3
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد و آله الطاهرين.
كتاب الوكالة
قال في التذكرة: الوكالة عقد شرع للاستنابة في التصرف، و هي جائزة بالكتاب، و السنة، و الإجماع، أما الكتاب «فقوله سبحانه (1) إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا» فجوز العمل، و ذلك بحكم النيابة عن الشخص، و قوله تعالى (2) «فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلْيَنْظُرْ أَيُّهٰا أَزْكىٰ طَعٰاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْيَتَلَطَّفْ» و هذه وكالة، و قوله تعالى (3) «اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هٰذٰا فَأَلْقُوهُ عَلىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً»، فهذه وكالة و أما السنة فما رواه العامة ثم نقل جملة من أخبارهم، و منها حديث عروة البارقي (4) في شراء الشاة، و حديث وكالته (صلى الله عليه و آله) عمرو بن أمية الضيمرى (5) في قبول نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان، و وكل أبا رافع (6) في قبول نكاح ميمونة، ثم نقل حديثا من طرق الخاصة، و أحال على الأحاديث الآتية في الكتاب، الى أن قال: و قد اجتمعت الأمة في جميع الأمصار و الأعصار على جواز الوكالة، و لأن اشتداد
____________
(1) سورة التوبة- الاية 60.
(2) سورة الكهف- الاية 19.
(3) سورة يوسف- الاية 93.
(4) المستدرك ج 2 ص 462 الباب 18 ح 1.
(5) المستدرك ج 2 ص 510 الباب 20 ح 3.
(6) المستدرك ج 2 ص 510 الباب 20 ح 3.
4
الحاجة الى الوكالة ظاهرة، إذ لا يمكن لكل أحد مباشرة ما يحتاج اليه من الأفعال فدعت الضرورة إلى الاستنابة، انتهى كلامه.
و الكلام في هذا الكتاب يقع في مطالب سبعة:
المطلب الأول في العقد و ما يلحق به:
و تحقيق الكلام في ذلك يقع في مسائل
الأولى [في كفاية كل ما يدل على الرضا بالاستنابة]:
قال في التذكرة عقيب الكلام المتقدم: الوكالة عقد يتعلق به حكم كل واحد من المتعاقدين، فافتقر إلى الإيجاب و القبول، كالبيع و الأصل فيه عصمة مال المسلم، و منع غيره من التصرف فيه إلا بإذنه، فلا بد من جهة الموكل من لفظ دال على الرضا بتصرف الغير له، و هو كل لفظ يدل على الاذن، مثل أن يقول وكلتك في كذا و فوضت إليك، و استنبتك فيه، و ما أشبهه، و لو قال: وكلتني في كذا فقال: نعم، و أشار بما يدل على التصديق كفى في الإيجاب، و لو قال: بع و أعتق و نحوهما حصل الاذن، و هذا لا يكاد يسمى إيجابا بل هو أمر و اذن، و انما الإيجاب قوله وكلتك و استنبتك و فوضت إليك و ما أشبهه و قوله أذنت لك في فعله ليس صريحا في الإيجاب، بل اذن في الفعل، الى أن قال: و لا بد من القبول لفظا، و هو كل ما يدل على الرضا بالفعل أو قولا، و يجوز القبول بقوله قبلت، و ما أشبهه من الألفاظ الدالة عليه، و كل فعل يدل على القبول، نحو أن يأمره بالبيع فيبيع أو بالشراء فيشتري، لأن الذين و كلهم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لم ينقل عنهم سوى امتثال أمره، و لأنه اذن في التصرف، فجاز القبول فيه بالفعل، كأكل الطعام انتهى.
أقول: قد تقدم في غير موضع ما يدل على سعة الدائرة في العقود و أن المعتبر فيها هو كل ما يدل على الرضا من الطرفين بذلك المعقود عليه، بقي الكلام في قوله «ان قوله بع و أعتق لا يسمى إيجابا، و انما هو أمر و اذن، و كذا في قوله أذنت لك في فعله، ليس صريحا في الإيجاب.
5
ففيه أنه قد صرح أولا بأن الإيجاب عبارة عن كل لفظ يدل على الرضا بتصرف الغير له، و هو كل لفظ يدل على الأذن، و قال: أخيرا في تعليل صحة القبول الفعلي، و لأنه اذن في التصرف، فجاز القبول فيه بالفعل، و تقدم في كلامه السابق عد الآية، و هي قوله عز و جل (1) «اذْهَبُوا بِقَمِيصِي» و قوله تعالى (2) «فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ» عن باب الوكالة، و قال: أيضا بعد هذا الكلام الذي نقلناه و قد وكل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عروة البارقي (3) في شراء شاة بلفظ الشراء، يعنى اشتر، و هو مثل لفظ بع الذي منع منه هنا، و قال: قال الله تعالى مخبرا عن أهل الكهف، ثم ذكر الآية ثم قال: دل على الاذن فجرى مجرى قوله وكلتك، و مقتضى ذلك كون المثالين المذكورين، و قوله أذنت لك كذلك.
و بالجملة فإن المستفاد من كلامهم هو سعة الدائرة، في هذا العقد زيادة على غيره من العقود من حيث أنه من العقود الجائزة، فلا يختص بألفاظ مخصوصة، بل يكفي كل ما دل على الرضا بالاستنابة.
قال في المسالك: لما كان عقد الوكالة من العقود الجائزة صح بكل لفظ يدل على الاستنابة و ان لم يكن على نهج الألفاظ المعتبرة في العقود، و ينبه عليه قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لعروة البارقي «اشتر لنا شاة» و قوله تعالى حكاية عن أهل الكهف (4) «فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ» و منه بع، و اشتر، و أعتق، و أذنت لك في كذا، و نعم، عقيب الاستفهام التقريري، كو كلتني في كذا، لأنها نائبة مناب وكلتك، و كذا الإشارة الدالة على المراد الواقعة جوابا، فإنها و ان لم تفد جوابا صريحا و لم يحصل النطق به، إلا أنه بمنزلته في الدلالة، فيكفي فيه التوسع في مثل هذا العقد، انتهى و هو جيد.
____________
(1) سورة يوسف- الاية 93.
(2) سورة الكهف- الاية 19.
(3) المستدرك ج 2 ص 462 الباب 18 ح 1.
(4) سورة الكهف- الاية 19.
6
ثم ان ظاهر كلامهم هنا الاتفاق على الاكتفاء بالقبول الفعلي، و ان اختلفوا فيه في غيره من العقود سيما العقود اللازمة كما تقدم ذكره في جملة من العقود، و ذلك بأن يوكله في البيع أو الشراء، فيبيع أو يشتري من غير لفظ يدل على القبول، قالوا: و الوجه في ذلك أن المقصود عن الوكالة الاستنابة، و الاذن في التصرف، و هو اباحة و رفع حجر، فأشبه إباحة الطعام، و وضعه بين يدي الآكل، فإنه لا يفتقر الى القبول اللفظي.
بقي الكلام في أن ظاهر ما قدمنا نقله عنه من قوله «و كل فعل يدل على القبول» الى آخره يدل على أن القبول الفعلي هو فعل ما تعلقت به الوكالة، و هو الذي صرح به غيره من الأصحاب أيضا الا أنه قال بعد هذا الكلام و القبول يطلق على معنيين: أحدهما الرضا و الرغبة فيما فوض اليه، و نقيضه الرد، و الثاني اللفظ الدال عليه على النحو المعتبر في البيع، و سائر المعاملات، و يعتبر في الوكالة القبول بالمعنى الأول، حتى لو رد و قال: لا أقبل أو لا أفعل، بطلت الوكالة و لو ندم و أراد أن يفعل أو يرجع، بل لا بد من استيناف اذن جديد مع علم الموكل، لأن الوكالة جائزة من الطرفين، يرتفع في الالتزام بالفسخ انتهى.
و ظاهر هذا الكلام أنه لا يكفي مجرد الفعل لما تعلقت به الوكالة، بل لا بد من اقترانه بالرضا و الرغبة و وقوعه قبل أن يرد، و مقتضى الكلام الأول هو صحة الوكالة متى فعل ما و كل به لأن بذلك يحصل القبول، و ينضم إلى الإيجاب المتقدم و ان رد أولا، و قال: لا أقبل، و الفسخ إنما يكون بعد تمام العقد بالقبول، و ما لم يفعل أو يقبل باللفظ فلا معنى للفسخ، لعدم حصول العقد.
و يؤيد ما ذكرناه عموم أدلة الوكالة مثل
قوله (عليه السلام) (1) «الوكالة ثابتة حتى يعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول».
على أن انعزاله بعزله نفسه بعد تمام
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 213 ح 1، الفقيه ج 3 ص 47 ح 3381، الوسائل ج 13 ص 285 ح 1.
7
العقد مع عدم عزل الموكل له محل منع، كما سيأتي التنبيه عليه ان شاء الله تعالى في محله.
ثم ان ظاهر ما ذكروه من الاكتفاء في الإيجاب بما يدل على الوكالة، و لو بالإشارة هو الاكتفاء بالكتابة أيضا، قال في المسالك: و ما ذكره المصنف و الجماعة من الاكتفاء في الإيجاب بالإشارة اختيارا يقتضي الاكتفاء بالكتابة أيضا، لاشتراكهما في الدلالة مع أمن التزوير انتهى.
أقول: و الذي وقفت عليه من أخبارهم (عليهم السلام) في المقام ما رواه
الصدوق عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل قال لآخر اخطب لي فلانة، فما فعلت من شيء مما قاولت من صداق أو ضمنت من شيء أو شرطت فذلك لي رضا و هو لازم لي و لم يشهد على ذلك، فذهب فخطب له، و بذل الصداق.
الحديث و ما رواه
عن حماد عن الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال في رجل يحمل المتاع لأهل السوق و قد قوموا عليه قيمة فيقولون بع فما ازددت فلك.
إلى أنه قال في امرأة ولت أمرها رجلا فقالت: زوجني فلانا.
الحديث، و فيه أنه بعد أن قاول الزوج على المهر زوجها من نفسه فأبطل (عليه السلام) التزويج،
و موثقة سماعة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يحمل المتاع لأهل السوق، و قد قوموا عليه قيمة فيقولون: بع فما ازددت فلك، فقال لا بأس بذلك.
و في صحيحة زرارة (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل يعطي المتاع فيقول ما ازددت علي كذا فهو لك فقال: لا بأس».
و في صحيحة محمد بن مسلم (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «انه قال في رجل
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 49 ح 4، الوسائل ج 13 ص 288 ح 1.
(2) الفقيه ج 3 ص 50 ح 6، التهذيب ج 6 ص 216 ح 7، الوسائل ج 13 ص 290 ح 1.
(3) الفقيه ج 3 ص 145 ح 29، الكافي ج 5 ص 195 ح 3، التهذيب ج 7 ص 54 ح 33. الوسائل ج 12 ص 381 ح 3.
(4) التهذيب ج 7 ص 54 ح 32. الوسائل ج 12 ص 381 ح 2.
(5) التهذيب ج 7 ص 54 ح 31. الوسائل ج 12 ص 381 ح 1.
8
قال لرجل: بع ثوبا بعشرة دراهم فما فضل فهو لك، قال: ليس به بأس».
و العقود في هذه الأخبار كلها كما ترى من قبيل ما تقدم من قوله بع و أعتق و اشتر، و نحو ذلك مما يدل على الاذن و الاستنابة، و ليس في شيء منها ما يتضمن القبول لفظا و انما تضمنت المبادرة إلى امتثال ما أمر به، لكنه في الحديث الثاني حيث خالف مقتضى الأمر و زوجها من نفسه أبطل (عليه السلام) التزويج.
و نحو ذلك في
صحيحة هشام (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام): إذا قال لك الرجل اشتر لي فلا تعطه من عندك، الحديث.
و قوله
في موثقة إسحاق بن عمار (2) عنه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يبعث الي الرجل فيقول: ابتع لي ثوبا فيطلب له في السوق الحديث.
و في الثانية منهما دلالة على ثبوت الوكالة من الغائب بالمكاتبة أو الإرسال على لسان شخص آخر كما تقدم ذكره.
و في رواية هشام بن سالم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل و كل آخر على وكالة في إمضاء أمر من الأمور و أشهد له بذلك شاهدين فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر»،.
الحديث.
و هو ظاهر في الاكتفاء بالقبول الفعلي و إطلاق هذه الاخبار ظاهر فيما هو المشهور من حصول القبول الفعلي بالإتيان بما تعلقت به الوكالة، خلافا لما تقدم نقله عن التذكرة من اشتراط الرضا و الرغبة.
و في رواية العلاء بن سيابة (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة و كلت رجلا أن يزوجها من رجل، فقبل الوكالة و أشهدت له بذلك، فذهب الوكيل فزوجها» الحديث.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 6 ح 19، الوسائل ج 12 ص 288 ح 1.
(2) الوسائل ج 12 ص 289 ح 2.
(3) التهذيب ج 6 ص 213 ح 2، الوسائل ج 13 ص 286 ح 1.
(4) التهذيب ج 6 ص 214 ح 5، الوسائل ج 13 ص 286 ح 2.
9
و هذا الخبر مما يدل على القبول لكنه أعم من أن يكون بلفظ قبلت و نحوه، أو بمجرد إظهار الرضا،
و في صحيحة أبي ولاد الحناط (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل أمر رجلا أن يزوجه امرأة بالمدينة، و سما هاله، و الذي أمره بالعراق فخرج المأمور فزوجها إياه» الحديث.
و رواية الحذاء (2) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل أمر رجلا أن يزوجه امرأة من البصرة من بني تميم، فزوجه امرأة من أهل الكوفة من بني تميم، قال:
خالف أمره».
الحديث.
و في هذين الخبرين دلالة على ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من قوله:
«زوجني أو اخطب لي» و القبول فيهما إنما وقع بالإتيان بما أمر به، لكنه في الثاني أبطل الوكالة من حيث المخالفة.
و في رواية محمد بن عيسى (3) «أنه بعث إليه أبو الحسن الرضا (عليه السلام) بثلاثمائة دينار الى رحم امرأة كانت له، و أمره أن يطلقها عنه و يمتعها بهذا المال».
و فيها دلالة على ما قدمنا ذكره من ثبوت الوكالة عن الغائب بالكتابة أو الإرسال على لسان شخص، الى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبع، و لا يخفى على من تتبع الروايات الخاصة و العامة أن ما اشتملت عليه من عقود الوكالة ليس فيها أزيد من الأوامر بما يريده الموكل مما يدل على الاذن له في التصرف، و ليس فيها لفظ «وكلتك» و لا نحوه من تلك الألفاظ، و كذا في جانب القبول ليس فيها أزيد من الرضا بذلك، و المبادرة إلى فعل ما و كل فيه، و كأنهم إنما أخذوا هذا اللفظ و اشتقوه من لفظ الوكالة فعبروا به، و عبروا بالقبول من حيث الدلالة على الرضا الذي هو الأصل في صحة العقد، فسرى الوهم الى ترجيح الفرع على الأصل.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 271 ح 75.
(2) التهذيب ج 7 ص 483 ح 152، الفقيه ج 3 ص 264 ح 44.
(3) التهذيب ج 8 ص 40 ح 40، و هذه الروايات في الوسائل ج 14 ص 230 ح 1 و ص 228 ح 1 و ج 10 ص 410 في تعليقة ح 6.
10
أقول: و يستفاد من موثقة إسحاق بن عمار، و صحيحة أبي ولاد عدم فورية القبول في عقد الوكالة، و الظاهر أنه اتفاقي عندهم، كما يفهم من التذكرة حيث أسنده إلى أصحابنا، و جوز تراضيه إلى سنة، و مما ذكر يعلم ضعف مناقشة المسالك للمصنف حيث ان المصنف استدل على جواز تأخير القبول، بأن الغائب له أن يوكل، و القبول متأخر، و أورد عليه أن جواز توكيل الغائب فرع جواز التراخي في القبول، إذ لو قلنا بفوريته لم يصح.
و فيه ان المصنف إنما استدل بتوكيل الغائب بناء على النص الدال على ذلك كما ذكرناه، و متى ثبت ذلك بالنص في الغائب ثبت في غيره بتنقيح المناط، إذ لا خصوصية للغائب بذلك، مع تأيد ذلك بإطلاق جملة من أخبار الوكالة أيضا و الله سبحانه العالم.
الثانية [اشتراط التنجيز في الوكالة]
لا خلاف بين الأصحاب في اشتراط التنجيز في الوكالة، فلو علقها على شرط يمكن وقوعه و عدم وقوعه، مثل «ان قدم زيد» أو على صفة و هي ما لو كان وجوده في المستقبل محققا كطلوع الشمس، و مجيء رأس الشهر بطلت.
قال في التذكرة: لا يصح عقد الوكالة معلقا بشرط، أو وصف، فان علقت عليهما بطلت، مثل أن يقول: «إن قدم زيد» أو «إن جاء رأس الشهر وكلتك» عند علمائنا، و هو أظهر وجهي الشافعية، انتهى.
و الظاهر أن مرجع ذلك الى أنه لا يجوز توقيف حصول الوكالة على شيء من هذين الأمرين، سواء كان مقرونا بأداة الشرط مقدما أو مؤخرا، مثل «إن كان كذا فأنت وكيل» أو «أنت وكيل إن كان كذا» أو غير مقرون بها مثل «وكلتك بشرط مجيء زيد» هذا.
و الظاهر أنه لا خلاف أيضا في أنه لو تنجز الوكالة و شرط تأخير التصرف كأن يقول «وكلتك في كذا، و لا تتصرف إلا بعد شهر»، فإنه يجوز، و نقل الإجماع عليه في التذكرة أيضا، و كذا الظاهر أنه لا نزاع عندهم في جواز التوقيت، مثل أن
11
يقول: وكلتك شهرا، و أنه لا يكون بعد تمامه وكيلا، و أنت خبير بأنه لا فرق عند التأمل بعين التحقيق بين التعليق على الصفة، و هو قولنا: وكلتك ان جاء رأس الشهر، أو ان طلعت الشمس، و بين التنجيز الذي ذكروه مع شرط التأخير كأن يقول وكلتك، و لا تتصرف إلا بعد شهر، فانا لا نعرف لهذا التنجيز هنا معنى، و لا ثمرة مع هذا الشرط، و المسئلة من أصلها عارية من النص.
و حينئذ فالظاهر أن الفارق إنما هو الإجماع المدعى في التذكرة في كل من الموضعين، و أما ما ذكره في المسالك حيث قال بعد ذكر المسئلة الثانية: و هي ما لو نجز الوكالة، و شرط تأخير التصرف جاز، و الوجه أن منعه من التصرف في الوقت المعين شرط زائد على أصل الوكالة المنجزة، و هي قابلة للشروط السابغة، و هذا و ان كان في معنى التعليق الا أن العقود لما كانت متلقاة من الشارع نيطت بهذه الضوابط، و بطلت فيما خرج عنها، و ان أفاد فائدتها، انتهى.
ففيه أنه أي نص دل هنا على ما ذكروه من بطلان العقد بالتعليق على الشرط، أو الصفة المذكورين في كلامهم، و أي نص دل على اشتراط التنجيز الذي ذكروه.
و بالجملة فإنه لا مستند لكل من المسئلتين، و لا للفرق بينهما إلا الإجماع المدعى، و الى ما ذكرنا يميل كلام المحقق الأردبيلي قال: ثم اعلم أن الأصل و عموم أدلة التوكيل- و كونه جائزا، و مبناه على المساهلة، دون الضيق، و ما تقدم في عبارة التذكرة من أنه اذن و أمر و أنه مثل الاذن في أكل الطعام و لا شك في جواز تعليقه مثل ان جئت فأنت مأذون في الأكل و نحوه مع عدم مانع ظاهر- يدل على جواز التعليق، و يؤيده جواز التعليق في العقود الجائزة مثل القراض، بل هو وكالة بجعل، و العارية و غيرها، انتهى.
و بالجملة فمقتضى إطلاق روايات الوكالة و عمومها هو الصحة مطلقا و تخصيصها يتوقف على الدليل، و ليس إلا الإجماع، فمن ثبت عنده حجية الإجماع و أنه
12
دليل شرعي فله أن يخصص به عموم تلك الأخبار، و الا فالعمل على ما دلت عليه تلك العمومات، بقي الكلام في أنه متى حكمنا ببطلان العقد بتعلقه على الشرط، فهل يجوز له التصرف بعد حصول الشرط، أم لا؟ قرب في التذكرة الجواز، و جعله في القواعد احتمالا.
قال في التذكرة: قد بينا بطلان الوكالة المعلقة، فلو تصرف الوكيل بعد حصول الشرط فالأقرب صحة التصرف، لأن الإذن حاصل لم يزل بفساد العقد، و صار كما لو شرط في الوكالة عوضا مجهولا، فقال: بع كذا على أن لك العشر من ثمنه، فإنه يفسد الوكالة، و لكن ان باع يصح الشرط، ثم اعترض على نفسه بعدم ظهور فائدة للفساد، فقال: ان قيل لا فائدة حينئذ للفساد على تقدير صحة التصرف التي هي ثمرة صحة عقد الوكالة، فإذا وجدت مع القول بالفساد فلا ثمرة في القول بالبطلان، بل لا معنى للبطلان حينئذ، إذ البطلان في المعاملات عدم ترتب الأثر، و قد قيل: هنا بالترتيب مع الفساد، ثم أجاب بأنه تحصل الفائدة في سقوط الجعل المسمى في عقد الوكالة ان كان، و الرجوع الى أجرة المثل كما في المضاربة الفاسدة، فإنه تبطل الحصة المسماة، و يرجع الى أجرة المثل، و كذا الشرط الفاسد في النكاح يفسد الصداق، و يوجب مهر المثل، و ان لم يؤثر في النكاح، انتهى ملخصا.
و اعترضه في المسالك بأن الوكالة ليست أمرا زائدا على الاذن، و الجعل المشروط ليس جزء منها، و انما هو شرط زائد عليها لصحتها بدونه، بخلاف المضاربة فإن اشتراط الحصة شرط في صحتها، و لأنه لو تم ذلك لزم الحكم بصحة التصرف مع فسادها بوجه آخر، كقول الوكيل نفسه مع علم الموكل به و سكوته، فإن الإذن حاصل منه، فلا يرتفع بفسخ الوكيل، و لأن العقد حينئذ فاسد قطعا، و لا معنى للفاسد إلا ما لا يترتب عليه أثره، و لأن الإذن المطلق انما وجد في ضمن الوجه المخصوص، إذ لا وجود للكلي إلا في ضمن جزئياته، و لم يوجد منها إلا هذا الجزئي فإذا ارتفع ارتفع الكلي، ثم قال: و للتوقف في هذا الحكم مجال، انتهى.
13
أقول: و يزيده تأييدا أن مقتضى كلام العلامة المذكور أن ثمرة ما ذكره انما تظهر في صورة ما إذا كان العقد مشتملا على جعل و إلا فمع عدم اشتماله على ذلك فإنه لا يظهر للحكم بالبطلان فائدة، و لا أثر يترتب عليه، و حينئذ لا يكون ما ذكره كليا، و يتم ما أورده على نفسه، و على هذا يجب القول بصحة العقد حينئذ، و ليس ذلك إلا من حيث بطلان اشتراط التنجيز الذي جعلوه شرطا في صحة الوكالة، و لأنه إذا حكم بفساد الوكالة من حيث كون عدم التعليق شرطا في صحتها، فمع التعليق المذكور يجب الحكم بالبطلان، لفوات شرط الصحة، فكيف يصح التصرف حينئذ الذي هو ثمرة الصحة، و يحكم باستحقاق الأجرة، و كيف تظهر الفائدة فيما ذكره، مع أنه يرجع الى القول بعدم اشتراط التنجيز، و عدم البطلان مع التعليق، بل تصح فيها إذا لم يكن جعل، بل معه أيضا، و إنما يبطل الجعل خاصة، على أن ما ادعاه من الصحة- استنادا الى الاذن و أنه لم يزل بفساد العقد،- قد عرفت ما فيه من كلام المسالك، و توضيحه أن الاذن إنما علم على تقدير الشرط الذي اشتملت عليه عبارة العقد، و الحال أنه قد حكم ببطلانها، و ليس هنا ما يدل على الاذن غيرها، و لزوم الأجرة على هذا أيضا ممنوع، كما تقدمت الإشارة إليه، لأنه إنما تلزم لو فعل ما وكل فيه على ما أمر، و الحال أن ذلك الأمر قد بطل.
و بالجملة فإن الحكم بالصحة لا يتجه و لا يتم إلا بناء على عدم اشتراط التنجيز، و هو ليس ببعيد، كما عرفت من أنه لا دليل على هذا الشرط غير الإجماع المدعى، مع ما عرفت من المجازفة في أمثال هذه الإجماعات، و الله العالم.
الثالثة [في افتقار التوكيل في شراء عبد إلى وصفه و عدمه]:
اختلف الأصحاب في ما لو وكله في شراء عبد هل يفتقر الى وصفه لينتفي الغرر أم لا؟ و بالأول قال في المبسوط و جماعة منهم الشرائع، قال في المبسوط:
إذا وكله في شراء عبد وجب وصفه، و لو أطلق لم يصح لما فيه من الغرر، و نحو عبارة الشرائع، و قيل: بالعدم، و هو اختيار المسالك و المختلف و غيرهما، و حجة
14
الأولين ما عرفت من الغرر، لأن العبد المطلق متوغل في الإبهام، و صادق على أصناف مختلفة، فلا بد من وصفه ببعض الأوصاف المزيلة للجهالة، و لو في الجملة ككونه تركيا أو زنجيا و لا يجب استقصاء الأوصاف الرافعة للجهالة بالكلية.
و أجاب الآخرون بأن الغرر يندفع بمراعات الوكيل المصلحة في شرائه، فإن الإطلاق محمول شرعا على الاستنابة في شراء عبد يكون شرائه مشتملا على مصلحة للموكل، و يتخير الوكيل حيث توجد المصلحة في متعدد كذا ذكره في المسالك، و في المختلف أجاب بأن الإطلاق ينصرف الى شراء الصحيح بثمن المثل.
و ظني أن شيئا من هذين الجوابين لا يفي بالمطلوب، أما الأول: فلأن مراعاة مصلحة الموكل فرع العلم بغرضه و مطلوبه من شراء ذلك العبد، و المفروض أعم من ذلك، و أما الثاني فإن دفع الغرر لا ينحصر في ما ذكره، و قد ذكروا في كتاب البيع و لا سيما في السلم من توقف صحة البيع على الوصف الرافع للغرر ما هو ظاهر في تأييد ما قلناه.
و بالجملة فالاحتياط يقتضي الوقوف على ما ذهب اليه الشيخ و من تبعه، و الله سبحانه العالم.
الرابعة [كون الوكالة من العقود الجائزة]:
الظاهر أنه لا خلاف في أن الوكالة من العقود الجائزة من الطرفين فيجوز لكل منها العزل و الفسخ قال في التذكرة: العقود أربعة أضرب: الأول:
عقد لازم من الطرفين لا ينفسخ بفسخ أحد المتعاقدين، و هو البيع، و الإجارة، و الصلح، و الخلع، و النكاح.
الثاني: عقد جائز من الطرفين و هو الوكالة، و الشركة، و المضاربة، و الجعالة، فلكل منهما فسخ العقد في هذه.
الثالث: عقد لازم من أحد الطرفين جائز من الآخر كالرهن، فإنه لازم من طرف الراهن، جائز من طرف المرتهن، و الكتابة عند الشيخ جائزة من طرف العبد، لأن له أن يعجز نفسه، و لازمة من جهة المولى.
15
الرابع: المختلف فيه، و هي السبق و الرماية ان قلنا إنهما اجارة، كان لازما، و ان قلنا إنهما جعالة، كان جائزا، و لا نعلم خلافا من أحد من العلماء في أن الوكالة عقد جائز من الطرفين، لأنه عقد على تصرف مستقبل، ليس من شرطه تقدير عمل، و لا زمان، فكان جائزا كالجعالة، فان فسخها الوكيل انفسخت، و بطل تصرفه، و ان فسخها الموكل فكذلك، الى أن قال: و لا خلاف في أن العزل يبطل الوكالة، انتهى.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام هنا يقع في مقامين
[المقام] الأول: في عزل الوكيل نفسه
، و قد عرفت أنه لا خلاف فيه، قالوا: و لا فرق في بطلان الوكالة بعزله نفسه، بين اعلام الموكل و عدمه، بخلاف عزل الموكل له لما سيأتي- ان شاء الله تعالى- في المقام الثاني، و مقتضى ذلك أنه لا ينفذ تصرفه بعد عزله نفسه، و قبل علم المالك، لأن مناط صحة التصرف هو العقد، و المفروض أنه صار باطلا بعزله نفسه، الا أنه قد صرح جملة منهم بأنه يحتمل توقف انعزاله على علم الموكل، و حينئذ فيجوز له التصرف قبل بلوغه، عملا بالاذن العام الذي تضمنه الوكالة، بل يحتمل ذلك مع بلوغه أيضا، لأصالة بقاء الاذن، و مجرد علمه بالرد لا يدل على بطلانه من قبل الاذن، قالوا: و لو اكتفينا في قبول الوكيل بفعله مقتضاها كيف كان، قوي هذا الاحتمال جدا لأنها حينئذ تصير مجرد اذن و اباحة، و يجوز مع ذلك إطلاق العقد عليها، بحيث أن قبولها بالقول يصح، و يترتب عليه أثر في الجملة، و بهذا الاحتمال قطع في القواعد مع جهل الموكل بالرد.
أقول: قد عرفت مما قدمناه من الأخبار أنه ليس فيها ما يدل على ما ذكروه من القبول اللفظي الذي أدخلوا به الوكالة في باب العقود، و إنما دلت تصريحا في بعض و تلويحا في آخر على القبول بالإتيان بالفعل المأمور به، و ان أدخلوها بذلك في باب الاذن و الإباحة دون باب العقود، كما أنه لا دلالة في شيء منها على ما اعتبروه من صيغ الإيجاب التي ذكروها، و عدوا بها الوكالة
16
من باب العقود كلفظ وكلتك و نحوه، و إنما اشتملت على مجرد الاذن و الأمر الذي هو عندهم أيضا من باب الإباحة.
و بذلك يظهر لك أن الأظهر و الأقوى بالنظر الى مراجعة الأخبار و العمل بما دلت عليه هو أنه بعزله نفسه- علم المالك أو لم يعلم- لا تبطل الوكالة، لبقاء الاذن المفهوم من تلك الأوامر التي اشتملت عليها الأخبار ما لم يعزله المالك، و يصرح بعزله.
و بالجملة فإني لم أقف على دليل من النصوص يدل على البطلان بعزله نفسه، غير ما يدعونه من الإجماع، و مقتضى النصوص المذكورة و عموم أدلة الوكالة هو البقاء على مقتضاها، حتى يثبت المخرج من ذلك، و المانع منه، و ليس الأعزل الموكل و نحوه مما سيأتي، و أما عزله نفسه و كونه مبطلا لها فلم أقف فيه على نص، و مجرد كونها من العقود الجائزة لا يوجب ما ذكروه من بطلانها بعزله نفسه، و انه فسخ لها، بل غاية ما يوجبه أنه لا يلزمه شرعا و لا يجب القيام بذلك، كما هو مقتضى العقود اللازمة، بل ان شاء فعل و ان شاء لم يفعل، و عدم مشية الفعل في وقت عزله نفسه و رده لها، لا يوجب منعه من الرجوع متى أراد، الا أن يعزله الموكل.
قال في المسالك- في بيان تطبيق ما قدمنا نقله عنهم من الاحتمال الدال على جواز التصرف على ما ذكروه في أصل المسئلة، من بطلان الوكالة و عدم جواز التصرف ما لفظه-: و يمكن الجمع بين كونها عقدا جائزا تبطل بالرد، و عدم بطلان التصرف بالرد، بأن يحكم ببطلان الوكالة الخاصة و ما يترتب عليها من الجعل لو كان، و بقاء الاذن العام.
أقول: لا يخفى ما فيه من التكلف البعيد، بل التحمل الغير السديد، أما أولا فبما أشرنا إليه آنفا من أنه لا منافاة بين كونها عقدا جائزا و بين كونها صحيحة مع الرد، و عزله نفسه، لأن جوازها ليس الا بمعنى عدم وجوب القيام
17
بها، و عدم ترتب المؤاخذة على تركها، و هذا لا ينافي جواز الرجوع إليها بعد تركها و الاعراض عنها.
و ثانيا ان ما ذكره من الحكم ببطلان الوكالة الخاصة و بقاء الاذن العام مردود بما قدمنا نقله عنه في المسئلة الثانية في مقام الرد على كلام التذكرة، من قوله ان الوكالة ليست أمرا زائدا على الاذن، و هذا هو الذي عضدته الأخبار المتقدمة، فإنه ليس فيها أزيد من الأوامر الدالة على طلب تلك الأشياء المذكورة من قوله اشتر، و بع، و اخطب، و طلق، و نحو ذلك الراجع جميعه الى الاذن في مباشرة هذه الأمور، و هذه صيغ الوكالة التي اضطرب فيها كلامهم، و قبولها إنما هو عبارة عن امتثال تلك الأوامر و المسارعة إلى الإتيان بها، و ليس في شيء منها لفظ وكلت و قبلت و لا نحوهما، و لكنهم لعدم مراجعة الأخبار في هذه الأبواب و الجري على أبحاث العامة تلبس عليهم كثير من الأحكام.
و بالجملة فإن كلامهم في هاتين المسئلتين لا يخلو من تناقض و اضطراب، و لا سيما شيخنا العلامة، فإنه أطلق القول بالبطلان في المسئلتين في التحرير و الإرشاد، و هو ظاهر الشرائع أيضا، و جزم في القواعد بصحة التصرف هنا، و جعله احتمالا في مسئلة بطلان الوكالة بالتعليق على الشرط، و عكس في التذكرة كما قدمنا نقله عنه في تلك المسئلة، فاستقرب بقاء الإذن الضمني و جعل بقائه هنا احتمالا فصار في المسئلة ثلاثة أقوال.
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسئلة الاولى التوقف، كما مر في عبارته و ربما ظهر منه هنا الترجيح لما ذهب إليه في القواعد، حيث قال هنا و يمكن بناء هذا الحكم على ما تقدم من أن بطلان الوكالة هل يقتضي بطلان الاذن العام أو لا؟ و قد مر تحقيقه لاشتراكهما في بطلان الوكالة هناك، لعدم التنجيز، و هنا لعدم القبول، الا أن الحكم هنا لا يخلو عن رجحان على ذلك، من حيث أن الاذن صحيح جامع للشرائط، بخلاف السابق فإنه معلق، و في صحته ما قد
18
عرفت، و من ثم جزم في القواعد ببقاء صحته هنا و جعل الصحة هناك احتمالا انتهى.
أقول: و أنت إذا تأملت فيما حققناه في المسئلتين بعين التحقيق، و أطرحت ما ادعوه من هذه الإجماعات و رجعت الى الأخبار التي هي السبيل الواضح إلى الأحكام الشرعية و الطريق، ظهر لك المخرج من هذا الاشكال، و النجاة من هذا المضيق، و الله سبحانه العالم.
المقام الثاني في عزل الموكل له:
و قد اختلف الأصحاب في انعزال الوكيل بعزل الموكل له، فذهب جمع منهم الشيخ في النهاية و أبو الصلاح، و ابن البراج، و ابن حمزة، و ابن إدريس إلى أنه لا ينعزل إلا بإعلامه بالعزل مشافهة، أو اخبار ثقة، و مع عدم إمكان الإعلام فيكفي الإشهاد على ذلك، فالانعزال دائر بين الاعلام و الاشهاد مع عدم إمكانه، و بدون ذلك لا ينعزل و المشهور بين المتأخرين و هو قول الخلاف أنه لا ينعزل إلا بالإعلام، و قيل: انه ينعزل بمجرد العزل، و ان لم يعلمه و لم يشهد على ذلك، و هو قول القواعد.
و الذي وقفت عليه من الأخبار في المسئلة ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن العلاء بن سيابة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة وكلت رجلا بأن يزوجها من رجل، فقبل الوكالة و أشهدت له بذلك، فذهب الوكيل فزوجها، ثم إنها أنكرت ذلك الوكيل، و زعمت أنها عزلته عن الوكالة، فأقامت شاهدين أنها عزلته، فقال: ما يقول من قبلكم في ذلك؟ قلت: يقولون: ينظر في ذلك، فان كانت عزلته قبل أن يزوج فالوكالة باطلة، و التزويج باطل، و ان عزلته و قد زوجها فالتزويج ثابت على ما زوج الوكيل و على ما اتفق معها من الوكالة إذا لم يتعد شيئا مما أمرت به و اشترطت عليه في الوكالة، قال: ثم قال: يعزلون الوكيل عن وكالتها و لا تعلمه بالعزل، فقلت: نعم: يزعمون أنها: لو وكلت
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 48 ح 3، التهذيب ج 6 ص 214 ح 5، الوسائل ج 13 ص 286 ح 2.
19
رجلا و أشهدت في الملاء و قالت في الملاء اشهدوا أني قد عزلته بطلت وكالته، بلا أن تعلم العزل، و ينقضون جميع ما فعل الوكيل في النكاح خاصة. و في غيره لا يبطلون الوكالة، الا أن يعلم الوكيل بالعزل، و يقولون: المال منه عوض لصاحبه و الفرج ليس منه عوض إذا وقع منه ولد، فقال (عليه السلام) سبحان الله ما أجور هذا الحكم و أفسده، ان النكاح أحرى و أحرى أن يحتاط فيه، و هو فرج و منه يكون الولد، ان عليا (عليه السلام) أتته امرأة مستعدية على أخيها، فقالت: يا أمير المؤمنين وكلت أخي هذا بأن يزوجني رجلا فأشهدت له ثم عزلته من ساعته تلك فذهب و زوجني ولي بينة أني قد عزلته قبل أن يزوجني، فأقامت البينة، و قال الأخ:
يا أمير المؤمنين (عليه السلام) انها وكلتني و لم تعلمني أنها عزلتني عن الوكالة حتى زوجتها كما أمرتني به، فقال لها ما تقولين:؟ فقالت: قد أعلمته يا أمير المؤمنين فقال لها: أ لك بينة بذلك؟ فقالت: هؤلاء شهود يشهدون بأني قد عزلته فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لهم ما تقولون؟ قالوا: نشهد أنها قد قالت اشهدوا أني قد عزلت أخي فلانا عن الوكالة بتزويجي فلانا و اني مالكة لامري من قبل أن يزوجني فلانا فقال: أشهدتكم على ذلك بعلم منه و محضر، قالوا: لا، قال فتشهدون أنها أعلمته العزل كما أعلمته الوكالة؟ قالوا: لا، قال: أرى الوكالة ثابتة، و النكاح واقعا أين الزوج فجاء فقال خذ بيدها بارك الله لك فيها، فقالت: يا أمير المؤمنين أحلفه أني لم أعلمه العزل و أنه لم يعلم بعزلي إياه قبل النكاح قال: و تحلف؟ قال:
نعم يا أمير المؤمنين فحلف و أثبت وكالته و أجاز النكاح.
و ما رواه
في الفقيه عن ابن أبى عمير عن هشام بن سالم (1) و طريقه الى ابن أبى عمير صحيح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل و كل آخر على وكالة في أمر من الأمور و أشهد له بذلك شاهدين، فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر فقال: اشهدوا أني قد عزلت فلانا عن الوكالة، فقال: ان كان الوكيل أمضى الأمر الذي وكل
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 49 ح 5، الوسائل ج 13 ص 286 ح 1.
20
عليه قبل العزل عن الوكالة فإن الأمر واقع ماض على ما أمضاه الوكيل، كره الموكل أم رضي، قلت: فان الوكيل أمضى الأمر قبل أن يعلم بالعزل أو يبلغه أنه قد عزل عن الوكالة فالأمر على ما أمضاه؟ قال: نعم، قلت: فان بلغه العزل قبل أن يمضي الأمر، ثم ذهب حتى أمضاه لم يكن ذلك بشيء؟ قال: نعم، ان الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض أبدا و الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه، أو يشافه بالعزل عن الوكالة».
و رواه الشيخ في التهذيب بسند فيه العبيدي (1).
و ما رواه
في الفقيه عن ابن مسكان عن أبي هلال الرازي (2) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل وكل رجلا بطلاق امرأته إذا حاضت، و طهرت، و خرج الرجل فبدا له فأشهد أنه قد أبطل ما كان أمره به، و أنه بدا له في ذلك، قال: فليعلم أهله و ليعلم الوكيل.
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن جابر بن يزيد و معاوية بن وهب (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من وكل رجلا على إمضاء أمر من الأمور فالوكالة ثابتة أبدا حتى يعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول، فيها».
و طريقه في الفقيه إلى معاوية بن وهب صحيح، فتكون الرواية فيه صحيحة.
و أنت خبير بما في هذه الأخبار من الدلالة الصريحة على القول المشهور بين المتأخرين، و قد اشتملت رواية العلاء بن سيابة على ما يؤذن ببطلان ما ذهب إليه في القواعد، لقوله (عليه السلام) في الرد على العامة يعزلون الوكيل عن الوكالة و لا تعلمه بالعزل الى آخره، و كذا بطلان قول النهاية و من تبعه من الاكتفاء بمجرد الاشهاد مع عدم إمكان الاعلام، كما يفهم من حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) في قضية المرأة المذكورة و نحوها صحيحة هشام بن سالم (4).
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 213 ح 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 48 ح 2، التهذيب ج 6 ص 214 ح 4، الوسائل ج 13 ص 288 باب 3.
(3) الفقيه ج 3 ص 47 ح 1، التهذيب ج 6 ص 213 ح 1، الوسائل ج 13 ص 285 باب 1.
(4) الفقيه ج 3 ص 49 ح 5، التهذيب ج 6 ص 213 ح 2، الوسائل ج 13 ص 286 ح 1.
21
بقي هنا شيء و هو أن ظاهر عبارة الخلاف وجود الرواية بالانعزال بمجرد العزل، كما ذهب إليه في القواعد، حيث قال: إذا عزل الموكل وكيله من الوكالة في غيبة عن الوكيل، لأصحابنا فيه روايتان إحديهما أنه ينعزل في الحال، و ان لم يعلم الوكيل و كل تصرف يتصرف فيه الوكيل بعد ذلك يكون باطلا، و هو أحد قولي الشافعي، و الثانية أنه لا ينعزل حتى يعلم الوكيل ذلك، و كل ما يتصرف فيه يكون واقعا موقعه الى آخره.
و أنت خبير بأن هذه الرواية لم تصل إلينا و لم ينقلها أحد غيره و بذلك اعترف في المختلف أيضا حيث قال: و لم نظفر بالرواية الأخرى التي نقلها في الخلاف، ثم انه قال في المختلف: و الظاهر عدم عزل الوكيل الا أن يعلم العزل لهذه الروايات، و لأنه لو انعزل قبل علمه كان فيه ضرر، لأنه قد يتصرف تصرفات تقع باطلة، و ربما باع الجارية فيطؤها المشتري، و الطعام فيأكله أو غير ذلك فيتصرف فيه المشتري و يجب ضمانه بتصرف المشتري و الوكيل.
ثم قال: و القول الآخر ليس بردي، لأن الوكالة من العقود الجائزة، فللموكل الفسخ و ان لم يعلمه الوكيل، و الا كانت لازمة حينئذ هذا خلف، و لأن العزل رفع عقد، لا يفتقر الى رضا صاحبه، فلا يفتقر الى علمه كالطلاق، و العتق، و قول النهاية لا بأس به، لأنه توسط بين الأقوال، انتهى.
و نسج على منواله المحقق اردبيلى بالنسبة إلى تعليل هذين القولين، سيما قول القواعد، و أطال المناقشة و الطعن في أسانيد الاخبار حتى أنه في آخر البحث قال: و المسئلة من المشكلات، لما علمت مما تقدم.
و أنت خبير بان كل ذلك اجتهاد في مقابلة النصوص، و جرأة تامة على أهل الخصوص، سيما في الروايات المذكورة ما هو صحيح السند باصطلاحهم مع صراحة الدلالة بما لا يحوم حوله الشك، و الاشكال، و لكنهم جرت عادتهم بالركون الى هذه التعليلات العقلية، و ترجيحها على الأدلة النقلية، و يتفرع
22
على الخلاف المذكور صحة تصرف الوكيل بعد العزل، و قبل الاعلام بناء على القول المختار، و على القولين الأخيرين من الانعزال بمجرد العزل أو بمجرد الاشهاد يبطل جميع ما فعله بعد الأمرين المذكورين، و هو الظاهر، و الله سبحانه العالم.
الخامسة [موارد بطلان الوكالة]:
قد صرح الأصحاب بأن الوكالة تبطل بأمور
منها [عزل الوكيل نفسه]
ما تقدم من عزل الوكيل نفسه على ما قالوه، و عزل الموكل كما عرفت
، و
منها التعليق بالشرط أو الصفة
، و قد عرفت الكلام فيه، الا أن في عد هذا الفرد نوع تسامح.
و
منها موت كل من الوكيل أو الموكل
، أما موت الوكيل فظاهر، و أما موت الموكل فلأن ما وكل فيه ينتقل الى غيره، فلا يجوز التصرف فيه إلا بإذن من انتقل اليه، و لأن العقد كان جائزا منوطا باذنه، و رضاءهما غير متحققين بعد الموت.
و بالجملة فإنه لا خلاف و لا إشكال في البطلان في الصورة المذكورة و قد صرحوا بأنه لو مات الموكل فان تصرف الوكيل بعد الموت باطل، و ان لم يعلم الموت، لأن ذلك هو الأصل و إنما خرجت مسألة العزل بالنص.
و عندي فيه توقف، لعدم إيرادهم نصا على ما ادعوه من البطلان، سيما مع ما عرفت من خروج النصوص بعدم انعزال الوكيل قبل بلوغ العزل له الجاري ذلك على خلاف قواعدهم، حتى اضطربوا في التفصي عنها، فمنهم من قال بها، و ألغى تلك القواعد، و منهم من ألغاها و قدم تلك القواعد، فمن المحتمل قريبا أن يكون الحكم هنا كذلك أيضا، و ما ادعوه من الأصل هنا لا أعرف له أصلا، و كأنهم أرادوا بالأصل أصل العدم.
و فيه أن الأصل بمعنى الاستصحاب لثبوت الوكالة حتى يقوم الدليل على الإبطال في الصورة المذكورة قائم و مرجع هذا الاستصحاب الى عموم الدليل، حتى يثبت الرافع له، و يعضده الأمر بالوفاء بالعقود، و بالجملة فالحكم لعدم النص لا يخلو عن اشكال.
23
نعم يمكن أن يستدل لما ذكروه بما رواه
في الكافي عن ابن بكير (1) في الموثق عن بعض أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل أرسل يخطب عليه امرأة و هو غائب، فأنكحوا الغائب و فرضوا الصداق، ثم جاء خبره بعد أنه توفي بعد ما سيق الصداق، فقال: ان كان أملك بعد ما توفي فليس لها صداق، و لا ميراث، و ان كان أملك قبل أن يتوفى فلها نصف الصداق، و هي وارثة، و عليها العدة».
فإنها ظاهرة في أنه و كل في حال الغيبة من يخطب له و يعقد عنه و يسوق المهر ثم مات، و قد حكم (عليه السلام) بصحة العقد متى وقع قبل الموت، و بطلانه متى كان بعده، و حينئذ فيتم ما ذكروه من الحكم المذكور، و ان لم يتنبه أحد منهم لهذا الخبر الذي ذكرناه، بل إنما بنوا الحكم على قواعدهم المتداولة بينهم ثم انهم نبهوا على أنه و ان بطلت الوكالة في الصورة المذكورة، لكن ما بيده يكون أمانة لأن الأمانة لا تبطل بالموت كما تبطل الوكالة الا أنه يجب المسارعة و ردها على الوارث فإن أخر لا لعذر ضمن، كما تقدم في الوديعة، و لو تلف بغير تفريط فلا ضمان.
و
منها الجنون و الإغماء من كل منهما
و الظاهر أن المستند فيه هو الإجماع كما في المسالك، فقال: هذا موضع وفاق، و لأنه من أحكام العقود الجائزة، و كان مبناه على الخروج عن أهلية التصرف و قد صرحوا أيضا بأنه لا فرق بين أن يكون مطبقا أو أدوارا و لا في الإغماء بين طوله و قصره، و لا فرق بين أن يعلم الموكل بعروض المبطل و عدمه.
ثم انهم صرحوا أيضا بأنه يجيء في هذه المسئلة ما تقدم في مسئلة ما تقدم في مسئلتي بطلان الوكالة بالرد و بالتعليق، من جواز التصرف و عدمه، فإنه بعد زوال الجنون أو الإغماء الذين بهما بطلت الوكالة، هل يجوز لهما التصرف بالاذن العام فكل من قال بالجواز ثمة، فإن الحال فيه هنا كذلك.
و قد عرفت مما حققناه في تلك المسئلتين، أن الحق هو جواز التصرف بل
____________
(1) الكافي ج 5 ص 415 ح 1، الوسائل ج 14 ص 230 ح 2.
24
عدم بطلان الوكالة بشيء من ذينك الأمرين و ان ادعوا الإجماع عليه فكذلك هنا لأنا لم نقف لهم على دليل يدل على ابطالها بما ذكروه، سوى ما ادعي من الإجماع و حينئذ فيجوز التصرف فيما و كل فيه، و لا يحتاج إلى تجديد عقد من الموكل بعد زوال ذلك عنه لو كان هو المصاب بأحد الأمرين، بل يكفي استصحاب حكم العقد السابق، أما عندنا فلعدم ثبوت الابطال بذلك كما عرفت، و أما عندهم فلاستصحاب الاذن العام، لانه و ان بطل عقد الوكالة الا أن الاذن باق.
و يؤيد جواز التصرف هنا و ان امتنع بوجود أحد هذين الأمرين جملة من النظائر، كما صرحوا به من دخول الصيد الغائب في ملك المحرم، بعد زوال الإحرام، و أن من وكل محلا فصار محرما لم يحتج الى تجديد الوكالة بعد تحلله عن الإحرام، و نحو ذلك مما يقف عليه المتبع، و في جميع ذلك تأييد لما ذكرناه من عدم بطلان الوكالة هنا.
و
منها الحجر على الموكل فيما يمنع الحجر من التصرف فيه
، فإنه إذا منع ذلك الموكل منع وكيله بطريق أولى، و لان الحجر موجب لزوال أهلية التصرف المالي، قالوا: و في حكم الحجر طرو الرق على الموكل بأن كان كافرا فاسترق، و لو كان هو الوكيل صار بمنزلة توكيل عبد الغير، و سيأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى، و يأتي الكلام في التصرف بعد زوال الحجر كما تقدم.
و لا تبطل بالنوم و ان طال لبقاء أهلية التصرف، و من ثم أنه لا تثبت الولاية عليه، و قيد في اللمعة النوم المتطاول بأن لا يؤدى الى الإغماء، و فيه كما أشار إليه الشارح خروج عن موضع فرض المسئلة، لأن الإبطال انما هو بالإغماء، لا بالنوم.
و
منها تلف ما تعلقت به الوكالة
كتلف العبد الموكل ببيعه و موت المرأة الموكل بتزويجها أو طلاقها، و تلف الدينار الموكل بأن يشري به شيئا، قالوا:
و في حكم التلف انتقاله عن ملكه كما لو أعتق العبد الموكل في بيعه، أو باع
25
العبد الموكل في عتقه.
و
منها ما لو فعل الموكل ما تعلقت به الوكالة
كأن يوكله في بيع عبد ثم يبيعه هو، و ثبوت البطلان ظاهر، إذ لا شك في ثبوت ذلك له قبل الوكالة، و الوكالة غير مانعة منه، و لا منافية له، سيما مع ثبوت كونها جائزة، و معلوم أنه بعد فعله لم يبق ما و كل فيه، فلا تبقى الوكالة، لعدم بقاء محلها فهو بمنزلة تلف ما و كل فيه، كما في سابق هذا الموضع.
و بالجملة فالأمر في ذلك أظهر من أن يحتاج إلى مزيد بيان، و في حكمه فعل الموكل ما ينافي الوكالة، قال في المسالك و في كون وطئ الزوجة الموكل في طلاقها و السرية الموكل في بيعها منافيا وجهان: من دلالة الوطي على الرغبة ظاهرا و لهذا دل فعله على الرجوع في المطلقة رجعية فرفعه للوكالة أولى، و من ثبوت الوكالة و منافاة الوطي لها غير معلوم، و ثبوت الفرق بين الطلاق و الوكالة، فإن الطلاق يقتضي قطع علاقة النكاح فينافيه الوطي، بخلاف التوكيل فإنه لا ينافيه انتفاع الموكل بالملك الذي من جملته الوطي بوجه نعم فعل مقتضى الوكالة ينافيه، و الأولوية ممنوعة، و هذا أقوى و أولى بعدم البطلان فعل المقدمات.
و في القواعد فرق بين الزوجة و السرية فقطع في الزوجة بالبطلان، و في السرية بخلافه، و في التذكرة توقف في حكم الوطي و المقدمات معا انتهى، و نحوه كلام المحقق الثاني في شرح القواعد.
و التحقيق أن يقال: ان الوطي و المقدمات التي هي عبارة عن التقبيل و المباشرة دون الفرج و نحو ذلك الدال بظاهره على الرغبة ان وقع مقرونا بالندامة على التوكيل و قصد العزل، فإنه لا إشكال في كونه عزلا، و أنه تبطل الوكالة بذلك، و ان وقع مقرونا بعدم ذلك، فالظاهر بقاء الوكالة و عدم العزل، و ان وقع مشتبها فإنه ينبغي استفسار ذلك من الموكل، و يقبل قوله في ذلك، و ان لم يمكن مراجعته
26
و استعلام الحال منه فإن الأقرب عدم العزل و بقاء الوكالة، لأن ما فعله من هذه الأشياء أعم من قصد الإمساك و العزل عن الوكالة و الرغبة فيها، و من عدم ذلك، فالأصل ثبوت الوكالة و بقائها حتى يعلم الرافع لها.
و يشير اليه ما تقدم في الأخبار المتقدمة من قوله (عليه السلام) في بعضها «الوكالة ثابتة أبدا حتى يعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها» و في آخر «الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه، أو يشافه العزل» الدال جميع ذلك على أنه بعد ثبوت الوكالة، فإنه يجب البقاء عليها الا مع العلم بالرافع لها، و لهذا لو كان المبلغ للعزل غير ثقة لا يترتب على خبره العلم لم يوجب العزل، فكذا هنا بمجرد وقوع هذه الأشياء على وجه لا يعلم به ارادة العزل لا توجب عزلا، و يمكن إرجاع كلام الفاضلين المذكورين الى ما حققناه هنا، فان ظاهر اعتراضهما على الوجه الأول- بأن منافاة الوطي لها غير معلوم- أنه لو كانت المنافاة معلومة لكان ذلك عزلا، و حينئذ فإذا كان مقرونا بالمنافي من قصد الإمساك و قصد العزل عن الوكالة فلا ريب في كونه عزلا عندهما، و أما ما نقله عن التذكرة من أنه توقف في حكم الوطي و المقدمات فالذي يظهر لي أن التوقف انما هو في المقدمات.
و أما حكم الوطي فالظاهر أنه الأقرب عنده، و ان عبر عنه بلفظ الاحتمال حيث قال في عد عبارات العزل و الفسخ فإذا و كله في طلاق زوجته ثم وطئها احتمل بطلان الوكالة، لدلالة وطئه لها على رغبته و اختياره إمساكها، و كذا لو وطئها بعد طلاقها رجعيا، كان ذلك ارتجاعا لها، فإذا اقتضى الوطي رجعتها بعد طلاقها، فلأن يقتضي استبقاؤها على زوجيتها و منع طلاقها أولى، و ان باشرها دون الفرج أو قبلها أو فعل ما يحرم على غير الزوج فهل يفسخ الوكالة في الطلاق؟ إشكال، ينشأ من حصول الرجعة به، و عدمه انتهى.
و التقريب فيما ذكرناه أنه ذكر الدليل على بطلان الوكالة بالوطء و لم يتعرض لرده، بل جمد عليه بل جعله أولى من الرجعة، فكيف ينسب له التوقف
27
مع الحكم بذلك عنده في الرجعة، و عدم التوقف فيها و هو قد حكم بالأولوية من الرجعة.
نعم التوقف في المقدمات ظاهر حيث صرح بالإشكال في ذلك، و جعل الإشكال في الإبطال بها تابعا للإشكال بحصول الرجعة بذلك، و الله سبحانه العالم.
السادسة [فيما يقتضيه إطلاق الوكالة]:
قالوا: إطلاق الوكالة يقتضي الابتياع بثمن المثل بنقد البلد حالا، و ان يبتاع الصحيح دون المعيب، و لو خالف وقف على الإجازة.
أقول: الظاهر أن الوجه في اقتضاء الإطلاق هذه الأمور هو أن المتبادر من الإطلاق ذلك بحسب العرف و العادة، لأن المرجع في مثل ذلك اليه كما صرحوا به في غير موضع، و ادعى في التذكرة الإجماع هنا على ذلك، الا أنه في التذكرة قيد إطلاق الوكالة في البيع بثمن المثل، بما إذا لم يكن هناك باذل بأزيد، و إلا فلا يجوز، بل لا يصح البيع حينئذ، فإنه تجب رعاية المصلحة على الوكيل و صحة فعله موقوفة عليها، قال في الكتاب المذكور: كما لا يجوز للوكيل أن ينقص عن ثمن المثل، لا يجوز أن يقتصر عليه، و هناك طالب بالزيادة، بل يجب بيعه على باذل الزيادة، لأنه منصوب لمصلحة الموكل، و ليس من مصلحته بيعه بالأقل مع وجود الأكثر، انتهى، و صرح أيضا بأنه لو باع بخيار ثم وجد باذلا يزيد في الثمن في زمن الخيار وجب عليه الفسخ، تحصيلا لمصلحة المالك في ذلك و التزام البيع مناف لها فلا يملكه.
و زاد المحقق الأردبيلي أيضا أنه يمكن ذلك فيما لو عين الموكل الثمن أيضا، قال: فان تعيينه إنما هو لظن عدم الزيادة عليه، و هو المفهوم عرفا إذ المتعارف و الغالب أن شخصا لم يبع بأنقص مع وجود الزائد، و الأمور محمولة على الغالب و العرف، مع أن ذلك أيضا منوط بالمصلحة، و لا مصلحة في البيع بالناقص مع وجود الزائد، انتهى و هو غير بعيد، و استثنى بعضهم أيضا من ثمن المثل النقصان اليسير الذي يتسامح الناس فيه، و لا يناقشون فيه كدرهم أو درهمين في ألف درهم،
28
و لا بأس به نظرا الى ما قدمنا ذكره من دوران هذه الأحكام مدار العرف و العادة.
و أما نقد البلد فان كان واحدا في تلك البلد، لا تعدد فيه فمعلوم انصراف الإطلاق إليه في البيع و الوكالة، و مع التعدد فإنه ينصرف الى الغالب، فان استوت تحرى ما هو الأنفع للموكل، و إلا تخير.
و أما كونه حالا فإنه هو الغالب في العادة، فيجب حمل الإطلاق عليه.
و اما اقتضاء الإطلاق الصحيح دون المعيب، فادعى عليه في التذكرة الإجماع، قال: لأن الإطلاق في الشراء يقتضي سلامة المبيع، حتى أن للمشتري الرد لو خرج معيبا، ثم نقل عن أبي حنيفة جواز شراء المعيب، و انه كالمضارب ثم رده بالفرق بين المضارب و الوكيل، و أن المضارب إنما يشترى للربح، و قد يكون في المعيب، بخلاف الوكيل فإنه قد يكون للغنية و الانتفاع، و العيب قد يمنع بعض المقصود، و إنما يقتضي و يد خر السليم، الى آخر كلامه رحمة الله عليه.
ثم أنه لو خالف الوكيل و شرى المعيب، فان كان عالما كان فضوليا على القول بصحة الفضولي، و باطلا على القول الآخر، و هو المختار كما تقدم في البيع، و مثله يأتي فيما لو اشترى بزيادة على ثمن المثل عالما، فإنه للمخالفة يكون موقوفا أو باطلا، و كذا الحكم عندهم فيما لو اشتراه جاهلا بالعيب.
و إن كان باطنا قالوا: يقع عن الموكل، لأنه إنما يلزمه الشراء الصحيح بحسب الظاهر، و لا يخاطب بالسلامة في الباطن، لأنه يعجز عنه، و لا يمكنه الوصول إليه إذ هو عيب لا يجوز التكليف به، فيقع البيع للموكل، كما لو شرى بنفسه جاهلا بالعيب.
بقي الكلام في خيار العيب بعد العلم به، و الرد به أو الإمساك، و الظاهر أنه للموكل دون الوكيل و به صرح في التذكرة، و ظاهره الإجماع عليه، قال:
و حيث قلنا يقع عن الموكل و كان الوكيل جاهلا بالعيب فللموكل الرد إذا اطلع عليه، لأنه المالك، و هل يملك الوكيل الرد بالعيب، أما عندنا فلا، لأنه
29
إنما و كله في الشراء، و هو مغاير للرد، فلا يملكه، انتهى.
و منه يظهر أنه لو كانت الوكالة مطلقة أو كان وكيلا في الشراء و الرد، فان للوكيل الرد، و هو ظاهر، الا أنه سيأتي في كلامهم أيضا ما يؤذن بأن للوكيل الرد بالعيب.
ثم ان ظاهرهم فيما لو اشترى جاهلا بالغبن، بأن شرى بما يزيد على ثمن المثل جاهلا، فإنه لا يقع للموكل، كما في العيب، بل يكون حكمه حكم العالم، كما تقدم، قالوا: و الفرق بين الجهل بالعيب، و الجهل بالغبن أن العيب قد يخفى فهو في شرائه معذور، و الوكالة شاملة له، لأن التكليف بالصحيح إنما هو بالنظر الى الظاهر، لا الباطن كما عرفت آنفا.
و بالجملة فهو لا يزيد على شرائه لنفسه، بخلاف الجهل بالغبن فان الغبن لا يخفى، و نقص القيمة أمر ظاهر، مستند الى تقصيره في تحرير القيمة، فلا يكون داخلا تحت الوكالة.
و فيه أن ما ذكروه لا يطرد كليا لأنه و ان تم ذلك في بعض الأفراد الا أن الأمر في بعضها على خلاف ذلك، فان من العيب ما يكون ظاهرا لا خفاء فيه كالعور و العرج، و من الغبن ما هو خفي بل أخفى على كثير من أهل الخبرة، كما في كثير من العيوب، كما في الجواهر و نحوها، و على هذا فينبغي أن يجعل الضابط فيهما واحدا بأن يقال ان كلا من العيب و الغبن ان كان مما يخفى غالبا، فإنه يقع الشراء من الموكل مع الجهل بهما، و إلا وقف على الإجازة، كما ذكروه، و بطل على المختار، و الله سبحانه العالم.
السابعة [في اقتضاء إطلاق الوكالة بالبيع بيع الوكيل على ولده الكبير أو زوجته]:
الظاهر أنه لا خلاف في أن إطلاق الوكالة بالبيع يقتضي بيع الوكيل على ولده الكبير و زوجته، كما في غيرهما، و لم ينقل فيه الخلاف الا عن بعض العامة، محتجا بمظنة التهمة، و أما على الولد الصغير فعن الشيخ القول بالمنع: للزوم اتحاد الموجب و القابل، و لأنه تجب عليه رعاية المصلحة من
30
الجانبين و المماكسة مهما أمكن، و ذلك غير ممكن هنا.
أقول: و يلزم ذلك كل من قال بعدم جواز شراء الوكيل بنفسه، قال في التذكرة: إذا منعنا من شراء الوكيل لنفسه لم يجز أيضا أن يشتري لولده الصغير، و لا لمن يلي عليه لوصية، لأنه يكون بيعا من نفسه، و به قال الشافعي، و عندي فيه نظر، أقربه الجواز في ذلك كله، انتهى.
أقول: و يؤيد الصحة أيضا عموم أدلة البيع و أدلة الوكالة، و المنع من بطلان الاتحاد، و قد جوز الشيخ ذلك في الأب و الجد بالنسبة إلى الصغير، و هو ظاهر في عدم مانعية الاتحاد، و في عدم اشتراط المماكسة.
و أما البيع على نفسه أو الشراء لنفسه، فقد تقدم الكلام فيه في الموضع الخامس من المسئلة الخامسة من المقام الأول في البيع (1) و يأتي الكلام في ذلك إنشاء الله تعالى في المطلب السادس، و الله سبحانه العالم.
الثامنة [في اقتضاء إطلاق الوكالة تسليم المبيع]:
قال في الشرائع: إطلاق الوكالة في البيع يقتضي تسليم المبيع، لأنه من واجباته، و علله الشارح في المسالك بأنه إنما كان من واجباته، لأن البيع يقتضي إزالة ملك البائع عن المبيع، و دخوله في ملك المشتري، فيجب على مدخل الملك التسليم، لأنه من حقوقه.
و قال في الإرشاد: و وكيل البيع لا يملك تسليم المبيع قبل توفية الثمن، و وجهه الشارح الأردبيلي بأن تسليم المبيع ليس بداخل في مفهوم البيع، و لا يشترط في ذلك، فلا يكون وكيله مالكا له، إذ ما وكله إلا في البيع، و أما إذا دفع الثمن إلى الموكل أو وكيله الجائز له قبضه، أو أبرأه من الثمن فلا يجوز منعه، لأنه صار ملكا خالصا للمشتري، بحيث لا يجوز للموكل منعه، فيجب عليه التسليم كالوكيل، و ان لم يكن وكيلا في التسليم صريحا، انتهى.
و ظاهر عبارة القواعد مثل الشرائع، و الظاهر أنه يجب تقييدهما بما ذكره
____________
(1) ج 18 ص 416.
31
هنا من دفع الثمن أولا، بناء على قاعدتهم من عدم الوجوب الا بالتقابض، و كذا تقييد عبارة المسالك المذكورة، فإنه و ان دخل في ملك المشتري بمجرد عقد البيع كما ذكره، الا أن ملكه له لا يستلزم وجوب تسليمه له قبل قبض الثمن منه، حيثما صرحوا به فيما لو باع مال نفسه، كما تقدم في البيع، و لهذا انه في المسالك استدرك ذلك، فقال في تتمة العبارة المتقدمة: لكن لا يسلمه حتى يقبض الثمن هو، أو من يكون له قبضه.
قال في التذكرة: إذا وكله في البيع يملك تسليم المبيع إلى المشترى ان كان في يده، و هو قول أكثر الشافعية، لأن البيع يقتضي إزالة الملك، فيجب التسليم، و لأن تسليم المبيع إلى المشترى من تمامه و حقوقه، و هذا عين ما علله في المسالك، ثم قال في المسئلة التي بعدها: إذا وكله في البيع لم يملك قبض الثمن على ما تقدم، و يملك تسليم العين إلى المشتري، لكن لا يسلم قبل أن يقبض الموكل أو من نصبه الثمن، فإن سلمه قبل قبضه كان ضامنا، و قد قيد في هذه المسئلة ما أطلقه في المسئلة التي قبلها.
و بالجملة فإن رعاية قواعدهم في المسئلة توجب ذلك، و لهذا انه في المسالك استدرك بالتقييد بذلك، هذا بالنسبة إلى تسليم المبيع.
و أما قبضه الثمن فقد صرحوا بأن إطلاق الوكالة في البيع لا يقتضي قبض الثمن، لأنه قد لا يؤمن على القبض و الوكالة انما وقعت في البيع، و قبض الثمن أمر زائد على ذلك، إلا أن يكون هناك قرينة تدل عليه، فيكون الاعتماد في ذلك عليها، كما لو أمره بالبيع في سوق بعيدة أو بلد آخر بحيث أنه يضيع الثمن بترك قبضه، و لا يمكن للموكل قبضه، ففي مثل ذلك يجوز، بل يجب قبضه حتى أنه لو تركه و لم يقبضه كان ضامنا، لأن الظاهر من حال الموكل أنه انما أمره بالبيع للانتفاع بالثمن، و لا يرضى بتضييعه، و لهذا يعد من فعل ذلك مفرطا هذا في الوكيل في البيع.
32
و أما الوكيل في الشراء فإنهم قد صرحوا بأن إطلاق الوكالة في الشراء يقتضي الاذن في تسليم الثمن، و لا يقتضي الاذن في تسلم المبيع، قال في التذكرة:
الوكيل بالشراء إذا اشترى ما وكل فيه ملك تسليم ثمنه، لأنه من تتمته و حقوقه، فهو كتسليم المبيع في الحكم، و الحكم في قبض المبيع كالحكم في قبض الثمن في البيع، الوجه عندنا أنه لا يملكه، كما قلناه في البيع لا يملك الوكيل فيه قبض الثمن، انتهى، و على هذا النهج كلام الشرائع و الإرشاد و غيرهما.
أقول: و ينبغي تقييد إطلاقهم هنا عدم ملكه تسلم المبيع، لعدم دخوله تحت إطلاق الوكالة بما قيد به عدم قبض الثمن في صورة الوكالة في البيع، من أنه لو دلت القرائن على فوات المبيع و ذهابه لو لم يتسلمه لكان الواجب عليه قبضه، فضلا عن أن يكون جائزا لعين ما ذكروه ثمة، كما لو وكله في شراء عين من مكان بعيد يتعذر على الموكل قبضها، بحيث لو لم يقبضها ذهبت و فاتت، فإنه يجب عليه قبضها، و أنه يضمن بترك ذلك لعين ما تقدم، و ينبغي أيضا تقييد إطلاقهم ملك تسليم الثمن هنا بما تقدم في الوكالة في البيع من تقييد ملكه لتسليم المبيع، بما إذا قبض الموكل أو من يقوم مقامه الثمن لعين ما تقدم من الدليل في تلك الصورة، و لعله الى ذلك يشير قوله في التذكرة:
فهو كتسليم المبيع، فان قياسه على تسليم المبيع و جعله مثله و على نهجه مع أنه كما عرفت قد صرح ثمة بأنه لا يسلم المبيع حتى يقبض الموكل أو من نصبه الثمن، بمقتضى ما قلناه هنا من أنه لا يسلم الثمن إلا بعد قبض المبيع، فمعنى قولهم أنه مأذون في دفع الثمن يعنى بعد تسليم المبيع.
و بالجملة فالظاهر عدم الفرق بين الوكيل البائع و الوكيل المشتري، في أنه ليس لهما دفع ما بيدها و إقباضه إلا بعد وصول عوضه الى الموكل أو من نصبه لقبضه، حيثما تقدم في كلامهم في البيع في غير موضع من اشتراط التقابض و نحوه و الله سبحانه العالم.
33
التاسعة [في عدم جواز رد الوكيل المبيع بالعيب]:
قد صرح جمع من الأصحاب منهم الفاضلان في الشرائع و الإرشاد بأن للوكيل الرد بالعيب مع حضور الموكل و غيبته، و علله في الشرائع قال:
لأنه من مصلحة العقد.
أقول: قد تقدم في عبارة التذكرة في المسئلة السادسة ما يؤذن بدعوى الإجماع على أن الوكيل لا يملك الرد بالعيب، لأنه إنما وكله في الشراء و هو مغاير للرد فلا يملكه، و علل في المسالك كلام المصنف هنا بأن الموكل قد أقامه مقام نفسه في هذا العقد، و الرد بالعيب من لوازمه لأن التوكيل لما لم ينزل إلا على شراء الصحيح، فإذا ظهر العيب كان له الرد و شراء الصحيح، ثم اعترضه فقال: و يشكل الأول بأنه انما أقامه مقام نفسه في العقد، لا في اللوازم، إذ من جملتها القبض، و الإقالة و غيرهما، و ليس له مباشرتهما إجماعا، و الثاني بأن مقتضاه وقوف العقد على الإجازة كما مر لا ثبوت الرد، الى أن قال: و الأجود عدم جواز الرد مطلقا، وفاقا للتذكرة، لأن الوكالة في الشراء انما اقتضت إدخال المبيع في ملكه، و الرد يقابله و يضاده، فلا يدخل فيها، انتهى و هو جيد.
و كيف كان فإنه متى رضي به الموكل أو منعه عن الرد فإنه ليس له الرد، أما على ما اخترناه فإنك قد عرفت أن الوكيل ليس له الرد، و انما الخيار للموكل بين الرد و الإمساك.
و أما على ما ذكروه هنا من أن للوكيل الرد فلأنه بمنعه عن الرد قد انعزل عن الوكالة في ذلك، كما ذكره في المسالك بناء على ذلك، حيث قال- بعد قول المصنف و لو منعه الموكل لم تكن له مخالفته- ما لفظه: لا شبهة في بطلان رده بالنهي المذكور، لأنه إبطال للوكالة فيما تضمنه، و عزل له فيه، و إذا جاز عزله عن الوكالة فمن بعض مقتضياتها أولى و في حكمه إظهار الرضا بالعيب، فإنه في معنى النهي عن الرد و أراد بذلك الفرق بين الوكيل، و عامل المضاربة، حيث انه قد سلف أن ليس للمالك منعه من الرد بالعيب، و ان رضى به مع كون العامل في معنى الوكيل، و الفارق انحصار الحق هنا في الموكل، و اشتراكهما في العامل.
34
المطلب الثاني فيما تصح النيابة فيه و ما لا تصح:
قال في التذكرة: البحث الرابع فيما فيه التوكيل و النظر في شرائطه، و هي ثلاثة
الأول [في اشتراط كون الموكل مالكا لما تعلق به الوكالة]:
أن يكون مملوكا للموكل، الثاني: أن يكون قابلا للنيابة، الثالث: أن يكون ما به التوكيل معلوما و لو إجمالا، انتهى.
و الكلام في هذا المطلب يقع في موارد: الأول: قال في التذكرة: يشترط فيما يتعلق الوكالة به أن يكون مملوكا للموكل، فلو و كل غيره بطلاق زوجة سينكحها أو بشراء عبد سيملكه، أو إعتاق رقبة يشتريه، أو قضاء دين يستدينه، أو تزويج امرأة إذا انقضت عدتها أو طلقها زوجها، و ما أشبه ذلك، لم يصح، لأن الموكل لا يتمكن من فعل ذلك بنفسه، فلا تنتظم فيه اقامة غيره، و هو أصح وجهي الشافعية.
الثاني: انه صحيح، و يكتفى بحصول الملك عند التصرف، و أنه المقصود من التوكيل، و قال بعض الشافعية: الخلاف عائد الى أن الاعتبار بحال التوكيل أم حال التصرف، انتهى.
أقول: ينبغي أن يعلم أن المراد بكون متعلق الوكالة مملوكا للموكل بمعنى كونه مما يمكن الموكل التصرف فيه، و مباشرته بنفسه عقلا و شرعا، و مثل هذه الأمور المعدودة لما لم يمكنه مباشرتها بشيء من الوجهين المذكورين انتفت الوكالة فيها، و أولى منها الأمور المستحيلة عقلا أو شرعا، فلا يجوز التوكيل في الغصب و السرقة و القتل و نحوه، و أحكامها انما تلزم المباشر لها، و هل يعتبر الإمكان المذكور من حين التوكيل الى حين التصرف، ظاهر جمع منهم ذلك على ما نقله في الكفاية، و هو ظاهر عبارة التذكرة المتقدمة.
و قال المحقق الثاني في شرح القواعد على ما نقله بعض الأفاضل فمن شرط صحة الوكالة أن يكون التصرف مملوكا للموكل في وقت صدور عقد التوكيل و الظاهر أن ذلك متفق عليه عندنا، و للشافعية خلاف في ذلك.
35
أقول: و منه يعلم أن الاكتفاء بحصول الملك وقت التصرف مختص بالعامة كما تقدم نقله عن بعض الشافعية، و قد تلخص من ذلك أنه متى كان شرط الوكالة ذلك امتنع التوكيل في هذه الأفراد المعدودة، الا أنه قد أورد المحقق الأردبيلي هنا عليهم اشكالا، و هو انهم قد حكموا بجواز التوكيل للطلاق في طهر المواقعة و في حال الحيض، و انهم يجوزون التوكيل في تزويج امرأة و طلاقها قبل التزويج و كذا في شراء عبد و عتقه من غير نزاع، ثم نقل عن التذكرة التصريح بذلك، ثم قال: و أيضا يجوزون الطلقات الثلاث مع رجعتين بينهما، و معلوم جواز عقد القراض، و هو مستلزم للبيوع المتعددة الواردة على المال مرة بعد أخرى، و ليس بموجود حال العقد.
و بالجملة لا شك في جواز التوكيل في أمر لا يكون بالفعل للموكل فعله بل بعد فعل آخر كما مثلناه، و جميع ذلك مع قولهم بهذا الشرط مشكل، الى أن قال: فهذا الشرط غير متحقق اعتباره لي، سواء قلنا وقت التوكيل فقط، أو يستمر الى وقت الفعل انتهى.
أقول: من المحتمل قريبا حصول الفرق بين ما قدمنا ذكره عن التذكرة من الأمثلة التي يمتنع التوكيل فيها لعدم الشرط المذكور، و بين ما ذكره من الأمثلة بأن يقال: بالفرق بين ما وقع فيه التوكيل مستقلا كالأمثلة التي منعوا عن الصحة فيها، و بين ما وقع التوكيل فيه تبعا لما يجوز التوكيل فيه اتفاقا كالأمثلة التي أوردها، فيبطل في الأول، و يصح في الثاني، و يشير الى ذلك، جمعه في التذكرة بين الكلام الذي اعترض به عليه، و بين ما قدمنا نقله عنه في صدر المسئلة في موضع واحد، فإنه قال: على أثر ما قدمناه في صدر المسئلة ما صورته:
و لو وكله في شراء عبد و عتقه أو في تزويج امرأة و طلاقها، أو في استدانة دين و قضاءه صح ذلك كله، لأن ذلك مملوك للموكل، انتهى.
و حينئذ فلو لم يكن الفرق حاصلا بما ذكرنا بل كان الجميع من باب
36
واحد كما ذكره، لحصل التدافع بين كلاميه، فكيف يصرح في محل واحد في بعض الأمثلة بأنه لا يصح التوكيل، لأنه لا يملك التصرف، و يقول في نظيره أنه يصح، لأن ذلك مملوك للموكل.
و بالجملة فإن الفرق بين وقوع الشيء أصالة و تبعا غير عزيز في الأحكام، و قد تقدم في الضمائم الى ما لا يصلح بيعه منفردا ما هو ظاهر في ذلك، و منه أيضا عدم جواز الوقف على من لم يوجد أصالة، و صحة الوقف عليه تبعا فلو وقف على من سيولد له بطل اتفاقا، و على من ولد و من سيولد صح اتفاقا.
نعم يبقى الكلام في الدليل الدال على هذا الشرط، و لا أعلم لهم دليلا زيادة على ما يفهم من الاتفاق الذي ادعاه المحقق الشيخ علي، و فيه ما عرفت في غير مقام مما تقدم فالمسئلة غير خالية من الاشكال، كما في غيرها من مسائلهم الجارية على هذا المنوال.
الثاني [في اشتراط كون الفعل الموكل فيه قابلا للنيابة]:
قد عرفت أن من الشروط قبول الفعل الموكل فيه للنيابة، و الأصحاب قد جعلوا لذلك ضابطا، فقالوا: ان كلما تعلق قصد الشارع بإيقاعه من المكلف مباشرة فإنه لا يقبل التوكيل، و لا تصح فيه النيابة، فكلما جعل ذريعة إلى غرض لا يختص بالمباشرة تصح النيابة فيه.
قال في التذكرة، الضابط فيما تصح فيه النيابة و ما لا يصح أن نقول: كلما يتعلق غرض الشارع بإيقاعه من المكلف مباشرة لم تصح فيه الوكالة، و أما مالا يتعلق غرض الشارع بحصوله من مكلف معين، بل غرضه حصوله مطلقا، فإنه تصح فيه الوكالة و ذلك لان التوكيل تفويض و انابة، فلا يصح فيما لا تدخله النيابة، انتهى.
و عدوا من الأول الطهارة، و ان جازت النيابة في غسل الأعضاء عند الضرورة، الا أن ذلك ليس وكالة، و الصلاة الواجبة ما دام حيا، و كذا الصوم و الاعتكاف و الحج الواجب مع القدرة، و الايمان و النذور و الغصب و القسم بين الزوجات لانه
37
يتضمن استمتاعا، و الظهار و اللعان و قضاء العدة و الجناية، و الالتقاط و الاحتطاب و الاحتشاش، و اقامة الشهادة إلا على وجه الشهادة على الشهادة.
و عدوا من الثاني البيع، و قبض الثمن، و الرهن و الصلح، و الحوالة و الضمان و الشركة و العارية، و اختلفوا في جملة من الأفراد كما سيأتي التنبيه عليها إنشاء الله تعالى.
أقول: لا يخفى ان الظاهر أن بناء هذا الضابط إنما هو على التقريب في جملة من هذه المعدودات، و الا فإنه لا نص على هذا الضابط، و لا دليل عليه من الأخبار.
أما العبادات فالتقريب فيها أنه لما كان المقصود منها الانقياد و الخضوع و الخشوع لله سبحانه، و تهذيب النفس الأمارة و تذليلها كان مستلزما للمباشرة، و فعل المكلف بنفسه ليترتب عليه الأغراض المذكورة، و لا ينافي ذلك الاستنابة في غسل أعضاء الطهارة مع العجز في الطهارة المائية، أو الترابية فإنه لا يسمى وكالة، و لذلك تجوز الاستنابة فيه، لمن لا يصح توكيله كالمجنون و الصغير و النية في ذلك من المكلف إذ لا عجز فيها إلا مع زوال التكليف بالكلية، و أما تطهير الثوب و البدن من النجاسة فليس في حد ذاته من العبادات، ليمتنع التوكيل فيه، و ان ألحق بها من حيث استحباب النية، و لهذا يحكم فيه بالطهارة بحصول الغسل كيف اتفق و ان كان لا من قصد و لا نية بالكلية.
نعم قد استثنى من العبادات هنا مواضع: منها الصلاة الواجبة كركعتي الطواف حيث تجوز الاستنابة في الحج الواجب مع العذر، و منها الحج في الصورة المذكورة، و منها الحج المندوب و ركعتا الطواف فيه، و الطواف المندوب حيث يناب فيه و صلاة الزيادة، و أما غيرها من النوافل و الصوم المندوب ففي جواز التوكيل فيه اشكال، و إطلاق جمع من الأصحاب المنع من الاستنابة في العبادات يشملهما، و ان قيد الإطلاق في غيرهما لقيام الدليل عليه، و يبقى ما عداه على
38
المنع، و منها عتق العبد عن كفارة وجبت عليه، و منها أداء الزكاة الواجبة و الخمس فإنه يجوز التوكيل فيها بغير اشكال، و كذا الزكوات المستحبة.
و أما الالتقاط و الاحتطاب و الاحتشاش فالكلام فيها مبني على ما تقدم تحقيقه في الشركة في المسئلة الثانية من الفصل الثالث اللواحق من الكتاب المذكور، و من ذلك يعلم أن هذه الأشياء مما قد اختلف فيه كلامهم.
و هنا مواضع قد وقع الخلاف في جواز التوكيل فيها، منها الإقرار بأن يقول و كلتك لتقرعنى لفلان بكذا و كذا، فذهب الشيخ الى جواز التوكيل فيه، و هو أحد قولي الشافعية، لأنه قول يلزم به الحق فأشبه الشراء و سائر التصرفات. و تردد في التذكرة، و من ذهب الى المنع علله بأن الإقرار إخبار بحق عليه، و لا يلزم الغير إلا على وجه الشهادة، و لا يليق التوكيل بالإنشاءات.
و منها أيضا التوكيل في إثبات الحدود التي هي حق الله سبحانه، و أما ما يتعلق بالآدميين فقد جوزوا الوكالة فيه، و وجه المنع من التوكيل فيها أنه مبنية على التخفيف، و
لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «ادرأوا الحدود بالشبهات».
و التوكيل يؤدي الى إثباتها، و القول بذلك مذهب الفاضلين، في غير التذكرة، و أما في التذكرة فإنه قال: و يجوز التوكيل في إثبات حدود الله سبحانه، و به قال بعض العامة، ثم نقل خبرا من أخبار العامة يدل على أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) و كل في إثبات الحد و استيفائه، ثم قال: و لأن الحاكم إذا استناب نائبا في عمل فإنه يدخل في تلك النيابة الحدود و إثباتها فإذا دخلت في التوكيل بالعموم فبالتخصيص أولى، ثم نقل عن الشافعي المنع من التوكيل في إثباتها، محتجا بما تقدم ثم رده بأن للوكيل أن يدرء بالشبهة، و إلى هذا القول قال في المسالك محتجا بما ذكره العلامة هنا، و أجاب عن دليل المانع بما أجاب به هنا أيضا.
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 53 ح 12، الوسائل ج 18 ص 336 ح 4.
39
و منها الجهاد قال في المبسوط: و أما الجهاد فلا تصح النيابة فيه على حال، لأن كل من حضر الصف توجه فرض القتال اليه، وكيلا كان أو موكلا، و قد روى أنه تدخله النيابة، قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و المعتمد دخول النيابة فيه، و لذا يصح الاستيجار عليه، و هذا اختيار ابن البراج، انتهى.
أقول: ما نقله الشيخ من وجود الرواية بالنيابة لا تحضرني الآن، فان ثبت فلا معدل عن القول بها، و به يزول الاشكال، و يضعف ما ذهب اليه، و ما استدل به العلامة قوى أيضا ان ثبت صحة الاستيجار عليه، كما ادعاه.
و منها وكالة الرجل لزوجته في طلاق نفسها منه، قال في المبسوط:
و أما المراءة فإنها تتوكل لزوجها في طلاق نفسها عند الفقهاء و فيه خلاف بين أصحابنا، و الأظهر أنه لا يصلح، و تبعه ابن إدريس قال في المختلف: و الوجه عندي الجواز، لنا أنه فعل تدخله النيابة صدر من أهله في محله، فكان واقعا، عملا بالأصل، و لا يخفى أن ما استدل به، لا يخرج عن المصادرة، و أنه عين المدعى، و اما التمسك بأصالة الصحة فهو أيضا لا يخلو من الاشكال.
و منها توكيل الكافر في تزويج المسلمة، منع عنه في المبسوط، و جوزه ابن إدريس، و اختار في المختلف ما ذهب اليه الشيخ، و استدل عليه بأنه نوع سلطنة، و ثبوت ولاية و سبيل على المسلم، فلا يصح لقوله تعالى (1) «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا».
أقول: لا يخفى ما في هذا الاستدلال من الوهن، ثم قال: احتج بالأصل و الجواب المنع من التمسك به مع قيام منافيه.
و منها من وكل غيره في طلاق زوجته و هو حاضر، فذهب الشيخ و جماعة منهم ابن البراج و أبو الصلاح الى عدم جواز ذلك، و ذهب ابن إدريس و من تأخر عنه الى الجواز، و سيأتي تحقيق المسئلة في محلها ان شاء الله تعالى.
____________
(1) سورة النساء- الاية 141.
40
و منها أن يتوكل المسلم للذمي على المسلم، و ظاهر الخلاف المنع منه، و كذا في النهاية، و هو ظاهر الشيخ المفيد أيضا، و منع أبو الصلاح من ذلك، و صرح ابن إدريس و العلامة في المختلف بالجواز، قال في المختلف: لنا الأصل الدال على الجواز السالم عن المعارضة بإثبات السبيل للكافر على المسلم.
و منها توكيل الحاضر في الخصومة من غير أن يلزمه الحضور، رضي خصمه بذلك أم لا، و المشهور الجواز، و ذهب ابن الجنيد إلى أنه مع حضوره لا يجوز إلا أن يرضى الخصم بمخاصمة وكيل خصمه.
و منها أيضا قبض الزكاة و الخمس، فهل يجوز للفقير و السيد التوكيل في قبض ذلك له ممن عليه ذلك، قولان: الجواز و هو قول المبسوط، و المختلف و التذكرة، و المنع و هو قول ابن إدريس، و ابن البراج، إما إخراجهما فلا خلاف نصا و فتوى في ذلك.
قال ابن إدريس: قال بعض أصحابنا يجوز من أهل السهمين التوكيل في قبضها، و قال ابن البراج: لا يجوز، و هو الذي يقوى في نفسي، لأنه لا دلالة عليه، فمن ادعى ذلك فقد أثبت حكما شرعيا يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي و لا دلالة، و أيضا فالذمة مرتهنة بالزكاة، و لا خلاف بين الأمة ان دفعها الى مستحقها يبرء الذمة بيقين، و ليس كذلك إذا سلمه الى الوكيل، لأن الوكيل ليس هو من الأصناف الثمانية بغير خلاف، لأن الزكاة و الخمس لا يستحقهما واحد بعينه، و لا يملكهما إلا بعد قبضه لهما، فتعين له ملكهما، و الوكيل لا يستحق إلا ما تعين ملكه للموكل، و استحق المطالبة به، و كل واحد من أهل الزكاة و الخمس لا يستحق المطالبة بالمال، لأن الإنسان مخير في وضعه فيه، أو في غيره، فلا يجبر على تسليمه اليه، انتهى.
و استدل في المختلف على ما ذهب اليه من الجواز، فقال لنا: أنه عمل مباح يقبل النيابة، فصحت الوكالة فيه، أما إباحته فلا شك فيه، و أما قبوله
41
النيابة فظاهر، و لهذا وضع الشارع نصيبا للعامل، و لا خلاف أنه يجب دفع الزكاة الى الامام و العامل، و يبرأ ذمة الدافع، و ان تلف لأنهما كالوكيلين لأهل السهمين، و أي استبعاد في أن يقول الفقير: و كلتك في قبض ما يدفعه المالك الي عن زكاته، و لا يستلزم ذلك استحقان المطالبة، بل إذا اختار المالك الدفع الى ذلك الفقير جاز الدفع الى وكيله، انتهى.
أقول: و المسئلة لا يخلو عن شوب الاشكال، و ان كان قول ابن إدريس هو الأقرب الى جادة الاعتدال، أما ما ذكره العلامة من أنه عمل مباح يقبل النيابة، فإنه مصادرة ظاهرة، لأن هذا هو عين المدعى، إذ الخصم ينكر ذلك.
و ما ذكره من الدفع الى الامام بيده أو يد عامله، ففيه أنه ليس كون الامام هنا وكيلا عن المستحقين بأولى من كونه وكيلا عن المالك، و يكون نائبا منابه في تفريقه على المستحقين، و لهذا ان بعض الأصحاب صرح بكونه وكيلا عن المالك.
و كيف كان فهو مستثنى بالنصوص الدالة على ذلك، حتى قيل: بوجوب الدفع اليه، و ان كان المشهور الاستحباب و نائبه (عليه السلام) في معناه.
و إنما يبقى الكلام فيما عداه، و مما يتفرع على ذلك أنه لو تلف المال في يد الوكيل بتفريط أو غير تفريط فمقتضى كلام القائل بالجواز براءة ذمة المالك، و هو مشكل، لأنه مأخوذ عليه بظواهر النصوص في براءة ذمة الدافع الى المستحق، و المتبادر منه كما هو الشائع المتعارف هو الدفع اليه بيده، و الحال أنه لم يدفع اليه بيده، و كون الدفع الى وكيله دفعا اليه، يتوقف على قيام الدليل على صحة الوكالة في هذه المسئلة.
و مما يتفرع على ذلك أيضا أنه لو تصرف الوكيل في المال المدفوع اليه صح ذلك و مضى، لأن المستحق الذي و كله لا يستحق المطالبة به، لأنه لا يصير ملكا له الا بعد قبضه، فلا يستحق المطالبة به، و الدافع قد برئت ذمته كما هو المفروض
42
على هذا القول، و هذا عين السفسطة، و دعوى كون قبض الوكيل في حكم قبض الموكل، يتوقف على صحة التوكيل بالدليل في الصورة المذكورة، و يمكن أن يستدل لما ذكره العلامة بعموم أدلة الوكالة، و ليس هنا ما يصلح للمنع الا عدم تعيين الدفع الى ذلك الموكل، و جواز العدول عنه الى غيره، و هذا لا يصلح للمانعية، إذ يكفي بناء على تسليمه أن يكون ذلك حقا له في الجملة، و هو هنا كذلك، و يمكن أن يؤيد ذلك بما صرحوا به من جواز الدفع إلى أطفال المؤمنين، و أنه يدفع إلى وليهم ان كان، أو عدل يقوم بإنفاقه عليهم، و بالجملة فإن المسئلة لعدم الدليل الواضح باقية في قالب الاشكال، و الله سبحانه العالم.
الثالث [في اعتبار العلم بما فيه التوكيل و حد تصرف الإنسان في ماله]:
قد عرفت أن من جملة الشروط العلم بما فيه التوكيل، و لو إجمالا قال في التذكرة: لا يشترط في متعلق الوكالة و هو ما وكل فيه أن يكون معلوما من كل وجه، فإن الوكالة إنما جوزت لعموم الحاجة، و ذلك يقتضي المسامحة فيها، و لكن يجب أن يكون مبينا من بعض الوجوه، حتى لا يعظم الغرر، و لا فرق في ذلك بين الوكالة العامة و الخاصة، فأما الوكالة العامة بأن يقول و كلتك في كل قليل و كثير، فان لم يضف إلى نفسه فالأقوى البطلان، لأنه لفظ مبهم بالغاية، و لو ذكر الإضافة إلى نفسه- و قال: و كلتك في كل أمر هو لي أو في كل أموري أو في كل ما يتعلق بي، أو في جميع حقوقي، أو في كل قليل و كثير من أموري، أو فوضت إليك جميع الأشياء التي تتعلق بي، أو أنت وكيل مطلقا تصرف في مالي كيف شئت، أو فصل الأمور المتعلقة به التي تجري فيها النيابة، و فصلها فقال: و كلتك ببيع أملاكي و تطليق زوجاتي و إعتاق عبيدي أو لم يفصل على ما تقدم أو قال: و كلتك في كل أمر هو لي مما يناب فيه، و لم يفصل أجناس التصرفات أو قال: أقمتك مقام نفسي في كل شيء- فالوجه عندي الصحة في الجميع، و به قال ابن أبي ليلى، و قال الشيخ: لا تصح الوكالة العامة، و هو قول العامة، إلا ابن أبى ليلى لما فيه من الغرر العظيم، و الخطر الكثير، لأنه
43
يلزمه فيه هبة ماله، و تطليق نسائه، و إعتاق رقيقه، و أن يزوجه نساء كثيرة، و تلزمه المهور الكثيرة، و الأثمان العظيمة فيلزم الغرر العظيم.
و الجواب أنا نضبط جواز تصرف الوكيل بالمصلحة، و كلما لا مصلحة فيه لم ينفذ تصرف الوكيل، كما لو وكله في بيع شيء و أطلق، فإنه لا يبيع الا نقدا بثمن المثل من نقد البلد، فكذا في الوكالة العامة، انتهى.
أقول: ما نقل عن الشيخ هنا هو مذهبه في الخلاف، و أما في النهاية فإنه قد وافق الأصحاب، و القول بالصحة منقول أيضا عن الشيخ المفيد، و سلار، و ابن البراج، و ابن إدريس، و هو المشهور بين المتأخرين، الا أن ظاهر الشرائع الميل إلى ما ذكره في الخلاف، حيث قال: و لو وكل على كل قليل و كثير لا يصح لما يتطرق من الضرر، و قيل: يجوز، و يندفع الخبال باعتبار المصلحة، و هو بعيد عن موضع الفرض، نعم لو و كل على ما يملك صح، لأنه يناط بالمصلحة.
قال في المسالك: و الجواز مذهب الأكثر، لاندفاع الغرر و الضرر بمراعاة المصلحة في فعل الوكيل مطلقا، و المصنف رد هذا القيد بأنه بعيد عن موضع الفرض، فان الفرض كونه وكيلا في كل شيء فيدخل فيه عتق عبيده، و تطليق نسائه، و هبة أملاكه، و نحو ذلك مما يوجب الضرر، و التقييد خروج عن الكلية.
و جوابه أن القيد معتبر و ان لم يصرح بهذا العموم، حتى لو خصص بفرد واحد تقيد بالمصلحة، فكيف بمثل هذا العام المنتشر، و فرق المصنف بين هذا العام و بين ما خصصه بوجه، كقوله و كلتك على ما أملك و نحوه، لاندفاع.
معظم الغرر، نظرا إلى أن رعاية المصلحة في الأمور المنتشرة أمر خفي جدا، فإذا خصص متعلقها سهلت، و هو غير واضح، لأن رعاية المصلحة تضبط الأمرين، و انتشار الأمور لا يمنع من ذلك، فان مرجع المصلحة إلى نظر الوكيل، فما علم فيه المصلحة يفعله، و ما اشتبه عليه يمتنع فعله، و لأنه لو فصل ذلك العام المنتشر فقال: و كلتك في عتق عبيدي، و تطليق زوجاتي و بيع أملاكي صح،
44
لأن كل واحد منضبط برعاية المصلحة على ما اعترفوا به، و ذلك مشترك بين الأمرين، فالأقوى الجواز مطلقا، انتهى.
أقول: لا يخفى أن العموم المستفاد من هذه الأمثلة التي ذكرها في التذكرة مما ينافي اعتبار المصلحة، كما أن تقييد هذا العموم مناف أيضا، فإن ظاهر هذا العموم أن للوكيل إخراجه من جميع ما يملكه من أموال عينية و حقوق شرعية و إثبات ما عليه ربما لا يمكنه الخروج عن عهدته، و جميع ذلك خلاف المصلحة عرفا و عادة، كما أنه لو فصل كان كذلك، فكلام المحقق لا يخلو عن قرب، الا أن يقال:
انه قد رضي بذلك، فهو في حكم ما لو فعل ذلك بنفسه،
«و الناس مسلطون على أموالهم».
فيصح بناء على ذلك، و لا ثمرة هنا للتقييد بالمصلحة، لأنه من الظاهر المعلوم عدم المصلحة، لو فعل ذلك تفصيلا، مع قولهم بالجواز، فكذا في صورة الإجمال الذي هو بمعناه.
و بالجملة فالأمر دائر بين احتمال عدم الصحة من لزوم الضرر، و بين احتمال الصحة بناء على رضاه بذلك، لمعلومية ذلك عنده، كما أنه لو فعله بنفسه كان كذلك، و أما التقييد بالمصلحة و عدمها فلا مدخل له هنا.
نعم لقائل أن يقول: ان ما ادعيتموه من أن للإنسان أن يفعل بنفسه و ماله ما شاء ممنوع، فإنه متى تجاوز في التصرف إلى حد يوجب الإسراف و إدخال الضرر على نفسه، كان ممنوعا بالآيات و الروايات الدالة على تحريم الإسراف، و وجوب دفع الضرر عن النفس و المال (1)، و حينئذ فيرجع الأمر إلى اعتبار المصلحة في تصرفه بنفسه أو وكيله، و على هذا فيمكن القول ببطلان الوكالة في صورة العموم على وجه المذكور، لإدخاله الضرر على نفسه، لأن مقتضى هذا العموم الضرر كما عرفت، كما أنه لو فصل هذا العموم كان ضررا بينا، فتبطل الوكالة في الموضعين، و يمكن أن يقال: بالصحة نظرا إلى أنه و ان كان مقتضى العموم ذلك، الا أن تقييد تصرف الوكيل بالمصلحة يزيل ذلك.
____________
(1) الكافي ج 4 ص 52 عدة روايات باب فضل القصد، الوسائل ج 15 ص 261 ب 27.
45
و مما يمكن أن يستدل به على جواز تصرف الإنسان في ماله كيف شاء و ان أوجب الضرر
صحيحة محمد بن يحيى الخثعمي (1) قال: «كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة إذ دخل عليه رجل من موالي أبي جعفر (عليه السلام) فسلم عليه ثم جلس و بكى، ثم قال له: جعلت فداك إني كنت أعطيت الله تعالى عهدا ان عافاني الله من شيء كنت أخافه على نفسي أن أتصدق بجميع ما أملك و ان الله تعالى عافاني منه، و قد حولت عيالي من منزلي إلى قبة من خراب الأنصار و قد حملت كل ما أملك، فأنا بائع داري و جميع ما أملك فأتصدق به؟ فقال: أبو عبد الله (عليه السلام) انطلق و قوم منزلك و جميع متاعك و ما تملك بقيمة عادلة و اعرف ذلك ثم اعمد إلى صحيفة بيضاء فاكتب فيها جملة ما قومت ثم انظر الى أوثق الناس في نفسك فادفع إليه الصحيفة و أوصيه و مره ان حدث بك حدث الموت أن يبيع منزلك و جميع ما تملك فيتصدق به عنك، ثم ارجع الى منزلك و قم في مالك على ما كنت فيه فكل أنت و عيالك مثل ما كنت تأكل ثم انظر بكل شيء تصدق به فيما تستقبل من صدقة أو صلة قرابة أو في وجوه البر فاكتب ذلك كله و أحصه، فإذا كان رأس السنة فانطلق الى الرجل الذي أوصيت إليه فمره أن يخرج إليك الصحيفة، ثم اكتب فيها جملة ما تصدقت و أخرجت من صلة قرابة أو بر في تلك السنة، ثم افعل ذلك في كل سنة، حتى تفي لله بجميع ما نذرت فيه و يبقى لك منزلك ان شاء الله تعالى قال: فقال الرجل: فرجت عني يا بن رسول الله جعلني الله فداك».
و فيه أنه قد استفاضت الأخبار المعصومية و عضدتها الآيات القرانية بتحريم الإسراف.
كقول أبي عبد الله (عليه السلام) في رواية حماد اللحام (2) المروية في الكافي و تفسير العياشي لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل من سبيل الله ما كان أحسن و لا وفق أ ليس الله تبارك و تعالى يقول «وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» و أحسنوا
____________
(1) الكافي ج 7 ص 458 ح 23، الوسائل ج 16 ص 236 ح 1.
(2) الكافي ج 4 ص 53 ح 7، الوسائل ج 15 ص 258 ح 7.
46
ان الله يحب المحسنين» يعنى المقتصدين.
و في رواية هشام ابن المثنى (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) الواردة في تفسير قوله تعالى «وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ وَ لٰا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»، فقال: كان فلان بن فلان الأنصاري سماه و كان له حرث، فكان إذا أخذ يتصدق به يبقى هو و عياله بغير شيء، فجعل الله تعالى ذلك سرفا».
و في صحيحة الوليد بن صبيح (2) قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فجاءه سائل فأعطاه ثم جاء آخر فأعطاه، ثم جاء آخر فقال يسع الله تعالى عليك ثم قال:
لو أن رجلا كان له مال يبلغ ثلاثين أو أربعين ألف درهم ثم شاء أن لا يبقى منها إلا وضعها في حق لفعل فيبقى لا مال له، فيكون من الثلاثة الذين يرد دعاؤهم قلت من هم؟ قال: أحدهم رجل كان له مال فأنفقه في غير وجهه، ثم قال: يا رب ارزقني فيقال له: «أ لم أرزقك».
و من ذلك خبر الصوفية (3) المروي في الكافي الي غير ذلك من الأخبار الصريحة في تحريم ذلك و من المقرر أن صحة نذر شيء فرع مشروعيته، فلو لم يكن مشروعا لم ينعقد نذره، و منه يعلم أن الرواية المذكورة واردة على خلاف القواعد الشرعية، بل ربما يقال: أن دلالة هذه الرواية على ما ندعيه من بطلان النذر أقرب، لأنه لو كان النذر صحيحا لأمره (عليه السلام) بالتصدق بأمواله حسبما نذره لأنه هو الواجب بالنذر، و لما جاز نقلها إلى الذمة بالقيمة ثم التصدق بها تدريجا على وجه يندفع به الضرر الموجب لبطلان النذر لو لم يكن كذلك، و لهذا ان الأصحاب قصروا العمل بالرواية على موردها لمخالفتها لمقتضى القواعد الشرعية كما عرفت و الله سبحانه العالم.
____________
(1) الكافي ج 4 ص 55 ح 5، الوسائل ج 6 ص 323 ح 3.
(2) الفقيه ج 2 ص 39 ح 20 الكافي ج 4 ص 16 ح 1 و فيه أ لم أجعل لك سبيلا الى طلب الرزق.
(3) الكافي ج 5 ص 65 ح 1.
و هما في الوسائل ج 6 ص 322 ح 1 و ص 302 ح 8.
47
المطلب الثالث في الموكل:
و فيه مسائل
الاولى [في اشتراط التكليف في الموكل و عدم الحجر عليه]:
يشترط فيه التكليف بالبلوغ و العقل و عدم الحجر عليه بالنسبة الى ما حجر عليه التصرف فيه، و جملة من الأصحاب انما عبروا هنا بأنه يشترط أن يملك مباشرة ذلك التصرف بملك أو ولاية.
قال في التذكرة: يشترط في الموكل أن يملك مباشرة ذلك التصرف، و يتمكن من المباشرة لما و كل فيه، اما بحق الملك لنفسه، و بحق الولاية عن غيره، فلا يصح للصبي- و لا المجنون و لا النائم، و لا المغمى عليه و لا الساهي و لا الغافل- أن يوكلوا، سواء كان الصبي مميزا أم لا، و سواء كانت الوكالة في المعروف أم لا، و على الرواية المقتضية لجواز تصرف المميز أو من بلغ خمسة أشبار في المعروف و وصيته في المعروف ينبغى القول بجواز توكيله، و كذا كل من يعتوره الجنون حال جنونه، و لو وكل حال إفاقته صحت الوكالة، لكن لو طرء الجنون بطلت الوكالة، انتهى.
أقول: لا ريب أنه وردت الروايات الكثيرة (1) الظاهرة في جواز تصرف الصبي المميز بالعتق و الوصية و الصدقة بالمعروف من غير معارض، و بها قال جملة من الأصحاب، و بذلك تثبت له جواز التوكيل، و ان كان خلاف المشهور بينهم لإعراض أكثرهم من العمل بتلك الروايات، و لهذا أحال ذلك هنا على تقدير ثبوت الرواية، و من ثم أيضا قال في المسالك بعد ذكر عبارة المصنف المرادفة لهذه العبارة و الأقوى المنع.
و أما ما ذكره من بطلان وكالة المجنون لو وكل حال الإفاقة، و طرء الجنون، و مثله لو طرء الإغماء و الحجر عما وكل فيه، فالظاهر أن دليله أنه لا يصح التصرف من نفسه، لو كان كذلك فمن وكيله بطريق أولى، و قد مر أن من
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 321 الباب 15 من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات.
48
شرائط صحة التوكيل تملكه فعل ما وكل فيه، و لا شك أنه ليس بما لك له في تلك الأحوال.
و فيه أنه ان أريد بطلان الوكالة بطرو هذه الأمور و استمرارها بحيث لا تحصل له الإفاقة من الجنون و لا من الإغماء و لا دفع الحجر فهو جيد، و ان أريد البطلان و لو مع زوال تلك الأمور كما هو الظاهر من كلامهم، فإنه يمكن تطرق المناقشة إليه، بأنه من الجائز أن اشتراط تملك الموكل لما وكل فيه انما هو باعتبار الابتداء، بمعنى أنه لا يجوز له التوكيل الا فيما يملك التصرف فيه، كما تقدم ذكره، لا باعتبار الاستدامة، فلو حصلت الوكالة في حال كونه مالكا للتصرف بحيث يصح وقوع ذلك الفعل منه، فالوكالة صحيحة اتفاقا، و بطلانها بمجرد عروض أحد هذه الأشياء يحتاج الى دليل، و لا دليل على شرطية هذا الشرط في الاستدامة، و لانتقاض ذلك بالنائم مع الاتفاق على عدم البطلان بالنوم، و لعل دليلهم إنما هو الإجماع، الا أنه لم يدعه أحد منهم فيما أعلم.
و بالجملة فإن أصالة صحة الوكالة ثابتة، و البطلان يحتاج الى دليل، و الدليل الذي أوردوه قاصر، كما عرفت.
و الظاهر أن المراد بمن له حق الولاية هو الأب و الجد و الوصي و الحاكم الشرعي، أما الأب و الجد فظاهر، و أما الوصي إذا كان وصيا على الأطفال فإن له ولاية كولاية الأبوين، و كذلك الوصي في إخراج الحقوق اليه ذلك، فان معنى وصيته اليه بذلك جعله كنفسه.
قال في التذكرة: للوصي أن يوكل، و ان لم يفوض إليه الموصي، ذلك بالنصوصية، لأنه يتصرف بالولاية كالأب و الجد، لكن لو منعه الموصي من التوكيل وجب أن يتولى بنفسه، و ليس له أن يوكل حينئذ لقوله تعالى (1) «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ» الآية و يجوز للحاكم أن يوكل عن السفهاء و المجانين
____________
(1) سورة البقرة- الاية 181.
49
و الصبيان من يتولى الحكومة عنهم، و يستوفي حقوقهم، و يبيع عنهم، و يشتري لهم، و لا نعلم فيه خلافا، انتهى.
و أما العبد على القول بملكه فإنه ليس له التوكيل على الأشهر الأظهر إلا بإذن الموصي، لأنه و ان ملك الا أنه محجور عليه، كما تقدم تحقيقه في كتاب البيع و في كتاب الحجر.
نعم استثنى من ذلك الطلاق، فإنه بيد من أخذ بالساق، فله التوكيل فيه و لو أحلنا ملكه كما هو أحد القولين، فوقوع التوكيل منه إنما يكون في حق مولاه، فيتوقف على الاذن، لأنه لا يجوز له التصرف مباشرة بدون الاذن، و لا يملك التصرف.
و قد عرفت أن التوكيل في أمر فرع صحة تملك التصرف فيه، و مثله سائر أفراد المحجور عليهم، فإنه يجوز لهم التوكيل، فيما لا يتعلق به الحجر، قال في التذكرة: و للمحجور عليه بالفلس أو السفه أو الرق أن يوكلوا فيما لهم الاستقلال حيث شاؤا من التصرفات، فيصح من العبد أن يوكل فيما يملكه من دون إذن سيده، كالطلاق و الخلع، و طلب القصاص، و المفلس له التوكيل في الطلاق و الخلع و طلب القصاص، و المعاملة بغير عين المال، و التصرف في نفسه، فإنه يملك ذلك، و أما ماله فلا يملك التصرف فيه، و أما مالا يستقل أحدهم بالتصرف فيه فيجوز فيه مع إذن الولي و المولى، انتهى.
و ما يشعر به كلامه من جواز توكيل السفيه مع إذن المولى قد تأمل فيه بعض المحققين، قال: فإنه بمنزلة المجنون و الصبي، و قد منع منهما و ما اعتبر بإيقاعه بحضور الولي أيضا و برضاه لعدم الاعتداد بعبارته.
أقول: قد مر في كتاب الحجر نقل الخلاف فيما لو أذن الولي للسفيه في البيع فقيل: بالمنع و هو مذهب المبسوط و ابن البراج، و قيل: بالصحة، و نقله العلامة في المختلف عن بعض علمائنا و اختار، فينبغي أن يكون الكلام هنا كذلك،
50
الا أن الأقرب هو الصحة في الموضعين، و الفرق بينه و بين الصبي و المجنون ظاهر، فان عبارتيهما مسلوبة الصحة، لعدم التكليف الذي هو مناط ذلك بخلاف السفيه.
فان الحجر عليه إنما هو من حيث خوف الإفساد و التبذير، و عدم الإصلاح في تصرفاته، و هذا مأمون بالإذن له فلا مانع حينئذ من الصحة، و لو و كله إنسان في شراء نفسه من مولاه فالمشهور الصحة، قالوا: و المراد وكالته باذن مولاه لتوقف تصرفاته على الاذن منه، الا ما استثنى و الظاهر أنه يكفى في الاذن المذكور إيجاب السيد للبيع مخاطبا به العبد، و ان كان ظاهر كلام جملة منهم الاذن الخاص في ذلك، و ربما قيل: بالمنع لاشتراط مغايرة المشتري للمبيع، و المشترى و المبيع هنا واحد، و هو العبد، و رد بأن المغايرة الاعتبارية كافية، و ربما قيل.
بلزوم كون السيد موجبا قابلا.
و فيه أيضا ما تقدم، قال في المبسوط: إذا وكل رجل عبدا في شراء نفسه من سيده قيل: فيه وجهان: أحدهما يصح، كما لو و كله في شراء عبد آخر باذن سيده، و الثاني لا يصح، لأن يد العبد كيد السيد و إيجابه و قبوله بإذنه بمنزلة إيجاب سيده و قبوله، فإذا كان كذلك و أوجب له سيده و قبله كان السيد هو الموجب القابل للبيع، و ذلك لا يصح، فكذلك هيهنا، ثم قال: و الأول أقوى.
و قال ابن البراج: الأقوى عندي أنه لا يصح الا أن يأذن له سيده في ذلك، فان لم يأذن له فيه لم يصح، قال في المختلف بعد نقل القولين المذكورين:
و الحق ما قوية الشيخ، لأن بيع مولاه رضا منه بالتوكيل، انتهى.
أقول: و من كلامه يفهم أن من أطلق من الأصحاب كالشيخ و المحقق و العلامة فإن مرادهم الاكتفاء بالإيجاب، و ما يدل عليه من الرضا بذلك عن الاذن الصريح، و ظاهر كلام ابن البراج تقدم الإذن أولا قبل العقد، و هو ظاهر شراح كلام المحقق و العلامة، و الحق ما ذكره في المختلف، و الله سبحانه العالم.
الثانية [حكم توكيل الوكيل]:
قالوا: ليس للوكيل أن يوكل إلا بإذن من الموكل، لأن الوكيل
51
لا يملك مباشرة ما وكل فيه بنفسه قبل الوكالة، و من شرط صحة التوكيل تملك الموكل للتصرف بنفسه و لا ولاية له، فلا بد من الاذن حينئذ، الا أن يدل اللفظ بإطلاقه أو عمومه على ذلك، كقوله اصنع ما شئت، و نحوه من الأمثلة المتقدمة في كلامه في التذكرة، و ان لم يحصل ذلك صريحا و لا ضمنا، لكن دلت القرائن على ترفع الوكيل عن مثل ذلك الفعل لشرفه و علو منزلته، و عدم لياقة مباشرة ذلك الفعل به أو عجزه عنه فكذلك أيضا، لكن يجب علم الموكل بذلك.
تنبيهات:
الأول [أقسام التوكيل]:
قال في التذكرة: التوكيل على ثلاثة أقسام
الأول: أن يوكل الموكل وكيله في التوكيل
، فيجوز أن يوكل إجماعا، و الثاني: أن ينهاه عن التوكيل، فليس له أن يوكل، الثالث: أطلق الوكالة، و أقسامه ثلاثة: أحدها أن يكون العمل مما يرتفع الوكيل عن مثله، كالأعمال الدنية في حق أشراف الناس المرتفعين عن مثلها في العادة، كما لو وكله في البيع و الشراء، و الوكيل أمين لا يتبدل بالتصرف في الأسواق، أو يعجز عن عمله لكونه لا يحسنه، فله التوكيل فيه، لأن تفويض مثل هذا التصرف إلى مثل هذا الشخص لا يقصد منه إلا الاستنابة، و هو قول علمائنا أجمع و أكثر الشافعية.
الثاني: أن يكون العمل مما لا يرتفع الوكيل عن مثله
الا أنه عمل كثير منتشر لا يقدر الوكيل على فعل جميعه، فيباشره بنفسه، و لا يمكنه الإتيان بالكل، فعندنا يجوز له التوكيل، و لا نعلم فيه مخالفا، و له أن يوكل فيما يزيد على قدر الإمكان قطعا، و في قدر الإمكان اشكال أقربه ذلك، لأن الوكالة اقتضت جواز التوكيل فيه، فجازت في جميعه كما لو أذن له في التوكيل فيه بلفظ، و للشافعية ثلاث طرق
، ثم ساق الكلام الى أن قال
الثالث ما عدا هذين القسمين
، و هو ما أمكنه فعله بنفسه، و لا يرتفع عنه، و قد قلنا أنه لا يجوز له أن يوكل فيه الا بإذن الموكل، إلى أن قال: إذا و كله بتصرف و قال: افعل ما شئت لم يقتض ذلك
52
الاذن في التوكيل، لأن التوكيل يقتضي تصرفا يتولاه بنفسه، و قوله اصنع ما شئت لا يقتضي التوكيل، بل يرجع إلى ما يقتضيه التوكيل من تصرفه بنفسه، و هو أصح قولي الشافعية، و الثاني أن له التوكيل و به قال أحمد، و اختاره الشيخ في الخلاف، لأنه أطلق الإذن بلفظ يقتضي العموم في جميع ما شاء فيدخل في عمومه التوكيل و هو ممنوع، انتهى.
أقول: و النصوص هنا غير موجودة، الا أن ما ذكره جيد بناء على الجري على مقتضى تعليلاتهم في أمثال هذه المقامات، الا فيما ذكره من قوله و في قدر الإمكان اشكال أقربه ذلك، فان الظاهر أن ما قربه بعيد، قوله «لأن الوكالة اقتضت جواز التوكيل فيه» إلى آخره ممنوع، بل إنما اقتضت جواز التوكيل فيما يعجز عنه من حيث العجز، لاعترافه أخيرا بأن التوكيل يقتضي تصرفا يتولاه بنفسه، و هو هنا بالنسبة إلى محل الاشكال عنده ممكن، لأن المفروض أنه ممكن لا يتعلق به عجز، فلا يجوز التوكيل فيه، بل يجب عليه مباشرته بنفسه، كما هو مقتضى الوكالة باعترافه.
و الى ما أشرنا أشار في المسالك أيضا، فقال بعد ذكر جواز التوكيل فيما يرتفع عنه التوكيل أولا ثم الجواز فيما يعجز عنه ما لفظه: و يقتصر في التوكيل في الأخير على ما يعجز عنه، لأن توكيله خلاف الأصل، فيقتصر فيه على موضع الحاجة، و هو جيد، و كذا قوله: ان قوله افعل ما شئت لا يقتضي الاذن في التوكيل، فان الظاهر هنا انما هو ما نقله عن الشيخ من الجواز حسبما قدمنا نقله عنهم.
و من جملة من صرح بذلك شيخنا في المسالك فقال: فان أذن له في التوكيل صريحا فلا اشكال، و كذا لو دل اللفظ بإطلاقه أو عمومه على ذلك، كاصنع ما شئت أو مفوضا و نحوه، و بما أوردناه عليه في هذين الموضعين اعترف في القواعد، فقال: و لا يصح توكيل الصبي الى أن قال: و لا الوكيل إلا بإذن
53
موكله صريحا أو فحوى، مثل اصنع ما شئت، و الأقرب أن ارتفاع الوكيل عن المباشرة و اتساعه و كثرته بحيث يعجز عن المباشرة اذن في التوكيل معنى فحينئذ الأقرب أنه يوكل فيما زاد على ما يتمكن منه لا الجميع انتهى.
و بيان ذلك هنا أن إطلاق التوكيل يقتضي تصرفا يتولاه بنفسه، كما صرح به، فلا بد لزيادة هذا القيد و نحوه من فائدة تترتب عليه، و الا لكان لغوا من القول و لا ريب أن من جملة ما يشاء توكيل الغير إذا شاء، و لو حمل هذا اللفظ على ما دل عليه أصل الوكالة من غير أن يكون له فائدة تترتب عليه لكان اللازم ما قلناه، و لا شك أنه هو المتبادر من اللفظ، الا أن يكون ثمة قرائن حالية توجب الخروج عن ذلك.
ثم ان ما ذكره من جواز التوكيل في صورة الترفع و العجز ينبغي تقييده بما أشرنا إليه آنفا من علم الموكل بذلك، لأنه لو لم يعلم الموكل بشيء من هذين العذرين المانعين من القيام بما و كل فيه لم يجز لذلك الوكيل توكيل غيره، لانتفاء القرينة من جانب الموكل التي هي مناط الإذن، لأن معرفة الموكل بكونه يرتفع أو يعجز في قوة الإذن له بالتوكيل، كما عرفت من عبارة القواعد المذكورة، و أنه انما و كله، و الحال كذلك إلا مع رضاه و اذنه بالتوكيل، بخلاف ما لو لم يعلم بذلك، و هو ظاهر.
الثاني [في بيان أقسام إذن الموكل للوكيل في التوكيل]:
قال في التذكرة، إذا أذن له أن يوكل فأقسامه ثلاثة: الأول:
أن يقول له: و كل عن نفسك، ففعل كان الثاني وكيلا للوكيل، ينعزل بعزل الأول إياه، لأنه نائبه و هو قول الشافعي، ثم ذكر الخلاف في ذلك من العامة و أقوالهم الى أن قال: و الثاني: لو قال: و كل عني فوكل عن الموكل، فالثاني وكيل للموكل و ليس لأحدهما عزل الآخر، و لا ينعزل أحدهما بموت الأخر، و لا جنونه و انما ينعزل أحدهما بعزل الموكل، فأيهما عزله انعزل.
الثالث: لو قال: و كلتك بكذا و أذنت لك في توكيل من شئت، أو في أن توكل وكيلا و لم يقل عني و لا عن نفسك، بل أطلق فللشافعية وجهان: أحدهما
54
أنه كالصورة الأولى، و هي أن يكون وكيلا عن الوكيل، لأن المقصود من الاذن في التوكيل تسهيل الأمر على الوكيل، و أصحهما عندهم أنه كالصورة الثانية يكون وكيلا للموكل، فان التوكيل تصرف يتولاه باذن الموكل، فيقع عنه إذا جوزنا للوكيل أن يوكل في صورة سكوت الموكل عنه، فينبغي ان يوكله عن موكله، و لو وكل عن نفسه، فللشافعية وجهان، انتهى.
أقول: ظاهر كلامه هو التوقف في القسم الثالث حيث لم يذكر فتواه في ذلك، و إنما اقتصر على نقل الوجهين من كلام الشافعية، و ذكر تعليلاتهم، و يحتمل أن يكون عدم رده لما ادعوه من الأصحية و لا رد دليلها مؤذنا باختياره ذلك، و رجحه بعض محققي متأخري المتأخرين، قال: لأن صاحب المال إذا أذن بتوكيل من يوكل في بيع ماله أنه يوكله عن نفسه، و لأنه ثبت بذلك توكيله و بإذنه في فعل الثاني ذلك الموكل فيه فعزله و منعه من ذلك يحتاج إلى دليل، و الأصل عدمه و الاستصحاب يفيده، انتهى.
أقول: و المراد من قوله يوكل في صورة سكوت الموكل يعنى مع فهم الجواز من القرائن كما تقدم لا مطلقا، فإنه لا قائل به.
الثالث [في عدم اعتبار الأمانة في وكيل الوكيل]:
قال في التذكرة أيضا: كل وكيل جاز له التوكيل فليس له ان يوكل الا أمينا لأنه لا نظر للموكل في توكيل من ليس بأمين فيفيد جواز التوكيد فيما فيه الخطر و الضرر كما أن الاذن في البيع يقتضي الإذن بثمن المثل، الا أن يعين له الموكل فيجوز سواء كان أمينا أو لا، اقتصارا على ما نص عليه المالك، و لأن المالك قطع نظره بتعيينه، و لو وكل أمينا فصار خائنا فعليه عزله، لأن تركه يتصرف في المال مع خيانته تضييع و تفريط على المالك، و للشافعية وجهان: في أن يحل له عزله، انتهى.
أقول: الظاهر من كلامهم من غير خلاف يعرف هو عدم اشتراط العدالة في الوكيل، و غاية ما ذكروه في شروطه هو البلوغ و العقل، و الإسلام ان كان
55
الغريم مسلما، بل صرح في الشرائع بجواز كونه فاسقا أو كافرا أو مرتدا، و الظاهر أنه لا فرق في ذلك بين الوكيل عن المالك، و الوكيل عن وكيله، لأن الحكم في الوكيل لا يزيد على الحكم في المالك فكل من جاز للمالك توكيله، جاز لوكيله كذلك، لأنه قائم مقام المالك و في حكمه، إلا أن يقوم دليل على الفرق بينهما، و لا أعرف لذلك دليلا، و الأصل العدم في الموضعين، و ما ذكره هنا من التعليل بقوله لأنه لا نظر للموكل في توكيل من ليس بأمين إنما يتم لو قلنا: باشتراط الوثاقة و الأمانة فيمن يوكله الموكل.
و قد عرفت أنه غير شرط و لم يصرح به أحد منهم بل إنما صرحوا بخلافه، و كيف يتم ما ذكره من أنه لا نظر للموكل في توكيل من ليس بأمين بمعنى أنه ليس يرضى بذلك و لا يجيزه، و الحال أنه يوكل الفاسق المقطوع بكونه غير أمين كما عرفت، فلو كان نظر الموكل مقصورا على الأمين، و ان ذلك من شروط الوكالة لامتنع توكيله الفاسق، و كيف يراعى هذا النظر في وكيل وكيله، و لا يراعى في وكيله هو.
و بالجملة فإنه إذا صحت وكالته للفاسق و الكافر. المعلوم عدم أمانتهم، و الجائز وقوع الخطر و الضرر بوكالتهم، فلم لا يجوز فيمن يوكله الوكيل و الخطر و الضرر في الموضعين متدارك بفسخ الموكل الوكالة، و قياسه ذلك على الاذن في البيع المقتضى لثمن المثل قياس مع الفارق، فإن البيع لما كان الغالب فيه هو البيع بثمن المثل حمل عليه الإطلاق، لما عرفت في غير موضع مما تقدم أن الإطلاق إنما يحمل على الأفراد الغالبة الشائعة، بخلاف التوكيل، لما عرفت من أن للموكل توكيل الفاسق و الكافر و المرتد و نحوهم ممن لا أمانة لهم، فإطلاق توكيل الوكيل لغيره إنما ينصرف إلى ذلك، لا إلى خلافه و عكسه من اشتراط الأمانة فيه، و بما صرح به هنا صرح في القواعد أيضا، فقال: وكل موضع للوكيل أن يوكل فيه فليس له أن يوكل الا أمينا الا أن يعين الموكل
56
غيره، على أن ما ذكره من التعليل بقوله لا نظر للموكل في توكيل من ليس بأمين لا يخرج عن المصادرة، لأن هذا عين المدعى كما هو الظاهر.
و بالجملة فإنه لا يظهر لي وجه صحة لما ذكره، و لعله لسوء فهمي القاصر و ضعف بصيرتي الحاسر، و بذلك يظهر أن ما أطال به المحقق الأردبيلي هنا الكلام بعد نقل العبارة المذكورة من أن المراد بالأمانة العدالة بالمعنى المشهور بين الأصحاب أو مجرد اطمينان النفس به في عدم الخيانة لا أعرف له وجها لأن هذا البحث فرع صحة هذا الشرط، و قد عرفت ما فيه و انه لا وجه له، و لا دليل عليه الا أن يقال بذلك في الوكيل: و لا قائل بذلك بل القول إنما هو بخلافه كما عرفت، و الله سبحانه العالم.
الثالثة [عدم جواز التوكيل فيما لا يجوز له مباشرته]:
لا يجوز للموكل أن يوكل فيما لا يجوز له مباشرته كما تقدم في صدر هذا المطلب و من فروع ذلك أنه لا يجوز للمسلم أن يوكل ذميا في شراء خمر أو خنزير، لأنه لا يجوز شراءه، و إن جاز ذلك للذمي، و منها أنه لا يجوز للمحرم أن يوكل في عقد النكاح و لا ابتياع الصيد، و لا يجوز له أيضا أن يتوكل فيما ليس للمحرم فعله كابتياع الصيد و إمساكه و عقد النكاح، و هذا الحكم قد ذكره الأصحاب في أحكام الموكل فعبروا بالعبارة الأولى و نحوها، و في أحكام الوكيل فعبروا بالعبارة الثانية و نحوها، و الوجه في ذلك ظاهر، فإنه كما يشترط في الموكل أن لا يوكل إلا فيما يجوز له مباشرته، كذلك يشترط في الوكيل أن لا يكون وكيلا إلا فيما يكون قادرا على الإتيان به بنفسه، و حينئذ فكما لا يجوز للمحرم أن يوكل في العقد فكذلك لا يجوز له أن يتوكل فيه، و قد تقدم الكلام في ذلك في الحج، إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا إشكال في تحريم إيقاع العقد فيهما في حال الإحرام، و كذا التوكيل فيه.
و انما الكلام فيما لو وقع التوكيل في حال الإحرام لإيقاع العقد بعد الإحلال، فإن ظاهر إطلاقهم هنا هو البطلان، مع أن الذي صرح به جملة منهم
57
في كتاب الحج هو الجواز، تمسكا بالأصل السالم عن المعارضة.
و كذا الكلام في أنه هل يخص التحريم بما إذا كان العقد للموكل، أو أعم من ذلك؟ اشكال، و ان كان المتبادر من كلامهم الأول.
قال في المسالك: و هل التحريم مشروط بكون العقد للموكل كما هو ظاهر الكلام و النص، أو هو أعم من ذلك حتى يحرم على الأب و الجد، و شبههما التوكيل حال الإحرام في إيقاع عقد المولى عليه، و كذا الوكيل الذي يسوغ له التوكيل كل محتمل، و طريق الاحتياط واضح، انتهى و الله سبحانه العالم.
الرابعة [في القول بكراهة تولي ذوي المروات المنازعة]:
قالوا: يستحب أن يكون الوكيل تام البصيرة فيما وكل فيه عارفا باللغة التي يحاور بها، و عن ابن البراج ان ذلك واجب، و كذا عن ظاهر أبي الصلاح، ثم ردوا ذلك بأنه ضعيف، قالوا: و يكره لذوي المروات بان يتولوا المنازعة بأنفسهم، و المراد بأهل المروات يعني أهل الشرف و الخطر و المناصب الجليلة الذين لا يليق بهم الامتهان.
و نقل الأصحاب في كتب الفروع أنه
روي (1) «أن عليا (عليه السلام) وكل عقيلا في خصومة، و قال، ان للخصومة قحما ان الشيطان ليحضرها و أني لأكره أن أحضرها».
و في الصحاح القحمة بالضم المهلكة، و المراد بأن للخصومة قحما أي انه تقحم بصاحبها الى ما لا يريده.
أقول: لم أقف على هذا الخبر فيما حضرني من كتب أخبارنا بل الموجود فيها إنما هو ما يدل على خلافه
«من تحاكم علي (عليه السلام) (2) مع من رأى درع طلحة أخذت غلولا عنده، فقال (عليه السلام) درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فأنكر من هي بيده، فدعاه المنكر إلى المحاكمة إلى شريح القاضي فحاكمه اليه».
و القضية
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 511، النهاية لابن الأثير ج 4 ص 19، لسان العرب ج 12 ص 463 و فيه وكل عبد الله بن جعفر.
(2) التهذيب ج 6 ص 273 ح 152، الوسائل ج 18 ص 194 ح 6.
58
مشهورة مروية
«و تحاكم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) مع صاحب الناقة إلى رجل من قريش، ثم الى علي (عليه السلام).
و الرواية بها متعددة،
و تحاكم علي بن الحسين (عليهما السلام) (2) الى قاضي المدينة مع زوجته الشيبانية لما طلقها و ادعت عليه المهر».
و هذه كلها كما ترى ظاهرة في عدم الكراهة، إذ لا ريب في أنهم (عليهم السلام) سادات أرباب الشرف، بل لا شرف فوق شرفهم.
نعم ما ذكروه باعتبار العرف الذي عليه الناس الآن مما لا شك فيه، و من الطرائف المناسبة للمقام أنه ادعى رجل من عامة الناس على رجل من أهل الشرف في بلادنا البحرين، و كان من عادة ذلك الرجل الشريف لعلو مقامه أن يجلس بجنب الحاكم، فلما ادعى عليه ذلك، قال له الحاكم: قم و اجلس إلى جنب خصمك ما دامت الخصومة، فإن هذا هو مقتضى الشرع، فإذا فرغت الخصومة عد الى مكانك، فقال الرجل: انى لا أبيع مقامي هذا بأضعاف ما يدعيه هذا المدعى و أني أشهدكم أني قد سلمت اليه دعواه، و لا أقوم من مجلسي هذا، و هو غاية في المحافظة على شرف النفس و عزتها، و عدم امتهانها و مذلتها و الله سبحانه العالم.
المطلب الرابع في الوكيل:
و فيه أيضا مسائل
الاولى [في اشتراط ما يشترط في الموكل في الوكيل أيضا]:
كلما يشترط في الموكل من البلوغ و العقل، و نحوهما، و ضابطه ما تقدم من التمكن من التصرف يشترط في الوكيل أيضا، قال في الشرائع: الوكيل يعتبر فيه البلوغ و كمال العقل، و لو كان فاسقا أو كافرا أو مرتدا، و لو ارتد المسلم لم تبطل وكالته، لأن الارتداد لا يمنع الوكالة ابتداء، فكذا استدامة.
و قال في التذكرة: كما يشترط في الموكل التمكن من مباشرة التصرف في الموكل فيه بنفسه، يشترط في الوكيل التمكن من مباشرته بنفسه، و ذلك بأن يكون صحيح العبارة فيه فلا يصح للصبي و لا للمجنون أن يكونا وكيلين في
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 60 ح 1، الوسائل ج 18 ص 200 ح 1.
(2) الكافي ج 7 ص 435 ح 5، الوسائل ج 16 ص 142 ح 1.
59
التصرفات، سواء كان مميزا الى آخر ما قدمنا نقله عنه في سابق هذا المطلب من الأفراد المعدودة ثمة، و على هذا النهج كلام غيرهما.
و هو كما ترى ظاهر بل صريح فيما قدمنا ذكره من عدم اشتراط الوكيل و عدم اشتراط كونه أمينا كما ذكره العلامة فيما قدمنا نقله عنه في وكيل الوكيل و كان ذكر المرتد في عبارة الشرائع- بعد ذكر الكافر الشامل له، لدفع توهم بطلان تصرفاته بعد الردة، فإن البطلان مخصوص بما كان من أمواله، فإنه يمنع منها دون مال الغير الذي وكل فيه، فإنه لا يدخل في ذلك و لا يمنع من تصرفه فيه بحسب الوكالة.
و ما ذكره في التذكرة من الشرط المذكور، بمنزلة الضابط الكلي للوكيل، و لكنه يحتاج أيضا الى قيد زائد على ما ذكره، كما نبه عليه المحقق في عبارة الشرائع بقوله: و كلما له أن يليه بنفسه و تصح النيابة فيه صح أن يكون فيه وكيلا، و الأول احتراز عما لا يصح أن يليه بنفسه و لا يتمكن من مباشرته بنفسه، كتوكيل المحرم في عقد النكاح إيجابا و قبولا، و توكله في حفظ الصيد و شرائه، إذ ليس للمحرم أن يلي ذلك بنفسه كما تقدم ذكره.
و منه الصبي و المجنون كما ذكره في التذكرة فإنهما لا يليان ذلك، و منه الكافر لا يجوز له تزويج المسلمة ففي جميع هذه المواضع التي لا يملك فيها التصرف لنفسه لا يجوز له أن يكون وكيلا فيها، الا أن ظاهر ابن إدريس الجواز في الأخير.
و الثاني احتراز عما لا تصح النيابة فيه و ان صح أن يليه بنفسه، كالعبادات و نحوها مما تقدم ذكره مما يليه الإنسان بنفسه من صلاة و صوم و نحوهما، فإنه لا تصح النيابة فيها، لكونها مطلوبة من المكلف مباشرة، و يدخل في هذا الضابط المحجور عليه لسفه أو فلس من جهة، و يخرج من جهة، فمن جهة ما حجر عليه التصرف فيه يخرج، و من جهة ما خرج عن موضع الحجر مما له التصرف فيه يدخل، لأنهما يليان لأنفسهما بعض الأفعال، فتصح وكالتهما فيها.
الثانية [حكم وكالة المرأة في طلاق نفسها]:
يجوز، للمرئة أن تتولى طلاق غيرها بلا خلاف و لا إشكال، لأن
60
الطلاق مما يقبل النيابة، و لا فرق بين نيابة الذكر و الأنثى، أما نيابتها في طلاق نفسها فمحل خلاف، و قد تقدمت اشارة اليه في المورد الثاني من المطلب الثاني.
و كذا يجوز وكالتها في عقد النكاح عندنا، و لم ينقل فيه الخلاف الا عن الشافعي، حيث منع من توكيلها فيه إيجابا و قبولا كالمحرم، قال في التذكرة:
يجوز للمرأة أن يتوكل في عقد النكاح إيجابا و قبولا عندنا، الى آخره و قال فيها أيضا: بجواز توكيلها في رجعة نفسها، و توكيل امرأة أخرى.
أقول: أما الحكم الأول مما ذكره فظاهر، و أما الثاني فلا يخلو من توقف لأن أصالة صحة الطلاق ثابتة الى أن يحصل الرافع لها بيقين، و لم يثبت من الشارع زوالها بتوكيلها في الرجعة، و الظاهر أن الكلام هنا كالكلام في توكيلها في طلاق نفسها و سيأتي تحقيق الحال فيه في موضعه إنشاء الله.
و يجوز وكالة العبد باذن مولاه لانه لا مانع من ذلك الا كون منافعه مملوكة للمولى، و حينئذ فإذا حصل الاذن زال المانع، و ظاهر إطلاق كلام أكثر الأصحاب هو توقف ذلك على الاذن، أعم من يكون ما وكل فيه مما يمنع شيئا من حقوق المالك أولا، بأن يوكله في إيجاب عقد أو قبوله في حال خلوه عن أمر المولى له بشيء أو في حال اشتغاله بأمره حيث لا منافاة بين القيام بالأمرين.
و يدل على ذلك ما تقدم من أن منافعه بأسرها مملوكة لسيده، فلا يجوز التصرف في شيء منها قليلا أو كثيرا إلا باذنه و ذهب في التذكرة إلى جواز توكيله بغير إذنه، إذا لم بمنع شيئا من حقوقه، و اليه يميل كلام جملة ممن تأخر عنه، كالمسالك و المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، نظرا إلى شهادة الحال، و انتفاء الضرر.
و أما وكالته في شراء نفسه، فقد تقدم الكلام فيها، و في حكمها وكالته في عتق نفسه، بأن يوكله مولاه في عتق نفسه، و وجه المنع هنا من حيث أنه يعتبر مغايرة المعتق اسم الفاعل، للمعتق اسم المفعول، و الجواب الاكتفاء بالمغايرة
61
الاعتبارية، كما تقدم نظيره.
أقول: و ينبغي أن يعد من هذا القبيل أيضا ما لو وكله سيده في بيع نفسه على الغير، فان الكلام في هذا الموضع كالكلام في الموضعين المذكورين صحة و بطلانا و الله سبحانه العالم.
الثالثة [في بطلان وكالة الذمي على المسلم]:
قال في التذكرة: مدار الوكالة بالنسبة إلى الإسلام و الكفر على ثمان مسائل، تبطل منها وكالة الذمي على المسلم، و هو صورتان، توكل الذمي للمسلم أو للكافر على المسلم عند علمائنا أجمع لقوله تعالى (1) «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» و يكره أن يتوكل المسلم للذمي عند علمائنا أجمع.
أقول: أما ما ذكره من الصور الثمان هنا فإنه باعتبار أن الموكل اما مسلم، أو كافر، و على التقديرين فالوكيل اما مسلم، أو كافر، و على التقادير الأربعة فالموكل عليه اما مسلم، أو كافر، فهذه ثمان صور المسئلة، و ظاهره دعوى الإجماع على البطلان في صورتين منها، و هو كون الكافر وكيلا على المسلم، سواء كان الموكل مسلما أو كافرا و في الشرائع نسب هذا القول إلى الشهرة، فقال بعد ذكره: على المشهور، و ربما كان فيه إيذان بالطعن في دليله.
و أما الاستدلال بالآية المذكورة فهو و ان اشتهر بينهم في أمثال هذه المواضع، إلا أنك قد عرفت ما فيه في ما تقدم في غير موضع، من ورود النص (2) عن الرضا (عليه السلام) بأن ذلك إنما هو من جهة الحجة و الدليل، و قد تقدم تحقيق ذلك بما لا مزيد عليه في المسئلة السادسة من المقام الثاني في المتعاقدين من الفصل الأول في البيع في كتاب التجارة (3).
و ظاهره الجواز فيما عدا ذلك من غير كراهة، إلا في صورة واحدة من الست الباقية، و هي أن يتوكل المسلم للذمي على المسلم، و ادعى الإجماع على
____________
(1) سورة النساء- الاية 141.
(2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 203 ح 5.
(3) ج 18 ص 425.
62
الكراهة، مع أنه في النهاية على ما نقل عنه، قال: بعدم الجواز، و نقله في المختلف أيضا عن الخلاف و النهاية و أبى الصلاح، و هو ظاهر الشيخ المفيد أيضا، و قد تقدم ذكر ذلك في المورد الثاني من المطلب الثاني، و الظاهر أنه لذلك تردد في الشرائع، و ان استوجه بعد ذلك الجواز على الكراهة.
ثم أنه لا يخفى أن أكثر الأصحاب إنما عبروا بالذمي و لا يظهر له وجه، مع أنه متى ثبت ذلك في الذمي ثبت في غيره بطريق أولى، و الله سبحانه العالم.
الرابعة [في عدم اشتراط العدالة في الوكيل]:
قد عرفت مما قدمنا نقله عن الشرائع في المسئلة الأولى جواز أن يكون الوكيل فاسقا أو كافرا أو مرتدا، و قال في المسالك في مسئلة عدم اشتراط عدالة الولي و لا الوكيل في عقد النكاح ما لفظه: و كذا الوكيل في عقد النكاح، لا يشترط أن يكون عدلا بل يصح توكيل الفاسق فيه إيجابا و قبولا لقبوله النيابة و أصالة عدم اشتراط العدالة، إذ لا يتضمن ذلك استئمانا على أمر خفي كالمال، خلافا لبعض الشافعية، حيث اشترط العدالة فيهما.
و أما اشتراط عدالة الولي في ولاية المال ففيه خلاف بين أصحابنا، و في التذكرة قطع بأن الفاسق لا ولاية له، حتى لو كان عدلا ففسق انتزع المال منه، و استشكل في القواعد في باب الوصايا، انتهى.
أقول: ما نقله عن التذكرة لم أقف عليه في كتاب الوكالة بعد التتبع لأبحاث الكتاب المذكور، و الذي وقفت عليه إنما هو خلاف ما نقله، حيث قال في الكتاب المذكور: لو فسق الوكيل لم ينعزل عن الوكالة إجماعا، لأنه من أهل التصرف إلا أن تكون الوكالة مما ينافي الفسق، كالإيجاب في عقد النكاح عند العامة، فإنه ينعزل عندهم، بمجرد فسقه، أو فسق موكله لخروجه عن أهلية التصرف فيه عندهم، و عندنا لا ينعزل بالفسق، إذ لا يشترط العدالة في ولي النكاح، و أما في القبول و ان فسق الموكل لم ينعزل وكيله بفسقه، لأنه لا ينافي في جواز قبوله، و هل ينعزل الوكيل بفسق نفسه، فيه للعامة وجهان: و لو كان وكيلا
63
فيما يشترط فيه الأمانة كوكيل ولي اليتيم و ولي الوقف على المساكين، و نحوه انعزل بفسقه، و فسق موكله لخروجهما بذلك عن أهلية التصرف، و ان كان وكيلا لوكيل من يتصرف في مال نفسه انعزل بفسقه، لأنه ليس للوكيل أن يوكل فاسقا، و لا ينعزل بفسق موكله، لأنه وكيل لرب المال، و لا ينافيه الفسق، انتهى.
أقول: و أنت خبير بما فيه من الصراحة في صحة كون الوكيل فاسقا، و ظاهره دعوى الإجماع عليه، لأن عدم انعزاله بالفسق إنما هو من حيث عدم منافاة الفسق، لصحة الوكالة كما هو المذكور في آخر عبارته، و أن المدار في الوكيل و صحة كونه وكيلا إنما هو على أهلية التصرف، كما قدمنا نقله عنه في المسئلة الأولى، و ان هذا هو الضابط في صحة الوكالة، و كأن الوجه فيه أن المالك إذا رضي بذلك و سلم اليه ماله و أمره بالتصرف فيه على الوجه الذي أمره
«و الناس مسلطون على أموالهم».
و لا مانع من الصحة، و لهذا استثنى من ذلك وكيل ولي اليتيم، و وكيل ولي الوقف الذين قد علم من الشارع أن ولاية موكليهما على ذينك الأمرين إنما هو لأجل المحافظة على ذلك، و مراعاة المصلحة، فلا بد من أن يكون عدلا، إذ لا وثوق بغيره، بخلاف مال الإنسان نفسه، فإنه مخير في دفعه الى من شاء كيف شاء.
و أما عده من ذلك وكيل الوكيل، فقد تقدم الكلام فيه، و تطرق المناقشة اليه، و يظهر من ابن إدريس في السرائر أيضا دعوى الإجماع على عدم اعتبار عدالة الوكيل كما سمعت من كلام العلامة هنا، حيث قال في مسئلة وكالة الكافر في التزويج: و الذي يقوى في نفسي أنه لا يمنع من وكالة الكافر مانع في التزويج المذكور، لأنا لا نعتبر العدالة في الوكيل، بغير خلاف، لأنه لا مانع منه من كتاب و لا إجماع و لا سنة متواترة، انتهى.
و يؤيد ذلك أيضا ما تقدم في المسئلة الثالثة في بيان مدار الوكالة، و ما
64
ذكروه بالنسبة إلى المرتد من أنه لا تبطل وكالة المسلم بردته، لأن الردة غير مانعة من صحة الوكالة ابتداء، فكذا الاستدامة، كما صرح به في التذكرة و غيره من غير نقل خلاف الا من بعض العامة، و بما ذكرنا يظهر ما في دعوى شيخنا المتقدم ذكره أن المسئلة في وكالة المال خلافية، و أن بعضهم ذهب الى اشتراط العدالة فيها، و مما يؤيد ما قلناه أيضا ظاهر قوله سبحانه (1) «وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطٰارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ» و بالجملة فإنه يجب القطع بعدم اشتراط العدالة في الوكيل في كلامهم، و الأصل العدم حتى يقوم الدليل على خلافه، و الله سبحانه العالم.
الخامسة [في عدم جواز مخالفة الوكيل لما عينه الموكل]:
قال في التذكرة: يجب على الوكيل اعتماد ما عين الموكل و قرره معه، و لا يجوز له المخالفة في شيء مما رسمه له، فيصح تصرف الوكيل فيما وافق الموكل، و يبطل فيما يخالفه مع صحة الوكالة، و الموافقة و المخالفة قد يعرفان بالنظر الى اللفظ تارة، و بالقرائن التي تنضم إليه أخرى، و أن القرينة قد تقوى فينزل عليها إطلاق اللفظ.
أقول: هذا من جملة الضوابط في الوكالة أيضا، و مرجعه إلى أنه لا يجوز له المخالفة عما رسمه الموكل، الا أن تدل القرائن على إرادته، و رضي الموكل به أو تشهد العادة بذلك، و لكن لا بد من اطرادها بما دلت عليه، فإنه يكون حينئذ في حكم المعين، و المرسوم من جهة الموكل.
و يتفرع على ذلك فروع: منها- ما لو أذن له في البيع نسية فباع نقدا أو عين له ثمنا فباع بأزيد منه، فإنه داخل في المأذون فيه بطريق أولى، لأنه قد زاد خيرا، و العرف و العادة يشهدان بذلك، إلا أنه يجب تقييده بما إذا لم يعلم له غرض في التعيين بذلك و إلا لم يجز التعدي عما رسمه، و ان لم يصرح بالنهي، لأن الأغراض تختلف في ذلك و المصالح لا تنضبط، و لو صرح له بالمنع فأولى بعدم الجواز.
____________
(1) سورة آل عمران- الاية 75.
65
قال في التذكرة لو أمره بالبيع بمأة، و نهاه عن البيع بالأزيد لم يكن له البيع بالأزيد قطعا، لاحتمال تعلق غرضه بذلك، فلا يجوز له التخطي، و منها ما لو أمره بالبيع في سوق معين، بثمن معين، فباع في غيرها بذلك الثمن، أو أطلق و لكن باع بثمن المثل الذي ينصرف إليه الإطلاق صح أيضا: بناء على أن الغرض تحصيل الثمن الا أنه يجب تقييده بما قدمنا ذكره، من عدم العلم بالغرض من ذلك التعيين، فلو علم الغرض منه كما لو كان الراغبون بذلك السوق أكثر، أو النقد فيها أجود، أو المتعاملون فيها أسمح، أو نحو ذلك لم يجز له التخطي، و عن التذكرة، أنه اشترط هنا العلم بعدم الغرض، و عليه فلا يصح في صورة الجهل، و لا يجوز التخطي.
و كيف كان فإنه مع صحة البيع في غير ما عين، فالظاهر من كلام بعضهم أنه لا يجوز النقل له الى غير ذلك المكان الذي عدل اليه، و الظاهر أنه لخروجه عن الاذن يكون ضامنا بالنقل اليه، و يكون ضامنا للثمن بعد البيع أيضا لعين ما ذكر، و إنما تظهر الفائدة في الحكم بصحة البيع خاصة.
و قال في التذكرة بعد ذكر مسئلة البيع في السوق- و عدم تعرضه فيها للضمان و عدمه-: و لو قال بعه في بلد كذا احتمل أن يكون كقوله بعه في السوق الفلاني، حتى لو باعه في بلد آخر جاء فيه التفصيل، ان كان له غرض صحيح في التخصيص لم يجز التعدي، و إلا جاز، لكن يضمن هنا الوكيل بالنقل إلى غير البلد للعين، و كذا الثمن يكون مضمونا في يده، بل لو أطلق التوكيل في بلد يبيعه في ذلك البلد فلو نقله صار ضامنا، انتهى.
و عندي في كل من هذين الكلامين إشكال، أما الأول و هو الضمان مع النقل إلى تلك البلد الأخرى، فلانه لا يجامع ما ذكروه من أنه يصح البيع، لأن الغرض تحصيل الثمن الا أن يعلم غرضه في التعيين، فان مقتضى هذا الكلام جواز المخالفة و النقل، و ان هذا الغرض مع عدم المانع المذكور قرينة على جواز المخالفة في
66
تعيين السوق، فكأنه بالنظر إلى هذا الغرض و عدم المانع قال له بع بهذا الثمن ان شئت، فإذا حكم بجواز المخالفة كيف يتعقبه الضمان.
و بالجملة فإن المانع من جواز النقل إنما هو العلم بالغرض من التعيين، و أما مع عدمه فيجوز كما هو ظاهر عبارة التذكرة المذكورة، و عليه فلا يتم القول بالضمان، لأنه مأذون في ذلك بمفهوم الكلام المتقدم.
و أما الثاني و هو ما ذكره في التذكرة فإن ظاهره كما عرفت أنه مع عدم العلم بالغرض الصحيح في التخصيص يجوز التعدي، ثم انه فرق بين الاذن بالبيع في السوق و في البلد، فأوجب الضمان في الثاني دون الأول، و لا أعرف له وجها ظاهرا، و بيان ذلك أنه ذكر مسئلة البيع في السوق أولا، و لم يتعرض للضمان بالمخالفة، ثم ذكر مسئلة البيع في البلد كما نقلناه عنه، و قال: لكن يضمن هنا، و هو ظاهر فيما قلناه من تخصيصه الضمان بهذه الصورة، دون تلك، و فيه ما ذكرناه.
و بالجملة فإنه ان فهم الاذن في المخالفة من الكلام المذكور في كل من هذين الموضعين فإنه تجوز المخالفة، و لا يتعقب ذلك ضمان، و ان لم يفهم لم يجز النقل و تعقبه الضمان، لأنه تصرف في مال الغير بغير اذن، و في صحة البيع أيضا إشكال.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن ظاهر كلام كثير منهم الفرق بين السوق و غيرها مما يعينه الموكل، و تخصيص جواز المخالفة بالسوق خاصة، إلا مع العلم بالغرض مع التعيين، و أما غيرها فلا، و هو مشكل لعدم ظهور الفرق.
قال في التذكرة: يجب على الوكيل تتبع تخصيصات الموكل، و لا يجوز.
له العدول عنها، و لا التجاوز إلا في صورة السوق على ما يأتي، بل يجب النظر الى تقييدات الموكل في الوكالة، و يشترط على الوكيل رعاية المفهوم منها بحسب العرف الى آخره، و يشير الى ما ذكرناه أيضا ما صرح به المحقق الأردبيلي (رحمه الله عليه)، ثم ان الأصحاب ذكروا هنا جملة من الفروع في مطولات كتبهم و مرجعها الى ما عرفت في الضابط المتقدم، و الله سبحانه العالم.
67
السادسة [في حكم صور بطلان الشراء للموكل من جهة مخالفة الوكيل لما عينه]:
قد صرحوا: بأن كل موضع يبطل الشراء للموكل إما للمخالفة كما أشير إليه في سابق هذه المسئلة، أو لإنكار الموكل التوكيل، فان كان سمى الموكل في العقد لم يقع العقد عن الموكل لعدم الوكالة، أو للمخالفة، و لا عن الوكيل، لأن المذكور في العقد غيره، كما هو المفروض، و ان لم يكن سماه وقع عن الوكيل بحسب الظاهر، و أما في نفس الأمر فإن كان قصده و نواه لنفسه فهو له، و إن نواه للموكل لم يقع له أيضا لما تقدم، و المخرج عن ذلك إما بالمصالحة، أو بأن يقول الموكل إن كان لي فقد بعته من الوكيل.
أقول: و ان أردت زيادة توضيح لهذا المقال فاعلم أن ذلك يقع في موضعين أحدهما أن يكون بطلان الشراء مستندا إلى المخالفة لأمر الموكل، و لا ريب أنه مع تسمية الموكل في العقد، و الحال أنه قد خالفه فيما وكله فيه فإنه لا يقع عنه و إن سماه بل يكون فضوليا يتوقف صحته على الإجازة بناء على المشهور في عقد الفضولي، و لا يقع عن الوكيل أيضا لأن المسمى في العقد غيره، و أما مع عدم ذكر الموكل في العقد فإنه يقع بحسب الظاهر عن الوكيل، حيث أن الخطاب معه، و على هذا فللبائع أن يأخذ منه الثمن، و يلحقه جميع الأحكام المترتبة على البيع بناء على ذلك الظاهر، فإن الأحكام إنما تبنى عليه دون نفس الأمر، و لكن يجب تقييد الحكم بكون الشراء للوكيل كما ذكرنا بأن لا يكون قد شرى بعين مال الموكل، و إلا فإنه يقع فضوليا عن الموكل، موقوفا على إجازته، فان لم يجز بطل، لأنه يصير كظهور استحقاق أحد العوضين المعينين في العقد، و إن جازه صح.
و كذا يجب الحكم بالبطلان في هذه الصورة إذا علم البائع أن الثمن ملك الموكل، أو قامت به البينة، و يجب على البائع رد الثمن حينئذ، و ان لم يعلم البائع بذلك، و لا بينة ثبت البيع ظاهرا كما تقدم، و وجب على الوكيل دفع عوض ذلك الثمن للموكل، و انما كان الواجب هو العوض، لتعذر استرجاع عين الثمن، فان البيع صحيح بحسب الظاهر كما ذكرنا، و اعترافه بالتفريط بسبب
68
المخالفة، و للموكل إحلاف البائع لو ادعى عليه العلم بأن الثمن له و إلا فلا.
و ثانيهما أن يكون بطلان الشراء لإنكار الموكل التوكيل، و لا يخلو إما أن يكون الاشتراء بعين مال الموكل بناء على دعواه الوكالة، أو في الذمة، و على الأول يكون الشراء فضوليا، سواء ذكر الموكل لفظا أو قصده نية أو لا فيهما فان أجازه الموكل صح على المشهور في عقد الفضولي، و ان لم يجزه و الحال أنه ذكره لفظا أو كان للموكل بينة بأن العين له أو كان البائع عالما بذلك، فلا يخلو إما أن يكون الوكيل صادقا في دعوى الوكالة، فإنه يكون العقد صحيحا بحسب الواقع، فاسدا بحسب الظاهر، و ان كان الوكيل كاذبا بحسب الواقع بطل الشراء بالعين في الواقع و الظاهر.
و على الثاني و هو الشراء في الذمة فإن ذكر الموكل لفظا أو نية وقع الشراء له باطنا ان كان صادقا في دعوى الوكالة، و بطل بحسب الظاهر من حيث إنكار الموكل الوكالة، و ان لم يذكره بالكلية لا لفظا و لا نية فالشراء للوكيل ظاهرا و باطنا، و ان كان الوكيل مبطلا في دعوى الوكالة و ذكر الموكل بطل البيع مطلقا، إذ لا يصح عن الموكل و ان سماه، لأنه مبطل في دعوى الوكالة، و لا عن نفسه لأن المسمى في العقد غيره، و ان لم يذكره وقع الشراء للوكيل.
قالوا: و طريق التخلص في مواضع الاشتباه باحتمال كونه لأيهما أن يقول الموكل: إن كان لي فقد بعته من الوكيل: و لا يضر التعليق هنا على الشرط في صحة هذا البيع، لأن الشرط المبطل إنما هو ما أوجب توقف العقد على أمر يمكن حصوله، و عدم حصوله، و الأمر المعلق عليه هنا واقع، بعلم المكلف حاله فلا يضر جعله شرطا.
و كذا القول في كل شرط علم وجوده كقول البائع ان كان اليوم الجمعة فقد بعتك كذا مع علمه بكون ذلك اليوم الجمعة، و لو امتنع الموكل عن البيع جاز للموكل أن يستوفي عوض ما أداه إلى البائع عن موكله من المبيع، و يرد
69
عليه ما يفضل ان كان في المبيع زيادة على ما استوفاه، و يرجع اليه بما يزيد له ان نقص المبيع مما استوفاه، و الرجوع عليه هنا بطريق المقاصة بمعنى أنه إن ظفر بمال الموكل و أمكنه وضع يده عليه، و كما يحصل التخلص بما ذكر يحصل أيضا بالمصالحة، و يحصل أيضا بإبراء الذمة من الثمن أو يقول، وهبتك إياه هذا ملخص ما ذكروه في المقام، و الله سبحانه العالم.
السابعة [في وكالة اثنين على جهة الاجتماع]:
قالوا: لو وكل اثنين و شرط الاجتماع أو أطلق لم يكن لأحدهما الانفراد، و لا القسمة، و لو مات أحدهما بطلت، و ليس للحاكم أن يضم اليه، و لو شرط الانفراد جاز.
أقول: لا ريب في أنه إذا صرح بالانفراد فان كل واحد منهما وكيل على حده، و إذا صرح بالاجتماع لم يكن لأحدهما الانفراد، و المراد باجتماعهما صدور الأمر الموكل فيه عن رأيهما و اتفاقهما على ذلك، فان كان عقدا فينبغي أن يأذن أحدهما للآخر في إيقاع العقد أو يتفقا على ثالث، فيوقع الصيغة، إذ الظاهر جواز الاذن هنا في مثله كما رجحه بعض المحققين، و قيده آخرون باقتضاء الوكالة جواز التوكيل، و الا فلا، و بالجملة فإن قصد الموكل أن يكون العاقد واحدا لا إيقاع كل منهما الصيغة.
و ظاهره في المسالك أيضا جواز إيقاع كل منهما الصيغة، و استشكله بعض المحققين بأنه يلزم أن يكون العقد الصحيح غير مؤثر للمطلوب المترتب عليه، بل يكون موقوفا على عقد آخر غير معهود في الشرع، و في صدق تعريف العقد الصحيح عليه تأمل و تكلف، انتهى.
و أما مع الإطلاق فإن وجدت قرينة تدل على الافراد أو الاجتماع وجب العمل بمقتضاها، و الا فإن ظاهر الأصحاب هو الحكم بالاجتماع، و على هذا فشرط الاجتماع على الخصوص انما يفيد مجرد التأكيد، لأن مقتضى الإطلاق هو الاجتماع كما عرفت، و الوجه في اقتضاء الإطلاق الاجتماع أن قوله و كلتكما
70
موجها الخطاب إليهما معا يقتضي كونهما وكيلين، و الأصل في كل منهما على حدة عدم الوكالة. و عدم جواز التصرف إلا بإذن الموكل، و الاذن انما حصل لهما معا و المعية يقتضي الاجتماع، و لو مات أحدهما بطلت الوكالة من أصلها، كما إذا ماتا معا، لأن توكيلهما على جهة الاجتماع يؤذن بعدم رضاه برأي أحدهما، و تصرفه منفردا، و ليس للحاكم ضم آخر اليه، و تنفيذ الوكالة ان كان الموكل غائبا، بخلاف الوصاية، فإنه متى مات أحد الوصيين المجتمعين فان للحاكم نصب آخر يشاركه في تنفيذ الوصايا، و الفرق بين الموضعين أنه لا ولاية للحاكم هنا على الموكل، بخلاف الوصي فإن النظر في حق الميت و اليتيم اليه، فإذا مات أحد الوصيين صار وجود الأخر كعدمه، فان الموصى لم يرض برأيه منفردا و حيث كان الحاكم له النظر في أمور الميت و اليتيم كان عليه أن ينصب شريكا للوصي في تنفيذ الوصايا.
و مما ذكرنا يعلم بطريق أولى أنه لو غاب أحد الوكيلين المشروط اجتماعهما فليس للحاكم نصب أخر عوضه، و بذلك صرح في التذكرة أيضا، و علله بأن الموكل رشيد جائز التصرف، ليس للحاكم عليه ولاية، و أنت خبير، بأن هذا التعليل إنما يجري في حضور الموكل، لا في غيبته، و احتمال جواز ضم الحاكم في صورة الموت و الغيبة قائم، سيما في مقام تطرق الضرر على الموكل ببطلان الوكالة، و بقاء أموره و ما وكل فيه في معرض التلف، و تطرق الضرر، و الله سبحانه العالم.
الثامنة [في عدم بطلان وكالة الزوجة أو العبد بالطلاق أو الإعتاق]:
قالوا: لو وكل زوجته أو عبده ثم طلق الزوجة و أعتق العبد لم تبطل الوكالة، أما لو أذن لعبده في التصرف في ماله ثم أعتقه بطل الإذن، لأنه ليس على حد الوكالة، بل هو اذن تابع للملك.
أقول: الوجه في الحكم الأول هو عدم مدخليته للزوجية و المملوكية في صحة الوكالة، فلا منافاة بين الطلاق أو العتق و بينها، فيستصحب حكمها في الحالين
71
المذكورين، و يأتي مثل ذلك في العبد لو باعه بعد أن وكله، و قلنا بصحة وكالته فيما إذا لم يمنع شيئا من حقوق المولى كما هو أحد القولين المتقدمين في المسئلة الثانية من مسائل هذا المطلب، فتستصحب صحة الوكالة قبل البيع الى دخوله في ملك المشترى في هذه الصورة.
نعم لو منع ذلك شيئا من حقوق المولى أو قلنا بالتوقف على الاذن مطلقا كما هو المشهور اشترط في صحتها اذن المشتري و رضاه بذلك.
و أما الوجه في الحكم الثاني فقد عرفته من قوله لأن الإذن ليس على حد الوكالة، بل هو اذن تابع للملك، و الظاهر أن مرجع ذلك الى الفرق بين الأذن و الوكالة، و العبد هنا انما تصرف بالاذن من حيث وجوب الخدمة عليه لسيده، فهو مأذون من حيث أنه خادم فمنشأ التصرف انما هو ذلك، لا الوكالة فإن الوكالة أمر مستقل.
و بالجملة فإن النظر هنا يرجع الى قصد الموكل لا الى مجرد وقوع اللفظ بالإذن، فإن كان قصده فيه الوكالة المستقلة كغيره من الوكلاء الأحرار كان ذلك وكالة، انما هو من حيث وجوب الخدمة عليه كسائر الخدمات التي يؤمر بها، فليس ذلك وكالة، بل اذن، و يترتب على كل منهما ما يلحقه من الأحكام و من جملة ما يترتب على الأذن هنا هو بطلانه بعد البيع و العتق، لانه تابع للملك، و قد زال بكل من السببين المذكورين، قال في المسالك بعد قول المصنف في الاذن بنحو ما ذكرنا من أنه ليس على حد الوكالة ما لفظه: قد عرفت في أول الوكالة أن صيغتها لا تنحصر في لفظ، بل تصح بكل ما دل على الأذن في التصرف، و حينئذ فيشكل الفرق بين توكيل العبد، و الاذن له في التصرف حيث لا تبطل الوكالة بعتقه، و يبطل الإذن الا أن يستفاد ذلك من القرائن الخارجة الدالة على أن مراده من الأذن انما هو ما دام في رقه، و مراده من الوكالة كونه مأذونا مطلقا، و حينئذ فلا فرق بين كون الإذن بصيغة الوكالة و غيرها، مع احتمال الفرق، فيزول
72
مع الاذن المجرد، لا مع التوكيل بلفظها، حملا لكل معنى على لفظه: و يضعف بما مر، فإن الوكالة ليست أمرا مغايرا للإذن، بل تتأدى بكل ما دل عليها، و لا فرق بين الصيغتين، انتهى.
أقول: لا ريب في صحة ما ذكره من أن الوكالة ليست إلا مجرد الأذن للوكيل فيما وكل عليه على النحو المتقدم، و يترتب أحكام الوكالة على ذلك، كما تقدم تحقيقه، الا أن الكلام هنا بالنسبة إلى أوامر السيد لعبده، فإنها لما كانت انما تقع غالبا على جهة الاستخدام المطلوب منه، فالإذن المفهوم من هذه الأوامر ليس على حد الأذن المفهوم من تلك الأوامر الواردة في الأخبار، مثل قول شخص لآخر بع لي هذا أو اشتر لي كذا و نحو ذلك، فان المفهوم من الأخبار أن ذلك الاذن هنا وكالة شرعية، يترتب عليه ما يترتب على الوكالة من الأحكام، بخلاف أوامر السيد على عبده، من حيث أن الغالب أن تلك الأوامر انما تقع على جهة الاستخدام، لأنها وكالة شرعية في كل مقام، و الفرق بين الأمرين أظهر من أن يخفى على ذوي الأفهام، فحمل بعض أوامر السيد لعبده على الوكالة يحتاج إلى قرينة ظاهرة في قصد الوكالة ليترتب عليها ما يترتب على الوكالة، و الا فهي أعم من ذلك كما لا يخفى، و الله سبحانه العالم.
التاسعة [في صور التوكيل في قبض حق من شخص مات قبل القبض]:
قالوا لو قال: و كلتك على قبض حقي من فلان لم تكن له مطالبة الورثة بعد موته و قبل قبضه الحق، و لو قال له: و كلتك على قبض حقي الذي على فلان كان له ذلك، و الفرق بين الصيغتين أن الجار و المجرور في الصورة الأولى و هو قوله من فلان متعلق بلفظ قبض، ففيه تعيين للمقبوض منه، و هو المديون، و لا يتعدي الى الوارث، فإنه غير المديون.
نعم يتعدى الى وكيل المديون، فيجوز القبض، لأن يده كيده، و هو نائب عنه و الفرق بينه و بين الوارث، ان الملك لم ينتقل الى الوارث بحق النيابة عن المورث و انما انتقل اليه بالملك أصالة بخلاف الوكيل، فان يده عليه انما هي بطريق النيابة.
73
و أما في الصورة الثانية فإن جملة الصلة و الموصول فيها وقعت صفة للحق، و ليس فيه تعيين للمقبوض منه بوجه، بل الاذن معلق بقبض الحق الذي في ذمة زيد مثلا، فالوكيل يتبع الحق حيثما كان، و أينما كان، قال في التذكرة: لو وكله في قبض دينه من فلان فمات نظر في لفظ الموكل، فان قال: اقبض حقي من فلان بطلت الوكالة، و لم يكن له القبض من وارثه، لأنه لم يؤمر بذلك، و انما و كله في قبض مبدأه من المديون، و قد مات و ان قال: اقبض حقي الذي على فلان أو الذي في قبل فلان فله مطالبة وارثه، و القبض منه، لأن قبضه من الوارث قبض للحق الذي على مورثه، فإذا قبض من الوارث لم يكن قبضا من فلان، لا يقال: لو قال اقبض حقي من زيد فوكل زيد إنسانا في الدفع اليه كان له القبض منه فكذا ينبغي أن يقبض من الوارث لأن الوارث نائب الموروث، كما أن الوكيل نائب الموكل، لأنا نقول: الوكيل إذا دفع عنه بإذنه جرى مجرى تسليمه، لأنه أقامه مقام نفسه، و ليس كذلك هنا، فان الحق انتقل إلى الورثة، فاستحقت المطالبة عليهم لا بطريق النيابة عن الوارث، و لهذا لو حلف ان لا يفعل شيئا حيث يفعل وكيله، و لا يحنث بفعل وارثه، انتهى.
فان قيل: وصف الحق بكونه من فلان يشعر بحصر القبض فيه، لأن الصفة إذا زالت بموته لم يكن الحق المتعلق بالوارث موصوفا بكونه في ذمة فلان، و لا يكون هو الموكل فيه.
فالجواب أن الوصف انما يفيد الاحتراز به عن دين آخر له في ذمة شخص آخر، و لا اشعار فيه بتخصيص القبض، و مع فرض أنه لا يكون له دين آخر على غيره فالصفة هنا لمجرد التوضيح، فيكون كما لو قال: بع عبدي النائم، أو الآكل أو ما شاكلهما من الأوصاف، فإن له بيعه و إن انتبه أو ترك الأكل، كذا حققه في المسالك، و الله سبحانه العالم.
74
المطلب الخامس فيما تثبت به الوكالة:
و فيه مسائل
الأولى [فيما تثبت به الوكالة]:
قالوا لا يحكم بالوكالة بدعوى الوكيل و لا موافقة الغريم ما لم يقم بذلك بينة و هي شاهدان، و لا تثبت بشهادة النساء و لا بشاهد و امرأتين، و لا بشاهد و يمين.
أقول: و تثبت أيضا بإقرار الموكل على نفسه، و يظهر من التذكرة أن المستند- في عدم ثبوتها بشهادة النساء و شهادة رجل و امرأتين أو شاهد و يمين- هو الإجماع، قال: و تثبت الوكالة بإقرار الموكل على نفسه أنه وكله، و بشهادة عدلين ذكرين، و لا تثبت بشهادة رجل و امرأتين، و لا بشهادة رجل و يمين عند علمائنا أجمع.
و ظاهر كلام المحقق هنا حيث نسب الحكم بذلك إلى قول مشهور التوقف، فان مرمى هذه العبارة ذلك، و قال في المسالك بعد نقل عبارة المصنف المشعرة بما ذكرنا هذا هو المذهب، و لا نعلم فيه مخالفا، و لأن متعلق الشاهد و اليمين و الشاهد و المرأتين الحقوق المالية، و الغرض من الوكالة الولاية على التصرف، و المال قد يترتب عليها، و لكنه غير مقصود بالذات هيهنا و يشكل الحكم فيما لو اشتملت الدعوى على الجهتين، كما لو ادعى شخص على آخر وكالة بجعل، و أقام شاهدا و امرأتين أو شاهدا و حلف معه، و الظاهر أنه يثبت المال، لا الوكالة، و لا يقدح في ذلك تبعض الشهادة، و مثله ما لو أقام ذلك بالسرقة، فإنه يثبت المال لا القطع، و لان المقصود بالذات هنا هو المال لا الولاية نعم لو كان ذلك قبل العمل اتجه عدم الثبوت، لأن إنكار الوكالة أبطلها، و المال لم يثبت بعد، و يمكن أن يكون نسبة المصنف القول إلى الشهرة حينئذ المشعر بتوقفه فيه، لأجل ذلك، فيكون التوقف في عموم الحكم لا في أصله، انتهى.
و يمكن تطرق النظر و الاشكال إلى بعض مواضع هذا المقال، منها ما استظهره
75
من ثبوت المال دون الوكالة فيما لو ادعى الوكيل الجعالة عليها و أقام شاهدا و حلف معه، أو ضم إليه امرأتين، فإن فيه أنه لا ريب أن الجعالة فرع على الوكالة، تابعة لها كما هو المدعى، فكيف يثبت الفرع مع عدم ثبوت الأصل، و التابع مع عدم وجود المتبوع، بل هذا مما تنكره بديهة العقول.
و منها قوله في السرقة أنه يثبت بذلك المال لا القطع، يعنى لو أقام شاهدا و امرأتين أو شاهدا مع اليمين على أن زيدا سرق يثبت المال المسروق، و لم يثبت القطع على السارق، مع أن هذين أعنى ثبوت المال و القطع معلولا علة واحدة، و هي السرقة فإن ثبتت ثبتتا، و إلا فلا، فكيف يثبت بالبينة المذكورة أحدهما دون الآخر.
و بذلك يظهر بقاء الإشكال الذي ذكره لما عرفت من ضعف ما استظهره فإنه لا ينطبق على القواعد و الأصول بل هو مما تنكره بديهة العقول.
و منها جملة عبارة المصنف المشعرة بتوقفه على هذه الصورة الخاصة، و هي إنكار الموكل الوكالة قبل عمل الوكيل، فإنه بعيد غاية البعد، أما أولا فلأنها صورة نادرة، لا يحسن أن يحمل عليها الإطلاق، و اما ثانيا، فإنه متى كان الإنكار في الصورة المذكورة من مبطلات الوكالة، فلا معنى لفرض المسئلة بإقامة الشهادة و اليمين معه، أو ضم المرأتين، فإنه إقامة بينة على أمر قد حصل بطلانه، بل لا يحسن فرضه، و التمثل به بالكلية كما لا يخفى على ذوي الذوق السليم.
و كيف كان فإنه لا مندوحة عن الحمل على ذلك و ان بعد، لاتفاق الأصحاب المعتضد بالأخبار الدالة على اختصاص الثبوت بهذين الأمرين بالمال، و الوكالة ليست مالا، و إنما هي ولاية كما عرفت.
بقي الكلام هنا في شيئين أحدهما ما قدمنا نقله عنهم من قولهم أنه لا يحكم بالوكالة بدعوى الوكيل و لا بموافقة الغريم ما لم يقم بينة، ينبغي تخصيصه بحصول المنازع في الوكالة، بأن ينكرها الموكل، و الا فإن الظاهر أنه لو ادعاها و لا منازع له فإنه يصح تصرفه، و الشراء منه، لأن هذا أحد أفراد القاعدة الكلية، و هي من ادعى
76
و لا منازع له فإنه يسمع دعواه، و على هذا عمل كافة الناس في ارسالهم الوكلاء بأموالهم إلى البلدان البعيدة التي يتعذر فيها إقامة البينة على الوكالة، و يبيعون و يشترى الناس منهم من غير نكير و لا توقف. و كان الأئمة (عليهم السلام) يفعلون كذلك يرسلون الوكلاء للتجارة لهم في مصر و نحوها فلو لم يقبل دعوى الوكيل الوكالة في ذلك لزم الحرج الشديد، و الضيق، و يؤيده قبول قول المرأة في الخروج من العدة، و موت الزوج (1) و أنها حللت نفسها بتزويج محلل، ثم طلاقه لها، و خبر الكيس (2)، الذي بين أولئك الجالسين فقال أحدهم لمن هذا الكيس الدراهم أو الدنانير؟ فقال: أحدهم هو لي فقال (عليه السلام) هو له و بالجملة فالظاهر أن الحكم المذكور لا اشكال فيه، و لا شبهة تعتريه، و قد أشبعنا الكلام في تحقيق هذه القاعدة في كتاب الزكاة في مسئلة ما لو ادعى الفقير الفقر هل يسمع دعواه أم لا؟ ثم ان ظاهر كلامهم أنه في صورة التوقف بالإثبات على الشاهدين، لا بد من ضم حكم الحاكم بذلك في باب الوكالة و غيرها، الا ما استثني من رؤية الهلال، فإنه يكفي فيه مجرد السماع عن الشاهدين، كما هو ظاهر جملة من أخبار تلك المسئلة، و قد تقدم تحقيقه في كتاب الصيام.
قال في التذكرة: و لو قال يعنى الوكيل الذي شهد عدلان على وكالته ما أعلم صدق الشاهدين لم تثبت وكالته، لقدحه في شهادتهما على اشكال، أقربه ذلك، ان طعن في الشهود، و الا فلا، لأن الاعتبار بالسماع عند الحاكم، و جهله بالعدالة مع علم الحاكم بها بنفسه أو بالتزكية لا يضر في ثبوت حقه، انتهى.
و ربما أشعر هذا الكلام بأنه مع معرفته عدالتهما، فإنه لا يحتاج إلى ضم حكم الحاكم، و كيف كان فهذا الفرض المذكور إنما يكون في غير صورة النزاع بإنكار الموكل الوكالة و ادعاء الوكيل لها، و قد عرفت أنه لا تتوقف الوكالة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 462 باب أنها مصدقة على نفسها ح 1 و 2، الوسائل ج 14 ص 456 ح 1.
(2) التهذيب ج 6 ص 292 ح 17، الوسائل ج 18 ص 200 ح 1.
77
هنا على البينة بل يقبل مجرد دعوى الوكيل لها من غير راد لدعواه، و لا منازع.
و ثانيهما أن الظاهر من كلامهم عدم ثبوتها بالاستفاضة حيث خصوا الثبوت بالإقرار و العدلين، و يحتمل أن يكون الحصر إضافيا بالنسبة إلى رجل و امرأتين أو رجل و يمين، و نحوهما من شهادة النساء، و شهادة رجل وحده، فلا ينحصر في الأمرين المذكورين و يؤيده أنهم جمعوا بين العدلين، و الاستفاضة في مواضع.
و الظاهر عدم الفرق بين هذه المواضع، الا أن الظاهر الوقوف على ما ثبت بالدليل، فإن الأحكام الشرعية صحة و بطلانا و جوازا و تحريما يدور مدار الأدلة الشرعية، و قد ثبت هنا ثبوته بالإقرار، للأدلة الدالة على (1)
«أن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».
و العدلين للروايات الدالة على الثبوت بهما في جميع أبواب الدعاوي فغيرهما يتوقف على الدليل.
و ما ربما يتوهم من كون الاستفاضة ربما كانت أقوى من الشاهدين مدفوع بأن العمل بالشاهدين ليس من حيث افادة الظن، و حصول الظن بهما، كما قيل فإذا حصل ما هو أقوى منه ثبت به بطريق الأولوية بل إنما ذلك من حيث كونه تعبدا محضا فإنه كثيرا ما يحصل الظن الأقوى منهما بغيرهما من الأسباب، و مع ذلك فلا يجوز الحكم به، و لهذا ان بعض الأصحاب جعل شهادة الشاهدين إنما هي من قبيل الأسباب الموجبة للحكم على الحاكم الشرعي لا من حيث افادة الظن، و الله سبحانه العالم.
الثانية [في عدم ثبوت الوكالة بالاستفاضة]:
المشهور في عبارات الأصحاب و كذا غيرهم أن شاهدي الوكالة إذا اختلفا في تاريخ ما شهدا به لم تثبت الوكالة، و كذا لو اختلفا في اللغة عربية و فارسية، و كذا في العبارة بأن يقول: أحدهما بلفظ و كلتك، و يقول الآخر:
بلفظ استنبتك، بل لا بد من اتفاقهما في كل من هذه الأمور المذكورة، أما لو كانت
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 235 ح 79 و 80، الكافي ج 7 ص 219 باب ما يجب على من أقر على نفسه بحد و من لا يجب عليه الحد، الوسائل ج 16 ص 133 ح 2 الباب 3 من أبواب الإقرار.
78
الشهادة على الإقرار بها فإنها لا يضر ذلك.
قال في التذكرة: من شرط قبول الشهادة اتفاق الشاهدين على الفعل الواحد، فلو شهد أحدهما أنه وكله يوم الجمعة، و شهد الآخر أنه وكله يوم السبت لم تثبت البينة، لأن التوكيل يوم الجمعة غير التوكيل يوم السبت، فلم تكمل شهادتهما على فعل واحد، و لو شهد أحدهما أنه أقر بتوكيله يوم الجمعة و شهد أنه أقر يوم السبت، تثبتت الشهادة، لأن الإقرارين اخبار عن عقد واحد، و يشق جمع الشهود على إقرار واحد ليقر عندهم في حالة واحدة، فجوز له الإقرار عند كل واحد وحده رخصة للمقر، و كذا لو شهد أحدهما أنه أقر عنده بالوكالة بالعربية، و شهد الآخر أنه أقر بها بالعجمية تثبتت الوكالة، و لو شهد أحدهما أنه وكله بالعربية، و شهد الآخر أنه وكله بالعجمية لم تثبت، لأن الإنشاء هنا متعدد و لم يشهد بأحدهما شاهدان، و كذا لو شهد أحدهما أنه قال: وكلتك، و شهد الآخر أنه قال: أذنت لك في التصرف، أو قال: جعلتك وكيلا أو شهد أنه قال جعلتك جريا أي وكيلا لم يتم الشهادة، لاختلاف اللفظ، و لو شهد أحدهما أنه وكله، و شهد الآخر أنه أذن له في التصرف، ثبتت الشهادة لأنهما لم يحكيا لفظ الموكل، و انما عبرا عنه بلفظهما و اختلاف لفظهما لا يؤثر إذا اتفق معناه، انتهى و على هذا النهج كلامه في سائر كتبه و غيره.
الا أن ظاهر كلام الشرائع هو صحة الشهادة في صورة الاختلاف في الوكالة كما في الإقرار و ظاهره عدم الفرق بين الوكالة و الإقرار في صحة الشهادة حيث قال: و لو شهد أحدهما بالوكالة في تاريخ، و الآخر في تاريخ آخر، قبلت شهادتهما نظرا إلى العبارة في الإشهاد، إذ جمع الشهود لذلك في الموضع الواحد قد يعسر، و كذا لو شهد أحدهما أنه وكله بالعجمية، و الآخر بالعربية، لأن ذلك يكون إشارة إلى المعنى الواحد، و لو اختلفا في لفظ العقد بأن يشهد أحدهما أن الموكل قال: وكلتك، و يشهد الآخر أنه قال: استنبتك لم تقبل، لأنها شهادة على عقدين
79
إذ صيغة كل واحد منهما مخالفة للأخرى، و فيه تردد، إذ مرجعه إلى أنهما شهدا في وقتين، أما لو عدلا من حكاية لفظ الموكل و اقتصرا على إيراد المعنى جاز، و ان اختلفت عبارتهما، انتهى.
أقول: الظاهر أن القول الأول هو الأنسب بالقواعد و الأصول، و الأقرب عند التأمل في هذه النقول، لما تقدم في كلام التذكرة، و توضيحه أن الصيغة الواقعة في أحد اليومين غير الواقعة في اليوم الآخر، و كل واحدة من الصيغتين المذكورتين لم يقم عليها شاهدان، بل شاهد واحد، و قول المحقق هنا في تعليل ما ادعاه من الصحة، نظرا إلى العادة في الإشهاد الى آخره لا معنى له، الا أن يحمل الاشهاد في اليوم الثاني على الإقرار، لا على التوكيل، و هو خارج عن محل البحث و المدعى، لأن الصيغة متى حصلت في اليوم الأول فقد تم العقد بها، و ما تأخر انما يكون إقرارا و اعترافا بها، و المدعى انما هو الشهادة على الوكالة و انها هل تثبت مع اختلاف التاريخ أم لا؟ لا الإقرار، فيكون كلامه خروجا عن محل البحث ان حمل على إرادة الإقرار، و الا فهو لا معنى له بالكلية لما عرفت، و الفرق بين الشهادة على التوكيل و الشهادة على الإقرار في أنه تصح الشهادة في الثاني مع الاختلاف في التاريخ و نحوه مما تقدم، دون الأول، أن الوكالة إنشاء لا خارج له يقصد مطابقته، و الإقرار له خارج نفس أمري يقصد بالأخبار مطابقته، و لا يلزم من تعدد الخبر تعدد الخارج، فإن الإنسان يفعل فعلا، و يخبر بذلك الفعل مرارا متعددة في أوقات متعددة بألفاظ مختلفة أو متحدة، و الأمر الخارج لا دخل له في ذلك، و لا يتعلق به تعدد، و لا اختلاف بتعدد الاخبار و اختلافه. بخلاف الوكالة التي هي إنشاء لا واقع له يقصد مطابقته، فان تعدد زمانه و مكانه و اختلاف صيغته توجب اختلافه، و مع هذا الاختلاف فإنه لم يقم البينة الشرعية، و هي العدلان على فرد من هذه الأفراد المختلفة، بل انما قام بها شاهد واحد، كما هو المفروض، و من أجل ذلك يثبت الإقرار مع الاختلاف دون الوكالة.
80
و أما قول المحقق الأردبيلي انتصارا لما ذكره المحقق هنا حيث قال بعد كلام في المقام: أيضا لم نجد لهم دليلا على عدم اعتبار اتحاد الشاهد للقبول على كل عقد من العقل و النقل، بل نجده مجرد الدعوى، فلم لا يجوز الاكتفاء بشاهد واحد في كل عقد إذا كان مما يقبل التعدد، و لا يضره، فإنه من الجائز أن يقول عند شاهد عدل يوم الجمعة و كلتك، و في يوم السبت عند آخر (وكيل كردم شما را)، لغرض من الأغراض مثل الاشهاد كما في الإقرار الى آخره، ففيه أنه لا ريب أنه بالتوكيل في يوم الجمعة قد حصلت الوكالة الشرعية المترتب عليها أحكامها المقررة، و هذا التوكيل الثاني في يوم السبت ان قصد به التوكيل، و الإنشاء كما هو المفهوم من كلامه فهو لا يخرجه عن اللغو في القول، لما عرفت من ثبوت التوكيل و حصوله، و ترتب أحكام التوكيل عليه بلا خلاف، و ان أريد الإقرار و الاعتراف تم ما ذكره و لكنه خلاف ما أراده، و بذلك يظهر لك ما في قوله، فلم لا يجوز الاكتفاء بشاهد واحد في كل عقد إذا كان مما يقبل التعدد، فاني لا أعرف لقبول عقد الوكالة هنا التعدد دون غيره من العقود وجها، فإنه ان ثبت الوكالة بما يترتب عليها بالعقد الأول، فلا معنى لهذا التعدد، و الا فلا تورد، بل الثاني في الحقيقة إنما يرجع الى الإقرار و الاعتراف كما هو ظاهر لمن تأمل بعين الإنصاف.
أقول: و مما يمكن أن يؤيد به القول المشهور ما هو المفهوم من جملة من قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفريق الشهود متى حصلت الريبة في شهادتهم من الأخذ بالمشخصات الزمانية و المكانية و القولية و نحو ذلك، و انه متى اختلفت الشهود في ذلك أبطل شهادتهم و نقل (عليه السلام) مثله عن داود و دانيال (عليهما السلام) و الأخبار المشار إليها مشهورة (1)، و الله سبحانه العالم.
الثالثة [في صور ادعاء الوكالة عن غائب في قبض ماله]:
لو ادعى الوكالة عن غائب في قبض ماله، و كان لذلك الغائب مال عند أحد فإن كان ثمة بينة على الوكالة وجب تسليم ذلك اليه، و ان لم تكن
____________
(1) الوسائل ج 18 ص 202 ح 1.
81
بينة فلا يخلو اما أن ينكر الغريم الوكالة، أو يصدقه، و على الثاني فاما أن يكون الحق عينا أو دينا فهنا صور أربع،
الأولى: أن يقيم الوكيل البينة على دعوى الوكالة
و قد عرفت أنه لا إشكال في وجوب الدفع إليه، في هذه الصورة دينا كان أو عينا.
الثانية: أن ينكر الغريم الوكالة و لا بينة
فإنه لا يكلف بالدفع اليه لعدم البينة و عدم تصديقه، و قيل: لا يمين أيضا على الغريم، و من عنده المال هنا، لأن اليمين عندهم إنما يتوجه على من لو صدق يلزم بمقتضى تصديقه، كذا قيل، و فيه نظر سيأتي إنشاء الله ذكره، فلو دفع بناء على الظاهر مع كونه غير مكلف بالدفع ثم حضر الموكل و أنكر الوكالة فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف على نفي الوكالة رجع على الدافع و يرجع الدافع على مدعى الوكالة، لأنه إنما دفع اليه بناء على الظاهر، فإذا تبين خلافه و قد غرم للمالك رجع بذلك عليه بلا إشكال.
الثالثة: أن يصدق الغريم مدعى الوكالة، و الحق الموكل فيه عين في يده
، و الحكم أنه لا يؤمر بالتسليم اليه لجواز كذبهما معا، و هذا الإقرار إنما تعلق بحق المالك فلا يسمع، لأن له أن يكذبهما معا، لكن لو دفع و الحال هذه جاز بناء على علمه بصحة الوكالة و تصديقه له فيها و لأنه لا منازع غيرهما الآن و يبقى الموكل على حجته، فإذا حضر و صدق الوكيل برئت ذمة الدافع، و ان كذبه فالقول قوله مع يمينه، فان كانت العين موجودة أخذها، و له مطالبة من شاء منهما بالرد، لترتب أيديهما عليها و ان تعذر ردها لتلف أو غيره، تخير في الرجوع على من شاء منهما، لما عرفت من ترتب الأيدي عليها، فان رجع على الوكيل لم يرجع على الغريم مطلقا لاعترافه ببرائته بدفعها اليه، و ان رجع على الغريم لم يرجع على الوكيل ان تلفت في يديه بغير تفريط لأنه عنده أمين حيث صدقه في دعوى الوكالة، و إلا رجع عليه و منه يظهر أنه لا رجوع للغارم منهما على الآخر لو تلفت بغير تفريط منهما، لما عرفت، و لأنه مظلوم بزعمه، و المظلوم لا يرجع الا على ظالمة.
الرابعة: الصورة بحالها و يكون الحق دينا
، و هل الحكم هنا كما تقدم في
82
تقدم في سابق هذه الصورة أو أنه يجب الدفع اليه؟ وجهان: للأول منهما أن تسليمه إنما يكون عن الموكل، و لا يثبت إقرار الغريم عليه استحقاق غيره لقبض حقه، و لأن التسليم لا يؤمر به إلا إذا كان مبرءا للذمة، و من ثم يجوز لمن عليه الحق الامتناع من تسليمه لمالكه حتى يشهد عليه و ليس هنا كذلك، لأن الغائب يبقى على حجته، و له مطالبة الغريم بالحق لو أنكر الوكالة، و للثاني ان هذا التصديق انما اقتضى وجوب التسليم من مال المقر نفسه، لا من مال الموكل، و إنكار الغائب لا يؤثر في ذلك، فلا مانع من نفوذه، و لعموم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.
أقول: و من أجل ذلك تردد في الشرائع، و في التذكرة ذكر الوجه الثاني احتمالا، و لم يتعرض لذكر الوجه الأول، فقال: و ان كان دينا احتمل وجوب الدفع اليه، لاعترافه بأنه مستحق للمطالبة، و الفرق بين الدين و العين ظاهر، فان المدفوع في الدين ليس عين مال الموكل، و أما العين فإنه عين مال الغير، و لم يثبت عند الحاكم أنه وكيل، فلم يكن له أمره بالدفع، انتهى.
و ظاهر المسالك هنا اختيار الوجه الثاني حيث أجاب عن أدلة الوجه الأول بعد ذكر ما نقلناه من أدلة الوجه الثاني المتضمنة للجواب أيضا عن بعض تلك الأدلة، فقال: و توقف وجوب التسليم على كونه مبرءا مطلقا ممنوع، و البراءة هنا بزعمه حاصلة، و الاحتجاج بجواز الامتناع للإشهاد إنما يقتضيه على المدفوع اليه، و هو ممكن بالنسبة إلى مدعى الوكالة، فوجوب الدفع هنا أوجه، انتهى.
ثم إنه لو حضر المالك و أنكر الوكالة فالقول قوله بيمينه، و يطالب الغريم و ان كان ما دفعه الغريم إلى الوكيل موجودا بعينه، لأن ذلك ليس مال المالك كما تقدمت الإشارة اليه، و إنما هو من مال الدافع، لأن الدين لا يتعين إلا بتعيين مستحقة، أو من يقوم مقامه و الحال أن هذا القابض ليس أحدهما نعم للغريم الرجوع على الوكيل بما دفعه مع بقاء العين أو تلفها بتفريط لا بدونه، لأنه من حيث تصديقه له على الوكالة فهو أمين عنده، و الأمين لا يضمن
83
بدون تفريط، و يأتي بناء على الوجه الثاني من وجهي هذه الصورة أن الغريم لو لم يصدق المدعي كما تقدم في الصورة الثانية، و كان الحق دينا أنه لو ادعي عليه الوكيل العلم بالوكالة، فله عليه اليمين بعدم العلم، لأنه لو أقر لزمه التسليم، و هي قاعدة كلية عندهم.
قال المحقق: و كل موضع يلزم الغريم التسليم لو أقر يلزمه اليمين إذا أنكر، فإطلاق عدم اليمين كما تقدم عن جملة منهم ثمة ليس في محله، بل إنما يتم في العين حيث أنه لا يلزم بدفعها بمجرد التصديق كما تقدم، و الله سبحانه العالم.
المطلب السادس في اللواحق:
و فيه مسائل
الاولى [في كون الوكيل أمينا]:
المشهور في كلام الأصحاب بل ادعي عليه الإجماع أن الوكيل أمين لا يضمن الا مع التعدي أو التفريط، و قال في شرح القواعد:
أنه يلوح من كلامهم أنه لا خلاف في ذلك بين علماء الإسلام.
أقول: ان أريد بكونه أمينا هو قبول قوله بيمينه في كل ما يدعيه من تلف المبيع و الثمن بعد قبضه، و رده على الموكل مثلا، و قبول قوله في فعل ما وكل فيه و نحو ذلك فكلامهم لا يساعد عليه، و ان أريد أن ذلك في بعض هذه الأفراد فالأولى التخصيص بتلك الأفراد المرادة، إلا أن تعليلاتهم في المقام يقتضي العموم كما ستقف عليه، و ها نحن نسوق لك جملة من عبائرهم في المقام.
قال في المسالك- بعد قول المصنف لو اختلفا في التلف فالقول قول الوكيل لأنه أمين، و لأنه يتعذر إقامة البينة بالتلف غالبا فاقتنع بقوله دفعا لالتزام ما تعذره غالب، ما لفظه-: المراد تلف المال الذي بيده على وجه الأمانة لتدخل فيه العين الموكل في بيعها قبله، و ثمنها حيث يجوز له قبضه بعده، و العين الموكل في شرائها كذلك، و وجه القبول مع مخالفته للأصل بعد الإجماع ما ذكره
84
المصنف، و لا فرق بين أن يدعي تلفها بسبب ظاهر كالحرق و الغرق، أو خفي كالسرق عندنا، و في حكمه الأب و الجد و الحاكم و أمينه و الوصي، و قد تقدم الخلاف في قبول قول بعض الأمناء، انتهى.
و قال في التذكرة: الوكيل أمين، و يده يد أمانة لا يضمن ما يتلف في يده الا بتعد أو تفريط، فان تلف ما قبضه من الديون و الأثمان أو الأعيان من الموكل أو غرمائه فلا ضمان عليه، سواء كان وكيلا بجعل أو بغير جعل، فان تعدي فيه كما لو ركب الدابة أو لبس الثوب أو فرط في حفظه ضمن إجماعا، و كذا باقي الأمانات كالوديعة و شبهها، و بالجملة الأيدي على ثلاثة أقسام: يد أمانة كالوكيل و المستودع و الشريك، و عامل المضاربة، و الوصي و الحاكم و أمين الحاكم، و المرتهن و المستعير على وجه يأتي، و يد ضامنة كالغاصب و المستعير على وجه، و المساوم و المشتري شراء فاسدا، و السارق، و يد مختلف فيها، و هي يد الأجير المشترك كالقصار و الصائغ و الحائك و الصناع و ما أشبه ذلك، و فيها للشافعية قولان، و عندنا أنها يد أمانة، إذا عرفت هذا فكل يد أمانة لا ضمان على صاحبها الا بتعد أو تفريط، لأنه لو كلف الضمان لامتنع الناس من الدخول في الأمانات مع الحاجة إليها، فيلحقهم الضرر، فاقتضت الحكمة زوال الضمان عنهم، انتهى.
و قال في موضع آخر: إذا ادعى الوكيل تلف المال الذي في يده للموكل أو تلف الثمن الذي قبضه بثمن متاعه، و أنكر المالك قدم قول الوكيل مع يمينه، و عدم البينة، لأنه أمينه، فكان كالمودع، و لأنه قد يتعذر إقامة البينة عليه، فلا يكلف ذلك، و لا فرق بين أن يدعى التلف بسبب ظاهر، إلى آخر كلامه.
و قال في موضع آخر: إذا اختلفا في الرد فادعاه الوكيل و أنكره الموكل، فان كان وكيلا بغير جعل احتمل تقديم قول الوكيل، لأنه قبض المال لنفع مالكه، فكان القول قوله مع اليمين كالودعي، و يحتمل العدم، لأصالة عدم الرد، و الحكم في الأصل ممنوع، و ان كان وكيلا بجعل، فالوجه أنه لا يقبل قوله،
85
لأنه قبض المال لنفع نفسه، فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير، و هو أحد قولي العامة.
و الثاني أن القول قول الوكيل، لأنه وكيل، فكان القول قوله كالوكيل بغير جعل، لاشتراكهما في الأمانة، و سواء اختلفا في رد العين أو رد ثمنها، و جملة الأمناء على ضربين: أحدهما- من قبض المال لنفع مالكه لا غير، كالمودع و الوكيل بغير جعل، فيقبل قولهم في الرد عند بعض الفقهاء من علمائنا و غيرهم لأنه لو لم يقبل قولهم لامتنع الناس عن قبول الأمانات، و لحق الناس الضرر، و الثاني- من ينتفع بقبض الأمانة كالوكيل بجعل، و المضارب، و الأجير المشترك و المستأجر، و المرتهن، فالوجه أنه لا يقبل، و هذا الكلام مؤذن بأن الوكيل ليس أمينا مطلقا، و إلا لقبل قوله في الرد، و سيأتي مزيد تحقيق لهذا الحكم إنشاء الله تعالى في مسائل النزاع.
و قال في مواضع آخر إذا ادعى الوكيل الرد الى الموكل، فالأقوى أنه يفتقر إلى البينة، ثم نقل عن الشافعي تقسيم الأمناء إلى ثلاثة أقسام: قسم يقبل قوله في الرد بيمينه، و هم المودعون، و الوكلاء بغير جعل، و منهم من لا يقبل إلا ببينة و هم المرتهن و المستأجر، و منهم من اختلف فيه على وجهين، و هم الوكلاء بجعل و الشريك، و المضارب، و الأجير المشترك الى آخره.
و هذا الكلام يؤذن بأنه لا فرق بين الوكيل بجعل و غيره في عدم قبول قوله إلا بالبينة، مع أن ظاهره في الكلام الأول التردد فيما إذا لم يكن الوكالة بجعل، و قال في موضع آخر: إذا وكله في بيع أو هبة أو صلح أو طلاق أو عتق أو إبراء أو غير ذلك، ثم اختلف الوكيل و الموكل فادعى الوكيل أنه تصرف كما أذن له، و أنكر الموكل و قال: لم يتصرف بعد، فإن جرى هذا النزاع بعد عزل الوكيل لم يقبل قوله إلا ببينة، لأن الأصل العدم، و بقاء الحال كما كان و ان جرى قبل العزل فالأقرب أنه كذلك، و أن القول قول الموكل، لأن الأصل
86
العدم الى آخره، و سيأتي الكلام في هذه المسئلة أيضا، و تصريح غيره بخلاف ما صرح به، و مرجعه الى الخلاف في قبول قول الوكيل و عدمه، و بذلك يظهر لك أن ما ادعى من الإجماع المتقدم ذكره غير تام إلا في صورة دعوى التلف، حيث أن ظاهرهم الاتفاق على قبول قول الوكيل فيه.
و أما دعوى الرد و دعوى التصرف فهو محل خلاف و اشكال عندهم، مع أن التعليل الذي ذكروه في قبول دعوى التلف زائدا على الإجماع، و هو لزوم امتناع الناس عن قبول الأمانات مع إلجاء الحاجة إلى ذلك، جار في هذين الأمرين.
و بالجملة فإن المسئلة لعدم النص في هذه الأفراد المعدودة، بل في أصل مسئلة الوكالة لا يخلو من الاشكال، و الإجماع المدعي لو سلم حجيته غير تام، و التعليلات المذكورة في كلامهم لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية كما تقدم ذكره في غير مقام، و الأصالة متعارضة في بعض هذه المواضع، فإن أصالة العدم في دعوى الوكيل التصرف فيقدم قول الموكل، معارضة بأصالة براءة الذمة، و عدم الغرم و حمل أفعال المسلمين على الصحة مهما أمكن، كما يشير اليه كثير من الأخبار الا أنه يمكن أن يقال: لا يخفى أن مقتضى الأخبار التي تقدمت في كتاب الوديعة دالة على النهي عن اتهام من ائتمنه، المشعر ذلك بقبول قوله في جميع ما يدعيه، كون الوكيل كذلك و أن كان بجعل، لأن الجعل إنما هو في مقابلة السعي و العمل، و هو غير مناف للايتمان، و لا ريب أن الايتمان في الوكالة أشد و أبلغ منه في الموادعة، لأنه في الوكالة مؤتمن على الحفظ و التصرف بجميع أنواع التصرفات المأذون فيها، بخلاف الودعي فإنه مأمون على الحفظ خاصة، و لا ريب أيضا أن الايتمان الذي رتبت عليه هذه الأحكام في الوديعة ليس إلا عبارة عن الوثوق بالمدفوع إليه في عدم الخيانة، و المخالفة لأمر المالك، و لهذا وردت الأخبار (1)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 299 ح 4، الوسائل ج 13 ص 228 ح 8 المنقول مضمون الأحاديث.
87
«ما خانك الأمين، و لكن ائتمنت الخائن».
، بمعنى أنه متى حصلت الخيانة من المدفوع اليه فالتقصير إنما هو منك، حيث لم تثبت في الفحص عن حال المدفوع اليه، و كونه أمينا و الا فمتى ثبت عندك أمانته و الوثوق به، فإنه لا يحصل منه خيانة، و الايتمان بهذا المعنى مشترك بين جميع الأمناء ودعيا كان أو وكيلا أو مستعيرا أو مرتهنا.
و به يظهر أن الفرق الذي ذكروه بين هذه الافراد- باعتبار مصلحة تعود على الأمين و لا يقبل قوله، و عدمها فيقبل- ليس بموجه، نعم قد استثنى بعض المواضع في مسئلة الإعارة من هذه القاعدة، فيقتصر فيه على مورد النص، و هذا هو الظاهر عندي من الأخبار المشار إليها، و ان كان كلامهم على ما عرفت من الاختلاف و الاضطراب في جميع هذه الأبواب، و الله سبحانه العالم.
الثانية [في وجوب تسليم الوكيل ما في يده إلى الموكل مع المطالبة و عدم العذر]:
يجب على الوكيل تسليم ما في يده إلى الموكل مع المطالبة و عدم العذر، بل يجب على كل من في يده مال لغيره، أو في ذمته ذلك، فلو امتنع و الحال كذلك ضمن، الا أن له الامتناع حتى يشهد صاحب الحق له بالقبض.
و تفصيل هذا الإجمال يقع في مواضع-
الأول [وجوب الدفع مع الطلب و إمكان الدفع]:
لا ريب في وجوب الدفع مع الطلب و إمكان الدفع، و أنه لو امتنع و الحال هذه ضمن، قالوا: و ليس المراد به القدرة العقلية، بحيث يدخل فيها فعل ما يمكنه فعله من المبادرة، و ان كان على خلاف العادة، بل يرجع ذلك إلى العرف شرعا، ثم إلى العرف العام، و يعذر بما عد عذرا فيهما، و ان كان مقدورا كإكمال الصلاة عند الطلب في أثنائها، و ان كانت نقلا، و التشاغل بها عند ضيق الوقت و ان كان الطلب قبل الشروع فيها عذر شرعي، و الفراغ من الحمام و أكل الطعام و نحو ذلك من الأعذار العرفية، كذا صرح به في التذكرة، مع أنه في باب الوديعة من الكتاب المذكور حكم بأنه لا يعذر في ردها مع الطلب الا بتعذر الوصول إلى الوديعة، و إكمال الصلاة الفرض دون النفل، و غيره من الأعذار العرفية فضيق الأمر في الوديعة،
88
و وسعه في الوكالة، و الحال أن العكس كان هو الأنسب، لأن الأمر في الوديعة أسهل حيث أنها مبنية على الإحسان المحض و الأنسب بالسهولة، و الوكالة قد يتعلق بها أغراض للوكيل، كالجعل فيها و نحوه، فلا أقل من المساواة.
قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد: الظاهر أنه لا خلاف في وجوب تسليم مال الغير إلى مالكه مع طلبه، و القدرة على التسليم مطلقا، وجوبا فوريا وكيلا كان أو غريما، أو مستعيرا أو ودعيا و كذا في خروج الأمين عن الأمانة فيصير ضامنا بالتأخير كالغاصب، و إنما الخلاف في بطلان ما ينافي الدفع من العبادات، و القوانين الأصولية تقتضي البطلان على تقدير بقاء الوجوب، لوجوب الفورية في الدفع، و عدم استثناء وقت العبادة، و عدم كون العبادات مضيقة، و هو ظاهر بل نجد الاتفاق في ذلك بعد التأمل، حيث نجد أن القائل بالعدم يقول به، و كذا الحكم في كل الفوريات كالزكاة و الخمس و المال الموصى به للفقراء، بل ما دفع للصرف في مصرف، الا أنه لا يشترط هنا المطالبة إذا كان المصرف عاما مثل الزكاة و الخمس، فإنه لا يتوقف على الطلب، إذ ليس له مطالب معين، صرح به في الدروس، انتهى.
أقول: ما ذكروه من الاختلاف في الحكم ببطلان ما ينافي الدفع من العبادات مبنى على العمل بالقاعدة الأصولية المشهورة، و هي أن الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده الخاص أم لا؟ و حيث انه كان من القائلين باقتضاء الأمر ذلك، بل المبالغين في تشييد هذا القول، حكم بالبطلان في جميع هذه المواضع المعدودة.
و فيه أولا ما قدمنا تحقيقه في كتاب الطهارة (1) من أن الأظهر عدم العمل بهذه القاعدة، و ما يترتب عليها من الفائدة، و لا بأس بذكره هنا و ان استلزم التكرار لدفع ثقل المراجعة على النظار، سيما مع عدم حضور ذلك الكتاب المشار اليه بيد من أراد الوقوف عليه.
____________
(1) ج 1 ص 59.
89
فأقول: التحقيق عندي و ان أباه من ألف بالقواعد الأصولية إنا متى رجعنا في الأحكام الشرعية إلى الأدلة العقلية التي لا تقف على حد و لا ساحل، و لو طويت لها المراحل، و لهذا كثرت في هذه المسئلة الأبحاث، و صنفت فيها الرسائل، أو تصادمت فيها من الطرفين الدلائل و اضطربت فيها أفهام الأفاضل أشكل الأمر، أي إشكال و صار الداء عضالا و أى عضال، و الحق أن الأحكام الشرعية توقيفية من الشارع لا مسرح للعقول فيها، و لو كان لهذه المسئلة أصل مع عموم البلوى بها لخرج عنهم (عليهم السلام) ما يدل عليها أو يشير إليها، و حيث لم يخرج عنهم (عليهم السلام) فيها شيء سقط التكليف بها، إذ لا تكليف الا بعد البيان و لا مؤاخذة إلا بعد إقامة الحجة و البرهان، و هذا يرجع في التحقيق إلى ما قدمنا ذكره في غير موضع من كتب العبادات، و به صرح الأمين الأسترآبادي من الاستدلال بالبراءة الأصلية، و العمل بها فيما يعم به البلوى من الأحكام، هذا مع أن القول بذلك موجب للحرج و الضيق المنفيين بالآية و الرواية، و الإجماع، فإنه لا يخفى أنه لا يكاد أحد من المكلفين فارغ الذمة من واجب من الواجبات البدنية أو المالية، و اللازم على هذا القول الذي ذكروه بطلان عباداتهم و صلواتهم في غير ضيق الوقت، و بطلان نوافلهم و مستحباتهم، و عدم الترخص في أسفارهم و لزوم الإثم و المؤاخذة في جملة أفعالهم من أكل و شرب و نوم و نكاح، و مغدا و مجيء، و نحو ذلك، لأن الغرض أنهم منهيون عن هذه الأضداد الخاصة، و النهي حقيقة في التحريم، فأي حرج و ضيق أعظم من ذلك.
و من أظهر ما يدل على عدم التكليف بهذه الأمور التي لم يرد فيها حكم بنفي و لا إثبات،
قول مولانا الصادق (عليه السلام) في رواية إسحاق بن عمار (1) أن عليا (عليه السلام) كان يقول: أبهموا ما أبهم الله».
و ما رواه
الشيخ المفيد (2) عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «قال
____________
(1) البحار ج 2 ص 272 ح 5 الباب 33 من أبواب كتاب العلم.
(2) المستدرك ج 3 ص 217 ح 4 الباب 3، البحار ج 2 ص 263 ح 11 الباب 33 من أبواب كتاب العلم.
90
رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أن الله تعالى حد لكم حدودا فلا تعتدوها، و فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها، و سن لكم سننا فاتبعوها، و حرم عليكم حرمات فلا تنهكوها، و عفى لكم عن أشياء رحمة من غير نسيان فلا تتكلفوها».
و ما رواه
الفقيه (1) في خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) قال فيها: ان الله تعالى حد حدودا فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تنقصوها، و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفونها، رحمة من الله تعالى فاقبلوها».
و لا ريب أن هذه المسئلة داخلة فيما سكت الله تعالى عنه فتكلف البحث فيها كما ذكره أصحابنا تبعا للعامة العمياء في كتبهم الأصولية، رد على ما دلت عليه هذه الاخبار، و كم لهم مثل ذلك، كما لا يخفى على من جاس خلال الديار.
و مما يؤكد ذلك ما تكاثرت به الأخبار
عنهم (عليهم السلام) (2) من النهي عن القول بما لم يسمع منهم، و لا يرد عنهم، و الكف و التثبت حتى يسأل».
و منه
حديث صاحب البريد (3) المروي في الكافي قول الصادق (عليه السلام) فيه «أما انه شر عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا».
و في معناه أخبار عديدة، و بذلك يظهر لك ما في قوله ان القوانين الأصولية يقتضي البطلان، فان فيه كما عرفت أن القوانين الشرعية الثابتة عن أهل العصمة (عليهم السلام) تقتضي الصحة، و هي الأولى و الأحق بالاتباع، و ان كانت قليلة الاتباع من حيث عدم التأمل فيها، و الرجوع في ذلك إليها، و الظاهر أن من وقف على ما شرحناه لا يخالف في صحة ما اخترناه.
و ثانيا أنه من المعلوم الذي لا يداخله الشك و الريب أن أصل هذا العلم الذي هو علم الأصول انما هو من العامة و قد كانت العامة زمن الأئمة (عليهم السلام) كالشافعي و أبي حنيفة و أحمد بن حنبل و أضرابهم عاكفين على هذا العلم، و صنفوا فيه الكتب
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 53 ح 15، الوسائل ج 18 ص 129 ح 61.
(2) الكافي ج 1 ص 42 ح 50، الوسائل ج 18 ص 112 ح 3.
(3) أصول الكافي ج 2 ص 402 في ضمن ح 1، الوسائل ج 18 ص 47 ح 25.
91
و يستدلون به على مطالبهم، و يستنبطون به أحكامهم، و لم يكن لهذا العلم رواج في الأحكام بين أصحاب الأئمة (عليهم السلام) من الشيعة، لاستغنائهم بالسؤال من أئمتهم في جملة أحكامهم، و لو كان هذا العلم كما يدعيه من سماه بعلم الأصول أصل أصيل في الأحكام الشرعية كيف غفل الأئمة (عليهم السلام) عن تعليمه للشيعة في زمانهم، و نشره لهم حيث أنه لم يبق نقير و لا قطمير من الأحكام و السنن و الآداب و جميع ما يمر بالإنسان و يعرض له إلا خرجت به الأخبار، و تكاثرت به من أكله و شربه و نومه، و يقظته، و تزويجه و نكاحه، و سفره و لبس الثياب و ضرب الخلا و نحو ذلك، فكيف ينبهون على هذه الأمور و يتركون أهم الأشياء و أشدها حاجة، و هي الأصول التي يبنى عليها الأحكام الشرعية، و تستنبط منها، ما هذا الأعجب عجاب عند ذوي الألباب و ذيل الكلام واسع في الباب، يوجب التطويل به الخروج عن موضوع الكتاب، و الله سبحانه العالم.
و ثالثا: أنه ما ذكره من الفورية في الزكاة و الخمس و المال الموصى به للفقراء و نحو ذلك لا أعرف عليه دليلا، إذ ليس الا مجرد الأمر بالإخراج و الأمر لا يستلزم الفور، كما هو المشهور بين محققيهم، على أنه قد دلت الاخبار على تأخير الزكاة الشهر و الشهرين، و في بعض الأخبار (1) قيد ذلك بعزلها و إثباتها، و قد ورد جواز حمل الخمس الى الامام (2) من البلدان البعيدة مع وجود المستحق، و كل ذلك ينافي الفورية.
الثاني [حق الامتناع حتى يشهد له صاحب الحق بالقبض]:
أن ما ذكر من أن له الامتناع حتى يشهد له صاحب الحق بالقبض أحد القولين في المسئلة، و قيل: بالتفصيل بأنه ان كان مما يقبل قول الدافع فيه، و لا يتوجه عليه ضرر، بترك الإشهاد كالوديعة، و شبهها، فليس له الامتناع، و الا فله الامتناع إلى الإشهاد، كالدين و الغصب و نحوهما و ربما قيل بتفصيل آخر أيضا بالنسبة إلى هذا القسم الأخير، بأنه ان كان هناك بينة بالحق فله الامتناع
____________
(1) الكافي ج 3 ص 522 ح 3، الوسائل ج 6 ص 213 ح 2.
(2) الوسائل ج 6 ص 375 الباب 3 من أبواب الأنفال.
92
حتى يشهد، و الا فلا، مثلا المديون ان كان عليه بينة بالدين، فلا يدفعه الى صاحبه حتى يشهد له على القبض، و ان لم يكن عليه بينة بذلك، فإنه و ان لم يقبل قوله بالدفع لو أقر بالدين، إلا أنه يمكنه التخلص بوجه آخر، و هو أن ينكر أصل الحق بأن يقول: لا يستحق عندي شيئا، فيقبل قوله بيمينه كالأول لأنه منكر.
أقول: و الذي وجدته في فتاوى من حضرني كلامه هو القول الأول، و هذه التفاصيل لم أقف على قائل بها منا و ان نقلت مجملة في كتب أصحابنا نعم نسبها في التذكرة إلى الشافعية، و احتج من ذهب من أصحابنا إلى القول الأول بأن تكلف اليمين ضرر عظيم- و ان كان صادقا و أذن الشارع فيها، و يترتب الثواب عليها- خصوصا في بعض الناس من ذوي المراتب فان ضرر الغرامة عليهم أسهل من ضرر اليمين.
أقول: و يعضد ما ذكره من تحمل ذوي المراتب ضرر الغرم تفاديا من اليمين حديث على بن الحسين (عليه السلام) (1) مع زوجته الشيبانية الخارجية لما طلقها و ادعت عليه مهرها عند قاضي المدينة فأنكر (عليه السلام) فألزمه القاضي اليمين فأمر ابنه الباقر (عليه السلام) بدفعه إياها إجلالا لله سبحانه أن يحلف به، و ان كان صادقا.
قال المحقق الأردبيلي بعد الكلام في توقف التسليم على الاشهاد كما ذكره الأصحاب: و اعلم أن في فتح هذا إشكالا، إذ قد يتعذر وجود عدلين مقبولين خصوصا في زماننا هذا، و في أكثر البلدان فإن أهلها يمتنعون عن الصلاة جماعة بل صارت معدومة بالكلية، لعدم العدل مع سهولة الأمر في ذلك، و أن يرتكبوا الطلاق مع صعوبة الأمر فيه بالنص و الإجماع، و كذا في بعضها عن الطلاق أيضا حتى قال الشهيد الثاني و السيد المعاصر تلميذه انه لو قيل: بعدم جواز التقصير للعاصي بسفره، لم يجز لأحد التقصير الا نادرا لتركهم الواجبات العينية، و عدم إمكان تحصيلها في السفر، فهو معصية و ان كان فيه بحوث قد مضت، منها أنه
____________
(1) الكافي ج 7 ص 435 ح 5، الوسائل ج 16 ص 142 ح 1.
93
مبنى على أن الأمر بالشيء يستلزم النهى عن ضده الخاص، و هو لا يقول به، فلا يبعد عدم الجواز مع التعذر أو التعسر المستلزم لمنع صاحب المال عن ماله الذي يدل العقل و النقل على قبحه، خصوصا إذا استلزم فوت المصالح مع أنا ما نعرف دليلا واضحا على جواز ذلك المنع، الا ما أشير و هو احتمال لزوم اليمين، و هو لا يعارض العقل و النقل، على أنه قد لا يلزم، بل قد تعلم من صاحب المال انتفاء ذلك و أنه لا محذور فيه، و على تقديره ليس بأشد من منع المال عن مالكه، مع أنه لا يعانده في تكليفه أيضا بذلك، لعدم حضور الحاكم في ذلك البلد، و الشهود إنما تنفع مع الحاكم على ما قالوه، و أنه قد يسد أبواب المعاملة مثل الديون، و العارية، و الإجارة، و غيرها فالمنع عن مثله- لاحتمال بعيد- اعتمادا على أمر غير متحقق، إذ قد لا يكون الحاكم أو يموت الشهود، أو يخرج عن شرط القبول بعيد، خصوصا ممن يقبل قوله، و لهذا خص البعض بما عليه البينة.
و بالجملة الحكم الكلى مشكل جدا، الا أن يكون عليه نص أو إجماع و الله يعلم، انتهى و هو جيد لعدم الدليل عليه، و الأصل العدم، و يخرج ما ذكره مؤيدا لذلك.
و أما الإجماع فلم ينقل في المقام، بل ظاهر عبارة التذكرة إنما هو العدم، حيث جعل القول بالإشهاد مطلقا هو الأقرب، إيذانا باحتمال غيره و بالجملة فإن التمسك بالأصل أصل رزين حتى يقوم الدليل على خلافه، و ليس الا هذه التعليلات العليلة كما عرفت في غير موضع.
الثالث [في سماع دعوى تلف المال قبل الامتناع و عدمه]:
قد عرفت أنه إذا امتنع من الرد بعد المطالبة من غير عذر كان ضامنا، لكن لو ادعى تلف المال قبل الامتناع أو ادعى الرد قبل المطالبة فهل تسمع دعواه و بينته بذلك؟ أم لا، و تفصيل ذلك أن الامتناع من الرد ان كان مجرد تقصير و مطل، فالظاهر أن هذا لا يمنع من قبول قوله و سماع بينته بدعوى التلف قبل الامتناع، أو الرد قبل المطالبة، إذ لا منافاة بينهما، و هو و ان كان
94
يضمن بالامتناع، الا أن هذه الدعوى متقدمة على وقت الامتناع و الرجوع إلى الضمان، و حصول أحد الأمرين المذكورين قبل الامتناع بهذا المعنى ممكن، و حينئذ يقبل الدعوى بذلك، و تسمع البينة، و ان كان الامتناع بالجحود فلا يخلو اما أن يرجع إلى نفي الحق عن نفسه، بأن يقول: لا حق لك عندي أو لا يلزمني دفع شيء إليك، أو يرجع إلى إنكار قبضه و تسلمه منه بالكلية، بأن يقول: ما قبضت منك شيئا و على الأول منهما، فالحكم كما تقدم، بل أوضح، لأنه متى ادعى التلف قبل الامتناع أو الرد قبل المطالبة، فامتناعه بهذا المعنى لا يكذب تلك الدعوى، بل يؤكدها فإنه متى تلف منه أورده صدق أنه لا حق لك عندي و لا يلزمني دفع شيء إليك، و أما على الثاني فهو محل الخلاف في المسئلة، فقيل بعدم قبول دعواه، و ان أقام البينة و هو مذهب العلامة في أكثر كتبه، قال في التذكرة لو أنكر الوكيل قبض المال، ثم ثبت ذلك ببينة أو اعتراف، فادعى الرد أو التلف لم يقبل قوله لثبوت خيانته، لجحوده، فإن أقام بينة بما ادعاه من الرد و التلف، لم يقبل بينته، و للعامة وجهان: أحدهما لا يقبل كما قلناه، لأنه كذبهما لجحوده، فان قوله ما قبضت يتضمن أنه لم يرد شيئا، و الثاني يقبل لأنه يدعي الرد و التلف قبل وجود خيانته، و ان كان صورة جحوده ذلك لا تستحق على شيئا أو مالك عندي شيء سمع قوله مع يمينه، لأن جوابه لا يكذب ذلك، لأنه إذا كان قد تلف أورده فليس له عنده شيء، فلا تنافي بين القولين، الا أن يدعى أنه رد أو تلف بعد قوله مالك عندي شيء، فلا يسمع قوله، لثبوت كذبه و خيانته، انتهى.
و قيل بقبول قوله و سماع بينته، و هو اختيار الشرائع قال في المسالك:
و وجه ما اختاره المصنف من القبول جواز استناد إنكاره إلى سهو و نسيان، و عموم (1)
«البينة على المدعى و اليمين على من أنكر».
و يقوى ذلك ان أظهر لإنكاره هذا التأويل و نحوه، انتهى.
____________
(1) المستدرك ج 3 ص 199 ح 5 الباب 3.
95
و ظاهر المحقق الأردبيلي التردد هنا حيث قال: و لكن لو أظهر لجحوده و إنكاره القبض أولا وجها، مثل أن قال: كنت نسيت أو خفت أن لا تسمع دعوى التلف، فيلزمني المال فأنكرت هل يسمع ذلك أم لا؟ فيه تردد، من حيث إمكانه، و الحمل على الصحة، و أنه أمين، و من حيث أن فتح هذا الباب يصير سببا لبطلان كثير من الحقوق، فتأمل، و لعل الأول أقرب.
هذا كله فيما لو كانت الدعوى بالتلف أو الرد قبل الجحود، أما لو كانت بعده بأن قال: إني قبضت بعد ذلك الزمان الذي جحدت فيه، و رددته إليك أو تلف، فإنه و ان لم يصدق و لم يقبل قوله بمجرده، لظهور خيانته لكن يقبل دعواه، و تسمع بينته، لإمكان ذلك و عدم المنافاة، و غايته أن يكون بجحوده متعديا ضامنا، و ذلك لا ينافي قبول دعواه و سماع بينته، فإذا أقام البينة على الرد الذي ادعاه ثبت الحكم، و سقطت المطالبة.
و أما دعوى تلف العين فإنه و ان برئت ذمته من رد العين بالبينة أو اليمين الا أنه يلزمه المثل أو القيمة من حيث الضمان المترتب على الخيانة، و بالفرق بين صورتي القبلية و البعدية هنا صرح العلامة في الإرشاد، و في غيره أطلق عدم سماع دعواه، و الله سبحانه العالم.
الثالثة [في حكم دفع الموكل عينا إلى وكيله و أمره بالإيداع عند زيد]:
قال في التذكرة: لو دفع الى وكيله عينا و أمره بايداعها عند زيد فأودعها، و أنكر زيد فالقول قوله مع اليمين، فإذا حلف بريء، و أما الوكيل فان كان قد سلمها بحضرة الموكل لم يضمن، و ان كان بغيبته ففي الضمان اشكال و للشافعية وجهان: أحدهما انه يضمن كما في الدين، لأن الوديعة لا تثبت إلا بالبينة و الثاني لا يضمن، لأن الودعي إذا ثبت عليه- بالبينة- الإيداع، كان القول قوله في التلف و الرد فلم تفد البينة شيئا، بخلاف الدين، لأن القضاء لا يثبت إلا بها، انتهى.
أقول: المشهور في كلامهم هو الفرق بين الوكالة في قضاء الدين، و الوكالة في الإيداع، بأنه في الأول لو لم يشهد الوكيل على القضاء ضمن، و في الثاني
96
لا يضمن، و على هذا فيجب الاشهاد في الأول دون الثاني، و وجه الأول أن برأيه الذمة ظاهرا و باطنا الذي هو مطلوب الموكل- انما يتحقق بالإشهاد، و كذا الأمر الموكل فيه انما يتحقق بالإشهاد، فإنه متى أنكر صاحب الدين القبض من الوكيل و لا بينة، فكأنه لم يأت الوكيل بما و كل فيه، و لم يأت بما أمر به الموكل فيكون ضامنا بخلاف الإيداع، فإنه لا يلزمه الاشهاد، و لا يضمن لو تركه، لأن الودعي أمين، و قوله مقبول، أشهد عليه أو لم يشهد، فلا يظهر للإشهاد فائدة.
الا أنه يمكن أن يقال: ان الأصل العدم في الموضعين، و مطلق الأمر في كل من الموضعين لا يدل على الاشهاد، و يؤيده أن الوكالة مطلقة لا تقييد فيها بالإشهاد، و يؤيده أن الوكالة قد حصل الامتثال بإنفاذ ما وكل فيه، فيجوز من دون الإشهاد، إلا أن يقوم دليل من خارج على الإشهاد، كالوكالة في الطلاق مثلا، و الظاهر أنه لا إجماع في القضاء، و لهذا ان ظاهر المحقق في الشرائع التردد في ذلك، و يؤيده ما تقدم في كلام المحقق ذكره، و يؤيده أيضا أن فيه سد باب قبول الوكالة لما يتطرق اليه من الضرر الا أن يكون جاهلا فيعذر.
و بالجملة فالمسئلة كغيرها لا يخلو من الاشكال لعدم النصوص القاطعة لمادة القيل و القال في أمثال هذا المجال، و الله سبحانه العالم.
الرابعة [في بيان مواضع لزوم الضمان و عدمه]:
قالوا: لو تعدى الوكيل في مال الموكل ضمنه، كلبس الثوب، و ركوب الدابة الموكل ببيعهما، و لكن لا تبطل وكالته بذلك، و لو باع ما تعدى فيه و سلمه الى المشتري بريء من ضمانه.
أقول: أما الحكم الأول فالظاهر انه لا خلاف فيه إلا من بعض العامة كما ذكره في المسالك، و فيه أن العلامة في المختلف قد نقل ذلك عن ابن الجنيد أيضا حيث قال: تعدى الوكيل فيما و كل فيه بما يلزمه الغرم و الضمان مبطل للوكالة.
و كيف كان فهو ضعيف، و الوجه في بقاء الوكالة و عدم بطلانها و ان ضمن بالتعدي أن الوكالة تضمنت شيئين، الأمانة، و الاذن في التصرف، فإذا تعدى زالت
97
الأمانة، و بقي الإذن بحاله، و نظيره الرهن، فإنه متضمن لشيئين الأمانة و التوثيق فإذا بطل الأول بالتعدي لا يلزم منه بطلان الثاني، و هذا بخلاف الوديعة، حيث أنها أمانة محضة، فبالتعدي تزول و تبقى مضمونة.
و أما الحكم الثاني فالوجه فيه أنك قد عرفت بقاء الوكالة و عدم زوالها بالتعدي، و حينئذ فإذا باع تلك العين و سلمها إلى المشتري زال الضمان عنه إجماعا كما نقله في التذكرة، لاستقرار ملك المشتري عليه، و زوال ملك الموكل عنه، لأنه تسليم مأذون فيه، فيجري مجرى قبض المالك.
بقي الكلام هنا في مواضع
الأول: هل يخرج من الضمان بمجرد البيع قبل التسليم أم لا؟
وجهان: يلتفتان إلى أنه قد خرج عن ملك المالك، و دخل في ملك المشتري و ضمانه، فلا ضمان على الوكيل حينئذ، و الى أنه ربما بطل العقد بتلفه قبل قبض المشترى، فيكون التلف على ملك الموكل، قال في المسالك و هذا أقوى.
و في التذكرة بعد أن قرب هذا الوجه أولا و ذكر أنه أصح وجهي الشافعية ذكر الوجه الأول و علته، و قال بعد: و نحن فيه من المترددين.
الثاني إذا باع ما فرط فيه و قبض الثمن في صورة الجواز
كان الثمن أمانة في يده، غير مضمون عليه، و ان كان أصله مضمونا، لانه لم يتعد فيه و قد قبضه باذن الموكل، فيخرج عن العهدة.
الثالث: لو تعدى في هذا الثمن بعد قبضه
أو دفع اليه نقدا يشترى به شيئا فتعدي فيه صار ضامنا له، فإذا اشترى به و سلمه الى البائع زال الضمان بالتقريب المتقدم، و هل يزول بمجرد الشراء؟ الوجهان المتقدمان.
الرابع:
قد عرفت أنه إذا تعدى في العين ثم باعه و سلمها إلى المشتري بريء من الضمان إجماعا، لكن لو ردها المشتري عليه، بعيب قال في التذكرة: عاد الضمان، و قال في المسالك: و في عود الضمان وجهان: أجودهما العدم، لانتقال الملك إلى المشتري بالعقد، و بطلان البيع من حينه لا من أصله، انتهى.
98
أقول: مقتضى ما ذكره من الانتقال إلى المشتري بالعقد أن الانتفاعات بالمبيع و النماء مدة الخيار للمشتري، و ان فسخ العقد و رد المبيع بالعيب بعد ذلك، الا أنه قد تقدم في كتاب المبيع أن الاخبار في ذلك مختلفة، و أخبار خيار الحيوان متفقة على أن تلفه في زمن الخيار من مال البائع و هو مؤذن بعدم الانتقال للمشتري، و لهذا نقل عن بعض الأصحاب أن منفعة المبيع في زمن الخيار و النماء انما هو للبائع، و حينئذ فلا استبعاد في أن الفسخ هنا يبطل البيع من أصله و الله سبحانه العالم.
الخامسة [في جواز بيع الوكيل من نفسه في صورة الإذن]:
المشهور بين الأصحاب أنه إذا أذن الموكل للوكيل في بيع ماله من نفسه أو الشراء له من نفسه جاز و نقل عن الشيخ و من تبعه المنع للتهمة، و لأنه يصير موجبا قابلا، و رد بمنع التهمة مع الاذن، و مراعاة المصلحة المعتبرة في كل وكيل، و جواز تولى الواحد من الطرفين عندنا كذا في المسالك.
و عندي فيه نظر، فان ظاهر كلام الشيخ و خلافه في هذه المسئلة انما هو في صورة الإطلاق، لا في صورة التصريح بالاذن، و بذلك صرح في التذكرة، فقال: إذا وكله في بيع شيء فان جوز له أن يشتريه هو، جاز أن يبيعه على نفسه، و يقبل عن نفسه، و ان منعه من ذلك لم يجز أن يشتريه لنفسه إجماعا، و ان أطلق منع الشيخ من ذلك، لأنه قال: جميع من يبيع مال غيره و هم ستة أنفس، الأب و الجد و وصيهما، و الحاكم و أمينه و الوكيل، لا يصح لأحد منهم أن يبيع المال الذي في يده من نفسه إلا لاثنين، الأب و الجد، و لا يصح لغيرهما الى آخره و هو ظاهر كما ترى في أن خلاف الشيخ إنما هو في صورة الإطلاق، لا الاذن كما ذكره.
و منه يعلم أنه لا خلاف مع الاذن، و إنما الخلاف مع الإطلاق، ثم ان ظاهرهم أنه لا فرق في ذلك بين الوكالة في بيع أو عقد نكاح أو غيرهما في أنه يصح مع الاذن، مع أنه
قد روى عمار (1) في الموثق قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 378 ح 5، الوسائل ج 14 ص 217 ح 4.
99
المرأة تكون في أهل بيت و تكره أن يعلم بها أهل بيتها أ يحل لها أن توكل رجلا يريد أن يتزوجها؟ تقول له: قد وكلتك فاشهد على تزويجي؟ قال:
لا، قلت: جعلت فداك و ان كانت أيما؟ قال: و ان كانت أيما، قلت: و ان وكلت غيره يزوجها، قال: نعم»،.
و أنت خبير بأن هذه الرواية صريحة في المنع مع الاذن و الظاهر أنه ليس إلا من حيث تولي طرفي العقد، و لكن موردها النكاح خاصة، فيمكن أن يقال: بذلك في غيره أيضا نظرا إلى أن الأصل عصمة مال المسلم و عصمة الفروج، حتى يقوم الدليل على صحة العقد، و مجرد الأذن كما ادعوه لا يوجب الصحة، إذ يمكن أن يكون المانع هو تولى طرفي العقد، و ان جاز ذلك في الأب و الجد مع الإغماض عن المناقشة فيه أيضا.
و جملة أدلتهم التي استندوا إليها في جواز تولي الواحد طرفي العقد لا يخلو عن خدش، كما نبهنا عليه في ما تقدم من كتاب البيع في المسئلة الخامسة من المقام الثاني من الفصل الأول في البيع (1) فليراجع اليه من أحب الوقوف عليه، إلا أن المفهوم من بعض الاخبار الواردة في هذا المقام كما ستظهر لك ان شاء الله هو أن المنع إنما هو من حيث خوف التهمة و الخيانة، و هو مشعر، بأنه مع الاذن الموجب لارتفاع ذلك فإنه يصح، و حينئذ فينبغي الفرق في ذلك بين البيع و النكاح، و يخص المنع بالنكاح، للخبر المذكور، هذا كله مع الاذن.
أما مع الإطلاق فالمشهور بين أكثر الأصحاب من المتقدمين و المتأخرين هو المنع، و هو مذهب العلامة في غير التذكرة و المختلف، و ذهب في الكتابين المذكورين إلى الجواز على كراهية، و نقل عن أبى الصلاح و هو مذهب الدروس، و الأظهر هو القول المشهور، و يدل عليه أن الأصل عدم جواز التصرف في مال الغير عقلا و نقلا الا مع الاذن، و المفروض عدمه، فإن الإطلاق لا يدل عليه.
و الظاهر أن من قال بالجواز إنما قال ذلك من حيث دعوى فهم الأذن من
____________
(1) ج 18 ص 417.
100
الإطلاق، و حينئذ فمطرح النزاع في أنه هل يفهم الاذن من الإطلاق أم لا؟ و الا فالظاهر أنه لا نزاع مع عدم فهمه، و حينئذ فالذي يدل على عدم فهمه زيادة على الأصل المتقدم عدم ظهور الدلالة، لأن المتبادر من قوله بع هذا الشيء هو البيع على الغير عرفا و عادة، يدل على ذلك جملة من الأخبار، و قد تقدمت في المقدمة الثانية في آداب التجارة في مسئلة ما لو قال انسان للتأجر: اشتر لي متاعا (1) و منها
موثقة إسحاق بن عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبعث إلى الرجل يقول: ابتع لي ثوبا فيطلب له في السوق، فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق فيعطيه من عنده، قال: لا يقربن هذا، و لا يدنس نفسه، ان الله عز و جل يقول (3) «إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا (وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا) وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولًا» و ان كان عنده خير مما يجد في السوق فلا يعطيه من عنده».
و رواية علي بن أبي حمزة (4) قال: «سمعت عمر الزيات يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) قال: جعلت فداك إني رجل.
أبيع الزيت يأتيني من الشام فآخذ لنفسي مما أبيع؟ قال: ما أحب لك ذلك، قال: إني لست أنقص لنفسي شيئا مما أبيع، قال بعه من غيرك، و لا تأخذ منه شيئا أ رأيت لو أن الرجل قال لك: لا أنقصك رطلا من دينار، كيف كنت تصنع لا تقربه.
فظاهر هذا الخبر أن بيع الرجل من نفسه أو شرائه لنفسه لا يدخل تحت الإطلاق الذي اقتضته الوكالة، و الا فإن مقتضى إطلاق الوكالة صحة البيع و الشراء بما يراه الوكيل و فعله، فلا معنى لقوله (عليه السلام) بالنسبة إليه لو أن الرجل قال لك:
____________
(1) ج 18 ص 32.
(2) التهذيب ج 6 ص 352 ح 120، الوسائل ج 12 ص 289 ح 2.
(3) سورة الأحزاب- الاية 72.
(4) التهذيب ج 7 ص 128 ح 29، الوسائل ج 12 ص 290 ح 2.
101
لا أنقصك رطلا من دينار لو كان داخلا تحت الإطلاق، و نحوها الموثقة المتقدمة، فإنه لا معنى لكونه يدنس نفسه، و يخوفه في الأمانة مع كونه داخلا تحت إطلاق الوكالة.
و في رواية ميسر (1) قال: قلت له يجئنى الرجل فيقول لي اشتر لي فيكون ما عندي خيرا من متاع السوق قال: إذا أمنت أن لا يتهمك فأعطه من عندك، و ان خفت أن يتهمك فاشتر له من السوق».
و في هذا الخبر دلالة على أن المنع من ذلك في هذه الأخبار إنما هو من حيث خوف التهمة، و فيه اشعار بالجواز بل دلالة ظاهرة على ذلك مع الأمن من التهمة، و حينئذ فمع الاذن صريحا كما تقدم، فالجواز بطريق الأولى كما تقدمت الإشارة إليه، إلى غير ذلك من الأخبار المتقدمة في الموضع المتقدم ذكره.
و منه يعلم أنه ليس المنع فيما دل على المنع من حيث تولي طرفي الإيجاب و القبول، و قد تقدم مزيد توضيح لذلك في المسئلة الخامسة من المقام الثاني من فصل البيع (2) على أنه ان أريد بطرفي الإيجاب و القبول، هو قول البائع بعتك مثلا، و قول المشتري قبلت كما هو ظاهر هذه العبارة، و هو مرادهم فهذا ليس عليه دليل و لا أثر في الأخبار و ان اشتهر بينهم، و إنما الموجود فيها الإيجاب بلفظ الأمر كقوله اشتر لي أو بع هذا، و نحو ذلك، و القبول إنما هو فعل ما أمر به، و هو القبول الفعلي بمعنى أنه أمره بالبيع فباع أو الشراء فيشتري و نحو ذلك و حينئذ فبيعه على نفسه إنما هو عبارة عن أن يأخذ ذلك الشيء المأمور ببيعه لنفسه، و يدفع ثمنه من ماله، كما هو المستفاد من هذه الأخبار المذكورة هنا و نحوها، و قد عرفت أن هذا النهي إنما هو من حيث خوف التهمة، و حينئذ فمع تسليم صدق تولى الطرفين على هذه الصورة فإنه لا مانع من هذه الجهة، و إنما، المنع من الجهة المذكورة، و ان اختص ذلك بالصورة المذكورة الأولى كما هو ظاهر كلامهم،
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 121 ح 17، الوسائل ج 12 ص 289 ح 4.
(2) ج 18 ص 417.
102
و قد عرفت أنه لا وجود له في الأخبار بالكلية.
و استدل في المختلف على ما ذهب إليه من الجواز بأدلة ذكرناها في مسئلة ما لو قال: انسان للتأجر اشتر لي من المقدمة الثانية في آداب التجارة (1) و بينا بطلانها فليرجع اليه من أحب الوقوف عليه، و قد تلخص مما ذكرناه أنه مع الاذن فالظاهر الصحة في البيع أو الشراء، و مع الإطلاق فالظاهر المنع إلا مع أمن التهمة، و أما تعليل المنع بتولي طرفي العقد فلا دليل عليه إلا في النكاح، كما عرفت من الرواية المتقدمة، و باقي ما يتعلق بالمسئلة المذكورة من الفروع و التحقيق يرجع فيه إلى الموضعين المتقدمين المشار إليهما، و الله سبحانه العالم.
المطلب السابع في التنازع:
و فيه أيضا مسائل
الاولى: في الاختلاف في الوكالة و لو أحقها
و فيه صور:
منها
الاختلاف في أصل الوكالة
، فيحلف المنكر لها ان لم يكن بينة، لأن القول قوله بيمينه، حيث أن الأصل العدم، و هذا فيما إذا ادعى العامل الوكالة، و أنكرها المالك، ظاهر.
أما إنكار الوكيل فإنه بحسب الظاهر لا معنى له، حيث أن الموكل لا حق له يدعيه ليتحقق إنكاره، الا أنه يمكن فرض ذلك فيما لو كان التوكيل في شيء مشروطا في عقد لازم، و شرط إيقاعه في وقت معين، كيوم الجمعة مثلا، ثم حصل الاختلاف في الوكالة بعد انقضاء ذلك الوقت، فادعى الموكل الوكالة ليتم له العقد، و أنكرها الوكيل ليتزلزل العقد، و يتسلط على الفسخ، و كما أن القول قول الموكل لو أنكر الوكالة كذلك، لو اتفقا على أصل الوكالة، و اختلفا في بعض الكيفيات أو المقادير، كما إذا قال الوكيل: و كلتني في بيعه كله أو بيعه نسيئة أو شرائه بعشرين، و قال الموكل: بل ببيع بعضه أو بيعه نقدا أو شرائه بعشرة فالقول قول الموكل، لأن الأصل عدم الاذن فيما يدعيه الوكيل، و لأن
____________
(1) ج 18 ص 32.
103
الاذن صادر عن الموكل، و هو أعرف بحال الاذن و مقاصده الصادرة منه، و لأنه كما كان القول قوله في أصل العقد، كذلك في صفته، و الظاهر أنه لا خلاف فيه.
و منها
الاختلاف في التلف
، و ظاهر كلامهم الاتفاق على أن القول قول الوكيل بيمينه، لأنه أمين، و يتعذر عليه إقامة البينة بالتلف غالبا، و قد تقدم نقل جملة من عبائرهم في المسئلة الاولى من سابق هذا المطلب، بل ظاهر عبارة المسالك دعوى الإجماع على ذلك، الا أن فيه ما عرفت في الموضع المشار اليه من أن الإجماع المدعى ان كان على حكم التلف خاصة، فإن أحدا لم يدعه، و ان كان ظاهر كلامهم الاتفاق على ذلك، و ان كان على كونه أمينا و ترتب أحكام الأمين عليه، فكلامهم و اختلافهم في بعض الأحكام المتفرعة على ذلك ينافي دعوى الإجماع المذكور.
و كيف كان فالقول قول الوكيل بيمنه في دعوى التلف بالنسبة إلى العين الموكل في بيعها، و ثمنها لو كان وكيلا في قبضه، أعم من أن يكون التلف بسبب ظاهر أو خفي.
و منها
الاختلاف في الرد
، و المشهور أنه ان كان وكيلا بجعل فعليه البينة، و لا يقبل قوله، و الا فالقول قوله بيمينه كالودعي، و الوجه في هذا التفصيل أنه مع عدم الجعل أمين، و قد قبض المال لمجرد مصلحة المالك، فكان محسنا محضا، و كل ما يدل على قبول قول الودعي- من قولهم ان عدم قبول قوله يؤدي إلى الاعراض عن قبول النيابة في ذلك، و هو ضرر عظيم- يدل عليه هنا.
و أما مع الجعل، فإنه قبض المال لمصلحة نفسه، فجرى مجرى المرتهن و المستعير، فلم يقبل قوله، و للخبر المتفق عليه (1)
«البينة على المدعي و اليمين
____________
(1) المستدرك ج 3 ص 199 ح 5 الباب 3.
104
على المنكر».
خرج منه الأول من حيث أنه أمين و بقي ما عداه.
و قيل: ان القول قول الموكل، بيمينه مطلقا، سواء كان الوكيل بجعل أو بدونه، و وجهه أن الأصل عدم الرد، و الخبر المتفق عليه، و أجيب عن الوجوه المتقدمة فيما إذا لم تكن بجعل أن كونه أمينا لا يستلزم القبول، كمن قبضه لمصلحة نفسه مع كونه أمينا، و الضرر يندفع بالإشهاد، و التقصير في تركه إنما هو منه، و كونه محسنا لا ينافي عدم قبول قوله في الرد، و كونه من جملة السبيل المنفي عنه، يندفع بأن اليمين عليه سبيل أيضا، و ليس بمندفع.
أقول: و هذه الوجوه المستدل بها و أجوبتها لا يخلو من المناقشات التي ليس في التعرض لها مزيد فائدة بعد ما عرفت في غير موضع مما تقدم من أنها لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، و إنما المدار فيها على النصوص المعصومية، و المستفاد منها كما تقدم تحقيقه- في ذيل المسئلة الاولى (1) من مسائل سابق هذا المطلب- هو أن الأمين وكيلا كان أو غيره بجعل كان أو بغير جعل، يقبل قوله فيما ادعاه من تلف أورد أو غيرهما، و أن هذه الاخبار الدالة على ذلك أخص من الاخبار الدالة على ما ذكروه من تلك القاعدة و هي «أن البينة على المدعي و اليمين على المنكر» التي استندوا إليها هنا في تقديم قول الموكل، و مقتضى القواعد الشرعية تقديم العمل بهذه الأخبار، لأنها أخص، و يخصص ما استندوا إليه من تلك القاعدة بها.
و بذلك يظهر لك بطلان الوجه العقلي الذي استندوا إليه في الفرق بين الودعي و الوكيل بغير جعل، و بين غيرهما ممن له مصلحة في تلك المعاملة، و أن الأول محسن محض فلا يضمن، بخلاف الثاني، فإنه مجرد تخريج لا دليل عليه، كما اعترف بذلك في المسالك في كلام قدمنا نقله عنه في كتاب العارية قال فيه: و هذه العلة ليست منصوصة و إنما هي مناسبة، و هو جيد.
____________
(1) ص 83.
105
و بالجملة فالعمل على الأخبار و هي كما حققناه دالة على ما ذكرنا، و لكنهم لغفلتهم عن ملاحظة الأخبار، و عدم الاطلاع عليها انجرت بهم المناقشة إلى الوديعة أيضا، حيث أن ظاهرهم أن المستند فيها انما هو الإجماع.
قال في المسالك في هذا المقام بعد البحث في المسئلة: و الحق أن قبول قول الودعي ان كان خارجا بالإجماع الفارق فهو الفارق، و الا فلا فرق، و في الإجماع بعد و قد تقدم الكلام فيه، انتهى.
و هو ظاهر فيما قلناه، حيث انهم نظروا الى أخبار (1)
«البينة على المدعى و اليمين على المنكر،».
خاصة، و لم يطلعوا على تلك الأخبار التي خصصنا بها هذه القاعدة، و هي كما عرفت ظاهرة في المدعي، و الله سبحانه العالم.
و منها
ما إذا ادعى الوكيل التصرف فيما وكل فيه
، مثل قوله: بعت ما وكلتني في بيعه أو قبضت ما وكلتني في قبضه، و أنكر الموكل ذلك، فقيل:
القول قول الوكيل، و به جزم العلامة في الإرشاد من غير خلاف، و قربه في القواعد و جزم في التذكرة بتقديم قول الموكل ان كان النزاع بعد عزل الوكيل، و استقرب كون الحكم كذلك أيضا قبل عزله، و قد قدمنا عبارته بذلك في المسئلة الاولى (2) من مسائل سابق هذا المطلب، و توقف في التحرير، و قال في الشرائع ان القول قول الوكيل، لأنه أقر بماله أن يفعله، و لو قيل: القول قول الموكل أمكن، لكن الأول أشبه.
قال في المسالك: وجه الأشبهية انه أمين، و قادر على الإنشاء، و التصرف اليه، و مرجع الاختلاف الى فعله، و هو أعلم به و وجه تقديم قول الموكل ظاهر لأصالة عدم الفعل.
أقول: و الأقرب عندي الرجوع الى ما قدمناه من التحقيق في المقام،
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 229 ح 4، الفقيه ج 3 ص 20 ح 1، المستدرك ج 3 ص 199 ح 5 الباب 3.
(2) ص 85.
106
و مقتضاه أن القول قول الوكيل، لأنه أمين، و قضيته ذلك قبول قوله في التصرف و غيره و الله و سبحانه العالم.
و منها
ما لو اختلفا في قدر الثمن المشترى به
، فقال في المبسوط: ان القول قول الوكيل، لأنه أمين، فيقبل قوله كما يقبل في التسليم و التلف، و قال الفاضلان ان القول قول الموكل، لأنه غارم و منكر، و لأصالة عدم الزيادة، و احتمل الشهيد في شرح نكت الإرشاد أن القول قول الموكل ان كان الشراء في الذمة و قول الوكيل ان كان الشراء بالعين و نقله عن القواعد.
و قال في المسالك- بعد فرض المسئلة في كلام المصنف بما إذا كان وكله في ابتياع عبد فاشتراه بمائة، فقال الموكل اشتريته بثمانين، و ذكر القولين في المسئلة ما صورته-: التقدير أن المبيع يساوي بمائة كما ذكره في التحرير، و إلا لم يكن الشراء صحيحا لما تقدم من حمل إطلاق الاذن على الشراء بثمن المثل، و وجه تقديم قول الوكيل، أن الاختلاف في فعله و هو أخبر، و أن الظاهر ان الشيء انما يشترى بقيمته، و هو قوي، و وجه تقديم قول الموكل أصالة برأيه الذمة من الزائد، و لأن في ذلك إثبات حق للبائع على الموكل، فلا تسمع، و لا فرق في ذلك بين كون الشراء بالعين أو في الذمة، لثبوت الغرم على التقديرين، انتهى.
أقول: و مقتضى ما ذكرناه من التحقيق المتقدم العمل لقول الشيخ و الله سبحانه العالم.
و منها
ما لو ادعى الوكيل أنه قبض الثمن و تلف في يده، فأنكر الموكل القبض
، فان كان الدعوى بعد تسليم المبيع للمشتري فالقول قول الوكيل بيمينه مع عدم البينة، لأنه أمين، و الأصل عدم الغرامة، و لأنه لو لم يقبل يلزم سد باب التوكيل، و لأن دعوى الموكل يتضمن خيانته مع كونه أمينا، و قد عرفت من الأخبار المتقدمة النهي عن تهمته، و وجه تضمن دعوى الموكل عدم القبض الخيانة هو أن الدعوى بعد تسليم المبيع للمشتري كما هو المفروض، فيلزم على دعواه
107
أن يكون قد سلم المبيع قبل أن يتسلم الثمن، مع أنه لا يجوز تسليم المبيع إلا بعد قبض الثمن كما تقرر بينهم و ان كان الدعوى قبل تسليم المبيع، بل هو باق في يد الوكيل قالوا: القول قول الموكل، لأن الأصل عدم الأخذ، و لا يلزم الخيانة و لا يلزم سد الباب، كذا قيل و فيه تأمل.
تذنيب [في قبول قول الوصي في الإنفاق]:
قد صرحوا بأن القول قول الوصي في الإنفاق، دون تسليم المال الى الموصى له، و كذا القول في الأب و الجد و الحاكم مع اليتيم، إذا أنكر القبض بعد بلوغه و رشده، قال في المسالك: و ظاهرهم هنا عدم الخلاف في تقديم قول الموصى له أو اليتيم في عدم القبض، و هو يؤيد تقديم قول الموكل فيه، للاشتراك في العلة، بل ربما كان الإحسان هنا أقوى.
أما الإنفاق فخرج من ذلك، مع أن الأصل عدم ما يدعيه المنفق لعسر إقامة البينة عليه في كل وقت يحتاج اليه، فيلزم العسر و الحرج المنفيين، بخلاف تسليم المال، انتهى.
أقول: لما كان المستند عندهم في عدم تضمين الأمين من وكيل و غيره، و قبول قوله إنما هو آية (1) «مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» و أن الودعي و الوكيل بغير جعل فعلا إحسانا محضا، فلا يلحقهما الضمان، بل يقبل قولهما استدل بعدم الخلاف في تقديم قول الموصى له أو اليتيم على تقديم قول الموكل في إنكار الدفع اليه، و ان لم يكن الوكالة بجعل، لأنه مع الجعل كما عرفت، فالقول قول الموكل عندهم، بل ربما كانت العلة الموجبة لقبول قوله و هو الإحسان أقوى في جانب الوكالة، لأنه يتصرف له و يبيع و يشترى و يسعى بغير جعل، و لا ريب أن الإحسان في هذه الحال أزيد منه في حفظ الوصي، و الولي الشرعي مال الموصى
____________
(1) سورة التوبة- الاية 91.
108
اليه، و اليتيم، و الدفع إليهما.
و أنت خبير بأنك إذا رجعت الى الأخبار التي قدمناها في الوديعة دليلا على ما ذكرناه من كون الأمين مقبول القول فيما يدعيه، بل لا يمين عليه و ان كان خلاف المشهور بينهم، وجدت أن موردها أنما هو من دفع ماله الى غيره بعنوان الوديعة، أو الوكالة، أو نحوهما، لا من كان عنده مال لغيره بعنوان الوصاية أو الولاية الشرعية، لأن موردها النهي عن اتهام من ائتمنه، بمعنى تصديقه فيما يدعيه، و نحوها أخبار (1)
«ما خانك الأمين، و لكن ائتمنت الخائن».
بالتقريب الذي تقدم ذيلها.
و بالجملة فإن الخطاب بقبول قول الأمين إنما توجه للذي دفع اليه المال بمعنى أنك ائتمنته، و وثقت بديانته و أمانته، فلا تتهمه بعد ذلك، بل صدقه فيما يدعيه و يقوله، و ما ذكر هنا من الوصي و الأب و الجد و الحاكم و ان كانوا أمناء، إلا أنهم لا يدخلون في عنوان تلك الأخبار، بحيث يلحقهم الحكم المتفرع على الأمين فيها من سماع قوله، فاستدلاله غير تام، و هو نظر الى صدق الأمين في الموضعين و اعتمد على التعليل العقلي الذي اعتمدوه، و لم يطلع على الأخبار المذكورة، فالواجب حينئذ في هذه المسئلة هو الرجوع الى القاعدة الكلية الدالة (2) على
«أن البينة على المدعى و اليمين على المنكر».
و هي تقتضي تقديم قول الموصى له و اليتيم لأنهما منكران، و أما الوكيل و نحوه فقد عرفت أن مستنده تلك الأخبار الخاصة التي خصصنا بها تلك القاعدة، فافترق الأمران، و الله سبحانه العالم.
تذنيب آخر:
قالوا: لو اشترى إنسان سلعة و ادعي أنه وكيل في ذلك الشراء الآخر،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 232 ح 33، الكافي ج 5 ص 299 ح 4، الوسائل ج 13 ص 234 ح 4.
(2) التهذيب ج 6 ص 229 ح 4، الفقيه ج 3 ص 20 ح 1، المستدرك ج 3 ص 199 ح 5 الباب 3.
109
فأنكر ذلك الآخر، فان القول قوله بيمينه، فإذا حلف اندفع عنه الشراء، و حكم به للمشتري، و حكم عليه بالثمن، سواء اشترى بعين أم في الذمة، و لكن يجب تقييده بعدم اعتراف البائع بكونه وكيلا أو كون العين التي اشترى بها ملكا للمنكر، أو قيام البينة بذلك، و إلا يبطل البيع، كما لو ظهر استحقاق أحد العوضين المعينين، و الله سبحانه العالم.
الثانية [في إنكار الموكل التوكيل في تزويج امرأة له]:
اختلف الأصحاب فيما لو وكله على أن يزوجه امرأة، فعقد له على امرأة ثم أنكر الموكل الوكالة بذلك، فقيل: القول قول الموكل بيمينه، لأنه منكر، و يلزم الوكيل مهرها، و هو مذهب الشيخ في النهاية، قال:
و يجوز للمرأة أن تتزوج بعد ذلك، غير أنه لا يحل للموكل فيما بينه و بين الله تعالى الا أن يطلقها، لأن العقد قد ثبت عليه، و به قال ابن البراج.
و قال في المبسوط: ان الذي على الوكيل إنما هو نصف المهر، قال في المسالك: و هو المشهور بين الأصحاب، و به قال ابن الادريس، ثم قوي بعد ذلك مذهب النهاية.
و قيل: ببطلان العقد نقله في المختلف عن بعض علمائنا، قال بعض علمائنا:
إذا أنكر الموكل الوكالة كان القول قوله مع اليمين، فإذا حلف بطل العقد ظاهرا، و لا مهر، ثم الوكيل ان كان صادقا وجب على الموكل طلاقها و نصف المهر، قال في المختلف: و فيه قوة.
احتج الشيخ على القول الأول بأن المهر قد ثبت بالعقد، و لا ينتصف الا بالطلاق، و لم يحصل فيجب الجميع، استدل على ما ذهب إليه في المبسوط
برواية عمر بن حنظلة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل قال لآخر: اخطب لي فلانة، فما فعلت من شيء مما قاولت من صداق أو ضمنت من شيء أو شرطت فذلك رضا لي، و هو لازم لي و لم يشهد على ذلك، فذهب فخطب له، و بذل عنه الصداق
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 213 ح 3، الفقيه ج 3 ص 49 ح 4، الوسائل ج 13 ص 288 ح 1.
110
و غير ذلك مما طالبوه و سألوه، فلما رجع إليه أنكر ذلك، قال يغرم لها نصف الصداق عنه، و ذلك أنه هو الذي ضيع حقها، فلما أن لم يشهد لها عليه بذلك الذي قال له، حل لها أن تتزوج و لا يحل للأول فيما بينه و بين الله تعالى الا أن يطلقها فان الله تعالى (1) يقول «فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ» فان لم يفعل فإنه مأثوم فيما بينه و بين الله تعالى، و كان الحكم الظاهر حكم الإسلام قد أباح الله لها أن تتزوج».
رواه في التهذيب و الفقيه.
و ظاهر الشرائع و المختلف كما سلف تقوية القول بالبطلان، و هو ظاهره في المسالك أيضا، حيث قال بعد نقل الخبر المذكور: و في سند الحديث ضعف، و لو صح لم يمكن العدول عنه، و القول الثالث الذي اختاره المصنف قوي، و وجهه واضح، فإنه إذا أنكر الوكالة و حلف على نفيها انتفى النكاح ظاهرا، و من ثم يباح لها أن تتزوج، و قد صرح به في الرواية، فينتفى المهر أيضا، لأن ثبوته يتوقف على لزوم العقد، و لأنه على تقدير ثبوته إنما يلزم الزوج، لأنها عوض البضع، و الوكيل ليس بزوج، نعم لو ضمن الوكيل المهر كله أو بعضه لزمه حسب ما ضمن، و يمكن حمل الرواية عليه، و أما وجوب الطلاق على الزوج مع كذبه في نفس الأمر و وجوب نصف المهر فواضح، انتهى.
و مرجع ردهم الخبر الى ما اشتمل عليه من إيجاب نصف المهر على الوكيل، مع أنه ليس هو الزوج مع بطلان العقد بعد حلف الموكل، فلا يترتب عليه مهر، و لهذا جوز لها أن تتزوج، بناء على ذلك، و لا شك في قوته بالنظر الى العقل، الا أنه من الجائز كون إلزام الوكيل بنصف المهر إنما هو عقوبة له حيث ضيع حقها بعدم الاشهاد، و الأحكام الشرعية لا مسرح للعقول في الاطلاع عليها، و أسبابها، و يؤيد هذه الرواية
صحيحة أبي عبيدة الحذاء (2) المروية في الفقيه و التهذيب «عن
____________
(1) سورة البقرة الآية 229.
(2) التهذيب ج 7 ص 483 ح 152، الفقيه ج 3 ص 264 ح 44، الوسائل ج 14 ص 228 ح 1.
111
أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل أمر رجلا أن يزوجه امرأة من أهل بصرة من بنى تميم، فزوجه امرأة من أهل الكوفة من بنى تميم، قال: خالف أمره، و على المأمور نصف الصداق لأهل المرأة، و لا عدة عليها، و لا ميراث بينهما، قال فقال له بعض من حضر: فإن أمره أن يزوجه امرأة و لم يسم أرضا و لا قبيلة، ثم جحد الأمر أن يكون قد أمره بذلك بعد ما زوجه؟ قال: فقال: ان كان للمأمور بينة أنه كان أمره أن يزوجه، كان الصداق على الآمر لأهل المرأة، و ان لم يكن له بينة فان الصداق على المأمور لأهل المرأة، و لا ميراث بينهما، و لا عدة، و لها نصف الصداق ان كان فرض لها صداقا»،.
و زاد في الفقيه «فان لم يكن سمى لها صداقا فلا شيء لها».
، و الرواية كما ترى صحيحة صريحة فيما دلت عليه الرواية الأولى، و يؤكده السؤال الأول من هذه الرواية أيضا، و المفهوم من جملة هذه الروايات أن المرأة بالعقد عليها استحقت المهر على الزوج، لكن لما أنكر الزوج الوكالة و لا بينة، و حلف انتفى النكاح، و لكن جعل حقها من المهر على الوكيل، حيث ضيع حقها بعدم الاشهاد على الوكالة، و إذا كان وجوب ذلك على الوكيل إنما هو لما ذكرناه، فلا ينافيه بطلان العقد، ألا ترى ان العقد في السؤال الأول من الصحيحة المذكورة باطل، حيث انه ليس هو المأمور به، مع أنه (عليه السلام) حكم على الوكيل بنصف المهر عقوبة له.
و بالجملة فإن الحكم المذكور بعد دلالة هذين الخبرين لا مجال للمنازعة فيه، سيما بعد اعترافه في المسالك بأنه لو صح لم يمكن العدول عنه، و هذه الرواية الثانية التي ذكرناها صحيحة السند، لأن الشيخين المذكورين روياها عن الحسن بن محبوب عن مالك بن عطية عن أبي عبيدة الحذاء، و الثلاثة المذكورون ثقات، و الطريق إلى الحسن بن محبوب صحيح في الكتابين، فلا مجال للتوقف فيها.
قال في المسالك: و اعلم أن المرأة إنما يجوز لها التزويج مع حلفه إذا لم
112
تصدق الوكيل عليها، و الا لم يجز لها التزويج قبل الطلاق، لأنها باعترافها زوجة، بخلاف ما إذا لم تكن عالمة بالحال، فلو امتنع من الطلاق لم يجبر عليه، لانتفاء النكاح ظاهرا، و حينئذ ففي تسلطها على الفسخ دفعا للضرر، أو تسلط الحاكم على الطلاق، لأن له ولاية الإجبار على الممتنع أو بقائها كذلك حتى يطلق، أو يموت أوجه، انتهى و الله سبحانه العالم.
الثالثة: لو ادعى الوكيل الاذن في البيع بثمن معين فأنكر المالك الاذن في ذلك القدر
، فالمشهور و هو قول الشيخ في المبسوط أن القول قول الموكل بيمينه، لأنه كما أن القول قوله في أصل الوكالة فكذا في صفتها، لأنها فعله، و هو أعرف بحاله و مقاصده الصادرة عنه، و لأن الأصل عدم صدور التوكيل على الوجه الذي يدعيه الوكيل، و حينئذ فإذا حلف الموكل بطل البيع، و وجب أن يستعاد العين ان كانت باقية، و مثلها أو قيمتها ان تلفت.
و قيل: انه يلزم الدلال إتمام ما حلف عليه المالك، صرح به الشيخ في النهاية، و رد بأنه ضعيف لا مستند له، و حمله في المختلف على تعذر استعادة العين عن المشترى و القيمة، و تكون القيمة مساوية لما ادعاه المالك، و لا يخلو عن بعد، و حيث علم بطلان البيع بحلف الموكل على عدم ما ادعاه الوكيل، فلا يخلو إما أن تكون العين باقية أو تالفة، و على كل منهما فإما أن يصدق المشترى الوكيل في الوكالة و صحة البيع أم لا، و على فرض التلف فإما أن يرجع الموكل على المشترى أو على الوكيل، فهذه خمس صور:
الأولى: أن تكون العين باقية، و لم يصدق المشترى الوكيل
، فان الموكل يسترجع العين من كل من كانت في يده، و يرجع المشترى على الوكيل بالثمن الذي دفعه اليه ان دفع اليه ذلك.
الثانية: الصورة بحالها و لكن صدق المشترى الوكيل
، و الحكم بالنسبة إلى استرجاع العين كما تقدم، و أما بالنسبة إلى رجوع المشترى على الوكيل بالثمن، فإنه
113
بتصديقه للوكيل و حكمه بصحة البيع، و أن الموكل ظالم بإبطاله، فإنه انما يرجع على الوكيل بأقل الأمرين من الثمن الذي دفعه و قيمة المبيع، لأن الثمن إن كان هو الأقل فليس في يد الوكيل من مال الموكل الذي هو ظالم للمشتري في أخذ العين بزعمه، سواه فيأخذه قصاصا، لأن هذا الثمن بزعم الوكيل و المشترى انما هو مال الموكل كما عرفت، و ان كان الثمن المدفوع أكثر من القيمة فالمشتري ليس له أكثر من القيمة، لأن حقه شرعا بزعمه انما هي العين، إلا أنه بأخذ الموكل لها و حيلولته بينه و بينها، يرجع الى قيمتها، فليس له شرعا إلا القيمة خاصة، و على هذا فالزائد من الثمن في يد الوكيل مجهول المالك، لأن الوكيل ليس له شيء من ذلك، و المشترى ليس له إلا قيمة ماله، و الموكل لا يدعيه.
الثالثة: تلف العين مع التصديق
، و لا خلاف في أن للموكل الرجوع بالقيمة مع التصديق على أيهما شاء، أما المشتري فلتلف المال في يده، و أما الوكيل فلعدوانه ظاهرا، فيدهما يد ضمان إلا أنه متى رجع الموكل على المشترى بالقيمة مع تصديقه لم يرجع المشترى على الوكيل، لتصديقه له في صحة البيع و زعمه أن المالك ظالم في رجوعه عليه فلا يرجع على غير ظالمة، هذا مع عدم قبض الوكيل الثمن من المشترى.
و أما لو قبضه منه، و الحال أنه لا يستحقه، و الموكل لا يدعيه، فإنه يرجع به المشترى عليه، لكن إذا كان المدفوع بقدر القيمة أو أقل، فالرجوع به ظاهر، و إلا رجع بمقدار ما غرمه للمالك من قيمة العين، فلو كان المدفوع أزيد كان الزائد في يد الوكيل مجهول المالك، لأن المشتري لتصديقه و صحة البيع عنده فحقه شرعا إنما هو البيع الذي تلف عنده، لكن لما أغرمه الموكل القيمة فالذي له إنما هو ما غرمه يرجع به على ما دفعه الى الوكيل، فإذا كان الثمن الذي دفعه أولا زائدا على القيمة، و على ما أغرمه الموكل فتلك الزيادة لا يستحقها بوجه، و الوكيل لا يستحقها، و المالك لا يطلبها، لإنكاره البيع. فتصير
114
مجهولة المالك، إلا أنه يحتمل وجوب دفعها الى المالك، لأنه بمقتضى زعمهما صحة البيع تكون مال المالك، فيجب عليهما بمقتضى ما يزعمانه أن يدفعاها له، و يأتي هذا الاحتمال في زيادة الثمن في الصورة الثانية أيضا.
الرابعة: الصورة بحالها مع عدم التصديق
، قالوا: يرجع على الوكيل بما غرمه أجمع لغروره، و لو كان الثمن الذي دفعه الى الوكيل أزيد مما غرمه رجع به عليه لفساد البيع ظاهرا عنده.
الخامسة: رجوع الموكل على الوكيل مع التلف
، فإنه في هذه الصورة يرجع الوكيل على المشترى بالأقل من ثمنه، و ما اغترمه، لأنه ان كان الثمن هو الأقل فهو يزعم أن الموكل لا يستحق سواه، و أنه ظالم يأخذ الزائد من القيمة فلا يرجع به على المشترى، و ان كانت القيمة التي اغترمها الأقل فإنه لم يغرم سواها، لكن يبقى الزائد مجهول المالك ظاهرا، مثلا ثمنه الذي باع به ثمانون درهما، و الذي اغترمه للمالك مائة درهم، فإنه انما يرجع بالثمانين، خاصة للعلة المذكورة أو ان الثمن مائة درهم، و الذي اغترمه ثمانون درهما، فإنه انما يرجع بما اغترمه.
بقي الكلام في هذه العشرين الزائدة، فإنها مجهولة المالك، لأن الموكل لا يستحقها بزعمه، و موافقة الظاهر له، و الوكيل قد خرج عن الوكالة بإنكار الموكل، فليس له قبضه، و ينتزعه الحاكم الشرعي، و يتوصل الى تحصيل مالكه، هذا خلاصة كلامهم في المقام.
و لو قيل: بالتصدق بهذا الزائد المجهول في جميع هذه الصور عن صاحبه، كما في المال المجهول الصاحب، كان وجها لدخوله تحت عموم أخبار تلك المسئلة، و الله سبحانه العالم.
المسئلة الرابعة [في القول بثبوت الخيار للبائع إذا اشترى الوكيل لموكله]:
قيل: إذا اشترى الوكيل لموكله كان البائع بالخيار، ان شاء طالب الوكيل، و ان شاء طالب الموكل، و علل بأن الحق على الموكل،
115
و العقد على الوكيل، فيتخير في مطالبة أيهما شاء و الظاهر ضعفه، و قيل: باختصاص المطالبة بالموكل مع العلم بالوكالة، و الاختصاص بالوكيل مع الجهل بذلك و علل أما مع الجهل، فلان العقد وقع معه، و الثمن لازم له ظاهرا فله مطالبته و أما مع العلم بكونه وكيلا فلأنه يكون نائبا عن غيره، فلا حق له عنده، بل عند الموكل، و الى هذا القول مال في الشرائع.
و أورد عليه بأن الحكم بمطالبة الموكل مع العلم، و الوكيل مع الجهل لا يتم على إطلاقه، لأن الثمن لو كان معينا لم يكن له مطالبة غير من هو في يده، و قيل: إذ اشترى الوكيل بثمن معين، فان كان في يده طالبه البائع به و إلا طالب الموكل، لأن الملك يقع له، و ان اشترى في الذمة، فإن كان الموكل قد سلم اليه، ما يصرفه الى الثمن، طالبه البائع أيضا، و ان لم يسلم فإن أنكر البائع كونه وكيلا أو قال لا أدري هل هو وكيل أم لا، و لا بينة طالبه و ان اعترف بوكالته، فالمطالب بالثمن الموكل لا غير، لوقوع الملك له، و الوكيل سفير بينهما و معين للموكل، فلا يغرم شيئا، و القول المذكور للتذكرة، قال و هو أحد وجوه الشافعية.
و الثاني: أن البائع مع تصديق الوكالة يطالب الوكيل لا غير، لأن أحكام العقد يتعلق به، و الالتزام وجد منه.
و الثالث: أنه يطالب من شاء منهما نظرا الى الظاهر و المعتمد الأول انتهى.
أقول: و ما اعتمده هو أقرب الأقوال، إلا أنه لا يخلو من الخدش في بعض هذه الترديدات، و الظاهر هو ما فصله في المسالك قال: و الاولى أن يقال في المسئلة ان الحق اما أن يكون معينا أو مطلقا، و على التقديرين فاما أن يسلم الى الوكيل أم لا، و على التقادير فاما أن يكون البائع عالما بوكالته أو غير عالم، و حكمها أنه متى كان الثمن معينا فالمطالب به من هو في يده، سواء في ذلك الوكيل أو الموكل و ان كان في الذمة و دفعه الموكل إلى الوكيل تخير البائع في مطالبة
116
أيهما شاء مع علمه بالوكالة، أما الوكيل فلأن الثمن في يده، و أما الموكل فان الشراء له، و ما دفع لا ينحصر في الثمن بعد، و ان لم يكن دفعه الى الوكيل، فله مطالبة الوكيل مع جهله بكونه وكيلا، و عدم البينة عليها، و الموكل مع علمه، انتهى.
و منه يعلم أن ما أطلقه في التذكرة من أنه متى كان في الذمة و قد سلمه الموكل الى الوكيل، فإنه يطالب الوكيل ليس كذلك، بل الأظهر كما ذكره في المسالك هو التخيير مع العلم بالوكالة.
الخامسة [في استحقاق المطالبة]:
قالوا: إذا طالب الوكيل بحق موكله فأجابه من عليه الحق بأنك لا تستحق المطالبة لم يلتفت الى هذا الجواب، لانه مكذب للبينة القائمة على الوكالة، فإن مقتضى البينة ثبوت الوكالة، و قضية ثبوت الوكالة استحقاق المطالبة، و أورد عليه بأن نفي استحقاق المطالبة لا يستلزم تكذيب البينة، لأنه يجوز ثبوت الوكالة ثم عزله عنها، أو الإبراء من الحق المدعى، أو الأداء الى الموكل أو وكيل آخر، و في جميع هذه الوجوه لا يستحق المطالبة و ان ثبت كونه وكيلا، و لهذا نقل عن القواعد أنه استشكل الحكم المذكور، و أجيب عن هذا الإشكال بأن نفي الاستحقاق لما كان مشتركا بين ما يسمع و ما لا يسمع لم يسمع الا بعد التحرير لأنه لا تعد دعوى شرعية إلا بعد تحريرها، و لو أجاب من عليه الحق بأن قال عزلك الموكل، أو أن الموكل أبرأه من الحق لم يسمع، الا أن يدعى العلم على الوكيل، فله عليه اليمين بعدم العلم.
السادسة [في قبول شهادة الوكيل لموكله]:
لا خلاف بين المسلمين في قبول شهادة الوكيل على موكله، لحصول الشرائط و انتفاء الموانع، و كذا لا خلاف في قبولها له فيما لا ولاية له عليه مطلقا، و أما فيما له ولاية و وكالة فيه، فتقبل عند الأصحاب فيه أيضا إذا كانت الشهادة بعد العزل، ما لم يكن أقام الشهادة حين الوكالة، فإنه بإقامتها حين الوكالة ترد للتهمة، و كذا ترد فيما لو لم يكن عزله بعد شروعه في المنازعة و المخاصمة.
117
قال في التذكرة: تقبل شهادة الوكيل مع الشرائط على موكله مطلقا، و تقبل لموكله في غير ما هو وكيل فيه، كما لو وكله في بيع دار فشهد له بعد، و لو شهد فيما هو وكيل فيه، فان كان ذلك قبل العزل لم تقبل، لأنه متهم حيث يجر إلى نفسه نفعا، و هو ثبوت ولاية التصرف لنفسه، و ان كان بعد العزل، فان كان قد خاصم الغريم فيه حال وكالته لم تقبل منه أيضا، لأنه متهم أيضا، حيث يريد تمشية قوله، و إظهار الصدق فيما ادعاه أولا و ان لم يخاصم سمعت شهادته عندنا، انتهى.
أقول: لا يخفى ما في هذه التعليلات من الإشكال في ابتناء الأحكام الشرعية عليها، بعد ثبوت العدالة في الشاهد، ثم أنه أي نفع هنا في ثبوت ولاية التصرف له، بل ربما كان الضرر أظهر باشتغاله بذلك عن القيام بأموره، و نظم معاشه و معاده و نحو ذلك.
و إلى ما ذكرناه يميل كلام المحقق الأردبيلي حيث قال: و أما وجه العدم على أحدهما فهو التهمة، و وجه عدم القبول حين الوكالة فيما وكل فيه جر النفع و فيهما تأمل، إذ قد لا يكون جر نفع، و لا نسلم كون مطلق الولاية و الوكالة نفعا، بل قد يكون مضرا، و كذا التهمة و كون مثلها مانعا- من قبول الشاهد المقبول- يحتاج إلى الدليل، بعد الدليل على قيام شهادة العدل المتصف بالشرائط سوى هذا المتنازع، فتأمل انتهى و هو جيد.
السابعة [في اختلافهما في قبض الثمن قبل تسليم المبيع أو بعده]:
قالوا: لو وكله في قبض دين من غريم له، فأقر الوكيل بالقبض، و صدقه الغريم، و أنكر الموكل فالقول قول الموكل، و تردد فيه في الشرائع.
و قال في التذكرة إذا وكل وكيلا باستيفاء دين له على انسان، فقال:
قد استوفيته فأنكر الموكل نظر، فان قال: قد استوفيته و هو عندي فخذه فعليه أخذه، و لا معنى لهذا الاختلاف، و ان قال: استوفيته و تلف في يدي فالقول قوله مع يمينه على نفي العلم باستيفاء الوكيل، لأصالة بقاء الحق، فلا يقبل قول
118
الوكيل و المديون إلا ببينة، لأن قولهما على خلاف الأصل، انتهى.
أما لو أمره ببيع سلعة و تسليمها و قبض ثمنها فتلف الثمن من غير تفريط فأقر الوكيل بالقبض و صدقه المشتري و أنكر الموكل فالقول قول الوكيل.
قالوا: و الفرق بين الصورتين أن الدعوى في الصورة الثانية على الوكيل من حيث سلم المبيع و لم يقبض الثمن، بناء على زعم الموكل، و هو موجب للضمان، لأنه نوع خيانة كما تقدم ذكره في آخر المسئلة الأولى من هذا المطلب، و في الصورة الأولى الدعوى على الغريم، و الأصل بقاء ماله عليه، و تنظر في الفرق المذكور في الشرائع.
أقول: و الظاهر من النصوص الدالة على قبول قول الأمين هو تقديم قول الوكيل في الصورتين المذكورتين، لاشتراكهما في كون محل النزاع هو تصرف الوكيل، و قد عرفت فيما تقدم أن قوله مقبول في ذلك، و الظاهر أنه من أجل ذلك تردد المحقق في الصورة الأولى حيث حكموا فيها بتقديم قول الموكل، و تنظر في الفرق المذكور في الثانية، و بالجملة فالظاهر هو تقديم قول الوكيل في الموضعين.
قال في التذكرة: لو وكله في البيع و قبض الثمن أو البيع مطلقا، و قلنا أن الوكيل يملك بالوكالة في البيع، قبض الثمن و اتفقا على البيع، و اختلفا في قبض الثمن، فقال الوكيل قبضته و تلف في يدي، و أنكر الموكل، أو قال الوكيل:
قبضته و دفعته إليك، و أنكر الموكل القبض، فالأقوى عدم قبول قول الوكيل في ذلك، و للشافعية في ذلك طريقان: أحدهما أنه على الخلاف المذكور في البيع و سائر التصرفات و أظهرهما عندهم أن هذا الاختلاف ان كان قبل تسليم المبيع فالقول قول الموكل، لما في المسئلة السابقة، و ان كان بعد تسليمه فوجهان:
أحدهما أن الجواب كذلك، لأن الأصل بقاء حقه، و أصحهما أن القول قول الوكيل، لأن الموكل ينسبه إلى الخيانة بالتسليم قبل قبض الثمن، و يلزمه الضمان و الوكيل ينكره فأشبه ما إذا قال الموكل، طالبتك برد المال الذي دفعته إليك،
119
أو بثمن المبيع الذي قبضته، فامتنعت مقصرا إلى أن تلف، و قال الوكيل لم تطالبني بذلك، و لم أكن مقصرا، فان القول قوله، انتهى.
أقول: قوله فالأقوى عدم قبول قول الوكيل في ذلك في نسختين عندي من نسخ الكتاب، و هو خلاف ما صرح به الأصحاب من أن القول هنا قول الوكيل، كما عرفت من كلامهم في الفرق بين الصورتين المتقدمتين، و لم أقف أيضا على من نقل الخلاف عن التذكرة في ذلك، فليتأمل في ذلك، و الأصحاب إنما حكموا بتقديم قول الوكيل هنا بناء على كون الدعوى بعد تسليم العين إلى المشتري، بالتقريب الذي نقله هنا عن أصح قولي الشافعية.
و أما لو كانت الدعوى قبل تسليم العين بل هي باقية في يد الوكيل فان القول عندهم قول الموكل لما ذكره، و ما تقدم في المسئلة الاولى، و ان كان الحكم في ذلك عندي هنا لا يخلو عن اشكال بالنظر إلى ظواهر الأخبار الدالة على قبول قول الأمين مطلقا و الوكيل أمين كما عرفت، فلا معنى لترجيح قول الموكل بأصالة عدم القبض و نحو ذلك، لأن مقتضى العمل بالأخبار المذكورة تخصيص هذا الأصل و الخروج عنه، فإن الأصل العدم في كل ما يدعيه الأمين، فلا معنى للعمل بها في موضع و إطراحها في آخر بل الواجب العمل بها في الجميع، إلا أن العذر لهم انهم إنما استندوا في قبول قوله إلى الإجماع، و الدليل العقلي الذي تقدم نقله عنهم، و لم يذكروا الأخبار أو لم يطلعوا عليها بالكلية، و الإجماع لا يقوم حجة في موضع النزاع و الخلاف.
بقي الكلام هنا في مواضع-
الأول:
قال في التذكرة على أثر الكلام المتقدم: و هذا التفصيل فيما إذا أذن في المبيع مطلقا أو حالا فان أذن في التسليم قبل قبض الثمن، أو أذن في البيع بثمن مؤجل، و في القبض بعد الأجل، فهيهنا لا يكون خائنا بالتسليم قبل القبض، و الاختلاف كالاختلاف قبل التسليم، انتهى.
أقول: مراده أن تقديم قول الوكيل إنما هو في موضع يستلزم نسبته إلى
120
الخيانة، و الحال أنه أمين، فيقدم قوله، و الموضع الذي يستلزم ذلك هو كل موضع يتوقف التسليم فيه على القبض، أما لو لم يكن كذلك بأن يأذن له في التسليم قبل قبض الثمن، أو أذن له في البيع بثمن مؤجل، و القبض بعد الأجل، فإن مرجع الاختلاف بينهما في هذه الحال إلى صورة الاختلاف قبل تسليم المبيع، بمعنى أن القول قول الموكل، و فيه ما تقدمت الإشارة إليه من أن مرجع ذلك إلى دعوى الوكيل التصرف بقبض الثمن و التلف، و قد عرفت أن قوله مقدم فيها، الا أنه يمكن أن يقال أيضا: ان دعوى التلف الذي يقبل قوله فيه إنما هو بعد القبض، و الحال أنه منتف هنا كما هو المفروض، و بالجملة فالحكم هنا لا يخلو عن شوب الإشكال.
الثاني:
إذا قلنا أن القول قول الوكيل في قبض الثمن من المشتري، فحلف الوكيل على قوله، فهل يحكم ببراءة ذمة المشترى أم لا؟ وجهان: قوى أولهما في التذكرة و استظهره في المسالك، و علل بأن الحق واحد، فإذا قبل قول الوكيل في قبضه، فكيف يتوجه إيجابه على المشتري.
و ثانيهما أنه لا يبرئ ذمة المشتري لأصالة عدم الأداء، و إنما قبلنا من الوكيل في حقه لا يتمانه إياه، بمعنى أن قبول قول الوكيل في قبضه إنما هو من حيث كونه أمينا يقبل قوله، و هذا المعنى مفقود في المشتري، إذ لا يقبل قوله في ذلك لو كان النزاع معه ابتداء، و استحسن هذا الوجه في التذكرة أيضا، و الوجهان المذكوران للشافعية كما نقله في التذكرة، و التعليلات المذكورة لهم.
الثالث
- إذا حلف الوكيل و قلنا ببراءة المشتري بذلك ثم وجد المشتري بالمبيع عيبا، فان رده على الموكل و غرمه الثمن لم يكن له الرجوع على الوكيل، لاعترافه بأن الوكيل لم يأخذ شيئا، و ان رده على الوكيل و غرمه لم يرجع على الموكل، و القول قول الموكل بيمينه في أنه لم يأخذ منه شيئا، و لا يلزم من تصديقنا الوكيل في الدفع عن نفسه بيمينه ان نثبت بها حقا على غيره و لو خرج
121
المبيع مستحقا رجع المشتري بالثمن على الوكيل، لأنه دفعه إليه، و لا رجوع له على الموكل لما مر، كذا ذكره في التذكرة، و الظاهر أنه أشار بقوله لما مر إلى ما قدمه من أن القول قول الموكل بيمينه في أنه لم يأخذ من الوكيل شيئا.
و كيف كان فظاهر كلامه هنا هو الفرق بين صورة ظهور العيب، و صورة خروج كونه مستحقا، و أنه في الصورة الثانية انما يرجع على الوكيل خاصة، و لا رجوع له على الموكل، و أما في الصورة الأولى فإن له الرجوع على كل منهما كما ذكره في رجوع كل منهما على الآخر ما عرفت.
و المفهوم من كلام الأصحاب هو الخلاف في هذه الصورة أعني الأولى، فعن الشيخ و به صرح جمع منهم، بل الظاهر أنه الأشهر هو أنه يرجع المشتري على الوكيل خاصة، دون الموكل، و علل بأنه لم يثبت وصول الثمن الى الموكل، و اختار في الشرائع الرجوع على الموكل، قال بعد نقل القول الأول: و لو قيل برد المبيع على الموكل كان أشبه، و هو مؤذن بأنه لا قائل بذلك قبله و اختار ذلك في المسالك أيضا، قال: و الأقوى ما اختاره المصنف، لان الملك له، و الوكيل نائب عنه، و البائع في الحقيقة هو الموكل، و وصول الثمن اليه، و عدمه لا مدخل له في هذا الحكم أصلا، بل لا يجوز رده على الوكيل، لانه ينعزل بالبيع ان لم يكن وكيلا في قبض المبيع على تقدير رده بالعيب، و كيف كان فقول الشيخ ضعيف، و كذا تعليله، انتهى و الله سبحانه العالم بحقائق أحكامه و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه، و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و إله الطاهرين.
123
كتاب الوقوف و الصدقات و ما يتبعها من الحبس و السكنى و الهبات
و تفصيل البحث في هذه المذكورات يقع في مقاصد أربعة:
المقصد الأول في الوقف:
و هو ثابت بالنص و الإجماع، و ستأتي النصوص بذلك في محلها، و قد ورد الترغيب فيه و في جملة من الأخبار و ان عبر فيها بلفظ الصدقة، فإن هذا الإطلاق كان شائعا في الصدر الأول كما دلت عليه جملة من الأخبار.
124
و من الأخبار المشار إليها ما رواه
في الكافي و التهذيب عن هشام بن سالم (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال صدقة أجراها في حياته، فهي تجري بعد موته، و سنة هدى سنها، فهي يعمل بها بعد موته، أو ولد صالح يدعو له».
و ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال، صدقة أجراها في حياته، فهي تجري بعد موته، و صدقة مبتولة لا تورث، أو سنة هدى فهي يعمل بها بعده، أو ولد صالح يدعو له».
و عن معاوية بن عمار (3) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما يلحق الرجل بعد موته؟ قال: سنة يسنها يعمل بها بعد موته، فيكون له مثل أجر من عمل بها من غير أن ينتقص من أجورهم شيء، و الصدقة الجارية تجري من بعده و الولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما، و يحج و يتصدق و يعتق عنهما، و يصلي و يصوم عنهما، فقلت: أشركهما في حجي؟ قال: نعم».
و عن أبي كهمس (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ستة تلحق المؤمن بعد وفاته ولد يستغفر له، و مصحف يخلفه، و غرس يغرسه، و قليب يحفره، و صدقة يجريها، و سنة يؤخذ بها من بعده».
و عن إسحاق بن عمار (5) عن أبى عبد الله (عليه السلام) يتبع الرجل بعد موته ثلاث خصال، صدقة أجراها في حياته، فهي تجري له بعد وفاته، و سنة هدى سنها، فهي يعمل بها بعد موته، و ولد صالح يدعو له».
____________
(1) الكافي ج 7 ص 56 ح 1، التهذيب ج 9 ص 232 ح 2، الوسائل ج 13 ص 292 ح 1.
(2) الكافي ج 7 ص 56 ح 2، الوسائل ج 13 ص 292 ح 2.
(3) الكافي ج 7 ص 57 ح 4، الوسائل ج 13 ص 293 ح 4.
(4) الكافي ج 7 ص 57 ح 5، الوسائل ج 13 ص 293 ح 5.
(5) الكافي ج 7 ص 56 ح 3، الوسائل ج 13 ص 293 ح 3.
125
قال في المسالك: قال العلماء الصدقة الجارية الوقف، و هو تعريف ببعض الخواص، و كيف كان فاللفظ الصريح في عقده وقفت، لأنه الموضوع له لغة و شرعا و قد صرح جملة من الأصحاب بأن أوقفت بالهمزة لغة شاذة فيه، قال في المسالك و الظاهر أن الصيغة بها صحيحة، و ان كانت غير فصيحة، و أما غير هذا اللفظ من الألفاظ مثل حبست، و سبلت فقيل: أنه يصير وقفا من غير توقف على القرينة، للحديث النبوي (صلى الله عليه و آله و سلم) المتقدم. و قيل: لا يكون الا مع القرينة.
و أما أبدت و حرمت و تصدقت فلا يحمل على ذلك الا مع القرينة، كقيد التأبيد، و نفي البيع، و الهبة و الإرث و نحوها.
و الوجه في ذلك أن الوقف لما كان من العقود الناقلة للملك على وجه اللزوم، افتقر الى اللفظ الصريح الدال على ذلك، و هذه الألفاظ لما كانت مشتركة بين هذا المعنى و غيره، و لم تكن صريحة فيه امتنع الحكم بدلالتها على ذلك، فإنه يصح إطلاقها على التمليك المحض و إخراج الزكاة و الصدقات المطلقة، و الهبات و نحوها، فلا بد في الحكم بالوقف فيها من ضم قرينة تدل على ارادة ذلك، كقوله صدقة موقوفة، أو دائمة أو مؤبدة و أن لاتباع، و لا توهب، و نحو ذلك.
و قد ظهر مما ذكرناه أن الألفاظ المعبر بها في عقد الوقف منها ما هو صريح فيه، لا يتوقف على قرينة إجماعا، و هو لفظ وقفت.
و منها ما هو متوقف على القرينة إجماعا كحرمت و تصدقت و أبدت.
و منها ما هو مختلف فيه كحبست و سبلت، فذهب جمع منهم العلامة في التذكرة و القواعد إلى أنهما صريحان، كوقفت، و مثلهما أحبست بزيادة الهمزة بغير اشكال، نظرا إلى الاستعمال العرفي لهما فيه مجردين، كما ورد في الخبر النبوي (صلى الله عليه و آله و سلم) المتقدم فإنه أطلق عليه تحبيس الأصل، ورد بأن مجرد الاستعمال أعم من المطلوب، و الظاهر وجود القرينة في هذا الاستعمال و معها لا اشكال فيه.
126
و المراد بالصدقة الجارية في هذه الأخبار هي الوقف كما أشار إليه الشهيد في الدروس، و قال ابن فهد في موجزه: قال العلماء: المراد بالصدقة الجارية الوقف فان قيل: المعدود في الحديث الثاني أربع خصال، مع أنه صرح في صدر الخبر بأنها ثلاث خصال، قلنا: المعدود فيه إنما هو ثلاث، و لكنه قسم الصدقة التي هي إحدى الثلاث إلى قسمين، صدقة أجراها في حياته، فهي تجري بعد موته، و هي الوقف كما ذكرناه، و صدقة مبتولة لا تورث، و لعله مثل بناء المساجد و الرباطات و حفر الآبار، و بناء القناطر، و نحو ذلك، و لعل المراد بكونها مبتولة كونها مرادا بها وجه الله عز و جل و التقرب إليه.
و ذكر الشيخ في المبسوط أن أوقاف الجاهلية كانت أربعة، السائبة و البحيرة و الوصيلة و الحام، ثم بين معانيها الى أن قال: و جاء الشرع بإبطالها، قال الله تعالى (1) «مٰا جَعَلَ اللّٰهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لٰا سٰائِبَةٍ وَ لٰا وَصِيلَةٍ وَ لٰا حٰامٍ، وَ لٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللّٰهِ الْكَذِبَ» الآية.
و البحث في هذا المقصد يقع في مطالب
[المطلب] الأول- في العقد و ما يلحق به
، و الكلام فيه يقع في موضعين
[الموضع] الأول [في تعريف الوقف]
- قالوا: الوقف تحبيس الأصل و تسبيل المنفعة قيل: و هذا التعريف تبعا
للحديث النبوي (2) «عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: حبس الأصل و سبل الثمرة».
و المراد بتحبيس الأصل المنع من التصرف فيه، كالتصرف في الأملاك بالبيع و الهبة، و الصدقة و نحوها، بحيث يكون ناقلا للملك، و تسبيل الثمرة إباحتها للموقوف عليه، بحيث يتصرف فيها كتصرفه في أملاكه.
و جملة من الأصحاب عبروا بإطلاق المنفعة عوض لفظ التسبيل، و هو أظهر في مقابلة التحبيس، و عرفه في الدروس بأنه الصدقة الجارية، قال: و ثمرته تحبيس الأصل و إطلاق المنفعة، قيل هذا التعريف تبعا لما ورد في الأخبار المتقدمة.
____________
(1) سورة المائدة- الاية 103.
(2) المستدرك ج 2 ص 511 الباب 2 ح 1.
127
و ذهب جمع و منهم المحقق و العلامة في غير الكتابين المذكورين إلى افتقارهما إلى القرينة، لاشتراكهما في الاستعمال بينه و بين غيره، و المشترك لا يدل على شيء من الخصوصيات من حيث هو، و لأصالة بقاء الملك إلى أن يحصل الناقل الشرعي، و هو غير معلوم.
و أما أقوال المتقدمين من الأصحاب في المقام فمنها قول الشيخ في الخلاف، قال: إذا تلفظ بالوقف فقال: وقفت أو حبست أو تصدقت، أو سبلت و قبض الموقوف عليه أو من يتولى عنه لزم الوقف.
و هذا الكلام كما ترى يعطي صحة الوقف بأي هذه الألفاظ من غير توقف على قرينة، مع أنه قد ادعي الإجماع على الاختصاص بلفظ الوقف، و الإجماع على العدم مع عدم القرينة في لفظ تصدقت و حرمت، كما قدمنا ذكره، و قال في الخلاف أيضا: ألفاظ الوقف التي يحكم بصريحها قوله، وقفت و حبست و سبلت و ما عداها يعلم بدليل، و بإقراره أنه أراد به الوقف، و ذلك كقوله تصدقت و حرمت و أبدت و بذلك قال ابن زهرة، و قطب الدين الكيدري.
و قال في المبسوط: الذي يقوى في نفسي أن صريح الوقف قوله واحد، و هو وقفت لا غير، و به يحكم بالوقف فأما غيره من الألفاظ فلا يحكم به الا بدليل، و هو قول ابن إدريس قال: لأن الإجماع منعقد على أن ذلك الصريح في الوقف، و ليس كذلك ما عداه.
قال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال: و الوجه ما قاله الشيخ في المبسوط، لنا أصالة بقاء الملك على صاحبه، و عدم خروجه عنه الا بوجه شرعي و لا عرف شرعي هنا سوى صريح الوقف، لاشتراك البواقي بينه و بين غيره، و الموضوع للقدر المشترك لا دلالة له على شيء من الخصوصيات بشيء من الدلالات نعم إذا انضم القرائن صار كالصريح في صحة الوقف به.
[فروع]
بقي الكلام هنا في أمور
الأول: لو نوى الوقف فيما يفتقر إلى القرينة
128
وقع الوقف باطنا، و دين بنيته، و لو اعترف بذلك أخذ باعترافه، كما أنه لو لم ينو بالصريح الوقف لم يكن وقفا باطنا، و ان حكم به بظاهر اللفظ، لأن المدار في الصحة واقعا إنما هو على القصود و النيات.
و الفرق بين الصريح و غيره مع اشتراكهما في اعتبار القصد و النية أن الصريح يحمل عليه ظاهرا، قصد أو لم يقصد، بخلاف غيره، فإنه لا يحكم عليه الا مع القرينة، أو الاعتراف بقصد الوقف و نيته، و هو معنى كونه يدان بنيته.
الثاني [الفرق بين الإضافة إلى جهة عامة و جهة خاصة]:
نقل عن العلامة في التذكرة الفرق بين اضافة لفظ الصدقة إلى جهة عامة كقوله تصدقت بهذا على المساكين، و إضافته إلى جهة خاصة، كقوله لمعين تصدقت به عليك أو عليكم فجعل الأول ملحقا بالصريح، فيكون وقفا بخلاف الثاني، فإنه يرجع فيه إلى نيته كما أطلقه غيره، ورد بان الفرق غير واضح.
الثالث [وقوع الوقف بألفاظ أخرى مع نيته]:
ظاهر عبارات أكثر الأصحاب و هو صريح العلامة في التذكرة و القواعد أن كل واحد من الألفاظ الثلاثة التي هي غير صريحة في الوقف إجماعا يقع الوقف بكل منها مع نيته، أو انضمام غيره اليه، و قال الشهيد في الدروس:
ان ظاهر الأصحاب يدل على أن تصدقت و حرمت صيغة واحدة، فلا تغني الثانية عن الأول، و تغني الأولى مع القرينة، قال في المسالك: و ما ادعاه من الظاهرية غير ظاهر.
الرابع [في تسمية الوقف بالصدقة في الصدر الأول]:
لا يخفى على من له أنس بالاخبار و من جاس خلال تلك الديار أن الوقف في الصدر الأول أعني زمن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و زمن الأئمة (عليهم السلام) إنما يعبر عنه بالصدقة، لكن هذا التعبير محفوف بقرائن عديدة، و ألفاظ كثيرة تدل على ارادة الوقف، و من ذلك الأخبار المتقدمة في صدر المقصد المعبر في بعضها بصدقة جارية، و في آخر لا تورث، و المراد بالجارية المستمرة بعده، و هو كناية عن التأبيد.
129
و من ذلك خبر
صدقة علي (عليه السلام) (1) بداره التي في بني زريق، قال: هذا ما تصدق به علي بن أبي طالب (عليه السلام) و هو حي سوي تصدق بداره التي في بني زريق صدقة لاتباع و لا توهب حتى يرثها الله تعالى الذي يرث السموات و الأرض، و أسكن هذه الصدقة خالاته ما عشن و عاش عقبهن، فان انقرضوا فهي لذوي الحاجة من المسلمين».
و أخبار صدقة فاطمة (عليها السلام) (2) و أنها جعلتها لبني هاشم، و بنى عبد المطلب.
و صدقة أمير المؤمنين (3) (عليه السلام) لما جائته البشير بالعين التي خرجت في ينبع فقال: (عليه السلام) بشر، الوارث هي صدقة بتة بتلا في حجيج بيت الله و عابري سبيل الله، لاتباع و لا توهب، و لا تورث».
و صدقة الكاظم (عليه السلام) (4) بأرض له، «و فيها تصدق موسى بن جعفر بصدقته هذه و هو صحيح صدقة حبسا بتلا بتا لا مشوبة فيها و لا رد أبدا ابتغاء وجه الله عز و جل و الدار الآخرة، لا يحل لمؤمن يؤمن بالله و اليوم الآخر أن يبيعها أو شيئا منها، و لا يهبها و لا ينحلها» الحديث.
الى غير ذلك من الأخبار، و بذلك علم اشتراك هذا اللفظ بين الوقف و بين الصدقة بالمعنى الآتي في المقصد الثاني.
و أما اللفظان الآخران فالاشتراك فيهما من حيث مفهوم اللفظ، فإنه أعم من الوقف و غيره و لم أقف في شيء من الأخبار لغير هذين اللفظين أعنى لفظي الوقف و الصدقة على أثر، فالأحوط أن يجعل العقد أحدهما خاصة، و ان صح بغيرهما من الكنايات المحفوفة بالقرائن بناء على المشهور، الا أنه لا يبعد الانحصار في هذين اللفظين وقوفا على ما خالف الأصل على مورد النص بمعنى أن الأصل بقاء الملك لمالكه و الذي ورد من الصيغة المخرجة منحصر في هذين اللفظين و ليس
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 131 ح 7، الفقيه ج 4 ص 183 ح 23، الوسائل ج 13 ص 304 ح 4.
(2) الكافي ج 7 ص 48 ح 4، الوسائل ج 13 ص 294 ح 8.
(3) الكافي ج 7 ص 54 ح 9، التهذيب ج 9 ص 148 ح 56، الوسائل ج 13 ص 303 ح 2.
(4) الكافي ج 7 ص 53 ح 8، الوسائل ج 13 ص 314 ح 5.
130
الحكم هنا كسائر العقود المبنية على مجرد الرضا، فكل لفظ دل عليه كفى في المراد و حصل به النقل، و لهذا ان روايات سائر العقود غاية ما تدل عليه، هو الأنعقاد بمجرد الألفاظ الجارية في مقام المحاورة بين المتعاوضين دالة على الرضا، و فيما نحن فيه انما دلت على هذين اللفظين خاصة، إلا أنه ربما انقدح الاشكال هنا من وجه آخر، و هو انهم قد صرحوا باستعمال لفظ الوقف في مجرد الحبس الذي هو معناه لغة، و يرجع الى ما يأتي من السكنى و العمرى و الرقبى، و عليه دلت الأخبار أيضا كما سيأتي إنشاء الله، و به ينقدح الاشكال فيما ادعوه من أن لفظ الوقف صريح في هذا المعنى المدعي الذي هو مشروط بالتأبيد، و كيف يكون صريحا فيه مع استعماله نصا و فتوى فيما قلناه.
و كيف كان فالأحوط هو ضم القرائن الدالة على الوقف المدعى، سوآء وقع التعبير بلفظ الوقف أو الصدقة، و الاقتصار على هذين اللفظين من حيث ورود النصوص بهما و الله العالم.
الموضع الثاني [في عدم اشتراط القبول في الوقف]:
اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في اشتراط القبول في الوقف بعد الاتفاق على الإيجاب فظاهر الأكثر حيث ذكروا الإيجاب و لم يتعرضوا لذكر القبول هو عدم اشتراطه مطلقا، و هو أحد الأقوال في المسئلة، و علل بأن الأصل عدم الاشتراط، و يؤيده أنه ليس في النصوص ما يدل عليه، و لأن الوقف كالإباحة، خصوصا إذا قلنا أن الملك فيه ينتقل الى الله عز و جل، و لأنه فك ملك فيكفي فيه الإيجاب كالعتق، و استحقاق الموقوف عليه النفقة كاستحقاق العتق منافع نفسه.
و قيل، باعتباره مطلقا، و نقل عن التذكرة، لإطباقهم على أنه عقد، فيعتبر فيه الإيجاب و القبول كسائر العقود، و لأن إدخاله في ملك الغير بغير رضاه بعيد، و لأصالة بقاء الملك على مالكه بدونه.
و قيل: بالتفصيل و هو اعتباره ان كان على جهة خاصة، كشخص معين،
131
أو جماعة معينين، لما تقدم في سابق هذا القول، و لإمكان القبول، و ان كان على جهة عامة كالفقراء و المساجد و نحوهما لم يعتبر، لأنه حينئذ فك ملك، و لأن الملك فيه ينتقل إلى الله عز و جل، بخلاف الأول، فإنه ينتقل فيه إلى الموقوف عليه.
أقول: و إلى هذا القول ذهب الشهيد في الدروس، و يظهر من المحقق في الشرائع و الشارح في المسالك الميل إليه، و أنت خبير بأن الذي يظهر لي من تتبع الأخبار هو القول الأول لخلوها من ذكر ذلك في الوقوف الخاصة و العامة.
و قد تقدم صورة وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) داره التي في بني زريق على خالاته، و الخبر مروي
في الفقيه في الصحيح عن ربعي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «تصدق أمير المؤمنين (عليه السلام) بدار له في المدينة في بني زريق فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به على بن أبي طالب (عليه السلام) الحديث».
كما تقدم.
و التقريب فيه أنه لو كان القبول شرطا لنقله (عليه السلام) في حكاية الصدقة المذكورة، لأنه ليس الغرض من حكاية ذلك إلا بيان الأحكام في المقام، و ظاهره لزوم الوقف و صحته بهذا اللفظ الذي كتبه (عليه السلام) في ذلك، و إثبات شيء يزيد على ذلك يتوقف على الدليل، و أصالة العدم أقوى مستمسك، في المقام.
و نحو هذا الخبر ما رواه
الشيخ في التهذيب عن عجلان أبي صالح (2) «قال أملى علي أبو عبد الله (عليه السلام) بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به فلان بن فلان و هو حي سوي بداره التي في بنى فلان بحدودها صدقة لاتباع و لا توهب و لا تورث حتى يرثها وارث السموات و الأرض و أنه قد أسكن صدقته هذه فلانا و عقبه فإذا انقرضوا فهي على ذي الحاجة من المسلمين».
و من الظاهر أن ما ذكره (عليه السلام) إنما هو تعليم للناقل كيفية الوقف المترتبة
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 183 ح 23، الوسائل ج 13 ص 104 ح 4.
(2) التهذيب ج 9 ص 131 ح 5، الوسائل ج 13 ص 303 ح 3.
132
عليه أحكامه، و لو كان القبول من شروط الصحة فيه كما ادعوه لذكره (عليه السلام).
و من ذلك أيضا
حديث صدقة الكاظم (عليه السلام) (1) بأرض له على أولاده المروي في الكافي، و فيه هذا ما تصدق به موسى بن جعفر (عليه السلام) بأرض بمكان كذا و كذا و حد الأرض كذا و كذا كلها و نخلها و أرضها و بياضها و مائها و أرجائها و حقوقها و شربها من الماء إلى أن قال: تصدق بجميع حقه من ذلك على ولده من صلبه الرجال و النساء، ثم ذكر قسمة الغلة بعد عمارة الأرض و ما يحتاج اليه عليهم للذكر مثل حظ الأنثيين، و ذكر شروطا في البنات إلى أن قال: صدقة حبسا بتلا بتا لا مشوبة فيها، و لا رد أبدا ابتغاء وجه الله تعالى سبحانه و الدار الآخرة، لا يحل لمؤمن يؤمن بالله و اليوم الآخر أن يبيعها و لا شيئا منها، و لا يهبها و لا ينحلها و لا يغير شيئا منها مما وصفته حتى يرث الله الأرض و من عليها».
: ثم ذكر الناظر في الوقت من أولاده على ترتيب ذكره (عليه السلام) و لم يتعرض فيها لذكر القبول، فلو أنه شرط في الصحة كما ادعوه لأخبر بأنهم قد قبلوا ذلك، و هذا الكتاب حجة على منكر الوقف من أولاده، و لو كان القبول شرطا في الوقف و الحال أنه لم يذكره في الكتاب لكان للمنازع أن يبطل الوقف لهذه الدعوى فلا يكون كتابه (عليه السلام) حجة في ذلك، و هذا خلف، و هذه جملة من أخبار الوقوف الخاصة.
و من الأخبار في الوقوف العامة خبر وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) العين التي في ينبع، و الخبر مروي في
التهذيب عن أيوب بن عطية الحذاء (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قسم نبي الله الفيء فأصاب عليا (عليه السلام) أرض فاحتفر فيها عينا فخرج ماء ينبع في السماء كهيئة عنق البعير فسماها ينبع فجاء البشير يبشره فقال: (عليه السلام) بشر الوارث هي صدقة» الحديث.
كما تقدم و معلومية عدم الاشتراط فيه أظهر.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 53 ح 8، الوسائل ج 13 ص 314 ح 5.
(2) التهذيب ج 9 ص 148 ح 56، الوسائل ج 13 ص 303 ح 2.
133
و بالجملة فإنه لا أثر لهذا الشرط في الأخبار، و لا دليل بالكلية غير هذه الوجوه الاعتبارية، و أصالة العدم أقوى دليل، و الله الهادي إلى سواء السبيل، قال في المسالك بعد الكلام في ذلك: و حيث يعتبر القبول مطلقا أو على بعض الوجوه يعتبر فيه ما يعتبر في غيره من العقود اللازمة من اللفظ العربي المطابق للإيجاب المتعقب له بغير فصل يعتد به، الى غير ذلك من الشروط، و يتولاه في المصالح العامة على القول باعتباره الناظر عليها كالحاكم و منصوبه كما يتولى غيره من المصالح، و على القولين لا يعتبر قبول البطن الثاني و لا رضاه، لتمامية الوقف قبله فلا ينقطع، و لأن قبوله لا يتصل بالإيجاب، فلو اعتبر لم يقع له كغيره من العقود اللازمة، انتهى.
و أنت خبير بما في أكثر هذا الكلام، و ان جمد عليه جملة ممن تأخر عنه من الأعلام، فإنه نفخ في غير ضرام كما تقدمت الإشارة إليه في غير مقام، مضافا الى ما عرفت من أنه لا دليل هنا على هذا القبول، و ما ذكره من الاشتراطات المذكورة في العقود اللازمة كله محض دعا و لا دليل عليها إلا مجرد أمور اعتبارية عللوها بها، مع ردها بالأخبار الظاهرة في خلافها.
ثم ان قوله و على القولين لا يعتبر قبول البطن الثاني و لا رضاه لتمامية الوقف قبله لا يخلو من المناقشة، فإن هذا انما يتم لو قام الدليل على اشتراط الرضا في البطن الأول، فيقال: حينئذ ان شرط صحة الوقف قد حصل، و انعقد الوقف، و الحكم ببطلانه بعد ذلك يحتاج الى دليل، و لم يثبت ان عدم رضا البطن الثاني موجب للبطلان. أما على ما قلناه من أنه لا دليل على القبول، و لا على اعتبار الرضا في البطن الأول بل ظاهر الأدلة انما هو الأعم كما سمعت من أوقاف الأئمة (عليهم السلام) فإنه ليس فيها اشارة، فضلا عن صريح الدلالة باعتبار رضا الموقوف عليه و لا قبوله، فإنه يكون ذلك في البطن الثاني بطريق أولى، و اللازم لهم باعتبار اشتراطهم ذلك في البطن الأول بهذه التعليلات الاعتبارية، هو كونه
134
كذلك في البطن الثاني، إذ العلة مشتركة، و التعليل بتمامية الوقف قبله معلوم فإنه يمكن أن يقال: ان تمامية الوقف مراعاة برضا البطن الثاني و الثالث و هكذا فان حصل استمر الوقف، و الا بطل، و التعليل بأن قبوله لا يتصل بالإيجاب أظهر بطلانا، فإنه انما يتم لو قام دليل على ما يدعونه من هذا الشرط، و قد عرفت أنه لا دليل عليه ان لم تكن الأدلة واضحة في خلافه، بل هي كذلك كما لا يخفى على من راجع أخبار العقود و الله العالم.
المطلب الثاني في شرائط الوقف:
قالوا: و هي أربعة: الدوام و التنجيز و الإقباض و إخراجه عن نفسه، فهنا مسائل
[المسألة] الاولى [في اشتراط الدوام في الوقف]:
الظاهر من كلام الأكثر هو اشتراط الدوام في الوقف، و قد تقدم في أخبار وقوف الأئمة (عليهم السلام) ما يدل عليه، و ظاهره في المسالك المناقشة في ذلك حيث ذكر أنه متنازع مشكوك فيه، و اقتفاه صاحب المفاتيح في ذلك فقال: ان اشتراط التأبيد لا دليل عليه، بل الأصل و العمومات تنفيه.
أقول: لا يخفى ان العقود الشرعية الموجبة لنقل الأملاك يجب الوقوف فيها على ما رسمه صاحب الشريعة من الكيفية و الشروط فعلا أو أمرا بذلك، و الأوقاف التي صدرت منهم (عليهم السلام) كما قدمنا لك جملة منها، قد اشتملت على التأبيد، لقولهم حتى يرثها الله الذي يرث السموات و الأرض، و هو كناية عن دوامها الى يوم القيامة، و الخروج عنها بغير معارض سفسطة، و به يظهر ما في تمسكه بالأصل و العموم، فإنه ناش عن الغفلة عن ملاحظة الأخبار المذكورة كما لا يخفى، و حينئذ فلو قرنه بمدة معينة كسنة مثلا أو وقف على من ينقرض غالبا فإنه يبطل الوقف بغير خلاف.
و انما الخلاف هنا في مواضع ثلاثة
الأول- فيما لو قرنه بمدة معينة
، فإنه هل يصح أن يكون حبسا فلا يبطل بالكلية أم لا؟ قولان: و بالثاني منهما صرح المحقق في الشرائع، لأن شرط الوقف الدوام، فيبطل، لعدم حصول الشرط،
135
و بالأول صرح الشهيد في الدروس، و اختاره في المسالك، قال: لوجود المقتضي و هو الصيغة الصالحة للحبس، لاشتراك الوقف و الحبس في المعنى، فيمكن اقامة كل منهما مقام الآخر، فإذا قرن الوقف بعدم التأبيد كان قرينة لإرادة الحبس، كما لو قرن الحبس بالتأبيد فإنه يكون وقفا كما مر، و هذا هو الأقوى، لكن انما يتم مع قصد الحبس، فلو قصد الوقف الحقيقي وجب القطع بالبطلان لفقد الشرط، انتهى.
أقول: من الظاهر أنه يمكن إرجاع القول الأول الى ما ذكره من هذا التفصيل، فان تعليل القول المذكور بما تقدم من قوله ان الدوام شرط فيبطل الوقف بعدم الشرط، يشير الى ذلك، حيث أن غاية ما يعطيه هو بطلان الوقف لا بطلان الحبس، و الا لاحتياج في بطلان الحبس إلى أمر زائد على ما ذكر مع أنه غير مذكور في كلامه القول بالصحة، و كونه حبسا صرح ابن إدريس أيضا فقال و الوقف لا يصح إلا أن يكون مؤبدا على ما قدمناه، فلا يصح أن يكون موقتا.
فان جعله كذلك لم يصح الا أن يجعله سكنى أو عمري أو رقبى على ما سنبينه عند المصير اليه.
و الأظهر في الاستدلال على الصحة في الصورة هو ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح عن علي بن مهزيار (1) قال: «قلت: روى بعض مواليك عن آبائك (عليهم السلام) أن كل وقف الى وقت معلوم فهو واجب على الورثة و كل وقف الى غير وقت معلوم جهل مجهول فهو باطل مردود على الورثة، و أنت أعلم بقول آبائك (عليهم السلام) فكتب (عليه السلام): هو عندي كذا».
و الظاهر أن معنى الخبر المذكور هو أن الوقف إذا كان مقيدا بوقت معلوم كما هو محل البحث فهو صحيح واجب على الورثة إنفاذه في تلك المدة، و يكون حبسا، و ان لم يذكر له وقت، أو كان وقتا مجهولا كأن يقول: الى وقت ما، فإنه يكون باطلا.
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 132 ح 8، الفقيه ج 4 ص 176 ح 3، الكافي ج 7 ص 36 ح 31، الوسائل ج 13 ص 307 ح 1.
136
و الشيخ (رحمة الله عليه) في الكتابين حمل الوقت هنا على الموقوف عليه دون المدة.
استنادا إلى
صحيحة الصفار (1) قال: كتبت الى أبى محمد (عليه السلام) أسأله عن الوقف الذي يصح كيف هو؟ فقد روى أن الوقف إذا كان غير موقت فهو باطل مردود على الورثة، و إذا كان موقتا فهو صحيح ممضى، قال قوم: ان الموقت هو الذي يذكر فيه أنه وقف على فلان و عقبه، فإذا انقرضوا فهو للفقراء و المساكين الى أن يرث الله الأرض و من عليها: و قال آخرون: هذا موقت إذا ذكر أنه لفلان و عقبه ما بقوا، و لم يذكر في آخره للفقراء و المساكين الى أن يرث الله الأرض و من عليها، و الذي هو غير موقت أن يقول: هذا وقف، و لم يذكر أحدا فما الذي يصح من ذلك، و ما الذي يبطل؟ فوقع (عليه السلام) الوقوف بحسب ما يوقفها أهلها.
أقول: لا يخفى أن المتبادر من لفظ الوقت انما هو الزمان و مجرد تفسير هؤلاء المذكورين بالموقوف عليه مجازا لا يقتضي تقييد ذلك الخبر بذلك، بل يحمل كل منهما على ما دل عليه كما هو المقرر في كلام الأصحاب و مع تسليم التقييد، فإنه يكفي في الاستدلال على ما نحن فيه بهذا الخبر إطلاق قوله (عليه السلام) «الوقوف بحسب ما يوقفها أهلها» و يدل على أنه إذا وقفه مقيدا بمدة معينة كان صحيحا في تلك المدة، و يخرج من هذا الإطلاق ما قام الدليل على بطلانه كما لو وقف بغير مدة، و لا ذكر الموقوف عليه، و نحوه من الوقوف التي قام الدليل على بطلانها، و في هذين الخبرين دلالة على ما قدمنا ذكره من صحة إطلاق الوقف على التحبيس و به يظهر أن ما قدمنا نقله عنهم من أن لفظ وقف صريح في الوقف المؤبد ليس في محله.
الثاني: لو وقف على من ينقرض غالبا و لم يذكر المصرف بعده
، كأن وقف على أولاده و اقتصر على بطن أو بطون، فهل يصح وقفا أو حبسا أو يبطل؟ أقوال
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 132 ح 9، الفقيه ج 4 ص 176 ح 1، الوسائل ج 13 ص 307 ح 2.
137
ثلاثة: و بالأول قال الشيخان، و ابن الجنيد، و سلار، و ابن البراج، و ابن إدريس على ما نقله في المختلف، و الظاهر أنه المشهور.
و بالثاني قال العلامة في القواعد و الإرشاد، و به قال ابن حمزة، فإنه قال على ما نقله في المختلف: فان علق على وجه يصح انقراضه كان عمري، أو رقبى أو سكنى أو حبسا بلفظ الوقف.
و الثالث غير معلوم قائله، و قال الشيخ في المبسوط و الخلاف: إذا وقف على على من يصح انقراضه في العادة مثل أن يقف على ولده و ولد ولده و سكت، فمن أصحابنا من قال: لا يصح الوقف، و منهم من قال يصح.
أقول: و الى القول بالصحة قال العلامة في المختلف، و احتج عليه قال:
لنا أنه نوع تمليك و صدقة، فيتبع اختيار المالك في التخصيص و غيره، كغير صورة النزاع، و للأصل، و لأن تمليك الأخير ليس شرطا في تمليك الأول، و إلا لزم تقدم المعلول علي العلة.
و ما رواه
أبو بصير (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): ألا أحدثك بوصية فاطمة (عليها السلام)؟ قلت: بلى فأخرج حقا أو سفطا فأخرج منه كتابا فقرأه «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) أوصت بحوائطها السبعة العواف و الدلال و البرقة و الميثب و الحسنى و الصافية و ما لأم إبراهيم الى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فان قضى علي فإلى الحسن فان مضى فإلى الحسين فان مضى الحسين فإلى الأكبر من ولدي شهد الله على ذلك، و المقداد بن الأسود و الزبير بن العوام، و كتب علي بن أبي طالب (عليه السلام).
ثم قال (قدس سره): و يمكن أن يتعرض على الحديث بأنها (عليها السلام) علمت عدم انقراض أولادها من النص على الأئمة (عليهم السلام) و أن الدنيا تقبض مع انقراضهم، و من
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 144 ح 50، الفقيه ج 4 ص 180 ح 13، الوسائل ج 13 ص 311 ح 1.
138
قوله (1) (صلى الله عليه و آله و سلم) حبلان متصلان لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كتاب الله و عترتي أهل بيتي،».
قال (قدس سره): احتج المانعون بأن الوقف مقتضاه التأبيد، فإذا كان منقطعا صار وقفا على مجهول، فلم يصح كما لو وقف على مجهول في الابتداء.
و الجواب المنع من الصغرى، و الفرق بينه و بين مجهول الابتداء ظاهر، فان المصرف غير معلوم هناك، و أما هنا فالمصرف معلوم، انتهى.
و أنت خبير بما فيه مما يكشف عن ضعف باطنه و خافية فإن لقائل أن يقول ان ما ذكره من انه نوع تمليك مردود بأنه لم يعقل في التمليك كونه موقتا بمدة و كذا الصدقة و ما ذكره من الأصل بمعنى أصالة الصحة متوقف على اجتماع شرائط الصحة، و هو عين المتنازع، لان الخصم يجعل من تلك الشرائط التأبيد، فالاستدلال بذلك لا يخرج عن المصادرة، و هكذا ما ذكره غيره من الاستناد الى الأمر بالوفاء بالعقود، فإنه موقوف على تحقق العقد، و مع عدم جمعه الشرائط لا يصير عقدا يمكن الاستدلال به، فهو لا يخرج عن محل النزاع.
و أما قوله و لأن تملك الأخير ليس شرطا ففيه أنا لا ندعي كونه شرطا و انما الشرط بيان المصرف الأخير ليتحقق معنى الوقف، و هو هنا غير حاصل، فلا يتم صحة الوقف.
و أما الخبر الذي أورده ففيه أولا أنه لم يصرح فيه بالوقف، و انما هو وصيته و الظاهر أن المراد انما هو الوصية بالولاية على الوقف، لما دل عليه غيره من أن صدقتها كانت لبني هاشم، و بنى المطلب، و سيأتي الخبر المذكور إنشاء الله تعالى، فهو خارج عن محل البحث.
و ثانيا أنه مع تسليم ارادة الوقف من هذا اللفظ فالجواب عنه ما ذكره من علمها (عليها السلام) ببقاء الموقوف عليه الى تمام الدنيا، فلا يكون ايضا من محل البحث.
____________
(1) الوسائل ج 18 ص 19 ح 9 الباب 5 من أبواب صفات القاضي.
139
و بالجملة فإن القول بكونه وقفا و الحال هذه انما يتم بمنع اشتراط التأبيد في الوقف، و هم لا يقولون به، فإن جملة من نقلنا خلافه في هذه المسئلة و قوله بكونه وقفا قد صرح باشتراط الدوام في الوقف، و هو مناقضة ظاهرة، و ممن صرح بذلك ابن إدريس في سرائره، و الشيخ في النهاية و المبسوط، و العلامة في القواعد و الإرشاد، و المحقق و غيرهم.
نعم ظاهر المفيد في المقنعة حيث لم يصرح بهذا الشرط هو عدم شرطيته و حينئذ فالمناقضة غير لازمة له، و أما غيره فالأمر فيه كما ترى.
و بالجملة فإن مقتضى القول بشرطيته هو ما قلناه من عدم القول بصحته وقفا هنا، سيما مع دلالة ظاهر النصوص على شرطيته كما عرفت، و حينئذ فيجب انتفاء القول بالوقف، و الظاهر حينئذ من القولين الباقيين هو القول بالتحبيس و على تقدير النزاع في شرطية التأبيد كما يظهر من المسالك، أنه لا يظهر الفرق هنا بين كونه وقفا و حبسا الا بالقصد، و الواجب هو الرجوع في ذلك اليه، إلا أن فائدة الفرق بين الأمرين على هذا الوجه نادرة، و الأقرب عندي هو القول بالتحبيس لما عرفت من ثبوت شرطية الدوام في الوقف، فلا يمكن الحكم بكونه وقفا، و ليس القول بالتحبيس إلا لزوم استعمال لفظ الوقف في الحبس مجازا، و قد عرفت أنه شائع في الأخبار.
و تدل على الصحة و كونه حبسا هنا صحيحة الصفار المتقدمة، و التقريب فيها أن السائل سأله أنه قد روى أنه ان كان موقتا فهو صحيح ممضى، و لكن اختلف الأصحاب في هذا الفرد الصحيح هل هو المؤبد أو منقطع الأخر؟ فأجاب (عليه السلام) بأن الوقف على حسب ما يذكره الواقف، بمعنى أنه ان ذكره الوقف مؤبدا فهو وقف مؤبد، و ان ذكره منقطع الآخر فهو وقف ما دام الموقوف عليه موجودا.
الثالث [في صحة الوقف المنقطع الآخر]:
قد عرفت الخلاف في الوقف المنقطع الآخر و أن الأشهر هو الصحة، أما وقفا كما هو أحد الأقوال، أو حبسا، ثم انه لو لم ينقرض الموقوف عليه بل
140
استمر كما لو وقف على أولاده، ثم أولاد أولاده، و هكذا و استمر الانتساب، فالظاهر أنه لا خلاف في صحة الوقف أما لو انقرضوا فقد اختلف الأصحاب فيمن يرجع اليه، فقيل: برجوعه إلى ورثة الواقف، و قيل: ورثة الموقوف عليهم، و قيل: انه يصرف في وجوه البر، و بالأول قال الشيخ و سلار و ابن البراج، و اختاره العلامة في المختلف بل في أكثر كتبه، و المحقق في الشرائع، و أسنده في المسالك إلى الأكثر و رجحه.
و بالثاني قال الشيخ المفيد و ابن إدريس و قواه العلامة في التحرير.
و بالثالث قال ابن زهرة، قال: و قد روي أنه يرجع الى ورثة الواقف، و الأول أحوط، و نفى عنه البأس العلامة في المختلف، و ظاهر الشهيد في الدروس التوقف في الحكم المذكور، حيث اقتصر على نقل الأقوال في المسئلة، و لم يرجح منها شيئا، و هذا الخلاف هنا متفرع على القول بكونه وقفا كما هو المشهور بينهم، و إلا فإنه على تقدير كونه حبسا لا إشكال في أنه انما يرجع الى الواقف أو ورثته، كما هو قضية التحبيس المختص بمن حبس عليه، و أظهر منه في ذلك القول بالبطلان، و استدل للقول الأول بأنه بالوقف لم يخرج عن ملك المالك بالكلية، و انما تناول أشخاصا فلا يتعدى الى غيرهم، و لظاهر قول
العسكري (عليه السلام) (1) الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها إنشاء الله تعالى.
و الواقف إنما وقفه هنا على من ذكره، فلا يتعدى الى غيرهم، و يبقى أصل الملك لمالكه.
و استدل للقول الثاني بانتقال الملك الى الموقوف عليه قبل الانقراض، فيستصحب، و لأن عوده الى الواقف بعد خروجه يفتقر الى سبب و لم يوجد، و لأنه نوع صدقة، فلا يرجع اليه.
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 129 ح 2، الفقيه ج 4 ص 176 ح 1، الكافي ج 7 ص 37 ح 34، الوسائل ج 13 ص 307 ح 2.
141
و للثالث بما ذكره العلامة في المختلف، و نفى عنه البأس حيث قال: و لا بأس بقول ابن زهرة، لانتقال الوقف من الواقف، و زوال ملكه عنه، و العجب ان هذه الحجة التي احتج بها لابن زهرة ترجع الى ما استدل به على القول الثاني، و هو في المختلف قد أجاب عن ذلك بالمنع من كون الوقف مطلقا ناقلا بل المؤبد، قال: و نمنع من كون الموقوف عليه مالكا إلا مع التأبيد، و ما أجاب به عن ذلك الدليل لازم له في رد دليله المذكور.
و بذلك يظهر لك ما في القولين الآخرين من القصور، و أن الظاهر هو القول المشهور، إلا أن كلامهم هنا غير خال من الإجمال، بل تطرق الاشكال، لما عرفت من أن هذا الخلاف متفرع على القول بصحة الوقف كما هو المشهور و الذي هو أحد الأقوال الثلاثة في المسئلة المتقدمة في الموضع الثاني، و إلا فعلى القول بكونه حبسا فإنه يرجع الى الواقف أو ورثته بغير خلاف و لا اشكال، و على القول بالبطلان فالأمر أظهر مع أنك قد عرفت فيما تقدم أن هذا القول و ان كان هو المشهور إلا أن ذكرهم التأبيد في شروط الوقف- كما صرح به من وقفت على كلامه منهم عدا المفيد في المقنعة- لا يجامع القول بصحة الوقف في الصورة المذكورة، لأن الوقف هنا منقطع غير مؤبد و الوقف الصحيح إنما هو المؤبد.
نعم بناء على ما اخترناه في المسئلة الأولى من كونه حبسا يتجه القول برجوع ذلك الى ورثة الواقف، و يصير الخلاف في هذه المسئلة ساقطا لا معنى له، و هذا غاية ما تدل عليه الصحيحة المنقولة
عن العسكري (عليه السلام) (1) من «أن الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها».
و المراد فيها بالوقف ما هو أعم من الوقف المبحوث عنه و التحبيس، فهو ان كان مؤبدا وقف، و ان كان مقطعا تحبيس، و أما قول ابن زهرة و قد روى أنه يرجع الى ورثة الواقف، و كذا قول الشيخ في المبسوط في هذه المسئلة، و قال قوم: يرجع اليه ان كان حيا و الى ورثته ان كان ميتا
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 129 ح 2، الوسائل ج 13 ص 307 ح 2.
142
و به تشهد روايات أصحابنا، فإن أريد به كما هو ظاهر كلامه أن هنا أخبارا دالة على موضع البحث، و أنه مع كون الوقف منقطعا قد صرحت الأخبار بالرجوع الى الواقف أو ورثته بعد انقراض الموقوف عليه فإنه لم يصل إلينا في الأخبار ما يدل على ذلك، و إلا لزال إشكال في هذا المجال، و ان أريد هذه الصحيحة المذكورة و قريب منها الصحيحة الأخرى المتقدمة معها، فإن غاية ما تدلان هو أن الوقف يتبع فيه ما رسمه الواقف، و الوقف فيهما أعم من التحبيس و الوقف بالمعنى المبحوث عنه و غاية ما تدلان عليه الاقتصار في الوقف على الجماعة الموقوف عليهم، و اللازم من ذلك هو الرجوع بعد انقراض الموقوف عليه الى الواقف أو ورثته، و هذا هو معنى التحبيس و ان سمي وقفا، هذا ما أدى اليه الفكر الكليل و الذهن العليل من الكلام في المقام، حسب ما رزق الله تعالى فهمه من أخبارهم (عليهم السلام).
ثم انه بناء على القول المشهور من الرجوع الى ورثة الواقف بعد انقراض الموقوف عليه، فله المراد وارثه حين الانقراض، أو وارثه بعد موته مسترسلا الى أن يصادف الانقراض؟ وجهان قالوا: و تظهر الفائدة فيما لو مات الواقف عن ولدين، ثم مات أحدهما عن ولد قبل الانقراض: فعلى الأول يرجع الى ولد الباقي خاصة، و على الثاني يشترك هو و ابن أخيه لتلقيه من أبيه، كما لو كان معينا.
المسئلة الثانية [اشتراط التنجيز في صحة الوقف]:
المشهور في كلام المتأخرين أن من جملة شروط الوقف التنجيز و هذا الشرط لم أقف عليه في جملة من كتب المتقدمين، منها كتاب النهاية للشيخ و المبسوط، و كتاب السرائر لابن إدريس، و كذا المقنعة للشيخ المفيد، فإنه لم يتعرض أحد منهم لذكره في الكتب المذكورة، مع أنه لا نص عليه فيما أعلم.
و بذلك اعترف في المسالك أيضا فقال، و ليس عليه دليل بخصوصه و أرادوا بالتنجيز ما تقدم في كتاب الوكالة، من أن لا يكون معلقا بوصف لا بد من وقوعه كطلوع الشمس، و مجيء رأس الشهر، و هو باصطلاحهم تعليق على الصفة، و أن لا يكون معلقا على ما يحتمل الوقوع و عدمه، كمجيء زيد مثلا، و يسمى
143
بالمعلق علي شرط، أما لو كان الشرط واقعا و الواقف عالم به كقوله وقفت ان كان اليوم الجمعة مع علمه بذلك، فإنه يصح عندهم، و قد تقدم البحث معهم في ذلك في الكتاب المشار اليه، و حيث قد عرفت ان الحكم المذكور غير منصوص نفيا و لا إثباتا.
فلو وقع الوقف على هذه الكيفية، فيمكن القول بعدم الصحة استنادا الى أن العقود الناقلة متلقاة من الشارع، و لم يثبت كون هذا منها، و الأصل بقاء الملك لمالكه، و لا يقال: انه يمكن القول بالصحة نظرا الى
قوله (عليه السلام) «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها».
لأنا نقول: المتبادر من الخبر المذكور انما هو باعتبار العموم و الخصوص، و التشريك و الانفراد، و التساوي و التفضيل في الموقوف عليه و التأبيد و التحبيس و نحو ذلك لا باعتبار ما ذكر هنا.
المسئلة الثالثة [اشتراط القبض في صحة الوقف]:
لا خلاف في اشتراط القبض في صحة الوقف و تمامه بحيث أنه بعده لا رجوع في الوقف، و أما قبله فله الرجوع و لو مات قبله رجع ميراثا، بمعنى أن الانتقال عن المالك مشروط بالعقد و القبض فيكون العقد جزء السبب الناقل، و تمامه القبض، و على هذا فالعقد في نفسه صحيح، الا أنه غير ناقل إلا بالقبض، و لهذا جاز فسخه قبل القبض، و بطل بالموت قبله.
و من ذلك يعلم أن النماء المتخلل بين العقد و القبض للواقف، و ربما عبر بعضهم بأنه شرط في اللزوم، و الظاهر أن مراده ما ذكر لا ما يتبادر من ظاهر هذه العبارة، و قد صرح في المسالك بذلك.
و بالجملة فالظاهر أن أصل الحكم لا اشكال فيه و لا خلاف نصا و فتوى، و الذي وقفت عليه من النصوص المتعلقة بهذا الحكم ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح عن صفوان بن يحيى (1) «عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل
____________
(1) الكافي ج 7 ص 37 ح 36، التهذيب ج 9 ص 134 ح 13، الوسائل ج 13 ص 298 ح 4.
144
يوقف الضيعة ثم يبدو له أن يحدث في ذلك شيئا، فقال: ان كان أوقفها لولده و لغيرهم، ثم جعل لها قيما لم يكن له أن يرجع و ان كانوا صغارا و قد شرط ولايتها لهم حتى يبلغوا فيحوزها لهم لم يكن له أن يرجع فيها، و ان كانوا كبارا لم يسلمها إليهم و لم يخاصموا حتى يحوزوها عنه فله أن يرجع فيها، لأنهم لا يحوزونها و قد بلغوا».
و ما رواه الصدوق في كتاب كمال الدين و تمام النعمة بسنده إلى محمد بن جعفر الأسدي فيما ورد عليه من جواب مسائله من محمد بن عثمان (1) العمري (رضي الله عنه) عن صاحب الزمان (صلوات الله عليه)، و رواه
الطبرسي في الاحتجاج (2) عن أبى الحسين محمد بن جعفر الأسدي عن محمد بن عثمان عن صاحب الزمان (عليه السلام) قال: و أما ما سألت عنه من الوقف على ناحيتنا و ما يحل لنا ثم يحتاج اليه صاحبه فكل ما لم يسلم فصاحبه فيه بالخيار، و كل ما سلم فلا خيار فيه لصاحبه احتاج أو لم يحتج افتقر اليه أو استغنى عنه، الى أن قال: و أما ما سألت من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة يسلمها لمن يقوم فيها و يعمرها، و يؤدي من دخلها خراجها و مؤنتها، و يجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا فان ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيما عليها، انما لا يجوز ذلك لغيره».
و استدل الأصحاب (رضوان الله عليهم) هنا بجملة من الأخبار التي بلفظ الصدقة بناء على ما فهموه منها من حمل الصدقة فيها على الوقف، و سيأتي نقلها إنشاء الله تعالى في محلها.
و منها ما رواه
الشيخ عن عبيد بن زرارة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال في رجل تصدق على ولد له قد أدركوا: قال: إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 300 ح 8 الباب 4 من أبواب أحكام الوقوف، كمال الدين ص 520 ح 49.
(2) الاحتجاج ج 2 ص 298 ط النجف.
(3) التهذيب ج 9 ص 137 ح 24، الوسائل ج 13 ص 299 ح 5.
145
فان تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز، لأن الوالد هو الذي يلي أمره و قال: لا يرجع في الصدقة إذا تصدق بها ابتغاء وجه الله.
و بهذه الرواية استدل الأصحاب (رضوان الله عليهم) على أن موت الواقف قبل الإقباض مبطل للوقف، و موجب لرجوعه ميراثا حيث أنهم فهموا من الصدقة هنا الوقف.
و اعترضهم في المسالك فقال: و قد فهم الأصحاب من الحديث أن المراد بالصدقة الوقف، و استدلوا به على ما ذكرناه، مع احتمال أن يريد بالصدقة معناه الخاص، فلا يكون دليلا، و يؤيده قوله في آخر الحديث، «و قال: لا يرجع في الصدقة إذا تصدق بها ابتغاء وجه الله تعالى» فان الحكم من خواص الصدقة الخاصة، لا الوقف.
أقول: قوله فان الحكم من خواص الصدقة الى آخره محل بحث سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى، و قال في المسالك: و الظاهر أن موت الموقوف عليه قبل القبض كموت الواقف، لأن ذلك هو شأن العقد الجائز فضلا عن الذي لم يتم ملكه و لكنهم اقتصروا على المروي، و يحتمل هنا قيام البطن الثاني مقامه في القبض و يفرق بينهما بأن يموت الواقف ينتقل ماله الى وارثه و ذلك يقتضي البطلان كما لو نقله في حياته، بخلاف موت الموقوف عليه، فان المال بحاله و لم ينتقل الى غيره، لعدم تمامية الملك، و في التحرير توقف في صحته إذا قبض البطن الثاني و لم يذكره في غيره و لا غيره، انتهى.
و فيه أن المفهوم من الأخبار المتقدمة و المتبادر من إطلاق القبض انما هو بالنسبة إلى البطن الأول، و هو الموقوف عليه أولا، فإن قوله في صحيحة صفوان المذكورة «و ان كان لم يسلمها إليهم فله أن يرجع» و قوله في الرواية الثانية «و كلما لم يسلم فصاحبه بالخيار» ظاهر في أن القبض الموجب للزوم إنما هو بالنسبة إلى الموقوف عليه أولا، و إلا فإنه متى لم يقبض فالواقف بالخيار، ان شاء
146
سلمه و لزم الوقف، و ان شاء لم يسلمه فيبطل الوقف، على أنه لو صح ما احتمله بالنسبة إلى البطن الثاني لجرى أيضا فيما بعده.
و بالجملة فإن الانتقال إلى البطن الثاني فرع صحة الوقف و لزومه بالنسبة إلى البطن الأول، و إلا لصح الوقف لو وقف أولا على من لا يصح الوقف عليه ثم على غيره ممن يصح، و هم لا يقولون به، ثم انه يجب أن يعلم أن القبض المعتبر هنا هو القبض المتقدم تحقيقه في كتاب البيع.
و تمام تحقيق الكلام في المقام يتوقف على بيان أمور
الأول [قبض الولي لمن هو ولي عليه كقبضه]:
الظاهر أنه لا خلاف و لا إشكال في أن قبض الولي لمن هو ولي عليه كقبضه و ان كان الواقف الولي، كما لو وقف على أولاده الأصاغر، فإن قبضه قبل الوقف كاف في قبضه لهم بعده، و عليه تدل صحيحة صفوان المتقدمة، و كذا رواية عبيد بن زرارة، و مثلهما روايات أخر أيضا، و لا يجب تجديد النية و القصد في كونه قبضا عن المولى عليه، لعدم الدليل عليه، و إطلاق النصوص يقتضي العدم، و احتمل بعضهم اعتبار قصده قبضا عن المولى عليه بعد العقد، لأن القصد هو الفارق بين القبض السابق الذي كان على جهة الملك، و اللاحق الذي للموقوف عليه.
و إطلاق النصوص المذكورة يرده، إلا أن ظاهر صحيحة صفوان ربما أشعر به، لقوله «و ان كانوا صغارا و قد شرط ولايتها لهم حتى يبلغوا فيحوزها لهم» فان الظاهر أن المراد قصد ولايتها لهم، إلى أن يبلغوا، فلا بد حينئذ من تجديد النية، على أن التحقيق أن التجديد أمر لا بدئ لا ينفك عنه الواقف كذلك بحسب الطبيعة و الجبلة، لأن من كان له ملك و أزال ذلك الملك عن نفسه بنقله الى غيره ممن له الولاية عليه، فإنه لا بد من تغير قصده، و نيته في وضع اليد عليه من أنه بالملك في الأول، و بالولاية في الثاني، فاختلاف القصد بين الحال الأولى و الثانية أمر جبلي طبيعي كما لا يخفى، و الظاهر كما استظهره جملة من الأصحاب ان ما كان في يد الولي بطريق الوديعة أو العارية، و وقفه صاحبه على المولى عليه
147
فان قبضه بإحدى الطريقتين المذكورتين كاف، كما لو كان هو الواقف.
الثاني [عدم الفرق بين أنواع الولي]:
الظاهر أنه لا فرق في الاكتفاء بقبض الولي بين كون الولي أبا أو جدا أو وصيهما أو حاكما شرعيا، و ان كان مورد الأخبار المتقدمة الأب، فإنها إنما خرجت مخرج التمثيل، لا الاختصاص، إذا العلة مشتركة بين الجميع، و تردد بعض الأصحاب في إلحاق الوصي بالمذكورين، نظرا إلى ضعف يده و ولايته بالنسبة إلى غيره.
قال في المسالك و نعم ما قال في رد هذا المقال: و لا وجه للتردد، فإن أصل الولاية كاف في ذلك، و المعتبر هو تحقق كونه تحت يدي الواقف، مضافا إلى ولايته على الموقوف عليه، فتكون يده كيده، و لا يظهر لضعف اليد و قوتها أثر في ذلك، انتهى و هو جيد.
الثالث [في اقتضاء الاحتياط كون القبض بإذن الواقف]:
الظاهر أن المشهور هو كون القبض باذن الواقف، فلو وقع بدونه لغى و توقف فيه صاحب الكفاية، قال: و حجته غير واضحة، و علله في الروضة بامتناع التصرف في ملك الغير بغير إذنه، و الحال أنه لم ينتقل إلى الموقوف عليه بدونه.
و فيه أنه و ان لم ينتقل إليه قبل القبض الا أنه ينتقل إليه بالقبض بلا خلاف و لا اشكال فلو قبضه الموقوف عليه و ان لم يكن باذن الواقف صدق حصول القبض الذي هو الناقل، و اشتراط الأذن يحتاج إلى دليل.
و يمكن الاستدلال على ما ذكروه بقوله (عليه السلام) في صحيحة صفوان «و ان كانوا كبارا لم يسلمها إليهم فله أن يرجع» و كذا قوله (عليه السلام) في التوقيع «فكل ما لم يسلم فصاحبه بالخيار و كلما سلم فلا خيار فيه»، فان ظاهره أن القبض إنما يتحقق بتسليم الواقف، و دفعه بالفعل أو الأذن، إلا أن رواية عبيد بن زرارة قد وقع التعبير فيها هنا بلفظ القبض المنسوب إلى الموقوف عليه، فقال: إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث، و مفهومه أنه لو قبضوا أعم من أن يكون بإذن أو غيره
148
كان صحيحا لازما، و مثلها في هذه العبارة قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث و نحوها، روايات آخر الا أنها وردت بلفظ الصدقة، لكن الأصحاب استدلوا بها على أحكام الوقف، بناء على فهمهم منها أن المراد بالصدقة منها الوقف كما تقدمت الإشارة إليه.
و يمكن تقييد إطلاق هذه الروايات بالخبرين الأولين بمعنى تخصيص القبض المذكور فيها بما إذا اقترن بالإقباض من الواقف، فلا بد من تسليم الواقف، و دفعه ليحصل القبض المعتبر شرعا، و كيف كان فالاحتياط يقتضي الوقوف على القول المشهور.
الرابع: هل يكتفى بالقبض السابق و ان كان على غير وجه شرعي
كالمقبوض بالغصب، و الشراء الفاسد إشكال، ينشأ من أن المتبادر من القبض في أخبار المسئلة هو القبض الشرعي، و هذا القبض منهي عنه، فلا يؤثر في الصحة، و لهذا لو قبضه الموقوف عليه بغير إذن بطل كما تقدم، و من حصول القبض في الجملة، و أن النهي عنه غير موجب للبطلان، لأن ذلك في العبادات، و إنما غايته الإثم مع أنه لقائل أن يقول: إن النهي عن هذا القبض و ان وقع باعتبار أول الأمر من حيث الغصب و نحوه، الا أنه بعد وقف الواقف ذلك المغصوب على من هو في يده و ارادة تمليكه إياه، يعلم اختلاف الحالين، فإنه قرينة ظاهرة في الرضا بقبضه و يصير اختلاف حالي القبض هنا كما في صورة قبض الولي لأولاده الصغار ما وقفه عليهم، فان القبض أمر واحد مستصحب في كلتي المسئلتين و ان كان في الأول ملكا للواقف، و بعد الوقف يصير ملكا للموقوف عليهم بالنسبة إلى تلك المسئلة، و غصبا منهيا عنه قبل الوقف، و شرعيا بعد الوقف، لإفادته الرضا به بالنسبة إلى هذه المسئلة، و قد تقدم نظير ذلك في الرهن.
و اضطرب كلام العلامة (رحمه الله عليه) في التذكرة في هذه المسئلة، ففي كتاب الرهن كما قدمنا نقله عنه ثمة قطع باشتراط الأذن، و مضي زمان يمكن
149
تجدد القبض فيه، و لم يكتف بقبض الغاصب و نحوه، و في هذا الكتاب قطع بالاكتفاء بقبض الغاصب كما اخترناه، و ظاهر كلام المحقق في الشرائع يؤذن بالاكتفاء بقبض الغاصب، قال في المسالك: و لعله أجود.
أقول: وجه قوته يعلم مما ذكرناه و ان لم يتنبه له أحد من أصحابنا، (رضوان الله عليهم)، قال في المسالك: و حيث لا يعتبر تجديد القبض، لا يعتبر مضي زمان يمكن فيه احداثه، و ان اعتبر اعتبر، لأن الإذن فيه يستدعي تحصيله، و من ضروراته مضي زمان يمكن فيه، بخلاف ما لا يعتبر فيه التجديد، و قد تقدم مزيد تحقيق له في الرهن.
أقول: قد أشرنا في الكتاب المذكور إلى أن ما ذكره من التحقيق غير جدير بالنظر إليه، و لا حقيق.
الخامس [عدم اشتراط الفورية في القبض]:
قد صرح جملة من الأصحاب (رحمهم الله) بأنه لا يشترط في القبض الفورية بعد العقد، بالأصل و عدم الدليل على ذلك.
أقول: و يشير إلى عدم ذلك قوله (عليه السلام) في رواية عبيد بن زرارة، و صحيحة محمد بن مسلم «إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث» فإنه ظاهر فيما قلناه، حيث علق البطلان بعدم القبض حتى يموت، المؤذن بعدم البطلان متى تحقق القبض و ان تراخى عن العقد الا أن يموت، أو يفسخ العقد.
السادس [في أن المراد بالقبض قبض البطن الأول]:
ينبغي أن يعلم أن القبض المعتبر شرعا في الوقف إنما هو بالنسبة إلى البطن الأول بغير خلاف يعرف، فيسقط اعتبار ذلك في بقية البطون، لأنهم يتلقون الملك عن البطن الأول، و قد تحقق أولا، و لزم بالقبض أولا، و هذا هو مقتضى الأخبار المتقدمة، فإن غاية ما يدل عليه هو القبض ممن وقف عليه أولا دون غيره ممن تأخر من البطون، و الأصل العدم حتى يقوم دليل على خلافه.
السابع [لزوم نصب قيم للقبض فيما لو كان الوقف على الفقراء أو الفقهاء]:
لو كان الوقف على الفقراء أو الفقهاء فلا بد من نصب قيم للقبض، لما عرفت من أن القبض معتبر شرعا في صحة الوقف، و الموقوف على هؤلاء
150
المذكورين في الحقيقة إنما هو وقف على الجهة، كما سيأتي بيانه إنشاء الله تعالى قريبا، لا وقف على الأشخاص، فلا يكفى قبض بعضهم، لأنه ليس هو الموقوف عليه، و إنما الوقف على جهة من جهات مصلحته، فلا بد من نصب قيم للقبض من الواقف أو الحاكم، أو قبض الحاكم بنفسه، الا أن ظاهر خبر صدقة أمير المؤمنين (عليه السلام) بالعين التي في ينبع كما تقدم ليس فيه أزيد من قوله ذلك اللفظ المحكي في الخبر، و به ثبت الوقف و تم، الا أنه يمكن أن يقال: ان قبضه (عليه السلام) لذلك لما كان بطريق الولاية لتلك الجهة، و هو الحاكم الشرعي كان ذلك كافيا.
نعم لو كان الواقف ليس حاكما شرعيا فان الواجب نصب القيم من جهته، أو جهة الحاكم أو الحاكم بنفسه كما ذكرناه، و قد تقدم في صحيحة صفوان قوله (عليه السلام) ان كان أوقفها لولده أو لغيرهم ثم جعل لها قيما لم يكن له أن يرجع، و الظاهر أن المراد أنه أوقفها على أولاده البالغين مع غيرهم من الجهات العامة، و جعل قيما للوقف، فإنه لا يجوز له الرجوع لحصول القبض من القيم، فيكون الخبر دليلا في المسئلة، و حمل الأولاد على البالغين، لأن حكم الصغار مذكور بعدهم في الرواية، و أن الأب يقبض عنهم بالولاية، و لو كان على مصلحة محضة، كالمساجد و القناطر و نحوها، فان القبض في ذلك إلى الناظر المعين لتلك المصلحة من الواقف أو الحاكم، و الحكم عندي في هذا المقام لا يخلو من شوب التردد و الأشكال لعدم معلومية اشتراط القبض من الأدلة كما لو كان الوقف على موجود مخصوص، و لا يشترط القبول هنا، و لا في السابق لما تقدم من أن القبول إنما هو من الموقوف عليه في هذين الموضعين إنما هو الجهة، و لا يعقل اعتبار قبولها على أنك قد عرفت ما في ذلك من البحث و المناقشة.
الثامن [كيفية تحقق القبض في وقف المسجد و المقبرة]:
أطلق بعضهم تحقق القبض في وقف المسجد و المقبرة بصلاة واحد فيه و دفن واحد فيها، و قيده آخر بوقوع ذلك بأذن الواقف، ليتحقق الإقباض الذي هو شرط صحة القبض، و قيده ثالث بأن يوقع الصلاة و الدفن بنية القبض أيضا فلو
151
أوقعا ذلك لا بنيته كما لو وقع قبل العلم بالوقف أو بعده قبل الاذن في الصلاة أو بعده، لا بقصد القبض، إما لذهوله عنه أو لغير ذلك لم يلزم، و مثله الدفن قالوا: هذا إذا لم يقبضه الحاكم الشرعي أو منصوبه و الا فالأقوى الاكتفاء به إذا وقع باذن الواقف لأنه نائب المسلمين.
أقول: لم أقف في هذا المقام على نص يتضمن شيئا من هذه الأحكام، و هو مبني على ما تقرر عندهم من عدم ثبوت المسجدية الا بالوقف، و قد تقدم منا تحقيق في ذلك في كتاب الصلاة في التتمة الملحقة بالمقدمة السادسة في المكان (1) و استوفينا الكلام معهم (رضوان الله عليهم) في ذلك فليرجع إليه من أحب الوقوف عليه.
التاسع [في عدم جواز الرجوع في الوقف بعد القبض و اعتبار قصد التقرب فيه]:
المفهوم من كلام أكثر الأصحاب و هو صريح جملة منهم أنه بعد القبض ليس للواقف فيه رجوع بوجه و قال الشيخ المفيد (رحمة الله عليه) في المقنعة: الوقوف في الأصل صدقات، لا يجوز الرجوع فيها الا أن يحدث الموقوف عليه ما يمنع الشرع من معونتهم، و القربة إلى الله بصلتهم، أو يكون تغير الشرط في الوقف إلى غيره أرد عليهم و أنفع لهم من تركه على حاله.
قال ابن إدريس بعد نقل ذلك عنه: و الذي يقتضيه مذهبنا أنه بعد وقفه و تقضيه لا يجوز الرجوع فيه، و لا تغييره عن وجوهه و سبيله و لا بيعه، سوآء كان بيعه أرد عليهم أم لا، إلى أن قال: فمن ادعي غير ذلك فقد ادعي حكما شرعيا يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، انتهى.
و أجاب العلامة في المختلف عن ذلك: بما يؤذن بالجمع بين الكلامين، من حمل كلام الشيخ المفيد على أن الواقف له قد شرط شرطا يمتنع بدونه اجراء الوقف على حاله، قال: فههنا يخرج الوقف عن اللزوم، و أن يكون الواقف قد قصد معونة الموقوف عليهم لصلاحهم و دينهم، فيخرج أربابه عن هذا
____________
(1) ج 7 ص 301.
152
الوصف إلى حد الكفر، فلقائل أن يقول يخرج أربابه عن الاستحقاق، لأن الوقف صدقة، و من شرط الصدقة التقرب إلى الله تعالى، فمن لا يصح التقرب بالمعاونة عليه يبطل الوقف عليه، انتهى.
و الذي يقرب عندي أن كلام الشيخ المشار اليه (قدس الله روحه)مبنى على مسئلة أخرى، و هو أنه هل يشترط في صحة الوقف القربة الى الله تعالى به، فلو خلا منها لم يكن وقفا صحيحا أم لا؟ فعلى الأول لو تجدد من الموقوف عليه بعد الوقف ما ينافي التقرب الى الله تعالى بصلته كاتصافه بالكفر بطل الوقف، كما أنه يبطل ابتداء لو كان كافرا، فإنه لا يجوز الوقف عليه، الا أن يكون الكافر أحد الأبوين على ما سيأتي تفصيله- ان شاء الله تعالى- في تلك المسئلة، و قد صرح بما قلناه ابن إدريس في تلك المسئلة، فقال: لا يجوز الوقف على الكفرة الا أن يكون الكافر أحد الأبوين، لان من صحة الوقف و شرطه نية القربة فيه، انتهى.
و الشيخ المفيد (قدس سره) قد صرح في كتابه المذكور باشتراط القربة في صحة الوقف، كما يشير اليه كلامه هنا، فقال في موضع آخر: و لا بد في ذكر الوقف من شرط الصدقة به، و القربة الى الله تعالى بذلك، و حينئذ فاعتراض ابن إدريس عليه ليس في محله، لأنه من القائلين بهذا القول كما سمعت من عبارته المذكورة، و مثلها ما صرح به في موضع آخر أيضا حيث قال: و جملة القول أنه يفتقر صحة الوقف إلى شروط، إلى أن قال: و منها أن يكون متلفظا بصريحه قاصدا اليه، و التقرب به الى الله تعالى، و المراد بقوله متلفظا بصريحه، يعنى الإتيان بالعبارة الصريحة في عقد الوقف، و حينئذ فإذا كان مذهبه أن التقرب شرط في صحة الوقف فيبطل بدونه، لفوات الشرط المذكور، فإنه لا فرق بين البطلان بفواته في الابتداء، و في الأثناء، فإن شرطيته ثابتة ابتداء و استمرارا، فكلام الشيخ المذكور بناء على ما ذكرناه لا يعتريه نقص و لا قصور، بقي الكلام في تحقيق هذه المسئلة، و هو أنه هل يشترط في صحة
153
الوقف القربة أم لا؟ قد عرفت من كلام الشيخ المفيد و ابن إدريس القول بذلك، و نحوهما الشيخ في النهاية، حيث قال: و الوقف و الصدقة شيء واحد، و لا يصح شيء منهما إلا بعد ما يتقرب به الى الله تعالى، و ان لم يقصد بذلك وجه الله لم يصح الوقف.
و أما في المبسوط فلم يتعرض لذلك بنفي و لا إثبات، و ظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك العدم، كما يشير اليه كلامه المتقدم في هذه المسئلة و قال في المفاتيح و في اشتراط نية القربة قولان، و الأصح العدم، لعدم دليل عليه بل العمومات تنفيه، نعم حصول الثواب يتوقف عليه.
أقول: و يدل على ما ذكره المتقدمون من الاشتراط ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: بعث الي أبو الحسن موسى (عليه السلام) بوصية أمير المؤمنين (عليه السلام) و هي: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به و قضى به في ماله عبد الله علي ابتغاء وجه الله ليولجني به الجنة، و يصرفني به عن النار، و يصرف النار عني يوم تبيض وجوه و تسود وجوه أن ما كان لي من مال ينبع من مال يعرف لي فيها و ما حولها صدقة، و ما كان لي بوادي القرى صدقة، و ما كان لي بديمة و أهلها صدقة، و ما كان لي بأذنية و أهلها صدقة، في سبيل الله، الى أن قال: هذه صدقة واجبة بتلة حيا أنا أو ميتا ينفق في كل نفقة يبتغي بها وجه الله في سبيل الله، و ذوي الرحم من بنى هاشم و بنى المطلب الى أن قال: و لا يباع منه شيء و لا يوهب و لا يورث».
الحديث و ما نقلناه ملخص الخبر فإنه طويل، و هو كما ترى وقف مشتمل على التقرب.
و مثله ما روى من وقف الكاظم (عليه السلام) (2) و قد تقدم ذكرها في الموضع الثاني
____________
(1) الكافي ج 7 ص 49 ح 7، التهذيب ج 9 ص 146 ح 55، الوسائل ج 13 ص 312 ح 4.
(2) الكافي ج 7 ص 53 ح 8، التهذيب ج 9 ص 149 ح 57، الوسائل ج 13 ص 314 ح 5.
154
من المطلب الأول، و فيها تصدق موسى بن جعفر بصدقته هذه و هو صحيح، صدقة حبسا بتلا بتا لا مشوبة فيها و لا ردا أبدا ابتغاء وجه الله تعالى و الدار الآخرة» إلى آخر ما تقدم.
الا أن الخبرين المذكورين ليسا في الاشتراط، فيجوز أن يكون ذكر ذلك لترتب الثواب الأخروي على ذلك الوقف، إذ بدون التقرب لا يترتب عليه ثواب و ان صح و لزم، كما صرحوا به.
و يمكن أن يكون مستند الشيخ المفيد و من تبعه في ذلك انما هو الأخبار الدالة على أن الصدقة لا تصح و لا تلزم إلا بالقربة، بحمل الصدقة على الوقف، مثل
قول أبي عبد الله (عليه السلام) في موثقة حماد و هشام و ابن أذينة و ابن بكير (1) «لا صدقة و لا عتق إلا ما أريد به وجه الله تعالى».
و موثقة عبيد بن زرارة (2) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتصدق بصدقة إله أن يرجع في صدقته، فقال: ان الصدقة محدثة، انما كان النحل و الهبة و لمن وهب أو نحل أن يرجع في هبته حيز أو لم يحز، و لا ينبغي لمن أعطى شيئا لله أن يرجع فيه».
و رواية زرارة (3) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال. إنما الصدقة محدثة، انما كان الناس علي عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ينحلون و يهبون، و لا ينبغي لمن أعطى لله شيئا أن يرجع فيه، قال. و ما لم يعط لله و في الله فإنه يرجع فيه نحلة كانت أو هبة حيزت أو لم تحز» الحديث.
و التقريب فيها أن المفهوم من كلام الشيخ المفيد أن الوقوف لا تخرج عن الصدقات بل هما أمر واحد في قصد التقرب الى الله عز و جل، و هو صريح كلام الشيخ في النهاية لقوله و الوقف و الصدقة شيء واحد، لا يصح شيء منهما إلا بعد التقرب، و اليه يشير
____________
(1) الكافي ج 7 ص 30 ح 2، التهذيب ج 9 ص 159 ح 67، الوسائل ج 13 ص 320 ح 3.
(2) التهذيب ج 9 ص 153 ح 2، الوسائل ج 13 ص 342 ح 1.
(3) الكافي ج 7 ص 30 ح 3، التهذيب ح 9 ص 152 ح 1، الوسائل ج 13 ص 334 ح 1.
155
قوله في المقنعة ان الوقوف في الأصل صدقات، بمعنى أنه إنما يطلق في الأصل و الصدر السابق على الوقف لفظ الصدقة، و هو حق كما سمعته من الأخبار المتقدمة، سيما أخبار وقوف الأئمة (عليهم السلام) و اليه يشير قوله (عليه السلام) في هذين الخبرين «إنما الصدقة محدثة، يعني إطلاق هذا اللفظ على ما يعطى بقصد التقرب محدث، و انما الذي كان يستعمل في زمنه (صلى الله عليه و آله و سلم) النحلة و الهبة أعم من أن يكون مقترنة بالتقرب لله سبحانه، فتدخل فيه الصدقة بالمعنى المتأخر أو لم يكن كذلك، و هذا المعنى الذي استعمل فيه لفظ الصدقة انما هو الوقف، و المستعمل من لفظ الصدقة في الصدر الأول انما هو الزكاة كما دلت عليه الآية، و حينئذ فإذا كان الأصل في إطلاق الصدقة انما هو المعنى المترتب علي لفظ الوقف، فلا بد من اشتراط التقرب فيه لاشتراط الصدقة بالقربة، و ان جرى ذلك أيضا في الصدقة بالمعنى المتأخر فيجب اشتراط القربة في الصدقة بكل من المعنيين بالتقريب المذكور.
و مجملة أن إطلاق لفظ الصدقة على الوقف كما عرفت في الأخبار إنما هو من حيث أن الوقوف إنما تكون لله سبحانه، و ما كان لله سبحانه فلا رجعة من هذه الجهة لأنه قد استحق الأجر، و كتب له الثواب، فلا يجمع بين العوض و المعوض، و بهذا التقريب يتم المدعى من شرطية التقرب في الوقف، كما هو قول أولئك الفضلاء المتقدمين، و لم يحضرني الآن من كتب المتقدمين غير من قدمت ذكره.
المسئلة الرابعة [اشتراط إخراج المال في صحة الوقف و حكم الوقف المنقطع الأول]:
قد عرفت أن من شرائط الوقف إخراجه عن نفسه، و لا خلاف في بطلانه لو وقف على نفسه، سواء اقتصر على ذلك أو جعله بعد نفسه لغيره، إنما الخلاف فيما إذا جعله لغيره بعد ذكر نفسه و هو الوقف المنقطع الأول فقيل: بالصحة فيه، و هو قول الشيخ في المبسوط و الخلاف، و لا فرق في ذلك بين أن يقفه أولا على نفسه أو على غيره ممن لا يجوز الوقف عليه، و مرجعه الى منقطع الأول، و المشهور في كلام الأصحاب بطلان الوقف من أصله.
156
و قال الشيخ في الخلاف: إذا وقف على من لا يصح الوقف عليه مثل العبد، أو حمل لم يوجد، أو رجل مجهول و ما أشبه ذلك، ثم بعد ذلك على أولاده الموجودين في الحال، و بعدهم في الفقراء و المساكين بطل الوقف فيما بدأ بذكره لأنه لا يصح الوقف عليهم، و صح في حيز الباقين، لأنه يصح الوقف عليهم، و استدل بأنه ذكر نوعين، أحدهما لا يصح الوقف عليه، و الآخر يصح، فإذا بطل في حيز من لا يصح الوقف عليه، صح في حيز من يصح الوقف عليه، لأنه لا دليل على إبطاله و لا مانع منه.
و قال في المبسوط: إذا كان الوقف منقطع الابتداء، و متصل الانتهاء، بأن يقف أولا على من لا يصح الوقف عليه، ثم على من يصح، كمن يقف على نفسه أو عبده أو المجهول أو المعدوم أو الميت، ثم على الفقراء و المساكين، الذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يصح الوقف، لأنه لا دليل عليه، و في الناس من قال: يصح تفريق الصفقة، و إذا قال: لا يصح تفريق الصفقة بطل الوقف في الجميع، و بقي الوقف على ملك الواقف لم يزل عنه، و من قال: يصح تفريق الصفقة أبطله في حق من لا يصح الوقف عليه، و صححه في حق الباقين، و هذا قوي يجوز أن يعتمد عليه، لأنا نقول بتفريق الصفقة، انتهى.
و استدل العلامة في المختلف و الشهيد الثاني في المسالك على البطلان كما هو المشهور بما ملخصه أن اللازم من القول بالصحة أحد أمور ثلاثة: إما صحة الوقف مع انتفاء الموقوف عليه، أو وقوع الوقف المشروط، أو عدم جريان الوقف على حسب ما شرطه الواقف، و اللوازم كلها باطلة، و ليرجع في توجيه الملازمة الى ما ذكروه ثمة.
و الأظهر في الاستدلال على ذلك هو ما رواه
في الكافي عن علي بن سليمان (1) قال: «كتبت إليه يعني أبا الحسن (عليه السلام): جعلت فداك ليس لي ولد
____________
(1) الكافي ج 7 ص 37 ح 33، التهذيب ج 9 ص 129 ح 1، الوسائل ج 13 ص 296 ح 1، الفقيه ج 4 ص 177 ح 623.
157
و لي ضياع ورثتها من أبي و بعضها استفدتها و لا آمن الحدثان، فان لم يكن لي ولد و حدث بي حدث فما ترى جعلت فداك؟ لي أن أوقف بعضها على فقراء إخواني و المستضعفين أو أبيعها و أتصدق بثمنها في حياتي عليهم؟ فإني أتخوف أن لا ينفذ الوقف بعد موتي، فإن أوقفتها في حياتي فلي أن آكل منها أيام حياتي أم لا؟
فكتب (عليه السلام): فهمت كتابك في أمر ضياعك، و ليس لك أن تأكل منها، و لا من الصدقة، فإن أنت أكلت منها لم تنفذ» الحديث.
و هو ظاهر في أنه لو وقف على نفسه بطل الوقف، و التقريب فيه أن مقتضى الوقف على نفسه جواز الأكل منه، مع أنه ليس له ذلك بالخبر المذكور، فلا ثمرة لهذا الوقف لو قيل به، و منه يعلم أن عدم جواز الأكل مستلزم لبطلان الوقف على نفسه، و المراد من عدم النفوذ إنما هو البطلان.
و مما يدل على إخراجه نفسه مما يقفه على غيره ما رواه
الشيخ في الصحيح عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتصدق ببعض ماله في حياته في كل وجه من وجوه الخير، و قال: ان احتجت إلى شيء من مالي أو من غلة فأنا أحق به، إله ذلك و قد جعله لله؟ و كيف يكون حاله إذا هلك الرجل؟ أ يرجع ميراثا أو يمضي صدقة؟ قال: يرجع ميراثا على أهله».
و ما رواه
عنه (2) في الصحيح أيضا «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أوقف أرضا ثم قال: ان احتجت إليها فأنا أحق بها ثم مات الرجل فإنها ترجع الى الميراث».
و هذه الروايات، و ان لم تدل على خصوص البطلان في وقفه على نفسه كما هو المدعى، إلا أنك قد عرفت من التقريب المتقدم ما يدل على ذلك، و مع الإغماض عن ذلك، فإنها ظاهرة بل صريحة في أنه يجب إخراج نفسه مما أوقفه
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 146 ح 54، الوسائل ج 13 ص 297 ح 3.
(2) التهذيب ج 9 ص 150 ح 59.
158
على غيره من جميع الجهات، أعم من أن يقف على نفسه أو يشترط الرجوع اليه كلا أو بعضا أو نحو ذلك مما يخرج عن الوقف على غيره، و نحوها أيضا
رواية طلحة بن زيد (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه أن رجلا تصدق بدار له، و هو ساكن فيها، فقال: الحين اخرج منها».
و الأظهر عندي في الاستدلال على بطلان الوقف المنقطع الأول هو أن يقال:
لا ريب أن الأصل عصمة المال من الانتقال الا بدليل شرعي، و لم نعلم من الشرع صحة الوقف بهذه الكيفية، فإن الأخبار الواردة في الوقف عنهم (عليه السلام) فعلا أو أمرا أو تقريرا إنما اشتملت على الوقف أولا على من يصح الوقف عليه، ثم على من عقبه به، فلو صدره بمن لا يصح الوقف عليه من نفسه، أو غيره من الافراد المشار إليها آنفا فالحكم بالصحة يتوقف على دليل، و ليس فليس، و تخرج الروايات المذكورة شاهدة على ذلك، و ان كان موردها أخص، و المفهوم من عبارة المبسوط أن القائل بالصحة إنما هو من المخالفين، لأن مرمى لفظ الناس ذلك، و يعضده ما ذكره من التعليل العليل، فإنه الأربط بمذاهب العامة، و ان استحسنه هنا و تبعهم فيه، كما أن قوله الذي يقتضيه مذهبنا، فيه إشارة إلى الاتفاق عليه عندنا و تعليله المذكور جيد، كما ذكرنا.
تنبيهات:
الأول [فيما يترتب عليه على تقدير القول بالصحة]
- اعلم أنهم قد صرحوا بأنه على تقدير القول بالصحة كما هو مذهب الشيخ في الكتابين المذكورين فهل ثبتت هذه الصحة لغيره من حين الوقف؟
أم بعد موت الواقف؟ وجهان: ثم نقلوا عن الشيخ اختيار الأول، و هو أن الوقف ينتقل لذلك الغير من حين الوقف كما هو ظاهر كلامه المتقدم.
ثم انهم اعترضوه بأنه خلاف مقصود الواقف.
و قد قال العسكري (عليه السلام) (2)
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 138 ح 29، الوسائل ج 13 ص 297 ح 4.
(2) التهذيب ج 9 ص 129 ح 2، الوسائل ج 13 ص 295 ح 1.
159
«ان الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها».
و أهلها لم يقصدوا ذلك الغير ابتداء فكيف تصرف إليه.
و هذا الاعتراض عندي لا يخلو من خدش، لأنه لا خلاف في بطلان الوقف على نفسه في هذه الصورة، و لا خلاف في أن الخبر على إطلاقه غير معول عليه، و الا لدخل تحته جملة الوقوف الباطلة التي لا خلاف في بطلانها، فلا بد من تخصيصه بما كان صحيحا شرعا، و الشيخ يدعي أن الوقف على ذلك الغير مع تقدم الوقف على نفسه صحيح، و إن بطل وقفه على نفسه، لأن وقفه على نفسه قد خرج من إطلاق الخبر المذكور، فيكون شاملا لما ادعاه بناء على دعواه، فإلزامهم له بأن مقتضى ما ذكره خلاف ما دل عليه الخبر، مردود بأنه و ان دل بإطلاقه على ذلك، الا أنه يجب تخصيصه، و إخراج هذه الصورة و نحوها من إطلاقه، كما عرفت.
و بالجملة فإن الظاهر ان اعتراضهم عليه غير موجه و لا ظاهر، و من ثم أعرضنا عن نقل دليلهم المتقدم ذكره إلى ما قدمناه من الدليل الواضح السبيل.
ثم انهم ذكروا بعد رد قول الشيخ بما قدمنا نقله عنهم بأن الأقوى تفريعا على الصحة انصرافه إليه بعد موت الموقوف عليه، قالوا: و بهذا يسمى منقطع الأول.
أقول: لا أعرف لقوة ما ذكروها وجها، الا أن يكون باعتبار صدق هذه التسمية على هذا التقدير، دون الأول، و هو لا يجدي نفعا، على أن هذه التسمية إنما هي في كلامهم، و مجرد اصطلاح منهم، بل الأقوى إنما هو الأول بالتقريب الذي ذكرناه، و اندفاع ما أوردوه على الشيخ (رحمه الله).
الثاني [لو وقف على نفسه و غيره]:
قالوا: لو وقف على نفسه و غيره بأن وقع العطف بالواو ففي صحة الوقف على الغير بأن يكون في النصف، و يبطل في النصف الآخر، أو في الكل بأن يكون الكل وقفا عليه، أو يبطل في حقه كما في قرينة أوجه،: و ظاهره في المسالك ترجيح الأول و الميل إليه، قال: و لو عطف الغير في الأول على نفسه بالواو، فليس بمنقطع الأول، لبقاء الموقوف عليه ابتداء و هو الغير، فان الموقوف عليه
160
ليس هو المجموع منه و من الغير، من حيث هو مجموع، بل كل واحد منهما، و الأقوى حينئذ صحة الوقف على الغير في نصفه، و بطلان النصف في حقه، لعدم المانع من نفوذ الوقف في النصف، مع وجود المقتضي للصحة و هو الصيغة مع ما يعتبر معها.
و يحتمل ضعيفا أن يكون الكل للغير، خصوصا لو جعلناه للغير في السابق كما مر، نظرا إلى أن الموقوف بالنسبة إليهما هو المجموع من حيث هو مجموع، فالحكم بالتنصيف إنما نشأ من امتناع كون المجموع وقفا على كل منهما كمنقطع الأول، فإذا امتنع الوقف على أحدهما خاصة، انصرف وقف المجموع إلى الآخر.
و يضعف بأنه إنما وقف عليهما بحيث يكون لكل منهما حصة، فإذا بطل في أحدهما لم ينصرف الموقوف كله إلى الآخر، لان ذلك خلاف مدلول الصيغة، و خلاف مراد الواقف، و العقد تابع للقصد، انتهى، و كأن من احتمل البطلان كما قدمنا نقله نظر إلى أنه منقطع الأول و لو في الجملة.
أقول: المسئلة كغيرها لخلوها من النص لا تخلو من الأشكال، و ان كان ما اختاره في المسالك قوي الاحتمال.
الثالث [في بطلان الوقف باشتراط قضاء ديونه أو أداء مؤنته]:
قد صرحوا بأنه لو وقف على غيره و شرط قضاء ديونه أو أدار مؤنته بطل الوقف، و هو كذلك لما تقدم من الأخبار في المسئلة، فإنها و ان لم تتضمن ما ذكروه هنا بخصوصه، الا أن ظاهرها نقل الملك و المنافع عن نفسه، و إذا شرط الواقف قضاء ديونه أو أدار مؤنته أو نحو ذلك فقد شرط ما ينافي مقتضاه، فيبطل الشرط و الوقف، و الأولى أن يجعل هذا الكلام توجيها للنص، و العلة الحقيقية إنما هي النص، و هذا الكلام مما يصلح توجيها له و بيانا للحكمة في ذلك، و مقتضى الأخبار المذكورة بطلان الوقف بهذا الشرط، كما هو المشهور، و قد تقدم الخلاف في ذلك، و القول في المسئلة بأن الباطل إنما هو الشرط خاصة مع صحة أصل العقد، و قد تقدم تحقيق الكلام في هذه المسئلة في مواضع
161
أولها مقدمات الكتاب أعنى المقدمات الواقعة في أول جلد كتاب الطهارة (1) و بينا ثمة أن الأولى في ذلك هو الوقوف على الأخبار فيما ترد به من الأحكام، و أن ذلك لا تتخذ قاعدة كلية في بطلان الشرط خاصة، أو أصل العقد، كما يفهم من كلام الأصحاب، بل يجب الوقوف فيه على موارد النصوص، حيث أن بعضها تضمن بطلان الشرط خاصة، مع صحة أصل العقد في بعض الأحكام، و بعضها تضمن بطلان أصل العقد في بعض آخر، كما في هذا الموضع و غيره، ثم انه لا فرق في البطلان بما يشترط بين أن لا يكون قليلا أو كثيرا، لوجود المقتضي في الجميع، قال في المسالك: و من جوز الوقف على نفسه جوز اشتراط هذه الأشياء مطلقا.
أقول: ظاهر هذا الكلام وجود قول في المسئلة بجواز الوقف على نفسه، مع أن ظاهر الأصحاب الاتفاق على العدم و هو نفسه ممن صرح بذلك أيضا، فقال في شرح قول المصنف و من وقف على نفسه لم يصح، لا خلاف بين أصحابنا في بطلان وقف الإنسان على نفسه الى آخره، و الظاهر أن منع الاشتراط المذكور انما هو بالنسبة إلى نفسه، و إلا فلو اشترط لغيره من أقاربه أو غيرهم صح الوقف و الشرط، و يدل على ذلك ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح عن جعفر بن حيان (2) و هو مجهول أو واقفي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أوقف غلة له على قرابته من أبيه، و قرابته من أمه، و أوصى لرجل و لعقبه عن تلك الغلة ليس بينه و بينه قرابة بثلاثمائة درهم في كل سنة و يقسم الباقي على قرابته من أبيه، و قرابته من أمه؟ قال: جائز للذي أوصى له بذلك، قلت: أ رأيت ان لم يخرج من غلة الأرض التي وقفها إلا خمسمائة درهم، فقال: أ ليس في وصيته ان يعطى الذي أوصى له من الغلة ثلاثمائة درهم و يقسم الباقي على قرابته من أمه و قرابته من أبيه، قلت: نعم، قال: ليس لقرابته أن يأخذوا من الغلة شيئا حتى يوفي الموصى له بثلاثمائة درهم، ثم لهم ما بقي من
____________
(1) ج 1 ص 164.
(2) الكافي ج 7 ص 35 ح 29، التهذيب ج 9 ص 133 ح 12، الوسائل ج 13 ص 306 ح 8.
162
بعد ذلك، قلت: أ رأيت ان مات الذي أوصى له؟ قال: ان مات كانت الثلاثمائة درهم لورثته يتوارثونها ما بقي أحد منهم فإذا انقطع ورثته، و لم يبق منهم كانت الثلاثمائة درهم لقرابة الميت، ترد الى ما يخرج من الوقف، ثم يقسم بينهم يتوارثون ذلك ما بقوا و بقيت الغلة، قلت: فللورثة من قرابة الميت بأن يبيعوا الأرض إذا احتاجوا و لم يكفهم ما يخرج من الغلة؟ قال: نعم إذا رضوا كلهم و كان البيع خيرا لهم باعوا».
و في هذا الخبر دلالة علي تفسير العقب بالورثة، و الأكثر على أن المراد به إنما هو الولد، و ولد الولد، و قيل بتفسيره بالورثة، و هذا الخبر صريح فيه كما ترى، و أما ما ذكره آخر الخبر من جواز بيع الوقف، فقد تقدم الكلام فيه مستوفى في فصل البيع من كتاب التجارة (1).
و ما رواه
في الكافي عن أحمد بن محمد (2) و الظاهر أنه البزنطي في الصحيح «عن أبي الحسن الثاني (عليه السلام) قال: سألته عن الحيطان السبعة التي كانت ميراث رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لفاطمة (عليها السلام) فقال: لا انما كانت وقفا، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يأخذ إليه منها ما ينفق على أضيافه، و التابعة تلزمه فيها فلما قبض جاء العباس يخاصم فاطمة (عليها السلام) فيها فشهد علي (عليه السلام) و غيره أنها وقف على فاطمة (عليها السلام) و هي الدلال، و العواف، و الحسنى، و الصافية، و ما لأم إبراهيم و الميثب، و البرقة».
و رواه الصدوق و الشيخ مرسلا (3) و فيه بدل و التابعة تلزمه فيها و من يمر به، و ظاهر الخبر المذكور أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) وقف هذه الحوائط في حياته على فاطمة (عليها السلام)، و شرط الإنفاق منها على أضيافه، و ما ينوبه و هو المشار اليه
____________
(1) ج 18 ص 444.
(2) الكافي ج 7 ص 47 ح 1.
(3) التهذيب ج 9 ص 145 ح 51، الفقيه ج 4 ص 180 ح 14، الوسائل ج 13 ص 311 ح 3.
163
بالتابعة أي ما يتبع الإنسان مما يهمه و يعينه.
الرابع [في حكم أخذ الواقف من الوقف]:
المشهور بين الأصحاب أنه لو وقف على الفقراء فصار فقيرا أو على الفقهاء فصار فقيها فإنه يصح له الأخذ منه، و مشاركة المذكورين، و خالف في ذلك ابن إدريس، فمنع من ذلك لخروجه عنه، فلا يعود اليه.
و فصل العلامة في المختلف تفصيلا حسنا، فقال: و الوجه عندي أن الوقف ان انتقل الى الله تعالى كالمساجد، فإنه للواقف الانتفاع به، كغيره من الصلاة فيه، و غيرها من منافع المسجد، و ان انتقل الى الخلق لم يدخل، سواء كان مندرجا فيهم وقت الوقف، كما لو وقف على المسلمين أو على الفقهاء و هو منهم، أو لم يكن، كما لو لم يكن فقيها وقت الوقف ثم صار منهم، لنا أنه مع الانتقال الى الله تعالى يكون كغيره، لتساوي النسبة مع جميع الخلق، فلا معنى لإخراجه عنه مع ثبوت المقتضى و هو الإباحة السالمة عن معارضة وقفه على نفسه، و مع الانتقال إلى من يندرج فيهم، أو دخل لمكان دخوله تحت اللفظ العام، فيكون قد وقف على نفسه و غيره، فيبطل في حق نفسه، فان العام يتساوى نسبة أفراده اليه، انتهى.
أقول: و مما يؤيد أن الوقف في هذه الصورة انما ينتقل الى الله عز و جل دون الموقوف عليه، أن الوقف على هذه الكيفية ليس وقفا على الأشخاص المتصفين بهذا الوصف، فليس وقفا على نفسه، و لا على جماعة هو منهم، و انما هو وقف على جهة مخصوصة، و هي جهة الفقر و المسكنة مثلا، و قصد نفع الموصوف بهذه الصفة لا أشخاص بعينهم، و لهذا انه لا يشترط قبولهم و لا قبول بعضهم و إن كان ممكنا لأنه لم ينتفل إليهم، و لا يجب صرف النماء على جميعهم، بل يجوز أن يخص به بعضهم و لو واحد منهم، و لو كان وقفا عليهم لوجب إيصاله إلى كل فرد فرد منهم، مثل ما لو وقف على أولاده و نحوهم.
و الى هذا التفصيل مال في المسالك أيضا احتج القائلون بالعموم بأنه وقف
164
صحيح فيتناول كل من يدخل تحت اللفظ عملا بإطلاقه، و هو كغيره و الفرق ظاهر بين الوقف عليه بالتنصيص، و الاندراج تحت العموم، و مع الفرق لا يتم القياس، و أجيب بالمنع من كونه كغيره فان الفرق واضح، إذ يصح الوقف على غيره دونه، و لا فرق بين التنصيص و الاندراج في الإرادة من اللفظ، و المطلق ممنوع منه، و يتساوى جزئياته في المنع.
و أنت خبير بأن المسئلة لعدم النص لا تخلو من شوب الأشكال و ان كان ما ذكره العلامة (أجزل الله تعالى إكرامه) لا يخلو من قرب.
و نقل عن الشهيد في بعض فتاويه أنه يشارك ما لم يقصد منع نفسه أو إدخالها و استحسنه في المسالك، قال: فإنه إذا قصد إدخال نفسه فقد وقف على نفسه، و لم يقصد الجهة، و إن قصد منع نفسه فقد خصص العام بالنية، و هو جائز فيجب اتباع شرطه السابق و انما يبقى الكلام عند الإطلاق، انتهى و هو جيد.
الخامس [في شرط الواقف عند الوقف عوده إليه عند الحاجة]:
اختلف الأصحاب فيما لو شرط الواقف في عقد الوقف عوده اليه عند الحاجة، و الخلاف هنا وقع في موضعين: أحدهما في صحة هذا الشرط و بطلانه، و المشهور الأول، بل ادعى المرتضى (رضي الله عنه) الإجماع عليه، قال:
و مما انفردت به الإمامية القول بأن من وقف وقفا جاز أن يشترط أنه ان احتاج اليه في حال حياته كان له بيعه، و الانتفاع بثمنه، و به قال الشيخ المفيد و الشيخ في النهاية، و ابن البراج، و سلار، و المحقق في الشرائع، و العلامة و الشهيد الثاني في المسالك و غيرهم.
و قيل: بالثاني و هو مذهب ابن إدريس، مدعيا عليه الإجماع، و الشيخ في المبسوط، و ابن حمزة، و ابن الجنيد، و المحقق في النافع، احتج الأولون على ما ذكره في المسالك، و قبله العلامة في المختلف بالإجماع المنقول في كلام المرتضى و عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1)
«و المؤمنون عند شروطهم» (2).
و قول العسكري (عليه السلام)
____________
(1) سورة المائدة- الاية 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 371 ح 66، الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
165
«الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (1).
و خصوص
رواية إسماعيل بن الفضل (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتصدق ببعض ماله في حياته في كل وجه من وجوه الخير؟ و قال: ان احتجت إلى شيء من مالي أو من غلة فأنا أحق به أ له ذلك و قد جعله لله؟ و كيف يكون حاله إذا هلك الرجل أ يرجع ميراثا أم يمضي صدقة؟ قال: يرجع ميراثا على أهله».
هكذا نقله في المسالك، قال: و المراد بالصدقة في الرواية الوقف لقرينة الباقي، و لأن الوقف تمليك المنافع، فجاز شرط الخيار فيه كالإجارة، انتهى.
و عندي ان هذا الاستدلال لا يخلو من تطرق الإشكال، أما الإجماع فمعلوم مما سبق في غير مقام، و لا سيما مع مقابلته هنا بالإجماع الذي ادعاه ابن إدريس، و إجماعات المرتضى (رضى الله عنه) فيما انفرد به من الأقوال كثيرة، و به يظهر ضعف الاستناد إليه في جميع الأحكام كما تقدم تحقيقه، و أما عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» «و المؤمنون عند شروطهم» ففيه أنه لا ريب أن العقد كما يطلق على الصحيح، يطلق على الفاسد، و كذلك الشرط، فيقال: عقد صحيح، و عقد فاسد، و شرط صحيح و شرط فاسد، و لا جائز أن يأمر الشارع بالوفاء بالعقد الفاسد، و لا بالشرط الفاسد، فالأمر بالوفاء بالعقد و الشرط إنما يتوجه إلى العقد الصحيح، و الشرط الصحيح، و دعوى كون ذلك صحيحا هنا محل النزاع كما ذكرنا، فلا يتم الاستدلال.
و بذلك يظهر أن الاستدلال بهذين الدليلين لا يخرج عن المصادرة، و أما حديث العسكري (عليه السلام) فقد قدمنا سابقا أنه لا يجوز الاستدلال به على إطلاقه، لتناوله للوقوف الباطلة اتفاقا كالوقف على نفسه، أو على عبد أو حمل أو نحو ذلك
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 129 ح 2، الوسائل ج 13 ص 295 ح 2.
(2) التهذيب ج 9 ص 146 ح 54، الوسائل ج 13 ص 297 ح 3.
166
مما اتفقوا على بطلانه، فلا بد من تخصيصه بالوقف الصحيح المستكمل لشرائط الصحة، و دعوى كونه هنا كذلك محل البحث و النزاع، فيرجع ذلك إلى المصادرة أيضا.
و أما حديث إسماعيل بن الفضل فلا أعرف له دلالة على ما ادعوه ان لم يكن بالدلالة على البطلان أشبه، و ذلك فان كلام السائل قد تضمن السؤال عن شيئين:
أحدهما أن هذا الشرط هل يصح أم لا؟ و إليه أشار قوله في الخبر المذكور «إله ذلك و قد جعله لله» و الثاني أنه ما حكمه بعد موت الرجل، و الحال هذه أ يرجع ميراثا أم يبقي وقفا، و الجواب في الخبر إنما وقع عن الثاني خاصة، و لا ريب أن رجوعه ميراثا كما أجاب به (عليه السلام) كما أنه يصح مع صحة الوقف، كما ادعوه كذلك يكون صحيحا مع البطلان، كما يقوله الخصم، بل هو أولى بالبطلان، بل هو الظاهر، فإن الأظهر أن الامام (عليه السلام) جعل هذا الجواب جوابا عن السؤالين معا، و الا فسكوته عن جواب السؤال الأول من غير وجه يدعوه إليه مشكل، و حينئذ فحكمه (عليه السلام) برجوعه ميراثا متضمن للجواب صريحا عن السؤال الثاني، و ضمنا عن الأول، بمعنى أن رجوعه ميراثا كناية عن كونه لم يخرج عن ملكه في حال حياته، و يؤيده قوله و قد جعله لله.
و قد تقدم في جملة من الأخبار أن ما جعله لله لا رجعة فيه، و حاصله أنه ليس له الرجوع بما ذكره لكونه قد جعله لله سبحانه، بل هو باطل في حال حياته و موته، و رجوعه ميراثا إنما هو لذلك، لأن الحكم بصحته في حال الحياة باطل، بما ستعرفه في حجة القول الثاني.
و نحو هذه الرواية
صحيحة إسماعيل الثانية (1) المتقدمة عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: من أوقف أرضا ثم قال: ان احتجت إليها فأنا أحق بها، ثم مات الرجل فإنها ترجع ميراثا».
فان الظاهر أن رجوعها كاشف عن بطلان الوقف في حياته، و أن
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 150 ح 59.
167
رجوعها ميراثا إنما هو لذلك، و أما ما ذكره و العلامة (رحمه الله عليه) قبله من قوله و لأن الوقف تمليك للمنافع إلى آخره، فهو في البطلان أظهر من أن يحتاج إلى مزيد بيان، مضافا إلى أن بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العليلة مجازفة محضة.
استدل القائلون بالقول الثاني على ما نقله في المسالك، بأن هذا الشرط خلاف مقتضى الوقف، لأن الوقف إذا تم لم يعد إلى المالك على حال، فيكون فاسدا و يفسد به العقد.
و العجب أنه في المسالك مع تصديه للانتصار للقول المشهور، و الجواب عما أورد على أدلته ظاهرة القصور لم يتعرض للجواب عن استدلال الخصم المذكور، و كيف يمكنه الجواب عنه، و هو قد اعترف بذلك في مسئلة ما لو وقف على غيره، و شرط قضاء ديونه، أو أدار مؤنته، حيث قال: ثمة و إذا شرط الواقف قضاء ديونه أو أدار مؤنته أو نحو ذلك، فقد شرط ما ينافي مقتضاه، فبطل الشرط و الوقف، انتهى.
و لا ريب أن مقتضى الوقف الذي ذكره هو عدم العود إلى الواقف بوجه، و حينئذ فكما أنه يبطله شرط قضاء الديون و أدار المؤنة، كذلك يبطله اشتراط الرجوع إليه لحاجته و فقره.
و بالجملة فإن الظاهر من الأخبار المتقدمة هو البطلان باشتراط الرجوع بأحد الوجوه المذكورة في مواضع هذه المسئلة، لبطلان هذه الشروط من الأكل من الوقف، أو شرط قضاء ديونه، أو الرجوع عند الحاجة، لاشتراك الجميع في العلة المقتضية للمنع، و هو الخروج عن مقتضى الوقف.
قال في المختلف: احتج المانعون بأنه شرط ينافي عقد الوقف، فيبطل لتضمنه شرطا فاسدا، و الجواب المنع من منافاة الشرط العقد، و إنما يكون منافيا لو لم يكن الوقف قابلا لمثل هذا الشرط، انتهى.
168
و فيه ما عرفت من ثبوت المنافاة، قوله و إنما يكون منافيا لو لم يكن الوقف قابلا لمثل هذا الشرط محض مصادرة، فان الخصم يدعى أنه غير قابل، و بما حققناه في المقام يظهر لك أن جميع أجوبتهم عن حجج القول الثاني لا يخرج عن المصادرة، و أن الأظهر هو بطلان العقد لبطلان الشرط المذكور، كسابقه من الشروط المتقدمة.
و ثانيهما أنه على تقدير القول بصحة العقد كما هو المشهور، فإنه إن حصلت الحاجة و رجع في الوقف، فإنه يجوز الرجوع، و يبطل الوقف بلا خلاف بينهم، و انما الخلاف فيما إذا لم يرجع حتى مات، فهل يبطل الوقف بالموت؟
لصيرورته قبله بالشرط المذكور حبسا، فيرجع بعد الموت إلى ورثة الواقف، أم يستمر الوقف على حاله؟ قولان: نقل عن الشيخ و جماعة منهم المحقق و العلامة الأول، عملا بالرواية المتقدمة و هي صحيحة إسماعيل بن الفضل الأولى، بناء منهم على دعوى دلالتها على صحة الوقف و عدم بطلانه بمجرد هذا الشرط، و لكن هذا الشرط حيث كان منافيا للدوام الذي هو من شروط الوقف كان من قبيل الحبس فيبطل بالموت، و قد عرفت ما فيه، و أنه لا دلالة في الرواية على ما ادعوه.
و قيل: بالثاني و به صرح المرتضى: (رضي الله عنه) و اختاره في المختلف، قال المرتضى (رضي الله عنه) معترضا على نفسه في تتمة كلامه الأول بأن هذا شرط يناقض كونه وقفا و حبسا بخلاف غيره من الشروط، و أجاب بأنه غير مناقض، لأنه متى لم يختر الرجوع فهو ماض على سبيله، و متى مات قبل العود نفذ أيضا نفوذا تاما، و هذا الحكم ما كان مستفادا قبل الوقف، فكيف يكون ذلك نقضا لحكمه، و قد بينا أن الحكم باق، انتهى و هو ظاهر في استمرار صحة الوقف بعد الموت، قال في المختلف: و هو الوجه عندي و تحمل الرواية على ما إذا رجع.
و التحقيق بالنظر الى ما قدمناه حيث أنه لا دليل على الصحة هو بطلان الوقف و أن عوده ميراثا انما هو من هذه الحيثية، فلا أثر لهذا الخلاف، لبطلان الأساس
169
المبني عليه، و هو ثبوت الصحة.
و أما جواب المرتضى (رضي الله عنه) عن الاعتراض الذي أورده على نفسه بأنه متى لم يختر الرجوع فهو ماض على سبيله الى آخر ما ذكره، ففيه أن المناقضة لا تترتب على اختياره الرجوع، و وقوع الرجوع بالفعل بل المناقضة حاصلة بمجرد هذا الشرط، و ذكره في العقد، حيث أن مقتضى العقد هو عدم الرجوع في الموقوف عليه بعد الوقف، و مقتضى الشرط هو الجواز فالمناقضة حاصلة، و بها يجب الحكم ببطلان الشرط، و ببطلانه يبطل العقد، و هذا هو دليلهم على بطلان العقد فيما لو شرط قضاء ديونه، أو أدار مؤنته، كما عرفت من عبارة المسالك المتقدمة و به يظهر لك ما في جوابه (قدس سره) من الضعف، و ان جمد عليه العلامة في المختلف حيث أنه موافق لما اختاره و الله العالم.
المسئلة الخامسة: في جملة من الشروط زيادة على ما تقدم:
منها
ما لو شرط إدخال من يريد مع الموقوف عليهم
، و قد صرحوا بالجواز، سواء كان الوقف على أولاده أو غيرهم، و عللوا ذلك بأن هذا الشرط لا ينافي مقتضى الوقف، فإن بنائه على إدخال من سيوجد، و من سيولد من الموجودين وقت الوقف، و اشتراط إدخال من يريد إدخاله في معناه بل أضعف، لأنه قد يريد، فيكون في معنى اشتراط دخوله، و قد لا يريد فيبقى الوقف على أصله، فإذا جاز الأول اتفاقا جاز الآخر كذلك أو بطريق أولى.
قالوا: و ما يقال- من أن إدخال من يريد يقتضي نقصان حصة الموقوف عليهم فيكون إبطالا للوقف في ذلك البعض- غير قادح، لأن ذلك وارد في شرط إدخال المولود و نحوه، و لأن العقد لما تضمن الشرط لم يكن للموقوف عليه حق إلا مطابقا له، فلا يتغير، و لأن الوقف لازم في حق الموقوف عليه في الجملة، و انما المختلف الحصة، و ذلك غير قادح، كما لو وقف على بطون فزادت تارة، و نقصت أخرى.
أقول: و يمكن الاستدلال على أصل المسئلة بالأخبار الآتية في المقام الدالة
170
على جواز الإدخال من غير شرط،
كصحيحة علي بن يقطين (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يتصدق على بعض ولده بطرف من ماله، ثم يبدو له بعد ذلك أن يدخل معه غيره من ولده قال: لا بأس بذلك».
و نحوها غيرها مما سيأتي ان شاء الله تعالى في المسئلة.
و التقريب فيها أنه إذا جاز الإدخال من غير شرط كما هو مدلول الأخبار المذكورة فمع الشرط بطريق أولى.
و كيف كان فالمسئلة لا تخلو من شوب الاشكال، لعدم النص الواضح في هذا المجال، و ما ذكروه من التعليل لا يصلح لتأسيس حكم شرعي كما عرفت في غير موضع، و ما ذكرنا من الأخبار غير خال من الأشكال كما سيأتي ان شاء الله تعالى بيانه و الله العالم.
و منها-
ما لو شرط إخراج من يريد
، و قد صرحوا هنا ببطلان الوقف، قال في المسالك: و هو عندنا موضع وفاق، ثم علله زيادة على ذلك بأن وضع الوقف على اللزوم، و إذا شرط إخراج من يريد من الموقوف عليهم كان منافيا لمقتضى الوقف، إذ هو بمنزلة الخيار، و هو باطل، انتهى.
و هو جيد إلا أن فيه ردا عليه فيما اختاره من صحة الوقف مع اشتراط عوده إليه، عند الحاجة، فإنه لا يخفى أن اللزوم الذي هو وضع الوقف عليه كما يعتبر من جهة الموقوف عليه، بحيث لا يجوز إخراج بعضهم، كذلك يعتبر من حيث حبس الوقف عليهم، فلا يجوز للواقف الرجوع إليه بوجه، خصوصا مع اقترانه بالقربة، كما قدمنا بيانه من اشتراط الوقف بذلك، و قد تكاثرت الأخبار بأن ما كان لله تعالى فلا رجعة فيه.
و منها
ما لو شرط نقله عن الموقوف عليهم إلى من سيوجد
، و المشهور هنا البطلان، بل ادعى عليه الشيخ الإجماع، و ذهب العلامة في التذكرة إلى صحة
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 137 ح 22، الوسائل ج 13 ص 300 ح 1.
171
الشرط المذكور، مدعيا عليه الإجماع، و في القواعد استشكل الحكم بالبطلان، و منشأ الاستشكال المذكور كما ذكره في المسالك من بناء الوقوف على اللزوم، فإذا شرط نقله عن الموقوف عليهم إلى غيره فقد شرط خلاف مقتضاه، فيبطل الشرط و العقد، و من عموم (1)
«المؤمنون عند شروطهم».
و قول العسكري (عليه السلام) (2) المتقدم ذكره «من أن الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها».
و أنه يجوز الوقف على أولاده سنة، ثم على المساكين.
أقول: قد عرفت ضعف الوجه الثاني من الاستدلال بالخبرين المذكورين و أما جواز الوقف على أولاده سنة ثم على المساكين، فصحته متوقفة على قيام دليل عليه، و مع تسليم صحته، فوجه الفرق ظاهر، لأن مقتضى ما نحن فيه هو أنه بالوقف عليهم يلزم بقاؤه ما وجدوا كما هو مقتضى الوقف، و شرط النقل مناف له، و أما الوقف على أولاده سنة فليس كذلك، لأنه إنما وقف عليهم مدة معينة، فلا ينافيه التعقيب بالوقف على المساكين و بما ذكرنا يظهر لك ما في دعواه في التذكرة الإجماع على الصحة، مع استشكاله في القواعد، و أما ما قيل في تعليل الصحة- زيادة على ما ذكر- من أنه يصح الوقف باعتبار صفة للموقوف عليه كالفقر، فإذا زالت انتقل عنه إلى غيره ان شرط، و هو في معنى النقل بالشرط، و نقل عن الدروس انه استقر به.
ففيه أولا ما عرفت في غير موضع من أن بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه الاعتبارات الوهمية- و التخريجات العقلية، مع استفاضة الآيات و الاخبار بالمنع من القول بغير علم و دليل واضح من كتاب أو سنة- مجازفة محضة في الأحكام الشرعية، نسئل الله سبحانه المسامحة لنا و لهم من زلل الأقدام، و هفوات الأقلام.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 371 ح 66، الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
(2) الكافي ج 7 ص 37 ح 34، الوسائل ج 13 ص 295 ح 2.
172
و ثانيا أنه مع الإغماض عن ذلك فوجه الفرق بين الموضعين ظاهر مما قدمناه في التنبيه الرابع من المسئلة السابقة (1)، و ملخصه أن الوقف على الفقراء إنما هو وقف على الجهة كالوقف على المساجد، و الوقف هنا ينتقل إلى الله تعالى، و يشترك فيه كل من اتصف بذلك العنوان حتى الواقف نفسه، فلا يحصل هنا نقل عن الموقوف عليه، لأنه ليس ثمة موقوفا عليه، و إنما يصير مراعى ببقاء الصفة المذكورة من الفقر و نحوه، فإذا زالت كان في حكم موت الموقوف عليه، بخلاف ما نحن فيه، فإنه بالوقف عليه يصير ملكا له، و نقله عنه بالاختيار مناف لتمليكه له بالوقف، و بذلك يظهر لك أن الحق هو بطلان الوقف بهذا الشرط و الله العالم.
و منها
ما لو وقف على أولاده الأصاغر
، فإنه يجوز أن يشرك معهم غيرهم بالشرط في العقد، و الظاهر أنه لا خلاف فيه، و إنما الخلاف في أنه هل يجوز مع عدم الشرط أم لا؟ المشهور الثاني، و قال الشيخ في النهاية بالأول، قال: إذا وقف على ولده الموجودين و كانوا صغارا ثم رزق بعد ذلك أولاد جاز أن يدخلهم معهم فيه، و لا يجوز أن ينقله عنهم بالكلية إليهم، و وافقه ابن البراج، إلا أنه قيده بعدم قصره على السابقين، قال: الوقف يجب أن يجري على ما يقفه الواقف، و يشترط فيه، و إذا وقف على ولد موجود و هو صغير، ثم ولد له بعده غيره، و أراد أن يدخله في الوقف مع الأول كان جائزا، إلا أن يكون قد خص الولد الموجود بذلك، و قصره عليه، و شرط أنه له دون غيره ممن عسى أن يرزقه من الأولاد، فإنه لا يجوز له أن يدخل غيره في ذلك.
و الاختلاف في هذه المسئلة ناش من اختلاف الأخبار فيها، فمما تدل على القول المشهور
صحيحة علي بن يقطين (2) «عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته
____________
(1) ص 163.
(2) التهذيب ج 9 ص 137 ح 22، الوسائل ج 13 ص 300 ح 1.
173
عن الرجل يتصدق ببعض ماله على بعض ولده و يبينه لهم، إله أن يدخل معهم من ولده غيرهم بعد أن أبانهم بصدقته؟ قال: ليس له ذلك الا أن يشترط أنه من ولد له فهو مثل من تصدق عليه فذلك له».
و يؤيدها
رواية جميل (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يتصدق على ولده بصدقة و هم صغار، إله أن يرجع فيها قال: لا، الصدقة لله».
و التقريب فيها أن إدخال الغير نوع من الرجوع فيها، و فيه ما فيه.
و مما تدل على القول الآخر
صحيحة علي بن يقطين الأخرى (2) قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يتصدق على بعض ولده بطرف من ماله، ثم يبدو له بعد ذلك أن يدخل معه غيره من ولده، قال: لا بأس بذلك».
و رواية محمد بن سهل عن أبيه (3) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يتصدق على بعض ولده بطرف من ماله ثم يبدو له بعد ذلك أن يدخل معه غيره من ولده؟ قال: لا بأس به».
و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (4) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يجعل لولده شيئا و هم صغار ثم يبدو له أن يجعل معهم غيرهم من ولده؟ قال:
لا بأس».
و ما رواه في كتاب
قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن (5) عن علي بن جعفر «عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن رجل تصدق على ولده بصدقة ثم بدا له أن يدخل غيره فيه مع ولده أ يصلح ذلك؟ قال: نعم، يصنع الوالد بمال ولده ما أحب».
و أنت خبير بأن إيراد الأصحاب هذه الأخبار في هذا المقام دليل على فهمهم
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 137 ح 25، الوسائل ج 13 ص 298 ح 2.
(2) التهذيب ج 9 ص 137 ح 22.
(3) التهذيب ج 9 ص 136 ح 21.
(4) التهذيب ج 9 ص 135 ح 19.
(5) قرب الاسناد ص 119، و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 301 ح 1 و 2 و 3 ص 302 ح 5.
174
الوقف من إطلاق الصدقة، و يؤيده ما قدمناه من الأخبار الظاهرة في أن الصدقة في الصدر الأول إنما هي بمعنى الوقف، و استعمالها في هذا المعنى المشهور بين الفقهاء إنما هو محدث، و هي بهذا المعنى إنما تدخل في النحل و الهبة، كما في زمنه (صلى الله عليه و آله).
بقي الكلام في الجمع بين هذه الأخبار، و هو لا يخلو من الإشكال، الا أنه يمكن أن يقال: ان رواية جميل فالظاهر أنه لا دلالة فيها على ما نحن فيه، و لا تعلق لها به، إذ المتبادر من الرجوع في الصدقة إنما إخراجها عما فعله، و جعلها ملكا، كما كان أولا، فلا يكون من محل البحث في شيء، و كذا صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، فإنها غير صريحة بل و لا ظاهرة في محل البحث، لأن جعله لولده أعم من أن يكون بطريق لازم، أم لا كالوصية به، أو الصدقة مع عدم القربة، فيمكن حمله على أحد الوجهين المذكورين، و لا يكون من محل البحث في شيء.
و أما صحيحة علي بن يقطين الأولى، فهي معارضة بصحيحة الثانية، و جمع بينهما في المسالك بأمرين أحدهما حمل الصحيحة الأولى على ما إذا قصر الوقف على الأولين، كما ذكره القاضي ابن البراج فيما قدمنا من نقل عبارته، و يشعر به قوله بعد أن أبانهم، فتحمل الثانية على ما لو لم يشترط ذلك كما يدل عليه إطلاقه، و ثانيهما حمل النفي في الأولى على الكراهة، ثم قال: و كلاهما متجه، الا أن الأول من التأويلين أوجه.
أقول: الذي يخطر ببالي العليل و يختلج بفكري الكليل إن ما ذكره من التأويل الأول الذي استوجهه و جعل عليه المعول لا يخلو من خدش، و ذلك فإنه متى حمل الخبر على ما ذكره من قصر الوقف على الأولين، مع أنه (عليه السلام) قال: في الجواب ليس له ذلك الا أن يشترط أن من ولد له فهو مثل من تصدق عليه، فاللازم من ذلك هو عدم التعرض لحكم الإطلاق في الرواية، مع أنه محل البحث،
175
و موضع الخلاف المحتاج إلى الدليل، لأن حاصل معنى الخبر على ما ذكره أنه متى قصر الوقف على الأولين فليس له أن يدخل معهم غيرهم إلا أن يشترط الإدخال، يعني بأن لا يقصره عليهم و يشترط، فيكون الاستثناء منقطعا، فالمعلوم منه إنما هو حكم ما لو قصره عليهم، فإنه لا يجوز الإدخال، و حكم ما لو اشترط فإنه يجوز الإدخال، و الحكمان مما لا خلاف فيهما و لا اشكال، و أما لو لم يقصر الحكم عليهم و لا اشترط الإدخال فحكمه غير معلوم من الخبر، و هو محل البحث كما عرفت، و محتاج إلى الاستدلال.
و ما ذكره (قدس سره) معنى قريب في الخبر، الا أنه يخرج به عن محل البحث كما عرفت، و تبقى صحيحته الأخرى خالية من المعارض، فان ظاهرها الإطلاق، بمعنى أنه تصدق و لم يقصر و لم يشترط و قد أجاب (عليه السلام) بأنه لا بأس بالإدخال، و الحال هذه و نحوها الروايات الأخر، و على هذا يبقى القول المشهور عاريا عن الدليل، لأن دليله كما عرفت منحصر في الروايتين المذكورتين، و هما صحيحة علي بن يقطين الاولى، و رواية جميل، و قد عرفت ما فيهما.
و منه يظهر قوة قول الشيخ في النهاية، لدلالة الروايات الباقية عليه، الا أنه يبقي الإشكال في هذا القول، و رواياته، فان مقتضى الوقف اللزوم، حيث أنه من العقود اللازمة متى تمت شرائطه، و قضية اللزوم تمنع جواز الإدخال، و لهذا حمل الشيخ و غيره خبر محمد بن سهل عن أبيه على عدم القبض، و هذا الحمل يجري أيضا في صحيحة علي بن يقطين الثانية، و رواية قرب الاسناد، و أما رواية عبد الرحمن بن الحجاج المذكورة في عداد هذه الأخبار فقد عرفت ما فيها، و على هذا فيمكن حمل صحيحة علي بن يقطين الاولى على ما إذا أقبضهم، و لعل المراد بالإبانة في الخبر المذكور ذلك، بمعنى أنه متى أبانهم بالوقف و أقبضهم إياه فليس له الإدخال إلا مع الشرط في أصل العقد، و على هذا تجتمع الأخبار المذكورة.
176
و بالجملة فالمسئلة غير خالية من الاشكال، و ان كان القول المشهور هو الأوفق بالقواعد الشرعية، من حيث اقتضائها لزوم الوقف بالعقد، و أما الاستدلال على ذلك بشيء من هذه الأخبار ففيه ما عرفت من تعدد الاحتمال في الصحيحة التي هي أظهر ما استدل به على القول المذكور، و أما غيرها فقد عرفت ما فيه، و غاية ما استدل به العلامة في المختلف لذلك قول العسكري (عليه السلام) المتقدم، و قد تقدم ما فيه: و رواية جميل المتقدمة، و قد عرفت ما فيها، و الله العالم.
المطلب الثالث في شرائط الموقوف:
يشترط فيه أن يكون عينا مملوكة، يصح الانتفاع بها مع بقائها، و يصح إقباضها، و الكلام هنا في مواضع:
الأول: أن يكون عينا
، و المراد بالعين ما لم يكن دينا و لا منفعة و لا مبهما، لأن العين تطلق في مقابلة كل من هذه الثلاثة، فأما الوجه في عدم صحة وقف الدين، فلأن الوقف كما تقدم عبارة عن تحبيس الأصل و تسبيل المنفعة، و ذلك يقتضي أمرا موجودا في الخارج يحكم عليه بذلك و الدين في الذمة أمر كلي لا وجود له في الخارج، فيكون وقفه قبل التعيين من قبيل وقف المعدوم، و من ثم منعوا من جواز هبة الدين لغير من هو عليه لذلك، كذا قالوا و الأظهر في تعليل ذلك انما هو ما تقدمت الإشارة إليه سابقا من أن الوقف يقتضي نقل الوقف الى الموقوف عليه، فيجب الوقوف فيه على ما علم من الشارع كونه ناقلا، و ما علم كونه قابلا للانتقال بذلك، و لم يعلم من الأخبار تعلق الوقف بالديون و نقلها به، و الأصل العدم الى أن يثبت الدليل على ذلك، و إنما علم منه العين خاصة، و أما الوجه في عدم جواز وقف المنفعة فعلل بأن وقفها مناف للغاية المطلوبة من الموقوف، و هي الانتفاع بها مع بقاء عينها، و الانتفاع بالمنفعة يستلزم استهلاكها شيئا فشيئا، و لجواز التصرف في العين، لأنها لم يتعلق
177
بها الوقف، فتتبعها المنفعة فيفوت الغرض من الوقف، و الأظهر عندي في الاستدلال هو ما تقدم ذكره، و أما الوجه في عدم الجواز في وقف المبهم سواء استند الى معين كفرس من هذه الأفراس، أم الى غير معين كفرس بقول مطلق فلأن مرجع ذلك الى أمر كلي غير موجود في الخارج كما تقدم في الدين، و انما يتعين بالتعيين، و الأظهر هنا أيضا هو الرجوع الى الدليل المتقدم، و انما صرنا الى مخالفة الأصحاب في هذه الأبواب فيما هنا و ما سلف في غير باب، لما عرفت من أن الأحكام الشرعية لا تبنى على مثل هذه التعليلات العقلية، و انما تبنى على الأدلة الشرعية و أصالة العدم قاعدة كلية واضحة جلية، لا نزاع فيها و لا شبهة تعتريها، إذ لا تكليف إلا بعد البيان، و لا مؤاخذة إلا بعد اقامة البرهان كما هو مسلم بين جملة العلماء الأعيان، فالعلة في الجميع انما هو ما ذكرناه، و يخرج ما ذكروه من التعليلات شاهدا و وجها لما ذكرناه.
الثاني: أن تكون مملوكة
و هو اما بمعنى صحة تملكها بالنظر الى الواقف فما لا يصح تملكه لا يصح وقفه، فلا يصح وقف الحر و لو رضى بذلك، و لا يصح وقف الخمر و الخنزير من المسلم على مسلم أو كافر، و يصح من الكافر على مثله كما صرحوا به، و يصح وقف الكلب المملوك، قال في المسالك:
و المراد بالمملوك أحد الكلاب السبعة.
أقول: لا أعرف من الكلاب المذكورة سوى كلب الصيد، و كلب الماشية و كلب الزرع، و كلب الحائط، و كلب الدار، هذا هو المصرح به في كلامهم، و قد تقدم في المقدمة الثالثة من المقدمات المذكورة في صدر كتاب التجارة (1) تحقيق ما يملك و ما لا يملك منها، و بينا هنا أن المستفاد من الأخبار هو بيع كلب الصيد خاصة، و لهم فيما عداه اختلاف و أقوال قد قدمنا نقلها ثمة.
____________
(1) ج 18 ص 79.
178
و بما ذكرنا يظهر أنه لا يجوز وقف شيء من الكلاب إلا كلب الصيد لأنها غير مملوكة، و الذي ثبت تملكه منها انما هو هذا الفرد خاصة، و مجرد أن لها منفعة لا يكفي في صحة وقفها مع كونها غير مملوكة، و لو صح تملكها لصح بيعها فكما امتنع البيع لعدم دخولها في الملك امتنع الوقف لذلك، و قد عرفت أن المعلوم من الأخبار هو بيع الصيد بخصوصه.
و أما بمعنى كونه ملكا للواقف بالفعل فلو لم يكن كذلك لم يصح وقفه، و على هذا لا يصح الوقف فضولا و ان أجاز المالك كما هو أحد القولين في المسئلة و قيل: يصح بإجازة المالك، و توقف في التذكرة و الدروس.
و كلماتهم في هذا المقام عليلة لا تصلح لتأسيس الأحكام، و قد عرفت في كتاب البيع (1) بطلان التصرف الفضولي بيعا كان أو وقفا أو غيرهما، لأنه تصرف في مال الغير بغير اذنه و هو قبيح عقلا و نقلا، و قد مرت الروايات المصرحة بذلك.
و قال شيخنا الشهيد الثاني في الروضة: ان أريد بالمملوكية صلاحيتها بالنظر الى الواقف، فهو شرط الصحة، و ان أريد به المالك الفعلي فهو شرط اللزوم، و الأولى أن يراد به الأعم، انتهى ملخصا.
أقول: هذا التفصيل مبني على مذهبه، و قوله بصحة العقد الفضولي، و أما على ما اخترناه من القول ببطلانه فالأمر واحد، و هو أنه شرط في الصحة في كلا الاحتمالين و ما ذكره من أن الأولى أن يكون المراد به الأعم جيد، إذ كما لا يصح بالنسبة الى ما لا يصح تملكه، كذا لا يصح بالنسبة الى ما لا يملكه بالفعل.
الثالث: أن يصح الانتفاع بها مع بقائها
، و لا ريب أنه يجب أن يكون لذلك العين نفع محلل مع بقائها فلو وقف مالا نفع فيه بالكلية، أو كان الانتقاع به محرما، أو كان الانتفاع موجبا لذهاب عينه كالخبز و الفاكهة و الطعام بطل، و لا يشترط في الانتفاع كونه في الحال: فيصح وقف العبد الصغير و الدابة الصغيرة،
____________
(1) ج 18 ص 377.
179
و لا يشترط كون العين مما تبقى مؤبدا فيصح وقف العبد و الثوب و أثاث البيت و القفار، و ضابطه ما عرفت من أنه ما يصح الانتفاع به منفعة محللة مع بقائه، و التأبيد المشترط في الوقف إنما هو بمعنى دوامه بدوام وجود العين الموقوفة.
الرابع: أنه لا بد من إقباضها
لما تقدم من أن شرط صحة الوقف القبض، فلو لم يحصل القبض بطل، فلا يجوز وقف الآبق، و نحوه البعير الشارد، قيل:
و يشكل بأن القبض المعتبر في صحة الوقف ليس بفوري، و حينئذ فلا مانع من وقوع الصيغة صحيحة، و صحة الوقف مراعاة بقبضه بعد ذلك و ان طال الزمان، فان تعذر بطل، و هذا بخلاف البيع، فإنه معارضة من الجانبين، و شرطه إمكان تسليم العوضين في الحال بالنص، فلا يتعدى الى غيره، للأصل، و لو قدر الموقوف عليه على تحصيله فالأولى الصحة، لزوال المانع و لا عبرة بالضميمة هنا، لأن شرط الوقف القبض، و لا يكفي قبض بعض الموقوف، و هو هنا الضميمة عن الباقي، و على هذا فبين حكم البيع و الوقف بالنسبة إلى الآبق عموم و خصوص من وجه، انتهى و هو جيد.
الخامس: هل يجوز وقف الدنانير و الدراهم أم لا؟
قولان: مبنيان على وجود المنفعة لهما مع بقاء عينهما و عدمه، و نقل في المبسوط الإجماع على المنع من وقفهما إلا من شذ، و قد تقدم تحقيق البحث في ذلك في كتاب العارية (1) و أوضحنا فيه بالأخبار الواردة عنهم (عليه السلام) حصول المنافع منهما مع بقاء عينهما، فليرجع اليه من أحب الوقوف عليه و الله العالم.
إلحاق [حكم وقف المشاع]:
الظاهر أنه لا خلاف و لا إشكال في صحة وقف المشاع كغيره مما كان متميزا، و القبض موقوف على اذن الواقف و الشريك، و تدل على ذلك جملة من
____________
(1) ج 21 ص 507.
180
الأخبار و ان كانت بلفظ الصدقة، لما عرفت آنفا من التعبير بهذا اللفظ عن الوقف و أن أكثر استعماله قديما انما هو في هذا المعنى.
و منها
صحيحة الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن دار لم تقسم فتصدق بعض أهل الدار بنصيبه من الدار؟ قال: يجوز، قلت: أ رأيت ان كان هبة؟
قال: يجوز».
و رواية أبي بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صدقة ما لم تقسم و لم تقبض؟ فقال: جائزة إنما أراد الناس النحل فأخطأوا».
قوله صدقة ما لم تقسم و لم تقبض» يعنى ما كان مشتركا قبل القسمة، أو اشتراه مثلا و لم يقبضه، أو لم يقبضه بعد القسمة، و أما قوله «و انما أراد الناس الى آخره» فهو لا يخلو من خفاء و غموض، و احتمل فيه بعض الأصحاب احتمالات بعيدة، الا أنه من المحتمل قريبا بمعونة ما قدمناه في الأمر التاسع من المسئلة الثالثة أن المراد انما أراد الناس من لفظ الصدقة في مثل صدقة الدار النحلة و الهبة أخطأوا في ذلك، بل المراد به الوقف، كما يشير اليه قوله (عليه السلام) فيما قدمنا أن الصدقة محدثة، انما كانت النحلة و الهبة و تسمية بعض أفرادها، هو ما كان مقرونا بالقربة صدقة، محدث من العامة، و انما الصدقة معنى الوقف.
و منه يعلم أن التقسيم الذي ذكره أصحابنا هنا من الوقف و الصدقة و الهبة، انما هو من العامة تبعهم فيه الأصحاب، و الا فليس الا الوقف المعبر عنه بالصدقة في أخبار هذا الباب و النحلة و الهبة، و هذه الصدقة التي جعلوها قسيما هنا انما هي من جملة أفراد النحل و الهبات.
و ما ذكرناه و ان لم يوافق كلامهم (رضوان الله عليهم) إلا أنه ظاهر الأخبار المذكورة، و عسى يأتي له مزيد تحقيق إنشاء الله تعالى في باب الهبة و النحلة.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 34 ح 24، التهذيب ج 9 ص 133 ح 11، الوسائل ج 13 ص 309 ح 1.
(2) الكافي ج 7 ص 31 ح 6، التهذيب ج 9 ص 135 ح 18، الوسائل ج 13 ص 309 ح 2.
181
و منها
رواية زرارة (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: في الرجل يتصدق بالصدقة المشتركة قال: جائز».
و رواية الفضل بن عبد الملك (2) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل تصدق بنصيب له في دار على رجل قال: جائز و ان لم يعلم ما هو،.
و الله العالم.
المطلب الرابع في شرائط الواقف [ (البلوغ و العقل، و جواز التصرف)]:
و المشهور أنه يعتبر فيه البلوغ و العقل، و جواز التصرف، و الكلام هنا يقع في موضعين
أحدهما- في وقف من بلغ عشرا
، و فيه قولان: استدل على الصحة برواية
زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا أتي على الغلام عشر سنين فإنه يجوز له في ماله ما أعتق، و تصدق و أوصى على حد معروف و حق فهو جائز».
و الظاهر أن معنى آخر للحديث أن كل ما صنع على وجه المعروف، فهو جائز.
و الرواية و ان كان موردها الصدقة، الا أن الشيخ و جماعة عدوه إلى الوقف نظرا إلى أنه بعض أفراد الصدقة بالمعنى الأعم.
أقول: ظاهر الخبر كما عرفت أن كل ما صنع على وجه المعروف فهو جائز، و حينئذ فيدخل فيه الوقف كما عرفت، و يؤيد الرواية المذكورة
موثقة جميل بن دراج (4) عن أحدهما (عليه السلام) قال يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل و صدقته، و وصيته و ان لم يحتلم.
و موثقة الحلبي و محمد بن مسلم (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن صدقة الغلام ما لم يحتلم قال: نعم إذا وضعها في موضع الصدقة».
____________
(1) الكافي ج 7 ص 34 ح 26، التهذيب ج 9 ص 137 ح 23، الوسائل ج 13 ص 309 ح 4.
(2) التهذيب ج 9 ص 152 ح 68، الوسائل ج 13 ص 309 ح 3.
(3) الكافي ج 7 ص 28 ح 1، الفقيه ج 4 ص 145 ح 2، الوسائل ج 13 ص 321 ح 1.
(4) التهذيب ج 9 ص 182 ح 8، الوسائل ج 13 ص 321 ح 2.
(5) التهذيب ج 9 ص 182 ح 9، الوسائل ج 13 ص 321 ح 3.
182
قال المحقق في الشرائع و في وقف من بلغ عشرا تردد، و المروي جواز صدقته، و الاولى المنع، لتوقف رفع الحجر على البلوغ و الرشد، و قال في المسالك بعد إيراد رواية زرارة و قريب منها رواية سماعة: و مثل هذه الأخبار الشاذة المخالفة لأصول المذهب، بل و إجماع المسلمين، لا تصلح لتأسيس هذا الحكم.
أقول: يمكن أن يقال: ان ما دل على الحجر قبل البلوغ و الرشد و هو المشار إليه في كلامه في المسالك بأصول المذهب مخصص بهذه الأخبار التي ذكرناها، و نحوها غيرها مما ورد في الوصية،
كرواية عبد الرحمن بن أبى عبد الله (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): «و إذا بلغ عشر سنين جازت وصيته».
و في معناها روايات عديدة في الوصية، و نسبة جميع هذه الروايات إلى الشذوذ بعيد جدا.
نعم لو كانت المخالفة منحصرة فيما نقله من الروايات لأمكن ما ذكره، إلا أنك قد عرفت كثرة الأخبار بما يوجب الخروج عن تلك الأصول المذكورة، فيجب التخصيص، و لو أنه ناقش بعدم صراحة الرواية في الوقف كما هو المدعى كان كلامه أقرب إلى القبول، إلا أنك قد عرفت أن إطلاق الصدقة على الوقف شائع، ذائع في الأخبار، بل هو الأصل في الإطلاق، و انما الإطلاق على ما ذكروه مستحدث و بما ذكرنا تظهر قوة ما ذهب إليه الشيخ و أتباعه في هذه المسئلة، و الله العالم.
و
ثانيهما [في جواز جعل الواقف النظر في الوقف لنفسه و لغيره]
- أنه صرح الأصحاب من غير خلاف يعرف بأنه يجوز للواقف أن يجعل النظر لنفسه في الوقف و لغيره أيضا، و لو لم يعين كان النظر إلى الواقف، أو الموقوف عليه ان قلنا بانتقال الملك إليه، و الا فإلى الحاكم الشرعي، و الذي تدل على الأول الأخبار الدالة على وجوب الوفاء بالشروط الا ما حلل حراما أو حرم حلالا (2) «و على الثاني- مضافا إلى عموم ما دل على وجوب الوفاء
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 181 ح 1، الوسائل ج 13 ص 429 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 169 ح 1 و ص 404 ح 9، التهذيب ج 7 ص 22 ح 10 و ص 467 ح 80، الوسائل ج 12 ص 353 ح 5.
183
بالشروط- خصوص التوقيع الخارج من الناحية المقدسة (1) كما تقدم، «و فيه
و أما ما سألت من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة يسلمها من قد يقوم بها و يعمرها و يؤدى من دخلها خراجها و مؤنتها و يجعل ما يبقي من الدخل لناحيتنا فإن ذلك لمن جعله صاحب الضيعة قيما عليها إنما لا يجوز ذلك لغيره».
الحديث.
و يدل على ذلك خبر صدقة فاطمة (عليها السلام) بحوائطها حيث جعلت النظر فيه لعلي (عليه السلام) ثم الحسن ثم الحسين (عليهما السلام) ثم الأكبر من ولدها
روى في الكافي و الفقيه و التهذيب عن أبى بصير (2) و هو ليث المرادي بقرينة عاصم بن حميد عنه، فيكون الخبر صحيحا.
قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): أ لا أقرؤك وصية فاطمة (عليها السلام)؟ قال: قلت: بلى، قال: فأخرج حقا أو سفطا فاخرج منه كتابا فقرأه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمد رسول الله (صلى الله عليه و آله) أوصت بحوائطها السبعة: العواف، و الدلال، و البرقة، و الميثب، و الحسنى، و الصافية، و ما لأم إبراهيم إلى علي بن ابى طالب (عليه السلام) فإن مضى علي فإلى الحسن فان مضى الحسن فإلى الحسين فإن مضى الحسين فإلى الأكبر من ولدي- شهد الله على ذلك، و المقداد بن الأسود، و الزبير بن العوام و كتب علي بن أبي طالب (عليه السلام).
و قد تقدم ما يدل أن هذه الحوائط كانت وقفا (3)، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يأخذ منها ما ينفق على أضيافه، و أن العباس خاصم فاطمة (عليها السلام) فيها بعد موته، فشهد علي (عليه السلام) و غيره أنها كانت وقفا على فاطمة.
و منها
حديث وقف علي (عليه السلام) أمواله التي له في ينبع (4) و قد تقدم شطر منه
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 300 ح 8.
(2) الكافي ج 7 ص 48 ح 5 و ص 49 ح 6، التهذيب ج 9 ص 144 ح 50 الفقيه ج 4 ص 180 ح 13، الوسائل ج 13 ص 311 ح 1.
(3) الكافي ج 7 ص 47 ح 1 التهذيب ج 9 ص 145 ح 51، الوسائل ج 13 ص 311 ح 2.
(4) الكافي ج 7 ص 48 ح 7 التهذيب ج 9 ص 146 ح 55، الوسائل ج 13 ص 312 ح 4.
184
«و فيه أنه يقوم على ذلك الحسن (عليه السلام) يأكل منه بالمعروف، ثم ذكر بعده الحسين (عليه السلام) ثم من بعده الى من يختاره الحسين (عليه السلام) و يثق به.
الحديث ملخصا».
و منها صدقة الكاظم (1) (عليه السلام) بأرضه، و قد جعل الولاية فيها الى الرضا (عليه السلام) و ابنه إبراهيم ثم على من بعدهم على الترتيب المذكور في الخبر، هذا كله مع الشرط لنفسه أو لغيره.
و أما لو لم يعين فإنه يبنى القول في ذلك هنا على أنه هل ينتقل الوقف عن الواقف بالوقف أم لا؟ و على الأول فهل ينتقل الى الموقوف عليه مطلقا، أو لله سبحانه مطلقا، أو للموقوف عليه ان كان على جهة عامة؟ و على الأول و الثالث فالنظر لكل منهما، و على الثاني و الرابع فالنظر للحاكم، حيث لا يوجد الخاص و يصير الواقف في ذلك كالأجنبي، و سيأتي الكلام في تحقيق المسئلة المذكورة ان شاء الله تعالى.
[تنبيهات]
بقي في المسئلة أمور يجب التنبيه عليها،
الأول [هل يعتبر العدالة في الواقف لو جعل نفسه متوليا؟]
- متى قلنا ان النظر للواقف ابتداء أو مع شرطه، فهل تشترط عدالته أم لا؟ ظاهر الأصحاب الثاني، و به قطع في التذكرة مع احتمال اشتراطها، لخروجه بالوقف عن الملك، و مساواته لغيره، فلا بد من اعتبار العدالة في التولية، كما تعتبر في غيره.
و علل العدم بأنه انما نقل ملكه عن نفسه على هذا الوجه، فيتبع شرطه و المسئلة محل توقف لعدم النص، أما بالنسبة إلى غيره ممن شرطه في العقد أم لم يشترطه فلا بد من العدالة فيه، لا أعرف خلافا فيه، و يدل عليه ما في
خبر صدقة أمير المؤمنين (2) (عليه السلام) بماله الذي في ينبع حيث قال في آخره بعد ذكر الحسن و الحسين (عليهما السلام) كما قدمنا الإشارة إليه، قال فان حدث بحسن و حسين حدث فإن
____________
(1) الكافي ج 7 ص 53 ح 8، التهذيب ج 9 ص 149 ح 57، الوسائل ج 13 ص 314 ح 5.
(2) الكافي ج 7 ص 49 ح 7، التهذيب ج 9 ص 146 ح 55، الوسائل ج 13 ص 312 ح 4.
185
الآخر منهما ينظر في بنى علي، فان وجد فيهم من يرضى بهديه و إسلامه و أمانته، فإنه يجعله اليه ان شاء، و ان لم ير فيهم بعض الذي يريد فإنه يجعله الى رجل من آل أبي طالب يرضي به، فان وجد آل أبى طالب قد ذهب كبرائهم، و ذوو آرائهم فإنه يجعله الى رجل يرضاه من بنى هاشم».
الحديث.
قالوا: فان لم يكن عدلا أو خرج عنها خرج عن النظر، و كان الحكم كما لو أطلق، و لو عادت العدالة عاد الى النظران كان مشروطا من الواقف، و إلا فلا، قالوا: و يشترط فيه مضافا الى ذلك الاهتداء إلى كيفية التصرف كما يعتبر ذلك في الوصي.
الثاني [في عدم وجوب قبول الغير النظر في الوقف]
- قد عرفت أنه متى صرح بالنظر للغير صح إلا أنه لا يجب على ذلك الغير القبول، و لو قبل لم يجب عليه الاستمرار، لأنه في معنى التوكيل، كذا صرح به في الدروس.
أقول: كما يحتمل أنه في معنى الوكالة فيترتب عليه ما ذكره، كذلك يحتمل أنه في معنى الوصية فيجب عليه الاعلام بعدم القبول، و إلا لزمه القيام بذلك و يمكن ترجيح الأول بأن الأصل عدم الوجوب، و إذا كان الأصل عدم وجوب القبول عليه ابتداء استصحب الحكم في عدم الاستدامة، فلا يجب عليه الاستمرار استصحابا للأصل المذكور، فإذا رد صار كما لا ناظر له ابتداء فيتولاه الحاكم أو الموقوف عليه ان قلنا بالانتقال اليه، و كيف كان فالحكم لا يخلو من شوب التردد.
الثالث [أقسام الناظر]
- الناظر من قبل الواقف على قسمين
أحدهما- أن يكون مشروطا في العقد
، و إذا كان كذلك فإنه لا يجوز للواقف عزله، عملا بوجوب الوفاء بالشروط الا أن يظهر ما يوجب عزله.
و
ثانيهما- ما لم يكن كذلك
، بأن نصبه بعد العقد بالنظر المتناول فإنه يجوز عزله متى شاء، لأنه حينئذ في حكم الوكيل الذي يجوز عزله بعد الوكالة متى أراد.
186
الرابع- لو شرط للناظر شيئا من الريع
صح و كان ذلك اجرة عمله ليس له أزيد منه و ان كان أقل من الأجرة و ان أطلق فله مثل أجرة عمله.
أقول: ان أريد بالإطلاق هو عدم ذكر شيء معين، مع ذكر ما يوجب ان له أجرة، فما ذكروه جيد، و ان أريد وقوع العقد خاليا من التعرض لذلك نفيا و لا إثباتا فما ذكروه مشكل، لأن الوقف قد انتقل بالعقد إلى من عينه الواقف من الموقوف عليه، و إخراج شيء منه يحتاج الى دليل، و ليس في العقد ما يدل على ذلك كما هو المفروض، و النصوص الدالة على جواز جعل الواقف ناظرا للوقف خالية من ذلك، و الظاهر أن الناظر إنما رضي بذلك مجانا فلا يستحق أجرة.
الخامس [في بيان وظيفة الناظر]
- قد صرحوا بأن وظيفة الناظر في الوقف العمارة له أولا، و تحصيل الريع و قسمته على المستحق، و حفظ الأصل و الغلة، و نحو ذلك من مصالحه.
أقول: و قد صرح بذلك في التوقيع المتقدم ذكره و هو المفهوم من إطلاق باقي الأخبار، و مقتضاه انه لا يجوز التصرف في شيء من الأعمال المذكورة، و لا في الغلة إلا باذنه، و لو كان التصرف من الموقوف عليه و هو مقتضى إطلاق كلام الأصحاب أيضا.
قال في المسالك: و فيه اشكال، من وجهين: أحدهما- ما لو كان الموقوف عليه متحدا، اما ابتداء أو لاتفاق ذلك في بعض الطبقات، فإنه مختص بالغلة، فتوقف تصرفه على اذن الناظر بعيد، لعدم الفائدة خصوصا مع تحقق صرفها إليه بأن تكون فاضلة عن العمارة و غيرها مما يقدم على القسمة يقينا، نعم لو أشكل الحال توقف على اذنه قطعا، لاحتمال أن يحتاج إليها أو الى بعضها في الأمور المتقدمة على اختصاص الموقوف عليه.
أقول: يمكن الجواب عن ذلك بأنه لا عموم في الأمرين المتقدمين على وجه يشمل ما ذكره من هذه الصورة، فإن الظاهر من نصب الناظر انما هو فيما يحتاج الى النظر و العمل، مثل التعمير و دفع الخراج، و قسمة الحاصل بين أربابه
187
و نحو ذلك، لا مطلقا بحيث يشمل مطلق التصرف، و إلا لأدى ذلك الى انه لا يجوز لأحد من الموقوف عليه بعد القسمة و تميز حصته، التصرف فيها إلا بإذنه، مع أنه ليس كذلك اتفاقا.
و بالجملة فإن حكم الغلة فيما فرضه، حكمها فيما لو قسمها الناظر و ميزه فكما أنها اختصت بصاحبها في صورة القسمة، كذلك في صورة الاتحاد، ثم قال (قدس سره): و ثانيهما- الأوقاف العامة على المسلمين، و نحوهم التي يريد الواقف انتفاع كل من الموقوف عليه بالثمرة إذا مر بها، كأشجار الثمار، فان مقتضى القاعدة أيضا عدم جواز تصرف أحد منهم في شيء منه، الا بإذن الحاكم، و لا يخلو من اشكال و تفويت لكثير من أغراض الواقف، بل ربما دلت القرينة هنا على عدم ارادة الواقف النظر على هذا الوجه، بل يريد تفويض الانتفاع إلى كل واحد من أفراد تلك الجهة العامة، فكأنه في قوة جعل النظر إليه، لكن هذا كله لا يدفع الاشكال، لما تقدم من أنه بعد الوقف حيث لا يشترط النظر لأحد يصير كالأجنبي، و ينتقل الحكم إلى الحاكم، فلا عبرة بقصده خلاف ذلك حيث لا يوافق القواعد الشرعية، و جعل مثل هذا الإطلاق نظرا لكل واحد في حيز المنع.
و بالجملة فهذه القواعد الشرعية المتفق عليها لا تدفع. بمثل هذا الخيال، و ينبغي أن يقال: ان المتصرف على هذا الوجه يأثم خاصة، و يملك حيث لا يجب صرف الثمرة في الأمور المتقدمة على صرفها إلى الموقوف عليه، و كذا القول في تصرف الموقوف عليه المتحد.
أما المتعدد فلا، لأن قسمتها و تميز حق كل واحد من الشركاء يتوقف على الناظر، و حينئذ فيكون كالتصرف في المال المشترك بغير إذن الشريك، فيستقر في ذمته حصة الشريك من ذلك، و لم أقف في هذه الأحكام للأصحاب على شيء، فينبغي تحرير النظر فيه، انتهى.
أقول: و يمكن الجواب أيضا بما قدمنا في سابقه، فإنه متى كان الأمر
188
كما ذكره من أن الغرض من وقفه على المسلمين انتفاع كل من الموقوف عليه بالثمرة إذا مر بها، فانا لا نسلم دخوله تحت القاعدة المذكورة، لأن ذلك في قوة قوله من شاء أن يأكل من هذه الثمرة، فهو مأذون، و مع تسليم التوقف على إذن الحاكم، فالواجب على الحاكم أيضا أن يأذن إذنا عاما على حسب ارادة الواقف و مطلوبه، فلا يتوقف كل فرد فرد من أفراد تلك الجهة الموقوف عليها إلى إذن خاص، كما ظنه (قدس سره).
و يؤيد ما قلناه قوله «بل ربما دلت القرينة على عدم ارادة الواقف النظر على هذا الوجه إلى آخره» و جوابه عن ذلك بأنه لا عبرة بقصد الواقف ذلك بعد رجوع الأمر إلى الحاكم، حيث انه يصير مع عدم الاشتراط كالأجنبي فلا عبرة بقصده خلاف ما يقتضيه نظر الحاكم، مردود، بأنا نجعل هذا القصد من الواقف قرينة على عدم دخول هذا الفرد في الإطلاق، بمعنى استثنائه من ذلك، فلا يرجع إليه في هذه الصورة، على أن ما ذكره من أنه بعد الوقف حيث لا يشترط النظر لأحد كالأجنبي، و ينتقل الحكم إلى الحاكم، فلا عبرة بقصده خلاف ذلك، محل منع و كيف لا، و العقود تابعة للقصود، و مقتضى القواعد الشرعية هو الوقوف على ما علم منه من القصد صريحا أو بقرينة أو نحو ذلك و كونه أجنبيا بعد العقد لا يوجب الخروج عما عينه و قصده، و إنما المراد منه ليس له بعد العقد إحداث شيء على خلاف ما دل عليه العقد، و النظر الذي انتقل إلى الحاكم الشرعي إنما هو على حسب ما دلى عليه العقد، و لا يجوز له الخروج عن مقتضاه، و هو قد فرض في صورة الاشكال أنه و بما دلت القرينة هنا على عدم ارادة الواقف النظر على هذا الوجه، بل يريد تفويض الانتفاع إلى كل واحد من أفراد تلك الجهة العامة إلى آخره.
و حينئذ فإنه متى كان الأمر كذلك فلا ريب أنه في قوة التقييد للوقف بما ذكر، و التصريح به، فكيف تجوز مخالفته و الخروج عنه، و يكون الخروج عنه موافقا للقواعد الشرعية، بل الوقوف عليه هو مقتضى القواعد الشرعية،
189
و الخروج عنه على خلافها، فتأمله بعين البصيرة، و تناوله بيد غير قصيرة ليظهر لك ما في الزوايا من الخبايا، و كم ترك الأول للآخر كما هو المثل السائر، و بذلك يظهر أنه لا اثم على الأخذ في الصورتين المذكورتين كما ظنه (قدس سره)، و الله العالم.
المطلب الخامس في شرائط الموقوف عليه:
و يشترط فيه أن يكون موجودا و له أهلية التملك، أو تابعا لموجود كذلك، و أمكن وجوده عادة، و كان قابلا للوقف.
فهنا مسائل
[المسألة] الأولى [بطلان الوقف على المعدوم]:
الظاهر أنه لا خلاف في بطلان الوقف على المعدوم ابتداء، و لم أقف على نص في المقام، الا أنه يمكن أن يقال: مضافا إلى ظاهر الاتفاق أن الوقف نقل للمنفعة البتة أو العين على أحد الأقوال إلى الموقوف عليه، و المعدوم لا يصلح لذلك.
قالوا: و في معناه الحمل أيضا، لأنه و ان كان موجودا الا أنه غير صالح للتملك ما دام حملا، فان قيل: انه تصح الوصية له، و هو نوع تمليك فالجواب الفرق بين الأمرين، فإن الوقف تمليك في الحال، فلا بد من قابلية الموقوف عليه للتملك، و الوصية تمليك في المستقبل، فالتملك فيها مراعى بوضعه حيا، فلو مات قبل خروجه حيا بطلت، و لم يرثها وارثه، بخلاف ما لو خرج حيا و لو لحظة ثم مات، فإنها يكون ميراثا.
نعم لو ذكر المعدوم تبعا لموجود كما لو وقف على أولاده الموجودين، و من سيوجد منهم صح بلا خلاف يعرف، و كذا لو وقف على أولاده و من سيتجدد منهم، و هكذا، أما لو كان التابع ممن لا يمكن وجوده، كالميت أو لا يقبل الملك كالعبد بطل فيما يخصه، و لو ذكر المعدوم أولا ثم الموجود كان منقطع الأول، و كذا نفسه أو الميت أو العبد، ثم بعده الموجود، و قد تقدم الكلام، في ذلك في المسئلة الرابعة
190
من المطلب الثاني في شرائط الوقف (1) و نقل ما فيها من الخلاف محررا محققا، فلا حاجة إلى إعادته، ثم انه ينبغي أن يعلم أن عدم صحة الوقف على العبد إنما هو بناء على القول بأنه لا يملك، أولا يملك الا فاضل الضريبة مما لا يدخله الوقف، أما على القول بكونه يملك، و ان كان محجورا عليه في التصرف، فإنه لا مانع من الوقف عليه، و به صرح الأصحاب (رضي الله عنهم) أيضا قيل: و لا ينصرف الوقف إلى مولاه، لأنه غير مقصود في العقد، و العقود بالقصود.
أقول: الظاهر أن هذا الكلام خرج في معرض الرد على بعض العامة، حيث جوز الوقف على العبد، و جعله مصروفا إلى مولاه، و لا ريب في ضعفه، لما عرفت من أن العقود تابعة للقصود، و مولاه لم يقصد بالوقف عليه، فمن أين ينصرف إليه.
تنبيه [حكم الوقف على المساجد]:
قد عرفت أن من جملة الشروط في الموقوف عليه أن يكون له أهلية التملك، و يشكل ذلك بالوقف على المساجد و القناطر و نحوهما، فإنه مما لا خلاف فيه، مع أن شيئا منها غير قابل للتملك كما لا يخفى، و الجواب ما صرح به الأصحاب من أن الوقف المذكور في التحقيق إنما هو وقف على المسلمين، باعتبار بعض مصالحهم، و لا ريب أنهم قابلون للتملك، و غايته أنه وقف عليهم باعتبار مصلحة خاصة من مصالحهم، فكأنه وقف عليهم بشرط صرفه في مصرف خاص، و مصلحة خاصة، و لا منافاة فيه.
و ربما ظهر من الصدوق من المنع من الوقف على المساجد،
لما روى في كتابه مرسلا (2) قال: «و سئل (عليه السلام) عن الوقوف على المساجد، فقال: لا يجوز، فان المجوس أوقفوا على بيوت النار»،.
و روى فيه و في التهذيب عن أبي الصحاري (3)
____________
(1) ص 155.
(2) الفقيه ج 1 ص 154 ح 42.
(3) التهذيب ج 9 ص 150 ح 58، الفقيه ج 4 ص 185 ح 2. و هما في الوسائل ج 3 ص 552 ح 1 و 2.
191
«عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: رجل اشترى دارا فبقيت عرصة فبناها بيت غلة أ يوقفه على المسجد؟ فقال: ان المجوس أوقفوا على بيت النار».
و المستفاد من الخبرين تعليل المنع بالتشبه بالمجوس، و لم يتعرض لنقل الخبرين المذكورين أحد من الأصحاب في هذا المقام، فضلا عن الجواب عنها، و يمكن حملهما على الكراهة، بناء على أن المفهوم من الأخبار خفة المؤنة في المساجد، لا كما هو المتعارف في هذه الأزمان من التكلفات الزائدة فيها، كما لا يخفى، و الله العالم.
المسئلة الثانية [الخلاف في الوقف على الكافر]:
قد اختلف الأصحاب (رضي الله عنهم) في الوقف على الكافر و قد اضطرب كلامهم في هذا المقام، فقيل: بالجواز مطلقا، و المنقول عن الشيخين (عطر الله مرقديهما) أنهما منعا من وقف المسلم على الكافر، إلا أن يكون من الأقارب سواء كان الأبوين أو غيرهما من ذوي الأرحام، و به قال أبو الصلاح و ابن حمزة، و عن سلار و ابن البراج الحكم بالبطلان مطلقا و ان كان من الأبوين.
و اضطرب كلام ابن إدريس فقال: يصح وقف المسلم على والديه الكافرين دون غيرهما من الأهل و القرابات و غيرهم، لقوله تعالى (1) «وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً» و أما غيرهما فلا يجوز و ان كان قريبا، لأن شرط الوقف القربة، و لا يصح التقرب إلى الله تعالى بالوقف على الكافر، و نسب كلام الشيخ في النهاية من صحة الوقف على الأقارب، إلى أنه خبر واحد أورده بلفظه إيرادا لا اعتقادا، كما أورد غيره، إلى أن قال: و الأولى عندي أن جميع ذوي أرحامه من الكفار يجرون مجرى أبويه الكافرين في جواز الوقف عليهم، لحثه (صلى الله عليه و آله و سلم) بصلة الأرحام (2) قال: و بهذا أفتى، ثم أمر بلحظة و تأمله، ثم نقل بعد ذلك بكلام طويل عن الشيخ في الخلاف أنه يجوز الوقف على أهل الذمة إذا كانوا
____________
(1) سورة لقمان- الاية 15.
(2) الكافي ج 4 ص 10 ح 3، الوسائل ج 6 ص 286 ح 2.
192
أقاربه، ثم قال: و قد قلنا ما عندنا في هذه المسئلة أنه لا يجوز الوقف على الكفرة الا أن يكون الكافر أحد الأبوين، لأن من صحة الوقف و شرطه نية القربة، انتهى.
و اضطرابه ظاهر، و حينئذ ففي المسئلة أقوال أربعة: الأول- الجواز مطلقا، و استدل عليه بالعمومات، مثل
«الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها (1)».
«و لكل كبد حرى أجر (2).
، و قوله تعالى «لٰا يَنْهٰاكُمُ اللّٰهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقٰاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ (3)».
الثاني- المنع، و استدل عليه بقوله عز و جل «لٰا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كٰانُوا آبٰاءَهُمْ أَوْ أَبْنٰاءَهُمْ (4)» الآية.
الثالث- تخصيص الجواز بالأرحام، و مستنده الجمع بين ما ذكر و بين الأخبار الدالة على وجوب صلة الأرحام (5).
و الرابع- التخصيص بالأبوين، و وجهه ما ذكر مضافا إلى قوله تعالى «وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ إِحْسٰاناً (6)» و قوله «وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً (7)» فيجب الجمع بين الأدلة مما دل على المنع، و مما دلت عليه هذه الأدلة بالتخصيص بالأبوين.
و المفهوم من كلام المتأخرين كالمحقق و غيره تقسيم الكافر إلى حربي و ذمي،
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 176 ح 1، التهذيب ج 9 ص 129 ح 2، الوسائل ج 13 ص 307 ح 2.
(2) الكافي ج 4 ص 57 ح 2 و ص 58 ح 6 و فيه «أفضل الصدقة إبراد كبد حرى» الوسائل ج 6 ص 330 ح 2 و 5 و ص 284 ح 2.
(3) سورة الممتحنة- الآية 8.
(4) سورة المجادلة- الاية 22.
(5) الكافي ج 4 ص 10 باب الصدقة على القرابة، الوسائل ج 6 ص 286 الباب 20.
(6) سورة الأحقاف- الاية 15.
(7) سورة لقمان- الاية 15.
193
و القول في الأول بالمنع مطلقا، و الخلاف في الثاني بهذه الأقوال الأربعة، فمحل هذه الأقوال عندهم إنما هو الذمي.
و يشير إلى ما ذكرنا أن المحقق في الشرائع قال: و لا يقف المسلم على الحربي و ان كان رحما، و يقف على الذمي و ان كان أجنبيا، و شيخنا الشهيد الثاني في الشرح نقل الأقوال الأربعة في الذمي، ثم قال: و اعلم أنه لم يرد في عبارات المتقدمين الا الوقف على الكافر غير المبسوط، فإنه صرح بالذمي، و لعل مرادهم ذلك يعنى لعل مراد الأصحاب بالكافر الذي أطلقوه و جعلوه محل البحث و الخلاف في المسئلة هو الذمي، دون الحربي.
و اختار في المسالك المنع في الحربي مطلقا، كما هو مذهب المصنف، و ظاهره أيضا الميل إلى قوله في الذمي، حيث قال بعد نقل الأقوال الأربعة المتقدمة: و كيف كان فالقول بالمنع مطلقا ضعيف، و قول المصنف لا يخلو من وجه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أني لم أقف في النصوص على ما يدل على حكم الوقف على الكافر ذميا كان أو غيره، و نسبة ابن إدريس في رده على الشيخ في النهاية ما ذكره في النهاية إلى أنه خبر واحد أورده الشيخ إيرادا لا اعتقادا، ربما أشعر بوجود خبر بذلك، الا أنه لم يصل إلينا كما عرفت.
نعم يبقى الكلام فيما ذكر من العمومات التي ذيلت بها الأقوال المتقدمة و هي أيضا غير خالية من الاشكال، سيما الآيات المذكورة، فإن الآية التي استدل بها على الجواز مطلقا، ظاهرة في ذلك حتى قال أمين الإسلام الطبرسي- في تفسيرها من كتابه مجمع البيان على ما نقله عنه بعض الأعيان بعد كلام في البين-:
و الذي عليه الإجماع أن بر الرجل من يشاء من أهل الحرب قرابة كان أو غير قرابة ليس بمحرم، و إنما الخلاف في إعطائهم مال الزكاة و الفطرة و الكفارات، فلم يجوزه أصحابنا، و فيه خلاف بين الفقهاء، و هو كما ترى صريح في دعوى الإجماع على جواز برهم، و الوقف من جملة ذلك، فالآية كما ترى دليل ظاهر
194
على القول المذكور.
و أما الاستدلال بحديث
«الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها».
فقد عرفت آنفا ما فيه، و الحديث الذي بعده، و ان لم يكن ظاهرا في الدلالة، الا انه صالح للتأييد.
و أما الآية التي استدل بها على المنع مطلقا فهي ظاهرة الدلالة أيضا على القول المذكور، و في معناها قوله عز و جل (1) «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيٰاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَ قَدْ كَفَرُوا بِمٰا جٰاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ» الآية و هما صريحتان في النهي عن مودة الكافر، و لا ريب أن الوقف عليه إنما ينشئ من المحبة و المودة، و هو مؤكد لها، و الحال أنه منهي عن المودة التي نشأ منها الوقف، و تأكد بها، فيكون منهيا عنه أيضا بالطريق الأولى.
نعم لا يخفى أن الآية الأولى و ان دلت على الجواز مطلقا الا أنه يدفعها بالنسبة إلى الحربي أولا للقول باشتراط القربة في الوقف، و قد عرفت أنه مذهب جملة من الأصحاب (رحمهم الله) فإنه مقتضى الأدلة، و التقرب إلى الله تعالى بصلته مع نهيه سبحانه عن مودته لا يجتمعان.
و ثانيا حل أمواله للمسلمين، فان مال الحربي فيء للمسلمين يصح أخذه و بيعه، و هو ينافي صحة الوقف عليه، و المعارضة كما ترى حاصلة بين الآية المستدل بها على الجواز، و بين ما ذكرناه، و لم يظهر لي وجه يجمع به بينهما، و بذلك يزيد الاشكال.
و من ثم أنه في المسالك رجح القول بالمنع في الحربي، و الجواز في الذمي، لكن الواجب عليه كان أن يجيب عن الآية الدالة على الجواز مطلقا، مع أنه لم يتعرض لذلك، إلا أنه خص آية الجواز بالذمي كما أشرنا إليه آنفا، من أنه جعل الأقوال الأربعة في الذمي خاصة، و الآية كما ترى أعم، بل صريح أمين الإسلام
____________
(1) سورة الممتحنة- الاية 1.
195
الطبرسي كما عرفت هو كونها في الحربي، و ربما قيل: بأن النهي عن الموادة في تلك الآية إنما هو من حيث المحادة، فلا ينافيه الوقوع على غير تلك الحيثية، و هو محتمل، و به يقوى الاعتماد على الآية الأخرى مع ما عرفت من المعارض لها و بالجملة فالمسئلة عندي لما عرفت محل اشكال و إعضال، و الله العالم بحقيقة الحال.
إلحاق [حكم وقف الكافر على مثله]
قد عرفت الكلام في وقف المسلمين على الكفار، بقي الكلام في وقف الكافر على مثله مطلقا، أو وقف الحربي على الذمي أو الذمي على الذمي خاصة، فظاهر الأصحاب الصحة، و كذا الوقف على البيع و الكنائس، و علل الصحة باعتقادهم شرعيته، مضافا إلى إقرارهم على دينهم.
و الثاني: إنما يتم بالنسبة إلى الذمي، و المسئلة محل توقف لعدم الظفر فيها بنص، و يشكل أيضا باشتراط القربة في الوقف على القول به، حيث أن ذلك معصية في الحقيقة و الواقع، فلا يعقل التقرب و الحال ذلك، الا أن يحمل قصد القربة على قصدها في الجملة، و ان لم يحصل حقيقة، أو يخصص قصدها ممن يعتقد حصولها، و الأول بعيد غاية البعد، فإنه لغو محض، و الثاني أيضا لا يخلو من بعد، و ان استظهره في المسالك، و لهذا ان الأصحاب منعوا من تولى الكافر الأفعال المشروطة بالقربة، مثل غسل الأموات و نحوه، و أبطلوا ذلك من حيث عدم تأتي ذلك من الكافر.
المسئلة الثالثة [في حكم الوقف على البيع و الكنائس]:
قد صرح الأصحاب (رضى الله عنهم) ببطلان الوقف على البيع و الكنائس، و كذا لو وقف في معونة الزناة و قطاع الطريق، و شاربي الخمر و أمثالهم، و كذا على الكتب السابقة كالتوراة و الإنجيل من غير خلاف يعرف.
أما الأول فالوجه فيه على ما قالوه و ان قلنا بجواز الوقف على أهل الذمة كما أحد الأقوال المتقدمة، هو الفرق بين الأمرين، فإن الوقف على أهل الذمة
196
أنفسهم لا يستلزم معصية، حيث أن نفعهم من حيث الحاجة، و أنهم عباد الله، و من جملة بنى آدم، و ممن يجوز أن يتولد منهم المسلمون، و لا معصية فيه، و ما ربما يترتب عليه من الإعانة على شرب الخمر، و سائر المحرمات التي يستحلونها فهي غير مقصودة للواقف، و لو فرض قصدها حكمنا ببطلان الوقف، و كذا لو وقف عليهم لكونهم كفارا بل على فسقة المسلمين، كما سيأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى.
و بالجملة فالمدار في البطلان و الصحة على الغاية المترتبة على الوقف، و لما كانت الغاية المترتبة عليه بالنظر إلى ما قلنا صحيحة سائغة، صح الوقف، و هذا بخلاف الوقف على البيع و الكنائس، حيث أنه و ان كان وقفا على جهة خاصة من مصالح أهل الذمة، إلا أنه معصية محضة، لما يتضمن من الإعانة لهم على الاجتماع لتلك العبادات المحرمة، و رسوخهم في الكفر، فالغرض و الغاية من الوقف هنا ليس على حسب باقي الغايات المترتبة على الوقف عليهم أنفسهم، فلذا صح الوقف هناك، و بطل هنا.
و أما الثاني فالوجه فيه ظاهر، لانه متى كان الغرض المترتب على الوقف و الغاية المقصودة منه إنما هو معونة هؤلاء من هذه الحيثيات المذكورة التي لا ريب في تحريمها، و أنها معينة، فلا ريب أن الوقف معصية، فإن الإعانة على المعصية معصية.
و اما لو وقف على من هو متصف بذلك من المسلمين، لكنه لا من هذه الحيثية فلا إشكال في صحته، سواء أطلق أم قصد جهة محللة.
و اما الثالث فعلله الأصحاب بأن الكتابين المذكورين محرفان عما كانا عليه أولا، و مع ذلك فهما منسوخان، و لهذا حكموا بعدم جواز حفظهما، كما تقدم في مقدمات كتاب التجارة من عدم جواز حفظ كتب الضلال.
نعم جوزوا الحفظ للنقض و الحجة بها، و قد نقل الأصحاب في هذا المقام
197
حديثا من طرق العامة و هو أنه
قد روى عن النبي (1) (صلى الله عليه و آله و سلم) «أنه قد خرج إلى المسجد فرأى في يد عمر صحيفة، و فيها شيء من التورية، فغضب (صلى الله عليه و آله و سلم) لما رأى الصحيفة في يده، و قال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أ لم آت بها بيضاء نقية حتى لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي».
قال: في المسالك بعد نقل الخبر المذكور، و هذا يدل على أن النظر إليها معصية، و إلا لما غضب منه (صلى الله عليه و آله و سلم) لذلك.
أقول: و قد نقل ابن أبى الحديد في شرح نهج البلاغة مثل هذا الخبر عن عمر أيضا بوجه المنع، و قد ذكرناه في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن أبى الحديد، و بينا ما فيه من نفاق ذلك الطاغي العنيد.
قال في المسالك: و ينبغي جواز الوقف عليها على الوجه الذي يجوز إمساكها لأجله و هو النقض و الحجة، لأن الحجة طاعة، الا أن الغرض لما كان نادرا أطلقوا المنع عليها، انتهى.
أقول: و مقتضي ما ذكروه هنا جواز الوقف على كتب الشريعة، و الظاهر أنه لا اشكال فيه، و هل يدخل في ذلك كتب أهل الخلاف أم لا؟ وجهان مبنيان على أنه هل تدخل تلك الكتب تحت كتب أهل الضلال أم لا و قد تقدم الكلام في ذلك في الموضع المشار إليه آنفا، فعلى الأول كما هو الأظهر لا يجوز، و على الثاني كما اختاره بعض محققي متأخري المتأخرين يجوز، و الله العالم.
المسئلة الرابعة [في شمول وصف الموقوف عليه أو نسبته لكل من تناوله الإطلاق]:
إذا وصف الموقوف عليه بصفة أو نسبة، دخل فيه كل من تناوله الإطلاق عرفا مع اتفاق العرف أو الاصطلاح على ذلك، و الا فالمتعارف عند الواقف، اعتبارا بشاهد الحال، و لو كان ثمة قرائن وجب العمل بمقتضاها.
و في هذا الباب صور
منها- ما لو وقف على الفقراء
، فان كان الواقف مسلما انصرف إلى فقراء المسلمين، و ان كان كافرا و قلنا بصحة وقف الكافر انصرف
____________
(1) المسالك ج 1 ص 349.
198
إلى فقراء نحلته، و الوجه فيه، أن صفة الفقر و ان شملت لغة لكل من المسلم و الكافر، و مقتضاه العموم للجميع في كل من الصورتين المذكورتين، الا أن العرف و شاهد الحال يدل على ارادة المسلمين في الأولى، و أهل نحلة الواقف في الثانية، و العرف عندهم مقدم على اللغة، و هذا يتم مع تحقق دلالة العرف و شهادة الحال عليه، و الا فاللغة مقدمة، الا أنه لما كان تحقق الدلالة العرفية هنا و شهادة الحال بذلك ظاهرا جزموا بالحكم المذكور من غير تردد.
بقي أنه لو وقف على الفقراء فهل يجب تتبع من خرج عن بلد الوقف أو يكفي الدفع إلى فقراء البلد؟ صرح جملة من الأصحاب بالثاني، و علل بأن الوقف على غير منحصر إنما هو وقف على الجهة، لا على أشخاصها، و مصرف الجهة من اتصف بوصفها من فقر أو فقه لو كان الوقف على الفقهاء، فلا يجب الدفع إلى جميع الأشخاص الداخلين في الوصف، و يدل عليه ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي عن على بن محمد بن سليمان النوفلي (1) قال: «كتبت إلى أبى جعفر الثاني (عليه السلام) أسأله عن أرض وقفها جدي على المحتاجين من ولد فلان بن فلان و هم كثير متفرقون في البلاد فأجاب (عليه السلام) ذكرت الأرض التي أوقفها جدك على فقراء ولد فلان بن فلان و هي لمن حضر البلد الذي فيه الوقف، و ليس لك أن تتبع من كان غائبا».
و ظاهر الخبر الاختصاص بمن حضر البلد لظاهر اللام، المؤذن بالملك أو الاختصاص، و الأصحاب صرحوا بأنه لو تتبع جاز، لأن المنفي إنما هو وجوب التتبع، و الظاهر من الخبر خلافه، و ان أمكن احتماله.
و ظاهر الخبر وجوب استيعاب من في البلد، و به صرح بعضهم، و قيل:
يجزى الاقتصار على ثلاثة مراعاة للجمع، مع ما علم من أن الجهة لا يقتضي الأشخاص، و قيل: يكفى اثنين، بناء على أنه أقل الجمع.
قال في المسالك: و يحتمل جواز الاقتصار على واحد، نظرا الى أن الأشخاص
____________
(1) الكافي ج 7 ص 38 ح 37، الوسائل ج 13 ص 308 ح 1.
199
مصرف الوقف، لا مستحقوه إذ لو حمل على الاستحقاق و عمل بظاهر اللفظ لوجب الاستيعاب، لأنه جمع معرف مفيد للعموم، فيجب التتبع ما أمكن، انتهى.
و فيه أن الظاهر من الخبر المذكور هو وجوب استيعاب من في البلد، فلا ينبغي الالتفات الى هذه الأقوال، و لا الى ما عللت به.
و منها ما لو وقف على المسلمين
، و الظاهر صدقه على من أقر بالشهادتين مع عدم إنكاره ما علم من الدين ضرورة، فيدخل فيه جملة الشكاك و المستضعفين و يخرج منه من حكم بكفره من أفراد المسلمين، كالخوارج، و النواصب، و المجسمة و الغلاة، و لفظ المسلمين و ان شمل هؤلاء المذكورين عرفا، إلا أنه شرعا لا يشملهم و العرف الشرعي مقدم على العرف العام اتفاقا.
و بذلك يظهر ما في قوله في المسالك بعد أن ذكر المعنى الأول و هو حمل المسلمين على من أقر بالشهادتين و لم ينكر شيئا من ضروريات الدين فيخرج عنه هؤلاء المذكورون ما لفظه: مع احتمال العموم نظرا الى المفهوم عرفا.
فان فيه أنه و ان صدق ذلك عرفا إلا أن المفهوم من هذا اللفظ بالنظر الى الأخبار إنما هو الأول، و لهذا أنهم صرحوا في تسميتهم مسلمين إنما هو بمعنى منتحلي الإسلام، و إذا ثبت أن عرفهم (عليه السلام) إنما هو المعنى الأول وجب تقديمه و بطل ما ذكره من الاحتمال.
و في دخول المخالفين و عدمه قولان مبنيان على الحكم بإسلامهم كما هو المشهور بين المتأخرين، أو كفرهم كما هو مذهب جملة من محققي متقدمي الأصحاب، و هو المختار، كما أوضحناه بما لا مزيد عليه في جملة من زبرنا، و لا سيما كتاب الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب، و قد تقدم في الجلد الثاني من كتاب الطهارة نبذ من القول في ذلك (1) «قال في المسالك: و لا فرق بين كون الواقف من المسلمين محقا و غيره، عملا بالمفهوم، و قيل: إن كان الواقف
____________
(1) ج 5 ص 181.
200
محقا يختص الوقف بقبيلة بشهادة الحال، كما لو وقف على الفقراء، و رد بأن تخصيص عام لا يقتضي تخصيص آخر، و شهادة الحال ممنوعة، و الفرق بين المسلمين و الفقراء قائم، فان ارادة الوقف على جميع الفقراء على اختلاف آرائهم و تباين مقالاتهم و معتقداتهم بعيد، بخلاف ارادة فرق المسلمين من إطلاقهم، فإنه أمر راجح شرعي مطلوب عرفا، و الأقوى المشهور.
نعم لو كان الواقف من أحد الفرق المحكوم بكفرها لم يخرج قبيلته من وقفه و لا غيره ممن يحكم بكفره أيضا، حيث لا يشهد حاله بإخراجه، و يحتمل اختصاص عدم الحرمان بقبيلة خاصة اقتصارا في التخصيص على محل اليقين، و هو حسن إلا مع شهادة الحال بخلافه، انتهى.
أقول: ما نقله من القول الذي نقضه هو قول ابن إدريس حيث قال: و إذا وقف المسلم المحق شيئا على المسلمين كان ذلك للمحقين من المسلمين، و استدل بأن فحوى الخطاب و شاهد الحال يدل عليه، كما لو وقف الكافر وقفا على الفقراء كان ماضيا في فقراء أهل نحلته خاصة، بشهادة دلالة الحال عليه، قال: و ما أورده الشيخ خبر واحد أورد، إيرادا لا اعتقادا، لأنا و إياه نراعي في صحة الوقف التقرب به الى الله، و ببعض هؤلاء لا يتقرب الإنسان المحق بوقفه عليه، انتهى.
و أنت خبير بأن كلام ابن إدريس جيد بناء على مذهبه، و بيان ذلك أن الخارج عن هذا العنوان أعنى المسلم المحق منحصر في أفراد ثلاثة: أحدها- من أنكر شيئا من ضروريات الدين كالإفراد المتقدم ذكرها، و هم موافقون على خروجها عن هذا العنوان بل عن عنوان المسلمين، لأنهم كفار عندهم بلا اشكال.
و ثانيها- أفراد المخالفين من العامة، و من يتبعهم من فرق الزيدية و غيرهم و هؤلاء و إن كانوا عندهم من المسلمين، إلا أنهم عند ابن إدريس و جملة من محققي المتقدمين من الكفار باليقين، و هو الحق كما تقدمت الإشارة اليه، و محل اعتراضهم هنا نشأ من هذا الفرد، مع أن مذهبه فيه ما عرفت من القول بالكفر
201
فخروجهم بناء على ذلك ظاهر.
و ثالثها- أفراد المستضعفين من الشكاك و غيرهم، و هؤلاء على ما يفهم من الأخبار الكثيرة تجري عليهم أحكام الإسلام في الدنيا و أما في الآخرة فهم من المرجئين لأمر الله، و ان دل بعض الأخبار على أن عاقبة أمرهم الجنة أيضا، كما أوضحناه في كتابنا المتقدم ذكره و هؤلاء لا ريب في دخولهم لوجوب إجراء أحكام الإسلام عليهم، و هذا منها.
و يعضد ما ذهب اليه ابن إدريس هنا أيضا ما ألزم به الشيخ حيث أن مذهبه في النهاية كما قدمنا نقله عنه القول باشتراط القربة في الوقف، كما هو مذهب ابن إدريس، و بموجب ذلك أنه لا يصح التقرب الى الله بالوقف على أحد من المخالفين، الذين قد عرفت أنهم محل البحث، سيما على القول بالكفر الذي هو مذهب هذا القائل، و بذلك يتبين لك قوة ما ذهب اليه.
و أما بحثه معه في المسالك بما قدمنا نقله عنه من المناقشة في الوقف على هؤلاء، كوقف الكافر الذي ينصرف الى فقراء نحلته، فهي مناقشة لفظية، لا يوجب بطلان ما ذهب إليه، لأنه إنما قصد بذلك التنظير و التمثيل لدفع الاستبعاد، و إلا فدليله المعتمد انما هو ما ذكرناه، و هو كما ترى واضح الظهور، لا تعتريه شائبة القصور و الله العالم.
و منها الوقف على المؤمنين
، و قد اختلف الأصحاب في ذلك، فقال الشيخ في النهاية: إذا وقف على المؤمنين كان ذلك لمجتنبي الكبائر من أهل المعرفة بالإمامة دون غيرهم، و لا يكون للفساق منهم معهم شيء على حال، و كذا قال الشيخ المفيد و ابن البراج و ابن حمزة، و قال ابن إدريس: لا يختص ذلك بالعدل بل هو عام لجميع المؤمنين، العدل منهم و الفاسق، و على هذا القول جرى المتأخرون.
أقول: و التحقيق في ذلك أن الكلام هنا يتوقف على بيان معنى الايمان، و المشهور بين الأصحاب أنه عبارة عن الإقرار باللسان، و التصديق بالجنان يعني
202
الإقرار بالشهادتين، و جميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مقرونا بالتصديق و الإذعان، و قيل: انه كذلك مع انضمام العمل بالأركان إلى ذلك، و المراد بالعمل الذي يكون جزء من الايمان هو الإتيان بكبائر الطاعات، و اجتناب كبائر المعاصي، و هو مذهب الصدوق، و الشيخ المفيد (رحمة الله عليهما) و جملة من المتقدمين، و هو المستفاد من الأخبار المتكاثرة، و لا فرق في أخذ العمل جزء من الايمان بين أن يكون من الاثني عشرية، و غيرهم، و ان كان الايمان عندنا لا يثبت لغير الاثني عشرية.
فما ذكره في المسالك من أن الايمان الخاص قسمان: أحدهما المأخوذ فيه العمل الصالح، و الثاني اعتقاد إمامة الاثني عشر اماما (عليهم السلام) مما يؤذن بعدم اعتبار أخذ الأعمال جزء بالنسبة إلى المعتقد بهذا الاعتقاد، فليس في محله.
و بالجملة فإن المستفاد من الأخبار على وجه لا يعتريه الشبهة للمتتبع، و لا يقبل الإنكار، هو أن الايمان عبارة عن المركب من هذه الثلاثة، و هي الإقرار باللسان و الاعتقاد بالجنان، و العمل بالأركان، و بهذا المضمون جملة من الأخبار أوردها الصدوق في عيون الأخبار (1).
و على هذا فهيهنا ثلاثة أقسام: مؤمن، و هو من كان كذلك، و كافر و هو من لم يتصف بشيء من هذه الثلاثة، و هؤلاء أهل الوعدين، الجنة و النار، فالأولون يساقون من قبورهم إلى الجنة، و الآخرون إلى النار، لا حساب عليهم و لا كتاب، و القسم الثالث المسلم، و هو من خرج من الكفر، لعدم إنكاره، و لم يدخل في الايمان لعدم اعماله، و هؤلاء أكثر الناس، و هم أصحاب الحساب و أهل المحشر، و لتحقيق هذا المقام محل آخر.
و بالجملة فإن ما ذهب إليه المتقدمون في هذه المسئلة مبني على مختارهم
____________
(1) عيون اخبار الرضا (عليه السلام) ج 1 ص 177 ط النجف الأشرف سنة 1390 الكافي ج 2 ص 25 باب ان الايمان يشرك الإسلام و الإسلام لا يشرك الايمان.
203
في معنى الايمان، و ما ذكره المتأخرون مبني أيضا على ما اختاروه، فالنزاع هنا لفظي، و محل البحث في تحقيق معنى الايمان، و الحق عندي فيه هو مذهب المتقدمين، لأنه المستفاد من الأخبار المستفيضة، و ان حملها متأخرو الأصحاب على الفرد الأكمل منه، إلا أن الحمل فرع وجود المعارض، ثم الظاهر أنه على تقدير تفسير الايمان بالمعنى المشهور، فمظهر الفرق بينه و بين التفسير بالمعنى الثاني و هو اضافة العمل إلى ما ذكر، إنما هو في اتصاف الفساق بالايمان و عدمه، فيتصفون به على القول المشهور، لا على القول الآخر، و لكن مع عدم اتصافهم به لا يكونون كفارا، بل مسلمين، لأنها المنزلة الوسطى بين الكفر و الايمان، و كيف كان فإن محل الجميع الإمامية الاثني عشرية.
و ما يظهر من المسالك من أن الايمان بمعنى اعتقاد إمامة الاثني عشر (صلوات الله عليهم) أخص من الايمان بالمعنى المشهور، ان أريد به الخصوص و العموم بحسب المفهوم فهو كذلك، و ان أريد مصداقا بمعنى أنه يصدق الايمان بالمعنى المشهور على ما هو أعم من الاعتقاد بإمامة الاثني عشر (صلوات الله عليهم) كما هو ظاهر كلامه فهو باطل، لأنا نمنع صدق الايمان بأي معنى فسر على غير القائلين بإمامة الاثني عشر (صلوات الله عليهم)، لما علم من الأخبار على وجه لا يقبل الإنكار من شرف المؤمن و حرمته، و حرمته، و وجوب قضاء حقوقه و نحو ذلك من الأخبار المروية في الكافي في كتاب الايمان و الكفر (1)، و تفصيل حقوق المؤمن مضافا إلى ما دل على أنه الموجب لدخول الجنة، و هذا كله لا يصح إجراؤه على غير الاثني عشرية، فإنهم المرادون بذلك على الخصوص.
نعم يجب التفصيل فيهم بالفسق و العدالة، بناء على القول الآخر في معنى الايمان، و حينئذ فلو وقف على المؤمنين و أطلق فإن كان الواقف من الإمامية و هم الاثني عشرية فلا ريب في أن المراد بهم الإمامية، لكن يبقى الكلام في الاختصاص
____________
(1) الكافي ج 2 ص 192 باب قضاء حاجة المؤمن.
204
بالعدول، و شمول الفساق المبني على القول المشهور في الايمان، من عدم أخذ الأعمال في معناه فيشمل، أو أخذها فيختص، و ان كان الواقف من غيرهم، فالظاهر أن الحكم كالأول، و هو المفهوم من كلام الأصحاب أيضا، قال في المسالك- بعد أن اعترف بأنه في هذه الصورة ظاهر المصنف و الأكثر كونه كالصورة الأولى- ما لفظه: و هو مشكل، لأن ذلك غير معروف عنده، و لا قصده متوجه إليه، فكيف يحمل عليه، و ليس الحكم فيه كالمسلمين في أن لفظه عام فينصرف إلى ما دل عليه اللفظ و ان خالف معتقد الواقف كما تقدم، لأن الإيمان لغة هو مطلق التصديق، و ليس بمراد هنا، و اصطلاحا يختلف بحسب المصطلحين، و المعنى الذي اعتبره أكثر المسلمين هو المعنى العام، فلو قيل بحمله عليه إذا كان الواقف غير امامي كان حسنا، أو يقال: ان كان من الوعيدية يحمل على معتقده، أو من الإمامية فعلى معتقده، أو من غيره فعلى معتقده عملا بشاهد الحال في دلالة العرف الخاص، و القرائن الحالية، انتهى.
و وجه الدخل في كلامه أن ما ادعاه من الاختلاف في معنى الايمان بحسب اختلاف المصطلحين، و انما اعتبره أكثر المسلمين هو المعنى العام، بمعنى أنه عبارة عن مجرد الإقرار باللسان و الاعتقاد بالجنان مردود، بأن الكلام في ذلك ينبغي الرجوع فيه إلى المعنى الشرعي الذي دلت عليه الأخبار، فإنه هو الأولى بالرجوع إليه و الاعتبار، و عليه تبنى الأحكام في الإيراد و الإصدار، و لا عبرة بعد ذلك باصطلاح المصطلحين، و لا باختلافهم في اصطلاحهم و لا اتفاقهم، و الذي دلت عليه الأخبار كما تقدمت الإشارة إليه أن الايمان لا يصدق على غير الإمامية، و إلا لزم دخول غيرهم الجنة، و لا قائل به.
ثم انه قال في المسالك: إذا تقرر ذلك فهل يشترط مع الاعتقاد المذكور في المعنى المشهور اجتناب الكبائر؟ قال الشيخ: نعم، فلا يجوز للفساق من الإمامية أخذ شيء منه، و تبعه جماعة، و لعل مبناه على أن العمل جزء من الايمان
205
كما هو مأثور عن السلف، و ورد في كثير من الأخبار أنه مركب من ثلاثة أشياء:
اعتقاد بالجنان، و إقرار باللسان، و عمل بالأركان، فيكون العمل ثلث الايمان، و المشهور و هو الأصح عدم اعتباره، و إليه ذهب الشهيد في البيان أيضا لما تحقق في الكلام من أن الايمان هو التصديق بالقلب، و الإقرار باللسان على الوجه السابق، و أن العمل ليس بجزء منه، و لا شرط، انتهى.
و فيه أنه لا يخفى على من راجع الأخبار التي هي العمدة في الإيراد و الإصدار أنها دائرة بين قسمين، فقسم منها اشتمل على أن الايمان عبارة عن التصديق و الإقرار، و هذه الأخبار وردت في مقام الفرق بين الايمان و الإسلام، و أن الايمان أخص مطلقا.
و قسم منها ورد بأنه عبارة عما ذكر مع اشتماله على العمل، و صرحت بأنه إقرار باللسان، و اعتقاد بالجنان، و عمل بالأركان، و لهذه الأخبار مؤيدات من الأخبار أيضا، مثل الأخبار الدالة على تقسيم الناس إلى ثلاث فرق، الراجعة إلى ست فرق، مثل
حديث الطيار المروي في الكافي (1) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): الناس على ست فرق، يؤولون (2) كلهم إلى ثلاث فرق: الايمان و الكفر و الضلال:
و هم أهل الوعدين الذين و عدهم الله تعالى الجنة و النار، المؤمنون و الكافرون، و المستضعفون و المرجون لأمر الله، إما يعذبهم و إما يتوب عليهم، و المعترفون بذنوبهم خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا، و أهل الأعراف»،.
و مرجع ذلك إلى إثبات منزلة بين الكفر و الايمان، و هو مبني على أخذ الأفعال في الأعمال، و هؤلاء بمقتضى النصوص من المسلمين، لا بالمعنى المشهور الذي يدخل فيه المنافقون، بل أخص منه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا منافاة بين هذه الأخبار، إذ غاية الأخبار الأول
____________
(1) الكافي ج 2 ص 381 ح 2.
(2) أى: يرجعون.
206
أنها مطلقة و الثانية مقيدة، و طريق الجمع حمل الإطلاق في تلك الأخبار على ما دلت عليه هذه من أخذ الأعمال، و إلا فإن اطراحها من غير موجب لا معنى له سيما مع ما عرفت من تأيدها بغيرها.
و بذلك يظهر لك أن ما اختاروه في علم الكلام من أن الايمان عبارة عما ذكروه، لا أعرف له وجها وجيها، بل المفهوم من الأخبار بعد ضم بعضها إلى بعض هو ما ذكرناه، من أنه مركب من الثلاثة المذكورة، ثم ان في كلامه اشارة ظاهرة إلى أن مذهب السلف أعنى متقدمي الأصحاب هو القول بما اخترناه، و الترجيح لما رجحناه، و العجب أنه مع اعترافه بذلك و أنه قد ورد في كثير من الأخبار كيف خالفه، و خرج عنه من غير حجة واضحة، سوى ما أحاله على علم الكلام.
و فيه أن ما تحقق في علم الكلام ان كان مستفادا من الأخبار فقد عرفت أنه ليس كذلك لما ذكرناه، و ان كان من غيرها فلا عبرة به، و لا عمل عليه، و الله العالم.
و منها الوقف على الشيعة
قال الشيخان: لو وقفه على الشيعة و لم يميز كان ذلك ماضيا في الإمامية، و الجارودية من الزيدية، دون التبرية، و به قال سلار و ابن البراج و ابن حمزة، و قال المحقق في الشرائع و المراد بهم الإمامية و الجارودية دون غيرهم من فرق الزيدية.
قال في المسالك: اسم الشيعة يطلق على من قدم عليا (عليه السلام) في الإمامة على غيره بعد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و لا شبهة في كون الإمامية منهم، و كذا الجارودية، و كذا الإسماعيلية، حيث لا يكونون ملاحدة، و أما باقي الشيعة كالكيسانية و الواقفية و الفطحية فداخلة لكن لانقراضهم استغنى عن ذكرهم.
أقول و يؤيد ما ذكره من إطلاق الشيعة على هذه الفرق ما رواه
الكشي في
207
كتاب الرجال بسنده عن عمر بن يزيد (1) قال: «دخلت على أبى عبد الله (عليه السلام) فحدثني مليا في فضائل الشيعة، ثم قال: ان من الشيعة بعدنا من هو شر من النصاب، قلت: جعلت فداك أ ليس ينتحلون حبكم و يتولونكم و يبرءون من عدوكم؟ قال: نعم، قلت: جعلت فداك بين لنا لنعرفهم، فلسنا منهم؟ قال: كلا يا عمر لست منهم، إنما هم قوم يفتنون بزيد، و يفتنون بموسى»،.
إلا أن المستفاد من الأخبار الكثيرة المستفيضة بل المتواترة معنى، من طرق الخاصة و العامة في فضائل الشيعة هو التخصيص بالإمامية بحيث يقطع بعدم دخول غيرهم في هذا الإطلاق و يؤيده ما صرح به في النهاية الأثيرية (2) حيث قال بعد ذكر بعض معاني لفظ الشيعة ما لفظه: و قد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليا و أهل بيته، حتى صار لهم اسما خاصا فإذا قيل: فلان من الشيعة، عرف أنه منهم، و في مذهب الشيعة كذا أي عندهم، انتهى.
و يؤيده أنه و ان كان لفظ الشيعة مما يطلق على هؤلاء في تلك الأعصار السابعة، الا أنه في الأعصار المتأخرة لا يتبادر من لفظ الشيعة إلا الإمامية، حتى اشتهر المقابلة له بأهل السنة، فيقال: شيعي، و سني.
و بالجملة فإن المتبادر عنه في هذه الأزمان إنما هو ما ذكرناه، و منه يعلم أن ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) من الخلاف و الكلام في هذه المسئلة على إطلاقه غير متجه، فان المشهور بينهم أنه لو وقف على الشيعة انصرف إلى من ذكر مما قدمنا نقله عن المسالك.
و فصل ابن إدريس، فقال: ان كان الواقف من احدى فرق الشيعة كالجارودية و الكيسانية و الناووسية و الفطحية و الواقفية و الاثني عشرية حمل كلامه العام على شاهد حاله، و قوى قوله، و خصص به، و صرف في أهل نحلته دون من عداهم من سائر المنطوق به، عملا بشاهد الحال، انتهى.
____________
(1) رجال الكشي ص 454 الرقم 869.
(2) النهاية الأثيرية ج 2 ص 520.
208
و بمقتضى ما قلناه ينبغي أن يخص هذا الخلاف بما لو وقع الوقف في تلك الأعصار، أما في مثل أوقاتنا هذه و نحوها مما تقدمها و تأخر عنها، فإنه لا ينبغي الريب في انصرافه إلى الإمامية لو كان الواقف منهم، و انما يبقى الشك فيما لو كان الواقف من أحد تلك الفرق الموجودة الآن، فإنه لا يبعد القول فيه بما ذهب اليه ابن إدريس عملا بشاهد الحال، و هكذا لو كان في الصدر السابق من أي واقف كان، و نقل عن التذكرة أنه نفى البأس عن قول ابن إدريس؛ و قال في المسالك:
و هو حسن مع قيام القرينة على إرادته لفريقه، و مع اشتباه الحال فالحكم العموم لعموم اللفظ كالمسلمين. انتهى.
و إنما خص الأصحاب الجارودية من فرق الزيدية بالذكر، لأنهم هم القائلون بإمامة علي (عليه السلام) بعده (صلى الله عليه و آله و سلم) و أما غيرهم من الصالحية و السليمانية و التبرية فإنهم يقولون بإمامة الشيخين، و ان اختلفوا في غيرهما، و الجارودية نسبة إلى أبى الجارود زياد بن المنذر، و الله العالم.
و منها الوقف على الإمامية
، و الظاهر أنه لا خلاف في أن المراد بهم الاثني عشرية القائلون بإمامة الأئمة الاثني عشر (صلوات الله عليهم)، و في الدروس صرح باشتراط اعتقاد عصمتهم، بناء على أنه لازم المذهب.
قال في المسالك: و في اشتراطه نظر و ان كان أولى، قال: و يلزمه اشتراط اعتقاد أفضليتهم على غيرهم، و غيره من معتقدات الشيعة المجمع عليها عندهم، و الفتاوى خالية عنه، و الظاهر يشهد بخلافه، انتهى.
أقول: لا يظهر لي وجه في هذا الخلاف و لا أثر يترتب عليه، فإنه لا ريب أن القول بإمامة الإمام (عليه السلام) مستلزم للقول بما يستتبع ذلك من عصمته و أفضليته و نحوهما، إذ المراد من الإمامية هو من قال بإمامتهم و اعتقدها مع جميع ما يتبعها، فتصريح الدروس باشتراط اعتقاد عصمتهم دون غيرها لا وجه له، لأن هذا حاصل من غير اشتراط، و التخصيص بالعصمة دون غيرها لا يظهر له وجه، و نزاعه
209
له في المسالك جيد إلا أن قوله «و ان كان أولى» لا أعرف له وجها وجيها.
و بالجملة فالحق أن هذه الأشياء كلها لازمة للقول بالإمامة، فاشتراطها لا يزيد على أصل حصولها، و تخصيص بعضها دون بعض ترجيح من غير مرجح، مع ما عرفت من أنه لا معنى لهذا الاشتراط بالكلية.
و يظهر من الدروس أيضا أن الخلاف في اشتراط اجتناب الكبائر آت هنا و رده في المسالك بأنه ليس كذلك، قال: و الفرق يظهر من دليل القائل باشتراطه، فان مفهوم الإمامية لا مدخل له في العمل مطلقا، بخلاف المؤمنين، انتهى و هو جيد.
و منها الوقف على الزيدية
فمن وقف عليهم كان ذلك للقائلين بإمامة زيد بن علي بن الحسين (عليهما السلام) فإنهم يجعلون الإمامة بعده لكل من خرج بالسيف من ولد فاطمة (عليها السلام) من ذوي الرأي و العلم و الصلاح، و لا فرق بين أن يكون الواقف منهم، أو من غيرهم هذا هو المشهور، و به قال الشيخان و الأكثر.
و قال ابن إدريس: هذا الإطلاق غير جيد، بل إذا كان الواقف زيديا، و ان كان الواقف إماميا لم يصح الوقف، بناء على أن وقف المحق على غيره باطل قال في المسالك بعد نقل ذلك عنه: و هو باطل.
أقول: و قد تقدم الكلام في ذلك في هذه المسئلة في صورة ما لو وقف على المسلمين، و قد بينا ثمة قوة ما ذهب اليه ابن إدريس، و مرجعه إلى أنه يحكم بكفر هؤلاء، و هم يقولون بإسلامهم، و هو يشترط القربة في الوقف، و هي هنا متعذرة، و هم لا يشترطونها، فيكون قول ابن إدريس جيدا على أصوله، و هو الحق في كل من الحكمين كما سلف بيانه، و الله العالم.
و منها الوقف على الجيران
و قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الجوار، فقيل أنه يرجع إلى العرف، و هو اختيار العلامة في المختلف، قال:
و المعتمد العرف، لأن ألفاظ الشرع يحمل عليه في غير الحقيقة الشرعية، و نحوه في
210
المسالك، قال: و وجهه واضح حيث لا يكون للفظه حقيقة شرعية و قيل: لمن يلي داره إلى أربعين ذراعا، و به قال الشيخان و أبو الصلاح و سلار و ابن البراج و ابن إدريس و ابن زهرة و ابن حمزة و القطب الكيدري، قال في الشرائع: و هو حسن، و به قال الشهيد، و إليه مال العلامة في التحرير.
قال في المسالك: و لم نقف لهم على مستند خصوصا لمثل ابن إدريس الذي لا يعول في مثل ذلك على الأخبار الصحيحة و نحوها، و العرف لا يدل عليه، فكيف فيما لا مستند له، و لعله عول على ما تخيله من الإجماع عليه، كما اتفق له ذلك مرارا.
و قيل: إلى أربعين دارا من كل جانب، قال في الشرائع و هو مطرح، و في المسالك: لم أعلم قائله، و جماعة من باحثى مسائل الخلاف كالإمام فخر الدين في الشرح و المقداد في التنقيح و الشيخ علي، أسندوا دليله إلى
رواية العامة عن عائشة (1) «عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) سئل عن حد الجوار؟ فقال:
أربعين دارا.
أقول: و العجب كل العجب منهم (رضوان الله عليهم) في هذه المسئلة حيث اختلفوا فيها كما عرفت، و قالوا ما قالوا، مع أنه قد روى ثقة الإسلام في الكافي هنا روايات تدل على القول الثالث الذي حكم المحقق في الشرائع بإطراحه، و جملة منهم كما عرفت إنما استندوا فيه إلى الرواية العامة، مع ان الكتاب المذكور في أيديهم، عاكفون على درسه و شرحه و مطالعته، فمن الأخبار المشار إليها ما رواه
في الحسن عن معاوية بن عمار عن عمرو بن عكرمة (2) و هو مجهول عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) كل أربعين دارا جيران من بين يديه، و من خلفه و عن يمينه و عن شماله.
____________
(1) الجامع الصغير ج 1 ص 147.
(2) الكافي ج 2 ص 669 ح 1، الوسائل ج 8 ص 491 ح 2 الباب 90.
211
و عن جميل بن دراج (1) في الصحيح أو الحسن عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «حد الجوار أربعون دارا من كل جانب من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله».
و عن عمرو بن عكرمة (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أتاه رجل من الأنصار فقال: انى اشتريت دارا في بني فلان و ان أقرب جيراني مني جوارا من لا أرجو خيره، و لا آمن شره قال:
فأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عليا و سلمان و أبا ذر و نسيت آخر و أظنه قال: و المقداد أن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بأنه لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه فنادوا بها ثلاثا، ثم أومي بيده الى كل أربعين دارا بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله».
و هذه الأخبار كما ترى واضحة الدلالة في القول المذكور، و به يظهر أنه هو المختار المنصور، و أن ما عداه بمحل من القصور، و لم أعثر على من تنبه لهذه الروايات و ذكرها في هذا المقام منهم سوى شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و العجب قوله بعد ذكرها و لولا شذوذ القول به بين أصحابنا لكان القول به حسنا لكثرة رواياته من الطرفين، و كثيرا ما يثبت الأصحاب قولا بدون هذا المستند، و العامة عاملون برواياتهم في ذلك، انتهى.
فان فيه أن الواجب على الفقيه و المأمور به من الله سبحانه و رسوله و أوصيائه هو القول بالدليل الوارد عنهم (عليهم السلام) و النهي عن القول بغير دليل، فضلا عن مخالفة الدليل الوارد، و من الظاهر أن هذا الاختلاف في هذه المسئلة إنما نشأ من حيث عدم الوقوف على هذه الأخبار، و الا فمع الوقوف عليها و العدول عنها الى ما لا دليل عليه بالكلية أمر لا تجوز نسبتهم إليه، لأنه موجب لحملهم على مخالفة الله سبحانه و رسوله تعمدا من دليل، و أي طعن أعظم منه، على أنه قد صرح هو
____________
(1) الكافي ج 2 ص 669 ح 2، الوسائل ج 8 ص 491 ح 1 الباب 90.
(2) الكافي ج 2 ص 666 ذيل الحديث 1، الوسائل ج 8 ص 487 ح 1.
212
نفسه بنحو ما قلناه من وجوب عمل الفقيه بما قام له الدليل عليه، و ان ادعى الإجماع على خلافه في مسئلة ما لو أوصى له بأبيه فقبل الوصية، حيث قال ما صورته: و الأقوى ما اختاره المصنف، و لا يقدح دعواه الإجماع في فتوى العلامة، لأن الحق أن الإجماع عند أصحابنا انما يكون حجة مع تحقق دخول المعصوم في جملة قولهم، فان حجيته انما هي باعتبار قوله عندهم، و دخول قوله في قولهم في مثل هذه المسئلة النظرية غير معلوم، و قد نبه المصنف في أوائل المعتبر على ذلك، ثم نقل عبارته الى أن قال: و هذا الإنصاف عين الحق، فإن إدخال قول شخص غائب لا يعرف قوله في قول جماعة معروفين بمجرد اتفاقهم على ذلك القول بدون العلم بموافقته لهم، تحكم بارد، و بهذا يظهر جواز مخالفه الفقيه المتأخر لغيره من المتقدمين في كثير من المسائل التي ادعوا فيها الإجماع إذا قام عنده الدليل على ما يقتضي خلافهم، و قد اتفق ذلك لهم كثيرا، لكن زلة المتقدم متسامحة عند الناس دون المتأخر، انتهى و هو جيد نفيس.
و منه يعلم أيضا ان ما يقول به هو و غيره من هذه الإجماعات المتناقلة في كلامهم و الجارية على رؤس أقلامهم مما لا اعتماد عليها و لا التفات إليها، كما حققه أيضا في رسالته التي في وجوب صلاة الجمعة، و حققناه بما لا مزيد عليه في باب صلاة الجمعة من كتاب الصلاة (1).
[تنبيهات]
بقي في المقام فوائد ينبغي التنبيه عليها
الأولى
- أنه على تقدير القول المختار من اعتبار الجوار بعدد الدور من الجوانب الأربعة، فالظاهر أنه لا فرق في ذلك بين الدار الصغيرة و الكبيرة، و لا بين قرب المسافة بين الدور و بعدها، عملا بالإطلاق و حصول مسمى العدد، و يحتمل اعتبار قرب المسافة نظرا إلى العادة و العرف في البلدان، و أن دورها في الغالب متصلة بعضها ببعض، أو يكون بينها مسافة يسيرة و لعله الأقرب، و هل يصدق هذا الحكم في سكان البادية؟ ظاهره في المسالك ذلك
____________
(1) ج 9 ص 361 الى ص 376.
213
حيث قال: و لو كان في أهل البادية اعتبر من ينزل حوله، و يسمى جاره عرفا أو مساحة أو عددا بالنسبة إلى البيوت المخصوصة، انتهى.
و فيه اشكال بناء على القول المختار، و أما على القولين الآخرين فيمكن ذلك و ان كان لا يخلو من بعد، و وجه الأشكال أن مورد النصوص تفسير الجوار بالدور و العدد المخصوص منها، و من المحتمل قريبا أن استمرار السكنى مما له مدخل في ذلك، بخلاف البادية التي ينتقل و يتحول من مكان الى آخر.
الثانية
- الظاهر أنه لا فرق في صدق الجوار بين أن يكون الدار ملكا للساكن أو إجارة أو عارية، و في التحرير توقف في استحقاق المستأجر و المستعير و ربما قيل: باحتمال التخصيص بالمملوكة، و على هذا فان كان مستعارا أو مستأجرا لم يستحق أحد منهما من الوقف شيئا.
أما المالك فلعدم حصول الجوار بالنسبة اليه، و أما الساكن فلعدم كونه مالكا، و على ما استظهرناه فهل يكون الغاصب كذلك؟ اشكال من صدق الجوار عرفا، و من أنه عدوان فلا يترتب عليه أثر، و تنظر فيه في المسالك، قال: لعدم المنافاة، و رجح في التحرير العدم.
الثالثة- لو باع الدار التي يسكنها
زال حقه من الجوار، و انتقل إلى المشتري ان سكنها، و لو عاد إليها عاد إليه الحق، و كذا المستأجر بعد انقضاء المدة يعود إلى كل منهما الحق متى حصل السكنى.
الرابعة- لو غاب عن الدار بسفر
مع ارادة الرجوع فأطلق بعضهم أنه لا يخرج بذلك عن الاستحقاق، و الأقرب التفصيل بأنه ان كانت الغيبة بعد السكنى و له فيها أهل و عيال، و أسباب، و إنما سافر لأمر من الأمور التي جرت العادة بالسفر لها، فلا ريب في صحة ما ذكروه من أنه لا يخرج عن الاستحقاق، سواء كان الوقف متقدما على سفره أم وقع في حال غيبته، و ان كانت غيبته عن الدار و ليس له فيها أهل و لا أسباب بالكلية، فما ذكروه محل اشكال، لعدم صدق
214
السكنى على هذه الحال على حال الغيبة، و الفرق بين الصورتين أنه باعتبار أنه في الدار من الأهل و العيال و الأسباب في الصورة الأولى في حكم الساكن، بل هو ساكن، و ان كان غائبا بنية الرجوع، بخلاف الثانية.
الخامسة [لو كان له داران يتردد إليهما في السكنى]
- قالوا: لو كان له داران يتردد إليهما في السكنى فهو جار لأهلهما فيستحق بسببهما معا لصدق الاسم مع وجود القدر المعتبر عند معتبرة، و لو كان يسكنهما على التناوب أو بحسب الفصول استحق زمن السكنى.
أقول: و في تخصيص الاستحقاق بزمن السكنى في الصورة الأخيرة تأييد لما قدمنا ذكره في الغائب عن داره، و ليس له فيها عيال و لا مال و لا أسباب و ان كان بنية الرجوع، فإنه لا يستحق زمن الغيبة شيئا.
السادسة [كيفية القسمة]
- ان قلنا ببناء الجوار على العرف كما هو أحد الأقوال المتقدمة، وجب قسمة الموقوف على رؤس الجيران مطلقا، و كذا ان قلنا بالأذرع، و يستوي فيه الصغير و الكبير و الذكر و الاثني، و ان قلنا بالبناء على عدد الدور، و الظاهر قسمته على عددها صغيرة كانت أو كبيرة ثم يقسم رصد كل دار على عدد أهلها، و قيل: بأنه يقسم من أول الأمر على عدد أهل الدور، و الله العالم.
و منها ما لو وقف على قومه
، قال الشيخان: يكون على جماعة أهل لغلته من الذكور دون الإناث، و تبعهما ابن البراج و ابن حمزة، و قال أبو الصلاح:
يعمل بالمعلوم من قصده، فان لم يعرف ما قصده عمل بعرف قومه في ذلك الإطلاق، و قال سلار: يكون لجماعة أهل لغته و لم يخص الذكور بالذكر.
و قال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول المذهب و تشهد بصحته الأدلة الظاهرة أنه يكون مصروفا إلى الرجال من قبيلته ممن ينطلق العرف بأنهم أهله و عشيرته، دون من سواهم، هذا الذي يشهد به اللغة و عرف العادة و فحوى الخطاب، قال الشاعر:
«قومي هم قتلوا أميم أخي * * * فإذا رميت يصيبني سهمي»
قال:
و إنما قلنا انه يختص بالذكر لقوله تعالى
215
«لٰا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ. وَ لٰا نِسٰاءٌ مِنْ نِسٰاءٍ» (1) و قول زهير: «فما أدرى و سوف أخال أدري أقوم أهل حصن أم نساء» قال: و أما الرواية التي وردت بأن ذلك على جميع أهل لغته فهي خبر واحد، لا يوجب علما و لا عملا من غير دليل يعضدها من إجماع أو كتاب أو سنة أو دليل أصل، فإذا عدم جميع ذلك و ورد خطاب مطلق حمل على العرف، و العرف ما اخترناه.
و قال العلامة في المختلف بعد نقل ذلك عنه، و الجواب المنع من ذلك، فان الشيخين أعرف باللغة، و مقاصد العرب، و المرجع في ذلك إليهم، انتهى.
أقول: الظاهر أن الأقرب من هذه الأقوال هو ما ذهب إليه ابن إدريس (رحمه الله عليه) لشهادة ما استند إليه من البيت بذلك، فإنه ظاهر فيما ادعاه من أن المراد بقومه هم الأهل و العشيرة، و جواب العلامة له بما ذكره مجرد تحامل عليه، كما هو عادته غالبا، و أما ما يشير إليه كلام ابن إدريس من ورود رواية بتفسير القول بما ذكره الشيخان و أتباعهما فلم تصل إلينا، و لا نقلها غيره و لو ثبتت لما كان عنها معدل، و كلام ابن إدريس هنا في المنع من العمل بها على قاعدته غير مسموع و لا موجه، و من المحتمل قريبا ان ابن إدريس ظن أن الشيخين إنما ذكرا ذلك لرواية وصلت إليهما، فطعن فيها بما ذكره، و مثل ذلك كثير في كلامه مع الشيخ من نسبة كلام الشيخ إلى أخبار الآحاد، مع أنه ليس ثمة خبر.
و منها ما لو وقف على عشيرته
، فقال الشيخان: إنه على الخاص من قومه الذين هم أقرب إليه في نسبه، و به قال سلار و ابن البراج و ابن إدريس، و قال:
أبو الصلاح بعمل بالمعلوم من قصده، فان لم يعرف عمل بعرف قومه في ذلك الإطلاق، قال: و روى أنه إذا وقف على عشيرته كان على الخاص من قومه الذين هم أقرب الناس إليه في نسبه، مع أنه قال عقيب ذلك: إذا وقف على قومه كان ذلك على جميع أهل لغته من الذكور دون الإناث.
____________
(1) سورة الحجرات- الاية 11.
216
أقول: ما ذكره هنا من الرواية أيضا فإنا لم نقف عليها و لم تصل إلينا، و من المحتمل قريبا ان هذه الرواية و كذا المذكورة في سابق هذا الموضع إنما هي من روايات العامة، فإن أصحابنا كثيرا ما يستسلفون رواياتهم في أمثال هذه المقامات سيما مع عدم ورود نص من طرقهم، و الله العالم.
المسئلة الخامسة [في شمول الوقف على ولده لأولاد البنات]:
إذا قال: وقفت على أولادي ثم على الفقراء، فإن أضاف إلى ذلك ما يدل على الاختصاص بأولاد الصلب كقوله أولادي لصلبي و نحوه أو ما يدل على العموم لكل من تناسل منه، بان يقول: على أولادي و الحال أنه لا ولد له لصلبه، أو يقول: إلا ولد البنات، أو إلا ولد فلان، أو قال: يفضل البطن الأعلى على التالي أو نحو ذلك، فإنه لا خلاف و لا إشكال في التخصيص في الأول، و العموم في الثاني، إنما الخلاف فيما لو أطلق، فالمشهور بين المتأخرين هو الاختصاص بأولاد الصلب، و هو قول الشيخ في المبسوط و ابن الجنيد، لأنهم الأولاد، إذ هم المتولدون من نطفته، و إطلاقه على أولاد الأولاد مجاز، و المشهور بين المتقدمين العموم لكل من تناسل منه ذكورا و إناثا حقيقة، و هو قول الشيخ المفيد و ابن البراج و أبو الصلاح و ابن إدريس و غيرهم.
و قال الشيخ المفيد في المقنعة: و إذا وقف الإنسان ملكا على ولده و لم يخص بعضا من بعض بالذكر و التعيين كان لولده الذكور و الإناث و ولد ولدهم، و قال ابن إدريس في السرائر: و إذا وقف على أولاده فحسب، و لم يقل لصلبه دخل فيهم أولاد أولاده، ولد البنين و البنات، بدليل إجماع أصحابنا، و لان اسم الولد يقع عليه لغة و شرعا، و قد أجمع المسلمون على أن عيسى (عليه السلام) ولد آدم، و هو ولد ابنته،
و قال النبي (1) (صلى الله عليه و آله و سلم) في الحسن و الحسين (عليهما السلام) «ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا».
و لا خلاف بين المسلمين في أن الإنسان لا يحل له نكاح بنت
____________
(1) البحار ج 43 ص 278.
217
بنته، مع قوله تعالى (1) «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ» و بنت البنت بنت بغير خلاف، فاما استشهاد المخالف على خلاف ما ذكرناه بقول الشاعر:
بنونا بنوا أبنائنا، و بناتنا * * * بنوهن أبناء الرجال الأباعد
فإنه مخالف لقول الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و قول الأمة و المعقول فوجب رده و لا يقضى بهذا البيت من الشعر على القرآن و الإجماع، إلى آخر كلامه زيد في إكرامه.
و العجب من أصحابنا المتأخرين حيث خصوا الخلاف في كون المتولد من البنت ابنا حقيقة أم لا؟ بالمرتضى (رضى الله عنه) و كلام هؤلاء المذكورين مما نقل هنا و ما لم ينقل صريح في أنه ابن حقيقة، و نحو ذلك كلام الشيخ في الخلاف في هذا الكتاب، فإنه قال: إذا وقف على أولاده و أولاد أولاده دخل أولاد البنات فيه، و يشتركون فيه مع أولاد البنين الذكر و الأنثى فيه سواء، ثم نقل أقوال العامة و اختلافهم إلى أن قال: دليلنا إجماع المسلمين على أن عيسى بن مريم من ولد آدم، و هو ولد ابنته، لأنه ولد من غير أب، و أيضا
دعاء رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الحسن ابنا و هو ابن بنته (2)، فقال: لا تزرموا على ابني أو لا تقطعوا عليه بوله، و كان قد بال في حجره فهموا بأخذه، فقال: ذلك».
فاما استشهادهم بقول الشاعر بنونا ثم ذكر البيت ثم قال فإنه مخالف لقول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و إجماع الأمة و المعقول، فوجب رده، على أنه إنما أراد بذلك الشاعر الانتساب، لأن أولاد البنت لا ينسبون إلى أمهم و إنما ينسبون إلى أبيهم، و كلامنا في غير الانتساب، انتهى و هو الحق الحقيق بالاتباع، و قد حققنا المسئلة بما لا مزيد عليه، و لا سبق سابق و لا لحق لا حق من علمائنا إليه في كتاب الخمس (3)، و الله العالم.
____________
(1) سورة النساء- الاية 23.
(2) معاني الأخبار ص 211 ط إيران سنة 1379.
(3) ج 12 ص 390 الى 416.
218
المسئلة السادسة [في الوقف على مصلحة فاتفق بطلان رسمها]:
المشهور أنه لو وقف على مصلحة فبطل رسمها، فإنه يصرف في وجوه البر ذكره الشيخ، و تبعه الجماعة من غير نقل خلاف، و يظهر من المحقق في النافع التوقف في ذلك، حيث أنه نسب الحكم بذلك الى قول، مؤذنا بالتردد فيه، و علل القول المشهور بأن الملك خرج عن ملك الواقف بالوقف الصحيح أولا، فلا يعود اليه، و القربة الخاصة قد تعذرت، فإنه يصرف الى غيرها من القرب، لاشتراك الجميع في أصل القربة، و لأنه أقرب شيء إلى مراد الواقف، و لا أولوية لما أشبه تلك المصلحة التي بطل رسمها، لاستواء القرب في عدم تناول عقد الوقف لها، و عدم قصد الواقف لها بخصوصها، و مجرد المشابهة لا دخل له في تعلقه بها، فيبطل القيد، و يبقى أصل الوقف من حيث القربة.
و اعترضه في المسالك قال: و فيه نظر، فإنه لا يلزم من قصد القربة الخاصة و ارادتها قصد القربة المطلقة، فإن خصوصيات العبادات مقصودة، و لا تلزم ارادة بعضها من ارادة بعض، انتهى.
و علل ما ذهب اليه المحقق في النافع بأنه حيث لا دليل على القول المذكور فالأصل بقاء الملك، خرج عنه ما نص الواقف عليه، فمع تعذره يرجع الوقف اليه مع وجوده، و مع فقده الى ورثته، كذا ذكره ابن فهد في شرحه على الكتاب.
أقول: لا يخفى أن المسئلة المذكورة و ان كانت غير منصوصة على الخصوص، الا أن لها نظائر في الشرع عديدة قد ورد الحكم فيها بما ذكره الأصحاب، و يرجع الجميع إلى أنه مع تعذر ما عينه المالك من وصية أو نذر أو نحو ذلك، مما يجب إنفاذه شرعا، فإنه مع تعذر المصرف المخصوص يصرف في وجوه البر، و لا يرجع الى الورثة، و ان خالف فيه بعض الأصحاب كما هنا، فأوجب رده الى الورثة مع تعذر المصرف، الا أنه محجوج بالأخبار الدالة على ما ذكرناه، فمن ذلك ما لو أوصى بأبواب عديدة من الوصايا فنسي بابا أو أبوابا، فإنه يصرف في وجوه
219
البر كما رواه
المشايخ الثلاثة عن محمد بن الريان (1) «أنه كتب الى أبى الحسن محمد بن علي (عليهما السلام) يسأله عن إنسان أوصى بوصية، فلم يحفظ الوصي إلا بابا واحدا منها كيف يصنع في الباقي؟ فوقع (عليه السلام) الأبواب الباقية يجعلها في البر».
و ذهب ابن إدريس هنا و الشيخ في المسائل الحائريات إلى أنه يرجع ميراثا حيث أن الوصية بطلت، لامتناع القيام بها، و النص كما ترى بخلافه، و من ذلك
ما رووه (عطر الله تعالى مراقدهم) عن علي بن يزيد صاحب السابري (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل يتضمن أنه أوصى رجل بتركته إلى على المذكور، و أمره أن يحج بها عنه، قال: «فنظرت فإذا هو شيء يسير لا يكفى للحج، فسألت الفقهاء من أهل الكوفة فقالوا: تصدق بها عنه، فتصدق به ثم لقي بعد ذلك أبا عبد الله (عليه السلام) فسأله و أخبره بما فعل، فقال: ان كان لا يبلغ أن يحج به من مكة فليس عليك ضمان و ان كان يبلغ ما يحج به فأنت ضامن».
و التقريب فيه أنه قرره على الصدقة إذا لم يبلغ الحج به من مكة، و لم يحكم بكونه ميراثا.
و في جملة وافرة من الأخبار (3) ما يدل على أن ما أوصى به بالكعبة أو كان هديا لها أو نذرا فإنه يباع ان كان جارية و نحوها، و ان كان دراهم فإنه يصرف في المنقطعين من زوارها، معللين (عليهم السلام) ذلك بأن الكعبة لا تأكل و لا تشرب، فيصرف ذلك الى المحتاجين من زوارها، و هو مؤيد لذلك.
و قد تقدمت الأخبار المشار إليها في آخر جلد كتاب الحج (4) و هذه الأخبار
____________
(1) الكافي ج 7 ص 58 ح 7، التهذيب ج 9 ص 214 ح 21، الفقيه ج 4 ص 162 الباب 110.
(2) الكافي ج 7 ص 21 ح 1 بعنوان على بن فرقد، التهذيب ج 9 ص 228 ح 46 بعنوان على بن مزيد.
و هما في الوسائل ج 13 ص 453 ح 1 و ص 473 ح 1.
(3) الكافي ج 4 ص 242 ح 2 و 3، التهذيب ج 5 ص 440 ح 175، الوسائل ج 9 ص 352 الباب 22.
(4) ج 17 ص 360.
220
و ان كان موردها الوصية كما في بعض، و الهدي كما في آخر، و النذر كما في ثالث و لم يتضمن شيء منها حكم الوقف إلا أنها مما يتبادر منها الى الفهم السليم و الذهن القويم كون الوقف كذلك، فان الجميع مشترك في الخروج عن المالك بما وقع من وقف أو وصية أو نذر أو نحوها، فعوده اليه عند تعذر المصرف المخصوص يتوقف على الدليل، و لا دليل، بقي الأمر في أنه متى لم يرجع اليه فلا بد من مصرف، و هذه الأخبار قد عينت مصرف ما اشتملت عليه بأنه أبواب البر، و ان كان مخصوصا في بعضها بنوع خاص، كما في أخبار الكعبة، فلا بد أن يكون مصرف الوقف كذلك للاشتراك في العلة، و إلا بقي بغير مصرف و هو باطل إجماعا.
و ما ذكره في المسالك في الاعتراض على دليل القول المشهور من أنه لا يلزم من قصده القربة الخاصة و ارادتها قصد القربة المطلقة الى آخره، وارد في هذه الأفراد التي ذكرناها، مع أن الأخبار قد صرحت بخلافه، و حينئذ فلا اعتماد عليه، إذ لو كان صحيحا في حد ذاته لكان كليا في جميع هذه الموارد، مع أن الأخبار كما دريت على خلافه.
و أما ما ذكره في المسالك على أثر الكلام المتقدم حيث قال: و التحقيق أن المصلحة المذكورة الموقوف عليها لا يخلو من أن يكون مما ينقرض غالبا أو يدوم غالبا أو يشتبه الحال، و الأول كما لو وقف على شجر مخصوص كالتين و العنب، و هذا الوقف يكون كمنقطع الأخر إذ هو بعض أفراده، فيرجع بعد انقضائه إلى الواقف، أو ورثته على الخلاف، حيث لا يجعله بعده لمصلحة أخرى تقتضي التأبيد.
و الثاني كالوقف على مصلحة عين من ماء مخصوص و نحوه مما تقضى العادة بدوامه، فيتفق عوزه أو على قنطرة على نهر يتفق انقطاعها، و انتقاله عن ذلك المكان حيث لا تكون العادة قاضية بذلك، و المتجه فيه ما ذكره الأصحاب لخروج الملك عن الواقف بالوقف، فعوده يحتاج الى دليل، و هو منتف، و صرفه في وجوه البر أنسب بمراعاة غرضه الأصلي ان لم يجز صرفه فيما هو أعم منه.
221
و الثالث كالوقف على مسجد في قرية صغيرة أو على مدرسة كذلك بحيث يحتمل انقطاع مصلحته كما يحتمل دوامها، و في حملها على أي الجهتين نظر، من أصالة البقاء فيكون كالمؤبد، و الشك في حصول شرط انتقال الملك عن مالكه مطلقا الذي هو التأبيد، فيحصل الشك في المشروط، فلا نحكم إلا بالمتيقن منه، و هو خروجه عن ملكه مدة تلك المصلحة، و يبقى الباقي على أصلية البقاء على ملك مالكه، انتهى.
ففيه أنه لا يخفى على المتأمل في هذا الباب أن أصل هذا الحكم لا نص عليه، و لا دليل في الوقف على المصالح، بل هو بمقتضى قواعدهم باطل غير صحيح، لما تقدم أن من جملة شروط الموقوف عليه عندهم أن يكون موجودا له أهلية التملك و الحكم بصحة الوقف على هذه الكيفية إنما استندوا فيه الى ان الوقف هنا في الحقيقة وقف على المسلمين، و ان كان باعتبار مصلحة خاصة، و حينئذ فإذا كان الموقوف عليه انما هو المسلمون، فإنه لا يلزم من بطلان تلك المصلحة بطلان الوقف، بل يجري في غيرها من مصالحهم بأي نحو كانت تلك المصلحة الموقوف عليها أولا من الأنحاء التي ذكرها.
بقي الكلام في أنه هل يتعين الأقرب فالأقرب إلى تلك المصلحة أم لا؟ وجهان أحوطهما الأول، هذا و عندي في أصل الحكم أعنى الوقف على المصالح اشكال، حيث لم أقف على خبر دال على شيء من أفراد هذا النوع، فضلا عن أن يدل عليه بأمر كلي، و غاية ما يتعلقون به و يدور في كلامهم الوقف على المساجد، و قد عرفت أن ظاهر الصدوق المنع منه، للخبرين المتقدمين، و ظاهر الخبرين المذكورين ذلك أيضا، و بذلك يظهر أن تعميم الكلام في المصلحة المذكورة إلى شمول مثل شجر العنب و التين و عين الماء كما تقدم في كلام شيخنا المشار اليه مشكل، و الله العالم.
[تنبيهات]
بقي فيما يتعلق بهذا المطلب أمور يجب التنبيه عليها،
أحدها: لو وقف على بنى تميم
222
أو بنى هاشم، فالمشهور الصحة، و يصرف إلى من يوجد منهم، و قال ابن حمزة: لا يصح الوقف على بنى فلان، و هم غير محصورين، و ما ذهب اليه ابن حمزة هو قول الشافعي، معللا بالجهل في المصرف، حيث انه متعذر استيعابهم و حصرهم و في التذكرة أسند القول بالصحة إلى علمائنا، مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، ورد ما ذكره ابن حمزة و الشافعي بالأخبار و الإجماع الدالين على صحة الوقف على الفقراء و المساكين و المؤمنين مع انتشارهم و عدم حصرهم.
أقول: و يدل عليه ما رواه
في الكافي عن على بن محمد بن سليمان النوفلي (1) قال: «كتبت الى أبى جعفر الثاني (عليه السلام) أسأله عن أرض وقفها جدي على المحتاجين من ولد فلان ابن فلان، و هم كثير متفرقون في البلاد، فأجاب: ذكرت الأرض التي وقفها جدك على فقراء ولد فلان بن فلان و هي لمن حصر البلد الذي فيه الوقف و ليس لك أن تتبع من كان غائبا».
و رواه الشيخ مثله، (2) إلا أنه قال: من ولد فلان بن فلان الرجل يجمع القبيلة، و هم كثير متفرقون في البلاد و في ولد الواقف حاجة شديدة فسألوني أن أخصهم بهذا دون سائر ولد الرجل الذي يجمع القبيلة،.
فأجاب (عليه السلام) كما تقدم.
و ثانيها [جواز الوقف على الذمي]
المشهور بينهم جواز الوقف على الذمي، لأن الوقف تمليك فهو كإباحة المنفعة و قيل: لا يصح، لأنه تشترط فيه نية القربة.
أقول: مرجع هذا الخلاف الى ما تقدم في الوقف على الكافر، فان اشترط التقرب في الوقف بطل هذا الوقف، و إلا فلا، و قد مر تحقيق الكلام في هذا المقام.
و ثالثها [بطلان الوقف لو لم يذكر المصرف]
- المشهور أنه لو وقف و لم يذكر المصرف بطل الوقف، لأن الوقف تمليك فلا بد من ذكر المالك، كالبيع و الهبة و نحوهما، فلو قال: بعت داري
____________
(1) الكافي ج 7 ص 38 ح 37.
(2) التهذيب ج 9 ص 133 ح 10، الوسائل ج 13 ص 308 ح 1.
223
بكذا أو وهبتها و لم يذكر المشتري و لا الموهوب بطل إجماعا.
أقول: و يؤيده ما تقدم ذكره من أن الوقف من العقود الناقلة للملك، فلا بد فيه من دليل يدل على ما يحصل به النقل، و العقد بهذه الكيفية لم يقم دليل على كونه ناقلا، و بالجملة بقاء الملك حتى يقوم دليل شرعي على نقله أقوى دليل في المقام.
و نقل عن ابن الجنيد الصحة، قال: و لو قال: صدقة لله و لم يذكر من تصدق بها عليه جاز ذلك، و كان ذلك في أهل الصدقات الذين سماهم الله لأن الغرض من الوقف الصدقة و القربة، و هو متحقق، و أورد عليه بأن الغرض من الوقف ليس مطلق القربة بل القربة المخصوصة، أقول: و الأظهر في رده هو ما قدمنا ذكره.
و رابعها [في اقتضاء عدم التفضيل بين الأولاد التساوي]
- المشهور أنه إذا وقف على أولاده أو اخوته أو ذوي قرابته و لم يفضل بعضا على بعض، فان مقتضى الإطلاق الاشتراك و التساوي بين الذكور و الإناث، و الأقرب و الأبعد، و الوجه في ذلك هو أن كل من تناوله أحد هذه الألفاظ و نحوها دخل في الحكم المذكور، و الاشتراك يقتضي التسوية، و بعض هذه الألفاظ و ان كان مخصوصا بالذكور كالأخوة مثلا إلا أنه لا خلاف في دخول الإناث تبعا، كما في سائر الأحكام الشرعية التي مورد الاخبار فيها الذكور، الا مع قيام دليل على التخصيص، و نقل عن ابن الجنيد هنا أنه مع الإطلاق يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، حملا على الميراث، و كذا لو قال: لورثتي و فيه أنه قياس مع الفارق.
المطلب السادس في اللواحق:
و فيه مسائل
[المسألة] الأولى [هل الوقف ينتقل عن ملك الواقف أم لا؟]
- اختلف الأصحاب (رحمهم الله) في أن الوقف هل ينتقل عن ملك الواقف أم لا؟ و على الأول فهل ينتقل إلى الموقوف عليه أم إلى الله تعالى؟ أم يفصل في ذلك بين ما كان الوقف لمصلحة أو جهة عامة؟ فإنه ينتقل الى الله عز و جل، و ما كان الموقوف عليه ممن يصح تملكه، فإنه ينتقل إليه، فالكلام هنا يقع في مقامين
الأول- أنه هل ينتقل الموقوف بالوقف عن ملك الواقف أم لا؟
المشهور الأول، و نقل عن ظاهر أبى الصلاح و أسنده في المسالك
224
أيضا إلى اختيار جمع من العامة أنه يبقى على ملك الواقف، احتج الأولون بأن الواقف يزيل التصرف في العين و المنفعة، فيزيل الملك كالعتق، و لأنه لو كان باقيا على ملكه لرجعت إليه قيمته.
احتج الآخرون
بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «حبس الأصل و سبل الثمرة».
و سيأتي أن التحبيس على الآدمي لا يخرج عن الملك، و لجواز إدخال من يريد مع صغر الأولاد، و لو انتقل لم يجز ذلك و دليل الصغرى قد تقدم، و الكبرى ظاهرة، و أجيب عن الأول بأن المراد بتحبيس الأصل أن يكون محبوسا على ملك الموقوف عليه، و ما في معناه لا يباع و لا يوهب و لا يورث، و الملك إنما زال على هذا الحد من الشرائط و مطلق الحبس لا يدل على عدم الخروج، فان منه ما يخرج عن الملك، مع أن هذا الحبس ليس هو ذلك، لأنه قسيمه، فلا يكون قسما منه، بل هذا حبس أقوى.
و عن الثاني بأن إدخال من يريد من أولاده ان سلم، فبدليل من خارج.
أقول: لا يخفى على من لاحظ الأخبار المتقدمة سيما أخبار صدقاتهم (2) (عليهم السلام) و وقوفهم أنه لا يرتاب في دلالتها على خروج الوقف عن ملك الواقف، و صيرورته كالأجنبي خصوصا ما دل على نصب القيم بذلك الوقف، و ان مورد الصدقة فيها التي هي عبارة عن الوقف كما عرفت هو العين بأن قصد المتصدق بها ابتغاء وجه الله سبحانه، بمعنى أنه أخرج هذه العين عن ملكه الى ملك أولئك الموقوف عليهم ابتغاء وجه الله، و يؤكده
قوله (3) (عليه السلام) في بعضها صدقة بتلا بتا.
أي منقطعة عن صاحبها الأول، و مبانة عنه، فان البتل لغة القطع، و البت أيضا بمعناه، و في حديث صدقة الكاظم (4) (عليه السلام) و في حديث صدقة أمير المؤمنين (عليه السلام) بأمواله هذه
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 511 الباب 2 ح 1.
(2) الكافي ج 7 ص 47 باب صدقات النبي (ص) و فاطمة و الأئمة (عليهم السلام) و وصاياهم. الوسائل ج 13 ص 311 الباب 10.
(3) الكافي ج 7 ص 54 ذيل ح 8، الوسائل ج 13 ص 311 الباب 10.
(4) الكافي ج 7 ص 49 ح 7، الوسائل ج 13 ص 311 الباب 10.
225
صدقة واجبة بتلة حيا أنا أو ميتا ينفق في كل نفقة يبتغى بها وجه الله الى آخره، و بتلة منقطة عن صاحبها.
و في صحيح محمد بن مسلم و الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قالا سألناه عن صدقة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و صدقة فاطمة (عليها السلام) قال: صدقتها لبني هاشم و بنى المطلب».
و اللام للملك، و نحوه رواية أبي مريم، و بالجملة فالظاهر أنه لا خلاف في ضعف القول المذكور، و الله العالم.
الثاني- أنه على تقدير الانتقال [إلى من ينتقل؟]
هل ينتقل الى الموقوف عليه أم الى الله سبحانه، أم التفصيل؟ أقوال: أشهرها الأول- قال الشيخ في المبسوط: إذا وقف و قبض زال ملكه عنه على الصحيح، و ملكه الموقوف عليه، و اختاره ابن إدريس و غيره، و نقل ابن إدريس عن بعضهم أنه ينتقل الى الله، و حكاه الشيخ في المبسوط عن قوم، و القول بالتفصيل اختيار شيخنا الشهيد الثاني في المسالك.
استدل للقول الأول، بأنه مال لثبوت أحكام المال فيه و لهذا يضمن بالقيمة، فكان ملكا كأم الولد، و بهذا النحو و ان كان مجملا استدل المحقق في الشرائع، و أوضحه في المسالك بأنه مال مملوك لوجود فائدة الملك فيه، و هي ضمانه بالمثل و القيمة، و ليس الضمان للواقف و لا لغيره، فيكون للموقوف عليه.
و أورد عليه بأنه ينتقض ذلك ببواري المسجد و الأمة، فإنها تضمن بالقيمة، و ملكها لله تعالى لا للناس.
و احتج القائل بالقول الثاني بأن الوقف ازالة ملك عن العين و المنفعة على وجه القربة، فانتقل الملك الى الله تعالى كالعتق، و لأنه ممنوع من بيعها فلو ملكها لكان له سبيل إلى إخراجها عنه، لأن
«الناس مسلطون على أموالهم» (2).
و أجاب في المختلف بظهور الفرق بين العتق و الوقف، قال: لأن العتق إخراج عن المالية
____________
(1) الكافي ج 7 ص 48 ح 2، الوسائل ج 13 ص 294 ح 8.
(2) البحار ج 2 ص 272 ح 7.
226
بالكلية، و ازالة التسلط عن العبد بالنسبة الى كل أحد و المنع من البيع، لا يقتضي الخروج عن الملك، كأم الولد.
و أما القول بالتفصيل فاستدل عليه في المسالك قال: بعد ان اختار القول بالانتقال عن الواقف لكن هذا إنما يتم في الموقوف عليه المعين المنحصر، أما لو كان على جهة عامة أو مسجد أو نحوه فالأقوى أن الملك فيه لله تعالى لتساوى نسبة كل واحد من المستحقين إليه، و استحالة ملك كل واحد، أو واحد معين، أو غير معين للإجماع، و استحالة الترجيح، و لا المجموع من حيث هو مجموع، لاختصاص الحاضر به، انتهى.
أقول: لا يخفى على من راجع الاخبار و قطع النظر عن كلامهم فان المستفاد منها أنه متى كان الموقوف عليه موجودا منحصرا فإنه ينتقل الملك إليه، و لهذا دلت على اشتراط قبضه، أو قبض وليه، ليتم بذلك الملك، و يمتنع الرجوع فيه كما تقدمت الأخبار به، و متى كان الموقوف عليه جهة عامة كالفقراء أو مصلحة كالمساجد فإن غاية ما يفهم منها هو أنه بالوقف يخرج من ملك الواقف، و أما أنه يصير إلى الله سبحانه أو غيره، فلا دلالة في شيء من الأخبار عليه، و إنما يدل على أنه بعد الوقف و خروجه عن ملك الواقف يجب إبقاء العين، و لا يجوز التصرف فيها ببيع و لا هبة و لا ميراث و لا نحو ذلك من الأمور الموجبة لإخراجها عما صارت إليه و صرف حاصلها في تلك الجهة، أو المصلحة المعينة.
و أما أنه يشترط القبض فيها كما هو المشهور من أن القبض شرط في صحة الوقف مطلقا، فيجب القبض هنا من القيم الذي ينصبه الواقف، أو الحاكم الشرعي أو غير ذلك، فلا دليل عليه في الأخبار، و مورد القبض فيها إنما هو فيما إذا كان الموقوف عليه موجودا معينا محصورا، على أن المراد من كونه في هذه الصورة ملكا لله كما صرح به في المسالك إنما هو الكناية عن عدم انتقاله الى أحد من الآدميين.
227
قال: و المراد بكون الملك لله تعالى انفكاك الموقوف عن ملك الآدميين و اختصاصهم، لا كونه مباحا كغيره مما يملكه الله تعالى، انتهى و هو يرجع الى ما ذكرناه.
و في حديث وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) أمواله (1) على جهة الطاعات و القربات و صلة الرحم بعد أن جعل الولي القيم بذلك الحسن ثم الحسين (عليهما السلام) ثم من يختاره الحسين (عليه السلام) ما صورته
«و أن يشترط على الذي يجعله إليه ان يجعل المال على أصوله، و ينفق الثمرة حيث يأمره به من سبيل الله، و ذوي الرحم من بنى هاشم و بنى المطلب القريب و البعيد لا يباع منه شيء، و لا يوهب، و لا يورث» الحديث،.
و ليس فيه كما ترى أزيد من أنه بعد الوقف يجب إبقاء أصوله على ما هي، و لا يتصرف فيها بشيء من هذه التصرفات و نحوها، و يصرف الحاصل في الوجه الذي عينه، و لا دلالة فيه على الانتقال لأحد، و هو ظاهر في الرد على القول المشهور من أنه ينتقل في هذه الصورة إلى الموقوف عليه، و ليس في الخبر أيضا على طوله ما يشعر بأنه أقبضه أحدا، بل ظاهره أنه مدة حياته (عليه السلام) كان في يده يصرفه في الوجوه المذكورة، و بعد موته فوض الأمر فيه الى الحسن ثم الى الحسين (عليهما السلام) ثم من ذكره في الخبر، و لو كان القبض في هذه الصورة شرطا في صحة الوقف لوقعت الإشارة إليه في الخبر، و احتمال أنه قبضه بالولاية العامة و ان أمكن، إلا أن الظاهر بعده، إذ هو فرع وجود الدليل على اشتراط القبض في هذه الصورة و نحوها، و قد عرفت أنه لا دليل على ذلك فيها سوى الصورة المتقدمة.
فروع:
الأول [كيفية إثبات الوقف]:
قال في المختلف: ان قلنا بأن الوقف ينتقل الى الموقوف عليه ثبت بشاهد و يمين، لأن المقصود منه المال، و ان قلنا انه ينتقل الى الله تعالى لم يثبت
____________
(1) الكافي ج 7 ص 49 ح 7، الوسائل ج 13 ص 312 ح 4.
228
بالشاهد و اليمين، كالعبد لو ادعى العتق و يحتمل عندي ثبوته بالشاهد و اليمين، و ان لم ينتقل إليه، لأنه يحلف لتحصيل غلته و منفعته، فلما كان المقصود من الوقف المنفعة، و هي مال يثبت بالشاهد و اليمين، بخلاف حرية العبد، لان المقصود منها تكميل الأحكام، انتهى.
أقول: ما ذكره جيد فيما إذا كان الموقوف عليه معينا محصورا، أما لو كان الموقوف عليه الجهة أو المصلحة كما هو مقتضى القول بالتفصيل الذي شرحناه، فإشكال لما عرفت من أن غلة الوقف هنا لا مالك لها معينا، ليقيم الشاهد، و يحلف معه، سيما إذا كان الوقف لمسجد و نحوه، و القيم لا تعلق له بذلك الا من حيث صرف الغلة و حفظ الأصول و نحو ذلك، و لأنه غير مالك للغلة، إذ هو غير داخل في الموقوف عليه، و الله العالم.
الثاني [عدم صحة إعتاق العبد الموقوف عليه]:
قالوا: لو أعتق العبد الموقوف عليه لم يصح، لتعلق حق البطون به قيل: في توجيهه لما كان الحكم بانتقال الملك الى الموقوف عليه ربما أوهم جواز تصرفه في العين بالعتق و غيره، و الأمر ليس كذلك، نبهوا على منعه أيضا، و عللوا بأنه و ان كان مالكا الا أن الحق غير منحصر فيه، بل مشتركا بينه و بين ما بعده من البطون، و ان لم تكن موجودة بالفعل، فتصرفه فيه بالعتق يبطل حقهم.
أقول: لا يخفى أن الأخبار قد تكاثرت بأن الوقف لا يباع و لا يوهب و لا يورث بعد أنه عقد صيغة الوقف، و الانتقال عن الواقف يجب إبقاؤه على حاله، لا يتصرف فيه بما يوجب النقل بأي وجه كان، و هذه الألفاظ إنما خرجت مخرج التمثيل، و المراد إنما هو ما ذكرناه كما يشير اليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما تقدم قريبا «و أن يجعل المال على أصوله، و ينفق الثمرة حيث أمره، الى أن قال: لا يباع منه شيء و لا يوهب، و لا يورث و في آخر لاتباع و لا تورث، و لا توهب، فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين».
و في ثالث لاتباع و لا توهب حتى يرثها وارث السموات و الأرض.
229
و في رابع حتى يرثها الله الذي يرث السموات و الأرض» و المراد بجعل المال على أصوله يعني جعله على الوجه الذي عينه الواقف من كونه لا يتصرف فيه بشيء من الوجوه الناقلة، الى أن يرثه وارث السموات و الأرض، و لا ريب أن العتق تصرف ناقل، و مخرج عما عينه الواقف، سواء كان الوقف- بعد الموقوف عليه- راجعا الى البطون أو أحد الجهات العامة و المصالح، و به يظهر ما في العبارة المتقدمة من الحزازة،
الثالث [في وقف أحد الشريكين حصته من العبد و إعتاق الآخر]:
لو كان العبد مشتركا بين اثنين بالمناصفة، فوقف أحدهما نصفه، ثم أعتق الآخر نصفه فهل يسرى عليه و يعتق أجمع، أم لا؟ قالوا: يبنى على أن الملك في الوقف هل بقي للواقف، أم انتقل الى الله تعالى، أم إلى الموقوف عليه؟ فعلى الأولين لا سراية لأنه على تقدير عدم انتقاله عن الواقف في معنى إعتاقه، و هو ممتنع أيضا لما يستلزم من إبطال حق الموقوف عليه، و على تقدير انتقاله الى الله تعالى يكون في معنى التحرير الذي لا يقبل التحرير ثانيا.
و أما على تقدير انتقاله الى الموقوف عليه فان الأكثر على عدم السراية أيضا، قيل: بل كاد أن يكون إجماعا، و علل بأن العتق لا ينفذ في الحصة الموقوفة مباشرة، كما تقدم، فبالأولى أن لا ينفذ فيها سراية.
و قيل: بالسراية و الفرق بين المباشرة و السراية بما هو مذكور في كلامهم، و لهم في المقام كلام لا فائدة في التعرض لذكره، فإنه لا يخفى على من لا حظ أخبارهم (عليهم السلام) في المقام، أن جميع ما أطالوا به من الكلام و النقض و الإبرام كله نفخ في غير ضرام لأنها قد صرحت كما تقدم ذكره بأنه بعد عقد الوقف الجامع لشرائط الصحة يجب إبقاء العين الموقوفة، بمعنى أنه لا يتصرف فيها بنقل، و انما المتصرف في حاصلها بصرفه على من وقف عليه من بطون أو جهة أو مصلحة، و أنه يجب إبقاء العين على الوجه المذكور الى أن يرثها الله تعالى وارث السموات و الأرض، و هو
230
كناية الى التأبيد إلى يوم القيمة، و هو معنى
الخبر النبوي (1) «حبس الأصل و سبل الثمرة».
و لا معنى لحبسه إلا عدم التصرف فيه بوجه ناقل عما هو عليه بعد الوقف، و نحوه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) المتقدم، و يجعل المال على أصوله و ينفق الثمرة» و بذلك يظهر لك أن هذا الخلاف و التفريع على ما ذكروه من تلك الأقوال التي قد عرفت خروج أكثرها عن جادة الاعتدال كله تطويل بغير طائل و الله العالم.
الرابع [في بيان من يجب عليه نفقة العبد الموقوف]:
قالوا: مما يتفرع على الخلاف المتقدم نفقة العبد الموقوف، فان جعلناه للموقوف عليه، كما هو أحد الأقوال، ففي نفقته وجهان: بل قولان:
أحدهما للشيخ في المبسوط، و هو أنها في كسبه، لأن نفقته من شروط بقائه، كعمارة العقار و هي مقدمة على حق الموقوف عليه، و لأن الغرض بالوقف انتفاع الموقوف عليه، و هو موقوف على بقاء عينه، و انما يبقى بالنفقة فيصر كأن قد شرطها من كسبه.
و الثاني- و الظاهر أنه الأقرب و قواه في المسالك و هو اختيار العلامة في المختلف و غيره أيضا، وجوب النفقة على الموقوف عليه، لأنه ملكه، و النفقة تابعة للملك.
أقول: و يؤيده أن منافعه مستحقة للموقوف عليه بالوقف، و ربما أوجب سعيه في كسب النفقة و تحصيلها تفويت المنافع المذكورة، فلا ثمرة للوقف حينئذ و ما تقدم من الاستدلال على كونها في كسبه بأن النفقة من شروط بقائه مسلم، و لكن لا يستلزم ذلك أن يكون من كسبه، بل الواجب على الموقوف عليه ذلك للغرض المذكور.
و ان قلنا بكونه لله عز و جل فإنهم بنوه على أن نفقة مستحق المنافع كالأجير الخاص و الموصى بخدمته على مستحقها، أم لا؟ فان جعلناها عليه، فهي هنا على الموقوف عليه أيضا، و إلا ففي كسبه، فان تعذر ففي بيت المال، و ان قلنا بكونه للواقف فإشكال.
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 511 الباب 2 ح 1.
231
قال في المسالك: و على القول بكون المالك هو الواقف، فالنفقة على الموقوف عليه على الأول، و على الواقف على الثاني، انتهى.
و هو غير ظاهر المراد، و لعل ذلك لغلط في العبارة المذكورة و بالجملة حيث كانت المسئلة خالية من النص فللتوقف فيها مجال، إلا أنه يمكن الكلام في ذلك جريا على قواعدهم بأن يقال: انك قد عرفت آنفا أن الأظهر هو انتقال الوقف الى الموقوف عليه ان كان معينا، و ان كان جهة أو مصلحة فهو غير مملوك لأحد، و هو الذي عبروا عنه بأنه ملك لله سبحانه، و على الأول فإن مقتضى القول بالملك وجوب النفقة على المالك كما هو أحد القولين المتقدمين، و أشهرهما و أظهرهما.
و على الثاني فإن الظاهر أن النفقة تكون في كسبه مقدمة على حق الموقوف عليه، فان قصر كسبه ففي بيت المال ان كان، و إلا وجبت كفاية على المكلفين كغيره من المضطرين، و أما البناء على أن نفقته على مستحق المنافع كما تقدم، فالظاهر بعده، لان مستحق المنافع قد لا يكون له مال، من أجل ذلك كان أحد الأقوال فيه أن نفقته على نفسه، و ليست على المستأجر كما تقدم تحقيق القول فيه في كتاب الإجارة على أن البناء على نقل ذلك لا يخرج عن القياس الخارج عن أصول الشريعة.
و لو مات العبد فمؤنة تجهيزه كنفقته حال حياته، و لو كان الوقف عقارا فإنهم صرحوا بأن نفقته حيث شرط الواقف، فان انتفى الشرط ففي غلته مقدمة على الحق الموقوف عليه، فان قصرت لم يجب الإكمال.
أقول: و يدل على الإخراج من الغلة مقدما على حق الموقوف عليه
قول الكاظم (عليه السلام) (1) في حديث وقف أرضه المتقدم ذكره، «يقسم و إليها ما أخرج الله من غلتها بعد الذي يكفيها من عمارتها، و مرافقها بين ولد موسى الى آخره».
و لو عدمت الغلة لخراب الوقف و اضمحلاله لم تجب عمارته، بخلاف الحيوان لوجوب صيانة روحه.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 53 ح 8، الوسائل ج 13 ص 314 ح 5.
232
و لو صار العبد الموقوف مقعدا أو عمى أو جذم انعتق، و بطل الوقف و سقطت عنه الخدمة، و قضية ذلك سقوط النفقة عن مولاه، لأن وجوب النفقة عليه من حيث أنه مملوك له، و الآن قد صار حرا، و على هذا فنفقته مع عدم وجود باذل من الواجبات الكفائية على المسلمين كغيره من المضطرين، و الموقوف عليه من الجملة، فالوجوب شامل له، و ان تغاير الوجه و الله العالم.
المسئلة الثانية [في جناية العبد الموقوف على غيره]:
لو جنى العبد الموقوف على غيره عمدا أو خطأ أو جني عليه فهنا مقامات ثلاثة
الأول- أن يجني عمدا
و لا خلاف في أنه يلزمه القصاص و ان استلزم إبطال الوقف عمدا، بما دل على وجوب القصاص من الجاني.
قال في المسالك: و هو موضع وفاق، ثم انه ان كانت الجناية دون النفس قالوا: يبقى الباقي وقفا لوجود المقتضي، فإن الوقف لا يبطل بتلف بعض الموقوف و هو ظاهر لا اشكال فيه و لا خلاف، و ان كانت الجناية النفس، فان اختار الولي القصاص كان ذلك له، و لا إشكال أيضا، و ان اختار الولي الاسترقاق الذي هو أحد فردي الحقين المخير فيهما الولي فيما إذا كان الجاني عمدا عبدا، فهل له ذلك أم لا؟
قولان: فقيل: بالأول، لأن المجني عليه له إبطال الوقف و إخراجه عن ملك الموقوف عليه بالقتل قطعا، و العفو عنه أمر مطلوب شرعا، و راجح قطعا، و في استرقاقه جمع بين حق المجني عليه، و فضيلة العفو، فيكون أولى من القتل، و الى هذا القول مال في المسالك فقال: انه الأقوى.
و قيل: بالثاني و به جزم المحقق في الشرائع و العلامة في الإرشاد و التحرير و في القواعد بعد أن أفتى بذلك قال: على اشكال، و علل القول المذكور بأن الوقف يقتضي التأبيد ما دامت العين باقية، و هو ينافي استرقاقه، لاستلزام بطلان الوقف مع بقاء عينه و خروجه عن الوقف في بعض الموارد لدليل خارج، لا يقتضي التعدي بحيث لا دليل.
أقول: و من تعارض هذين التعليلين استشكل في القواعد، إلا أن شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حيث اختار القول الأول أجاب عن هذا التعليل، بأن
233
التأبيد الواجب في الوقف إنما هو من حيث لا يطرء عليه ما ينافيه، و هو موجود هنا فيما هو أقوى من الاسترقاق، انتهى.
و بالجملة فالمسئلة لخلوها من النص محل اشكال، لما عرفت من عدم الركون الى أمثال هذه التعليلات، في تأسيس الأحكام الشرعية، فكيف مع تعارضها، الا أنه يمكن أن يؤيد ما ذكره شيخنا المتقدم بإطلاق الأخبار الواردة في المسئلة.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب عن أبان بن تغلب (1) عمن رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا قتل العبد الحر دفع الى أولياء المقتول، فان شاؤا قتلوه، و ان شاؤا حبسوه، و ان شاؤا استرقوه يكون عبدا لهم».
و بهذا المضمون أخبار آخر هي المستند في أصل المسئلة، و التقريب فيها هو أن العبد المذكور في هذه الأخبار شامل للموقوف و المطلق، فإنه بالوقفية لم يخرج عن العبودية، و قد دلت على أن الحكم في العبد القاتل عمدا التخيير بين القتل و الاسترقاق.
نعم ظاهر كلامهم يدعون الخروج عما دلت عليه هذه الأخبار بالنسبة إلى جواز اختيار الاسترقاق بالمعارضة، بأن الوقف يقتضي التأبيد ما دامت العين موجودة، فلا يجوز الاسترقاق و إلا للزم بطلان الوقف مع بقاء عينه، و غاية ما يلزم من هذه المعارضة، أنه قد تعارض هنا عموم الأخبار الدالة على جواز استرقاق العبد القاتل عمدا أعم من أن يكون وقفا أو طلقا، و عموم الأخبار الدالة على أن الوقف يقتضي التأبيد ما دام الموقوف موجودا أعم من أن يكون عبدا قاتلا أو غيره، و تخصيص أحد العمومين بالآخر يحتاج الى دليل، فمن أين يرجح ما ادعوه من تخصيص العموم الأول بالثاني دون العكس، بل يمكن ترجيح العكس، باتفاقهم على الخروج عن العموم الثاني باختيار جواز القتل لهذه الأخبار، و هي كما دلت على ذلك دلت على جواز اختيار الاسترقاق، فالواجب تخصيص العموم الثاني بالأول، و الله العالم.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 304 ح 6، التهذيب ج 10 ص 194 ح 63، الوسائل ج 19 ص 73 ح 2.
234
الثاني- أن تكون الجناية خطأ
و قد اختلف كلامهم في هذا المقام فقال الشيخ و جماعة: بأنها تتعلق بمال الموقوف عليه، لتعذر استيفائها من رقبته، إذ لا يتعلق الأرش إلا برقبة من يباع، و البيع هنا ممتنع من حيث الوقف، و حق الموقوف عليه، فالواجب عليه أن يفديه بالأرش.
قال في المبسوط: إذا جنى العبد الموقوف جناية توجب المال لم يتعلق إلا برقبة من يباع فيه، فأما رقبة من لا يباع فالأرش لا يتعلق بها، إذا ثبت هذا فمن قال: أن الملك ينتقل اليه، فهو في ماله، و من قال: ينتقل الى الله قيل:
من مال الواقف، لأنه الذي منع الرقبة من تعلق الأرش بها، و قيل: يكون في بيت المال كالحر، انتهى.
و ذهب المحقق في الشرائع إلى أنه يتعلق بكسبه، قال: لأن المولى لا يعقل عبدا، و لا يجوز إهدار الجناية، و لا طريق إلى عتقه، فيتوقع، و بهذا القول صرح العلامة في التحرير و المختلف.
قال في المسالك: و هو الأقوى، و هو اختيار الشهيد في الدروس، معللا بما ذكره المحقق بأن كسبه أقرب الأشياء الى رقبته، فإذا تعذر تعلقه برقبته تعلق بما هو أقرب إليه، و احتمل في المختلف تعلقها برقبته، فيباع فيها كما يقتل في العمد، و البيع أدون من القتل، و هذا كله مبني على انتقال الملك الى الموقوف عليه.
أما على القول بانتقاله الى الله، أو القول ببقائه على ملك الواقف كما تقدم نقله عن أبى الصلاح و بعض العامة، فإنهم قالوا: يحتمل تعلق أرش الجناية بالوقف، لأنه بوقفه منع من تعلق الأرش برقبته، و يحتمل أن تكون في بيت المال كالحر المعسر.
أقول: قد عرفت من كلام الشيخ المتقدم أنه حكى هذين الاحتمالين قولين في المسئلة، و زاد بعضهم على هذا التقدير احتمال التعلق بكسبه أيضا، و الظاهر
235
أن احتمال تعلقها ببيت المال أو الكسب إنما هو بناء على القول بالانتقال الى الله، و إلا فعلى القول بالبقاء على ملك الواقف، فالمناسب هو كون ذلك على الواقف، للتعليل المتقدم، ثم انه على تقدير القول بتعلقها بكسبه فلو لم يكن كسوبا قال في المسالك: اتجه تعلق الجناية برقبته، و جواز بيعه كما يقتل في العمد، و البيع أدون من القتل.
أقول: قد تقدم في كلام العلامة احتمال التعلق بالرقبة، و جواز البيع مطلقا، و من هنا أورد الشهيد (رحمة الله عليه) في شرح الإرشاد، و على عبارة الشيخ المتقدم الدالة على تعذر استيفاء الجناية من رقبته، لعدم صحة بيعه، بأن هذا إنما يتم لو لم يكن على منحصر، و كان المنحصر موسرا، و قد تلخص من ذلك احتمال التعلق بالرقبة مطلقا و مع العجز عن الكسب، و مع كون الموقوف عليه منحصرا معسرا، هذا حاصل كلامهم في المقام، و المسئلة محل توقف و اشكال، و الله العالم.
الثالث [في الجناية على العبد الموقوف]
- لو جنى عليه فان كانت جناية توجب القصاص كأن يقتله عبد مثله، فظاهر كلامهم تفريع ذلك على الخلاف المتقدم، فان قلنا بأن الملك ينتقل الى الموقوف عليه، فإنه يصير القصاص اليه كما لو كان المقتول عبده، و لو قلنا بانتقاله الى الله تعالى مطلقا أو على التفصيل المتقدم، فإنه يكون ذلك الى الحاكم الشرعي، لأنه ولي هذه المصالح المتعلقة به سبحانه، و لو قلنا ببقائه على ملك الواقف كان حق القصاص إليه، و قد عرفت فيما تقدم أن الأصح هو التفصيل، بأنه ان كان الموقوف عليه منحصرا، فإنه للموقوف عليه، و ان كان على جهة عامة أو مصلحة عامة فإنه لله سبحانه، و على هذا يترتب القصاص هنا، فيقال: بكونه للموقوف عليه على الأول و الحاكم على الثاني، و أما إذا أوجب القتل الدية كأن يقتل خطأ أو أخذت صلحا أو يكون القاتل حرا، أو فيه شيء من الحرية، أو أوجبت الجناية أرشا كقطع يده مثلا، و ملخصه أن تكون الجناية موجبة للمال، فهل يكون ذلك
236
للموجودين من الموقوف عليهم وقت الجناية، أو أنه يشترى به عبد أو بعض عبد يكون وقفا؟ قولان.
قال في المبسوط: لو جني على العبد الموقوف عليه، و وجبت قيمته، قال قوم: يشترى بها عبد آخر يقوم مقامه، سواء قيل: انتقل ملكه الى الله، أو إليه، لأن حق البطون الأخر تعلق برقبة العبد، فإذا مات أقيم غيرها بقيمتها مقامها، و فيهم من قال: انتقل القيمة إليه، و هو الأقوى، لأنا قد بينا أن ملكه له، و الوقف لم يتناول القيمة، و الأول قول من قال: ينتقل الى الله، انتهى.
و ظاهره أنه على تقدير القول بانتقال الملك الى الموقوف عليه كما هو مذهبه فإنه يصير المال اليه، و على تقدير القول بأنه ينتقل الى الله، فإنه يشتري به عبد آخر يقوم مقامه، و يكون وقفا.
و قال العلامة في المختلف: و المعتمد اقامة غيره مقامه، لعدم اختصاص البطن الأول بملكه، و لهذا يملك البطن الثاني عن الواقف عن البطن الأول، و الوقف ان لم يتناول القيمة لكنها بدل عن العين، انتهى.
و هو صريح في اختيار القول الثاني، كما أن كلام الشيخ صريح في اختيار الأول، و هو اختيار المحقق في الشرائع أيضا، و العلامة في التحرير، و جعل الثاني احتمالا، و ظاهر الشهيد في الدروس، و شرح الإرشاد التوقف في المسئلة، حيث اقتصر على نقل القولين، و لم يرجح شيئا منهما في البين، و هو في محله.
و توضيح أدلة القولين زيادة على ما تقدم، أما القول الأول فلأن الدية عوض رقبته، و الرقبة ليست ملكا تاما للموجودين، بل للبطون اللاحقة منها حق و ان لم يكن بالفعل، لكنه بالقوة القريبة منه، لحصول السبب و المعدات للملك، و لم يتخلف منها سوى وجودهم، و حينئذ فلا سبيل إلى إبطال حقهم، فيجب أن يشترى به عبدا، و بعض عبد يكون وقفا، إبقاء للوقف بحسب الإمكان، و صيانة له عن الابطال، و توصلا الى غرض الواقف، و لأن الوقف تابع لبقاء المالية، و لهذا
237
يجب الشراء بقيمته- حيث يجوز بيعه- يكون وقفا.
و أما الثاني فوجهه أن الوقف ابتداء متعلق بالعين، لأن موضوعه العين الشخصية لا غير و قد بطلت بإتلافه، فامتنع أن يكون لمن سيوجد من البطون فيه حق، لأنهم حال الحياة غير مستحقين، و وقت صيرورتهم مستحقين قد خرج التالف عن كونه وقفا، هكذا قرره في المسالك.
ثم أنه أورد على الدليل الثاني حيث أنه اختار القول الأول ما لفظه:
و يضعف بأن القيمة بدل عن العين، فيملكها على حد ما يملكها، و يتعلق بها حق من يتعلق حقه بها و الوقف و ان لم يتناول القيمة مطابقة، لكنه يتناولها اقتضاء، من حيث أنها قائمة مقام العين، و لأن الوقف أقوى من حق الرهن، و هو يتعلق بالقيمة، و الوقف أقوى، و حينئذ فالأقوى الأول.
أقول: لو صح بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العقلية، لاتجه قوة ما قواه (قدس سره) سيما أنه الأوفق بالاحتياط المطلوب في أمثال هذه المقامات الخالية من النصوص، إلا أنك قد عرفت ما فيه في غير مقام مما تقدم.
[تنبيهات]
بقي في المقام فوائد يحسن التنبيه عليها:
الاولى [الخلاف في الدية خاصة أم يعم الأرش؟]:
ظاهر الأكثر أن محل الخلاف ما قدمنا ذكره من الجناية الموجبة للمال دية أو غيرها، و الظاهر من كلام المحقق في الشرائع أن محل الخلاف الدية خاصة، و أما ما كان أرشا فإنه للموجودين من غير خلاف، و مقتضى الدليل المتقدم يؤيد ما ذكره الأكثر.
الثانية: أنه على تقدير شراء عبد أو بعض عبد يكون وقفا، فمن الذي يتولى ذلك؟
قال شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد: و الأجود تفويضه الى الناظر الخاص، فان تعذر فالناظر العام، و ان تعذر فالموقوف عليه، قضية للشرط في النظر عموم حكم الحاكم على البطون، و أولوية الموقوف عليه، و في المسالك
238
أنه يبنى على الخلاف المتقدم، فان حكمنا بالملك للموقوف عليه، فان حق الشراء راجع إليه، لأنه المالك لذلك، و البطون اللاحقة تابعة لهم و يحتمل الحاكم نظرا الى حق البطون اللاحقة، و أن للحاكم حق الولاية عليهم دون البطون المتقدمة و ان حكمنا بكونه لله سبحانه فللحاكم لا غير، و ان حكمنا للواقف فالوجهان الأولان.
أقول: و لو تعذر الحاكم فالظاهر قيام عدول المؤمنين بذلك، كما في غير هذا الموضع من الأمور الحسبية، و قيل: بتقديم الموقوف عليه، و الأظهر الأول.
الثالثة: انه هل يصير وقفا بمجرد الشراء أم يفتقر إلى الصيغة؟
قال في المسالك: كل محتمل، و ان كان الأول أقوى، لأنه بالشراء يصير بدلا عن العين كالرهن و على الثاني يباشره من يباشر الشراء أقول: و بالأول صرح شيخنا الشهيد (رحمة الله عليه) في الإرشاد.
الرابعة [لو لم تف القيمة بعبد كامل]:
قال في المسالك: لو لم تف القيمة بعبد كامل اشترى شقص بها امتثالا للأمر بحسب الإمكان، و لو فضل منه فضل عن قيمة عبد اشترى معه و لو شقص آخر.
أقول: قوله امتثالا للأمر بحسب الإمكان لا أعرف له معنى في هذا المكان، إذ لا نص كما عرفت، إلا أن يكون المراد بناء على ما يدعونه قصد الواقف.
الخامسة [وجوب كون البدل من جنس الموقوف]:
قال شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد: و الأقرب أن البدل يجب كونه من جنس الموقوف، لأنه أقرب الى الوقف، و كلام المصنف هنا يشمل الجنس و غيره، و حينئذ تجب المساواة في الذكورة و الأنوثة، و ان أمكن المساواة في باقي الصفات أو معظمها فهو أولى، و لو قيل: في القيمي بضمانه بالمثل و أمكن له مثل، كان هو الوقف، و استغنى عن الشراء، و ان قيل: بالقيمة و أتى بعبد بالصفات أمكن وجوب قبوله، لأن غاية القيمة صرفها في مثلة، انتهى.
السادسة: هل للموقوف عليهم العفو عن القصاص أو عن الأرش أو الدية؟
239
قال في المسالك: يبنى على أن البطون اللاحقة هل تشاركهم فيه أم لا؟ فعلى الأول ليس لهم العفو، و على الثاني لهم، لانحصار الحق فيهم.
السابعة [ما لو عفى بعضهم]:
قال: في المسالك: على تقدير المشاركة لو عفى الأول فللثاني أن يستوفي، لوجود سبب الاستحقاق من حين الجناية و ان لم يثبت بالفعل، مع احتمال العدم، لتجدد استحقاقهم بعد سقوط الحق بالعفو، و على تقدير جواز استيفاء الثاني هل له القصاص كالأول ان كانت الجناية توجبه أم يختص بالدية؟ وجهان: من مساواته للأول في الاستحقاق، و من تغليب جانب العفو بحصوله من الأول، و الأقوى الأول.
أقول: لا يخفى أن قضية المشاركة- و ان كان أخذ حق أحد الشريكين موقوفا على وجوده- هو أن حكم الثاني كالأول في كل من الأمرين المذكورين، قوله في الاحتمال المذكور «لتجدد استحقاقهم بعد سقوط الحق بالعفو» مدفوع بأن الساقط انما هو حق أولئك العافين، لا حق هؤلاء المتأخرين و نحوه قوله في الثاني لتغليب جانب العفو بحصوله من الأول، فإن الحاصل من الأول انما هو بالنسبة إليه، لا الى شريكه، و هو ظاهر و الله العالم.
المسئلة الثالثة [في انصراف الوقف على سبيل الله إلى ما يكون وصلة إلى الثواب]:
المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) أنه إذا وقف في سبيل الله انصرف الى كل ما يكون وصلة الى الثواب، لأن السبيل بمعني الطريق فيكون المراد كلما يكون طريقا الى حصول الثواب منه سبحانه، و يكون وسيلة إلى رضوانه، و كذا لو قال: في سبيل الله و سبيل الثواب و سبيل الخير، فان مرجع الثلاثة إلى أمر واحد، و هو سبيل الله بالمعنى المتقدم.
و خالف الشيخ في أحد قوليه في الموضعين، فقال. في الأول ان سبيل الله الغزاة المقطوعة، دون العسكر المقاتل على باب السلطان، و الحج و العمرة يقسم أثلاثا فخص السبيل بهذه الثلاثة، و عن ابن حمزة أن سبيل الله، المجاهدون.
و قال في الثاني: بقسمته أثلاثا فثلث للغزاة و الحج و العمرة، و هو سبيل الله، و ثلث الى الفقراء و المساكين، و يبدأ بأقاربه، و هو سبيل الثواب، و ثلث إلى خمسة
240
أصناف من الذين ذكرهم الله في آية الصدقة، و هم الفقراء، و المساكين، و ابن السبيل، و الغارمون، و الرقاب، و لا يخلو من تحكم، فإنا لم نقف له على دليل على هذا التفصيل.
أقول: و قد تقدم في كتاب الزكاة (1) في معنى سبيل الله فمما تدل على القول المشهور
رواية علي بن إبراهيم (2) في تفسيره عن العالم (عليه السلام) قال: و في سبيل الله قوم يخرجون الي الجهاد، و ليس عندهم ما يتقوون به، أو قوم مؤمنون ليس عندهم ما يحجون به، أو في جميع سبيل الخير، فعلى الامام أن يعطيهم من مال الصدقات حتى يقووا على الحج و الجهاد،.
و أشرنا ثمة أيضا الى ان الظاهر من بعض الروايات أن تفسير السبيل بالجهاد، انما كان تقية، حيث أن مذهب العامة ذلك، و الله العالم.
المسئلة الرابعة: إذا وقف على مواليه
، فان انحصرت الموالي في الأعلى أو الأسفل فلا اشكال، و المراد بالأعلى هم المعتقون له، بأن باشروا العتق أو انتهى إليهم ولاية العتق، و الأسفل هم من أعتقهم بعد عتقه كذلك، فان اجتمعوا فان كانت ثمة قرينة تدل على إرادة أحد الصنفين أو كليهما فلا إشكال أيضا، و ان انتفت القرائن وجب الرجوع إليه في تفسير ذلك و ما أراد به، فان تعذر الرجوع اليه أو أخبر بأنه لم يقصد شيئا بخصوصه، و انما بنى على مدلول اللفظ، فهل يبطل الوقف أو يصح و يصرف إليهما أو إلى أحدهما أو يفرق بين المفرد و الجمع؟ أقوال.
فنقل عن الشيخ في المبسوط و الخلاف القول بالصحة، قال في الخلاف:
إذا وقف على مولاه، و له موليان مولى من فوق، و مولى من أسفل، و لم يبين انصرف إليهما، لأن الاسم يتناولهما، فيجب صرفه إليهما، كما لو أطلق الوقف على الاخوة انصرف إليهم و ان كانوا متفرقين، و ليس ذلك بمجهول، كما أن الوقف
____________
(1) ج 12 ص 199.
(2) تفسير القمي ج 1 ص 298، الوسائل ج 6 ص 145 ح 7.
241
على الأخوة ليس بمجهول، و بذلك قال ابن إدريس أيضا، معللا بتناول الاسم، إلا أن الشيخ فرضه في المفرد، و ابن إدريس فرضه في الجمع و نحوه المحقق في الشرائع، فإنه تبع الشيخ في الحكم بالصحة، الا أنه فرضه في الجمع.
و قال ابن حمزة: إذا وقف على مولاه اختص بمولى نفسه، دون مولى أبيه و بمولاة الذي أعتقه، دون مولى نعمته، إلا إذا لم يكن له مولى عتق، و كان له مولا نعمة، و إن قال: على موالي دخل فيه مولى العتاقة، و مولى النعمة.
و قال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال: و الوجه أن نقول: ان عرف بقرينة حالية أو مقالية قصده فيهما حمل لفظه عليه، عملا بالقرينة، و ان انتفت القرائن فإن كان اللفظ مفردا ليس بجمع بطل الوقف، و ان كان جمعا و قلنا بجواز ارادة معنى المشترك من لفظ الجمع حمل عليهما، و ان قلنا إن حكمه حكم الواحد بطل، لنا أنا قد بينا في أصول الفقه أنه لا تجوز ارادة معنى المشترك منه بلفظ واحد و لا شك أن لفظة مولى من الألفاظ المشتركة بين المعالي المتضادة، و هي المعتق و المعتق، و قول الشيخ أن الاسم يتناولهما، قلنا: ان أراد ذلك على سبيل الجمع، فهو ممنوع لأن الواضع لم يضعه لكلا المعنيين، فيكون استعماله فيهما استعمالا للفظ في غير موضوعه و القياس على الاخوة ضعيف، لأن الإخوة موضوع لمعنى واحد، يتناول المتقرب بالأبوين و أحدهما على سبيل التواطؤ، بخلاف المولى، و قول ابن إدريس يشعر بمتابعته للشيخ، و قول ابن حمزة في الجمع جيد، أما في المفرد فحمله على المعتق ضعيف، و كونه أقوى من المولى من أسفل لأنه يرث لا يخرج اللفظ عن كونه مشتركا، و لا يوجب ترجيحا في التناول، انتهى.
و ظاهر شيخنا الشهيد (رحمة الله عليه) في شرح الإرشاد الميل الى ما ذكره العلامة هنا من الفرق بين المفرد و الجمع، و البطلان في الأول دون الثاني، قال بعد الكلام في المسئلة: و اعلم أن الصحة و تناول الجميع يقوى إذا كان اللفظ بصيغة الجمع، كالمسئلة المفروضة، فإن بعض من منع استعمال المشترك المفرد في كلا معنييه
242
أجازه في الجمع، و لأنه يكون جمعا مضافا و هو للعموم، كما قرر في الأصول، و ان كان اللفظ مفردا كما لو وقف على مولاه، يقوى البطلان، و نصر شيخنا المرتضى عميد الدين الصحة في المجموع، و هو ظاهر المصنف في المختلف لأنه لفظ مستغرق لجميع ما يصلح له، انتهى.
أقول: قد تقدم في مواضع من كتب العبادات الإشارة الى أن ما اشتهر بينهم في الأصول من عدم جواز استعمال المشترك في معينة مما يظهر من الأخبار خلافه، و بذلك اعترف في الذكرى أيضا، و منه تظهر قوة ما ذهب اليه الشيخ، و كيف كان فالمسئلة لما عرفت محل اشكال، و الله العالم.
المسئلة الخامسة: في الوقف على الأولاد
، و له صور
أحدها- الوقف على أولاد الأولاد
، و الظاهر أنه لا خلاف في أنه إذا وقف على أولاد أولاده فإنه يشترك أولاد البنين و البنات ذكورهم و إناثهم من غير تفصيل.
أما الحكم الأول، فلان إطلاق الولد شامل للذكور و الإناث بلا اشكال لقوله سبحانه (1) «يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» و نحوها فيصدق على أولادهم مطلقا أنهم أولاد أولاد، و ان اختلف في صدق الأولاد على أولاد الأولاد، كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى.
و أما الحكم الثاني فلاقتضاء الإطلاق ذلك، و اقتضاء الاشتراك التسوية حتى يقوم الدليل على خلافها، و كما يدخل الذكور و الإناث في لفظ الولد تدخل الخناثي أيضا، أما لو كان بلفظ البنين خاصة أو البنات خاصة، و أولادهم، فالظاهر عدم صدق ذلك عليهم، و أما لو جمعهما بأن قال: على البنين و البنات و أولادهم فهل يدخلون في ذلك أم لا؟ قولان للعلامة في القواعد و التحرير منشأ الثاني منهما أنهم ليسوا بذكور و لا إناث، و الأول أنهم لا يخرجون عن الصنفين في نفس الأمر، و لهذا يستخرج أحدهما بالعلامات، و مع فقدها ترث نصف النصيبين.
____________
(1) سورة النساء- الاية 11.
243
ورد بأنه لا كلام مع وجود العلامة، و لا دلالة لنصف النصيبين على حصره فيهما، بل يمكن دلالته على عدمه، و جاز أن تكون طبقة ثالثة متوسطة النصيب كما أنها متوسطة الحقيقة.
الثانية- ما لو قال: على من انتسب إلي
، قال في الشرائع لم يدخل أولاد البنات، و قال بعد ذكر العبارة هذا هو المشهور، و قد تقدم خلاف المرتضى في ذلك، فإنه حكم بدخولهم في الأولاد حقيقة، و هو يقتضي انتسابهم بطريق أولى.
أقول: و نحن قد استوفينا الكلام بما لا يحوم حوله نقض و لا إبرام في هذا المقام، و أوضحنا ضعف هذه الأوهام في كتاب الخمس (1) و لكن ربما تعذر على الناظر هنا الرجوع إلى ذلك، فلا علاج ان ارتكبنا مرارة التكرار في بيان ضعف هذا الكلام، دفعا لثقل المراجعة على النظار:
فنقول: أما ما ذكره من أن أولاد البنات لا يدخلون في النسبة إلى أب الأم، فقد علله العلامة في المختلف في كتاب الخمس في مقام الرد على المرتضى (رضى الله عنه) فقال: لنا أنه إنما يصدق الانتساب حقيقة إذا كان من جهة الأب عرفا، فلا يقال: تميمي إلا إذا انتسب إليهم بالأب، و لا حارثي إلا إذا انتسب الى حارث بالأب، و يؤيده قول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا و بناتنا * * * بنوهن أبناء الرجال الأباعد
و ما رواه
حماد بن عيسى (2) قال: «رواه لي بعض أصحابنا عن العبد الصالح أبى الحسن الأول (عليه السلام) و من كانت أمه من بنى هاشم و أبوه من سائر قريش، فإن الصدقة تحل له، و ليس له من الخمس شيء لأن الله تعالى (3) «يقول ادْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ».
و لأنه أحوط، انتهى.
____________
(1) ج 12 ص 390 الى ص 416.
(2) أصول الكافي ج 1 ص 539 ح 4، الوسائل ج 6 ص 358 ح 8.
(3) سورة الأحزاب- الاية 6.
244
و فيه نظر من وجوه، أحدها- ما ادعاه من أنه لا يصدق الانتساب حقيقة إلا إذا كان من جهة الأب، فإن الأخبار عموما و خصوصا متظافرة بخلافه، فمن الأول ما رواه
في الكافي في كتاب الروضة و الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبي الجارود (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): يا أبا الجارود ما يقولون لكم في الحسن و الحسين (عليهما السلام) قلت: ينكرون علينا أنهما ابنا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: فأي شيء احتججتم عليهم؟ قلت: احتججنا عليهم بقول الله تعالى في عيسى ابن مريم (2) وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ» ثم ساق الآية قال:
فأي شيء قالوا لكم؟ قلت: قالوا: قد يكون ولد الابنة من الولد، و لا يكون من الصلب، قال: فأي شيء احتججتم عليهم قلت: بقول الله تعالى لرسوله «فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ» (3) قال: فأي شيء قالوا؟ قلت:
قالوا: قد يكون في كلام العرب أبناء رجل، و يقول آخر أبناؤنا قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا أبا الجارود لأعطينكها من كتاب الله عز و جل أنهما من صلب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لا يردها إلا الكافر قلت: فأين ذلك جعلت فداك؟ قال: من حيث قال الله عز و جل «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ» (4) الآية الى أن انتهى الى قوله «و حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم» فسلهم يا أبا الجارود هل كان يحل لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) نكاح حليلتيهما؟ فان قالوا: نعم كذبوا و فجروا، و ان قالوا: لا فهما ابناه لصلبه» الحديث.
أقول: لا يخفى أن تأويل المخالفين للآيتين الأولتين مرجعه الى التجوز، كما يدعيه أصحابنا هنا مع ما في الخبر من التشنيع الفضيع على من قال من أصحابنا بالقول المشهور، تبعا للعامة العمياء في هذا الباب، نعوذ بالله من طغيان
____________
(1) الكافي ج 8 ص 263 ح 501، تفسير القمي ج 1 ص 209، الوسائل ج 14 ص 316 ح 12.
(2) سورة الانعام- الآية 84 و 85.
(3) سورة آل عمران- الاية 61.
(4) سورة النساء- الاية 23.
245
الأقلام، و زيغ الأفهام، و لكن العذر لهم (رضوان الله عليهم) بقصور التتبع للأخبار، و بمضمون هذا الخبر أخبار عديدة، قد تقدمت في الكتاب المشار إليه آنفا.
و من الثاني ما رواه
في الكافي في باب ما نص الله و رسوله على الأئمة (عليهم السلام) واحدا فواحد بسند صحيح عن عبد الرحيم بن روح القصير (1) «عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز و جل «النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» (2) ثم ساق الحديث الأول على اختصاص الإمامة بهم الى أن قال: فقلت: هل لولد الحسن فيها نصيب، فقال: لا و الله يا عبد الرحيم ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا».
و ما رواه
الصدوق في كتاب معاني الأخبار عن حمزة و محمد ابني حمران (3) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال (عليه السلام) فيه بعد ذكر حمران لعقيدته في الإمامة ما صورته: يا حمران مد المطمر بينك و بين العالم، قلت: يا سيدي و ما المطمر؟
قال: أنتم تسمونه خيط البناء فمن خالفك على هذا الأمر فهو زنديق، قلت:
و ان كان علويا فاطميا فقال أبو عبد الله (عليه السلام): و ان كان محمديا علويا فاطميا».
و هما كما ترى صريحان في صحة النسبة إليه (صلى الله عليه و آله و سلم)، مع أن ذلك انما من جهة الأم، و أن كل من كان من ذريته في أبناء ابنته، فهو محمدي، و به يظهر أن ما ادعاه (قدس سره) من أنه لا تصح النسبة، و لا يقال:
تميمي و لا حارثي إلا لمن انتسب بالأب كلام شعري، لا تعويل عليه، و الظاهر أنه مأخوذ من كلام العامة العمياء المنكرين لكون ابن البنت ابنا حقيقيا، للتوصل بذلك الى الطعن على الأئمة (عليهم السلام) كما هو المفهوم من جملة من الأخبار التي ابتنا عليها في الكتاب المتقدم ذكره.
و من ذلك أيضا ما رواه
في الكافي في حديث طويل في باب ما يفصل به بين
____________
(1) الكافي ج 1 ص 288 ح 2.
(2) سورة الأحزاب- الاية 6.
(3) معاني الأخبار ص 212 ط تهران سنة 1379.
246
دعوى المحق و المبطل في الإمامة (1) «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: في آخره الله بيننا و بين من هتك سترنا و جحدنا حقنا و أفشى سرنا و نسبنا الى غير جدنا» الحديث.
و ما رواه
العياشي في تفسيره و البرقي في محاسنه (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: و الله لقد نسب الله عيسى بن مريم في القرآن إلى إبراهيم من قبل النساء، ثم تلا و من ذريته. الآية.
و ثانيها- أن الاستناد الى هذا البيت، في مقابلة الآيات المتظافرة و الروايات المتكاثرة الدالة على كون ولد البنت ولدا حقيقيا، مما لا يلتفت اليه، و لا يعول عليه، كما صرح بذلك الشيخ في الخلاف في كلامه المتقدم في المسئلة الخامسة من سابق هذا المطلب، و قد فسر معنى البيت المراد منه بأن الشاعر أراد الانتساب بمعنى أن أولاد البنات لا ينسبون إلى أمهم، و إنما ينسبون إلى أبيهم.
و ثالثها- ما ذكره من مرسلة حماد، فان فيه أولا أنه بمقتضى اصطلاحهم، فان الخبر ضعيف، لا تقوم به حجة كما ذكروه في أمثاله.
و ثانيا أنه معارض بالآيات القرآنية و الأحاديث المتكاثرة الدالة على خلافه عموما و خصوصا و من الثاني ما رواه
الشيخ المفيد (رحمة الله عليه) في كتاب الاختصاص (3) في حديث طويل عن الكاظم (عليه السلام) مع الرشيد، و فيه قال الرشيد له (عليه السلام) لم لا تنهون شيعتكم عن قولهم لكم يا ابن رسول الله، و أنتم ولد علي، و فاطمة إنما هي وعاء، و الولد ينسب إلى الأب لا إلى الأم، فقال (عليه السلام) بعد أن طلب منه الأمان و آمنه: أعوذ بالله السميع العليم، ثم أورد (عليه السلام) آية عيسى (4) (عليه السلام)، ثم أورد آية المباهلة (5).
و ما رواه
في كتاب الاحتجاج (6) عن الكاظم (عليه السلام) في حديث طويل لما
____________
(1) أصول الكافي ج 1 ص 356 ح 16.
(2) المحاسن ج 1 ص 156 ط تهران ح 88، تفسير العياشي ج 1 ص 367 ح 52.
(3) الاختصاص ص 54 ط إيران سنة 1379.
(4) سورة الانعام- الاية 84 و 85.
(5) سورة آل عمران- الاية 61.
(6) عيون أخبار الرضا ج 1 ص 83 في ضمن الحديث 9، الاحتجاج ج 2 ص 163.
247
أدخل على الرشيد و موضع الحاجة منه أنه قال له الرشيد: لم جوزتم للعامة و الخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و يقولون يا ابن رسول الله و إنما ينسب المرء إلى أبيه، و فاطمة، إنما هي وعاء، و النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) جدكم من قبل أمكم فقال: يا أمير المؤمنين لو أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟ فقال: سبحان الله و لم لا أجيبه بل أفتخر على العرب و قريش بذلك، فقال: لكنه لا يخطب الي، و لا أزوجه، فقال: و لم فقلت لأنه ولدني و لم يلدك، فقال: أحسنت يا موسى»،.
و نحوهما غيرهما و التقريب في هذين الخبرين و نحوهما أن الرشيد لما أنكر عليه نسبتهم (عليهم السلام) إليه (صلى الله عليه و آله و سلم) بواسطة الأم و انما ينسب المرء إلى أبيه، كما ذكره (عليه السلام) في مرسلة حماد المذكورة و احتج بقوله (1) «ادْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ» احتج عليه بالآيات المذكورة، و ما ذكره الرشيد في هذه الأخبار في إنكاره عليه هو عين ما ذكره (عليه السلام) في مرسلة حماد التي استند إليها الخصم، مع أنه (عليه السلام) في هذه الأخبار قد رد ذلك بالآيات المذكورة الدالة على البنوة حقيقة، و لو كانت البنوة في هذه المواضع إنما هي على جهة المجاز كما يدعيه العامة و من قال بقولهم من أصحابنا، (سامحهم الله بغفرانه) فكيف يحتاج الى الاستدلال بهذه الآيات، بل كيف يعترض الرشيد و غيره عليهم بهذه التسمية، و باب المجاز واسع، و هو لا يوجب فخرا و لا يخد ذكرا فلو لا أن المخالفين من الرشيد و غيره عالمون بان دعواهم البنوة إنما هو على الحقيقة لما اعترضوا عليهم بذلك، و لما احتاجوا (عليهم السلام) إلى الاستدلال بهذه الآيات و نحوها، لما عرفت، و هذه الآيات لا تصلح للاستدلال الا بناء على دعوى البنوة الحقيقية، و هذا بحمد الله ظاهر تمام الظهور لمن اطلع على الأخبار و الآيات الظاهرة، كالنور على الطور، و لم يعتر بصر بصيرته قصور و لا فتور.
و أما ما ذكره في المسالك و مثله غيره من نسبة هذا الخلاف إلى المرتضى
____________
(1) سورة الأحزاب- الاية 5.
248
(رضي الله عنه) خاصة فهو عجب و أي عجب، فان هذا القول مذهب جملة من متقدمي الأصحاب، بل ربما كان هو المشهور بينهم كما تقدمت الإشارة إليه في المسئلة الخامسة من مسائل المطلب المتقدم، و قد ذكرنا في كتاب الخمس (1) من ذهب إلى ذلك من علمائنا المتقدمين و المتأخرين، بما ربما يزيد على عدد من صرح بالخلاف المشهور بين المتأخرين، و الله العالم.
الثالثة- ما لو وقف على أولاده
، المشهور بينهم أنه يختص بالأولاد لصلبه، دون أولاد الأولاد، إلا أن يكون هناك قرينة تدل على دخولهم، كقوله الأعلى فالأعلى، أو بطنا بعد بطن، أو يقف على أولاد فلان، و هو يعلم أن لا ولد له لصلبه، و نحو ذلك، و قيل: يشترك الجميع إلا مع القرينة، و هو الأظهر، احتج القائلون بالقول الأول بأن المتبادر من الولد هو ما كان لصلب، و لا يفهم منه ولد الولد إلا بالقرينة.
قالوا: و لهذا يصح سلبه عنه، فيقال، ليس ولدي، بل ولد ولدي.
أقول: فيه أن المفهوم من الآيات الكثيرة في باب الميراث، و النكاح، و الأخبار المستفيضة هو أن الولد حقيقة أعم من أن يكون من صلب بلا فاصلة أو بفاصلة سواء كان الفاصلة ذكرا أم أنثى، و قد اعترف بدلالة الآيات على ذلك في المسالك في باب الميراث في مسئلة أن أولاد الأولاد هل يقومون مقام آبائهم في الميراث؟
فلكل نصيب من يتقرب به، أو يقتسمون اقتسام أولاد الصلب، حيث ذكر أن القول الثاني مذهب المرتضى، و جماعة من الأصحاب، ثم استدل لهم بآيات تحريم حلائل الأبناء، و تحريم بنات الابن و الابنة، و الحجب بهم للأبوين، و الزوجين.
ثم قال: و هذه توجيهات حسنة، الا أن الدليل قد قام أيضا على ان أولاد البنات ليسوا أولادا حقيقة لثبوت ذلك في اللغة و صحة السلب الذي هو علامة المجاز، و فيه أنه مع تسليم دلالة اللغة على ما ذكره فعرف الشرع مقدم على عرف
____________
(1) ج 12 ص 391.
249
اللغة، و هو قد اعترف بدلالة الآيات على ذلك، و مثلها الأخبار كما ستعرفه ان شاء الله تعالى و حينئذ يلتفت الى ما دل عليه كلام أهل اللغة لو كان كما يدعونه و أما الاستناد الى ما ذكروه من صحة السلب في قول القائل هذا ليس ولدي، بل ولد ولدي، و هو عمدة أدلتهم فهو على إطلاقه ممنوع، فانا لا نسلم سلب الولدية حقيقة، فإن حاصل المعنى بقرينة الإضراب أن مراد القائل المذكور انما هو أنه ليس بولدي بلا واسطة، بل ولدي بالواسطة، فالمنفي حينئذ انما هو كونه ولده بلا واسطة، و الولد الحقيقي عندنا أعم منها، و لو قال ذلك القائل: ليس ولدي من غير الإضراب منعنا صحة السلب.
و أما الأخبار الواردة في المقام فمنها رواية أبي الجارود المتقدمة: و هي صريحة في كون ولد البنت ولدا للصلب، كما عرفت، و نحوها الروايات الأخر.
و منها ما رواه
في الكافي في أبواب الزيارات بسنده عن بعض أصحابنا (1) قال حضرت أبا الحسن الأول (عليه السلام) و هارون الخليفة و عيسى بن جعفر و جعفر بن يحيى بالمدينة قد جاؤا الى قبر رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال هارون لأبي الحسن (عليه السلام) تقدم، فأبى فتقدم هارون فسلم و قام ناحية، و قال عيسى بن جعفر:
لأبي الحسن (عليه السلام) تقدم فأبى، فتقدم عيسى فسلم و وقف مع هارون ثم ساق الخبر الى أن قال: و تقدم أبو الحسن (عليه السلام) فقال: السلام عليك يا أبت أسأل الله الذي اصطفاك و اجتباك و هداك و هدى بك أن يصلى عليك، فقال هارون لعيسى: سمعت ما قال؟
قال: نعم، فقال هارون: أشهد أنه أبوه حقا».
أقول: لو كان لفظ الأب هنا انما هو مجاز كما يدعيه أصحابنا تبعا للعامة العمياء فأي فخر فيه، حتى أنه (عليه السلام) يعبر به، ثم انظر الى شهادة هارون بأنه أبوه حقا، و أي محل للحمل على المجاز في ذلك، لو لا عدم التدبر في الأخبار، و الوقوف عليها.
____________
(1) فروع الكافي ج 4 ص 553 ح 8، الوسائل ج 10 ص 268 ح 4.
250
و منها ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) بطرق عديدة، و متون متقاربة عن عائذ الأحمسي (1) قال: دخلت على أبى عبد الله (عليه السلام) فقلت: السلام عليك يا بن رسول الله فقال: و عليك السلام أي و الله أنا لولده، و ما نحن بذوي قرابته.
أقول: انظر الى صراحة كلامه (عليه السلام) في أنهم ولد حقيقة له (صلى الله عليه و آله و سلم)- لا أنهم من ذوي قرابته و أن إطلاق الولد عليهم انما هو مجاز- كما يدعيه من لم يعض على التطلع في الأخبار- بضرس قاطع، و أكد ذلك بقسمة بالله سبحانه، الى غير ذلك من الأخبار التي ذكرناها في كتاب الخمس (2) و مجمل القول فيها أنها قد دلت على دعواهم (عليه السلام) البنوة له (صلى الله عليه و آله و سلم) و افتخارهم بذلك، و أن شيعتهم كانوا عاكفين على تسميتهم بذلك، و ان المخالفين أنكروا ذلك عليهم، و هم (عليهم السلام) قد استدلوا بالآيات القرآنية كما عرفت، فلو لا أن المراد البنوة الحقيقية، لما كان لما ذكر من هذه الأمور وجه بالكلية، لأن المجاز لا يوجب الافتخار، و لا يتوقف على الاستدلال، و لا يكون محلا للمخاصمة و الجدال بل هذه الأشياء إنما تترتب على المعنى الحقيقي، كما لا يخفى على الناقد البصير، و لا ينبئك مثل خبير.
و لكن أصحابنا (سامحهم الله برضوانه) لما لم تصل هذه الأخبار الى نظرهم، و لم يطلعوا عليها بالكلية جروا على ما جرت عليه العامة العمياء في المباحث الأصولية، إلا أن الآيات حجة ظاهرة عليهم، و هي مكشوفة لديهم فخروجهم عنها الى التمسك بهذه التخريجات الضعيفة من قول أعرابي بوال على عقبيه، و ما ذكروه من صحة السلب و نحو ذلك كله رمي في الظلام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
____________
(1) فروع الكافي ج 3 ص 487 ح 3، الوسائل ج 3 ص 50 ح 10.
(2) ج 12 ص 391.
251
و لذلك ملل إلى هذا القول زيادة على من ذكرنا من المتقدمين جملة من من متأخري علمائنا الأعلام، و الله العالم.
الرابعة- ما لو قال: على أولادي و أولاد أولادي
، فإنه على المشهور بين المتأخرين يختص بالبطنين المذكورين من البطون المتجددة، لأنهم أولاد عندنا حقيقة كما عرفت، و الله العالم.
الخامسة- لو قال: على أولادي فإن انقرضوا و انقرض أولاد أولادي فعلى الفقراء
، فإنه لا شك في صحة الوقف على أولاده، لكن بعد انقراضهم فهل يرجع الوقف إلى أولاد الأولاد؟ ثم بعد انقراضهم الى الفقراء؟ أو يرجع الى الفقراء بعد انقراض أولاده، و لا يرجع الى أولاد الأولاد، قولان: قال في المبسوط: إذا قال: وقفت على أولادي فإذا انقرضوا أولادي و أولاد أولادي فعلى الفقراء، فإنه صرح بالوقف على أولاده أولا، و على الفقراء و المساكين، فعلى هذا إذا انقرض أولاده و بقي أولاد أولاده صرف انتفاعه إلى أقرب الناس إليه، الى أن ينقرضوا، فإذا انقرضوا صرف الى الفقراء، و منهم من يقول: يكون وقفا على أولاد أولاده بعد انقراض أولاده، لأنه شرط انقراضهم، و ذلك بظاهره يقتضي أنه وقف عليهم، كما لو صرح به، فعلى هذا يصرف إليهم بعد الأولاد، فإذا انقرضوا صرف الى الفقراء، و هذا أقوى.
قال العلامة في المختلف- بعد نقل كلام الشيخ المذكور: و الوجه عندي الأول، لأن الوقف بصريحه دل على صيرورته إلى أولاده، ثم بعدهم و بعد أولاد أولاده يصرف الى الفقراء و لا دلالة صريحة على صيرورته بعد أولاده إلى أولاد أولاده، و أما الدلالة الالتزامية فهي منفية هنا أيضا، لإمكان اقتران كلا النقيضين بهذا اللفظ، و يكون اللفظ معه صادقا، فصدقه أعم من اقترانه بالصيرورة إلى أولاد أولاده، و من اقترانه بعدم ذلك، و لا دلالة للعام على الخاص، قوله شرط انقراضهم يقتضي مشاركتهم، فأي وجه لترتبهم على أولاد، فهلا شاركوهم، فإنه لم يوجد ما يدل على الترتيب فكأنه قال: وقفت على أولادي و أولاد أولادي، فإذا انقرضوا
252
جميعا فعلى الفقراء، انتهى.
و الظاهر أن هذا القول هو المشهور بين المتأخرين و قوته بالنظر الى تعليلاتهم ظاهرة، فإن أولاد الأولاد لم يتعرض للوقف عليهم بالكلية، فكيف يدخلون في الوقف، و مجرد اشتراط انقراضهم في الوقف على الفقراء لا يستلزم كونه وقفا عليهم، لانتفاء وجه التلازم، و لأنه لو دل ذلك على الوقف عليهم أوجب التشريك بينهم و بين الأولاد، لانتفاء ما يدل على الترتيب كما ذكره العلامة مع أنه لا يقول به.
هذا كله بناء على ما هو المشهور بين المتأخرين من عدم دخول أولاد الأولاد في إطلاق الأولاد، و أما على القول بدخولهم كما هو المختار، و به صرح الشيخ المفيد و ابن إدريس و غيرهم ممن تقدم ذكره، فإنه لا شك في صحة الوقف المذكور، و أنه إنما ينتقل إلى الفقراء بعد انقراض أولاد الواقف من أولاد الصلب و من بعدهم من الأولاد، و ان تعددت الطبقات و تكاثرت.
بقي الكلام في أنه على تقدير عدم دخول أولاد الأولاد في الوقف و صحته على الفقراء بعد انقراض الجميع فالنماء المتخلل في تلك المدة بعد موت الأولاد و قبل انقراض أولاد الأولاد لمن هو؟ قد عرفت من عبارة الشيخ المتقدمة أنه يصرف إلى أقرب الناس إليه الى أن ينقرض أولاد الأولاد، فإذا انقرضوا صرف الى الفقراء.
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك احتمال تفريع ذلك على انتقال الوقف و عدمه، قال: فان قلنا ببقائه على ملك الواقف، فلا شبهة في كونه لورثته، و ان قلنا بانتقاله الى الله، فالمتجه صرفه في وجوه البر، و على القول بانتقاله الى الموقوف عليه، يكون لورثة البطن الأول.
أقول: قد تقدم في المطلب الثاني ذكر الخلاف في المنقطع الآخر، و مثله يأتي في منقطع الوسط، من أنه هل يصح، و يكون وقفا أو حبسا أو يبطل من أصله، و قد رجحنا أنه يصير حبسا لاشتراط الوقف بالدوام، و على هذا فإنه يكون
253
النماء هنا لورثة الواقف، و لا يعود الى الفقراء بالكلية.
و بهذا أيضا صرح شيخنا المذكور في آخر البحث في هذه المسئلة فقال:
نعم إذا قلنا حبسا لبطلانه بانقطاع وسطه اتضح عوده إلى ورثة الواقف على وجه الملك، ثم لا ينتقل عنهم الى الفقراء، و هذا هو الأقوى، انتهى.
و هو جيد بناء على مذهبهم في المسئلة، و الا فقد عرفت أن الأظهر صحة الوقف بغير اشكال كما قدمنا ذكره، و الله العالم، أقول: و قد تقدم بعض صور المسئلة أيضا في المباحث السابقة.
تتمة [في وجوب اتباع الشروط المذكورة في الوقف]
يجب اتباع الشروط المذكورة في عقد الوقف من الترتيب و التشريك، و التفصيل، فلو وقف على أولاده و أولاد أولاده اقتضى ذلك تشريك البطن الأخير مع البطن الأول، و يأتي على ما اخترناه من دخول أولاد الأولاد في إطلاق الأولاد اشتراك جميع البطون من غير تفصيل كما هو مقتضى الإطلاق.
و لو قال: على أولادي ثم أولاد أولادي أو قال: الأعلى فالأعلى ترتبوا، و لا يستحق البطن الثاني شيئا ما بقي من الأول واحد، و كل من مات من البطن الأول فنصيبه يرجع الى الباقين، الا أن يقول: فنصيبه لولده، فإنه يجب اتباع الشرط المذكور، فلو مات أحدهم ممن ولد كان نصيبه لولده، و لو مات بعضهم عن غير ولد كان نصيبه للباقين من البطن، دون الولد الذي أخذ نصيب أبيه، و المراد بأولادي هنا هم الذين من الصلب، فلا يدخل فيه أولاد الأولاد لقرينة العطف.
لكن يبقى الكلام في أولاد الأولاد، فإن المشهور تخصيصهم بالبطن الثاني، و على ما اخترناه فإنه يدخل فيه جميع البطون المتأخرة عن البطن الأول، لدخولهم في إطلاق أولاد الأولاد كما عرفت، فالترتيب حينئذ إنما هو بين البطن الأول، و هم أولاد الصلب، و بين من عداهم من الطبقات المتأخرة، و أما الطبقات
254
المتأخرة من أولاد الأولاد و ما بعدهم من البطون، فإنه لا ترتيب بينهم.
و لو قال: بطنا بعد بطن، فالمشهور أنه يفيد الترتيب بين البطون، و قال في التذكرة: انه لا يفيد، و الأقرب الأول، و لو قال: على أولادي ثم أولاد أولادي على أن من مات منهم عن ولد فنصيبه لولده، و من مات عن غير ولد فنصيبه لأهل الوقف، ثم لو مات أحدهم عن ابنين فان نصيبه لأبنية ثم ان مات الثاني عن غير ولد، فان نصيبه لباقي طبقته مع الابنين المذكورين بالسوية، لأن الجميع أهل الوقف فيشتركون فيه، و لو مات أحد الابنين المذكورين كان نصيبه لأخيه و عمه، لأنهم أهل الوقف، و الله العالم.
[المسألة] السادسة [عدم خروج المسجد عن الوقف بخرابه]
- لو خرب المسجد الموقوف، أو خربت القرية أو المحلة لم يخرج المسجد عن الوقف، لما عرفت من أن الوقف مقتضى للتأبيد، و لأن المسجد حقيقة إنما هو العرصة التي هي الأرض، و هي باقية، و لأن الغرض المقصود منه و هو الصلاة فيه باق، فإنه يصلي فيه من يمر به، و ربما تعود القرية أو يحصل من يعمره.
و بالجملة فإن الخراب غير موجب للخروج عن الوقفية إذ لا منافاة، نعم هذا إنما يتم في غير المساجد المبنية في الأرض المفتوحة عنوة، حيث يجوز وقفها تبعا لآثار التصرف، و قد تقدم في مقدمات صدر كتاب التجارة (1) أنه متى زالت الآثار سواء كانت آثار التملك أو الوقف فإن الأرض تعود الى ما كانت عليه، لزوال المقتضى للاختصاص، الا أن تبقى فيه رسوم أصل الحيطان كما هو الغالب، بحيث يصدق وجود الآثار في الجملة، فإنه يكفي في بقاء حكم المسجدية، بل هذا هو المفهوم من النصوص، فان ما صار الآن معمولا من البناء و تشييد الجدران و وضع السقف عليها أمر مخترع، و المفهوم من النصوص إنما هو مجرد التحجير و العلامات الدالة على المسجدية، و نقل عن بعض العامة خروجه عن المسجدية بالخراب قياسا عن عود الكفن الى الوارث عند اليأس من الميت بأن أخذه السيل
____________
(1) ج 18 ص 438.
255
قياس منه بجامع استغناء المسجد عن المصلين كاستغناء الميت عن الكفن، و رده الأصحاب بأنه قياس مع الفارق، فان الكفن ملك للورثة، فإن التركة تنتقل الى الوارث بالموت و ان وجب صرفه في التكفين، فإذا زال الموجب عاد الى ما كان عليه، بخلاف المسجد، فإنه قد خرج بالوقف عن ملك الواقف، و المسجد حقيقة إنما هي العرصة كما عرفت، و هي باقية، و أيضا فإن القياس من الميت الذي أوجب رجوع الكفن إلى الورثة غير مسلم هنا، لجواز عمارة القرية كما عرفت، و صلاة المارة فيه، و اليأس عن المسجدية غير حاصل، و ما ذكر في الكفن عن العود الى الوارث إنما يتم فيما لو كان الكفن من التركة، أما لو كان من الزكاة أو الوقف أو من باذل فإنه يرجع الى أصله، و ما ذكر من الكلام هنا في المسجد يجري في الدار الموقوفة، فإنه بانهدام الدار لا يخرج العرصة عن الوقف، و لا يجوز التصرف فيها ببيع و نحوه، و الكلام في الفرق بين الأرض الخراجية و غيرها كما تقدم في المسجد، و الله العالم.
السابعة [في جواز بيع الوقف على تقدير وقوع الخلف بين الموقوف عليهم]
- المشهور بين الأصحاب جواز بيع الوقف إذا وقع بين الموقوف عليهم خلف، بحيث يخشى خرابه، و قد تقدم تحقيق هذه المسئلة و ما فيها من الكلام بما لا يحوم حوله للناظر نقض و لا إبرام في كتاب البيع (1) و لو انقلعت نخلة من أرض الوقف قال الشيخ: يجوز بيعها، لتعذر الانتفاع إلا بالبيع، و قال ابن إدريس: و تبعه أكثر المتأخرين انه يمكن الانتفاع بهذه النخلة من غير بيعها كالإجارة للتسقيف، أو جعلها جسرا و نحو ذلك.
قال في المختلف بعد نقل القولين المذكورين: و هذه المنازعة تجري مجرى النزاع اللفظي، لأن الشيخ فرض سلب منافعها على ما ذكره في دليله، و ابن إدريس فرض لها منافع غير الثمرة، قال في المسالك- بعد أن ذكر أن كلام ابن إدريس جيد، حيث يمكن الانتفاع، و الا فكلام الشيخ جيد- ما صورته: و أما ما ادعاه
____________
(1) ج 18 ص 439.
256
العلامة من أنه لا نزاع بينهما إلا في اللفظ حيث أن الشيخ (رحمة الله عليه) فرض سلب منافعها كما يقتضيه دليله، و ابن إدريس فرض وجودها غير الثمرة، فلا يخلو من حيف على ابن إدريس، لأن دليل الشيخ اقتضى ادعاءه عدم المنافع حينئذ، لا على تقدير عدم المنافع، ففيه قصور بين، و حينئذ فالتفصيل أجود، انتهى.
و الظاهر أن ما ذهب اليه ابن إدريس هو المشهور بين المتأخرين، استنادا الى عدم جواز بيع الوقف، أما على مذهب ابن إدريس فإنه يمنع منه مطلقا، و أما على المشهور فإنهم إنما يجوزونه في الصورة المتقدمة، و هذا ليس منها، و الشيخ إنما جوزه بدعوى عدم حصول النفع الذي هو الغرض من الوقف، فيجوز البيع حينئذ، لبطلان الوقف، و متى ثبت وجود النفع كما ادعاه ابن إدريس فلا يصح البيع، بل يبقى وقفا على حاله، و ما ذكر من الكلام في المقام يجري أيضا في حصير المسجد إذا خلق، و جذعه إذا انكسر، و تعذر الانتفاع به فيه أو في غيره.
قال في المسالك: و متى جاز البيع وجب أن يشتري بقيمته ما يكون وقفا على الأقوى، مراعيا للأقرب الى صفة الأول فالأقرب، و نقل في المختلف عن ابن الجنيد أنه قال: و الوقف رقيقا أو ما يبلغ حاله الى زوال ما سبله من منفعته، فلا بأس ببيعه، و ابدال مكانه بثمنه ان أمكن ذلك، أو صرفه فيما كان يصرف فيه منفعته، أورد ثمنه على منافع ما بقي من أصل ما حبس معه، إذا كان في ذلك الصلاح، ثم قال: و هو الأقوى عندي.
أقول: قد تقدم في مسئلة بيع الوقف المشار إليها آنفا من كتاب البيع (1) ما يؤذن بالمناقشة في ذلك، فليراجع، و الله العالم.
الثامنة [حكم ما لو آجر البطن الأول مدة، ثم انقرضوا في أثنائها]
- قالوا: إذا آجر البطن الأول مدة، ثم انقرضوا في أثنائها، فإن قلنا الموت يبطل الإجارة فلا كلام، و ان لم نقل فهل يبطل هنا فيه تردد، أظهره البطلان، لأنا بينا أن هذه المدة ليست للموجودين، فيكون للبطن الثاني الخيار
____________
(1) ج 18 ص 447.
257
بين الإجازة في الباقي، و بين الفسخ فيه، و يرجع المستأجر على تركة الأولين بما قابل المتخلف، انتهى.
أقول: الكلام هنا يقع في موضعين
الأول- في بطلان الإجارة و عدمه بموت البطن الأول
، بناء على عدم بطلان الإجارة بموت الموجر، كما هو الأظهر، و ظاهر المشهور القول بالبطلان هنا، و جعلوه من جملة المستثنيات من قاعدة عدم بطلان الإجارة بموت الموجر، و علل البطلان بما أشير إليه من قوله: ان هذه المدة ليست للموجودين، و توضيحه أن ملك الموجر هنا لما آجره غير تام، لمشاركة باقي البطون له في ذلك بأصل العقد، و الموجر إنما يملك مدة حياته، و بعدها ينتقل الملك الى غيره، فبموته يتعين انتهاء حقه، فتكون إجارته بالنسبة إلى بقية المدة تصرفا في غير حقه، متوقفا على اجازة البطن الذي بعده، و من ذلك يظهر أن صحة الإجارة في هذه المدة التي اشتمل عليها العقد مراعاة ببقاء الموجر، فلو مات في أثنائها تبين بطلان الإجارة في المدة الباقية، و مما ذكر يظهر وجه الفرق بين اجارة البطن الأول من الموقوف عليهم بالنسبة الى من بعده، و اجارة المالك بالنسبة إلى الورثة، فإن اجارة المالك تصرف في ملكه المستقل به حال حياته، حتى لو أراد إتلافه بالكلية لم يكن للوارث اعتراض في ذلك، و الوارث انما يتلقى الملك بعد موته، بخلاف الوقف فان البطن الأول غير مستقل بالملك كما عرفت، بل البطون الأخيرة مشاركون له في الاستحقاق بأصل العقد، لا أنهم انما يتلقونه بعد موته كما في الورثة، و وجه التردد في المسئلة مما ذكر، و من أن المتصرف حينئذ كالمالك، فكان تصرفه ماضيا.
و أنت خبير بأنه بالنظر الى هذه التعليلات، لا خفاء في قوة القول المشهور، إلا أنك قد عرفت عدم صلوحها لتأسيس الأحكام الشرعية، و انما العمل على النصوص حيث لا نص هنا فالمسئلة لا تخلو من الاشكال، و قد تقدم نظير هذه المسئلة في المسئلة السابعة و العشرين فيما آجر الأب أو الوصي الصبي من مسائل المطلب
258
الثالث في الأحكام من كتاب الإجارة، و ينبغي أن يستثني من محل الاشكال ما لو كان الموجر للوقف ناظرا سواء كان أجنبيا أو من الموقوف عليه، فإنه في حكم النائب عن الجميع، فلا تبطل الإجارة بموته.
الثاني [رجوع المستأجر على تركة الأولين]
ما ذكره من قوله و يرجع المستأجر على تركة الأولين، و هو محمول على ما لو دفع الأجرة للبطن الأول، و الا فلا رجوع، و المراد بمقابل المتخلف الذي يرجع به على ما ذكره في المسالك، هو أن ينسب أجرة مثله إلى أجرة مثل مجموع المدة، و يرجع من المسمى بمثل تلك النسبة، فلو كان قد آجره سنة بمائة و مات بعد انقضاء نصفها و فرض أن أجرة مثل النصف المختلف تساوى الستين، و أجرة مثل النصف الماضي تساوى ثلاثين، رجع بثلثي المائة، و على هذا القياس، و الله العالم.
التاسعة- في جملة من أحكام الأمة الموقوفة
، [حرمة وطئ الأمة الموقوفة على الموقوفة عليه]
منها- أنهم قد صرحوا بأنه لا يجوز للموقوفة عليه وطئ الأمة الموقوفة لأنه لا يختص بملكها، فان كان له شريك في ذلك البطن، فان عليه ما عدا نصيبه من العقر للشركاء، و كذا من قيمة الولد لو أولدها و عليه الحد بنسبة ما عدا حصته و ان انحصر أهل تلك الطبقة فيه كان الولد حرا، و لا قيمة عليه و لا حد.
أقول: أما الأول فيعلم وجهه مما تقدم في كتاب البيع في مسئلة وطئ الأمة المشتركة بغير اذن الشركاء (1) و لكن قل من تنبه لذلك، و نبه عليه في هذا المقام.
و أما الثاني فإن الوجه في تحريم ذلك عليه، مع أن منافع الوقف له خاصة و ان شاركته في الملك البطون المتأخرة، و الوطي من جملة المنافع، هو الفرق بين الانتفاع بالوطء و غيره من المنافع، من حيث ان الوطي معرض للحمل الموجب لصيرورتها أم ولد المانع من دوام الوقف على باقي البطون، لانعتاقها بموته.
و أما الوجه في حرمة الولد إذا أولدها، فلأن وطأه غير معدود من الزنا،
____________
(1) ج 19 ص 474.
259
لأنه مالك في الجملة، و لا تجب عليه القيمة، لمن بعده من البطون، لأنه مخصوص بالاستحقاق الآن، إذ المفروض انحصار تلك الطبقة فيه، فلا شريك له الآن، لا من البطن الذي هو فيه، و لا من البطون المتأخرة، و الولد بمنزلة كسبها، و ثمرة البستان، فيملكه زمان ملكه، لأمه، إلا أن هذا مبني على أحد القولين الآتيين في المسئلة، و القول الآخر أنه يكون وقفا كأمه، و أما عدم وجوب الحد عليه، فلما عرفت من أنه غير زان و ان فعل حراما كنظائره من وطئ الحليلة محرما، و يحتمل وجوب الحد إذا لم تكن له شبهة يدرأ بها، بناء على القول بعدم انتقال الملك اليه، إلا أنه قال في التذكرة: انه لأحد أيضا هنا، لأن شبهة الملك فيه ثابتة، و المراد أن شبهة كونه مالكا فتحققه، و ان رجحنا عدم ملكه لأنها مسئلة اجتهادية، لا يرفع ترجيح أحد جانبيها أصل الشبهة عن الجانب الآخر و هو كاف في درأ الحد، و هو كما ذكره (قدس سره).
بقي الكلام هنا في موضعين
أحدهما أنه هل تصير بالاستيلاد أم ولد، أم لا؟
قولان: و علل الأول بتحقق العلوق منه في ملكه على القول بانتقال الملك إليه، لأن مبنى الكلام على ذلك، و هذا هو السبب في صيرورتها أم ولد بالنص و الإجماع و علل الثاني بأن السبب إنما هو العلوق في الملك التام المختص بالمالك المعين، و الملك هنا غير مختص به، لأن باقي البطون حقهم متعلق بها الآن، و هو يرجع الى منع ما ادعى من سببيته السبب الأول، لأنها يقوم عليه كلها بالاستيلاد، و لا شيء من أم الولد كذلك بالاستقراء، و لمنافاة الوقف الاستيلاد.
و أنت خبير بأن مرجع ما ذكر من التعليلين المذكورين الى تعارض عموم النهي من إبطال الوقف و تغييره، و الحكم بدوامه و لزومه، و عموم ما دل على ثبوت الاستيلاد، و ترتب أحكامه، و القائل الأول اعتمد على العموم الثاني و خصص به الأول، و القائل الآخر عكس، و الحق هو تعارض العمومين، و تخصيص أحدهما بالآخر يحتاج الى مرجح، و ليس فليس، فتبقى المسئلة في قالب الاشكال، مضافا الى عدم النص في أصل المسئلة، فيتعاظم الاشكال.
260
و
ثانيهما [هل تؤخذ القيمة من تركته للبطون المتأخرة بعد موته، و انعتاقها بموته؟]
أنه على تقدير صيرورتها أم ولد كما هو أحد القولين المتقدمين فهل تؤخذ القيمة من تركته للبطون المتأخرة بعد موته، و انعتاقها بموته؟ قيل فيه وجهان: أطال الكلام فيهما في المسالك، و حيث أن أصل المسئلة كما عرفت عارية عن النص، و الركون في إثبات أحكامها و ما يتفرع عليها الى مجرد هذه التعليلات المتداولة في كلامهم مشكل، أغمضنا النظر عن الكلام فيها.
و منها-
أنه يجوز تزويجها
، و المتولي لذلك هو الموقوف عليه ان قلنا بانتقال الملك اليه، و ان قلنا بالانتقال الى الله فالحاكم الشرعي، لأنه المتولي لنحو ذلك و نقل عن الشيخ أنها تزوج نفسها، و رده من تأخر عنه بأنه ضعيف.
و ان قلنا ببقاء الوقف على ملك ذلك الواقف، كان التزويج اليه، و مهرها للموجودين من الموقوف عليهم، أو الجهة الموقوف عليها، لأنه فائدة من فوائدها و عوض من منفعتها المختصة بهم، فيكون عوضها كذلك.
و
[حكم ما لو أتت بولد، و كان من مملوك أو زنا]
منها- أنه لو أتت بولد، و كان من مملوك أو زنا، فقيل: انه يختص به البطن الذي يولد معهم، لأنهم من جملة النماء، فأشبه الكسب، و ثمرة البستان، و ولد الدابة، و الظاهر أن هذا هو المشهور، و ذهب الشيخ و ابن الجنيد و جماعة إلى أنه يكون وقفا كأمه، لأن كل ولد ذات رحم حكمه حكم أمه كالمدبرة و المرهونة على قول، و رد بأن الكلية ممنوعة و ان كان الولد من حر بعقد صحيح فلا اشكال فيه، إلا مع اشتراط الرقية في العقد، على خلاف فيه يأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى- في محله اللائق به، و ان كان من حر بوطىء شبهة قالوا: فهو حر، و عليه القيمة للموقوف عليه، فلأنه فوت عليهم ولد أمة بغير استحقاق، و أرادوا بكون القيمة للموقوف عليه أنها تكون لهم على جهة الملك، لا على جهة الوقف على أصح القولين.
[حرمة وطئها على الواقف]
و منها- أنه لا يجوز للواقف وطؤها على القول بالانتقال الى الموقوف عليه، أو الانتقال الى الله سبحانه، لخروج الملك عنه، فيكون كالأجنبي يترتب على وطئه ما يترتب على الأجنبي، و أما على القول ببقاء ملكه قالوا: فإنه لأحد عليه لشبهة الملك
261
و في نفوذ الاستيلاد الخلاف في استيلاد الراهن، لتعلق حق الموقوف عليه و أولى بالمنع هنا، و الله العالم.
المقصد الثاني في الصدقة:
قد عرفت مما قدمنا في سابق هذا المطلب أن الصدقة في الصدر الأول إنما تطلق بمعنى الوقف، و لهذا ان الأصحاب (رضي الله عنهم) قد استندوا في كثير من أحكام الوقف الى الأخبار الواردة بلفظ الصدقة كما تقدم ذكره، و حينئذ فالصدقة في الأخبار أعم من هذا المعنى المبحوث عنه من الوقف، و قد يوجد فيها من القرائن ما يتعين به أحدهما، و قد لا يوجد فيبقى محتملا لكل من الأمرين كما سيظهر لك- ان شاء الله تعالى- في البين.
و قد ذكر الأصحاب بأنه لا بد في الصدقة من العقد المشتمل على الإيجاب و القبول، كما يعتبر في غيرها من العقود اللازمة.
أقول: إذا أريد بالقبول هو القبول القولي ففي فهمه من الأخبار إشكال، لعدم ما يدل عليه فيها، و ان أريد الفعلي فهو المفهوم منها خاصة كما لا يخفى على المتدبر، و ستمر بك شطر منها ان شاء الله تعالى.
و من شروطها القبض، لكن باذن المالك عند الأصحاب، فلو قبضها بغير اذنه لم ينتقل اليه، قالوا: لان القبض المترتب عليه أثره، هو المأذون فيه شرعا و المنهي عنه غير منظور اليه، و نحوها غيرها من العقود المفتقرة إلى القبض، كالوقف و الهبة.
و من شروطها أيضا القربة، و الظاهر أنه إجماعي، و عليه تدل جملة من الأخبار الآتية ان شاء الله تعالى، حتى إذا حصل القبض بعد العقد المشتمل على التقرب بها امتنع الرجوع فيها على الأشهر الأظهر، و نقل عن الشيخ أنه قال: ان صدقة التطوع عندنا بمنزلة الهبة في جميع الأحكام، و من شروطها الإيجاب و القبول
262
و لا يلزم إلا بالقبض، و كل من له الرجوع في الهبة له الرجوع في الصدقة عليه.
و رد بأن المقصود بالصدقة الأجر و الثواب كما يدل عليه اشتراط القربة فيها، و قد حصل فلا يجمع بين العوض و المعوض عنه، و لو سلم مساواتها للهبة، فإنها يمتنع أيضا الرجوع في الهبة مع التعويض فيها مطلقا بقربة أو غيرها.
و بالجملة فإن قول الشيخ ضعيف، لدلالة الأخبار الآتية- ان شاء الله تعالى- على امتناع الرجوع مع القربة، و الواجب نقل ما وصل إلينا من الأخبار المتعلقة بالمقام، و الكلام فيها بما رزق الله تعالى فهمه منها ببركة أهل الذكر (عليهم الصلاة و السلام).
فمنها ما رواه
في الكافي و التهذيب في الحسن أو الصحيح في الأول، و الموثق في الثاني، عن حماد و هشام و ابن أذينة و ابن بكير و غيرهم (1) كلهم قالوا «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا صدقه و لا عتق إلا ما أريد به وجه الله تعالى».
و عن زرارة (2) في الصحيح «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: ان الصدقة محدثة، إنما كان الناس على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ينحلون و يهبون و لا ينبغي لمن أعطى لله شيئا أن يرجع فيه، قال: و ما لم يعط لله و في الله فإنه يرجع فيه، نحلة كانت أو هبة، حيزت أو لم تحز، و لا يرجع الرجل فيما يهب لامرأته» الحديث،.
و يأتي تمامه- ان شاء الله تعالى في مقصد الهبة.
قال المحدث الكاشاني في الوافي في ذيل هذا الخبر: الصدقة ما يعطى لله سبحانه، و الهبة و النحلة ما يعطى لأغراض أخر، و أكثر ما يطلق النحلة فيما لا عوض له، بخلاف الهبة، فإنها عامة، و قد تكون لله تعالى، و كثيرا ما تطلق الصدقة على الوقف كما سيتبين فيما بعد ذلك، لأن الوقوف انما تكون لله سبحانه و أكثر ما نسب الى نحو الدار و المضيفة على غير محصور، فالمراد بها الوقف
____________
(1) الكافي ج 7 ص 30 ح 2، التهذيب ج 9 ص 151 ح 67، الوسائل ج 13 ص 320 ح 3 من باب 3.
(2) الكافي ج 7 ص 30 ح 3، التهذيب ج 9 ص 152 ح 624، الوسائل ج 13 ص 320 ح 1 من باب 3.
263
لله سبحانه، و لعل المراد بالحديث أن الناس كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لا يتصدق بعضهم على بعض إذا أرادوا معروفا فيما بينهم سوى الزكاة و ما يعطى لأهل المسكنة، بل كانوا يهبون و ينحلون، إما لإرادة تحصيل ملكة الجود أو إرادة سرور الموهوب له أو الإثابة منه أو غير ذلك، و انما صدقة بعضهم على بعض في غير الزكاة و الرحم المسكين أمر محدث، يعني إطلاق هذه اللفظة في موضع الهبة و النحلة محدث، لا يدرى ما يعنى به من يتفوه بها، أ يجعلها لله أم لا؟ ثم ان الصدقة حيث لا تكون إلا لله عز و جل فلا يجوز الرجوع فيها، لأن ما يعطى لله و في الله فلا رجعة فيه، و ذلك لأنه بمجرد إلا بأنه استحق الأجر و كتب له و ما لم يعط لله و في الله جاز الرجعة فيه إلا في مواضع مشتثناة كما يأتي، انتهى.
أقول: الظاهر ان المراد بقوله (عليه السلام) إنما الصدقة محدثة إنما هو بمعنى أن إطلاق الصدقة على هذا المعنى المشهور الآن، المشروط بالشروط المتقدمة أمر محدث لم يكن في زمنه (صلى الله عليه و آله و سلم) و انما الذي في زمنه النحل و الهبات و الصدقة يومئذ إنما تستعمل بمعنى الوقف، كما في صدقات علي (عليه السلام) و فاطمة و الكاظم (صلوات الله عليهما) المتقدم جميع ذلك، الا أن المراد ما ذكره من أن إطلاق هذه اللفظة في موضع الهبة و النحلة محدث، و يشير الى ما قلناه ما رواه
في الكافي و التهذيب عن عبيدين زرارة (1) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتصدق بصدقة؟ إله أن يرجع في صدقته؟ فقال: ان الصدقة محدثة انما كان النحل و الهبة، و لمن وهب أو نحل أن يرجع في هبته حيز أو لم يحز، و لا ينبغي لمن اعطى شيئا لله أن يرجع فيه».
فان الخبر كما ترى ظاهر في أن السؤال انما هو عن الصدقة المعهودة، و قد أجاب (عليه السلام) بأن الصدقة بهذا المعنى أمر محدث، و انما المستعمل يومئذ النحل و الهبة، ثم أجاب بأن من من أعطى لله يعنى قرن عطيته بالقربة صدقة كانت أو هبة
____________
(1) الكافي ج 7 ص 30 ح 4، التهذيب ج 9 ص 153 ح 2، الوسائل ج 13 ص 342 ح 1.
264
أو نحلة فإنه لا ينبغي الرجوع فيه، أي لا يجوز، فان لفظ لا ينبغي، في هذه الأخبار بمعنى التحريم كما سيظهر لك- ان شاء الله تعالى- و أما قوله (عليه السلام) «أنه يجوز الرجوع لمن وهب أو نحل حيز أو لم يحز» فالمراد به مع عدم القربة كما ينبه عليه قوله في الخبر الذي قبله «و ما لم يعط لله و في الله فإنه يرجع فيه نحلة كانت أو هبة حيزت أو لم تحز» و نحو هذا الخبر، فيما ذكرنا ما تقدم في سابقه من قوله (عليه السلام):
«و لا ينبغي لمن أعطى لله شيئا أن يرجع فيه.»
و كيف كان فالخبر الأول صريح في اشتراط الصدقة بالقربة، الا أنه أعم من الصدقة بالمعني المذكور، أو الوقف، و الأخيران ظاهران في عدم جواز الرجوع مع القربة.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح «عن أحدهما (عليهما السلام) و رواه الشيخ بسند آخر عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه سئل عن رجل كانت له جارية فآذته امرأته فيها فقال: هي عليك صدقة، فقال:
ان كان قال ذلك لله فليمضها، و ان لم يقل: فله أن يرجع ان شاء فيها».
و هذا الخبر ظاهر فيما ذكره الأصحاب مع أنه مع القربة فلا يجوز له الرجوع.
و فيه رد لما تقدم نقله عن الشيخ (رحمه الله) و لكن يجب تقييده بحصول القبض الذي هو شرط لزوم الصدقة كما ستعرف ان شاء الله تعالى، و الصدقة في هذا الخبر ظاهرة في المعنى المعهود، و لا مجال لحملها على الوقف،
و عن جميل في الحسن (2) أو الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل يتصدق على ولده بصدقة و هم صغار إله أن يرجع فيها؟ قال: لا الصدقة لله عز و جل».
و التقريب فيه ما تقدم في سابقه إلا أن لفظ الصدقة هنا محتمل للحمل على المعنى المعهود و الحمل على الوقف، لكن الأصحاب يخصونه بالأول حيث أن القربة عندهم غير مشترطة في الوقف على المشهور.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 32 ح 12، التهذيب ج 9 ص 151 ح 64.
(2) الكافي ج 7 ص 31 ح 5، التهذيب ج 9 ص 135 ح 15.
و هما في الوسائل ج 13 ص 319 ح 1 و ص 298 ح 2.
265
و منها ما رواه الشيخان المتقدمان عن السكوني (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) و رواه
الصدوق و الشيخ أيضا عن عبيد بن زرارة (2) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال في رجل تصدق على ولد له قد أدركوا فقال: إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث، فان تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز، لأن والده هو الذي يلي أمرهم، و قال (عليه السلام):
لا يرجع في الصدقة إذا تصدق بها ابتغاء وجه الله عز و جل».
أقول: و هذا الخبر أيضا محتمل للحمل على المعنيين المتقدمين، و لهذا ان الأصحاب قد إ به على اشتراط القبض في الوقف، و أنه مع عدم القبض يبطل و يرجع ميراثا، و اللازم من ذلك اشتراط القربة في الوقف كما صرح به في آخر الخبر، مع أن المشهور بينهم عدمه، و من ثم ناقشهم في الاستدلال به صاحب المسالك، كما تقدم في مقصد الوقف، و الظاهر هو الاشتراط في الموضعين، و المراد من الجواز في قوله «فهو جائز» يعنى واقع صحيح.
و منها ما روياه
عن الحكم بن أبي عقيلة (3) قال: «تصدق علي أبي بدار و قبضتها ثم ولد له بعد ذلك أولاد فأراد أن يأخذها مني و يتصدق بها عليهم، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فأخبرته بالقصة فقال: لا تعطها إياه، قلت: فإنه إذا يخاصمني قال: فخاصمه و لا ترفع صوتك على صوته».
و ما رواه
في الفقيه عن موسى بن بكر عن الحكم (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان والدي تصدق علي بدار ثم بدا له أن يرجع فيها، و ان قضاتنا يقضون لي بها فقال: نعم ما قضت به قضاتكم و لبئس ما صنع والدك إنما الصدقة لله عز و جل، فما جعل لله فلا رجعة فيه له، و ان أنت خاصمته فلا ترفع عليه
____________
(1) الكافي ج 7 ص 31 عن محمد بن مسلم ح 7 التهذيب ج 9 ص 145 ح 52، الوسائل ج 13 ص 297 ح 1.
(2) الكافي ج 7 ص 299 ح 5، الفقيه ج 4 ص 182 ح 20. الوسائل ج 13 ص 299 ح 5.
(3) الكافي ج 7 ص 33 ح 18، التهذيب ج 9 ص 136 ح 20 الوسائل ج 18 ص 224 ح 1.
(4) الفقيه ج 4 ص 183 ح 22. الوسائل ج 13 ص 316 ح 1.
266
صوتك، و ان رفع صوته فاخفض أنت صوتك قلت له: فإنه قد توفي قال: فأطب بها».
أقول: و هذان الخبران بضم أحدهما إلى الآخر صريحان في أنها بالقبض و القربة لا يصح الرجوع فيها حسب ما صرح به الأصحاب، و الخبر الأول و ان كان مجملا بالنسبة إلى القربة، إلا أن الثاني صريح في أن العلة في عدم صحة الرجوع بعد القبض هو التقرب الى الله سبحانه، و أن الصدقة لا تكون الا مع القربة، و هي ظاهرة في اشتراط القبض و القربة كما قدمنا ذكره، و الظاهر أن الصدقة فيهما بالمعنى المبحوث عنه.
بقي الكلام فيما اشترطه الأصحاب (رحمهم الله) في اذن المالك في صحة القبض، فان الروايات خالية منه، و ما ذكروه من التعليل المتقدم ذكره مع كونه لا يصلح لتأسيس حكم شرعي لا يخلو من مناقشة أيضا، قوله «ان القبض المترتب عليه أثره يعني لزوم العقد هو المأذون فيه شرعا» مدخول بأنه بعد العقد و قصد التقرب فيه لله سبحانه، فإنه يحصل به الانتقال الى من تصدق به عليه، فإذا قبضه فقد قبض حقا شرعيا انتقل اليه بالعقد الشرعي، و الأذن الشرعي حاصل على هذا التقدير كما لا يخفى، لأنه لم يتعد في قبضه، و يؤيده قوله في الرواية الأولى تصدق علي بدار و قبضتها، فإنه أعم من أن يكون المالك أقبضه أو قبض بنفسه، و بالجملة فالأصل العدم حتى يقوم دليل على هذا الشرط.
و منها ما رواه
الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إنما مثل الذي يرجع في صدقته كالذي يرجع في قيئه».
و عن جراح المدائني (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه قال:
في الرجل يرتد في الصدقة قال: كالذي يرتد في قيئه».
و عن عبد الله بن سنان (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتصدق بالصدقة ثم يعود في صدقته فقال:
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 155 ح 12. الوسائل ج 13 ص 316 ح 4.
(2) التهذيب ج 9 ص 155 ح 11. الوسائل ج 13 ص 316 ح 2.
(3) التهذيب ج 9 ص 151 ح 65. الوسائل ج 13 ص 317 ح 5.
267
قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إنما مثل الذي يتصدق بالصدقة ثم يعود فيها مثل الذي يقي ثم يعود في قيئه».
أقول: و هذه الأخبار كما ترى صريحة في عدم جواز الرجوع في الصدقة بعد حصول الشروط المتقدمة، و فيها مع ما تقدم من أخبار الدار رد على ما تقدم نقله عن الشيخ من جواز الرجوع، و قد تقدمت جملة من الأخبار بلفظ الصدقة في أحكام الوقف، و استدل به على تلك الأحكام، و منها ما هو صريح في الوقف، و منها ما هو محتمل لذلك، و لكن الأصحاب فهموا منها الحمل على الوقف، و الذي يتلخص من النظر في الأخبار و الجمع بينها و ان لم يذهب إليه أحد من علمائنا الأبرار هو أن الصدقة أعم من المعنى المبحوث عنه هنا، و من الوقف، و كل من الأمرين مشترط بالقبض و القربة، و عدم جواز الرجوع بعد استكمال الشروط، لكن متى قرنت بالدوام تمحضت المحمل على الوقف، أو كانت الصدقة على جهة من الجهات أو مصلحة من المصالح المتقدمة، فإنها يختص بالوقف أيضا، و ما عدا هما فهو قد تشتمل على ما تختص بالصدقة بالمعنى المبحوث عنه، و قد يكون محتملا للأمرين كما عرفت، و الله العالم.
تنبيهات:
الأول [في عدم جواز الرجوع فيما تصدق به الإنسان لوجه الله]
- قال الشيخ في النهاية: ما تصدق به الإنسان لوجه الله تعالى لا يجوز أن يعود إليه بالبيع و الهبة و الشراء، فان رجع إليه بالميراث كان جائزا، و بنحو ذلك صرح الشيخ المفيد (عطر الله تعالى مرقده) و منع ابن إدريس من تحريم العود لعدم الدلالة عليه، فان المتصدق عليه قد ملك العين فله بيعها على من شاء من المتصدق و غيره، قال: و قد رجع في الخلاف فقال في كتاب الزكاة: يكره للإنسان أن يشتري ما أخرجه في الصدقة، ثم تعجب من كلام الشيخ في الموضعين، و ظاهر المشهور بين الأصحاب الجواز على كراهة، و عليه حمل في المختلف كلام الشيخ، قال: لأنه يطلق لفظ لا يجوز على المكروه كثيرا.
268
أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بما ذكر ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن منصور بن حازم (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ان تصدقت بصدقة لم ترجع إليك و لم تشترها الا أن تورث».
و ما رواه
الشيخ عن منصور بن حازم (2) (قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا تصدق الرجل بصدقة لم يحل له أن يشتريها و لا يستوهبها و لا يستردها إلا في الميراث».
و ما رواه
الشيخ عن علي بن إسماعيل عمن ذكره (3) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يخرج الصدقة يريد أن يعطيها السائل فلا يجده قال: فليعطها غيره و لا يردها في ماله».
و عن محمد بن مسلم (4) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا تصدق الرجل على ولده بصدقة فإنه يرثها، و إذا تصدق بها على وجه يجعله لله فإنه لا ينبغي له.
و عن طلحة (5) «عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: من تصدق بصدقة ثم ردت عليه فلا يأكلها، فإنه لا شريك لله عز و جل في شيء فيما جعل له، انما هو بمنزلة العتاقة لا يصلح ردها بعد ما يعتق».
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن إسماعيل الجعفي (6) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) من تصدق بصدقة فردها عليه الميراث فهي له».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح في الثاني عن محمد بن مسلم (7) «عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يتصدق بصدقة أ يحل له أن يرثها؟ قال: نعم».
و عن أبى الجارود (8) قال: «أبو جعفر (عليه السلام) لا يشترى الرجل ما تصدق به» الحديث.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 31 ح 8. الوسائل ج 13 ص 319 ح 5.
(2) التهذيب ج 9 ص 150 ح 61. الوسائل ج 13 ص 318 ح 1.
(3) التهذيب ج 9 ص 157 ح 24. الوسائل ج 13 ص 317 ح 6.
(4) التهذيب ج 9 ص 151 ح 63.
(5) التهذيب ج 9 ص 152 ح 69.
(6) التهذيب ج 9 ص 150 ح 60، الفقيه ج 4 ص 184 ح 26.
(7) الكافي ج 7 ص 32 ح 15، التهذيب ج 9 ص 151 ح 62.
(8) التهذيب ج 9 ص 134 ح 14، و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 319 ح 5 و ص 318 ح 1 و 4 و 2 و ص 316 ح 3.
269
و أنت خبير بأن ما هو المشهور من الجواز في غير الميراث و ان كان على كراهية هو الأوفق بمقتضى الأدلة العقلية، لأنه بانتقاله الى ملك المتصدق عليه تصير كسائر أمواله في بيعه أو هبته أو نحو ذلك على المتصدق أو غيره، لكن هذه الأخبار كما عرفت قد اتفقت من غير معارض على المنع من ذلك.
و منها ما هو صريح في التحريم مثل قوله لا يحل في الرواية الثانية معللا ذلك في رواية طلحة بأنه لا شريك لله فيما جعل له، بمعنى أنه بعد ان أخرجها عن نفسه لله سبحانه فتصرفه فيها بعد الانتقال اليه ببيع أو هبة أو نحوهما مستلزم لذلك، و أن الصدقة بمنزلة العتق لله سبحانه، لا تصلح رده لمن أعتقه بوجه من الوجوه، و ينبغي تخصيصه بغير الرد بالميراث كما دلت عليه الأخبار الباقية، و بالجملة فالمسئلة غير خالية من شوب الأشكال.
و ظاهر كلام الشيخين انما هو التحريم، و الروايات كما ترى ظاهرة فيه، و لا معارض لها الا ما عرفت من الدليل العقلي، و الخروج عنها بمجرد ذلك مشكل و كم مثل ذلك في الأخبار، ثم لا يخفى على من جاس خلال الديار.
بقي هنا اشكال آخر أيضا و هو أن أكثر هذه الأخبار قد صرحت باستثناء الميراث من الكراهة و التحريم على القول به، و ظاهر صحيحة محمد بن مسلم تخصيص الإرث بما إذا لم يكن تلك الصدقة على وجه يجعله لله، فلو كانت الصدقة لله سبحانه فإنه لا ينبغي له أن يتصرف فيها بالإرث أيضا، و تقييد تلك الروايات الكثيرة بهذه الرواية بأن تحمل تلك الروايات على أن الصدقة خالية من التقرب كما احتمله في الوافي و جعله وجها للجمع بين الأخبار في غاية البعد.
و كيف لا و الصدقة بدون شرط القربة غير لازمة فله الرجوع فيها شرعا فضلا أن يشتريها و يتهبها، و رواية طلحة قد عللت عدم الجواز بالتقرب في الصدقة بمعنى أن العلة في عدم جواز اتباعها و اتهابها من حيث انه أخرجها لله سبحانه.
و بالجملة فبعده أظهر من أن يخفى على الناظر المتأمل في هذه الأخبار فهي مرجوعة إلى قائليها (صلوات الله عليهم)، و الله العالم.
270
الثاني [تحريم الصدقة على بني هاشم]:
لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في تحريم الصدقة أعني الزكاة المفروضة على بنى هاشم إلا في حال الاضطرار، و انما الخلاف هنا في مقامين أحدهما- في الصدقة الواجبة غير الزكاة كالمنذورة و الكفارة و نحوهما، فظاهر إطلاق جملة من الأصحاب التحريم.
و قال في المسالك: لا خلاف في تحريم الصدقة الواجبة على بنى هاشم في الجملة عدا ما استثنى، و لكن اختلفوا في عمومها و تخصيصها بالزكاة، و الأكثر أطلقوا كالمصنف، و كذلك ورد تحريم الصدقة من غير تفصيل، فيعم، و لكن ظاهر جملة من الأخبار أن الحكم مختص بالزكاة، فيكون ذلك تقييدا لما أطلق منها، انتهى و هو جيد.
و من الروايات التي أشار إليها بأنها دالة على الاختصاص بالزكاة
صحيحة زرارة و أبى بصير و محمد بن مسلم (1) «عن أبى جعفر (عليه السلام) و أبى عبد الله (عليه السلام) قالا: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ان الصدقة أو ساخ أيدي الناس، و أن الله حرم علي منها و من غيرها ما قد حرمه، فإن الصدقة لا تحل لبني عبد المطلب» الحديث.
فان التعليل بالأوساخ ظاهر في الزكاة لأنها مطهرة للمال.
و أصرح منها في ذلك
صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصدقة التي حرمت على بنى هاشم ما هي؟ فقال: هي الزكاة قلت: فتحل صدقة بعضهم على بعض، قال: نعم».
و رواية زيد الشحام (3) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الصدقة التي حرمت عليهم ما هي؟ فقال: الزكاة المفروضة».
و أما ما أشار إليه من الروايات التي وردت بتحريم الصدقة من غير تفصيل
____________
(1) الكافي ج 4 ص 58 ح 58، الوسائل ج 6 ص 186 ح 2.
(2) الكافي ج 4 ص 59 ح 5، الوسائل ج 6 ص 190 ح 5.
(3) الوسائل ج 6 ص 190 ح 4.
271
فمنها
صحيحة جعفر بن إبراهيم الهاشمي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له:
أ تحل الصدقة لبني هاشم؟ فقال: انما تلك الصدقة الواجبة على الناس لا تحل لنا، فأما غير ذلك فليس به بأس، و لو كان كذلك ما استطاعوا أن يخرجوا إلى مكة هذه المياه عامتها صدقة».
و نحوها غيرها و طريق الجمع حمل إطلاق هذه الأخبار على ما دلت عليه تلك الأخبار من التقييد بالزكاة صراحتها في ذلك، و به يظهر ضعف قول من ذهب الى العموم، و ان نسب إلى الأكثر.
و ثانيها في الصدقة المستحبة و المشهور بين الأصحاب (رحمهم الله الجواز) و نسبه في المنتهى الى علمائنا، و أكثر العامة، و خالف في التذكرة فذهب الى التحريم، و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في كتاب الزكاة (2).
الثالث [في جواز الصدقة على الذمي]:
قد صرح جملة من الأصحاب بأنه تجوز الصدقة على الذمي و ان كان أجنبيا،
لقوله (3) (صلى الله عليه و آله و سلم) «على كل كبد حرى أجر».
و لقوله تعالى (4) «لٰا يَنْهٰاكُمُ اللّٰهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقٰاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ».
و هذا هو المشهور و نقل في الدروس عن الحسن بن أبى عقيل المنع من الصدقة على غير المؤمن مطلقا، و ظاهر بعض الأصحاب أن الخلاف في الصدقة على الذمي كالخلاف في الوقف عليه، و قد تقدم الكلام في الوقف عليه، و الخلاف في ذلك.
و الذي وقفت عليه من الروايات المتعلقة بهذا المقام ما رواه
في الكافي عن سدير الصيرفي (5) في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أطعم سائلا لا أعرفه
____________
(1) الكافي ج 4 ص 59 ح 3، الوسائل ص 189 الباب 31 ح 3.
(2) ج 12 ص 217.
(3) هامش الجامع الصغير ج 2 ص 66، المستدرك ج 2 ص 546، الكافي ج 4 ص 58 و فيه ان الله يحب إبراد الكبد الحريّ و من سقى كبدا حرى من بهيمة أو غيرها أظله الله يوم لا ظل الا ظله، الوسائل ج 6 ص 284 ح 1.
(4) سورة الممتحنة- الاية 8.
(5) الكافي ج 4 ص 13 ح 1، الوسائل ج 6 ص 288 ح 3.
272
مسلما؟ فقال: نعم أعط من لا تعرفه بولاية و لا عداوة للحق ان الله تعالى يقول:
«وَ قُولُوا لِلنّٰاسِ حُسْناً» و لا تطعم من نصب لشيء من الحق، أو دعا إلى شيء من الباطل،.
و هذه الرواية ظاهرة في جواز إعطاء المستضعفين الذين هم أحد أفراد المسلمين، و هم أكثر الناس في الصدر الأول، و قوله في الخبر لا أعرفه مسلما أي مؤمنا، و قد حققنا في جملة من زبرنا و كتبنا سيما كتاب الشهاب الثاقب، ان الناس في زمنهم (عليهم السلام) كانوا على أصناف ثلاثة مؤمن و كافر و مسلم، و الأول من عرف الإمامة و دان بها، و الثاني من جحدها و أنكرها، و الثالث من جهلها و يعبر عنه في الاخبار بمن لا يعرف و لا ينصب، كما يشير اليه هذا الخبر، و يؤيد ما قلناه ما رواه
في الكافي عن المعلى بن خنيس (1) «قال خرج أبو عبد الله (عليه السلام) في ليلة قد رشت، و هو يريد ظلة بنى ساعدة ما تبعته فإذا هو قد سقط منه شيء فقال: بسم الله، اللهم رد علينا قال فأتيته و سلمت عليه، فقال: معلى قلت: نعم جعلت فداك فقال: التمس بيدك، فما وجدت من شيء فادفعه إلي فإذا أنا بخبز منتشر كثير فجعلت ادفع اليه ما وجدت، الى ان قال فأتينا بني ساعدة فإذا نحن بقوم نيام فجعل يدس الرغيف و الرغيفين حتى اتى على آخرهم، ثم انصرف، فقلت: جعلت فداك، يعرف هؤلاء الحق؟ فقال: لو عرفوا لواسيناهم بالدقة و الدقة هي الملح» الحديث،.
فان هؤلاء المذكورين ممن أشرنا إليهم بأنهم من المسلمين الذين لا يعرفون و لا ينصبون، و في هذين الخبرين رد لما تقدم نقله، عن ابن أبى عقيل من منع الصدقة على غير المؤمن.
و منها ما رواه
في الكافي (2) عن عمرو بن ابى نصر، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان أهل السواد يقتحمون علينا و فيهم اليهود و النصارى و المجوس، فنتصدق عليهم قال: نعم.
و هذا الخبر دال على ما هو المشهور بين الأصحاب (عليه السلام) مما قدمنا ذكره، و فيه رد على ابن أبى عقيل أيضا.
____________
(1) الوسائل ج 6 ص 284 ح 1. الكافي ج 4 ص 8 ح 3.
(2) الكافي ج 4 ص 14 ح 3.
273
و ما رواه في الكافي عن عبد الله بن الفضل النوفلي (1) عن أبيه عن ابى عبد الله (عليه السلام)
و رواه الصدوق مرسلا عن ابى عبد الله (عليه السلام) «انه سئل عن السائل يسأل و لا يدرى ما هو، فقال: أعط من وقعت له الرحمة في قلبك، و قال: أعط دون الدرهم، قلت أكثر ما يعطى؟ قال أربعة دوانيق،.
و فيه رد لما ذهب اليه ابن ابى عقيل ايضا.
و ما رواه
في الكافي، عن منهال القصاب (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) أعط الكبير و الكبيرة و الصغير و الصغيرة و من وقعت له في قلبك رحمة و إياك و كل و قال بيده و هزها».
و المستفاد من هذه الأخبار هو جواز الصدقة على غير المؤمن من ذمي و غيره، و لكن يعطى كما يعطى المؤمن و انما يعطى بقدر دفع الضرورة، و قوله في هذا الخبر: و إياك و كل يعنى و كل ما تعطيه غيره من المؤمنين، فهو في معنى الخبر الذي قبله، و الله العالم.
الرابع [في استفاضة الأخبار بالحث على التصدق]:
قد استفاضت الأخبار بالحث على التصدق و ما فيه من عظيم الأجر و دفع البلاء و جلب الرزق
فروى في الكافي في الصحيح (3) «عن زرارة عن سالم بن أبي حفصة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: ان الله تعالى يقول ما من شيء إلا و قد وكلت به من يقبضه غيري إلا الصدقة فإني أتلقفها بيدي تلقفا حتى ان الرجل يتصدق بالتمرة أو بشق التمرة، قال: فأربيها له كما يربى الرجل فلوه و فصيله فيأتي يوم القيامة و هو مثل أحد أو أعظم من أحد».
و روى في الكافي و الفقيه مسندا في الأول عن إسحاق بن غالب (4) عمن حدثه عن ابي جعفر (عليه السلام) و مرسلا في الثاني عن ابي جعفر (عليه السلام) قال البر و الصدقة ينفيان الفقر و يزيدان في العمر و يدفعان عن صاحبهما سبعين ميتة السوء.
قال في الكافي و في
____________
(1) الكافي ج 4 ص 14 ح 2، الفقيه ج 2 ص 39 ح 16.
(2) الكافي ج 14 ص 2 باب الصدقة على أهل البوادي.
(3) الكافي ج 4 ص 47 ح 6.
(4) الكافي ج 4 ص 2 ح 2، الفقيه ج 2 ص 37 ح 2 و هذه الروايات في الوسائل ج 6 ص 289 ح 6 و ص 288 ح 4 و ص 283 ح 3 و ص 255 ح 4.
274
خبر آخر و يدفعان عن شيعتي ميتة السوء.
الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة المذكورة في الكتب الأربعة و غيرها.
الخامس [في أفضلية الصدقة سرا]:
الأفضل في الصدقة ان تكون سرا و هل هو مخصوص بالمندوبة أو يشمل الواجبة؟ المشهور الأول، و استثنى بعضهم من أفضلية الأسرار بها ان لا يكون منهما بترك المواساة فان إظهارها أفضل دفعا للتهمة، و الذي يدل على أفضلية السر قوله سبحانه «وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» (1).
و ما رواه
في الكافي عن القداح (2)، عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليهما السلام) قالا:
قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): صدقة السر تطفئ غضب الرب،.
و عن عمار الساباطي (3) قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا عمار الصدقة و الله في السر أفضل من الصدقة في العلانية، و كذلك و الله العبادة في السر أفضل منها في العلانية.
و ظاهر الآية مع هذه الاخبار هو أفضلية السر مطلقا و إليها استند من قال بالعموم، إلا انه
روى في الكافي أيضا عن ابن بكير في الموثق (4) عن رجل عن ابى جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقٰاتِ فَنِعِمّٰا هِيَ» قال يعني الزكاة المفروضة قال: قلت «وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» قال: يعني النافلة انهم كانوا يستحبون إظهار الفرائض و كتمان النوافل،.
و عن إسحاق بن عمار (5) في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل «وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» فقال هي سوى الزكاة فإن الزكاة علانية غير سر.
و عن ابي بصير (6) في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: و كل ما فرض الله عليك فإعلانه أفضل من إسراره،
____________
(1) سورة البقرة- الاية 271.
(2) الكافي ج 4 ص 7 ح 1. الوسائل ج 6 ص 275 ح 2.
(3) الكافي ج 4 ص 8 ح 2 من باب فضل صدقة السر. الوسائل ج 6 ص 275 ح 3.
(4) الكافي ج 4 ص 60 ح 1. الوسائل ج 6 ص 215 ح 3.
(5) الكافي ج 4 ص 502 ح 17. الوسائل ج 6 ص 215 ح 2.
(6) الكافي ج 4 ص 499 ح 9. الوسائل ج 6 ص 215 ح 1.
275
و ما كان تطوعا فإسراره أفضل من إعلانه، و لو ان رجلا حمل زكاة ماله على عاتقه فقسمها علانية كان ذلك حسنا جميلا.
و ما رواه
العياشي في تفسيره (1) «عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئلته عن قول الله: وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، قال ليس تلك الزكاة و لكنه الرجل يتصدق لنفسه الزكاة علانية ليس بسر».
و من هذه الأخبار يظهر تخصيص الآية و ما في معناها من الأخبار بالصدقة المندوبة، و يظهر ضعف القول بالعموم، و اما ما ذكروه من استحباب الإظهار في المندوبة لدفع التهمة عن نفسه بترك المواساة، و كذا ما ذكره في المسالك من استحباب الإظهار أيضا لمتابعة الناس له في ذلك و اقتدائهم به لما فيه من التحريص على نفع الفقراء فلم أقف فيه على دليل، و إطلاق هذه الأخبار يدفعه، و تخصيصها بهذه التعليلات العقلية غير مقول، و علل الإخفاء و الاستتار في المندوبة بأنه أبعد من تطرق الرياء، و لا بأس به بان يجعل وجها لما دلت عليه النصوص، نعم ما ذكروه من استحباب الإعلان في الصورتين المذكورتين جيد في الواجبة التي يستحب الإعلان بها، و يكون ذلك وجها للنصوص الدالة على الإعلان فيها، و الله العالم.
المقصد الثالث في الحبس و السكنى و الرقبى و العمرى:
اعلم أن انتقال المنفعة إلى الغير إما على وجه اللزوم أم لا، و الثاني في العارية و الأول اما مع خروج العين عن الملك أم لا، و الأول الوقف، و الثاني إما بعوض أم لا، و الأول الإجارة، و الثاني العمرى التي هي محل البحث هنا، و منه يظهر أن ثمرتها هو التسليط على المنفعة مجانا مع بقاء الملك لمالكه.
ثم أنه ينبغي أن يعلم أن الاختلاف في هذه الألفاظ اعتباري بحسب اختلاف ما تضاف، و المرجع إلى أمر واحد، فإذا قرنت بالإسكان قيل سكنى، و إذا قرنت
____________
(1) تفسير العياشي ج 1 ص 151 ح 499، الوسائل ج 6 ص 216 ح 9.
276
بالعمر من المالك أو الساكن قيل عمري، و إذا قرنت بمدة معينة قيل رقبى، من ارتقاب المدة و خروجها أو رقبة الملك، و قد يقترن باثنين منها كأن يقول أسكنتك هذه الدار مدة عمرك، فيقال سكنى لاقترانها بالإسكان، و عمري لاقترانها بالعمر و لو قال: أسكنتكها مدة كذا و كذا، قيل: سكنى و رقبى، و لو قال: أرقبتكها تحققت الرقبى خاصة، و تنفرد السكنى فيما لو أسكنه إياها مطلقا و تنفرد العمرى فيما لو كان للعمر في غير مسكن.
قالوا: و هي يعنى السكنى عقد يشتمل على الإيجاب و القبول و القبض، و فائدتها التسليط على استيفاء المنفعة مع بقاء الملك على مالكه.
أقول: و قد تقدم الكلام في العقد و ما اشترطوه فيه في غير مقام، و يؤيده ما سيظهر لك ان شاء الله تعالى من الأخبار الواردة في المقام.
قالوا: و العبارة عن العقد أن يقول: أسكنتك أو أعمرتك أو أرقبتك أو ما جرى مجرى ذلك هذه الدار و هذه الأرض أو هذا المسكن عمرك أو عمري أو مدة معينة، و الواجب أولا نقل الأخبار الواردة فيما يتعلق بهذا الباب ثم الرجوع الى كلام الأصحاب و عرضه عليها ليتميز القشر من اللباب بتوفيق الملك الوهاب، و بركة أهل الذكر الأطياب.
[الأخبار الواردة في المقام]
الأول- ما رواه
المشايخ الثلاثة عن حمران (1) قال: «سألته عن السكنى و العمرى فقال: ان الناس فيه عند شروطهم، ان كان شرطه حياته سكن حياته و ان كان لعقبه فهو لعقبه كما شرط حتى يفنوا ثم يرد الى صاحب الدار».
الثاني- ما رواه
في الكافي و التهذيب عن أبى الصباح الكناني (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن السكنى و العمرى فقال: ان كان جعل السكنى في
____________
(1) الكافي ج 7 ص 33 ح 21، التهذيب ج 9 ص 139 ح 587، الفقيه ج 4 ص 186 ح 652، الوسائل ج 13 ص 325 ح 1.
(2) الكافي ج 7 ص 33 ح 22، التهذيب ج 9 ص 140 ح 588، الوسائل ج 13 و ص 326 ح 1.
277
حياته فهو كما شرط، و ان كان جعلها له و لعقبه من بعده حتى يفنى عقبه فليس لهم إن يبيعوا و لا يورثوا ثم ترجع الدار الى صاحبها الأول».
الثالث- ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) عن أحمد بن عمر الحلبي (1) عن أبيه في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل أسكن رجلا داره حياته قال: يجوز له و ليس له أن يخرجه، قلت: فله و لعقبه؟ قال:
يجوز،.
و سألته عن رجل أسكن رجلا و لم يوقت له شيئا قال يخرجه صاحب الدار إذا شاء».
الرابع- ما رواه
في الكافي و التهذيب عن الحلبي (2) في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يسكن الرجل داره و لعقبه من بعده، قال: يجوز لهم و ليس لهم أن يبيعوا و لا يورثوا، قلت: فرجل اسكن رجلا داره حياته؟ قال يجوز ذلك، قلت: فرجل أسكن رجلا داره و لم يوقت؟ قال: جائز و يخرجه إذا شاء».
الخامس- ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح أو الحسن عن الحسين بن نعيم (3) «عن أبى الحسن موسى (عليه السلام) قال: سألته عن رجل جعل داره سكنى لرجل «ابان» حياته أو جعلها له و لعقبه من بعده قال: هي له و لعقبه من بعده كما شرط، قلت: فان احتاج الى بيعها يبيعها قال: نعم، قلت: فينقض بيعه الدار السكنى؟ قال: لا ينقض البيع السكنى، كذلك سمعت أبي (عليه السلام) يقول: قال أبو جعفر (عليه السلام) لا ينقض البيع الإجارة و لا السكنى، و لكن يبيعه على أن الذي
____________
(1) الكافي ج 7 ص 34 ح 24، التهذيب ج 9 ص 140 ح 589، الفقيه ج 4 ص 186 ح 651.
(2) الكافي ج 7 ص 34 ح 25، التهذيب ج 9 ص 140 ح 590.
(3) الكافي ج 7 ص 38 ح 38، التهذيب ج 9 ص 141 ح 593 و فيه «أيام» الفقيه ج 4 ص 185 ح 649.
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 327 ح 2 و ص 326 ح 2 و ص 325 ح 2.
278
يشتريه لا يملك ما اشترى حتى ينقضي السكنى على ما شرط و الإجارة، قلت:
فان رد على المستأجر ماله و جميع ما لزمه من النفقة و العمارة فيما استأجره؟ قال:
على طيبة النفس و يرضى المستأجر بذلك لا بأس».
السادس- ما رووه أيضا
عن خالد بن نافع البجليّ (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل جعل لرجل سكنى دار له مدة حياته يعنى صاحب الدار، فلما مات صاحب الدار أراد ورثته أن يخرجوه أ لهم ذلك؟ قال: فقال: أرى أن تقوم الدار بقيمة عادلة و ينظر الى ثلث الميت، فان كان في ثلثه ما يحيط بثمن الدار فليس للورثة أن يخرجوه، و ان كان الثلث لا يحيط بثمن الدار فلهم أن يخرجوه قيل له: أ رأيت ان مات الرجل الذي جعل له السكنى بعد موت صاحب الدار يكون السكنى لعقب الذي جعل له السكنى؟ قال: لا».
السابع- ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن محمد بن قيس (2) «عن أبى جعفر (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قضى في العمرى انها جائزة لمن أعمرها، فمن أعمر شيئا ما دام حيا فإنه لورثته إذا توفي».
الثامن- ما رواه
في الكافي و التهذيب عن يعقوب بن شعيب في الصحيح (3) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون له الخادم تخدمه فيقول: هي لفلان تخدمه ما عاش، فإذا مات فهي حرة فتأبق الأمة قبل أن يموت الرجل بخمس سنين أو ستة ثم يجدها ورثته، أ لهم ان يستخدموها قدر ما أبقت؟ قال: إذا مات الرجل فقد عتقت».
____________
(1) الكافي ج 7 ص 38 ح 39، التهذيب ج 9 ص 142 ح 594، الفقيه ج 4 ص 186 ح 650، الوسائل ج 13 ص 331 ح 1.
(2) التهذيب ج 9 ص 143 ح 595.
(3) الكافي ج 7 ص 34 ح 23، التهذيب ج 9 ص 143 ح 596.
و هما في الوسائل ج 13 ص 332 ح 2 و ص 330 ح 2.
279
التاسع- ما رواه
الشيخ في التهذيب عن محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل جعل لذات محرم جاريته حياتها قال: هي لها على النحو الذي قد قال».
العاشر- ما رواه
في التهذيب و الفقيه عن على بن معبد (2) قال: «كتب اليه محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد سنة ثلاث و ثلاثين و مائتين يسأله عن مات و خلف امرأة و بنين و بنات و خلف لهم غلاما أوقفه عليهم عشر سنين ثم هو حر بعد العشر سنين فهل يجوز لهؤلاء الورثة بيع هذا الغلام و هم مضطرون إذا كان على ما وصفته لك جعلني الله فداك؟ فكتب (عليه السلام) لا يبيعوه الى ميقات شرطه الا ان يكونوا مضطرين الى ذلك فهو جائز لهم».
الحادي عشر- ما رواه
المشايخ الثلاثة (قدس الله تعالى أرواحهم)في الصحيح في بعض أسانيدهم عن ابن أذينة (3) قال: «كنت شاهد ابن أبى ليلى فقضى في رجل جعل لبعض قرابته غلة داره و لم يوقف وقتا فمات الرجل فحضر ورثته ابن أبى ليلى و حضر قرابة الذي جعل له غلة الدار فقال ابن أبى ليلى: أرى أن أدعها على ما تركها صاحبها فقال له محمد بن مسلم الثقفي: أما ان علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد قضى في هذا المسجد بخلاف ما قضيت، فقال: و ما علمك؟ فقال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) يقول: قضى علي بن أبي طالب (عليه السلام) برد الحبيس و إنفاذ المواريث، فقال: ابن أبى ليلى هذا عندك في كتاب؟ قال: نعم قال فأرسل اليه و ائتني به، فقال له محمد بن مسلم: على أن لا تنظر في الكتاب الا في ذلك الحديث قال: لك ذلك، فأراه الحديث عن أبى جعفر (عليه السلام) في الكتاب فرد قضيته».
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 143 ح 597.
(2) التهذيب ج 9 ص 138 ح 581، الفقيه ج 4 ص 181 ح 634.
(3) التهذيب ج 9 ص 140 ح 591، الكافي ج 7 ص 34 ح 27 الفقيه ج 4 ص 181 ح 635.
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 330 ح 1 و ص 327 ح 3 و ص 328 ح 1.
280
الثاني عشر- ما رواه
في الكافي و الفقيه عن عبد الرحمن الجعفي (1) قال كنت اختلف الى ابن أبى ليلى في مواريث لنا ليقسمها و كان فيه حبيس فكان يدافعني فلما طال شكوته الى أبى عبد الله (عليه السلام) فقال: أو ما علم أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أمر برد الحبيس و إنفاذ المواريث، قال: فأتيته ففعل كما كان يفعل فقلت له: انى شكوتك الى جعفر بن محمد (عليه السلام) فقال لي: كيت و كيت قال:
فحلفني ابن أبى ليلى أنه قد قال ذلك، فحلفت له فقضى لي بذلك».
الثالث عشر- ما رواه
عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن أبي البختري (2) «عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) أن السكنى بمنزلة العارية، ان أحب صاحبها أن يأخذها أخذها، و ان أحب ان يدعها فعل أي ذلك شاء».
هذا ما وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذا المقام إذا عرفت ذلك، فالكلام هنا يقع في مواضع:
الأول [هل يكتفي بمجرد التراضي أم يحتاج إلى العقد؟]:
قد عرفت مما أشرنا إليه آنفا أن ظاهر الأصحاب أنه لا بد في هذه المعاملة من عقد مشتمل على الإيجاب و القبول كغيره من العقود، قالوا:
و العبارة عن العقد أن يقول: أسكنتك و أعمرتك و أرقبتك أو ما جرى مجرى ذلك هذه الدار و هذه الأرض أو هذا المسكن عمري أو عمرك، أو مدة معينة.
أقول المفهوم من ظاهر الأخبار المذكورة الاكتفاء بمجرد التراضي على ذلك، و الإتيان بمجرد ما يفهم منه المقصود، مثل قوله في الحديث الثامن «هي لفلان تخدمه ما عاش»، و في الحديث التاسع جعل لذات محرم جاريته فإنه ليس هنا عقد زيادة على ذلك، و نحوهما ظاهر الحديث الثالث و الرابع و الخامس، فإن
____________
(1) الكافي ج 7 ص 35 ح 28 عن عبد الرحمن الخثعمي، التهذيب ج 9 ص 141 ح 592، الفقيه ج 4 ص 182 ح 636، الوسائل ج 13 ص 329 ح 2.
(2) الوسائل ج 13 ص 328 ح 3، قرب الاسناد ص 69.
281
ظاهرها مجرد الاذن في السكنى و ليس هنا عقد غير ذلك، و لا قبول بالكلية بالمعنى الذي أرادوه غير مجرد الرضى بذلك، و هذا هو المفهوم من الأخبار بالنسبة إلى سائر العقود أيضا كما تقدم التنبيه عليه في غير موضع.
و بالجملة فإن دائرة الأمر في العقود أوسع مما ضيقوه و سهولة الأمر في ذلك أظهر مما شرطوه و ان كان الوقوف على ما ذكروه هو الأولى.
الثاني [في اللزوم بالقبض و عدمه]:
لا خلاف في أنه لا يلزم شيء منها قبل القبض، و اختلفوا في أنه هل تلزم بالقبض المشهور ذلك، و قيل: بالعدم، لأصالة بقاء الملك لمالكه، فهي كالعارية، و حينئذ تلزم ان قرنت بالقربة، و الا فلا، لأنه في معنى الهبة المعوضة، و هذان القولان الأخيران نقلهما الأصحاب في كتب الاستدلال بلفظ قيل: و لم يصرحوا بالقائل، و لا ريب في ضعفهما لدلالة الأخبار المذكورة على اللزوم بعد حصول القبض كالحديث الأول و قوله فيه «الناس عند شروطهم» إلى أن قال:
«فهو لعقبه كما شرط حتى يفنوا ثم يرد الى صاحب الدار» فإنه ظاهر، بل صريح في وجوب الوفاء بما اشترط، و أنه ليس لصاحب الدار التصرف الا بعد فنائهم، الحديث الثاني و الثالث، و فيه تصريح بأنه ليس لصاحب الدار أن يخرجه، و معنى الجواز في هذه الأخبار الصحيحة يعنى أنه يصح له التصرف و الخبر المذكور صريح في اللزوم، و مثل ذلك الحديث الخامس حكم فيه بأن البيع لا ينقض السكنى بمعنى أنها لازمة لا يوجب البيع نقضها، و يؤكده جعلها في قرن الإجارة التي لا إشكال في لزومها، و بالجملة فإن القولين المذكورين ضعيفان لا يلتفت إليهما، و مما ذكرنا يعلم أن القبض شرط في لزومها و بذلك صرح الأصحاب أيضا.
الثالث [حكم السكنى بعد موت الساكن]:
لو قال: لك سكنى هذه الدار ما بقيت و حييت، يعنى الساكن فإنه لا اشكال و لا خلاف ظاهرا في أنه بعد موت الساكن ترجع الدار إلى من أسكنه أو إلى ورثته ان مات، و على ذلك تدل جملة من الاخبار المتقدمة كالخبر
282
الأول و الثاني، فإنهما ظاهران في وجوب العمل بالشرط، و أنه بعد انقضاء الشرط ان كان بالنسبة إلى الساكن أو مع ورثته ترجع الدار إلى صاحبها الأول.
و قال المحقق في الشرائع: و لو قال لك سكنى هذه الدار ما بقيت أو حييت جاز، و يرجع الى المسكن بعد الساكن على الأشبه، أما لو قال: فإذا متّ رجعت إلى، فإنها ترجع قطعا، انتهى.
و نسبة القول المذكور إلى الأشبه مؤذن بالخلاف في ذلك، و الظاهر أن منشأ ذلك ما ذكره الشيخ في المبسوط حيث نقل في أصل المسئلة قولين بالصحة و البطلان، ثم نقل عن القائلين بالصحة أنهم اختلفوا فذهب قوم منهم إلى أنها للمعمر مدة بقائه، و لورثته من بعده، و قال آخرون منهم: أنه إذا مات رجعت إلى المعمر أو إلى ورثته ان كان مات، قال: و هذا هو الصحيح على مذهبنا.
و أنت خبير بأن الظاهر أن الخلاف الأول و الثاني إنما هو للعامة لما علم من عادة الشيخ في الكتاب المذكور و يشير إلى ذلك قوله أخيرا و هذا هو الصحيح على مذهبنا، فإنه ينقل أقوال العامة و يختار منها ما يوافق مذهبه، و أخبارنا المتقدمة ظاهرة بل صريحة في بطلان هذه الأقوال المذكورة عدا ما ذكرنا من الانتقال إلى المالك بعد انقضاء مدة الإسكان ان قرن بمدة، أو موت الساكن ان قرن بحياته، ثم ان المفهوم من كلام الأصحاب و عليه تدل الأخبار المتقدمة أنه متى قرن السكنى بعمر الساكن خاصة أو مع عقبه فإنه بعد موت الساكن أو الجميع يرجع ذلك المسكن إلى المالك، و نقل عن الشيخ في المبسوط عدم الانتقال لو شرط العقب بعده.
قال في الدروس: و لو قال: هي لك عمرك و لعقبك لم يملكها المعمر، بل ترجع بعد موت العقب الى المالك، و ظاهر الشيخ عدم رجوعها لخبر جابر عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، انتهى.
أقول و الخبر المذكور هو ما رواه
جابر أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)
283
قال: أيما رجل أعمر عمري له و لعقبه فإنما هي للذي يعطاها، لا ترجع إلى الذي أعطاها، فإنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث» (1).
و أنت خبير بأن هذا الخبر غير موجود في كتب أخبارنا، و الظاهر أنه عامي.
و كيف كان فالقول المذكور ضعيف مردود بالأخبار المتقدمة، كالخبر الأول و الثاني فإنهما صريحان في الرجوع إلى صاحب الدار بعد فناء العقب، و قوله انه ليس للعقب أن يبيعوا و لا يورثوا أظهر في عدم الملك.
و بالجملة فإن المفهوم من الأخبار المتقدمة تصريحا في بعض و تلويحا في آخر أنه لا فرق في رجوع المعطي بأحد الوجوه المذكورة إلى المالك بين أن يعلق على عمر أحدهما أو على عقب المعمر بعده، بأن يجعل المنفعة لهم بعده مدة عمرهم، أو لبعض معين منهم، أو جعله له مدة، ثم لعقبه مدة معينة مخصوصة، فيكون حينئذ مركبا من العمرى و الرقبى، ثم بعد انقضاء المدة المعينة يرجع إلى المالك، و إلى جميع ذلك يشير قوله في الخبر الأول «الناس فيه عند شروطهم»، و الله العالم.
الرابع [في انتقال الحق إلى الورثة مدة حياة المالك لو قرن السكنى بعمرة]:
لا خلاف بين الأصحاب في أنه لو قرن السكنى بعمر المالك ثم مات الساكن قبل المالك فإنه ينتقل الحق إلى ورثته مدة حياة المالك، كغيره من الحقوق و الأملاك التي يرثها الوارث، إنما الخلاف فيما لو قرنت بعمر المعمر و هو الساكن ثم مات المالك قبله، فالمشهور أنه لا يجوز لورثة المالك إزعاج المعمر و إخراجه ما دام حيا، لأن الأصل في العقد اللزوم، و هو قد استحق بالعقد المنفعة مدة حياته، حيث أنها قرنت بعمرة، و قد دل الخبر الأول كما عرفت «الناس عند شروطهم» و مقتضى الشرط هنا ما ذكرناه.
و يدل عليه أيضا قوله في الخبر الثاني ان كان جعل السكنى في حياته فهو كما شرط، فان الضمير راجع إلى الساكن بقرينة قوله بعده «و ان كان جعلها له
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 515 ح 4.
284
و لعقبه» و هو أعم من أن يموت المالك أو يبقى.
و ذهب ابن الجنيد إلى تفصيل في ذلك، فقال: إذا أراد ورثة المالك إخراج الساكن بعد موت المالك نظر إلى قيمة الدار، فان كانت تحيط بثلث الميت لم يكن لهم إخراجه، و ان كان ينقص عنها كان ذلك لهم.
و يدل على ما ذهب إليه الخبر السادس حيث فصل فيه كما ذكره، قال الشيخ في كتابي الأخبار بعد إيراد الخبر المذكور ما تضمن هذا الخبر من قوله «يعنى صاحب الدار، فإنه غلط من الراوي و هم منه في التأويل، لأن الأحكام التي ذكرها بعد ذلك إنما تصح إذا كان قد جعل السكنى حياة من جعل له السكنى فحينئذ يقوم و ينظر باعتبار الثلث و زيادته و نقصانه.
و أما إذا جعل السكنى حياة صاحب الدار فإنه يبطل السكنى بموته و لم يحتج إلى تقويمه و اعتبار الثلث و ربما أوهم هذا الكلام منه موافقته لابن الجنيد مما ذهب إليه، الا أن الظاهر أنه إنما أراد به بيان بطلان هذا التأويل، بناء على ما اشتملت عليه الرواية من هذا الحكم، و أنه لا يتمشى هذا الحكم المذكور فيهما الا على تقدير كون التعمير بمدة عمر الساكن، لا صاحب الدار، لأنه لا خلاف و لا إشكال في البطلان بموت صاحب الدار إذا قرنت بعمرة، و ربما حمل صاحب الدار في الخبر على الساكن فإنه صاحب في الجملة لملكه المنافع مدة حياته- و ان بعد، الا أنه لا بأس به في مقام التأويل جمعا بين الأدلة، ثم ان الأصحاب قد ردوا هذه الرواية بضعف السند، و اضطراب المتن.
قال في الدروس: و قال ابن الجنيد (رحمة الله عليه): يعتبر خروجها من الثلث لرواية خالد بن نافع عن الصادق (عليه السلام) و في متنها اضطراب، و قال في المسالك:
ان في سندها جهالا و ضعفاء، و متنها خللا يمنع من الاستناد إليها، فالمذهب هو المشهور.
أقول: و لعل الخلل المشار إليه منشؤه أن التفصيل بالخروج من الثلث
285
و عدمه إنما هو فيما إذا كان ذلك في مرض الموت لا في حال الصحة، و المفروض في الخبر لا دلالة فيه، و لا إشارة إلى أن ذلك كان في المرض، فيصير الخبر بذلك مضطربا و مختلا لخروجه عن مقتضى القواعد الشرعية، و الأصول المرعية.
و من ذلك يظهر أن العمل على القول المشهور لتأييده بما قدمناه من الأخبار و موافقته القواعد المقررة، و ضعف هذا الخبر سندا و متنا كما عرفت، و الله العالم.
الخامس [في حكم الاقتران بعمر الأجنبي]:
الموجود في كلام الأصحاب و كذا في الأخبار في الاقتران بالعمر هو عمر المالك، أو عمر الساكن وحده أو مع عقبه، و هل يتعدى الحكم إلى غيرهم، فيقرن بعمر أجنبي اشكال، قال في المسالك: يحتمل العدم، و هو الذي أفتى به الشهيد في قواعده، للأصل و عموم الأمر بالوفاء بالعقود (1)،
و «أن المؤمنين عند شروطهم» (2)،.
و هذا من جملته، و لصدق اسم العمرى في الجملة، المدلول على مشروعيتها في بعض الأخبار من غير تقييد بعمر أحدهما، و هذا لا بأس به، و يحتمل عدم التعدي إلى غير ما نص عليه، لاشتمال هذا العقد على جهالة من حيث عدم العلم بغاية وقت المنفعة المستحقة، و الأصل يقتضي المنع في غير محل الوفاق.
و يتفرع على الأول حكم ما لو مات أحدهما في حياة من علقت بعمرة، فإن كان الميت المالك فالحكم كما لو مات في حياة المعمر، و ان كان المعمر رجعت إلى المالك و لو مات من علقت على عمره عادت إلى المالك أيضا مطلقا، عملا بالشرط، انتهى.
أقول: الظاهر أن الأقرب هو الثاني، لأن الحكم بانتقال الملك عن مالكه عينا كان أو منفعة يتوقف على ناقل شرعي، و لم يرد من الشارع ما يدل على هذه الصورة، ليصح ترتب النقل عليها، و الاحتجاج بالأصل مدفوع بأن الأصل العدم حتى يقوم دليل على جواز ذلك، و عموم الأمر بالوفاء بالعقود متوقف على مشروعية العقد و ثبوته عن الشارع، فالاستدلال به لا يخرج عن المصادرة
«و المؤمنون عند شروطهم».
غاية ما يفيده الإباحة، و الكلام في لزوم ذلك بحيث لا يجوز له الرجوع
____________
(1) سورة المائدة الآية 1.
(2) الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.، التهذيب ج 7 ص 371 ح 66.
286
تلك المدة كما هو مقتضى هذه المعاملة.
نعم إذا وقع الشرط في عقد لازم لزم ما وقع فيه، و يؤيد ذلك أيضا أنه هو الأحوط في الدين، و الأخذ به واجب في موضع عدم النص عند المحدثين،
«حلال بين، و حرام بين، و شبهات بين ذلك فمن اجتنب الشبهات نجى من الهلكات».
و الله العالم.
السادس [في حكم إطلاق السكنى و العمرى و الرقبى]:
الظاهر أنه لا خلاف في أنه لو أطلق السكنى و لم يعين مدة أو عين مدة غير مضبوطة فله السكنى مدة تكون جائزة، لا لازمة بمعنى أنه له إخراجه متى شاء، و يدل على ذلك الخبر الثالث و الرابع، و على ذلك يحمل الخبر الثالث عشر و الا فإنه على إطلاقه مخالف للأخبار و فتوى الأصحاب، مضافا الى ضعف الرواية، فلا بد من حمله على ما ذكرناه، و الا فطرحه من البين، و هذه الصورة مستثناة من صورة هذه المعاملة، حيث ان الحكم فيها اللزوم كما عرفت نصا و فتوى، إلا في هذه الصورة.
بقي الكلام هنا في موضعين: أحدهما- في أنه قد صرح في التذكرة بأنه مع الإطلاق يلزم الإسكان في مسمى العقد و لو يوما، و الضابط ما يسمى إسكانا و بعده للمالك الرجوع متى شاء، و تبعه المحقق الشيخ على (رحمة الله عليه) و احتج بالرواية الرابعة و لعل ذلك بالنظر الى قوله «و له أن يخرجه بعد قوله أسكن رجلا دارا» فإن الإخراج ظاهر في كونه قد سكن، و أن الإخراج بعد السكون فيها، قيل: و يمكن الاحتجاج له بما يدل على لزوم غيره من العقود، كعموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) فلا بد من الحكم هنا بلزومه وقتا ما، عملا بالدليل، ثم يرجع الى الجواز.
أقول: أنت خبير بأن قضية الجواز التخيير بين الوفاء بالعقد و عدمه، لأنه لا معنى لكونه جائزا غير لازم، الا أنه ان شاء اسكن و ان شاء لم يسكن، و متى
____________
(1) سورة المائدة- الاية 1.
287
اسكن فان شاء اخرج و ان شاء لم يخرج، و أما الرواية فإن ما اشتملت عليه أحد الفردين المذكورين و لا يلزم من ذكره الاختصاص به، و أما الآية فهي مخصوصة بالعقود اللازمة، و لزوم الوفاء آنا ما، و ان جاز الرجوع بعد ذلك كما ذكروه خلاف ظاهر الآية، إذ ظاهرها وجوب الوفاء ما لم يعرض للعقد ما يوجب فسخه أو بطلانه، و كان مبنى ما ذهبوا اليه على أنه لا بد من الإسكان في الجملة، ليصدق السكنى و تندرج هذه الصورة تحت هذه القاعدة، و فيه أنها قد خرجت بعدم لزوم الإسكان فيها، فهي ليست من أفرادها و انما هذا حكم سأل عنه السائل في تلك الأخبار، فأجابوا (عليهم السلام) عنه بأنه بإذنه في ذلك لا بأس بالجلوس و لكنه لا يلزم كما في غيره من صور هذه القاعدة، و بالجملة فإني لا أعرف لما ذكروه هنا وجها وجيها يعتمد عليه.
و ثانيهما أنه لا يخفى أن مورد الخبرين المتقدمين السكنى خاصة لو أطلقها، و أما العمرى و الرقبى فلم يتعرضوا في الأخبار لحكمها لو أطلقنا أيضا، و قطع في الدروس يبطلان العمرى مع الإطلاق، و لم يتعرض للرقبى، و في التحرير قطع بأنه مع إطلاق العمرى و الرقبى يصح، و يكون للمالك إخراجه متى شاء كالسكنى.
قال في المسالك بعد نقل ذلك: و هو في الرقبى حسن، و فتوى الدروس في العمرى أحسن، و هو مؤذن باختيار الصحة في الرقبى خاصة، مثل السكنى و البطلان في العمرى، و ظاهر كلامه قبيل هذا الكلام هو التوقف في العمرى، و الحكم بالصحة في الرقبى، حيث قال: و يمكن القول بفساد العمرى مع الإطلاق لاقتضائها الاقتران بعمر، إما لأحدهما كما هو المشهور، أو مطلقا كما قررناه، فإذا لم يعينه بطلت للجهالة، كما لو عين مدة غير مضبوطة، حيث يعتبر تعينها، و الصحة إقامة لها مقام السكنى، لاشتراكهما في كثير من المعاني و الأحكام، و مناسبتهما على الوجه الذي قررناه سابقا، فيكون كاستعمال لفظ السلم في مطلق البيع و كذا القول في الرقبى، و أولى بالصحة هنا لأن إطلاقها باعتبار رقبة الملك أو ارتقاب المدة
288
التي يرتضيها المالك ممكن هنا بطريق الحقيقة، فاستعمالها في السكنى يكون كاستعمال أحد المترادفين مكان الآخر، و ان اختلفا من جهة أخرى، و هذا قوي، انتهى.
أقول: لا يخفى انه و ان تكرر في كلام الأصحاب ذكر الرقبى في أفراد هذه المعاملة، و تكلفوا الوجه في التسمية بذلك، كما تقدمت الإشارة اليه، الا أنه لا وجود لذلك في أخبار المسئلة المتقدمة و ليس غيرها في الباب، و حينئذ فيسقط الكلام فيها بالكلية في هذا الموضع و غيره و انما الموجود فيها السكنى و العمرى و الحبس خاصة.
و قد أشرنا فيما تقدم في غير موضع أن الأصحاب في جملة أكثر التفريعات و الأحكام الخارجة عن موارد الأخبار انما جروا فيها على كلام العامة، و لا يبعد ان هذا من ذاك.
و اما العمرى فالظاهر أنها مثل السكنى في هذا الحكم فإنه لا فرق بين الأمرين إلا بالتعبير بلفظ الإسكان في الأول، و العمرى في الثاني، و الا فالمرجع إلى أمر واحد، فإذا قال أسكنتك فهي سكنى، و إذا قال: أعمرتك فهي عمري كما تقدمت الإشارة إليه في صدر المبحث، و الأخبار دلت على أنه مع اقتران الأول من هذين اللفظين بالمدة المعينة، فإنه يلزم الوفاء تلك المدة، و لا يجوز الرجوع و مع اقتران الثاني بعمر الساكن أو المالك كذلك، و الإطلاق الذي أوجب الجواز- دون اللزوم في الأول- انما هو من حيث عدم ذكر المدة المشترطة، و الإطلاق في الثاني يرجع الى ذلك، فإنه من حيث عدم ذكر عمر أحد من المالك أو الساكن أو غيرهما على القول به، فالقول بالصحة في الأول، و البطلان في الثاني، لا اعرف له وجها وجيها.
قوله في المسالك- في بيان احتمال الفساد: «انه إذا لم يعين عمر أحدهما أو مطلقا بطلت للجهالة» فيه ان ذلك وارد أيضا في السكنى إذا أطلقها و لم يقيد بمدة، مع أنه حكم بالصحة هو و غيره، و ان كان للمالك الرجوع، فان كانت الجهالة
289
من هذه الجهة موجبة للبطلان ففي الموضعين، و إلا فلا فيهما، اللهم إلا أن يكون مبني كلامه على الفرق بين ما إذا لم يعين للسكنى مدة بالكلية، فإنه يصح، و بين ما إذا عين مدة غير مضبوطة كقدوم الحاج، و إدراك الغلة، فإنه يبطل، و العمرى انما هي من قبيل الثاني، لأنه ذكر العمر و لم يعينه بعمر أحد، فهو كما لو ذكر المدة و لم يشخصها بمدة معينة، و يشير اليه قوله كما لو عين مدة غير مضبوطة إلا أن فيه أن الظاهر من قوله (عليه السلام) في الخبرين المشار إليهما و لم يوقت ما هو أعم من الأمرين المذكورين لأن المراد لم يوقت لذلك وقتا معينا و هو أعم من أن لا يوقت بالكلية، أو وقت و لكنه غير معين، و المراد بالسكنى المطلقة التي تكون صحيحة غير لازمة هو هذا المعنى، فان الوقت الغير المعين يرجع الى عدم التوقيت بالكلية، إذ لا ثمرة ترتب عليه، و الله العالم.
السابع [في عدم بطلان السكنى و العمرى و الرقبى بالبيع]:
المشهور بين الأصحاب أنه لا تبطل السكنى و العمرى و الرقبى بالبيع، و عليه يدل الخبر الخامس، الا أن مورده السكنى و العمرى، و قد عرفت أن الرقبى لا وجود لها في الأخبار، و نقل في الدروس قولا ببطلان البيع، و اضطرب كلام العلامة هنا، ففي الإرشاد قطع بجواز البيع، و في التحرير استقرب عدمه، لجهالة وقت انتفاع المشترى، و في القواعد و المختلف استشكل الحكم، و في التذكرة أفتى بالجواز للرواية، ثم استشكل بعد ذلك.
قال في المسالك: و منشأ المنع أو الأشكال أن الغرض المقصود من البيع هو المنفعة، و لهذا لا يجوز بيع ما لا منفعة فيه، و زمان استحقاق المنفعة في العمرى مجهول.
أقول: لا يخفى ما في هذا التعليل العليل من الوهن و القصور، فان ما ذكره لو تم لاقتضى عدم جواز بيع ما آجره المالك لأن منفعته ملك للمستأجر ضمن مدة الإجارة، و البيع انما وقع على مال مسلوب المنفعة تلك المدة، مع أن النصوص المتقدمة في كتاب الإجارة دالة على جواز البيع، و عدم إبطال الإجارة
290
و الكلام في الموضعين واحد، كما صرحت به الرواية المذكورة هنا، و قوله فيها «لا ينقض البيع الإجارة و السكنى» و قياسه ذلك على بيع ما لا منفعة فيه قياس مع الفارق، فان البيع فيما نحن فيه و كذا في الإجارة غير خال من المنفعة في الجملة و انما تخلف بعض منها، و الجهالة المدعاة في العمرى مع تسليم الإبطال بها مستثناة بالنص.
و بالجملة فإن النص المذكور صحيح صريح فيما قلنا، و رده بهذه التعليلات العليلة اجتهاد في مقابلة النصوص.
بقي الكلام هنا في مواضع: الأول- قال في الدروس: لو باع المالك العين كان فسخا للسكنى، لا الرقبى و العمرى، و يتخير المشتري في فسخ البيع و إجارته مع جهله، و قيل: يبطل بيع المعلقة بالعمر للجهالة، و الأول مروي عن الحسين بن نعيم عن الكاظم (عليه السلام)، انتهى.
أقول: المفهوم من كلام غيره من الأصحاب انه لا فرق في الصحة بين السكنى و أخويها المذكورين في صورة البيع، فحكمه هنا بانفساخ السكنى بالبيع و تخصيص الصحة بأخويها غريب لا أعرف له موافقا فيه، نعم لو كانت السكنى جائزة و هي السكنى المطلقة فإنهم ذكروا أنها تبطل، لأن من شأن العقد الجائز إذا طرأ عليه عقد لازم ينافيه فإنه يبطله، و الرواية التي هي مستند هذا الحكم ليست مخصوصة بالعمرى، كما يشعر به ظاهر كلامه، لأنه و ان كان صدر الرواية قد تضمن السؤال عن رجل أسكن رجلا داره مدة حياته، و هذه الصورة عندهم كما قدمنا ذكره صدر البحث مما يطلق عليها السكنى و العمرى، الا أن الخبر المنقول في آخر الرواية عن أبى جعفر (عليه السلام) و كذلك ما قبله، إنما صرح فيه بالسكنى، و انها مع الإجارة لا تنقض بالبيع.
و بالجملة فالخبر صريح في السكنى و العمرى معا، لا أنه مختص بالعمرى، كما هو ظاهر كلامه، و مثله الشهيد الثاني في المسالك أيضا، و كأنهم بنوا على
291
ما تضمنه صدر الخبر و غفلوا عما تكرر فيه بعد ذلك من ذكر السكنى، سيما الرواية عن أبى جعفر (عليه السلام).
الثاني- حيث قد عرفت أنه يجوز البيع في هذه الصورة، فإن كان المبيع مسلوب المنفعة، فإن كان المشتري عالما فلا خيار له، لأنه قدم على شراء عين مسلوبة المنفعة، فيجب عليه أن يصبر حتى ينقضي المدة أو العمر المقرون بها فتنتقل المنفعة بعد ذلك، و له في تلك المدة و بقاء العمر الانتفاع بالمبيع، بالبيع و الهبة و العتق، و غير ذلك مما لا يتعلق بتلك المنفعة المستحقة، و ان كان جاهلا تخير بين الصبر مجانا إلى انقضاء المدة أو العمر، و بين الفسخ، لحصول العيب بفوات المنفعة.
الثالث- لو كان المشترى هو المعمر في صورة العمرى أو الساكن في صورة السكنى، فإنك قد عرفت أن المنفعة قد انتقلت إليه في تلك المدة و زمان العمر، و بعد الاشتراء قد انتقلت له العين أيضا، فصارت العين و منافعها له، فيجوز له أن يبيعها مع منافعها، لأن الجميع ملك له، و أما قبل الاشتراء فإنه لا يجوز له بيع المنفعة التي انتقلت إليه، لأن البيع لا يقع على المنافع، و إنما مورده الأعيان كما تقدم في كتاب البيع (1).
نعم الأقرب أنه يجوز له الصلح عليها، و على هذا لو اشترى العين غيره جاز له أن يصالح المشتري على ما يستحقه من المنفعة بمال معلوم، فيصير المشتري مالكا للعين و المنفعة، كما لو كان المشتري هو المعمر أو الساكن، و الله العالم.
الثامن [في الفروع المترتبة على عدم البطلان]:
المشهور بين الأصحاب أنه إذا أطلق السكنى بمعنى أنه لم يعين الساكن، بل قال: أسكنتك هذا الدار مدة كذا، أو عمرك أو نحو ذلك، فإنه يسكن فيها بنفسه و أهله و أولاده، و لا يجوز له إسكان غيرهم إلا بإذن جديد زائد على مجرد هذا العقد.
____________
(1) ج 18 ص 429.
292
قال الشيخ في النهاية إذا أسكن انسان غيره لم يجز للساكن ان يسكن معه غيره إلا ولده و أهله، و لا يجوز له سواهم، و لا يجوز للساكن أيضا أن يؤاجره و لا أن ينتقل عنه فيسكن غيره إلا بإذن صاحب المسكن، و على هذه المقالة جرى من تأخر عنه إلا ابن إدريس، فإنه قال في السرائر بعد نقل كلام الشيخ المذكور:
و الذي يقتضيه أصول المذهب أن له جميع ذلك، اخلافه و إجارته و انتقاله عنه و إسكان غيره معه سوى ولده و امرأته سواء أذن له في ذلك أم لم يأذن، إذا كان أول ما أسكنه قد أطلق السكنى لأن منفعة هذه الدار استحقها، و صارت مالا من أمواله، و حقا من حقوقه، فله استيفائها كيف شاء بنفسه و بغيره، و ما أورده شيخنا أبو جعفر (رحمة الله عليه) في نهايته فلا شك أنه خبر واحد قليلا ما يورده أصحابنا في كتبهم، فشيخنا المفيد (رحمة الله عليه) لم يورده في مقنعته، و لا السيد المرتضى (رضي الله عنه) و لا المحصلون من أصحابنا، انتهى.
احتج الأصحاب على ما ذكروه بأن الأصل عصمة مال الغير، و حفظه عن تسلط غير المالك، خرج عنه المسكن بالاذن و أهله و أولاده قضية للعرف، فصار كالمأذون فيه مطلقا، بقي الباقي على أصل المنع، و أجابوا عما ذكره بالمنع عن الاستحقاق المطلق، بل إنما يستحق على ما جعل له، و هو السكنى فلا يتناول الإجارة و غيرها، لعدم الاذن فيه مطلقا، و عرفا.
و تنظر فيه في المسالك، و لم يذكر وجه النظر، ثم قال: و كيف كان فالعمل على القول المشهور، و ان كان كلام ابن إدريس لا يخلو من قوة.
أقول: لا يخفى أنه ليس في شيء من أخبار المسئلة ما يدل على هذا الحكم المذكور بوجه، فقول ابن إدريس أن ما أورده الشيخ في النهاية خبر واحد، إنما هو من قبيل ما قدمنا ذكره في غير موضع من أنه لما كان أكثر ما يذكره الشيخ في هذا الكتاب قد جرى فيه على ما أورد في الأخبار، ظن ابن إدريس أن جميع ما في الكتاب من فتاوى الشيخ من ذلك القبيل، و الا فهذه أخبار المسئلة
293
كملا كما قدمناه، و هي كما ترى خالية من التعرض لذلك، و لهذا ان الأصحاب إنما استندوا في إدخال من ذكروه إلى العرف، حيث ان ظاهر اللفظ إنما يدل على إسكان ذلك الرجل وحده، و لكن حيث دل العرف على دخول من ذكروه حكموا بوجوب دخولهم، و لهذا أيضا ان العلامة في التذكرة ألحق من جرت العادة أيضا بإسكانه، مثل عبده و جاريته و مرضعة ولده، لدلالة العرف على ذلك و كذا الدابة و الضيف إذا كان في الدار موضع يصلح لها، و كذا إحراز الغلة فيها و نحو ذلك مما جرت العادة به، و لا بأس به.
و ما ذكره شيخنا المتقدم ذكره من النظر في جواب الأصحاب عن حجة ابن إدريس لا أعرف له وجها، فإن غاية ما يدل عليه لفظ السكنى هو السكون في تلك الدار لا مطلق الانتفاع، كما يدعيه ابن إدريس، و مطلق الانتفاع إنما يترتب على الإجارة لا على السكنى الصريح في خصوص هذه المنفعة، ان أراد جميع منافعها فمنعه ظاهر، و ان أراد هذه المنفعة الخاصة فهو مسلم، و لكن بالنسبة إليه خاصة، لأن قوله أسكنتك في معنى أذنت لك في السكون، و الاذن إنما حصل له خاصة، و لكن لما كان مقتضى العرف و العادة هو تبعية من جرت العادة بملازمته له كالزوجة و الأولاد و نحوهم أدخلناهم في الاذن من هذه الجهة، و اما غيرهم فلا يدل العرف عليه، و لا يدخل تحت مفهوم اللفظ كما عرفت، فكيف يتم ما ذكره ابن إدريس و الحال كذلك.
و بالجملة فأصالة العدم حتى يقوم الدليل على خلافه أقوى مستمسك، فالأظهر هو القول المشهور.
التاسع [حكم جعل الإنسان خدمة عبده لغيره مدة ثم هو حر بعد ذلك]:
قال الشيخ في النهاية: إذا جعل الإنسان خدمة عبده أو أمته لغيره مدة من الزمان ثم هو حر بعد ذلك، كان له ذلك أيضا جائزا، و كان على المملوك الخدمة في تلك المدة، فإذا مضت المدة صار حرا، فإن أبق العبد هذه المدة ثم ظفر به من جعل له خدمته لم يكن له بعد انقضاء تلك المدة سبيل.
294
أقول: و ما ذكره الشيخ هو مدلول الخبر الثامن، و قال ابن إدريس بعد نقل كلام الشيخ: أورد شيخنا هذه الرواية و هي من أضعف أخبار الآحاد، لأنها مخالفة لأصول المذهب، لان التدبير عند أصحابنا بأجمعهم لا يكون الا بعد موت المولى الذي هو المعتق المباشر للعتق.
أقول: و قد غفل ابن إدريس هنا عن شيء آخر، و هو أن الإباق عند الأصحاب و عليه دلت الأخبار مبطل للتدبير، و الرواية المشار إليها قد اشملت على الإباق بعد التدبير، حيثما ذكره الشيخ هنا في عبارته، و التحقيق في المقام أن يقال لا ريب أن ما ذكره ابن إدريس هو المتفق عليه بين الأصحاب، من أن التدبير إنما يعلق بموت المولى، و لكن الشيخ و جماعة من اتباعه و جملة من المتأخرين كالمحقق و العلامة و غيرهما صرحوا بالتدبير في هذه الصورة أيضا، استنادا إلى الخبر المشار إليه، و هو صحيح صريح في ذلك، و لا مانع من العمل به، و ان رده ابن إدريس بأنه من أخبار الآحاد بناء على قاعدته الخارجة عن جادة السداد.
و أما ما ذكرناه نصرة لابن إدريس من أن الإباق مبطل للتدبير فقد أجاب عنه الشيخ بأن هذا الحكم مخصوص بالتدبير معلق على موت المولى، كما هو مورد تلك الأخبار، لا مطلق و هو جيد، و ألحق العلامة أيضا التدبير بموت زوج المملوكة.
و يدل عليه ما رواه
الشيخ في الموثق عن محمد بن حكيم (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل زوج أمته من رجل حر ثم قال لها: إذا مات زوجك فأنت حرة، فمات الزوج قال: فقال إذا مات الزوج فهي حرة، تعتد منه عدة الحرة المتوفى عنها زوجها، و لا ميراث لها منه، لأنها صارت حرة بعد موت الزوج».
و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك رد هذا القول، و ضعفه بعدم وجود الدليل و هو غفلة عن الاطلاع على الخبر المذكور، و سيأتي ان شاء الله تعالى مزيد تحقيق
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 344 ح 38، الوسائل ج 16 ص 97 ح 2.
295
للمقام في كتاب التدبير، و في هذا الخبر تأييد و تأكيد لسابقه في عدم اشتراط التدبير بموت المولى خاصة، و ربما قيل: بجواز التدبير بموت كل من علق عليه، و لا أعرف له دليلا، فالواجب الوقوف على موارد النصوص.
بقي الكلام في أن مخرج ذلك من الأصل أو الثلث، و الظاهر أن الحكم في ذلك ما صرح به في المختلف، قال: و هل ينعتق العبد من الأصل أو من الثلث؟
الأقوى أنه ينعتق من الأصل، ان كان المالك حيا حال وفاة من علقت الخدمة بموته. و من الثلث ان كان قد مات قبله، و قد نبهنا على ذلك في كتاب القواعد، انتهى و وجهه ظاهر.
العاشر [في حبس الفرس أو البعير في سبيل الله]:
المعروف من كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف أنه إذا حبس فرسه أو بغيره في سبيل الله أو غلامه في خدمة المسجد أو بيت الله الحرام أو بيت العبادة، لزم ذلك و لم يجز تغييره ما دامت العين موجودة، و في التذكرة أنه يعتبر فيه القبض، و في التحرير صرح بأنه يعتبر فيه القربة، و ظاهر من حكم بلزومه و عدم جواز تغييره ما دامت العين موجودة، هو عدم الخروج عن ملك المالك، و في الدروس صرح بخروجه عن ملكه بالعقد، بخلاف الحبس على الإنسان، كما سيأتي.
و صرح بعضهم بأنه يصح الحبس على جميع القرب، و أما إذا حبس على آدمي فإن أطلق و لم يعين مدة بطل بموت الحابس، و عاد إلى ورثته، و الأصحاب حملوا ما تقدم من قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) برد الحبيس و إنفاذ المواريث على هذا الفرد، و هو صريح الخبر الحادي عشر، و عليه يحمل إطلاق الخبر الثاني عشر، و ان عين مدة لزم في تلك المدة، و بعد انقضائها يرجع إلى الحابس أو ورثته، و على هذا فلا دليل لهم على الحبس المقيد بمدة، و لا على الحبس في سبيل الله الا ظاهر الاتفاق على ذلك، و الا فإنه لا تعرض له في شيء من الأخبار المتقدمة، و ليس في الباب غيرها.
ثم انه مع الإطلاق هل يصح له الرجوع فيه، أكثر العبارات خال من
296
التعرض لذلك، و في القواعد صرح بأن له الرجوع متى شاء، و استحسنه في المسالك، و هو غير بعيد لو حبس عليه مدة عمر أحدهما، فإنه مثل الحبس مدة في الرجوع إلى الحابس أو ورثته بعد انقضاء المدة و العمر، و به جزم في التحرير، و النصوص خالية عنه، الا أنه الأوفق بالقواعد الشرعية.
قال في المسالك: و اتفق الجميع على التعبير بالفرس و المملوكة في الوجوه المذكورة، و زاد في الدروس البعير في سبيل الله، فكان عليهم أن يذكروا حكم باقي ما يصح وقفه و إعماره، و الظاهر أن حكم الحبس كذلك مورده مورد الوقف، فيصح، و حبس كل عين ينتفع بها مع بقاء عينها بالشرائط السابقة على الإنسان مطلقا، و على القرب حيث يمكن الانتفاع فيها كمطلق الدابة، لنقل الماء إلى المسجد و السقاية، و معونة الحاج و الزائرين و طلاب العلم و المتعبدين، و الكتب على المتفقهين، و البيت على المساكين و غير ذلك، فالاقتصار على ما ذكروه ليس بجيد، و عموم الأدلة متناول للجميع، و خصوصها خال من جميع ما ذكروه، انتهى.
المقصد الرابع في الهبة:
و الكلام في هذا المقصد يقع في مقامين
[المقام] الأول: في معنى الهبة و عقدها، و الأخبار الواردة فيها
و ما نصته تلك الأخبار من الأحكام فنقول: ان الهبة يعبر عنها بالنحلة و العطية، قيل: و العطية تطلق على مطلق الإعطاء المتبرع به، فيشمل الوقف و الصدقة و الهبة و الهدية و السكنى، و من ثم أطلق بعض الفقهاء عليها اسم العطايا، و عنونها بكتاب، فيكون أعم من الهبة و النحلة في معناها، و الهبة أعم من الصدقة- لاشتراط الصدقة بالقربة، كما تقدم ذكره- و من الهدية لاشتراط الهدية بالنقل إلى المهدي إليه من المهدي إعظاما و توقيرا له، و لهذا أنه لا يطلق لفظ الهدية على العقارات، فيقال: اهدى له دارا، و لا أرضا و يقال: وهب له ذلك.
و مما يتفرع على ذلك أنه لو نذر الهبة برأي بالصدقة و الهدية، و لو نذر بإحدى
297
الآخرين لم يبرأ بمطلق الهبة، و لو حلف ان لا يهب، فتصدق أو أهدى حنث دون العكس و نقل عن الشيخ في المبسوط أن الهبة و الهدية و الصدقة بمعنى واحد، و الظاهر بعده.
و ظاهر المشهور أنه يشترط في الهبة بالمعنى الأعم بعد أهلية التصرف من جانب الواهب ما يشترط في سائر العقود من الإيجاب و القبول، و نحو ذلك مما تقدم ذكره مرارا إلا اعتبار كونه بلفظ الماضي قولا واحدا، فلا بد عندهم في الهدية التي هي أحد أفراد الهبة كما عرفت من جميع ذلك.
قال الشيخ في المبسوط: و من أراد الهدية و لزومها و انتقال الملك منه إلى المهدى إليه الغائب فيوكل رسوله في عقد الهبة، فإذا مضى و أوجب له و قبل الهدية المهدى إليه و أقبضه إياها لزم العقد، و ملك المهدي إليه الهدية، و نحوه قال في الدروس، و جعل عدم اشتراطها بالإيجاب و القبول احتمالا، و اختلف كلام العلامة في ذلك، ففي القواعد قطع بأن الهدية كالهبة في اشتراطها بالإيجاب و القبول، و في التحرير نقل قريبا من كلام الشيخ، ثم قال: فلو قيل: بعدم اشتراط القبول كان وجها قضاء للعادة بقبول الهدايا من غير نطق، و يلوح من آخر كلامه في التذكرة الفتوى بذلك.
قال في التذكرة- و نعم ما قال، و ان أسنده إلى العامة، فإنه الحق الذي لا يعتريه إشكال- انه لا حاجة في الهبة إلى الإيجاب و القبول اللفظيين، بل البعث من جهة المهدي كالإيجاب، و القبض من جهة المهدى إليه كالقبول، لأن الهدايا كانت تحمل إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من قيصر و كسرى و سائر الملوك فيقبلها و لا لفظ هناك، و استمر الحال من عهده (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى هذا الوقت في سائر الأصقاع، و لهذا كانوا يبعثون على يد الصبيان الذين لا يعتد بعبارتهم قال (رحمه الله): و منهم من اعتبرهما كما في الهبة، و اعتذروا عما تقدم بأن ذلك كان اباحة لا تمليكا، و أجيب بأنه لو كان كذلك ما تصرفوا فيه تصرف الملاك، و معلوم أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يتصرف فيه و يملكه
298
غيره، و يمكن الاكتفاء في هدايا الأطعمة بالإرسال و الأخذ جريا على العادة بين الناس، و التحقيق مساواة غير الأطعمة لها، فإن الهدية قد تكون غير طعام فإنه قد اشتهر هدايا الثياب و الدواب من الملوك إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فإن مارية القبطية أم ولده كانت من الهدايا، انتهى، و مرجع هذا التحقيق إلى ما قدمنا نقله و هو جيد، و استحسنه في المسالك.
أقول: و مثل مارية القبطية التي أهديت إليه (صلى الله عليه و آله و سلم) الجارية التي أهداها المختار إلى زين العابدين (عليه السلام) فأولدها زيدا، و معها مبلغ من الدنانير فقبله (عليه السلام) و الحديث في حكاية اهدائها موجود ليس فيه شيء من هذه الأمور التي اعتبروها، و الشروط التي اشترطوها، و من تتبع الأخبار و السير علم صحة هذا الكلام، و أن خلافه نفخ في غير ضرام.
على أنك قد عرفت ما في اشتراط الإيجاب و القبول في سائر العقود هذا.
و المشهور في كلامهم أن الإهداء إنما يفيد مجرد الإباحة دون الملك، و للدافع الرجوع ما دامت العين موجودة، و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الميل إلى حصول الملك بذلك، و ان جاز الرجوع، قال:- بعد ان استحسن كلام التذكرة كما ذكرناه- ما لفظه: و مع ذلك يمكن ان يجعل ذلك كالمعاطاة تفيد الملك المتزلزل، و يبيح التصرف و الوطي، و لكن يجوز الوجوع فيها قبله عملا بالقواعد المختلفة، و هي أصالة عدم اللزوم مع عدم تحقق عقد يجب الوفاء به، و ثبوت جواز التصرف فيها بل وقوعه، و وقوع ما ينافي الإباحة، و هو الوطي و إعطاء الغير فقد وقع ذلك للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في مارية أم ولده، و قد كان يهدى إليه الشيء فيهديه لزوجاته و غيرهن، و أهدى إليه حلة فأهداها لعلي (عليه السلام) من غير أن ينقل عنه قبول لفظي و لا من الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) إيجاب كذلك مقارن له، و هذا كله يدل على استفادة الملك في الجملة، لا الإباحة، و لا ينافي جواز رجوع المهدي في العين ما دامت باقية، انتهى.
299
أقول- و بالله التوفيق، لنيل كل مأمول-: لا ريب أن ظواهر الأخبار الواردة في هذا المقام إنما هو الملك الحقيقي لما ذكره من التصرف بجميع وجوه التصرفات من وطئ و بيع و تصدق و هبة و نحوها، و لا شك أن التصرف كيف شاء المتصرف من أقوى أمارات الملك، و دعوى أصالة عدم اللزوم في التحقيق لا يخرج عن القول بالإباحة، بل يرجع إليه، لأنه متى لم يكن الإهداء لازما يوجب الملك كسائر المتملكات، بل يجوز الرجوع فيه فهذا هو عين ما منعه من الإباحة و نفاه في المقام، و ان حصل الفرق بنوع من الاعتبار القشري الذي لا يصلح لترتب حكم شرعي، و ما المانع من كون الإهداء من الأسباب الناقلة للملك إذا اقتضته الأخبار كما عرفت، و لا بد لنفيه من دليل.
و أما عدم تحقق عقد يجب الوفاء به، ففيه ما عرفت في غير موضع مما تقدم من أن هذه العقود التي اشترطوها و اشترطوا فيها ما اشترطوه مما لم يقم عليه دليل، بل الدليل على خلافه واضح السبيل، فان المفهوم من الأخبار أن المدار على التراضي من الطرفين، و أنه العمدة في البين، و قد عرفت أن بيع المعاطاة أيضا لا يشترط فيه أزيد من رضا الطرفين بما يتفقان عليه، فجعله من باب المعاطاة كما احتمله- يقتضي بناء على ما حققنا في بيع المعاطاة، من أنه شرعي لازم- أنه هنا كذلك، و دعوى أن مفاده الملك المتزلزل ممنوعة، حتى أن بعد المحدثين جوز في المعاطاة أن يزن لنفسه، و يضع الثمن في الدكان إذا كان ذلك معلوما بأن قيمة ذلك الجنس كذلك، من غير لفظ و لا كلام بين المتبايعين، و ما نحن فيه لا يقصر عن ذلك، فإنه متى أرسل المهدي الهدية بقصده و اختياره، و قبضها المهدى إليه فأي مانع من لزوم ذلك، كما لزم بيع المعاطاة على الوجه المذكور.
و كيف كان فكلامه جيد بناء على أصولهم و قواعدهم في العقود، و أما على ما هو المفهوم من الأخبار كما تقدم في غير مقام فان ما ذكرنا أجود.
و بالجملة فإن من الظاهر البين الظهور أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)
300
و الأئمة (عليهم السلام) لو لم يفهموا من الإهداء الملك الحقيقي لما تصرفوا هذه التصرفات من وطئ و استيلاد و نحوهما و علو شأنهم و رفعة مكانهم أجل من أن يتصرفوا في ملك الغير مع عدم انتقاله لهم بناقل شرعي إلا بمجرد الإباحة، أو الملك المتزلزل الراجع إليها، فإن الإباحة لا يجوز في الفروج كما ذكره.
على أنه متى ثبت الملك كما اختاره و ان ادعى أنه في الجملة فتجويز الرجوع يحتاج إلى دليل، و ما استند إليه من أصالة عدم اللزوم مع عدم تحقق عقد و هو معظم الشبهة عندهم، فقد عرفت ما فيه، و دعوى أنه متزلزل كبيع المعاطاة و هو المشار إليه بقوله في الجملة، قد عرفت تزلزله، و الله العالم.
و الواجب أولا نقل الأخبار التي وصلت إلينا في هذا الباب ثم الكلام فيها بتوفيق الملك الوهاب، و نقل ما عثرنا عليه من كلام الأصحاب كما جرينا عليه في سابق هذا المقصد و الله الهادي إلى حقيقة الحق و الصواب.
الأول- ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي و جميل (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أن يرجع فيها و إلا فليس له».
الثاني- ما روياه
في الصحيح أو الحسن عن عبد الله بن سنان (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا عوض صاحب الهبة فليس له أن يرجع».
الثالث- ما رواه
في الكافي عن معاوية بن عمار (3) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل الدراهم فيهبها له إله أن يرجع فيها؟ قال: لا».
الرابع- ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن زرارة (4) «عن
____________
(1) الكافي ج 7 ص 32 ح 11، التهذيب ج 9 ص 153 ح 627. الوسائل ج 13 ص 341 الباب 8 ح 1.
(2) الكافي ج 7 ص 33 ح 19، التهذيب ج 9 ص 154 ح 632. الوسائل ج 13 ص 341 الباب 9 ح 1.
(3) الكافي ج 7 ص 32 ح 13، التهذيب ج 9 ص 154 ح 629. الوسائل ج 13 ص 332 ح 1.
(4) الكافي ج 7 ص 30 ح 3، التهذيب ج 9 ص 152 ح 624. الوسائل ج 13 ص 334 الباب 3 ح 1.
301
أبى عبد الله (عليه السلام) قال: ان الصدقة محدثة، انما كان الناس على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ينحلون و يهبون و لا ينبغي لمن أعطى لله عز و جل شيئا أن يرجع فيه، قال: و ما لم يعط لله و في الله، فإنه يرجع فيه نحلة كانت أو هبة حيزت أو لم تحز و لا يرجع الرجل فيما يهب لامرأته، و لا المرأة فيما تهب لزوجها، حيز أو لم يحز أ ليس الله تعالى يقول «وَ لٰا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّٰا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً» و قال «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» و هذا يدخل في الصداق و الهبة».
و رواه
العياشي في تفسيره عن زرارة (1) «عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: لا ينبغي لمن أعطى لله شيئا أن يرجع فيه» الحديث الى قوله: هنيئا مريئا.
و لم يذكر قوله، و هذا يدخل فيه الصداق و الهبة.
الخامس- ما روياه
عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح «عن أبى جعفر (عليه السلام) قال:
الهبة و النحلة يرجع فيها صاحبها ان شاء حيزت أو لم تحز إلا الذي رحم فإنه لا يرجع فيه».
السادس- ما رواه
الشيخ في التهذيب عن القاسم بن سليمان (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يهب الجارية على أن يثاب فلا يثاب إله أن يرجع فيها؟ قال: نعم ان كان شرط له عليه، قلت: أ رأيت ان وهبها له و لم يثبه أ يطأها أم لا؟ قال: نعم إذا كان لم يشترط عليه حين وهبها».
السابع- ما رواه أيضا
عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله و عبد الله بن سليمان (4) في الصحيح «قالا: سألنا أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يهب الهبة أ يرجع فيها ان شاء أم لا؟ فقال:
تجوز الهبة لذوي القرابة، و الذي يثاب من هبته و يرجع في غير ذلك ان شاء».
و رواه بسند آخر عن عبد الله بن سنان (5) مثله، الا انه قال و الذي يثاب في هبته.
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 515 الباب 5 ح 2، العياشي ج 1 ص 117 ح 366.
(2) الكافي ج 7 ص 31 ح 7، التهذيب ج 9 ص 156 ح 643. الوسائل ج 13 ص 338 ح 2.
(3) التهذيب ج 9 ص 154 ح 633. الوسائل ج 13 ص 341 ح 2.
(4) التهذيب ج 9 ص 155 ح 636 الوسائل ج 13 ص 338 ح 1.
(5) التهذيب ج 9 ص 158 ح 650 و لا فرق بين الروايتين الوسائل ج 13 ص 342 ح 3.
302
الثامن- ما رواه
في الصحيح عن أبان عمن أخبره (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: النحل و الهبة ما لم تقبض حتى يموت صاحبها؟ قال: هي بمنزلة الميراث و ان كان الصبي في حجره فهو جائز،.
قال: و سألته هل لأحد أن يرجع في صدقته وهبته؟ قال: إذا تصدق لله فلا، و أما النحل و الهبة فيرجع فيها حازها أو لم يحزها و ان كانت لذي قرابة».
و رواه بطريق آخر في الموثق عن داود بن الحصين (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «الهبة و النحلة ما لم تقبض حتى يموت صاحبها؟ قال:
هي ميراث فان كانت لصبي في حجره فأشهد عليه فهو جائز».
التاسع- ما رواه
عن المعلى بن خنيس (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل لأحد أن يرجع في صدقته أو هبته قال: أما ما تصدق به لله فلا»، الحديث.
العاشر- ما رواه
عن معاوية بن عمار (4) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل كانت عليه دراهم لإنسان فوهبها له ثم رجع فيها ثم وهبها له ثم رجع فيها ثم وهبها له، ثم هلك قال: هي للذي وهب له».
الحادي عشر- ما رواه
عن جميل بن دراج (5) في الموثق «عن أبى عبد الله (عليه السلام) عن رجل وهب لابنه شيئا هل يصلح أن يرجع فيه؟ قال: نعم الا أن يكون صغيرا».
الثاني عشر- ما رواه
عن صفوان (6) في الصحيح «قال سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل كان له على رجل مال فوهبه لولده فذكر له الرجل المال الذي له عليه فقال له: ليس عليك فيه شيء في الدنيا و الآخرة يطيب ذلك له، و قد كان وهبه لولد له؟ قال: نعم يكون وهبه له، ثم نزعه فجعله هبة لهذا».
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 155 ح 637. الوسائل ج 13 ص 334 الباب 4 ح 1.
(2) التهذيب ج 9 ص 157 ح 648. الوسائل ج 13 ص 337 ح 2.
(3) التهذيب ج 9 ص 158 ح 651. الوسائل ج 13 ص 339 ح 4.
(4) التهذيب ج 9 ص 155 ح 638. الوسائل ج 13 ص 333 ح 2.
(5) التهذيب ج 9 ص 157 ح 646، و ص 337 ح 1. الوسائل ج 13 ص 337 ح 1.
(6) التهذيب ج 9 ص 157 ح 649، الوسائل ج 13 ص 333 الباب 2.
303
الثالث عشر- ما رواه
في الكافي عن محمد بن عيسى العبيدي (1) قال: «كتبت الى علي بن محمد (عليهما السلام) رجلا جعل لك جعلني الله فداك شيئا من ماله ثم احتاج اليه أ يأخذه لنفسه أو يبعث به إليك؟ قال: هو بالخيار في ذلك ما لم يخرجه عن يده، و لو وصل إلينا لرأينا أن نواسيه به و قد احتاج اليه».
الرابع عشر- ما رواه
الشيخ في التهذيب عن أبى بصير (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قال الهبة لا تكون أبدا هبة حتى يقبضها، و الصدقة جائزة عليه».
الخامس عشر- ما رواه
عن إبراهيم بن عبد الحميد (3) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: أنت بالخيار في الهبة ما دامت في يدك، فإذا خرجت الى صاحبها فليس لك أن ترجع فيها، و قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): من رجع في هبته فهو كالراجع في قيئه».
السادس عشر- ما رواه
في الكافي و التهذيب عن سماعة (4) في الموثق قال: «سألته عن رجل أعطى أمه عطية فماتت و كانت قد قبضت الذي أعطاها و ثابت به، قال: هو و الورثة فيها سواء».
السابع عشر- ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن أبى بصير (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) الهبة جائزة قبضت أو لم تقبض قسمت أو لم تقسم، و النحل لا يجوز حتى يقبض، و انما أراد الناس ذلك فأخطئوا».
و رواه
الصدوق في كتاب معاني الأخبار (6) في الصحيح الى أبى بصير و هو
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 173 ح 606. الوسائل ج 13 ص 336 ح 8.
(2) التهذيب ج 9 ص 159 ح 654. الوسائل ج 13 ص 336 ح 7.
(3) التهذيب ج 9 ص 158 ح 653. الوسائل ج 13 ص 343 ح 4.
(4) التهذيب ج 9 ص 154 ح 631، الكافي ج 7 ص 32 ح 16. الوسائل ج 13 ص 317 ح 3.
(5) التهذيب ج 9 ص 156 ح 641. الوسائل ج 13 ص 335 ح 4.
(6) معاني الأخبار ص 392 ح 38 ط تهران سنة 1379.
304
مشترك و ان كان الأظهر عده في الصحيح قال: بعد قوله أو لم تقسم و انما أراد الناس النحل فأخطئوا، و النحل لا تجوز حتى تقبض».
الثامن عشر- ما رواه
في الفقيه مرسلا (1) قال: «و في رواية السكوني أن عليا (عليه السلام) كان يرد النحلة في الوصية و ما أقر عند موته بلا ثبت و لا بينة رده».
التاسع عشر- ما رواه
في التهذيب عن أبى بصير (2) قال: «سألته عن الرجل يشترى المبيع فيوهب له الشيء و كان الذي اشترى لؤلؤا فوهبت له لؤلؤة فرأى المشتري في لؤلؤة أن يرد أ يرد ما وهب له؟ قال: الهبة ليس فيها رجعة و قد قبضها؟ انما سبيله على البيع، فان رد المبتاع المبيع لم يرد معه الهبة».
العشرون- ما رواه
عن سماعة (3) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن عطية الوالد لولده فقال: اما إذا كان صحيحا فهو ماله يصنع به ما شاء، و اما في مرضه فلا يصلح».
الحادي و العشرون- ما رواه
عن أبى بصير (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخص بعض ولده بالعطية؟ قال: ان كان مؤسرا فنعم، و ان كان معسرا فلا».
الثاني و العشرون- ما رواه
عن سماعة (5) عن أبى عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون لامرأته عليه صداق أو بعضه فتبرئه منه في مرضها قال: «لا، و لكن ان وهبت له جاز ما وهبت له من ثلثها».
الثالث و العشرون- ما رواه
في الكافي و التهذيب عن سماعة (6) في الموثق
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 184 ح 646.
(2) التهذيب ج 7 ص 231 ح 1008. الوسائل ج 13 ص 335 ح 4.
(3) التهذيب ج 9 ص 156 ح 642. الوسائل ج 13 ص 380 ح 12.
(4) التهذيب ج 9 ص 156 ح 644. الوسائل ج 13 ص 384 ح 11.
(5) التهذيب ج 9 ص 158 ح 652. الوسائل ج 13 ص 384 ح 12.
(6) الكافي ج 7 ص 346 ح 14، التهذيب ج 10 ص 288 ح 1117، الفقيه ج 4 ص 110 ح 371، الوسائل ج 13 ص 384 ح 16.
305
قال: سألته عن رجل ضرب ابنته و هي حبلى فأسقطت سقطا ميتا فاستعدى زوج المرأة عليه، فقالت المرأة لزوجها: ان كان لهذا السقط دية و لي فيه ميراث، فإن ميراثي منه لأبي، قال: يجوز لأبيها ما وهبت له».
و رواه في الفقيه عن سماعة مثله
و رواه في التهذيب بسند آخر صحيح عن سليمان بن خالد (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثله و قال يؤدى أبوها إلى زوجها ثلثي دية السقط».
الرابع و العشرون-
في التهذيب عن عبد الله بن سنان (2) في الصحيح «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق و لا صدقة و لا تدبير و لا هبة و لا نذر في مالها إلا بإذن زوجها أو زكاة أو بر والديها أو صلة قرابتها».
الخامس و العشرون ما رواه
عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (3) قال: سألت الرضا (عليه السلام) يأخذ من أم ولده شيئا وهبه لها من غير طيب نفسها من خدم أو متاع أ يجوز ذلك له؟ قال: نعم إذا كانت أم ولده.
السادس و العشرون- ما رواه
في التهذيب عن إسحاق بن عمار (4) في الموثق «قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقل أو أكثر فيقول: حللني من ضربي إياك و من كل ما كان مني إليك و ما أخفتك و أرهبتك فيحلله و يجعله في حل رغبة فيما أعطاه، ثم ان المولى بعد، أصاب الدراهم التي أعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد، فأخذها المولى إحلال هي له؟ قال: فقال:
لا تحل له، لأنه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة و القصاص يوم القيامة، قال: فقلت له: فعلى العبد أن يزكيها، إذا حال عليها الحول؟ قال: لا، إلا أن يعمل له بها و لا يعطى العبد من الزكاة شيئا».
____________
(1) التهذيب ج 10 ص 288 ح 1118.
(2) التهذيب ج 7 ص 462 ح 1851، الكافي ج 5 ص 514 ح 4.
(3) التهذيب ج 8 ص 206 ح 729.
(4) التهذيب ج 8 ص 225 ح 808.
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 323 ح 1 و ج 16 ص 123 ح 2 و ج 13 ص 35 ح 3.
306
أقول: و قد تقدم في المقصد الثاني
موثق عبيد بن زرارة (1) و فيه «و لمن وهب أو نحل أن يرجع في هبته حيز أو لم يحز، و لا ينبغي لمن اعطى لله عز و جل أن يرجع فيه».
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام هنا يقع في مواضع
[الموضع] الأول- لو أراد هبة ما في الذمة
فلا يخلو اما أن يكون لغير من عليه الحق، أو لمن عليه الحق، فهنا مقامان
أحدهما في هبة غير من عليه الحق
، و قد اختلف الأصحاب (رحمهم الله) في صحة ذلك و بطلانه، و المشهور البطلان لما سيأتي- ان شاء الله تعالى- تحقيقه من أن القبض شرط في صحة الهبة و ما في الذمة يمتنع قبضه، قالوا: لأنه ماهية كلية لا وجود لها في الخارج، و الجزئيات التي في ضمنها ليس هي الماهية، بل بعض أفرادها غيرها.
أقول: و يؤيده ما صرح به الشيخ في المبسوط حيث منع من وقف الدين، قال: لأن من شروطه القبض، و الدين لا يمكن تسليمه، و لا يمكن فيه القبض، و ذهب الشيخ و ابن إدريس و العلامة في المختلف إلى الصحة، و احتج عليه في المختلف بأنه يصح بيعه، و المعاوضة عليه، فتصح هبته لغير من هو عليه، و اشتراط الهبة بالقبض لا ينافيه، لتحققه بأن يقبضه المالك، ثم يقبضه الموهوب، أو يوكله المالك في القبض عنه، ثم يقبض من نفسه.
أقول: و يدل على القول بالصحة ظاهر الخبر الثاني عشر، و التقريب فيه التقرير على صحة الهبة لولده و ان جاز له نزعه منه، كما صرح به (عليه السلام) و النزع منه مستلزم لحصول الانتقال إليه بالهبة.
بقي الكلام فيه من حيث جواز الرجوع فيما يهبه لولده، و هي مسئلة أخرى يأتي الكلام فيها ان شاء الله تعالى، و ظاهر الخبر هو صحة الهبة و ان لم يحصل قبض، و يمكن حمله على أن القبض شرط في اللزوم لا الصحة، و الهبة
____________
(1) الكافي ج 7 ص 30 ح 4، الوسائل ج 13 ص 342 ح 1.
307
صحيحة و ان لم تكن لازمة، و سيجيء تحقيق الكلام في ذلك أيضا ان شاء الله تعالى.
و أما ما قيل: من أن الدين ماهية كلية لا وجود لها في الخارج الى آخر ما تقدم، فجوابه أنه لو تم ذلك لما صح بيعه و المعاوضة عليه، لأن البيع مشروط بالقدرة على التسليم إجماعا في غير الآبق، بل يشترط وجوده مطلقا، و الماهية لا وجود لها على ما ذكروه، و به يظهر أن الماهية و ان كانت من حيث هي لا وجود لها إلا أنها موجودة بوجود بعض أفرادها، و الا لما صح البيع و نحوه كما عرفت، مع أنه لا خلاف في الصحة.
و بالجملة فإن ما في الذمة ان كان موجودا متحققا يمكن قبضه و تسليمه، فبيعه و هبته صحيحان، لحصول الشرط و القدرة على القبض، و نحن لا نحكم بصحة الهبة إلا بعد القبض، كما لا نحكم بصحتها لو تعلقت بعين إلا بعد قبضها، و القبض لما كان ممكنا بقبض بعض أفراد الماهية كما قدمنا ذكره صحت الهبة، و توقفت على حصول القبض على ذلك الوجه، و لا ريب في أن الدين مملوك للواهب قبل قبضه، و قبضه ممكن على الوجه المذكور، فصحت هبته، و توقفت على قبضه كما توقفت لو كانت عينا، و به يظهر أنه لا يمتنع نقله الى ملك المتهب حال كونه دينا كما ذكروه، لأنه مملوك له، و إلا لما صح بيعه أيضا.
و ثانيهما- في هبة من عليه الحق
، و الظاهر أنه لا خلاف في صحة ذلك في الجملة، إنما الخلاف في اشتراط ذلك بالقربة، كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى لكن الهبة هنا عند الأصحاب بمعنى الإبراء من الدين، فلا يشترط فيها القبض و لا يجرى فيها الاشكال المتقدم ذكره، و يدل على ذلك الخبر الثالث و العاشر، و ما اشتمل عليه الخبر العاشر من الرجوع بعد الهبة، فإنما وقع في حكاية كلام السائل، فلا ينافي ما دل عليه الخبر الآخر من أنه بعد الهبة ليس له الرجوع، و بذلك استدل الأصحاب على كون الهبة هنا بمعنى الإبراء، حيث ان الهبة بمجردها لا يلزم إلا في مواضع مخصوصة يأتي ذكرها، و ليس هذا منها، فامتناع الرجوع
308
إنما كان من حيث انه إبراء، و الإبراء لازم لا رجوع فيه اتفاقا، و ظاهر الأصحاب أنه لا ينحصر في لفظ، بل كلما أدى هذا المعنى من لفظ الإبراء أو العفو أو الهبة أو الإسقاط أو نحو ذلك، فإنه تحصل به البراءة و فراغ الذمة و قد أطلق عليه لفظ العفو في قوله عز و جل (1) «إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» و حيث ان الأصحاب قد اختلفوا في أن الإبراء هل يتوقف صحته على القبول أم لا؟ و الهبة هنا في معنى الإبراء كما عرفت، اختلفوا في اشتراط القبول فيها، فكل من أوجبه ثمة أوجبه هنا و من لا فلا، و المشهور بين الأصحاب العدم، و نقل في المختلف القول بالاشتراط عن الشيخ في المبسوط و ابن زهرة و ابن إدريس، قال: قال الشيخ في المبسوط:
قال قوم من شرط صحته قبوله، و ما لم يقبل فالحق ثابت بحاله، و هو الذي يقوي في نفسي، إلا أن شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ذكر أن كلام الشيخ في المبسوط هنا مختلف، ففي أول المسئلة قواه، و في آخره قوى القول الآخر قال:
فإطلاق جماعة نسبة القول باشتراطه اليه ليس بجيد.
احتج القائلون بعدم الاشتراط بالأصل، و بأنه إسقاط لا نقل شيء إلى الملك فهو بمنزلة تحرير العبد.
أقول: و يدل عليه ظاهر قوله عز و جل (2) «إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» حيث اكتفى في سقوط الحق بمجرد العفو، و القبول غير داخل في مسماه قطعا، و استدل أيضا على ذلك بقوله عز و جل (3) «فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ» حيث اعتبر مجرد الصدقة و لم يعتبر القول و قوله تعالى (4):
«وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلىٰ أَهْلِهِ إِلّٰا أَنْ يَصَّدَّقُوا» فأسقط الدية بمجرد الصدقة و لم يعتبر القبول، و المراد بالصدقة في الآيتين الإبراء.
____________
(1) سورة البقرة- الاية 237.
(2) سورة البقرة- الاية 237.
(3) سورة البقرة- الاية 280.
(4) سورة النساء- الاية 92.
309
و اعترض في المسالك على الاستدلال في الآيتين المذكورتين بأن الصدقة كما تقدم من العقود المفتقرة إلى القبول إجماعا، فدلالتهما على اعتباره أولى من عدمه.
أقول: الظاهر من كلام المفسرين و هو ظاهر الآيتين المذكورتين إنما هو الإبراء، و العفو عما يستحقونه، احتج القائلون بالاشتراط باشتمال الإبراء على الهبة، فلا يجبر على تحملها، و قبولها كهبة العين، و لو لم يعتبر القبول فتحملها جبرا.
و أجيب عنه بالفرق بين هبة العين و هبة الدين، فإن الأول تمليك، و الثاني إسقاط، فاعتبر القبول في الأول دون الثاني، و توضيحه أن الهبة لما كانت هنا بمعنى الإبراء كما عرفت، و من الظاهر أن الإبراء لا يتعلق بالأعيان، فإنه لو أبرأ مالك الوديعة الودعي منها لم يملكها و لو قبل، و كذا لو أسقط حقه من عين مملوكة لم تخرج بذلك عن ملكه، بخلاف الدين، فإنه قابل لذلك، فإنه ليس شيئا موجودا، فكان أشبه بالعتق.
و أما ما ذكروه من اشتمال الإبراء على الهبة، ففيه أنه لا يخفى أن إسقاط الإنسان حق نفسه باختيار، من غير طلب من عليه الحق و استدعائه ذلك لا يظهر فيه منة، بثقل تحملها على من عليه الحق، بخلاف هبة الأعيان المتوقفة على القبول و القبض و نحو ذلك مما يشترط في صحة العقود، مما هو ظاهر في الحرص على التملك الموجب للمنة غالبا، و الله العالم.
[الموضع] الثاني [في اشتراط القبض في الهبة في الجملة]:
لا خلاف بين الأصحاب في اشتراط القبض في الهبة في الجملة، و إنما الخلاف في كونه شرطا في الصحة أو اللزوم؟ فالمشهور بين المتأخرين الأول، و نقله في المختلف عن أبى الصلاح و نقله ابن إدريس عن أكثر علمائنا، و ذهب الشيخان و ابن البراج و ابن حمزة و ابن إدريس و العلامة في المختلف إلى الثاني.
و يظهر الخلاف في مواضع، منها النماء المتخلل بين العقد و القبض، فإنه يكون للواهب على الأول، و للمتهب على الثاني.
310
و منها ما لو مات الواهب قبل الإقباض، فإنها تبطل على الأول، و يتخير الوارث بين الإقباض و عدمه على الثاني.
و منها فطرة المملوك الموهوب قبل الهلال و لم يقبضه الا بعده، فإنها على الواهب على الأول، و على الموهوب له على الثاني.
و منها نفقة الحيوان في المدة المتخللة، و أنت خبير بأن الأخبار في هذا المقام لا تخلو من اختلاف، فمما يدل على القول الأول الخبر الثامن، حيث صرح فيه بأنها بعد الموت و قبل القبض ترجع ميراثا، و هو ظاهر في بطلانها قبل القبض، و لو كانت صحيحة كما هو القول الآخر لكان الحكم تخير الوارث بين الإقباض فتلزم و عدمه، و الخبر الرابع عشر لدلالته على أن الهبة لا تكون هبة أبدا الا بالقبض، و مفهومه أنها بدونه لا تكون هبة و هو أظهر ظاهر في البطلان بدون القبض.
و استدل القائلون بهذا القول زيادة على الخبرين المذكورين بأن الأصل بقاء الملك على مالكه، و عدم تأثير العقد في مقتضاه، خرج منه ما بعد القبض بالإجماع، فيبقى الباقي.
و أجاب عنه الآخرون بارتفاع الأصل بطرو السبب الناقل، و عموم الأمر (1) «بالوفاء بالعقد» يمنع تأثيره بقبضه مطلقا، و أجابوا عن الرواية الأولى بضعف السند، و عن الثانية بأنه لا يجوز حملها على ظاهرها، و الا لزم التناقض، بل المراد أن الهبة لا تكون هبة لازمة أبدا حتى يقبض، و هو أولى من إضمار الصحة، فإن ما ليس بصحيح كالمعدوم، و مما يدل على القول الثاني الخبر السابع عشر، و هو مع صحته ظاهر بل صريح في صحة الهبة قبل القبض، لأن المراد بالجواز في هذا الباب و ما تقدمه اللزوم في أكثر الأخبار، و لكن وجه الجمع بين هذا الخبر و غيره يقتضي الحمل على الصحة، و احتجوا على ذلك زيادة على الرواية بأنه عقد يقتضي التمليك، فلا يشترط في صحته القبض، كغيره من العقود، و لعموم
____________
(1) سورة المائدة- الاية 1.
311
الأمر بالوفاء بها المقتضى له، و لأنه تبرع كالوصية، فلا يعتبر فيها أيضا.
و اعترضه في المسالك فقال: و يمكن أن يقال: ان العقود منها ما يقتضي الملك، و منها ما لا يقتضيه بدون القبض، و قد تقدم منه الوقف، فيكون أعم، و المراد بالوفاء بها العمل بمقتضاها من لزوم و جواز و غيرهما، فلا يدل على المطلوب، و كذلك مطلق التبرع أعم مما لا يعتبر فيه القبض، و الحاقه بالوصية قياس، و أجاب عن الرواية بأن إطلاق الهبة على غير المقبوضة أعم من الحقيقة، و جاز أن يكون مجازا تسمية للشيء باسم ما يؤل إليه على تقدير لحوقه، أو إطلاقا لاسم المجموع على بعض الأجزاء، فان الإيجاب و القبول أعظم أجزاء السبب التام في تحققها، و مطلق جوازها لا نزاع فيه، انتهى و هو مؤذن باختياره القول الأول.
أقول: ما أجاب به عن تلك الوجوه غير بعيد، و ان أمكن المناقشة في بعضه، و أما ما أجاب به عن الرواية فهو في غاية البعد، و لو قامت أمثال هذه الاحتمالات لانسدت أبواب الاستدلالات، على أنه أولا لا معنى للحكم بالجواز عليها الذي هو بمعنى الصحة أو اللزوم كما عرفت، و الحال أنها ليست بهبة حقيقة، و إنما أطلق عليها مجازا، و الا للزم الحكم بالصحة في كل ما أعطى و ان لم يكن هبة بمجرد ارتكاب التجوز فيه، و هو لا يقول به.
و ثانيا ان اللازم من كلامه استعمال اللفظ في حقيقته و مجازه، و هم لا يقولون به، لأن قوله (عليه السلام) الهبة جائزة قبضت أو لم تقبض، قد أطلق فيه الهبة على كل من المقبوضة، و غير المقبوضة، و هي عنده ليست بهبة حقيقة، فقد استعمل (عليه السلام) لفظ الهبة في كل من حقيقته و مجازه.
و ثالثا أن مقابلتها بالنحل و أنها لا يجوز حتى يقبض، بمعنى أنه يشترط في صحتها أو لزومها القبض، أظهر ظاهر في أن المراد بالهبة في صدر الخبر هو ما يسمى هبة حقيقة لا مجازا، و الا فإن هذا الفرد المجازي الذي ادعاه حكمه حكم النحل
312
من أنه لا يجوز و لا يصح أو يلزم حتى يقبض، فأي معنى لهذه المقابلة بينهما.
و بالجملة فإني لا أعرف لما ذكره وجها وجيها، و لعله لسوء فهمي القاصر، و كيف كان فالمسئلة لا تخلو من الاشكال، لظهور التعارض بين هذه الأخبار و تصادم التأويلات من الجانبين، و ان كان القول الثاني لا يخلو من قوة، و قد تقدمت الإشارة إلى دلالة الخبر الثاني عشر في ذلك.
قال في الدروس بعد نقل القولين المتقدمين: و الروايات متعارضة، ثم قال و لعل الأصحاب أرادوا باللزوم الصحة، فان في كلامهم اشعارا ما به، فان الشيخ قال لا يحصل الملك الا بالقبض، و ليس كاشفا من حصوله بالعقد، مع أنه قائل بأن الواهب لو مات لم تبطل الهبة، فيرتفع الخلاف، انتهى.
و اعترضه في المسالك قال: و فيه نظر، لمنع تعارض الروايات على ما قد سمعت، فان الجمع بينهما ممكن، و ارادة جميع الأصحاب من اللزوم الصحة غير واضع فإن العلامة في المختلف نقل القولين و احتج لهما، ثم اختار الثاني فكيف يحمل على الآخر، نعم كلام الشيخ الذي نقله متناقض، و ليس حجة على النافين فان الخلاف متحقق.
أقول: ما ذكره من منع تعارض الروايات ان كان بالنظر الى تأويله الخبر الذي هو مستند القائلين بالقول الثاني فقد عرفت ما فيه، فان تأويله في غاية البعد كما أوضحناه، و ان كان غير ذلك فليس في كلامه ما يدل عليه.
و التحقيق أن التعارض ثابت، و أوضحناه في معاني الأخبار المذكورة، و اما باقي ما ذكره فهو جيد، و العجب هنا من العلامة في التذكرة حيث قال: الهبة و الهدية و الصدقة لا يملكها المتهب و المهدى اليه و المتصدق عليه بنفس الإيجاب و القبول إذا كان عينا إلا بالقبض، و بدونه لا يحصل الملك عند علمائنا اجمع، انتهى.
و هو صريح في دعوى الإجماع على أن القبض شرط في الصحة، و هو و ان مؤذنا بصحة ما ادعاه في الدروس، الا أن الخلاف مشهور كما عرفت، و الشيخان
313
و من تبعهما ممن تقدم ذكر بعض منهم على القول بأنه شرط في اللزوم، و قد فرع الشيخ على الخلاف المذكور فطرة العبد المشترى قبل الهلال مع عدم القبض إلا بعده، فقال في المبسوط: من وهب لغيره عبدا قبل أن يهل شوال فقبل الموهوب له و لم يقبضه حتى هل شوال ثم عبضه، فالفطرة على الموهوب له، لأن الهبة تنعقد بالإيجاب و القبول، و ليس من شرط انعقادها القبض، و في أصحابنا من يقول القبض شرط في صحة الهبة، فعلى هذا لا فطرة عليه، و تلزم الفطرة الواهب، انتهى ملخصا، فانظر الى صراحته في الخلاف و صراحته في اختيار القول بحصول الملك بمجرد العقد من غير توقف على القبض، و هو (قدس سره) في المختلف قد وافق الشيخ في هذه المقالة، و احتج بما ذكره الشيخ، و بذلك يظهر لك عدم الوثوق بهذه الإجماعات المتناقلة في كلامهم، و المتكاثرة الدوران على رؤوس أقلامهم.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن في المقام اشكالا لم أقف على من تنبه له، و هو أن مقتضى القول بكون القبض شرطا في اللزوم لا في الصحة، هو أن الهبة بدون القبض تكون صحيحة غير لازمة، و بالقبض تكون لازمة، بمعنى أنه لا يجوز الرجوع فيها، إذ المتبادر من اللزوم هو ذلك، مع أنه كما سيأتي ان شاء الله تعالى ذكره ان الأمر ليس كذلك حيث انهم عدوا المواضع التي لا يجوز الرجوع فيها، و حصروها في مواضع مخصوصة، و ان كان على خلاف في بعضها، و ليس هذا منها، و صرحوا بأنه لا خلاف في جواز الرجوع فيما عداها، و ممن صرح بذلك المحدث الكاشاني في المفاتيح، لما فهمه من كلامهم، فقال بعد عده المواضع المشار إليها ما لفظه: و في غير ما ذكر يجوز له الرجوع مطلقا بلا خلاف، كما في الصحاح المستفيضة، ثم نقل ما يخالفها، و حمله على الكراهة، و الاشكال كما ترى ظاهر، و لا مخرج من هذا الإشكال إلا بما ذكره في التذكرة، و أشار إليه في الدروس مما يرجع إلى حمل اللزوم على الصحة، إلا أنك قد عرفت ما فيه، و بالجملة فإن كلامهم في هذا المقام لا يخلو من تشويش و اضطراب كما لا يخفى على ذوي الأفهام و الألباب، و الله العالم
314
تنبيهات:
الأول: لو مات المتهب بعد العقد و قبل القبض
، فالظاهر أنه كموت الواهب في التفريع على القولين المتقدمين، فان قلنا ان القبض شرط في الصحة بطلت الهبة في الموضعين، و صار الموهوب ميراثا لورثة الواهب، و ان قلنا بالقول الأخير تخير الواهب في الإقباض و عدمه في موت المتهب، و تخير وارثه في ذلك في موت الواهب، صرح بذلك في التذكرة و أكثر الأصحاب لم يذكروا إلا موت الواهب.
و استدل في المسالك على البطلان بموت الواهب- حيث انه المفروض في عبارة المصنف بمرسلة أبان، و رواية داود بن الحصين المتقدمين- ثم طعن فيهما بضعف السند، و مورد الخبرين كما ترى انما هو موت الواهب، ثم نقل عن الشيخ في المبسوط الخلاف في ذلك، حيث انه قال لا تبطل الهبة، و تقوم الورثة مقامه كالبيع في مدة الخيار، من حيث ان الهبة عقد يؤل الى اللزوم، فلا ينفسخ بالموت، و تبعه ابن البراج على ذلك، مع أن الشيخ قال في هبة ذي الرحم: إذا مات قبل قبضها كان ميراثا، و قال: ان الملك لا يحصل الا بالقبض، و ليس كاشفا عن حصوله بالعقد، ثم أورد عليه التناقض بين كلاميه.
أقول: كلام الشيخ الأول مبني على مذهبه الذي قدمنا نقله عنه من أن القبض شرط في اللزوم لا في الصحة، إلا أنه ناقضة بكلامه الأخير، و هذا هو ما قدمت الإشارة إليه في تمسك صاحب الدروس به في رفع الخلاف من البين.
ثم انه قال في المسالك: و لا فرق مع موته قبل القبض بين اذنه فيه قبله و عدمه، لبطلان الاذن بالموت، و في معناه ما لو أرسل هدية الى انسان فمات المهدى أو المهدي اليه قبل وصولها، فليس للرسول دفعها حينئذ الى المهدي اليه، و لا الى ورثته لبطلان الهدية بالموت قبل القبض كالهبة، انتهى.
315
الثاني [عدم قبول الإنكار بعد الإقرار بالهبة و الإقباض]:
قالوا: لو أقر الواهب بالهبة و الإقباض حكم عليه بإقراره، و ان كانت الهبة في يد الواهب، و لو أنكر بعد ذلك لم يقبل، لعموم (1)
«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».
و كونها في يده لا يستلزم عدم الإقباض بعد اعترافه، لإمكان رجوعها اليه بعد ذلك، الا أن يعلم كذبه في اخباره الأول، كقطر الوقت الذي يسع القبض و الرد و نحو ذلك.
الثالث [في اشتراط إذن الواهب في صحة القبض]:
قد صرحوا بأنه لا بد من اذن الواهب في صحة القبض، فلو قبض الموهوب الهبة بغير اذنه لم ينتقل اليه، و في المسالك أنه لا خلاف فيه عندنا.
أقول: و الوجه فيه واضح، و هو أن الإقباض غير واجب على الواهب، لعدم الاستحقاق الشرعي حيث ان مجرد العقد غير موجب للنقل البتي فإنه من العقود، و لزومه مراعى بالأسباب المخصوصة الآتي تفصيلها ان شاء الله تعالى و حينئذ فلو قبضه بغير اذن فهو محرم بلا ريب، و الظاهر كما هو المشهور أنه لا يعتبر في القبض كون الإذن بنية الهبة، فلو أذن فيه مطلقا صح، خلافا لبعضهم حيث اعتبر وقوعه للهبة أو الاذن فيه فان ذلك هو المقصود، و حيث كان مطلق القبض صالحا لها و لغيرها فلا بد من مائز و هو القصد، قال في المسالك بعد نقل ذلك:
«و هو حسن»، حيث يصرح بكون القبض لا لها، لعدم تحقق القبض المعتبر فيها، أما لو أطلق فالاكتفاء به أجود، لصدق اسم القبض و صلاحيته للهبة و دلالة القرائن عليه بخلاف ما لو صرح بالمصارف، انتهى و هو جيد.
الرابع [حكم ما لو وهبه في يد الموهوب]:
الأشهر الأظهر أنه لو وهبه في يد الموهوب، فإنه لا يحتاج إلى اذن في القبض، و لا مضى زمان يمكن القبض، و لا فرق في ذلك بين كون ذلك بيده بوجه شرعي كالعارية و الوديعة أو لا كالغصب.
أما الأول فلصدق القبض و حصوله في كل من الجانبين، فإنه مستصحب، و إيجاب العقد المقتضي لإقرار يده على العين رضا منه، و اذن بالقبض.
____________
(1) المستدرك ج 3 ص 48، الوسائل ج 16 ص 133 ح 2.
316
و أما الثاني فإنه حيث لا يفتقر الى قبض و لا اذن جديد في القبض لا يفتقر الى مضي زمان يمكن فيه القبض، لأن الافتقار الى الزمان تابع للقبض، حيث انه من ضرورياته و لوازمه، فيعتبر حيث يعتبر، و قد عرفت أنه لا يفتقر الى قبض جديد و إذا لم يعتبر المتبوع سقط اعتبار التابع، و به يظهر ان ما صار اليه بعضهم من أنه يفتقر الى مضي زمان يمكن فيه القبض- كما نقل عن الشيخ في المبسوط أو الى إذن جديد و مضي زمان- فإنه لا وجه له، و أصالة العدم أقوى دليل في المقام.
الخامس [فيمن يتولى القبض في الهبة للصغير]:
لو وهب الأب أو الجد لولده الصغير ما هو بيدهما لم يفتقر الى قبض جديد لان قبض الولي قبض عنه، و لا يفتقر أيضا الى مضي زمان يمكن فيه القبض لعين ما تقدم في سابق هذا الموضع، و قد تقدم في أخبار الصدقة على الولد أن قبض الأب و الجد عن الصغير كاف في صحة الصدقة، ففي
رواية السكوني (1) «و ان تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز، لأن والده هو الذي يلي أمره».
و بالجملة فإن الحكم لا اشكال فيه و لا خلاف نصا و فتوى فيما أعلم، فإن القبض السابق على الهبة كاف عن القبض الطاري بعدها، و أيدوه بأن اليد المستدامة أقوى من اليد المبتدأة بقي الكلام هنا في مواضع: أحدها- انا قد أشرنا سابقا الى أن محل البحث فيما لو وهب الأب أو الجد ما هو في يدهما، و اما لو لم يكن كذلك بأن يكون ملكهما، و لكنه في يدهما، فقد صرح الأصحاب بأنه يفتقر الى قبض جديد كغيره، و فرضوا ذلك فيمن اشترى شيئا و لم يقبضه فان الملك يتم بالعقد و ان لم يقبضه، و يجوز نقله بالهبة و نحوها، و ان امتنع بيعه على بعض الوجوه كما تقدم في كتاب البيع في مسئلة بيع ما لم يقبض، و يمكن أيضا فرض ذلك في مال ورثه الأب أو الجد، و هو تحت يد الغير، و لم يتمكن من قبضه، و فيما غصب منه
____________
(1) الكافي ج 7 ص 31 ح 7، التهذيب ج 9 ص 135 ح 569 و فيهما عن محمد بن مسلم، الفقيه ج 4 ص 182 ح 639 عن عبيد بن زرارة، الوسائل ج 13 ص 297 ح 1 و ص 299 ح 5.
317
و فيما آجره لغيره قبل الهبة.
أما الوديعة فإنهم صرحوا بأنه لا يخرج بها عن يد المالك، لان يد المستودع كيده، قالوا: و في العارية وجهان: أجودهما ما خروجه بها عن يده، فيفتقر الى قبض جديد من الولي أو من يوكله فيه، و لو وكل المستعير كفى.
و ثانيها أنه هل يعتبر قصد القبض عن الطفل بعد الهبة ليتمحض القبض لها، الظاهر تفريع ذلك على ما تقدم في التنبيه الثالث، فعلى ما ذكره العلامة (رحمه الله عليه) من أن مطلق القبض صالح للهبة و غيرها فلا بد من مائز، و هو القصد للهبة يأتي أن هنا كذلك، لأن المال المقبوض بيد الولي، فلا ينصرف الى الطفل إلا بصارف و هو القصد، و على ما ذكره في المسالك و هو الأظهر كما تقدمت الإشارة إليه من الاكتفاء بعدم قصد القبض لغيره يكفي هنا، و ينصرف الإطلاق إلى قبض الهبة و تلزم الهبة بذلك.
و ثالثها ان المشهور في كلام الأصحاب اختصاص هذا الحكم بالولد الصغير، و أما لو كان بالغا رشيدا ذكرا و أنثى فإنه لا بد من قبضه، و عليه تدل الأخبار.
و قال ابن الجنيد في كتابه الأحمدي: و هبة الأب لولده الصغار و بناته الذين لم يخرجوا عن حجابه، و ان كن بالغات تامة، و ان لم يخرجها عن يده، لأن قبضه قبض لهم، انتهى.
و الحاقه البنات في الحجاب بالأولاد الصغار، قياس محض، و قياسه على النكاح ممنوع مع وجود الفارق، و بالجملة فهو قول نادر لا يعبأ به.
و رابعها- أنه لو كان الواهب للصغير غير الأب و الجد له، فإنه لا خلاف في أنه لا بد من القبض عنه، و يتولى ذلك الأب أو الجد أو الوصي أو الحاكم أو من يعينه، و انما الخلاف في أنه للصغير و لي شرعي غير الأب و الجد كالوصي فهل يتولى القبض له؟ أم يرجع الأمر إلى الحاكم؟ الذي صرح به الشيخ في المبسوط و تبعه عليه جمع منهم المحقق في الشرائع الثاني، فإنهم ألحقوا الوصي هنا بغير
318
الولي من الأجانب، و احتج في المبسوط بأنه لا يصح أن يبيع من الصبي شيئا أو يشترى عنه، قال: و ينصب الحاكم أمينا يقبل منه هبته للصبي، فإذا قبلها صحت الهبة، قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه و الوجه التسوية بينه و بين الأب لأن له أن يقبل هبة غيره، فكذلك يقبل هبة نفسه، لعموم ولايته، فلا وجه لاختصاصها بغيره، و الجواب عما احتج به، المنع من حكم الأصل، فإن له أن يبيع و يقبل الشراء و أيضا الفرق فإن المعاوضة قد يحصل بها التغابن، أما الهبة فإنها عطية محضة، فكانت المصلحة فيها ظاهرة، انتهى و هو جيد.
السادس [في كيفية القبض في هبة المشاع]:
لا خلاف و لا إشكال في جواز هبة المشاع كغيره، و يدل على ذلك ما رواه
في الكافي عن أحمد بن عمر الحلبي عن أبيه (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن دار لم تقسم فتصدق بعض أهل الدار بنصيبه من الدار؟ قال: يجوز قلت: أ رأيت ان كانت هبة؟ قال: يجوز».
و قبضه كالقبض في البيع، فان اكتفينا بمجرد التخلية مطلقا كما هو أحد القولين فلا اشكال، و ان اعتبرنا الفرق بين المنقول و غير المنقول فتختص التخلية بغير المنقول، فلا بد في المنقول من النقل، ليتحقق قبض الحصة الموهوبة، فإن كان الشريك هو الواهب، فاقباضه بتسليم الجميع للمتهب، ليتحقق القبض، و ان كان الشريك غيره، توقف تسليم الكل على اذن الشريك، فإما أن يرضى بذلك أو يوكل المتهب الشريك على القبض عنه، فان تعاسرا رفع إلى الحاكم، فينصب أمينا يقبض الجميع نصيب الهبة، و الباقي أمانة حتى يتم العقد، هذا هو المشهور، و به قال في المبسوط، و تبعه الأكثر، و قال العلامة في المختلف في صورة التعاسر: و الوجه عندي جعل القبض هنا التخلية، لأنه مما يمكن نقله و تحويله، فإنه لا فرق بين عدم الإمكان المستند إلى عدم القدرة الحسية، أو عدم القدرة الشرعية، و هو أولى من التحكم في مال الشريك، بغير اختياره.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 34 ح 24، الوسائل ج 13 ص 345 الباب 12.
319
و اعترضه في المسالك بأن فيه منع عدم القدرة الشرعية، حيث يوجد الحاكم المجبر أما مع عدمه فلا بأس به دفعا للضرورة و العسر، انتهى، و قد سبقه إلى ذلك شيخنا الشهيد في الدروس كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى، و نقل في المسالك عن شيخنا الشهيد في الدروس قولا آخر، قال: و بالغ شيخنا في الدروس فاشترط اذن الشريك في القبض مطلقا، حتى لو اكتفينا بالتخلية، نظرا إلى أن المراد منها رفع يد المالك و تسليط القابض على العين، و ذلك لا يتحقق الا بالتصرف في مال الشريك، فيعتبر اذنه و رفع المانع عن حصة المالك خاصة مع الإشاعة لا يحصل به التسلط على الغير الذي هو المقصود من القبض، و قبض جميع العين واحد لا يقبل التفرقة بالحكم، و من ثم لو كانت العين مقبوضة بيد متسلط لم تكف التخلية من المالك و تسليطه عليها، مع وجود المانع من التسليم، و له وجه حسن، و ان كان الأشهر الأول.
أقول: لم أقف على هذا الكلام في الكتاب المذكور في باب الهبة و احتمال كونه في غيره بعيد، و الذي ذكره في باب الهبة موافق لما عليه الجماعة، قال:
و قبض المشاع يعتبر فيه اذن الشريك و ان كان غير منقول، فلو وكل المتهب الشريك في القبض صح، و ان تعاسر نصب الحاكم أمينا يقبض الجميع نصفه أمانة للمتهب، و في المبسوط غير المنقول تكفى فيه التخلية عن اذن الشريك، و في المختلف تكفى فيه التخلية في المنقول أيضا و هو مفارقة لقاعدته في القبض، و اعتذاره بأن عدم القدرة شرعا ملحقة بغير المنقول ممنوع، لأنا نتكلم على تقدير التمكن من الحاكم، أما مع عدم التمكن منه فإنه حسن، انتهى.
و هو موافق لما في المبسوط إلا في غير المنقول فان الشيخ في المبسوط اكتفى فيه بالتخلية عن اذن الشريك، و هو اعتبر الاذن، و لم يكتف بالتخلية، و أما مع التعاسر فهو موافق لما ذكره الشيخ.
و أما ما ذكره في المسالك من هذا الكلام بطوله فلا وجود له اللّهمّ إلا أن
320
يكون هذا التعليل الطويل أعنى قوله «نظرا الى أن المراد منها» الى آخر الكلام من كلام صاحب المسالك، تعليلا له لما نقله عن الدروس، و أن الحكم مع عدم الاذن هو ما ذكره مما نقلناه عنه فيزول الاشكال لكنه لا يخلو من بعد.
و كيف كان فالظاهر هو ما ذكره الشيخ و أكثر الجماعة، قال في المسالك:
و حيث يعتبر اذن الشريك فقبض المتهب بدونه و ما في حكمه يقع لاغيا، لا للنهي، فإنه لا يقتضي الفساد في غير العبادة، بل لأن القبض لما كان من أركان العقد اعتبر فيه كونه مرادا للشارع، فإذا وقع منهيا عنه لم يعتد به شرعا فيختل ركن العقد و قد عرفت أنه قبض واحد لا يقبل التفرقة في الحكم، بجعل القبض للموهوب معتبرا و النهي عن حق الغير الخارج عن حقيقة الموهوب، انتهى.
أقول: قد سلف هنا و من هذا القائل تحقيق في أن قولهم النهي لا يقتضي الفساد في غير العبادة ليس على إطلاقه، بل قد يقتضي الفساد في غير العبادة لما قدمناه من التفصيل بأن النهي ان توجه إلى ذات الشيء و عدم صلاحه لترتب الحكم الشرعي عليه كالنهي عن بيع العذرة لعدم صلاحيتها للنقل، و النهي عن نكاح المحارم و نحو ذلك، فإنه يقتضي الفساد بلا اشكال، و ان توجه إلى أمر خارج كالبيع وقت النداء يوم الجمعة لم يقتض الفساد، و انما يقتضي الإثم خاصة، و الظاهر أن ما نحن فيه من القسم الأول، فإن النهي للمتهب عن قبض المشترك بغير اذن المالك للمتهب إنما هو من حيث عدم صلاحيته و قابليته للانتقال، لا من حيث أمر خارج فلا حاجة إلى ما تكلفه (قدس سره) مع أنه لا يخلو من المناقشة، فإنه لو تم لأمكن إجراؤه في سائر المعاملات، و عدم ارادة الشارع غاية ما يقتضيه الإثم بالمخالفة، كما لا يخفى و الله العالم.
السابع: لو وهب اثنين شيئا
فقبلا و قبضا فلا إشكال في الصحة، لاستجماع شرائطها و لو قبل أحدهما و قبض، و امتنع الآخر صحت الهبة بالنسبة إلى القابل، و بطلت بالنسبة إلى الآخر، لحصول شرائط الصحة في الأول دون الثاني، و ربما
321
يقال: انه عقد واحد لا يتعبض، فان قبلا و قبضا صح، و الا فلا، لأنا نقول: و ان كان بصورة عقد واحد الا أنه بتعدد الموهوب في قوة عقدين، و نظيره ما لو اشتريا دفعة واحدة، فإن لكل واحد منهما حكم نفسه في الخيار و نحوه، كما تقدم في في كتاب البيع، و الله العالم.
الموضع الثالث [في جواز تفضيل بعض الأولاد]:
لا خلاف و لا إشكال في جواز تفضيل بعض الولد و ان كان على كراهة عند الأصحاب، إلا ما نقل عن ظاهر ابن الجنيد من التحريم إلا مع المزية.
قال في المسالك: أما جواز التفضل في الجملة فهو المشهور بين الأصحاب و غيرهم، و يشهد له (1)
«ان الناس مسلطون على أموالهم».
و يظهر من ابن الجنيد التحريم إلا مع المزية، و التعدية إلى باقي الأقارب مع التساوي في القرب، و الوجه الكراهة المؤكدة
لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (2) سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت البنات، و ان التفضيل يورث العداوة و الشحناء بين الأولاد كما هو الواقع شاهدا و غابرا.
و لدلالة ذلك على رغبة الأب في المفضل المثير للحسد المفضل إلى قطيعة الرحم،
و قد روى أن النعمان بن بشير (3) أتى أبوه إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: انى نحلت ابني هذا غلاما فقال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): أكل ولدك نحلت مثل هذا فقال لا: فقال: أردده،.
و في رواية أخرى (4) «ان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال له: أ تحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ فقال: نعم فارجعه،.
قال و في حديث آخر (5) عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال لمن أعطى بعض أولاده شيئا أكل ولدك أعطيته مثله قال: لا، قال: فاتقوا الله و اعدلوا بين أولادكم فرجع في تلك العطية» و في رواية أخرى «لا تشهدنى على جور».
____________
(1) البحار ج 2 ص 272 ح 7 الطبع الحديث.
(2) المسند لأحمد بن حنبل ج 4 ص 375.
(3) البخاري كتاب الهبة الباب 12.
(4) البخاري كتاب الهبة الباب 12.
(5) البخاري كتاب الهبة الباب 12.
322
و هذه الروايات تصلح حجة لابن الجنيد و الأصحاب حملوها على تقدير سلامة السند على الكراهة جمعا و قد روى أبو بصير في الصحيح (1) ثم نقل الخبر الحادي و العشرين ثم قال: و لا قائل بمضمونه تفصيلا غير أن تجويزه العطية مع اليسار مطلقا حجة المشهور، و منعه عنه مع الإعسار مناسب للكراهة، و الحق الفصل حيث يكون عليه دين و نحوه، و إطلاق النصوص السابقة يقتضي عدم الفرق بين الصحة و المرض، و حالتي اليسر و العسر، إلا الحديث الأخير، فخص النهى بحالة العسر، و في رواية سماعة ثم ذكر الخبر العشرين، ثم قال: و عمل بمضمونها العلامة في المختلف، و خص الكراهة بالمرض أو الإعسار و في بعض نسخة بهما معا، و الظاهر أن دلالة الخبرين على الأول أوضح، و الأقوى عموم الكراهة بجميع الأحوال، و تأكدها مع المرض و الإعسار أعمالا بجميع الأدلة، لعدم المنافاة انتهى.
و على هذا النهج كلام غيره من الأصحاب و أنت خبير بأن ما قدمه من الأخبار عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) الظاهر أنه من أخبار العامة و رواياتهم، كما يشهد به سياقها، لعدم وجود شيء منها في كتب أخبارنا، و إنما الموجود فيها ما يخالف هذه الأخبار، و يناقضها من جواز التفصيل، و هي متكاثرة بذلك.
فمنها ما رواه
في الكافي و الفقيه عن محمد بن قيس (2) في الحسن قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض؟ قال: نعم و نسائه».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب في الصحيح عن حريز عن محمد بن مسلم (3) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون له الولد من غير أم أ يفضل بعضهم على بعض؟ فقال: لا بأس،.
قال: حريز و حدثني معاوية و أبو كهمس انهما سمعا
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 156 ح 644، الوسائل ج 13 ص 384 ح 12.
(2) الكافي ج 7 ص 10 ح 6، الفقيه ج 4 ص 114 ح 495، الوسائل ج 13 ص 343 ح 1.
(3) التهذيب ج 9 ص 199 ح 795، الوسائل ج 13 ص 344 ح 2 و 3.
323
أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: صنع ذلك علي (عليه السلام) بابنه الحسن و فعل ذلك الحسين بابنه علي و فعل ذلك أبي بي، و فعلته أنا».
و عن إسماعيل بن عبد الخالق (1) في الصحيح قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: في الرجل يخص ولده ببعض ماله فقال: لا بأس بذلك».
و ما رواه
في الكافي في الصحيح عن سعد بن سعد الأشعري (2) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يكون بعض ولده أحب إليه من بعض و يقدم بعض ولده على بعض؟ فقال: نعم قد فعل ذلك أبو عبد الله (عليه السلام) نحل محمدا و فعل ذلك أبو الحسن (عليه السلام) نحل أحمد شيئا فقمت أنا به حتى حزته له، فقلت: جعلت فداك الرجل يكون بناته أحب إليه من بنيه؟ فقال: البنات و البنون في ذلك سواء، انما هو بقدر ما ينزلهم الله عز و جل منه».
قوله (عليه السلام) «فقمت أنا به» أي توليته له، و كان أحمد كان صغيرا، و قوله «انما هو بقدر ما ينزلهم الله» أي المحبة التي يقع في قلبه انما هي من الله تعالى فبقدر ما يجعل الله لهم في قلبه يجعل المحبة ذكورا أم اناثا.
و ما رواه
في الفقيه عن رفاعة (3) عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون لهم بنون و أمهم لست بواحدة أ يفضل أحدهم على الآخر؟ قال:
لا بأس به، و قد كان يفضلني على عبد الله».
أقول: و هذه الروايات مع كثرتها و صحتها قد اتفقت على جواز التفضل من غير إشارة في شيء منها على الكراهة، فضلا عن التصريح، و قد فعلوه (عليهم السلام) بمن كان ممن يستحق التفضيل و من لا يستحقه، و بذلك يظهر لك أن جميع ما أطال به (قدس سره) من تلك الأخبار العامية و التعليلات العقلية كله تطويل بغير طائل.
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 200 ح 796، الوسائل ج 13 ص 344 ح 4.
(2) الكافي ج 6 ص 51 ح 1، التهذيب ج 8 ص 114 ح 392، الوسائل ج 15 ص 203 الباب 91 ح 1.
(3) الفقيه ج 3 ص 311 ح 17، الوسائل ج 15 ص 204 ح 2.
324
و ليت شعري كيف غفلوا جميعا عن هذه الأخبار و هي في الكتب الأربعة التي يتداولونها حتى التجئوا الى هذه الأخبار العامية، و العجب هنا من صاحب المفاتيح حيث تبع صاحب المسالك فيما نقلناه عنه، و غفل أيضا عن هذه الأخبار كما لا يخفى على من راجعه.
نعم
روى في الفقيه عن السكوني (1) قال: «و في رواية السكوني قال:
نظر رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الى رجل له ابنان فقبل أحدهما و ترك الآخر فقال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): فهلا واسيت بينهما».
و ربما يتوهم متوهم تخصيص الأخبار المتقدمة بهذا، و هو باطل بل الأظهر حمله على التقية، فإن رواية عامي مع أنه لم يسنده الى الامام (عليه السلام) و قد عرفت دلالة روايات العامة على ما دل عليه.
و أما ما رواه
العياشي في تفسيره عن مسعدة بن صدقة (2) قال: «قال جعفر بن محمد (عليه السلام) قال والدي: و الله اني لا صانع بعض ولدي و أجلسه على فخذي و أكثر له المحبة، و أكثر له الشكر، و ان الحق لغيره من ولدي، و لكن محافظة عليه منه و من غيره، لئلا يصنعوا به ما فعل بيوسف و اخوته و ما أنزل الله سورة يوسف إلا أمثالا لكيلا يحسد بعضنا بعضا كما حسد بيوسف اخوته، و بغوا عليه فجعلها رحمة على من تولانا، و دان بحبنا، و جحد أعدائنا، على من نصب لنا الحرب و العداوة».
فغاية ما يدل عليه أنه (عليه السلام) كان يظهر التفضيل لبعض ولده، فضايقه لدفع شره عن الإمام القائم بعده، و هذا بما يدعيه أنسب، و الى ما اخترناه أقرب، و مرجعه الى أن التفضيل قد يكون على جهة الاستحقاق، أو المضايقة، فلا منافاة فيه لما ذكرناه.
بقي الكلام في الخبرين المتقدمين الدال أحدهما على التفصيل بين الصحة و المرض، و أنه يعطى في حال الصحة دون المرض، و الخبر الدال على التفضيل بين اليسر
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 311 ح 18، الوسائل ج 15 ص 204 ح 3.
(2) المستدرك ج 2 ص 626 الباب 67 ح 3، العياشي ج 2 ص 166 ح 2.
325
و العسر: فيخص بعض ولده مع اليسر دون العسر، مع أن إطلاق الأخبار المتقدمة يقتضي عدم الفرق، و أنت خبير بأنهما لا يبلغان قوة المعارضة لما قدمناه من الأخبار الصحيحة الصريحة في الجواز مطلقا.
و أما وصفه في المسالك لرواية أبي بصير (1) بالصحة فهو خلاف المعهود منه و من غيره من أرباب هذا الاصطلاح حيث ان أبا بصير مشترك، و لا قرينة تدل على الثقة منهما، و الآخر الضرير انما يعدون خبره في الضعيف، على أن الظاهر أن رواية سماعة لا منافاة فيها، و ذلك فان ظاهرهما انما هو السؤال من عطية الوالد لولده، و ان كان واحدا و ليس فيها تعرض للتفضيل الذي هو البحث بوجه، فأجاب (عليه السلام) بأنه في حال الصحة جائز، لأنه ماله يصنع فيه ما أراد، و أما في حال المرض فلا، و المنع من ذلك في حال المرض مطلقا لا قائل به، و لا يوافق مقتضى القواعد الشرعية، فلا بد على أن يكون المنع باعتبار كونه من الأصل، فالنهي إنما يتوجه الى كونه من الأصل.
و حاصل معنى الخبر أنه في حال الصحة مخرج العطية من الأصل، و في حال المرض من الثلث، لا من الأصل، كما في حال الصحة و هذه مسئلة أخرى لا تعلق لها بما نحن فيه.
نعم خبر أبي بصير ظاهر في التفضيل لقوله «يخص بعض ولده»، و الظاهر حمله على ما ذكروه من كراهية التخصيص مع الإعسار، لأنه متى خصه و هو معسر فقد حرم الباقين من الميراث، إذ لا شيء يرثونه.
أما مع يسره و حصول قسط لكل من الباقين من الميراث، فإنه لا يحصل عليهم بتلك الهبة نقص زائد كما في صورة العسر الذي لا شيء بالكلية، و على هذا فيخص الأخبار المتقدمة بهذا الخبر: بمعنى أن التفضيل جائز مطلقا من غير كراهية، إلا في صورة إعسار الواهب الموجب لحرمان باقي الأولاد من الميراث، و هو جمع حسن بين الأخبار و الله العالم.
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 156 ح 644، الوسائل ج 13 ص 384 ح 12.
326
الموضع الرابع [جواز الرجوع في الهبة]:
المفهوم من كلام جملة من الأصحاب بل ربما ادعى الإجماع عليه كما تقدم الإشارة إليه بأنه يجوز الرجوع بعد القبض إلا في مواضع مخصوصة، قد وقع الاتفاق على بعضها و الخلاف في بعض، كما سيأتي تفصيله، ان شاء الله تعالى.
و الأخبار في أصل المسئلة لا تخلو من اختلاف فمما يدل على جواز الرجوع الخبر الأول، و هو صحيح صريح في ذلك، و مفهوم الخبر الثاني، و هو صحيح أيضا، و المفهوم مفهوم شرط لا إشكال في حجيته عند محققي الأصوليين و عندنا، للأخبار الكثيرة الدالة على حجيته، كما تقدمت في مقدمات الكتاب في الجلد الأول من كتاب الطهارة (1) و يدل على ذلك أيضا الخبر الخامس (2) و هو صحيح، صريح في ذلك، و الخبر السابع (3) و هو صحيح صريح في غير المواضع المستثناة فيه، و الخبر الثامن، و مفهوم الخبر التاسع، و يدل على ذلك أيضا قوله (عليه السلام) في
موثقة عبيد بن زرارة (4) «و لمن وهب أو نحل أن يرجع في هبته حيز أو لم يحز».
و قوله (عليه السلام)
في صحيحة زرارة (5) المتقدمة في مقصد الصدقة، «و لا ينبغي لمن أعطى لله شيئا أن يرجع فيه، و ما لم يعط لله و في الله فإنه يرجع فيه نحلة كانت أو هبة، حيزت أو لم تحز، و لا يرجع الرجل فيما وهب لامرأته» الحديث.
و يدل على العدم الخبر الثالث عشر، و الخبر الخامس عشر، و الخبر التاسع عشر.
و رواية جراح المدائني (6) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): من رجع في هبته فهو كالراجع في قيئه».
و أنت خبير بأن هذه الروايات الأخيرة تقصر عن معارضة الأخبار الأولة
____________
(1) ج 1 ص 58.
(2) ص 301.
(3) ص 301.
(4) التهذيب ج 9 ص 153 ح 625، الوسائل ج 13 ص 342 ح 1.
(5) التهذيب ج 9 ص 152 ح 624، الوسائل ج 13 ص 339 ح 1.
(6) الاستبصار ج 4 ص 109 ح 417، الوسائل ج 13 ص 343 ح 3.
327
سندا و عددا و دلالة، و حملها على الكراهة المؤكدة، كما ذكره جمع من الأصحاب طريق الجمع بين الجميع،
[الصور المستثناة من جواز الرجوع]
و أما الصور المستثناة من جواز الرجوع فنحن نذكرها مفصلة واحدة واحدة، و ما يتعلق بكل منهما من الأخبار، و كلام الأصحاب على وجه يزول به غشاوة الشك- ان شاء الله تعالى فيها- و الارتياب، فنقول
الأولى- فيما لو كانت الهبة لذي الرحم
، و قد ادعى المحقق الإجماع على أنه متى كانت الهبة من الابن للأبوين فلا يجوز الرجوع، و هو مؤذن بالخلاف فيما عداه، حتى في هبة الأبوين للابن، مع أن العلامة في المختلف عكس ذلك، فادعى الإجماع على لزوم هبة الأب لولده، و لم يذكر الأم، قال: إذا وهب الأب ولده الصغير أو الكبير و أقبضه لم يكن للأب الرجوع في الهبة إجماعا، و لو كانت لغير الولد من ذوي الأرحام للشيخ قولان إلى آخره، و هو مؤذن بالخلاف فيما ادعى عليه المحقق الإجماع، الا أن شيخنا الشهيد الثاني في المسالك قال: و الظاهر أن الاتفاق حاصل على الأمرين الا من المرتضى في الانتصار، فإنه جعلها جائزة مطلقا ما لم يعوض عنها، قال: و كأنهم لم يعتدوا بخلافه لشذوذه.
و العجب أنه ادعى إجماع الإمامية عليه مع ظهور الإجماع على خلافه، و على ما ذكره شيخنا المذكور ينحصر الخلاف فيما عدا الصورتين المذكورتين، و الأشهر الأظهر اللزوم و عدم جواز الرجوع، و هو مذهب الشيخ في النهاية، و الشيخ المفيد و سلار و ابن البراج، و قيل: بأن له الرجوع و هو قول الشيخ في المبسوط و التهذيب و السيد المرتضى و ابن الجنيد و ابن إدريس.
و الذي وقفت عليه من الأخبار في هذا المقام مما يدل على القول الأول الخبر الخامس، و هو صحيح صريح في عدم جواز الرجوع في هبة ذي الرحم، و هو دال على عدم جواز الرجوع في الصورتين الأوليين من حيث العموم، و على الثالثة بالخصوص، و الخبر السابع و هو أيضا صحيح السند دال على عدم جواز الرجوع في هبة ذي القربى، لأن المراد بالجواز هنا اللزوم كما تقدمت الإشارة اليه، و ينادى
328
بذلك قوله و يرجع في غير ذلك ان شاء، و حاصل الخبر أنه لا يرجع في الهبة إذا كانت لذي قرابة أو معوضا عنها، و يرجع فيما عدا ذلك، و الخبر السادس عشر و هو موثق سماعة، إلا أنه مختص بهبة الولد لأمه، و قد حكم (عليه السلام) بأنه ميراث بعد موتها، و ليس للولد الرجوع فيه للزوم الهبة.
و مما يدل على قول الآخر الخبر الثامن حيث صرح فيه «بأن النحل و الهبة يرجع فيها حازها أو لم يحزها و ان كانت لذي قرابة» و الخبر الحادي عشر الا أنه غير صريح، بل و لا ظاهر في ذلك، لأن ظاهر تجويزه الرجوع فيما يهب لابنه،- الا أن يكون صغيرا- أن الرجوع إنما هو من حيث عدم القبض بأن يكون الموهوب بالغا و لم يقبض، و لهذا حكم بلزوم الهبة للصغير من حيث ان الأب قابض له، و الخبر الثاني عشر إلا أنه لا يخلو من الإجمال و تعدد الاحتمال، و أنه يحتمل أن يكون الرجوع إنما هو من حيث كون الهبة غير لازمة، لأن من شرطها القبض و لم يحصل، فهي و ان انتقلت إليه بالعقد، الا أنه انتقال متزلزل مراعى في لزومه بالقبض، و حينئذ فلم يبق مما يمكن أن يستدل به لهذا القول إلا الخبر الثامن، و هو يضعف عن معارضة الأخبار الأولة سندا و عددا و دلالة، و من المحتمل قريبا أن يكون قوله و ان كانت لذي قرابة قيدا في قوله «أو لم يحزها» بمعنى أنه إذا لم يحزها فله الرجوع و ان كانت لذي قرابة، و هو معنى صحيح، و به يسقط الاستدلال بالخبر المذكور على ما ذكروه، و بما أوضحناه لك في المقام يظهر ضعف ما ذهب إليه في الكفاية من موافقة المرتضى (رضي الله عنه) في عدم لزوم الهبة على ذي الرحم، و الآباء و الأبناء.
الثانية- فيما لو تلف بعد القبض
سواء كان التلف من جهة الله سبحانه، أو المتهب، أو غيرهما، فإنه لا يرجع، و نقل عن التذكرة دعوى الإجماع على ذلك، و كأنه لا يعتد بخلاف المرتضى و دعواه على جواز الرجوع إلا مع التعويض.
و مما يدل على اللزوم و عدم جواز الرجوع في الصورة المذكورة الخبر
329
الأول و هو صحيح صريح في المدعى، قال: في المسالك و في حكم تلفها تلف بعضها و ان قل، لدلالة الرواية عليه، فان العين مع تلف جزء منها لا تعد قائمة، انتهى.
و فيه إشكال فإن الظاهر أن المراد بقيامها بعينها كما تضمنه الخبر انما هو بمعنى وجودها و عدم تلفها، فلا يؤثر تلف بعضها خصوصا مع قلته كاصبع العبد لو قطعت، فإنه لا ينافي قيام العين و وجودها عرفا، و بالجملة فإن ما ذكره لا يخلو عندي من شوب الإشكال.
الثالثة- فيما لو عوض عنها
و ان كان العوض قليلا إذا حصل التراضي، و اللزوم في هذه الصورة إجماعي حتى من المرتضى، و يدل على ذلك الخبر الثاني و هو صحيح صريح في عدم جواز الرجوع إذا عوض، و الخبر السابع حيث حكم (عليه السلام) بجواز الهبة الذي هو كما عرفت آنفا عبارة عن لزومها في صورة ذي القرابة، و الذي يثاب أي يعوض.
قال في المسالك: و لا فرق في العوض بين كونه من بعض الموهوب و غيره، عملا بالإطلاق، و لأنه بالقبض بعد العقد مملوك للمتهب، فيصح بذله عوضا عن الجملة، انتهى.
أقول: يمكن أن يقال: ان المتبادر من المعاوضة هو كون أحد العوضين غير الآخر، و لو تم ما ذكره للزم أنه لو دفعه المتهب بجميعه الى الواهب بعد القبض لصدق المعاوضة، مع أنه لا يسمى ذلك معاوضة، فإنما يسمى ردا، و لا فرق بين دفع البعض و دفع الكل، قوله «لأنه بالقبض بعد العقد مملوك للمتهب» مسلم، لكنه ملك متزلزل لا يلزم إلا بإعطاء العوض و نحوه، من الأمور الموجبة للزوم و بالجملة فإنه بإعطاء بعض الموهوب أو جميعه انما يقال: رده أورد بعضه و لا يقال. أعطى عوضه بهذا هو الظاهر من العرف و الاستعمال، و به يظهر أن ما ذكره لا يخلو من شوب الاشكال.
ثم ان الظاهر من إطلاق الخبرين المذكورين أنه لا فرق في لزوم الهبة
330
بالتعويض بين أن يكون قد شرط التعويض في العقد، أو وقع بعده بأن وقع العقد مطلقا، الا أنه بذل له العوض بعد ذلك و أعطاه إياه، لكنهم صرحوا بأنه لا يحصل التعويض بمجرد البذل، بل لا بد من قبول الواهب له، و كون البذل عوضا عن الموهوب قالوا: لأنه بمنزلة هبة جديدة، و لا يجب عليه قبولها.
بقي الكلام هنا في أنه لو وهب و أطلق هل يقتضي التعويض أم لا؟ المشهور الثاني، و قال الشيخ في الخلاف و المبسوط: الهبة على ثلاثة أقسام، هبة لمن فوقه، و هبة لمن دونه، و هبة لمن هو مثله، و كلها يقتضي الثواب عندنا، و مقتضاه أنه بالهبة يجب على المتهب بذل العوض، و يلزم و ان لم يطلبه الواهب، و لا قائل به سواه، الا أن أبا الصلاح وافقه في هبة الأدنى للأعلى، فقال: انها يقتضي الثواب فيعوض عنها بمثلها، و لا يجوز التصرف في الهبة ما لم يعوض عنها، لاقتضاء العرف ذلك.
و رد كل من القولين المذكورين بأن الأصل و العمومات يقتضي خلافه، و ربما حمل كلام الشيخ على جواز الرجوع في الهبة ما لم يثب، كما لو شرط فيها فيكون المراد أن لزومها انما يتحقق به، و الى هذا يميل كلام العلامة في المختلف في مقام الرد على ابن إدريس انتصارا للشيخ و الحق بعده.
و بالجملة فإن الحكم مع الإطلاق كما هو المشهور هو أن الهبة جائزة من جهة الواهب إلا أن يحصل التعويض بما يتفقان عليه، و مع الاختلاف يرجع الى مثل الموهوب أو قيمته، و لا خلاف في أنه لو شرط الثواب صح، أطلق أو عين، و له الرجوع ما لم يدفع اليه ما شرط، و يدل عليه الخبر السادس (1) فإنه دال على حكم المشروطة بالثواب مطلقا، أو معينا، و أن للواهب الرجوع إذا لم يف المتهب بالشرط، و أنه ليس للمتهب مع الشرط التصرف في الجارية حتى يفي بشرطه، و فيه دلالة على تخير المتهب بين الوفاء بالشرط، لتلزم الهبة، و يجوز له التصرف، و بين رد الهبة كما هو أحد القولين، و هو منقول عن الشهيد في الدروس
____________
(1) ص 301.
331
و جماعة، و قيل: بلزوم العقد من طرف المتهب، و انه يجبر على الوفاء بالشرط مطلقا كان أو معينا، هذا القول جار على ما قدمنا نقله عن الشيخ في الخلاف و المبسوط، فلعل ما هنا تفريع عليه.
و كيف كان فالظاهر ضعفه، فان المفهوم من الخبر المشار اليه خلافه، فإنه لو كان العقد لازما من جهته لجاز له وطئ الجارية مع الشرط قبل الوفاء به، حيث انه قد ملكها بالهبة ملكا لازما، و يجب عليه الوفاء بالشرط كما هو المفروض، و مفهوم الخبر بخلافه.
ثم انه على تقدير الشرط ان كان ما شرطه معينا فالحكم واضح، و ان كان مطلقا فان اتفقا على شيء قليلا أو كثيرا فلا إشكال أيضا، و الأوجب إثابة مقدار الهبة مثلا أو قيمة، و لا يجب الأزيد و ان طلبه الواهب، كما لا يجبر الواهب على قبول الأقل الا أنه يجب أن يعلم أن ذلك ليس على جهة اللزوم و الحتم، بل يتخير الواهب في كلتا الصورتين بين الرجوع و قبول العوض، لأن العقد من جهته غير لازم قبل التعويض، و يتخير المتهب بين الرد و الإثابة، إلا على قول الشيخ المتقدم و أبى الصلاح في خصوص ما ذكره، حيث حكما باللزوم من جهة المتهب، و أوجبا عليه الإثابة، و ان اختلفا في العموم و الخصوص، و قد عرفت ضعفه.
ثم انه على تقدير الاشتراط لو تلفت العين في يد المتهب قبل التعويض أو عابت سواء كان ذلك بفعله كلبس الثوب أم لا، فهل يضمن المتهب الأرش أو الأصل أم لا ضمان؟ قولان: صرح في المختلف بالأول، و نقل عن ابن الجنيد من المتقدمين.
قال في المختلف: و ان شرط الثواب فإن أطلق كان إطلاقه منصرفا إلى العادة، و ان شرط معينا فإن أثابه إياه لزمت الهبة، و إلا كان للمالك العود في هبته، فان كانت ناقصة فعليه الأرش، و ان كانت تالفة فعليه المثل أو القيمة، لأنه ملكه بشرط العوض، و لم يسلم له فكان له الرجوع في عينه، انتهى.
و جزم في التذكرة- و مثله ولده في الشرح- بالثاني، و اختاره المحقق
332
على تردد، و احتجوا عليه بأن ذلك النقص حدث في ملك المتهب، فلا يلزمه ضمانه، و لأن المتهب لا يجب عليه دفع العوض كما مر، بل للواهب الرجوع في العين و التفريط منه من حيث تركها في يد من سلطه على التصرف فيها مجانا.
احتج القائلون بالأول بما عرفت من كلامه في المختلف و هو انما ملكه بشرط العوض لا مجانا، فإنه إنما قبضها ليؤدي عوضها فلم يفعل، و من ذلك يظهر أن الواجب عليه أحد الأمرين ردها، أو دفع العوض، فان تعذر الأول وجب الثاني.
و منه يعلم الجواب عن دليل المخالف، و قوله «انه سلطه على التصرف فيه مجانا» فإنه إنما سلطه بشرط العوض، و هذا هو معنى الضمان، و قولهم انه لا يجب عليه دفع العوض، ان أريد به عدم وجوبه عينا لم يلزم منه نفي الوجوب عن المبدل الذي هو المدعى، و حينئذ فإذا تعذر أحد الأمرين المخير بينهما تعين الآخر، و ان أريد به عدم الوجوب بالكلية فهو ممنوع، و الى هذا القول مال في المسالك، و قوته بما ذكرنا ظاهرة.
ثم انه على تقدير القول بالضمان مع التلف فهل الواجب مثل الموهوب أو قيمته؟ أو أن الواجب انما هو أقل الأمرين من ذلك و من العوض، وجهان:
اختار ثانيهما في المسالك، قال: لما عرفت من أن المتهب مخير بين الأمرين، و المحقق لزومه هو الأقل، لأنه ان كان العوض الأقل فقد رضي به الواهب في مقابلة العين، و ان كان الموهوب هو الأقل فالمتهب لا يتعين عليه العوض، بل هو مخير بينه و بين بذل العين، فلا يجب مع تلفها أكثر من قيمتها، انتهى و هو جيد.
الرابعة- فيما لو كانت لأحد الزوجين
، و المشهور بين الأصحاب كراهة الرجوع فيما يهبه أحدهما للآخر من غير أن تكون الهبة لازمة يحرم الرجوع فيما، و ذهب جمع منهم الى عدم جواز الرجوع كالصور المتقدمة، و الأول قول الشيخ في كتبه و اتباعه، و الثاني نقله الشيخ في الخلاف عن بعض الأصحاب، و به
333
أفتى العلامة في التذكرة، و نقله في التحرير عن الشيخ، و هو مختار جملة من متأخري المتأخرين، منهم المحدث الكاشاني في المفاتيح، و الفاضل الخراساني في الكفاية و هو ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و نقله عن جماعة من الأصحاب (رحمهم الله) و ظاهر شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد الميل اليه من غير جزم، حيث نفى عنه البعد، و هذا هو الأظهر عملا بالخبر الرابع (1) و هو صحيح صريح في ذلك، و به يخص عموم الأخبار الدالة على جواز الرجوع بعد القبض مطلقا، كما خص بغيره من الأخبار المتقدمة في الصور السابقة، و على هذا فتكون الزوجية من أسباب اللزوم المستثناة من تلك الأخبار، كغيرها مما قدمنا ذكره.
و الظاهر أن من قال بالأول نظر الى عموم الأخبار الدالة على جواز الرجوع بعد القبض، فجوز الرجوع و جعل ذلك مكروها، نظرا الى قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) في صحيحة الحلبي (2) الذي يرجع في هبته كالذي يرجع في قيئه و نحوها غيرها، بحمله على الكراهة المؤكدة جمعا بينه و بين تلك الأخبار الدالة على جواز الرجوع كما تقدم ذكره، إلا أن فيه ما عرفت من ورود الخبر الصحيح الصريح باللزوم، و ربما طعن في الصحيحة المذكورة بقوله (عليه السلام) فيها «حيز أو لم يحز» حيث ان ظاهره لزوم الهبة، و ان لم يقبض و هم لا يقولون به، فما يدل عليه الخبر لا يقولون به، و ما يقولون به لا يدل عليه، و أجاب عن ذلك في المسالك بأنه لما قامت الأدلة على عدم لزومها قبل القبض، وجب أن تحمل هذه الأخبار على قبض آخر جديد غير القبض الأول، جمعا بين الأدلة.
أقول: و يمكن أن يقال بالخبر المذكور على ظاهره، و يخص هذا الحكم بالزوجين، و لا مانع منه، إذا دل عليه الخبر، فكما أنه دل على استثناء الزوجين
____________
(1) ص 301.
(2) التهذيب ج 9 ص 155 ح 635 و لا يخفى ان المتن المذكور هو مضمون رواية إبراهيم بن عبد الحميد التهذيب ج 9 ص 158 ح 653 و الا فالمذكور في رواية الحلبي هو الصدقة بدل الهبة، الوسائل ج 13 ص 316 ح 4 و ص 343 ح 4.
334
من عموم تلك الأخبار الدالة على جواز الرجوع بعد القبض، كذلك على استثنائهما من عموم الأخبار الدالة على جواز الرجوع قبل القبض، فيقال:
تلزم هبة أحد الزوجين للآخر بمجرد العقد، قبض أو لم يقبض، و ان كان الحكم في غيرهما جواز الرجوع قبل القبض مطلقا، و بعده إلا في الصورة المتقدمة التي دلت النصوص على استثنائها، و أي مانع من ذلك، إذا اقتضاه الدليل، سيما مع استدلاله (عليه السلام) بالآيات المذكورة، و هي مطلقة شاملة لما قبض أو لم يقبض.
و كيف كان فالظاهر أنه لا فرق في الزوجين بين الدائم و المنقطع و لا بين المدخول بها و غيرها، و لا بين المطلقة رجعيا و غيرها، بإطلاق النص، أما البائنة فإنها ليست زوجة، و الله العالم.
الخامسة- فيما لو ضم إليها قصد القربة
«و لا ينبغي لمن أعطى الله شيئا ان يرجع فيه، و ما لم يعط لله فإنه يرجع فيه نحلة كانت أو هبة حيزت أو لم تحز»
و في موثق عبيد بن زرارة (1) «و لمن وهب أو نحل أن يرجع في هبته حيز أو لم يحز و لا ينبغي لمن أعطى لله عز و جل أن يرجع فيه».
و في الخبر التاسع «هل لأحد أن يرجع في صدقته أو هبته قال: أما ما تصدق به لله فلا».
و يؤيدها جملة من الأخبار المتقدمة في الصدقة، و أنه لا يجوز الرجوع فيما قصد به القربة، و علل بعض المحدثين بأنه بالقربة قد استحق الثواب، و صار عوضا، فيكون من قبيل الهبة المعوضة التي قد تقدم أنه لا يجوز الرجوع فيها و هو جيد، و الله العالم.
السادسة- التصرف [و الأقوال فيه]
، و قد اختلف الأصحاب (رحمهم الله) في أن تصرف المتهب إذا لم يكن داخلا في أحد الصور المتقدم ذكرها هل يوجب لزوم الهبة و يمنع رجوع المالك فيها أم لا؟ على أقوال: أحدها- عدم تأثير التصرف مطلقا في لزومها، سواء كان تصرفا ناقلا للملك مانعا من الرد كالاستيلاد، أو مغيرا للعين
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 153 ح 2، الوسائل ج 13 ص 342 ح 1.
335
كطحن الحنطة و نحوها، بل للواهب فسخها كما لو كانت قبل التصرف، و هو مذهب المحقق في كتابيه، و اليه ذهب سلار و أبو الصلاح و هو ظاهر ابن الجنيد.
و ثانيها- أنها تلزم بالتصرف مطلقا، و اليه ذهب الشيخان، و ابن البراج، و ابن إدريس، و أكثر المتأخرين كالعلامة و الشهيد في اللمعة و غيرهما.
و ثالثها- التفصيل في ذلك، بأنه ان كان التصرف موجبا لخروجها عن ملكه أو مغيرا لصورتها كقصارة الثوب و نجارة الخشب أو كان التصرف بالوطء، فإنها تكون لازمة، و ان كان التصرف بدون ذلك كركوب الدابة و سكنى الدار و حلب اللبن و نحوها، فإنها غير لازمة، و هذا القول مذهب ابن حمزة و الشهيد في الدروس و جماعة من المتأخرين، و زاد ابن حمزة فقال: لا يقدح الرهن و الكتابة، و هو يشمل بإطلاقه ما لو عاد الى ملك الواهب أو لم يعد.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن مما يدل على القول الأول ظاهر الخبر الأول (1) و هو صحيح، و التقريب فيه أنه (عليه السلام) جوز الرجوع إذا كانت الهبة قائمة بعينها، و الا فليس له، و قيام العين الذي هو عبارة عن بقائها شامل لحالتي التصرف و عدمه، و كذا ظاهر الخبر السابع (2) لقوله (عليه السلام) بعد ذكر ما يدل على عدم الرجوع بالنسبة إلى ذي القرابة و الذي يثاب، «و يرجع في غير ذلك ان شاء»، و أجاب في المختلف عن هذين الخبرين حيث احتج بهما لأصحاب القول الأول مقتصرا عليهما بالحمل على ما إذا لم يوجد التصرف، و فيه أن الحمل على خلاف الظاهر- كتخصيص العام و تقييد المطلق- يتوقف على وجود المعارض ليجمع بينهما بذلك، و هو لم يذكر هنا ما يوجب المعارضة على هذا الوجه الا بعض الوجود الضعيفة، كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، ثم ان مما يستدل به لهذا القول الأخبار المتقدمة ذكرها في صدر هذا الموضع، فإنها متفقة على جواز
____________
(1) ص 300.
(2) ص 301.
336
الرجوع بعد القبض مطلقا في بعض، و مع استثناء بعض الصور المتقدمة في بعض، ففي بعضها استثناء ما يعطى لله من نحلة أو هبة أو صدقة، و بعضها استثناء ذي الرحم، و التحقيق في هذا المقام انك إذا نظرت الى الروايات الدالة على جواز الرجوع بعد القبض مطلقا، أو ضممت إليها ما دل من الأخبار على عدم جواز الرجوع في الصور التي قدمناها، ظهر لك أن الواجب تقييد إطلاق تلك الأخبار بهذه الأخبار الواردة في هذه الصور، و بقاء ما عدا هذه الصور على الدخول تحت الإطلاق، فإن العام المخصص و المطلق المقيد حجة فيما بقي بعد التخصيص و التقييد، و لا دليل في هذه الصورة المدعاة هنا حتى يمكن أن يخصص تلك الأخبار به، كما خصصت بغيره من اخبار الصور المتقدمة، و به تظهر قوة القول المذكور.
حجة القول الثاني- وجوه ملتقطة من تضاعيف عبارات أصحاب هذا القول عموم قوله تعالى (1) «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ» و ليس الرجوع تجارة، و لا عن تراض، و هذا مما استدل به في المختلف على ما اختاره من هذا القول.
الثاني- عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (2) خرج منه ما دل الدليل على جوازه، فيبقى الباقي على أصله.
الثالث-
رواية إبراهيم بن عبد الحميد (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: «أنت بالخيار في الهبة ما دامت في يدك، فإذا خرجت الى صاحبها فليس لك أن ترجع فيها» و قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): «من رجع في هبته فهو كالراجع في قيئه».
خرج من ذلك ما أخرجه الدليل، و بقي الباقي على أصله، و هذا الوجه مما استدل به في المختلف أيضا.
____________
(1) سورة النساء- الاية 29.
(2) سورة المائدة- الاية 1.
(3) التهذيب ج 9 ص 158 ح 653، الوسائل ج 13 ص 343 ح 4.
337
الرابع- جواز الرجوع يقتضي تسلط الواهب على ملك المتهب، و هو خلاف الأصل
لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «الناس مسلطون على أموالهم».
فيقتصر فيه على موضع الدليل.
الخامس- قال الشيخ و روى الأصحاب أن المتهب متى تصرف في الهبة فلا رجوع فيها، و هو يدل على وجود روايات بذلك.
السادس- أن المتهب قد ملك بالعقد و الإقباض، فظهر أثر المتهب بالتصرف، فقوى وجود السبب فكان تاما، و إلا لم يتحقق أثره، فلا يتحقق النقل إلا بسبب طار، و الرجوع ليس سببا هنا، و إلا لكان سببا في غيره، و هذا الوجه مما ذكره في المختلف، و هو أول أدلته.
السابع- أن جواز الرجوع يقتضي الضرر و الإضرار بالمتهب على تقدير بنائه و غرسه و طول مدته، و هما منفيان شرعا.
الثامن- ان الموهوب قد صار ملكا للمتهب بعقد الهبة فلا يعود الى ملك الواهب إلا بعقد جديد أو ما هو في حكمه.
التاسع- أنه إجماع، لأن المخالف معروف بالاسم و النسب فلا يقدح.
العاشر- اخبار القيء، و هي متعددة، هذه جملة أدلتهم على القول الثاني، و سنبين ان شاء الله تعالى ما فيها من القصور، لكن قبل الشروع في ذلك لا بد من تمهيد كلام في المقام يكون كالوجه الجهلى لرد ما ذكروه هؤلاء الأعلام، ثم نعطف الكلام على بيان ما في هذه الوجوه السقام، فنقول قد عرفت مما ذكرناه في صدر هذا الموضع ان المشهور في كلامهم من غير خلاف يعرف، بل ادعى عليه الإجماع، أنه يجوز الرجوع بعد القبض إلا في مواضع مخصوصة، و قد دلت جملة من الأخبار الصحاح الصراح على ذلك، و أما ما عارضها من الأخبار الدالة على العدم فمع قصورها عن المعارضة لتلك الأخبار، فإنه لا قائل بها من الأصحاب،
____________
(1) البحار ج 2 ص 272 الطبع الحديث ح 7.
338
و حملوها على الكراهة المغلظة جمعا بين الأخبار و حينئذ فالواجب هو الوقوف على هذه الأخبار المذكورة الصحيحة الصريحة المعتضدة بعمل الأصحاب و اتفاقهم على القول بها حتى يقوم دليل على ما يوجب الخروج عن إطلاقها و عمومها.
نعم قام الدليل بالنسبة إلى الصور التي قدمناها، فذيلناه بالأخبار الدالة على ذلك فوجب استثنائها، و اما فيما نحن فيه فليس إلا هذه الوجوه التي لفقوها، و هي أوهن من بيت العنكبوت، و انها لأوهن البيوت.
أما الأول ففيه أن الرجوع ليس أكل مال بالباطل، لأنا إنما جوزنا الرجوع بتلك الأخبار الصحيحة الصريحة في جواز الرجوع بعد القبض، فإنها صحيحة صريحة في الرجوع.
نعم قام الدليل من خارج على عدم جواز الرجوع في بعض الموارد، فخصصنا به تلك الأخبار، فبقيت فيما عداه على إطلاقها، بل أكل المال بالباطل إنما يلزم القائل باللزوم، و عدم جواز الرجوع، فإنه متى دلت الأخبار على جواز الرجوع و يرجع الواهب، و لم يدفع إليه بناء على دعوى لزوم الهبة بالتصرف، فان اللازم من ذلك أكل المتهب لها بالباطل، لمخالفته مقتضى النصوص المذكورة الدالة على استحقاق الواهب لها بعد رجوعه منها.
و أما الثاني ففيه أن العقود منها الصحيح، و منها الفاسد، و منها الجائز و منها اللازم، و قد حققنا سابقا أنه لا يجوز العمل بالآية على ظاهرها لما عرفت، بل الواجب حملها على العقود اللازمة، و ما نحن فيه ليس بلازم، لدلالة النصوص الصحيحة و اتفاقهم على جواز الرجوع بعد القبض أعم من أن يكون قد تصرف أو لم يتصرف و دعوى كون العقد لازما هنا بالتصرف مصادرة، لانه عين المتنازع.
و أما الثالث فمع قطع النظر عن ضعف السند الذي يوجب طرحه باصطلاحهم فضلا عن أن يصلح للمعارضة، فإنك قد عرفت أن هذا الخبر و ما في معناه من الأخبار الدالة على عدم الرجوع بعد القبض قد حملها الأصحاب على الكراهة،
339
تفاديا من طرحها، حيث انه لا قائل بها، فكيف يستدلون بها هنا، و هم انما يدعون اللزوم هنا من حيث التصرف، و الرواية و ما في معناها إنما دلت على اللزوم و عدم جواز الرجوع بمجرد القبض، و ليس فيها تعرض للتصرف بوجه، فما تدل عليه الرواية لا يقولون به، و ما يقولون لا تدل عليه فكيف يتم الاستدلال بها و الحال كما ترى.
و أما الرابع ففيه أن جواز الرجوع مما اقتضته الصحاح المتقدم ذكرها و المتهب انما ملكه ملكا متزلزلا مراعى بعدم الفسخ من الواهب، فان مجرد القبض لا يقتضي لزوم الهبة، كما عرفت، بل هي جائزة لا تلزم إلا بأحد الأسباب الموجبة للزومها، و ليس هذا منها، و دعوى ان التصرف من جملتها مصادرة، و متى فسخ الواهب و رجع فإنما رجع في ماله، و تسلط على ماله، لا مال المتهب، و حينئذ فالاستدلال بالخبر عليهم، لا لهم.
و اما الخامس ففيه أن الاستدلال بمجرد هذا الكلام مجازفة محضة سيما على مذاقهم و اصطلاحهم، و مناقشتهم في الأخبار المروية في الأصول، فكيف يعتمدون هنا على مجرد هذا الكلام، مع أن كتب الأخبار خالية من ذلك و أصحاب هذا القول بعد الفحص و المناقشة في تحصيل دليل لهم من الأخبار لم يعثروا، إلا على رواية إبراهيم بن عبد الحميد المذكورة، و أوردوا و استدلوا بها، و قد عرفت ما فيها سندا و دلالة.
و أما السادس و هو أقوى أدلته في المختلف، و لهذا قدمه و بالغ في الذب عنه، ففيه ما ذكره في المسالك من أنه ان أراد بالملك بعد العقد و الإقباض هو الملك على جهة اللزوم، فهو عين النزاع و محل البحث، و هل هو إلا مصادرة، و ان أراد تحقق الملك المطلق أعم من اللازم و الجائز و ترتب أثر هذا المطلق فهو غير نافع لأن العقد الجائز لا يرفع جوازه التصرف فيه على هذا الوجه، كما يظهر ذلك في تصرف أحد المتبايعين مع وجود الخيار للآخر، و كما في التصرف غير المغير للعين
340
و لا الناقل للملك في الهبة عند بعض الأصحاب، و حينئذ فالظاهر من أثر الملك إنما هو أثر الملك اللازم الحاصل و هو الحائز رفعه على ما يدعيه الخصم، و دلت عليه الأخبار الصحيحة، و ذلك لا يوجب قوة السبب و لا تماميته، و لا ينافي كونه سببا، و دعوى كون الرجوع ليس سببا هنا عين المتنازع، فان الخصم يجعله سببا تاما في رفع ملك المتهب، و إثبات ملك الواهب بواسطة جواز العقد الذي قد استفيد من النصوص، انتهى، و هو جيد رشيق.
و أما السابع فضعفه أظهر من أن يخفى، إذ لا خلاف كما عرفت و لا إشكال في كون العقد بعد القبض جائزا متزلزلا، للواهب فسخه و الرجوع فيما وهبه متى أراد، كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المعتضدة بفتوى الأصحاب و اتفاقهم، و حينئذ فتصرف المتهب على هذا الوجه اقدام منه على الضرر، و رضا به، لتصرفه في ملك غير مستقر و لا لازم، فادخاله الضرر على نفسه لا يكون حجة على غيره، و لا يدخل تحت خبر الضرار، كما هو ظاهر لذوي الأبصار و الأفكار.
و أما الثامن فهو كسابقه في الضعف، لما تقدم في جواب الوجه السادس، و هو أنه ان أراد بالملك هو الملك اللازم فهو أول المسئلة و محل البحث، و ان أراد الأعم لم ينفعه، و لم يضر الخصم، و أما قوله فلا يعود الى ملك الواهب إلا بعقد جديد و ما في حكمه، ففيه بعد الإغماض عن المناقشة فيه بأن ذلك إنما هو في الملك اللازم الذي ليس لصاحبه الرجوع فيه، على أنا نقول ان الفسخ هنا في حكم العقد، حيث انه ناقل للملك من المتهب الى الواهب، كما هو ظاهر.
و أما التاسع فهو أشد ضعفا من هذه الوجوه المذكورة، و كيف يدعى الإجماع في موضع هذا الخلاف المنتشر بين عظماء الطائفة، و المعركة العظمى و المناقشات الزائدة كما عرفت، و ستعرف، و نحن في شك و اشكال من حجية الإجماع في موضع لم يظهر فيه الخلاف، فكيف بهذا الموضع الذي قد عرفت اتساع دائرة الخلاف فيه، و ما هذه الدعوى عند ذوي الإنصاف إلا من قبيل الهذيانات
341
و التخيلات الموجبة لارتكاب جادة الاعتساب.
و أما العاشر فان فيه أن ما دل عليه ظاهر هذه الأخبار من تحريم الرجوع في الهبة و أنه كالرجوع في القيء الذي لا خلاف في تحريمه لا قائل به على إطلاقه مع دلالة الأخبار الصحاح الصراح المتقدم ذكرها على جواز الرجوع في الهبة بعد القبض، ما لم يعرض لها ما يوجب لزومها في تلك الصور المتقدمة.
و حينئذ فالواجب إما حمل هذه الأخبار على الكراهة المؤكدة كما ذكره الأصحاب، أو العمل بظاهرها و تخصيصها بالصورة التي تلزم فيها الهبة، و يحرم الرجوع بها، و أما العمل بظاهرها فهو غير مستقيم كما هو ظاهر لذوي الفهم القويم.
حجة القول بالتفصيل:- بأنه ان كان التصرف موجبا لخروجها عن ملكه، أو مغيرا للصورة كقصارة الثوب و طحن الحنطة و نجر الخشب و كذا الوطي فهي لازمة، و ان لم يكن كذلك كركوب الدابة و لبس الثوب و سكنى الدار فهي جائزة يجوز الرجوع فيها- الخبر الأول (1) الدال على أنه إذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أن يرجع فيها، و إلا فليس له الرجوع، و التقريب فيه أنه مع تغير العين بطحن الحنطة و تقطيع الثوب و نجر الخشب و نحو ذلك، لا يصدق بقاء العين لأن المتبادر منه بقاؤها على حالها و أوصافها التي قبضها المتهب عليها، لا أصل الذات و مع خروجها عن ملكه لا يصدق بقاؤها عرفا، لأن ذلك منزل منزلة التلف، فضلا عن أصل الخروج عن الوصف، و على هذا فتكون هذه الرواية مخصصة أو مقيدة لتلك الأخبار الصحاح المقدم ذكرها، كما قيدوها بتلك الصور المتقدمة و اعترض على ذلك في المسالك بأن الخبر المذكور لا يخلو من الإشكال في السند و الدلالة، أما السند فلعدم كونها من الصحيح ممن يعتبر عدالة الراوي بالمعنى المشهور، يشكل عليه العمل بها.
و أما الدلالة فتظهر في صورة نقلها عن الملك مع قيام عينها بحالها، فان اقامة
____________
(1) ص 300.
342
النقل مقام تغير العين أو زوالها لا يخلو من تحكم أو تكلف، بل قد يدعى قيام العين ببقاء الذات مع تغير كثير من الأوصاف، فضلا عن تغيير يسير، قال: و أيضا فأصحاب هذا القول ألحقوا الوطي مطلقا بالتغيير، مع صدق بقاء العين بحالها، اللهم الا أن يدعى في الوطي عدم بقاء عينه عرفا و ليس بواضح، أو يخص بما لو صارت أم ولد، فإنها ينزل منزلة التالفة من حيث امتناع نقلها عن ملك الواطئ و على كل حال فتقييد تلك الأخبار الكثيرة الصحيحة الواضحة الدلالة بمثل هذا الخبر الواحد البعيد الدلالة في كثير من مدعيات تفصيله لا يخلو من اشكال، الا أنه أقرب من القول المشهور باللزوم مطلقا، انتهى.
أقول- و بالله التوفيق الى سواء الطريق-: انه لا يخفى أن الطعن في الخبر المذكور بالسند غير مرضي و لا معتمد، و لو على تقدير هذا الاصطلاح المحدث، فإن جملة منهم قد عدوه في الصحيح، حيث ان حسنه انما هو بإبراهيم بن هاشم الذي قد تلقوا أحاديثه بالقبول، و ان عدوه في الحسن، فالمناقشة في السند ضعيفة واهية.
و أما في المتن فالتحقيق أن يقال: ان الخبر المذكور و ان لم ينهض بالدلالة على ما ذكره القائل بالتفصيل في جميع ما أورده، و ادعى اللزوم بسببه، الا انه ظاهر في البعض، لانه من جملة ما عده من التصرف الموجب للزوم تقطيع الثوب، و نجر الخشب، و طحن الحنطة، و من الظاهر أن التصرف بهذه الأنحاء و نحوها لا يصدق معها قيام الهبة بعينها، لما عرفت آنفا، ففي هذه الحال لا يبعد القول باللزوم، و إلحاق ذلك بالتلف، و أما بالنسبة إلى نقلها عن الملك، فالظاهر صدق قيامها بعينها، كما اختاره شيخنا المتقدم ذكره، فله حينئذ الرجوع فيها، و ظاهره في الدروس الحاقه بالتلف في اللزوم، و مثل ذلك الوطي أيضا ان أرادوا به مطلق الوطي، و ان خصوه بالاستيلاد فإشكال، لصدق بقاء العين الموجب للرجوع، و حصول الاستيلاد المانع من النقل من ملك الواطئ.
343
و بالجملة فالذي يظهر لي من الخبر المذكور هو إلحاق التصرف الموجب لزوال الصورة على النحو المتقدم بالتلف، و أما ما عداه فلا، إلا في الاستيلاد، فإنه محل توقف، و على تقدير القول باللزوم بالتصرف الناقل للملك، ففي تنزيل موت المتهب و انتقال الهبة إلى الورثة منزلة التصرف الناقل قولان: أحدهما- العدم، فيجوز الرجوع، لأن هذا الانتقال لم يحصل بتصرفه و نقله، و التصرف الذي هو الموجب للزوم عندهم غير حاصل، فيبقى كغيره على الجواز الموجب لجواز الرجوع، لدخوله تحت الأدلة المجوزة للرجوع.
و قيل: إنه منزل منزلته، لأن انتقاله عنه بالموت بفعل الله تعالى أقوى من نقله بفعل المتهب، و هو خيرة الشهيد في الدروس، و شرح الإرشاد، و قواه في الروضة.
و أنت خبير بأن مستند هذا القول أعنى بالتفصيل انما هو الخبر المتقدم كما عرفت، و هو قد تضمن جواز الرجوع إذا كانت الهبة قائمة بعينها، و إلا فلا، و هو أعم من أن يكون عدم قيامها بعينها الموجب لعدم الرجوع مستندا الى فعل الله سبحانه، أو فعل المتهب.
لكن يبقى الإشكال في أنه هل يصدق عدم قيامها بعينها على صورة الانتقال، أم لا؟ و قد عرفت مما قدمنا نقله عن المسالك منع ذلك، حيث نسبه الى التحكم و هو القول بغير دليل، أو التكلف، فيجوز الرجوع لصدق قيامها بعينها، و كلامه في الروضة ظاهر في موافقته للشهيد، فما اختاره مؤذن بصدق ذلك، و أنه مع الانتقال يصدق عدم قيامها بعينها، و هو خلاف ما ذكره في المسالك، كما لا يخفى اللهم إلا ان يكون كلامه في الروضة مبنيا على المماشاة و التنزيل، بناء على القول بذلك، بمعنى أنا لو قلنا: بأن نقل المتهب الهبة إلى غيره موجب للزوم، فهل يكون موت المتهب الموجب لنقل (الله سبحانه) لها كذلك أم لا؟ و حينئذ فيندفع عنه الإيراد، و الله العالم.
344
المقام الثاني في جملة من أحكامها زيادة على ما سبق:
و فيه مسائل
[المسألة] الأولى: إذا وهب و أقبض ثم باع الهبة من آخر
فان كانت لازمة كما في الصورة المتقدمة، فإن المبيع غير منعقد و لا صحيح، لكونه تصرفا في ملك الغير بغير إذنه، إلا أن يكون من باب البيع الفضولي على القول به، فيتوقف على اجازة المتهب ان قلنا بصحته، و إلا فلا، و ان كانت الهبة جائزة يجوز الرجوع فيها، فهل يصح و يقوم مقام الرجوع فيها، فيكون بيعا و رجوعا أم لا؟
بل لا بد من الرجوع أولا ثم البيع، قولان. نقل ثانيهما عن الشيخ (رحمة الله عليه) في المبسوط، و هو اختيار المحقق في الشرائع، و بالأول صرح العلامة في الإرشاد و القواعد.
احتج القائل بالعدم بأن الهبة قد انتقلت الى ملك المتهب بالعقد، و ان كان انتقالا متزلزلا قابلا للزوال بالفسخ، فبيعه قبل الفسخ وقع في ملك الغير، لأنه باع ما لا يملكه.
احتج القائل بالصحة بأن الأصل صحة البيع، و هو متضمن للرجوع، و المسئلة خالية من النص، إلا أن الأقرب بالنسبة إلى تعليلاتهم هو القول بالصحة و قول ذلك القائل أنه لا بد من الفسخ أولا و إلا لكان بيعا لما لا يملكه مردود، بأنه لا ريب أن ارادة البيع و قصده قبل وقوع العقد ظاهر في إرادة الفسخ و يكون وقوع العقد كاشفا عن ذلك القصد، فهو بيع بالنظر الى كشفه عن القصد و الإرادة المتقدمين على العقد، فيكون بيعا متضمنا للفسخ، و أي مانع من ذلك، و الى هذا القول مال في المسالك، و هو من حيث الاعتبار قوي، و ان كان من حيث عدم وجود النص في المسئلة لا يخلو من توقف، و لو كانت الهبة فاسدة صح البيع إجماعا، كما ادعاه في القواعد، و هو مما لا اشكال فيه مع علمه بالفساد.
أما مع جهله و كون العقد عنده على الظاهر الصحة و ان كان في نفس
345
الأمر فاسدا فإشكال، و وجه الصحة في الجميع على ما قالوا هو كونه عقدا من مالك جائز التصرف، فيكون صحيحا.
و وجه العدم على تقدير جهله بالفساد أنه لم يقصد نقله عن ملكه لبنائه من حيث جهله بالفساد على أنه ملك لغيره فيكون إنما باع ملك غيره، و العقود تابعة للقصود، فلا يكون العقد معلوم الصحة، و أجيب عنه بأن إيقاع العقد باللفظ الصريح كاف في الدلالة على القصد اليه شرعا، كما في نظائره من العقود، إذ لا يشترط في صحته العلم بكونه قاصدا الى ذلك اللفظ، حيث يكون شرعيا بل يحمل إطلاق لفظه- حيث يتجرد عن قرائن عدم القصد- على كونه قاصدا.
أقول: و الظاهر عندي أنه لا ضرورة الى هذه التكلفات المذكورة، و التعليلات المسطورة، بل الأقرب أن يجعل الكلام هنا على تقدير الجهل بفساد الهبة، و انها بحسب الظاهر صحيحة كالكلام في سائر هذه المسئلة و هو صحة الهبة، و لا فرق بينهما إلا بأن الهبة في الأولى صحيحة ظاهرا و واقعا، و في الثانية صحيحة ظاهرا لا واقعا، و حينئذ فإذا كان الكلام هنا كالكلام ثمة، و قد عرفت ثمة أن الأقرب هو الحكم بصحة البيع، و كونه بيعا صحيحا، فأولى بالصحة هنا، حيث انه لا إشكال في صحة البيع مع العلم بالفساد و مع الجهل بالفساد، حتى حكمنا بصحة البيع بناء على صحة الهبة ظاهرا، و ان كانت فاسدة واقعا تتأكد الصحة بظهور الفساد، لما عرفت من أنه لا إشكال في الصحة مع العلم به فالبيع صحيح على التقديرين.
تتميم [في صحة البيع مع الجهل بفساده]
حيث انهم قد صرحوا بصحة البيع فيما لو كانت الهبة فاسدة في الواقع، و نفس الأمر، و ان كانت صحيحة في الظاهر على ما تقدم من الإشكال في بعض الصور، لما ذكروه من التعليلات التي أشرنا إلى بعضها، صرحوا بأن من قبيل ذلك ما لو باع مال مورثه، و هو يعتقد بقاءه بمعنى أنه يحكم بصحة البيع على تقدير ظهور
346
موت المورث حالة البيع، فإن البائع باع ما هو ملكه لحصول الشرط المعتبر في اللزوم، و صدور البيع من مالك أمره، و وجه البطلان في الموضعين اتحاد المسئلتين، في أنه باع مال غيره بحسب الظاهر، فيصير باطلا، و القائل بالصحة هنا نظر الى وقوع البيع على ملكه واقعا، حيث انه وقت البيع قد انتقل إليه بالإرث، و ان كان بحسب الظاهر أنه مال غيره، لعدم علمه بالوفاة و الانتقال اليه، و اعترض ذلك في المسالك بناء على ما اعترض به في تلك المسئلة مما قدمنا الإشارة إليه، فقال هنا أيضا: و يشكل بما مر من عدم قصده الى البيع اللازم، بل انما قصد بيع غيره، و أقدم على عقد الفضولي، فينبغي أن يعتبر رضاه به مع ظهور الحال خصوصا مع ادعاء عدم القصد الى البيع على تقدير كونه ملكه، و لعل هذا أقوى لدلالة القرائن عليه، فلا أقل من جعله احتمالا مساويا للقصد الى البيع مطلقا، فلا يبقى وثوق بالقصد المعتبر في لزوم البيع، إلا أن يقال: ان المعتبر هو القصد الى بيع لازم و توقفه على اجازة المالك أمر آخر، و الى مثل هذا نظر المصنف و جزم بصحة البيع، و مثله ما لو باع مال غيره فظهر شراء وكيله له، انتهى.
أقول: لا يخفى أن من باع مال غيره بغير اذنه و منه بيع هذا الوارث مال مورثه بناء على حياته فإنه لا يخلو من أن يكون غاصبا أو فضوليا، و على تقدير القول بصحة بيع الفضولي، فإنه عندهم موقوف في لزومه على اجازة المالك، و ان عدمها يبطل، و الإجازة هنا غير ممكنة لظهور موته وقت البيع كما هو المفروض، فيؤل الأمر إلى البطلان على كل من التقديرين، هذا مع تسليم صحة البيع الفضولي و إلا فقد عرفت أن الحق فيه أنه باطل كما مضى تحقيقه في كتاب البيع بما لا مزيد عليه (1) و حينئذ فيبني الأمر في ذلك على أن التصرف الذي يكون بحسب الواقع شرعيا و ان لم يكن بحسب الظاهر كذلك، هل يترتب عليه ما يترتب على الشرعي ظاهرا و واقعا أم لا؟ و بعبارة أخرى موافقة الواقع و ان لم يتعلق به
____________
(1) ج 18 ص 376.
347
قصد و لا ارادة، بل ربما تعلق القصد و الإرادة بغيره، هل يكون كافيا في الصحة أم لا؟ الظاهر من تتبع النصوص ذلك، سواء كان في العبادات أو المعاملات، و منه ما ذكره من مثال من باع مال غيره فظهر شراء وكيله له، بمعنى أنه ظهر أن بيعه قد صادف الصحة بحسب الواقع، و ان كان بحسب الظاهر غير صحيح، فإنه لا إشكال في صحته، و لهذا الباب في العبادات- التي لا ريب في أن الأمر فيها من المعاملات أشكل و أصعب- أمثلة كثيرة، و ناقش بعض فضلاء متأخري المتأخرين في الاكتفاء بموافقة الواقع اتفاقا إذا لم يكن مقصودا، و قد تقدم الكلام معه في كتاب الصلاة في مسئلة من صلى في غير الوقت جاهلا (1) و لو تم ما توهمه من أن الاتفاق الخارج لا مدخل له في الأحكام الشرعية على الإطلاق كما زعمه، لما أجزى الصوم آخر يوم من شعبان عن شهر رمضان متى ظهر كونه منه بعد ذلك، و يسقط القضاء عمق أفطر يوما من شهر رمضان لعدم الرؤية في البلاد المتقاربة أو مطلقا على الخلاف في ذلك، و يوجب الحد على من زنى بامرأة ثم ظهر كونها زوجته، و يصح شراء من اشترى شيئا من يد أحد المسلمين ثم ظهر كونه غصبا، و يوجب القضاء و الكفارة على من أفطر يوما من شهر رمضان في الظاهر ثم ظهر كونه من شوال، و يوجب القود أو الدية على من قتل شخصا عدوانا بحسب الظاهر، ثم ظهر كونه ممن له قتله قودا، و يوجب العوض علي من غصب مالا و تصرف فيه ثم ظهر كونه له، الى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع، و اللازم أن يكون كلها باطلة اتفاقا، و ليس ذلك إلا من حيث الاكتفاء بمطابقة الواقع و ان لم يكن مقصودا، و ما نحن فيه من قبيل ذلك، و بذلك يظهر لك أن ما أطال به الكلام شيخنا المتقدم ذكره في المسالك بالنسبة إلى القصد في البيع و عدمه، كله تطويل بغير طائل، و الحق في المقام هو ما حققناه.
ثم ما ادعاه في القواعد من الإجماع على صحة البيع لو كانت الهبة فاسدة كما
____________
(1) ج 6 ص 287.
348
قدمنا نقله عنه قد اعترضه في المسالك، فقال: و اعلم أن العلامة في القواعد ادعى الإجماع على صحة البيع بتقدير ظهور فساد الهبة، و عطف عليه حكم ما لو باع مال مورثه، و الإجماع ممنوع، مع أنه في كتاب البيع من الكتاب المذكور نقل الخلاف فيمن باع مال مورثه فبان موته، و ان استوجه الصحة، انتهى.
أقول: من الجائز الممكن حصول الإجماع في مسئلة بيع ما ظهر فساد هبته مع الخلاف في المسئلة المعطوفة عليها، بأن يكون عطفه عليها بناء على ما يختاره فيها، لا بمعنى أنها مجمع عليها مثل الأولى، و المسئلة الأولى لم يظهر فيها منازع سواه (قدس سره) فيما أعلم، و هو لا ينافي دعوى الإجماع قبله، فإنه مع مناقشته بما قدمنا ذكره عنه لم يذكر مخالفا سواه، و لم يشر الى خلاف في المسئلة بالكلية كما هي عادته غالبا.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنهم قد ألحقوا بالمسئلة المتقدمة فرعا آخر أيضا، و هو أنه لو أوصى برقبة معتقة و ظهر فساد العتق، فإن الوصية تكون صحيحة، لمصادفتها للملك بحسب الواقع من حيث فساد العتق، و ان كانت باطلة بالنظر الى الظاهر من حيث العتق الموجب للخروج عن الملك، فالوصية لم تصادف الملك بحسب الظاهر، فتبطل، إلا أنه لما كان المدار انما هو على مصادفة الواقع، و الحال أنه لا عتق في الواقع كانت صحيحة.
قال في المسالك بعد ذكر نحو ما ذكرناه من الحكم بالصحة و بيان الوجه في ذلك: و يشكل بما مر، و يزيد هنا أنه على تقدير كونه معتقا ظاهرا و لم يتبين له حال الوصية فساد العتق أنه لا يكون قاصدا إلى الوصية الشرعية، بل بمنزلة الهاذل و العابث بالنظر الى ظاهر حاله، فلا ينفعه ظهور ملكه بعد ذلك في نفس الأمر، بخلاف من باع غيره فإنه قاصد إلى بيع صحيح شرعي، غايته أنه جائز من قبل المالك، لكنه لازم من قبل المشتري فهو عقد شرعي مقصود اليه، و ان لم يقصد الى لزومه مطلقا، بخلاف الوصية بالعتق ظاهرا، فإنها بحسب الظاهر باطلة
349
و لا يتوجه قصده الى وصية شرعية أصلا، لعدم علمه بها، فالقول هنا بتوقفها على تجديد لفظ يدل على إمضائها متعين، و هو في الحقيقة في قوة وصية جديدة، إذ لا تنحصر في لفظ مخصوص، بل كل لفظ يدل عليها كما سيأتي كاف و هذا منه، انتهى.
أقول: لا ريب انه بالنظر الى الظاهر فالأمر كما ذكره من أنه بحسب الظاهر حيث لم يتبين له فساد العتق، ثم لو وصى و الحال هذه، فإنه في معنى الهاذل أو العابث، و لكن بالنظر الى الواقع حيث ان العتق فاسد في نفس الأمر و انه مالك فإنه لا مانع من الصحة، لما قدمنا ذكره من أن مطابقة الواقع و ان لم يتعلق به قصد بل ربما تعلق القصد بغيره كما عرفت من الأمثلة المتقدمة كاف في الصحة.
و ما ذكره في الفرق بين بيع المذكور في الصورة الأولى و الوصية من أنه في البيع قاصد الى بيع صحيح الى آخره، ففيه أن جميع ما وصفه به و نوه به، كله مراعى بإجازة المالك، و أنه مع عدمها يكون العقد باطلا بلا خلاف، و العقد المزبور قد وقع بعد موت المالك واقعا كما تقدم، فالإجازة فيه متعذرة، فتحتم أن يكون باطلا، نعم لما اتفق واقعا كونه ملكا للبائع صح العقد بالنظر الى ذلك.
و بالجملة فإن هذا العقد بالنظر الى ظاهر الأمر و تصرف الوارث في مال مورثة بالبيع بناء على حياته قد ظهر كونه باطلا بعدم لحوق الإجازة له، لكن لما اتفق انتقال ذلك الى الوارث واقعا و صار ملكا له و ان لم يعلم به فقد صادف العقد ما يوجب صحته، و ان كان غير مقصود بل المقصود غيره كما عرفت في الصور المتقدمة، و بعين هذا يقال في الوصية: فإنه لما أوصى بشيء لا يملكه ظاهرا، فإنها بحسب الظاهر باطلة لكن لما صادف في الواقع ما يوجب الصحة، و هو ملكه للعبد لبطلان العتق حكم بصحتها بالتقريب المتقدم في أمثالها.
و بالجملة فالظاهر هو القول المشهور، و مناقشاته (قدس سره) في جميع هذه المواضع لا تخلو من القصور، و الله العالم.
350
المسئلة الثانية [حكم ما لو تراخى القبض عن العقد ثم أقبض]:
قد صرحوا بأنه إذا تراخى القبض عن العقد ثم أقبض حكم بانتقال الملك من حين القبض لا من حين العقد، و ليس كذلك الوصية، فإنه يحكم بانتقالها بالموت مع القبول، و ان تأخر القبض.
أقول: قد تقدم ذكر الخلاف سابقا في أن القبض هل هو شرط في اللزوم أو الصحة، و أن المشهور بين المتأخرين هو الثاني، و الظاهر أن هذا الكلام مبني على هذا القول، فان مقتضاه أن الملك لا يحصل إلا بعد القبض، لكون العقد قبل القبض غير صحيح، فلا يوجب الملك و أما على مذهب من قال: انه شرط في اللزوم فان العقد قبل القبض عنده صحيح ناقل للملك، إلا أنه لا يلزم إلا بالقبض، إلا أن هذا القول كما تقدم ذكره، لا يخلو من الاشكال لما عرفت ثمة.
و بالجملة على تقدير القول بشرطيته في الصحة، إنما يحصل الانتقال الى ملك المتهب بالقبض، فيكون القبض ناقلا الملك لا كاشفا عن انتقاله بالعقد، كما هو مقتضى القول باللزوم، و تظهر الفائدة في مواضع، منها النماء المتخلل بين العقد و القبض، و أما الوصية فإنها تنتقل الى الموصى إليه بالقبول، و موت الموصي و لا يشترط فيها القبض كما سيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى، و هذا هو الموافق لقواعد العقود، الا أن الهبة خرجت عندهم بدليل خاص كما تقدم.
هذا و المفهوم من كلام بعضهم هو جواز تراخى القبض عن العقد، و الوجه فيه أصالة عدم الفورية لعدم الدليل عليها، و في القواعد استشكل في صورة تراخيه.
قال في المسالك: و الاشكال مبني على القول بأن القبض شرط لصحة الهبة، لا للزومها، فيكون جزء من السبب المصحح لها كالقبول، و اعتبرت فوريته كما اعتبرت فورية القبول، و فيه أن الجزئية لا تقتضي الفورية أيضا، إذ لا امتناع في تراخي بعض أجزاء السبب عن بعض، و اعتبار الفورية في القبول جاء من دليل من خارج عند من اعتبرها، نظرا منه الى أن جواب الإيجاب يعتبر فيه ما يعد معه
351
جوابا، و مع ذلك ففيه ما فيه كما لا يخفى، انتهى.
المسئلة الثالثة [في قبول قول منكر الإقباض و إن أقر بالهبة]:
لو أقر بالهبة و أنكر الإقباض كان القول قوله، لأنه منكر و الأصل عدم الإقباض، فإن ادعى عليه من أقر له بالهبة الإقباض، لزمته اليمين في إنكاره الإقباض، و انما كانت اليمين لازمة له في هذه الصورة دون الأولى، بل يقبل قوله هناك بغير يمين، لأن اليمين انما تكون لإنكار ما يدعيه المدعي، فإذا لم يدع عليه الإقباض لا وجه للزوم اليمين عليه، و ان صدق أنه منكر قبل الدعوى المذكورة، إذ ليس كل منكر يلزمه اليمين على الإطلاق، بل لا بد من انضمام دعوى ما أنكره المنكر، و هو مما لا خلاف فيه، و لا شبهة يعتريه، و لو أقر بالهبة و التمليك فقال: و هبته و ملكته و لكن أنكر القبض فالإشكال، ينشأ من بناء الكلام هنا على ما تقدم من الخلاف في أن القبض هل شرط لصحة الهبة، فلا يحصل الملك بدونه، أم شرط للزومها فيحصل بدونه، و ان كان ملكا متزلزلا يجوز رفعه بالفسخ، و بيان ذلك أن الهبة تحصل بمجرد الإيجاب و القبول. و القبض أمر خارج عن ماهيتها، و انما اعتبر في صحتها أو لزومها، فإقراره بالهبة و قوله و هبته لا يدل على أزيد من وقوع وقوع الهبة بالإيجاب و القبول، و أما القبض فلا دلالة له عليه و قوله ثانيا و ملكته فان قلنا بأن القبض شرط في الصحة فمقتضى هذا الإقرار أنه أقبضه، لأن الملك على هذا القول لا يحصل إلا بالإقباض، فيحكم عليه بالإقباض حيث يقول و ملكته، فلا معنى لإنكاره الإقباض حينئذ، هذا ان كان المقر ممن يرى هذا القول اجتهادا أو تقليدا، أو ان كان ممن يرى أن القبض شرط في اللزوم، و أن الملك يحصل بغير القبض، فيجوز أن يكون إقراره إخبارا عن رأيه و معتقده، فلا يدل على الإقباض، و ذيل الكلام في المقام واسع، من أراد الوقوف عليه فليرجع الى مطولات الأصحاب (رضوان الله عليهم) إلا أنه لما كانت المسئلة خالية عن النصوص، فتطويل الكلام فيها بنحو هذه التعليلات تطويل بغير طائل و الله العالم.
352
المسئلة الرابعة [حكم ما لو رجع الواهب في الهبة]
قالوا: إذا رجع الواهب في الهبة حيث يجوز له الرجوع فان وجدها بحالها لم تتغير، فلا اشكال، و ان وجدها متغيرة معيبة لم يرجع بالأرش لأنه حدث في عين مملوكة للمتهب و قد سلطه مالكها على إتلافها مجانا فلا يكون مضمونة عليه، سواء كان العيب بفعله أم لا، و ان وجدها زائدة زيادة متصلة كالسمن و التعلم فهي للواهب، لأنها تابعة للعين، بل داخلة في مسماها أو جزء لها لغة و عرفا، فالرجوع في العين يستتبعها، و ان وجدها زائدة زيادة منفصلة حسا و شرعا كالولد الناتج و اللبن المحلوب و الثمرة المقطوعة و الكسب فهي للمتهب، لأنها نماء حدث في ملكه، فيختص به و ان كانت الزيادة منفصلة حسا كالحمل المتجدد بعد القبض، و اللبن كذلك قبل أن يحلب و الثمرة قبل قطافها، فكذلك على المشهور، لعين ما تقدم.
قال ابن حمزة: له الرجوع في الأم و الحمل المتجدد، بناء على انه كالجزء من الأم، و مثله الصوف و الشعر المنجز، و لو لم يبلغ أو ان جزه، فان الأشهر تبعيته للعين، هذا كله إذا كانت الزيادة قد حدثت بعد ملك المتهب للعين، و ذلك بعد العقد و القبض، و أما لو حدثت قبله فهي كالموجودة قبل الهبة، فيرجع فيها كما يرجع في العين.
أقول، قد تقدم الكلام في هذه المسئلة.
353
كتاب السبق و الرماية
السبق بسكون الباء مصدر سبق، و في الصحاح مصدر سابق، قال في المسالك:
و كلاهما صحيح، إلا أن الثاني أوفق بالمطلوب هنا، لأن الواقع في معاملته بين كون العمل بين اثنين فصاعدا فباب المفاعلة به أولى، و السبق بالتحريك ما يبذل للسابق عوض سبقه، و يقال له الخطر بالخاء المعجمة و الطاء المهملة المفتوحتين.
قال في كتاب المصباح المنير: «و السبق بفتحتين الخطر»، و هو ما يتراهن عليه المتسابقان، و سبقته بالتشديد، أخذت منه السبق، و سبقته أعطيته إياه، قال الأزهري:
و هذا من الأضداد، انتهى.
قالوا: و فائدته بعث النفس على الاستعداد للقتال و الهداية لممارسة النضال، لكونه من أهم الفوائد الدينية في الجهاد للأعداء الذي هو معظم أركان الإسلام، و بهذه الفائدة خرج عن اللهو و اللعب المنهي عنهما، و عن المعاملة عليهما، و أنا أذكر أولا ما وقفت عليه من الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) في هذا المقام ثم اشفعه بما ذكره علمائنا الأعلام (رفع الله تعالى درجاتهم في دار المقام).
354
[الأخبار في المقام]
الأول- ما رواه
في الكافي عن طلحة بن زيد (1)» عن أبى عبد الله (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أجرى الخيل التي أضمرت من الحفياء الى مسجد بنى زريق و سبقها من ثلاث نخلات فأعطى السابق عذقا و أعطى المصلي عذقا و أعطى الثالث عذقا».
قوله (عليه السلام) «التي أضمرت» إضمار الخيل بعلفها القوت بعد السمن يقال:
ضمر البعير ضمورا- من باب قعد-: دق و قل لحمه، قيل- و الضمار بالكسر-:
الموضع الذي تضمر فيه الخيل، و يكون وقيا للأيام التي تضمر فيها، و تضمر الخيل أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن، ثم لا تعلف إلا القوت لتخف، و ذلك في مدة أربعين يوما و هذه المدة تسمى الضمار، و الموضع الذي تضمر فيه الخيل أيضا يسمى مضمار و قيل: هي أن تشد عليها سروجها و تجلل بالأجلة حتى تعرق تحتها، فيذهب زهلها و يشتد لحمها، و الحفيا بالحاء المهملة ثم الفاء يمد و يقصر، موضع بالمدينة على أميال، و بعضهم يقدم الياء على الفاء كذا في النهاية، و بنوا زريق بتقديم الزاء حي من الأنصار، قوله «و سبقها من ثلاث نخلات» هو ما تقدم بفتحتين، و هو الخطر الذي يقع الراهن عليه، و العذق بفتح العين المهملة و سكون الذال المعجمة النخلة بحملها.
الثاني- ما رواه
في الكافي أيضا عن غياث بن إبراهيم (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) عن أبيه عن علي بن الحسين (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أجرى الخيل و جعل سبقها أواقي من فضة».
و الأواقى بتشديد الياء و تخفيفها جمع أوقية، و هي أربعون درهما، و يقال: أيضا لسبعة مثاقيل.
الثالث- ما رواه
في الفقيه مرسلا (3) قال: «قد سابق رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أسامة بن زيد و أجرى الخيل» فروي أن ناقة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) سبقت، فقال (عليه السلام): انها بغت و قالت: فوقي رسول الله (صلى الله عليه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 48 ح 5، الوسائل ج 13 ص 350 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 49 ح 7، الوسائل ج 13 ص 350 ح 2.
(3) الفقيه ج 4 ص 42 ح 137، الوسائل ج 13 ص 347 ح 6.
355
و آله و سلم) و حق على الله أن لا يبغى شيء على شيء إلا أذله الله، و لو أن جبلا بغى على جبل لهد الله الباغي منهما».
الرابع- ما رواه
في الكافي عن أبى بصير (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: ليس شيء تحضره الملائكة إلا الرهان و ملاعبة الرجل بأهله».
قيل المراد بالشيء الأمر المباح الذي فيه تفريح و لذة، و الرهان المسابقة على الخيل، و نحوها كما يدل عليه الخبر الآتي.
الخامس- ما رواه
في الفقيه مرسلا (2) قال: قال الصادق (عليه السلام) ان الملائكة لتنفر عن الرهان و تلعن صاحبه ما خلا الحافر و الخف و الريش و النصل فإنه يحضره الملائكة و قد سابق رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أسامة بن زيد و أجرى الخيل.
السادس- ما رواه
في التهذيب عن العلاء بن سيابة (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شهادة من لعب بالحمام؟ قال: لا بأس إذا لم يعرف بفسق،.
ثم قال: و بهذا الاسناد قال: سمعته يقول: لا بأس بشهادة الذي يلعب بالحمام، و لا بأس بشهادة صاحب السباق المراهن عليه، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قد أجرى الخيل و سابق، و كان يقول: ان الملائكة تحضر الرهان في الخف و الحافر و الريش و ما عدا ذلك قمار حرام».
السابع- ما رواه
في الفقيه عن العلاء بن سيابة (4) قال: «سألت أبى عبد الله (عليه السلام) عن شهادة من يلعب بالحمام؟ قال: لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق، قلت: فان من قبلنا يقولون قال عمر: هو شيطان، فقال: سبحان الله أما علمت أن رسول الله
____________
(1) الكافي ج 5 ص 49 ح 10.
(2) الفقيه ج 4 ص 42 ح 136.
و هما في الوسائل ج 13 ص 347 ح 6 و 1.
(3) التهذيب ج 6 ص 284 ح 785.
(4) الفقيه ج 3 ص 30 ح 23.
و هما في الوسائل ج 18 ص 305 ح 2 و 3.
356
(صلى الله عليه و آله و سلم) قال: ان الملائكة لتنفر عند الرهان، و تلعن صاحبه ما خلا الحافر و الخف و الريش و النصل فإنها تحضره، و قد سابق رسول الله أسامة بن زيد و أجرى الخيل».
الثامن- ما رواه
في التهذيب عن عبد الله بن عبد الرحمن (1) عن ابى الحسن (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): اركبوا و ارموا و ان ترموا أحب الي من أن تركبوا ثم قال: كل لهو المؤمن باطل، إلا ثلاثة: في تأديبه الفرس، و رميه عن قوسه، و ملاعبته امرأته، فإنهن حق، إلا ان الله تعالى ليدخل بالسهم الواحد الثلاثة الجنة: عامل الخشبة، و المقوي به في سبيل الله، و الرامي به في سبيل الله».
التاسع- ما رواه
في الكافي عن طلحة بن زيد (2) «عن أبي عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) قال: الرمي سهم من سهام الإسلام».
العاشر- ما رواه فيه أيضا
عن حفص بن البختري (3) في الحسن «عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه كان يحضر الرمي و الرهانة».
الحادي عشر- ما رواه فيه أيضا
بهذا الاسناد (4) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه قال: لا سبق إلا في الخف أو حافر أو نصل يعنى النضال».
و المراد بالنضال بالضاد المعجمة المرماة، و السبق يحتمل أن يكون بالتسكين مصدرا فيفيد الخبر المنع من الرهان في غير الثلاثة المذكورة، و يحتمل أن يكون بالتحريك بمعنى الخطر فيفيد الخبر المنع من الأخذ و الإعطاء في غيرها، دون أصل المسابقة.
الثاني عشر- ما رواه
في الكافي عن طلحة بن زيد (5) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «أغار المشركون على سرح المدينة فنادى فيها مناديا يا سوء صباحاه،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 50 ح 13، التهذيب ج 6 ص 175 ح 348. الوسائل ج 14 ص 83 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 49 ح 11. الوسائل ج 13 ص 348 الباب 2 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 50 ح 15. الوسائل ج 13 ص 348 الباب 2 ح 4.
(4) الكافي ج 5 ص 50 ح 14. الوسائل ج 13 ص 348 ح 1.
(5) الكافي ج 5 ص 50 ح 16. الوسائل ج 13 ص 346 ح 2.
357
فسمعها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في الخيل فركب فرسه في طلب العدو و كان أول أصحابه لحقه أبو قتادة على فرس له، و كان تحت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) سرج دفتاه ليف، ليس فيه أشر و لا بطر، فطلب العدو فلم يلق أحدا و تتابعت الخيل، فقال: أبو قتادة يا رسول الله ان العدو قد انصرف، فإن رأيت أن نستبق؟ فقال: نعم فاستبقوا فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) سابقا، ثم أقبل عليهم فقال: أنا ابن العواتك من قريش، انه لهو الجواد البحر، يعنى فرسه».
و المراد بالسرح هو المال السائم، قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «أنا ابن العواتك» هو جمع عاتكة و هي المرأة المجمرة بالطيب، و كان هذا الاسم لثلاث نسوة من أمهاته (صلى الله عليه و آله و سلم) إحداهن عاتكة بنت هلال أم عبد مناف بن قصي، و الثانية عاتكة بنت مرة بن هلال أم هاشم بن عبد مناف، و الثالثة عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال أم وهب أبى آمنة أم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فالأولى من العواتك عمة الثانية، و الثانية عمة الثالثة، قيل: و بنوا سليم كانوا يفتحزون بهذه الولادة، و قيل العواتك في جدات النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) تسع ثلاث من بنى سليم، وهن المذكورات، و البواقي من غيرهم.
الثالث عشر- ما رواه
الحميري في قرب الاسناد عن الحسين بن علوان (1) «عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) سابق بين الخيل و أعطى السوابق من عنده».
الرابع عشر- ما رواه
في الكتاب المذكور عن أبي البختري (2) «عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين (عليهم السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أجرى الخيل و جعل لها سبع أواقي من فضة، و أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أجرى الإبل مقبلة من تبوك فسبقت الغضباء و عليها أسامة، فجعل الناس يقولون:
____________
(1) قرب الاسناد ص 42، الوسائل ج 13 ص 350 ح 3.
(2) قرب الاسناد ص 63، الوسائل ج 13 ص 351 ح 4.
358
سبق رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: سبق أسامة».
هذا ما حضرني من الأخبار.
و الكلام فيما ذكره الأصحاب (رحمة الله عليهم) فهو يقع في موارد:
[المورد] الأول [في لزوم عقد السبق و الرماية و جوازه]:
لا خلاف بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) و غيرهم في ثبوت المسابقة و المراماة و شرعية الجعل عليها.
قال في التذكرة: جواز هذا العقد بالنص و الإجماع، و لا خلاف بين الأمة في جوازه، و ان اختلفوا في تفصيله، و في المسالك: لا خلاف بين جميع المسلمين في شرعية هذا العقد، و فائدته من أهم الفوائد الدينية، لما يحصل بها من غلبة العدو في جهاد أعداء الله تعالى الذي هو أعظم أركان الإسلام.
و انما الخلاف عندهم و عند غيرهم أيضا في لزوم هذا العقد و جوازه، فذهب جماعة منهم ابن إدريس بل الظاهر أنه أولهم و المحقق إلى الأول، و ذهب الشيخ و العلامة في المختلف و غيرهما الى الثاني، و أنه من العقود الجائزة كالجعالة، لا اللازمة كالإجارة احتج الأولون بقوله (1) «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»
و «المؤمنون عند شروطهم» (2).
أجاب في المختلف عن الآية حيث اقتصر على الاستدلال لهم بها، بأنا نقول بالموجب فان الوفاء بالعقد هو العمل بمقتضاه، فان كان لازما كان الوفاء به العمل بمقتضاه على سبيل اللزوم، و ان كان جائزا كان الوفاء به العمل بمقتضاه على سبيل الجواز، قال: أيضا ليس المراد مطلق العقود، و إلا لوجب الوفاء بالوديعة و العارية و غيرهما من العقود الجائزة، و هو باطل بالإجماع، فلم يبق إلا العقود اللازمة، و البحث وقع فيه، انتهى.
و أما حديث المشروط فيمكن الجواب عنه بما تقدم في الجواب عن الآية، من أنه أعم من اللزوم و عدمه، بمعنى أنه مأمور بالوفاء بالشرط، أعم من أن
____________
(1) سورة المائدة- الاية 1.
(2) الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
359
يكون أمرا إيجابيا أو استحبابيا.
نعم يكون لازما إذا وقع في عقد لازم، و أورد على ما أجاب به في المختلف بأن الأمر بالعقود عام في جانب المأمور و المأمور به، فيشمل بعمومه سائر العقود ثم تخصيصه ببعضها، و إخراج العقود الجائزة، يبقى العموم حجة في الباقي، كما هو محقق في الأصول.
و أما قوله ان الوفاء بالعقد العمل بمقتضاه من لزوم و جواز، فهو خلاف الظاهر منه، فان مقتضى الوفاء بالشيء التزامه و العمل بمقتضاه مطلقا، انتهى و هو جيد.
و هكذا يقال: بالنسبة إلى حديث الشرط فإن الأمر بالوفاء بالشرط يقتضي وجوب الوفاء، لأن الأصل في الأمر الوجوب، و اشتراكه من الوجوب و الاستحباب لا يثمر نفعا، فان العمل على ما يقتضيه الأصل حتى يقوم دليل على خلافه قال في المسالك و منشأ هذا الخلاف انها عقد يتضمن عوضا على عمل، و هو مشترك بين الإجارة و الجعالة ثم انها مشتملة على اشتراط العمل في العوض، و كونه معلوما و هو من خواص الإجارة و على جواز إبهام العامل في السبق، و على ما لا يعلم حصوله من العامل، و على جواز بذل الأجنبي، و هو من خواص الجعالة فوقع الاختلاف بسبب ذلك، فعلى القول بأنها جعالة يلحقها أحكامها من الاكتفاء بالإيجاب تكون جائزة، و على القول بالإجارة يفتقر معه الى القبول و تكون لازمة، و يمكن أن يجعل عقدا برأسه، نظرا الى تخلف بعض خواصها عن كل من الأمرين على حديه، كما عرفت، و يقال حينئذ بلزومها لعموم الآية، و هذا أجود، اللهم إلا أن يناقش في أن الجعالة ليست عقدا فلا يتناول الآية لها و لنظائرها، و يرجع الى أصالة عدم اللزوم حيث يقع الشك في كون المسابقة عقدا أم لا؟ انتهى.
أقول: لا يخفى على من راجع الأخبار التي قدمناها و هي أخبار المسئلة التي وردت فيها و ليس غيرها في الباب، أنه لا دلالة في شيء منها على وقوع عقد
360
و لا إيجاب و لا قبول بالكلية، و غاية ما دلت جملة منها على أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أجرى الخيل و سابق و أعطى السابق كذا و كذا، و المفهوم منه هو حل ما يؤخذ من المال على هذه المعاملة و أما كونه على جهة اللزوم و الوجوب فلا، إلا إن يقال: بوجوب الوفاء بالشرط، و أن إعطاء المال لا يلزم أن يكون من المسبوق، فان الظاهر أن إعطاءه (صلى الله عليه و آله و سلم) ذلك ليس من حيث كونه مسبوقا، و انما هو متبرع منه، لمن حصل له مزية السبق.
و ظاهر الأخبار المذكورة بل صريحها أن هذه معاملة برأسها، و هي من قبيل الرهان، الا أنه غير محظور كسائر أفراد الرهان، كما ينادى به الخبر الرابع و الخامس و السادس و السابع و العاشر (1) حيث سمي هذه المعاملة فيها رهانا و أنه رهان حق جائز شرعا، يحل ما أخذ عليه قال في القاموس: و المراهنة و الرهان: المخاطرة و المسابقة على الخيل، انتهى و هو ظاهر في المراد.
و حينئذ فقد اتفقت الأخبار و كلام أهل اللغة على هذه التسمية، و تجعل معاملة برأسها كما في أفراد الرهان إلا أنها حق، و ما يؤخذ عليها حلال، و ما عداها باطل، و ما يؤخذ عليه حرام.
و أما الكلام في لزوم ما يجعل خطرا فالظاهر ذلك، لما عرفت من وجوب الوفاء بالوعد و الوفاء بالشروط، هذا ما يفهم من الأخبار المذكورة، و ما أطالوا به في هذا المقام من الاختلاف في كونها اجارة فيتفرع عليها ما يتفرع على الإجارة أو جعالة فكذلك، كله تطويل بغير طائل، و تحصيل لغير حاصل، كما لا يخفى على من لاحظ الأخبار المذكورة، و انما كلامهم هنا جرى على مجرى بحث العامة في المسئلة، و هذه التفريعات و الاختلافات كلها تبعا لهم، كما عرفته في غير مقام مما سبق، و من رجع الى الأخبار الواردة في المسئلة عرف صحة ما قلناه، و وضوح ما فصلناه، و الله العالم.
____________
(1) ص 355 و 356.
361
المورد الثاني [النص في السبق و الرماية]:
قد صرح الأصحاب (رضي الله عنهم) بأنه يقتصر في جواز المسابقة على النصل و الخف و الحافر وقوفا على مورد الشرع، و أنه يدخل تحت النصل السهم و النشاب و الحراب و السيف، و أن الخف يتناول الإبل و الفيلة اعتبارا باللفظ و أنه لا تجوز المسابقة بالطيور و لا على القدم، و لا بالسفن و لا المصارعة.
أقول: و تحقيق الكلام فيما ذكروه يقع في مقامات
أحدها [في وجوب الاقتصار على مورد النص في السبق و الرماية]
- أن ظاهر قولهم أنه يقتصر على هذه الثلاثة وقوفا على مورد الشرع هو أن هذه المعاملة على خلاف الأصل، بمعنى القواعد الشرعية، لاشتمالها على اللهو و اللعب و القمار في بعض الوجوه، و هذه الأشياء مما نهت منها الشريعة المحمدية، فالأصل أن لا يصح منها إلا ما ورد الشرع بالاذن فيه، و هو كلام حق، إلا أنك قد عرفت أن ما قدمناه من الأخبار قد اشتمل على زيادة الريش و المراد به الحمام، فيجوز المسابقة بها أيضا، و عليه يدل الخبر الخامس و السادس و السابع (1)، فهذه الأخبار الثلاثة كلها دالة على جواز المسابقة بالحمام، و الثلاثة التي خصوا الجواز بها لم ترد إلا في الخبر الحادي عشر (2) خاصة، و العجب هنا من قول شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد قول المصنف أنه لا يجوز المسابقة بالطيور الى آخر ما قدمنا ذكره، وجه المنع من هذه الأمور الحصر المستفاد من الخبر السابق المقتضي لنفي مشروعية ما عدا الثلاثة، و النهي عنه الشامل لهذه الأمور و غيرها، انتهى.
و على هذا النهج كلام غيره و ظاهرهم الاتفاق على الحصر في الثلاثة المذكورة، و أن غيرها غير منصوص في الأخبار، و حملهم على عدم الوقوف على شيء من هذه الأخبار- من الصدر السابق منهم كالشيخ الذي هو أول من صرح بهذا الحكم الى أن وصلت النوبة إلى هؤلاء المتأخرين- لا يخلو من بعد، و أبعد منه أنهم يقفون عليها و لا يقولون بها، و لا يتعرضون للجواب عنها بوجه من الوجوه.
____________
(1) ص 355.
(2) ص 356.
362
و أما ما استدل به من الحصر في الخبر المذكور فيمكن الجمع بينه و بين هذه الأخبار الدالة على جواز المسابقة بها على الحمل على الفرد الضروري منه الذي يعتد به من حيث يحتاج اليه الجهاد، و نحوه، أو يراد باعتبار الغالب، فان الغالب من أفراد المسابقة هو هذه الثلاثة، للعلة المذكورة، و ان جاز السبق في غيرها و الأخبار المذكورة لا يمكن حملها على التقية، ليتم ما ذكروه، فان ظاهر قوله في الحديث السابع قال عمر: هو الشيطان بعد قوله (عليه السلام) لا بأس باللعب بالحمام الظاهر في إرادة المسابقة بها، يشعر بأن العامة تنكر جواز اللعب و المسابقة بها و لهذا استدل (عليه السلام) على رد كلامهم بالخبر الذي نقله عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الصريح في جواز المسابقة بها، و لم أقف لأحد من أصحابنا حتى من متأخري متأخريهم على الجواب عن هذه الأخبار التي ذكرناها، و لا على قول أحد منهم بها.
و بالجملة فالظاهر هو القول بما دلت عليه الأخبار المذكورة و يؤيده ما اشتملت عليه من عدم منافاة ذلك للعدالة و عدم كونه مستوجبا للفسق، فان المراد باللعب بالحمام فيها إما المسابقة، كما هو ظاهر الخبر السابع، أو الأعم، و إذا ثبت أن ذلك لا ينافي العدالة وجب الحكم بجوازه، و أنه لا يكون من قبيل اللعب و اللهو المنهي عنه المخل بالعدالة، و الموجب للفسق اتفاقا، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه، و لا يأتيه الباطل من خلفه و لا من بين يديه، و مما يدل على ما قلنا ما رواه
زيد النرسي (1) في كتابه «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول إياكم و الرهان، إلا رهان الخف و الحافر و الريش فإنه يحضره الملائكة».
و ثانيها [اتحاد السهام و النشاب]
- أن ما ذكر من أنه يدخل تحت النصل الأربعة المعدودة، ففيه أن ظاهر الصحاح هو اتحاد السهام و النشاب، حيث قال: النشاب السهام، و حينئذ فالعطف هنا يصير من قبيل عطف المرادف.
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 516 الباب 3 ح 1.
363
و ظاهر كلام الشيخ أن هذه التسمية بهذين الاسمين مع كون المسمى واحدا إنما هو باعتبار اللغات، فيقال: للنصل نشابة عند العجم، و سهم عند العرب، و حينئذ فيكون العقد دائما هو بهذا الاعتبار، و زاد الشيخ المرازيق قال و هي الرد بنيات و الرماح و السيوف.
قال في المسالك: اعلم أن حصر النصل فيما ذكر هو المعروف لغة و عرفا، فلا يدخل فيه مطلق المحدد كالدبوس و عصى المدافق، إذا جعل في رأسها حديدة و نحو ذلك عملا بالأصل السابق، قال في الصحاح: النصل نصل السهم و السيف و السكين و الرمح، و يحتمل الجواز بالمحدد المذكور، اما بادعاء دخولها في النصل أو لإفادتها فائدة النصل في الحرب، و قد كان بعض مشايخنا المعتمدين يجعل وضع الحديدة في عصى المدافق حيلة على جواز الفعل، نظرا الى دخوله بذلك في النصل، انتهى.
و ثالثها [في مصاديق ما دل عليه النص]
- أنه لا خلاف بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) فيما ذكر من دخول الإبل و الفيلة تحت الخف، و الفرس و البغل و الحمار تحت الحافر، و انما نقل الخلاف عن بعض العامة في الفيل؟ قال: لأنه لم يحصل به الكر و الفر فلا معنى للمسابقة عليها، ورد بعموم الخبر، و كذا نقل الخلاف عن بعضهم في جواز المسابقة على البغل و الحمار، قال: لأنهما لا تقاتل عليهما غالبا، و لا يصلحان للكر و الفر، و رد أيضا بما رد به سابقة.
أقول: لا يخفى أنه بالنظر الى ما قدمنا نقله عنهم، من أن فائدة هذا العقد و تعلم السبق و الرماية هو الممارسة لذلك، لأجل جهاد أعداء الدين، فان قول هذين القائلين من العامة هنا لا يخلو من قرب، فان الجهاد لا يقع على هذه المذكورات لا سابقا و لا لا حقا، و يؤيده أن الإطلاق في الأخبار انما يحمل على الأفراد الشائعة المتكثرة الوقوع، دون الشاذة النادرة الوقوع، فضلا عن غير الواقعة بالكلية، و لهذا ان أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يركب في الحرب بغلة رسول الله
364
(صلى الله عليه و آله و سلم) فعوتب على ذلك، فقال: اني لا أوفر عن من أقبل، و لا أتبع من أدبر، و البغلة يكفني، و هو ظاهر فيما قلناه من أنها لا تصلح للجهاد عليها، و يؤكده أن الأخبار المتقدمة و هي أخبار المسئلة كملا لا يشمل على غير الخيل، و النوق من ذوات الحافر و الخف، و ليس فيها تعرض و لا اشارة لمثل الفيل و البغال و الحمير بالكلية.
و بالجملة فإنه لولا الاتفاق على الحكم المذكور لكان القول بما ذكره هؤلاء قويا، فإن الأخبار إذا ضم مطلقها الى مقيدها علم منه حمل الحافر على الخيل خاصة، و الخف على البعير خاصة، و هكذا القول في البغل أيضا، فإن ما ذكروه من تعدية الحكم الى ما يصدق عليه النصل من تلك المعاني، مع كون الوارد في الأخبار المتقدمة انما هو السهام و النشاب التي ترمى عن القوس بعيد غاية البعد، و يؤيد ما قلناه تفسيره في الخبر الحادي عشر الذي هو مستندهم في الحصر في الثلاثة النصل بالنضال و هي المراماة بالسهام كما تقدم ذكره، و حينئذ فلو قيل بالتخصيص بذلك لكان في غاية الجودة.
و رابعها [في حكم المسابقة بغير المنصوص من دون عوض]
- ما ذكر من أنه لا يجوز المسابقة بغير ما تقدم من الطيور الى آخره.
أقول: أما الكلام في الطيور موضع وفاق عندنا، و فيه تأييد لما قدمنا ذكره من عدم المسابقة على الفيلة و البغال و الحمير، لأنها ليست مما يقع الحرب عليها، كما قدمنا ذكره.
و أما السبق على القدم فقد روى العامة عن عائشة أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) سابقها بالقدم مرتين، سبق في إحديهما و سبق في الأخرى، و رواه ابن الجنيد في كتابه الأحمدي و استدل به على جوازها بغير عوض، حيث لم يذكر العوض،
و رووا عنه (1) (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه صارع ثلاث مرات في كل مرة على
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 517 الباب 4 ح 2 بتفاوت.
365
شاة، فصرع خصمه في الثلاث و أخذ ثلاث شياه،.
و لم يثبت شيء من ذلك في أخبارنا و لم يقل به إلا ابن الجنيد من أصحابنا قالوا و الخبر السابق المتفق عليه يدفعه، و أشاروا به الى الخبر الحادي عشر (1) و هو خبر الحصر في الثلاثة، ثم انهم اختلفوا في جواز هذه الأمور لو خلت من العوض، فقيل بجوازها لأصالة الجواز، و أنها قد يراد بها غرض صحيح، و قيل: بالعدم لعموم النفي السابق الشامل للعوض و عدمه.
و الذي وقفت عليه في هذا المقام من الأخبار ما رواه
الصدوق في الأمالي عن ابن المتوكل عن السعدآبادي عن البرقي عن أبيه عن فضالة عن زيد الشحام (2) «عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: دخل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ذات ليلة بيت فاطمة (عليها السلام) و معه الحسن و الحسين (عليهما السلام) فقال له النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قوما فاصطرعا فقاما ليصطرعا و قد خرجت فاطمة (عليها السلام) في بعض حاجاتها فدخلت فسمعت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو يقول: أبه يا حسن شد على الحسين، فأصرعه، فقالت يا أبه وا عجباه أ تشجع الكبير على الصغير؟ فقال: يا بنية أما ترضين أن أقول أنا يا حسن شد على الحسين، فأصرعه و هذا حبيبي جبرئيل (عليه السلام) يقول: يا حسين شد على الحسن فأصرعه».
و ما رواه
علي بن جعفر (3) في كتاب المسائل عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن المحرم هل يصلح أن يصارع؟ قال: لا يصلح مخافة أن يصيبه جرح أو يقع بعض شعره.
و ما رواه
في كتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى للشيخ الفقيه محمد بن أبى القاسم علي الطبري بسنده فيه عن أبي رافع (4) قال: كنت ألاعب الحسن
____________
(1) ص 356.
(2) المستدرك ج 2 ص 517 الباب 4 ح 1.
(3) الكافي ج 4 ص 367 ح 10، الوسائل ج 9 ص 180 الباب 94 ح 2.
(4) المستدرك ج 2 ص 517 الباب 4 ح 3.
366
بن علي (صلوات الله عليهما) و هو صبي بالمداحي (1) فإذا أصابت مدحاتي مدحاته قلت: احملني فيقول: ويحك أ تركب ظهرا حمله رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فأتركه فإذا أصاب مدحاته مدحاتي، قلت له: لا أحملك كما لم تحملني فقال: أما ترضى أن تحمل بدنا حمله رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فأحمله».
و هذه الأخبار كما ترى ظاهرة في الجواز فيما اختلفوا فيه، و لم أقف فيما حضرني من كتب اللغة على المعنى المراد من المدحاة هنا، و بعض الأصحاب قد فرع الكلام على لفظ السبق في الخبر الحادي عشر، فان قرئ بفتح الباء و هو المشهور في الرواية على ما نقله في المسالك فإنه يفيد عدم مشروعية العوض إلا في الثلاثة المذكورة، و لا تعرض في الخبر حينئذ لما عدا صورة الخطر و العوض، فيبقى على أصالة الجواز، و ان قرئ بالسكون على أن يكون مصدرا فإنه يفيد نفي المصدر مطلقا، فيدل على المنع عدا المستثنى مطلقا.
و أنت خبير، بأنه باعتبار تعارض الاحتمالين المذكورين لا يمكن الاستدلال بالخبر على المنع، فتبقى أصالة الجواز خالية من المعارض، و تخرج الأخبار المذكورة شاهدا على ذلك، مضافا الى ما ذكر من الفوائد المترتبة عليها.
المورد الثالث: في أسماء خيل الحلبة و أسماء السهام و ما يتبع ذلك و يلحق به
، و الكلام هنا يقع في مواضع أيضا:
الأول [وجه التسمية]
- ينبغي أن يعلم ان الحلبة وزان سجدة هي الخيل تجمع للسباق و قد جرت عادتهم بتسمية غيره من خيل الحلبة، و ليس لما بعد العاشر منها اسم، إلا أن الذي يجيء في آخر الخيل كلها يسمى الفسكل.
فأول العشرة، المجلى بالجيم و هو السابق أولا قيل سمى بذلك لأنه جلي عن
____________
(1) النهاية الأثيرية ج 2 ص 106 و منه حديث أبى رافع «كنت الاعب الحسن و الحسين (عليهما السلام) بالمداحي و هي أحجار أمثال القرصة، كانوا يحفرون حفيرة و يدحون فيها بتلك الأحجار، فإن وقع الحجر فيها قد غلب صاحبها، و ان لم يقع غلب، و الدحو: رمى اللاعب بالحجر و الجوز و غيره.
367
نفسه أي أظهره أو جلي همه حيث سبق، و المشهور أن السبق يحصل بالتقدم بعنق دابته، و كتدها يفتح التاء المثناة من فوق و كسرها، و هي العالي بين أصل العنق و الظهر، و يعبر عنه بالكاهل، و قال في الروضة: و الكتد بفتح الفوقانية أشهر من كسرها مجمع الكتفين بين أصل العنق و الظهر، نقل عن ابن الجنيد أنه يكتفى في التقدم بالاذن
لقوله (1) (صلى الله عليه و آله و سلم) «بعثت و الساعة كفرسي رهان».
كاد أحدهما أن يسبق الآخر بأذنه، و أجيب مع تسليم ثبوت الخبر بالحمل على المبالغة، و أن ذلك خرج مخرج ضرب المثل على حد
قوله من بنى مسجدا و لو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة، (2).
مع امتناع مسجد كذلك.
ثم المصلي، و سمى بذلك لأنه يحاذي برأسه صلوي المسابق، و الصلوان عبارة عن العظمين النابتين عن يمين الذنب و شماله.
ثم الثالث، و وجه التسمية فيه ظاهر، ثم البارع لأنه برع المتأخر عنه، أي فاقة، ثم المرتاح، و هو الخامس قيل: سمي به لأن الاتاح النشاط، فكأنه نشط فلحق بالسوابق، ثم الخطى و هو السادس لانه خطى عند صاحبه حتى لحق السوابق أي صار ذا خطوة عنده الى نصيب أو في مال الرهان، ثم العاطف و هو السابع، لأنه عطف الى السوابق أي مال إليها، و كر عليها ليلحقها، ثم المؤمل و هو الثامن لأنه يؤمل اللحوق بالسوابق، ثم اللطيم و هو التاسع، و زان فعيل بمعنى مفعول، لأنه يلطم إذا أراد الدخول إلى الحجرة الجامعة للسوابق، ثم السكيت مصغرا مخففا، و يجوز تشديده، و هو العاشر سمى به لسكوت صاحبه إذا قيل لمن هذا أو لانقطاع العدد، و قيل: ان السكيت هو الفسكل و هو آخر فرس يجيء في الرهان.
قالوا: و المحلل و هو الذي يدخل بين المتراهنين، و لا يبذل معهما عوضا بل
____________
(1) مسند احمد بن حنبل ج 5 ص 331 و فيه مثلي و مثل الساعة كمثل فرسي رهان و في الجامع الصغير ج 1 ص 126 «بعثت أنا و الساعة كهاتين» و ما عثرنا على نص الرواية المنقولة في المتن.
(2) الوسائل ج 2 ص 486 ح 2.
368
يجرى فرسه بينهما أو على أحد الجانبين على وجه يتناوله العقد، و حكمه أنه ان سبق أخذ العوض المبذول للسابق، و ان سبق لم يغرم شيئا، و سمى محللا لأن العقد لا يحل بدونه عند ابن الجنيد و الشافعي، أو يحل به إجماعا بخلاف ما إذا خلى عنه، فان فيه خلافا، و سيأتي الكلام فيه، ان شاء الله تعالى.
قالوا: و الغاية مدى السباق، و لا ريب أن غاية الشيء منتهاه، و مد السباق و ان كان المتبادر منه مسافة السباق التي تجري فيها الخيل إلا أن المراد به لغة و عرفا انما هو بمعنى الغاية كما ذكروه، فالمراد من مد السباق منتهاه و غايته، لا مسافته، فان في القاموس المدى كالفتى الغاية، و قال في كتاب المصباح المنير:
و المدى بفتحتين الغاية، و بلغ مدى البصر: أي منتهاه و غايته.
ثم اعلم أنه قد عنون أكثرهم هذا الكتاب بكتاب السبق و الرماية، و منهم المحقق في الشرائع، و هو ظاهر في اختصاص السبق بالخيل و الإبل، و الرماية بالسهام، مع أنه قال بعد ذلك و المناضلة المسابقة، و المراماة و المناضلة لغة انما هي الرمي، قال الجوهري: ناضله أي راماه، و يقال: ناضلت فلانا فنضلته، إذا غلبته، و انتضل القوم و تناضلوا أي رموا للسبق.
و قال في كتاب المصباح المنير: «ناضلته مناضلة و نضالا راميته، فنضلته نضلا من باب قتل غلبته في الرمي»، و هو ظاهر في تخصيص المناضلة بالرمي، و لهذا قال في المسالك: و أما إطلاق المناضلة على ما يشمل المسابقة فليس بمعروف لغة و لا عرفا، و لعل المصنف و من تبعه في ذلك تجوزوا في الإطلاق، و بعض الفقهاء عنون الكتاب بالمسابقة و المناضلة، و هو الموافق لما نقلناه عن أهل اللغة، و يشير الى ذلك كلامه في التذكرة حيث قال: و السباق اسم يشمل المسابقة بالخيل حقيقة و على المسابقة بالرمي مجازا، و لكل واحد منهما اسم خاص، فيختص الخيل بالرهان و يختص الرمي بالنضال، و هو ظاهر في أن المناضلة حقيقة انما هي بمعنى الرمي.
الثاني [في بيان الاصطلاحات في أسماء السهام]
- اعلم أن الفقهاء من الخاصة و العامة ذكروا في هذا الكتاب جملة
369
من الاصطلاحات في أسماء السهام، و ما يتعلق بالرمي و هو مؤيد لما قدمناه من أن المراد بالنصل في الخبر المتقدم إنما هو هذا الفرد، لا ما يطلق عليه لغة كما ذكروه.
قالوا: و الرشق بفتح الراء الرمي، و هو مصدر رشقه يرشقه رشقا، إذا رماه بالسهام، و بالكسر عدد ما يرمى به من السهام، يقال: رمى رشقا بكسر الراء أي رمى بسهامه التي يريد رميها كلها.
قال في المصباح المنير: رشقته بالسهم رشقا من باب قتل، و أرشقته بالألف لغة رميته به، و الرشق بالكسر الوجه من الرمي إذا رمى القوم بأجمعهم جميع السهام و حينئذ يقال: رمى القوم رشقا، قال ابن دريد: الرشق السهام نفسها التي ترمي و الجمع ارشاق مثل حمل و أحمال، انتهى.
و لو حصل الاتفاق على رمي خمسة خمسة فكل خمسة يقال لها رشق، و نقل عن بعض أهل اللغة أنه خصه ما بين العشرين و الثلاثين، و يقال رشق وجه و يد بكسر الراء، و يراد به الرمي ولاء حتى يفرغ الرشق، قال في المسالك: بمعنى أنه مشترك بين العدد الذي يتفقان عليه، و بين الوجه من الرمي لذلك العدد، فكما يقال: رموا رشقا أو عددا اتفقوا عليه، كذلك يقال: رموا رشقا إذا رموا بأجمعهم في جهة واحدة.
قال الجوهري: الرشق الاسم، و هو الوجه من الرمي، فإذا رمى القوم بأجمعهم في جهة واحدة قالوا: رمينا رشقا، و المراد برشق اليد هذا المعنى أيضا، و إضافته إلى اليد، كاضافته الى الوجه، فيقال: رشق يد و رشق وجه إذا كانت جهة الرمي واحدة، و يمكن مع ذلك إضافته إليهما كما يظهر من كلامهم.
الثالث [في بيان أوصاف السهم عند الإصابة للغرض]
- قد ذكر الفقهاء للسهم عند الإصابة للغرض أو صافا فنقل عن التذكرة أنه ذكر فيها أحد عشر اسما: و في التحرير ستة عشر اسما، و نقل في المسالك عن كتاب فقه اللغة تسعة عشر اسما، و ذكر المحقق في الشرائع منها ستة، لكن ذكر الخمسة الأول جازما بالتسمية، و أما السادس فنسبه إلى القول بذلك
370
فقال: و يقال المزدلف، و في المسالك أنه ذكر ستة أوصاف و أردفها بسابع، و المذكور انما هو خمسة، كما سنذكره ان شاء الله تعالى واحدا واحدا و أردفها بسادس.
قال في المسالك: و الغرض من ذلك اعتبار صفة في عقد الرماية، فلا يستحق العوض المشروط أن يصيبه بما هو أبلغ منه.
أقول: و مما ذكره المحقق المشار اليه من الأسماء
أحدها- الحابي
بالياء أخيرا، قال في كتاب المصباح: حبا الصبي يحبو حبوا إذا أدرج على بطنه و حبا الشيء دنا، و منه حبا السهم الى الغرض و هو الذي يزحف الأرض ثم يصيب الهدف فهو حاب و سهام حواب، انتهى.
و المراد أنه يقع دون الهدف ثم يحبو الى الغرض فيصيبه، و قوله زلج على على الأرض أي زلق قال في القاموس الزلج محركة الزلق و يسكن، و في الصحاح مكان زلج بسكون اللام و تحريكها أى زلق و الزلج الزلق و سهم زالج أي يزلج عن القوس.
و ثانيها- الخاصر
بالخاء المعجمة ثم الصاد المهملة، و هو الذي يصيب أحد جانبي الغرض، مأخوذ من الخاصرة، لأنها في أحد جانبي الإنسان، فهو بإصابته أحد جانبي الغرض كأنه أصابه في الخاصرة، و لم أقف فيما حضرني من كتب اللغة على هذه التسمية، سيما القاموس المحيط بجميع المعاني، و ان كانت موجودة في كتب الفقهاء، قيل و يسمى أيضا جابرا، و قيل: الجابر ما سقط من وراء الهدف، و قيل: ما وقع في الهدف من أحد جانبي الغرض، فعلى هذا ان كانت الإصابة مشروطة في الغرض فالجابر مخطئ، و ان كانت مشروطة في الهدف فهو مصيب.
أقول: و لم أقف أيضا على هذا الاسم أي نحو كان من هذه المعاني في القاموس و لا غيره مما حضرني من كتب اللغة.
و ثالثها- الخازق
بالخاء و الزاي المعجمتين، قالوا: و هو ما يخدش الغرض، و ظاهره أنه يثقب فيه، و بذلك صرح في القواعد فقال: الخازق ما خدشه، ثم
371
وقع بين يديه، و في التحرير أنه ما خدشه و لم يثقبه، الا أن كلام أهل اللغة على خلاف ذلك فإنهم صرحوا بأنه الذي ينفذ في الغرض، قال في كتاب المصباح المنير و خزق السهم القرطاس: نفذ منه فهو خازق، و جمعه خوازق، و المراد بالقرطاس هنا الغرض، أعم من أن يكون قرطاسا أو غيره، مما ستقف عليه ان شاء الله تعالى.
و في النهاية الأثيرية خزق السهم، و خسق: إذا أصاب الرمية و نفذ فيها، و سهم خازق و خاسق.
و ظاهر الصحاح و القاموس هو مجرد الإصابة، و هو أعم الأقوال الثلاثة، قال في الصحاح في باب السين يسمى الغرض قرطاسا، يقال: رمى مقرطس إذا أصابه، و في القاموس خزقه يخزقه طعنه، و الخازق السنان، و من السهام المقرطس، و قال في الصحاح أيضا الخازق من السهام المقرطس، و الخاسق لغة في الخازق، و هو موافق لما تقدم نقله من النهاية من ترادف هذين اللفظين، و نقل في المسالك عن الثعالبي في كتاب سر العربية إذا أصاب الهدف فهو مقرطس، و خازق، و خاسق و صائب و هذا أيضا أعم من أن يخدشه أم لا، و يثبت فيه أم لا، و هو موافق لما تقدم نقله عن الصحاح و القاموس.
و رابعها- الخارق
بالخاء المعجمة و الراء المهملة، و هو الذي يخرج من الغرض نافذا و هذا المعنى موافق لما هو المفهوم من حاق هذا اللفظ عرفا و لغة، لأن الخرق الثقوب و الشق، سواء نفذ فيه أو سقط منه، الا أن هذا الاسم غير موجود في جملة الأسماء المعدودة للسهام في غير هذا الكلام، كما اعترف به في المسالك حيث قال بعد ذكر المصنف له و كلام في البين: لكنه ليس من أسمائه لغة و لم يذكره أحد من أصحاب الكتب الأربعة اللغوية السابقة، و لا غيرهم ممن وقفت على كلامه، و في بعض نسخ الكتاب المارق بالميم بدل الخارق، و هو الصواب الموافق لكلام أهل اللغة لقبا و تعريفا و في التحرير جعل الخارق بمعنى الخاسق، و قد تقدم و جعل الخازق بالزاي المعجمة مغايرا له كما مر خلاف ما
372
ذكره أهل اللغة، و لو حمل في كلامه الخارق بالراء المهملة على الخازق بالزاء المعجمة ليكون مرادفا للخاسق كان موافقا لكلام أهل اللغة، لكن ذكره بعد، ذلك الخازق و تعريفه بأنه ما خدشه و لم يثقبه، يوجب تعيين كونه بالزاء المعجمة لا الراء إذ لم يحصل فيما ذكره خرق، و الذي يظهر أنه وقع في التحرير ضرب من التصحيف و السهو عن تحرير كلام أهل اللغة، لأن جعله الخازق مرادفا للخاسق موافق لكلام أهل اللغة، لكن بشرط كونه بالزاء المعجمة، ثم لما ذكر الخازق بعد ذلك كان حقه أن يكون بالمهملة فعرفه بما ينافي ذلك، و يوافق تعريف المصنف في الخازق بالمعجمة، فوقع الاضطراب، و في التذكرة جعل الخارق ما أثر فيه و لم يثبت، و الخاسق ما ثقبه و ثبت فيه، كما ذكره المصنف هنا في الخازق بالمعجمة، فجعلهما متغايرين، و لم يتحقق منه ضبط الراء، و لا ذكر الأمرين، فالالتباس فيه أشد لأنه ان جعل بالراء وافق كلام التحرير و خالف مفهومه لغة، و ان جعل بالزاء وافق كلامه في القواعد، و كلام المصنف هنا، و خالف كلامه أهل اللغة، انتهى كلامه (زيد مقامه).
و خامسها- الخارم
بالخاء المعجمة و هو الذي يخرم حاشية الغرض بأن يصيب طرفه فلا يثقبه و لكن يخرمه.
قال في المسالك أيضا: و هذا الاسم لم يذكره أيضا أهل اللغة، و ان كان مناسبا له، و قد ذكروا للسهم أسماء أخر غير ما ذكر، فتركنا ذكرها تبعا لاختصاره، هذا ما ذكره المحقق في الشرائع.
ثم قال: و يقال المزدلف الذي يضرب الأرض، ثم يثيب الى الغرض، و نسبته الى القول المجهول- و عدم نظمه في سلك الخمسة المتقدمة- يؤذن بنوع توقف فيه، و هذا هو السادس الذي أشرنا إليه آنفا، و بذلك يظهر لك ما في كلام شيخنا في المسالك الذي قدمنا ذكره، من أن المصنف ذكر هنا ستة، و أردفها بسابع، بل المذكور فيه انما هو خمسة، مردفة بالسادس كما ذكرناه، و أصل الازدلاف
373
التقدم، و خصه هنا بما يقع على الأرض ثم يتقدم الى الغرض، و على هذا يكون مرادفا للحابى، و بذلك صرح في القواعد أيضا، فقال بعد تعريف الحابى: و هو المزدلف، إلا أن المفهوم من كلام المحقق حيث ذكر الحابى أولا جازما به، و ذكر المزدلف أخيرا ناسبا له الى قيل: هو المغايرة، و لعل ذلك بقوة الوقوع على الأرض في المزدلف أخيرا ناسبا له الى قيل: هو المغايرة، و لعل ذلك بقوة الوقوع على الأرض في المزدلف للتعبير عنه بالضرب المقتضى لقوة اعتماده، و ضعفه في الحابي حيث اقتصر على مجرد زلفه على الأرض، و بذلك يحصل التباين، و هو الظاهر من التذكرة على ما نقل فيها حيث قال: فيها ان المزدلف أشد، و الحابى أضعف.
الرابع [في تفسير الغرض و الهدف]
- قال: الغرض ما يقصد اصابته و هو الرقعة و الهدف ما يجعل فيه الغرض من تراب و غيره، و ذلك فإنهم يرتبون ترابا أو حائطا ينصب فيه الغرض فيسمون ذلك التراب أو الحائط هدفا و ما يصنعونه فيه من جلد أو قرطاس أو نحو ذلك لأجل الرمي يسمونه غرضا، و بعضهم كما عرفت آنفا يسمى المنصوب في الهدف قرطاسا، سواء كان كاغذا أو غيره، و هو ظاهر في مرادفة الغرض و القرطاس، و قد تقدم نقل ذلك عن المصباح المنير و الصحاح.
و قد يجعل في الغرض نقش كالهلال يقال له الدائرة، و في وسطها شيء آخر يقال له الخاتم، و الغرض من بيان الغرض و الهدف و الدائرة هو أن كلا من هذه الأشياء المذكورة محل للإصابة، و ربما كان شرط الإصابة و غرضها يتعلق بكل واحد من هذه المذكورات، فان الإصابة في الهدف أو في الدائرة أضيق، و في الخاتم أدق، و هذه المذكورات اصطلاح الرماة، و عليها جرى الفقهاء في هذا الكتاب و أما المذكور في اللغة فإنه ظاهر في المرادفة بين الغرض و الهدف، قال في كتاب المصباح المنير: الغرض: الهدف الذي يرمي اليه، و الجمع أغراض و قال في القاموس:
الغرض محركة الهدف يرمى فيه، و في الصحاح: الغرض: الهدف الذي يرمي فيه، ثم انهم قالوا: المراماة قسمان مبادرة و محاطة، و المراد من المبادرة أن يتفقا على رمي عدد معين كعشرين سهما مثلا، فمن بدر إلى إصابة عدد معين منها كخمسة،
374
فهو ناضل، لمن لم يصيب أو أصاب ما دونه، و المراد من المحاطة بتشديد الطاء أن يقابل أصابتهما من العدد المشترطة و يطرح المشترك من الإصابات: فمن زاد فيها بعدد معين كخمسة مثلا فناضل للآخر فيستحق المال المشروط في العقد.
أقول: و الظاهر أن هذا أيضا من اصطلاح الرماة، و عليه جرى الفقهاء، فإنه لا وجود له في كلام أهل اللغة، و لا في الأخبار التي قدمناها، و لو بالإشارة، و حيث أن جميع ما ذكر في هذا الكتاب زيادة على ما قدمناه كله من هذا القبيل، فليس في ذكره إلا مجرد التطويل، رأينا الاعراض عن التعرض له، أوفق بالوقوف على الدليل، و الاشتغال بما هو أهم أولى و أتم، سيما مع ندور وقوع المسابقة و المراماة في هذه الأوقات، بل عدمها لعدم ما يترتب عليها من الفائدة في جملة الأزمان و الإناث و نحن قد ذكرنا منها ما يتعلق بالأخبار التي قدمناها في المقام، و ما عداه مما لا نص عليه فهو عندنا في قالب الاعدام، و الله الهادي لمن يشاء.
375
كتاب الوصايا
و هو جمع وصية و اشتقاقها اما من وصى يصي أو أوصى يوصي أو وصى بالتشديد يوصى.
قال في كتاب المصباح المنير: وصيت الشيء بالشيء أصيه من باب وعد و صلته، و وصيت الى فلان توصية و أوصيت إليه إيصاء و في السبعة «فَمَنْ خٰافَ مِنْ مُوصٍ» بالتخفيف و التثقيل و الاسم الوصاية بالكسر و الفتح لغة، انتهى.
و اختار ابن إدريس المعنى الأول فقال الوصية مشتقة من وصى يصي، و هو الوصل قال الشاعر: «ذو الرمة تصى الليل بالأيام حتى صلاتنا مقاسمة لسبق اتصافها السفر» ثم قال: و يقال منه أوصى يوصي، و وصى يوصي توصية، و نقل عن المحقق الشيخ علي (رحمة الله عليه) اختيار الثاني، و على هذا فتسمية هذا التصرف وصية لما فيه من وصله التصرف في حال الحياة به بعد الوفاة، هذا على المعنى الأول، و على الأخيرين فالوصية بمعنى العهد، يعنى أنه عهد اليه بتلك الأمور الموصى بها، فإن الوصية لغة بمعنى العهد، و الأصل فيها الكتاب كما دلت عليه جملة من آياته و السنة، و الإجماع من الأمة.
[في الأخبار الواردة في الحث على الوصية]
و لنقدم في صدر الكتاب كما هي عادتنا فيما تقدم من الكتب و الأبواب جملة
376
من الأخبار الواردة في الوصية، و ما اشتملت عليه من الحث عليها، المؤذن بالوجوب أو الاستحباب المؤكد.
فروى المشايخ الثلاثة عن الكناني (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: الوصية حق على كل مسلم».
و روى في التهذيب عن الشحام (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوصية، فقال: هي حق على كل مسلم».
و روى في الفقيه و التهذيب عن محمد بن مسلم (3) في الصحيح قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) الوصية حق، و قد أوصى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فينبغي للمسلم أن يوصى».
و روى في الكافي و التهذيب عن حماد بن عثمان (4) في الصحيح أو الحسن «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قال له رجل: اني خرجت إلى مكة فصحبني رجل و كان زميلي، فلما أن كان في بعض الطريق مرض و ثقل ثقلا شديدا فكنت أقوم عليه ثم أفاق حتى لم يكن عندي به بأس، فلما أن كان اليوم الذي مات فيه أفاق فمات في ذلك اليوم، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما من ميت تحضره الوفاة إلا رد الله تعالى عليه من سمعه و بصره و عقله للوصية، أخذ الوصية أو ترك، و هي الراحة التي يقال لها راحة الموت، فهي حق على مسلم».
و روى في الكافي عن وليد بن صبيح (5) قال: «صحبني مولى لأبي عبد الله (عليه السلام) يقال له «أعين»، فاشتكى أياما ثم برء ثم مات فأخذت متاعه، و ما كان له فأتيت به أبا عبد الله (عليه السلام) و أخبرته أنه اشتكى أياما ثم برء ثم مات، قال: تلك راحة
____________
(1) الكافي ج 7 ص 3 ح 4، التهذيب ج 9 ص 172 ح 702، الفقيه ج 4 ص 134 ح 462.
(2) التهذيب ج 9 ص 172 ح 703.
(3) الفقيه ج 4 ص 134 ح 463، لم نعثر في التهذيب عن هذه الرواية.
(4) الكافي ج 7 ص 3 ح 5، التهذيب ج 9 ص 172 ح 704.
(5) الكافي ج 7 ص 3 ح 2.
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 351 ح 2 و ص 352 ح 4 و ص 351 ح 1 و ص 355 ح 2.
377
الموت أما أنه ليس من أحد يموت حتى يرد الله تعالى من سمعه و بصره و عقله للوصية أخذ أو ترك».
و روى المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) عن سليمان بن جعفر (1) قال في الفقيه: «و ليس الجعفري» «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): من لم يحسن وصيته عند الموت كان نقصا في مروته و عقله، قيل:
يا رسول الله و كيف يوصى الميت؟ قال: إذا حضرته الوفاة و اجتمع الناس اليه، قال: اللهم فاطر السموات و الأرض، عالم الغيب و الشهادة، الرحمن الرحيم، اللهم إني أعهد إليك في دار الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك و أن محمدا عبدك و رسولك، و أن الجنة حق، و النار حق، و أن البعث حق، و الحساب حق، و الصراط حق، و القبر حق، و الميزان حق، و أن الدين كما وصفت، و أن الإسلام كما شرعت، و أن القول كما حدثت، و أن القرآن كما أنزلت، و أنك أنت الله الحق المبين، جزى الله محمدا عنا خير الجزاء، و حيا الله محمدا و آل محمد بالسلام، اللّهمّ يا عدتي عند كربتي و يا صاحبي عند شدتي و يا وليي في نعمتي، الهي و إله آبائي لا تكلني الى نفسي طرفة عين أبدا فإنك إن تكلني الى نفسي طرفة عين أقرب من الشر و أبعد من الخير، فآنس في القبر وحشتي، و اجعل لي عهدا يوم ألقاك منشورا، ثم يوصي بحاجته و تصديق هذه الوصية في القرآن في السورة التي تذكر فيها مريم في قوله عز و جل (2) «لٰا يَمْلِكُونَ الشَّفٰاعَةَ إِلّٰا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمٰنِ عَهْداً» فهذا عهد الميت، و الوصية حق على كل مسلم، و حق عليه أن يحفظ هذه الوصية و يعلمها، و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) علمنيها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): علمنيها جبرئيل (عليه السلام)».
و رواه السيد الزاهد العابد رضى الدين ابن طاوس في كتاب فلاح السائل
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 138 ح 482، الكافي ج 7 ص 2 ح 1، التهذيب ج 9 ص 174 ح 711، الوسائل ج 13 ص 353 الباب 3 ح 1.
(2) سورة مريم- الاية 87.
378
كما نقله عنه في البحار، و فيه بعد قوله «يوم ألقاك منشورا» فهذا عهد الميت يوم يوصي بحاجته، و الوصية حق على كل مسلم قال أبو عبد الله (عليه السلام) و تصديق هذه في سورة مريم (عليه السلام) قول الله تبارك و تعالى «لٰا يَمْلِكُونَ الشَّفٰاعَةَ إِلّٰا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمٰنِ عَهْداً» و هذا هو العهد، و قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السلام) تعلمها أنت و علمها أهل بيتك و شيعتك قال: و قال (صلى الله عليه و آله و سلم) و علمنيها جبرئيل.
و روى في الفقيه عن العباس بن عامر عن أبان عن أبى بصير (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: من لم يحسن عند الموت وصيته كان نقصا في مروته و عقله، و قال: ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أوصى الى علي، و أوصى علي (عليه السلام) الى الحسن، و أوصى الحسن (عليه السلام) الى الحسين، و أوصى الحسين (عليه السلام) الى علي بن الحسين، و أوصى علي بن الحسين (عليه السلام) الى محمد بن علي الباقر (عليه السلام)».
و روى في الفقيه و التهذيب عن أبي حمزة (2) «عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ان الله تعالى يقول: يا ابن آدم تطولت عليك بثلاثة: سترت عليك ما لو علم به أهلك ما واروك، و أوسعت عليك ثم استقرضت منك فلم تقدم خيرا، و جعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدم خيرا».
و روى في الفقيه و التهذيب عن عبد الله بن المغيرة عن السكوني (3) «عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: قال علي (عليه السلام): ما أبالي أضررت «بولدي» أو سرقتهم ذلك المال» كذا في الفقيه و في التهذيب قال «أضررت بورثتي» عوض ولدي.
و روى في التهذيب و الفقيه عن السكوني (4) «عن جعفر بن محمد عن
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 134 ح 467. الوسائل ج 13 ص 357 ح 1.
(2) الفقيه ج 4 ص 133 ح 461 و فيه «بثلاث»، التهذيب ج 9 ص 175 ح 712. الوسائل ج 13 ص 356 ح 4.
(3) الفقيه ج 4 ص 135 ح 469 و ص 134 ح 466، التهذيب ج 9 ص 174 ح 710 و 708. الوسائل ج 13 ص 356 ح 1.
(4) الفقيه ج 4 ص 135 ح 469 و ص 134 ح 466، التهذيب ج 9 ص 174 ح 710 و 708. الوسائل ج 13 ص 355 ح 3.
379
أبى جعفر (عليهما السلام) قال: من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرثه فقد ختم عمله بمعصيته».
و روى في المقنعة (1) مرسلا قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):
الوصية حق على كل مسلم.
قال: و قال (عليه السلام) ما ينبغي لامرء مسلم أن يبيت ليلة إلا و وصيته تحت رأسه»،.
و «قال (عليه السلام): من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية».
و روى الشيخ في كتاب المصباح (2) قال: «و روى أنه لا ينبغي أن يبيت إلا و وصيته تحت رأسه».
و روى في الفقيه و التهذيب عن مسعدة بن صدقة (3) «عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال علي (عليه السلام) الوصية تمام ما نقص من الزكاة».
و روى في الكافي عن محمد بن يحيى (4) رفعه عنهم (عليهما السلام) قال: «من أوصى بالثلث احتسب له من زكاته».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (5)، و اعلم أن الوصية حق واجب على كل مسلم، و يستحب أن يوصى الرجل لقرابته ممن لا يرث شيئا من ماله قل أو كثر و ان لم يفعل فقد ختم عمله بمعصيته.
[فوائد في هذه الأخبار]
أقول: و في هذه الأخبار الشريفة فوائد يحسن التنبيه عليها، و التوجه إليها.
الأول
- لا ريب في وجوب الوصية على من كان مشغول الذمة بواجب من دين أو حج أو زكاة أو خمس أو نحو ذلك من الحقوق الواجبة، و يمكن أن تحمل الأخبار الدالة على أن الوصية حق على كل مسلم، لا شعارها بالوجوب على ذلك، فيجب تخصيصها بما ذكرناه من الأفراد، و يمكن حملها على تأكد الاستحباب
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 352 ح 6.
(2) الوسائل ج 13 ص 352 ح 5.
(3) التهذيب ج 9 ص 173 ح 706، الفقيه ج 4 ص 134 ح 464. الوسائل ج 13 ص 353 الباب 2 ح 1.
(4) الكافي ج 7 ص 58 ح 4. الوسائل ج 13 ص 353 الباب 2 ح 3.
(5) المستدرك ج 2 ص 520 ح 5.
380
فتخص بغير ما ذكرناه من الأمور المستحبة.
الثاني
- المستفاد من الخبرين الأخيرين من أنه ان كان في ذمته زكاة واجبة و أوصى بالثلث أو بعضه للفقراء أو في سائر أبواب البر فإنه يحسب له عما في ذمته من الزكاة الواجبة من حيث لا يشعر، و هو من التفضل الإلهي، و له نظائر كثيرة مر التنبيه عليها من أن الفعل إذا صادف الواقع في حد ذاته و ان لم ينوه صاحبه فإنه يجزى عنه.
الثالث
- ظاهر حديث السكوني المروي في الفقيه استحباب الوصية لذوي القرابة ممن ليس له حظ في ميراثه استحبابا مؤكدا، و انما حملناه على الاستحباب و ان كان ظاهره الوجوب، لما رواه
العياشي عن أبى بصير (1) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) في قوله تعالى (2) «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ» قال: منسوخة، نسختها آية الفرائض التي هي المواريث،.
و بالاستحباب صرح في كتاب الفقه الرضوي، مع تصريحه في آخر كلامه بأن ترك ذلك معصية، و هو محمول على المبالغة، و سيأتي ان شاء الله تعالى مزيد تحقيق في المقام.
الرابع
- ما تضمنه
حديث السكوني (3) من قوله (عليه السلام) «ما أبالي أضررت بولدي أو سرقتهم».
و مثله ما رواه
الراوندي في نوادره (4) بإسناده «عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال علي (عليه السلام): ما أبالي أضررت بوارثي أو سرقت ذلك المال فتصدقت به».
و ما رواه أيضا
في الكتاب المذكور (5) قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من مات على وصية حسنة مات شهيدا و قال: من لم يحسن الوصية عند موته كان ذلك نقصانا في عقله و مروته، و الوصية حق على كل
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 376 ح 15، العياشي ج 1 ص 77 ح 167.
(2) سورة البقرة- الاية 180.
(3) التهذيب ج 9 ص 174 ح 710، الوسائل ج 13 ص 356 ح 1.
(4) المستدرك ج 2 ص 519 الباب 4.
(5) المستدرك ج 2 ص 519 الباب 5 ح 2.
381
مسلم، قال: ان الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة، فيحيف في وصيته فيختم له بعمل أهل الجنة، ثم قرأ و من يتعد حدود الله و قال: تلك حدود الله».
ان حمل على ظاهره من التحريم فالواجب تخصيصه بما زاد على الثلث، فإنه لا يجوز له شرعا، و هذا هو أوفق بظاهر الآيتين المذكورتين، و ان حمل على الكراهة المؤكدة فإنهم (صلوات الله عليهم) كثيرا ما يبالغون في النهي عن المكروهات بما يدخلها في حيز المحرمات، و في المستحبات بما يكاد يلحقها بالواجبات، فيجب حمله على من بر وارثا على آخر، و أن الأفضل المساواة بينهم، و سيأتي تمام الكلام في هذا المقام ان شاء الله تعالى.
الخامس
- ما تضمنته جملة من الأخبار المذكورة من أن من لم يحسن وصيته عند الموت كان نقصا في مروته و عقله.
الظاهر حمله على ما هو أعم من الوصية بالإقرار بالشهادتين، و جميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كما دل عليه خبر سليمان بن جعفر المتقدم و الإيصاء بماله و عليه، مما كان يتعلق به حال حياته، و يذبه بنفسه من أطفال صغار أو أمور يريد إنفاذها بعد موته، فإن الوصية لغة العهد، يقال: أوصاه و وصاه عهد اليه، فيعد الى من يعمد عليه من أخوانه المؤمنين أن يتصرف في أمواله بعد موته بما يقضى عنه ما وجب في ذمته مما قدمنا ذكره، و ان كان له أولاد صغار قائما مقامه في الولاية عليهم، و يستحب له كما عرفت أن يوصى لبعض أرحامه و أقرباؤه و أن يشهد على ذلك جماعة من إخوانه كما تقدم في خبر سليمان المشار اليه على ايمانه و عقائده، و يعهد إليهم أن يشهدوا له به يوم القيامة، و يشهدهم على ما أوصى به من تلك الأمور الدنيوية مضافة إلى الأمور الأخروية.
و الى بعض ما ذكرنا يشير ما رواه
في الكافي عن مسعدة بن صدقة (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: ان أجلت في عمرك يومين فاجعل أحدهما لأدبك لتستعين به
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 357 ح 3، روضة الكافي ص 131 ح 132.
382
على يوم موتك، قيل، و ما تلك الاستعانة قال تحسن تدبير ما تخلف، و تحكمه».
و لا ريب أن ترك هذه الأمور المشار إليها و عدم الوصية بها موجب لما ذكروه (عليهم السلام) من نقصان المروة و العقل.
السادس
- قال ابن إدريس في كتاب السرائر بعد نقل الخبر المشتمل على قوله «ما أبالي أضررت بورثتي أو سرفتهم ذلك المال» ما ملخصه: سرفهم بالسين غير المعجمة و الراء غير المعجمة المكسورة و الفاء، و معناه أخطأتهم و أغفلتهم، لأن السرف الإغفال و الخطأ، و قد سرفت الشيء بالكسر إذا غفلته و جهلته، و حكى الأصمعي عن بعض الأعراب أنه و أعده أصحاب له في المسجد مكانا فأخلفهم فقيل له في ذلك فقال: مررت بكم فسرفتكم أي أخطأتكم و أغفلتكم الى أن قال:
هكذا نص عليه جماعة أهل اللغة ذكره الجوهري في كتاب الصحاح، و أبو عبيدة الهروي، و أما من قال في الحديث سرقتهم ذلك المال بالقاف فقد صحف، لأن سرق لا يتعدى الى مفعولين إلا بحرف الجر، يقال سرقت منهم مالا، و سرفت بالفاء يتعدى الى مفعولين بغير حرف الجر، فملخصه ذلك، انتهى.
أقول: فيه أن مرجع استدلاله لهم الى أن سرف يتعدى الى مفعولين بنفسه، و سرق لا يتعدى الى مفعولين إلا بحرف الجر، و هو في الحديث قد عدي الى مفعولين، فيجب حمله على سرف بالفاء، و الا فمجرد ورود سرف بمعنى أخطائه و جهله لا يدل على ما ادعاه فإنه مسلم، و لكن لا يلزم حمل الحديث عليه.
و أنت خبير بأن ما استند اليه مما ذكره مردود، بأن الظاهر من كلام أهل اللغة أن سرف بالفاء انما يتعدى الى مفعول واحد أيضا، و هو ظاهر صدر كلامه، و ان ادعى في آخره خلافه، فإن الحكاية التي نقلها عن الأصمعي إنما تضمنت تعديه الى مفعول واحد كما هو في اللفظ الذي جعل بمعناه من قولهم أخطأتكم و أغفلتكم فان الجميع انما عدي فيه الى مفعول واحد، و كذلك قوله و قد سرفت الشيء بالكسر إذا أغفلته و جهلته، فإنه انما حكاه متعديا الى مفعول واحد، كاللفظين اللذين جعل بمعناهما.
383
قال في القاموس: سرفه كفرح أغفله و جهله، و هو ظاهر أيضا فيما قلناه، على أن ما ادعاه من أن سرق بالقاف لا يتعدى الى مفعولين بنفسه مردود بما ذكره في كتاب المصباح المنير، حيث قال: و سرق منه ما لا يتعدى الى الأول بنفسه، و بالحرف الجر على الزيادة، و ظاهره كما ترى أنه يقال سرقته مالا، و سرقت منه مالا، فيتعدى الى المفعول الأول تارة بنفسه، و تارة بالحرف على الزيادة.
و بذلك يظهر لك ضعف ما تكلفه (قدس سره) على أنه لا يخفى ما في الحمل على الفعل الذي ذهب اليه من الركاكة، و ذلك فان الغرض من هذا الكلام و سياقه في المقام هو المبالغة في المنع و الزجر عن الحيف في الوصية، و الإضرار بالولد أو الوارث، و المناسب لذلك انما هو لفظ سرق بالقاف، فان محصل الكلام أن الإضرار بهم في الوصية بمنزلة سرقة ذلك من أموالهم المترتب عليه الإثم شرعا، و اشتغال الذمة بالمسروق حتى يرده الى صاحبه، و حينئذ فلا يجوز، و أما أخطأتهم و جهلتهم، فان مناسبته فيه للمبالغة في الإضرار.
و بالجملة فإن كلامه (قدس سره) في نظري بمحل من القصور، كما لا يخفى على من لاحظ ما ذكرناه في هذه السطور، و الله العالم.
و الكلام في هذا الكتاب يقع في مقاصد:
المقصد الأول في الوصية:
و فيه مسائل
[المسألة] الاولى [في تعريف الوصية]:
قالوا: الوصية تمليك عين أو منفعة، أو تسليط على التصرف بعد الوفاة، و المراد بالتسليط المذكور هو أن يوصى اليه بإنفاذ وصاياه، و القيام بأطفاله و مجانينه و هي الوصايا، و ربما اقتصر بعضهم على تمليك العين أو المنفعة و لم يذكر التسليط على التصرف، و منشأ ذلك أن بعضهم أدرج الوصاية التي هي عبارة عن التسليط المذكور في الوصية، فذكرها في تعريف الوصية، و بعضهم جعلها قسما آخر برأسها، و قسيما للوصية، كالشهيد في الدروس، فإنه جعل لكل
384
من الوصية و الوصاية كتابا على حدة، و في اللمعة قال بالأول، فعرفهما بما ذكرناه و المفهوم من كلام أكثر الأصحاب أن الوصية عقد يفتقر إلى الإيجاب و القبول من الموصى اليه، ان كان معينا، و أما غيره كالفقراء مثلا فيقبل الحاكم الشرعي أو من ينصبه، و الظاهر في الثاني كما استظهره جمع من المتأخرين منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك عدم التوقف على القبول، و قد تقدم مثله في الوقف، ثم انه على تقدير وجوب القبول في الأول فهل يكفى القبول الفعلي؟ الظاهر كما اختاره جمع من الأصحاب من الاكتفاء بذلك، كالأخذ و التصرف فيه لنفسه، و قد تقدم مثله في جملة من العقود المتقدمة.
و بذلك يظهر أن عده عقدا كما ذكروه لا يخلو من النظر، إذ مقتضى ذلك وجوب الإيجاب و القبول اللفظين، كما صرحوا به في العقود، إلا أن يكون عقدا جائزا كما هو الظاهر، و يؤيده ما سيأتي- ان شاء الله تعالى- من جواز رجوع الموصي ما دام حيا، و الموصى له كذلك ما لم يقبل بعد الوفاة، و ما ذكرنا من اشتراط الإيجاب و القبول اللفظين إنما هو في العقود اللازمة.
و كيف كان فظاهرهم ايضا أنه لا تشترط مقارنة القبول للإيجاب. قال في المسالك: و هو موضع وفاق، و هو مما يؤيد كونه جائزا لا لازما، و الإيجاب لا ينحصر في لفظ، بل كل لفظ يدل على مقصوده، كقوله أوصيت لفلان بكذا، أو أعطوا فلانا بعد وفاتي كذا، أو لفلان بعد وفاتي كذا، و انما جعل قيدا بعد وفاتي في المثالين الأخيرين دون الأول، لأن قوله في الأول أوصيت صريح في أن العطية انما هي بعد الوفاة، فلهذا لم يحتج الى قيد، بخلاف أعطوا فلانا أو لفلان فإنه يكون في الأول مشتركا بين الوصية و بين الأمر بالإعطاء في حياته، و في الثاني مشترك بينهما و بين الإقرار له بذلك، فلا بد من قيد يصرف الكلام إلى الوصية، فزيد فيه قوله بعد وفاتي.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنى لم أقف في الأخبار على ما يدل على وجوب
385
القبول، و ان كانت الوصية لمعين، بل ربما ظهر من إطلاقها العدم، و أنه لا يتوقف على أزيد من الإيجاب بالألفاظ المذكورة، إلا أنه خلاف ما يفهم من عامة كلامهم.
و من الأخبار في ذلك
صحيحة زرارة (1) «عن أبى جعفر (عليه السلام) في رجل أوصى بثلث ماله في أعماله و أخواله، فقال: لأعمامه الثلثان و لأخواله الثلث».
و روى في التهذيب عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة قالت لأمها: إن كنت بعدي فجاريتي لك، فقضى أن ذلك جائز و ان كانت الابنة بعدها فهي جاريتها».
الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الآتي- ان شاء الله تعالى- جملة منها، فإنها غير مشتملة إلا على الإيجاب خاصة، كما سيظهر ان شاء الله تعالى.
المسئلة الثانية [في وقت انتقال الموصى به إلى ملك الموصى له]:
قال الشيخ في الخلاف: إذا أوصى له بشيء فإنه ينتقل الى ملك الموصى له، بوفاة الموصى، و قال في المبسوط: إذا أوصى لرجل بشيء فإن ملكه لا يزول عن ذلك الشيء قبل وفاته بلا خلاف، و إذا مات الموصى متى ينتقل الملك الى الموصى له؟ قيل: فيه قولان: أحدهما- ينتقل بشرطين، وفاة الموصي و قبول الموصى له، و إذا وجد الشرطان انتقل الملك عقيب القبول.
و القول الثاني- أنه يراعى ان قبل الوصية تبين انه انتقل اليه الملك بوفاته، و ان لم يقبل تبين أن الملك انتقل إلى الورثة بوفاته.
و قيل: فيه قول ثالث- و هو أن الملك ينتقل الى الموصى له بوفاة الموصي مثل الميراث، و يدخل في ملك الورثة بوفاته، فان قبل ذلك استقر ملكه عليه، و ان رد انتقل عنه الى ورثته، قال: و هذا قول ضعيف، لا يفرع عليه، بل على الأول ثم قال بعد ذلك: الأقوى أن يقال. ان الشيء الموصى به ينتقل الى ملك
____________
(1) الكافي ج 7 ص 45 ح 3، التهذيب ج 9 ص 214 ح 845. الوسائل ج 13 ص 454 الباب 62.
(2) التهذيب ج 9 ص 200 ح 797. الوسائل ج 13 ص 375 ح 11.
386
الموصى له بوفاة الموصى، و قد قيل: انه بشرطين بالموت و قبول الموصى له، و قيل أيضا انه يراعى، فان قبل علم أنه انتقل بالموت اليه، و ان رد على أنه بالموت انتقل إلى الورثة، قال: و على ما قلناه لو أهل شوال ثم ذكر بعض الفروع الآتية ان شاء الله تعالى في المسئلة، و نقل عن ابن الجنيد ما يدل على علل موافقته للشيخ في الخلاف.
و قال ابن إدريس: الأقوى في نفسي أنه لا ينتقل بالموت، بل بانضمام القبول من الموصى له لا بمجرد الموت، و قال في المختلف بعد نقل الأقوال المذكورة:
و المعتمد أن نقول الوصية ان كانت لغير معين، كالفقراء و المساكين، و من لا يمكن حصرهم كبني هاشم، أو على مصلحة كمسجد أو قنطرة أو حج أو مدرسة أو غير ذلك لم يفتقر الى قبول، و لزمت بمجرد الموت لتعذر اعتبار القبول من جميعهم، فسقط اعتباره كالوقف عليهم، و ان كانت لمعين افتقرت الى القبول، و لا يحصل الملك قبله، لأن القبول معتبر فتحصيل الملك له قبل قبول لا وجه له مع اعتباره، و لأنه تمليك عين لمعين، فلم يسبق الملك القبول كسائر العقود، و لأن الموصى له لو رد الوصية بطلت، و لو كان قد ملك بمجرد الإيصاء لم يزل الملك بالرد كما بعد القبول، و لأن الملك في الماضي لا يجوز تعليقه بشرط مستقبل، لامتناع تقدم المشروط على شرطه، انتهى.
و قال في المسالك: لا خلاف في توقف ملك الوصية على الإيجاب من الموصى لأنه أحد أركان العقد الناقل للملك، أو تمام الركن، حيث لا يعتبر القبول على بعض الوجوه، و في توقفه على موته، لأن متعلقها هو الملك، و ما في معناه بعد الموت فقبله لا ملك، و انما الخلاف في أن قبول الموصى له هل هو معتبر في انتقال الملك اليه بالموت؟ بمعنى كونه شرطا في الملك أو تمام السبب المعتبر بدونه أصلا، و يعتبر في الجملة أعم مما ذكر أو لا يعتبر أصلا، بل ينتقل اليه الملك على وجه القهر، كالإرث لا بمعنى استقراره له كذلك، بل بمعنى حصوله متزلزلا، فيستقر
387
بالقبول، و يبطل استمراره بالرد، و ينتقل عنه إلى ورثة الموصي، فهذه أقوال ثلاثة، انتهى.
أقول: لا يخفى على من راجع كلامهم في المقام، و ما وقع لهم من النقض و الإبرام أن هذا البحث و الاختلاف انما هو بالنسبة إلى الوصية لمعين، من حيث اشتراط القبول فيها عندهم، و أما فيما لم يشترط فيه القبول، فإنه لا خلاف في الانتقال بمجرد الموت.
قال في المسالك: و اعلم أن موضع الخلاف الوصية المفتقرة إلى القبول، فلو كانت لجهة عامة كالفقراء و المساجد، انتقلت إلى الجهة المعينة بالوفاة بغير خلاف حيث تكون الوصية نافذة، انتهى.
و أنت خبير بأن المسئلة غير منصوصة، و لهذا صارت محل الاشكال و مطرحا للقيل و القال و منشأ هذا الاشكال و البحث في هذا المجال من حيث اشتراط القبول في الوصية لمعين، و أنه لا يصح الوصية بدونه، مع أنهم لم يوردوا له دليلا شرعيا، و لا نصا مرعيا، و انما عللوه بعلل اعتبارية، و قد تتبعت ما حضرني من النصوص فلم أقف فيها على ما يدل على هذا الشرط، و أنه لا تصح الوصية إلا به، و ربما ظهر من إطلاق كثير منها عدمه و من ذلك صحيحة زرارة و رواية عبد الرحمن بن أبى عبد الله المتقدمتين.
و ما رواه
في الكافي و الفقيه في الصحيح عن محمد بن قيس (1) «عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: رجل أوصى لرجل بوصية من ماله ثلث أو ربع فيقتل الرجل خطأ يعنى الموصي، فقال: تجاز لهذه الوصية من (ماله) و من ديته».
و بهذا المضمون أخبار أخر، دالة على إخراج الوصية من الدية، كما يخرج من الميراث.
و في الصحيح عن محمد بن قيس (2) «عن أبى جعفر (عليه السلام) قال، قضى
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 168 ح 588، الكافي ج 7 ص 63 ح 21، التهذيب ج 9 ص 207 ح 822 (من ميراثه و من ديته).
(2) الكافي ج 7 ص 28 ح 1.
و هما في الوسائل ج 13 ص 372 ح 1 و ص 467 الباب 80.
388
أمير المؤمنين (عليه السلام) في مكاتب كان تحته امرأة حرة فأوصت له عند موتها بوصية، فقال: أهل الميراث لا نجيز وصيتها له، انه مكاتب لم يعتق و لا يرث، فقضى بأنه يرث بحساب ما أعتق منه، و يجوز له من الوصية بحساب ما أعتق منه، و قضى في مكاتب أوصى له بوصية، و قد قضى نصف ما عليه فأجاز له نصف الوصية، و قضى في مكاتب قضى ربع ما عليه فأوصى له بوصية فأجاز ربع الوصية».
و بهذا المضمون أيضا أخبار عديدة و ظاهر هذه الأخبار كما ترى أنه ينتقل الموصى به الى الموصى له، و ان لم يحصل القبول، إذ لا إشارة في شيء منها الى اشتراط القبول من الموصى له كما ادعوه، و إطلاقها كما ترى شامل لما لو كان ثمة قبول أو لم يكن، و عدم الاستفصال دليل العموم في المقال، كما صرح به جملة علمائنا الأبدال، و يؤيد ما ذكرنا ظاهر الآية، أعني قوله سبحانه (1) «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصىٰ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ» و جواب العلامة- بحمل الآية على معنى وصية مقبولة و الوصية بدون القبول ليست كذلك،- لا يخرج عن المصادرة، مضافا الى أن ما ذكره خلاف الظاهر، و ارتكاب التقدير و التأويل، فرع وجود الدليل على القبول و بهذا يظهر أن ما ادعوه أيضا من كون الوصية من جملة العقود محل توقف و اشكال لعدم الدليل عليه، مع ظهور هذه النصوص و نحوها في عدم وجود القبول فيها، و لو كان عقدا لوجب القبول، و دل عليه دليل منها، و الأمر كما ترى بخلافه.
فإن قيل: انه لا تصريح في أكثرها بالموت أيضا، بل ظاهرها حصول الانتقال بمجرد الوصية، مع أنكم لا تقولون به، قلنا: قد قام الدليل على أن للموصى الرجوع في الوصية ما دام حيا، و هو مؤذن بعدم الانتقال عنه في حياته، فوجب تخصيص إطلاق هذه الأخبار بذلك، و أما القبول فلم يقم عليه دليل، ليمكن تخصيصها به أيضا، فيبقى الإطلاق بالنسبة إليه سالما من المعارض، و حينئذ فإذا لم يقم دليل على اعتباره فإنه يرجع الحكم فيه الى حكم الوصية لغير معين.
____________
(1) سورة النساء- الاية 11.
389
نعم حيث ان ظاهرهم الاتفاق على أن للموصى له الرد، و عدم القبول فينبغي أن تفرق بين الأمرين، بأن الانتقال في غير المعين انتقال تام لازم، و في المعين انتقال متزلزل، فبالقبول يستقر و يستمر، و بعدم القبول تبطل، و يعود إلى ورثة الموصي، على أن للمناقشة أيضا طريق فيما ذكر، و هو ان لموصى له الرد، فانا لم نقف له على دليل، و ما المانع من كون ذلك كالميراث، ليس له رده شرعا، فان ظاهر الأخبار التي قدمناها ذلك، إلا أن الخروج عما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل، و كيف كان فالمسئلة غير خالية من الاشكال، و الاحتياط فيها مطلوب على كل حال.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنهم قد فرعوا على هذا الخلاف المتقدم فروعا عديدة:
أحدها- كسب العبد و ثمر الشجرة، و سائر زوائد الموصى به المتجدد بين الموت و القبول، فان قلنا أنه يحصل الانتقال بالموت خاصة، كما هو مذهب الشيخ في الخلاف و من تبعه، فهي للموصى له قبل الوصية أوردها، لأن العين قد انتقلت اليه، و نماءها تابع لها، و لو ردها احتمل رد نماءها أيضا على الورثة تبعا لها، و احتمل العدم، لأن النماء ليس من الموصى به الذي يتخير بين رده و قبوله، و هو قد ملكه بملك العين بعد الموت، فلا يزول ملكه عنه، و رد العين من حيث كونها موصى بها، و هو لم يقبل الوصية لا يستلزم رد النماء، لأنه ليس من الموصى به، كما ذكرنا، بل ملكه من جهة أخرى، و سبب آخر.
و ان قلنا انه لا يحصل الانتقال إلا بالقبول، كما هو مذهب العلامة في المختلف، فإن الزوائد و النماء في تلك المدة لا تكون للموصى له قبل الوصية بعد ذلك أو ردها، لأنها تجددت قبل أن تدخل العين في ملكه، و قبوله بعد ذلك لو قبل انما يوجب انتقال العين خاصة، و هي الموصى بها.
بقي الكلام فيما إذا لم ينتقل للموصى له، ففي مستحقها من الموصي- من
390
حيث انها من جملة التركة فيقضى منها ديونه، و ينفذ منها وصاياه كالأصل- أو الورثة لحدوثها بعد زوال ملكه بالموت: وجهان أقربهما للاعتبار الثاني، و ان قلنا بالمراعاة و الوقف، صارت هذه الزوائد أيضا موقوفة، فإن قبل فهي له و إلا فلا.
و ثانيها- فطرة العبد الموصى به إذا حل وقت وجوبها بين الموت و القبول، فعلى القول الأول تكون على الموصى اليه، و ملكها بالموت، و على الثاني فليس على الموصى له شيء، لعدم الانتقال اليه، و قبوله بعد ذلك لو قبل لا يستلزم الوجوب، و قد فات وقته، و على الثالث أيضا لا يلزم، و علي هذين القولين، تسقط الفطرة هنا، قالوا: و في معنى الفطرة هنا المؤن المحتاج إليها بين القبول و الموت.
و ثالثها- أنه إذا زوج أمته حرا و أوصى له بها، فعلى تقدير القول الأول و هو الانتقال بعد الموت فإنه ينفسخ النكاح من يوم الموت، لدخولها في ملكه في ذلك الوقت، فيبطل العقد السابق، و على القولين الآخرين فان رد الوصية استمر النكاح، لعدم ما يوجب بطلانه، و ان قبلها انفسخ النكاح على كل من القولين، لكن يكون الانفساخ من يوم القبول على القول الثاني، لأن دخولها في ملكه بعد القبول و من يوم الموت على الثالث، و هو المراعاة و التوقف، لانكشاف ذلك بالقبول و تبينه به، الى غير ذلك من الفروع المذكورة في كلامهم، من أحب الوقوف عليها فليرجع الى مطولات الأصحاب.
المسئلة الثالثة [في عدم الفرق بين وقوع القبول قبل موت الموصي أو بعده]:
المشهور في كلام الأصحاب بناء على وجوب القبول في الوصية كما هو المتفق عليه ظاهرا في كلامهم، أنه لا فرق بين وقوع القبول قبل وفاة الموصي أو بعدها، أما قبل وفاة الموصي فلأنه قبل ما نقل اليه من الملك على الوجه الذي نقل اليه، و ان لم يكن في وقته، و الإيجاب هنا انما أفاد التمليك قبل وقت الانتقال، إذ الانتقال إنما يحصل بالموت، و القبول هنا وقع طبق هذا الإيجاب، و أما بعد وفاة الموصى فلا اشكال و لا خلاف في اعتبار القبول لمطابقته
391
للإيجاب الصادر من الموصي، لأنه أوقع تمليكا مقرونا بالوفاة و قد حصلت الوفاة، فقبل الموصى له ذلك.
و نقل عن جمع من الأصحاب منهم العلامة (قدس سره) اختصاص اعتبار القبول بهذه دون الأولى، محتجين على عدم اعتباره في الصورة الأولى، بأنه أوجب له بعد موته، فقبل الموت ليس محلا للقبول، فأشبه القبول قبل الوصية، و كذا لو باعه ما يملكه بعد، و بعدم المطابقة بين الإيجاب و القبول.
و رد ذلك بما أشير إليه في بيان الوجه في الصورة المذكورة، و توضيحه أن القبول لا يلزم أن يحصل به الملك، و انما يحصل به تمام سببه، و هو لا يوجب وجود مسببه، لجواز تخلفه لفقد شرطه، و هو هنا كذلك، لأن الموت شرط في انتقال الملك و الإيجاب كما وقع قبل زمان الملك ناقلا له في وقت متأخر، فكذلك القبول، و المطابقة حاصلة، و الفرق بينه و بين بيع ما يملكه واضح، فان ذلك ممتنع شرعا إيجابا و قبولا و هنا لا مانع منه إلا بواسطة التخيل المذكور، و هو غير مانع.
أقول: لا يخفى انه لو كان اعتبار القبول مستندا الى النصوص، لكان الواجب النظر في ذلك النص، و ما يستفاد منه، من عموم و خصوص، إلا أنه ليس في المقام نص كما عرفت، و لا دليل، و ليس إلا ظاهر كلامهم و اتفاقهم على الحكم المذكور، و حينئذ فليس هنا مسرح للنظر في تصحيح شيء من القولين المذكورين إلا بهذه التعليلات الاعتبارية، و قد عرفت ما في الاعتماد عليها من الاشكال، فتبقى المسئلة في طامورة التردد و الاحتمال، و ان كان ما علل به المشهور أقرب الى الاعتبار.
المسئلة الرابعة [في حكم وقوع الرد بعد الموت و القبول و قبل القبض]:
قالوا: لو رد الوصية في حال حياة الموصي جاز أن يقبل بعد وفاته، إذ لا حكم لذلك الرد، و ان رد بعد الموت و قبل القبول بطلت، و كذا لو رد بعد القبض و قبل القبول، و لو رد بعد الموت و القبول و قبل القبض قيل:
تبطل، و قيل: لا تبطل.
392
أقول: ينبغي أن يعلم أولا أنه لا خلاف كما عرفت آنفا في أن الملك في الوصية متوقف على الإيجاب و القبول و موت الموصي، فبدون الثلاثة المذكورة لا يحصل الملك قطعا، و انما اختلفوا في أن القبض مع ذلك هل هو شرط في تحقق الملك أم ليس بشرط.
فقيل: بالأول كالهبة و الوقف، لاشتراكهما في العلة المقتضية له، و هو العطية المتبرع بها مع أولوية الحكم في الوصية، من حيث ان العطية في الهبة و ما في معناها منجزة، و في الوصية مؤخرة، و الملك في المنجز أقوى منه في المؤخر، بقرينة نفوذ المنجز الواقع من الأصل على خلاف، بخلاف المؤخر.
و قيل: بالثاني لأصالة العدم، و عموم «الأمر بالوفاء بالعقود» الشامل لموضع النزاع، و بطلان القياس، من حيث خروج الهبة و نظائرها بدليل خاص و قد تقدم، و هو لا يتناول الوصية، و الأولوية المذكورة لا تفيد الحكم المتنازع و أصل الخلاف واقع في المؤخر أيضا، كما سيأتي ان شاء الله تعالى.
أقول: و يدل على ذلك ما رواه
العباس بن عامر في الصحيح (1) قال: «سألته عن رجل أوصى له بوصية فمات قبل أن يقبضها، و لم يترك عقبا؟ قال: أطلب له وارثا أو مولى فادفعها اليه، قلت: فان لم أعلم له وليا، قال: اجهد على أن تقدر له على ولي فان لم تجده و علم الله منك الجد فتصدق بها»،.
و هو صريح في المدعى كما ترى، و هو أيضا طاهر فيما قدمنا ذكره من صحة الوصية أعم من أن يكون قبل أو لم يقبل، و بذلك تظهر لك قوة القول الثاني، و هو كون القبض ليس بشرط في ملك الوصية.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن من فروع الملك و عدمه عندهم رد الموصى له الوصية، فإن وقع الرد بعد تحقق الملك لم يؤثر رده في إبطال الملك، لأن الملك لا يزول باعراض صاحبه عنه.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 13 ح 3، الوسائل ج 13 ص 409 ح 2.
393
نعم ربما أفاد الإباحة في بعض الموارد إلا أن اباحة التصرف لا تقتضي زوال الملك، و على هذا فإذا وقع الرد بعد الموت، و القبول و القبض لا يؤثر شيئا، لأن الملك هنا قد استقر، و ثبت إجماعا فلا حكم للرد اتفاقا، و ان وقع الرد بعد الموت و القبول و قبل القبض بنى الكلام على الخلاف المتقدم، فان قلنا ان القبض شرط في الملك صح الرد قبله، و بطلت الوصية، و إلا فلا، كما لو وقع بعده، فإنه لا أثر له في البطلان، و ان وقع الرد بعد الموت و قبل القبول، قبض أو لم يقبض، بطلت الوصية، لأن الملك لم يتحقق حينئذ، فكانت الوصية من قبيل العقد الجائز إذا أبطله أحد المتعاقدين، أو اللازم إذا رده أحدهما بعد الإيجاب و قبل القبول.
أقول: صحة الحكم هنا مبنية على تسليم شرطية القبول كما هو مسلم بينهم، و أما على ما يظهر من الأخبار كما عرفت و ستعرف ان شاء الله تعالى، من أنه لا دليل عليه، بل الدليل ظاهر في خلافه، فإنه يحكم بالصحة و ان وقع الرد قبل الوفاة، سواء كان قبل القبول أم لا، فالرد هنا عندهم لا حكم له، فله أن يجدد القبول بعد ذلك، لأن الرد في حكم العدم، حيث لم يصادف محلا إذ التمليك لا يحصل إلا بعد الوفاة، فرده هنا انما هو في معنى رد ملك غيره، و هو غير معقول، فيقع لاغيا، لأنه و ان قبله فالشرط لملكه موت الموصي إجماعا، و الفرق- بين الرد في هذه الصورة و بين الرد بعد الموت و قبل القبول، في أن الأول لا حكم له، بل له أن يجدد القبول، و في الثاني تبطل الوصية كما تقدم، مع اشتراكهما في عدم حصول الملك فيهما- أن الملك بعد الموت و قبل القبول و ان لم يحصل على وجه اللزوم الذي لا يؤثر الرجوع في زواله، إلا أنه حاصل في الجملة، باعتبار أن القبول كما تقدم كاشف عن الملك السابق، أو جزء السبب، فالملك حاصل في الجملة، إلا أنه بقي موقوفا على القبول لا غير، فالرد حينئذ واقع في محله، و ملخصه أن التمليك من الموصي قد حصل، و بقي موقوفا على رضاه بذلك و قبوله، فإذا رده تبين عدم الرضا و القبول، فتبطل الوصية كما لو أوجب البائع البيع فرده المشترى و لم يقبل، و هذا بخلاف
394
الرد الواقع حال الحياة فإن الملك لم يحصل بالكلية و ان قبل في تلك الحال.
هذا كله فيما لو تعلق الرد بالجميع، أما لو رد بعضا و قبل بعضا فإنه يصح فيما قبله، و يبقى الكلام في البعض الذي رده، فبنى على الفروض المتقدمة من الرد في حال الحياة أو بعد الوفاة، قبل القبول أو بعده، مع القبض أو عدمه.
و بالجملة فإن الوصية لما كانت تبرعا محضا لم ترتبط أجزائها بعضها ببعض، فكما يصح قبولها جميعا يصح قبول بعضها، و يلزمه حكمه خاصة، و يلزم الآخر أيضا حكمة المتقدم، و هذا بخلاف البيع و نحوه من عقود المعاوضات، فإن البائع لو باعه جملة فقبل المشتري بعضها، وقع قبوله لاغيا، لأن الغرض فيه مقابلة أجزاء العوض بأجزاء المعوض، و البعض الذي اختص بالقبول غير مقصود للبائع إلا مقيدا بالجملة، بخلاف التبرع المحض، فان القصد إلى الجملة يتضمن القصد الى كل واحد من أجزائها منضمة و منفردة، و من ثم لو أوصى بما زاد على الثلث و لم يجز الوارث بطل في الزائد، و صح في قدر الثلث و ان قبل الموصى له لعدم الارتباط الذي بيناه، هكذا قيل.
و فيه نظر، فان ما ادعى من أنه لو قبل المشترى بعض الجملة المباعة دون بعض وقع لاغيا، لا دليل عليه شرعا، و ما علل به من هذا الوجه الاعتباري لا يصلح لتأسيس حكم شرعي، و لو تم ما ادعوه من الارتباط بين أجزاء المبيع فلا يصح في بعض دون بعض، للزم البطلان فيما لو باع ماله و مال غيره صفقة، فيبطل البيع في الجميع، مع أنه ليس كذلك، بل يصح البيع في ماله، و يختص البطلان بمال الغير، و يوزع الثمن بالنسبة كما تقدم ذكره في محله.
و به يظهر ما في قوله و من ثم لو أوصى بما زاد على الثلث الى آخره حيث جعل مناط الصحة في الثلث خاصة، و البطلان فيما زاد هو عدم الارتباط، مع أن مثله كما عرفت وارد في المبيع، و حينئذ فلا يتم ما ادعوه كليا.
و بالجملة فإن المدار في الأحكام الشرعية كيف كانت، انما هو على النصوص الشرعية، دون هذه التعليلات العقلية، و الله العالم.
395
المسئلة الخامسة [في انتقال حق قبول الوصية إلى ورثة الموصي له لو مات]:
الأشهر أنه لو مات الموصى له قبل القبول سواء مات في حياة الموصي أم بعد وفاته، فان وارثه يقوم مقامه في قبول الوصية، و تكون الوصية له كما كانت لمورثه، إلا أن يرجع الموصي في الوصية.
و يدل على هذا القول ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) في الصحيح عن محمد بن قيس (1) «عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أوصى لآخر و الموصى له غائب، فتوفي الذي أوصى له قبل الموصي، قال:
الوصية لوارث الذي أوصى له، قال و من أوصى لأحد شاهدا كان أو غائبا، فتوفي الموصى له قبل الموصي، فالوصية لوارث الذي أوصى له إلا أن يرجع في وصيته قبل موته».
و مورد هذه الرواية انما هو موت الموصى له في حياة الموصي، فلا يمكن الاستدلال بها على ما قدمنا من المدعى، و حينئذ فينبغي أن يجعل المدعى انه لو مات الموصى له في حياة الموصي قبل القبول، فهل تصح الوصية أم لا؟ فتكون الرواية المذكورة مستندا للقول بالصحة، إلا أن ظاهرهم أن محل الخلاف هو الأعم كما حررناه، و ربما كان المستند في تعميم الحكم ما لو مات بعد موت الموصى، هو الأولوية، و فيه ما فيه.
و طعن في هذه الرواية في المسالك و قبله العلامة في المختلف، بأن محمد بن قيس مشترك بين جماعة فيهم الضعيف و الثقة، قال في المسالك بعد نقل الرواية و هذه الرواية نص في الباب لو تم سندها، إذ لا يخفى أن محمد بن قيس الذي يروي عن الباقر (عليه السلام) مشترك بين الثقة و الضعيف و غيرهما، فكيف تجعل روايته مستند الحكم، إلا أن يدعوا جبرها بالشهرة على ما هو المشهور بينهم في ذلك، و فيه ما فيه.
أقول: الذي صرح به جملة من محققي متأخري المتأخرين منهم سبطه
____________
(1) الكافي ج 7 ص 13 ح 1، التهذيب ج 9 ص 230 ح 903، الفقيه ج 4 ص 156 ح 541، الوسائل ج 13 ص 409 ح 1.
396
السيد السند في شرح النافع و غيره أن محمد بن قيس هنا هو الثقة البجليّ، بقرينة عاصم بن حميد الراوي عنه، كما صرح به الشيخ في الفهرست، و حيثما يوجد هذا السند فإنهم ينظمونه في سلك الصحيح، و هذه المناقشة قد تكررت من شيخنا المذكور في المسالك في غير موضع، و هو غفلة محضة.
و بالجملة فالخبر صحيح صريح في المدعى، ثم ان أصحاب هذا القول عللوه أيضا زيادة على الخبر المذكور بناء على قواعدهم من التعليل بالعلل العقلية بأن القبول كان حقا للمورث فيثبت لوارثه بعد موته، كباقي الحقوق الموروثة من الخيار و الشفعة و غيرهما، و اعترضه في المسالك قال: و أما الاستدلال بكون القبول حقا للمورث، ففيه منع كلية الكبرى المدعية، أن كل حق يورث ان سلم أن القبول حق، فان حق القبول لا يورث في سائر العقود إجماعا، كما لو باع أو وهب فمات المشتري أو الموهوب قبل القبول، فقبل الوارث، و ان كان على الفور، فإنه لا يعتد به قطعا، فكذا هنا، انتهى.
أقول قد عرفت مما قدمناه آنفا أنه لا دليل على اعتبار هذا القبول الذي يدعونه، و لا على كون الوصية عقدا يتوقف على الإيجاب و القبول، كما هو المشهور بينهم، بل ربما دل ظاهر الصحيحة المذكورة هنا مضافا الى ما سلف من الأخبار على أنه بمجرد الوصية قد حصل الانتقال الى الموصى له، و ثبت له الحق، و ان كان متزلزلا مراعى بوفاة الموصي، إذ لا وجه للانتقال الى الوارث قبل موت الموصي، إلا بالتقريب الذي ذكرناه، و حينئذ فالموروث انما هو الوصية، لا القبول الذي ادعوه كما في عنوان المسئلة، فجعلوا محل الخلاف في أنه هل يورث القبول لو مات الموصى له قبل القبول أم لا؟ و صحيحة محمد بن قيس المذكورة ظاهرة فيما قلناه، حيث قال (عليه السلام) في الجواب «الوصية لوارث الذي اوصى له» أي أنه لما أوصى الى ذلك الرجل فمات الموصى له فهي لوارثه، ان لم يرجع الموصي فيها، فالموروث هو الوصية، لا القبول إذ لا دليل، بل لا إشعار في شيء من الأخبار به بالكلية، و الحمل على تقدير مضاف
397
في الكلام يعنى قبول الوصية لوارث الذي أوصى له خلاف الظاهر، و الأصل عدمه.
و نقل عن جماعة من الأصحاب منهم ابن الجنيد و العلامة في المختلف القول ببطلان الوصية في الصورة المذكورة، مستندين الى أن الوصية عقد يفتقر إلى إيجاب و قبول من الموجب له، فيبطل بموته.
و استندوا مع ذلك الى
صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن رجل أوصى لرجل فمات الموصى له قبل الموصى؟ قال: ليس بشيء».
و في الموثق عن منصور بن حازم (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أوصى لرجل بوصية أن حدث به حدث فمات الموصى له قبل الموصي؟ قال:
ليس بشيء».
أقول: أنت خبير بما في هذين الخبرين من الإجمال، و تعدد الاحتمال المانع من الاعتماد عليهما في الاستدلال، قال في المسالك: و الحق أن هاتين الروايتين لا صراحة فيهما في المطلوب، لأنهما كما يحتملان أن الوصية لا شيء يعتد به، بمعنى بطلانها، يحتمل إرادة أن الموت ليس بشيء ينقض الوصية، بل ربما كان الثاني أنسب بأسلوب الكلام، و تذكير الضمير المستتر في الفعل، و به يندفع التنافي بين الروايات، فيكون أولى، انتهى.
و الشيخ في التهذيبين حملهما على ما إذا رجع الموصي بعد موت الموصى له عن وصيته، فاما مع إقراره على الوصية، فإنها تكون لورثته، قال: و قد فصل ذلك في خبر محمد بن قيس السابق، و لا يخفى ما فيه من البعد عن الانطباق على سياق الكلام، و احتمل في الوافي حملهما على ما إذا كان هناك قرينة تدل على ارادة الموصى له بخصوصه، دون ورثته.
أقول: و يحتمل و لعله الأقرب حملهما على التقية كما ذكر في الوسائل،
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 231 ح 906، الوسائل ج 13 ص 410 ح 4.
(2) التهذيب ج 9 ص 231 ح 907، الوسائل ج 13 ص 410 ح 5.
398
قال: لانه مذهب أكثر العامة، و كيف كان فان الخبرين المذكورين لما عرفت لا يبلغان قوة المعارضة للصحيحة السابقة، و لعله لأجل ذلك جعلهما في المختلف مؤيدين، بعد أن علل البطلان بأن الوصية عقد يفتقر إلى الإيجاب و القبول، قال:
و قد بينا أن القبول المعتد به هو الذي يقع بعد الوفاة فصار الموت حينئذ فلا عبرة به، انتهى.
و فيه ما عرفت، و قيل هنا: قول ثالث بالتفصيل كما نقله في المسالك عن بعض الأصحاب، من أنه خص البطلان بما إذا مات الموصى له قبل الموصي عملا بمدلول هاتين الروايتين، قال: فلو مات بعده لم تبطل، للأصل و عدم المعارض.
أقول: لا يخفى أن هذه الروايات المذكورة انما تعارضت و تصادمت في موت الموصى له في حياة الموصي، فالصحيحة المتقدمة صريحة في الصحة و الانتقال الى الوارث، و الروايتان الأخريان على ما عرفت، من الإجمال و الاحتمال، و ان ادعى منهما الدلالة على البطلان.
و كيف كان فان حكم موت الموصى له بعد موت الموصي غير معلوم من هذه الأخبار، و حينئذ فيمكن أن يقال: ان مع موت الموصى له في حياة الموصي فالحكم الصحة، عملا بالصحيحة المذكورة، و أما بعد وفاته فالوجه في الحكم بالصحة أيضا هو ما ذكره هذا القائل بالتفصيل من أن الأصل الصحة، و لا معارض هنا لها، و يؤيده أيضا ما قدمناه في صدر المسئلة الرابعة (1) من صحيحة العباس بن عامر الدالة على موت الموصى له قبل قبض الوصية فأمر (عليه السلام) الوصي أن يطلب له وارثا ليدفع إليه الوصية، و ظاهر سياقها أن موته بعد موت الموصي كما هو محل البحث.
و رواية محمد بن عمر الساباطي (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) يعني الثاني عن رجل أوصى الي و أمرني أن أعطي عما له في كل سنة شيئا، فمات العم؟
فكتب (عليه السلام) أعط ورثته».
____________
(1) ص 392.
(2) الكافي ج 7 ص 13 ح 2، الوسائل ج 13 ص 410 ح 3.
399
و هذه الرواية أيضا ظاهرة في أن موت العم بعد موت الموصي، لأنه مع حياة الموصي لم يتحقق الملك للموصي له ليأمر بالدفع الى ورثته، و يؤكده أيضا أن المعطى و السائل انما هو الوصي الموصى إليه بتنفيذ الوصايا، و هو لا يكون إلا بعد موت الموصي كما هو ظاهر، و أما احتمال إرجاع الضمير في ورثته الى الرجل الموصي المسؤل عنه في صدر الخبر، فمن الاحتمالات السخيفة التي لا ينبغي النظر إليها.
و بالجملة فإن هذين الخبرين ظاهران في أن مع موت الموصى له بعد وفات الموصي: فإنه لا ريب في صحة الوصية، و أنها تدفع للموصى له، و لوارثه، لأنه استحقها و ملكها بالوصية و تحرر الملك، و لزم بموت الموصي، و مدلولهما غير ما دلت عليه الأخبار المتقدمة، فلا تنافي بين الجميع و لا تعارض، لان مدلول تلك كما عرفت موت الموصى له في حياة الموصي، و مدلول هذه بعد موت الموصي، و بما ذكرناه لك يظهر ضعف القول بالتفصيل المذكور، لأنه مبني على دلالة الروايتين المتقدمتين على بطلان الوصية، و قد عرفت ما فيه، و أن الأصح هو الصحة للصحيحة المتقدمة و عدم صراحة هاتين الروايتين المذكورتين في المنافاة، بل الظاهر من جميع هذه الروايات التي أوردناها في المقام هو الصحة، سواء مات الموصى له في حال حياة الموصي أو بعد موته بالتقريب الذي شرحناه.
و به يظهر أيضا ضعف القول بالبطلان كما ذهب إليه في المختلف، لدلالة هذين الخبرين على الصحة في صورة موت الموصى له بعد موت الموصي، و دلالة صحيحة محمد بن قيس على الصحة قبل موته، و هو قد حكم بالبطلان في الموضعين، و الله العالم.
المسئلة السادسة [في كيفية انتقال الوصية إلى الورثة]:
قال المحقق في الشرائع: فرع لو أوصى بجارية و حملها لزوجها و هي حامل منه، فمات قبل القبول، كان القبول للوارث، و إذا قبل ملك الوارث الولد، ان كان ممن يصح له تملكه، و لا ينعتق على الموصى له، لأنه لا يملك بعد الوفاة، و لا يرث أباه، لأنه رق، إلا أن يكون ممن ينعتق على الوارث الى آخره.
400
قال في المسالك بعد ذلك: هذا فرع على المسئلة السابقة المتضمنة لكون القبول موروثا، فإذا فرض كون الموصى به جارية و حملها، و الحال أن الحمل ولد الموصى له بتزويج أو غيره، ففرض المصنف كون الموصى له زوجا غير لازم، و يفرض كون الحمل رقا لمولى الجارية بالاشتراط على القول بصحته، و حينئذ فإذا مات الموصى له قبل القبول و قلنا بانتقال حقه الى وارثه، فقبل الوصية بهما، ملك الجارية و الولد، و لا ينعتق الولد لأن أباه لم يملكه، و انما انتقل ملكه الى الوارث ابتداء كما أشرنا إليه سابقا، نعم لو كان ممن ينعتق على الوارث كما لو كان الوارث ابنا و الحمل أنثى، انعتق عليه، انتهى المقصود من كلامه.
أقول: قد عرفت مما قدمناه أن ما يدعونه من القبول في هذا المقام مما لم يقم عليه دليل، ربما دلت ظواهر الأخبار على عدمه، و حينئذ فجميع ما يفرع على ذلك لا يخلو من الاشكال، و منه ما ذكروه هنا من أنه كما أن للموصى إليه التخيير في القبول و عدمه، كذلك يثبت للوارث التخيير في قبول الوصية و عدمه فلو مات الموصى إليه قبل القبول تخير الوارث بين القبول، فيملك ما أوصى به و عدمه فلا يملكه، و المفهوم من الروايات التي قدمناها في سابق هذه المسئلة هو أنه متى مات الموصى إليه في حياة الموصي أو بعد موت الموصي، فإن الوصية تنتقل الى الوارث انتقالا موجبا للملك، غير متوقف على شيء إلا موت الموصي ان مات الموصى إليه في حال حياته، فان ما اشتملت عليه صحيحة العباس بن عامر من أمره (عليه السلام) بطلب الوارث و الدفع اليه، ثم أمره بالصدقة عنه بعد تعذر الوقوف عليه أظهر ظاهر، و أصرح صريح في الانتقال اليه من غير توقف على شيء، و إلا لكان الأنسب أنه حيث تعذر الوارث فإنه ترجع الوصية إلى ورثة الموصي، لتعذر القبول الذي هو شرط عندهم بتعذر وجود الوارث، مع أنه (عليه السلام) مع تعذر الوارث أمر بالصدقة عنه، أو عن الموصى له، أو عن و هو صريح في ملك الموصى له و وارثه من بعده، بمجرد الوصية و موت الموصي، و كذلك حكمه (عليه السلام) في رواية محمد بن عمر
401
الساباطي بكونه لورثة العم، كان ينبغي تقييده ان قبلوا ذلك و إلا فلا، و كذلك حكمه (عليه السلام) في صحيحة محمد بن قيس بأن الوصية لوارث الذي أوصى له من غير استفصال بين قبوله و عدمه، و لو كان الأمر كما يدعونه لكان الواجب أن يقول ان الوصية له ان قبل، و إلا فلا.
و بالجملة فإنه لا يخفى على المتأمل في سياق الأخبار المذكورة سيما صحيحة العباس بن عامر أنه بموت الموصى إليه تنتقل الوصية إلى وارثه انتقالا صحيحا شرعيا موجبا للملك، غاية الأمر أنه ان كان الموت في حياة الموصي فإن الملك يكون مراعى بعدم رجوع الموصي في الوصية، كما دلت عليه صحيحة محمد بن قيس، و ان كان بعد موت الموصي فقد استقر الملك بحصول شروطه المتقدمة، و أما أنه للموصى له التخيير بين القبول و الرد كما زعموه، فقد عرفت أيضا ما فيه، من أنه لا دليل عليه إلا ما ذكروه من الوجوه الاعتبارية التي لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، و ما المانع من أن يكون بعد استكمال شروطه من قبيل الميراث، إذا اقتضته الأدلة، كما صرحوا به في الوصية لغير معين، من أنه ينتقل بمجرد الوصية و موت الموصى.
و بالجملة فإنك بالتأمل في الأخبار التي ذكرناها لا أظنك يعتريك الشك في صحة ما ذكرناه، لكن مخالفة المشهور مما يثقل في قلوب الجمهور، إذا عرفت ذلك فاعلم أنه يأتي على ما حررناه، من أن الوصية قد انتقلت الى الموصى له و وارثه انما تلقاها منه، و ورثها عنه، أن الجارية و ولدها هذا قد انتقلا الى الزوج، و بموجبه ينعتق الولد عليه، لأنه لا يملك ولده.
قوله في المسالك فيما قدمنا من عبارته: «و حينئذ فإذا مات الموصى له قبل القبول و قلنا بانتقال حقه الى وارثه. الى آخره».
فيه أنك قد عرفت من الأخبار التي كررناها، أن مقتضاها أن من أوصى بوصية إلى شخص فمات الموصى له قبل قبض الموصى به، فإنه تنتقل الوصية عنه الى وارثه، و يملك الوارث جميع ما ورثة الموصي له من غير تقييد بقبول، لا في
402
جانب الموصى له، و لا في جانب وارثه، و الوارث انما تلقى الملك عن مورثه، لا من حيث قبوله خاصة، و مقتضى ما ذكروه من أن الموصى له مات قبل القبول أنه لم يحصل له الملك، و الملك انما حصل لوارثه من حيث قبوله، فيكون الوارث قد ملك شيئا لم يملكه مورثه، و هذا خلف ظاهر، فان الوارث بالاتفاق إنما تلقى الملك من مورثه، فكيف يملك هنا شيئا لم يملكه مورثه، حتى أنهم يفرعون عليه عدم انعتاقه الولد، لعدم دخوله في ملك الأب.
ثم انه أي حق للموصى له لو مات قبل القبول ليرثه وارثه، فإنه إذا كان القبول عندهم شرطا في صحة الملك أو جزء السبب و لم يحصل، فإنه لا يحصل الملك، و بموجبه تبطل الوصية، فليس هنا شيء يرثه الوارث بالكلية.
فإن قيل: انه بالوصية يملكه ملكا متزلزلا لا يستقر إلا بالقبول، فلما مات الموصى له قبل القبول ورث الوارث ذلك الملك المتزلزل عنه، و ورث حق القبول الذي كان للموصى له، فإذا قبل ذلك استقر الملك له.
قلنا: أما إرثه الملك المتزلزل فممكن، و أما إرثه حق القبول، فغير مسلم و قد تقدم ذلك في كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، كما قلناه في سابق هذه المسئلة في الجواب عن ذلك الدليل العقلي المذكور ثمة.
و بالجملة فإن مقتضى الأخبار التي ذكرناها انما هو انتقال الوصية الى الموصى له أولا، و أنه يملكها، و ان اقترن الملك بين موت الموصى له في حياة الموصي أو بعد موته كما تقدم، ثم بعد موته ينتقل الى وارثه، و حينئذ فيجب الحكم بانعتاق الولد في الصورة المفروضة، و هذا من جملة ما يتفرع على الخلاف بين كلامهم، و بين ما يظهر من الأخبار الجارية في هذا المضمار.
المسئلة السابعة [في عدم لزوم الوصية ما دام الموصي حيا]:
قد صرحوا بأن الوصية عقد جائز من طرف الموصي ما دام حيا، سواء كانت الوصية بمال أو ولاية، و يتحقق الرجوع بالتصريح، و بفعل ما ينافي الوصية، فلو باع ما أوصى به أو أوصى ببيعه أو وهبه و أقبضه، أو رهنه كان ذلك رجوعا، و كذا لو تصرف فيه تصرفا أخرجه عن مسماه.
403
أما لو أوصى بخبز فدقه فتيتا لم يكن ذلك رجوعا.
أقول: ما ذكروه من أن الوصية عقد جائز من طرف الموصي ما دام حيا مما لا خلاف فيه نصا و فتوى، أما الثاني فلأنه لا خلاف كما نقله في المسالك و غيره في جواز رجوع الموصي في وصيته ما دام حيا، و لو كانت لازمة لامتنع ذلك.
و أما الأول: فلأخبار كثيرة، منها ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن عبيد بن زرارة (1) قال: «قد سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول. للموصي أن يرجع في وصيته ان كان في صحة أو مرض».
و عن بريد بن معاوية (2) في الموثق «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: لصاحب الوصية أن يرجع فيها و يحرث في وصيته ما دام حيا».
و عن عبد الله بن مسكان (3) في الصحيح «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن المدبر من الثلث و أن للرجل أن ينقض وصيته، فيزيد فيها و ينقص منها ما لم يمت».
و عن محمد مسلم (4) في الصحيح «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: المدبر من الثلث و قال: للرجل أن يرجع في ثلثه ان كان أوصى في صحة أو مرض».
و عن يونس (5) عن بعض أصحابه قال: «قال علي بن الحسين (عليه السلام) للرجل أن يغير وصيته فيعتق من كان أمر بملكه، و يملك من كان أمر بعتقه، و يعطي من كان حرمه، و يحرم من كان أعطاه ما لم يمت و يرجع فيه».
و ما رواه
في الفقيه عن محمد بن عيسى بن عبيد (6) «قال كتبت الى
____________
(1) الكافي ج 7 ص 12 ح 1، الفقيه ج 4 ص 147 ح 509 التهذيب ج 9 ص 189 ح 760، الوسائل ج 13 ص 386 ح 3.
(2) الكافي ج 7 ص 12 ح 2، الفقيه ج 4 ص 147 ح 508 التهذيب ج 9 ص 190 ح 761، الوسائل ج 13 ص 386 ح 4.
(3) الكافي ج 7 ص 12 ح 3، التهذيب ج 9 ص 190 ح 732.
(4) الكافي ج 7 ص 22 ح 3.
(5) الكافي ج 7 ص 13 ح 4.
(6) الفقيه ج 4 ص 173 ح 607.
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 385 ح 1 و ص 389 ح 1 و ص 385 ح 2 و ص 387 ح 6.
404
علي بن محمد (عليهما السلام) رجل أوصى لك جعلني الله فداك بشيء معلوم من ماله أوصى لأقربائه من قبل أبيه و أمه، ثم انه غير الوصية فحرم من أعطاه و أعطى من حرمه أ يجوز له ذلك؟ فكتب (صلوات الله عليه) هو بالخيار في جميع ذلك الى أن يأتيه الموت».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة في الموثق عن إسحاق بن عمار (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل كانت له عندي دنانير، و كان مريضا فقال لي: ان حدث بي حدث فأعط فلانا عشرين دينارا، و أعط أخي بقية الدنانير، فمات و لم أشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي: أنه أمرني أن أقول لك: انظر الدنانير التي أمرتك أن تدفعها الى أخي فتصدق منها بعشرة دنانير اقسمها في المسلمين، و لم يعلم أخوه أن له عندي شيئا، فقال: أرى أن تصدق منها بعشرة دنانير كما قال».
الى غير ذلك من الأخبار، و كتب بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين في حواشيه على هذا الخبر الأخير ما صورته: العمل بخبر العدل الواحد في مثل ذلك لا يخلو من اشكال إلا أن يحمل على حصول العلم بالقرائن المنضمة إلى اخباره، و يمكن أن يقال: انما حكم (عليه السلام) بذلك في الواقعة المخصوصة لعلمه بها، انتهى.
أقول: لا يخفى على من تتبع الأخبار حق التتبع، أن المستفاد منها انما هو قبول قول العدل الواحد في غير موضع من الأحكام، و من ذلك هذا الخبر.
و من ذلك أيضا ما رواه
الشيخ في الموثق عن سماعة (2) قال: «سألته عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها، فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال: إنها امرأتي، و ليست لي بينة، فقال: ان كان ثقة فلا يقربها، و ان كان غير ثقة لم يقبل منه»،.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 64 ح 27، التهذيب ج 9 ص 237 ح 923، الفقيه ج 4 ص 175 ح 614، الوسائل ج 13 ص 482 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 461 ح 53، الوسائل ج 14 ص 226 ح 2.
405
و ظاهره كما ترى، النهي عن نكاحها الذي هو حقيقة في التحريم، و ليس ذلك إلا من حيث افادة قول الثقة العلم، كالشاهدين، و التأويل بالحمل على الكراهة يحتاج الى المعارض، و هو منتف، و المعاضد له موجود، و من ذلك ما تقدم في كتاب الوكالة من
صحيح هشام بن سالم (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال فيه «ان الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض أبدا، و الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة»،.
و الأصحاب قد صرحوا بأنه لا ينعزل الوكيل إلا مع العلم بالعزل، و الخبر ظاهر أن اخبار الثقة كالمشافهة للعزل في إفادة العلم بالعزل، و من ذلك حملة من الأخبار الدالة على جواز وطء الأمة المشتراة بغير استبراء إذا كان البائع عدلا قد أخبر بالاستبراء (2)، و يؤيده الأخبار الدالة على الاعتماد على أذان الثقة في دخول الوقت (3) الى غير ذلك من المواضع التي تقف عليها المتتبع البصير، و لا ينبئك مثل خبير.
[في كيفية الرجوع في الوصية]
ثم انهم ذكروا ان الرجوع في الوصية و نحوها من العقود الجائزة قد يكون بالفعل و بالقول، اما صريحا أو استلزاما أو باعتبار إشعاره بإرادة الرجوع، فهذه أقسام أربعة:
أحدها- القول الصريح
، كقوله رجعت في الوصية الفلانية، أو نقضتها أو فسختها، أو لا تعطوها ما أوصيت به، أو يقول هو «يعنى الموصى به» لفلان، أو لوارثي، أو من جملة ميراثي.
و
ثانيها- بيع العين التي أوصى بها
، و اللازم من البيع نقل العين إلى المشتري، و يمتنع مع ذلك بقاء الوصية، و كذا عتق المملوك، و كتابته، فان مقتضاهما قطع السلطنة عن المملوك التي من جملته الوصية به، و كذا الهبة
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 213 ح 503. الوسائل ج 13 ص 286 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 472 ح 4. الوسائل ج 13 ص 38 ح 2.
(3) الوسائل ج 4 ص 618 الباب 3.
406
المقرونة بالإقباض، أما لا معه فهي من القسم الآتي.
و
ثالثها- فعل ما يدل على ارادة الرجوع
و ان لم يكن صريحا، و يتحقق بفعل مقدمات الأمور التي لو تحققت لناقضت الوصية، و منه الهبة قبل القبض كما عرفت، و العرض على البيع مريدا له، فإنه قرينة دالة على ارادة الرجوع عن الوصية، و لو دلت القرائن في شيء من هذه المواضع على عدم ارادة الرجوع بذلك، بل كان الغرض أمرا آخر، عول على تلك القرائن، لضعف هذا القسم، حيث ان مناطه القرينة، و يشكل الحال لو اشتبه الفرض من الطرفين.
و
رابعها- الفعل المبطل للاسم الذي هو متعلق الوصية
، كما لو أوصى له بحنطة معينة فطحنها، أو بدقيق فعجنه، أو بعجين فخبزه أو بقطن فغزله، أو بغزل فنسجه، أو بدار فهدمها بحيث خرجت به عن اسمها، أو بزيت فخلطه بغير جنسه، بحيث لم يتميز، و وجه البطلان في جميع ذلك ان متعلق الوصية في جميع ذلك هو المسمى الخاص، و قد زال، مضافا الى إشعار هذه الأفعال بالرجوع، إلا أن تدل هناك قرينة على خلاف ذلك، كأن يفعل لمصلحة العين، و قصد بقاءها و حفظها، كدفع الدود عن الحنطة، و خبز العجين خوفا من فساده و ضياعه، و خلطه كذلك، و نحو ذلك، فان مرجع هذه الأمور إلى القرائن المقرنة بها نفيا و إثباتا، و لو وقع الفعل من غير الموصى بغير اذنه، لم يقدح في صحة الوصية، لانتفاء المقتضي.
قالوا: و لو خلط الزيت بمماثله جنسا فان كان الغير أجود فظاهرهم القطع بكونه رجوعا، لاشتمال حصته على زيادة، و لم يحصل منه الرضا ببدلهما مع عدم إمكان فصلها، و ان خلطه بمساوئ أو أردى فالمفهوم من كلام بعضهم أنه لا يكون رجوعا، لبقاء المال و عدم اشتماله على وصف مانع.
قال في المسالك: و هو ظاهر مع المساواة، و مع الأردى يكون القدر الناقص من الوصف بمنزلة إتلاف الموصي له، فيبقى الباقي على الأصل انتهى، و أطلق جماعة من الأصحاب كون الخلط موجبا للرجوع، قال في المسالك: و هو حسن مع
407
انضمام قرينة تدل عليه.
هذا كله فيما لو كان الموصى به معينا كهذه الحنطة و هذا الزيت، و نحو ذلك، أما لو كان مطلقا كأن يوصى له بأصواع من حنطة أو زيت أو نحو ذلك، ثم يطحن ما عنده في بيته أو يمزج أو نحو ذلك فان ذلك لا يكون رجوعا، لعدم اختصاص الموصى به بذلك، بل لو لم يوجد ذلك عنده لوجب شراؤه، فلا يضر التغير فيما عنده، و أما أنه لو أوصى بخبز فدقه فنيتا لم يكن ذلك رجوعا، فعلل بأن هذا الفعل لا يدل على الرجوع، إلا بالقرينة، مضافا الى أصالة بقائها على حالها، و علل أيضا ببقاء اسم الخبز.
قال في المسالك: و فيه نظر، و لم يبين وجهه، نعم لو استفيد من القرائن إرادة الرجوع به عمل بها، و نقل عن القواعد أنه استشكل الحكم في ذلك و ألحق بذلك جعل القطن محشوا في فراش و تجفيف الرطب تمرا و تقديد اللحم.
قيل و وجه الاشكال ما تقدم، و من دعوى أن ظاهر هذه الأفعال يؤذن بالاستيثار بها، فالظاهر أن الأقرب في ذلك ما تقدم نقله عن المسالك من أن هذه الأمور غير مفيدة للرجوع إلا مع القرينة، كل ذلك مع التعيين كما تقدم، و أما مع الإطلاق فلا، بل يجب تحصيل غيره، و لو من غير التركة، هذا ملخص كلامهم في المقام، و الله العالم.
المقصد الثاني في الموصى:
و الكلام يقع فيه في مقامات ثلاثة
[المقام] الأول [في بيان شرائط الموصي]:
اشترط جملة من الأصحاب في الموصى الكمال بالبلوغ و العقل و رفع الحجر، و مقتضاه عدم صحة وصية غير البالغ، و ان كان مميزا مع أن كثيرا من الأخبار دل على صحة المميز و ان لم يبلغ، و هو أحد الأقوال في المسئلة أيضا، و أما العقل فيخرج به المجنون و السكران، و الغير الرشيد كالسفيه، مع أن لهم في السفيه اختلافا، فنقل في
408
الدروس عن المفيد و سلار و الحلبي عدم نفوذ وصيته إلا في البر و المعروف، و عن ظاهر ابن حمزة عدم نفوذها مطلقا، و عن الفاضل أنه أنفذها مطلقا تارة، و منعها مطلقا أخرى، قال: و في حكمه من جرح نفسه للموت، و أما رفع الحجر فيخرج به العبد، لأنه و ان قيل بملكه فهو محجور عليه، كما تقدم تحقيقه في كتاب البيع (1) قال في الدروس: و لو أعتق ففي نفوذها قولان للفاضل، قال: و أولى بالنفوذ إذا علق الوصية على حريته، هذا و أما ما وقع الخلاف فيه مما تقدمت الإشارة إليه فتفصيل الكلام في ذلك أنه قد سوغ الشيخ في النهاية، وصية الصبي في المعروف إذا كان له عشر سنين إذا كان وضع الشيء مواضعه، و مردودة في غير البر، و متى كان سنه أقل من ذلك لم تجز وصيته، قال: و قد روي أنه إذا كان ابن ثمان سنين جازت وصيته في الشيء اليسير في أبواب البر، و الأول أحوط و أظهر، و كذا يجوز صدقة الغلام إذا بلغ عشر سنين، و هبته و عتقه إذا كان بالمعروف في وجه البر، و اما ما يكون خارجا عن ذلك فليس بممضى على حال، و بذلك قال ابن البراج.
و قال الشيخ المفيد: إذا بلغ الصبي عشر سنين جازت وصيته في المعروف في وجوه البر، و كذلك المحجور عليه لسفه إذا أوصى في بر أو معروف جاز وصيته، و لم يكن لوليه الحجر عليه في ذلك، و لا تجوز وصية الصبي و المحجور عليه فيما يخرج من وجوه البر و المعروف، و هبتهما باطلة، و وقفهما و صدقتهما كوصيتهما جائزة إذا وقعا موقع المعروف.
و قال سلار: السفيه لا تمضى وصيته إلا في وجوه البر و المعروف خاصة، و الصبي ان بلغ عشر سنين جازت وصيته أيضا في البر و المعروف خاصة، و لا تمضي هبته و لا وقفه، و كذلك السفيه.
و قال أبو الصلاح: لا تمضي وصية من لم يبلغ عشر سنين، و المحجور عليه
____________
(1) ج 19 ص 397.
409
إلا ما تعلق بأبواب البر.
و قال ابن الجنيد: إذا أوصى الصبي و له ثمان سنين و الجارية و لها سبع.
سنين بما يوصى به البالغ الرشيد جاز.
و قال ابن حمزة: انما تصح وصية الحر البالغ كامل العقل أو في حكمه، و نفاذ تصرفه في ماله، و حكم كمال العقل يكون للمراهق الذي لم يضع الأشياء في غير مواضعها، فان وصيته و صدقته و عتقه و هبته بالمعروف ماضية دون غيرها.
و قال محمد بن إدريس: الذي يقتضيه أصول مذهبنا أن وصية غير المكلف البالغ غير صحيحة، سواء كانت في وجوه البر أو غير وجوه البر، و كذلك صدقته و عتقه و هبته، لان وجود كلام الصبي غير البالغ كعدمه، و لأنه بلا خلاف محجور عليه، غير ماض فعله في التصرف في أمواله بغير خلاف بين الأمة، و لقوله تعالى (1) «وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ» فأمرنا بالدفع للأموال إليهم بعد البلوغ، و هو في الرجال الاحتلام أو الإنبات، أو خمس عشر سنة، و في النساء الاحتلام أيضا أو الإنبات أو بلوغ تسع سنين، أو الحمل أو الحيض مع إيناس الرشد وحده، أن يكون مصلحا لماله، مصلحا لدينه و من أجاز شيخنا وصيته و عتقه و هبته ليس كذلك،
لقوله (عليه السلام) (2) «رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم»،.
و رفع القلم عنه يدل على أنه لا حكم لكلامه، و انما هذه أخبار آحاد أوردها في النهاية إيرادا.
أقول: و الواجب أولا كما هي قاعدتنا في الكتاب نقل جملة الروايات الواردة في هذا الباب و الكلام في ذلك بتوفيق الملك الوهاب، فمن الأخبار ما رواه
الصدوق في الصحيح عن أبى عمير عن أبان عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيته».
و رواه الكليني أيضا بسند غير نقي.
____________
(1) سورة النساء- الآية 6.
(2) الوسائل ج 1 ص 32 الباب 4 ح 10.
(3) الفقيه ج 4 ص 145 ح 501، الكافي ج 7 ص 28 ح 1، الوسائل ج 13 ص 429 ح 3.
410
و ما رواه
المشايخ الثلاثة بأسانيدهم عن زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنه يجوز له في ماله ما أعتق أو تصدق أو أوصى على حد معروف و حق فهو جائز».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب في الموثق عن منصور بن حازم (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن وصية الغلام هل تجوز؟ قال: إذا كان ابن عشر سنين جازت وصيته».
و عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله في الموثق (3) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال:
إذا بلغ الصبي خمسة أشبار أكلت ذبيحته، و إذا بلغ عشر سنين جازت وصيته».
و عن أبي بصير و أبى أيوب (4) في الموثق «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الغلام ابن عشر سنين يوصي؟ قال: إذا أصاب موضع الوصية جازت».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله تعالى مراقدهم) في الصحيح عن محمد بن مسلم (5) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان الغلام إذا حضره الموت فأوصى و لم يدرك جازت وصيته، لأولي الأرحام، و لم تجز للغرماء».
و عن أبى بصير (6) في الصحيح و الظاهر أنه المرادي «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا بلغ الغلام عشر سنين فأوصى بثلث ماله في حق جازت وصيته، فإذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حق جازت وصيته».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب في الموثق عن محمد بن مسلم (7) عن
____________
(1) الكافي ج 7 ص 28 ج 1، التهذيب ج 9 ص 181 ح 729، الفقيه ج 4 ص 145 ح 502.
(2) التهذيب ج 9 ص 182 ح 730، الوسائل ج 13 ص 429 ح 3 و 4 و ص 430 ج 7.
(3) التهذيب ج 9 ص 181 ح 726.
(4) التهذيب ج 9 ص 181 ح 727.
(5) التهذيب ج 9 ص 181 ج 728. الكافي ج 7 ص 28 ج 2.
(6) التهذيب ج 9 ص 182 ح 732، الفقيه ج 4 ص 145 ح 503.
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 429 ح 5 و 6 و ص 428 ح 1 و 2.
(7) التهذيب ج 9 ص 182 ح 733، الوسائل ج 15 ص 325 ح 5.
411
أحدهما (عليهما السلام) قال: يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل، و وصيته و صدقته و ان لم يحتلم».
هذا ما حضرني من أخبار المسئلة و هي ظاهرة الدلالة فيما ذكره المشايخ المتقدم ذكرهم، و هو ظاهر الصدوق (قدس سره) أيضا حيث نقله جملة منها في كتابه من غير تعرض لردها، و لا الطعن فيها بوجه، و به يظهر ضعف ما ذكره ابن إدريس و ما تعلق به من الأدلة الدالة على الحجر على الصبي حتى يبلغ، يمكن تخصيصها بهذه الأخبار، فإنها مع تعددها و صحة أكثرها و رواية المشايخ الثلاثة لها و قول الطائفة بها لا يمكن التجاسر على ردها و إطراحها بالكلية، كما هو مقتضى كلامه، و لكنه صحيح على أصله الغير الأصيل، و قاعدته المخالفة لما عليه كافة العلماء جيلا بعد جيل.
و ظاهر العلامة في المختلف الميل الى مذهب ابن إدريس هنا، و ان لم يصرح باختياره، حيث قال بعد نقل ما قدمنا من الأقوال، و نقل جملة من روايات المسئلة ما لفظه: و هذه الروايات و ان كانت متظافرة، و الأقوال مشهورة، لكن الأحوط عدم إنفاذ وصيته مطلقا حتى يبلغ، لعدم مناط التصرف في المال عنه، انتهى.
و الى ذلك يميل أيضا كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، بل ربما ظهر منه اختياره حيث قال: و ابن إدريس سد الباب و اشترط في جواز الوصية البلوغ كغيرها و نسبه الشهيد في الدروس الى التفرد بذلك، و لا ريب أن قوله هو الأشبه لأن هذه الروايات التي دلت على الحكم و ان كان بعضها صحيحا إلا انها مختلفة، بحيث لا يمكن الجمع بينها، و إثبات الحكم المخالف للأصل بها مشكل، انتهى.
أقول: لا يخفى على المتأمل في هذه الأخبار و هي أخبار المسئلة كملا أنه متى ضم بعضها الى بعض مطلقها الى مقيدها، و مجملها الى مفصلها، و عامها الى خاصها، فإنه ينتج منها جواز وصية ابن عشر سنين، إذا كان ذا تمييز: و كانت وصيته موافقة لوصية العقلاء من وضع الأشياء مواضعها، و هو المشار إليه بالوصية بالمعروف
412
يعنى بين العقلاء، و هذا أمر متفق عليه منها، باعتبار ما قلناه من ضم بعضها الى بعض، و اختلافها في ما عدا ذلك لا يوجب ردها فيما اتفقت فيه.
و بذلك يظهر ما في قوله أنها مختلفة لا يمكن الجمع بينها، فإنه على إطلاقه ممنوع، و ممن قال بالقول المشهور و جزم به المحقق و شيخنا الشهيد.
و أما ما ذكره في المختلف من أن الأحوط عدم إنفاذ وصيته مطلقا، فإنه قد اعترضه شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد بأن الاحتياط للوارث مع عدم الحجر عليه إنفاذها، اللهم إلا إن يريد بذلك أن الأحوط للموصى له أن لا يقبل وصية الصبي و فيه بعد، مع إمكان كون الوصية في جهة عامة أو لطفل مولى عليه، فلا يتصور الاحتياط هنا، و ان أراد به معنى آخر فلا بد من افادته، و اقامة الدليل عليه.
و بالجملة فالإقدام على رد ما تظاهرت به الفتوى و اشتهرت به الرواية من طريق أهل البيت (عليهم السلام) مشكل، انتهى و هو جيد نفيس.
و أما ما تقدم نقله عن الدروس من الخلاف في السفيه بما ذكره، فلم أقف له في الأخبار على أثر.
و أما ما تقدم نقله عن ابن الجنيد، فالظاهر أن مستنده فيه
رواية الحسن بن راشد (1) عن العسكري (عليه السلام) قال: إذا بلغ الغلام ثماني سنين فجائز أمره في ماله و قد وجب عليه الفرائض و الحدود، و إذا تم للجارية سبع سنين فكذلك،.
و ظاهرها هو حصول البلوغ لكل من الصبي و الصبية ببلوغ الثمان و السبع، و هو مخالف لإجماع المسلمين و أخبارهم، و ابن الجنيد هنا اقتصر على الوصية. و لا وجه لتخصيصها بالذكر، فإنه ان عمل بالرواية وجب عليه القول بجميع ما اشتملت عليه، و ان خالف إجماع المسلمين و اخبارهم، و إلا فالواجب طرحها و إرجاعها إلى قائلها، و الله العالم.
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 183 ح 736، الوسائل ج 13 ص 321 ح 4.
413
المقام الثاني [في عدم نفوذ وصية من جرح نفسه بما فيه هلاكه]:
قد صرحوا بأنه لو جرح الوصي نفسه بما فيه هلاكها ثم أوصى، فإنه لا تقبل وصيته، و لو أوصى قبل ذلك قبلت، و تدل على ذلك
صحيحة أبي ولاد (1) المروية بطرق المشايخ الثلاثة (قدس الله أرواحهم)قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها، قيل له:
أ رأيت ان كان أوصى بوصية ثم قتل نفسه متعمدا من ساعته تنفذ وصيته؟ قال:
فقال: ان كان أوصى ان يحدث حدثا في نفسه من جراحة أو فعل لعله يموت، أجيزت وصيته في الثلث و ان كان أوصى بوصية بعد ما أحدث في نفسه من جراحة أو فعل لعله يموت لم تجز وصيته».
و هي مع صحة سندها صريحة في المراد، و ما ذكرناه من بطلان الوصية إذا وقعت بعد الفعل المذكور، هو المشهور بين الأصحاب (رضي الله عنهم) و به صرح الشيخان و أبو الصلاح و ابن البراج، و نقله ابن الجنيد رواية عن الصادق (عليه السلام) و قال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصولنا و تشهد بصحته أدلتنا أن وصيته ماضية صحيحة إذا كان عقله ثابتا عليه.
و احتج في المختلف على القول المشهور زيادة على الصحيحة المذكورة، قال لنا: أنه سفيه فلا ينفذ تصرفه، و لأنه في حكم الأموات، فلا يتصرف في مال غيره، و لأنه قاتل نفسه، فلا يتصرف في ماله، كالوارث لو قتله منع منه.
و اعترضه في المسالك: فقال: و الكل ضعيف، أما السفه فلأن الفرض انتفائه و ثبوت رشده، و ان اشترطنا انتفائه في غيره، و من الجائز أن يفعل بنفسه ذلك لعارض ثم يرجع اليه رشده لو فرض زوال حالته، و أما عدم استقرار حياته فيكون في حكم الميت فليس بشرط، و الأصل يقتضي نفوذ تصرف الحي العاقل الجامع لباقي الشرائط مطلقا، و النصوص الدالة على نفوذ المريض مطلقا متناولة له،
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 207 ح 820 و فيه «قلت له»، الفقيه ج 4 ص 150 ح 522 و ليس فيهما «لعله يموت»، الكافي ج 7 ص 45 ح 1، الوسائل ج 13 ص 441 الباب 52.
414
و القياس على عدم حل المذبوح حينئذ لأنه بمنزلة الميت فاسد، ان سلم الأصل و سيأتي ان شاء الله تعالى ما فيه في بابه، و من ثم وجبت الدية على قاتله في هذه الحالة، و حكم اللحم حكم آخر، و أما حديث منع القاتل عن الميراث و جعل الوصية كالميراث فواضح الفساد، فلم يبق إلا العمل بالنص الصحيح ان اقتضاه أصل المعنى، أو رده بأحد الوجوه المقتضية له، ككونه آحادا أو مخالفا للأصول كما اختاره ابن إدريس (رحمه الله عليه) محتجا على الصحة بأنه حي عاقل مكلف، و بالنهي عن تبديل الوصية بعد سماعها بالقرآن الذي هو حجة المتناول بعمومه لمحل النزاع، أو بمنع تخصيص القرآن بخبر الواحد. و لكلام ابن إدريس وجه وجيه، و ان كان الوقوف مع المشهور و العمل بالنص الصحيح أقوى، انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول: ما ذكره في رد الوجوه العقلية التي استدل بها العلامة جيد، و انما الكلام في قوله نقل حجة ابن إدريس: و لكلام ابن إدريس وجه وجيه، و بنحو ذلك أيضا صرح في المختلف بعد نقل حجة ابن إدريس المذكورة، فقال: و قول ابن إدريس (رحمه الله عليه) لا بأس به.
و أنت خبير بأن مرجع ترجيحها لمذهب ابن إدريس في هذه المسئلة و في سابقتها الى أن مذهب ابن إدريس هو الأوفق بالأصول و الآيات القرآنية، و لهذا ان شيخنا المذكور في الروضة في المسئلة السابقة قال: ان قول المشهور مستند الى روايات متضافرة، بعضها صحيح، إلا أنها مخالفة لأصول المذهب و الاحتياط، و فيه أنه لا يخفى على المتتبع للأحكام أن ما ذكروه هنا لا خصوصية له بهذا المقام، و نظائره في الأحكام أكثر من أن يأتي عليه قلم الإحصاء، أو يدخله العد و الاستقصاء، و ها أنا أذكر لك ما خطر بالبال العليل مما هو من هذا القبيل، فمن ذلك مسئلة الحبوة فقد دلت الآيات و الروايات على أن ما خلفه الميت يكون ميراثا لجميع الورثة، مع أنهم قد عملوا بأخبار الحبوة، و خصصوا بها تلك الأدلة من الآيات و الروايات، و من ذلك ميراث الزوجة فإنهم قد اتفقوا على حرمانها من
415
بعض التركة، و ان اختلفوا في ذلك زيادة و نقصانا، مع دلالة الآيات و الروايات على ميراثها من جميع ما يخلفه الميت، مع أنهم قد خصصوا تلك الأدلة بهذه الروايات، و من ذلك من عقد على امرأة، و مات في مرضه قبل الدخول بها، فان مقتضى الأصول من الآيات و الروايات أنها ترثه، لأنها زوجة بلا خلاف، مع أن صحيح زرارة (1) قد دل على المنع من ذلك، فقالوا بمضمونه و خصصوا به تلك الأدلة، و هي رواية واحدة، و ان كانت صحيحة كما هو في الموضع الثاني من هذين الموضعين.
و من ذلك ما إذا طلق الرجل امرأة في مرضه الذي مات فيه، فإنها ترثه إلى سنة، و ان خرجت من العدة أو كان الطلاق بائنا ما لم يبرأ من مرضه، أو تتزوج فإن مقتضى الأصول كتابا و سنة، أنها بعد الخروج من العدة أو كون الطلاق بائنا تكون أجنبية لا سبب و لا نسب بينها و بينه، فكيف ترثه مع ان الرواية (2) قد دلت على الإرث كما عرفت، و قالوا بمضمونها مع أنها أشد شيء في الخروج عن قواعد المذهب.
و من ذلك أخبار التخيير في المواضع الأربعة، فإن مقتضى الأصول من الآيات و الروايات وجوب التقصير على المسافر كائنا ما كان، مع أنهم قد خصصوا بهذه الأخبار، و لهذا صارت أخبار هذه المسئلة مثل أخبار الحبوة من خواص مذهب الشيعة الى غير ذلك من المواضع، و هؤلاء الأفاضل من جملة من قال بما ذكرناه في هذه المسائل، و لم ينكر ذلك كما أنكره هنا، و الجميع كما عرفت من باب واحد.
و بذلك يظهر لك ضعف ما ذهب اليه ابن إدريس و من تبعه، و موضع الخلاف فيما إذا تعمد ذلك كما هو صريح الصحيحة المتقدمة، و كذا كلام الأصحاب،
____________
(1) الكافي ج 6 ص 123 ح 12.
(2) الكافي ج 7 ص 134 ح 5.
و هما في الوسائل ج 17 ص 537 ح 3 و ص 533 ح 2.
416
فلو وقع ذلك عن خطأ أو سهو لم تمتنع وصيته إجماعا، كما نقله في الروضة.
المقام الثالث [حكم الوصية بالولاية]:
المشهور بين الأصحاب (رضي الله عنهم) أنه لا تصح الوصية بالولاية على الأطفال إلا من الأب أو الجد للأب خاصة، و قال ابن الجنيد: الأب الرشيد أولى بأمر ولده الأطفال من كل أحد، و كذا الأم الرشيدة بعده، و هو ظاهر في أن لها الولاية كالأب إذا كانت رشيدة، و رده الأصحاب بالضعف و الشذوذ.
قال في المسالك: لما كانت الولاية على الغير من الأحكام المخالفة للأصل، إذ الأصل عدم جواز تصرف الإنسان في مال غيره بغير اذنه أو ما في معناه، وجب الاقتصار في نصب الولي على الأطفال على محل النص أو الوفاق، و هو نصب الأب أو الجد له، فلا يجوز للحاكم و ان كان وليا عليهم، ان ينصب بعده عليهم وليا، لأن ولايته مقصورة عليه حيا، فإذا مات ارتفع حكمه، و ان جاز له أن يوكل حيا عليهم، لأن له الولاية حينئذ، و يشمل إطلاق المنع من تولية غيرهما الوصي من أحدهما، فليس له أن يوصى عليهم بالولاية مع عدم نصهما على ذلك على أصح القولين، و سيأتي ان شاء الله تعالى، أما مع النص فتولية الوصي في معنى تولية أحدهما، لصدوره عن اذنه كما جازت ولاية الوصي ابتداء عنهما.
ثم أنه بعد ذلك أشار الى خلاف ابن الجنيد الذي قدمنا ذكره، حيث ان المصنف أفرده بالذكر، فقال: و لا ولاية للأم، و لا يصح منها الوصية عليهم، فقال الشارح: و انما خص الأم بالذكر بعد دخولها في السابق لإثبات ابن الجنيد (رحمة الله عليه) الولاية لها مع رشدها بعد الأب، و هو شاذ.
أقول: و مما فرعوا على الكلام المتقدم و هو أن الولاية على الصغار مخصوصة بالأب و الجد له و ان علا، دون غيرهما ما لو أوصت الأم أو أحد الأقارب لطفل بمال و نصب قيما يصرف المال على الطفل المذكور في مصالحه و ما يحتاج إليه، فإن للأب أو الجد انتزاعه عن ذلك القيم، بمعنى أن الوصية بالمال صحيحة، و لكن نصب القيم باطل، لأن ولاية الأب و الجد شرعية، فلا يعارضها وصية ذلك الوصي.
417
قال في الدروس: و لا ولاية للأم على الأطفال، فلو نصبت عليهم وليا لغى، و لو أوصت لهم بمال، و نصبت عليه قيما لهم صح في المال خاصة، ثم نقل قول ابن الجنيد، و سيأتي ان شاء الله تعالى ما يزيد المقام تحقيقا.
المقصد الثالث في الموصى به:
و فيه مسائل
[المسألة] الأولى [ما يعتبر في الموصى به]:
الموصى به قد يكون جنسا، و قد يكون منفعة موجودا بالفعل، كالولد و الثمرة الموجودة في الحال، أو مظنون الوجود كالحمل، أو مشكوك فيه كالآبق، و الطير في الهواء و السمك في الماء، أو موجودا بالقوة كما تحمله الأمة أو الدابة أو الشجرة، أو موجودا على التدريج كسكنى الدار، فإن الوصية بجميع ذلك نافذة عند الأصحاب، كما صرح به في الدروس.
و كيف كان فإنه يعتبر فيهما الملك بالنظر الى الموصي و الموصي له، فلا تصح الوصية بالخمر أو الخنزير، و لا كلب الهراش و لا الحر، و لا الحشرات و لا الفضلات، لعدم المملوكية في الجميع بالنسبة إلى المسلم، و ان جاز إقرار الكافر على وصيته بالخمر و الخنزير لمثله، و كذا لا تصح الوصية بما لا ينتفع به كحبة من حنطة و نحوها.
قيل: و احترز بكلب الهراش عن الكلاب الأربعة و الجرو القابل للتعليم، فتصح الوصية بها، لكونها مملوكة، لها قيمة و منفعة كما ذكره جملة من الأصحاب كالشهيدين و غيرهما.
أقول: قد تقدم في كتاب التجارة تحقيق الكلام في هذا المقام (1)، و قد أوضحنا أنه لا يجوز البيع و لا التملك بشيء من أفراد الكلاب إلا كلب الصيد خاصة، كما هو أحد الأقوال في المسئلة، و أما ما عداه فلا دليل عليه من الأخبار، إلا أنهم ألحقوا به هذه الكلاب الباقية لعلة المشاركة في الانتفاع، و فيه ما لا يخفى.
____________
(1) ج 18 ص 79.
418
و اما السباع فالظاهر جواز الوصية بها، لحصول الانتفاع بجلودها و ريشها، و المراد بما لا ينتفع به يعنى نفعا معتدا به في نظر العقلاء بحيث يكون متمولا فلا تصح الوصية بحبة من حنطة و نحوها، كما لا يصح بيعه و لا المعاوضة به، و في ذكر قيد الانتفاع بعد الملك الراجع الى تقييد الملك بذلك إشارة الى ما هو الظاهر من كون نحو الحبة من الحنطة مملوكا حتى لا يجوز غصبها من المالك، و ان لم تجز المعاوضة عليها، لعدم التمول.
[المسألة] الثانية [في اشتراط أن لا يكون الموصى به زائدا عن الثلث إلا مع إجازة الورثة]:
المشهور أنه يتقدر الموصى به بقدر ثلث التركة فما دون، فلو أوصى بما زاد بطل في الزائد إلا مع اجازة الوارث.
و نقل العلامة في المختلف و من تأخر عنه عن الشيخ علي بن بابويه نفوذ الوصية من الأصل مطلقا، قال في المختلف: و قال علي بن بابويه (رحمة الله عليه):
فان أوصى بالثلث فهو الغاية في الوصية، فإن أوصى بماله كله فهو أعلم و ما فعله، و يلزم الوصي إنفاذ وصيته على ما أوصى، انتهى.
أقول: أما ما ذكروه (رضي الله عنهم) من التقدير بالثلث، فهو مدلول جملة من الأخبار.
و منها ما رواه
في التهذيب عن علي بن عقبة (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال:
سألته عن رجل حضره الموت فأعتق مملوكا له ليس له غيره، فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك، كيف القضاء فيه؟ قال: ما يعتق منه إلا ثلثه، و سائر ذلك، الورثة أحق بذلك، و لهم ما بقي».
و عن محمد بن مسلم (2) «عن أبى جعفر (عليه السلام) في رجل أوصى بأكثر من الثلث و أعتق مملوكه في مرضه فقال: ان كان أكثر من الثلث رد الى الثلث و جاز العتق».
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 194 ح 781. الوسائل ج 13 ص 365 ح 4.
(2) التهذيب ج 9 ص 219 ح 859. الوسائل ج 13 ص 459 ح 4.
419
و عن السكوني (1) «عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: ان رجلا أعتق عبدا له عند موته لم يكن له مال غيره، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: يستسعى في ثلثي قيمته للورثة».
و عن الحسين بن محمد الرازي (2) قال: «كتبت الى أبى الحسن (عليه السلام) الرجل يموت فيوصي بماله كله في أبواب البر، و بأكثر من الثلث هل يجوز ذلك له؟
و كيف يصنع الوصي؟ فكتب (عليه السلام) تجاز وصيته ما لم يتعد الثلث».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن أبى بصير (3) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال:
ان أعتق رجل عند موته خادما له ثم أوصى بوصية أخرى ألغيت الوصية، و أعتق الخادم من ثلثه، إلا أن يفضل من الثلث ما يبلغ الوصية».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن حمران (4) «عن أبى جعفر (عليه السلام) في رجل أوصى عند موته و قال أعتق فلانا و فلانا و فلانا حتى ذكر خمسة، فنظرت في ثلثه فلم يبلغ أثمان قيمة المماليك الخمسة التي أمر بعتقهم، قال: ينظر الى الذين سماهم و يبدأ بعتقهم فيقومون و ينظر الى ثلثه فيعتق منه أول شيء ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس و ان عجز الثلث كان ذلك في الذي سمي أخيرا لأنه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك فلا يجوز له ذلك».
و في هذا الخبر كما ترى تصريح بأنه لا يملك في الوصية زيادة عن الثلث فمن أجل ذلك تبطل الوصية في الزائد.
و ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن أحمد بن محمد بن عيسى عن العباس بن معروف (5) قال: «كان لمحمد بن الحسن بن أبى خالد غلام لم يكن به بأس
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 229 ح 828.
(2) التهذيب ج 9 ص 195 ح 784.
(3) التهذيب ج 9 ص 197 ح 786، الكافي ج 7 ص 17 ح 2.
(4) التهذيب ج 9 ص 197 ح 788، الكافي ج 7 ص 19 ح 15، الفقيه ج 4 ص 157 ح 545.
(5) التهذيب ج 9 ص 198 ح 790.
و هذه الروايات في الوسائل ج 16 ص 76 ح 5 و ج 13 ص 365 ح 5 و ص 458 ح 3 و ص 457 ح 1 و ص 366 ح 7.
420
عارف يقال له ميمون، فحضره الموت فأوصى الى أبى الفضل العباس بن معروف بجميع ميراثه و تركته أن أجعله دراهم و أبعث بها الى أبى جعفر الثاني (عليه السلام) و ترك أهلا حاملا و اخوة قد دخلوا في الإسلام، و أما مجوسية، قال: ففعلت ما أوصى به و جمعت الدراهم، و دفعتها الى محمد بن الحسن، و عزم رأيي أن أكتب اليه بتفسير ما أوصى به الى، و ما ترك الميت من الورثة، فأشار الى محمد بن بشير و غيره من أصحابنا أن لا أكتب بالتفسير و لا أحتاج اليه، فإنه يعرف ذلك من غير تفسيري، فأبيت إلا أن أكتب اليه بذلك على حقه و صدقه، فكتبت و حصلت الدراهم و أوصلتها إليه (عليه السلام) فأمره أن يعزل منها الثلث، يدفعها اليه، و يرد الباقي على وصية يردها على ورثته».
و ما رواه
في التهذيب عن العباس بن معروف (1) قال: «مات غلام محمد بن الحسن و ترك أختا و أوصى بجميع ماله له (عليه السلام) قال: فبعنا متاعه فبلغ ألف درهم و حمل الى أبى جعفر (عليه السلام)» قال: و كتبت اليه و أعلمته أنه أوصى بجميع ماله له، قال: فأخذ ثلث ما بعثت به اليه، ورد الباقي و أمرني أن أدفعه الى وارثه».
و عن العباس عن بعض أصحابنا (2) قال: «كتبت اليه: جعلت فداك أن امرأة أوصت الى امرأة و دفعت إليها خمسمائة درهم، و لها زوج و ولد فأوصتها أن تدفع سهما منها الى بعض بناتها، و تصرف الباقي الى الامام فكتب (عليه السلام): تصرف الثلث من ذلك الي، و الباقي يقسم على سهام الله عز و جل بين الورثة»،.
الى غير ذلك من الأخبار.
و أما أنه مع اجازة الورثة تجوز الوصية بالزيادة على الثلث، فتدل عليه أيضا جملة من الأخبار منها ما رواه
الشيخ عن ابن رباط عن منصور بن حازم (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أوصى بوصية أكثر من الثلث و ورثته
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 242 ح 937. الوسائل ج 13 ص 366 ح 8.
(2) التهذيب ج 9 ص 242 ح 938. الوسائل ج 13 ص 366 ح 9.
(3) التهذيب ج 9 ص 193 ح 776. الوسائل ج 13 ص 372 ح 2.
421
شهود، فأجازوا ذلك له، قال: جائز قال ابن رباط و هذا عندي على أنهم رضوا بذلك في حياته و أقروا به».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل أوصى بوصية و ورثته شهود، فأجازوا ذلك، فلما مات الرجل نقضوا الوصية، هل لهم أن يردوا ما أقروا به؟ قال: ليس لهم ذلك، الوصية جائزة عليهم إذا أقروا بها في حياته».
و ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله تعالى مضاجعهم) في الصحيح عن منصور بن حازم (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثله.
و ما رواه
المشايخ المذكورون عن أحمد بن عيسى (3) قال: «كتب أحمد بن إسحاق الى ابى الحسن (عليه السلام) ان درة بنت مقاتل توفيت و تركت ضيعة أشقاصا في موضع و أوصت لسيدها في أشقاصها بما يبلغ أكثر من الثلث، و نحن أوصيائها و أحببنا أن ننهى ذلك إلى سيدنا، فإن أمر بإمضاء الوصية على وجهها أمضيناها و ان أمر بغير ذلك انتهينا إلى أمره في جميع ما يأمر به ان شاء الله تعالى، فكتب (عليه السلام) بخطه: ليس يجب لها من تركتها إلا الثلث فان تفضلتم و كنتم الورثة كان جائزا لكم ان شاء الله تعالى».
و ما نقل عن الشيخ علي بن الحسين بن بابويه، فإن العلامة في المختلف قد نقل عنه أنه احتج على ذلك
برواية عمار الساباطي (4) «عن الصادق (عليه السلام) قال:
الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح، ان أوصى به كله فهو جائز له».
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 193 ح 775، الفقيه ج 4 ص 147 ح 512، الكافي ج 7 ص 12 ح 1 الوسائل ج 13 ص 371 ح 1.
(2) التهذيب ج 9 ص 193 ح 776، الفقيه ج 4 ص 148 ح 513، الكافي ج 7 ص 12 ح 1 الوسائل ج 13 ص 371 ح 1.
(3) التهذيب ج 9 ص 192 ح 772، الفقيه ج 4 ص 137 ح 480، الكافي ج 7 ص 10 ح 2. الوسائل ج 13 ص 364 ح 1.
(4) التهذيب ج 9 ص 186 ح 1. الوسائل ج 13 ص 370 ح 19.
422
ثم قال في المختلف: و الرواية ضعيفة، و المطلوب مستبعد، و الأحاديث الصحيحة معارضة لهذه الرواية، مع أن الشيخ تأولها على من لا وارث له، أو على ما إذا أجاز الورثة، و مع ذلك فهي قاصرة عن افادة المطلوب، فانا نقول بموجبها فان المريض أحق بماله ما دام فيه الروح يفعل به ما يشاء في حياته، و إذا أوصى به كله جاز، فإن أجاز الورثة بعد ما أوصى به، و إلا فسخت الوصية في الثلثين،
و قد روى ابنه في المقنع (1) «أن الصادق (عليه السلام) سئل عن رجل أوصى بماله في سبيل الله عز و جل، فقال: أطلقه الى من أوصى له به، و ان كان يهوديا أو نصرانيا فان الله عز و جل (2) يقول «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ، إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ».
ثم قال عقيب هذه الرواية، ماله هو الثلث، لأنه لا مال للميت أكثر من الثلث»، انتهى.
أقول: لا يخفى على من وقف على ما قدمناه في كتب العبادات في مواضع عديدة من أن الشيخ علي بن بابويه (قدس سره) أكثر ما نذكره سيما من الفتوى الغريبة انما هو مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي، و ان كان على خلاف ما تكاثرت به الأخبار، و هذا الموضع من جملة ذلك، فان عبارته المذكورة عين عبارة الكتاب
حيث قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (3) «فإن أوصى رجل بربع ماله فهو أحب الي من ان اوصى بالثلث،
فإن أوصى بالثلث فهو الغاية في الوصية،
فإن أوصى بماله كله فهو أعلم بما فعله و يلزم الوصي إنفاذ وصيته على ما اوصى به»،.
انتهى.
و أنت خبير- بأن اعتماد هذا الشيخ الجليل على الفتوى بعبائر الكتاب مع مخالفتها للأخبار الكثيرة كما هنا، و قد تقدم أمثاله أيضا في غير موضع- أدل دليل على اعتماده على الكتاب المذكور، و جزمه بأنه كلامه (عليه السلام)، و لكن متأخري
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 524 الباب 31 ح 3.
(2) سورة البقرة- الاية 181.
(3) المستدرك ج 2 نقل صدره في ص 519 في باب 8 ح 2 و ذيله في ص 520 في باب 9 ح 6.
423
أصحابنا (رضوان الله عليهم) حيث لم يصل الكتاب إليهم تكلفوا للاستدلال له ببعض الأخبار، و اعترضوا عليها كما هنا بعدم الدلالة أو بنحو ذلك، و هو غفلة عما ذكرناه مما وفقنا الله اليه، و يسر لنا الوقوف عليه.
تنبيهات:
الأول [في حكم إجازة بعض الورثة في الوصية بالزائد]:
قالوا لو كانت الورثة جماعة فأجاز بعضهم نفذت الإجازة في نصيبه من الزائد، قيل: و الوجه فيه أن الوصية لما كانت و ما تقبل التبعض، لكونها تبرعا محضا و كان الزائد عن الثلث منها موقوفا على اجازة الوارث جاز له اجازة البعض كما تجوز له اجازة الجميع، لأن ذلك حقه، فله التبرع بجملته و بعضه، و كما يجوز ذلك لبعض الورثة دون بعض و يلزم كل واحد جملة، كذلك يجوز اجازة البعض منهم جميعا، كالنصف و الثلث، و يتقدر بالقدر المجاز، دون ما عداه.
قالوا: فلو فرض كون الوارث ابنا و بنتا، و أوصى بنصف ماله فإن أجازا معا فالمسئلة من ستة، لأن لهما نصف التركة أثلاثا بينهما، و للموصى له نصفها، و ان رد الوصية معا فالمسئلة من تسعة، لأن لهما ثلثي التركة أثلاثا بينهما، و هي ستة من تسعة، ثلاثة للموصى له، لأنها ثلث التركة، و ان أجاز أحدهما فالمسئلة من ثمانية عشر، فللموصى له من حيث الوصية و عدم الإجازة، الثلث ستة، و لهما ميراثا من ذلك اثنى عشر أثلاثا بينهما، فمن أجاز منهما دفع من نصيبه ما وصل اليه من السدس الزائد، فلو أجازه الابن خاصة، كان له ستة من الثمانية عشر لأنه قد سقط منه اثنان بالإجازة، و قد كانت حصته ثمانية، فيدفع منها الى الموصى إليه سهمان، و تبقى له ستة، و لو أجازت البنت خاصة كان لها ثلاث من ثمانية عشر، لأن الذي لها قبل الإجازة أربعة، فتدفع منها الواحد بالإجازة منهما للموصى اليه، و منه يعلم انه لو أجازا معا فللموصى إليه زيادة على الستة التي تثبت بالوصية ثلاثة، سهمان من الولد و سهم من البنت فيكون للموصى له تسعة، و هي نصف الفريضة، و للولد ستة، و للبنت ثلاثة، و على هذا فقس.
424
الثاني [في لزوم إجازة الوارث في حال حياة الموصي و بعد موته]:
المشهور بين الأصحاب (رحمهم الله) أن اجازة الوارث لازمة له سواء كانت في حال حياة الموصي أم بعد موته، و نقل عن الشيخ المفيد و سلار و ابن إدريس اختصاص اللزوم بما بعد الوفاة، فلو أجاز في حال الحياة جاز له الرجوع عنها بعد الوفاة، و يدل على القول المشهور ما تقدم من صحيحة محمد بن مسلم (1)، و بطريق آخر منصور بن حازم، و هي صحيحة صريحة في أنهم لو أجازوا في حال الحياة لزمهم ذلك، و ليس لهم أن ينقضوا ذلك بعد الوفاة.
و استدل عليه في المختلف أيضا بجملة من الأدلة الاعتبارية، و بعضها يصلح وجها للنص المذكور، و بيان العلة فيه، و بعضها يصلح للتأكيد.
و نقل المختلف عن ابن إدريس بأنه احتج بأنه أجازه فيما لا يستحقونه بعد فلا يلزمهم ذلك بحال، و رد بأن المال الموصى به لا يخرج عن ملك الموصى أو الورثة، لأنه إن برأ من مرضه فالمال له، و ان مات كان للورثة، فإن كان للموصي فإنه قد أوصى، و ان كان للورثة فإنهم قد أجازوا، و لأن المنع من نفوذ الزائد عن الثلث انما هو لحق الورثة، فهو متحقق في حال الحياة، فإذا أجازوا فقد أسقطوا حقهم.
و بالجملة فإنه مع قطع النظر عما ذكرناه من الجواب، لا وجه لهذا الاحتجاج في مقابلة النص الصحيح الصريح، و هل هو إلا الاجتهاد المحض في مقابلة النصوص و جرأة على أهل الخصوص.
قال في المسالك: و لا فرق على ذلك بين كون الوصية و الإجازة حال صحة الموصي و مرضه المتصل بالموت و غيره، لاشتراك الجميع في المقتضي، و الفرق بين اجازة الوارث حال الحياة و رده حيث لم يؤثر الثاني دون الأول، أن الوصية مستمرة ببقاء الموصى عليها، فيكون استدامتها كابتدائها بعد الرد، فلا يؤثر، بخلاف الرد بعد الموت، لانقطاعه حينئذ، و بخلاف الإجازة حال الحياة، لأنها حق للوارث
____________
(1) ص 421.
425
و قد أسقطه فلا جهة لاستمراره، و دوام الوصية يؤكدها، انتهى.
أقول: قوله «و الفرق بين اجازه الوارث الى آخره» كأنه جواب سؤال مقدر من جانب ابن إدريس، و ما استدل به، و تقريره أنه في تلك الحال التي أوصى الموصى و هي حال حياته كما أنه لا يصح فيها رد الورثة للوصية، فكذا لا تصح فيها إجازتهم، فأجاب بالفرق المذكور بين الرد في تلك الحال و الإجازة، فإن الوصية مستمرة ببقاء الموصى عليها، و الاستمرار يجرى مجرى تعددها حالا فحالا فلو فرض الرد في أثناء هذه، فان ما بعده في حكم تجدد عقد آخر من حيث اقتضاء الاستمرار ذلك، فلا تأثير للرد حينئذ في تلك الحال، بخلاف الرد بعد الموت، لانقطاع الاستمرار بالموت فيؤثر، و بخلاف الإجازة حال الحياة، لأن الإجازة حق له، و قد أسقطه فلا وجه لاستمراره، و أنت خبير بأن الأصل في ذلك النص، و هذه تصلح وجوها له كما تقدم، و الله العالم.
الثالث [في كون إجازة الوارث بعد موت الموصي تنفيذا للوصية]:
المفهوم من كلام الأصحاب (رضي الله عنهم) من غير خلاف يعرف أن اجازة الوارث للوصية بما زاد عن الثلث بعد الموت تنفيذ، لما أوصى به الموصي، لا بابتداء عطية من الوارث، باعتبار انتقال الحق إليه بالموت، أما قبل الموت فلا إشكال في ذلك، لأن الوارث لا يملك، فلا يمكن احتمال العطية منه، و انما محل الكلام بعد الموت، لما عرفت من انتقال الحق إلى الوارث بالموت، و الأصحاب كما ذكرنا، على أنه تنفيذ لا عطية، قال في المسالك و هو مذهب الأصحاب، لا يتحقق فيه خلاف بينهم، و انما يذكر الآخر وجها أو احتمالا، و انما هو قول العامة و المرجح عندهم ما اخترناه أيضا، انتهى.
و علل القول المشهور بأن الملك باق على المريض لم يخرج عنه بمرضه، فيصح تصرفه فيه لمصادفته الملك، و حق الوارث إنما يثبت في ثاني الحال فأشبه بيع شقص الشفيع وارث الخيار، حيث تترتب عليه اجازة المبيع، فإنه لا يكون ابتداء بيع، بل تنفيذ لما فعل سابقا، و أيضا فإن الوارث ليس بمالك، و ثبوت حق
426
الإجازة له لا يقتضي الملك، لأن الحق أعم منه، فتصرف الموصي في حكمه، و اجازة الوارث في معنى إسقاط حقه، و لأنه لو برأ من مرضه نفذت تصرفاته المنجزة مع كونها كانت متوقفة على اجازة الوارث كالوصية، و لم يفتقر الى الاستيناف فدل على اعتبار ما وقع من الموصي لا على فساده، و بهذا ترجح كونها تنفيذا، و مما علل به الاحتمال الآخر، انتقال الحق إلى الوارث بالموت، و زوال ملك الموصي، و أن تصرف الموصي في الزائد عن الثلث منهي عنه، و النهي يقتضي الفساد، لأن الزيادة حق الورثة فيلغو تصرف الموصي فيها، و تكون العطية من الوارث.
و أجاب عن ذلك في المسالك بالمنع من كون التلفظ بالوصية منهيا عنه، و كون النهي في ذلك يقتضي الفساد، و لو سلم فإنما يقتضيه لو لم يخسر الوارث و نمنع من كون الزيادة حقا للورثة، بل هي ملك الموصي، غايته أن حقهم قد تعلق بها، و مع الإجازة تسقط كإجازة المرتهن تصرف الراهن، انتهى.
أقول: لا يخفى عليك ما في هذه التعليلات العليلة من الطرفين، من عدم الصلوح لتأسيس الأحكام الشرعية في البين، إلا أن ما علل به الاحتمال المذكور و ان كان خلاف ما عليه الجمهور هو الأقرب الى الأخبار، و الأنسب بالاعتبار.
و مما يدل على ما ادعاه من زوال ملك الموصي عن الزائد، و أن تصرفه منهي عنه، قوله (عليه السلام) في رواية حمران المتقدمة» لأنه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك، فلا يجوز له ذلك» و مما يؤيد ذلك أيضا قوله (عليه السلام) في مكاتبة أحمد بن إسحاق المتضمنة للإجازة بعد الموت «فان تفضلتم و كنتم الورثة كان جائزا لكم» و المراد الإجازة لما زاد على الثلث، فان فيه نوع إشارة الى أن ذلك عطية منهم للموصى له، و تفضل منهم عليه، و يحتمل أن يكون ذلك بالنسبة الى الموصي بإجازة وصيته، فيكون التفضل عليه.
و بالجملة فإن الأقرب الى الاعتبار و الأنسب بالأخبار، هو ما علل به الاحتمال المذكور، و جميع ما أجيب به عنه و ما علل به القول المشهور لا يخلو من القصور،
427
إلا أنه لا ثمرة مهمة في التشاغل برده و بيان ما فيه، و قد ذكروا أيضا جملة من الفروع المترتبة على القولين، أكثرها لا يخلو من مناقشة في المبنى، طويناها على عزها، و أعرضنا عن ذكرها، و نشرها، من أرادها فليرجع الى مطولاتهم (رضوان الله عليهم).
الرابع [في تعيين وقت تقدير الثلث]:
قد صرحوا بأن المعتبر من الثلث وقت الوفاة، لا وقت الوصية، فلو كان موسرا حال الوصية ثم افتقر وقت الموت، أو بالعكس، كان الاعتبار بحال الموت في كل من الصورتين، قالوا: و لا إشكال في ذلك فيما لو كان الموصى به قدرا معينا كعين معينة، أو مائة درهم مثلا أو جزءا من التركة مع كونه حال الموت، أقل منه حال الوصية، و انما الإشكال فيما لو أوصى بجزء من التركة كالربع أو الخمس أو الثلث، و كان في وقت الوصية فقيرا ثم أيسر وقت الموت، فصار ذلك الجزء الموصى به مالا كثيرا، ربما دلت القرائن على عدم إرادته، حيث لا تكون الزيادة متوقعة غالبا.
أقول: و الظاهر عندي ضعف هذا الاشكال، و أنه بمحل من الاضمحلال، فان مقتضى إطلاق الوصية دخول هذا الفرد، و هذه الكثرة التي ربما يتوهم عدم انصراف الإطلاق إليها معلومة للموصي وقت الوفاة و الاعتبار كما عرفت، إنما هو بوقت الوفاة، فعدم العدول عن الوصية السابقة على ذلك مع علمه و معرفته بهذه الكثرة، يقتضي العمل بإطلاق الوصية، و دخول هذا الفرد فيها، و الله العالم.
الخامس [في دخول دية الخطأ و أرش الجناية في الوصية]:
الظاهر أنه لا خلاف في دخول الدية و أرش الجناية في الوصية لو أوصى ثم قتله قاتل أو جرحه، فان وصيته ماضية من ثلث التركة، و ثلث الدية، و أرش الجناية، و تدل على ذلك جملة من الأخبار.
منها ما رواه
في الكافي و الفقيه عن محمد بن قيس (1) في الصحيح «عن
____________
(1) الكافي ج 7 ص 63 ح 21، التهذيب ج 9 ص 207 ح 822، الفقيه ج 4 ص 168 ح 588، الوسائل ج 13 ص 372 ح 1.
428
أبى جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: رجل أوصى لرجل بوصية من ماله ثلث أو ربع، فقتل الرجل خطأ يعنى الموصي فقال: تجاز لهذا الوصية من ميراثه و من ديته».
و في الفقيه و في خبر آخر «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل أوصى بثلث ماله، ثم قتل خطأ فقال: ثلث ديته داخل في وصيته».
و ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن محمد بن قيس (1) «عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أوصى لرجل بوصية مقطوعة غير مسماة من ماله ثلثا أو ربعا أو أقل من ذلك أو أكثر، ثم قتل الموصى بعد ذلك فودى فقضى في وصيته: أنها تنفذ من ماله و من ديته كما أوصى».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن السكوني (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال:
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من أوصى بثلثه ثم قتل خطأ، فثلث ديته داخل في وصيته».
و ربما أشكل الحكم المتقدم بأن المعتبر من الثلث ما كان وقت الوفاة بما ذكر هنا من دخول ثلث الدية في الوصية، مع أن استحقاق الدية إنما يثبت بالموت، فهي متأخرة عن الموت، و يمكن الجواب عن ذلك بأن الحكم المذكور أولا انما هو من كلام الأصحاب، و مرادهم انما هو المنع من الاعتبار بحال الوصية، بل العبرة بالموت، يعنى حصول الثلث حال الموت، و الدية و ان كانت لا تستقر إلا بعد الوفاة فهي في الحقيقة متأخرة عنها، إلا أنها مقارنة للموت، فلا ينافي ما اعتبروه من وقت الوفاة، لصدق الإطلاق عرفا على هذا الوقت أنه وقت الموت، و كيف كان فالعمل على ما دلت عليه النصوص المذكورة.
بقي الكلام في أن مورد هذه الروايات الدية في قتل الخطأ، فإنه هو موجب للدية خاصة، مع تصريح الأخبار به، فدية الخطأ هي التي تدخل في
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 207 ح 823. الوسائل ج 13 ص 373 ح 3.
(2) الكافي ج 7 ص 11 ح 7، التهذيب ج 9 ص 207 ح 821، الفقيه ج 4 ص 169 ح 589. الوسائل ج 13 ص 372 ح 2.
429
الوصية، و يؤخذ منها الثلث، و أما الدية المأخوذة في العمد فهل تدخل في ذلك أم لا؟ اشكال، سواء قلنا بأن العمد موجب لأحد الأمرين، القصاص أو الدية، أو أن الدية انما تثبت صلحا، و الصلح لا يتقيد بالدية، بل يصلح بزيادة منها و نقصان، فيكون القول بذلك أبعد، و ظاهر الأصحاب القول بدخولها، قال في القواعد: و لو قتل خطأ أو استحق أرشا خرجت الوصية من ثلث تركته و ثلث ديته و أرشه، و كذا العمد إذا تراضوا بالدية.
و قال في المسالك- بعد قول المصنف «ان وصيته ماضية من ثلث تركته و ديته و أرش جراحته» ما صورته: و يظهر من قوله (عليه السلام) «و ديته» أن الحكم مخصوص بقتل الخطإ، لأنه هو الموجب للدية على الإطلاق، و أما العمد فان قيل:
انه يوجب أحد الأمرين القصاص أو الدية دخل في العبارة، لأن الدية أحد الأمرين المترتبين على الوفاة المستندة إلى القتل، فكانت الدية مقارنة للوفاة كالخطإ و ان كان لها بدل، و أما على قول المشهور، من أن موجب العمد هو القصاص، و انما تثبت الدية صلحا، و الصلح لا يتقيد بالدية، بل يصلح بزيادة عنها و نقصان ففي دخوله في العبارة تكلف، و قد يندفع بأنه حينئذ عوض القصاص الذي هو موروث عن المجني عليه، و عوض الموروث موروث، و ربما أشكل من وجه آخر و هو أن الموروث انما هو القصاص و ليس بمال، فلا يتعلق به الحق المالي المترتب على مال الميت، و يندفع بأنه بقبوله المعاوضة بالصلح على مال في قوة الحق المالي و زيادة، انتهى.
أقول: الواجب هو تحقيق الحكم الشرعي في ذلك، و أنه هل تدخل دية العمد في هذا الحكم أم لا؟ سواء دخلت في عبارة المصنف أم لا، و تطويل هذا الكلام في تكلف دخولها تحت عبارة المصنف لا يجدى نفعا، إلا مع قيام دليل على هذه القاعدة التي بنوا عليها، و هو أن المعتبر من الثلث ما كان مالا للميت حال الوفاة، دون ما تقدم عليها و ما تأخر عنها، مع انهم لم يستندوا فيه الى دليل،
430
و الروايات الواردة في المسئلة كما عرفت موردها انما هو دية الخطأ لتصريحها بذلك، و دية العمد سيما على القول المشهور من أنه لا ينتقل إلى الدية إلا بطريق الصلح الذي هو عبارة عن التراضي بمال زاد، عن الدية أو نقص عنها مما هو خارج عن مقتضى قاعدتهم المذكورة، إذ الظاهر أن هذا الصلح و ما يترتب عليه متأخر عن وقت الوفاة البتة، فلا يصدق عليه أنه مال الميت، وقت الوفاة، و قد صرح في الدروس بعدم اعتبار ما يتجدد بعد الوفاة، و هذا الصلح و ما يترتب عليه انما تجدد بعد الوفاة، و إدخالها بهذه التكلفات التي ارتكبها و ذكرها (قدس سره) ظاهر الضعف، بل البطلان، سيما مع ما عرفت من أن إثبات الأحكام الشرعية بهذه التخريجات الوهمية مما لا ينبغي النظر اليه، و لا العروج عليه، هذا بناء على قاعدتهم، و أما بالنظر الى الأخبار فقد عرفت اختصاص موردها بدية الخطأ، و نحوها الأرش، إلا أنه قد ورد في جملة من الأخبار ما يدل على أنه يجب وفاء الدين من الدية، و ان أخذت صلحا، كما
في رواية عبد الحميدين سعيد (1) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رجل قتل و عليه دين و لم يترك مالا و أخذ أهله الدية من ماله، أ عليهم أن يقضوا الدين؟ قال: نعم، قلت: و هو لم يترك شيئا، قال:
إنما إذا أخذوا الدية، فعليهم أن يقضوا الدين».
و رواية يحيى الأزرق (2) «عن أبى الحسن (عليه السلام) في رجل قتل و عليه دين و لم يترك مالا فيأخذ أهله الدية من قاتله، عليهم أن يقضوا دينه؟ قال: نعم، قلت: و هو لم يترك شيئا؟ قال: إنما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه».
و في رواية أبي بصير (3) «عن أبى الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قلت: فان
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 192 ح 416، الوسائل ج 13 ص 111 ح 1.
(2) التهذيب ج 9 ص 167 ح 584. الوسائل ج 13 ص 111 ح 1.
(3) الفقيه ج 4 ص 83 ح 264 عن على بن أبي حمزة. الوسائل ج 13 ص 112 ح 2.
431
هو قتل عمدا و صالح أولياؤه قاتله على الدية، فعلى من الدين؟ على أوليائه من الدية أو على امام المسلمين؟ فقال: بل يؤدوا دينه من ديته التي صالحوا عليها أولياؤه، فإنه أحق بديته من غيره».
و الأولان دلالتهما على المدعى من حيث الإطلاق، و الثالث صريح في ذلك، و وجوب قضاء الدين منها انما هو من حيث كونها من جملة أمواله و ان تأخر استحقاقها عن موته، فكما يقضى منها ديونه، تنفذ منها وصاياه، و من هنا صرح الأصحاب بأن الدية في حكم مال الميت، سواء وجبت أصالة أو صلحا.
قال في المسالك: إذا قتل الشخص عمدا و عليه دين، فإن أخذ الورثة الدية صرفت في ديون المقتول و وصاياه كغيرها من أمواله، لما تقدم غير مرة من أن الدية في حكم مال الميت، سواء وجبت أصالة أو صلحا الى آخر كلامه (زيد في إكرامه) ذكر ذلك في كتاب الديات، و حينئذ يزول الإشكال بالنسبة إلى دخول دية العمد في الحكم المذكور.
و انما يبقى الاشكال فيما اعتبروه من اعتبار الثلث بوقت الوفاة، مع أنه في صورة الصلح على القصاص بأخذ المال انما يكون متأخرا عن الوقت المذكور، إلا أن ما ذكروه من الحكم المذكور انما هو من مجرد اصطلاحهم و اتفاقهم، و كيف كان فالعمل على ما دلت عليه الأخبار، وافق كلامهم أم لا، و الله العالم.
المسئلة الثالثة [في الوصية بالمضاربة بتركته]:
قد صرح الأصحاب (رضي الله عنهم) بأنه لو أوصى بالمضاربة بتركته أجمع أو بعضها على أن نصف الربح للوارث، و نصفا للعامل صح، و ظاهر هذا الكلام إنما صحة الوصية بالمضاربة على الوجه المذكور، أعم من أن يكون الورثة كلهم من البالغين المكلفين، أو الأطفال أو المجانين، أو من القسمين معا.
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بذلك ما رواه
في الكافي عن محمد
432
بن مسلم (1) في الموثق «عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن رجل أوصى الى رجل بولده و بمال لهم، و أذن له عند الوصية أن يعمل بالمال و أن يكون بينه و بينهم، فقال: لا بأس به من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك و هو حي».
و رواه الشيخان الآخران أيضا عن خالد بن بكير الطويل (2) قال: «دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال يا بني: اقبض مال إخوتك الصغار و اعمل به، و خذ نصف الربح و أعطهم النصف، و ليس عليك ضمان، فقدمتنى أم ولد أبي الى ابن أبي ليلى، أن هذا يأكل أموال ولدي قال: فاقتصصت عليه ما أمرني به أبي فقال: ابن أبى ليلى ان كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه، ثم أشهد علي ابن أبى ليلى إن أنا حركته فانا له ضامن، فدخلت على أبى عبد الله (عليه السلام) فقصصت عليه قصتي، ثم قلت له: ما ترى؟ فقال: اما قول ابن أبى ليلى فلا أستطيع رده، و أما فيما بينك و بين الله عز و جل، فليس عليك ضمان».
رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن الى خالد بن بكير المذكور و هو مجهول، و صريح الرواية الثانية، و ظاهر الرواية الأولى كون المال المذكور للأطفال، لأن ظاهر قوله في الأولى «أوصى الى رجل بولده و بمالهم» أي جعله قيما عليهم و وليا يقوم بتدبيرهم، و هو ظاهر في كونهم صغارا كما لا يخفى، و لأن الوصية بالبالغ غير صحيحة، و إطلاق الوصية يحمل على الصحيحة، و بذلك يظهر أن ما أطلقه الأصحاب لا يخلو من الإشكال، الا أن يقال: ان يكون من قبيل العقد الفضولي، فإن شاء الوارث البالغ أجازه، و كان عليه الوفاء بمقتضاه من دفع الحصة إلى العامل، و مع ذلك فهو عقد جائز له فسخه متى شاء، لما تقدم من أن المضاربة من العقود الجائزة، دون اللازمة، و أما ان كان لمولى عليه، فإنه
____________
(1) الكافي ج 7 ص 62 ح 19، الفقيه ج 4 ص 169 ح 590. الوسائل ج 13 ص 478 ح 1.
(2) التهذيب ج 9 ص 236 ح 919، الفقيه ج 4 ص 169 ح 591، الكافي ج 7 ص 61 ح 16. الوسائل ج 13 ص 478 ح 1.
433
لا إشكال في صحة المضاربة، كما ينادى به قوله في موثقة محمد بن مسلم «لا بأس به، من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك و هو حي» و مرجعه الى أن الأب ولي جبرى فتمضى تصرفاته إذا لم تخرج عن الوجه الشرعي، و يستمر الحكم بالصحة إلى بلوغ المولى عليه، فإذا كمل كان له فسخ المضاربة، لأنها عقد مبني على الجواز و تحديد الموصى لها بمدة لا ترفع حكمها الثابت لها بأصل الشرع و انما تظهر الفائدة في التحديد بمدة، هو المنع من التصرف بعد تمام المدة، لا التزام بها في تلك المدة مع كونها جائزة شرعا، و لا يكون الفسخ بعد البلوغ تبديلا للوصية و تغييرا لها، و هو منهي عنه، لأن التبديل انما هو في العمل بخلاف مقتضاها، و هنا ليس كذلك، لأنه لما أوصى بعقد جائز فقد عرض العامل للفسخ في كل وقت ممكن، عملا بمقتضاه، فالفسخ لا يكون تبديلا للوصية.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن ما ذكرناه من الوصية بالمال كلا أو بعضا هو المشهور.
و قال ابن إدريس في كتابه: و قد روي أنه إذا أمر الموصي الوصي أن يتصرف في تركته لورثته و يتجر لهم بها، و يأخذ نصف الربح، كان ذلك جائزا و حلالا له نصف الربح، أورد ذلك شيخنا في نهايته، إلا أن الوصية لا تنفذ إلا في ثلث ما كان يملكه الميت قبل موته، و الربح تجدد بعد موته، فكيف تنفذ وصيته، و قوله فيه و في الرواية نظر، انتهى.
و ظاهره تخصيص الوصية بالتصرف بالثلث فما دونه، دون ما زاد على ذلك و أنت خبير بأنه على ما قلناه من اختصاص الروايتين بما إذا كان المال لمولى عليه كالأولاد الصغار، فإنه ليس في العمل بالخبرين كثير مخالفة لمقتضى الأصول الذي طعن به ابن إدريس و من تبعه، فإن ولاية الأب على أطفاله و الوصية بهم و بما ينبغي في أموالهم مما لهم فيه المصلحة غير منكور و لا ممنوع شرعا، و غاية ما ربما يقال: حصول التعريض في مالهم للتلف و هو غير قادح، لأن الواجب على العامل مراعاة الحفظ، و ما فيه مصلحة العمل بالمال حسب الإمكان.
434
و يؤيده ما ورد من جواز الاتجار به لليتيم من الولي
رواية أبي الربيع (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون في يده مال لأخ له يتيم و هو وصيه أ يصلح له أن يعمل به؟ قال: نعم كما يعمل بمال غيره، و الربح بينهما، قال:
قلت: فهل عليه ضمان؟ قال: لا إذا كان ناظرا له».
و بالجملة فإن المدار في العمل على الأخبار، و لا يلتفت الى هذه الاستبعادات في مقابلتها، و مع تسليم ما يدعونه من خروجها عن القواعد و الأصول المقررة في باب الوصية، فإنه يجب تخصيص تلك القواعد بها، كما تقدم نظيره في غير مقام، على أنه لا يخفى أن مورد الأخبار الدالة على أنه ليس للموصى أن يوصي بأزيد من الثلث و أنه يستحب أن يوصى بالأقل منه، انما هو فيما إذا أوصى لنفسه أو غيره بشيء من التركة، و اختص به عن الورثة بحيث أنه قد فات على الورثة و نقص من التركة، كما علل به من أنه ليس له من ماله بعد الموت، إلا الثلث.
و ما نحن فيه هنا ليس من هذا القبيل، فإنه لم يختص بشيء من التركة، و لم يأخذ منها شيئا، و انما هذه الوصية بمصلحة ترجع إلى الورثة ليس له منها قليل و لا كثير، و هذا المال الذي أوصى به سواء كان جميع التركة أو بعضها انما هو مال الورثة، لم يخرج عن ملكهم بالوصية كما في غيره من الوصايا التي قاسوا عليها و قيدوها بالثلث، بل هو باق على ملكهم، و انما تعلقت الوصية بالتصرف فيه لأجل تحصيل مصلحة لهم، و هو الانتفاع بالربح.
و قد عرفت أنه متى كانوا أطفالا، فهو الولي عليهم، و الناظر في مصالحهم حيا و ميتا، و له بعد الموت الوصية بذلك، و ان كانوا بالغين فهذه الوصية لا تمضى عليهم، فان شاؤا رضوا و ان شاؤا أبوا و امتنعوا، و أي منافاة في ذلك للقواعد المقررة عندهم.
____________
(1) الوسائل ج 6 ص 58 ح 6.
435
المسئلة الرابعة [في خروج الواجب المالي من أصل التركة و إن لم يوص]
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في أن الواجب المالي أعم من أن يكون مشوبا بالبدن كالحج أم لا، كالزكاة و الكفارات و الخمس و نذر المال، يجب خروجه من الأصل، أوصى به أو لم يوص، لتعلقه بالمال حال الحياة.
أما الواجب البدني المحض كالصلاة و الصوم فإنه إنما يخرج من الثلث إذا أوصى به، فيكون حكمه عندهم حكم التبرعات الموقوف إخراجها على الوصية بها من الثلث، و قيل بخروجه من الأصل كالواجب المالي من غير فرق، و الأخبار بوجوب إخراج الواجب المالي و ان كان مشوبا بالبدن من الأصل متكاثرة، قد تقدمت في كتاب الحج و كتاب الزكاة و الخمس و كتاب الديون.
أما الواجب البدني فلم أقف فيه على نص بنفي و لا إثبات، لكن الظاهر أن مبنى كلام الأصحاب في الفرق بين الأمرين، هو أن الواجب المالي- و ان كان مشوبا بالبدن في بعض الأفراد-، لما كان متعلقا بالمال حال الحياة وجب إخراجه بعد الموت من المال، و تخرج الأخبار المشار إليها شاهدا على ذلك.
و أما الواجب البدني فإنه لما كان متعلقة في حال الحياة إنما هو البدن، و بعد الموت مع عدم الوصية به يتعلق الخطاب به بالولي، فمع عدم الولي و عدم الوصية لا دليل على وجوب الإخراج، كما ادعاه ذلك القائل المتقدم، و لنا في هذا المقام تحقيقات حسنة، قد تقدمت في كتاب الصلاة في المطلب الثاني في القضاء عن الأموات في الباب الرابع في اللواحق من الكتاب المذكور (1) و كذا في كتاب الحج في المسئلة الثانية من المقصد الثاني في حج النذر (2) و قد تضمنت دفع شبهات الأقوال المخالفة لما عليه الأصحاب مع تحقيق حسن في الباب.
و اختلف الأصحاب في وجوب الوصية بالواجب البدني لو لم يكن وصي
____________
(1) ج 11 ص 57.
(2) ج 14 ص 196.
436
يقضيه عنه، قال في المسالك: و الأقوى وجوب الوصية به على المريض، كغيره من الواجبات ان لم يكن له ولي يقضيه عنه، و ربما قيل: بعدم وجوب الوصية به لأن الواجب فعله بنفسه أو بوليه لانتفاء الدليل على ما سوى ذلك، و فيه أن علمه بوجوبه و استحقاق العقاب على ترك الواجب اختيارا مع قدرته على براءة الذمة منه يوجب وجوب الوصية، ليخرج من العقاب بتركه، فان دفع الضرر عن النفس واجب.
نعم لو كان فوات الواجب لا بتفريط كالغفلة عن الصلاة مع عدم القدرة على القضاء حال الوصية، احتمل عدم وجوب الوصية، إذ لا عقاب على ذلك التفويت، و لا دليل على وجوب الوصية بالقضاء انتهى، و في الكفاية قال: الأقرب العدم.
أقول: الظاهر قوة ما اختاره في المسالك، لظاهر الأخبار المتقدمة الدالة على أن الوصية حق على كل مسلم، فان ظاهر لفظ «على» الوجوب، كما ذكرناه في الفائدة الأولى من الفوائد التي ذيلنا بها تلك الأخبار، و يزيد ذلك تأييدا ما ذكره شيخنا المشار اليه من التعليل، فإنه جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه، و ما قربه في الكفاية من العدم ضعيف.
إذا عرفت ذلك فاعلم إذا اجتمعت في الوصية حقوق واجبة مالية و بدنية، و تبرعات، فان الواجب المالي كما عرفت يخرج من الأصل، و ما عداه يخرج من الثلث مقدما للواجب البدني على المتبرع به، مرتبا في الواجب البدني لو تعدد، الأول فالأول، تم المتبرع به كذلك ان قام به الثلث، أو أجاز الوارث، و إلا سقط، و مع اجازة الوارث الجميع، فالحكم كما ذكر، و مع أجازته البعض يكون مخرجه عن الأصل، فيبدأ به كالواجب المالي، لكن لو ضاق المال عنها أعنى عن الواجب و عن المجاز، قدم الواجب، لاشتغال الذمة به، و لو لم يكن فيها واجب بل الجميع من الوصايا المتبرع بها قدم الأول فالأول حتى يتم الثلث، سواء رتب بينهما بلفظ «ثم» أو «الفاء»، أو اقتصر على مجرد الترتيب الذكرى، و ان عطف
437
بالواو فإنه في حكم ذلك، و الوجه فيه أن الوصية الصادرة أولا نافذة، لوقوعها من أهلها، و هكذا ما بعدها الى أن يستوفي الثلث، فتبطل في الزائد.
أما لو جمع بأن ذكر أشياء متعددة، ثم أوصى بالمجموع من غير أن يرتب في الوصية، أو قال: أعطوا فلانا و فلانا و فلانا مائة، أو قال: بعد الترتيب لا تقدموا أحدا على أحد، ثم نقص الثلث في هذه الصورة، فإنه يوزع النقص على الجميع بالنسبة، كما في مسئلة العول.
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذا المقام
رواية حمران (1) المتقدمة في المسئلة الأولى «عن أبى جعفر (عليه السلام) في رجل أوصى عند موته، و قال:
أعتق فلانا و فلانا حتى ذكر خمسة، فنظرت في ثلثه فلم يبلغ أثمان قيمة المماليك الخمسة التي أمر بعتقهم، قال: ينظر الى الذين سماهم و يبدأ بعتقهم فيقومون، و ينظر الى ثلثه فيعتق منه أول من سمي، ثم الثاني ثم الثالث، ثم الرابع ثم الخامس فان عجز الثلث كان ذلك في الذي سمي أخيرا، لأنه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك، فلا يجوز له ذلك».
و مورد الرواية و ان كان انما هو الوصية بالعتق دون الوصية بغيره، إلا أن ظاهر الأصحاب حيث استدلوا بها هنا عدم الفرق بين الأمرين.
قال في المسالك: و اعلم أنه لا فرق في هذا الحكم بين العتق و غيره من التبرعات، خلافا للشيخ و ابن الجنيد حيث قدما العتق و ان تأخر، و لا بين أن يقع الترتب متصلا في وقت واحد عرفي، أو في زمانين متباعدين كغدودة و عشية، خلافا لابن حمزة حيث فرق بينهما، فحكم في الأول كما ذكره الجماعة، و جعل الثاني رجوعا عن الأول، إلا أن يسعهما الثلث، فينفذان معا و هو شاذ ضعيف المأخذ، انتهى.
أقول: يمكن أن يستدل لما ذكره الشيخ و ابن الجنيد بتقديم العتق على
____________
(1) الكافي ج 7 ص 19 ح 15، التهذيب ج 9 ص 197 ح 778، الوسائل ج 13 ص 457 ح 1.
438
غيره من التبرعات، و ان وقع متأخرا بما رواه
المشايخ الثلاثة (قدس الله أرواحهم)عن محمد بن مسلم (1) في الموثق «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه، و أوصى بوصية و كان أكثر من الثلث، قال: يمضى عتق الغلام، و يكون النقصان فيما بقي».
و أجيب عن ذلك بأنه محمول على تقديم العتق هنا من المنجزات، لأنه وقع حال الحياة، و المنجزات مقدمة على الوصايا.
نعم الخلاف فيها مشهور بأن مخرجها من الأصل أو الثلث، و ظاهر هذا الخبر لا يخلو من اشتباه في ذلك ايضا، و التحقيق هنا أن الأخبار في هذه المسئلة أعنى مسئلة المنجزات بالنسبة إلى العتق و أن مخرجه من الأصل أو الثلث لا يخلو من اشتباه و تعارض، كما أشار إليه أيضا المحدث الكاشاني في الوافي، و أما غير العتق من المنجزات فالحكم فيه كما اخترناه من الخروج من الأصل من غير اشكال.
المسئلة الخامسة [في دخول النقصان على الأخير في صورة تعدد الوصية]:
لو أوصى لزيد بثلث من التركة، و لعمرو بربع منها، و لثالث بخمس منها صحت الوصية في الأول خاصة، لاستيعابها الثلث، النافذ بدون الإجازة، و رعاية لما تقدم من الأول مع تجاوز الثلث، و بطلت فيما عداه، و قيل: ان الوصية المتأخرة تقتضي الرجوع عما قبلها، قال: الشيخ في الخلاف إذا أوصى لإنسان بثلث ماله، ثم أوصى بثلث ماله لغيره و لم تجز الورثة، فإن الوصية الثانية رافعة للأولى و ناسخة لها، و استدل بإجماع الفرقة و الأخبار.
و قال ابن إدريس: إذا أوصى بثلث ماله لشخص، ثم أوصى بثلث ماله لغير ذلك الشخص، كان الثلث للأخير، و تكون الوصية الثانية ناسخة للأولى، لأن الإنسان لا يستحق من ماله بعد وفاته إلا ثلث ماله، فإذا أوصى به لإنسان، ثم أوصى به بعد ذلك لآخر، فقد نقل الثلث الذي يستحقه من الأموال الى الثاني، لأنه يعلم أنه لا يستحق سوى الثلث، فإذا أوصى به ثم وصى به، فقد رجع عن الأول،
____________
(1) الكافي ج 7 ص 17 ح 5، التهذيب ج 9 ص 194 ح 780، الوسائل ج 13 ص 458 ح 1.
439
فهذا يعنى قول أصحابنا: أنه إذا أوصى بوصية، ثم أوصى بأخرى فإن أمكن العمل بهما جميعا وجب العمل بهما، و ان لم يمكن كان العمل على الأخير.
فأما إذا أوصى بشيء آخر و لم يذكر الثلث، فان مذهب أصحابنا أن يبدأ بالأول فالأول و يكون النقصان ان لم يف الثلث داخلا على الأخير، لأنه لما أوصى للأول ما قال أوصيت له بثلثي، و كذا الثاني و الثالث، فظن أن ثلثه يبلغ مقداره جميع ما ذكره، و يفي بما ذكره، لأنه يعلم أنه ليس بعد موته سوى الثلث فإذا استوفاه دخل النقص على الأخير، فهذا فرق بين المسئلتين، فلا يظن ظان اتحادهما، و لا أن مذهب أصحابنا أن الثانية ناسخة للأولى في جميع المواضع، و لا أن الواجب البدأة بالأول فالأول في الجميع، انتهى.
أقول: ما ذكره من الفردين المذكورين الذي يكون الحكم في أحدهما الرجوع بالوصية الثانية عن الأولى، و حكم الآخر صحة الأول فالأول لا شك فيه كما هو المفهوم من كلام غيره، و انما الكلام فيما فرضه أولا من قوله إذا أوصى بثلث ماله لشخص، ثم أوصى بثلث ماله لآخر، فان ذلك رجوع عن الوصية الأولى حسب ما ذكره الشيخ في الخلاف، فإنه خلاف ما صرحوا به، و ما هو الظاهر من كلام المتأخرين، فإن ظاهر كلامهم أن هذا لا يقتضي الرجوع، بل يكون من قبيل ما يحكم فيه بصحة الوصية أولا فأولا، و انما الذي يقتضي الرجوع اضافة الثلث الى نفسه مثلا، كأن يقول ثلثي أو الثلث الذي أستحقه، و أما مجرد ذكر ثلث المال من غير أن يضيفه الى نفسه، فلا.
قال المحقق في الشرائع: لو أوصى لشخص بثلث، و لآخر بربع، و لآخر بسدس و لم يجز الورثة أعطى الأول و بطلت الوصية لمن عداه، قال الشارح: انما صحت الوصية للأول خاصة لاستيعابها الثلث النافذ بدون الإجازة، مع رعاية ما تقدم من وجوب تقديم الأول فالأول مع تجاوز الثلث، و لا يتوهم هنا أن الوصية المتأخرة تقتضي الرجوع عما قبلها، لأن الرجوع لا يثبت بمجرد الاحتمال، بل
440
لا بد له من لفظ يدل عليه، و مجرد الوصية بما زاد على الثلث ثانيا و ثالثا أعم من الرجوع عن الأولى و عدمه، فلا يدل عليه.
أقول: قوله «و لا يتوهم هنا. الى آخره» خرج مخرج الرد على ما ذكره ابن إدريس، و الشيخ في الخلاف فيما قدمنا نقله عنهما، ثم انه قال المحقق أيضا: و لو أوصى بثلثه لواحد، و بثلثه لآخر، كان ذلك رجوعا عن الأول الى الثاني، قال الشارح: الفرق بين هذه المسئلة و التي قبلها الموجب لاختلاف الحكم أن الثلث المضاف الى الموصى هو القدر النافذ، و النافذ فيه وصيته شرعا، فإذا أوصى به ثانيا فقد رجع عن الوصية الأولى، لأن ليس له ثلثان مضافان اليه على هذا الوجه، فيكون بمنزلة ما لو أوصى بعين لواحد ثم أوصى به لآخر، بخلاف قوله لفلان ثلث من غير اضافة الى نفسه، فإنه متعلق بجملة المال من غير أن ينسب الى ثلث النافذ فيه الوصية، فإذا أوصى بعده بربع لا يتبادر الى الفهم منه أنه نقض ذلك الثلث السابق، بل الربع الذي هو خارج عن الثلث المتعلق بأصل المال، و كذلك السدس، فيكون وصايا متعددة لا تضاد بينها، فيبدأ بالأول منها فالأول حتى يستوفي الثلث عند عدم الإجازة، انتهى.
و هو كما ترى صريح فيما قلناه، واضح فيما ادعيناه، و بالجملة فإن مقتضى أنه ان كان الموصى به أشياء بعينه، متغايرة أو مطلقة و معينة، فإنه يبدأ فيها بالأول فالأول، و لا يكون الثاني رجوعا عن الأول، سواء زاد الأول عن الثلث أو نقص عنه، و تكون الفائدة أنه لو أجاز الوارث الجميع نفذت الوصايا كلها، و منه ما لو أوصى بثلث المال لشخص، ثم أوصى بالثلث أو الربع لآخر، بتقريب ما تقدم نقلة عن المسالك من قوله، بخلاف قوله لفلان ثلث، من غير اضافة الى نفسه الى آخره. و ان اتحد العين كان الثاني رجوعا عن الأول، لامتناع اتحاد الملكين في عين واحدة، و من هذا ما أضاف الثلث الى نفسه، فيكون الثانية ناسخة للأولى قطعا، بتقريب ما تقدم نقله عن المسالك من قوله أن الثلث المضاف الى
441
الموصي هو القدر النافذ فيه وصيته شرعا الى قوله فيكون بمنزلة ما لو أوصى بعين لواحد، ثم أوصى به لآخر، و ما ذكره ابن إدريس في تعليل ما ادعاه من نسخ الأولى- من أن الإنسان لا يستحق من ماله بعد وفاته إلا الثلث- لا ينافي تجويز الوصية بأزيد من الثلث، لإمكان الإجازة و نفوذها بذلك و الإجازة على الأقوى عندهم ليست عطية ابتدائية و انما هي تنفيذ الوصية، فيجوز أن يوصى معتمدا على اجازة الورثة فيكون الوصية صحيحة، و لا يزول هذا الحكم عنها إلا بلفظ يدل على الرجوع عما سبق و حكم بصحته، و هو في هذا المثال و نحوه منتف، فيحكم بصحة الجميع، و يعمل في الزائد عن الثلث بمقتضى القاعدة المقررة من البدأة بالأول فالأول، و هذا بخلاف قوله ثلثي بإضافته إلى نفسه و نحوه، فان الرجوع هنا معلوم بالقرينة القوية، لما تقدم في كلامه بقوله لأن الإنسان لا يستحق من ماله بعد وفاته إلا ثلث ماله، و إذا أوصى به لإنسان إلى آخره.
و كيف كان فالمسئلة لخلوها عن النص لا يخلو بعض شقوقها من الاشكال، سيما في هذا الفرع، و لهذا قد اختلف كلامهم و اضطربت إفهامهم في هذه المسئلة.
قال في المسالك بعد البحث في المسئلة بنحو ما ذكرناه، و اختيار ما حررناه من الفرق بين المسئلتين المتقدمتين في كلام المحقق ما صورته: و اعلم أن كلام الأصحاب قد اختلف فيها اختلافا كثيرا، و كذلك الفتوى، حتى من الرجل الواحد في الكتب المتعددة، بل في الكتاب الواحد، و العلامة في القواعد وافق المصنف على ما ذكره- في المسئلتين، لكنه استشكل بعد ذلك في المسئلة الثانية، و في التحرير نسب الحكم في الثانية كذلك إلى علمائنا، و جعل فيه نظرا، و وجه الاشكال و النظر مما ذكرناه، و من أن كل واحدة منها وصية يجب تنفيذها بحسب الإمكان، و لا يجوز تبديلها مع عدم الزيادة، و مجرد اضافة الثلث اليه، لا يقتضي الرجوع، لان جميع ماله ما دام حيا له، فتصح إضافته اليه، و انما يخرج عن ملكه بالموت، و نحن نقول بموجبه، إلا أنا ندعي وجود القرينة في هذه الإضافة
442
على الرجوع، و من ثم لما أبدلها بالإضافة إلى ماله فضلا عن جعل الثلث مطلقا شككنا في إرادة الرجوع، فلم نحكم به، و قدمنا الأول.
و المختلف اعتمد على اعتبار القرينة و عدمها، كما حققناه، و جزم بعدم وجودها في ثلث مالي، و لم يتعرض للثلث المضاف الى الموصي، بل اعتمد على القرينة، و مع الشك فيها على عدم الحكم بالرجوع، و هذا هو الحق في المسئلة و المحقق الشيخ علي (رحمة الله عليه) في شرحه اعتمد في المسئلة على أصل آخر غير ما ذكرناه، و رتب عليه الحكم، و هو أن الأصل في الوصية، أن تكون نافذة، فيجب حملها على ما يقتضي النفوذ بحسب الإمكان، و انما تكون الثانية نافذة، فإذا كان متعلقها هو الثلث الذي يجوز للمريض الوصية به، فيجب حملها عليه، كما يجب حمل إطلاق بيع الشريك النصف على استحقاقه، حملا للبيع على معناه الحقيقي، و حينئذ فيتحقق التضاد في مثل ما لو قال: أوصيت بثلث لزيد، و بثلث لعمرو، فيكون الثاني ناسخا للأول، فيقدم، و أولى منه ما لو قال بثلث مالي، ثم فرع عليه أنه لو أوصى لزيد بثلث، و لعمرو بربع، و لخالد بسدس، و انتفت القرائن أن تكون الوصية الأخيرة رافعة للأولى، مع اعترافه بأنه مخالف لما صرح به جميع الأصحاب، و الحامل له على ذلك ما فهمه من أن إطلاق الوصية محمول على النافذة، و أنت قد عرفت مما حققناه سابقا أن الإطلاق في الوصية و غيرها من العقود انما يحمل على الصحيح، أما النافذ بحيث لا يترتب عليه فسخ بوجه، فلا اعتبار به قطعا، ألا ترى أن الوصية بجميع المال توصف بالصحة، و وقوف ما زاد على الثلث على الإجازة، و لا يقول أحد أنها ليست بصحيحة، و لذلك لو باع بخيار حكم بصحة البيع، و ان لم يكن نافذا، بمعنى أنه لا يستحق أحد فسخه، و ما مثل به من بيع الشريك النصف، فإنه محمول على استحقاقه، لا يؤثر هنا للفرق بينه و بين المتنازع فيه، لأن جميع التركة مستحقة للموصي حال حياته إجماعا، فقد أوصى بما يستحقه، و من ثم حكموا بصحة وصيته بما زاد على الثلث،
443
و صحة هبته له، و ان توقف على اجازة الورثة، لأن ذلك لهم كالخيار للبائع بالنسبة إلى ملك المشترى، بل أضعف، للخلاف في أن الملك هل ينتقل إليه في زمن الخيار أم لا؟ و الاتفاق على أن التركة مملوكة للموصي ما دام حيا، و من ثم لزمت الهبة لو برء من مرضه، و كانت الإجازة تنفيذ الوصية، لا عطية متجددة، على مختار أصحابنا، و قد ادعى الشيخ في المبسوط عليه الإجماع، و انما الخلاف في التنفيذ، و العطية للعامة، و أصحابنا يجعلون العطية احتمالا مرجوحا، لا قولا.
و إذا تقرر أن الإطلاق محمول على الوصية الصحيحة- فكل وصية من المذكورات صحيحة، سواء كانت نافذة أم لا- لم تدل الوصية المتأخرة عن الوصية بالثلث على أنها ناسخة للسابقة، و رجوع عنها، بل على ارادة الموصى إعطاء كل واحد ما أوصى له به، و ان توقف ذلك على اجازة الورثة، فإن ذلك أمر آخر غير الوصية المعتبرة شرعا، و قد ظهر بذلك أنه لا تضاد بين قوله أوصيت لزيد بثلث، و لعمرو بربع، بطريق أولى، و انما يقع التضاد صريحا إذا قال بعد الوصية لزيد بثلث، أوصيت لعمرو بالثلث الذي أوصيت به لزيد، أو بثلثي أو بالثلث الذي جعله الله تعالى غير متوقف على اجازة، و نحو ذلك، و في مثل قوله بثلثي لزيد، ثم بثلثي لعمرو بالقرينة، لا بالتصريح كما حققنا، ثم نقل عن الشيخ (رحمة الله) عليه أنه اتفق له في هذه المسئلة غرائب، و شرح ذلك بما لا مزيد فائدة في ذكره، و انما نقلنا كلامه (قدس سره) بطوله لجودة محصوله في تحقيق المسئلة، زيادة على ما قدمناه، و الاطلاع على ما وقع لهم من الاختلاف في المسئلة، زيادة على ما ذكرناه، إلا أن الخلاف الذي ذكرناه أولا بالنسبة إلى المسئلة الأولى من المسئلتين المفروضتين في كلام المحقق، و الذي ذكره (قدس سره) بالنسبة إلى الثانية منهما، و الله العالم.
444
تذنيبان:
الأول- لو اشتبه السابق
في صورة الوصية بالثلث لاثنين، أحدهما بعد الآخر فإنه يستخرج بالقرعة، كما حكم به الأصحاب، لأنها لكل أمر مشتبه، فان قلنا بأن الوصية للأول، و أنه يلاحظ في الصحة الأول فالأول، فإنه يحكم بها للسابق و ان قلنا بأن ذلك عدول و فسخ، فإنه يحكم بها للثاني، و حينئذ فلا فرق في كتابة الرقاع بين أن يجعل باسم السابق أو المتأخر، و صفتها أن تكتب في رقعة اسم أحدهما و أنه السابق، و تكتب في رقعة اسم الآخر و أنه السابق، و يجمعان في موضع و يخفيان، ثم يخرج إحداهما فمن خرج اسمه كان هو السابق، و ترتب عليه الحكم من استحقاق أو حرمان، و لك أن تكتب عوض السابق المتأخر في كل من الرقعتين، و المرجع إلى أمر واحد.
الثاني: لو أوصى بشيء واحد لاثنين
كان يقول أعطوا زيدا و عمرا مائة درهم، أو الدار الفلانية، و كان ذلك أزيد من الثلث، فان الشقص يدخل عليهما بالنسبة، و لو جعل لكل واحد منهما شيئا بأن يقول: أعطوا زيدا خمسين درهما، و أعطوا عمرا خمسين درهما، أو أعطوا زيدا نصف الدار، و عمرا نصفها، و أنفق الزيادة على الثلث، فإنه يبدأ بالعطية الأولى، و يدخل النقص على الثانية.
المسئلة السادسة [في الوصية بعتق مماليكه و من جملتهم من هو مشترك]:
قال الشيخ في النهاية: إذا أوصى بعتق جميع مماليكه، و له مماليك بخصوصه، و مماليك بينه و بين غيره، أعتق من كان في ملكه، و قوم من كان في الشركة، و أعطى حقه ان كان ثلثه يحتمل، فان لم يحتمل أعتق منه بقدر ما يحتمله، و به قال ابن البراج و العلامة في المختلف.
و يدل عليه ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله تعالى مراقدهم) بأسانيدهم و فيها الصحيح عن أحمد بن زياد (1) و هو واقفي «عن ابى الحسن (عليه السلام) «قال:
____________
(1) الكافي ج 7 ص 20 ح 17، التهذيب ج 9 ص 222 ح 872، الوسائل ج 13 ص 463 ح 2.
445
سألته عن الرجل تحضره الوفاة و له مماليك لخاصة نفسه، و له مماليك في شركة رجل آخر، فيوصي في وصيته مماليكي أحرار، ما حال مماليكه الذين في الشركة فقال: يقومون عليه ان كان ماله يحتمل ثم هم أحرار».
و قال ابن إدريس: الذي يقوى عندي أنه لا يقوم من في الشركة، بل يعتق منهم بقدر ما يملكه، و لا يعطى شريكه ثمن حصته، و ان احتمل ثلثه ذلك، لأنه بعد موته لا يملك الثلث، إذا لم يوص به، لأن الموت يزول به ملكه إلا ما استثنى من ثلثه، و هذا ما استثنى شيئا، و الى هذا القول مال المتأخرين و هو قول الشيخ في المبسوط أيضا، حيث قال: إذا أوصى بعتق شقص له من عبد، ثم مات أعتق عنه ذلك الشقص، و لم يقوم عليه نصيب شريكه، و ان كان غنيا، لأن ملكه زال عن ماله بالموت إلا القدر الذي استثناه.
و العلامة في المختلف حيث اختار مذهب الشيخ في النهاية استدل عليه بأن الموصي أوجد سبب السراية في العتق، فيوجد مسببه، أما المقدمة الأولى فلأن العتق في الحقيقة مستند اليه، و لهذا كان ولائه له، و أما الثانية فظاهرة، ثم أورد الرواية المذكورة.
و اعترضه في المسالك فيما أورده من التعليل العقلي بأنه ان أراد مطلق السبب أعم من التام لم يفده المطلوب، و ان أراد به التام منعناه هنا، لأن السبب التام للسراية العتق مع اليسار، و اليسار هنا منتف، لأنه لا يملك بعد الموت، أو تقول ان سبب السراية انما هو العتق لا الوصية به، و العتق انما وقع بعد الوفاة، فمسببه يجب أن يقع بعده كذلك مع اجتماع شرائطه الذي من جملته اليسار، و هو منتف هنا بعد الوفاة، لما ذكرناه، ثم قال: فان قيل: كما أن العتق سبب قريب في السراية، كذلك الوصية سبب فيها، لأنها سبب العتق، و قد حصلت حالة اليسار. لأنه المفروض و العتق سبب في السراية، قلنا: مجرد وجود السبب لا يقتضي وجود المسبب، إلا إذا اجتمعت شرائطه، و إلا فيمكن تخلف المسبب عن
446
سببه، لفقد شرط، و هو هنا كذلك، لأن شرط العتق وفاة الموصي، لأنه جعله وصية، و الوصية انما تقع بعد الوفاة، فإذا تخلف المسبب و هو العتق عن سببه الى ما بعد الوفاة، لزم معه تخلف مسببه، و هو السراية كذلك و تم المطلوب، حيث لم يصادف المال، ثم رد الرواية بأنها لا تصلح لتأسيس الحكم بذاتها لضعف سندها بأحمد بن زياد المذكور، فإنه واقفي غير ثقة، انتهى.
أقول: يمكن أن يقال ان محل البحث و موضوع المسئلة من أوصى بعتق مماليكه بمعنى أنهم يعتقون بعد موته، أو ينعتقون، و فهم هذا المعنى من لفظ الرواية غير ظاهر، فان ظاهرها أنه كتب في وصيته أو قال: بلسانه في ذلك مماليكي أحرار، و ظاهر هذه العبارة محتمل للإنشاء، فيكون ذلك عتقا لهم في ذلك الوقت، و محتمل للأخبار عن عتق سابق، و على كل من الأمرين، فالعتق قد وقع حال الحياة، فيترتب عليه ما ذكره في الرواية من السراية ان كان في ثلثه ما بقي بذلك، و أما أن المراد بها الوصية بأن يعتق مماليكه بعد موته، فهو في غاية البعد عن حاق لفظها، فان قيل: ان ذلك مفهوم من قوله فيوصي في وصيته، و الوصية بالعتق يقتضي الانعتاق بعد الموت لا قبله، قلنا يمكن ارتكاب التجوز في هذا اللفظ، بمعنى أنه يقول: و يذكر هذا القول في تلك الحال، و باب التجوز في الكلام واسع، و ارتكاب ما قلناه أولى و أقرب مما ذهب إليه القائلون بالقول الأول من التقديم على الموصي، مع أنه لا مال له بعد الموت، كما أورده عليه، و أولى منه ما ذهب اليه من رد الخبر و إطراحه بالكلية، مع عدم وجود ما يضاده من الأخبار، و العمل بالخبر مهما أمكن أولى من طرحه، و على ما ذكرناه فالخبر لا يكون من محل الاستدلال في شيء، فيبقى القول الأول خاليا من الدليل، و يكون العمل على القول الثاني، بناء على القاعدة المذكورة، و هي أنه لا يقوم عليه إلا مع وجود المال له، و لا مال في تلك الحال.
و بالجملة فإن الظاهر بهذا الفهم القاصر، و الذهن الخاسر، ان حمل الخبر
447
على ما ذكرناه ممكن بما عرفت من التقريب، فلا يلزم مخالفته للقواعد بناء على القول الأول، و لا رده بناء على القول الثاني، و الله العالم.
إلحاق يشتمل على جملة من الفروع:
الأول [في إجازة الوارث الوصية بالنصف ثم دعواه قلة المال]:
قالوا: لو أوصى بنصف ماله مثلا، و أجاز الورثة، ثم قالوا: ظننا أنه قليل، كما لو قالوا بعد إجازتهم الوصية بالنصف، ظننا أنه ألف درهم، فظهر ألف ألف دينار، فإنه يقبل قولهم في دعوى ظن قلة المال مع يمينهم، و يقضى عليهم بما ادعوا ظنه، فإذا حلفوا قضى عليهم بصحة الإجازة في خمسمائة درهم، و علل قبول قولهم باستناده إلى أصالة عدم العلم بالزائد، مضافا الى أن المال مما يخفى غالبا، و أن دعواهم يمكن أن تكون صادقة، و لا يمكن الاطلاع على صدق ظنهم إلا من قبلهم، لأن الظن من الأمور النفسانية، فلو لم يكتف فيه باليمين لزم الضرر، لتعذر إقامة البينة على دعواهم.
و ترد المحقق في ذلك، و منشأه مما ذكرنا، و من تناول لفظ الموصى للقليل و الكثير، و قدومه على ذلك مع كون المال مما يخفى كما ذكر، فالرجوع الى قولهم رجوع عن اللفظ المتيقن الدلالة على معنى يعم الجميع الى دعوى ظن يجوز كذبه.
قال في المسالك بعد ذكر ذلك: و الأقوى القبول، و حينئذ فيدفع الى الموصى له نصف ما ظنوه، و ثلث باقي التركة، انتهى.
أقول: لا ريب في قوة ما قواه بالنظر الى هذه التعليلات المذكورة من الطرفين، إلا أن الاعتماد عليها في تأسيس الأحكام الشرعية كما عرفت في غير مقام مما تقدم، لا يخلو عن الاشكال، و المسئلة عارية من النصوص على الخصوص و الصلح طريق الاحتياط، و الله العالم.
الثاني [دعوى الورثة أن الوصية أزيد مما ظنوا]:
قالوا: لو أوصى بعبد أو بدار، فأجاز الورثة الوصية، ثم ادعوا أنهم
448
ظنوا أن ذلك الثلث أو أزيد بيسير، مع ظهور كون ذلك أزيد بكثير، لقلة المال لم يسمع دعواهم في هذه الصورة، لأن الإجازة هنا قد تضمنت معلوما، بخلاف ما تقدم في سابق هذا الموضع، و حاصل الفرق بين المسئلتين أن الإجازة في هذه الصورة وقعت على معلوم للورثة، و هي العين المخصوصة كيف كانت من التركة، فكانت الإجازة ماضية عليهم، بخلاف الصورة الأولى حيث أن الوصية فيها بجزء مشاع، و هو النصف من التركة مثلا، و العلم بمقداره قلة و كثرة موقوف على العلم بالتركة كملا، و الأصل عدمه، فتسمع فيه دعوى الجهالة، و أنت خبير بما في هذا الفرق من تطرق احتمال المناقشة، و لهذا مال في الدروس إلى التسوية بين المسئلتين، و القبول في الحالين، و جعله العلامة في التحرير وجها، و في القواعد احتمالا.
و وجه المناقشة التي أشرنا إليها، و ما ذكره في المسالك من أن الإجازة و ان وقعت على معلوم للورثة كما يدعونه، إلا أن كونه مقدار الثلث أو ما قاربه مما سامحوا فيه انما يعلم بعد العلم بمقدار التركة، و الأصل عدم علمهم بمقدارها، و بنائهم على الظن، فكما احتمل ظنهم قلة النصف في نفسه، يحتمل ظنهم قلة العين بالإضافة إلى مجموع التركة، و ان لم يكن قليلا في نفسه، قال: و مخالفة الأصل هنا بظنهم كثرة المال مع أن الأصل عدمه، لا يؤثر في رفع الظن عنه و اعتقاد كثرته، بل يمكن عدم ظهور خلاف ما اعتقدوه من الكثرة، و لكن ظهر عليه دين قدم على الوصية، فقل المال الفاضل عنهما، و هذا موافق للأصل كالأول، ثم قال: و أيضا فمن جملة المقتضى للقبول في الأول، إمكان صدقهم في الدعوى، و تعذر إقامة البينة بما يعتقدونه، و هو متحقق هنا، لأن الأصل عدم العلم بمقدار التركة، و ذلك يقتضي جهالة قدر المعين من التركة كالمشاع، و لعل القبول أوجه، انتهى.
و الغرض من التطويل بنقل كلامهم مع ما عرفت من عدم الاعتماد عليه،
449
مع خلوه من الدليل الواضح، هو وقوف الناظر في الكتاب على ما في هذه المسائل من كلام الأصحاب (رحمهم الله) فلعله يتشوق نفسه الى الوقوف على كلامهم، و نقضهم فيها و إبرامهم، و قد أشرنا في غير موضع مما تقدم أن الغرض من الكتاب هو أن لا يحتاج الناظر فيه الى مراجعة شيء من كتب الأخبار، لاحاطتهم فيه بجميع أخبار كل مسئلة مسئلة، و كذلك لا يحتاج إلى مراجعة كتب الأصحاب للاطلاع على ما ذكروه في كل مسئلة مسئلة حسب الإمكان، و إلا فاستقصاء كلامهم في كل مسئلة مسئلة مما يتعذر غالبا، فيكون كتابنا هذا مغنيا عن مراجعة غيره من كتب الأخبار، و كتب الفروع في الجملة ان شاء الله تعالى.
الثالث [في الوصية بثلث ماله مشاعا]:
الظاهر أنه لا إشكال في أنه لو أوصى له بثلث ماله مشاعا فان الموصى له من كل شيء من التركة ثلثه حاضرا كان أو غائبا عينا كان أو دينا فهو شريك للورثة في كل جزء جزء من التركة.
أما لو أوصى له بثلث التركة معينا في عين مخصوصة، كدار مخصوصة، أو عبد مخصوص، فان الموصى له يملكه بالقبول، و موت الموصي، و لا اعتراض، للورثة من حيث اختصاصه بالعين عنهم، و لهم منها الثلثان، لأنه لا خلاف في أن للموصى ثلث ماله، يتصرف فيه كيف شاء، و أنه لا يتوقف على اذن الورثة، غاية الأمر أنه بعد أن خصه بهذه العين من حيث كونها ثلث التركة، و هو لا يملك من هذه العين إلا ثلثها، جعل ما بأيديهم من ضعف الوصية من جملة التركة كالقيمة الشرعية عما يستحقونه من ثلثي هذه العين، هذا إذا كان ضعف الموصى به بأيديهم، كما هو المفروض.
أما لو لم يكن بأيديهم بأن كان له مال غائب، أو بيد متغلب، فان لم يكن بأيديهم من التركة شيء أصلا، فللموصى له ثلث تلك العين خاصة، و كان انتقال ثلثيها موقوفا على تمكين الوارث من ضعفها من التركة، و ان كان بيدهم شيء لا يقوم بالنصف فله من العين ما يحتمله الثلث منها و مما بأيديهم من التركة،
450
و الباقي يصير موقوفا لا نحكم به لأحد منهما حتى يتضح الحال، فيجعل أمانة بيد الحاكم أو أمينه أو من يتفقان عليه الى أن يتبين الأمر، لحصول الغائب و عدمه.
ثم ان هذا القدر المتخرج من الثلث المنحصر في بعض هذه العين منجز هل يتسلط الموصى له عليه أم لا؟ بل يمنع من التصرف فيه و ان كان ملكا له، وجهان:
اختار أولها في المسالك، قال: لوجود المقتضى و هو ملكه له بالوصية المحكوم بصحتها بالنسبة إلى الثلث على كل حال، لأن غاية ما هناك تلف الغائب بأجمعه فيكون الحاضر هو مجموع التركة فيملك ثلثه بغير مانع، ثم ذكر وجه المنع و رده بما هو مذكور ثمة.
الرابع [لو أوصى بثلث عبده فتبين أنه ليس له من العبد إلا ثلثه]:
قالوا: لو أوصى بثلث عبده فتبين أنه ليس له من العبد إلا ثلثه، و أن ثلثيه، مستحق للغير، فإن الوصية تصح في ذلك الثلث، ثم ان كان الموصي لا يملك غير ذلك العبد لم تنفذ وصيته المذكورة، إلا في ثلث الثلث الذي يستحقه، و وقف في ثلثيه على الإجازة، و ان ملك غيره اعتبر خروج ثلث العبد من ثلث التركة.
و نقل عن بعض العامة، أنه حكم بنفوذ الوصية في المسئلة المذكورة في ثلث الثلث خاصة، و الذي عليه الأصحاب كما عرفت أن الوصية إنما تنصرف الى مستحقه خاصة، و هو الثلث على التفصيل المتقدم، و ما ذهب اليه ذلك القائل كأنه منزل على الإشاعة، و جواز الوصية بمال الغير، بمعنى أنه لو أوصى بثلث شائع في العبد و هو ملك الجميع من الموصي و باقي الشركاء، فلا تنفذ وصيته فيه، بل انما تنفذ في ثلثه، و يرجع الى كون موصى به ثلث الثلث، و رده الأصحاب بأن الوصية لا تصح إلا بما يملكه الموصي، فلو أوصى بمال الغير لغت، فلا تنزل على الإشاعة المستلزمة للوصية بمال الغير.
الخامس [في انصراف الوصية بما يقع اسمه على المحلل و المحرم إلى المحلل]:
المشهور في كلام المتأخرين أنه لو أوصى بما يقع اسمه على المحلل و المحرم انصرف اللفظ الى المحلل، صونا للمسلم عن المحرم كما إذا
451
أوصى بعود من عيدانه و له عود لهو، و عيدان قسي، و عيدان عصي، و عيدان المسقف و البنيان، و أيده بعضهم بوجوب تنفيذ الوصية بحسب الإمكان لعموم «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ» و هو لا يتم إلا بذلك.
و قال الشيخ في المبسوط: إطلاق قوله عود من عيداني ينصرف الى العود الذي يضرب به للهو، لأن ذلك يسمى بالإطلاق عودا في العادة، ثم ينظر فان كان له منفعة غير الضرب صحت الوصية، و ان لم تكن له منفعة مباحة و لا يصلح إلا للعب بطلت الوصية.
أقول: لا ريب أن لفظ العود هنا من الألفاظ المشتركة، و من شأن اللفظ المشترك ان لا يحمل على أحد معانيه إلا بالقرينة، و في كون ما ذكروه من صون المسلم عن المحرم قرينة على المحلل على إطلاقه محل اشكال، سيما مع شيوع استعمال المسلمين للهو و اللعب بالعود و غيره، فلو ثبت ذلك بحال الموصى و ما هو عليه من التورع عن المحرمات، أو عدم ذلك، و لو في سائر الحالات لكان حسنا.
نعم لو لم يكن له عود لهو بالكلية، انصرف الى المحلل بغير اشكال، و ان كان اللفظ أعم من المحرم، و لو لم يكن له إلا العود المحرم قيل تبطل الوصية، لانصرافه الى غير المشروع، حيث لم يكن له غيره، و الحال أنه قد خصها بما هو له، فلا ينتقل الى تحصيل غيره.
و ظاهر كلام الشيخ المتقدم أنه ان كان له منفعة مباحة غير الضرب صحت الوصية، و إلا فلا، و قيل: تصح الوصية به، و لكن تزال عنه الصفة المحرمة، بأن يحول منها الى غيرها من الصفات المحللة إن أمكن، و إلا بطلت الوصية، و إطلاق العبارة يقتضي أن زوال الصفة المحرمة مع بقاء المنفعة لو تحقق بكسره و الانتفاع بخشبه في بعض المنافع المحللة، يكفي في الصحة على هذا القول.
و استشكل في المسالك في ذلك بأنه يخرج بالكسر عن كونه عودا لأن وصيته معتمدة على وصف العود فكسره خروج عن الاسم، ثم قال: لا يقال: إذا
452
انتقل الى الموصى له فله أن يفعل به ما شاء، و من جملته كسره، بل هو واجب حيث يتوقف زوال الصفة المحرمة عليه، فلا يقدح ذلك في جواز الوصية، لأنا نقول ان جواز تصرفه فيه بالكسر و غيره موقوف على صحة الوصية، و صحتها موقوف على كسره فيدور، و لو قيل: أنه يمكن كسره من غير الموصى له قبل دفعه اليه ليندفع الدور، جاء فيه ما تقدم من زوال اسم العود الذي هو متعلق الوصية، فلا يكون بعد كسره موصى به، فلا يحصل بدفعه الى الموصى له الامتثال، انتهى.
أقول: لا يخفى أن مبنى كلامه (قدس سره) على أنه بالكسر يخرج عن كونه عودا، فلو دفع بعد الكسر الى الموصى له لم يصدق الإتيان بالوصية و الامتثال لها، و فيه أن أحد أفراد العود عود الخشب، و هذا بعد الكسر و ان خرج عن عود اللهو، إلا أنه لا يخرج عن عود الخشب، قال في كتاب المصباح المنير: و عود اللهو و عود الخشب، جمعه أعواد و عيدان، و نحوه في القاموس، و حينئذ فيرجع الكلام إلى ما ذكره ذلك القائل من صحة الوصية متى أزيلت عنه صفة المحرمة، و حول الى غيرها من الصفات المحللة، و أن هذا العود بكسره قد خرج عن عود اللهو، و صار من قبيل عود الخشب، الذي منافعه المترتبة عليه محللة.
ثم انه قال في المسالك على أثر الكلام المتقدم: و الأقوى أنه إن أمكن إزالة الصفة المحرمة مع بقاء اسمه، صحت الوصية، و إلا بطلت لحصره فيما عنده، و هو ينافي تحصيل عود من خارج، و لم يوجد عنده ما يتناوله الاسم شرعا، فيكون ذلك بمنزلة ما لو أوصى بالمحرم، انتهى.
أقول: قد عرفت بما أوضحناه بقاء اسم العود على الباقي بعد الكسر، فتصح الوصية، و لا يحتاج الى تحصيل عود من خارج بأي معنى كان، فان الموجود عنده بعد الكسر مما يتناوله اسم العود، فلا موجب لبطلان الوصية، و الله العالم.
السادس [في صحة الوصية بالكلاب المملوكة]:
قال المحقق في الشرائع: و تصح الوصية بالكلاب المملوكة،
453
ككلب الصيد، و الماشية، و الحائط، و الزرع، قال الشارح في قوله المملوكة:
تنبيه، على أنا لو لم نقل بملكها لم تصح الوصية بها لعدم كونها مالا منتفعا به و من ثم لم يصح بيعها عند القائل بعدم المالية، و الأقوى جواز الوصية بها و ان لم نقل بملكها و لم نجوز بيعها، لثبوت الاختصاص بها و انتقالها يدا الى يد بالإرث و غيره، و هو أعم من الملك.
أقول: قد حققنا في كتاب البيع (1) أن المستفاد من الأخبار اختصاص الملك و جواز البيع و نحوه بكلب الصيد خاصة، كما هو أحد الأقوال في المسئلة، و أن ما عداه لا دليل على جواز تملكه و لا بيعه، و لا غيرهما من الأحكام، و منها الوصية هنا، و أما ما ذكره الشارح هنا من جواز الوصية بالكلاب و ان لم نقل بملكها و لم نجوز بيعها، فهو مشكل.
أما أولا فلما صرحوا به من أن من شروط صحة الوصية صحة الملك لكل من الموصى و الموصى له، كما تقدم في المسئلة الأولى من مسائل هذا المقصد، و قد اعترف بذلك الشارح المذكور، حيث قال بعد قول المصنف و يعتبر فيهما الملك؟ فلا يصح بالخمر و الخنزير و الكلب الهراش ما صورته: المراد هنا صلاحية الملك للموصى و الموصى له، كما ترشد إليه الأمثلة، فإن المذكورات لا تقبل الملك بالنسبة إلى المسلم، أو مطلقا بناء على اعتبار الواقع في نفس الأمر الى أن قال:
و احترز بكلب الهراش عن الكلاب الأربعة و الجر و القابل للتعليم، فتصح الوصية بها، لكونها مملوكة لها قيمة و منفعة، و هو كما ترى صريح فيما ذكرناه، و على هذا المنوال كلمة غيره من الأصحاب في هذا المجال.
و أما ثانيا فلان الوصية حكم شرعي يترتب عليها جملة من الأحكام كما في جملة الوصايا المبحوث عنها في هذا المقام، فلا بد في إثباته من الدليل الشرعي كما هو واضع لذوي الأفهام، و غاية ما يدل عليه الدليل صحة الوصية بالمملوك، فغيره
____________
(1) ج 18 ص 80.
454
يتوقف على الدليل، و مجرد هذه التعليلات العليلة لا يجوز أن ترتب عليها الأحكام الشرعية.
و اما ثالثا فان ما ادعاه من انتقالها من يد الى يد بالإرث و غيره مجرد دعوى، لا يخرج عن المصادرة، فإن المانع للملك يمنع من حصول الإرث فيها، لكونه فرع الملك بلا خلاف نصا و فتوى و بالجملة فإن كلامه (قدس سره) هنا لا يخلو من تساهل ثم أنه قال في المسالك: إذا تقرر ذلك فإذا أوصى بكلب تجوز الوصية به، فان وجد في التركة فذاك، و إلا فإن جوزنا شراءه اشترى من التركة و دفع الموصى له، و ان لم نجوز شراءه احتمل بطلان الوصية حينئذ، لعدم إمكان إنفاذها على الوجه المشروع، و مراعاة تحصيله بغير البيع، إذ لا يلزم من عدم جواز بيعه عدم إمكان تحصيله بغيره، فيجب تحصيله على الوارث تفصيا من تبديل الوصية مع إمكان إنفاذها، فإن أمكن تحصيله و الا بطلت و يشكل بأنه لا يلزم، من إمكان تحصيله للوارث وجوبه عليه إذ لا يجب عليه إنفاذ وصية مورثه إلا من مال المورث و هو منتف هنا، و الأقوى البطلان مطلقا، لكن لو تبرع به متبرع من وارث و غيره صح، و ان لم يكن ذلك واجبا، انتهى.
تتميم: في ذكر جملة من الوصايا المبهمة
فمنها الوصية بالجزء من ماله
، و قد اختلف الأصحاب في ذلك باختلاف الأخبار فيما هنالك، فذهب جمع منهم الشيخ في كتابي الأخبار و الشيخ علي بن بابويه و ابنه إلى أنه العشر، و اختاره العلامة في المختلف، و هو ظاهر المحقق في الشرائع حيث نسبه الى أشهر الروايتين، و ذهب جمع منهم الشيخ المفيد و الشيخ في النهاية و ابن الجنيد و سلار و ابن البراج إلى أنه السبع، و نقله في المسالك عن أكثر المتأخرين.
و الذي يدل من الأخبار على الأول ما رواه في الكافي و التهذيب في الحسن
455
أو الصحيح في الأول،
و الصحيح في الثاني عن عبد الرحمن بن سيابة (1) و هو مجهول قال: «ان امرأة أوصت الي و قالت ثلثي يقتضي به ديني، و جزء منه لفلانة، فسألت عن ذلك ابن أبى ليلى فقال ما أرى لها شيئا، ما أدرى ما الجزء فسألت عنه أبا عبد الله (عليه السلام) بعد ذلك و خبرته كيف قالت المرأة و ما قال ابن أبى ليلى فقال:
كذب ابن أبى ليلى، لها عشر الثلث، ان الله تعالى أمر إبراهيم (عليه السلام) فقال (2):
«اجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً» و كانت الجبال يومئذ عشرة، و الجزء هو العشر من الشيء».
و العلامة في المختلف روى هذه الرواية عن عبد الله بن سنان، و أنه هو الوصي و السائل عن هذه المسئلة، و عد الخبر في الصحيح، و الذي في الكافي و التهذيب عن عبد الله بن سنان إنما هو راو عن عبد الرحمن بن سيابة، و به تكون الرواية على اصطلاحهم ضعيفة، و كان لفظ عبد الرحمن بن سيابة سقط، من نسخة الكتاب الذي عنده، أو أنه غفل عنه، إلا أن الشيخ في الاستبصار رواه كذلك فالظاهر أنه نقل الخبر عن الاستبصار، و لم يراجع الكافي و التهذيب، و مما يؤيد العمل على ما في التهذيب كما ذكره شيخنا في المسالك، من أن من المستبعد جدا أن عبد الله بن سنان الفقيه الجليل الإمامي يسأل ابن أبى ليلى في ذلك، بل الموجود في الأخبار أن ابن أبى ليلى كان يسأله، و يسأل أصحابه مثل محمد بن مسلم و غيره عن كثير من المسائل، و الشهيد في الدروس قد تبع العلامة في هذا المقام وثوقا بكلامه في المختلف، و اعتمادا على ما في الاستبصار، و لم يراجع الكتابين الآخرين.
و منها ما رواه
المشايخ الثلاثة في الموثق أو الحسن الذي لا يقصر عن الصحيح
____________
(1) الكافي ج 7 ص 39 ح 1، التهذيب ج 9 ص 208 ح 824، الاستبصار ح 4 ص 131 ح 494، الوسائل ج 13 ص 442 ح 2.
(2) سورة البقرة- الاية 260.
456
عن معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أوصى بجزء من ماله، قال: جزء من عشرة، قال الله تعالى (2) «اجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً» و كانت الجبال عشرة».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن ابان بن تغلب (3) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) الجزء واحد من عشرة، لأن الجبال كانت عشرة، و الطير أربعة».
و ما رواه
في التهذيب عن أبى بصير (4) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل أوصى بجزء من ماله: قال: جزء من عشرة، و قال: كانت الجبال عشرة».
و رواه العياشي في تفسيره مثله (5)، و زاد: و كانت الطير الطاوس، و الحمامة، و الديك و الهدهد، فأمره أن يقطعهن. الى آخره.
و ما رواه
الصدوق (قدس سره) في كتاب معاني الأخبار عن ابان بن تغلب (6) «عن أبى جعفر (عليه السلام) في الرجل يوصى بجزء من ماله؟ قال: الجزء واحد من عشرة، لأن الله تعالى يقول «ثُمَّ اجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً» و كانت الجبال عشرة، و الطير أربعة فجعل على كل جبل منهن جزءا».
قال: و روى أن الجزء واحد من سبعة، لقول الله عز و جل «لَهٰا سَبْعَةُ أَبْوٰابٍ لِكُلِّ بٰابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ».
و منها ما رواه
في الكتاب المذكور في الصحيح عن عبد الله بن سنان (7) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة أوصت بثلثها يقضى به دين ابن أخيها و جزء
____________
(1) الكافي ج 7 ص 40 ح 2، التهذيب ج 9 ص 208 ح 825، الفقيه ج 4 ص 152 ح 528، الوسائل ج 13 ص 443 ح 3.
(2) سورة البقرة- الاية 260.
(3) الكافي ج 7 ص 40 ح 3، التهذيب ج 9 ص 209 ح 826.
(4) الكافي ج 7 ص 40 ح 3، التهذيب ج 9 ص 209 ح 827. الوسائل ج 13 ص 442 ح 1.
(5) تفسير العياشي ج 1 ص 144 ح 475. الوسائل ج 13 ص 446 ح 11.
(6) معاني الأخبار ص 217 ح 1. الوسائل ج 13 ص 444 ح 6.
(7) معاني الأخبار ص 217 ح 2 ط إيران سنة 1379. الوسائل ج 13 ص 444 ح 6.
457
لفلان و فلانة فلم أعرف ذلك، فقدمنا الى ابن أبى ليلى، قال: فما قال لك؟ قلت:
قال: ليس لهما شيء فقال: كذب و الله، لهما العشر من الثلث».
و ما رواه
العياشي (1) في تفسيره عن عبد الصمد بن بشير في خبر يتضمن «أن أبا جعفر المنصور جمع القضاة فقال لهم: رجل أوصى بجزء من ماله فكم الجزء؟ فلم يعلموا و اشتكوا اليه، فأبرد بريدا الى صاحب المدينة أن يسأل جعفر بن محمد فسأله فقال أبو عبد الله (عليه السلام): هذا في كتاب الله بين، ان الله يقول لما قال إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتىٰ.، (2) «ثُمَّ اجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً»، فكانت الطير أربعة و الجبال عشرة، يخرج الرجل من كل عشرة أجزاء جزءا واحدا»، الحديث.
و ما رواه
العياشي في تفسيره عن محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن عبد الله (3) قال: «جائني أبو جعفر بن سليمان الخراساني، و قال: نزل بي رجل من أهل خراسان من الحجاج، فتذاكرنا الحديث، فقال: مات لنا أخ بمرو و أوصى الى بمائة ألف درهم و أمرني ان أعطي أبا حنيفة منها جزءا، و لم أعرف الجزء كم هو مما ترك، فلما قدمت الكوفة أتيت أبا حنيفة فسألته عن الجزء، فقال لي الربع، فأبى قلبي ذلك فقلت: لا أفعل حتى أحج و أستقصي المسئلة، فلما رأيت أهل الكوفة قد اجتمعوا على الربع، قلت لأبي حنيفة الى أن قال: و أنا أريد الحج فلما أتينا مكة و كنا في الطواف فإذا نحن برجل شيخ قاعد قد فرغ من طوافه، و هو يدعو و يسبح إذ التفت أبو حنيفة فلما رآه قال: ان أردت أن تسأل غاية الناس فاسئل هذا، فلا أحد بعده، قلت: و من هذا؟ قال: جعفر بن محمد، فلما قعدت و استمكنت إذ استدار أبو حنيفة خلف ظهر جعفر بن محمد، فقعد قريبا منى فسلم عليه و عظمه و جاء غير واحد مزدلفين مسلمين عليه، و قعدوا فلما رأيت ذلك من تعظيمهم له اشتد ظهري، فغمزني أبو حنيفة أن تكلم، فقلت: جعلت فداك اني
____________
(1) تفسير العياشي ج 1 ص 143 ح 473، الوسائل ج 13 ص 444 ح 8 الباب 54.
(2) سورة البقرة- الاية 260.
(3) تفسير العياشي ج 1 ص 144 ح 476، الوسائل ج 13 ص 445 ح 9 الباب 54.
458
رجل من خراسان و ان رجلا مات و أوصى الى بمائة ألف درهم و أمرني أن اعطى منها جزءا، و سمى لي الرجل، فكم الجزء جعلت فداك؟ فقال جعفر بن محمد يا أبا حنيفة: قل فيها، فقال: الربع، فقال لابن أبى ليلى: قل فيها، فقال:
الربع، فقال جعفر (عليه السلام): و من أين قلتم الربع؟ قالوا: لقول الله تعالى (1) «فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً»، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) و أنا أسمع هذا قد علمت الطير أربعة، فكم كانت الجبال، إنما الأجزاء للجبال، ليس للطير، فقالوا: ظننا أنها أربعة فقال أبو عبد الله (عليه السلام) و لكن الجبال عشرة»، و روى جزء من سبعة (2) لقول الله عز و جل (3) «لَهٰا سَبْعَةُ أَبْوٰابٍ لِكُلِّ بٰابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ».
انتهى.
هذا جملة ما وقفت عليه من الأخبار الدالة على القول الأول.
و أما ما يدل على القول الثاني من الأخبار فمنه ما رواه
الشيخ في الصحيح عن البزنطي (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل أوصى بجزء من ماله فقال:
واحد من سبعة، ان الله تعالى يقول «لَهٰا سَبْعَةُ أَبْوٰابٍ لِكُلِّ بٰابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ» قلت: رجل أوصى بسهم من ماله؟ فقال: السهم واحد من ثمانية، ثم قرأ «إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ» الى آخر الآية.
و عن إسماعيل بن همام الكندي (5) «عن الرضا (عليه السلام) في الرجل يوصى بجزء من ماله و لم يعينه، فاختلف الوارث بعده في ذلك فقضى عليهم بإخراج السبع من ماله و تلا قوله تعالى «لَهٰا سَبْعَةُ أَبْوٰابٍ لِكُلِّ بٰابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ»،.
و قد تقدم في عبارة كتاب الفقه الرضوي و كذا في عبارة المقنع الإشارة الى هذه الرواية.
____________
(1) سورة البقرة- الاية 260.
(2) الوسائل ج 13 ص 444 ح 6.
(3) سورة الحجر- الاية 44.
(4) التهذيب ج 9 ص 209 ح 828، الوسائل ج 13 ص 447 ح 12.
(5) التهذيب ج 9 ص 209 ح 829، الوسائل ج 13 ص 447 ح 13.
459
و روى العياشي في تفسيره عن البزنطي (1) «عن الرضا (عليه السلام) قال: سأله رجل عن الجزء و جزء الشيء، فقال: من سبعة، ان الله يقول لَهٰا سَبْعَةُ أَبْوٰابٍ لِكُلِّ بٰابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ،.
و رووا أيضا عن إسماعيل بن همام الكوفي (2) «عن الرضا (عليه السلام) في رجل أوصى بجزء من ماله؟ فقال: جزء من سبعة، ان الله يقول في كتابه:
لَهٰا سَبْعَةُ أَبْوٰابٍ لِكُلِّ بٰابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ».
و في الفقيه (3) روى البزنطي عن الحسين بن خالد «عن ابى الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أوصى بجزء من ماله قال: سبع ثلثه».
هذا ما وقفت عليه من الروايات الدالة على القول الثاني و الشيخ قد جمع بين الأخبار بحمل الجزء على العشر، فيجب أن ينفذ في واحد من عشرة، و حمل أخبار السبع على أنه يستحب للورثة إنفاذه في واحد من سبعة، لتتلائم الأخبار، و هو ان كان لا يخلو من بعد لأن ظاهر أخبار السبعة هو أن الحكم الشرعي ذلك، حيث فسروا (عليهم السلام) الجزء بأنه من سبعة، بقول مطلق، إلا أنه في مقام الجمع لا مندوحة عنه، و لا صرح للحمل على التقية في أحد الطرفين، لما عرفت من حديث الخراساني المتقدم، إلا أن يقال: بأن التقية هنا انما هو بإيقاعهم (عليهم السلام) الاختلاف و ان لم يكن ذلك قولا للعامة، كما قدمناه في مقدمات الكتاب من جلد كتاب الطهارة (4) و يمكن أن يؤيد القول الأول بفتوى الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه بذلك، و نسبة الجزء من سبعة إلى الرواية.
و قال في المسالك بعد ذكر حمل الشيخ (رحمة الله عليه): و لا بأس بهذا الحمل، حذرا من اطراح الروايات المعتبرة، و قال في المسالك أيضا بعد ذكر بعض ما ذكرناه من روايات الطرفين: و هذا القول- و أشار به الى القول الثاني- أصح
____________
(1) تفسير العياشي ج 2 ص 243 ح 20.
(2) تفسير العياشي ج 2 ص 244 ح 21. الوسائل ج 13 ص 447 ح 13.
(3) الفقيه ج 4 ص 152 ح 529. الوسائل ج 13 ص 447 ح 14.
(4) ج 1 ص 4.
460
رواية و الأول أكثر، فلذلك قال المصنف: أشهرهما العشر، و تلك أشهر، و هذه أصح، و ينبغي ترجيح الصحيح.
نعم من حكم بصحة رواية عبد الله بن سنان، و انضم إليها حسنة أبان، و الباقي من الموثق، توجه ترجيحه لمضمونها، و هو خيرة العلامة في المختلف محتجا بكثرتها، و زيادتها على هذه، و موافقتها للأصل و بعدها عن الإضراب، إذ في رواية السبع أنه سبع ثلث و هي الرواية الثالثة التي أشار إليهما المصنف أخيرا، و رواها الحسين بن خالد عن أبى الحسن (1) (عليه السلام) ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم قال و هذه الرواية مع جهالة سندها بالحسين بن خالد، شاذة لا عامل بمضمونها، و الفرق بينها و بين رواية عبد الله بن سنان المتضمنة لعشر الثلث، أن الموصى صرح فيها بكون الجزء من الثلث، و هنا جعله من ماله، و لا إشكال في حمل الجزء على معناه من العشر أو السبع لأي شيء نسب الى المال، فهو عشره أو سبعة أو الى الثلث أو النصف أو غيرهما، فهو العشر أو السبع من ذلك الجزء المنسوب إليه فالرواية الأولى لا تخالف سوى رواية السبع، بخلاف هذه، فإنها مخالفة للجميع انتهى.
أقول: أما ما رجح به القول الثاني من صحة روايته مشيرا بذلك إلى صحيحة البزنطي المتقدمة، ففيه أن في روايات العشر أيضا ما هو صحيح، و هي صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة المروية في كتاب معاني الأخبار، و لكن العذر له ظاهر، حيث أن نظرهم مقصور على روايات الكتب الأربعة.
و أما ما طعن به في روايات السبع من الاضطراب بدلالة رواية الحسين بن خالد على أن الجزء سبع ثلثه، و أنه لا قائل بذلك، ففيه أولا أن رد هذه الرواية لهذه العلة التي ذكرها، لا يستلزم رد غيرها من تلك الأخبار الخالية من هذه العلة، و ثانيا أنه يمكن الجواب عما ذكره بحمل ماله في الخبر على ما يجوز له
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 152 ح 529، الوسائل ج 13 ص 447 ح 14.
461
التصرف فيه بعد موته، و ليس إلا الثلث، فإذا أضيف الجزء اليه و كان الجزء بمعنى السبع كما هو المفروض في هذه الأخبار كان الحاصل سبع من ثلثه، و لا ينافي ذلك الأخبار المتقدمة بأن المراد بالجزء من ماله يعنى عشر ماله أو سبع ماله، لأن المال في تلك محمول على ظاهره و هو ماله في حال الحياة و في هذا الخبر محمول على ماله بعد الموت فلا يكون مخالفا لشيء من الأخبار، كما ذكره (قدس سره) و التأويل في مثله بما ذكرنا للجمع بين الأخبار غير عزيز.
و بالجملة فالمسئلة غير خالية عن شوب الاشكال، و طريق الاحتياط فيها بالصلح مطلوب على كل حال، و الله العالم.
و منها الوصية بالسهم
، و المشهور أنه الثمن، و تدل عليه جملة من الأخبار منها ما تقدم في صحيحة البزنطي، و ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن السكوني (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن رجل يوصى بسهم من ماله فقال: السهم واحد من ثمانية، يقول الله تبارك و تعالى «إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقٰابِ وَ الْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ».
و ما رواه في الكافي (2) في الصحيح أو الحسن عن صفوان و البزنطي
و رواه في التهذيب (3) أيضا عنهما «قالا: سألنا الرضا (عليه السلام) عن رجل أوصى «لك» بسهم من ماله لا يدرى السهم أي شيء هو؟ فقال: أ ليس عندكم فيما بلغكم عن جعفر و لا عن أبى جعفر (عليهما السلام) فيها شيء، قلنا له: جعلنا فداك ما سمعنا أصحابنا يذكرون شيئا من هذا عن آبائك، فقال: السهم واحد من ثمانية، فقلنا له: جعلنا الله فداك كيف صار واحدا من ثمانية؟ فقال: أما تقرأ كتاب الله عز و جل؟ قلت:
____________
(1) الكافي ج 7 ص 41 ح 1، التهذيب ج 9 ص 210 ح 832، الفقيه ج 4 ص 152 ح 526.
(2) الكافي ج 7 ص 41 ح 2، الوسائل ج 13 ص 449 ح 3.
(3) التهذيب ج 9 ص 210 ح 833. الوسائل ج 13 ص 448 ح 2.
462
جعلت فداك أنى لأقرؤه، و لكن لا أدري أي موضع هو؟ فقال: قول الله تعالى (1) «إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقٰابِ وَ الْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ» ثم عقد بيده ثمانية قال: و كذلك قسمها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ثمانية أسهم، فالسهم واحد من ثمانية»،.
و رواه الصدوق في معاني الأخبار في الصحيح عن صفوان (2).
و روى الشيخ المفيد في الإرشاد (3) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أوصى بسهم من ماله، و لم يبينه فاختلف الورثة في معناه، فقضى بينهم بإخراج الثمن من ماله، و تلا عليهم «إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ» الآية، و هم ثمانية أصناف، لكل صنف منهم سهم من الصدقات».
و القول بالثمن مذهب الشيخ في النهاية، قال: و قد روى أنه سهم من عشرة، و الأول أكثر في الرواية، و هذا القول أيضا قول الشيخ المفيد، و ابن الجنيد، و الصدوق، و ابن البراج، و سلار، و ابن إدريس، و هو المشهور بين المتأخرين.
و قال الشيخ في الخلاف و المبسوط: أنه السدس، و به قال الشيخ علي بن بابويه (رحمة الله عليه).
أقول: و الرواية التي أشار إليها الشيخ في النهاية بأن السهم من عشرة هي ما رواه
في التهذيب عن طلحة بن زيد (4) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال:
من أوصى بسهم من ماله، فهو سهم من عشرة».
و الشيخ حملها في التهذيب على و هم الراوي بالاشتباه عليه بين الجزء و السهم.
قال الصدوق في الفقيه (5) و قد روي أن السهم واحد من ستة،.
ثم جمع
____________
(1) سورة التوبة- الاية 60.
(2) معاني الأخبار ص 216 ح 2 ط إيران سنة 1379.
(3) الإرشاد ص 106.
(4) التهذيب ج 9 ص 211 ح 734.
(5) الفقيه ج 4 ص 152 ح 527.
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 448 ح 2 و ص 450 ح 7 و ص 449 ح 4 و 5.
463
بينها و بين الرواية الثانية بحمل الستة على ما إذا اوصى بسهم من سهام المواريث، و الثمانية على ما إذا أوصى بسهم من سهام الزكاة قال: فتمضي الوصية على ما يظهر من مراد الموصى.
أقول: و الرواية بأن السهم واحد من ستة لم ينقلها أحد منهم بغير هذا العنوان المحمل، و الظاهر أن المراد بها ما ذكره
الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال: «فإن أوصى بسهم من ماله فهو سهم من ستة أسهم، و كذلك إذا أوصى بشيء من ماله غير معلوم فهو واحد من ستة»،.
و منه يعلم أن قول الشيخ علي بن بابويه بما نقل عنه من أنه السدس انما أستند فيه الى الكتاب المذكور، و الأصحاب هنا مع نقلهم هذا القول عنه لم يستدلوا له بشيء لعدم وجود ذلك في كتب الأخبار المتداولة بينهم، و منه يعلم كما قدمنا ذكره أن اعتماده على هذا الكتاب، و فتواه بما فيه مع كونه على خلاف الروايات المتكاثرة، كما سمعت، و خلاف قول غيره من الأصحاب (رحمهم الله) أدل دليل على ثبوت كون الكتاب له (عليه السلام) و أن ذلك مقطوع به عنده، و في الوسائل احتمل حمل هذه الرواية على التقية، و هو غير بعيد.
و قال في المسالك: و ذهب الشيخ في أحد قوليه إلى أنه السدس، لما روى
عن ابن مسعود (2) أن رجلا أوصى لرجل بسهم من المال فأعطاه النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) السدس و قيل: أن السهم في كلام العرب السدس،.
انتهى.
أقول: و الاستدلال بهذه الرواية العامية يحتمل أن يكون من الشيخ كما هو الأقرب، و يحتمل أن يكون من صاحب المسالك، و أيا ما كان ففي ذلك نوع تأييد بحمل كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه على التقية في هذا الحكم، و كيف كان فالعمل على المشهور، لتكاثر الأخبار، و الله العالم.
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 527 الباب 48 ح 1.
(2) الخلاف ج 2 ص 310 مسئلة 9 من كتاب الوصية، المغني لابن قدامة ج 6 ص 446.
464
و منها ما لو أوصى بشيء
و ظاهر كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف أنه السدس، و يدل عليه ما تقدم في عبارة كتاب الفقه الرضوي (1) و ما رواه
المشايخ الثلاثة بأسانيدهم عن أبان بن تغلب (2) «عن علي بن الحسين (عليهما السلام) أنه سئل عن رجل أوصى بشيء من ماله؟ فقال: الشيء في كتاب علي (عليه السلام) واحد من ستة».
و رواه الصدوق في كتاب معاني الأخبار (3) عن ابان بن تغلب عن «علي بن الحسين (عليه السلام) قال: قلت له: رجل أوصى بشيء من ماله؟ فقال لي: في كتاب علي (عليه السلام) الشيء من ماله واحد من ستة».
و منها ما لو أوصى بكثير
قال الخلاف: إذا قال أعطوا كثيرا من مالي فإنه يستحق ثمانين، على ما رواه أصحابنا في حد الكثير، و تبعه ابن حمزة و لم يفسر الكثير، قال في المختلف: و الظاهر أن مرادهما ثمانون درهما كالنذر.
و قال الصدوق: إذا أوصى رجل بمال كثير، و نذر أن يتصدق بمال كثير، فالكثير ثمانون فما زاد، لقوله تعالى «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّٰهُ فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ»، و كانت ثمانين موطنا.
و قال الشيخ (رحمة الله عليه) في كتاب الإقرار من الخلاف لو قال له: عندي مال كثير، فإنه يكون إقرارا بثمانين، على الرواية التي تضمنت أن الوصية بالمال الكثير وصية بثمانين.
و قال ابن إدريس في قول الشيخ (رحمة الله عليه) تسامح و تجاوز، إنما الرواية وردت فيمن نذر أن يتصدق بمال كثير، و ما وردت في الوصية، و لا أوردها أحد من أصحابنا في الوصايا، و الذي يقتضيه أصول المذهب، و تحكم به الأدلة
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 527 الباب 48 ح 1.
(2) الكافي ج 7 ص 40 ح 2، التهذيب ج 9 ص 211 ح 835، الفقيه ج 4 ص 151 ح 525.
(3) معاني الأخبار ص 217 ح 1، الوسائل ج 13 ص 450 الباب 56.
465
و الاعتبار أن لا يتجاوز بالرواية، و ما وردت فيه فحسب، و لا تعداها الى غير النذر في تفسير الكثير الى المقر، و كذا في الوصية في تفسير الكثير، انتهى.
أقول: و الى هذا القول مال كثير من المتأخرين، و الرواية المشار إليها بأنها وردت في النذر هي ما رواه
في الكافي عن علي بن إبراهيم (1) عن بعض أصحابه ذكره قال: «لما سم المتوكل نذر ان عوفي أن يتصدق بمال كثير، فلما عوفي سأل الفقهاء عن حد المال الكثير، فاختلفوا عليه، فقال: بعضهم مائة ألف، و قال بعضهم: عشرة آلاف، و قالوا فيه أقاويل مختلفة، فاشتبه عليه الأمر، فقال رجل من ندمائه يقال صفعان: ألا تبعث الى هذا الأسود فتسأله عنه، فقال له المتوكل: من تعني ويحك؟ فقال له: ابن الرضا، فقال له: و هو يحسن من هذا شيئا؟ فقال: يا أمير المؤمنين: ان أخرجك عن هذا فلي عليك كذا و إلا فاضربني مائة مقرعة، فقال المتوكل: قد رضيت، يا جعفر بن محمود صر اليه و سله عن حد المال الكثير، فصار جعفر بن محمود الى أبى الحسن علي بن محمد (عليهما السلام) فسأله عن حد المال الكثير، فقال له: الكثير ثمانون، فقال له جعفر: يا سيدي إنه يسألني عن العلة فيه، فقال له أبو الحسن (عليه السلام): ان الله عز و جل يقول (2) «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّٰهُ فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ» فعددنا تلك المواطن فكانت ثمانين موطنا».
و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ذكر أن الذي سأله المتوكل هو الجواد (عليه السلام) و هو غفلة عن مراجعة الرواية، و الشيخ و الصدوق و جمع ممن تبعهما عدوا الحكم إلى الوصية، و أضاف الشيخ: الإقرار، كما عرفت نظرا الى ان ذلك حد شرعي للكثير، حيثما أطلق كالجزء و السهم، فلا يقتصر على موضع السؤال إذ لو حمل في غير النذر على غيره لزم الاشتراك المخالف للأصل، و المتأخرين كشيخنا الشهيد الثاني في المسالك طعنوا في الرواية بالضعف و الإرسال، مضافا
____________
(1) الكافي ج 7 ص 463 ح 21، الوسائل ج 16 ص 223 ح 1.
(2) سورة التوبة- الاية 25.
466
الى مخالفتها للأصل و اللغة و العرف، قال و استشهاده بالمواطن الكثيرة المنصور فيها لا يقتضي انحصار الكثير فيه، فقد و رد في القرآن فيها، فاكهة كثيرة، و ذكرا كثيرا، و لم يحمل على ذلك، و الحق الرجوع فيه الى الوارث، و بذلك صرح في المختلف أيضا فقال: و الوجه عندي اختصاص هذا التقدير بالنذر، و للورثة أن يعطوا مهما شاؤا.
و منها ما لو أوصى بوجوه من الوصايا فنسي الوصي بعضها
فالمشهور بين الأصحاب أنه يصرف الأبواب المنسية في وجوه البر.
و يدل عليه ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) عن محمد بن ريان (1) قال: «كتبت الى أبى الحسن (عليه السلام) و في الفقيه الى علي بن محمد (عليهما السلام) أسأله عن إنسان أوصى بوصية فلم يحفظ الوصي إلا بابا واحدا منها، كيف يصنع في الباقي؟
فوقع (عليه السلام): و الأبواب الباقية اجعلها في البر».
و ذهب ابن إدريس و الشيخ في أجوبة الحائريات إلى بطلان الوصية، فإنه يرجع الى الورثة.
و نقل عن ابن إدريس الاحتجاج على ما ذهب إليه بأنها وصية بطلت، لامتناع القيام بها، فترجع الى الوارث، و احتج القائلون بالقول المشهور بان المال خرج عن الوارث بالوصية النافذة أولا؟ لأنه المفروض، فعوده الى ملك الوارث يحتاج الى دليل، و جهالة مصرفه تصيره بمنزلة المال المجهول المستحق، فيصرف في وجوه البر، و لأنه لو رجع الى الوارث لزم تبديل الوصية للنهي عنه، بخلاف البر، لأنه عمل بمقتضاها، غايته جهالة المصرف، فيصرف فيما يصرف فيه المال المجهول، و لأن الموصي ربما أراد بوصيته القربة المخصوصة، فإذا فات الخصوص بالنسيان، بقي العموم، فيكون أقرب إلى مراد الموصى كذا قرره شيخنا في المسالك، ثم
____________
(1) الكافي ج 7 ص 58 ح 7، التهذيب ج 9 ص 214 ح 844، الفقيه ج 4 ص 162 ح 565، الوسائل ج 13 ص 453 الباب 61.
467
قال: و تشهد له رواية محمد بن ريان، ثم ساق الخبر كما قدمناه، و انما جعله شاهدا دون أن يجعله دليلا لضعف سنده عنده، بهذا الاصطلاح المحدث، فالدليل عنده انما هو ما قرره من هذه الوجوه التي ذكروها، و لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه، و الأظهر هو الاعتماد على الخبر.
اما بناء على الاصطلاح القديم أو الجبرة بالشهرة بين الأصحاب، إذ لا مخالف في الحقيقة إلا ابن إدريس، و الشيخ و ان قال بذلك في الحائريات، إلا أنه في كتبه موافق للأصحاب، و تجعل هذه التعليلات التي ذكروها وجوها للنص، و بيان الحكمة فيه.
و يعضد هذا النص جملة من النصوص أيضا في جزئيات الوصايا، و يستفاد من ضم بعضها الى بعض قاعدة كلية، و هي أنه متى تعذر صرف الوصية على الوجه الموصى به لأي عذر كان، فإنها تصرف في وجوه البر، و لا ترجع إلى الورثة، لتعذر المصرف.
فمن ذلك ما ورد في جملة من الأخبار (1) «من أن من أوصى للكعبة بمال أو غلام أو جارية أو أهدى لها نحو ذلك، فإنه يصرف المال، و يباع الغلام و الجارية، و يصرف ثمنها في المنقطعين من الحاج، معللا بأن الكعبة لا تأكل، و لا تشرب، و ما أهدي لها فهو لزوارها».
و من ذلك ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى ضرائحهم) عن علي بن مزيد صاحب السابري (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل يتضمن أنه أوصى رجل بتركته الي على المذكور و أمره أن يحج بها عنه، و كانت التركة لا تبلغ ذلك، فسأل الفقهاء فأفتوه بالصدقة بها، فتصدق بها ثم لقي أبا عبد الله (عليه السلام) فسأله و أخبره
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 213 ح 842 و ص 214 ح 843، الوسائل ج 13 ص 453 الباب 60.
(2) الكافي ج 7 ص 21 ح 1، التهذيب ج 9 ص 228 ح 896، الفقيه ج 4 ص 154 ح 534، الوسائل ج 13 ص 473 الباب 87.
468
بما فعل فقال: ان كان لا يبلغ ان يحج به من مكة فليس عليك ضمان، و إلا فأنت ضامن،.
و قد قرره (عليه السلام) على الصدقة مع عدم بلوغ الحج به من مكة، و لم يحكم ببطلان الوصية، و الرجوع ميراثا، و ربما قيل: بالرجوع هنا ميراثا كما نقله بعض مشايخنا، و النص المذكور يرده.
و من ذلك ما رواه
المشايخ الثلاثة (رضي الله عنهم) عن مثنى (1) قال: «سألته عن رجل أوصى له بوصية فمات قبل أن يقبضها و لم يترك عقبا، قال: اطلب لها وارثا أو مولى فادفعها اليه، قلت: فان لم أعلم له وارثا؟ قال: اجهد على أن تقدر له على ولي، فان لم تجده و علم الله منك الجهد، فتصدق بها».
و التقريب فيه ما تقدم من أنه مع تعذر التنفيذ فيما أوصى به يرجع الى الصدقة، و الخبر المذكور محمول إما على موت الموصي بتلك الوصية، ثم موت الموصى له قبل الدفع له، أو على بقاء الموصي مع عدم الرجوع في الوصية الى أن مات، و قد تقدم الكلام في هذه المسئلة، و مما يلائم ذلك أيضا ما ورد (2) فيمن أوصى أن يعتق عنه نسمة بخمسمائة درهم، فاشتريت بأقل فإنها تعطى الباقي و تعتق، الى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع.
و منها ما لو أوصى بسيف معين و هو في جفن
، فإنه يدخل الجفن و الحلية في الوصية، و كذا لو أوصى بصندوق فيه ثياب أو سفينة و فيها متاع، أو جراب و فيه متاع، فإن الوصية تكون شاملة للجميع، و هذا هو المشهور بين الأصحاب متقدميهم و متأخريهم، و قال الشيخ في النهاية بذلك أيضا إلا أنه قيده بكون الموصى عدلا مأمونا، فان لم يكن عدلا و كان متهما لم تنفذ وصيته في أكثر من ثلثه من الصندوق، و السفينة و الجراب و ما فيها.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 13 ح 3، التهذيب ج 9 ص 231 ح 905، الفقيه ج 4 ص 156 ح 542، الوسائل ج 13 ص 409 ح 2 الباب 77، و ليس في هذه النسخ «عن مثنى».
(2) الكافي ج 7 ص 19 ح 13، التهذيب ج 9 ص 221 ح 18، الفقيه ج 4 ص 159 ح 15، الوسائل ج 13 ص 495 الباب 77.
469
و الذي يدل على المشهور ما رواه
في الكافي و التهذيب عن أبي جميلة (1) قال: «كتبت الى أبى الحسن (عليه السلام) أسأله عن رجل أوصى لرجل بسيف، فقال الورثة:
إنما لك الحديد و ليس لك الحلية ليس لك غير الحديد فكتب الى: السيف له و حليته».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة عن أبي جميلة (2) عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أوصى لرجل بسيف و كان في جفن، و عليه حلية؟ فقال له الورثة إنما لك النصل، و ليس لك المال، قال: فقال: لا بل السيف بما فيه له، قال: فقلت: رجل أوصى لرجل بصندوق و كان فيه مال، فقال الورثة إنما لك الصندوق، و ليس لك المال، قال: فقال أبو الحسن (عليه السلام): الصندوق بما فيه له».
و ما رواه
في التهذيب عن علي بن عقبة (3) عن أبيه قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أوصى لرجل بصندوق و كان في الصندوق مال، فقال الورثة: إنما لك الصندوق و ليس لك ما فيه، فقال: الصندوق بما فيه له».
و عن عقبة بن خالد (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل قال:
هذه السفينة لفلان، و لم يسم ما فيها، و فيها طعام أ يعطيها الرجل و ما فيها؟ قال:
هي للذي أوصى له بها، إلا أن يكون صاحبها متهما، و ليس للورثة شيء».
و رواه الصدوق إلا أنه قال «إلا أن يكون صاحبها استثنى مما فيها و ليس للورثة شيء».
قال في كتاب الفقه الرضوي (5) و إذا أوصى رجل لرجل بصندوق أو سفينة
____________
(1) الكافي ج 7 ص 44 ح 3، التهذيب ج 9 ص 211 ح 839. الوسائل ج 13 ص 451 ح 2.
(2) الكافي ج 7 ص 44 ح 1، التهذيب ج 9 ص 211 ح 837، الفقيه ج 4 ص 161 ح 561. الوسائل ج 13 ص 451 ح 1.
(3) التهذيب ج 9 ص 212 ح 840. الوسائل ج 13 ص 452 ح 1.
(4) التهذيب ج 9 ص 212 ح 838، الفقيه ج 4 ص 161 ح 562. الوسائل ج 13 ص 452 ح 2.
(5) المستدرك ج 2 ص 527 الباب 50 ح 1. الوسائل ج 13 ص 452 ح 1 الباب 59.
470
و كان في الصندوق أو السفينة متاع أو غيره، فهو مع ما فيه لمن أوصى له، إلا أن يكون قد استثنى ما فيه».
و هذه الروايات كما ترى ظاهرة الدلالة على القول المذكور إلا رواية عقبة بن خالد الأخيرة بناء على غير رواية الصدوق و سيأتي الكلام فيها ان شاء الله تعالى.
و قال في المسالك- بعد الاستدلال للقول المشهور برواية أبي جميلة الثانية و رواية عقبة بن خالد الأخيرة- ما صورته: و هذه الروايات ضعيفة السند، إلا أن العرف شاهد لدخول جفن السيف و حليته فيه، و هو محكم في أمثال ذلك، فإنه لو قال: خذ سيفك أو سافر فلان بسيفه، لا يفهم منه إلا مجموع هذه الأشياء حتى لو جرده عن غمده لعده العقلاء سفيها، و العرف كاف في إثبات ذلك و تبقى الرواية شاهدة فالحكم بدخولها فيه قوى، و أما الباقي فلا يدل العرف على تناول الظرف للمظروف غالبا، و الرواية قاصرة عن إثبات المطلوب فالقول بعدم الدخول أجود، نعم لو دل العرف أو القرينة على شيء في بعض الأفراد اتبع، كما أنه لو دل على عدم دخول الجفن أو الحلية في بعض الموارد لم يدخل، و جملة الأمر ترجع الى عدم الدخول إلا مع العرف و القرينة، و بنحو ذلك صرح في المختلف.
أقول: لا يخفى ما فيه، فان رد الأخبار بمجرد الاعتبار، جرأة على الأئمة الأطهار، و الأحكام الشرعية مبنية على التوقف لا مسرح للقول فيها كما تقدم في غير موضع و الأخبار المذكورة و ان ضعف سندها بهذا الاصطلاح الذي هو الى الفساد أقرب من الصلاح، كما أوضحناه في مقدمات كتاب الطهارة، إلا أنه لا راد لها من الأصحاب، و ضعفه منجبر بالشهرة بينهم، و قد جروا على ذلك في مواضع لا تحصى من الأحكام كما لا يخفى على المتتبع.
نعم يمكن التوقف على نفيه في مقام التهمة، بناء على رواية الشيخين في الكافي و التهذيب، و أما على رواية الصدوق فلا اشكال، و هكذا هو مختاره في الدروس.
471
و أما ما ذكره الشيخ مما قدمنا نقله فإنه استشكل فيه جملة ممن تأخر عنه، منهم العلامة في المختلف و شيخنا في المسالك بأن فيه أولا ان ما شرطه من عدالة الموصى غير معتبر في الوصية مطلقا، و انما يعتبرها بعض الأصحاب في الإقرار على بعض الوجوه على ما فيه.
و ثانيا أن نفوذها من الأصل علي تقدير العدالة، و من الثلث على تقدير عدمها، فإنه أيضا ليس من جملة أحكام الوصية بل من أحكام إقرار المريض على بعض الوجوه، و سيأتي ان شاء الله تعالى ذكره عند ذكر المسئلتين.
و ثالثا تعميمه الحكم في هذه الأشياء من الصندوق و السفينة و الجراب مع أن الرواية التي هي منشأ حكمه إنما موردها السفينة، و هي رواية خالد بن عقبة كما عرفت، بروايته في الكافي، و التعدية إلى غيرها مع المخالفة للأصل بعيد.
و قال المحدث الكاشاني في الوافي ذيل هذه الرواية، «يعني بالتهمة» أن يظن به إرادته الإضرار بالورثة، و أن لا يبقى لهم شيء، و قوله و ليس للورثة شيء عطف على «هي للذي» و يحتمل أن يكون معناه و لم يبق لهم شيء من تتمة الاستثناء و في نسخ الفقيه «إلا أن يكون صاحبها استثنى مما فيها»، و على هذا فلا يحتمل قوله «و ليس للورثة شيء» إلا معناه الظاهر، و على معناه الظاهر تحمل الوصية على الإقرار، لعدم صحتها مشدودا كان أم لا.
و نقل عن الشيخ المفيد أنه قيد الصندوق بكونه مقفلا، و الجراب بكونه مشدودا، و النصوص كما عرفت مطلقة هذا، و ظاهر الأخبار المتقدمة و به صرح بعض الأصحاب كون ذلك الموصى به معينا، فلو كان مطلقا كما لو قال أعطوه سيفا أو سفينة أو صندوقا، فإنه لا يتناول إلا ما دل عليه اللفظ، و هذا في السفينة و الصندوق ظاهر حيث ان ما فيها لا يدخل في مدلول اللفظ، و أما في السيف فإشكال لما تقدم نقله عن المسالك، من حيث دلالة العرف على تبعية الجفن و الحلية و دخولهما في إطلاق السيف، فيدخل حينئذ سواء كان معينا أو مطلقا و لا يخلو من قوة.
472
و في المسالك هنا أن دخول الجفن قوي لأنه كالجزء عرفا، أما الحلية فلا تدخل إلا مع التعيين، و هو خلاف ما صرح به أولا مما قدمنا نقله عنه، بل الظاهر أن العكس أقوى لأن الحلية أقرب الى الجزئية من الجنس الذي هو متفرد على حده، و الله العالم.
و منها ما لو أوصى في سبيل الله
و قد اختلف الأصحاب في ذلك فقال الشيخ في النهاية و الشيخ المفيد في المقنعة: إذا أوصى بثلث ماله في سبيل الله و لم يسم أخرج في معونة المجاهدين لأهل الضلال و الكافرين، و إن لم يحضره مجاهد في سبيل الله وضع في أبواب البر من معونة الفقراء و المساكين، و أبناء السبيل، و صلة آل الرسول، بل يصرف أكثره في فقراء آل محمد (عليهم السلام) و مساكينهم و أبناء سبيلهم، و يصرف ما بقي بعد ذلك في أبواب البر، و تبعهما في ذلك ابن البراج في الكامل، و قال في المبسوط: إذا أوصى بصرف ثلث ماله في سبيل الله، فسبيل الله هم الغزاة، و هم على ضربين أحدهما المرابطون المترصدون للقتال، فهؤلاء لا تدفع إليهم من الزكاة، لأنه يصرف إليهم أربعة أخماس الغنيمة، و الضرب الثاني هم أصحاب الصنائع الذين إذا نشطوا غزوا، ثم عادوا الى حرفتهم، فهؤلاء تدفع إليهم من الزكاة مع الغنى و الفقر، و هكذا الوصية، و في أصحابنا من قال: ان سبيل الله يدخل فيه جميع مصالح المسلمين، من بناء القناطير و عمارة المساجد، و المشاهد، و العمرة، و نفقة الحاج، و الزوار، و غير ذلك.
دليلنا على هذا أخبار الطائفة، و أيضا فإن جميع ذلك طريق الى الله، و سبيل إليه، فالأولى حمل اللفظ على عمومه، و كذا الخلاف في آية الزكاة.
أقول: و ظاهره اختيار القول الثاني، و قال ابن الجنيد إذا قال في السبيل، أو سبيل الله جاز ذلك لأهل الثغور، و أقربهم إليه أولى، و جاز أن يجعل في الحج
لقول رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) لأم معقل و قد سألته عن ابنها
____________
(1) سنن البيهقي ج 6 ص 274.
473
و قد جعل بغيره في السبيل «اركبي بعيرك، فان الحج من سبيل الله»،.
و جاز أيضا فيمن كان مرابطا لأعداء الله و حابسا نفسه على جهادهم، و الذب عن دين الله و المسلمين.
و قال علي بن بابويه: ان شاء جعله لإمام المسلمين، و ان شاء جعله في حج أو فرقه على قوم مؤمنين، و بذلك قال ابنه في المقنع.
و قال ابن إدريس: يصرف ذلك في جميع مصالح المسلمين، مثل بناء القناطر و المساجد، و تكفين الموتى، و معونة الحاج، و الزوار، و ما أشبه ذلك لإجماع أصحابنا، و لأن ما ذكرناه طريق الى الله تعالى، و إذا كان كذلك فالأولى حمل لفظة «سبيل الله» على عمومها، و الظاهر أنه الى هذا القول مال جملة من تأخر عنه و المستند فيه ما أشار اليه، و توضيحه أن السبيل لغة الطريق، و المراد بسبيل الله الطريق إليه، أي إلى رضوانه و ثوابه، لاستحالة التحيز عليه جل شانه، و هذا المعنى شامل لجميع ما يتقرب به الى الله تعالى، فيجب حمل اللفظ عليه، حيث لا مخصص من شرع أو عرف.
و نقل عن الشيخ و من تبعه من الحمل على الغزاة، انهم احتجوا بأن الشرع يقتضي صرف السبيل إلى الغزاة، و حكم كلام الآدميين مع إطلاقه حكم ما اقتضاه الشرع، قال في المختلف و مثله المسالك: و المقدمتان ممنوعتان.
أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار في هذا المقام ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله مراقدهم) عن الحسن بن راشد (1) قال: سألت العسكري (عليه السلام) و في الفقيه أبا الحسن العسكري (عليه السلام) بالمدينة عن رجل أوصى بمال في سبيل الله فقال:
سبيل الله شيعتنا».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن حجاج الخشاب (2) «عن
____________
(1) الكافي ج 7 ص 15 ح 2، التهذيب ج 9 ص 204 ح 811، الفقيه ج 4 ص 153 ح 530. الوسائل ج 13 ص 412 ح 1.
(2) الكافي ج 7 ص 15 ح 1، التهذيب ج 9 ص 203 ح 810. الوسائل ج 13 ص 413 ح 3.
474
ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة أوصت الى بمال أن يجعل في سبيل الله فقيل لها تحج به؟ فقالت: اجعله في سبيل الله، فقالوا لها: فنعطيه آل محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)؟ فقالت: اجعله في سبيل الله، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): اجعله في سبيل الله كما أمرت، قلت: مرني كيف اجعله؟ قال: اجعله كما أمرتك ان الله تبارك و تعالى يقول (1) «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» أ رأيتك لو أمرتك ان تعطيه يهوديا كنت تعطيه نصرانيا؟ قال: فمكثت بعد ذلك ثلاث سنين ثم دخلت عليه فقلت له: مثل الذي قلت له أول مرة فسكت هنيئة ثم قال: هاتها قلت: من أعطيها؟ قال: عيسى شلقان».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة عن الحسين بن عمر (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أن رجلا أوصى الى بشيء في السبيل فقال لي: اصرفه في الحج، قال: قلت له أوصى لي في السبيل؟ فقال: اصرفه في الحج»، و في التهذيب دون الآخرين «قلت له:
أوصى في السبيل؟ فقال: اصرفه في الحج فاني لا أعلم شيئا من سبيل أفضل من الحج».
و جمع في الفقيه بين هذا الخبر و الخبر الأول يصرفه إلى الشيعة لتحج به، و استحسنه الشيخ في التهذيبين.
و أنت خبير بأن سبيل الله اما أن يخص بالجهاد كما هو أحد القولين في المسئلة، أو يفسر بما هو أعم فيدخل جميع القربات، و المعنى الأول لا مجال لاعتباره هنا، و على الثاني فلا تنافي بين الحديثين، ليحتاج الى الجمع بين الخبرين.
و ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) «قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أوصى بماله في سبيل الله فقال: أعطه لمن أوصى به و ان
____________
(1) سورة البقرة- الاية 181.
(2) الكافي ج 7 ص 15 ح 5، التهذيب ج 9 ص 203 ح 809، الفقيه ج 4 ص 153 ح 530، الوسائل ج 13 ص 412 ح 2.
(3) الكافي ج 7 ص 14 ح 1، التهذيب ج 9 ص 203 ح 808، الفقيه ج 4 ص 148 ح 514، الوسائل ج 13 ص 411 ح 1.
475
كان يهوديا أو نصرانيا، ان الله تبارك و تعالى يقول «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ» قال في الفقيه «ماله هو الثلث».
و عن يونس بن يعقوب (1) «أن رجلا كان بهمدان ذكر أن أباه مات و كان لا يعرف هذا الأمر أوصى بوصية عند الموت، و أوصى بان يعطى شيء في سبيل الله فسئل عنه أبو عبد الله (عليه السلام) كيف يفعل به، فأخبرناه أنه كان لا يعرف هذا الأمر، فقال: لو أن رجلا أوصى الى أن أضع في يهودي أو نصراني لوضعته فيهما، ان الله عز و جل يقول «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ» فانظروا الى من يخرج الى هذا الوجه، يعنى بعض الثغور فابعثوا به اليه».
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2): و ان أوصى بماله في سبيل الله و لم يسم السبيل فان شاء جعله لإمام المسلمين، و ان شاء جعله في حج أو فرقه على قوم مؤمنين».
و هذه العبارة عين عبارة الشيخ علي بن بابويه في المقنع كما تقدم، و منه يعلم أن مستنده في ذلك انما هو الكتاب المذكور كما تلوناه عليك في غير موضع، و لا سيما في كتب العبادات.
أقول: مرجع الخلاف المذكور في هذه المسئلة الى أن سبيل الله متى أطلق هل هو الجهاد أو جميع أبواب البر؟ فالشيخ و من تبعه على الأول، و ان جوز مع تعذر الصرف في أنواع البر، و المشهور بين المتأخرين الثاني، و لا يخفى أن الأول مذهب أكثر العامة.
قال في المنتهى في كتاب الزكاة. و انما الخلاف في تفسيره، و الشيخ في النهاية و الجمل أنه الجهاد، و به قال الشافعي و أبو حنيفة و مالك و أبو يوسف، و قال أحمد و محمد بن الحسن: يجوز أن يصرف في معونة الحاج.
و من ذلك يظهر أن ما دلت عليه رواية يونس بن يعقوب من أمره (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 7 ص 14 ح 4، الوسائل ج 13 ص 414 ح 4.
(2) المستدرك ج 2 ص 524 الباب 30 ح 3.
476
بدفع ذلك الى من يخرج الى بعض الثغور انما هو من حيث ان الموصي كان من العامة، القائلين باختصاص هذا اللفظ بالمجاهدين، فلا منافاة فيها لما تقدم.
و أما صحيحة محمد بن مسلم فظاهرها أن المراد بسبيل الله الذي أمر (عليه السلام) بالإعطاء له هو الجهاد، و هو إما محمول على كون الموصي مخالفا، أو أن الحكم خرج مخرج التقية، و الاستدلال بالآية مضافا الى قوله «أعطه لمن أوصى» يؤيد الأول.
و أما رواية حجاج الخشاب فظاهرها أيضا أن المرأة الموصية كانت مخالفة و أنها أرادت بسبيل الله الجهاد، و لهذا كلما كرر عليها بعض وجوه القربات، يأمر بالجعل في سبيل الله، و قد أمر (عليه السلام) بصرفه في ذلك محتجا بالآية، و فيه إشارة إلى أنها انما قصدت الجهاد، فالمخالفة له تبديل منهي عنه، ثم قال له «أ رأيتك لو أمرتك أن تعطيه يهوديا كنت تعطيه نصرانيا»، و فيه أيضا إشارة إلى معلومية الموصى إليه من هذا اللفظ، و ليس إلا الجهاد.
بقي الكلام في عدوله (عليه السلام) بعد هذه المدة الى ما ذكره في آخر الخبر من الدفع الى ذلك الرجل، و يحتمل أن يكون من حيث عدم وجود المصرف في ذلك الوقت أو إرادة أن جهادهم لم يكن مشروعا، عدل عنه الى صرفه في الشيعة، كما هو مذهبهم (عليهم السلام) في المسئلة.
و أما باقي الأخبار فهي متلائمة متقاربة للدلالة على القول المشهور، و يؤيدها ما رواه
الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره، في تفسير قوله سبحانه في آية الزكاة «فِي سَبِيلِ اللّٰهِ» (1) «عن العالم (عليه السلام) قال وَ «فِي سَبِيلِ اللّٰهِ» قوم يخرجون الى الجهاد و ليس عندهم ما يتقوون به، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجون به، أو في جميع سبيل الخير» الحديث،.
و بذلك يظهر أن الأقوى هو القول المشهور، و الله العالم.
____________
(1) الوسائل ج 6 ص 145 ح 7، تفسير القمي ج 1 ص 299.
477
و منها ما لو أوصى بإخراج بعض ولده من ميراثه
، فان المشهور أنه لا تنفذ وصيته، و قيل، انها تصح، لكن في الثلث خاصة، و هو ظاهر اختيار العلامة في المختلف، قال في الكفاية: و لعله أقرب.
و قيل: بالصحة من الأصل فيمن أوصى أبوه بإخراجه لوقوعه على أم ولد له، فإنه يحرم من جميع التركة، و هو ظاهر الصدوق، و الشيخ في كتابي الأخبار.
قال المحقق في الشرائع: و لو أوصى بإخراج بعض ولده من تركته لم يصح، و هل يلغو اللفظ فيه؟ تردد، بين البطلان و إجرائه مجرى من أوصى بجميع ماله لمن عدا الولد، فتمضى من الثلث، و يكون للمخرج نصيبه من الباقي بموجب الفريضة، و الوجه الأول، و فيه رواية بوجه آخر مهجورة، انتهى.
و علل وجه الصحة و اعتبار الثلث- كما ذهب إليه في المختلف- بأن إخراجه من التركة يستلزم تخصيص باقي الورثة بها، فكان كما لو أوصى بها، لمن عداهم فتمضى من الثلث بمعنى حرمان ذلك بإخراجه من الثلث، و مشاركته في الثلثين ان كان معه مساو، و الاختصاص ان لم يكن.
و لشيخنا الشهيد الثاني في المسالك هنا مؤاخذة على هذا القول، الظاهر أنها لا تخلو من تكلف، و هذا يدل على القول المشهور، و ظاهر الكتاب و السنة كقوله عز و جل (1) «يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، و أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن سعد بن سعد (2) قال: «سألته يعني أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رجل كان له ابن يدعيه فنفاه و أخرجه من الميراث و أنا وصيه، فكيف أصنع؟ فقال (عليه السلام): لزمه الولد بإقراره بالمشهد لا يدفعه الوصي عن شيء قد علمه»،.
و المسئلة بمحل من الاشكال لعدم النص المفصح عن تحقيق الحال.
____________
(1) سورة النساء- الاية 11.
(2) الكافي ج 7 ص 64 ح 26، التهذيب ج 9 ص 235 ح 917، الوسائل ج 13 ص 476 ح 1.
478
بقي الكلام فيما ذهب اليه الصدوق و الشيخ (طيب الله تعالى مرقديهما) من القول المتقدم نقله عنهما، فإنه يدل عليه ما رواه
في الكافي و الفقيه عن وصي علي بن السري (1) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): ان علي بن السري توفي فأوصى الي قال: (رحمه الله) قلت: و ان ابن جعفر أوقع على أم ولد له فأمرني أن أخرجه من الميراث، قال: فقال لي أخرجه من الميراث و ان كنت صادقا فيصيبه خبل، قال: فرجعت فقدمني الى أبى يوسف القاضي، فقال له، أصلحك الله أنا جعفر بن علي بن السري و هذا وصي أبي فمره، فليدفع إلي ميراثي من أبى، فقال أبو يوسف القاضي لي: فما تقول؟ فقلت له: نعم هذا جعفر بن علي بن السري و أنا وصي علي بن السري، قال: فادفع اليه ماله، فقلت: أريد أن أكلمك، قال فادن الي، فدنوت حيث لا يسمع أحد كلامي فقلت له: هذا وقع على أم ولد لأبيه فأمرني أبوه، و أوصى الي أن أخرجه من الميراث، و لا أورثه شيئا، فأتيت موسى بن جعفر (عليهما السلام) بالمدينة، فأخبرته و سألته فأمرني أن أخرجه من الميراث و لا أورثه شيئا، فقال: الله ان أبا الحسن (عليه السلام) أمرك؟ قال: قلت: نعم، فاستحلفني ثلاثا ثم قال لي: أنفذ ما أمرك أبو الحسن (عليه السلام) فالقول قوله، قال الوصي: فأصابه الخبل بعد ذلك، قال أبو محمد الحسن بن علي الوشاء: فرأيته بعد ذلك، و قد أصابه الخبل»،.
و هذه الرواية التي أشار إليها المحقق بأنها مهجورة.
قال الصدوق في الفقيه: و متى أوصى الرجل بإخراج ابنه من الميراث، و لم يحدث هذا الحديث لم يجز للوصي إنفاذ وصيته في ذلك، و تصديق ذلك ما رواه ابن عيسى عن عبد العزيز المهتدي عن سعد بن سعد ثم ساق الرواية المتقدمة.
و ظاهره تقييد إطلاق خبر سعد بخبر وصي علي بن السري و يأتي على هذا تقييد الآيات المتقدمة بالخبر المذكور أيضا.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 61 ح 15، التهذيب ج 9 ص 235 ح 917، الفقيه ج 4 ص 162 ح 567، الوسائل ج 13 ص 476 ح 2.
479
و قال الشيخ في كتابي الأخبار بعد نقل خبر وصي علي بن السري: هذا الحكم مقصور على هذه القضية، لا يتعدى به الى غيرها، و ظاهرهما أنهما عاملان بالخبر في كل من فعل ذلك.
قال الشيخ: فهو ظاهر عبارته المذكورة، و أما ابن بابويه فلما صرح به في أول كتابه من أنه لا يذكر فيه إلا ما يفتي به، و يعتمد عليه.
و أما الوجه في اطراح المتأخرين هذا الخبر و هجره، فمن حيث جهل الراوي و هو وصي علي بن السري فإنه مجهول الاسم و العدالة، و في طريقه أيضا المعلى، و هو مشترك بين الثقة و الضعيف، و المتقدمون كالشيخ و الصدوق و أمثالهما لما لم يكن لهذا الاصطلاح عندهم أثر عملوا بالرواية، لصحتها بوجودها في الأصول المعتمدة، و هو الحق الحقيق بالاتباع.
قال في المسالك: و اعلم أنه لا فرق في الحكم بين الولد و غيره من الوارثان حكمنا بالبطلان أو بنفوذها من الثلث، و ان علمنا بالرواية، وجب قصرها على موردها، و هو الولد المحدث للحديث المذكور، وقوفا فيما خالف الأصل على مورده، انتهى.
تنبيهات:
الأول [في الرجوع في تفسير الوصية بلفظ مجمل إلى الوارث]:
قالوا: إذا أوصى بلفظ مجمل لم يرد تفسيره في الشرع رجع في تفسيره الى الوارث، كقوله أعطوه حظا من مالي أو قسطا أو نصيبا أو قليلا أو يسيرا أو جليلا أو جزيلا و مرجعه الى أن كلما يتمول صالح لأن يكون متعلق الوصية، و هو في نحو القسط و النصيب و الحظ و القليل و اليسير واضح.
قال في كتاب المصباح المنير: القسط: النصيب، و قال: النصيب: الحصة، و قال: الحصة: القسم، و هو ظاهر في أن مرجع هذه الألفاظ إلى معنى واحد، و هو جزء معين من المال، قل أو أكثر، و أما في الجزيل و الجليل و ما في معناهما كالعظيم و النفيس، فهو و ان كان يقتضي عرفا زيادة على التمول، إلا أنه مع
480
ذلك يحتمل إرادة الأقل، نظرا الى أن الجميع متصف بذلك في نظر الشارع، و لا ينافيه مع ذلك وصفه بالقلة و نحوها، لاختلاف الحيثية بقلته من حيث المقدار و جلالته من حيث الاعتبار.
و بالجملة فإن ظاهره الرجوع في ذلك الى الوارث على التفصيل المذكور، قالوا: و لو تعذر الرجوع اليه لسفه أو صغر أو امتناع، أعطي أقل ما يصدق عليه الاسم، لأنه متيقن.
الثاني [ادعاء الموصى له أن الموصي أراد قدرا مخصوصا]:
إذا ادعى الموصى له أن الموصي أراد من بعض هذه الألفاظ المجملة قدرا مخصوصا كأن ادعى أنه أراد بقوله أعطوه مالا جليلا يعنى ألف درهم، فأنكر الوارث، فالقول قوله، إلا أن يدعى الموصى له عليه العلم بذلك، فعلى الوارث اليمين على نفي العلم، لا نفي ارادة الموصى، ذلك لأن إرادته لا تلزم الوارث، إلا إذا علم بها، و ان كانت واقعة في نفس الأمر، فإذا ادعاها الموصى له لا تلتفت الى دعواه، إلا أن يدعي علم الوارث بها، فيحلف له على نفي العلم، لا على البت، لأنه حلف على نفي فعل الغير، و هذه قاعدة مستمرة.
الثالث [في ثبوت الرخصة في الوصية بالثلث من دون كراهة]:
المشهور بين الأصحاب أن الوصية، بالخمس أفضل من الوصية بالربع، و بالربع أفضل منها بالثلث، و قال ابن حمزة ان كانت الورثة أغنياء كانت الوصية بالثلث أولى، و ان كانوا فقراء فبالخمس، و ان كانوا متوسطين فبالربع، قال العلامة في المختلف بعد نقله عنه: و لا بأس بهذا القول.
أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذا المقام ما رواه
في الكافي عن شعيب العقرقوفي في الصحيح (1) «قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يموت، ماله من ماله؟ فقال: له ثلث ماله و للمرأة أيضا».
و رواه
الصدوق عن حماد بن عيسى عن شعيب عن أبى بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يموت» الحديث.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 11 ح 3، التهذيب ج 9 ص 191 ح 770.
(2) الفقيه ج 4 ص 136 ح 473.
الوسائل ج 13 ص 362 ح 2.
481
و ما رواه
في التهذيب عن ابن سنان (1) و الظاهر أنه عبد الله في الصحيح قال: «للرجل عند موته ثلث ماله، و ان لم يوص فليس على الورثة إمضاؤه».
و عن علي بن يقطين في الصحيح (2) «قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) ما للرجل من ماله عند موته؟ قال: الثلث، و الثلث كثير».
و ما رواه
الصدوق عن محمد بن عمير عن معاوية بن عمار (3) في الصحيح «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: كان البراء بن معرور الأنصاري بالمدينة، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بمكة، و أنه حضره الموت، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و المسلمون يصلون الى بيت المقدس، فأوصى البراء بن معرور إذا دفن أن يجعل وجهه تلقاء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى القبلة، و أوصى بثلث ماله، فجرت به السنة».
و ما رواه
في الكافي عن أبى بصير (4) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في الرجل له الولد يسعه أن يجعل ماله لقرابته؟ فقال: هو ماله يصنع به ما شاء الى أن يأتيه الموت، الى أن قال: فإن أوصى به ليس له إلا الثلث».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله تعالى مراقدهم) في الصحيح عن محمد بن قيس (5) «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لئن أوصى بخمس مالي أحب الي من أن أوصى بالربع، و لئن أوصى بالربع أحب الى من أن أوصى بالثلث، و من أوصى بالثلث فلم يترك فقد بالغ».
و زاد في الكافي و التهذيب
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 242 ح 939. الوسائل ج 13 ص 363 ح 7.
(2) التهذيب ج 9 ص 242 ح 940. الوسائل ج 13 ص 363 ح 8.
(3) الفقيه ج 4 ص 137 ح 479 و ليس فيه «إذا دفن»، التهذيب ج 9 ص 192 ح 771، الكافي ج 7 ص 10 ح 1. الوسائل ج 13 ص 361 ح 1.
(4) الكافي ج 7 ص 8 ح 8، التهذيب ج 9 ص 188 ح 755. الوسائل ج 13 ص 363 ح 6.
(5) الكافي ج 7 ص 11 ح 4، التهذيب ج 9 ص 192 ح 773، الفقيه ج 4 ص 136 ح 476 بتفاوت يسير.
الوسائل ج 13 ص 360 ح 1 و ص 358 ح 1.
482
«قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل توفي و أوصى بماله كله أو أكثره فقال: ان الوصية ترد الى المعروف غير المنكر فمن ظلم نفسه و أتى في وصيته المنكر و الحيف، فإنها ترد الى المعروف، و يترك لأهل المعروف ميراثهم، و قال: من أوصى بثلث ماله فلم يترك و قد بلغ المدى، ثم قال لئن أوصى بخمس مالي أحب الى من أن أوصى بالربع».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه عن حماد بن عثمان (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: من أوصى بالثلث فقد أضر بالورثة، و الوصية بالخمس و الربع أفضل من الوصية بالثلث، و من أوصى بالثلث فلم يترك».
و عن السكوني (2) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الوصية بالخمس، لأن الله تعالى رضى لنفسه بالخمس، و قال الخمس اقتصاد، و الربع جهد، و الثلث حيف».
و ما رواه
في التهذيب عن يونس بن يعقوب (3) قال: «ان أبا عبد الله (عليه السلام) لما أوصى قال له بعض أهله: انك قد أوصيت بأكثر من الثلث، قال: ما فعلت و لكن قد بقي من ثلثي كذا و كذا و هو لمحمد بن إسماعيل».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عما يقول الناس في الوصية بالثلث و الربع عند موته أ شيء صحيح معروف؟ أم كيف صنع أبوك؟ فقال: الثلث ذلك الأمر الذي صنع أبي (رحمه الله).
أقول: لا ريب في دلالة جملة من هذه الأخبار على الرخصة في الثلث من
____________
(1) الكافي ج 7 ص 11 ح 5، الفقيه ج 4 ص 136 ح 475. الوسائل ج 13 ص 360 ح 2.
(2) الفقيه ج 4 ص 136 ح 472. الوسائل ج 13 ص 361 ح 3.
(3) التهذيب ج 9 ص 194 ح 779. الوسائل ج 13 ص 363 ح 10.
(4) الكافي ج 7 ص 55 ح 11، الفقيه ج 4 ص 172 ح 602. الوسائل ج 13 ص 362 ح 3.
483
غير كراهة، و لا سيما أخبار فعل الأئمة (عليهم السلام) و ذلك لا يبعد حمل ما دل على الكراهة و أن الأفضل الخمس أو الربع على مراتب حال الورثة في الغنى و الفقر، كما تقدم نقله عن أبي حمزة، و لعل فعل الأئمة (عليهم السلام) ذلك، محمول على ذلك.
و نقل عن التذكرة التفصيل أيضا في ذلك، فقال: لا يبعد عندي التقدير بأنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة لا تستحب الوصية، لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) علل المنع من الوصية بقوله (1) «إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ» لأن ترك ذريتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة، و لأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الأجنبي، فمتى لم يبلغ الميراث غناهم، كان تركه لهم كعطيتهم فيكون ذلك أفضل من الوصية لغيرهم، و حينئذ يختلف الحال باختلاف الورثة، و كثرتهم و قلتهم و غناهم و حاجتهم و لا يتقدر بقدر من المال، انتهى و هو جيد.
المقصد الرابع في أحكام الوصية:
و فيه مسائل
[المسألة] الاولى [في عدم اشتراط كون الموصى به موجودا بالفعل حين الوصية]:
من المقرر في كلامهم أنه لا يشترط في الموصى به كونه موجودا بالفعل وقت الوصية، بل لو أوصى بما تحمله الدابة أو الشجرة في هذه السنة أو السنة المستقبلة، فإنه يصح، إلا أنه لو أشار الى معين و أوصى بجملة الموجود- أو أوصى بالجمل الموجود لأمته أو بحملها مطلقا في مقام تدل القرينة على ارادة الموجود- و بالجملة فإن الوصية تعلقت بما هو موجود، فإنه يشترط أن يكون موجودا حال الوصية، و لو بمقتضى الظاهر شرعا فلو كان الحمل لأمة ولدته لأقل من ستة أشهر و هي أقل الحمل من حين الوصية، علم كونه موجودا البتة، و لو ولدته لأكثر من أقصى الحمل من حين الوصية تبين بطلانها، لتبين عدم كونه موجودا حين الوصية، لأنه إذا كان المدة من حين الوصية قد انقضت، و مضت من حين الوطي المتولد منه الحمل قبل الوصية.
____________
(1) سورة البقرة- الاية 180.
484
و لو ولدته فيما بين أقصى مدة الحمل و أقله، احتمل وجوده حال الوصية و عدمه، قالوا: و ينبغي أن ينظر حينئذ، فإن كانت الأمة فراشا بحيث يمكن تجددة بعد الوصية لم يحكم بصحتها، لأن الأصل عدم تقدم حال الوصية، و ان لم يكن فراشا بأن فارقها الواطئ المباح وطؤه لها من حين الوصية حكم بوجوده، عملا بالظاهر، و أصالة عدم وطئ غيره فيحكم به للموصى له.
هذا مقتضى كلامهم كما صرح به في المسالك و غيره، و ربما قيل: بأن الظاهر الغالب انما هو الولادة لتسعة أشهر تقريبا، فما تولد قبلها يظهر كونه موجودا، و ان كان لها فراش، و ان الخلية يمكن وطئها محللا بالشبهة، و محرما لو كانت كافرة، إذ ليس فيها محذور بعد الصيانة، بخلاف المسلمة، و دفعه في المسالك بأن الحكم السابق مرتب على الأصل المقدم على الظاهر عند التعارض، إلا فيما شذ.
و بالجملة فالمسئلة حينئذ من باب تعارض الأصل و الظاهر، فلو رجح مرجح الظاهر عليه في بعض مواردها كما يتفق في بعض نظائره لم يكن بعيدا، ان لم ينعقد الإجماع على خلافه، و كيف كان فلا خروج عما عليه الجماعة، انتهى.
أقول: أنت خبير بأن المسئلة خالية من النصوص، و الدليل الشرعي بالعموم و الخصوص، فالحكم في هذه الصورة الثالثة محل الاشكال، ثم انه ينبغي أن يعلم أن فرض المسئلة المذكورة في ولد الأمة مبنى على كون الحمل مملوكا، و هو إما بكون الزوج مملوكا قد شرط مولى الجارية على مولاه رق الولد، أو يكون الزوج مملوكا للموضي، و قد شرط على مولى الجارية رق الولد، أو كون الزوج حرا على القول بجواز شرط رقية الولد.
و لو كان الحمل لغير الأمة من البهائم قال في المسالك: صح أيضا و اشترط وجوده حال الوصية كحمل الأمة، إلا أن العلم به لا يتقيد بولادته قبل ستة أشهر، و لا انتفاء وجوده حالتها يعلم بتجاوز العشرة، لاختلاف الحيوان في ذلك اختلافا
485
كثيرا، و المرجع فيها إلى العادة الغالبة لعدم ضبط الشارع حملها، كالآدمي و يختلف العادة باختلاف أجناسه، فان للغنم مقدارا معلوما عادة، و للبقر مقدارا زائدا عنه، و كذا الخيل و غيرها من الحيوان، فيرجع فيه الى العادة، لأنها المحكمة عند انتفاء الشرع، و حيث يقع الشك في الموجود حالة الوصية لا يحكم بصحتها، و يشكل مع هذا حمل الآدمي على المتيقن، و الحيوان على الغالب، لاشتراكهما في المقتضي على التقديرين، انتهى.
تنبيه:
قد عرفت أنه لا يشترط في الموصى به كونه موجودا حال الوصية، فتجوز الوصية بالجدد مما تحمله المملوكة أو الشجرة، أعم من أن يكون مضبوطا بمدة كالمتجدد في هذه السنة، أو خمس سنين أو مضبوطا بعدد كأربعة، أو يكون مطلقا، و عاما يتناول لجميع ما يتجدد من الأمة أو الشجرة مدة وجودهما، كقوله كل حمل متجدد و كل ثمرة يتجدد دائما و نحو ذلك، و كذا لا فرق في المضبوط بين أن يتصل بالموت أو يتأخر عنه، كالسنة الفلانية مما يتجدد من السنين بعد الموت.
المسئلة الثانية [في تقويم المنافع الموصى بها]
إذا أوصى له بالمنافع كخدمة عبده، أو غلة بستانه، أو سكنى داره، أو ثمرة شجرته، على التأبيد أو مدة معينة قيل: قومت المنفعة، فإن خرجت من الثلث، و إلا كان للموصى له ما يحتمله الثلث.
أقول: أما ما يدل على جواز الوصية بالمنافع مضافا الى الاتفاق على ذلك فمنه
رواية جعفر بن حيان (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أوقف غلة له على قرابة من أبيه و قرابة من أمه و أوصى لرجل و لعقبه من تلك الغلة ليس بينه و بينه قرابة، بثلاثمائة درهم كل سنة، و يقسم الباقي على قرابته من أبيه و قرابته من أمه، قال: جائز للذي أوصى له بذلك، قلت: أ رأيت ان لم
____________
(1) الكافي ج 7 ص 35 ح 29، الوسائل ج 13 ص 306 ح 8.
486
يخرج من غلة الأرض التي وقفها إلا خمسمائة درهم، فقال: أ ليس في وصيته أن يعطى الذي أوصى له من الغلة ثلاثمائة درهم و يقسم الباقي على قرابته من أبيه و قرابته من أمه، قلت: نعم، قال: ليس لقرابته أن يأخذوا من الغلة شيئا حتى يوفي الموصى له ثلاثمائة درهم، ثم لهم ما بقي بعد ذلك» الحديث.
و قال في كتاب الفقه الرضوي (1): «و إذا أوصى لرجل بسكنى دار فلازم للورثة أن تمضى وصيته، و إذا مات الموصى له رجعت الدار ميراثا لورثة الميت».
و روى في الكافي و التهذيب في الصحيح عن سعد بن الأحوص (2) «قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل أوصى الى رجل أن يعطى قرابته من ضيعته كذا و كذا جريبا من طعام، فمرت عليه سنون لم يكن في ضيعته فضل بل احتاج الى السلف و العينة أ يجري على من أوصى له من السلف و العينة أم لا؟ فإن أصابهم بعد ذلك يجرى عليهم لما فاتهم من السنين الماضية أم لا؟ فقال: كأني لا أبالي أن أعطاهم أو أخر، ثم يقضي» الحديث.
و لفظ «كأني» ليست في رواية الكافي، و أما ما ذكره من تقديم المنفعة إلى آخر ما تقدم ذكره فالغرض منه بيان كيفية احتساب المنفعة، و إخراجها من الثلث، و هذا في المنفعة الموصى بها إذا لم تكن مؤبدا ظاهر، لا خلاف فيه، لأن العين تبقى لها قيمة معتبرة بعد إخراج تلك المنفعة، فتقوم المنفعة على الموصى له، و الأصل بما بقي فيه من المنافع على الورثة، فإذا أوصى بمنفعة العبد مثلا خمس سنين، قوم العبد بجميع منافعه، و إذا قيل: قيمته مائة دينار، قوم مرة أخرى مسلوب المنفعة تلك المدة، و إذا قيل: قيمته خمسون، فالتفاوت خمسون حينئذ، و هي التي تخرج من الثلث، و تجعل ثلثا بالنسبة الى ما في يدي الورثة، فلا بد أن يكون بيد الورثة حينئذ مائة منها، رقبة العبد التي
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 515 الباب 3 من كتاب السكنى.
(2) الكافي ج 7 ص 64 ح 24 مع اختلاف يسير، التهذيب ج 9 ص 237 ح 922 الوسائل ج 13 ص 481 ح 1.
487
قيمتها خمسون في المثال المذكور، و انما الخلاف في المنفعة المؤبدة، و قد اختلفوا فيها على أقوال ثلاثة، و السبب في هذا الاختلاف- مع عدم النص- خلو العين من المنافع عند بعض، فالوصية بمنافعها في قوة الوصية بها، و ثبوتها عند بعض كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى بيانه، و قد نقل هذه الأقوال الثلاثة الشيخ في المبسوط و من تأخر عنه، و الظاهر أنها كلها للعامة.
أحدها- أن تقوم العين بمنافعها و يخرج مجموع القيمة من الثلث، فان خرجت من الثلث لزمت الوصية في منفعتها، و ان لم تخرج من الثلث و ضاق الثلث عنها لزمت الوصية في القدر الذي يخرج منه، فيكون للموصى له من العبد بقدر ما يخرج من الثلث، و الباقي للورثة.
احتج من قال بهذا القول: بأن استحقاق المنفعة على التأبيد بمنزلة إتلاف الرقبة، لأن الغرض من الأعيان انما هو المنافع، فيجب أن تقوم الرقبة، و لأن تقويم المنفعة متعذر لأنها غير معلومة، و لا محدودة لأن مدة العمر غير معلومة فلا يمكن تقويمها إلا بتقويم العين، و بالجملة فإنها لسلب جميع منافعها قد خرجت عن التقويم، فقد فات على الورثة جميع القيمة، فكانت العين هي الغاية.
و ثانيها- تقويم المنفعة من الثلث على الموصى له، و الرقبة على الورثة، و ان كانت مسلوبة المنافع، و مرجعه الى أن المعتبر ما بين قيمتها بمنافعها أو قيمتها مسلوبة المنافع، و على هذا تحسب قيمة الرقبة عن التركة.
احتج القائل بهذا القول بأن الرقبة تنتقل إلى الورثة كما تنتقل المنفعة الى الموصى له، فوجب أن يقوم على من انتقلت اليه، و بأن الوارث يقدر على الانتفاع بها بالعتق لو كان مملوكا، و بيعها عن الموصى له أو مطلقا، و هبتها، و الوصية بها، فلا وجه لاحتسابها على الموصى له كما ادعاه القائل الأول، و يمكن الانتفاع من البستان بما ينكسر من جزوعه و ييبس، و من الدار بآلاتها إذا خربت و خرجت عن صلاحية السكنى، و لم يعمرها الموصى له بمنفعتها، فحينئذ
488
تقوم العين بما لها من المنافع مع صلاحيتها لما ذكرناه من المنافع المعدودة في كل بنسبته، فإذا قيمتها على الأول مائة درهم، و على الثاني عشرة دراهم، علم أن قيمة المنفعة الموصى بها تسعون، فيجب أن يكون مع الورثة ضعفها، و من جملته الرقبة بعشرة، قال في المسالك، و هذا هو الأصح.
و ثالثها- تقويم المنفعة على الموصى له فتحتسب من الثلث، و أما الرقبة فلا تقوم على الموصى له، و لا على الورثة، أما الموصى له فظاهر، لأنها ليست له و أما الوارث فللحيلولة بينه و بينها، و سلب قيمتها بسلب منافعها فكأنها تالفة.
و منه يعلم وجه الاحتياج على القول المذكور، و مرجعه الى أن الرقبة لا قيمة لها من حيث سلب منافعها، فتكون من قبيل الحشرات و نحوها مما لا قيمة فيه، و ما لا قيمة له لا معنى لاحتسابه على أحد، و فيه ما عرفت في توجيه القول الثاني.
تذنيب: يشتمل على مسئلتين:
الاولى [فيمن يجب عليه نفقة العبد الموصى بمنافعها مؤبدة]:
قالوا: إذ أوصى بخدمة عبد بعد مدة معينة، فنفقته على الورثة، لأنها تابعة للملك. و لا إشكال في الحكم المذكور لو كانت المنفعة الموصى بها معينة بوقت، و لا ريب و لا خلاف في بقاء العين على ملك الورثة، و النفقة تابعة للملك.
و انما الكلام فيما إذا كانت المنفعة الموصى بها مؤبدة، فمن الذي تلزمه نفقة العبد، قيل: فيه وجوه.
أحدها- و هو اختياره في المسالك أنه الوارث، لما ذكر من أنها تابعة للملك، و الوارث هو المالك للرقبة، و هذا القول يتفرع على القول الثاني من الأقوال الثلاثة المتقدمة، و لهذا انه في المسالك اختار هنا كونها على الوارث الذي هو المالك، لاختياره في ذلك القول بتقويم العين على الورثة، و أنها تكون ملكا لهم.
489
الثاني- أنه الموصى له، لكونه مالكا للمنفعة مؤبدا، و هذا الوجه مما يتفرع على القول الأول من الأقوال المتقدمة، فينبغي أن يعلل وجوب النفقة على الموصى له بما علل به تقويم العين عليه، و علل هنا زيادة على ذلك بأنه لما كان مالكا للمنفعة مؤبدا كان كالزوج، و لأن نفعه له، فكان ضرره عليه، كالمالك لهما جميعا، و لأن إثبات المنفعة للموصى له، و النفقة على الوارث إضرار به منفي، ورد هذا التعليل المذكور هنا بأن ملك المنفعة لا يستتبع النفقة شرعا كالمستأجر، و القياس على الزوج باطل مع وجود الفارق، فإن الزوجة غير مملوكة، و النفقة في مقابلة التمكين من الاستمتاع، لا في مقابلة المنافع، و ثنوت الضرر بإيجابها على الوارث ممنوع، لانتفائه مع اليسار، و انتفائها مع عدمه.
الثالث- انه من بيت المال.
أقول: و هذا مما يتفرع على القول الثالث، حيث انه تضمن أن الرقبة لا تقوم على الموصى له، و لا على الورثة بالتقريب المتقدم، و لهذا قالوا هنا ان الوجه في هذا الاحتمال هو أن الوارث لا نفع له، و الموصى له غير مالك، و بيت المال معد للمصالح، و هذا منها.
و أورد عليه بأن النفقة من بيت المال مشروطة بعدم المالك المتمكن، و هو هنا موجود، و مجرد كونه لا نفع له لا يدفع الملك، و لا يرفعه و النفقة تابعة للملك كما عرفت.
و منه تظهر قوة الوجه الأول و ان كان أصل المسئلة لخلوها من النص لا يخلو من الاشكال.
قال في المسالك: و اعلم أنه لا فرق بين العبد و غيره من الحيوانات المملوكة.
و أما عمارة الدار الموصى بمنافعها و سقي البستان و عمارته من حرث و غيره إذا أوصى بثماره، فان تراضيا عليه أو تطوع أحدهما به فذلك، و ليس للآخر منعه، و ان تنازعا لم يجبر أحد منهما، بخلاف نفقة الحيوان، لحرمة الروح،
490
و يحتمل طرو الخلاف في العمارة، و سائر المؤن، بناء على وجوب ذلك على المالك حفظا للمال، و الفرق واضح.
نعم لو كانت المنفعة موقتة اتجه وجوبها على المالك، و إجباره عليها حفظا لماله عن الضياع، لأن منفعته به مترقبة ان أوجبنا إصلاح المال.
الثانية [التصرف في المنفعة و الرقبة]:
قالوا: و للموصى له التصرف في المنفعة، و للورثة التصرف في الرقبة، ببيع و عتق و غيره، و لا يبطل حق الموصى له بذلك.
أقول: فيه إشارة الى ما تقدم في القول الثاني من أن الوصية بجميع المنافع لا تستلزم عدم نفع بالكلية، بل هنا منافع تابعة للملك- مثل العتق و الهبة و البيع و نحوها- باقية، و الوصية بمنافع العبد من خدمته و غلة البستان و سكنى الدار، و نحو ذلك لا ينافي بقاء هذه المنافع للمالك، و أنه يتصرف في العين بذلك.
و بالجملة فإنه لما كانت الرقبة ملكه، فإنه يجوز له عتقها لو كان عبدا إذ لا مانع منه بوجه، و لا يستلزم بطلان حق الموصى له من تلك المنافع، لأن حق المالك هو الرقبة، و لا يملك إسقاط حق الموصى له من تلك المنافع، و ليس للعتيق الرجوع على الورثة بشيء في مقابلة تفويت منافعه عليه، لأن تفويت المنافع ليس من قبل الورثة، و انما هو من قبل الموصي، و هو متقدم على العتق، و أما بيعه فان كانت المنفعة الموصى بها محدودة بوقت، فجوازه واضح، لعدم المانع كما يجوز بيع العبد الموجر، و ان كان المشتري إنما له التصرف بعد انقضاء مدة الإجارة.
و ان كانت الإجارة مؤبدة، ففي جوازه عندهم مطلقا أو على الموصى له خاصة أو المنع مطلقا أوجه قال في المسالك: أجودها الجواز، حيث تبقى له منفعة كالمملوك لا مكان عتقه و تحصيل الثواب به أعظم المنافع، و لأنه يتوقع استحقاق الأرش بالجناية عليه، أو الحصة منه و قد تقدم في بيع المعمر ما يحقق موضع النزاع و يرجح الجواز له و لو لم تبق له منفعة كبعض البهائم، فالمنع أجود، لانتفاء المالية عنه بسلب
491
المنافع كالحشرات، نعم لو أوصى بنتاج الماشية مؤيدا صح بيعها، لبقاء بعض المنافع و الفوائد كالصوف و اللبن و الظهر، و انما الكلام فيما استغرقت الوصية قيمته، انتهى.
أقول: قد قدمنا في مسئلة بيع المعمر عنه (قدس سره) ما يؤذن بالتوقف، حيث ان جملة من الأصحاب صرحوا بالمنع، و منهم من استشكل، و قد أوضحنا قوة القول بالجواز بالنص الصريح في ذلك، و منه تظهر قوة القول بالجواز هنا أيضا، و الله العالم.
المسئلة الثالثة [في الوصية بقوس و له قسي مختلفة]:
قال الشيخ في المبسوط: إذا قال أعطوه قوسا من قسي، و له قوس نشاب، و هو قوس العجم، و قوس نبل، و هو قوس العرب، و يكون له قوس حسبان، و هو الذي يدفع النشاب في مجرى، و هو الوتر مع المجرى، و يكون له قوس جلاهق، و هو قوس البندق، و يكون له قوس الندف، فان هذا الإطلاق يحمل على قوس النشاب و النبل و الحسبان، فان كان له شيء منها، فالورثة بالخيار يعطون أي قوس من هذه الثلاثة شاؤا، و ان لم يكن له إلا الجلاهق و قوس الندف فالورثة بالخيار، يعطون أي القوسين شاؤا، و تبعه ابن حمزة.
و قال ابن إدريس: الذي أرى أن الورثة بالخيار في إعطائهم أي قوس شاؤا من الخمسة، و تخصيص كلام الموصي العام يحتاج الى دليل.
قال في المختلف بعد نقل ذلك عن الشيخ و ابن إدريس: أقول: و لعل الشيخ (رحمة الله عليه) نقل عرفا لغويا أو عاميا في أن القوس انما يطلق حقيقة على الثلاثة السابقة، انتهى.
أقول: ما ذكره الشيخ هو الذي عليه المتأخرون، قال المحقق في الشرائع: و لو أوصى له بقوس انصرف الى قوس النشاب و النبل و الحسبان إلا مع القرينة تدل على غيرها.
و قال شيخنا في المسالك بعد نقل قولي الشيخ و ابن إدريس، و نعم ما قال:
492
و في كل واحد من القولين نظر، لأن الذاهب الى التخيير بين الثلاثة يعترف بإطلاق اسم القوس على الخمسة، و لكن يدعى غلبته في الثلاثة عرفا، و بذلك يقتضي اتباع العرف في ذلك، و هو يختلف باختلاف الأوقات و الأصقاع، و لا ريب أن المتبادر في زماننا هو القوس العربية خاصة، و قوس الحسبان لا يكاد يعرفه أكثر الناس، و لا ينصرف اليه فهم أحد من أهل العرف، فمساواته للأولين بعيد، و نظر ابن إدريس إلى الإطلاق اللغوي جيد، و لكن العرف مقدم عليه.
و الأقوى أنه ان وجدت قرينة تخصص أحدها حمل عليه، مثل أن يقول:
أعطوه قوسا يندف به، أو يعيش به و شبهه، فينصرف الى قوس الندف، أو قوس يغزا به، فيخرج قوس الندف و البندق ان لم يكن معتادا في الغزو، و ان انتفت القرائن اتبع عرف بلد الموصي، فإن تعدد تخير الوارث، و لو قال: أعطوه ما يسمى قوسا ففي تخيره بين الخمسة، أو بقاء الاشكال كالأول وجهان: أجودهما الأول، انتهى.
أقول: و مما يؤيد الاشتراك بين المعاني الخمسة لغة ما ذكره في كتاب المصباح المنير حيث قال: و تضاف القوس الى ما يخصصها، فيقال: قول ندف، و قوس جلاهق، و قوس نبل و هي العربية، و قوس النشاب و هي الفارسية، و قوس الحسبان.
بقي الكلام في أنه هل يدخل الوتر في إطلاقه، فلو قال أعطوه قوسا فهل يصدق مع عدم الوتر أم لا؟ اشكال، قيل: بالدخول. فإنه لا يصدق إلا به، لأن المقصود منه لا يتم إلا به، فهو كالفص بالنسبة إلى الخاتم، و الغلاف بالنسبة الى السيف، بل أولى، لأنه بدونه بمنزلة العصا، و قيل: بالعدم نظرا الى أن الظاهر الصدق بدونه عرفا، و على هذا فالأجود الرجوع الى العرف أو القرينة، و إلا فلا يدخل.
493
تنبيهات:
الأول [الخيار للورثة في تعيين المشتركات أو المتواطئات]:
كل لفظ وقع على أشياء وقوعا متساويا سواء كان بطريق الاشتراك، أو التواطؤ، فإن للورثة الخيار في تعيين ما شاؤا من الأفراد، و هي قاعدة كلية في هذا المقام و غيره مما تقدم، لان الموصى به لفظ يقع على أشياء وقوعا متساويا، إما لكونه متواطئا، بأن تكون الوصية بلفظ له معنى، و ذلك المعنى يقع على أشياء متعددة كالعبد مثلا، أو لكون ذلك اللفظ مشتركا بين معان متعددة كالقوس، فإن للورثة الخيار في تعيين ما شاؤا، أما في التواطؤ فلأن الوصية به وصية بالماهية الكلية، و خصوصيات الأفراد غير مقصودة أولا، بل تبعا، فيتخير الوارث في تعيين أي فرد شاء، لوجود متعلق الوصية في جميع الأفراد، و أما المشترك فلأن متعلق الوصية هو الاسم، و هو صادق على المعاني المتعددة حقيقة، فيتخير الوارث أيضا، و ربما قيل في المشترك بالقرعة، و هو بعيد.
الثاني: لو قال: أعطوه قوسي بالإضافة إلى نفسه، و ليس له إلا قوس واحدة
، انصرفت الوصية إليها، لأن ما تقدم من التخيير بين الأفراد الثلاثة أو الخمسة انما هو مع إطلاقه إعطاء القوس من غير أن يضيفه الى نفسه، فإنه مشترك متعدد، بخلاف ما لو قال: أعطوه قوسي بالإضافة، و ليس له إلا أحدها، فإنه تنصرف الوصية إليه من أي نوع كان لتقييده بالإضافة.
بقي الكلام فيما لو قال: أعطوه قوسي و له قسي متعددة، فإن علم اختصاصه بواحد منها من أي نوع كان انصرفت الوصية إله، كالمصحف و الخاتم في الحبوة، و إلا فإشكال، و يحتمل الرجوع الى ما تقدم من التخيير.
الثالث: لو أوصى برأس من مماليكه
، كان الخيار في التعيين إلى الورثة، بأن يعطوا صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى صحيحا أو مريضا مسلما أو كافرا، لأن اللفظ من الألفاظ المتواطئة بالنظر الى ما تحت معناه من الأفراد المعدودة، فيتخير
494
الوارث في إعطاء أيها شاء، لوقوع الاسم على كل واحد منها، و انما يتخير مع وجود المتعدد في التركة، و إلا تعين الموجود، و لو لم يوجد له مملوك بطلت الوصية.
و هل الاعتبار بالوجود عند الوصية أو الموت؟ وجهان: استجود ثانيهما في المسالك، قال: لأنه وقت الحكم بالانتقال و عدمه، كما اعتبر المال حينئذ، و وجه الأول اضافة المماليك اليه المقتضية لوجود المضاف، انتهى.
و لو ماتت مماليكه بعد وفاته إلا واحدا تعين للدفع في الوصية، فإن ماتوا كملا بطلت الوصية أما لو قتلوا لم تبطل، و كان للورثة أن يعينوا من شاؤا، و وجه البطلان مع موت الجميع فوات متعلق الوصية، بخلاف القتل، لبقاء المالية بثبوت القيمة على القاتل، و هي بدل عن العين، فيكون للموصى له، فكل فرد عينه الورثة يثبت له قيمته.
المسئلة الرابعة [في قبول شهادة عدول أهل الذمة في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم]:
لا خلاف و لا إشكال في ثبوت الوصية بشهادة العدلين من المسلمين، لان ذلك مما يثبت به جميع الحقوق عدا ما استثنى مما يتوقف على أربعة، بل دائرة حكم الوصية أوسع، و من ثم تثبت بشهادة المرأة الواحدة على بعض الوجوه، و شهادة عدول أهل الذمة كما دلت عليه الآية، و استفاضت به الرواية، إلا أن ظاهر الآية اشتراط قبولها بالسفر، و تحليفها مع الريبة في شهادتهما بعد الصلاة، قائلين ما دلت عليه الآية (1) «لٰا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كٰانَ ذٰا قُرْبىٰ وَ لٰا نَكْتُمُ شَهٰادَةَ اللّٰهِ إِنّٰا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ» و أنه متى عثر على بطلان شهادتهما فليس له نقضها حتى يأتي بشاهدين يقومان مقام الشاهدين الأولين (2) «فَيُقْسِمٰانِ بِاللّٰهِ لَشَهٰادَتُنٰا أَحَقُّ مِنْ شَهٰادَتِهِمٰا وَ مَا اعْتَدَيْنٰا إِنّٰا إِذاً لَمِنَ الظّٰالِمِينَ».
و الأصل فيما ذكرناه من هذه القيود ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي عن علي بن إبراهيم (3) عن رجاله رفعه قال: «خرج تميم الداري و ابن بيدي و ابن
____________
(1) سورة المائدة- الاية 105.
(2) سورة المائدة- الاية 106.
(3) الكافي ج 7 ص 5 ح 7، الوسائل ج 13 ص 394 الباب 21.
495
أبي مارية في سفر و كان تميم الداري مسلما، و ابن أبي مارية و ابن بيدي نصرانيين و كان مع تميم الداري خرج له فيه متاع، و آنية منقوشة بالذهب، و قلادة أخرجها الى بعض أسواق العرب للبيع، فاعتل تميم الداري علة شديدة، فلما حضره الموت دفع ما كان معه الى ابن بيدي و ابن أبي مارية و أمرهما أن يوصلاه الى ورثته، فقدما المدينة و قد أخذا من المتاع الآنية و القلادة، و أوصلا سائر ذلك الى ورثته، فافتقد القوم الآنية و القلادة، فقال أهل تميم لهما: هل مرض صاحبنا مرضا طويلا أنفق فيه نفقة كثيرة؟ فقالا: لا، ما مرض إلا أياما قلائل، قالوا:
فهل سرق منه شيء في سفره هذا؟ قالا: لا، قالوا: فهل اتجر تجارة خسر فيها؟
قالا: لا، قالوا: افتقدنا أفضل شيء، كان معه آنية منقوشة مكللة بالجواهر، و قلادة، فقالا: ما دفع إلينا فقد أدينا إليكم، فقدموهما الى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فأوجب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عليهما اليمين، فحلفا فخلى عنهما ثم ظهرت تلك الآنية و القلادة عليهما فجاء أولياء تميم الى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالوا: يا رسول الله قد ظهر على ابن بيدي و ابن أبي مارية ما ادعيناه عليهما، فانتظر رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من الله تعالى الحكم في ذلك. فأنزل الله تبارك و تعالى (1) «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ»- فأطلق الله تعالى شهادة أهل الكتاب على الوصية فقط، إذا كان في سفر، و لم يجد المسلمين- «فَأَصٰابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمٰا مِنْ بَعْدِ الصَّلٰاةِ فَيُقْسِمٰانِ بِاللّٰهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لٰا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كٰانَ ذٰا قُرْبىٰ، وَ لٰا نَكْتُمُ شَهٰادَةَ اللّٰهِ إِنّٰا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ» فهذه الشهادة الأولى التي جعلها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فَإِنْ عُثِرَ عَلىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقّٰا إِثْماً أي أنهما حلفا على كذب فَآخَرٰانِ يَقُومٰانِ مَقٰامَهُمٰا، يعنى من أولياء المدعي
____________
(1) سورة المائدة- الاية 105.
496
مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيٰانِ، فَيُقْسِمٰانِ بِاللّٰهِ، يحلفان بالله أنهما أحق بهذه الدعوى منهما، و أنهما قد كذبا فيما حلفا بالله لَشَهٰادَتُنٰا أَحَقُّ مِنْ شَهٰادَتِهِمٰا وَ مَا اعْتَدَيْنٰا إِنّٰا إِذاً لَمِنَ الظّٰالِمِينَ فأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أولياء تميم الداري أن يحلفوا بالله على ما أمرهم به، فحلفوا فأخذ رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) القلادة و الآنية من ابن بيدي و ابن أبي مارية و ردهما إلى أولياء تميم الداري:
ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهٰادَةِ عَلىٰ وَجْهِهٰا أَوْ يَخٰافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمٰانٌ بَعْدَ أَيْمٰانِهِمْ».
و رواه
المرتضى (رضي الله عنه) في رسالة المحكم و المتشابه، نقلا من تفسير النعماني (1) بإسناده عن علي (عليه السلام) نحوه إلا قال تَحْبِسُونَهُمٰا مِنْ بَعْدِ الصَّلٰاةِ يعني صلاة العصر،.
و رواه علي بن إبراهيم (2) في كتاب التفسير، و نقل في المسالك عن أكثر الأصحاب و منهم المصنف أنهم لم يعتبروا في قبول شهادة الذميين السفر، بل جعلوه في الآية و الأخبار انما خرج مخرج الغالب، و كذا لم يعتبروا الحلف، و تقل عن العلامة أنه أوجب الحلف بعد العصر بصورة الآية، و استحسنه في المسالك.
أقول: لا يخفى الخبر المذكور على اشتراط السفر
لقوله (عليه السلام) «فأطلق الله شهادة أهل الكتاب على الوصية فقط إذا كان في سفر، و لم يجد المسلمين».
و هو دال بمفهوم الشرط الذي هو حجة شرعية عندنا بالأخبار، و عند محققي الأصوليين بالاعتبار على أنه لو لم يكن في سفر أو وجد أحدا من المسلمين لم تقبل شهادتهما.
و من الأخبار الظاهرة بل الصريحة في ذلك
ما رواه في الكافي و التهذيب عن حمزة بن حمران (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله تعالى (4) «ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ»؟ قال: فقال: اللذان منكم مسلمان،
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 394 الباب 21.
(2) الوسائل ج 13 ص 394 الباب 21.
(3) التهذيب ج 9 ص 179 ح 718، الكافي ج 7 ص 399 ح 8، الوسائل ج 13 ص 392 ح 7.
(4) سورة المائدة- الاية 105.
497
و اللذان من غيركم من أهل الكتاب، فقال: إذا مات الرجل المسلم بأرض غربة، فطلب رجلين مسلمين ليشهدهما على وصيته، فلم يجد مسلمين فليشهد على وصيته رجلين ذميين من أهل الكتاب مرضيين عند أصحابهما».
و عن هشام بن الحكم في الصحيح (1) و بسند آخر في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل «أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» قال: إذا كان الرجل في أرض غربة لا يوجد فيها مسلم، جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصية».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن يحيى بن محمد (2) «قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى (3) «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» قال: اللذان منكم مسلمان، و اللذان من غيركم من أهل الكتاب، فان لم تجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس، لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) سن في المجوس سنة أهل الكتاب في الجزية، و ذلك إذا مات الرجل في أرض غربة فلم يجد مسلمين أشهد رجلين من أهل الكتاب، يجلسان بعد العصر «فيقسمان بالله تعالى لٰا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كٰانَ ذٰا قُرْبىٰ، وَ لٰا نَكْتُمُ شَهٰادَةَ اللّٰهِ إِنّٰا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ «قال: و ذلك إذا ارتاب ولي الميت في شهادتهما، فان عثر على أنهما شهدا بالباطل فليس له أن يبقض شهادتهما حتى يجيء بشاهدين فيقومان مقام الشاهدين الأولين، «فَيُقْسِمٰانِ بِاللّٰهِ لَشَهٰادَتُنٰا أَحَقُّ مِنْ شَهٰادَتِهِمٰا وَ مَا اعْتَدَيْنٰا إِنّٰا إِذاً لَمِنَ الظّٰالِمِينَ» فإذا فعل ذلك نقض شهادة الآخرين يقول الله تعالى (4) ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهٰادَةِ عَلىٰ وَجْهِهٰا أَوْ يَخٰافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمٰانٌ بَعْدَ أَيْمٰانِهِمْ».
____________
(1) الكافي ج 7 ص 398 ح 6، التهذيب ج 9 ص 180 ح 725. الوسائل ج 13 ص 391 ح 4.
(2) الكافي ج 7 ص 4 ح 6، التهذيب ج 9 ص 178 ح 715، الفقيه ج 4 ص 142 ح 487. الوسائل ج 13 ص 391 ح 6.
(3) سورة المائدة- الاية 105.
(4) سورة المائدة- الاية 108.
498
و ما رواه
في كتاب بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله بسنده فيه عن المفضل بن عمر (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في كتابه إليه، قال: و أما ما ذكرت أنهم يستحلون الشهادات بعضهم لبعض على غيرهم، فان ذلك لا يجوز و لا يحل، و ليس هو على ما تأولوا إلا لقوله عز و جل «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصٰابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ» و ذلك إذا كان مسافرا فحضره الموت أشهد بالله اثنين ذوي عدل من أهل دينه، فان لم يجد فآخران ممن يقرأ القرآن من غير أهل ولايته، تَحْبِسُونَهُمٰا مِنْ بَعْدِ الصَّلٰاةِ، «فَيُقْسِمٰانِ بِاللّٰهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لٰا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كٰانَ ذٰا قُرْبىٰ وَ لٰا نَكْتُمُ شَهٰادَةَ اللّٰهِ إِنّٰا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ» فَإِنْ عُثِرَ عَلىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقّٰا إِثْماً فَآخَرٰانِ يَقُومٰانِ مَقٰامَهُمٰا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيٰانِ من أهل ولايته فَيُقْسِمٰانِ بِاللّٰهِ لَشَهٰادَتُنٰا أَحَقُّ مِنْ شَهٰادَتِهِمٰا، وَ مَا اعْتَدَيْنٰا إِنّٰا إِذاً لَمِنَ الظّٰالِمِينَ، ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهٰادَةِ عَلىٰ وَجْهِهٰا أَوْ يَخٰافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمٰانٌ بَعْدَ أَيْمٰانِهِمْ، وَ اتَّقُوا اللّٰهَ وَ اسْمَعُوا».
و هذه الأخبار كلها كما ترى ظاهرة بل صريحه في اعتبار السفر، و أنه لا تقبل في السفر إلا مع فقد المسلمين، و ما ربما يوجد من الأخبار المطلقة يجب حمله على هذه الأخبار الصريحة في الاشتراط.
و قال في المسالك بعد نقل القول الذي نقله عن الأكثر من عدم اشتراط السفر: و يمكن استنادهم في عدم اشتراط السفر إلى
موثقة هشام بن الحكم (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى «أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» قال: إذا كان الرجل في بلد ليس فيها مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصية،.
قال: فإنها متناولة بإطلاقها للسفر و الحضر، و أنه حيث قد دلت الأخبار التي ذكرناها على
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 393 الباب 20 ح 8.
(2) الكافي ج 7 ص 398 ح 6، الوسائل ج 13 ص 391 ح 4.
499
الاشتراط كما عرفت، فوجه الجمع بين هذه الرواية و بين تلك الأخبار بحمل هذه الرواية على ما إذا سافر المسلم إلا بلد ليس فيها مسلم، لأنه من سكانها و أهلها، و القرينة فيما ذكرناه واضحة، لأن سكنى المسلم وحده في بلد الكفر اختيارا نادر، بل غير جائز شرعا إلا من ضرورة.
[فوائد]
و تستفاد من هذه الأخبار عدة فوائد
الأولى [اشتراط القبول بالسفر]
- ما ذكرناه و ان كان خلاف ما صرح به الأكثرون اشتراط القبول بالسفر، فلا تقبل في الحضر، و الوجه فيه ما عرفت من وجود المسلمين في الحضر، حيث ان المسلم لا يسكن إلا في بلاد الإسلام.
الثانية- اشتراط الحلف
و أن يكون بالكيفية التي دلت عليها الآية، كما يدل عليه خبر يحيى بن محمد المذكور، و مثله مرفوع علي بن إبراهيم، و خبر المفضل، و ما تقدم نقله عن العلامة من أنه يحلف بعد العصر، قد دل عليه مرفوع علي بن إبراهيم برواية النعماني عن علي (عليه السلام) كما تقدم، و رواية يحيى بن محمد كما في بعض نسخ المشايخ المذكورين، و في بعض آخر بلفظ الصلاة بقول مطلق، و ينبغي حمل الإطلاق على العصر لما عرفت.
الثالثة [في أن قبول شهادة الذمي في المال خاصة]
- ان ظاهر أكثر الأخبار المذكورة هو قبول الشهادة على الوصية، أعم من أن يكون بمال أو ولاية، إلا أن مورد الآية و القضية التي نزلت فيها كما دل عليه مرفوع علي بن إبراهيم، إنما هو المال، و هو الظاهر أيضا من كلامه في المسالك، حيث قال بعد أن صرح بثبوت الوصية بشهادة عدلين مسلمين: و لا فرق في قبولها بها بين كونها بمال أو ولاية، و مع عدم وجود عدول المسلمين تقبل شهادة عدول أهل الذمة بالمال، للآية و الرواية، و دعوى نسخها لم يثبت، و هو ظاهر في أن الوصية تقبل بشهادة عدول المسلمين في المال و الولاية، و أما عدول أهل الذمة ففي المال خاصة، و على هذا فينبغي حمل إطلاق تلك الأخبار على مورد القصة.
500
الرابعة [كيفية العدالة في الذميين]
- لا خلاف بين الأصحاب (رحمهم الله) في اشتراط العدالة في الذميين بالمعنى المعروف عندهم، و اليه يشير قوله (عليه السلام) في رواية حمزة بن حمران مرضيين عند أصحابهما.
الخامسة [حكم شهادة المجوس]
- ما دل عليه خبر يحيى بن محمد من أنه مع عدم وجود أهل الكتاب فمن المجوس، لم أقف عليه في غيره من الأخبار، و لم يصرح به أحد من أصحابنا فيما حضرني من كلامهم، و الخبر متى دل على حكم و لا معارض له وجب القول به، و ان لم يقل به قائل كما هو مقتضى التحقيق في المسئلة.
السادسة [تعارض المسلمان الفاسقان و الذميان العدلان]
- قال: في المسالك و لو وجد مسلمان فاسقان، و الذميان العدلان، فالذميان العدلان أولى للآية، أما المسلمان المجهولان فيبني على اعتبار ظهور العدالة، كما هو المشهور أو الحكم بها ما لم يظهر خلافها، كما ذهب إليه جماعة من الأصحاب، فعلى الثاني لا ريب في تقديم المستور من المسلمين لأنه عدل، و على الأول ففي تقديمه على عدل أهل الذمة وجهان: و اختار العلامة تقديم المسلمين بل قدم الفاسقين إذا كان فسقهما بغير الكذب و الخيانة، و فيه نظر، انتهى.
أقول: أما ما ذكره من الفرد الأول فلا إشكال في أن الحكم فيه كما ذكروا، أما المسلمان المجهولان فالكلام فيهما مبني على أن العدالة هل هي أمر زائد على مجرد الإسلام، كما هو المشهور، و المؤيد المنصور، أو أنها عبارة عن مجرد الإسلام كما هو اختياره في المسئلة؟ فعلى الثاني لا إشكال أيضا لحصول العدالة المشروطة في الآية، و على الأول فالأشهر الأظهر عدم الثبوت إلا بعد الفحص و ظهور العدالة، و ما نقل عن العلامة ضعيف لا يلتفت إليه، لأن الآية و الرواية مصرحان باشتراط العدالة، و وجود المسلم بدونها في حكم العدم، و الله العالم.
[تنبيهات]
و ينبغي التنبيه على أمور:
الأول [في ثبوت الوصية بالمال بشاهد و يمين]:
لا ريب أنه كما تثبت الوصية بالشاهدين تثبت أيضا فيما إذا كانت مالا بشاهد و يمين، أو شاهد و امرأتين، و هو موضع وفاق في المال، وصية كان
501
أو غيرها، و قد دل قوله تعالى (1) «فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتٰانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ» على الاكتفاء بالرجل و الامرأتين و الأخبار بذلك مستفيضة، يأتي ان شاء الله تعالى في موضعها اللائق بها، و كذا تثبت فيما إذا كانت مالا بشهادة الواحدة ربع ما شهدت به، و بشهادة اثنتين، النصف، و بثلاث ثلاثة أرباع، و بالأربع الجميع،
روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن ربعي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في شهادة امرأة حضرت رجلا يوصى ليس معها رجل؟ فقال: يجاز ربع ما أوصى بحساب شهادتها».
و ما رواه في الفقيه (3) في الصحيح عن حماد بن عيسى عن ربعي مثله بأدنى تفاوت.
و عن محمد بن قيس (4) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام): قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصية لم تشهدها إلا امرأة فقضى أن تجاز شهادة المرأة في ربع الوصية».
و رواه بسند آخر عن محمد بن قيس (5) ايضا مثله إلا انه «زاد إذا كانت مسلمة غير مريبة في دينها».
و عن أبان (6) عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه «قال في وصية لم تشهدها إلا امرأة فأجاز شهادة المرأة في الربع من الوصية حساب شهادتها».
و أما ما رواه
الشيخ في التهذيب عن إبراهيم بن محمد الهمداني (7) قال: «كتب أحمد بن هلال الى أبى الحسن (عليه السلام) امرأة شهدت على وصية رجل لم يشهدها غيرها، و و في الورثة من يصدقها، و فيهم من يتهمها فكتب (عليه السلام): لا، إلا أن يكون رجل و امرأتان، و ليس بواجب أن تنفذ شهادتها».
و ما رواه
محمد بن إسماعيل بن بزيع (8) في الصحيح قال: «سألت الرضا (عليه السلام)
____________
(1) سورة البقرة- الاية 282.
(2) الكافي ج 7 ص 4 ح 4. الوسائل ج 13 ص 395 ح 1.
(3) الكافي ج 7 ص 4 ح 5. الوسائل ج 13 ص 396 ح 4.
(4) التهذيب ج 9 ص 180 ح 719. الوسائل ج 13 ص 396 ح 3.
(5) التهذيب ج 9 ص 180 ح 723. الوسائل ج 13 ص 396 ح 2.
(6) الفقيه ج 4 ص 142 ح 486. الوسائل ج 13 ص 397 ح 8.
(7) التهذيب ج 6 ص 268 ح 719. الوسائل ج 18 ص 266 ح 40.
(8) التهذيب ج 6 ص 280 ح 771. الوسائل ج 18 ص 266 ح 40.
502
عن امرأة ادعى بعض أهلها أنها أوصت عند موتها من ثلثها بعتق رقبة لها أ يعتق ذلك و ليس على ذلك شاهد إلا النساء؟ قال: لا تجوز شهادة النساء في هذا».
فحملهما الشيخ في التهذيبين على عدم نفاذها في الجميع، و ان نفذت في الربع، و جوز في الاستبصار الحمل على التقية أيضا.
أقول: و هو الظاهر، فإن الأول بعيد عن سياق لفظ الخبرين المذكورين، و هل يتوقف بثبوت ما ذكر بشهادتهن على اليمين، المشهور العدم، لإطلاق النصوص المذكور فإنها ظاهرة في ثبوت ذلك بمجرد الشهادة، و لا بعد فيه، و ان كان مخالفا لحكم غيره من الحقوق، فإنها مختلفة بحسب الشهادة اختلافا كثيرا، و نقل عن العلامة في التذكرة توقف الحكم في جميع الأقسام على اليمين، كما في شهادة الرجل الواحد، ورد بأن اليمين مع شهادة الواحد توجب ثبوت الجميع، فلا يلزم مثله في البعض، و لو فرض انضمام اليمين الى الاثنتين و الثلاث ثبت الجميع، لقيامهما مقام الرجل، أما الواحدة فلا يثبت بها سوى الربع مطلقا، انضمت اليمين لها أم لا، على أن في ثبوت الجميع بانضمام اليمين الى الاثنتين أو الثلاث إشكالا أيضا، لأن مقتضى النصوص انما هو النصف في الأول، و ثلاثة أرباع في الثاني، بمجرد الشهادة، و وجود اليمين حيث لم يعتبرها الشارع هنا في حكم العدم، و قيام الاثنتين مقام الرجل في بعض الموارد لا يستلزم قياس ما نحن فيه عليه، حتى أنه يخرج عن مقتضى ظواهر النصوص بذلك.
و بالجملة فالظاهر هو الوقوف على ظاهر النصوص المذكورة و لو شهد رجل واحد ففي ثبوت النصف بشهادته من غير يمين نظرا الى قيام شهادته مقام اثنتين، أو الربع خاصة، لأنه متيقن، من حيث انه لا يقصر عن المرأة، أو سقوط شهادته أصلا وقوفا فيما خالف الأصل على مورده أوجه، قال في المسالك: أوسعها الأوسط.
أقول: بل أظهرها الأخير لما ذكر، و اختياره الأوسط باعتبار أنه لا يقصر
503
عن المرأة لمجرد خيال، و الأحكام الشرعية لا تبنى على تقريبات العقول، فكم من حكم يقربه العقل تحكم النصوص بخلافه، و كم من حكم يبعده العقل تحكم به النصوص.
و هل يشترط في قبول شهادة المرأة في الوصية تعذر الرجال؟ المشهور العدم، عملا بعموم النصوص المتقدمة، و نقل عن إدريس و قبله ابن الجنيد الاشتراط، و هو ضعيف.
الثاني [في عدم قبول شهادة النساء منفردات في الوصية بالولاية]:
المشهور في كلام الأصحاب بل الظاهر أنه لا خلاف فيه كما نقله في المسالك عدم قبول شهادة النساء منفردات في الولاية، و علل بأنها ليست وصية بمال، بل هي تسلط على تصرف فيه، و ليست أيضا مما يخفى على الرجال غالبا، و ذلك هو ضابط محل قبول شهادتهن منفردات.
و المشهور أيضا- بل الظاهر أنه لا خلاف فيه إلا ما يظهر من المحقق في الشرائع حيث تردد في ذلك- هو أنه لا تثبت الوصية بالولاية بالشاهد و اليمين، و ذلك لأن ضابط الثبوت بالشاهد و اليمين ما كان من حقوق الآدميين مالا أو المقصود منه المال، و ولاية الوصاية لا تدخل في ذلك.
و نقل عن الشيخ في المبسوط أنه قوى قبول الوصية بالولاية بالمرأتين مع الشاهد، و نقل عن ابن الجنيد أيضا، و أورد عليه أن اللازم من ذلك قبولها بالشاهد و اليمين أيضا، لأن كل ما ثبت بشاهد و امرأتين، ثبت بشاهد و يمين، و قيل- في وجه تردد المحقق هنا-: أن منشأه مما ذكر، و من أن الوصية بالولاية قد يتضمن المال، كما إذا أراد أخذ الأجرة أو الأكل بالمعروف بشرطه، و لما فيه من الإرفاق، و التيسير، فيكون مرادا للآية و الرواية.
قال في المسالك: و لا يخفى ما فيه، و قد قطع الأصحاب بالمنع من غير نقل خلاف في المسئلة و لا تردد، و وافقهم المصنف في المختصر، على القطع، و أبدل هذا التردد بالتردد في ثبوت الوصية بالمال بشاهد و يمين، و كلاهما كالمستغني
504
عنه، للاتفاق على الحكم، و القاعدة المفيدة للحكم فيهما، انتهى و هو جيد.
الثالث [في قبول شهادة عبديه على حمل أمته منه و كراهة استرقاق الحمل لهما]
قالوا: لو أشهد إنسان عبدين له على حمل أمته و أنه منه، ثم مات و أعتق المملوكان ثم شهدا بذلك، فإنه تقبل شهادتهما، و هل يسترقهما المولود حينئذ؟ قيل: بالمنع، و قيل: بالجواز على كراهة.
أقول الأصل في هذه المسئلة ما رواه
الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل مات و ترك جارية و مملوكين، فورثه أخ له فأعتق العبدين، و ولدت الجارية غلاما فشهدا بعد العتق أن مولاهما كان أشهدهما أنه كان يقع على الجارية و أن الحمل منه، قال: تجوز شهادتهما، و يردان عبدين كما كانا».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة عن داود بن فرقد في الموثق (2) «قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل كان في سفر و معه جارية له و غلامان مملوكان فقال لهما: أنتما حران لوجه الله، و أشهد أن ما في بطن جاريتي هذه مني فولدت غلاما، فلما قدموا على الورثة أنكروا ذلك و استرقوهما، ثم ان الغلامين عتقا بعد ذلك، فشهدا بعد ما أعتقا أن مولاهما أشهدهما أن ما في بطن جاريته منه، قال تجوز شهادتهما للغلام، و لا يسترقهما الغلام الذي شهدا له، لأنهما أثبتا نسبه».
قيل: و الاستدلال بالخبرين مبني إما على قبول شهادة المملوك مطلقا أو على مولاه، لأنهما بشهادتهما للولد و الحكم بها صارا رقا له، لتبين أن معتقهما لم يكن وارثا، أو على أن المعتبر حريتهما حال الشهادة، و ان ظهر خلافها بعد ذلك، أو على أن الشهادة للمولى لا عليه، فتقبل.
و أورد على الأخير بأن الحكم بكون الولد مولى موقوف على شهادتهما
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 250 ح 642. الوسائل ج 13 ص 460 ح 1.
(2) التهذيب ج 9 ص 222 ح 870، الكافي ج 7 ص 20 ح 16، الفقيه ج 4 ص 157 ح 544.
الوسائل ج 13 ص 461 ح 2.
505
على كونه مولى، ليكون الشهادة له دارا.
أقول: الوجه عندي هو الأول، فإن الروايات و ان اختلفت في قبول شهادة المملوك إلا أن ما دل على المنع محمول على التقية، و الأظهر هو الجواز، فلا ضرورة إلا ارتكاب ما ذكر من التعليلات في الوجوه الباقية.
و نقل عن الشيخ أنه خص الحكم بالوصية، فإن أمرها أخف من غيرها من الحقوق، كما قبلت فيها شهادة أهل الكتاب، و فيه أنه لا ضرورة إلى التخصيص، فإن إطلاق الخبرين المذكورين مع صحة الأول بالاصطلاح المحدث» و عد الثاني في الموثق إنما هو بواسطة الحسن بن فضال الذي لا يقصر حديثه عندهم عن الصحيح، مضافا الى اتفاق الأصحاب على الحكم المذكور- مع عدم معارض و لا مخالف- أقوى دليل على العموم.
بقي الكلام في استرقاقهما للولد الذي شهدا له، و بذلك صرحت صحيحة الحلبي، و بالعدم صرحت موثقة، حيث نهى عن استرقاقهما، و طريق الجمع حمل النهي على الكراهة، كما يؤذن به التعليل المذكور، و ملخصه أنه يكره له استرقاقهما، لأنهما كانا سببا في حريته بعد الرقية، فلا يكون سببا في رقيتهما بعد الحرية.
و المحقق في الشرائع قد فرض المسئلة كما دلت عليه صحيحة الحلبي، و العلامة في القواعد قد فرضها بما دلت عليه موثقة داود، و كيف كان فشهادتهما بعتق المولى لهما في رواية داود شهادة لأنفسهما، فلا تسمع كما هو مقتضى القاعدة.
و أنت خبير بأن هذه المسئلة لا مناسبة لذكرها في هذا المقام إلا من حيث أن الشيخ قد خصها بالوصية، كما قدمنا نقله عنه، و الظاهر ان الأصحاب انما ذكروها هنا تبعا له في ذلك، و ان خالفوه في العمل بإطلاق الخبر من المذكورين كما ذكرنا، و الله العالم.
الرابع [في شهادة الوصي فيما هو وصي فيه]:
قالوا: لا تقبل شهادة الوصي فيما هو وصي فيه، و لا ما يجر فيه
506
نفعا أو يستفيد به ولاية، قالوا: و الضابط أنه متى كان لنفسه حظ في الشهادة لم تقبل.
و عدوا من ذلك أمورا: منها- أن يشهد بما هو وصي فيه بأن يجعله الموصي وصيا على مال معين، فينازعه فيه منازع فيشهد به للموصي.
و منها أن يجر به نفعا بأن جعله وصيا في تفرقة ثلثه، فشهد بمال للمورث، فإنه يجر به نفعا باعتبار زيادة الثلث.
و منها أن يجعله وصيا على ولده الصغير، فيشهد للولد بمال، فإنه يستفيد بها ولاية على المال.
و أنت خبير بما في ذلك من تطرق المناقشة، لعدم ورود نص بشيء مما ذكروه، و الى ما ذكرناه يميل كلام ابن الجنيد حيث نقل عنه أنه قال: «شهادة الوصي جائزة لليتيم في حجره و ان كان هو المخاصم للطفل، و لم يكن بينه و بين الشهود عليه ما يرد شهادته عليه» و مال اليه المقداد في شرحه.
قال في المسالك بعد نقله ذلك: و لا بأس بهذا القول، لبعد هذه التهمة من العدل، حيث انه ليس بمالك، و ربما لم تكن له أجرة على عمله في كثير من الموارد، إلا أن العمل بالمشهور متعين، انتهى.
أقول: ان كان تعين العمل بالمشهور من حيث الشهرة فهي ليست بدليل شرعي، بل الإجماع لو ادعي كما اعترف به في غير موضع من شرحه هذا، و تقدم نقله عنه، و سيأتي ان شاء الله في بعض مسائل هذا الكتاب، و ان كان لدليل آخر، فليس في الباب ما يدل على ذلك، و إلا لذكره و استند اليه، هذا مع أن الأحكام منوطة بالنصوص، و مقيدة بها على العموم أو الخصوص، و لا نص في المقام سوى هذه التعليلات العليلة، و قد عرفت ما فيها، و بالجملة فكلامه (قدس سره) لا يخلو من المجازفة.
ثم ان مما فرعوا على ذلك أيضا أنه لو كان وصيا في إخراج مال معين،
507
فشهد للميت بما يخرج به ذلك المال من الثلث لم تقبل، كما لو أوصى بإخراج ألف درهم و التركة ظاهرا ألفان، فشهد الوصي أن للميت على أحد ألفا مثلا، فان قبول هذه الشهادة يستلزم إخراج الألف المجعول وصيا فيها من الثلث، و نفوذ الوصية، فلا تقبل، و أنت خبير بما فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه.
نعم ربما يقال: انه قد وردت هنا أخبار فيمن ترد شهادتهم، و عد منها المتهم، فمن ذلك
رواية عبد الله بن سنان (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما يرد من الشهود؟ قال: فقال: الظنين و المتهم».
و في رواية أبي بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يرد من الشهود؟ قال: الظنين و المتهم و الخصم».
و مثلها غيرهما، و الوصي في هذه الصور المفروضة يدخل في المتهم بالتقريب الذي ذكروه.
و فيه أنه لا يخفى أن التهمة عرفا إنما تتحقق بما يوجب جر النفع الى نفسه، لا الى غيره، كما هو المفروض في هذه الفروض، و مجرد صرفه الوصايا عن الميت و القيام بأطفاله و نحو ذلك لا يتحقق له به نفع دنيوي، بل ربما أوجب الضرر الدنيوي له بما يوجبه من اشتغاله بذلك، عن قضاء حوائجه، و السعى في مطالبه و أموره، و كلما كثرت الوصايا و اتسعت الدائرة فيها- و في أموال الأطفال- كان الضرر أعظم، و المنع له عن السعي في أموره أتم، و لهذا ان الشارع جوز له الأكل بالمعروف من أموالهم في مقابلة القيام بأحوالهم.
قال في كتاب المصباح المنير: و التهمة- بسكون الهاء و فتحها-: الشك و الريبة، و اتهمته: ظننت به سوء، و لا يخفى أن هذا كله انما يترتب على ما يحصل به جر النفع الى نفسه، و ايثارها، و إلا فأي سوء و أي ريبة في قيامه بوصايا
____________
(1) الكافي ج 7 ص 395 ح 1، التهذيب ج 6 ص 242 ح 601، الوسائل ج 18 ص 274 ح 1.
(2) الكافي ج 7 ص 395 ح 3، التهذيب ج 6 ص 242 ح 598، الوسائل ج 18 ص 275 ح 3.
508
الغير، و صرفة لها في مصارفها ما لم يتعد فيها الحدود الشرعية، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لكل ناظر، و من وراء جميع ذلك اتصافه بالعدالة المانعة من تطرق ما ينافيها.
و بالجملة فإن الأقرب عندي هو ما نقل عن ابن الجنيد و من تبعه، و لا اشكال عندهم في القبول لو كان المشهود عليه خارجا عما هو وصي فيه، كما لو جعله وصيا على غلة أطفاله، فيشهد لهم بدين أو جعله وصيا على تفريق مال معين، فيشهد للورثة بحق آخر لمورثهم، و نحو ذلك، و الله العالم.
المسئلة الخامسة: في الوصية بالعتق
، و لذلك صور عديدة.
منها- من أوصى بعتق عبيده و ليس له سواهم
، فان رتبهم في الوصية أعتق الأول فالأول حتى يتم الثلث، و لو بجزء عبد فيعمل فيه ما يأتي ذكره، و تبطل الوصية فيمن بقي و إلا أعتق ثلثهم بالقرعة، بأن يجعلهم أثلاثا و لو بتعديلهم بالقيمة، ثم يقرع بين تلك السهام الثلاثة، و يعتق الثلث الذي أخرجته القرعة.
و روي (1) «أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فعل ذلك في ستة عبيد أعتقهم مولاهم عند موته، و لم يكن له غيرهم، فجزاهم أثلاثا ثم أقرع بينهم»،.
نقل ذلك الأصحاب في كتب الفروع، و الظاهر أن الرواية عامية، فإنها غير موجودة في كتب أخبارنا، إلا أن الظاهر أن الحكم لا اشكال فيه، لأن القرعة لكل أمر مشكل، و هذا من جملتها، و لو توقف التعديل على إدخال جزء من أحدهم، فإن خرجت القرعة على الثلث الذي فيه ذلك الجزء أعتق من العبد بحسابه، و سرى العتق في الباقي، و سعى في باقي قيمته، كما في كل مبعض.
قالوا: و انما لم يحكم بعتق ثلث كل واحد مع ان كل واحد منهم بمنزلة الموصى له، و قد قرروا أن الوصايا إذا وقعت دفعة قسط عليها الثلث بالنسبة للحديث النبوي المتقدم ذكره، فإنه (صلى الله عليه و آله و سلم) انما جزى العبيد أثلاثا، و أعتق
____________
(1) سنن البيهقي ج 6 ص 272.
509
الثلث الذي خرجت فيه القرعة، و لم يحكم في ثلث كل واحد واحد، و أيضا فإن العتق على هذا الوجه موجب للإضرار بالورثة، لانعتاق الجميع حينئذ، فإنه متى انعتق ثلث كل واحد و وجب السعي في قيمته صار حرا فيصير الجميع أحرارا.
أقول: و من هنا يعلم أن المسئلة غير خالية من شوب الإشكال، لأن الخبر غير ثابت كما عرفت، و الإضرار بالورثة غير مسموع إذا اقتضته القواعد الشرعية ان ثبت ما ذكروه من تلك القاعدة المذكورة، و الظاهر ثبوتها كما سيأتي ان شاء الله تعالى في محله، هذا كله إذا لم يجز الورثة، و إلا فلا اشكال.
و منها- ما لو أوصى بعتق عدد مخصوص من عبيده
، و فيه قولان: فقيل:
انه يستخرج ذلك العدد بالقرعة، و قيل: انه يتخير الوارث في ذلك المقدار، فيعينه فيمن أراد، وجه الأول أن العتق للمعتق، و لا ترجيح فيه لبعضهم على بعض، فوجب التوصل إليه بالقرعة.
و وجه الثاني أن متعلق الوصية متواطئ، فيتخير الوارث في تعيينه كغيره و لأن المتبادر من اللفظ الاكتفاء بأي عدد كان من الجميع و هو اختيار المحقق في الشرائع: و الشارح في المسالك قال: و هذا أقوى، و ان كانت القرعة أعدل.
و منها- ما لو أعتق مملوكه عند الوفاة منجزا و ليس له غيره
، قيل: عتق كله، و قيل ينعتق ثلثه، و يسعى للورثة في باقي قيمته، و لو أعتق ثلثه سعى في باقيه ان لم يكن للمعتق مال غيره، فاضل من مستثنيات الدين، و إلا سرى العتق عليه في ثلث المال الفاضل.
أقول: أما المسئلة الأولى فهي أحد جزئيات مسئلة منجزات المريض، و الخلاف فيها بين كون ذلك من الأصل أو الثلث مشهور، و سيأتي تحقيق الحال فيها ان شاء الله تعالى في المسائل الآتية.
و أما المسئلة الثانية فالوجه في سعي العبد في باقي قيمته بالشرط المذكور،
510
ان ذلك قاعدة كلية في كل موضع يصير بعضه حرا، فإنه يجب عليه السعي في فك رقبته من جميع ما يكتسبه فاضلا عن مؤنته، لا أنه يختص بنصيب الحر خاصة، كما صرحوا به.
و أما الوجه في فك العتق له كان له مال فاضلا عما ذكرناه، فلان سبب السراية هو العتق الذي وقع المال، و قد وقع في حال المرض كما هو المفروض، و اعتبر من الثلث، فيكون مسببه و هو السراية كذلك، يكون من الثلث، هذا خلاصة ما ذكروه في المقام.
و منها- ما لو أوصى بعتق رقبة مؤمنة
وجب، فان لم يجد أعتق من لا يعرف بنصب، و المراد بالمؤمنة هو الايمان الخاص، و هو القول بإمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) و أنه مع تعذر ذلك يعتق من لا ينصب، و المراد بهم المستضعفون، و الجاهلون بأمر الإمامة، و هم أكثر الناس في زمان الأئمة (عليهم السلام) كما استفاضت به الأخبار من تقسيم الناس يومئذ إلى الأصناف الثلاثة، مؤمن، و ضال، و هو من لا يعرف و لا ينكر، و كافر، و هو من أنكر الولاية، و قد تقدم تحقيق ذلك في مواضع، و لا سيما في كتاب الطهارة، و هذا القسم أعنى أهل الضلال مما صرحت الأخبار بأنهم من المسلمين، و ليسوا بالمؤمنين، و لا الكافرين، و أنهم في الدنيا يعاملون بمعاملة المسلمين، و تجري عليهم أحكام الإسلام، و في الآخرة من المرجئين لأمر الله، إما يعذبهم، و إما يتوب عليهم، بل ربما دلت بعض الأخبار على دخولهم الجنة بسعة الرحمة الإلهية، و أما المنكرون للإمامة و هم المشار إليهم في الأخبار بالنصاب، فهم من الكفار الحقيقيين، خلافا للمشهور بين علمائنا المتأخرين، و لتحقيق المقام محل آخر.
و كيف كان فمما يدل على الحكم المذكور ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي عن علي بن أبي حمزة (1) قال: «سألت عبدا صالحا عن رجل هلك فأوصى بعتق
____________
(1) الكافي ج 7 ص 18 ح 10 بزيادة كلمة مسلمة، الوسائل ج 13 ص 462 ح 2.
511
نسمة بثلاثين دينارا فلم يوجد له بالذي سمى؟ قال: ما أرى لهم أن يزيدوا على الذي سمى، قلت: فان لم يجدوا؟ قال: يشترون من عرض الناس ما لم يكن ناصبا».
و ما رواه
الصدوق في الفقيه عن على بن أبي حمزة (1) عنه (عليه السلام) أنه قال «فليشتروا من عرض الناس ما لم يكن ناصبيا».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح أو الحسن الى على بن أبي حمزة (2) «قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل أوصى بثلاثين دينارا يعتق بها رجل من أصحابنا فلم يوجد بذلك قال: يشترى من الناس فيعتق».
و شيخنا في المسالك لم يورد دليلا على القول المذكور إلا الرواية الأخيرة، ثم اعترضها بضعف السند بعلي بن أبي حمزة، قال فالحكم بها مع مخالفة مقتضى الوصية ضعيف، ثم قال: و مع ذلك فليس في الرواية تقييد بعدم النصب، لكن اعتبره الجماعة نظرا الى أن الناصبي كافر، و عتق الكافر غير صحيح، فالقيد من خارج، الى أن قال: و الأقوى أنه لا يجزى غير المؤمنة مطلقا، فيتوقع المكنة، انتهى.
أقول: أما الرد بضعف السند فليس بمسموع عندنا، و لا عند المتقدمين، و لا معتمد مع أن أصحاب هذا الاصطلاح متى اتفق الأصحاب على العمل بالخبر تلقوه بالقبول، و الأمر كذلك إذ لا مخالف في الحكم فيما أعلم، على أنه قد تقدم منه قريبا في مسئلة عدم قبول شهادة الوصي مع التهمة، ما يدل على تمسكه بالشهرة و ان كانت خالية من الدليل بالكلية، فإنه بعد أن استحسن مذهب ابن الجنيد عدل عنه الى المشهور من حيث الشهرة لا غير، كما تقدم إيضاحه.
و أما طعنه في الرواية بأنها خالية من التقييد بعدم النصب، ففيه أن الروايتين
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 159 ح 554. الوسائل ج 13 ص 462 ح 2.
(2) الكافي ج 7 ص 18 ح 9، التهذيب ج 9 ص 220 ح 863، الفقيه ج 4 ص 159 ح 355، الوسائل ج 13 ص 462 ح 1.
512
الأخيرتين قد صرحتا بما ذكره الأصحاب من الشرط المذكور.
فان قيل: ان الروايتين لا دلالة لهما على كون الرقبة الموصى بها مؤمنة كما هو المدعى، و لعله لهذه الجهة لم يورد شيخنا المذكور هذين الخبرين.
قلنا: هذا غلط محض، فإن المسئول عنه و ان كان مجملا، لكن الحمل على المؤمنة معلوم من جوابه (عليه السلام)، و هو قرينة على أن المسئول عنه يومئذ إنما هو الرقبة المؤمنة، و ذلك فإن الأمر بالشراء بعد تعذر المأمور به بتلك القيمة لمن كان من عرض الناس، إلا أن يكون ناصبيا، ظاهر في كون المأمور به رقبة مؤمنة، و التفصيل فيه جار على ما قدمناه من تقسيم الناس الى تلك الأقسام الثلاثة في وقتهم (عليهم السلام)، و ان المراد بهذا الذي هو من عرض الناس هم الضلال الذين لا يعرفون و لا ينكرون، فانا قد أشرنا سابقا الى أن المفهوم من الأخبار أن جل الناس في وقتهم كانوا من هذا الصنف.
و بالجملة فإن الحكم بما هو مشهور صحيح، و لا يعتريه فتور و لا قصور و مما يدل على جواز عتق المستضعفين المشار إليهم في هذه الأخبار بعرض الناس اختيارا لأنهم من المسلمين، فتجري عليهم أحكام الإسلام التي من جملتها العتق.
صحيحة الحلبي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرقبة تعتق من المستضعفين؟ قال: نعم».
إلا أن الظاهر تقييده بما إذا لم تكن الرقبة مشروطا فيها أن تكون مؤمنة.
و منها أنه لو أوصى بعتق رقبة بثمن معين فلم يجدها بذلك الثمن
، بل وجدها بأكثر منها لم يجب شراؤها، و لم تجب عليه الزيادة، و يدل عليه ما تقدم
في رواية علي بن أبي حمزة، حيث قال السائل «فلم توجد بالذي سمى، فقال (عليه السلام):
ما أرى لهم أن يزيدوا على الذي سمي».
و حينئذ فيجب عليه الصبر، و توقع
____________
(1) الكافي ج 6 ص 182 ح 3، الوسائل ج 16 ص 23 ح 1.
513
وجودها بما عين له، فإن يئس من ذلك ففي بطلان الوصية أو صرفه في البر أو شراء شقص به، فان تعذر فأحد الأمرين أوجه، استجود في المسالك شراء الشقص قال: لأنه أقرب الى مراد الموصي من عدمه، و لعموم «فأتوا منه ما استطعتم».
أقول: لا يخفى أن الأظهر بناء على ما تقدم في نظائر هذه المسئلة هو الصرف في وجوه البر، إلا أن يجعل ما ذكره من شراء الشقص داخلا في وجوه البر، و تكون هذه الوجوه التي ذكرها مؤيدة.
و كيف كان فالظاهر هو الصرف في وجوه البر كيف كان، و نقل عن التذكرة الميل الى القول بالبطلان، حيث نفى عنه البأس، و فيه ما عرفت في أصل المسئلة المتقدمة من صون هذا القول، لأن هذه الصورة أحد جزئيات تلك المسئلة، و لو وجدت بأقل اشتراها و أعتقها، و رفع إليها ما بقي من الموصى به.
و يدل على الحكم المذكور ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح إلى سماعة، فيكون الموثق (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أوصى أن يعتق عنه نسمة بخمسمائة درهم من ثلثه، فاشترى الوصي نسمة بأقل من خمسمائة درهم، و فضلت فضلة، فما ترى؟ قال: تدفع الفضلة إلى النسمة من قبل أن تعتق، ثم تعتق عن الميت».
قال في المسالك: و الرواية مع ضعف سندها بسماعة دلت على اجزاء الناقصة و ان أمكنت المطابقة، لأنه لم يستفصل فيها، هل كانت المطابقة ممكنة أم لا؟ و ترك الاستفصال من وجوه العموم، إلا أن الأصحاب نزلوها على تعذر الشراء بالقدر، و لا بأس بذلك مع اليأس من العمل بمقتضى الوصية، لوجوب تنفيذها بحسب الإمكان، و إعطاء النسمة الزائد صرف له في وجوه البر، و هو في محله حينئذ، و تبقى الرواية شاهدا ان لم تكن حجة، لأن سماعة و ان كان واقفيا
____________
(1) الكافي ج 7 ص 19 ح 13، التهذيب ج 9 ص 221 ح 868، الفقيه ج 4 ص 159 ح 557، الوسائل ج 13 ص 465 الباب 77.
514
لكنه ثقة، فتبني حجيتها على قبول الموثق، أو على جبر الضعف بالشهرة، و على ما بيناه لا ضرورة الى ذلك، لموافقة مضمونها للقواعد إذا قيدت باليأس من تحصيل النسمة بالشرط، انتهى.
أقول: الظاهر- و الله سبحانه و أولياؤه أعلم- أن الموصي أوصى بشراء نسمة تكون مما يساوى هذا الثمن عرفا، و اتفق حصول بعض أفراد هذا النوع بأقل من هذا الثمن، فان الحكم فيه ما ذكر من صحة الشراء و إعطاء الزائد النسمة.
أما صحة الشراء فلأن المفروض أنه من النوع الذي أمر به، و ان اتفق حصوله بأقل من الثمن المعين، لأن الموصي إنما قصد بتعيين الثمن بيان النوع الذي يريده، بمعنى أنه يكون من الأنواع التي تكون قيمتها بحسب العرف و العادة خمسمائة درهم، فالغرض إنما هو بيان النوع، و الذي اشتراه الوصي من هذا النوع، إلا أنه اتفق له بأقل من الثمن المحدود، و حينئذ فزيادة الثمن و نقصانه غير ملحوظ في الأمر بالشراء، و انما الملحوظ تعيين النوع، و قد حصل، فلا مخالفة في الرواية بوجه من الوجوه، و لا يحتاج الى تنزيلها على تعذر الشراء بالقدر، كما نقله عن الأصحاب، و لا الى الحمل على اليأس من العمل بمقتضى الوصية كما ذكره، لأن العمل بمقتضى الوصية قد حصل بشراء تلك النسمة، حيث انها من النوع الذي أراده الموصي، و الثمن لا مدخل له في ذلك حيث انه انما ذكر لبيان ذلك النوع و معرفته، لا أنه ملحوظ له أولا و بالذات كما توهمه حتى أنه بالنقصان عنه قد خالف مقتض الوصية، و ما ذكرناه بحمد الله سبحانه صحيح، لا قصور فيه و لا ريب يعتريه.
و أما صرف الزائد فهو يرجع الى صرفه في وجوه البر، كما هو المقرر في مثله.
515
بقي الكلام في أن الرواية دلت على أن المعتق بعد إعطاء الزائد النسمة و المفهوم من كلام الأصحاب عدم التقييد بذلك، و أنه لا فرق في دفع الزائد إلى النسمة بين كونه قبل العتق أو بعده، و الله العالم.
و منها أنه لو أعتق رقبة بظن أنها مؤمنة، ثم بانت بخلاف ذلك
، قالوا:
أجزأت عن الموصى له، و علله في المسالك بأنه متعبد في ذلك بالظاهر، لا بما في نفس الأمر، إذ لا يطلع على السرائر إلا الله، فقد امتثل الأمر، و هو يقتضي الإجزاء، انتهى و هو جيد.
أقول: و يدل عليه أيضا ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله تعالى مراقدهم) عن عمار بن مروان (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال فيه «قلت: و أوصى بنسمة مؤمنة عارفة فلما أعتقناه بان لنا أنه لغير رشدة، فقال: فقد أجزأت عنه».
و زاد في الكافي الفقيه «إنما ذلك مثل رجل اشترى أضحية على انها سمينة فوجدها مهزولة، فقد أجزأت»،.
و المراد بقوله «لغير رشدة» يعنى ولد الزنا و في الخبر إشارة واضحة الى عدم ايمان ولد الزنا كما هو حق عندي في المسئلة، و قد تقدم تحقيق القول فيه في كتاب الطهارة.
المقصد الخامس في الموصى له:
و فيه مسائل
الاولى [في اشتراط وجود الموصى إليه حال الوصية]:
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في أنه يشترط في الموصى إليه الوجود حال الوصية، فلو أوصى لميت بطلت، و كذا لو أوصى لمن يظن وجوده، ثم تبين أنه قد مات حال الوصية، قالوا، و الوجه في ذلك أن الوصية لما كانت عبارة عن تمليك عين أو منفعة كما تقدم من تعريفها بذلك، فلا بد من أن يكون الموصى له قابلا للتمليك، ليتحقق مقتضاها، فلا تصح الوصية للميت و لا لما تحمله المرأة، و لا لمن علم موته حين الوصية، للعلة المذكورة.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 62 ح 17، التهذيب ج 9 ص 236 ح 920، الفقيه ج 4 ص 172 ح 604، الوسائل ج 13 ص 481 ح 2.
516
قال في المسالك: و أما الوصية لمن سيوجد، فقد أطلق الأصحاب و غيرهم المنع منه، و لو بالتبعية للموجود، مع أنه قد تقدم جواز الوقف على المعدوم تبعا للموجود، و دائرة الوقف أضيق من دائرة الوصية، كما يعلم من أحكامها، و يمكن الفرق بينهما لافتراقهما في هذا الحكم بأن الغرض من الملك في الوقف ملك العين على وجه الحبس، و إطلاق الثمرة، و الموقوف حقيقة هو العين، و ملكها حاصل للموقوف عليه الموجود، ثم ينتقل منه الى المعدوم، و ان كان يتلقى الملك من الواقف، ففائدة الملك المقصودة منه متحققة فيهما، بخلاف الوصية فإنه لو أوصى الى موجود، ثم الى معدوم بذلك الموصى به أولا، فإن مقتضى الوصية تمليك الموصى له، فيكون الموصى به ملكا لذلك الموجود يتصرف فيه كيف يشاء، و لو ببيعه و إخراجه عن ملكه، و هذا مما ينافي الوصية للمعدوم بها، لأن الوصية له يقتضي تمليكه أيضا، و الحال أن العين الموصى بها قد صارت ملكا للأول، و يلزم أيضا أنه بالوصية إلى المعدوم من أول الأمر ينتقل العين الموصى بها اليه، كما هو مقتضى الوصية، مع أنه معدوم في ذلك الوقت و لا يصلح للتملك.
نعم لو كانت الوصية بثمرة بستان لزيد، و لأولاده المتجددين من بعده و هذا موضع شبهة في المقام، فإنه و ان لم يأت فيه ما تقدم من المحذور الأول، إلا أن الثاني آت فيه، لأنه بالوصية الى زيد و لأولاده ينتقل الموصى به الى كل منهما، و كل منهما يوصى له بطريق الاستقلال لأن الثمرة التي تملكها الأول بالوصية غير الثمرة التي تملكها الأخر في زمانه، و مقتضى الوصية التمليك، فيلزم بمجرد الوصية تملك المعدوم، مع أنه غير قابل للتملك، و لو بالتبعية، بخلاف الوقف، لأن الملك متحقق للموجود في الأصل ابتداء، و منه ينتقل الى المعدوم بعد وجوده، و يزيد ذلك تأييدا أو تعليلا و تشييدا أن الوصية كما عرفت من المملكات موجبة لنقل الملك من الموصى الى الموصى له، فلا بد من الدليل الشرعي على صحة تملك الوصية، ليترتب عليها الأثر المذكور، و الذي علم من الأدلة و الأخبار الواردة في
517
باب الوصية هو تخصيص ذلك بالوصية إلى الموجود، و الحكم بالصحة في المعدوم يتوقف على الدليل، و ليس فليس.
الثانية [في صحة الوصية للوارث و الأجنبي]:
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضي الله عنهم) في صحة الوصية للوارث و الأجنبي و غير الوارث من الأقارب، و الخلاف هنا إنما هو من الجمهور، فإن أكثرهم على عدم جوازها للوارث، و رووا في ذلك
عنه (1) (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «لا وصية لوارث».
و يدل على ما ذكره الأصحاب الآية، و هي قوله عز و جل (2) «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ» و من الظاهر أن الوالدين يكونان وارثين البتة، فهي صريحة في جواز الوصية للوارث، و الأقارب قد يكونوا وارثين أيضا فتدل الآية أيضا على ذلك بإطلاقها، فالمراد بقوله في الآية «كُتِبَ» ليس للوجوب، بل المراد التأكيد و الحث على ذلك.
و قد اضطرب كلام العامة في المقتضى عن الآية و الجواب عنها، فقيل: بأنها منسوخة بآية المواريث و قد رواه
العياشي في تفسيره عن ابن مسكان (3) عن أبى جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ» قال: هي منسوخة نسختها آية الفرائض التي هي المواريث.
و جملة من أصحابنا حملوا هذه الرواية على التقية، لما عرفت من أن المنع مذهب العامة.
و يحتمل قريبا حمل النسخ فيها على نسخ الوجوب، فان ظاهر الآية الوجوب و أنه قد نسخ بآية المواريث، فلا ينافي الجواز بل الاستحباب.
و منهم من حمل الوالدين على الكافرين، و باقي الأقارب على غير الوارث
____________
(1) الجامع الصغير ج 2 ص 204 الطبعة الرابعة- دار الكتب العلمية.
(2) سورة البقرة- الاية 180.
(3) تفسير العياشي ج 1 ص 77 ح 167، الوسائل ج 13 ص 376 الباب 15 ح 15.
518
منهم جمعا، و منهم من جعلها منسوخة فيما يتعلق بالوالدين خاصة.
قال في المسالك: و يبطل الأول بأن الشيء إنما ينسخ غيره إذا لم يمكن الجمع بينهما، و هو هنا ممكن بحمل الإرث على ما زاد عن الثلث، كغيرها من الوصايا، و به يبطل الباقي، قال: و الخبر على تقدير تسليمه يمكن حمله على نفي وجوب الوصية الذي كان قبل نزول الفرائض، أو على نفي الوصية مطلقا، بمعنى إمضائها، و ان زادت عن الثلث، كما يقتضيه إطلاق الآية، و المراد نفي الوصية عما زاد عن الثلث.
ثم ان مما يدل على الوصية للوارث الأخبار المتكاثرة، و منها ما رواه
في الكافي عن أبى بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوصية للوارث، فقال:
تجوز.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن أبي ولاد الحناط (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الميت يوصى للوارث بشيء؟ قال: نعم، أو قال جائز له».
و ما رواه
في الكافي عن محمد بن مسلم (3) في الصحيح «عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: الوصية للوارث لا بأس بها».
و عن محمد بن مسلم (4) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوصية للوارث؟ قال: تجوز».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة عن محمد بن مسلم (5) في الموثق عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الوصية للوارث؟ فقال: تجوز، قال: ثم تلا هذه الآية «إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ».
و في هذا الخبر ما يؤذن بحمل خبر العياشي على المعنى الثاني، و هو أن
____________
(1) الكافي ج 7 ص 9 ح 1. الوسائل ج 13 ص 374 ح 3.
(2) الكافي ج 7 ص 9 ح 2، التهذيب ج 9 ص 199 ح 791. الوسائل ج 13 ص 373 ح 1.
(3) الكافي ج 7 ص 9 ح 3. الوسائل ج 13 ص 374 ح 4.
(4) الكافي ج 7 ص 10 ح 4. الوسائل ج 13 ص 374 ح 5.
(5) الكافي ج 7 ص 10 ح 5، التهذيب ج 9 ص 199 ح 798، الفقيه ج 4 ص 144 ح 493.
الوسائل ج 13 ص 373 ح 2.
519
المراد نسخ الوجوب، فإن الإمام (عليه السلام) قد استدل بها على جواز الوصية للوارث، و ما دان إلا باعتبار حمل قوله «كُتِبَ» على تأكيد الاستحباب.
و أما ما رواه
الشيخ عن القاسم بن سليمان (1) «قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اعترف لوارث بدين في مرضه، فقال: لا تجوز وصية لوارث و لا اعتراف».
فقد أجاب عنه الشيخ في التهذيبين بالحمل على التقية، قال لموافقته مذاهب العامة و مخالفته للقرآن، و حمله في الفقيه على أكثر من الثلث.
الثالثة [في بيان الأقوال في الوصية للذمي و الحربي]:
اختلف الأصحاب في جواز الوصية للذمي على أقوال: فقيل:
بالصحة مطلقا رحما كان أو غيره، و هو قول ابن إدريس و من تبعه، و منهم المحقق و العلامة.
و قيل: بالعدم مطلقا و هو القاضي ابن البراج، و قيل: تصح إذا كان رحما، و لا تصح ان كان أجنبيا، نقله الشيخ في الخلاف عن بعض أصحابنا.
و يدل على الأول قوله عز و جل (2) «لٰا يَنْهٰاكُمُ اللّٰهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقٰاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ. الى قوله أَنْ تَبَرُّوهُمْ» و الوصية بر.
و من الأخبار ما رواه
المشايخ الثلاثة (قدس الله أرواحهم)عن محمد بن مسلم (3) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أوصى بماله في سبيل الله فقال: أعطه لمن أوصى به له، و ان كان يهوديا أو نصرانيا، أن الله تبارك و تعالى يقول (4) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ».
و ما رواه في الكافي و التهذيب بسند صحيح غير الأول عن محمد بن مسلم (5)
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 200 ح 799، الوسائل ج 13 ص 375 ح 12.
(2) سورة الممتحنة- الاية 8.
(3) التهذيب ج 9 ص 203 ح 808، الكافي ج 7 ص 14 ح 1، الفقيه ج 4 ص 48 ح 514، الوسائل ج 13 ص 411 الباب 32.
(4) سورة البقرة- الاية 181.
(5) الكافي ج 7 ص 14 ح 2، التهذيب ج 9 ص 201 ح 804، الوسائل ج 13 ص 411 الباب 32 ذيل الرواية الأولى.
520
عن أحدهما (عليهما السلام) مثله بأدنى تفاوت.
و ما رواه
المشايخ الثلاثة أيضا عن يونس بن يعقوب (1) «أن رجلا كان بهمدان ذكر أن أباه مات، و كان لا يعرف هذا الأمر، فأوصى بوصية عند الموت و أوصى أن يعطى شيء في سبيل الله فسئل عنه أبو عبد الله (عليه السلام) كيف يفعل به؟ فأخبرناه أنه كان لا يعرف هذا الأمر، فقال: لو أن رجلا أوصى الي أضع في يهودي أو نصراني لوضعته فيهما، أن الله عز و جل يقول «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ» فانظروا الى من يخرج الى هذا الوجه يعنى «بعض الثغور» فابعثوا به اليه».
و استدل للثاني- بأن الوصية تستلزم المودة، و هي محرمة بالنسبة إلى الكافر، بقوله تعالى (2) «لٰا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كٰانُوا آبٰاءَهُمْ أَوْ أَبْنٰاءَهُمْ» و هي متناولة للأرحام و غيرهم.
و رده في المسالك فقال: و يضعف بمعارضته بقوله تعالى (3) «لٰا يَنْهٰاكُمُ اللّٰهُ» الآية و الذمي مطلقا داخل فيها، و بما تقدم من الأخبار،
و بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (4) «على كل كبد حرى أجرا»،.
و ينتقض بجواز هبته و إطعامه و يمنع كون مطلق الوصية له موادة، لأن الظاهر أن المراد منها موادة المحاد لله من حيث هو محاد لله بقرينة ما ذكر من جواز صلته، و هو عين المتنازع، لأنا لا نسلم أنه لو أوصى للكافر من حيث انه كافر لا من حيث أنه عبد لله و ذو روح من أولاد آدم المكرمين لكانت الوصية باطلة ثم انه اختار القول بالصحة مطلقا
____________
(1) الكافي ج 7 ص 14 ح 2، التهذيب ج 9 ص 201 ح 804، الوسائل ج 13 ص 414 ح 4.
(2) سورة المجادلة- الاية 22.
(3) سورة الممتحنة- الاية 8.
(4) الكافي ج 4 ص 57 ح 2 و فيه «أفضل الصدقة إبراد كبد حرى» و في هامش الجامع الصغير ج 2 ص 68 عن صحيح الترمذي لك بكل ذات كبد حرى أجر الوسائل ج 6 ص 330 الباب 49.
521
للآية المتقدمة، و الأخبار المذكورة معها.
أقول: لقائل أن يقول: ان الأخبار المذكورة لا دلالة فيها على أزيد من وجوب تنفيذ الوصية كما أوصى به الموصي، و هو لا يستلزم جواز ذلك، بل من الممكن أن يكون ما فعله محرما يأثم عليه و ان وجب تنفيذه على الوصي، و اليه تشير الأخبار المذكورة، فإن الظاهر من الأخبار أن معنى سبيل الله هو جميع وجوه البر كما تقدم بيانه، و ان تفسيره بالجهاد إنما هو مذهب العامة، و لهذا انه (عليه السلام) في خبر يونس بن يعقوب أمر بصرفه في ذلك لكون الموصي مخالفا.
و بالجملة فإن النهي عن موادة الذمي و صلته التي من جملتها الوصية له لا ينافي وجوب تنفيذها بالآية المذكورة، ألا ترى أن البيع بعد النداء يوم الجمعة محرم يأثم فاعله مع أنه صحيح لو وقع، و مرجع ذلك الى أن الآية قد دلت على أنه يجب تنفيذ ما أوصى به حسبما أوصى به، سواء كان ما فعل من الوصية جائزا أو محرما، و اثم تحريمه انما يتعلق به، لا بالموصي، نعم تبقى المعارضة بين الآيتين المذكورتين، و الجمع بينهما مشكل، و قد مر في كتاب الوقف مزيد كلامه في ذلك: و أما استناده فيما ذكره الى الخبر النبوي المذكور، و الى أنه تجوز هبته و إطعامه فهو ناش من الغفلة عن مراجعة النصوص الواردة في هذا الباب، و ذلك فإنه قد روى
ثقة الإسلام في الكافي النهي عن إطعام الكافر، عن أبي يحيى (1) عن بعض أصحابنا «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: من أشبع مؤمنا وجبت له الجنة، و من أشبع كافرا كان حقا على الله أن يملأ جوفه من الزقوم، مؤمنا كان أو كافرا».
و روى الصدوق (قدس سره) في كتاب معاني الأخبار بسنده فيه عن النهيكي (2) رفعه الى أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال من مثل مثالا أو اقتنى كلبا فقد خرج من الإسلام فقلت له: هلك إذا كثير من الناس، فقال: انما عينت بقولي «من مثل
____________
(1) أصول الكافي ج 2 ص 200 ح 1، الوسائل ج 16 ص 523 ح 1.
(2) معاني الأخبار ص 181، الوسائل ج 16 ص 523 ح 2.
522
مثالا» من نصب دينا غير دين الله و دعى الناس اليه، و بقولي «من اقتنى كلبا مبغضا لأهل البيت اقتناه فأطعمه و سقاه من فعل ذلك فقد خرج عن الإسلام».
و عن معلى بن الحسين (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «من أشبع عدوا لنا فقد قتل وليا لنا».
و في وصيته (صلى الله عليه و آله و سلم) لأبي ذر المنقولة في كتاب مجالس الشيخ (2): «يا أبا ذر لا يأكل طعامك إلا تقي. الى أن قال: أطعم طعامك من يحب في الله، و كل طعام من يحبك في الله».
و روى في التهذيب عن عمر بن يزيد (3) «قال سألته عن الصدقة على النصاب و على الزيدية، فقال: لا تصدق عليهم بشيء و لا تسقهم من الماء ان استطعت، و قال: الزيدية هم النصاب».
و عن ابن أبى يعفور (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك ما تقول في الزكاة؟ الى أن قلت: فيعطى السؤال منها شيئا؟ قال: فقال: لا و الله إلا أن ترحمه فان رحمته فأعطه كسرة ثم أو مى بيده فوضع إبهامه على أصول أصابعه».
و في رواية أبي بصير (5) «عن الصادق (عليه السلام) قال: أبو عبد الله (عليه السلام) أ ترون أنما في المال الزكاة وحدها، ما فرض الله في المال من غير الزكاة أكثر، تعطى منه القرابة و المتعرض لك ممن يسألك فتعطيه ما لم تعرفه بالنصب، فإذا عرفته بالنصب فلا تعطه إلا أن تخاف لسانه فتشترى دينك و عرضك منه».
الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الدلالة على ذلك، و هي مؤيدة لما دلت
____________
(1) معاني الأحبار ص 365.
(2) أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 148 ط النجف الأشرف.
(3) التهذيب ج 4 ص 53 ح 141.
(4) التهذيب ج 4 ص 53 ح 142.
(5) الكافي ج 3 ص 551 ح 2.
و هذه الروايات في الوسائل ج 16 ص 524 ح 3 و 4 و ج 6 ص 288 ح 2 و ص 153 ح 6 و ص 170 ح 1.
523
عليه الآية المذكورة أعني قوله تعالى (1) «لٰا تَجِدُ قَوْماً» الآية و يعضده هذه الآية أيضا قوله عز و جل (2) «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيٰاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ قَدْ كَفَرُوا بِمٰا جٰاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ» الى أن قال «وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوٰاءَ السَّبِيلِ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدٰاءً وَ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ».
و أنت خبير بما فيها من التسجيل على النهي عن الموادة لهم على أبلغ وجه و أكده، و لا ريب أن الوصية لهم نوع محبة كما لا يخفى، و بما ذكرناه من الاعتضاد بهذه الآية و الأخبار المذكورة يظهر ترجيح العمل بآية «لٰا تَجِدُ قَوْماً» على الآية الأخرى و هي (3) «لٰا يَنْهٰاكُمُ اللّٰهُ» الآية.
و من المحتمل قريبا تخصيص هذه الآية بمعنى لا ينافي ما دلت عليه تلك الآيات و الأخبار، كما ذكره الطبرسي في كتاب مجمع البيان، قال: أي ليس ينهاكم الله عن مخالطة أهل العهد الذين عاهدوكم على ترك القتال، و برهم و معاملتهم بالعدل، و هو قوله (4) «أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ» أي و تعدلوا فيما بينكم و بينهم من الوفاء بالعهد، نقل ذلك عن الزجاج، و إذا قام هذا الاحتمال فلا دلالة في الآية على المخالفة، ثم نقل قولا بأنها منسوخة بآية (5) «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» عن ابن عباس و الحسن و قتادة و على هذا فلا إشكال أيضا إلا أن ظاهر كلامه الأخير يؤذن بالمخالفة، و قد تقدم نقله في كتاب الوقف.
و المراد بالناصب في هذه الأخبار هو المخالف الغير المستضعف، و لا الجاهل بالإمامة لا ما يتوهمه متأخر و أصحابنا من المعلن بعداوة أهل البيت (عليهم السلام) كما
____________
(1) سورة المجادلة- الاية 22.
(2) سورة الممتحنة- الاية 1.
(3) سورة الممتحنة- الاية 8.
(4) سورة الممتحنة- الاية 8.
(5) سورة التوبة- الاية 5.
524
تقدم تحقيقه في غير مقام، و لا سيما في كتب العبادات.
و بذلك يظهر لك ما في قوله «انا لا نسلم أنه لو أوصى للكافر من حيث انه كافر لكانت الوصية باطلة»، فإن فيه ما عرفت من أنه لا منافاة بين إنفاذ الوصية بعد وقوعها، و عدم جواز الوصية له، و محل البحث إنما هو جواز الوصية، و قد دلت الأخبار التي سردناها على عدم جواز صلة الكافر، و الوصية من جملة ذلك، فلا يجوز حينئذ، و لكن بعد وقوعها و إن أثم الموصي بذلك لا تجوز مخالفته لمقتضى الأخبار المذكورة المعتضدة بالآية الدالة على النهي عن التبديل و المخالفة لما أوصى به.
و استدل للقول الثالث بما ورد من الحث على صلة الرحم مطلقا، فيتناول الذمي، ورد بأن ذلك غير مناف لما دل على صلة غيره.
أقول: هذا الجواب انما يتم لو دل الدليل على صلة غيره ممن هو محل البحث، و أما على ما ذكرناه من عدم جواز ذلك كما عرفته، فالقول المذكور و ما علل به جيد لا بأس به، إلا أنه يمكن أن يقال: انه قد تعارض هنا عمومان:
أحدهما- ما دل على صلة الرحم متدينا كان أو غيره، و ثانيهما- ما دل على المنع من صلة الكافر مطلقا رحما كان أو غيره، كما عرفت من الأخبار التي ذكرناها، و تخصيص أحد العمومين بالآخر يحتاج الى دليل، و من ذلك يظهر أن الأظهر هو القول بالمنع مطلقا، و يؤيده أنه الأحوط من هذه الأقوال، و الاحتياط أحد المرجحات الشرعية في مقام التعارض بين الأدلة، هذا بالنسبة إلى الذمي.
و أما الحربي و المراد به ما هو أعم من الوثني أو الذمي الذي لا يقوم بشرائط الذمة، و الظاهر أن المشهور بينهم هو عدم صحة الوصية له، و استدل عليه بقوله تعالى (1) «إِنَّمٰا يَنْهٰاكُمُ اللّٰهُ عَنِ الَّذِينَ قٰاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ» الآية، و الحربي ناصب نفسه لذلك.
____________
(1) سورة الممتحنة- الاية 9.
525
قال في المسالك: و فيه نظر، لأن الحربي قد لا يكون مقاتلا بالفعل بل ممتنعا من التزام شرائط الذمة، فلا يدخل في الآية، و قوله (عليه السلام) في الخبر السابق «أعطه لمن أوصى له، و ان كان يهوديا أو نصرانيا»، و استشهاده بالآية يتناول بعمومه الحربي، لأن «من» عامة في المتنازع و كذلك اليهودي و النصراني شامل للذمي و غيره، حيث لا يلتزم بشرائط الذمة، انتهى.
أقول: من المحتمل قريبا- بل الظاهر أنه هو المراد- أن المراد بالقتال في الدين انما هو بعد طلبهم الى الدخول في الدين، أو القيام بالجزية ان كانوا من أهل الكتاب، بمعنى انكم إذا طلبتموهم الى ذلك قاتلوكم، و لم يجيبوا دعوتكم، و نصبوا لكم القتال، لا أن المراد أنهم يبتدءونكم بالقتال، و ينصبون لكم الحرب، و ان لم تدعوهم إلى الإسلام، إذ من الظاهر أن أهل مكة الذين هم مورد الآية و غيرهم انما قاتلوا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد الدعوة الى الإسلام، و طلبهم الى الدخول فيه، و إلا فلو كف عنهم لكفوا عنه و لم يقاتلوه بالكلية.
و أما الاستناد إلى ما ذكره من قوله (عليه السلام) في الخبر السابق «أعطه لمن أوصى له و ان كان يهوديا»، فان فيه ما قدمنا تحقيقه من أنه لا يلزم من وجوب التنفيذ صحة الوصية، بل يجب على الوصي إنفاذ ما أوصى به و ان كان أصل الوصية منهيا عنه، جمعا بين الآيات و الأخبار الدالة على النهي عن صلة الكافر و موادته، و الوصية من قبيل ذلك، و بين الأخبار المشار إليها الدالة صريحا على وجوب تنفيذ ما أوصى به، و ليس فيما ذكرناه من هذا القول ما يطعن به عليه، إلا كونه خلاف المشهور بينهم، و إلا فالقواعد الشرعية لا تنافيه بل تعضده، كما تقدمت الإشارة إليه.
ثم ان ما استدل به على عدم صحة الوصية للحربي و كذا الوقف عليه أن مال الحربي فيء للمسلمين، فلا يجب دفعه إليه لأنه غير مالك، فلو جازت
526
الوصية له لكان إما أن يجب على الوصي دفعه اليه و هو باطل لما تقدم، أو لا يجب و هو المطلوب، إذ لا معنى لبطلان الوصية إلا عدم وجوب تسليمها الى الموصى له.
و اعترضه في المسالك بأن فيه منع استلزام عدم وجوب دفع الوصية إليه بطلانها، لأن معنى صحتها ثبوت الملك له إذا قبله فيصير حينئذ ملكا من أملاكه يلزمه حكمه، و من حكمه جواز أخذ المسلم له، فإذا حكمنا بصحة وصيته، و قبضه الوصي ثم استولى عليه من جهة أنه مال الحربي، لم يكن منافيا لصحة الوصية، و كذا لو منعه الوارث لذلك، و ان اعترفوا بصحة الوصية.
و تظهر الفائدة في جواز استيلاء الوصي على العين الموصى بها الحربي، فيختص بها دون الورثة، و كذا لو استولى عليها بعض الورثة دون بعض، حيث لم يكن في أيديهم ابتداء، و لو حكمنا بالبطلان لم يأت هذا، بل يكون الموصى به من جملة التركة، لا يختص بأحد من الورثة.
أقول: يمكن أن يقال: أن مراد المستدل المذكور هو أنه لما أباح الشارع ماله و جعله فيئا للمسلمين، دل ذلك على كونه غير أهل للملك، بمعنى أنه لا يدخل شيء في ملكه، بأي نحو كان، و أن هذا المال الذي كان عنده انما هو بمنزلة الأشياء المباحة للناس، كل من سبق اليه و حازه ملكه دون غيره، و كونه في يده قبل الاستيلاء عليه بالقهر و الغلبة من المسلمين، لا يدل على الملك، و على هذا فلا يجوز إدخال شيء في ملكه بوصية أو غيرها، حتى أنه بعد الدخول في ملكه، يصير فيئا للمسلمين، كما ذكره (قدس سره) بل تصبر الوصية إليه باطلة، و يكون الموصى به من جملة التركة كما ذكره أخيرا، و هو احتمال قريب وجيه لا بد لنفيه من دليل.
الرابعة [في الوصية لمملوك الأجنبي و مدبره]:
قالوا: لا تصح الوصية لمملوك الأجنبي و لا لمدبره، و لا لأم ولده، و لا لمكاتبة المشروطة، أو الذي لم يؤد من مكاتبته شيئا، و ان أجاز مولاه.
أقول: أما عدم جواز الوصية لمملوك الغير قنا كان أو مدبرا أو أم ولد،
527
فاستدلوا عليه بانتفاء أهلية الملك بالنسبة إلى هؤلاء، و هو شرط في صحة الوصية.
و فيه أن هذا إنما يتم على القول بأن المملوك لا يملك شيئا مطلقا، كما هو أحد الأقوال في المسئلة، و أما على القول بأنه يملك و ان كان في التصرف محجورا إلا بإذن المولى، فإنه لا مانع من صحة الوصية له، فيعتبر قبوله كغيره، و ربما استدل على عدم الصحة برواية
عبد الرحمن بن الحجاج (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا وصية لمملوك».
و فيه أن الخبر كما يحتمل نفي الوصية من الغير له، كذلك يحتمل نفى أن يوصى المملوك لغيره، لاحتمال أن يكون الإضافة هنا الى الفاعل، أو المفعول.
و أما بالنسبة إلى مكاتب الغير إذا كان مشروطا أو مطلقا و لم يؤد شيئا بالكلية، فالمشهور أن الحكم فيه كما في سابقه، لبقاء المملوكية.
و قيل: بصحة الوصية للمكاتب مطلقا، لانقطاع سلطنة المولى عنه، و لهذا يصح بيعه و اكتسابه، و قبول الوصية نوع من الاكتساب.
أقول: و الذي وقفت عليه من الروايات المتعلقة بالمكاتب ما رواه
المشايخ الثلاثة (قدس الله أرواحهم)في الصحيح عن محمد بن قيس (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) في مكاتب كذا في كتابي الكافي و التهذيب و في الفقيه «عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في مكاتب كانت تحته امرأة حرة، فأوصت له عند موتها بوصية فقال: أهل الميراث لا نجيز وصيتها له، انه مكاتب لم يعتق و لا يرث، فقضى أنه يرث بحساب ما أعتق منه، و يجوز له من الوصية بحساب ما أعتق منه، و قضى في مكاتب أوصى له بوصية و قد قضى نصف ما عليه فأجاز له نصف الوصية و قضى في مكاتب قضى ربع ما عليه فأوصى له بوصية فأجاز ربع الوصية، و قال في رجل حر أوصى لمكاتبة، و قد قضت سدس ما كان عليها و أجاز بحساب ما أعتق منها».
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 216 ح 852. الوسائل ج 13 ص 466 ح 2 الباب 80.
(2) الكافي ج 7 ص 28 ح 1، التهذيب ج 9 ص 223 ح 874، الفقيه ج 4 ص 160 ح 558.
الوسائل ج 13 ص 468 الباب 80.
528
و شيخنا في المسالك بناء على ما حصل له من الوهم في محمد بن قيس في أمثال هذا السند من كونه مشتركا، و الحديث به ضعيف. رد هذه الرواية بذلك، بعد أن أوردها دليلا للقول الأول، و اختار القول الثاني و جعله الأقوى، و هو ضعيف، فان محمد بن قيس في هذا السند و أمثاله هو الثقة، كما قطع به جملة من تأخر عنه، و منهم سبطه السيد السند في شرح النافع، فتكون الرواية صحيحة بحسب العمل بمقتضى هذا الاصطلاح، هذا مع تأيدها بجملة من الأخبار الدالة على أن المكاتب إذا أوصى صحت وصيته بقدر ما أعتق منه خاصة، و مقتضى كلامه المتقدم صحة وصيته مطلقا، لانقطاع سلطنة المولى عنه الى آخر ما ذكره، مع أن الأخبار قد قصرت الصحة على قدر ما انعتق منه.
و منها
صحيحة محمد بن قيس (1) «عن أبى جعفر (عليه السلام) قال قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في مكاتب قضى بعض ما كوتب عليه أن يجاز من وصيته بحساب ما أعتق عنه، و قضى في مكاتب قضى نصف ما عليه فأوصى بوصية فأجاز نصف الوصية، و قضى في مكاتب قضى ثلث ما عليه، و أوصى بوصية فأجاز ثلث الوصية».
و صحيحة أبان (2) عمن حدثه «عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه قال: في مكاتب أوصى بوصية، قد قضى الذي كوتب عليه الأشياء يسيرا فقال: تجوز بحساب ما أعتق منه».
و رواية محمد بن قيس (3) «عن أبى جعفر (عليه السلام) في حديث قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصية مكاتب قد قضى بعض ما كوتب عليه أن تجاز من وصيته بحساب ما أعتق منه».
و بذلك يظهر لك مزيد ضعف القول المذكور.
تنبيهان:
الأول [رأي الشيخ في المسألة]:
قال في المختلف: المشهور أنه لا تصح الوصية لعبد الغير و لا لمكاتبة المشروط و غير المؤدي، و قال الشيخ في المبسوط و تبعه ابن البراج: إذا أوصى
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 223 ح 876، الوسائل ج 13 ص 268 ح 1.
(2) التهذيب ج 9 ص 223 ح 875، الوسائل ج 13 ص 469 الباب 81 ح 2 و ص 468 الباب 81 ح 1.
(3) هذه الرواية تكرار منه (قدس سره).
529
لعبد نفسه أو لعبد ورثته كان ذلك صحيحا، لأن الوصية للوارث عندنا تصح، و كذا ان أوصى لمكاتبة أو لمكاتب ورثته كانت الوصية صحيحة، و لو أوصى لعبد الأجنبي لم تصح الوصية، لما ورد في الخبر في ذلك، و في كلامه نظر، فإن الوصية للعبد ان كانت وصية لمولاه صحت، و ان كان العبد لأجنبي، لأنه تصح الوصية له و ان لم يكن لم يبق فرق بين الوارث و الأجنبي، و بالجملة فهذا التفصيل مشكل، انتهى.
الثاني [في وصية الإنسان لمكاتبة]:
قال في المختلف: قال الشيخ المفيد (رحمة الله عليه) إذا أوصى لعبد له كاتبه جاز مما أوصى له بحساب ما أعتق عنه، و يرجع الباقي الى مال الورثة، و كذا قال سلار، و قال ابن البراج: يصح أن يوصى لمكاتبة، و هو المشهور، فان قصد المفيد برجوع الباقي الى الورثة من غير أن يسقط من مال الكتابة بقدره بل يكون لهم مجانا، لزم إبطال الوصية للمكاتب، سواء كان الموصى المالك أو غيره، و هو مخالف لظاهر فتوى الأصحاب، و ان قصد رجوعه إليهم و إسقاط ما يقابله من مال الكتابة، فهو حسن، على أن إبطال الوصية للمكاتب الغير المشروط لا يخلو عندي من نظر، انتهى.
أقول: ما نقله عن الشيخ المفيد (قدس الله روحه)هو القول الأول الذي دلت عليه صحيحة محمد بن قيس المتقدمة، و هي الاولى من رواياته، و ما نقله عن ابن البراج هو القول الثاني، و ظاهره أنه المشهور بينهم، و قد عرفت اختيار صاحب المسالك له، و عرفت ما فيه.
و أما ما أورده على الشيخ المفيد من أن حكمه برجوع الباقي من الوصية على الورثة مجانا يعنى من غير احتساب ذلك من مال الكتابة الذي يستحقونه يلزم منه إبطال الوصية.
ففيه أنه يجب أولا تحقيق البحث في المسئلة كما قدمنا ذكره من أنه هل الوصية للمكاتب مطلقا صحيحة، أم لا؟ بل تكون مراعاة بأنه في المطلق ان لم
530
ينعتق منه شيء فهي غير صحيحة، و ان انعتق منه شيء فيصح بنسبة ما انعتق منه، و أنت قد عرفت أنه لا دليل للقول بالصحة مطلقا، إلا ما ذكره في المسالك من ذلك التعليل الاعتباري العليل، و أن القول الثاني هو مدلول الصحيحة المتقدمة كما عرفت المعتضدة بما ذكرناه من الأخبار الأخر، و ما ذكره من لزوم إبطال الوصية لا ضير فيه إذا اقتضته الأدلة الشرعية، على أن الإبطال بالكلية انما يتجه لو لم ينعتق منه شيء بالكلية، و إلا فإنه يكون العتق بالنسبة.
و بالجملة فقول الشيخ المفيد هو الموافق للاخبار كما عرفت، و ما ذكره من أن كلام الشيخ المذكور مخالف لفتوى الأصحاب فلا ضير فيه إذا اعتضدته الأدلة الشرعية، خلا ما ذكره الأصحاب كما عرفت في الباب.
الخامسة [في وصية الإنسان لمملوكه]:
اختلف الأصحاب (رحمهم الله) في صحة وصية الإنسان لمملوكه فقال الشيخ المفيد في المقنعة و الشيخ في النهاية: إذا أوصى الإنسان لعبده بثلث ماله ينظر في قيمة العبد قيمة عادلة، و ان كانت قيمته أقل من الثلث أعتق و أعطى الباقي، و ان كانت مثله أعتق و ليس له شيء، و لا عليه شيء، و ان كانت القيمة أكثر من الثلث بقدر السدس أو الربع أو الثلث أعتق بمقدار ذلك، و استسعى في الباقي لورثته، و ان كانت قيمته على الضعف من ثلثه، كانت الوصية باطلة، و تبعهما ابن البراج في كتابي الكامل و المهذب.
و قال الشيخ في الخلاف إذا أوصى لعبد نفسه صحت الوصية، و قوم العبد و أعتق إذا كان ثمنه أقل من الثلث، و ان كان ثمنه أكثر من الثلث استسعى العبد فيما يفضل للورثة، و أطلق، و كذا قال أبو الصلاح.
و قال سلار: ان كانت أقل من الثلث عتق و أعطى ما فضل، و ان كانت أكثر بمقدار الربع و الثلث من الثلث عتق بمقدار الثلث، و استسعى في الباقي.
و قال الشيخ علي بن الحسين بن بابويه: إذا أوصى لمملوكه بثلث ماله، قوم المملوك قيمة عادلة، فإن كانت أكثر من الثلث استسعى في الفضل ثم أعتق و ان كانت قيمته أقل من الثلث أعطى ما فضلت قيمته عليه، ثم أعتق.
531
و قال ابن الجنيد: لو أوصى للمملوك بثلث ماله،
فقد روي (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه قال: فان كانت الثلث أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة استسعى العبد في ربع القيمة، و ان كان الثلث أكثر من قيمة العبد أعتق العبد، و دفع اليه ما فضل من الثلث بعد القيمة».
و يخرج الثلث من جميع التركة، و لو كانت الوصية للمملوك بمال مسمى لم يكن لعتاقه يجوز إخراج ذلك من غير رقبته، و لو كانت جزء من التركة كعشر أو نحوه كان العبد بما يملكه من ذلك الجزء من رقبته متحررا، أو باقية كما قلنا، و اختار ابن إدريس مذهب الشيخ في الخلاف.
قال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال: و المعتمد أن نقول ان كانت الوصية بجزء مشاع كثلث أو نصف أو ربع قوم العبد و أعتق عن الوصية، فإن فضل من قيمته شيء استسعى في الفاضل للورثة، سواء كان الفاضل ضعف قيمته أو أقل أو أزيد، و ان قضى عتق و أخذ الفاضل، فان ساواه عتق، و لا شيء له و لا عليه، و ان كانت الوصية بعين بطلت و لا شيء له، و لا يعتق منه شيء.
و قال المحقق في الشرائع: و يعتبر ما أوصى به المملوك بعد خروجه من الثلث، فان كان بقدر قيمته أعتق، و ان كان قيمته أقل أعطى الفاضل، و ان كانت أكثر سعى للورثة فيما بقي ما لم يبلغ قيمته ضعف ما أوصى له به، فان بلغت ذلك بطلت الوصية، و قيل: تصح و يسعى في الباقي كيف كان و هو حسن، انتهى.
أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسئلة ما رواه
الشيخ في التهذيب عن الحسن بن صالح الثوري (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل أوصى لمملوك له بثلث ماله، قال: فقال: يقوم المملوك بقيمة عادلة، ثم ينظر ما يبلغ ثلث الميت، فان كان الثلث أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة استسعى العبد في ربع القيمة، و ان كان الثلث أكثر من قيمة العبد أعتق العبد و دفع اليه
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 216 ح 851، الوسائل ج 13 ص 467 ح 2.
(2) التهذيب ج 9 ص 216 ح 851، الوسائل ج 13 ص 467 ح 2.
532
ما فضل من الثلث بعد القيمة».
و ما ذكره
الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال: «و ان أوصى لمملوكه بثلث ماله قوم المملوك قيمة عادلة، فإن كانت قيمته أكثر من الثلث استسعى في الفضلة ثم أعتق».
و هذه عين عبارة الشيخ علي بن بابويه المتقدمة، إلا أنه (عليه السلام) لم يذكر ما إذا كانت قيمته أقل، و لعل هذه الزيادة كانت في نسخة الكتاب الذي عند الشيخ المزبور، و يحتمل أنها من كلامه (رحمه الله) تتميما لمعنى الكلام.
و كيف كان فينبغي أن يعلم أن الكلام هنا في مقامين
الأول [الفرق بين ما إذا كانت الوصية بجزء مشاع و بينما إذا كانت بعين]
- أن مقتضى الروايتين- و هو صريح العلامة في المختلف و ابن الجنيد، و ظاهر الشيخين فيما تقدم نقله عنهما، و كذا الشيخ علي بن بابويه- هو الفرق بين ما إذا كانت الوصية بجزء مشاع كثلث أو نصف أو ربع، فان الحكم فيه ما ذكر من التفصيل، و بينما إذا كانت الوصية بعين، فإنه تبطل الوصية من رأس، لأن المملوك لا يملك، و على تقدير ملكه فإنه لا يجوز التخطي الى غير ما أوصى به، لأنه يكون تبديلا للوصية فالتخطى الى رقبته تبديل للوصية حينئذ، فلا يجرى فيه الحكم المذكور في الخبرين.
و حكم الوصية بالمعين و ان كان غير مذكور في كلام المشايخ الثلاثة المذكورين، إلا أن تخصيصهم هذا التفصيل بالوصية بالمشاع، ظاهر في أنه لا يجري في المعين، و ليس بعده إلا البطلان، و ظاهر كلام الأكثر كالشيخ في الخلاف و ابن إدريس و المحقق فيما نقلناه عنه و غيرهم هو العموم، و لهم في تعليل ذلك كلمات عليلة، و الظاهر هو القول الأول عملا بالخبرين المذكورين.
و انما يبقى الكلام في صحة الوصية له بالمعين و عدمها، و هو مبني على صحة تملك العبد و عدمه، و إلا فالتخطى إلى الرقبة على تقدير الصحة مشكل
____________
(1) فقه الرضا (عليه السلام) ص 40.
533
لما عرفت، و نحن انما صرنا إلى التخطي إلى الرقبة فيما إذا كانت الوصية بجزء مشترك، للخبرين المتقدمين، و بيان الوجه فيما دلا عليه، ما ذكره في المختلف و هو أن الجزء المشاع يتناول نفسه. أو بعضها، لأنه من جملة الثلث الشائع، و الوصية له بنفسه صحيحة، و الفاضل قد استحقه بالوصية، لأنه يصير جزء، فيملك بالوصية، فيصير كأنه قال أعتقوا عبدي من ثلثي، و أعطوه ما فضل منه، انتهى، و هذا كله مفقود في صورة التعيين.
الثاني [في رد تفصيل الشيخين في وصية الإنسان لمملوكه]
- أن المفهوم من كلام الشيخين المتقدم أنه في صورة ما إذا كانت قيمته أكثر من الثلث الموصى له بقدر ضعف ما أوصى به، كما لو كانت قيمته مائتين الموصى له به يبلغ مائة. فإنه تبطل الوصية في هذه الصورة، و انما تصح فيما إذا كانت أقل من الضعف و لو يسيرا فيعتق منه بقدر الوصية ان خرجت من الثلث، و إلا فبقدر الثلث، و يستسعى للورثة في الباقي كما لو أوصى له بمائة و خمسين، و قيمته مائتان، فإنه ينعتق منه بالوصية ثلاثة أرباعه، و يسعى للورثة في ربع قيمته، و هو خمسون.
و ظاهر كلام المحقق و هو اختياره في المسالك أيضا، أنه لا فرق بين الأمرين بأن يكون قيمته بقدر ضعف ما أوصى له به أو أقل، فإنه ينعتق بحساب ما أوصى له به مطلقا، ما لم يزد عن الثلث، فان زاد فبحساب الثلث، و هذا هو ظاهر كلام الشيخ في الخلاف، و أبى الصلاح و الشيخ علي بن بابويه و ابن إدريس، و نقله الشهيد في نكت الإرشاد عن المحقق في النكت، قال: و استدل عليه الشيخ بإجماع الفرقة.
قال في المسالك- بعد إيراد رواية حسن بن صالح المتقدمة دليلا للشيخين فيما ذهب اليه-: و وجه دلالة الرواية من جهة مفهوم الشرط في قوله فيها «فان كان الثلث أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة استسعى العبد في ربع القيمة» فإن مفهومه أنه لو لم يكن أقل بقدر الربع لا يستسعى، و انما يتحقق عدم
534
الاستسعاء مع البطلان، و لا يخفى عليك ضعف هذا التنزيل، فان مفهومهما أن الثلث ان لم يكن أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة لا يستسعى في ربع القيمة، لا أنه لا يستسعى مطلقا، و هذا مفهوم صحيح لا يفيد مطلوبهم، فلا ينافي القول بأنه يستسعى بحسابه، فان كان أقل بقدر الثلث يستسعى في الثلث أو بقدر النصف، فيستسعى في النصف، و هكذا و أيضا فلو كان المفهوم الذي زعموه صحيحا لزم منه أنه متى لم يكن الثلث أقل من قيمته بقدر الربع لا يستسعى بل تبطل الوصية، و هذا شامل لما لو كانت القيمة قدر الضعف و أقل من ذلك الى أن يبلغ النقصان قدر الربع فمن أين خصصوا البطلان بما لو كانت قيمته قدر الضعف؟ ما هذا إلا عجيب عجاب من مثل هذين الشيخين الجليلين، انتهى و هو جيد وجيه.
السادسة [في وصية الإنسان بعتق مملوكه و عليه دين]:
إذا كان على الإنسان دين و أوصى بعتق مملوكه، و ليس له سواه أو أعتقه منجزا فقد اختلف كلام الأصحاب (رضي الله عنهم) في ذلك فقال الشيخ المفيد (قدس سره) في كتاب المقنعة إذا كان على الإنسان دين، و لم يخلف إلا عبدا أو عبيدا فأعتقهم عند الموت، نظر في قيمة العبد أو العبيد و ما عليه من الدين فان كان أكثر من قيمة العبد بطل العتق، و بيع العبيد و تحاص الغرماء بثمنهم، و كذا ان استوت القيمة و الدين، فان كانت قيمة العبد أكثر من الدين السدس أو الثلث و نحو ذلك بيع العبد، و بطل العتق، و ان كان قيمة العبد ضعف الدين، كان للغرماء النصف منهم، و للورثة الثلث، و عتق منهم السدس، لأن لصاحبهم الثلث من تركته يضع به ما يشاء، فوصيته نافذة في ثلث مماليكه، و هو السدس، بهذا جاء الأثر من آل محمد (عليهم السلام).
و قال الشيخ في النهاية: إذا أوصى لإنسان بعتق مملوك له، و كان عليه دين فان كان قيمة العبد ضعف الدين استسعى العبد في خمسة أسداس قيمته، ثلاثة أسهم للديان، و سهمان للورثة، و سهم له، و ان كانت قيمته أقل من ذلك بطلت الوصية و بذلك قال ابن البراج.
535
و قال ابن إدريس: الذي يقتضيه المذهب أنه لا وصية قبل قضاء الدين، بل الدين مقدم على الوصية، و التدبير عندنا وصية، فلا تمضى الوصية إلا بعد قضاء الدين، فان عمل عامل بهذه الرواية يلزمه أن يستسعى العبد، سواء كانت قيمته ضعفي الدين أو أقل من ذلك، لأنه متى كانت قيمته أكثر من الدين بأي شيء كان فان الميت الموصى قد استحق في الذي فضل عن الدين ثلثه، فتمضى وصيته في ذلك الثلث، و يعتق العبد، و يستسعى في دين الغرماء و ما فضل عن ثلثه الباقي للورثة، ولي في ذلك نظر، فإن أعتقه في الحال، و بت عتقه قبل موته، مضى العتق و ليس لأحد من الديان، و لا الورثة عليه سبيل، لأنه ليس بتدبير، و انما هو عطية منجزة في الحال، و عطاياه المنجزة صحيحة، على الصحيح من المذهب، لا تحسب من الثلث بل من الأصل.
و قال العلامة في المختلف: و المعتمد أن تقول ان أحاط الدين بقيمة العبد بطل العتق، سواء كان قد نجزه من مرض موته أو أوصى به، و ان قصر الدين عن قيمته عتق ثلث الفاضل، و استسعى في الباقي.
و قال المحقق في الشرائع: و لو أوصى بعتق مملوكه و عليه دين، فان كانت قيمة العبد بقدر الدين مرتين أعتق المملوك، و سعى في خمسة أسداس قيمته، و ان كانت قيمته أقل بطلت الوصية بعتقه، و الوجه أن الدين يقدم على الوصية فيبدأ به، و يعتق منه الثلث فيما فضل عن الدين، أما لو نجز عتقه عند موته كان الأمر كما ذكر أولا، عملا برواية عبد الرحمن عن أبى عبد الله (عليه السلام).
أقول: و الواجب أولا نقل ما وصل الي من الأخبار في المسئلة المذكورة، ثم الكلام فيها بما وفق الله سبحانه لفهمه منها، فمن ذلك ما رواه
في الكافي و التهذيب عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) في الصحيح قال: «سألني أبو عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 7 ص 26 ح 1، التهذيب ج 9 ص 217 ح 854، الوسائل ج 13 ص 423 ح 5.
536
هل يختلف ابن أبى ليلى و ابن شبرمة؟ فقلت: بلغني أنه مات مولى لعيسى بن موسى و ترك عليه دينا كثيرا و ترك مماليك يحيط دينه بأثمانهم فأعتقهم عند الموت فسألهما عيسى بن موسى عن ذلك، فقال ابن شبرمة: أرى أن يستسعيهم في قيمتهم، فتدفعها الى الغرماء، فإنه قد أعتقهم عند موته، و قال ابن أبى ليلى:
أرى أن أبيعهم و ادفع أثمانهم إلى الغرماء، فإنه ليس له أن يعتقهم عند موته، و عليه دين يحيط بهم، و هذا أهل الحجاز اليوم يعتق الرجل عبده و عليه دين كثير، فلا يجيزون عتقه إذا كان عليه دين كثير، فرفع ابن شبرمة يده الى السماء فقال: سبحان الله يا ابن أبى ليلى متى قلت هذا القول؟ و الله ما قلته إلا طلب خلافي، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فعن رأي أيهما صدر الرجل؟ قال: قلت: بلغني أنه أخذ برأي ابن أبى ليلى، و كان له هوى في ذلك، فباعهم و قضى دينه، قال:
فمع أيهما من قبلكم، قلت له: مع ابن شبرمة، و قد رجع ابن أبى ليلى إلى رأي ابن شبرمة بعد ذلك، أما و الله ان الحق لفي الذي قال ابن أبى ليلى، و ان كان قد رجع عنه، قلت: هذا ينكسر عندهم في القياس فقال: هات قايسني فقلت: أنا أقايسك؟ فقال: لتقولن بأشد ما يدخل فيه من القياس، فقلت له:
رجل ترك عبدا لم يترك مالا غيره، و قيمة العبد ستمائة درهم، و دينه خمسمائة درهم فأعتقه عند الموت، كيف يصنع؟ قال: يباع العبد و يأخذ الغرماء خمسمائة درهم، و يأخذ الورثة مائة درهم، فقلت: أ ليس قد بقي من قيمة العبد مائة درهم عن دينه؟ فقال: بلى، فقلت: أ ليس للرجل ثلثه يصنع به ما شاء، قال: بلى، قلت: أ ليس قد أوصى للعبد بالثلث من المائة حين أعتقه، فقال: ان العبد لا وصية له، انما ماله لمواليه، فقلت له: فإذا كان قيمة العبد ستمائة درهم، و دينه أربعمائة، قال: كذلك يباع العبد، فيأخذ الغرماء أربعمائة درهم، و يأخذ الورثة مائتين، فلا يكون للعبد شيء، قلت له: فإن قيمة العبد ستمائة درهم و دينه ثلاثمائة درهم فضحك و قال: من هيهنا أتى أصحابك فجعلوا الأشياء شيئا واحدا،
537
و لم يعملوا السنة، إذا استوى مال الغرماء و مال الورثة أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء لم يتهم الرجل على الوصية، و أجيزت وصيته على وجهها، فالآن يوقف هذا، فيكون نصفه للغرماء و يكون ثلاثة للورثة، و يكون له السدس».
و ما رواه
في الكافي عن زرارة (1) في الحسن أو الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) في رجل أعتق مملوكه عند موته، و عليه دين، قال: ان كان قيمته مثل الدين الذي عليه و مثله، جاز عتقه، و إلا لم يجز».
و رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح أو الحسن عن زرارة الحديث مقطوعا، و رواه في الفقيه عن ابن أبى عمير عن جميل عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثله.
و ما رواه
في التهذيب عن حفص بن البختري (2) في الصحيح «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا ملك المملوك سدسه استسعى و أجيز».
قال في الوافي: لعل الحكم مختص بما إذا كان العتق عند الموت أو بعده و كان على مولاه دين كما يظهر من سائر أخبار الباب و إلا يلزم تقييد أخبار السراية الماضية كلها بذلك، و هو مشكل، انتهى.
و ما رواه
في التهذيب عن زرارة (3) في الصحيح «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال:
إذا ترك الدين عليه و مثله أعتق المملوك و استسعى».
و ما رواه
في الكافي عن الحسن بن الجهم (4) في الموثق قال: «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: في رجل أعتق مملوكا له و قد حضره الموت، و أشهد له بذلك و قيمته ستمائة درهم، و عليه دين ثلاثمائة درهم و لم يترك شيئا غيره، قال:
____________
(1) الكافي ج 7 ص 27 ح 2، التهذيب ج 9 ص 218 ح 856، الفقيه ج 4 ص 166 ح 580. الوسائل ج 13 ص 425 ح 6.
(2) التهذيب ج 9 ص 169 ح 689. الوسائل ج 13 ص 422 ح 1.
(3) التهذيب ج 9 ص 169 ح 688. الوسائل ج 13 ص 422 ح 2.
(4) الكافي ج 7 ص 27 ح 3، التهذيب ج 9 ص 218 ح 855. الوسائل ج 13 ص 423 ح 4.
538
يعتق منه سدسه، لأنه إنما له منه ثلاثمائة درهم، و يقضى منه ثلاثمائة درهم فله من الثلاثمائة درهم ثلثها و له السدس من الجميع».
و رواه الشيخ في التهذيب مثله، «الا أن الذي فيه «لأنه إنما له منه ثلاثمائة و له السدس من الجميع» و ما بينهما لم يذكره.
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن الحلبي (1) في الصحيح «عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه قال: في الرجل يقول: ان متّ فعبدي حر و على الرجل دين قال:
ان توفي و عليه دين قد أحاط بثمن العبد بيع العبد، و ان لم يكن أحاط بثمن العبد استسعى العبد في قضاء دين مولاه، و هو حر إذا وفاه».
و الشيخ في التهذيبين قيده بما إذا كان الدين أنقص من ثمن العبد بمقدار النصف جمعا بينه و بين الأخبار المذكورة قبله.
أقول: و تحقيق الكلام في المقام هنا يقع في موضعين
الأول [في نقل الأقوال في الوصية بالعتق و عليه دين]:
لا يخفى أنه من القواعد المقررة بينهم كما تقدم ذكره أن الوصية المتبرع بها إنما تنفذ من ثلث المال، و أن الدين يقدم أولا، ثم تعتبر الوصية من ثلث ما بقي بعد الدين، و أن المنجزات المتبرع بها في مرض الموت بحكم الوصية في خروجها من الثلث عند الأكثر، و لا ريب أن العتق من جملة التبرعات.
و على هذا فإذا أوصى بعتق مملوكه تبرعا أو أعتقه منجزا بناء على أن المنجزات من الثلث، و كان عليه دين، فان كان الدين يحيط بالتركة بطل العتق و الوصية به، و هو مما لا خلاف فيه، و لا اشكال نصا و فتوى، و ان فضل من التركة فضل بعد الدين و ان قل، فمقتضى القواعد المذكورة صرف ثلث الفاضل في الوصايا فيعتق من العبد بحساب ما يبقى من الثلث، و يسعى في باقي قيمته سواء كانت قيمته بقدر الدين مرتين أو أقل، لأن العتق تبرع محض، فيخرج من الثلث و المعتبر منه ثلث ما يبقى من المال بعد الدين على تقديره، كغيره من التبرعات.
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 218 ح 857، الفقيه ج 3 ص 70 ح 22، الوسائل ج 13 ص 423 ح 3.
539
و بهذا قال جماعة من الأصحاب، بل أكثر المتأخرين كما ذكره في المسالك، و منهم العلامة في المختلف و ابن إدريس على ما ذكره من التردد، و المحقق بالنسبة إلى الوصية و القول الثاني- و هو أنه انما يصح العتق إذا كانت قيمته ضعفي الدين، و سعى في خمسة أسداس قيمته، ثلاثة للديان و سهمان للورثة- للشيخ المفيد و الشيخ في النهاية و القاضي استنادا الى ما قدمناه من الروايات الصحيحة الصريحة في ذلك، و الأصحاب لم يوردوا منها إلا صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، فمنهم من وقف عليها، و خص الحكم بتنجيز العتق، كما هو مورد الرواية دون الوصية، وقوفا فيما خالف الأصل على مورده.
و منهم من رده، و اطرحها لمخالفتها للرواية الدالة على تلك القواعد، قال: في المسالك بعد ذكر صحيحة عبد الرحمن: و روي عن زرارة في الحسن مثله، إلا أن الرواية به مقطوعة، فلذا لم يذكرها المصنف هنا، و اقتصر على رواية عبد الرحمن لصحتها.
أقول: عذره في ذلك واضح، و هو أنه اقتصر على مراجعة التهذيب و هي في بعض مواضعه كما ذكره حسبما قدمنا ذكره، و إلا فهي في الكافي بسنده الى الامام (عليه السلام) و نحوها الروايات الأخر، و هي صريحة صحيحة، و لكنهم لم يقفوا عليها، و بذلك يظهر لك أن الأظهر هو الوقوف عليها، و العمل بمقتضاها، و بها تخصص أخبار تلك القواعد ان ثبتت.
نعم احتج القائلون بالقول الأول بصحيحة الحلبي المتقدمة، و لهذا ان الشيخ تأولها بما قدمنا نقله عنه، جمعا بين الأخبار و هو جيد.
أقول: و يمكن أن يقال: و لعله الأقرب العاري عن وصمة القيل و القال أن ما ذكروه من الاشكال و المخالفة في هذه الروايات لمقتضى القواعد المقررة مبني على أن المنجزات في حكم الوصية مخرجها الثلث، و إلا فلو قلنا بأن مخرجها الأصل كما هو ظاهر كلام ابن إدريس المتقدم، و هو الحق الظاهر من الأخبار
540
كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في المسئلة عند ذكرها، فلا اشكال بحمد الملك المتعال، و على تقديره فالظاهر أنه لا يقيد بكون القيمة ضعف الدين أو غيره و بالجملة فإنه يندفع بذلك ما ذكروه من الإشكال الذي أوردوه على هذه الروايات، و ان بقي فيها اشكال من وجه آخر على هذا القول.
و كيف كان فالعمل على ما دلت عليه و الوقوف على مواردها حسب، هذا بالنسبة إلى المنجزات.
و أما الوصية فلم يتعرضوا (عليهم السلام) لها في شيء من النصوص المذكورة، كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى و مما حققناه يظهر لك صحة ما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم أن الأظهر هو الوقوف في الأحكام على موارد الأخبار، و لا يلتفت الى ما يدعونه من القواعد في مقابلتها، فان هذه القواعد غير معلومة، و ان دلت الأخبار على بعض أفرادها و مع ثبوت كونها قواعد فالتخصيص فيها ممكن، لا منافاة فيه
الثاني [في نقل الأقوال في العتق المنجز و عليه دين]:
أن مورد الروايات المتقدمة هو العتق المنجز، و هو الذي صرح به الشيخ المفيد و من تبعه، و الشيخ في النهاية و من تبعه عدوا الحكم إلى الوصية بالعتق.
قال في المسالك: و لعله نظر الى تساويهما في الحكم و أولويته في غير المنصوص، لان بطلان العتق المنجز على تقدير قصور القيمة عن ضعف الدين مع قوة المنجز لكونه تصرفا من المالك في ماله، و الخلاف في نفوذه من الأصل يقتضي بطلانه في الأضعف، و هو الوصية بطريق أولى انتهى، و لا يخفى ما فيه.
و أورد أيضا على الشيخ القائل بتعديها: بصحيحة عبد الرحمن إلى الوصية، معارضتها فيها بصحيحة الحلبي المتقدمة، فإنها تدل بإطلاقها على انعتاقه متى زادت قيمته عن الدين، و هو الموافق لما تقرر من القواعد، فلا وجه لعمل الشيخ بتلك الرواية مع عدم ورودها في مدعاه، و اطراح هذه الرواية و من الجائز اختلاف حكم المنجز و الموصى به في مثل ذلك كما اختلفا في كثير من الأحكام
541
على تقدير تسليم حكمها في المنجز، انتهى.
أقول: لا يخفى ان تلك الرواية و ان كانت غير ظاهرة في مدعى الشيخ كما ذكره إلا أن صحيحة الحلبي المذكورة أيضا لا تخلو من الطعن في متنها بما لا يقولون به، فإنها دلت على أنه يستسعى العبد في دين مولاه، و أنه يكون حرا إذا وفاه، و لم يتعرض في الرواية لحق الورثة، مع أن لهم في قيمته مع زيادتها عن الدين حقا، و الروايات المتقدمة متفقة على أنه يستسعى في الدين، و في حق الورثة.
و بذلك يظهر أن أن ما تدل عليه الرواية لا يقولون به، و ما يقولون به لا تدل عليه، و لو قيل: بأن الرواية و ان لم تدل عليه لكنه يضم إليها بدليل من خارج، و تخصيص الأمر بوفاء الدين لا تنافيه.
قلنا، هذا انما يتم لو كانت الرواية مطلقة، و أما مع النص فيها بأنه بأداء الدين يكون حرا، فهذا التقييد مناف لما دلت عليه، و منه يعلم أن هذه الرواية على ما هي عليه لا تصلح المعارضة الخبر المذكور، فكيف مع انضمام تلك الأخبار الصحاح الصراح اليه، كما عرفت، فالأظهر حملها على ما قدمنا ذكره عن الشيخ (رحمة الله عليه).
و قد تلخص مما ذكرناه أن الأقوال في العتق المنجز ثلاثة: الأول- مذهب الشيخ المفيد و من تبعه، و هو توقف العتق على بلوغ قيمة العبد ضعف الدين و إلا فهو باطل، و هذا مدلول الأخبار المتقدمة.
الثاني- قول العلامة و المحقق و من تبعهما، و هو أنه ينعتق من ثلث الباقي كائنا ما كان، و لا يتقيد بضعف الدين، و في هذا القول تقديم حق الديان من ثلث الباقي، و يستسعى فيما يخص الديان، و الوارث بالنسبة، مثلا لو كانت قيمته ثلاثمائة درهم، و على المولى من الدين مائتا درهم، فإنه يكون للديان منه مائتان، تبقى مائة له ثلثها، و هي ثلاثة و ثلاثون و ثلث، و ثلثاها للورثة، و هذه الثلاثة
542
و الثلاثون و ثلث تسع الثلاثمائة، فعلى هذا ينعتق منه التسع، و يسعى في ستة أتساع للديان، و في تسعين للورثة، و حجة هذا القول كما عرفت صحيحة الحلبي، و قد عرفت ضعفها عن المعارضة متنا و عددا.
الثالث- قول ابن إدريس و هو تنفيذ العتق من الأصل و سقوط الدين، و هذا القول و ان كان جيدا بالنظر الى الأخبار الدالة على أن منجزات المريض من الأصل كما سنتلوها عليك ان شاء الله تعالى بعد ذكر المسئلة، أعني مسألة العتق منجزا مع الدين، يجب الوقوف فيها على هذه الروايات، لأنها أخص من تلك، و القاعدة تقتضي تقديم الخاص و العمل به، و الله العالم.
السابعة [في الوصية لأم ولده]:
لا خلاف بين الأصحاب (رضي الله عنهم) في صحة الوصية لأم الولد، و لا خلاف أيضا في انعتاقها على ولدها من حصته بعد موت سيدها، و لم يوص لها بشيء، و انما الخلاف فيما إذا أوصى لها بشيء فهل ينعتق مما أوصى لها به أو من نصيب الولد أو من غيرهما؟ أقوال أربعة.
أحدها- ما ذهب اليه الشيخ في النهاية من أنها تعتق من نصيب ولدها على تقدير وفاء نصيب ولدها بقيمتها، و يعطى ما أوصى لها به، و هو مذهب المحقق في نكت النهاية و نقل عن العلامة في المختلف، و علل ذلك أن التركة تنتقل من حين الموت الى الوارث، لعدم صلاحية الميت للتملك، و عدم انتقالها للديان، و الموصى لهم إجماعا، و عدم بقائها بغير مالك، فتعين الوارث، و حينئذ فيستقر ملك ولدها على جزء من أمه، لأنها من التركة، فتعتق عليه، و تستحق الوصية.
و ثانيها- أنها تعتق من الوصية، فإن فضل منها شيء عتق من نصيب ولدها، و هو مذهب ابن إدريس، و المحقق في باب الاستيلاد من الشرائع، و في هذا الباب تردد بين القولين المذكورين، و وجه القول بكونها تعتق من الوصية، لا من نصيب ابنها استنادا الى أن الإرث مؤخر عن الدين، و الوصية بمقتضى الآية (1)
____________
(1) سورة النساء- الاية 11.
543
«مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ» فلا يحكم لابنها بشيء حتى أنه يحكم لها بالوصية، فإن وقت الوصية بقيمتها أعتقت كملا، و ان قصرت أكملت من نصيب ولدها، و أورد عليه بأن المراد بالآيات استقرار الملك بعد المذكورات، بمعنى أنه لا يملك الوارث ملكا مستقرا إلا بعد الوصية بالدين، و إلا فاللازم من ذلك بقاء التركة من غير مالك، لما عرفت من أن الميت غير صالح للملك، و الديان و الموصى إليه لا يملك، فلم يبق إلا الوارث، أو صيرورة التركة بغير مالك، و الثاني ممتنع، فتعين الأول.
و ثالثها- أنها تنعتق من ثلث الميت، و تأخذ الوصية، و هو مذهب الشيخ أبى جعفر محمد بن علي بن بابويه نقله شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد، و استدل له بصحيحة أبى عبيدة الآتية عن أبى عبد الله (عليه السلام).
و رابعها- أنها تعتق من الوصية أو نصيب الولد، و تعطى بقية الوصية، و هو مذهب ابن الجنيد.
و الذي وقفت عليه من الأخبار في المقام ما رواه
المشايخ الثلاثة (رحمهم الله) في الصحيح عن أبى عبيدة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كانت له أم ولد و له منها غلام فلما حضرته الوفاة أوصى لها بألفي درهم أو بأكثر للورثة أن يسترقوها، قال: فقال: لا، بل تعتق من ثلث الميت، و تعطى ما أوصى لها به» و زاد في الكافي و التهذيب و في كتاب العباس «يعتق من نصيب ابنها، و تعطى من ثلثه ما أوصى لها به».
و شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد روى
عن الشيخ (رحمة الله عليه) في التهذيب عن أحمد بن محمد عن علي بن محبوب عن جميل بن صالح عن أبى عبيدة (2) «عن أبى الحسن (عليه السلام) في رجل أوصى لأم ولده بألفي درهم فقال: يعتق
____________
(1) الكافي ج 7 ص 29 ح 4، التهذيب ج 9 ص 224 ح 880 عن جميل بن صالح الفقيه ج 4 ص 160 ح 559، الوسائل ج 13 ص 470 ح 4.
(2) لم نعثر عليه في التهذيب بهذا السند.
544
من ثلث الميت و يعطى ما أوصى لها به»،.
و في كتاب العباس الى آخر ما تقدم، و لم أقف على هذه الرواية في الوافي، و لا في الوسائل فيحتاج إلى مراجعة التهذيب و ظاهره أن هذا خبر آخر غير خبر أبى عبيدة المروي عن أبى عبد الله (عليه السلام)، فإنه جعل هذا الخبر المروي عن أبى الحسن (عليه السلام) دليلا للقول الأول، و الخبر المروي عن أبى عبد الله (عليه السلام) دليلا للقول الثالث، و الظاهر تغاير الخبرين، فإن المروي عنه في أحدهما غير الأولى و المتن مختلف أيضا. فيكونان خبرين، فينبغي الملاحظة، لأني لم أقف على من نقله غيره، و مدلولهما أنها تعتق من الثلث، و تعطى ما أوصى لها به.
و نحوهما أيضا ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح عن احمد بن محمد بن أبى نصر (1) قال: «نسخت من كتاب بخط أبى الحسن (عليه السلام) فلان مولاك توفي ابن أخ له، و ترك أم ولد له، ليس لها ولد، فأوصى لها بألف هل تجوز الوصية؟
و هل يقع عليها عتق و ما حالها؟ رأيك فدتك نفسي في ذلك، فكتب (عليه السلام) يعتق من الثلث، و لها الوصية».
و استدل في المختلف لابن بابويه أيضا زيادة على صحيحة أبى عبيدة الأولى و وجه الاشكال فيها هو أن العتق من الثلث هنا، لا يظهر له وجه، و لهذا ان العلامة حمل الخبرين على ما إذا أوصى بعتقها، و حملها آخر على ما لو كان نصيب ولدها بقدر الثلث، و لا يخفى ما فيه.
و بالجملة فهذان الخبران ظاهران فيما ذهب اليه الصدوق، و أن الاشكال فيها بما عرفت ظاهر.
نعم ما نقل من كتاب العباس من رواية الخبر بهذه الكيفية ظاهر في الدلالة على القول الأول، و ظاهر شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد الميل الى مذهب الشيخ في النهاية، قال: و الأقرب اختيار الشيخ، لبناء العتق على التغليب و السراية، و لهذا لو لم يكن ثمة وصية و لا مال للميت سواها عتق منها بنصيب ولدها، وسعت
____________
(1) الكافي ج 7 ص 29 ح 1، التهذيب ج 9 ص 224 ح 877، الفقيه ج 4 ص 160 ح 560، الوسائل ج 13 ص 469 ح 1.
545
في الباقي لبقية الورثة.
و شيخنا في المسالك طعن في رواية كتاب العباس بأنها بمجرد وجودها في الكتاب المذكور لا يتم الاستدلال، و لو صح السند، ثم قال: و رواية أبي عبيدة مشكلة، على ظاهرها، لأنها إذا أعطيت الوصية لا وجه لعتقها من ثلثه، لأنها حينئذ تعتق من نصيب ولدها كما ذكر في الحملين المتقدمين، و قال: كلاهما بعيد، إلا ان الحكم فيها بإعطائها الوصية كاف في المطلوب إذ عتقها من نصيب ولدها يستفاد من دليل خارج صحيح، و يبقى ما نقل عن كتاب أبى العباس شاهدا على المدعى، و لعل هذا أجود، انتهى.
و المسئلة لا تخلو من شوب الاشكال لما عرفت، و ان كان ما استجوده شيخنا المذكور لا تخلو من قرب، و ملخصه أن أقصى ما يمكن العمل به من هذه الأخبار هو أعطاها ما أوصى لها به، فتعطى في ذلك، و أما عتقها فيرجع فيه الى الأخبار الأخر الدالة على انعتاق أم الولد على ولدها من نصيبه بعد موت المولى، و كل من الأمرين المذكورين حق مطابق للقواعد الشرعية.
و اما اعتبار الثلث فلا يظهر له هنا وجه وجيه يترتب عليه العتق و هو ظاهر، و الله العالم.
الثامنة [في اقتضاء إطلاق الوصية التسوية]:
قد صرح الأصحاب بأن إطلاق الوصية يقتضي التسوية، فإذا أوصى لأولاده أو لإخوانه و أخواته و أخواله و خالاته و أعمامه و عماته، فان الجميع أسوة في الوصية، و لا خلاف في ذلك إلا في صورة الوصية لأعمامه و أخواله.
و علل الأول بأن نسبة الوصية إليهم على السواء، و ليس في كلام الموصي ما يدل على التفضل، و حينئذ فلا فرق بين الذكر منهم و الأنثى، و لا الصغير و لا الكبير، و لا الأعمام و لا الأخوال، لما ذكرنا و اختلافهم في استحقاق الإرث أمر خارج، بدليل من خارج، فلا يقاس عليه، ما يقتضي التسوية بمجرده، إلا أن الخلاف هنا وقع فيما لو أوصى لأعمامه و أخواله، فإن الشيخ و جماعة ذهبوا الى
546
أن للأعمام الثلثين، و للأخوال الثلث، استنادا الى ما رواه
المشايخ الثلاثة بأسانيدهم و فيها الصحيح و الحسن و الموثق عن زرارة (1) «عن أبى جعفر (عليه السلام) في رجل أوصى بثلث ماله في أعمامه و أخواله، فقال: لأعمامه الثلثان، و لأخواله الثلث».
و الى هذه الرواية أشار في الشرائع بأنها مهجورة، قال: و لو أوصى الى أعمامه و أخواله كانوا سواء على الأصح، و فيه رواية مهجورة، و حملت على ما لو أوصى على كتاب الله، و على ذلك حملها غيره ايضا، و لا يخفى ما فيه من البعد.
و يؤيد الخبر المذكور أيضا ما رواه
المشايخ الثلاثة (قدس الله أرواحهم)عن سهل (2) عن أبى محمد (عليه السلام) في حديث قال: «و كتبت اليه: رجل له ولد ذكور و إناث فأقر لهم بضيعة أنها لولده، و لم يذكر أنها بينهم على سهام الله عز و جل و فرائضه، الذكر و الأنثى فيه سواء؟ فوقع عليه ينفذون فيها وصية أبيهم على ما سمي، فان لم يكن سمى شيئا ردوها الى كتاب الله عز و جل ان شاء الله تعالى».
و الظاهر أنه إلى هذه الرواية أشار في المسالك بقوله، و في رواية أخرى ضعيفة، يقتضي قسمة الوصية بين الأولاد الذكور و الإناث على كتاب الله، و هي مع ضعفها لم يعمل بها أحد.
أقول: أشار بالضعف فيها الى كون الراوي لها سهل بن زياد، و هو ضعيف.
و فيه أولا أن ضعفها بهذا الاصطلاح المحدث لا يقتضي ضعفها عند المتقدمين الذين لا أثر عندهم لهذا الاصطلاح، فلا ضير فيه، و ان أراد عدم العمل به من المتقدمين، فان مقتضى ما حرر الصدوق في صدر كتابه كونه عاملا بها، حيث نقلها و لم يتعرض للطعن فيها و لا ردها، و قد اشتهر بينهم نسبة المذاهب إليه في الفقيه بذلك، و ثالثا أنه لا يخفى على المنصف أن الأحكام الشرعية توقيفية، لا مسرح للعقول فيها على السماع و الورود من صاحب الشرع، و رد الأخبار بعد ورودها
____________
(1) الكافي ج 7 ص 45 ح 3، التهذيب ج 9 ص 214 ح 845 الوسائل ج 13 ص 454 الباب 62.
(2) الكافي ج 7 ص 45 ح 1، التهذيب ج 9 ص 214 ح 846 الوسائل ج 13 ص 455 ح 2.
547
من غير معارض لها من الأخبار بل بمجرد هذه الاعتبارات العقلية و التعليلات التخريجية لا يخلو من الجرأة على صاحب الشريعة.
نعم لو كان هنا نص يدل الى ما ادعوه من أن الإطلاق يقتضي التسوية لتم ما ذكروه، و وجب التأويل فيما عارضه، و لكن ليس الأمر كذلك.
و بالجملة، فإنه يجب العمل بما دلت عليه النصوص المذكورة، و فيما خرج عن موضع النصوص اشكال، و الأقرب أنه كذلك أيضا، لأن الظاهر أن ذكر الأعمام و الأخوال في الصحيحة المتقدمة إنما خرج مخرج التمثيل، و يؤيده أن ظاهر الثانية كون ذلك قاعدة كلية، و هو أنه ان سمي و عين التسوية أو التفصيل اتبع، و ان أطلق رد الى كتاب الله عز و جل، و لكن الألف بالمشهورات و لا سيما إذا زخرفت بالإجماعات ربما أوجب طرح الروايات كما في هذا الموضع و غيره، و الله العالم.
التاسعة [في وصية الإنسان لذوي قرابته و أهل بيته]:
لو أوصى لذوي قرابته أو لأهل بيته أو عشيرته أو قومه أو جيرانه، فإنه يجب الرجوع فيه الى معاني هذه الألفاظ، و ما ينصرف إليه إطلاقها.
فنقول أما لفظة القرابة فقد اختلف كلام أصحابنا، بل الواحد منهم في تحقيق معناه المراد منه لعدم النص الوارد منه في ذلك، و الأكثر منهم على الرجوع فيه الى العرف.
قالوا: لأنه المحكم في مثل ذلك حيث لا نص، و مرجعه الى المعروفين بنسبته عادة، سواء في ذلك الوارث و غيره، و قيل: لمن يتقرب إليه إلى آخر أب أو أم له في الإسلام.
فقال الشيخ في النهاية إذا أوصى لقرابته كان ذلك في جميع ذوي نسبته الراجعين الى آخر أب أو أم في الإسلام بالتسوية، و كذا قال الشيخ المفيد، إلا أنه قال: و لا يرجع على من يتعلق بمن نأى عنهم في الجاهلية.
و قال في الخلاف إذا أوصى بثلثه لقرابته فمن أصحابنا من قال: يدخل فيه
548
كل من تقرب إليه إلى آخر أب و أم في الإسلام، و اختلف الناس في القرابة.
فقال الشافعي: إذا أوصى بثلثه لقرابته و لأقربائه و لذي رحمه، فالحكم واحد، فإنه ينصرف الى المعروفين من أقاربه في العرف، فيدخل فيه كل من يعرف في العادة أنه من قرابته، سواء كان وارثا أو غير وارث، قال: و هذا قريب يقوى في نفسي، و ليس لأصحابنا فيها نص عن الأئمة (عليهم السلام).
و قال في المبسوط: قال قوم: ان هذه الوصية للمعروفين من أقاربه في العرف فيدخل فيه كل من يعرف في العادة أنه من قرابته، سواء كان وارثا أو غير وارث و هو الذي يقوى في نفسي، و قال قوم: انه يدخل فيه كل ذي رحم محرم، و أما من ليس بمحرم له فإنه لا يدخل فيه، و ان كان له رحم مثل بني الأعمام أو غيرهم، و قال قوم: انها للوارث من الأقارب، و أما من ليس بوارث فإنه لا يدخل فيه، و الأول أقوى، لأن العرف يشهد به، و ينبغي أن يصرف في جميعهم، و في أصحابنا من قال: انه يصرف ذلك الى آخر أب و أم له في الإسلام، و لم أجد به نصا و لا عليه دليلا مستخرجا و لا به شاهدا.
و قال ابن الجنيد: و من جعل وصية لقرابته و ذوي رحمه غير مسمين كان لمن تقرب اليه من جهة ولده أو والديه، و لا اختار أن يتجاوز بالتفرقة ولد الأب الرابع، لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يتجاوز ذلك في تفرقة سهم ذوي القربى من الخمس.
و ابن إدريس في هذه المسئلة اختار ما ذهب اليه الشيخ في الخلاف و المبسوط و كذا ابن البراج، و هو المشهور في كلام المتأخرين.
قال في المختلف: و المعتمد قول الشيخ في المبسوط و الخلاف، حملا للفظ على المعنى العرفي عند تجرده عن الوضع الشرعي، كما هو عادة الشرع في ذلك و القول الذي اختاره في النهاية قد اعترف في المبسوط بأنه لم يجد عليه نصا و لا عليه دليلا و لا به شاهدا، و كفى به حجة على نفسه.
549
و المراد من هذا القول الارتقاء بالقرابة بالأدنى الى ما قبله، و هكذا الى أبعد جد و جدة له في الإسلام، و فروعهما، و يحكم للجميع بالقرابة، و لا يرتقي إلى آباء الشرك و ان عرفوا بقرابته، و ربما استدل على التخصيص بالإسلام و الانقطاع بالكفر
بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «قطع الإسلام أرحام الجاهلية»،.
و قوله عز و جل لنوح في حق ابنه (2) «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» و لا دلالة في ذلك على مطلوب الشيخ، لأن قطع الرحم للجاهلية لا يدل على قطع القرابة مطلقا، مع أصناف الكفار، و كذا قطع الأهلية في ابن نوح، و العرف و اللغة يشهد ان بأن من بعد جدا كالأجداد البعيدة لا يدخل في القرابة، و ان كان مسلما، و من قرب جدا دخل و ان كان كافرا إلا أن تدل القرينة على ارادة المسلم.
و لم أقف في هذا المقام على شيء من الأخبار إلا على ما رواه
الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبى نصر (3) قال: «نسخت من كتاب بخط أبى الحسن (عليه السلام) رجل أوصى لقرابته بألف درهم و له قرابة من قبل أبيه و أمه ما حد القرابة يعطى من كان بينه و بينه قرابة؟ أو لها حد ينتهى اليه رأيك فدتك نفسي؟
فكتب (عليه السلام): ان لم يسم أعطاها قرابته»،.
و هذا الجواب و ان كان لا يخلو من نوع إجمال، إلا أن الظاهر أن المعنى فيه أنه لم يسم شخصا بعينه و لا صنفا بعينه، فإنه يعطى من شملته القرابة عرفا، و فيه تأييد للمعنى المشهور حينئذ.
و أما ما ذهب اليه ابن الجنيد فقيل عليه ان ما ذكره من عدم تجاوز الرابع غير لازم، و فعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بالخمس ذلك، لا يدل على نفي القرابة مطلقا عما عداه ذلك: فان ذلك معنى آخر للقربى، فلا يلزم ذلك في حق غيره، حيث يطلق.
و كيف كان فإنه يدخل فيه الذكر و الأنثى، و الفقير و الغني، و الوارث
____________
(1) مسالك الافهام ج 1 ص 409 و ما عثرنا على هذه الرواية بعد الفحص في مظانه.
(2) سورة هود- الاية 46.
(3) التهذيب ج 9 ص 215 ح 748، الوسائل ج 13 ص 459 الباب 68.
550
و غيره، و القريب و البعيد، و لا فرق بين قوله أوصيت لأقاربى أو قرابتي، أو لذوي قرابتي أو لذوي رحمي، لأن مرجع الجميع الى معنى واحد.
و أما أهل بيته فقد قال المحقق في الشرائع: لو قال لأهل بيته دخل فيه الآباء و الأولاد و الأجداد.
قال شيخنا في المسالك بعد ذكر ذلك: لا إشكال في دخول من ذكر، لاتفاق أهل التفاسير على ذلك، انما الكلام في دخول غيرهم، فان الاقتصار على ما ذكر يقتضي كون علي (عليه السلام) ليس من أهل البيت لخروجه عن الأصناف الثلاثة مع أنه داخل إجماعا.
و قال العلامة: يدخل فيهم الآباء و الأجداد و الأعمام و الأخوال و أولادهم و أولاد الأولاد الذكر و الأنثى، ثم قال: و بالجملة كل من يعرف بقرابته، و هذا يقتضي كون أهل بيته بمنزلة قرابته، و حكي عن تغلب أنه قال: أهل البيت عند العرب آباء الرجل و أولادهم، كالأجداد و الأعمام و أولادهم، و يستوى فيه الذكور و الإناث، و ما اختاره العلامة من مساواة أهل البيت للقرابة، هو الظاهر في الاستعمال، يقال: الفلانيون أهل بيت في النسب، معروفون، و عليه جرى
قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة»،.
و الأقوى الرجوع الى عرف بلد الموصي، و مع انتفائه يدخل كل قريب: و أما أهل بيت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فإنهم أخص من ذلك بالرواية الواردة عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) في حصرهم في أهل الكساء، انتهى كلامه، زيد مقامه و علت في الخلد أقدامه.
أقول: قال الفقيه محمد بن طلحة الشافعي في كتاب مطالب السؤال في مناقب آل الرسول في بيان معاني الآل و أهل البيت و العترة ما صورته: و أما اللفظة الثانية و هي أهل البيت فقد قيل: هم من ناسبه الى جده الأدنى، و قيل:
____________
(1) الوسائل ج 6 ص 187 الباب 29 ح 6.
551
من اجتمع معه في رحم، و قيل: من اتصل به بسبب أو نسب، و هذه كلها موجودة فيهم (عليهم السلام)، فإنهم يرجعون الى جده عبد المطلب بنسبهم، و يجتمعون معه في رحم و يتصلون به بسببهم و نسبهم، فهم أهل بيته حقيقة، ثم
روى حديثا من صحيح مسلم (1) عن زيد بن أرقم، و فيه: فقال له حصين: من أهل بيته يا زيد؟ نسائه أهل بيته؟ قال: أهل بيته من حرمت عليه الصدقة بعده.
أقول: و المعنى الثاني و الثالث مما ذكره ابن طلحة قريب من معنى القرابة المشهور، و يؤيده ما ذكره في كتاب المصباح المنير قال: و أهل الرجل يأهل و يأهل أهولا إذا تزوج، و تأهل كذلك، و يطلق الأهل على الزوجة، و الأهل أهل البيت و الأصل فيه القرابة، و قد أطلق على الاتباع، انتهى، و هو ظاهر في أن الأصل إطلاق أهل البيت على قرابة الرجل، و قد أطلق على أتباعه، و ان لم يكن من قرابته، و بالجملة فما نقل عن العلامة لا يخلو من قرب.
و كيف كان فالظاهر أن معاني هذه الألفاظ أعنى أهل البيت و الآل و العترة و نحوها بالنسبة إلى إطلاقها على أهل بيته (صلى الله عليه و آله و سلم) و عترته أخص مما هو المشهور من معانيها عرفا أو لغة، و لتحقيق ذلك مقام آخر، و أما معاني باقي الألفاظ المتقدمة فقد تقدم تحقيق الكلام فيها في كتاب الوقف، و هذان اللفظان حيث لم يتقدم لهما ذكر تعرضنا للكلام فيهما، و الله العالم.
العاشرة [في صحة الوصية للحمل الموجود و إن لم تحله الحياة]:
الظاهر أنه لا خلاف في أنه تصح الوصية للحمل الموجود حين الوصية، و ان لم تحله الحياة، لكن يكون ذلك مراعى بوضعه حيا، فتصح بمجرد وجوده و ان كان استقرارها مشروطا بوضعه حيا، فلو وضعته ميتا بطلت الوصية، و ان كان حال الوصية حيا في بطن أمه، كما أنها تصح بوضعه حيا و ان لم يكن حال الوصية حيا و لم تلجه الروح، و معنى استقرارها تحقق صحتها من حين موت الموصي، و مع وضعه ميتا يتبين البطلان من ذلك الوقت، و حينئذ
____________
(1) مسند أحمد ج 4 ص 367.
552
فالنماء المتخلل بين الولادة و موت الموصي يتبع العين، و لم أقف في هذا المقام على نص، غير أن ظاهر الأصحاب الاتفاق على ما ذكرناه، فإنه لم ينقل هنا خلاف في شيء من هذه الأحكام.
و إذا استقرت الوصية بولادته حيا لا يقدح فيها موته بعد ذلك، بل ينتقل الى ورثته، و هو ظاهر، إلا أن ظاهر كلامهم اشتراط القبول من الوارث، بل صرح في المسالك أيضا باشتراط القبول في الحمل، فأوجب القبول على وليه، قال في الكتاب المذكور بعد أن ذكر أن الوصية تنتقل الى الوارث لو مات بعد ولادته حيا ما صورته: لكن يعتبر هنا قبول الوارث لإمكانه في حقه، و انما أسقطنا اعتباره عن الحمل لتعذره كما سقط اعتباره في الوصية للجهات العامة، و وجه سقوطه عن الوارث تلقيه الملك عن المولود المالك لها بدون القبول، ثم قال:
و المتجه اعتبار القبول في الوصية للحمل مطلقا، فيقبل وليه ابتداء، و وارثه هنا و تظهر الفائدة فيما لو ردها قبل قبوله، فان اعتبرناه بطلت، و إلا فلا أثر للرد انتهى أقول: قد تقدم القول في تحقيق اشتراط القبول في الوصية لمعين و عدمه، و بينا أنه لا دليل على ما ذكروه من الاشتراط، بل ظواهر جملة من النصوص العدم، تقدم ذلك في المسئلة الثانية من المقصد الأول في الوصية (1) و كذا في المسئلة الخامسة و السادسة من المقصد المذكور، و أشرنا أيضا الى أن ما ادعوه- و ان اشتهر بينهم- من أن الوصية عقد تفتقر إلى الإيجاب و القبول مما لم يقم عليه دليل، كما تقدم ذكره في المسئلة الاولى من مسائل المقصد المشار اليه.
و بالجملة فإنه ليس في هذه المواضع ما يمكن الاعتماد عليه من الأدلة الشرعية، سوى مجرد كلامهم و تعليلاتهم، و من أراد تحقيق الحال يرجع الى المسائل المذكورة، ثم ان في حكمه أولا بأن الحمل من قبيل الجهات العامة، فلا تتوقف الوصية له على القبول، ثم رجوعه عن ذلك في الحمل فحكمه بأنه
____________
(1) ص 387.
553
يقبل وليه، لقائل أن يقول: أنه كما أن للحمل ولي، فكذا الجهات العامة لها ولي و هو الحاكم، فلم جوزت الوصية لها من غير اشتراط القبول؟ و لم لا توجب أن يقبل لها الحاكم، لأنه وليها، و الفرق بين مسئلتي الحمل و الجهات العامة مع وجود الولي لكل منهما غير ظاهر، كما لا يخفى، و بالجملة فإن البناء إذا كان على غير أساس حصل فيه الانعكاس، و ذكر فيه الالتباس.
بقي هنا شيء و هو أن القبول المشترط هنا هل يشترط فيه القبول اللفظي أو يكفي فيه القبول الفعلي، و الرضاء بذلك؟ صرح العلامة في المختلف في هذه المسئلة بالثاني، و هو جيد، و قد تقدمت الإشارة إليه في المسائل المتقدم ذكرها أيضا، و الله العالم.
الحادية عشر [في انتقال الوصية إلى ورثة الموصي له إن مات قبل الوصي]:
المشهور أن الموصى له إذا مات قبل الموصي و لم يرجع الموصي عن وصيته فإن الوصية تنتقل إلى ورثة الموصي له، قال شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) إذا أوصى الإنسان لغيره بشيء من ماله فمات الموصى له قبل الموصي بذلك كان ما أوصى به راجعا الى ورثته، فان لم يكن له ورثة رجع الى مال الموصي، الى أن قال: و لصاحب الوصية إذا مات الموصى له قبله أن يرجع فيما أوصى له به، فان لم يرجع فهو لخلف الموصى له، و رواه ابن بابويه في كتابه و هو مذهب مشهور للأصحاب، انتهى.
و قال ابن الجنيد: و لو كانت الوصية لأقوام بعينهم مذكورين مشار إليهم كالذي يقول لولد فلان، و هؤلاء، فإن ولد فلان غيرهم لم يدخل في الوصية، و لو مات أحدهم قبل موت الموصي بطل سهمه.
قال العلامة في المختلف بعد نقل كلام ابن الجنيد: و لا بأس بهذا القول عندي، لأن الوصية عقد يفتقر إلى إيجاب و قبول، و قد بينا أن القبول المعتد به هو الذي يقع بعد الوفاة، فصار الموت حينئذ لا عبرة به، انتهى.
554
و تدل على المشهور و هو المؤيد المنصور صحيحة محمد بن قيس (1) و قد تقدمت في المسئلة الخامسة من مسائل المقصد الأول، و تقدم أيضا ذكر ما استند اليه العلامة في القول بالبطلان هنا و هو صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم (2) و موثقة منصور بن حازم (3)، و قد حققنا الكلام في المقام ثمة بما لا مزيد عليه.
و الفرق بين ما ذكرنا في المسئلة السابعة و ما ذكر هنا أن مطرح البحث في المسئلة السابعة هو أن الوارث هل يرث القبول لو مات الموصى له قبل الموصي و لم يقبل أم لا؟ و ليس فيها تعرض لملك الموصى به و عدمه، إلا أنا قد أوضحنا بالأدلة الشرعية في أثناء البحث، أنه يملكه الموصى له، و يملكه وارثه بعده و الغرض من هذه المسئلة هنا بيان أن الموصى به ينتقل بموت الموصي له الى وارثه ان لم يرجع الموصي عن الوصية أم لا، سواء كان مورثه قد قبل الوصية قبل موت الموصي أم لا، فلو فرض أنه قبل الوصية في حياة الموصي ثم مات في حياته و اكتفينا بالقبول الواقع في حياة الموصي لم يفتقر وارثه الى القبول، و لكن يبقى الخلاف في بطلان الوصية و عدمه، و هو المقصود بالبحث هنا، و ان لم يكن قد قبل، انتقل الى الوارث حق القبول، و معه يملك الموصى به على الخلاف، و هو المقصود بالذكر هنا، و قد حققنا في المسائل المتقدمة المشار إليها ضعف جميع ما بنوا عليه، و فرعوا عليه من القول بأن الوصية عقد يتوقف على الإيجاب و القبول و أنه لا دليل على القبول بوجه، بل الروايات ظاهرة في خلافه، و ان الحكم في هذه المسئلة المذكورة هنا، هو أنه بموت الموصى له تنتقل الوصية إلى الوارث ما لم يرجع الموصي، سواء كان الموت في حياة الموصي أم بعد موته، و أن ما استند اليه العلامة، و قبله ابن الجنيد (رحمة الله عليه) من القول بالبطلان، ليس في الأدلة ما يدل عليه صريحا، و الروايتان المذكورتان فيهما من الإجمال
____________
(1) الكافي ج 7 ص 13 ح 1، التهذيب ج 9 ص 230 ح 903. الوسائل ج 13 ص 409 ح 1.
(2) التهذيب ج 9 ص 231 ح 906. الوسائل ج 13 ص 410 ح 4.
(3) التهذيب ج 9 ص 231 ح 907. الوسائل ج 13 ص 410 ح 5.
555
ما يمنع من الاستناد إليهما في الاستدلال، فلا تنهضان قوة في معارضة صحيحة محمد بن قيس، و نحوها مما دل على ما دلت عليه من الأخبار الصريحة في المطلوب.
و بالجملة فإن قوة القول المشهور في الظهور كالنور على الطور لا يعتريها قصور و لا فتور، كما لا يخفى على من نظر بعين التأمل و التدقيق فيما قدمناه في المسائل المشار إليها من التحقيق الرشيق.
بقي الكلام فيما لو لم يخلف الموصى له أحدا فإن الظاهر من كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف أنه يرجع الى ورثة الموصي، و بذلك صرح شيخنا المفيد (رحمه الله) فيما تقدم من نقل عبارته، و قال المحقق في الشرائع: و لو لم يخلف الموصى له أحدا رجعت الى ورثة الموصي.
قال في المسالك: هذا تتمة الحكم السابق: و حاصله ان الموصى له إذا مات في حياة الموصي و لم يخلف وارثا رجعت الوصية إلى ورثة الموصي، بمعنى بطلانها حينئذ، و هذا الحكم شامل بإطلاقه لما لو كان موت الموصى له قبل قبوله و بعده و الحكم في الأول واضح، لأنه بموته قبل القبول و عدم قيام أحد مقامه في القبول تبطل الوصية، و يرجع الى ورثة الموصي، و يحتمل على هذا أن ينتقل حق القبول الى وارثه العام، و هو الإمام، لأنه وارث في الجملة، فيرث حق القبول كما يرثه وارثه الخاص، لقيامه مقامه في إرث جميع ما يورث عنه، و يتولاه نائبه العام، و هو الحاكم الشرعي مع غيبته، إلا أن هذا الاحتمال لم يذكروه مع توجهه، و أما الحكم الثاني و هو ما إذا كان موته بعد القبول حيث اعتبرنا القبول المتقدم على الوفاة، فيشكل القول ببطلان الوصية حينئذ، لتمام سبب الملك بالإيجاب و القبول، و توقفه على الشرط و هو الموت لا يوجب بطلانه، و من ثم انتقل الى الوارث لو كان، فكما أنه لحصول الشرط يتم الملك للوارث فينبغي أن يتم هنا أيضا.
556
و يمكن الجواب بأن الملك لما كان مشروطا بالموت لا يحصل بدونه كما هو ظاهر، و حينئذ فلا بد من مستحق صالح للتملك لينتقل اليه الملك، فان مجرد السبب و ان كان تاما لم يوجب نقل الملك قبل حصول الشرط، و حينئذ فإن كان للموصى له وارث انتقل حق الوصية اليه، و حكم بملكه، لأن له أهلية الملك و ان لم يقبل بناء على القبول السابق، و ان لم يكن له وارث لم يجد الملك محلا قابلا له لينتقل إليه، إذ ليس هناك إلا الموصى له، و قد فاتت أهليته للملك بموته أو وارثه و الغرض عدمه.
نعم يتمشى على الاحتمال السابق هنا بطريق الأولى، أن ينتقل الى الامام لتمام سبب الملك و حصول الشرط للملك، و الامام وارث للموصى له كالخاص، فينتقل الملك اليه، و ان لم نقل بانتقال حق القبول إليه، لأن الحق هنا أقوى، انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول قد عرفت مما حققناه في المسائل المشار إليها آنفا أنه لا دليل على هذا القول الذي يكررون ذكره، و يفرعون عليه ما يذكرونه من الفروع، و ان غاية ما يستفاد من الأخبار المتكثرة في باب الوصية هو أنه متى أوصى أحد لأحد بشيء فإنه يصح، و يكون لزومه مراعى بموت الموصي قبل الرجوع فيه، فمتى مات الموصي كذلك وجب على الوصي أو الورثة إنفاذ الوصية، هذا غاية ما يفهم من الأخبار، و هم انما رتبوا ذلك و استندوا فيما ذكروه الى كون الوصية عقدا يشترط فيه الإيجاب و القبول، مع أنهم لم يوردوا على ذلك دليلا إلا مجرد ظاهر اتفاقهم إن تم، و حينئذ فيأتي على ما ذكرناه أنه متى أوصى الى أحد بشيء و مات الموصى له في حياة الموصي، فإن كان له وارث فالأشهر الأظهر كما عرفت أنه تنتقل الوصية إلى الوارث، و يكون لزومها مراعى بموت الموصي، فان مات و لم يرجع وجب إنفاذها.
و أما إذا مات الموصى له و ليس له وارث و مات الموصي و الحال هذه من غير أن يرجع في الوصية فظاهرهم كما عرفت أنه تبطل الوصية، لما ذكره هنا في
557
المسالك من التعليلات المذكورة، و زاد احتمال رجوع الوصية الى الامام (عليه السلام) و مرجع ما ذكرناه الى ما ذكروه من الحكم الثاني.
و أما الإشكال الذي أورده عليه فقد عرفت الجواب عنه بما ذكره، و هو الحق في المقام، و الأصحاب قد ذكروا هنا في صورة البطلان أنه تنتقل الوصية إلى ورثة الوصي، و حق الكلام أن يقال الى الموصي، لأن المفروض أن الموصى له مات في حياة الموصي، و الحال أنه لا وارث له وقت موته، و مقتضى الحكم ببطلان الوصية في تلك الحال، هو الانتقال الى الموصي، لأن ذلك مفروض في حياته و هو ظاهر هذا.
و لو كان موت الموصى له إنما وقع بعد موت الموصي، و الحال أنه ليس له وارث، فيحتمل ما ذكره ابن إدريس من البطلان في صورة ما لو تعذر صرف الوصية في الوجه الموصى به، و قد عرفت ضعفه، و يحتمل أن تكون الوصية للإمام (عليه السلام) لأنه الوارث لمن لا وارث له، و الموصى له قد ملكها و استقر ملكه عليها بالوصية و موت الموصي، و يحتمل و هو الأقرب الصدقة به عنه، لما تقدم في المسائل السابقة من
صحيحة العباس بن عامر (1) قال: «سألته عن رجل أوصى له بوصية فمات قبل أن يقبضها، و لم يترك عقبا، قال اطلب له وارثا أو مولى فادفعها اليه، قلت: فان لم أعلم له وليا، قال: اجهد على أن تقدر له على ولي فان لم تجده و علم الله منك الجهد فتصدق بها».
و من هذه الرواية يعلم بعد ما احتمله في صورة البطلان من الصحة بحمل الوارث على الامام بقوله نعم يتمشى على الاحتمال السابق الى آخره، فان المتبادر من إطلاق الوارث انما هو الوارث الخاص، فما ذكره من احتمال الإمام في كلا الموضعين بعيد جدا، و لهذا لم يذكره غيره من الأصحاب كما اعترف به، و الوجه فيه ما ذكرناه، و الله العالم.
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 231 ح 905، الوسائل ج 13 ص 409 ح 2.
558
الثانية عشر [الوصاية للأقرب]:
قالوا: لو أوصى للأقرب نزل على مراتب الإرث من حيث المرتبة لا من حيث الاستحقاق، فإن الوصية يتساوى فيها الذكر و الأنثى، و المتقرب بالأبوين، و المتقرب بالأم، و ان كانوا اخوة، و المراد من تنزيله على المراتب مراعاة المرتبة الأولى من مراتب الإرث، و تقديمها على الثانية، و كذا الثانية على الثالثة، و حينئذ فلا يعطى الأبعد في المرتبة مع وجود الأقرب و مقتضى ذلك تقديم العم من الأب على ابن العم من الأبوين، و ان كان ابن العم مقدما في الإرث لدليل خارج، مع احتمال تقديمه هنا أيضا، نظرا إلى الأقربية بحسب الإرث، لكنه يخرج بقيد المنع من إعطاء الأبعد مع وجود الأقرب، هذا ملخص ما ذكروه في ذلك، و الله العالم.
المقصد السادس في الوصاية:
بكسر الواو و فتحها و هي الولاية على إخراج حق أو استيفائه أو على طفل و مجنون يملك الموصي الولاية عليه أصالة كالأب و الجد له، أو بالعرض كالوصي عن أحدهما المأذون له في الإيصاء، و لو نهي لم يوص و مع الإطلاق خلاف يأتي ذكره أن شاء الله تعالى.
و البحث في هذا المقصد يقع في مسائل
الأولى [اشتراط الكمال و العدالة في الوصي]:
يشترط في الوصي الكمال بالبلوغ، و العقل فلا تصح إلى صبي بحيث يتصرف حال صباه مطلقا، و لو ضم الى كامل نفذ تصرف الكامل حتى يبلغ الصبي فيشتركان، و سيأتي ما فيه مزيد تحقيق للمسئلة ان شاء الله تعالى، و لا الى مجنون، و لو طرأ الجنون على الوصي فقد صرحوا بأنه تبطل وصيته، و هل تعود بعود العقل؟ جزم العلامة بالعدم، و تردد في الدروس، و لو كان المجنون يعتوره أدوارا، قال في الدروس: الأقرب الصحة، و تحمل على أوقات الإفاقة، قال: و الفرق بينه و بين ما إذا طرأ الجنون انصراف الوصية في ابتدائها إلى أوقات الإفاقة، و انصرافها هناك الى دوام عقله، الذي لم
559
يدم، و هل يشترط فيه العدالة؟ المشهور ذلك، و هو مذهب الشيخ في المبسوط، و الشيخ المفيد في المقنعة، و ابن حمزة و ابن البراج و سلار، و تبطل الوصية إلى الفاسق، و قيل: بالعدم، و هو اختيار ابن إدريس بعد الاضطراب في كلامه، و اليه ذهب المحقق في النافع، و العلامة في المختلف.
احتج الأولون بوجوه منها- أن الوصية استيمان على مال الأطفال، و من يجرى مجريهم من الفقراء و الجهات التي لا يراعيها المالك، و الفاسق ليس أهلا للاستئمان على هذا الوجه، و ان كان أهلا للوكالة، لوجوب التثبت عند خبره، و منها أن الوصية تتضمن الركون باعتبار فعل ما أوصى اليه به، من تفرقة المال و إنفاقه و صرفه في الوجوه الشرعية، و الفاسق ظالم لا يجوز الركون اليه، لقوله تعالى (1) «وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ».
و منها- أن الوصية استنابة على مال الغير لا على مال الموصي، لانتقاله عنه بعد موته، و ولاية الوصي إنما تثبت بعد الموت فيشترط في النائب العدالة، كوكيل الوكيل، بل أولى لأن تقصير وكيل الوكيل مجبور بنظر الوكيل و الموكل، و ذلك من أكبر البواعث على تحرز وكيل الوكيل من تجاوز الحد، بخلاف الوصي فإن ولايته بعد موت الموصى على الجهات التي أشرنا إليها، و هي مما لا يشارفه فيها أحد غالبا.
احتج العلامة في المختلف على ما تقدم نقله عنه من عدم اشتراط العدالة، قال: لأنها نيابة فتتبع اختيار المنوب كالوكالة.
و استند ابن إدريس إلى الإجماع على جواز إيداع الفاسق، قال: و هي أمانة فكذا الوصية، و أورد عليه بظهور الفرق بين الوكالة و الوصية بما تقدم من مراعاة الموكل حال الوكيل في كل وقت مختار، و بأنه في الوكالة تسلط على مال نفسه، و في الوصية على مال غيره، و لهذا اشترطت العدالة في وكيل الوكيل.
____________
(1) سورة هود- الاية 113.
560
أقول: و التحقيق أن يقال ان الناس بالنسبة إلى العدالة و عدمها على أقسام ثلاثة: أحدها- العادل، و هو من عرف بالقيام بالواجب و اجتناب المحرمات، و ثانيها- الفاسق، و هو من أخل بشيء من الواجبات أو ارتكب المحرمات، و ثالثها- مجهول، و هو من لا يعرف بشيء من الأمرين، و الدليلان الأولان- من أدلة القول الأول- غاية ما يدلان عليه نفي الفاسق، دون المجهول الحال، و حينئذ فيجوز وصاية المجهول الحال و لا تلزم العدالة.
و أما الدليل الثالث فإن أريد بالعدالة المشترطة في وكيل الوكيل ظهور العدالة فيه بالمعنى المتقدم، فالاستدلال به مصادرة، لأنه عين المتنازع، و ان أريد عدم ظهور الفسق سلمناه، و لكنه لا يفيد الاشتراط المدعي.
و بالجملة فإن المسئلة عارية من النص و الاحتياط فيه مطلوب، و ظواهر جملة من النصوص بالنسبة الى من مات و له أموال، و ورثة صغار، و لا وصي له، اشتراط عدالة المتولي لذلك، و هو و ان كان خارجا عما نحن فيه، إلا أن فيه إشعارا بأن المتولي لأمر الوصاية ينبغي أن يكون عدلا مؤتمنا، و لا فرق بين الأمرين، إلا كون الأول منصوبا من قبل الشرع، و هذا منصوب من قبل الموصي، و إلا فهو بالنسبة الى ما يتصرف فيه واحد، و حينئذ فكما تراعى العدالة فيه من حيث ان الناصب له الشرع، كذا تراعى من حيث ان الناصب الموصي، فلا ينصب لذلك إلا عدلا، و الفرق بينهما بأن الموصي له التسلط على ماله بدفعه الى من يشاء، و يسلط عليه من يختاره، لأن
«الناس مسلطون على أموالهم» (1).
بخلاف الحاكم الشرعي المنوط تصرفه بالمصلحة دون ما فيه مفسدة ضعيف، فإن الموصي بعد الموت و انتقال التركة و فيهم الصغير، و فيها الوصايا الى الجهات العامة و نحو ذلك من التصرفات التي تحتاج الى الوثوق و الايتمان، لا تعلق له بذلك، فتصرفه فيما ذكر إنما هو تصرف في مال الغير، لا مال نفسه كما ذكره، و مما ذكرناه يعلم أنه لا ريب في
____________
(1) البحار ج 2 ص 272 ح 7.
561
اشتراط عدم ظهور فسقه.
و أما اشتراط ظهور عدالته فقد عرفت أن الاحتياط- حيث ان المسئلة غير منصوصة- يقتضيه.
بقي هنا شيء و هو أنه على تقدير اشتراطها ابتداء هل يشترط استدامتها بمعنى أنه لو نصب عدلا ثم ظهر فسقه بطلت وصايته أم لا؟ المشهور الأول، و كذا على القول بعدم اشتراطها لو أوصى الى العدل، ثم ظهر فسقه بعد موت الموصي، فإن المشهور بطلان وصايته، و وجوب عزله، و الوجه في ذلك، أما على اشتراطها ابتداء فظاهر، لفوات الشرط، و أما على عدم الاشتراط فلان الظاهر أن الباعث له على اختيار العدل- مع جواز الوصية إلى غيره، كما هو مقتضى القول المذكور- إنما هو عدالته، و الوثوق بأمانته، فإذا خرج عن حد العدالة فات الباعث، و خرج عن الاستيمان، إذ الظاهر أنه لو كان حيا لاستبدل به، كذا احتج به في المختلف، و ذهب ابن إدريس إلى صحة الوصية، و عدم بطلانها بذلك، قال- بعد أن نقل عن الشيخ في المبسوط أنه لو تغيرت حالة الوصي لفسق أخرجت الوصية من يده، لأن الفاسق لا يكون أمينا- ما لفظه: هذا الكتاب معظمه فروع المخالفين، في كلام الشافعي و تخريجاته، و لم يورد أصحابنا في ذلك شيئا، لا رواية و لا تصنيفا، و الأصل صحة الوصية اليه، و الاعتماد عليه مع قوله تعالى (1) «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ» و عزله عن الوصية و إخراجه منها تبديل و تغيير بلا خلاف.
أقول: لا ريب أن الشيخ هنا انما حكم بالبطلان، بناء على مذهبه في المسئلة من اشتراط العدالة ابتداء كما هو المشهور، و هو من القائلين بذلك، كما تقدم نقله عنه في المبسوط، و حينئذ فرد ابن إدريس و حكمه بالصحة يعطى مخالفته في هذه الصورة أيضا، و أما في صورة ما اختاره ابن إدريس من عدم اشتراط العدالة ابتداء فهو بطريق أولى.
____________
(1) سورة البقرة- الاية 181.
562
و التحقيق أن يقال: إنا شرطنا العدالة كما هو المشهور، فان الظاهر هو البطلان لو ظهر الفسق، لأن اشتراطها ابتداء يقتضي الاستدامة، لما عرفت من أن الغرض من شرط العدالة هو الوثوق و الاطمئنان بعدم المخالفة في شيء من الأمور الموصى بها، و الإتيان بها على الوجه المأمور به، و ذلك يقتضي الاستدامة في جميع تصرفاته.
و خلاف ابن إدريس على هذا التقدير ضعيف، مع أنه قد صرح في كتاب الوصايا على ما نقله عنه في المختلف بأنه لو مات الوصي أو فسق، أقام الحاكم مقامه من يراه، و ما استند اليه من النهى عن التبديل ليس على عمومه، بل يجب تقييده بما إذا لم يخالف المشروع فلو خالف جاز تبديله، و متى لم يشترط العدالة ابتداء كما هو القول الآخر فان القول بعدم البطلان كما ذهب اليه ابن إدريس غير بعيد، و ما ذكره العلامة (رحمه الله عليه) في تعليل البطلان من أن الظاهر أن الباعث له على اختيار العدل انما هو عدالته جيد، لو علم أن الباعث له على جعله وصيا هو عدالته، و إلا فمجرد احتمال ذلك لا يكفي في الحكم بالبطلان، إذ من الجائز و القريب كون الباعث على نصبه أمرا آخر، من صحبته أو قرابته، أو نحو ذلك، و جاز أن يكون العدالة مزيدة في الباعث، لا سببا تاما، فلا يقدح فواتها، و من ثم ان المحقق في الشرائع لم يجزم هنا بالبطلان، بل قال: أمكن القول بالبطلان.
و بالجملة فإن ما ذهب اليه ابن إدريس من الصحة على القول المذكور جيد، إلا مع تحقق العلم بأن الباعث على نصب العدل هو العدالة، و الله العالم.
الثانية [في بيان مواضع اشتراط الحرية و الإسلام في الوصي]:
قد صرحوا بأن من جملة الشروط أيضا في الوصية الحرية، فلا تصح وصاية المملوك، لاستلزامها التصرف في مال الغير، لأن الوصاية يستدعي نظرا في الموصى به و سعيا في تنفيذه، و هو موجب للتصرف في ملك الغير، فلا يصح إلا بإذن المولى، فتصح لزوال المانع، و لا يخفى أن هذا انما يتم فيما إذا
563
أوصى الى مملوك غيره.
و أما مملوك نفسه من قن أو مدبر أو مكاتب أو أم ولد فنقل في الدروس عن الشيخ عدم الصحة، و عن الشيخ المفيد و سلار أنهما جوزا الوصية إلى المدبر و المكاتب مطلقا، و ظاهر المختلف أن محل الخلاف أعم من مملوك نفسه، و لم يحضرني الآن ما يمكن تحقيق الحال منه، إذا عرفت ذلك فاعلم أنه متى أذن له المولى في قبول الوصاية لم يكن له الرجوع من الأذن المذكور بعد موت الموصي، و ان كان في حياته فله الرجوع بشرط إعلام الموصي، و الحكم هنا في المولى كما في الموصي الحر، باعتبار التفصيل في الرجوع بين الموت و الحياة بشرط الاعلام و عدمه، فيصح الرجوع بشرط كون ذلك في الحياة، و بشرط الاعلام، و يبطل في ما عدا ذلك كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى بعد ذكر المسئلة، و المولى هنا في حكم الوصي المذكور في ذلك، و ان كان فعل ما تعلقت به الوصية منوطا بالمملوك.
و من جملة الشروط عندهم أيضا الإسلام إذا كان الموصي مسلما، أو كافرا و الوصية على أطفال المسلمين، فلا تصح الوصية إلى كافر و ان كان رحما، لأنه ليس من أهل الولاية على المسلمين، و لا من أهل الأمانة، إلا أن يوصى الكافر الى مثله ان لم يشترط العدالة في الوصي، و أما مع اشتراطها فهل يكفى عدالته في دينه أم تبطل مطلقا؟ وجهان: من أن الكفر أعظم من فسق المسلم، و من أن الغرض صيانة مال الطفل و أداء الأمانة، و هو يحصل بالعدل منهم، و اضطرب كلام شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) هنا، فرجح في المسالك الحكم بالصحة، و في الروضة المنع، قال في المسالك: و يحتمل قويا الحكم بصحتها مطلقا مع عدالته في دينه، لأن الغرض منها صيانة مال الطفل، و حفظ حاله و أداء الأمانة، و إذا كان الكافر في دينه مجانبا للمحرمات، قائما بالأمانات حصل الغرض المطلوب بخلاف فاسق المسلمين، و قال في الروضة: و الأقوى المنع بالنظر الى مذهبنا، و لو أريد صحتها عندهم و عدمه فلا غرض لنا في ذلك، و لو ترافعوا إلينا فإن
564
رددناهم الى مذهبهم، و إلا فاللازم الحكم ببطلانها، بناء على اشتراط العدالة، إذ لا وثوق بعدالته في دينه، و لا ركون إلى أفعاله لمخالفتها لكثير من أحكام الإسلام، انتهى.
و أطلق الأكثر كالمحقق في الشرائع و الشهيد في اللمعة و الدروس و العلامة في جملة من كتبه و غيرهم جواز وصية الكافر الى مثله، مع أن المشهور عندهم اشتراط العدالة في الوصي، و هو مؤذن بالقول بالاكتفاء بعدالة الكافر في دينه، و به يظهر رجحان ما قواه في المسالك.
و من جملتها البلوغ، و قد تقدم الكلام في أنه لا تجوز الوصية إلى الصبي إلا أن يكون منضما الى بالغ، و أنه لا يتصرف الصغير قبل البلوغ، فإذا بلغ صار شريكا، و للبالغ الاستقلال بالتصرف ما دام صغيرا، قيل: و فائدة صحة الوصية إلى الصغير منضما مع عدم صحة تصرفه تأثير نصيبه في تلك الحال في جواز تصرفه بعد البلوغ.
أقول: و يدل على هذه الأحكام أعني صحة وصاية الصغير منضما الى البالغ و صحة تصرف البالغ وحده قبل بلوغ الصبي، و عدم جواز تصرف الصبي قبل البلوغ ما رواه
المشايخ الثلاثة (قدس الله أرواحهم)عن علي بن يقطين (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل أوصى الى امرأة و أشرك في الوصية معها صبيا؟ فقال:
يجوز ذلك و تمضى المرأة الوصية و لا تنتظر بلوغ الصبي و إذا بلغ الصبي فليس له أن لا يرضى إلا ما كان من تبديل و تغيير فان له أن يرده الى ما أوصى به الميت».
و ما رواه
المشايخ المذكورون في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار (2) قال: «كتبت الى أبى محمد (عليه السلام): رجل أوصى الى ولده و فيهم كبار قد أدركوا، و فيهم صغار أ يجوز للكبار أن ينفذوا وصيته و يقضوا دينه لمن صح على الميت
____________
(1) الكافي ج 7 ص 46 ح 1، التهذيب ج 9 ص 184 ح 743، الفقيه ج 4 ص 155 ح 1، الوسائل ج 13 ص 439 ح 2.
(2) الكافي ج 7 ص 46 ح 2، التهذيب ج 9 ص 185 ح 744، الفقيه ج 4 ص 155 ح 2، الوسائل ج 13 ص 438 ح 1.
565
بشهود عدول قبل أن يدركوا الأوصياء الصغار؟ فوقع (عليه السلام) نعم على الأكابر من الولدان أن يقضوا دين أبيهم و لا يحبسوه بذلك».
و ما ذكره
الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (1) حيث «قال (عليه السلام): و إذا أوصى رجل الى امرأة و غلام غير مدرك، فجائز للمرأة أن تنفذ الوصية، و لا تنتظر بلوغ الغلام، و ليس للغلام إذا أرادت هي و أدرك الغلام أن يرجع في شيء مما أنفذته المرأة إلا ما كان من تغيير أو تبديل».
و روى الصدوق في الفقيه عن علي بن الحكم عن زياد بن أبى الحلال (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) هل أوصى الى الحسن و الحسين مع أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: نعم، قلت: و هما في ذلك السن قال:
نعم، و لا يكون لغيرهما في أقل من خمس سنين».
و ظاهر هذا الخبر المنع من الوصية إلى الصبي قبل بلوغ خمس سنين، و لم أطلع على قائل به، و الأخبار الدالة على الجواز غير مطلقة، و ظاهر الأصحاب الفتوى بإطلاقها، و مقتضى الجمع بين تقييد الجميع إطلاقها بهذا الخبر، و يحتمل أن يكون المراد بالوصية الى الحسن و الحسين بالنسبة الى ما يجرى عليهما بعده من امتثال ما أمرهما به من الصبر، و العمل بما وقع عليهما امتثالا لوصيته، (صلى الله عليه و آله و سلم).
بقي الكلام في أنه لو مات الصغير أو بلغ فاسد العقل فالمشهور أن للبالغ الانفراد بالوصية، و لا يداخله الحاكم، و علل بأن شركة الصبي مشروطة ببلوغه كاملا، و لم يحصل، فيبقى الاستقلال الثابت له أولا بالنص على حاله عملا بالاستصحاب، و مداخلة الحاكم مشروطة بعدم وجود الوصي المستقل، و هو هنا موجود.
و قيل: باحتمال بطلان استقلاله بذلك، لأن الموصي إنما فوض اليه الاستقلال
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 526.
(2) الفقيه ج 4 ص 176 ح 619، الوسائل ج 13 ص 439 ح 3.
566
الى حين بلوغ الصبي، فكأنه جعله مستقلا إلى مدة مخصوصة لا مطلقا.
أقول: و الظاهر أنه من هنا نقل عن العلامة في التذكرة و الشهيد في الدروس التردد في هذا الحكم، و في المسالك رجح الأول، ثم قال: نعم لو بلغ رشيدا ثم مات بعده و لو بلحظة زال الاستقلال، لفقد شرطه.
إلحاق [في وقت اعتبار هذه الصفات]
ما ذكرنا من الصفات المشترطة في الوصي و هي الكمال و الإسلام و الحرية و زاد بعضهم اهتداء الوصي إلى فعل ما أوصى فيه، و قد وقع الخلاف في وقت اعتبارها على أقوال ثلاثة، نقلها الشيخ في المبسوط:
الأول- أنها تعتبر حال الوصية، لأنها حالة القبول و الاستيمان و الركون اليه، و مخاطبته بالعقد، و حالة الوفاة، لأنها حالة ثبوت التصرف له، و هذا القول اختيار الشيخ و ابن إدريس و ظاهر اختيار المحقق.
الثاني- اعتبار حالة الوفاة لأنها حالة ثبوت الولاية، و لا عبرة بالتقدم لعدم نفوذ تصرفه حينئذ.
الثالث- اعتبارها في جميع الحالات من حين الوصية إلى حين الوفاة، عملا بالاحتياط، و هذه الأقوال كلها مشتركة في اعتبار حال الوفاة، و قد نقلها الشهيد في شرح الإرشاد، و سيأتي ان شاء الله تعالى مزيد تحقيق في ذلك.
الثالثة [في حكم الوصاية إلى اثنين]:
لو أوصى الى اثنين فلا يخلو إما أن يشترط اجتماعهما، و حينئذ فلا يجوز لأحدهما أن يتفرد عن صاحبه بشيء من التصرف، لأن الظاهر من شرط الاجتماع أنه لم يرض برأي أحدهما منفردا، و بالجملة فإن ولايتهما لم تثبت إلا على هذا الوجه.
و إما أن يجوز لهما الانفراد، و لا ريب أن تصرف كل منهما منفردا جائز بمقتضى الوصية، لأن كل واحد منهما وصي مستقل، و يجوز لهما حينئذ اقتسام
567
المال، و تصرف كل منهما فيما يخصه، و لكن ليست هذه القسمة حقيقة بل لكل منهما التصرف في نصيب الآخر، لأن كلا منهما وصي في المجموع و لهذا انه لا فرق في القسمة بين كونها متساوية أو متفاوتة، حيث لا تحصل بها ضرر.
و إما أن يطلق، و هذا هو محل الاشكال و البحث، فقيل- و هو مذهب الشيخ في الاستبصار و المبسوط و قبله الصدوق في الفقيه و غيرهما و عليه أكثر المتأخرين كالمحقق و العلامة و الشهيد و غيرهم-: بأن الواجب الاجتماع، لأن المفهوم من الإطلاق ارادة الاجتماع، لو حصل الاشتباه، فللقائل أن يقول ثبوت الولاية لهما مجتمعين معلوم و متفق عليه، و ثبوتها لكل واحد منفردا مشكوك فيه و مختلف فيه، فالواجب الأخذ باليقين المؤيد بالاتفاق عليه، و يرجع الى أصالة انتفائها عن كل واحد منفردا.
و قيل- و هو مذهب الشيخ في النهاية-: بجواز الانفراد، و هذا الاختلاف نشأ من اختلاف إفهامهم في روايات المسئلة.
و منها ما رواه
في الكافي في الصحيح عن محمد بن يحيى (1) قال: «كتب محمد بن الحسن الصفار الى أبى محمد (عليه السلام): رجل مات و أوصى الى رجلين أ يجوز لأحدهما أن ينفرد بنصف التركة، و الآخر بالنصف، فوقع (عليه السلام): لا ينبغي لهما أن يخالفا الميت، و أن يعملا على حسب ما أمرهما ان شاء الله تعالى».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن بريد بن معاوية (2) قال: «ان رجلا مات و أوصى إلي و إلى آخر أو الى رجلين فقال أحدهما لصاحبه: خذ نصف ما ترك، و أعطني النصف مما ترك فأبى عليه الآخر، فسألوا أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فقال:
ذلك له».
و هاتان الروايتان هما الدائرتان في كلام الأصحاب و هما محل البحث و الاختلاف.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 46 ح 1، التهذيب ج 9 ص 185 ح 745، الفقيه ج 4 ص 151 ح 523، الوسائل ج 13 ص 440 ح 1.
(2) الكافي ج 7 ص 47 ح 2، التهذيب ج 9 ص 185 ح 746، الفقيه ج 4 ص 151 ح 524، الوسائل ج 13 ص 440 ح 3.
568
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) و إذا أوصى رجل الى رجلين فليس لهما أن ينفرد كل منهما بنصف التركة، و عليهما إنفاذ الوصية على ما أوصى الميت،.
و بهذه العبارة عبر الشيخ علي بن الحسين بن بابويه على ما نقله عنه في المختلف.
قال في الفقيه بعد نقل حديث الصفار، و هذا التوقيع عندي بخطه (عليه السلام) و عليه العمل، ثم قال بعد إيراد الخبر الثاني: لست أفتى بهذا الحديث بل أفتي بما عندي بخط الحسن بن علي (عليه السلام) و لو صح الخبران جميعا لكان الواجب الأخذ بقول الأخير كما أمر به الصادق (عليه السلام).
قال الشيخ في التهذيب و نعم ما قال: رادا على الصدوق ظن أنهما متنافيان، و ليس الأمر على ما ظن، لأن قوله (عليه السلام): ذلك له، يعني «في الحديث الأخير» أن له أن يأبى عليه و لا يجيبه الى ملتمسه. فلا تنافي.
أقول: و الصدوق (رحمة الله عليه) ظن رجوع الإشارة إلى صدر الخبر المتضمن لطلب أحدهما القسمة و أن الامام (عليه السلام) جوز ذلك له، و هو بعيد جدا، بل الحق هو رجوع الإشارة إلى الامتناع من القسمة، فيكون موافقا للخبر الأول، فإنه ظاهر في عدم جواز القسمة، و أن مقتضى الإطلاق بجعلهما و صفين هو الاجتماع.
و الظاهر أن الشيخ في النهاية إنما قال: بجواز الانفراد، تعويلا على رواية بريد المذكورة، بحمل الإشارة فيها على الرجوع، الى صدر الخبر، كما توهمه الصدوق (رحمة الله عليه)، و لكنه في التهذيبين رده بما عرفت.
و بالجملة فالظاهر من الخبرين المذكورين هو ما ذكره الشيخ في كتابي الأخبار و هو وجوب الاجتماع، و عدم جواز الانفراد، و أصرح منهما في ذلك كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي.
و أما ما ذكره في المسالك من عدم دلالة رواية الصفار على وجوب الاجتماع، قال: لأن لفظ لا ينبغي ظاهر في الكراهة لا الحظر، ففيها دلالة على جواز الانفراد
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 526 الباب 43 ح 1.
569
على كراهة، و تبقى تلك مؤيدة لها كما فهمه الشيخ في فتوى النهاية، فإنه أجود مما فهمه في التهذيب، مع أن المتأخرين كالعلامة في المختلف و من بعده فهموا من الرواية المنع من الانفراد، و استحسنوا حمل الرواية الأخرى على ما ذكره الشيخ (رحمة الله عليه)، و ربما رجح الحمل بأن الإباء أقرب من القسمة، فعود اسم الإشارة إليه أولى، و فيه أن الإشارة بذلك الى بعيد فحمله على القسمة أنسب باللفظ، انتهى.
ففيه: أولا- أن ما ذكره من أن لفظ لا ينبغي ظاهر في الكراهة ان أراد باعتبار العرف الجاري بين الناس الآن فهو كذلك، و لكن لا حجة فيه، و ان أراد باعتبار عرفهم (عليهم السلام) فهو ممنوع، فإن ورود لا ينبغي في التحريم و ينبغي في الوجوب أكثر كثير في الأخبار، كما لا يخفى على من جاس خلال الديار، و قد حققنا في غير موضع مما تقدم، سيما في كتاب العبادات، ان هذا اللفظ من الألفاظ المتشابهة بحسب العرف الشرعي و الحمل على أحد معنييه يحتاج إلى القرينة، و القرينة هنا واضحة في التحريم، و أن لا ينبغي بمعنى لا يجوز، لأن مرجع الكلام و محصله إلى النهي عن مخالفة الميت، و لا ريب أن المخالفة محرمة، لأنها متضمنة للتبديل المنهي عنه في الآية، و إذا ثبت أن المخالفة محرمة علم أن لفظ «لا ينبغي في المقام» بمعنى لا يجوز، كما هو واضح، و يؤكده قوله ثانيا «و يعملا على حسب ما أمرهما» و في الجميع إشارة الى أن القسمة و الانفراد المسئول عنه في الخبر مخالفة للميت فيما أمر به، و أنهما متى فعلا ذلك لم يعملا على حسب ما أمرهما، و منه يعلم أن مقتضى الإطلاق هو الاجتماع كما ذكرنا سابقا.
و ثانيا- أن ما ذكروه في ترجيح عود الإشارة إلى القسمة- من أن الإشارة في الخبر وقعت بلفظ ذلك، و هي أنسب بالحمل على البعيد، فتكون الإشارة راجعة إلى القسمة- مردود، بأن الذي في الرواية انما هو الإشارة بذاك التي هي للقريب، لا بذلك كما توهمه (قدس سره) فتكون الإشارة راجعة إلى الامتناع،
570
لأنه هو الأقرب، هذا مع الجري على مقتضى هذه المضايقات البعيدة، و إلا فباب المجاز في الكلام أوسع من أن يتطرق اليه هذا الإلزام، سيما مع ظهور الحكم من الأخبار بما عرفت من التحقيق، و الى بعض ما أوردناه عليه أولا تنبه أخيرا فعدل الى القول بالتحريم.
و أما ما ذكره في الوافي اعتراضا على الشيخ في الاستبصار أنه لو لا تفسير الحديث بما فسره لكانا متنافيين، و ليس الأمر على ما ظن، لان حديث الصفار ليس نصا على المنع من الانفراد، لجواز أن يكون معناه أنه ليس عليهما إلا إنفاذ وصاياه على ما أمرهما، و ان لا يخالفا فيها أمره تفردا أو اجتمعا، أو يكون معناه أنه ان نص على الاجتماع وجب الاجتماع، و ان جوز الانفراد جاز الانفراد، و بالجملة انما الواجب عليهما أن لا يخالفا، انتهى.
فلا يخفى ما فيه، و لولا أنه اعترف بعد هذا الكلام بما أشرنا إليه، فقال في تتمة الكلام المذكور: إلا أن ما ذكره صاحب الاستبصار هو الأحسن و الأوفق و الأصوب، انتهى، لأوضحنا ما فيه، و قد تلخص مما ذكرناه وجوب الاجتماع في صورة الإطلاق، كما هو الأشهر الأظهر، فشرط الاجتماع لو وقع حينئذ محمول على التأكيد، و المراد بوجوب اجتماعهما في الصورتين اتفاقهما، و أن لا يصدر شيء من الأمور الموصى بها إلا عن اتفاق منهما على كونه مصلحة، و إذا توقف على عقد وقع من أحدهما بإذن الآخر، أو إذنا لثالث.
و تمام تحقيق البحث في المقام يتوقف على بيان أمور
الأول [في تشاح الوصيين في صورة وجوب الاجتماع]:
إذا تشاح الوصيان في صورة وجوب الاجتماع عليهما من الإطلاق، بناء على الأشهر الأظهر أو في صورة اشتراط الموصى بمعنى أنهما تمانعا، و أبى كل واحد على صاحبه ما يريده، فقد أطلق جمع منهم الشيخ في المبسوط عدم جواز تصرف أحدهما، و الوجه فيه ظاهر، لأن الموصى لم يرض برأي أحدهما منفردا فيكون تصرفه حينئذ تصرفا بغير اذن، كتصرف الأجنبي.
571
و استثنى جماعة منهم المحقق ما تدعو الحاجة اليه، و لا يمكن تأخيره إلى وقت الاتفاق، من نفقة اليتيم و الرقيق و الدواب، و مثله شراء كفن الميت، و زاد بعضهم قضاء ديونه، و إنفاذ وصية معينة، و قبول الهبة عن الصغير مع خوف فوات النفع.
و فصل العلامة في القواعد، ففرق بين صورة الإطلاق في الوصية، و بين صورة النهي عن الانفراد، فاحتمل ضمان المنفرد في الصورة الثانية، و جوز ما لا بد منه في الصورة الأولى، و حمل كلام الأصحاب على ذلك.
و أورد عليه بأن من الأصحاب من صرح بعدم الفرق بين الحالين، فلا يمكن حمل كلامه على ما ذكره من التفصيل، و بأن حالة الإطلاق ان حملت على ارادة الاجتماع كما فهمه الأكثر فلا فرق بينهما و بين حالة النهي عن الانفراد إلا باعتبار التأكيد في هذه دون تلك كما تقدمت الإشارة إليه، فلا وجه للفرق بالكلية حينئذ، و قيل: و يضمن المنفرد مطلقا، و هو الأوفق بالعلة المتقدمة، و نقل عن أبى الصلاح أنه مع التشاح يرد الناظر في المصالح الأمر الى من كان أعلم بالأمر و أقوى عليه، و يجعل الباقي تبعا له، و فيه ما عرفت من أن الموصي لم يوص برأي أحدهما منفردا، حيث أمر بالاجتماع إما بالتصريح به، أو لكونه مقتضى الإطلاق كما عرفت، فكيف يخص به أحدهما، و ان كان أعلم أو أقوى و قد منعه الموصي من ذلك.
ثم انه قد صرح جملة من الأصحاب بأنه مع التشاح و التعاسر منهما يجبرهما الحاكم على الاجتماع، فان اتفق و إلا استبدل بهما، و هو على إطلاقه مع القول باشتراط العدالة في الوصي كما عليه الأكثر لا يخلو من الإشكال، لأنه بالتشاح و التعاسر منهما مع إمكان الاجتماع و انما قصدا بذلك محض العناد من كل منهما للآخر يثبت فسقهما الموجب لعزلهما عن الوصية، فيجب أن يستبدل الحاكم بهما، لا أنه يجبرهما على الاجتماع، و الحال كما عرفت.
572
و لقد أحسن ابن إدريس هنا حيث قال في مسئلة التشاح: و ان ناقض نفسه بما ذكره في المسئلة الأولى قال: ان تشاحا في الوصية و الاجتماع لم تنفذ بشيء مما تصرفا فيه، الى أن قال: و للناظر في أمور المسلمين الاستبدال بهما، لأنهما حينئذ قد فسقا، لأنهما أخلا بما وجب عليهما القيام به، و قد بينا أن الفسق يخرج الوصية من يده، انتهى مع أنه في مسئلة اشتراط العدالة و عدمه، صرح أولا بالاشتراط، ثم عدل عنه في آخر كلامه، فقال: و الذي يقتضيه أصول مذهبنا و يشهد به أصولنا و روايتنا أن العدالة في الوصي ليست شرطا في صحة الوصية، للإجماع على صحة إيداع الفاسق و هي أمانة فكذا الوصية، انتهى، ثم عقب ذلك بمسئلة الوصيين، و قال فيها ما عرفت، و الجميع في موضع واحد، و ربما أمكن فرض التشاح من غير استلزام الفسق فيما إذا اختلف رأيهما في وجه المصلحة مثلا، فلا يمكنهما الاجتماع على رأي واحد، لأن كل واحد مكلف بما يقتضيه رأيه من الحكم، و ينبغي أن يستثني هذا من محل البحث المذكور، فإنه لا يمكن إجبار الحاكم هنا لهما على الاجتماع، و على هذا يخص محل البحث بما يمكن فيه الاجتماع و يكون التشاح ناشيا عن التشهي و الميل الطبيعي كأن يريد أحد الوصيين تفرقة صدقة المال الموصى به لذلك على أناس مخصوصيين، و يريد الآخر غيرهم مع تساوى الجميع في الاستحقاق، أو أراد أحدهما شراء نوع من المأكول و الملبوس للطفل، و أراد الآخر غيره مع التساوي في المصلحة، و نحو ذلك فان هذا هو محل البحث.
و نقل عن العلامة في التذكرة أنه بالغ في المسئلة، و صرح بأنهما لا ينعزلان بالاختلاف، و أن اللذين أقامهما الحاكم نائبان عنهما و هو عجيب، و الله العالم.
الثاني [في وجوب ضم الحاكم إلى أحد الوصيين لو تعذر الآخر]:
قالوا: لو مرض أحدهما أو عجز ضم اليه الحاكم من يقويه، و هذه العبارة لا تخلو من الإجمال، و تعدد الاحتمال، فيحتمل أن يكون المراد
573
منها أن المضموم اليه هو المريض و العاجز بأن يكون الضمير في «اليه» و «يقويه» راجعا الى المريض، و العاجز، بمعنى أن الحاكم يضم إليهما شخصا يقويهما و يعينهما على التصرف، و يساعدهما على ذلك، فان المرض و العجز لا يخرجهما عن الوصاية، لجواز الوصية ابتداء الى المريض و العاجز، فكما لا يقدح في الابتداء، كذا لا يقدح في الاستدامة، و أيضا على هذا فيعتبر اجتماع الثلاثة في التصرف.
و يحتمل أن يكون المراد أن المضموم اليه هو الوصي الآخر المدلول عليه بأحدهما ضمنا، و حينئذ يكون الضمير في «اليه» و في «يقويه» راجعا إلى الوصي الآخر المشار اليه، و على هذا يراد بالعجز و المرض البالغين حد المنع و عدم إمكان التصرف، و بهذا صرح في الدروس فإنه جعل الضميمة مع عجز أحدهما كما لو جن أو فسق، و من الظاهر أن جعل العاجز و المريض كالمجنون و الفاسق اللذين لا وصاية لهما يعطى بلوغ العجز و المرض الى حد يمنع من القيام بشيء من الوصايا، فيكون المضموم اليه هو الوصي الآخر البتة.
و بالجملة فإنه ينبغي أن يكون المدار في ذلك على مرتبتي العجز و المرض، فان بلغتا إلى حد العجز الكلي و هو الحد الذي يمنع من القيام بشيء من الوصايا، فإنه يكون للضم إلى الوصي الآخر، و إلا فإن الضم الى المريض و العاجز، لأن العجز و المرض إنما منع عن القيام بالجميع مع ثبوت أصل القدرة، فيكون المضموم إليهما مساعدا لهما في الأشياء التي تضعف عنها قوتهما، و على هذا فتكون الأوصياء ثلاثة، كما تقدم.
الثالث [حكم ما لو مات أحد الوصيين أو فسق]:
قالوا: لو مات أحد الوصيين أو فسق لم يضم الحاكم الى الآخر.
و جاز له الانفراد، لأنه لا ولاية للحاكم مع وجود وصي، و تردد فيه بعضهم.
أقول: ينبغي أن يعلم أن ذكر الموت و الفسق انما خرج مخرج التمثيل، و المعنى أنه لو تعذرت مشاركة أحد الوصيين للآخر على الاجتماع، لأحد الموانع
574
كموت أو فسق أو عجز كلي أو جنون أو غيبة بعيدة، فالمشهور هو أن الحكم في ذلك ما ذكر من استقلال الآخر بالوصية، من غير أن يضم اليه الحاكم بدلا من الوصي الآخر، لأنه لا ولاية للحاكم مع وجود الوصي، و هو هنا موجود و نصب الآخر معه لا يخرجه من كونه وصيا، و لهذا يقال: نصب وصيين، هكذا قيل.
و فيه أن الظاهر من نصب الوصيين الذي قد عرفت آنفا أن مقتضاه الاجتماع، و هو أن الموصي لم يرض برأي أحدهما منفردا كما تقدم ذكره، فتصرفه وحده مناف لمقتضى الاجتماع المفهوم من الإطلاق، و منه يعلم أنه مناف لغرض الموصي.
و قولهم أنه لا ولاية للحاكم مع وجود الوصي مسلم لو كان الوصي منفردا، و أما في صورة الاشتراك فهو ممنوع، و صدق وجود الوصي حقيقة هنا ممنوع، بل الموجود جزء وصي، و إطلاق الوصي عليه مجاز، و به يثبت المنع من انتفاء ولاية الحاكم هنا، بل الولاية له ثابتة، لأن ولايته تتعلق بما لا يشرع إنفاذه لغيره من أحكام الميت، و هو هنا كذلك.
قال في المسالك: و الأقوى وجوب الضم، و ليس للحاكم أن يفوض اليه وحده، و ان كان عنده صالحا للاستقلال، لأن الموصي لم يرض برأيه وحده، و عند وجود ارادة الموصي لا تعتبر ارادة الحاكم، لأن ذلك كمنعه من كونه وصيا بالانفراد، فلا يتخطاه الحاكم، انتهى و هو جيد.
الرابعة [في جواز رد الوصية ما دام الموصي حيا]:
لا خلاف بين الأصحاب (رضي الله عنهم) في أن للوصي أن يرد الوصاية ما دام الموصى حيا بشرط أن يبلغه ذلك، فلو مات الموصى قبل الرد أو بعده و لم يبلغه لزمه القيام بها، و بذلك تكاثر الأخبار.
و منها ما رواه
المشايخ الثلاثة (طيب الله تعالى مراقدهم) عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ان أوصى رجل الى رجل و هو غائب فليس له أن يرد وصيته، فإن أوصى اليه، و هو بالبلد، فهو بالخيار ان شاء قبل، و إن شاء لم يقبل».
____________
(1) الكافي ج 7 ص 6 ح 1، التهذيب ج 9 ص 205 ح 814، الفقيه ج 4 ص 144 ح 496، الوسائل ج 13 ص 398 ح 1.
575
و المراد أنه مات الموصى في تلك الغيبة، قبل أن يعلمه الوصي بالقبول أو عدمه، فإنه يجب عليه القيام بالوصاية، و ان لم يقبل».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه عن فضيل بن يسار (1) في الصحيح «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل يوصى اليه فقال: إذا بعث بها اليه من بلد فليس له ردها، و ان كان في مصر يوجد فيه غيره فذلك اليه».
و التقريب فيه ما تقدم في سابقه، بمعنى أنه لو مات الموصي بعد البعث و قبل وصول الجواب اليه بالقبول و عدمه، و حاصله أنه إذا أوصى اليه و الوصي غائب عن البلد، ثم مات لزمه القيام بالوصية قبل أو لم يقبل، و ان أوصى اليه و هو حاضر فإنه مخير بين القبول و عدمه، لأن المصر يوجد فيه غيره.
و عن منصور بن حازم (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: أوصى الرجل إلى أخيه، و هو غائب فليس له أن يرد عليه وصيته، لأنه لو كان شاهدا فأبى أن يقبلها طلب غيره».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الفضيل (3). و كذلك
الشيخ في التهذيب «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يوصي اليه؟ قال: إذا بعث بها من بلد اليه، فليس له ردها».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (4) «و إذا أوصى رجل الى رجل و هو شاهد فله أن يمتنع من قبول الوصية، و كان الموصى إليه غائبا، و مات الموصي من قبل أن يلتقي مع الموصى إليه، فإن الوصية لازمة للموصى إليه».
____________
(1) الكافي ج 7 ص 6 ح 2، التهذيب ج 9 ص 205 ح 815، الفقيه ج 4 ص 144 ح 497. الوسائل ج 13 ص 398 ح 2.
(2) الكافي ج 7 ص 6 ح 3، التهذيب ج 9 ص 206 ح 816. الوسائل ج 13 ص 398 ح 3.
(3) الكافي ج 7 ص 6 ح 4، التهذيب ج 9 ص 206 ح 817، الفقيه ج 4 ص 145 ح 500. الوسائل ج 13 ص 399 ح 5.
(4) المستدرك ج 2 ص 522 الباب 21 ح 2.
576
أقول: و هذا الخبر مبين لما اجعل في الأخبار المتقدمة كما ذيلناها به، و تحقيق الكلام في المقام أنك قد عرفت فيما تقدم أن الوصية من العقود الجائزة في حياة الموصي فلكل من الموصي و الموصى له بمال و نحوه، و الموصى إليه بالولاية، فسخها في حياة الموصي إجماعا.
و أما بعد موته فان قبل كل من الموصى له و الموصى إليه فليس له الرد اتفاقا، و ان لم يقبل في حال الحياة جاز له الرد بعد وفاته، إلا أنه في الموصى إليه مشروط بأن يبلغ الموصي و يعلمه الرد في حال حياته، فلو لم يعلمه ذلك في حال الحياة لزمه القيام بذلك، و لم يكن لرده أثر يترتب عليه، هذا هو المشهور.
و عليه تدل الأخبار المذكورة، لأنها كما عرفت متفقة في أنه لو كان الموصى إليه غائبا و مات الموصي بعد الوصية فليس له الرد، سواء بلغه الخبر و ردها، و لكن لم يبلغ الرد الموصي أو لم يبلغه الخبر إلا بعد موت الموصي، فإنه ليس له الرد، بل يجب عليه القبول، و حينئذ فالحكم في هذه الصورة كما في الصورة الأولى أعني موت الموصى بعد قبول الوصي، فإنه ليس للوصي الرد بعد موته اتفاقا.
و ذهب العلامة في التحرير و المختلف إلى أنه يجوز له الرجوع ما لم يقبل، قال في المختلف: أطلق الأصحاب عدم جواز رد الوصية إذا لم يعلم الوصي بها حتى يموت الموصي، أو يعلم و يرد، و لما يعلم الموصي بالرد، لروايات كثيرة ثم نقل رواية منصور بن حازم، و صحيحة محمد بن مسلم قال: و الوجه عندي المصير الى ذلك ان كان قد قبل الوصية أولا، و ان لم يكن قبل و لا علم جاز له الرجوع، للأصل، و لازالة الضرر الواصل بالتحمل غير المستحق، و قد قال الله تعالى (1) «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»
و قال (عليه السلام) (2) «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام».
و تحمل الأحاديث على حصول القبول، لأنه عقد و لا بد فيه من القبول،
____________
(1) سورة الحج- الاية 78.
(2) الكافي ج 5 ص 29 ح 2، الوسائل ج 17 ص 341 ح 3.
577
و قد نبه الشيخ في المبسوط و في مسائل الخلاف، عليه، فقال: إذا قبل الوصية له أن يردها ما دام الموصي حيا، فان مات فليس له ردها، و استدل بإجماع الفرقة، و بأن الوصية قد لزمته بالقبول، انتهى.
و قال في الدروس بعد ذكر القول المشهور في المختلف: يجوز الرد إذا لم يعلم بالوصية حتى مات، للحرج و الضرر، و لم نعلم له موافقا عليه، انتهى.
أقول: يظهر من شيخنا في المسالك الميل الى ما ذكره العلامة هنا حيث قال بعد ذكر القول المشهور: و أن الأصحاب استندوا فيه الى الأخبار التي قدمنا هنا، ثم نقل قول العلامة و دليله ما هذه صورته:، و الحق أن هذه الأخبار ليست صريحة في المدعى، لتضمنها أن الحاضر لا يلزمه القبول مطلقا، و الغائب يلزمه مطلقا، و هو غير محل النزاع، نعم في تعليل الرواية المتقدمة إيماء إلى الحكم، إلا أن إثبات مثل هذا الحكم المخالف للأصول الشرعية بإثبات حق الوصاية على الموصى اليه على وجه القهر، و تسليط الموصي على إثبات وصيته على من شاء، بحيث يوصي و يطلب من الشهود كتمان الوصية إلى حين موته، و يدخل على الوصي الحرج و الضرر غالبا بمجرد هذه العلة المستندة إلى سند غير واضح بعيد، و لو حملت هذه الأخبار على سبق القبول، أو على شدة الاستحباب كأن أولى، و لو حصل للوصي ضرر ديني، أو دنيوي أو مشقة لا يتحمل مثلها عادة أو لزم من تحملها عليه ما لا يليق بحاله من شتم و نحوه قوي جواز الرجوع، انتهى.
أقول: قد عرفت مما ذيلنا به بعض الأخبار المتقدمة و به صرح (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي أن حكمه (عليه السلام) في تلك الأخبار على الغائب بأنه يلزمه القيام بالوصية متى أوصى اليه في حال الغيبة و مات الموصي أعم من أن يكون الوصي قد قبل الوصية لما بلغه الخبر أو لم يقبل، فإنه لا أثر لعدم قبوله بعد موت الموصى، أما على الأول فظاهر، و هو مما لا خلاف فيه، و أما على الثاني و هو محل الخلاف، فلظاهر هذه الأخبار، فإنها دلت كما عرفت على أنه بالوصية إليه حال
578
غيبته و موت الموصي يجب على الوصي القيام بالوصية، رضي بالوصية أو امتنع، فان امتناعه لا أثر له بعد موت الموصى و هذا هو محل الخلاف.
و أما إذا كان حاضرا للوصية مشافها لها، فإنه لا يلزمه القبول، و له أن يردها و لا ضير فيه، لأن الموصى حي.
و حينئذ فكيف يتم قوله «أن ما تضمنته الأخبار غير محل النزاع و أنها غير صريحة في المدعى» و قد عرفت من كلام العلامة و من كلامه هو أيضا أن محل النزاع هو أن يثبت للموصى إلزام بالقيام بوصيته مع عدم قبوله، و لا علمه بذلك، بل يكون قهرا عليه، و هذا هو الذي دلت عليه الأخبار بالتقريب الذي ذكرناه، و لهذا أن غيره من الأصحاب كالعلامة في المختلف و غيره ممن قال بالقول المشهور متفقون على دلالة الأخبار على القول المذكور، و هو الذي فهموه منها، و غاية ما يتمسك به العلامة معارضتها بالأدلة الدالة على نفي الضرر و الحرج، فتأمل الأخبار المذكورة جمعا بين الأدلة بالحمل على القبول، و هو الظاهر من كلامه أيضا، و هو زاد احتمال الحمل على شدة الاستحباب.
و أنت خبير بما في التأويلين المذكورين من البعد، و أما المعارضة بالأدلة على نفى الضرر و الحرج، فإنا نمنع حصول الضرر و الحرج بمجرد الوصية اليه، و إلا للزم عدم جواز قبول الوصاية مطلقا، فإنه لا يجوز للإنسان أن يلقى نفسه في الضرر، لو كان مجرد الوصية إليه يستلزم ذلك، نعم لو فرض اتفاق ذلك في بعض الموارد كما فرضه (قدس سره) في آخر كلامه، فإنه يجوز له الرجوع دفعا للضرر عن نفسه، و به يحصل الجمع بين أخبار الضرر و أخبار المسئلة، و لا يحتاج الى ما ذكروه من التأويلين البعيدين.
و أما ما ذكره من أن إثبات هذا الحكم مخالف للأصول الشرعية بإثبات حق الوصاية على الموصى اليه على وجه القهر الى آخر كلامه في ذلك.
ففيه أنه إذا ثبت ذلك بالأدلة الصحيحة كما عرفته من هذه الروايات مع
579
صحتها باصطلاحهم من غير معارض لها في البين، فإنه يجب تخصيص الأصول التي ذكرها بهذه الأخبار، إذ ما من عام إلا و قد خص، و لم يبق حينئذ إلا مجرد الاستبعاد العقلي الذي فرضه، و هو غير مسموع في مقابلة الأخبار، سيما مع صحتها و تكاثرها، و وضوح دلالتها كما فصلناه، و الله العالم.
إلحاق [في وجوب قبول الابن وصية الأب إذا دعاه إلى قبوله]
قال الصدوق: إذا دعي الرجل ابنه الى قبول وصيته فليس له أن يأبى و إذا أوصى رجل الى رجل فليس له أن يأبى ان كان حيث لا يجد غيره، و إذا أوصى رجل الى رجل و هو غائب عنه، فليس له أن يمتنع من قبول وصيته.
أقول: أما الحكم الأول فيدل عليه ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن على بن الريان (1) قال: «كتبت الى أبى الحسن (عليه السلام) رجل دعاه والده الى قبول وصيته هل له أن يمتنع من قبول وصيته؟ فوقع (عليه السلام): ليس له أن يمتنع».
و أما الثاني فالظاهر أن الدليل عليه ما رواه
المشايخ الثلاثة أيضا في الصحيح أو الحسن عن هشام بن سالم (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يوصي الى الرجل بوصية فأبى أن يقبلها؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) لا يخذله على هذه الحال».
و ظاهره (قدس سره) حمل الخبر على وجوب القبول، و لذا قيده بأن لا يجد غيره، و فيه تأييد لما ذكرناه ردا على شيخنا المتقدم ذكره، و ينبغي تقييد كلامه بما قيدت به الأخبار المتقدمة من موت الموصي بعد الوصية و العلامة في المختلف حمل القبول في الأولين أولا على شدة الاستحباب، ثم قال: على أن امتناع الولد نوع عقوق، و من لا يوجد غيره يتعين عليه، لأنه فرض كفاية، و بالجملة فأصحابنا
____________
(1) الكافي ج 7 ص 7 ح 6، التهذيب ج 9 ص 206 ح 819، الفقيه ج 4 ص 145 ح 498، الوسائل ج 13 ص 400 الباب 24.
(2) الكافي ج 7 ص 6 ح 5، التهذيب ج 9 ص 206 ح 818، الفقيه ج 4 ص 145 ح 499، الوسائل ج 13 ص 399 ح 4.
580
لم ينصوا على ذلك، و لا بأس بقوله، انتهى.
و فيه عدول الى القول بوجوب القبول، و في حكمه- بكون القبول فرض كفاية يتعين مع عدم وجود فرد آخر- ما يوجب الإيراد عليه فيما تقدم نقله عنه من عدم وجوب قيام الموصى إليه بالوصاية بعد موت الوصي، إذا أوصى اليه و هو غائب و ان لم يعلم، و لم يقبل، لأن وجوب قبول الوصية كفاية انما هو حال حياة الموصي أما بعد موته فإنها يتعين فيمن أوصى اليه كما لو لم يكن غيره حال الحياة، فإنه يصير القبول واجبا عينيا.
إلحاق آخر [هل يكفي في جواز الرد مجرد بلوغ الخبر و ان لم يوجد وصى غيره؟]
قد عرفت أنه يشترط في جواز الرد في الحياة بلوغ الخبر الموصى، لكن يبقى الكلام في أنه لو بلغه الخبر، و لم يمكنه إقامة وصي غيره، فهل يكفي في جواز الرد مجرد بلوغ الخبر و ان لم يوجد وصى غيره، أو لا بد من تقييده بإمكان وجود وصى آخر عوض الأول؟ و ظاهر إطلاق الفتاوى الأول، و ظاهر النصوص الثاني.
و منها صحيحة هشام بن سالم أو حسنته المتقدمة، و قوله (عليه السلام) فيها «لا يخذله على هذه الحال»، و قد عرفت حملها على عدم وجود غيره، كما صرح به الصدوق و غيره.
و منهم العلامة في المختلف كما تقدم، و الشهيد في الدروس، و مقتضاها كما عرفت أنه مع عدم وجود الغير لا يجوز له الرد، و يشير الى ذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة الفضيل بن يسار المتقدم «و ان كان في مصر يوجد غيره فذاك اليه» و قوله في صحيحة منصور بن حازم «لأنه لو كان شاهدا فأبى أن يقبلها يطلب غيره» فإنهما ظاهران في تعليق جواز الرد على وجود الغير، فلو لم يوجد الغير لقبول الوصية لم يجز له الرد، و الله العالم.
581
الخامسة [في كون الوصي أمينا]:
لا خلاف بين الأصحاب (رضي الله عنهم) في أن الوصي أمين، لا يضمن ما بيده من الأموال التي تعلقت بها الولاية إلا بتعد أو تفريط، و ينبغي أن يكون المدار في التعدي و عدمه على مخالفة شرط الوصية و عدمها، فلو ربك الدابة أو لبس الثوب لا لغرض يعود الى الطفل أو نفع يترتب عليه، كان ذلك تعديا لأن مقتضى الوصية حفظهما أو بيعهما و صرفهما في الجهة المأمور بها، فتصرفه فيها كذلك لأغراض نفسه تعد البتة.
أما لو تعلق بذلك غرض يعود الى الطفل، كأن يركب الدابة للمضي في حوائج الطفل من استيفاء دينه، أو جمع حواصله أو نحو ذلك، و لبس الثوب لدفع الضرر عنه باللبس، كما في ثياب الصوف و نحوها في أوقات الحر و نحو ذلك، فإنه لا يكون تعديا، بل ربما صار في بعض الأفراد واجبا عليه إذا علم حصول الضرر بدون ذلك.
و ظاهر كلامهم أن غاية ما يوجبه التعدي و التفريط وجوب الضمان عليه مع بقائه على الوصاية، و لا يوجب ذلك عزله، مع أنهم قد صرحوا بأنه ان ظهر منه خيانة وجب على الحاكم عزله، و الظاهر أن التعدي و التفريط نوع خيانة أيضا إلا أنهم لم يصرحوا بذلك، بل ربما ظهر من كلامهم في الحكم الأول عدم كون ذلك خيانة، فينبغي التأمل في ذلك، ثم ان ما ذكروه من أنه متى ظهرت منه خيانة وجب على الحاكم عزله، و نصب غيره ظاهر فيما لو لم يشترط عدالة الوصي فإن للحاكم أن يعزل الخائن مراعاة لحق الأطفال، و مصارف الصدقات، و نحوها من تنفيذ الأمور الموصى بها.
و أما على تقدير اشتراط العدالة كما هو المشهور، فإنه ينعزل بنفس الفسق و ان لم يعزله الحاكم، و لعل المراد بعزل الحاكم في كلامهم ما هو أعم من قوله عزلتك كما هو الحكم بالنسبة إلى القول الأول أو منعه من التصرف، لأنه قد انعزل بنفس الفسق كما هو القول الثاني، فالمراد بعزله يعنى منعه من التصرف،
582
و لو عجز الوصي عن القيام بما أوصى به اليه، قالوا: ضم اليه الحاكم من يساعده.
و ظاهر كلامهم أنه لا فرق في العجز بين أن يكون عن الاستقلال بالوصية حال الوصية اليه، أو تجدده بعد الوصية قبل موت الموصي أو بعده، و به صرح في التذكرة على ما نقل عنه حيث قال: الظاهر من مذهب علمائنا جواز الوصية الى من يعجز عن التصرف، و لا يهتدى إليه لمشقة أو هرم أو غيرهما، و يجبر نقصه بنظر الحاكم، انتهى.
و على هذا فكما لا تبطل الوصية بالعجز الطاري كذا لا تبطل لو كان متصفا به ابتداء، و لا يخلو من اشكال، لأن الوصية اليه مع العلم لعدم إمكان قيامه بذلك لا فائدة فيها، و لا يترتب عليها أثر، فكيف يحكم بصحتها، و ضم الحاكم بعد ذلك شخصا آخر للقيام بها يكون من قبيل نصبه وصيا لمن لم يوص بالكلية، فلا أثر له في صحة الوصية الاولى.
و الى ما ذكرنا يميل كلام شيخنا الشهيد في الدروس حيث انه توقف في صحة الوصية إلى العاجز ابتداء، فقال: ففي بطلانها من رأس، و صحتها و يضم الحاكم اليه مقويا نظر، ينشأ من وجوب العمل بقوله ما أمكن، و من عدم الفائدة المقصودة بالوصية، انتهى.
أقول: لا ريب أن وجوب العمل بقوله انما يتم مع ترتب الأثر المقصود من الوصية عليه، و إلا فمتى لم يترتب عليه أثر كما هو المفروض، فإنه لا معنى لهذا الوجوب بالكلية.
و أما ما ذكره في المسالك في الاستدلال على ما ذكره الشهيد من أنه يمكن منع عدم الفائدة على هذا التقدير، لجواز أن يكون العاجز ذا رأي و تدبير و لكنه عاجز عن الاستقلال، فيفوض اليه الموصي أمره لذلك، و يعتمد في إتمام الفعل على نصب الحاكم له معينا، فتحصل الفائدة المطلوبة من الوصية، و يسلم من تبديلها المنهي عنه.
583
ففيه أولا أن المفروض في كلامهم كما سمعت من عبارة التذكرة «يعجز عن التصرف و لا يهتدى إليه» هو العجز عن ذلك بجميع أنواعه في رأي كان أو فعل، و العاجز عن الاستقلال مع كونه ذا رأي و تدبير في قوة العاجز عن البعض مع القدرة على البعض، و هو خلاف محل البحث.
و ثانيا أن الاعتماد على نصب الحاكم أمر خارج عن الوصية، لأنه كما عرفت في قوة نصب وصي لمن لا وصي له بالكلية، و محل البحث انما هو وصية الوصي على هذا الوجه الذي لا يترتب على وصيته أثر بالكلية، لأن الوصية إلى العاجز الذي يعلم عدم قيامه بشيء مما يوصى به إليه في قوة العدم، و من المقطوع به عقلا ان مثل هذا لا يصدر عن عاقل، و انما هو فرض ذكروه.
و بالجملة فما ذكروه من الصحة لا أعرف له وجها وجيها، و المسئلة باقية في قالب الاشكال و للتوقف فيها مجال، و الله العالم.
السادسة [في عدم جواز أخذ الوصي ماله على الميت من تحت يده إلا بالبينة]:
قال الشيخ في النهاية: إذا كان للوصي على الميت مال لم يجز له أن يأخذه من تحت يده، إلا ما تقوم له به البينة، و تبعه ابن البراج و نازعه ابن إدريس في ذلك، فقال: هذا خبر واحد أورده (رحمه الله) إيرادا لا اعتقادا و الذي يقتضيه أصول مذهبنا أنه يأخذ من ماله في يده، لأن من له على انسان مال و لا بينة له عليه، و لا يقدر على استخلاصه ظاهرا، فله أخذ حقه باطنا، لأنه يكون بأخذ ماله من غير زيادة عليه محسنا لا مسيئا، و قد قال الله تعالى (1) «مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ»، انتهى.
و بما ذكره ابن إدريس صرح الشهيد في الدروس و اللمعة، و ظاهر المحقق في الشرائع الميل الى ما ذكره الشيخ في النهاية حيث أفتى أولا بتقييد الجواز بغير اذن الحاكم بما إذا لم يكن له حجة، ثم قال: و قيل يجوز مطلقا، و أنت خبير بأن ظاهر كلام الشيخ هو أنه لا يجوز له الأخذ إلا مع الإثبات بالبينة عند
____________
(1) سورة التوبة- الاية 91.
584
الحاكم، فلو تعذر الإثبات امتنع الأخذ.
و ظاهر كلام المحقق و مثله ظاهر كلام العلامة في المختلف هو التوقف على الإثبات لو كان ثمة بينة، إلا أنه في المختلف جعله الأولى و لو لم تكن له بينة كان له الأخذ من غير توقف على الإثبات، و هو قول متوسط بين قولي الشيخ حيث أطلق توقف الجواز على البينة، و قول ابن إدريس حيث جوز الأخذ مطلقا.
و الأصل في هذا الاختلاف ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) عن بريد بن معاوية (1) في الموثق «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: ان رجلا أوصى الي فسألته أن يشرك معى ذا قرابة له ففعل، و ذكر الذي أوصى الي أن له قبل الذي أشركه في الوصية خمسين و مائة درهم، و عنده رهن بها جام من فضة، فلما هلك الرجل أنشأ الوصي يدعي أن له قبله أكرار حنطة، قال:
ان أقام البينة، و إلا فلا شيء له، قلت له أ يحل له أن يأخذ مما في يده شيئا؟
قال: لا يحل له، قلت أ رأيت لو أن رجلا عدا عليه فأخذ ماله، فقدر على أن يأخذ من ماله ما أخذ، أ كان ذلك له؟ قال: ان هذا ليس مثل هذا».
و هذه الرواية هي مستند الشيخ فيما ذهب إليه في النهاية، و هي ظاهرة بل صريحة فيما ذهب اليه من العموم، و ابن دريس قد اعتمد على الروايات الكثيرة الدالة على جواز الأخذ مقاصة ممن له عليه الدين، و لم يتمكن من إثباته و أخذه، كما صرح به، و الامام (عليه السلام) في هذه الرواية قد أشار الى الفرق بين المسئلتين، لما عارضه الراوي بتلك المسئلة، و حينئذ فالاستناد الى تلك الأخبار في الحكم، كما ذكره ابن إدريس مع إشارته (عليه السلام) الى أن هذه المسئلة ليست مثل ذلك مشكل.
و لعل المراد بخروج هذه المسئلة عن تلك القاعدة التي تكاثرت بها الأخبار،
____________
(1) الكافي ج 7 ص 57 ح 1، التهذيب ج 9 ص 232 ح 910، الفقيه ج 4 ص 174 ح 613، الوسائل ج 13 ص 479 ح 1.
585
أن هذا الوصي المدعي له شريك في التصرف و التنفيذ، و هو الوصي الآخر، فلا يجوز له التصرف بدونه، و جواز التصرف للوصي الآخر بحيث يدفع اليه ما ادعاه موقوف على الإثبات شرعا، لأنه ليس له أن يمكنه بمجرد دعواه، كغيره ممن يدعي على الميت مالا، بل يجب عليه طلب البينة منه و اليمين، كما هو المقرر في الدعوى على الميت، و لا يكفى هنا مجرد الثبوت في الواقع، كما في تلك المسئلة، لأن ذلك مخصوص بما إذا لم يطلع عليه أحد سواه، فإنه يجوز له الأخذ مقاصة، و على هذا فالحكم المذكور مختص بمورد الرواية، و هو وجود وصيين، و دعوى أحدهما ليمكن توجيه الفرق بين المسئلتين.
و أما على ما ادعاه الشيخ من فرض المسئلة في الوصي، و ان كان واحدا و ادعى دينا على الموصي، فإن الظاهر هنا ما ذهب اليه ابن إدريس، لأن هذا الفرد أحد أفراد تلك القاعدة التي تكاثرت بها الأخبار، و قد تقدم تحقيق الكلام فيها في صدر الفصل الأول في البيع من كتاب التجارة (1) و بذلك يظهر أيضا ما في فتوى المحقق، بتوقف جواز أخذ الوصي و استيفاء حقه على الإثبات ان وجدت البينة، فإنه ان كان هذا مذهبه في تلك المسئلة كما هو أحد القولين فيها فلا اشكال، و ان كان مذهبه ثمة، كما هو المشهور من جواز الأخذ مقاصة و ان أمكن الإثبات، فإنه لا معنى لهذا الاشتراط هنا، مع كون هذه المسئلة أحد أفراد تلك القاعدة.
و بالجملة فالواجب الوقوف على مورد الرواية من وجود وصيين، أحدهما يدعي المال كما ذكرناه، فإنه أخص من تلك المسئلة، و أما لو كان الوصي متحدا فإنه من جملة أفراد تلك المسئلة، يحكم فيها ما يحكم في تلك المسئلة من جواز الأخذ مقاصة، كما هو الأشهر الأظهر، و علله في المسالك بأن الغرض كونه وصيا في إثبات الديون، فيقوم مقام الموصي في ذلك، و الغرض من البينة و الإثبات
____________
(1) ج 18 ص 349.
586
عند الحاكم جواز كذب المدعي في دعواه، فنيطت بالبينة شرعا، و علمه بدينه أقوى من البينة التي يجوز عليها الخطأ، و لأنه بقضاء الدين محسن (1) «و مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» قال: و بهذا يظهر الفرق بين دين الموصي و غيره، حيث لا يعلم به الوصي، و على تقدير علمه يمكن تجدد البراءة منه، فلا بد من إثباته، حتى باليمين مع البينة بذلك، انتهى.
و الأولى جعل ذلك وجها للنصوص الدالة على جواز الأخذ و المقاصة للوصي الذي هو أحد أفراد تلك القاعدة، فإنها هي الأصل في إثبات الحكم المذكور.
تذنيب [حكم ما لو كان الدين لغير الوصي، و هو عالم به]
قد ظهر مما قررناه أنه متى كان الوصي متحدا فان الظاهر كما هو المشهور أنه يجوز له استيفاء دينه عملا بروايات تلك القاعدة المشهورة.
بقي الكلام فيما لو كان الدين لغيره، و هو عالم به، بمعنى أنه سمع إقرار الموصي به قبل الموت بزمان لا يمكن فيه القضاء، و يكون المستحق ممن لا يمكن في حقه الإبراء، كالطفل مثلا و المسجد و نحوهما، فان ظاهر الأصحاب أن للوصي أداء الدين المذكور، أما لو كان أصحاب الدين كبارا يمكن الإبراء في حقهم، فلا بد من إحلافهم على بقائه، و ان علم به سابقا، إلا أنهم (رضي الله عنهم) صرحوا بأنه لا يكفي إحلاف الوصي إياهم، إلا إذا كان مستجمعا لشرائط الحكم، بمعنى كونه فقيها جامع الشرائط، و صرحوا بأنه ليس للحاكم أن يأذن له في التحليف، بناء على علمه بالدين، بل لا بد من ثبوته عند الحاكم، لأن الحكم لا يجوز لغير أهله، نعم له بعد ثبوته- عنده بالبينة- توكيله في إحلافهم.
أقول: و على هذا تخرج المسئلة عن الاكتفاء بعلم الموصي في جواز أداء الدين العالم به، و تبقى ثمرة ذلك في تولية تحليفهم.
____________
(1) سورة التوبة- الاية 91.
587
السابعة [في جواز إيصاء الوصي لو أذن له الموصي]:
لا خلاف في أن الموصى لو أذن لوصيه بالإيصاء، فإنه يجوز له إجماعا، و كذا لا خلاف فيما لو منعه، فإنه لا يجوز له، و انما محل الخلاف السكوت عن كل من الأمرين و إطلاق الوصية، فالمشهور المنع، و أن النظر بعده للحاكم الشرعي، و هو مذهب الشيخ المفيد و أبى الصلاح و ابن إدريس و المحقق و العلامة و غيرهم، و ذهب جمع منهم الشيخ في النهاية و ابن الجنيد و القاضي ابن البراج الى الجواز، و الشيخ في النهاية بعد أن قال: بجواز الإيصاء.
قال: و قال بعض أصحابنا: أن ليس له أن يوصى الى غيره بما كان يتصرف فيه، فإذا مات كان على الناظر في أمر المسلمين أن يقيم من ينظر في ذلك، فان لم يكن هناك امام كان لفقهاء آل محمد (عليهم السلام)، و ذوي الآراء منهم أن يتصرفوا في ذلك إذا تمكنوا منه، و ان لم يتمكنوا فليس عليهم شيء، و لست أعرف بهذا حديثا مرويا.
و قال في الخلاف: إذا أوصى الى غيره و أطلق الوصية، و لم يقل إذا متّ فوصيي فلان، و لا قال: فمن أوصيت إليه فهو وصيي، لأصحابنا فيه قولان: المروي أن له أن يوصي الى غيره، و قال بعض أصحابنا: ليس له أن يوصى فإذا مات أقام الناظر في أمر المسلمين من ينظر في تلك الوصية. دليلنا على القولين، روايات أصحابنا (رضي الله عنهم) بجواز الإيصاء.
أقول: أنظر الى ما دل عليه الكلام الأول من أنه ليس يعرف بهذا حديثا و الى ما دل عليه الكلام الأخر، من أن دليل القولين روايات أصحابنا.
و قال ابن الجنيد و القاضي ابن البراج:
و قد روى ابن بابويه في كتابه في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار (1) «أنه كتب الى أبى محمد الحسن بن علي (عليه السلام) رجل كان وصي رجل فمات فأوصى إلى رجل آخر هل يلزم الوصي وصية الرجل الذي كان هذا وصيه؟ فكتب (عليه السلام): يلزمه بحقه، ان كان له قبله حق ان شاء الله
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 168 ح 587، الوسائل ج 13 ص 460 الباب 70 ح 1.
588
تعالى».
الظاهر أن المراد بالحق هنا حق الإيمان.
أقول: أنت خبير بما في الرواية المذكورة من الإجمال، و تعدد الاحتمال، و المستدل بها قد استدل بها بناء على ما ذكره من تفسير الحق بحق الإيمان، فكأنه (عليه السلام) قال: يلزمه القيام بوصيته ان كان مؤمنا وفاء لحقه، بسبب الايمان، فإنه يقتضي معونة المؤمن و قضاء حوائجه.
و لا يخفى ما فيه، و الأقرب في معنى الخبر ما ذكره شيخنا في المسالك، و اليه أشار العلامة في المختلف من حمل الحق في الخبر على حق الوصية إلى الوصي الأول، بمعنى أن الوصية تلزم الوصي الثاني بحق الأول ان كان له، أي للأول قبله، يعنى قبل الوصي الأول حق، بأن يكون قد أوصى اليه، و أذن له أن يوصي، فقد صار له قبله حق الوصية، فإذا أوصى بها لزمت الثاني، و هذا الاحتمال ان لم يكن أرجح لا أقل أن يكون مساويا، و به يسقط الاستدلال بالخبر في هذا المجال، على أن حق الايمان لا يختص بهذا الوصي الثاني، بل يجب على كل مؤمن كفاية، و الكلام في اختصاص هذا الوصي من حيث الوصاية، لا من حيث جهة المعونة العامة.
و بالجملة فالأصل يقتضي المنع من التعدي الى غير الوصي الأول، لأن المتبادر من استنابته في التصرف مباشرته بنفسه، و بموته يسقط ذلك، و تفويض التصرف الى غيره يحتاج الى دليل ظاهر، و الرواية على ما عرفت من الإجمال، و تعدد الاحتمال لا تصلح للاستدلال.
فان قيل: ان ما ادعيتموه من أن المتبادر من استنابة الوصي في التصرف مباشرته بنفسه، ينتقض عليكم بالتوكيل فيما هو وصى فيه، فان للوصي أن يوكل فيما جرت العادة بالتوكيل فيه، بل و غيره على ما اختاره في المسالك أيضا، فلو اقتضى إطلاق الإيصاء المباشرة، لما جاز التوكيل، و بعضهم اعتمد على هذا دليلا للقائلين بهذا القول، فقال: و يدل عليه جواز الوكالة، فكما جازت الوكالة جاز الإيصاء.
589
و الجواب عن ذلك أولا بأنه يرجع الى قياس الوصاية على الوكالة، و مع قطع النظر عن كونه قياسا مع الفارق، غير صحيح على أصولنا معشر الإمامية و ثانيا ما ذكره شيخنا في المسالك و اليه أشار الشهيد قبله في شرح الإرشاد من الفرق بين الوكالة و الوصاية، لأن الوكالة على جزئيات مخصوصة ملحوظة بنظره حيا يمضى منها ما وافق غرضه، و يرد ما خالف، بخلاف الإيصاء الذي لا يحصل أثره إلا بعد الموت، و فوات نظره، و أيضا فإن الوصي في حال حياته مالك للتصرف على الوجه المأذون فيه، و وكيله بمنزلته، بخلاف تصرف الوصي بعد وفاته، لزوال ولايته المقصورة بنفسه، و ما في حكمه بموته.
و كيف كان فالظاهر بناء على المشهور أنه يرجع الأمر في تنفيذ وصاية الموصي الأول إلى الحاكم، أو عدول المؤمنين مع عدمه، كما صرحوا به في غير موضع، إلا أن الظاهر من عبارة الشيخ المتقدم نقلها عن كتاب النهاية الاختصاص هنا بالإمام أو نائبه الفقيه الجامع الشرائط، و مثلها عبارة الشيخ المفيد أيضا، و يمكن تقييدهما بما أشرنا إليه مما صرح به الأصحاب في أمثال هذا الموضع، كما سيأتي في المسئلة ان شاء الله تعالى، و الله العالم.
الثامنة [في ثبوت النظر للحاكم و الثقة في أموال الميت و أطفاله إن لم يكن له وصي]:
لا خلاف بين الأصحاب في أنه لو مات و لم يوص الى أحد و كان له تركة و أموال و أطفال، فإن النظر في تركته للحاكم الشرعي، و انما الخلاف في أنه لو لم يكن ثمة حاكم فهل لعدول المؤمنين تولي ذلك أم لا؟ الذي قد صرح الشيخ و تبعه الأكثر الأول، و قال ابن إدريس بالثاني.
قال الشيخ في النهاية: إذا مات انسان من غير وصية كان على الناظر في أمر المسلمين أن يقيم له ناظرا ينظر في مصلحة الورثة، و يبيع لهم و يشترى، و يكون ذلك جائزا فان لم يكن السلطان الذي يتولى ذلك أو يأمر به، جاز لبعض المؤمنين أن ينظر في ذلك من قبل نفسه، و يستعمل فيه الأمانة و يؤديها من غير إضرار بالورثة، و يكون ما يفعله صحيحا ماضيا.
590
و قال ابن إدريس: و الذي يقتضيه المذهب أنه إذا لم يكن سلطان يتولى ذلك فالأمر فيه الى فقهاء شيعه آل محمد (عليهم السلام) من ذوي الرأي و الصلاح، فإنهم (عليهم السلام) قد ولوهم هذه الأمور، و لا يجوز لمن ليس بفقيه ان يتولى ذلك بحال، فان تولاه فإنه لا يمضى شيء مما يفعله، لأنه ليس له ذلك بحال، فأما إن تولاه الفقيه مما يفعله، صحيح جائز ماض، انتهى.
و تردد المحقق في الشرائع، و الواجب أولا ذكر ما وصل إلينا من الأخبار المتعلقة بالمقام، ثم الكلام فيها بما رزق الله فهمه منها بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر (عليهم السلام).
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (1) قال: «مات رجل من أصحابنا، و لم يوص فرفع أمره الى قاضي الكوفة فصير عبد الحميد القيم بماله، و كان الرجل خلف ورثة صغارا و متاعا و جواري، فباع عبد الحميد المتاع فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه في بيعهن إذ لم يكن الميت صير إليه الوصية و كان قيامه فيها بأمر القاضي لأنهن فروج قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر (عليه السلام) فقلت له: يموت الرجل من أصحابنا و لا يوصى الى أحد و يخلف جواري فيقيم القاضي رجلا منا لبيعهن أو قال: يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه، لأنهن فروج، فما ترى في ذلك؟ قال: فقال: إذا كان القيم مثلك و مثل عبد الحميد فلا بأس».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن علي بن رئاب (2) في الصحيح في بعض طرقه قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن رجل بيني و بينه قرابة، مات و ترك أولادا صغارا و ترك مماليك و غلمان و جواري و لم يوص فما ترى
____________
(1) الكافي ج 5 ص 209 ح 2، التهذيب ج 9 ص 240 ح 932.
الوسائل ج 12 ص 270 ح 2.
(2) الكافي ج 7 ص 67 ح 2، التهذيب ج 9 ص 239 ح 928، الفقيه ج 4 ص 161 ح 564. الوسائل ج 13 ص 474 ح 1.
591
فيمن يشتري منهم الجارية يتخذها أم ولد؟ و ما ترى في بيعهم؟ قال: فقال: ان كان لهم ولي يقوم بأمرهم باع عليهم و نظر لهم و كان مأجورا فيهم، قلت: فما ترى فيمن يشترى منهم الجارية يتخذها أم ولد؟ قال: لا بأس بذلك، إذا باع عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم و ليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيم لهم و الناظر لهم فيما يصلحهم».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن إسماعيل بن سعد الأشعري (1) في الصحيح قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل مات بغير وصية و ترك أولادا ذكرانا و غلمانا صغارا، و ترك جواري و مماليك هل يستقيم أن تباع الجواري؟ قال: نعم، و عن الرجل يصحب الرجل في سفره فيحدث به حدث الموت، و لا يدرك الوصية كيف يصنع بمتاعه و له أولاد صغار و كبار؟ أ يجوز أن يدفع متاعه و دوابه الى ولده الأكابر أو إلى القاضي؟ و ان كان في بلده ليس فيها قاض كيف يصنع؟ و ان كان دفع المال إلى ولده الأكبر و لم يعلم به فذهب و لم يقدر على رده كيف يصنع؟
قال: إذا أدرك الصغار و طلبوا فلم يجد بدا من إخراجه، إلا أن يكون بأمر السلطان، و عن الرجل يموت بغير وصية و له ورثة صغار و كبار أ يحل شراء خدمه و متاعه من غير أن يتولى القاضي بيع ذلك، فان تولاه قاض قد تراضوا به، و لم يستعمله الخليفة أ يطيب الشراء منه أم لا؟ فقال: إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع فلا بأس به إذا رضى الورثة بالبيع، و قام عدل في ذلك».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة عن سماعة (2) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات و له بنون و بنات صغار و كبار من غير وصية و له خدم و مماليك و عقد كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث، قال ان قام رجل ثقة قاسمهم ذلك
____________
(1) الكافي ج 7 ص 66 ح 2، التهذيب ج 9 ص 239 ح 927. الوسائل ج 13 ص 475 ح 3.
(2) الكافي ج 7 ص 67 ح 3، التهذيب ج 9 ص 240 ح 929، الفقيه ج 4 ص 161 ح 563. الوسائل ج 13 ص 474 ح 2.
592
كله فلا بأس.
أقول: لا يخفى ان الظاهر من هذه الأخبار باعتبار ضم بعضها الى بعض، و حمل مطلقها على مقيدها و مجملها على مفصلها هو ما صرح به الأكثر، فإنه هو الأقرب منها و الأظهر.
أما صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع فإنه (عليه السلام) قد أجاب فيها (1) «إذا اتفق أن القيم الذي نصبه القاضي مثلك و مثل عبد الحميد يعني في الوثاقة و العدالة فلا بأس» و من المعلوم أن نصب القاضي عندنا في حكم العدم، فمرجع الكلام إلى أنه ان تولى ذلك ثقة فلا بأس، و هو أظهر ظاهر في المراد.
أما صحيحة علي بن رئاب فالولي فيها مجمل، يجب حمله على ما يدل عليه غيرها من الحاكم الشرعي أو عدول المؤمنين كما عرفت و ستعرف ان شاء الله تعالى.
و أما صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري فقد دل صدرها على جواز بيع الجواري مع عدم وجود وصي كما هو المفروض في السؤال و هو و ان كان مطلقا، لكن يجب تقييد إطلاقه بتولي العدول لذلك، كما نبه عليه في آخر السؤال الأخير، بقوله فلا بأس إذا رضي الورثة بالبيع يعنى الكبار منهم، و قام عدل في ذلك يعني بالنسبة إلى الصغار، و أظهر من ذلك موثقة سماعة حيث شرط (عليه السلام) في صحة الميراث المذكور قيام ثقة عن الأطفال يقاسم البالغ منهم.
و بالجملة فإن الروايات المذكورة ظاهرة في جواز قيام العدل الثقة بذلك، و أنه بهذه الأخبار مأذون في الدخول، سواء وجد الإمام أم لا، و لا يبعد القول بجواز تولية ذلك أيضا مع وجود الفقيه الجامع للشرائط، و ان كان ظاهر الأصحاب خلاف ذلك، لأن القائلين بهذا القول قيدوا ذلك بتعذر الفقيه، لأنه النائب العام كما تضمنته مقبولة عمر بن حنظلة (2) و نحوها إلا أنه يمكن أن يقال: انه بهذه الأخبار قد حصل الإذن للثقة العدل منهم (عليه السلام) بتولي ذلك مطلقا،
____________
(1) نقل بالمعنى.
(2) الكافي ج 7 ص 412 ح 5، الوسائل ج 18 ص 3 ح 4.
593
كما هو ظاهرها.
و أخبار النيابة موردها كما هو الظاهر من سياقها انما هو الفتوى في الأحكام، و القضاء بين الخصوم، و أما مثل الولاية على طفل أو مال غائب أو نحو ذلك، فليس في الأخبار ما يدل على اختصاصه بالإمام أو الفقيه الجامع للشرائط.
نعم ذلك وقع في كلام الأصحاب، و بذلك يظهر لك ما في كلام ابن إدريس من الضعف و القصور لبنائه على أن الثقة غير مأذون له في الدخول في هذه الأمور.
قال في المسالك: و يستثني من موضع الخلاف ما يضطر إليه الأطفال و الدواب من المؤنة، و صيانة المشرف على التلف، فان ذلك و نحوه واجب على الكفاية على جميع المسلمين، فضلا عن العدول منهم، حتى لو فرض عدم ترك مورثهم مالا فمؤنة الأطفال و نحوهم من العاجز عن التكسب واجب على المسلمين من أموالهم كفاية، كإعانة كل محتاج، و إطعام كل جائع يضطر اليه، فمن مال المحتاج إليه أولى، انتهى.
و مرجع كلامه (قدس سره) الى أن هذه الأشياء التي يضطر إليها يجب إخراجها عن محل الخلاف، بمعنى أنها لا يتوقف على وجود الإمام أو النائب أو الثقة، فلو لم يوجد أحد منهم امتنع النظر فيه، بل يجب ذلك على الكافة وجوبا كفائيا ان لم يوجد أحد من هؤلاء، و هو جيد.
و قال في المسالك أيضا: اعلم أن الأمور المفتقرة إلى الولاية إما أن يكون أطفالا أو وصايا أو حقوقا أو ديونا فان كان الأول فالولاية فيهم لأبيه، ثم لجده لأبيه، ثم لمن يليه من الأجداد على ترتيب الولاية، الأقرب منهم الى الميت فالأقرب، فإن عدم الجميع فوصي الأب، ثم وصي الجد، و هكذا فان عدم الجميع فللحاكم، و الولاية في الباقي غير الأطفال للوصي، ثم للحاكم، و المراد به السلطان العادل أو نائبه الخاص أو العام مع تعذر الأولين، الى ان قال: فان فقد الجميع
594
فهل يجوز أن يتولى النظر حينئذ في تركة الميت من يوثق به من المؤمنين؟
قولان: ثم نقل القولين المتقدمين في المسئلة، و نفى البأس عن القول المشهور، و الله العالم.
التاسعة: لو أوصى بالنظر في مال ولده إلى أجنبي و له أب
فللأصحاب في ذلك أقوال ثلاثة: أحدها- البطلان مطلقا، لما تقدم في كلام شيخنا الشهيد الثاني من أن ولاية الجد و ان علا على الولد مقدمة على ولاية وصي الأب، و حينئذ فإذا نصب الأب وصيا على ولده المولى عليه مع وجود أبيه أي جد الطفل لم يصح مطلقا، لأن ولاية الجد ثابتة بأصل الشرع، فليس للأب نقلها عنه، و لا جعل شريك له في ذلك.
و ثانيها- بطلان الولاية زمان ولاية الجد خاصة، بمعنى أنه لو أوصى الأب إلى أجنبي فإن ولايته تبطل ما دام الجد موجودا، و بعد موت الجد تعود الولاية إلى الوصي، لأن ولاية الأب شاملة للأزمان كلها إلا زمان ولاية الجد، فيختص البطلان بزمان وجوده.
و رد بأن الأب لا ولاية له بعد موته مع وجود الجد، فإذا انقطعت ولاية الأب بموته لم يقع ولاية وصيه، فإذا مات الجد افتقر عود ولايته- لتؤثر في منصب الوصي- إلى دليل، إذ الأصل عدم عودها، فلا تصح في حال حياة الجد، و لا بعد موته.
و دعوى- أن ولاية الأب ثابتة في جميع الأزمان المستقبلة التي من جملتها ما بعد موت الجد- غير معلوم، بل هو محل البحث و النزاع، كما لا يخفى، و انما المعلوم انقطاع ولايته بعد موته، مع وجود الجد بعده، لا ثبوتها بعد موت الجد.
و ثالثها- صحة الولاية في الثلث خاصة، لأن له إخراجه عن الوارث أصلا، فيكون له إثبات ولاية غيره عليه بطريق أولى، و رد بمنع الولاية بل الملازمة،
595
فان ازالة الملك يقتضي إبطال حق الوارث منه أصلا، و هو الأمر الثابت له شرعا و أما بقائه في ملك الوارث فإنه يقتضي شرعا كون الولاية عليه لمالكه، أو وليه الثابت ولايته عليه بالأصالة، فلا يكون للأب عليه ولاية بالنسبة إليه أصلا، و من ذلك ظهر أن أجود الأقوال الأول، و نقل الأول و الأخير عن الشيخ في المبسوط نقله في المسالك.
العاشرة [في نقل الأقوال في وقت اعتبار الشروط في صحة الوصاية]:
اختلف الأصحاب و غيرهم في وقت اعتبار الشروط المعتبرة في صحة الوصاية من الكمال و الإسلام و الحرية و العدالة و نحوها مما تقدم، هل هو عند الوصية؟ أو عند الموت؟ أو من حين الوصية مستمرا الى أن ينفذها بعد الموت، فقيل: بالأول، و هو مختار الأكثر، كما نقله في المسالك، و المراد باعتبار وجودها حال الوصية بمعنى وجودها قبلها، و لو بآن ما قضية للشرطية، فإن الشرط يعتبر تقدمه على المشروط.
قالوا: و الوجه في هذا القول أن هذه المذكورات شرائط صحة الوصية، فإذا لم تكن حال إنشائها موجودة لم يكن العقد صحيحا، لأن عدم الشرط يوجب عدم المشروط كما في شرائط سائر العقود، و لأنه في وقت الوصية ممنوع من التقويض الى من ليس بالصفات، و النهي في المعاملات إذا توجه الى ركن العقد دل على الفساد، و لأنه يجب في الوصي أن يكون بحيث لو مات الموصي كان نافذ التصرف، مشتملا على صفات الوصاية، و هو هنا منتف، لأن الموصي لو مات في هذه الحال لم يكن الوصي أهلا لها.
و قيل: بالثاني و أن المعتبر اجتماعها عند الوفاة، حتى لو أوصى الى من ليس بأهل، فاتفق كماله عند الوفاة و استكماله الشرائط صحت الوصية، لأن المقصود منها التصرف بعد الموت، فيعتبر اجتماع الشروط حينئذ، لأنه محل الولاية، و لا حاجة الى وجودها قبل ذلك، لانتفاء الفائدة.
و قيل: بالثالث، و هو الاعتبار من حين الوصية إلى حين الوفاة، و الى هذا
596
القول مال شيخنا الشهيد في الدروس، حيث قال (عطر الله مرقده) بعد ذكر الشرائط: ثم هذه الشرائط معتبرة منذ الوصية إلى حين الموت، فلو اختل أحدها في حالة من ذلك بطلت. و قيل: يكفى حين الوصية، و قيل: حين الوفاة.
قالوا: و الوجه في هذا القول، أما حين الوصية، فلما تقدم في توجيه القول الأول، و أما الاستمرار الى حين الوفاة، فلأن الوصاية من العقود الجائزة، فمتى عرض اختلال أحد شرائطها بطلت كنظائرها، و لأن المعتبر في كل شرط حصوله في جميع أوقات المشروط، فمتى أخل في أثناء الفعل وجب فوات المشروط إلا ما استثنى في قليل من الموارد بدليل من خارج.
قال في المسالك: و ربما يقال: أنه لا يستثني منه شيء لأن ما خرج عن ذلك يدعى أن الفعل المحكوم بصحته عند فوات الشرط ليس مشروطا به مطلقا، بل في بعض الأحوال دون بعض، و هذا أولى، انتهى.
و قيل: و هو الرابع أن المعتبر وجود الشرائط من حال الوصية الى أن ينتهي متعلقها بأن يبلغ الطفل و يخرج الوصايا و يقضي الديون و غير ذلك، لأن اشتراط هذه الأمور يقتضي فوات مشروطها متى فات بعضها في كل وقت، فلو فرض فوات بعضها بعد الوصية الى قبل انتهاء الولاية بطلت، قال في المسالك بعد ذكر ذلك: و هذا هو الأقوى.
أقول: مبنى هذه الأقوال كلها على أن الوصية عقد، فيجب أن يراعى فيه ما يراعى في سائر العقود و من القواعد المقررة عندهم أن العقد إذا كان مشروطا بشرط، فهو عدم عند عدم شرطه، فهذا العقد إذا كان مشروطا بكون الموصى إليه معتبرا بهذه الصفات، فلا بد من وجود هذه الصفات، و إلا لبطل.
بقي الكلام و الخلاف في وقت اعتبارها، هل هو حال الوصية خاصة، أو عند الوفاة؟ أو من حين الوصية إلى حين الوفاة؟ أو إلى ان ينتهي متعلق الوصاية؟ و أنت خبير بأن كون الوصية عقد مثل سائر العقود، فيشترط فيها ما يشترط فيها، و ان كان
597
هو المشهور في كلامهم، بل ظاهرهم الاتفاق عليه، إلا أنه لم يقم عليه دليل تركن النفس اليه، بل ربما ظهر من الأخبار خلافه، فإنهم قد جعلوا أيضا من جملة الواجبات فيه بناء على كونها عقدا القبول، مع أنا لم نقف فيه على دليل، بل ربما دل الدليل على خلافه، و قد تقدم الكلام في ذلك في جملة من مسائل المقصد الأول، و غاية ما يستفاد من الأخبار أن الوصية بالنسبة الى الموصى له لا يخرج عن العطية، و بالنسبة إلى الوصاية لا يخرج عن الاذن و الاستنابة، و لا عقد هنا بالكلية.
فمما يدل على ما قلناه في الوصاية ما تقدم في المسئلة الثانية من خبر
علي بن يقطين (1) في «رجل أوصى الى امرأة و أشرك في الوصية معها صبيا فقال (عليه السلام):
يجوز ذلك، و تمضى المرأة الوصية، و لا تنتظر بلوغ الصبي».
الخبر فإنه لا يدل على أزيد من أن الرجل أمر المرأة بأن تنفذ ما عينه لها فيه، و استنابها، و ضم إليها الصبي المذكور، و أي عقد هنا يفهم من هذا الكلام أو قبول لفظي كما اعتبروه في المقام، و نحو ذلك
صحيحة الصفار المذكورة (2) ثمة في «رجل أوصى الى ولده و فيهم كبار و صغار أ يجوز للكبار ان ينفذوا وصيته، و يقضوا دينه، قبل أن يدرك الأوصياء الصغار؟ فوقع (عليه السلام): نعم» الخبر:.
فان المتبادر من هذا الكلام أن الموصى استناب أولاده، و أمرهم و اذن لهم في تنفيذ هذه الوصايا بأن قال:
افعلوا كذا و كذا، فوجب عليهم بعد موته القيام بذلك، و أي دلالة لهذا الكلام على عقد في المقام، و على هذا النهج جملة الأخبار، كما لا يخفى على من جاس خلال الديار، فان سموا مثل هذا الأمر و الاذن و الاستنابة عقدا فلا مشاحة في التسمية، و لكن ما ذكروه من ترتب أحكام العقود عليه ممنوع، و إلا لجرى ذلك في كل من أمر شخصا بأمر، و أذن له في فعل.
و بالجملة فإنك عرفت في المباحث السابقة أن ما يدعونه من العقد في كثير من تلك المواضع لا يخلو من الإشكال أيضا.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 46 ح 1، الوسائل ج 13 ص 439 ح 2.
(2) الكافي ج 7 ص 46 ح 2، الوسائل ج 13 ص 438 ح 1.
598
إذا عرفت ذلك و ثبت أن غاية ما تدل عليه الأخبار هو الاذن و الاستنابة في تنفيذ هذه الأمور الموصى بها.
فنقول: ينبغي أن تكون تلك الشروط محلها وقت التنفيذ، و اعتبارها في ذلك الوقت، و هذا يرجع الى القول الثاني من الأقوال المتقدمة، و ما طعن به في المسالك- على هذا القول و رده به- من قوله و يضعف بأن الوصاية لما كانت عقدا و لم يحصل شروطها حالة الإيجاب وقع العقد فاسدا، فيه ما عرفت من أنه لا دليل على هذا العقد الذي بنوا الكلام عليه في المقام و غيره، و كلامنا انما هو مبني على عدمه، فلا يرد علينا ما أورده، و لعل القائل بهذا القول من أصحابنا أيضا يمنع كون الوصية عقدا فلا يرد عليه ما أورده، و هذه الأقوال مع التعليلات التي ذيلت بها كلها للعامة، كما لا يخفى على من راجع كتاب التذكرة، و غيره من الكتب التي تصدوا فيها لنقل أقوالهم.
و فيها من البعد عن ساحة الأخبار ما لا يخفى على ذوي البصائر و الأبصار، و لأصحابنا في عدد الأقوال في المسئلة اضطراب، فمنهم من أنها إلى أربعة حسبما ذكرناه كشيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و منهم من جعلها ثلاثة كشيخنا الشهيد في الدروس و شرح الإرشاد، و منهم من رجعها الى اثنين خاصة، كالمحقق و الشيخ، و لكل وجه اعتباري يدفعه ما ذكره غيره، و الله العالم.
المقصد السابع في اللواحق:
و فيه أيضا مسائل
[المسألة] الاولى [في حكم منجزات المريض]:
اختلف الأصحاب (رضي الله عنهم) في منجزات المريض، و المراد بها المعجلة حال الحياة إذا كانت تبرعا كالمحابات في المعاوضات من البيع بأقل من ثمن المثل، و الشراء بأزيد منه، و الهبة، و الصدقة، و الوقف، و العتق، و بالجملة فما اشتمل على تفويت المال بغير عوض، كالهبة و ما بعدها، و المحاباة كالأولين، و نحوهما، هل يخرج من الأصل أو الثلث؟ مع الاتفاق على
599
أنه لو برء، من مرضه لزم ذلك، و كان مخرجه من الأصل، و انما الخلاف فيما لو مات في مرضه ذلك، فذهب الشيخان في النهاية و المقنعة و ابن البراج و ابن إدريس إلى أنه من الأصل، و هذا القول هو الظاهر عندي من الأخبار بعد النظر فيها بعين التأمل و الاعتبار، و اليه مال جملة أفاضل متأخري المتأخرين، كالمحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي، و الفاضل المولى محمد باقر الخراساني في الكفاية، و المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني (قدس الله أرواحهم)).
و ذهب الشيخ في المبسوط، و الصدوق، و ابن الجنيد الى أن ذلك من الثلث و هو المشهور بين المتأخرين و منشأ الخلاف المذكور اختلاف الأخبار في ذلك و اختلاف الأنظار و الأفهام في تلك المدارك، و ها أنا أذكر أدلة كل من القولين مذيلا لها بما تنكشف به ان شاء الله تعالى غشاوة الاشكال، و يجتمع به على وجه لا يعتريه الاختلال مستمدا منه سبحانه إفاضة الصواب، و العصمة من الوقوع في شباك الاضطراب و الارتياب.
فأقول: مما يدل على القول الأول و هو الذي عليه القول، ظاهر قوله عز و جل (1) «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً».
و قد روى الشيخ في الصحيح عن زرارة (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: فقال «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً» و هذا يدخل فيه الصداق و الهبة».
و التقريب أنه دل بإطلاقه على ما يشمل الصحة و المرض، فتكون الآية دالة بمعونة تفسيرها بالخبر المذكور على صحة الهبة في مرض الموت مطلقا من غير تقييد بالثلث.
و منها ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الموثق عن عمار
____________
(1) سورة النساء- الاية 4.
(2) الكافي ج 7 ص 30 ح 3، التهذيب ج 9 ص 152 ح 624، الوسائل ج 13 ص 439 ح 1.
600
الساباطي (1) «أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: صاحب المال أحق بماله ما دام فيه شيء من الروح، يضعه حيث يشاء».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن سماعة (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يكون له الولد أ يسعه أن يجعل ماله لقرابته؟ قال: هو ماله يصنع به ما يشاء، الى أن يأتيه الموت».
و رواه المشايخ الثلاثة عن أبى بصير (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثله.
و ما قيل: من احتمال أن يكون المراد بإتيان الموت ما يشمل حضور مقدماته، فيشمل مرض الموت، فهو من الاحتمالات الباردة، و التخريجات الكاسدة كما يكشف عنه تتمته في بعض طرق
صاحب الكافي فإنه رواه بطريق آخر الى أبى بصير (4) عنه (عليه السلام) و زاد فيه «ان لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حيا ان شاء وهبه، و ان شاء تصدق به، و ان شاء تركه، الى أن يأتيه الموت، فان أوصى به فليس إلا الثلث، إلا أن الفضل في أن لا يضع من يعوله، و لا يضر بورثته».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الحسن بإبراهيم بن هاشم (5) أو الصحيح على القول بصحة حديثه، و هو المختار، وفاقا لجمع من علمائنا الأبرار عن أبى شعيب المحاملي عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: الإنسان أحق بماله ما دامت الروح في بدنه».
____________
(1) الكافي ج 7 ص 7 ح 1، التهذيب ج 9 ص 186 ح 748، الفقيه ج 4 ص 149 ح 517.
(2) الكافي ج 7 ص 8 ح 5، التهذيب ج 9 ص 178 ح 749. الوسائل ج 13 ص 381 ح 4.
(3) الكافي ج 7 ص 8 ح 8، التهذيب ج 9 ص 187 ح 750، الفقيه ج 4 ص 149 ح 518. الوسائل ج 13 ص 381 ح 1.
(4) الكافي ج 7 ص 8 ح 10. الوسائل ج 13 ص 381 ح 2.
(5) الكافي ج 7 ص 8 ح 9، التهذيب ج 9 ص 187 ح 751. الوسائل ج 13 ص 381 ح 4 و 1 و 2 و ص 383 ح 8. الوسائل ج 13 ص 383 ح 8.
601
و عن إبراهيم بن أبى بكر السمال الأزدي (1) عمن أخبره «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: الميت أولى بماله ما دام فيه الروح».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه عن مرازم (2) عن بعض أصحابنا «عن أبى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يعطى الشيء من ماله في مرضه؟ فقال إذا أبان فيه فهو جائز، و ان أوصى به فهو من الثلث».
أقول: المراد بقوله «أبان فيه» أبي ينزه و عزله و سلمه الى من أعطاه إياه و لم يعلق إعطائه على موته.
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن عمار الساباطي (3) في الموثق «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به فان تعدى فليس له إلا الثلث»،.
هكذا في الفقيه و بعض نسخ الكافي، و في التهذيب عوض «فان تعدى» «فان قال بعدي، و هو الأنسب، بقوله يبين به، و في بعض نسخ الكافي هكذا «قال: قلت له: الميت أحق بماله فيه الزوج و يبين به؟ قال: نعم، فإن أوصى به فليس له إلا الثلث» و هذا هو المناسب.
و ما رواه
المشايخ المذكورون أيضا عن عمار بن موسى (4) الموثق من بعض طرقه «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح، ان أوصى به كله فهو جائز له».
و هذا الخبر حمله الشيخ بالنظر الى ما تضمنه عجزه تارة على وهم الراوي، و أخرى على فقد الوارث، و ثالثة على ما إذا أجاز الورثة.
و ما رواه
في التهذيب في الموثق عن عمار الساباطي (5) «عن أبى عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 7 ص 7 ح 3، التهذيب ج 9 ص 187 ح 752. الوسائل ج 13 ص 381 ح 3.
(2) الكافي ج 7 ص 8 ح 6، الفقيه ج 4 ص 149 ح 519.
الوسائل ج 13 ص 382 ح 6.
(3) الكافي ج 7 ص 8 ح 7، التهذيب ج 9 ص 188 ح 756، الفقيه ج 4 ص 137 ح 477 الوسائل ج 13 ص 382 ح 7.
(4) الكافي ج 7 ص 7 ح 2، التهذيب ج 9 ص 187 ح 753، الفقيه ج 4 ص 150 ح 520 الوسائل ج 13 ص 382 ح 5.
(5) التهذيب ج 9 ص 190 ح 864 الوسائل ج 13 ص 383 ح 10.
602
في رجل يجعل بعض ماله لرجل في مرضه؟ قال: إذا أبانه جاز».
هذا ما حضرني من أدلة القول المذكور، و هي كما ترى على ما قلناه ظاهرة الدلالة تمام الظهور، لا يعتريها فتور و لا قصور.
و أما ما يدل على القول الآخر، فمنه
رواية علي بن عقبة (1) «عن الصادق (عليه السلام) في رجل حضره الموت فأعتق مملوكا له ليس له غيره، فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك كيف القضاء فيه؟ قال: ما يعتق منه إلا ثلثه، و سائر ذلك، الورثة أحق بذلك، و لهم ما بقي».
و موثقة سماعة (2) قال: «سألته عن عطية الوالد لولده؟ فقال أما إذا كان صحيحا فهو له يصنع به ما شاء فأما في مرض فلا يصلح».
و صحيحة الحلبي (3) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تبرأ زوجها من صداقها في مرضها؟ قال: لا».
و موثقة سماعة (4) قال: «سألته عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق أو بعضه فتبرءه منه في مرضها؟ قال: لا و لكنها ان وهبت له جازما وهبت له من ثلثها».
و رواية أبي ولاد (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون لامرأته عليه الدين فتبرءه منه في مرضها؟ قال: بل تهبه له فتجوز هبتها له، و يحسب ذلك من ثلثها ان كانت تركت شيئا».
و صحيحة علي بن يقطين (6) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) ما للرجل من ماله عند موته؟ قال: الثلث و الثلث كثير».
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 194 ح 781. الوسائل ج 13 ص 365 ح 4.
(2) التهذيب ج 9 ص 200 ح 800. الوسائل ج 13 ص 384 ح 11.
(3) التهذيب ج 9 ص 201 ح 802. الوسائل ج 13 ص 384 ح 15.
(4) التهذيب ج 9 ص 201 ح 803. الوسائل ج 13 ص 384 ح 16.
(5) التهذيب ج 9 ص 195 ح 783. الوسائل ج 13 ص 367 ح 11.
(6) التهذيب ج 9 ص 242 ح 940. الوسائل ج 13 ص 363 ح 8.
603
و صحيحة يعقوب بن شعيب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يموت ماله من ماله؟ قال: له ثلث ماله، و للمرأة أيضا».
و رواية عبد الله بن سنان (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «للرجل عند موته ثلث ماله، و ان لم يوص فليس على الورثة إمضاءه».
هذا ما حضرني من الأخبار التي استدلوا بها لهذا القول، و أنت خبير بأن ترجيح أخبار القول الأول ظاهر من وجوه: أحدها- اعتضادها بظاهر القرآن بالتقريب الذي قدمنا ذكره، و هو أحد المرجحات الشرعية التي دلت عليها مقبولة عمر بن حنظلة (3) و غيرها من عرض الأخبار عند الاختلاف على القرآن، و الأخذ بما وافقه و طرح ما خالفه.
و ثانيها- أن أخبارنا مخالفة للعامة، و أخبار الخصم موافقة لهم، كما نبه عليه كثير من أصحابنا من أن أكثر العامة على القول بمضمون الأخبار الأخيرة، و من أخبارهم في هذه المسئلة ما نقله
شيخنا في المسالك عن صحاحهم (4) «من أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد في مرضه لا مال له غيرهم، فاستدعاهم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، و جزأهم ثلاثة أجزاء و أقرع بينهم فأعتق اثنين و أرق أربعة،.
قال (قدس سره): و على هذه الرواية اقتصر ابن الجنيد في كتابه الأحمدي، و هذه القاعدة أيضا أحد القواعد المنصوصة عنهم (صلوات الله عليهم) في مقام الترجيح بين الأخبار في مقام الاختلاف.
و لكن أصحابنا (رضوان الله عليهم) كما قدمنا ذكره في غير موضع و لا سيما في كتب العبادات قد ألغوا العمل بهذه القواعد المنصوصة عن أئمتهم (صلوات الله
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 191 ح 770. الوسائل ج 13 ص 362 ح 2.
(2) التهذيب ج 9 ص 242 ح 939. الوسائل ج 13 ص 363 ح 7.
(3) الكافي ج 7 ص 412 ح 5. الوسائل ج 18 ص 3 و 4.
(4) المسالك ج 1 ص 424، المستدرك ج 2 ص 521 الباب 16 ح 3.
604
عليهم) و اتخذوا لهم قواعد لا دليل عليها، و لا مستند لها من الجمع بين الأخبار بحمل الأمر على الاستحباب، و النهي على الكراهة، و جعلوا ذلك قاعدة كلية في جميع أبواب الفقه، و ان عارضتها تلك القواعد المنصوصة كما لا يخفى على المتتبع لكلامهم في الخائض في بحور نقضهم و إبرامهم.
و ثالثها- أن ما استدللنا به من الأخبار صريح الدلالة على المطلوب و المراد، عار عن وصمة الطعن و الإيراد، و لهذا ان متأخري أصحابنا القائلين بالمشهور بينهم انما يتيسر لهم الطعن في أسانيدها، بناء على هذا الاصطلاح المحدث- و على هذا فمن لا يرى العمل به- كما هو الحق الحقيق بالاتباع حسبما جرى عليه متقدمو علمائنا للصدور عنهم، و الاتباع- فلا مجال للطعن بذلك عنده، على أنك قد عرفت أن فيها الصحيح و الموثق، و هم قد عملوا بالموثقات في مواضع لا تحصى، و غمضوا العين عن مخالفة اصطلاحهم.
و بالجملة فإنك قد عرفت أنه لا مسرح للطعن في دلالتها، بخلاف أخبارهم، فإنها غير خالية عن الإجمال، المانع من الاستناد إليها في الاستدلال، كما سيأتيك بيانه ان شاء الله تعالى في المقام.
و رابعها- اعتضاد أخبارنا بالإجماع على صحة التصرف المدلول عليه
بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «الناس مسلطون على أموالهم».
خرج منه ما خرج من التصرف المعلق على الموت بدليل، و بقي الباقي لعدم الدليل الناص على الخروج كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى.
و خامسها- اتفاق القائلين من الطرفين على لزوم التصرف لو برء عن مرضه، و أنه ينفذ من الأصل، و هذا لا وجه له على القول الآخر، إلا باعتبار أن يكون صحيحا غير لازم، موقوفا على الإجازة من الوارث ان مات، فيكون البرء كاشفا عن الصحة و اللزوم و اجازة الوارث، و عدمها كاشفا عن اللزوم و عدمه، حسبما
____________
(1) البحار ج 2 ص 272 ح 7.
605
قالوه في بيع الفضولي.
و أنت خبير بأنه و ان اشتهر ذلك في كلامهم، و بنوا عليه في نقضهم و إبرامهم، إلا أنا لم نظفر له بدليل في أمثال هذه المقامات، إلا على وجوه اعتبارية لا تصلح أن تكون مستندا في الأحكام الشرعية، كما حققنا ذلك بما لا مزيد عليه فيما تقدم في مسئلة البيع الفضولي من كتاب البيع (1) حيث إن المشهور بينهم صحته لوجوه اعتبارية، لفقوها و تخريجات وهمية صوروها، مع أن الأخبار تردها و تمنعها كما أوضحنا ذلك في الموضع المشار إليه بأوضح بيان، لم يسبق إليه أحد من علمائنا الأعيان، و يزيده تأكيدا أنه لا يخفى أن مقتضى الأدلة كتابا و سنة هو وجوب الوفاء بالعقود، و ترتب أثرها عليها من جواز التصرف بجميع أنواع التصرفات، و إبطال ذلك يحتاج الى دليل قاطع، ليمكن الخروج به عن الدليل الأول، فما خرج بدليل وجب الوقوف فيه على ما اقتضاه الدليل، و ما لم يقم عليه دليل من كتاب و سنة فهو باق على مقتضى الدليل الأول و حينئذ فلزوم التصرف بعد البرء في موضع النزاع كما وقع عليه الاتفاق، انما نشأ من لزوم الوصية أولا في حال المرض، كما ندعيه، الا انه انما وقعت الوصية صحيحة غير لازمة كما يدعونه، حتى فرعوا عليه هذا القول.
و سادسها- ما تقدمت الإشارة إليه من عدم صلوح هذه الروايات لمعارضة ما ذكرناه من الأخبار، لما فيها من الإجمال، بل الاختلال في جملة منها، و الاعتلال الموجب لسقوطها عن درجة الاستدلال، و ها نحن نشير الى تلك الأخبار على التفصيل.
فمنها رواية علي بن عقبة، و هي أوضح أدلة القائلين بذلك القول المشهور، و أظهر الوجوه فيها عندي هو الحمل على التقية، لمطابقتها كما عرفت للرواية العامية، و تعارضها على الخصوص، بما رواه
في الفقيه عن هارون بن مسلم عن
____________
(1) ج 18 ص 376.
606
مسعدة بن صدقه (1) «عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) أن رجلا من الأنصار توفي و له صبية صغار، و له ستة من الرقيق، فأعتقهم عند موته، و ليس له مال غيرهم، فأتى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فأخبر فقال: ما صنعتم بصاحبكم؟
قالوا: دفناه قال: لو علمت، ما دفناه مع أهل الإسلام، ترك ولده يتكففون الناس».
و ظاهر الخبر نفوذ الوصية حيث لم يحكم (صلى الله عليه و آله و سلم) بتخصيص الصحة بالثلث، كما تضمنه خبر علي بن عقبة، و كذا الخبر العامي، بل حكم بصحتها، حيث ذمه «بأنه ترك ولده يتكففون الناس» أي يسألونهم بأكفهم، فلو لا الحكم بصحتها لما كان لهذا الكلام معنى، و الخبر إما محمول على الكراهة المؤكدة كما ظاهر من كلام الأصحاب، و اليه يشير قوله (عليه السلام) في رواية سماعة المتقدمة برواية صاحب الكافي «إلا أن الفضل في أن لا يضيع من يعوله، و لا يضر بورثته»، أو التحريم، و لا ينافيه نفوذ الوصية، كما صرح به المحدث الكاشاني في الوافي.
و كيف كان فالخبر المذكور من الأخبار الدالة على ما ذكرنا، و ان لم نذكره فيما سبق.
و احتمل في المسالك أيضا حمل رواية علي بن عقبة على الوصية، قال:
لأن حضور الموت قرينة منعه من مباشرة العتق، و يجوز نسبة العتق اليه لكونه سببه القوي بواسطة الوصية، قال: و هذا و ان كان بعيدا، إلا أنه مناسب، حيث لم يبق للرواية عاضد، انتهى.
و لا يخفى ما فيه، و ما ذكرناه من الحمل على التقية هو الأظهر، لكنهم (رضي الله عنهم) حيث لم يلتفتوا الى هذه القواعد في الجمع بين الأخبار، كما قدمنا ذكره، اضطروا الى مثل هذه التحزيجات البعيدة.
ثم إنه على تقدير تسليمها فموردها خاص، و المدعى أعم من ذلك، و دعوى
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 137 ح 478، الوسائل ج 13 ص 383 ح 9.
607
الأولوية ممنوعة، بل هو قياس محض، و عدم القائل باختصاص الحكم به لا يسوغ قياس غيره عليه.
و منها موثقة سماعة الأولى و في معناها رواية جراح المدائني، و أول ما فيهما أنه لا قائل بهما على ظاهرهما، لأن ظاهرهما المنع من عطية الوالد لولده في المرض مطلقا، زاد على الثلث أم لا، بل بلغ الثلث أو لم يبلغ، و الحمل على معناه أنه لا يصلح من الأصل، بل يصلح من الثلث، و ان كان صحيحا في حد ذاته، إلا أنه بعيد من سياق الخبرين، إذ لا يعتبر في شيء من الخبرين للأصل و الثلث، و انما السؤال عن العطية بقول مطلق، فأجاب (عليه السلام) «أنه في حال الصحة يفعل ما يشاء، و في حال المرض فليس له ذلك».
و الثاني- انهما أخص من المدعى، فلا ينهضان حجة على العموم.
الثالث- احتمال حمل العطية في المرض على الوصية، و لعله الأقرب للاعتبار، ليحصل به الجمع بين الأخبار، بمعنى أنه حينئذ أنه لا يوصى له بما زاد على الثلث، و أما في الصحة فإن له أن يعطيه ماله جميعا، و يبينه به، و الشيخ في التهذيبين حمل حديث سماعة المذكورة تارة على الكراهة، لأنه إضرار بسائر الورثة و إيحاش لهم، و أخرى على ما إذا لم يكن على جهة الوصية، بل يكون هبة من غير ابانه و تسليم، و اعترضه المحدث الكاشاني في الوافي، فقال: التأويل الأول ينافيه ما مر من تحريم الإضرار، و الثاني ينافيه قوله مع اشتراط الجواز بالصحة، بينه في حديث جراح، بل سائر ما بعده من أخبار هذا الباب، فإن الإبراء و هبة ما في الذمة لا يفتقران إلى الإبانة، فالصواب أن تحمل هذه الأخبار على ظواهرها، و يخص المنع من العطية في المرض بمورده أعنى الوارث، و سره ما ذكره في التهذيبين من الايحاش، فان فعل حسبت من الثلث، كما تدل عليه الأخبار الأخيرة، انتهى.
أقول: فيه أولا أن ما ذكره الشيخ من تأويل رواية سماعة بحمل المنع
608
من عطية الولد في المرض على الكراهة جيد، لا بأس به.
قوله «أنه ينافيه ما مر من تحريم الإضرار» إشارة إلى ما قدمنا نقله عنه من جملة حديث مسعدة بن صدقة الدال على قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) ما دفناه مع أهل الإسلام على تحريم العتق، كذلك مردود، بأن الظاهر انما هو حمله على تأكيد الكراهة، كما يشير اليه خبر سماعة الذي أشرنا إليه ثمة و قوله (عليه السلام) فيه «إلا أن الفضل أن لا يضيع من يعوله، و لا يضر بورثته» فان الخبر صريح في كراهية الإضرار، دون التحريم الذي توهمه، و كم لهم (عليهم السلام) من المبالغة في النهي عن المكروهات ما يلحقها بالمحرمات، و الأمر بالمستحبات مما يدخلها في حيز الواجبات كما لا يخفى على الفطن البصير، و لا ينبئك مثل خبير.
و ثانيا- أن تخصيصه هذه الأخبار بمعنى المنع من العطية في المرض بالوارث، مردود بما قدمناه من تكاثر الاخبار و اتفاق الأصحاب على جواز الوصية للوارث، و عطيته في المرض، و أن المنع من ذلك انما هو مذهب العامة، كما تقدم في المسئلة الثانية من المقصد الخامس، و تقدم أن ما دل على خلاف ذلك فهو محمول على التقية.
و ثالثا- أنه مع تسليم ما ذكره من تخصيص المنع من العطية في المرض بالوارث، ففيه أن إثبات حكم كلي بورود ذلك في جزئي خاص سيما مع عدم الصراحة كما عرفت لا يخلو من الاشكال.
و رابعا- أنه إذا كان متى فعل، صح و حسب من الثلث، فأي اختصاص بالمنع بالوارث، إذ الاحتساب من الثلث مما لا نزاع فيه، لوارث كان أو أجنبي، فلا يظهر لمنع الوارث هنا وجه.
و بالجملة فإن كلامه هنا لا يخلو عندي من النظر الظاهر، للخبير الماهر
609
و منها صحيحة الحلبي (1) و ما في معناها من موثقة سماعة الثانية (2)، و رواية أبي ولاد (3) و أول ما فيها ما ذكره شيخنا في المسالك من أن مضمونها لا يقول به أحد، لأن الإبراء مما في الذمة صحيح بالإجماع، دون هبته، فالحكم فيها بالعكس، فكيف يستند الى مثل ذلك.
الثاني- أنها أخص من المدعى فلا تنهض حجة على العموم.
الثالث- معارضتها بظاهر الآية المفسرة في صحيحة زرارة (4) بالصداق، و أنه متى طابت نفسها عنه بإبراء أو هبة حل له في مرض كان أو صحة زاد على الثلث أو نقص، كل ذلك لإطلاق الآية، و الخبر المذكور، فان قيل: ان إطلاق الآية و الخبر المفسر لها يجب تخصيصه بهذه الأخبار، قلنا: هذه الأخبار حيث كانت معلومة بما عرفت من المنع من جواز الإبراء الذي لا خلاف و لا إشكال في جوازه، يشكل الاعتماد عليها في التخصيص، سيما ان الآية و الخبر المذكورين قد اعتضدا بالأخبار الكثيرة المتقدمة في أدلة القول الأول، فالتخصيص لهما تخصيص للجميع، و هذه الأخبار للعلة المذكورة مع خصوص موردها كما عرفت يضعف عن تخصيص الجميع.
و أما ما تكلفه جمع من متأخري مشايخنا (رفع الله أقدارهم) في الجواب عن الطعن الأول في هذه الروايات، بالحمل على أنه (عليه السلام) كان يعلم أن حق المرأة لم ينتقل إلى ذمة الرجل، و انما كان عينا موجودة، فلأجل ذلك منع من الإبراء الذي لا يقع إلا على ما في الذمة، و أمر بالهبة، فلا يخفى ما فيه، على الفطن النبيه، من التكلف و التعسف الذي يدركه كل ناظر و يعيه، على أن هذا الاحتمال إنما ذكروه في رواية سماعة، و غاية إمكانه، قصره على قضية واحدة، مع أن رواية
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 201 ح 802. الوسائل ج 13 ص 384 ح 15.
(2) التهذيب ج 9 ص 201 ح 803. الوسائل ج 13 ص 384 ح 16.
(3) التهذيب ج 9 ص 195 ح 783. الوسائل ج 13 ص 367 ح 11.
(4) التهذيب ج 9 ص 152 ح 624. الوسائل ج 13 ص 339 ح 1.
610
أبى ولاد قد تضمنت الدين، و وقع الجواب فيها بهذا التفصيل، فكيف يكون المراد بذلك العين الخارجة في الذمة خاصة.
و منها صحيحة علي بن يقطين و نحوها صحيحة يعقوب بن شعيب، و رواية عبد الله بن سنان، و الظاهر من الجميع هو الحمل على ما بعد الموت، أما صحيحة يعقوب بن شعيب فهي كالصريحة في ذلك، حيث قال: الرجل يموت فما له من ماله؟ أي بعد موته، فلا وجه حينئذ للاستدلال بها على المنجزات، كما هو محل البحث، و قريب منها الروايتان الأخريان لقوله «عند موته».
و بالجملة ان لم يكن ما ذكرنا هو الأظهر، فلا أقل لأن يكون مساويا في الاحتمال، و به يسقط الاستناد إليها في الاستدلال، و يؤيد ما ذكرناه من الحمل على الوصية، تكرر هذا المعنى في الأخبار، و دلالتها على أن غاية ما للميت الوصية به من ماله هو الثلث. و قد تقدمت، و لعل وجه الحكمة في منع الشارع له من الزيادة على الثلث في الوصية التي يكون تنفيذها بعد الموت، و تجويز التصرف له في حال مرضه في ماله مطلقا، و ان يفعل ما يشاء، و يعطيه و يبينه لمن يشاء، كما صرحت به أخبار القول الأول، هو أن المال بعد الموت لما ينتقل إلى الورثة، و يخرج عن ملكه و تصرفه، فإنه يسهل على النفس السخاء به، و الجود به لمن يشاء، فمن أجل ذلك اقتضت الحكمة الربانية منعه من الزيادة في الوصية على الثلث، خوف الإضرار بالورثة، و التعدي عليهم، بل صرحت بكراهة الوصية بالثلث، رعاية لهم هذا مع حفظه له، و شحه به و حرصه عليه، و هذه الحكمة ليست حاصلة في الحي، و ان كان مريضا، فان البرء ممكن، و الشح بالمال في الجملة حاصل، فيكون كتصرف الصحيح في ماله، لا في مال غيره، و توهم كون حال المرض في معرض أن يكون للورثة بخلاف الصحيح مطلقا ممنوع، فرب مريض عاش، و صحيح عجل به الموت، كما هو المشاهد بالوجدان في غير زمان و لا مكان.
611
و بالجملة فإن التصرف في الصورة الأولى لما كان بعد زمان الموت الذي ينتقل فيه المال الى الوارث صار كأنه تصرف في مال الوارث، فمنع منه، و التصرف في الصورة الأخرى لما كان في الحياة و لا تعلق له على الموت، كان كتصرف الصحيح في ماله، يفعل به ما يشاء.
و بما شرحناه يظهر لك أن أكثر هذه الأخبار غير ظاهرة الدلالة، و ما ربما يظهر منه ذلك فسبيله الحمل على التقية التي هي الأصل في اختلاف الأخبار، و أما روايات القول الأول الذي عليه المعول، فهي جميعا صريحة الدلالة، واضحة المقالة، لا مجال للطعن في دلالتها بوجه من الوجوه، نعم بناء على هذا الاصطلاح المحدث الذي قد عرفت أنه لا أصل له، و لا دليل عليه، بل الأدلة على بطلانه لمن نظر بعين الإنصاف و رجع اليه، اتجه لأصحاب هذا الاصطلاح الطعن فيها بضعف السند، مع أنك قد عرفت أن فيها الصحيح، و من أجل ما قلنا توقف شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد البحث في المسئلة في ترجيح أحد القولين، و تبعه المحدث الكاشاني في المفاتيح، كما هي عادته فيه غالبا، فقال في المسئلة المذكورة:
و في منع المريض من التبرعات المنجزة التي لا تستلزم تفويت المال على الورثة من غير عوض زيادة على الثلث من دون إذنهم أو إجازتهم قولان: و في الأدلة من الجانبين نظر، إذ ما صح سنده غير دال، و ما هو دال غير صحيح السند و لا معتبر، إلا موثق في طرف الجواز، مؤيد بالأصل، و هو أن صاحب المال أحق بماله ما دام حيا، و لكنه معارض بالأكثرية و الأشهرية، انتهى.
و بالجملة فإن من لا يرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث، و انما عمله على الاصطلاح القديم في الحكم بصحة جميع الأخبار، فإنه لا يرتاب و لا يشك في صحة ما اخترناه.
612
تذنيب:
ممن اختار القول المشهور بين المتأخرين العلامة في المختلف، و احتج عليه برواية علي بن عقبة، و رواية أبي ولاد و صحيحة علي بن يقطين المتقدم جميعه في المقام.
و رواية علي بن أبي حمزة عن أبى بصير (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: ان أعتق رجل عند موته خادما له، ثم أوصى بوصية أخرى ألغيت الوصية، و أعتقت الجارية من ثلثه، إلا أن يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصية».
و استدل أيضا
بصحيحة زرارة (2) «عن الصادق (عليه السلام) قال: إذا ترك الدين عليه و مثله أعتق المملوك، و استسعى».
و رواية حفص بن البختري (3) و رواية الحسن بن الجهم (4) الدالتين على ما دلت عليه صحيحة زرارة المذكورة.
و هذه الروايات و أمثالها قد تقدمت في المسئلة السادسة فيما إذا كان على الإنسان دين، فأعتق مملوكه الذي ليس له سواه منجزا، من القصد الخامس في الموصى له، ثم احتج ببعض الأدلة الاعتبارية كما هي قاعدتهم الى أن قال:
احتج المخالف بأنه مالك تصرف في ملكه، فكان سائغا ماضيا كالصحيح، و الجواب المنع من الملازمة، و القياس باطل في نفسه، و الفرق ظاهر، انتهى.
أقول: انظر الى هذه المجازفة الظاهرة في عدم استدلاله للقول المذكور بشيء من تلك الروايات المتعددة الصريحة مع كثرتها، كما عرفت، و انما أورد هذا التعليل الاعتباري و رده بما ذكره، و هو عجب من مثله (قدس سره) فان كان ذلك عن عدم اطلاع على شيء من تلك الأخبار فهو عجيب من مثله، و ان كان
____________
(1) الكافي ج 7 ص 17 ح 2، التهذيب ج 9 ص 197 ح 786. الوسائل ج 13 ص 365 ح 6.
(2) التهذيب ج 9 ص 169 ح 688. الوسائل ج 13 ص 422 ح 2.
(3) التهذيب ج 9 ص 169 ح 689. الوسائل ج 13 ص 422 ح 1.
(4) التهذيب ج 9 ص 169 ح 690. الوسائل ج 13 ص 423 ح 4.
613
مع الاطلاع عليها فهو أعجب، و من نظر في كلامه هذا و رأى الأخبار الدالة على القول الذي اختاره، و لم ير في مقابلتها إلا هذا التعليل العليل، فإنه لا يعتريه الشك في تقليده، و الحزم بما ذكره، و أما الروايات التي استدل بها فقد عرفت الجواب عن جملة منها.
بقي الكلام فيما استدل به من صحيحة زرارة و روايتي الحفص و الحسن بن الجهم و أمثالها مما قدمنا ذكره في المسئلة، فإنه لا ريب في دلالتها على ما ذكروه، إلا أنا قد قدمنا في تلك المسئلة أن وجه الجمع بين هذه الأخبار و بين الأخبار التي استندنا إليها هنا في الدلالة على ما اخترناه من خروج المنجزات من الأصل، هو العمل بتلك الأخبار، لأنها أخص فيخصص بها عموم هذه الأخبار و إطلاقها، لأن مورد تلك الأخبار العتق مع الدين المزاحم له، فيجب العمل فيها بما دلت عليه تلك، و يجب الوقوف فيه على ما دلت عليه اخبار هذه المسئلة.
و أما رواية أبي بصير التي استدل بها، فالجواب عنها ما عرفت في الجواب عن رواية علي بن عقبة، و لنا بناء على اصطلاحهم رد هذه الرواية و أمثالها من رواية علي بن عقبة و غيرهما مما ليس بصحيح باصطلاحهم بضعف الاستناد، إلزاما لهم باصطلاحهم، فلا تقوم لهم بها حجة علينا كما لا يخفى، و الله العالم.
المسئلة الثانية [حكم إقرار الإنسان في مرض موته]:
اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في إقرار المريض إذا مات في مرضه على أقوال: أحدها- أنه ينفذ من الأصل مطلقا، من غير فرق بين إقراره في حال مرضه، أو صحته، و هو مذهب سلار حيث قال: من كان عاقلا يملك أمره فيما يأتي و يذر، فإقراره في مرضه كإقراره في صحته و لم يفرق بين الدين و لا العين، و لا بين الوارث و لا الأجنبي، و لا بين أن يكون المقر متهما في إقراره أو غير متهم، و هو اختيار ابن إدريس.
و ثانيها- أنه من الأصل أيضا لكن بشرط عدالة المقر، و انتفاء التهمة، لوارث كان الإقرار أو لأجنبي، و من الثلث مع انتفاء أحد القيدين، و هو مذهب
614
الشيخين و ابن البراج، و المحقق في الشرائع، و الشهيد الثاني في المسالك، و سبطه السيد السند في شرح النافع، و المحدث الشيخ بن الحسن الحر العاملي في الوسائل و غيرهم، بل صرح في المسالك أنه مذهب المحقق في النافع.
حجة القول الأول كما ذكروه عموم (1)
«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».
و لأنه بإقراره يريد إبراء ذمته من حق عليه في حال الصحة، و لا يمكن التوصل اليه إلا بالإقرار، فلو لم يقبل إقراره بقيت ذمته مشغولة، و بقي المقر له ممنوعا من حقه، و كلاهما مفسدة، و اقتضت الحكمة قبول قوله.
و أنت خبير بما فيه من إمكان المناقشة و تطرق البحث اليه، أما الحديث المذكور فإنه يخص عمومه بالأخبار الآتية الدالة على أنه مع التهمة و عدم العدالة لا ينفذ إقراره.
و أما التعليل الآخر ففيه، الإقرار كما يحتمل أن يكون لما ذكره من ارادة إبراء ذمته، و أن ذمته مشغولة واقعا، كذلك يحتمل أن يكون قصده من الإقرار مجرد حرمان الوارث و منعه، و ان ذمته غير مشغولة، كما تشير الى ذلك الأخبار الآتية المصرحة باشتراط نفي التهمة، و كونه مرضيا، و الاستدلال المذكور مبني على الاحتمال الأول، و هو غير متعين، سيما مع دلالة الأخبار المذكورة على ما ذكرناه.
و بالجملة فترجيح أحد الاحتمالين على الآخر ليمكن التفريع عليه و البناء على ما يقتضيه يحتاج الى دليل، و ليس فليس.
و أما القول الثاني فيدل عليه أما بالنسبة إلى الوارث
فصحيحة منصور بن حازم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أوصى لبعض ورثته أن له عليه دينا، فقال: ان كان الميت مرضيا فأعطه له،.
و موثقة أبي أيوب (3) «عن أبي
____________
(1) الوسائل ج 16 ص 133 الباب 3 ح 2.
(2) الكافي ج 7 ص 41 ح 2. الوسائل ج 13 ص 376 ح 1.
(3) التهذيب ج 9 ص 160 ح 657. الوسائل ج 13 ص 378 ح 8.
615
عبد الله (عليه السلام) في رجل أوصى لبعض ورثته أن له عليه دينا فقال: ان كان الميت مرضيا فأعطه الذي أوصى له،.
و أما بالنسبة إلى الأجنبي،
فصحيحة ابن مسكان عن العلاء بياع السابري (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة استودعت رجلا مالا فلما حضرها الموت قالت له: ان المال الذي دفعته إليك لفلانة، و ماتت المرأة، فأتى أولياءها الرجل، فقالوا له: أنه كان لصاحبتنا مال، لا نراه إلا عندك، فأحلف لنا ما قبلك شيء، أ فيحلف لهم؟ فقال: ان كانت مأمونة عنده فيحلف لهم، و ان كانت متهمة فلا يحلف، و يضع الأمر على ما كان، فإنما لها من مالها ثلثه».
و أما القول الثالث فيدل عليه بالنسبة إلى الإقرار للأجنبي، و أنه من الثلث، صحيحة ابن مسكان (2) عن العلاء المتقدمة، و أما بالنسبة إلى الوارث، و أنه من الثلث مطلقا، فاستدل عليه
بصحيحة إسماعيل بن جابر (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أقر لوارث له و هو مريض بدين قال: قال. يجوز عليه إذا أقر به دون الثلث».
و قوى جماعة منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و سبطه السيد السند في شرح النافع، حمل الرواية المذكورة و ما اشتملت عليه من اعتبار الثلث على حالة التهمة جمعا بينها، و بين صحيحة منصور المتقدمة.
و زاد في المسالك احتمال أن نفوذه كذلك بغير قيد، و هو لا ينافي توقف غيره عليه، قال: مع أن ظاهرها غير مراد، لأنه اعتبر نقصان المقر به عن الثلث، و ليس ذلك شرطا إجماعا، انتهى.
أقول: بل الوجه هو الأول الذي يحصل به الجمع بينها و بين الصحيحة المشار إليها، و الرواية التي معها.
و احتمل بعض مشايخنا (عطر الله تعالى مراقدهم) أن يكون «دون» في
____________
(1) الكافي ج 7 ص 42 ح 3، التهذيب ج 9 ص 160 ح 661، الفقيه ج 4 ص 170 ح 595، الوسائل ج 13 ص 377 ح 2.
(2) الكافي ج 7 ص 42 ح 3، التهذيب ج 9 ص 160 ح 661، الفقيه ج 4 ص 170 ح 595، الوسائل ج 13 ص 377 ح 2.
(3) الكافي ج 7 ص 42 ح 4، التهذيب ج 9 ص 160 ح 659، الفقيه ج 4 ص 170 ح 592، الوسائل ج 13 ص 377 ح 3.
616
الرواية بمعنى «عند» و أن يكون المراد الثلث و ما دون، و يكون الاكتفاء مبنيا على الغالب، لأن الغالب أما زيادته عن الثلث، أو نقصانه، و كونه بقدر الثلث بغير زيادة و لا نقص نادر، انتهى.
أقول: و الحمل الثاني غير بعيد فقد وقع التعبير بمثل هذه العبارة في إرادة المعنى المذكور في جملة من موارد الأحكام، و عليه حمل قوله (1) عز و جل «فَإِنْ كُنَّ نِسٰاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ» أي اثنين فما فوق.
ثم أقول: قد روى
ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب في الصحيح عن أبى ولاد (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مريض أقر عند الموت لوارث بدين له عليه؟ قال: يجوز ذلك، قلت: فإن أوصى لوارث بشيء؟ قال:
جائز».
و ظاهر هذه الرواية إنما ينطبق على القول الأول، لكنها معارضة بصحيحة منصور بن حازم (3) و موثقة أبي أيوب (4) المتقدمتين، و قضية الجمع بين الجميع تقييد إطلاق هذه الرواية بتلك الروايتين.
و كيف كان فهي كما ترى ظاهرة في رد القول الثالث بالنسبة إلى الوارث، سواء قيدت أم لم تقيد، لأنه قد حكم بكون الإقرار للوارث من الثلث مطلقا، و هذه الرواية بحسب ظاهرها قد دلت على كونه من الأصل مطلقا، فهي ظاهرة في رده من أصله، و بالنظر الى تقييدها بتلك الروايتين يكون ردا عليه في بعض ما أطلقه، مضافا الى ذلك ما عرفت في الرواية التي استدل له بها، و بما حررناه يظهر لك أن أظهر الأقوال الثلاثة المذكورة هو القول الثاني.
و في المسئلة أيضا أقوال آخر، منها الفرق بين المضي من الأصل و الثلث بمجرد التهمة، و انتفائها.
____________
(1) سورة النساء- الاية 11.
(2) الكافي ج 7 ص 42 ح 5، التهذيب ج 9 ص 160 ح 660، الوسائل ج 13 ص 377 ح 4.
(3) الكافي ج 7 ص 41 ح 2، التهذيب ج 9 ص 159 ح 656، الوسائل ج 13 ص 376 ح 1.
(4) التهذيب ج 9 ص 160 ح 657، الوسائل ج 13 ص 378 ح 8.
617
و منها جعل مناط الفرق المذكور العدالة.
و منها تعميم الحكم للأجنبي بكونه من الأصل، و تقييد ذلك في الوارث بعدم التهمة.
و قد ذكر جمع من الأصحاب (رضي الله عنهم) أن المراد بالتهمة هنا الظن المستند إلى القرائن الحالية و المقالية الدالة على أن المقر لم يقصد بإقراره الاخبار عن حق متقدم، و إنما المراد تخصيص المقر له بما أقر به، و حرمان الوارث من حقه أو بعضه، و التبرع به للغير، فلذلك جرى مجرى الوصية في الخروج من الثلث خاصة.
و الظاهر أن المراد من العدالة في كلامهم هو ما أشار إليه في صحيحة منصور، و موثقة أبي أيوب بقوله مرضيا، أى يعتمد على قوله، و لا يظن به التهمة و قصد حرمان الورثة بإقراره، و هو المراد أيضا من قوله (عليه السلام) في رواية العلاء بياع السابري «ان كانت مأمونة».
و بالجملة فإنه لما كان الميت ليس له من ماله بعد الموت إلا الثلث خاصة، و ما زاد فهو للوارث، منع من تصرفه فيه بالوصية و نحوها، و حينئذ فإذا اعترف بالدين- الذي مخرجه من حيث هو من الأصل لتعلقه بالذمة- من حيث احتمال اعترافه للصحة و البطلان، وجب التفصيل فيه بما دلت عليه هذه الأخبار، من أنه إذا كان مرضيا مأمونا، له ديانة و ورع يحجزه عن مخالفة الحدود الشرعية و الأوامر الإلهية، وجب العمل بظاهر اعترافه، و أخرج من الأصل، و إلا فإنما يخرج من الثلث.
و بهذا فيظهر ما في كلام جملة من الأصحاب من أن الإقرار انما يكون من الثلث مع ظهور التهمة، و مع الشك و الجهل بالحال يرجع فيه الى أصالة عدمها، فيجب الخروج من الأصل، فإنه خلاف ظاهر الأخبار المذكورة حيث إنها صريحة في كون الإخراج من الأصل مشروطا بكون المقر مرضيا مأمونا، و مقتضاه
618
أنه مع الجهل و عدم العلم بوجود الشرط، أو العلم بعدم وجوده يكون الإخراج من الثلث، لعدم وجود الشرط الموجب لانتفاء المشروط.
و هذا التحقيق يرجع في الحقيقة إلى القول المتقدم بأن مناط الفرق المذكور العدالة، كما هو منقول عن العلامة في التذكرة، و أنها هي الدافعة للتهمة، و هذا هو ظاهر الأخبار المتقدمة.
و يظهر الفرق بين هذا القول و القول الثاني ما لو كان المقر على ظاهر العدالة، و قامت القرائن الحالية أو المقالية على التهمة، فعلى الاكتفاء بظاهر العدالة، يكون الإخراج من الأصل، و لا يلتفت الى ما دلت عليه القرائن المذكورة، و على تقدير المشهور من ضم عدم التهمة إلى العدالة و جعلهما شرطين، يكون الإخراج من الثلث، لانتفاء أحد الشرطين.
و أنت خبير بأن اعتبار انتفاء التهمة منفردا أو منضما الى شرط العدالة لا يعرف له مستند من الاخبار، إلا ما يفهم من شرط الامانة و كونه مرضيا الذي هو عبارة عن العدالة عندهم بالتقريب الذي قدمناه.
اللهم إلا أن يقال: ان قيام القرائن بالتهمة الموجب لظنها ينافي العدالة المذكورة، و لا يجامعها و هو غير بعيد، و ان صرح في المسالك بخلافه، و جوز اجتماعهما، بناء على أن العدالة المبنية على الظاهر لا تزول بالظن، و فيه منع ظاهر فإن العدالة انما تبنى على الظن، و اللازم من ذلك تقابل الظنين و ترجيح أحدهما على الآخر يحتاج الى مرجح، و الظاهر أنه لما ذكرناه ذهب صاحب الكفاية إلى قول آخر في المسئلة، فقال- بعد أن فسر التهمة بما قدمنا نقله عن جمع من الأصحاب- ما هذا لفظه: و الأقوى أن التهمة بالمعنى المذكور توجب المضي من الثلث مطلقا، و كون المقر ممن يوجب قوله الظن بصدقه، لكونه أمينا مصدقا يوجب المضي من الأصل، و في غير ذلك تأمل، انتهى.
و محل التأمل في كلامه ما لو انتفى الوصفان كما في غير العدل، أو المجهول
619
العدالة الذي لم تظهر قرائن التهمة عليه، و قد عرفت آنفا أن مقتضى ظواهر الأخبار الدالة على اشتراط كونه مرضيا في الخروج من الأصل، أنه متى فقد الشرط وجب انتفاء المشروط، فالحكم بأنه من الثلث في هذه الصورة بناء على ذلك الظاهر أنه لا اشكال فيه، إلا أن ما ذكره من التأمل في أمثال هذه المواضع لا يخلو من وجه.
هذا: و قد صرح جملة من الأصحاب منهم العلامة في التذكرة و الشهيدان بأنه لو برء المريض فالظاهر نفوذ إقراره من الأصل، تمسكا (1)
«بأن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».
السالم عما يصلح للمعارضة، فإن رواية العلاء مفروضة في الإقرار الواقع في مرض الموت، و غيرها لا عموم فيه بحيث يتناول من برء بعد المرض، و اليه مال السيد السند في شرح النافع، و هو جيد.
تذنيب [في الإشارة إلى الروايات الواردة في المقام]
بقي في المقام روايات تتعلق بالمسئلة لا بأس بنقلها، و بيان ما اشتملت عليه، و منها
صحيحة الحلبي (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يقر لوارث بدين؟ فقال: يجوز إذا كان مليا».
و صحيحته (3) الأخرى قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل أقر لوارث بدين في مرضه أ يجوز ذلك؟ قال: نعم إذا كان مليا»،.
و ضمير اسم كان يحتمل رجوعه الى الوارث الذي أقر له، و الغرض من ذكر ملاءته كون ذلك قرينة على صدق المقر في إقراره له، و يحتمل عوده الى المقر، و يجعل ذلك كناية عن صدقه و أمانته، و على هذين الاحتمالين يكون مخرجه من الأصل، و يحتمل رجوعه الى المقر أيضا لا باعتبار الأول بل باعتبار التخصيص بالثلث، بأن تبقى ملاءته
____________
(1) الوسائل ج 16 ص 133 ح 2.
(2) الكافي ج 7 ص 41 ح 1، التهذيب ج 9 ص 159 ح 655. الوسائل ج 13 ص 378 ح 5.
(3) التهذيب ج 6 ص 190 ح 405. الوسائل ج 13 ص 378 ح 7.
620
بالثلثين، و حاصل الجواب أنه يجوز إقراره في الثلث خاصة، فيكون مخرجه منه دون الأصل.
و يمكن تأييد هذا المعنى
بموثقة سماعة (1) قال: «سألته عمن أقر للورثة بدين عليه و هو مريض؟ قال يجوز عليه ما أقر به إذا كان قليلا».
بحمل القليل فما دونه، بمعنى أن مخرج هذا الذي أقر به من الثلث، و على هذا تكون هذه الروايات مطابقة لمذهب المحقق في النافع إلا أن تحمل على التهمة كما تقدم ذكره في صحيحة إسماعيل بن جابر (2) إلا أن الاستناد إليها مع ما هي عليه من الإجمال الموجب لاتساع دائرة الاحتمال لا يخلو من الاشكال، و الحق أن هذه الأخبار لا يظهر لها معنى يعتمد عليه، و لا يفهم منها حكم يرجع اليه.
و منها
صحيحة سعد بن سعد (3) «عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن رجل مسافر حضره الموت، فدفع مالا الى رجل من التجار، فقال: ان هذا المال لفلان بن فلان ليس لي فيه قليل و لا كثير، فادفعه اليه يصرفه حيث شاء، فمات و لم يأمر فيه صاحبه الذي جعل له بأمر، و لا يدرى صاحبه ما الذي حمله على ذلك كيف يصنع؟ قال: يضعه حيث شاء».
قال بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم): قوله «يضعه حيث شاء» أي هو ماله يضعه حيث يشاء، إذ ظاهر إقراره أنه أقر له بالملك، و يكفي ذلك في جواز تصرفه، فلا يلزمه بيان سبب الملك، و يحتمل أن يكون المراد أنه أوصى اليه بصرف هذا المال في أي مصرف شاء، فهو مخير في الصرف فيه مطلقا أو في وجوه البر، انتهى.
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 160 ح 658. الوسائل ج 13 ص 379 ح 9.
(2) الكافي ج 7 ص 42 ح 4. الوسائل ج 13 ص 377 ح 3.
(3) الكافي ج 7 ص 63 ح 23 و فيه «عن سعد بن إسماعيل عن أبيه»، التهذيب ج 9 ص 160 ح 662. الوسائل ج 13 ص 378 ح 6.
621
أقول: لا يخفى أن سياق الرواية المذكورة ظاهر في أن اعتراف الرجل بذلك المال لذلك الشخص الذي سماه، ليس له أصل بالكلية، و لهذا ان الرجل المسمى لم يقبض المال، و لم يأمر فيه بأمر، بل تعجب من ذلك، و لم يدر ما الذي حمل ذلك الرجل على الاعتراف له، مع أنه لا يستحق في ذمته مالا بالكلية، و حينئذ فقرينة التهمة في هذا الاعتراف ظاهرة، فيجب بمقتضى ما تقدم أن يكون مخرجه من الثلث خاصة، و ظاهره أن المال باق في يد الأمين، و حينئذ فيجب أن يحمل جوابه (عليه السلام) «بأن ذلك له يضعه حيث يشاء» اما على عدم وجود وارث لذلك الرجل المقر، فان من لا وارث له، له أن يوصى به كملا إلى من نشاء، أو يعترف به كما هو أصح القولين في المسئلة، أو على أن ذلك المال يخرج من الثلث، أو أن الغرض من الجواب بيان صحة الانتقال و التملك بمجرد هذا الاعتراف مع قطع النظر عن هذه المسئلة بالكلية.
و كيف كان فالخبر غير خال من شوب الاشكال، لما فيه من الإجمال.
و منها
رواية أبي بصير (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل معه مال مضاربة فمات و عليه دين، و أوصى أن هذا الذي ترك لأهل المضاربة أ يجوز ذلك؟ قال: نعم إذا كان مصدقا».
أقول: هذا الخبر مما ينتظم في سلك أخبار القول الثاني، و التعبير بقوله «مصدقا» مثل قوله في تلك الاخبار «مرضيا و مأمونا».
و منها
رواية السكوني (2) «عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) أنه كان يرد النحلة في الوصية، و ما أقر عند موته بلا ثبت و لا بينة رده».
أقول: الظاهر أن المراد من قوله «يرد النحلة في الوصية» بمعنى يجعلها داخلة في الوصية و من قبيلها، فيكون الجار و المجرور متعلقا بيرد، و أما احتمال
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 167 ح 679، الوسائل ج 13 ص 380 ح 14.
(2) التهذيب ج 9 ص 161 ح 663، الوسائل ج 13 ص 380 ح 12.
622
تعلقه بالنحلة فإنه يقتضي رد النحلة مطلقا، و هو مخالف لظاهر الأخبار المتقدمة، و غيرها، و المراد بقوله «و ما أقر به عند موته» الى آخر ما ذكره الشيخ في كتابي الأخبار من الحمل على ما إذا كان غير مرضي بل متهما على الورثة فيكون معنى رده يعنى من الأصل و أن اخرج من الثلث، و ظاهر الخبر رده مطلقا، إلا أنه لما كان مخالفا لما تقدم من الأخبار، فالواجب حمله على ما ذكره الشيخ (رحمة الله عليه).
و منها رواية
محمد بن عبد الجبار (1) قال: «كتبت الى العسكري (عليه السلام):
امرأة أوصت الى رجل و أقرت له بدين ثمانية آلاف درهم، و كذلك ما كان لها من متاع البيت من صوف و شعر و شبه و صفر و نحاس، و كل مالها أقرت به للموصى اليه، و أشهدت على وصيتها و أوصت أنه يحج عنها من هذه التركة حجتان، و يعطى مولاه لها أربعمائة درهم و ماتت المرأة، و تركت زوجا و لم ندر كيف الخروج من هذا، و اشتبه علينا الأمر، و ذكر الكاتب أن المرأة استشارته فسألته أن يكتب لها ما يصح لهذا الوصي فقال: لا تصح تركتك لهذا الوصي إلا بإقرارك له بدين يحيط بتركتك بشهادة الشهود، و تأمريه بعد أن ينفذ ما توصيه به، فكتب له بالوصية على هذا، و أقرت للوصي بهذا الدين، فرأيك أدام الله عزك في مسئلة الفقهاء قبلك عن هذا، و تعرفنا ذلك لنعمل به ان شاء الله؟
فكتب (عليه السلام) بخطه: ان كان الدين صحيحا معروفا مفهوما فيخرج الدين من رأس المال ان شاء الله و ان لم يكن الدين حقا أنفذ لها ما أوصت به من ثلثها كفى أو لم يكف».
أقول: لما كان ظاهر سياق هذه الحكاية أن المرأة المشار إليها قاصدة بهذا الإقرار حرمان الوارث لم يرتب الحكم فيها على عدالة المقر، و كونه مرضيا، لأن المعلوم من السياق خلافه بل رتبه على ثبوت الدين و معلومية صحته، و هو
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 161 ح 664، الوسائل ج 13 ص 379 ح 10.
623
نظير ما تقدم في رواية السكوني من قوله (عليه السلام) «بلا ثبت و لا بينة رده» بناء على ما ذيلنا به من التأويل بأنه إذا كان متهما احتيج إلى إخراجه من الأصل إلى البينة الموجبة لثبوته، و إلا فمن الثلث.
و أما قوله في الخبر المذكور «فرأيك أدام الله عزك في مسئلة الفقهاء قبلك» فإنه لا يخلو من غموض، قال المحدث الكاشاني في الوافي: ما رأيك أو أعلمنا رأيك في سؤالنا الفقهاء الذين يكونون عندك من شيعتك عن هذا، و في تعرفنا ذلك منهم، إذ ليس لنا إليك وصول، و كان غرضه الاستئذان في مطلق سؤالهم من المسائل، انتهى.
أقول: الظاهر أنه لا يخلو من بعد، و قال: شيخنا المجلسي في حواشيه على كتب الأخبار لعل المراد بالفقهاء الأئمة (عليهم السلام) أي نطلب رأيك أو نتبعه، أو ان رأيت المصلحة في أن تعرفنا ما أجاب به الأئمة المتقدمة عليك عند سؤالهم عن هذه المسئلة، فعلى الأخير يكون و تعرفنا معطوفا على مسئلة، تفسيرا لها، و يحتمل أن يكون المراد السؤال عن فقهاء أهل البلد، و تعريف الجواب بأن يقرأ قبلك بكسر القاف و فتح الباء، و على التقديرين يكون هذا النوع من الكلام الغير المعهود من أصحابهم للتقية، و على الثاني لنهاية التقية و يمكن أن يكون المراد ما رأيك في مسئلة سألنا الفقهاء قبل أن نسئلك فيها يعنى فقهاء بلد السائل، انتهى.
أقول: و الذي يظهر لي من العبارة المذكورة أن المراد انما هو عرفنا رأيك في هذه المسئلة التي سئل الفقهاء قبلك لنعمل بما تعرفنا دون ما قالوا أولئك الفقهاء فيها، و حينئذ يكون المراد بالفقهاء فقهاء العامة.
و منها
رواية مسعدة بن صدقة (1) «عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهم السلام) قال:
قال علي (عليه السلام) لا وصية لوارث و لا إقرار بدين».
يعني إذا أقر المريض لأحد من
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 162 ح 665، الوسائل ج 13 ص 380 ح 13.
624
الورثة بدين فليس له ذلك، و حمله الشيخ في التهذيبين تارة على التقية و أخرى على المتهم، و ما زاد على الثلث.
أقول: ما تضمنه من النهي عن الوصية للوارث فلا ريب في حمله على التقية، لأن ذلك مذهب الجمهور، و أخبارنا المعتضدة باتفاق أصحابنا دالة على الجواز كما تقدم تحقيقه في المسئلة المذكورة من المقصد الأول، و أما المنع من الإقرار بالدين فهو يتعين الحمل على أحد الحملين، و الله العالم.
المسئلة الثالثة [في صحة الوصية بجميع المال إذا لم يكن له وارث]:
اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في أن من مات و لا وارث له، هل له أن يوصي بجميع ماله الى من شاء أم لا؟ فذهب الشيخ في الخلاف و ابن إدريس و العلامة في المختلف الى الثاني، و ذهب ابن الجنيد و الصدوق في المقنع و هو ظاهر الشيخ في كتابي الأخبار الى الأول، و هو ظاهر المحدثين المحسن الكاشاني في الوافي و الحر العاملي في الوسائل، و هو المختار.
و قال في المختلف: قال الشيخ في الخلاف: من ليس له وارث قريب أو بعيد، و لا مولى نعمة لا يصح أن يوصي بأكثر من الثلث، و ذهب أبو حنيفة و أصحابه و شريك، الى أن له أن يوصي بجميع ماله، و روي ذلك في أحاديثنا، ثم استدل بصحة الوصية بالثلث إجماعا و لا دليل على الزائد،
و روى معاذ بن جبل (1) «عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: ان الله تعالى تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم».
و لم يفرق بين أن يكون له وارث أم لا، و قال ابن إدريس أيضا: لا يصح الا في الثلث، و قال ابن الجنيد:
روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) أنه قال: «و من أوصى بالثلث فقد بلغ المدى».
يعنى بذلك إذا كان له ورثة و من تجاوز ذلك الى الثلث لم يجز إلا أن تشاء الورثة، فأما من لا وارث له فجائز أن يوصى بجميعه لمن شاء، و فيما شاء مما أبيح الوصية فيه،
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 519 الباب 9 ح 3.
(2) التهذيب ج 9 ص 192 ح 773، الوسائل ج 13 ص 360 ح 1.
625
و قال الصدوق في المقنع: إذا مات الرجل و لا وارث له و لا عصبة قال: يوصي بماله حيث شاء في المسلمين و المساكين، و المعتمد الأول، لما تقدم، و احتج الآخرون بما
روى السكوني (1) «عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أنه سئل عن الرجل يموت و لا وارث له و لا عصبة، قال: يوصى بماله حيث شاء في المسلمين و المساكين و ابن السبيل.
و قد روى الشيخ و الصدوق معا عن عمار بن موسى (2) «عن الصادق (عليه السلام) قال: الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح ان أوصى به كله فهو جائز له».
و تأولاه بأنه إذا لم يكن وارث قريب أن بعيد، فيوصي به كله، و استدلا بما سبق من حديث السكوني، و الوجه ترك هذه الرواية لضعفها، انتهى كلامه في المختلف.
أقول: العجب من الشيخ (قدس سره) أنه استدل على ما ذهب إليه في الخلاف من عدم صحة الوصية في الصورة المذكورة بأن الوصية بالثلث مجمع عليه، و ما زاد لا دليل عليه مع أنه بعد أن نقل عن أبي حنيفة أن له أن يوصي بجميع ماله قال: و روى ذلك في أحاديثنا، و حينئذ فإذا اعترف برواية ذلك في أحاديثنا كيف يتم له قوله «و الوصية بما زاد على الثلث لا دليل عليه» و الدليل موجود باعترافه، إلا أن يبين وجه قدح فيه يوجب عدم العمل به، و مع ذلك يستند الى هذه الرواية العامية، و يطرد هذه الرواية التي اعترف بها.
و أعجب من ذلك قول العلامة بعد ذلك، و المعتمد الأول، بما تقدم، و أشار بالأول إلى مذهب الشيخ في الخلاف، و أشار بما تقدم الى الاستدلال الشيخ مع ما عرفت فيه من القصور الظاهر لكل ناظر.
نعم يمكن أن يستدل لما ذهب اليه الشيخ في الخلاف و من تبعه بإطلاق بعض الروايات الدالة (3) على أنه متى أوصى بما زاد على الثلث وجب رده الى
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 188 ح 754. الوسائل ج 13 ص 370 ح 1.
(2) التهذيب ج 9 ص 187 ح 753، الفقيه ج 4 ص 150 ح 520. الوسائل ج 13 ص 382 ح 5.
(3) التهذيب ج 9 ص 192 ح 773. الوسائل ج 13 ص 358 الباب 8 ح 1.
626
الثلث و بطلت الوصية بالزائد، بإطلاقها دالة على وجوب الرد الى الثلث، و جد وارث ثمة أم لم يوجد، إلا أن فيه أن أكثر الأخبار قد تضمنت وجود الوارث في البين، ففي جملة منها أنه تمضى الوصية في الثلث، و ترد الباقي على الورثة، و في جملة إلا أن تجيز الورثة، و حينئذ فيحمل إطلاق تلك الأخبار على هذه.
و مما يعضد رواية السكوني موثقة عمار المتقدمة في كلام العلامة الدالة على أنه ان أوصى بماله كله فهو جائز، بحملها على عدم الوارث، إذ لا جائز أن يعمل بها على ظاهرها فيلزم طرحها، و العمل بالخبر مهما أمكن أولى من طرحه، كما صرحوا به في غير موضع، و العلامة في المختلف انما تمسك في ردها بضعف السند، بناء على هذا الاصطلاح الغير الصحيح و لا المعتمد، و من لا يعمل به لا يصح عنده رد الخبر بغير معارض.
فان قيل: أخبار كون (1)
«الامام وارث من لا وارث له».
تعارض هذه الرواية، قلنا: ما ذكرت من الأخبار مطلق أو عام، و هذه الرواية خاصة أو مقيدة فالقاعدة تقتضي تقديم العمل بهذه الرواية و تخصيص تلك الأخبار أو تقييدها بها.
على أنه مما يعضد هذه الرواية ما رواه
الشيخ في الصحيح عن احمد بن محمد بن عيسى (2) قال: «كتب اليه محمد بن إسحاق المتطيب: و بعد أطال الله بقاك نعلمك يا سيدنا انا في شبهة من هذه الوصية التي أوصى بها محمد بن يحيى درياب، و ذلك أن موالي سيدنا و عبيده الصالحين ذكروا أنه ليس للميت أن يوصي إذا كان له ولد بأكثر من ثلث ماله، و قد أوصى محمد بن يحيى بأكثر من النصف مما خلف من تركته، فان رأى سيدنا و مولانا أطال الله بقاءه أن يفتح غياب هذه الظلمة التي شكونا و يفسر ذلك لنا نعمل عليه ان شاء الله تعالى فأجاب (عليه السلام): ان كان أوصى بها من قبل أن يكون له ولد فجائز وصيته و ذلك أن ولده ولد من بعده».
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 386 الباب 44، الوسائل ج 17 ص 547 الباب 3.
(2) التهذيب ج 9 ص 197 ح 789، الوسائل ج 13 ص 370 ح 2.
627
و ظاهر الخبر المذكور أنه لو أوصى بأكثر من الثلث و لو بالمال كله قبل وجود الوارث، ثم تجدد له وارث، و لم يعدل الموصي عن الوصية الى أن مات، فإنه يجب العمل بتلك الوصية، و يحرم الوارث من المال الموصى به، و هو حكم غريب و فرع عجيب لم أقف على من نبه عليه، و لا تنبه اليه.
و ربما يقال: ان أدلة الإرث كتابا و سنة يقتضي وجوب رد ما زاد على الثلث الى الوارث، إلا أنه يمكن القدح فيه، بأن تلك الأدلة مطلقة، و هذا الخبر خاص بصورة الوصية بالمال و تقدمها على وجود الوارث، و القاعدة تقتضي تقديم العمل به، سيما مع صحة الخبر باصطلاحهم، و كيف كان فالخبر المذكور ظاهر فيما دلت عليه رواية السكوني من صحة الوصية بالمال كله مع عدم وجود الوارث، فالقول بذلك متعين. وفاقا لما قدمنا ذكره عن أصحابنا.
و قال في الدروس بعد ذكر استحباب إقلال الوصية: و أن الخمس أفضل من الربع، و الربع أفضل من الثلث: و قال علي بن بابويه: إذا أوصى بماله كله فهو أعلم، و يلزم الوصي إنفاذه
لرواية عمار (1) «ان أوصى به كله فهو جائز له،.
و حملها الشيخ على من لا وارث له، فجوز الوصية بجميع المال لمن لا وارث له، و هو فتوى الصدوق و ابن الجنيد لرواية السكوني، و منع الشيخ في الخلاف من الزيادة على الثلث مطلقا، و هو مختار ابن إدريس و الفاضل، انتهى.
أقول: ظاهر كلام شيخنا المذكور هو التوقف في المسئلة حيث اقتصر على نقل الخلاف الذي فيها، و لم يرجح شيئا من القولين، و لا طعن في أحد الجانبين و أما ما نقله عن الشيخ علي بن بابويه فقد تقدم الكلام فيه، و بينا أن مستنده في ما ذكره من الحكم المذكور انما هو كتاب الفقه الرضوي، فإن عبارته هنا عين عبارة الكتاب كما أوضحناه في جملة من الأبواب، و لكنهم خفي عليهم ذلك استدلوا له بهذه الرواية، و الله العالم.
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 187 ح 753، الوسائل ج 13 ص 382 ح 5.
628
المسئلة الرابعة [عدم ضمان الوصي مقدار الدين مع العزل و عدم التفريط]:
قال الشيخ في النهاية: إذا قال الموصي لوصيه اقض عني ديني، وجب عليه أن يبدأ به قبل الميراث فان تمكن من قضائه و لم يقض و هلك المال كان ضامنا له، و ليس على الورثة لصاحب الدين سبيل، و ان كان قد عزل من أصل المال و لم يتمكن من إعطائه أصحاب الديون و هلك من غير تفريط من جهته كان لصاحب الدين مطالبة الورثة بالدين من الذي أخذوه، و تبعه ابن البراج، و بهذه العبارة قال ابن إدريس، إلا أنه زاد في عبارة الشيخ، فقال في كتابه: و إذا قال الموصي لوصيه اقض عني ديني، وجب عليه أن يبدأ به قبل الميراث، فان تمكن من قضائه و لم يقضه و هلك المال كان ضامنا له، و ليس على الورثة لصاحب الدين سبيل ان كان قد صار إليهم من التركة حقهم، فان كان قد عزله الوصي من أصل المال، و قسم الباقي بينهم، و لم يتمكن من إعطائه أصحاب الديون و هلك من غير تفريط من جهته، كان لصاحب الدين مطالبة الورثة بالدين من الذي صار إليهم و أخذوه و اقتسموه، انتهى.
و العلامة في المختلف قد استدرك عليه الزيادة الأولى، و اعترضه فيها، فقال بعد نقل ذلك: و المعتمد أن نقول في الفرض الأول إذا كان قد بقي من المال شيء و أخذه الورثة سواء كان حقهم، أو أزيد، أو أنقص، كان لصاحب الدين مطالبة الورثة بأقل الأمرين من حقه و مما صار إليهم، ثم يرجع الورثة على الوصي بتفريطه لعدم انحصار حق صاحب المال فيما تلف، و ان حمل المال في قول الشيخ و هلك المال بأن هلك جميعه قبل أن يصل الى الوارث منه شيء استقام الحكم و انتظم، و الظاهر أن مراد الشيخ و ابن البراج ذلك، و لكن ابن إدريس لقلة تفطنه زاد ما أفسد به الكلام من حيث لا يشعر، انتهى.
أقول: و هذه المناقشات بعد ظهور المعنى بقرائن الحال و المقال من ابن إدريس للشيخ، و من العلامة لابن إدريس مما يستغنى عنه، فان من الظاهر أن الورثة ما لم يصل إليهم شيء من التركة، لا يتعلق بهم حق من الديون بالكلية،
629
و مع وصول شيء لهم لا يتعلق بهم و لا يجب عليهم وفاء ما زاد عنه، و مع هلاك التركة في يد الوصي بتفريطه يلزمه الضمان، و لا رجوع على الورثة بشيء، لأنه لم يصل إليهم منها شيء، و هذه أحكام معلومة متفق عليها بينهم.
ثم أن الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسئلة ما رواه
الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: في رجل توفي فأوصى الى رجل و على الرجل المتوفى دين فعمد الذي أوصى اليه فعزل الذي للغرماء فرفعه في بيته و قسم الذي بقي بين الورثة، فسرق الذي للغرماء من الليل ممن يؤخذ؟ قال: هو ضامن حين عزله في بيته يؤدى من ماله».
و عن أبان (2) عن رجل قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أوصى الى رجل أن عليه دينا؟ فقال: يقضى الرجل بما عليه من دينه، و يقسم ما بقي بين الورثة، قلت: فسرق ما أوصى به من الدين، ممن يؤخذ الدين أمن الورثة أم من الوصي؟ فقال: لا يؤخذ من الورثة، و لكن الوصي ضامن لها».
قال في التهذيبين: انما يكون الوصي ضامنا للمال إذا تمكن من إيصاله إلى المستحق فلم يفعل، انتهى و هو جيد، فان الضمان انما يلزم مع التفريط، و التفريط ليس إلا مع إمكان الدفع الى صاحبه، و الإخلال بذلك كما تكاثرت به الأخبار في جملة من الأحكام.
و الذي يكشف عن ذلك ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل بعث زكاة ماله ليقسم فضاعت، هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال: إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن، الى أن قال: و كذلك الوصي الذي يوصى اليه يكون ضامنا لما دفع
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 168 ح 685. الوسائل ج 13 ص 417 ح 2.
(2) التهذيب ج 9 ص 168 ح 684. الوسائل ج 13 ص 418 ح 4.
(3) الكافي ج 3 ص 553 ح 1. الوسائل ج 6 ص 198 ح 1.
630
إليه إذا وجد ربه الذي أمر بدفعه إليه، فان لم يجد فليس عليه ضمان».
ثم انه مع التفريط و لزوم الضمان للوصي لا يتعين رجوع الديان على الوصي، بل يتخيرون بين الرجوع على الوصي أو على الورثة فيما قبضوه من حصصهم، و ترجع الورثة على الوصي، لأن ما عزله الوصي لا يتعين للدين بمجرد عزله ما لم يصل الى الديان، بل الدين يتعلق بالتركة كائنا ما كانت، و كيف كان فالضمان انما هو على الوصي، و النقصان انما هو عليه من ماله، لأن الورثة متى أخذ منهم الديان الدين رجعوا به عليه، فلا يلحقهم ضمان و لا نقص، و الله العالم.
المسئلة الخامسة [في حكم انتقال من ينعتق على المريض إليه]
إذا انتقل الى المريض من ينعتق عليه كأبيه و ابنه مثلا فلا يخلو إلا أن يكون بغير عوض أو بعوض، و على التقديرين فإما أن يكون الملك اختياريا أو قهريا، و على تقدير الملك بعوض، فإما أن يكون العوض موروثا أولا، فهذه صور ست:
الأولى- أن يملكه بغير عوض و يكون الملك اختياريا
، كما لو أوصى له أحد بأبيه أو أمه فقبل الوصية أو وهبه له بغير عوض، فقبل الهبة، فإن قلنا أن منجزات المريض من الأصل كما هو أحد القولين في المسئلة، كان انعتاقه من الأصل، و لا اشكال فيه، و ان قلنا أن المنجزات من الثلث كما هو المشهور بين المتأخرين فوجهان: بل قولان: أحدهما- للمحقق في الشرائع مدعيا عليه الإجماع و هو أن عتقه من الأصل أيضا، قال: و لو أوصى له بأبيه فقبل الوصية، و هو مريض، عتق عليه من أصل المال إجماعا، لأنه انما يعتبر من الثلث ما يخرجه عن ملكه، و هنا لم يخرجه بل بالقبول ملكه، و انعتق عليه تبعا لملكه، و مرجع استدلاله إلى أمرين: أحدهما الإجماع، و ثانيهما ما ذكره من أن المعتبر من الثلث على القول به في المنجزات، انما هو بالنسبة الى ما يخرجه المريض عن ملكه بنفسه اختيارا، كما لو أعتق العبد أو وهب أو تصدق أو نحو ذلك، و هنا لم يخرج المريض شيئا على هذا الوجه، و انما المخرج له هو الله سبحانه حين ملكه بالقبول، و انعتق
631
عليه قهرا تبعا للملك. فلم يكن مفوتا شيئا باختياره، و انما جاء الفوات من قبل الله عز و جل».
و ثانيهما- للعلامة في التحرير و هو أن عتقه من الثلث، كالعتق اختيارا، استنادا الى أن اختيار السبب و هو قبوله الوصية و قبوله الهبة في المثالين المتقدمين اختيار للمسبب، و هو العتق المترتب على القبول، فمتى كان الأول معذورا كان الثاني كذلك، و هو يرجع الى منع كون العتق قهريا كما ادعاه ذلك القائل، بل هو اختياري له، فإنه لو لم يقبل لما دخل في ملكه، و لما انعتق عليه، و لما قبل باختياره ترتب عليه ذلك، فيكون من قبيل عتق العبد باختياره، و بالجملة فإنه لا يلزم من كون الخروج قهريا كونه من الأصل، و انما يلزم ذلك لو لم يكن مستندا الى اختيار المريض المتملك بالقبول، كما ذكرناه لكنه مستند اليه، و بذلك يظهر الجواب عن أحد الدليلين المتقدمين.
و أما الثاني و هو الإجماع ففيه ما ذكره شيخنا في المسالك و لنذكره بطوله لقوة و جودة محصوله، و ان كان قد قدمنا نبذة منه في غير موضع فيما تقدم، و هو أيضا قد خالفه في غير موضع من كتابه هذا، لكنه الحق الحقيق بالاتباع، و ان كان قليل الاتباع، قال (قدس سره): و لا يقدح دعواه الإجماع في فتوى العلامة بخلافه، لأن الحق أن إجماع أصحابنا انما يكون حجة مع تحقق دخول المعصوم في جملة قولهم، فان حجيته انما هو باعتبار قوله عندهم، و دخول قوله في قولهم في مثل هذه المسئلة النظرية غير معلوم، و قد نبه المصنف في أوائل المعتبر على ذلك، فقال: ان حجية الإجماع لا يتحقق إلا مع العلم القطعي بدخول قول المعصوم في قول المجمعين، و نهى عن الاغترار بمن يتحكم، و يدعى خلاف ذلك، و هذا عند الإنصاف عين الحق، فإن إدخال قول شخص غائب لا يعرف قوله في قوله جماعة معروفين بمجرد اتفاقهم على ذلك القول بدون العلم بموافقته لهم تحكم بارد، و بها يظهر جواز مخالفة الفقيه المتأخر لغيره من المتقدمين في كثير من المسائل التي ادعوا
632
فيها الإجماع، إذا قام عنده الدليل على ما يقتضي خلافهم، و قد اتفق لهم ذلك كثيرا، لكن زلة القدم متسامحة عند الناس دون المتأخر، انتهى و هو جيد متين كما لا يخفى على الحاذق المكين.
الثانية- الصورة بحالها و لكن ملكه بغير اختيار
كحصوله له بالإرث، و ينبغي القطع بكونه من الأصل هنا، و ان قلنا في سابق هذه الصورة بكونه من الثلث، لعدم الاختيار في السبب و لا في المسبب، و نقل عن التذكرة أنه جعل العتق أقرب، و ربما قيل: بأنه متى قلنا في الصورة الأولى بكونه من الثلث، فيحتمل كونه هنا كذلك، فيتحقق الملك للمريض فيكون معدودا من جملة أمواله، فانعتاقه يفوت عليهم المالية، و فيه أنه لم يتلف على الوارث شيء مما هو محسوب مالا، لأنه بمجرد الإرث ينعتق عليه، و أيضا فإن العتق قهري و الملك قهري، و قد عرفت في الصورة السابقة: أن وجه القول بكونه من الثلث انما هو لكون السبب اختياريا و هنا ليس كذلك كما عرفت.
الثالثة- أن يملكه بعوض موروث اختيارا
، بمعنى أن يملكه باختياره بعوض لو بقي في مدة، لأنه ينتقل بعد الموت لوارثه كالشركاء بثمن المثل، فمن قال: ان المنجزات مخرجها من الأصل، فإنه يكون هنا من الأصل، و هو ظاهر، و من قال انها من الثلث ففي انعتاقه قولان: أحدهما- أنه من الثلث كما اختاره العلامة في الإرشاد، و في الأحكام المعنوية من القواعد، و علل بأن تملكه له باختياره سبب في عتقه فجرى مجرى المباشرة خصوصا عند من يجعل فاعل السبب فاعل المسبب كالجبائين، قال في المسالك: و هذا هو الأصح.
و ثانيهما- نفوذه من الأصل، لأنه إنما يحجر عليه في التبرعات، و الشراء بثمن المثل ليس بتبرع، فلا يكون محجورا عليه، و العتق حصل بغير اختياره، فلا يعتبر فيه الثلث، و هذا القول اختيار العلامة في كيفية التنفيذ من كتاب القواعد.
633
و رد بأن بذل الثمن في مقابلة ما قطع بفواته و زوال ماليته بالانعتاق تضييع على الوارث كما لو اشترى ما يقطع بموته عاجلا.
و شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد اقتصر على نقل القولين المذكورين، و نقل دليل كل منهما و لم يرجح شيئا منهما و لا طعن في شيء من الدليلين المذكورين و هو مؤذن بالتوقف في ذلك.
الرابعة- أن يملكه بعوض موروث ملكا قهريا بغير اختياره
، بأن يكون مستندا الى حكم الشارع و أمره له به كما لو كان نذر في حال الصحة، أو في حال المرض ان قلنا بكونه من الأصل، بأنه ان وجد قريبة يباع بعوض، و هو قادر عليه اشتراه، فان هذا من الأصل على القولين، و يحتمل ضعيفا كونه من الثلث بحصول السبب المقتضى للتصرف في المرض، و وجه ضعفه بإسناد ذلك الى إيجاب الشارع فكان عليه بمنزلة الدين.
الخامسة- أن يملكه بعوض غير موروث
كما لو آجر نفسه للخدمة به، فإنه عندهم يعتق من الأصل لعدم تفويته شيئا على الوارث.
السادسة- أن يملكه كذلك بغير اختياره، بل بإلزام الشارع
كما لو نذر تملكه بالإجارة كذلك، و الحكم في هذه الصور كسابقتها بطريق أولى، و الله العالم.
المسئلة السادسة [في صحة الوصية بالإشارة و الكتابة]:
الظاهر أنه لا خلاف و لا إشكال في صحة الوصية بالإشارة على المراد مع تعذر اللفظ، و كذا الكتابة مع التلفظ أيضا، و القرينة الدالة على الدالة قصد الوصية بها.
و يدل على الأول ما رواه
في الفقيه عن محمد بن أحمد عن السندي بن محمد عن يونس بن يعقوب عن أبى مريم (1) ذكره عن أبيه «أن أمامة بنت أبى العاص
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 241 ح 935، الفقيه ج 4 ص 146 ح 506، الوسائل ج 13 ص 437 ح 1 و ج 16 ص 59 ح 1.
634
و أمها زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) كانت تحت علي بن ابى طالب (عليه السلام) بعد فاطمة (عليها السلام) فخلف عليها بعد علي (عليه السلام) المغيرة بن النوفل فذكر أنها وجعت وجعا شديدا حتى اعتقل لسانها، فجاءها الحسن و الحسين (عليهما السلام) ابنا علي (عليه السلام) و هي لا تستطيع الكلام: فجعلا يقولان لها و المغيرة كاره لذلك: أعتقت فلانا و أهله؟
فجعلت تشير برأسها نعم، و كذا و كذا فجعلت تشير برأسها أي نعم لا تفصح بالكلام، فأجازا ذلك لها».
و رواه الشيخ بهذا السند مثله،
و رواه بسند آخر في الصحيح عن الحلبي (1) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) أن أباه حدثه أن أمامة.» الحديث.
و ما رواه
عبد الله بن جعفر الحميري (2) في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن علي جعفر عن أخيه قال: «سألته عن رجل اعتقل لسانه عند الموت أو امرأة فجعل أهليهما يسأله أعتقت فلانا و فلانا فيومئ برأسه أو تومئ برأسها، في بعض نعم، و في بعض لا، و في الصدقة مثل ذلك، أ يجوز ذلك؟ قال: نعم هو جائز».
و ما رواه
في الكافي بسنده عن محمد بن جمهور (3) عن بعض أصحابنا «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: ان فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت أول امرأة هاجرت الى رسول الله (صلى الله عليه و آله) من مكة إلى المدينة على قدميها الى أن قال: و قالت لرسول الله (صلى الله عليه و آله): انى أريد أن أعتق جاريتي هذه فقال لها: ان فعلت أعتق الله بكل عضو منها عضوا منك من النار، فلما مرضت أوصت الى رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أمرت أن يعتق خادمها و اعتقل
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 258 ح 938. الوسائل ج 13 ص 437 الباب 49 ح 2.
(2) قرب الاسناد ص 119. الوسائل ج 13 ص 437 الباب 49 ح 2.
(3) أصول الكافي ج 1 ص 253 ح 2. الوسائل ج 13 ص 437 الباب 49 ح 3.
635
لسانها، فجعلت تومئ إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) إيماء، فقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) وصيتها» الحديث.
و يدل على الثاني ما رواه
الصدوق عن عبد الصمد بن محمد عن حنان بن سدير (1) عن أبيه «عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: دخلت على محمد بن الحنفية، و قد اعتقل لسانه فأمرته بالوصية فلم يجب، قال: فأمرت بالطست فجعل فيه الرمل فوضع فقلت له: فخط بيدك قال: فخط وصيته بيده في الرمل و نسخت أنا في صحيفة».
و ما رواه الشيخ عن محمد بن أحمد بن يحيى عن عبد الصمد بن محمد مثله، انما الخلاف و الاشكال في الاكتفاء بالكتابة في الاختيار، فظاهر أكثر الأصحاب عدم الاكتفاء بذلك.
قال شيخنا الشهيد الثاني في الروضة بعد قول المصنف انه يكفى الإشارة و الكتابة مع تعذر اللفظ- ما صورته: و لا تكفيان مع الاختيار و ان شوهد كاتبا أو علم خطه أو عمل الورثة ببعضها، خلافا للشيخ في الأخير أو قال: انه بخطي، و أنا عالم به، و هذه وصيتي فاشهدوا علي بها، و نحو ذلك بل لا بد من تلفظه أو قرائته عليه و اعترافه بعد ذلك، لأن الشهادة مشروطة بالعلم، و هو منفي هنا خلافا لابن الجنيد حيث اكتفى به مع حفظ الشاهد له عنده، ثم قال: و الأقوى بقراءة الشاهد له مع نفسه مع اعتراف الوصي بمعرفة ما فيه و أنه موصى به، و كذا القول في المقر، انتهى.
أقول: أما ما نقله عن الشيخ فإنه إشارة الى ما ذكره في النهاية حيث قال:
إذا وجدت وصية بخط الميت، و لم يكن اشهد عليها و لا أقر بها كان الورثة بالخيار بين العمل بها و بين ردها و إبطالها، فإن عملوا بشيء منها لزمهم العمل بجميعها، و اعترضه ابن إدريس في ذلك، فقال: و قد روي أنه إذا وجدت وصية بخط الميت
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 146 ح 505، التهذيب ج 9 ص 241 ح 934، الوسائل ج 13 ص 436 ح 1.
636
و لم يكن أشهد عليها و لا أمر بها، فإن الورثة بالخيار بين العمل بها و بين ردها و إبطالها، فإن عملوا بشيء منها لزمهم العمل بها جميعا، على ما روى في بعض الأخبار و أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته، و الذي يقتضيه أصول مذهبنا أنهم إذا أقروا بشيء منها و قالوا به، و قالوا: ان هذا حسب صحيح أوصى به دون ما عداه مما في هذا المكتوب، فإنه لا يلزم العمل بجميع ما في المكتوب إلا بما أقروا به دون ما عداه، و انما هذه رواية و خبر واحد أورده الشيخ إيرادا، و قد بينا أن أخبار الآحاد لا يجوز العمل بها في الشرعيات، انتهى.
أقول و الذي وقفت عليه في الاخبار مما يتعلق بهذه المسئلة هو ما رواه
الصدوق (قدس الله روحه)عن إبراهيم بن محمد الهمداني (1) قال: «كتبت الى أبى الحسن (عليه السلام): رجل كتب كتابا بخطه و لم يقل لورثته هذه وصيتي و لم يقل انى قد أوصيت، إلا أنه كتب كتابا فيه ما أراد أن يوصى به، هل يجب على ورثته القيام بما في الكتاب بخطه و لم يأمرهم بذلك؟ فكتب (عليه السلام): ان كان له ولد، ينفذون كل شيء يجدون في كتاب أبيهم في وجه البر أو غيره».
و رواها الشيخ في التهذيب أيضا الا أنه قد سقط من قلمه ما بين كتاب الأول الى كتاب الثاني، و الأقرب من سقط قلمه كما وقع له أمثال ذلك مما لا يحصى في متون الأخبار و أسانيدها، و قد قدمنا التنبيه عليه في جملة من مواضع كتب العبادات.
و أنت خبير بأن الرواية المذكورة ظاهرة في وجوب تنفيذ ما يجدونه في وصيته بخطه بخلاف ما ذكره الأصحاب من منع ذلك، و تخصيص الجواز بحال الضرورة و عدم إمكان التلفظ.
و أما ما ذكره الشيخ في النهاية من أن الورثة بالخيار بين العمل بها إذا كانت كذلك، و بين ردها و ابطالها، و أنه مع اختيار العمل بشيء منها يلزمهم
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 242 ح 936 مع اختلاف يسير، الفقيه ج 4 ص 146 ح 507، الوسائل ج 13 ص 437 ح 2.
637
العمل بجميعها، فلم يصل إلينا فيه خبر، و لا ورد به أثر، فقول ابن إدريس «و قد روى أنه إذا وجدت وصية» الى آخر كلامه الظاهر أنه من قبيل ما قدمنا ذكره في غير موضع، من أن الشيخ لما كانت عادته غالبا الإفتاء في كتاب النهاية بمتون الأخبار، توهم ابن إدريس أن هذه الفتوى من الشيخ مستندة الى خبر وصل اليه بذلك، فنازعه فيه بناء على ذلك، و احتمال وصول خبر الى الشيخ بذلك مع عدم وصوله لنا و ان أمكن، إلا أنه بعيد، سيما بعد ما عرفت من النظائر التي قدمنا ذكرها من إفتاء الشيخ في الكتاب المذكور، و اعتراض ابن إدريس عليه بأنه خبر واحد، مع أنه لم يرد في تلك الفتوى خبر بالكلية، و كيف كان فحيث قد عرفت أن هذه الفتوى من الشيخ لما لم يرد لها مستند من الأخبار فلا تعويل عليها.
و انما يبقى الكلام في خبر الهمداني المذكور، و ما دل عليه من وجوب العمل بالوصية المكتوبة بخطه، و ان لم تخبر ورثته بها بالكلية، فإن ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) كما عرفت عدم العمل بهذه الوصية، و الظاهر أنهم لم يقفوا على الخبر المذكور، و إلا لأجابوا عنه، ورد الخبر من غير معارض شرعي و لا دليل مرعي غير مسموع، و ظاهر صاحب الفقيه العمل به، و القول بما دل عليه، و سند الخبر المذكور في الفقيه صحيح أو حسن، لأن طريقه الى إبراهيم المذكور حسن، أو صحيح بإبراهيم بن هاشم، و أما إبراهيم بن محمد الهمداني المذكور فهو و ان لم يكن حديثه في الصحيح فلا أقل ان يكون في الحسن، لما ذكره علماء الرجال فيه، من أنه كان وكيل الناحية، و كان حج أربعين سنة، و عن الكشي توثيقه في ترجمة أحمد بن إسحاق، و روى توكيله و جلالة قدره في بعض التوقيعات.
و بالجملة فإن الخبر المذكور حسن السند، واضع المتن، لا تطرق للطعن فيه بوجه من الوجوه و لا معارض له كما عرفت إلا مجرد كلامهم، فالعمل به متعين، و الله العالم.
638
ختام به الإتمام: يشمل على جملة من أخبار نوادر الأحكام.
روى المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) عن علي بن يقطين (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل أوصى الى امرأة، و أشرك في الوصية معها صبيا؟
فقال: يجوز ذلك، و تمضى المرأة الوصية و لا تنتظر بلوغ الصبي فإذا بلغ الصبي فليس له أن لا يرضى إلا ما كان من تبديل أو تغيير، فان له أن يرده الى ما أوصى به الميت».
و هو صريح في جواز الوصية إلى المرأة.
و روى في التهذيب و الفقيه عن السكوني (2) «عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): المرأة لا يوصى إليها، لأن الله تعالى قال وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ».
و هذا الخبر حمله في التهذيبين على الكراهة أو التقية، قال: لأنه مذهب كثير من العامة قال: و انما قلنا بذلك لإجماع علماء الطائفة على الفتوى بالخبر الأول، و أشار به الى خبر علي بن يقطين المذكور، و قال في الفقيه بعد أن عنون الباب بكراهة الوصية إلى المرأة تم أورد
خبر السكوني قال: و في خبر آخر (3) «سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز و جل (4) وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ» قال: لا تؤتوها شارب الخمر و لا النساء، ثم قال:
و أي سفيه أسفه من شارب الخمر».
ثم قال: في الفقيه و انما يعني كراهة اختيار المرأة للوصية، فمن أوصى إليها لزمها القيام بالوصية على ما تؤمر به و يوصى إليها ان شاء الله تعالى، انتهى.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 46 ح 1، التهذيب ج 9 ص 184 ح 743، الفقيه ج 4 ص 155 ح 538. الوسائل ج 13 ص 439 ح 2.
(2) التهذيب ج 9 ص 245 ح 953، الفقيه ج 4 ص 168 ح 585. الوسائل ج 13 ص 442 ح 1.
(3) الفقيه ج 4 ص 168 ح 586. الوسائل ج ص 442 ح 2.
(4) سورة النساء- الاية 4.
639
أقول: و الأقرب الحمل على التقية التي هي أحد القواعد المنصوصة في الجمع بين الأخبار، دون الكراهة، و ان كانت هي المعمول عليها بينهم و بلغ في الاشتهار غايته.
و روى ثقة الإسلام عن أبى بصير (1) في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: أعتق أبو جعفر (عليه السلام) من غلمانه عند موته شرارهم، و أمسك خيارهم، فقلت له: أبه تعتق هؤلاء، و تمسك هؤلاء فقال: انهم قد أصابوا مني ضربا فيكون هذا بهذا».
و رواه الشيخ و الصدوق مثله.
أقول: فيه دلالة على استحباب عتق من ضربه السيد، و ان كان هو استحقاق.
و روى المشايخ الثلاثة عن عمر بن يزيد (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال:
مرض علي بن الحسين (عليه السلام) ثلاث مرضات، في كل مرض يوصي بوصية، فإذا أفاق أمضى وصيته».
أقول: يفهم من هذا الخبر استحباب إمضاء الوصية بعد البرء من ذلك المرض الذي أوصى فيه.
و عن أحمد بن حمزة (3) قال: «قلت له: ان في بلدنا ربما أوصى بالمال لآل محمد (عليهم السلام)، فيأتوني به فأكره أن أحمله إليك حتى أستأمرك، فقال:
لا تأتني به و لا تعرض له».
أقول: الظاهر أنه محمول على التقية، لأن الظاهر أن المسئول هو الكاظم (عليه السلام) و كانت التقية في وقته شديدة، و أحمد بن حمزة في زمانه (عليه السلام) كان من الوكلاء.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 55 ح 13 التهذيب ج 9 ص 246 ح 956، الفقيه ج 4 ص 171 ح 600، الوسائل ج 13 ص 472 الباب 84.
(2) الكافي ج 7 ص 56 ح 14 التهذيب ج 9 ص 246 ح 955، الفقيه ج 4 ص 172 ح 601، الوسائل ج 13 ص 472 الباب 85.
(3) الكافي ج 7 ص 58 ح 3 التهذيب ج 9 ص 233 ح 911، الفقيه ج 4 ص 174 ح 611، الوسائل ج 13 ص 480 ح 1.
640
و عن حماد بن عثمان (1) في الصحيح أو الحسن «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال:
أوصى رجل بثلاثين دينارا لولد فاطمة (عليها السلام) قال: فأتى بها الرجل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) ادفعها الى فلان، شيخ من ولد فاطمة (عليها السلام)، و كان معيلا مقلا، فقال له الرجل: إنما أوصى بها الرجل لولد فاطمة (عليها السلام) فقال له أبو عبد الله (عليه السلام):
انها لا تقع من ولد فاطمة (عليها السلام) و هي تقع من هذا الرجل و له عيال».
أقول: الظاهر أنه لما علم (عليه السلام) أن هذا الموصى به لا يسع ولد فاطمة (عليها السلام) جميعا لكثرتهم، أو لا يمكن إيصاله إليهم لتفرقهم، و انما يمكن إعطاؤه لبعض منهم خص هذا الشيخ المعيل به، حيث انها يقع منه و ينتفع بها.
و روى في الكافي قال: و كتب إبراهيم بن محمد الهمداني (2) إليه (عليه السلام) ميت.
و روى في التهذيب عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت اليه ميت، و رواه الشيخ بسند آخر عن أحمد بن هلال قال: «كتبت الى أبى الحسن (عليه السلام) ميت أوصى بأن يجرى على رجل ما بقي من ثلثه، و لم يأمر بإنفاذ ثلثه هل للوصي أن يوقف ثلث الميت بسبب الاجراء فكتب (عليه السلام): ينفذ ثلثه و لا يوقف».
أقول: الظاهر أن معنى الخبر المذكور أنه أوصى أن ينفق على رجل من ثلثه ما بقي ذلك الرجل، فلو مات الرجل قبل نفاد الثلث يرجع الباقي الى ورثة الموصي و لم يأمر بإنفاذ الثلث، أي لم يوص اليه بالثلث كملا على وجه ينحصر استحقاقه فيه و في ورثته من بعده، فهل للوصي أن يقطع الاجراء عليه و يجعله موقوفا؟ حيث انه لم يوص له بالثلث كملا و لم يستحقه كملا بالوصية، فكتب (عليه السلام):
ليس له أن يوقفه، بل يجب أن يجرى عليه النفقة من الثلث ما دام الرجل موجودا و الثلث باقيا كما هو مقتضى الوصية.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 58 ح 2، التهذيب ج 9 ص 233 ح 912. الوسائل ج 13 ص 480 ح 2.
(2) الكافي ج 7 ص 36 ح 32، التهذيب ج 9 ص 144 ح 599 و ص 197 ح 787، الفقيه ج 4 ص 177 ح 525. الوسائل ج 13 ص 330 الباب 7.
641
و أما ما توهمه بعض متأخري المتأخرين (1) من مشايخنا (رضوان الله عليهم) من احتمال حمل يوقف على أنه يجعل الثلث وقفا و يجرى عليه من حاصل الوقف، فهو بعيد سحيق بل غريب من مثله (قدس سره).
و روى الشيخ في التهذيب عن صفوان بن يحيى (2) «عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: سالته عن الرجل يوقف ثلث الميت بسبب الاجراء؟ فكتب: ينفذ ثلثه و لا يوقف».
أقول: إجمال هذا محمول على التفصيل الذي تقدم في سابقه، و حاصل السؤال أنه هل للوصي إذا أوصى الميت بإجراء ثلثه و صرفه في مصرف مخصوص أن يجعله موقوفا و لا يجريه في ذلك المجرى، فمنع (عليه السلام) من ذلك و أوجب إنفاذه فيما أوصى به الموصي.
و روى في الكافي و التهذيب عن الحسين بن إبراهيم بن محمد الهمداني (3) قال: كتب محمد بن يحيى و روى في الفقيه عن الحسين بن إبراهيم قال: «كتبت مع محمد بن يحيى هل للوصي أن يشتري شيئا من مال الميت إذا بيع فيمن زاد و يزيد؟ و يأخذ لنفسه؟ فقال: يجوز إذا اشترى صحيحا.
أقول: المشهور بين الأصحاب هو الجواز في هذه الصورة، و نقل عن الشيخ القول بالمنع استنادا الى أن الواحد لا يكون موجبا و قابلا في عقد واحد، لأن الأصل في العقد أن يكون بين اثنين إلا ما أخرجه دليل و هو الأب و الجد، ورد بأن مرجعه الى منع تولية طرفي العقد و هو ممنوع، إذ لم يقم عليه دليل مع أصالة الجواز، و وجود النظير في الأب و الجد كما اعترف به، و لا دليل على
____________
(1) هو شيخنا محمد تقى والد محمد باقر المجلسي (رحمه الله).
(2) التهذيب ج 9 ص 144 ح 600. الوسائل ج 13 ص 331 ح 2.
(3) الكافي ج 7 ص 59 ح 10، التهذيب ج 9 ص 233 ح 913. الفقيه ج 4 ص 162 ح 566. الوسائل ج 13 ص 475 الباب 89.
642
اختصاصهما بذلك، و هذه الرواية كما ترى ظاهرة في الجواز، و جملة من الأصحاب قد ذكروها، لكن لم يجعلوها دليلا لضعف رجالها و جهالة المكتوب اليه، و انما جعلوها شاهدا و مؤيدا، و قد تقدم الكلام في المسئلة في غير موضع و بينا أنه لم يقم دليل على المنع من تولية الواحد طرفي العقد إلا في النكاح كما دلت عليه موثقة عمار (1).
و روى المشايخ الثلاثة (تغمدهم الله تعالى برحمته) عن سعد بن إسماعيل عن أبيه (2) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن وصيي أيتام تدرك أيتامه فيعرض عليهم أن يأخذوا الذي لهم فيأبون عليه، كيف يصنع؟ قال: يرده عليهم و يكرههم».
و هو دال على وجوب القبض عليهم، و كذا كل من له مال حال دفعه من غريمه فإنه يجب عليه قبضه.
و روى في الكافي عن محمد بن عيسى (3) في الصحيح عمن رواه «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: في رجل مات و أوصى الى رجل و له ابن صغير فأدرك الغلام و ذهب الى الوصي فقال: رد علي مالي لأتزوج فأبى عليه فذهب حتى زنى قال:
يلزم ثلثي إثم زنا هذا الرجل ذلك الوصي الذي منعه المال و لم يعطه، فكان يتزوج».
أقول: لعل التمثيل بالثلثين كناية عن بيان القسط الذي يلزم بسبب المنع، و أنه المعظم من الإثم و الأكثر منه.
و روى في الكافي و التهذيب عن جعفر بن عيسى (4) قال: «كتبت الى أبى
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 378 ح 5. الوسائل ج 14 ص 217 ح 4.
(2) الكافي ج 7 ص 68 ح 1، التهذيب ج 9 ص 245 ح 951، الفقيه ج 4 ص 165 ح 1. الوسائل ج 13 ص 436 الباب 47.
(3) الكافي ج 7 ص 69 ح 9. الوسائل ج 13 ص 435 ح 1.
(4) الكافي ج 7 ص 59 ح 9، التهذيب ج 9 ص 233 ح 914. الوسائل ج 13 ص 480 ح 1.
643
الحسن (عليه السلام) أسأله في رجل أوصى ببعض ثلثه من بعد موته من غلة ضيعة له الى وصيه، يضعه في مواضع سماها له معلومة في كل سنة، و الباقي من الثلث يعمل فيه ما شاء و رأي الوصي، فأنفذ الوصي ما أوصى به اليه من المسمى المعلوم، و قال في الباقي: قد صيرت لفلان كذا، و لفلان كذا في كل سنة، و في الحج كذا، و في الصدقة كذا في كل سنة، ثم بدا له في ذلك فقال: قد شئت الأول و رأيت خلاف مشيتي الأولى و رأيي، إله أن يرجع فيها و يصير ما صيرهم لغيرهم و ينقصهم، أو يدخل معهم غيرهم، ان أراد ذلك، فكتب: ذلك له أن يفعل ما شاء إلا أن يكون كتب على نفسه كتابا».
أقول: لعل المراد من الاستثناء هو أن يكون قد كتب كتابا على نفسه لمن عين له شيئا من تلك الوصايا، بحيث انه يلزم عند القضاء لو رفع الأمر إليهم، و ان كان يجوز له الرجوع بالنظر الى الواقع و فيما بينه و بين الله تعالى.
و يحتمل على بعد أن يكون قد ملكهم ذلك بوجه شرعي على وجه لا يجوز له الرجوع، و كتب لهم كتابا بذلك، أو يكون كتابة الكتاب كناية عن التمليك.
و روى في التهذيب عن علي بن سالم (1) قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) فقلت: ان أبى أوصى بثلاث وصايا فأيهن آخذ؟ فقال: خذ بآخرهن، قال:
قلت: فإنها أقل، قال: فقال: و ان قل».
أقول الظاهر ان هذه الوصايا الثلاث على البدل، و الرجوع عن المتقدم منها إلى المتأخر، فلذا أمره بالأخذ بالوصية الأخيرة، لأنها ناسخة لما تقدمها، و قد استفاضت الأخبار، بأن له العدول ما دام حيا بالتقديم و التأخير، و الزيادة و النقصان، و نحو ذلك.
و منها ما رواه
في الفقيه عن محمد بن عيسى بن عبيد (2) قال: «كتبت الى
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 243 ح 942. الوسائل ج 13 ص 387 ح 7.
(2) الفقيه ج 4 ص 173 ح 8. الوسائل ج 13 ص 387 ح 6.
644
علي بن محمد (عليهما السلام) رجل أوصى لك بشيء معلوم من ماله و أوصى لأقربائه من قبيل أبيه و أمه، ثم أنه غير الوصية، فحرم من أعطى، و أعطى من حرم، أ يجوز ذلك؟ فكتب (عليه السلام): هو بالخيار في جميع ذلك الى أن يأتيه الموت».
و روى في الكافي عن سعيد بن يسار (1) «عن ابى عبد الله (عليه السلام) في رجل دفع الى رجل مالا و قال: إنما أدفعه إليك ليكون ذخرا لابنتي فلانة و فلانة، ثم بدا للشيخ بعد ما دفع المال أن يأخد منه خمسة و عشرين و مائة دينار فاشترى بها جارية لابن ابنه، ثم ان الشيخ هلك فوقع بين الجاريتين و بين الغلام أو إحداهما فقالتا له: ويحك و الله انك لتنكح جاريتك حراما، انما اشتراها أبونا لك من مالنا الذي دفعه الى فلان فاشترى لك منه هذه الجارية، فأنت تنكحها حراما لا تحل لك، فأمسك الفتى عن الجارية فما ترى في ذلك؟ قال: أ ليس الرجل الذي دفع المال أبا الجاريتين، و هو جد الغلام و هو اشترى له الجارية؟ قلت بلى فقال: قل له فليأت جاريته إذا كان الجد هو الذي أعطاه و هو الذي أخذه».
أقول:
الوجه في هذا الخبر ما تقدم في سابقه.
و روى في الكافي عن عمار بن مروان (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان أبي حضره الموت فقيل له: أوص فقال: هذا ابني يعني عمر فما صنع فهو جائز، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فقد أوصى أبوك و أوجز قلت: فإنه أمر لك بكذا و كذا فقال أجره، قلت؟ و أوصى بنسمة مؤمنة عارفة فلما أعتقناه بان لنا أنه لغير رشدة، فقال: قد أجزأت عنه، انما مثل ذلك مثل رجل اشترى أضحية على أنها سمينة فوجدها مهزولة فقد أجزأت عنه».
أقول: فيه إشارة إلى كفر ابن الزنا كما هو أحد القولين، و قد تقدم تحقيق القول فيه في كتاب الطهارة، و فيه دلالة على حصول الوصية بالحوالة إلى اختيار الوصي
____________
(1) الكافي ج 7 ص 66 ح 31، التهذيب ج 9 ص 238 ح 926. الوسائل ج 13 ص 386 ح 5.
(2) الكافي ج 7 ص 62 ح 17 التهذيب ج 9 ص 236 ح 920. الوسائل ج 13 ص 481 ح 2.
645
و روى الشيخ في التهذيب عن عنبسة العابد (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
أوصني فقال: أعد جهازك و قدم زادك و كن وصي نفسك و لا تقل لغيرك يبعث إليك بما يصلحك».
و روى المشايخ الثلاثة عن السكوني (2) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قال:
أول شيء يبدأ به من المال الكفن، ثم الدين ثم الوصية ثم الميراث».
و رواه في التهذيب بسند آخر عن إسماعيل بن ابى زياد (3) «عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أول ما يبدأ به من المال الكفن» الحديث.
و روى المشايخ الثلاثة عن محمد بن قيس (4) في الصحيح «عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين: ان الدين قبل الوصية ثم الوصية على أثر الدين ثم الميراث بعد الوصية، فإن أول القضاء كتاب الله».
أقول: لا خلاف بين الأصحاب في تقديم الكفن على ما بعده كما دلت عليه جملة من الأخبار، و انما الإشكال في شموله للواجب و المستحب، أو التخصيص بالأول، و لم أقف لأحد من الأصحاب على كلام في ذلك، و الظاهر التخصيص بالواجب أخذا بالمتيقن فيما خالف الأصل، و أما تقديم الدين على الوصية فهو ظاهر لتعلق الدين بذمة الميت، و لهذا وجب خروجه من الأصل بخلاف الوصية و أما تقديم الجميع على الميراث فلما تكاثر في الآيات من قوله عز و جل (5)
____________
(1) الكافي ج 7 ص 65 ح 29، التهذيب ج 9 ص 237 ح 924. الوسائل ج 13 ص 483 الباب 98.
(2) الكافي ج 7 ص 23 ح 3، التهذيب ج 9 ص 171 ح 698، الفقيه ج 4 ص 143 ح 488. الوسائل ج 13 ص 406 ح 1.
(3) التهذيب ج 6 ص 188 ح 398. الوسائل ج 13 ص 98 ح 2.
(4) الكافي ج 7 ص 23 ح 1، التهذيب ج 9 ص 165 ح 675، الفقيه ج 4 ص 143 ح 489. الوسائل ج 13 ص 406 ح 2.
(5) سورة النساء- الاية 12.
646
«مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ».
و روى في الكافي و التهذيب عن سعد بن إسماعيل (1) عن أبيه قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل حضره الموت فأوصى الى ابنه و أخوين شهد الابن وصيته، و غاب الأخوان، فلما كان بعد أيام أبيا أن يقبلا الوصية مخافة أن يتوثب عليهما ابنه و لم يقدرا أن يعملا بما ينبغي، فضمن لهما ابن عم لهما و هو مطاع فيهم أن يكفيهما ابنه، و قد خلا بهذا الشرط فلم يكفهما ابنه و قد اشترطا عليه ابنه، و قالا: نحن نبرأ من الوصية و نحن في حل من ترك جميع الأشياء و الخروج منه، أ يستقيم أن يخليا عما في أيديهما و يخرجا منه؟ قال: هو لازم لك، فارفق على أي الوجوه كان، فإنك مأجور لعل ذلك يحل بابنه».
قال المحدث الكاشاني في الوافي: لما استفرس (عليه السلام) أن السائل هو أحد الأخوين خاطبه باللزوم و الرفق، و لعل المراد بالمشار اليه بذلك الموت لما ثبت ان مثل هذه المناقشات المالية مما تعجل الأجل، أو المراد به ان رفق يعنى لعله بسبب رفقك به يصير رفيقا منقادا، انتهى و هو جيد، و فيه إشارة الى ما تقدم مما اخترناه في المسئلة الرابعة من المقصد السادس في الوصاية من وجوب القيام بالوصية على من جعل وصيه في حال غيبته، و مات الموصي و ان لم يقبل بعد بلوغ الخبر له، و على ذلك دلت جملة من الأخبار المتقدمة ثمة، و لهذا أنه (عليه السلام) ألزم السائل لما عرف أنه أحد الوصيين بالقيام بالوصية حسب الإمكان، و أمر بالرفق مع الابن و لم يرخص له في الخروج و الترك بالكلية، و فيه رد على من خالف في المسئلة ممن قدمنا ذكره ثمة.
و روى في التهذيب عن صفوان (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل كان لرجل عليه مال فهلك، و له وصيان، فهل يجوز أن يدفع الى أحد الوصيين
____________
(1) الكافي ج 7 ص 60 ح 14، التهذيب ج 9 ص 234 ح 916.
(2) التهذيب ج 9 ص 243 ح 941.
و هما في الوسائل ج 13 ص 399 ح 6 و ص 440 ح 2.
647
دون صاحبه؟ قال: لا يستقيم إلا أن يكون السلطان قد قسم المال فوضع على يد هذا النصف، و على يد هذا النصف، أو يجتمعان بأمر السلطان.
أقول: لا يخفى ما في هذا الخبر من الغموض، قال في الوافي لعل المراد «إلا أن يكون السلطان أمر بوضع هذا المال عند أحد الوصيين بمقاسمته بينهما أو يجتمع أحد الوصيين مع المدين بأمره»، انتهى.
و لا يخفى ما فيه من الضعف، و ظاهر كلامه أن المراد بالمال الذي قسمه السلطان هو مال المدين، و المتبادر من الخبر انما هو مال التركة، و على كل منهما فإنه لا يحصل الدفع الى أحد الوصيين كما يقتضيه الاستثناء، و بالجملة فإنه لا يظهر لي منه معنى، يمكن الاعتماد عليه.
و الشيخ في الاستبصار حمله على السلطان العادل دون الجائر، إلا للتقية، و هو أمر خارج عن محل الإشكال، فإنه نظر أن مقتضى حكم المسئلة كما تقدم هو عدم جواز انفراد الوصيين متى شرط الاجتماع أو أطلق، فتجويز المقاسمة و الانفراد هنا انما رخصة، ان حمل السلطان على السلطان العادل، و ان حمل على الجائر وجب الحمل على التقية، لما عرفت من أن الحكم عدم جواز الانفراد و المقاسمة، و هذا أمر آخر غير ما ذكرنا أولا.
و روى المشايخ الثلاثة (قدس الله أرواحهم) عن البزنطي (1) بإسناد له «أنه سئل عن رجل يموت و يترك عيالا و عليه دين، أ ينفق عليهم من ماله؟ قال:
ان استيقن ان الذي عليه، يحيط بجميع التركة فلا ينفق عليهم، و ان لم يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال».
و رواه في الكافي و التهذيب بسند آخر عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) عن أبى الحسن (عليه السلام) مثله، إلا أنه قال «ان كان يستيقن أن الذي ترك يحيط
____________
(1) الكافي ج 7 ص 43 ح 1، التهذيب ج 9 ص 164 ح 672، الوسائل ج 13 ص 407 ح 1.
(2) الكافي ج 7 ص 43 ح 2، التهذيب ج 9 ص 165 ح 673، الفقيه ج 4 ص 171 ح 599، الوسائل ج 13 ص 408 ح 2.
648
بجميع دينه فلا ينفق عليهم، و ان لم يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال».
قال في الكافي: و كأنه سهو من بعض الرواة.
و روي في الكافي و التهذيب عن علي بن أبي حمزة (1) «عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: ان رجلا من مواليك مات و ترك ولدا صغارا و ترك شيئا و عليه دين و ليس يعلم به الغرماء، فان قضاه بقي ولده ليس لهم شيء، فقال أنفقه على ولده».
و الشيخ في التهذيبين طعن فيه بقطع الاسناد حيث ان المروي عن علي بن أبي حمزة بعض أصحابنا، و طعن فيه بمخالفة القرآن، و احتمل بعض مشايخنا المحدثين حمله على أنه (عليه السلام) كان عالما بأنه لا حق لأرباب الديون في تلك الواقعة أو أنهم كانوا نواصب، فأذن في التصرف في أموالهم، أو على أنهم كانوا بمعرض الضياع و التلف، فيلزم الإنفاق عليهم من أي مال تيسر.
أقول: و كيف كان فان الخبر على ظاهره غير معمول عليه، لما تقدم من أن الدين متقدم على الإرث، فلا بد في تصحيح ما دل عليه من التأويل بأحد الوجوه المذكورة و نحوها، كأن يكون الأخذ قرضا من حيث الضرورة أو ضمان الوصي ذلك، أو نحو ذلك.
و روى المشايخ الثلاثة في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (2) قال: «أوصت الي امرأة من أهلي بثلث مالها، و أمرت أن يعتق و يحج و يتصدق فلم يبلغ ذلك، فسألت أبا حنيفة عنها فقال: يجعل أثلاثا، ثلثا في العتق، و ثلثا في الحج، و ثلثا في الصدقة، فدخلت على أبى عبد الله (عليه السلام) فقلت له ان امرأة من أهلي ماتت و أوصت الي بثلث مالها، و أمرت أن يعتق عنها و يتصدق و يحج عنها. فنظرت فيه فلم يبلغ، فقال: ابدأ بالحج فإنه فريضة من فرائض الله
____________
(1) الكافي ج 7 ص 43 ح 3، التهذيب ج 9 ص 165 ح 674، الوسائل ج 13 ص 408 ح 3.
(2) الكافي ج 7 ص 19 ح 14، التهذيب ج 9 ص 221 ح 869، الوسائل ج 13 ص 455 ح 1.
649
تعالى، و تجعل ما بقي طائفة في العتق و طائفة في الصدقة، فأخبرت أبا حنيفة بقول أبى عبد الله (عليه السلام)، فرجع عن قوله و قال: بقول أبى عبد الله (عليه السلام).
و بهذا المضمون أخبار أخر.
أقول: حكمه عليه بتقديم الحج لكونه فريضة، إما لعلمه عليه بكونها لم تحج حجة الإسلام، أو لفهم ذلك بقرينة المقام، و إلا فالسؤال بحسب الظاهر مجمل، و ظاهره أنه لو كان الحج مستحبا كان الحكم في ذلك ما ذكره أبو حنيفة من القسمة أثلاثا.
بقي في الحديث اشكال من وجه آخر، و هو أن السائل أخبر بأن الثلث الموصى به لا يقوم بالحج و الصدقة و العتق، بل متى صرف في واحد أو اثنين لزم الإخلال بالباقي فكيف (عليه السلام) يأمره بالبدأة بالحج، ثم بعد ذلك يجعل ما بقي طائفة في العتق و طائفة في الصدقة، فإنه ظاهر في أن الثلث يقوم بالجميع، اللهم إلا أن يراد انه ان بقي شيء يقوم بهذين الآخرين صرف فيهما، أو بواحد منهما صرف فيه، و إلا فلا.
و بالجملة فإن النقص انما يدخل فيما عدا الحج خاصة، و يحتمل أن يكون المراد أن ما بقي يصرف فيهما فيشترى نسمة للعتق بما يناسب الباقي من القلة و الصدقة يكفي فيها المسمى.
و روى الشيخ في التهذيب عن محمد بن الحسن (1) أنه «قال لأبي جعفر (عليه السلام):
جعلت فداك قد اضطر الى مسئلتك فقال: هات فقلت: ان سعد بن سعد أوصى حجوا عنى مبهما و لم يسم شيئا و لا ندري كيف ذلك؟ فقال يحج عنه ما دام له مال».
أقول: المراد بالمال الثلث، فإنه هو الذي له بعد موته.
و يفسره ما رواه
في التهذيب عن محمد بن الحسن بن أبى خالد (2) قال: «
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 226 ح 888 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 8 ص 120 ح 1.
(2) التهذيب ج 9 ص 226 ح 889، الوسائل ج 8 ص 120 ح 2.
650
سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أوصى أن يحج عنه مبهما فقال: يحج عنه ما بقي من ثلثه شيء».
و روى المشايخ الثلاثة في الصحيح عن إبراهيم بن مهزيار (1) قال: «كتبت اليه (عليه السلام) أن مولاك علي بن مهزيار أوصى أن يحج عنه من ضيعة صير ربعها الى حجة في كل سنة الى عشرين دينارا، و أنه قد انقطع طريق البصرة فتتضاعف المؤنة على الناس و ليس يكتفون بالعشرين دينارا، و كذا أوصى عدة من مواليك في حجهم فكتب: يجعل ثلاث حجج حجتين ان شاء الله،.
قال إبراهيم: و كتب اليه علي بن محمد الحضيني: أن ابن عمى أوصى ان يحج عنه حجة بخمسة عشر دينارا في كل سنة فليس يكفى فما تأمرني في ذلك؟ فكتب (عليه السلام): يجعل حجتين حجة فان الله عالم بذلك.
أقول: يعنى ان الله عالم بالعذر المذكور، فإن الإخلال بما أوصى ليس على سبيل الاختيار، و هو مؤيد لما اشتهر من حديث «إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» و ينبغي أن يحمل هذا الخبر و ما تضمنه من السؤالين المذكورين على كون الوصية بالحج من البلد كما ينبئ ظاهر السؤال الأول، و إلا فلو كانت مطلقة فإن الظاهر ان حج عنه من أي مكان اتفق، و لو من الميقات.
كما يدل عليه ما رواه
الشيخ في التهذيب في الموثق عن ابن بكير (2) «عن ابى عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن رجل أوصى بمال في الحج فكان لا يبلغ ما يحج به من بلاده قال: فيعطى في الموضع الذي يبلغ أن يحج به منه».
و عن ابن مسكان عن ابى سعيد (3) «عمن سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أوصى بعشرين درهما في حجة قال: يحج بها عنه رجل من حيث يبلغه».
و نحوهما غيرهما من الأخبار.
____________
(1) الكافي ج 4 ص 310 ح 1، التهذيب ج 9 ص 226 ح 890، الفقيه ج 2 ص 272 ح 2. الوسائل ج 8 ص 119 ح 1.
(2) التهذيب ج 9 ص 227 ح 892. الوسائل ج 8 ص 117 ح 2.
(3) التهذيب ج 9 ص 229 ح 897. الوسائل ج 8 ص 118 ح 5.
651
و روى في الكافي عن علي بن فرقد (1) صاحب السابري قال: «أوصى الى رجل بتركته و أمرني أن أحج بها عنه فنظرت في ذلك فإذا شيء يسير لا يكفى للحج، فسألت أبا حنيفة و فقهاء أهل الكوفة فقالوا: تصدق بها عنه، فلما حججت لقيت عبد الله بن الحسن في الطواف، فسألته و قلت له: ان رجلا من مواليكم من أهل الكوفة مات و أوصى بتركته الي، و أمرني أن أحج بها عنه، فنظرت في ذلك فلم يكف للحج فسألت من قبلنا من الفقهاء فقالوا: تصدق بها، فتصدقت بها، فما تقول؟ فقال لي: هذا جعفر بن محمد في الحجر فأته و اسأله، قال: فدخلت في الحجر فإذا أبو عبد الله (عليه السلام) تحت الميزاب، مقبل بوجهه على البيت يدعو، ثم التفت الي فرآني فقال: ما حاجتك؟ قلت: جعلت فداك انى رجل من أهل الكوفة من مواليكم قال: فدع ذا عنك، حاجتك؟ قلت: رجل مات و أوصى بتركته ان أحج بها عنه، فنظرت في ذلك فلم يكف للحج، فسألت من عندنا من الفقهاء قالوا: تصدق بها، فقال: ما صنعت؟ قلت: تصدقت بها فقال: ضمنت إلا أن يكون لا يبلغ أن يحج به من مكة، فإن كان لا يبلغ ان يحج به من مكة فليس عليك ضمان، و ان كان يبلغ به من مكة فأنت ضامن.
أقول: يستفاد من هذا الخبر فوائد: منها ضمان الوصي مع التبديل و العمل بخلاف الوصية إذا كانت الوصية على وجه المشروع، و هو مما لا اشكال فيه، و منها أنه مع تعذر العمل بالوصية و صرفها فيما أوصى به الموصي، يصرف الموصى به في وجوه البر كما هو المشهور، و لا تبطل الوصية كما هو القول الآخر.
و قد تقدم الكلام في ذلك في التتميم الذي ذكر في الوصايا المبهمة من المقصد الثالث في الموصى به في تقدم نقل مضمون هذه الرواية دليلا على ذلك، و منها ما تقدمت الإشارة إليه قريبا، من أنه متى أوصى بوجه للحج، و لم يقيد
____________
(1) الكافي ج 7 ص 21 ح 1، التهذيب ج 9 ص 228 ح 896 و فيه على بن مزيد الفقيه ج 4 ص 154 ح 534، الوسائل ج 13 ص 473 الباب 87.
652
بالبلد و لا غيرها، فإنه يجب الحج بما أوصى به من أقرب الأماكن التي يمكن الحج و لو من مكة، كما تضمنه الخبر فإنها أحد المواقيت في الجملة.
بقي الكلام هنا في شيء آخر، و هو أن السائل قال: انه أمرني أن أحج بها، و الظاهر أن لفظ أحج من الرباعي من أحج غيره، إذا أعطاه ما يحج به، لا من الثلاثي المجرد بأن يكون الموصي هو الذي يحج بنفسه، و أن الميت أوصى اليه بذلك، و صدر الخبر و ان كان محتملا لكل من الأمرين، إلا أن حكمه في الجواب لما سأله السائل عن ذلك، بأنه ان بلغ المال لأن يحج به من مكة فأنت ضامن، انما يتجه على تقدير كونه مأمورا بأن يستأجر من يحج عنه، بناء على كون أحج من الرباعي، و إلا فلو كان الوصي هو المأمور بالحج بنفسه بناء على كون اللفظ من الثلاثي المجرد، و الرجل من أهل الكوفة، فكيف يوجب عليه الامام (عليه السلام) أن يتحمل مؤنة النفقة إلى مكة من ماله حتى إذا وصل مكة حج عنه بذلك الوجه الموصى به، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه.
و روى الشيخ في التهذيب عن أبي حمزة الثمالي (1) قال: «قال: ان رجلا حضرته الوفاة فأوصى الى ولده: غلامي يسار هو ابني فورثوه مثل ميراث أحدكم، و غلامي يسار فأعتقوه، فهو حر، فذهبوا يسألونه أيما يعتق و أيما يرث، فاعتقل لسانه، قال: فسألوا الناس فلم يكن عند أحد جواب، حتى أتوا أبا عبد الله (عليه السلام) فعرضوا المسئلة عليه قال: فقال: معكم أحد من نسائكم؟ قال: فقالوا: نعم معنا أربع أخوات لنا، و نحن أربع إخوة، قال: فاسألوهن أي الغلامين كان يدخل عليهن فيقول أبوهن لا تسترن منه، فإنما هو أخوكن، قالوا: نعم كان الصغير يدخل فيقول أبونا: لا تسترن منه انما هو أخو كن، فكنا نظن أنه يقول ذلك لأنه ولد في حجورنا، و انما ربيناه، قال: فيكم أهل البيت علامة؟ قالوا: نعم، قال:
انظروا أ ترونها بالصغير؟ قالوا: فرأوها به، قال: تريدون أعلمكم أمر الصغير؟
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 171 ح 700، الوسائل ج 13 ص 427 الباب 43.
653
قال: فجعل عشرة أسهم للولد، و عشرة أسهم للعبد، قال: ثم أسهم عشر مرات، قال: فوقعت على الصغير سهام الولد، قال: فقال: أعتقوا هذا، و ورثوا هذا».
أقول: الظاهر أن الحكم الشرعي في المسئلة المذكورة هو القرعة، كما تضمنه آخر الخبر، و ما ذكره أولا من الأمرين المذكورين مؤيدين لمزيد الإيضاح، و لو حصلت العدالة في النساء الأربع المذكورين لكان الظاهر العمل بما أخبرن به من اعتراف الأب به، و لم يحتج إلى القرعة، إلا أن يكون لمزيد الإيضاح.
و روى في الفقيه عن يونس بن عبد الرحمن عن داود بن نعمان عن الفضيل (1) مولى أبى عبد الله (عليه السلام) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: أشهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) على وصيته الى علي (عليه السلام) أربعة من عظماء الملائكة جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و آخر لم أحفظ اسمه».
أقول: الظاهر أن المراد بالوصية هنا أو عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيت أم سلمة حين خلا به من الصبح الى قرب الظهر من الأمور التي يحدث عليه، و يتجدد بعد موته، و أمره باحتمالها و الصبر عليها، و نحو ذلك كما يدل عليه خبر أم سلمه و هو طويل ليس هذا موضع ذكره.
و روى الشيخ في التهذيب عن علي بن الحسن بن فضال عن محمد بن عبدوس (2) قال: «أوصى رجل بتركته متاع و غير ذلك لأبي محمد (عليه السلام) فكتبت اليه: جعلت فداك رجل أوصى الي بجميع ما خلف لك، و خلف ابنتي أخت له، فرأيك في ذلك؟
فكتب الي: بع ما خلف، و ابعث به الي، فبعث به اليه، فكتب الي: قد وصل»،.
«قال علي بن الحسن: و مات محمد بن عبد الله بن زرارة فأوصى الى أخي أحمد و خلف دارا و كان أوصى في جميع تركته أن تباع و يحمل ثمنها الى أبى الحسن (عليه السلام)
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 175 ح 616.
(2) التهذيب ج 9 ص 195 ح 785.
و هما في الوسائل ج 13 ص 427 الباب 43 و ص 369 ح 16 و 17 و 18.
654
فباعها فاعترض فيها ابن أخت له، و ابن عم له، فأصلحنا أمره بثلاثة دنانير، و كتب إليه أحمد بن الحسن و دفع الشيء بحضرتي إلى أيوب بن نوح، و أخبره أنه جميع ما خلف، و ابن عم له و ابن أخته عرض. فأصلحنا أمره بثلاثة دنانير فكتب: قد وصل ذلك و ترحم على الميت و قرأت الجواب»،.
«قال علي: و مات الحسنين بن أحمد الحلبي و خلف دراهم مائتين فأوصى لامرأته بشيء من صداقها و غير ذلك و أوصى بالبقية لأبي الحسن (عليه السلام) فدفعها احمد بن الحسن إلى أيوب بحضرتي، و كتب اليه كتابا، فورد الجواب بقبضها و دعا للميت».
أقول: لا يخفى ما في ظاهر الخبر من الاشكال، و الشيخ لذلك قد حمله تارة على تخصيصه بهم (عليهم السلام)، و آخر على كون حمل المال إليهم لا على جهة الوصية بل على جعلها صلة لهم في حال حياة الموصي، و ثالثة على أن يكون ذلك قبل أن تكون لهم وارث ثم يوجد الوارث كما تقدم في حديث المتطيب، و رابعة على كون الوارث مخالفا، ثم جوز في الوجه الأخير فقد الوارث، و لا يخفى ما في الجميع عن البعد سوى الأخير فإنه أقرب قريب، و أما بالنسبة الى وصية محمد بن عبد الله بن زرارة المشتملة على اعتراض ابن الأخت و ابن العم، فالاحتمالان فيهما متساويان، و لعل الأقرب الأول منهما، و هو كونهما مخالفين.
و أما بالنسبة الى وصية الحسين بن أحمد الحلبي فظاهره أنه ليس له وارث إلا الزوجة، و من المحتمل أنه أوصى لها بصداقها و ميراثها المعبر عنه بغير ذلك، فلا اشكال بحمد الملك المتعال.
و لنقطع الكلام حامدين للملك العلام على نعمه الجسام التي لا تحصيها الأقلام التي من جملتها التوفيق للفوز بسعادة الاختتام لهذا الجلد الشريف و المؤلف المنيف و هو الجلد الثامن (1) من كتاب
____________
(1) بحسب تجزأة المؤلف، و الجلد الثاني و العشرون بحسب تجزئتنا، و يتلوه ان شاء الله تعالى الجلد الثالث و العشرون في كتاب النكاح، و ما يلحق به.
655
«الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة» و يتلوه ان شاء الله تعالى الجلد التاسع في كتاب النكاح و ما يلحق به من الكتب المتعلقة به، مصلين بعد الحمد له سبحانه على نبينا أشرف الأنبياء و المرسلين و آله الطيبين الطاهرين
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة
الجزء الثاني و العشرون
تأليف
الشيخ يوسف بن احمد البحراني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

