العين أو المنفعة، و لا يجوز للمستعير التصرف و الحال هذه مع العلم بالغصب و ان تصرف كان ضامنا للعين و المنفعة بلا خلاف، و المراد بملك المنفعة كما لو استأجر عينا، فإنه يملك منفعتها فله أن يعيرها الا أن يشترط عليه المؤجر مباشرة الانتفاع بنفسه، فيحرم عليه حينئذ الإعارة، و كذا الموصى له بخدمة العبد و سكنى الدار، فإنه يجوز له إعارتهما.
و لا يصح اعارة الصبي و المجنون، الا أن في الشرائع صرح بأنه لو أذن الولي للصبي جازت إعارته مع المصلحة، مع أنه قد تقدم في كتاب البيع أن عقد الصبي لا عبرة به، و ان أجاز له الولي، و فرق بينهما في المسالك بأنه انما جاز له هنا دون البيع، لأن العارية لما كانت جائزة و لا تختص بلفظ بل كل ما دل على رضاء المعير،- و هو هنا الولي- كان إذنه للصبي بمنزلة الإيجاب، فالعبرة حينئذ بإذنه، لا بعبارة الصبي.
و لا يخفى ما فيه سيما على ما تقدم تحقيقه في البيع من عدم قيام دليل على
487
ما ادعوه من الاختصاص بلفظ مخصوص في عقد البيع و نحوه، و أن المناط انما هو ما دل على الرضاء.
و بالجملة فإن مظهر الجواز و عدمه هو صحة تصرف المستعير و المشتري، سواء كان العقد لازما أو جائزا، فإن جوزنا له ذلك بعقد الصبي المأذون له من الولي، فلا فرق في ذلك بين اللازم و الجائز، و الا فلا، إذ لا مدخل لذلك في الجواز و عدمه، كما لا يخفى، و المراد بالمعار هنا ما كان ملكا للصبي.
و الظاهر من كلامهم أن توليه اعارة مال غيره يبنى على ما تقدم في إعارة مال نفسه، من اذن الولي و عدمه، و ربما قيل بإطلاق المنع هنا، كما هو ظاهر اختيار المسالك.
و كما أنه لا يجوز للصبي و المجنون الإعارة استقلالا لعدم جواز تصرفهما، كذلك المحجور عليه لسفه أو فلس، لاشتراك الجميع في المنع من التصرف، و الله سبحانه العالم.
الثانية [انتفاع المستعير بالعين المعارة]:
قد صرحوا بأن للمستعير الانتفاع بالعين المعارة بما جرت به العادة في الانتفاع بها نوعا و قدرا و صفة، و هذا يرجع الى ما تقدم في الفائدة الخامسة من اتحاد جهة الانتفاع، و عدم تعددها كالبساط الذي جرت العادة بفرشه، و اللحاف الذي اقتضت العادة جعله غطاء و نحو ذلك، و ظاهرهم أنه لو خالف فالتحف بالبساط و فرش اللحاف فإنه لا يجوز له ذلك، لمخالفة العادة التي هي المتبادرة من العارية هنا.
أما لو كانت وجوه الانتفاعات متعددة فإنه يبنى على ما تقدم من التفصيل، و لو نقص من العين شيء بالاستعمال أو تلفت من غير تفريط لم يضمن الا أن يشترط الضمان في العارية، لأن إطلاق الاذن أو تعميمه يقتضي الانتفاع بالعين من غير تقييد بالكثير و القليل، فما يحصل من النقص و التلف انما استند إلى إذن المعير، و ربما قيل: بضمان المتلف، لأن الظاهر عدم تناول الاذن للاستعمال المتلف،
488
و ان كان داخلا في الإطلاق، و لا يخلو عن قوة.
نعم لو لم يكن الاستعمال متلفا عادة، و انما حصل التلف اتفاقا، فما ذكروه جيد و الله سبحانه العالم.
الثالثة [في عدم جواز استعارة الصيد للمحرم]:
قال في التذكرة: لا يحل للمحرم استعارة الصيد من المحرم، و لا من المحل، لأنه يحرم عليه إمساكه، فلو استعاره وجب عليه إرساله، و ضمن للمالك قيمته، و لو تلف في يده ضمنه أيضا بالقيمة لصاحبه المحل، و بالجزاء لله تعالى، بل يضمنه بمجرد الإمساك عليه و ان لم يشترط صاحبه الضمان عليه، فلو دفعه الى صاحبه بريء منه، و ضمن لله تعالى.
أقول: لا ريب فيما ذكره من عدم جواز الاستعارة في الصورة المفروضة لما ذكر من تحريم الإمساك عليه.
بقي الكلام هنا في مواضع: أحدها: انهم قالوا: إذا استعاره بعقد العارية فهل يقع العقد فاسدا أم صحيحا؟ وجه الأول النهي عنه و وجه الثاني أن النهي انما يكون مبطلا في العبادات، دون المعاملات، فالبطلان يحتاج الى دليل من خارج، و كلامهم في هذا المقام حيث عبروا بأنه «لا يحل» كما هنا أو «لا يجوز» كما عبر به غيره، لا يدل على شيء من الأمرين صريحا لان عدم الحل، و عدم الجواز أعم من الفساد، إلا أنك قد عرفت آنفا أنه لا دليل على هذا العقد الذي ذكروه، فلا أثر لهذا الخلاف.
و ثانيها: قوله: فلو استعاره وجب عليه إرساله، فإنه على إطلاقه مشكل، بل ينبغي تخصيص ذلك بما إذا كان استعاره من محرم، أما لو استعاره من محل فإنه يجب رده على المالك، و يلزم عليه الفداء لله سبحانه خاصة، و برء من حق المالك، و بذلك صرح في آخر العبارة المذكورة.
و الظاهر أن مراده هو أن الواجب شرعا هو الإرسال، و أن قبضه من محل، و حينئذ يضمن قيمته للمحل، فلو خالف الواجب و رده الى المالك برئت ذمته من
489
القيمة للمالك، و بقي حق الله سبحانه، و يشكل حينئذ بأنه متى كان الصيد مملوكا كما هو المفروض من قبضه من المحل، فقد تعارض حق الله سبحانه بوجوب الإرسال، و حق المالك، و من القواعد المقررة عندهم مع التعارض تقديم حق الآدمي على حق الله تعالى، فالواجب حينئذ بناء على ما قلنا هو رده على المالك، و ضمان حق الله سبحانه، و أما لو كان المقبوض منه محرما فإنه غير مالك فيتعين الإرسال مع عدم الضمان لمن قبضه منه.
و ثالثها: ما ذكره من أنه يضمن بالتلف لصاحبه المحل قيمته، و ان ذكره غيره أيضا، حيث انهم عدوا ذلك من العواري المضمونة، و ان لم يشترط فيها الضمان، الا أن فيه اشكالا، لعدم الوقوف على دليل عليه في المقام، و لم يصرحوا له هنا بدليل، و مجرد تحريم الاستعارة لا يدل على الضمان، سواء قيل: بفساد العقد الذي ادعوه هنا، أم بصحته، أما على تقدير الحكم بصحته فلما ذكرناه من عدم الدليل، و الأصل في العارية أن يكون غير مضمونة الا ما استثنى، و ليس هذا منه، لما عرفت.
و أما على تقدير الحكم بفساده فلما تقرر من القاعدة المشهورة «ان كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، و مالا فلا».
و لو قيل: بأنه يمكن الاستدلال على الضمان بإطلاق النصوص الدالة على أن المحرم إذا أتلف صيدا مملوكا فعليه القيمة لمالكه، و ما نحن فيه كذلك، قلنا: هذا معارض بالنصوص الصحيحة الدالة على أن العارية غير مضمونة، الا ما استثنى، و ليس هذا منه، و ليس تخصيص الثاني بالأول أولى من العكس، و ترجيح أحدهما على الآخر يحتاج الى دليل، هذا كله إذا كان المستعير محرما كما عرفت، فلو كان الصيد في يد محرم فاستعاره المحل فظاهر كلامهم الجواز.
قال في التذكرة: و لو كان الصيد في يد محرم فاستعاره المحل، فان قلنا المحرم يزول ملكه عن الصيد، فلا قيمة له على المحل، لأنه أعاره ما ليس ملكا له،
490
و على المحرم الجزاء لو تلف في يد المحل، لتعديه بالإعارة فإنه كان يجب عليه الإرسال».
و ان قلنا لا يزول صحت الإعارة، و على المحل قيمته لو تلف الصيد عنده، انتهى.
أقول: لا إشكال في الحكم الثاني، و لا كلام فيه، و إنما الكلام في الأول فإنه ان حكم بصحة الإعارة و جوازها كما هو ظاهر العبارة، و هو صريحة في القواعد و الإرشاد، و به صرح في الشرائع أيضا، فإن الإشكال يتطرق اليه من وجوه:
أحدها انهم صرحوا بأن من شروط صحة الإعارة كون المعار ملكا للمعير، و هو هنا منتف لما اعترفوا به من زوال ملكية المحرم عن الصيد، فكيف تصح الإعارة و يحكم بجوازها.
و ثانيها: أن تسليمه للمحل اعانة على الصيد، و إثبات سلطنة عليه للغير، و هو محرم على المحرم، فلا يناسب إثبات الجواز، و يمكن خدش هذا الوجه بأنه لا منافاة بين تحريمه على المحرم، و الجواز للمحل، فيحرم الإعارة على المعير من حيث الإحرام، و يجوز للمستعير من حيث كونه محلا، و نظائره في الأحكام غير عزيز.
و ثالثها: أن تسليمه إذا كان محرما على المحرم حرم قبوله من المحل، لما فيه من الإعانة على الإثم و العدوان المنهي عنه في صريح القرآن، و لما ذكرنا قوى في المسالك الحكم بتحريم الإعارة في الصورة المذكورة، و هو جيد لما عرفت.
و يحتمل ضعيفا عدم الحكم بصحة الإعارة في الصورة المذكورة، و اليه يشير قوله في الثانية صحت الإعارة، فإن ظاهره أنه في صورة الحكم بعدم الملك لا تصح و حينئذ فلا إشكال، الا أنه خلاف ما صرح به في كتبه، و صرح به غيره، و الله سبحانه العالم.
الرابعة [في استعارة المغصوب]:
لو استعار مغصوبا فلا يخلو اما أن يكون جاهلا بالغصب، أو
491
عالما به، فعلى الأول: فهل يتخير المالك في الرجوع بالأجرة و أرش النقص، و القيمة مع التلف على الغاصب، أو المستعير أو أنه انما يرجع على الغاصب خاصة؟ المشهور الأول، و الوجه فيه ما تقرر في كلامهم من أن كل من ترتب يده على المغصوب، فان يده يد ضمان عالما كان أو جاهلا، فيد المستعير هنا يد ضمان، و قيل: بالثاني، و به صرح في الشرائع و القواعد، و وجه بأن المستعير مغرور يضعف مباشرته، و السبب الغار أقوى.
و أنت خبير بما في الوجهين المذكورين، و قد روى
في الفقيه (1) قال: «قال على (عليه السلام): إذا استعيرت عارية بغير اذن صاحبها فهلكت فالمستعير ضامن».
و رواه الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) و أبى إبراهيم (عليه السلام) مثله و ظاهر إطلاقه اختصاص الضمان بالمستعير عالما كان أو جاهلا.
ثم انه على تقدير القول المشهور من تخيير المالك لو رجع على المستعير مع جهله كما هو المفروض، رجع المستعير على الغاصب بما أغرمه المالك لدخوله، على أن يكون العين و المنفعة غير مضمونة، هذا كله في العارية الغير المضمونة.
أما لو كانت مضمونة كالذهب و الفضة، فإنه لا يرجع المستعير على الغاصب بالقيمة لو تلفت العارية في يده، لأن ضمانه إنما هو من حيث العارية، لا من حيث التعدي.
نعم يرجع بأجرة المنفعة إذا أخذها منه المالك، و كذلك يرجع بعوض النقصان قبل التلف، لأن الجميع غير مضمون عليه، و إنما دخل على ذلك، و لو رجع المالك على الغاصب لم يرجع الغاصب على المستعير إن لم تكن مضمونة، و الا رجع عليه بما كان يضمنه، هذا في صورة الجهل.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 192 و ما أورده في الفقيه ليس منسوبا الى على (عليه السلام) بل الظاهر انه ذيل رواية إسحاق بن عمار عن أبى عبد الله (عليه السلام) الذي هو ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 183 ح 10، الوسائل ج 13 ص 240 ح 1.
492
و أما لو كان عالما بالغصب فإنه يكون ضامنا، و لا رجوع له على الغاصب، و للغاصب الرجوع عليه إذا أغرمها المالك.
و بالجملة فإن المستعير هنا غاصب كالذي أعاره، و من حكم ترتب الأيدي على المغصوب تخير المالك في الرجوع على أيهما شاء، و يستقر الضمان على من تلفت العين في يده، و الله سبحانه العالم.
الفصل الثالث في العين المعارة.
و فيه أيضا مسائل
الأولى: الضابط في المستعار
عند الأصحاب هو أن يكون مما يصح الانتفاع به مع بقاء عينه، و هو يتضمن شيئين بقاء العين مع الانتفاع، و جواز ذلك الانتفاع، فكلما يجوز الانتفاع به مع بقاء عينه، يصح إعارته، كالعقارات و الدواب، و الثياب، و الأقمشة، و الأمتعة، و الصفر و الحلي، و كلب الصيد و الماشية، و الفحل، و جميع أصناف الحيوانات المنتفع بها كالآدمي و البهائم، و نحو ذلك.
و في الصحيح عن محمد بن قيس (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أعار جارية فهلكت من عنده و لم يبغها غائلة فقضى: أن لا يغرمها المعار» الحديث.
و في رواية وهب (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام) قال: من استعار عبدا مملوكا لقوم فعيب فهو ضامن، و من استعار حرا صغيرا فعيب فهو ضامن».
و حمل الضمان هنا على الاستعارة من غير المالك أو التفريط و التعدي أو اشتراط الضمان. لما علم من عدم ضمان العارية إلا مع الوجوه المذكورة.
فأما ما لا يتم الانتفاع به الا بإتلاف عينه كالأطعمة و الأشربة، فإنه لا يجوز
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 182 ح 3.
(2) التهذيب ج 7 ص 185 ح 17، الوسائل ج 13 ص 237 ح 9 و ص 238 ح 11.
493
إعارتها، لأن المنفعة المطلوبة منها انما تحصل بإتلافها و ذهاب عينها و الإباحة لم تقع على الإتلاف.
و كذا ما لا يجوز الانتفاع به، فإنه لا تصح إعارته كأواني الذهب و الفضة للأكل و الشرب فيها، و لو استعار كلب الصيد للهو و الطرب حرم، و لو استعاره للصيد المشروع جاز، و الجواري يجوز استعارتها للخدمة و لا يجوز للاستمتاع، لأن العارية ليست من الأسباب المبيحة للبضع، و المحللات محصورة في أشياء ليس هذا منها.
و هكذا كل ما له منفعة محللة و محرمة، فإنه يجوز الإعارة للأولى دون الثانية، و لو استعاره للمحرمة قالوا: لم يجز الانتفاع به في المحللة، و الوجه فيه بطلان الإعارة من أصلها.
و الظاهر أن التخصيص بالمنافع غالبي، لما سيأتي ان شاء الله تعالى من اعارة الغنم و هي المنحة و المنافع المأخوذة منها إنما هي أعيان كالصوف و الشعر و اللبن.
الثانية [في عدم جواز التخطي عن القدر المأذون فيه]:
قد تقدم في كلام العلامة في التذكرة و به صرح في غيرها من كتبه ما يدل على جواز التخطي مع الاذن في شيء مخصوص الى ما هو أدون منه ضررا أو مساو له، و ظاهره أنه لا خلاف فيه، و قد قدمنا ما في ذلك، و بما ذكرناه أيضا صرح المحقق فقال: و يقتصر المستعير على القدر المأذون فيه، و قيل: يجوز أن يستبيح ما هو أدون في الضرر، كما يستعير أرضا للغرس فيزرع، و الأول أشبه و اختاره في المسالك أيضا، قال: و ما اختاره المصنف أوجه، وقوفا مع الإذن، لأن الأصل عدم جواز التصرف في مال الغير بغير اذنه، خرج منه ما يأذن فيبقى الباقي و كون الأدون أولى بالاذن منه-، فيدخل من باب مفهوم الموافقة- ممنوع، لجواز تعليق غرض المالك بالنوع الخاص، فالأولوية ممنوعة نعم لو علم انتفاء الغرض في التخصيص توجه جواز التخطي إلى الأقل، انتهى و هو جيد.
بقي الكلام في أنه لو عدل إلى الأضر مع النهي أو الإطلاق كما هو محل
494
الاتفاق أو عدل إلى المساوي و الأدون مع النهي، أو الإطلاق بناء على ما اخترناه، فهل يلزمه الأجرة بمجموع الزرع أو يسقط منها مقدار أجرة المأذون فيه و تثبت الزيادة خاصة إشكال، ينشأ من أنه قد تصرف في ملك الغير بغير اذنه، فان هذا التصرف الذي فعله غير مأذون فيه، و بموجب ذلك يلزم ثبوت الأجرة كملا، و من أنه قد إباحة المنفعة المخصوصة بذلك الفرد الذي أذن فيه، فلا عوض لها، فإذا تخطي الى غيرها كان مقدار منفعة ما أبيح له حلالا، لا عوض فيها، و إنما العوض للزائد، و على هذا لا يحصل في المساوي و الأقل ضررا إلا الإثم خاصة.
و الظاهر أن الأول أقوى، لأن ما أذن فيه المالك لم يستوفه، و ما استوفاه غير مأذون فيه بالكلية، فتصرفه حينئذ عدوان محض، و كون المالك أحل له التصرف في ذلك الفرد لا يستلزم اجزاء قدر ما فيه من المنفعة في هذا الفرد الذي تصرف فيه من غير اذن، فيجعل الضمان في ما زاد عن ذلك، لأن تلك المنفعة مخصوصة بذلك الفرد المجاز، لا تعلق لها بهذا الفرد الأخر.
نعم لو كان المأذون فيه داخلا في ضمن الفرد المنهي عنه كما لو أذن له في تحميل الدابة قدرا معينا، فزاد عليه، أو أذن له في ركوبها بنفسه فأردف غيره معه، أمكن إسقاط قدر المأذون فيه، فلا أجرة عليه من حيث كونه مأذونا، و انما الأجرة في مقابلة ما زاده، و مثل ذلك ما لو أذن له في زرع حنطة فزرع حنطة و غيرها.
و نقل عن العلامة أنه فرق بين النهي عن التخطي، و بين الإطلاق، فأوجب الأجرة كملا مع النهي، و أسقط التفاوت مع الإطلاق، بمعنى أنه لو أمره بزرع الحنطة مثلا و نهى عن غيرها، فإنه بالمخالفة يضمن الأجرة كملا، و لو لم ينهه بل أمره بها من غير نهي عن غيرها، فإنه مع المخالفة إلى غير الحنطة مما هو أضر يعتبر قدر منفعة الحنطة فيسقط من الأجرة و يؤخذ الأجرة على ما زاد.
و هو مبني على مذهبه الذي قدمنا نقله عنه من جواز المساوي و الأقل ضررا
495
و انما المحرم ما كان أضر.
و أورد عليه في هذا التفصيل بأن الفرق غير واضح لأن التخطي غير مأذون فيه في كل من الفردين المذكورين، غاية الأمر أنه في صورة النهي جاء المنع من حيث النهي الذي نص عليه المالك، و في صورة الإطلاق و عدم النهي جاء المنع من حيث عدم الإذن، إذ قد علم من الشرع المنع من التصرف في مال الغير بغير اذن المالك، و هذا لا يوجب اختلاف الحكم و الله سبحانه العالم.
الثالثة [في عدم جواز إعارة المنحة]:
المشهور في كلام الأصحاب على وجه لا يظهر فيه خلاف أنه يجوز إعارة الشاة للحلب و هي المسماة عندهم بالمنحة بالكسر قال في المسالك: «و جواز إعارة الشاة لذلك ثابت بالنص على خلاف الأصل، لأن اللبن المقصود من الإعارة عين لا منفعة، و عدوا الحكم إلى غير الشاة مما يعد للحلب من الانعام و غيرها.
و في التذكرة: «يجوز اعارة الغنم للانتفاع بلبنها و صوفها، و في تعدى الحكم عن موضع الوفاق ان كان هو اعارة غير الغنم نظر للبن لعدم الدليل مع وجود المانع، و هو أن الإعارة مختصة في الأصل بالأعيان، ليستوفي منها المنافع، و النص من طرقنا غير واضح، و من طرق العامة لا يدل على غير الشاة» انتهى.
أقول: لا يخفى ما في كلامه من التدافع بين صدره و عجزه، فان صدره ظاهر في وجود نص من طرقنا بهذا الحكم، فإنه حكم بثبوته بالنص على خلاف الأصل و مقتضاه كون ذلك النص من طرقنا كما لا يخفى، و مقتضى كلامه أخيرا و قوله «و النص من طرقنا غير واضح، و من طرق العامة لا يدل على غير الشاة» كون مستند هذا الحكم إنما هو النص الذي من طرق العامة، و أنه لا نص من طرقنا، و هذا هو الحق الواضح، فإنه لا مستند لهذا الحكم في أخبارنا على الوجه الذي ذكروه.
نعم هنا أخبار قد استند إليها في التذكرة حيث ذهب في الكتاب المذكور الى جواز إعارتها للانتفاع باللبن و الصوف، قال يجوز اعارة الغنم للانتفاع
496
بلبنها و صوفها و هي المنحة، و ذلك لاقتضاء الحكمة إباحته، لأن الحاجة تدعو الى ذلك، و الضرورة تبيح مثل هذه الأعيان كما في استيجار الظئر.
و قد روى العامة عن النبي (1) (صلى الله عليه و آله) أنه قال: «المنحة مردودة».
و المنحة هي الشاة.
و من طرق الخاصة ما رواه الحلبي (2) في الحسن عن مولانا الصادق (عليه السلام):
«في الرجل يكون له الغنم يعطيها بضريبة سمنا شيئا معلوما أو دراهم معلومة من كل شاة كذا و كذا في كل شهر، قال: لا بأس بالدراهم و لست أحب أن يكون بالسمن».
و في الصحيح عن عبد الله بن سنان (3) «أنه سأل الصادق (عليه السلام) عن رجل دفع الى رجل غنمه للسمن و دراهم معلومة لكل شاة كذا و كذا في كل شهر، قال:
لا بأس بالدراهم، فأما السمن فلا أحب ذلك، الا أن يكون حوالب فلا بأس»،.
و إذا جاز ذلك مع العوض فبدونه أولى، انتهى.
أقول: قد قدمنا الكلام على هذه الأخبار، و بيان ما اشتملت عليه من الحكم المذكور في المسئلة الرابعة من الفصل الحادي عشر من كتاب التجارة (4).
و ظاهر العلامة هنا حملها على العارية، مع أنه في المختلف بعد أن رد على ابن إدريس في إنكاره هذه المعاملة، و منعها حيث أنها ليست بيعا و لا اجارة، قال: و التحقيق أن هذا ليس ببيع، و إنما هو نوع معاوضة و مراضاة غير لازمة، بل سائغة و لا منع في ذلك، انتهى.
على أن بعض الأخبار المشار إليها قد اشتمل على البقر أيضا كما قدمنا ثمة و هو لا يقول به، و الظاهر منها أيضا بعد ضم بعضها الى بعض أن المنافع التي يستوفيها الراعي فيها إنما هو في مقابلة رعيها و حفظها و حراستها.
____________
(1) النهاية: لابن الأثير ج 4 ص 364.
(2) التهذيب ج 7 ص 127 ح 25، الكافي ج 5 ص 223 ح 1، الوسائل ج 12 ص 260 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 127 ح 27، الكافي ج 5 ص ص 224 ح 4، الوسائل ج 12 ص 260 ح 4.
(4) ج 20 ص 60.
497
و مما هو ظاهر في ذلك
رواية إبراهيم بن ميمون (1) أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) قال: نعطي الراعي الغنم بالجبل يرعاها، و له أصوافها و ألبانها و يعطينا الراعي لكل شاة درهما؟ فقال: ليس بذلك بأس» الحديث.
و بالجملة فإن حملها على العارية كما ذكره بعيد غاية البعد، و يؤيد ذلك اتفاق الأخبار المذكورة على الاشتمال على أخذ العوض، مع أن العارية لا عوض فيها، و يزيده تأييدا أيضا أن المستفاد من أخبار العارية أن المستعير انما له الانتفاع بالعين فيما يترتب عليها من وجوه الانتفاعات إن كان الاذن عاما، و أما استيفاء الأعيان منها كاللبن و السمن و نحو ذلك فلم يقم عليه دليل، و هذه المسئلة إنما أخذها الأصحاب من العامة، و هذه التسمية بالمنحة إنما هي في حديثهم المروي من طريقهم، و الا فأحاديثنا خالية عن ذلك بالكلية.
و بالجملة فإنه لا مستند لهذا الحكم ظاهرا الا ما يتراءى من دعوى الاتفاق إن تم، و الا فالحجة غير واضحة، و أما تعليل العلامة لذلك بقوله فيما قدمنا من كلامه باقتضاء الحكمة إباحته فعليل، و الله سبحانه العالم.
الرابعة [في كون العارية من العقود الجائزة]:
قد تقدم أن العارية من العقود الجائزة، و للمالك الرجوع فيها، سواء كانت مطلقة أو مقيدة بمدة إلا في بعض المواضع التي تقدم استثنائها و تقدم نقل خلاف ابن الجنيد في الأرض البراح يعيرها للبناء و الغرس إذا قيد الإعارة بمدة، في أنه ليس له الرجوع حتى تنقضي المدة، فحكم بلزومها من طرف المعير حتى تنقضي المدة، و المشهور خلافه.
بقي الكلام في أنه لو أذن له في البناء أو الغرس أو الزرع ثم طلب إزالته بعد ذلك، فظاهر الأصحاب أن له ذلك من حيث جواز الرجوع متى شاء، و لكن عليه الأرش من حيث الاذن، و خالف الشيخ في الزرع، فقال: ليس له المطالبة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 224 ح 2، التهذيب ج 7 ص 127 ح 24، الوسائل ج 12 ص 260 ح 2.
498
قبل إدراكه و ان دفع الأرش، لأن له وقتا ينتهي اليه، و اقتفاه ابن إدريس في ذلك.
و الأقرب بناء على قواعدهم في الباب من حيث ان الإعارة من العقود الجائزة هو جواز الرجوع مطلقا، الا ما قام الدليل على خروجه، و لا دليل هنا
و حديث (1) «الضرر و الضرار».
لازم من الطرفين، فلا يمكن الترجيح به، فيجب الرجوع الى الأصل من تسلط الناس على أموالهم، مع أنه يمكن الجمع بين الحقين، و اندفاع الضرر من الجانبين ببذل الأرش من المعير.
و المراد بالأرش على ما قالوا: تفاوت ما بين كونه منزوعا من الأرض و ثابتا فيها، قال في التذكرة: و لكنه مخير بين أن يقلعه و يضمن الأرش، و هو قدر التفاوت بين قيمته مثبتا و مقلوعا الى آخر كلامه، و هل المراد بكونه ثابتا في تلك الأرض في صورة تقويمه كذلك هو ثبوته مجانا أو بأجرة.
قال في المسالك: كلام الشيخ في المبسوط صريح في الأول، و هو الظاهر من كلام المصنف و الجماعة، مع احتمال اعتبار الثاني، و الى هذا الاحتمال مال (رحمه الله)، و نقله عن التذكرة في غير هذا الموضع كما يأتي في كلامه.
و علل الأول بأن وضعه في الأرض لما كان صادرا عن إذن المالك تبرعا اقتضى ذلك بقاؤه تبرعا كذلك، و إنما صير الى حواز القلع بالأرش جمعا بين الحقين، فيقوم ثابتا بغير أجرة مراعاة لحق المستعير، و يقلع مراعاة لحق المعير.
و علل الثاني بأن جواز الرجوع في العارية لا معنى له الا أن تكون منفعة الأرض ملكا لصاحبها، لا حق لغيره فيها، و حينئذ فلا يستحق الا بقاء فيها الا برضاه بالأجرة، و حق المستعير يجبر بالأرش، كما أن حق المعير يجبر بالقلع، و بأخذ الأجرة لو اتفقا على إبقائه بها، قال: و هذا هو الأقوى، و اختاره في التذكرة في غير محله استطرادا.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 292 ح 2، الوسائل ج 17 ص 341 ح 3 و 4.
499
أقول: و من هذا التعليل يظهر وجه ضعف التعليل الأول، لأن مبنى التعليل الأول على أن اذن المالك في وضع هذه الأشياء في أرضه اقتضى بقاؤها فيها تبرعا، و قد رده في التعليل الثاني بأن جواز الرجوع في العارية لا يتوجه الا بأن يكون منفعة الأرض لصاحبها لا حق لغيره فيها، إذ لو كان لغيره حق فيها لم يتوجه جواز الرجوع فيها، و إذا لم يكن لغيره حق فيها فكيف يتجه ما ذكره في ذلك التعليل من بقائه تبرعا بسبب الأذن في الوضع، و حينئذ فلا بد في تقويمه باقيا من اعتبار الأجرة، إذ البقاء إنما يتوجه بها.
و بالجملة: فإن الأذن في الوضع إنما اقتضى صحة التصرف، و أن لا يكون غصبا و لا موجبا للمؤاخذة و الإثم، و برجوع المالك في ذلك بعد ذلك لا يستحق البقاء فيها إلا بالأجرة ان تراضيا بها و حينئذ فإذا أريد التقويم بعد الرجوع لأخذ الأرش إنما تقوم باقية بالأجرة حيث أنه لا يستحق البقاء بعد الرجوع بدونها، و تقوم مقلوعة، فيؤخذ بالتفاوت بين القيمتين هذا مقتضى كلامه، و هو جيد بالنظر الى هذه الاعتبارات، و البناء على هذه التعليلات، و ينبغي أن يعلم أن ثبوت الأرش إنما يكون في صورة اختلاف حالتي القلع و البقاء، و حيث ينتفي الاختلاف كما في صورة إدراك الزرع و بلوغه، فإنه متى رجع المالك في تلك الحال فإنه لا أرش.
و لو بذل المعير قيمة البناء أو الغرس أو الزرع لم يجب على المستعير اجابته، بل له قلعه و إزالته مع أخذ الأرش من المعير، و كذا لو بذل المستعير قيمة الأرش أو الأجرة لم يجب على المعير إجابته، لأن كلا منهما مسلط على ملكه، لا يجوز التصرف فيه الا برضاه.
و خالف الشيخ في الأول فأوجب على المستعير الإجابة إذا بذل المعير قيمة الأشياء المذكورة معللا ذلك بعدم الضرر على المعير، و قد تقدم نقل كلامه في الفائدة الرابعة من الفصل الأول (1) و ضعفه ظاهر، فان مجرد انتفاء الضرر على
____________
(1) ص 481.
500
المالك غير كاف في جواز تملك ماله بغير رضاه.
و المشهور: أن للمستعير بيع أبنيته و غرسه و لو على غير المالك، حيث أن الجميع ملك له يتصرف فيه كيف شاء.
و قيل لا يجوز له بيعه على غير المعير لعدم استقرار ملكه برجوع المعير، و فيه أن عدم استقرار ملكه غير مانع من البيع، كما يباع المشرف على التلف، و مستحق القتل قصاصا و حينئذ فإن كان المشترى جاهلا تخير بعد العلم بين الفسخ و عدمه، و ان كان عالما كان حكمه حكم المستعير فيما يترتب على ذلك، و لو اتفقا جميعا على بيع ملكيهما بثمن واحد صح، و وزع الثمن عليهما، فيقسط على أرض مشغولة به على وجه الإجارة، مستحق القلع بالأرش أو الإبقاء بالأجرة أو التملك بالقيمة مع التراضي، و على ما فيها مستحق القلع على أحد الوجوه فلكل قسط ما يملكه، هذا.
و قد صرح جملة منهم بأنه ليس للمالك المطالبة بالإزالة إلا بعد دفعه الأرش أولا، و الا فلا يجب اجابته الى ما طلب، و علل باحتمال تعذر الرجوع اليه بإفلاس أو غيبة أو نحوهما فيضيع حق المستعير، و يلزم الضرر عليه بخلاف ما إذا دفع أولا.
و لو قيل: بأنه مع الدفع أولا يمكن أيضا أن يهرب المستعير أيضا، و يتعذر مباشرته للقلع، فيرجع الضرر على المعير أيضا.
قلنا: هذا الضرر يمكن دفعه، بجواز مباشرة الغير لذلك باذن الحاكم الشرعي مع إمكانه، أولا معه مع تعذره، فلا ضرر حينئذ و الله سبحانه العالم.
الخامسة [في الانتفاعات الجائزة للمعير و المستعير]:
قال في التذكرة: يجوز للمعير دخول الأرض و الانتفاع بها و الاستظلال بالبناء و الشجر، لأنه جالس على ملكه، و ليس له الانتفاع بشيء من الشجر بثمر و لا غصن و لا ورق و لا غير ذلك، و لا يضرب وتد في الحائط، و لا التسقيف عليه و ليس للمستعير دخول الأرض للتفرج إلا بإذن المعير، لأنه تصرف غير مأذون
501
فيه، نعم يجوز له الدخول لسقي الشجر و مرمة الجدار و حراسة لملكه عن التلف و الضياع، انتهى.
و على هذا المنوال عباراته في سائر كتبه و عبائر غيره في هذا المجال، و الوجه فيه أنه إذا أعاره أرضا للغرس فيها فإنه يجوز لكل منهما دخولها.
أما المعير فإنه المالك لعينها، فله الدخول في كل وقت شاء و له الاستظلال بالشجر و إن لم يكن ملكه، لانه جالس في ملكه كما لو جلس في أرض مباحة و اتفق له التظليل بشجر غيره، و انما يمنع من التصرف في الغرس خاصة.
و أما المستعير فلانه يملك الغرس الذي فيها، فله الدخول لأجل إصلاحه، و القيام به بسقي و نحوه مما يتوقف عليه حفظه و حراسته و ليس له الدخول لغرض آخر غير ما يتعلق بالغرس من التفرج و نحوه، حيث أن الاستعارة وقعت مخصوصة بالغرس دون غيره.
و ظاهرهم أنه لا يجوز له الجلوس و الاستظلال حيث أنهم خصوا ذلك بالمعير، و وجهه ظاهر كما عرفت، و لم يذكروا ذلك في المستعير، الا أن الشهيد في اللمعة صرح بجواز ذلك لهما.
و علله الشارح بالنسبة إلى المستعير بقضاء العادة بذلك، و مقتضى منعهم المستعير هنا من الدخول للتفرج، أنه لا يجوز للغير دخول أرض غيره لذلك بطريق الأولى إلا بإذن المالك، و ينبغي أن يستثني من ذلك ما إذا كان المالك صديقا يعلم منه أو يظن الرضاء بذلك، و الله سبحانه العالم.
السادسة [في عدم جواز إعارة المستعير العين بدون إذن المالك]:
لا خلاف بين الأصحاب في أنه لا يجوز للمستعير اعارة العين بدون إذن المالك، و الوجه فيه ظاهر لما تقدم ان من شروط الإعارة أن يكون المعير مالكا للمنفعة، و المستعير ليس كذلك، و لهذا لا يجوز له أن يؤجر و ان كان له استيفاءها من حيث الاذن المترتب على الإعارة.
و يؤيده أن الأصل عصمة مال الغير عن التصرف فيه الا بإذن مالكه، و الإعارة
502
انما اقتضت تصرف المستعير خاصة، فيبقى غيره داخلا تحت المنع، و أيضا فإن الإعارة انما تفيد اباحة الانتفاع، و المستبيح لا يملك نقل الإباحة إلى غيره، كالضيف الذي أبيح له الطعام، فإنه ليس له أن يبيحه الى غيره.
نعم يجوز للمستعير استيفاء المنفعة بنفسه أو وكيله، و هذا لا يعد إعارة، لأن النفع المستوفي عائد إلى المستعير لا الى الوكيل، و لم ينقل الخلاف هنا الا عن بعض العامة.
قال في التذكرة: و قال أبو حنيفة: يجوز للمستعير أن يعيره و هو الوجه الآخر للشافعية، لأنه يجوز إجارة المستأجر للعين، فكذا يجوز للمستعير أن يعير لأنه، تمليك على حسب ما ملك.
و الفرق أن المستأجر يملك بعقد الإجارة الانتفاع على كل وجه، فلهذا ملك أن يملكها، و أما في العارية فإنه ملك المنفعة على وجه ما أذن له، فلا يستوفيه غيره فافترقا، انتهى.
و الأظهر في التعبير عن بيان الفرق أن مقتضى الإجارة تمليك المنفعة، و رفع يد المالك عنها و مقتضى العارية إباحتها خاصة، مع تسلط المالك عليها بالرجوع و ان كان كلامه يرجع الى ذلك، و بذلك يظهر أن ما ذكره أبو حنيفة و من تبعه قياس مع الفارق.
بقي الكلام في أنه لو خالف المستعير فأعار غيره فالظاهر أنه لا خلاف في أن للمالك الرجوع في العارية الثانية بأجرة المثل، و بدل العين لو تلفت على من شاء منهما، لكن لو رجع على المعير لم يرجع على المستعير إذا كان جاهلا بالحال، فإنه مغرور، و قد سلطه عليه بغير عوض، الا أن يكون العارية مضمونة فيرجع عليه من هذه الحيثية ببدل العين خاصة لو تلفت كما هو حكم العواري المضمونة، و لو كان عالما استقر الضمان عليه كالغاصب.
و قال في التذكرة: و ان رجع على المعير بأجرة المثل كان له الرجوع على المستعير العالم، و في الجاهل اشكال، و كذا العين، و نحوه في القواعد،
503
و الظاهر أن وجه الاشكال- كما ذكره بعض شراح القواعد- ينشأ مما تقدم مما يدل على عدم الرجوع و من أنه قد استوفى المنافع، فيرجع عليه.
و أنت خبير بأن الموافق لقواعدهم انما هو عدم الرجوع لما عرفت من الوجه المتقدم، و مجرد استيفاء المنافع مع تسليطه عليها مجانا لا يوجب الرجوع عليه و لو رجع على المستعير قال في المسالك: رجع على المعير بما لا يرجع عليه به، لو رجع عليه، لغروره.
و هو ظاهر في رجوعه عليه بأجرة المثل و بدل العين مع فقدها، و هي التي لا يرجع بها المعير على المستعير مع الجهل، فإنه يرجع بها المستعير هنا على المعير، لأنه قد غره بإعارته له و هو جاهل، و تصرف فيه بناء على أن ذلك مجانا، فلما رجع عليه المالك و أغرمه استحق الرجوع على من أعاره و غره.
و قال في التذكرة: فإن رجع على المستعير لم يرجع المستعير على المعير و ان كان جاهلا على اشكال.
و أنت خبير بأن الموافق لقواعدهم انما هو ما ذكره في المسالك، فان هذه المسئلة من جزئيات مسئلة من استعار من الغاصب، و المعير هنا بإعارته بدون اذن المالك غاصب، فيترتب على إعارته ما يترتب على اعارة الغاصب.
و ما ذكره في المسالك هو مقتضى ما فصلوه في اعارة الغاصب كما تقدم ذكره في المسئلة الرابعة من الفصل الثاني (1).
السابعة: لو أذن له في غرس شجرة فانقلعت، فهل يجوز له أن يغرس غيرها
استصحابا للإذن الأول؟ قيل: نعم لما ذكر، فإن الإذن قائم ما لم يرجع المعير.
و قيل: بعدم الجواز لأن الاذن انما وقع في ذلك الأول لا في غيره، فقوله ان الاذن قائم مطلقا ممنوع، و مثله الزرع و البناء و وضع الجذع، الا أنه قال في التذكرة: لو انقلع الفصيل المأذون له في زرعه في غير وقته المعتاد، أو سقط الجذع كذلك، و قصر الزمان جدا فالأولى أن يعيده بغير تجديد الاذن، انتهى.
____________
(1) ص 488.
504
الفصل الرابع فيما يلحق ذلك من الأحكام في المقام.
و فيه أيضا مسائل
[المسألة] الاولى [في الروايات الدالة على عدم ضمان المستعير]:
لا خلاف بين الأصحاب في أن العارية أمانة في يد المستعير، لا تستعقب الضمان إلا في مواضع مخصوصة يأتي التنبيه عليها إنشاء الله تعالى، فلو تلفت في يد المستعير بغير تفريط و لا عدوان فلا ضمان عليه، سواء كان التلف بآفة سماوية أو أرضية.
و بذلك تكاثرت الأخبار
فروى في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنها الا أن يكون قد اشترط عليه».
و زاد في الكافي قال: و في حديث آخر «إذا كان مسلما عدلا فليس عليه ضمان».
و عن عبد الله بن سنان (2) في الصحيح قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تضمن العارية الا أن يكون قد اشترط فيها ضمانا الا الدنانير فإنها مضمونة و ان لم يشترط فيها ضمان».
و عن زرارة (3) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) العارية مضمونة؟
قال: فقال: جميع ما استعرته فتوى، فلا يلزمك تواه، الا الذهب و الفضة، فإنهما يلزمان الا أن يشترط عليه أنه متى توى لم يلزمك تواه، و كذلك جميع ما استعرت فاشترط عليك يلزمك، و الذهب و الفضة لازم لك و ان لم يشترط عليك».
و روى المشايخ الثلاثة بأسانيدهم و فيها الصحيح عن محمد بن مسلم (4) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن العارية يستعيرها الإنسان فتهلك أو تسرق قال: فقال: إذا كان أمينا فلا عزم عليه».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 238 ح 1، التهذيب ج 7 ص 183 ح 8، الوسائل ج 13 ص 236 ح 1 و 2.
(2) الكافي ج 5 ص 238 ح 2، الوسائل ج 13 ص 239 ح 1 التهذيب ج 7 ص 183 ح 7.
(3) الكافي ج 5 ص 238 ح 3، الوسائل ج 13 ص 239 ح 2 التهذيب ج 7 ص 183 ح 9.
(4) الكافي ج 5 ص 238 ح 4، الفقيه ج 3 ص 192 ح 2 التهذيب ج 7 ص 182 ح 2، الوسائل ج 13 ص 237 ح 7.
505
و روى في الكافي و التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العارية؟ فقال: لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت إذا كان مأمونا».
و روى الشيخ عن الحلبي (2) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «صاحب الوديعة و البضاعة مؤتمنان، و قال: ليس على المستعير عارية ضمان، و صاحب العارية و الوديعة مؤتمن».
و عن عبد الملك بن عمرو (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس على صاحب العارية ضمان الا أن يشترط صاحبها الا الدراهم، فإنها مضمونة اشترط صاحبها أو لم يشترط».
و عن إسحاق بن عمار (4) في الموثق عن أبي عبد الله و أبي إبراهيم (عليهما السلام) «قالا: العارية ليس على مستعيرها ضمان، الا ما كان من ذهب أو فضة فإنهما مضمونان اشترط أو لم يشترط».
و رواه في الفقيه بإسناده عن إسحاق بن عمار أيضا و عن محمد بن قيس (5) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أعار جارية فهلكت من عنده و لم يبغها غائلة فقضى (عليه السلام) أن لا يغرمها المعار، و لا يغرم الرجل إذا استأجر الدابة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة».
و عن مسعدة بن زياد (6) عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: «سمعته يقول لا عزم على مستعير عارية إذا هلكت أو سرقت أو ضاعت إذا كان المستعير مأمونا».
و أما ما رواه
الشيخ عن وهب (7) عن جعفر عن أبيه أن عليا (عليه السلام) كان يقول:
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 182 ح 4، الوسائل ج 13 ص 236 ح 3.
(2) التهذيب ج 7 ص 182 ح 1، الوسائل ج 13 ص 237 ح 6.
(3) التهذيب ج 7 ص 184 ح 11، الوسائل ج 13 ص 240 ح 3.
(4) التهذيب ج 7 ص 183 ح 10، الوسائل ج 13 ص 240 ح 4، الفقيه ج 3 ص 192 ح 1.
(5) الوسائل ج 13 ص 237 ح 9.
(6) التهذيب ج 7 ص 184 ح 16، الوسائل ج 13 ص 237 ح 10.
(7) التهذيب ج 7 ص 185 ح 17، الوسائل ج 13 ص 238 ح 11.
506
من استعار عبدا مملوكا لقوم فعيب فهو ضامن».
فلا يخفى ما في حال رواية من الضعف، فلا يبلغ قوة في معارضة ما ذكرناه من الأخبار، و حملها الشيخ على من استعار بغير إذن المالك، و جوز حمله على من فرط، و على من شرط عليه الضمان.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن تحقيق الكلام في المقام يقع في موارد،
الأول [الاستثنائات من ضمان العارية]:
المفهوم من كلام الأصحاب ان العارية تضمن في مواضع، فهي عندهم مستثناة من القاعدة المتقدمة،
الأول اشتراط الضمان
، و هو متفق عليه نصا و فتوى، و قد تقدم في صحيح الحلبي أو حسنته الدلالة على ذلك، و مثله صحيح عبد الله بن سنان، و صحيح زرارة.
الثاني: الذهب و الفضة
و عليه تدل جملة من الأخبار المذكورة، و سيأتي في الموضع الثاني تحقيق الكلام في ذلك.
الثالث: التعدي و التفريط
، و عليه قوله في صحيح محمد بن قيس المتقدم، و لا يغرم الرجل إذا استأجر الدابة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة، و أيضا فإن معنى عدم ضمان الأمانة في كل موضع ذكروه ليس إلا من حيث التلف مع عدم التعدي و التفريط، فاستثنائه في الحقيقة مستغنى عنه.
الرابع: العارية من غير المالك
، و يدل عليه
موثقة إسحاق بن عمار (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) و أبى إبراهيم (عليه السلام) قال إذا استعيرت عارية بغير إذن صاحبها، فهلكت فالمستعير ضامن».
و هذا الموضع في الحقيقة كسابقه، لأن هذه كما تقدم تحقيقه ليست بعارية، و ان عبر عنها بذلك، فان اعارة الثاني لها غصب، فهذه الصورة في الحقيقة ترجع إلى صورة التعدي و التفريط، لتعدي المعير الثاني في إعارته بغير إذن المالك،
الخامس: ما تقدم من عارية الصيد للمحرم
، و قد تقدم ما فيه من الإشكال بالنسبة إلى حق المالك في المسئلة الثالثة، من الفصل الثاني و أما بالنسبة إلى حق
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 183 ح 10، الوسائل ج 13 ص 240 ذيل حديث 1.
507
الله تعالى فلا اشكال فيه.
السادس: ما نقل عن ابن الجنيد
من حكمه بضمان الحيوان قال على ما نقله عنه في المختلف، و ليس يضمن المعار تلف ما تلف منها إذا كان السلعة متاعا الا أن يتعدى، و ما كان منها عينا أو ورقا أو حيوانا ضمن المعار تلف ذلك، إلا أن يشترط المالك سقوط الضمان عنه.
و نقل في المختلف عنه الاستدلال
بقوله (1) «على اليد ما أخذت حتى تؤدى».
و برواية وهب (2) و لا يخفى ما في دليله المذكور من الوهن و القصور مع تظافر الأخبار كما عرفت بالعدم، مضافا الى الأصل و مما ذكرنا علم أن الاستثناء في التحقيق انما يتجه في المواضع الثلاثة الأول، بل في الموضعين الأولين خاصة، لما عرفت في الثالث من عدم الحاجة الى استثنائه، و أن ذلك ظاهر من حكمهم بعدم ضمان الأمانة.
و قسم في المسالك العارية بالنسبة إلى الضمان و عدمه مع الشرط و عدمه إلى أقسام أربعة: أحدها: ما يضمن، و ان اشترط عدم الضمان، و عد من ذلك صورة التعدي و التفريط، و الصورتين التاليتين لها، ثم قال: و يحتمل قويا سقوطه في الأول، لأنه في قوة اذن المالك له في الإتلاف مجانا، فلا يستعقب الضمان.
و أما الأخيرتان فالأمر فيهما واضح، لأن إسقاط غير المالك الضمان لمال المعير لا عبرة به، و كذلك إسقاط الضمان عن المحرم، لانه ثابت عليه من عند الله سبحانه، باعتبار كونه صيدا لا باعتبار كونه مملوكا.
أقول: ما احتمله في الصورة الأولى من هذه الثلاث و قواه جيد، بل الظاهر أنه متعين.
و أما الأخيرتان فقد عرفت أنهما ليستا من باب العارية التي هي موضوع
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 504.
(2) التهذيب ج 7 ص 185 ح 17 الوسائل ج 13 ص 238 ح 11.
508
الكتاب، و محل البحث فيه، و ان تجوزوا فيهما بإطلاق هذا اللفظ فاطلاقهما و إدخالهما في التقسيم لا يخلو من اشكال.
و ثانيها: ما لا يكون مضمونا و ان اشترط الضمان، و هو استعارة المحل للصيد من المحرم، قال: و قد تقدم تسمية المصنف له استعارة.
أقول: هذا أيضا مبني على القول بصحة الإعارة في الصورة المذكورة، كما هو ظاهر جمع ممن قدمنا ذكره، و التحقيق هو البطلان كما تقدم بيان وجهه فلا ثمرة لعده هنا، بناء على ما هو التحقيق في المسئلة.
و ثالثها: ما يكون مضمونا إلا أن يشترط عدم الضمان و هو استعارة الذهب و الفضة أقول: و يضاف إليهما الحيوان بناء على مذهب ابن الجنيد، و إن كان قد عرفت ضعفه.
و رابعها: ما لا يكون مضمونا الا أن يشترط الضمان، و هو باقي أقسامها.
أقول: و بما ذكرنا خلال كلامه ظهر أنه لا شيء من العارية يكون مضمونا الا أن يفرط و يتعدي فيه، أو يشترط فيه الضمان، الا الذهب و الفضة، فإنهما مضمونان اشترط أو لم يشترط، و هذا هو مقتضى الأخبار التي قدمناها، و الله سبحانه العالم.
المورد الثاني [في مدلول الروايات]
لا خلاف و لا اشكال بين الأصحاب في ضمان عارية الدراهم و الدنانير من غير شرط، لما تقدم من الأخبار المشتملة جملة منها على الذهب و الفضة و بعض على الدنانير و الدراهم.
و انما الخلاف و الاشكال في غيرهما من الذهب و الفضة، كالحلي المصوغ و السبائك و نحوهما، و منشأ الخلاف من حيث اشتمال بعض الاخبار على الذهب و الفضة بقول مطلق، و اشتمال بعض على خصوص الدراهم و الدنانير، فمن ذهب الى العموم نظر الى الاخبار الدالة على استثناءهما من عموم عدم الضمان في العارية، و ان تخصيص الدراهم و الدنانير بالذكر في بعض آخر، انما هو من
509
حيث كونهما أحد أفراد الذهب و الفضة، و لا منافاة بينهما، و من ذهب الى التخصيص بالدراهم و الدنانير نظر الى أن ما دل على الذهب و الفضة مطلق، و ما دل على الدراهم و الدنانير مقيد، و مقتضى القاعدة العمل بالمقيد، و تقييد المطلق به.
و أيده بعضهم بأن منفعة الدراهم و الدنانير منحصرة في الإتلاف، فكانت مضمونة بالإعارة، و أما غيرهما من المصوغ فان له منفعة مع بقاء عينه، و هي التجمل و نحوه، و من أجل ذلك توقف في المسئلة جملة من الأصحاب منهم العلامة في التذكرة، و هو في محله لما عرفت من تعارض احتمال الجمع بين روايات المسئلة، الا أنه يمكن أن يقال أن نصوص هذه المسئلة على أقسام ثلاثة:
منها ما هو مطلق في عدم الضمان من غير تقييد، كحسنة الحلبي (1) و صحيحة محمد بن مسلم (2) و صحيحة عبد الله بن سنان (3) و صحيحة الحلبي (4) و رواية مسعدة بن صدقة (5) فان الجمع مشترك الدلالة في عدم الضمان في العارية من غير فرق بين كونها ذهبا أو فضة أو غيرهما.
و منها ما دل على استثناء الذهب و الفضة من هذا الحكم، و أنه يضمن الا مع اشتراط العدم، و هو صحيح زرارة (6) و موثق إسحاق بن عمار (7).
و منها ما دل على استثناء الدراهم و الدنانير و هو خبر عبد الملك بن عمرو (8)، حيث ورد باستثناء الأول، و صحيح عبد الله بن سنان (9) حيث ورد باستثناء الثاني، و الاستثناء في جميع هذه الاخبار انما وقع من العموم الذي دلت عليه أخبار القسم الأول.
و حينئذ فيجب إخراج الدراهم و الدنانير و استثناءهما على كل حال من ذلك العموم، لتصريح بعض الأخبار بهما بخصوصها و دخولهما في الذهب و الفضة اللذين اشتمل عليهما البعض الآخر، بقي العموم فيما عداهما مع معارضته بمطلق
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 236 ح 1.
(2) الوسائل ج 13 ص 236 ح 3.
(3) الوسائل ج 13 ص 237 ح 7.
(4) الوسائل ج 13 ص 237 ح 6.
(5) الوسائل ج 13 ص 237 ح 10 و الراوي هو مسعدة بن زياد كما تقدم.
(6) الوسائل ج 13 ص 239 ح 2.
(7) الوسائل ج 13 ص 240 ح 4.
(8) الوسائل ج 13 ص 240 ح 3.
(9) الوسائل ج 13 ص 239 ح 1.
510
الذهب و الفضة، و مقتضى القاعدة تخصيص العموم بهما، فيجب استثناءهما من العموم المذكور، و القول بالضمان فيهما اشترط أو لم يشترط الا مع اشتراط العدم.
و أما ما ذكره القائل بالتخصيص من أن الذهب و الفضة مطلق، و الدراهم و الدنانير مقيد، فيجب تقييدهما بذلك، ففيه أنه لا تعارض بين أخبار الذهب و الفضة، و بين أخبار الدراهم و الدنانير ليجب ارتكاب الجمع بينهما بتقييد المطلق منهما بالمقيد، و انما كل من هذين الفردين قد وقع مستثنى من العموم الأول، و مخصصا له، فأخرجنا الدراهم و الدنانير من ذلك العموم، لاتفاق الأخبار على استثناء هما كما عرفت و بقي الكلام فيما عدا أخبار الدراهم و الدنانير و قد عرفت وجه الجمع فيه.
و بالجملة فإن العموم الذي دلت عليه أخبار القسم الأول قد خصص بمخصصين، أحدهما أعم من الآخر، فيجب أن يخص ذلك العام بكل منهما، أو يقيد مطلقه بكل منهما، و لا منافاة بين ذينك المخصصين، على أن أحدهما يخصص الآخر أو يقيده، و هو بحمد الله سبحانه ظاهر.
و أما التعليل بأن الدراهم و الدنانير تنحصر منفعتهما في الإتلاف، فكانت مضمونة بخلاف غيرهما: ففيه أولا أن هذه العلة لا أثر لها في النصوص، فهي مستنبطة، و ثانيا الانتقاض بالنقاد و السبائك و نحوهما مما لا يترتب عليه أثر بالتجمل و التزين الذي ذكروه في المصوغ، على أن ظاهر كلام المبسوط و الخلاف أن للدراهم و الدنانير منفعة غير الإتلاف كما سيأتي إنشاء الله في كتاب الإجارة.
و أما ما تكلفه صاحب الكفاية في هذا المقام، و زعم به عدم ثبوت الضمان في الذهب و الفضة، فلا يخفى ما فيه، و حاصل كلامه أنه قد وقع التعارض بين المستثنى منه في خبر الدراهم و الدنانير، و حاصله أنه لا ضمان في غير الدراهم و الدنانير، فهو يدل على عدم الضمان في الذهب و الفضة، و بين المستثنى في خبر الذهب و الفضة، و حاصله أنه لا ضمان في غير الذهب و الفضة، فهو يدل على الضمان
511
فيهما، و النسبة بين الموضعين العموم من وجه الى آخر كلامه.
و فيه أنه إن سمى هذا تعارضا يحتاج الى الجمع فإنه وارد عليه في الدراهم و الدنانير، فإنه لم يقع استثناءهما في محل واحد بل دل صحيح عبد الله بن سنان على استثناء الدنانير خاصة. و حاصله أنه لا ضمان في العارية الا أن يكون دنانير، و بموجبه أنه لا ضمان في الدراهم، و دل خبر عبد الملك بن عمرو على استثناء الدراهم خاصة، و حاصله أنه لا ضمان في العارية الا أن يكون دراهم و هو ظاهر في عدم الضمان في الدنانير، فيجري فيه ما أورده ثمة، و التعارض بين المستثنى منه في كل من الخبرين ظاهر، و لا نراه تكلفا للجمع بينهما هنا، مع ظهور التعارض كما عرفت، بل عمل بالخبرين، و خصص بهما عموم الأخبار الدالة على أنه لا ضمان في العارية، و ما نحن فيه من أخبار الذهب و الفضة مع أخبار الدراهم و الدنانير كذلك، حيثما شرحناه.
و بما أوضحناه يظهر قوة القول باستثناء الذهب و الفضة، و وجوب ضمانهما، و الله سبحانه العالم.
المورد الثالث [في استبعاد حمل الأمين على من لم يفرط في الحفظ]:
ظاهر جملة من الاخبار المتقدمة أنه يقبل قول المستعير لو ادعى التلف بغير يمين، و فتوى الأصحاب على خلاف ذلك، حيث انهم صرحوا بأنه إنما يقبل قوله بيمينه، و نقل في التهذيب عن ابن بابويه (1) أنه قال: مضى مشايخنا (رحمة الله عليهم) على أن قول المودع مقبول، و أنه مؤتمن و لا يمين عليه.
و قد روى (2) أن رجلا قال للصادق (عليه السلام): بأني ائتمنت رجلا على مال أودعته عنده، فخانني و أنكر مالي فقال: لم يخنك الأمين، و إنما ائتمنت الخائن.
انتهى.
و ظاهر هذا الكلام يدل على أنه في كل موضع يحكم بكون المال أمانة فلا يمين على من هو بيده لو ادعى تلفه أو أنكره، و يدخل فيه العارية و الوديعة
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 181 في ذيل ح 8، الوسائل ج 13 ص 228 ح 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 181 في ذيل ح 9، الوسائل ج 13 ص 228 ح 6.
512
و القراض و نحوها مما حكم بكون المال فيه أمانة، مع أن صريح كلام الأصحاب في هذه الأبواب كما صرحوا به في غير كتاب- هو أنه لا يقبل قول أحد من هؤلاء إلا مع اليمين، و لم أقف في الأخبار الواردة في هذه الأبواب على ما يدل على ما ادعوه، بل ظاهرها إنما هو قبول قولهم بغير يمين.
و قد تقدم في كتاب الوديعة جملة من الأخبار الدالة على ما قلناه، و مثلها الأخبار الواردة هنا في العارية، فإن ظاهرها أنه متى كان المستودع أو المستعير مأمونا فلا ضمان عليه، بمعنى أنه يقبل قوله بمجرد دعواه التلف، أو الإنكار، فإن قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة: «إذا كان أمينا فلا غرم عليه»، ظاهر فيما ذكرناه.
لا يقال أن العارية إنما تضمن باشتراط لضمان، و بدونه لا ضمان، فلا غرم فيها لأنا نقول: نعم إذا علم المالك بالتلف و وافق عليه فلا ضمان هنا الا مع الشرط و أما مع عدم ذلك بل ادعائه بقاء العين أو التفريط فيها فالذي صرحوا به أنه لا يقبل قوله إلا باليمين، و هذا محل البحث في المسئلة، فان ظاهر هذا الخبر كما ترى أنه متى كان المستعير أمينا فلا عزم عليه و هو ظاهر في قبول قوله من غير يمين.
قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في حواشيه على هذا الخبر: يمكن أن يكون المراد بالأمين من لم يفرط في حفظها أو المعنى أنه لما كان أمينا فلا غرم عليه، و بالجملة لو لا الإجماع لكان القول بالتفصيل قويا، انتهى.
أقول: لا يخفى أن ارتكاب التأويل في الخبر فرع المعارض، و ليس إلا الإجماع الذي أشار اليه، و هو لا تصلح للمعارضة لما ذكره هو و غيره من المحققين في هذه الإجماعات، مع أنك قد عرفت خلاف الصدوق (رحمه الله) في المسئلة، مع جماعة من مشايخه الذين نقل عنهم ذلك.
و مثله الشيخ في النهاية كما قدمنا نقله عنه في كتاب الوديعة و غيرهم ممن
513
تقدم ذكره، فالإجماع غير ثابت لو سلم حجيته.
على أن ما ذكره من التأويل بحمل الأمين على من لم يفرط في حفظها بعيد جدا، لعدم جريانه في ما إذا ادعى المالك عليه التفريط مع عدم العلم بعدم التفريط، الا من قبل المستعير، و لأنه تخصيص لمعنى الأمين، و العدل، من غير مخصص، بل استعمالهما في غير معناهما المتبادر لغة و شرعا، بل المستفاد من الخبر انما هو المعنى الثاني الذي ذكره، و نحو الخبر المذكور قوله (عليه السلام)
في صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة «لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت إذا كان مأمونا»،.
و المرسلة (1) التي نقلها في الكافي عقيب حسنة الحلبي، و كتب شيخنا المتقدم ذكره في حاشيته، على هذه المرسلة أيضا ما صورته، ربما يحمل الخبر على أنه إذا كان مسلما عدلا ينبغي أن لا يكلفه المعير اليمين، فيلزمه بنكوله الضمان. أو يحمل العدل على من لم يقصر و لم يفرط، و هما بعيدان، و المسئلة في غاية الإشكال، انتهى.
أقول: ما استبعده من الاحتمالين في محله، فان ظاهر الخبر المذكور هو قبول قول المستعير متى كان كذلك من غير يمين، لأنه مع التكليف باليمين و النكول عنها يلزمه الضمان كما هو مقتضى القواعد، مع أن الحديث مصرح بنفي الضمان مطلقا، و تفسير نفي الضمان بمعنى أن الأولى للمعير أن لا يكلفه باليمين تعسف صرف، و كذا حمل العدل على المعنى الذي اعترف ببعده.
و أما قوله أن المسئلة في غاية الإشكال، ففيه ما عرفت مما شرحناه بحمد الله تعالى الملك المستعان من أنه لا اشكال بعد دلالة الأخبار على ما ذكرناه من أخبار هذا الباب و غيره كما تقدم، و سيأتي إنشاء الله تعالى.
و عدم وجود خبر يدل على ما ادعوه و ليس إلا مجرد الشهرة التي سموها إجماعا لما عرفت من وجود المخالف، و من ذلك أيضا قوله (عليه السلام) في رواية مسعدة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 238 في ذيل ح 1.
514
بن زياد المتقدمة لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت أو سرقت أو ضاعت إذا كان المستعير مأمونا.
و سيأتي إنشاء الله تعالى في كتاب الإجارة جملة من الأخبار الدالة على صحة ما ادعيناه زيادة على ما ذكرناه هنا و ما تقدم في كتاب الوديعة.
المسئلة الثانية [في استعارة الدابة إلى مسافة مخصوصة و التجاوز عنها]:
قالوا: إذا رد العارية إلى المالك أو وكيله برء، و إذا ردها الى الحرز لم يبرء، و لو استغار الدابة إلى مسافة فجاوز بها ضمن، و لو أعادها إلى الأولى لم يبرء.
أقول: قد اشتمل هذا الكلام على ثلاثة من الأحكام، أما الأول منها و هو برأيه المستعير من العارية متى ردها على المالك أو وكيله، فظاهر لا ريب فيه.
و أما الثاني و هو عدم البراءة بالرد الى الحرز كالدابة إلى الإصطبل مثلا، فالوجه فيه الخبر الدال (1)
«على أن على اليد ما أخذت حتى تؤدي».
فإن المراد من الأداء في الخبر هو الدفع الى المالك أو وكيله، لا مجرد ردها في داره أو اصطبله، بل مقتضى القاعدة أن تكون مضمونة عليه بعد ذلك، و ان لم تكن مضمونة أولا لتفريطه في وضعها في موضع لم يأذن له المالك فيه، إذ لو تلفت بعد وضعها في الموضع المذكور و قبل أن يتسلمها المالك لزمه ضمانها، لما قلناه، و هذا لا خلاف فيه عندنا.
و انما نقل فيه الخلاف عن أبي حنيفة قال: في التذكرة إذا رد المستعير العارية إلى مالكها أو وكيله برء من ضمانها، و ان ردها الى ملك مالكها بأن حمل الدابة إلى إصطبل المالك فأرسلها فيه، أو ردها الى الدار لم يزل عنه الضمان، و به قال الشافعي، بل عندنا أن لم تكن العارية مضمونة فإنها تصير بهذا الرد مضمونة لأنه لم يدفعها الى مالكها، بل فرط بوضعها في موضع لم يأذن له المالك بالرد اليه، كما لو ترك الوديعة في دار صاحبها، فتلفت قبل أن يتسلمها المالك،
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 504 ح 12.
515
لأنه لم يردها الى صاحبها، و لا من ينوب منابه، فلم يحصل الرد، كما لو ردها إلى أجنبي.
و قال أبو حنيفة، إذا ردها الى ملك المالك صارت كأنها مقبوضة لأن رد العواري في العادة إلى أملاك أصحابها، فيكون مأذونا فيه من طريق العادة و هو غلط، لأنه يبطل بالسارق إذا رد المسروق الى الحرز و لا تعرف العادة التي ذكرها فيبطل ما قاله، انتهى و هو جيد.
و أما الثالث و هو ما لو استعار الدابة إلى مسافة مخصوصة فتجاوزها، فان الوجه في الضمان هنا أنه قد تعدى في العارية من وقت المجاوزة، فكان ضامنا لها الى أن يردها الى المالك هذا بالنسبة إلى ضمان العين لو تلفت فأما ضمان المنفعة و هو أجرة الدابة فعندهم أنه يثبت في المسافة المتجاوز بها عن موضع الاذن ذهابا و إيابا الى أن يرجع الى الموضع المأذون فيه، لأنه في هذه المدة غاصب. و لا تبطل الإعارة بذلك، فيكون تصرفه فيها بعد رجوعه الى المكان المأذون فيه الى أن يردها على المالك، جائزا لدخوله في الإعارة، فإنه مأذون فيه، و انما حصل التعدي الموجب للأجرة في تلك المدة المتوسطة، و ان كان أصل العين مضمونة بذلك التعدي الى أن ترد على المالك.
و نقل في التذكرة عن بعض الشافعية أنه يضمن الأجرة أيضا كالعين الى أن يردها على المالك، محتجا بأن ذلك الاذن قد انقطع بالمجاوزة، ثم رده بأنه ممنوع.
أقول: حيث انه سابقا قبل هذا الكلام قال: و هل يلزمه الأجرة من ذلك الموضع الذي وقع فيه العدوان الى أن يرجع الى البلد الذي استعار منه الأقرب العدم لأنه مأذون فيه من جهة المالك، و هو أحد وجهي الشافعية.
و الثاني اللزوم ثم نقل القول الذي ذكرناه و رده هنا بالمنع من انقطاع الاذن بالمجاوزة.
و أنت خبير بأن المعير انما أذن في تلك المسافة المعينة ذهابا و إيابا
516
و هو بتجاوزه عن المسافة الى ما زاد عليها قد حكموا عليه بضمان العين من حيث التعدي و التفريط، الى أن ترد سالمة على المالك، و ظاهر ذلك هو زوال العارية بهذا التعدي، حيث أن المفروض أنها غير مضمونة و انما حصل الضمان بهذا التعدي الموجب للخروج عن كونها عارية، و حينئذ فكما أثر هذا التعدي في زوال العارية بالنسبة إلى ضمان العين، فلم لا يكون كذلك بالنسبة إلى ضمان المنفعة، لأن مقتضى العارية العدم، فلا وجه لحكمهم هنا بضمان المنفعة في خصوص موضع التعدي إذ التعدي إن كان موجبا للخروج عن العارية، فينبغي أن يكون بالنسبة إلى ضمان العين، و ضمان المنفعة، و الا فلا وجه للفرق بأن يكون ضمان العين مستمرا الى الرجوع الى المالك.
و ضمان المنفعة ينقطع بالرجوع الى محل التجاوز عن موضع الاذن، سيما أنهم صرحوا كما قدمنا ذكره بأنه في صورة ضمان المنفعة بأنه لا تبطل الإعارة، و ان كان عاصيا في تلك المدة المتوسطة، فلم لا يقال بذلك أيضا في صورة ضمان العين بأن الإعارة باقية، و مقتضيها عدم ضمان العين إلا في المدة التي تجاوز عنها حتى يرجع إليها، لا أنه يستمر الضمان الى الرد على المالك.
و كما أن الرجوع من محل التجاوز الى بلد الإعارة مأذون فيه، كما ذكروه بالنسبة إلى ضمان الأجرة، فلا أجرة عليه في ذلك كذلك، من حيث أنه مأذون فيه، لا ضمان للعين أيضا، و الغصب إن أثر الضمان الى الرجوع الى المالك ففي الحالين، و إلا فلا.
و بالجملة فإنه لا يظهر لي وجه واضح في ما ذكروه من الفرق، و المسئلة خالية من النص، و تعليلاتهم كما ترى، هذا كله إذا كانت العارية غير مضمونة.
أما لو كانت مضمونة كان شرط الضمان في العارية أو قلنا بضمان العواري، فان الدابة المذكورة تكون مضمونة إلى نهاية موضع الاذن ضمان عارية، و لا أجرة عليه، لأنه مأذون له في التصرف فيها، فإذا تجاوز موضع الاذن ضمنها ضمان الغصب، و وجب عليه أجرة منافعها إلى أن يعود إلى المكان المأذون فيه،
517
و منه إلى الرجوع إلى المالك و ردها عليه يضمن ضمان العارية هذا مقتضى تقريرهم في المقام، و الله سبحانه العالم.
[المسألة] الثالثة [حمل السيل حبا للرجل و ثبوته في أرض غيره]:
إذا حمل السيل حبا لرجل أو نوى أو جوزة أو نحو ذلك فثبت في أرض غيره بغير علمه قال في المبسوط: من الناس من يقول لا يجبر على قلعه، لأنه غير متعد فيه فهو كالمستعير، و منهم من قال: يجبر على قلعه من غير أرش، لأنه لم يأذن له في ذلك و هذا أقرب إلى للصواب.
و قال ابن البراج: لا يجوز لصاحب الأرض مطالبته بقلعه، لأنه لم يتعد في ذلك، قال في المختلف بعد نقل القولين المذكورين: و الوجه ما قاله الشيخ، لأن الأرض لمالكها فله الانتفاع بها على أي وجه، و تفريغها من مال الغير الحاصل فيها بغير إذن، و لأن الناس مسلطون على أموالهم و عدم الإثم و التعدي لا يقتضي منع المالك عن التسلط على ملكه، انتهى.
و بنحو ذلك صرح في التذكرة: فقال: إن لصاحب الأرض قلعه، و إن امتنع صاحب الزرع أجبر عليه، و بذلك صرح في الشرائع، و الظاهر أنه هو المشهور بين المتأخرين و هو الأوفق بالأصول و القواعد الشرعية، و ما ذهب اليه ابن البراج ضعيف لا يعول عليه.
بقي الكلام هنا في مواضع
الأول: لو أعرض المالك عنه
و إن كان كثيرا فإنه يتخير صاحب الأرض بين قلعه و بين تملكه، و يكون من قبيل السنبل و الثمار التي يعرض عنها ملاكها الا أن للمالك الرجوع فيها ما دامت العين باقية.
و ظاهر التذكرة هنا أنه لا يجبر المالك على نقله، و لا على أجرة الأرض و لا غير ذلك لأنه حصل بغير تفريط و لا عدوان، فكان الخيار لصاحب الأرض المشغول به، إن شاء أخذه لنفسه و إن شاء قلعه.
الثاني: لو لم يعرض عنه المالك و بقي حتى ظهر له ثمر
فان ثمره و نمائه لمالكه، و عليه أجرة الأرض للمدة التي كان باقيا فيها، إن طالبه صاحب الأرض
518
بقلعه، لأنه في هذه الحال غاصب، و إن لم يطالبه فلا أجرة على الأقرب، لأنه لم يقصر في القلع حيث لم يطلب منه، و لا حصل في الأرض بفعله ليكون متعديا.
الثالث [حكم ما لو قلعه المالك]:
إذا قلعه المالك وجب عليه تسوية الأرض و طم الحفر لأنها حدثت بفعله لتخليص ماله من ملك صاحب الأرض و لصاحب الأرض إجباره لو امتنع من ذلك.
الرابع: لو امتنع المالك من القلع
جاز لصاحب الأرض إجباره، و إلا نزعه منها، كما لو سرت أغصان شجرة جاره الى ملكه و داره.
الخامس [لو اشتبه المالك في قوم منحصرين]:
قال في المسالك: لو اشتبه المالك في قوم منحصرين وجب عليهم أجمع التخلص بالصلح أو التمليك و نحوه، و يجب على مالك الأرض أيضا مراجعتهم في ما يراجع فيه المالك المعين و لو لم ينحصر المالك كان بمنزلة اللقطة يجوز تملكه إن كان دون الدرهم حين التملك، و لو تركه من غير نية التملك حتى بلغ وجب تعريفه كاللقطة، و يحتمل كونه كمال مجهول المالك، في جواز التصدق به عنه من غير تعريف، انتهى.
السادس [لو حمل السيل أرضا بشجرها فثبتت في ملك الغير]:
قالوا: لو حمل السيل أرضا بشجرها فثبتت في ملك الغير فتلك الأرض و ما فيها لمالكها و يجبر على إزالتها كما تقدم.
[المسألة] الرابعة [في عدم الإشكال في الضمان مع اشتراطه]:
لا إشكال في الضمان مع اشتراطه كما تقدم في الأخبار فإن اختص الضمان بالتلف ضمن العين خاصة، و إن اختص بالنقصان ضمنه خاصة، و إن كانا معا ضمنهما معا.
و انما الكلام و الاشكال في ما لو أطلق، فعلى هذا لو أطلق و لم يعين شيئا من الأفراد الثلاثة المتقدمة و نقصت العين المستعارة بالاستعمال حتى تلفت فهل يضمن القيمة يوم التلف خاصة؟ لأن النقصان غير مضمون من حيث انه حصل بفعل مأذون فيه فلا يكون مضمونا و لأنه لو لم يتلف فردها على المالك في تلك الحال لم يجب عليه شيء، فإذا تلفت وجب قيمتها في تلك الحال و هو اختيار المحقق، و نقل عن المبسوط و التذكرة.
519
أو أنه يضمن النقص أيضا نظرا إلى اشتراط الضمان فيكون ذلك النقص مضمونا و هو المنقول عن ابن الجنيد و أبى الصلاح و استشكل في القواعد في المسئلة.
قال في المسالك: و يمكن الفرق بين تلف الاجزاء الموجب للنقص بالاستعمال، و بين تلفها بغيره فيضمن على الثاني دون الأول، لأن تلفها بأمر مأذون فيه فلا يستعقب ضمانا و يمكن تأييد القول الثاني بمنع أصل التوجيه المذكور في القول الأول.
قوله: انه حصل النقصان بفعل مأذون فيه فلا يكون مضمونا يمكن خدشه بأن الاذن في أصل الاستعمال لا ينافي الضمان، و الحال إنه مشروط إذ ليس من لوازم أصل الاستعمال النقص، فيجوز أن يكون الاستعمال مأذونا و النقص مضمونا و كذا استناده إلى أنه لو لم تتلف و ردها في تلك الحال لا يجب عليه شيء، فإنه ممنوع أيضا إذ هو من موضع البحث، فانا لا نسلم ذلك مع الشرط، و إنما يتم بدونه، فان للمانع أن يمنع من كون النقص غير مضمون في المضمونة، سواء تلفت أو ردها قبل التلف، و الوجه فيه أن مقتضى تضمين العين تضمين أجزاءها، لأنها مركبة منها، ثم انه على تقدير هذا القول فإنه يضمن أعلى القيم من حين القبض الى يوم التلف، إن كان الاختلاف و التفاوت في القيم بسبب الاجزاء كالثوب ينسحق باللبس، و أما لو كان الاختلاف من حيث القيمة السوقية لم يضمن الزائد بسببه لأن ذلك ليس من مدلول الضمان سيما مع عدم إيجاب ذلك على الغاصب هذا كله مع اشتراط الضمان.
أما لو استعملها حتى تلفت من غير شرط الضمان في العارية فإن ظاهر الأكثر عدم الضمان مطلقا، و قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الثانية من الفصل الثاني، و الله سبحانه العالم.
[المسألة] الخامسة [في اختلافهما في الإعارة و الإجارة]:
اختلف الأصحاب في ما لو ادعى المستعير الإعارة، و ادعى المالك الإجارة، و قد مضت لذلك مدة في يد المستعير، فذهب في الخلاف الى أن القول
520
قول المستعير، قال في الكتاب المذكور: إذا اختلف صاحب الدابة و الراكب، فقال الراكب: أعرتنيها، و قال صاحبها: أكريتكها بكذا، كان القول قول الراكب بيمينه، و على صاحبها البينة، و كذا إذا اختلف الزارع و صاحب الأرض فادعى الزارع العارية. و ادعى صاحب الأرض الكرى، فالقول قول الزارع قيل في توجيهه: انهما متفقان على أن تلف المنافع وقع في ملك المستعير، لأن مقتضى كلام المالك أنه ملكها بالإجارة، و مقتضى كلام المستعير أنه ملكها بالاستيفاء المستند إلى الإعارة، فيده شرعية على كل من القولين، و المالك يدعى عليه العوض عما استوفاه عن ملكه، و هو ينكر استحقاقه، و الأصل براءة ذمته منه، فيكون القول قوله بيمينه، عملا بالقاعدة المنصوصة.
و ذهب ابن إدريس و تبعه المحقق الى أن القول قول المالك في عدم العارية و ان لم يقبل قوله في الإجارة، قال ابن إدريس: لا يقبل قول المالك في قدر ما ادعاه من الأجرة، و لا قول الراكب في العارية، فالواجب أجرة المثل عوضا عن منافع الدابة، و كذا البحث في الأرض إذا اختلف المالك و الزارع.
و قيل في توجيه هذا القول: انه لا شك في أن المنافع أموال كالأعيان، فهي بالأصالة لمالك العين، فادعاء الراكب ملكيتها بغير عوض على خلاف الأصل و أصالة براءة ذمته كما تمسك به القائل الأول إنما يتم بالنسبة إلى خصوص ما ادعاه المالك من قدر الأجرة، لا من مطلق الحق بعد العلم باستيفاء المنفعة التي هي من جملة أموال المالك و حقوقه، و الأصل يقتضي عدم خروجها عن ملكه إلا بعوض، و من أجل ذلك يكون القول قول المالك في عدم العارية، لأن الراكب يدعي العارية و المالك ينكرها، فيكون القول قوله بيمينه، و لا يقبل قول المالك في ما يدعيه من الإجارة، لأنه مدع أيضا يحتاج إلى البينة، و حينئذ فإذا حلف المالك على نفي العارية كما هي وظيفته الشرعية لم تثبت الإجارة، لما عرفت من أن ثبوتها يتوقف على البينة، و لكن تثبت أجرة المثل، لأن الراكب
521
قد تصرف في ملكه بغير تبرع منه، لأن دعوى التبرع قد سقطت باليمين، فالواجب حينئذ أجرة المثل.
و اعترض بعض أفاضل متأخري المتأخرين و هو الخراساني في الكفاية على هذا الكلام بمنع الأصل المدعي هنا أعني قوله و الأصل يقتضي عدم خروج المنافع عن ملك المالك الا بعوض، قال: إذ لا حجة عليه عقلا و نصا.
أقول: مرجع هذا الأصل إلى الاستصحاب، فإنه أحد المعاني التي يطلق عليها، و لا شك أن العين من حيث هي ملك للمالك، فكذا منافعها، فبعد خروجها عن يد المالك على هذا الذي وقع فيه الاختلاف، لو تمسك المانع باستصحاب بقاء المنافع على ما ثبت لها أولا من ملكية المالك حتى يقوم الدليل على خلافه فهو صحيح، و الظاهر أنه ليس من الاستصحاب الذي هو محل الخلاف بين الأصحاب، بل الاستصحاب المتفق عليه، و هو استصحاب الإطلاق أو العموم حتى يقوم دليل التقييد أو التخصيص.
و بالجملة فإنه لا يظهر لي وجه ما ذكره، نعم استشكل هذا القول في المسالك بما لو كان ما يدعيه من الأجرة أقل من أجرة المثل، لاعترافه بنفي الزائد، قال: فينبغي أن يثبت له بيمينه أقل الأمرين مما يدعيه و أجرة المثل، لأن الأقل إن كان ما يدعيه فهو معترف بعدم استحقاقه سواه، و إن كان الأقل أجرة المثل فلم يثبت بيمينه سواها، إذ لم تثبت الإجارة، و إنما لزم تصرف الراكب في ماله بغير إذن المالك على وجه التبرع.
أقول: من أجل ما ذكره من هذا الاشكال صار في المسئلة قولا ثالثا فذهب في القواعد الى هذا القول، و هو أنه بعد حلف المالك فالثابت له أقل الأمرين من أجرة المثل و من المسمى، الا أنه قد أورد عليه أيضا أن المالك على تقدير كون المسمى أكثر من أجرة المثل، فالمالك يدعي الزائد من الأجرة عن أجرة المثل، و الراكب ينفيه، فلا بد من وجه شرعي يقتضي نفيه، و ليس الا بيمين الراكب على نفي الإجارة.
522
و توضيحه أن حلف المالك على نفي الإعارة، لم يدل على نفى الإجارة و لا إثباتها، فيبقي دعوى الإجارة على حالها، و لما لم يثبتها المالك بالبينة رجعنا الى الأصل المتقدم من أصالة بقاء ملكه للعين و للمنافع، فلا بد من الحكم على الراكب بعوض في مقابلتها، حيث تصرف فيها من غير أن يتبرع بها المالك، و وجب الحكم له بأقل الأمرين لما تقدم، لكن يبقي النزاع في الزائد على تقدير كون المسمى في الإجارة زائدا على أجرة المثل، فان المالك يدعيه، و راكب الدابة ينفيه، و لا يندفع ذلك إلا بيمين الراكب على نفي الإجارة: أو نكوله فيحلف المالك على الإجارة، و يأخذ الزائد.
و من هنا انقدح في المسئلة قول رابع، فذهب في المختلف و جماعة منهم الشهيدان، الأول منهما في بعض تحقيقاته، على ما نقل عنه، و الثاني في المسالك إلى أنهما يتحالفان، فان كلا منهما مدع و مدعى عليه، لما عرفت من التوضيح المتقدم.
أقول: و بهذا ترجع المسئلة هنا الى ما نقلناه عنهم في كتاب المزارعة، حيث أنهم لم يذكروا ثمة خلافا في المسئلة على نحو ما ذكروه هنا، و إنما نقلوا فيها قولين، أحدهما و هو المشهور التحالف، بأن يحلف صاحب الأرض على نفي العارية، و يحلف الزارع على نفي الإجارة، فيتساقط الدعويان، و يرجع إلى أجرة المثل، أو أقل الأمرين، و القول الثاني القرعة كما تقدم ذكره ثمة، و هنا قد أكثروا الخلاف كما عرفت، و المسئلة واحدة في الكتابين كما هو ظاهر نصب العين.
و كيف كان فإن لقائل أن يقول أيضا: إن المالك هنا يدعي بالإجارة حقا معينا، و لا يدعى شيئا آخر سواه، فإذا حلف الراكب على عدم الإجارة، سقط بيمنه هذا الحق الذي يدعيه المالك، لأن اليمين من المنكر مسقطة الحق، و قد اعترف بأنه لا حق له سواه، فإذا سقط باليمين، فبأي شيء يثبت أقل الأمرين،
523
و إثبات حق المالك من غير الوجه الذي يدعيه، بناء على ما ذكروه من تصرف الراكب بغير إذنه، فيقضي له بأجرة المثل، أو أقل الأمرين مشكل، لأنه باليمينين الواقعتين منهما معا صار هذا التصرف محتملا لكونه تصرفا صحيحا شرعيا بلا أجرة، و كونه تصرفا شرعيا بالأجرة، و الأجرة انما تثبت على تقدير الثاني، و هو غير معلوم، لاحتمال كونه شرعيا مجانا كما يدعيه المستعير، و من المعلوم كذب احدي اليمينين في هذا المقام، و أصالة عدم اشتغال الذمة مؤيد، و الحكم له بشيء لا يدعيه- و لا يطلبه، و إنما يطلب غيره مما قد انتفى باليمين- غير متجه.
و بالجملة فإن الرجوع إلى التعليلات العقلية لا ينتهي إلى ساحل، و المسئلة لما كانت عارية من النصوص كثر فيها الكلام، و تقابل النقض فيها و الإبرام.
و في المسئلة أيضا قول خامس بالقرعة، ذهب اليه الشيخ في كتاب المزارعة من الخلاف، قال: لأن القرعة لكل أمر مشكل، و رده جملة من المتأخرين بالضعف، قالوا: لأنه لا اشتباه مع القاعدة المتفق عليها من حكم المدعي و المنكر.
أقول: لا يخفى ما فيه بعد ما عرفت مما وقع لهم من الخلاف في المقام، و تصادم هذه التعليلات منهم في النقض و الإبرام، فكيف لا يحصل الاشتباه، و الحال كما عرفت، هذا كله فيما إذا مضت لذلك المتنازع فيه مدة في يد المتصرف قد استوفي فيه منافعه.
أما لو لم يمض لذلك مدة، و لم يحصل الانتفاع بشيء من المنافع المترتبة عليه، فالقول في ذلك قول المتصرف، لأن المالك هنا لا يدعى التصرف في شيء من المنافع، و انما يدعى عليه الإجارة، و تحقق الأجرة في ذمته، و اشتغالها بها و المتصرف ينكر ذلك، فالقول قوله بيمينه، فإذا حلف على نفي الإجارة سقط دعوى الأجرة، و استرد المالك العين، و ان نكل حلف المالك اليمين المردودة، و استحق الأجرة، و الله سبحانه العالم.
524
إلحاق في المقام:
و هو يشتمل على جملة من الأحكام،
أحدها- أنه إذا استعار شيئا للانتفاع به في شيء مخصوص، فانتفع بها في غيره
فظاهر الأصحاب الحكم عليه بالضمان لتعديه في العين بالتصرف فيها على غير الوجه المأذون له فيه و تلزمه الأجرة لمثل ذلك العمل و هو ظاهر.
و
ثانيها- أنه إذا جحد العارية
فالقول قوله بيمينه، لأن الأصل العدم، فإن أثبتت المالك عليه صحة الدعوى المذكورة زال استيمانه، و لزمه الضمان، و الظاهر أن الكلام هنا كالكلام في الوديعة لو جحدها، و أثبتها المالك عليه، و قد تقدم تفصيل البحث في ذلك في كتاب الوديعة.
و
ثالثها- ما إذا ادعى التلف
، فان القول قوله بيمينه عندهم، و قد عرفت ما فيه في المسئلة الأولى من مسائل هذا الفصل في كتاب الوديعة (1).
و
رابعها- ما إذا ادعى الرد على المالك
، فان القول قول المالك بيمينه، لأنه منكر، و الأصل عدمه، و قد تقدم في كتاب الوديعة أن المشهور فيما إذا ادعى الودعي الرد على المالك أن القول قول الودعي بيمينه، مع أن الأصل عدم الرد، و عموم البينة على المدعى، الا أنهم فرقوا بينه و بين العارية، بأن الودعي إنما قبض لمصلحة المالك فهو محسن محض، و «مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (2)،» و أنت خبير بما فيه، حيث أن هذه العلة غير منصوصة، مع مخالفة ما ذكروه في الوديعة للقواعد الشرعية، و لهذا توقف جملة من الأصحاب في حكم الوديعة كما تقدم ذكره ثمة، و استشكلوا القول المشهور و هو في محله لما عرفت.
قال في المسالك: و اعلم أن هذه العلة تجري في كثير من أبواب تنازع المستأمنين، الا أنها تقتضي قبول قول الوكيل في الرد لو كان بغير جعل،
____________
(1) ص 455.
(2) سورة التوبة- الاية 91.
525
و هو مشكل لمخالفة الأصل و كون هذه العلة ليست منصوصة و انما هي مناسبة، انتهى و هو جيد.
و التحقيق أن يقال: ان مقتضى الأخبار المتقدمة في كتاب الوديعة هو قبول قول الأمين، و عدم اتهامه فيما يقوله، و ان خالف الأصل، و حينئذ يكون هذه الأخبار مخصصة لهذه القاعدة، أعني قاعدة البينة على المدعي، و اليمين على المنكر و الحكم متعلق بالأمين ودعيا كان أو مستعيرا، أو وكيلا أو نحوهم، و دعوى الفرق- بين الودعي و غيره ممن قبض لمصلحته، كالمستعير و الوكيل بجعل و المرتهن- فيه أولا ما ذكر من عدم الدليل على هذا التعليل، و ثانيا أن قبضه على أحد هذه الوجوه لا ينافي الايتمان الذي رتب عليه قبول قوله لأن الايتمان إنما هو عبارة عن الوثوق به في عدم الخيانة، و المخالفة لأمر المالك، و إدخال الضرر عليه، فكل من دفع اليه المالك بهذا الوجه ودعيا كان أو مستعيرا أو وكيلا بجعل أو بغير جعل، فإنه يقبل قوله، بمقتضى تلك الأخبار، و يؤيده أخبار
«ما خانك الأمين، و لكن ائتمنت الخائن».
كما تقدم في كتاب الوديعة.
و
خامسها- ما إذا فرط في العارية ثم تلفت
، فإنه ان كانت من ذوات الأمثال ضمن المثل بغير إشكال، و ان كانت من ذوات القيم فقد اختلف الأصحاب- في ذلك.
فقيل: ان الواجب عليه قيمتها يوم التلف، و هو مختار الشرائع و المسالك و علل بأن الواجب على المستعير مع بقاء العين ردها دون القيمة، و انما ينتقل إلى القيمة مع التلف، و حينئذ فالمعتبر القيمة وقت التلف.
و قيل: أن الواجب أعلى القيم من وقت التفريط الى وقت التلف، و علل بأن العين لما كانت مضمونة، فكل واحدة من القيم المتعددة في وقت كونها مضمونة، إذ معنى ضمان العين كانت لو تلفت ضمن قيمتها، و هو حاصل في جميع الوقت، فيضمن أعلى القيم لدخول الباقي فيها.
و قيل: المعتبر قيمتها وقت الضمان، قال في المسالك. و موضع الخلاف ما
526
لو كان الاختلاف بسبب السوق، أما لو كان بسبب نقص في العين فلا إشكال في ضمانه، لأن ضمان العين يقتضي ضمان أجزائها، انتهى.
أقول: و قد تقدم الكلام في ذلك، و هذا القول الأخير نقله في الكفاية قولا ثالثا في المسئلة، و لعله أشار به إلى ما نقله في المختلف عن ابن حمزة، حيث قال ابن حمزة: إن هلك مضمونا لزم قيمته يوم القبض، و إن هلك غير مضمون بالتفريط لزم قيمته يوم التلف، بأن يكون المراد بقيمته وقت الضمان، كما ذكره يعنى يوم القبض الذي ثبت فيه الضمان و استقر، الا أن الظاهر أن ما ذكره في المختلف مسئلة أخرى على حيالها غير ما نحن فيه، فان فرض المسئلة التي ذكرناها في كلام الأصحاب إنما هو بالنسبة إلى العارية الغير المضمونة لو فرط فيها ثم تلفت في يده.
و ظاهر كلام المختلف مسئلة أخرى و هو أنه إذا هلكت العارية عند المستعير فقد قال ابن حمزة: بأنها إن كانت العارية مضمونة باشتراط الضمان فيها و نحوه فاللازم قيمتها يوم القبض، و إن لم يكن مضمونة و هلكت بالتفريط لزمته قيمته يوم التلف، و هذا يرجع الى القول الأول الذي قدمناه، فان هذا الفرد الثاني من الترديد يرجع الى ما تقدم.
و في المختلف بعد أن نقل عن ابن حمزة قال: و المعتمد أن نقول: إن كان من ذوات الأمثال ضمنه بالمثل، و إن كان من ذوات القيم ضمنه بقيمته يوم التلف إن كان مضمونا، و بأعلى القيم من حين التفريط الى حين التلف إن هلك بالتفريط، إن قلنا أن الغاصب يضمن بأعلى القيم، و إلا فالقيمة يوم التلف، و ظاهره في اختياره أعلى القيم- فيما لو لم تكن مضمونة، و إنما هلكت بالتفريط- موافقة القول الثاني المتقدم.
و قد تلخص مما ذكرناه أن العارية إذا تلفت عند المستعير و كانت قيمية فإن كانت مضمونة ففيها قولان: أحدهما مذهب ابن حمزة، و هو قيمته يوم القبض،
527
و ثانيهما مذهب العلامة و هو قيمته يوم التلف و إن لم تكن مضمونة، و هلكت بالتفريط، فالأقوال الثلاثة المتقدمة: و ابن حمزة قد وافق الأول، و العلامة وافق الثاني، و هذا الخلاف هنا متفرع على الخلاف في ضمان المغصوب، حيث انه هنا بالتفريط لحقه حكم الغاصب، و اليه يشير كلام العلامة المذكور و الله سبحانه العالم.
و
سادسها- ما لو اختلفا في القيمة بعد التفريط على تقدير تلفه
، و كذا لو كان مضمونا بأمر آخر ثم تلف، فقيل: إن القول قول المالك مع يمينه، و به قال الشيخان، و سلار و ابن حمزة، و ابن البراج.
و قال أبو الصلاح: و إن اختلفا في مبلغها أو قيمتها أخذ ما أقر به المستعير و وقف ما زاد عليه على بينة أو يمين المعير، قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه فان قصد يمين المعير برد المستعير صار قوله مخالفا لما تقدم، و إلا فلا.
و قيل: القول قول المستعير لأنه منكر، فيدخل في عموم الخبر، و به قال ابن إدريس و من تأخر عنه، قال ابن إدريس: الذي تقتضيه أصول الأدلة و المذهب أن القول قول المدعي عليه، و اليمين على المنكر، و هو المستعير مع يمينه.
قال في المختلف: و هو الوجه عندي، لنا أنه منكر، فالقول قوله مع اليمين،
لقوله (عليه السلام) (1) «البينة على المدعى، و اليمين على من أنكر».
ثم نقل عن الأولين الاحتجاج على ما ذهبوا اليه ببطلان الأمانة بالخيانة، فلم يكن قوله مقبولا في القيمة.
ثم رده بأنه لا يلزم من بطلان الأمانة خروجه عن حكم المنكر، و هو جيد، و حاصله أن قبول قوله بيمينه إنما هو من حيث كونه منكرا و هذا حكم المنكر شرعا لا من حيث كونه أمينا حتى يتجه منعه بالخيانة و الله سبحانه العالم.
و
سابعها- ما لو اختلفا في التفريط
فالمشهور أن القول قول المستعير بيمينه
____________
(1) الوسائل ج 18 ص 170 ح 1 باختلاف ما و المستدرك ج 3 ص 199.
528
مع عدم البينة، و هو قول الشيخ و ابن البراج، و ابن حمزة و أبى الصلاح، و ابن إدريس، و عليه المتأخرون.
و ظاهر كلام المفيد و سلار على ما نقل عنهما في المختلف أن القول قول صاحب العارية بيمينه، و لا ريب في ضعفه، لأن المستعير منكر، فالقول قوله بيمينه، و على المدعي البينة، و هو ظاهر
، و
ثامنها: ما لو اختلفا فقال المالك: غصبتنيها، و قال المتصرف: أعرتنيها
، فالمشهور أن القول قول المالك مع يمينه، و هو مذهب ابن إدريس، و العلامة في جملة من كتبه، و الشيخ في كتاب المزارعة من المبسوط، و قال في الخلاف و كتاب العارية من المبسوط: إن القول قول الآخر، قال: إذا اختلفا فقال المالك: غصبتنيها و قال الراكب: أعرتنيها قدم قول الراكب، لأصالة براءة الذمة، و المالك يدعي الضمان للدابة و لزوم الأجرة إن كان ركبها، و الوجه في القول الأول على ما ذكره في التذكرة ما تقدم من أصالة تبعية المنافع للأعيان في التملك، فالقول قول من يدعيها مع اليمين و عدم البينة، لأن المتصرف يدعي انتقال المنفعة إليه بالإعارة و براءة ذمته من التصرف في مال الغير، فعليه البينة و على هذا فبعد حلف المالك يستحق لما مضي من المدة، فيرجع الدابة مع الأجرة هذا إذا مضت مدة لمثلها أجرة، و لو لم تمض مدة و العين باقية، فان هذه الدعوى لا ثمرة لها، بل يرد المتصرف العين الى مالكها، و لو تلفت العين في تلك المدة التي مضت، فالكلام في الأجرة يبني على الخلاف المتقدم، و أما القيمة، فإن كانت العارية التي يدعيها المتصرف مضمونة، فهو يعترف في القيمة فيلزمه أداءها.
قال في التذكرة: و يحكم فيها بقول المتصرف، لأصالة براءة ذمته من الزائد عن القيمة وقت التلف إن أوجبنا على الغاصب أعلى القيم» و إن كانت العارية غير مضمونة، قال في التذكرة: فإن القول قول المالك في عدم الإعارة» و قول المتصرف في عدم الغصب، لئلا يضمن ضمان الغصب، ثم يثبت على المتصرف
529
بعد حلف الراكب على نفي الإعارة قيمتها وقت التلف انتهى، و الله سبحانه العالم.
و
تاسعها- ما لو ادعي الراكب الإجارة، و المالك العارية المضمونة بعد تلف العين
، و قبل مضي مدة لها أجرة، قال في المبسوط: القول قول الراكب مع يمينه، لأن صاحبها يدعي ضمانا في العارية، فعليه البينة و الأصل برأيه الراكب.
و قال في المختلف: الأقرب أن القول قول المالك، لأن الأصل تضمين مال الغير، لقوله (عليه السلام) (1)
«على اليد ما أخذت».
و أنت خبير بما في هذه الفروع من الاشكال لخلوها من النص الذي هو العمدة في الاستدلال، و عدم صحة بناء الأحكام على هذه التعليلات التي يتداولونها في هذا المجال، سيما مع تصادمها و تضادها كما عرفت، و الله سبحانه العالم بحقيقة الحال.
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 504 ح 12.
530
كتاب الإجارة
و البحث فيه في مطالب أربعة
الأول: في الإجارة و العقد، و ما يترتب عليه
و الكلام في ذلك يقع في مواضع
الأول [في ثبوت الإجارة بالنص و الإجماع]
الإجارة ثابتة بالنص كتابا و سنة، و إجماع علماء الخاصة و العامة، قال الله عز و جل (1) «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» و قال (2) «لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً» و قال تعالى (3) «قٰالَتْ إِحْدٰاهُمٰا يٰا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ»- «قٰالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هٰاتَيْنِ عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ» الآية.
و أما السنة فمستفيضة كما ستأتيك بذلك الأخبار.
و منها ما رواه
المشايخ الثلاثة (4) عن محمد بن سنان عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن الإجارة فقال: صالح لا بأس به إذا نصح قدر طاقته، و قد آجر موسى بن عمران (عليه السلام) نفسه و اشترط فقال: إن شئت ثمانيا و إن شئت عشرا فأنزل الله فيه «أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ (5)».
و روي
____________
(1) سورة الطلاق- الاية 6.
(2) سورة الكهف- الاية 77.
(3) سورة القصص- الاية 26.
(4) الكافي ج 5 ص 90 ح 2، الفقيه ج 3 ص 106، ح 90 التهذيب ج 6 ص 353 ح 124، الوسائل ج 12 ص 176 ح 2.
(5) سورة القصص- الاية 28.
531
الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول (1) عن الصادق (عليه السلام) «أنه سأل عن معايش العباد و ساق الخبر إلى أن قال: و تفصيل الإجارات فإجارة الإنسان نفسه إلى أجرة الى آخره،.
و قد تقدم الخبر بتمامه في المقدمة الثالثة فيما يكتسب به من المقدمات المذكورة في صدر كتاب التجارة (2) و المفهوم من جملة من الأخبار كراهة إجارة الإنسان نفسه لأنه يحظر على نفسه الرزق،
فروى في الكافي عن المفضل بن عمر (3) قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من آجر نفسه فقد حظر على نفسه الرزق».
قال في الكافي (4) و في رواية أخرى و كيف لا يحظره و ما أصاب فيه فهو لربه الذي آجره».
و روى في الفقيه عن عبد الله بن محمد الجعفي (5) «عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: من آجر نفسه فقد حظر عليها الرزق و كيف لا يحظره».
الحديث كما تقدم.
و روى
المشايخ الثلاثة عن عمار الساباطي (6) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
في الرجل يتجر فإن هو آجر نفسه أعطى ما يصيب في تجارته، فقال: لا يؤاجر نفسه، و لكن يسترزق الله عز و جل و يتجر، فإنه إذا آجر نفسه حظر على نفسه الرزق» و في الفقيه «أعطى أكثر مما يصيب من تجارته».
و الشيخ جمع بين هذه الأخبار، و خبر إجارة موسى (عليه السلام) نفسه بحمل المنع على الكراهة، و استبعده في الوافي بالنسبة إلى النبيين المذكورين (صلوات الله على نبينا و آله و عليهما) قال: و الأولى أن يحمل المنع على ما إذا استغرقت أوقات الموجر كلها بحيث لم يبق لنفسه منها شيء كما دلت عليه الرواية الأخيرة من الحديث الأول.
____________
(1) تحف العقول ص 248 ط نجف، الوسائل ج 12 ص 56 في أواسط ح 1 و ج 13 ص 242 ح 1.
(2) ج 18 ص 70.
(3) الكافي ج 5 ص 90 ح 1، الوسائل ج 13 ص 243 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 90 ح 1، الوسائل ج 13 ص 243 ح 2.
(5) الفقيه ج 3 ص 107 ح 92، الوسائل ج 12 ص 176 ح 4.
(6) الفقيه ج 3 ص 107 ح 91، الكافي ج 5 ص 90 ح 3، التهذيب ج 6 ص 353 ح 123، الوسائل ج 12 ص 176 ح 3.
532
و أما إذا كانت بتعيين العمل دون الوقت كله فلا كراهة فيها كيف؟ و كان مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) يواجر نفسه للعمل ليهودي و غيره في معرض طلب الرزق، كما ورد في عدة أخبار، انتهى و هو جيد.
الثاني [في كون الإجارة من العقود اللازمة]:
قد عرف بعض الأصحاب الإجارة بأنها عقد ثمرته تمليك المنفعة بعوض معلوم، و عرفها آخر بأنها عبارة عن تمليك المنفعة الخاصة بعوض معلوم، و مرجعه إلى أنها عبارة عن نفس العقد الذي ثمرته ذلك أو عبارة من التمليك الذي هو الثمرة، و البحث في ذلك لا ثمرة له بعد ظهور المراد، بقي الكلام في أن المشهور بين الأصحاب هو أنه لما كانت من العقود اللازمة وجب انحصار ألفاظها في الألفاظ المنقولة شرعا المعهودة لغة، مثل آجرتك في الإيجاب، و أكريتك و في معناه استكريت و تكاريت، و منه أخذ المكاري، لأنه يكري دابته، أو نفسه، و كذا يشترط فيه ما يشترط في غيره من العقود اللازمة من العربية حتى في الأعراب و البناء و وقوع القبول على الفور، و نحو ذلك مما تقدم في كتاب البيع.
و قد تقدم ثمة ما في ذلك من البحث، و أنه لا دليل شرعا على أزيد من الألفاظ الدالة على الرضا من الجانبين بتلك المعاملة كيف اتفق في هذا الموضع و غيره، و بذلك صرح جملة من محققي متأخري المتأخرين.
و أما لزوم العقد فلا اشكال فيه للأدلة العامة في الوفاء بالعقود و الشروط و خصوص ما رواه
في الكافي عن علي بن يقطين (1) في الصحيح قال: «سألته يعني أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يكتري السفينة سنة أو أقل أو أكثر قال: الكري لازم الى الوقت الذي اكتراه اليه و الخيار في أخذ الكرى الى ربها ان شاء أخذ و ان شاء ترك».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن محمد بن سهل قال: «سألت
____________
(1) الكافي ج 5 ص 292 ح 1، التهذيب ج 7 ص 209 ح 2، الوسائل ج 13 ص 249 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 292 ح 2، التهذيب ج 7 ص 210 ح 3، الوسائل المصدر.
533
أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل يتكارى من الرجل البيت و السفينة سنة أو أقل أو أكثر قال: كراه لازم الى الوقت الذي تكاراه اليه» الحديث.
كما تقدم.
و ما رواه
الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يتكاري عن الرجل البيت و السفينة».
مثل الحديثين المتقدمين، ثم انهم بناء علي ما قدمنا نقله عنهم من اشتراط ألفاظ مخصوصة جوزوا ذلك أيضا بلفظ ملكتك إذا أضيف إلى المنفعة، و ذلك لأن التمليك يفيد نقل ما تعلق به، فلو قال: ملكتك هذه الدار أفاد نقل عينها، مع أن المقصود من الإجارة هو تمليك المنفعة مع بقاء العين علي ملك صاحبها، و حينئذ فإذا أريد بهذا اللفظ الإجارة تعين إضافته إلى المنفعة، قالوا:
و كذا تصح الإجارة بلفظ أعرتك حيث ان الإجارة مخصوصة بالمنفعة، فتصح لو قال: أعرتك هذه الدار سنة بكذا و كذا.
و بالجملة فإنه لما كانت الإعارة لا تقتضي ملك العين، و انما تفيد التسلط على المنفعة كان إطلاقها بمنزلة تمليك المنفعة، فتصح إقامتها مقام لفظ الإجارة بغير إضافته إلى المنافع، و يشكل بأن الإعارة و ان تعلقت بالمنافع لا بالعين الا أنها انما تفيد الإباحة، و المطلوب في الإجارة تمليك المنفعة، و العوض لا مدخل له في ماهيتها بخلاف التمليك، فإنه يجامع العوض، و ارتكاب التجوز في مثل ذلك خروج عما قرروه من قواعدهم في العقود اللازمة، كذا أورده في المسالك.
و اختلفوا فيما لو قال: بعتك هذه الدار و قصد الإجارة، أو قال: بعتك سكناها سنة بكذا، فالمشهور بل ظاهر التذكرة دعوى الإجماع عليه حيث نسبه الى علمائنا هو البطلان، و علل ذلك باختصاص البيع بنقل الأعيان و المنافع تابعة لها فلا يثمر الملك لو تجوز به في نقل المنافع مفردة و ان نوى الإجارة.
و في التحرير جعل المنع أقرب و هو يؤذن بالخلاف، و تردد في الشرائع
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 209 ح 2، الوسائل ج 13 ص 249 ح 1.
534
و منشأ التردد مما تقدم، و من أنه بالتصريح بإرادة نقل المنفعة مع أن البيع يفيد نقلها أيضا مع الأعيان و ان كان بالتبع ناسب أن يقوم مقام الإجارة إذا قصدها.
و ظاهر المحقق الأردبيلي هنا بناء على القول بالاكتفاء بكل ما دل على المراد من الألفاظ و التراضي به، كما قدمنا ذكره، حيث أنه ممن اختار ذلك القول بالجواز في العارية، و في البيع على الوجه المذكور، حيث قال في العارية- بعد الإشارة الى ما قدمنا نقله عن المسالك من الاشكال- ما لفظه: و لا يبعد إخراجها عن ظاهرها بما يخرجها عنه صريحا مثل أن يقول: أعرتك هذه الدار سنة بكذا، غايته أن يكون مجازا بقرينة ظاهرة بل صريحة، بحيث لا يحتمل غير المجاز و لا مانع منه لغة و لا عرفا و لا شرعا كما في لفظة ملكتك.
نعم لو ثبت كون صيغة الإجارة متلقاة من الشرع و ليس هذه منها لصح عدم الانعقاد بها، و لا يكفي مجرد كونه عقدا لازما، و دعوى أن التجوز بمثل هذا يخرجه عن كونه لازما كما قاله في شرح الشرائع، و قال: بالنسبة إلى البيع، و قد مر ما يفهم البحث منه في عدم انعقادها بنحو البيع، مثل بعتك هذه الدار أو منفعتها سنة بكذا، و أنه فهم الإجماع من التذكرة، فإن كان إجماعا فلا كلام و الا فالظاهر أن لا مانع من الانعقاد إذا علم القصد، فان الظاهر أنه يكفى مع صلاحية اللفظ في الجملة، و ان كان موضوعا متعارفا في الأصل لنقل الأعيان، و هو وجه التردد في الشرائع، انتهى.
أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار الواردة في هذا المقام زيادة على ما قدمناه في كتاب البيع مما يدل على سعة الدائرة في العقود و أنها ليست على ما ذكروه من الشروط و القيود ما رواه
في الكافي عن زرارة (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يأتي الرجل فيقول: اكتب لي بدراهم فيقول له: آخذ منك و أكتب لك بين يديك قال: فقال: لا بأس» الحديث.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 288 ح 3، التهذيب ج 7 ص 213 ح 16، الوسائل ج 13 ص 251 ح 1.
535
و ما رواه
في الفقيه عن محمد بن الحسن الصفار (1) في الصحيح «أنه كتب الى أبى محمد الحسن بن على (عليه السلام) يقول: رجل يبدرق القوافل من غير أمر السلطان في موضع مخيف و يشارطونه على شيء مسمى، إله أن يأخذ منهم أم لا؟ فوقع (عليه السلام) إذا واجر نفسه بشيء معروف أخذ حقه إنشاء الله».
و ما رواه
عن محمد بن عيسى اليقطيني (2) «أنه كتب الى أبى محمد الحسن بن علي بن محمد العسكري (عليه السلام) في رجل دفع ابنه الى رجل و سلمه منه سنة بأجرة معلومة ليخيط له، ثم جاء رجل آخر فقال له. سلم ابنك مني سنة بزيادة، هل له الخيار في ذلك؟ و هل يجوز له أن ينفسخ ما وافق عليه الأول أم لا؟ فكتب (عليه السلام) يجب عليه الوفاء للأول ما لم يعرض لابنه مرض أو ضعف.
و في هذا الخبر دلالة على لزوم الإجارة كما تقدم ذكره، و ظاهر هذه الأخبار كما ترى وقوع الإجارة فيما تضمنته من غير عقد، و لا إيجاب و لا قبول غير مجرد التراضي الواقع بينهما بهذه الألفاظ.
و ما رواه
في الفقيه عن أبان عن إسماعيل (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل استأجر من رجل أرضا فقال آجرنيها بكذا و كذا إن زرعتها أو لم أزرعها أعطيك ذلك فلم يزرع الرجل قال: له أن يأخذه بماله، إن شاء ترك و ان شاء لم يترك».
و ما رواه في الكافي عن أبان عن إسماعيل بن الفضل (4) مثله،
و ما رواه في الكافي عن أبي حمزة (5) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكتري الدابة فيقول أكثريتها منك الى مكان كذا و كذا، فان جاوزته فلك كذا و كذا زيادة و يسمى ذلك؟ قال: لا بأس به كله».
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 106 ح 88، الوسائل ج 13 ص 254 باب 14.
(2) الفقيه ج 3 ص 106 ح 89، الوسائل ج 13 ص 254 باب 15.
(3) الفقيه ج 3 ص 155 ح 5، الوسائل ج 13 ص 258 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 265 ح 7، الوسائل ج 13 ص 258 ح 1.
(5) الكافي ج 5 ص 289 ح 2، الوسائل ج 13 ص 249 ح 1.
536
و هذان الخبران و ان اشتملا على العقد الا أنه في عكس القاعدة المقررة عندهم حيث ان الإيجاب فيهما انما وقع ممن وظيفته القبول، و القبول ممن وظيفته الإيجاب مع عدم ذكر لفظة تدل على القبول، و انما ظاهرهما كون القبول وقع بمجرد الرضا من غير لفظة، و هو أبلغ في الرد لما قالوه، و من ذلك يعلم ما ذكرناه من اتساع الدائرة في العقود، و الله سبحانه العالم.
الثالث [في الأخبار الدالة على عدم بطلان الإجارة بالبيع و الموت]:
قد عرفت مما قدمناه من الأخبار أن الإجارة من العقود اللازمة و عليه اتفاق كلمة الأصحاب، و حينئذ فلا تبطل الا بالتقايل أو أحد الأسباب الموجبة للفسخ، مثل أن يتعذر الانتفاع بالعين المستأجرة لغصبها، أو انهدامها، أو مرض الأجير كما تقدم في مكاتبة اليقطيني و نحو ذلك مما سيأتي إنشاء الله تعالى.
و لا تبطل بالبيع إذ لا منافاة بينهما لأن الإجارة انما تتعلق بالمنافع و البيع إنما يتعلق بالأعيان و المنافع و ان كانت تابعة للأعيان، الا أن المشتري متى كان عالما بالإجارة فإنه يتعين عليه الصبر الى انقضاء مدة الإجارة، لأنه قدم على شراء مال مسلوب المنفعة هذه المدة و ان كان جاهلا تخير بين فسخ البيع و إمضائه مسلوب المنفعة إلى تمام المدة المعينة.
و الأقرب أنه لا فرق في صحة العقد بين كون المشتري هو المستأجر أو غيره فيجتمع عليه لو كان هو المشتري الثمن من جهة البيع، و الأجرة من جهة الإجارة و ربما قيل ببطلان الإجارة و انفساخها في الصورة المذكورة، لأن تملك العين يستلزم ملك المنافع، لأنها نماء الملك، و فيه ان ذلك مسلم فيما لو لم يسبق سبب آخر لتملكها و هيهنا قد تقدم عقد الإجارة الموجب لملك المنفعة، و البيع إنما ورد على ملك مسلوب المنفعة في تلك المدة بعين ما ذكرناه في صورة ما، إذا كان المشتري شخصا آخر غير المستأجر.
و كيف كان فإن العقدين صحيحان لا منافاة بينهما، و لو ثبتت المنافاة بين البيع و الإجارة لكان الباطل هو البيع، دون الإجارة.
و الذي وقفت عليه من الأخبار الدالة علي صحة البيع هنا ما رواه
في الفقيه
537
عن أبي همام (1) «أنه كتب الى أبي الحسن (عليه السلام) في رجل استأجر ضيعة من رجل فباع المؤاجر تلك الضيعة بحضرة المستأجر و لم ينكر المستأجر البيع و كان حاضرا له شاهدا عليه فمات المشتري و له ورثة هل يرجع ذلك الشيء في ميراث الميت؟
أو يثبت في يد المستأجر الى أن تنقضي إجارته؟ فكتب (عليه السلام) يثبت في يد المستأجر الى أن تنقضي إجارته».
و رواه
في الكافي عن أحمد بن إسحاق الرازي قال: كتب رجل إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام): «رجل استأجر» الحديث.
بأدنى تفاوت لا يخل بالمقصود.
و ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح عن الحسين بن نعيم الصحاف (2) عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل جعل دارا سكنى لرجل أيام حياته أو جعلها له و لعقبه من بعده؟ قال: هي له و لعقبه من بعده كما شرط؟
قلت: فإن احتاج الى بيعها يبيعها؟ قال: نعم، قلت: فينقض بيعه الدار السكنى؟
قال: لا ينقض البيع السكنى، كذلك سمعت أبي يقول: قال أبو جعفر (عليه السلام):
لا ينقض البيع الإجارة و لا السكنى، و لكن يبيعه علي أن الذي يشتريه لا يملك ما اشتري حتى ينقضي السكنى- علي ما شرط- و الإجارة، قلت: فإن رد علي المستأجر ماله و جميع ما لزمه من المنفعة و العمارة فيما استأجره، قال: علي طيبة النفس و رضا المستأجر بذلك لا بأس».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن يونس (3) قال: «كتبت الى الرضا (عليه السلام) أسأله عن رجل تقبل من رجل أرضا أو غير ذلك سنين مسماة ثم ان المقبل أراد
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 160 ح 12، الكافي ج 5 ص 271 ح 3، الوسائل ج 13 ص 266 ح 1.
(2) التهذيب ج 9 ص 141 ح 40، الاستبصار ج 4 ص 104، الفقيه ج 4 ص 185 ح 1، الكافي ج 7 ص 38 ح 38، الوسائل ج 13 ص 267 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 270 ح 1، التهذيب ج 7 ص 208 ح 60، الوسائل ج 13 ص 267 ح 4.
538
بيع أرضه التي قبلها قبل انقضاء السنين المسماة هل للمتقبل أن يمنعه من البيع قبل انقضاء أجله الذي تقبلها منه اليه و ما يلزم المتقبل له؟ قال: فكتب: له أن يبيع إذا اشترط علي المشتري أن للمتقبل من السنين ماله».
أقول قد اشتركت هذه الأخبار في الدلالة على صحة الإجارة، و أن البيع لا يبطلها، و أما ما اشتمل عليه الخبر الثالث من أنه يبيع بشرط أن يشترط على المشتري منافع الأرض للمستأجر، فهو محتمل للحمل علي وجوب الاخبار أو استحبابه، بناء علي الخلاف في وجوب الاخبار بالعيب في المبيع وقت البيع، و عدمه، فإن قلنا بالوجوب كان الشرط هنا محمولا علي الوجوب، و الا فهو محمول علي الاستحباب، و كيف كان فالبيع صحيح.
و الخبر الثاني قد دل على أن حكم السكنى كالإجارة في صحة الجميع، و عدم المنافاة بين الأمرين، و الأصحاب قد اتفقوا علي ذلك في الإجارة، و اختلفوا في السكنى، و المشهور أنه لا تبطل السكنى و العمري و الرقبى بالبيع، و يجب الوفاء بذلك إلى انقضاء الأجل أو العمر، ثم يرجع للمشتري و اضطرب كلام العلامة في ذلك ففي الإرشاد قطع بجواز البيع، و في التحرير استقرب العدم، لجهالة وقت انتفاع المشتري، و في القواعد و المختلف و التذكرة استشكل الحكم.
و أنت خبير بما فيه بعد ورود الخبر الصحيح المذكور، و تأيده باتفاقهم علي ذلك في الإجارة، و الجميع من باب واحد، قالوا: و لو فسخ المستأجر بعد البيع بحدوث عيب و نحوه رجعت المنفعة إلى البائع لا إلى المشتري، و وجهه ظاهر، لأن المشتري إنما اشتري مالا مسلوب المنفعة في تلك المدة و لا يتسلط عليها الا بعد انقضاء تلك المدة، و إنما هي للمستأجر مع بقاء الإجارة أو ترجع للمالك بعد فسخها.
قالوا: و لا تبطل الإجارة بالعذر مهما كان الانتفاع الذي تضمنه عقد الإجارة
539
من إطلاق أو تعيين ممكنا، و مرجعه إلى إمكان حصول الانتفاع الذي تضمنه العقد في الجملة، كان تخرب الدار مع بقاء الانتفاع بها في الجملة، لكن متي كان الأمر كذلك فإنه و ان لم تبطل الإجارة الا أنه يتخير المستأجر دفعا للضرر عليه بين الفسخ و الإمساك بتمام الأجرة.
قال في المسالك: و لا عبرة بإمكان الانتفاع بغير العين كما لو استأجر الأرض للزراعة ففرقت و أمكن الانتفاع بها بغيرها، فإن ذلك كتلف العين، و عدم منع العذر- الانتفاع أعم من بقاء جميع المنفعة المشروطة و بعضها و عدم البطلان- حاصل علي التقديرين، لكن مع حصول الانتفاع ناقصا يتخير المستأجر بين الفسخ و الإمساك بتمام الأجرة، انتهى.
و اختلفوا في بطلانها بالموت علي أقوال ثلاثة فقيل: بأنها تبطل بموت كل من الموجر و المستأجر و نسبه في الشرائع إلى المشهور و قيل: بأنها لا تبطل بموت أحد منهما، و هو المشهور بين المتأخرين بل قال في المسالك أن عليه المتأخرين أجمع.
و قيل: أنها تبطل بموت المستأجر و لا تبطل بموت الموجر، و هذا القول مع القول الأول للشيخ، و نقل في المختلف عن ابن البراج أنه قال: ان عمل أكثر أصحابنا علي أن موت المستأجر هو الذي يفسخها، لا موت الموجر، و فيه إشارة إلى شهرة هذا القول أيضا في ذلك الوقت.
قال في الخلاف: الموت تبطل الإجارة سواء كان موت المؤجر أو المستأجر، و في أصحابنا من قال موت المستأجر يبطلها، و موت الموجر لا يبطلها، و قال في المبسوط: الموت يفسخ الإجارة سواء كان الميت المؤجر أو المستأجر عند أصحابنا و الأظهر أن موت المستأجر يبطلها، و موت الموجر لا يبطلها، و نقل القول الأول عن المفيد و المرتضى و ابن البراج و ابن حمزة و غيرهم.
احتج القائلون بالأول علي ما نقله في المختلف بأن استيفاء المنفعة يتعذر
540
بالموت، لأنه استحق بالعقد استيفائها علي ملك المؤجر، فإذا مات زال ملكه عن العين، و انتقلت إلى الورثة فالمنافع تحدث على ملك الوارث، فلا يستحق المستأجر استيفائها، لأنه ما عقد علي ملك الوارث، و إذا مات المستأجر لم يكن إيجاب الأجرة في تركته.
ثم أجاب عن ذلك بأن المستأجر قد ملك المنافع، و ملكت عليه الأجرة كاملة وقت العقد، قال: و ينتقض ما ذكره بما لو زوج أمته ثم مات.
أقول: الأظهر في النقض عليهم هو ما صرحوا به في البيع بعد الإجارة من أن المنتقل إلى المشتري بالبيع كذلك، إنما هو العين مسلوبة المنافع في تلك المدة و أن المنفعة بالإجارة قد خرجت عن ملك صاحب العين، و به يظهر أنه لا معني لقولهم أن المنافع بعد موت الموجر تحدث علي ملك الوارث، فإنها و إن حدثت في ملك الوارث إلا أنها قد صارت مملوكة قبل الانتقال إلى الوارث، فالوارث هنا كالمشتري إنما انتقلت اليه العين خالية عن المنافع تلك المدة، و هكذا القول في موت المستأجر فإن الأجرة قد صارت دينا في ذمته بعقد الإجارة مستحقة عليها للموجر، فلا تبرأ إلا بأدائها حيا كان أو ميتا.
و استدل القائلون بالقول الثاني بأن الإجارة من العقود اللازمة، و من شأنها أن لا تبطل بالموت، و لعموم (1) «الأمر بالوفاء بالعقود»، و للاستصحاب و احتج في المختلف للقول المذكور حيث انه المختار عنده قال: لنا انه حق مالي و منفعة مقصودة يصح المعاوضة عليها و انتقالها بالميراث و شبهه، فلا يبطل بموت صاحبها كغيرها من الحقوق، و لأن العقد وقع صحيحا و يستصحب حكمه، و لأن العقد ناقل فيملك المستأجر المنافع به، و الموجر مال الإجارة، فينتقل حق كل واحد منهما إلي ورثته انتهى، و هو جيد.
و مرجع هذا الاستصحاب الذي ذكروه هنا الى استصحاب عموم الدليل
____________
(1) سورة المائدة- الاية 1.
541
أو إطلاقه و هو مما لا شك في صحة الاستدلال به، لا الاستصحاب المتنازع فيه بأن عموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالعقود و الشروط- يقتضي البقاء على حكمها حتى يحصل المخرج عن ذلك و الرافع له، و ليس فليس- بل خصوص ما قدمناه من الأخبار الدالة على لزوم الإجارة إلى الوقت المحدود.
مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة على بن يقطين المتقدمة في الموضع الأول «الكري لازم الى الوقت الذي اكتراه اليه» و نحوها رواية محمد بن سهل المتقدمة أيضا، فإن للقائل بالصحة أن يستصحب اللزوم حتى يقوم دليل على البطلان و ليس ألا ما ذكروه من تلك التعليلات العليلة مما قدمنا بيانه.
و يزيد ذلك تأييدا و ان كان أخص من المدعى ما رواه
في التهذيب عن إبراهيم الهمداني (1) قال: «كتبت الى أبى الحسن (عليه السلام) و سألته عن امرأة آجرت ضيعتها عشر سنين على أن تعطى الإجارة في كل سنة عند انقضائها لا يقدم لها شيء من الإجارة ما لم ينقض الوقت فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها هل يجب على ورثتها إنفاذ الإجارة إلى الوقت أم تكون الإجارة منتقضة لموت المرأة فكتب (عليه السلام) ان كان لها وقت مسمى لم تبلغه فماتت فلورثتها تلك الإجارة و ان لم تبلغ ذلك الوقت و بلغت ثلثه أو نصفه أو شيئا منه فيعطى ورثتها بقدر ما بلغت من ذلك الوقت إنشاء الله تعالى.
و بهذا المضمون أيضا رواية أحمد بن إسحاق الأبهري (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) و حاصل الجواب بقرينة ما اشتمل عليه السؤال من الشرط المذكور فيه أن حكم الورثة في الإجارة المذكورة حكم المرأة من أن لورثتها تلك الإجارة إلى الوقت المسمى فيها، الا أنهم انما يعطون الأجرة بقدر ما مضى من تلك المدة عملا بالشرط المذكور على المرأة.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 207 ح 58، الكافي ج 5 ص 270 ح 2، الوسائل ج 13 ص 268 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 208 ح 59، الوسائل ج 13 ص 269 ح 5.
542
و بالجملة فالظاهر عندي هو القول المذكور كما عرفت مضافا الى ما عرفت في أدلة خلافه من القصور، و قد استثنى الأصحاب من هذا الحكم بناء على القول المذكور مواضع منها ان يشترط الموجر على المستأجر استيفاء المنفعة بنفسه، فإنها تبطل بموته، و هو الظاهر عملا بالشرط المذكور.
و منها أن يكون الموجر موقوفا عليه فيؤجر الوقف ثم يموت قبل انقضاء المدة، فإنها تبطل بموته عندهم، فهو بمنزلة انقضاء المدة، لأنه إنما يملك المنفعة إلى حين موته، الا أن يكون ناظرا على الوقف، فيوجره لمصلحة العين أو لمصلحة البطون، فإنها لا تبطل حينئذ بموت الناظر، و الصحة هنا ليست من حيث كونه موقوفا عليه، بل من حيث كونه ناظرا.
و منها الموصى إليه بالمنفعة مدة حياته لو آجرها مدة، و مات في أثناء المدة، فإنها تبطل بموته للعلة المذكورة في سابقه، و هو انتهاء استحقاقه، حيث أن ملكه مقصور على مدة حياته، و الله سبحانه العالم.
الرابع [في صحة إجارة ما تصح إعارته]:
من الكليات المتفق عليها بينهم أن كلما صح إعارته صح إجارته، و قيدها بعضهم بما صح إعارته بحسب الأصل لا مطلقا، فإن المنحة و هي الشاة المعارة للانتفاع بلبنها مما يصح إعارتها مع أنه لا يصح إجارتها، الا أن هذا الحكم انما ثبت فيها على خلاف الأصل و القاعدة في العارية، كما تقدم ذكره، فان مقتضى قاعدة العارية أن المستفاد ما صح الانتفاع به مع بقاء عينه، و المنحة ليست كذلك، فحكمها مخالف لقاعدة العارية فلا بد من القيد في الكلية المذكورة.
و بعضهم حمل الكلية المذكورة على ما هو الغالب، فلا يحتاج الى القيد المذكور، و قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد- بعد قول المصنف و يصح اجارة كل ما يصح إعارته- ما صورته: أي كل ما يصح إعارته من الأعيان للانتفاع بالمنفعة التي لا تكون عينا يصح إجارته أيضا، لأن الإجارة تمليك المنفعة بعوض، و العارية بدون العوض، و لا فرق بينهما فكل ما يصح فيه أحدهما يصح
543
فيه الآخر، و وجه قيد التي لا تكون عينا ظاهر، فإنه قد نقل الإجماع في التذكرة و غيرها على عدم صحة الإعارة عندنا إذا كانت المنفعة المنتقلة مثل لبن شاة، و ثمر بستان و نحوهما، و لهذا ترك القيد فلا يرد عليه أنه يجوز إعارة الشاة و نحوها، و لا يجوز إجارتها، و لا يحتاج الى الجواب بأن المراد غالبا كما قاله المحقق الثاني فتأمل، انتهى.
أقول: لا أعرف لما ذكره في هذا المقام من الكلام وجها واضحا لما تقدم في العارية من الاتفاق على إعارة الشاة للبن و هي المنحة، و ان كان الدليل عليها لا يخلو من القصور، و ما نقله عن التذكرة و غيرها من الإجماع على عدم صحة الإعارة عندنا إذا كانت المنفعة المنتقلة عينا مثل لبن شاة أو ثمرة بستان- لم أقف عليه في التذكرة و انما الذي فيها ما قدمنا نقله في كتاب العارية حيث قال يجوز اعارة الغنم للانتفاع بلبنها و صوفها، و هي المنحة لاقتضاء الحكمة إباحته، لأن الحاجة تدعو الى ذلك و الضرورة تبيح مثل هذه الأعيان إلى آخر ما قدمنا نقله عنه ثمة، و حينئذ فإذا ثبت صحة عارية الغنم خاصة كما هو أحد القولين أو مع غيرها مما ألحق بها كما هو القول الأخر للبن خاصة أو غيره من المنافع أيضا على الخلاف، فكيف لا يجب التقييد في الكلية المتقدمة بأحد القيدين المتقدمين.
و بالجملة فإنه لا يظهر لي وجه لصحة كلامه هنا، و لعله أراد وجها لم يهتد إليه فهمي القاصر، و الا فإنه على ظاهره في غاية الغرابة من مثله و الله سبحانه العالم.
الخامس [كون العين أمانة و صحة اشتراط الضمان على المستأجر]:
الظاهر أنه لا خلاف في أن العين المستأجرة كالدابة و نحوها أمانة في يد المستأجر في ضمن المدة المستأجرة لا يضمنها الا بالتفريط أو التعدي، و الوجه فيه أنها مقبوضة بإذن المالك، فلا يتعقبها ضمان الا على أحد الوجهين المذكورين.
و انما الخلاف فيما بعد المدة إذا لم يطالب المالك بردها أو طالب و لكن وقع التلف في أثناء الرد بحيث لم يؤخر الدفع بعد الطلب، و المشهور بين المتأخرين العدم، لأنه لا يجب على المستأجر رد العين على الموجر، و لا مؤنة ذلك،
544
و انما يجب عليه التخلية بين المالك و بينها كالوديعة، لأصالة براءة ذمته من وجوب الرد، لأنها أمانة قبل انقضاء المدة، فيستصحب و لا يجب ردها الا بعد المطالبة، و الواجب بعدها تمكينه منها، كغيرها من الأمانات.
و خالف في ذلك جماعة منهم الشيخ و ابن الجنيد، قال في المبسوط: إذا استأجر دابة و استوفي حقه أو لم يستوف و أمسك البهيمة بعد مضي المدة فهل يصير ضامنا لها؟ و هل يجب عليه مؤنتها و مؤنة الرد بعد الاستيفاء أم لا؟ فإنه يجب عليه الرد بعد مضي المدة، و مؤنة الرد إذا أمسكها و قد أمكنه الرد على حسب العادة صار ضامنا، و انما قلنا ذلك لأن ما بعد المدة غير مأذون له في إمساكها و من أمسك شيئا بغير اذن صاحبه و أمكنه الرد فلم يرد ضمن، و في الناس من قال: لا يصير ضامنا، و لا يجب عليه الرد و لا مؤنة الرد و أكثر ما يلزمه أن يرفع يده عن البهيمة، إذا أراد صاحبها أن يسترجعها، لأنها أمانة في يده، فلم يجب ردها مثل الوديعة.
و قال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي أنه لا يصير ضامنا و لا يجب عليه الرد الا بعد مطالبة صاحبها بالرد، لأن هذه أمانة فلا يجب ردها الا بعد المطالبة، مثل الوديعة، لأن الأصل براءة الذمة، فمن شغلها بشيء يحتاج الى دليل، و ما ذكره شيخنا في نصرة مذهبه فبعيد، و يعارض بالرهن إذا قضى الراهن الدين، و لم يطالب برد الرهن، و هلك فلا خلاف أن المرتهن لا يكون ضامنا له، و إن كان قال: للمرتهن أمسك هذا الرهن الى أن أسلم إليك حقك، فقد أذن له في إمساكه هذه المدة، و لم يأذن فيما بعدها مطلقا، بل بقي على أمانته، و على ما كان أولا، و كذلك في مسئلتنا، انتهى.
و على هذا القول جرى أكثر من تأخر عنه منهم الفاضلان في غير المختلف و أما فيه فإنه بعد نقل كلام الشيخ و كلام ابن إدريس قال: و في ذلك عندي تردد.
أقول: و الأظهر هو القول المشهور تمسكا بأصالة براءة الذمة حتى يقوم على
545
خلافها دليل، مؤيدا ذلك بالنظائر المذكورة في كلامهم.
بقي الكلام فيما لو اشترط عليه الضمان من غير تعد و لا تفريط، و ظاهرهم هنا هو القول ببطلان الشرط المذكور، و تردد المحقق ثم استظهر المنع، و منشأ التردد من عموم ما دل على وجوب الوفاء بالشروط، و من مخالفة هذا الشرط لمقتضى العقد، و ذلك فإنه قد ثبت شرعا أن المستأجر أمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط فلا يصح هذا الشرط.
و عندي فيه نظر، قد تقدم ذكره في غير موضع، فإن أكثر الشروط الواردة على العقود إنما هي بمنزلة الاستثناء مما دل عليه أصل العقد، بمعنى أنه لو لا ذكرها لكان مقتضى العقد دخولها كما أن مقتضى البيع اللزوم، مع أنه يدخله شرط الفسخ بلا خلاف و لا إشكال.
و إلى ما ذكرناه من صحة الشرط المذكور مال في الكفاية، و علله بما يقرب مما ذكرناه، قال: و يمكن أن يقال: أدلة صحة العقود و الشروط يقتضي صحة هذا العقد و الشرط، و كونه مخالفا لما ثبت شرعا ممنوع، لأن الثابت عدم الضمان عند عدم الشرط، لا مطلقا.
و قد روى موسى بن بكر (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل استأجر سفينة من ملاح فحملها طعاما و اشترط عليه ان نقص الطعام فعليه، قال:
جائز، قلت: له أنه ربما زاد الطعام؟ قال: فقال: يدعي الملاح أنه زاد فيه شيئا؟ قلت: لا، قال: هو لصاحب الطعام الزيادة، و عليه النقصان إذا كان قد شرط عليه ذلك».
، انتهى و هو جيد.
ثم انه علي تقدير بطلان الشرط، هل يبطل العقد ببطلانه، أم الشرط، خاصة؟ قولان: قد تقدم ذكرهما في غير موضع، و المشهور الأول، و قد تقدم
____________
(1) الكافي ج 5 ص 244 ح 4، التهذيب ج 7 ص 217 ح 31، الوسائل ج 13 ص 270 باب 27.
546
تحقيق القول في ذلك مقدمات كتاب الطهارة (1) ثم إنه علي تقدير القول الثاني فالثابت عدم الضمان، و هو الظاهر، و علي تقدير الأول فالظاهر أنه كذلك أيضا لأصالة العدم، و لما تقرر في كلامهم «من أن كل ما لا يضمن بصحيحه، لا يضمن بفاسده»، و يأتي علي ما قدمناه من صحة العقد و الشرط المذكورين الضمان، و هو ظاهر.
قالوا: و يجوز إجارة المشترك بينه و بين غيره، لعموم الأدلة و لعدم ثبوت مانعية الشركة، لإمكان تسليمه و استيفاء المنفعة بموافقة الشريك، و لو امتنع رفع الأمر إلى الحاكم، و يكون كما لو تنازع الشريكان، و الحكم اتفاقي عندهم، كما نقله في المسالك، و لم ينقل الخلاف فيه إلا عن بعض العامة، حيث منع الإجارة لغير الشريك و الله سبحانه العالم.
السادس [صحة خيار الشرط في الإجارة]:
المشهور بين الأصحاب بل لا يظهر فيه مخالف صحة خيار الشرط في الإجارة، لعموم أدلة الإجارة، و عموم أدلة صحة الشروط الا ما استثنى، و ليس هذا منه، و عدم ظهور مانع، و لا فرق بين شرطه لهما معا، أو لأحدهما، أو لأجنبي كما تقدم في البيع، و لا فرق بين أن تكون الإجارة لعين معينة كهذه العين، أو يكون موردها الذمة كان يستأجره لعمل مطلق غير مقيد بشخص كبناء حائط.
و قد اتفقوا أيضا على أنه لا يدخلها خيار المجلس، لأنه مختص عندنا بالبيع، فلا يثبت فيها مع الإطلاق، أما لو شرط فالمشهور عدم صحته، لأنه شرط مجهول، لأن المجلس يختلف بالزيادة و النقصان، و عدم قدحه في البيع من حيث أنه ثابت فيه بالنص.
و عن المبسوط صحة الشرط المذكور (2) لعموم
«المؤمنون عند شروطهم».
و رد بما عرفت من أنه شرط مجهول، فيجهل، به العقد، و ثبوته في البيع مستثنى بما ذكرناه، و الله سبحانه العالم.
____________
(1) ج 1 ص 164.
(2) الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
547
المطلب الثاني في الشروط
و هي ستة
الأول: كمال المتعاقدين
فلا ينعقد بالصبي و المجنون، و في الصبي المميز بإذن الولي وجهان، بل قولان: و قد تقدم تحقيق، الكلام في المقام في البيع (1) بما لا مزيد عليه.
الثاني: معلومية الأجرة
لا خلاف و لا إشكال في اشتراط كون الأجرة معلومة في الجملة، لكن هل يكفي في المكيل و الموزون الاكتفاء بمعلوميتها بالمشاهدة، لانتفاء معظم الغرر بذلك، و أصالة الصحة أم لا بد من الكيل و الوزن في كل منهما؟ قولان: المشهور الثاني، و نقل الأول عن جماعة منهم الشيخ و المرتضى، و استحسنه في الشرائع، و استشكل في الإرشاد في ذلك.
قال في المبسوط: مال الإجارة يصح أن يكون معلوما بالمشاهدة، و ان لم يعلم قدره، لأصالة الصحة، و لأن الغرر منفي لحصول العلم بالمشاهدة.
و منع ابن إدريس من ذلك، و أجيب عنه بأن الإجارة معاملة لازمة مبنية على المغالبة و المماكسة، فلا بد فيها من نفي الغرر عن العوضين، و قد ثبت من الشارع اعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون في البيع، و عدم الاكتفاء بالمشاهدة، فكذا في الإجارة، لاتحاد طريق المسئلتين، و لنهي النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) (2) عن الغرر مطلقا، و هو شامل لموضع النزاع و مثله المعدود، و كذا أجاب به في المسالك، و نحوه كلام العلامة في المختلف.
و ظاهر المحقق الأردبيلي هنا الميل إلى القول الأول، حيث قال بعد نقل الخلاف في المسئلة: و الأصل و عموم أدلة الإجارة و عدم دليل صالح للاشتراط دليل الأول، إذ ليس الا الغرر المنفي في البيع على ما نقل عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) فلو صح كان دليلا في البيع فقط، الا أن يعلم أن السبب هو الغرر فقط من حيث
____________
(1) ج 18 ص 367.
(2) الدعائم ج 2 ص 19، الوسائل ج 12 ص 330 ح 3.
548
هو، و أنه الموجب للفساد، و أنه موجود فيما نحن فيه فكان دليلا للثاني أيضا و لكن أنى بإثبات ذلك كله، فإن المراد بالغرر المنفي غير واضح، و كذا عليته فقط، و وجوده فيما نحن فيه، إذ نعلم انتفاعه في مشاهدة غير المكيل و الموزون بالاتفاق، و الظاهر أنه يكفي العلم بالمشاهدة في المكيل و الموزون، و في المعدود و المزروع بالطريق الأولى، و يؤيده بطلان القياس، و كون الإجارة غير بيع عندنا.
و قال في الشرح قلت: الحديث ورد في البيع، و الإجارة محمولة عليه عند بعض العامة، لأنها بيع، و أما عندنا فلا يأتي الا من طريق اتحاد المسئلتين إلى آخره، و قد عرفت عدم إمكان إثبات الاتحاد بحيث لا يكون قياسا باطلا، انتهى كلامه و هو جيد.
أقول: و قد تقدم في كتاب البيع الكلام في هذه المسئلة (1) و النقل عن جملة من الأصحاب جواز البيع مع المشاهدة في الصورة المذكورة، و أنه هو الظاهر من أكثر من الأخبار، و إذا ثبت ذلك في البيع بطل ما اعتمدوه من حمل الإجارة عليه، و ما استندوا اليه من الخبر عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) في النهي عن بيع الغرر لم يثبت من طرقنا، و إن كثر تناقله في كلامهم و على تقدير ثبوته فحمل الإجارة على البيع في ذلك لا يخرج عن القياس، كما ذكره المحقق المذكور.
و ما ذكره في المسالك من نهى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من الغرر مطلقا، (2) و هو شامل لموضع النزاع مردود، بعدم ثبوت ما ادعاه، و المنقول من كلام غيره إنما هو دعوى ورود الخبر في البيع لا مطلقا، مع عدم ثبوته من طرقنا كما عرفت، و بذلك يظهر لك قوة القول الأول و إن كان الأحوط هو المشهور و الله سبحانه العالم.
الثالث: أن تكون المنفعة مملوكة
، اما تبعا لملك العين بأن يكون مالكا
____________
(1) ج 18 ص 481.
(2) الوسائل ج 12 ص 330 ح 3.
549
للأصل، فتبعه المنفعة و هو ظاهر، أو منفردة بأن يكون قد استأجره و ملك منفعته بالاستيجار من غير أن يشترط عليه استيفاء المنفعة بنفسه، أو عدم الإجارة لغيره، فلو شرط عليه أحد الأمرين لم يجز عملا بالشرط، و الظاهر أن المراد بالملكية هنا هو صحة التصرف و السلطنة على المنفعة بوجه شرعي، لتدخل فيه ما إذا كان وقفا بناء على القول بعدم ملك الموقوف عليه.
أقول: و قد تقدم الكلام في أن للمستأجر أن يوجر غيره في المسئلة الرابعة من مسائل المطلب الثالث (1) و كذا في كتاب المزارعة، فإنه هو الموضع الذي بسطنا فيه الأخبار، و نقحنا المسئلة فيه كما هو حقها، و اختلفوا فيما لو آجر غير المالك شيئا مما يصح للمالك إيجاره فضولا، هل يقع باطلا أو يقف على الإجازة؟ قولان.
قال في المسالك: و لا خصوصية لهما بالإجارة، بل الخلاف وارد في جميع عقود الفضولي، و لكن قد يختص الإجارة عن البيع بقوة جانب البطلان، من حيث أنه قضية عروة البارقي (2) مع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في شراء الشاة دلت على جواز بيع الفضولي و شرائه، و قد يقال: باختصاص الجواز بمورد النص، و الأقوى توقفه على الإجازة مطلقا، انتهى.
أقول: قد تقدم تحقيق الكلام في هذه المسئلة في البيع بما لا مزيد عليه (3) و من العجب العجاب أنهم يردون الأخبار المروية في أصولهم المشهورة المعول عليها بين متقدميهم بلا خلاف، من جهة ضعف السند بهذا الاصطلاح الجديد، و يتلقون هذا الخبر العامي بالقبول، و يفرعون عليه ما لا يخفى من الفروع، و أعجب من ذلك أن مورد خبرهم إنما هو البيع، و هم يعدون ذلك إلى جميع المعاوضات كما سمعت من كلامه هنا، و نحوه غيره، فأسأل الله عز و جل المسامحة
____________
(1) ص 563.
(2) المستدرك ج 2 ص 462. ب 18 ح 1.
(3) ج 18 ص 376.
550
لناولهم فيما زالت فيه الأقدام.
الرابع: أن يكون المنفعة معلومة بين المتعاقدين
، ليزول الغرر، اما بتقدير العمل كخياطة هذا الثوب، و ركوب الدابة إلى الموضع الفلاني، أو بتقدير المدة كخياطة شهر، و ركوب شهر، و سكنى الدار سنة و نحو ذلك.
و لو قدره بالمدة و العمل معا، قيل: يبطل و قيل: يصح، و تفصيل هذه الجملة يقع في مقامين: الأول: ينبغي أن يعلم أن التخيير هنا بين التقدير بكل من هذين الأمرين ليس كليا، و إنما المراد أن كل منفعة يمكن تقديرها بهما معا فإنه يتخير بين تقديرها بأحدهما، و ذلك كاستئجار الآدمي و الدابة، فإنه يمكن ضبطه بالعمل و المدة كالمثالين المتقدمين من خياطة هذا الثوب، و ركوب الدابة إلى الموضع الفلاني، و يمكن ضبطه بالزمان كخياطة شهر و ركوب شهر، فبأيهما ضبطها كان صحيحا، و ما لا يمكن ضبطه و تقديره الا بالزمان كالعقارات مثل سكنى الدار و الإرضاع، فإنه لا بد من تقديره بالزمان و ضبطه به، و الضابط هو العلم بالمنفعة على أحد الوجهين المذكورين.
و عن التحرير أنه جعل الضابط بالنسبة إلى ما يجوز بهما معا ما كان له عمل بالعمل كالحيوان، و ما يختص بالزمان ما ليس له عمل كالدار و الأرض، و أورد عليه بأنه ينتقض الأول باستئجار الآدمي للإرضاع، فإنه عمل و لا ينضبط الا بالزمان.
الثاني: فيما لو قدر بهما معا بأن جمع بين تعيين العمل و ضبط المدة بحيث يتطابق بتمام العمل و المدة، و لا يزيد أحدهما على الآخر مثل أن يخيط هذا الثوب في هذا اليوم، فإنه قيل: بالبطلان، لأنه غرور، و لأن استيفاء العمل في تلك المدة قد لا يتفق، و ان اتفق فهو نادر، فكأنه استأجره على ما لا يقدر عليه عادة، فإنه يمكن انتهاء العمل قبل انتهاء الزمان، و بالعكس فإن أمر بالعمل على تقدير الأول إلى أن ينتهي المدة لزم الزيادة على ما وقع عليه العقد بالنسبة إلى شرط
551
العمل لانتهائه، كما هو المفروض، و إن لم يأمر بالعمل لزم ترك العمل في المدة المشروطة بالنظر إلى التحديد بالزمان، و على تقدير الثاني و هو العكس ان أمر بالإكمال مع انتهاء الزمان كما هو المفروض لزم العمل في غير المدة المشروطة، و ان لم يأمر كان تاركا للعمل الذي وقع عليه العقد.
و قيل: بالصحة و نقله في المسالك عن المختلف، و لم أقف عليه في كتاب الإجارة بعد التتبع له و كونه في غير الكتاب المذكور بعيد، قال: و اختار في المختلف الصحة محتجا بأن الغرض إنما يتعلق في ذلك غالبا بفراغ العمل، و لا ثمرة مهمة في تطبيقه على الزمان، و الفراغ أمر ممكن لا غرر فيه، فعلى هذا ان فرغ قبل آخر الزمان ملك الأجرة، لحصول الغرض، فإن خرجت المدة قبله فلمستأجر فسخه، فإن فسخ قبل عمل شيء فلا شيء، أو بعد شيء فأجرة مثل ما عمل، و ان اختار الإمضاء لزم الإكمال خارج المدة، و ليس له الفسخ.
ثم قال في المسالك: و الحق أن ما ذكره إنما يتم لو لم يقصد المطابقة، و هو خلاف موضع النزاع، فلو قصداها بطل، كما قالوه، و مع ذلك يشكل لزوم أجرة المثل مع زيادتها على المسمى، فإن الأجير ربما يجعل التواني في العمل وسيلة إلى الزائد، فينبغي أن يكون له أقل الأمرين من المسمى ان كان أتم العمل و ما يخصه منه على تقدير التقسيط ان لم يتم، و من أجرة مثل ذلك العمل، و الأقوى البطلان الا مع إرادة الظرفية المطلقة، و إمكان الوقوع فيها انتهى.
و في الشرائع قد تردد في المسئلة، و هو في محله، لخلو المسئلة عن النصوص، و تصادم ما ذكر هنا من التعليلين بالخصوص، و ان كان كلام العلامة لا يخلو من قرب، حملا للمطابقة على المبالغة، فإن الظاهر أن الغرض الكلى من الإجارة إنما هو تحصيل المنفعة، فيكون دائرا مدار الفراغ من العمل، و الزمان لا دخل له في ذلك الا من حيث الظرفية، فبوقوعه فيه قبل تمامه تثبت استحقاق الأجرة، و قبل تمامه يتسلط المستأجر على الفسخ كما ذكره، هذه
552
ثمرة اشتراطه في المقام، و ارادة المطابقة حقيقة- لو فرض قصدهما كذلك، مع كونه لا يترتب عليه أثر و لا ثمرة مهمة- نادر، و الأحكام إنما تبنى على الأفراد الغالبة المتكررة، و كيف كان فالمسئلة في محل من الأشكال و الله سبحانه العالم.
الخامس: أن تكون المنفعة مباحة
، و الكلام هنا في موضعين
الأول [تحريم اجارة البيت ليحرز فيه الخمر]:
الظاهر أنه لا خلاف في تحريم اجارة البيت ليحرز فيه الخمر، و الدكان ليبيع فيه الآلة المحرمة، و الأجير ليعمل له مسكرا، بمعنى أن الإجارة وقعت لهذه الغايات أعم من أن يكون قد وقع شرطها في متن العقد أو حصل الاتفاق عليها.
و يدل عليه
رواية جابر (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر، قال: حرام أجرته».
إنما الخلاف هنا في موظعين أحدهما أنه هل تكون الإجارة باطلة، و كذلك البيع، أو أنه يصح ذلك و ان أثم، فالمشهور الأول و قيل: بالثاني، و لعل وجهه أن النهى إنما يفيد البطلان في العبادات، لا في المعاملات، و فيه أن مقتضى ما قدمنا تحقيقه في هذه المسئلة من التفصيل بأنه ان كان النهى راجعا إلى شيء من العوضين بمعنى عدم صلاحيته للعوضية، فإن النهي يدل على البطلان، و ان كان راجعا إلى أمر خارج كالبيع وقت النداء يوم الجمعة، فإن غاية النهى الإثم خاصة من غير أن يبطل العقد، و ما نحن فيه إنما هو من قبيل الأول بمعنى عدم صلاحية المبيع للانتفاع و الانتقال، كما في بيع الغرر و نحوه، و به يظهر قوة قول المشهور.
و ثانيهما أنه لم يقع الإجارة لهذه الغايات و لكن يعلم أن المستأجر و المشترى يعمل ذلك، و ذهب جمع منهم الشهيد في المسالك و تبعه المحقق الأردبيلي إلى أن حكمه كالأول في التحريم و البطلان، لأنه معاونة على الإثم، للنهي عنه في الآية الشريفة (2)، و الخبر المتقدم و ذهب جمع إلى الجواز، و يدل عليه جملة من الأخبار
____________
(1) الكافي ج 5 ص 227 ح 8، التهذيب ج 7 ص 134 ح 64 و فيه عن صابر الوسائل ج 12 ص 125 ح 1.
(2) سورة المائدة- الاية 2.
553
التي قدمت في المقدمة الثالثة من مقدمات كتاب التجارة (1) و قد استوفينا تحقيق الكلام فيه ثمة فليرجع اليه من أحب الوقوف عليه.
الثاني [الخلاف في إجارة الحائط المزوق للتنزه]:
اختلف الأصحاب في جواز إجارة الحائط المزوق للتنزه فجوزه ابن إدريس، و منعه الشيخ، و تردد في الشرائع، قال في الخلاف و المبسوط:
لا يجوز إجارة حائط مزوق أو محكم للنظر اليه و التفرج فيه و التعلم منه، لأنه عبث، و النفع منه قبيح، و إذا لم يجز النفع فإجارته قبيحة.
و قال ابن إدريس: يجوز ذلك إذا كان فيه غرض و هو التعلم من البناء المحكم، كما يجوز اجارة كتاب فيه خط جيد للتعلم منه، لأن فيه غرضا صحيحا و لأنه لا مانع منه.
قال في المختلف- بعد نقل القولين و قول الشيخ-: جيد لأنها منفعة ليس للمالك منع المنتفع بها، فلا يصح إجارتها كالاستظلال بالحائط، و فرق بين المزوق، و الكتاب، لأن في الكتاب يتصرف المستأجر بالتسليم و التقليب بخلاف صورة النزاع، و لو فرض عدمها لم تقع الإجارة، كالحائط.
أقول: لا يخفى أن الظاهر من كلام الشيخ أن العلة في المنع إنما هي من حيث عدم اباحة هذه المنفعة، كما هو عنوان أصل هذه المسئلة فكأنه جعل التنزه هنا من قبيل اللهو، كما يشير اليه قوله «و لأنه عبث، و النفع منه قبيح، و إذا لم يجز النفع فإجارته قبيحة»، لا أن العلة في عدم جواز الإجارة ما ادعاه العلامة، و علل به قول الشيخ من أنه يمكن استيفاء هذه المنفعة بدون إذن المالك، كالاستظلال بحائط الغير، و ليس للمالك المنع من ذلك، فلا تصح إجارته، لأنه غير مملوك للمالك.
و أنت خبير بأنه أين هذا من عبارة الشيخ المتقدمة، و العجب من المسالك حيث تبع العلامة في ذلك فقال بعد نقل قول ابن إدريس بالجواز: و منعه الشيخ و جماعة، لأن ذلك يمكن استيفائه بدون اذن المالك، كما يجوز الاستظلال بحائطه بدونه انتهى.
____________
(1) ج 18 ص 67.
554
و بالجملة فإن الظاهر من كلامي الشيخ و ابن إدريس يرجع إلى الاختلاف في كون المنفعة هنا مباحة أو غير مباحة، و ابن إدريس يدعي الأول، و الشيخ الثاني، نعم هذا الاختلاف إنما يتفرع على ما إذا كان التزويق داخل البيت، كما هو الغالب لا في جدرانه الخارجة في الطرق التي تراها جميع الناس، فينبغي تقييد محل النزاع بذلك، بناء على الغالب المتعارف، و تقييد إطلاق كلامهم بذلك، و كيف كان فالظاهر بناء على ما قلناه ترجيح كلام ابن إدريس فإن ما ذكره غرض صحيح لأرباب تلك الصناعة، و الله سبحانه العالم.
السادس: أن يكون مقدورا على تسليمها
، و الكلام هنا يقع في مواضع:
الأول [في إجارة الآبق مع الضميمة]:
لا ريب أن من شرط صحة الإجارة عندهم قدرة الموجر على تسليم العين المستأجرة إلى المستأجر، و لا ريب أيضا في اشتراط كون العين المستأجرة مقدورة الانتفاع في الجملة، ليمكن الانتفاع المطلوب إذ استيجار الغير المقدورة التي لا يمكن الانتفاع بالمطلوب منها سفه محض و غرر، و يدل عليه العقل و النقل، فلو استأجر الأخرس للتعليم أو الأعمى لحفظ متاع بالبصر بطل، لما ذكرنا.
و الظاهر كما تقدم ذكره في كتاب البيع عدم اشتراط كون تسليم المنفعة مقدورا للموجر، بل يكفي إمكان التسلم، فلو كان المستأجر قادرا على استيفاء المنفعة بأخذ العين من الغاصب بنفسه. أو معاون أو قادرا على تحصيل الآبق، فالظاهر جواز الاستيجار، و نحوه أيضا استيجار الغاصب للمغصوب الذي في يده، لحصول التسلم، و الظاهر أنه يخرج عن الضمان و الغاصبية بمجرد العقد، و أن الأظهر في الجميع صحة الإجارة، لعموم الأدلة و الأصل عدم ثبوت مانع، ثم انه فيما عدا صورة الغصب ان بذل الجهد في تسليمه و لم يمكن التسليم بطل الإجارة، لأن لزوم الأجرة موقوف على إمكان التسليم و التسلم، الا أن يقصر المستأجر مع القدرة، فيلزم العقد.
بقي الكلام في إجارة الآبق مع الضميمة، و قد تردد في ذلك جملة من
555
الأصحاب، منهم الشرائع و التحرير و التذكرة، و أطلق المنع في الإرشاد و قيده في القواعد بعدم الضميمة، و مفهومه جوازها مع الضميمة، و هو اختيار الشهيد قيل: وجه التردد في ذلك من حيث عدم القدرة على تسليم المنفعة، و من جواز بيعه من الضميمة للنص الدال على ذلك، فكذا إجارته بطريق أولى، لاحتمالها من الغرر ما لا يتحمله البيع، و من ذلك يعلم وجه المنع، كما اختاره في المسالك و الروضة و وجه الجواز كما اختاره الشهيد، قال في اللمعة: فلا يصح اجارة الآبق و ان ضم إليه أمكن الجواز، قال الشارح: كما يجوز البيع لا بالقياس بل لدخولها في الحكم بطريق اولى، لاحتمالها من الغرر ما لا يتحمله، و بهذا الإمكان أفتى المصنف في بعض فوائده، و وجه المنع فقد النص المجوز هنا، فيقتصر هنا على مورده، و هو البيع و منع الأولوية، انتهى.
أقول: و الظاهر هو ما اختاره شيخنا المذكور من المنع لما ذكره، فإنه وجيه، و مع تسليم الأولوية فإنه لا يخرج عن القياس المنهي عنه في الأخبار، كما قدمنا تحقيقه في مقدمات الكتاب في كتاب الطهارة (1).
ثم إنه على تقدير الجواز مع الضميمة فإنهم قد صرحوا بأنه يشترط كونها متمولة يمكن إفرادها بالمعاوضة، قالوا: و في اعتبار أفرادها بجنس ما يضم إليه ففي البيع تفرد بالبيع، و في الإجارة تفرد بالإجارة، أو يكفي كل واحد منهما في كل واحد منهما، وجهان: من حصول المعنى، و من أن الظاهر ضميمة كل شيء إلى جنسه، و قوى الشهيد الثاني.
الثاني: لو منعه المؤجر و لم يسلمه العين المستأجرة
سقطت الأجرة، و ليس للمؤجر المطالبة بها، و الحال ذلك، و الظاهر على هذا بطلان العقد و انفساخه بنفسه، و يكون كتلف العين، و المبيع قبل التسليم، و هو مختار التذكرة الا أنه قيده بمنع الموجر المستأجر من العين قبل أن يستوفي المنافع، و قرب ثبوت الخيار
____________
(1) ج 1 ص 60.
556
لو استوفاها و قيل: انه لا ينفسخ الا بالفسخ، فيتخير بين الفسخ لتعذر حصول العين المستأجرة، فإذا فسخ سقط المسمى ان لم يكن دفعه، و الا استرجعه و بين الالتزام بالعقد، و مطالبة المؤجر بعوض المنفعة، و هو أجرة مثلها، لأن المنفعة مملوكة له، و قد منعه الموجر منها و هي مضمونة بالأعيان، و حينئذ فيرجع بالتفاوت، و هو زيادة أجرة المثل عن المسمى ان كان، لأن المؤجر يستحق المسمى في العقد، و المستأجر أجرة المثل، و يرجع عليه بالزيادة عما يستحقه ان كان هناك زيادة، و هذا القول اختيار الشرائع، و المسالك، و القواعد.
الثالث: لو منع المستأجر ظالم غير الموجر عن الانتفاع بالعين المستأجرة
، فلا يخلو اما ان يكون قبل قبضها من المؤجر أو بعده، فهيهنا مقامان
الأول أن يمنعه قبل القبض
، و الظاهر من كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف أن المستأجر يتخير بين الفسخ فيرجع كل ملك الى مالكه، و يرجع المستأجر بالأجرة على الموجر ان كان قد دفعها له، و الا فلا، و يرجع المالك على الغاصب بأجرة المثل كلا أو بعضا من حيث الغصب، و منع تحصيل المنفعة من العين، و بين التزام العقد و الرضاء به فيرجع على الغاصب بالعين المنتفع بها، و بأجرة المثل في مدة المنع، لأنه المباشر للإتلاف ظلما و عدوانا.
قيل: و لا يسقط هذا التخيير بعود العين إلى المستأجر في أثناء المدة، بل له الفسخ في الجميع، و أخذ المسمى لفوات المجموع من حيث هو مجموع، و لأصالة بقاء الخيار السابق، و له الإمضاء و استيفاء باقي المنفعة، و مطالبة الغاصب بأجرة مثل ما فات في يده من المنافع، و ليس له الفسخ في الماضي خاصة، و الرجوع بقسطه من المسمى على الموجر، و استيفاء الباقي من المنفعة، لاقتضائه تبعيض الصفقة على الموجر، و هو خلاف مقتضى العقد، بل اما أن يفسخ في الجميع، أو يمضيه، مع احتماله، لأن فوات المنفعة في هذه الحال يقتضي الرجوع الى المسمى و قد حصل في البعض خاصة، فاستحق الفسخ فيه، انتهى.
557
أقول: هذا الاحتمال لا يخلو عن قرب، لأن مبني المنع في الكلام الأول على لزوم تبعيض الصفقة على الموجر، و هو غير جائز عندهم في جميع العقود، و فيه ما تقدمت إليه الإشارة في غير موضع مما تقدم أنه و ان اشتهر ذلك بينهم- حتى صار قاعدة كلية بنوا عليها في جملة من الأحكام- الا أنا لم نقف على دليل من الأخبار، لا في باب البيع و لا غيره و لعل ذلك من جملة ما اتفقوا فيه العامة، و ان اتفقوا عليه و كم من مثله في قواعدهم الأصولية، كما لا يخفى على المتتبع.
الثاني أن يمنعه بعد القبض
، و الظاهر أنه لا خلاف في صحة العقد، و عدم فسخه، لأن وجه التخيير في الأول، و جواز الفسخ انما كان من حيث أن العين قبل القبض مضمونة على المؤجر، فللمستأجر الفسخ عند تعذرها، و العلة هنا منتفية، لأنه قد قبضها و لزمت الإجارة باجتماع شروطها، و انما عرض بعد ذلك حيلولة الغاصب له بمنعه عن التصرف، و على هذا فيرجع المستأجر على الغاصب بأجرة مثل المنفعة الفائتة في يده لا غير، و يرجع الموجر على المستأجر بالمسمى لو لم يقبضه سابقا و العين مضمونة في يد الغاصب لصاحبها، قالوا: و لو كان الغاصب هو الموجر فلا فرق.
الرابع [فسخ الإجارة بانهدام المسكن]:
قالوا: إذا انهدم المسكن كان للمستأجر فسخ الإجارة الا أن يعيده صاحبه، و يمكنه منه، و تردد في الشرائع في ذلك.
أقول: ظاهر هذا الكلام أن العقد لا ينفسخ بنفسه، و لو أدى الانهدام الي عدم الانتفاع بالمسكن بالكلية، و به صرح المحقق الأردبيلي أيضا فقال بعد ذكر عبارة المصنف المشتملة على مثل هذا الإجمال أيضا ما لفظه: أي لو انهدم المسكن المستأجر بحيث لا يمكن الانتفاع به أو انقض و نقص نقصانا لو كان قبل العقد لم يرغب في الإجارة عرفا بالأجرة المقررة لم ينفسخ، بل للمستأجر فسخ العقد، و الرجوع الى المالك بعد الفسخ بمقدار حصة الباقي من أجرة المدة، الا أن يعيد المالك المسكن إلى أصله الى آخره، و صريح كلام شيخنا في المسالك تقييد هذا الإطلاق بما لو لم يؤد الانهدام الى فوات الانتفاع بالكلية، أو أنه يمكن زوال المانع
558
و الا انفسخ العقد بنفسه، قال بعد ذكر المصنف الحكم كما نقلناه عنهم: و مقتضى جواز الفسخ أن العقد لا ينفسخ بنفسه، فلا بد من تقييده بإمكان إزالة المانع، أو بقاء أصل الانتفاع فلو انتفيا معا انفسخت الإجارة، لتعذر المستأجر عليه انتهى.
الا أن يحمل إطلاق كلام المحقق المتقدم ذكره على إمكان إزالة المانع فلا تنافي حينئذ، و له البقاء على العقد و عدم الفسخ لو لم ينفسخ العقد بنفسه، و تلزمه الأجرة و وجه الفسخ- على تقدير خروج السكنى عن الانتفاع المراد منه عرفا ظاهر، الا أن يكون سبب ذلك من المستأجر، و حصول الضرر من جهته، لأن الأجرة انما بذلت و استحقت في مقابلة الانتفاع، فإذا فات في الزمان المقرر فلا أجرة الا أن يكون ذلك من المستأجر كما عرفت، و المراد بإعادته المستثناة من الخيار يعني الإعادة بسرعة على وجه لا يفوت به شيء من المنافع، و وجه التردد هنا على تقدير إعادته سريعا من زوال المانع بإعادته سريعا مع عدم ذهاب شيء من المنافع، و من ثبوت الخيار بالانهدام، فيستصحب حيث لم يدل دليل على سقوطه بالإعادة، و هو ظاهر اختياره في المسالك، أقول: لم أقف في هذا المقام على نص و الله سبحانه العالم.
المطلب الثالث في الأحكام
و فيه مسائل
الاولى [في عدم جواز عمل الأجير الخاص لغير من استأجره]:
قد صرحوا بأن الأجير الخاص و هو الذي يستأجر مدة معينة للعمل بنفسه أو يستأجر عملا معينا مع تعيين أول زمانه، بحيث لا يتوانى في فعله، حتى يفرغ منه لا يجوز له العمل لغير من استأجره إلا باذنه، و الأجير المشترك و هو الذي يستأجر لعمل مجرد عن المباشرة- مع تعيين المدة-، أو عن المدة مع تعيين المباشرة،- أو مجردا عنهما يجوز له ذلك.
أقول: و الأولى في التعبير عن الأول بالمقيد، عوض الخاص، و عن الثاني بالمطلق عوض المشترك، كما لا يخفى.
559
و كيف كان فتفصيل هذا الإجمال يقع في مقامين
الأول: في الأجير الخاص
و قد عرفت تفسيره، و الوجه في عدم جواز عمله- لغير من استأجره إلا بالإذن- أنه متى وقعت الإجارة على أحد الوجهين المذكورين، فان منفعته المطلوبة قد صارت ملكا للمستأجر، فلا يجوز له صرف عمله الذي استأجر عليه، و لا صرف زمانه المستأجر فيه في عمل ينافي ما استوجر عليه، و أما لو لم يناف ما استوجر عليه كالتعليم و التعلم و العقد و نحو ذلك حال الاشتغال بالخياطة المستأجر عليها مثلا:
فالأقرب الجواز، كما اختاره بعض محققي متأخري المتأخرين.
قال في المسالك: و هل يجوز عمله في الوقت المعين عملا لا ينافي حق المستأجر كإيقاع عقد و نحوه في حال اشتغاله، أو تردده في الطريق بحيث لا ينافيه وجهان:
من شهادة الحال بالإذن في مثل ذلك، و النهي عن التصرف في ملك الغير بغير اذنه.
أقول: لا يخفى أنه و ان كان لا خلاف و لا إشكال في النهي عن التصرف في ملك الغير إلا بإذنه، إلا أن اجراء ذلك فيما نحن فيه ممنوع، لأن مقتضى الإجارة اشتغال الذمة بأداء العمل المستأجر عليه، و الحال أنه لا خلاف و لا إشكال في براءة الذمة بأدائه على هذا الوجه، حيث أن المفروض عدم المنافاة، و إذا ثبت براءة الذمة من العمل المذكور، فلا يضر هذا التصرف بوجه من الوجوه، و اللازم مما ذكروه- لو تم- المنع من كلامه مع الغير مطلقا، و كذا نظره لغيره، و بطلانه أوضح من أن يخفى و الظاهر أن له في الصورة المذكورة العمل فيما لم تجر العادة بوجوب العمل فيه للمستأجر كالليل، لكن يشترط أن لا يؤدي الى ضعف العمل نهارا، و كما أنه لا يجوز له العمل بما ينافي العمل للمستأجر عليه، كذلك لا يجوز للغير استعماله في المنافي.
و الذي حضرني من الأخبار في المقام ما رواه
في الكافي في الموثق عن إسحاق بن عمار (1) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يستأجر الرجل بأجرة معلومة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 287 ح 1، التهذيب ج 7 ص 213 ح 17، الوسائل ج 13 ص 250 ح 1.
560
فيبعثه في ضيعة فيعطيه رجل آخر دراهم و يقول: اشتر بها كذا و كذا و ما ربحت بيني و بينك، فقال إذا أذن له الذي استأجره فليس به بأس».
و هي دالة بالمفهوم على ثبوت البأس مع عدم الاذن، و الظاهر أن المراد به التحريم، و يحمل الخبر على الأجير الخاص كما هو ظاهر الكلام، و به استدل في المفاتيح على الحكم المذكور.
الثاني: في الأجير المشترك
و قد عرفت تعريفه و رجوعه إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الاستيجار على عمل مجرد عن المباشرة مع تعيين المدة، كأن يستأجره على تحصيل الخياطة بنفسه أو غيره يوما.
الثاني: أن يستأجره على عمل مجرد عن المدة مع تعيين المباشرة، كأن يستأجره ليخيط له ثوبا بنفسه، من غير أن يقيده بمدة.
و الثالث: أن يكون مجردا عنهما كان يستأجره على تحصيل خياطة ثوب بنفسه أو غيره من غير تقييد بزمان، و هذا يجوز له العمل لغير من استأجره، لأن مقتضى الاستيجار هنا بجميع أقسامه الثلاثة أنه يجب عليه أن يعمل ذلك العمل بنفسه أو غيره أي زمان أراد، و لم يملك المستأجر عمله و منفعته على وجه لا يجوز له العمل لغيره، كما في الأول، بل له عليه ذلك العمل مطلقا، الا أن يكون ثمة قرينة تدل على كونه في زمان خاص كالحج، فإنه يصير من قبيل الأجير الخاص، أو قلنا بوجوب العمل بعد الفراغ من العقد، كما نقل عن شيخنا الشهيد، فإنه نقل عنه في بعض تحقيقاته أن الإطلاق في كل الإجارات يقتضي التعجيل و المبادرة إلى الفعل، و على هذا يقع التنافي بينه و بين عمل آخر في صورة اعتبار المباشرة، و فرع عليه منع صحة إجارة الثانية في الصورة المذكورة.
و الظاهر ضعف القول المذكور، و لعدم وضوح الدليل عليه لا من الأخبار و لا من الاعتبار قال في المسالك: و نعم ما قال: و اعلم أن الشهيد حكم في بعض تحقيقاته بأن الإطلاق في كل الإجارات يقتضي التعجيل، و أنه يجب المبادرة الى
561
ذلك الفعل، فإن كان مجردا عن المدة خاصة فبنفسه، و الا تخير بينه و بين غيره، فيقع التنافي بينه و بين عمل آخر في صورة المباشرة، و فرع عليه منع صحة الإجارة الثانية في صورة التجرد عن المدة مع المباشرة، كما منع في الأجير الخاص، و ما تقدم في الإجارة للحج مؤيد لذلك، فإنهم حكموا بعدم صحة الإجارة الثانية مع اتحاد زمان الإيقاع نصا أو حكما كما لو أطلق فيهما أو عين في أحدهما بالنسبة الأولى، و أطلق في الأخرى، و لا ريب أن ما ذكره أحوط، و ان كان وجهه غير ظاهر، لعدم دليل يدل على الفورية، و عموم الأمر بالإيفاء بالعقود و نحوه لا يدل بمطلقه على الفور عندهم، و عند غيرهم من المحققين، سلمنا لكن الأمر بالشيء إنما يقتضي النهي عن ضده العام، و هو الأمر الكلي لا الأفراد الخاصة، سلمنا لكن النهي في غير العبادات لا يدل على الفساد عندهم، و الإسناد الى ما ذكر من الحج ليس بحجة بمجرده، و يتفرع على ذلك وجوب مبادرة أجير الصلاة الى القضاء بحسب الإمكان و عدم جواز اجارة نفسه ثانيا قبل الإتمام، و أما تخصيص الوجوب بصلوات مخصوصة و أيام معينة فهو من الهذيانات الباردة و التحكمات الفاسدة، انتهى و هو جيد وجيه كما لا يخفى و الله سبحانه العالم.
الثانية [في تملك الأجرة بنفس العقد]:
لا خلاف و لا إشكال في أنه تملك الأجرة بنفس العقد، لاقتضاء صحة المعاوضة نقل الملك في كل من العوضين من أحدهما إلى الأخر، كما في البيع و سائر عقود المعاوضات اللازمة، و الإجارة منها، لكن لا يجب تسليم الأجرة إلا بتسليم العين المستأجرة ان كانت الإجارة على عين، أو تمام العمل ان كانت الإجارة على عمل، و لا يجوز تأخيرها مع الطلب، و الحال كذلك، و مما يدل عليه بالنسبة إلى تمام العمل ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن هشام بن الحكم (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الجمال و الأجير قال: لا يجف عرقه حتى تعطيه أجرته».
و عن شعيب (2) قال تكارينا لأبي عبد الله (عليه السلام) قوما يعملون في بستان له،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 289 ح 2، التهذيب ج 7 ص 211 ح 11 الوسائل ج 13 ص 246 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 289 ح 3، التهذيب ج 7 ص 211 ح 12 الوسائل ج 13 ص 246 ح 2.
562
و كان أجلهم إلى العصر فلما فرغوا قال لمعتب: أعطهم أجورهم قبل أن يجف عرقهم».
و الظاهر أن ذكر جفاف العرق كناية عن السرعة في الإعطاء و بالجملة فإن الأجرة تتعلق بذمة المستأجر بمجرد العقد، و لكن لا يجب التسليم الا يعد أحد الأمرين المذكورين، و أما قولهم يجب تسليم الإجارة مع الإطلاق، فالظاهر أن المراد به أول وقت وجوب الدفع، الذي هو عبارة عن تسليم العين، أو الفراغ من العمل.
قال في المسالك- بعد قول المصنف و يجب تعجيلها مع الإطلاق و مع شرط التعجيل ما صورته-: المراد بتعجيلها مع الإطلاق في أول أوقات وجوب دفعها، و هو تمام العمل، و تسليم العين المؤجرة، لأن بتسليم أحد العوضين تسلط على المطالبة بالأجرة بمقتضى المعاوضة الموجبة للملك، ثم انه على تقدير ما ذكرنا من أنه لا يجب التسليم الا بعد أحد الأمرين المذكورين، قالوا: لو كان المستأجر وصيا لم يجز له التسليم قبل ذلك الا مع الأذن صريحا أو بشاهد الحال، و لو فرض توقف العمل على الأجرة كالحج مثلا و امتنع المستأجر من التسليم و الظاهر كما استظهره في المسالك أيضا جواز الفسخ، و لو شرط التعجيل في الأجرة لم يزد على ما اقتضاه الإطلاق كما عرفت من أنه يجب التعجيل مع الإطلاق.
نعم يفيد ذلك تأكيدا و يتفرع عليه تسلط الموجر على الفسخ لو شرط ذلك في مدة مضبوطة، فأخل به، و نحوه لو شرط القبض قبل العمل، أو تسليم العين المؤجرة، فإنه يصح عملا لعموم أدلة لزوم الشروط في العقود اللازمة، و يتسلط على الفسخ مع الإطلاق به كما في غيره، و قد تقدم الكلام في ذلك في كتاب البيع، و تقدم القول بعدم تسلطه على الفسخ، بل الواجب رفع الأمر إلى الحاكم، و جبره على القيام بالشرط، فليرجع في تحقيق ذلك من أحب الوقوف على الخلاف في المسئلة الى ما قدمناه ثمة (1).
____________
(1) ج 19 ص 34.
563
و لو شرط التأجيل في الأجرة صح أيضا بشرط ضبط المدة و كذا لو شرطها نجوما بأن يدفع العين أو يعمل العمل و لا يطالب بالأجرة إلى الأجل المعين، أو يقسطها فيجعل لكل أجل قسطا معلوما منها، فإنه لا مانع من ذلك عملا بعموم الأدلة، و عدم ظهور المانع، و كذا لا فرق بين الإجارة الواردة على عين معينة، أو الإجارة المطلقة الواردة على ما في الذمة، و لا خلاف عندنا في شيء من هذه الأحكام، و الله سبحانه العالم.
الثالثة [في وجدان عيب في الأجرة سابق على وقت القبض]:
قالوا: لو وجد بالأجرة عيبا سابقا على وقت القبض، فإن كان الأجرة مطلقة و هي المضمونة تخير بين الفسخ و أخذ العوض و ان كانت معينة تخير بين الفسخ و الأرش، و علل الأول بأن المطلق يتعين بتعيين المالك، و قبض المستحق كالزكاة فحينئذ له الفسخ، لكون المعينة معيبة، و له الأبدال بالصحيح الذي هو مقتضى العقد، و هو المشار اليه بالعوض.
و التحقيق ما ذكره جملة من محققي المتأخرين أن مقتضى الإطلاق الحمل على الصحيح، و هو أمر كلي لا ينحصر في المدفوع، و دعوى تعينه بما ذكر ممنوع، و قضية ذلك حينئذ أنه لا فسخ هنا، و إنما له العوض، نعم لو تعذر العوض توجه الفسخ، و تخير بينه و بين الرضا بالمعيب مع الأرش عوض ما فات بالعيب لتعين المدفوع اليه، من حيث تعذر عوضه، كما هو الحكم في الثاني و هو ما إذا كانت معينة، فإنه يتخير كما قدمنا نقله عنهم بين الفسخ و الرضا به مع الأرش، من حيث أن تعينه مانع من البدل، كما تقدم في كتاب البيع، و دليله ظاهر مما تقدم في بيع المعيب (1) الا أن لقائل أن يقول: باختصاص هذا الحكم بالبيع، كما هو مورد الدليل.
و ظاهرهم أنه لا دليل هنا على ما ذكروه الا الحمل على البيع، و فيه ما لا يخفى، فمن الجائز هنا انحصار الحكم في الفسخ خاصة، و الى هذا يميل كلام
____________
(1) ج 19 ص 79.
564
المحقق الأردبيلي حيث قال- بعد قول المصنف و إذا كانت معينة له الفسخ أو الأرش-: كان دليله ظاهر مما تقدم في بيع المعيب، أو يمكن اختصاص البيع بالحكم لدليله، و يكون هنا الفسخ فقط، بل و يمكن الانفساخ أيضا، لعدم وقوع الرضاء به، انتهى و هو جيد و الله سبحانه العالم.
الرابعة [حكم إجارة العين المستأجرة على غيره]:
الظاهر أنه لا خلاف في أنه لو استأجر دارا أو دابة أو غيرهما من الأعيان فإن له أن يؤجرها على غيره إذا لم يشترط عليه المالك استيفاء المنفعة بنفسه، و نقل الإجماع في التذكرة عليه، و قيده جملة من الأصحاب منهم العلامة و المحقق الشيخ علي و غيرهم، بأنه لا يسلم العين إلى المستأجر الثاني الا بإذن المالك، و الا لكان ضامنا لها، و اعترضه المحقق الأردبيلي فقال: ما عرفت دليله، و الظاهر عدم الاشتراط، و عدم الضمان بدونه، للأصل و للاذن بالاستيجار.
و قد سبقه الى ذلك شيخنا الشهيد على ما نقل عنه في المسالك، فإنه قوى الجواز من غير ضمان، قال: لأن القبض من ضروريات الإجارة للعين، و قد حكم بجوازها و الأذن في الشيء إذن في لوازمه، و رد بمنع كون القبض من لوازمها لإمكان استيفاء المنفعة بدونه، أقول: الأظهر في الاستدلال على ذلك هو الاستناد الى الأخبار الدالة على جواز الإجارة ممن استأجر و قد تقدمت في كتاب المزارعة، فإن إطلاقها ظاهر في عدم هذا الاشتراط، و تقييدها بما ذكروه يحتاج الى دليل واضح، و ليس فليس.
و يدل على ذلك خصوص ما رواه
الكليني و الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (1) عن أخيه قال: «سألته عن رجل استأجر دابة فأعطاها غيره فنفقت ما عليه؟ قال:
ان كان اشترط أن لا يركبها غيره فهو ضامن لها، و ان لم يسم فليس عليه شيء».
و الى هذا القول مال أيضا في المسالك استنادا إلى الصحيحة المذكورة، و حينئذ فله أن يؤجرها بأقل مما استأجر أو ما ساواه بلا خلاف.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 291 ح 7، التهذيب ج 7 ص 215 ح 24، الوسائل ج 13 ص 258 ح 6.
565
و انما الخلاف في جواز الإجارة بالأكثر فالمشهور ذلك، قال بعض محققي متأخري المتأخرين و الأصل و القاعدة و أدلة جوازها تقتضي جوازها بأكثر من الأجرة و لو كان بجنسها أيضا و ان لم يحدث حدثا من عمارة و شبهها، انتهى.
و نقل جملة من المتأخرين الخلاف هنا عن الشيخ في المسكن و الأجير و الخان قال في التذكرة: قال الشيخ: لا يجوز أن يوجر المسكن و لا الخان و لا الأجير بأكثر مما استأجره إلا أن يوجر بغير جنس الأجرة أو يحدث ما يقابل التفاوت، و كذا لو سكن بعض الملك لم يجز أن يؤجر الباقي و على هذا النهج كلام المحقق و غيره، و المفهوم من كلام المختلف أن موضع الخلاف أعم من هذه المذكورات، قال في الكتاب المذكور:
قال الشيخان: إذا استأجر شيئا لم يجز أن يؤجره بأكثر مما استأجره به الا أن يحدث فيه حدثا من مصلحة و نفع إذا اتفق الجنس، و به قال المرتضى ظاهرا، انتهى.
و قد تقدم تحقيق الكلام في المقام بما لا يحوم حوله نقض و لا إبرام في كتاب المزارعة، (1) و ان كان محله انما هو هذا الكتاب، الا أنه جرى القلم به ثمة استطرادا فليرجع إليه من أحب الوقوف عليه.
الخامسة [في اشتراط نقص الأجرة على تقدير عدم الحمل في الوقت المعين]:
المشهور بين الأصحاب أنه لو استأجره ليحمل عليه متاعا الى موضع معين بأجرة في وقت معين فان قصر عنه نقص من أجرته شيئا جاز، و لو شرط سقوط الأجرة ان لم يوصله فيه لم يجز و كان له أجرة المثل، قال الشيخ في النهاية: من اكترى من غيره دابة على أن يحمل له متاعا الى موضع بعينه في مدة من الزمان، فان لم يفعل ذلك نقص من أجرته كان ذلك جائزا ما لم يحط بجميع الأجرة، و ان أحاط الشرط بجميع الأجرة كان الشرط باطلا، و لزمه أجرة المثل و نحوه كلام ابن الجنيد، و كلام ابن البراج و غيرهما الا أن ظاهر كلام ابن الجنيد أنه متى أحاط الشرط بالأجرة كملا وجب القضاء بالصلح فلا تسقط الأجرة كلها و لا بأخذها جميعا، و ظاهر العلامة في المختلف- و نقل عن ابنه فخر المحققين أيضا-
____________
(1) ج 21 ص.
566
بطلان العقد، لبطلان الشرط، فتجب أجرة المثل سواء أو صلة في المعين أم غيره، و سواء أحاط بالأجرة أم لا، و لا يخفى ما فيه، فإنه اجتهاد في مقابلة النص، كما سيظهر لك إنشاء الله تعالى.
و قال ابن إدريس: و الأولى عندي أن العقد صحيح، و الشرط باطل، لأن الله تعالى قال (1) «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و هذا عقد فيحتاج في فسخه الى دليل، و الشرط إذا انضم إلي عقد شرعي صح العقد، و بطل الشرط، إذا كان غير شرعي و أيضا لا دليل على ذلك من كتاب و لا سنة متواترة و لا إجماع منعقد، و لم يورد أحد من أصحابنا هذه المسئلة إلا شيخنا في النهاية، لا أنها تضمنت التواتر و غيره.
أقول: ما ذكره ابن إدريس جيد على أصله الغير الأصيل، و الذي يدل على ما ذكره الشيخ ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: انى كنت عند قاض من قضاة المدينة فأتاه رجلان فقال أحدهما: اني اكتريت من هذا دابة ليبلغني عليها من كذا و كذا الى كذا و كذا فلم يبلغني الموضع فقال القاضي لصاحب الدابة: بلغته الى الموضع؟ قال:
لا قد أعيت دابتي فلم تبلغ فقال له القاضي: فليس لك كراء إذا لم تبلغه الى الموضع الذي اكترى دابتك اليه، قال (عليه السلام) فدعوتهما الي فقلت للذي اكترى ليس لك يا عبد الله أن تذهب بكراء دابة الرجل كله، و قلت للآخر: يا عبد الله ليس لك أن تأخذ كراء دابتك كله و لكن انظر قدر ما بقي من الموضع و قدر ما ركبته فاصطلحا عليه ففعلا».
هذا صورة الخبر في الفقيه، و فيه برواية الكتابين الأخيرين حذف و نقصان و إخلال بالمعنى المذكور في هذا المنقول.
____________
(1) سورة المائدة- الآية 1.
(2) الفقيه ج 3 ص 20 ح 72 و 32، الكافي ج 5 ص 290 ح 4، التهذيب ج 7 ص 214 ح 23، الوسائل ج 13 ص 253 ح 1.
567
و ما رواه
المشايخ المذكورون أيضا في الموثق عن محمد الحلبي (1) «قال كنت قاعدا عند قاض من القضاة، و عنده أبو جعفر (عليه السلام) جالس، فأتاه رجلان فقال أحدهما: اني تكاريت إبل هذا الرجل ليحمل لي متاعا الى بعض المعادن فاشترطت عليه أن يدخلني المعدن يوم كذا و كذا، لأنها سوق أتخوف أن يفوتني، فإن احتسبت عن ذلك حططت من الكرى عن كل يوم احتبسه كذا و كذا، و انه حبسني عن ذلك الوقت كذا و كذا يوما فقال القاضي: هذا شرط فاسد وفه كراه، فلما قام الرجل أقبل الي أبو جعفر (عليه السلام) فقال: شرطه هذا جائز ما لم يحط بجميع كراه».
و أنت خبير بأن الرواية الأولى من هاتين الروايتين و ان استدل بها الأصحاب للشيخ كما ذكرناه، الا أن الظاهر أنه لا دلالة فيها عند التأمل، إذ غاية ما تدل عليه أنه إذا شرط عليه أن يوافي به الى موضع معين في يوم معين صح ذلك، فلو لم يفعل وجب الصلح بإسقاط بعض الأجرة بنسبة ما تركه من الموضع و لم يبلغه فيه، و لا دلالة فيها على أجرة المثل أيضا نعم الرواية الثانية ظاهرة الدلالة على المطلوب.
و أما ما يظهر من المسالك- و قبله الشيخ المحقق الشيخ علي من الحكم ببطلان الإجارة هنا، قال في المسالك بعد ذكر المصنف الحكم المذكور كما قدمنا ذكره عن الأصحاب: هذا قول الأكثر، و مستنده روايتان صحيحة و موثقة عن محمد بن مسلم و الحلبي عن الباقر (عليه السلام) و يشكل بعدم تعيين الأجرة لاختلافهما على التقديرين كما لو باعه بثمنين على تقديرين، و من ثم ذهب جماعة إلى البطلان و يمكن حمل الأخبار على الجعالة إلى آخر كلامه- ففيه أن عموم أدلة وجوب الوفاء بالعقود و وجوب الوفاء بالشروط كتابا و سنة مما تقضي بالصحة في هذا العقد، و ما ادعاه من البطلان بهذه الجهالة لا دليل عليه، بل الدليل واضح في خلافه كالخبر المذكور، و مثله
صحيحة أبي حمزة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكتري
____________
(1) الكافي ج 5 ص 290 ح 5، التهذيب ج 7 ص 214 ح 22، الفقيه ج 3 ص 22 ح 3273، الوسائل ج 13 ص 253 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 289 ح 2، التهذيب ج 7 ص 214 ح 20، الوسائل ج 13 ص 249 ح 1.
568
الدابة فيقول: اكتريتها منك الى مكان كذا و كذا فان جاوزته فلك كذا و كذا زيادة و سمى ذلك قال: لا بأس به كله».
و هي مع صحتها صريحة في عدم اشتراط ما ادعاه من العلم، و عدم الضرر بمثل هذه الجهالة، و تمسكه في البطلان بما لو باعه بثمنين على تقديرين مردود، بأنه و إن قيل: بالبطلان في ذلك إلا أن مقتضى الأخبار الصحة كما تقدم تحقيقه في كتاب البيع، و هو مؤيد لما ذكرناه هنا و به يظهر أن ما ذكراه من التنزيل على الجعالة لا موجب له، و لا ضرورة تدعو اليه، على أنه لا معنى لقوله (عليه السلام) في الرواية «ما لم يحط بجميع كراه» إذ الظاهر كما ذكره بعض المحققين هو صحة هذا الشرط في الجعالة، و لو كانت جعالة لم يتجه هذا الاستثناء، و يؤيد ما ذكرناه أيضا ما صرح به جملة منهم من الصحة في قولهم إن خطته روميا فلك كذا، و إن خطته فارسيا فلك كذا و قولهم إن عملت هذا العمل اليوم فلك درهمان، و إن عملته في غد فلك درهم، كما سيأتي تحقيق ذلك إنشاء الله تعالى.
و بالجملة فان كلا من الفعلين المردد بينهما في هذه المواضع المعدودة، معلوم، و أجرته معلومة، و الواقع لا يخلو منهما، فلا مانع من الصحة، و المعلومية على هذا الوجه كافية، بمقتضى ما ذكرناه من الاخبار في البيع، و الإجارة، و دعوى الزيادة على ذلك بحيث يحكم بالبطلان مع عدمها يتوقف على الدليل، و ليس فليس و الله سبحانه العالم.
السادسة [في قول الموجر آجرتك كل شهر بكذا]:
اختلف الأصحاب فيما لو قال: آجرتك كل شهر بكذا فقيل:
بالبطلان مطلقا لجهالة العوضين المقتضية للغرر إذ لا يلزم من مقابلة جزء معلوم من المدة بجزء معلوم من العوض كون مجموع العوضين معلومين، فان العوض هنا المجموع، و هو مجهول و انما عليه اجرة المثل فيما سكن، لعدم صحة الإجارة و الى هذا القول ذهب ابن إدريس و المختلف و المسالك و غيرهم، و قيل: ان الإجارة تصح في شهر و تبطل في الباقي و له أجرة المثل ان سكن و هو المنقول عن الشيخين في المقنعة و النهاية، و به صرح في اللمعة و الشرائع و غيرهم، و الوجه فيه أن الشهر
569
معلوم و كذا أجرته فلا مانع من الصحة فيه، نعم يبطل الزائد لعدم انحصاره في وجه معين، و أن الأجرة تابعة له، و رجح المحقق الأردبيلي الصحة مطلقا في المسئلة، حيث قال بعد ذكر القولين المذكورين، و هيهنا احتمال ثالث، و هو الصحة في كل ما جلس، و اشتراط العلم بحيث يمنع من هذا غير معلوم، و لا ضرر و لا غرر، إذ كلما جلس شهرا يعطى ذلك، و نصفه في نصفه، و على هذا انتهى و هو جيد، و وجهه معلوم مما قدمناه في سابق هذه المسئلة من الأخبار المذكورة، و العلل المأثورة.
أقول: و يظهر من كلام ابن الجنيد هنا القول بذلك، حيث قال على ما نقله في المختلف: و قال ابن الجنيد: و لا بأس أن يستأجر الدار كل شهر بكذا و كل يوم بكذا، و لا يذكر نهاية الأجل، و لو ذكرها عشرين سنة أو أقل أو أكثر جاز ذلك، انتهى، و هو ظاهر كما ترى في القول بالصحة، و لم أقف على من نقله عنه في كتب الاستدلال كالمسالك و غيره و لا أشار اليه، و إنما المشهور في كتبهم نقل القولين المذكورين.
و كيف كان فإنك قد عرفت في مواضع مما قدمناه في المباحث السابقة أن الحق الحقيق بالاتباع و ان كان قليل الاتباع هو الوقوف في موارد الأحكام على النصوص، و عدم الالتفات إلى ما اشتهر بينهم من القواعد التي زعموها أصولا حتى ردوا لأجلها الأخبار، و ارتكبوا فيها التأويلات البعيدة و الى القول بالصحة هنا أيضا يميل صاحب الكفاية، و قد عرفت قوته.
و قد اختلفوا أيضا في ما لو قال: ان عملته اليوم فلك درهمان، و ان عملته في غد فلك درهم، فقيل: بالصحة و هو اختيار الشرائع و اللمعة تبعا للخلاف، حيث قال في الكتاب المذكور: إذا استأجره لخياطة ثوب، و قال: ان خطت اليوم فلك درهم، و ان خطت في الغد فلك نصف درهم، صح العقد فيهما، لأن
570
الأصل جواز ذلك، و المنع يحتاج الى دليل، و قوله (عليه السلام) (1)
«المؤمنون عند شروطهم».
و في أخبارهم ما يجرى مثل هذه المسئلة بعينها منصوصة (2) و هي أن يستأجر منه دابة على أن يوافي به يوما بعينه على أجرة معينة، فان لم يواف به ذلك اليوم كان أجرتها أقل من ذلك، و ان هذا جائز»، و هذا مثلها بعينها سواء، و قال في المبسوط: صح العقد فيهما، فان خاطه في اليوم الأول كان له الدرهم، و ان خاطه في الغد كان له أجرة المثل، و هو ما بين الدرهم و النصف، و لا ينقص من النصف الذي سمى، و لا يبلغ الدرهم، قال في المختلف: و هذا القول الذي اختاره في المبسوط قول أبي حنيفة.
و قال ابن إدريس: يبطل العقد و تبعه عليه أكثر المتأخرين كالمحقق الثاني و الشهيد الثاني في المسالك، و العلامة في المختلف، و غيرهم اعترض في المختلف على كلام الشيخ في الخلاف، فقال: و قول الشيخ بالأصل ممنوع، إذ يترك لقيام معارض، و فرق بين صورة النزاع و صورة النقل، لأن صورة النقل أوجب عليه أن يوافي به في يوم بعينه، و شرط ان لم يفعل أن ينقص من أجرته شيئا، و صورة النزاع لم توجب شيئا معينا فتطرقت الجهالة إليه، بخلاف الأول انتهى.
و فيه أن الأصل الذي تمسك به الشيخ أصل رزين، و هو العمومات الدالة على صحة العقود و الشروط كتابا و سنة، و ما عارضه به ليس الا مجرد دعواهم الجهالة في الصورة المذكورة، و نحوها مما تقدم، و الدليل على الأبطال بنحو هذه الجهالة غير ثابت، بل المعلوم من الأدلة كما عرفت إنما هو خلافه، و ما ادعاه من الفرق أيضا بين صورة النزاع و النقل ضعيف أيضا، لأن المنازع في تلك المسئلة إنما تمسك بما تمسك به هنا من الجهالة، ورد الرواية بذلك كما عرفت، و مرجع الرواية إلى أنه إن أدخله في ذلك الوقت المعين فله كذا، و ان تخلف عنه فله
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 371 ح 1503.
(2) الكافي ج 5 ص 290 ح 5، الوسائل ج 15 ص 30 ح 4 و ج 13 ص 253 ح 1.
571
أنقص، و هذا عين ما نحن فيه.
نعم ما ذكره في المبسوط ضعيف بما أورده عليه في المختلف، حيث قال:
و تفصيل الشيخ في المبسوط ضعيف، لأن العقد ان صح فله المسمى، و ان بطل فله أجرة المثل، و يكون وجوده كعدمه، كسائر العقود الباطلة، انتهى.
و لو قال: ان خطته فارسيا فلك درهم، و ان خطته روميا فلك درهمان، و فسر الرومي بدرزين، و الفارسي بدرز واحد، فالخلاف المتقدم، الا ان ابن إدريس قال هنا بعد الحكم بالبطلان: و ان قلنا هذه جعالة كان قويا، فإذا فعل الفعل المجعول عليه استحق الجعل، و اعترضه في المختلف بأنه ليس بجيد، لتطرق الجهالة إلى الجعل، فيجب أجرة المثل و أجاب في المسالك بأن مبنى الجعالة على الجهالة في العمل و الفعل كمن رد عبدي فله نصفه، و من رد عبدي فله كذا، و محله غير معلوم، و كذا من رد عبدي من موضع كذا، فله كذا أو من موضع كذا فله كذا مع الجهالة فيهما انتهى، و الكل نفخ في غير ضرام، لما عرفت من التحقيق في المقام و الله سبحانه العالم.
السابعة [في عدم وجوب تسليم الأجرة إلا بتسليم العين المستأجرة]:
قد تقدم أنه لا خلاف و لا إشكال في أن الأجير يملك الأجرة بنفس العقد، و لكن لا يجب التسليم الا بتسليم العين المستأجرة ان كانت الإجارة على عين، أو تمام العمل ان كانت على عمل، و إنما الكلام هنا في أنه هل يتوقف استحقاق المطالبة بالأجرة بعد العمل على تسليم العين المعمول فيها كثوب يخيطه، و شيء يصلحه، و نحو ذلك؟ و فيه أقوال ثلاثة، فقيل: بعدم التوقف و هو اختيار الشرائع و الإرشاد و غيرهما، و قيل: بالتوقف على التسليم، و هو مختار المسالك و قبله المحقق الثاني في شرح القواعد، و قيل: بالفرق بين ما إذا كان العمل في ملك الأجير، فيتوقف على التسليم أو ملك المستأجر، فلا يتوقف لأنه بيده تبعا للملك، و هذا القول نقله في الشرائع و علل القول الأول بأن العمل إنما هو في ملك المستأجر أو ما يجرى مجراه، بمعنى أنه و إن وقع في ملك الأجير الا أنه لما
572
كانت يد الأجير كيد المستأجر لأنه مأذون عنه، و وكيل عنه أو وديعة عنده فكأنه عمل و هو في يد المستأجر، فيكون ذلك كافيا عن التسليم، و لهذا لو عمل و هو في يد وكيله أو ودعيه فالظاهر أنه لا يحتاج الى التسليم.
و الأظهر عندي الاستناد الى عموم أدلة وجوب الوفاء بالعقود، و الشروط و خصوص ما تقدم من الأخبار الدالة على أنه لا يجف عرقه حتى تعطيه أجرته.
و بالجملة فإن العمل هو الذي استحق به الأجير الأجرة عقلا و نقلا، و المعاوضة إنما وقعت عليه خاصة، و العين في يد الأجير أمانة لا يضمنها إلا مع التعدي و التفريط، فلا اعتبار بتسليمها و عدمه، سواء كان العمل في ملك أحدهما أولا، و لا يسقط بعدم تسليمها مع عدم ضمانها شيء من الأجرة المستحقة بالعمل، و الروايات شاهدة بذلك.
و علل الثاني كما ذكره في المسالك حيث اختاره بأن المعاوضة، لا يجب على أحد المعاوضين فيها التسليم الا مع تسليم الآخر، قال: فالأجود توقف المطالبة بها على تسليم العين، و ان كان العمل في ملك المستأجر، و على هذا النهج كلام المحقق المتقدم ذكره.
و فيه أولا أن ما ذكره من هذه القاعدة في المعاوضة و ان اشتهر في كلامهم، الا أنه لا دليل عليه، بل الظاهر إنما هو خلافه، كما تقدم تحقيقه في المطلب الثالث في التسليم من الفصل الرابع في أحكام العقود من كتاب التجارة.
و ثانيا ما عرفت من دليل القول الأول.
و أما القول الثالث فوجهه ظاهر مما ذكر، و لكنه مردود بما ذكرناه في دليل القول الأول، قال في المسالك: و ما نقله من الفرق قول ثالث بأنه ان كان في ملك المستأجر لم يتوقف على تسليمه، لأنه بيده تبعا للملك، و لأنه غير مسلم للأجير حقيقة، و إنما استعان به في شغله كما يستعين بالوكيل، و ان كان في ملك الأجير توقف، و هو وسط أوجه، من إطلاق المصنف و الأوسط الذي اخترناه أوجه، انتهى.
573
و فيه ما عرفت و إلى ما رجحناه من القول الأول يميل كلام المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، حيث قال بعد قول المصنف و يستحق الأجير الأجرة بالعمل و ان كان في ملكه ما لفظه: دليل مختاره و مختار الشرائع و غيره هو استحقاق الأجير طلب أجرته بعد إتمام العمل، و ان لم يكن سلم العين إلى المستأجر و كان العمل في ملك المستأجر بل في بيت الأجير، و لا يتوقف على تسليم العين، نعم يجب عليه تسليم العين عند الطلب مع عدم المانع الشرعي فلو منع كان غاصبا ضامنا و الظاهر أنه لا يستحق المستأجر المنع منه حتى يتسلم فلو منع كان غاصبا ظالما، و هو خلاف ما مضى من أنه يملك الأجرة بمجرد العقد، إذ قد قام الدليل العقلي و النقلي على عدم جواز منع المالك عن ملكه، و استحقاقه الطلب، و قد خرج قبل العمل بالإجماع و نحوه، و بقي الباقي و يؤيده وجوب أجرة العقارات قبل الاستيفاء، و عموم و خصوص أدلة لزوم الوفاء بالعقود و الشروط.
و الأخبار مثل
حسنة هشام بن الحكم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الجمال و الأجير قال: لا يجف عرقه حتى تعطيه أجرته».
و قد مرت و اختار البعض مثل المحقق الثاني و الشهيد الثاني عدم استحقاقه الا بعد تسليم العين و ان كانت في ملك المستأجر، الا أن يكون في يد المستأجر لأنه لا يلزم العوض و لم يستحق طلبه في المعاوضات إلا بالتسليم، و تسليم المنفعة إنما هو بتسليم العين كما هو في البيع.
و فيه تأمل يعلم مما تقدم، و لا نسلم الكلية، و لا نعرف له دليلا خصوصا إذا كان العوض منفعة بعد ثبوت الملك، و في البيع أيضا ان كان دليل فهو متبع لذلك، و الا نمنع هناك أيضا، كما فيما نحن فيه، على أنه قد يقال: أنه لما كانت بيد الأجير فهي بمنزلة كونه بيد المستأجر لأنه وكيل و مأذون في وضع اليد أو وديعة، فكأنه فعل العمل و العين في يد المستأجر انتهى، كلامه و هو كلام شاف و إنما نقلناه بطوله لتقف على جودة محصوله، و الله سبحانه العالم.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 289 ح 2، التهذيب ج 7 ص 211 ح 11، الوسائل ج 13 ص 246 ح 1.
574
الثامنة [في حكم اشتراط عدم الأجرة في العقد و تركها]:
قد صرحوا بأن كل موضع يبطل فيه عقد الإجارة يجب فيه أجرة المثل، مع استيفاء المنفعة أو بعضها، سواء زادت عن المسمى أو نقصت، و علل ذلك بأن مقتضى البطلان رجوع كل عوض الى مالكه، كما إذا بطل البيع يرجع البائع إلى مبيعه، و المشتري الى ثمنه، و لا يملك أحد منهما مال الآخر و لا منافعه إلا أنه في الإجارة لما كان أحد العوضين المنفعة و مع استيفائها من العين المستأجرة يمتنع ردها وجب الرجوع إلى عوضها، و هو أجرة المثل، كما إذا تلفت احدى العينين في المعاوضة الباطلة، و إلا للزم الظلم على المؤجر بأخذ منفعة ماله بغير عوض، لأنه لم يعطها مجانا و إنما أعطاها بأجرة، لكنها من حيث بطلان العقد لم تسلم له، فلا بد من العوض، و المرجع فيه الى العرف المعبر عنه بأجرة المثل، سواء زادت عن المسمى أم نقصت، أم ساوت.
و هذا ظاهر مع الجهل ببطلان العقد، أما مع العلم بالبطلان و أن الأجير لا يستحق بذلك أجرة، و لا يجب على المستأجر دفعها، فان عمل الأجير و الحال هذه يرجع الى التبرع بعمله، فلا يستحق شيئا بالكلية، كمن خاط ثوبا لشخص بغير إذنه بالأجرة، فإنه لا حق له شرعا، و لو دفع المالك له شيئا، و الحال هذه فإنه يكون من قبيل سائر العطايا التي يستحق صاحبها الرجوع فيها مع بقاء العين، و عدم الرجوع مع الإتلاف، لأنه سلطه عليه باختياره كما صرحوا به في أمثاله.
و الظاهر أن الأجير العالم كالغاصب في تصرفه، فيترتب عليه الضمان، بل قيل: ان المفهوم من كلامهم الضمان مع الجهل أيضا، و هو مشكل من حيث الجهل، و اعتقاد صحة العقد، و أنه إنما قبض بعقد صحيح، ظاهرا- في اعتقاده و ظهور فساده لا يكون موجبا لذلك، فإنه غير مكلف بما في الواقع و نفس الأمر، من صحة أو بطلان أو تحليل أو تحريم أو طهارة أو نجاسة أو نحو ذلك.
و نقل في المسالك عن الشهيد: أنه استثنى عن أصل الحكم المذكور ما لو
575
كان الفساد باشتراط عدم الأجرة في العقد أو متضمنا له كما لو لم يذكره أجرة فإنه حينئذ يقوى عدم وجوب الأجرة لدخول العامل على ذلك قال: و هو حسن، أقول: لقائل أن يقول بالنسبة إلى الصورة الأولى و هو اشتراط عدم الأجرة كأن يقول آجرتك نفسي لأعمل لك كذا و كذا بغير أجرة، ان مرجع هذا الكلام الى التبرع بالعمل، فلا أثر لقبول المستأجر و لا إذنه الذي هو شرط في صحة العقد، و أيضا فإن هذا الشرط مناف لمقتضى معنى آجرتك كما تقدم في تعريف الإجارة من أنها عقد ثمرته تمليك المنفعة الخاصة بعوض، أو عبارة عن نفس الثمرة، فالأظهر أنه ليس بعقد فاسد، بل اذن في العمل بغير أجرة، و الا فلا معنى لهذا اللفظ بل لا يمكن أن يتلفظ به عالم، عاقل الا أن يقصد التجوز بلفظ آجرتك، و إخراجه عن معناه، و هذا بحمد الله تعالى ظاهر.
و أما بالنسبة إلى الصورة الثانية و هي ترك ذكر الأجرة، فإنه يمكن أن يقال: ان ترك ذكرها لا يدل على الرضا بعدمها، بل هو أعم إذ قد يكون لنسيان أو جهل أو اعتقاد أنه معلوم مقرر أو أنه ينصرف إلى العادة و العرف، و يؤيده أن الأصل عدم التبرع، و لهذا حكموا مع عدم صحة العقد بأجرة المثل، بناء على ذلك حتى يعلم المخرج عنه بدليل.
و بالجملة فإن الترك أعم و العام لا دلالة على الخاص، و في المسالك بعد أن نقل عن الشهيد ما قدمنا ذكره قال: و ربما استشكل الحكم فيما لو كانت الإجارة متعلقة بمنفعة عين كدار مثلا، فاستوفاها المستأجر بنفسه، فان اشتراط عدم العوض إنما كان في العقد الفاسد الذي لا أثر لما تضمنه من التراضي فحقه وجوب أجرة المثل، كما لو باعه على أن لا ثمن عليه.
ثم أجاب بأنه مع اشتراط عدم الأجرة في الصورة المذكورة يكون ذلك من قبيل العارية دون عقد الإجارة، قال: فإن الإعارة لا يختص بلفظ مخصوص، بل و لا يتوقف على لفظ مطلقا، و لا شك أن اشتراط عدم الأجرة صريح في الأذن
576
في الانتفاع بغير عوض، فلا يترتب عليه ثبوت عوض أجرة.
أقول: و هذا إيراد آخر على القول المذكور من غير الجهة التي قدمنا ذكرها، ثم انه قال: أما لو كان مورد الإجارة منفعة الأجير فعمل بنفسه مع فسادها، توجه عدم استحقاقه بشيء ظاهر، لأنه متبرع بالعمل، و هو المباشر لإتلاف المنفعة، ثم أنه أورد على ذلك ما لو كان عمله بأمر المستأجر فإنه يستحق أجرة المثل من حيث الأمر، كما في كل أمر يعمل، نعم لو كان عمله بغير سؤال المستأجر و أمره فإنه لا يستحق شيئا بالكلية، لتحقق التبرع حينئذ.
أقول: الظاهر أن هذا الإيراد و ما اشتمل عليه من التفصيل بين أمر المستأجر و عدمه انما يتم في الصورة الثانية، و هو عدم ذكر الأجرة في العقد نفيا و لا إثباتا، و الا ففي صورة اشتراط عدم الأجرة فإنه و ان أمره المستأجر و أذن له الا أنه لا أثر له مع اشتراطه على نفسه عدم الأجرة الراجع الى كونه متبرعا بالعمل كما عرفت.
ثم انه قال في المسالك بعد ذلك: فان قلت: أي فائدة في تسميته عقدا فاسدا مع ثبوت هذه الأحكام و إقامته مقام العارية، قلت: فساده بالنسبة إلى الإجارة بمعنى عدم ترتب أحكامها اللازمة لصحيح عقدها، كوجوب العمل على الأجير و نحوه، لا مطلق الأثر، انتهى.
التاسعة [في كراهة استعمال الأجير قبل مقاطعته]:
قد صرح الأصحاب بأنه يكره استعمال الأجير قبل أن يقاطعه، و الظاهر أنه لا خلاف فيه، و يدل عليه من الأخبار ما رواه
في الكافي و التهذيب عن مسعدة بن صدقة في الموثق (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من كان يؤمن بالله تعالى و اليوم الآخر فلا يستعملن أجيرا حتى يعلمه ما أجره» الحديث.
و عن سليمان بن جعفر الجعفري في الصحيح (2) قال: «كنت مع الرضا (عليه السلام) في بعض الحاجة و أردت أن أنصرف الى منزلي، فقال لي: انطلق معي فبت عندي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 289 ح 4، التهذيب ج 7 ص 211 ح 11، الوسائل ج 13 ص 245 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 288 ح 1، التهذيب ج 7 ص 212 ح 12، الوسائل ج 13 ص 245 ح 2.
577
الليلة، فانطلقت معه فدخل الى داره مع المعتب فنظر الى غلمانه يعملون بالطين أواري الدواب و غير ذلك، إذا معهم أسود ليس منهم، فقال: ما هذا الرجل معكم؟ قالوا: يعاوننا و نعطيه شيئا قال: قاطعتموه على أجرته؟ فقالوا: لا، هو يرضى منا بما نعطيه، فأقبل عليهم يضربهم بالسوط، و غضب لذلك غضبا شديدا فقلت: جعلت فداك لم تدخل على نفسك، فقال: انى نهيتهم عن مثل هذا غير مرة أن يعمل معهم أحد حتى يقاطعوه على أجرته: و اعلم أنه ما من أحد يعمل لك شيئا من غير مقاطعة ثم زدته لذلك الشيء ثلاثة أضعاف على أجرته إلا ظن أنك نقصت أجرته فإذا قاطعته ثم أعطيته حمدك على الوفاء، فان زدته حبة عرف ذلك لك و رأى أنك قد زدته».
و أنت خبير بأن ظاهر هذين الخبرين إنما هو التحريم، إلا أنهم (عليهم السلام) كثيرا ما يؤكدون في النهي عن المكروهات بما يوهم إلحاقها بالمحرمات، و في المستحبات بما يكاد يدخلها في حيز الواجبات، و على هذا فربما يستفاد من الخبر الثاني جواز الضرب على فعل المكروه، و يحتمل أن يقال: ان ذلك و إن كان مكروها إلا أنه من حيث مخالفة أمر المولى حيث أنه (عليه السلام) نهاهم عن ذلك مرارا كان ما فعلوه محرما، فيجوز التأديب عليه بلا إشكال.
بقي الكلام في أنه في الشرائع عد من جملة ما يكره هنا تضمينه، إلا مع التهمة، حيث قال: و يكره أن يستعمل الأجير قبل أن يقاطعه على الأجرة، و أن يضمن إلا مع التهمة، و الأول من هذين الفردين قد عرفت الكلام فيه.
و أما الثاني فهو لا يخلو من الإجمال الموجب لتعدد الاحتمال، و لهذا قال في المسالك: فيه تفسيرات: الأول: أن يشهد شاهدان على تفريطه، فإنه يكره تضمينه للعين إذا لم يكن متهما.
الثاني: لو لم يقسم عليه بينة، و توجه عليه اليمين يكره تحليفه ليضمنه كذلك.
578
الثالث: لو نكل عن اليمين المذكورة و قضيناه بالنكول حينئذ كره تضمينه كذلك.
الرابع: على تقدير ضمانه و ان لم يفرط كما إذا كان صائغا على ما سيأتي يكره تضمينه حينئذ مع عدم تهمته بالتقصير.
الخامس: أنه يكره له أن يشترط عليه الضمان بدون التفريط على القول بجواز الشرط.
السادس: لو أقام المستأجر شاهدا عليه بالتفريط كره أن يحلف معه ليضمنه مع عدم التهمة.
السابع: لو لم يقض بالنكول يكره له أن يحلف ليضمنه كذلك.
و الأربعة الأول سديدة، و الخامس مبني على صحة الشرط، و قد بينا فساده و فساد العقد به، و الأخيران فيهما أن المستأجر لا يمكنه الحلف إلا مع العلم بالسبب الذي يوجب الضمان، و مع فرضه لا يكره تضمينه، لاختصاص الكراهة بعدم تهمته فكيف مع تبين ضمانه، انتهى.
أقول: لا يخفى ان الكراهة حكم شرعي يتوقف على الدليل كالوجوب و التحريم و الاستحباب، و متى ثبت للإنسان حق شرعي بالبينة أو اليمين أو النكول أو نحو ذلك لا وجه لكونه يكره له أخذه من غير دليل، يدل على ذلك و به يظهر ما في أكثر هذه المواضع المعدودة.
و الأظهر عندي هو حمل ذلك على الصائغ و القصار و نحوهما ممن يعطى الأجرة ليصلح فيفسد أو يتلف، فان الروايات قد اختلف في تضمينهم مع دعوى التلف، و عدم التفريط في الإفساد فأكثر الأخبار على تضمينهم مع التفريط.
و جملة من الأخبار قد فصلت بين كونه مأمونا فلا ضمان عليه، و متهما فضمنه، و بعض الأخبار يدل على عدم التضمين مطلقا، و طريق الجمع بين الجميع كراهة التضمين إلا مع التهمة، و سيأتي تحقيق الكلام في ذلك إنشاء الله تعالى،
579
و بسط الأخبار و الأقوال في المطلب الثالث في الأحكام.
و أما قوله: ان الخامس مبني على صحة الشرط، و قد بينا فساده، ففيه إنا قد بينا صحته بما هو ظاهر للناظر، كما تقدم في الموضع الخامس من المطلب الأول، إلا أن فيه ما عرفت من أن مجرد صحته و جوازه لا يستلزم الكراهة، بل الأصل صحته و جوازه من غير كراهة كغيره من الأمور الجائزة المباحة حتى يقوم دليل على الكراهة، و الله سبحانه العالم.
العاشرة [في تملك المنفعة بنفس العقد كتملك الأجرة]:
قد صرحوا بأن المنفعة تملك بنفس العقد، كما تملك الأجرة، و وجهه ظاهر مما تقدم في المسئلة الثانية من مسائل هذا المطلب، من اقتضاء صحة المعاوضة و لزومها نقل الملك في كل من العوضين من أحدهما إلى الآخر كالبيع، و سائر عقود المعاوضات اللازمة و الإجارة من جملتها، فالمنفعة هنا منتقل إلى المستأجر بنفس العقد، و ان كان انما يستوفيها تدريجا و شيئا فشيئا و هو غير مناف للملك، إذ لا يشترط في التمليك وجود المملوك، و ملك المستأجر لها هنا على حسب ملك الموجر لها، فإنه لا إشكال في أنه مالك لمنفعة نفسه، و ليس ذلك إلا باعتبار صحة تصرفه فيها كتصرفه في العين بالنقل الى غيره، فكذا المستأجر باعتبار صحة استيفائها و نقلها الى غيره، و نحو ذلك من لوازم الحقوق المالية.
و بالجملة فإن ملك المستأجر لها على حسب ملك الموجر لها، و لم يخالف في ذلك الا بعض العامة، حيث زعم أن المستأجر لا يملك المنفعة بالعقد، لأنها معدومة، بل يملكها على التدريج شيئا فشيئا بعد وجودها، و حدوثها على ملك الموجر، و جعل ملك الأجرة تابعا لملك المنفعة، فلا يملكها المؤجر إلا تدريجا كذلك، و ضعفه أظهر من أن يخفى، و كما يملك الموجر الأجرة بمجرد العقد كذلك يملك المستأجر المنفعة بمجرده، و لا فرق بينهما إلا بأن تسليم الأجرة موقوف على دفع العين المستأجرة إن وقع الاستيجار على منفعة تلك العين، أو إتمام العمل إن وقع على العمل كما تقدم، و المنفعة يجب تسليمها مع الطلب
580
بتسليم العين التي يراد الانتفاع بها إن كان كذلك، أو عمل الأجير إن كان الاستيجار على عمله.
قيل: و يمكن جواز منع كل واحد منها عما في يد صاحبه الذي انتقل اليه حتى يتسلم حقه، كما قيل في البيع و الشراء، و هذا في غير العمل، كالعين المستأجرة للانتفاع من دار و دابة و نحوهما، أما العمل كالخياطة فإنه يجب عليه العمل، و لا يجب تسليم الأجرة اليه إلا بعد كماله، و الفرق بينهما أن العمل مقدور للعامل، فيعمل ثم يأخذ حقه، بخلاف المنفعة فإنها إنما تستوفي باستعمال المستأجر مع مضي الزمان، و ليس على المؤجر إلا تسليم العين و قد فعل، فيترتب عليه وجوب دفع الأجرة، و حينئذ فيمكن ما ذكره، إلا أنك قد عرفت ما فيه في كتاب البيع، و قد تقدمت الإشارة إليه أيضا في المسئلة السابقة من مسائل هذا المطلب.
الحادية عشر [في اشتراط اتصال مدة الإجارة بالعقد و عدمه]:
قيل: يشترط اتصال مدة الإجارة بالعقد، فلو أطلق أو عين شهرا متأخرا عن العقد بطل العقد، و هو منقول عن المبسوط و الخلاف، و عن أبى الصلاح متابعة الشيخ في الفرد الثاني، و نقل عن الشيخ الاحتجاج على ما ذكره في كل من الفردين بأن عقد الإجارة حكم شرعي، و لا يثبت إلا بدلالة شرعية، و ليس على ثبوت الإجارة في الموضعين المذكورين دليل، فوجب أن لا يكون صحيحا.
و احتج أبو الصلاح- على الموضع الذي تبع فيه الشيخ- بأن صحة الإجارة تتوقف على التسليم.
و أجيب عن حجة الشيخ بأن الدليل موجود، و هو الأدلة العامة كتابا و سنة على وجوب الوفاء بالعقود، و الأصل، و عن حجة أبي الصلاح بالمنع من توقف الصحة في مطلق الإجارة على التسليم، بل هو عين المتنازع، و محل البحث سيما مع ما عرفت من أصالة الصحة، و عموم الأدلة الدالة على الصحة حتى يقوم دليل
581
على خلاف ذلك.
و أورد على هذا القول في المسالك أيضا بأن شرط الاتصال يقتضي عدمه، لأن كل واحد من الأزمنة التي تشتمل عليها مدة الإجارة معقود عليه، و ليس متصلا منها بالعقد، سوى الجزء الأول و متى كان اتصال باقي الأجزاء غير شرط، فكذا اتصال الجميع، انتهى، و ظني ضعفه، فان الزمان المشترط في العقود المحدد عندهم بتعيين زمان الابتداء و الانتهاء أمر واحد لا تعدد فيه، و اتصاله و انقطاعه إنما هو بالنظر الى طرفيه لا إلى أجزائه المركب منها، و الا لم يتم وصفه بالاتصال أو الانقطاع كما لا يخفى، و بالجملة فإني لا يظهر لي وجه صحة ما أورده، و المشهور هو الجواز مع عدم الاتصال، و هو الأظهر لما عرفت.
أما مع الإطلاق فيبتني على ما سيأتي في القول الثاني و قيل: ان الإطلاق يقتضي الاتصال، فلو لم يعين مبدأ اقتضى العقد كون ابتدائها متصلا بالعقد، فيكون أولها من آخر العقد، لأنه مقتضى العرف، حتى ادعى بعضهم بأنه صار وضعا عرفيا، فكأنه قال آجرتك شهرا يكون أوله حين الفراغ من العقد، و هو جيد ان ثبت ما ادعوه من دلالة العرف على ما ذكروه، و إلا بطل للجهالة، و ظاهر جملة من الأصحاب كالمختلف و المسالك ذلك، و هو يؤذن بالشك في دلالة العرف على ما ادعوه، قال في المسالك: و الأقوى الجواز مع الإطلاق، إن دل العرف على اقتضائه الاتصال، و نحوه في المختلف.
و أما القول بأن الإطلاق يقتضي الاتصال مطلقا كما يظهر من عبارتي الشرائع و الإرشاد، ففيه أنه أعم من ذلك، و العام لا يدل على الخاص، الا أن يكون هناك قرينة على إرادته فلا نزاع.
و بالجملة فالقول بذلك على إطلاقه ضعيف، و أضعف منه دعوى الجواز مع الإطلاق مطلقا، كما يظهر من ابن إدريس، و ابن البراج، قال في المختلف:
582
قال الشيخ: إذا استأجر الدار شهرا و لم يقل من هذا الوقت و أطلق بطلت، و قال ابن البراج و ابن إدريس: بجوازه، و التحقيق أن نقول ان كان العرف في الإطلاق يقتضي الاتصال، فالحق ما قاله ابن البراج، و ان كان لا يقتضيه فالحق ما قاله الشيخ، لحصول الجهالة على التقدير الثاني دون الأول، انتهى و هو جيد.
و احتمل المحقق الأردبيلي في صورة الإطلاق مع عدم اقتضاء العرف الاتصال الصحة أيضا و قال: يحتمل الصحة و الاختيار الى العامل ما لم يؤد الى التأخير المخل عرفا مثل أن يستأجر العمل من دون تعيين، و الأصل و عموم الأدلة دليله، ثم قال: و كذا لا يبعد البطلان مع الإطلاق، و مع اقتضائه الاتصال أو القيد إذا كان المنفعة بعد العقد مستحقة للغير، لأنه كإجارة المستأجرة، و يحتمل في الإطلاق كون الابتداء بعد خروج تلك المدة خصوصا مع جهل الموجر، فينصرف كون أولها إلى المدة التي تجوز إجارته، عملا بمقتضى عموم أدلة صحة الإجارة، و أصل عدم اشتراط كون أولها من حين العقد، و خرج ما لم تكن تلك المدة مستحقة، باقتضاء العرف مع الإمكان، و بقي الباقي فتأمل انتهى.
أقول: هذا ملخص كلامهم في هذه المسئلة و أنت خبير بأني لم أقف على نص في هذا المقام، لا في أصل المسئلة، و لا في شيء من فروعها، الا أن الظاهر من جملة من الروايات الواردة في نكاح المتعة، هو أن الإطلاق يقتضي الاتصال.
ففي رواية أبان بن تغلب (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) كيف أقول إذا خلوت بها، قال تقول: أتزوجك متعة على كتاب الله تعالى و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) لا وارثة، و لا موروثة كذا و كذا يوما، و إن شئت كذا و كذا سنة بكذا و كذا درهما، و تسمى من الأجر ما تراضيتما عليه، قليلا كان أو كثيرا فإذا قالت:
نعم فهي امرأتك، و أنت أولى الناس بها».
الحديث.
و في رواية هشام بن سالم (2) قال: قلت: كيف نتزوج المتعة قال: تقول:
____________
(1) الكافي ج 5 ص 455 ح 3، التهذيب ج 7 ص 265 ح 70 الوسائل ج 14 ص 466 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 455 ح 5، التهذيب ج 7 ص 265 ح 70 الوسائل ج 14 ص 466 ح 3.
583
يا أمة الله أتزوجك كذا و كذا يوما بكذا و كذا درهما فإذا مضت تلك الأيام كان طلاقها في شرطها».
و في معناها رواية أخرى له أيضا و نحوها روايات آخر أيضا و التقريب فيها أنها على تعددها قد اشتركت في إطلاق العقد، و عدم ذكر الاتصال مع حكمهم (عليهم السلام) بصحة العقد، و ترتب الأحكام عليه، فلو لا أن الإطلاق يقتضي الاتصال لما حكموا (عليهم السلام) بالصحة في ذلك، سيما رواية أبان و قوله فيها فإذا قالت: نعم فهي امرأتك فإنها صريحة في أنه بعد تمام العقد تترتب المنفعة، و حل النكاح، و من المعلوم أن دائرة النكاح أضيق من الإجارة، لما تكاثر في الأخبار من الحث على الاحتياط في الفروج لما يترتب عليه من النسل الى يوم القيمة، و هم قد اعترفوا بأن دائرة الإجارة أوسع من البيع، فكيف النكاح، و المتعة في التحقيق من قبيل المستأجرة كما يشير إليه جملة من أحكامها، و به يظهر قوة ما قدمنا نقله عن الفاضلين، و يمكن حمل كلام ابن البراج و ابن إدريس عليه بأنهما إنما جوزا العقد مع الإطلاق لذلك، و ان لم يصرحا كما صرح المحقق، و ما ادعوه من الجهالة على تقدير الإطلاق ليس في محله، و كذا ما قيل: من أنه عام و العام لا يدل على الخاص، فان الجميع لا تعويل عليه، بعد ما عرفت من دلالة النصوص على ما ذكرنا، و مما يؤيد القول المشهور من الصحة لو عين شهرا متأخرا عن العقد ما ورد مثله في المتعة أيضا في
رواية بكار بن كردم (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يلقى المرأة فيقول لها: زوجيني نفسك شهرا و لا يسمى الشهر بعينه، ثم يمضي فيلقاها بعد سنين، قال، فقال له شهره ان كان سماه، و ان لم يكن سماه فلا سبيل له عليها،.
و هي صريحة في المراد، و الله سبحانه العالم.
الثانية عشر [لزوم الأجرة مع التسليم و لو لم ينتفع المستأجر منها]:
إذا أسلم المؤجر العين المستأجرة للانتفاع بها و مضت مدة يمكن الانتفاع فيها، و استيفاء المنفعة و لم ينتفع المستأجر بها لزمت الأجرة،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 466 ح 4، التهذيب ج 7 ص 267 ح 75.
584
للزوم العقد، و تسليم الموجر، و إنما التقصير في ترك الانتفاع من المستأجر، و يؤيد ذلك ما رواه
في الفقيه و الكافي عن إسماعيل بن الفضل (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل استأجر من رجل أرضا فقال آجرتها كذا و كذا على أن أزرعها فان لم أزرعها أعطيك ذلك، فلم يزرع الرجل فقال: له أن يأخذه بماله، ان شاء ترك، و إن شاء لم يترك».
قالوا: و لا فرق في ثبوت الأجرة عليه بالتسليم، و مضى المدة المذكورة بين كون الإجارة صحيحة أو فاسدة، بناء على القاعدة المشهورة عندهم من أن كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، و لكن مع الفساد يلزم أجرة المثل عما فات من المنافع في يده.
قالوا: و في حكم التسليم ما لو بذل العين فلم يأخذها المستأجر حتى مضت المدة التي يمكن الاستيفاء فيها، فإنها تستقر الأجرة، الا أنه لا بد من تقييده بالصحيحة، و الوجه فيه من حيث عدم القبض و ظهور بطلان الإجارة، و استقرار الأجرة في الصحيح أو المثل إنما يثبت من حيث صحة العقد الموجب لذلك، و هو هنا غير حاصل قالوا و إذا استأجره لقلع ضرسه فمضت المدة التي يمكن إيقاع ذلك فيها، فلم يقلعه المستأجر استقرت الأجرة، أما لو زال الألم عقيب العقد سقطت الأجرة، و الوجه في الأول ظاهر، لأن الأجير سلم نفسه للعمل، و امتنع المستأجر من غير عذر، فإن الأجرة تستقر بالعقد و التمكين، و الوجه في الثاني بطلان الإجارة بالبرء و زوال الألم، لأن متعلق الإجارة الموجب للصحة هو تحصيل المنفعة و اللازم هنا إنما هو الضرر بإدخال الألم المنهي عنه شرعا و عرفا، فلا يصح الاستيجار هنا كما لا يصح الاستيجار على قطع يده من غير سبب موجب لذلك، نعم لو كان ثمة سبب كما إذا كانت مستأكل يخاف من سريان الضرر الى الصحيح منها، فإنه يجوز و الله سبحانه العالم.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 265 ح 7، الفقيه ج 3 ص 155 ح 5 مع اختلاف يسير الوسائل ج 14 ص 490 ح 1 و ج 13 ص 258 ح 1.
585
الثالثة عشر [في عروض تلف العين أو نقصان المنفعة]:
لو استأجر شيئا فعرض له التلف فاما أن يكون للجميع أو البعض قبل القبض أو بعده أو لم يعرض له التلف، و لكن عرض له نقصان في المنفعة أو عرض له ما يوجب زوال المنفعة كلها.
فههنا صور: الأولى: أن تتلف العين المستأجرة لاستيفاء المنافع منها قبل القبض، و لا إشكال في بطلان الإجارة، لأن استيفاء المنفعة أحد العوضين، فإذا فات قبل قبضه بطل كما في البيع، فاستيفاء المنفعة هنا كالقبض في البيع، كما أن استيفاء البعض كقبض بعض المبيع.
الثانية: ان تتلف العين بعد القبض و قبل استيفاء شيء عن المنافع، و الحكم كما تقدم من بطلان الإجارة، لفوات أحد العوضين.
الثالثة: أن يكون التلف بعد القبض و استيفاء بعض المنفعة و الحكم فيها أنه يصح فيما قبضه، و يبطل فيما بقي و مثله ما لو تجدد فسخ الإجارة و الحال كذلك، و يرجع من الأجرة ما قابل المتخلف، و يقسط المسمى على جميع المدة.
قال في المسالك: و حيث يبطل البعض يقسط المسمى على جميع المدة، و يثبت للماضي ما قابله منها، ثم أن كانت متساوية الأجزاء فظاهر، و الا فطريق التقسيط أن يقوم أجرة مثل جميع المدة ثم تقوم الأجزاء السابقة على التلف و ينسب الى المجموع فيؤخذ من المسمى بتلك النسبة.
الرابعة: أن يتلف بعض العين خاصة فالحكم في التالف كما تقدم و يتخير عندهم في الباقي بين الفسخ لتبعيض الصفقة و بين إمساك الحصة بقسطها من الأجرة.
الخامسة: لو لم يتلف شيء منها و لكن نقصت المنفعة بحدوث عيب كان ينقص ماء الأرض و ماء الرحى أو عرجت الدابة أو مرض الأجير أو نحو ذلك، و الحكم أنه يثبت الفسخ للمستأجر كما هو المشهور.
قال ابن البراج: إذا استأجر رحى و آلتها و قل الماء الى ان أضر ذلك بالطحن، و هو يطحن على ذلك نظرت في الضرر، فان كان ضررا فاحشا كان له
586
ترك الإجارة، و ان كان غير فاحش، كانت الإجارة لازمة له، قال في المختلف:
بعد نقل ذلك عنه، و الأجود ان له الفسخ، سواء كان الضرر فاحشا أو غير فاحش، لأنه يتضرر،
و قد قال (عليه السلام) (1) «لا ضرر و لا ضرار».
ثم أنه قال: فإن استأجر رحى بآلتها فانكسر أحد الحجرين أو الدوارة كان له فسخ الإجارة، فإن عمل صاحب الرحى ما انكسر من ذلك و فسد قبل الفسخ لم يكن له بعد ذلك الفسخ، و لكن يرفع عنه من الأجير بحساب ذلك، فان اختلفا في مبلغ العطلة كان القول قول المستأجر الا أن ينكر الموجر ذلك، و الأجود أن له الفسخ بتبعض الصفقة، انتهى.
السادسة: ما لو عرض له ما يوجب زوال المنفعة كما لو استأجر أرضا للزراعة الا أنه قد استولى عليها الماء بحيث لا ينحسر عنها مدة يمكن فيها الزراعة، و الظاهر أنه لا إشكال في بطلان الإجارة، لأن من شروط الإجارة ان يكون للعين نفع يترتب عليها، فكأنه استأجر ما لا نفع فيه، فهو تضييع للمال و لو كانت مما ينقطع عنها الماء أحيانا، فإن علم مقدار ما ينقطع عنها الماء، و تصلح للزراعة، فالظاهر أنه لا إشكال في الصحة، و إلا فلا للجهالة الموجبة للغرر، و الله سبحانه العالم.
الرابعة عشر [في اشتراط تعيين المحمول بالمشاهدة أو الكيل أو الوزن]:
قالوا: يشترط تعيين المحمول بالمشاهدة أو الكيل أو الوزن و المراكب و المحمل و قدر الزاد، و ليس له البدل مع الفناء الا بالشرط، و مشاهدة الدابة المركوبة أو وصفها و تعين وقت المسير ليلا أو نهارا.
أقول: تفصيل البحث في هذه الجملة هو أن يقال، لا ريب في معرفة هذه المذكورات و تعيينها لترتفع بذلك الجهالة الموجبة للغرر الموجب للبطلان في العقود، فأما بالنسبة إلى المحمول على الدابة، فلا بد في اعتباره بأحد الثلاثة المذكورة في كل ما يناسبه، الا أن بعض محققي المتأخرين صرح بأنه لا يكفي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 292 ح 2، التهذيب ج 7 ص 164 ح 4، الفقيه ج 3 ص 45 ح 2، الوسائل ج 17 ص 341 ح 3.
587
ذلك على الإطلاق كما هو ظاهر كلامهم، فأوجب في المشاهد امتحانه باليد تخمينا لوزنه ان كان في ظرف، لما في الأعيان من الاختلاف في الثقل و الخفة مع التفاوت في الحجم، و أوجب في المعتبر بأحد الأمرين الآخرين أنه لا بد من ذكر جنسه، للاختلاف الفاحش باختلاف الأجناس، و ان اشتركت في كونها مكيلة أو موزونة قال: فان القطن معتبر من جهة انتفاخه و دخول الريح فيه فيزداد ثقله في الهواء و الحديد يجتمع على موضع من الحيوان، فربما عقره، و تحميل بعض الأجناس أصعب من بعض، و الحفظ في بعضها كالزجاج أصعب، و ملخص الكلام في ذلك هو أنه لما كان الضابط التوصل في معرفة المجهول إلى ما يرفع الجهالة، فلا بد من ذكر الجنس مع التقدير بأحد الأمرين المذكورين، ليرتفع الجهالة بحذافيرها و هو حسن.
و أما بالنسبة إلى المراكب و المحمل فللاختلاف بالثقل و الخفة فلا بد في الراكب من الاعتبار بالمشاهدة أو الوزن مع عدمها، قالوا: و في الاكتفاء فيه بالوصف من فخامة و ضحامة و طول و قصر و نحو ذلك وجهان أجودهما ذلك مع افادته للوصف التام الرافع للجهالة، و لا بد في المحمل بكسر الميم الثانية كمجلس، واحد المحامل، و هو شقان يوضعان على البعير، يجلس فيهما المتعادلان، من الاعتبار بالمشاهدة، أو الوزن مع ذكر الطول و العرض، لاختلافها في السهولة و الصعوبة، الا أن يكون متعارفا معلوما لا جهالة فيه فيصرف إليه الإطلاق، و كذا الحكم أيضا في الآلات التي يصحبها المسافر، كالقربة و السفرة، و الإداوة و نحو ذلك، فإنه لا يكفي مجرد ذكرها، بل لا بد من معرفة قدرها و جنسها الا مع جريان العادة بالحمل من غير مضايقة في ذلك.
و أما بالنسبة إلى الزاد فلما عرفت أيضا فلا بد من تعيين قدره، لترتفع الجهالة و أما أنه ليس له بدله بعد الفناء الا مع الشرط، فان المتبادر من الزاد هو ما يستغنى به المسافر في طريقه و يكفيه و هو قد اشترطه، و المراد بفنائه يعنى بالأكل
588
المعتاد، و حينئذ لو فنى و الحال هذه فإنه ليس له إبداله، لأن مرجع تقصيره الى فعله بنفسه، أما لو كان فناه بنحو آخر كضيافة غير معتادة أو أكل غير معتاد أو سرقة أو سقط منه في الطريق فإنهم صرحوا بان له إبداله تنزيلا للإطلاق على المعتاد المتعارف، و يكون حكم البدل حكم المبدل في ذلك، هذا كله مع عدم شرط الأبدال، و إلا فلا إشكال في الأبدال عملا بالشرط المذكور.
و أما بالنسبة الى مشاهدة الدابة أو وصفها مع عدم المشاهدة فلما في عدم ذلك من الجهالة لما علم من اختلاف الدواب في القوة و الضعف و الحزونة و السهولة و زاد بعضهم أيضا اشتراط الذكورة و الأنوثة إذا كانت للركوب، فان الأنثى أسهل و الذكر أقوى، قال: و يحتمل العدم، لان التفاوت بينهما يسير فلم يكن معتبرا في نظر الشارع، هذا فيما لو كانت الإجارة معينة.
أما لو كانت في الذمة بمعنى أنه استأجر للحمل على دابة إلى الموضع الفلاني فإنه لا يحتاج إلى وصف، و لا مشاهدة، بل الواجب عليه حمله، و إيصاله إلى الموضع المذكور كيف اتفق على وجه لا يتضرر به، فيضمن مع الضرر.
و أما بالنسبة إلى تعيين وقت السير، فلاختلاف الناس في ذلك الوقت الموجب للجهالة، فإن كانت هناك عادة يبنى عليها في سلوك تلك الطريق وجب الرجوع إليها و اكتفى بها لانصراف الإطلاق إليها، و إلا وجب تعيين الوقت لما ذكرناه.
نعم يشكل التعيين إذا اختلف السير و لم يمكن التعيين إليهما كطريق الحج فان مقتضى تحقيق بيان السير عدم صحة الاستيجار فيها، الا أن يستقر العادة بسير مخصوص في تلك السنة، بحسب ما يناسبها عادة، من السير، و لهذا أنه منع في التذكرة من الاستيجار في الطريق التي ليس لها منازل مضبوطة، إذا كانت مخوفة لا يمكن ضبطها باختيارها، و الله سبحانه العالم.
الخامسة عشر [فيما يتوقف عليه توفية المنفعة على الموجر و المستأجر]:
قد صرح جملة من الأصحاب بأن كلما يتوقف عليه توفية المنفعة فهو على الموجر كالقتب و الزمام و الحزام و السرج أو البردعة في الدابة،
589
و رفع المحمل، و شد الأحمال و حطها، و القائد و السائق إن شرطه مصاحبته، و المداد في الكتابة و الخيوط في الخياطة و نحو ذلك، و علل بتوقف المنفعة الواجبة عليه بالعقد على ذلك فيجب من باب المقدمة، و قيل: ان الواجب على المؤجر انما هو العمل، لأن ذلك هو المقصود من اجارة العين، أما الأعيان فلا تدخل في مفهوم الإجارة على وجه يجب أداءها لأجلها إلا في مواضع نادرة، ثبتت على خلاف الأصل، كالرضاع، و الاستحمام، و الخيوط للخياطة، و الصبغ للصباغة، و الكش للتلقيح، و حينئذ فالأقوى الرجوع الى العرف، فان انتفى أو اضطرب فعلى المستأجر لما عرفت.
أقول: الظاهر هو التفصيل في المقام بأن يقال: ان بعض هذه الأشياء على الموجر بلا اشكال و لا خلاف فيما أعلم، مثل عمارة الحيطان و السقوف و الأبواب و نحو ذلك، في إجارة المساكن، و مجرى المياه و نحو ذلك في إجارة الأرضين، و الرحل و القتب و نحو ذلك مما تقدم في إجارة الدابة، و ضابطه كلما جرت العادة للتوطئة به للركوب و بعضها على المستأجر بغير خلاف يعرف، و لا اشكال يوصف كالحبل لاستقاء الماء، و الدلو و البكرة، و بعض قد وقع الخلاف فيه كالخيوط للخياطة، و المداد للكتابة، و الصبغ للصباغة، و الكش للتلقيح، و قد جزم في الشرائع بأنها على الموجر، و مثله في اللمعة بالتقريب المتقدم، حيث قالا كلما يتوقف عليه توفية المنفعة فعلى الموجر، و مثل له في النهاية من ما قدمنا ذكره في صدر المسئلة، و مثل له في الشرائع بالخيوط في الخياطة و المداد في الكتابة، و ظاهر المسالك و الروضة الرجوع في ذلك الى العرف، فان انتفى أو اضطرب فعلى المستأجر بالتقريب المتقدم، و جزم في الشرائع بدخول المفتاح في إجارة الدار معللا له بأن الانتفاع يتم به، و هذا منه، بناء على ما قدمنا نقله عنه من الكلية.
و فيه أن التعليل بتمامية الانتفاع لا يتم كليا لأنه قد صرح سابقا على هذا الكلام في الشرط الرابع بأنه يلزم مؤجر الدابة كلما يحتاج إليه في إمكان الركوب من الرحل و القتب و آلته و الحزام و الزمام، قال: و في رفع المحمل و شده تردد،
590
أظهره اللزوم، و حينئذ فكيف يتم ما ذكره هنا كليا.
و يؤيده ما صرحوا به من أن المنقول لا يدخل في إجارة الثابت الا مع العادة أو التبعية، و لهذا قال في المسالك بناء على ما قدمنا نقله عنه: عن عدم العمل بالكلية المذكورة، و الأولى التعليل بأنه تابع للغلق المثبت، بل هو كالجزء منه، و هذا بخلاف مفتاح القفل، فلا يجب تسليمه و لا القفل لانتفاء التبعية، انتهى.
ثم انه قد صرح في المسالك بأنه يعتبر القائد و السائق مع العادة لهما، أو لأحدهما، و كذا يجب إعانته على الركوب و النزول، اما برفعه ان كان يمكنه ذلك و هو من أهله، أو ببرك الجمل ان كان عاجزا أو قادرا، و لكن لا تقتضي له العادة بذلك، كالمرأة و الشيخ الكبير و المريض، و لو كان المستأجر قويا يتمكن من فعل ذلك بنفسه لم يجب إعانته، كل ذلك مع اشتراط المستأجر على الأجير المصاحبة أو قضاء العادة بها، أو كانت الإجارة للركوب في الذمة.
أما لو كانت مخصوصة بدابة معينة ليذهب بها حيث شاء و لم يقض العادة بذلك، فجميع الأفعال على الراكب، انتهى و لا بأس به و الله سبحانه العالم.
السادسة عشر [اشتراط المشاهدة أو الوصف لو أجر الدابة لدوران الدولاب]:
لو أجر الدابة لدوران الدولاب افتقر الى مشاهدته، أو وصفه بما يرفع الجهالة، و كذا يشترط معرفة البئر بالمشاهدة أو الوصف ان أمكن، و كذا لا بد من تقدير العمل بالزمان كيوم و نحوه، الا أن يستأجر على أن يملأ بركة معينة معلومة بالمشاهدة أو المساحة.
قالوا: و لا يكفي المشاهدة في سقي البستان عن تعيين الزمان، لحصول الاختلاف بقرب عهده بالماء، و عدمه، و برودة الهواء و حرراته، و لو آجر الدابة لحرث جريب معلوم، فان كانت الإجارة لحرث مدة كفى تعيين المدة و تقديرها، و لا يعتبر معرفة الأرض، و لكن لا بد من تعيين الدابة المستعملة في الحرث إما بالمشاهدة أو الوصف الرافع للجهالة، و الا فلا بد من مشاهدة الأرض أو وصفها.
591
و عن التذكرة: الاعتبار بالمشاهدة، و لم يكتف بالوصف محتجا بأنها تختلف فبعضها صلب، فيصعب حرثه على البقر و مستعملها و بعضها رخو يسهل، و بعضها فيه حجارة يتعلق بها السكة، و مثل هذا الاختلاف انما يعرف بالمشاهدة، دون الوصف، و أنت خبير بما فيه، فان ما ذكره من هذه الأشياء إنما تعرف بالوصف لا المشاهدة، لأن المشاهدة انما تقع على ظاهر الأرض، و هذه الأشياء انما هي في باطنها و الوصف آية عليها، لأن المالك قد يطلع من باطنها على ما لا يظهر بالمشاهدة لظاهرها، فيصفها بذلك.
و بالجملة فإن ما ذكره من الاطلاع على هذه الأشياء لا يظهر بالمشاهدة، و إنما يظهر بالعمل و الحرث في الأرض، و هو فرع صحة الإجارة، و يمكن التوصل الى ذلك باختيارها بالحفر في مواضع من الأرض على وجه يرفع الغرر.
السابعة عشر [فيما يشترط في إجارة الدابة للسير عليها]:
إذا استأجر دابة للسير عليها فهنا أحكام، منها: أنه لو أسرع في السير عليها زيادة على عادة أمثالها بحسب نوعها و وصفها في تلك الطريق، أو ضربها زيادة على العادة، أو كبحها باللجام من غير ضرورة، ضمن، لأن ذلك تعد باعتبار حمل الإطلاق على المعتاد، و ظاهر التذكرة على ما نقل عنها المنع من الضرب مطلقا، حيث حكم بالضمان بالضرب مطلقا محتجا بأن الإذن مشروط بالسلامة، و فيه أن مقتضى الإجارة الوقوف على العادة، و عدم حصول التعدي إلا بتعديها، و الضرب المعتاد لا يستلزم ضمانا.
و المراد بكبح الدابة باللجام جذبها به، لتقف عن السير، قال في الصحاح:
كبحت الدابة إذا جذبتها إليك باللجام، لكي تقف، و لا تجري.
و منها أنه لو مات الدابة انفسخ العقد، ان وقع على دابة معينة، بخلاف ما لو كان المستأجر عليه في الذمة، بمعنى كون الإجارة مطلقة كالاستيجار على الركوب، فإنه يجب عليه ركابه على دابة غيرها الى تمام المقصد، و لا تتعين المطلقة بالتعيين و التسليم بحيث يكون الركوب منحصرا فيها، و لهذا يجوز
592
للمالك تبديلها.
و الظاهر ان تعذر استيفاء المنفعة المشروطة على الوجه المتعارف لمرض أو ضعف أو نحو ذلك في معنى الموت أيضا، فينفسخ الإجارة في صورة التعيين، و يحتمل الأبدال خصوصا مع التراضي، و الظاهر أيضا أنه لا خصوصية للدابة في الصورة المذكورة، بل يجرى الحكم في الراكب و الحمل المعين، فينفسخ العقد بتلفهما، و منه تلف الصبي المرتضع في صورة الاستيجار لارضاعه.
و منها أن ظاهر كلام جملة من الأصحاب أنه لا بد من تعيين الراكب إذا كان الاستيجار للركوب بمشاهدته أو وصفه، و علل باختلاف الأغراض في الراكب.
قال في التذكرة بعد ان اشترط المعرفة بالمشاهدة و نقل عن بعض الشافعية الاكتفاء بالأوصاف الرافعة للجهالة ما صورته: و الأصل في ذلك أن نقول: إذا أمكن الوصف التام القائم مقام المشاهدة كفى ذكره عنها، و الا فلا، ثم أنه يجوز للمستأجر أن يركب غيره إذا كان الاستيجار للركوب من غير تخصيص أحد بكونه هو الراكب، الا أنهم صرحوا بأنه يشترط في الغير الذي له أن يركبه أن يكون مساويا أو أخف، و لو كان أثقل لم يجز إلا بالاذن، و الا كان ضامنا فيأثم و يضمن، و كذا في صورة التخصيص بأحد، لو خالف أثم و ضمن.
أقول: الحكم بما ذكروه في صورة التخصيص ظاهر للمخالفة، و أما في صورة الإطلاق فاشتراط ما ذكروه مشكل،
لصحيحة علي بن جعفر (1) عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل استأجر دابة فأعطاها غيره فنفقت ما عليه؟ قال: ان كان اشترط أن لا يركبها غيره، فهو ضامن لها، و ان لم يسم فليس عليه شيء».
فإنه كما ترى ظاهرة في أنه مع الإطلاق يجوز له إركاب غيره مساويا أو أخف أو أثقل، فإن ترك الاستفصال دليل العموم في المقام، كما
____________
(1) الكافي ج 5 ص 291 ح 7، التهذيب ج 7 ص 215 ح 24، الوسائل ج 13 ص 255 ح 1.
593
هو متفق عليه بينهم، و هي أيضا ظاهرة في عدم ما ذكروه من اشتراط المشاهدة أو الوصف في الراكب كما قدمنا نقله عنهم بالتقريب المذكور، و الظاهر جريان هذه الأحكام المذكورة في استيجار البيت للسكنى من إطلاق و تقييد، و ما يتفرع عليهما بتقريب ما تقدم.
و منها أن الظاهر من كلام جملة من الأصحاب أنه يجب على المستأجر سقي الدابة و علفها فلو أهمل ضمن، بمعنى أن ذلك لازم له من ماله بدون الشرط من غير ان يرجع به على المالك.
و ظاهر جملة منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و المحقق الثاني في شرح القواعد وجوب ذلك على المالك الا مع الشرط، لأن الأصل عدم الوجوب على غيره، ثم ان كان حاضرا معه و الا استأذنه في الإنفاق و رجع عليه أو الحاكم مع تعذره، حسب ما تقدم في الرهن و الوديعة.
و ظاهرهم الاتفاق مع عدم حضور المالك على وجوب قيام المستأجر بذلك، لوجوب حفظ الدابة من حيث كونها نفسا محترمة، و وجوب حفظ مال الغير إذا كان تحت يده، و إنما الخلاف في الرجوع على المالك بالتفصيل المتقدم و عدمه، و المسئلة لا يخلو من اشكال، لعدم دليل واضح من النصوص في هذه المجال، و ان كان القول الثاني لا يخلو من رجحان لتأيده بالأصل، و يمكن أن يستفاد ذلك من صحيحة أبي ولاد الآتية في المقام إنشاء الله تعالى
لقوله (1) (عليه السلام) لما قال السائل إني قد علفته بدراهم فلي عليه علفه، فقال: (عليه السلام) لا انك غاصب».
و مفهومه أنه لو لم يكن غاصبا فان له طلبه من المالك في الصورة المفروضة، لأنه إنما نفي استحقاقه للمطالبة من حيث الغصب، الا أنه لا يخلو من خدش أيضا أقول: و الظاهر أن الكلام في نفقة الأجير كذلك، و سيأتي الكلام في ذلك إنشاء الله تعالى.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 290 ح 6، الوسائل ج 13 ص 255 ح 1.
594
و منها ما إذا استأجر دابة و استوفي حقه منها و أمسكها بعد مضي المدة فهل الواجب عليه ردها و أنه مع إمساكها و عدم ردها يكون ضامنا لها و لنفقتها، أو أنه لا يجب عليه الرد و انما يجب عليه رفع اليد عنها إذا أراد صاحبها استرجاعها؟ قولان: و قد مضى تحقيق الكلام في ذلك في الموضع الخامس من المطلب الأول من هذا الكتاب.
و منها أنه إذا استأجر دابة إلى موضع معين فتجاوز الى ما زاد عليه فعليه أجرة المثل في الزيادة، و ضمان العين ان تلفت، و الأرش ان نقصت، لأنه غاصب و ليس له الرجوع بما أنفق عليها مدة الغصب، و لو اختلفا في القيمة فالقول قول المالك مع يمينه، أو بينته، و الأصل في هذه الأحكام ما رواه
في الكافي في الصحيح عن أبى ولاد (1) قال: «اكتريت بغلا الى قصر ابن هبيرة ذاهبا و جائيا بكذا و كذا، و خرجت في طلب غريم لي فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبرت أن صاحبي توجه الى النيل فتوجهت نحو النيل، فلما أتيت النيل خبرت أنه قد توجه الى بغداد، فأتبعته فلما ظفرت به و فرغت مما بيني و بينه رجعت الى الكوفة، و كان ذهابي و مجيء خمسة عشر يوما فأخبرت صاحب البغل بعذري و أردت أن أتحلل منه ما صنعت، و أرضيه فبذلت له خمسة عشر درهما فأبى أن يقبل فتراضينا بأبي حنيفة، فأخبرته بالقصة و أخبره الرجل، فقال لي: و ما صنعت بالبغل؟ قلت: قد دفعته اليه سليما، قال: نعم بعد خمسة عشرة يوما، قال: فما تريد من الرجل قال: أريد كرى بغلي فقد حبسها خمسة عشر يوما، فقال: لا أرى لك حقا لأنه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة فخالف و ركبه الى النيل، و الى بغداد، فضمن قيمة البغل، و سقط الكرى، فلما رد الرجل البغل سليما و قبضته لم يلزمه الكرى، قال: فخرجنا من عنده و جعل صاحب البغل يسترجع، فرحمته بما أفتى به أبو حنيفة و أعطيته شيئا و تحللت منه، و حججت في تلك
____________
(1) الكافي ج 5 ص 290 ح 6، التهذيب ج 7 ص 215 ح 25، الوسائل ج 13 ص 255 ح 1.
595
السنة فأخبرت أبا عبد الله (عليه السلام) بما أفتى به أبو حنيفة فقال: لي في مثل هذا القضاء و شبهه تحبس السماء مائها، و تمنع الأرض بركتها، قال: فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
فما ترى أنت قال: أرى أن له عليك مثل كرى البغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل، و مثل كرى البغل راكبا من النيل الى بغداد، و مثل كرى البغل من بغداد إلى الكوفة، توفيه إياه، قال: فقلت جعلت فداك: قد علفته بدراهم، فلي عليه علفه؟ قال: لا، لأنك غاصب، فقلت: أ رأيت لو عتب البغل أو نفق أ ليس كان يلزمني، قال: نعم قيمة البغل يوم خالفته، قلت: فإن أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز فقال: عليك قيمة ما بين الصحيح و المعيب يوم ترده عليه، قلت:
فمن يعرف ذلك قال: أنت و هو، إما أن يحلف هو على القيمة فتلزمك، و ان رد اليمين عليك فحلفت على القيمة فيلزمك ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين كرى كذا و كذا فيلزمك، قلت: اني كنت أعطيته دراهم و رضي بها و حللني فقال: إنما رضي بها و حللك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور و الظلم، و لكن ارجع اليه و أخبره بما أفتيك به، فان جعلك في حل بعد معرفته، فلا شيء عليك بعد ذلك، قال: أبو ولاد فلما انصرفت من وجهي ذلك لقيت المكاري و أخبرته بما أفتاني به أبو عبد الله (عليه السلام) و قلت له: قل ما شئت أعطيكه فقال: قد حببت الي جعفر بن محمد (عليه السلام) و وقع في قلبي له التفضيل. و أنت في حل و ان أحببت أن أرد عليك الذي أخذته منك فعلت».
أقول: ما دل عليه الخبر من أن القول في القيمة مع التلف قول المالك بيمينه، خارج عن مقتضى القواعد الشرعية، لأنه مدع، و وظيفته البينة، و مع عدمها فالقول قول المستأجر بيمينه، لأنه منكر، و من ثم اختلف الأصحاب هنا في ذلك، فذهب في النهاية إلى العمل بالخبر، و جعل مقصورا على مورده، و هو الدابة، و ذهب ابن إدريس الى أن القول قول المستأجر لأنه منكر، و لم يفرق بين الدابة و غيرها، و تبعه المتأخرون كالفاضلين و نحوهما غيرهما،
596
و أطرحوا الخبر من البين، و المسئلة لا تخلو من الاشكال، و ان كان ما ذهب اليه الشيخ لا يخلو عن قوة لصحة الخبر، و صراحته، فيخصص به عموم القاعدة المذكورة، كما خصصوها في مواضع عديدة.
و ما تضمنه الخبر من أنه مع التلف يضمن قيمة البغل يوم خالفه يؤيد القول المشهور في المسئلة، و هي ما إذا تعدى في العين المستأجرة فإنه يضمن قيمتها وقت العدوان، تنزيلا له منزلة الغاصب، فإنه يضمن، قيمة المغصوب يوم الغصب.
و قيل، انه يضمن أعلى القيم من حين العدوان إلى حين التلف.
و قيل: قيمتها يوم التلف، و ما أفتى به أبو حنيفة في هذه المسئلة مبني على مذهبه من أنه يملكها بالضمان، فيذهب الضمان بالأجر، و خالفه الشافعي و وافق الإمامية، و انما حكم (عليه السلام) في الخبر بأجرة المثل من الكوفة، لأنه لم يقطع من الطريق المستأجر عليها شيئا، لأنه عدل عنها من قنطرة الكوفة إلى النيل، فلا يستحق من المسمى شيئا، و لو كان قد قطع منها شيئا أخذ من الأجرة بالنسبة.
و في الخبر أيضا دلالة على بطلان الصلح مع عدم تمكنه من أخذ حقه، لأن حقه هنا ثابت شرعا و لكن فتوى أبي حنيفة قد حال بينه و بين أخذه، و هو مما لا خلاف فيه و لا اشكال كما تقدم في كتاب الصلح، و الله سبحانه العالم.
الثامنة عشر [في بيان من عليه أجرة الأجير]:
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب بل و غيرهم في جواز إجارة الآدمي و ان كان على كراهة بالنسبة إلى إجارته نفسه، و قد تقدمت الأخبار الدالة على ذلك في صدر هذا الكتاب، و لا فرق بين الحر و المملوك، و لا بين الذكر و الأنثى، و أنه متى كانت أنثى فالظاهر أنه يحرم على المستأجر منها جميع ما يحرم عليه قبل الإجارة، الا أن العلامة في القواعد و المحقق الثاني في شرحه قد صرحا باستثناء النظر إلى المملوكة بإذن المولى، و استشكل فيه بعض محققي متأخري المتأخرين، لعموم الدليل، فإنه ليس بعقد و لا تملك، الا أن يجعل الاذن تحليلا و هو جيد.
597
و بالجملة فإن عقد الإجارة انما حلل الخدمة و العمل و أباحهما، و أما غيرهما مما هو محرم قبل الإجارة فإنه يبقى على تحريمه و اختلفوا في نفقة الأجير المستأجر للسعي في حوائج المستأجر فقيل: بأنها على الأجير و هو اختيار العلامة في التذكرة و القواعد و شيخنا في المسالك، و هو ظاهر المحقق الأردبيلي أيضا، و هو مذهب ابن إدريس، و علل بأن العقد انما وقع على العمل بأجرة معينة و لم يقتضي العقد سواها، فإدخال غيرها في مقتضى العقد المذكور يحتاج الى دليل، و لا دليل.
نعم لو كان ثمة عادة مستمرة أو قرينة صريحة أو شرط ذلك على المستأجر فلا إشكال في ذلك، و قيل: بأنها على المستأجر الا أن يشترطها على الأجير، و به صرح في الشرائع و الإرشاد و جماعة من الأصحاب أو لهم النهاية و علل باستحقاق المستأجر جميع منافعه المانع من النفقة، لأنه متى كان زمانه مستوعبا بالعمل للمستأجر لم يبق له زمان يحصل فيه ما يحتاج اليه من النفقة، و رد بأن استحقاق منافعه لا يمنع من وجوب النفقة في ماله الذي من جملته الأجرة.
و استدل ايضا على ذلك بما رواه
الكليني و الشيخ عن سليمان بن سالم (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل استأجر رجلا بنفقة و دراهم مسماة على أن يبعثه إلى أرض، فلما أن قدم أقبل رجل من أصحابه يدعوه إلى منزله الشهر و الشهرين فيصيب عنده ما يغنيه عن نفقة المستأجر، فنظر الأجير الى ما كان ينفق عليه في الشهر إذا هو لم يدعه فكافأه الذي يدعوه، فمن مال من تلك المكافاة؟ أمن مال الأجير أم من مال المستأجر؟ فقال: ان كان في مصلحة المستأجر فهو من ماله، و الا فهو على الأجير، و عن رجل استأجر رجلا بنفقة مسماة، و لم يفسر شيئا على أن يبعثه إلى أرض أخرى فما كان من مؤنة الأجير من غسل الثياب أو الحمام فعلى من؟ قال على المستأجر».
و رده بعض محققي متأخري المتأخرين بضعف السند، بالراوي المذكور، فإنه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 287 ح 2، التهذيب ج 7 ص 212 ح 15، الوسائل ج 13 ص 250 ح 1.
598
مهمل في كتاب الرجال، و عدم الصراحة في المدعى، قال: بل ربما حملت على الشرط، قال في المسالك بعد ذكر القول بالوجوب على المستأجر و الأقوى أنه كغيره لا يجب نفقته إلا مع الشرط و يمكن حمل الرواية مع سلامتها عليه.
أقول: و لعل وجهه أن الاستيجار بالنفقة في قوة شرطها على المستأجر و كيف كان فالرواية المذكورة لما فيه من الإجمال و التدافع فما اشتملت عليه من المقال لا يخلو الاعتماد عليها من الاشكال.
و بيان ذلك أن مقتضى قوله في السؤال الأول، و كذا في الثاني استأجره بنفقته أن ما ينفقه في تلك المدة انما هو من ذلك المبلغ الذي وقع الاستيجار به و جعله المستأجر نفقة له، فلا يستحق الرجوع به لأنه في معنى المشروط على المستأجر، فيكون من مال المستأجر، و مقتضى قوله في السؤال الأول ان كان في مصلحة المستأجر فهو من ماله، هو أن النفقة على المستأجر بمعنى أنه يرجع بها الأجير على المستأجر، لأن حاصل معنى الكلام المذكور أن الأجير بعد أن اضافه ذلك الرجل الذي من أصحابه أراد أن يكافيه، فنظر الى ما ينفقه على نفسه في تلك المدة لو لم يضفه، فدفعه إلى ذلك الرجل مكافأة له، و الامام (عليه السلام) حكم بأنه ان كان جلوسه في الضيافة لمصلحة المستأجر فما دفعه مكافأة على المستأجر يرجع به عليه، و الا فهو على الأجير، بمعنى أنه لا يرجع به، و هو و ان كان ظاهرا فيما ادعاه المستدل بالرواية، إلا انه ينافيه ما تقدم في صدر الخبر من أنه استأجره بنفقة و دراهم، فان الظاهر أن المعنى فيه أنه استأجره بشيء ينفقه على نفسه، و دراهم في مقابلة السعي في عمله، و تحصيل غرضه، و مقتضاه أنه لا يرجع بما أنفقه سواء أكله أو أعطاه مكافأة أو غيرها، على أن تلك المكافاة انما كانت تبرعا من الأجير فهو من ماله، و هذه منافاة أخرى، و ظاهر الخبر أيضا اشتمل على ما لا يقوله الأصحاب من الإجمال في النفقة المستأجر بها، فإنهم يوجبون التعيين لرفع الجهالة، و دفع الغرر.
599
قال في التذكرة و القواعد لا يجوز الاستيجار بنفقته و طعامه ما لم يعين.
و قال في التذكرة: و لا يجوز أرطال من الخبز لعدم جواز السلم عندنا فيه، فلا تجوز بالإجارة، و قال في موضع آخر: إذا استأجر في موضع أجيرا بطعامه و كسوته فان قدرا ذلك و علماه صح العقد و ان لم يقدراه بطل العقد الى أن قال و لا فرق بين أن يستأجره بالنفقة و الكسوة و بين أن يجعلهما جزء من الأجرة و إذا استأجره بهما صح إجماعا و وصفهما كما يوصف في السلم و ان لم يشترط طعاما و لا كسوة فنفقته و كسوته على نفسه، انتهى.
و بالجملة فالموافق لقواعدهم هو وجوب التعيين لدفع الجهالة و الغرر اللذين يوجبون الاحتراز عنهما في العقود.
بقي الكلام في السؤال الثاني «فإن حملت النفقة» و ان كان خلاف ظاهر الخبر على ما يدخل فيه أجرة غسل الثياب و الحمام و نحو ذلك مما يحتاج إليه الإنسان غالبا، فينبغي حمل قوله على المستأجر على معنى أنها من النفقة التي استوجر بها، و الا فلا معنى لكونها على المستأجر يرجع بها الأجير عليه، مع كونه استأجره بها، و ان حملت على أن المراد بها ما عدا ذلك من المأكل و الملبس و نحوهما، و هو الظاهر من سياق الخبر، فظاهر كون تلك الأشياء على المستأجر هو أن الأجير يرجع بها على المستأجر، لعدم دخولها فيما استوجر به و هو النفقة.
و فيه دلالة على أنه لو لم يستأجره بالنفقة بل بأجرة في الجملة و لم يشترط النفقة عليه، فإنه يرجع بالنفقة كما ادعاه المستدل بالخبر، لأنه إذا كان له الرجوع بمثل أجرة غسل الثياب و الحمام فله الرجوع بما يحتاج إليه في الأكل و اللبس بطريق أولى لأنها أضر البتة، و هنا إنما امتنع الرجوع بها من حيث أنه استوجر بها فمع عدم الاستيجار بها و عدم شرطها على المؤجر يرجع بها على المستأجر، و حينئذ يمكن أن يجعل ذلك لموضع الاستدلال بالخبر المذكور، و الله سبحانه العالم.
600
التاسعة عشر [حكم ما يختلف فيه العمال بالجودة و الحسن]:
صرح بعض الأصحاب بأنه لو استأجره لعمل من الأعمال كالكتابة و الخياطة و نحوهما من الأعمال التي يختلف فيهما العمال بالجودة و الحسن و عدمهما و السرعة و البطؤ و نحوهما، فإنه لا يصح جعل الإجارة مطلقة بأن يكون في الذمة، بمعنى تحصيل العمل بمن شاء لما يعلم من الاختلاف الكثير بين العمال فيما ذكرناه، فيتجهل العمل و يحصل الغرر، بل يجب تعيين العامل سواء كان هو المؤجر أو غيره، إذا أمكن حصول النفقة منه، للانضباط بذلك و ارتفاع الغرر، و كذا يجب تعيين الضائع إذا استأجره مدة، بمعنى أن يعمل له هذا العمل في مدة محدودة بلا زيادة و لا نقيصة، لأنه مع الإطلاق و تفاوت العمال في السرعة و البطؤ و اختلافهم في ذلك كثيرا يحصل الغرر أيضا، و بتعيين العامل و معرفة ما هو عليه من السرع و البطؤ في عمله يزول ذلك.
و لو استأجره على عمل معين كنسخ هذا الكتاب المعين و خياطة هذا الثوب المخصوص، فإنه من حيث كون المانع ما ذكرنا أولا هو اختلاف الصناع في السرعة و البطؤ الموجب للزيادة في العمل و النقيصة، فإن الظاهر أنه تصح الإجارة في هذه الصورة المفروضة، لأن هذا الاختلاف غير قادح هنا، فان الغرض حصول هذا العمل المعين، أما من حيث كون المانع هو تفاوتهم في الصنعة و بالجودة، و الرداءة، فإنه لا يصح هنا بل لا بد من تعيين الصانع ليرتفع هذا الغرر.
قال في المسالك بعد ذكر المصنف أصل المسئلة: و هذه المسئلة قل من تعرض لها غير المصنف، نعم ذكرها الشافعي في كتبهم.
أقول: قد عرفت آنفا أن أكثر هذه التعريفات في الكتب المتقدمة و الآتية و ان وقعت من الشيخ و المرتضى و العلامة و غيرهم، الا أنها كلها مأخوذة من كتب العامة أخذوا منها ما استحسنوه، و كتب متقدمي أصحابنا إنما اشتملت على مجرد نقل الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار، و الله سبحانه العالم.
601
العشرون [فيما يشترط في الإجارة على حفر البئر]:
قالوا إذا استأجره على حفر بئر فلا بد من تعيين الأرض و قدر نزول البئر وسعتها و هل المراد بالتعيين المشاهدة أو ما هو أعم، فيشمل الوصف الرافع للجهالة، احتمالان: و قد ذكروا في استيجار الأرض للحرث نحو ذلك، و بعضهم ذكر هنا المشاهدة بخصوصها مع ذكره التعيين بقول مطلق في الأرض، و بعضهم عكس.
و كيف كان فإنه لا يخفى أن المشاهدة إنما تأتي على ظاهر الأرض دون الباطن و ارتفاع الجهالة باعتبار معرفة صلابة ظاهر الأرض و رخاوتها لا يغني عما يتجدد بعد الحفر من الزيادة على ذلك، و النقيصة مما لا يمكن معرفته، الا بالعمل.
و به يظهر أن الوصف أضبط من المشاهدة إذا أمكن اطلاع المستأجر على الباطن بكثرة الممارسة، قالوا: و لو انهارت أو بعضها لم يلزم الأجير إزالة ذلك، بل ذلك على المالك، لأن الأجير قد أتى بما استوجر عليه، و امتثل ما تضمنه العقد، و لا يكلف بما زاد عليه و لو حفر بعض البئر ثم تعذر حفر الباقي لصلابة الأرض أو مرض الأجير أو نحو ذلك، فالمشهور أن له من الأجرة المسماة في العقد بنسبة ما عمل الى المجموع، فيستحق من الأجرة المسماة بتلك النسبة، و طريق معرفة ذلك أن يقوم جميع العمل المستأجر عليه، و يقوم ما عمله منفردا، و ينسب الى المجموع فينسب أجرة مثل ما عمل إلى أجرة مثل المجموع، و يستحق الأجير من المسمى بتلك النسبة.
الا أنه روى
في الكافي و التهذيب عن أبى شعيب المحاملي عن الرفاعي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قبل رجلا يحفر له بئرا عشر قامات بعشرة دراهم، فحفر له قامة ثم عجز، قال: يقسم عشرة على خمسة و خمسين جزء فما أصاب واحدا فهو للقامة الأولى، و الاثنين للثانية، و الثلاثة للثالثة، و على هذا
____________
(1) الكافي ج 7 ص 433 ح 22، التهذيب ج 6 ص 287 ح 1، الوسائل ج 13 ص 284 ح 2.
602
الحساب إلى العشرة،.
و رواه
في الكافي بطريق آخر عن أبي شعيب عن الرفاعي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قبل رجلا يحفر بئرا عشر قامات بعشرة دراهم فحفر قامة، ثم عجز فقال: جزء من خمسة و خمسين جزء من العشرة دراهم».
و الظاهر أن مبنى هذه الرواية على تزايد الصعوبة في الأرض، فكل قامة نزلت أصعب عما فوقها فلهذا جعل (عليه السلام) لكل واحدة زيادة على ما فوقها بجزء، فأمر بقسمة العشرة دراهم على خمسة و خمسين جزء، فللقامة الأولى جزء، و للثانية جزان، و للثالثة ثلاثة، و للرابعة أربعة، و للخامسة خمسة، و للسادسة ستة، و للسابعة سبعة، و للثامنة ثمانية، و للتاسعة تسعة، و للعاشرة عشرة، و إذا ضممت هذه الأجزاء الموزع عليها بعضها إلى بعض وجدتها خمسة و خمسين، بلا زيادة و لا نقصان.
و الظاهر أن الأصحاب إنما أعرضوا عن هذه الرواية من حيث ابتنائها على هذا الأمر الخاص مع أنها حكم في واقعة معينة، فلا يتعدى، و لهذا أن الشيخ في النهاية اقتصر على نقل الرواية و لم يذكرها بطريق الفتوى، كما هي قاعدته في الكتاب المذكور، فلا يتعين كون ذلك قولا في المسئلة كما يفهم من عبارة الشرائع، حيث قال: و في المسئلة قول آخر مستند إلى رواية مهجورة.
و في المبسوط قد وافق الأصحاب فيما أفتوا به هنا، فقال: فان لم يمكن حفره، انفسخ العقد فيما بقي و لا ينفسخ فيما حفر على الصحيح من الأقوال، و يقسط المسمى على أجرة المثل، لأن الحفر يختلف، فحفر ما أقرب من الأرض أسهل، لأنه يخرج التراب من قرب، و حفر ما هو أبعد أصعب، فإن كان أجرة المثل على ما بقي عشرة و فيما حفر خمسة أخذ ثلث المسمى، و قد روى أصحابنا في مثل هذا مقدار ما ذكرناه في النهاية.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 422 ح 3، الوسائل ج 13 ص 284 ح 1.
603
و قال ابن إدريس: الأولى ما ذكره الشيخ في المبسوط و هو المعتمد، و تحمل الرواية على ما إذا كانت الإجارة في ذلك الوقت فتقسط كذلك، و الله سبحانه العالم.
الحادية و العشرون: في الاستيجار للإرضاع
و الكلام فيها يقع في مواضع:
الأول [في جواز استيجار المرأة للرضاع بغير إذن الزوج]:
الظاهر أنه لا خلاف في جواز استيجار المرأة للرضاع مدة معينة بإذن الزوج، و إنما الخلاف فيما لو كان بغير اذنه، فقيل: بالجواز، و الظاهر أنه هو المشهور و ذهب في المبسوط و الخلاف الى العدم، قال: لأنه لا دليل على صحتها و لأن المرأة معقود على منافعها لزوجها بعقد النكاح، فلا يجوز لها ان تعقد لغيره فيخل ذلك بحقوق زوجها، و تبعه ابن إدريس و جماعة.
و الظاهر أن القول الأول أقوى، لأنها عاقلة مالكة لمنافعها من رضاع و غيره، و عموم أدلة الوفاء بالعقود كتابا و سنة شامل لها، نعم متى نافى ذلك شيئا من حقوق الزوج المواجبة عليها امتنع ذلك بلا إشكال، للمنافاة و سبق حقه، و به يظهر ما في تعليله الثاني من قوله لأن المرأة معقود على منافعها، فإنه على إطلاقه ممنوع، إذ الزوج لا يملك سوى منافع الاستمتاع، كذا ما في تعليله الأول من عدم الدليل، فان الدليل كما سمعت ظاهر في المدعى، و تخصيصه يحتاج الى دليل، و غاية ما ثبت من الدليل الدال على التخصيص ما إذا أوجب ذلك الإخلال بحقوق الزوج الواجبة عليها.
ثم انه لو وقعت الإجارة على الوجه المذكور، و منع ذلك شيئا من حقوقه، فهل يحكم ببطلان العقد أن الزوج يتسلط على الفسخ؟ قولان: و بالأول صرح العلامة في القواعد، و الثاني اختياره في المسالك، و هو الأوفق بقواعد الأصحاب، و لو سبق الاستيجار للرضاع على النكاح، فلا اعتراض للزوج، لاستحقاق منفعة الرضاع، و ملكها قبل عقده بها، و له الاستمتاع بما فضل عن ذلك، فلو تضرر الصبي بترك الرضاع باستمتاع الزوج كان للولي منع الزوج لما عرفت من تقدم حقه، أما مع عدم التضرر فلا.
604
و هكذا الكلام فيما لو استأجر السيد أمته للإرضاع، ثم زوجها قالوا:
و كل موضع يمنع فيه الزوج من الاستمتاع لأجل الرضاع، فإنه تسقط النفقة عنه في تلك المدة، لعدم التمكين التام.
الثاني: هل يشترط ذكر الموضع الذي يقع فيه الإرضاع؟
قيل: نعم، و تردد فيه في الشرائع، و عللوا الاشتراط بأن مواضع الإرضاع تختلف بالسهولة و الصعوبة، و النفع، فان بيت المرضعة أسهل عليها، و بيت الولي أوثق له، و أنت خبير بما في هذه التعليلات من عدم صلاحيتها لتأسيس الأحكام الشرعية كما عرفت فيما تقدم، و وجه التردد من حيث ما ذكروا من أن الأصل عدم الاشتراط، قال في المسالك: و الأقوى الاشتراط، و لا يخفى ما فيه، و التمسك بالأصل أقوى مستمسك حتى يقوم دليل على الخروج عنه، و الخروج عنه بهذه التعليلات مجازفة ظاهرة، سيما مع ما عهد من ارتضاع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و إطلاق الأخبار الواردة باستئجار الظئير.
الثالث [اشتراط مشاهدة الصبي المرتضع]:
قد صرح الأصحاب بأنه لا بد في صحة عقد الإجارة على الإرضاع من مشاهدة الصبي المرتضع، قيل: و يكفى الوصف أيضا و زاد اخرون اشتراط مشاهدة المرضعة.
و الظاهر أن الجميع تقييد للنصوص من غير دليل، و كأنهم بنوا في ذلك بالنسبة إلى الصبي على اختلاف كثرة ما يشرب و قلته بالنسبة إلى صغره و كبره، و بالنسبة إلى المرضعة إلى اختلاف النساء في الصفات المأمور بها، و المنهي عنها في الأخبار من الوضائة، و الحسن، و الرعونة، و الحماقة، و القبح، و نحو ذلك، مما قيل بتأثيره في الولد، و هو و ان كان كذلك، الا أن إطلاق أخبار الاسترضاع يدفعه.
الرابع [حكم استئجار الرجل زوجته لإرضاع ولده]:
منع في المبسوط من جواز أن يستأجر الرجل زوجته لإرضاع ولده و جوز ذلك بعد البينونة لأنها أخذت عوضا منه في مقابلة الاستمتاع، و عوضا آخر في مقابلة التمكين من الاستمتاع، و سوغه المرتضى و ابن إدريس
605
قال في المختلف: و هو المعتمد، لنا الأصل الجواز، و قوله تعالى (1) «وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ» الاية و هو عام و العوض المأخوذ ليس في مقابلة التمكين، بل في مقابلة الإرضاع، و سواء منع شيئا من حقوقه أم لا، لأنه رضي بذلك، و قد تقدم جوازه مع الرضا، انتهى.
أقول: و يؤيده أن الرضاع غير واجب على الأم، كما صرحوا به و دل عليه النصوص أيضا، و الزوج لا يملك منها، سوى منافع الاستمتاع، فتكون فيما سوى ذلك كالأجنبية فارضاعها له مع عدم التبرع به موجب للأجرة، كالأجنبية، و يدل عليه قوله عز و جل (2) «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ و ما رواه
في الكافي و الفقيه (3) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) «عن الرضاع؟ قال: لا تجبر الحرة على رضاع الولد و تجبر أم الولد».
و تحقيق الكلام في ذلك يأتي في محله اللائق به إنشاء الله تعالى.
الخامس [لو استأجر ظئرا للإرضاع لم يلزمها غيره]:
قال في المبسوط: لو استأجر ظئرا للإرضاع لم يلزمها غيره، و ان شرط في العقد الحضانة مع الرضاع لزمها الأمران، فترضع المولود و تراعى أحواله في تربيته و خدمته، و غسل ثيابه و خرقه و غيرها من أحواله.
و قال ابن الجنيد، و إذا شورطت على الرضاع فقط لم يكن عليها غير ذلك إلا أن يكون قد اشترط دفع الصبي إليها أي إلى منزلها، فيكون عليها تخريجه و غسل ثيابه و ما لا بد للصبي منه، إلا أن تشترط هي لذلك أجرة على وليه.
قال في المختلف بعد نقل ذلك: و تفصيل ابن الجنيد جيد، إذ الظاهر و العرف يقضى أن الصبي إذا كان في منزلها اضطر إلى الحضانة، و كانت لازمة لها انتهى.
____________
(1) سورة البقرة- الاية 233.
(2) سورة الطلاق- الاية 6.
(3) الفقيه ج 3 ص 308 ح 24، التهذيب ج 6 ص 40 ح 4، الوسائل ج 15 ص 175 ح 1.
606
السادس [بطلان الإجارة بموت الصبي المرتضع]:
لا إشكال في بطلان الإجارة بموت الصبي المرتضع لفوات ما تعلق العقد باستيفاء المنفعة له، و أما موت المرضعة فيبني على الاستيجار لها من التعيين و الإطلاق فإن كان الاستيجار بعينها و خصوصها فلا إشكال في البطلان، و عليه يحمل إطلاق من أطلق البطلان بموتها، و الحكم في موتها و الحال كذلك كالدابة المستأجرة للركوب، و ان كان الاستيجار في الذمة بمعنى أن عليها تحصيل هذا العمل بنفسها أو غيرها، فالظاهر بقاء الإجارة كما في نظائر هذا القسم من الإجارات المتعلقة بالذمة، و حينئذ فيؤخذ ما يقوم به من تركتها لأنها صارت مشغولة الذمة بذلك، كسائر الديون المتعلقة بالذمة، فإنها بعد فوات الذمة ينتقل الى المال، و يتعلق به كما صرحوا به فيؤخذ أجرة المثل لما بقي من المدة من أصل مالها، و يدفع الى ولي الطفل.
و احتمل بعض الأصحاب وجوب استيجار وليها على الإرضاع من مالها، قال: لأن الواجب في ذمتها هو الإرضاع و لم يتعذر، و إلا لانفسخت الإجارة، و أما موت الأب فيبني على الخلاف المتقدم في بطلان الإجارة بموت المستأجر و عدمه، و قد تقدم أن الأظهر العدم.
و العجب من ابن إدريس حيث أنه ممن اختار القول بعدم بطلان الإجارة بموت المستأجر، و حكم هنا ببطلان الإجارة بموت أب المرتضع محتجا بالإجماع على أن موت المستأجر يبطلها، و المسئلة في الموضعين واحدة، و انما هذه من جزئيات تلك المسئلة فما ذكره تحكم محض، و تناقض صرف، نعم ذكر بعض محققي الأصحاب أنه لو كان الولد معسرا و استأجر الأب عليه بمال في ذمته أو في ذمة الأب و لم يخلف الأب تركة، توجه جواز فسخها، لا أنها تبطل بذلك و هو جيد.
السابع [صحة استئجار الظئر للإرضاع بالنفقة و الكسوة مع علم المقدار]:
قال الشيخ: إذا استأجر الظئر للإرضاع بالنفقة و الكسوة صح مع علم المقدار بالنفقة و الكسوة، و كذا قال ابن إدريس، و قال في المختلف بعد
607
نقل ذلك: و هو جيد، لأن الجهالة في أحد العوضين مبطلة، و كذا لو استأجر أجيرا بطعامه، ثم نقل عن ابن الجنيد أنه قال لا بأس باستئجار الإنسان بطعامه و كسوته، كالظئر و الغلام و ان لم يسم قدر اللبن من الظئر، و لا قدر الطعام للأجير، ثم قال العلامة: أما قدر اللبن فجيد، لأن ذلك مجهول لا يمكن ضبطه و أما طعام الأجير فممنوع، انتهى.
أقول: و يمكن الاستدلال لابن الجنيد برواية سليمان بن سالم (1) المتقدمة في المسئلة الثامنة عشرة لدلالتها على جواز الاستيجار بالنفقة من غير تعيين كما تضمنه السؤال الأول و الثاني منها، و يكون حكم النفقة مستثنى من قاعدتهم المذكورة ان ثبتت، سيما مع ما عرفت مما قدمناه في غير موضع من انخرام هذه القواعد المشهورة بينهم بالأخبار، و ان كانوا تارة يردون الأخبار في مقابلتها، و تارة يرتكبون تخصيصها بها، و الله سبحانه العالم.
الثامن [في خروج إجارة المرأة للإرضاع عن قاعدة الإجارة]:
قد عرفت من تعريف الإجارة كما قدمنا ذكره في صدر الكتاب- أنها عقد ثمرته تمليك المنفعة بعوض معلوم، أو تمليك المنفعة بعوض،- أن الإجارة و استحقاق الأجرة إنما تقع على المنافع، لا الأعيان، و حينئذ فيكون إجارة المرأة للإرضاع خارجة عن قاعدة الإجارة و مستثناة بالنص، آية و رواية، لقوله عز و جل (2) «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» و النصوص الواردة بذلك، و هي كثيرة تأتي إنشاء الله تعالى في محلها اللائق بها من كتاب النكاح، فان متعلق الإجارة و الذي استحقت المرأة به الأجرة هنا هو اللبن، و هو عين تالفة بالإرضاع، فيكون المعاوضة عليه خارجة عن قانون الإجارة، قالوا: و مثل ذلك الاستيجار للصبغ، و استيجار البئر للاستسقاء منها، فان المستوفي في الجميع إنما هو من الأعيان، و بعضهم تكلف للتفصي عن ذلك بالنسبة إلى الإرضاع أن المنفعة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 287 ح 2، الوسائل ج 13 ص 250 ح 1.
(2) سورة الطلاق- الاية 6.
608
التي تعلقت بها الإجارة هي حملها للولد و وضعه في حجرها و وضع الثدي في فمه و نحو ذلك، لا نفس اللبن.
و لا يخفى ما فيه من البعد و التكلف السخيف، فإنه لا يخفى أن الغرض الذاتي و المطلب الأصلي من الاستيجار إنما هو اللبن، و هذه الأشياء إنما هي تابعة، أو مقدمات لذلك، فالأظهر أن يقال: ان هذه المواضع المذكورة مستثناة بالنصوص من قانون الإجارة، و كم مثل ذلك في الأحكام، هذا ان ثبت كون ما ادعوه قانونا كليا و قاعدة مطردة، مع أنا لم نقف له على دليل أزيد من ورود النصوص في أفراد الإجارات بذلك، و هو لا يستلزم الحصر فيما ورد، الا مع عدم وجود نص بخلافه، فإنه يمكن ادعاء ذلك قاعدة كلية، على نحو القواعد النحوية المبنية على تتبع كلام العرب، و هذه القاعدة ان ثبتت هنا، فهي من هذا القبيل، و إلا فإني لم أقف على خبر يدل على أن القاعدة في الإجارة ما ادعوه، و الله سبحانه العالم.
الثانية و العشرون [في جواز إجارة الدراهم و الدنانير]:
اختلف الأصحاب في جواز اجارة الدراهم و الدنانير، فقال في المختلف و القواعد و المبسوط: بالجواز، قال للانتفاع بها مع بقاء عينها، مثل أن ينثرها و يسترجعها أو يضعها بين يديه فيتجمل بها و غير ذلك، و قال ابن إدريس: يصح لأنه لا مانع منه، ثم قال: و الذي يقوى في نفسي بعد هذا جميعه أنه لا يجوز، إجارتها، لأنه في العرف المعهود لا منفعة لها إلا بإذهاب أعيانها، و لأنه لا يصح وقفها، فلو صح إجارتها صح وقفها، نعم تصح اجارة المصاغ منهما، و قال في موضع آخر: لا خلاف في أنه لا يجوز وقفها، لأن الوقف لا يصح الا في الأعيان التي يصح الانتفاع بها مع بقاء عينها، فإذا جاز إجارتها جاز وقفها، و هو لا يجوز، و لأن من غصب مائة دينار و بقيت في يده سنة لم يلزمه الحاكم بأجرة، و اعترضه في المختلف بالمنع عن الملازمة بين الوقف و الإجارة، فإن الوقف يصح إجارته، و لا يصح وقفه، نعم كلما يصح إعارته يصح إجارته، و المنع من عدم إلزام الغاصب بالأجرة، ثم قال و التحقيق أن نقول ان كان لها منفعة مقصودة
609
حكمية صحت إجارتها، و إلا فلا، انتهى.
و فيه أن ظاهر منعه من عدم إلزام الغاصب بالأجرة هو أن لها منفعة فيجب عليه الأجرة في مقابلة المنفعة التي فوتها على المالك، مع أن ظاهر كلامه التوقف، حيث رتب الجواز على وجود المنفعة و عدمه، و لم يحكم بشيء من الأمرين و قد صرح بالاستشكال في بعض كتبه، و جزم بالجواز في بعض، و ظاهر الشرائع أيضا التردد في ذلك، حيث عبر بما عبر به في المختلف، و شيخنا في المسالك حيث اختار جواز إجارتها، و عدلها منافع تترتب على ذلك، كما ستقف عليه إنشاء الله تعالى و حمل تردده على الشك في الاعتداد بتلك المنافع و عدمه، قال (رحمة الله عليه): لما كان شرط العين المؤجرة إمكان الانتفاع بها مع بقاء عينها، و كان الغرض الذاتي من هذين النقدين لا يتم إلا بذهابهما و ربما فرض لهما منافع مع بقاء عينهما، بان يتزين بهما، و يتجمل و يدفع عن نفسه ظاهر الفقر و الفاقة، فإن دفع ذلك غرض مطلوب شرعا، حتى كان الأئمة (عليهم السلام) يقترضون أموالا و يظهرونها للناس، أو يدفعونها إلى عمال الصدقة مظهرين أنها زكاة أموالهم، ليظهر بذلك غناهم، و من جملة الأغراض المقصودة بها أيضا نثرها في الأعراس ثم تجمع، و الضرب على سكتها و نحو ذلك فكان القول بجواز إجارتها قويا، و ربما أشعر كلام المصنف بالتردد في ان هذه المنافع، هل يعتد بها و تقوم بالمال على وجه تجوز الإجارة أم لا، لتعليقه الجواز على شرط تحقق المنفعة مع أنها مشهورة، و ما ذاك إلا للشك في الاكتفاء فيه بها، انتهى.
أقول: و يدل على ما ذكره من إظهار التجمل بذلك، و القرض لذلك و فعلهم (عليهم السلام) ذلك جملة من الإجبار، و منها ما رواه
في الكافي عن عبد الا على مولا آل سام (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان الناس يروون أن لك مالا كثيرا، فقال: ما يسؤنى، ذلك، ان أمير المؤمنين (عليه السلام) مر ذات يوم على ناس شتى من
____________
(1) الكافي ج 6 ص 439 ح 8، الوسائل ج 3 ص 343 ح 3.
610
قريش، و عليه قميص مخرق، فقالوا: أصبح علي (عليه السلام) لا مال له فسمعها أمير المؤمنين (عليه السلام) فأمر الذي يلي صدقته أن يجمع تمره، و لا يبعث الى انسان شيئا و أن يؤفره ثم قال له: بعه الأول فالأول و اجعلها دراهم، ثم اجعلها حيث تجعل التمر فاكبسه معه حيث لا يرى، و قال للذي يقوم عليه: إذا دعوت بالتمر فاصعد و انظر المال فاضربه برجلك كأنك لا تعمد الدراهم حتى تنثرها ثم بعث الى رجل منهم يدعوهم ثم دعى بالتمر فلما صعد ينزل بالتمر ضرب برجله فانتثرت الدراهم، فقالوا: ما هذا يا أبا الحسن؟ فقال: هذا مال من لا مال له، ثم أمر بذلك المال فقال: انظروا أهل كل بيت كنت أبعث إليهم فانظروا ماله، و ابعثوا اليه،».
فروى في حديث آخر (1) مثله و فيه أن القائل كان طلحة و الزبير،
و روى في الكتاب المذكور أيضا عن أبي بصير (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: ان أناسا بالمدينة قالوا: ليس للحسن (عليه السلام) مال، فبعث الحسن (عليه السلام) الى رجل بالمدينة فاستقرض منه ألف درهم فأرسل بها الى المصدق، فقال: هذه صدقة مالنا: فقالوا:
ما بعث الحسن بهذه من تلقاء نفسه إلا و له مال.
و روى فيه عن عبد الأعلى (3) مولى آل سام قال: «ان علي بن الحسين (عليه السلام) اشتدت حاله حتى تحدث بذلك أهل المدينة، فبلغه ذلك فتعين ألف درهم ثم بعث بها الى صاحب المدينة، و قال، هذه صدقة مالي».
و بذلك يظهر قوة ما قواه، لانه متى كان إظهار الغنى بين الناس مستحبا كما دلت عليه هذه الأخبار حتى أنهم (عليهم السلام) كانوا يقترضون لذلك فاستيجار الدراهم و الدنانير لذلك مستحب، و المنفعة ظاهرة، بل مندوب إليها، و الظاهر أن تردد من تردد ممن قدمنا ذكره، إنما هو لعدم حضور ما ذكر ببالهم، لا لعلمهم بذلك، و إنما حصل لهم الشك في أنه هل يعتد بهذه المنافع أم لا؟
____________
(1) الكافي ج 6 ص 440 ح 11، الوسائل ج 3 ص 343 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 440 ح 12، الوسائل ج 3 ص 342 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 440 ح 13، الوسائل ج 3 ص 343 ح 4.
611
ثم انه على تقدير القول بجواز إجارتها، فهل يشترط تعيين جهة الانتفاع بها أم لا؟ قولان: و بالأول قال في الخلاف و المبسوط، و بالثاني قال: ابن إدريس، و هو ظاهر جملة ممن تأخر عنه.
قال في الخلاف و المبسوط: إذا استأجر دراهم أو دنانير و عين وجه الانتفاع بها كان على ما شرط، و صحت الإجارة، و ان لم يعين بطلت الإجارة، و كانت قرضا لأن العادة في دنانير الغير و دراهمه أن لا ينتفع بها إلا على وجه القرض، و إذا أطلق الانتفاع رجع الإطلاق على ما يقتضيه العرف.
و قال ابن إدريس: لو قلنا أنه تصح الإجارة سواء عين جهة الانتفاع أو لم يعين كان قويا، و لا يكون قرضا لأنه استأجرها منه، و من المعلوم أن العين المستأجرة لا يجوز التصرف بإذهاب عينها، بل في منافعها فيحمل الإطلاق على المعهود الشرعي، ثم قال، و الذي يقوى في نفسي بعد هذا كله بطلان إجارتها.
و أجاب في المختلف عن كلام ابن إدريس انتصارا للشيخ بأن الشيخ عول على العرف و قد ثبت في العرف الشرعي انصراف الإجارة إلى الأعيان فيما الغالب فيه تناولها دون المنافع، كاستيجار المرضعة، و الشاة للحلب، و أجرة الحمام، و كذا هنا، لما كانت المنفعة المقصودة الانتفاع بأعيانها كانت الإجارة قاضية، بجواز إتلافها و حينئذ تصير قرضا بالإتلاف، و بعد هذا فالوجه على تقدير صحة الإجارة، عدم جواز الإتلاف كغيرها من الأعيان.
أقول: لا يخفى ما في جواب العلامة من تطرق النظر اليه، و أن الحق انما هو ما ذكره ابن إدريس، و ذلك لأن الإجارة نصا و فتوى انما تنصرف الى المنافع، و الدراهم و الدنانير لها منافع كما عرفت، فلا يحتاج الى تعيينها كغيرها من سائر الأعيان المستأجرة، و إطلاق الإجارة انما ينصرف الى المنافع التي هي المعهود الشرعي، كما ذكره ابن إدريس، و أما صحة الإجارة في استيجار المرضعة و نحوها فإنما جرى على خلاف قاعدة الإجارة، بنص خاص، فصار مستثنى من حيث
612
النص، لا أن ذلك عرف شرعي، و ما نحن فيه لا نص فيه، فلا وجه لجعله في عدادها، و جعله من جملة أفرادها، و دعواه كون ذلك عرفا شرعيا ليس في محله، إذ المتبادر و هو اطراده في جميع الأفراد، و شيوعه في جميع المواد، و ما نحن فيه مما حكمت بصحة الإجارة مع استيفاء الأعيان منها، ليس كذلك بلى هو مقصور على ما ورد النص به من فردين أو ثلاثة، و لهذا قدمنا في المنحة حيث لا نص عليها من طريقنا و انما هو من طريق العامة أن عدها فيما ذكروه ليس في محله.
و بالجملة فإنه لما كان مقتضى الإجارة نصا و فتوى انما هو التسلط على المنفعة خاصة، فجواز التسلط على العين يحتاج الى دليل آخر، نعم قام الدليل عليه في تلك المواضع المذكورة، فصارت مستثناة بذلك، و ما لم يقم عليه دليل فلا يجوز الخروج به عن قاعدة الإجارة، و هذا هو الذي اختاره في آخر كلامه، و بذلك يظهر أن جوابه عن كلام ابن إدريس انما هو مجرد تعصب عليه، كما هي عادته غالبا في الكتاب المذكور، و الله سبحانه العالم.
الثالثة و العشرون: لو وجد المستأجر بالعين المستأجر عيبا يوجب الرد
، و كان جاهلا به وقت العقد تخير بين الفسخ و الرضا بالأجرة المسماة من غير أرش على المشهور، و وجه التخيير أن العيب المذكور في العين موجب للنقص في المنفعة، فيجوز له الفسخ دفعا للضرر عن نفسه، و للتدليس عليه، و لأن مقتضى العقد صحة العوضين، فلا يلزم بدونها، فمن ثم جاز له الفسخ، و حينئذ و له الالتزام بالعيب لأنه تصرف في ماله باختياره.
و في المسالك أن له الفسخ و ان استوفى بعض المنفعة، قال و لا يرد أنه مع استيفاء البعض يكون قد تصرف، و هو يسقط خيار العيب، لأن المراد بالتصرف حقيقة في العوض الذي صار للمتصرف و هو هنا المنفعة، و ما لم يستوفه منها لم يتصرف فيه و انما حصل التصرف في المستوفي، و لأن الصبر على العيب ضرر منفي، انتهى.
و الظاهر أنه غير خال من شوب الإشكال، فإن الظاهر من كلامهم في كتاب
613
البيع أن التصرف انما هو عبارة عن وضع اليد على المبيع، أو الثمن باستيفاء بعض منافعه، أو استعلامها كركوب الدابة، و لمس الجارية و تقبيلها و حلب الشاة و لبس الثوب و نحو ذلك، فاستيفاء بعض من منفعة المستأجر تصرف في أصل المنفعة قياسا على ما ذكرناه، لا أنه يختص التصرف بما استوفاه كما ذكره، و ان كان هو الفرد الحقيقي، إلا أن مقتضى ما ذكرناه مما عدوه تصرفا أعم منه كما لا يخفى.
و أما ما ذكره من أن الصبر على العيب ضرر منفي، ففيه أن ما ذكروه من الحكم المذكور غير منصوص، و يمكن أن يقال: بان له الأرش حينئذ كما في خيار العيب متى تصرف في المبيع، على أن هذا الإيراد يختص بالقول المشهور و أما على القول الآخر الآتي من الأرش مع الرضا فلا ورود له كما لا يخفى.
ثم ان ظاهر كلام الأكثر هو ما ذكرناه آنفا من التخيير بعد ظهور العيب بين الفسخ و الرضا بالأجرة، و ذهب جماعة منهم المحقق الثاني و الشهيد الثاني الى أن له مع الرضا الأرش فهو مخير عندهم بين الفسخ و الرضا بالأرش.
قال في الروضة بعد قول المصنف و في الأرش نظر ما لفظه: من وقوع العقد على هذا المجموع و هو باق، فاما أن يفسخ أو يرضى بالجميع، و من كون الجزء الفائت أو الوصف مقصودا للمستأجر و لم يحصل و هو يستلزم نقص المنفعة التي هي أحد العوضين، فيجبر بالأرش و هو حسن.
أقول: فيه ما عرفت من أن أصل المسئلة غير منصوص، و الظاهر انهم ذكروا هذا الحكم هنا قياسا على البيع من انه متى ظهر عيب بالمبيع تخير المشترى بين الفسخ و بين الالتزام مع الأرش، مع أن الأخبار ثمة لا تدل على ما ذكروه كما حققناه في البيع، و انما هو موردها مع ظهور العيب الخيار خاصة، و أما الأرش فإنما هو مع التصرف، و أما تعليله هنا فعليل، فان ما ذكره من ضرره هنا بنقص المنفعة يجبر بالفسخ الذي هو أحد فردي التخيير، و لا ينحصر في الأرش.
نعم لو لم يكن له الفسخ فان ما ذكره متجه، لكن الأمر ليس كذلك،
614
و كيف كان فان ثبوت الأحكام الشرعية بمثل هذه التقريبات العقلية لا يخلو من المجازفة في أحكامه عز و جل التي قد استفاضت النصوص بالنهي عن القول فيها بغير علم منه عز و جل أو من نوابه (صلوات الله و سلامه عليهم).
ثم انه قال في المسالك تفريعا على ما اختاره من وجوب الأرش: و طريق معرفته أن ينظر إلى أجرة مثلها سليمة و معيبة، و ينظر الى التفاوت بينهما، و يرجع من المسمى بتلك النسبة، و لا يخفى أنه متى اختار الفسخ فان لم يمض من المدة ماله أجرة فلا اشكال، و ان مضت مدة كذلك، فعليه من المسمى بنسبة ذلك من المدة.
هذا كله فيما إذا كانت الإجارة واردة على عين، أما لو كانت في الذمة و دفع له عينا معيبة فالواجب إبدالها و لا فسخ هنا، الا أن يتعذر البدل لعدم وجوده أو لتغلب الموجر و عدم إمكان جبره فيفسخ المستأجر، و يرجع الى ماله، و الله سبحانه العالم.
الرابعة و العشرون [في ضمان تلف العين في أيدي الصناع و عدمه]:
الظاهر أنه لا خلاف في تضمين الصناع من المكارين و الملاحين و القصارين و سائر الصناع لما جنته أيديهم، سواء كان نقصا في العين أو تلفا، و ان كان حاذقا و احتاط و اجتهد، و انما الخلاف فيما لو تلفت بغير فعله. و غير تفريطه و ظاهر جماعة منهم الشيخ المفيد و المرتضى القول بالضمان، و المشهور و هو قول الشيخ و أتباعه و ابن إدريس و من تأخر عنه العدم.
قال الشيخ المفيد: القصار و الخياط و الصباغ و أشباههم من الصناع ضامنون لما جنته أيديهم على السلع، و يضمنون ما تسلموه من المتاع الا أن يظهر هلاكه و يشتهر بما لا يمكن دفاعه أو تقوم لهم بينة بذلك، و الملاح و المكاري و الجمال ضامنون للأمتعة الا أن تقوم لهم بينة بأن الذي هلك منه بغير تفريط منهم و لا تعد فيه، و قال المرتضى: مما انفردت به الإمامية القول بأن الصناع كله كالقصارين و الخياط و من أشبههما ضامنون للمتاع الذي يسلم إليهم، الا أن يظهر هلاكه و يشتهر
615
بما لا يمكن دفعه. أو تقوم به بينة بذلك، و هم أيضا ضامنون لما جنته أيديهم على المتاع بتعد و غير تعد، و سواء كان الصانع مشتركا أو غير مشترك، ثم فسر معناهما.
و قال في المختلف و المبسوط و النهاية: لا ضمان عليهم الا فيما يهلك مما أفسدوه أو يكون بشيء من جهتهم أو بتفريط منهم و ما أشبه ذلك، فان هلك من غير ذلك لم يكن عليهم شيء من ذلك، و به قال أبو الصلاح و سلار.
و قال ابن إدريس: اختلف أصحابنا في تضمين الصناع و المكارين و الملاحين فقال بعضهم: هم ضامنون لجميع الأمتعة و عليهم البينة، الا أن يظهر هلاكه و يشتهر بما لا يمكن دفاعه، مثل الحريق العام و الغرق و النهب كذلك، فأما ما جنته أيديهم على السلع فلا خلاف بين أصحابنا أنهم ضامنون له، و قال الفريق الآخر من أصحابنا و هم الأكثرون المحصلون: أن الصناع لا يضمنون إلا ما جنته أيديهم على الأمتعة أو فرطوا في حفاظه، و كذلك الملاحون و المكارون و الرعاة و هو الأظهر و العمل عليه، لأنهم أمناء سواء كان الصانع منفردا أو مشتركا.
قال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال: و الوجه اختيار الشيخ، لنا الأصل براءة الذمة و عدم الضمان، فإن أيديهم ليست عادية، و هم أمناء فلا يتعلق بهم ضمان، إلا مع تعد أو تفريط، كالمستودع و غيره.
أقول: و على هذا القول جرى المتأخرون، و الواجب أولا نقل الأخبار المتعلقة بهذا المقام ثم الكلام فيها بما رزق الله فهمه ببركتهم (عليهم السلام) فمنها ما رواه
في الكافي و التهذيب عن الحلبي (1) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال سألته عن القصار يفسد قال: كل أجير يعطى الأجر على أن يصلح فيفسد فهو ضامن».
و ما رواه
في التهذيب عن أبى الصباح الكناني (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 241 ح 1، التهذيب ج 7 ص 219 ح 37.
(2) التهذيب ج 7 ص 220 ح 45، و هما في الوسائل ج 13 ص 271 ح 1 و ص 274 ح 13.
616
عن القصار هل عليه ضمان؟ قال: نعم كل من يعطى الأجر ليصلح فيفسد فهو ضامن».
و ما رواه
في الفقيه عن حماد عن الحلبي (1) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يعطى الثوب ليصبغه فيفسده، فقال: كل عامل أعطيته أجرا على أن يصلح فأفسد فهو ضامن».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن أبى الصباح (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الثوب أدفعه الى القصار فيخرقه؟ قال: أغرمه فإنك إنما دفعته اليه ليصلحه، و لم تدفعه ليفسده».
و عن إسماعيل بن الصباح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القصار يسلم اليه المتاع فخرقه أو غرقه أ يغرمه؟ قال: نعم غرمه ما جنت يداه فإنك إنما أعطيته ليصلح، لم تعط ليفسده».
هكذا اسناد الخبر في نسخ التهذيب و ربما وجد في بعضها عن إسماعيل عن أبي الصباح و هو الظاهر، كما هو في سند سابق هذا الخبر، و يحتمل في إسماعيل أنه ابن عبد الخالق، أو ابن الفضل الهاشمي.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن السكوني (4) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن أمير المؤمنين (عليه السلام) رفع اليه رجل استأجر رجلا ليصلح له بابه فضرب المسمار فانصدع الباب فضمنه أمير المؤمنين (عليه السلام)».
أقول: و هذه الأخبار كلها موافقة لما اتفق عليه الأصحاب من ضمان ما جنته يد الصانع، و ان كان لا عن تعمد، و ان ذلك قاعدة كلية في كل من أعطى الأجر ليصلح فأفسد فإنه ضامن.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 161 ح 1 من باب 75.
(2) الكافي ج 5 ص 242 ح 7، التهذيب ج 7 ص 220 ح 42.
(3) التهذيب ج 7 ص 221 ح 50.
(4) الكافي ج 5 ص 243 ح 9، التهذيب ج 7 ص 219 ح 41، و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 275 ح 19 و ص 273 ح 8 و ص 274 ح 10.
617
و منها ما رواه
في الكافي عن الحلبي (1) في الصحيح أو الحسن «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قال في الغسال و الصباغ: ما سرق منهما من شيء فلم يخرج (منه) على أمر بين أنه قد سرق، و كل قليل له أو كثير «فهو ضامن»، فان فعل فليس عليه شيء «و ان لم يفعل» و لم يقم البينة و زعم أنه قد ذهب الذي ادعى عليه فقد ضمنه ان لم يكن له على قوله بينة».
و رواه في الفقيه مثله، و
كذا الشيخ في التهذيب، و زاد فيه و عن رجل استأجر أجيرا فأقعده على متاعه فسرق قال:
هو مؤتمن».
و ما رواه
في الكافي في الصحيح عن الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال في الغسال و الصباغ: ما سرق منهم من شيء فهو ضامن».
أقول: يعنى إذا ادعى السرقة كما هو ظاهر الخبر الأول.
و ما رواه
المشايخ الثلاثة عن أبى بصير (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قصار دفعت اليه ثوبا فزعم أنه سرق من بين متاعه، فقال: عليه أن يقيم البينة أنه سرق من بين متاعه، و ليس عليه شيء، و ان سرق متاعه كله فليس عليه شيء.
و عن السكوني (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يضمن القصار و الصائغ و الصباغ احتياطا على أمتعة الناس، و كان لا يضمن من الغرق و الحرق و الشيء الغالب».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن إسماعيل بن مرار عن يونس (5) قال: «سألت الرضا عليه (عليه السلام) عن القصار و الصائغ أ يضمنون؟ قال: لا يصلح الناس الا أن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 242 ح 2 ليس في الكافي كلمة «فهو ضامن» و كذا كلمة «و ان لم يفعل» التهذيب ج 7 ص 218 ح 34، الفقيه ج 3 ص 161 الباب 76 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 242 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 242 ح 4، التهذيب ج 7 ص 218 ح 35.
(4) الكافي ج 5 ص 242 ح 5، التهذيب ج 7 ص 219 ح 38.
(5) الكافي ج 5 ص 243 ح 10، التهذيب ج 7 ص 219 ح 40، و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 271 ح 2 و ص 274 ح 5 و 6 و ص 273 ح 9.
618
يضمنوا، قال: و كان يونس يعمل به و يأخذ».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن مسمع (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الأجير المشارك هو ضامن الا من سبع أو غرق أو حرق أو لص مكابر».
و ما رواه
في التهذيب عن زيد بن علي (2) عن آبائه (عليه السلام) أنه أتى بحمال كان عليه قارورة عظيمة فيها دهن فكسرها فضمنها إياه، و كان يقول كل عامل مشترك إذا أفسد فهو ضامن، فسألته ما المشترك؟ فقال الذي يعمل لي و لك».
و كذا ما رواه
في الكافي و الفقيه عن الحلبي (3) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأل رجل جمال استكري منه إبل و بعث معه بزيت إلى أرض فزعم أن بعض زقاق الزيت انخرق فإهراق ما فيه، فقال انه ان شاء أخذ الزيت، و قال:
انه انخرق و لكنه لا يصدق إلا ببينة عادلة».
و ما رواه
في التهذيب عن الشحام (4) قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل جمال اكترى منه إبل و «بعثت» معه بزيت الى نصيبين فزعم أن بعض «زقاق» الزيت انخرق فإهراق فقال له: ان شاء أخذ الزيت و ان زعم أنه انخرق فلا يقبل إلا ببينة عادلة».
و ما رواه
في الفقيه عن حماد (5) عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) في جمال يحمل معه الزيت فيقول قد ذهب أو أهرق أو قطع عليه الطريق، فان جاء ببينة عادلة أنه قطع عليه أو ذهب فليس عليه شيء، و الا ضمن».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 244 ح 7، التهذيب ج 7 ص 216 ح 27.
(2) التهذيب ج 7 ص 222 ح 58.
(3) الكافي ج 5 ص 243 ح 1، التهذيب ج 7 ص 217 ح 32.
(4) التهذيب ج 7 ص 129 ح 35، الفقيه ج 3 ص 162 ح 4 مع اختلاف يسير.
(5) الفقيه ج 3 ص 161 ح 1 ب 76، و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 277 ح 4 و ص 279 ح 13 و ص 276 ح 1 و ص 280 ح 16.
619
و ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح عن الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل حمل مع رجل في سفينة طعاما فنقص قال هو ضامن، قلت: انه ربما زاد قال: تعلم أنه زاد فله شيئا؟ قلت: لا قال: هو لك.
أقول: و هذه الأخبار كما ترى واضحة الدلالة، ساطعة المقالة، فيما ذهب اليه المفيد و المرتضى.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) «قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يضمن القصار و الصائغ احتياطا على أموال الناس، و كان أبى (عليه السلام) يتطول عليه إذا كان مأمونا».
و روى في الفقيه مرسلا قال:
و قال (عليه السلام): كان أبي يضمن القصار و الصواغ ما أفسد، و كان علي بن الحسين (عليه السلام) يتفضل عليهم». (3).
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن أبي بصير (4) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الجمال يكسر الذي يحمل أو يهريقه؟ قال إن كان مأمونا فليس عليه شيء و إن كان غير مأمون فهو ضامن».
و ما رواه
في التهذيب و الفقيه عن أبي بصير (5) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يضمن الصائغ و لا القصار و لا الحائك إلا أن يكونوا متهمين، (فيجيئون) بالبينة، و يستحلف لعله يستخرج منه شيئا و في رجل استأجر حمالا فكسر الذي يحمل أو يهريقه فقال على نحو من العامل: إن كان مأمونا فليس عليه شيء
____________
(1) الكافي ج 5 ص 243 ح 3، التهذيب ج 7 ص 217 ح 30، الفقيه ج 3 ص 161 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 242 ح 3، التهذيب ج 7 ص 220 ح 44، الفقيه ج 3 ص 162 ح 8.
(3) الفقيه ج 3 ص 161 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 244 ح 6، التهذيب ج 7 ص 216 ح 26، الفقيه ج 3 ص 163 ح 12.
(5) التهذيب ج 7 ص 218 ح 33 و فيه «فيخوف» بدل «فيجيئون»، الفقيه ج 3 ص 163 ح 9.
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 277 ح 2 و ص 272 ح 4 و ص 278 ح 7 و ص 274 ح 11.
620
و إن كان غير مأمون فهو ضامن.».
و ما رواه
في التهذيب (1) عن بكر بن حبيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يضمن القصار إلا ما جنت يداه، و ان اتهمته أحلفته».
أقول: يعني بالنسبة إلى دعوى التلف كما هو سياق الأخبار الآتية، و منها
بالإسناد المتقدم (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أعطيت جبة الى القصار فذهبت بزعمه، قال: ان اتهمته فاستحلفه و ان لم تتهمه فليس عليه شيء».
و ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن الصفار (3) «قال كتبت الى الفقيه (عليه السلام) في رجل دفع ثوبا الى القصار ليقصره، فدفعه الى قصار غيره ليقصره، فضاع الثوب هل يجب على القصار أن يرده إذا دفعه الى غيره، و ان كان القصار مأمونا؟
فوقع (عليه السلام): هو ضامن له، إلا أن يكون ثقة مأمونا».
و ما رواه
في التهذيب عن حذيفة بن منصور (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يحمل المتاع بالأجر فيضيع فتطلب نفسه أن يغرمه لأهله، أ يأخذونه؟
قال: فقال لي: أمين هو؟ قلت: نعم، قال: فلا يأخذون منه شيئا»،.
و عن حذيفة بن منصور (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أن معاذ بن كثير و قيسا أمرانى أن أسألك عن جمال حمل لهم متاعا بأجر، و أنه ضاع منه حمل قيمته ست مائة درهم و هو طيب النفس لغرمه لأنه ضياعته، قال: يتهمونه؟ قلت: لا قال: لا يغرمونه».
و ما رواه
في التهذيب عن معاوية بن عمار (6) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الصباغ و القصار؟ قال: ليس يضمنان».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 221 ح 49.
(2) التهذيب ج 7 ص 221 ح 48 الوسائل ج 13 ص 275 ح 16.
(3) التهذيب ج 7 ص 222 ح 56 الوسائل ج 13 ص 275 ح 17.
(4) التهذيب ج 7 ص 222 ح 57 الوسائل ج 13 ص 275 ح 18.
(5) التهذيب ج 7 ص 219 ح 36، الوسائل ج 13 ص 279 ح 12.
(6) التهذيب ج 7 ص 220 ح 46، الوسائل ج 13 ص 274 ح 14.
621
و ما رواه
في التهذيب و الفقيه عن جعفر بن عثمان (1) قال: «حمل أبي متاعا الى الشام مع جمال فذكر أن حملا منه ضاع. فذكرت ذالك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال: أ تتهمه؟ قلت: لا قال: لا تضمنه».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن خالد بن الحجاج (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الملاح أحمل معه الطعام ثم أقبضه منه فينقص، قال إن كان مأمونا فلا تضمنه».
أقول: هذا ما حضرني من أخبار المسئلة، و ليس فيها ما يدل على القول المشهور إلا ظاهر الرواية الأخيرة، و الشيخ قد حملها على ما إذا كانا مأمونين، و هو جيد.
و أما ما يدل على قول المفيد و السيد فجملة من الأخبار التي عرفت، و أنت إذا رددت هذه الأخبار التي تلوناها عليك بعضها إلى بعض و حملت مطلقها الى مقيدها، ظهر لك أن الحكم بالنسبة إلى دعوى التلف أنه ان كان أمينا غير متهم فلا ضمان عليه، و الا فهو ضامن، الا أن يقيم البينة، أو يكون لأمر ظاهرا في دعواه.
و به يظهر أن إطلاق كل من القولين المتقدمين ليس في محله، و العلامة في المختلف حيث اختار قول المشهور كما قدمنا نقله عنه حمل ما نقله من الاخبار الدالة على قول المفيد و المرتضى على التفريط و التعدي، جمعا بين الأدلة، أو على تأخير المتاع عن الوقت المشترط، و ان كان نوع تفريط، لما رواه
الكاهلي (3) في الحسن عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن القصار يدفع اليه الثوب و اشترط عليه أن يعطيه في وقت، قال: إذا خالف و ضاع الثوب بعد الوقت فهو ضامن».
و أنت خبير بما فيه من التعسف المستغنى عنه، فإنه لا إشعار في شيء
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 217 ح 28.
(2) التهذيب ج 7 ص 217 ح 29.
(3) التهذيب ج 7 ص 219 ح 39.
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 278 ح 6 و ص 277 ح 3 و ص 273 ح 7.
622
من تلك الأخبار بما ادعاه من التعدي و التفريط، بل هي ظاهرة الدلالة في المدعى و ما ادعاه من الحمل على تأخير المتاع أبعد، إذ لا إشعار في شيء منها بذلك، بل هي ظاهرة في أن الضمان إنما هو من حيث التلف، و ان كان لا عن تعد و لا تفريط و الوجه في الجمع إنما هو ما قلناه، لتكاثر الأخبار به كما عرفت.
و استند في المسالك حيث اختار القول المشهور إلى أصالة البراءة و لأنهم أمناء فلا يضمنون بدون التفريط، قال: و في كثير من الأخبار دلالة عليه، و فيه أن الأصل يجب الخروج عنه بالدليل، و قد عرفته مما ذكرناه من الأخبار الساطعة في ذلك على وجه لا تقبل الإنكار الا من حيث قصور التتبع لها، كما لا يخفى على من جاس خلال الديار، و أما ما ذكره من أنهم أمناء فلا يضمنون الا مع التفريط، فهو و ان كان كذلك في جملة من المواضع، الا أنه من الجائز خروج هذا الحكم من تلك المواضع، لأن الإجارة على هذا الوجه نوع معاوضة، فيجب إيصال كل عوض الى مستحقه أو بدله، الا أن يعلم بأحد الوجهين المتقدمين تلفه بغير تفريط و لا تعد، و لهذا ان أخبار هذه المسئلة على كثرتها و تعددها كما عرفت خالية عن ذلك، فإنها على تعددها و استفاضتها و صحتها و ضم بعضها الى بعض صريحة في الضمان إلا مع كون الأجير ثقة مأمونا غير متهم كما عرفت، و لا إشعار في شيء منها، فضلا عن الظهور بكون الضمان مستندا الى التفريط أو التعدي، و إنما رتب فيها على مجرد التلف، و لكنهم لعدم التتبع التام للأخبار يقعون فيما يقعون فيه، و الحكم كما ذكرنا واضح بحمد الله سبحانه.
ثم ان الظاهر أن ما دل عليه صحيح الحلبي و مرسل الفقيه من التفضل و التطوع بعدم الضمان، ينبغي حمله على ذينك الإمامين (عليهما السلام) بمعنى أنه إذا وقع ذلك في مالهما لا يضمنون العامل جمعا بين الأخبار، لما عرفت من قول أمير المؤمنين و الرضا (عليهما السلام) «لا يصلح الناس الا أن يضمنوا احتياطا على أموال الناس» بمعنى أن الحكم الشرعي تضمينهم، فإنهم متى عرفوا ذلك احتاطوا في
623
حفظ أموال الناس خوف الغرم، و لو حمل الخبران الأولان على أن المراد بهما أنهما (عليهما السلام) يحكمان بالتفضل و التطوع بالنسبة إلى الناس، لحصلت المنافاة و المعارضة بين الأخبار، على أن صحيح الحلبي صريح في أن تطوله (عليه السلام) بعدم الضمان إنما هو في صورة ما إذا كان مأمونا، و حينئذ فيرجع الى الأخبار الأخيرة الدالة على قيد المأمونية، و يحمل إطلاق تفضل على بن الحسين (عليه السلام) على ذلك، و به يزول الاشكال و ان حمل على غيرهما من الناس، و الله سبحانه العالم.
الخامسة و العشرون: في إجارة المملوك
، و الكلام فيها يقع في مواضع:
الأول: فيما إذا آجر المولى عبده أو آجر العبد نفسه باذن مولاه فأفسد
، فلا خلاف و لا إشكال في لزوم ذلك للمولى، لمكان إذنه، لأن الإذن في الإجارة يقتضي الالتزام بلوازمها التي من جملتها الضمان هنا، لكن الخلاف إنما هو في أنه هل يختص الضمان بكسب العبد، لأن الصانع لما كان ضامنا لما يفسده في ماله، و العبد لا مال له، تعلق الضمان بكسبه، و على هذا لو زادت الجناية على الكسب لم يلزم المولى شيء أو يكون الضمان علي المولى؟ مطلقا قولان: و بالثاني قال في النهاية و أبو الصلاح.
قال في النهاية: من استأجر مملوك غيره من مولاه، فأفسد المملوك شيئا أو أبق قبل أن يفرغ من عمله كان مولاه ضامنا لذلك، و قال ابن إدريس: يكون ضامنا لبقية الأجرة دون أرش ما أفسده.
أقول: و كلام ابن إدريس لا يخلو من إجمال، فإنه يحتمل أن يراد به أن أرش الجناية لا يضمنه السيد من ماله، و لا من كسب العبد، و حينئذ فيكون هذا قولا ثالثا في المسألة، و لم أقف على من نقله عنه، و يحتمل أن يراد به أنه لا يضمنه المولى من ماله، و ان ضمنه من كسب العبد، كما هو القول الأخر في المسئلة، الا أنه لا يخلو من بعد، و كلام أبى الصلاح على نحو كلام الشيخ.
و الذي يدل على ما ذهب اليه الشيخ ما رواه
في الكافي و التهذيب عن زرارة
624
و أبي بصير (1) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل كان له غلام استأجره منه صائغ أو غيره قال: ان كان ضيع شيئا أو أبق فمواليه ضامنون».
و ظاهر المختلف حمل الرواية على أن الضمان المراد ضمان الموالي من كسب العبد لا من أموالهم، و لا يخفى بعده، و فصل في المسالك و قال:
و الأصح أن الإفساد ان كان في المال الذي يعمل فيه من غير تفريط تعلق بكسبه، كما ذكروه، و ان كان بتفريط تعلق بذمته يتبع به إذا أعتق، لأن الاذن في العمل لا يقتضي الاذن في الإفساد.
نعم لو كان باذن المولى تعلق به، و عليه تحمل الرواية، و ان كان بجناية على نفس أو طرف تعلق برقبة العبد، و للمولى فدائه بأقل الأمرين من القيمة أو الأرش، سواء كان باذن المولى أم لا، انتهى.
و فيه أولا أن ظاهر قوله «نعم لو كان باذن المولى تعلق بالمولى، يعطي أن حكمه بتعلقه بكسب العبد في صورة عدم التفريط و التعدي، و التعلق بذمته في صورة التفريط مبنى على أن الاستيجار بدون اذن المولى، و هو خلاف فرض أصل المسئلة و ذلك فإن البحث هنا في المسئلة إنما بنى على ما قدمنا ذكره من اجارة المولى عبده أو إجارة العبد نفسه باذن المولى، و ثانيا أنه مع عدم الإذن فإنه لا ريب في بطلان الإجارة، فلا يترتب عليها شيء مما ذكر من الضمان، لأن تصرف المستأجر في العبد بدون اذن مولاه غصب محض، لا يستحق ضمانا، و يحتمل أن المراد أنه لو أذن المولى للعبد في الإفساد فيكون الضمير في كان راجعا إلى الإفساد، و هو و ان كان معنى صحيحا في حد ذاته، الا أن حمل الرواية على ذلك في غاية البعد.
و بالجملة فإن فهمي القاصر- عن ادراك معنى صحيح لهذا الكلام- خاسر، و كيف كان فإنه لا يخفى ما في الحكم بتعلق حكم الضمان بذمته، و أنه يتبع به إذا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 302 ح 1، التهذيب ج 7 ص 213 ح 18، الوسائل ج 19 ص 183 ح 1.
625
أعتق من الاشكال، لما فيه من الضرر على المالك، فإنه قد يتعمد العبد الجناية على مال المالك، و يفرط فيه فيسرق لعلمه بأنه لا يؤاخذ به الا بعد العتق، مع أنه قد لا يعتق بعد موت المالك، أو يكون فقيرا بعد العتق، و كيف يصح ارتكاب هذا الضرر، مع عدم وجود دليل عليه، و الرواية ظاهرة الدلالة بإطلاقها على ضمان المولى مطلقا، و يؤيدها أن المولى بوصفه عبده و إجارته لمثل هذه الأمور التي لا يحسنها في قوة المدلس، فيجب عليه الضمان.
و بالجملة فالظاهر هو الوقوف على ظاهر النص المذكور، كما ذكره الشيخ و من تبعه، و الخروج عنه بغير دليل شرعي سوى هذه التخريجات مشكل، و الله سبحانه العالم.
الثاني: لو آجر السيد عبده ثم أعتقه
فلا خلاف في صحة الإجارة و العتق، أما الإجارة فظاهر، لأن منافع العبد لمولاه حال ملكه، فيجوز له نقلها بالإجارة كمنفعة نفسه، فإنه يوجر نفسه غيره، و أما العتق فكذلك أيضا، فإنه مالك لرقبته، و العتق مورده رقبة المملوك، و المنافع و ان كانت تابعة للرقبة الا أنه قد سبق ملكها، أو ملك بعضها بعقد الإجارة، غاية الأمر أن العتق إنما صادف الرقبة دون منافع مدة الإجارة، فتزول السلطنة عن الرقبة، و المنافع التي لم تدخل تحت الإجارة، و هو مما لا خلاف و لا اشكال فيه.
و إنما الخلاف في أنه هل يرجع المملوك على مولاه بأجرة المثل عن تلك المدة التي آجره فيها أم لا؟ قال ابن إدريس و مثله الشيخ في المبسوط: إذا آجر عبده مدة ثم أعتقه في أثنائها صح، و هل يرجع على السيد يأجره المثل لما يلزمه من الخدمة بعد الحرية؟ قيل: فيه قولان: أحدهما يرجع بأجرة المثل في تلك المدة، و الآخر لا يلزمه، و هو الصحيح لأنه لا دليل عليه، و الأصل براءة الذمة، و ربما علل الرجوع بأن إزالة الرق يقتضي ملك العبد لمنفعته، فإذا سبق نقل المولى لها فاتت العين، فيرجع العبد على المولى بعوضها، و هو أجرة المثل، و ضعفه ظاهر
626
مما تقدم، فان تصرف المولى بالإجارة في تلك المنافع لا ريب في صحته، و عدم ترتب ضمان عليه في ذلك و استحقاق المستأجر لتلك المنافع مما لا ريب فيه أيضا، و العتق إنما صادف ازالة الرق عن الرقبة مسلوبة المنافع تلك المدة، فقول القائل المذكور أن الرق يقتضي ملك العبد لمنفعته إنما يتم، فيما إذا صادف العتق ازالة الرق من الرقبة و منافعها، لا فيما نحن فيه، و لهذا لو أعتقه و شرط عليه خدمته مدة معينة صح ذلك، كما أن المنفعة هنا لا يقتضي العتق ملك العبد لها لمكان الشرط، كذلك فيما نحن فيه للسبق، فان المالك قد آجرها سابقا و هذه الصورة أولى بعدم مطالبة العبد من صورة الشرط.
و بالجملة فإن ضعف القول المذكور أظهر من أن يخفى، و من المحتمل قريبا أن هذا القول إنما هو للعامة كما هو مؤمى عبارة المبسوط، فإنه لم ينسب الى أحد من أصحابنا صريحا، و الظاهر أن الأصحاب إنما نقلوا الخلاف من هذه العبارة، بقي الكلام هنا في شيء آخر أيضا و هو نفقة العبد في مدة الإجارة.
قال في المسالك بعد البحث في الحكم المتقدم: إذا تقرر ذلك فنفقة تلك المدة إذا لم تكن مشروطة على المستأجر، هل يجب على مولاه، أو في كسبه، أو في بيت المال ان كان؟ أوجه: من انتفائها من العبد، لاستغراق وقته في الخدمة، و عن المستأجر لانتفاء الشرط، فلم يبق لها محل الا السيد، و لأنه ملك عوض المنفعة تلك المدة، و من انتفاء المقتضي، للإنفاق، و هو الملك، و قد زال و من أن النفقة مقدمة على حق كل أحد كما في المديون و المعسر، فيخرج من الكسب مقدمة على حق المستأجر، و الأقوى الأخير لزوال ملك السيد و عجزه عن نفسه، و لبطلان الحصر و عدم استلزام تملك عوض منفعة تلك المدة النفقة، و إنما تقدم النفقة على حق الغير من مال المكتسب، و بيت المال معد للمصالح، و هو من جملتها، و مع تعذره فهو من الواجبات الكفائية على سائر المكلفين، انتهى.
أقول: قد تقدم نقل الخلاف في نفقة الدابة إذا آجرها المالك هل هي على
627
المستأجر أو المالك؟ و الإنسان إذا آجر نفسه هل نفقته على نفسه، أو المستأجر، و محل الاشكال هنا إنما يتوجه على القول بكون النفقة على المالك في الأول، و على الموجر نفسه في الثاني، و أما على تقدير كونها على المستأجر أصالة كما هو أحد القولين أو بالشرط على القول الثاني فلا اشكال، و لهذا انه لما كان مذهب شيخنا الشهيد الثاني هو أن النفقة على المالك، و الموجر نفسه، جعل محل الاشكال فيما لو لم يكن مشروطة على المستأجر، و قد استشكل في ذلك أيضا جمع من الأصحاب منهم العلامة في الإرشاد، و وجه الاشكال كما ذكره هنا من أنه ملك عوض المنفعة تلك المدة و استوفاه، فيلزمه النفقة، و من أنه بالعتق خرج عن ملكه، المقتضى لوجوب الإنفاق، فيزول وجوب الإنفاق.
و بالجملة فالمسئلة محل اشكال، لخلوها من النص، و ان كان ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني لا يخلو عن قرب، بناء على الأخذ بهذه التقريبات المتداولة في كلامهم، لأنه نفاها عن المستأجر من حيث عدم الشرط، بناء على مذهبه في المسئلة كما أشرنا اليه، و عن السيد لتبعية وجوب النفقة للملك، و عدم ثبوت الاستلزام المدعى، و عن العبد، لاستغراق وقته في الخدمة، و تقديمها من الكسب- على حق المستأجر، قياسا على المديون، و المعسر- إنما يتم لو كان له مال مكتسب، و قد عرفت أنه لانتقال منافعه إلى المستأجر و استغراق وقته في الخدمة لا مال له، فلا وجه لإيجابها في كسبه، إذ لا كسب له، فلم يبق الا الرجوع الى بيت المال ان كان، أو المؤمنين وجوبا كفائيا، و الله سبحانه العالم.
الثالث [إذا استأجر العبد سنة، ثم مات بعد مضي نصفها]:
قال في المختلف: إذا استأجر العبد سنة، ثم مات بعد مضي نصفها، قال الشيخ و تبعه ابن إدريس: يصح فيما مضى، و يبطل فيما بقي، و له المطالبة بأجرة المثل، فان تساويا أخذه، و ان كان أجرة الباقي أكثر استحق الزيادة، مثل أن يكون أجرة الماضي مائة، و الباقي مأتين، فإنه يستحق عليه مأتين، و بالعكس، و هذا القول فيه نظر، بل الحق أن ينسب المسمى إلى أجرة المثل،
628
و يقسط ما قابل المتخلف، و كأن مراد الشيخ ذلك، انتهى.
السادسة و العشرون [في ضمان صاحب الحمام]:
قد صرح الأصحاب بأنه لا يضمن صاحب الحمام الا ما أودع و تعدى أو فرط فيه، و هو كذلك، اما أنه لا يضمن بغير الإيداع فظاهر، لأن الأصل براءة الذمة من وجوب حفظ مال الغير مع عدم الالتزام به حتى لو نزع المغتسل ثيابه، و قال احفظها و لم يقبل لم يجب عليه الحفظ، و أما أنه مع الإيداع لا يضمن الا بالتفريط أو التعدي، فلأنه أمين محض، و قد تقدم تحقيق القول فيه في كتاب الوديعة، و يدل على ذلك أيضا ما رواه
المشايخ الثلاثة مرسلا (1) في بعض عن الباقر عن أمير المؤمنين (عليهما السلام)، و مسندا في بعض عن غياث بن إبراهيم (2) «عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) ان أمير المؤمنين (عليه السلام) أتى بصاحب حمام وضعت عنده الثياب فضاعت فلم يضمنه، و قال: إنما هو أمين».
قال بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين لعل المعنى أنه يحفظها بمحض الأمانة، و ليس ممن يعمل فيها أو يأخذ أجرة على حفظها، فهو محسن لا سبيل عليه، و يمكن أن يقال: خصوص هذا الشخص كان أمينا غير متهم، فلذا لم يضمنه، و الأول أظهر انتهى.
أقول: بل الظاهر أن الثاني أظهر إذ مجرد وضع الثياب عنده من غير أن يظهر منه ما يدل على قبول أ يتمانها لا يدل على كونه أمينا يترتب عليه ما يترتب على سائر الأمناء من عدم الضمان الا مع التفريط، و قد تقدم ذلك في كتاب الوديعة.
و ما رواه
في التهذيب عن السكوني (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أن عليا (عليه السلام) كان يقول لا ضمان على صاحب الحمام فيما ذهب من الثياب، لأنه إنما أخذ الجعل على الحمام، و لم يأخذ على الثياب».
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 163 ح 10.
(2) الكافي ج 5 ص 242 ح 8، التهذيب ج 7 ص 218 ح 36، الوسائل ج 13 ص 270 ح 1.
(3) الوسائل ج 13 ص 271 ح 3 الباب 28 من أبواب أحكام الإجارة التهذيب ج 6 ص 314 ح 869، الرواية بهذا المتن بعينها هي رواية إسحاق بن عمار و لم نقف على هذا المتن عن طريق السكوني.
629
و ما رواه
في قرب الاسناد عن أبي البختري (1) عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) «عن علي (عليه السلام) أنه كان لا يضمن صاحب الحمام، و قال: إنما يأخذ أجرا على الدخول الى الحمام».
و ما رواه
في التهذيب عن إسحاق بن عمار (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أن عليا (عليه السلام) كان يقول لا ضمان على صاحب الحمام فيما ذهب من الثياب».
السابعة و العشرون [في إيجاب الأب أو الوصي الصبي أو شيئا من ماله]:
قال في الخلاف: إذا آجر الأب أو الوصي الصبي أو شيئا من ماله صحت الإجارة إجماعا، فإن بلغ الصبي قبل انقضاء المدة كان له ما بقي و لم يكن للصبي فسخه، لان العقد على غير البالغ و على ماله وقع صحيحا بلا خلاف فمن ادعى أن له الفسخ بعد البلوغ فعليه الدلالة، و تبعه ابن إدريس في ذلك.
و قال في المبسوط: ان له فسخها فيما بقي و قيل: انه ليس له ذلك، و هو الأقوى، قال في المختلف: و الحق أن له الفسخ، لنا أن الولاية تابعة للصغر، و قد زال فتزول الولاية، و العقد تابع لها، فيزول بزوالها، و لأنه لو عقد عليه مدة يعلم بلوغه في بعضها بطلت في الزائد، فكذا في المجهول مع وقوعه، لأن العلم و الجهل لا مدخل لهما في ثبوت الولاية و عدمها، انتهى.
أقول: و ينبغي أن يعلم أن هنا صورتين: إحديهما أن يأجره مدة يعلم بلوغه و رشده قبل انقضائها، كأن يأجره و هو ابن عشر سنين، مدة سبع سنين، و لا خلاف هنا فيما أعلم أن الإجارة لازمة فيما قبل البلوغ و الرشد، و أما بعدهما فإنه يكون موقوفا على إجازة الصبي، لأن زمان الولاية عليه و على ماله ما قبل الأمرين المذكورين، فلا إشكال في لزوم الإجارة في تلك المدة، و أما بعد حصول الأمرين المذكورين فلا اشكال و لا خلاف في زوال الولاية عنه و حينئذ فلا إشكال في توقف
____________
(1) قرب الاسناد ص 71، الوسائل ج 13 ص 271 ح 2 الباب 28 من أبواب أحكام الإجارة.
(2) التهذيب ج 6 ص 314 ح 869.
630
صحة الإجارة و الحال هذه على إجازته، لأن العقد في هذه المدة الزائدة يصير بمنزلة الفضولي.
الثانية: ان يأجره في مدة لا يعلم ذلك، الا أنه اتفق حصوله في أثناء المدة و هذه الصورة هي محل الخلاف، فظاهر كلام الشيخ المذكور هو صحة الإجارة في جميع المدة صحة لازمة لوقوع الإجارة من أهلها في محلها في وقت لا يعلم لها مناف، فتستصحب.
و ظاهر العلامة هو الصحة كذلك إلى حين اجتماع الشرطين المذكورين، لانتفاء المانع، و أما بعد حصولهما فإنه يكون الحكم كما في سابق هذه الصورة، لأن زمان الولاية ما قبل الكمال، فيكون نفوذ التصرف مقصورا عليه، و في الشرائع تردد في هذه الصورة لما عرفت من تدافع التعليلين المذكورين، و في المسالك قوى قول العلامة أقول: و المسئلة بالنسبة الى هذه الصورة كغيرها من المسائل الغير المنصوصة محل اشكال، و أما بالنسبة إلى الصورة الأولى فإنه لا ريب في صحة الإجارة و لزومها قبل حصول الشرطين المذكورين، و أما بعدهما فان قلنا بصحة العقد الفضولي كما هو المشهور، و أجاز الصبي فكذلك، و ان قلنا بالبطلان كما هو المختار فالحكم ظاهر، و هكذا الكلام بالنسبة إلى مذهب العلامة و من تبعه في الصورة الثانية.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن أكثر الأصحاب الذين تعرضوا لهذه المسئلة و منهم الشيخ و الفاضلان انما ذكروا بالنسبة إلى زوال الولاية بالبلوغ خاصة، مع أنه لا خلاف في ضم الرشد اليه، فلو بلغ و لم يكن رشيدا فالولاية باقية، ففي الصورة الأولى لو آجره مدة يعلم بلوغه فيها و لا يعلم رشده، بل كان مجهولا فان الحكم فيها كما في الثانية، أما إذا كان معلوما كأن يكون متميزا قبل البلوغ، فإنه يكون الحكم كما ذكروه، و منه يعلم أن الصورة الثانية أعم من أن لا يعلم بلوغه و لا رشده أو يعلم بلوغه و لا يعلم رشده، ثم اتفق حصولهما، و لو تلف الصبي بعد تسليم المستأجر له و كذا غيره ممن تستأجره للعمل عنده لم يضمنه، و لا فرق هنا بين الصغير و الكبير، و الحر و العبد، فان كل من يسلم أجيرا ليعمل له فتلف لم يضمنه،
631
لأنه قبضه لاستيفاء منفعة مستحقة لا يمكن تحصيلها إلا بإثبات اليد عليه فكان أمانة في يده، قالوا: و لا فرق بين تلفه مدة الإجارة و بعدها.
أقول: أما تلفه مدة الإجارة فلا ريب فيه، و أما بعدها لو كان صبيا أو مملوكا فهو مبني على ما هو المشهور، كما تقدم في الموضع الخامس من المطلب الأول من هذا الكتاب (1) من أن العين المستأجرة من دابة أو صبي أو مملوك بعد تمام المدة هل يجب على المستأجر ردها الى المالك، فلو أخرها ضمن، و وجب عليه نفقتها أولا يجب عليه ذلك الا بعد طلب المالك، و الا فقبل ذلك انما يجب عليه رفع اليد عنها، و التخلية بين المالك و بينها، قولان: أشهرهما الثاني، و الكلام هنا مبني على هذا القول و الله سبحانه العالم.
الثامنة و العشرون [فيمن تقبل عملا لم يجز أن يقبله غيره بنقيصة]:
المشهور في كلام المتقدمين أن من تقبل عملا لم يجز أن يقبله غيره بنقيصة، الا أن يحدث فيه حدثا يستبيح به الفضل، و قيل، بالكراهة و اختاره في المسالك، و الظاهر أنه قول أكثر المتأخرين.
و من الأخبار الدالة على المشهور ما رواه
في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) «عن أحدهما (عليهما السلام) أنه سئل عن الرجل يتقبل بالعمل فلا يعمل فيه و يدفعه الى آخر فيربح فيه؟ قال: لا إلا أن يكون قد عمل فيه شيئا».
و ما رواه
التهذيب في الصحيح عن أبي حمزة (3) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتقبل العمل فلا يعمل فيه و يدفعه الى آخر يربح فيه؟ قال لا»:.
و ما رواه المشايخ الثلاثة عن الحكم الخياط (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أني أتقبل الثوب بدرهم و أسلمه بأقل من ذلك لا أزيد على أن أشقه قال: لا بأس بذلك، ثم قال: لا بأس فيما تقبلت من عمل ثم استفضلت فيه».
____________
(1) ص 542.
(2) الكافي ج 5 ص 273 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 210 ح 5، هما في الوسائل ج 13 ص 265 ح 1 و 4.
(4) الكافي ج 5 ص 274 ح 2، التهذيب ج 7 ص 210 ح 7، الوسائل ج 13 ص 265 ح 2.
632
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن مجمع (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أتقبل الثياب أخيطها ثم أعطيها الغلمان بالثلثين فقال: أ ليس تعمل فيها قلت:
أ قطعها و اشتري لها الخيوط قال: لا بأس».
و عن علي الصائغ (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أتقبل العمل ثم أقبله من غلمان يعملون معي بالثلثين فقال: لا يصلح ذلك الا أن تعالج معهم فيه قلت: فإني أذيبه لهم، قال: فقال ذاك عمل فلا بأس».
و ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل الخياط يتقبل بالعمل فيقطعه و يعطيه من يخيطه و يستفضل قال: لا بأس قد عمل فيه».
هذا ما حضرني من أخبار المسئلة، و كلها كما ترى ظاهرة الدلالة في القول الأول، و هو الذي عليه المعول، ثم انه ينبغي أن يعلم أن جواز دفعه الى غيره مشروط بما إذا كان العمل في الذمة بأن يحصل له هذا العمل بنفسه أو غيره، أما لو كان الاستيجار على فعله بنفسه فإنه لا يجوز له الدفع الى غيره، ثم انه على تقدير الأول هل يكون ضامنا بدفعه الى الغير بدون اذن المالك صرح ابن إدريس بذلك، و المشهور خلافه، و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في المسئلة الرابعة من مسائل هذا المطلب (4).
التاسعة و العشرون [الخلاف في جواز الإجارة بأكثر مما استأجر]:
اختلف الأصحاب في جواز الإجارة بأكثر مما استأجر إذا لم يحدث فيه حدثا فقيل بالتحريم، و هو المشهور بين المتقدمين، و قيل بالجواز على كراهة و هو المشهور بين المتأخرين، و تقدم تحقيق القول في ذلك في صدر كتاب المزارعة (5).
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 159 ح 10، التهذيب ج 7 ص 211 ح 8- الوسائل ج 13 ص 266 ح 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 211 ح 9، الوسائل ج 13 ص 266 ح 7.
(3) التهذيب ج 7 ص 210 ح 6، الوسائل ج 13 ص 266 ح 5.
(4) ص 563.
(5) ص 292.
633
الثلاثون [الخلاف في جواز إجارة الأرض بالحنطة و الشعير مما يخرج منها]:
اختلف الأصحاب في جواز إجارة الأرض بالحنطة و الشعير مما يخرج منها، فقيل: بالتحريم، و قيل: بالكراهة، و قد تقدم أيضا تحقيق الكلام في ذلك في الموضع المشار إليه.
الحادية و الثلاثون [فيمن دفع إلى غيره سلعة ليعمل له فيها عملا]:
إذا دفع الى غيره سلعة ليعمل له فيها عملا كالقصار و الغسال و نحوهما فقد صرح المحقق بأن له أجرة المثل بشرط أحد الأمرين، إما كون العامل من عادته أن يأخذ الأجرة على مثل ذلك العمل، أو كون ذلك العمل مما له أجرة في العرف و العادة المستمرة، و عن العلامة أنه اعتبر كون العمل له أجرة عادة خاصة.
و يتخرج على ذلك صور أربع: الأولى: ما إذا حصل الشرطان المذكوران في كلام المحقق، و الأجرة ثابتة على كلا القولين.
الثانية: انتفاؤهما معا و لا أجرة على القولين، و لا فرق حينئذ بين كون العمل متقوما بأجرة و عدمه، إذا لم يكن له في العادة أجرة، و لا أعد العامل نفسه لها.
الثالثة: أن يكون العمل مما له أجرة بحسب العادة، و لكن ليس من عادة العامل الاستيجار له، و الأجرة ثابتة على القولين أيضا لأن هذا أحد شرطي المحقق و هو الذي اقتصر عليه العلامة.
الرابعة: عكس هذه الصورة بأن يكون من عادته الاستيجار له الا أن العمل ليس مما له أجرة بحسب العادة، و الأجرة ثابتة على مذهب المحقق، دون العلامة، و رجح مذهب المحقق في هذه المسئلة بأن الأمر بالعمل يقتضي استيفاء منفعة مملوكة، للمأمور، متقومة بالمال، فوجب ثبوتها على الآمر كالاستيجار معاطاة، و اللازم استيفاء عمل محترم بالأمر، فلا يحل بدون العوض إلا بإباحة مالكه، و لم يتحقق و هو جيد.
634
المطلب الرابع في جملة من أحكام التنازع
منها
التنازع في أصل الإجارة
، و القول في ذلك قول المنكر منهما بيمينه، سواء كان المالك أو الأجير، لأن الأصل العدم، و الحكم اتفاقي نصا و فتوى، بقي الكلام في أنه لا يخلو اما أن يكون هذا التنازع قبل التصرف و استيفاء المنافع كلا أو بعضا، أو بعده، و على الأول لا إشكال في رجوع كل مال الى صاحبه، و على الثاني فلا يخلو اما أن يكون مدعى الإجارة المالك أو المتصرف، فان كان المدعى المالك، و الحال أن المتصرف حلف على إنكار الإجارة، انتفت الإجارة، و على المتصرف أجرة المثل، عوض ما تصرف فيه، فان كان أجرة المثل زائدة على ما يدعيه المالك من المسمى في العقد بزعمه، فإنه لا يجوز له أخذ الزيادة، لاعترافه بأن المسمى في العقد أقل من ذلك، فلا يستحق أزيد منه، و ان وجب على المتصرف دفعها لو لم يدفعها سابقا، و حرمت المطالبة بها ان دفعها سابقا، و ان كان المسمى بزعم المالك زائدا على أجرة المثل، فان هذه الزيادة تنتفي بانتفاء الإجارة بعد اليمين، فليس للمالك طلبها، و لا يجب على المنكر دفعها، و ان دفعها سابقا استرجعها، و ان كان مدعى الإجارة هو المتصرف، و المالك ينكرها، و ينكر الاذن في التصرف مطلقا، فقد عرفت أن القول قوله بيمينه، و حينئذ إذا حلف انتفت الإجارة، و استحق أجرة المثل لما تصرف فيه المستأجر بزعمه، فله المطالبة بها ان لم يكن قبض قدرها سابقا، و ان زادت عن المسمى بزعم المستأجر، لأن المسمى قد بطل بانتفاء الإجارة، و صار الحكم هو أجرة المثل، و أما لو زاد المسمى فإنه لا يجوز له أخذه لإنكاره الإجارة و بطلانها باليمين، و ان كان يجب على المستأجر دفعه لاعترافه به، و لو قبض المسمى سابقا لم يكن للمستأجر المطالبة بالزائد لاعترافه به، و ان كان المالك يعترف أيضا بأنه لا يستحقه، و يضمن المستأجر العين في هذه الصورة، لثبوت كون التصرف غصبا، بخلاف الأولى التي يدعي المالك فيها
635
الإجارة، فإن العين باعترافه أمانة في يد المستأجر، نعم لو أنكر الإجارة و اعترف بالإذن في التصرف، فلا ضمان أيضا للخروج عن الغصب بالاذن، و الله سبحانه العالم.
و منها
التنازع في قدر العين المستأجرة
بان ادعى المستأجر انك آجرتني الدار بأجمعها بمأة درهم، فقال المالك بل أجرتك بيتا خاصا منها بمأة درهم، و المشهور أن القول قول المنكر لأصالة عدم وقوع الإجارة على الزائد عما يعترف به المالك، و قيل بالتحالف هنا، لأن كلا منها مدع و منكر فالمستأجر يدعى استيجار الدار كملا، و المالك ينكر ذلك، و المالك يدعي إجارة البيت خاصة، و المستأجر ينكر ذلك.
و ظاهر المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد الميل الى هذا القول، قال رحمة الله عليه: و أما المستأجر فالظاهر فيه التحالف، لأنه بإنكار أحدهما و حلفه لم ينقطع الدعوى و النزاع، إذ قد ينقلب الحالف و يدعى الاستيجار في العين الأخرى، فلا بد من سماع دعواه، و رده على وجه شرعي و ليس الا بأن يكون القول قول منكره مع اليمين، و كذا هو الظاهر في دعوى قطعه قباء و قميصا، و لعل المصنف لم يذكر التحالف بناء على عدم دعوى الآخر، و أما مع دعواه فالظاهر التحالف فتأمل، انتهى.
و حاصله ان ما ذكروه هنا من أن القول قول منكر الزيادة بيمينه لا يحسم مادة النزاع، لأنه متى حلف المالك الذي هو منكر لاجارة الدار كملا انتفت الإجارة المدعاة، لكن لو رجع على المستأجر و ادعى عليه اجارة البيت بتلك الأجرة التي اتفقا عليها، و المستأجر ينكر ذلك، لأنه إنما يدعي الدار كملا لا بيتا منها خاصة، فلا بد من المخرج من هذه الدعوى، و ليس الا بحلف المستأجر لإنكاره تلك الدعوى، فيكون القول قوله بيمينه، و هو كلام وجيه.
و في المسالك بعد أن نقل هذا القول إجمالا قال، و الأقوى ما اختاره المصنف لاتفاقهما على وقوع الإجارة على البيت، و على استحقاق الأجرة المعينة، و ان كان
636
توزيعها يختلف بحسب الدعوى، إنما الاختلاف في الزائد فيقدم قول منكره، و ضابط التحالف أن لا يتفقا على شيء كما لو قال: آجرتك الشيء الفلاني، فقال: بل الفلاني، أو آجرتك البيت فقال: بل الحمام، و مثله ما تقدم في البيع إذا اختلفا في قدر المبيع، و في تعينه، فالقول بالتحالف هنا دون البيع غير جيد، انتهى.
و فيه ما عرفت آنفا من أن هذا إنما يتم لو لم يرجع المالك، و يدعي على المستأجر ما ذكره من اجارة ذلك البيت المخصوص و إلا فإنه بعد دعواه هذه لا مخرج منها إلا أن يحلف المستأجر، فمادة الاشكال و دفع القيل و القال لا يتم الا بالتحالف، على أن ما ذكره من اتفاقهما على وقوع الإجارة على البيت، و على استحقاق الأجرة المعينة مما لا يسمن و لا يغني من جوع، و ان كان الأمر كما ذكره بالنسبة إلى ظاهر الدعويين، الا أنه متى حلف المالك على نفي اجارة الدار و انتفت الإجارة، و المستأجر لا يدعى البيت، بل ينكره فأي ثمرة لهذا الاتفاق، بل لا وجود له، و هكذا الكلام في الأجرة، و ما ذكره من الاستناد الى ما تقدم في البيع و أنه كيف يقال بالتحالف هنا دون البيع، ففيه أن القول بالتحالف ثمة أيضا موجود، و ان كان خلاف ما يختاره كما هنا (قدس سره) و قد قدمنا نقله في جملة من صور الاختلاف بين المتبايعين في المطلب الرابع في اختلاف المتبايعين من الفصل الرابع في أحكام العقود (1).
و أما ما ذكره من القاعدة في التحالف فانى لم أقف عليها إلا في كلامه في هذا الموضع، و في كتاب البيع، و لا يحضرني الآن شيء من الأخبار الواردة بالتحالف، و لعل هؤلاء القائلين بالتحالف لا يثبتون هذه القاعدة، على أنه بناء على ما ذكرناه من وجه التحالف في الصورة المذكورة، فإنها ترجع الى هذه القاعدة أيضا لأنهما لم يتفقا على شيء، و ان أوهم تصوير المسئلة ذلك في بادى الرأي، لأنه متى كان المالك يدعي إجارة البيت خاصة، و المستأجر ينكره، و المستأجر يدعي إجارة
____________
(1) ج 19 ص 190.
637
الدار كملا، و المالك ينكره، فهو من قبيل الأمثلة التي ذكرها، و لا مخرج من هاتين الدعويين الا بالتحالف، كما لا يخفى، و الله سبحانه العالم.
و منها
ما لو اختلفا في رد العين المستأجرة
فإنه لا إشكال في أن القول هنا قول المالك بيمينه، لأنه منكر، و الأصل عدم الرد، و المستأجر قبض لمصلحة نفسه، فلا يقبل قوله في الرد مع مخالفة الأصل، و بهذا فرقوا بينه و بين الودعي حيث أن المشهور في الودعي أن القول قوله في الرد، و عللوه بأنه قبضه لمصلحة المالك فهو محسن محض، «و مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» و التحقيق في الفرق بين الودعي و الأجير إنما هو ما قدمناه في كتاب العارية من أن قبول قول الودعي إنما هو من حيث كونه أمينا، و قد دلت الأخبار التي قدمناها في كتاب الوديعة على أن الأمين ودعيا كان أو غيره من الأمناء يقبل قوله فيما يدعيه بغير اليمين، و ان كان المشهور بينهم ضم اليمين.
و أما الأجير فإنهم و ان ادعوا أنه أمين فهو غير مسلم، كما تقدمت الإشارة إليه في المسئلة الرابعة و العشرين، لأنه عامل بأجرة، فهو من قبيل المعاوضات، و بالجملة فإنه غير داخل في إطلاق تلك الأخبار، و حينئذ فيرجع في حكمه الى القاعدة المتفق عليها، و هي أن البينة على المدعي، و اليمين على المنكر، بخلاف الودعي و غيره ممن يكون أمينا، فإنه يعمل فيه بمقتضى تلك الأخبار، و بها تخصص أخبار تلك القاعدة المتفق عليها، الا أنهم لعدم وقوفهم على الأخبار التي قدمناها في الوديعة، إنما عللوا قبول قول الودعي بما ذكروه هنا، من أنه محسن، «و ليس على المحسنين من سبيل» بخلاف من قبض لنفع نفسه، و هو تعليل عقلي اصطلحوا عليه، و لا دليل عليه في الأخبار.
و منها
ما لو اختلفا في قدر الأجرة
فقال الشيخ في المزارعة من الخلاف:
الذي يليق مذهبنا أن تستعمل فيه القرعة فمن أخرج اسمه حلف، و حكم له به، لإجماع الفرقة على «أن كل مشتبه يرد إلى القرعة» و قال في المبسوط: إذا
638
اختلفا في قدر المنفعة بأن يقول: أكريتها شهرا، أو يقول: إلى الكوفة، فيقول: بل الى شهرين أو الى بغداد، و في الأجرة قال قوم: يتحالفان، و قال قوم: ان كان قبل مضي المدة تحالفا، و ان كان بعدها في يد المكترى لم يتحالفا و كان القول قول المكترى، كما في البيع القول قول المشتري إذا كانت السلعة تالفة، و هذا هو الذي يقتضيه مذهبنا، و ان قلنا يرجعان إلى القرعة، فمن خرج اسمه حلف و حكم له به كان قويا، و قال ابن الجنيد: إذا اتفقا في المدة و المكان و اختلفا في الأجرة فكل منهما يدعي ما يجوز بمثله في الإجارة في العرف، كان الأجير مدعيا فضل أجرة في مال المستأجر، و عليه البينة، و كذلك ان اختلفا في الجنس، فيقول الأجير قفيز حنطة، و يقول المستأجر خمسة دراهم، هذا إذا انقضت المدة أو ركبت الدابة، و ان كان قبل العمل أو الركوب، و لم تقم بينة و لم يسأل أحدهما يمين الآخر تحالفا و انفسخت الإجارة.
و قال ابن البراج: ان لم تكن بينة تحالفا، فان نكل أحدهما عن اليمين كان القول قول الآخر مع يمينه، فان حلفا جميعا أو نكلا معا عن اليمين انفسخ العقد في المستقبل، و كان القول قول مالك الدار مع يمينه في الماضي، فان لم يحلف كان له أجرة مثلها عما سكنه المستأجر.
و قال ابن إدريس: القول قول المستأجر و على المالك البينة، و قال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال، ثم قول ابن إدريس أخيرا: و هو الوجه، لنا أنه منكر، و لو أقام كل منهما بينة قدمت بينة المدعي، لأن القول قول المنكر و للتحالف وجه، لأن كل واحد منهما مدع باعتبار، و كذا القرعة، و قد تقدما في البيع.
أقول: و المشهور بين المتأخرين هو ما ذكره ابن إدريس، و هو الأنسب بمقتضى قواعدهم، لأنهما قد اتفقا على العقد، و على انتقال العين المستأجرة و المدة، و ثبوت الأجرة التي يدعيها المستأجر، و انما الخلاف فيما زاد عنها، فأحدهما
639
يدعيه، و الآخر ينكره، و الأصل عدمه، فالقول قول المنكر بيمينه، إلا أن المسئلة لما كانت خالية من النص فللاشكال فيها مجال.
و بالجملة فإن المسئلة هنا جارية عندهم على ما تقدم في البيع من الاختلاف في قدر الثمن، و قد تقدم نقل الأقوال فيها كما هنا، إلا أن ثمة نص، لكنه مخالف لمقتضى قواعدهم، فأخذ به بعض، و أطرحه آخر، و قد تقدم تحقيق الكلام فيه ثمة.
و أنت خبير بأن قول جملة هؤلاء الفضلاء بالتحالف في المسئلة فتوى أو احتمالا مما يوهن الضابطة التي ادعاه الشهيد الثاني في التحالف، و أنها ليست ضابطة كلية، للاتفاق على وقوع العقد و المدة و العين المستأجرة مع أن هؤلاء قالوا: بالتحالف فيها، و الضابطة المذكورة تضمنت أن لا يتفقا على شيء، فلو كان الأمر كذلك لما خرج عنها جملة هؤلاء الفضلاء من العلامة و من قبله، فان العلامة هنا و ان رجح ما ذهب اليه ابن إدريس إلا أن ظاهره احتمال التحالف، و القرعة كما هو أحد الأقوال المذكورة.
و منها
ما لو اختلفا في التلف
فظاهر جملة من المتأخرين و هو قول الخلاف و جملة من أتباعه: أنه لا ضمان على المستأجر، بل القول قوله بيمينه، لأنه أمين و قيل: بالضمان، و أن القول قول المالك، إلا أن يقيم المستأجر على ما ادعاه البينة، أو يكون المدعى مشهورا ظاهرا: و قد تقدم الكلام في هذه المسئلة، و نقل الأقوال و الأخبار المتعلقة بها كملا، و الكلام فيها بما رزق الله سبحانه فهمه منها في المسئلة الرابعة و العشرين.
و قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد نقل عبارة المصنف المتضمنة لاختيار القول الثاني ما صورته: و قيل: القول قولهم مع اليمين، لأنهم أمناء و هو أشهر الروايتين، و كذا لو ادعى المالك التفريط فأنكروا القول بضمانهم
640
مع عدم البينة هو المشهور، بل ادعى عليه الإجماع، و الروايات مختلفة، و الأقوى أن القول قولهم مطلقا، لأنهم أمناء، و للأخبار الدالة عليه، و يمكن الجمع بينها و بين ما دل على الضمان بحمل تلك على ما لو فرطوا أو أخروا المتاع عن الوقت المشترط، كما دل عليه بعضها، انتهى.
أقول: لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه بعد الإحاطة بما قدمنا تحقيقه في المسئلة المذكورة، و ذلك فان روايات المسئلة بعد حمل مجملها على مفصلها و مطلقها على مقيدها، لا تخرج عن ثلاثة أقسام، فقسم منها تضمن أن كل ما جنته يد الصانع و العامل سواء كان عن تفريط أم لا فهو ضامن، و أن ذلك قاعدة كلية في كل من أعطى الأجر ليصلح، فأفسد.
و قسم منها تضمن أن مع دعوى التلف فإنه يضمن، إلا أن يقيم البينة أو يكون التلف ظاهرا مشهورا كالغرق و الحرق و الغارة، و نحو ذلك.
و قسم منها تضمن أنه مع دعوى التلف فان كان ثقة مأمونا غير متهم، فلا ضمان عليه، و إلا فهو ضامن، و كل من الأقسام الثلاثة اشتمل على روايات عديدة، و ليس فيها ما يدل على ما ادعاه و غيره ممن قال بهذا القول، سوى رواية واحدة و هي صحيحة معاوية بن عمار (1)، و قضية الجمع بين الأخبار تقييدها بما دلت عليه اخبار المسئلة، كما ذكره الشيخ، و بذلك يظهر لك ما في قوله أن القول قولهم بيمينهم و هو أشهر الروايتين، فإنه ليس في أخبار المسئلة على كثرتها و تعددها سوى رواية معاوية بن عمار المذكورة، فمن اين هذه الشهرة، فإن أراد الروايات الواردة في غير هذه المسئلة كالواردة في الوديعة و نحوها مما يدل على ان الأمين لا يضمن، و أن القول قوله، فهو مسلم و لكن روايات هذه المسئلة خاصة، و كلها على كثرتها متفقة على الضمان الا مع البينة، أو ظهور الأمر، أو كونه ثقة مأمونا، و تلك الروايات مطلقة، و مقتضى القاعدة تقديم العمل بهذه الروايات و تخصيص تلك
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 274 ح 14.
641
و كذا يظهر لك ما في قوله أن الروايات مختلفة فيما لو ادعى المالك التفريط فأنكروا، فإن فيه أن روايات المسئلة منحصرة في الأقسام الثلاثة التي ذكرناها، و ليس في شيء منها ما يتضمن هذا الفرد الذي ذكره، و حينئذ فإن أراد بما ذكره روايات القسم الأول، و هو ما دل على وجوب الضمان على كل من أعطى الأجر ليصلح فأفسد، فقد تقدم أنها متفقة على هذا الحكم، و أنهم (عليهم السلام) جعلوه قاعدة كلية، و لا مخالف لها في شيء من الأخبار، و ان أراد أخبار القسم الثاني فهو قد أشار إليه في صدر كلامه، و ذكر أن كون القول قولهم هو أشهر الروايتين.
و بالجملة فإن روايات القسم الثاني الدالة على أنه يضمن مع دعوى التلف دالة على الضمان، أعم من أن يكون بتفريط أولا بتفريط، و أنه يجب الضمان الا مع قيام أحد الأمور الثلاثة المتقدمة، ثم أنه على تقدير القول بما اختاره من أن القول قول المستأجر بيمينه، لأنه أمين، فالكلام في اليمين هنا كما تقدم في الوديعة و العارية، من عدم وجود دليل على اليمين، بل ظاهر الأخبار و به قال جملة من الأصحاب كما تقدم في الوديعة، أنه لا يمين، و إنما يقبل قوله من غير يمين، بل القول بذلك هنا أضعف لعدم وجود دليل دال على قبول قول المستأجر بالكلية، فضلا عن أن يضم اليه اليمين، بل الأخبار كلها بعد ضم بعضها الى بعض متفقة على وجوب الضمان عليه، الا مع قيام أحد الأمور الثلاثة المتقدمة، و ما ادعاه هو و غيره من أنه أمين فيترتب عليه قبول قوله في التلف ممنوع، إذ لا دليل عليه بل الدليل كما عرفت واضح في خلافه، لاتفاق الأخبار على تضمينه في التلف الا مع قيام البينة، أو شهرة الأمر به، أو كونه مأمونا من دعوى الكذب، على أنه لو كان أمينا لقبلوا قوله في الرد، مع أنهم منعوا من قبوله كما عرفت، و الله سبحانه العالم.
و منها ما لو دفع إلى الخياط ثوبا فقطعه قباء مدعيا اذن المالك
، فقال المالك إنما أمرتك بقطعه قميصا، و قد اختلف كلام الشيخ في ذلك، فقال في كتاب الوكالة من الخلاف: القول قول الخياط، و في كتاب الإجارة منه: القول
642
قول صاحب الثوب، و به قال ابن إدريس، و قال في المبسوط: القول قول الخياط، و قال قوم: القول قول رب الثوب، و هو الصحيح، و احتج بأن الثوب له، و الخياط مدع للإذن في قطع القباء فعليه البينة، و إذا فقدها فعلى المالك اليمين، و لأنهما لو اختلفا في أصل القطع كان القول قول رب الثوب، فكذا في صفة القطع.
و قال في الخلاف: و كنا قلنا في ما تقدم في هذه المسئلة أن القول قول الخياط، لأنه غارم، و أن رب الثوب يدعى عليه قطعا لم يأمره به، فيلزمه بذلك ضمان الثوب، فكان عليه بذلك البينة، فإذا فقدها وجب على الخياط اليمين.
و قال في المختلف بعد ذكر هذا الكلام من أوله الى آخره: و هذا أيضا قوي، و هذا يدل على تردده، و الحق ما ذكره في الخلاف أولا و قواه في المبسوط، انتهى.
أقول: و كلامه مؤذن بنوع تردد في ذلك، فإنه قوى ما ذكره من تعليل الشيخ للقول بأن القول قول الخياط بيمينه، ثم قال: و الحق ما ذكره في الخلاف الى آخره، و هو يعطى اختياره القول بتقديم قول صاحب الثوب، الا أن عبارته لا يخلو من ردائه، فإن اختياره لما ذكره في الخلاف أولا ان أراد بهذه الأولية باعتبار ما قدم نقله عنه و الذي قدمه إنما هو أن القول قول الخياط، و ان أراد الأولية باعتبار ذكره المسئلة في الخلاف فهو يتوقف على مراجعته، و أن المقدم فيه هو كتاب الإجارة على كتاب الوكالة.
و كيف كان فإنك قد عرفت العلة في كل من القولين، و أن العلة في تقديم قول المالك أن الخياط يدعي عليه الاذن في هذا القطع المخصوص، و الأصل عدمه، و انه كما يقدم قول المالك لو تنازعا في أصل الاذن و عدمه فكذا في صفته، لأن مرجعه إلى إذن مخصوص.
و العلة في تقديم قول الخياط أن المالك يدعي عليه الأرش، فيكون غارما، و الأصل عدمه فيقدم قوله في نفي ذلك من نفسه، و ان لم يثبت له الأجرة.
643
و المسئلة كما ترى عارية عن النصوص، و التعليلان متدافعان، و لو قيل:
بالتحالف جمعا بين هذين التعليلين لأمكن، فان الخياط من حيث دعوى المالك الأرش عليه، و الأصل عدمه، يقدم قوله في ذلك بيمينه، و من حيث دعواه الاذن على المالك و أنه يستحق الأجرة بناء على ذلك، و المالك منكر، فيقدم قول المالك في هذه الدعوى، لأصالة عدمها كما تقدم، فيتحالفان لقطع هاتين الدعويين، و الإيراد بأن ذلك مخالف لمقتضى قاعدة التحالف المتقدمة مردود، بما تقدم، من عدم ثبوت القاعدة المذكورة، و تصريح جمع من الأصحاب بالخروج عنه في كتاب البيع و في هذا الكتاب.
ثم انه على تقدير القول بتقديم قول المالك بيمينه و استحقاقه الأرش فهل هو عبارة عن تفاوت ما بين قيمته مقطوعا قميصا و قباء فعلى هذا لو صلح لهما فلا أرش، أو عبارة عن تفاوت ما بين قيمته صحيحا و مقطوعا، لأن القطع على هذا الوجه الذي يدعيه الخياط عدوان، احتمالان: ذكرهما في المسالك، و الله سبحانه العالم.
644
و الى هنا تم الجزء الحادي و العشرون حسب تجزئتنا بحمد الله و منه، و قد بذلنا الجهد غايته في تصحيحه و مقابلته للنسخة بقلم المصنف (طاب ثراه) و يتلوه الجزء الثاني و العشرون في كتاب الوكالة ان شاء الله تعالى و نرجو من الله التوفيق على طبع بقية الأجزاء و الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد و آله الطاهرين.
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة
الجزء الحادي و العشرون
تأليف
الشيخ يوسف بن احمد البحراني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

