3
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على خير خلقه محمد و آله الطاهرين.
كتاب النكاح
و فيه مقدمة و فصول،
المقدمة
- و فيها فوائد:
الاولى: في بدو النكاح و أصله
روى الصدوق في الفقيه عن زرارة (1) في الصحيح قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن خلق حواء و قيل له: إن أناسا عندنا يقولون: إن الله عز و جل خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى، فقال: سبحان الله و تعالى عن ذلك علوا كبيرا، أ يقول من يقول هذا: إن الله تبارك و تعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجة من غير ضلعه، و يجعل للمتكلم من أهل التشنيع سبيلا إلى الكلام أن يقول: إن آدم كان ينكح بعضه بعضا إذا كانت من
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 239 ح 1، الوسائل ج 14 ص 2 ح 1.
4
ضلعه، ما لهؤلاء! حكم الله بيننا و بينهم، ثم قال (عليه السلام): إن الله تبارك و تعالى لما خلق آدم (عليه السلام) من طين و أمر الملائكة فسجدوا له ألقي عليه السبات، ثم ابتدع له حواء فجعلها في موضع النقرة التي بين وركيه، و ذلك لكي تكون المرأة تبعا للرجل، فأقبلت تتحرك فانتبه لتحركها، فلما انتبه نوديت أن تنحي عنه، فلما نظر إليها نظر إلى خلق حسن، يشبه صورته، غير أنها أنثى، فكلمها فكلمته بلغته، فقال لها: من أنت؟ قالت: خلق خلقني الله كما ترى، فقال آدم (عليه السلام) عند ذلك: يا رب ما هذا الخلق الحسن الذي قد آنسني قربه، و النظر إليه؟ فقال الله تبارك و تعالى: يا آدم هذه أمتي حواء أ فتحب أن تكون معك تؤنسك و تحدثك و تكون تبعا لأمرك؟ فقال: نعم يا رب، و لك علي بذلك الحمد و الشكر ما بقيت، فقال له عز و جل: فاخطبها إلي فإنها أمتي، و قد تصلح لك أيضا زوجة للشهوة، و ألقى الله عز و جل عليه الشهوة، و قد علمه قبل ذلك المعرفة بكل شيء فقال:
يا رب فإني أخطبها إليك فما رضاك لذلك؟ فقال عز و جل: رضاي أن تعلمها معالم ديني، فقال: ذلك لك يا رب علي إن شئت ذلك لي، فقال عز و جل: و قد شئت ذلك، و قد زوجتكها فضمها إليك، فقال لها آدم (عليه السلام): إلي فاقبلي فقالت له: بل أنت فأقبل إلي فأمر الله عز و جل آدم أن يقوم إليها، و لو لا ذلك لكان النساء هن يذهبن إلى الرجال حتى يخطبن على أنفسهن فهذه قصة حواء (صلوات الله عليها)».
ثم قال في الفقيه بعد نقل الخبر المذكور و أما قول الله عز و جل (1) «يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وٰاحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهٰا زَوْجَهٰا وَ بَثَّ مِنْهُمٰا رِجٰالًا كَثِيراً وَ نِسٰاءً» فإنه روي
«إنه عز و جل خلق من طينتها زوجها، وَ بَثَّ مِنْهُمٰا رِجٰالًا كَثِيراً وَ نِسٰاءً».
____________
(1) سورة النساء- آية 1.
5
و الخبر الذي روي أن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر صحيح، و معناه من الطينة التي فضلت من ضلعه الأيسر، فلذلك صارت أضلاع الرجل أنقص من أضلاع النساء بضلع».
و منها ما رواه
في الفقيه في الصحيح و الشيخ في التهذيب في الضعيف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في ميراث الخنثى، يعد الأضلاع، و الحديث طويل، قال فيه برواية الشيخ في التهذيب (1) «فقال الزوج: يا أمير المؤمنين امرأتي و ابنة عمي ألحقتها بالرجال ممن أخذت هذه القضية، قال: اني ورثتها من أبي آدم و أمي حواء خلقت من آدم، و أضلاع الرجال أقل من أضلاع النساء بضلع».
و في رواية الفقيه «فقال زوجها: يا أمير المؤمنين ابنة عمي و قد ولدت مني تلحقها بالرجال؟!! فقال: اني حكمت عليها بحكم الله، إن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى، و أضلاع الرجال تنقص، و أضلاع النساء تمام».
و روي في الفقيه أيضا عن السكوني (2) عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) «أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يورث الخنثى فيعد أضلاعه، فإن كانت أضلاعه أنقص من أضلاع النساء بضلع، ورث ميراث الرجال، لأن الرجل تنقص أضلاعه عن ضلع النساء بضلع، لأن حواء خلقت من ضلع آدم (عليه السلام) القصوى اليسرى فنقص من أضلاعه ضلع واحد».
و ما رواه
العياشي في تفسيره (3) «عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: خلقت حواء من قصيرا جنب آدم، و القصيرا هو الضلع الأصغر، و أبدل الله مكانه لحما».
و في رواية (4) «خلقت حواء من جنب آدم و هو راقد».
و مما يؤيد الخبر الأول ما رواه
العياشي في تفسيره عن الباقر (عليه السلام) (5) «أنه
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 239 ح 4، التهذيب ج 9 ص 354 ح 5، الوسائل ج 17 ص 575 ح 3.
(2) الفقيه ج 4 ص 238 ح 2، الوسائل ج 17 ص 576 ح 4.
(3) تفسير العياشي ج 1 ص 215 ح 2، البحار ج 11 ص 116.
(4) تفسير العياشي ج 1 ص 215 ح 3، البحار ج 11 ص 116.
(5) تفسير العياشي ج 1 ص 216 ح 7، البحار ج 11 ص 116.
6
سئل من أي شيء خلق الله حواء؟ فقال: أي شيء يقولون هذا الخلق؟ قلت:
يقولون، إن الله خلقها من ضلع من أضلاع آدم فقال: كذبوا أ كان الله يعجزه أن يخلقها من غير ضلعه؟ فقلت: جعلت فداك يا بن رسول الله (صلى الله عليه و آله) من أي شيء خلقها؟ فقال: أخبرني أبي عن آبائه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إن الله تبارك و تعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه- و كلتا يديه يمين- فخلق منها آدم و فضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء».
و من الأخبار المنتظمة في سلك هذا النظام ما رواه
في علل الشرائع بإسناده إلى عبد الله بن يزيد بن سلام (1) «أنه سأل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: فأخبرني عن آدم خلق من حواء أو خلقت حواء من آدم؟ قال: بل حواء خلقت من آدم و لو كان آدم خلق من حواء لكان الطلاق بيد النساء، و لم يكن بيد الرجال.
قال: فمن كله خلقت أو من بعضه؟ قال: بل من بعضه، و لو خلقت من كله لجاز القصاص في النساء، كما يجوز في الرجال.
قال: فمن ظاهره أو باطنه؟ قال: بل من باطنه، و لو خلقت من ظاهره لانكشفن النساء كما ينكشف الرجال، فلذلك صارت النساء متسترات.
قال: فمن يمينه أو من شماله؟ قال: بل من شماله، و لو خلقت من يمينه لكان للأنثى مثل حظ الذكر من الميراث، فلذلك صار للأنثى سهم، و للرجل سهمان، و شهادة امرأتين مثل شهادة رجل واحد.
قال: فمن أين خلقت قال: من الطينة التي فضلت من ضلعه الأيسر، قال:
صدقت يا محمد».
و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
و بإسناده إلى الحسن بن عبد الله (2) عن آبائه عن جده الحسن بن علي بن
____________
(1) العلل ص 470 طبع النجف الأشرف سنة 1385 ح 31 من باب 222 النوادر البحار ج 11 ص 101.
(2) علل الشرائع ص 512 ب 286 ح 1.
7
أبي طالب (عليهما السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في حديث طويل يقول فيه (عليه السلام) «خلق الله عز و جل آدم من طين و من فضلته و بقيته خلقت حواء».
أقول: و الجمع بين هذه الأخبار محتمل بأحد وجهين.
أحدهما- حمل ما تدل على أنه خلقت من ضلعه على التقية، لما عرفت من نسبة القول بذلك إلى العامة، و تشديدهم في إنكاره، و لا ينافي ذلك أخبار الخنثى، لأن الحكم عليها بذكورية انما وقع من حيث كونها مثل الذكور في عدد الأضلاع، فألحقت بهم، و أما تعليل ذلك بما ذكر فإنما خرج مخرج التقية.
و ثانيهما- أن المراد بخلقها من ضلعه الأيسر يعنى من طينة ضلعه الأيسر كما صرح به الخبر الأخير، و أجمل في غيره من الأخبار بأنها خلقت من فضل طينته، فمعنى قولهم أن حواء خلقت من آدم أو من ضلعه ليس على ما يتبادر في الظاهر كما فهمه العامة و قالوا به، بل المراد إنما هو باعتبار الطينة، و حينئذ فالتكذيب للعامة إنما هو فيما فهموه من الخبر و حملوه عليه، و إلى هذا يأول كلام الصدوق في الفقيه المتقدم فإنه جعله وجه جمع بين الأخبار.
و مثل هذا الاختلاف في الأخبار قد وقع في تزويج آدم بناته من بنيه و عدمه، فجملة من الأخبار دلت على الأول و جملة دلت على الثاني بأبلغ وجه في إنكار الأول كما تضمنه بعضها، و الجمع بينهما بحمل الأخبار الدالة على الأول على التقية كما هو قول المخالفين المنسوب إليهم و في بعض الأخبار بالنسبة إلى كلا الأمرين أنه كان حلالا ثم حرم، و هو ما رواه في كتاب الاحتجاج عن علي بن الحسين (1) (عليه السلام) في حديث طويل و ربما جعل وجها للجمع بين الأخبار.
و فيه أن الأخبار إنما تصادمت و تعارضت في فعل آدم و نكاحه حواء مع كونها خلقت منه، و تزويج بناته بأولاده و قد دلت أخبار المنع على إنكاره في
____________
(1) الاحتجاج ج 2 ص 44 طبع النجف الأشرف.
8
كلا الموضعين أشد الإنكار، فكيف يجعل هذا وجها في الجمع بينهما، و هي ظاهرة في رده.
نعم حمل هذا الخبر على التقية كما حملنا عليه تلك الأخبار لا يخلو من البعد لأن المخالفين قائلون بوقوع ذلك من آدم من غير نسخ و لا تحريم بعد ذلك إلا أنه يمكن ايضا رجوعه إلى تلك الأخبار بنوع من الاعتبار، بان يكون منشأ التقية فيها فعلة آدم و أن حكمهم بصحة فعله في كلا المقامين تقية، أعم من أن يكون نسخ ذلك أو لم ينسخ، و الله العالم.
الثانية [في الروايات الواردة في الحث على النكاح]:
قد استفاضت الأخبار بل ربما بلغت حد التواتر المعنوي بالحث على النكاح و الترغيب فيه، و عضدتها جملة من الآيات القرآنية.
قال الله عز و جل (1) «وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ، وَ لْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ نِكٰاحاً حَتّٰى يُغْنِيَهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ»، و قال تعالى شأنه (2) «وَ مِنْ آيٰاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوٰاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهٰا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» إلى غير ذلك من الآيات.
و روى المشايخ الثلاثة نور الله تعالى مراقدهم، عن القداح (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ركعتان يصليهما متزوج أفضل من رجل عزب يقوم ليله و يصوم نهاره».
قال في غيره (4) «و روي أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: أكثر أهل النار العزاب».
و روي في الكافي عن كليب الأسدي (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله
____________
(1) سورة النور- آية 32.
(2) سورة الروم- آية 21.
(3) الكافي ج 5 ص 329 ح 6، التهذيب ج 7 ص 239 ح 3، الفقيه ج 3 ص 242 ح 1147. الوسائل ج 14 ص 7 ح 3.
(4) الفقيه ج 3 ص 242 ح 1149. الوسائل ج 14 ص 8 ح 7.
(5) الكافي ج 5 ح 328 ح 2. الوسائل ج 14 ص 5 ح 11.
9
(صلى الله عليه و آله و سلم): من تزوج أحرز نصف دينه». قال:.
و في حديث آخر «فليتق الله في النصف الآخر أو الباقي».
أقول: لعل المراد- و الله سبحانه و قائله أعلم- أن الداعي إلى ارتكاب المحرم إما أن يكون من جهة الشهوة الحيوانية، أو من جهة الضرورة البدنية بالمأكل و الملبس، و الأول يندفع بالتزويج، و يبقي الباقي و ليتق الله سبحانه فيه بتحصيله من حله.
و روي في الكافي و الفقيه (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):
إن أراذل موتاكم العزاب».
و روي في الكافي في الحسن أو الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: لما لقي يوسف أخاه قال: يا أخي كيف استطعت أن تتزوج النساء بعدي؟ فقال:
إن أبي أمرني و قال: إذا استطعت أن تكون لك ذرية تثقل الأرض بالتسبيح فافعل».
و في الفقيه عن عمرو بن شمر (3) «عن الباقر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):
ما يمنع المؤمن أن يتخذ أهلا، لعل الله أن يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلا الله».
و روي في الفقيه في الصحيح عن ابن رئاب عن محمد بن مسلم (4) «عن أبي عبد الله (عليه السلام)» قال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم غدا في القيامة حتى أن السقط ليجيء محبنطئا (5) على باب الجنة فيقال له: أدخل فيقول: لا حتى يدخل أبواي قبلي».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 329 ح 3، الفقيه ج 3 ص 242 ح 3، الوسائل ج 14 ص 7 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 329 ح 4، الوسائل ج 14 ص 5 ح 9.
(3) الفقيه ج 3 ص 241 ح 1، الوسائل ج 14 ص 3 ح 3.
(4) الفقيه ج 3 ص 242 ح 6. الوسائل ج 14 ص 3 ح 2.
(5) المحبنطئ بالحاء المهملة ثم الباء الموحدة ثم النون ثم الطاء المهملة يهمز و لا يهمز هو الممتلئ غضبا و غيضا المستبطئ للشيء، و قيل: هو الممتنع امتناع طلب لا امتناع إباء (منه- (رحمه الله)-).
10
و روي في الكافي عن محمد بن مسلم (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): تزوجوا فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: من أحب أن يتبع سنتي فإن من سنتي التزويج».
و روي في الكافي و التهذيب عن القداح (2) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: هل لك من زوجة؟ فقال لا فقال: أبو عبد الله (عليه السلام):
ما أحب أن الدنيا و ما فيها لي و إني بت ليلة ليست لي زوجة».
ثم قال: ركعتان يصليهما متزوج أفضل من رجل عزب يقوم ليله و يصوم نهاره.
ثم أعطاه أبي سبعة دنانير و قال: تزوج بهذه، ثم قال: قال أبي: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): اتخذوا الأهل فإنه أرزق لكم».
إلى غير ذلك من الأخبار الجارية في هذا المضمار.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا خلاف بين أصحابنا (رضى الله عنهم) في استحبابه استحبابا مؤكدا لمن تاقت نفسه إليه، بل ادعي على ذلك إجماع المسلمين إلا من شذوذ منهم، حيث ذهب إلى الوجوب.
و إنما الخلاف فيمن لم تتق نفسه إليه، فالمشهور الاستحباب أيضا لما تقدم من الآيات و الروايات، فإنها دالة بإطلاقها و عمومها على ذلك، و هو الحق الحقيق بالاتباع، فإن استحباب النكاح لا ينحصر في كسر الشهوة، ليكون عدمها رافعا لاستحبابه، بل قد عرفت من الأخبار المتقدمة أن له فوائد و غايات عديدة.
منها: كثرة النسل، و ما يترتب عليه من الفوائد المذكورة في الأخبار كمباهاته (صلى الله عليه و آله) بهم الأمم، و شفاعة الطفل لأبويه و نحو ذلك.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 329 ح 5، الوسائل ج 14 ص 6 ح 14.
(2) الكافي ج 5 ص 329 ح 6، التهذيب ج 7 ص 239 ح 3، الوسائل ج 14 ص 7 ح 4.
11
و منها: الزيادة في الرزق كما دل عليه الخبر الأخير، و في معناه أخبار أخر أعرضنا عن التطويل بنقلها، و منها: مزيد الثواب في عباداته.
و نقل عن الشيخ في المبسوط أن من لا يشتهي النكاح يستحب له أن لا يتزوج مستدلا بقوله تعالى (1) عن يحيى «سَيِّداً وَ حَصُوراً» حيث مدحه على كونه حصورا، و هو الذي لا يشتهي النساء، و قيل: الذي يمكنه أن يأتي و لا يفعله.
و استدل له أيضا بأن في النكاح تعريضا لتحمل الحقوق الزوجية و الاشتغال عن كثير من المطالب الدينية، و حصول الولد الصالح و الزوجة الصالحة غير معلوم، و بالذم المتبادر عن قوله تعالى (2) «زُيِّنَ لِلنّٰاسِ حُبُّ الشَّهَوٰاتِ مِنَ النِّسٰاءِ» خرج منه ما أجمع على رجحانه فيبقى الباقي.
و أجيب بأن مدح يحيى بذلك لعله مختص بشرعه، فلا يلزمنا مثله، ورد بأن المدح في كتابنا و هو شرعنا و هو مطلق، فلا دلالة على اختصاصه بشرعه و على تقدير نقله عن شرعه ففي تعديته إلى شرعنا مع نقل القرآن له و عدم الإشارة إلى نسخه دليل إلى ثبوته، و كون شرعنا ناسخا لما قبله من الشرائع يفيد نسخ المجموع من حيث هو مجموع، و أما الأفراد فلا، للقطع ببقاء كثير منها في شرعنا كأكل الطيبات و نكاح الحلائل و غير ذلك، انتهى.
أقول: لا يخفى على من راجع الأخبار و جاس خلال الديار أن المعلوم منها هو استحباب النكاح مطلقا و التأكيد فيه كما قدمنا ذكره، و أن ما كان في الأمم السابقة من الرهبانية و التبتل بترك النكاح و غيره منسوخ في شرعنا و أن ما دلت عليه الآية المزبورة من مدح يحيى بكونه حصورا لا يأتي النساء أو لا يشتهي غير محمول عليه في شرعنا.
فمن الأخبار الدالة على ما ذكرنا بأوضح دلالة زيادة على ما تقدم ما رواه
____________
(1) سورة آل عمران- آية 39.
(2) سورة آل عمران- آية 14.
12
في الكافي (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالت: يا رسول الله إن عثمان يصوم النهار و يقوم الليل.
فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) مغضبا يحمل نعليه حتى جاء إلى عثمان فوجده يصلي، فانصرف عثمان حين رأي رسول الله- (صلى الله عليه و آله و سلم)- فقال له: يا عثمان لم يرسلني الله تعالى بالرهبانية، و لكن بعثني بالحنفية السهلة السمحة أصوم و أصلي و ألمس أهلي، فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي، و من سنتي النكاح».
و روى في الكتاب المذكور (2) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) إن ثلاث نسوة أتين رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالت إحداهن: إن زوجي لا يأكل اللحم، و قالت أخرى: إن زوجي لا يشم الطيب، و قالت اخرى: إن زوجي لا يقرب النساء، فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يجر ردائه حتى صعد المنبر، فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام من أصحابي لا يأكلون اللحم، و لا يشمون الطيب، و لا يأتون النساء أما إني آكل اللحم و أشم الطيب و آتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
و روى فيه (3) بسنده «عنه (عليه السلام) قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) النساء أن يتبتلن و يعطلن أنفسهن عن الأزواج».
و روى فيه عن عبد الصمد بن بشير (4) قال: «دخلت امرأة على أبي عبد الله (عليه السلام) قالت: أصلحك الله إني امرأة متبتلة، قال: و ما التبتل عندك؟ قالت: لا أتزوج قال: و لم؟ قالت ألتمس بذلك الفضل، فقال: انصرفي: فلو كان ذلك فضلا لكانت فاطمة (عليها السلام) أحق بذلك منك، إنه ليس أحد يسبقها إلى الفضل».
و روى فيه بسنده (5) الى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) دخل بيت أم سلمة فشم ريحا طيبة، فقال: أتتكم الحولاء، فقالت: هوذا هي تشكو زوجها
____________
(1) الكافي ج 5 ص 494 ح 1، الوسائل ج 14 ص 74 الباب 48 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 496 ح 5، الوسائل ج 14 ص 74 الباب 48 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 509 ح 1، الوسائل ج 14 ص 117 الباب 84 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 509 ح 3، الوسائل ج 14 ص 117 الباب 84 ح 2.
(5) الكافي ج 5 ص 496 ح 4، الوسائل ج 14 ص 75 ح 2.
13
فخرجت عليه الحولاء فقالت: بأبي أنت و أمي إن زوجي عني معرض، فقال: زيديه قالت: ما أترك شيئا طيبا إلا أتطيب له به و هو عني معرض، فقال: أما لو يدري ما له بإقباله عليك، قالت: و ما له بإقباله علي؟ فقال: أما إنه إذا أقبل اكتنفه ملكان فكان كالشاهر سيفه في سبيل الله، فإذا هو جامع تحات عنه الذنوب كما يتحات ورق الشجر، فإذا هو اغتسل انسلخ من الذنوب».
و نقل الشيخ محمد بن الحسن الحر في كتاب الوسائل عن المرتضى في رسالة المحكم و المتشابه نقلا عن تفسير النعماني (1) بإسناده «عن علي (عليه السلام) قال: إن جماعة من الصحابة كانوا حرموا على أنفسهم النساء، و الإفطار بالنهار، و النوم بالليل، فأخبرت أم سلمة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فخرج إلى أصحابه فقال: أ ترغبون عن النساء إني آتي النساء و آكل بالنهار و أنام بالليل، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فأنزل الله سبحانه (2) لٰا تُحَرِّمُوا طَيِّبٰاتِ مٰا أَحَلَّ اللّٰهُ لَكُمْ وَ لٰا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» الحديث.
و روى الثقة الجليل علي بن إبراهيم (3) القمي في تفسيره في تفسير قوله سبحانه «لٰا تُحَرِّمُوا طَيِّبٰاتِ مٰا أَحَلَّ اللّٰهُ لَكُمْ» بسنده «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين (عليه السلام) و بلال و عثمان بن مظعون، فأما أمير المؤمنين (عليه السلام) فحلف أن لا ينام بالليل أبدا، و أما بلال فحلف أن لا يفطر بالنهار أبدا، و أما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا، فدخلت امرأته على عائشة و كانت امرأة جميلة فقالت عائشة: مالي أراك معطلة، فقالت: و لمن أتزين؟ فوالله ما قاربني زوجي منذ كذا و كذا، فإنه قد ترهب و لبس المسوح و تزهد في الدنيا، فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه و آله) أخبرته عائشة بذلك، فخرج فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 8 ح 9.
(2) سورة المائدة- آية 87.
(3) تفسير على بن إبراهيم ج 1 ص 179.
14
فصعد المنبر، فحمد الله و أثني عليه، ثم قال: ما بال أقوام يحرمون علي أنفسهم الطيبات ألا إني أنام بالليل و أنكح و أفطر بالنهار، فمن رغب عن سنتي فليس منى فقام هؤلاء فقالوا: يا رسول الله لقد حلفنا على ذلك فأنزل الله (1) لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ. إلى آخر الآية».
فانظر إلى هذه الأخبار و صراحتها في دفع ما توهمه ذلك القائل من الاستدلال بالآية المذكورة و ضعف ما رد به الجواب المتقدم (2)، فإنه لو كان ما ذكره (رحمه الله) حقا من استحباب ذلك في شرعنا كما كان في تلك الشريعة السابقة لما صدر عنه (صلى الله عليه و آله) هذه الإنكارات العديدة في هذه الأخبار، و النسبة إلى مخالفة سنته، و إن ذلك من الرجال و النساء، إنما هو من الرهبانية التي كانت سنة في الأمم السابقة و نسخت بسنته.
و أما باقي تعليلاته العليلة فهي في مقابلة ما ذكرنا من الأخبار أظهر في الضعف من أن يقابل بالإنكار.
و نزيده إيضاحا، فنقول: إنه إذا ثبت من الشارع الحث على هذا الفعل و الترغيب فيه، و بيان ما فيه من الأجر و الثواب و المنافع الدينية و الدنيوية، فهو من جملة المطالب الدينية المأمور بها، بل هو من أفضلها و أشرفها لما عرفت من زجره
____________
(1) سورة البقرة- آية 225.
(2) أقول: و من ذلك ما رواه في كتاب مكارم الأخلاق، عن الصادق (عليه السلام) قال: قيل لعيسى بن مريم: ما لك أن تتزوج؟ قال: ما أصنع بالتزويج؟ قالوا: يولد لك، قال: و ما أصنع بالأولاد، ان عاشوا فتنوا، و ان ماتوا حزنوا. أقول: و مقتضى ما ذكره القائل المذكور، ان ما روى في شرعنا يلزم أن يكون الحكم فيه كذلك عندنا، فيلزم بمقتضى هذا الخبر مرجوحية التزويج في شرعنا و الاخبار المستفيضة كما عرفت بخلافه، و بالجملة فرواية ذلك أو ذكره في القرآن أعم من ذلك، و العام لا دلالة فيه على الخاص، و المرجع في تعيين الأمرين منه الى السنة و الاخبار، ففي مثل هذا الموضع يحمل كلامهم (عليهم السلام) على مجرد الحكاية و في بعض المواضع يحمل على العمل بذلك في شرعنا، كما أوضحنا ذلك في المباحث المتقدمة (منه- (رحمه الله)-).
15
(صلى الله عليه و آله و سلم) لما عدل عنه إلى العبادات، و إنكاره عليهم أتم الإنكار، فلو لا أنه أفضل لما حسن هذا الإنكار في العدول عنه إلى تلك العبادات.
و أما التمسك بآية (1) «زُيِّنَ لِلنّٰاسِ حُبُّ الشَّهَوٰاتِ مِنَ النِّسٰاءِ» الآية، و حصول الذم فيها لهذه الأشياء، ففيه أنه لا يخفى استفاضة الأخبار و تكاثرها بالأمر بجملة من هذه الأشياء كالنساء و حب الأولاد و طلبهم لما عرفت من أخبار مباهاته (صلى الله عليه و آله و سلم) الأمم بكثرة أمته، و تعليله ذلك بتثقيل الأرض بالتهليل و نحو ذلك، و جمع المال من الحلال، كما ورد أيضا.
و قد تقدمت الأخبار بذلك في مقدمات كتاب التجارة، و استفاضت الروايات بالحث على التجارة، كما تقدم أيضا و نحو ذلك.
و لا ريب أن الشهوة إنما هي من الله عز و جل ليس للعبد فيه اختيار.
قال أمين الإسلام الطبرسي (قدس سره) في كتاب مجمع البيان (2): و الشهوة من فعل الله عز و جل ليس للعبد فيه اختيار فلا يمكننا دفعها عن نفوسنا، فلا يقدر عليها أحد من البشر و هي ضرورية فينا لأنا لا يمكننا دفعها عن نفوسنا، انتهى.
و حينئذ فإذا ثبت ذلك علم أن الذم لا يترتب على هذه الأشياء من حيث هي، و لا باعتبار قصد غاية راجحة شرعا منها كامتثال تلك الأوامر الشرعية، و اكتساب الولد، و كسر الشهوة الحيوانية في النكاح، و حب المال للتوصل به إلى الطاعات و القربات، و نحو ذلك.
و إنما يترتب عليها باعتبار الاختصاص بالانهماك في الشهوة البهيمية، و عدم قصد شيء من الغايات الأخروية، و على هذا لا دلالة في الآية على ما ادعاه ذلك المستدل.
____________
(1) سورة آل عمران- آية 14.
(2) مجمع البيان ج 2 ص 416.
16
ثم إنهم قد اختلفوا أيضا في أنه على القول بأفضلية النكاح لمن تتق نفسه إليه هل هو أفضل من التخلي للعبادة، أم التخلي للعبادة أفضل؟ قولان: و المفهوم من الأخبار المتقدمة هو الأول، سيما الأخبار الأخيرة الواردة في ترهب عثمان ابن مظعون و اختياره الصلاة على النكاح.
و الأخبار الدالة على ذم العزاب، و الأخبار الدالة على أن ركعتين يصليهما متزوج خير من عزب يقوم ليله و يصوم نهاره، فإنها دالة بعمومها أو إطلاقها على أفضلية النكاح، تاقت نفسه أم لم تتق، إذ لا تفصيل فيها.
احتج من قال بالقول الثاني بما يتضمن التزويج من القواطع و الشواغل و تحمل الحقوق.
أقول: لا ريب أن هذا القول إنما يتجه على قواعد الصوفية، المعرضين عن العمل بالأخبار المعصومية، المبنية قواعد مذهبهم على مجرد الاختراعات الوهمية، و الخيالات الفكرية، و إلا فلا يخفى أن القول بهذا القول موجب لرد تلك الأخبار المتكاثرة بمجرد هذه الخيالات الفاسدة.
و الآمر بذلك عالم بما يترتب عليه من هذه الأمور المذكورة، و مع ذلك حث و أكد عليه أتم الحث و التأكيد، و ليس إلا من حيث رجحانه و أفضليته، و أن هذه الأشياء موجبة لزيادة الأجر فيه.
و في بعض الأخبار (1) أن أصحاب عيسى على نبينا و آله و (عليه السلام) كانوا يمشون على الماء، و أصحاب محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)، لم يكونوا كذلك، فقال (عليه السلام)، «إن هؤلاء ابتلوا بالمعاش»،.
و حاصله أن هؤلاء كلفوا بتكاليف شاغلة لهم عن نيل تلك المرتبة، و من الظاهر ثبوت الأمر على هذه التكاليف، و أن مرتبتهم في الفضل لا ينقص عن أولئك، فأولئك لتجرد نفوسهم بالرهبانية التي كانوا عليها، و السياحة و التخلي عن الدنيا بكليتها نالوا تلك المرتبة.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 71 ح 3، الوسائل ج 12 ص 12 ح 10.
17
و هؤلاء لما كلفوا بخلاف ذلك كما عرفت من الأخبار المتقدمة كان لهم الأجر على امتثال ما كلفوا به، و إن لم يتيسر لهم الإتيان بما فعله أولئك، فكل له الفضل بامتثال ما كلف به و أتى به، و لا دلالة في الخبر المذكور على رجحان مرتبة أولئك بما كانوا يأتون به من المشي على الماء، و أنهم أفضل من أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و إنما تضمن العذر لهؤلاء بهذه التكليفات التي تكون عائقة من الإتيان بذلك، و مرجعه الى ما ذكرناه من أنهم في الفضل و القرب منه سبحانه متحدون.
و إنما الاختلاف في الإتيان بذلك و عدمه من جهة التكاليف المقتضية لذلك و عدمه، لا من جهة علو المرتبة في أحدهما دون الآخر.
تتمة [في انقسام النكاح إلى الأحكام الخمسة]:
اعلم أنهم قالوا: إن النكاح إنما يوصف بالاستحباب بالنظر إليه في حد ذاته يعني مع قطع النظر عن اللواحق المتعلقة به، و إلا فإنه ينقسم إلى الأقسام الخمسة.
فقد يكون واجبا كما إذا خيف الوقوع في الزنا مع عدمه، و لو أمكن التسري كان واجبا مخيرا، و قد يكون حراما كما إذا أفضى الإتيان به إلى ترك واجب كالحج و الزكاة، و إذا استلزم الزيادة على الأربع، و يكره عند عدم توقان النفس إليه مع عدم الطول، على قول، و الزيادة على الواحدة، عند الشيخ (قده).
و قد يستحب كنكاح القريبة، على قول، للجمع بين صلة الرحم و فضيلة النكاح، و اختاره الشهيد في قواعده، و قيل: البعيدة،
لقوله (1) (صلى الله عليه و آله و سلم) «لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاويا».
أي نحيفا و هو اختيار العلامة في التذكرة و علل بنقصان الشهوة مع القرابة.
____________
(1) النهاية الأثيرية ج 3 ص 106.
18
أقول: الظاهر أن الخبر المذكور عامي حيث لم ينقل في كتب أخبارنا و قد ذكره ابن الأثير في نهايته و الظاهر أن القول المذكور للعامة تبعهم فيه العلامة في التذكرة، و استدل عليه بما استدلوا به.
و أما المباح فهو ما عدا ذلك، و ابن حمزة فرض الإباحة أيضا لمن يشتهي النكاح و لا يقدر عليه أو بالعكس، و جعله مستحبا لمن جمع الوجهين، و مكروها لمن فقدهما.
أقول: لا يخفى أن الأحكام الشرعية يتوقف ثبوتها على الدليل الشرعي المنحصر عند بعض في الكتاب و السنة، و عند بعض فيهما، على زيادة الإجماع و دليل العقل، و إثباتها بمجرد التخيلات العقلية، و التعليلات الوهمية، مما منعت عنه الأخبار المعصومية.
و سيأتي إن شاء الله تعالى في المباحث الآتية جملة من المواضع التي يحرم فيها النكاح، و يكره بالأدلة الشرعية، لكن ذلك من حيث المنكوحة، لا من حيث النكاح.
الثالثة [في أن المراد بالنكاح هو العقد خاصة]:
لا إشكال و لا خلاف في أن لفظ النكاح قد يطلق و يراد به الوطي، و قد يطلق و يراد به العقد خاصة في كل من عرفي الشرع و اللغة، و ظاهر كلام الجوهري أن استعماله في الوطي أكثر، حيث قال: النكاح الوطي، و قد يقال:
العقد، و إنما الكلام في أنه هل هو مشترك بينهما، أو أنه حقيقة في أحدهما و مجاز في الآخر، و على تقدير الثاني فهل هو حقيقة في الوطي، مجاز في العقد أو بالعكس؟ إشكال.
و رجح الأول بالنظر إلى استعماله فيهما. و الأصل في الاستعمال الحقيقة.
و رجح الثاني بأن المجاز خير من الاشتراك عند التعارض.
و رجح الأول من الثاني لثبوته لغة بكثرة، كما يفهم من عبارة الصحاح، فيكون حقيقة فيه، و الأصل عدم النقل.
19
و رجح الثاني بالتبادر و صحة السلب، و هذا القول مختار السيد السند في شرح النافع، حيث قال: و الظاهر أنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطي، للتبادر و صحة السلب في قولهم هذا سفاح، و ليس بنكاح، ثم نقل القول بالعكس، و رده بأن الأصل يخرج عنه بالدليل، قال: و قد بيناه.
و القول بأنه حقيقة في الوطي مجاز في العقد، منقول عن العلامة في المختلف، مدعيا عليه الإجماع، و نقل عن الشيخ أنه نص على أن النكاح في عرف الشرع حقيقة في العقد، مجاز في الوطي، و تبعه ابن إدريس، و قال: إنه لا خلاف في ذلك.
قيل: إنه لم يرد في القرآن بمعنى الوطي، إلا في قوله عز و جل (1) «حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» لاشتراط الوطي في المحلل، و تنظر فيه في المسالك بجواز إرادة العقد و استفادة الوطي من السنة.
ثم لا يمكن دلالته على إرادة الوطي لاحتمال الاشتراك أو كونه مجازا في الوطي و المجاز يفتقر في الحمل عليه إلى القرينة، و هي منتفية هنا، و مجرد اشتراط الوطي في المحلل شرعا لا يكفي في القرينة هنا.
أقول: لا يخفى أنه متى كان الحكم الشرعي في التحليل هو الوطي و أنه لا يحصل التحليل إلا به دون مجرد العقد، فلا معنى لذكره سبحانه هنا النكاح بمعنى مجرد العقد أو الأعم، و الحال أنه قاصد به بيان ذلك الحكم، و من المعلوم أن سياق الآية إنما هو في بيان ذلك الحكم الشرعي و هو لا يحصل إلا بحمل النكاح على الوطي، و به يظهر أن ما ذكره (قدس سره) من النظر لا يخلو من نظر.
و بالجملة فإن المسألة المذكورة لا يترتب عليها كثير فائدة في المقام فلا وجه للتطويل بما وقع من النقض و الإبرام.
____________
(1) سورة البقرة- آية 230.
20
الرابعة [استحباب حب النساء و زيادة الرزق بالنكاح]:
قد تكاثرت الأخبار بالأمر بحب النساء و أن النكاح يزيد في الرزق، و هو مؤيد لما قدمناه في الفائدة الثانية.
فمن الأول: ما رواه
في الكافي عن إسحاق بن عمار (1) في الموثق قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من أخلاق الأنبياء حب النساء».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه عن عمر بن يزيد (2) «عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
ما أظن رجلا يزداد في الايمان خيرا إلا ازداد حبا للنساء».
و روى مثله في الكافي بسند آخر (3) إلا أن فيه «يزداد في هذا الأمر».
عوض لفظ «الايمان»، و المراد بهذا الأمر التشيع، و القول بالإمامة، و الأول يرجع إليه في الحقيقة.
و ما رواه
في الفقيه عن أبي العباس (4) قال: «سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: إن العبد كلما ازداد للنساء حبا ازداد في الايمان فضلا».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه عن معمر بن خلاد (5) قال: «سمعت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: ثلاث من سنن المرسلين. العطر و إحفاء الشعر و كثرة الطروقة».
و عن غير واحد (6) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): جعل قرة عيني في الصلاة، و لذتي في النساء».
و عن جميل بن دراج (7) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما تلذذ الناس في الدنيا و الآخرة بلذة أكثر لهم لذة من النساء، و هو قول الله عز و جل (8) «زُيِّنَ لِلنّٰاسِ حُبُّ الشَّهَوٰاتِ مِنَ النِّسٰاءِ وَ الْبَنِينَ» إلى آخر الآية، ثم قال: و إن أهل الجنة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 320 ح 1. الوسائل ج 14 ص 9 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 320 ح 2، و أخرجها في الفقيه ج 3 ص 242 ح 1151.
الوسائل ج 14 ص 9 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 321 ح 5، الوسائل ج 14 ص 9 ح 3.
(4) الفقيه ج 3 ص 242 ح 1150. الوسائل ج 14 ص 11 ح 10.
(5) الكافي ج 5 ص 320 ح 3، الفقيه ج 3 ص 241 ح 2. الوسائل ج 14 ص 4 ح 7.
(6) الكافي ج 5 ص 321 ح 9. الوسائل ج 14 ص 10 ح 5.
(7) الكافي ج 5 ص 321 ح 10. الوسائل ج 14 ص 10 ح 8.
(8) سورة آل عمران- آية 14.
21
ما يتلذذون بشيء من الجنة أشهى عندهم من النكاح لا طعام و لا شراب».
أقول: في هذا الخبر رد على بعض القاصرين الزاعمين أن تلذذ أهل الجنة بالنساء إنما هو بالتقبيل و المعانقة و أنه لا نكاح فيها.
و مما يرد قوله زيادة على الخبر المذكور وصفه عز و جل الحور العين بالبكارة في مقام المدح لهن، و وعد المؤمنين بهن، و لو لا أن المقصود جماعهم لما كان لهذا المدح معنى بالكلية.
و من الثاني: ما رواه
في الكافي عن هشام بن سالم (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فشكى إليه الحاجة، فقال: تزوج، فتزوج فوسع عليه».
و عن الوليد بن صبيح (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من ترك التزويج مخافة الفقر فقد أساء الظن بالله عز و جل، إن الله عز و جل يقول إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ».
، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
و جميع هذه الأخبار ظاهرة في استحباب التزويج و الحث عليه لمن تاقت نفسه أو لم تتق، بل ظاهر الأخبار الأولى، أن من لم تتق نفسه للنساء و لم يحبهن فهو ناقص الايمان.
و التزويج حينئذ مستحب له ليحصل به تمام الايمان و الفوز بعلو الشأن.
الفائدة الخامسة: فيما يحمد من صفات النساء
الموجبة لحسنهن و جمالهن، و الأوصاف الموجبة لخيريتهن و شريتهن، و أن لا يقتصر في التزويج على المال و الجمال بل يكون همته الدين و الولد و نحوهما مما سيأتي ذكره في الأخبار إن شاء الله تعالى.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 330 ح 2. الوسائل ج 14 ص 25 ح 1.
(2) الفقيه ج 3 ص 243 ح 1153. الوسائل ج 14 ص 24 ح 2.
22
فمن الأول: ما روي
في الكافي عن مالك بن أشيم عن بعض رجاله (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام)- و رواه في الفقيه مرسلا- قال:
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): تزوج سمراء عيناء عجزاء مربوعة، و إن كرهتها فعلي مهرها»،.
و السمراء المتوسطة بين البياض و السود، و العيناء العظيم سواد عينها مع سعة عينها، و العجزاء العظيمة العجز، و المربوعة التي ليست طويلة و لا قصيرة.
و عن ابن المغيرة عن أبي الحسن (عليه السلام) (2) قال: «سمعته يقول: عليكم بذوات الأوراك فإنهن أنجب».
و الأوراك: جمع ورك بالفتح و الكسر ككتف و هو ما فوق الفخذ.
و عن محمد بن عبد الله (3) قال: «قال لي الرضا (عليه السلام): إذا نكحت فانكح عجزاء».
و روي في الفقيه مرسلا (4) قال: «كان النبي (صلى الله عليه و آله) إذا أراد تزويج امرأة بعث من ينظر إليها، و يقول للمبعوثة: شمي ليتها فإن طاب ليتها طاب عرفها، و انظري إلى كعبها، فإن درم كعبها عظم كعثبها».
قال: في الفقيه: الليت: صفحة العنق، و العرف: الريح الطيبة، قال الله تعالى (5) «يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهٰا لَهُمْ»، أي طيبها لهم. قوله: درم كعبها أي كثر لحم كعبها، و يقال امرأة درماء إذا كانت كثيرة لحم القدم، و الكعب و الكعثب: الفرج.
و عن بكر بن صالح عن بعض أصحابه (6) «عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال:
من سعادة الرجل أن يكشف الثوب عن امرأة بيضاء».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 335 ح 2، الفقيه ج 3 ص 245 ح 1162، الوسائل ج 14 ص 35 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 334 ح 1، الوسائل ج 14 ص 35 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 335 ح 3، الوسائل ج 14 ص 35 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 335 ح 4، الفقيه ج 3 ص 245 ح 1163، الوسائل ج 14 ص 36 الباب 19 ح 1.
(5) سورة محمد «ص»- آية 6.
(6) الكافي ج 5 ص 335 ح 7، الوسائل ج 14 ص 36 الباب 20 ح 1.
23
و عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المرأة الجميلة تقطع البلغم و المرأة السوداء تهيج المرة السوداء» (1).
و من الثاني: ما رواه
في الكافي عن أبي حمزة (2) قال: «سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا عند النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: خير نساءكم الولود الودود، العفيفة، العزيزة في أهلها، الذليلة مع بعلها، المتبرجة مع زوجها، الحصان على غيره، التي تسمع قوله و تطيع أمره، و إذا خلابها بذلت له ما يريد منها، و لم تبذل (3) كتبذل الرجل، ثم قال (4) ألا أخبركم بشرار نسائكم الذليلة في أهلها العزيزة مع بعلها، العقيم الحقود التي لا تورع عن قبيح، المتبرجة إذا غاب عنها بعلها، الحصان معه إذا حضر، لا تسمع قوله، و لا تطيع أمره، و إذا خلابها بعلها تمنعت عنه كما تمنع الصعبة عن ركوبها، لا تقبل له عذرا، و لا تغفر له ذنبا».
و عن أبي بصير (5) «عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال. إن خير نساءكم التي إذا خلت مع زوجها خلعت له درع الحياء، و إذا خلت مع غيره لبست معه درع الحياء»،.
و بهذا المضمون أخبار عديدة.
و روى المشايخ الثلاثة (رضوان الله عليهم) بأسانيدهم عن الكرخي (6) قال: «
____________
(1) الكافي ج 5 ص 336 باب نادر ح 1، الوسائل ج 14 ص 37 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 324 ح 1، الوسائل ج 14 ص 14 ح 2.
(3) قال بعض مشايخنا في حواشيه على كتب الاخبار الظاهر بالتبذل ضد التضاون كما ذكره الجوهري، و المعنى عدم التشبث بالرجل و ترك الحياء رأسا و طلب الوطي كما هو شأن الرجل، و يحتمل أن يكون من التبذل بمعنى ترك الزينة أي لا تترك الزينة، كما أنه لا يستحب للرجل المبالغة فيها أو كما يفعله الرجال و ان لم يكن مستحبا لهم (منه- (رحمه الله)-).
(4) الكافي ج 5 ص 325 ح 1. الوسائل ج 14 ص 18 ح 1.
(5) الكافي ج 5 ص 324 ح 2. الوسائل ج 14 ص 14 ح 3.
(6) الكافي ج 5 ص 323 ح 3، الفقيه ج 3 ص 244 ح 2، التهذيب ج 7 ص 401 ح 10. الوسائل ج 14 ص 13 الباب 6 ح 1.
24
قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إن صاحبتي هلكت و كانت لي موافقة و قد هممت أن أتزوج فقال: انظر أين تضع نفسك، و من تشركه في مالك و تطلعه على دينك و سرك فإن كنت لا بد فاعلا فبكرا، تنسب إلى الخير و الصلاح، و إلى حسن الخلق، و اعلم أنهن كما قال:
ألا إن النساء خلقن شتى * * * فمنهن الغنيمة و الغرام
و منهن الهلال إذا تجلى * * * لصاحبه و منهن الظلام
فمن يظفر بصالحهن يسعد * * * و من يغبن فليس له انتقام
و هن ثلاث فامرأة ولود ودود، تعين زوجها على دهره لدنياه و آخرته، و لا تعين الدهر عليه، و امرأة عقيم لا ذات جمال و لا خلق، و لا تعين زوجها على خير و امرأة صخابة ولاجة همازة تستقل الكثير، و لا تقبل اليسير».
الصخابة: بالصاد المهملة ثم الخاء المعجمة كثيرة الصياح و الكلام، و الولاجة: ضبطها بعض المحدثين بالحاء المهملة، و فسرها بالحمالة زوجها ما لا يطيق، و ضبطها بعض بالجيم قال:
أي كثيرة الدخول في الأمور التي لا ينبغي لها الدخول فيها، و الهمازة: الغبا.
و روى في الكافي و الفقيه (1) قال: «قام النبي (صلى الله عليه و آله) خطيبا فقال: أيها الناس إياكم و خضراء الدمن، قيل: يا رسول الله و ما خضراء الدمن (2) قال: المرأة الحسناء في منبت السوء».
قيل: الدمن: جمع الدمنة، و هي ما تلبده الإبل و الغنم بأبوالها و أبعارها في مرابضها، فربما نبت فيها النبات الحسناء القصير.
إلى غير ذلك من الأخبار التي يضيق عن نقلها المقام.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 332 ح 4، التهذيب ج 7 ص 403 ح 17، الفقيه ج 3 ص 248 ح 8، الوسائل ج 14 ص 19 ح 7.
(2) قال في المصباح ص 272: الدمن: و زان جمل ما يتلبد من السرجين، و الدمنة موضعه. و الجمع الدمن، انتهى. (منه- (رحمه الله)-).
25
و منها يستفاد أنه يستحب أن تكون المرأة كريمة حسب ما تضمنته هذه الأخبار و الظاهر أن المراد بالحسناء في منبت السوء المنهي عنها في الخبر الأخير هي المرأة الحسناء الغير النجيبة بأن تكون متولدة من زنا، أو يكون الزنا في آبائها أو أمهاتها، فقد روي أن ولد الزنا لا ينجب إلى سبعة آباء، و لهذا جعل الأصحاب (رضي الله عنهم) من المستحبات في الزوجة أن تكون كريمة الأصل و فسروا كرم الأصل بذلك.
قال في المسالك- بعد ذكر المصنف أن من المستحبات أن تكون المرأة كريمة الأصل- ما صورته: المراد بكرم الأصل أن لا يكون أصلها من الزنا و لا في آبائها و أمهاتها من هي كذلك، انتهى. و ربما فسر كرم الأصل بالإسلام و الايمان، بمعنى أن لا يكون أصلها من الآباء و الأمهات على الكفر.
و فيه أن تزويج النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بالمرأتين و كذا ابنة أبي سفيان يدفع ذلك.
ثم لا يخفى أنه على التفسير الأول فإنه يشكل أيضا بتزويجه بابنة الثاني، فإنه لا خلاف نصا و فتوى في كونه ابن زنا و كذا حصول الزنا في آبائه أيضا، اللهم إلا أن يخص (1) كلامه (عليه السلام) بالمرأة المتولدة من الزنا لا باعتبار آبائها، فإنه بذلك يزول الاشكال كما لا يخفى.
و من الثالث. ما رواه
في الكافي عن إسحاق بن عمار (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من تزوج امرأة يريد مالها ألجأه الله إلى ذلك المال».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه عن هشام بن الحكم (3) في الصحيح «عن أبي عبد الله
____________
(1) أقول: و يؤيده ما ذكره الصدوق- (رحمه الله)- في معاني الأخبار حيث قال بعد ذكر الخبر: قال أبو عبيد: نراه أراد فساد النسب إذا خيف أن يكون لغير رشد، انتهى.
و ظاهره الاختصاص بها بأن تكون مولدة من زنا (منه- (رحمه الله)-).
(2) الكافي ج 5 ص 333 ح 2. الوسائل ج 14 ص 30 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 333 ح 3، التهذيب ج 7 ص 403 ح 18، الفقيه ج 3 ص 248 ح 1180، الوسائل ج 14 ص 30 ح 1.
26
(عليه السلام) قال: إذا تزوج الرجل المرأة لجمالها أو لمالها، و كل إلى ذلك، و إذا تزوجها لدينها رزقه الله الجمال و المال».
قال في الوافي في ذيل الخبر المذكور، «و كل الى ذلك»: أي لم يوفقه لنيل حسنها، و التمتع من مالها أو لم يحسنها في نظره، و لم يمكنه من الانتفاع بمالها، و في الفقيه «لم يرزق ذلك» عوض «و كل إلى ذلك» و اللفظان متقاربان.
أقول: لعل المراد و الله سبحانه و قائله أعلم هو أنه إذا كان قصده من التزويج إنما هو المال فإن الله سبحانه يكله إليه كما في الخبر الثاني أو يلجأه إليه كما في الخبر الأول يعني يقطع عنه الرزق و يلجأه إلى ذلك المال، فربما أكله حراما بغير إذن الزوجة، و لا رضاها كما ورد في التعريض بالمال الحرام، فإن أخذه العبد قاصه الله به من رزقه، و حوسب به و عذب عليه، و هذا هو الظاهر من لفظ الإلجاء لا ما ذكر.
و أما بالنسبة إلى الجمال فلعل المراد به كما في الخبر الثاني أنه لا يوفق لكون الزوجة ذات دين و تقى و نحو ذلك من الصفات المطلوبة شرعا، بل يكله الله إلى ما طلبه و أراد من الجمال و يسلبه التوفيق في حصول الصفات الحميدة المطلوبة شرعا.
نعم ما ذكرناه بعيد في رواية الفقيه و قوله فيها «لم يرزق ذلك» و الأصح هو ما في الكافي بقرينة الحديث الأول.
و يحتمل- و لعله الأقرب- أنه إذا أراد الرجل التزويج، و كان همته في تحصيل زوجة ذات جمال أو مال، فإنه يكله الله إلى إرادته، بمعنى أنه لا يوفق لذلك.
و إن كان همته الدين وفق للجمال و المال، و حينئذ فالمراد بقوله في الخبر الثاني «إذا تزوج» أي إذا أراد التزويج، و قوله في الخبر الأول «من تزوج» يعني من
27
أراد ذلك، و التجوز في مثله بما ذكرناه غير عزيز، كقوله سبحانه (1) «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ» و (2) «فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ»، و نحو ذلك، و هو معنى صحيح خال من التكلف كما لا يخفى.
و ما رواه
في التهذيب عن بريد العجلي (3) في الموثق «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من تزوج امرأة لا يتزوجها إلا لجمالها لم ير فيها ما يحب، و من تزوجها لمالها لا يتزوجها إلا له، و كله الله إليه فعليكم بذات الدين».
و الأقرب في هذا الخبر حمل صدره على المعنى الثاني الذي ذكرناه و عجزه على الأول.
و عن بريد (4) «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: حدثني جابر بن عبد الله أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: من تزوج امرأة لمالها و كله الله إليه، و من تزوجها لجمالها رأى فيها ما يكره، و من تزوجها لدينها جمع الله له ذلك».
الفائدة السادسة- في جملة من مستحبات النكاح.
منها
صلاة ركعتين و الدعاء بعدها بالمأثور
و هذه الصلاة عند إرادة التزويج و قصده قبل تعيين المرأة و خطبتها
فروى ثقة الإسلام عطر الله مرقده، عن أبي بصير (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا تزوج أحدكم كيف يصنع؟ قلت: لا أدري، قال:
إذا هم بذلك فليصل ركعتين و يحمد الله ثم يقول: اللهم إني أريد أن أتزوج فقدر لي من النساء أعفهن فرجا و أحفظهن لي في نفسها، و في مالي و أوسعهن رزقا، و أعظمهن بركة، و قدر لي ولدا طيبا تجعله خلفا صالحا في حياتي و بعد موتي».
____________
(1) سورة المائدة- آية 5.
(2) سورة النحل- آية 97.
(3) التهذيب ج 7 ص 399 ح 1، الوسائل ج 14 ص 31 ح 4.
(4) التهذيب ج 7 ص 399 ح 5، الوسائل ج 14 ص 31 ح 5.
(5) التهذيب ج 7 ص 407 ح 1، الوسائل ج 14 ص 79 ح 1.
28
و يستحب أيضا الدعاء بما رواه
في الكافي عن عبد الرحمن بن أعين (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا أراد الرجل أن يتزوج المرأة فليقل: أقررت بالميثاق الذي أخذ الله، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان».
و منها
الوليمة:
فروي في الكافي عن الوشاء (2) «عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال:
سمعته يقول: إن النجاشي لما خطب لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أم حبيبة بنت أبي سفيان فزوجه، دعا بطعام و قال: إن من سنن المرسلين الإطعام عند التزويج.
و عن هشام بن سالم (3) في الصحيح أو الحسن «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
إن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حين تزوج ميمونة بنت الحارث أو لم عليها و أطعم الحيس».
أقول: الحيس كما ذكره أهل اللغة- بالمهملتين بينهما ياء مثناة من تحت- تمر يخلط بسمن و أقط فيعجن شديدا حتى يخرج نواه و ربما جعل فيه السويق.
و عن السكوني (4) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الوليمة أول يوم حق، و بيومين مكرمة، و ثلاثة أيام رياء و سمعة».
و عن ابن فضال (5) رفعه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الوليمة يوم و يومان مكرمة و ثلاثة أيام رياء و سمعة».
و روي في التهذيب عن موسى بن بكر (6) «عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: لا وليمة إلا في خمس في عرس، أو خرس، أو عذار، أو وكار أو ركاز».
و العرس التزويج، و الخرس النفاس بالولد، و العذار الختان و الوكار الرجل يشترى الدار، و الركاز الرجل يقدم من مكة.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 501 ح 5. الوسائل ج 14 ص 81 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 367 ح 1. الوسائل ج 14 ص 64 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 368 ح 2. الوسائل ج 14 ص 65 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 368 ح 4، الوسائل ج 14 ص 65 ح 4.
(5) الكافي ج 5 ص 368 ح 3، التهذيب ج 7 ص 408 ح 3 مع اختلاف يسير.
الوسائل ج 14 ص 65 ح 2.
(6) التهذيب ج 7 ص 409 ح 6. الوسائل ج 14 ص 65 ح 5.
29
قال في المسالك: الوليمة هي الطعام المتخذ للعرس سميت بذلك لاجتماع الزوجين، فإن أصل الوليمة اجتماع الشيء و تمامه، و منهم من أطلقها على كل طعام يتخذ في حادث سرور من أملاك و ختان و غيرهما، و سميت بها على ذلك، لاجتماع الناس عليها و لكن استعمالها في المعنى الأول أشهر، و عليه فإطلاقها على غيره يحتاج إلى قيد كباقي استعمال المجازات، فيقال: وليمة الختان، و وليمة البناء و غيرهما، و حيث تطلق فهي محمولة على وليمة العرس، انتهى.
أقول: المفهوم من كلام أهل اللغة أن الوليمة لا تخصيص و لا ترجيح لها بما يتخذ في العرس بل استعمالها في العرس كاستعمالها في غيره.
قال في كتاب المصباح المنير: الوليمة اسم لكل طعام لجمع، و قال ابن فارس: هي طعام العرس، و ظاهره كما ترى أن المشهور في معنى الوليمة هذا المعنى الأول.
و قال في القاموس: و الوليمة طعام العرس أو كل طعام يصنع لدعوة و غيرهما، و ظاهره الترديد بين المعنيين المذكورين من غير ترجيح.
و يؤيد ما قلناه أيضا رواية ابن بكر المتقدمة، فإن الظاهر من حصر الوليمة في الخمس المذكورة إنما هو باعتبار الاستحباب بمعنى أنه لا يستحب الوليمة إلا في هذه المواضع الخمسة فصدق الوليمة على كل طعام يتخذ لجمع ثابت، و لكن الاستحباب شرعا مخصوص بهذه المواضع، و هو ظاهر فيما ذكره أهل اللغة من إطلاق الوليمة على كل طعام يتخذ لجمع، كما ذكره في المصباح.
و بذلك يظهر لك ما في قوله «و حيث تطلق فهي محمولة على وليمة العرس»، بل مقتضى ما ذكرنا أنه لا بد في انصراف هذا اللفظ إلى معنى من هذه المعاني من القرينة.
و قال في المسالك أيضا: و يقال للطعام المتخذ عند الولادة الخرس و الخرسة و عند الختان العذرة و الاعذار، و عند إحداث البناء الوكيرة، و عند قدوم الغائب
30
النقيعة، و للذبح يوم سابع المولود العقيقة، و عند حذاق الصبي الحذاق، و هو بفتح أوله و كسره تعليم الصبي القرآن أو العلم.
أقول: و الذي تضمنه حديث موسى ابن بكر المتقدم أن الخرس النفاس بالولد، و العذار الختان، و الوكار الرجل يشتري الدار (1) و لعل الجمع بين ما ذكر في الرواية و ما ذكره هنا هو أن الأصل ما ذكره في الرواية من إطلاق هذه الأسماء على هذه المسميات فيها، و إن أطلق على الطعام المتخذ في كل منها تسمية له باسم سببه.
ثم إن الأصحاب قد ذكروا هنا أمورا و هو أنه لا تقدير للوليمة بل المعتبر مسماها، و كلما كثرت كان أفضل.
أقول: لا يخفى أن ما ذكروه هو مقتضى إطلاق الأخبار المتقدمة، فإنها أعم من القليل و الكثير، و قد تقدم في حديث هشام أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) أولم على ميمونة بالحيس.
و روي في كتاب مجمع البيان (2) عن أنس «أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) أولم على زينب بنت جحش بتمر و سويق و ذبح شاة قال: و بعث إليه «أي أم سليم» بحيس في قعب ثور من حجارة فأمرني رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أن أدعو الصحابة إلى الطعام فدعوتهم فجعل القوم
____________
(1) قال في المصباح: و الخرس وزان قفل طعام يصنع للولادة. و قال أيضا: و عذرت الغلام و الجارية عذرا من باب ضرب ختنه و أعذرته بالألف لغة. و في القاموس: و الغلام ختنه كعذره و يعذره، و للقوم عمل طعام الختان و الضيف، و هو ظاهر فيما ذكرنا من الإطلاق على كل من الأمرين، و الوكيرة بالراء المهملة. قال في المصباح: طعام البناء. و قال في القاموس: و الوكيرة طعام يعمل لفراغ البنيان، و الذي في الخبر انما هو اشتراء الدار، يعنى أن الطعام المسمى بهذا الاسم انما يعمل في شراء الدار و بنيانها، و كلام أهل اللغة كما ترى بخلافه، و قال في المصباح: و النقيعة طعام يتخذ للقادم من السفر، و قد أطلقت النقيعة أيضا على ما يصنع عند الاملاك، و أما ما في الخبر من أن الطعام للقادم من مكة يسمى الركاز فلم أقف عليه في كلام أهل اللغة و لا غيرهم و الله العالم. (منه- (رحمه الله)-).
(2) مجمع البيان ج 4 ص 361 ط صيدا.
31
يجيئون و يأكلون و يخرجون، قلت: يا نبي الله قد دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقال ارفعوا طعامكم» الحديث.
و هذه الرواية و إن كان الظاهر أنها عامية إلا أنها ظاهرة في الكثير.
و من ذلك ما رواه
في الكافي (1) «عن بعض أصحابهم (عليهم السلام) قال: أو لم أبو الحسن موسى (عليه السلام) وليمة عن بعض ولده، فأطعم أهل المدينة ثلاثة أيام الفالوذجات في الجفان في المساجد و الأزقة، فعابه بعض أهل المدينة فبلغه ذلك، فقال: ما أتى الله نبيا من الأنبياء شيئا إلا و قد أتي محمدا (صلى الله عليه و آله و سلم) مثله، و زاده ما لم يؤتهم قال لسليمان: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب، و قال لمحمد (صلى الله عليه و آله و سلم): ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا».
قالوا: وقتها يعني في العرس عند الزفاف، و أقله مسماها، و أكثره يوم أو يومان و تكره الزيادة.
أقول: أما ما ذكروه من أن وقتها عند الزفاف فإن فيه أن ظاهر خبر وليمة النجاشي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) المتقدم أن الوليمة إنما كانت عند العقد، حيث إنه (صلى الله عليه و آله و سلم) جعل النجاشي وكيلا عنه في تزويجه بها، و الدخول بها إنما وقع في المدينة.
و ظاهر خبر وليمة زينب بنت جحش إنما هو بعد الدخول بها كما يدل عليه تتمة حديث أنس المتقدم، حيث قال: بعد ذكر ما قدمناه «فرفعوا و خرج القوم، و بقي ثلاثة نفر يتحدثون في البيت، فأطالوا المكث فقام رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و قمت معه لكي يخرجوا، فمشى حتى بلغ حجرة عائشة ثم ظن أنهم قد خرجوا فرجع و رجعت معه فإذا هم جلوس في مكانهم فنزلت الآية «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلّٰا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ، الآية».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 281 ح 1، الوسائل ج 16 ص 549 ح 2.
32
و في تفسير علي بن إبراهيم (1) بعد ذكر الآية قال: فإنه لما تزوج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بزينب بنت جحش و كان يحبها فأولم و دعا أصحابه فكان أصحابه إذا أكلوا يحبون أن يتحدثوا عند رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و كان يحب أن يخلو مع زينب فأنزل الله عز و جل (2) «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلّٰا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ» الآية،.
و موضع الاستدلال في الآية قوله سبحانه (3) «فَإِذٰا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَ لٰا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذٰلِكُمْ كٰانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ» الآية فأمرهم عز و جل بالخروج بعد الأكل و عدم الجلوس، ليخلو (صلوات الله عليه) بزوجته، و هو ظاهر في أنه بعد الدخول بها لا وقت الزفاف، و أيضا فإن ظاهر الخبر الدال على كونها يوما أو يومين ظاهر في خلاف ما ذكروه فإنه محتمل في كون ذلك قبل الدخول و بعده.
و أما الحكم الثاني فقد عرفت الكلام فيه، و دلالة الأخبار على كراهة ما زاد على اليومين.
بقي الإشكال من وجه آخر و هو أن ظاهر الخبرين المتقدمين أن الوليمة مطلقا مكروهة فيما زاد على اليومين، و ليس فيهما تقييد بالنكاح و لا غيره، و ظاهر خبر وليمة الكاظم (عليه السلام) «و أنه ثلاثة أيام» عدم الكراهة و هو أيضا مطلق.
و يمكن الجمع بحمل الأوليين على العرس، و الأخير على غيره، و أما حمله على الجواز و إن كان مكروهاً لأنهم (عليهم السلام) كثيرا ما يفعلون المكروهات لبيان الجواز فلا يخلو من بعد.
[دعاء المؤمنين]
و منها- قالوا: و يستحب دعاء المؤمنين لأنهم أفضل و أولى بالمودة و أقرب إلى إجابة الدعاء، و يستحب لهم الإجابة، و لبعض العامة قول بالوجوب لخبر ينقلونه، و إن لم يمكن التخصيص بالمؤمنين فلا بأس بإدخال غيرهم معهم لحصول
____________
(1) تفسير على بن إبراهيم ج 2 ص 195 ط النجف الأشرف.
(2) سورة الأحزاب- آية 53.
(3) سورة الأحزاب- آية 53.
33
الغرض بهم، و أن يعم صاحب الدعوة بها الفقراء و الأغنياء، و لا سيما عشيرته و جيرانه و أهل حرفته فلو خص بها الأغنياء لم يرجح الإجابة».
و يستحب أن يخص المدعو بالدعوة أو مع جماعة معينين، فأما لو دعا عاما و نادى ليحضر من يريد و نحو ذلك لم تجب الإجابة و لم يستحب لأن الامتناع و الحال هذه لا يوجب الوحشة و التأذي الذين هما السبب في استحباب الإجابة.
و منها
الاشهاد و الإعلان
، و المشهور بين الأصحاب استحباب الاشهاد في نكاح الدوام و أنه سنة مؤكدة، و ليس بشرط في صحة العقد، و هو مذهب جمع من علماء العامة أيضا و ذهب ابن أبي عقيل منا و جمع من العامة، و الظاهر أنه المشهور عندهم إلى أنه شرط في صحة التزويج فلا ينعقد بدونه.
و يدل على الأول أصالة العدم و ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتزوج المرأة بغير شهود فقال:
لا بأس بتزويج البتة فيما بينه و بين الله إنما جعل الشهود في تزويج البتة من أجل الولد و لو لا ذلك لم يكن به بأس».
و المراد بالبتة يعني الدائم، و يقال هذا اللفظ لكل أمر لا رجعة فيه، و إنما خص (عليه السلام) ذلك بالدائم مع اشتراكه مع المنقطع في العلة المذكورة، لأن محل الخلاف بين الشيعة و العامة، إنما هو في الدائم، و المنقطع باطل عند العامة، و عند الشيعة ليس بمحل للوهم.
و ما رواه
في الكافي عن حفص بن البختري (2)، في الصحيح «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يتزوج بغير بينة؟ قال: لا بأس».
و عن هشام بن سالم (3) في الصحيح أو الحسن «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
____________
(1) الكافي ج 5 ص 387 ح 1، التهذيب ج 7 ص 249 ح 1. الوسائل ج 14 ص 67 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 387 ح 3. الوسائل ج 14 ص 67 ح 4.
(3) الكافي ج 5 ص 387 ح 2. الوسائل ج 14 ص 67 ح 1.
34
إنما جعلت البينات للنسب و المواريث».
قال في الكافي و في رواية أخرى «و الحدود».
و عن محمد بن الفضيل (1) قال: «قال أبو الحسن موسى (عليه السلام) لأبي يوسف القاضي إن الله تعالى أمر في كتابه بالطلاق و ذكر فيه الشاهدين و لم يرض بهما إلا عدلين، و أمر في كتابه بالتزويج فأهمله بلا شهود، فأثبتم شاهدين فيما أهمل، و أبطلتم الشاهدين فيما أكد».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب عن محمد بن مسلم (2) في الموثق «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنما جعلت البينة في النكاح من أجل المواريث».
و ما رواه
في الفقيه عن حنان بن سدير عن مسلم بن بشير (3) «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة و لم يشهد فقال: أما فيما بينه و بين الله عز و جل فليس عليه شيء، و لكن إن أخذه سلطان جائر عاقبه».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب في الموثق عن داود بن الحصين (4) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن شهادة النساء في النكاح بلا رجل منهن إذا كانت المرأة منكرة فقال: لا بأس به (5)، ثم قال لي: ما يقول في ذلك فقهاء كم؟ قلت: يقولون:
____________
(1) الكافي ج 5 ص 387 ح 4. الوسائل ج 14 ص 67 ح 5.
(2) التهذيب ج 7 ص 248 ح 1. الوسائل ج 14 ص 68 ح 6.
(3) الفقيه ج 3 ص 251 ح 5. الوسائل ج 14 ص 68 ح 7.
(4) التهذيب ج 6 ص 281 ح 179. الوسائل ج 18 ص 265 ح 35.
(5) أقول: لا يخفى ما في الجزء المذكور في صدر الخبر من الإشكال، فإن السؤال المذكور في صدر الخبر انما هو عن ثبوت الحكم بشهادة النساء في النكاح في صورة ما لو أنكرت المرأة النكاح، فأجاب (عليه السلام) بأنه يثبت النكاح بشهادتهن، ثم سأل (عليه السلام) عن مذهب فقهاء العامة في ذلك فأخبره السائل بأنهم لا يجيزون شهادتهن في ذلك بل يشترطون العدلين، و الذي تضمنه إنكاره (عليه السلام) على العامة انما هو في عدم انعقاد النكاح، حيث حكموا بأنه لا ينعقد إلا بشهادة عدلين لا في الإثبات، و أحدهما غير الأخر فليتأمل (منه- (رحمه الله)-).
35
لا تجوز إلا شهادة رجلين عدلين فقال: كذبوا لعنهم الله، هونوا و استخفوا بعزائم الله و فرائضه، و شددوا و عظموا ما هون الله، إن الله أمر في الطلاق بشهادة رجلين عدلين، فأجازوا الطلاق بلا شاهد واحد، و النكاح لم يجيء عن الله في تحريمه، فسن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في ذلك الشاهدين تأديبا و نظرا لئلا ينكر الولد و الميراث و قد ثبت عقدة النكاح، و يستحل الفرج و لا أن يشهد» الحديث.
و يدل على القول الثاني ما
رواه الشيخ عن مهلب الدلال (1) «أنه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) إن امرأة كانت معي في الدار، ثم إنها زوجتني نفسها، و أشهدت الله و ملائكته على ذلك، ثم إن أباها زوجها من رجل آخر، فما تقول فكتب: التزويج الدائم لا يكون إلا بولي و شاهدين، و لا يكون تزويج متعة ببكر استر على نفسك و اكتم رحمك الله».
ورد هذه الرواية جمع من الأصحاب منهم السيد السند (رحمه الله) في شرح النافع بضعف السند باشتماله على عدة من المجاهيل.
و الأظهر عندي حملها على التقية لما دلت عليه الأخبار المتقدمة الدالة على أن القول بتوقف صحة العقد على الاشهاد مذهب العامة.
و العجب هنا من شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حيث استدل للقول المشهور
بقول الباقر (عليه السلام) و الصادق (عليه السلام): «لا بأس بالتزويج بغير شهود فيما بينه و بين الله، و إنما جعل الشهود في تزويج البتة من أجل الولد و من أجل المواريث.
ثم استدل للقول الآخر من رواياتنا برواية المهلب الدلال، و ردها بضعف السند، ثم قال: و بالجملة فليس في الباب حديث صحيح من الجانبين، و الاعتماد على الأصل حيث لا معارض.
فإن فيه أن الروايات الدالة على القول المشهور كما عرفت متكاثرة،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 255 ح 26، الوسائل ج 14 ص 459 ح 11.
36
و منها التي أوردها، و هي الرواية الاولى و حسنها على تقدير عدها في الحسن إنما هو بإبراهيم بن هاشم الذي لا راد لروايته، و إن نظموها في سلك الحسن مع أن الصحيح هو نظمها في الصحيح كما هو عليه جماعة من متأخري المتأخرين، و مثلها حسنة هشام بن سالم.
و أما رواية حفص بن البختري فهي صحيحة باصطلاحهم، لأن سندها في الكافي هكذا علي بن إبراهيم عن أبيه و محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختري، فقد اشتملت على سندين أحدهما حسن لا يقصر عن الصحيح، و الآخر صحيح مع تأيد ذلك بباقي الأخبار المذكورة و به يظهر لك ضعف ما ذكره من اعتماده على الأصل، و دعوى ضعف الأخبار من الطرفين فإنه ناش عن عدم الرجوع إلى الأخبار المذكورة و عدم خطورها بباله و مرورها بخياله.
و أما ما ذكروه من الإعلان زيادة على الاشهاد و هو إظهار العقد بمجمع من الناس، فعلل بأنه أنقى للتهمة و أبعد من الخصومة.
و استدل عليه في المسالك، و مثله سبطه في شرح النافع
بما روي (1) «عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه كان يكره نكاح السر حتى يضرب بدف» و يقال: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم نحييكم».
و الظاهر أن الخبر المذكور عامي لعدم وجوده في أخبارنا فيما أعلم.
و منها
الخطبة
بالضم (2) أمام العقد و أكملها- كما اشتملت عليه خطبهم
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 539 ب 32 ح 3 و ص 543 ب 34 ح 2.
(2) الخطبة- بضم الخاء- بمعنى الموعظة، و هي المشتملة على الحمد و الشهادتين و الموعظة، و الخطبة- بكسر الخاء- و هو طلب المرأة للتزويج يقال: خطب المرأة إذا طلب أن يتزوجها فهو خاطب و خطاب مبالغة، و الاسم الخطبة بالكسر، و يقال في المعنى الأول خطبت القوم خطبة بالضم من باب قتل و هي فعلة بمعنى مفعولة مثل نسخة بمعنى منسوخة و غرفة من الماء بمعنى مغروفة و جمعها خطب فهو خطيب و الجمع الخطباء كذا في المصباح.
(منه- (رحمه الله)-).
37
(عليهم السلام) المروية عنهم بعد ضم بعضها إلى بعض- ما اشتمل على حمد الله سبحانه و الثناء عليه و الشهادتين و الصلاة على النبي و آله (صلوات الله عليهم) و الوعظ من الوصية بتقوى الله عز و جل، ثم العقد، و بذلك صرح العلامة في التذكرة على ما نقل عنه، و في بعض الأخبار ما يدل على الاكتفاء بالحمد، و وجه الاستحباب التأسي بالنبي و الأئمة (عليهم السلام).
و من الأخبار الواردة في المقام ما رواه
في الكافي عن جابر (1) «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: زوج أمير المؤمنين (عليه السلام)، امرأة من بني عبد المطلب كان يلي أمرها فقال: الحمد لله العزيز الجبار الحليم الغفار الواحد القهار الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول و من جهر به، و من هو مستخف بالليل و سارب بالنهار، و أحمده و أستعينه و أومن به و أتوا كل عليه، و كفى بالله وكيلا، من يهدي الله فهو المهتد و لا مضل له، و من يضلل فلا هادي له، و لن تجد من دونه وليا مرشدا، و أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، و هو على كل شيء قدير، و أشهد أن محمدا (صلى الله عليه و آله و سلم) عبده و رسوله، بعثه بكتابه حجة على عباده، من أطاعه أطاع الله، و من عصاه عصى الله، (صلى الله عليه و آله و سلم) كثيرا، إمام الهدى و النبي المصطفى، ثم إني أوصيكم بتقوى الله، فإنها وصية الله في الماضين و الغابرين، ثم تزوج».
و عن معاوية بن حكيم (2) قال: خطب الرضا (عليه السلام) بهذه الخطبة «فقال:
الحمد لله الذي حمد في الكتاب نفسه، و افتتح بالحمد كتابه و جعل الحمد أول جزاء محل نعمته، و آخر دعوى أهل جنته، و أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة أخلصها له، و أدخرها عنده و صلى الله على محمد خاتم النبوة، و خير البرية، و على آله آل الرحمة، و شجرة النعمة، و معدن الرسالة، و مختلف
____________
(1) الكافي ج 5 ص 370 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 373 ح 7، المستدرك ج 2 ص 543.
38
الملائكة، و الحمد لله الذي كان في علمه السابق، و كتابه الناطق، و بيانه السابق، إن أحق الأسباب بالصلة و الأثرة و أولى الأمور بالرغبة، فيه سبب أوجب سببا، و أمر أعقب غنى، فقال جل و عز (1) وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمٰاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كٰانَ رَبُّكَ قَدِيراً، و قال (2) وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ.
و لو لم يكن في المناكحة و المصاهرة آية محكمة و لا سنة متبعة، و لا أثر مستفيض لكان فيما جعل الله من بر القريب، و تقريب البعيد، و تأليف القلوب، و تشبيك الحقوق، و تكثير العدد، و توفير الولد، لنوائب الدهر، و حوادث الأمور، ما يرغب في دونه العاقل اللبيب، و يسارع إليه الموفق المصيب، و يحرص عليه الأديب الأريب، فأولى الناس بالله من اتبع أمره و أنفذ حكمه و أمضى قضاءه، و رجا جزاءه، و فلان بن فلان من قد عرفتم حاله و جلاله دعاه رضا نفسه و أتاكم إيثارا لكم و اختيارا لخطبة فلانة بنت فلان كريمتكم، و بذل لها من الصداق كذا و كذا فتلقوه بالإجابة، و أجيبوه بالرغبة و استخيروا الله في أموركم يعزم لكم على رشدكم إن شاء الله، نسأل الله أن يلحم ما بينكم بالبر و التقوى، و يؤلفه بالمحبة و الهوى، و يختمه بالموافقة و الرضا إنه سميع الدعاء لطيف لما يشاء».
و عن عبد الله بن ميمون القداح (3) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) إن علي بن الحسين (عليهما السلام) كان يتزوج و هو يتعرق عرقا يأكل فما يزيد على أن يقول: الحمد لله و صلى الله على محمد و آله، و يستغفر الله عز و جل، و قد زوجناك على شرط الله ثم قال: علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا حمد الله فقد خطب».
____________
(1) سورة الفرقان- آية 54.
(2) سورة النور- آية 32.
(3) الكافي ج 5 ص 368 ح 2، التهذيب ج 7 ص 408 ح 2، الوسائل ج 14 ص 66 ح 2.
39
و عن عبيد بن زرارة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التزويج بغير خطبة فقال: أو ليس عامة ما يتزوج فتياننا و نحن نتعرق الطعام على الخوان نقول:
يا فلان زوج فلانا فلانة، فيقول: نعم و قد فعلت».
أقول: التعرق أكل اللحم الذي على العظم، قال في كتاب المصباح المنير:
عرقت العظم عرقا من باب قتل، أكلت ما عليه من اللحم و ما اشتمل عليه هذا الخبر من القول سؤالا و جوابا من جملة عقود النكاح، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
قالوا: و يستحب خطبة اخرى أمام الخطبة «بالكسر» من المرأة أو وليها، و يستحب للولي أيضا خطبة اخرى أمام الجواب.
أقول: قد روي ذلك (2) في تزويج النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بخديجة (رضوان الله عليها)
و منها
أن لا يكون القمر في برج العقرب، و لا يكون في محاق الشهر و ليلة الأربعاء
لما رواه
الشيخ عن محمد بن حمران (3) عن أبيه «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
من تزوج و القمر في العقرب لم ير الحسنى».
و رواه الصدوق عن محمد بن حمران (4) عن أبيه مثله،
ثم قال: «و قد روي أنه يكره التزويج في محاق الشهر».
و روي في كتاب عيون الأخبار عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنى (5) «عن علي بن محمد العسكري عن آبائه (عليهم السلام) في حديث قال: من تزوج و القمر في العقرب لم ير الحسنى، و من تزوج في محاق الشهر فليسلم لسقط الولد».
____________
(1) الكافي ج 5 ح 368 ح 1، التهذيب ج 7 ص 408 ح 1. الوسائل ج 14 ص 66 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 374 ح 9، المستدرك ج 2 ص 540 ح 3. الوسائل ج 14 ص 80 ب 54 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 407 ح 2. الوسائل ج 14 ص 80 ب 54 ح 2.
(4) الفقيه ج 3 ص 250 ح 1188. الوسائل ج 14 ص 80 ب 54 ح 2.
(5) العيون ج 1 ص 288 طبع طهران ح 35. الوسائل ج 14 ص 80 ب 54 ح 3.
40
و المراد بالتزويج المنهي عنه عند أكثر الأصحاب العقد بناء على أنه حقيقة في العقد، و قد تقدم الكلام في ذلك، و الأحوط الاجتناب في كلا الأمرين من العقد و الدخول، لما تقدم من الاشكال فيما ذكروه.
و ينبغي أن يعلم أن المحاق اسم لليالي الثلاثة من آخر الشهر إن كان الشهر تاما لأنه عبارة عن الليالي التي يمحق فيها ضوء القمر لطلوعه مع الشمس فتمحقه.
قال أهل اللغة: لليالي الشهر عشرة أسماء: غرر، ثم نقل: ثم تسع، ثم عشر، ثم بيض ثم درع، ثم ظلم، ثم حنادس، ثم دادى، ثم محاق.
قال في المسالك: و المراد بالعقرب برجه، لا المنازل الأربع المنسوبة إليه و هي الزبانا (1) و الإكليل، و القلب، و الشولة، و ذلك لأن القمر يحل في بروج الاثنى عشر في كل شهر مرة.
و جملة المنازل التي هذه الأربع، بعضها ثمانية و عشرون مقسومة على البروج الاثنى عشر، فيختص كل برج منها منزلتان و ثلث و للعقرب من هذه الأربع ما لغيره، و الذي بينه أهل هذا اللسان للعقرب من المنازل ثلثا الإكليل و القلب و ثلثا الشولة و ذلك منزلتان و ثلث، فأما الزبانا و ثلث الإكليل فهو من برج الميزان كما أن ثلث الشولة الأخير من برج القوس، و إطلاق العقرب محمول على برجه، لا على هذه المنازل الأربع، فلا كراهة في منزلة الزبانا مطلقا.
و أما المنزلتان المشطرتان فإن أمكن ضبطها، و إلا فينبغي اجتناب العقد و القمر بهما حذرا من الوقوع فيما كره منهما، انتهى.
و روي
في الكافي في الموثق عن عبيد بن زرارة و أبي العباس (2) قالا: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): ليس للرجل أن يدخل بامرأته ليلة الأربعاء».
و ينبغي أن يعلم أن
____________
(1) الزبانا يضم الزاء المعجمة ثم الباء الموحدة ثم النون على وزن كسالى، يقال لبرج العقرب. (منه- (رحمه الله)-).
(2) الكافي ج 5 ص 366 ح 3، الوسائل ج 14 ص 64 ب 39.
41
من المكروه أيضا التزويج في الأيام السبعة المشهورة في الشهر، و نحوس الشهر، ففي العشر الأولى الثالث و الخامس، و في العشر الثانية الثالث عشر و السادس عشر، و في العشر الثالث، الحادي و العشرون، و الرابع و العشرون، و الخامس و العشرون.
فقد دلت الأخبار على التحذير من العمل فيها بأي عمل كان، و لزوم الإنسان بيته، و عدم الحركة لشدة نحوستها، كما رواه السيد رضي الدين علي بن طاوس في كتاب الدروع الواقية عن الصادق (عليه السلام). و الطبرسي في كتاب مكارم الأخلاق (1) عنه (عليه السلام)، و نحوه أيضا في كتاب زوائد الفوائد.
و أما اليوم الثالث ففي الدروع عنه (عليه السلام) يوم نحس مستمر فاتق فيه البيع و الشراء و طلب الحوائج و المعاملة، و في المكارم عنه (عليه السلام) ردي لا يصلح لشيء.
و في الزوائد عنه (عليه السلام) يوم نحس قتل فيه قابيل هابيل. لا تسافر فيه و لا تعمل عملا و لا تلق أحدا.
أما اليوم الخامس ففي الدروع عنه (عليه السلام) أنه يوم نحس مستمر فلا تعمل فيه عملا و لا تخرج عن منزلك و في المكارم عنه (عليه السلام) ردي نحس، و في الزوائد عنه (عليه السلام) هو يوم نحس و هو يوم نكد عسر لا خير فيه، فاستعذ بالله من شره.
و أما الثالث عشر ففي الدروع يوم نحس فاتق فيه المنازعة و الخصومة و كل أمر، و في رواية أخرى يوم نحس لا تطلب فيه حاجة، و في المكارم يوم نحس فاتقوا فيه جميع الأعمال و في الزوائد يوم نحس و هو يوم مذموم في كل حال، فاستعذ بالله من شره.
و أما السادس عشر ففي الدروع يوم نحس لا يصلح لشيء سوى الأبنية، و من سافر فيه هلك، و في المكارم ردي مذموم لكل شيء، و في الزوائد يوم نحسن ردي مذموم لا خير فيه فلا تسافر فيه، و لا تطلب حاجة، و توق ما استطعت، و تعوذ بالله من شره.
____________
(1) المكارم ص 276 طبع النجف الأشرف.
42
و أما الحادي و العشرون ففي الدروع أنه يوم نحس ردي فلا تطلب فيه حاجة، و في المكارم يوم نحس مستمر، و في الزوائد يوم نحس مذموم فاحذره، و لا تطلب فيه حاجة، و لا تعمل عملا، و أقعد في منزلك، و استعذ بالله من شره.
و أما الرابع و العشرون ففي الدروع أنه يوم نحس ولد فيه فرعون فلا تطلب فيه أمرا من الأمور، و في المكارم يوم شؤم، و في الزوائد يوم نحس مستمر مكروه لكل حال و عمل فأحذره و لا تعمل فيه عملا، و لا تلق أحدا و اقعد في منزلك و استعذ بالله من شره.
و أما الخامس و العشرون ففي الدروع يوم نحس ردي فاحفظ نفسك فيه و لا تطلب فيه حاجة، فإنه شديد البلاء، و في المكارم ردي مذموم تحذر فيه من كل شيء، و في الزوائد يوم نحس مكره ثقيل نكد فلا تطلب فيه حاجة و لا تسافر فيه و اقعد في منزلك و استعذ بالله من شره.
الفائدة السابعة [في جواز نظر الرجل إلى امرأة يريد تزويجها]:
قد صرح جملة من الأصحاب (رضي الله عنهم) بأنه يجوز للرجل النظر إلى امرأة يريد تزويجها، و إن لم يستأذنها، و يختص الجواز بوجهها و كفيها، و له أن يكرر النظر إليها، و أن ينظرها قائمة و ماشية، قالوا: و روي جواز النظر إلى شعرها و محاسنها و جسدها من فوق الثياب.
أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار الواردة عن الأئمة الأطهار (صلوات الله عليهم) منها: ما رواه
في الكافي عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح أو الحسن قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يريد أن يتزوج المرأة، أ ينظر إليها؟ قال: نعم، إنما يشتريها بأغلى الثمن».
و عن هشام بن سالم و حماد بن عثمان و حفص بن البختري (2) في الصحيح أو الحسن «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بأن ينظر إلى وجهها و معاصمها إذا أراد أن يتزوجها».
، أقول: و المعصم كمنبر موضع السوار من اليد.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 365 ح 1، الوسائل ج 14 ص 30 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 365 ح 2، الوسائل ج 14 ص 30 ح 2.
43
و عن الحسن بن السري (1) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يريد أن يتزوج المرأة يتأملها و ينظر إلى خلفها و إلى وجهها؟ قال: نعم، لا بأس بأن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها ينظر إلى خلفها و إلى وجهها».
و عن الحسن بن السري (2) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سأله عن الرجل ينظر إلى المرأة قبل أن يتزوجها؟ قال: نعم فلم يعطي ماله».
و عن عبد الله بن الفضل (3) عن أبيه عن رجل «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: أ ينظر الرجل إلى المرأة يريد تزويجها فينظر إلى شعرها و محاسنها؟ قال:
لا بأس بذلك إذا لم يكن متلذذا».
و منها ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن عبد الله بن سنان (4) في الصحيح من الأول قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يريد أن يتزوج المرأة فينظر إلى شعرها؟ فقال: نعم، إنما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن».
و ما رواه
في التهذيب عن غياث بن إبراهيم (5) «عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) في رجل ينظر الى محاسن امرأة يريد أن يتزوجها، قال: لا بأس، إنما هو مستام فإن تقيض أمر يكون».
، تقيض: أي يقدر و يسبب، بمعنى أنه إن قدره الله تعالى فإنه يكون، و رواه الحميري في قرب الاسناد، و فيه «و إن يقض أمر يكن»، و هو واضح.
و عن يونس بن يعقوب (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يريد أن يتزوج المرأة، فأحب أن ينظر إليها، قال: تحتجز، ثم لتقعد، و ليدخل فلينظر، قال: قلت: تقوم حتى ينظر إليها؟ قال: نعم، قلت: فتمشي بين يديه؟ قال:
ما أحب أن تفعل».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 365 ح 3. الوسائل ج 14 ص 59 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 365 ح 4. الوسائل ج 14 ص 59 ح 4.
(3) الكافي ج 5 ص 365 ح 5. الوسائل ج 14 ص 59 ح 5.
(4) التهذيب ج 7 ص 435 ح 1، الفقيه ج 3 ص 260 ح 24. الوسائل ج 14 ص 60 ح 7.
(5) التهذيب ج 7 ص 435 ح 2. الوسائل ج 14 ص 60 ح 8.
(6) التهذيب ج 7 ص 448 ح 2. الوسائل ج 14 ص 60 ح 10.
44
و ما رواه
الصدوق في العلل عن يونس بن يعقوب (1) في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يريد أن يتزوج المرأة، يجوز له أن ينظر إليها؟ قال:
نعم، و يرقق له الثياب، لأنه يريد أن يشتريها بأغلى الثمن».
أقول: و المفهوم من هذه الأخبار بعد ضم بعضها إلى بعض، أنه يجوز النظر إلى الوجه و الكفين، ظاهرا و باطنا، و إليه يشير تجويز النظر إلى معاصمها، و هو كما عرفت موضع السوار من اليد، فإن فيه زيادة تحديد الكفين، الذين هما إلى مفصل الزند، و لذا يجوز النظر إلى شعرها و محاسنها. و فسرت بمواضع الزينة منها، و هو أوسع دائرة من الوجه و الكفين، و ربما قيل: بتخصيصها بهما، و الظاهر الأول.
قال في كتاب مجمع البحرين: و محاسن المرأة: المواضع الحسنة من بدنها، و قوله التي أمر الله بسترها.
و قال في القاموس: و المحاسن: المواضع الحسنة من البدن و هو ظاهر في المعنى الأول، و ظاهر موثقة يونس بن يعقوب، و قوله «تحتجز» (2) بالزاي أخيرا أي تتزر بإزار أنه يجوز النظر إلى ما فوق الإزار من بدنها و هي عارية، و هو أبلغ في النظر و المعرفة، و في رواية العلاء أنها تلبس ثوبا رقيقا يرى من تحته الجسد، و يؤيدهما إطلاق النظر في صحيحة محمد بن مسلم أو حسنته.
و إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام هنا يقع في مواضع: الأول: ظاهر كلام الأصحاب، الاقتصار في النظر على الوجه و الكفين، و لهذا أنهم نسبوا جواز النظر إلى شعرها و محاسنها إلى الرواية إيذانا بالتوقف فيه.
قال: في المسالك، و الذي يجوز النظر إليه اتفاقا هو الوجه و الكفان، من
____________
(1) علل الشرائع ج 2 ب 260، الوسائل ج 14 ص 61 ح 11.
(2) قال في المصباح: و احتجز الرجل بإزاره شده في وسطه و حجزة الإزار، معقده و حجزة السراويل، مجمع شده، و الجمع حجز، مثل غرفة و غرف (منه- (رحمه الله)-).
45
مفصل الزند ظهرا و بطنا، لأن المقصود يحصل بذلك فيبقى ما عداه على العموم.
ثم نقل رواية عبد الله بن الفضل الدالة على جواز النظر الى الشعر و المحاسن، و رواية عبد الله بن سنان الدالة على النظر إلى الشعر. و رواية غياث بن إبراهيم الدالة على المحاسن.
وردها بضعف الأسانيد، و قال: إنها من حيث السند لا تصلح حجة في جواز ما دل الدليل على تحريمه.
و فيه: أولا: أن رواية عبد الله بن سنان، و إن كانت ضعيفة برواية الشيخ، إلا أنها صحيحة برواية الصدوق في الفقيه، لأنه رواها عن عبد الله بن سنان و طريقه إليه في المشيخة صحيح، كما لا يخفى على من راجعه.
و ثانيا: إنا لا نراهم يقفون على هذا الاصطلاح دائما، حتى يتجه طعنه هنا بذلك و لو اقتصروا في الأحكام الشرعية على القسم الصحيح، الذي لا يعدونه، لانسدت عليهم طرق إثبات الأحكام، و انغلقت دونها أبواب معالم الحلال و الحرام، و لذا تراهم يرجعون إلى أمثال الأخبار، و يغمضون العين عن هذا الاصطلاح، أو يعتذرون بأعذار واهية، لا يقبل الإصلاح، كما تقدم الكلام في ذلك في جملة من مواضع كتب العبادات.
و لهذا أن ظاهر سبطه السيد السند في شرح النافع، هو الميل إلى ما دلت عليه هذه الأخبار، حيث قال بعد ذكر رواية عبد الله بن الفضل عن أبيه (1): و هذه الرواية ضعيفة بالإرسال، لكنها موافقة لمقتضى الأصل، و تؤيد بالروايتين المتقدمتين، فيتجه العمل بها، و أشار بالروايتين المتقدمتين إلى حسنتي محمد بن المتقدمتين، فيتجه العمل بها، و أشار بالروايتين المتقدمتين إلى حسنتي محمد بن مسلم، و هشام بن سالم، و من معه، ثم قال: و يعضدها أيضا صحيحة الحسن بن السري: ثم أورد الرواية الثانية من الروايتين المتقدمتين، ثم قال: و يدل على جواز النظر صريحا ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن عبد الله بن سنان، ثم ساق
____________
(1) الكافي ج 5 ص 365 ح 5، الوسائل ج 14 ص 59 ح 5.
46
الرواية، و أنت خبير بأن عده هنا رواية الحسن بن السري المذكورة في الصحيح لا يخلو من سهو، فإن الصحيحة إنما هي الأولى منها، و أما هذه فهي ضعيفة باصطلاحهم، لأن سندها في الكافي الحسن بن محمد عن معلى بن محمد عن بعض أصحابنا عن أبان عن الحسن، ثم إنه لا يخفى عليك أن ما ذكره السيد المذكور، من العذر عن العمل برواية عبد الله بن الفضل جار على ما ذكرناه في كلامنا على جده (قدس الله روحهما))، و بما ذكرنا يظهر قوة القول بجواز النظر إلى ما زاد على الوجه و الكفين كما ذكروه، سيما روايتي يونس بن يعقوب الدالة إحداهما على الاحتجاز، و الثانية على ترقيق الثياب المؤيدتين بإطلاق حسنة محمد بن مسلم أو صحيحته، فالقول بجواز النظر مطلقا هو الظاهر من الأخبار المذكورة، كما لا يخفى على المتأمل المنصف.
الثاني: أنه قد صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و مثله في الروضة، بأنه كما يجوز النظر للرجل، كذا يجوز للمرأة قال: لاشتراكهما في المقصود، و عندي فيه نظر، لأن الأصل في الموضعين هو التحريم، و جواز النظر للرجل قد دل الدليل على جوازه، و علل في الأخبار المذكورة بأنه في معنى المشتري للمرأة، و المستام بها، و من شأن القاصد لشراء شيء، النظر إليه ليرتفع عنه الغبن و الغرر و هذه العلة لا تجري في نظر المرأة للرجل كما لا يخفى، فقياسها على الرجل قياس مع الفارق، و حكم المنصوص و غيره غير مطابق، كما لا يخفى على الممارس الحاذق.
و بالجملة فالأصل التحريم، و لا يجوز الخروج عنه إلا بدليل واضح، و الاشتراك الذي ذكره ممنوع لما عرفت، مع أنه مع تسليمه لا يصح لأن يكون دليلا شرعيا يخصص به الأصل المذكور.
الثالث: المفهوم من الأخبار و هو الذي صرح به الأصحاب، هو جواز النظر، و قال في المسالك: و ربما قيل: باستحبابه نظرا إلى ظاهر الأمر الذي أقل مراتبه
47
ذلك، و يمكن منع دلالته عليه لجواز إرادة الإباحة، فإنها بعض مستعملاته.
حيث لا يراد به الوجوب، كقوله تعالى (1) «وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا»، انتهى.
أقول: ما ادعاه (قدس سره) من وجود الأمر بالنظر في الأخبار، لا أعرف له وجها، فإن غاية ما اشتملت عليه بأجمعها هو السؤال عن النظر، و الجواب بنفي البأس، و ليس في شيء منها على تعددها ما يدل على الأمر بالنظر (2) كما ادعاه، و مقتضي ما اشتملت عليه مما ذكرناه. إنما هو الجواز كما ينادي به نفي البأس، بمعنى أنه يباح له ذلك، و لا يكون محرما.
الرابع: قال في المسالك: اعلم أنه سيأتي جواز النظر إلى وجه المرأة الأجنبية و كفيها في الجملة، فالواجب الاقتصار هنا على هذا القدر، بقي الفرق بينها و بين الأجنبية و هو من وجوه:
الأول: أن جوازه في الأجنبية موضع خلاف، و هنا موضع وفاق.
الثاني: أنه في الأجنبية مشروط بعدم خوف الفتنة، و هنا لا يشترط، لأنه يريد التزويج، اللهم إلا أن يخافها قبل وقوع العقد، و في التذكرة أطلق الجواز مع خوف الفتنة و بدونها، معللا بأن الغرض إرادة النكاح و مقتضاه أن ذلك، مناف للفتنة.
الثالث: أنه في الأجنبية مقصور على أول نظرة فلا يجوز التكرار و هنا يجوز.
الرابع: أنه في الأجنبية مكروه و هنا لا كراهة إن لم يكن مستحبا، انتهى.
____________
(1) سورة المائدة- آية 2.
(2) غير خفي أن رواية يونس بن يعقوب قد ورد فيها لفظ الأمر صريحا لانه قال في الجواب: تحتجز، ثم لتقعد فليدخل فلينظر، فكيف يقول (رحمه الله) ليس في شيء منها، على تعددها ما يدل على الأمر بالنظر، لا يقال: ليس فيه أمر استحبابي، و هذا ليس كذلك، قلنا كونه للاستحباب هنا، غير خفي على المنصف و يمكن أن يراد في الاخبار الصحيحة، و هذه ليست كذلك و فيه بعد من العبارة. (منه- (رحمه الله).
48
أقول: لا يخفى أنه حيث لحظ (قدس سره) هنا إشكالا فيما ذهبوا إليه، من التخصيص بالوجه و الكفين، أراد التفصي في الخروج عنه، و دفعه بهذه الوجوه التي ذكرها، و هي لا تسمن و لا تغني من جوع، كما لا يخفى على من له الإنصاف بأدنى رجوع.
و ذلك فإن وجه الإشكال الذي ألجأه إلى هذا المقال هو أنه إذا ثبت شرعا، أنه يجوز النظر إلى وجه الأجنبية و كفيها، و إن لم يرد تزويجها، فأي وجه للاقتصار عليهما في هذه المسألة، و تعليل ذلك في الأخبار، بأنه مستام، و أنه بمنزلة المشتري لها.
و أنت خبير بأنه لا وجه للفرق بين المقامين إلا على ما اخترناه من جواز النظر مطلقا، من غير تخصيص بما ادعوه من الوجه و الكفين، إذ مع التخصيص بهما فإنه لا وجه لهذه التعليلات المتكررة في الأخبار بأنه مستام، و أنه يريد أن يشتريها، و أنه يشتري بأغلى الثمن.
و أما الفروق التي ذكرها فإنه لا وجود لها في الأخبار، و إنما هي من كلامهم، و نحن إنما نتكلم بناء على ما دلت عليه الأخبار.
و أما الفرق الأول- الذي ذكره من أن جواز النظر للأجنبية موضع خلاف و هنا موضع وفاق، ففيه أن الكلام ليس مبنيا على الخلاف هنا و الوفاق، و إنما هو مبني على دلالة الأخبار، في الأجنبية على جواز النظر للوجه و الكفين، فإذا جاز ذلك بمقتضى هذه الأخبار، فأي معنى لهذه التعليلات في هذه الأخبار المذكورة، مع أنه جائز مطلقا.
و أما الفرق الثاني: ففيه أيضا أن رواية عبد الله بن الفضل قد قيد نفي البأس بما لم يكن متلذذا، و بها يقيد إطلاق غيرها، و حينئذ فيستوي الأمران، و اشتراط عدم خوف الفتنة، و ما نقله عن التذكرة، فهو مردود بالخبر المذكور.
49
و أما الفرق الثالث- ففيه بعد الإغماض، عن المناقشة فيما ادعاه، من عدم جواز التكرار في الأجنبية، و الاقتصار على أول نظرة، أن جواز التكرار هنا، إنما وقع في كلامهم، و أما الروايات فهي خالية منه، و غاية ما تدل عليه، جواز النظر بقول مطلق و هذه روايات المسألة كملا قد استوفينا ذكرها.
و أما الفرق الرابع- و هو أنه في الأجنبية مكروه فهو على إطلاقه ممنوع، و سيأتيك تحقيق المسألة إن شاء الله تعالى في موضعها، على ما يظهر لك منه حقيقة الحال، و أما العلاوة التي ذكرها بكونه مستحبا فقد عرفت ما فيه.
و بالجملة فإنه لا مخرج من هذا الاشكال المذكور، إلا على ما اخترناه من القول بجواز النظر مطلقا هنا، و أما ما ذكروه من التخصيص في المقام فهو لازم لهم لزوم الطرق للحمام، و الله العالم.
الثالث: المشهور بين الأصحاب (رضي الله عنهم) بل صرح في المسالك بأنه موضع وفاق، جواز النظر إلى الأمة- التي يريد شرائها- إلى وجهها، و كفيها، و محاسنها، و شعرها، و إن لم يأذن له المولى صريحا، قالوا: لأن عرضها للبيع قرينة للإذن في ذلك، و إنما الخلاف فيما زاد على ذلك من باقي جسدها عدا العورة، فقيل: بالجواز، و نقل عن العلامة في التذكرة، أنه قطع به مستندا إلى دعاء الحاجة إليه للتطلع إليها لئلا يكون بها عيب، فيحتاج إلى الاطلاع عليه، و قيده في الدروس بتحليل المولى، و معه يجوز إلى العورة أيضا.
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة، ما رواه
الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب عن أبي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعترض الأمة ليشتريها، قال: لا بأس بأن ينظر إلى محاسنها، و يمسها ما لم ينظر إلى ما لا ينبغي النظر إليه».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 75 ح 35، الوسائل ج 13 ص 48 ب 20 ح 1.
50
و ما رواه
في التهذيب عن حبيب بن معلى الخثعمي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إني اعترضت جواري بالمدينة، فأمذيت، فقال: أما لمن يريد الشراء فليس به بأس، و أما لمن لا يريد أن يشتري فإني أكرهه».
و عن الحارث بن عمران الجعفري (2) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا أحب للرجل أن يقلب جارية، إلا جارية يريد شراءها».
و ما رواه
الحميري في كتاب قرب الاسناد عن الحسين بن علوان (3) «عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) إنه كان إذا أراد أن يشترى الجارية يكشف عن ساقيها فينظر إليها».
قال في المسالك بعد ذكره رواية أبي بصير المذكورة: و ظاهر الرواية جواز النظر إلى ما عدا العورة كما اختاره في التذكرة، و إن لم يأذن المولى، مع احتمال أن يريد بقوله، ما لا ينبغي له النظر اليه، ما هو أعم من العورة، و لم يتعرض المصنف بجواز اللمس، و في الرواية تصريح بجوازه، و هو حسن مع توقف الغرض عليه، و إلا فتركه أحسن، إلا مع التحليل، و الحكم هنا مختص بالمشتري، فلا يجوز للأمة النظر إليه زيادة على ما يجوز للأجنبي، بخلاف الزوجة، و الفرق أن الشراء لا اختيار لها فيه بخلاف التزويج، انتهى.
أقول: انظر أيدك الله تعالى إلى عمله بالرواية المذكورة، إذ لم يورد سواها مع ضعف سندها بأبي بصير، فإنه يحيى بن القاسم، بقرينة رواية علي بن أبي حمزة عنه، مع ضعف علي المذكور و ضعف الراوي عن علي، و هو الجوهري، فأغمض عن
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 236 ح 49. الوسائل ج 13 ص 47 ب 20 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 236 ح 50. الوسائل ج 13 ص 47 ب 20 ح 3.
(3) قرب الاسناد ص 49. الوسائل ج 13 ص 47 ب 20 ح 4.
51
ذلك كله، و استند إليها (1) في المسألة، و نسي مناقشاته التي صدر عنه في غير مقام، و رده الأخبار بضعف الاسناد و منه ما تقدم في هذه الفائدة، مما أوضحنا ما فيه، و كلامه هنا مؤيد، لما أوردناه عليه ثم، و كم مثله و أمثاله، كما لا يخفى على المتتبع البصير، و الناقد الخبير.
و أما ما ذكره بقوله: و الحكم هنا مختص بالمشتري الى آخره، فلا أعرف له وجها وجيها، لأن ظاهره جواز نظر الأمة إلى الأجنبي، و أنه يجوز نظرها للمشتري حسبما يجوز لها في الأجنبي، من غير زيادة على ذلك، و إن جاز ذلك في الزوجة بالنسبة إلى من يريد التزويج بها، و قد عرفت الكلام في الزوجة، و أن ما حكم به من جواز نظرها لمن يريد التزويج بها، لا دليل عليه، بل الدليل الواضح في خلافه، و كذلك الأمة، فإني لم أقف على دليل يدل على جواز نظرها للأجانب من مستام: يريد شراءها أو غيره، بل مقتضى عموم الأدلة هو التحريم، و جواز نظر المشتري لها عند إرادة شرائها بالأخبار المذكورة، لا يستلزم جواز نظرها له، حتى أنه يتكلف للفرق بينها و بين الزوجة بما ذكره.
إذا عرفت ذلك، فالظاهر من الأخبار المذكورة بعد ضم بعضها الى بعض، هو ما استظهره (قدس سره) من رواية أبي بصير، و هو جواز النظر، إلى ما سوى العورة، بحمل ما لا ينبغي النظر إليه، على العورة خاصة، و لا ينبغي هنا، بمعنى التحريم، كما هو شائع ذائع في الأخبار، و احتمال حمله على سائر الجسد، بعد تجويز النظر إلى المحاسن، و تجويز المس بعيد جدا و هو الظاهر أيضا من رواية
____________
(1) فإن قيل: لعل اعتماده في ذلك انما هو على الاتفاق على الحكم المذكور كما ذكره، و الإجماع عنده في بعض المواضع حجة شرعية، و ان خالفه في مواضع اخركما تقدم، قلنا فيه- مع الإغماض عن المناقشة في حجية الإجماع-: انه قد اعتمد عليها، و استدل بها، على ما لا إجماع فيه و هو اللمس، فإنه حكم بجوازه بها، و ان قيده بتوقف الغرض عليه، و هو كاف في توجه الطعن اليه. (منه- (رحمه الله)-).
52
الخثعمي و رواية الجعفري، فإن الظاهر أيضا من اعتراض الجواري، و تقليبهن على وجه يترتب عليه الإمذاء، بحصول الشهوة، إنما يكون غالبا بمطالعة الجسد و ملامسته، و أصرح من ذلك رواية قرب الاسناد الدالة على كشف ساقيها لينظر إليه، و الله العالم.
الفائدة الثامنة [في المواضع المستثناة من حرمة النظر إلى الأجنبية]:
لا خلاف بين الأصحاب (رضى الله عنهم) في تحريم النظر إلى الأجنبية، و هي من ليست بمحرم و لا زوجة و لا مملوكة، فيما عدا وجهها و كفيها بل قال في المسالك: إنه موضع وفاق بين المسلمين، و لا فرق في التحريم بين قصد التلذذ و عدمه، و يدل على ذلك من الأخبار، زيادة على الإجماع المذكور، ما رواه
في الكافي عن علي بن عقبة (1) عن أبيه «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: النظر سهم من سهام إبليس مسموم، و كم من نظرة أورثت حسرة طويلة».
و رواه
الصدوق في كتاب عقاب الأعمال و البرقي في المحاسن (2) و روى في التهذيب عن أبي بريد العطار (3) عن بعض أصحابنا قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إياكم و النظر فإنه سهم من سهام إبليس، و قال: لا بأس بالنظر إلى ما وضعت الثياب».
و في هذا الخبر دلالة على جواز النظر من وراء الثياب الرقيقة التي تحكي الجسد.
و روى في الكافي عن ابن أبي نجران عمن ذكره (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) و يزيد بن حماد و غيره، عن أبي جميلة «عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: ما من أحد إلا و هو يصيب حظا من الزنا، فزنا العينين النظر، و زنا الفم القبلة، و زنا اليدين اللمس صدق الفرج ذلك أم كذب».
و روى في الكافي عن سعد الإسكاف (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: استقبل شاب،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 559 ح 12، الوسائل ج 14 ص 138 ح 1.
(2) المحاسن ج 1 ص 109 ح 101 طبع طهران، عقاب الأعمال ص 314.
(3) التهذيب ج 7 ص 435 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 559 ح 11، الوسائل ج 14 ص 138 ح 2.
(5) الكافي ج 5 ص 521 ح 5، الوسائل ج 14 ص 138 ح 4.
53
من الأنصار امرأة بالمدينة، و كان النساء يتقنعن خلف آذانهن، فنظر إليها و هي مقبلة، فلما جازت، نظر إليها، و دخل في زقاق، قد سماه يبني فلان، فجعل ينظر خلفها و اعترض وجهه عظم في الحائط، أو زجاجة، فشق وجهه، فلما مضت المرأة، نظر فإذا الدماء تسيل على صدره و ثوبه، فقال: و الله لآتين رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و لأخبرنه قال: فأتاه فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال له: ما هذا؟ فأخبره فهبط جبرئيل (عليه السلام)، بهذه الآية (1) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكىٰ لَهُمْ إِنَّ اللّٰهَ خَبِيرٌ بِمٰا يَصْنَعُونَ».
أقول: فيه دلالة على جواز التقنع يومئذ، على الوجه المذكور، و عدم وجوب ستر الاذن، و نحوها، و جواز النظر لذلك، و أن تحريم النظر إما مطلقا أو بقصد التلذذ، أو خوف الفتنة، إنما نزل على أثر هذه الواقعة، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي لا ضرورة إلى ذكرها، مع الاتفاق على الحكم المذكور.
و أما الوجه و الكفان فإنه لا خلاف أيضا بينهم في تحريم النظر إليهما، مع قصد التلذذ أو خوف الفتنة، و أما مع عدم الأمرين المذكورين، فقد اختلف الأصحاب في ذلك، فقيل بالجواز مطلقا، و إن كان على كراهية، و نقل عن الشيخ (رحمه الله)، لقوله تعالى (2) «وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا» و هو مفسر بالوجه و الكفين، و إن ذلك مما يعم به البلوى، و لا طباق الناس في كل عصر، على خروج النساء على وجه، يحصل منه بدو ذلك، من غير نكير.
أقول: و يدل على هذا القول ما رواه
في الكافي عن مروك بن عبيد (3) عن بعض أصحابنا «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: ما يحل للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرما؟ قال: الوجه و الكفان و القدمان».
، و هي صريحة في المراد، و قد تضمنت زيادة القدمين، مع أن ظاهر كلامهم، تخصيص الاستثناء بالوجه
____________
(1) سورة النور- آية 30.
(2) سورة النور- آية 31.
(3) الكافي ج 5 ص 521 ح 2، الوسائل ج 14 ص 146 ح 2.
54
و الكفين، كما هو ظاهر المحقق في الشرائع، و الشارح في المسالك، و السيد السند في شرح النافع، حيث اقتصروا في الاستثناء على هذين الاثنين، و ظاهره عدم جواز النظر إلى القدمين، و الرواية كما ترى صريحة في استثنائه أيضا و يؤيده ما صرحوا به في كتاب الصلاة حيث إن المشهور بينهم، أن بدن المرأة كله عورة ما خلا الوجه و الكفين و القدمين، فلم يوجبوا ستره في الصلاة، و هو أظهر ظاهر في تجوزيهم النظر إلى هذه الثلاثة المذكورة.
و من العجب أن السيد السند في شرح النافع، نقل مرسلة مروك المذكورة، عارية عن ذكر القدمين.
و ما رواه
في الكافي عن زرارة (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تبارك و تعالى (2) «إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا» قال: الزينة الظاهرة، الكحل و الخاتم» (3).
و عن أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن قول الله عز و جل «وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا» قال: الخاتم و المسكة و هي القلب».
أقول: و القلب: بالضم، السوار.
و ما رواه
في الكافي عن الفضيل بن يسار (5) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الذراعين من المرأة، أ هما من الزينة التي قال الله تبارك و تعالى «وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ»؟ قال: نعم، و ما دون الخمار من الزينة، و ما دون السوارين».
قوله (عليه السلام): «و ما دون الخمار»، أي ما يستره الخمار، من الرأس و الرقبة، فهو من
____________
(1) الكافي ج 5 ص 521 ح 3، الوسائل ج 14 ص 146 ح 3.
(2) سورة النور- آية 31.
(3) و في هذا الخبر إشارة إلى الرد على بعض الفضلاء المعاصرين، في بطلان الوضوء بالكحل في العينين، فإنه أوجب إزالته في كل وضوء أو المنع من الاكتحال بالكلية و على هذا لم تحصل الزينة في جميع الأوقات، و هو خلاف الاخبار. (منه- (رحمه الله)-).
(4) الكافي ج 5 ص 521 ح 4، الوسائل ج 14 ص 146 ح 4.
(5) الكافي ج 5 ص 520 ح 1، الوسائل ج 14 ص 145 ح 1.
55
الزينة، و ما خرج عن الخمار من الوجه، فليس منها، «و ما دون السوارين» يعنى من اليدين، و هو ما عدا الكفين، و كأن «دون» هنا في قوله «دون الخمار» بمعنى تحت الخمار، و دون السوار بمعنى تحت السوار، يعنى الجهة المقابلة للعلو، فإن الكفين أسفل، بالنسبة إلى ما فوق السوارين من اليدين.
و في تفسير الثقة الجليل علي بن إبراهيم قال: و في رواية أبي الجارود (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى «وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا» فهي الثياب و الكحل و الخاتم و خضاب الكف و السوار».
، و الزينة ثلاثة: زينة للناس، و زينة للمحرم و زينة للزوج، فأما زينة الناس، فقد ذكرناه، و أما زينة المحرم، فموضع القلادة فما فوقها، و الدملج و ما دونه، و الخلخال و ما سفل منه، و أما زينة الزوج فالجسد كله.
و في هذه الأخبار دلالة ظاهرة على استثناء الوجه و الكفين.
و مما يدل على الوجه بخصوصه، ما رواه
في الكافي عن جابر (2) «عن أبي جعفر (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يريد فاطمة (عليها السلام) و أنا معه فلما انتهينا إلى الباب، وضع يده عليه فدفعه، ثم قال: السلام عليكم، فقالت فاطمة (عليها السلام): السلام عليك يا رسول الله، قال: أدخل؟ قالت: أدخل يا رسول الله، قال أدخل أنا و من معي فقالت: يا رسول الله، ليس علي قناع فقال: يا فاطمة خذي فضل ملحفتك، فقنعي به رأسك، إلى أن قال: فدخل رسول الله (صلى الله عليه و آله) و دخلت فإذا وجه فاطمة (عليها السلام) أصفر كأنه بطن جرادة، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ما لي أرى وجهك أصفر، قالت: يا رسول الله الجوع، فقال (صلى الله عليه و آله و سلم): اللهم مشبع الجوعة، و دافع الضيقة، أشبع فاطمة، بنت محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) قال جابر: فوالله لنظرت الدم ينحدر من قصاصها، حتى صار وجهها أحمر، فما جاعت بعد ذلك اليوم».
____________
(1) تفسير على بن إبراهيم ج 2 ص 101، المستدرك ج 2 ص 555 ب 84 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 528 ح 5، الوسائل ج 14 ص 158 ح 3.
56
و أنت خبير بأن ما قدمنا ذكره عن أصحاب هذا القول من الكراهة على تقدير الجواز لا إشارة فيه في هذه الأخبار، فضلا عن الدلالة عليه، و الظاهر أنهم استندوا فيه إلى خوف الفتنة، و هو أمر آخر كما لا يخفى.
و قيل: بالتحريم مطلقا و نقل عن العلامة في التذكرة، لعموم قوله تعالى (1) «وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ» الآية، و لاتفاق المسلمين على منع النساء، أن يخرجن مسافرات، و لو حل النظر لنزلن منزلة الرجال، و لأن النظر إليهن مظنة الفتنة و هي الشهوة، فالأليق بمحاسن الشرع حسم الباب، لأن
«الخثعمية (2) أتت رسول الله (صلى الله عليه و آله) في حجة الوداع تستفتيه، و كان الفضل بن العباس رديف، رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فأخذ ينظر إليها و تنظر إليه و صرف رسول الله (صلى الله عليه و آله) وجه الفضل عنها، و قال: رجل شاب، و امرأة شابة، فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان».
و أورد على هذه الأدلة، أن النهى مختص بما عدا محل البحث، لقوله عز و جل «إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا»، و دعوى اتفاق المسلمين عليه معارض بمثله، كما تقدم في أدلة القول الأول و لو ثبت لم يلزم منه تحريم، لجواز استناده إلى المروة و الغيرة، بل هو الأظهر، أو على وجه الأفضلية، و حديث الخثعمية بالدلالة على القول الأول أنسب، و إليه أقرب، لدلالته على جواز كشف الوجه يومئذ، و عدم تحريم النظر، و صرفه (صلى الله عليه و آله و سلم) وجه الفضل بن العباس، إنما وقع لأمر آخر، كما علله به من خوف الفتنة و لا كلام فيه، كما عرفت لا من حيث حرمة النظر، و لو كان النظر محرما، لنهي عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) من أول الأمر، لوجوب النهي عن المنكر.
أقول: أنت خبير، بأنهم في هذا المقام لم يلموا بشيء من الأخبار، و لم يطلعوا عليها بالكلية، و إلا فهي الأولى بالاعتبار و الاستدلال في الإيراد و الإصدار و من تأمل فيما قدمناه من الأخبار و نحوها غيرها لم يختلجه شك في ضعف القول
____________
(1) سورة النور- آية 30.
(2) المسالك ج 1 ص 436، المستدرك ج 2 554 مع اختلاف في التعبير.
57
المذكور، و ضعف ما بني عليه، من التعليلات العليلة.
و قيل: بجواز النظر على كراهية مرة لا أزيد، و هو اختيار المحقق، و العلامة في أكثر كتبه.
و وجه الجواز ما تقدم في دليل القول الأول من الأدلة، التي قدمنا نقلها عنهم، و الوجه في تحريم الزائد عن المرة، أن المعاودة و دوام النظر، مظنة الفتنة، لأن شأنه أن يحدث عنه الميل القلبي، و يترتب عليه الفتنة، كما اتفق للفضل بن العباس.
و أنت خبير بما فيه، أما أولا- فإنه قد تقدم، أنه لا خلاف في التحريم في مقام الريبة، و خوف الفتنة، و إنما محل البحث مع عدم شيء من ذلك، فالتعلق بذلك، خروج عن محل المسألة، و مقام البحث، و كون المعاودة، مظنة للفتنة، لا يوجب التحريم، إلا مع حصول الفتنة بالفعل، لا مجرد إمكان ترتب الفتنة و ظنها إذ قد لا تحصل بالكلية.
و أما ثانيا- فإن ظاهر الأخبار التي قدمناها، دالة على الجواز، و هو جواز النظر مطلقا، و لا سيما خبر نظر جابر بن عبد الله، لوجه فاطمة (صلوات الله عليها)، فهذا القول في الضعف كسابقه.
نعم هنا جملة من الأخبار، دلت على الإباحة مرة، و تحريم المعاودة، بالنسبة إلى ما عدا هذه المواضع الثلاثة من سائر الجسد.
فروى
الصدوق عن ابن عمير عن الكاهلي (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): النظرة بعد النظرة، تزرع في القلب الشهوة، و كفى بها لصاحبها فتنة».
و عن السكوني (2) «عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) «قال: لا بأس- إلى أن قال:- و قال (عليه السلام): أول نظرة لك، و الثانية عليك لا لك، و الثالث فيها الهلاك،.
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 139 ح 6، الخصال ج 2 ص 632.
(2) الوسائل ج 14 ص 139 ح 7، الخصال ج 2 ص 632.
58
قال: «و قال الصادق (عليه السلام) (1): من نظر إلى امرأة فرفع بصره إلى السماء، أو غض بصره، لم يرتد إليه بصره، حتى يزوجه الله، من الحور العين»،.
قال: و في خبر (2) «حتى يعقبه الله إيمانا، يجد طعمه».
و روى في كتاب عيون الأخبار (3) عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) في حديث قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): لا تتبع النظرة النظرة، فليس لك يا علي، إلا أول النظرة».
و في حديث الأربعمائة المروي في كتاب الخصال (4) «عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:
لكم أول نظرة إلى المرأة. فلا تتبعوها نظرة أخرى، و احذروا الفتنة».
و الظاهر أن المراد بالنظرة، التي لا يترتب عليها عقاب و لا ذم، هي ما حصلت له على جهة الاتفاق، فلو أتبعها بنظرة ثانية، ترتب عليه الذم و الإثم، و الظاهر أن المراد بالنظرة الثانية، هو الاستمرار على النظرة، و المداومة بعد النظرة الأولى، التي حصلت اتفاقا، و كذا الثالثة، و هي طول النظر، زيادة على ذلك، و احتمال صرفه بصره، ثم عوده يمكن أيضا.
و هذه الأخبار، و إن كانت مطلقة، بالنسبة إلى الجسد و إلى تلك المواضع الثلاثة المتقدمة، إلا أن تلك المواضع، قد خرجت بالأخبار المتقدمة، فوجب تخصيص إطلاق هذه الأخبار بها.
تنبيهات:
الأول [حكم النظر إلى نساء أهل الذمة و شعورهن]:
المشهور بين الأصحاب جواز النظر، إلى نساء أهل الذمة و شعورهن، و هو قول الشيخين في المقنعة و النهاية، ما لم يكن ذلك على وجه التلذذ، قال في النهاية: لا بأس بالنظر إلى نساء أهل الكتاب و شعورهن، لأنهن بمنزلة الإماء، إذا لم يكن النظر لريبة أو تلذذ، و أما إذا كان كذلك. فلا يجوز النظر إليهن على حال
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 139 ح 9.
(2) الوسائل ج 14 ص 140 ح 10.
(3) الوسائل ج 14 ص 140 ح 11.
(4) الوسائل ج 14 ص 141 ح 15، الخصال ج 2 ص 632.
59
و قال في المقنعة: لا بأس بالنظر إلى نساء أهل الكتاب، و شعورهن لأنهن بمنزلة الإماء، و لا يجوز النظر إلى ذلك منهن لريبة.
و على هذا القول عمل الأصحاب، ما عدا ابن إدريس، و تبعه العلامة في المختلف، و أما في باقي كتبه فهو موافق لمذهب الأصحاب قال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي ترك هذه الرواية، و العدول عنها، و التمسك بقوله تعالى (1) «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ» و قوله (2) «لٰا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىٰ مٰا مَتَّعْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْهُمْ» و الشيخ أوردها في نهايته على جهة الإيراد لا الاعتقاد، انتهى.
أقول: و الذي وقفت عليه، من الأخبار الواردة في هذا المقام، ما رواه
في الكافي عن السكوني (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لا حرمة لنساء أهل الذمة أن ينظر إلى شعورهن و أيديهن».
و ما رواه
الحميري في كتاب قرب الاسناد عن أبي البختري (4) «عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب (عليهم السلام): قال لا بأس بالنظر إلى رؤوس النساء من أهل الذمة، و قال: ينزل المسلمون علي أهل الذمة في أسفارهم و حاجاتهم، و لا ينزل المسلم على المسلم إلا بإذنه».
و يعضده ما رواه،
في الكافي عن عباد بن صهيب (5) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا بأس بالنظر إلى رؤوس نساء أهل التهامة، و الأعراب، و أهل السواد و العلوج، لأنهم إذا نهوا لا ينتهون، قال: و المجنونة و المغلوبة على عقلها، و لا
____________
(1) سورة النور- آية 30.
(2) سورة الحجر- آية 88.
(3) الكافي ج 5 ص 524 ح 1.
(4) قرب الاسناد ص 62.
(5) الكافي ج 5 ص 524 ح 1.
و هذه الروايات في الوسائل ج 14 ص 149 ح 1 و 2 و ص 149 ب 113 ح 1.
60
بأس بالنظر إلى شعرها و جسدها، ما لم يتعمد ذلك».
و رواه في الفقيه إلا أنه قال:
و أهل البوادي من أهل الذمة، مكان أهل السواد و العلوج.
قوله (عليه السلام) «ما لم يتعمد ذلك» يعني على وجه التلذذ به، و الميل إليه، و جملة من أصحابنا المتأخرين، و منهم صاحب المسالك و غيره، قد جروا على القول المشهور، و استدلوا بهذه الأخبار، مع ما هي عليه من الضعف، باصطلاحهم، و غمضوا العين، لانسداد طريق العذر عليهم، و كل ذلك ناش من ضيق الخناق في هذا الاصطلاح، الذي هو إلى الفساد، أقرب منه إلى الإصلاح.
ثم إن الظاهر من رواية عباد بن صهيب، هو تعليل الجواز، بعدم امتثالهم النهي، إذا نهوا عن ذلك، و الشيخان و تبعهما جملة من المتأخرين، عللوا ذلك بأنهن بمنزلة الإماء.
و وجهه في المسالك حيث إن المصنف ممن علل بذلك، قال: إنما كن بمنزلة الإماء، لأن أهل الذمة في الأصل للمسلمين، و إنما حرمهن التزام الرجال، بشرائط الذمة، فتبعهم النساء، فكان تحريمهن عارضيا، و الإماء كذلك و إنما حرمهن ملك المسلمين لهن، انتهى، و لا يخفى ما فيه.
نعم ربما كان بناءهم في ذلك، على ما رواه
أبو بصير (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «إن أهل الكتاب مماليك للإمام».
و حينئذ فيكون نسائهم بمنزلة الإماء في الجملة.
و أما ما ذهب اليه ابن إدريس، فهو جيد على أصله الغير الأصيل، و مذهبه الذي خالف فيه العلماء، جيلا بعد جيل، و الآية التي استند إليها مخصصة بالأخبار في هذا الموضع، و غيره من المواضع المتقدمة، كمسألة النظر إلى من يريد تزويجها أو شرائها، و مسألة النظر إلى الوجه و اليدين.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 358 ح 11، و في التهذيب عن زرارة برواية أخرى ج 7 ص 478 ح 126، الوسائل ج 14 ص 420 ب 8 ح 1 و ج 15 ص 477 ح 1.
61
الثاني [في جواز نظر الرجل و المرأة إلى مثليهما ما عدا العورة]:
لا خلاف في أنه يجوز نظر الرجل إلى مثله، ما خلا العورة، و المرأة إلى مثلها كذلك، و الرجل إلى محارمه ما عدا العورة كل ذلك مقيد بعدم التلذذ و الريبة إلا في الزوجين.
قال في المسالك: و لا فرق في ذلك بين الحسن، و القبيح، للعموم، و لا بين الأمرد و غيره عندنا، و إلا لأمر الشارع الأمرد بالحجاب، ثم لو خاف الفتنة بالنظر إليه أو تلذذ به، فلا إشكال في التحريم كغيره.
و قد روي أن وفدا قدموا على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و فيهم غلام حسن الوجه، فأجلسه من ورائه، و كان ذلك بمرءى من الحاضرين، و لم يأمره بالاحتجاب عن الناس فدل على أنه لا يحرم، و إجلاسه وراءه تنزها منه (صلى الله عليه و آله) و تعففا.
و مما يدل على وجوب ستر العورة، في هذه المواضع فيما عدا الزوجين.
ما رواه
في الكافي عن أبي عمر و الزبيري (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه «فقال تبارك و تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ فنهاهم أن ينظروا إلى عوراتهم و أن ينظر المرء إلى فرج أخيه، و يحفظ فرجه أن ينظر إليه، و قال «وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ» من أن تنظر إحداهن إلى فرج أختها، و تحفظ فرجها من أن ينظر إليها، و قال: كل شيء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا، إلا في هذه الآية، فإنها من النظر».
و ينبغي أن يعلم أن المملوكة في حكم الزوجة، مع جواز نكاحها، فلو كانت مزوجة فالمعروف من كلامهم، أنها كأمه الغير، و كذا المكاتبة و المشتركة.
و لو كانت مرهونة أو مؤجرة أو مستبرأة، أو معتدة من وطي شبهة، فالجواز أقوى كما اختاره في المسالك أيضا.
بقي الكلام في أن المشهور جواز نظر المرأة إلى مثلها، مسلمة كانت الناظرة، أو المنظورة أم كافرة، و نقل عن الشيخ في أحد قوليه أن الذمية لا يجوز أن تنظر
____________
(1) أصول الكافي ج 2 ص 36 في ضمن ح 1.
62
إلى المسلمة، حتى الوجه و الكفين، لقوله تعالى (1) «وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ إلى قوله. أَوْ نِسٰائِهِنَّ» و الذمية ليست منهن، و يأتي على قوله (قدس سره) أنه ليس للمسلمة أن تدخل مع الذمية الحمام.
قال: في المسالك و الأشهر الجواز، و أن المراد بنسائهن، التي في خدمتهن، من الحرائر و الإماء، فيشمل الكافرة، و لا فرق بين من في خدمتها منهن و غيرها، انتهى.
أقول:
روى الصدوق في الفقيه، عن حفص بن البختري في الصحيح، و الكليني في الكافي في الصحيح أو الحسن عن حفص (2) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
لا ينبغي للمرأة، أن تنكشف بين يدي اليهودية و النصرانية، فإنهن يصفن ذلك لأزواجهن».
، و «لا ينبغي» هنا بمعنى لا يجوز لأن النهي في الآية التحريم.
و قال في كتاب مجمع البيان (3) «أَوْ نِسٰائِهِنَّ» يعني النساء المؤمنات، و لا يحل لها أن تتجرد ليهودية أو نصرانية أو مجوسية، إلا إذا كانت أمة، و هو معنى قوله «أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ»، أي من الإماء عن ابن جريح و مجاهد، و الحسن و سعيد بن المسيب، قالوا: و لا يحل للعبد أن ينظر إلى شعر مولاته، انتهى.
و بذلك يظهر لك، ما في المذهب المشهور من القصور، و أن الحكم في المسألة هو ما ذكره الشيخ (رحمه الله عليه) للصحيحة المذكورة، إلا أن الظاهر أنهم، لم يقفوا عليها، و إلا لأجابوا عنها.
الثالث [في استثناء مواضع من حرمة النظر إلى الأجنبية]:
قد استثنى الأصحاب (رضي الله عنهم) من تحريم النظر المتقدم ذكره مواضع: منها- ما تقدم من إرادة التزويج بالمرأة و شراء الأمة.
____________
(1) سورة النور- آية 31.
(2) الفقيه ج 3 ص 366 ح 31، الكافي ج 5 ص 519 ح 5، الوسائل ج 14 ص 133 ح 1.
(3) مجمع البيان ج 7 ص 138.
63
و منها المعالجة، و ما يتوقف عليه، من فصد و حجامة، و معرفة نبض العروق و نحو ذلك، و يدل على ذلك ما رواه
في الكافي عن الثمالي (1) في الصحيح «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة المسلمة، يصيبها البلاء في جسدها إما كسر أو جراح في مكان، لا يصلح النظر إليه، و يكون الرجل، أرفق بعلاجه من النساء، أ يصلح له أن ينظر إليها، إذا اضطرت إليه قال: إذا اضطرت إليه فليعالجها إن شاءت».
و يدل عليه عموم ما دل على أن ما من شيء حرمة الله، إلا و قد أباحه للضرورة و لا فرق في ذلك، بين العورة و غيرها، و لو أمكن الطبيب، استنابة من لا يحرم نظره و مسه، وجب مقدما على نظره و مسه.
و منها الشهادة عليها تحملا أو أداء، و للمعاملة ليعرفها، إذا احتاج إليها، و يدل على ذلك، جملة من الأخبار.
منها ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن علي بن يقطين (2) «عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: لا بأس بالشهادة على إقرار المرأة، و ليست بمسفرة، إذا عرفت بعينها، أو حضر من يعرفها، فأما إن كانت لا تعرف بعينها، و لا يحضر من يعرفها، فلا يجوز للشهود، أن يشهدوا عليها، و على إقرارها، دون أن تسفر، و ينظرون إليها.
و ما رواه
في التهذيب عن الصفار (3) قال: «كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) في رجل- و رواه في الفقيه قال: كتب الصفار إلى أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام)- أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم، هل يجوز له أن يشهد عليها و هي من وراء الستر، و يسمع كلامها، إذا شهد عنده رجلان عدلان، أنها فلانة بنت فلان التي تشهدك، و هذا كلامها، أو لا يجوز له الشهادة عليها حتى تبرزن و تثبتها بعينها؟ فوقع (عليه السلام) تتنقب و تظهر للشهود.
قال في الفقيه: و هذا التوقيع عندي، بخطه (عليه السلام).
____________
(1) الكافي ج 5 ص 534 ح 1. الوسائل ج 14 ص 172 ح 1.
(2) الفقيه ج 3 ص 40 ح 131، التهذيب ج 6 ص 255 ح 70. الوسائل ج 18 ص 297 ح 1.
(3) الفقيه ج 3 ص 40 ح 132، التهذيب ج 6 ص 255 ح 71.
64
و حمل هذا الخبر في الاستبصار على الاحتياط، أو أنها تتنقب، و تظهر للشهود، الذين يعرفونها أنها فلانة.
و ربما أشعر هذان الخبران، بعدم جواز كشف الوجه، إلا من حيث ضرورة الإشهاد، و هو خلاف ما دلت عليه الأخبار المتقدمة، المتأيدة بعمل الأصحاب، إلا أن يحملا على اختيار النساء يومئذ التستر، و إن جاز لهن الاسفار.
و منها أن تكون المنظورة صغيرة، ليست مظنة الشهوة، فإنه يجوز النظر إليها أو عجوزا مسنة، تكون من جملة (1) «الْقَوٰاعِدُ مِنَ النِّسٰاءِ اللّٰاتِي لٰا يَرْجُونَ نِكٰاحاً، فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنٰاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيٰابَهُنَّ» الآية.
و منها أن يكون الناظر صغيرا غير مميز، بالنسبة إلى نظر المرأة، و مرجعه من لم يبلغ مبلغا، بحيث يصلح لأن يحكى ما يرى و إليه يشير قوله سبحانه (2) «أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلىٰ عَوْرٰاتِ النِّسٰاءِ».
و أما لو كان مميزا، بحيث يترتب على نظره، ثوران الشهوة أو التشوق، فهو عند الأصحاب كالبالغ فيجب على الولي، منعه من النظر، و على المرأة الأجنبية، الاستتار منه و إن كان مميزا الا على الوجه المذكور، فقولان: للجواز، لأن أمر من لم يبلغ الحلم، بالاستيذان في تلك الأوقات الثلاثة، التي هي مظنة التكشف و التبذل، دون غيرها، مشعر بالجواز، فإن ظاهره أن جواز الدخول من غير استيذان في غير تلك الأوقات، لا يكون إلا مع جواز النظر، و إلا لو كان النظر محرما، لأمر بالاستيذان، و لم يجز له الدخول، إلا بعده، ليأخذوا الأهبة في التستر، فإن المتبادر من الأمر له، بالاستيذان إنما هو لأجل ذلك.
و للمنع- لعموم قوله تعالى «أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلىٰ عَوْرٰاتِ النِّسٰاءِ» فيدخل غيره في النهي، عن إبداء الزينة له، قال: في المسالك: و هذا أقوى، ثم
____________
(1) سورة النور- آية 60.
(2) سورة النور- آية 31.
65
قال: و الأمر بالاستيذان في تلك الأوقات، لا يقتضي جواز النظر، كما لا يخفى، انتهى.
و فيه ما عرفت، من أن المتبادر من الاستيذان، إنما هو لأخذ الأهبة في التستر، و من ثم أمر من لم يبلغ الحلم، بالاستيذان في تلك الأوقات الثلاثة، من حيث كونها مظنة التكشف كما عرفت.
و بالجملة فالمسألة بالنظر إلى ما ذكره محل إشكال و توقف، إلا أنه يمكن أن يرجح الجواز، بأنه الأوفق بمقتضى الأصل، حتى يقوم دليل التحريم.
و ما رواه
الصدوق في الفقيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (1) «عن الرضا (عليه السلام) قال: يؤخذ الغلام بالصلاة، و هو ابن سبع سنين، و لا تغطي المرأة شعرها منه حتى يحتلم».
و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (2) «عن الرضا (عليه السلام) قال: لا تغطي المرأة رأسها، من الغلام حتى يبلغ الحلم».
و التقريب فيهما تلازم جواز كشفها، الرأس له، و جواز نظره لها، إذ لو حرم عليه النظر لها، لحرم عليها. التكشف له، و الخبران مطلقان، بالنسبة إلى من يحصل منه التلذذ و غيره، و مع عدم تقييدهما بما ذكروه، من استثناء النظر الذي يترتب عليه التلذذ فالدلالة على الفرد الآخر، لا معارض لها، و به يظهر صحة القول بالجواز في المسألة.
الرابع [في حرمة نظر المرأة إلى الأجنبي]:
الظاهر أنه لا خلاف في تحريم نظر المرأة إلى الأجنبي أعمى كان أو مبصرا للآية المتقدمة، و هو قوله عز و جل (3) «قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ» الآية.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 276 ح 3. الوسائل ج 14 ص 169 ح 3.
(2) قرب الاسناد ص 170. الوسائل ج 14 ص 169 ح 4.
(3) سورة النور- آية 30.
66
و ما رواه
في الكافي عن أحمد (1) بن أبي عبد الله «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: استأذن ابن أم مكتوم على النبي (صلى الله عليه و آله) و عنده عائشة و حفصة فقال لهما: قوما فادخلا البيت فقالتا: إنه أعمى، فقال: إن لم يركما فإنكما تريانه.
أقول: و رواية أحمد بن خالد البرقي عن الصادق (عليه السلام) لا يخلو عن إشكال و لعله قد سقط الواسطة من السند.
و ما رواه
الصدوق في كتاب عقاب الأعمال (2) قال: اشتد غضب الله عز و جل على امرأة ذات بعل، ملأت عينها من غير زوجها أو غير ذي محرم منها، فإنها إن فعلت ذلك أحبط الله كل عمل عملته».
الحديث.
و روى الطبرسي في كتاب مكارم الأخلاق عن أم سلمة (3) «قالت كنت عند النبي (صلى الله عليه و آله) و عنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، و ذلك بعد أن أمر بالحجاب فقال: احتجبا فقلنا: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أ ليس أعمى لا يبصرنا، فقال: أ فعمياوان أنتما، أ لستما تبصرانه».
الخامس [حكم سماع صوت المرأة الأجنبية]:
المشهور بين الأصحاب تحريم سماع صوت المرأة الأجنبية، مبصرا كان السامع أو أعمى، و إطلاق كلامهم شامل، لما أوجب السماع، التلذذ و الفتنة أم لا، و لا يخلو من إشكال، لما علم من الأخبار المتكاثرة، من كلام النساء مع الأئمة (عليهم السلام)، و سؤالهن عن الأحكام، بل غير ذلك أيضا، و سيما كلام فاطمة (عليها السلام) مع الصحابة، كسلمان و أبي ذر و المقداد، و خروجها للمطالبة بميراثها في المسجد من أبي بكر، و حضور جملة من الصحابة يومئذ، و إتيانها بتلك الخطبة الطويلة (4) المتفق على نقلها، بروايات الخاصة و العامة، أشهر من أن ينكر، مع أنها معصومة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 534 ح 2. الوسائل ج 14 ص 171 ب 129 ح 1.
(2) عقاب الأعمال ص 338. الوسائل ج 14 ص 171 ب 129 ح 2.
(3) مكارم الأخلاق ص 233. الوسائل ج 14 ص 172 ح 4.
(4) الفقيه ج 3 ص 372 ح 10.
67
و من المعلوم أن خروجها إنما يكون بإذن أمير المؤمنين (عليه السلام)، و هذا كله، مما يدفع ما ذكروه.
نعم لا بأس بتخصيص الحكم، بما إذا أوجب التلذذ و الفتنة، و عليه يحمل ما أوهم خلاف ما ذكرناه.
و منه ما رواه
في الفقيه في حديث المناهي (1) «عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: و نهى أن تتكلم المرأة عند غير زوجها و غير ذي محرم منها، أكثر من خمس كلمات، مما لا بد لها منه».
و روى في الخصال عن مسعدة بن صدقة (2) «عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): أربع يمتن القلب، الذنب على الذنب، و كثرة مناقشة النساء يعنى محادثتهن، و مماراة الأحمق يقول و تقول: و لا يؤل إلى خير الحديث»،.
و هو ظاهر في الكراهة.
و بالجملة فإن من تتبع الأخبار، و اطلع على ما تضمنه مما ذكرناه، فإنه لا يرتاب في الحكم بالجواز، و الله العالم.
الفائدة التاسعة [حكم الخصي]:
هل يجوز للخصي النظر إلى المرأة المالكة له، و كذا إلى الأجنبية أم لا؟ قولان: و تفصيل الكلام في ذلك يقتضي بسطه في مقامين.
[المقام] الأول: في نظر الخصي إلى مالكته
، و قد اختلف الأصحاب في ذلك، قال:
الشيخ في المبسوط إذا ملكت الامرأة فحلا أو خصيا، فهل يكون محرما لها، حتى يجوز له أن يخلو بها و يسافر معها؟ قيل: فيه وجهان:
أحدهما: و هو كالظاهر أنه يكون محرما، لقوله تعالى (3)
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 3 ح المناهي. الوسائل ج 14 ص 143 ح 2.
(2) الخصال ص 228 ح 65. الوسائل ج 14 ص 143 ح 3.
(3) سورة النور- آية 30.
68
«وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ- إلى قوله- أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ» فنهاهن عن إظهار زينتهن لأحد، إلا لمن استثنى، و استثنى ملك اليمين.
و الثاني- و هو الأشبه بالمذهب أنه لا يكون محرما، و هو الذي يقوى في نفسي، و روى أصحابنا في تفسير الآية، أن المراد به، إلا ماء دون الذكر ان، قال في المختلف- بعد نقل ذلك عنه- و هذا الكلام يدل على تردده، ثم نقل عنه أنه قال في الخلاف: إذا ملكت الامرأة، فحلا أو خصيا أو مجبوبا، لا يكون محرما لها، فلا يجوز أن يخلو بها و لا يسافر معها.
و استدل بإجماع الفرقة، و طريقة الاحتياط، قال: و أما الآية فقد روى أصحابنا، أن المراد بها الإماء دون العبيد الذكران، و هو اختيار ابن إدريس، ثم قال في المختلف: و الحق عندي أن الفحل، لا يجوز النظر إلى مالكته، أما الخصي ففيه احتمال، أقربه الجواز على كراهية للآية، و التخصيص بالإماء لا وجه له، لاشتراك الإماء و الحرائر في الحكم، انتهى.
أقول: فيه أن ظاهره أن اختياره الجواز في الخصي، إنما هو للآية، لمنعه تخصيصها بالإماء، و الآية بناء على ذلك شاملة بإطلاقها، للفحل و الخصي، فمنعه الجواز في الفحل، لا يظهر له وجه، إلا أن يدعى إجماعا على خروجه، مع أن ظاهر عبارة الشيخ المتقدمة، شمول الخلاف للفحل أيضا، و القول بجواز نظره.
و ممن صرح بعدم جواز نظر الخصي المحقق في الشرائع، قال: لعموم المنع و ملك اليمين المستثنى في الآية، المراد به الإماء، و هو موافق لما اختاره الشيخ في الخلاف و ابن إدريس، و هو المنقول عن العلامة في التذكرة أيضا، و اقتصر الشهيد في اللمعة، على نقل الخلاف، فقال: و في جواز نظر المرأة إلى الخصي، المملوك لها، و بالعكس، خلاف، و لم يرجح شيئا.
و الواجب نقل ما وصل إلينا، من الأخبار المتعلقة بالمسألة، و الكلام بما يسر الله سبحانه بتوفيقه فهمه منها.
69
فمن ذلك ما رواه
في الكافي، في الموثق عن يونس بن عمار و يونس بن يعقوب (1) جميعا «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا يحل للمرأة أن ينظر عبدها إلى شيء من جسدها، إلا شعرها، غير متعمد لذلك».
قال الكليني: و في رواية أخرى «لا بأس أن ينظر إلى شعرها، إذا كان مأمونا».
و عن معاوية بن عمار (2) بسندين أحدهما صحيح و الآخر حسن في قوة الصحيح، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المملوك يرى شعر مولاته و ساقها؟ قال: لا بأس».
و عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (3) في الصحيح و الموثق، بأبان بن عثمان قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المملوك يرى شعر مولاته؟ قال: لا بأس».
و عن معاوية بن عمار (4) في الصحيح، قال: «كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) نحوا من ثلاثين رجلا. إذ دخل أبي، فرحب به أبو عبد الله (عليه السلام) و أجلسه إلى جنبه، فأقبل إليه طويلا، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن لأبي معاوية حاجة، فلو خففتم، فقمنا جميعا، فقال لي أبي: ارجع يا معاوية فرجعت، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): هذا ابنك قال: نعم و هو يزعم أن أهل المدينة يصنعون شيئا لا يحل لهم، قال: و ما هو؟
قلت: إن المرأة القرشية و الهاشمية تركب و تضع يدها على رأس الأسود و ذراعيها على عنقه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا بني أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قال: اقرأ هذه الآية (5) «لٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبٰائِهِنَّ وَ لٰا أَبْنٰائِهِنَّ. حتى بلغ.
وَ لٰا مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ» ثم قال: يا بني، لا بأس أن يرى المملوك الشعر و الساق».
و ما رواه
الصدوق عن إسحاق بن عمار في الموثق (6) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
أ ينظر المملوك إلى شعر مولاته؟ قال نعم و إلى ساقها».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 531 ح 4، الوسائل ج 14 ص 164 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 531 ح 3، الوسائل ج 14 ص 165 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 531 ح 1، الوسائل ج 14 ص 165 ح 4.
(4) الكافي ج 5 ص 531 ح 2، الوسائل ج 14 ص 165 ح 5.
(5) سورة الأحزاب- آية 55.
(6) الفقيه ج 3 ص 300 ح 16، الوسائل ج 14 ص 165 ح 6.
70
و ما رواه
الشيخ عن القاسم الصيقل (1) قال: «كتبت إليه أم علي تسأل عن كشف الرأس بين يدي الخادم؟ و قالت له، إن شيعتك، اختلفوا علي في ذلك، فقال بعضهم: لا بأس، و قال بعضهم: لا يحل، فكتب (عليه السلام): سألت عن كشف الرأس، بين يدي الخادم، لا تكشفي رأسك بين يديه، فإن ذلك مكروه».
و ما رواه
في كتاب قرب الاسناد عن الحسين بن علوان (2) «عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أنه كان يقول: لا ينظر العبد إلى شعر سيدته».
و روى الشيخ في المبسوط (3) و غيره «أن النبي (صلى الله عليه و آله) أتى فاطمة (صلوات الله عليها) بعبد و هبة لها، و على فاطمة (عليها السلام) ثوب إذا قنعت رأسها، لم يبلغ رجليها، و إذا غطت به رجليها، لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ما تلقى قال: إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك و غلامك».
أقول: لم أقف على هذا الخبر في كتب أخبارنا، و يقرب عندي أنه من أخبار العامة التي يستلقونها أصحابنا في كتبهم الفروعية.
و قد تقدم في عبارتي المبسوط و الخلاف، أنه روى أصحابنا أن المراد بما ملكت أيمانهن، الإماء، دون الذكران، و في كتاب مجمع البيان في تتمة الكلام المتقدم نقله عنه، في التنبيه الثاني بعد نقل تفسير الآية بالإماء قال: و قيل معناه العبيد و الإماء، و روى ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام).
و أنت خبير بأنه لم يصل إلينا في الأخبار المتعلقة بتفسير الآية المذكورة إلا رواية معاوية بن عمار (4) في حكاية دخول أبيه على أبي عبد الله (عليه السلام)، و الظاهر
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 457 ح 36. الوسائل ج 14 ص 166 ح 7.
(2) قرب الاسناد ص 50. الوسائل ج 14 ص 166 ح 8.
(3) المبسوط ج 4 ص 161 الطبع الجديد.
(4) الكافي ج 5 ص 531 ح 2، الوسائل ج 14 ص 165 ح 5.
71
أنها هي التي أشار إليها في كتاب مجمع البيان، و إن لم تتضمن الإماء، كما ذكره في المجمع، إلا أنه مفهوم بطريق أولى.
و أنت خبير بأن أكثر أخبار المسألة و أصحها ظاهرة في الجواز من غير تقييد بالخصي الذي جعله أصحابنا محل الخلاف إيذانا بالاتفاق على تحريم نظر الفحل، مع أن هذه الروايات التي ذكرناها و هي جميع روايات المسألة، إنما تضمنت المملوك و العبد و الخادم، و هي عامة شاملة للفحل و الخصي، و ليس فيها إشارة- فضلا عن التصريح- إلى التخصيص بالخصي، و بذلك يعظم الإشكال في هذا المجال.
و جملة من أصحابنا قد حملوا الأخبار الدالة على الجواز على التقية، و ما يستأنس به لذلك صحيحة معاوية بن عمار الدالة على دخول أبيه على أبي عبد الله (عليه السلام)، فإن أباه كان من كبار العامة، (1) و أعاظمهم، و تعظيم الامام (عليه السلام) له- كما تضمنه الخبر- إنما كان لذلك.
و مما يومي إلى التقية في الرواية، إيماء ظاهرا أن عمارا نقل عن أبيه معاوية أن وضع المرأة يدها على رأس العبد و ذراعها على عنقه، لا يحل لهم.
و ظاهر سياق كلامه (عليه السلام) تقرير عمار على ذلك، و لم يرد عليه فيه، و إنما جوز في آخر الخبر نظر الشعر و الساق، و جعل هذا هو معنى الآية، و عدم تصريحه (عليه السلام) بالتحريم في الأول إنما كان تقية.
و بالجملة فإن غاية ما يدل عليه الخبر هو الجواز بالنسبة إلى الشعر و الساق، كما تضمنه غيره من الأخبار المذكورة، و سيأتي نقل كلام الشيخ في المقام الآتي، و حمله الأخبار على التقية، فاعترض على ذلك في المسالك فقال بعد كلام في المقام:
____________
(1) قال النجاشي في ترجمة معاوية بن عمار المذكور: كان وجها في أصحابنا متقدما، كبير الشأن، عظيم المحل، ثقة، و كان عمار ثقة في العامة، وجها الى آخر ما ذكره.
(منه- (رحمه الله)-).
72
و كونه للتقية غير جيد، لأنها مسألة اجتهادية.
و المخالفون مختلفون فيها، فمنهم من جوز له النظر و جعله محرما، و منهم من منعه مطلقا، و منهم من فصل فحرم نظره، إلا أن يكبر و يهرم و تذهب شهوته- إلى أن قال-: و حينئذ فحمل هذا على التقية غير واضح، و لا ينبغي التعلق بها، إلا في المسائل التي اتفق عليها من خالفهم، و إلا فلهم أسوة بمن وافق، فينبغي التفطن لذلك في نظائر هذه المسألة، فإنها كثيرة، تراهم يحملون الحكم فيها على التقية مع اختلاف المخالفين فيها، و مثل هذا لا يجوز العدول عن مدلول اللفظ بمجرد الاحتمال البعيد، انتهى.
أقول: لا يخفى أن تخصيص الحمل على التقية باتفاق العامة على الحكم خلاف ما دلت عليه
مقبولة عمر بن حنظلة (1) لقول السائل فيها بعد أمره (عليه السلام) بعرض الخبرين على مذهبهم: فإن وافقهما الخبران جميعا؟ قال: «ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر».
و لا ريب أن الخبرين هنا موافقان لهما، فإن لكل منهما قائلا منهم، و حينئذ فينبغي بمقتضى القاعدة المذكورة النظر إلى ما كان قضاتهم و سلاطينهم إليه أميل.
و مقتضى كلام الشيخ الآتي إن شاء الله في المقام الثاني، أن القول بالجواز مذهب سلاطين الوقت، و بموجب ذلك يترجح الحمل على التقية، هذا.
و لا يخفى عليك أن المفهوم، من كلام الأصحاب القائلين بالجواز، هو جواز النظر مطلقا من غير تقييد بعضو مخصوص، و ظاهره جواز النظر إلى ما يجوز للمحارم نظره، و هو ما عدا العورة.
و الأخبار الدالة على الجواز لا دلالة فيها على أزيد من النظر إلى الشعر و الساق، مقيدا النظر إلى الشعور في بعضها بكونه مأمونا و في آخر بعدم التعمد.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 412 ح 5، التهذيب ج 6 ص 301 ح 52، الوسائل ج 18 ص 75 ح 1.
73
و ما أجمل في الرواية المرسلة في كتاب مجمع البيان يمكن حمله على المفصل، و حينئذ فما يدعونه من جواز النظر مطلقا، لا دليل عليه، و هذا مما يوهن الاستدلال بها.
ثم إن المفهوم من رواية القاسم الصيقل وقوع الخلاف في المسألة، في أيامهم (عليهم السلام)، و يشير إليه حكم معاوية بن عمار في حكايته مع أبيه، أنه كان يعيب على أهل المدينة بذلك، و من المعلوم من جلالة قدر الرجل المذكور أنه لا يحكم بذلك إلا بعد السماع منهم (عليهم السلام).
ثم إنه يمكن ترجيح القول بالتحريم بالقاعدة التي ذكرها في التقية و اعتمد عليها في غير موضع، و هو أنه إذا ورد عنهم (عليهم السلام) خبران مختلفان، أحدهما عن الامام السابق، و الآخر عن الامام اللاحق، فإنه يؤخذ بالأخير، فيكون العمل هنا على رواية القاسم الصيقل، فإن الرواية هنا عن الهادي (عليه السلام)، حيث إن الراوي المذكور من رجاله (عليه السلام)، و الروايات الأخر عن الصادق (عليه السلام)، و قد عرضت عليه المرأة القولين، فمنعها عن ذلك.
و المراد بالكراهة في كلامه، التحريم بلا إشكال، لأن محل الخلاف هو الحل و التحريم، كما ينادي به صدر الخبر المذكور.
و مما يؤيد التحريم، أنه الأوفق بالاحتياط في الدين، و هو أحد المرجحات في مقام اختلاف الأخبار، كما تضمنته رواية زرارة (1) الواردة في طريق الترجيح سيما مع دلالة الأخبار، كما تقدم الإشارة إليه، على ما هو أعم من الخصي و الفحل، و إن خصوا موضع الخلاف بالأول.
و بالجملة فالمسألة لما عرفت بمحل من الاشكال، و الاحتياط فيها مطلوب على كل حال، و الله العالم:
____________
(1) مستدرك الوسائل ج 3 ص 185 ب 9 ح 2.
74
المقام الثاني: في نظر الخصي إلى غير مالكته من الأجانب
، و فيه أيضا قولان و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذا المقام ما رواه
في الكافي عن عبد الملك بن عتبة النخعي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أم الولد هل يصلح أن ينظر إليها خصي مولاها و هي تغتسل؟ قال: لا يحل ذلك».
و عن محمد بن إسحاق (2) قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) قلت: يكون للرجل الخصي، يدخل على نسائه، فيناولهن الوضوء، فيرى شعورهن؟ قال لا».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (3) في الصحيح:
قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قناع الحرائر من الخصيان، فقال: كانوا يدخلون على بنات أبي الحسن (عليه السلام) و لا يتقنعن- و زاد في الكافي- قلت: فكانوا أحرارا؟ قال: لا، قلت: فالأحرار يتقنع منهم؟ قال: لا».
و هذا الخبر حمله الشيخ في التهذيبين، على التقية، قال: و العمل على الخبر الأول أولى و أحوط في الدين.
و في حديث آخر (4) أنه لما سئل عن هذه المسألة قال «أمسك عن هذا و لم يجبه».
فعلم بإمساكه عن الجواب أنه لضرب من التقية، لم يقل ما عنده في ذلك، لاستعمال سلاطين الوقت ذلك.
و ما رواه
الحميري (5) عن صالح بن عبد الله الخثعمي عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «و كتبت إليه أسأله عن خصي لي، في سن رجل مدرك، يحل للمرأة أن يراها و تنكشف بين يديه؟ قال: فلم يجنبي فيها».
و ما رواه
الحسن بن الفضل الطبرسي (6) في كتاب مكارم الأخلاق قال: «قال
____________
(1) الكافي ج 5 ص 532 ح 1. الوسائل ج 14 ص 166 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 532 ح 2. الوسائل ج 14 ص 166 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 532 ح 3، التهذيب ج 7 ص 480 ح 134. الوسائل ج 14 ص 167 ح 3.
(4) التهذيب ج 7 ص 480 ح 135. الوسائل ج 14 ص 167 ح 6.
(5) قرب الاسناد ص 126. الوسائل ج 14 ص 168 ح 8.
(6) مكارم الأخلاق ص 232. الوسائل ج 14 ص 168 ح 9.
75
(عليه السلام): لا تجلس المرأة بين يدي الخصي مكشوفة الرأس».
و نقل أصحابنا (رضوان الله تعالى عليهم) عن ابن الجنيد (1) أنه قال في كتابه الأحمدي: روي عن أبي عبد الله و أبي الحسن (عليهما السلام) «كراهية رؤية الخصيان الحرة من النساء حرا كان أو مملوكا».
و أنت خبير بأن أكثر هذه الأخبار ظاهرة في التحريم، و المنافاة الظاهرة في صحيحة محمد بن إسماعيل المذكورة. و الأظهر حملها على ما ذكره الشيخ من التقية، و يومي إلى ذلك إعراضه (عليه السلام) في رواية الحميري عن الجواب، و كذا الأمر بالإمساك في الرواية التي أشار إليها الشيخ في كلامه، فإنه لا وجه لذلك سوى التقية.
و أما لفظ الكراهة في عبارة ابن الجنيد فمن الجائز حملها على التحريم، فإن المتقدمين كثيرا ما يجرون على الأخبار في التعبير، و الكراهة بمعنى التحريم في الأخبار أكثر كثير، و التخصيص بهذا المعنى المشهور، اصطلاح حادث من الأصوليين، و قد نبه على ذلك جملة من الأصحاب في حمل كلام الشيخ و نحوه من المتقدمين على ذلك، و يعضده أنه الأحوط في الدين، و بذلك يظهر أن ما يفهم من المسالك من الميل إلى الجواز في كلا المقامين ليس بجيد، و إن تبعه في الكفاية على ذلك، و ما ذكره في المسالك من التعليلات معلول، و ليس في التعرض لذكره كثير فائدة.
[المراد بالخصي]
قال في المسالك: و اعلم أن إطلاق الخصي يشمل من قطع خصيتاه و إن بقي ذكره، و الأولى تخصيص محل الخلاف بمن قطع ذكره و خصيتاه معا، كما قطع به في التذكرة، أما الخصي الذي بقي ذكره، و المجبوب الذي بقي أنثياه فكالفحل، انتهى.
أقول: ظاهر كلامه أن الخصي يطلق على هذه الأنواع المذكورة في كلامه
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 168 ح 10.
76
و المفهوم من كلام أهل اللغة أن الخصي هو من سلت خصيتاه.
قال في كتاب المصباح المنير: و خصيت العبد، أخصيته خصاء- بالمد و الكسر- سللت خصيته، فهو خصي فعيل، بمعني مفعول، و نحوه في كتاب مجمع البحرين.
و قال في القاموس: و خصاه خصاء سل خصيته، فهو خصي و مخصي، و قال في كتاب شمس العلوم: خصا الفحل خصاء، إذا سل خصيته، و مقتضى ذلك أن من قطع ذكره و بقي خصيتاه لا يسمى خصيا، فيكون الحكم فيه ما ذكره من أنه كالفحل.
و أما المجبوب الذي قطع ذكره و بقيت أنثياه فهو الخصي، كما عرفت من كلام أهل اللغة، فحكمه بأنه كالفحل محل إشكال، إلا أن يثبت ما ادعاه من التخصيص الذي نقله عن التذكرة، بكونه مقطوع الذكر و الأنثيين، و لا أعرف له وجها، و لا عليه دليلا، فإن الروايات تضمنت الخصي بقول مطلق، و الخصي لغة هو ما عرفت، و ليس هنا معنى آخر شرعا و لا عرفا يوجب الاشتراك أو الخروج عن المعنى المذكور، فليتأمل، و الله العالم.
العاشر [في بيان معنى التابعين غير أولي الإربة]:
(1) قد دلت الآية على استثناء (2) «التّٰابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجٰالِ» من تحريم النظر إلى الأجنبية، فيجوز لهم النظر حينئذ.
قال في كتاب مجمع البيان (3): و اختلف في معناه، فقيل: التابع الذي يتبعك ليسأل من طعامك، و لا حاجة له في النساء، و هو الأبله المولى عليه، عن ابن عباس و قتادة و سعيد بن جبير، و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام).
و قيل: هو العنين الذي لا أرب له في النساء لعجزه، عن عكرمة و الشعبي.
____________
(1) هكذا في الأصل و لم نعرف وجه عنوان العاشر هنا.
(2) سورة النور- آية 31.
(3) مجمع البيان ج 7 طبع صيدا ص 138.
77
و قيل: إنه الخصي المجبوب الذي لا رغبة له في النساء، عن الشافعي، و لم يسبق إلى هذا القول.
و قيل: إنه الشيخ الهرم لذهاب إربه، عن يزيد بن أبي حبيب.
و قيل: هو العبد الصغير، عن أبي حنيفة و أصحابه. انتهى.
أقول: و الذي وقفت عليه في أخبارنا، ما رواه
في الكافي عن زرارة (1) في الصحيح قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «أَوِ التّٰابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجٰالِ- إلى آخر الآية» قال: الأحمق الذي لا يأتي النساء».
قال في كتاب الوافي: الإربة: العقل و جودة الرأي.
أقول: لم أقف لهذا المعنى الذي ذكره على مستند، من لغة أو غيرها، و الموجود في كلام أهل اللغة إنما هو تفسير الإربة بالحاجة، و هو الذي فسر به في كتاب مجمع البيان.
قال الفيومي في كتاب المصباح المنير: الأرب بفتحتين، و الإربة بالكسر و الماربة بفتح الراء و ضمها: الحاجة، و الجمع: المآرب، و الأرب في الأصل مصدر من باب تعب، يقال أرب الرجل إلى الشيء، إذا احتاج إليه، فهو آرب على فاعل. انتهى.
و ما رواه
في الكافي عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) في الموثق قال: «سألته عن أولي الإربة من الرجال، قال: هو الأحمق المولى عليه، الذي لا يأتي النساء».
و ما رواه
في التهذيب عن زرارة (3) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن اولي الإربة من الرجال قال: هو الأحمق الذي لا يأتي النساء».
أقول: قد اشتركت هذه الروايات في تفسير بالأحمق الذي لا يأتي النساء،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 523 ح 1، الوسائل ج 14 ص 148 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 523 ح 2، الوسائل ج 14 ص 148 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 468 ح 81.
78
و الحمق نقصان في العقل، و هو يرجع إلى المعنى الأول الذي نقله في كتاب مجمع البيان عن أبي عبد الله (عليه السلام).
و إنما قيده بكونه مولى عليه، لنقصان عقله، و لكن لا بد من تقييده بمن ذكر في هذه الروايات بأنه لا يأتي النساء، أي ليس له شهوة، توجب إتيانه النساء، و إلا فمجرد كونه ناقص العقل و أبلها مع حبه لإتيان النساء و تلذذه بذلك فإنه لا يكون داخلا في الفرد المستثنى، و الغالب فيمن لا يشتهي إتيان النساء، إنما هو الخصي و العنين، و المراد هنا ما هو أعم منهما، بقي الإشكال هنا في أن الخبر الأول من الأخبار التي نقلناها قد تضمن جعل الأحمق الذي لا يأتي النساء، تفسيرا للتابعين غير اولي الإربة و هو الظاهر الذي بنى عليه الحكم المذكور.
و الخبران الآخران قد تضمنا جعله تفسيرا لاولي الإربة، و هو غير مستقيم على ظاهره، لأنهما قد تضمنا السؤال عن اولي الإربة، و اولى الإربة كما عرفت يعني أصحاب الحاجة إلى النكاح، و الجواب قد وقع بأنه الأحمق الذي لا يأتي النساء و هذا إنما هو غير اولي الإربة، لا اولي الإربة.
اللّهمّ إلا أن يكون الجواب وقع تنبيها على أن الأولى هو السؤال عن غير اولي الإربة، فإنه هو المحتاج إلى التفسير و البيان، فأجيب بناء على ذلك، و مثله في القرآن كثير (1).
و منها ما رواه
في الكافي عن عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد الله عن أبيه
____________
(1) و منه قوله عز و جل «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوٰاقِيتُ لِلنّٰاسِ» فإنهم سألوا عن السبب في اختلاف القمر في زيادة النور و نقصانه، حيث قالوا: ما بال الهلال يبدو رقيقا مثل الخيط ثم يتزايد قليلا قليلا حتى ينجلي بمثل و يستوى ثم لا يزال ينقض من بعده كما بدء، فأجيبوا بالغرض من هذا الاختلاف، و هو ان الأهلة حسب ذلك الاختلاف معالم يوقت بها الناس أمورهم من المزارع و المتاجر و الديون و الصوم و نحو ذلك، فقد سألوا عن السبب و أجيبوا بالغرض من ذلك، فإنه هو الأنسب بالسؤال عنه، و من ذلك قوله تعالى «يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ قُلْ مٰا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ» فإنهم سألوا عن بيان ما ينفقونه، فأجيبوا ببيان المصارف، تنبيها على أن المهم من السؤال انما هو ذلك منه (رحمه الله).
79
عن آبائه (عليهم السلام) قال: «كان بالمدينة رجلان يسمى أحدهما هيت (1) و الآخر مانع، فقالا لرجل و رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يسمع: إذا افتتحتم الطائف، إن شاء الله، فعليك بابنة غيلان الثقفية، فإنها شموع نجلاء مبتلة هيفاء شنباء، إذا جلست تثنت، و إذا تكلمت غنت، تقبل بأربع، و تدبر بثمان، بين رجليها مثل القدح، فقال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): لا أريكما من اولي الإربة من الرجال فأمر بهما رسول الله (صلى الله عليه و آله) فغرب بهما إلى مكان يقال له: العريا، و كانا يتسوقان في كل جمعة» (2).
قيل: و الشموع كصبور: المرأة الكثيرة المزاح، و النجلاء الواسعة العين، و مبتلة بتقديم الباء الموحدة و تشديد التاء المثناة من فوق على وزن معظمة:
الجميلة التامة الخلق، المقطع حسنها على أعضائها، و التي لم يركب بعض لحمها بعضا، و لا يوصف به الرجل، و الهيف بالتحريك: صغر البطن و الخاصرة، و الشنب محركة: عذوبة في الأسنان أو نقط بيض فيها، و التتنن بالمثناتين الفوقانيتين و النونين: ترك الأصدقاء و مصاحبة غيرهم، و قيل: هو بالباء الموحدة ثم النون، و التبني: تباعد ما بين القدمين أو معناه صارت كأنها بنيان مرصوص من عظمها، و لعل المراد بالأربع اليدان و الرجلان و بالثمان هي مع الكتفين و الأليتين، و بالتشبيه بالقدح عظم فرجها، و قيل: بل كانت في بطنها عكن أربع تقبل بها، و تدبر بأطرافها التي في جنبيها لكل عكنة طرفان، لأن العكنة تحيط بالطرفين و الجنبين،
____________
(1) هيت ضبطه أهل الحديث بالمثناة التحتانية أولا، و الفوقانية ثانيا، و قيل بل هو بالنون و الباء الموحدة، و كانا مخنثين بالمدينة.
أقول: و الظاهر أنه لذلك حصل الظن بكونهما ليسا من ذوي الإربة، فلما تبين أنهما ليسا كذلك نفوا من المدينة. (منه- (رحمه الله)-).
(2) الكافي ج 5 ص 523 ح 3، الوسائل ج 14 ص 148 ح 4.
80
حتى يلحق بالثنتين من مؤخر الامرأة، كذا نقل عن كتاب مجمع الأمثال.
و الظاهر أن المراد بقوله في آخر الخبر «و كانا يتسوقان في كل جمعة» أي يأتيان السوق، و الظاهر أن السوق العامة كانت في المدينة في يوم الجمعة كما هو في سائر البلدان، من جعل سوق عامة يحضرها أهل القرايا و الخارجون عن المصرفي ذلك اليوم بخصوصه.
الفائدة العاشرة [في الروايات الواردة في الوطي في الدبر]:
المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) كراهية الوطي في الدبر كراهة مؤكدة، و نقل في المختلف عن ابن حمزة القول بالتحريم، و نقل هذا القول في المسالك أيضا، عن جماعة من علمائنا منهم القميون و ابن حمزة.
و الذي وقفت عليه من أخبار المسألة، ما رواه
في الكافي عن أبان (1) عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن إتيان النساء في أعجازهن؟ فقال: هي لعبتك لا تؤذها».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن علي بن الحكم (2) قال: «سمعت صفوان بن يحيى يقول: قلت للرضا (عليه السلام): إن رجلا من مواليك أمرني أن أسألك عن مسألة هابك، و استحى منك أن يسألك، قال: و ما هي؟ قلت الرجل يأتي امرأته في دبرها؟ قال: نعم ذلك له، قلت له: فأنت تفعل ذلك؟
قال: إنا لا نفعل ذلك».
و ما رواه
في التهذيب عن ابن أبي يعفور (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي المرأة في دبرها؟ قال: لا بأس إذا رضيت، قلت: فأين قول الله عز و جل فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ قال: هذا في طلب الولد، فاطلبوا الولد من حيث أمركم الله إن الله تعالى يقول نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 540 ح 1. الوسائل ج 14 ص 101 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 540 ح 2، التهذيب ج 7 ص 415 ح 35. الوسائل ج 14 ص 102 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 414 ح 29. الوسائل ج 14 ص 103 ح 2.
81
قال في الوافي بعد ذكر الخبر: إنما استشهد (عليه السلام) بالآية الأخيرة على أن المراد بالآية الأولى طلب الولد لمكان الحرث، و لم يستشهد بها على حل الدبر، فلا ينافي حديث معمر بن خلاد الآتي.
و عن موسى بن عبد الملك عن الحسين بن علي بن يقطين (1)، و عن موسى بن عبد الملك (2) عن رجل قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن إتيان الرجل المرأة من خلفها، فقال: أحلتها آية من كتاب الله عز و جل، قول لوط (3) «هٰؤُلٰاءِ بَنٰاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ» و قد علم أنهم لا يريدون الفرج».
و عن معمر بن خلاد (4) في الصحيح قال: «قال أبو الحسن (عليه السلام): أي شيء يقولون في إتيان النساء في أعجازهن؟ قلت: إنه بلغني أن أهل المدينة لا يرون به بأسا، فقال: إن اليهود كانت تقول: إذا أتى الرجل المرأة من خلفها خرج ولده أحول، فأنزل الله تعالى (5) «نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ» من خلف أو قدام خلافا لقول اليهود، و لم يعن في أدبارهن».
أقول: و هذه الرواية لا دلالة فيها على ما نحن فيه، لا نفيا و لا إثباتا، و روى هذه الرواية أيضا في التهذيب عن معمر بن خلاد (6) في الموثق عن الرضا (عليه السلام) مثله، إلا أنه قال «أهل الكتاب» بدل أهل المدينة، و «من قبل أو دبر» مكان «خلف أو قدام»، و حينئذ ففيها دلالة على ما دلت عليه الأخبار المذكورة.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 414 ح 31، الوسائل ج 14 ص 103 ح 3.
(2) أقول: ظاهر أن موسى المذكور رواه تارة عن الحسين بن على بن يقطين، و تارة عن رجل، ثم ان في الخبر ما يدل على أن ما يحكيه الأئمة (عليهم السلام) من الأحكام عن الأنبياء السابقين و الأمم المتقدمة يجري حكمه في هذه الأمة أيضا، الا أن يقوم دليل على الاختصاص، و فيه رد على جماعة من أصحابنا الذين منعوا ذلك. (منه- (قدس سره)-).
(3) سورة هود- آية 77.
(4) التهذيب ج 8 ص 415 ح 32، الوسائل ج 14 ص 100 ب 72 ح 1.
(5) سورة البقرة- آية 223.
(6) التهذيب ج 7 ص 460 ح 49.
82
و ما رواه
في التهذيب عن يونس بن عمار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أو لأبي الحسن (عليه السلام): إني ربما أتيت الجارية من خلفها- يعني في دبرها- و نذرت فجعلت على نفسي إن عدت إلى امرأة هكذا، فعلي صدقة درهم، و قد ثقل ذلك علي؟ قال: ليس عليك شيء و ذلك لك».
و فيه: دلالة على عدم انعقاد النذر على ترك المباح، و مثله غيره.
و عن حماد بن عثمان (2) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أو أخبرني من سأله عن الرجل يأتي المرأة في ذلك الموضع، و في البيت جماعة، فقال لي و رفع صوته: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من كلف مملوكه ما لا يطيق فليبعه، ثم نظر في وجوه أهل البيت، ثم أصغى إلي فقال: لا بأس به».
و فيه إيماء إلى أن المنع من ذلك محمول على التقية
و عن ابن أبي يعفور (3) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)».
و رواه
عنه بسند آخر عن البرقي، رفعه عن ابن أبي يعفور (4) قال: «سألته عن إتيان النساء في أعجازهن، فقال: ليس به بأس، و ما أحب أن تفعله».
و عن حفص بن سوقة (5) عمن أخبره قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يأتي أهله من خلفها، قال: هو أحد المأتيين فيه الغسل».
و عن علي بن حكم عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «إذا أتى الرجل المرأة في الدبر و هي صائمة لم ينقض صومها و ليس عليها غسل».
و في الدلالة نوع مناقشة.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 460 ح 50. الوسائل ج 14 ص 104 ح 8.
(2) التهذيب ج 7 ص 415 ح 33. الوسائل ج 14 ص 103 ح 4.
(3) التهذيب ج 7 ص 415 ح 34. الوسائل ج 14 ص 103 ح 5.
(4) التهذيب ج 7 ص 416 ح 38 الوسائل ج 14 ص 103 ح 6.
(5) التهذيب ج 7 ص 414 ح 30. الوسائل ج 14 ص 103 ح 7.
(6) التهذيب ج 7 ص 460 ح 51. الوسائل ج 14 ص 104 ح 9.
83
و ما
روى العياشي في تفسيره عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) و ذكر عنده إتيان النساء في أدبارهن، فقال: ما أعلم آية في القرآن أحلت ذلك إلا واحدة إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجٰالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسٰاءِ» الآية.
و عن ابن أبي يعفور (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن إتيان النساء في أعجازهن قال: لا بأس، ثم تلا هذه الآية: نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، قال: حيث شاء».
و عن زرارة (3) «عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز و جل نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ، قال: حيث شاء».
أقول: و هذا تفسير آخر للآية المذكورة، و به تدل على الجواز إلا أن المفهوم من كلام الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره أن تفسير الآية بهذا المعنى إنما وقع من العامة، حيث قال «نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ» أي متى شئتم، و تأولت العامة في قوله «أَنّٰى شِئْتُمْ» أي حيث شئتم في القبل و الدبر.
و قال الصادق (عليه السلام) «أَنّٰى شِئْتُمْ» أي متى شئتم في الفرج، و الدليل على قوله «في الفرج» قوله «نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ» و الحرث الزرع، و الزرع الفرج في موضع الولد- انتهى.
و مقتضى هذا الكلام حمل الخبرين المذكورين على التقية، و كيف كان فإنه لا يخفى أن هذه الأخبار كلها كما ترى مطابقة الدلالة، متعاضدة المقالة على الجواز، و إن كان على كراهة.
و أما ما استدل به للقول الآخر فما رواه
في الفقيه مرسلا (4) قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله): محاش نساء أمتي على رجال أمتي حرام».
و اقتصر الصدوق في كتابه على هذه
____________
(1) تفسير العياشي ج 2 ص 22 ح 56. الوسائل ج 14 ص 104 ح 12.
(2) تفسير العياشي ج 1 ص 110 ح 330. الوسائل ج 14 ص 104 ح 10.
(3) تفسير العياشي ج 1 ص 111 ح 331. الوسائل ج 14 ص 104 ح 11.
(4) الفقيه ج 3 ص 299 ح 3. الوسائل ج 14 ص 101 ح 5.
84
الرواية و لم ينقل شيئا من تلك الأخبار العديدة، فلهذا نسب له القول بما دلت عليه من التحريم.
و ما رواه
في التهذيب عن سدير (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) محاش النساء على أمتي حرام».
قال في الوافي: و المحاش جمع محشة و هو الدبر، و قال الأزهري: و يقال بالسين المهملة، انتهى.
و قال الفيومي في كتاب المصباح المنير: و المحشة الدبر، و المحش المخرج أي مخرج الغائط.
و من هنا سمي الكنيف المحش لكونه بيت الغائط، و إن كان في الأصل إنما هو اسم للبساتين، حيث كانوا يقضون حوائجهم فيها، ثم نقل إلى الكنيف، لما اتخذوه عوضا عنها.
و ما رواه
العياشي في تفسيره عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يأتي أهله في دبرها؟ فكره ذلك، و قال: إياكم و محاش النساء، و قال:
إنما معنى، نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم: أي ساعة شئتم».
و التقريب فيه بحمل الكراهة على التحريم كما يدل عليه قوله «و إياكم»
و عن زيد بن ثابت (3) قال: «سأل رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) أ تؤتى النساء في أدبارهن؟ فقال: سفلت، سفل الله بك، أما سمعت يقول الله: أ تأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين».
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الشيخ و من تأخر عنه من الأصحاب حملوا هذه الأخبار على الكراهة أو التقية، قال العلامة في المختلف، بعد نقل خبر السدير
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 416 ح 36. الوسائل ج 14 ص 101 ح 2.
(2) تفسير العياشي ج 1 ص 111 ح 235. الوسائل ج 14 ص 102 ح 9.
(3) تفسير العياشي ج 2 ص 22 ح 55. الوسائل ج 14 ص 102 ح 11.
85
المذكور: و الجواب الحمل على شدة الكراهة، جمعا بين الأدلة، أو على التقية، لأن أكثر العامة منعوه.
أقول: الظاهر عندي بعد الحمل على الكراهة، لتصريح خبر سدير و مرسلة الفقيه بالتحريم و حديث زيد بن ثابت، بأن ذلك، الفاحشة التي ذكرها الله في قوله «أَ تَأْتُونَ الْفٰاحِشَةَ» و حينئذ فيتعين الحمل على التقية، لأن ذلك هو الأوفق، بالقواعد المنصوصة عن أهل العصمة (صلوات الله عليهم) في مقام اختلاف الأخبار.
و أكثر العامة- كما ذكره الأصحاب- على القول بالتحريم، و لم يخالف من أئمتهم الأربعة إلا مالك حيث وافق الإمامية في القول بالجواز على كراهية و بذلك يظهر أن ما ذكروه من الكراهة الشديدة، مما لا وجه له متى حملت هذه الأخبار على التقية.
نعم الكراهة في الجملة مما لا إشكال فيها لقوله (عليه السلام) في رواية ابن يعفور المتقدمة بعد حكمه بالجواز «ما أحب أن يفعل»، و قوله (عليه السلام) في مرسلة أبان التي هي أول الأخبار «هي لعبتك لا تؤذها».
و أما قول الرضا (عليه السلام) في صحيحة علي بن حكم «إنا لا نفعل ذلك»، فالظاهر أن المراد منه إنما هو أنهم لشرف مقامهم و علو منزلتهم لا يفعلون مثل ذلك، كما في حديث المتعة، لما قال له السائل: «فهل يسرك أن بناتك و أخواتك يتمتعن» فأعرض (عليه السلام) عنه حيث ذكر نساءه و بناته (عليه السلام)، إذ لا دلالة فيه على كراهة المتعة.
ثم ما دلت عليه رواية زيد بن ثابت، من استدلاله (عليه السلام) على التحريم، بقوله عز و جل «أَ تَأْتُونَ الْفٰاحِشَةَ»، فهو معارض بمرسلة موسى بن عبد الملك.
و رواية عبد الرحمن بن الحجاج المنقولة من تفسير العياشي، الصريحة في التحليل بالآيتين المذكورتين فيهما، و لا ريب أن المراد بالفاحشة في الآية إنما هو إتيان الذكران في الإدبار، لا الإتيان في الإدبار مطلقا، و التقية التي حملت عليها هذه الأخبار بالنسبة إلى ما روي عن الرسول (صلى الله عليه و آله) بمعنى التقية في النقل.
86
و أما ما أطال به في المسالك في هذا المقام من المعارضات و المناقشات، حتى أن الذي يظهر منه هو التوقف، لعدم تصريحه باختيار شيء من القولين، و لا سيما مناقشته مناقشات في جملة من روايات الجواز، و عدم الصحة في شيء منها بهذا الاصطلاح المحدث، فهو عندي تطويل بغير طائل، و القول بالجواز أشهر و أظهر من أن ينكر، و ما عارضه لا دليل له ينهض بالمعارضة، مع اقتضاء القاعدة الشرعية حمله على التقية، و الله العالم.
الفائدة الحادية عشر [في الروايات الواردة في جواز العزل]:
المشهور بين الأصحاب (عطر الله مراقدهم) كراهة العزل عن الحرة إلا مع الاذن، و هو مذهب الشيخ في النهاية و ابن البراج و ابن إدريس، و نقل عن ابن حمزة أنه عده في المحرمات، و هو الظاهر من كلام شيخنا المفيد حيث قال: و ليس لأحد أن يعزل الماء عن زوجة له حرة إلا أن ترضى منه بذلك، و نقل هذا القول في المسالك عن الشيخين و جماعة، و ظاهرهم الاتفاق على جواز العزل عن الأمة، و المتمتع بها، و الحرة الدائمة مع الاذن، و المراد بالعزل أنه يجامع المرأة فإذا نزل الماء أخرج ذكره و أفرغه خارج الفرج.
و يدل على القول المشهور- و هو المؤيد بالأخبار و المنصور- ما رواه
في الكافي في الموثق عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العزل قال: ذاك إلى الرجل».
و عن محمد بن مسلم (2) في الموثق عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «لا بأس بالعزل عن المرأة الحرة إن أحب صاحبها، و إن كرهت ليس لها من الأمر شيء».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن محمد بن مسلم (3) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العزل فقال: ذاك إلى الرجل يصرفه حيث شاء».
و رواه
في الكافي عن عبد الرحمن الحذاء (4) «عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 504 ح 1. الوسائل ج 14 ص 105 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 504 ح 2. الوسائل ج 14 ص 105 ح 4.
(3) الكافي ج 5 ص 504 ح 3، التهذيب ج 7 ص 417 ح 4. الوسائل ج 14 ص 105 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 504 ح 4. الوسائل ج 14 ص 105 ح 3.
87
ابن الحسين (عليهما السلام) لم ير بالعزل بأسا، فقرأ هذه الآية (1) وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ، فكل شيء أخذ الله منه الميثاق فهو خارج و إن كان على صخرة صماء».
و ما رواه
في التهذيب عن محمد بن مسلم (2) «أنه قال لأبي جعفر (عليه السلام) الرجل يكون تحته الحرة يعزل عنها؟ قال: ذلك إليه إن شاء عزل، و إن شاء لم يعزل».
و عن محمد بن مسلم (3) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) «أنه سئل عن العزل فقال:
أما الأمة فلا بأس، و أما الحرة فإني أكره ذلك، إلا أن يشترط عليها حين يتزوجها».
و عن محمد بن مسلم (4) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) مثل ذلك، و قال في حديثه «إلا أن ترضى أو يشترط ذلك عليها حين يتزوجها».
و عن يعقوب الجعفي (5) قال: «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: لا بأس بالعزل في ستة وجوه المرأة التي أيقنت أنها لا تلد، و المسنة، و المرأة السليطة، و البذية، و المرأة التي لا ترضع ولدها، و الأمة».
و رواه في عيون الأخبار، و كذا في الخصال.
و ما رواه الثقة الجليل
سعد بن عبد الله في كتاب بصائر الدرجات عن أبي بصير (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: ما تقول في العزل؟ قال: كان علي (عليه السلام) لا يعزل و أما أنا فأعزل، فقلت: هذا خلاف، فقال: ما ضر داود إن خالفه سليمان، و الله يقول: فَفَهَّمْنٰاهٰا سُلَيْمٰانَ».
____________
(1) سورة الأعراف- آية 72.
(2) التهذيب ج 7 ص 461 ح 56، الوسائل ج 14 ص 106 ح 5.
(3) التهذيب ج 7 ص 417 ح 43، الوسائل ج 14 ص 106 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 417 ح 44. الوسائل ج 14 ص 106 ح 2.
(5) التهذيب ج 7 ص 491 ح 180، الخصال ص 328 باب الستة. الوسائل ج 14 ص 107 ح 4.
(6) الوسائل ج 14 ص 106 ح 6.
88
هذا ما حضرني من أخبار المسألة، و أنت خبير بأنها على تعددها و كثرتها لا دلالة فيها، و لو بالإشارة على التحريم المدعى.
نعم تدل على الكراهة كما ينادي به
قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم «و أما الحرة فإني أكره ذلك إلا أن يشترط».
، و إنما حملنا الكراهة هنا على المعنى المصطلح، و إن كانت في الأخبار أعم من هذا المعنى و من التحريم، للجمع بينها و بين بقية أخبار المسألة الصريحة في الجواز، و خصوص موثقة محمد بن مسلم المتقدمة «أن له ذلك و إن كرهت»، و لم أقف للقول الآخر على دليل يعتمد عليه.
و نقل عنهم الاستدلال بما روي
عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1)، «أنه نهى أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها».
و عنه (صلى الله عليه و آله) أنه قال: «في العزل أنه الداء الخفي».
و المراد بالداء قتل الولد، و لأن حكمة النكاح و الاستيلاد لا يحصل غالبا مع العزل فيكون منافيا لغرض الشارع.
و أنت خبير بما في هذا الاستدلال من الوهن و الاختلال، و لو لم يعارضه معارض في هذا المجال.
أما الروايتان فالظاهر أنهما عاميتان لعدم وجودهما في كتب أخبارنا، بما اعترف بذلك في المسالك.
و أما التعليل الآخر فهو مع قطع النظر عن معارضته بالأخبار المذكورة لا يصلح لتأسيس حكم شرعي كما عرفته في غير مقام مما تقدم، على أن الغرض غير منحصر في الاستيلاد كما ادعاه، و بذلك ظهر أن القول المشهور هو المعتمد المنصور.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنه لو عزل بدون الشرط و الاذن فقيل: بأنه لا يجب
____________
(1) كنوز الحقائق المطبوع بهامش الجامع الصغير ج 2 ص 137.
89
عليه للمرأة شيء، لأصالة البراءة خصوصا على القول بكراهة العزل، و لأنه فعل سائغ فلا يتعقبه الضمان، و لما دلت عليه الأخبار المتقدمة من أن ذلك «إلى الرجل يصرفه حيث شاء».
و قيل: بوجوب دية النطفة عشرة دنانير للمرأة، و إن قلنا بالكراهة، ذهب إليه جماعة منهم الشيخ و العلامة و الشهيد و المحقق في الشرائع.
و قيل: بوجوب ذلك على تقدير التحريم دون الكراهة، و هو اختيار المحقق في النافع، و هو الأنسب بالقياس، و إلا فالقول بالوجوب مع القول بجواز العزل، مما لا يجتمعان، لأنه متى جوز له الشارع العزل و أباحه له، و إن كرهت المرأة كما عرفت، فكيف يرتب عليه الدية، على أن الرواية التي استندوا إليها هنا في وجوب الدية، ليست من المسألة المذكورة في شيء، لأن موردها من أفرغ في حال الجماع فعزل لذلك،
فعلى المفرغ دية النطفة عشرة دنانير روي (1) ذلك صحيحا عن علي (عليه السلام).
و الفرغ الموجب للعزل كما تضمنته الرواية غير موجود هنا و بذلك يظهر أيضا أن حمل الدية على الاستحباب لا وجه له أيضا، لأن الخبر المذكور كما عرفته خارج عن موضع البحث، و الله العالم.
الفائدة الثانية عشر [في عدم جواز ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر]:
قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم)، بأنه لا يجوز ترك وطئ الزوجة أكثر من أربعة أشهر، و كذا لا يجوز الدخول بها قبل إكمال تسع سنين هلالية، و لو دخل بها و الحال كذلك لم تحرم عليه مؤبدا إلا أن يفضيها، و قيل: تحرم و إن لم يفضها.
و تحقيق الكلام في المقام يقع في موضعين:
الأول: في تحريم الوطي المدة المذكورة
، قال في المسالك: هذا الحكم موضع وفاق، و استدلوا على ذلك مضافا إلى الاتفاق المذكور بما رواه
في الفقيه
____________
(1) الكافي ج 7 ص 343 ح 1، الوسائل ج 19 ص 237 ح 1.
90
و التهذيب في الحسن برواية الفقيه عن صفوان بن يحيى (1) عن الرضا «(عليه السلام) أنه سأله عن رجل تكون عنده المرأة الشابة، فيمسك عنها الأشهر و السنة، لا يقربها، ليس يريد الإضرار بها، يكون لهم مصيبة، أ يكون في ذلك آثما؟ قال: إذا تركها أربعة أشهر كان آثما بعد ذلك».
و رواه الشيخ بطريق آخر عن صفوان أيضا مثله و زاد «إلا أن يكون بإذنها».
و طعن فيه في المسالك بضعف السند، و هي مبني على روايته الخبر من التهذيب، و إلا فهو في الفقيه حسن كما ذكره العلامة في الخلاصة.
و أنت خبير بأن مورد الخبر إنما هو الشابة، و المدعى أعم من ذلك (2) فلا يقوم حجة على المدعى، فلم يبق إلا التمسك بالإجماع المذكور، و فيه ما لا يخفى و من ثم ان المحدث الكاشاني و المحدث الحر العاملي قصرا الحكم على الشابة، وقوفا على منطوق الخبر و هو الأظهر.
قالوا: و المعتبر من الوطي الواجب ما يحصل به مسماه و يجب به الغسل و أن يكون في القبل و إن لم ينزل، و من المحتمل قريبا تخصيصه بالجماع مع الإنزال، فإنه هو الفرد الأغلب المتكرر، و الإطلاق إنما يحمل عليه، كما هو القاعدة المسلمة بينهم، و سياق الخبر أيضا مشعر به.
و في شمول ذلك للدائمة و المتعة وجهان، إختار أولهما شيخنا الشهيد الثاني
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 256 ب 123 ح 1، التهذيب ج 7 ص 412 ح 19 و ص 419 ح 50، الوسائل ج 14 ص 100 ح 1.
(2) و أما ما ذكره في المفاتيح حيث قال: و ذكر الشابة في السؤال و ان لم يصلح للتخصيص، الا أن عدم النص على العموم يقتضيه، الا أن يكون للعموم إجماع، ففيه أن الضمير في قوله (عليه السلام) «إذا تركها» لا مرجع له. الا الشابة المسؤول عنها، و كذا جملة الضمائر المذكورة انما ترجع إلى الشابة المذكورة، و الجواب لم يقع مطلقا كما توهمه، حتى أنه يعتذر عن عدم تقييد السؤال بما ذكره، بل الجواب وقع عن خصوص الشابة كما لا يخفى. (منه- رحمة الله-).
91
في الروضة، و الثاني في المسالك، و علله بالوقوف على موضع اليقين، و اقتصارا على من ثبتت لها حقوق الزوجية.
الثاني: في الدخول بها قبل إكمال التسع
، و لا خلاف في تحريم الوطي قبل إكمال المدة المذكورة، و لا خلاف أيضا في تحريمها مؤبدا مع الإفضاء إنما الخلاف في تحريمها مؤبدا، قبل إكمال المدة المذكورة و إن لم يفضها، فالمشهور العدم، و نقل عن الشيخ القول بالتحريم.
و الذي وقفت عليه من أخبار المسألة ما رواه
الكليني عن أبي بصير (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا يدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين».
و عن الحلبي (2) في الصحيح قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا تزوج الرجل الجارية و هي صغيرة فلا يدخل بها حتى يأتي لها تسع سنين».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة عن زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا يدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين».
قال بعض المحدثين: لعل المراد بالترديد، لاختلافهن في كبر الجثة و صغرها، و قوة البنية و ضعفها. انتهى و هو جيد.
و روي في الكافي و الفقيه عن حماد عن الحلبي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من وطء امرأته قبل تسع سنين فأصابها عيب فهو ضامن».
و ما رواه
في التهذيب عن طلحة بن زيد (5) «عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: من تزوج بكرا فدخل بها في أقل من تسع سنين فعيبت ضمن».
و عن غياث بن إبراهيم (6) «عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: لا توطيء
____________
(1) الكافي ج 5 ص 398 ح 1، الوسائل ج 14 ص 70 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 398 ح 2، الوسائل ج 14 ص 70 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 398 ح 3، التهذيب ج 7 ص 451 ح 14. الفقيه ج 3 ص 261 ح 25.
الوسائل ج 14 ص 70 ح 2.
(4) الفقيه ج 3 ص 261 ح 26، التهذيب ج 7 ص 410 ح 10. الوسائل ج 14 ص 71 ح 5.
(5) التهذيب ج 7 ص 410 ح 11. الوسائل ج 14 ص 71 ح 6.
(6) التهذيب ج 7 ص 410 ح 12. الوسائل ج 14 ص 71 ح 7.
92
جارية لأقل من عشر سنين، فإن فعل فعيبت فقد ضمن».
و عن حمران (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن رجل تزوج جارية بكرا لم تدرك فلما دخل بها افتضها فأفضاها؟ فقال: إن كان دخل بها حين دخل بها و لها تسع سنين فلا شيء عليه، و إن كانت لم تبلغ تسع سنين، أو كان لها أقل من ذلك بقليل حين دخل بها فاقتضها فإنه قد أفسدها و عطلها على الأزواج، فعلى الامام أن يغرمه ديتها، و إن أمسكها و لم يطلقها حتى تموت فلا شيء عليه».
و ما رواه
في الكافي عن حميد عن زكريا المؤمن (2) أو بينه و بينه رجل و لا أعلم إلا حدثني عن عمار السجستاني قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لمولى له انطلق فقل للقاضي: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): حد المرأة أن يدخل بها على زوجها ابنة تسع سنين».
و ما رواه
في الكافي عن العدة عن سهل عن يعقوب بن يزيد (3) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا خطب الرجل المرأة فدخل بها قبل أن يبلغ سبع سنين فرق بينهما، و لم تحل له ابدا».
و قد اتفقت هذه الأخبار على تحريم الدخول بها قبل التسع، و دلت جملة منها على ضمانه لو عيبت بالدخول، و هو مما لا خلاف فيه عندهم، إلا أن ظاهره حمل العيب على الإفضاء و هو كذلك، فإنه لا عيب هنا سواه غالبا.
و الظاهر أن ما ذهب إليه الشيخ من القول بالتحريم المؤبد بالدخول، و إن لم يحصل الإفضاء، قد استند فيه إلى مرسلة يعقوب بن يزيد المذكورة، و هي ظاهرة فيه كما لا يخفى.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 272 ح 79. الوسائل ج 14 ص 71 ح 9.
(2) الكافي ج 5 ص 398 ح 4، التهذيب ج 7 ص 451 ح 15. الوسائل ج 14 ص 70 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 429 ح 12، التهذيب ج 7 ص 311 ح 50. الوسائل ج 14 ص 381 ح 2.
93
قال في المسالك بعد ذكر المسألة (1): فقد ذهب الشيخ إلى التحريم استنادا إلى روايات تدل بإطلاقها عليه، و هي مع ضعف سندها محمولة على الإفضاء، وقوفا على موضع الوفاق و تمسكا بصحة العقد. انتهى.
أقول: ظاهر كلامه أن هنا روايات أخر ندل على ما دلت عليه هذه الرواية من التحريم المؤبد بمجرد الدخول، و لا أعرف له وجها، فإن ما ذكرناه من الأخبار هو جميع ما ورد في المسألة، و ليس فيها مما يدل على التحريم المؤبد غير هذه الرواية، مع ما عرفت من عمومها للإفضاء و عدمه، لأنه رتب التحريم المؤبد على مجرد الدخول، و ما عداها من أخبار المسألة، فغاية ما يدل عليه هو النهي عن الدخول، و أنه مع فعله و حصول العيب فإنه يضمن ذلك، و ليس فيها تعرض للتحريم المؤبد بالكلية، أفضي أو لم يفض.
و رواية حمران المتضمنة للإفضاء إنما تضمنت ذلك أيضا، و لا تعرض فيها للتحريم المؤبد، فما ادعوه من الاتفاق على التحريم المؤبد مع الافتضاض ليس له مستند في الأخبار، إلا إطلاق مرسلة يعقوب بن يزيد المذكورة.
و بذلك يظهر لك ما في قوله أنها مع ضعف سندها محمولة على الإفضاء فإنه إنما يتم لو كان في الأخبار ما يدل على التحريم المؤبد مع الإفضاء، و قد عرفت أنها خالية من ذلك، و إن أراد بتلك الروايات التي زعمها مستندا للشيخ، هي ما قدمناه من الروايات المتضمنة للضمان مع العيب ففيه ما عرفت من أنه ليس في شيء من تلك الأخبار ما يدل على التحريم المؤبد الذي ادعاه الشيخ، و بالجملة، فإن كلامهم هنا لا يخلو من المجازفة و الإجمال، لعدم إعطاء التأمل حقه في روايات المسألة حسبما يقتضيه الحال و يزول به الاشكال.
و منه يظهر أن ما ذهب اليه الشيخ من القول المذكور، هو المؤيد المنصور و أن القول المشهور بمحل من القصور.
____________
(1) و هي الخلاف في تحريمها بمجرد الوطي من غير إفضاء (منه- (رحمه الله)-).
94
و هل المراد بالإفضاء أن يصير بجماعة مسلك البول و الحيض واحدا بإذهاب الحاجز بينهما، أو مسلك الغائط و الحيض واحدا، إختار في المسالك الأول. و رد الثاني بأنه بعيد، قال: لبعد ما بين المسلكين، و قوة الحاجز بينهما، فلا يتفق زواله بالجماع، و لو فرض كان إفضاء.
و كلام أهل اللغة كالقاموس و المصباح هنا مجمل، و في كتاب مجمع البحرين هو جعل مسلكي البول و الغائط واحدا، و الظاهر أنه الأقرب. و الله العالم.
الفائدة الثالثة عشر [خصائص النبي (ص)]:
قد جرت عادة الفقهاء بذكر خصائصه (صلى الله عليه و آله) عن غيره في كتاب النكاح لأنها بالنسبة إليه أكثر، و قد ذكر المحقق في الشرائع منها خمسة عشرة، ستة في النكاح، و تسعة في غيره، و ذكر العلامة في التذكرة ما يزيد على سبعين و أفرد بعضهم لها كتابا ضخما لكثرتها و زيادتها على ما ذكر.
و نحن نذكر خصائص القسم الأول مفصلا حيث إنه من مسائل الكتاب، و خصائص الثاني مجملا، فيرجع إلى كل فرد منها في محله.
[القسم الأول خصائص النبي (ص) في النكاح]
فنقول
الأول من القسم الأول، اختصاصه (ص) بجواز الزيادة على الأربع
في النكاح الدائم، فأما عدم جواز الزيادة على الأربع في غيره، فهو مما لا خلاف فيه، و ستأتي الاخبار به في موضعها.
و أما ما يدل على الرخصة له (صلى الله عليه و آله و سلم) في الزيادة فإنه قد قبض عن تسع نسوة عائشة، و حفصة، و أم سلمة المخزومية، و أم جيبة بنت أبي سفيان، و ميمونة بنت الحرث الهلالية، و جويرية بنت الحارث الخزاعية، و سودة بنت زمعة، و صفية بنت حي بن أخطب الخيبرية، و زينب بنت جحش، و جميع من تزوج بهن خمسة عشرة، و جمع بين احدى عشر، و دخل بثلاث عشرة، و فارق امرأتين في حياته، إحداهما الكندية التي رأى بكشحها بياضا، فقال: الحقي بأهلك و الأخرى تعوذت منه بخديعة الأولين حسدا لها.
95
و الذي وصل إلى من الأخبار المناسبة للمقام ما رواه
الصدوق في الخصال (1) عن الصادق (عليه السلام) «تزوج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بخمس عشرة امرأة، و دخل بثلاث عشرة منهن و قبض من تسع فأما اللتان لم يدخل بهما فعمرة و الشنباء و أما الثلاث عشرة اللواتي دخل بهن فأولهن خديجة بنت خويلد، ثم سودة بنت زمعة، ثم أم سلمة و اسمها هند بنت أبي أمية، ثم أم عبد الله، ثم عائشة بنت أبي بكر، ثم حفصة بنت عمر، ثم زينب بنت خزيمة بن حارث أم المساكين، ثم زينب بنت جحش، ثم أم حبيبة زملة بنت أبي سفيان، ثم ميمونة بنت الحارث، ثم زينب بنت عميس، ثم جويرية بنت الحارث ثم صفية بنت حي بن أخطب، و التي وهبت نفسها للنبي (صلى الله عليه و آله) خولة بنت حكيم الأسلمي، و كان له سريتان يقسم لهما مع أزواجه: مارية القبطية، و ريحانة الخندقية.
و التسع اللواتي قبض عنهن: عائشة، و حفصة، و أم سلمة، و زينب بنت جحش، و ميمونة بنت الحارث، و أم حبيبة بنت أبي سفيان، و صفية، و جويرية و سودة، و أفضلهن خديجة بنت خويلد، ثم أم سلمة، ثم ميمونة».
و ما رواه
في الكافي عن الحلبي (2) في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن قول الله عز و جل (3) «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّٰا أَحْلَلْنٰا لَكَ أَزْوٰاجَكَ» قلت: كم أحل له من النساء؟ قال: ما شاء من شيء، قلت: قوله (4) «لٰا يَحِلُّ لَكَ النِّسٰاءُ مِنْ بَعْدُ وَ لٰا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوٰاجٍ» فقال لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أن ينكح ما شاء من بنات عمه و بنات عماته و بنات خاله و بنات خالاته و أزواجه اللاتي هاجرن معه، و أحل له أن ينكح من عرض المؤمنين بغير مهر، و هي الهبة، و لا تحل الهبة إلا لرسول الله (صلى الله عليه و آله) فأما
____________
(1) الخصال ج 2 ص 419 ح 13 الطبعة الجديدة. الوسائل ج 14 ص 181 ح 11.
(2) الكافي ج 5 ص 387 ب 55 ح 1. الوسائل ج 14 ص 199 ح 6.
(3) سورة الأحزاب- آية 50.
(4) سورة الأحزاب- آية 52.
96
لغير رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلا يصلح نكاح إلا بمهر، و ذلك معنى قوله تعالى (1) «وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهٰا لِلنَّبِيِّ» قلت: أ رأيت قوله (2) «تُرْجِي مَنْ تَشٰاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشٰاءُ» قال: من آوى فقد نكح و من أرجى فلم ينكح، قلت: قوله:
«لٰا يَحِلُّ لَكَ النِّسٰاءُ مِنْ بَعْدُ» قال: إنما عنى به النساء اللاتي حرم عليه في هذه الآية (3) «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ- إلى آخر الآية» و لو كان الأمر كما يقولون كان قد أحل لكم ما لم يحل له، إن أحدكم يستبدل كلما أراد و لكن ليس الأمر كما يقولون، إن الله عز و جل أحل لنبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) ما أراد من النساء إلا ما حرم عليه في هذه الآية التي في النساء».
و بهذا المضمون روايات مختلفة، زيادة و نقصانا، فروى
في الكافي عن أبي بكر الحضرمي (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله بأدنى تفاوت إلا أنه ليس فيه حديث الإرجاء،.
و رواه بطريق آخر عن أبي بصير (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله إلا أنه ليس فيه حديث الإرجاء و لا الهبة، و زاد أحاديث آل محمد (عليهم السلام) خلاف أحاديث الناس.
و روى في الكافي و التهذيب عن أبي بصير (6) عنه (عليه السلام) مثله من دون الزيادة المذكورة، إلا أنه قال فيه: «أراكم و أنتم تزعمون لكم ما لا يحل لرسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و لا يخفى على من تأمل سياق الآيات هنا ما في هذه الأخبار من الاشكال، بل الداء العضال، و أشكل و أعضل من ذلك ما ذكره الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره حيث قال «لٰا يَحِلُّ لَكَ النِّسٰاءُ» من بعد ما حرم عليه في سورة النساء قوله «وَ لٰا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوٰاجٍ» معطوف على قصة امرأة زيد «وَ لَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ» أي لا يحل لك امرأة رجل أن تتعرض لها حتى يطلقها و تزوجها أنت، فلا تفعل هذا الفعل بعد هذا. انتهى.
____________
(1) سورة الأحزاب- آية 50.
(2) سورة الأحزاب- آية 51.
(3) سورة النساء- آية 23.
(4) الكافي ج 5 ص 389 ح 4.
(5) الكافي ج 5 ص 391 ح 8.
(6) الكافي ج 5 ص 388 ح 2.
97
و لا مسرح للفكر هنا و لا كلام غير غض الطرف، و رد هذه الأخبار إلى قائلها (عليه السلام)، و لهذا قال المحدث الكاشاني في كتاب الصافي- بعد ذكر نحو ما قلناه-: أقول: و هذه الأخبار كما ترى، و كذا ما ذكره القمي رزقنا الله فهمها، و قيل: هذه الآية منسوخة بقوله «تُرْجِي مَنْ تَشٰاءُ مِنْهُنَّ، وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشٰاءُ» فإنه و إن تقدمها قراءة، فهو مسبوق بها نزولا.
و ما رواه
في الكافي عن جميل و محمد بن حمران (1) «قالا: سألنا أبا عبد الله (عليه السلام) كم أحل لرسول الله (صلى الله عليه و آله) من النساء؟ قال: ما شاء، يقول بيده هكذا و هي له حلال- يعني يقبض يده-».
و روى في الكافي بسنده عن أبي بصير (2) و غيره في تسمية نساء النبي (صلى الله عليه و آله) و نسبهن و صفتهن:» عائشة، و حفصة، و أم حبيب بنت أبي سفيان بن حرب، و زينب بنت جحش، و سودة بنت زمعة، و ميمونة بنت الحارث، و صفية بنت حي بن أخطب، و أم سلمة بنت أبي أمية، و جويرية بنت الحارث.
و كانت عائشة من تيم، و حفصة من عدي، و أم سلمة من بني مخزوم، و سودة من بني أسد بن عبد العزى، و زينب بنت جحش من بني أسد و عدادها في بني أمية و أم حبيب بنت أبي سفيان من بني أمية، و ميمونة بنت الحارث من بني هلال، و صفية بنت حي بن أخطب من بني إسرائيل، و مات (صلى الله عليه و آله) عن تسع نساء، و كان له سواهن التي وهبت نفسها للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، و خديجة بنت خويلد أم ولده و زينب بنت أبي الجون التي خدعت و الكندية».
و ربما علل جواز تجاوز الأربع بالنسبة إليه (صلى الله عليه و آله) بامتناع الجور عليه لعصمته، و رد بأن ذلك منتقض بالإمام (عليه السلام) لعصمته عندنا، و هل له الزيادة على التسع؟
قيل: لا، لأن الأصل استواء النبي و الأمة في الحكم، إلا أنه ثبت جواز الزيادة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 389 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 390 ح 5، الوسائل ج 14 ص 181 ح 10.
98
إلى التسع بفعله (صلى الله عليه و آله و سلم) و قيل: بالجواز مطلقا، و هو اختياره في المسالك، قال:
و الأولى الجواز مطلقا لما ثبت من العلة، و ما ثبت من أنه (صلى الله عليه و آله) جمع بين إحدى عشرة.
أقول: و يدل على القول بالجواز مطلقا ما تقدم
في صحيح الحلبي من قوله «قلت: كم أحل له من النساء؟ قال: ما شاء من شيء».
و مثلها رواية جميل و محمد بن حمران المتقدمة.
الثاني من القسم الأول أيضا: العقد بلفظ الهبة
لقوله تعالى «وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهٰا لِلنَّبِيِّ» (صلى الله عليه و آله)، و لا يلزم بها مهر ابتداء و لا بالدخول كما هو قضية الهبة. قالوا: و كما يجوز وقوع الإيجاب منها بلفظ الهبة- كما هو مقتضى الآية- يجوز وقوع القبول منه كذلك، لأن موردهما يعتبر أن يكون واحدا، و نقل عن بعض العامة اشتراط لفظ النكاح من جهته (صلى الله عليه و آله) لظاهر قوله تعالى «يَسْتَنْكِحَهٰا» و رد بأنه لا دلالة فيه، لأن نكاحه بلفظ الهبة متحقق.
أقول: الأصل في هذا الحكم ما رواه
في الكافي عن محمد بن قيس (1) في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فدخلت عليه و هو في منزل حفصة، و المرأة متلبسة متمشطة، فدخلت على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، فقالت: يا رسول الله إن المرأة لا تخطب الزوج و أنا امرأة أيم لا زوج لي منذ دهر و لا لي ولد، فهل لك من حاجة؟ فإن تك فقد وهبت نفسي لك إن قبلتني فقال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): خيرا و دعا لها، ثم قال يا أخت الأنصار جزاكم الله عن رسوله خيرا، فقد نصرني رجالكم، و رغب في نساؤكم فقالت لها حفصة: ما أقل حياءك و أجرأك و أنهمك على الرجال، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): كفي عنها يا حفصة، فإنها خير منك، رغبت في رسول الله، فلمتها و عيبتها، ثم قال للمرأة:
انصرفي رحمك الله فقد أوجب الله لك الجنة لرغبتك في و تعرضك لمحبتي و سروري
____________
(1) الكافي ج 5 ص 568 ح 53، الوسائل ج 14 ص 200 ح 8.
99
و سيأتيك أمري ان شاء الله، فأنزل الله تعالى (1) «وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهٰا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرٰادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهٰا خٰالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» قال: فأحل الله عز و جل هبة المرأة نفسها لرسول الله (صلى الله عليه و آله) و لا يحل ذلك لغيره».
و أنت خبير بأن الظاهر أنه بعد نزول الآية على أثر هذه الواقعة، نكح النبي (صلى الله عليه و آله) المرأة، و لا إيجاب هنا و لا قبول، غير ما تقدم نقله عن المرأة من هبتها نفسها له و رضاه (صلى الله عليه و آله و سلم) بذلك.
الثالث من القسم المذكور: وجوب تخييره النساء بين إرادته و مفارقته
، لقوله عز و جل (2) «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلًا- إلى قوله- أَجْراً عَظِيماً».
قال في المسالك: و هذا التخيير عند العامة القائلين بوقوع الطلاق بالكناية كناية عن الطلاق، و بعضهم على أنه صريح فيه، و عندنا ليس له حكم بنفسه، بل ظاهر الآية أن من اختارت الحياة الدنيا و زينتها يطلقها لقوله تعالى «إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلًا» انتهى.
أقول:
قال الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره (3): و أما قوله عز و جل «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا- إلى قوله- أَجْراً عَظِيماً» فإنه كان سبب نزولها أنه لما رجع رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من غزوة خيبر و أصاب كنز آل أبي الحقيق، قلن أزواجه: أعطنا ما أصبت، فقال لهن رسول الله (صلى الله عليه و آله): قسمته بين المسلمين على ما أمر الله، فغضبن من ذلك و قلن: لعلك ترى أنك إن طلقتنا أن لا نجد الأكفاء من قومنا يتزوجونا، فأنف الله لرسول الله (صلى الله عليه و آله) فأمره أن يعتزلهن فاعتزلهن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في مشربة أم إبراهيم تسعة و عشرين يوما، حتى حضن و طهرن، ثم أنزل الله هذه الآية و هي آية التخيير، فقال
____________
(1) سورة الأحزاب- آية 49.
(2) سورة الأحزاب- آية 28.
(3) تفسير القمي ج 2 ص 192 ط النجف الأشرف.
100
«يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ- إلى قوله- أَجْراً عَظِيماً» فقامت أم سلمة و هي أول من قامت و قالت: قد اخترت الله و رسوله فقمن كلهن فعانقنه و قلن مثل ذلك إلى آخره».
و روى في الكافي عن عيص بن القاسم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل خير امرأته فاختارت نفسها، بانت منه؟ قال: لا إنما هذا شيء كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله) خاصة، أمر بذلك ففعل، و لو اخترن أنفسهن لطلقهن، و هو قول الله عز و جل «قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلًا».
و عن محمد بن مسلم (2) في الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الخيار، فقال: و ما هو و ما ذاك، إنما ذلك شيء كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و عن محمد بن مسلم (3) في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني سمعت أباك يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) خير نساءه فاخترن الله و رسوله، فلم يمسكهن على طلاق (4) و لو اخترن أنفسهن لبن فقال: إن هذا حديث كان يرويه أبي عن عائشة و ما للناس و الخيار إنما هذا شيء خص الله به رسوله (صلى الله عليه و آله)».
أقول: المفهوم من هذه الأخبار و غيرها مما سيأتي إن شاء الله ذكره في محله أن هذا التخيير و وجوب ما يترتب عليه من وجوب الطلاق لو اخترن أنفسهن و حصول البينونة بهذا الطلاق من دون جواز رجعته لو وقع مما خص به رسول الله (صلى الله عليه و آله)، ليس لغيره من الناس.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 137 ح 3، الوسائل ج 15 ص 336 ح 4.
(2) الكافي ج 6 ص 136 ح 1، الوسائل ج 15 ص 336 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 136 ح 2، الوسائل ج 15 ص 336 ح 3.
(4) قوله: فلم يمسكهن على طلاق يعنى أنه لم يطلقهن ثم عقد عليهن عقدا آخر، و انما أمسكهن بالعقد الأول. (منه- (رحمه الله)-).
101
بقي الكلام في أنه لو اخترن أنفسهن فهل تحصل البينونة بمجرد الاختيار، أم لا بد من الطلاق؟ علماءنا على الثاني كما تقدم في كلام صاحب المسالك، و العامة على الأول كما يشعر به كلام المتقدم (1) أيضا، و الأخبار مختلفة، و سيأتي تحقيق الكلام في هذا المقام في كتاب الطلاق إن شاء الله تعالى مستوفى.
و في رواية محمد بن مسلم الثانية إشارة إلى حمل الأخبار الدالة على البينونة بمجرد الاختيار على التقية.
الرابع: تحريم نكاح الإماء عليه بالعقد
، و لم أقف له على دليل في أخبارنا و إنما علل ذلك بتعليلات اعتبارية، علل بأن نكاح الأمة مشروط بالخوف من العنت، و هو (صلى الله عليه و آله) معصوم، و مشروط بفقدان طول الحرة، و نكاحه (صلى الله عليه و آله و سلم) مستغن عن المهر ابتداء و انتهاء، و بأن من نكح أمة كان ولدها منه رقيقا عند جماعة، و منصبه (صلى الله عليه و آله و سلم) منزه عن ذلك، و بأن كون الزوجة مملوكة للغير محكوما عليها لغير الزوج مرذول، فلا يليق ذلك بمنصبه (صلى الله عليه و آله).
قيل: و في كل واحدة من هذه العلل نظر، لأن الأولى منقوضة بالإمام، و الثانية بإمكان فقد الطول بالنسبة إلى النفقة، و إن انتفى المهر عنه، و بالمنع من كون ولد الأمة رقيقا مطلقا، لأنه عندنا يتبع أشرف الطرفين، و بمنع رذالة التزويج بأمة الغير مطلقا، و جوز بعض العامة نكاحه الأمة المسلمة بالعقد كما تحل بالملك لضعف المانع، و لكن الأكثر على المنع.
أقول: الظاهر أن أصل القول المذكور إنما هو من العامة، و تبعهم جملة من الأصحاب استحسانا لما ذكروه من التعليلات المذكورة كما عرفت في غير موضع من الكتب السابقة، و نصوصنا خالية منه هذا.
و أما وطء الإماء بملك اليمين- مسلمة كانت الأمة أو كتابية- فهو مما
____________
(1) حيث ذكر أن بعضهم يجعله كناية عن الطلاق، و بعضهم يجعله طلاقا صريحا و على كل من الأمرين المذكورين، فلا يتوقف على ذكر الطلاق بعده. (منه- (رحمه الله)-).
102
لا إشكال في جوازه بالنسبة إليه (صلى الله عليه و آله) لقوله عز و جل «أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» (1) «وَ مٰا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» (2) و قد ملك (صلى الله عليه و آله و سلم) القبطية و كانت مسلمة، و ملك صفية و كانت مشركة فكانت عنده إلى أن أسلمت فأعتقها و تزوجها.
الخامس و السادس [تحريم الاستبدال و الزيادة بعد نزول الآية]:
تحريم الاستبدال بنسائه اللواتي كن عنده وقت نزول هذه الآية (3) «لٰا يَحِلُّ لَكَ النِّسٰاءُ مِنْ بَعْدُ وَ لٰا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوٰاجٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ» الآية، و كذلك تحرم عليه الزيادة عليهن للآية، قيل: كان ذلك مكافأة لهن على حسن صنيعهن معه، حيث أمر بتخييرهن في فراقه، و الإقامة معه على الضيق الدنيوي، فاخترن الله و رسوله و الدار الآخرة، و استمر ذلك إلى أن نسخ بقوله تعالى السابقة عليها (4) «إِنّٰا أَحْلَلْنٰا لَكَ أَزْوٰاجَكَ» الآية، لتكون المنة له (صلى الله عليه و آله و سلم) بترك التزويج عليهن، و قال بعض العامة أن التحريم لم ينسخ.
أقول: قد عرفت فيما تقدم من صدر هذا البحث ما في المقام من الإشكال، فإن ما ذكر من التحريم في الموضعين المذكورين هو ظاهر سياق الآيات إلا أن أخبارنا قد شددت في إنكاره، و على هذا فتزول هاتان الخصوصيتان من البين.
السابع [حكم ما لو رغب (ص) في نكاح امرأة]:
و هو ما ذكره العلامة في التذكرة أنه كان إذا رغب في نكاح امرأة فإن كانت خلية وجب عليها الإجابة، و حرم على غيره خطبتها، و إن كانت ذات زوج وجب عليه طلاقها لينكحها، لقضية زينب امرأة زيد بن الحارثة التي حكاه الله تعالى في كتابه.
أقول: أما الثاني فهو ظاهر من جملة الأخبار التي وردت في تفسير الآيات بقضية زيد (5).
و أما الأول فلم أقف فيه على خبر بعد التتبع، إلا أن فحوى الأخبار المشار إليها
____________
(1) سورة النساء- آية 3.
(2) سورة الأحزاب- آية 50.
(3) سورة الأحزاب- آية 52.
(4) سورة الأحزاب- آية 50.
(5) مجمع البيان ج 8 ص 359.
103
يفيد ذلك، فإنه إذا وجب على المزوجة أن يفارقها زوجها لأجله، وجب عليها إجابته لو كانت خالية بطريق أولى، فإن مقتضى وجوب مفارقة الزوج لها هو تحريمها على جميع الأزواج عداه (صلى الله عليه و آله)، فتجب عليها إجابته لو كانت خالية من أول الأمر.
الثامن: تحريم زوجاته (ص) على غيره
لقوله عز و جل (1) «وَ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّٰهِ وَ لٰا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوٰاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً».
و للأخبار المتكاثرة.
و منها: ما رواه
في الكافي عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «أنه قال:
لو لم تحرم على الناس أزواج النبي (صلى الله عليه و آله) لقول الله عز و جل وَ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّٰهِ وَ لٰا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوٰاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً، حر من على الحسن و الحسين (عليهما السلام) لقول الله تعالى وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ» الحديث.
و ما رواه
في الكتاب المذكور عن ابن أذينة (3) في الحسن قال: «حدثني سعيد بن أبي عروة عن قتادة عن الحسن البصري أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) تزوج امرأة من بني عامر بن صعصعة يقال لها سني و كانت من أجمل أهل زمانها، فلما نظرت إليها عائشة و حفصة قالتا: لتغلبنا هذه على رسول الله بجمالها، فقالتا لها: لا يرى منك رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حرصا، فلما دخلت على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) تناولها بيده، فقالت:
أعوذ بالله، فانقبضت يد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عنها فطلقها و ألحقها بأهلها و تزوج رسول الله (صلى الله عليه و آله) امرأة من كندة بنت أبي الجون، فلما مات إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، ابن مارية القبطية قالت: لو كان نبيا ما مات ابنه، فألحقها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بأهلها قبل أن يدخل بها، فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و ولى الناس أبو بكر
____________
(1) سورة الأحزاب- آية 53.
(2) الكافي ج 5 ص 420 ح 1، الوسائل ج 14 ص 312 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 421 ح 3، الوسائل ج 14 ص 312 ح 4.
104
أتته العامرية و الكندية، و قد خطبتا، فاجتمع أبو بكر و عمر فقالا لهما: إختارا إن شئتما الحجاب، و إن شئتما الباه، فاختارتا الباه، و تزوجتا فجذم أحد الرجلين و جن الآخر، و قال عمر بن أذينة: فحدثت بهذا الحديث زرارة و الفضيل، فرويا عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: ما نهى الله عز و جل عن شيء إلا و قد عصي فيه حتى لقد نكحوا أزواج النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من بعده، و ذكر هاتين: العامرية، و الكندية، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): لو سألتهم عن رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أ تحل لابنه؟ لقالوا: لا، فرسول الله (صلى الله عليه و آله) أعظم حرمة من آبائهم».
و عن زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) نحوه، «و قال في حديثه: و لا هم يستحلون أن يتزوجوا أمهاتهم إن كانوا مؤمنين، فإن أزواج رسول الله (صلى الله عليه و آله) في الحرمة مثل أمهاتهم».
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الحكم اتفاقي بالنسبة إلى المدخول بها، و قالوا:
لم يمت رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن زوجة في عصمته إلا مدخولا بها. و أما من لم يدخل بها كمن فارقها في حياته بفسخ أو طلاق، كالتي وجد بكشحها بياضا و المستعيذة، فإن فيها أقوالا.
و المشهور التحريم كالأولى، لصدق نسبة زوجيتها إليه (صلى الله عليه و آله) بعد الفراق في الجملة، فيدخل في عموم الآية و الأخبار المذكورة.
و قيل: إنها لا تحرم مطلقا، لأنه يصدق في حياته أن يقال: إنها ليست زوجته (صلى الله عليه و آله) الآن لا عراضه عنها، و هذا القول مردود بالأخبار المذكورة.
و قيل: إنها إن كانت مدخولا بها حرمت، و إلا فلا، لما روي أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمان عمر فهم برجمها، فأخبر أن النبي (صلى الله عليه و آله) فارقها قبل أن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 421 ح 4.
105
يمسها فخلاها و لم ينكر عليه أحد من الصحابة.
أقول: و هو في الضعف كسابقه، و هذه الرواية المذكورة- مع كونها عامية- معارضة بما تقدم عن الحسن البصري من إذن أبو بكر و عمر للمستعيذة في الباه، فكيف يهم برجمها عمر كما في هذه الرواية، و هو قد أذن لها في الباه بتلك الرواية.
ثم إن من أنكر على عمر في تغيير شرائع الإسلام غير مقام، حتى ينكر عليه هنا، و بذلك يظهر لك قوة القول الأول، حسبما دلت عليه الأخبار المذكورة.
ثم إنه ينبغي أن يعلم أن تحريم أزواجه (صلى الله عليه و آله) على الأمة إنما هو للنهي الوارد في القرآن لا لتسميتهن بأمهات المؤمنين في قوله «وَ أَزْوٰاجُهُ أُمَّهٰاتُهُمْ» و لا لتسميته (صلى الله عليه و آله) والدا، لأن هذه التسمية إنما وقعت على وجه المجاز لا الحقيقة، كناية عن تحريم نكاحهن و وجوب احترامهن، و من ثم لم يجز النظر إليهن، و لو كن أمهات حقيقة لجاز، مع أنه ليس كذلك، و لأنه لا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين، لأنهن لا يحر من على المؤمنين، و لقد زوج رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليا فاطمة (عليهما السلام)، و عثمان البنتين الآخرين، و لا يقال: لآبائهن و أمهاتهن أجداد المؤمنين و جداتهم أيضا.
هذا كله بالنسبة إلى القسم الأول و هو ما اختص به مما يتعلق بالنكاح.
[القسم الثاني: خصائص النبي (ص) في غير النكاح]
و أما القسم الثاني و هو ما خرج عن النكاح فهي كثيرة، و لنذكر منها ما وقفنا عليه في كلامهم:
الأول: وجوب السواك، الثاني: وجوب الوتر، الثالث: وجوب الأضحية.
و استدل عليه في المسالك قال:
روي عنه (1) (صلى الله عليه و آله) أنه قال: ثلاث كتبت علي و لم تكتب عليكم، السواك، و الوتر، و الأضحية.
و في حديث آخر (2) «كتب علي الوتر و لم يكتب عليكم، و كتب علي السواك و لم يكتب عليكم، و كتبت علي الأضحية و لم تكتب عليكم».
____________
(1) سنن البيهقي ج 7 ص 39 مع اختلاف يسير.
(2) سنن البيهقي ج 7 ص 39 مع اختلاف يسير.
106
قال: و بعض العامة منع وجوب الثلاثة عليه، مع ورود هذه الروايات من جانبهم، و كنا أولى بذلك منه. انتهى.
و فيه إشارة إلى أن أصل هذا القول و الاستدلال عليه بهذه الأخبار إنما هو من العامة، فإن الأصحاب جروا على مقالتهم بذلك، و لهذا اعترض على هذا المانع من الوجوب، بأنا نحن أولى بمنع الوجوب، حيث إنه لم يرد عليه دليل عندنا.
و فيه أنه بأي جهة يسوغ لكم متابعتهم في ذلك، و الحال هذه و إثبات الأحكام الشرعية متوقف على الأدلة الواضحة الجلية، من آية قرآنية أو سنة نبوية.
الرابع: قيام الليل و التهجد فيه
، لقوله عز و جل (1) «وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نٰافِلَةً لَكَ»
و روى في التهذيب (2) «عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن النوافل فقال:
فريضة، قال: ففزعنا و فزع الرجل، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنما أعني صلاة الليل على رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
الخامس: تحريم الصدقة الواجبة عليه
، و هي الزكاة المفروضة، و قد تقدمت الأخبار الدالة على ذلك في كتاب الزكاة (3) فإن قيل: إن الأئمة (عليهم السلام) شركاء في ذلك فلا يتحقق الاختصاص، قلنا: حيث كان تحريمها عليهم إنما هو بسببه (صلى الله عليه و آله) فالخاصية عائدة إليه.
السادس: تحريم خائنة الأعين عليه
، و هي الغمز بها بمعنى الإيماء بها إلى مباح من ضرب و قتل على خلاف ما تشعر به الحال.
و في كتاب معاني الأخبار (4) «عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن معناها، فقال:
____________
(1) سورة الإسراء- آية 79.
(2) التهذيب ج 2 ص 242 ح 28، الوسائل ج 3 ص 49 ح 6.
(3) ج 12 ص 215.
(4) معاني الأخبار ص 147 ح 1 طبع إيران سنة 1379.
107
أ لم تر إلى الرجل ينظر إلى الشيء و كأنه لا ينظر إليه، فذلك خائنة الأعين.
و في كتاب المجمع (1) في حديث ابن أبي سرج، «فقال له عباد بن بشير:
يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) إن عيني ما زالت في عينك انتظارا أن تومئ إلى فأقتله، فقال (صلى الله عليه و آله): إن الأنبياء لا يكون لهم خائنة الأعين».
السابع: أنه أبيح له الوصال المحرم على أمته
، و هو عبارة عن الجمع بين الليل و النهار في الإمساك بالنية عن تروك الصوم، أو تأخير عشائه إلى سحوره بالنية على الخلاف، و قد تقدم في كتاب الصوم (2).
الثامن: أنه تنام يمينه و لا ينام قلبه
، «قال: تنام عيني و لا ينام قلبي»، بمعنى بقاء التفحص و الإحساس، و لهذا لا ينقض وضوءه بالنوم، و بذلك تحصل له خاصية أخرى أيضا.
التاسع: أنه كان يبصر وراءه كما يبصر أمامه
، و في أخبار الأمر بإقامة الصفوف في الجماعة ما يدل عليه، إلى غير ذلك مما يضيق المقام عن نشره، بل نشر عشر عشره كما لا يخفى على من راجع الأخبار الدالة على ما خص به (صلى الله عليه و آله) في الدنيا و الآخرة.
تذنيب: و من خواص فاطمة (س)
بالنسبة إلى النكاح أيضا أمور.
الأول: أن تزويجها من الله عز و جل
، لما رواه
في الكافي عن أبان بن تغلب (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إنما أنا بشر مثلكم أتزوج فيكم و أزوجكم إلا فاطمة فإن تزويجها نزل من السماء».
و نحوها غيرها أيضا
الثاني: أنه لا كفو لها إلا أمير المؤمنين (ع)
من آدم و من دونه، و يدل
____________
(1) سنن البيهقي ج 7 ص 40.
(2) ج 13 ص 392.
(3) الكافي ج 5 ص 568 ح 54.
108
عليه ما رواه
في التهذيب عن المفضل (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لو لا أن الله خلق أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن لفاطمة (سلام الله عليها) كفو على ظهر الأرض من آدم فمن دونه».
الثالث: تحريم النساء على علي (ع) ما دامت فاطمة (س) حية
و يدل عليه ما رواه
في التهذيب عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «حرم الله النساء على علي (عليه السلام) ما دامت فاطمة (عليها السلام) حية، قال: قلت: و كيف؟ قال: لأنها طاهر لا تحيض».
أقول: قد روت العامة أن عليا (عليه السلام) في حياتها (عليها السلام) خطب ابنة أبي جهل، حتى أن الرسول أغاضه ذلك، فخطب على المنبر بذلك و عاتبه.
و قد استقصينا الكلام معهم في هذا المقام في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد، و قد وافقنا الشارح المذكور على كذب الخبر المشار إليه، و هذا الخبر أصرح صريح في رده و كذبه.
الرابع: عدم جواز الجمع بين ثنتين من بناتها في النكاح
لما رواه
الشيخ في التهذيب عن ابن أبي عمير (3) عن رجل من أصحابنا قال: «سمعته يقول: لا يحل لأحد أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمة (سلام الله عليها)، إن ذلك يبلغها فيشق عليها، قلت: يبلغها؟ قال: أي و الله».
و رواه
الصدوق في علل الشرائع (4) بسند صحيح، هذه صورته: حدثنا محمد بن علي ماجيلويه عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن عمار قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يحل لأحد أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمة (سلام الله عليها) إن ذلك يبلغها فيشق عليها، قال: قلت:
يبلغها؟ قال: أي و الله».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 470 ح 90.
(2) التهذيب ج 7 ص 475 ح 116.
(3) التهذيب ج 7 ص 463 ح 63، الوسائل ج 14 ص 387 ح 1.
(4) علل الشرائع باب 375 نوادر العلل ص 590 ح 38.
109
أقول: و هذه المسألة لم يجر لها ذكر في كلام أصحابنا متقدميهم و متأخريهم و إنما اشتهر الكلام فيها في أعصارنا هذه، من زمن الشيخ الحر العاملي، حيث اختار القول بما دل عليه ظاهر الخبر من التحريم، و نحوه جملة ممن تأخر عنه، و أنكره جملة منهم.
و لنا في المسألة رسالة، و عسى أن نحقق المسألة إن شاء الله في جملة مسائل هذا الكتاب في الموضع المناسب لذكرها، و الله العالم.
الفائدة الرابعة عشر [في وجوب القسم على النبي (ص) بين نسائه و عدمه]:
اختلف الفقهاء في أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) هل كان يجب عليه القسم بين نسائه، بمعنى أنه إذا بات عند واحدة منهن ليلة وجب عليه أن يبيت عند كل واحدة من الزوجات الباقيات كذلك أم لا يجب عليه ذلك؟ فقيل: بالأول، و أن الحكم بالنسبة إليه كغيره، لعموم الأدلة الدالة على وجوب القسم، و لأنه قد علم من سيرته (صلى الله عليه و آله) أنه كان يقسم بينهن حتى أنه في مرضه كان يطاف به عليهن، و كان يقول: هذا قسمي فيما أملك و أنت أعلم بما لا أملك، يعنى قلبه.
و قيل: بالثاني لقوله تعالى (1) «تُرْجِي مَنْ تَشٰاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشٰاءُ وَ مَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكَ».
و التقريب فيها أن الإرجاء بمعنى التأخير، و عدم الإيواء الذي هو بمعنى ضمهن إليه و مضاجعتهن فقد خيره بين إرجائهن و عدم ضمهن إليه و مضاجعتهن و بين إيوائهن و ضمهن إليه و مضاجعتهن، و هو ظاهر في عدم وجوب القسمة عليه و لهذا نقل في كتاب مجمع البيان شيخنا أمين الإسلام الطبرسي أنه قيل: لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن، فقلن: يا نبي الله اجعل لنا من مالك و نفسك ما شئت، و دعنا على حالنا، فنزلت الآية، و كان ممن أرجى: سودة و صفية و جويرية و ميمونة و أم حبيبة، فكان يعتزلهن ما شاء، و كان ممن آوى إليه عائشة
____________
(1) سورة الأحزاب- آية 51.
110
و حفصة و أم سلمة و زينب، فكان يقسم لهن على السواء لا يفضل بعضهن على بعض عن ابن رزين. انتهى.
و بالجملة فإن ظاهر الآية بالتقريب الذي ذكره هو عدم وجوب القسم عليه، إلا أنه تعددت الرواية
عن الصادق (عليه السلام) (1) بأنه قال في تفسير هذه الآية: «من آوى فقد نكح، و من أرجى فلم ينكح».
و في رواية أخرى: و من أرجى فقد طلق، و في كتاب مجمع البيان (2) «قال أبو جعفر و أبو عبد الله (عليهما السلام): من أرجى لم ينكح، و من آوى فقد نكح».
و أنت خبير بأن ظاهر هذا الكلام أن الإرجاء عبارة عن الطلاق و عدم النكاح بالكلية، و أن الإيواء هو إبقاءها على نكاحها و إمساكها، و على هذا فلا تعلق لذلك بالقسم، كما يظهر من لفظ الآية.
و من الظاهر أنه (صلى الله عليه و آله) لم يفارق أحدا منهن بعد نزول هذه الآية بأن طلقها و لم ينكحها، و إن جعل له ذلك، لأنه (صلى الله عليه و آله) قد مات عن التسع و هن أزواجه، و حينئذ فإنه لم يحصل ذلك، و إن رخص له فيه.
و المحقق في الشرائع طعن في دلالة الآية المذكورة على ما قلناه، قال: لأن في الآية احتمالا يدفع دلالتها، إذ يحتمل أن يكون المشية في الإرجاء متعلقة بالواهبات، و حاصله أنه كما يحتمل أن يكون المشية في الإرجاء و الإيواء متعلقة بجميع نسائه، يحتمل أن يكون المشية و الإرجاء متعلقة بالواهبات أنفسهن، فلا دلالة لها على التخيير مطلقا.
و ما ذهب إليه المحقق المذكور يكون قولا ثالثا: و هو التفصيل بين من تزوجهن بالعقد فتجب القسمة لهن، و من تزوجهن بالهبة فلا تجب.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 387 في ضمن حديث 1.
(2) مجمع البيان ج 4 ص 367.
111
و الشارح (قدس سره) في المسالك قد رد هذا القول فقال و أطال و نعم ما قال:
و في هذا عندي نظر لأن ضمير الجمع المؤنث في قوله «تُرْجِي مَنْ تَشٰاءُ مِنْهُنَّ» و اللفظ العام في قوله «وَ مَنِ ابْتَغَيْتَ» لا يصح عوده للواهبات، لأنه لم يتقدم ذكر الهبة إلا لامرأة واحدة، و هي قوله (1) «وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهٰا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرٰادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهٰا»، فوحد ضمير الواهبة في مواضع من الآية ثم عقبه بقوله «تُرْجِي مَنْ تَشٰاءُ مِنْهُنَّ» فلا يحسن عوده إلى الواهبات إذ لم يسبق لهن ذكر على وجه الجمع، بل إلى جميع الأزواج المذكورات في هذه الآية و هي قوله تعالى (2) «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّٰا أَحْلَلْنٰا لَكَ أَزْوٰاجَكَ اللّٰاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَ مٰا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلَيْكَ وَ بَنٰاتِ عَمِّكَ وَ بَنٰاتِ عَمّٰاتِكَ وَ بَنٰاتِ خٰالِكَ وَ بَنٰاتِ خٰالٰاتِكَ اللّٰاتِي هٰاجَرْنَ مَعَكَ وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهٰا لِلنَّبِيِّ» الآية، ثم عقبها بقوله «تُرْجِي مَنْ تَشٰاءُ مِنْهُنَّ» الآية، و هذا ظاهر في عود ضمير النسوة المخير فيهن إلى ما سبق من أزواجه جمع.
و أيضا فإن النبي (صلى الله عليه و آله) لم يتزوج بالهبة إلا امرأة مؤمنة واحدة على ما ذكره المفسرون و المحدثون، و هو المناسب لسياق الآية فكيف يجعل ضمير الجمع عائدا إلى الواهبات، و ليس له منهن إلا واحدة.
ثم لو تنزلنا و سلمنا جواز عوده إلى الواهبات لما جاز حمله عليه بمجرد الاحتمال مع وجود اللفظ العام الشامل لجميعهن، و أيضا فإن غاية الهبة أن تزويجه (صلى الله عليه و آله) يصح بلفظ الهبة من جانب المرأة و من الطرفين على ما مر من الخلاف و ذلك لا يخرج الواهبة من أن تكون زوجة فيلحقها ما يلحق غيرها من أزواجه، لا أنها تصير بسبب الهبة بمنزلة الأمة، و حينئذ فتخصيص الحكم بالواهبات لا وجه له أصلا.
____________
(1) سورة الأحزاب- آية 49.
(2) سورة الأحزاب- آية 50.
112
و قد نظر بعض العلماء في أحكام تزويجه و مخالفته لغيره نظرا مع ما فيه أقرب مما ذكره المصنف، فبنى الحكم بوجوب القسمة و عدمها، على أن النكاح في حقه هل هو كالتسري في حقنا أم لا؟ من حيث النظر إلى عدم انحصار أزواجه في عدد، و انعقاد نكاحه بلفظ الهبة، و بغير ولي و لا شهود، و في الإحرام- كما نقل- أنه نكح ميمونة محرما، و هذا يدل على الأول فلا يجب عليه القسمة، و إن كان نكاحه على حقيقته وجبت، و الحق الرجوع في مثل ذلك إلى النص، و ترك ما هو عين النزاع، أو مصادرة على المطلوب.
و الذي يستفاد من ظاهر الآية عدم وجوب القسمة عليه مطلقا، و فعله له جاز كونه بطريق التفضل و الإنصاف و جبر القلوب، كما قال الله تعالى (1) «ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَ لٰا يَحْزَنَّ وَ يَرْضَيْنَ بِمٰا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ» و الله أعلم. انتهى كلامه، و علت في الخلد أقدامه.
و هو جيد نفيس، إلا أن ما نقله عن بعض العلماء، الظاهر كونه من علماء العامة، كما يشعر به عدا النكاح بغير ولي و لا شهود من المخالفات، و كيف كان فهو خيال ضعيف، و إن اعتمد عليه في الدلالة لما صار إليه.
بقي الكلام في قوله: و الذي يستفاد من ظاهر الآية عدم وجوب القسمة عليه مطلقا، و ظاهره ترجيح القول الثاني من الأقوال الثلاثة المتقدمة.
و فيه أنه جيد، بناء على التقريب الذي قدمنا ذكره في معنى الآية المتضمنة للتخيير بين الإرجاء و الإيواء، إلا أن ظاهر الروايات التي قدمنا ذكرها إن الإرجاء و الإيواء إنما هو بمعنى الطلاق، و عدم النكاح بالكلية، و إخراجها عن الزوجية، و الإمساك بالعقد السابق، و نكاحها و جعلها زوجة كما كانت.
قال الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره (2): ثم أنزل الله تعالى
____________
(1) سورة الأحزاب- آية 51.
(2) تفسير القمي ج 2 ص 192.
113
هذه الآية، و هي آية التخيير فقال «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ- إلى قوله- أَجْراً عَظِيماً» فقامت أم سلمة و هي أول من قامت و قالت قد اخترت الله و رسوله فقمن كلهن فعانقنه و قلن مثل ذلك، فأنزل الله عز و جل «تُرْجِي مَنْ تَشٰاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشٰاءُ» فقال الصادق (عليه السلام): من آوى فقد نكح، و من أرجى فقد طلق.
انتهى.
و هو ظاهر كما ترى في أنه بعد أن اختر أن الله و رسوله خيره فيهن، بين طلاق من يريد منهن و نكاح من يريد، و حينئذ فلا تعلق للآية بالقسم المدعى في المقام بالكلية، و بذلك يبقى الحكم في قالب الاشكال، و ثبت بذلك القول الأول من هذه الأقوال، لعدم ثبوت ما ادعي في دليله من العموم على وجه يتناوله (صلى الله عليه و آله) كما لا يخفى على من راجعها. و الله العالم.
الفائدة الخامسة عشر [في جواز أكل ما ينثر في الأعراس من مأكول]:
المشهور في كلام الأصحاب جواز أكل ما ينثر في الأعراس من مأكول، و هل يجوز أخذه و استصحابه مأكولا كان أو غيره؟ قالوا:
نعم بشرط إذن أربابه نطقا أو بشاهد الحال، و هل يملك بمجرد الأخذ أم لا، أقوال: و تفصيل هذا الإجمال على وجه يتضح منه الحال يقع في مواضع.
الأول [في جواز النثر]:
أنه لا ريب في جواز نثر المال في الأعراس من مأكول و غيره كالجوز و اللوز و السكر و الزبيب و التمر و الدراهم و الدنانير و نحوها، لأصالة الجواز، و لما في ذلك من حصول السرور المطلوب في هذه المواضع، و هل يوصف مع ثبوت الجواز بالمعنى الأعم بشيء من الأحكام الخمسة؟ الظاهر العدم.
أما الوجوب فلا ريب في انتفائه لعدم دليل عليه، و أما الاستحباب فكذلك أيضا، لأنه حكم شرعي يتوقف على وجود دليل عليه، و إن أثبته بعض العامة و حكم آخرون منهم بالكراهة، لأنه يؤخذ باختلاس و انتهاب، و هو يؤدي إلى الوحشة و العداوة، و لأنه قد يأخذه غير من يحب صاحبه، و في إثبات الكراهة التي هي حكم شرعي بمثل هذه التعليلات نظر.
114
و بالجملة فالثابت الجواز و أما غيره من الأحكام فيحتاج إلى دليل واضح.
الثاني: في الأكل
، قالوا: إنه يجوز الأكل من هذه المنثور عملا بشاهد الحال المستمر في سائر الأعصار ما لم تعلم الكراهة، و لأنه نوع إباحة، فأشبه إباحة الطعام للضيفان بوضعه بين أيديهم.
و ظاهر هذا الكلام هو أن المستند في الجواز استمرار الناس في سائر الأعصار على الأكل من هذا الذي ينثر عليهم و نثرة عليهم بمنزلة وضع الطعام بين يدي الضيفان، و فيه ما ستعرف إن شاء الله تعالى.
الثالث: في الأخذ
، و قد صرحوا (رضوان الله عليهم) بأنه لا يجوز أخذه و استصحابه من غير أن يؤكل في محله، إلا بإذن أربابه صريحا أو بشاهد الحال و حينئذ فالمرجع في ذلك إلى شاهد الحال، فإن دل على المنع من أخذه امتنع قالوا: و ذلك بأن يوضع على خوان و شبهه بين يدي الآكلين و لا يرمى رميا عاما فإن ذلك قرينة على إرادة ضبطه، و قصر الاذن على الأكل.
أقول: لا ريب أن هذا الفرض موجب للخروج عن محل البحث، و ذلك فإنه لا يفهم من النثار إلا ما رمي رميا عاما، و نثر على الحاضرين، و أنهم كانوا ينتهبونه لا ما وضع في آنية مخصوصة بين يدي الآكلين، كوضع الطعام بين يدي الضعيف، فإن هذا لا يسمى نثارا (1) و لا يتعلق به حكم النثار، كما هو ظاهر.
قالوا: و لو اشتبه الأمران، بمعنى أنه لم يعلم بشاهد الحال الاذن و لا عدمه، فظاهر المحق في الشرائع المنع من أخذه، لأنه قال: و لا يجوز أخذه إلا بإذن أربابه نطقا أو بشاهد الحال، و مفهومه جعل الجواز مشروطا بالاذن، و لو بشاهد الحال، و هو هنا غير حاصل فلا يجوز، و استحسنه الشارح في المسالك أيضا، قال:
لأصالة المنع من التصرف في مال الغير، خرج منه ما إذا استفيد الاذن فيبقى
____________
(1) و يدل على ما ذكرنا ما في المصباح قال: نثرته نثرا من باب قتل و ذهب رميته متفرقا انتهى. (منه- (رحمه الله)-).
115
الباقي، و ظاهر العلامة في التذكرة على ما نقله عنه في المسالك هو جواز الأخذ ما لم تعلم الكراهة.
قال: و قد روي (1) أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) حضر في أملاك فأتي بإطباق عليها جوز و لوز و تمر، فنثرت فقبضنا أيدينا، فقال: ما لكم لا تأخذون. قالوا: لأنك نهينا عن النهب (2)، فقال: إنما نهيتكم عن نهب العساكر، خذوا على اسم الله تعالى فجاذبنا و جاذبناه.
أقول: و الظاهر أنه إلى هذا الخبر استند العلامة فيما ذهب إليه من الجواز في الصورة المذكورة، و إن كان عاميا، و هو ظاهر في جواز انتهاب النثار بمجرد نثرة، و هذا هو الذي جرت العادة به بين الناس، و لكن أصحابنا قيدوا الجواز بما ذكروه، لعدم قيام دليل عندهم على الحل بمجرد ذلك.
الرابع: في تملكه بعد الأخذ
قالوا: حيث يجوز أخذه بأحد الوجوه المجوزة، فهل يملكه الآخذ بمجرد الأخذ أم لا؟
قيل: بالأول اعتبارا بالعادة الدالة على إعراض المالك عنه، فأشبه التقاط المباحات، و نقل هذا القول عن العلامة في التذكرة، و به صرح المحقق في الشرائع.
و قيل: بالثاني و أن الأخذ إنما يفيد مجرد الإباحة، لأصالة بقاء ملك مالكه عليه إلى أن يحصل سبب يقتضي النقل، و ما وقع إنما يعلم منه إفادة الإباحة، قال في المختلف- و هذا هو الأقوى- قال: و الفرق بينه و بين مباح الأصل واضح، لأن ذلك لا ملك لأحد عليه، فإثبات اليد عليه مع نية التملك كاف في تملكه. بخلاف المملوك إذا أبيح بالإذن، فإن ذلك لا يخرج عن الملك، و إثبات اليد المأذون له فيه ليس من الأسباب الناقلة للملك شرعا، فيتمسك بالاستصحاب
____________
(1) سنن البيهقي ج 7 ص 288 مع اختلاف يسير.
(2) قال في المصباح: و النهبة بالضم و زان غرفة، و النهباء بزيادة الألف التأنيث اسم للمنهوب انتهى. (منه- (رحمه الله)-).
116
إلى أن يعلم المزيل. انتهى و هو جيد، و أنت خبير بأن الأصحاب لم ينقلوا هنا شيئا من الروايات المتعلقة بهذه المسألة، مع أن الروايات موجودة في كتب الأخبار المتداولة بينهم.
و الذي حضرني من ذلك ما رواه
في الكافي و التهذيب عن إسحاق بن عمار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الاملاك يكون و العرس فينثر على القوم، فقال حرام و لكن ما أعطوك منه فخذ [ه]» كذا في الكافي و في التهذيب «و لكن كل ما أعطوك منه [فخذ]».
و ما رواه
في التهذيب عن وهب (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال علي (عليه السلام):
لا بأس بنثر الجوز و السكر».
، و في التهذيبين «أن جواز النثر لا ينافي عدم جواز أخذ المنثور و نهبه». فلا ينافي الخبر المتقدم.
و ما رواه
في الكافي و الفقيه عن علي بن جعفر (3) في الصحيح عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن النثار من السكر و اللوز و أشباهه [ما] يحل أكله؟ قال: يكره أكل ما انتهب».
و في رواية الصدوق: «يكره أكل كل ما ينتهب»،.
و رواه علي بن جعفر في كتابه انه قال: «يكره أكل النهب».
أقول: و الكراهية هنا بمعنى التحريم، كما هو شائع ذائع في الأخبار، و لما كانت العادة في النثار في الأعراس هو رميه و نثره في المجلس، و أن من عادتهم أنهم كانوا ينتهبونه، كما يشير إليه قوله في صحيحة على بن جعفر «يكره أكل ما انتهب» بعد السؤال عن النثار، و هكذا يشير إليه الحديث النبوي المتقدم و قوله فيه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 123 ح 8، التهذيب ج 6 ص 370 ح 192. الوسائل ج 12 ص 122 ح 4.
(2) التهذيب ج 6 ص 370 ح 194. الوسائل ج 12 ص 122 ح 5.
(3) الكافي ج 5 ص 123 ح 7، الفقيه ج 3 ص 97 ح 21.
الوسائل ج 12 ص 121 ح 2.
117
«و جاذبنا و جاذبناه» خرجت هذه الأخبار بتحريم الأخذ، لاستفاضة الأخبار بتحريم النهبة و الأخذ على هذه الكيفية، و أصحابنا (رضوان الله عليهم) لعدم الوقوف على هذه الاخبار و اعتمادهم على ما رواه في كتب العامة في هذه المسألة استنكروا جعل المواضع منها لخروجه عن مقتضى القواعد الشرعية، و قيدوها بقيود خارجة كما تقدمت الإشارة إليها.
و نحن نوضح ما في بعض كلامهم المتقدم، فمن ذلك قولهم في الموضع الثاني بجواز الأكل عملا بشاهد الحال- إلى آخره- فإن فيه أن الأخبار كما ترى صريحة في تحريم ذلك إلا أن يعطى بخصوصه.
و أما دعوى شهادة الحال و أنها مستمرة في جميع الأعصار لجواز الأكل ما لم يعلم الكراهة.
ففيه: أولا: أن صريح رواية إسحاق بن عمار التحريم كما عرفت، فهذه الدعوى في مقابلتهما غير مسموعة.
و ثانيا: أنك قد عرفت أن العادة في النثار هو الأخذ و الأكل على جهة النهبة، و قد علم تحريم النهبة بالأدلة الصحيحة، و حينئذ فإن أريد بهذه الدعوى هو الجواز، و إن كان بطريق النهبة، فضعفها أظهر من أن ينكر، و إن أريد لا مع النهبة فهو خروج عن موضوع المسألة كما عرفت، و من ذلك قولهم في الموضع الثالث بجواز الأخذ بشاهد الحال، فإن شاهد الحال الذي ذكروه موجب للخروج عن محل المسألة كما تقدم بيانه، فالقول بالتحريم في المسألة هو الأقوى لما عرفت في الأكل، فكذا في الأخذ، و أما ما صار إليه العلامة مع اشتباه الحال من الجواز إلا أن تعلم الكراهة، فهو ضعيف مردود بالأخبار التي ذكرناها، و إن دل على ما ذكره الخبر العامي الذي أورده.
و أما ما ذكروه في الموضع الرابع من التملك بمجرد الأخذ حيث يجوز الأخذ
118
و عدمه، فقد عرفت من الأخبار التي تلوناها أنه لا يجوز الأخذ إلا أن يعطي بخصوصه، فإنه يجوز له، و حينئذ فهل يملكه بمجرد ذلك أم لا؟ المشهور بينهم الثاني.
و مما فرعوا على ذلك، جواز رجوع المالك فيه ما دامت عينه باقية في يد الآخذ على القول المشهور، فلو أتلفه بالأكل أو البيع أو نحو ذلك، زال ملك المالك عنه، و الذي اخترناه في بعض المباحث المتقدمة في جلد المعاملات هو الأول، و أنه يملكه بمجرد الأخذ، و من ذلك الهدايا و نحوها.
ثم إنه بعد الوصول إلى هذا الموضع وقفت على خبر
في كتاب البحار نقلا عن الأمالي (1) روى فيه عن الحسين بن أبي العلاء في الحسن عن الصادق عليه و على آبائه السلام قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) دخلت أم أيمن على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، و في ملحفتها شيء. فقال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله): ما معك يا أم أيمن؟ فقالت: فلانة أملكوها، فنثروا عليها، فأخذت من نثارها، ثم بكت أم أيمن و قال: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) فاطمة زوجتها و لم تنثر عليها شيئا فقال رسول الله: يا أم أيمن لم تكذبين فإن الله عز و جل لما زوجت فاطمة عليا (عليه السلام) أمر أشجار الجنة أن تنثر عليهم من حليها و حللها، و ياقوتها و درها و زمردها و إستبرقها فأخذوا منها ما لا يعلمون» الحديث.
و ربما ظهر من هذا الخبر أن النثار سنة و تقريره (صلى الله عليه و آله) أم أيمن على ما أخذته من النثار ظاهر في حله، و يمكن على هذا أن يقال في الجمع بين هذا الخبر و بينما تقدم من الأخبار، أنه إن أخذ النثار على جهة الانتهاب من غير أن يعلم بشاهد الحال و الإباحة و الاذن في أخذه فهو محرم، كما دلت عليه الأخبار المتقدمة، و إليه يشير قوله في صحيحة علي بن جعفر «يكره كل ما انتهب»، و إن أخذ مع العلم بالاذن و الإباحة في أخذه فهو حلال، و عليه يحمل هذا الخبر، فيكون فيه دليل على ما قدمنا نقله عن الأصحاب، و الله العالم.
____________
(1) مستدرك الوسائل ج 2 ص 436 ب 30 ح 1، أمالي الصدوق في المجلس 48 ح 3.
119
الفائدة السادسة عشر: في جملة من حقوق الزوج على امرأته، و حقوقها عليه
روى في الكافي عن محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على المرأة؟ فقال لها: أن تطيعه و لا تعصيه و لا تصدق من بيته إلا بإذنه، و لا تصوم تطوعا إلا بإذنه، و لا تمنعه نفسها و إن كانت على ظهر قتب، و لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، و إن خرجت بغير إذنه لعنتها ملائكة السموات و ملائكة الأرض، و ملائكة الغضب، و ملائكة الرحمة، حتى ترجع إلى بيتها، فقالت: يا رسول الله من أعظم الناس حقا على الرجل؟ قال: والده قالت: فمن أعظم الناس حقا على المرأة؟ قال: زوجها، قالت: فما لي عليه من الحق مثل ما له علي؟ قال: لا، و لا من كل مائة واحدة، فقالت: و الذي بعثك بالحق لا يملك رقبتي رجل أبدا».
و عن عمر بن جبير العزرمي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على المرأة؟ فقال: أكثر من ذلك، قالت: فخبرني عن شيء منه، فقال: ليس لها أن تصوم إلا بإذنه- يعني تطوعا-، و لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، و عليها أن تتطيب بأطيب طيبها، و تلبس بأحسن ثيابها، و تزين بأحسن زينتها، و تعرض نفسها عليه غدوة و عشية، و أكثر من ذلك حقوقه عليها».
أقول: إطلاق هذين الخبرين من حيث المنع من الصوم إلا بإذنه، شامل لما لو كان الزوج حاضرا أو غائبا، و يحتمل التخصيص بالحضور، نظرا إلى أن العلة في المنع إنما هو من حيث منافاته للنكاح متى أراده، و هذه العلة منتفية بالغيبة، و الظاهر الأول عملا بالإطلاق.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 506 ح 1، الوسائل ج 14 ص 111 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 508 ح 7، الوسائل ج 14 ص 112 ح 2.
120
و عن أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أتت امرأة إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالت: ما حق الزوج على المرأة فقال: أن تجيبه إلى حاجته و إن كانت على ظهر قتب، و لا تعطي شيئا إلا بإذنه، فإن فعلت فعليها الوزر، و له الأجر، و لا تبيت ليلة و هو عليها ساخط، فقالت، يا رسول الله و إن كان ظالما، قال: نعم، قالت: و الذي بعثك بالحق لا تزوجت زوجا أبدا».
و عن سعد بن أبي عمر و الجلاب (2) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أيما امرأة باتت و زوجها عليها ساخط في حق، لم تقبل لها صلاته حتى يرضى عنها، و أيما امرأة تطيبت لغير زوجها لم تقبل منها صلاة حتى تغتسل من طيبها كغسلها من جنابتها».
و عن عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن رجلا من الأنصار على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) خرج في بعض حوائجه فعهد إلى امرأته عهدا أن لا تخرج من بيتها حتى يقدم، قال: و إن أباها مرض فبعثت المرأة إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالت: إن زوجي خرج و عهد إلى أن لا أخرج من بيتي حتى يقدم، قالت: و إن أبي قد مرض، فتأمرني أن أعوده، فقال: رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا اجلسي في بيتك و أطيعي زوجك، قال: فثقل، فأرسلت إليه ثانيا بذلك، قالت: فتأمرني أن أعوده؟
فقال (صلى الله عليه و آله): اجلسي في بيتك و أطيعي زوجك، قال فمات أبوها فبعثت إليه إن أبي قد مات فتأمرني أن أصلي عليه؟ فقال: لا اجلسي في بيتك و أطيعي زوجك، قال:
فدفن الرجل فبعث إليها رسول الله (صلى الله عليه و آله) إن الله تعالى قد غفر لك و لأبيك بطاعتك لزوجك».
و عن جابر الجعفي (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوم النحر إلى ظهر المدينة على جمل عاري الجسم، فمر بالنساء فوقف عليهن ثم قال: يا معاشر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 508 ح 8، الوسائل ج 14 ص 112 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 507 ح 2، الوسائل ج 14 ص 113 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 513 ح 1، الوسائل ج 14 ص 125 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 514 ح 3، الوسائل ج 14 ص 126 ح 3.
121
النساء تصدقن و أطعن أزواجكن، فإن أكثر كن في النار، فلما سمعن ذلك بكين، ثم قامت إليه امرأة منهن فقالت: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) في النار مع الكفار؟
و الله ما نحن بكفار فنكون من أهل النار، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله): إنكن كافرات بحق أزواجكن».
و عن أبي بصير (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: خطب رسول الله (صلى الله عليه و آله) النساء فقال: يا معاشر النساء تصدقن و لو من حليكن و لو بتمرة و لو بشق تمرة فإن أكثر كن حطب جهنم، و إنكن تكثرن اللعن و تكفرن العشيرة. فقالت امرأة من بني سليم لها عقل: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أ ليس نحن الأمهات الحاملات المرضعات؟
أ ليس منا البنات المقيمات و الأخوات المشفقات؟ فرق لها رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال:
حاملات و الوالدات مرضعات رحيمات، لو لا ما يأتين إلى بعولتهن، ما دخلت مصلية منهن النار».
و عن سليمان بن خالد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن قوما أتوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالوا: يا رسول الله إنا رأينا أناسا يسجدون بعضهم لبعض، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها».
و عن أبي بصير (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) للنساء:
لا تطولن صلاتكن لتمنعن أزواجكن».
إلى غير ذلك من الأخبار الجارية على هذا المنوال، و ظاهرها وجوب تلك الحقوق المذكورة في الخبر الأول عليها و أنها تؤاخذ بتركها لتكرر الأمر بها متفرقة في الأخبار، نعم مثل التطيب و لبس أحسن الثياب و إظهار الزينة، الظاهر أنه من المستحبات المؤكدة عليها.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 513 ح 2. الوسائل ج 14 ص 125 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 507 ح 6. الوسائل ج 14 ص 115 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 508 ح 1. الوسائل ج 14 ص 117 ح 1.
122
و أما ما يتضمن حقوقها عليه، فمن ذلك ما رواه
في الكافي في الموثق عن إسحاق بن عمار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما حق المرأة على زوجها الذي إذا فعله كان محسنا؟ «قال يشبعها، و يكسوها، و إن جهلت غفر لها».
و رواه
في الفقيه عن إسحاق بن عمار (2) قال: «سأل إسحاق بن عمار أبا عبد الله (عليه السلام) عن حق المرأة على زوجها؟ قال: يشبع بطنها و يكسو جسدها و إن جهلت غفر لها».
أقول: الأولان واجبان، و الثالث مستحب، و يفصح عنه ما ورد
في الفقيه مرسلا (3) قال: «و قال أبو عبد الله (عليه السلام): كانت لأبي (عليه السلام) امرأة و كانت تؤذيه فكان يغفر لها».
و روى في الكافي عن عمرو بن جبير العزرمي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فسألته عن حق الزوج على المرأة فخبرها، ثم قالت:
فما حقها عليه؟ قال: يكسوها من العرى و يطعمها من الجوع و إن أذنبت غفر لها، فقالت: فليس لها عليه شيء غير هذا؟ قال: لا، قالت: لا و الله لا تزوجت أبدا ثم ولت، فقال النبي رسول الله (صلى الله عليه و آله): ارجعي فرجعت، فقال لها: إن الله عز و جل يقول:
وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ».
أقول: لا يخفى ما في عجز الخبر المذكور من الإشكال، فإن هذه الآية إنما ذكرت في سياق ذكر القواعد من النساء، و هو قوله (5) «وَ الْقَوٰاعِدُ مِنَ النِّسٰاءِ اللّٰاتِي لٰا يَرْجُونَ نِكٰاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنٰاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيٰابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجٰاتٍ بِزِينَةٍ وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 510 ح 1. الوسائل ج 14 ص 121 ح 1.
(2) الفقيه ج 3 ص 279 ح 2. الوسائل ج 14 ص 121 ح 1.
(3) الفقيه ج 3 ص 279 ح 4. الوسائل ج 15 ص 223 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 511 ح 2. الوسائل ج 14 ص 118 ح 3.
(5) سورة النور- آية 60.
123
و قد فسر الاستعفاف في الأخبار بلبس الجلابيب، فظاهر هذا الخبر تفسيره بالتزويج، و هو بمراحل من البعد عن سياق الآية.
و ما رواه
في الكافي عن روح بن عبد الرحيم (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
قول الله عز و جل (2) «وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اللّٰهُ» قال: إذا أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة، و إلا فرق بينهما».
و ما رواه
في الفقيه عن عاصم بن حميد عن أبي بصير (3) في الصحيح قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يوارى عورتها و يطعمها ما يقيم صلبها، كان حقا على الإمام أن يفرق بينهما».
أقول: يجب حمله على ما إذا كان قادرا على النفقة متمكنا منها، لما يدل عليه الخبر الآتي:
و روي في التهذيب عن السكوني (4) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «إن امرأة استعدت على زوجها أنه لا ينفق عليها، و كان زوجها معسرا، فأبى علي (عليه السلام) أن يحبسه و قال إن مع العسر يسرا».
و روى في الكافي عن جميل (5) بن دراج (6) في الصحيح أو الحسن قال: «لا يجبر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 512 ح 7، الوسائل ج 15 ص 224 ح 6.
(2) سورة الطلاق- آية 7.
(3) الفقيه ج 3 ص 279 ح 5، الوسائل ج 15 ص 223 ح 2.
(4) التهذيب ج 6 ص 299 ح 44، الوسائل ج 13 ص 148 ح 2.
(5) أقول: خبر جميل هذا قد رواه
المشايخ الثلاثة في موضع آخر بأسانيد متعددة فيها الصحيح و غيره عن جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) أنه قال: لا يجبر الرجل الا على نفقة الأبوين و الولد، قال: قلت لجميل: فالمرأة؟ قال: روى أصحابنا «و في الكافي و هو عنبسة بن مصعب و سورة بن كليب، ثم اشترك الجميع عن أحدهما (عليهما السلام) أنه إذا كساها ما يوارى عورتها و أطعمها ما يقيم صلبها أقامت معه و إلا طلقها».
الحديث (منه- (قدس سره)-).
(6) الكافي ج 5 ص 512 ح 8، التهذيب ج 6 ص 293 ح 22، رواه عن أحدهما (عليهما السلام) الوسائل ج 15 224 ح 4.
124
الرجل إلا على نفقة الأبوين و الولد، قال ابن أبي عمير: قلت لجميل: و المرأة؟
قال: قد روى عنبسة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كساها ما يواري عورتها و يطعمها ما يقيم صلبها أقامت معه و إلا طلقها».
أقول: حاصل معنى الخبر أنه يجبر على نفقة العمودين، و أما الزوجة فإنه يخير بين الأمرين، إما القيام بها، و إما طلاقها فيجبر على أحدهما فلو امتنع من الإنفاق بعد إلزام الحاكم بذلك جبره على الطلاق، فإن طلق، و إلا طلقها الحاكم كما يدل عليه قوله «كان حقا على الامام أن يفرق بينهما». و مثله قوله في الخبر الآخر «و إلا فرق بينهما».
و روى في الكافي عن سفيان بن عيينة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، و علي (عليه السلام) أولى به من بعدي، فقيل له: ما معنى ذلك؟ فقال: قول النبي (صلى الله عليه و آله) من ترك دينا أو ضياعا فعلي، و من ترك مالا فلورثته، فالرجل ليست له على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال، و ليس له على عياله أمر و لا نهي، إذا لم يجر عليهم النفقة، و النبي (صلى الله عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) و من بعدهما ألزمهم هذا، فمن هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم، و ما كان سبب إسلام عامة اليهود إلا من بعد هذا القول من رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أنهم آمنوا على أنفسهم و عيالاتهم».
أقول: و الضياع- بالفتح- العيال، و هذا الخبر ظاهر في أنه متى لم ينفق على عياله، فإنه لا يجب عليهم امتثال أمره و نهيه، و ظاهره شمول الحكم للقادر و العاجز، كما يشير إليه قوله «فالرجل ليس له ولاية على نفسه إذا لم يكن له مال» بمعنى أنه لعدم إنفاقه على نفسه، و إنما ينفق عليه النبي (صلى الله عليه و آله) أو القائم مقامه، و أنه لا ولاية له عليها، لأن الولاية لولي النعمة و هو مشكل إلا أن يخص
____________
(1) أصول الكافي ج 1 ص 406 ح 6 طبع طهران، مستدرك الوسائل ج 2 ص 490 باب 9 ح 2 و 3.
125
الحكم بالعاجز عن الإنفاق على عياله، و هو أيضا لا يخلو من إشكال، و لا يحضرني الآن كلام لأحد من أصحابنا (رضوان الله عليهم). و الله العالم.
الفائدة السابعة عشر: في جملة من مستحبات الباه و مناهيه
زيادة على ما تقدم، فمن الأول
استحباب صلاة ركعتين عند إرادة التزويج
و قد تقدم الكلام في ذلك في الفائدة السادسة، و كذا استحباب الوليمة و الإشهاد و الخطبة أمام العقد، و قد تقدم ثمة.
و بقي هنا أشياء منها: استحباب صلاة ركعتين و الدعاء بعدهما وقت الدخول بها.
روي في الكافي عن أبي بصير (1) قال: «سمعت رجلا و هو يقول لأبي جعفر (عليه السلام) جعلت فداك إني رجل قد أسننت، و قد تزوجت امرأة بكرا صغيرة و لم أدخل بها، و أنا أخاف إذا دخلت على فراشي أن تكرهني لخضابي و كبري، فقال أبو جعفر (عليه السلام): إذا دخلت عليك إن شاء الله فمرها قبل أن تصل إليك أن تكون متوضئة، ثم أنت لا تصل إليها حتى تتوضأ و صل ركعتين، ثم مجد الله و صل على محمد و آل محمد ثم ادع الله و مر من معها أن يؤمنوا على دعائك و قل: اللهم ارزقني إلفها و ودها و رضاها و أرضني بها و اجمع بيننا بأحسن اجتماع و آنس ائتلاف، فإنك تحب الحلال و تكره الحرام، ثم قال: و اعلم أن الالف من الله و الفرك (2) من الشيطان ليكره ما أحل الله عز و جل».
أقول: الفرك بغض أحد الزوجين الآخر.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 500 ح 1، الوسائل ج 14 ص 81 ح 1.
(2) قال في القاموس: الفرك بالكسر و فتح الراء: البغضة عامة كالفروك و الفركان بضمتين مشددة الكاف أو خاص ببغضه الزوجين. انتهى (منه- (قدس سره)-).
126
و عن أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا دخلت بأهلك فخذ بناصيتها و استقبل القبلة و قل: اللهم بأمانتك أخذتها و بكلماتك استحللتها (2) فإن قضيت لي منها ولدا فاجعله مباركا تقيا من شيعة آل محمد (صلى الله عليه و آله) و لا تجعل للشيطان فيه شركا و لا نصيبا».
و عن أبي بصير (3) قال: «قال لي أبو جعفر (عليه السلام): إذا تزوج أحدكم كيف يصنع؟ قلت: لا أدري، قال: إذا هم بذلك فليصل ركعتين» الحديث، كما تقدم في الفائدة السادسة، ثم قال (عليه السلام): «فإذا دخلت إليه فليضع يده على ناصيتها و ليقل اللهم على كتابك تزوجتها و في أمانتك أخذتها و بكلماتك استحللت فرجها فإن قضيت لي في رحمها شيئا فاجعله مسلما سويا، و لا تجعله شرك شيطان قال: قلت و كيف يكون شرك شيطان؟ قال: إن ذكر اسم الله تنحى الشيطان، و إن فعل و لم يسم أدخل ذكره و كان العمل منهما جميعا، و النطفة واحدة».
و رواه
الشيخ في التهذيب عن أبي بصير (4) الحديث بأدنى تفاوت، و فيه «قلت:
فبأي شيء يعرف هذا جعلت فداك؟ قال بحبنا و بغضنا».
و عن الميثمي (5) رفعه قال: «أتى رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: إني تزوجت فادع الله لي، فقال (عليه السلام): قل: اللهم بكلماتك استحللتها، و بأمانتك أخذتها، اللهم اجعلها ولودا ودودا لا تفرك، تأكل مما راح، و لا تسأل عما سرح».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 500 ح 2، الوسائل ج 14 ص 81 ح 2.
(2) قال الصدوق في معاني الأخبار بعد أن نقل
قوله (صلى الله عليه و آله) «أخذتموهن بأمانة الله و استحللتم فروجهن بكلمات الله».
: فأما الامانة فهي التي أخذ الله عز و جل على آدم حين زوجه حواء، و أما الكلمات التي شرط الله عز و جل بها على آدم أن يعبده و لا يشرك به شيئا و لا يزني و لا يتخذ من دونه وليا. (منه- (رحمه الله)-).
(3) الكافي ج 5 ص 501 ح 3، الوسائل ج 14 ص 79 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 407 ح 1. الوسائل نفس المصدر السابق.
(5) الكافي ج 5 ص 501 ح 4، الوسائل ج 14 ص 81 ح 3.
127
قال في الوافي: كان المراد تأكل مما جاء و حصل عندها بالعشي كائنا ما كان و لا تسأل عما ذهب و غاب عنها و هذا قريب من معنى رواح الماشية و سراحها، كما قال الله عز و جل (1) «حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ».
و قال بعض مشايخنا المحدثين: لعله كناية عن قناعتها بما يأتي به زوجها، و عدم التفتيش عما أعطاه غيرها، و يمكن أن يكون المراد حقيقة، أي ترضى بلبن الأنعام بعد الرجوع من المرعى، و لا تسأل عما كان في ضرعها عند السرح. انتهى.
أقول: و الأقرب هو المعنى الأول من هذين المعنيين.
و عن أبي بصير (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا محمد أي شيء يقول الرجل منكم إذا دخلت عليه امرأته؟ قلت: جعلت فداك أ يستطيع الرجل أن يقول شيئا؟ فقال: ألا أعلمك ما تقول؟ قلت: بلى، قال: تقول: بكلمات الله استحللت فرجها و في أمانة الله أخذتها، اللهم إن قضيت لي في رحمها شيئا فاجعله بارا تقيا و اجعله مسلما سويا، و لا تجعل فيه شركا للشيطان، قلت: و بأي شيء يعرف ذلك (3) قال: أما تقرأ كتاب الله عز و جل، ثم ابتدأ هو (4)- وَ شٰارِكْهُمْ فِي الْأَمْوٰالِ وَ الْأَوْلٰادِ- ثم قال: إن الشيطان ليجيء حتى يقعد من المرأة كما يعقد الرجل منها، و يحدث كما يحدث، و ينكح كما ينكح، قلت بأي شيء يعرف ذلك؟ قال:
بحبنا و بغضنا، فمن أحبنا كان نطفة العبد، و من أبعضنا كان نطفة الشيطان».
و عن أبي بصير (5) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يا أبا محمد إذا أتيت أهلك فأي
____________
(1) سورة النحل- آية 6.
(2) الكافي ج 5 ص 502 ح 2، الوسائل ج 14 ص 96 ح 2.
(3) الظاهر أنه لا يخلو من غلط لان الظاهر أن السؤال انما هو عن الدليل على كون الولد يكون شرك شيطان فأجاب بالآية، و السؤال عن العلامة و ما تضمنه قوله في آخر الخبر بأنه يعرف بحبنا و بغضنا فهو معنى الصحيح الظاهر من الخبر بعده. (منه- (رحمه الله)-).
(4) سورة الإسراء- آية 64.
(5) الكافي ج 5 ص 503 ح 5، الوسائل ج 14 ص 97 ح 5.
128
شيء تقول؟ قال: قلت: جعلت فداك و أطيق أن أقول شيئا؟ قال: بلى قل:
«اللهم بكلماتك استحللت فرجها و بأمانتك أخذتها فإن قضيت في رحمها شيئا فاجعله تقيا زكيا، و لا تجعل للشيطان فيه شركا، قال: قلت: جعلت فداك و يكون فيه شرك للشيطان؟ قال: نعم، أما تسمع قول الله عز و جل في كتابه (1) «وَ شٰارِكْهُمْ فِي الْأَمْوٰالِ وَ الْأَوْلٰادِ» و أن الشيطان يجيء فيقعد كما يقعد الرجل، و ينزل كما ينزل الرجل، قال: قلت بأي شيء يعرف ذلك؟ قال: بحبنا و بغضنا».
و عن هشام بن سالم (2) في الصحيح «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في النطفتين اللتين للآدمي و الشيطان إذا اشتركا؟ فقال: أبو عبد الله (عليه السلام) ربما خلق من إحداهما، و ربما خلق منهما جميعا».
و عن البرقي (3) عن علي عن عمه قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) جالسا فذكر شرك الشيطان فعظمه حتى أفزعني، قلت: جعلت فداك فما المخرج عن ذلك؟
قال: إذا أردت الجماع فقل: بسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو بديع السموات و الأرض، اللهم إن قضيت مني في هذه الليلة خليفة، فلا تجعل للشيطان فيه شركا و لا نصيبا و لا حظا، و اجعله مؤمنا مخلصا مصفى من الشيطان و رجزه، جل ثنائك».
و عن الحلبي (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في الرجل إذا أتى أهله فخشي أن يشاركه الشيطان، قال: يقول: بسم الله و يتعوذ بالله من الشيطان».
[فوائد]
أقول: و في هذه الأخبار فوائد ينبغي التنبيه عليها و النظر إليها:
الاولى [مستند الأصحاب في ذلك]:
لا يخفى أن ما دل عليه الخبر الأول من استحباب صلاة ركعتين
____________
(1) سورة الإسراء- آية 64.
(2) الكافي ج 5 ص 503 ح 6.
(3) الكافي ج 5 ص 503 ح 4، الوسائل ج 14 ص 96 ح 4.
(4) الكافي ج 5 ص 502 ح 1، الوسائل ج 14 ص 96 ح 1.
129
للرجل و كذا للمرأة في وقت الدخول هو مستند الأصحاب فيما ذكروه من الاستحباب هنا كذلك، و أنت خبير بأن مورد الخبر و صريحه إنما هو بالنسبة إلى المسن الذي قد تزوج امرأة صغيرة بكرا، و خاف منها البغض له، و النفور عنه فأمره الإمام (عليه السلام) بما تضمنه الخبر من الصلاة منهما معا و الدعاء و التأمين حسبما عرفت، و الأصحاب قد صرحوا بالاستحباب مطلقا من غير النظر إلى هذه الخصوصيات التي اشتمل عليها الخبر، و هو مشكل، إذ الخبر يتضمن الصلاة في هذه الحال، و غير هذا الخبر و خبر أبو بصير المتضمن لاستحباب صلاة الركعتين إذا هم بالتزويج، إنما تضمن في وقت الدخول الدعاء خاصة كغيره، كما تقدم ذكره هنا، و جملة أخبار المسألة إنما تضمنت الدعاء خاصة، و لا وجود للصلاة في شيء منها على كثرتها و تعددها و ما وجد فيه الصلاة فقد عرفت أنه مقيد بقيود زائدة على ما يدعونه، فالحكم بالاستحباب مطلقا كما يدعونه لا يخلو من الاشكال؟ و لم أر من تنبه لما ذكرناه في هذه الحال.
الثانية [في توجيه الأخبار بأنه إذا لم يسم الله صار الولد شرك الشيطان]:
ما تضمنته هذه الأخبار من أنه إذا لم يسم الله عز و جل و يذكره وقت الجماع، أدخل الشيطان ذكره معه و صار الولد إن اتفق شرك شيطان، و أنه يعرف ذلك بحبهم (عليهم السلام) و بغضهم (عليهم السلام) لا يخلو من الإشكال، لأن من الظاهر بل ربما يقطع به أن كثيرا من الشيعة ربما جامعوا عمدا أو سهوا أو جهلا و لم يذكروا اسم الله عز و جل، بل الظاهر أن أكثر عامة الناس على ذلك، مع أن أولادهم في التشيع و المحبة لأهل البيت (عليهم السلام) في الغاية و النهاية، و إن اتفق لهم الفسق في شيء من أعمالهم.
و يمكن أن يقال: في التفصي من هذا الإشكال: بأنه لا ريب أنه مع عدم التسمية فإن الشيطان يدخل ذكره و يمني مع ذلك الرجل، إلا أن الرجل متى كان مؤمنا فإن الولد إنما يخلق من نطفة الرجل خاصة، فلا يكون للشيطان فيه نصيب، و إن كان مخالفا خلق الولد من النطفتين معا أو من نطفة الشيطان بخصوصه و بذلك يكون الولد مبغضا لهم (عليهم السلام)، و يتفاوت البغض شدة و ضعفا بالخلق من
130
النطفتين فيكون أضعف، أو من نطفة خاصة فيكون أشد.
و يشير إلى ما ذكرنا من التفصيل في النطف صحيح هشام بن الحكم المتقدم، و لعل الإجمال منهم (عليهم السلام) في هذه الأخبار أوجب ما ذكرناه من الاشكال، لقصد الزجر و الردع لشيعتهم عن التهاون بالتسمية و الدعاء في هذه الحال.
الثالثة [الاكتفاء بما يصدق به الذكر و التسمية]:
الظاهر من اختلاف هذه الأدعية المذكورة طولا و قصرا و زيادة و نقصانا و تغاير ألفاظها هو الاكتفاء بما يصدق به الذكر و التسمية، و الدعاء بمعنى المذكور فيها و إن لم يكن بهذه الألفاظ، و يشير إليه قوله في رواية الحلبي الأخيرة يقول: «بسم الله و يتعوذ من الشيطان» و جميع ما ذكر من الأذكار و الأدعية في الأخبار محمول على الفضل و الاستحباب.
و من الأول أيضا
[استحباب] المداعبة و الملاعبة قبل الجماع
، فروى الصدوق مرسلا (1) قال: «قال الصادق (عليه السلام): إن أحدكم ليأتي أهله فتخرج من تحته فلو أصابت زنجيا لتشبثت به، فإذا أتى أحدكم فليكن بينهما ملاعبة، فإنه أطيب للأمر».
و روى في الكافي عن القداح (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):
إذا جامع أحدكم فلا يأتيهن كما يأتي الطير، ليمكث و ليلبث» قال بعضهم: و ليتلبث.
و عن السكوني (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فلا يعجلها».
و عن أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس شيء تحضره الملائكة إلا الرهان، و ملاعبة الرجل أهله».
و عن علي بن إسماعيل (5) رفعه قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): كل لهو المؤمن باطل إلا في ثلاث: في تأديبه الفرس، و رميه عن قوسه، و ملاعبته امرأته، فإنهن حق».
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 364 ح 21. الوسائل ج 14 ص 82 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 497 ح 2. الوسائل ج 14 ص 82 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 567 ح 48 عن مسمع. الوسائل ج 14 ص 82 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 554 ح 1. الوسائل ج 14 ص 83 ح 1.
(5) الكافي ج ص 50 ح 13. الوسائل ج 14 ص 83 ح 2.
131
و روى في كتاب قرب الاسناد عن أبي البختري (1) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ثلاثة من الجفاء: أن يصحب الرجل فلا يسأله عن اسمه و كنيته، و أن يدعى الرجل إلى طعام فلا يجيب، و أن يجيب فلا يأكل، و مواقعة الرجل أهله قبل المداعبة».
[الأوقات التي يكره فيها الجماع]
و من الثاني: و هو ما يتعلق بالمناهي ما تقدم من النهي عن التزويج و القمر في برج العقرب و في محاق الشهر و في الأيام السبعة التي هي نحس كل شهر و ليلة الأربعاء و قد تقدم ذكرها و ذكر الأخبار الدالة على ذلك.
بقي هنا أشياء أخر و إن لم تختص بالتزويج، بل موردها الجماع مطلقا، فمن ذلك: ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن إلى عبد الرحمن بن سالم (2) عن أبيه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: هل يكره الجماع في وقت من الأوقات و إن كان حلالا؟ قال: نعم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس (3)، و من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق، و في اليوم الذي تنكسف فيه الشمس، و في الليلة التي ينخسف فيها القمر، و في الليلة و في اليوم اللذين يكون فيهما الريح السوداء و الريح الحمراء و الريح الصفراء، و اليوم و الليلة اللذين يكون فيهما الزلزلة، و لقد بات رسول الله (صلى الله عليه و آله) عند بعض.
____________
(1) قرب الاسناد ص 74. الوسائل ج 14 ص 83 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 498 ح 1. الوسائل ج 14 ص 88 ح 1.
(3) أقول:
روى الصدوق في الفقيه عن عبد الله بن على الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: انى أكره الجنابة حين تصفر الشمس و حين تطلع و هي صفراء.
أقول: و على هذا فينبغي أن يحمل الخبر المذكور في الأصل من قوله «ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس» أى طلوعها و زوال الصفرة عنها بمعنى الكامل، و قوله «من مغيب الشمس» أي أخذها في المغيب بالاصفرار أولا حسبما دل عليه هذا الخبر. (منه- (قدس سره)-).
عثرنا على هذه الرواية مرسلا فقط في الفقيه ج 1 ص 47 ح 5، و في الوسائل ج 14 ص 99 ح 2 مسندا، أما في الفقيه ج 3 ص 255 ح 4 كلمة «تكره» بدل «انى أكره» مرسلا أيضا.
132
أزواجه في ليلة انكسف فيها القمر، فلم يكن منه في تلك الليلة ما كان يكون منه في غيرها حتى أصبح، فقالت له: يا رسول الله أ لبغض كان منك في هذه الليلة؟ قال:
لا، و لكن هذه الآية ظهرت في هذه الليلة فكرهت أن أتلذذ و ألهو فيها، و قد عيرها الله أقواما فقال عز و جل في كتابه (1) إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمٰاءِ سٰاقِطاً يَقُولُوا سَحٰابٌ مَرْكُومٌ فَذَرْهُمْ حَتّٰى يُلٰاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ- ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): و أيم الله لا يجامع أحد في هذه الأوقات التي نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عنها، و قد انتهى إليه الخبر، فيرزق ولدا فيرى في ولده ذلك ما يحب».
و عن سليمان بن جعفر الجعفري (2) عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: «من أتى أهله في محاق الشهر فليسلم لسقط الولد».
أقول: و يستفاد من هذا الخبر أن الليلة الأخيرة يجتمع فيها كراهتان إحداهما من جهة المحاق كما تضمنه هذا الخبر، و الثانية من حيث كونها آخر الشهر كما في الأخبار الآتية، فتأكد الكراهة فيها.
و مقتضى التعليل بسقط الولد، أن المنع عن ذلك إنما هو في جماع يمكن حصول الولد منه، فلو لم يكن كذلك كجماع الحامل و اليائس احتمل قويا عدم الكراهة، إلا أن يقال: إن علل الشرع ليست عللا حقيقية، يدور المعلول معها وجودا و عدما، و إنما هي معرفات، فيكفي وجودها في بعض الأفراد، و هذا هو الأقوى.
و عن محمد بن خالد البرقي (3) عن أبيه عمن ذكره عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: «كان فيما أوصى به رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليا قال: يا علي لا تجامع أهلك في أول ليلة من الهلال، و لا في النصف، و لا في آخر ليلة فإنه.
____________
(1) سورة الطور- آية 45.
(2) الكافي ج 5 ص 499 ح 2، الوسائل ج 14 ص 90 ب 63 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 499 ح 3، الوسائل ج 14 ص 90 ب 64 ح 1.
133
يتخوف على ولد من يفعل ذلك الخبل، فقال علي (عليه السلام): و لم ذلك يا رسول الله؟ فقال:
إن الجن يكثرون غشيان نسائهم في أول ليلة من الهلال و ليلة النصف و في آخر ليلة، أما رأيت المجنون يصرع في أول الشهر و في وسطه و في آخره».
و عن مسمع أبي سيار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أكره لأمتي أن يغشى الرجل أهله في النصف من الشهر أو في غرة الهلال، فإن مردة الشياطين و الجن تغشي بني آدم فيجننون و يخبلون، أما رأيتم المصاب يصرع في النصف من الشهر و عند غرة الهلال».
و روى الصدوق مرسلا (2) قال: «قال الصادق (عليه السلام): لا تجامع في أول الشهر و لا في وسطه و لا في آخره، فإنه من فعل ذلك فليسلم لسقط الولد- ثم قال:- أوشك أن يكون مجنونا ألا ترى أن المجنون أكثر ما يصرع في أول الشهر و وسطه و آخره».
و الأخبار بهذا المضمون كثيرة إلا أن ما ذكره من النهي عن المجامعة ليلة الهلال ينبغي أن يستثني منه هلال شهر رمضان، لما روي و اشتهر بين الأصحاب من استحباب الجامعة في تلك الليلة،
فروى الصدوق مرسلا (3) قال: «قال (عليه السلام):
يستحب للرجل أن يأتي أهله أول ليلة من شهر رمضان لقول الله عز و جل أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ، و الرفث: المجامعة».
و روى الشيخ في التهذيب عن محمد بن العيص (4) «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال:
أجامع و أنا عريان؟ فقال: لا و لا مستقبل القبلة و لا مستدبرها»
قال (5) و «قال علي (عليه السلام): لا تجامع في السفينة».
و روى الصدوق في حديث المناهي المذكور في حديث المناهي المذكور في آخر كتاب الفقيه (6) عن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 499 ح 5. الوسائل ج 14 ص 91 ح 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 255 ح 3. الوسائل ج 14 ص 91 ح 3.
(3) الفقيه ج 2 ص 112 ح 13. الوسائل ج 14 ص 91 ح 4.
(4) التهذيب ج 7 ص 412 ح 18، الفقيه ج 3 ص 255 ح 5. الوسائل ج 14 ص 84 ح 2.
(5) الفقيه ج 3 ص 255 ح 6. الوسائل ج 14 ص 84 ح 2.
(6) الفقيه ج 4 ص 3 حديث المناهي. الوسائل ج 14 ص 98 ح 3.
134
الحسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يجامع الرجل أهله مستقبل القبلة، و على ظهر طريق عامر، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين».
أقول: ما تضمنه الخبر من لعن فاعل ذلك محمول على تأكد الكراهة كما وقع مثله في الأخبار كثيرا فلا ضرورة إلى حمل الخبر على ما يستلزم محرما غير ما ذكر كما ارتكبه في الوسائل.
و من ذلك
[كراهة] جماع المحتلم قبل الغسل
فروى الصدوق في الفقيه و الشيخ مرسلا (1) و في العلل مسندا «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): يكره أن يغشى الرجل المرأة و قد احتلم حتى يغتسل من احتلامه الذي رأى، فإن فعل فخرج الولد مجنونا فلا يلومن إلا نفسه».
و الأصحاب ذكروا زوال الكراهة بالغسل أولا، أو الوضوء، و الرواية إنما تضمنت الغسل خاصة.
و منه
[كراهة] جماع الحرة بين يدي الحرة
، أما الإماء فلا بأس، لما رواه
في كتاب طب الأئمة عن ذريح (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال الباقر (عليه السلام): لا تجامع الحرة بين يدي الحرة، فأما الإماء بين يدي الإماء فلا بأس».
أقول: بقي هنا فردان مجهولان غير معلوم حكمهما، و هو جماع الحرة بين يدي الأمة، و بالعكس.
و منه
[كراهة] جماع المختضب و المختضبة
، لما رواه
في الكافي عن مسمع بن عبد الملك (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يجامع المختضب قلت: جعلت فداك لم لا
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 412 ح 18، الفقيه ج 3 ص 256 ح 7، الوسائل ج 14 ص 99 ح 1.
(2) الوسائل ج 14 ص 93 ب 66 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 498 ح 8، التهذيب ج 7 ص 413 ح 26 و ما فيه موافق للكافي، الوسائل ج 14 ص 87 ح 1.
135
يجامع المختضب؟ قال: لأنه محتضر».
قال في الوافي: كأن المحتصر بالمهملتين من الحصر بمعنى القيد و الحبس، و يحتمل إعجام الضاد بمعنى محل حضور الملائكة و الجن. انتهى.
أقول: و يحتمل بناء على الأول أنه بالخضاب ممنوع من الملاعبة و التقبيل المستحبين أمام الجماع، و من الغسل بعد الجماع.
و كيف كان فالظاهر أن الأقرب هو ما في التهذيب دون ما في الكافي كما نقلناه، و الذي فيه هكذا: «قلت: جعلت فداك يجامع المختضب؟ قال: لا» و لم يذكر التعليل بالكلية و هو أوضح،
و روى في كتاب طب الأئمة عن إسماعيل بن أبي زينب (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال لرجل من أوليائه: لا تجامع و أنت مختضب، فإنك إن رزقت ولدا كان مخنثا».
و منه
[كراهة] أن يجامع و في البيت من ينظره
لما رواه
في الكافي عن ابن أبي راشد (2) عن أبيه قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يجامع الرجل امرأته و لا جاريته و في البيت صبي فإن ذلك مما يورث الزنا».
و عن عبد الله بن الحسين بن زيد (3) عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): و الذي نفسي بيده لو أن رجلا غشي امرأته و في البيت صبي مستيقظ يراهما و يسمع كلامهما و نفسهما ما أفلح أبدا، إذا كان غلاما كان زانيا، أو جارية كانت زانية و كان علي بن الحسين (عليه السلام) إذا أراد أن يغشى أهله أغلق الباب و أرخى الستور و أخرج الخدم».
و روى في العلل عن حنان بن سدير (4) عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 88 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 499 ح 1 و المذكور فيه هو ابن راشد، التهذيب ج 7 ص 414 ح 27، الوسائل ج 14 ص 94 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 500 ح 2، الوسائل ج 14 ص 94 ح 2.
(4) علل الشرائع ج 2 باب 267 ح 1، الوسائل ج 14 ص 95 ح 7.
136
سمعته يقول: لا يجامع الرجل امرأته و لا جاريته و في البيت صبي، فإن ذلك مما يورث الزنا».
و روى في كتاب طب الأئمة عن جابر (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): إياك و الجماع حيث يراك صبي يحسن أن يصف حالك، قلت: يا بن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كراهة الشنعة؟ قال: لا، فإنك إن رزقت ولدا كان شهرة علما في الفسق و الفجور».
و عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «إياك أن تجامع أهلك و صبي ينظر إليك، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يكره ذلك أشد كراهة».
قال في المسالك: أطلق المصنف الكراهة عند وجود من ينظر إليه، و هو شامل للمميز و غيره، و قيل: يختص ذلك بالمميز، و هو حسن، و تعليل الخبر يقتضي أن الخطر على الولد السامع بأن يكون زانيا، و أن الضمير المستكن في «ما أفلح أبدا» يرجع إليه لا إلى المجامع.
و وجه الكراهة حينئذ التعرض لنقص الولد السامع، فلو كان كبيرا دخل في العموم بل أولى و إن لم يتناوله اسم الغلام و الجارية. انتهى.
أقول: القول بالاختصاص بالمميز منقول عن الشيخ علي- (رحمه الله)- و هو جيد لما عرفت من دلالة رواية كتاب طب الأئمة الأولى على ذلك لقوله «يحسن أن يصف حالك» إلا أنه قد نقل
في كتاب البحار عن الراوندي في كتاب النوادر أنه روى فيه بإسناده (3) عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إياكم أن يجامع الرجل امرأته و الصبي في المهد ينظر إليهما».
فإنه ظاهر كالصريح في الكراهة و إن كان غير مميز فإن المهد إنما يوضع فيه الرضيع و نحوه.
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 95 ح 8.
(2) الوسائل ج 14 ص 95 ح 9.
(3) المستدرك ج 2 ص 546 باب 50 ح 1.
137
و يمكن الجمع بين الأخبار بالكراهة بنظر الصبي مطلقا و إن تأكدت الكراهة بالنسبة إلى المميز، و على ذلك يحمل الخبر المتقدم.
و أما الرواية التي أشار إليها و هي رواية عبد الله بن الحسين بن زيد عن أبيه فهي و إن أوهمت بظاهرها ما ذكره، إلا أن الرواية الأولى من روايتي كتاب طب الأئمة صريحة في أنه المولود من ذلك الجماع.
و هذا هو الأنسب بالكراهة للمجامع، بمعنى أن ضرر ذلك عائد إليه في ولده، و إن احتيج في إرجاع الضمير إليه في قوله «ما أفلح» إلى نوع تكلف و تجوز، حيث إنه بحسب الظاهر إنما ينساق إلى الصبي المذكور أولا.
و هذه الروايات موردها جماع الرجل امرأته و أهله، فلا يدخل فيه الجارية التي تكون له.
و يدل عليه صريحا ما رواه
في التهذيب عن ابن أبي يعفور (1) في الصحيح «عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينكح الجارية من جواريه و معه في البيت من يرى ذلك و يسمع؟ قال: لا بأس».
و منه
[كراهة] الجماع عاريا
فروى في الكافي عن موسى بن بكر (2) «عن أبى الحسن (عليه السلام) في الرجل يجامع فيقع عنه ثوبه، قال: لا بأس».
و روى الشيخ بإسناده عن محمد بن العيص (3) «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال له:
أجامع و أنا عريان؟ فقال: لا و لا مستقبل القبلة و لا مستدبرها».
و روى الصدوق في العلل عن حميد بن الحسين بن زيد العلوي (4) عن أبيه عن
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 208 ح 41، الوسائل ج 14 ص 584 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 497 ح 3، الوسائل ج 14 ص 84 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 412 ح 18، الفقيه ج 3 ص 255 ح 5، الوسائل ج 14 ص 84 ح 2.
(4) علل الشرائع ج 2 ص 518 ط النجف الأشرف، الوسائل ج 14 ص 84 ح 3.
138
جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «إذا تجامع الرجل و المرأة فلا يتعريان فعل الحمارين فإن الملائكة تخرج من بينهما إذا فعلا ذلك».
أقول: يمكن الجمع بين هذه الأخبار بحمل الخبر الأول على مورده و هو وقوع الثوب عنه حال الجماع، فإنه لا يكره له الجماع عاريا، و الخبرين الأخيرين لمن قصد الجماع عاريا كما هو ظاهرهما فإنه يكره.
و منه
[كراهة] التزويج في ساعة حارة عند نصف النهار
. روى في الكافي عن ضريس عن عبد الملك (1) قال: «لما بلغ أبو جعفر (عليه السلام) أن رجلا تزوج في ساعة حارة عند نصف النهار، فقال: أبو جعفر (عليه السلام) ما أراهما يتفقان فافترقا».
و عن زرارة (2) في الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه أراد أن يتزوج امرأة فكره ذلك أبوه، قال: فمضيت فتزوجتها حتى إذا كان بعد ذلك زرتها فنظرت فلم أر ما يعجبني فقمت أنصرف فبادرتني القيمة معها إلى الباب لتغلقه علي، فقال:
لا تغلقيه، لك الذي تريدين فلما رجعت إلى أبي أخبرته بالأمر كيف كان، فقال:
أما إنه ليس لها عليك إلا نصف المهر، و قال: إنك تزوجتها في ساعة حارة».
أقول: الظاهر أن المراد بالتزويج هنا الدخول، و يحتمل العقد أيضا على بعد، و إنما بادرته القيمة لإغلاق الباب لأجل الحيلة على أخذ المهر كملا بالخلوة معها عندهم، و سيأتي تحقيق المسألة في محلها إن شاء الله تعالى.
و منه
[كراهة] الجماع و معه خاتم فيه ذكر الله أو شيء من القرآن
لما رواه
علي بن جعفر في كتابه (3) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يجامع و يدخل الكنيف و عليه خاتم فيه ذكر الله أو شيء من القرآن أ يصلح ذلك؟ قال: لا».
فيه إشارة إلى كراهية استصحاب العود المشتملة على ذلك في تلك الحال أيضا.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 366 ح 1، الوسائل ج 14 ص 63 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 366 ح 2، الوسائل ج 14 ص 63 ح 2.
(3) الوسائل ج 14 ص 105 ح 1.
139
و منه
[كراهة] الكلام عند الجماع بغير ذكر الله عز و جل
، فروى في الكافي و التهذيب عن عبد الله بن سنان (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) اتقوا الكلام عند ملتقى الختانين، فإنه يورث الخرس».
و في حديث المناهي المذكور في آخر كتاب الفقيه (2) قال: «نهي رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يكثر الكلام عند المجامعة، و قال: يكون منه خرس الولد».
و بإسناده عن أبي سعيد الخدري (3) في وصية النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السلام) أنه قال: «يا علي لا تتكلم عند الجماع فإنه إذا قضي بينكما ولد لا يؤمن أن يكون أخرس».
و في الخصال (4) عن علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال: «إذا أتى أحدكم زوجته فليقل الكلام، فإن الكلام عند ذلك يورث الخرس».
أقول: الخبر الأول و إن كان مطلقا في النهي عن الكلام إلا أن ظاهر الثاني التقييد بالكثير، فالقليل منه غير منهي عنه، و يؤيده الخبر الرابع، و ظاهر الخبر الثالث تخصيص النهي بالرجل دون المرأة، و كذا ظاهر الرابع و الاحتياط لا يخفى.
و منه
[كراهة] النظر إلى فرج المرأة
، فإن المشهور الكراهية وعده ابن حمزة من المحرمات، و الذي وقفت عليه من الأخبار في ذلك:
ما رواه
في الكافي عن أبي حمزة (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أ ينظر الرجل إلى فرج امرأته و هو يجامعها قال: لا بأس».
و رواه الشيخ مثله.
و روى عن سماعة (6) في الموثق قال: «سألته عن الرجل ينظر في فرج المرأة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 498 ح 7، التهذيب ج 7 ص 413 ح 25. الوسائل ج 14 ص 86 ح 1.
(2) الفقيه ج 4 ص 258. الوسائل ج 14 ص 87 ح 2.
(3) الفقيه ج 3 ص 358 وصايا النبي (ص). الوسائل ج 14 ص 87 ح 3.
(4) الخصال ص 637 آخر الحديث. الوسائل ج 14 ص 87 ح 4.
(5) الكافي ج 5 ص 497 ح 5، التهذيب ج 7 ص 413 ح 23. الوسائل ج 14 ص 85 ح 2.
(6) التهذيب ج 7 ص 414 ح 28. الوسائل ج 14 ص 85 ح 3.
140
و هو يجامعها؟ قال: لا بأس به إلا أنه يورث العمى في الولد».
و بإسناده إلى أبي سعيد الخدري (1) في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلى (عليه السلام) قال: و لا ينظرن أحد إلى فرج امرأته، و ليغض بصره عند الجماع، فإن النظر إلى الفرج يورث العمى في الولد».
و في وصية النبي (2) (صلى الله عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السلام) المذكورة في آخر كتاب الفقيه: «يا علي كره الله لأمتي العبث في الصلاة- إلى أن قال:- و النظر في فروج النساء لأنه يورث العمى».
و في كتاب قرب الاسناد للحميري (3) عن السندي بن محمد عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) و ان عباس «إنهما قالا: النظر إلى الفرج عند الجماع يورث العمى».
و لعل ابن حمزة استند فيما ذهب إليه من التحريم إلى رواية أبي سعيد الخدري المتضمنة للنهي عن النظر، و الأمر بغض البصر.
و قضية الجمع بين هذه الأخبار هو ما ذكره جل الأصحاب من الجواز على كراهية للعلة المذكورة فيها، و المفهوم من كلامهم و به صرح جملة منهم هو عموم الكراهة لحالة الجماع و غيرها.
و هذه الأخبار و هي أخبار المسألة كلها مقيدة بحالة الجماع، و ما أطلق منها و هي رواية واحدة يمكن حملها على ما قيد.
و ربما ينساق إلى الناظر من ظاهر أكثر هذه الأخبار أن العمى للناظر يعنى
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 359 حديث المناهي. الوسائل ج 14 ص 85 ح 5.
(2) الفقيه ج 4 ص 258 وصايا النبي (ص). الوسائل ج 14 ص 86 ح 7.
(3) قرب الاسناد ص 66. الوسائل ج 14 ص 86 ح 8.
141
بنظره إلى الفرج يحصل العمى (1)، إلا أن ظاهر رواية الخدري أن المراد إنما هو عمى الولد، بأنه لو وقع بينهما ولد فإنه يخرج أعمى.
و منه
[كراهة] الجماع في موضع لا يوجد فيه الماء
من سفر و نحوه لما رواه
في الكافي عن إسحاق بن عمار (2) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون أهله معه في سفر لا يجد الماء يأتي أهله؟ قال: ما أحب إلا أن يخاف على نفسه، قلت: فطلب بذلك اللذة أو يكون شبقا إلى النساء، فقال: إن الشبق يخاف على نفسه، قال: قلت: طلب بذلك اللذة، قال: هو حلال، قلت: فإنه روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) أن أبا ذر سأله عن هذا، فقال: ائت أهلك تؤجر، فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) آتيهم و أوجر؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): كما أنك إذا أتيت الحرام أزرت، فكذلك إذا أتيت الحلال أوجرت، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ألا ترى أنه إذا خاف على نفسه فأتى الحلال أوجر».
و منه
[كراهة] الجماع في الليلة التي يريد السفر فيها
، فروى في كتاب طب الأئمة (3) عن جابر الجعفي «عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
كره رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الجماع في الليلة التي يريد فيها الرجل سفرا، و قال: إن رزق ولدا كان جوالة».
و عن الباقر محمد بن علي (عليه السلام) (4) أنه قال: «قال الحسين (عليه السلام) لأصحابه: اجتنبوا
____________
(1) أقول: و بذلك ظهر لك ما في كلام صاحب المسالك حيث قال: و ما ذكرناه في تفسير العمى في نظر الفرج بعمي الولد، ذكره جماعة من الأصحاب، و يحتمل قويا أن يريد عمى الناظر، إذ ليس هناك ما يدل على ارادة الولد، و لا هو مختص بحالته، و هذا هو الذي رواه العامة في كتبهم، و عليه يحسن عموم الكراهة للأوقات، و فيه أن رواية أبي سعيد المذكورة قد صرحت بأن المراد انما هو الولد، و روايات المسألة فورودها المنع من النظر حال الجماع خاصة، و ما أطلق هي رواية واحدة يحمل عليها، و بذلك يظهر لك ما في قوله «و لا هو مختص بحالته» و حينئذ فما احتمله قويا ليس بذلك القريب. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 5 ص 495 ح 3، الوسائل ج 14 ص 76 ح 1.
(3) الوسائل ج 14 ص 189 ح 2.
(4) الوسائل ج 14 ص 189 ح 3.
142
الغشيان في الليلة التي تريدون فيها السفر، فإن من فعل ذلك ثم رزق ولدا كان جوالة».
أقول: لفظ جوالة لا يظهر الآن لي ضبطه و لا معناه، و الذي في الخبر الآتي أنه ينفق ماله في غير حق، هذا و قد عد جملة من الأصحاب منهم المحقق في كتابه في جملة الأوقات المكروهة الزوال، و لم يحضرني الآن ما يدل عليه من الأخبار.
[في وصايا النبي (ص) لعلي (ع) في التزويج]
و روى الشيخ في التهذيب عن أبي سعيد الخدري (1) قال: «أوصى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: يا علي إذا أدخلت العروس بيتك فاخلع خفيها حتى تجلس و اغسل رجليها، و صب الماء من باب دارك إلى أقصى دارك، فإنك إن فعلت ذلك أخرج الله من دارك سبعين ألف لون من الفقر، و أدخل فيه سبعين ألف لون من البركة، و أنزل عليه سبعين ألف لون من الرحمة، و ترفرف على رأس العروس حتى تنال بركتها كل زاوية من بيتك، و تأمن العروس من الجذام و الجنون و البرص أن يصيبها ما دامت في تلك الدار، و امنع العروس في أسبوعها من الألبان و الخل و الكزبرة و التفاح الحامض من هذه الأربعة الأشياء، فقال علي (عليه السلام):
يا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و لأي شيء أمنعها هذه الأشياء الأربعة؟ قال: لأن الرحم يعقم و يبرد من هذه الأربعة الأشياء عن الولد، و الحصير في زاوية البيت خير من امرأة لا تلد، فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فما بال الخل يمنع منه؟ قال: إذا حاضت على الخل لم تطهر أبدا بتمام، و الكزبرة شيء تشد الحيض في بطنها و تشدد عليها الولادة، و التفاح الحامض يقطع حيضها فيصير داء عليها.
ثم قال: يا علي لا تجامع امرأتك في أول الشهر و في وسطه و في آخره، فإن الجنون و الجذام و الخبل يسرع إليها و إلى ولدها.
____________
(1) ما عثرنا عليها في التهذيب و لكن وجدناها في الفقيه ج 3 ص 358 ح 1، و في الوسائل ج 14 ص 185 ب 147 ح 1.
143
يا علي لا تجامع امرأتك بعد الظهر، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون أحول و الشيطان يفرح بالحول في الإنسان.
يا علي لا تتكلم عند الجماع، فإنه إن قضي بينكما ولد لا يؤمن أن يكون أخرس، و لا ينظر أحد إلى فرج امرأته، و ليغض بصره عند الجماع، فإن النظر إلى الفرج يورث العمى في الولد.
يا علي لا تجامع امرأتك بشهوة امرأة غيرك، فإنه يخشى إن قضي بينكما ولد أن يكون مخنثا أو مخبلا.
يا علي من كان جنبا في الفراش مع امرأته فلا يقرأ القرآن. فإني أخشى أن ينزل نار من السماء فتحرقهما.
يا علي لا تجامع امرأتك إلا و معك خرقة، و لأهلك خرقة، و لا تمسحا بخرقة واحدة، فتقع الشهوة على الشهوة، فإن ذلك يعقب العداوة بينكما، ثم يؤديكما إلى الفرقة و الطلاق.
يا علي لا تجامع امرأتك من قيام، فإن ذلك من فعل الحمير، فإن قضي بينكما ولد كان بوالا في الفراش كالحمير البوالة في كل مكان.
يا علي لا تجامع امرأتك في ليلة الأضحى، فإنه إن قضى بينكما ولد يكون له ست أصابع أو أربع أصابع.
يا علي لا تجامع امرأتك تحت شجرة مثمرة، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون جلادا أو قتالا أو عريفا.
يا علي لا تجامع امرأتك في وجه الشمس و تلؤلؤها إلا أن ترخي سترا يستركما، فإنه إن قضي بينكما ولد لا يزال في بؤس و فقر حتى يموت.
يا علي لا تجامع امرأتك بين الأذان و الإقامة، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون حريصا على إهراق الدماء.
144
يا علي إذا حملت امرأتك فلا تجامعها إلا و أنت على وضوء، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون أعمى القلب بخيل اليد.
يا على لا تجامع أهلك في النصف من شعبان، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون مشوما ذا شامة في وجهه.
يا علي لا تجامع امرأتك في آخر درجة منه، يعني إذا بقي منه يومان، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون عشارا و عونا للظالمين، و يكون هلاك فئام من الناس على يديه.
يا علي لا تجامع أهلك على سقوف البنيان، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون منافقا مرتابا مبدعا.
يا علي إذا خرجت في سفر لا تجامع أهلك تلك الليلة، فإنه إن قضي بينكما ولد ينفق ماله في غير حق، و قرأ رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كٰانُوا إِخْوٰانَ الشَّيٰاطِينِ.
يا علي لا تجامع أهلك إذا خرجت إلى سفر مسيرة ثلاثة أيام و لياليهن، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون عونا لكل ظالم عليك.
و في رواية الصدوق: الجماع ليلة الاثنين، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون حافظا لكتاب الله عز و جل، راضيا بما قسم الله عز و جل له.
يا علي إن جامعت أهلك في ليلة الثلاثاء فقضي بينكما ولد فإنه يرزق الشهادة بعد شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) رسول الله، و لا يعذبه الله مع المشركين، و يكون طيب النكهة و الفم، رحيم القلب، سخي اليد، طاهر اللسان من الغيبة و الكذب و البهتان.
يا علي إن جامعت أهلك ليلة الخميس، فقضي بينكما ولد فإنه يكون حاكما
____________
(1) سورة الإسراء- آية 27.
145
من الحكام، أو عالما من العلماء، و إن جامعتها يوم الخميس عند زوال الشمس عند كبد السماء، (1) فقضي بينكما ولد فإن الشيطان لا يقر به حتى يشيب، و يكون فهما، و يرزقه السلامة في الدين و الدنيا.
يا علي إن جامعتها ليلة الجمعة، و كان بينكما ولد، فإنه يكون خطيبا قوالا مفوها، و إن جامعتها يوم الجمعة بعد العصر، فقضي بينكما ولد، فإنه يكون معروفا مشهورا عالما، و إن جامعتها ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة، فإنه يرجى أن يكون من الأبدال، إن شاء الله.
يا على لا تجامع أهلك في أول ساعة من الليل، فإنه إن قضي بينكما ولد فإنه لا يؤمن أن يكون ساحرا مؤثرا للدنيا على الآخرة.
يا علي احفظ وصيتي هذه كما حفظتها عن جبرئيل».
أقول: هذا الخبر رواه الشيخ في التهذيب و الصدوق في الفقيه عن أبي سعيد الخدري (2) و رواه الصدوق في العلل و الأمالي مسندا عن الطالقاني عن الحسن بن علي العدوي عن يوسف بن يحيى الأصفهاني عن إسماعيل بن حاتم عن أحمد بن صالح بن
____________
(1) قال السيد في شرح النافع: و أما كراهة الجماع عند الزوال فأطلقه المصنف و جماعة و استثنى بعضهم من ذلك يوم الخميس، و لم أقف على مستنده، نعم ورد كراهة التزويج في الساعات الحارة عند نصف النهار. انتهى.
أقول: الظاهر أنه أراد بعدم الوقوف على المستند بالنسبة إلى أصل الحكم من كراهة الجماع وقت الزوال كما أشرنا اليه و اليه يشير قوله أخيرا، نعم ورد كراهة التزويج في الساعات الحارة، و ان أراد بالنسبة الى ما استثنى بعضهم، ففيه أنه قد ورد ذلك في حديث أبى سعيد الخدري المذكور في الأصل بقوله «و ان جامعتها يوم الخميس عند زوال الشمس الى آخره». و يمكن أن يكون المستند في أصل الحكم قوله في حديث الخدري «لا تجامع امرأتك بعد الظهر، فإنه ان قضى بينكما ولد يكون أحول» بأن يكون المراد بعد تحقق الظهر الذي هو عبارة عن الزوال. (منه- (رحمه الله)-).
(2) الفقيه ج 3 ص 358 ح 1، الاختصاص ص 132، علل الشرائع ج 2 ب 289 ح 5، أمالي الصدوق في المجلس 84 ح 1.
146
سعيد عن عمرو بن حفص عن إسحاق بن نجيح عن خصيب عن مجاهد عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): الحديث.
و رواه الشيخ المفيد في كتاب الاختصاص على ما ذكره في البحار عن عمرو بن حفص و أبي بصير عن محمد بن الهيثم عن إسحاق بن نجيح الى آخر ما تقدم.
و لا يبعد أن يكون الخبر المذكور عاميا، و لهذا أن بعض أصحابنا طعن فيه، قال في المسالك- بعد الاستدلال ببعض ما تضمنه- ما لفظه: و على هذه الوصية تفوح رائحة الوضع، و قد صرح به بعض النقاد. انتهى.
و قال المحدث الكاشاني في الوافي- بعد نقل الخبر و شرح بعض المواضع منه كما هي عادته-: و لا يخفى ما في هذه الوصايا و بعد مناسبتها، لجلالة قدر المخاطب، و لذلك قال بعض علمائنا: أنها مما يشم منها رائحة الوضع. انتهى.
و الظاهر أنه أشار إلى ما قدمنا نقله عن صاحب المسالك، و كان مراد صاحب المسالك من أنه تفوح منه رائحة الوضع هي ما ذكره المحدث المذكور هنا من عدم مناسبة هذا الخطاب لجلالة قدر المخاطب به.
و فيه: أن الظاهر أن الخطاب و إن وقع لعلي (عليه السلام) إلا أن المراد حقيقة إنما هو الأمة، و قد وقع في القرآن في خطاب الله عز و جل لنبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) ما هو أعظم من ذلك، و دلت الأخبار على أن المعنى بذلك الخطاب إنما هو الأمة، و هو من باب إياك أعني و اسمعي يا جارة كما صرحت به الأخبار بالنسبة إلى ما وقع في القرآن من الخطاب الغير المناسب لعلو قدره (صلى الله عليه و آله و سلم)، و ما تضمنه هذا الخبر من ذلك القبيل.
و مما يؤيده أن جل ما اشتمل عليه هذا الخبر من الأحكام، قد دلت عليه أخبارنا المروية عن الأئمة (عليهم السلام) كما عرفت مما قدمنا من الأخبار قبله، و يعضده رواية هؤلاء المشايخ الأجلاء له في كتبهم، و لا سيما الصدوق في الفقيه بناء على
147
ما ذكره من القاعدة في صدر كتابه، و من وراء جميع ذلك أنهم صرحوا بأن العمل بالأخبار الضعيفة في السنن إنما هو عمل في الحقيقة بالأخبار الصحيحة (1) الدالة على أن «من بلغه شيء من الثواب على عمل فعمله ابتغاء ذلك الثواب كتب له و إن لم يكن كما بلغه»، و ما نحن فيه من ذلك، و الله العالم.
تنبيه [في حكم الخطبة على خطبة المؤمن بعد إجابة الأول]:
قد اشتهر في كلام الأصحاب أن من جملة المكروهات: الخطبة على خطبة المؤمن بعد إجابة الأول، بمعنى أنه لو خطب أحد امرأة و أجابه وليها، أو هي إن لم يكن نكاحها بيد الولي، فإنه يكره لغيره الخطبة لها.
و قد تتبعت ما حضرني من كتب الأخبار حق التتبع، فلم أقف له على دليل، بل نقل عن الشيخ القول بالتحريم لظاهر النهي.
قال المحدث الكاشاني في المفاتيح: و يكره الخطبة على خطبة المؤمن بعد الإجابة، للنص، و لما فيه من الإيذاء و إثارة الشحناء، و حرمه الشيخ، لظاهر النهي المؤيد بالنهي الوارد بالدخول في سومه، و على التقديرين لو عقد صح لعدم المنافاة، و بعد الرد جائز بلا كراهة. انتهى.
و شارح الكتاب المذكور إنما نقل هنا بعض نصوص العامة، قال: كما
رواه العامة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) (2) «أنه قال: لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه».
و ما رواه
عنه (3) (صلى الله عليه و آله) قال: «لا يخطب أحد على خطبة أخيه».
، و ما رواه
عنه (4) (صلى الله عليه و آله) قال: «لا يخطب أحد على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك».
ثم قال: و لما في هذه الاقتحام من الإيذاء لأخيه المؤمن و وقوع العداوة
____________
(1) الوسائل ج 1 ص 59 ب 18.
(2) كنوز الحقائق في هامش الجامع الصغير ج 2 ص 172.
(3) كنوز الحقائق في هامش الجامع الصغير ج 2 ص 175.
(4) كنوز الحقائق في هامش الجامع الصغير ج 2 ص 176.
148
و النزاع بينهما، و قال الشيخ بتحريم ذلك، لظاهر النهي المذكور في الخبرين، و لأن التزويج نوع من السوم الذي في المبايعة لقوله (عليه السلام) في رواية غياث بن إبراهيم الواردة في جواز النظر إلى محاسن امرأة يريد أن يتزوجها «لا بأس إنما هو مستام»- و في لفظ آخر- «إنما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن»، و الدخول في سوم أخيه المؤمن منهي عنه. انتهى.
و لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه، فإنه لو صلح تأسيس الأحكام الشرعية على الأخبار العامية، و أمثال هذه التعليلات الرسمية لأشكل الأمر أي إشكال.
و كيف كان فإنه لو أقدم ذلك الغير على الخطبة في موضع النهي و تزوجها صح نكاحه بلا خلاف، إذ لا منافاة بين صحة العقد و تحريم الخطبة، كما لو عقد في وقت يضيق فيه عن الصلاة، خلافا لبعض العامة، و الله العالم.
الفائدة الثامنة عشر: في جملة من نوادر الأحكام الداخلة في هذا المقام
، روى الصدوق مرسلا (1) قال: «قال الصادق (عليه السلام): ثلاثة يهدمن البدن، و ربما قتلن: دخول الحمام على البطنة، و الغشيان على الامتلاء، و نكاح العجائز».
و روى البرقي في المحاسن (2) قال: «روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ثلاث يهزلهن البدن، و ربما قتلن- إلى أن قال-: و نكاح العجائز، و قال: و زاد فيه أبو إسحاق النهاوندي: و غشيان النساء على الامتلاء».
و رواه الكليني عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن أبي عبد الله مثله.
أقول: فيه دلالة على كراهية جماع العجوز و الجماع على الامتلاء.
و روى في الفقيه مرسلا (3) قال: «قال أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) ثلاثة
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 361 ح 6.
(2) المحاسن كتاب المآكل ص 463 ح 425، الكافي ج 6 ص 314 ح 6.
(3) الفقيه ج 1 ص 75 ح 102.
و هذه الروايات في الوسائل ج 14 ص 191 ب 152 ح 1 و 2 و ج 17 ص 38 ح 4 و ج 1 ص 414 ح 2.
149
من عرفهن لم يدعهن: جز الشعر، و تشمير الثوب، و نكاح الإماء».
أقول: فيه دلالة على لذة نكاح الإماء زيادة على الحرائر.
و روى الصدوق بإسناده عن إسماعيل بن مسلم (1) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لامرأة سألته أن لي زوجا و به علي غلظة و إني صنعت شيئا لأعطفه علي، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله): أف لك كدرت البحار و كدرت الطين و لعنتك الملائكة الأخيار و ملائكة السموات و الأرض، قال:
فصامت المرأة نهارها و قامت ليلها و حلقت رأسها و لبست المسوح، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: إن ذلك لا يقبل منها».
أقول: لا خلاف بين الأصحاب في تحريم ذلك بأن تفعل المرأة ما يوجب تقليب قلب زوجها من البغض إلى المحبة و نحو ذلك، و لكن الخبر بحسب ظاهره غير خال من الإشكال.
أما أولا: فإن ما فعلته إنما كان من جهل و الجاهل معذور كما دلت عليه الأخبار المستفيضة.
و ثانيا: أنها بما فعلته من هذه الأمور قد حصلت لها التوبة النصوح، فكيف لا تقبل توبتها و لا يقبل ذلك منها.
و في الوافي حمل الخبر تفاريا عما ذكرناه على أن ما فعلته في عطفه عليها كان من قبيل السحر، و الساحر حده القتل، و لذلك قال: «لا يقبل منها» يعني في الظاهر و إن كانت توبتها مقبولة فيما بينها و بين الله.
و لا يخفى بعده، إلا أنه لا مندوحة عن الحمل عليه لما عرفت من مخالفة الخبر بحسب ظاهره لمقتضى الأصول الشرعية و القواعد المرعية.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 282 ب 134 ح 1، الوسائل ج 14 ص 184 ح 1.
150
و روي في الكافي عن الحسن بن الجهم (1) قال: «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) اختضب، فقلت: جعلت فداك اختضبت؟ فقال: نعم إن التهيئة مما يزيد في عفة النساء، و لقد ترك النساء العفة بترك أزواجهن التهيئة، ثم قال: أ يسرك أن تراها على ما تراك عليه إذا كنت على غير تهيئة؟ قلت: لا، قال: فهو ذلك، ثم قال: من أخلاق الأنبياء التنظيف و حلق الرأس و كثرة الطروقة، ثم قال: كان لسليمان بن داود ألف امرأة، في قصر واحد ثلاثمائة مهيرة و سبعمائة سرية، و كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بضع أربعين رجلا، و كان عنده تسع نسوة، و كان يطوف عليهن في كل يوم و ليلة».
أقول: فيه استحباب التزين لمن عنده من النساء بالخضاب و نحوه، و استحباب التطيب و حلق الشعر و كثرة الجماع مع القوة، فلو كان مما يورث ضعف بدنه فلا.
و في صحيح هشام بن سالم (2) المتضمن لإهداء الله الهريسة لنبيه (صلى الله عليه و آله) و أهل بيته قال: «فجلس رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم الصلاة و السلام، فأكلوا و اعطي رسول الله (صلى الله عليه و آله) في المباضعة من تلك الأكلة قوة أربعين رجلا، فكان إذا شاء غشي نساءه كلهن في ليلة واحدة».
و روى في الكافي عن هشام بن (3) الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أو أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قيل له: إنا نزوج صبياننا و هم صغار، قال: إذا زوجوا و هم صغار لم يكادوا أن يتألفوا».
أقول: فيه دلالة على كراهية تزويج الصبي الصغير قبل البلوغ، و المراد بالتزويج هنا الدخول لا مجرد العقد.
و روى الشيخ في التهذيب عن السكوني (4) «عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) إن عليا (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 567 ح 50، الوسائل ج 14 ص 183 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 565 ح 41، الوسائل ج 14 ص 180 ح 7.
(3) الكافي ج 5 ص 398 ح 1، الوسائل ج 14 ص 72 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 375 ح 82، الوسائل ج 15 ص 53 ب 46 ح 1.
151
قال في المرأة تعطي الرجل مالا يتزوجها فتزوجها، قال: المال هبة و الفرج حلال».
أقول: فيه دلالة على أن مجرد العطية، سواء كان لغرض يترتب عليها أم لا هبة صحيحة يملكها المدفوع إليه و إن لم يشتمل على القربة.
إلا أن يقال: إن هذا إنما هو من قبيل الهبة المعوضة، فإنها إنما أعطته المال في مقابلة تزويجه بهذا، و قد تزوجها، فتكون الهبة لازمة.
و روى في الكافي عن علي بن جعفر (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يقبل قبل المرأة؟ قال: لا بأس».
و عن مسمع (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إذا نظر أحدكم إلى المرأة الحسناء فليأت أهله، فإن الذي معها مثل الذي مع تلك، فقام رجل فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لم فإن لم يكن له أهل فما يصنع؟ قال: فليرفع نظره إلى السماء و ليراقبه و ليسأله من فضله».
و روى الصدوق في كتاب الخصال بإسناده (3) عن علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال: «إذا رأى أحدكم المرأة تعجبه فليأت أهله، فإن عند أهله مثل ما رأى، فلا يجعلن للشيطان على قلبه سبيلا ليصرف بصره عنها، فإن لم يكن له زوجة فليصل ركعتين و يحمد الله كثيرا، و يصلي على النبي (صلى الله عليه و آله) ثم يسأل الله من فضله فإنه ينتج له من رأفته ما يغنيه».
و روي في كتاب نهج البلاغة (4) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «أنه كان جالسا في أصحابه إذ مر بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم فقال علي (عليه السلام): إن أبصار هذه الفحول طوامح، و إن ذلك سبب هبابها، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس
____________
(1) الكافي ج 5 ص 497 ح 4، الوسائل ج 14 ص 77 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 494 ح 2، الوسائل ج 14 ص 73 ح 2.
(3) الخصال ج 2 ص 637، الوسائل ج 14 ص 73 ح 3.
(4) نهج البلاغة الحكم رقم 420، الوسائل ج 14 ص 73 ح 4.
152
أهله فإنما هي امرأة كامرأته- الحديث».
و روى في الكافي عن حماد بن عثمان (1) قال: «رأى رسول الله (صلى الله عليه و آله) امرأة فأعجبته فدخل على أم سلمة و كان يومها، فأصاب منها و خرج إلى الناس و رأسه يقطر، فقال: أيها الناس إنما النظر من الشيطان، فمن وجد من ذلك شيئا فليأت أهله».
أقول: في هذه الأخبار دلالة ظاهرة على ما تقدم من جواز كشف الوجه و اليدين من المرأة الأجنبية، و عدم وجوب سترها، و إلا فلو كان النساء يومئذ مسترات مخمرات غير مسفرات لم يعلم حال الجميلة من القبيحة حتى يترتب عليه ما ذكر في هذه الأخبار، قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «إنما النظر من الشيطان» يعنى حب النظر و معاودته بعد حصول النظرة الأولى التي وقعت اتفاقا إذا ترتبت عليها اللذة و الفتنة.
و أما قوله (عليه السلام) «فأعجبته» فإنه لا منافاة فيه لمقتضى مقامه (صلى الله عليه و آله) فإن استحسان الحسن و استقباح القبيح، و الرغبة في الأول و النظرة من الثاني أمر جبلي و خلق بشري كما لا يخفى.
و روى في الكافي عن عثمان (2) عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن الله تعالى غيور يحب الغيرة، و لغيرته حرم الفواحش ظاهرها و باطنها».
و روى في الكافي عن إسحاق بن جرير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أغير الرجل في أهله أو بعض مناكحه من مملوكه فلم يغر و لم يغير بعث الله إليه طائرا يقال له القفندر حتى يسقط على عارضة بابه، ثم يمهله أربعين يوما ثم يهتف به:
إن الله تعالى غيور يحب كل غيور، فإن هو غار و غير و أنكر ذلك فأنكره، و إلا طار حتى يسقط على رأسه، فيخفق بجناحيه على عينيه، ثم يطير عنه فينزع الله عز و جل منه بعد ذلك روح الايمان، و تسميه الملائكة الديوث».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 494 ح 1. الوسائل ج 14 ص 72 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 535 ح 1. الوسائل ج 14 ص 107 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 536 ح 3. الوسائل ج 14 ص 108 ح 4.
153
أقول: في الوافي الغيرة: الحمية و الأنفة، و قفندر: كسمندر يقال لقبيح المنظر، و عارضة الباب: هي خشبة العليا التي يدور عليها الباب.
و روى في الفقيه مرسلا (1) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) و في الكافي مسندا عن الحسن بن محبوب عن غير واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و كان أبي إبراهيم (عليه السلام) غيورا و أنا أغير منه، و جدع الله أنف من لا يغار من المؤمنين و المسلمين».
و روى في الكافي عن غياث بن إبراهيم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا أهل العراق نبئت أن نسائكم يدافعن الرجال في الطريق أما تستحيون».
قال في الكافي: و في حديث آخر (3) إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «أما تستحيون و لا تغارون نسائكم يخرجن إلى الأسواق و يزاحمن العلوج».
أقول: في هذين الخبرين ما يدل على كراهة مزاحمة النساء للرجال في الزيارات سيما مع الكثرة و الغلبة في أيام الفضائل، و مثله في الأسواق أيضا، و إن كان قليلا.
و روى في الكافي عن حماد بن عثمان (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): خير نساء ركبن الرجال نساء قريش أحناهن على ولد، و خيرهن لزوج».
و عن الحرث الأعور (5) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): خير نسائكن نساء قريش ألطفهن بأزواجهن و أرحمهن بأولادهن المجون لزوجها، الحصان على غيره، قلنا: و ما المجون؟ قال: التي لا تمنع».
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 281 ب 133 ح 1 ففيه أرغم، الكافي ج 5 ص 536 ح 4.
الوسائل ج 14 ص 109 ح 7.
(2) الكافي ج 5 ص 536 ح 6. الوسائل ج 14 ص 174 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 537 ذيل ح 6. الوسائل ج 14 ص 174 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 326 ح 1. الوسائل ج 14 ص 174 ص 20 ح 1.
(5) الكافي ج 5 ص 326 ح 2. الوسائل ج 14 ص 174 ص 20 ح 3.
154
و روى الشيخ في كتاب الأمالي (1) بسنده عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «كل نسب و صهر منقطع يوم القيامة إلا سببي و نسبي».
و روى الصدوق في كتاب معاني الأخبار بسنده فيه عن زيد بن ثابت (2) قال: «قال لي رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا زيد تزوجت؟ قلت: لا، قال: تزوج تستعف مع عفتك، و لا تزوجن خمسا قلت: من هن؟ قال: لا تزوجن شهبرة، و لا لهبرة، و لا نهبرة، و لا هيدرة و لا لفوتا، قال زيد: قلت: ما عرفت مما قلت شيئا يا رسول الله قال: أ لستم عربا؟ أما الشهبرة: فالزرقاء البذية، و أما اللهبرة: فالطويلة المهزولة و أما النهبرة: فالقصيرة الدميمة، و أما الهيدرة: فالعجوز المدبرة، و أما اللفوت:
فذات الولد من غيرك».
و روى في الكافي عن أحمد بن محمد بن عيسى (3) عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من سعادة المرء أن لا تطمث ابنته في بيته».
و عن بعض أصحابنا (4) قال الكليني: سقط عني إسناده، قال: «إن الله عز و جل لم يترك شيئا مما يحتاج إليه إلا علمه نبيه (صلى الله عليه و آله) فكان من تعليمه إياه أنه صعد المنبر ذات يوم فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن جبرئيل أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إن الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر، إذا أدرك ثمرها فلم تجتن أفسدته الشمس و نثرته الريح، و كذلك الأبكار إذا أدركن ما يدرك النساء فليس لهن دواء إلا البعولة و إلا لم يؤمن عليهن الفساد، لأنهن بشر، قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) فمن نزوج؟ فقال: الأكفاء، فقال: يا رسول الله و من الأكفاء؟ فقال: المؤمنون بعضهم أكفاء بعض».
، و في معناه
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 21 ح 5.
(2) معاني الأخبار ص 318 ح 1. الوسائل ج 14 ص 19 ح 8.
(3) الكافي ج 5 ص 336 ح 1. الوسائل ج 14 ص 39 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 337 ح 2. الوسائل ج 14 ص 39 ح 2.
155
أخبار أخر و الجميع دال على استحباب تعجيل تزويج الأبكار.
و روى في الكافي عن عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يكره للرجل إذا قدم من سفر أن يطرق أهله ليلا حتى يصبح».
أقول: فيه دلالة على كراهية دخول المسافر ليلا إلى أهله، و بذلك صرح الأصحاب أيضا، و إطلاق الخبر يقتضي عدم الفرق في الكراهة بين أن يعلمهم بذلك قبل الليل و عدمه، و بذلك صرح في المسالك.
قبل الليل و عدمه، و بذلك صرح في المسالك.
و قيل: تختص الكراهة بعدم الاعلام، و اختاره في الوسائل، فقال: باب أنه يكره للمسافر أن يطرق أهله ليلا حتى يعلمهم، و لا أعرف له وجها، و قال في المسالك: المراد بالأهل من في داره أعم من الزوجة.
أقول: المراد من لفظ الأهل في الأخبار إنما هو الزوجة، و يؤيد ذلك ما في كتاب المصباح المنير قال: و أهل الرجل يأهل أهولا إذا تزوج، و تأهل كذلك فيطلق الأهل على الزوجة. انتهى.
و روى في الكافي عن محمد بن يحيى (2) رفعه قال: «جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) ليس عندي طول فأنكح النساء، فإليك أشكو العزوبية فقال: و فر شعر جسدك، و أدم الصيام، ففعل فذهب ما به من الشبق».
و روى الصدوق بإسناده عن إسماعيل بن أبي زياد (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال علي (عليه السلام): ما كثر شعر رجل قط إلا قلت شهوته».
و روى في الكافي عن سدير (4) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): يا سدير بلغني عن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 499 ح 4. الوسائل ج 14 ص 93 ب 65 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 564 ح 36. الوسائل ج 14 ص 178 ح 1.
(3) الفقيه ج 3 ص 303. الوسائل ج 14 ص 178 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 569 ح 56، و فيه «قد أصبتها جعلت فداك». الوسائل ج 14 ص 184 ح 1.
156
نساء أهل الكوفة جمال و حسن تبعل، فابتغ لي امرأة ذات جمال في موضع، فقلت:
قد أصبتها فلانة بنت فلان بن محمد بن الأشعث بن قيس فقال لي: يا سدير إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) لعن قوما فجرت اللعنة في أعقابهم إلى يوم القيامة، و أنا أكره أن يصيب جسدي جسد أحد من أهل النار».
أقول: فيه دلالة على استحباب التزويج للجمال و حسن التبعل، و في غيره من الأخبار ما يدل عليه أيضا.
بقي الكلام في أن ما تضمنه الخبر من كراهية تزويج أحد من أهل النار، و كراهية إصابة جسده جسده مشكل بالمرأتين المعروفتين تحته (صلى الله عليه و آله) فإنه عالم بأنهما من أهل النار، و أظهر منهما امرأتا نوح و لوط على نبينا و آله و (عليهما السلام).
و روى في الكافي عن السكوني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):
إذا جلست المرأة مجلسا فقامت عنه فلا يجلس في مجلسها رجل حتى يبرد».
و رواه الصدوق (2) مرسلا إلا أنه قال: «فلا يجلس في مجلسها أحد حتى يبرد».
إلى غير ذلك من الأخبار.
الفصل الأول في العقد
و الكلام فيه يقع في الصيغة و ما يلحقها من الأحكام و الأولياء للعقد و ما يتعلق بهم في المقام، و حينئذ فالبحث هنا يقع في مقصدين:
[المقصد] الأول: في الصيغة و ما يلحقها من الأحكام
، و فيه مسائل:
[المسألة] الأولى [توقف النكاح على الإيجاب و القبول اللفظيين]:
أجمع العلماء من الخاصة و العامة على توقف النكاح على الإيجاب و القبول اللفظيين.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 564 ح 38. الوسائل ج 14 ص 174 ب 145.
(2) الفقيه ج 3 ص 298 ح 3. الوسائل ج 14 ص 174 ب 145.
157
و اتفقوا على أن الإيجاب في العقد الدائم يقع بلفظ: زوجتك و أنكحتك، بل صرح جملة منهم بأنه لا يقع إلا بهذين اللفظين.
قال الشيخ في المبسوط: لا ينعقد عقد الدوام إلا بلفظين: زوجتك و أنكحتك و به قال ابن الجنيد و السيد المرتضى و أبو الصلاح و أبو حمزة و ابن إدريس.
و الأصل في الانعقاد بهما، ما ورد في الكتاب العزيز من قوله تعالى (1) «فَلَمّٰا قَضىٰ زَيْدٌ مِنْهٰا وَطَراً زَوَّجْنٰاكَهٰا» و قوله تعالى (2) «وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ» فإن المراد منه العقد هنا، للإجماع على تحريم من عقد عليها الأب على ابنه و إن لم يدخل بها الأب.
و اختلفوا في لفظ متعتك، و هل ينعقد به أم لا؟ قولان:
نقل (الأول) منهما في المختلف عن بعض أصحابنا، و هو صريح المحقق في كتابيه، و إليه يميل كلام السيد السند في شرح النافع.
و (الثاني) منهما اختيار العلامة في جملة من كتبه، و اختاره في المسالك و نقله عن الأكثر.
و الوجه فيما ذهب إليه الأولون هو أن المستفاد من الأخبار أن المعتبر من الألفاظ في العقود ما دل على المطلوب و المقصود، و لفظ متعتك من الألفاظ الدالة على هذا المعنى.
و يعضد ذلك ما دل عليه الخبر، و قال به جملة من الأصحاب من أنه لو تزوج متعة و أخل بذكر الأجل انقلب دائما، و ذلك فرع صلاحية الصيغة له، فإنه لو لم يكن الصيغة صالحا لذلك لما لزم الانقلاب.
و يؤيد ذلك أيضا عدم ورود لفظ مخصوص من الشارع لذلك مع عموم البلوى بهذا الحكم و شدة الحاجة إليه بل المستفاد من الأخبار الواردة في هذا
____________
(1) سورة الأحزاب- آية 37.
(2) سورة النساء- آية 22.
158
الباب و غيره مما تقدم هو اتساع الدائرة في العقد كما تقدم ذكر ذلك في غير مقام.
و غاية ما احتج به العلامة في المختلف على ما ذهب إليه من المنع أن الأصل عصمة الفروج عن الغير، خرج منه ما أجمعوا عليه من الصيغ فيبقي الباقي على المنع الأصلي إلى أن يثبت الدليل على التحليل.
و لأن المتعة حقيقة في النكاح المنقطع في العرف الشرعي فيكون مجازا في الدائم لأصالة عدم الاشتراك.
و لا يكفي في صيغ العقد ما يدل بالمجاز، و إلا لم تنحصر الألفاظ و هو باطل إجماعا. انتهى.
و الجواب عن الأول بثبوت الدليل بما ذكرنا، و عن الثاني بمنع كون اللفظ المذكور حقيقة في العقد المنقطع، و ذلك فإن أصل اللفظ صالح للنوعين، فيكون حقيقة في القدر المشترك بينهما، و يتميزان بذكر الأجل و عدمه، سلمنا أنه مجاز في الدائم، و لكن لا نسلم عدم انعقاد العقد بالألفاظ المجازية، خصوصا إذا كان المجاز مشهورا، و لهذا حكم الأكثر بانعقاد البيع الحال بلفظ السلم.
أقول: و التحقيق عندي في هذا المقام و هو الأوفق بالاحتياط المطلوب سيما في النكاح كما استفاضت به أخبارهم (عليهم السلام) هو أن يقال: لا ريب أن الذي تكاثرت به الأخبار في العقد الدائم إنما هو التعبير بالتزويج أو النكاح خاصة، و لم يرد في شيء منها على كثرتها و انتشارها التعبير بلفظ المتعة.
و أما لفظ المتعة فإنه لم يعبر به في الأخبار إلا في النكاح المنقطع خاصة، و ظاهر ذلك اختصاص لفظ المتعة بالمنقطع، و اشتراك لفظي التزويج و النكاح بين الدائم و المنقطع و إن احتيج في المنقطع إلى التقييد بذكر الأجل، فالاحتياط يقتضي الوقوف على ذلك.
و حيث إن المشهور بين الأصحاب بل هو من القواعد المسلمة عندهم أن
159
العقود اللازمة يجب أن يكون لها ألفاظ معينة من الشارع صريحة الدلالة، و أما العقود الجائزة فليست كذلك بل يكفي فيها كل ما دل على المراد و لم تكن من قبل الشارع أوجبوا في هذا المقام بهذين اللفظين، و اختلفوا في الثالث.
و أنت خبير بأن هذه القاعدة المدعاة لم نقف لها على مستند بل ظاهر الأخبار و هو أن الأمر أوسع من ذلك فإن المطلوب من العقود يحصل بكل ما دل على المقصود، لكنا في هذا الباب لما رأينا الأخبار بالنسبة إلى لفظ المتعة إنما تضمنت التعبير به في المنقطع خاصة حكمنا احتياط بالتخصيص به و عدم انعقاد الدائم به (1) فإنه من المحتمل أن تصريح الأخبار بذلك لعلة موجبة للاختصاص و إن كنا لا نهتدي إلى الآن بوجهها.
ثم إن المشهور بين الأصحاب خصوصا المتأخرين أنه يشترط في عقد النكاح و غيره من العقود اللازمة وقوع الإيجاب و القبول بلفظ الماضي.
قالوا: لأنه دال على صريح الإنشاء المطلوب في العقود، بخلاف صيغة المضارع و الأمر فإنهما ليستا موضوعتين للإنشاء، و لاحتمال الأول منهما الوعد، و لأن العقد مع الإتيان باللفظ الماضي متفق على صحته و غير مشكوك فيه، فيقتصر على المتيقن، و لأن تجويز غيره يؤدي إلى انتشار الصيغة و عدم وقوفها على قاعدة، فيصير العقد اللازم مشبها للإباحة، و العقود اللازمة موقوفة على ثبوت أمر من الشارع لأنها أسباب توقيفية فلا يتجوز فيها.
و أنت خبير بما فيه، أما (أولا) فلما ذكره السيد السند في شرح النافع حيث قال- بعد قول المصنف بأنه يشترط الماضي لأنه صريح في الإنشاء، و نعم ما قال-:
____________
(1) نعم ربما أشكل ذلك بخبر أبان بن تغلب الدال على أنه مع عدم ذكر الأجل ينقلب دائما فان لحكم بانقلابه دائما مشعر بأن لفظ المتعة مما ينعقد به العقد الدائم، و الجواب عن ذلك ما سيأتي ان شاء الله تعالى في المسألة المذكورة، من أن التحقيق عدم دلالة الخبر على ما ادعوه. (منه- (قدس سره)-).
160
قد تكرر هذا التعليل في كلام الأصحاب و هو غير مستقيم، فإن الأصل في الماضي أن يكون أخبارا لا إنشاء، و إنما التزموا بجعله إنشاء بطريق النقل، فاللفظ بمجرده يحتمل الاخبار و الإنشاء، و إنما يتعين لأحدهما بقرينة خارجة فلا يكون صريحا في الإنشاء، و مع اقترانه بالقرينة يمكن ذلك في غيره من صيغة الأمر و الاستقبال و بالجملة الاسمية، كما في الطلاق. انتهى.
و (ثانيا) ما في هذه الوجوه التخريجية من النظر الظاهر لكل من تأمل الأخبار و جاس خلال تلك الديار.
و قد قدمنا جملة من الأخبار في الفصل الأول في البيع من كتاب المتاجر دالة على ما قلناه، فارجع إليها لتعلم ما هو الحق الحقيق بالاتباع و إن كان قليل الاتباع.
و من ذلك أيضا ما رواه
في الكافي عن عبيد بن زرارة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التزويج بغير خطبة، فقال: أو ليس عامة ما تزوج فتياننا و نحن نتعرق الطعام على الخوان نقول: يا فلان زوج فلانا فلانة، فيقول: نعم قد فعلت».
و القبول هنا قد وقع بلفظ الأمر مقدما على الإيجاب و هو على خلاف قاعدتهم المذكورة.
و ما رواه
في الكافي عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقالت: زوجني فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من لهذه؟
فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) زوجنيها فقال: ما تعطيها؟ فقال: ما لي شيء، قال: لا، فأعادت فأعاد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الكلام، فلم يقم أحد غير الرجل، ثم أعادت، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) في المرة الثالثة: أ تحسن من القرآن شيئا؟ قال:
____________
(1) الكافي ج 5 ص 368 ح 1، الوسائل ج 14 ص 66 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 380 ح 5، الوسائل ج 15 ص 3 ح 1.
161
نعم، قال: قد زوجتك على ما تحسن من القرآن فعلمها إياه» (1).
و في هذا الخبر مخالفات عديدة لقواعدهم منها: الموضع المذكور، و هو وقوع القبول بلفظ الأمر، مع أنهم أوجبوا أن يكون بلفظ الماضي، و منها: تقديم القبول على الإيجاب، و جملة منهم يوجبون العكس.
و بالجواز كما دل عليه الخبر قاله الشيخ في المبسوط (2) و منعه ابن إدريس و العلامة في المختلف و جماعة و اختلفوا في تنزيل الخبر، فالشهيد في شرح الإرشاد نزله على أن الواقع من النبي (صلى الله عليه و آله) قائم مقام الإيجاب و القبول لثبوت ولايته المستفادة من قوله عز و جل «النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ».
و رد بأن الولي المتولي للعقد عنهما يعتبر وقوع كل من الإيجاب و القبول
____________
(1) أقول: العجب أن شيخا الشهيد الثاني- (رحمه الله عليه)- في المسالك نقل الخبر بوضع آخر قال: كما
ورد في خبر السهل الساعدي المشهور بين العامة و الخاصة و رواه كل منهما في الصحيح، و هو أن امرأة أتت النبي (صلى الله عليه و آله) فقالت:
يا رسول الله وهبت نفسي لك، و قامت قياما طويلا، فقام رجل و قال: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) زوجنيها ان لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): هل لك من شيء تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله):
ان أعطيتها إزارك جلست و لا إزار لك، التمس و لو خاتما من حديد، فلم يجد شيئا فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم سورة كذا و سورة كذا سماها، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): زوجتك بما معك من القرآن.
و يحتمل أنه أخذه من كتب العامة، و أنه بهذه الكيفية في كتبهم و الى ذلك تنبه سبطه في شرح النافع فاعترضه كما ذكرنا أيضا، فقال- بعد نقلها-: قلت: ان هذه الرواية بهذا المتن لم أقف عليها في كتب روايات الأصحاب. انتهى (منه- (رحمه الله)-).
(2) قال في المبسوط ج 4 ص 194: لو تقدم القبول في النكاح فقال الزوج:
زوجنيها فقال: زوجتكها صح، و ان لم يعد الزوج القبول بلا خلاف لخبر سهل الساعدي.
انتهى، و فيه دلالة على جواز تقدم القبول مع كون القبول بلفظ الأمر، و قال في المختلف- بعد نقل ذلك-: و الوجه المنع، لبعده من الإنشاء الموضوع له لفظ الماضي، و لم يجب عن الخبر بشيء. (منه- (رحمه الله)-).
162
منه على حده، و لا يكفي أحد من الفقهاء بلفظ واحد عنهما منه (1) و هو موضع وفاق و لا ضرورة إلى جعل ذلك من خصوصياته (صلى الله عليه و آله) مع وجود القبول اللفظي، و قول جملة من العلماء به.
و منهم من نزل الخبر على أن يكون الزوج قبل باللفظ بعد إيجاب النبي (صلى الله عليه و آله) و إن لم ينقل، و لا يخفى ما فيه من التمحل و البعد من غير موجب لذلك إلا مجرد ما قدمناه عنهم من الدعاوي العارية عن الدليل و التخريجات التي لا توصل إلى سبيل.
و لو قامت مثل هذه التأويلات الباردة و التمحلات الشاردة لانسد أبواب الاستدلال إذ لا قول إلا و للتأويل فيه مجال، فكيف يقوم لهم الاستدلال على مخالفيهم في الأصول و أصحاب الملل و الأديان، إذ أبدوا لهم مثل هذه الاحتمالات الغثة مع أنه لو تم لهم في هذا الخبر، فإنه لا يتم في الخبر الأول.
و منها الفصل الكثير بين الإيجاب و القبول، و هم يوجبون المقارنة و فورية القبول.
و ربما أجيب بأنه لا بأس بذلك إذا كان الكلام الفاصل لمصلحة العقد، و إنما المانع تخلل الكلام الأجنبي.
و فيه أن الأصل لم يقم عليه دليل يلجئ إلى ارتكاب الحمل على ما ذكروا من التأويل على أن الظاهر من التذكرة جواز التراخي بين الإيجاب و القبول بما
____________
(1) و هو موضع وفاق و لا ضرورة إلى جعل ذلك من خصوصياته (صلى الله عليه و آله) مع وجود القبول اللفظي و قول جملة من الفقهاء به و منهم المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد قال- بعد ذكر المصنف الوقوع بلفظ الأمر ما لفظه-: و هو ظاهر المبسوط لخبر السهل الساعدي المشهور، و الأكثر لم يذكروه، و فيه احتمال يدفع الدلالة و هو جواز أن يكون الواقع من النبي (صلى الله عليه و آله) إيجابا و قبولا عنهما لثبوت الولاية المستفادة من قوله تعالى «النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» أو جواز أن يكون ملحوقا بقبول الزوج و ان لم ينقل لنا مع أصالة عصمة الفرج فلا يثبت الا بمثبت. انتهى و فيه ما عرفت. (منه- (قدس سره)-).
163
يزيد على ما هنا، فإنه قد اعتبر في الصحة وقوع الإيجاب و القبول في مجلس واحد و إن تراخى أحدهما عن الآخر.
و بالجملة فإن الظاهر من الخبر الاقتصار في العقد على ما وقع فيه كما وقع في الخبر المتقدم عليه و ارتكاب هذه التأويلات الغثة و التمحلات البعيدة مع عدم الموجب لذلك غير مسموع و لا مقبول، و هاتان الروايتان قد دلتا على انعقاده بلفظ الأمر.
و نحوهما
رواية مؤمن الطاق (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «يقول لها:
زوجيني نفسك متعة على كتاب الله و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله) نكاحا غير سفاح- الحديث».
و أما ما يدل على انعقاده بلفظ المستقبل المقترن بقصد الإنشاء- كأن يقول الزوج «أتزوجك» مريدا به الإنشاء فتقول «زوجتك» و به قال ابن أبى عقيل و المحقق و جماعة- فجملة من الأخبار.
منها:
رواية أبان بن تغلب (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال: تقول: أتزوجك متعة على كتاب الله و سنة نبيه لا وارثة و لا موروثة كذا و كذا يوما، و إن شئت كذا و كذا سنة بكذا و كذا درهما و تسمي من الأجر ما تراضيتما عليه قليلا كان أم كثيرا، فإذا قالت نعم فقد رضيت فهي امرأتك، و أنت أولى الناس بها- الحديث».
و ما رواه
الكليني في الحسن عن ثعلبة (3) قال: «تقول، أتزوجك متعة على كتاب الله و سنة نبيه نكاحا غير سفاح و على أن لا ترثيني و لا أرثك كذا و كذا يوما بكذا و كذا درهما و علي أن عليك العدة».
و عن هشام بن سالم (4) قال: «قلت: كيف يتزوج المتعة؟ قال: تقول:
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 263 ح 61، الوسائل ج 14 ص 467 ح 5.
(2) الكافي ج 5 ص 455 ح 3، التهذيب ج 7 ص 265 ح 70، الوسائل ج 14 ص 466 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 455 ح 4، الوسائل ج 14 ص 466 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 455 ح 5، التهذيب ج 7 ص 263 ح 62، الوسائل ج 14 ص 466 ح 3.
164
يا أمة الله أتزوجك كذا و كذا يوما بكذا و كذا درهما، فإذا مضت تلك الأيام كان طلاقها في شرطها و لا عدة لها عليك».
و عن أبي بصير (1) في الموثق قال: «لا بد أن يقول فيه هذه الشروط: أتزوجك متعة كذا و كذا يوما بكذا و كذا درهما نكاحا غير سفاح على كتاب الله و سنة نبيه و على أن لا ترثيني و لا أرثك على أن تعتدي خمسة و أربعين يوما».
و إلى القول بالمنع ذهب العلامة، و نقله عن ابن حمزة، و به صرح الشهيد في شرح الإرشاد (2)، و العلامة في المختلف نقل رواية أبان و لم يتعرض للجواب عنها، و الشهيد ردها بضعف الاسناد.
و فيه ما عرفت من أن الدليل غير منحصر في الرواية المذكورة بل الدال على ذلك جملة من الروايات، و فيها الحسن باصطلاحهم، و ربما يتخيل أنه لا يلزم من وقوع المتعة بصيغة المستقبل وقوع الدائم بها، لما بينهما من الاختلاف.
و فيه (أولا) أن الغرض من نقل هذه الأخبار و نحوها إنما هو بيان ما في قواعدهم المذكورة من الفساد و الخروج عما وردت به أخبار سادات العباد، فإنك قد عرفت أن من قواعدهم اشتراط هذه الشروط، أعني ما ضوئه الإيجاب و القبول و نحوها مما تقدم في العقود اللازمة.
و لا ريب أن عقد المتعة من جملة العقود اللازمة مع أن الاخبار دلت على جواز القبول فيه بلفظ الأمر و لفظ الاستقبال و به يعلم انخرام هذه القاعدة، و عدم اشتراط الماضوية في العقود اللازمة كما ادعوه.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 263 ح 63، الوسائل ج 14 ص 467 ح 4.
(2) قال في شرح الإرشاد: و الثاني وقوعه بلفظ المستقبل و هو قول ابن عقيل و ظاهر المحقق نجم الدين عملا برواية أبان بن تغلب في المتعة، و سيأتي أن كل لفظ صالح للمتعة صالح للدوام، للنص على انقلاب المتعة دائما من دون لفظ الدوام، و جوابه بعد التمسك بالأصل منع صحة السند أولا و منع كلية الكبرى ثانيا، و سيأتي الخلاف في انقلابه دائما أو بطلانه. انتهى. (منه- (رحمه الله)-).
165
و دعوى كون ذلك مختصا بعقد المتعة يتوقف على ثبوت دليل على أصل القاعدة المدعاة مع أنه لا دليل عليها إلا دعواهم المتقدمة و تخريجاتهم المنخرمة.
و (ثانيا) أنه لا ريب أن لفظ التزويج صالح للدائم و المنقطع، و إنما يفترقان بذكر الأجل و عدمه، و لهذا قيل: إنه لو قصد المتعة و أهمل ذكر الأجل انقلب دائما فدل على اشتراكهما في اللفظ الدال على العقد بل دل على جواز إيقاع الدائم بلفظ التمتع كما قيل.
و حينئذ فيلزم من صحة عقد التمتع بالمضارع صحة الدائم به.
قالوا: و لا يشترط في القبول مطابقته لعبارة الإيجاب، بمعنى أن يكونا من مادة واحدة بل تصح إن اختلفا بأن يقال زوجتك فيقال قبلت النكاح أو رضيت به أو يقال أنكحتك فيقال قبلت التزويج أو تزوجت.
و الوجه في ذلك أن المعتبر من القبول اللفظي ما دل على الرضا بالإيجاب أعم من أن يكون أحد اللفظين المشهورين أو غيرهما مما دل المعنى المقصود منهما.
ثم إنهم قد اختلفوا فيما لو قال: زوجت بنتك من فلان فقال: نعم فقال الزوج: قبلت، فقيل: بالصحة، و نقل عن الشيخ- (رحمه الله)- و به جزم المحقق في النافع، و تردد في الشرائع، و علله في النافع بأن «نعم» يتضمن السؤال بمعنى أنها وضعت لتصديق ما تقدم فتحذف الجملة بعدها و تقوم هي مقامها فإذا قصد بها الإنشاء فقد أوجب، لأنه في قوة «نعم زوجت بنتي من فلان» فإذا قبل الزوج تم العقد، و يعضده رواية أبان المتقدمة، و كذا رواية عبيد بن زرارة السابقة أيضا.
و قيل بعدم الصحة و نسبه في المسالك إلى الأشهر بين الأصحاب نظر إلى ما تقدم من أن الموضوع شرعا في سببية النكاح و حصوله هو أحد اللفظين أو الثلاثة على الخلاف المتقدم فيجب الاقتصار عليها، لأن الأسباب الشرعية لا يقاس عليها، فجزء العقد غير مذكور و إن وجد ما يدل عليه، و المسألة لا تخلو من تردد و إن كان القول الأول لا يخلو من قوة.
166
و ظاهره في المسالك ما ذكرناه أيضا، حيث إنه اقتصر على مجرد نقل حجج القولين و لم يرجح شيئا في البين، إلا أنه قال: و قد تقدم في المسائل السابقة ما يؤيد الأول، و أشار به إلى ما قدمناه أولا، و نحوه سبطه السيد السند في شرح النافع حيث قال بعد ذكر القول الثاني: ثانيا: و هو أولى، و إن كان الأول لا يخلو من قرب.
و وجه القوة و القرب فيه ما عرفت في غير مقام مما تقدم في الكتب المتقدمة، أن ما ادعوه من وضع ألفاظ مخصوصة للعقود اللازمة بحيث لا يجوز تجاوزها و لا الخروج عنها مما لم يقم عليه دليل.
و إنما المستفاد من الأخبار هو كل ما أفهم المقصود و دل عليه في طرف الإيجاب كان أو القبول، و من الجائز أن خروج هذين اللفظين أو الثلاثة في هذا المقام إنما هو من حيث كونها هي الجارية في المحاورات، لا من حيث الاختصاص، و يؤيد ذلك بالروايتين المشار إليهما هنا.
هذا و ما قدمنا نقله عنهم من وجوب الترتيب بتقديم الإيجاب و تأخير القبول هو أحد القولين في المسألة، و هو المشهور بينهم، و هو الذي صرح به الشيخ في المبسوط «العدم» (1) مدعيا عليه الإجماع، و هو الأقوى لما عرفت من دلالة جملة من الأخبار المتقدمة عليه.
و يؤيده أيضا أن غاية ما يفهم من الأخبار هو وجوب اشتمال العقد على الإيجاب و القبول، و أما وجوب الترتيب كما يدعونه فلا دليل عليه، و حينئذ فيصح العقد لحصول المقتضي، و هو العقد الجامع لشرائط الصحة.
و ربما علل وجوب الترتيب بأن حقيقة القبول الرضاء بالإيجاب، فإذا وجد قبل لم يكن قبولا، و فيه أنه مع الإغماض عن المناقشة في عدم ثبوت الأحكام الشرعية بأمثال هذه التعليلات العقلية مسلم لو انحصر القبول في لفظ قبلت أو رضيت مثلا.
____________
(1) أقول: قد تقدم عبارته بذلك في الحاشية المتقدمة فليلاحظ. (منه- (قدس سره)-).
167
أما مع كونه بلفظ تزوجت و نكحت أو أتزوجك و نحوه كما تقدم في الأخبار فلا، لأنه في معنى الإيجاب، و إن سمي قبولا اصطلاحا، و في الحقيقة أن كلا منهما موجب و قابل.
و ربما صار بعض المانعين إلى الفرق بين النكاح و غيره، فمنع من تقديم القبول في غير النكاح، و جوز فيه، مستندا إلى أن الإيجاب يقع من المرأة، و هي تستحي غالبا فيمنعها الحياء من أن تبتدئ به فإذا ابتدء الزوج بالقبول المتضمن لكل ما يطلب في العقد من المهر و الشروط السابقة خفت المئونة على المرأة، و لم يفت المطلوب، و تعدى الحكم إلى ما لو كان القبول من وكيلها أو وليها تبعا و طردا للباب، و لا يخفى ما فيه، و الاعتماد على ما قدمناه أولا.
المسألة الثانية [هل يشترط العربية في العقد أم لا؟]:
المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) عدم جواز العدول عن العربية إلى الترجمة بالفارسية و نحوها إلا مع العجز.
و قيل: إن اعتبار العربية إنما هو على جهة الاستحباب، و إلا فإنه يجوز الترجمة اختيارا، و الأول مذهب الشيخ في المبسوط حيث قال: إذا كان لا يحسن العربية صح العقد بلفظ التزويج بالفارسية، و إن كان يحسنها لم ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج، لأنه لا دلالة عليه، و ادعى عليه الإجماع.
و تبعه على هذه المقالة من تأخر عنه من الأصحاب إلا ابن حمزة، فإنه قال:
فإن قدر المتعاقدان على القبول و الإيجاب بالعربية عقد بها استحبابا، و هو ظاهر في جواز العقد بالترجمة و إن كان قادرا على العربية.
احتج الأصحاب على القول المشهور بأن هذين اللفظين- أعني زوجتك و أنكحتك- لما كانا متعينين في الإيجاب و هما عربيان قد ثبت شرعا التعبير بهما عن هذا المعنى، و كونهما سببا في عقده لم يجز العدول عنهما إلى غيرهما من الألفاظ الدالة عليهما بغير العربية، وقوفا على ما حده الشارع و نصبه سببا، و لأصالة بقاء
168
الفروج على التحريم إلى أن يثبت المزيل، و لأن غير العربية و إن أدت معناهما كالكنايات الدالة عليهما بالعربية، فكما لا يصح العقد عندنا بالكنايات لا يصح بغير العربية، و لأن العقود المتلقاة من الشارع كلها عربية، فالعدول عنها عدول إلى ما لم يثبت شرعا كونه سببا لترتب الأحكام الخاصة.
أقول: و يرد على الوجه الأخير أنه من الجائز أن السبب في ذلك إنما هو من حيث إنه لما كانوا عربا و محاوراتهم و مخاطباتهم و ما يجري من الكلام بينهم إنما هو بالعربية، من حيث إنها هي اللغة التي جبلوا عليها، فجرت العقود الواقعة منهم على هذا المجرى، فلا دلالة في ذلك على خصوصية العقود بذلك كما ادعوه.
احتج ابن أبي حمزة بأن المقصود من الألفاظ دلالتها على الرضا الباطني، فكل ما دل عليه كفى.
و لأن غير العربية إذا دل عليه اللفظ المطلوب منها كالمترادف الذي يجوز إقامته مقام رديفه، و لا نسلم أن تجويز ذلك يستلزم تجويز الكناية، للفرق بينهما، فإن ما دل على اللفظ الصريح صريح، بخلاف الكناية الدالة بالفحوى، كالبيع و الهبة.
و ربما أيد ذلك باتفاق الأصحاب ظاهرا على إجزاء الترجمة ممن لا يحسن العربية، و أنه لا يوجب عليه التوكيل في العقد، و لو لا ثبوت كون العقد الواقع بغير العربية سببا في الحل لما أجزأ ذلك، و الفرق بين القادر على العربية و غيره غير مستفاد من النقل.
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك التوقف في المسألة حيث اقتصر على نقل القولين و نقل حججهما كما ذكرناه، و لم يرجح شيئا منهما، و لا طعن في شيء من دليلهما، و هو أيضا ظاهر سبطه السيد السند في شرح النافع، بل صريحه حيث قال بعد ذكر القولين و دليلهما: و المسألة محل إشكال. و الظاهر أن منشأ
169
ذلك تأييد كلام ابن حمزة بما تقدم في غير مقام من الأبحاث المتقدمة من أن المدار في صحة العقود على التراضي من الطرفين و الاتفاق من الجانبين، فكل ما أشعر بذلك من الألفاظ كان كافيا في البين.
و دعوى أن للعقود اللازمة ألفاظا مخصوصة تدور الصحة معها وجودا و عدما مما لم يقم عليه دليل، و هو جيدا كما عرفت فيما تقدم.
إلا أنه
قد روى الثقة الجليل عبد الله بن جعفر الحميري (1) في كتاب قرب الاسناد عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال: «سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول: إنك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يرد من العالم الفصيح، و كذلك الأخرس في القراءة للصلاة و التشهد و ما أشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم المحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح، و لو ذهب العالم المتكلم الفصيح حتى يدع ما قد علم أنه يلزمه و يعمل به، و ينبغي له أن يقوم به حتى يكون ذلك منه بالنبطية و الفارسية، فحيل بينه و بين ذلك بالأدب حتى يعود إلى ما قد علمه و عقله، قال: و لو ذهب من لم يكن في مثل حال الأعجمي المحرم ففعل فعال الأعجمي و الأخرس علي ما قد وصفنا إذا لم يكن أحد فاعلا لشيء من الخير و لا يعرف الجاهل من العالم».
أقول: قال في النهاية الأثيرية (2) «فأرسل إلى ناقة محرمة» المحرمة هي التي لم تركب و لم تذلل».
و في الصحاح (3): جلد محرم أي لم تتم دباغته، و سوط محرم: لم يلين بعد، و ناقة محرمة: أي لم تتم رياضتها بعد، و قال: كل من لا يقدر على الكلام أصلا فهو معجم و مستعجم، و العجم الذي لا يفصح و لا يبين كلامه. انتهى.
____________
(1) قرب الاسناد ص 24، الوسائل ج 4 ص 802 ح 2.
(2) النهاية الأثيرية ج 1 ص 374.
(3) ج 5 ص 1896.
170
و منه يعلم إطلاق المحرم في هذا الخبر على من لم يمكنه التكلم بالعربية الفصيحة و الإتيان بالقراءة و الدعاء و العقود و نحوها على الوجه العربي، لشبهه بالدابة التي لم تذلل، و نحوها مما ذكر لعدم لين لسانه و تذليله بالنطق بالعربية و الخبر ظاهر في التفصيل بين من لا يمكنه ذلك بالكلية- فيجزيه ما يأتي به من الفارسية و نحوها من اللغات، و يصح ما يأتي به من القراءة و التشهد و نحوهما الفارسية و نحوها من اللغات، و يصح ما يأتي به من القراءة و التشهد و نحوهما من التلبيات و العقود و إن لم يكن على نهج العربية، و ينبغي تقييده بما إذا ضاق الوقت عن التعلم أو عدم إمكانه بالكلية، كالألكن و الألثغ و نحوهما. و من يمكنه الإتيان باللغة العربية الفصيحة، فإنه لا يجزيه ذلك و لا يجوز له، بل يحال بينه و بين ما يأتي به من غير اللغة العربية بالأدب و المنع.
إلا أن الظاهر أن مورد الخبر و ما ذكر فيه من التفصيل إنما هو ما ثبت شرعا أن التكليف به إنما وقع باللغة العربية كالصلاة و قراءة القرآن و الدعاء و التلبيات و نحو ذلك.
و أما ما لم يقم دليل على التكليف به باللغة المذكورة، بل إنما هو من قبيل الألفاظ الجارية في المحاورات، فليس من الخبر في شيء، لأن التأديب فيما لو خالف كما صرح به في الخبر إنما يترتب على ما ذكرنا، و إليه يشير قوله «و لو ذهب العالم المتكلم الفصيح حتى يدع ما قد علم أنه يلزمه و يعمل به و ينبغي أن يقوم به. إلى آخره».
و حينئذ فلو ثبت ما ادعاه أصحاب القول المشهور من تعيين هذه الألفاظ المدعاة شرعا لأمكن انصباب الحديث عليه و إدخال العقود فيه، إلا أنك قد عرفت ما فيه، و أنه لا دليل على ذلك إن لم يكن الدليل على خلافه.
و أما ما رواه
وهب بن وهب (1) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: «كل
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 38 ح 31، الوسائل ج 15 ص 297 ب 17.
171
طلاق بكل لسان فهو طلاق».
فإن قلنا: إنه لا يصح الطلاق شرعا إلا بتلك الصيغة المشهورة كما هو ظاهر الأصحاب، وجب حمل الخبر على تعذر العربية، و لهذا حمله جملة من الأصحاب علي ذلك، و إلا جرى فيه ما نحن فيه من هذه المسألة، و صح الطلاق بأي لسان كان، و بالجملة فالمسألة غير خالية من الإشكال في المقام كما عرفت من كلام أولئك الأعلام.
بقي الكلام في الاعراب، و الظاهر أن كل من جوز التعبير بغير اللغة العربية اختيارا جوز اللحن لو أتى باللفظ العربي الذي لا يغير المعنى بالطريق الأولى.
و أما من اشترط الصيغة العربية- كما هو المشهور- فبعض منهم اقتصروا على ذلك، و لم يذكروا وجوب الاعراب، و ظاهرهم عدم اشتراطه، لأن تركه لا يخل بأصل اللفظ العربي، و الأصل عدمه، و بعض منهم صرح باشتراطه مع القدرة لعين ما تقدم في اشتراط العربية، فإن المنقول عن الشارع غير ملحون قطعا، هذا كله مع الإمكان.
و أما مع العجز أو المشقة عادة: فالظاهر أنه لا خلاف في الصحة، و هل يجب التوكيل؟ الظاهر العدم.
و يؤيده الاكتفاء بإشارة الأخرس في عقوده و إيقاعاته و أنه لا يجب عليه التوكيل، و إذا اكتفى في ذلك بالإشارة فاللفظ الغير العربي بطريق أولى.
و أما مع إمكان التعلم بغير عسر و لا مشقة، فإنه لا يصح بدونه، قالوا: و لو عجز دون الآخر تكلم كل منهما بما يحسنه، فإن كان الاختلاف في اللحن فأمره سهل لفهم كل منهما لغة الآخر، و إن كان الاختلاف في أصل العربية اعتبر فهم كل منهما لغة الآخر ليتحقق التخاطب و القصد إلى مدلول ما عبر به الآخر، و لو لم يفهم أحدهما كلام الآخر فلا بد من مترجم ثقة يعرفه المراد.
و لو عجزا معا عن النطق أصلا أو أحدهما اقتصرا أو أحدهما على الإشارة إلى
172
العقد و الإيماء به أعم من أن يكون العجز بخرس أصلي أو غيره، و حينئذ فيكتفى بالإشارة كما يكتفى في أذكار الصلاة و سائر التصرفات القولية، بشرط كون الإشارة مفهمة للمراد، دالة على القصد القلبي بحسب ما يعرف حاله، قاله المحقق الشيخ علي و كأنه لا خلاف فيه.
أقول: لم أقف في الأخبار على ما يدل على نكاح الأخرس و عقده، نعم ورد في طلاقه جملة روايات دالة على صحة طلاقه بالإشارة كما ذكروه، و الظاهر أنه كذلك.
فمن الأخبار المذكورة ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل تكون عنده المرأة ثم يصمت فلا يتكلم، قال: يكون أخرس؟ قلت: نعم فيعلم منه بغض لامرأته و كراهته لها، أ يجوز أن يطلق عنه وليه؟ قال: لا، و لكن يكتب و يشهد على ذلك، قلت:
أصلحك الله فإنه لا يكتب و لا يسمع كيف يطلقها، قال: بالذي يعرف منه من أفعاله مثل ما ذكرت من كراهته و بغضه لها».
و في خبر آخر (2) طلاق الأخرس «يلف قناعها على رأسها و يجذبه».
و في ثالث (3) «يأخذ مقنعتها فيضعها على رأسها و يعتزلها».
و في رابع (4) «في رجل أخرس كتب في الأرض بطلاق امرأته فقال: إذا فعل ذلك في قبل الطهر بشهود و فهم عنه كما يفهم من مثله و يريد الطلاق جاز طلاقه على السنة.
المسألة الثالثة [في عدم انعقاد النكاح بعبارة الصبي و نحوه]:
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في عدم انعقاد النكاح بعبارة الصبي و لا عبارة المجنون لا إيجابا و لا قبولا لنفسه أو لغيره، لأن عبارة كل منهما مسلوبة في نظر الشارع إلا أن يكون الجنون أدوارا، فيقع في حال الإفاقة.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 128 ح 1، الوسائل ج 15 ص 299 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 128 ح 2، الوسائل ج 15 ص 300 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 128 ح 3، الوسائل ج 15 ص 300 ح 3.
(4) الكافي ج 6 ص 128 ح 4، الوسائل ج 15 ص 300 ح 4.
173
و بالجملة فالمعتبر قصد المكلف إلى العقد، و اختلفوا في عبارة السكران الذي لا يعقل، و المشهور بينهم أنها باطلة كما تقدم، قلا تعتبر، لأن شرط صحة العقد القصد إليه، و السكران الذي بلغ من السكر حدا أزال عقله و ارتفع قصده، نكاحه باطل كغيره من عقوده، و لا فرق في ذلك بين الذكر و الأنثى.
و ذهب الشيخ في النهاية إلى أنه إذا زوجت السكرى نفسها ثم أفاقت فرضيت أو دخل بها فأفاقت و أقرته كان صحيحا.
قال في الكتاب المذكور: و إذا عقدت المرأة على نفسها و هي سكرى كان العقد باطلا، فإن أفاقت و رضيت بفعلها كان العقد ماضيا، فإذا دخل بها الزوج حال السكر ثم أفاقت الجارية، فأقرته كان ذلك ماضيا، و تبعه ابن البراج.
و قال ابن إدريس: الذي يقوى عندي أن هذا العقد باطل، فإذا كان باطلا فلا يقف على الرضاء و الإجازة، لأنه لو كان موقوفا وقف على الفسخ و الإجازة.
و شيخنا قال: كان العقد باطلا، فكيف يكون في نفسه بعد الإفاقة و الرضاء ماضيا، و أيضا العقد حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي و لا دليل على ذلك من كتاب و لا سنة متواترة و لا إجماع، و لا يرجع في مثل ذلك إلى أخبار الآحاد، انتهى، و إلى هذا القول ذهب من تأخر عنه.
أقول: و الشيخ قد عول في هذه المسألة على ما رواه هو و
الصدوق في الفقيه عن محمد بن إسماعيل بن بريع (1) في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوجت نفسها رجلا في سكرها ثم أفاقت فأنكرت ذلك ثم ظنت أنه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج، إحلال هو لها، أم التزويج فاسد لمكان السكر و لا سبيل للزوج عليها؟ فقال: إذا
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 392 ح 47، الفقيه ج 3 ص 259 ح 15، الوسائل ج 14 ص 221 ح 1.
174
أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها، قلت: و يجوز ذلك التزويج عليها؟
فقال: نعم».
و المتأخرون عن ابن إدريس فمن دونه قد أطرحوا الرواية لما فيها من المخالفة لمقتضى القواعد.
و قال العلامة في المختلف- بعد أن اختار مذهب ابن إدريس و إيراد الخبر المذكور حجة للشيخ رحمة الله عليه، ما لفظه-: و التحقيق أن نقول إن بلغ السكر بها إلى حد عدم التحصيل كان العقد باطلا، و لا ينعقد بإقرارها، لأن مناط صحة العقود و هو العقل منفي، فينتفي هنا و إن لم يبلغ السكر إلى ذلك الحد صح العقد مع تقديرها إياه، و عليه تحمل الرواية. انتهى.
و أورد عليه بأنه إذا لم يبلغ ذلك الحد فعقدها صحيح و إن لم تقرره و ترضى به بعد ذلك فالجمع بين صحة عقدها و اعتبار رضاها بعد ذلك غير مستقيم.
أقول: لا ريب أن مقتضى القواعد هو ما عليه القول المشهور، لأن العقد مع زوال العقل و عدم الشعور بالكلية باطل، لعدم تحقق القصد الذي هو المناط في صحة العقود، و متى حكم ببطلانه فالإجازة له بعد الإفاقة لا تؤثر صحة، لأن الإجازة لا تصحح ما وقع باطلا من أصله و إنما محل الإجازة بالنسبة إلى الموقوف به كما ذكره ابن إدريس، و هو الذي يكون صحيحا غير لازم، إلا أنه لما كان سند الرواية المذكورة صحيحا باصطلاحهم ضاق على بعض الأصحاب- هذا الاصطلاح المحدث- المخرج منها و التفصي عن ذلك.
قال في المسالك بعد ذكر الخبر المذكور: و عمل بمضمون الرواية الشيخ في النهاية و من تبعه، و له عذر من حيث صحة سندها، و لمن خالفه عذر من حيث مخالفتها للقواعد الشرعية- إلى أن قال بعد رد تأويل المختلف بما تقدم-: بل اللازم إما إطراح الرواية رأسا أو العمل بمضمونها، و لعل الأول أولى.
175
و فيه أن ما اعتذر به عن الشيخ ليس في محله، فإن صحة الأخبار عند المتقدمين من الشيخ و غيره ليس باعتبار الأسانيد كما هو ظاهر، و سبطه السيد السند في شرح النافع لما كان من قاعدته التهافت على صحة الأسانيد إختار العمل بالرواية و أغمض النظر عما فيها من مخالفتها لقواعدهم، بل انكسر دلالتها على المخالفة، فقال: و هذه الرواية مروية في الفقيه بطريق صحيح أيضا، و ليس فيها ما يخالف الأدلة القطعية فيتجه العمل بها.
و فيه ما عرفت مما أوضحناه من مخالفتها الأدلة القطعية، و لكنه لتهافته على صحة الأسانيد لا يبالي بما اشتمل عليه متن الروايات من المخالفات كما أوضحناه في غير موضع من كتب العبادات.
و كيف كان ففي ذلك تأييد لما قدمناه في غير موضع من أن الواجب العمل بالرواية و أن يخصص بها عموم ما دلت عليه تلك القواعد المذكورة.
و يمكن تأييد هذه الرواية بما رواه
الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) قال: «قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام) الغلام له عشر سنين فيزوجه أبوه في صغره، أ يجوز طلاقه و هو ابن عشر سنين؟ قال: فقال: أما التزويج فهو صحيح، و أما طلاقه فينبغي أن تحبس عليه امرأته حتى يدرك، فيعلم أنه كان قد طلق، فإن أقر بذلك و أمضاه فهي واحدة بائنة و هو خاطب من الخطاب، و إن أنكر ذلك و أبى أن يمضيه فهي امرأته» الحديث.
و التقريب فيه أن المشهور بينهم أن عبارة الصبي كما تقدم غير معتبرة و لا صحيحة، في طلاق كان أو نكاح، بل هي باطلة في حكم العدم.
و هذا الخبر مع صحة سنده باصطلاحهم قد دل على أنه إذا طلق و هو ابن عشر سنين ثم بعد بلوغه أجاز الطلاق و رضي به، فإن الطلاق يكون صحيحا و هو
____________
(1) ما عثرنا بهذه الرواية في التهذيب و نقلناها عن الفقيه ج 4 ص 227 ح 3، الوسائل ج 17 ص 528 ح 4.
176
خلاف مقتضى القواعد، فإنه كيف يكون صحيحا بالرضاء به بعد البلوغ و هو باطل من أصله كما عرفت.
و تزويج الأب له صحيح لازم له، و طلاقه في حال الصغر غير صحيح عندهم و إجازته بعد البلوغ غير موجبة لصحة ما كان باطلا من أصله فهو عين ما تقدم في خبر السكرانة، لا يقال: إنه قد وردت أخبار في صحة طلاق ابن عشر، و بها قال بعض الأصحاب، فيكون هذا منها أيضا.
لأنا نقول: نعم، و لكن هذا الخبر لا يجري ذلك المجرى، لأنه لم يحكم في هذا الخبر بصحة طلاقه في حال الصغر كما دلت عليه تلك الأخبار، بل جعله موقوفا على الرضاء و الإجازة بعد البلوغ.
و بالجملة فإن الكلام في هذا الخبر عين الكلام في ذلك الخبر فالواجب كما قدمنا ذكره هو العمل بالخبر و تخصيص القواعد المذكورة بالخبرين المذكورين فإنهما على نهج واحد في مخالفة القواعد المقررة بينهم و إطراحها سيما مع صحة السند باصطلاحهم مما لا سبيل إليه، و إن كانوا قد أطرحوا ذلك الخبر في مقابلة القواعد المذكورة، و قد عرفت اعتضاده بهذا الخبر كما أوضحناه و يعضدهما أيضا روايات كثيرة تقدمت في كتب المعاملات ظاهرة في مخالفة القواعد المقررة بينهم قد عمل بها الشيخ و أتباعه، فناقش فيها ابن إدريس و من تبعه كما لا يخفى على من جاس خلال الديار، و التقط من لذيذ هذه الثمار، و الله العالم.
تذنيب [في عدم بطلان حكم الإيجاب إذا جن أو أغمي عليه]:
قالوا: إذا أوجب ثم جن أو أغمي عليه بطل حكم الإيجاب، فلو حصل القبول بعد ذلك كان لغوا، و كذا لو سبق القبول و زال عقله، فلو أوجب الولي بعده كان لغوا، و عللوه بأن العقد اللازم قبل تمامه يكون بمنزلة الجائز، يجوز لكل منهما فسخه فيبطل بما يبطل به الجائز، و من جملته الجنون و الإغماء و لا فرق في ذلك بين النكاح و البيع و غيرهما من العقود اللازمة.
177
أقول: لم أقف لهم في هذا المقام علي دليل شاف يدل على البطلان كما ذكروه.
و ما ادعوه من حمله على العقد الجائز و أن العقد الجائز كالوكالة و نحوها تبطل بالجنون و الإغماء محل منع، فإنا لم نقف لهم فيه أيضا على دليل إلا ما يظهر من دعوى بعضهم الإجماع على ذلك، و قد عرفت ما في هذه الإجماعات و إلى ذلك أشرنا في كتاب الوكالة أيضا.
و بالجملة فإني لا أعرف هنا مانعا من صحة العقد لو عرض الجنون أو الإغماء بعد الإيجاب، ثم حصل القبول بعد زوالهما من غير حاجة إلى تجديد إيجاب آخر، لصدق حصول العقد الشرعي المشتمل على الإيجاب و القبول.
و ما ربما يتخيل من الفصل بين الإيجاب و القبول و عدم الفورية في القبول فقد تقدم الكلام فيه، و أنه لا دليل عليه، بل الظاهر من الدليل خلافه كما تقدمت الإشارة إليه في المسألة الاولى في الكلام على حديث الساعدي.
و مما يعضد ما ذكرناه وجود النظير لذلك في مواضع من الأحكام.
منها ما صرحوا به من دخول الصيد الغائب في ملك المحرم بعد زوال الإحرام، و أن من و كل محرما ثم صار محلا لم يحتج إلى تجديد الوكالة بعد تحلله من الإحرام، و الظاهر من ذلك أن ما وقع من العقد باق على الصحة، و إن تخلف أثره لمانع، و ظاهرهم أن النوم هنا لا يقدح في الصحة، كما لا يقدح في الوكالة و نحوها من العقود الجائزة، لكن هل يصح الإتيان هنا بالقبول للآخر حالته؟ قيل: لا، و به قطع في التذكرة على ما نقله عنه في المسالك، قال: لأن التخاطب بين المتعاقدين معتبرة، و هو منتف مع نوم صاحبه، و من ثم لو خاطب شخصا بالعقد فقبل الآخر لم يصح به.
قال: و يحتمل الصحة هنا، لأن الإيجاب توجه إلى هذا القابل قبل النوم، و الأصل الصحة، مع أنه في التذكرة أيضا قال في موضع آخر على ما نقله الناقل
178
المتقدم ذكره: لو قال المتوسط للولي، زوج ابنتك من فلان، فقال زوجت، ثم أقبل على الزوج فقال: قبلت نكاحها، فالأقرب صحة العقد. و هو أصح وجهي الشافعية، لوجود ركني العقد «الإيجاب و القبول» و ارتباط أحدهما بالآخر، و الثاني لا يصح لعدم التخاطب بين المتعاقدين، و لا يخفى ما بين هذين الكلامين من التنافي، و الله العالم.
المسألة الرابعة [الحكم بالزوجية لو اعترف الزوجين بها]:
إذا اعترف الزوج بزوجية امرأة، أو الزوجة بزوجية الرجل، و صدق كل منهما الآخر في الصورتين، فإنه لا ريب في الحكم بالزوجية في ظاهر الشرع، و كذا ما يترتب عليها من الأحكام لعموم
«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (1).
و الحق منحصر فيهما.
و أما إذا ادعى أحدهما الزوجية و أنكر الآخر فإن كان للمدعي بينة، و إلا فالقول قول المنكر بيمينه، ثم إنه لو أقام المدعي البينة، أو حلف اليمين المردودة و ثبت النكاح بذلك ظاهرا فإنه يجب عليهما فيما بينهما و بين الله عز و جل مراعاة الحكم الواقعي لو لم يوافق الظاهري، فإن كان المثبت الزوج فله طلبها ظاهرا، و الواجب عليها مع عدم كونه واقعا الهرب منه، و هكذا لو لم تكن بينة بل حلف المنكر انتفى النكاح ظاهرا، فإن كان الواقع كذلك فلا إشكال، و إلا لزم المدعي أحكام الزوجية.
فإن كان المدعي الرجل حرم عليه التزويج بأمها و ابنتها و أختها و ابنتي أختها و أخيها بغير رضاها، و التزويج بخامسة، و بالجملة فإنه يعتبر بالنسبة إليه كونها زوجة، و كذا يحب عليه التوصل بإعطائها المهر، أما النفقة فلا لاشتراطها بالتمكين.
و إن كانت المدعية المرأة لم يصح لها التزويج بغيره، و لا فعل ما يتوقف على إذن الزوج بدونه، كالسفر المندوب و العبادات المتوقفة على إذنه، و لو أوقع
____________
(1) الوسائل ج 16 ص 111 ح 2.
179
الرجل المنكر الطلاق و لو معلقا، بأن قال: إن كنت زوجتي فأنت طالق، أو إن كانت فلانة زوجتي فهي طالق، انتفت عنها الزوجية، و جاز لها التزويج بغيره، و لكن لا ينتفي عنها حرمة المصاهرة فلا يجوز لها التزويج بابنه و لا ابنته لاعترافها بالنكاح الموجب للحرمة.
هذا خلاصة ما ذكروه في المقام و لم أقف في المسألة على نص مخصوص إلا أن جميع ما ذكر فيها مطابق لمقتضى القواعد الشرعية و الضوابط المرعية.
المسألة الخامسة [فيما]: إذا كان لرجل عدة بنات فزوج واحدة منهن [ثم اختلفا]
و لم يسمها عند العقد لكن قصدها بالنية، فاختلف الأب و الزوج بعد ذلك، قال الشيخ في النهاية: إن كان الزوج قد رآهن كلهن كان القول قول الأب، و على الأب أن يسلم إليه التي نوى العقد عليها عند عقدة النكاح، و إن كان الزوج لم يرهن كان العقد باطلا، و تبعه ابن البراج و جملة من المتأخرين منهم المحقق و العلامة و قال ابن إدريس (1): إن النكاح باطل في الموضعين.
و الوجه فيما ذهب إليه الشيخ هو ما رواه
الكليني في الصحيح عن أبي عبيدة (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل كانت له ثلاث بنات أبكار، فزوج واحدة منهن رجلا، و لم يسم التي زوج للزوج و لا للشهود، و قد كان الزوج فرض لها صداقها فلما بلغ إدخالها على الزوج بلغ الرجل أنها الكبرى من الثلاث، فقال الزوج لأبيها: إنما تزوجت منك الصغرى من بناتك، قال: فقال
____________
(1) أقول: نقل الشيخ الفاضل شهاب الدين أحمد بن فهد بن إدريس الأحسائي في شرحه على الإرشاد هذا القول أيضا عن شيخه، و المراد به الشيخ جمال الدين و قيل:
فخر الدين الشيخ أحمد بن عبد الله بن المتوج البحراني تلميذ الشيخ فخر الدين بن العلامة- (رحمه الله)- لان الشيخ أحمد المذكور أحد تلامذته، و اليه يشير كثيرا في الكتاب المذكور بشيخنا. (منه- (رحمه الله)-).
(2) الكافي ج 5 ص 412 ح 1، التهذيب ج 7 ص 393 ح 50، الفقيه ج 3 ص 267 ح 53، الوسائل ج 14 ص 222 ب 15.
180
أبو جعفر (عليه السلام): إن كان الزوج رآهن كلهن، و لم يسم له واحدة منهن فالقول في ذلك قول الأب، و على الأب فيما بينه و بين الله عز و جل أن يدفع إلى الزوج الجارية التي كان نوى أن يزوجها إياه عند عقدة النكاح، و إن كان الزوج لم يرهن كلهن و لم يسم واحدة منهن عند عقدة النكاح فالنكاح باطل».
و رواه الشيخ (رحمه الله) و الصدوق أيضا مثله.
و الوجه فيما ذهب إليه ابن إدريس هو أن من شروط صحة العقد تعيين كل واحد من الزوجين حال العقد ليتعلق القصد به و يقع التراضي عليه و يحصل التعيين بالاسم أو الوصف أو الإشارة إلى معين، أو اتفاقهما على معين بل هو معتبر في كل عاقد و معقود عليه.
و على هذا فلو زوجه إحدى بناته و لم يعينها عند العقد بأحد الأمور المذكورة بطل العقد لعدم القصد، و إن قصدها الأب و لم يقصدها الزوج فكذلك هذا ما تقتضيه القواعد الشرعية.
و الرواية المذكورة بحسب ظاهرها خارجة عن ذلك و منافية لما ذكرنا، لأنها تدل على أن رؤية الزوج لهن كافية في الصحة و الرجوع إلى ما عينه الأب، و إن اختلفا في القصد، و عدم رؤيته كاف في البطلان مطلقا و إن اتفقا في القصد.
مع أن المدار في الصحة و البطلان إنما هو على التعيين و عدمه لا الرؤية.
و من أجل ذلك أطرح ابن إدريس و من تبعه الرواية المذكورة (1) حسبما مضى في رواية تزويج السكرانة نفسها حال سكرها.
و لكن الرواية لما كانت صحيحة السند بالاصطلاح المحدث اضطربت أفكار
____________
(1) و بما ذكرنا من الوجه المذكور في كلام ابن إدريس صرح الشيخ في المبسوط فقال في فصل ما ينعقد به النكاح: لا يصح النكاح حتى يكون المنكوحة معروفة بعينها على صفة تكون متميزة عن غيرها، و ذلك بالإشارة إليها أو التسمية أو الصفة. انتهى.
(منه- (رحمه الله)-).
181
المتأخرين في التفصي عنها، و لم يجرؤا على ردها بالكلية، فذهب جملة منهم المحقق و العلامة إلى تنزيلها على أن تعليق الحكم بالصحة و البطلان على رؤية الزوج لهن و عدمها، معناه أنه برؤيته لهن كملا، قد و كل التعيين إلى الأب لأن الزوج إذا كان قد رآهن و قبل نكاح من أوجب عليها الأب يكون قد رضي بتعيينه، و وكل ذلك إليه فيلزمه ما عين، و يقبل قول الأب فيما عينه، و إن لم يكن مفوضا إلى الأب و لا راضيا بتعيينه فيبطل العقد.
و اعترض عليه في المسالك بأن تفويض (1) الزوج إلى الأب التعيين إن كان كافيا عنه مع كونه المتولي للقبول، من غير أن يقصد معينة عنده، فلا فرق بين رؤيته و عدمها، لأن رؤية الزوج لا مدخل لها في صحة النكاح كما سبق، و إن لم يكن ذلك كافيا في الصحة بطل على التقديرين.
و دعوى أن رؤيتهن دلت على الرضا بما يعينه الأب، و عدمها على عدمه، في موضع المنع، لأن كل واحد من الحالين أعم من الرضا بتعيينه و عدمه.
و ليس في الرواية على تقدير الاعتناء بها دليل على ذلك، بل عند التنزيل تخصيص لها في الحالين، و حينئذ فاللازم إما العمل بمدلول الرواية من غير حمل كما فعل الشيخ، أو ردها رأسا و الحكم بالبطلان في الحالين كما فعل ابن إدريس و لعله أجود، لأن العقد لم يقع على معينة مخصوصة منهما، و هو شرط الصحة انتهى، و هو جيد إلا فيما استجوده من رد الرواية رأسا.
و سبطه السيد السند في شرح النافع لما كان من قاعدته الدوران مدار صحة الأسانيد من غير ملاحظة ما يشتمل عليه متون الأخبار من المخالفات، جمد على ما ذكره المحقق و العلامة هنا من التنزيل المتقدم، فقال بعد ذكره:
و لا بأس بهذا التنزيل جمعا بين الرواية و الأدلة الدالة على الأحكام المتقدمة. انتهى.
____________
(1) و لأن رؤيته لهن أعم من تفويض التعيين إلى الأب، و عدمها أعم من عدمه، و الرواية مطلقة. (منه- (قدس سره)-).
182
و هو تشبث بما هو أوهن من بيت العنكبوت، و هو من أوهن البيوت، لما عرفت مما حققه جده (قدس سره)، و لكنه لضيق المجال بالتزام هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد أقرب منه إلى الصلاح، لا علاج لهم في ذلك كما يقال: إن الغريق يتشبث بكل حشيش، و مثله ما تقدم منه في مسألة تزويج السكرانة نفسها من دعواه عدم مخالفة الرواية للقواعد، و هي في مخالفتها أظهر من الشمس في دائرة النهار.
قال في المسالك: و اعلم أن طريق الرواية في التهذيب ضعيف، لأن فيه من لا يعرف حاله، و ظاهر الأصحاب المشي عليها. لأنهم لم ينصوا عليها بتصحيح، بل رووها مجردة عن الوصف.
و لكن الكليني رواها بطريق صحيح، و لقد كان على الشيخ روايتها به لأنه متأخر عنه، فكان أولى باتباعه فيه، و لكن قد اتفق ذلك للشيخ كثيرا و وقع بسببه من أصحاب الفتاوى خلل حيث رد الرواية بناء على ضعفها و لو اعتبروها لوجدوها صحيحة، فينبغي التيقظ لذلك، و حينئذ (1) يقوى الإشكال في رد الرواية نظرا إلى صحتها، و للتوقف في ذلك مجال. انتهى.
____________
(1) و مما يؤيد ما اخترناه في غير موضع من هذا الكتاب من العمل بالاخبار و ان خالفت مقتضى قاعدتهم العقلية- ما ذكره الشهيد- (رحمه الله)- في شرح الإرشاد في مسألة التزويج بأمة المرأة بدون اذنها كصحيحة سيف بن عميرة و غيرها ما لفظه-: و اعلم أنه لا معارض لهذه الرواية في الحقيقة إلا الدليل العقلي الدال على تحريم التصرف في مال الغير بدون اذنه، و لكن الأحكام الشرعية أخرجت كثيرا من الأصول العقلية بالأدلة كجواز أخذ مال الممتنع عن الأداء مقاصة بشروطه بغير اذنه، و جواز أكل المار على النخل و الشجر على المشهور و نحو ذلك، فحينئذ لا يمتنع جواز مثل هذه المسألة من غير إذن المرأة، اما لعلة خفية لا نعلمها أو لما يلتحق للأمة من الذلة بترك الوطي عند المرأة الذي هو إضرار، و لا يزول إلا بالوطي. إلى آخر كلامه زيد في مقامه (منه- (قدس سره)-).
183
أقول: العجب منه (قدس سره) في تكرار هذا الكلام و الاعتراض به على الشيخ (رحمه الله) كما تقدم نظيره قريبا لما قدمناه في مقدمات الكتاب في أول جلد كتاب الطهارة من تصريح جملة من الأصحاب منهم ابنه المحقق الشيخ حسن في مقدمات كتاب منتقى الجمان و مثله الشيخ البهائي في مشرق الشمسين بأن جملة الأخبار المروية في الأصول عند المتقدمين صحيحة، فإن الصحة عندهم ليست بالنظر إلى الأسانيد.
و المتأخرون إنما عدلوا عن ذلك الذي كان عليه متقدموهم لما خفي عليهم الوجه في ذلك لخفاء القرائن و الأسباب التي أوجبت للمتقدمين الحكم بالصحة فعدلوا إلى هذا الاصطلاح.
و أما ما ذكره اعتراضا على مثل المحقق و العلامة حيث نقلوا الرواية مع ضعفها من التهذيب، و لم يردوها بذلك.
ففيه أنهم لا يردون إلا ما تعذر حمله على معنى يجتمع به مع الأخبار الباقية، و إلا فمتى وجد للخبر معنى يمكن الجمع به بينه و بين ما ينافيه ظاهرا، فإنهم يقدمون ذلك على رده و إطراحه.
و أما ما ذكره من الاعتراض على أصحاب الفتاوى من المتأخرين من عدم تتبعهم للاسانيد و مراجعة كتب الأصول كملا، حتى أنهم يسارعون إلى رد الخبر بالضعف بناء على روايته في بعض الأصول مع وجود طريق صحيح له في أصل آخر فهو جيد، و قد وقع له (قدس سره) مثله في غير موضع.
و أما ما ذكره من قوة الإشكال لصحة الخبر، و توقفه في المسألة لذلك بعد ما عرفت في كلامه المتقدم من ميله إلى مذهب ابن إدريس في المسألة، فهو جار على ما قدمنا ذكره من اضطراب أصحاب هذا الاصطلاح في الخبر الصحيح السند متى خالف مقتضى القواعد المقررة بينهم.
184
و الحق الحقيق بالاتباع و إن كان قليل الاتباع هو العمل بالخبر صح سنده باصطلاحهم أو لم يصح مهما أمكن، و في مثل هذه المواضع تخصص به تلك الأخبار الدالة على تلك القواعد، و الله العالم.
المسألة السادسة [حكم اشتراط الخيار]:
قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يصح اشتراط الخيار في الصداق، و لا يفسد به العقد، و أما اشتراطه في أصل النكاح فالمشهور أنه غير جائز، و لو اشترطه كان العقد باطلا، و قيل: بصحة العقد و بطلان الشرط خاصة و الكلام هنا يقع في مقامين.
الأول: في اشتراطه في الصداق
و الظاهر أنه لا خلاف في صحته، لأن ذكر المهر في العقد غير شرط في صحته، بل يجوز إخلاء العقد عنه، فاشتراط الخيار فيه غير مناف لمقتضى العقد، فيندرج في عموم ما دل على وجوب الوفاء بالشروط، و لأن غايته فسخه و بقاء العقد بغير مهر، فتصير كالمفوضة البضع، و هو جائز شرعا.
و يشترط ضبط مدة الخيار. و لا يتقيد بثلاثة، و إن مثل بها الشيخ في المبسوط لعدم إفادته الحصر، ثم إن استمر عليه حتى انقضت عدته لزم، و إن فسخه ثبت مهر المثل كما لو عرى العقد عن المهر، و لكن إنما يوجب بالدخول كما سيأتي إن شاء الله تعالى، و لو اتفقا على شيء آخر غيره قبل الدخول صح.
الثاني: في اشتراطه في النكاح
، و المشهور بطلان العقد، و بذلك قطع الشيخ في المبسوط و جملة من المتأخرين، محتجين بأن النكاح ليس من عقود المعاوضات القابلة لخيار الشرط، بل فيه شائبة العبادة، فالشرط يخرجه عن وضعه.
و خالف في ذلك ابن إدريس فحكم بصحة العقد و فساد الشرط، لوجود المقتضي لصحة العقد باجتماع شرائط الصحة فيه كما هو المفروض، و انتفاء الموانع و ليس إلا اشتراط الخيار فيه.
و إذا كان العقد غير قابل للخيار لغى شرطه، و وجب العمل بمقتضى العقد
185
لأصالة الصحة، و عموم (1) «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»، فلا يلزم من بطلان أحدهما بطلان الآخر و بالغ ابن إدريس فقال: إنه لا دليل على البطلان من كتاب و لا سنة و لا إجماع، بل الإجماع على الصحة: لأنه لم يذهب إلى البطلان أحد من أصحابنا، و إنما هو من تخريج المخالفين و فروعهم، و اختاره الشيخ على عادته في الكتاب.
و اعتمد القائلون بالبطلان- زيادة على ما تقدم- على أن التراضي لم يقع على العقد إلا مقترنا بالشرط المذكور، فإذا لم يتم الشرط لم يصح العقد مجردا لعدم القصد إليه كذلك، و صحة العقود مترتبة على القصود، و بالجملة فإن الواقع غير مقصود، و المقصود غير واقع.
أقول: قد تقدم الكلام في هذه المسألة في غير موضع، أعني أنه متى اشتمل العقد على شرط فاسد، فهل يصح العقد، و يبطل الشرط خاصة، أو يبطل العقد من أصله؟ قولان: المشهور بين المتأخرين الثاني، و ابن الجنيد و ابن البراج على الأول، و لهذا أن الشيخ هنا لم يعلل البطلان بما ذكروه.
و قد تقدم الكلام في هذه المسألة في مقدمات الكتاب المذكورة في أول جلد كتاب الطهارة، و في الفصل الثاني عشر في نكت متفرقة من فصول كتاب التجارة.
و قد بينا أن الأخبار في ذلك مختلفة، فجملة منها يدل على صحة العقد و بطلان الشرط خاصة.
و بعض يدل على القول المشهور، فالتحقيق في ذلك هو الوقوف على ما دلت عليه الأخبار في كل جزئي جزئي من الأحكام، و مع عدم وجود نص يجب الوقوف عن الفتوى.
و أما جعل ذلك قاعدة كلية كما عليه المشهور بناء على ما ذكروه من التعليلات العقلية فهو مردود بما ذكرناه من اختلاف الأخبار في المقام، و دلالة
____________
(1) سورة المائدة- آية 1.
186
أكثرها و أصحها على خلاف هذه القاعدة، و المسألة هنا لما كانت عارية عن النص، فالواجب التوقف فيها، و الله العالم.
المسألة السابعة [اشتراط تعيين الزوج و الزوجة]:
قد صرحوا بأنه يشترط في النكاح امتياز الزوجة من غيرها بالإشارة أو التسمية أو الصفة، فلو زوجه إحدى ابنتيه لم يصح، و علل ذلك بأنه لما كانت الزوجة المعقودة عليها عينها مقصودة للاستمتاع، اشترط تعيينها في صحة النكاح كما في كل معقود، سواء أريد عينه كالبيع أو منفعته كالعين المؤجرة.
و كذلك يشترط تعيين الزوج لأن الاستمتاع يستدعي فاعلا و منفعلا معينين لتعينه، فلو قال: زوجتك إحدى ابنتي أو تزوجت ابنتي من إحدى ولديك لم يصح.
أقول: و في هذا الكلام تأييد لما ذهب اليه ابن إدريس في المسألة الخامسة من بطلان عقد الأب على إحدى بناته بمجرد قصده خاصة، من غير معلوميتها للزوج، و إن رآهن الزوج جميعا لعدم امتياز الزوجة عنده بشيء من هذه الأمور المذكورة و لا فرق بين المسألتين إلا باعتبار ما يظهر منهم من تخصيص هذه المسألة بما إذا كانت مجهولة عند الولي و الزوج معا كما تدل عليه الأمثلة المذكورة، و أن تلك المسألة موردها تعيين الزوجة عند الولي و مجهوليتها عند الزوج.
و المفهوم من اشتراط الامتياز في هذه المسألة هو الامتياز عند الجميع على وجه لا يتطرق إليه النزاع و الاختلاف بعد ذلك، كما يظهر من التعليل المذكور هنا، و تنزيل الخبر على ما ذكره المحقق و العلامة كما تقدم غير شاف و لا واف بالخروج عن مخالفة الخبر لمقتضى القواعد المذكورة، إلا أنه لا مندوحة عن العمل بما دل عليه الخبر كما تقدم، حملا على نظائره من الأخبار التي جرت هذا المجرى مما لا يكاد يعد و لا يحصى كما تقدم جملة من ذلك في الكتب المتقدمة، و سيأتي أمثاله في الكتب الآتية إن شاء الله تعالى.
187
إذا عرفت ذلك فالإشارة أن تقول: زوجتك هذه، و لو قلت مع ذلك المرأة أو فلانة كان ذلك تأكيدا، لأن التخصيص حصل بالإشارة إليها، و هكذا في تعيين الزوج، و التسمية أن تقول: زوجتك فاطمة، حاضرة كانت أو غائبة، و في معناه ما لو قال: زوجتك ابنتي و لا ابنة له غيرها، و لو قال: فاطمة ابنتي أو ابنتي فاطمة كان ذلك تأكيدا إن كانا مطابقتين، و لو لم تطابقا بأن أشار إليها و لكن سماها بغير اسمها أو قال: ابنتي و لكن سماها بغير اسمها ففي صحة العقد أو بطلانه إشكال.
ينشأ من ترجيح الإشارة و التنبيه على الاسم (1) لأنهما- أعني الإشارة و التنبيه- لازمتان متميزتان، فيحصل التميز بهما و يلغو الاسم فيصح العقد حينئذ.
و من أنه ليس له بنت بذلك الاسم إذا ليست الحاضرة كذلك فيبطل.
و من أنه ليس له بنت بذلك الاسم إذ ليست الحاضرة كذلك فيبطل.
أقول: و قد تقدم نظير ذلك في البيع بأن يقول: بعتك هذا الفرس، و يشير إلى بغل، و ظاهره في المسالك ترجيح الأول، و هو القول بالصحة لما ذكر و هو محل توقف و تأمل لعدم الدليل الواضح في ذلك.
و أما الوصف فإنه بأن يقول زوجتك ابنتي الصغيرة أو الكبيرة أو الوسطى أو البيضاء أو السمراء أو نحو ذلك مع فرض أن له بنات متعددة متميزات بالصفات المذكورة، و الله العالم.
المسألة الثامنة [في ما لو عقد على امرأة فادعى آخر أنها زوجته]:
إذا عقد على امرأة، فادعى آخر زوجيتها، فقد صرح جمع من الأصحاب بأنه لا يلتفت إلى دعواه إلا بالبينة، بمعنى عدم سماع دعواه بالكلية مع عدم البينة بحيث لا يترتب عليها اليمين على المرأة، و إن كانت منكرة بالكلية مع عدم البينة بحيث لا يترتب عليها اليمين على المرأة، و إن كانت منكرة كما هو مقتضى القاعدة «اليمين على المنكر» فإن مقتضى القاعدة المنصوصة أنه مع عدم البينة للمدعي فإن دعواه مسموعة و على المنكر اليمين أو ردها، و يترتب على
____________
(1) قوله «على الاسم» متعلق بترجيح أى الإشارة و التنبيه مرجحة على الاسم.
(منه- (قدس سره)-).
188
كل منهما ما هو حكمه شرعا، و كذا لو نكل، و الحكم هنا ليس كذلك، بل سماع الدعوى مخصوص بإقامة المدعي البينة.
قالوا: و الوجه في ذلك أن اليمين إنما تتوجه على المنكر إذا كان بحيث لو اعترف لزمه الحق و يقع للمدعي، و الأمر هنا ليس كذلك لأن المرأة لو صادقت المدعي على دعواه لم يثبت الزوجية لأن إقرارها واقع في حق الغير فلا يؤثر شيئا، فإن الزوج قد ملك بضعها بالعقد المعلوم المتفق عليه فلا يقبل قولها بعد ذلك في إسقاطه، و كذا لا يتوجه دعوى إمكان ردها اليمين عليه، لأن اليمين المردودة إن كانت كالإقرار، فقد عرفت حكمه، و أن إقرارها لو أقرت غير مسموع، لكونه إقرارا في حق الغير، و إن كانت كالبينة، فالبينة إنما تفيد بالنسبة إلى المتداعيين دون غيرهما، و هو هنا الزوج، و حينئذ فلا وجه لرد اليمين على المدعي بالكلية كما في هذا المقام، و إن كان ذلك مقتضى القاعدة المنصوصة.
و ذهب آخرون من الأصحاب أيضا إلى قبول الدعوى و توجه اليمين و الرد و إن لم يسمع في حق الزوج، فإن لذلك فائدة أخرى أيضا و كذا لإقرارها لو أقرت، و إن لم يؤثر في حق الزوج.
و فائدته على تقدير الإقرار ثبوت مهر المثل على الزوجة للمدعي لو أقرت لحيلولتها بينه و بين البضع بالعقد الثاني.
و نظيره ما لو باع شيئا على أنه له، ثم أقر به لزيد، فإنه يغرم لمن أقر له به عوضه مثلا أو قيمة، و على تقدير رد اليمين أو نكولها عن اليمين و القضاء للمدعي بالنكول أو مع اليمين فالحكم كذلك.
و أنت خبير بأن مبنى هذا القول على أن منافع البضع تضمن بالتفويت، كما هو أحد القولين في المسألة المذكورة، إلا أن الحكم بالتضمين مما لم يقم عليه دليل يعتد به.
189
و اعلم أن الأصحاب لم ينقلوا في هذه المسألة نصا، مع أن النصوص فيها موجودة.
منها ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم عن عبد العزيز بن المهتدي (1) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) قلت: جعلت فداك إن أخي مات، و تزوجت امرأته، فجاء عمي فادعى أنه قد كان تزوجها سرا، فسألتها عن ذلك فأنكرت أشد الإنكار فقالت: ما كان بيني و بينه شيء قط، فقال: يلزمك إقرارها و يلزمه إنكارها».
و رواه الصدوق بإسناده عن إبراهيم بن هاشم مثله.
و ما رواه
الشيخ في التهذيب بإسناده عن يونس (2) «قال سألته عن رجل تزوج امرأة في بلد من البلدان فسألها: أ لك زوج؟ فقالت: لا، فتزوجها، ثم إن رجلا أتاه فقال: هي امرأتي فأنكرت المرأة ذلك ما يلزم الزوج؟ فقال: هي امرأته إلا أن يقيم البينة».
و ما رواه
الشيخ في الموثق عن سماعة (3) قال: «سألته عن رجل تزوج أمة أو تمتع بها فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة، فقال: إن هذه امرأتي و ليست لي بينة، فقال: إن كان ثقة فلا يقربها، و إن كان غير ثقة فلا يقبل منه».
و الروايتان الأولتان ظاهرتان فيما ذكره الأصحاب من عدم سماع دعواه إلا أن يقيم البينة، سيما الثانية منهما، و لو كانت دعواه مسموعة مع عدم البينة- بأن يترتب عليها لزوم اليمين على المرأة لإنكارها، لأن اليمين على المنكر- لما حسن تخصيص الاستثناء بإقامة البينة في الخبر الثاني، و الحكم بكونها امرأة الثاني إلا مع إقامة الأول البينة، بل كان ينبغي أن يقال: إلا مع إقامة البينة أو حلفها على نفي الزوجية، و لوجب ذكر ذلك في الخبر الأول، لأن المقام مقام البيان
____________
(1) الكافي ج 5 ص 563 ح 27، الفقيه ج 3 ص 303 ح 35، الوسائل ج 14 ص 226 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 468 ح 82، الوسائل ج 14 ص 226 ح 3.
(3) التهذيب ج 7 ص 461 ح 53، الوسائل ج 14 ص 226 ح 2.
190
مع أن ظاهر كلامه (عليه السلام) هو اندفاع دعواه بمجرد إنكارها و ليس له عليها يمين كما هو على المنكر، و ليس إلا لما قدمناه مما صرح به الأصحاب من أنها لو اعترفت له لم يسمع اعترافها.
بقي الكلام في الخبر الثالث، و المفهوم من قواعد الأصحاب عدم القول به، إلا أنا قد قدمنا في كتب المعاملات ما يؤيده من الأخبار الدالة على ثبوت أمثال ذلك بقول الثقة (1)، فالواجب تخصيص الخبرين المذكورين به فإن قول الثقة حكمه حكم البينة.
و بما ذكروه من فرض المسألة في الدعوى على المعقود عليها ليترتب الحكم بعدم سماع الدعوى نظرا إلى ما تقدم من التعليل، يظهر أنها لو كانت خلية من الزوج لسمعت الدعوى قطعا كغيرها من الدعاوي، و يترتب عليها اليمين مع الإنكار و لزوم العقد بالإقرار، و ثبوت النكاح لو نكلت عن اليمين أوردتها عليه فحلف كما هو مقتضى القاعدة المنصوصة، إلا أن العلامة قال في القواعد في هذا المقام. و لو ادعى زوجية امرأة لم يلتفت إليه إلا بالبينة سواء عقد عليها غيره أو لا و هو كما ترى مناف لما نقلناه عنهم من الفرق بين المسألتين و لا يحضرني شيء من شروح الكتاب المذكور.
إذا عرفت ذلك فاعلم: أن الظاهر من كلام شيخنا في المسالك الميل إلى القول الثاني، و هو سماع الدعوى بالنسبة إلى تضمين فائت البضع و إن لم تسمع بالنسبة إلى الزوج، قال (قدس سره)- بعد ذكر القولين المتقدمين و مبنى القولين على أن منافع البضع هل تضمن بالتفويت أم لا؟-: و قد اختلف فيه الحكم، فحكموا بضمانه تارة، و بعدمه اخرى، نظرا إلى أن حق البضع متقوم شرعا، فمن أتلفه وجب عليه عوضه، و هو المهر، و التفاتا إلى أنه ليس مالا للزوج، و إنما حقه الانتفاع به، و منافع الحق لا تضمن بالتفويت لأنها لا تدخل تحت
____________
(1) منها ما قدمناه في كتاب الوصية في المسألة السابعة من المقصد الأول من الكتاب المذكور. (منه- (قدس سره)-).
191
اليد، و ينبه على حكمهم بوجوب مهر المثل لمن انفسخ نكاحها بإرضاعها من يفسد النكاح، و وجوب دفع المهاجرة المسلمة إلى زوجها الكافر المهر للحيلولة بينه و بينها بالإسلام: و هو قائم هنا.
و على الثاني عدم وجوب مهر للزانية، و لا لزوجها، و ثبوت المهر لها في وطء الشبهة دونه، و القول بسماع الدعوى، و ثبوت الغرم، متجه عملا بالقاعدة المستمرة من ثبوت اليمين على من أنكر، و زجرا عن الاقدام على مثل ذلك. انتهى.
و فيه (أولا) أنك قد عرفت أنه لا نص هنا على ما ادعوه من تضمين فائت البضع كما تقدمت الإشارة إليه، و بذلك أيضا اعترف سبطه السيد السند (قدس سره) في شرح النافع فقال: و الحكم بالتضمين غير واضح. انتهى.
و إثبات حكم شرعي بمجرد هذه التعليلات العقلية مخالف لما دلت عليه الأخبار المعصومية و الآيات القرآنية من النهي عن القول بغير علم كما استفاضت به الآيات أو سماع منهم كما تظافرت به الروايات.
و (ثانيا) أن ما استند إليه من العمل بالقاعدة المستمرة من أن اليمين على من أنكر فهو إنما يتم بالنسبة إلى ما لو وقعت الدعوى فيه، و الدعوى هنا إنما وقعت في الزوجية فالمدعي يدعي أنها زوجته و هي تنكر ذلك، فمورد اليمين إنما هو نفي الزوجية، و هو قد صرح هنا كغيره من الأصحاب بأن اليمين هنا لا وجه لها سواء كانت في معنى الإقرار أو البينة.
و أما دعوى كون اليمين- و إن لم تفد ثبوت زوجية الثاني لكنها تفيد دفع الضمان عنها- موقوف على وجوب ضمان فائت البضع، فالاستدلال بالقاعدة المذكورة موقوف على ثبوت وجوب الضمان و هو قد استدل على وجوب ثبوت الضمان بها و ذلك دور ظاهر.
و (ثالثا) أن ما ذكره من «حكمهم بوجوب مهر المثل لمن انفسخ نكاحها
192
بإرضاعها من يفسد النكاح، و وجوب دفع المهاجرة المسلمة إلى زوجها الكافر المهر للحيلولة» إن ثبت بنص عليه فهو المعتمد، و إلا فهو ممنوع، على أن المذكور في تفسير الآية الدالة على حكم المرأة المهاجرة المسلمة كما هو صرح به في كتاب مجمع البيان أن الدافع للمهر إنما هو رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لا المرأة المسلمة.
و بالجملة فإن كلامه هنا (قدس سره) و اختياره القول المذكور لا أعرف له وجها، و لا دليلا شرعيا يدل عليه.
ثم إنه على تقدير وقوع الدعوى على امرأة خالية من الزوج و سماع الدعوى و أنه يترتب عليها ما يترتب على سائر الدعاوي لدخولها تحت القاعدة المنصوصة كما تقدم، فهل يجوز العقد عليها لغير المدعي قبل انتهاء الدعوى؟ قالوا: وجهان يترتبان على الخلاف المتقدم، فإن قلنا في المسألة بالقول الثاني، و هو سماع الدعوى و ترتب الفائدة السابقة عليه جاز لها أن يعقد و صح العقد، و كان الحكم كما تقدم من سماع الدعوى بالنسبة إلى فائت البضع دون أصل الزوجية مع احتمال البطلان.
و أيضا لأن العقد عليها ثانيا قبل انتهاء دعوى الأول يفيد الحيلولة بينه و بين البضع، و الغرض من دعواه الزوجية إنما هو البضع فيحتمل لذلك عدم جواز العقد حتى ينهي الأول دعواه لسبق حقه فلا يسقطه الثاني بعقده.
نعم لو تراخى الأول في الدعوى و سكت عنها فجواز العقد أجود حذرا من الإضرار (1) في بعض الصور، و إن قلنا بالقول الأول، و هو عدم سماع الدعوى على المعقود عليها بالكلية اتجه عدم جواز تزويجها إلى أن تخرج من حقه بانتهاء
____________
(1) و ذلك فإنه متى علم بأنه ليس لها العقد حتى ينهى دعواه فإنه ربما سكت عن الدعوى لقصد تطويل الأمر عليها و حصول الضرر عليها بترك التزويج ليكون ذلك وسيلة إلى رجوعها اليه و موافقتها له على دعواه فيلزم من ذلك الضرر و الحرج المنفيين آية و رواية.
(منه- (قدس سره)-).
193
الدعوى لأنها متى تزوجت قبل انتهاء الدعوى لزم بناء على هذا القول عدم سماع دعواه بالكلية فيجب عليها الصبر عن التزويج إلى أن تنتهي الدعوى، و لكن ينبغي أن يستثني منه ما تقدم من قصد الإضرار بها بالسكوت عن الدعوى و المماطلة بها.
حتى ترجع إليه.
أقول: و الأقرب و الأنسب بالأصول أنه يجوز لها التزويج مطلقا كما أنه يجوز له التصرف في كل ما يدعيه عليه غيره قبل ثبوت دعواه استصحابا للحكم السابق، و الاستصحاب هنا ليس من قبيل الاستصحاب المختلف في حجية، بل المراد هنا إنما هو استصحاب عموم الدليل، فإن الأصل ملكه لما في يده، و الأصل ملك المرأة أمر نفسها، فيجوز بناء على هذا الأصل تصرفه فيما يملكه كيف شاء حتى يقوم الدليل على المنع.
قولهم إنها بترويجها تحصل الحيلولة- بينه و بين قصده من تلك الدعوى- غير مسموع في مقابلة ما ذكرناه من ثبوت ذلك لها شرعا، و يؤكد الجواز ما عرفت من تطرق الضرر في بعض الصور، و احتمل بعض المحققين في صورة مماطلة المدعي بالدعوى، و عدم تحليفه لها استقلال الحاكم بالتحليف، لأنه قائم مقام المالك مع امتناعه مما يلزمه شرعا، و الله العالم.
المسألة التاسعة [فيما لو ادعى زوجية امرأة و ادعت أختها زوجيته]:
المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف أنه لو ادعى زوجية امرأة، و ادعت أختها زوجية، و أقام كل منهما البينة، فالحكم لبينة الرجل، إلا أن يكون مع المرأة ترجيح لبينتها من دخول أو تقدم تاريخ.
و الأصل في هذا الحكم ما رواه
الكليني في الكافي، و الشيخ في التهذيب عن الزهري (1) عن علي بن الحسين (عليه السلام) «في رجل ادعى على امرأة أنه تزوجها بولي و شهود
____________
(1) الكافي ج 5 ص 562 ح 26، التهذيب ج 7 ص 454 ح 27، الوسائل ج 14 ص 225 ب 22.
194
و أنكرت المرأة ذلك، فأقامت أخت هذه المرأة على هذا الرجل البينة أنه قد تزوجها بولي و شهود، و لم يوقتا وقتا، فكتب: أن البينة بينة الرجل و لا تقبل بينة المرأة، لأن الزوج قد استحق بضع هذه المرأة، و تريد أختها فساد النكاح فلا تصدق، و لا تقبل بينتها إلا بوقت قبل وقتها، أو بدخول بها».
و الرواية المذكورة ضعيفة السند جدا باصطلاح المتأخرين لما في سندها جملة من الضعفاء و رجال العامة، و منهم الزهري و الراوي عنه، و هو الأوزاعي، و لكن ظاهرهم تلقاها بالقبول كما تلاقاها متقدموهم مع ما في مخالفة متنها لمقتضى الأصول كما ذكروه.
و فيه تأييد لما قدمناه من أن الواجب هو العمل بالرواية صح سندها أو ضعف باصطلاحهم. و عدم الالتفات إلي ما فيها من المخالفة لمقتضى الأصول، و لكنهم لضيق المجال لما في هذا الاصطلاح تارة يردون الرواية و إن صح سندها بذلك كما تقدم قريبا، و تارة يقبلونها و إن ضعف سندها كما في هذا الموضع، فإنه لم يصرح أحد منهم بخلاف ذلك.
قال في المسالك بعد ذكر المصنف الحكم المذكورة: هذا الحكم مشهور بين الأصحاب لا يظهر فيه خلاف بينهم، و هو مخالف للقواعد الشرعية في تقديم بينة الرجل مع إطلاق البينتين أو تساوي التاريخين لأنه منكر يقدم قوله مع عدم البينة، و من كان القول قوله، و البينة بينة صاحبه.
أقول: و يمكن أن يقال في دفع ما ذكره من الاشكال، أنه لا ريب أن هنا دعويين.
(إحديهما) دعوى الزوج على المرأة التي تزوجها مع إنكارها لدعواه.
و (الثانية) دعوى الأخت على الرجل أنه تزوجها مع إنكار الرجل، و الرجل إنما أقام البينة على دعواه على تلك المرأة التي ادعى تزويجها، و لا ريب أنه مطابق لمقتضى القاعدة، من أن البينة على المدعي، و بموجب ذلك يثبت تزويجه
195
و لا مدخل هنا للأخت في ذلك حتى أنه يعد منكرا، و أن البينة بينة صاحبه.
نعم هو في دعوى الأخت عليه منكر، و لكنها دعوى اخرى، و ليس له بينة هنا حتى أنها ترد، و إنما البينة بينة المرأة.
و بالجملة فإن هنا دعويين مختلفين، فالرجل في الأولى مدع و وظيفته البينة و قد أقامها، و في الدعوى الثانية منكر إلا أن المرأة أقامت عليه البينة، و كل من الدعويين و إقامة البينة فيهما جار على مقتضى الأصول لكن لما كان اللازم من ثبوت دعوى الأخت عليه و إقامتها البينة المنافاة لما ادعاه و أقام عليه البينة، فإنه بثبوت إحدى الدعويين يجب انتفاء الأخرى يرجع الكلام إلى تقديم إحدى الدعويين، و الحكم بصحتها على الأخرى، و الامام (عليه السلام) حكم بتقديم دعوى الزوج و صحة نكاحه بالبينة التي أقامها ما لم يقدم تاريخ بينتها أو يحصل الدخول بها، معللا ذلك بأن الأخت إنما أرادت بهذه الدعوى التي ادعتها فساد النكاح، و لعل ذلك لأمر ظهر له (عليه السلام)، و إن خفي الآن وجهه علينا.
و بالجملة فإن محط الكلام و مطرح البحث إنما هو في تقديم إحدى الدعويين على الأخرى الموجب لصحة المتقدمة و فساد المتأخر، و هذا أمر آخر خارج عن محل الإشكال في كلامهم، و بذلك يتجه أنه لا مخالفة في الرواية المذكورة لمقتضى الأصول كما ذكروه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن شيخنا الشهيد الثاني (عطر الله مرقده) في المسالك قد أنهى صور المسألة و ما يتحصل منها إلى ثمانية عشر صورة بما هذا ملخصه بأن يقال: إذا وقع النزاع على هذا الوجه فإما أن يقيم كل من المدعيين بينة أولا يقيما أو يقيم أحدهما دون الآخر، و هو إما الرجل أو المرأة، فالصور أربع.
ثم إنه على تقدير إقامتهما البينة إما أن تكون البينتان مطلقتين أو مؤرختين أو تكون إحديهما مؤرخة و الأخرى مطلقة، فإما بينة الرجل أو بينة
196
المرأة، و المؤرختان إما بتاريخ واحد أو مختلفتان بأن تقدم تاريخ الرجل أو المرأة، فهذه تسع صور.
و على جميع التقادير إما أن يكون الرجل دخل بالمرأة المدعية أولا، فهذه ثمانية عشر صورة، و موضع النص منها ما إذا أقام كل واحد منهما بينة، و ما عداه ينبغي الرجوع فيه إلى القواعد الشرعية (1) في باب الدعوى، و حينئذ فمع عدم البينة يكون القول قول الرجل في إنكار زوجية المدعية بيمينه لأنه منكر، و هو ظاهر، و دعواه زوجية أختها يرجع فيه إلى القواعد أيضا، سواء أنكرت كما في الرواية أو اعترفت، هذا إذا لم يكن دخل بالمدعية، أما لو دخل بها ففي الاكتفاء بيمينه، لأنه منكر أو يرجع الى يمينها، لأن دخوله بها مكذب لإنكاره وجهان يرجعان إلى تعارض الأصل و الظاهر.
قال في المسالك: و الأول أقوى، و إن أقام أحدهما بينة خاصة قضى له سواء كان الرجل أو المرأة، إلا إذا كانت البينة للرجل و قد دخل بالمدعية فالوجهان لأنه بالنظر إلى إقامة البينة، و ثبوت الحق بها يثبت دعواه، و بالنظر إلى أن دخوله بالأخت مكذب لبينته فلا تسمع، و لعله الأقرب كما يشير إليه النص الوارد في المسألة و قرب السيد السند في شرح النافع (2) في هذه الصورة توجه اليمين على ذي البينة، فلا يقضى له بمجرد البينة كما ذكرنا أولا، قال: لجواز صدق البينة الشاهدة للأخت المدعية للعقد مع تقدم عقده على من ادعاها، و البينة لم تطلع عليه، و جواز صدق بينة الزوج بالعقد على من ادعى عليها مع تقدم عقد أختها
____________
(1) و على هذا فيقدم قولها في سبع صور من هذه الاثني عشر، و هي الستة الجامعة للدخول مطلقا، و واحدة من الستة الخالية عنه و هي ما لو تقدم تاريخها، و يقدم قوله في الخالية عنه الباقية. (منه- (رحمه الله)-).
(2) حيث صرح فيه بأن دعوى الزوج مقدمة على دعوى الأخت و بينته متقدمة إلا في صورة دخوله بها أو تقدم تاريخ بينة الأخت. (منه- (رحمه الله)-).
197
عليه، و البينة لا تعلم بالحال، لكن الأخت تحلف على نفي العلم بسبق عقد أختها لأن اليمين ترجع إلى نفي فعل الغير، و الزوج يحلف على القطع لأنه حلف على نفي فعله. انتهى، و هو جيد.
و إن أقام كل واحد منهما بينة مطلقة، أو كانت إحديهما مطلقة و الأخرى مؤرخة فالترجيح لبينة الرجل كما هو مقتضى النص إلا مع الدخول لسقوط بينة بتكذيبه إياها فيحكم لبينة الأخت، و كذا إن ورختا معا و تقدم تاريخ بينتها، فإنه لا إشكال في تقديمها لثبوت سبق نكاحها في وقت لا يعارضها الأخرى فيه، و مع تساوي التاريخين أو تقدم تاريخ بينته تقدم بينته إن لم يكن دخل بالأخت كما هو مقتضى النص.
و قال في المسالك بعد البحث في المسألة: بقي أمران: (أحدهما) أن ظاهر النص أن من قدم جانبه لا يفتقر معه إلى اليمين، و كذلك أطلق المصنف الحكم تبعا لظاهرة، إذ لو افتقر إلى اليمين مع البينة لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و إقامة جزء السبب التام مقامه، و هو ممتنع، و الأقوى الافتقار إلى اليمين إلا مع سبق تاريخ إحدى البينتين.
أما الأول: فلأنه مع التعارض بتساوي التاريخ أو إطلاقه يتساقط البينتان فلا بد من مرجح للحكم بأحدهما، فمن رجح جانبه افتقر إلى اليمين، و مجرد الدخول على تقديره لا يوجب سقوط حكم بينته رأسا، بل غاية كونه مرجحا، فلا بد من اليمين جمعا بين النصوص و القاعدة الكلية.
و أما الثاني: فلأنه مع سبق تاريخ إحدى البينتين تكون السابقة مثبتة النكاح في وقت لا يعارضها فيه أحد فتعين الحكم بها.
(الثاني) على تقدير العمل بالنصوص هنا ينسحب الحكم إلى مثل الام و البنت لو ادعي زوجية إحديهما و ادعت الأخرى زوجيته، وجهان: من اتحاد صورة
198
الدعوى إذ لا مدخل للاخت في هذا الحكم بل إنما هو لتحريم الجمع، و هو مشترك، و من كون الحكم على خلاف الأصل فيقتصر على مورده. انتهى.
أقول: قد عرفت مما سبق في الكتاب و فيما تقدم في الكتب السابقة، تكاثر الأخبار بالخروج على خلاف مقتضى قواعدهم، فلا معنى لارتكاب هذا الوجه الذي تكلفه، و قيد به الخبر من غير دلالة عليه، و لا إشارة بالكلية إليه خروجا عن مخالفة مقتضى القاعدة التي ذكرها. شعر: «ما أنت أول سار غره قمر».
و قد قدمنا آنفا أن حكمه (عليه السلام) بتقديم بينة الرجل و صحة دعواه و بطلان دعوى الأخت، لعله لأمر ظهر له (عليه السلام) بقرائن الحال يومئذ، فإنه (عليه السلام) جزم و حكم بصحة دعوى الزوج، و أنه قد استحق بضع هذه المرأة، و حكم ببطلان دعوى أختها، و أنها تريد فساد النكاح فلا تصدق، إلا على أحد الوجهين المذكورين، و من البين أن حكمه بذلك إنما يكون لأمر أوجبه عنده، دون مجرد الدعويين المذكورين، إلا أن الوجه في ذلك خفي علينا، و تطلب العلل و الأسباب في أحكامهم (عليهم السلام) غير واجب علينا، بل الواجب التسليم لما حكموا به و إن خفي علينا وجهة و سببه، فالواجب العمل بما دل عليه الخبر، و غض الطرف عن تطلب العلة المذكورة.
و ما ذكره من أن مجرد الدخول على تقديره لا يوجب سقوط حكم بينة الرجل رأسا بل غايته كونه مرجحا رد للنص الظاهر، بل الصريح في سقوط حكم بينته على التقدير المذكور، فإنه (عليه السلام) قال «لا تصدق و لا تقبل بينتها إلا بوقت قبل وقتها، أو بدخول بها» فجعل كلا من تقديم التاريخ و الدخول موجبا لبطلان دعوى الزوج، و صحة دعوى الأخت.
فحكمه- بذلك في الأول لما ذكره من التعليل و توقفه في الثاني على اليمين لما ذكره خروج عن النص.
199
و بالجملة فإنه قبل النص و عمل به، فالواجب عليه القول بما دل عليه، و عدم مقابلته بهذه التعليلات في بعض و الإغماض عنها في أخرى، و إلا فالواجب طرحه و سقوط هذا البحث من أصله، و الله العالم.
المسألة العاشرة [فيما إذا تزوج العبد بمملوكة ثم أذن له سيده في شرائها]:
إذا تزوج العبد بمملوكة ثم أذن له سيده في شرائها، فإن كان الشراء المأذون فيه إنما وقع لسيده فالعقد الأول باق بحاله، إذ لم يحصل إلا انتقالها من مالك إلى آخر، و ذلك لا يوجب انفساخ عقدها، و إن كان الاذن في الشراء إنما وقع للعبد أو للسيد و لكن ملكه إياها سيده بعد الشراء.
فإن قلنا أن العبد لا يملك فالنكاح الأول باق بحاله، لأن الشراء و الحال هذه باطل بل هي باقية على ملك الأول، و التمليك من السيد لاغ بل هي باقية على ملك السيد.
و إن قلنا إن العبد يملك مطلقا أو يملك مثل هذا الفرد من التصرفات فإنها تنتقل إلى ملك العبد، و يبطل النكاح الأول، كما يبطل نكاح الحر للأمة إذا اشتراها الزوج، للمنافاة بين وطئها بالملك و العقد، بقوله عز و جل (1) «إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ» و التفصيل يقطع الشركة، فإذا ثبت الثاني انتفى الأول.
و يدل على ما دلت عليه الآية من الأخبار ما رواه
في الكافي عن الحسين بن زيد (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يحل الفرج بثلاث: نكاح بميراث، و نكاح بلا ميراث، و نكاح بملك اليمين».
و ما رواه
الشيخ عن الحسن بن زيد (3) قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه عبد الملك بن جريح المكي فقال له: ما عندك في المتعة؟ قال: أخبرني
____________
(1) سورة المؤمنون- آية 6.
(2) الكافي ج 5 ص 364 ح 3، الوسائل ج 14 ص 57 ب 35 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 241 ح 3، الوسائل ج 14 ص 58 ح 2.
200
أبوك محمد بن علي (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) خطب الناس فقال:
أيها الناس إن الله أحل لكم الفروج على ثلاثة معان: فرج موروث و هو البنات و فرج غير موروث و هو المتعة، و ملك أيمانكم».
و روى الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول (1) عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: «و أما ما يجوز من المناكح فأربعة وجوه: نكاح بميراث و نكاح بغير ميراث، و نكاح بملك اليمين، و نكاح بتحليل من المحلل».
أقول: لا منافاة بين هذا الخبر و ما تقدم من الحصر في الثلاثة، فإن التحليل داخل في ملك اليمين لأنه متى أحل له جاريته فقد ملكه منها ما أحله.
و أما ما يؤيد ما ذكره الأصحاب من أن الجارية إذا اشتراها زوجها بطل العقد الأول و حل له النكاح بالملك فمنه ما رواه
الكليني عن سماعة (2) في الموثق قال: «سألته عن رجلين بينهما أمة فزوجاها من رجل، ثم إن الرجل اشترى بعض السهمين، فقال: حرمت عليه».
و بإسناده آخر عن سماعة مثله، إلا أنه قال: «حرمت عليه باشترائه إياها، و ذلك أن بيعها طلاقها، إلا أن يشتريها من جميعهم».
و رواه الصدوق عن زرعه عن سماعة مثله، إلا أنه قال «إلا أن يشتريها جميعا».
و قد تكرر في الأخبار أن بيعها طلاقها، و حينئذ فبيعها على زوجها يحصل طلاقها كما يحصل بالبيع على غيره، و أما هو فإنه ينكحها بعد الشراء بالملك حينئذ لما عرفت من حصول الطلاق بالبيع.
و أما في صورة شراء شقص منها كما تضمنه الخبر، فإنها تحرم مطلقا حتى يشتري الجميع، فيرجع إلى النكاح بالملك، و قد تقدم الكلام في نظير هذه المسألة، و هو ملك المرأة زوجها، و أنه بملكها له تحرم عليه، و ينفسخ نكاحها في كتاب
____________
(1) تحف العقول ص 338، الفقيه ج 3 ص 285 ب 14 ح 1، الوسائل ج 14 ص 58 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 482 ح 4، الوسائل ج 14 ص 553 ح 1.
201
التجارة في المسألة الرابعة من الفصل التاسع في بيع الحيوان من الكتاب المذكور (1).
بقي هنا شيئان: (أحدهما) أنه على تقدير القول بملكه و بطلان العقد الأول هل يستبيحها العبد بغير إذن من مولاه، أو يتوقف على الاذن، الظاهر كما تقدم تحقيقه في كتاب البيع هو أن العبد و إن كان يملك لكن تصرفه موقوف على إذن المولى.
هذا هو الظاهر من الجمع بين أخبار المسألة، و حينئذ فيتوقف وطؤها على الاذن.
(و ثانيهما) أن ما قدمنا ذكره من البطلان لو شراها العبد لنفسه بإذن السيد، و قلنا بأن العبد لا يملك كما هو أحد القولين في المسألة، و هو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في الروضة و المسالك، و قيل بأنه يقع للمولى، و هو اختيار شيخنا الشهد الأول في شرح الإرشاد، قال: و أما بقاء العقد على القول بأنه لا يملك بالتمليك كما تقدم ذكر الخلاف فيه فلأن الشراء حينئذ للمولى فالملك له و زوال الملك عن الزوج إلى غير الزوج لا يقتضي فسخ نكاحها لعدم المنافاة. انتهى.
و علله في المسالك قال: إن الشراء حينئذ يقع للمولى لأن إذنه فيه للعبد تضمن أمرين: مطلق الشراء، و كونه مقيدا بالعبد، و إذا بطل المقيد بقي المطلق المدلول عليه بالمقيد ضمنا، ثم تنظر فيه بأنه لا يلزم من الاذن في الشراء للعبد، الاذن فيه للمولى، و بقاء المطلق مع انتقاء المقيد في مثل هذه المواضع ظاهر المنع، و من الجائز أن يرضى المولى بتملك الأمة المعينة للعبد، و لا يرضى بتملكها لنفسه، فعدم صحة العقد أصلا أقوى. انتهى، و هو جيد.
و العجب منه (قدس سره) أنه فرع بقاء العقد- أعني عقد الزوج على المملوكة مع القول بعدم الملك كما عرفت- على كون الشراء للمولى، مع أنه
____________
(1) ج 19 ص 385.
202
لا خصوصية له بذلك بل هو باق أيضا و إن قلنا بالبطلان و بقائها على ملك مولاها الأول، و الله العالم بحقائق أحكامه.
المقصد الثاني: في الأولياء للعقد و ما يتعلق بهم في المقام
، و فيه مسائل.
[المسألة] الاولى [عدم الولاية لغير الأب و الجد و المولى و الوصي و الحاكم]:
المشهور بين الأصحاب انه لا ولاية في عقد النكاح لغير الأب و الجد للأب و إن علا، و المولى و الوصي و الحاكم الشرعي.
[مواضع الخلاف]
و قد وقع الخلاف هنا في مواضع
(أحدها) [في ولاية الأم و آبائها]
في الزيادة على هؤلاء بعد ولاية الأم و آبائها، ذهب إليه ابن الجنيد قال: فأما الصبية غير البالغة فإن عقد إليها أبوها فبلغت لم يكن لها اختيار، و ليس ذلك لغير الأب و آبائه في حياته، و الام و أبوها يقومان مقام الأب في ذلك، لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أمر نعيم بن نجاح أن يستأمر أم ابنته في أمرها، و قال «و امروهن في بناتهن». انتهى، و هو ضعيف و حديثه عامي، و أخبارنا ظاهرة في خلافه كما سيأتيك إن شاء الله في المسائل الآتية.
و
(ثانيها) [القول بعدم ولاية الجد]
قول ابن عقيل في نقصان الجد من هؤلاء المذكورين، فإنه قال:
الولي الذي أولى بنكاحهن هو الأب دون غيره من الأولياء، و لم يذكر للجد ولاية و ظاهر هذه العبارة المنقولة عنه حصر الولاية في الأب، فيصير خلافه شاملا لمن عد الجد أيضا من الأولياء المذكورين.
و
(ثالثها) الوصي
، و سيأتي تحقيق الكلام فيه في بعض المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
بقي الكلام هنا في مواضع
الأول: أنه هل يشترط في ولاية الجد حياة الأب أم لا؟
المشهور الثاني، و أنه لا فرق بين حياة الأب و موته بل يثبت له الولاية مطلقا، و هو ظاهر الشيخ المفيد و المرتضى و سلار حيث أطلقوا الحكم بولاية الجد، و به قطع ابن إدريس و من تأخر عنه.
و ذهب الشيخ في النهاية إلى أن حياة الأب شرط في ولاية الجد على البكر
203
البالغة و الصغيرة، و موته مسقط لولايته عليهما، و نقله في المختلف أيضا عن ابن الجنيد و أبى الصلاح و ابن البراج و الصدوق في الفقيه، و أما ابن أبي عقيل فقد عرفت أنه ينكر ولاية الجد مطلقا.
و يدل على القول المشهور أنه لا ريب أن للجد ولاية المال، فيثبت له ولاية النكاح، لما رواه
عبد الله بن سنان (1) في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: «الذي بيده عقدة النكاح هو ولي أمرها».
و لا خلاف في أن الجد ولي أمر الصغير فيكون بيده عقدة النكاح، و استدل على ذلك أيضا بأن ولاية الجد أقوى من ولاية الأب، لتقدم مختار الجد على الأب عند التعارض، كما دلت عليه النصوص الآتية في محلها إن شاء الله تعالى، و إذا كانت أقوى فلا يؤثر فيها موت الأضعف، و أورد عليه بأنه يجوز أن يكون قوة الولاية مشروطة بحياة الأب، كما هو مفروض الروايات المشار إليها، فلا يلزم قوتها مطلقا.
و استدل الشيخ في التهذيب على ما ذهب إليه بما رواه
عن الفضل بن عبد الملك (2) قال: «إن الجد إذا زوج ابنة ابنه و كان أبوها حيا و كان الجد مرضيا جاز، قلنا: فإن هوي أبو الجارية هوى، و هوى الجد هوى، و هما سواء في العدل و الرضا، قال: أحب إلي أن ترضى بقول الجد».
و اعترض على ذلك في المسالك بأن فيه- مع ضعف السند- ضعف الدلالة، قال: فإنها بالمفهوم الوصفي، و هو غير معتبر عند المحققين.
ورد الثاني منهما سبطه السيد السند في شرح النافع بأن هذا المفهوم مفهوم شرط، و هو حجة عندهم، ثم قال: لكن يمكنه أن يقال حجية المفهوم إنما يثبت إذا لم يظهر للتقييد وجه سوى نفى الحكم عن السكوت عنه.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 392 ح 46، الوسائل ج 14 ص 212 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 396 ح 5، التهذيب ج 7 ص 391 ح 40، الوسائل ج 14 ص 218 ح 4.
204
و ربما كان الوجه في هذا التقييد التنبيه على الفرد الأخفى، و هو جواز عقد الجد مع وجود الأب، و كيف كان فهذه الرواية قاصرة عن إثبات هذا الشرط.
انتهى.
أقول: و المسألة لا يخلو من شوب الاشكال، و إن كان القول المشهور لا يخلو من قوة، لأصالة عدم الشرط المذكور، مضافا إلى ظاهر صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة، إلا أن ظاهر رواية الفضل باعتبار كون المفهوم فيها مفهوم شرط، و هو حجة عند المحققين، كما أوضحناه بالأخبار الدالة على ذلك في المقدمات المذكورة في أول جلد كتاب الطهارة ما ينافي ذلك.
و ما ذكره السيد السند من الفائدة في هذا التقييد الظاهر أنه لا يخلو من بعد فإن هذا الفرد الذي اشتملت عليه الرواية ليس هو الأخفى، بل هو الظاهر، لاستفاضة الروايات به، و وقوع الاتفاق عليه، و إنما الأخفى هو العكس، و لهذا صار مطرح الخلاف في المسألة و اشتبه الدليل بالنسبة إليه.
الثاني [عدم سقوط الولاية بذهاب بكارة الصغيرة]:
لو ذهبت بكارة الصغيرة بوطىء أو نحوه فإن ثبوت الولاية عليها للأب و الجد باقية لا تزول بزوالها، لأن مناط الولاية عليها كما دلت عليه النصوص هو الصغر، أعم من أن تكون باقية على بكارتها أم لا، و إنما يفترق الحكم فيهما بالنسبة إلى البالغة كما صرحت به النصوص و هو ظاهر لا إشكال فيه.
الثالث [هل يثبت الخيار للصبي و الصبية بعد البلوغ؟]:
ظاهر الأصحاب الاتفاق على أنه لا خيار للصبية بعد البلوغ إذا عقد عليها الأب أو الجد، و إنما الخلاف في الصبي، فإن المشهور أنه كذلك ليس له الخيار.
و قيل: بان له الخيار بعد البلوغ ذهب إليه الشيخ في النهاية، و نقله في المختلف أيضا عن ابن إدريس و ابن البراج و ابن حمزة و الخلاف هنا ناش من اختلاف الأخبار في المسألة، و نحن نذكر جملة الأخبار المتعلقة بهذا المقام.
فأما ما يدل على حكم الصبية، و أنه ليس لها الخيار في الصورة المذكورة
205
فأخبار عديدة:
منها:
صحيحة عبد الله بن الصلت (1) المروية في الكافي و التهذيب قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجارية الصغيرة يزوجها أبوها، أ لها أمر إذا بلغت؟ قال:
لا» و زاد في الكافي «ليس لها مع أبيها أمر».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (2) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الصبية يزوجها أبوها ثم يموت و هي صغيرة فتكبر قبل أن يدخل بها زوجها، أ يجوز عليها التزويج أو الأمر إليها؟ قال: يجوز عليها تزويج أبيها».
و ما رواه
في التهذيب عن علي بن يقطين (3) في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام)، أتزوج الجارية و هي بنت ثلاث سنين؟ أو يزوج الغلام و هو ابن ثلاث سنين؟
و ما أدنى حد ذلك الذي يزوجان فيه؟ فإذا بلغت الجارية فلم ترض فما حالها؟
قال: لا بأس بذلك إذا رضي أبوها أو وليها».
و سيأتي أيضا ما يدل على خلاف ذلك، و لهذا نسبه المحقق في الشرائع إلى أشهر الروايتين.
و أما ما يدل على حكم الصبي فمنه ما رواه
الصدوق في الصحيح عن الحلبي (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)، الغلام له عشر سنين فيزوجه أبوه في صغره، أ يجوز طلاقه و هو ابن عشر سنين؟ قال: فقال: أما التزويج فصحيح، و أما طلاقه فينبغي أن يحبس عليه امرأته حتى يدرك، فيعلم أنه كان قد طلق، فإن أقر بذلك و أمضاه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 394 ح 6، التهذيب ج 7 ص 381 ح 16. الوسائل ج 14 ص 207 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 394 ح 9، التهذيب ج 7 ص 381 ح 17. الوسائل ج 14 ص 207 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 381 ح 18. الوسائل ج 14 ص 208 ح 7.
(4) الفقيه ج 4 ص 227 ح 3. الوسائل ج 17 ص 528 ح 4.
206
فهي واحدة بائنة و هو خاطب من الخطاب، و إن أنكر ذلك و أبى أن يمضيه فهي امرأته» الحديث.
و هو ظاهر في المراد و لم أقف على من استدل به من الأصحاب بل و لا غيره من الأخبار، و استدلوا في هذا المقام، بأن عقد الولي عقد صدر من أهله في محله، فكان لازما كسائر العقود المالية.
و لا يخفى ما فيه من تطرق الإيراد إليه، و توجه الاعتراض عليه، فإن الخصم يمنع ذلك في هذه الصورة، و هل هو إلا أصل المدعى، فيكون مصادرة.
و عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الصبي يزوج الصبية يتوارثان؟ قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم، قلت: فهل يجوز طلاق الأب؟ قال: لا» (2).
و ما رواه
في كتاب بحار الأنوار عن كتاب الحسين بن سعيد بسنده فيه عن عبيد بن زرارة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الصبي يتزوج الصبية، هل يتوارثان؟
فقال إن كان أبواهما اللذان زوجاهما حيين فنعم، قلنا: فهل يجوز طلاق الأب قال: لا».
و المراد بحياة أبويهما الإشارة إلى كون التزويج وقع منهما دون غيرهما و التقريب فيهما أنه رتب (عليه السلام) التوارث الذي هو ثمرة النكاح الصحيح- و لو كان التوارث قبل بلوغ كل منهما بأن ماتا صغيرين- على مجرد كون تزويجهما من
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 388 ح 32، الوسائل ج 14 ص 220 ب 12.
(2) أقول: و مما يدل على عدم التوارث لو ماتا صغيرين بناء على هذا القول صحيحة الحذاء المذكورة، لأن هذه الصحيحة من أدلة هذا القول كما ذكرناه في الأصل، و قد دلت على أنهما لو ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما و لا مهر الا أن يكونا قد أدركا و رضيا، و حينئذ فما دلت عليه الرواية من أنهما يتوارثان إذا كان أبواهما زوجاهما الشامل لما وقع الموت قبل البلوغ ظاهر في عدم التوقف على الاختيار فيه و أنه لا خيار للصبي إذا زوجه أبوه. (منه- (رحمه الله)-).
(3) البحار ج 103 ص 330 ح 7، الوسائل ج 17 ص 528 ح 3.
207
الأبوين، و لو توقف صحته على الاختيار بعد البلوغ كما يدعيه ذلك القائل لما حسن ذلك و لا صح، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر للناظرين.
و عن محمد بن مسلم في الصحيح (1)، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصبي يتزوج الصبية؟ قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم جائز، و لكن لهما الخيار إذا أدركا، فإن رضيا بذلك فإن المهر على الأب، قلت: فهل يجوز طلاق الأب على ابنه في صغره؟ قال: لا».
و هذه الرواية ظاهرة كما ترى في القول المخالف للمشهور بالنسبة إلى الصبي و الصبية، إلا أنها معارضة بما ذكرناه أولا من أخبار الصبية الصحيحة الصريحة في عدم تخيرها، و كذا الأخبار الواردة في الصبي الظاهرة في ذلك أيضا.
و الشيخ في التهذيب قد أجاب عن صحيحة محمد بن مسلم (2) المذكورة فقال:
ليس في هذا الخير ما ينافي ما قدمناه، لأن قوله (عليه السلام) «لكن لهما الخيار إذا أدركا» يجوز أن يكون أراد أن لهما ذلك بفسخ العقد، إما بالطلاق من جهة الزوج و اختياره، أو مطالبة المرأة له بالطلاق، أو ما يجرى مجرى ذلك مما يفسخ العقد و لم يرد بالخيار هيهنا عدم إمضاء العقد، و أن العقد موقوف على خيارهما، قال:
و الذي يكشف عما ذكرناه قوله في الخبر «إن كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم جائز» فلو كان العقد موقوفا على رضاهما لم يكن بين الأبوين و غيرهما في ذلك فرق، و كان ذلك أيضا جائزا لغير الأبوين، و قد ثبت به فرق في الموضعين، فعلمنا أن المراد ما ذكرنا. هذا كلامه (قدس سره).
و أورد عليه السيد السند في شرح النافع- بعد الطعن بالبعد، و شدة
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 382 ح 19، الوسائل ج 14 ص 208 ح 8.
(2) أقول: و العلامة قد أجاب عنها في المختلف بالحمل على ما إذا زوجهما الولي بغير كفو أو بذي عيب، و هو راجع الى كلام الشيخ المشار اليه بنحو ذلك، قال في المسالك بعد ذكر الحملين المذكورين: و هو بعيد لكنه خير من اطراح أحد الجانبين. (منه- (قدس سره)-).
208
المخالفة للظاهر- أن ما جعله كاشفا عن ذلك لا يكشف عنه، فإن الفرق بين عقد الولي و غيره على هذا التقدير يتحقق أيضا لأن عقد غير الولي يتوقف على إجازة الصبي، و عقد الولي لا يتوقف على الإجازة و إنما يجوز للصبي فسخه، و أحدهما غير الآخر، و المسألة محل الاشكال، و طريق الاحتياط واضح انتهى.
أقول: ما ذكره (قدس سره) من أن عقد الولي لا يتوقف على الإجازة، و إنما يجوز للصبي فسخه، فيه أن الظاهر من أخبار المسألة هو أنه يتخير الصبي بعد البلوغ بين الإمضاء و الفسخ، فإن أمضاه و أجازه كان صحيحا لازما، و إن فسخه و لم يرض به كان باطلا، و هذا حكم العقد الفضولي، إلا أن العقد صحيح يترتب عليه أحكام الصحة، إلا أن يفسخه الصبي كما هو حكم الخيار في سائر العقود على ما ادعاه، و يشير إلى ما ذكرناه ما يأتي
في صحيحة الحذاء من قوله (عليه السلام) «و إن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما و لا مهر إلا أن يكونا قد أدركا و رضيا»،.
و كذا قوله في باقي الرواية فإنه من هذا القبيل، و هو كما ترى ظاهر، بل صريح في أنه إنما يكون صحيحا لازما بالرضاء و القبول بعد البلوغ، فلو لم يرضيا و ماتا قبل البلوغ بطل العقد فلا ميراث و لا مهر، و مقتضى كلامه هو الصحة و ترتب أحكامها ما لم يفسخ الصبي قبل البلوغ، و حينئذ فاللازم القول بالتوارث و وجوب المهر لو ماتا قبل البلوغ لصحة العقد و عدم فسخه، و النص كما ترى على خلافه.
و بالجملة فكلامه و إن كان مما يتراءى منه الصحة بحسب الظاهر إلا أنك بالنظر إلى الروايات و الرجوع إليها يظهر لك صحة ما ذكرناه، نعم ما ذكره من أن المسألة محل إشكال جيد كما سيظهر لك إن شاء الله.
و ما رواه
الشيخ عن يزيد الكناسي (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى الجارية، فقال يا أبا خالد إن
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 383 ح 20، الوسائل ج 14 ص 209 ح 9.
209
الغلام إذا زوجه أبوه و لم يدرك كان له الخيار إذا أدرك و بلغ خمسة عشر سنة، أو يشعر في وجهه أو ينبت في عانته قبل ذلك» الحديث.
أقول: و هذا الخبر هو مستند من ذهب إلى الفرق بين الصبي و الصبية، فخص الخيار بالصبي دونها مع أن هذا الخبر ضعيف السند بجهالة الراوي و خبر محمد بن مسلم المتقدم دال على اشتراكهما في الخيار، و الشيخ قد أجاب عن هذا الخبر بما تقدم نقله في الجواب عن صحيحة محمد بن مسلم، قال: في المسالك بعد ذكر صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة، و لو عمل الجماعة بهذا الخبر الصحيح و أثبتوا الخيار لهما لكان أولى من تخصيصهم الخيار بالولد استنادا إلى الرواية الضعيفة.
انتهى.
و فيه ما عرفت في غير مقام مما تقدم أن هذا الكلام إنما يتجه اعتراضا على أصحاب هذا الاصطلاح المحدث لا على مثل الشيخ و أمثاله من المتقدمين فإن الأخبار باصطلاحهم كلها صحيحة و لكن الظاهر أنهم لم يخطر ببالهم الصحيحة المذكورة.
و ما رواه
في الكافي في الصحيح و التهذيب في الموثق عن أبي عبيدة الحذاء (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غلام و جارية زوجهما وليان لهما و هما غير مدركين، فقال: النكاح جائز و أيهما أدرك كان له الخيار، و إن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما و لا مهر إلا أن يكونا قد أدركا و رضيا قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال: يجوز ذلك عليه إن هو رضي، قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية و رضي بالنكاح ثم مات قبل أن تدرك الجارية أ ترثه؟ قال: نعم يعزل ميراثها منه حتى تدرك فتحلف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث إلا رضاها بالتزويج، ثم يدفع إليها الميراث و نصف المهر، قلت: فإن ماتت الجارية و لم تكن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 401 ح 4، التهذيب ج 7 ص 388 ح 31، الوسائل ج 17 ص 527 ح 1.
210
أدركت أ يرثها الزوج المدرك؟ قال: لا، لأن لها الخيار إذا أدركت، قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوجها قبل أن تدرك؟ قال: يجوز عليها تزويج الأب و يجوز على الغلام، و المهر على الأب للجارية».
أقول: و هذه الرواية بالنظر إلى صدرها ظاهرة الدلالة على القول الثاني الذي هو خلاف المشهور إلا أن قوله في آخره «فإن كان أبوها هو الذي زوجها» مما ينافي ذلك و بعجز الخبر المذكور استدل السيد السند في شرح النافع للقول المشهور و لم يتعرض للكلام فيما دل عليه صدره.
و يمكن أن يقال و لعله الظاهر أن المراد بالوليين في صدر الخبر غير الشرعيين فإن إطلاق الولي في الأخبار على هذا المعنى غير عزيز، و حينئذ يكون من قبيل الفضولي، و لا إشكال حينئذ فيما ترتب عليه من الأحكام، لأن العقد الفضولي في النكاح صحيح عندنا، و أما ما عداه فالأظهر بطلانه كما تقدم تحقيقه في كتاب البيع و على هذا لا إشكال في الخبر، و بذلك يكون باعتبار ما دل عليه عجزه من جملة أدلة القول المشهور، و حينئذ تنحصر المخالفة في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة.
و قد عرفت ما أجيب به عنها، و ما فيه من البعد، و لا يحضرني الآن أقوال العامة في المسألة.
و بالجملة فإن المسألة من أجل هذه الرواية، و عدم توجه محمل تحمل عليه لا تخلو من الاشكال، و إن كان القول المشهور هو الأوفق بالأصول المقررة في هذا المجال، مضافا إلى ما دل عليه من الأخبار الواضحة المقال، و الله العالم.
المسألة الثانية [في الأقوال الواردة في ولاية البكر على النكاح]:
لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في استقلال البكر البالغة بالولاية على مالها و كذا لا خلاف في ولايتها في النكاح مع فقد الأب و الجد أو وجودهما، و انتفاء شرائط الولاية عنهما، و اتفاقهم أيضا على أن حكم الثيب بغير النكاح و الموطوءة دبرا حكم البكر في الخلاف الآتي.
و إنما الخلاف في ولاية البكر أو الثيب بغير الجماع البالغة الرشيدة- في النكاح
211
مع وجود الأب أو الجد، و اتصافهما بشرائط الولاية- على أقوال خمسة (1):
(أحدها) و هو المختار، استمرار الولاية عليها مطلقا
، و نقله شيخنا الشهيد في شرح نكت الإرشاد عن الشيخ في أكثر كتبه، و الصدوق و ابن أبي عقيل، و نقله أيضا عن ظاهر القاضي و الصهرشتي.
أقول: و قواه السيد السند في شرح النافع، و إليه كان يذهب والدي (قدس سره) و هو ظاهر المحدث الكاشاني في الوافي، و به جزم شيخنا المحقق المدقق العلامة الشيخ أحمد بن محمد بن يوسف المقالي البحراني (نور الله مرقده).
و
(ثانيها) [استقلالها بالعقد دونهما مطلقا]
و هو المشهور بين المتأخرين، استقلالها بالعقد دونهما مطلقا، و نقل عن الشيخ في التبيان و المرتضى و الشيخ المفيد في أحكام النساء و ابن الجنيد و سلار و ابن إدريس و هو مذهب المحقق و العلامة، و قواه شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان ابن عبد الله البحراني في بعض أجوبته عن مسائل سئل عنها، منها المسألة المذكورة.
و
(ثالثها) التشريك بينهما و بين الولي
، و هو منقول عن أبي الصلاح و الشيخ المفيد في المقنعة، و اختاره المحدث الشيخ محمد بن الحر العاملي في الوسائل.
هذه هي الأقوال المشهورة بينهم كما ذكره شيخنا الشهيد في شرح نكت الإرشاد.
و
(رابعها) استمرار الولاية عليها في الدائم دون المنقطع
، و هو مذهب الشيخ في كتابي الأخبار.
و
(خامسها) عكسه
و هو ثبوت الولاية عليها في المنقطع دون الدائم، و هذا القول نقله المحقق في الشرائع، و حكى شيخنا الشهيد في شرح نكت الإرشاد أن المحقق سئل عن قائله فلم يجب، قال في المسالك- بعد نقل هذه الأقوال الخمسة-:
____________
(1) و اعلم أن العامة أيضا مختلفون في هذه المسألة، و المشهور بينهم استقلالها دونهما، و هو المنقول عن الشافعي و مالك و أحمد، و أما أبو حنيفة فإنه حكم باستقلالهما كما نقله في التذكرة. (منه- (قدس سره)-).
212
و زاد بعضهم قولا سادسا، و هو أن التشريك في الولاية تكون بين المرأة و أبيها خاصة دون غيره من الأولياء، و نسبه إلى المفيد.
و اعلم أن الأصل في هذه الأقوال و اختلافها في هذا المجال هو اختلاف الأخبار الواردة في ذلك عنهم (عليهم السلام) و اختلاف الإدراكات فيما دلت عليه و الأفهام، و من أجل ذلك صارت المسألة منتصلا لسهام النقض و الإبرام.
و قد عدها الأصحاب من أمهات المسائل و معضلات المشاكل، و قد صنفت فيها الرسائل و كثر السؤال عنها و السائل، و أطنب جملة من الأصحاب فيها الاستدلال لهذه الأقوال و أكثروا فيها من القيل و القال بإيراد آية لا دلالة فيها على المراد أو خبر عامي ليس في إيراده إلا مجرد تكثير السواد، و دليل اعتباري لا يمنع من تطرق المناقشة إليه و الإيراد.
و نحن نقتصر على الأخبار الواصلة إلينا في هذا الباب كما هي العادة الجارية التي بنينا عليها في الكتاب فنردف كل قول من هذه الأقوال بما يدل من الأخبار عليه و نوشحه بالبحث عن كل خبر، و ما يتطرق من الكلام إليه، و منه تعالى أستمد الهداية لتحقيق ما هو الحق و الصواب و النجاة من الوقوع في مهاوي الزيغ و الارتياب.
فأقول
الأول [القول باستقلال الولي]
من هذه الأقوال: و هو الذي عليه المعول باستقلال الولي و أنه ليس لها معه أمر، و يدل عليه جملة من الأخبار.
منها ما يدل على استقلاله نصا بحيث لا يقبل التأويل و الاحتمال.
و منها ما يدل على ذلك ظاهرا كما هو المعتمد في الاستدلال فلا يلتفت إلى ما قابله من التأويل و الاحتمال.
فمنها ما رواه
ثقة الإسلام في الصحيح عن عبد الله بن الصلت (1) قال: «سألت
____________
(1) الكافي ج 5 ص 394 ح 6، التهذيب ج 7 ص 381 ح 16، الوسائل ج 14 ص 207 ح 3.
213
أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الجارية الصغيرة زوجها أبوها، أ لها أمر إذا بلغت؟
قال: لا، ليس لها مع أبيها أمر، قال: و سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء، أ لها مع أبيها أمر؟ قال: ليس لها مع أبيها أمر ما لم تثيب».
و ما رواه
الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء، أ لها مع أبيها أمر؟ قال: ليس لها مع أبيها أمر ما لم تثيب».
و هي كالأولى متنا و دلالة.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا تستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها ليس لها مع الأب أمر، و قال: تستأمرها كل أحد ما عدا الأب».
لا يقال: إنها غير صريحة في البلوغ و الرشد، لأنا نقول: وجوب الاستيمار على كل أحد لها ما عدا الأب لا يكون إلا مع البلوغ و الرشد كما هو ظاهر.
و منها ما رواه
علي بن جعفر في كتابه (3)- و هو من الأصول المشهورة- عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يصلح له أن يزوج ابنته بغير إذنها قال نعم، ليس يكون للولد مع الوالد أمر، إلا أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك فتلك لا يجوز نكاحها إلا أن تستأمر».
و هذه الروايات مع صحتها صريحة الدلالة واضحة المقالة في نفي ولايتها استقلالا و شركة الموجب لاستقلال الأب بالولاية، و لا مجال فيها للاحتمال و الحمل على خلاف ذلك بالكلية.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب عن الحلبي (4) في الصحيح «عن الصادق (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 203 ح 11.
(2) الكافي ج 5 ص 393 ح 2، التهذيب ج 7 ص 380 ح 13، الوسائل ج 14 ص 205 ح 3.
(3) الوسائل ج 14 ص 215 ح 8، بحار الأنوار ج 1. ص 253.
(4) الكافي ج 5 ص 393 ح 4، التهذيب ج 7 ص 381 ح 15، الوسائل ج 14 ص 215 ح 7.
214
في الجارية يزوجها أبوها بغير رضا منها، قال: ليس لها مع أبيها أمر، إذا أنكحها جاز نكاحه و إن كانت كارهة».
و زاد في الكافي قال: «و سئل عن رجل يريد أن يزوج أخته؟ قال: يؤامرها، فإن سكتت فهو إقرارها، و إن أبت لم يزوجها».
و أما ما اعترض به في المسالك- من أن هذه الرواية رواها الشيخ عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي، و حماد هذا مشترك بين الثقة و غيره، فلا يكون صحيحة- فإنه غفلة محضة و توهم صرف، فإن المعروف المتكرر في مثل هذا السند هو حماد بن عثمان للتصريح به في مواضع عديدة من التهذيب، و لرواية ابن أبي عمير عنه في كتب الرجال.
بل صرح به الكليني في سند هذا الخبر على ما نقله بعض الأعلام، و قد صرح في التهذيب بعد هذا الحديث، و قبله بيسير برواية ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن الحلبي، و الجميع في باب واحد، و مثله في باب الاشهاد على الوصية، و بالجملة فإنه لا يخفى على الممارس صحة ما قلناه و ضعف ما طعن به لا يقال: إنه يحتمل حمل الجارية في الخبر على الصغيرة، لأنا نقول: لا يخفى على من نظر في قرائن الكلام، و تدبر سياق الخبر التدبر التام، أن قول السائل «بغير رضا منها» و قوله (عليه السلام) «و إن كانت كارهة» ظاهر في بلوغ تلك الجارية المسؤل عنها وقت التزويج، لأنه لا مجال لاعتبار الرضا من غير البالغة و كذا إطلاق الكراهة بالنسبة إليها، و الحمل على عدم الرضا، و الكراهة بعد البلوغ، و وقوع العقد قبله يرده صدر الخبر حيث إن قوله «بغير رضا. إلى آخره» وقع حالا من قوله «يزوجها» مع وجوب اتحاد زمان الحال و عامله كما قرر في محله.
و حينئذ فتكون هذه الرواية- بناء على ما قلناه من الدلالة بظاهرها على المطلوب- قد دلت عليه بأبلغ وجه و آكد من حيث الجمع فيها بين جواز نكاح الأب لها و إن كانت كارهة، و بين نفي أمرها معه في ذلك بالمرة.
215
و منها ما رواه
الشيخان المذكوران عن زرارة (1) في الصحيح بطريق الكافي قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا ينقض النكاح إلا الأب».
و التقريب فيه من حيث حصر نقض النكاح فيه، و هو لا يجامع الاستقلال و لا الشركة، و لو كان للبكر استقلال لما كان للأب نقضه، و لو كانت شريكة لما انحصر النقض فيه أيضا.
فإن قيل: إن الحصر هنا غير مراد، لأن الجد أيضا ينقض النكاح، و لخروج الثيب و المذكر البالغ منه أيضا، قلنا: إنهم قد صرحوا بأن العام المخصوص حجة في الباقي، فخروج الأفراد المذكورة بدليل من خارج لا ينافي حجية الخبر فيما بقي من الأفراد داخلا تحت عموم اللفظ أو إطلاقه.
و منها ما رواه
في الكافي و الفقيه عن ابن أبي يعفور (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تزوج ذوات الآباء من الأبكار إلا بإذن آبائهن».
و هذه الرواية صريحة في المنع من استقلالها من حيث دلالتها على فساد النكاح بدون إذن الأب، لكنها غير صريحة في المنع من الشركة، إذ غاية ما تدل عليه أنه ليس لها الانفراد.
و اعترض على هذه الرواية في المسالك من حيث السند بأن في طريقها علي بن الحكم، و هو مشترك بين الثقة و غيره و ذلك يمنع من الحكم بصحتها، و من حيث الدلالة بأن «من» في قوله «من الأبكار» كما يمكن حملها على البيانية فتعم الصغيرة و الكبيرة يمكن حملها على التبعيضية، فلا تدل على محل النزاع، لأن بعض الأبكار من الصغار لا يتزوج إلا بإذن أبيها إجماعا.
و فيه أن علي بن الحكم هنا هو الكوفي الثقة بقرينة رواية أحمد بن محمد بن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 392 ح 7، التهذيب ج 7 ص 379 ح 8، الوسائل ج 14 ص 205 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 393 ح 1، التهذيب ح 7 ص 379 ح 7، الفقيه ج 3 ص 250 ح 1، الوسائل ج 14 ص 208 ح 5.
216
عيسى عنه، كما هو متكرر في هذه الأسانيد مع احتمال اتحاد غيره به كما اختاره الميرزا محمد في كتاب الرجال، على أن الصدوق (قدس سره) أورد هذا الخبر عن العلاء عن ابن أبي يعفور، و له إلى العلاء طرق صحيحة غير مشتملة على علي بن الحكم.
و أما ما ذكره من حيث الدلالة فلا يخفى ما فيه من البعد على الناظر المنصف، مع أن ذلك يقتضي عدم الفائدة في التقييد بالأبكار، لأن الصغيرة الثيب حكمها كذلك.
و منها ما رواه
في الكافي عن الفضل بن عبد الملك (1) في الموثق عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا تستأمر الجارية التي بين أبويها إذا أراد أبوها أن يزوجها هو أنظر لها، و أما الثيب فإنها تستأذن و إن كانت بين أبويها إذا أرادا أن يزوجاها».
و ما رواه
في التهذيب عن إبراهيم بن ميمون (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر، و إذا كانت قد تزوجت لم يزوجها إلا برضى منها».
و عن عبيد بن زرارة (3) قال: «لا تستأمر الجارية في ذلك إذا كانت بين أبويها، فإذا كانت ثيبا فهي أولى بنفسها».
و التقريب في هذه الأخبار الثلاثة أن قرينة المقابلة بالثيب المشروط فيها الاستئذان إجماعا يدل على أن المراد بالجارية فيها هي البكر البالغ الرشيدة بقرينة ما عرفت من الأخبار المتقدمة المتفقة على استقلال الأب بالولاية عليها، و أنه لا أمر لها معه.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 394 ح 5، الوسائل ج 14 ص 202 ح 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 380 ح 12، الوسائل ج 14 ص 214 ح 3.
(3) التهذيب ج 7 ص 385 ح 23، الوسائل ج 14 ص 204 ح 13.
217
و منها ما رواه
في الكافي (1) عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المرأة الثيب، قال: هي أملك بنفسها، تولي أمرها من شاءت إذا كان كفوا بعد أن تكون قد نكحت رجلا قبله».
و التقريب فيها من حيث قوله «بعد أن تكون قد نكحت. إلخ» الدال على تقييد أملكيتها بنفسها و توليتها أمر نفسها بما إذا كان ذلك بعد نكاحها رجلا قبله، فلو كانت الثيوبة الحاصلة لها لا عن نكاح فليست أملك بنفسها و ليس لها أن تولي أمرها من شاءت لرجوع أمرها إلى الولي حينئذ كالبكر، إذ لا فرق في ثبوت الولاية عند مثبتها بين كونها بكرا أو ثيبا بغير نكاح كما تقدم ذكره في صدر المسألة، و دلالة الرواية و إن كانت بالمفهوم إلا أنه في معنى مفهوم الشرط كما صرح به في الخبر الذي بعده.
و منها ما رواه
الشيخ في الموثق عن عبد الله بن بكير (2) عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس أن تزوج المرأة نفسها إذا كانت ثيبا بغير إذن أبيها إذا كان لا بأس بما صنعت».
و التقريب فيها تعليق نفى البأس على الثيوبة فينتفي بانتفائها عملا بالمفهوم الشرط الذي هو حجة عند المحققين، و عليه دلت الأخبار أيضا كما قدمناها في مقدمات الكتاب.
و منها ما رواه
الشيخ (رحمه الله) عن سعد بن إسماعيل عن أبيه (3) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل تزوج ببكر أو ثيب لا يعلم أبوها و لا أحد من قرابتها، و لكن تجعل المرأة وكيلا فيزوجها من غير علمهم، قال: لا يكون ذا» (4).
____________
(1) الكافي ج 5 ص 392 ح 5، الوسائل ج 14 ص 202 ح 4.
(2) التهذيب ج 7 ص 386 ح 25، الوسائل ج 14 ص 204 ح 14.
(3) التهذيب ج 7 ص 385 ح 24، الوسائل ج 14 ص 204 ح 15.
(4) قال الشيخ في التهذيب: قوله (عليه السلام) «لا يكون ذا» محمول على أنه لا يكون في البكر خاصة، دون أن يكون متناولا للثيب، و لا يمتنع أن يسئل عن شيئين فيجيب عن أحدهما و يعدل عن الجواب عن الأخر لضرب من المصلحة، و لو كان راجعا الى الثيب لجاز أن يحمل على ضرب من الاستحباب أو التقية. انتهى، و هو جيد. (منه- (قدس سره)-).
218
وجه الاستدلال أن يقال: أن الثيب قد ثبت بالدليل استقلالها فيجب إخراجها من الخبر، و يبقى البكر حتى يقوم الدليل على استثنائها، و المتحقق مما قدمنا من الأدلة إنما هو بقاؤها.
و منها ما رواه
في كتاب البحار عن كتاب الحسين بن سعيد عن ابن أبي يعفور (1) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يتزوج الرجل الجارية متعة؟
فقال، نعم، إلا أن يكون لها أب، و الجارية يستأمرها كل أحد إلا أبوها».
و مما يؤيد ذلك جملة من الأخبار الواردة في اختلاف الأب و الجد و تقديم الجد.
و منها
صحيحة محمد بن مسلم (2) «عن أحدهما (عليهما السلام) إذا زوج الرجل بنت ابنه فهو جائز على ابنه، و لابنه أيضا أن يزوجها».
و موثقة عبيد بن زرارة (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الجارية يريد أبوها أن يزوجها من رجل، و يريد جدها أن يزوجها من رجل آخر قال: الجد أولى بذلك ما لم يكن مضارا إن لم يكن الأب زوجها قبله، و يجوز عليها تزويج الأب و الجد».
و موثقة الفضل بن عبد الملك (4) قال: «إن الجد إذا زوج ابنة ابنه و كان أبوها حيا و كان الجد مرضيا جاز، قلنا: فإن هوي أبو الجارية هوى، و هوى
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 589 ب 10 ح 3، البحار ج 103 ص 330 ح 5.
(2) التهذيب ج 7 ص 390 ح 37، الوسائل ج 14 ص 217 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 390 ح 36، الوسائل ج 14 ص 218 ح 2.
(4) التهذيب ج 7 ص 391، ح 40، الوسائل ج 14 ص 218 ح 4.
219
الجد (1) و هما سواء في العدل و الرضا؟ قال: أحب إلي أن ترضى بقول الجد».
و التقريب فيها أن ما دلت عليه، و إن كان أعم من المدعى إلا أنه يخرج بدليل و يبقى الباقي.
و أوضح من ذلك دلالة رواية الفضل بن عبد الملك (2) عن الصادق (عليه السلام) في حديث «قال: إذا زوج الرجل ابنه فذلك الى ابنه فإذا زوج الابنة جاز». و المقابلة قرينة واضحة ظاهرة في إرادة البلوغ في الموضعين، و بتقدير العدم فالإطلاق كاف، و إن خرج ما خرج بدليل فيبقي حجة في الباقي، هذا ما وقفت عليه مما يصلح للدلالة على القول المذكور.
و منها ما هو نص لا يقبل التأويل كما عرفت، و منها ما هو ظاهر الدلالة، واضحة المقالة، و الجميع ظاهر في شمول التزويج دواما و متعة، و أصحابنا (رضوان الله تعالى عليهم) لم ينقلوا في مقام الاستدلال لهذا القول إلا القليل من الروايات الأخيرة.
و أما الروايات الأولة الصريحة في المدعي فلم يتعرضوا لها و لم ينقلوا شيئا منها، و العلامة في المختلف لم ينقل إلا صحيحة ابن أبي يعفور، و رواية إبراهيم بن ميمون، و صحيحة محمد بن مسلم، و حملها على كراهة تفردها بالعقد، و أولوية استئذان الأب جمعا بين الأدلة، و فيه ما سيظهر لك إن شاء الله.
الثاني: القول باستقلالها
كما هو المشهور بين المتأخرين، و استدل عليه بجملة من الأخبار:
(أحدها) ما رواه
في الكافي و الفقيه عن الفضيل بن يسار و محمد بن مسلم و زرارة
____________
(1) هكذا في النسخ هنا و لكنه قد نقل الرواية سابقا هكذا فإن هوي أب الجارية هوى و هوى الجد هوى إلى آخر الرواية و سقط كلمة «هوى» لتوهم التكرار أو أسقط من النساخ بعض الألفاظ مما هنا. و الله العالم. (منه- (رحمه الله)-).
(2) التهذيب ج 7 ص 389 ح 35، الوسائل ج 14 ص 207 ح 2.
220
و بريد بن معاوية (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «المرأة التي ملكت نفسها غير السفيهة و لا المولى عليها تزويجها بغير ولي جائز».
و اعترض على الاستدلال بهذه الرواية السيد السند في شرح النافع، و قبله جده (عطر الله مرقديهما) في المسالك بأن الحكم فيها بسقوط الولاية وقع منوطا بأن ملكت نفسها، فإدخال البكر فيها عين المتنازع، و كذا قوله غير المولى عليها، فإن الخصم يدعي كون البكر مولى عليها، فكيف يستدل به على زوال الولاية.
ثم أنه في المسالك أجاب عن ذلك، فقال: و يمكن التخلص من دعوى كون البكر مولى عليها و أن الاستدلال بها عين النزاع، بأن يقال: إن البكر الرشيدة الحرة لما كانت غير مولى عليها في المال صدق سلب الولاية عليها في الجملة، فيصدق أن البكر الرشيدة الحرة مالكة نفسها غير سفيهة و لا مولى عليها فتدخل في الحكم، و هو جواز تزويجها. إلى آخره، و هو حسن أيضا. انتهى.
و اعترضه سبطه السيد السند في شرح النافع فقال: إنه ضعيف، لأن الولاية في المال أخص من مطلق الولاية، و نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، ثم قال و نعم ما قال: و الذي يظهر لي أن المراد بالمالكة نفسها غير المولى عليها البكر التي لا أب لها، و الثيب كما يدل عليه قوله (عليه السلام)
في رواية أبي مريم (2) «الجارية البكر التي لها أب لا تتزوج إلا بإذن أبيها، و قال: إذا كانت مالكة لأمرها تزوجت متى شاءت».
و في صحيحة الحلبي (3) «في الثيب تخطب إلى نفسها؟ قال: هي أملك بنفسها».
و على هذا فلا دلالة في الرواية على المطلوب. انتهى.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 391 ح 1، التهذيب ج 7 ص 277 ح 1، الفقيه ج 3 ص 251 ح 8، الوسائل ج 14 ص 201 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 391 ح 2، الوسائل ح 14 ص 202 ح 7.
(3) الكافي ج 5 ص 392 ح 5، التهذيب ج 7 ص 377 ح 3، الوسائل ج 14 ص 202 ح 4.
221
أقول: و كيف كان فلا أقل أن يكون ما ذكرناه في معنى الرواية مساويا لما ذكروه من الاحتمال، و به يبطل الاعتماد عليها في الاستدلال.
و (ثانيها) ما رواه
الشيخ عن منصور بن حازم (1) في الصحيح قال: «تستأمر البكر و غيرها، و لا تنكح إلا بأمرها».
و أورد على الاستدلال بهذه الرواية كما ذكره السيد السند و قبله جده (عطر الله مرقديهما) بأن أقصى ما تدل عليه عدم استقلال الأب بالولاية، لا جواز انفرادها و استقلالها كما هو المدعى، و حينئذ فلا تنفي التشريك الذي هو أحد الأقوال في المسألة.
و احتمل بعض المحققين حملها على بكر ليس لها أب جمعا بينها و بينما تقدم من الأخبار الصحيحة الصريحة في استقلاله كما عرفت، و هو جيد.
و يمكن الجمع أيضا بما ذكره الشيخ في التهذيب من الحمل على الاستحباب فإنه قال بعد نقل الخبر المذكور: فهذا الخبر محمول على الأفضل فيما يختص الأب من أمر البكر، و ما يختص غيره محمول على ظاهره من الوجوب و أنه لا يجوز العقد عليها إلا بأمرها. انتهى.
و هذا الحمل أيضا لا بأس به في مقام معارضته ما ترجح عليه سندا و عددا و دلالة (2).
و (ثالثها) ما رواه
الشيخ في التهذيب عن زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا كانت المرأة مالكة أمرها تبيع و تشتري و تعتق و تشهد و تعطي من مالها ما شاءت
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 380 ح 11، الوسائل ج 14 ص 203 ح 10.
(2) قال في المسالك بعد البحث في الرواية و ذكر ما يرد عليها و ما أجاب به و طول الكلام فيه: و قد ظهر من جميع ما حققناه أن دلالة الرواية قريبة الأمر، الا أنها مشتملة على شبهات كثيرة لا يقاوم ما سيأتي مما يدل صريحا على ثبوت الولاية من النصوص الصحيحة.
انتهى و فيه إشارة إلى صحة القول الذي اخترناه و ترجيحه له. (منه- (قدس سره)-).
(3) التهذيب ج 7 ص 378 ح 6، الوسائل ج 14 ص 215 ح 6.
222
فإن أمرها جائز، تزوج إن شاءت بغير إذن وليها، و إن لم يكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلا بأمر وليها».
و هذه الرواية ظاهرة في أن المالكة أمرها هي المرفوع عنها حجر التصرف المالي بناء على أن جملة «تبيع و تشتري. إلى آخره» وقعت تفسيرا لقوله «مالكة أمرها» و حينئذ فيكون رفع الولاية عنها في النكاح يدور وجودا و عدما مدار رفع الولاية عنها في المال، و بذلك يتم الاستدلال بها هنا، إلا أن بعض المحققين من متأخري المتأخرين احتمل أن تكون جملة «تبيع و تشري. إلى آخره» خبرا ثانيا لكان، لا تفسيرا كما قيل، فعلى هذا لا يكفى ارتفاع الحجر المالي بل لا بد من مالكية الأمر الذي هو عبارة عما قدمناه من كونها ثيبا أو غير ذات أب، و هو ينتظم مع ما تقدم في أخبار القول الأول من أن البكر البالغة الرشيدة ليس لها مع أبيها أمر، فكيف تكون مالكة أمرها، و هو جمع حسن بين الأخبار، و إن كان الأول أنسب بالسياق.
و على تقدير تسليم أن المالكية عبارة عن ارتفاع الحجر المالي كما هو مطلوب المستدل (1)، فإنه يمكن أن يقال: إن موضوع هذا الخبر أعم من موضوع تلك الأخبار الصحيحة المتقدمة لأن موضوعه حينئذ المرأة المرتفع عنها الحجر المالي، و موضوع تلك الأخبار الصحيحة البكر التي بين أبويها.
و مقتضى القاعدة تخصيص العموم المذكور بتلك الأخبار، و حينئذ فيخص عموم هذه الرواية بما عدا البكر التي بين أبويها كالثيب و البكر التي لا أب لها، و هذا بحمد الله واضح لا سترة عليه.
____________
(1) توضيحه: أن المرأة التي ارتفع عنها الحجر المالي شاملة للبكر البالغ الرشيدة التي بين أبويها و الثيب و البكر البالغ التي لا أب لها. و قد صرح الخبر بأن أمرها بيدها، و تلك الاخبار الصحاح صرحت بأن البكر البالغة الرشيدة إذا كانت بين أبويها فلا أمر لها و لا اختيار فيجب تخصيص هذا العموم بما عداها من الفردين الآخرين (منه- (قدس سره)-).
223
و بالجملة فإنه لما صرحت تلك الأخبار المتقدمة باستقلال الأب على وجه لا يمكن دفعه و تأويله مع كثرتها و صحتها فالواجب تطبيق هذا الخبر عليها لضعفه عن المعارضة سندا و عددا و دلالة.
و (رابعها) ما رواه
في الكافي عن أبي مريم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الجارية البكر التي لها أب لا تتزوج إلا بإذن أبيها، و قال: إذا كانت مالكة أمرها تزوجت من شاءت».
وجه الاستدلال بها أن تحمل البكر في صدر الرواية على الصغيرة أو غير الرشيدة، و المالكة أمرها في عجز الرواية على البكر البالغة الرشيدة.
و فيه أن الأول تخصيص لعموم اللفظ من غير دليل، بل الدليل كما عرفت على خلافه واضح السبيل، و الثاني مصادرة على المطلوب، فالأظهر في معنى الرواية إنما هو إبقاء صدرها على عمومه، و حمل «المالكة أمرها» على الثيب أو البكر التي لا أب لها بقرينة المقابلة بالبكر التي لها أب لما عرفت من النصوص على أنها لا تزوج إلا بإذن أبيها فهي بالدلالة على ما تدعيه من استقلال الأب أنسب، و إلى ما ذكرناه أقرب.
و كيف كان فإنه لا يتم الاستدلال بها مع هذا الإجمال، و قيام ما ذكرناه من الاحتمال الذي إن لم يكن هو الأظهر فلا أقل أن يكون مساويا، و به يبطل الاستدلال.
و (خامسها) ما رواه
الشيخ عن سعدان بن مسلم (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):
لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت من غير إذن أبيها».
أقول: و هذه الرواية و إن كانت صريحة فيما يدعونه، و ليس في أخبار هذا القول سواها، إلا أنها لضعف السند و قوة المعارض لها في الباب لا تبلغ قوة المعارضة فلا يترك لأجلها تلك الأخبار المتكاثرة الصحيحة.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 391 ح 2، الوسائل ج 14 ص 202 ح 7.
(2) التهذيب ج 7 ص 380 ح 14، الوسائل ج 14 ص 214 ح 4.
224
على أن من قاعدة أصحاب هذا الاصطلاح من المتأخرين أنهم لا يجمعون بين الأخبار إلا مع التعارض، و متى ضعف أحد الطرفين عن المعارضة أطرحوه أو حملوه على ما ينتظم به مع ذلك الطرف الراجح.
و حينئذ فالواجب بمقتضى هذه القاعدة، إما طرح هذه الرواية أو تأويلها بما يرجع به إلى تلك الأخبار.
و الشيخ (رحمه الله) حملها تارة: على المتعة كما سيأتي إن شاء الله تعالى من الأخبار الدلالة على الرخصة بذلك بالشرائط المقررة، و تارة: على ما إذا عضلها الأب، و لم يزوجها من كفو، و ثالثا: على التقية و لعله الأقرب.
لا يقال: إن مذهب جمهور العامة استمرار الولاية على البالغة الرشيدة، و حينئذ فيمكن حمل أخبار القول باستقلال الأب على التقية فإن ذلك مذهب الشافعي و مالك و أحمد كما قدمنا ذكره و على هذا تبقى أخبار القول الثاني سالمة من المعارض.
لأنا نقول فيه أولا: أن مذهب الشافعي و أحمد عدم الفرق في استمرار الولاية بين البكر و الثيب، و مذهب أبي حنيفة أنه بالبلوغ تستقل بالولاية بكرا كانت أو ثيبا، فالأول قائل باستمرار الولاية إلى ما بعد البلوغ مطلقا، و الثاني ناف للاستمرار مطلقا.
و أنت قد عرفت من جملة الأخبار التي قدمناها في أدلة القول الأول، التفرقة بين البكر و الثيب كصحيحة عبد الله بن الصلت (1) و صحيحة الحلبي (2) و موثقة الفضل بن عبد الملك (3)، و رواية إبراهيم بن ميمون (4)، و رواية عبيد بن زرارة (5)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 394 ح 6. الوسائل ج 14 ص 207 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 394 ح 4. الوسائل ج 14 ص 215 ح 7.
(3) الكافي ج 5 ص 394 ح 5. الوسائل ج 14 ص 214 ح 3.
(4) التهذيب ج 7 ص 380 ح 12. الوسائل ج 14 ص 202 ح 6.
(5) التهذيب ج 7 ص 385 ح 23. الوسائل ج 14 ص 204 ح 13.
225
و حينئذ فهذه الروايات لا يمكن حملها على مذهب القائل منهم بالاستقلال مطلقا و لا الاستمرار مطلقا.
و أما احتمال التقية باعتبار أنه مذهب المالك، و إن احتمل إلا أن العمل بما خالف الثلاثة و إن وافق واحدا منهم أقرب إلى جادة الرشاد و أدخل في قالب السداد، كما دلت عليه
مقبولة عمر بن حنظلة من قوله «ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر».
و ثانيا: أنه من القواعد المقررة عندهم أنه إنما يصار إلى الترجيح عند حصول المعارضة على وجه لا يمكن تطبيق الأخبار بعضها على بعض بوجه من الوجوه.
و أنت قد عرفت- بما ذيلنا به أكثر أخبار القول الثاني- أنه لا منافاة بينها و بين أخبار القول الأول و أنه لا صراحة بل و لا ظاهرية في شيء منها في المعارضة سوى رواية سعدان التي قد عرفت القول فيها، و أنها لا تبلغ قوة و لا تنهض حجة بمعارضة تلك الأخبار و حملها على التقية كما ذكره الشيخ أقرب فإن أبا حنيفة قائل بارتفاع الولاية بالبلوغ في جميع التصرفات حتى النكاح.
و لا يخفى على المتتبع للسير أن مذهب أبي حنيفة في وقته كان في غاية القوة بخلاف باقي المذاهب الأربعة، و هو جار في كل ما أوهم استقلال البكر أو توقف التزويج على رضاها.
و ثالثا: أن الترجيح بالتقية و إن ورد في الأخبار، إلا أنه بهذا المعنى (1) المشهور بين أصحابنا في مثل هذه الأعصار لا يخلو من الاشكال، و ذلك فإن مذهب العامة في الصدر الأول كانت على وجه يعسر ضبطها و تتعذر الإحاطة بها لما ذكره علماء الفريقين من أن مدار مذاهبهم في الأعصار السابقة على من نصبه خلفاء الجور
____________
(1) إشارة إلى أنه بالمعنى الأخر الذي قدمنا ذكره في مقدمات الكتاب في صدر جلد كتاب الطهارة، و هو أنهم (عليهم السلام) يوقعون المخالفة بين الشيعة تقية و ان لم يكن ذلك مذهب أحد من العامة لا اشكال فيه (منه- (رحمه الله)-).
226
للقضاوة فترجع إليه الفتوى في جميع أقطار البلدان و لهذا قيل: إن المعتمد في زمن هارون الرشيد على فتاوي أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة، قالوا قد استقضاه الرشيد و اعتنى به حتى لم يقلد في بلاد العراق و الشام و مصر إلا من أشار إليه أبو يوسف.
و في زمن المأمون على يحيى بن أكثم القاضي، و في زمن المعتصم على أحمد بن داود القاضي، و هكذا، و هذه الأربعة المشهورة الآن ليست في الزمن السابق إلا كغيرهم من المجتهدين الذين ليس لهم مزيد ذكر، و لا مذهب منتشر، و الاجتماع على هؤلاء الأربعة إنما وقع في حدود سنة خمس و ستين و ستمائة باصطلاح خليفة ذلك الوقت و استمرت إلى الآن، و حينئذ فكيف يمكن الترجيح بالتقية و الحال هذه.
الثالث: القول بالتشريك
، و الظاهر أن وجهه عند القائل به هو الجمع بين الأخبار، و هي في رده و عدم قبوله كالشمس في دائرة النهار، و هو أضعف الأقوال في المسألة لعدم الدليل الواضح عليه، مع أن أخبار القولين المتقدمين صريحة في رده لتصريح الاولى منهما باستقلال الأب النافي للشركة و استقلال البكر، و تصريح الثانية بحسب ظاهرها باستقلال البكر الموجب لعدم شركة الأب و استقلاله، نعم فيه احتياط بالخروج عن مخالفة أخبار كل من الطرفين، و لعله لهذا توهم القائل به أن فيه جمعا بين الأخبار، و هو غلط محض، فإن أحدهما غير الآخر.
و ربما توهم الاستدلال عليه ببعض الأخبار مثل
موثقة صفوان (1) قال: «استشار عبد الرحمن موسى بن جعفر (عليه السلام) في تزويج ابنته لابن أخيه؟ فقال: افعل و يكون ذلك برضاها، فإن لها في نفسها نصيبا، قال: و استشار خالد بن داود موسى بن جعفر (عليه السلام) في تزويج ابنته على بن جعفر (عليه السلام)؟ فقال: افعل و يكون ذلك
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 379 ح 10، الوسائل ج 14 ص 214 ح 2.
227
برضاها فإن لها في نفسها حظا».
و فيه أن الخبر مطلق في كون الابنة بكرا أو ثيبا، و الأخبار المتقدمة صريحة في حكم البكر و مختصة بها و أنها ليس لها مع الأب أمر، كما في أخبار القول الأول، و أنها تتزوج بغير إذن أبيها كما في أخبار القول الثاني.
و مقتضى القاعدة تقديم العمل بالخاص و تقييد العام به، و حينئذ فيجب حمل عموم هذا الخبر أو إطلاقه على تلك الأخبار جمعا فيحمل على الثيب حينئذ المأمور باستئذانها، و أنها لا تتزوج إلا برضاها.
و مثل صحيحة منصور بن حازم (1) المتقدمة في أدلة القول الثاني، فإن البكر المأمور باستيمارها أعم من التي لها أب أو لا أب لها.
و أخبار القول الأول صريحة في أن التي لها أب ليس لها مع أبيها أمر، فلا تستأمر حينئذ.
و طريق الجمع حمل إطلاق الخبر المذكور على ما صرحت به تلك الأخبار فيخص بالبكر التي لا أب لها، و عليه حمل الخبر المذكور كما تقدم، و وجهه ما ذكرناه.
و المراد بالاستيمار يعني استيمار من عدا الأب، لأن الأب غير مذكور في الخبر بنفي و لا إثبات و إنما هو مطلق فيحمل على غير الأب.
و مثل صحيحة ابن أبي يعفور (2) المتقدمة في أدلة القول الأول، و غاية الأمر فيها أنها لا تدل على نفيه، لا أنها تدل عليه، و مرجع ذلك إلى احتمال التشريك و هذا احتمال ضعيف لا يقاوم ما دل صريحا من الروايات على نفيه و استقلال الأب بذلك.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 380 ح 11، الوسائل ج 14 ص 214 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 379 ح 7، الوسائل ج 14 ص 208 ح 5.
228
الرابع: القول باستمرار الولاية عليها في الدائم دون المنقطع
، و الظاهر أن وجهه الجمع بين أخبار القول الأول الدالة على استمرار الولاية عليها مطلقا و بين ما دل من الأخبار على استقلالها في المنقطع
كرواية أبي سعيد القماط عمن رواه (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جارية بكر بين أبويها تدعوني إلى نفسها سرا من أبويها، أ فأفعل ذلك؟ قال: نعم، و اتق موضع الفرج، قال: قلت: و إن رضيت بذلك؟ قال: و إن رضيت بذلك، فإنه عار على الأبكار».
و رواية الحلبي (2) قال: «سألته عن التمتع من البكر إذا كانت بين أبويها بلا إذن من أبويها قال: لا بأس ما لم يقتض ما هناك لتعف بذلك».
و رواية أبي سعيد (3) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن التمتع من الأبكار اللواتي بين الأبوين، فقال: لا بأس، و لا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب».
و ربما دل هذا الخبر على أن المنع من ذلك كان مذهب العامة يومئذ، و بهذه الأخبار يخصص عموم تلك الأخبار المتقدمة فيخص القول باستمرار الولاية بالعقد الدائم كما ذهب إليه القائل المذكور، إلا أن ذلك لا يخلو من نوع إشكال لأن هذه الأخبار لضعفها لا تقوم بمعارضة تلك الأخبار الكثيرة الصحيحة فيما دلت عليه من العموم.
سيما مع معارضتها
بصحيحة أبي مريم (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «العذراء التي لها أب لا تتزوج متعة إلا بإذن أبيها».
و صحيحة البزنطي عن الرضا (عليه السلام) قال: «البكر لا تتزوج متعة إلا بإذن أبيها».
و هذه الرواية رواها في كتاب قرب الاسناد (5) عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عنه (عليه السلام).
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 254 ح 21، الوسائل ج 14 ص 458 ح 7.
(2) التهذيب ج 7 ص 254 ح 23، الوسائل ج 14 ص 459 ح 9.
(3) التهذيب ج 7 ص 254 ح 22، الوسائل ج 14 ص 458 ح 6.
(4) التهذيب ج 7 ص 254 ح 24، الوسائل ج 14 ص 459 ح 12.
(5) قرب الاسناد ص 159، الوسائل ج 14 ص 458 ح 5.
229
و في هذين الصحيحتين أيضا رد للقول الثاني بالنسبة إلى المتعة، و يمكن أن يقال في دفع ما ذكر من الإشكال بأن الطعن بضعف هذه الأخبار إنما يتجه عند أصحاب هذا الاصطلاح المحدث، و أنتم لا تعملون عليه، و الأخبار كلها صحيحة عندكم و الروايتان المذكورتان و إن كانتا صحيحتين إلا أن المفهوم من رواية أبي سعيد المذكورة أن القول بالتحريم بدون إذن الأب مذهب العامة، و لهذا أن الشيخ حمل صحيحة أبي مريم على الكراهة، و جوز الحمل على التقية لما عرفت.
و حينئذ فيمكن أن يقال في الجمع بين هذه الأخبار تحاشيا عن إطراح شيء منها من البين، و إعمالا بقدر المقدور للدليلين كما هو ظاهر طريقة الشيخ (رحمه الله) في الكتابين بإبقاء هذا القول المذكور على ما ذكره قائله، و تخصيص تلك الأخبار المتقدمة بهذه الأخبار الثلاثة المذكورة، و حمل الصحيحتين المذكورتين على التقية، و لعله الأقرب، أو على استحباب استئذان الأب، و كراهة ذلك بدونه دفعا للعيب و العار على أهلها، فمع رضا الأب لا بأس.
و يؤيد هذا التفصيل ما صرح به في
صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يتزوج البكر متعة، قال: يكره للعيب على أهلها».
و يؤيد الحمل على التقية
رواية مهلب الدلال (1) «أنه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام): امرأة كانت معي في الدار ثم إنها زوجتني نفسها سرا، و أشهدت الله و ملائكته على ذلك، ثم إن أباها زوجها من رجل آخر فما تقول؟ فكتب (عليه السلام) التزويج الدائم لا يكون إلا بولي و شاهدين، و لا يكون تزويج متعة ببكر، استر على نفسك، و اكتم رحمك الله».
و حاصل جوابه (عليه السلام)، أنه إن كان تزويجك هذا دواما فإن الدائم لا يكون إلا بولي و شاهدين، و إن كان متعة فإن البكر لا يجوز تزويجها متعة، فالنكاح باطل على التقديرين، و هو ظاهر في أن هذه الفتوى إنما خرجت مخرج التقية
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 255 ح 26، الوسائل ج 14 ص 459 ح 11.
230
في كلا الموضعين، فيجب حمل ما دل عليه الصحيحان المذكوران على التقية أيضا، و كيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال، و الاحتياط لا يخفى على كل حال
الخامس: القول بثبوت الولاية لها في الدائم دون المنقطع
، و هو القول المجهول القائل.
و الظاهر أن الوجه في ثبوت الولاية لها في الدائم هو أخبار القول الثاني بحملها على الدائم دون المنقطع، و سلب الولاية عنها في المنقطع و هو صحيحتا أبي مريم (1) و البزنطي (2) المتقدمتان و هو قول ضعيف مرغوب عنه لما عرفت في أخبار القول الثاني من عدم الدلالة، و رجوع أكثرها إلى أخبار القول الأول، و مع الإغماض عن ذلك و تسليم العمل بها فتخصيصها بالدائم بعد ما عرفت من الكلام في الصحيحتين المذكورتين، و معارضتهما بعموم الروايات المتقدمة في أدلة القول الأول، و خصوص هذه الروايات الثلاثة المذكورة هنا و ما حملا عليه لذلك محل إشكال.
و كيف كان فالاحتياط في أصل المسألة المذكورة بالرضا من الطرفين و الإجازة من الجانبين مما لا ينبغي إهماله، لما تكاثر في الأخبار من تشديد الأمر في الاحتياط في الفروج، و أن منها يكون التناسل إلى يوم القيامة، و الله العالم بحقائق أحكامه و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه، (صلوات الله عليهم أجمعين).
تنبيهات
الأول [في أن حمل الأب في أخبار المقام على ما هو أعم في مقام الجمع ليس ببعيد]:
المفهوم من كلام أكثر الأصحاب فرض هذه المسألة في الأب و الجد مع البكر، و الخلاف في أنهما متى كانا متصفين بشرائط الولاية، فهل الولاية
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 254 ح 24، الوسائل ج 14 ص 459 ح 12.
(2) قرب الاسناد ص 159، الوسائل ج 14 ص 458 ح 5.
231
لهما أو لها؟ و الأخبار التي وردت في هذا المقام أكثرها كما قدمنا ذكره إنما اشتملت على الأب خاصة، و أن موضوع المسألة إنما هو الخلاف بينها و بينه دون الجد، و لهذا ذهب بعضهم كما هو القول السادس في المسألة إلى الجمع بين أخبار المسألة (1) بتخصيص الحكم بالأب وقوفا على مورد هذه الاخبار، و حمل أخبار ولايتها على ما عدا الأب، فعلى هذا يكون أولى من الجد.
و المحقق في الشرائع فرض المسألة كما هو المشهور في الأب و الجد، و في النافع خصها بالأب، لأنه في هذا الكتاب كثيرا ما يدور مدار الأخبار و هو ظاهر السيد السند السيد محمد (قدس سره) في شرح الكتاب (2) أيضا، و بعض متأخري المتأخرين تكلف لا لإدخال الجد في هذا المقام بحمل قولهم (عليهم السلام) في تلك الأخبار «بين أبويها» على أن المراد الأب و الجد، فإن الجد أب شرعا.
أقول: قوله- يمكن أيضا حمل الأب في هذه الأخبار على ما هو أعم من الأب و الجد لأنه قد ثبت بالآيات و الروايات كون الجد أبا- لا يخلو من بعد إلا أنه في مقام الجمع و التأويل ليس ببعيد لأنه قد ثبت بالأخبار الواردة في اختلاف الأب و الجد أن ولاية الجد أقوى، و هي كما تدل على كون الجد وليا كالأب، تدل
____________
(1) و ملخص ذلك أن الاخبار انما تعارضت في الأب خاصة بمعنى أنه هل الولاية له أولها؟ و ذلك لان أخبار أولويتها دلت على أنها هي الاولى، و أخبار أولويته دلت على أنه هو الأولى، فينبغي أن يقيد أخبار أولويتها بما عدا الأب، بمعنى أنها هي الاولى من كل أحد إلا الأب، و فيه أن ما كان صريحا في ثبوت ولايتها مثل رواية سعدان الدالة على نفى البأس عن تزويجها بغير إذن أبيها لا يقبل هذا الحمل، و ما لم يكن صريحا كما عرفت فإنه يمكن حمله على الاخبار الدالة على القول الأول كما أوضحناه في الكتاب، و بالجملة فهو قول ضعيف مرغوب عنه، و الله العالم. (منه- (رحمه الله)-).
(2) حيث قال: أجمع الأصحاب على جواز انفراد البالغ الرشيدة بالعقد إذا لم يكن لها أب أو كان و لم يكن بشرائط الولاية، و انما الخلاف مع وجود الأب الجامع لشرائط الولاية، و هو ظاهر كما ترى في جعله محل الخلاف في المسألة انما هو الأب مع البكر دون الجد. (منه- (قدس سره)-).
232
على كونه أرجح منه و مقدما عليه، و حينئذ فإذا انتفت ولايتها مع الأضعف بناء على القول المختار في المسألة فانتفاؤها مع الأقوى بطريق أولى.
على أنه من المحتمل قريبا أن هذه الروايات المصرحة بالأب أو الأبوين إنما خرجت مخرج التمثيل لا الحصر.
و يؤيده ما تقدم في مسألة تزويج الصبي و الصبية، و أنه لا خيار لهما بعد البلوغ فإن مورد أخبارها (1) على كثرتها إنما هو الأب أو الأبوين و لم يذكر الجد في شيء منها مع أنه لا قائل هنا بالانحصار في الأب.
الثاني [في عدم كون منع الولي من غير الكفو عضلا]:
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في أنه لو عضلها الولي سقط اعتبار رضاه، و جاز لها الاستقلال بالعقد على نفسها، بل نقل الإجماع على ذلك جملة من الأصحاب، و العضل في اللغة: المنع، و المراد هنا منعها من التزويج بالكفو إذا طلبت (2) ذلك، و في معنى العضل الغيبة المنقطعة التي يحصل معها المشقة الشديدة من اعتبار استيذان الولي على ما ذكره الشيخ في الخلاف، و لا بأس به و يدل عليه خبر (3)
«لا ضرر و لا ضرار».
و رفع الحرج، و سعة الشريعة
____________
(1) و نحو ذلك أيضا الأخبار الواردة في من بيده عقدة النكاح و أنه له العفو عن شيء من المهر، فإنها إنما اشتملت على الأب خاصة مع الوصي و الأخ و الوكيل و لم يذكر في شيء منها الجد بالكلية مع أنه لا خلاف في كونه وليا له العفو أيضا كالأب بل هو أولى من هؤلاء المذكورين سيما ما عدا الأب، و ليس كذلك الا لما ذكرناه في الأصل، اما من حيث إطلاق الأب على الجد أو من حيث ان الغرض من العد مجرد التمثيل دون الحصر في من ذكر. (منه- (قدس سره)-).
(2) ثم انه قد صرح غير واحد منهم بأنه لا فرق بين تحقق العضل إذا منع الولي تزويجها من الكفو بين أن يكون النكاح بمهر المثل أم لا: لان المهر حقها فلا اعتراض للأب عليها، و نحوه فيه، و لهذا أنه لو أسقطته بعد ثبوته سقط كله فبعضه أولى و حينئذ فليس له أن يعضلها لتحصيل مهر المثل مع رضاها بدونه. (منه- (قدس سره)-).
(3) الكافي ج 5 ص 292 ح 2، الوسائل ج 17 ص 341 ح 3.
233
السمحة السهلة، و الظاهر أن ذلك أيضا هو المستند في العضل، فإني لم أقف على خبر فيه بخصوصه، و الأشهر عند العامة أن المتولي لتزويجها حينئذ هو الحاكم لأن عبارتها عندهم مسلوبة في النكاح مطلقا و منهم من جوز لها أن تتولى العقد، و اضطرب كلام العلامة هنا في التذكرة ففي بعض المواضع جوز لها الاستقلال، و نقله عن جميع علمائنا مصرحا بعدم اشتراط مراجعة الحاكم، و في آخر اشترط إذنه و إثبات العضل عنده، و إلا لم يكن لها التزويج و هو قول العامة.
و لو منعها الولي من غير الكفو لم يكن ذلك عضلا، قال في المسالك: و لو فرض إرادتها زوجها و إرادة الولي غيره قدمت إرادتها عند القائل بأولويتها مطلقا إذا كان كفوا، و عند من اعتبر ولاية الأب و لو على بعض الوجوه ففي تقديم مختاره نظرا إلى أن رأيه في الأغلب أكمل، و لأنه الولي على تقديره، أو مختارها لأنه أقرب لعفتها؟ وجهان: أجودهما الثاني. انتهى.
أقول: لا أعرف لهذه الأجودية و لا لهذه التعليلات الاعتبارية وجها بعد دلالة النصوص على استقلال الأب، و أنه ليس لها مع أبيها أمر، و تخصيصها بخروج هذا الفرد منها يحتاج إلى مخصص، و ليس فليس.
و كأنهم جعلوا مورد تلك الروايات و محل الخلاف في المسألة إنما هو بالنسبة إلى التزويج و عدمه بأن يريد الأب تزويجها و هي غير مريدة للتزويج، أو بالعكس دون ما إذا أراد أبوها رجلا، و أرادت هي آخر.
و فيه أن إطلاق الروايات المذكورة شامل للأمرين كما لا يخفى على من تأملها، و أن قولهم (عليهم السلام) في جملة من تلك الروايات «لا يستأمر البكر إذا كانت بين أبويها» أعم من أن يكون في أصل التزويج بشخصه لا بعينه و إن أرادت هي غيره، و كذا قولهم «ليس لها مع الأب أمر» شامل لكل من الفردين المذكورين، لا سيما مع قوله (عليه السلام) في بعضها «ما لم تثب» الدال على حصر المخالفة لأمر أبيها
234
في صورة الثيوبة خاصة، فلو كان فردا آخر كما يقولونه لاستثني أيضا في الخبر، و كذا قوله (عليه السلام) «إذا أنكحها جاز نكاحه و لو كانت كارهة» و نحو ذلك من الألفاظ التي اشتملت عليها تلك الأخبار، فإنها ظاهرة في العموم و تخصيصها يحتاج إلى دليل.
الثالث [عدم الولاية للأب و الجد على الذكر البالغ]:
اتفق الأصحاب على أنه لا ولاية للأب و الجد على الذكر البالغ الرشيد، و المشهور أنه لا ولاية على الثيب البالغة الرشيدة، خلافا لابن أبي عقيل حيث أثبت ولاية الأب عليها.
و الذي يدل على الأول- و ان كان اتفاقيا- جملة من الأخبار.
منا ما رواه
الشيخ عن ابن أبي يعفور (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت:
إني أريد أن أتزوج امرأة و إن أبوي أرادا أن يزوجاني غيرها، قال: تزوج التي هويت، و دع التي هوى أبواك».
و عن زرارة (2) في الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قد تقدم قال فيه «أنه أراد أن يتزوج امرأة قال: فكره ذلك أبي فمضيت فتزوجتها» الحديث.
و عن أبان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا زوج الرجل ابنه كان ذلك إلى ابنه، و إذا زوج ابنته جاز ذلك».
بحمل الابن على البالغ لما تقدم من ثبوت الولاية على الصغير.
و أما الذي يدل على الثاني فجملة وافرة من الأخبار نذكر بعضها روما للاختصار.
منها ما رواه
في الكافي في الصحيح عن الحلبي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 401 ح 1، التهذيب ج 7 ص 392 ح 44 الوسائل ج 14 ص 220 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 466 ح 76، الوسائل ج 14 ص 221 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 393 ح 52، الوسائل ج 14 ص 221 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 392 ح 5، الوسائل ج 14 ص 202 ح 4.
235
قال في المرأة الثيب تخطب إلى نفسها، قال: هي أملك بنفسها تولي أمرها من شاءت إذا كان كفوا بعد أن تكون قد نكحت رجلا قبله».
و رواه في الفقيه عن عبد الحميد بن عواض عن عبد الخالق (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله، و في هذا الخبر و نحوه مما دل على اشتراط نكاح رجل قبله إشارة إلى كون الثيبوبة غير موجبة للاستقلال بالولاية إلا أن تكون عن نكاح كما تقدمت الإشارة إليه.
و ما رواه
الشيخ عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن الثيب تخطب إلى نفسها؟ قال: نعم هي أملك بنفسها تولي أمرها من شاءت إذا كانت قد تزوجت زوجا قبله».
إلى غير ذلك من الأخبار التي تقدمت جملة منها في المسألة، و لم أقف لما نقل عن أبي عقيل على دليل إلا أنه في المسالك نسبه إلى الاستناد إلى رواية عامة عامية، قال: و رواياتنا خاصة خاصية، و هي مقدمة عند التعارض. انتهى.
أقول: لا يخفى أنه لا تعارض هنا بالكلية إذ هذه الرواية عندنا في حكم العدم، و كأنهم (رضوان الله عليهم) يراعون في مثل هذه العبارات التقية حيث إنهم في بلدان المخالفين، و مع هذا قد وقع عليه و على الشهيد الأول (طيب الله مرقديهما) ما وقع من القتل.
الرابع [في ثبوت ولايتهما على المجنون من الأولاد]:
لا خلاف في ثبوت ولايتهما على المجنون من الأولاد ذكرا كان أو أنثى بكرا كانت أو ثيبا، هذا مع استمرار الجنون من الصغر إلى ما بعد البلوغ، أما لو طرء بعد البلوغ و الرشد فالمشهور في كلامهم انقطاع ولايتهما لزوالها بالبلوغ و الرشد، فموردها يتوقف على دليل.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 251 ح 6، الوسائل ج 14 ص 201 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 384 ح 21، الوسائل ج 14 ص 204 ح 12.
236
و قيل بثبوتها أيضا عملا بإطلاق النص بثبوت ولايتهما عليه، و لم أقف على نص يدل على ما ذكروه، بل الظاهر من النصوص إنما هو القول الأول.
و منها قوله (عليه السلام)
في رواية هشام بن سالم (1) «و ان احتلم و لم يؤنس منه رشد و كان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه ماله».
و نحوه ما رواه
في الفقيه (2) عن الصادق (عليه السلام) «أنه سئل عن قول الله تعالى (3) فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ، قال: إيناس الرشد حفظ المال».
و نقل في كتاب مجمع البيان (4) عن الباقر (عليه السلام) تفسيره بالعقل و إصلاح المال، و المفهوم من ذلك هو اتصال الجنون أو السفه بعد البلوغ بالصغر، فالولاية عليه إنما ثبتت في هذه الصورة خاصة، و هذه الأخبار و إن كان موردها ولاية المال إلا أنه لا فرق بين المال و النكاح في ذلك، و لا قائل بالفرق فيما أعلم.
و ظاهر النصوص الاتحاد، مثل
قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة عبد الله بن سنان (5) «الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ هو ولي أمرها».
يعني المتولي لأمرها في المال بيعا و شراء، و نحوها غيرها.
و قد تقدم شطر من الكلام في هذه المسألة في كتاب التجارة في المسألة الخامسة من المقام الثاني من مقامات الفصل الأول في البيع و أركانه (6) و متى ثبت عدم ولايتهما في هذه الصورة، فالولاية للحاكم حينئذ، و حيث ثبت الولاية على المجنون فلا خيار له بعد الإفاقة، و نقل عليه في المسالك الإجماع، و الله العالم.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 68 ح 2، الفقيه ج 4 ص 163 ح 1، الوسائل ج 13 ص 430 ح 9.
(2) الفقيه ج 4 ص 164 ح 7، الوسائل ج 13 ص 143 ح 4.
(3) سورة النساء- آية 5.
(4) ج 2 ص 9 طبع صيدا.
(5) التهذيب ج 7 ص 398 ح 46، الوسائل ج 14 ص 212 ح 2.
(6) ج 18 ص 376.
237
المسألة الثالثة [ولاية المولى و الحاكم و الوصي]:
لا خلاف بين الأصحاب (رضي الله عنهم) في أن من جملة الأولياء المولى و الحاكم، و أما الوصي فالأظهر أنه كذلك، فالكلام هنا يقع في مقامات ثلاثة:
الأول: المولى
، فأن له أن يزوج مملوكته صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة أو مجنونة، و لا خيار لها معه، و كذا الحكم في العبد، و لا يجوز ذلك بغير إذنه:
و نقل على ذلك الإجماع غير واحد منهم.
و الوجه في ذلك أن منافع المملوك مملوكة للمولى (1)
«و الناس مسلطون على أموالهم».
فله نقله إلى من شاء، و لا فرق في ذلك بين تولي المولى عن المملوك الصيغة أو إجباره بها، و لا يقدح الإكراه هنا لأنه بحق.
و لو تحرر بعض العبد و الأمة امتنع الإجبار لعدم ملكية البعض فلا يتسلط عليه المولى.
الثاني: الحاكم
، و المراد به أصالة الإمام العادل: و مع تعذره فالمأذون من جهته عموما أو خصوصا، و الفقيه الجامع للشرائط مع تعذرهما، و نائبه في حكمه، و ثبت ولايته على من تجدد جنونه أو سفهه بعد البلوغ من غير إشكال عندهم و لا خلاف، و تنتفي عن الصغير مطلقا عند الأصحاب، و عللوه بأنه لا حاجة له إلى النكاح بخلاف البالغ الفاسد العقل، و الأصل عدم ثبوت ولايته فيه و تنظر في ذلك في المسالك و لم يبين وجه النظر، و قال سبطه السيد السند في شرح النافع- بعد أن نقل عبارة المصنف الدالة على أنه ليس للحاكم ولاية إلا على من بلغ فاسد العقل ما لفظه-: و هذا التفصيل أعني اختصاص ولايته بمن بلغ فاسد العقل هو المعروف من مذهب الأصحاب و لم نقف لهم في هذا التفصيل على مستند، و الحق أنه إن اعتبرت الإطلاقات و العمومات المتضمنة لثبوت ولاية الحاكم وجب القول بثبوت ولايته في النكاح على الصغير و المجنون مطلقا كما في ولاية المال، و إلا
____________
(1) البحار ج 2 ص 272 ح 7.
238
وجب نفيها كذلك، أما التفصيل فلا وجه له و لعلهم نظروا في ذلك إلى أن الصغير لا حاجة له إلى النكاح بخلاف من بلغ فاسد العقل، و هو غير واضح، فإن حاجة الكبير و إن كانت أوضح لكنها ليست منتفية في حق الصغير خصوصا الأنثى، و المسألة محل إشكال، و للنظر فيها مجال. انتهى.
أقول: مما يدل على عدم ولاية الحاكم في النكاح على الصغيرة ما تقدم في الموضع الثالث من التنبيهات التي في المسألة الأولى من قوله (عليه السلام)
في صحيحة محمد بن مسلم (1) «في الصبي يتزوج الصبية يتوارثان؟ قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما، فنعم».
و نحوها صحيحة عبيد بن زرارة (2)،
و صحيحة محمد بن مسلم الثانية (3) و فيها «الصبي يتزوج الصبية؟ قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما، فنعم جائز».
فإنها دالة بمفهوم الشرط الذي هو حجة عند محققي الأصوليين و عندنا للأخبار الدالة عليه كما تقدمت في مقدمات الكتاب، على أنه إذا لم يكن أبواهما اللذان زوجاهما فلا توارث لبطلان النكاح و أنه غير جائز، كما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم الثانية، و هي شاملة بعمومها للحاكم و غيره، و هو أظهر ظاهر في رد ما ذكره.
و ما ادعاه من الحاجة إلى النكاح في الصغير أيضا خصوصا الأنثى لا أعرف له وجها، فإن هذه الحاجة إنما هي باعتبار كسر الشهوة الحيوانية، و هي في الصغيرة و الصغير معدومة.
و أما ما ذكره من أنه إن اعتبرت الإطلاقات و العمومات المتضمنة لثبوت ولاية الحاكم. إلى آخره، فيه إني لم أقف بعد التتبع للأخبار على شيء
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 388 ح 32، الوسائل ج 14 ص 220 ب 12.
(2) التهذيب ج 9 ص 382 ح 1، الوسائل ج 15 ص 326 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 382 ح 19، الوسائل ج 14 ص 208 ح 8.
239
من هذه العمومات و الإطلاقات لا في النكاح، و لا في المال، و إن كان ذلك مشهورا في كلامهم، و مسلما بينهم و متداولا على رؤوس أقلامهم.
و نقل
في المسالك خبرا عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «أنه قال: السلطان ولي من لا ولي له».
و هذا الخبر لم نقف عليه في أخبارنا، و الظاهر أنه عامي، و مع تسليمه فالحكم مختص بالإمام، إذ المتبادر من السلطان هو إمام الأصل كما لا يخفى، و ليس هنا مما ربما يتوهم منه ذلك، إلا الروايات الدالة على الترافع إلى الحاكم الشرعي، كمقبولة عمر بن حنظلة (2) و نحوها، و غاية ما تدل عليه الترافع إليه في الحكم و الفتوى، و أنه منصوب من قبلهم (عليهم السلام) لذلك لا بالنسبة إلى الولاية على مال يتيم أو نكاح بالغ غير رشيد، أو من تجدد له الجنون أو السفه بعد البلوغ أو نحو ذلك، فإنه لا أثر لشيء من ذلك في الأخبار و إنما ذلك في كلامهم.
و بالجملة فإن عد الحاكم الشرعي في جملة الأولياء كما ذكروا و إن كان مسلما بينهم و متفقا عليه عندهم، إلا أنه خال عن الدليل من الأخبار، نعم يمكن تخصيص ذلك بالإمام (عليه السلام) من حيث الولاية العامة، و أنه أولى بالناس من أنفسهم.
و أما من بلغ سفيها فظاهر كلام أكثرهم أن حكمه حكم من تجدد سفهه في أن الولاية فيه للحاكم و هو على إطلاقه لا يخلو من الاشكال.
و الأنسب بقواعدهم هو التفصيل بأن يقال: إن من بلغ فاسد العقل لا يخلو إما أن يكون الأب و الجد موجودا أم لا؟ فإن كان أحدهما موجودا فإن الأظهر أن الولاية له، لأن ولايته متحققة قبل البلوغ اتفاقا، و لا مانع من استصحابها في الصورة المذكورة بخلاف ما لو تجدد السفه أو الجنون بعد البلوغ حيث إن
____________
(1) الترمذي كتاب النكاح الباب 15، و أبى داود كتاب النكاح الباب 16.
(2) الكافي ج 7 ص 412 ح 5، الوسائل ج 18 ص 3 ح 4.
240
ولايته زالت بالبلوغ عاقلا فرجوعها يحتاج إلى دليل، و إن لم يكن أحدهما موجودا فيمكن القول بكونها للحاكم حينئذ.
و لكن ظاهر كلامهم هو الحكم بالولاية للحاكم مطلقا سواء كان أحدهما موجودا أم لا؟ و تخصيص ولاية الأب أو الجد بحال الصغر خاصة.
و بالجملة فالأظهر بالنظر إلى قواعدهم هو التفصيل في أنه مع وجود الأب أو الجد، فإن بلغ فاسد العقل فالولاية لهما، و إن تجدد السفه أو الجنون بعد البلوغ فالولاية للحاكم، و إلى ذلك يميل كلامه في المسالك (1).
و لا خلاف بينهم أيضا في انتفاء ولاية الحاكم على البالغ الرشيد ذكرا كان أو أنثى، و تدخل في هذا الحكم البكر البالغة الرشيدة فإنه لا ولاية للحاكم عليها، و لو قلنا بالولاية للأب و الجد مع وجودهما، فإنه مع عدمهما تستقل بالولاية، و ليس للحاكم الشرعي عليها ولاية في هذه الحال أيضا كما نبهوا عليه في مسألة العضل و قد تقدم: و الحكم لا خلاف فيه و لا إشكال.
الثالث [الوصي]:
اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ولاية الوصي من الأب أو الجد على تزويج الصغيرة، فقيل بولايته مطلقا، و قيل بالعدم مطلقا، و قيل إنما تثبت مع نص الموصي على ذلك، و قيل إنما تثبت على من بلغ فاسد العقل خاصة إذا كان به ضرورة إلى النكاح.
أقول: القولان الأولان للشيخ في المبسوط فإنه قال في فصل ما يجوز للوصي أن يصنعه في أموال اليتامى في الكتاب المذكور: لا تستفاد ولاية النكاح بالوصية لأصالة العدم، و للتهمة، و جزم في موضع آخر كما نقله عنه في المختلف، و غيره في غيره بأن للوصي ولاية النكاح على الصغيرة.
____________
(1) حيث قال: و التسوية بينهما في التفصيل باتصال السفه، و تجدده، فيكون الولاية في الأول للأب و الجد، و في الثاني للحاكم مطلقا و سيأتي في كلام المصنف ما يدل على أن الولاية على السفيه مطلقا للحاكم، حيث جعل الاذن في تزويجه اليه من غير قيد. انتهى.
(منه- (قدس سره)-).
241
و القول الثالث له أيضا في الخلاف حيث قال: إذا أوصى إلى غيره أن يزوج بنته الصغيرة صحت الوصية و كان له تزويجها و يكون صحيحا سواء عين الزوج أم لا، و إن كانت كبيرة لم تصح الوصية، و منع منه بعض الأصحاب. انتهى.
و اختاره العلامة في المختلف و الشهيد في شرح نكت الإرشاد، و المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، و ظاهر عبارة الشيخ المذكورة أن القول بالمنع متقدم عليه أيضا.
و القول الرابع هو المشهور بين المتأخرين، و هو مذهب المحقق و العلامة في غير المختلف فإنهم منعوا من ذلك.
و إن أوصى له بخصوص التزويج قال في التذكرة: إنما تثبت ولاية الوصي في صورة واحدة عند بعض علمائنا، و هي أن يبلغ الصبي فاسد العقل، و يكون له حاجة إلى النكاح و ضرورة إليه.
و عللوا ذلك على ما نقله في المسالك بثبوت الضرورة، و عجز المحتاج عن المباشرة، فأشبه ذلك الإنفاق عليه.
و أكثرهم لم يذكروا هنا شيئا من الأخبار، و إنما عللوا هذه الأقوال بتعليلات عقلية، و الواجب نقل ما وقفنا عليه في المسألة، ثم الكلام بما يسر الله فهمه فيها.
و منها ما رواه
في الكافي عن الحلبي (1) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال فيه: «و قال في قول الله عز و جل (2) «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» قال: هو الأب و الأخ و الرجل يوصي إليه، و الرجل يجوز أمره في مال المرأة فيبيع لها و يشتري لها، فإذا عفى فقد جاز».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 106 ح 3، الوسائل ج 15 ص 62 ح 1.
(2) سورة البقرة- آية 237.
242
و ما رواه
في الكافي و الفقيه في الصحيح عن الحلبي و أبي بصير و سماعة (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام). في قول الله عز و جل «إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» قال: هو الأب أو الأخ أو الرجل يوصي إليه، و الذي يجوز أمره في مال المرأة فيبتاع لها و يتجر، فإذا عفا فقد جاز».
و ما رواه
في التهذيب عن عبد الله بن مسكان عن أبي بصير (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ؟ قال: هو الأب و الأخ و الرجل يوصي إليه، و الذي يجوز أمره في مال المرأة، فيبتاع لها و يشتري، فأي هؤلاء عفا فقد جاز».
و ما رواه
في التهذيب أيضا عن أبي بصير و محمد بن مسلم (3) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ، فقال: هو الأب و الأخ و الموصى إليه، و الذي يجوز أمره في مال المرأة من قرابتها فيبيع لها و يشتري قال؟ فأي هؤلاء عفا فعفوه جائز» الحديث.
و أنت خبير بأن هذه الأخبار مع صحة أسانيدها ظاهرة الدلالة في القول الأول لاتفاقها على عد الموصى إليه في جملة من بيدهم عقدة النكاح الذي هو بمعنى الولاية في التزويج كالأب.
و الظاهر من إطلاق الموصى إليه هو من جعله الميت وصيا على أمواله و أطفاله و وصاياه و إن لم يصرح له بخصوصية الوصية في النكاح، فإنه أحد من بيده عقدة النكاح.
هذا هو المتبادر من الروايات المذكورة المنساق إلى الذهن منها، و من
____________
(1) الكافي ج 6 ص 106 ح 2، الفقيه ج 3 ص 327 ح 6، الوسائل ج 15 ص 62 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 393 ح 49 الا أن في التهذيب «الجديد و القديم» عبد الله بن المغيرة عن أبى بصير، الوسائل ج 14 ص 213 ح 4.
(3) التهذيب ج 7 ص 484 ح 154، الوسائل ج 14 ص 213 ح 5.
243
ثم مال إلى هذا القول من محققي متأخري المتأخرين السيد السند في شرح النافع، و قبله جده في المسالك و إن لم يذكرا من هذه الروايات إلا الروايتين الأخيرتين إلا أنه في شرح النافع زاد على الصغير و الصغيرة- اللذين هما محل البحث- من بلغ فاسد العقل كما ذكره المانعون مستندا إلى أن الحاجة قد تدعوا إلى ذلك، و لعموم «فَمَنْ بَدَّلَهُ».
و بالجملة فإن هذه الروايات واضحة فيما قلناه، ظاهرة فيما ادعيناه، إلا أنه
قد روى ثقة الإسلام (نور الله تعالى مرقده) عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (1) في الصحيح قال: «سأله رجل عن رجل مات و ترك أخوين و البنت و الابنة صغيرة، فعمد أحد الأخوين الوصي فزوج الابنة من ابنه، ثم مات أبو الابن المزوج، فلما أن مات قال الآخر: أخي لم يزوج ابنه فزوج الجارية من ابنه، فقيل للجارية:
أي الزوجين أحب إليك الأول أو الآخر؟ قالت: الآخر، ثم إن الأخ الثاني مات، و للأخ الأول ابن أكبر من الابن المزوج، فقال للجارية: اختاري أيهما أحب إليك الزوج الأول أو الزوج الآخر؟ فقال: الرواية فيها إنها للزوج الأخير، و ذلك أنها قد كانت أدركت حين زوجها، و ليس لها أن تنقض ما عقدته بعد إدراكها».
و هي كما ترى ظاهرة في أن عقد الوصي غير لازم لها، و إنما هو فضولي يقف على الإجازة.
و السيد السند في شرح النافع لم يتعرض لنقل هذه الرواية، و الظاهر أنه لم يقف عليها، و إلا لأجاب عنها، و من ثم جزم بالقول بثبوت الولاية مطلقا كما هو ظاهر الأخبار المذكورة، و العلامة في المختلف قد نقل هذه الرواية حجة للقول
____________
(1) الكافي ج 5 ص 397 ح 3، التهذيب ج 7 ص 387 ح 30 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 212 ح 1.
244
الثاني، و لم يجب عنها بشيء، بل اختار مذهب الشيخ في الخلاف، و استدل عليه برواية أبي بصير، و غض النظر عن الجواب عنها، و غيره من الأصحاب لم ينقلوا روايات المسألة و لم يتعرضوا لها.
و من أجل هذه الرواية إختار المحدث الحر العاملي في الوسائل القول بالمنع كما دلت عليه- و ارتكب فيما نقله من الروايات المتقدمة و هو بعضها- التأويلات البعيدة بالحمل على الوصاية الخاصة بالنكاح أو الحمل على البنت الكبير الغير الرشيدة أو التقية، و لا يخفى ما في الأخيرين من البعد.
أما الأول فيمكن أن يكون وجه جمع بين هذه الرواية و الروايات المتقدمة بأن يحمل إطلاقها على التخصيص بصورة الوصاية إليه بالنكاح و يحمل إطلاق هذه الرواية على الوصاية العامة من غير تخصيص بالنكاح، و يجعل ذلك دليلا للقول الثالث الرواية على الوصاية العامة من غير تخصيص بالنكاح، و يجعل ذلك دليلا للقول الثالث و هو جمع حسن بين الأخبار المذكورة.
و أما العمل بظاهر الرواية المذكورة من المنع مطلقا و إن صرح الموصي بالولاية في النكاح، ففيه إطراح لتلك الأخبار مع صحتها و صراحتها في أن الموصى إليه من جملة من بيده عقدة النكاح الذي هو بمعني الولاية فيه، و من ذلك يظهر أن الأقرب من الأقوال المذكورة هو القول الثالث (1) هذا.
____________
(1) أقول: لا يخفى أن غاية ما استدل به لهذا القول أعنى القول الثالث هو ما ذكره شيخنا الشهيد في شرح نكت الإرشاد، قال: لأن الحاجة قد تمس اليه و ربما تعذر الكفو، فالحكمة تقتضي ثبوتها تحصيلا للمصلحة، و لأنه قائم مقام الأب و الجد، و لجريانه مجرى البالغ فاسد العقل أو سفيها، و لعموم «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ». انتهى. و فيه ما لا يخفى كما عرفت مما أسلفنا ذكره في غير مقام.
و أما الآية فان الاستدلال بها جيد، و استدل في المختلف على ذلك بصحيحة أبي بصير المتقدمة، و فيه أن إطلاقها أعم مما ذكره، فإنها ظاهرة في الجواز مطلقا لا بخصوص التنصيص على النكاح، و هو لا يقول به، و لهذا نقل عنه الشهيد في شرح الإرشاد ظاهر مذهبه أن الوصي مطلقا يتولى العقد. (منه- (قدس سره)-).
245
و أما القول الذي عليه المتأخرون من تخصيص ولايته بمن بلغ فاسد العقل فلا أعرف له وجها وجيها، و لهذا قال السيد السند في شرح النافع: و لم أقف للقائلين باختصاص ولايته بمن بلغ فاسد العقل على مستند، و المتجه إما ثبوت ولايته على الجميع، أو نفيها رأسا و هو جيد.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه قد ذكر السيد السند المذكور في الكتاب المشار إليه- بعد اختياره في المسألة القول بثبوت الولاية للوصي مطلقا كما قدمنا نقله عنه ما صورته-: و على القول بثبوت ولايته فهل يثبت بتعميم الوصية أم لا بد من التصريح بالوصية في النكاح؟ الأظهر الثاني، لأن النكاح ليس من التصرفات التي ينتقل إليها عند الإطلاق فيتوقف على التصريح به. انتهى.
أقول: ظاهر كلامه (قدس سره) رجوع القول بثبوت الولاية مطلقا إلى القول بالتنصيص على النكاح، و أن من أطلق من الأصحاب فإنما مراده التقييد، فيرجع القولان إلى قول واحد لما ذكره من التعليل.
و فيه أن جده (قدس سره) في المسالك ممن اختار القول بالإطلاق، و صرح بالتعدد، حيث إنه قال في الاستدلال على القول بالإطلاق: و وجه الثبوت مطلقا أن الوصي العام قد فوض إليه الموصي مما كان له فيه الولاية، و تصرفاته كلها منوطة بالغبطة و قد يتحقق الغبطة في نكاح الصغير من ذكر أو أنثى بوجود كفو لا يتفق في كل وقت، و يخاف بتأخره فوته.
و لا نسلم أن مثل هذه الولاية لا يقبل النقل فإن تصرفات الوصي كلها فيما كان للموصي فعله حيا لم ينقطع بموته مع انقطاع تصرفه.
و تخصيص هذا النوع الذي هو محل النزاع بدعوى عدم قبوله النقل غير مسموع و لعموم قوله تعالى (1) «فَمَنْ بَدَّلَهُ» و لصحيحة محمد بن مسلم و أبي بصير (2).
____________
(1) سورة البقرة- آية 181.
(2) تقدم في ص 242.
246
ثم أورد الرواية الرابعة من الروايات المتقدمة، ثم الثالثة، إلى أن قال:
و لو نص الموصي على التزويج فهو أولى بالحكم، و ربما قيل: باختصاص القول الثاني بذلك، و الدلائل عامة. انتهى.
و قوله «و ربما قيل. إلى آخره» إشارة إلى ما اختاره سبطه هنا من تقييد الإطلاق في تلك العبارات بما إذا نص الموصى على التزويج، ثم رده بأن الأدلة الدالة على ثبوت الولاية بالوصاية عامة لما لو نص أو لم ينص، و هو كذلك، فإن الروايات الأربع التي قدمناها ظاهرة في ذلك كما أشرنا إليه ذيلها.
و دعوى أن النكاح ليس من التصرفات التي ينتقل إليه الذهن عند الإطلاق ممنوعة، و سند المنع ما أوضحه جده في كلامه المذكور، و الله العالم.
المسألة الرابعة [في أن المحجور عليه للسفه هل له أن يتزوج أم لا؟]:
ظاهر كلام الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم)- من غير خلاف يعرف- هو أن المحجور عليه للسفه و التبذير لا يجوز له أن يتزوج، لأنه ممنوع من التصرفات المالية، و من جملتها النكاح، لما يترتب عليه من المال من مهر أو نفقة فيمنع منه مع عدم حاجته، و فسروا الحاجة بداعي الشهوة، أو الحاجة إلى الخدمة و على هذا فإن أوقع عقدا و الحال هذه كان فاسدا لفقد شرط الصحة، ثم ان كانت المرأة عالمة بالحال فلا شيء لها و إن دخل، و إن كانت جاهلة (1) فلها مع الدخول مهر المثل، لأنه وطئ بشبهة، و إن اضطر إلى التزويج لخدمة
____________
(1) أقول: ما ذكر من التفصيل هنا لو جهلها، أحد الأقوال في المسألة، و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين. و قيل: بوجوب مهر المثل مطلقا، و نقل عن الشيخ في المبسوط، و قيل: لا شيء لها مطلقا نقله في المبسوط عن قوم، و قال: انه أقوى لأنها المتلفة لمنفعة بضعها بتسليم نفسها، و تنظر فيه المحقق الثاني بأن التسليم ليس إتلافا، و انما المتلف من استوفى المنفعة، ثم انه على تقدير القول بالتفصيل بالجهل و عدمه فان فيه بحث و ظاهرهم أن المراد الجهل بالسفه و زاد العلامة في المختلف أيضا الجهل بالحكم، فلو علمت بالسفه و جهلت بالحكم فكالجاهلة بالسفه قواه المحقق الثاني، و فيه أنه مناف لما صرحوا به في غير موضع من عدم معذورية الجاهل إلا في الموضعين المشهورين. (منه- (قدس سره)-).
247
أو شهوة أو غيرهما من الضرورات، جاز للولي تزويجه، مقتصرا على ما تندفع به الحاجة كما و كيفا.
أقول: لم أقف لهم في هذا المقام على نص يعتمد إليه و لا مستند شرعي يلجأ إليه أزيد مما ذكروه كما عرفت.
مع ما عرفت من استفاضة الأخبار باستحباب النكاح، و الحث عليه، و ما فيه من الفضل زيادة على الصلاة و ذم العزاب على أبلغ وجه، و أن فائدته غير منحصرة في كسر الشهوة الحيوانية بل له فوائد جمة منها: تكثير النسل، و المباهاة بهم يوم القيامة، و منها جلب الرزق، و منها شفاعة الطفل لأبويها، و منها زيادة الثواب في عبادته و نحو ذلك.
و لا ريب أن المحجور عليه هنا و إن كان سفيها مبذرا إلا أنه بالغ عاقل مكلف بالتكاليف الشرعية واجباتها و مستحباتها داخل تحت هذه الأخبار التي ذكرناها، و هي شاملة له كغيره من المكلفين، و لا دليل لهم على استثنائه و خروجه عنها.
و غاية ما تدل عليه أدلة الحجر كما تقدمت في كتاب الحجر هو عدم تمكينه من المال خوفا أن يصرفه في غير المصارف الشرعية أو العرفية مما يوجب التبذير المنهي عنه لا أنه يبطل ما يأتي به من المستحبات المتوقفة على دفع المال كالتزويج مثلا، و إنما يجوز له مع الضرورة و الحاجة خاصة.
و قد تقدم في كتاب الحجر ما فيه مزيد إيضاح لما ذكرناه و تأييد بموافقة بعض المحققين لما اخترناه في المسألة الخامسة من المطلب الثاني في الأحكام من الكتاب المشار إليه.
و بذلك يظهر لك تطرق المنع في قولهم «لأنه ممنوع من التصرفات المالية» فإنه على إطلاقه ممنوع، و التحقيق إنما هو المنع عما يحصل منه التبذير و الإسراف المنهي عنه، و الحجر عليه إنما هو بسبب خوف صرفه المال في ذلك.
248
و يشير إلى ما ذكرناه
قوله (عليه السلام) في بعض تلك الأخبار (1) «إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة و ولده سفيه مفسد لا ينبغي له أن يسلط واحدا منهم على ماله».
فإنه ظاهر في أن النهي عن تسليطهم إنما هو لخوف صرفهم المال في الفساد، و هي الأمور الغير الجائزة.
و كذا
قوله (عليه السلام) في بعضها (2) «لا تعطوهم حتى تعرفوا منهم الرشد».
إنما هو لخوف صرف المال فيما هو خلاف الرشد، و على هذا فلا تعلق للحجر بما لو كان الصرف في الأمور الشرعية، و حينئذ فالواجب بمقتضى ما قلناه على الولي أن يدفع له من المال- متى أراد التزويج لضرورة كان أم لا- ما يقوم بذلك مهرا و نفقة و نحوها.
و بذلك يظهر لك ما في تفريعاتهم في المسألة، ثم إنهم قالوا: إنه لو اضطر إلى التزويج لخدمة أو شهوة أو غيرهما من الضرورات جاز للولي تزويجه مقتصرا على ما يندفع به الحاجة كما و كيفا.
و هل يشترط تعيين الزوجة؟ فيه وجهان بل قولان: (أحدهما)- و اختاره العلامة في كتبه و المحقق في الشرائع- العدم، فيجوز للولي أن يأذن له في التزويج و إن لم يعين له الزوجة، لأنه مقيد بمراعاة المصلحة، فلو تجاوزها فسد، و على هذا فيصح الاذن المطلق، و ينكح من شاء بمهر المثل أو أقل، فلو نكح و الحال هذه شريفة تستغرق مهر مثلها ماله أو معظمه لم يصح لأنه على خلاف المصلحة و (ثانيهما) أنه لا بد من تعيين الزوجة بخصوصها أو حصرها في قوم أو قبيلة أو تعيين المهر، لأن المقتضي للحجر عليه هو حفظ ماله و صيانته عن الإتلاف، فلو جوزنا إطلاق الإذن، لم يؤمن أن ينكح من يستغرق مهر مثلها ماله، و لا يكفي
____________
(1) مستدرك الوسائل ج 2 ص 496 ح 2.
(2) تفسير العياشي ج 1 ص 220 ح 23، الوسائل ج 13 ص 434 ح 10.
249
لدفع المحذور كون النكاح فاسدا في هذه الحالة، لأنه بالدخول يجب مهر المثل مع جهلها فيلزم الوقوع في المحذور.
و أنت خبير بأن إطلاق الاذن في القول الأول مقيد عندهم بالمصلحة كما عرفت، فلو تجاوزها فسد العقد، و مع فساد العقد يلزم مهر المثل مع جهل الزوجة أيضا.
و بذلك يظهر أن هذا الاختلاف لا ثمرة له هنا، بل لو لم يأذن الولي بالكلية الموجب عندهم لبطلان العقد قطعا فإنهم صرحوا بوجوب مهر المثل في صورة جهل الزوجة أيضا.
ثم اعلم أنه قد وقع في جملة من عباراتهم مثل عبارة الشرائع و نحوها القواعد و غيرهما ما ظاهره المنافاة في المتولي للعقد متى جوزنا التزويج، فإنه في الشرائع قال: فإن اضطر إلى النكاح جاز للحاكم أن يأذن له، سواء عين الزوجة أو أطلق، ثم قال: و لو بادر قبل الاذن و الحال هذه صح العقد، و في القواعد: و مع الحاجة يأذن له الحاكم مع تعيين الزوجة و بدونه، و ليس الاذن شرطا، و نحو ذلك عبارته في الإرشاد (1).
و وجه الاشكال فيها هو أن مقتضى ذكر إذن الحاكم هنا توقف صحة العقد عليه، و لا يظهر لذكره فائدة هنا إلا بذلك، و إلا فلا فائدة في اعتباره.
و مقتضى قوله في القواعد «و ليس الاذن شرطا» و قوله في الشرائع «و لو بادر قبل الاذن صح» هو عدم اشتراط إذن الحاكم بالكلية.
قال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد: و اعلم أن ظاهر قوله «و ليس الاذن شرطا» مناف لقوله «و مع الحاجة يأذن له الحاكم» لأن الظاهر أن المراد من قوله «يأذن له الحاكم» اعتبار ذلك في صحة نكاحه، و عدم الاعتداد به من
____________
(1) حيث قال: و ليس للمحجور عليه للتبذير التزويج الا مع الضرورة فيستأذن الحاكم فان عقد بدونه بمهر المثل صح و الا يطلق الزائد (منه- (قدس سره).
250
دونه، أي و مع الحاجة يأذن الحاكم و لا يستقل من دون إذنه، و لو لا ذلك لم يكن للحجر معنى، فإنه إذا استقل السفيه ببعض التصرفات و أحسن بإمضائها كان ذلك سببا في الاقدام على أي تصرف كان، و وسيلة إلى إتلاف المال، و متى كان هذا هو المراد، كان قوله «و ليس الاذن شرطا» منافيا له، لأن مقتضاه جواز الاستقلال من دونه، و سيأتي في كتابه. انتهى.
و ظاهره في المسالك الجواب عن ذلك باعتبار ترتب الإثم و عدمه بمعنى أنه مع إذن الحاكم يكون صحيحا و لا إثم عليه، و بدونه يكون صحيحا و إن أثم قال: لأن النهي في مثل ذلك لا يترتب عليه فساد. انتهى.
و فيه أن قضية الحجر الفساد بدون إذن الولي، و بطلان التصرف في كل شيء تعلق به الحجر من نكاح أو بيع أو شراء أو نحو ذلك كما تقدم في كتاب الحجر (1) و لا ريب أن الحجر قد تعلق هنا بالنكاح لما قدمنا في صدر المسألة، لكن لما استثنى من ذلك صورة الضرورة و الحاجة إلى النكاح وجب الرجوع في ذلك إلى الولي و هو الحاكم الشرعي، و لهذا أنه (قدس سره) ذكر في آخر كلامه تفصيلا حسنا بناء على قواعدهم، فقال: و الأجود توقف تزويجه على إذن الحاكم مع وجوده فإن تعذر جاز له التزويج بدونه مع الحاجة مقتصرا على ما يليق به بمهر المثل فما دون، فإن زاد عليه بطل الزائد، و صح النكاح لأن الخلل في المهر لا يقتضي فساد النكاح كما في غيره، و يظهر فائدة التوقف على إذن الولي مع إمكانه في فساد العقد، و عدم استحقاق المهر شيئا لو كانت عالمة بالحال.
انتهى، و الله العالم.
المسألة الخامسة [في أن إطلاق التوكيل في التزويج ينصرف إلى غير الوكيل]:
لو وكلت المرأة المالكة أمرها أحدا في تزويجها فإن عينت له الزوج فلا إشكال، و إن أطلقت بأن قالت: أنت وكيلي في تزويجي أو
____________
(1) ج 20 ص 342.
251
وكيلي في تزويجي برجل أو كفو، فالمفهوم من كلام الأكثر أنه كالأول في أنه إنما يتبادر إلى غير الوكيل، فإنه و إن كان من حيث الإطلاق صالحا لدخوله فيه كغيره إلا أن المفهوم عرفا من كونه مأمورا بتزويجها أن الزوج غيره فلا يدخل حينئذ عملا بشاهد الحال، و احتمل في التذكرة جواز تزويجها من نفسه مع الإطلاق معللا بإطلاق الاذن و مساواته لغيره.
و لو عممت الاذن فقالت: زوجني لمن شئت، فهل يكون كالمطلق من حيث اشتراكهما في الصلاحية لكل واحد ممن يصلح لتزويجها، و اقتضاء المغايرة بين الزوج و المزوج فلا يدخل في الإطلاق، أو يدخل هنا في العموم من حيث إن العام أقوى من المطلق، لأنه ناص على جزئياته؟ قولان.
و اعترض على ذلك في المسالك، و مثله سبطه في شرح النافع بأن الفرق هنا لا يخلو من نظر من حيث إن الوكيل داخل في الإطلاق، كما هو داخل في العموم و إن كان العموم أقوى دلالة، إلا أنهما مشتركان في أصل الدلالة.
و لو عممت الاذن على وجه يتناول الوكيل نصا و كذا لو دلت القرائن مع الإطلاق أو التعميم على تناوله فلا إشكال في دخوله، و المشهور بين الأصحاب أنه يجوز له تزويجها من نفسه حينئذ، و قيل:
بالعدم حتى لو قالت زوجني من نفسك، فإنه لا يجوز أيضا.
أقول: و الذي حضرني من الروايات في هذا المقام ما رواه
في الكافي عن الحلبي (1) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في امرأة ولت أمرها رجلا، فقالت:
زوجني فلانا فقال: إني لا أزوجك حتى تشهدي لي أن أمرك بيدي، فأشهدت له، فقال عند التزويج للذي يخطبها: يا فلان عليك كذا و كذا قال: نعم، فقال هو للقوم: إشهدوا أن ذلك لها عندي، و قد زوجتها نفسي، فقالت المرأة: لا،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 397 ح 1، التهذيب ج 7 ص 391 ح 41، الوسائل ج 14 ص 216 ح 1.
252
و لا كرامة و ما أمري إلا بيدي، و ما وليتك أمري إلا حياء من الكلام، قال: تنزع منه و يوجع رأسه».
و الظاهر من هذه الرواية هو من الفرد الأول من الأفراد المذكورة و هو تعيين الزوج لأن المرأة في أول الأمر قد عينت له الزوج و لكنه لأجل خدعها و المكر بها طلب منها أن تشهد له على الوكالة المطلقة ليوصل بذلك إلى إدخال نفسه، و مع ذلك فقد صرحت بعدم إرادته، و من أجل ذلك أمر (عليه السلام) بأن يوجع رأسه، كناية عن تعزيره، و إهانته.
و ما رواه
الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة تكون في أهل بيت فتكره أن يعلم بها أهل بيتها، أ يحل لها أن توكل رجلا يريد أن يتزوجها تقول له: قد وكلتك فاشهد على تزويجي؟ قال:
لا، قلت له: جعلت فداك و إن كانت أيما؟ قال: و إن كانت أيما، قلت: فإن وكلت غيره بتزويجها منه؟ قال: نعم».
و هذه الرواية كما ترى صريحة في المنع من تزويج الوكيل لها، و إن عينته و خصته كما هو أحد القولين في المسألة، و الظاهر أنه لا وجه لذلك إلا من حيث كونه موجبا قابلا بكما علل به الشيخ (رحمه الله) حيث ذهب إلى المنع من ذلك.
و المشهور بين المتأخرين الجواز و طرح الرواية المذكورة، وردها بضعف السند، و طعن في دلالتها أيضا الشهيد الثاني في المسالك، و قبله المحقق الشيخ علي في الشرح على القواعد باحتمال رجوع النهي إلى قوله «قد وكلتك فاشهد على تزويجي».
قال في المسالك: و الرواية ضعيفة السند قاصرة الدلالة لجواز كون المنفي هو قولها «وكلتك فأشهد» فإن مجرد الاشهاد غير كاف. انتهى.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 378 ح 5، الوسائل ج 14 ص 217 ح 4.
253
أقول: لا يخفى أن المسؤول عنه في الرواية و المستفهم عنه إنما هو أن توكل من يريد تزويجها، هل يحل لها توكيله أم لا؟ فالجواب بالنهي إنما وقع عن ذلك.
و بالجملة فالرواية ظاهرة في المدعي، و لا معارض لها فالظاهر هو العمل بها.
نعم يمكن المناقشة فيما قدمناه من أن دلالتها على المنع إنما هو من حيث لزوم كونه موجبا قابلا، فإنه حيث لم يقم عليه دليل في أنه مانع لا في هذا المقام و لا غيره، مع جوازه في الأب و الجد بلا خلاف، فإن لكل منهما أن يتولى طرفي العقد، فلا وجه لتقييد الخبر به مع دلالته على المنع مطلقا، فلا يزول بتوكيله غيره، بخلاف ما لو جعلنا العلة في المنع هو ما ذكرناه، فإنه يزول بذلك.
و بالجملة فإنه لا معارض للرواية هنا إلا أصالة الجواز، و هو مما يجب الخروج عنه بالدليل، و الدليل موجود و لو كانت الرواية صحيحة باصطلاحهم لقالوا بمضمونها، و من لا يرى العمل بهذا الاصطلاح كالمتقدمين و أكثر متأخري المتأخرين، فإنه يجب تخصيص الأصل المذكور بها، و الله العالم.
المسألة السادسة: لو زوج الولي الصغيرة بدون مهر المثل، فهل لها الاعتراض بعد الكمال أم لا؟
قولان: و بالأول قال المحقق في المحقق في الشرائع بعد التردد، و العلامة في القواعد، و الثاني مذهب الشيخ في الخلاف.
و إطلاق كلامهم شامل لما لو كان تزويجها بدون مهر المثل على وجه المصلحة بها بأن وجد الولي في ذلك الوقت كفوا صالحا و ربما لا يحصل في غير ذلك الوقت إلا أنه لم يبذل لها من المهر إلا ما هو أقل من مهر المثل، أم لم يكن فيه مصلحة لها و لا مفسدة.
و شامل أيضا لما لو كان هناك نوع مفسدة بأن لا يكون الزوج من الأكفاء
254
الراجحين بحيث لو لا العقد عليه لحصل من هو أرجح منه و أولى، و مع ذلك كان العقد بدون مهر المثل.
و المراد باعتراضها فيه هو أن لها فسخ المسمى فيرجع إلى مهر المثل مع الدخول.
ثم إن المتبادر من الاعتراض هنا هو الاعتراض في المهر المذكور في العقد، و احتمل بعضهم أن المراد في أصل العقد أيضا.
و بذلك يظهر أن مرجع الخلاف إلى أنه هل يصح العقد مطلقا و لا اعتراض بالكلية، أو الاعتراض في المسمى أو في أصل العقد؟ (1) و علل الأول بأن المفروض أن الزوج كفو، و الولي له العقد شرعا، و المهر عندهم غير شرط في صحة العقد، و النكاح ليس معاوضة محضة، لأن البضع ليس مالا في الحقيقة، و الغرض الأصلي من النكاح إنما التحصين و النسل، و ليس الغرض منه المهر، و لأن الولي يجوز له العفو عن بعض المهر بعد ثبوته، فإسقاطه ابتداء أولى، و مع تحقق الكفاءة لا يشترط في صحة العقد وجود المصلحة بل انتفاء المفسدة، و هو موجود بالفرض.
و أنت خبير بأن ظاهر هذا التعليل مؤذن بإرادة العموم من الأول الذي تقدمت الإشارة إليه.
____________
(1) أقول: نقل المحقق الثاني في شرح القواعد عن الشيخ في المبسوط بأنه حكم ببطلان المسمى لأن الأموال يراعى قيمتها قيمة المثل فكذا في البضع، ثم قال: و ضعفه ظاهر، فان الغرض وجود المصلحة المجوزة، و الفرق قائم كما بيناه. انتهى.
أقول: و هذا قول رابع في المسألة، و مقتضاه بطلان العقد من أصله كما في البيع لو كان الثمن أقل من ثمن المثل، ورده بأن الغرض وجود المصلحة التي هي المدار في الصحة، فلا يبطل حينئذ، و الفرق بين النكاح و البيع قائم كما أشرنا إليه في الأصل فلا يقاس عليه، و يمكن إرجاع هذا القول المحكي الى ما ذكرناه في الأصل من الاحتمال، و هو احتمال اعتراضها في أصل العقد بمعنى أن لها فسخه من أصله بالتقريب المذكور فيه، و جوابه ما عرفت و لا سيما ما ذكر في الأصل و الله العالم. (منه- (قدس سره)-).
255
و علل الثاني و هو جواز الاعتراض في المسمى مطلقا بأن النكاح عقد معاوضة في الجملة، و إن لم تكن معاوضة محضة، و مقابلة البضع بأقل من عوض مثله ينجبر بالتخيير، و مجرد المصلحة في ذلك غير كاف في عدم الاعتراض، كما لو باع الوكيل بدون ثمن المثل، و إن كان هناك مصلحة للموكل.
و الفرق بين البيع و النكاح- حيث حكم بصحة العقد بخلاف البيع بأقل من ثمن المثل- هو أن المهر ليس ركنا في النكاح كما تقدمت الإشارة إليه، فلا مدخل له في صحته و لا فساده، و إنما جبر نقصه بالتخيير في فسخه، و الرجوع إلى مهر المثل، و التعليل بجواز عفو الولي لا يدل على المدعى، لأن عفوه ثبت على خلاف الأصل في موضع خاص، و هو كونه بعد الطلاق قبل الدخول، فلا يتعدى إلى غيره، لأن الأصل في تصرفه مراعاة المصلحة للمولى عليه.
و علل جواز الاعتراض في العقد أيضا بأن العقد المأذون فيه شرعا على وجه اللزوم هو العقد بمهر المثل، و من ثم لم يجب الالتزام بمجموع ما حصل عليها هذا العقد.
ثم إن التراضي إنما وقع هنا على العقد المشتمل علي المسمى فمتى لم يكن ماضيا كان لها فسخه من أصله، و الأصل في هذا البناء أن الواقع أمر واحد، و هو العقد المشخص بالمهر المذكور، و إذا لم يكن ذلك لازما لها فسخت العقد.
و أورد عليه بأن أصل العقد صحيح، و إنما المانع من قبل المهر، و يمكن جبره بفسخه خاصة و الرجوع إلى مهر المثل، و لا نسلم أنهما واحد، بل هما اثنان لا تلازم بينهما فإذا حصل الخلل في أحدهما لا ينقض الآخر.
نعم يتجه على تقدير اختيارها الفسخ في المسمى ثبوت الخيار للزوج في فسخ العقد و إمضائه لأنه لم يرض بالعقد إلا على ذلك الوجه المخصوص، و الحال أنه لم تتم له، و إلزامه بمهر المثل على وجه القهر ضرر منفي إلا أن يكون
256
عالما بالحال و الحكم فيقوى عدم تخيره لقدومه على عقد يجوز أن يؤل إلى ذلك، كذا حققوه (رضوان الله عليهم).
و لا يخفى عليك أن المسألة عارية من النص، و الاعتماد في تأسيس الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العقلية قد عرفت ما فيه في غير مقام مما تقدم سيما مع تعارضها و تدافعها.
و كيف كان فالظاهر ضعف القول الثالث كما أوضحوه في ذيله، و إنما يبقى الإشكال في القولين الأولين، و يمكن ترجيح الأول منهما بما ورد من «أن الصغيرة إذا زوجها أبوها فليس لها بعد بلوغها مع أبيها أمر» فإنه شامل بإطلاقه لأصل النكاح و المهر و أنه لا اعتراض لها في شيء من الأمرين و لا غيرهما إلا ما قام دليل على إخراجه و استثنائه كأن يكون بغير الكفو مثلا و نحوه.
و تفصيل صور المسألة على ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك يرجع إلى ست صور:
الأولى: أن يعقد عليها من كفو بمهر المثل على وجه المصلحة و لا اعتراض لها في شيء مطلقا.
الثانية: الصورة بحالها لكن، لا على الوجه المصلحة، و الأصح أنه كالأولى.
الثالثة: كذلك بدون مهر المثل على وجه المصلحة، و الأقوى أنه لا اعتراض لها مطلقا مع احتماله في المسمى.
أقول: و هذه هي الصورة التي هي مطرح البحث المتقدم، و هو (قدس سره) قد اختار فيها القول الأول مع احتمال القول الثاني، و جزم بنفي الثالث.
الرابعة: كذلك، لكن بدون المصلحة فلها الاعتراض في المسمى خاصة، فلو فسخته اتجه تخيير الزوج في أصل العقد.
الخامسة: أن يزوجها من غير كفو بمهر المثل فلها الخيار في أصل العقد مع احتمال
257
بطلانه من رأس، و الوجهان مبنيان على حكم عقد الفضولي في النكاح، و سيأتي البحث فيه.
السادسة: كذلك بدون مهر المثل فلها الخيار في كل منهما، فإن فسخت العقد انتفيا، و إن فسخت المهر خاصة رجعت إلى مهر المثل.
المسألة السابعة [في حكم عقد النكاح فضولا]:
المشهور بين الأصحاب صحة عقد النكاح فضولا كما في غيره من العقود، و لزومه موقوف على الإجازة، و ادعى المرتضى الإجماع على صحته في النكاح، و هو ظاهر ابن إدريس أيضا حيث قال في السرائر ما ملخصه:
إنه لا خلاف في أن النكاح يقف على الإجازة إلا في العبد و الأمة، فإن بعضهم يوقف العقد على إجازة الموليين، و بعضهم يبطله. انتهى.
و نقل عن الشيخ في الخلاف القول ببطلانه من أصله فلا تصححه الإجازة و هو قول الشيخ فخر الدين بن العلامة في جميع العقود من نكاح و بيع و غيرهما.
و الأظهر هنا هو القول المشهور، أما في البيع و نحوه فقد تقدم تحقيق القول فيه في كتاب التجارة، و أن الحق الذي دلت عليه الأخبار هو القول بالبطلان.
و مما يدل على الصحة هنا ما رواه
في الكافي عن محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه سئل عن رجل زوجته امه و هو غائب قال: النكاح جائز إن شاء المتزوج قبل، و إن شاء ترك، فإن ترك المتزوج تزويجه فالمهر لازم لامه».
و ما رواه
الكليني و الشيخ في الحسن عن زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده، فقال: ذاك إلى سيده إن شاء أجازه، و إن شاء فرق بينهما، قلت: أصلحك الله إن الحكم بن عتيبة و إبراهيم النخعي و أصحابهما
____________
(1) الكافي ج 5 ص 401 ح 2، الوسائل ج 14 ص 211 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 478 ح 3، التهذيب ج 7 ص 351 ح 63، الوسائل ج 14 ص 523 ح 1.
258
يقولون: إن أصل النكاح فاسد و لا تحل إجازة السيد له، فقال أبو جعفر (عليه السلام):
إنه لم يعص الله انما عصى سيده فإذا أجازه فهو له جائز».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) عن زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج عبده بغير إذنه، فدخل بها ثم اطلع على ذلك مولاه؟
فقال: ذلك إلى مولاه، إن شاء فرق بينهما، و إن شاء أجاز نكاحهما، فإن فرق بينهما فللمرأة ما أصدقها، إلا أن يكون اعتدى فأصدقها صداقا كثيرا، و إن أجاز نكاحه فهما على نكاحهما الأول، فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): فإن أصل النكاح كان عاصيا، فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنما أتى شيئا حلالا، و ليس بعاص الله إنما عصى سيده، و لم يعص الله إن ذلك ليس كإتيان ما حرم الله عز و جل عليه من نكاح في عدة و أشباهه».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن معاوية بن وهب (2) في الصحيح قال: «جاء رجل إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: إني كنت مملوكا لقوم و إني تزوجت امرأة حرة بغير إذن مولاي ثم أعتقوني بعد ذلك، فأجدد نكاحي إياها حين أعتقت؟
فقال له: أ كانوا علموا أنك تزوجت امرأة و أنت مملوك لهم؟ فقال: نعم و سكتوا عني و لم يعيروا علي، فقال: سكوتهم عنك بعد علمهم إقرار منهم أثبت على نكاحك الأول».
و رواه الشيخ في التهذيب عن الحسن بن زياد الطائي (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني كنت رجلا مملوكا» الحديث،.
على اختلاف في ألفاظه.
و رواه
في الخلاف عن أبان بن عثمان أن رجلا يقال له ابن زياد الطائي قال: «
____________
(1) الكافي ج 5 ص 478 ح 2، التهذيب ج 7 ص 351 ح 62، الفقيه ج 3 ص 283 ح 1، الوسائل ج 14 ص 523 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 478 ح 4، التهذيب ج 7 ص 351 ح 62، الوسائل ج 14 ص 525 ب 26 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 343 ح 37، الوسائل ج 14 ص 526 ح 3.
259
قلت لأبي عبد الله» الحديث،.
كما في التهذيب بأدنى تفاوت.
و ما رواه
الشيخ في التهذيب عن علي بن جعفر (1) عن أخيه موسى (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) «أنه أتاه رجل بعبده، فقال: إن عبدي تزوج بغير إذني، فقال علي (عليه السلام) لسيده: فرق بينهما، فقال السيد لعبده: يا عدو الله طلق، فقال علي (عليه السلام): كيف قلت له؟ قال: قلت له: طلق، فقال علي (عليه السلام) للعبد: أما الآن فإن شئت فطلق، و إن شئت فأمسك، فقال السيد: يا أمير المؤمنين أمر كان بيدي فجعلته بيد غيري؟ قال: ذاك لأنك حيث قلت له طلق أقررت له بالنكاح» (2).
و استدل في المسالك لهذا القول
بصحيحة أبي عبيدة الحذاء (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غلام و جارية زوجهما وليان لهما و هما غير مدركين، فقال:
النكاح جائز، و أيهما أدرك كان له الخيار». الحديث،.
و قد تقدم، ثم قال: لا يقال الرواية متروكة الظاهر- لتضمنها أن عقد الولي يقع موقوفا و أنتم لا تقولون به،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 352 ح 64، الوسائل ج 14 ص 526 ح 1.
(2) قال الشهيد في شرح نكت الإرشاد بعد نقل خبر على بن جعفر المذكور: قد اشتمل هذا الحديث على لطائف:
الأول: أن نكاح العبد بغير اذن السيد لا يقع باطلا، بل موقوفا، و دل عليه ظاهر قوله «فرق بينهما» فإنه ليس المراد به إيجاب التفريق، بل ظاهره إثبات أن له التفريق.
أقول: الأظهر في الدلالة على ما ذكره ما تقدم في الاخبار الأولة من قوله في حسنة زرارة «ذاك الى سيده الى آخره» فإنه صريح في كونه موقوفا لا باطلا، فما نقله فيه عن العامة، و قد رده (عليه السلام) «بأنه لم يعص الله، و انما عصى سيده» و نحوها من الاخبار.
ثم قال (قدس سره): الثانية: أن الاعتراف بالتابع أو اللازم المساوي اعتراف بالمطبوع و الملزوم، كطلب منكر البيع الإقالة أو الفسخ بالثمن، و عليه دل قوله «أما الان فإن شئت فطلق» الخبر.
الثالثة: الإجازة ليست على الفور، بل له أن يجيز ما لم يفسخ لان قوله «طلق» كان بعد مكث، و في هذه نظر. انتهى (منه- (قدس سره)-).
(3) الكافي ج 5 ص 401 ح 4، الوسائل ج 17 ص 527 ح 1.
260
فلا يصح الاستدلال بها على موضع النزاع لسقوط اعتبارها بذلك- لأنا نقول:
لا يلزم من ثبوت الولاية لأحد على الأطفال أن يجوز له تزويجهم، لأن ولاية التزويج أخص من مطلق الولاية، و عدم الأخص أعم من عدم الأعم.
و وجه خصوصه يظهر في الحاكم و الوصي فإنهما وليان على الأطفال، و ليس لهما تزويجهم كما مر، فيكون حمل الولي هنا على ذلك بقرينة جعل الخيار لهما إذا أدركا.
و في المختلف حمل الولي هنا على غير الأب و الجد، كالأخ و العم فإن كلا منهما يطلق عليه اسم الولي (1) لكنه ولي غير مجبر.
و في بعض عبارات الشيخ في المبسوط البكر إن كان لها ولي الإجبار مثل الأب و الجد فلا يفتقر نكاحها إلى إذنها، و إن لم يكن له الإجبار كالأخ و ابن الأخ و العم فلا بد من إذنها، و الغرض من ذلك أنه سمي من ذكر من الأقارب وليا، و إن لم يكن له ولاية النكاح.
و ما فرضناه خال من التكلف، و الشواهد من الأخبار كثيرة، و إن لم يكن مثلها في قوة السند.
ثم أورد جملة من الروايات العامة الدالة على ما دلت عليه صحيحة أبي عبيدة المذكورة، ثم أورد حسنة زرارة المتقدمة.
و العجب منه (قدس سره) في استناده إلى روايات العامة، و رواياتنا كما عرفت مما تلوناه بذلك متظافرة، و هو لم يذكر منها إلا صحيحة أبي عبيدة و حسنة زرارة.
____________
(1) أقول: مما يدل على إطلاق الولي على الأخ ما ورد في حديث المرأة التي أنكرت ولدها، و يقرب منه ما هو مروي في الكافي، قال فيه «ثم قال لها- يعني أمير المؤمنين (عليه السلام)-: أ لك ولى؟ قالت: نعم، هؤلاء إخوتي، فقال لإخوتها: أمري فيكم و في أختكم جائز؟ فقالوا: نعم، ثم انه (عليه السلام) زوجها من الغلام- الحديث».
(منه- (قدس سره)-)، الكافي ج 7 ص 423 ح 6، الوسائل ج 18 ص 206 ح 2.
261
و أعجب من ذلك ما وقع له و العلامة في المختلف قبله من الاستشكال في الاستدلال بصحيحة أبي عبيدة حتى استشهدا على ما ذكراه من حمل الولي في صدرها على غير الأب و الجد بما صرحا به، مع أن عجز الرواية أوضح شاهد بما ذكراه حيث قال في عجزها «فإن كان أبوها الذي هو زوجها قبل أن تدرك قال: يجوز عليها تزويج الأب، و يجوز على الغلام و المهر على الأب للجارية».
و التقريب فيها أنه لو لم يحمل صدرها على غير الأب و الجد للزم المنافاة و المضادة بين ما دل عليه صدرها و عجزها، و نحن قدمنا الرواية بتمامها و بينا الوجه فيها في آخر المسألة الاولى من هذا المقصد.
احتج الشيخ على ما نقله في المسالك على البطلان من رأس
بما روي عن عائشة (1) «أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل».
و رواية أبي موسى الأشعري (2) «أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: لا نكاح إلا بولي».
و رواية ابن عمر (3) «أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: أيما عبد نكح بغير إذن مواليه فنكاحه باطل».
و رواية الفضل البقباق (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يتزوج الأمة بغير إذن أهلها قال: هو زنا إن الله تعالى يقول فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ».
و بأن العقود الشرعية تحتاج إلى الأدلة و هي منتفية في محل النزاع.
ثم قال في المسالك: و وافقه على البطلان الشيخ فخر الدين مضيفا إليه سائر العقود مستدلا عليه بأن العقد سبب الإباحة، و لا يصح صدوره من غير معقود عليه أو وليه، و بأن رضى المعقود عليه أو وليه شرط، و الشرط متقدم.
ثم رده بأن الأولى منهما مصادرة و الثانية لا تفيد لأن الرضا شرط اللزوم
____________
(1) سنن البيهقي ج 7 ص 125.
(2) سنن البيهقي ج 7 ص 125.
(3) سنن البيهقي ج 7 ص 125.
(4) التهذيب ج 7 ص 348 ح 55، الوسائل ج 14 ص 527 ح 1.
262
و هو متأخر عنه لا العقد الذي هو المتنازع فيه، ثم أجاب عن روايات الشيخ بأنها كلها عامية قال: و قد أتينا بخبر منها و مثلها فتكون رواياتنا أرجح- إلى أن قال-: و الرواية الأخيرة الخاصة بنا ظاهرة في أن زوج الأمة وطأها بذلك العقد من غير إجازة المولى، و لا شبهة في كونه زنا، و لو ادعى عدم الوطي حمله على ما لو فعله كذلك، جمعا بينها و بين ما سلف، و هو جيد.
و العجب من الشيخ- مع روايته للروايات المتقدمة في كتبه الصريحة في المدعي- كيف يدعي أن الأدلة منتفية في محل النزاع.
و بقي الكلام في الروايات الاولى و ما دلت عليه، من أن المهر لازم لامه مع عدم قبوله و رضائه بالتزويج.
و الشيخ في النهاية قد أفتى بمضمون الرواية فقال: إذا عقدت الام بابن لها على امرأة كان مخيرا في قبول العقد و الامتناع منه فإن قبل لزمه المهر، فإن أبي لزمها هي المهر، و تبعه ابن البراج.
و قال ابن إدريس: حمل ذلك على الأب قياس، فإن الام غير والية على الابن فإنما هذا النكاح موقوف على الإجازة أو الفسخ، فإن بلع الابن و رضي لزمه المهر و إن أبي انفسخ النكاح، و لا يلزم الام من المهر شيء بحال، إذ هي و الأجانب سواء فكما لو عقد عليه أجنبي كان الحكم ما ذكرناه بغير خلاف، فلا دليل على لزوم المهر، لأن الأصل براءة الذمة، شغلها يحتاج إلى دليل. انتهى.
أقول: لا يخفى أن ما أفتى به الشيخ هنا إنما استند فيه إلى الرواية المذكورة، و الرواية ظاهرة في أن الابن بالغ عاقل، و إنما كان غائبا فعقدت الام عنه فضولا، و كلام ابن إدريس يشعر بأنه توهم أن المعقود عليه صغير، و لا ولاية للأم عليه كما للأب، فلا يلزمها المهر كما يلزم الأب لو عقد على ابنه الصغير، و هو بمعزل واضح عن ظاهر الرواية، و كلام الشيخ المبنى عليها و إن كانت عبارة
263
الشيخ مجملة هنا.
بقي الكلام في ضمانها المهر مع كون عقدها فضوليا، و قضية ذلك أنه إن أجاز لزمه المهر، و إلا فلا مهر، و العلامة في المختلف و قبله شيخه المحقق في الشرائع حملا الضمان على ما إذا ادعت الأم الوكالة و لم يثبت، فإنها تضمن المهر لأنها قد فوتت البضع على الزوجة فضمنت، و هو جيد.
و يدل عليه جملة من الأخبار، و قد تقدم تحقيق القول في ذلك في كتاب الوكالة في المسألة الثانية من المطلب السابع في التنازع (1) من الكتاب المذكور.
و أما ما ذكره في المسالك بعد ذكر حمل المحقق و العلامة حيث قال: و فيه نظر لأن ضمان البضع بالتفويت مطلقا ممنوع، و إنما المعلوم ضمانه بالاستيفاء على بعض الوجوه لا مطلقا، و الأقوى عدم وجوب المهر على مدعى الوكالة مطلقا إلا مع ضمانه فيجب حسبما يضمن عن الجميع أو البعض. انتهى.
ففيه ما ذكره في الموضع المشار إليه من ورود الأخبار و فيها الصحيح بالضمان، و أن الظاهر أن الوجه فيه إنما هو العقوبة للوكيل حيث ضيع حق المرأة بعدم الاشهاد على الوكالة فليرجع إليه من أحب الاطلاع عليه، و الله العالم.
المسألة الثامنة [في أنه هل يكفي في إذن البكر سكوتها أم لا؟ و ما يوجب الثيبوبة]:
المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف إلا من ابن إدريس أنه يجزي في إجازة البكر و إذنها سكوتها، و يعتبر في الثيب النطق، و قال ابن إدريس- بعد أن حكى قول الشيخ في النهاية أن الأخ إذا أراد العقد على أخته البكر استأمرها فإن سكت كان ذلك رضا منها، ما صورته-:
المراد بذلك أنها تكون قد وكلته في العقد.
و إن قيل: إذا وكلته في العقد فلا حاجة به إلى استيمارها قلنا: بل يستحب أن يستأمرها عند العقد بعد ذلك، و كذلك الأب إذا لم يكن وليا
____________
(1) ج 22 ص 109.
264
عليها، و لا له إجبارها على النكاح، و ولت أمرها إليه فإنه يستحب له أن يستأمرها إذا أراد العقد عليها، و هذا معنى ما روي «أن إذنها صماتها» و إلا السكوت لا يدل في موضع من المواضع على الرضا.
و الذي يدل على القول المشهور و هو المؤيد المنصور جملة من الأخبار الواضحة المنار.
و منها ما رواه
في الكافي عن الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «و سئل عن رجل يريد أن يزوج أخته، قال: يؤامرها، فإن سكتت فهو إقرارها و إن أبت لم يزوجها» الحديث.
و ما رواه
في الكافي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (2) قال: «أبو الحسن (عليه السلام) «في المرأة البكر إذنها صماتها و الثيب أمرها إليها».
و رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر مثله.
و ما رواه
في الكافي و الفقيه عن داود بن سرحان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل يريد أن يزوج أخته، قال: يؤامرها فإن سكتت فهو إقرارها و إن أبت لم يزوجها».
و يؤيده ما تقدم في سابق هذه المسألة من حكمه (عليه السلام) في
صحيحة معاوية بن وهب، «بأن سكوت موالي العبد الذي تزوج بغير إذن منهم، إقرار له على التزويج».
و هذه الروايات كما ترى ظاهرة بل صريحة في القول المشهور، و ليس في شيء منها ما يشير إلى حصول الوكالة التي ادعاها ابن إدريس، بل هي ظاهرة في خلاف ذلك، و ما ادعاه من استحباب استيمارها بعد الوكالة مجرد عدوى ألجأه إليه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 393 ح 4، الوسائل ج 14 ص 20 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 394 ح 8، قرب الاسناد ص 159. الوسائل ج 14 ص 206 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 293 ح 3، الوسائل ج 14 ص 201 ح 3.
265
ضيق الخناق في الخروج عما وقع عليه الاتفاق، فإنا لم نقف لذلك على دليل عقلي و لا نقلي كما لا يخفى.
و ينبغي تقييد الاكتفاء بالسكوت عن اللفظ الصريح بما إذا لم يكن ثمة قرينة دالة على عدم الرضاء، و إلا لم يفد السكوت الاذن.
قيل: و لو ضحكت عند استئذانها فهو إذن، لأنه أدل على الرضاء من السكوت.
و فيه توقف إذ ربما يكون الضحك عن استهزاء و تعجب، لا عن فرح و سرور، مع خروجه عن موضع النص المخالف للأصل، فيجب الاقتصار على مورد النص.
و نقل عن ابن البراج أنه ألحق بالسكوت و الضحك البكاء و هو أبعد، بل ربما كان ذلك قرينة ظاهرة على الكراهة.
و الظاهر أن وجه الحكمة فيما دلت عليه هذه الأخبار من الاكتفاء بالسكوت هو أن البكر غالبا تستحي من الكلام و الجواب باللفظ، هذا كله في البكر.
أما الثيب فيعتبر نطقها إجماعا، و يؤيد ما عرفت من وجه الحكمة في البكر و أن الثيب بسبب الثيوبة و مخالطة الرجال يزول عنها الحياء.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا إشكال في حصول الثيوبة الموجبة لوجوب النطق بالجماع، لعقد كان أو ملك أو شبهة أو زنا، كبيرة كانت أو صغيرة، لصدق الثيوبة في الجميع و لزوال الحياء بممارسة الرجال.
و إنما الإشكال في حصول الثيوبة بغير ذلك من طفرة و وثبة و سقطة، أو بالإصبع و نحو ذلك، فظاهر العلامة إلحاق من كانت ثيوبتها بأحد هذه الأمور بالبكر لوجود معنى البكر فيمن ذكر حيث لم تخالط الرجال فيبقى الحياء بحاله.
و نفى عنه البعد السيد السند في شرح النافع، مع أن جده اعترضه في المسالك
266
بأن فيه نظر من حيث إطلاق النصوص الشامل لمن ذكر، قال: و الاقتصار على الحكمة غير لازم، و من الجائز كونها حكمة في الحكم الكلي، و إن تخلفت في بعض جزئياته.
و مثله كثير في القواعد الشرعية المترتبة على أمور حكمية تضبط بضوابط كلية، و إن تخلفت الحكمة في بعض مواردها الجزئية كما جعلوا السفر موجبا للقصر نظرا إلى المشقة بالإتمام فيه غالبا مع تخلفها في كثير من المسافرين المترفهين و وجودها في كثير من الحاضرين، و كترتب العيب المجوز للرد، على نقصان الخلفة و زيادتها، نظرا إلى كون ذلك مما يوجب نقصان القيمة غالبا، و قد تخلف في مثل العبد إذا وجد خصيا، فأبقى على القاعدة و إن زادت قيمته أضعافا مضاعفة. انتهى، و هو جيد.
و من جملة ما ذكره أيضا ما صرحت به الأخبار من العلة في العدة هو أن وجه الحكمة فيها استبراء الرحم، مع وجوبها في مواضع عديدة يقطع ببراءة الرحم كمن سافر عن زوجته عشر سنين ثم طلقها في سفره أو مات عنها، و نحوه.
و ما ورد من أن مشروعية غسل الجمعة كان لتأذى الناس من روائح اباط الأنصار في المسجد إذا حضروها، فأمر بالغسل لذلك مع استحباب الغسل أو وجوبه مطلقا، بل استحباب تقديمه و قضائه، و إن كان روائح المصلين أطيب من ريح المسالك، الى غير ذلك من العلل المذكورة في كتاب علل الأخبار.
و نقل في المسالك عن الشهيد في بعض فوائده أن الثيوبة على أحد الوجوه المتقدمة الخارجة عن الجماع حكمها كالثيوبة الحاصلة بالجماع، و اختاره في المسلك أيضا قال: لا طلاق النص، و المسألة لا تخلو من نوع إشكال، و إن كان ما اختاره الشهيدان لا تخلو من قرب و رجحان.
قال في المسالك: و في الموطوء في الدبر وجهان: من صدق البكارة، و زوال الحياء، و اختار في التذكرة اعتبار النطق فيها. انتهى.
267
أقول: لا يخفى أن مقتضى تعليق الاكتفاء بالسكوت على البكارة في النصوص المتقدمة هو الاكتفاء بالسكوت في المنكوحة دبرا لثبوت البكارة، و هذه العلة التي ذكروها هنا غير منصوصة، بل هي مستنبطة فترجيح العمل بها على إطلاق النص لا يخلو من الاشكال، و الله العالم.
المسألة التاسعة [في مسقطات الولاية]:
قد عد جملة من الأصحاب مسقطات الولاية و هي أربعة:
الكفر، و عدم الكمال بالبلوغ و الرشد، و الرقية، و الإحرام.
فتحقيق الكلام في المقام يقع في مواضع أربعة
(أحدها) [في اشتراط الإسلام في الولي]
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضي الله عنهم) في اشتراط الإسلام في الولاية فلا تثبت للكافر- أبا كان أوجدا أو غيرهما- الولاية على الولد المسلم صغيرا أو مجنونا ذكرا كان أو أنثى، و يتصور إسلام الولد في هذه الحال بإسلام امه أو جده على قول، و كذا يتصور إذا أسلم بعد بلوغه ثم جن، أو كانت أنثى على القول بثبوت الولاية على البكر البالغ، و استندوا في عدم الولاية في هذه الصورة إلى قوله عز و جل (1) «وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ».
و ظاهر بعضهم اشتراط ذلك أعم من أن يكون المولى عليه مسلما أو كافرا، و الحكم في الأول إجماعي.
و استدل عليه زيادة على ما سبق بقوله عز و جل (2) «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» و قوله (3)
«الإسلام يعلو و لا يعلى عليه».
و أما الثاني و هو أن المولى عليه متى كان كافرا فإنه يشترط في الولي عليه الإسلام، فلا يجوز ولاية الكافر على الكافر.
فقال في المسالك: إن وجه المنع غير ظاهر، و عموم الأدلة متناولة و قوله
____________
(1) سورة التوبة- آية 71.
(2) سورة النساء- آية 141.
(3) الوسائل ج 17 ص 376 ح 11.
268
تعالى (1) «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ» يشهد له.
بل قال الشيخ في المبسوط: إن ولي الكافرة لا يكون إلا كافرا، فلو كان لها وليان أحدهما مسلم و الآخر كافر، كان الذي يتولى تزويجها الكافر دون المسلم لقوله (2) «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ».
و منه يظهر ضعف ما نقل عن ظاهر بعضهم من اشتراط الإسلام في الولي و إن كان المولى عليه كافرا، و أن الأجود هو أن يتولى الكافر نكاح الكافرة مطلقا إذا لم يكن لها ولي مسلم، و إلا فالمسلم مع وجوده أولى، خلافا لما ذكره في المبسوط.
و يتصور ولاية المسلم على ولد الكافر فيما إذا كان الأب و الجد كافرين فأسلم الجد بعد بلوغ الولد ثم عرض الجنون للولد، أو يكون الولد البالغ أنثى و قلنا بالولاية على البكر البالغ.
أقول: لم أقف في المقام على نص مخصوص، و لا أعرف لهم مستندا فيه سوى ما يظهر من اتفاقهم على الحكم المذكور.
و أما الآيات التي ذكروها في المقام فهي لا تنهض حجة في مقام الخصام، فإن الظاهر من الآية الأولى و الثالثة إنما هو النصرة و المحبة و المساعدة في الأمور، و لهذا عقب الآية الأخيرة بقوله «إِلّٰا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسٰادٌ كَبِيرٌ» لا الولاية بالمعنى المدعى هنا، و أما آية «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» فإن المراد بالسبيل المنفي إنما هو من جهة الحجة و الدليل، كما روي عن الرضا (عليه السلام) في تفسير الآية المذكورة لا ما توهمه أصحابنا.
و استدلوا عليه بالآية في غير موضع من الأحكام حسبما صرح به الخبر المشار إليه و أوضح بطلانه، و قد تقدم الكلام في ذلك في غير موضع من الكتاب.
____________
(1) سورة النساء- آية 25.
(2) سورة الأنفال- آية 73.
269
و
(ثانيها) في اشتراط الكمال بالبلوغ و الرشد
، فلا ولاية للصبي و لا المجنون و لا المغمى عليه و لا السكران الموجب سكره لذهاب عقله، قالوا: و الوجه في ذلك هو أن هؤلاء لعجزهم عن اختيار الأزواج و النظر في أحوالهم و إدراك التفاوت بينهم المطلوب من الولي لا تثبت لهم الولاية نعم لو زال الجنون و الإغماء و السكر عادت الولاية.
و ربما قيل بأن الجنون المنقطع كالمطبق في رفع الولاية و هو ظاهر عبارة القواعد، قال الشارح المحقق: و الأول أقرب مع قصر زمانه، ثم قال: و الإغماء إن كان مما يدوم يوما أو يومين أو أكثر تزول الولاية حال الإغماء. لكن إذا زال عادت مع وجود مقتضاها كالأبوة و الجدودة، و إن قصر زمانها غالبا فهي كالنوم لا تزول به الولاية. انتهى (1).
و أشار بقوله «مع وجود مقتضاها»- بمعنى أن عود الولاية إنما يكون مع وجود المقتضي لها بكونه أبا أوجدا- إلى أنه لو كان وصيا لم تعد الولاية، و قد نبه على ذلك في آخر كلامه في المقام، فقال: إذا عرفت ذلك فإذا زال المانع عادت الولاية، و هذا في الأبوة و الجدودة ظاهر، و أما في الوصاية فلأنها إذا بطلت لا تعود الولاية إلا بنص الموصي على عودها بعد زوال المانع. انتهى.
و مرجع ذلك إلى أن الولاية في الأب و الجد مترتبة على الأبوة و الجدودة، و هي موجودة في محل الفرض، و الولاية في الوصاية ليست كذلك بل منفكة عنها فزوالها بالإغماء لا يعود بمجرد بقاء الوصاية، لانفكاكها عنها، بل يحتاج إلى نص من الموصي على العود، إذ لا بد من دليل على عودها، و ليس إلا ذلك،
____________
(1) أقول: ظاهره في المسالك أنه لا فرق بين قصر الجنون و الإغماء أو طولهما في زوال الولاية بهما و عودها بعد زوالهما، قال بعد الكلام في المقام: و لا فرق بين طول زمان الجنون و الإغماء و قصره، لقصور حالته، و وجود الولاية في الأخر، و انما يفرق بين الطول و القصر عند من يجعل ولاية الجد مشروطة بفقد الأب كالشافعي فيجعل المانع القصير غير مبطل للولاية، و لا ناقل لها إلى إلا بعد كالنوم. انتهى. (منه- (قدس سره)-).
270
و لا يخفى أن هذا الكلام إنما يتجه على تقدير القول في مسألة ولاية الوصي المتقدمة بأن ولايته مخصوصة بنص الموصي على الولاية.
و أما على القول بأنها تثبت بمجرد الوصاية و إن لم ينص عليها كما هو مختار جمع من المحققين فإنه لا فرق حينئذ بين الأب و الجد و بين الوصي لبقاء الوصاية التي هي الموجبة للولاية كالأبوة و الجدودة.
و
(ثالثها) اشتراط الحرية في الولي
، فلا ولاية للمملوك على ولده حرا كان الولد أو مملوكا، لمولى الأب أو لغيره، و هكذا الجد أيضا ليس له ولاية، و علل سلب الولاية عنهما بأن الرق ليس أهلا لذلك، فنقصه بالرقية المقتضي لكونه لا يقدر على شيء، فإنه لا يستطيع تزويج نفسه بغير ولي، و لأن الولاية تستدعي البحث و النظر، و العبد مشغول بخدمة سيده لا يفرغ لذلك.
و بذلك صرح العلامة في جملة من كتبه، إلا أن ظاهره في المختلف القول بصحة ولايته، حيث نقل عن ابن الجنيد عدم جواز ولاية الكافر و العبد ثم قال:
أما قوله في الكافر فجيد، لقوله تعالى (1) «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا»، و أما العبد فالأقوى صحة ولايته لأنه بالغ رشيد، فأشبه الحر، و كونه مولى عليه لا ينافي ولايته. انتهى.
هذا إذا لم يأذن له مولاه، و إلا فإنه يصح مع إذنه، إلا أنه ينبغي أن يعلم أن موضع الصحة ما إذا كان الولد مملوكا فأذن له مولاه أيضا في تزويجه.
أما لو كان حرا صغيرا، فإن ثبوت ولايته عليه بإذن المولى له مشكل، لأن المقتضي لسلب ولايته هو الرقية و لا يزول بالاذن.
قالوا: و لا فرق في مملوكية الأب أو الجد بين كونه قنا أو مكاتبا أو مدبرا، و لو تحرر بعضه فكالقن.
____________
(1) سورة النساء- آية 141.
271
أقول: هذا خلاصة كلامهم في المقام، و المسألة خالية من النص فيما أعلم، إلا أنه لما دل الدليل على كونه مولى عليه بالنسبة إليه نفسه، فلا اختيار له في تزويج و لا غيره إلا بإذن السيد، فبالنسبة إلى غيره بطريق أولى، و لظاهر الآية المشار إليها أيضا، و بالجملة فإن الحكم لا إشكال فيه.
و
(رابعها) الإحرام
، و هو يسلب ولاية عقد النكاح إيجابا و قبولا بغير خلاف و على ذلك يدل جملة من الأخبار.
منها
صحيحة عبد الله سنان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس للمحرم أن يتزوج و لا يزوج، فإن تزوج أو زوج محلا فتزويجه باطل».
و في معناها غيرها.
و كما يحرم عليه العقد إيجابا و قبولا فكذلك يحرم عليه شهادة العقد و إن وقع من محلين، إلا أنه هنا لا يوجب بطلان العقد كما في الأول و إن أثم بالحضور و الشهادة، لأن الشهادة عندنا ليست شرطا في النكاح.
و لا خلاف في جواز الطلاق للمحرم و مراجعة المطلقة و شراء الا ماء، أما الأول فيدل عليه صحيحة أبي بصير (2) و رواية حماد بن عثمان (3) و أما الثاني فللأصل السالم من المعارض حيث إن مورد أخبار النهي إنما هو النكاح، و المراجعة ليست ابتداء نكاح، و أما الثالث فيدل عليه مضافا إلى الأصل صحيحة سعد بن سعد (4) و تمام تحقيق الكلام في هذا المقام قد تقدم في كتاب الحج، و الله العالم.
المسألة العاشرة [فيما لو بادر كل من الأب و الجد و عقد على شخص غير من عقد عليه الآخر]:
قد عرفت مما تقدم أن الأب و الجد يشتركان في الولاية على الصغيرين، فلو بادر كل منهما و عقد على شخص غير من عقد عليه الآخر مع علم صاحبه أو غير علمه، فإنه يقدم عقد السابق منهما أبا كان أو جدا، و هذا ثمرة
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 328 ح 41، الوسائل ج 9 ص 89 ح 1.
(2) الكافي ج 4 ص 372 ح 6، الوسائل ج 9 ص 93 ح 1.
(3) الكافي ج 4 ص 373 ح 7، الوسائل ج 9 ص 93 ح 2.
(4) الكافي ج 4 ص 373 ح 8، الوسائل ج 9 ص 92 ب 16.
272
الاشتراك لكن ولاية الجد أقوى و إن اشتركا في أصل الولاية، و لهذا أنه إذا اختار الجد زوجا و اختار الأب الآخر قدم مختار الجد، و لا ينبغي للأب معارضته في ذلك.
و أظهر من ذلك أنه لو بادر كل منهما و عقد على زوج غير الآخر من غير علم صاحبه أو مع علمه و اتفق العقدان في وقت واحد بأن تقترن قبولها معا، قدم عقد الجد في هذه الصورة، و على كل من الأمرين أعني أولوية الجد و تقديم عقده مع الاقتران تدل الأخبار الواردة في هذه المسألة.
و منها ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي عن عبيد بن زرارة (1) في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الجارية يريد أبوها أن يزوجها من رجل، و يريد جدها أن يزوجها من رجل آخر، فقال: الجد أولى بذلك ما لم يكن مضارا إن لم يكن الأب زوجها قبله، و يجوز عليها تزويج الأب و الجد».
و رواه في الفقيه عن ابن بكير عن عبيد بن زرارة (2) بدون قوله «ما لم يكن مضارا» و بدون قوله «و يجوز عليها تزويج الأب و الجد».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إذا زوج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه، و لابنه أيضا أن يزوجها، فقلت: فإن هوى أبوها رجلا وجدها رجلا؟ قال: الجد أولى بنكاحها».
و ما رواه
في الكافي عن عبيد بن زرارة (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إني كنت يوما عند زياد بن عبيد الله الحارثي إذ جاء رجل يستعدي على أبيه فقال: أصلح الله
____________
(1) الكافي ج 5 ص 395 ح 1، الوسائل ج 14 ص 218 ح 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 250 ح 3، الوسائل ج 14 ص 218 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 395 ح 2، التهذيب ج 7 ص 390 ح 37، الوسائل ج 14 ص 217 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 395 ح 3، الوسائل ج 14 ص 218 ح 5.
273
الأمير إن أبي زوج ابنتي بغير إذني فقال زياد لجلسائه الذين عنده: ما تقولون فيما يقول هذا الرجل؟ قالوا: نكاحه باطل، قال: ثم أقبل علي فقال: ما تقول يا أبا عبد الله؟ فلما سألني أقبلت على الذين أجابوه فقلت لهم: أ ليس فيما تروون أنتم عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إن رجلا جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): أنت و مالك لأبيك؟ قالوا: بلى، فقلت لهم: فكيف يكون هذا، و هو و ماله لأبيه و لا يجوز نكاحه، قال: فأخذ بقولهم و ترك قولي».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) عن هشام بن سالم و محمد بن حكيم (1) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال إذا زوج الأب و الجد كان التزويج للأول، فإن كانا جميعا في حال واحدة فالجد أولى».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن الفضل بن عبد الملك (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن الجد إذا زوج ابنة ابنه و كان أبوها حيا و كان الجد مرضيا جاز قلنا: فإن هوي أبو الجارية هوى، و هوى الجد هوى، و هما سواء في العدل و الرضاء، قال: أحب إلي أن ترضى بقول الجد».
و ما رواه
الحميري في قرب الاسناد بإسناده عن علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى (عليه السلام) و رواه علي بن جعفر في كتابه أيضا عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألت عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته، فهوي جده أن يزوج أحدهما، و هوى أبوها الآخر، أيهما أحق أن ينكح؟ قال: الذي هوى الجد أحق بالجارية لأنها و أباها
____________
(1) الكافي ج 5 ص 395 ح 4، التهذيب ج 7 ص 390 ح 38، الفقيه ج 3 ص 250 ح 4، الوسائل ج 14 ص 218 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 396 ح 5، التهذيب ج 7 ص 391 ح 40، الوسائل ج 14 ص 218 ح 3.
(3) قرب الاسناد ص 119 باب ما جاء في الأبوين، الوسائل ج 14 ص 219 ح 8.
274
للجد.
أقول: و هذه الأخبار على تعددها قد اشتركت في الدلالة على أولوية الجد و أنه ينبغي للأب و كذا الجارية الرضاء بمن اختاره الجد، و لا يتقدم واحد منهما في الاختيار عليه، كل ذلك على جهة الفضيلة و الاستحباب.
و أما مع اقتران العقدين على الوجه الذي قدمناه، فإنه يقدم عقد الجد (1) كما تضمنته صحيحة هشام بن سالم و محمد بن حكيم.
و خالفنا العامة في هذا الحكم، فجعلوا الأب أولى من الجد على معنى أن الجد لا ولاية له مع وجود الأب، لأن الأب يتولى بنفسه، و الجد يتولى بواسطة الأب، و عورض دليلهم بأن للجد ولاية على الأب لوجوب طاعته و امتثال أمره فيكون أولى.
أقول: و من هنا تضمن خبر عبيد بن زرارة الثاني إفتاء علماء العامة للوالي ببطلان نكاح الجد، و موافقة الوالي لهم و إعراضه عن فتوى الامام (عليه السلام) مع اعترافهم بالحديث الذي ألزمهم به، كل ذلك عنادا للحق.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن المتبادر من الأخبار المتقدمة هو أن المراد بالأب فيها هو الذي تولدت تلك الجارية من صلبه بلا واسطة، و المتبادر من الجد فيها هو الأب لهذا الأب المذكور و هل يتعدى الحكم هنا إلى أب الجد وجد الجد و إن
____________
(1) و العجب من شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروضة حيث قال- بعد قول المصنف «لو زوجها الأبوان برجلين و اقترنا قدم عقد الجد» ما صورته-: لا نعلم فيه خلافا، و تدل عليه من الاخبار رواية عبيد بن زرارة، ثم ساق الرواية الاولى من الروايات التي ذكرناها في الكتاب، ثم كتب في الحاشية: أن هذه الرواية من الموثق و يشكل الحكم بمجردها إلا أنها من المشاهير ان لم يكن حكمها إجماعيا. انتهى.
ثم انه في المسالك قد ذكر من روايات المسألة أيضا صحيحة محمد بن مسلم و صحيحة هشام بن سالم و محمد بن حكيم و ما ذكره في الروضة انما ذلك من الاستعجال و عدم المراجعة لكتب الاخبار. (منه- (قدس سره)-).
275
علا مع الأب أو هو من أدنى منه حتى يكون أبا الجد أولى من الجد وجد الجد أولى من الجد.
قال في المسالك: وجهان: من زيادة البعد و وجود العلة، و يقوى تقديم الجد و إن علا على الأب فيقدم عقده مع الاقتران لشمول النص له، فإن الجد و إن علا يشمله اسم الجد، لأنه مقول على الأعلى و الأدنى بالتواطؤ.
و أما إقامة الجد مع أبيه مقام الأب مع الجد فعدمه أقوى لفقد النص الموجب له مع اشتراكهما في الولاية، و أن الجد لا يصدق عليه اسم الأب إلا مجازا كما أسلفناه فلا يتناوله النص.
و من جعله أبا حقيقة كما ذهب إليه جمع من الأصحاب يلزمه تعدي الحكم إليه، ففي الأول يبطل العقد لاستحالة الترجيح بغير مرجح، و اجتماع الضدين كما لو زوجها الوكيلان، و على الثاني يقدم عقد الأعلى. انتهى.
أقول: قد عرفت مما قدمناه في غير مقام، و لا سيما في كتاب الخمس قوة القول الثاني و أن الجد يطلق عليه الأب حقيقة، كما يطلق الابن على ابن ابنه و إن سفل حقيقة، و حينئذ فيقدم عقد الأعلى في الصورة التي فرضها، و الله العالم.
المسألة الحادية عشر [فيما لو زوجها الولي بالمجنون أو الخصي]:
قالوا: إذا زوجها الولي بالمجنون أو الخصي صح و لها الخيار، و كذا لو زوج الطفل من كان بها أحد العيوب الموجبة للفسخ، و لو زوجها بمملوك لم يكن لها الخيار إذا بلغت، و كذا لو زوج الصغير بمملوكة و قيل: بالمنع هنا.
أقول: و تفصيل هذا الإجمال على وجه يتضح منه الحال.
أما بالنسبة إلى الحكم الأول، فإنهم عللوه بأن كل واحد من المجنون و الخصي كفو، و العيوب المذكورة لا تنافي الكفاءة فلا تنافي الصحة، و إنما المانع من الصحة هو تزويجها بغير الكفو، و لأن الأصل الصحة، و لأنها لو كانت
276
كاملة كان لها أن تتزوج بمن ذكر، و هكذا بالنسبة إلى الطفل الذي زوج بمن بها أحد العيوب.
و أما ثبوت الخيار في الموضعين فلمكان العيب الموجب له لو كان هو المباشر للعقد جاهلا، و فعل الولي له حال صغره. بمنزلة الجهل.
و نقل عن الشيخ في الخلاف أنه أطلق جواز تزويج الولي الصغيرة بعبد أو مجنون أو مجهول أو مجذوم أو أبرص أو خصي، محتجا بأن الكفاءة ليس من شرطها الحرية و لا غير ذلك من الأوصاف، و لم يذكر الخيار، و الأوضح ما ذكره غيره من الأصحاب لما عرفت.
و ظاهر إطلاق الأصحاب الصحة هنا يدل على أن تزويج الولي لا يناط بالمصلحة و الغبطة بل يكفي وقوعه بالكفو، و الفرض أن لا مفسدة في ذلك إذ لا يترتب عليه فيه حق مالي، و النقص منجبر بالخيار.
و للشافعية وجه بعدم صحة العقد المذكور من حيث إنه لا حظ للمولى عليه تزويج المعيب سواء علم الولي أو لم يعلم.
و وجه ثالث بالتفصيل بعلم الولي بالعيب فيبطل- كما لو اشتري له المعيب مع علمه بالعيب- أو الجهل فيصح و يثبت الخيار للولي على أحد الوجهين أولها عند البلوغ.
قال في المسالك بعد نقل ذلك: و هذا الوجه الأخير موجه.
و أما بالنسبة إلى الحكم الثاني و هو ما لو زوجها بمملوك إلى آخره، فإن الوجه عندهم أنه لما كانت الكفاءة غير مشترطة بالحرية و ليست الرقية من العيوب المجوزة للفسخ صح للولي أن يزوج الصغيرة بمملوك لتحقق الكفاءة، و لا خيار لها بعد البلوغ لعدم موجبه إذ الفرض أنه لا عيب هنا، و هكذا القول في الطفل إذا زوجه الولي بمملوكة إن جوزنا للحر تزويج الأمة مطلقا، و لا خيار له
277
بعد البلوغ.
و إن قلنا باشتراطه بالشرطين المشهورين، و هما عدم الطول و خوف العنت لم يصح هنا لفقد الشرط الثاني، لأن العنت هنا بالنسبة إلى الطفل مأمون، و سيأتي تمام الكلام في ذلك إن شاء الله.
المسألة الثانية عشر [في عدم جواز تزويج أمة الغير بغير إذنه]:
أجمع الأصحاب (رضي الله عنهم) و غيرهم على أنه لا يجوز التمتع بأمة الذكر إلا بإذن المالك، و إنما الخلاف في التمتع بأمة المرأة، فذهب الأكثر إلى أنها كأمه الرجل، بل قال ابن إدريس: إنه لا خلاف في ذلك إلا رواية شاذة رواها سيف بن عميرة (1) أوردها شيخنا في نهايته و رجع عنها في المسائل الحائريات. انتهى.
و قال الشيخ في النهاية و التهذيب: يجوز التمتع بأمة المرأة بغير إذنها.
و الواجب أولا نقل ما وصل إلينا من أخبار المسألة.
و منها ما رواه
في الكافي عن ابن أبي نصر (2) في الصحيح أو الحسن عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «لا يتمتع بالأمة إلا بإذن أهلها».
و عن عيسى بن أبي منصور (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يتزوج الأمة متعة بإذن مولاها».
و ما رواه
التهذيب في الصحيح عن ابن أبي نصر (4) «قال سألت الرضا (عليه السلام) يتمتع بالأمة بإذن أهلها؟ قال: نعم إن الله تعالى يقول (5) فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ».
و بهذا الاسناد قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يتمتع بأمة رجل بإذنه؟
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 257 ح 39، الوسائل ج 14 ص 463 ب 14 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 463 ح 1. الوسائل ج 14 ص 463 ب 15 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 463 ح 2. الوسائل ج 14 ص 463 ب 15 ح 2.
(4) التهذيب ج 7 ص 257 ح 35، الوسائل ج 14 ص 464 ح 3.
(5) سورة النساء- آية 24.
278
قال: نعم».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (1) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) هل للرجل أن يتمتع من المملوكة بإذن أهلها و له المرأة حرة؟ قال: نعم إذا رضيت الحرة» الحديث.
و أنت خبير بأن غاية ما تدل عليه هذه الأخبار عدا الأول منها هو أن التمتع بالأمة بإذن أهلها جائز و صحيح، و هذا مما لا نزاع فيه، و لا تعلق له بما نحن فيه نفيا و إثباتا.
نعم الخبر الأول منها ظاهر في عدم جواز التمتع بالأمة إلا بإذن أهلها ذكرا كان أهلها أو أنثى، فهي ظاهرة في رد القول المتقدم ذكره.
و يؤيدها أن وطئ الأمة تصرف في مال الغير، و هو موقوف على الاذن كسائر التصرفات.
و رواية أبي العباس (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يتزوج الأمة بغير علم أهلها قال: هو زنا، إن الله يقول: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ».
و نحوها روايته الثانية.
و ما رواه
ثقة الإسلام (عطر الله مرقده) عن سيف بن عميرة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال لا بأس بأن يتمتع الرجل بأمة المرأة بغير إذنها، فأما أمة الرجل فلا يتمتع بها إلا بأمره».
و ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن سيف بن عميرة عن داود بن فرقد (4) عن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 463 ح 3، التهذيب ج 7 ص 257 ح 37، الوسائل ج 14 ص 464 ح 1.
(2) الفقيه ج 3 ص 286 ح 5، الوسائل ج 14 ص 527 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 464 ح 4، الوسائل ج 14 ص 463 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 258 ح 40، الوسائل ج 14 ص 463 ح 3.
279
أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتزوج بأمة بغير إذن مواليها فقال: إن كانت لامرأة فنعم، و إن كانت لرجل فلا».
و بهذا الاسناد عن سيف بن عميرة عن علي بن المغيرة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتمتع بأمة امرأة بغير إذنها، قال: لا بأس به».
قال في المسالك بعد نقل الثالثة من هذه الروايات: و هذه مع مخالفتها لأصول المذهب و لظاهر القرآن- مضطربة السند، فإن ابن عميرة تارة يرويها عن الصادق (عليه السلام) بغير واسطة، و تارة بواسطة علي بن المغيرة، و تارة بواسطة داود بن فرقد و اضطراب السند يضعف الرواية و إن كانت صحيحة فكيف بمثل هذه الرواية.
انتهى.
أقول: لا يخفى أنه لا مانع من أن يرويها الراوي المذكور على هذه الوجوه المذكورة سيما مع اختلاف المتن، و عد مثل ذلك اضطرابا- يوجب رد الرواية ممنوع.
و إلى ما ذكرنا يشير كلام سبطه أيضا في شرح النافع أيضا، فقال بعد نقل ذلك عن جده: أقول: في تسمية الاختلاف الواقع في السند على هذا الوجه اضطرابا نظر، نعم ما ذكره- من مخالفتها لأصول المذهب و هو قبح التصرف في مال الغير إلا بإذنه، و مخالفتها لظاهر القرآن و هو قوله عز و جل «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ» فإنه بإطلاقه شامل للذكر و الأنثى- جيد، إلا أنه لا يخفى على المتتبع للأحكام و ما وقع لهم فيها في أمثال هذا المقام أنه مع ورود النص الصحيح المخالف لما ذكروه في كثير من المواضع قد خصصوا به إطلاق الآيات (2) و قيدوا به تلك
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 257 ح 39، الوسائل ج 14 ص 463 ح 2.
(2) أقول: و من ذلك أخبار الحبوة، فإن مقتضى عموم الآيات و أخبار الميراث هو كون ذلك ميراثا لجميع الورثة، مع أنهم قد خصوها بالولد الأكبر لهذه الاخبار.
و منها أخبار منع الزوجة من إرث أصول الأبنية و العقارات، فان مقتضى الآيات و جملة من الاخبار هو أنها ترث من جميع التركة مع أنهم خصوها بهذه الاخبار.
و منها من عقد على امرأة و مات في مرضه قبل الدخول بها، فان مقتضى الآيات و الروايات و أصول المذهب أنها ترثه، لأنها زوجته بلا خلاف، مع أن صحيح زرارة قد دل على المنع فقالوا بذلك و خصصوا بها تلك الأدلة.
و منها ما لو طلق هو امرأته في مرض موته فإنها ترث إلى سنة، و ان خرجت من العدة أو كانت بائنة ما لم يبرء من مرضه أو تزوج هي، فإن مقتضى الأصول و القواعد كتابا و سنة أنه لا ميراث هنا، لأنها صارت أجنبية لا سبب لها و لا نسب فكيف ترثه، مع أن الرواية قد دلت على الإرث، و قالوا بمضمونها، الى غير ذلك من المواضع التي يطول بنقلها الكلام، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فكيف يطعنون هنا في هذه الروايات بما نقلنا عنهم مع قولهم في هذه المسائل بما نقلنا عنهم فتأمل و أنصف. (منه- (قدس سره)-).
280
القواعد كما تقدم منا التنبيه عليه في غير مقام سيما في كتاب الوصايا في المقصد الثاني في الموصي من الكتاب المذكور.
و إلى ما ذكرنا يشير كلام شيخنا الشهيد (نور الله مرقده) في شرح نكت الإرشاد حيث قال- بعد أن ذكر أن أكثر الأصحاب أعرضوا عن العمل بها لمنافاتها الأدلة، و ربما ضعف بعضهم سيفا،- و الصحيح أنه ثقة، فإن الشيخ المفيد (رحمه الله) (1) بالغ في إنكار مضمونها، و كذا ابن إدريس، و أن الشيخ في النهاية عمل
____________
(1) قال شيخنا المفيد- (رحمه الله)-: في جملة المسائل التي سأله عنها محمد بن محمد على الحائري و هي معروفة مشهورة عند الأصحاب، سأله عن الرجل يتمتع بجارية المرأة من غير علم منها، هل يجوز ذلك له؟ فأجاب: لا يجوز ذلك، و لو تمتع كان آثما عاصيا، و وجب عليه بذلك الحد.
و قد ظن قوم لا بصيرة لهم ممن يفتري على الشيعة و يميل إلى الإمامية أن ذلك جائز
لحديث رووه «و لا بأس أن يتمتع الرجل من جارية امرأة من غير اذنها».
و هذا حديث شاذ نادر، و الوجه فيه أنه يطأها بعد العقد عليها بغير اذنها من غير أن يستأذنها في الوطي لموضع الاستبراء، فأما جارية الرجل فلم يأت فيه حديث نقل ذلك عنه ابن إدريس في السرائر. (منه- (قدس سره)-).
281
بمضمونها ما صورته:
و اعلم أنه لا معارض لهذه الرواية في الحقيقة إلا الدليل العقلي الدال على تحريم التصرف في مال الغير بغير إذنه، و لكن الأحكام الشرعية أخرجت كثيرا من الأصول العقلية عن الأدلة، كجواز أحد مال الممتنع عن الأداء مقاصة بشروطه بغير إذنه و جواز أكل المار على النخل و الشجر على المشهور و نحو ذلك.
فحينئذ لا يمتنع جواز مثل هذه المسألة من غير إذن المرأة، إما لمصلحة خفية لا نعلمها أو لما يلحق الأمة من المشقة بترك الوطي عند المرأة، الذي هو إضرار و لا يزول إلا بالوطء، و لا سبيل في الزنا و لا إلى العقد الدائم لما فيه من شدة السلطنة و الإضرار بمولاتها مع إمكان زوال الضرر بدونه فتعين جواز عقد المتعة و هو ظاهر فيما قلناه و مؤيد لما ادعيناه، إلا أن ظاهر كلامه بعد ذلك الجمود على القول المشهور حيث إنه بعد هذا الكلام خص الجواز بشدة الضرر في أقل زمان يمكن فيه زوالها: قال: لقيام الدليل الدال على الخطر فيما عداه، و المشهور بل المعتمد تحريم ذلك كله كأمه الرجل. انتهى.
أقول: الظاهر أن الذي أوجب له الجمود على القول المشهور- بعد ذكره هذا الكلام الذي نقلناه عنه مع ظهور قوته و عدم تعرض لرده أو الطعن في شيء من مقدماته- إنما هو الاعتماد على الشهرة و التمسك بها، و إلا فإن ما ذكره جيد متين مؤيد بما قدمنا ذكره من المواضع العديدة الجارية هذا المجرى في الأحكام الشرعية.
و بالجملة فإن المسألة و إن كانت لا تخلو من توقف إلا أن هذا القول عندي لا يخلو من قرب بالتقريب الذي أشرنا إليه و إن كان الاحتياط في الوقوف على القول المشهور.
و قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: يمكن أن يقال
282
في تأويل الأحاديث الأخيرة أن يحمل قوله من غير إذن المولى- إن كانت امرأة كما تضمنته الأحاديث- على الاذن الصريح، بل يكفي الإذن العادي المفيد للعلم بالقرائن، باعتبار جرى العادة أن النساء كن يتخذن الإماء يتمتعن للانتفاع بأجورهن، فهذه العادة المستقرة كافية لأنها تفيد العلم و لا حاجة إلى ضرورة الإذن الصريح، و الله أعلم. انتهى كلامه زيد مقامه.
و ظاهر كلامه أن العادة في الزمن السابق أن النساء كن يتخذن الإماء، و يطلقن لهن في التمتع بمن شاء و شاؤا لأجل الانتفاع بأجورهن.
فهذه العادة جارية مجرى الاذن الصريح، و مفيدة للعلم و الرضاء بذلك كما يفيده الاذن الصريح، و هو جيد إن ثبتت هذه الدعوى، و لكن ثبوتها محل إشكال حيث لا نعلم من ادعاها سواه، و لا دليلا دل عليها.
قال السيد السند (قدس سره) في شرح النافع: و يمكن حمل الرواية الاولى و الثالثة على أن المراد بالتمتع بأمة المرأة بغير إذنها الانتفاع بها بالوطء بعد انتقالها إليه من المرأة من غير توقف على إخبار المرأة باستبرائها، و يكون ذلك هو المراد من الأذن، و أما الرواية الثانية فمتروكة الظاهر لاقتضائها جواز التزويج و لا قائل به. انتهى.
أقول: أما الرواية التي ذكر أنها متروكة الظاهر فقد أجاب عنها الشهيد في شرح الإرشاد بناء على نصرته لهذا القول كما قدمناها عنه قال: و أما لفظة التزويج في الثانية و المراد به- و الله يعلم- المتعة إطلاقا للفظ العام على الخاص و هو و إن كان مجازا إلا أنه يصار إليه بقرينة، و هي هنا موجودة، و هي الحديثان المذكوران. انتهى و هو جيد.
و لا ريب في أنه أقرب من تأويله الذي ارتكبه في هذه الروايات، و ظاهر كلامه هو انتقال الأمة إليه ببيع و نحوه، و أن له الانتفاع بالجماع لها بعد
283
الانتقال من غير توقف على إخبار المرأة باستبرائها، و أن المراد بجواز التمتع بها بغير إذن إنما هو ذلك.
و لا يخفى أن هذا لا يتوقف على الانتقال بالبيع بل يكفى العقد عليها بإذن المالكة لها، و أنه بعد العقد يجوز الانتفاع بالوطء من غير استبراء.
و لا يخفى ما في كل منهما من التكلف و البعد الظاهر، إلا أنه مع ذلك لا مندوحة عنه إذ ليس مع عدم ذلك إلا طرح الرواية المذكورة عندهم.
و أما على ما حققناه من وجود النظائر العديدة لهذه المسألة و قولهم فيها بما أنكروه هنا و طعنوا به على هذه الروايات فلا ضرورة إلى ارتكاب هذه التمحلات البعيدة و التكلفات الغير السديدة، إلا أنه لما كان قولهم هو الأوفق بالاحتياط كما عرفت فينبغي الوقوف عليه.
و لا فرق في المرأة المالكة عندنا بين كونها مولى عليها- بالنسبة إلى النكاح كالبكر البالغ الرشيد عند من قال بثبوت الولاية عليها- أو لم يكن مولى عليها، لأن المنع ثمة إنما هو بالنسبة إلى نفسها، كما دلت عليه تلك النصوص المتقدمة في المسألة فلا يتعدى إلى غيرها كما، لا يتعدى إلى التصرف المالي إجماعا، و هذا من توابعه.
و أكثر العامة على إلغاء عبارة المرأة في النكاح مطلقا حتى في نكاح أمتها، فيولي نكاحها أولياء المرأة على قول، و الحاكم على قول آخر، و أخبارنا على خلافه كما عرفت. و الله العالم.
المسألة الثالثة عشر [فيما لو مات أحد الزوجين الصغيرين قبل البلوغ]:
إذا زوج الأبوان الصغيرين لزمهما العقد، فإن مات أحدهما ورثه الآخر على الأشهر الأظهر، و لو كان المزوج لهما غير الأبوين و مات أحد الزوجين قبل البلوغ بطل العقد و سقط المهر و الإرث، و لو بلغ أحدهما فرضي بالعقد لزم العقد من جهته، فإن مات و الحال هذه عزل من تركته نصيب الآخر،
284
فإن بلغ و أجاز أحلف أنه لم يجز لطمع الميراث و الرغبة فيه، فإن حلف ورث، و لو مات الذي لم يجز بطل العقد و لا ميراث.
و تفصيل هذه الجملة يقع في الموضعين
الأول: فيما إذا كان المزوج للصغيرين الأبوين
فإن المشهور عدم الفرق هنا بين الصبي و الصبية في لزوم العقد و ثبوت التوارث بينهما.
و ذهب جماعة منهم الشيخ في النهاية و من تبعه ثبوت الخيار للصبي بعد البلوغ و قد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام في المسألة الأولى من مسائل هذا المقصد، و نقل الأقوال و الأخبار المتعلقة بذلك.
و على تقدير القول المذكور من لزوم عقد الصبية و توقف عقد الصبي على الإجازة لو ماتت الصبية قبل البلوغ، فإن كان قبل بلوغ الصبي أيضا عزل ميراثه إلى أن يبلغ، فإن رضي بالنكاح و أجازه أحلف أنه لم يجز طمعا في الميراث و ورث و إن كان موتها و قد بلغ و أجاز فلا إشكال في استحقاقه الميراث و إن بلغ و لم يظهر منه الإجازة و لا عدمها فكالأول في الحلف إن أجاز.
و إن مات الزوج قبل البلوغ فالظاهر بطلان النكاح، لأن صحته من جهته متوقفة على إجازته بعد البلوغ و على هذا لا ترثه الصبية.
الثاني: فيما لو كان العاقد عليهما غير الأبوين
، و لا ريب أنه يكون من قبيل العقد الفضولي، فإن قلنا ببطلان العقد الفضولي في النكاح فلا إشكال.
و إن قلنا بصحته كما هو الأشهر الأظهر وقف في لزومه على الإجازة فإن كأن هناك ولي لهما و أجاز فلا إشكال أيضا.
و إن لم يكن ثمة ولي أو كان و لكن لم يجزه و لم يرض به وقف على إجازتهما بعد البلوغ.
فإن ماتا أو أحدهما قبل البلوغ بطل النكاح و لا إرث لعدم الإجازة.
285
و إن بلغ أحدهما مع كون الآخر حيا فأجاز العقد لزم العقد من جهته، و بقي من جهة الآخر موقوفا على الإجازة، فإن اتفق بلوغه و الآخر حي و أجاز العقد لزم، و إن فرض موت المجيز أولا قبل أن يبلغ الآخر أو بعد بلوغه و قبل إجازته.
فإن أجاز بعد ذلك أحلف أنه لم يجز طمعا في الميراث، و أنه لو كان الآخر حيا لرضي به بتزويجه و ورث نصيبه منه.
و الأصل في هذه الأحكام
صحيحة أبي عبيدة (1) المروية في الكافي قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غلام و جارية زوجهما وليان لهما، و هما غير مدركين، فقال:
النكاح جائز و أيهما أدرك كان له الخيار، و إن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما و لا مهر إلا أن يكونا قد أدركا و رضيا، قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال يجوز ذلك عليه إن هو رضي، قلت: فإن كان الرجل الذي قد أدرك قبل الجارية و رضي بالنكاح ثم مات قبل أن تدرك الجارية أ ترثه؟ قال: نعم يعزل ميراثها منه حتى تدرك فتحلف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث إلا رضاها بالتزويج، ثم يدفع إليها الميراث و نصف المهر، قلت: فإن ماتت الجارية و لم تكن أدركت أ يرثها الزوج المدرك؟ قال: لا، لأن لها الخيار إذا أدركت، قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوجها قبل أن تدرك قال: يجوز عليها تزويج الأب و يجوز على الغلام و المهر على الأب للجارية».
و قد اعترض على الاستدلال بهذه الرواية بشيئين: (أحدهما) فرض الحكم في الرواية في تزويج الوليين، و هو ماض على الولد، و لا تجري فيه هذه الأحكام.
أقول: و هذا الإيراد قد تقدم الجواب عنه فلا حاجة إلى إعادته.
و (ثانيهما) حكمه (عليه السلام) فيها بنصف المهر للمرأة على تقدير موته، فإن الأشهر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 401 ح 4، الوسائل ج 17 ص 527 ح 1.
286
أن الموت يقتضي تقرير جميع المهر و إن كان قبل الدخول، و إنما ينتصف بالطلاق قبله.
و الجواب عنه أنه قد ورد بنحو هذه الرواية جملة من الأخبار أيضا و أفتى بمضمونها جملة من الأصحاب و لا اختصاص لذلك بهذه الرواية مع احتمال حمل الرواية على أنه كان قد دفع نصف المهر كما هو المعتاد من تقديم شيء قبل الدخول و أن الباقي هو النصف خاصة.
قال في المسالك: و هذا الحمل و إن كان لا يخلو من البعد إلا أنه محتمل لضرورة الجمع.
أقول: و سيأتي تحقيق الكلام في المسألة عند ذكرها إن شاء الله.
بقي الكلام هنا في مواضع
أحدها [فيما لو زوج الوليان كبيرين]:
أن مورد النص تزويج الوليين الفضوليين للصغيرين، فلو كانا و الحال هذه كاملين قالوا: في انسحاب الحكم المذكور في الخبر وجهان: (أحدهما) ذلك للمساواة في المعنى، و هو كون العقد الواقع بينهما فضوليا، و لا مدخل للصغر و الكبر في ذلك و (ثانيهما) العدم فإن الحكم بصحة العقد إذا مات أحد المعقود عليهما بعد إجازته و قبل إجازة الآخر على خلاف الأصل، لأن الإجازة جزء السبب (1) و لم يحصل بعد، و حينئذ فيحكم ببطلان العقد فكما أنه يبطل العقد لو مات أحد المتعاقدين قبل القبول كذلك يبطل بموت أحد المتعاقدين قبل تحقق الذي يترتب عليه أثره.
و إلى هذا الوجه مال في المسالك و نحوه سبطه السيد السند في شرح النافع و غيرهما، و الظاهر أنه المشهور بينهم. و هو الأنسب بقواعدهم.
قال المحقق الثاني في شرح القواعد: فإن قيل هذا إنما يستقيم (2) على
____________
(1) قوله: لأن الإجازة جزء السبب أي إجازة الأخر منهما. (منه- (قدس سره)-).
(2) قوله: هذا انما يستقيم أى بطلان العقد في الصورة المفروضة، و قوله في آخر العبارة: «و هذا وجه القرب» إشارة إلى قول المصنف في عبارة الكتاب بعد ذكر البطلان و هو الأقرب. (منه- (قدس سره)-).
287
القول بأن الإجازة في الفضولي جزء السبب، أما على القول بأنها كاشفة فلا، لأن الإجازة تكشف سبق النكاح على الموت فكيف لا يثبت الإرث.
قلنا: قد عرفت أن الإجازة وحدها لا تكفي في ثبوت العقد إذ لا يتحقق النكاح بمجردها بل لا بد من اليمين، و ثبوت الإرث باليمين مخالف للأصل فلا يتعدى مورده، و هذا وجه القرب و هو المفتي به. انتهى.
و
ثانيها [فيما لو مات من عقد له الولي أولا قبل بلوغ الآخر]:
لو تغير مورد النص بكون العاقد على الصغيرين أحدهما الولي، و الآخر فضولي، فمات من عقد له الولي أولا قبل بلوغ الآخر، فهل الحكم المذكور في الخبر من أنه ينتظر بلوغ الآخر و إجازته و يورث بعد يمينه أم لا؟
احتمالان: للثاني أنه خلاف مورد النص، و يؤيده ما تقدم في كلام المحقق الثاني من أن ثبوت الإرث باليمين مخالف للأصل، فيجب الاقتصار فيه على مورد النص.
و للأول منهما- و هو مختار شيخنا الشهيد الثاني- ما ذكره في المسالك قال:
لأن هذا لا يزيد على مورد النص إلا بلزوم أحد الطرفين و كون المزوج الولي و هذا لا دخل له في الفرق، بل الحكم فيه أولى، لأن الجائز من الطرفين أضعف حكما من اللازم من أحدهما، فإذا ثبت الحكم في الأضعف ثبت في الأقوى بطريق أولى.
و ظاهر سبطه السيد السند في شرح النافع التوقف في ذلك من حيث إنه خلاف مورد النص، و مما ذكره جده (قدس سرهما) من التعليل فإنه قال بعد نقل ملخص كلام جده المذكور،-: و جزم جدي (قدس سره) بالثاني و هو يتوقف على ثبوت التعليل، انتهى، و هو جيد لما أسلفنا لك في غير مقام من عدم صلاحية أمثال هذه التعليلات لتأسيس الأحكام الشرعية.
و ما اختاره شيخنا الشهيد الثاني هنا من الصحة في الصورة المذكورة هو
288
اختيار العلامة في القواعد، و المحقق الشيخ علي في شرحه معللا بالتعليل المذكورة في المسالك.
و نحو هذه الصورة ما لو كان أحدهما بالغا رشيدا عقد على نفسه، و الآخر فضولي عن الصغير فمات الأول منهما، فإنه يعزل نصيب الصغير من الميراث إلى أن يبلغ و يجيز فيعطى ذلك بعد اليمين على القول المذكور، و كيف كان فالظاهر أنه لا خلاف في البطلان لو مات الثاني قبل البلوغ أو بعده و قبل الإجازة.
و
ثالثها: لو كانا بالغين فأوقع أحدهما العقد لنفسه مباشرة و الآخر زوجه الفضولي
، قال في المسالك في انسحاب الحكم الوجهان السابقان من تعدى صورة النص، و من الأولوية بلزوم أحد الطرفين فيكون أقوى كالسابقة و إن كانت أبعد من جهة الخروج عن النصوص في كونهما مع صغيرين، إلا أن ذلك يجبر بالأولوية المذكورة، و يظهر منهم الجزم بالحكم في هذا أيضا و هو متجه. انتهى.
و فيه ما عرفت من التوقف على ثبوت هذه الأولوية.
بقي الكلام في أنه لو كان العقد الفضولي وقع عن الزوجة مثلا و العقد مباشرة وقع من الزوج، فإنه لا ريب في لزوم العقد و إن كان للزوجة من حيث إن عقدها فصولي فسخه.
و قضية ذلك أنه قبل الفسخ منها أو الإجازة يثبت في حق الزوج تحريم المصاهرة فليس له أن يتزوج بخامسة لو كان المعقود عليها رابعة، و إلا لزم الجمع بين خمس زوجات في حال واحد، و هو حرام اتفاقا.
و ليس له أيضا أن يتزوج بأخت الزوجة، و إلا لكان جامعا بين الأختين، و لا بأم الزوجة و لا بنتها و إلا لكان جامعا بين الام و البنت، و كل ذلك محرم إجماعا.
أما لو فسخت الزوجة و لم يجز ذلك العقد الفضولي، فإن التحريم في هذه
289
المواضع ينتفي لانتفاء مقتضيه.
و هذا واضح في الأخت، فإنها لا تحرم إلا جمعا لا عينا، و قد انفسخ النكاح الأول و زال فلا مانع من التزويج بالأخت، و كذا البنت- أي بنت المعقود عليها- حيث إنها بعد فسخ الام العقد لا تحرم، فإنها لا تحرم عينا إلا مع الدخول بأمها، و لم يحصل هنا فلا تحرم عليه بعد فسخ أمها.
أما الأم لو كان المعقود عليها البنت و فسخت النكاح فإنها عند الأصحاب محل إشكال، ينشأ من أن الأم تحرم بنفس العقد اللازم على بنتها و قد حصل، لأن العقد من طرف المباشر صحيح لازم كما عرفت، فيتعلق به تحريم الام، و من أن العقد إنما يتم من الطرفين، فإذا لم تجز المرأة العقد عليها، و فسخته جرى مجرى عدمه، فلا ينشر التحريم إلى الأم.
و الظاهر من كلام بعض المحققين و لعله الأقرب أن المباشرة من أحد الطرفين لا تقتضي ثبوت النكاح من ذلك الطرف، لأن النكاح أمر واحد لشيء لا يعقل ثبوته إلا من الجانبين.
و الحكم بثبوت المصاهرة إنما كان، لأن العقد الواقع نقل من المحل الذي كان قبله، و إن كان سببيته و عدم سببيته الآن غير معلوم، فلم يبق حكم الأصل كما كان.
و مثله ما لو اشتبهت الزوجة المعقود عليها عقدا صحيحا لازما بغيرها، فإن تحريم المصاهرة ثابت بالنسبة إليهما، و كذا القول لو اشتبه الطاهر بالنجس، و الحلال بالحرام، قال: و بهذا البيان يظهر أنه بعد الفسخ يتبين أن لا عقد أصلا و لا تحريم أصلا، و هذا هو الأصح. انتهى.
و مرجعه إلى أن تحريم المصاهرة في الصورة المذكورة إنما هو من حيث وقوع الشبهة بهذا العقد في أن المعقود عليها قبل الإجازة أو الفسخ زوجة أم لا،
290
لا أن العقد كان لازما من جهة المباشرة كما ذكروه، فيترتب عليه أحكام المصاهرة.
و الحق أن العقد في الصورة المذكورة يكون موقوفا لا يحكم عليه بلزوم و لا بطلان إلى أن تلحقه الإجازة أو الفسخ فيظهر حاله بذلك، و الحكم باللزوم بمجرد كونه من أحد الطرفين لا يخلو من مناقشة و إشكال.
و
رابعها [توقف ثبوت الميراث للمجيز المتأخر على يمينه]:
قد عرفت أن ثبوت الميراث للمجيز المتأخر متوقف على يمينه بعد الإجازة، فعلى هذا لو لم يحلف فلا إرث و إن كان تأخر الحلف لعارض من موت أو جنون أو غيبة أو نحو ذلك، لأن ثبوت الإرث هنا على خلاف الأصل كما تقدم فيقتصر فيه على مورد النص.
نعم لو كان العارض المانع من الحلف مما يرجى زواله كالغيبة و الجنون و الإغماء فإنه يعزل نصيبه من الميراث إلى أن يزول المانع فيحلف و يأخذ نصيبه أو يحصل اليأس من البرء أو يوجب التأخير ضررا على الوارث بتأخير المال فلا يبعد حينئذ جواز دفعه إلى الوارث مع ضمانه لو ظهر استحقاق الحالف له، فإن في ذلك جمعا بين الحقين و دفعا للضرر من البين.
و ربما احتمل في أصل المسألة في صورة موته قبل اليمين بثبوت الإرث، لأنه دائر مع العقد الكامل، و العقد هنا قد كمل بالإجازة من الطرفين، فوجب أن يثبت الإرث و لا يسقط بعدم اليمين.
و من هذا الوجه مع ما قدمناه من الوجه الموجب للعدم استشكل العلامة في القواعد فقال: فإن مات بعد الإجازة و قبل اليمين فإشكال.
و الظاهر ضعف الاحتمال المذكور، أما (أولا) فإنه لو كان كذلك لم يتوقف على اليمين ابتداء مع أن النص دل عليها مضافا إلى الاتفاق على ذلك.
و أما (ثانيا) فلأن الإجازة المكملة للعقد إنما يكون مع معلومية تعلق
291
الإجازة بالنكاح و احتمال التهمة بكون الإجازة هنا إنما هي لطمع الميراث دون النكاح قائم، بل ظاهر.
و بالجملة فإن الإجازة على الوجه المذكور لا يعلم كونها مطابقة للواقع و نفس الأمر إلا باليمين الدافعة للتهمة، فالمكمل للعقد الموجب لترتب الميراث عليه الإجازة المقرونة باليمين.
هذا مع كون الحكم بالميراث هنا على خلاف الأصل، فكيف يتوهم ثبوته بدونه مع التعذر أو اشتراطه مع الإمكان.
و
خامسها [فيما إذا أجازت المرأة و ماتت ثم أجاز الزوج]:
لو كان المتأخر هو الزوج بعد أن أجازت المرأة و ماتت ثم إنه أجاز و نكل عن اليمين و لم يحلف، فهل يلزمه المسمى في العقد أم لا؟ إشكال.
و على تقدير اللزوم فهل يرث منه مقدار نصيبه أم لا؟ إشكال ثان.
و وجه الإشكال الأول ينشأ من أن المهر فرع ثبوت النكاح المتوقف على اليمين و لم يثبت، و من أنه بإجازته معترف بثبوته و
«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (1).
، و إنما منع من الميراث لتعلقه بحق غيره و حصول التهمة فيه بخلاف المهر و إلى هذا الوجه مال في المسالك فقال: و الأقوى ثبوته بمجرد إجازته.
و وجه الإشكال الثاني ينشأ من توقف إرثه من المرأة المذكورة على اليمين و لهذا لا يرث شيئا من باقي تركتها قطعا، و أن الزوجية لم تثبت شرعا، و الإرث فرع ثبوتها و لا يلزم من ثبوت المهر في ذمته بإقراره إرثه منه، لأن ذلك متعلق بحق غيره بخلاف ثبوت أصل المهر، فإن حقه عليه، فيقبل إقراره فيه.
و من استلزام إجازته استحقاق نصيبه منه على كل تقدير، لأنه إن كان صادقا في إجازته فإرثه لنصيبه منه ثابت في ضمن إرثه بجملة الميراث و إن كان كاذبا، فكل المهر مختص به، فمقدار نصيبه ثابت على التقديرين.
____________
(1) الوسائل ج 16 ص 111 ح 2.
292
و بعبارة اخرى أنه لو قلنا بلزوم المهر و منعنا الإرث منه لزم التنافي بين الحكمين، و ذلك لأن العقد في نفس الأمر إما صحيح أو باطل، فإن كان صحيحا لزمه المهر و ورث، و إن كان باطلا فلا مهر و لا ميراث، فالحكم بلزوم المهر و عدم إرثه منه مما لا يجتمعان.
و بعبارة ثالثة هو أن العقد إن كان صحيحا ملك الحصة من المهر و غيره و إن كان باطلا لم يلزمه المهر، و كان بأجمعه باقيا على ملك مالكه، فملكه لمقدار الحصة من المهر مقطوع به على كل واحد من التقديرين.
و اختار في المسالك الوجه الثاني هنا أيضا فقال بعد الكلام في المسألة: و قد ظهر بذلك أن القول بإرثه من المهر مقدار نصيب الزوج متعين.
أقول: و المسألة لعدم الدليل الواضح محل تأمل و إشكال، إلا أن الأقرب إلى قواعدهم و الأنسب بمقتضى ضوابطهم هو عدم المهر في الصورة الأولى لأن ثبوت المهر فرع ثبوت النكاح و لم يثبت، و مجرد إجازته النكاح مع عدم تأثيرها في ثبوته لا يترتب عليه فائدة.
و توضيحه: أن الإجازة لما كانت محتملة لأن يكون للطمع في الميراث كما تقدم ذكره، لا النكاح، فإنها لا تصلح لأن يترتب عليها شيء من لوازم النكاح مهرا كان أو ميراثا أو غيرهما، و معلومية كونها للنكاح إنما يثبت باليمين بعدها فمع عدم اليمين لا أثر لها شرعا، و لا يترتب عليها أمر من الأمور.
و بذلك يسقط الاستناد إلى حديث
«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».
فإن الإجازة على الوجه المذكور من حيث قيام الاحتمال المتقدم فيها لا يستلزم الإقرار و إنما تستلزم الإقرار لو تمحضت لإجازة النكاح خاصة و هو لا يتحقق إلا باليمين معها.
و بذلك يظهر اندفاع الإشكال الثاني، لأنه يترتب على ثبوت المهر و لزومه
293
و قد عرفت أنه لا وجه له، و الله العالم.
و
سادسها: لو انتفت التهمة بالطمع في الميراث
بأن يكون ما يلزمه من المهر بعد الحلف بمقدار ما يرثه منها أو أزيد، فهل يتوقف الحكم المذكور على اليمين إشكال، من انتفاء فائدة اليمين على هذا التقدير، لأن العلة فيها هي التهمة و لا تهمة على هذا التقدير، و من إطلاق النص و الفتوى بتوقف الإرث على اليمين.
و يؤيده ما تقدم قريبا من أن علل الشرع ليست عللا حقيقية يدور المعلول مدارها وجودا و عدما، بل هي معرفات أو بيان لوجه الحكمة، و لا يجب إطرادها في أفراد جميع المعلول، بل يكفي وجودها في الأغلب الأكثر، و الله العالم.
المسألة الرابعة عشر: إذا أذن المولى لعبده في العقد
صح، لكن يبقى الكلام هنا في موضعين:
الأول [صور الإذن في العقد و تعيين المهر]:
أنه إذا أذن له، فإما ان يعين له الزوجة أم لا، و على كل منهما إما أن يعين له قدر المهر أم لا، فهنا أقسام أربعة:
الأول: أن يعينهما معا
، و لا إشكال في أنهما يتعينان بذلك، فلو تعدى عنهما أو عن أحدهما كان موقوفا على الإجازة إن قلنا بصحة العقد الفضولي و إلا بطل.
الثاني: أن يطلق فيهما معا
، و حينئذ فله أن يتزوج بمن أراد من حرة و أمة و شريفة و وضيعة لكن بمهر المثل أو دونه، بشمول الإطلاق لذلك صرح العلامة في التذكرة على ما نقل عنه، قال: و إذا أطلق الإذن تناول الإذن الحرة و الأمة أو في تلك البلد أو غيره، إلا أنه ليس له الخروج إلى غير بلد مولاه إلا بإذنه.
و ربما استشكل ذلك من حيث اقتضائه تسلط العبد على من يريد مع تفاوت المهر للقلة و الكثرة تفاوتا فاحشا، و إيجاب ما يختاره العبد على السيد
294
بالاذن المطلق و إن كثر، و رد بأن التقصير في ذلك من السيد حيث إنه أطلق الاذن مع علمه بتناول ذلك، فالضرر مستند إليه.
بقي الكلام في تقييد إطلاق المهر بمهر المثل قالوا: و العلة فيه أنه بمنزلة ثمن المثل من البيع فيحمل عليه كما لو أذن له في البيع و الشراء و أطلق، فإنه يجب حمل ذلك على ثمن المثل، إلا أن الفرق بينهما أنه لو تجاوزه هنا لم يوجب بطلان العقد، لأنه مأذون في أصل النكاح و لا ارتباط لصحته بالمهر، لكن يلزم المولى مهر المثل و الزائد يتبع به العبد بعد تحريره.
و أما لو تجاوزه في البيع و الشراء بأن أذن له المولى في البيع و الشراء مطلقا فتجاوز ثمن المثل فإنه يتوقف على الإجازة من المولى فإن حصلت الإجازة و إلا بطل، لأن الثمن شرط في صحة البيع و الشراء، و أنت خبير بما في هذا الدليل من الوهن- أعني الحمل على ثمن المثل في البيع و الشراء- و أنه إنما وجب تقييد إطلاق المهر في إذن المولى بمهر المثل حملا على ثمن المثل فإنه لا يخرج عن القياس الموجب للوقوع في ظلمة الالتباس.
نعم يمكن الاستدلال على ذلك بما رواه
المشايخ الثلاثة عن زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج عبده بغير إذنه فدخل بها ثم اطلع على ذلك مولاه، فقال: ذلك إلى مولاه، إن شاء فرق بينهما و إن شاء أجاز نكاحهما فإن فرق بينها فللمرأة ما أصدقها إلا أن يكون اعتدى فأصدقها صداقا كثيرا فإن أجاز نكاحه فهما على نكاحهما الأول» الحديث.
فإن الظاهر من الاعتداء بإصداقها صداقا كثيرا إنما هو باعتبار زيادته عن صداق مثلها، لأن القلة و الكثرة لا حد لهما إلا بالإضافة إلى حال تلك
____________
(1) الكافي ج 5 ص 478 ح 2، التهذيب ج 7 ص 351 ح 62، الوسائل ج 14 ص 523 ح 2.
295
المرأة كما لا يخفى.
و ينبغي حمل استحقاقها الصداق على ما إذا كانت جاهلة بالحال، و إلا فلو علمت بأنه مملوك و أن التزويج بغير إذن سيده فإنه لا صداق لها.
و مع هذا ففيه أيضا ما أورده المحقق الثاني في شرحه على القواعد قال:
و لقائل أن يقول: إن كان العبد أهلا لأن يثبت شيء من المهر في ذمته فليثبت جميعه.
ثم قال: مع أن هنا إشكالا آخر، و هو أن الزوجة إنما رضيت بمهر مستحق يمكن المطالبة به فلا يلزمها النكاح، و بعض المسمى إنما يستحقه إذا أعتق العبد، و قد كان المناسب للقواعد القول بوقوف النكاح و الصداق على إجازة المولى، فإن فسخ الصداق ثبت مهر المثل بالدخول و تخير المرأة. انتهى.
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الجواب عما ذكره المحقق المشار إليه حيث قال في تقرير وجه الإشكال الذي ذكره المحقق المذكور أولا:
و يشكل هذا في جانب المرأة إذا لم تكن عالمة بالحال، فإنها إنما قدمت على مهر ثبتت في ذمة المولى معجلا و لم يحصل، ثم قال في دفعه: و يندفع الاشكال بمنع كون نكاح العبد مطلقا يوجب كون المهر معجلا في ذمة المولى أو غيره، بل قد يكون كذلك و قد لا يكون كما في هذه الصورة، و المرأة إنما قدمت على نكاح العبد بمهر يرجع في أمره إلى التنازع و التقصير منها، حيث لم تعرف الحكم، فإنه لما كان من المعلوم أن العبد لا يملك شيئا فتعلقها بثبوت المهر في ذمة المولى أو ذمته معجلا قدوم على غير معلوم، فالضرر جاء من قبلها.
انتهى.
و لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه، فإن المستفاد من الأخبار أن السيد إذا زوج عبده فإن المهر لازم للمرأة على السيد أو العبد معجلا.
296
و قوله- قد يكون معجلا و قد لا يكون كما في هذه الصورة- فيه أن هذه الصورة محل البحث و النزاع، و لم يقم فيها دليل على التأجيل في ذمة العبد لو كان زائدا عن مهر المثل كما ادعوه حتى أنه يتمسك بها.
و المستفاد من رواية زرارة المتقدمة أن لها الصداق مع الدخول بها في الصورة المذكورة، بشرط كونه مهر المثل، كما ذكرناه.
و أما مع زيادته على مهر المثل فليس في الخبر تعرض لحكمه، و أنه لازم للعبد في ذمته، بل الظاهر منها هو وقوفه على إجازة المولى، و أنه لو لم يجزه بطل و انتفى بالكلية كما هو ظاهر كلام المحقق المذكور.
و روى في الفقيه و التهذيب عن الحسن بن محبوب عن علي بن أبي حمزة (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) «في رجل زوج مملوكا له من امرأة حرة على مائة درهم، ثم إنه باعه قبل أن يدخل عليها، قال: فقال: يعطيها سيده من ثمنه نصف ما فرض لها إنما هو بمنزلة دين لو كان استدانه بإذن سيده».
و التقريب فيه هو أن ظاهره وجوب المهر على السيد، و لكن لما حصلت الفرقة بسببه فلها نصف المهر حيث إنه لم يدخل بها.
إلى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبع، فإنها ظاهرة في تعجيل الصداق و هو مقتضى النكاح كما في غير هذه الصورة.
و القول بالتأجيل كما ادعوه في هذه الصورة، و بقاءه في ذمة العبد إلى أن يتحرر يحتاج إلى الدليل.
فقوله-: إنها في نكاحها العبد إنما قدمت على نكاح العبد بمهر يرجع في أمره إلى التنازع و أن التقصير منها بذلك- كلام مموه، فإن المعلوم من الشارع
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 289 ح 19، التهذيب ج 7 ص 485 ح 158، الوسائل ج 15 ص 79 ح 1.
297
(عليه السلام) بهذه الأخبار التي ذكرنا بعضها هو أن مهرها معجل لا تأخير فيه.
و بالجملة فإن ما يدعونه- من أنه مع تزويجه بالزيادة على مهر المثل بتبع بالزيادة بعد تحريره، فيجب على المرأة الصبر- يتوقف على الدليل، و لا دليل عليه كما عرفت، و الله العالم.
الثالث: أن يعين المرأة و يطلق المهر
، و لا إشكال في أنه بالنسبة إلى المرأة لا يجوز له التخطي إلى غير المعينة، فإن تخطى كان فضوليا يترتب عليه ما عرفت من الخلاف في الفضولي.
و أما بالنسبة إلى المهر فإنه بإطلاقه عندهم كما تقدم محمول على مهر المثل أو أقل، و أنه إن زاد تبع بالزائد بعد عتقه.
الرابع: عكسه
، و هو أن يعين المهر و يطلق المرأة، فيتخير في تزويج من شاء بذلك المهر المعين، هذا مقتضى الاذن فلو تخطى و تزوج بأزيد من ذلك، قالوا: إنه يتعلق الزائد بذمته كالزائد عن مهر المثل و إن كانت الزيادة هنا لا يتجاوز مع المعين مهر المثل.
هذا إذا كان المعين بقدر مهر مثل مهر المرأة التي اختارها العبد أو أقل، أما لو كان أكثر من مهر مثلها، فهل يلزم العقد و المسمى نظرا إلى كونه مأذونا و أنه يتعلق الزائد عن مهر المثل بذمته و يتبع به بعد التحرير كما لو زاد في المطلق من حيث إن التجاوز عن مهر المثل حكمه ذلك، و تعين المهر مع إطلاق الزوجة لا ينافيه؟ وجهان: إختار في التذكرة الأول، و استشكل في المسالك و هو يؤذن باختياره الثاني.
الموضع الثاني [في محل المهر المتعلق بالولي]:
اختلف الأصحاب في محل المهر المتعلق بالمولى من المعين لو عينه أو مهر المثل مع الإطلاق، و كذا في نفقة الزوجة، فالمشهور و هو أحد قولي الشيخ أن جميع ذلك يتعلق بذمة المولى، و ذهب في المبسوط إلى
298
أنه يتعلق بكسب العبد بمعنى أنه يجب الاكتساب عليه للمهر و النفقة.
و نقل عن ابن حمزة التفصيل بأنه إن كان العبد مكتسبا فهو في كسبه، و إلا فهو على السيد، و نقله بعض أفاضل متأخري المتأخرين عن العلامة في المختلف و لم أجده فيه لا في هذا المقام و لا في باب نكاح الإماء.
احتج من قال بالقول المشهور بأن الاذن في النكاح يستلزم الاذن في توابعه و لوازمه، كما لو أذن له في الإحرام بالحج فإنه يكون إذنا في توابعه من الأفعال و إن لم يذكر، و مع تعيين المهر أولى.
و حيث كان المهر و النفقة لازمين للنكاح، و العبد لا يملك شيئا و كسبه من جملة أموال المولى كان الاذن فيه موجبا لالتزام ذلك من غير أن يتقيد بنوع خاص من ماله كباقي ديونه، فيتخير بين بذله من ماله و بين كسب العبد إن و في، و إلا وجب عليه الإكمال، كذا قرره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و هو جيد، و تخرج الأخبار المتقدمة شاهدة عليه، فإنها و إن كان موردها المهر خاصة، إلا أنه لا قائل بالفرق بين المهر و النفقة.
احتج من قال بالقول الثاني بأن ذلك يجب في مقابلة عوض يستوفيه العبد في الحال، و السيد لم يلتزمه في ذمته، و لا هو مستوف بدله، و يأتي بناء على هذا القول أنه يجب على المولى تخلية العبد للاكتساب نهارا و الاستمتاع بها ليلا، إلا أن يختار الإنفاق عليه و على زوجته من ماله، فله استخدامه حينئذ.
و أنت خبير بأن القول المذكور بمحل من القصور فلا فائدة في تطويل الكلام بما يتفرع عليه كما ذكروه.
و أما القول بالتفصيل فوجهه يعلم من القولين الأولين، إلا أنك قد عرفت ما في الثاني منهما من الضعف في البين.
299
تذنيبان
الأول [عدم جواز إجبار من تحرر بعضه على النكاح]:
قالوا: من تحرر بعضه ليس للمولى إجباره على النكاح، لأنه صار شريكا لمولاه في المتعلق برقبته، فليس لأحد منهما التصرف إلا بإذن الآخر و منه النكاح.
و يؤيده ما رواه
الشيخ عن عبيد بن زرارة (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في عبد بين رجلين زوجه أحدهما و الآخر لا يعلم، ثم إنه علم بعد ذلك، إله أن يفرق بينهما؟ قال: للذي لم يعلم و لم يأذن أن يفرق بينهما، و إن شاء تركه على نكاحه».
و التقريب فيها أن قضية الشركة عدم صحة تصرف أحد الشريكين إلا بإذن الآخر، و حينئذ فليس للمولى إجبار العبد المذكور نظرا إلى جهة ملكه له لمعارضة ذلك بجانب الحرية، و الحر لا يجبر على ذلك.
و كذلك ليس للعبد الاستقلال به نظرا إلى جانب الحرية لمعارضتها بجانب الرقية، بل لا بد من اتفاقهما على ذلك، و صدور النكاح عن رأيهما، و يكون المهر و النفقة بالنسبة، و لو زاد البعض عن مهر المثل أو المعين تعلق الزائد عندهم بجزئه الحر.
الثاني: لو كانت الأمة لمولى عليه بصغر أو جنون أو نحوهما
فقد صرح الأصحاب بأن نكاحها بيد وليه، فإذا زوجها لزم، و ليس عليه مع زوال الولاية الفسخ.
و الوجه في ذلك أن الولي له التصرف شرعا في أموال المولى عليه بأنواع
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 207 ح 38، الوسائل ج 14 ص 525 ح 1.
300
التصرفات المنوطة بالمصلحة، و من جملتها نكاح أمته و إنكاحه أيضا من الولي المخصوص للنكاح، و على هذا فليس له الاعتراض بعد زوال الولاية عنه فيما فعله الولي من إنكاح أمة أو غيره، و الظاهر أنه لا خلاف في ذلك بين أصحابنا، و إنما نبهوا بذلك هذا الحكم على خلاف لبعض العامة حيث إن منهم من منع من تزوج أمة المولى عليه مطلقا، لأنه ينقص قيمتها، و قد تحبل و تهلك.
و منهم من شرط في جواز تزويج الولي كون المولى عليه ممن يجوز له مباشرة التزويج بعد نقل ذلك، و الكل عندنا ساقط، و الفرق بين التصرفين ظاهر، و اشتراط التصرف بالمصلحة يرفع احتمال النقص. انتهى، و الله العالم.
المسألة الخامسة عشر [استحباب الاستيذان للثيب أيضا]:
قالوا، يستحب للمرأة إذا كانت ثيبا أن تستأذن أباها في العقد، و كذا لو كانت بكرا، و قلنا باستقلالها كما هو أحد الأقوال في المسألة، و علل ذلك بأن الأب في الأغلب أخبر بالأنسب من الرجال، و أعرف بأحوالهم من المرأة، و لا سيما إذا كانت بكرا.
أقول: لم أقف فيه على نص و التجاؤهم إلى هذا التعليل مشعر بذلك أيضا.
قالوا: و يستحب لها أن توكل أخاها إذا لم يكن لها أب و لا جد، و لم أقف في ذلك على نص أيضا، و غاية ما عللوا به أن الأخ مع فقد الأب و الجد أخبر بذلك منها غالبا و أن عليه غضاضة لو لم تعمل باختياره كالأب.
و أيد بما تقدم في
رواية أبي بصير (1) أن الأخ من جملة من بيده عقدة النكاح،.
قال في المسالك: و حمله على الاستحباب حسن، و ربما كان أولى من حمله على كونه وصيا.
أقول: و فيه ما فيه، فإن الاستحباب من جملة الأحكام الشرعية المتوقفة على الدليل الواضح، و إثباته بمثل هذه التخرصات الوهمية مجازفة.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 393 ح 49، الوسائل ج 14 ص 213 ح 4.
301
و الرواية المذكورة و غيرها قد اشتملت على عد من يبيع لها و يشتري في جملة من بيده عقدة النكاح، و مقتضى كلامه أنه يستحب لها أيضا توكيله، و هو لا يقول به و لا غيره.
و الحق أن الأخ و نحوه مما ذكرناه لا بد من حمله في عده في هذا المقام على الوصي أو الوكيل، و الحمل على الاستحباب يحتاج إلى ثبوت ذلك بدليل من خارج، و ليس فليس.
قالوا: و يستحب أن تقول على الأكبر من الاخوة لو تعددوا و إن اختلف و الأصغر في الاختيار تخيرت خيرة الأكبر، و علل باختصاص الأكبر من الاخوة بمزيد الفضيلة و قوة النظر و الاجتهاد في الأصلح، و بما سيأتي من الخبر الدال على ترجيح عقد الأكبر.
و فيه ما لا يحفي، و لا سيما إذا كان مختار الأصغر في مقام الاختلاف أكمل و أرجح على أن أكملية رأي الأكبر مطلقا ممنوعة، و الخبر المشار إليه يأتي الكلام فيه.
المسألة السادسة عشر [فيما لو زوج كل من الأخوين أختهما من اثنين]:
قد عرفت مما تقدم أن حكم الأخ بالنسبة إلى تزويج أخته حكم الأجنبي و إن استحب لها توكيله عندهم، و على هذا فلو زوجها الأخوان برجلين، فإما أن يكونا وكيلين أم لا، و على الأول فالعقد للسابق منهما، و لو دخل بها الثاني و الحال هذه فحملت منه الحق به الولد و لزمه مهرها إن كانا جاهلين بالحال أو التحريم و ردت إلى السابق بعد العدة.
و لو اقترن العقدان و اتفقا في حالة واحدة قيل بتقديم عقد الأكبر منها و المشهور بين المتأخرين البطلان.
و أما لو لم يكونا وكيلين كانا فضوليين، و تتخير في إجازة عقد أيهما شاءت، و بأيهما دخلت قبل الإجازة كان العقد له، و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع:
302
الأول: ما لو كانا وكيلين مع سبق أحدهما، و لا ريب في صحة عقد السابق منهما و بطلان المتأخر، لأنه إنما وقع بعد أن دخلت في عصمة الزوج الأول، و حينئذ فالحكم فيها أنه إن لم يدخل بها الثاني سلمت للأول.
و إن دخل بها فإن كانا عالمين بالحال فهما زانيان فلا مهر للمرأة لأنها بغي و لا ولد للزوج لو كان ثمة ولد، لأنه من زنا.
و إن علمت المرأة خاصة فلا مهر لها و الحق الولد بأبيه، و إن علم هو خاصة لم يلحق به الولد و كان لها المهر.
و إن كانا جاهلين فالحكم كما تقدم من أن لها على الواطئ مهر المثل و الحق الولد بها و عليها العدة كغيره من وطئ الشبهة الموجب لذلك ثم ترد إلى الأول و لها عليه المسمى فلها الصداقان معا، و إن اختص الجهل بأحدهما لتحقق وطئ الشبهة الموجب للعدة، فتعتد عدة الطلاق عند الأصحاب ثم ترد إلى الأول و ظاهر الأصحاب أنه مع علمها و كون النكاح زنا فلا عدة.
و من أصحابنا و إن كان خلاف المشهور من أوجب العدة من الزنا باستبراء الرحم بحيضة أو خمسة و أربعين يوما، و هو يأتي هنا على هذا القول، و لا بأس به لظاهر بعض الأخبار مع أوفقيته بالاحتياط.
و الذي وقفت عليه من الأخبار الداخلة في حيز هذا المقام و المنتظمة في في سلك هذا النظام ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة أنكحها أخوها رجلا ثم أنكحتها أمها بعد ذلك رجلا و خالها أو أخ لها صغير، فدخل بها فحبلت فاحتكما فيها فأقام الأول الشهود فألحقها بالأول، و جعل لها الصداقين جميعا و منع زوجها التي حقت له أن يدخل بها حتى تضع حملها، ثم الحق الولد بأبيه».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 396 ح 1، الوسائل ج 14 ص 211 ح 2.
303
و الخبر محمول على ما ذكره الشيخ من جعلها أمرها إلى أخيه، قال: إذ لا ولاية لغير الأب و الجد.
قيل (1) و لو جهل السابق أو نسي احتمل القرعة لأنه أمر مشكل للعلم بثبوت نكاح أحدهما، و لا طريق إلى استعلامه، و التربص إلى التذكر مع عدم العلم بحصوله فيه إضرار بالمرأة، فإذا أقرع بينهما فمن أخرجته القرعة أمر بتجديد النكاح، و يؤمر الآخر بالطلاق.
و يحتمل إجبار كل منهما على الطلاق لدفع الضرر عن المرأة، و يحتمل فسخ الحاكم بالنسبة إلى كل منهما لأن فيه دفع الضرر مع السلامة من ارتكاب الإجبار على الطلاق، و من القرعة التي لا مجال لها في الأمور التي هي مناط الاحتياط التام، و هي الأنكحة التي تتعلق بها الأنساب و الإرث و المحرمية، و قوى العلامة في القواعد هذا الاحتمال، و نفى عنه الشارح البأس.
الثاني: المشهور بين الأصحاب بطلان العقدين فيما لو كانا وكيلين و اقترن عقداهما في القبول لامتناع الحكم بصحتها معا من حيث تباينهما و امتناع الحكم بصحة أحدهما لأنه ترجيح من غير مرجح.
و ذهب الشيخ في النهاية إلى الحكم بعقد الأكبر من الأخوين، و تبعه ابن البراج و ابن حمزة استنادا إلى ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن وليد بياع الاسقاط (2)، و هو مجهول قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) و أنا حاضر عنده عن جارية كان لها أخوان زوجها الأكبر بالكوفة و زوجها الأصغر بأرض أخرى، قال:
الأول أحق بها إلا أن يكون الأخير قد دخل بها، فإن دخل بها فهي امرأته و نكاحه جائز».
____________
(1) و القائل المذكور هو السيد السند في شرح النافع وجده في المسالك و المحقق الثاني في شرح القواعد. (منه- (قدس سره)-).
(2) التهذيب ج 7 ص 387 ح 29 الكافي ج 5 ص 396 ح 2، الوسائل ج 14 ص 211 ح 4.
304
و الشيخ في التهذيبين حمل هذه الرواية على ما إذا جعلت المرأة أمرها إلى أخويها، و اتفق العقدان في حالة واحدة فيكون عقد الأكبر أولى ما لم يدخل الذي عقد عليه الأصغر.
و فيه (أولا) إن ما ادعاه من المقارنة ينافيه ظاهر قوله في الخبر «الأول أحق بها إلا أن يكون الأخير قد دخل بها» فإنه مع المقارنة لا يتحقق هنا أول و لا أخير، و هو ظاهر.
و (ثانيا) إن الحكم بأحقية الأول كما دل عليه الخبر الذي هو كناية عن تقديم عقد الأكبر كما ادعاه الشيخ يوجب إلغاء العقد الآخر، فكيف يصححه الدخول بالمرأة بعد إلغائه؟ و هو نوع اضطراب ترد به الرواية.
و (ثالثا) إنه كيف يمكن فرض الاتفاق في العقدين بأن يكون قولهما في ساعة واحدة، و المفروض في الرواية أن الأكبر زوجها بالكوفة و الأصغر زوجها ببلدة اخرى و أرض أخرى، فالحمل على ما ذكر و الحال هذه سفسطة ظاهرة.
و (رابعا) إن التقييد بالاقتران خلاف ظاهر كلامه في النهاية، حيث إن ظاهر كلامه ثمة إنما هو الحكم للأكبر أعم من أن يقترن العقدان أم لا كما سيأتي بذلك نقل عبارته.
و بالجملة فإن الرواية مطلقة بالنسبة إلى عقد كل من الأخوين في كونه ناشئا عن الإجازة أو فضوليا، و مطلقة أيضا بالنسبة إلى الاقتران و عدمه في العقدين مع ما عرفت من الإشكالات في حملها على الاقتران.
و حينئذ فالأقرب في معناها كما صرح به جملة من أفاضل متأخري المتأخرين هو الحمل على ما إذا كان الأخوان فضوليين، و يكون معنى أحقية الأول بها كون تلك الأحقية أحقية فضل و استحباب، بمعنى أن الأفضل لها
305
ترجيح مختار الأكبر إلا أن يكون الآخر، و هو الذي اختاره الأصغر قد دخل بها، فإن الدخول يكون كاشفا عن الرضا بالعقد.
الثالث: ما لو لم يكونا وكيلين أو كانا أجنبيين فإنه لا ريب أنهما فضوليان فتختار من تشاء منهما و إن كان الأفضل لها عند الأصحاب كما تقدم اختيار عقد الأكبر من الأخوين متقدما كان أو مقارنا أو متأخرا.
هذا مع عدم الدخول بأحدهما بعد العلم بالعقد و إلا كان الدخول إجازة، إلا أنه ينبغي تقييد استحباب اختيارها عقد الأكبر بما إذا تساوى مختارهما في الكمال أو ترجح مختار الأكبر، أما لو ترجح مختار الأصغر فإن الأولى لها اختياره.
الرابع: المشهور بين الأصحاب في تقرير محل الخلاف في هذه المسألة أن محلها ما لو اتفق العقدان في وقت واحد فالمشهور بينهم البطلان كما تقدم، و نقلوا عن الشيخ في النهاية القول بصحة عقد الأكبر، و نقلوا عنه الاحتجاج على ذلك بالخبر المتقدم.
و اعترضهم في المسالك بأن كلام الشيخ في النهاية و عبارته لا تساعد على ما ادعوه، قال: بل ظاهرها تقديم عقد الأكبر مطلقا، و كذلك روايته التي هي مستند الحكم بل الرواية ظاهرة في عدم الاقتران، لأن عقد كل منهما واقع في بلد فيبعد العلم باقترانهما، و كيف كان فالعبارة أعم منه.
ثم نقل عبارة الشيخ في النهاية، قال: و هذا لفظ الشيخ في النهاية: و إن كان لها أخوان و جعلت الأمر إليهما ثم عقد كل واحد منهما عليها لرجل كان الذي عقد عليها له أخوها الكبير أولى بها من الآخر، فإن دخل بها الذي عقد عليها أخوها الصغير كان العقد ماضيا، و لم يكن للأخ الكبير أمر مع الدخول بها فإن كان الأخ الكبير سبق بالعقد، و دخل الذي عقد له الأخ الصغير بها فإنها ترد
306
إلى الأول، و كان لها الصداق بما استحل من فرجها و عليها العدة فإن جاءت بولد كان لا حقا بأبيه.
ثم قال: و إطلاقها الشامل لحالة الاقتران و الاختلاف واضح، و الرواية المتقدمة بمعنى ما ذكره، و حاصل فتواه في النهاية تقديم الأكبر مطلقا إلا مع دخول من زوجه الأصغر في حالة لم يكن الأكبر متقدما بالعقد، و هذا القيد الأخير زائد على الرواية.
و في كتابي الأخبار حمل الرواية على ما إذا جعلت المرأة أمرها إلى أخويها و اتفق العقدان في حالة واحدة، فيكون عقد الأكبر أولى ما لم يدخل الذي عقد عليه الأصغر، و هذا قول آخر للشيخ غير ما قاله في النهاية لأنه جعل تقديم الأكبر مع الاقتران خاصة بشرط أن لا يدخل بها من زوجه الأصغر.
و القولان للشيخ مغايران لما نقله المصنف، لأنه جعل تقديم الأكبر مع الاتفاق مطلقا إلى آخر كلامه زيد إكرامه.
أقول: أما الرواية فقد عرفت الكلام فيها و أن تقييدها بالاقتران باطل من وجوه عديدة كما عرفت.
بقي الكلام في عبارة النهاية، و لا ريب في أنها و إن كانت ظاهرة فيما ذكره إلا أن من حملها على الاقتران في العقد لعله اعتمد على تطبيقها على الأصول و القواعد الشرعية التي من جملتها أنه لو سبق الأصغر بالعقد مع كونهما وكيلين كما هو المفروض فلا ريب في صحة عقده و بطلان عقد الأكبر، فلا معنى لأولوية عقد الأكبر هنا، فيجب إخراجه عن الإطلاق، و كذا لو سبق الأكبر كما هو مصرح به في الخبر، فيبقى اختصاص الخبر بالاتفاق في العقدين و المقارنة بينهما.
و حيث إنه لا يفهم من القواعد الشرعية ترجيح في البين حصل الحكم فيه
307
أن عقد الكبير أولى إلا أن يسبق من عقد عليه الصغير بالدخول قبل العلم بعقد الكبير.
و بالجملة فإن لما عدا صورة الاقتران من سبق الكبير أو الصغير يجب الوقوف فيه على القواعد الشرعية الموجبة لصحة عقد المتقدم و بطلان المتأخر.
و أما صورة الاقتران- و إن بعد فرضها- فالقائلون بالمشهور من البطلان اعتمدوا على الدليل العقلي الذي قدمنا ذكره، و الشيخ و من تبعه اعتمدوا على الرواية بناء على الاقتران.
و قد عرفت عدم قبول الرواية لهذا الحمل، و أن الأولى و الأظهر حملها على ما قدمنا نقله عن جملة منهم من كون الأخويين فضوليين، و الله العالم.
الفصل الثاني في أسباب التحريم
و المشهور في كلامهم حصرها في ستة و هي: النسب، و الرضاع، و المصاهرة و استيفاء العدد، و اللعان، و الكفر.
و لا يخفى أن الأسباب الموجبة للتحريم أكثر من ذلك كما سيمر بك إن شاء الله في تضاعيف مباحث الكتاب و منها المعقود عليها في العدة مع العلم أو الدخول، و المزني بها و هي ذات بعل أو في العدة الرجعية، و المعقود عليها كذلك مع الدخول و العلم، و الفجور بأبيها و أخيها، و المفضاة بالدخول لأقل من تسع، و المقذوفة و هي صماء أو خرساء، و المزني بأمها و بنتها، و المعقود عليها في الإحرام مع العلم بالتحريم.
و كيف كان فالبحث هنا يقع في مطالب ستة جريا على عادتهم (رضوان الله عليهم) في جعل محل الكلام في هذه الستة المذكورة. فنقول و بالله التوفيق
308
لبلوغ المأمول و نيل المسئول:
المطلب الأول: فيما يحرم بالنسب
، و هي سبعة أصناف من النساء حسبما تضمنته الآية أعني قوله عز و جل (1) «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ وَ عَمّٰاتُكُمْ وَ خٰالٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُ الْأَخِ وَ بَنٰاتُ الْأُخْتِ» و ربما أنهاها بعضهم إلى تسعة، و هي الأم و إن علت، و البنت و بنتها و إن نزلت، و بنت الابن فنازلا، و الأخت و بنتها فنازلا، و بنات الأخ كذلك، و العمة و الخالة فصاعدا فيهما.
و المراد بالأم هنا و إن علت هي كل امرأة ولدتك أو انتهى نسبك إليها من العلو بالولادة لأب كان أو لام، و بعبارة أخرى هي كل أنثى ولدتك أو ولدت من ولدك ذكرا كان أو أنثى، و بعبارة ثالثة هي كل أنثى ينتهي إليها نسبك بالولادة بواسطة أو بغير واسطة.
و المراد بالبنت و بنتها و إن نزلت، و بنت الابن فنازلا كل من ينتهي إليك نسبه بالتولد و لو بوسائط، و بعبارة اخرى أن ضابطها كل أنثى ولدتها أو ولدت من ولدها ذكرا كان أو أنثى بواسطة أو غير واسطة.
و المراد بالأخت و ابنتها هي كل امرأة ولدها أبواك أو أحدهما و بعبارة أخرى هي كل امرأة ولدتها أبواك أو أحدهما، أو انتهى نسبهما إليهما أو أحدهما بالتولد و نحوها ابنة الأخ و إن نزلت، فإنها داخلة تحت الضابط المذكور.
و المراد بالعمة فصاعدا هي كل أنثى هي أخت ذكر ولدتك بواسطة أو غير واسطة من جهة الأب أو الأم أو منهما.
و الخالة فصاعدا و ضابطها كل أنثى هي أخت أنثى ولدتك بواسطة أو غير واسطة.
و المراد بقولنا «فصاعدا» في العمة و الخالة ليدخل عمة الأب و الام
____________
(1) سورة النساء- آية 24.
309
و خالتهما و عمة الجد و الجدة و خالتهما و هكذا، لا عمة العمة و خالة الخالة فإنهما قد لا تكونان محرمتين، و قد تكونان محرمتين، فلا يكون التحريم ضابطة كلية.
فأما بالنسبة إلى العمة فإن عمة العمة قد تكون محرمة كما إذا كانت العمة القريبة عمته لأبيه و امه أو لأبيه، فعمة هذه العمة تكون أخت جده لأبيه فتكون عمته تحرم عليه، مثل عمته القريبة، و قد لا تكون محرمة كما لو كانت عمته القريبة عمته لام، بمعنى أنها أخت أبيه من الام، فعمتها حينئذ تكون أخت زوج جدته أم أبيه، و أخت زوج الام لا تحرم، فأخت زوج الجدة أولى.
و أما بالنسبة إلى خالة الخالة، فإن الخالة القريبة قد تكون خالة لأب و أم أو لام، بمعنى أنها أخت امه من الأبوين أو من الام، فخالتها على هذا تحرم عليه لأنها أخت جدته لأمه.
أما لو كانت خالته لأب خاصة، بمعنى أنها أخت امه من الأب خاصة، فإنها لا تحرم عليها لأن أم خالته القريبة تكون امرأة جده لا أم امه، فاختها تكون أخت امرأة الجد، و أخت امرأة الجد لا تحرم عليه.
و بالجملة فإن المحرم من هذه المذكورات في الآية الشريفة أعم من أن تكون صدق هذه العنوانات عليه بطريق الحقيقة أو المجاز إلا الأخت فإنه لا مجاز فيها، و كذا أولاد البنات فنازلا في دخولهم في لفظ البنات بناء على المختار، و إن كان المشهور إنما هو المجاز.
و حينئذ فإما أن يكون المراد بالمذكور في الآية ما هو أعم من الحقيقة و المجاز أو أن المراد به الحقيقة خاصة، و المجاز إنما استفيد بدليل من خارج.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن للأصحاب في ضبط المحرمات عبارات تفصيلية و إجمالية، فالأولى منهما ما ذكرناه، و من الثاني قولهم: أنه يحرم على الإنسان
310
أصوله و فصوله، و فصول أول أصوله (1)، و أول فصل من كل أصل بعده، أي بعد أول الأصول.
قالوا: فالأصول الأمهات بالنسبة إلى الذكر و الآباء بالنسبة إلى الأنثى، و الفصول البنات و البنون بالنسبة إلى الأمرين، و فصول أول الأصول الاخوة بالنسبة إلى الرجل و الأخوات للأنثى و أولاد الأخ و أولاد الأخت و إن نزلوا، و أول فصل من كل أصل بعد الأصل الأول الأعمام و العمات و الأخوال و الخالات.
و من الثاني أيضا قولهم: أنه يحرم على الإنسان كل قريب عدا أولاد العمومة و الخؤولة و هي أخصر و أظهر، و حينئذ فيحرم على الرجل نساء القرابة مطلقا إلا من دخل في اسم ولد العمومة و الخؤولة، و على الأنثى ذكور القرابة إلا من دخل في أحد الاسمين المذكورين.
تنبيهات
الأول [ما تضمنته الآية]:
لا يخفى أن ما تضمنته الآية من التحريم على الرجال مستلزم للتحريم على النساء، بمعنى أنه كما يحرم على الرجل امه، يحرم على الام ابنها فإن الحكم بتحريم النكاح من أحد الطرفين يقتضي التحريم من الطرف الآخر لا محالة، و هذا هو النكتة في تخصيص الله عز و جل في الآية المحرمات على الرجال و لم يذكر العكس، و هكذا الكلام في البنت و باقي المحرمات التي في الآية.
الثاني [في عدم ثبوت النسب بالوطء المحرم]:
لا خلاف بين العلماء في أن النسب يثبت بالنكاح الصحيح، و المراد به الوطي المستحق شرعا بعقد صحيح أو تحليل أو ملك و إن حرم لعارض كالوطئ في الحيض، و لا يعتبر علمه بكون الوطي جائزا له، فلو وطئ حليلته
____________
(1) أقول: و بعبارة أخرى يحرم على الرجل أصوله و فروعه، و فروع أول أصوله و أول كل فرع من كل أصل و ان علا. (منه- (قدس سره)-).
311
بظن أنها أجنبية قادما على الزنا لم يقدح ذلك في كون الوطي شرعا و إن أثم بإقدامه على الحرام كما ذكره الأصحاب.
و يحتمل عندي عدم الإثم أيضا من حيث المصادفة واقعا لحل النكاح، و يلحق به وطئ الشبهة، و المراد به الوطي الذي ليس بمستحق شرعا مع ظنه أنه مستحق.
و يمكن إدراجه في تعريف النكاح الصحيح المتقدم ذكره بمحل المستحق شرعا على ما هو أعم من كونه كذلك واقعا أو باعتبار ظنه.
و الحق (1) بوطىء الشبهة وطئ المجنون و النائم و من في معناه و الصبي الغير المميز.
و بعضهم فسروا وطئ الشبهة بالوطء الذي ليس بمستحق مع عدم العلم بتحريمه قال: فيدخل فيه وطئ الصبي و المجنون و النائم و شبهه، فيثبت به النسب كالصحيح و لو اختصت الشبهة بأحد الطرفين اختص به الولد.
و أما الوطي بالزنا و هو وطئ المكلف من تحرم عليه بالأصالة مع علمه بالتحريم، فلا يثبت به النسب إجماعا، لكن هل يثبت به التحريم الذي هو أحد أحكام النسب، فيحرم على الزاني نكاح المخلوقة من مائه، و على الزانية نكاح المتولد منها بالزنا؟
المشهور في كلام الأصحاب ذلك، قالوا: لأنه من مائه فهو يسمى ولدا لغة، لأن الولد لغة حيوان يتولد من نطفة آخر من نوعه، و الأصل عدم النقل خصوصا على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية، و استشكله جملة من المتأخرين
____________
(1) أقول: ما أشرنا إليه من إلحاق وطئ المجنون و من بعده بوطىء الشبهة مبنى على تعريف وطئ الشبهة، فمن أخذ في تعريفه ظن أنه مستحق جعله ملحقا لان الظن المذكور لا يتيسر حصوله من هؤلاء، و من أخذ عدم العلم بتحريمه أدخله فيه لصدق عدم العلم من هؤلاء كما لا يخفى. (منه- (قدس سره)-).
312
منهم المحقق الثاني في شرح القواعد.
و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بأن المعتبر إن كان هو صدق الولد لغة لزم ثبوت باقي الأحكام المترتبة على الولد كإباحة النظر و عتقه على القريب و تحريم حليلته و عدم القود من الولد بقتله و نحو ذلك.
و إن كان المعتبر لحوقه شرعا فاللازم انتفاء الجميع، فالتفصيل غير واضح إلا أن الظاهر من كلام العلامة في التذكرة كما نقل عنه و كذا ولده فخر المحققين في شرح القواعد دعوى الإجماع على الحكم المذكور.
و حينئذ فالمعتمد في تخصيص التحريم دون غيره من متفرعات النسب إنما هو الإجماع المذكور، و يظهر من المحقق الثاني في شرح القواعد أن عمدة ما تمسك به في ذلك هو الاحتياط.
أقول: و هو أقوى مستمسك في هذا المقام، إذ لا يخفى أن المسألة المذكورة من الشبهات بل من أعظمها
«حلال بين، و حرام بين، و شبهات بين ذلك، فمن تجنب الشبهات نجى من الهلكات» (1).
و الاحتياط هنا واجب كما حققناه في غير موضع من زبرنا، و لا شك في أنه في جانب القول المشهور و ظاهر العلامة في القواعد التوقف في بعض شقوق المسألة المذكورة و الاستشكال فيها، و هي ما قدمنا ذكره من جواز النظر و عتقه على القريب و نحوه مما تقدم ذكره و ما لم يذكر مما يتفرع على النسب.
و وجه الاشكال مما عرفت من أن مقتضى كونه ولدا لغة الموجب لتحريم النكاح هو ترتب هذه الأحكام أيضا، و من أن الأصل تحريم النظر إلى سائر النساء إلا إلى من ثبت له النسب الشرعي الموجب للتحليل، و هو هنا مشكوك فيه، و نحوه الانعتاق كما لو ملك امه للشك في النسب أيضا، و هكذا في باقي الأفراد المذكورة.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 6 ح 18، الوسائل ج 18 ص 114 ح 9.
313
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك أيضا التوقف (1) و إن كان قد صرح أولا بأن الأقوى عدم ثبوت شيء من أحكام النسب غير التحريم، إلا أنه قال أخيرا بعد كلام في البين: و الإنصاف أن القولين موجهان، و الإجماع حكم آخر.
و غاية ما تمسك به المحقق الثاني في شرح القواعد- في نصرة القول المشهور من الفرق بين التحريم و سائر الأحكام المتفرعة على النسب- هو الاحتياط، حيث قال- بعد ذكر ما عدا التحريم من تلك الأشياء المعدودة و بيان الإشكال في التحاقها بالتحريم و عدمه ما لفظه-: و الأصح عدم الإلحاق في شيء من هذه الأحكام أخذا بمجامع الاحتياط و تمسكا بالأصل حتى يثبت الناقل.
و لا ينافي ذلك تحريم النكاح لأن حل الفروج أمر توقيفي. فيتوقف على النص و بدونه ينتفي لأصالة عدم الحل، و لا تكفي في الخروج عدم القطع بالمحرم، لأنه مبني على كمال الاحتياط. انتهى، و هو مؤيد لما قلناه من أن المسألة من المتشابهات، فالواجب فيها الأخذ بما فيه الاحتياط.
و أما قوله (عليه السلام) في جملة من الأخبار (2) «و للعاهر الحجر» بمعنى أن المتولد من الزنا لا يلحق بمن تولد منه، فالظاهر أنه مخصوص بمن تولد من الزنا على فراش غيره كما ينادي به أول الخبر
«الولد للفراش و للعاهر الحجر».
، و حينئذ
____________
(1) أقول: صورة عبارته (قدس سره) هكذا: و الأقوى عدم ثبوت شيء من أحكام النسب غير التحريم، و فيه ما عرفت، فأما الفرق بين التحريم و النظر بأن الأصل تحريم النظر إلى سائر النساء لا الى من ثبت له السبب الشرعي الموجب للتحليل بينهما و لم يثبت و ان حل النظر حكم شرعي فلا يثبت مع الشك في سببه فمثله وارد في التحريم لأنه ان دخل الولد في قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ» دخل في قوله تعالى «وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبٰائِهِنَّ أَوْ آبٰاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنٰائِهِنَّ» و الإنصاف أن القولين موجهان، و الإجماع حكم آخر.
انتهى. (منه- (قدس سره)-).
(2) التهذيب ج 8 ص 183 ح 64، الوسائل ج 14 ص 565 ح 1.
314
فلا يكون في الخبر دلالة على ما نحن فيه بنفي و لا إثبات.
و نقل عن ابن إدريس أنه علل التحريم في هذه المسألة بأن المتولد من الزنا كافر فلا يحل للمسلم، و رده في المسالك بأنه مبني على أصل مردود، و منقوض بما لو تولد من كافر فإنه يلزمه بحله المتولد منه. انتهى.
أقول: و الكلام في إسلام ابن الزنا و كفره قد تقدم في الجلد الثاني من كتاب الطهارة من مجلدات هذا الكتاب، و ما ذكر من النقص وارد.
الثالث [في الصور التي يثبت النسب بوطىء الشبهة فيها]:
قد عرفت أن النسب كما يثبت بالنكاح الصحيح يثبت أيضا بوطىء الشبهة، فيمكن اجتماع الأمرين كما إذا وطئ الرجل زوجته ثم وطئها آخر بالشبهة فأتت بولد فإنه يمكن أن تأتي فيه الصور الآتية الممكن فرضها في هذه الحال.
و المثال المشهور في كلام الأصحاب هنا هو ما إذا طلق الرجل زوجته فوطأت بالشبهة ثم أتت بولد، و سيأتي إن شاء الله بيان الوجه في تخصيص التمثيل بذلك.
و موضع هذه المسألة إنما هو في بحث أحكام الأولاد الآتي في آخر الكتاب إلا أن الظاهر أن ذكرهم لها هنا عدم الإلحاق من حيث التعلق بأحكام النسب، و كيف كان فمرجع الاحتمالات في المسألة بالنسبة إلى إلحاق الولد بهما أو بأحدهما أو عدم الإلحاق إلى صور أربع:
أحدها:
أن تلد لأقل من ستة أشهر من وطئ الثاني، و لأقصر مدة الحمل فما دون من وطئ الأول، و لا إشكال في كونه للأول لأن الفراش في هذه المدة كلها منحصر فيهما، و إلحاقه بالثاني و هو الواطئ بالشبهة ممتنع لعدم مضي مدة يمكن ولادته منه، فيتعين الأول سواء طلقها أو لم يطلقها (1).
____________
(1) قوله- سواء طلقها. الى آخره- إشارة الى أن الحكم كذلك على أى المقالين المتقدمين. (منه- (قدس سره)-).
315
ثانيها:
أن تلده لستة أشهر فصاعدا إلى أقصى الحمل من وطئ الثاني، و لزيادة عن أقصى الحمل من وطئ الأول، و لا ريب أنه للثاني و هو الواطئ بشبهة لامتناع إلحاقه بالأول.
ثالثها:
أنه تلده لأقل من ستة أشهر من وطئ الثاني و لأكثر من أقصى الحمل من وطئ الأول و لا إشكال في أنه منتف عنهما معا لفقد شرط اللحوق بواحد منهما.
رابعها:
أن تلده لستة أشهر فصاعدا إلى ما دون الأقصى من وطئ الثاني و لأقصى مدة الحمل فما دون من وطي الأول.
و لا ريب أن تولده من كل منهما محتمل لحصول الشرط الموجب للإلحاق في كل منهما، و الأصحاب هنا بناء على فرضهم المسألة فيمن طلق امرأته ثم نكحها آخر بالشبهة كما أشرنا إليه آنفا اختلفوا في حكم هذه الصورة، فذهب الشيخ فيها إلى اختيار القرعة لأنها لكل أمر مشكل من حيث إنها فراش لكل منهما و تولده منهما ممكن، فمن أخرجته القرعة حكم له به.
و المشهور بين الأصحاب الحكم به للثاني، لأن فراش الأول قد زال بالطلاق و فراش الثاني ثابت.
و أنت خبير بأن هذا الخلاف لا يجري في المثال الذي قدمنا ذكره، و هو من وطأ زوجته، ثم وطأها آخر بشبهة أنها زوجته أيضا لثبوت الفراش الملحق للنسب فيهما، و لا يجري فيه ما ذكره أصحاب القول المشهور ثمة من أن فراش الأول قد زال بالطلاق فتعين الا لحاق بفراش الثاني حينئذ، و الظاهر انحصار الحكم هنا في القرعة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن كل من حكم بإلحاق الولد به تبعه اللبن و ترتب عليه أحكام الرضاع و غيره، و الله العالم.
316
الرابع: لو أنكر الولد و لاعن
فلا إشكال في انتفائه عنه، فلو كانت ابنة حرمت على الملاعن مع الدخول بأمها لأنها ربيبة امرأة مدخول بها، و لو لم يدخل بأمها قال: في تحريمها عليه احتمالان:
و وجه احتمال عدم التحريم انتفاؤها عنه شرعا كبنت المزني بها، و يؤكده هنا أنها لا ينسب إليه لغة كما في الزنا.
و وجه احتمال التحريم أنها غير منفية عنه قطعا، و لهذا لو اعترف بها بعد اللعان ورثته.
ورد بأن ذلك غير كاف في التحريم، فإن البنت المجهولة النسب التي يمكن تولدها منه لو ادعى كونها بنته قبل، مع أنها لا تحرم عليه قبل ذلك.
أقول: و المسألة لخلوها من النص لا يخلو من إشكال، و إن كان الاحتمال الأول أقرب إلى قواعدهم.
قالوا: و مما يتفرع على ذلك القصاص بقتلها، و الحد بقذفها، و القطع بسرقة مالها، و قبول شهادتها عليه إن منعنا من قبول شهادة الولد، هذا على تقدير الاحتمال الأول لأنها أجنبية لانتفائها عنه باللعان.
و أما على تقدير الاحتمال الثاني، و هو تحريمها عليه لعدم انتفائها عنه قطعا بالتقريب المتقدم، و للحوق حكم البنتية لها كما لو اعترف بها بعد اللعان.
و نقل عن العلامة في التذكرة أنه استقرب ثبوت هذه الأحكام، قال: لأنه نفى سببيتها باللعان فانتفت توابعه.
و اعترافه بعد ذلك لا يسقط ما ثبت عليه، و لهذا كان الولد يرثه و هو لا يرث الولد، و ذلك دليل على عدم عود النسب مطلقا، و إنما العائد إرثه باعترافه، لأنه إقرار في حقه و لم ينفذ في حق الولد. انتهى.
و الظاهر أنه لا إشكال في أن اللبن تابع للولد فحيث ينتفي باللعان فإنه
317
ينتفي اللبن عن الملاعن.
إنما الإشكال في أنه هل يعود إليه لو اعترف بالولد كما يعود إليه الولد من وجه، قال في المسالك: لم يتعرض المصنف و لا غيره لذلك، ثم قال: فيمكن أن يقال بعدم عود اللبن، لأن النسب لم يعد كما قررناه، و إنما عاد إرثه من الملاعن خاصة، و ذلك أمر آخر.
و يحتمل أن يعود على حد عود الولد بمعنى أنه يؤثر في الحكم بالنسبة إلى الملاعن لا غيره فلو ارتضع من هذا اللبن مرتضع رقيق الرضاع المحرم ثم ملكه الملاعن مع اعترافه بالولد المنفي عتق عليه المرتضع أخذا له بإقراره.
و يحتمل عود اللبن مطلقا لأن إرث الولد منه فرع النسب، و جاز أن يكون عدم إرث الملاعن منه مؤاخذة له على فعله، فيعد ذلك من جملة موانع الإرث للنسب فلا يتعدى حكمه إلى غيره. انتهى.
المطلب الثاني: فيما يحرم بالرضاع
، قال: قد استفاضت النصوص و عضدها اتفاق الأصحاب بأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، بمعنى أن كل امرأة حرمت بالنسب حرمت نظيرتها الواقعة موقعها في الرضاع.
[الروايات الواردة في الرضاع]
و من الأخبار المشار إليها ما رواه
في الكافي و التهذيب عن عبد الله بن سنان (1) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: يحرم من الرضاع ما يحرم من القرابة».
و ما رواه
في الكافي في الصحيح عن إبراهيم بن نعيم الكناني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن الرضاع، فقال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 437 ح 1، التهذيب ج 7 ص 291 ح 58، الوسائل ج 14 ص 281 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 437 ح 2، التهذيب ج 7 ص 291 ح 59، الوسائل ج 14 ص 281 ح 3.
318
و ما رواه
في الكافي عن عبد الله بن سنان (1) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يصلح للمرأة أن ينكحها عمها و لا خالها من الرضاعة».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه عن أبي عبيدة الحذاء (2) في الصحيح قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تنكح المرأة على عمتها و لا على خالتها و لا على أختها من الرضاعة،.
و قال: إن عليا (عليه السلام) ذكر لرسول الله (صلى الله عليه و آله) ابنة حمزة، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله)»: أما علمت أنها ابنة أخي من الرضاعة، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) و عمه حمزة (عليه السلام) قد رضعا من امرأة».
و نحوها رواية أبان (3) عمن حدثه، و حسنة الحلبي (4) المرويتان في الكافي.
و ما رواه
في الكافي عن عبد الله بن سنان (5) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل و أنا حاضر عن امرأة أرضعت غلاما مملوكا لها من لبنها حتى فطمته، هل لها أن تبيعه؟ قال: فقال: لا، هو ابنها من الرضاعة، حرم عليها بيعه و أكل ثمنه، قال: ثم قال: أ ليس رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»؟.
و ما رواه
الشيخ في الصحيح عن الحلبي و ابن سنان (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في امرأة أرضعت ابن جاريتها قال: تعتقه».
و ما رواه
عن أبي بصير و أبي العباس و عبيد (7) كلهم جميعا عن أبي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 445 ح 10، الوسائل ج 14 ص 300 ح 5.
(2) الكافي ج 5 ص 445 ح 11، الفقيه ج 3 ص 260 ح 21. الوسائل ج 14 ص 300 ح 5.
(3) الكافي ج 5 ص 437 ح 4، الوسائل ج 14 ص 299 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 437 ح 5، الوسائل ج 14 ص 299 ح 1.
(5) الكافي ج 5 ص 446 ح 16، التهذيب ج 7 ص 326 ح 50، الوسائل ج 14 ص 307 ح 1.
(6) التهذيب ج 8 ص 243 ح 111، الوسائل ج 16 ص 13 ح 1.
(7) التهذيب ج 8 ص 243 ح 110، الوسائل ج 13 ص 29 ح 1.
319
قال: «لا يملك ابنه من الرضاعة و لا أخته و لا عمته و لا خالته فإنهن إذا ملكهن عتقن و قال: كلما يحرم من النسب فإنه يحرم من الرضاع».
و ما رواه
في الكافي في الصحيح عن صفوان بن يحيى (1) عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: «قلت له: أرضعت أمي جارية بلبني، قال: هي أختك من الرضاع، قال:
فقلت: فتحل لأخي من أمي لم ترضعها بلبنه يعني ليس بهذا البطن و لكن ببطن آخر، قال: و الفحل واحد؟ قلت: نعم، هي أختي لأبي و أمي، قال: اللبن للفحل صار أبوك أباها، و أمك أمها».
و عن سماعة (2) في الموثق قال: «سألته عن رجل كان له امرأتان فولدت كل واحدة منهما غلاما فانطلقت إحدى امرأتيه فأرضعت جارية من عرض الناس، أ ينبغي لابنه أن يتزوج بهذه الجارية؟ قال: لا، لأنها أرضعت بلبن الشيخ».
و عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (3) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن امرأة أرضعت جارية و لزوجها ابن من غيرها، أ يحل للغلام ابن زوجها أن يتزوج الجارية التي أرضعت؟ فقال: اللبن للفحل».
و عن أبي بصير (4) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج امرأة فولدت منه جارية ثم ماتت المرأة فتزوج اخرى فولدت منه ولدا ثم إنها أرضعت من لبنها غلاما، أ يحل لذلك الغلام الذي أرضعته أن يتزوج ابنة المرأة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 444 ح 3، التهذيب ج 7 ص 322 ح 36، الوسائل ج 14 ص 299 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 440 ح 2، التهذيب ج 7 ص 319 ح 25، الوسائل ج 14 ص 295 ح 6.
(3) الكافي ج 5 ص 440 ح 4، الوسائل ج 14 ص 295 ح 7.
(4) الكافي ج 5 ص 440 ح 5، التهذيب ج 7 ص 319 ح 26، الوسائل ج 14 ص 294 ح 5.
320
التي كانت تحت الرجل قبل المرأة الأخيرة؟ قال: ما أحب أن يتزوج ابنة فحل قد رضع من لبنه».
و عن الحلبي (1) في الحسن قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أم ولد رجل أرضعت صبيا و له ابنة من غيرها، أ تحل لذلك الصبي هذه الابنة؟ فقال: ما أحب أن يتزوج ابنة رجل قد أرضعت من لبن ولده».
و أنت خبير بأن لفظ «ما أحب» في هذين الخبرين ليس على ظاهره العرفي من الكراهة، و إنما هو بمعنى التحريم، و مثله في الأخبار غير عزيز.
و ما رواه
في التهذيب عن جميل بن دراج (2) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا رضع الرجل من لبن امرأة حرم عليه كل شيء من ولدها، و إن كان الولد من غير الرجل الذي كان أرضعته بلبنه، و إذا رضع من لبن رجل حرم عليه كل شيء من ولده، و إن كان من غير المرأة التي أرضعت».
و ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لو أن رجلا تزوج جارية رضيعا فأرضعتها امرأته فسد نكاحه،.
قال: و سألته عن امرأة رجل أرضعت جارية، أ تصلح لولده من غيرها؟ قال: لا، قلت:
فنزلت بمنزلة الأخت من الرضاعة؟ قال: نعم من قبل الأب».
و بهذا الاسناد عن الحلبي و عبد الله بن سنان (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج جارية صغيرة فأرضعتها امرأته أو أم ولده، قال: تحرم عليه».
و في رواية عثمان (5) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قلت له: إن أخي تزوج
____________
(1) الكافي ج 5 ص 441 ح 6، التهذيب ج 7 ص 319 ح 27، الوسائل ج 14 ص 295 ح 8.
(2) التهذيب ج 8 ص 321 ح 33، الوسائل ج 14 ص 306 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 444 ح 4، الوسائل ج 14 ص 305 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 445 ح 6، الوسائل ج 14 ص 303 ح 2.
(5) التهذيب ج 7 ص 323 ح 40، الوسائل ج 14 ص 300 ح 7.
321
امرأة فأولدها فانطلقت امرأة أخي فأرضعت جارية من عرض الناس، فيحل لي أن أتزوج تلك الجارية التي أرضعتها امرأة أخي؟ قال لا، إنما يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
و في رواية مسمع (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
ثمانية لا تحل مناكحتهم- إلى أن قال-: أمتك و هي عمتك من الرضاعة و أمتك و هي خالتك من الرضاعة» الحديث.
و في رواية مسعدة بن زياد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «يحرم من الإماء عشر لا يجمع بين الام و البنت- يعني في النكاح- و لا بين الأختين- إلى أن قال-:
و لا أمتك و هي عمتك من الرضاعة، و لا أمتك و هي خالتك من الرضاعة، و لا أمتك و هي رضيعتك».
و في صحيحة محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل فجر بامرأة، أ يتزوج أمها من الرضاعة أو ابنتها؟ قال: لا».
إلى غير ذلك من الأخبار
، و مرجعها إلى أن كل موضع ثبت فيه المحرمية بالنسب يثبت المحرمية بمثل ذلك في الرضاع، فالام من الرضاع تحرم كالأم من النسب، و كذا البنت و الأخت و العمة و الخالة، و بنات الأخ و بنات الأخت، و المحرمات النسبية قد فصلتها الآية بقوله سبحانه (4) «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ وَ عَمّٰاتُكُمْ وَ خٰالٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُ الْأَخِ وَ بَنٰاتُ الْأُخْتِ».
و قد عرفت آنفا أن الأم من النسب هي كل امرأة ولدتك أو انتهى نسبك
____________
(1) الكافي ج 5 ص 447 ح 1، الوسائل ج 14 ص 300 ح 4.
(2) التهذيب ج 8 ص 198 ح 1، الخصال باب العشرة ص 438 ح 27، الفقيه ج 3 ص 286 ح 4، الوسائل ج 14 ص 301 ح 9، و ما نقله (قده) في المتن لا يوافق كملا مع ما ذكرناه من المآخذ، فلاحظ.
(3) التهذيب ج 7 ص 331 ح 19، الوسائل ج 14 ص 325 ح 2.
(4) سورة النساء- آية 23.
322
إليها من العلو بالولادة لأب كان أم لأم، و حينئذ فهي في الرضاع عبارة عن كل امرأة أرضعتك أو ولدت مرضعتك أو ولدت من ولدها أو أرضعتها أو أرضعت من ولدها أو ولدت من أرضعتها و لو بوسائط فهي بمنزلة أمك النسبية في التحريم عليك، و كذا كل امرأة ولدت أباك من الرضاعة لو أرضعته أو أرضعت من ولدها أو ولدت من أرضعته و لو بوسائط.
و البنت النسبية و بنتها و إن نزلت و كذا بنت الابن فنازلا، و ضابطها من ينتهي إليها نسبه بالتولد و لو بوسائط.
و في الرضاع هي كل ابنة أرضعت بلبنك أو لبن من ولدته و إن سفل، أو أرضعتها امرأة ولدتها و إن سفلت، و كذلك بناتها من النسب و الرضاع، فإن الجميع بمنزلة بمنزلة بنتك النسبية.
و الأخت في النسب هي كل امرأة ولدها أبواك أو أحدهما، و في الرضاع هي كل امرأة أرضعتها أمك أو أرضعت بلبن أبيك، و كذا كل بنت ولدتها المرضعة أو الفحل أو أرضعت بلبنهما.
و العمة فصاعدا من النسب كما تقدم أيضا هي كل أنثى هي أخت ذكر ولدك بواسطة أو غير واسطة من جهة الأب أو الأم أو منهما.
و الخالة فصاعدا هي كل أنثى هي أخت أنثى ولدتك بواسطة أو بغير واسطة، و في الرضاع العمات و الخالات هن أخوات الفحل و المرضعة و أخوات من ولدهما من النسب و الرضاع و كذا كل امرأة أرضعتها واحدة من جداتك أو أرضعت بلبن واحد من أجدادك من النسب أو الرضاع.
و بنات الأخ و بنات الأخت في النسب كل امرأة تنتهي نسبها إلى من ولدها أبواك أو أحدهما بالتولد، و في الرضاع بنات أولاد المرضعة و الفحل من النسب و الرضاع، و كذا كل أنثى أرضعتها أختك أو بنات أولادها من النسب و الرضاع.
323
و بنات كل ذكر أرضعته أمك أو أرضع بلبن أخيك و بنات أولاده من النسب و الرضاع، فكلهن بنات أخيك و أختك.
فهذه هي المحرمات النسبية التي دلت عليها الآية، و ما ينزل منزلتها من الرضاع و هو المشار إليه بقولهم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» و الآية المتقدمة إنما تضمنت من المحرمات الرضاعية الام و الأخت و باقي محرمات الرضاع إنما جاء تحريمه من قبل النصوص المتقدمة و نحوها.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن مطلق الرضاع لا يوجب نشر الحرمة بل له في ذلك شروط مذكورة في الأخبار و كلام الأصحاب، و له أيضا أحكام كما صرح به علماءنا الأعلام، و حينئذ فالكلام في هذا المطلب يقع في مقامين:
[المقام] الأول: في الشروط
و هي أمور:
الأول: أن يكون اللبن عن نكاح صحيح بشرط حصول الولد
، فلو در اللبن لا كذلك لم ينشر حرمة، و كذا لو كان عن زنا.
و الحكم المذكور مما لا خلاف فيه، بل ادعى في المسالك عليه الإجماع، قال: أجمع علماءنا على أنه يشترط في اللبن المحرم في الرضاع أن يكون من امرأة عن نكاح، و المراد به الوطي الصحيح، فيندرج فيه الوطي بالعقد دائما و متعة و ملك يمين و ما في معناه، و الشبهة داخلة فيه. انتهى.
أقول: و يدل على ما ذكروه- من عدم الحرمة باللبن الذي در من المرأة من غير نكاح- ما رواه
في الكافي عن يونس بن يعقوب (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة در لبنها من غير ولادة فأرضعت جارية و غلاما بذلك اللبن، هل يحرم بذلك اللبن ما يحرم من الرضاع؟ قال: لا».
و رواه الصدوق بإسناده
____________
(1) الكافي ج 5 ص 446 ح 12، الوسائل ج 14 ص 302 ب 9 ح 1.
324
عن ابن أبي عمير عن يونس عن يعقوب (1) مثله.
و ما رواه
الشيخ في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): امرأة در لبنها من غير ولادة فأرضعت ذكرانا و اناثا، أ يحرم من ذلك ما يحرم من الرضاع؟ فقال لي: لا».
و على ما ذكرنا من اشتراط النكاح الصحيح فلا تثبت الحرمة باللبن الذي عن الزنا ما رواه
الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن لبن الفحل، فقال: هو ما أرضعت امرأتك من لبنك و لبن ولدك ولد امرأة أخرى فهو حرام».
و التقريب فيها أنه خص (عليه السلام) لبن الفحل بما يحصل من امرأته و هو ظاهر في أنه لا يكون إلا عن النكاح الصحيح و لبن نكاح الشبهة و إن لم يكن عن نكاح صحيح أيضا إلا أن دخوله قد جاء بدليل آخر.
و قريب من الرواية المذكورة ما رواه
في الكافي عن بريد العجلي (4) في حديث قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول رسول الله (صلى الله عليه و آله) يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فسر لي ذلك؟ قال: فقال: كل امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى من جارية أو غلام، فذلك الرضاع الذي قال رسول الله (صلى الله عليه و آله)» الحديث.
و التقريب فيه أن المتبادر من الفحل هنا هو الزوج، فلا يدخل فيه الزاني و المشهور في كلام الأصحاب إلحاق اللبن الذي عن نكاح الشبهة باللبن الذي عن النكاح الصحيح، لأن نكاح الشبهة موجب لثبوت النسب كالنكاح الصحيح، و اللبن
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 308 ح 22، الوسائل ج 14 ص 302 ب 9 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 325 ح 47، الوسائل ج 14 ص 302 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 319 ح 24، الوسائل ج 14 ص 294 ح 4.
(4) الكافي ج 5 ص 442 ح 9، الوسائل ج 14 ص 293 ح 1.
325
تابع للنسب، و حينئذ فيدخل في قوله عز و جل (1) «وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ».
و لابن إدريس هنا كلام لا يخلو من اضطراب و تردد، قال: و إنما التأثير للبن الولادة من النكاح المباح المشروع فحسب، دون النكاح الحرام و الفاسد و وطئ الشبهة، لأن نكاح الشبهة عند أصحابنا لا يفصلون بينه و بين الفاسد إلا في إلحاق الولد و دفع الحد فحسب، ثم قال: و إن قلنا في وطئ الشبهة بالتحريم كان قويا لأن نسبه عندنا صحيح شرعي و قد
قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) (2) «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
فجعله أصلا للرضاع، ثم قال: ولي في ذلك نظر و تأمل.
قال في المختلف- بعد نقل ذلك عنه و هو يدل على تردده في ذلك-:
و الوجه ما قاله الشيخ عملا بالعموم و قول ابن إدريس ممنوع و لا حجة عليه سوى الإباحة الأصلية، و هي لا تخلو من منع انتهى، و هو جيد.
و قد تقرر مما ذكرنا أنه لا بد من كون اللبن المذكور عن نكاح صحيح مع حصول الولد، لكن يبقى الكلام في أنه هل يشترط انفصال الولد و خروجه أم يكفي مع كونه حملا؟ فلو در اللبن في صورة كونه حملا هل ينشر الحرمة؟
قولان.
جزم العلامة في القواعد بالأول فاكتفى بالحمل و قطع بعدم اشتراط الولادة و إليه مال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و الروضة، و حكاه في التذكرة قولا عن بعض أصحابنا، و حكى عن الشيخ في المبسوط نحوه، ثم حكى أنه قال قبل ذلك ما ينافيه، و أن الذي نزل عن الأخبار لا حرمة له، و إنما الحرمة لما نزل عن الولادة.
____________
(1) سورة النساء- آية 23.
(2) الفقيه ج 3 ص 305 ح 5، الوسائل ج 14 ص 293 ح 1.
326
و بالثاني جزم في التحرير فقال: و لا من در لبنها من غير ولادة، و مال إليه في التذكرة قال: لأن اللبن الذي ينزل عن الأحبال لا حرمة له، و إنما الحرمة فيما ينزل على الولادة.
و إلى هذا القول مال السيد السند في شرح النافع معللا له بالاقتصار فيما خالف الأصل على موضع اليقين، و حملا للرضاع المحرم على ما هو المتعارف منه أعني ما بعد الولادة.
أقول: و يدل عليه ما تقدم في رواية يعقوب بن شعيب من السؤال عمن در لبنها من غير ولادة فأرضعت ذكرانا و إناثا، فأجاب (عليه السلام) بأنه «لا يحرم» و الخبر بإطلاقه شامل لما لو كان ثمة حبل أم لا، و ظاهر في تعليق الحكم على الولادة (1).
و بهذا الخبر استدل في التذكرة على أن لبن الأحبال لا حرمة له، لقوله «من غير ولادة» و نحو ذلك خبر يونس بن يعقوب المتقدم أيضا، و التقريب في الجميع ما عرفت.
و ما أشار إليه السيد السند (قدس سره) أيضا من قوله «و حملا للرضاع المحرم على ما هو المتعارف» جيد وجيه، كما تقدمت الإشارة إليه في غير موضع من أن الإطلاق إنما ينصرف إلى الأفراد المتكررة الغالبة، دون الفروض النادرة، و بذلك يظهر قوة القول المذكور، و أن ما خالفه بمحل من القصور.
قال في المسالك- بعد نقل قول التحرير-: و لعله نظر إلى ظاهر رواية عبد الله بن سنان السابقة حيث قال «و لبن ولدك» فإنه لا يصدق عليه اسم الولد إلا مع الوضع، و فيه نظر. انتهى.
و فيه أنه إنما نظر إلى ظاهر الروايتين اللتين ذكرناهما حسبما أوضحناه
____________
(1) أقول و الى هذا القول الثاني مال المحقق الثاني في شرح القواعد استنادا إلى رواية يعقوب بن شعيب قال: و هذا أصح وقوفا مع الرواية التي لا معارض لها. انتهى. (منه- (قدس سره)-).
327
و لكنه (قدس سره) لم تحضره الروايتان المذكورتان، فإنه لم ينقلهما في المقام و تبقى الرواية التي ذكرها مؤيدة لكن لا بالتقريب الذي ذكره بل من حيث عدم صدق لبن الولد إلا بعد الولادة، فلو كان قبلها فإنما هو من قبيل من در لبنها من غير حمل بالكلية لدلالة الأخبار على أن غذاء الطفل في بطن أمه إنما هو بدم الحيض، و بعد الولادة يحيله الله تعالى إلى اللبن فيغذوه به بعد الولادة، فنسبته إلى الولد إنما يتم بعد الولادة.
تفريع [حكم الإرضاع مع تعدد اللبن]
حيث علم أن اللبن تابع للنكاح الصحيح الحاصل منه الولد، و حينئذ فإن اتحد فلا كلام في تبعيته له، و إن تعدد بأن طلق الزوج الأول أو مات عنها و له منها لبن أو كانت حاملا منه فوضعت و صارت ذات لبن، ثم تزوجت و دخل بها الزوج الثاني و أحبلها، فقد ذكر جملة من الأصحاب و علماء العامة أنه قد يلحق بالأول، و قد يلحق بالثاني، و قد يحتمل الأمرين، و ذكروا في المقام صورا
الاولى: أن يكون إرضاعا بهذا اللبن قبل أن تنكح زوجا غيره
، و الحكم ظاهر، فإن اللبن للأول قطعا كما لو كانت في حبالة فيكون المرتضع منسوبا إلى صاحب اللبن الذي هو الأول حيا كان أو ميتا (1) كما أنه بذلك صار أب المرضعة، إذ الموت أو الطلاق لا يقطع نسبة اللبن عنه.
قالوا: و لا فرق بين أن يرضع في العدة أو بعدها، و لا بين أن ينقطع اللبن ثم يعود و عدمه، لأنه لم يحدث ما يحال اللبن عليه، فهو على استمراره منسوب إليه، لكن إن اشترطنا كون الرضاع و ولد المرضعة في الحولين اعتبر كون
____________
(1) قوله «حيا كان أو ميتا» إشارة الى ما تقدم من قوله «طلقها الزوج الأول أو مات عنها و له منها لبن» (منه- (قدس سره)-).
328
الرضاع قبل مضي حولين من حين الولادة، و إلا فلا.
الثانية: أن يكون الإرضاع بعد أن تزوجت بآخر إلا أنها لم تحمل منه
، فإنه في حكم ما لو لم تتزوج، سواء زاد أو نقص أو انقطع ثم عاد.
الثالثة: أن يكون بعد الحمل من الثاني و قبل الولادة و اللبن بحاله
لم ينقطع و لم تحدث فيه زيادة، فهو للأول أيضا، قال في المسالك: عملا بالاستصحاب حيث لم يتجدد ناقل.
قال في التذكرة: و لا نعلم فيه خلافا، و علله مع ذلك بأن اللبن كان للأول و لم يتجدد ما يجعله للثاني فيبقى للأول.
و اعترضه في المسالك بأن هذا التعليل إنما يتم لو شرطنا في اللبن كونه عن ولادة.
أما لو اكتفينا فيه بالحمل و إن لم تضعه كما تقدم من مذهبه لم يتم التعليل لتجدد ما يمكن معه جعله للثاني، ثم قال: نعم، ما ذكرناه من التعليل أسلم، من حيث الشك في كون ذلك ناقلا لما كان حقه ثابتا بالاستصحاب، فيبقى الأول على حكمه إلى أن يثبت المزيل.
أقول: لا يخفى أن ما نقله عن التذكرة من التعليل زيادة على دعوى الإجماع لا يخرج عن التعليل الذي ذكره هو (قدس سره) إلا من حيث العبارة، و إلا فمرجع كلام العلامة إلى التمسك بالاستصحاب الذي ذكره.
ثم إن ما يشعر به كلامه من أن مذهب العلامة الاكتفاء بالحمل في اللبن إن أراد مذهبه في التذكرة فليس كذلك، لما تقدم ذكره و إن أراد في الجملة- باعتبار كون ذلك مذهبه في القواعد،- فالإيراد غير تام لأن هذا الكلام إنما جرى على مذهبه في التذكرة، و هو جيد.
الرابعة: أن يكون الإرضاع بعد أن حملت من الثاني و قبل الوضع
، كما
329
تقدم في سابقتها، لكن تجدد في اللبن زيادة يمكن استنادها إلى الحمل من الثاني، فاللبن عندهم للأول أيضا، و به قطع في التذكرة استصحابا لما كان، و الحمل لا يزيل ما علم استناده إليه، و الزيادة قد تحدث من غير إحبال.
ثم نقل عن الشافعي في ذلك قولين: أحدهما كما قطع به، و الثاني أنه إن زاد بعد أربعين يوما من الحمل الثاني فهو لهما عملا بالظاهر (1)، من أن الزيادة بسبب الحمل الثاني فيكون اللبن للزوجين، و إلا فهو للأول.
قال في المسالك بعد نقل ذلك: و هذا موجه على القول بالاكتفاء بالحمل و أن العمل على الأول.
الخامسة: أن ينقطع اللبن عن الأول انقطاعا بينا
يعني مدة طويلة لا يتخلل مثلها اللبن الواحد، ثم يعود في وقت يمكن أن يكون للثاني و ذلك بعد مضي أربعين يوما من الحمل الثاني.
و قد قطع الأصحاب من الشيخ و من تأخر عنه بأن يكون للثاني، لأنه لما انقطع على الوجه المذكور، ثم عاد كان سببه الحمل فأشبه ما إذا نزل بعد الولادة، كذا علله في المسالك.
و علله المحقق الثاني في شرح القواعد بأنه لما انقطع زال حكم الأول فإذا عاد و قد وجد سبب يقتضيه وجب إحالته عليه لزوال حكم الأول بالانقطاع و عوده يحتاج إلى دليل بخلاف ما لو تجدد سبب آخر يحال عليه، فإنه يكون للأول لانتفاء ما يقتضي خلافه، و المرجع إلى أمر واحد.
____________
(1) و الوجه في ظهوره أن الزيادة بسبب الحمل الثاني هو أن بلوغ الحمل المدة المذكورة يستدعي وجود اللبن غالبا، قال في شرح القواعد: و لا اعتبار بهذا التفصيل عندنا و هو أقرب بما استجوده في المسالك كما نقلناه عنه في الأصل لعدم صحة بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التخرصات. (منه- (قدس سره)-).
330
و للعامة هنا اختلاف و أقوال هذا (أحدها).
و (الثاني) أنه للأول ما لم تلد من الثاني مطلقا لأن الحمل لا يقتضي اللبن و إنما يخلقه الله للولد عند وجوده، لحاجته إليه، و هو هذا الولد لا غذاء الحمل.
و (الثالث) أنه لهما مع انتهائه إلى حال ينزل معه اللبن و أقله أربعين يوما لأن اللبن كان للأول، فلما عاد بحدوث الحمل فالظاهر أن الأول رجع بسبب الحمل الثاني فكان مضافا إليهما كما لو لم ينقطع.
أقول: و فيه تأييد لما قدمنا ذكره في غير موضع من أن أصل هذه التفريعات إنما هي للعامة، و جرى عليها الشيخ و من تأخر عنه، و اختاروا منها ما ترجح في أنظارهم و قوى في أفكارهم، و قد اختاروا مع هذه الأقوال المذكورة الأول لما قدمنا عنهم من الدليل كما عرفت.
السادسة: أن يكون الإرضاع بعد الوضع
و هو للثاني خاصة نقل فيه العلامة في التذكرة الإجماع عن الخاصة و العامة سواء زاد أو لم يزد، انقطع أو اتصل، قالوا: لأن لبن الأول انقطع بولادة الثاني، فإن حاجة المولود إلى اللبن يمنع كونه لغيره.
الثاني [الكمية]
من الشروط المتقدمة ذكرها: الكمية، و قد اتفق الأصحاب على أن مجرد الرضاع كيف كان غير كاف في الحرمة، بل لا بد فيه من قدر معين، و قد اتفق الأصحاب على التقدير بالأثر أو الزمان أو العدد، فالكلام يقع هنا في مواضع ثلاثة:
(أحدها) الأثر
و هو- عند الأصحاب و عليه دلت الأخبار- عبارة عما أنبت اللحم و شد العظم، و في المسالك أنه لا خلاف في أن ذلك ناشر للحرمة.
و أما الأخبار بذلك فهي مستفيضة، و منها ما رواه
في الكافي عن عبد الله بن
331
سنان (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم و شد العظم».
و عن عبيد بن زرارة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرضاع ما أدنى ما يحرم منه؟ قال ما أنبت اللحم أو الدم، ثم قال: ترى واحدة تنبته، فقلت:
أصلحك الله اثنتان؟ قال: لا، فلم أزل أعد عليه حتى بلغت عشر رضعات».
و عن حماد بن عثمان (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم و الدم».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن عبد الله بن سنان (4) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قلت له: يحرم من الرضاع الرضعة و الرضعتان و الثلاثة؟ فقال: لا، إلا ما اشتد عليه العظم و نبت اللحم».
و عن مسعدة بن صدقة (5) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلا ما شد العظم و أنبت اللحم، و أما الرضعة و الرضعتان و الثلاث حتى بلغ عشرا إذا كن متفرقات فلا بأس».
و عن عبيد بن زرارة (6) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 438 ح 1، التهذيب ج 7 ص 312 ح 1، الوسائل ج 14 ص 289 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 438 ح 2، الوسائل ج 14 ص 287 ح 21.
(3) الكافي ج 5 ص 438 ح 5، التهذيب ج 7 ص 312 ح 2، الوسائل ج 14 ص 289 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 438 ح 6، التهذيب ج 7 ص 312 ح 3، الوسائل ج 14 ص 288 ح 23.
(5) الكافي ج 5 ص 439 ح 10، التهذيب ج 7 ص 313 ح 5، الوسائل ج 14 ص 287 ح 19.
(6) الكافي ج 5 ص 439 ح 9، التهذيب ج 7 ص 313 ح 4، الوسائل ج 14 ص 287 ح 18.
332
أهل بيت كثير فربما كان الفرح و الحزن الذي يجتمع فيه الرجال و النساء، فربما استحيت المرأة أن تكشف رأسها عند الرجل الذي بينها و بينه الرضاع، و ربما استحى الرجل أن ينظر إلى ذلك، فما الذي يحرم من الرضاع؟ فقال: ما أنبت اللحم و الدم، فقلت: و ما الذي ينبت الدم و اللحم؟ فقال: كان يقال عشر رضعات قلت: فهل تحرم عشر رضعات؟ فقال: دع ذا، و قال: ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع».
و في هذا الحديث كلام يأتي ذكره إن شاء الله.
و ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن ابن رئاب (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: ما يحرم من الرضاع؟ قال: ما أنبت اللحم و شد العظم، قلت: فيحرم عشر رضعات؟ قال: لا، لأنها لا تنبت اللحم و لا تشد العظم عشر رضعات».
[تنبيهات]
و يجب التنبيه هنا على أمور:
(أحدها) أنه هل اشتداد العظم أو نبات اللحم أمران متلازمان [أم لا؟]
فيكفي أحدهما مع ظهوره أم لا، فلا بد من ظهورهما؟
صرح بالثاني شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، فقال: و مقتضى النصوص و الفتاوى اعتبار اجتماع الوصفين و هما اشتداد العظم و نبات اللحم فلا يكفي أحدهما و في بعض عبارات الشهيد ما يدل على الاجتزاء بأحدهما: و هو شاذ لا دليل عليه، و البناء في ذلك على تلازمهما غير معلوم. انتهى.
و بالأول صرح سبطه السيد السند في شرح النافع، فقال: و الظاهر حصول التلازم بين ما أنبت اللحم و شد العظم، و من ثم اكتفى جمع من الأصحاب بأحد الأمرين. انتهى.
أقول: لا يخفى أن جملة من النصوص المذكورة هنا و إن تضمنت اشتداد
____________
(1) قرب الاسناد ص 77، التهذيب ج 7 ص 313 ح 6، الوسائل ج 14 ص 283 ح 2.
333
العظم و إنبات اللحم إلا أن جملة اخرى إنما تضمنت إنبات اللحم و الدم و لم يتعرض فيها لاشتداد العظم.
و الظاهر أن وجه الجمع بينما دل على الوصفين و بينما دل على إنبات اللحم خاصة هو التلازم، و أنه حيث يذكر أحدهما يلزمه الآخر، و لعل تخصيص إنبات اللحم بالذكر في الأخبار من حيث إنه أظهر في الحسن و أبين للناظر الخبير.
و بذلك يظهر لك أن دعوى شيخنا في المسالك- أن مقتضى النصوص اجتماع الوصفين- ليس في محله لأن جملة منها كما عرفت إنما تضمن أحدهما خاصة و لا وجه للجمع بين الجميع إلا ما ذكرناه.
(ثانيها) هل يعتبر العدالة و العدد في المخبر إذا كان من أهل الخبرة
و المعرفة بذلك لأنها شهادة فلا تثبت إلا بذلك، و لأن الأصل استصحاب الحل السابق إلى أن يثبت المحرم، أو يكون ذلك من باب الخبر فيكفي فيه الواحد و إن كان فاسقا إذا كان من أهل الخبرة و البصيرة كما في المرض المسوغ للإفطار و التيمم و نحو ذلك.
الذي صرح به جملة من الأصحاب كشيخنا في المسالك و السيد السند في شرح النافع (1) و هو الأول، إلا أنه في المسالك احتمل الثاني أيضا، و في شرح النافع قطع بنفيه جزما.
(ثالثها) [هل كل من الثلاثة أصل للتحريم؟]
ظاهر الأخبار المذكورة من حيث حصر التحريم بالرضاع فيما أنبت اللحم و شد العظم أن التحريم بالرضاع يوم و ليلة و كذا بالخمس عشرة- كما سيأتي إن شاء الله- إنما هو من حيث كونهما كذلك، و أن هذا الأثر مترتب
____________
(1) قال في شرح النافع: و يشترط التعدد و العدالة ليثبت به التحريم و لا يكفى فيه اخبار الواحد قطعا بخلاف المرض المبيح للفطر و التيمم حيث اكتفى فيه بواحد آلى الظن و يحصل بأخبار الواحد و ان كان فاسقا. انتهى. (منه- (قدس سره)-).
334
على كل منهما و حاصل به.
و إلى ذلك يشير ما تقدم في
صحيحة علي بن رئاب (1) من قوله «عشر رضعات لا تحرم لأنه لا ينبت اللحم و لا يشد العظم عشر رضعات».
و كذا
رواية عبيد بن زرارة (2) و قوله بعد سؤال الراوي عن أدنى ما يحرم من الرضاع و أنه «ما أنبت اللحم و الدم ثم قال: أ ترى واحدة تنبته إلخ».
و حينئذ فيكون روايات التقادير الثلاثة كلها مطابقة المقدار متوافقة أصل المعيار و يكون الأصل في التقدير هو إنبات اللحم و اشتداد العظم.
و المشهور في كلام أصحابنا المتأخرين أن كلا من هذه الثلاثة أصل برأسه فأيهما حصل كفى في الحكم و ترتب عليه التحريم، فإذا رضع يوما و ليلة بحيث يكون راويا في جميع الوقت كفى و إن لم يتم العدد.
و نقل عن الشيخ في المبسوط أن الأصل هو العدد، و الباقيان إنما يعتبران عند عدم انضباطه و هو اللائع من كلام العلامة في التذكرة حيث قال: الرضاع المحرم ما حصل بأحد التقادير الثلاثة، فإرضاع يوم و ليلة لمن لم يضبط العدد إلى آخره.
أقول: الظاهر أن الخلاف هنا قليل الجدوى لدلالة النصوص مما تقدم و يأتي على أن أي هذه الثلاثة وجد ثبت التحريم، إلا أن المفهوم منها- كما أشرنا إليه- أن حصول التحريم بالعدد و الزمان إنما هو من حيث حصول نبات اللحم أو اشتداد العظم بكل منهما كما يشير إليه الحصر فيه و بهذا صار أصلا لهما و الله العالم.
و (ثانيها) الزمان
، و الأشهر الأظهر أن أقله يوم و ليلة بحيث يرتضع كلما
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 313 ح 6، الوسائل ج 14 ص 283 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 438 ح 2، الوسائل ج 14 ص 287 ح 21.
335
تقاضاه و احتاج إليه بمعنى أن غذائه في هذه المدة من اللبن خاصة لا يداخله شيء من المأكول و المشروب و إن لم يتم العدد و لم يحصل الأثر، و لا فرق بين اليوم الطويل و القصير.
و هل يكفي الملفق منهما لو ابتدأ في أثناء أحدهما؟ إشكال في صدق الشرط و تحقق المعنى المراد.
و مما يدل على أصل الحكم
موثقة زياد بن سوقة (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل للرضاع حد يؤخذ به؟ فقال: لا يحرم الرضاع أقل من رضاع يوم و ليلة، أو خمس عشرة رضعات متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها» الحديث،.
و سيأتي بتمامه في الموضع الآتي.
و قال الصدوق في المقنع (2) «لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم و شد العظم، قال (3) و سئل الصادق (عليه السلام): هل لذلك حد؟ فقال: لا يحرم من الرضاع أقل من رضاع يوم و ليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات لا يفصل بينهن،.
قال:
و روي (4) أنه لا يحرم من الرضاع إلا رضاع خمس عشرة يوما و لياليهن ليس بينهن رضاع،.
و به كان يفتي شيخنا محمد بن الحسن (رحمه الله)،
قال: و روي (5) أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان حولين كاملين،.
و روي أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما ارتضع من ثدي واحد سنة».
انتهى.
أقول: ما نقله هنا من رواية خمسة عشرة يوما لم تصل إلينا و لا نقلها ناقل غير ما في هذا الكتاب و هو قد أفتى بها في كتاب الهداية، فقال: و لا يحرم من الرضاع إلا رضاع خمسة عشر يوما و لياليهن ليس بينهن رضاع. انتهى.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 315 ح 12، الوسائل ج 14 ص 283 ح 1.
(2) الوسائل ج 14 ص 286 ح 14.
(3) الوسائل ج 14 ص 286 ح 15.
(4) الوسائل ج 14 ص 286 ح 16.
(5) الوسائل ج 14 ص 286 ح 17.
336
و أما رواية الحولين فهي ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن عبيد بن زرارة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرضاع، فقال: لا يحرم من الرضاع إلا ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين».
و نحوها
صحيحة الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلا ما كان حولين كاملين».
و هما محمولتان عند الأصحاب على أن الحولين ظرف للرضاع لما اتفقوا عليه من أنه «لا رضاع بعد فطام» و عليه دلت الأخبار أيضا.
و أما رواية السنة فهي ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن العلاء بن رزين (3) في الصحيح برواية الفقيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرضاع، فقال: لا يحرم من الرضاع إلا ما ارتضع من ثدي واحد سنة».
و هذا الخبر نسبه الشيخ و الأصحاب إلى الشذوذ و المتروكية.
و قد استشكل في هذا المقام السيد السند في شرح النافع من حيث صحة هاتين الروايتين، و أن عادته التهالك على صحة الأسانيد، و الدوران مدارها:
و إن اشتملت متون تلك الأخبار على علل ظاهرة، و تبعه في ذلك الفاضل المولى الخراساني في الكفاية، كما هي عادته غالبا في كتب العبادات مضافا إلى ما هو عليه في كثير من التشكيكات، و توسيع دائرة الاحتمالات بأدنى شبهة من الشبهات.
و فيه (أولا) أن هذه الأخبار معارضة بأخبار المواضع الثلاثة كملا، لما عرفت من أنها متطابقة المقدار متوافقة المعيار.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 317 ح 18، الفقيه ج 3 ص 307 ح 14، الوسائل ج 14 ص 292 ح 8.
(2) الفقيه ج 3 ص 307 ح 15، الوسائل ج 14 ص 292 ح 10.
(3) التهذيب ج 7 ص 318 ح 23، الفقيه ج 3 ص 307 ح 13، الوسائل ج 14 ص 286 ح 13.
337
و لا ريب في ترجيح تلك الأخبار و قوتها سندا و عددا و دلالة، و اعتضادها بعمل الطائفة سلفا و خلفا.
و (ثانيا) أن هذه الأخبار مطرحة للإجماع، و إن صح سند بعضها كما ذكره في المسالك حيث قال- بعد نقل جملة من أخبار المسألة-: بقي في هذا الباب أخبار نادرة تدل على اعتبار سنة و سنتين لا يعول عليها بالإجماع. انتهى.
و لا ريب أن شهرة الحكم بين الأصحاب متقدميهم و متأخريهم فضلا عن الإجماع عليه متى عارض الخبر وجب طرح ذلك الخبر إن لم يمكن تأويله، و ذلك فإن الأخبار قد خرجت عنهم (عليهم السلام) على وجوه متعددة و أنحاء مبتددة، و لا سيما وجوه التقية التي هي أوسع تلك الأبواب و بها وقع الاختلاف فيها و الاضطراب.
و أما اتفاق شيعتهم على حكم من الأحكام فهو مؤذن بكون ذلك مذهبهم (عليهم الصلاة و السلام) لأن مذهب كل إمام إنما يعلم بنقل أصحابه و شيعته و عملهم به، ألا ترى أن مذهب أبي حنيفة إنما يعلم من الحنفية، و مذهب الشافعي إنما يعلم من الشافعية قولا و فعلا و عملا، و من هنا خرجت الأخبار بالترجيح بالشهرة بين الأصحاب في مقام الاختلاف بين الروايات،
فقالوا (عليهم السلام) (1) «خذ بما اشتهر بين أصحابك، و دع الشاذ النادر- و قالوا- إن المجمع عليه لا ريب فيه».
و سر ذلك ما ذكرناه.
و (ثالثا) أنه لا يخفى على من تلجج بحور الاستنباط و الاستدلال و شرب بكأس ذلك العذب الزلال أنه قد وردت جملة من الأخبار في أحكام متعددة مخالفة لما عليه كافة الأصحاب، فأعرضوا عنها و أطرحوها و إن كانت صحيحة الاسناد، و لم يقل بها قائل منهم، و لم ينكر ذلك هذان الفاضلان، بل سلماه و وافقا عليه كالأخبار الواردة بنجاسة الحديد، و الأخبار الدالة على عدم وجوب غسل الجنابة على المرأة
____________
(1) الكافي ج 1 ص 67 ح 10، التهذيب ج 6 ص 301 ح 52، الفقيه ج 3 ص 5، الوسائل ج 18 ص 75 ح 1.
338
بالاحتلام و نحو ذلك، فما بالهما يضطربان في هذا المقام و يخرجان عما عليه كافة العلماء الأعلام.
و ليت شعري أي حكم من أحكام الفقه قد خلا من اختلاف الأخبار، و سلم من تصادم الآثار، و لكن متى كان المخالف مما أعرض عنه الأصحاب، فإنه يجب طرحه عندهم بلا ارتياب.
و لله در المحقق (رحمه الله) في أوائل كتاب المعتبر حيث قال و نعم ما قال:
أفرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا لكل خبر، و ما فطنوا ما تحته من التناقض، فإن من جملة الأخبار
قول النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «ستكثر بعدي القالة على».
- إلى أن قال-: و اقتصر بعض عن هذا الإفراط فقال: كل سليم السند يعمل به.
و ما علم أن الكاذب قد يصدق، و الفاسق قد يصدق، و لم يتنبه إلى أن ذلك طعن في علماء الشيعة، و قدح في المذهب، إذ لا مصنف إلا و هو يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر الواحد المعدل،- إلى أن قال-: و كل هذه الأقوال منحرفة عن السنن، و التوسط أقرب، فما قبله الأصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به و ما أعرض الأصحاب عنه أو شذ يجب إطراحه. انتهى و هو قوي متين و جوهر ثمين، و أنت قد عرفت أن هذه الأخبار التي استشكلوا بسببها لم يذهب إليها ذاهب.
و ما توهمه صاحب الكفاية- من أن نقل الصدوق لها في كتابه يؤذن بقوله بها بناء على ما ذكره من القاعدة في صدر كتابه- مردود بما بيناه في شرحنا على الكتاب المذكور من المواضع العديدة الخارجة عن هذه القاعدة الموجبة للتناقض في كلامه لو أريد بها ظاهرها، و هو هنا أظهر ظاهر أيضا، فإنه روى فيه رواية السنة و رواية السنتين، و التناقض بينهما ظاهر.
____________
(1) ما عثرنا على قوله (صلى الله عليه و آله) بعد التتبع في مظانه.
339
و التحقيق أن رواية الحولين غير ظاهرة في المخالفة، لأن ما ذكره الشيخ و الجماعة في تأويلها أقرب قريب، فلم يبق إلا رواية السنة، و هي لا تبلغ قوة في مقابلة جملة تلك الأخبار، مع إمكان احتمال التقية (1) فيها و كذا في الروايتين الأخيرتين إن حملتا على ظاهرهما.
و قد عرفت في مقدمات الكتاب من الجلد الأول في الطهارة أن الحمل على التقية لا يتوقف على وجود القائل من العامة و إن كان خلاف ما هو المشهور بين الأصحاب و الله العالم.
و (ثالثها) العدد
، و قد اختلف الأصحاب في أقل ما يحرم به من العدد، فقيل؟ بعشر رضعات و هو المشهور بين المتقدمين كالشيخ المفيد و ابن أبي عقيل و سلار و ابن البراج و أبي الصباح و ابن حمزة، و اختاره من المتأخرين العلامة في المختلف، و ولده فخر المحققين و الشهيد في اللمعة.
و قيل: بخمسة عشرة و هو المشهور بين المتأخرين، و إليه ذهب الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار، و اضطرب كلام ابن إدريس فاختار أول هذين القولين أولا ثم اختار ثانيهما ثانيا، فقال في أول كتاب النكاح: المحرم عشر رضعات متواليات في الصحيح في المذهب.
و ذهب بعض أصحابنا إلى خمس عشرة رضعة معتمدا على خبر واحد رواه عمار بن موسى الساباطي و هو فطحي المذهب مخالف للحق مع أنا قد قدمنا
____________
(1) أقول: و بالحمل على التقية في هذه الاخبار صرح المحدث الشيخ الحر في كتاب الوسائل فقال بعد نقل كلام الصدوق في المقنع: أقول: لعل الوجه في هذا الاختلاف التقية لاضطراب مذهب العامة هنا و كثرة اختلافهم. انتهى.
و كلامه هذا جرى على مقتضى كلام أصحابنا من تخصيص الحمل على التقية بوجود المخالف من العامة، و أما على ما اخترناه فلا، كما أوضحناه في المكان المشار إليه في الأصل.
(منه- (قدس سره)-).
340
أن أخبار الآحاد لا يعمل بها و لو رواها العدل، فالأول مذهب السيد المرتضى و خيرته و شيخنا المفيد، و الثاني خيرة شيخنا أبي جعفر الطوسي.
و الأول هو الأظهر الذي يقتضيه أصول المذهب، لأن الرضاع يتناول القليل و الكثير فالإجماع حاصل على العشر و تخصيصها، و لأن بعض الأصحاب على أنه يحرم من الرضاع، بالقليل من الرضاع و بالكثير، و يتعلق بالعموم و الأظهر ما اخترناه ففيه الاحتياط.
ثم قال في أول باب الرضاع: الذي يحرم ما أنبت اللحم و شد العظم على ما قدمناه فإن علم ذلك و إلا كان الاعتبار بخمس عشرة رضعة على الأظهر من الأقوال، و قد حكينا الخلاف فيما مضى إلا أنا اخترنا هناك التحريم بعشر رضعات و قويناه.
و الذي أفتي به و أعمل عليه الخمس عشرة رضعة، لأن العموم قد خصصه جميع أصحابنا المحصلين و الأصل الإباحة، و التحريم طارئ، فالإجماع من الكل يحرم بخمس عشرة رضعة، فالتمسك بالإجماع أولى و أظهر فإن الحق أحق أن يتبع. انتهى.
قال العلامة في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و هذا يدل على اضطرابه و قلة مبالاته بما يقول، و نسبته المشايخ إلى الخطأ في الفتوى و الاستناد الى غير دليل.
ثم أي تواتر حصل له بين فتواه بالعشر، و فتواه بخمس عشرة رضعة حتى نسب الثاني أولا إلى أنه خبر واحد رواه غير الثقة، ثم اعتمد عليه و أفتى به. انتهى و هو جيد.
و قيل: بالاكتفاء برضعة واحدة تملأ جوف الولد بالمص أو بالوجور، و إلى هذا القول ذهب ابن الجنيد قال على ما نقل عنه في المختلف: و قد اختلف الرواية من الوجهين جميعا في قدر الرضاع المحرم إلا أن الذي أوجبه الفقه عندي و احتياط
341
المرء لنفسه أن كلما وقع عليه اسم رضعة- و هو ما ملأت بطن الصبي إما بالمص أو بالوجور- محرم للنكاح، و منشأ هذا الخلاف اختلاف الأخبار في المسألة كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.
استدل العلامة في المختلف على ما ذهب إليه من الاكتفاء بالعشر فقال:
و الوجه التحريم بالعشر لوجوه.
الأول: عموم قوله تعالى (1) «وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ» و هو يصدق على القليل و الكثير ترك العمل به فيما دون العشر، فيبقى في العشر على إطلاقه.
الثاني:
قوله (2) «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
و التقريب ما تقدم.
الثالث: الروايات الدالة على العدد.
روى الفضيل (3) بن يسار في الصحيح (4).
____________
(1) سورة النساء- آية 23.
(2) الفقيه ج 3 ص 305 ح 5، الوسائل ج 14 ص 293 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 315 ح 13 و ص 324 ح 42، الوسائل ج 14 ص 285 ح 11 و ص 284 ح 7، و ما عثرنا على الرواية بهذا النحو عن الباقر (عليه السلام)، و لعل (قدس سره) قد اختلط الروايتين عنه (عليه السلام) و عن الصادق (عليه السلام) و جعلهما رواية واحدة.
(4) أقول: لا يخفى أن صحيحة الفضيل المذكورة قد رواها الشيخ في الصحيح كما ذكرناه في الأصل،
و رواها أيضا في الموثق عن الفضيل بن يسار عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله قال: «لا يحرم من الرضاع الا ما كان مجبورا، قلت: و ما المجبور؟ قال: أم مربية أو ظئر تستأجر أو خادم تشترى أو ما كان مثل ذلك موقوفا عليه».
و رواها
في الفقيه عن حريزقال: «لا يحرم من الرضاع الا ما كان مجبورا، قلت: و ما المجبور، قال: أم مربية أو ظئر تستأجر أو خادم تشترى.
و أنت خبير بأن المجبور في هاتين الروايتين قد جعله صفة للرضاع و فسره بالأم و الظئر المستأجرة و الخادم، و في الصحيحة المذكورة في الأصل جعله قسيما للفردين الآخرين خارجا عنهما، و هذه علة أخرى في هذه الرواية توجب اضطرابها. (منه- (قدس سره)-).
ما عثرنا بهذا النحو الذي نقله (قدس سره) عن الفقيه في التعليقة فلا حظ ج 3 من الفقيه ص 307 ح 12.
342
عن الباقر (عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلا المجبورة قلت: و ما المجبور؟ قال:
أم تربى أو ظئر تستأجر أو أمة تشترى ثم ترضع عشر رضعات يروى الصبي و ينام».
لا يقال: في طريقه محمد بن سنان و فيه قول، و لأن الرواية اختلفت فإن كلا من الشيخ و الصدوق روى هذا الخبر بصيغة مخالفة لصيغة الرواية الأخرى فيتعارضان.
لأنا نقول: قد بينا رجحان العمل برواية محمد بن سنان في كتاب الرجال و لا مدخل لاختلاف الصيغتين في الاستدلال من منعه، لأنا نستدل بقوله «ثم ترضع عشر رضعات» و هذه الزيادة رواها الشيخ، و لا يلزم من ترك رواية الصدوق لها الطعن فيها.
و في الحسن عن حماد بن عثمان (1) عن الصادق (عليه السلام) «قال لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم و الدم».
و نحوه عن عبد الله بن سنان (2) عن الصادق (عليه السلام).
إذا تقرر هذا فنقول الذي تنبت اللحم و العظم عشر رضعات
لما رواه عبيد بن زرارة (3) في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) إلى أن قال «فقلت: و ما الذي ينبت اللحم و الدم؟ فقال: كان يقال: عشر رضعات».
و في الموثق عن عمر بن يزيد (4) عن الصادق (عليه السلام) «عن الغلام يرضع الرضعة و الثنتين قال: لا يحرم فعددت عليه حتى أكملت عشر رضعات، فقال: إذا كانت
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 312 ح 2، الوسائل ج 14 ص 289 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 312 ح 3، الوسائل ج 14 ص 289 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 313 ح 4، الوسائل ج 14 ص 287 ح 18.
(4) التهذيب ج 7 ص 314 ح 10، الوسائل ج 14 ص 283 ح 5.
343
متفرقة فلا».
دل بمفهومه على التحريم مع عدم التفريق.
الرابع: الاحتياط، فإن التحريم المستند إلى عموم الكتاب و الروايات لما عارضته الإباحة المستندة إلى الأصل و الروايات غلب، جانب التحريم، فيبقى البراءة معه بخلاف الطرف الآخر،
و قد روى عنه (1) (صلى الله عليه و آله) «ما اجتمع الحلال و الحرام إلا غلب الحرام الحلال».
الخامس: عمل أكثر الأصحاب عليه فيكون راجحا، فيتعين العمل به لامتناع العمل بالمرجوح. انتهى كلامه زيد مقامه.
و فيه (أولا) أن ما ذكره من الاستدلال بالآية بالتقريب الذي ذكره مبني على ثبوت التحريم بالعشر من الأخبار، و أما علي تقدير أن الثابت منها إنما هو الخمس عشرة، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى، فإن للخصم أن يقول: إن الرضاع في الآية يصدق على القليل و الكثير، ترك العمل به فيما دون الخمس عشرة، فيبقى الخمس عشرة على إطلاقه.
و بالجملة فإن الكلام في الآية موقوف على تعيين ما يستفاد من أخبار العدد من أن المحرم منه هل هو العشر أو الخمس عشرة؟
و كذا رد في المسالك الاستناد إلى الآية بنحو ما قلناه، حيث قال: ما في الآية كما خصصت فيما دون العشر برواياتكم، كذلك خصصت فيما دون الخمس عشرة بروايات الآخرين، و معهم المرجح كما سنبينه. انتهى، و من ذلك علم الكلام في الدليل الثاني، و هو حديث «يحرم من الرضاع» للاشتراك في الإجمال.
و (ثانيا) أن ما استدل به من رواية الفضيل بن يسار (2) مردود بالقدح فيها
____________
(1) البحار ج 2 ص 272 الطبعة الجديدة.
(2) التهذيب ج 7 ص 324 ح 42، الفقيه ج 3 ص 307 ح 12 بتفاوت، الوسائل ج 14 ص 284 ح 7.
344
متنا و سندا.
أما الأول فإن ما اشتملت عليه من الحصر لا قائل به، بل فساده ظاهر، للإجماع على عدم انحصار المرضعة فيمن ذكر، لخروج المتبرعة عن هذا الحصر، مع أن إرضاعها ينشر إجماعا.
و أما الثاني فلتصريح جملة من علماء الرجال بضعف محمد بن سنان، كالشيخ و النجاشي و ابن الغضائري. و قد روى الكشي فيه روايات تشتمل على قدح عظيم، و أي رجحان يبقى لروايته مع تصريح هؤلاء الذين هم أساطين هذا العلم، و هم المرجع فيه.
مع أنه في الخلاصة بعد أن نقل كلام هؤلاء الأفاضل، و نقل عن المفيد توثيقه (1) توقف في أمره و قد اعترض عليه بأنه لا وجه للتوقف، لأن الجارح مقدم لو فرض التساوي، على أن المفيد قد اختلف قوله فيه أيضا، و بالجملة فضعف سند الرواية مما لا يعتريه الاشكال.
و (ثالثا): أن ما استند إليه من الروايات الدالة على حصر المحرم فيما ينبت اللحم و يشد العظم، بتقريب ما دلت عليه
صحيحة عبيد بن زرارة (2) من «أن العشر ينبت اللحم و يشد العظم».
ففيه أن دلالة الصحيحة المذكورة على ذلك محل إشكال بل ربما كانت
____________
(1) حيث انه وثقه في الإرشاد و هو الذي نقله عنه الأصحاب كالعلامة في المختلف و غيره الا أنه قد ضعفه في رسالته الموضوعة للرد على الصدوق فيما ذهب اليه من أن شهر رمضان لا يصيبه اليه ما يصيب الشهور من النقصان فإنه طعن في محمد بن سنان و رد روايته فقد تعارض كلامه فيه فليراجع ذلك (منه- (قدس سره).
(2) الكافي ج 5 ص 439 ح 9، التهذيب ج 7 ص 313 ح 4، الوسائل ج 14 ص 287 ح 18.
345
بالدلالة على خلافه أظهر في هذا المجال، و ذلك فإنه (عليه السلام) نسب القول (1) بذلك إلى غيره، فقال «كان يقال» و فيه إشعار بعدم اعتباره عنده (عليه السلام)، و يؤيد ذلك أن السائل لما فهم منه عدم إرادته كرر السؤال فقال «هل يحرم عشر رضعات» فقال «دع ذا»، ثم عدل إلى كلام خارج من البين، فقال: «ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع» فلو كان التحريم بالعشر حقا كما يدعونه لما عدل عن الإفتاء به أولا، بل نسبه إلى غيره، و لما أعرض عن جواب السؤال الثاني و عدل إلى كلام خارج من البين، بل جميع ذلك مما يؤذن بعدم التحريم بالعشر، كما أشرنا إليه.
على أن هذه الرواية معارضة بصحيحة علي بن رئاب (2) المتقدمة الدالة
____________
(1) قال الشيخ في الاستبصار: و الجواب عن هذا أنه لم يقل أن عشر رضعات يحرم عن نفسه بل أضافه إلى غيره فقال «كان يقال» الى آخره و لو كان ذلك صحيحا لا خبر به عن نفسه. إلخ.
و اعترض الفاضل الداماد في رسالته التي في التنزيل حيث انه اختار فيها القول بالتحريم بالعشر فقال ما هذا لفظه: قلت هذا الكلام ضعيف جدا لانه لو لم يكن ذلك صحيحا لكان واجبا على الامام (عليه السلام) أن ينبه على فساده و أن يعين ما هو الصحيح في ذلك. انتهى.
أقول: بل الضعيف انما هو كلامه (قدس سره) حيث ان ما أوجبه على الامام من الجواب بما هو الصحيح الواردة عنهم (عليهم السلام) في تفسير قوله عز و جل «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ» لتصريحها بان الواجب عليكم أن تسئلونا و ليس علينا أن نجيبكم بل ذلك إلينا ان شئنا أجبنا و ان شئنا لم نجب.
و الوجه في ذلك أنهم بالمصالح في ذلك أعلم فقد يجيبون بما هو الحكم الواقعي و قد يجيبون بخلافه و قد لا يجيبون بالكلية و قد يجيبون بأجوبة مشتبهة، كل ذلك قد أباحته التقية.
و لكن هذا الفاضل غفل عن ملاحظة الأخبار المذكورة و لم تخطر بباله و لا يخفى على من لا حظ الاخبار و جاس خلال تلك الديار صحة ما ذكرناه و دلالتها على ما قلناه و الله العالم. (منه- (قدس سره)-).
(2) التهذيب ج 7 ص 313 ح 6، الوسائل ج 14 ص 283 ح 2.
346
صريحا على أن العشر لا ينبت اللحم و لا يشد العظم.
و (رابعا) أن ما استند إليه من مفهوم رواية عمر بن يزيد (1) ففيه أنه- مع قطع النظر عن ضعف هذا المفهوم عند الأصحاب و غيرهم و أنه لا يصلح لإثبات حكم شرعي- معارض بمنطوق
موثقة عبيد بن زرارة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: إن عشر رضعات لا يحر من شيئا».
و موثقة ابن بكير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: عشر رضعات لا تحرم».
و لا ريب أن المفهوم لو سلم صحة الاستناد إليه لا يعارض المنطوق، و جوابه في المختلف عن هاتين الروايتين بضعف الاستناد وارد عليه في استدلاله برواية عمر بن يزيد فإنها في التهذيب مروية عن الحسن بن فضال، و طريق الشيخ إليه غير معلوم، و في الكافي مروية بسند فيه المعلى بن محمد و هو ضعيف، فروايته المذكورة في كلا الكتابين من قسم الضعيف.
و روايتا عبيد بن زرارة و ابن بكير المذكورتان من قسم الموثق، و حينئذ فروايته أولى بالرمي بالضعف.
و (خامسا) أن ما استند من الاحتياط عندهم ليس بدليل شرعي، مع أنه قد أورد عليه أنه غير مطرد، بل قد يكون الاحتياط في الجانب الآخر كما لو عقد على صغيرة بهذا الوصف، أو ورثت مهرا كذلك، فإن الاحتياط القول بعدم التحريم، من جهة استحقاقها المهر، و نحوه من حقوق الزوجية.
و (سادسا) أن دعواه كون التحريم عليه عمل الأكثر، معارض بما ذكره في التذكرة كما نقل عنه فإنه جعل المشهور هو القول الآخر و رجحه، و الحق
____________
(1) الكافي ج 5 ص 439 ح 8، التهذيب ج 7 ص 314 ح 10، الوسائل ج 14 ص 283 ح 5.
(2) التهذيب ج 5 ص 313 ح 7، الوسائل ج 14 ص 283 ح 3.
(3) التهذيب ج 5 ص 313 ح 8، الوسائل ج 14 ص 283 ح 4.
347
أن التحريم بالعشر هو المشهور عند المتقدمين، و عدمه هو المشهور عند المتأخرين و بالجملة فإن كلامه (قدس سره) هنا و استدلاله بما ذكر غير متجه.
و التحقيق أن يقال: إن روايات العشر مضطربة، لا تصلح التعلق بها في إثبات هذا الحكم، حيث إن جملة منها صريح في نفي التحريم، كصحيحة ابن رئاب (1) و موثقتي عبيد بن زرارة (2)، و عبد الله بن بكير (3).
و منها ما هو ظاهر في ذلك،
كرواية عبيد بن زرارة (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرضاع أدنى ما يحرم منه» الحديث.
و قد تقدم في صدر الموضع الأول في الأثر، فإن ظاهرها أنه (عليه السلام) يقول:
«لا» في جواب السؤال عن هذه المعدودات التي من جملتها العشر، و نحوها
موثقة زياد بن سوقة الآتية (5) حيث قال في آخرها «و لو أن امرأة أرضعت غلاما أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد و أرضعتها امرأة أخرى من لبن فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحها».
فإن الظاهر كما استظهره في الوافي أيضا أن لفظ «أو» في عطف الجارية على الغلام غلط، و أن صوابه بالواو، و كذا ضمير «أرضعتها» إنما هو ضمير التثنية، و هكذا ضمير «نكاحها» إنما هو ضمير التثنية، فإن ذلك هو الذي يستقيم به الكلام، و يحصل به الانتظام، أول و جملة منها متشابهة الدلالة مضطربة المقالة، يشبه أن يكون قد تجللها غيم التقية، و نزلت بها تلك البلية، مثل صحيحة عبيد بن زرارة المتقدمة و قوله فيها بعد أن سأله عن الذي ينبت اللحم و الدم، «كان يقال: عشر رضعات» إلى آخرها و قد مر بيانه.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 313 ح 6، الوسائل ج 14 ص 283 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 313 ح 7، الوسائل ج 14 ص 283 ح 3.
(3) التهذيب ج 7 ص 313 ح 8، الوسائل ج 14 ص 283 ح 4.
(4) الكافي ج 5 ص 438 ح 3، الوسائل ج 14 ص 288 ذيل ح 21.
(5) التهذيب ج 7 ص 315 ح 12، الوسائل ج 14 ص 282 ح 1.
348
و مثل رواية عمر بن يزيد (1) المتقدمة،
و صحيحة صفوان (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرضاع ما يحرم منه؟ فقال: سأل رجل أبي (عليه السلام) فقال: واحدة ليس بها بأس، و ثنتان حتى بلغ خمس رضعات، قلت: متواليات أو مصة بعد مصة؟ فقال: هكذا قال له، و سأله آخر عنه فانتهى به إلى تسع، و قال: ما أكثر ما اسأل عن الرضاع، فقلت. جعلت فداك أخبرني عن قولك في هذا، أنت عندك فيه حد أكثر من هذا؟ فقال: قد أخبرتك بالذي أجاب فيه أبي قال: قد علمت الذي أجاب أبوك فيه، و لكني قلت: لعله يكون فيه حد لم يخبر به فتخبرني به أنت، فقال: هكذا قال أبي».
و مما يؤيد الحمل على التقية في هذه الروايات ما نقله
العامة في صحاحهم عن عائشة (3) «أنه كان في القرآن عشر رضعات محرمات فنسخت تلاوته».
و في رواية أخرى عنها «قالت: كان فيما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هي ما يقرء من القرآن».
، رواها مسلم و النسائي و الترمذي و السجستاني و ابن ماجة القزويني (4) و اكتفى الشافعي من علمائهم و أحمد بن حنبل بخمس لا أقل. و فيهم من قال بثلاث، و اكتفى مالك و أبو حنيفة بالرضعة الواحدة و لعل قوله (عليه السلام) في صحيحة عبيد بن زرارة (5) «كان يقال عشر رضعات» إشارة إلى هذه الرواية التي عن عائشة أنها كانت ثم نسخت.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 439 ح 8، التهذيب ج 7 ص 314 ح 10، الوسائل ج 14 ص 283 ح 5.
(2) الكافي ج 5 ص 439 ح 7، الوسائل ج 14 ص 288 ح 24.
(3) مسلم ج 10 ص 29 و 30، الترمذي ج 3 ص 1150، ابن ماجة ح 1 ص 625 ح 1942، سنن البيهقي ج 7 ص 454.
(4) مسلم ج 10 ص 29 و 30، الترمذي ج 3 ص 1150، ابن ماجة ح 1 ص
625 ح 1942، سنن البيهقي ج 7 ص 454.
(5) الكافي ج 5 ص 439 ح 9، التهذيب ج 7 ص 313 ح 4، الوسائل ج 14 ص 287 ح 18.
349
و بالجملة فاختلال هذه الأخبار و عدم صلوحها للاستدلال- مع قطع النظر عما عارضها من الأخبار الصريحة في نفي العشر- مما لا يخفى على المتأمل المنصف، و قد وقع للفاضلين المتقدمين أيضا في هذا الموضع ما وقع لهم سابقا من الاشكال المتقدم من جهة تلك الأخبار، و قد عرفت ما فيه.
و زاد الفاضل الخراساني في الاشكال هنا
برواية عمر بن يزيد (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: خمس عشر رضعة لا تحرم».
و هذا الخبر حمله الشيخ على الرضعات المتفرقة، و يمكن حمله على الإنكار دون الاخبار.
و بالجملة فإنه- بعد ما عرفت و ستعرف إن شاء الله من التحقيق- لا يبقى لهذا الخبر قوة المعارضة لإجماع الفرقة الناجية سلفا و خلفا على رده، و عدم العمل عليه بل إجماع الأمة، لما عرفت من أقوال العامة في المسألة، و لكن هذا الفاضل ربما يتشبث بما هو أوهن من بيت العنكبوت، و إنه لأوهن البيوت.
استدل الشيخ و من تبعه للقول الثاني بما رواه
في التهذيب عن زياد بن سوقه في الموثق (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل للرضاع حد يؤخذ به؟
فقال: لا يحرم الرضاع أقل من رضاع يوم و ليلة، أو خمس عشرة رضعات متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها، و لو أن امرأة أرضعت غلاما أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد، و أرضعتها امرأة أخرى من لبن فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحها».
و هي نص في ثبوت التحريم بالخمس عشرة، و صريحة في نفي العشرة، و أيده بعضهم بأصالة الإباحة و استصحابها.
و هذا القول هو الأظهر عندي و عليه العمل، لما عرفت من روايات العشر، و تصادمها، و عدم نهوض ما استدل به بالدلالة، و ما ستعرف- إن شاء الله- في
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 314 ح 9، الوسائل ج 14 ص 284 ح 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 315 ح 12، الوسائل ج 14 ص 282 ح 1.
350
روايات القول الثالث من الطعن فيها، و ليس لهذه الرواية معارض بعد ما عرفت إلا رواية عمر بن يزيد المتقدمة، و قد عرفت أنها متروكة بإجماع الأمة.
و إلى هذا القول مال في المسالك أيضا بتقريب آخر غير ما ذكرناه، حيث قال- بعد الطعن في روايات المسألة و منها رواية زياد بن سوقة بأن في طريقها عمار بن موسى و حاله في الفطحية معلوم، ما لفظه-: و الحق أن مثل هذه الأخبار المتناقضة الواهية الإسناد، لا يلتفت إليها من الجانبين، و متى اعتبرنا ذلك فليس معنا في ذلك كله أصح سندا من رواية على بن رئاب الدالة على أن العشر لا يحرم و فيها- مع صحة السند- التعليل بأن العشر لا تنبت اللحم و لا تشد العظم، و الخبر المعلل مرجح على غيره عند التعارض، فسقط بها اعتبار كل ما دل على الاكتفاء بالعشر، و تعين القول بالخمس عشرة و إن لم يعتبر أدلته، إذ لا قائل بما فوقه، و لا ما بينه و بين العشر، و تبقى ما دل على الخمس عشرة شاهدا و إن لم يكن أصلا.
انتهى.
و فيه من الضعف ما لا يخفى على المتأمل الناظر بعين التحقيق و المتأمل بالفكر الصائب الدقيق، و ذلك فإنه متى فرض أن لا دليل لهذا القول من الأخبار فالقول به و الحكم به مما منعت منه الآيات القرآنية و الأخبار المعصومية لما دلت عليه من النهي و الزجر عن القول و الفتوى في الأحكام الشرعية بغير دليل واضح عنهم (عليهم السلام).
و مجرد دلالة الأخبار على نفي العشر و عدم القول بما فوق الخمس عشرة و لا ما بينهما و بين العشرة ليس بدليل شرعي و لا نهج مرعي، لا مكان وقوع الحكم في قالب الاشتباه، إذ الفرض أنه لا دليل للقول بخمس عشرة، و القول به بغير دليل ممنوع منه شرعا، و لا قائل بشيء من ذلك الوجهين المذكورين.
و بالجملة فإن أصحاب هذا الاصطلاح المحدث لوقوعهم- متى تمسكوا به- في مضيق الإلزام يلجئون إلى التمسك بهذه التكلفات العليلة الضئيلة، و لهذا أن
351
سبطه في شرح النافع (1) قال بعد ما نقل ذلك عنه: فإن تم ما ذكره فذاك، و إلا فللتوقف في ذلك مجال و فيه إيذان بعدم تمامية ذلك عنده.
و مما يدل على ما ذهب إليه ابن الجنيد ما رواه
الشيخ (2) في الصحيح عن علي بن مهزيار عن أبي الحسن (عليه السلام) «أنه كتب إليه يسأله عما يحرم من الرضاع؟
فكتب (عليه السلام): قليله و كثيره حرام».
و عن عمرو بن خالد (3) عن زيد بن علي (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليهم السلام) «أنه قال الرضعة الواحدة كالمائة رضعة لا تحل له أبدا».
و استدل له بإطلاق الآية و هي قوله تعالى (4) «وَ أُمَّهٰاتُكُمُ. مِنَ الرَّضٰاعَةِ» و هو يصدق على القليل و الكثير و ضعف الجميع مما لا يستره ساتر كما لا يخفى على كل ناظر.
أما صحيحة علي بن مهزيار، ففيها (أولا) أنها بظاهرها لا تنطبق علي مدعاه من الرضعة التامة التي يملأ البطن لدلالتها على أن القليل و الكثير محرم و هو
____________
(1) أقول: صورة عبارته في شرح النافع هكذا «و بالجملة فالأخبار من الطرفين لا تخلو من قصور من حيث السند، لكن ذكر جدي (قدس سره) في المسالك أنه إذا سقط اعتبار ما دل على الاكتفاء بالعشر تعين القول بالخمس عشرة و ان لم يعتبر دليله، إذ لا قائل بما فوقه، و لا ما بينه و بين العشرة، و يبقى ما دل على الخمس عشرة شاهدا، فان تم ما ذكره الى آخر ما ذكر في الأصل» و مراده أنه ان تم ما ذكره من الملازمة بقوله «إذا سقط اعتبار ما دل على الاكتفاء بالعشر تعين القول بالخمس عشرة» و فيه إشارة الى أن الملازمة غير تامة عنده، إذ مجرد سقوط ما دل على اعتبار العشر لا يستلزم تعين القول بالخمس عشرة بوجه من الوجوه. (منه- (قدس سره)-).
(2) التهذيب ج 7 ص 316 ح 16، الوسائل ج 14 ص 285 ح 10.
(3) التهذيب ج 7 ص 317 ح 17، الوسائل ج 14 ص 285 ح 12.
(4) سورة النساء- آية 23.
352
شامل لما دون ذلك.
(و ثانيا) أنها معارضة بالأخبار المتقدمة من أخبار المسألة كملا أخبار العدد و غيرها، فهي محمولة على التقية بلا إشكال.
و مثلها رواية عمرو بن خالد فإن رواتها كملا من العامة، و قد تقدم أن مذهب أبي حنيفة و مالك الاكتفاء بالرضعة الواحدة.
و أما ما ذكره شيخنا في المسالك حيث قال: و تمام الاحتياط المخرج من خلاف جميع أصحابنا أن لا يشبع الولد من رضاع الأجنبية إذا أريد السلامة من التحريم و لو مرة واحدة ليخرج من خلاف ابن الجنيد و روايته، و مع ذلك لا يسلم من خلاف جميع مذاهب المسلمين فقد ذهب جماعة من العامة إلى الاكتفاء بمسماه و قدره بعضهم بما يفطر الصائم و ادعى عليه إجماع العلم. انتهى، فهو بمحل من الضعف و القصور، فإن الظاهر أن الاحتياط المندوب إليه و المحثوث في الأخبار عليه من
قولهم (عليهم السلام) (1) «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
و نحوه إنما هو في موضع يحتمل صحة ذلك القول الذي يراد الخروج من عهدته و أنه مراد له سبحانه.
و احتمال التحريم بما دلت عليه هاتان الروايتان ممنوع لمعارضتها الأخبار الدالة على خلاف ما دلتا عليه خصوصا و عموما، و هي روايات إنبات اللحم، و شد العظم، و روايات اليوم و الليل، و روايات العدد، مع استفاضة الأخبار (2) منهم (عليهم السلام) بعرض الأخبار في مقام الاختلاف على مذهب العامة، و الأخذ بخلافهم، فأي مجال لاحتمال صحة ما اشتملتا عليه، و الحال ما ذكرناه.
ثم العجب منه (قدس سره) أيضا في اعتباره الاحتياط بالخروج عن أقوال العامة و مذاهبهم في هذه المسألة، و أي وجه لهذا الاحتياط مع استفاضة الأخبار بالأخذ بخلافهم، و أن الرشد في خلافهم، و رمي الأخبار الموافقة لهم، و أنهم
____________
(1) الوسائل ج 18 ص 122 ح 38.
(2) الفقيه ج 3 ص 6، الوسائل ج 18 ص 75 ح 1.
353
ليسوا من الحنفية على شيء، و أنه لم يبق في أيديهم إلا استقبال القبلة، و أنهم ليسوا إلا كالجد المنصوبة، و أن لا فرق بين صلاتهم و زنائهم، حتى ورد أنه إذا لم يكن في البلد فقيه تستفتيه في الحكم، فاستفت قاضي العامة، و خذ بخلافه.
و ما ادعاه من إسلامهم و إن ذهب هو إليه، و تبعه جمع عليه، إلا أن المشهور بين متقدمي أصحابنا (رضوان الله تعالى عليهم) هو الكفر كما استفاضت به أخبار أهل الذكر (عليهم السلام)، و أوضحناه بما لا مزيد عليه في كتابنا الشهاب الثاقب في معنى الناصب، و قد تقدم في جلد كتاب الطهارة من كتابنا هذا نبذة من الكلام في ذلك. (1)
و أما الآية فعمومها مخصوص بالأخبار العالية المنار في هذا الحكم و غيره من سائر أحكام الرضاع بالضرورة و الإجماع كما في سائر الآيات المجملة في غير هذا الحكم من غير خلاف و لا نزاع، و الله العالم.
تنبيهات:
الأول [تحقيق معنى لفظة المجبورة في رواية الفضيل]
لا يخفى أن لفظ المجبورة في رواية الفضيل بن يسار (2) لا يخلو من اشتباه، و نقل في الوافي أن المجبورة في بعض نسخ الفقيه بالمهملة قال، و كأن الجيم هو الأصح كما في نسخة اخرى منه.
و قال في كتاب مجمع البحرين في مادة حبر بالحاء المهملة بعد ذكر الحديث: و قد اضطربت النسخ في ذلك ففي بعضها بالحاء المهملة كما ذكرناه و في بعضها بالجيم كما تقدم، و في بعضها بالخاء المعجمة، و لعله الصواب و يكون المخبور بمعنى المعلوم. انتهى.
و قال في مادة جبر بالجيم و الباء الموحدة بعد نقل الخبر المذكور: قال في
____________
(1) ج 5 ص 187.
(2) التهذيب ج 7 ص 315 ح 13، الوسائل ج 14 ص 285 ح 11.
354
شرح الشرائع: المجبور وجدتها مضبوطة بخط الصدوق (رحمه الله) بالجيم و الباء في كتابه المقنع، فإنه عندي بخطه. انتهى.
أقول: الظاهر أنه أراد بشرح الشرائع هو كتاب المسالك إلا أني لم أقف عليه في الكتاب المذكور، ثم إني وجدت في بعض الفوائد المنسوبة إلى الشيخ الفاضل الفقيه الأوحد الشيخ حسين بن عبد الصمد والد شيخنا البهائي (قدس الله روحهما)ما صورته: المجبورة بالجيم فكان كلا منهما باعتبار المحبة أو الأجرة أو الرقية مجبور في الإرضاع الدائمي، و يحتمل أن يكون بالجيم و التاء المثناة من فوق مفتعل من الجوار.
قال في الصحاح: تجاوروا أو اجتوروا: أي اصطحبوا، و لم تعل الواو في اجتور كما لم تعل في تجاور لأنها بمعناها، و لما كان كل من الثلاث مصاحبا للرضيع قيل لها المجتور، و إنما يحرم من الرضاع ما كان مصطحبا للرضيع مجاورا بالشرائط المقررة.
و يحتمل أن يكون مفعولا من خثر بالخاء المعجمة و الثاء المثلثة و الراء، يقال: خثر في الحي إذا قام بها، و هذا المعنى يقرب من تاليه.
و يؤيد هذين المعنيين قوله (عليه السلام) في آخر الخبر «أو ما كان مثل ذلك موقوفا عليه»، و كذا ما في خبر موسى بن بكر الآتي من قوله «مقيم عليه» و هذان الاحتمالان قريبان.
و يحتمل أن يكون بالحاء المهملة و التاء المثناة الفوقانية مفعولا من الحترة بالفتح.
قال في القاموس: الحترة: الرضعة، و المحتور: الذي يرضع شيئا قليلا و لما كان المرضعة الرضاع المحرم إنما ترضع قليلا، أي ساعة فساعة في زمان كثير يمكن الوصف بالقلة و الكثرة بالاعتبارين، هذا غاية ما يمكن في تصحيح ذلك، و لم أحد لأحد كلاما.
355
و اعلم أن التذكير إنما هو باعتبار الموصول، فتأمل، و إني وجدت بخط الشهيد الثاني أنه نقل: إني رأيت بخط صاحب الفقيه المجبور بالجيم ثم الموحدة ثم قال: لكن المشهور بين المحدثين بالمهملة و التاء المثناة من فوق بالمعني المذكور.
انتهى كلامه زيد إكرامه.
الثاني [في ذكر ما يعتبر في تحقق العدد]:
قد صرح الأصحاب بأنه يعتبر في الرضعات لتحقق العدد قيود ثلاثة، كمالية كل واحدة من تلك الرضعات، و تواليها، و الارتضاع من الثدي، و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع ثلاثة:
(أحدها) في كمالية الرضعة
، و المشهور الرجوع في ذلك إلى العرف، لأنه المرجع فيما لم يقدر له حد في الشرع فلا تجزى الرضعة الناقصة، و قيل: حد الكمالية أن يروى الصبي أي الولد مطلقا و يصدر من قبل نفسه، و القولان للشيخ (رحمه الله) إلا أن ظاهر كلامه في التذكرة أن مرجعهما إلى قول واحد، فإن الثاني منهما هو الذي يدل عليه العرف، و لا يدل على غيره، و لهذا جمع بينهما في التذكرة فقال: إن المرجع في كمالية إلى العرف، ثم قال: فإذا ارتضع الصبي و روي و قطع قطعا بينا باختياره، و أعرض إعراض ممتل باللبن كان ذلك رضعة. انتهى، فجعل العبارتين معا أمرا واحدا، و العبارة التي نسبوا للشيخ بهما القولين المذكورين هي ما ذكره في المبسوط حيث قال: و المرجع في ذلك العرف، لأن ما لا حد له في الشرع و لا في اللغة يرجع فيه إلى العرف، غير أن أصحابنا قيدوا الرضعة بما يروى الصبي منه و يمسك.
قال في المسالك: و هذه العبارة هي مستند الجماعة في جعلهما قولين، و ليست بدالة على ذلك. انتهى.
أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار في المقام ما رواه
الشيخ عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا (1) رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الرضاع الذي ينبت اللحم و الدم
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 316 ح 14، الوسائل ج 14 ص 290 ح 2.
356
هو الذي يرضع حتى يتضلع و يمتلئ و ينتهي نفسه».
و عن ابن أبي يعفور (1) قال: «سألته عما يحرم من الرضاع قال: إذا رضع حتى يمتلئ بطنه، فإن ذلك ينبت اللحم و الدم، و ذلك الذي يحرم».
و قد تقدم
في حديث الفضيل بن يسار (2) «ثم يرتضع عشر رضعات يروى الصبي و ينام».
و هذه الأخبار كما ترى ظاهرة في المعنى الثاني، و هو الذي يفهم من العرف أيضا كما عرفت، فيكون مرجع الأمرين المذكورين إلى أمر واحد، و بذلك يظهر أن من قال بالرجوع إلى العرف- لأنه لا حد له في الشرع كما يدل عليه كلامه في المبسوط- ليس في محله، فإن مقتضى هذه الأخبار كما عرفت حصول حد شرعي لذلك، فيجب الوقوف عليه، فلا يحتاج إلى التمسك بالعرف، و إن كان العرف لا يخرج عن ذلك كما عرفت.
و المراد كما يستفاد من ظاهر الاستبصار أن ذلك تفسير لكل رضعة من الرضعات التي مجموعها محرم ينبت اللحم و الدم، و يشد العظم، أو يحصل به العدد المحرم، لا أن ذلك وحده كاف في التحريم و الإنبات، و على هذا فإذا ارتضع ثم قطع باختياره: و أعرض إعراض ممتل كانت رضعة كاملة، و إن قطع لا بنية الإعراض كالتنفس أو الالتفات إلى ملاعب أو الانتقال من ثدي إلى آخر، أو قطعت عليه المرضعة، أو حصل له نوم خفيف، فإن عاد بعد ذلك حتى يعرض بنفسه كان الجميع رضعة، و إلا لم يعتبر في العدد لعدم كونها كاملة.
و (ثانيها) في توالي الرضعات
، و فسر بانفراد المرأة الواحدة بإكمال العدد، فلو رضع من امرأة بعض العدد المحرم و أكمله من اخرى لم ينشر الحرمة.
و نسب في التذكرة القول بعدم نشر الحرمة في هذه الصورة إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، و يدل عليه ما تقدم من قوله (عليه السلام):
في موثقة زياد بن
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 316 ح 15، الوسائل ج 14 ص 290 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 315 ح 13، الوسائل ج 14 ص 285 ح 11.
357
سوقة (1) «أو خمس عشرة رضعات متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها، و لو أن امرأة أرضعت غلاما أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد و أرضعتهما امرأة أخرى من لبن فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما».
و فسر أيضا بأن لا يفصل بين العدد المذكور برضاع امرأة أخرى و إن أكملت الأولى العدد، و عليه أيضا يدل الخبر المذكور بل ربما كان هو الأظهر من لفظ التوالي، فإن المفهوم منه هو حصول العدد المذكور من امرأة واحدة من غير فصل بين أفراده برضاع امرأة أخرى.
و على هذا فلو تناوب على إرضاع الصبي عدة نساء الرجل الواحد بحيث أكملن العدد المعتبر، فإنه لا ينشر الحرمة بين الرضيع و النسوة و لا بينه و بين صاحب اللبن، أما الأول فلأنه لم تصر واحدة منهن اما لعدم إكمال العدد الموجب لنشر الحرمة، و أما الثاني فلأن الأبوة فرع الأمومة فحيث انتفت الأمومة انتفت الأبوة.
أقول: و الأصل في الحكم هو النص المذكور، و هذا مما تصلح لبيان الوجه فيه، و ظاهره في المسالك (2) الاعتماد في الحكم على الإجماع لرده الخبر بالضعف، و فيه ما لا يخفى.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 315 ح 12، الوسائل ج 14 ص 282 ح 1.
(2) قال في المسالك بعد ذكر الرواية: و هي ناصة على المطلوب، إلا أنك قد عرفت ما في سندها من الاشكال، و لعل التعويل على الإجماع على ما فيه.
و قد خالف في ذلك العامة كافة، فلم يعتبروا اتحاد المرضعة بل اتحاد الفحل، و الأصل يقتضيه، و تخصيصها باشتراط اتحاد المرضعة يحتاج الى دليل صالح، و الرواية ليست حجة مطلقا، أما على المخالف فظاهر، و أما علينا فلضعف السند، و من ثم لم يعتبرها الأكثر في اشتراط كون العدد خمس عشرة، نظرا الى ذلك، فيبقى الاحتياج الى تحقق الإجماع و حجيته. انتهى.
أقول: لا يخفى أن هذا الاشكال لا خصوصية له بهذه المسألة، بل هو جار في جميع المسائل التي لم يرد فيه نص صحيح، و هي أكثر من أن تحصى في أبواب الفقه و لو تم ما ذكروه من الاقتصار في الاستدلال على النص الصحيح لكان الواجب عليهم الخروج الى دين آخر غير هذا الدين و شريعة أخرى، كما لا يخفى على المتأمل المصنف، مع أنه غير موضع قد عمل بالأخبار الموثقة، و كذا غيره، و تستروا بما هو أوهن من بيت العنكبوت و انه لأوهن البيوت، و الله العالم. (منه- (قدس سره)-).
358
بقي الكلام في أنه على تقدير التفسير الثاني هل يشترط في الرضاع الذي يقطع التوالي أن يكون رضعة كاملة أو مطلق الرضاع و إن كان أقل من رضعة؟ مع اتفاق الجميع على أنه لا يقطع التوالي تخلل المأكول و المشروب بين الرضعات وجهان: بل قولان:
و بالأول جزم في التذكرة فقال في تفسير التوالي: أن لا يفصل برضاع امرأة أخرى رضاعا تاما فلو ارتضع من واحدة رضعة تامة، ثم اغتذي بمأكول أو بمشروب أو رضعة غير تامة من امرأة أخرى، ثم أرضعت الاولى رضعة تامة، ثم اغتذى أو ارتضع من اخرى إما ثانية أو غيرها رضعة غير تامة، و هكذا خمس عشرة مرة نشر الحرمة بين المرضعة الاولى و بين المرتضع دون المرضعة الثانية لفقد الشرط فيه. انتهى.
و بالثاني جزم في القواعد فقال: لا يشترط عدم تخلل المأكول و المشروب بين الرضعات، بل عدم تخلل رضاع و إن كان أقل من رضعة.
و وجه هذا القول صدق التفريق و عدم التوالي بذلك، و وجه الأول ظاهر قوله (عليه السلام) في الرواية المتقدمة «لم يفصل بينها رضعة امرأة» بناء على أن المتبادر من إطلاق الرضعة هي الكاملة، و لهذا حمل قولهم (عليهم السلام) «عشر رضعات أو خمس
359
عشرة رضعة» على الرضعات الكاملة، إلا أنه أيضا يحتمل الحمل على المسمى (1) فيكون دليلا للثاني أيضا، و المسألة لذلك لا تخلو من شوب التوقف و الاشكال.
و ظاهره في المسالك الميل إلى الثاني، قال السيد السند في شرح النافع:
و كما يقدح الفصل بالرضعة في توالي العدد المعتبر كذا يقدح في رضاع اليوم و الليلة، بل يقدح تناول المأكول و المشروب أيضا بخلاف العدد، و أما التقدير بالأثر فالمعتبر حصوله كيف كان. انتهى، و هو جيد، و الله العالم.
و (ثالثها) في الارتضاع من الثدي
، و المشهور بين الأصحاب اعتباره، و أنه لو وجر في حلقه أو وصل إلى جوفه بحقنة و نحوها أو جعل جبنا فأكله لم ينشر حرمة، و قال ابن الجنيد: ان كلما ملأ بطن الصبي بالمص أو الوجور محرم للنكاح و قد تقدمت عبارته المشتملة على هذا الكلام.
و رده الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأن المفهوم من الرضاع المستفاد من الكتاب و السنة هو ما كان من الثدي، فيقال لمن التقم الثدي و مص اللبن منه إنه ارتضع، و لا يقال لمن شربه من إناء أو وجر في حلقه إنه ارتضع، و هذا أمر شائع ذائع بين الناس، فإنهم لشربهم الألبان من الأواني لا يقال: إنهم ارتضعوا من البهائم و حينئذ فلا يدخل تحت إطلاق الرضاع المذكور في الآيات و الأخبار.
و يؤيده ما رواه
في الكافي عن الحلبي (2) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين إن امرأتي حلبت من لبنها في مكوك (3) فأسقته جاريتي فقال: أوجع امرأتك و عليك بجاريتك».
____________
(1) و هو تحقق الانقطاع و عدم التوالي بأقل من رضعة، و نقل عن ظاهر عبارة المبسوط و عبارة الشرائع. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 5 ص 445 ح 5، الوسائل ج 14 ص 298 ح 1.
(3) المكوك: كتنور- طاس يشرب منه.
360
و في حديث محمد بن قيس (1) قال: «سألته عن امرأة حلبت من لبنها فأسقت زوجها لتحرم عليه قال: أمسكها و أوجع ظهرها».
و فيهما إشعار بأنها إذا استحقت التأديب في سقي لبنها البالغ كما هو ظاهر الخبرين، فبطريق الأولى إذا أسقته الصغير و إن كان لا يوجب تحريما في الموضعين.
أقول: و مما يدل على القول المشهور
قول أبي عبد الله (عليه السلام) في رواية زرارة (2) «لا يحرم من الرضاع إلا ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين».
و في رواية العلاء بن رزين (3) «لا يحرم من الرضاع إلا ما ارتضع من ثدي واحد سنة».
و لا ينافي ذلك اشتمال الروايتين على ما هو متروك بالاتفاق كما تقدم، لأن طرح بعض الخبر لقيام الدليل على خلافه لا ينافي طرح ما لا دليل على خلافه.
و استدل في المختلف لابن الجنيد ناسبا الاستدلال إليه، كما هو عادته غالبا في الكتاب المذكور، فقال: احتج ابن الجنيد بما رواه
جميل بن دراج في الصحيح (4) عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا رضع الرجل من لبن امرأة حرم عليه كل شيء من ولدها».
و هو يصدق مع الوجور، ثم أجاب عنه بالمنع من صدق الرضاع معه.
و ظاهر شيخنا في المسالك أن ابن الجنيد إنما استند هنا إلى القياس (5) تبعا للعامة، قال (قدس سره) بعد نقل قول ابن الجنيد: و وافق ابن الجنيد على ذلك
____________
(1) الكافي ج 5 ص 443 ح 4، الوسائل ج 14 ص 298 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 317 ح 18، الوسائل ج 14 ص 292 ح 8.
(3) التهذيب ج 7 ص 318 ح 23، الفقيه ج 3 ص 307 ح 13، الوسائل ج 14 ص 286 ح 13.
(4) التهذيب ج 7 ص 321 ح 33، الوسائل ج 14 ص 306 ح 3.
(5) أقول: العجب من أصحابنا في طعنهم على ابن الجنيد في غير موضع كما عرفت في هذا الكتاب بالعمل بالقياس لما علم من كلام أهل البيت (عليهم السلام) في ذم القياس و العمل به، و أن القائل به لا أقل يكون فاسقا، فكيف مع هذا يعتبرون أقوال ابن الجنيد و يعتمدون بها، و الحال كما سمعت، بل الواجب إخراجه من عداد علماء الشيعة بالكلية كما لا يخفى. (منه- (قدس سره)-).
361
جماعة من العامة استنادا إلى الغاية المطلوبة من الرضاع و هو إنبات اللحم و اشداد العظم، و هي حاصلة بالوجور كما تحصل بالرضاعة، و لأنه يصل إلى الجوف كما يصل بالارتضاع، فيجب أن يساويه في التحريم.
و بالجملة فمرجع استدلالهم إلى قياس الوجور على الامتصاص من الثدي لاشتراكهما في العلة المستنبطة أو المومي إليها
في قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «لإرضاع إلا ما شد العظم و أنبت اللحم».
و حينئذ فمرجع النزاع معهم إلى منع القياس مطلقا و اختلاله في المتنازع لا إلى منع صدق الرضاعة و الإرضاع بهذا الفعل كما هو المشهور في جوابهم، و حال العامة في القياس معلوم، و ابن الجنيد يوافقهم عليه، انتهى.
أقول: يمكن أن يكون مستند ابن الجنيد في هذا القول ما رواه
الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: و قال أبو عبد الله (عليه السلام) «وجور الصبي اللبن بمنزلة الرضاع».
و هي صريحة في مدعاه، و حملها على التقية ممكن، بل هو الظاهر لما عرفت من اتفاق الأصحاب على خلافه مضافا إلى ظاهر الروايتين المتقدمتين، و اتفاقهم سيما المتقدمين منهم مثمر للعلم العادي بكون ذلك هو مذهب أئمتهم.
و ربما يتوهم من نقل الصدوق الرواية المذكورة في كتابه القول بها بناء على قاعدته في صدر كتابه، فيكون قائلا بما قاله ابن الجنيد.
و فيه ما أوضحناه في شرحنا على الكتاب المذكور من أنه لا يخفى على المتتبع له أنه لم يقف على هذه القاعدة، و لم يلتزم ما تضمنه من الفائدة لحصول
____________
(1) سنن أبى داود ج 2 ص 222 ح 2060.
(2) الفقيه ج 3 ص 308 ح 23، الوسائل ج 14 ص 298 ح 3.
362
المناقضة في جملة من المواضع التي أوضحناها ثمة.
و بالجملة فالظاهر هو القول المشهور، و ربما أشعر كلام المحقق في الشرائع هنا بموافقة ابن الجنيد أيضا حيث قال: و لا بد من ارتضاعه من الثدي في قول مشهور تحقيقا لمسمى الارتضاع إلى آخره.
قال في المسالك: و اعلم أن نسبة المصنف اشتراط الارتضاع من الثدي إلى قول مشهور يشعر بتردده فيه، أو أنه لم يجد عليه دليلا كما هو المنقول عنه في اصطلاحه و هو يدل على الميل إلى قول ابن الجنيد، انتهى، و هو ضعيف.
الثالث [اشتراط الحياة في المرضعة]:
لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في أنه يشترط في الرضاع المحرم أن يكون المرضعة حية، فلو ارتضع من ميتة العدد أو تمامه لم ينشر حرمة، و يدل عليه ظاهر الآية و هي قوله تعالى (1) «وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ» حيث نسب إليها بالمباشرة و الإرادة للارتضاع، و الميتة ليست كذلك.
و يؤيده أن الأصل الإباحة حتى يقوم دليل التحريم، و ليس في النصوص ما يدل على ذلك، و الأخبار و إن كان أكثرها مطلقا إلا أن جملة منها دلت على ما دلت عليه الآية من إسناد الإرضاع إلى المرأة الموجب لكونها حية قاصدة مريدة لذلك، و إذا ضمت الأخبار بعضها إلى بعض بحمل مطلقها على مقيدها ثم الاستدلال بها.
و يؤيده أيضا أن من القواعد المقررة في كلامهم أن الإطلاق في الأخبار إنما يحمل على الأفراد المتكررة المتكاثرة، دون الفروض النادرة خصوصا في هذا الموضع، فإن ذلك إنما هو أمر فرضي لم تقع و لا يكاد يقع.
فإن قيل: إنه لا خلاف في أنه لو التقم الصبي ثدي المرأة و هي نائمة و امتص من لبنها فإنه يتحقق التحريم بذلك، و منه يعلم أن القصد إلى الإرضاع و فعله من المرضعة غير شرط.
____________
(1) سورة النساء- آية 23.
363
قلنا: لا ريب في دلالة المذكورة و الأخبار بعد ضم بعضها على ما قلناه، و خروج هذا الفرد المذكور- لقيام الدليل عليه و هو اتفاق الأصحاب على ذلك- لا يوجب خروج ما لا دليل عليه، بل يجب البقاء على ما دلت عليه تلك الأدلة، و يكون من قبيل العام المخصوص فلا يرد ما أورده في المسالك من أنه غير شرط إجماعا، فإن فيه أن ظاهر الآية و الأخبار شرطيته.
و خروج هذا الفرد منه بدليل لا ينافي ذلك و لا يوجب التعدي إلى الميتة و نحوها كما يدعيه، و بذلك يتم الاستدلال كما هو واضح بحمد الملك المتعال، و الله العالم.
الثالث [كون الرضاع في الحولين]:
من الشروط المتقدم ذكرها، أن يكون الرضاع في الحولين، و هو بالنسبة إلى المرتضع موضع وفاق، كما ادعاه جملة منهم، فيجب أن يكون سنه وقت الرضاع ما دون الحولين، و يكمل عدد الرضعات أو ما به يحصل الأثر أو الزمان المقرر فيهما فلو ارتضع بعد استكمالهما فإنه لا أثر لذلك الرضاع، و قال ابن الجنيد: إذا كان بعد الحولين و لم يتوسط بين الرضاعين فطام حرم، و رده الشهيد في شرح الإرشاد بالضعف لسبق الإجماع عليه، و تأخره عنه.
و استدل على القول المشهور بالآية (1) «وَ الْوٰالِدٰاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلٰادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كٰامِلَيْنِ لِمَنْ أَرٰادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضٰاعَةَ» و قوله (2) «وَ فِصٰالُهُ فِي عٰامَيْنِ» و التقريب أن مقتضى تحديد الرضاع بالحولين أنه لا عبرة برضاعه بعدهما و إن كان جائزا كالشهر و الشهرين.
و ما رواه
في الكافي عن منصور بن حازم (3) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): لا رضاع بعد فطام، و لا وصال في صيام، و لا يتم بعد احتلام، و لا صمت يوما إلى الليل، و لا تعرب بعد الهجرة، و لا هجرة بعد الفتح، و لا طلاق
____________
(1) سورة البقرة- آية 233.
(2) سورة لقمان- آية 14.
(3) الكافي ج 5 ص 443 ح 5، الوسائل ج 14 ص 290 ح 1.
364
قبل النكاح، و لا عتق قبل ملك، و لا يمين للولد مع والده، و لا للمملوك مع مولاه و لا للمرأة مع زوجها، و لا نذر في معصية، و لا يمين في قطيعة».
فمعنى قوله (1) «لا رضاع بعد فطام» أن الولد إذا شرب لبن المرأة بعد ما تفطمه لا يحرم ذلك الرضاع المناكح.
و رواه الصدوق بإسناده عن منصور بن حازم (2) و طريقه إليه صحيح، و ترك التفسير الذي في آخره.
و عن الحلبي (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا رضاع بعد فطام».
و عن الفضل بن عبد الملك (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الرضاع قبل الحولين قبل أن يفطم».
و وصف السيد السند هذه الرواية- في شرح النافع- بالصحة مع أن في سندها عبد الله بن محمد، و هو بنان أخو أحمد بن محمد بن عيسى، و حاله في الرجال غير معلوم و هو سهو منه (قدس سره).
و عن حماد بن عثمان (5) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) «يقول لا رضاع بعد فطام قلت: و ما الفطام؟ قال: الحولان اللذان قال الله عز و جل».
و يدل على ما ذهب إليه ابن الجنيد ما رواه
في التهذيب و الفقيه في الموثق عن داود بن الحصين (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الرضاع بعد الحولين قبل أن
____________
(1) أقول: هذا التفسير من صاحب الكافي كما صرحنا به في آخر البحث.
(منه- (قدس سره)-).
(2) الفقيه ج 3 ص 227 ح 1، الوسائل ج 14 ص 290 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 443 ح 1، الوسائل ج 14 ص 291 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 443 ح 2، الوسائل ج 14 ص 291 ح 4.
(5) الكافي ج 5 ص 443 ح 3، الوسائل ج 14 ص 291 ح 5.
(6) التهذيب ج 7 ص 318 ح 22، الفقيه ج 3 ص 306 ح 7، الوسائل ج 14 ص 292 ح 7.
365
يفطم يحرم».
و حمله الشيخ في التهذيبين على التقية و قال في التهذيب أيضا: أنه خبر نادر شاذ مخالف للأخبار كلها، و ما هذا سبيله لا يعترض به الأخبار الكثيرة، و هو جيد لمخالفته لظاهر القرآن و الأخبار المذكورة المؤيدة بعمل الطائفة قديما و حديثا. بقي الكلام هنا في مواضع أخر.
(أحدها) [عدم تأثير الفطام قبل الحولين و عدمه في الرضاع]
الأشهر الأظهر أنه لا فرق في التحريم بالرضاع قبل الحولين بين أن يفطم في ضمن الحولين قبل الرضاع ثم يرتضع في ضمنها أو لم يفطم لصدق الرضاع في الحولين الموجب للتحريم، و ربما ينسب إلى ظاهر كلام ابن أبي عقيل الخلاف في ذلك و أنه بعد الفطام في الصورة المذكورة لا يحرم حيث قال:
الرضاع الذي يحرم عشر رضعات قبل الفطام، فمن شرب بعد الفطام لم يحرم ذلك الشرب. انتهى.
و استدل له في المختلف برواية الفضيل المتقدمة، ثم أجاب عنها بأن المراد من قوله «قبل أن يفطم» يعني قبل أن يستحق الفطام و هو جيد، فإن الظاهر أن مرادهم (عليهم السلام) من قولهم «لا رضاع بعد فطام» يعني بعد تمام المدة المحدودة شرعا للرضاع، و هي الحولان كما صرحت به
رواية حماد بن عثمان (1) حيث قال له الراوي «و ما الفطام؟ قال: الحولان».
لا أن المراد حصول الفطام بالفعل أعم من أن يكون في ظرف المدة أو بعدها، و على هذا فالمراد بقولهم (عليهم السلام) «لا رضاع بعد فطام» يعني بعد مضي المدة التي يفطم بعدها.
و من المحتمل قريبا أن مراد ابن أبي عقيل ذلك أيضا فيرتفع الخلاف و عبارته غير صريحة فيما نسب اليه.
و (ثانيها) [في اعتبار كون الحولين بالأهلة]
قال شيخنا (قدس سره) في المسالك و المعتبر: في الحولين الأهلة، و لو انكسر الشهر الأول اعتبر ثلاثة و عشرون بالأهلة و أكمل التكسير بالعدد من
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 318 ح 21، الوسائل ج 14 ص 291 ح 5.
366
الشهر الخامس و العشرين كغيره من الآجال على الأقوى، و بنحو ذلك صرح المحقق الثاني في شرح القواعد أيضا.
و (ثالثها) أنه يعتبر ابتداء الحولين من حين انفصال الولد
على ما صرح به في المسالك و غيره في غيره.
و (رابعها) [اختصاص هذا الشرط بالمرتضع الأجنبي]
أنه قد صرح جمع من الأصحاب بأن هذا الشرط مخصوص بالمرتضع الأجنبي، و إليه ذهب عامة علمائنا المتأخرين.
و أما ولد المرضعة فلا يشترط فيه ذلك بل لو ارتضع الأجنبي الرضاع المحرم بعد مضي الحولين لولد المرضعة نشر الحرمة، و ذهب آخرون إلى عموم هذا الشرط لولد المرضعة، فيشترط أيضا في حصول التحريم بلبنه كونه في الحولين، فلو ارتضع الأجنبي بلبنه بعد تمام الحولين أو وقع بعض النصاب خارجهما لم ينشر حرمة و نقل هذا القول عن السيد بن زهرة و عماد الدين بن حمزة و تقي الدين أبي الصلاح، و قواه العلامة في المختلف ثم توقف في المسألة.
و كلام الشيخين (عطر الله مرقديهما) في هذا المقام مطلق لم يتعرضا فيه لتخصيص الحكم بالمرتضع، و لا لعمومه للمرتضع و ولد المرضعة، بل جعلا الشرط هو أن يكون الرضاع في الحولين، و أنه بعد الحولين لا يحرم، و نقل في المختلف الإطلاق في ذلك أيضا عن أكثر علماءنا المتقدمين.
استدل القائلون بالقول الأول بعموم (1) «وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ» و نحوه من العمومات، و التقريب فيها أنها تدل بعمومها على أن المرتضع من لبن من زاد سنه على الحولين يصدق على مرضعته أنها أم، و استدلوا أيضا بأن الأصل عدم الاشتراط.
و استدل المتأخرون بعموم قولهم (عليهم السلام) في الأخبار المتقدمة (2)
«لا رضاع بعد
____________
(1) سورة النساء- آية 23.
(2) الكافي ج 5 ص 443 ح 1، التهذيب ج 7 ص 317 ح 19، الفقيه ج 3 ص 306 ح 6، الوسائل ج 14 ص 290 ح 1 و ص 291 ح 2.
367
فطام».
فإنه نكرة في سياق النفي فتعم بالنسبة إلى ولد المرضعة و المرتضع بلبنه، و رد بأن المتبادر بعد فطام المرتضع دون ولد المرضعة.
و يؤيده كلام الشيخين المتقدمين محمد بن يعقوب في الكافي كما تقدم نقله عنه في ذيل موثقة منصور بن حازم من قوله «فمعني لإرضاع بعد فطام الى آخره» و الصدوق في الفقيه حيث «قال: معناه إذا أرضع الصبي حولين كاملين ثم شرب بعد ذلك من لبن امرأة أخرى ما شرب لم يحرم ذلك الرضاع، لأنه رضاع بعد فطام» و مآل الكلامين إلى أمر واحد، و هو تخصيص الحكم بالمرتضع كما قلنا، إلا أن الشيخ في التهذيبين نقل عن ابن بكير كلاما في تفسير الحديث المذكور خلافا لما ذكره الشيخان المتقدمان.
روى فيهما بطريقه إلى محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن أبي عبد الله عن على بن أسباط (1) قال: «سأل ابن فضال ابن بكير في المسجد فقال: ما تقولون في امرأة أرضعت غلاما سنتين ثم أرضعت صبية لها أقل من سنتين حتى تمت السنتان أ يفسد ذلك بينهما؟ قال: لا يفسد ذلك بينهما لأنه رضاع بعد فطام، و إنما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا رضاع بعد فطام أي أنه إذا تم للغلام سنتان أو الجارية فقد خرج من حد اللبن فلا يفسد بينه و بين من يشرب منه».
انتهى.
و أنت خبير بأن كلام الشيخين المتقدمين ليس نصا في التخصيص بما ذكراه بل من الجائز أن يكون تفسيرا للخبر ببعض أفراده فلا ينافي ما فسره ابن بكير من الفرد الآخر، و المسألة لذلك لا تخلو من الاشكال حيث إن ما فهموه من الخبر من التخصيص بالمرتضع غاية ما تمسكوا به في ذلك هو التبادر كما تقدم.
و فيه ما لا يخفى، و ما تمسكوا به من كلام الشيخين المذكورين لا يدل على التخصيص بذلك الفرد صريحا فيجوز أن يكون معنى العبارة أعم من الفردين
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 317 ح 19، الوسائل ج 14 ص 291 ح 6.
368
المذكورين، و قد فسره الشيخان المذكوران بأحدهما و ابن بكير بالآخر سيما أن الرجل المذكورين يعنى ابن بكير من أعاظم أفاضل المعاصرين للأئمة (عليهم السلام) و ثقاتهم و إن كان فطحيا، و بالجملة فالمسألة عندي محل إشكال و الاحتياط فيها لازم على كل حال. و الله العالم.
الرابع [اتحاد الفحل]:
من الشروط المتقدمة اتحاد الفحل، بمعنى أن يكون اللبن لفحل واحد، و تحقيق الكلام في المقام أن يقال: لا خلاف في أنه يشترط في الرضاع المحرم أن يكون من امرأة واحدة من لبن فحل واحد.
و يدل عليه قوله
في موثقة زياد بن سوقة (1) «أو خمس عشرة رضعات متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد».
و على هذا فلو رضع الصبي بعض النصاب من امرأة، و المكملة من اخرى لم ينشر حرمة و إن اتحد الفحل، و ادعي العلامة على ذلك الإجماع.
و كذا لو أرضعته امرأة واحدة من لبن فحلين بأن أرضعته بعض الرضعات بلبن فحل ثم فارقته، و أرضعت تمام النصاب بلبن فحل آخر، فإن ذلك لا ينشر الحرمة بين المرتضع و المرضعة، و لا واحد من الفحلين المذكورين، و على هذا الحكم أيضا ادعى الإجماع في التذكرة (2).
بقي هنا شيء و هو أن الأصحاب (رضوان الله عليهم) ذكروا هذا الشرط بهذا العنوان الذي صدرنا به الكلام و هو اتحاد الفحل، فلو لم يتحد بل تعدد
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 315 ح 12، الوسائل ج 14 ص 282 ح 1.
(2) ثم انه متى اتحد الفحل فان التحريم لا يتعدى للمرتضعين من أقاربهما، و يؤيده ما رواه
الشيخ في الموثق عن يونس بن يعقوب قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة أرضعتني و أرضعت صبيا معى و لذلك الصبي أخ من أبيه و امه، فيحل لي أن أتزوج ابنته؟ قال: لا بأس».
منه- (قدس سره)-). التهذيب ج 7 ص 323 ح 39، الوسائل ج 14 ص 280 ح 3.
369
لم ينشر اللبن حرمة.
و هذا يشمل صورتين: إحداهما: ما ذكرناه من إرضاع المرأة بعض النصاب بلبن فحل و تمامه بلبن فحل آخر و إن ندر الفرض، و يمكن فرض ذلك بأن يطلقها الزوج الأول بعد أن أرضعت بعض النصاب، و يستقل الصبي بالمأكول و المشروب دون إرضاع أجنبية في البين إلى أن تتزوج بزوج آخر و تلد منه، فإن ذلك لا يضر بالتوالي كما تقدم و ترضع تمام النصاب بلبنه، فإن تمام هذا الرضاع لعدم اتحاد الفحل لا يوجب تحريما بين المرتضع و المرضعة. و لا بينه و بين واحد من الفحلين، و على هذا فاشتراط اتحاد الفحل يجري على نحو الشروط المتقدمة، بمعنى أن التحريم لا يثبت بفقد الشرط.
و ثانيهما: اشتراط اتحاد الفحل في حصول التحريم بين المرتضعين الأجنبيين بمعنى أنها لو أرضعت بلبن فحل صبيا الرضاع المحرم، و أرضعت آخر بلبن فحل آخر الرضاع المحرم أيضا لم يحصل التحريم بين المرتضعين، فيجوز لأحدهما التزويج بالآخر لو كانا صبيا و صبية على المشهور بين الأصحاب بل كاد يكون إجماعا.
و ذهب أمين الإسلام الطبرسي (قدس سره) إلى التحريم، و اختاره المحدث الكاشاني في الوافي و المفاتيح، و على هذا فهذا الشرط ليس على نهج الشروط المتقدمة لأن التحريم هنا ثابت بين المرتضع الأول و كذا الثاني و بين المرضعة و بين كل من المرتضعين و فحله الذي شرب بلبنه، و إنما انتقى التحريم بين المرتضعين خاصة، فاعتبار هذا الشرط إنما هو لثبوت التحريم بين المرتضعين خاصة.
و حاصل هذا الشرط أنه إذا ارتضع ذكر و أنثى من لبن فحل واحد سواء كان رضاعهما دفعة أم على التعاقب، و سواء كان رضاعهما بلبن ولد واحد أم ولدين متباعدين فإنه يحرم أحدهما على الآخر، و لو أرضعت مائة بلبن فحل واحد كذلك حرم بعضهم على بعض.
و لا فرق مع اتحاد الفحل بين أن يتحد المرضعة أو يتعدد بحيث يرتضع
370
أحدهما من إحداهن كمال العدد المعتبر، و الآخر من الأخرى كذلك، و إن بلغن مائة كالمنكوحات بملك اليمين و العقد المنقطع.
و لو فرض في الأولاد المتعددين رضاع ذكر و أنثى من واحدة بلبن فحل واحد، ثم رضاع آخرين من تلك المرأة بلبن فحل آخر، و هكذا فإنه يأتي بناء على المشهور من اشتراط هذا الشرط بين المرتضعين تحريم كل أنثى رضعت مع ذكرها من لبن الفحل الواحد عليه، و عدم تحريمها على الآخر و على هذا، و حينئذ فيكفي الاخوة في الرضاع من قبل الأب، و لا يكفى من جهة الأم وحدها و هذا معنى قولهم «اللبن للفحل».
و الذي يدل على قول المشهور ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن الحلبي في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرضع من امرأة و هو غلام، أ يحل له أن يتزوج أختها لأمها من الرضاعة؟ فقال: إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد فلا يحل، و إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحلين فلا بأس بذلك».
و هي صريحة في القول المذكور، و أنه مع اتحاد المرضعة و تعدد الفحل لا يثبت التحريم بين المرتضعين.
و عن عمار الساباطي (2) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غلام أرضع من امرأة، أ يحل له أن يتزوج أختها لأبيها من الرضاعة؟ قال: فقال: لا قد رضعا جميعا من لبن فحل واحد من امرأة واحدة، قال: قلت: فيتزوج أختها لأمها من الرضاعة؟ قال: فقال: لا بأس بذلك إن أختها التي لم ترضعه كان فحلها
____________
(1) الكافي ج 5 ص 443 ح 11، التهذيب ج 7 ص 321 ح 31، الوسائل ج 14 ص 294 ح 3.
(2) التهذيب ج 7 ص 320 ح 29، الكافي ج 5 ص 442 ح 10، الوسائل ج 14 ص 294 ح 2.
371
غير فحل الذي أرضعت الغلام، فاختلف الفحلان فلا بأس».
و ما تقدم
في موثقة زياد بن سوقة (1) من قول أبي جعفر (عليه السلام) «من امرأة واحدة من لبن فحل واحد».
و ما رواه
في الكافي عن بريد بن معاوية العجلي (2) في الصحيح قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز و جل (3) «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمٰاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً» إلى أن قال: فقلت له: أ رأيت قول رسول الله (صلى الله عليه و آله) «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فسر لي ذلك، فقال: كل امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى من جارية أو غلام فذلك الرضاع الذي قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) «و كل امرأة أرضعت من لبن فحلين كانالها واحدا بعد واحد من جارية أو غلام» فإن ذلك رضاع ليس بالرضاع الذي قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» و إنما هو من نسب ناحية الصهر رضاع و لا يحرم شيئا، و ليس هو سبب رضاع من ناحية لبن الفحولة فيحرم».
و الروايتان الأولتان دليل على الصورة الثانية من الصورتين المتقدمتين، و الثالثة شاملة بإطلاقها للصورتين المذكورتين، و الرابعة دليل على الصورة الأولى القابلة باتحاد الفحل في إكمال النصاب و على هذا يكون قوله «واحدا بعد واحد» حالا من «فحلين كانا لها»، و قوله «من جارية أو غلام» مفعول بزيادة من «أرضعت».
و لا يتوهم أن قوله «واحدا بعد واحد» مفعول ل«أرضعت» و يكون المعنى أنها أرضعت اثنين أحدهما بعد الآخر من لبن فحلين متعددين كل واحد من لبن فحل، فتكون الرواية دليلا للصورة الثانية، فإن هذا ظاهر البطلان حيث إنه (عليه السلام) نفى حصول التحريم رأسا بمعنى لا يحصل تحريم بهذا الرضاع بالكلية لا بالنسبة
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 315 ح 12، الوسائل ج 14 ص 282 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 442 ح 9، الوسائل ج 14 ص 293 ح 1.
(3) سورة الفرقان- آية 54.
372
إلى المرتضع و المرتضعة و لا بالنسبة إلى سائر الطبقات و المراتب من الأخوات و البنات و العمات و الخالات، حيث قال: فإن ذلك رضاع ليس بالرضاع الذي عناه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، مع أنه لا خلاف في تعدي التحريم الى الطبقات و كذا بين المرتضع و المرضعة و الفحل، و إنما الخلاف في حصوله بين المرتضعين و حينئذ فلا يجوز أن تحمل الرواية على ذلك.
و الذي يدل على القول الآخر عموم قوله عز و جل (1) «وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ» و عموم الروايات المتقدمة من
قولهم (عليهم السلام) (2) «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
و لا ريب أن الاخوة من الأم محرمة في النسب فيجب أن يكون في الرضاع كذلك عملا بالأخبار المذكورة.
و تدل عليه
رواية محمد بن عبيدة الهمداني (3) قال: «قال الرضا (عليه السلام): ما يقول أصحابك في الرضاع؟ قال: قلت: كانوا يقولون: اللبن للفحل، حتى جاءتهم الرواية عنك أنك تحرم من الرضاع ما تحرم من النسب، فرجعوا إلى قولك، قال: فقال لي: و ذلك لأن أمير المؤمنين سألني عنها البارحة، فقال لي: اشرح لي اللبن للفحل، و أنا أكره الكلام، فقال لي: كما أنت حتى أسألك عنها، ما قلت في رجل كانت له أمهات أولاد شتى، فأرضعت واحدة منهن بلبنها غلاما غريبا، أ ليس كل شيء من ولد ذلك الرجل من أمهات الأولاد الشتى محرما على ذلك الغلام؟ قال: قلت: بلى، قال: فقال لي أبو الحسن (عليه السلام): فما بال الرضاع يحرم
____________
(1) سورة النساء- آية 23.
(2) الكافي ج 5 ص 437 ح 3، التهذيب ج 7 ص 292 ح 60، الوسائل ج 14 ص 281 ح 4.
(3) الكافي ج 5 ص 441 ح 7، التهذيب ج 7 ص 320 ح 30، الوسائل ج 14 ص 295 ح 9.
373
من قبل الفحل، و لا يحرم من قبل الأمهات؟ و إنما حرم الله الرضاع من قبل الأمهات، و إن كان لبن الفحل أيضا يحرم».
قال المحدث الكاشاني (رحمة الله عليه) في الوافي- بعد ذكر صحيحة بريد المتقدمة حيث إنه اختار هذا القول- ما نصه: و هذا الخبر يدل على أن مع تعدد الفحل لا يحصل الحرمة و إن كانت المرضعة واحدة.
و هذا مخالف لقوله تعالى «وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ»
و قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
و قول الرضا (عليه السلام) في حديث محمد بن عبيدة الهمداني «فما بال الرضاع».
ثم ذكر تمام الخبر إلى أن قال:
و قد قالوا (صلوات الله عليهم) (1): «إذا جاءكم حديث فأعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه، و ما خالف فردوه».
فما بال أكثر أصحابنا أخذوا بهذه الأخبار الثلاثة. انتهى.
و قريب منه ما ذكره في المفاتيح أيضا و زاد فيه احتمال حمل مستند القول المشهور على التقية.
و ما ذكره (قدس سره) جيد، إلا أنه يبقى الاشكال فيما يحمل عليه الأخبار التي هي مستند القول المشهور، و هو في المفاتيح و إن احتمل الحمل فيها على التقية، إلا أن جملة من الأصحاب صرحوا بأن مذهب العامة إنما هو ما ذهب إليه أصحاب هذا القول الآخر، و على هذا فالحمل المذكور غير تام.
و ممن صرح بذلك شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، فإنه قال- بعد ذكر الصورتين المتقدمتين و كلام ثمة في البين- ما صورته: و على هذا فيكفي الاخوة في الرضاع من جهة الأب وحده، و لا يكفى من جهة الأم وحدها، و هذا معنى قولهم «اللبن للفحل».
و خالفنا الجمهور في الأمرين معا لعدم الدليل على اعتبارهما مع عموم الأدلة المتناولة لمحل النزاع، و استند أصحابنا في الشرطين معا إلى رواياتهم، ثم ساق
____________
(1) الوسائل ج 18 ص 84 ح 29.
374
الروايات المتقدمة.
و ممن صرح بذلك أيضا ابن إدريس في السرائر فقال: و إن كان لامة من الرضاع بنت من غير أبيه من الرضاع، فهي أخته لامه عند المخالفين من العامة لا يجوز له أن يتزوجها، و قال أصحابنا الإمامية بأجمعهم: يحل له أن يتزوجها، لأن الفحل غير الأب، انتهى.
و قال الفاضل العماد مير محمد باقر المشهور بالداماد- في رسالته التي في التنزيل- ما صورته: من الذايعات عند الأصحاب أن انتشار حرمة الرضاع في الطبقات الرضاعية اشتراط صاحب اللبن، بل العلامة في التذكرة قد ادعى فيه الإجماع.
و فقهاء العامة و أمين الإسلام أبو علي الطبرسي صاحب التفسير (رحمه الله) من الخاصة يسقطون هذا الشرط، انتهى.
و بذلك يظهر لك بطلان ما احتمله في المفاتيح من حمل أخبار القول المشهور على التقية، و على ذلك يعظم الإشكال إلا أنه يمكن أن يقال في جواب ما ذكره المحدث الكاشاني هنا- بناء على ما ذكرناه من مذهب العامة، و هو ما ذهب إليه الطبرسي في المسألة-: أنه كما ورد عرض الأخبار على القرآن و الأخذ بما وافقه و طرح ما خالفه كذلك ورد أيضا العرض على مذهب العامة، و الأخذ بما خالفهم و طرح ما وافقهم.
و قد دريت مما نقله هؤلاء الأجلاء أن العامة لا يشترطون اتحاد الفحل لا في الصورة الاولى و لا الثانية، فتكون هذه الأخبار مخالفة لهم، و رواية الهمداني موافقة لهم على أن للمنازع أن يناقش في دلالة الآية على ما ادعوه من شمولها لهذا الفرد، فإن غاية ما يدل عليه التحريم في صورة الاخوة من الرضاعة، و الأصحاب لا يقولون بحصول الاخوة مع تعدد الفحل، بل هو أول المسألة كما لا يخفى.
375
نعم يبقى الكلام في الروايات الدالة على أنه
«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
، و لا ريب في تحريم الاخوة من الأم في النسب، فيكون في الرضاع كذلك، و يمكن أن يقال: إنه لا عام إلا و قد خص، و لا مطلق إلا و قد قيد، فيجب تخصيص هذه الأخبار الدالة على اشتراط اتحاد الفحل، فتحمل الأخبار المذكورة على ما سواه لهذا الفرد، و بذلك يظهر قوة القول المشهور و الاحتياط في مثل ذلك مما ينبغي المحافظة عليه، و الله العالم.
تنبيه [في حرمة أولاد المرضعة بالنسب على المرتضع و إن كانوا من أم]
قد عرفت أن محل الخلاف في الصورة الثانية هو ما إذا كان المرتضعان أجنبيين، و حينئذ فلو كان أحدهما ابنها نسبا و إن لم يكن من الفحل الذي أرضعت بلبنه، فإنه يحرم على هذا المرتضع.
قال في المسالك: لما كان تحريم الرضاع تابعا لتحريم النسب، و كان الاخوة من الأم كافية في التحريم النسبي، فالرضاع كذلك، إلا أنه خرج من هذه القاعدة، الاخوة من الام من جهة الرضاع خاصة بتلك الروايات، فيبقى الباقي على العموم فيحرم أولاد المرضعة بالنسب على المرتضع و إن كانوا من الأم خاصة، بأن يكونوا أولاد الفحل، عملا بالعموم مع عدم وجود المخرج عنه، كما يحرم على هذا المرتضع أولاد الفحل من النسب. و إن لم يكونوا إخوة من الام لتحقق الاخوة بينهما في الجملة، انتهى.
أقول: و يدل عليه بالخصوص أيضا
موثقة جميل بن دراج (1) عنه (عليه السلام) قال: «إذا رضع الرجل من لبن امرأة حرم عليه كل شيء من ولدها و إن كان الولد من غير الرجل الذي كان أرضعته بلبنه: و إذا رضع من لبن الرجل حرم عليه كل شيء من ولده و إن كان من غير المرأة التي أرضعته».
و هي صريحة في المراد.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 321 ح 33، الوسائل ج 14 ص 306 ح 3.
376
تذييل فيه تكميل [في الأوصاف المطلوبة في المرضعة]
قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يستحب أن يختار للرضاع المرأة العاقلة المسلمة العفيفة الوضيئة لأن الرضاع يؤثر في الطباع و الصورة، و أنه يكره أن تسترضع الكافرة إلا مع الضرورة و على هذا ينبغي أن تسترضع الذمية.
و يتأكد الكراهة في المجوسية و أنه يمنعها شرب الخمر و أكل لحم الخنزير، و لا يسلم لها الولد إلى منزلها، و أنه يكره أن تسترضع من لبن من ولادتها عن الزنا و إن كانت أمة أحلها مولاها.
أقول: و الذي يدل على الحكم الأول جملة من الاخبار منها ما رواه
في الكافي عن محمد بن مروان (1) قال: «قال لي أبو جعفر (عليه السلام): استرضع لولدك بلبن الحسان، و إياك و القباح: فإن اللبن قد يعدي».
و عن زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «عليكم بالوضاء من الظؤرة، فإن اللبن يعدي».
و عن غياث بن إبراهيم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
انظروا من ترضع أولادكم، فإن الولد يشب عليه».
و عن محمد بن قيس (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا تسترضعوا الحمقاء، فإن اللبن يعدي، و إن الغلام ينزع إلى اللبن- يعني- إلى الظئر في الرعونة و الحمق».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 44 ح 12، التهذيب ج 8 ص 110 ح 25، الفقيه ج 3 ص 307 ح 17، الوسائل ج 15 ص 189 ب 79 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 44 ح 13، التهذيب ج 8 ص 110 ح 26، الوسائل ج 15 ص 189 ب 79 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 44 ح 10، الوسائل ج 15 ص 187 ب 78 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 43 ح 8، التهذيب ج 8 ص 110 ح 24، الفقيه ج 3 ص 307 ح 19، الوسائل ج 15 ص 188 ح 2.
377
و ما رواه
الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا (1) عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا تسترضعوا الحمقاء و لا العمشاء فإن اللبن يعدي».
و بهذا الاسناد (2) قال: «ليس للصبي لبن خير من لبن أمه».
و ما رواه
في كتاب قرب الاسناد (3) عن جعفر عن أبيه (عليهم السلام) «إن عليا (عليه السلام) كان يقول: تخيروا للرضاع كما تخيرون للنكاح: فإن الرضاع يغير الطباع».
و أما ما يدل على الثاني على كراهة الارتضاع من الكافرة، فالأخبار المتقدمة الدالة على أن للبن تأثيرا في الولد مطلقا كذا قيل.
و فيه أن غاية ما يدل عليه الأخبار المشار إليها هو المنع من القبيحة الصورة و الحمقاء و نحوهما.
و أما اشتراط الايمان و الإسلام فلم أقف عليه في شيء من الأخبار، بل الأخبار دالة على جواز الارتضاع من الكافرة كما رواه
في الكافي و الفقيه عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام): هل يصلح للرجل أن ترضع له اليهودية و النصرانية و المشركة؟ قال: لا بأس، و قال: امنعوهن من شرب الخمر».
و هو شامل لجميع أصناف الكفار.
و قد تكاثرت الأخبار بالاذن باسترضاع الذمية، و إنما وقع النهي عن المجوسية.
فروى في الكافي عن سعيد بن يسار (5) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
____________
(1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 33 ح 67 طبع النجف الأشرف الوسائل ج 15 ص 188 ح 4.
(2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 33 ح 69 طبع النجف الأشرف الوسائل ج 15 ص 188 ح 5.
(3) قرب الاسناد ص 45، الوسائل ج 15 ص 188 ح 6.
(4) الكافي ج 6 ص 43 ح 4، التهذيب ج 8 ص 109 ح 22، الوسائل ج 15 ص 186 ح 5.
(5) الكافي ج 6 ص 44 ح 14، التهذيب ج 8 ص 110 ح 23، الوسائل ج 15 ص 185 ح 1.
378
لا تسترضئوا للصبي المجوسية، و تسترضع له اليهودية و النصرانية، و لا يشربن الخمر و يمنعن من ذلك».
و عن عبد الله بن يحيى الكاهلي في الحسن عن عبد الله بن هلال (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن مظائرة المجوسي؟ فقال: لا، و لكن أهل الكتاب».
و عن الحلبي (2) في الصحيح قال: «سألته عن رجل دفع ولده إلى ظئر يهودية أو نصرانية أو مجوسية ترضعه في بيتها أو ترضعه في بيته؟ قال: ترضعه لك اليهودية و النصرانية في بيتك، و تمنعها من شرب الخمر، و ما لا يحل مثل لحم الخنزير، و لا يذهبن بولدك إلى بيوتهن، و الزانية لا ترضع ولدك، فإنه لا يحل لك، و المجوسية لا ترضع لك ولدك إلا أن تضطر إليها».
و المستفاد من هذه الأخبار بعد ضم بعضها إلى بعض هو جواز استرضاع الذمية من غير كراهة، و كراهة استرضاع المجوسية.
و ربما أشعر قوله في خبر الحلبي «إلا أن تضطر إليها» بالتحريم إلا أنك قد عرفت من رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله ما يدل على استرضاع الكافرة مطلقا و أما ما ذكروه من منعها من شرب الخمر و أكل لحم الخنزير و أن تذهب به إلى بيتها، فقد عرفت الدلالة عليه من هذه الأخبار.
و يؤيده تأييدا ما رواه
في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل المسلم هل يصلح له أن يسترضع اليهودية و النصرانية و هن يشربن الخمر قال: امنعوهن عن شرب الخمر ما أرضعن لكم».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 42 ح 2، التهذيب ج 8 ص 109 ح 21، الوسائل ج 15 ص 186 ح 3.
(2) التهذيب ج 8 ص 116 ح 50، الوسائل ج 15 ص 186 ح 6.
(3) قرب الاسناد ص 117، الوسائل ج 15 ص 186 ح 7.
379
و أما ما يدل على الثالث من الأخبار، فأما بالنسبة إلى كراهية الاسترضاع من لبن الزانية فمنه ما رواه
في الكافي عن علي بن جعفر (1) في الصحيح عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة ولدت من زنا هل يصلح أن يسترضع بلبنها؟ قال: لا يصلح و لا لبن ابنتها التي ولدت من الزنا».
و عن الحلبي (2) في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): امرأة ولدت من الزنا أتخذها ظئرا؟ قال: لا تسترضعها و لا ابنتها».
و في هذين الخبرين زيادة كراهة استرضاع من ولدت من الزنا و لم يذكره الأصحاب و قد تقدم
في صحيحة الحلبي «و الزانية لا ترضع ولدك، فإنه لا يحل لك».
و ربما أشعر هذه الأخبار بالتحريم سيما الأخير حيث لا معارض لها يدل على الجواز إلا أن المشهور بين الأصحاب إنما هو الكراهة.
و أما بالنسبة إلى ما ذكروه من استصحاب الكراهة و إن أحل مولى الجارية الزانية فعلته، فعلل أن إحلال ما مضى من الزنا لا يرفع إثمه، و لا يزيل حكمه، فكيف يطيب لبنه.
قال في الشرائع- بعد ذكر الحكم المذكور كما هو المشهور- و روي أنها إن أحلها مولاها فعلها طاب لبنها، و زالت الكراهة، و هو شاذ.
أقول: لا يخفى أنه قد تكاثرت الأخبار برفع الكراهة مع التحليل من غير معارض، فما ذكروه مجرد اجتهاد في مقابلة النص، لا ينبغي أن يلتفت إليه و لا يعول عليه.
و من ذلك ما رواه
في الكافي عن محمد بن مسلم (3) في الصحيح أو الحسن عن
____________
(1) الكافي ج 6 ص 44 ح 11، الوسائل ج 15 ص 184 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 42 ح 1، التهذيب ج 8 ص 108 ح 16، الوسائل ج 15 ص 184 ح 4.
(3) الكافي ج 6 ص 43 ح 5، التهذيب ج 8 ص 109 ح 20، الفقيه ج 3 ص 308 ح 21، الوسائل ج 15 ص 184 ح 2.
380
أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لبن اليهودية و النصرانية و المجوسية أحب إلى من لبن ولد الزنا، و كان لا يرى بأسا بلبن ولد الزنا إذا جعل مولى الجارية الذي فجر بالجارية في حل».
، و رواه الصدوق بإسناده عن حريز عن محمد بن مسلم.
و عن هشام بن سالم و جميل بن دراج و سعد بن أبي خلف (1) جميعا في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المرأة يكون لها الخادم قد فجرت، فتحتاج إلى لبنها؟ قال: مرها فلتحللها يطيب اللبن».
و عن إسحاق بن عمار (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن غلام لي وثب على جارية لي فأحبلها فولدت و احتجنا إلى لبنها فإنى أحللت لهما ما صنعا، أ يطيب لبنها؟ قال: نعم».
و لا يخفى عليك ما هي عليه من الضراحة في الحكم المذكور مع صحة السند، فردها و عدم الاعتداد بها من غير معارض مشكل، و من ثم قال في المسالك بعد ذكر التعليل الذي قدمنا نقله عنهم، و هذا في الحقيقة استبعاد محض مع ورود النصوص الكثيرة به التي لا معارض لها:
و حمل بعض الأصحاب الرواية المذكورة على ما إذا كانت الأمة قد تزوجت بدون إذن مولاها، فإن الأولى له إجازة العقد ليطيب اللبن، و هو مع بعده يتوقف على وجود المعارض، و الله العالم.
المقام الثاني في الأحكام:
و تحقيق الكلام في ذلك يقع في موارد.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 43 ح 7، التهذيب ج 8 ص 109 ح 19، الوسائل ج 15 ص 184 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 43 ح 6، التهذيب ج 8 ص 108 ح 8، الوسائل ج 15 ص 185 ح 5.
381
[المورد] الأول [في انتشار الحرمة و تحقيق في التنزيل]
اعلم أن المستفاد من النصوص المتقدمة في صدر هذا المطلب هو أن المرتضع بالشروط المتقدمة يصير بالنسبة إلى المرضعة و الفحل في حكم الولد النسبي في انتشار الحرمة منه إليهما و منهما إليه، فالتي انتشرت منه إليهما هو أنه صار في حكم ابنهما النسبي في تعدي الحرمة إليهما و إلى أصولهما و فروعهما و من في طبقتهما سواء كانوا من جهة النسب أو الرضاع بمعنى أن المرضعة تصير اما و الفحل أبا، و آبائهما و أمهاتهما أجدادا و جدات، و أولادهما إخوة و أولاد أولادهما أبناء الاخوة، و إخوة المرضعة و أخواتها أخوالا و خالات و إخوة الفحل و أخواته أعماما و عمات، و قد صرحت النصوص المتقدمة و نحوها بالتحريم عموما في بعض و خصوصا في بعض.
و أما انتشار الحرمة منهما إليه فهي مقصورة على المرتضع و فروعه، لأنه صار لهما ابنا، و أبناءه أبناء الابن: و لا يتعدى التحريم منهما إلى أصوله و من كان في طبقته، فحكم من كان من أصوله و في طبقته مع المرضعة و الفحل و أصولها و فروعهما و من في طبقتهما حكم الأجانب، و لا ترى في النصوص أثر التحريم في شيء من هذه الصور، سوى صورة واحدة يأتي التنبيه عليها إن شاء الله تعالى، خرجت عن القاعدة بالنصوص.
و هذه قاعدة كلية، و ضابطة جلية يرجع عليها في الرضاع يعظم بها الانتفاع خلافا لمن ذهب إلى القول بالتنزيل في المسألة كما سيأتي ذكره إن شاء الله، فإنهم حكموا بالتحريم أيضا بين الفحل و المرضعة، و بين أصول المرتضع و من كان في طبقته، و سيأتي إن شاء الله الكلام في ذلك، و تحقيق القول في بطلانه و هدم أركانه.
ثم إنه ينبغي أن يعلم أيضا أن المحرمات الرضاعية التي تضمنها
قولهم (عليهم السلام) «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
هي التي حلت في الرضاع محل تلك المحرمات النسبية التي تضمنتها الآية حسبما حررناه في صدر هذا المطلب،
382
فكل من دخل في الرضاع تحت واحدة من تلك الأفراد المعدودة في الآية لحقه التحريم: و كل من لم يدخل فلا يلحقه تحريم، و هذه ضابطة أخرى في المقام، و قد استثنى من هذه القاعدة أيضا الصورة المشار إليها آنفا، و قد وقع الاشتباه في حكم نسوة كثيرة، و لا سيما على القول بالمنزلة، و من راعى هاتين القاعدتين المذكورتين حق المراعاة لا يخفى عليه الحال، و لا يعرض له الاشكال.
و قد استثنى العلامة في التذكرة من قاعدة «يحرم من النسب» أربع صور و ليست محلا للاستثناء لعدم دخولها تحت القاعدة المتقدمة كما سيظهر لك إن شاء الله.
الأولى: قال أم الأخ و الأخت في النسب حرام لأنها أم، أو زوجة أب، و أما في الرضاع فإن كانت كذلك حرمت أيضا، و إن لم تكن كذلك لم تحرم، كما لو أرضعت أجنبية أخاك أو أختك لم تحرم.
و التحقيق أن هذه لا تحتاج إلى الاستثناء لعدم دخولها تحت قاعدة يحرم من النسب: و الاستثناء هو إخراج ما لولاه لدخل، و هذه غير داخلة كما ذكرناه.
و توضيحه: أن مقتضى القاعدة الثانية التي قدمناها أن كل امرأة حرمت باعتبار وصف في النسب من أمومة أو بنتية أو نحوهما حرمت نظيرتها في الرضاع، و أم الأخ و الأخت ليست من المحرمات السبع المعدودة في الآية، لأن أم الأخ و الأخت لا يخلو اما أن يكون اما فتحريمها إنما هو من حيث الأمومة كما تضمنته الآية، لا من حيث كونها أم أخ أو أخت، و إن لزمها في بعض الأحوال، إلا أنه منفك من الجانبين فقد يكون إما خاصة إذا لم يكن لها ولد سواه، و قد تكون أم أخ أو أخت و لا تكون اما، و حينئذ فلا يدل تحريم الام على تحريم أم الأخ أو الأخت.
و أما أن يكون زوجة أب فتحريمها إنما هو من حيث المصاهرة لا من حيث النسب، و الرضاع إنما يتفرع على النسب لا على المصاهرة.
على أن هذه المصاهرة غير مؤثرة في التحريم لأنها ملائمة لما يحرم بالمصاهرة
383
لا عينه، فإن أم الأخ من حيث إنها أم الأخ ليست إحدى النسوة الأربع المحرمات بالمصاهرة، و إنما المحرم منكوحة الأب و هي لا تستلزم كونه أم الأخ: كذا ذكره شيخنا في المسالك.
و أشار بالأربع المحرمات بالمصاهرة إلى قوله عز و جل (1) «وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ وَ رَبٰائِبُكُمُ- إلى قوله- وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلٰابِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ» فهذه الأربع التي وقع التحريم بالمصاهرة، و أم الأخ ليست داخلة في شيء منها و إن كانت مشابهة لها في ذلك.
الثانية: قال: أم ولد الولد حرام لأنها إما بنته أو زوجة ابنه، و في الرضاع قد لا تكون حراما، مثل أن ترضع الأجنبية ابن الابن فإنها أم ولد الولد و ليست حراما.
أقول: و الكلام في هذه كسابقتها أيضا، فإن أم ولد الولد ليست من المحرمات السبع التي تضمنتها الآية، و قد عرفت بمقتضى القاعدة الثانية أن التحريم في الرضاع إنما هو بحلول المرأة بسبب الرضاع محل واحدة من تلك السبع.
و تحريمها على تقدير كونها بنتا، إنما هو من حيث البنتية لا من حيث كونها أم ولد الولد، مع أنه قد لا تكون لها ولد، فلا يلزم من البنتية كونها أم ولد الولد.
و تحريمها على تقدير كونها زوجة ابنه إنما هو من حيث المصاهرة و قد عرفت أن الرضاع إنما يتفرع على النسب لا على المصاهرة، على أن هذه المصاهرة كما عرفت آنفا أيضا غير مؤثرة في التحريم، لكنها ملائمة لما يحرم بالمصاهرة لا عينه، لأن أم ولد الولد من حيث هي كذلك ليست إحدى النسوة الأربع المحرمات بالمصاهرة في الآية، و إنما المحرم منها زوجة الابن و حليلته، و من المعلوم أن هذه ليست كذلك، و بذلك يظهر بطلان الاستثناء في هذه الصورة أيضا.
____________
(1) سورة النساء- آية 23.
384
الثالثة: قال: جدة الولد في النسب حرام، لأنها إما أمك أو أم زوجتك، و في الرضاع قد لا يكون كذلك كما إذا أرضعت أجنبية ولدك فأن أمها جدته، و ليست بأمك و لا أم زوجتك.
أقول: و الكلام في هذه الصورة على نهج ما تقدم، فإن جدة الولد ليست إحدى المحرمات السبع التي تضمنتها الآية، و إن اتفق كونها اما فتحريمها إنما هو من حيث الأمومة لا من حيث كونها جدة الولد ليتم التفريع عليه في الرضاع.
و أما تحريم أم الزوجة، فإنما هو بالمصاهرة، على أنك قد عرفت ما في هذه المصاهرة كما في نظائرها المتقدمة، فإن جدة الولد من حيث كونها كذلك ليست إحدى النسوة الأربع المحرمة في الآية بالمصاهرة، إذ المحرم في تلك الأربع إنما هو أم الزوجة، و من المعلوم أن هذه ليست كذلك.
و بالجملة فإن التفريع على جدة الولد غير تام، لأنها إن كانت اما فإنما هو من حيث الأمومة، و إلا فلا وجه للتفريع.
قال في المسالك- بعد الكلام بنحو ما ذكرناه في ذلك-: و من هذه الصورة أيضا يظهر حكم ما لو أرضعت زوجتك ولد ولدها ذكرا كان الولد أو أنثى، فإن هذا الرضيع يصير ولدك بالرضاع بعد أن كان ولد ولدك بالنسب، فتصير زوجتك المرضعة جدة ولدك و جدة الولد محرمة عليك كما مر، لكن هنا لا تحرم الزوجة لأن تحريم جدة الولد ليس منحصرا في النسب، و لا من حيث إنها جدة كما عرفت.
و كذا القول لو أرضعت ولد ولدها من غيرك، فإن الرضيع يصير ولدك بالرضاع، و إن لم يكن له إليك انتساب قبله، و تصير زوجتك جدة ولدك، و لا يحرم بذلك كما قررناه. انتهى.
أقول: و أصحاب التنزيل الذين وقعوا في شباك الالتباس في الرضاع يقولون بالتحريم في هذه الصور كلها كما سيأتي- إن شاء الله تعالى- بيانه.
385
الرابعة: قال: أخت ولدك في النسب حرام عليك، لأنها إما بنتك أو ربيبتك، و إذا أرضعت أجنبية ولدك فبنتها أخت ولدك، و ليست ببنت و لا ربيبة.
أقول: و الكلام هنا كما تقدم فإن أخت الولد ليست إحدى المحرمات السبع التي تضمنتها الآية، و لم تحرم من حيث كونها أخت ولد، و إنما حرمت إما من حيث البنتية فتكون جهة التحريم إنما هي البنتية و هي التي يتفرع عليها الرضاع، و إما من حيث كونها ربيبة، و تحريمها إنما هو بالمصاهرة فلا يتفرع عليها الرضاع بل هذه المصاهرة ليست مؤثرة في التحريم لكنها تلائم ما يحرم منها و ليست عينه، لأن أخت الولد من حيث أخت الولد ليست إحدى الأربع المحرمات بالمصاهرة إذ المحرم منها إنما هو الربيبة أعني بنت الزوجة، و هذه ليست كذلك إلا أن التحريم هنا قد ثبت بدليل خارج عن مقتضى القاعدة المتقدمة على المشهور، و هي الصورة التي تقدمت الإشارة إليها كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى، و هي أنه لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولادة و لا رضاعا، و لا في أولاد المرضعة ولادة.
و إذا تدبرت ما تلوناه و تأملت ما سطرناه، تبين لك أن استثناء هذه الأربع الصور من القاعدة المستفادة من ذلك الخبر ليس في محله، لعدم دخول ما استثنى في المستثنى منه، لأن المراد من الخبر أن كلما يحرم بالنسب بأحد العنوانات و الجهات المذكورة في الآية من الأمية و الأختية و البنتية و نحوها تحرم نظيرها في الرضاع، بأن تكون أما أو أختا أو بنتا من الرضاع، و ما في هذه الصور ليس شيء منها من هذه السبع المعدودة كما لا يخفى.
و ملخص ما ذكرناه في هذا المقام أنه متى ارتضع الولد من لبن امرأة و فحلها بالشروط المتقدمة، فإنه تصير المرضعة اما، و الفحل أبا، و أولاد الفحل ولادة و رضاعا إخوة و أخوات: و أولاد المرضعة ولادة خاصة على المشهور إخوة و أخوات، و أولادها رضاعا على قول الطبرسي إخوة و أخوات أيضا.
386
و أصول المرضعة و الفحل و فروعهما و من في طبقتهما كما هم للولد النسبي، فينشر التحريم من الجميع على المرتضع بالشروط، و ينتشر منه عليهم.
و أما أصول المرتضع و من كان في طبقته فلا يلحقهم تحريم مع أحد من هؤلاء المعدودين، و لا خلاف بين أصحابنا المتقدمين و المتأخرين في ابتناء الرضاع و مسائله على هاتين القاعدتين كما قدمناه في صدر المسألة، إلا أن هنا مواضع قد وقع الخلاف فيها دخولا في القاعدتين المذكورتين و خروجا باعتبار أدلة من خارج اقتضت خروجها كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن جملة من متأخري المتأخرين ممن يقرب من عصرنا هذا قد ذهبوا في الرضاع إلى القول بالتنزيل، فحكموا بتحريم نسوة كثيرة في الرضاع بناء على ذلك، و لم يقفوا على القاعدتين المذكورتين المتقدمتين.
منهم العلامة المحقق العماد مير محمد باقر المشهور بالداماد، فإنه ممن صنف رسالة في ذلك و أكثر فيها من الدعاوي الباطلة، و التخريجات العاطلة، حتى ادعى أن ما ذهب إليه هو القول المشهور.
و قد كتبنا في المسألة رسالة في الرد عليه، و أوضحنا فيها بطلان ما صار إليه، و سميناها ب«كشف القناع عن صريح الدليل في الرد على من قال في الرضاع بالتنزيل».
و منهم الفاضل الشريف المولى أبو الحسن محمد طاهر العاملي المجاور بالنجف الأشرف حيا و ميتا، فإنه أيضا صنف رسالة في ذلك، و قد نقل أيضا هذا القول المحقق الثاني في رسالته عن بعض معاصريه، و نقل أنهم أسندوه أيضا إلى شيخنا الشهيد (رحمه الله) قال (قدس سره) في الرسالة المذكورة: اعلم- أبقاك الله- أنه قد اشتهر على ألسن الطلبة في هذا العصر تحريم المرأة على بعلها برضاع بعض من سنذكره، و لا نعرف لهم في ذلك أصلا يرجعون إليه من كتاب أو سنة، أو إجماع أو قول لأحد من المعتبرين، أو عبارة يعتد بها تشعر بذلك، أو دليل مستنبط في
387
الجملة يعول على نقله بين الفقهاء، و إنما الذين شاهدناهم من الطلبة وجدناهم يزعمون أنه من فتاوي شيخنا الشهيد (قدس سره).
و نحن لأجل مباينة هذه الفتاوى لأصول المذهب استبعدنا كونها مقالة لمثل شيخنا على غزارة علمه و ثقوب فهمه، لا سيما و لم نجد لهؤلاء المدعين لذلك إسنادا يتصل لشيخنا في هذه الفتاوى و يعتد به، و لا مرجع يركن إليه، و لسنا نافين هذه النسبة عنه (رحمه الله) استعانة على القول بفساد هذه الفتاوى، فإن الأدلة على ما هو الحق المبين- و اختيارنا المتين بحمد الله- كثيرة جدا لا نستوحش منها من قلة الرفيق.
نعم اختلف أصحابنا في ثلاث مسائل قد يتوهم منها القاصر عن درجة الاستنباط أن يكون دليلا لشيء من هذه المسائل أو شاهدا عليها إلى آخر كلامه زيد في إكرامه.
أقول: و المستفاد من كلام المحقق العماد- المتقدم ذكره في رسالته- أن منشأ الشبهة عنده فيما ذهب إليه من شيئين: (أحدهما) الحديث المشهور و هو قولهم (عليهم السلام)
«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
فإنه ادعى أنه دال بعمومه على ذلك حيث لم يتعرض فيه للدلالة على جهة الحرمة أصلا بل إنما يدل بمنطوقه و عمومه أن كلما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع، ساكتا من جهة الحرمة و علة التحريم رأسا.
و (ثانيها) الأخبار الواردة في نكاح أب المرتضع في أولاد صاحب اللبن كما سيأتي ذكرها إن شاء الله، حيث إنه قال (عليه السلام) في بعض تلك الأخبار «فإن ولدها صارت بمنزلة ولدك» فقال الفاضل المذكور: فهذا التفصيل يعطي التعميم، و يوجب تحريم كل من تصير بمنزلة محرم.
و الجواب عن أولى الشبهتين المذكورتين أنك قد عرفت أن المحرمات النسبية معدودة مضبوطة في الآية الشريفة، و حينئذ فيكون قوله (عليه السلام)
«يحرم
388
من الرضاع ما يحرم من النسب».
مقيدا بتلك الآية، بمعنى أنه يحرم من الرضاع ما حرمته الآية في النسب، من السبع المذكور التي هي الأم و البنت و الأخت إلى آخرها، و حاصله: أن كل امرأة تصير بالرضاع موضع واحدة من هاتيك السبع النسبية فإنها تحرم بذلك.
و هو قد اعترف بذلك أيضا حيث قال في رسالته: ضابطة حرم الله تعالى بالنسب من النساء سبعا و يتبعهن في التحريم مضاهياتهن اللاتي صرن في منزلتهن بالرضاعة، الأم و إن علت، فامك من الرضاعة هي كل امرأة أرضعتك أو رجع نسب من أرضعتك أو نسب صاحب اللبن إليها، ثم ساق الكلام في تعداد الباقي على هذا النحو إلى آخر المحرمات التي تضمنتها الآية.
و أنت خبير بأن مقتضى هذه الضابطة أن كل امرأة حرمت باعتبار وصف في النسب ككونها أما أو بنتا أو أختا حرمت نظيرتها في الرضاع، و هي الأم الرضاعية و البنت الرضاعية و الأخت مثلا، ففرعية الرضاع على النسب إنما يقع مع الاتفاق في تلك الجهات المخصوصة التي باعتبارها حرمت المحرمات النسبية لا مع الاتفاق في وصف ما من الأوصاف وجهة ما من الجهات و إلا لزاد العدد على السبع مع أنه صرح في ضابطته بأنها سبع، و ليس إلا باعتبار ما ذكرناه مثلا: الام ثبتت لها جهات متعددة مثل كونها اما و كونها أم أخ و كونها زوجة أب، و هكذا في باقي المحرمات النسبية، فلو كان التحريم فيها باعتبار كل واحدة من هذه الجهات لزاد العدد البتة.
و حينئذ فتحريم الأم في النسب إنما وقع من حيث كونها اما لا من حيث كونها أم أخ أو أخت، و إن لزمها ذلك في بعض الأحيان، فتحريم الأم في الآية الشريفة إنما وقع من حيث الأمومة التي هي وصف لازم لها في جميع الأحوال بخلاف الثاني، فإن لزومه منفك من الجانبين، فقد تكون أم أخ و ليست بأم كزوجة الأب التي له منها ولد، و قد تكون اما و ليست بأم أخ كما إذا لم يكن
389
لها ولد سواه.
و حينئذ فلا يدل تحريم الام على تحريم أم الأخ و الأخت لا مطابقة و لا تضمنا و لا التزاما، و تحريم أم الأخ من حيث كونها أم الأخ غير مدلول عليه في كلام الشارع بالمرة، بل إنما حصل التحريم فيها من حيث كونها اما أو زوجة أب.
و بالجملة فإنه لا يخفى على من كان له الذوق الثاقب و الفهم الصائب أن التحريم لم يتعلق بذات كل واحدة من هذه المعدودات، و إنما تعلق بها باعتبار هذه الأوصاف التي اتصفت بها من الأمومة و البنتية و الأختية و نحوها، و التعليق على الوصف يشعر بالعلية، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لكل ذي فهم و روية.
و الجواب عن ثاني شبهتيه: أولا: أنه ظاهر مما حققناه في الجواب عن الشبهة الأولى، لأنه متى تقرر أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما يحرم من النسب، و أن المحرمات النسبية محصورة، و جهات التحريم فيها مضبوطة محصورة أيضا، و هي تلك الأوصاف المخصوصة- علم أن من وجد في الرضاع متصفا بشيء من تلك الأوصاف، فإنه يلحقه حكم التحريم و من لا، فلا.
نعم حيث ورد النص بذلك في هذه الصورة المخصوصة خصصنا به القاعدة المذكورة بالنسبة إلى ما ورد دون ما ضاهاه و شابهه، جمعا بين الدليلين كما هو مقتضي القواعد الشرعية في البين.
و ثانيا: انك قد عرفت أن المستفاد من الأخبار و كلام الأصحاب- من غير خلاف يعرف إلا من هؤلاء الذين لا يقدح خلافهم في الإجماع- أن انتشار الحرمة من المرتضع إلى المرضعة و الفحل مخصوصة بالمرتضع و فروعه لا تتعداهما إلى أصوله و من كان في طبقته، فحكم أصوله و من كان في طبقته مع الفحل و المرضعة و أصولهما و فروعهما و من كان في طبقتهما حكم الأجانب.
و لا تكاد ترى في النصوص أثرا للتحريم في شيء من هذه الصور سوى هذه
390
الصورة المذكورة، و على هذا اتفقت كلمة الأصحاب أيضا في ما سوى ثلاث صور يأتي التنبيه عليها إن شاء الله تعالى، قد ذهب شذوذ منهم فيها إلى التحريم بناء على توهم سبق إلى ذهنه مع التزامهم بأصل القاعدة فجعلوا هذه الصور مستثنيات منها، و سنبين إن شاء الله تعالى بطلان ما ذهبوا اليه و توهموه:
و ثالثا: أن الظاهر أن وجه ما ذكره ذلك الفاضل من التعميم في الخبر هو أنه لما نزل ذلك الأخ الرضاعي لولده منزلة ولده، و من المعلوم أن منزلة ولده منه توجب تحريمه عليه، و تحريم كل من أقاربه عليه أيضا، و تحريم بعضهم على بعض، فكذا تثبت هذه المنزلة لهذا الأخ الرضاعي لولده.
و جوابه أن توهم العموم في المقام باطل و هو ظاهر عند المتأمل، و ذلك لأن مورد النص- كما ستقف عليه إن شاء الله- هو تحريم أولاد المرضعة على أب المرتضع، معللا بما ذكره.
فالمراد بكونهن بمنزلة ولده يعني في التحريم عليه، فكما أن ولده يحرمون عليه فكذا أولئك، فإنك إذا قلت «أكرم زيدا فإنه بمنزلة أبيك» فإن المتبادر منه يعني في استحقاق وجوب الإكرام لا مطلقا، فكذا هنا لما قال:
«يحرم عليك نكاحهن لأنهن بمنزلة ولدك»، يعني في التحريم عليك، فالمنزلة إنما تثبت في التحريم عليه خاصة لا مطلقا حتى أنه يمتنع نكاح إخوة أحد المرتضعة إخوة الآخر كما هو مذهب الشيخ في الخلاف، كيف و الخطاب في الخبر إنما هو لأب المرتضع.
نعم لو ورد النص مطلقا في أن ولد الفحل بمنزلة ولد أب المرتضع لاتجه ما ادعاه، و الله العالم.
المورد الثاني: في ذكر المسائل التي وقع الخلاف فيها في البين
، و بيان ما هو الحق فيها من القولين.
[المسألة] الأولى: هل يجوز لأب المرتضع أن ينكح في أولاد صاحب اللبن ولادة
391
و رضاعا، و أولاد المرضعة ولادة و رضاعا على قول الطبرسي أم لا؟
ذهب الشيخ في المبسوط و جماعة إلى الأول وقوفا على القاعدة المتقدمة، حيث إن أولاد الفحل بالنسبة إلى أبي المرتضع إنما صاروا بالرضاع إخوة ولده، و أخت الولد ليست إحدى المحرمات النسبية التي حرمتها الآية، و إنما حرمت في الآية لكونها بنتا أو ربيبة و شيء منهما غير موجود فيما نحن فيه.
قال في المسالك- بعد ذكر الأخبار الآتية الدالة على التحريم- ما لفظه فهذه الروايات الصحيحة هي المخرجة للمسألة من أصل تلك القاعدة، و مع ورود هذه الروايات في موضع النزاع ذهب جماعة من الأصحاب، منهم الشيخ في المبسوط إلى عدم التحريم محتجا بما أشرنا إليه من أن أخت الابن من النسب إنما حرمت لكونها بنت الزوجة المدخول بها فتحريمها بسبب الدخول بأمها، و هذا المعنى منتف هنا،
و النبي (صلى الله عليه و آله) إنما قال «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (1).
و لم يقل يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة، ثم نقل عن المختلف أنه قال: و قول الشيخ في غاية القوة، و لو لا الرواية الصحيحة لاعتمدت عليه. انتهى:
أقول: و عندي في المقام إشكال لم أر من تنبه له و لا نبه عليه، و هو أن موضوع المسألة المبحوث عنها في كلامهم هو ما قدمنا ذكره من أنه هل يجوز لأب المرتضع أن ينكح في أولاد صاحب اللبن؟ إلى آخر ما تقدم.
و نقلوا عن الشيخ في المبسوط القول بالجواز كما سمعت، و التعليل بما عرفت من كلامه في المسالك، و عبارة المبسوط التي نقلها العلامة في المختلف إنما هي بهذه الصورة حيث قال الشيخ في المبسوط: يجوز للفحل أن يتزوج بأم المرتضع و أخته وجدته، و يجوز لوالد هذا المرتضع أن يتزوج بالتي أرضعته، لأنه لا نسب بينهما و لا رضاع، و لأنه لما جاز أن يتزوج أم ولده من النسب، فبأن يجوز أن يتزوج أم ولده من الرضاع أولى، إلى آخر كلامه.
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 280 ح 1.
392
و هذه العبارة لا دلالة فيها على محل النزاع و لا تعرض فيها له بوجه، و إنما تضمنت جواز تزويج الفحل الذي هو صاحب اللبن لأخت المرتضع التي هي ابنة أب المرتضع، و هي مسألة أخرى عكس ما نحن فيه، سيأتي إن شاء الله تعالى ذكرها، فإن ما نحن فيه هو تزويج أب المرتضع في أولاد صاحب اللبن، و هذه إنما تضمنت تزويج صاحب اللبن في أولاد أب المرتضع.
نعم ذكر أن أب المرتضع يجوز له تزويج المرأة التي أرضعت ابنه، و لم يتعرض لأزيد من ذلك (1) و كتاب المبسوط لا يحضرني الآن، فليتأمل ذلك.
و نحو ذلك ما نقلوه عن الخلاف من القول بالتحريم في هذه المسألة، مع أن العبارة هنا كعبارة المبسوط الدالة على الجواز إنما تضمنت عكس المسألة المبحوث عنها، فإنه قال على ما نقله في المختلف: إذا حصل الرضاع المحرم لم يحل للفحل نكاح أخت هذا المولود المرتضع، و لا لأحد من أولاده من غير المرضعة.
و منها، لأن إخوته و أخواته صاروا بمنزلة أولاده.
و هي كما ترى ظاهرة في أن المحرم إنما هو نكاح صاحب اللبن في أولاد أب المرتضع و قد أسندوا له بهذه العبارة القول بتحريم نكاح أب المرتضع في أولاد صاحب اللبن، و لم ينقل في المختلف غير هاتين العبارتين في البين على أن كلامه في المختلف غير ظاهر في هذه المسألة، و إنما تكلم على ما ذكره الشيخ و ابن إدريس من حكم نكاح الفحل في جدة المرتضع و أخته.
و ما نقله عنه في المسالك من قوله- و قول الشيخ في غاية القوة و لولا الرواية الصحيحة لاعتمدت عليه- إنما هو بالنسبة إلى نكاح الفحل في جدة المرتضع كما سيظهر لك إن شاء الله في المسألة الآتية لا في نكاح أب المرتضع في أولاد صاحب
____________
(1) نعم قد صرح ابن البراج في المهذب بذلك فقال: و كذلك يتزوج بنات المرأة التي أرضعت ولده، و بناتهن أيضا، لأنهن لم يرضعن من لبنه، و لا بينهن قرابة من رضاع و لا غيره، و انما نكاحهن على المرتضع. انتهى. (منه- (قدس سره)-).
393
اللبن كما هو ظاهره في المسالك.
و بالجملة فإن العلامة لم يتعرض لهذه المسألة هنا بالكلية، و إنما كلامه على عبارة الشيخ التي ذكرناه، و قد عرفت أنها ليست من محل البحث في شيء.
و بذلك يظهر لك أن نسبة القول بالجواز إلى المبسوط في هذه المسألة التي هي محل البحث لا يظهر له وجه، إلا أن يكون في موضع آخر، و لكن ظاهر كلامهم كما عرفت في عبارة المسالك و مثله غيره إنما هو من هذا الموضع الذي ذكرناه، و هو عجب كما لا يخفى على المدقق المصيب.
و أما الروايات الواردة في المسألة المبحوث عنها، فمنها ما رواه
ثقة الإسلام و الصدوق «عطر الله مرقديهما» في الصحيح عن عبد الله بن جعفر (1) «قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام): امرأة أرضعت ولد الرجل، هل يحل لذلك الرجل أن يتزوج ابنة هذه المرضعة أم لا؟ فوقع (عليه السلام): لا، لا تحل له».
و ما رواه
الشيخ و الصدوق في الصحيح عن أيوب بن نوح (2) قال: «كتب علي بن شعيب إلى أبي الحسن (عليه السلام): امرأة أرضعت بعض ولدي، هل يجوز لي أن أ تزوج بعض ولدها؟ فكتب (عليه السلام): لا يجوز ذلك، لأن ولدها قد صار بمنزلة ولدك».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن علي بن مهزيار (3) في الصحيح قال: «سأل عيسى بن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثاني (عليه السلام) إن امرأة أرضعت لي صبيا فهل يحل لي أن أتزوج ابنة زوجها؟ فقال لي: ما أجود ما سألت من ههنا يؤتى أن يقول
____________
(1) الكافي ج 5 ص 447 ح 18، الفقيه ج 3 ص 306 ح 9، الوسائل ج 14 ص 307 ب 16 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 321 ح 32، الفقيه ج 3 ص 306 ح 8، الوسائل ج 14 ص 306 ب 16 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 441 ح 8، التهذيب ج 7 ص 320 ح 28، الوسائل ج 14 ص 296 ح 10.
394
الناس حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل، هذا هو لبن الفحل لا غيره. فقلت له: إن الجارية ليست ابنة المرأة التي أرضعت لي هي ابنة غيرها، فقال: لو كن عشرا متفرقات ما حل لك منهن شيء، و كن في موضع بناتك».
و الصحيحتان الأولتان دالتان على تحريم أولاد المرضعة، و الصحيحة الثالثة دالة على تحريم أولاد الفحل و إن لم يكونوا من تلك المرضعة.
و المفهوم من كلام السيد السند في شرح النافع أن تحريم أولاد الفحل لا مستند له من الأخبار، حيث إنه إنما استند في ذلك إلى الأولوية، فقال- بعد أن أورد الصحيحتين الأولتين-: حكم (عليه السلام) في هاتين الروايتين بتحريم أولاد المرضعة، و إذا حرم أولاد المرضعة حرم أولاد صاحب اللبن بطريق أولى.
انتهى.
و العجب منه أن الرواية منقولة في المسالك أيضا، و سندها صحيح باصطلاحه، فكيف غفل عن ذلك حتى التجأ إلى هذا التعليل العليل.
و كيف كان فالظاهر هو القول المشهور وقوفا على هذه الروايات الصحاح الصراح، فيخصص بها عموم تلك القاعدة المتقدمة.
المسألة الثانية: هل يحل للفحل أن يتزوج بأم هذا المرتضع النسبية أم لا؟
المشهور الأول، و به صرح الشيخ في المبسوط حيث قال- بعد ذكر القاعدة التي تقدمت الإشارة إليها آنفا-: فيجوز للفحل أن يتزوج بأم هذا المرتضع، و بأخته و بجدته، و يجوز لوالد هذا المرتضع أن يتزوج بالتي أرضعته، لأنه لا نسب بينهما و لا رضاع، و لأنه لما جاز أن يتزوج بأم ولده من النسب: فبأن يجوز أن يتزوج بأم ولده من الرضاع أولى.
قالوا: أ ليس لا يجوز أن يتزوج بأم أم ولده من النسب، و يجوز أن يتزوج بأم أم ولده من الرضاع؟ فكيف جاز هذا، و قد قلتم إنه يحرم من الرضاع ما
395
يحرم من النسب.
قلنا أم أم ولده من النسب ما حرمت بالنسب بل حرمت بالمصاهرة قبل وجود النسب، و النبي (صلى الله عليه و آله) إنما قال «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» و لم يقل: يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة. انتهى.
و به قال ابن حمزة و ابن البراج و العلامة في التحرير و القواعد- و هو المختار- و الوجه فيه أنه لا مقتضى للتحريم، و الأصل عدمه، و ليس إلا كونها جدة ابنه و هو غير موجب للتحريم، لأن جدة الابن لامه إنما حرمت بالمصاهرة أعني الدخول بابنتها، و هذه العلة غير موجودة هنا.
و ذهب العلامة في المختلف إلى القول بالتحريم، و نقله فيه عن ابن إدريس، قال في المختلف بعد نقل عبارة الشيخ في المبسوط المذكورة (1) الدالة على الجواز: و قال ابن إدريس: و أما تزويجه بأخته وجدته فلا يجوز بحال، لأنا في النسب لا نجوز له أن يتزوج الرجل بأخت ابنه و لا بأم امرأته بحال، و إنما الشافعي علل ذلك بالمصاهرة، و ليس هيهنا مصاهرة، و كذا في قوله و سؤاله على نفسه «أ ليس لا يجوز له أن يتزوج أم ولده في النسب، و يتزوج أم أم ولده في الرضاع».
و أجاب بأن أم أم ولده في النسب ما حرمت بالنسب، و إنما حرمت بالمصاهرة قبل وجود النسب، و علل ذلك بالمصاهرة، فلا يظن ظان بأن ما قلناه كلام الشيخ أبي جعفر.
____________
(1) أقول: صورة عبارة الشيخ المشار إليها هكذا «و الذي يدور عقد الرضاع عليه جملته أن امرأة الرجل إذا كان بها لبن منه فأرضعت مولودا رضعة على الصفة المتقدم ذكرها صار كأنه ابنها من النسب حرم على هذا، لأن الحرمة انتشرت منه إليهما و منهما إليه فالتي انتشرت إليهما أنه صار كأنه ابنهما من النسب، و الحرمة التي انتشرت منهما اليه وقفت عليه و على نسله، دون من هو في طبقته من اخوته و أخواته أو أعلى منه من آبائه و أمهاته، فيجوز للفحل الى آخر ما في الأصل. (منه- (قدس سره).
396
و الذي يقتضي مذهبنا أن أم أم ولده من الرضاع محرمة عليه، كما أنها محرمة عليه من النسب لأنه أصل في التحريم من غير تعليل ثم نقل كلام ابن حمزة في المسألة فقال بعده: و المعتمد تحريم أم أم الولد من الرضاع.
و قول الشيخ في المبسوط و إن كان قويا لكن الرواية الصحيحة على خلافه، فإن علي بن مهزيار روى في الصحيح ثم ساق الرواية المذكورة كما قدمناها قريبا، ثم قال: بعدها: فقد حكم (عليه السلام) هنا بتحريم أخت الابن من الرضاع و جعلها في منزلة البنت، و لا ريب أن أخت البنت إنما تحرم بالنسب لو كانت بنتا أو بالسبب لو كانت بنت الزوجة، فالتحريم هنا باعتبار المصاهرة، و جعل الرضاع كالنسب في ذلك.
و قول الشيخ في غاية القوة، و لو لا هذه الرواية الصحيحة لاعتمدت على قول الشيخ، و نسبة ابن إدريس هذا القول للشافعي غير ضائر للشيخ، و قوله لا يجوز أن يتزوج بأخت ابنه و لا بأم امرأته و ليس هنا مصاهرة غلط لأنهما إنما حرمتا بالمصاهرة. انتهى كلام العلامة في الكتاب المذكور.
و قال شيخنا الشهيد في كتاب نكت الإرشاد- عند قول المصنف و لا يحرم أم أم الولد من الرضاع- ما هذا لفظه: أقول: ربما اشتبه صورة هذه المسألة بسبب اشتباه متعلق «من» و حكمها فأما صورتها فإن من يحتمل أن يتعلق بمحذوف حال من الأم الثانية لا من الولد و المحكوم عليه هو الوالد لا الفحل، فالتقدير لا يحرم على أب المرتضع أم أم المرتضع كائنة من الرضاع و إن كانت أمها نسبا و معناه أنه إذا أرضعت ولده امرأة لا تحرم على الوالد أم تلك المرأة، و هذا الحكم صرح به ابن حمزة، و وجهه أصالة الحل و عدم المصاهرة هنا.
و يحتمل أن يكون حالا من الأم الاولى، و التحريم أيضا منفي عن الوالد، و معناه أن مرضعة أم ابنه لا تحرم عليه، و هو بين.
و الأولى و المناسب لما ذكره في المختلف و بقية كتبه أن يكون حالا من
397
الولد، و المحكوم عليه بنفي التحريم هو الفحل و هو الذي نص عليه في المبسوط، و أورد على نفسه أم أم الولد من النسب فإنها تحرم فينبغي أن يكون أم امه من الرضاعة كذلك، و أجاب بأن تحريم تلك ما كان بالنسب، بل بالمصاهرة الحاصلة قبل النسب، و الذي يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، لا ما يحرم من المصاهرة.
و أنكره ابن إدريس، و زعم أن هذا حكاية كلام الشافعي، و ليس مذهبا للشيخ بل تحرم أم أم الولد من الرضاع كما تحرم من النسب، و اختاره المصنف (طاب ثراه) عملا بصحيحة على بن مهزيار، ثم نقل الصحيحة المشار إليها، و قال بعدها: وجه الدلالة أنه (عليه السلام) حكم بتحريم أخت الابن من الرضاع، و جعلها في موضع البنت.
و أخت البنت تحريمها بالنسب إذا كانت بنتا، و بالسبب إذا كانت بنت الزوجة فالتحريم هنا بالمصاهرة، و جعل الرضاع كالنسب في ذلك فيكون في أم الأم كذلك، و ليس قياسا لأنه نبه بجزئي من كلي على حكم الكلي، ثم قال المصنف و لو لا هذه الرواية لاعتمدت على قول الشيخ لقوته، و اعتمد هنا و في التلخيص على قوله، و هو المختار. انتهى.
و أنت خبير بأن ما استدل به في المختلف من صحيحة علي بن مهزيار فإنه لا دلالة فيه لأن موردها هو المنع من نكاح أب المرتضع في أولاد الفحل، و تعليله (عليه السلام) التحريم بكونهن في موضع بناته لا يوجب تعدي التحريم إلى أم أم المرتضع بالنسبة إلى الفحل، و إلا لزم التحريم في كل من كانت في موضع محرم كما يدعيه أصحاب التنزيل، و هو لا يقول به.
و بالجملة فالخروج عن موضع النص إلى ما شابهه و شاكله من هذه الصورة أو غيرها قياس محض لا يوافق أصول المذهب.
قال المحقق الثاني (قدس سره) في رسالته المتقدم ذكرها- بعد نقل كلام
398
شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد و لنعم ما قال-:
و فيه نظر، أما (أولا) فلأن المشار إليه في ذلك هو تحريم بنت الزوجة أي جعل الرضاع كالنسب في تحريم بنت الزوجة، أي كما تحرم بالنسب تحرم بالرضاع، و معلوم أن تحريمها إذا لم تكن بنتا ليس بالنسب و إنما هو بالمصاهرة، فلا يستقيم قوله جعل الرضاع كالنسب في ذلك.
و أما (ثانيا) فإنه لا يلزم من ثبوت التحريم في هذا الفرد المعين- مع خروجه عن حكم الأصل و ظاهر القواعد المقررة لورود النص عليه بخصوصه- تعدية الحكم إلى ما أشبهه من المسائل، فإن ذلك عين القياس، و ادعاؤه نفي القياس عنه و اعتذاره بأنه نبه بجزئي من كلي على حكم الكلي لا يفيده شيئا، لأن تعريف القياس صادق عليه، فقد عرف بأنه تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع لعلة متحدة فيهما.
و الأصل فيما ذكره هو أخت الولد من الرضاع، و الفرع هو جدة الولد من الرضاع و الحكم المطلوب بتأديته هو التحريم الثابت في الأصل بالنص و ما يظن كونه علة التحريم هو كون أخت الولد من الرضاع في موضع من يحرم من النسب أعني البنت النسبية، و هذا بعينه قائم في جدة الولد من الرضاع، فإنه في موضع جدته من النسب، بل ما ذكره أسوء حالا من القياس، لأنك قد عرفت أن القياس تعدية الحكم من جزئي إلى آخر لاشتراكهما فيما يظن كونه علة التحريم و هو (رحمه الله) قد حاول تعدية الحكم من الجزئي إلى الكلي، و نبه على العلة و ثبوتها في الفرع أول كلامه و أغرب في عبارته فسمى ذلك تنبيها على الحكم و نفي عنه القياس، و ذلك لا يحصنه من الإيراد و الاعتراض و لا يلتبس على الناظر المتأمل كونه قياسا. انتهى كلامه زيد مقامه، و هو جيد متين و جوهر ثمين، و به يظهر لك قوة القول بالجواز كما هو القول المشهور و المؤيد المنصور.
المسألة الثالثة [حكم نكاح أولاد أب المرتضع في أولاد الفحل و المرضعة]
هل لأولاد أب المرتضع الذين لم يرتضعوا من لبن هذا
399
الفحل أن ينكح في أولاد الفحل ولادة و رضاعا، و أولاد المرضعة ولادة أم لا؟
قولان: الأشهر الأظهر الأول، و اختار ثانيهما الشيخ في الخلاف و النهاية استنادا إلى ظاهر التعليل المذكور في تلك الروايات المتقدمة في المسألة الاولى، و هو كونهم بمنزلة ولد الأب، فإن ذلك يقتضي حصول الاخوة بينهم المانع من نكاح أحدهما في الآخر إذ كونهم بمنزلة ولد الأب يقتضي كونه كالاخوة للعلة، فإنها منصوصة فيتعدى حكمها.
و أجيب بأن تعدي حكمها مشروط بوجودها في المعدى إليه و هنا ليس كذلك (1) لان كونهن بمنزلة ولد الأب ليس موجودا في محل النزاع، و ليس المراد بحجية منصوص العلة أنه حيث يثبت العلة أو ما جرى مجراها يثبت الحكم كذا نقله شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و شرح اللمعة، و هو متجه.
و ما يقال من أنه يلزم من كونهن بمنزلة ولد أب المرتضع ثبوت اخوة بعضهم مع بعض فيكونون إخوة لأولاد أب المرتضع.
ففيه: أنا نقول قد قدمنا أن المراد من كونهن بمنزلة ولد أب المرتضع إنما هو في المحرم عليه، بمعنى أنه كما تحرم أولاده عليه يحرم هؤلاء عليه أيضا و أما أنه يلزم من ذلك كونهما اخوة لأولاده فيحرم نكاح بعضهم في بعض فهو ممنوع كما سيأتي توضيح ذلك في كلام المحقق الثاني في الرسالة.
و رد ابن إدريس هنا على الشيخ فيما اختاره من التحريم و اختار القول الأول و لننقل كلامهما على ما نقله في المختلف فنقول:
____________
(1) توضيح الجواب المذكور أنه إذا قال الشارع: حرمت الخمر لإسكاره، فإنه بمقتضى العمل بمنصوص العلة يتعدى التحريم، حيث وجد الإسكار، و حينئذ فلا بد في المعدى اليه من وجود العلة التي هي هنا الإسكار حتى يترتب عليه التحريم، و محل البحث هنا ليس كذلك، فإن العلة في الأصل هي كونهم بمنزلة ولد الأب، و هي غير موجودة في الإخوة بعضهم من بعض كما لا يخفى. (منه- (قدس سره)-).
400
قال العلامة: قال الشيخ في الخلاف: إذا حصل الرضاع المحرم لم يحل للفحل نكاح أخت هذا المولود المرتضع بلبنه، و لا لأحد من أولاده من غير المرضعة و منها، لأن إخوته و أخواته صاروا بمنزلة أولاده.
و نحوه قال في النهاية حيث قال: و كذلك تحرم جميع إخوة المرتضع على هذا الفحل و على جميع أولاده من جهة الولادة و الرضاع.
و قال ابن إدريس: قول شيخنا في ذلك غير واضح و أي تحريم حصل بين أخت هذا المولود المرتضع، و بين أولاد هذا الفحل، و ليس هي أختهم لا من أمهم و لا من أبيهم، و النبي (صلى الله عليه و آله) جعل النسب أصلا للرضاع في التحريم، فقال
«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
و في النسب لا يحرم على الإنسان أخت أخيه التي لا من امه و لا من أبيه، ثم أمر بالتأمل و الملاحظة.
و هذا قول ابن إدريس لا بأس به، فإن النظر يقتضيه، لكنه لا يجامع ما قاله أولا في المسألة السابقة التي حكم فيها بتحريم أم أم الولد و أخته، كما حرمتا في النسب، و قد عرفت هناك أن التحريم ليس من جهة النسب بل من جهة المصاهرة.
ثم إن الأئمة (عليهم السلام) حكموا بالتحريم في الرضاع و إن اختلفت العلة،
و قد قال أبو جعفر الثاني (عليه السلام) (1): «لو كن عشرا متفرقات ما حل لك منهن شيء و كن في موضع بناتك».
و ما رواه أيوب بن روح (2) ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم قال: و هذا التعليل يعطي صيرورة أولادها إخوة لأولاده فينشر الحرمة، و نحن في ذلك من المتوقفين. انتهى كلامه (قدس سره).
أقول: ما أورده علي ابن إدريس- من جزمه بالتحريم في تلك المسألة،
____________
(1) الكافي ج 7 ص 441 ح 8، التهذيب ج 7 ص 320 ح 28، الوسائل ج 14 ص 296 ح 10.
(2) التهذيب ج 7 ص 321 ح 32، الوسائل ج 14 ص 306 ح 1.
401
و جزمه بالجواز هنا مع كون المسألتين من باب واحد- وارد عليه أيضا من جهة جزمه بالتحريم كابن إدريس في تلك المسألة و توقفه هنا فإن الكلام في الموضعين واحد، فإنه إنما جزم بالتحريم في المسألة السابقة نظرا إلى ظاهر التعليل في تلك الروايات، كما أسلفنا نقله عنه، و الحال أنه هنا كذلك كما يفيده قوله هنا، و هذا التعليل يعطي صيرورة أولاده إخوة لأولاده فينشر الحرمة.
و بالجملة فالمسألتان من باب واحد فالحكم فيها واحد، و لا وجه للقول في إحداهما بالتحريم و القول بالثانية بالجواز أو التوقف.
و ما احتج به العلامة- من قوله- و هذا التعليل- إلى آخره- عليل كما عرفت من كلام شيخنا الشهيد الثاني، و الذي صرح به العلامة- في غير هذا الكتاب- هو الجواز، و هو اختيار ابنه فخر المحققين في شرح القواعد أيضا، و به قال: الشيخ في المبسوط أيضا على ما نقله المحقق الثاني في الرسالة المتقدم ذكرها، و نقل عبارته ثمة، و لا مخالف هنا إلا الشيخ في الكتابين المتقدمين، و كفى بأصالة الجواز متمسكا حتى يقوم الدليل القاطع على خلافه، سيما مع ما ثبت من الجواز في النسب و التحريم الرضاعي فرع على النسبي، فكيف يحل في الأصل و يحرم في الفرع؟ نعم لا يبعد القول بالكراهة في الرضاع كما ورد مثله في النسب أيضا.
و يدل على الأول
موثقة إسحاق بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج أخت أخيه من الرضاعة فقال: ما أحب أن أتزوج أخت أخي من الرضاعة».
و على الثاني ما رواه
الراوي المذكور (2) قال: «سألته عن رجل يتزوج أخت أخيه؟ قال: ما أحب له ذلك».
و قال: المحقق الثاني في الرسالة الرضاعية- بعد نقل الخلاف في المسألة- ما هذا لفظه: فإن قيل: النص السالف يدل على التحريم هنا التزاما، لأنه لما
____________
(1) الكافي ج 5 ص 444 ح 2، الوسائل ج 14 ص 279 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 472 ح 101، الوسائل ج 14 ص 280 ح 4.
402
تضمن تحريم الأولاد على أب المرتضع معللا بأنهم بمنزلة أولاده في التحريم لزم من ذلك أن يكونوا لأولاده كالاخوة، فيحرم بعضهم على بعض، لأن البنوة لصاحب اللبن و الاخوة لأولاده متلازمان، فيمتنع ثبوت إحداهما مع انتفاء الأخرى و قد ثبت البنوة بالنصوص السابقة، فيثبت الاخوة فيلزم التحريم.
قلنا: نمنع الدلالة الالتزامية، لأن من شرطها اللزوم الذهني البين بالمعنى الأخص و ليس بثابت، بل نمنع التلازم أصلا، فإن ثبوت بنوة شخص الآخر يقتضي ثبوت الاخوة لأولاده، لا ثبوت الاخوة لإخوة أولاده، و ذلك غير مقتض للتحريم بوجه من الوجوه. انتهى، و هو جيد.
و بالجملة فإن القول المذكور ضعيف لا يلتفت إليه، و عليل لا يعول عليه، و التمسك بأصالة الحل أقوى مستمسك حتى يقوم الدليل الواضع على الخروج، عنه، و الله العالم.
المسألة الرابعة: هل يحل للفحل النكاح في إخوة المرتضع بلبنه أم لا؟
و الأشهر الأظهر الأول، و به صرح الشيخ في المبسوط فيما قدمناه من عبارته في المسألة الثانية، و بالثاني صرح في الخلاف و النهاية، و إليه ذهب ابن إدريس كما تقدم نقل ذلك أيضا، و كلام من عداهما من الأصحاب متفق النظام متسق الانسجام على الجواز.
و العجب هنا من المحقق الشيخ علي (قدس سره) في الرسالة حيث قال- بعد نقله عن الشيخ التحريم و عن العلامة في التحرير و القواعد الجواز- ما هذا لفظه:
و الظاهر عدم الفرق بين بنات الفحل بالنسبة إلى أب المرتضع و أخوات المرتضع بالنسبة إلى الفحل نظرا إلى العلة المذكورة في الحديثين السابقين، فإن كانا حجة وجب التمسك بمقتضي العلة المنصوصة، و إلا انتفى التحريم في المقامين، و على كل فالاحتياط فيهما أولى و أحرى. انتهى.
أقول: فيه (أولا) أنه لا يخفى أن العلة المنصوصة في الروايتين المشار إليهما
403
إنما هو صيرورة أولاد الفحل أو المرضعة بمنزلة أولاد أب المرتضع، و أما صيرورة أولاد أب المرتضع بمنزلة أولاد الفحل في التحريم عليه فليس في الروايات إشعار به بوجه و لا دلالة لها عليه بنوع بالكلية، و كيف يكون داخلا في العلة المنصوصة.
و قد عرفت مما تقدم في كلام شيخنا الشهيد الثاني أن العمل بالعلة المنصوصة يقتضي وجود تلك العلة في المعدى إليه، مثلا قول الشارع حرمت الخمرة لاسكارها فمتى قلنا بالعمل بمنصوص العلة، فإنه لا بد من حصول الإسكار في الفرد المعدى ليتعدى التحريم إليه، و العلة التي في الفرع هنا و هي نكاح الفحل في إخوة المرتضع بلبنه ليست هي التي في الأصل كما عرفت.
و (ثانيا) أنه أي فرق بين هذه الصورة و بين سابقتها حيث يختار الجواز هناك، و ينفي دلالة النصوص على حكم تلك الصورتين، و يرجح التحريم هنا فإنه إن وقف على ظاهر النص فمورده إنما هو هذا الفرد الخاص، و هو نكاح أب المرتضع في أولاد صاحب اللبن، و إن تعدى عنه بالنظر إلى ما يتخيل من ظاهر التعليل و إجراء حكمه في اللازم و المشابه و نحوهما فلا معنى لمنعه هناك الجواز، و إلزامه للشهيد في المسألة الثانية بالقول بالقياس فإن الأمر في الجميع واحد.
بل ربما يقال: بأن إجراء حكم التعليل في المسألة الثالثة التي منع فيها حصول اللزوم بالكلية أظهر منه في هذه المسألة، و ذلك لأن البنوة من حيث هي مستلزمة لإخوة من شارك فيها، فبنوة أولاد الفحل لأب المرتضع مستلزم لإخوة بعضهم ببعض، بخلاف ما هنا، فإن كون أولاد الفحل بمنزلة أولاد أب المرتضع لا يستلزم العكس، لأنه لا ملازمة بالمرة كما لا يخفى.
و نحن إنما ضربنا صفحا عن الاخوة، و لم نرتب عليها هناك حكما شرعيا و إن كان لزومها ظاهرا من حيث إن الأحكام الشرعية لا تبنى على اللزومات العقلية و المناسبات الذوقية، بل و لا على جهات الأولوية، بل المدار إنما هو على صريح
404
النصوص الجلية، و إنما ذلك مذهب أصحاب الرأي و القياس، كما صرحت به النصوص عن أهل الخصوص (صلوات الله عليهم).
و ربما كان منشأ الشبهة فيما ذكره (قدس سره) هو أنه لما كان أولاد الفحل إنما صاروا بحكم أولاد المرتضع كما صرحت به النصوص من جهة إخوتهم للمرتضع، فألحقهم بأبيه النبي فيجب أن يكون أولاد أب المرتضع بحكم أولاد الفحل لذلك أيضا.
و فيه- مع الإغماض عن عدم دلالة النص عليه، و كون ذلك علة مستنبطة بل أبعد- أن صيرورة ولد الفحل بالنسبة إلى أب المرتضع في التحريم عليه كولده لا يستلزم صيرورة ولد أب المرتضع بالنسبة إلى الفحل كولده في التحريم عليه، لجواز قوة العلاقة الموجبة لترتب الحكم في الأول دون الثاني، فإن من الجائز أن يقال: إنه لما اشترك الفحل و أب المرتضع في بنوة هذا المرتضع، و كانت البنوة بالنسبة إلى أحدهما أقوى منها بالنسبة إلى الآخر.
و بعبارة أخرى: و كانت البنوة بالنسبة إلى أحدهما نسبا و إلى الآخر رضاعا و لا ريب أن البنوة النسبية أقوى علاقة من الرضاعية، فمن الممكن القريب أن تلك البنوة النسبية لقوة علاقتها تلحق الاخوة الرضاعية بالأب النسبي بخلاف البنوة الرضاعية، فإنها لضعف علاقتها لا تلحق الاخوة النسبية بالأب الرضاعي.
و هذا يصلح وجها لما دل عليه النص من إلحاق الاخوة الرضاعية بالأب النسبي دون العكس.
و بالجملة فإن ما ادعاه المحقق المذكور من كون العلة في الحديثين جارية في كلتا المسألتين لا أعرف له وجها يعتمد عليه و لا دليلا يوجب المصير إليه.
هذا ما وقفت عليه في كتب أصحابنا التي يحضرني الآن من المسائل التي وقع الخلاف فيها مما ادعى فيها الخروج عن دائرة تلك القاعدة الكلية و الضابطة الواضحة الجلية و قد أوضحنا- بحمد الله تعالى سبحانه و منه- عدم خروج شيء
405
منها عن جادة ذلك الضابطة المنصوص، سوى المسألة الأولى لتصريح النص بها على الخصوص، و قد صرح بذلك أيضا المحقق الشيخ علي (رحمة الله عليه) في صدر الرسالة و قد قدمنا عبارته في المقام الأول، و الله العالم.
تنبيهان:
الأول [عدم الفرق في تحريم أم المرضعة على المرتضع نسبية كانت أو رضاعية]
اعلم أن المستفاد من كلام الأصحاب كما صرح به غير واحد في هذا الباب و عليه دلت نصوص أهل الخصوص (سلام الله عليهم) هو أنه لا فرق في تحريم أم المرضعة على المرتضع بين كونها إما نسبية أو رضاعية لدخولهما في عموم الأمهات التي صرحت الآية بتحريمها، و كذا أختها و أخت الفحل، فإنهما محرمان عليه، سواء كانت إخوتهما من النسب أو الرضاع، لدخولهما في عموم الأخوات الموجب لكونهما بالنسبة إلى المرتضع خالة و عمة، و هكذا خالتها و عمتها تحرمان عليه و إن كانتا من الرضاع، و قد تقدم ذكر ذلك في تفريع الرضاع على النسب في صدر المطلب.
و قال العلامة (قدس سره) في القواعد: لا تحرم أم المرضعة من الرضاع على المرتضع و لا أختها منه و لا بنات أخيها و إن حرمن في النسب، لعدم اتحاد الفحل، و قال المحقق الشيخ علي في شرحه: قد حققنا أن حرمة الرضاع لا تثبت بين مرتضعين إلا إذا كان الفحل واحدا فيما تقدم، و أوردنا النص الوارد بذلك، و حكينا خلاف الطبرسي.
فعلى هذا لو كان لمن أرضعت صبيا أم من الرضاع لم تحرم تلك الام على الصبي، لأن نسبتها إليه بالجدودة إنما تتحصل من رضاعه من مرضعة و رضاع مرضعته منها، و معلوم أن اللبن في الرضاعين ليس لفحل واحد، فلا تثبت الجدودة بين المرتضع و الام المذكورة لانتفاء الشرط، فينتفي التحريم.
و من هذا يعلم أن أختها من الرضاع و عمتها منه و خالتها منه لا يحرمن،
406
و إن حرمن من النسب، لما قلنا من عدم اتحاد الفحل، و لو كان المرتضع أنثى لا يحرم عليها أبو المرضعة من الرضاع و لا أخوها منه و لا عمها منه و لا خالها منه لمثل ما قلناه.
و قيل: عموم قوله (عليه السلام) (1)
«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
يقتضي التحريم هنا و أيضا فإنهم قد أطلقوا على المرضعة أنها أم، و على المرتضعة بلبن أب المرضعة أنها أخت، فتكون الأولى جدة و الثانية خالة، فيندرجان في عموم المحرم للجدة و الخالة، و كذا البواقي.
قلنا: الدال على اتحاد الفحل خاص، فلا حجة في العام حينئذ، و أما الإطلاق المذكور فلا اعتبار به مع فقد الشرط، فإنهم أطلقوا على المرتضع أنه ابن المرضعة، و علي المرتضعة منها بلبن فحل آخر أنها بنت لها أيضا، و لم يحكموا بالأخوة المثمرة للتحريم بين الابن و البنت لعدم اتحاد الفحل، انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول: العجب منهما (عطر الله مرقديهما) فيما ذهبا إليه و ما اعتمدا في الاستدلال عليه، و ذلك فإن اشتراط اتحاد الفحل إنما هو في تلك الصورتين المخصوصتين المتقدم ذكرهما في الشرط الرابع، و هما حصول التحريم بين المرتضعين الأجنبيين أو في إكمال النصاب بمعنى أنه لا يحرم أحد ذينك المرتضعين على الآخر إلا بأن يرتضعا من لبن فحل واحد، أو لا ينشر الرضاع الحرمة بين المرتضع و بين المرضعة و الفحل و توابعهما حتى يكمل النصاب من لبن فحل واحد و مرجعه إلى اشتراط ذلك في حصول الاخوة و البنوة خاصة.
و على ذلك دلت الروايات المتقدمة
كصحيحة الحلبي (2) «قال سألت أبا عبد الله
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 291 ح 59 و ص 292 ح 60، الكافي ج 5 ص 437 ح 2 و 3، الوسائل ج 14 ص 271 ح 3 و 4.
(2) الكافي ج 5 ص 443 ح 11، التهذيب ج 7 ص 321 ح 31، الوسائل ج 14 ص 294 ح 3.
407
(عليه السلام) «عن الرجل يرضع من امرأة و هو غلام، أ يحل له أن يتزوج أختها لأمها من الرضاعة؟ فقال: إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد فلا تحل، و إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحد من لبن فحلين فلا بأس بذلك».
و موثقة عمار الساباطي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غلام رضع من امرأة، أ يحل له أن يتزوج أختها لأبيها من الرضاع؟ قال فقال: لا، قد رضعا جميعا من لبن فحل واحد من امرأة واحدة، قال: قلت: فيتزوج أختها لأمها من الرضاعة؟
قال: فقال: لا بأس بذلك إن أختها التي لم ترضعه كان فحلها غير فحل التي أرضعت الغلام، فاختلف الفحلان فلا بأس».
و الخبران المذكوران صريحان فيما قلناه، واضحان فيما ادعيناه، فإنه (عليه السلام) خص اشتراط اتحاد الفحل بالمرأتين المذكورتين، و هي المرضعة و أختها، و أنه متى اتحد الفحل بالنسبة إليهما ثبتت الأختية، و متى ثبتت الأختية فإنها تحرم على المرتضع لكونها خالته رضاعا، و لو كان اتحاد الفحل شرطا في التحريم بين المرتضع و أم المرضعة أو أختها أو نحوهما مما تقدم لما حكم (عليه السلام) بتحريم أخت المرضعة على المرتضع في هذين الخبرين متى حصلت الأختية بينهما باتحاد الفحل، لأن الفحل متعدد البتة، فإن فحل المرتضع غير فحل أخت المرضعة، و بموجب ما ذهبوا إليه لا تحرم مع أنه (عليه السلام) حكم بالتحريم.
و به علم أن اشتراط اتحاد الفحل في التحريم ليس على الإطلاق الذي توهموه بحيث يدخل تحته هذا الفرد الذي عدوه، و إنما هو مخصوص بالأخوة و البنوة كما ذكرناه، و الظاهر أن الفاضلين المذكورين لم يلاحظ الخبرين، و لم يطلعا عليهما في المقام.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 442 ح 10، التهذيب ج 7 ص 320 ح 29، الوسائل ج 14 ص 294 ح 2.
408
و أما اشتراط اتحاد الفحل في إكمال النصاب لتحصل البنوة بذلك فيدل عليه صحيحة بريد و قد تقدمت في الشرط الرابع، قال: في المسالك: المشهور بين أصحابنا أنه يشترط في الرضاع المحرم أن يكون اللبن لفحل واحد، بل ادعى عليه في التذكرة الإجماع.
و هذا الشرط يشمل أمرين: أحدهما: اتحاد الفحل في اللبن الذي ينشر الحرمة بين المرتضع و المرضعة و صاحب اللبن، بمعنى أن رضاع العدد المعتبر لا بد أن يكون لبنه لفحل واحد- إلى أن قال-: الثاني: اشتراط اتحاد الفحل في التحريم بين رضيعين فصاعدا، بمعنى أنه لا بد في تحريم أحد الرضيعين على الآخر مع اجتماع الشروط السابقة من كون الفحل و هو صاحب اللبن الذي رضعا منه جميعا واحدا. انتهى:
و هو كما ترى ظاهر فيما قلناه من أن هذا الشرط مخصوص بهاتين الصورتين.
و أما شرطية ذلك في التحريم بين المرتضع و أم المرضعة أو أختها من الرضاعة، فإن ذلك أمر لا يكاد يعقل صحته و وقوعه بالمرة، و بالجملة فإن كلامهما (رضوان الله عليهما) لا يخلو من غفلة، و الله العالم.
الثاني [كلام مير داماد في المقام]:
قال الفاضل العماد مير محمد باقر الشهير بالداماد في رسالته التي في التنزيل- بعد نقل ذلك عنهما و تخصيص اعتبار الشرط بالأخوة الرضاعية- ما هذا لفظه: و السر في اعتبار وحدة الفحل هناك أن الأصل في التحريم بالرضاع هو التحريم بالنسب.
و في النسب قد يكون أخت أخت الغلام أو أخت أخيه لا يحرم عليه إذا كانت النسبة مختلفة من جهة الأم و من جهة الأب فلذلك اعتبر في تحريم الرضاع عدم اختلاف الفحل كيلا تختلف النسبة، إذ الفحل في الرضاع بمنزلة الأب في النسب، و الأمومة و الجدودة لا تصح فيهما، بل إنهما في النسب ملاك التحريم على الإطلاق فكذلك في الرضاع، و سواء في ذلك قلنا بقول الطبرسي أم بنينا الأمر على القول
409
الذائع: فإذن تحريم أم المرضعة من الرضاع على المرتضع لا انفراع له على قول الطبرسي و لا ابتناء له على عدم اعتبار الفحل بل هو من جزئيات ما عليه النص و الإجماع.
فأما أخت المرضعة من الرضاعة بارتضاعهما من امرأة واحدة أجنبية على قول الطبرسي تحرم على المرتضع مطلقا، و على الذائع المشهور إذا كان ارتضاعهما من تلك المرأة من لبن فحل واحد، و كذلك الكلام في عمة المرضعة و خالتها من الرضاعة.
و الأنثى المرتضعة يحرم عليها أبو مرضعتها من الرضاعة، و كذلك أخو مرضعتها من الرضاع، أي المرتضع من لبن أبيها الراضع على ما هو الأشهر أو الذي أرضعته أمها الرضاعية على قول الطبرسي و كذلك عم مرضعتها و خالها من الرضاعة، انتهى كلامه زيد مقامه، و هو جيد متين.
المورد الثالث [في تعلق المصاهرة بالرضاع كتعلقه بالنسب]
اعلم أنه قد صرح الأصحاب بأن المصاهرة كما تتعلق بالنسب و تقتضي التحريم به كذلك تتعلق بالرضاع و تقتضي التحريم به، فمن نكاح امرأة فكما تحرم عليه أمها و بنتها مع الدخول بالأم و أختها جمعا و بنت أخيها و أختها بدون رضاها على المشهور إذا كان الجميع من جهة النسب، كذاك يحرمن من جهة الرضاع، فتحرم عليه أمها الرضاعية و بنتها و أختها إلى آخر ما ذكر في النسب فإنهن يحرمن في الرضاع، و كما تحرم أيضا زوجة الأب و زوجة الابن النسبيين كذلك زوجتيهما إذا كانا رضاعيين.
و مما فرعوا على ذلك ما لو كان تحته كبيرة فطلقها فنكحت صغيرا و أرضعته الرضاع المحرم بلبن المطلق فإنها تحرم عليهما مؤبد أما على المطلق فإنها لما أرضعت بلبنه و كان ابنه و قد نكحته فصارت حليلة ابنه، و أما على الصغير فلأنها امه و زوجة أبيه أيضا، و سيأتي- إن شاء الله- أن الرضاع المحرم كما يمنع من النكاح سابقا يبطله لا حقا، و ذكر جملة من الصور المتفرعة على ذلك.
410
ثم اعلم أيضا أنهم صرحوا بأن المصاهرة لا يتعدى إليها تحريم الرضاع، و الذي يحرم من الرضاع إنما هو ما يحرم من النسب لا من المصاهرة، و ربما أو هم ذلك التناقض في كلامهم و ليس كذلك، فإن المفهوم من كلامهم أن المصاهرة على قسمين:
أحدهما: ما يكون ناشئا و فرعا عليه، و هذا هو الذي لا يتعدى إليه تحريم الرضاع، كما إذا ارتضع صغيرا من امرأة رضاعا محرما، فإن المرضعة تصير بمنزلة الزوجة للأب النسبي من حيث إنها أم ابنه و أمها بمنزلة أم الزوجة و أختها بمنزلة أخت الزوجة و بناتها بمنزله بنات الزوجة و هكذا، فهذه المصاهرة أعني كون أم المرضعة بالنسبة إلى الأب النسبي أم زوجة و أختها أخت زوجة و هكذا، انما نشأ من الرضاع خاصة فمثل هذه المصاهرة لا تؤثر فيها حرمة الرضاع و لا يتعدى إليها التحريم بأن تحكم بتحريم الام و الأخت مثلا على الأب النسبي بسبب ذلك الرضاع، بل يجوز له تزويجها.
و من ذلك المسائل الأربع المتقدمة في سابق هذا المقام، فإن التحريم فيها مبني على التحريم بهذه المصاهرة، و قد عرفت أن لا تحريم في شيء منها إلا في الصورة الاولى من حيث تلك النصوص المتقدمة فيها.
و أنت خبير بأن إطلاق المصاهرة على ذلك لا يخلو من تجوز، فإن المصاهرة على ما ذكروه عبارة عن علاقة تحدث بين الزوجين و أقرباء كل منهما بسبب النكاح توجب الحرمة، و هذه العلاقة المدعاة هنا بين الأب النسبي و بين المرضعة ليست بسبب النكاح، فلا مصاهرة في الحقيقة، و إنما ذلك نوع تجوز باعتبار أنها لما صارت أم ولده فكأنما بمنزلة الزوجة، فهي مشابهة للزوجة في الأمومة، فلا يترتب عليها تحريم في الأقارب، لاختصاص ذلك بالمنكوحة.
و القسم الثاني: ما يكون ناشئا عن النكاح، مثل كون المرأة أم الزوجة أو أختها أو بنتها، فإن هذا الوصف إنما يثبت بنكاح بنت المرأة أو أختها أو أمها،
411
و هذا هو الذي يتعدى إليه تحريم الرضاع بمعنى أنه بعد تحقق النكاح الصحيح، فكما أنه تحرم الأم النسبية للزوجة، فكذلك تحرم الام الرضاعية لدخولها في «أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ»، و بنتها الرضاعية لدخولها مع الدخول بها في «رَبٰائِبُكُمُ» و هكذا و لا تنافي ذلك قوله (عليه السلام)
«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
لأن ما ذكرنا من المصاهرة داخل في النسب.
و الضابط هنا أن ينزل الولد من الرضاع منزلة الولد من النسب فأمه حينئذ بمنزلة الأم، و أبوه بمنزلة الأب، و أخته بمنزلة الأخت، إلى آخر المحرمات، ثم تلحقهم أحكام المصاهرة النسبية عينا أو جمعا.
و إن شئت زيادة توضيح في المقام ليسهل تناوله لجملة الأفهام فنقول:
فإن النسب قد يكون وحده سببا في التحريم، و قد يكون مع المصاهرة و ذلك فإن تحريم الام على ابنها إنما هو من حيث الأمومة، و تحريم البنت على أبيها إنما هو من حيث البنتية و هكذا باقي المحرمات السبع فهذا تحريم بالنسب خاصة، و مثل تحريم أم الزوجة وقع من حيث الأمومة و من حيث التزويج بابنتها، و الأول هو الجزء النسبي، و الثاني المصاهرة، إذ لو لم تكن اما لم تحرم، و لو لم يتزوج ابنتها لم تحرم أيضا، و مثله تحريم الربيبة وقع من حيث البنتية، و من حيث الدخول بأمها، و هكذا جملة محرمات هذه المصاهرة، فالعلة في التحريم هنا مركبة من جهة النسب و المصاهرة فصح بهذا قوله (عليه السلام)
«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
بحمل المحرم النسبي على ما هو أعم من كونه علة تامة أو جزء العلة، و في الغالب إنما يطلق على هذا تحريم المصاهرة، و لذا تراهم في تعداد أسباب المحرمات يجعلون ما يحرم بالنسب فسيما لما يحرم بالمصاهرة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن التحريم في الرضاع فرع على هذا التحريم بكلا فرديه، بمعنى أنه إذا أرضعت امرأة بلبن اخرى الرضاع المحرم كانت ابنة لها و الفحل أبا و أولادهما اخوة، و اخوة الفحل و أخواته أعماما و عمات، و اخوة المرضعة
412
و أخواتها أخوالا و خالات و هكذا، فالتحريم هنا في الرضاع فرع النسب بخصوصه، ثم إذا تزوجت تلك المرأة المرتضعة لحق هؤلاء أحكام المصاهرة من تحريم تلك الرضاعية على الزوج عينا و بنتها الرضاعية مع الدخول كذلك، و أختها الرضاعية جمعا و هكذا.
و هذا مما كان التحريم فيه فرعا على النسب و المصاهرة معا فتحرم أم الزوجة الرضاعية لوقوعها موقع الام النسبية، و بنت الزوجة الرضاعية مع الدخول بأمها بوقوعها موقع البنت النسبية المدخول بأمها و هكذا.
و هذا بخلاف ما أسلفناه من القسم الأول من المصاهرة، و هي المصاهرة المترتبة على الرضاع، فإن مبناها إنما هو على تنزيل المرضعة بالنسبة إلى الأب النسبي لكونها اما رضاعية بمنزلة الأم النسبية، فتحرم بناتها على الأب النسبي لكونهن بمنزلة بناته، و أمها لكونها بمنزلة أم الزوجة، و هكذا.
كما عرفت في المسائل الأربع المتقدمة في سابق هذا المقام، فإن مبنى التحريم فيها على هذه المصاهرة، و يأتي على هذه المصاهرة أيضا تنزيل الفحل لكونه أبا رضاعيا بمنزلة الأب النسبي، فيحرم عليه النكاح في بنات المرتضع و في أم المرضعة و أم الفحل، و القائلون بالتنزيل يحكمون بالتحريم بهذه المصاهرة كما تقدمت الإشارة عليه، و قد أوضحنا بطلان هذا القول بما لم يسبق إليه سابق في رسالتنا المتقدم ذكرها، و الله العالم.
المورد الرابع [بطلان النكاح بالرضاع لو كان لاحقا له]
قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأن الرضاع المحرم كما يمنع من النكاح لو كان سابقا عليه كذا يبطله لو كان لاحقا له، فكما أن امه لو أرضعت بنتا بالشروط المتقدمة صارت أخته و حرمت عليه، فكذا لو تزوج رضيعة ثم إن امه أرضعتها الرضاع المحرم فإنها تصير أخته، و ينفسخ نكاحها و تحرم عليه مؤبدا.
و كذا لو أرضعت جدته من أبيه صبية، فإنها تكون عمته، و لو أرضعتها
413
جدته من امه صارت خالته، فلا يجوز له نكاحها في الحالين، كذلك لو تزوج صبية ثم حصل الرضاع الموجب لذلك بعد ذلك، فإنه ينفسخ النكاح الأول و يبطل لكونها عمته أو خالته فتحرم عليه مؤبدا، و هكذا لو أرضعت زوجة أخيه بلبنه صبية فإنها تكون بنت أخيه، و يصير هو عمها، فلا يجوز له نكاحها، فكذا لو تزوجها أولا ثم حصل الرضاع الموجب لذلك بعده فإنه ينفسخ النكاح للعلة المذكورة.
و نحو ذلك لو أرضعتها زوجة أبيه بلبن الأب فإنها تصير أخته فلا يجوز له نكاحها، فكذا لو تزوجها أولا ثم حصل الرضاع ثانيا، فإنه ينفسخ النكاح الأول، و يبطل للعلة المذكورة، و قيد اللبن في زوجة الأخ بكونه لبن الأخ و كذا في زوجة الأب بكونه بلبن الأب احترازا عما لو كان بلبن الزوج السابق فإنه يمكن فرضه كما تقدم، و غاية ما يلزم على هذا التقدير أن تكون الصغيرة ربيبة للأخ أو الأب، و الربيبة غير محرمة عليه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه إذا ارتضعت الصغيرة في هذه الفروض بعد العقد عليها على وجه انفسخ نكاحها فلا يخلو إما أن يكون بسبب مختص بها بأن سعت إلى الكبيرة و ارتضعت الرضاع المحرم و الكبيرة نائمة مثلا لا شعور لها بذلك، أو يكون السبب من الكبيرة بأن تولت إرضاعها، أو يكون السبب مشتركا بينهما بأن تكون الصغيرة سعت و ارتضعت و لم تمنعها الكبيرة من ذلك، و على تقدير تولي الكبيرة لذلك إما أن تكون مختارة أو مكرهة، فهنا صور خمس:
الاولى: أن يكون الرضاع بسبب مختص بالصغيرة
، قالوا: لا شيء هنا لها على الزوج و لا على المرضعة، لأن الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول، فكان كالردة من قبلها كذلك، و لا فرق بين كونها مفوضة أو ممهورة، و به جزم المحقق في الشرائع، و جعله في التذكرة أقوى.
و فيه إيذان باحتمال عدم السقوط و لا يخلو من قوة، لأن المهر قد وجب بالعقد، و الأصل يقتضي بقاءه حتى يقوم الدليل على سقوطه، و لا نص هنا يدل
414
على ذلك.
قولهم: إن الفسخ جاء من قبلها، فيه أن الصغيرة لا قصد لها، فلا يعتبر بفعلها، بل وجوده كعدمه.
قال في المسالك بعد ذكر نحو ذلك: فيحتمل حينئذ أن يثبت لها نصف المهر، لأنها فرقة قبل الدخول كالطلاق، و هو أحد وجهي الشافعية، و يضعف بأنه قياس لا نقول به، فإما أن يثبت الجميع لما ذكر، أو يسقط الجميع من حيث استناده إليها، و كيف كان فالمذهب السقوط لما عرفت. انتهى.
أقول: و المسألة لعدم النص محل توقف و إشكال، إلا أن الأنسب بالقواعد الشرعية و الضوابط المرعية هو عدم السقوط لما عرفت، فإنه بعد ثبوته بالعقد يحتاج سقوطه إلى دليل واضح، و فعل الصغيرة- لتجرده عن القصد و أنه في حكم العدم- لا يصلح دليلا للسقوط.
الثانية: أن يكون الرضاع بمباشرة الكبيرة و فعلها
بأن تولت الإرضاع بنفسها من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، و قد اختلف الأصحاب هنا في حكم المهر، فقيل: إنه يجب للصغيرة على الزوج نصف المهر، لأنه فسخ قبل الدخول من غير جهة الزوجة، فجرى مجرى الطلاق، و هو مذهب الشيخ في المبسوط و تبعه عليه جماعة.
و قيل: يجب عليه جميع المهر، لأن المهر يجب جميعه بالعقد كما سيأتي، و لا ينتصف إلا بالطلاق و هذا ليس بطلاق و الحاقة به قياس، فيستصحب وجوبه إلى أن يثبت المزيل، و اختاره في المسالك، ثم إنه متى غرم الزوج المهر أو نصفه بناء علي القولين المذكورين فهل له الرجوع به على المرضعة أم لا؟ قولان مبنيان على أن البضع هل يضمن بالتفويت أم لا؟
و القول بالرجوع للشيخ في المبسوط و تبعه عليه جماعة، لأن البضع مضمون
415
كالأموال (1)، هذا إذا قصدت المرضعة بالإرضاع إفساد النكاح كما قيده به الشيخ في المبسوط، و المحقق في الشرائع و غيرهما، فلو لم تقصده فإنه لا شيء عليها، لأنها على تقدير عدم القصد غير متعدية، كما لو حفر في ملكه بئرا فتردى فيه أحد، و لأنها محسنة و ما على المحسنين من سبيل.
و القول بعدم الرجوع علي المرضعة للشيخ أيضا في الخلاف، سواء قصدت الفسخ أم لم تقصد، لأن منفعة البضع لا تضمن بالتفويت، بدليل ما لو قتلت الزوجة نفسها أو قتلها قاتل أو ارتدت أو أرضعت من ينفسخ نكاحها بإرضاعه، فإنها لا تغرم للزوج شيئا.
و بالجملة فالبضع ليس كالمال مطلقا، و إلحاقه به في بعض المواضع لا يوجب إلحاقه مطلقا، و مما يخرجه عن الإلحاق بالمال جواز تفويض البضع و عدم لزوم شيء على تقدير عدم الطلاق، و المال ليس كذلك.
هذا كله إذا سمي له مهرا في العقد، فلو كانت مفوضة البضع فهل يجب للصغيرة شيء على الزوج بإرضاع الكبيرة لها؟
قيل: وجبت لها المتعة إلحاقا لهذا الفسخ بالطلاق، و رد ببطلان القياس مع وجود الفارق، فإن الفسخ بالطلاق جاء من قبل الزوج، و هنا ليس من قبله، و من ثم احتمل في المسالك السقوط أصلا، فلا يجب لها شيء بالكلية، قال: كما لو مات أحدهما لأن عقد النكاح بالتفويض لا يوجب مهرا، لأنه لم يذكر، و إنما أوجبه الطلاق بالآية، فلا يتعدى مورده، قال: و ليس هذا بقياس على الموت كما قاسه الأول على الطلاق، بل مستند إلى أصل البراءة، ثم احتمل أيضا وجوب مهر المثل أو نصفه على ما تقدم من الوجهين، لأنه عوض البضع حيث لا يكون هناك
____________
(1) و الوجه في ذلك أنه يقابل بمال في النكاح و الخلع، و لا يحتسب على المريض لو نكح بمهر المثل فما دون، و كذا المرتضعة بمهر المثل و يضمن للمسلمة المهاجرة مع كفر زوجها و بالشهادة بالطلاق ثم الرجوع عنها، كذا ذكره في المسالك (منه- (قدس سره)-).
416
مسمى لامتناع أن يخلو البضع من عوض. انتهى.
ثم إنه يأتي هنا ما تقدم أيضا من رجوع الزوج بما يغرمه على المرضعة و عدمه حسبما تقدم من الخلاف و التفصيل.
الثالثة: ان يكون الرضاع بفعل الصغيرة و الكبيرة عالمة، لكن لم تعنها عليه
، كما لو سعت الصغيرة إليها و شربت من الثدي، و هي مستيقظة و لم تمنعها و لم تعنها، و في إلحاقها بالسابقة في الضمان أو عدم الضمان وجهان: من أنها لم تباشر الإتلاف، و مجرد قدرتها على منعها لا يوجب الضمان كما لو لم تمنعها من إتلاف مال الغير مع قدرتها على المنع.
قال في المسالك: و يظهر من المصنف و أكثر الجماعة أن تمكينها بمنزلة المباشرة، و به صرح في التذكرة لأن تمكينها من الرضاع بمنزلة الفعل حيث إن المرتضعة ليست مميزة، و لا يخلو من نظر، و لو قيل هنا باشتراك الصغيرة و الكبيرة في الفعل فيكون السبب منهما و لا يرجع الزوج على المرضعة إلا بنصف ما يغرمه لكان أوجه من ضمانها مطلقا، و ظاهر الأصحاب القطع بإلحاق التمكين بالمباشرة.
انتهى.
الرابعة: أن تتولى الكبيرة الإرضاع، و لكن في موضع الحاجة
. بأن لا تجد مرضعة غيرها مع اضطرار الصغيرة إلى الارتضاع و وجب على الكبيرة الفعل، قالوا:
و في ضمانها حينئذ وجهان: من كونها مأمورة بالفعل شرعا فكان كالإذن في الإتلاف فلا يتعقبه الضمان و أنها محسنة، و ما علي المحسنين من سبيل، و هو اختيار الشيخ في المبسوط، و من تحقق المباشرة للإتلاف قالوا: لأن غرامته لا يختلف بهذه الأسباب.
قال في المسالك: و ظاهر المصنف و صريح بعضهم عدم الفرق، و اقتصر في التذكرة على نقل القولين عن الشافعية، و الأول لا يخلو من قرب. انتهى، و أراد بالأول ما قلناه أولا من القول بعدم الضمان.
417
الخامسة: أن الكبيرة مكرهة على الإرضاع
، بأن حملها عليه القادر على فعل ما توعدها به مع ظنها فعله و استلزامه ضررا لا يتحمل مثله عادة و إن لم يبلغ حد الإلجاء، قال في المسالك: و لا ضمان هنا على المرضعة لأن الإكراه يسقط ضمان المال المحض، و غاية البضع إلحاقه بالمال، و أما ضمان الزوج للصغيرة فثابت على كل حال، و حكى في التذكرة فيه عن الشافعية وجهان في أنه على المكرهة أو المخوف و لم يرجح شيئا، و المصنف تردد في ضمان المرضعة في جميع الأقسام نظرا إلى تردده في أن البضع هل يضمن بالتفويت أم لا؟ و قد ظهر مما قررناه وجه تردده. انتهى.
أقول: لا يخفى أن هذه التفريعات في هذا المقام كغيره مما قدمناه في كثير من الكتب المتقدمة إنما جرى فيه أصحابنا على ما ذكره العامة سيما الشافعية فإنهم هم الذين يكثر النقل عنهم في التذكرة، و قبله الشيخ في كتبه فيختارون من ذلك ما رجحوه بهذه التعليلات التي قد عرفت أنها لا يمكن الاعتماد عليها في تأسيس الأحكام الشرعية، و نصوصنا خالية من ذلك بالكلية، و العمل على الاحتياط في مثل هذا المقام فإنه هو المأمور به عنهم (عليهم السلام)، و الله العالم.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن هنا فروعا قد ذكرها الأصحاب مما يتفرع على القاعدة المذكورة في أول المقام، و نحن نذكر جملة منها في مسائل.
الأولى [تحريم البنت على زوجها] لو أرضعت الجدة من الام ابن بنتها بلبن جده
حرمت البنت على زوجها، بناء على ما تقدم في المسألة الأولى من المسائل الأربع المذكورة في سابق هذا المقام، و هي أنه لا يجوز لأب المرتضع أن ينكح في أولاد صاحب اللبن، و أنه كما كان مانعا من النكاح كذلك يكون مبطلا له بعد وقوعه، فإن هذا الصبي لما ارتضع بلبن جده و جدته. و كذا لو ارتضع بلبن بعض أزواج جده، فإنه يصير ولدا للجد و الجدة، و يصير ان أصحاب اللبن، فلو نكح أبو المرتضع زوجته بعد هذا الرضاع لصدق أنه قد نكح في أولاد صاحب اللبن، و قد عرفت أنه حرام
418
مانع من النكاح فيكون مبطلا له هنا و موجبا لفسخ النكاح.
و كذا لو كانت البنت التي هي أم المرتضع بنتا للجدة خاصة، و ربيبة لصاحب اللبن فإنه يصدق ذلك أيضا بالنسبة إلى الجدة التي هي صاحبة اللبن، و أنه لا يجوز له النكاح في بنتها بعد صيرورتها صاحبة اللبن، كما أنه إذا ارتضع طفل بلبن امرأة و فحلها حرم على أبيه التزويج في أولادهما و أولاد الفحل و أولاد المرضعة و إن لم يكن من ذلك الفحل، كذلك يكون ذلك مبطلا للنكاح بعد وقوعه كما عرفت، أما لو كانت الجدة للأب فإنه لا مانع من إرضاعها ابن ابنها و هو ظاهر.
الثانية [حكم من تزوج رضيعة فأرضعته امرأته الكبيرة]
أنه لو تزوج رضعية فأرضعتها امرأته الكبيرة حرمتا عليه إن كان قد دخل بالمرضعة، و إلا حرمت المرضعة خاصة.
و توضيح ذلك أنه لما امتنع الجمع في النكاح بين الام و البنت نسبية كانت البنت أو رضاعية، فلو أرضعت امرأة صبية و تزوج أحد المرضعة فإنه يحرم عليه تزويج الصبية لكونها ابنة لها، فكذلك لو تزوج رضعية و كبيرة ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة الرضاع المحرم، فإن كان الرضاع بلبن الزوج فإنهما تحرمان معا، أما الصغيرة فلصيرورتها بالرضاع بنتا له، و أما الكبيرة فلكونها اما للزوجة و هي تحرم بالعقد على البنت على الأشهر، و سيجيء الكلام فيه في محله إن شاء الله تعالى.
و إن كان الرضاع بلبن عيره، فإن كان قد دخل بالكبيرة حرمتا معا أيضا لأن الكبيرة أم الزوجة، و أم الزوجة حرام من الرضاع، كما في أم الزوجة من النسب، و أما الصغيرة فلأنها بنت المدخول بها و إن لم يكن دخل بالكبيرة لم تحرم الصغيرة مؤبدا و إن انفسخ نكاحها لأنها ربيبة لم يدخل بأمها، و له تجديد النكاح عليها إن شاء، أما الكبيرة فتحرم عليه بناء على تحريم أم الزوجة مطلقا، دخل بالبنت أم لم يدخل كما هو الأشهر الأظهر.
و نحو ذلك أيضا لو كان تحته كبيرة فطلقها فنكحت صغيرا و أرضعته بلبن
419
المطلق، فإنها تحرم عليهما معا، أما على المطلق فلأن الصغير صار ابنا له، فهي زوجة ابنه، و زوجة الابن حرام على أبيه، و أما على الصغير فلأنها امه من الرضاع، و زوجة أبيه أيضا.
ثم إنه لا يخفى ان التحريم في الرضاع هنا فرع على النسب و المصاهرة حسبما قدمنا تحقيقه، و هذا أحد قسمي المصاهرة التي يتفرع عليه الرضاع، و قد تقدم بيان القسم الذي لا يجوز أن يتفرع عليه الرضاع.
و الذي وقفت عليه من الأخبار هنا ما رواه
الكليني في الحسن أو الصحيح عن الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لو أن رجلا تزوج جارية رضيعا فأرضعتها امرأته فسد نكاحه».
و عن الحلبي و عبد الله بن سنان (2) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج جارية صغيرة فأرضعتها امرأته أو أم ولده، قال: تحرم عليه».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب في الموثق عن عبد الله بن سنان (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لو أن رجلا تزوج جارية صغيرة فأرضعتها امرأته فسد نكاحه».
و ما رواه
في الفقيه بإسناده عن العلاء عن محمد بن مسلم (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لو أن رجلا تزوج جارية رضيعة فأرضعتها امرأته فسد النكاح».
و أنت خبير بما في هذه الأخبار على تعددها من الإجمال، فإنه يحتمل أن يراد بالنكاح الفاسد هو نكاح الصغيرة كما هو الأنسب بالسياق، و يحتمل أن يراد نكاحهما معا كما صرح به الأصحاب من التفصيل في هذا الباب، فإنه الموافق
____________
(1) الكافي ج 5 ص 444 ح 4، الوسائل ج 14 ص 302 ب 10 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 445 ح 6، الوسائل ج 14 ص 303 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 293 ح 67، الوسائل ج 14 ص 302 ب 10 ح 1.
(4) الفقيه ج 3 ص 306 ح 10، الوسائل ج 14 ص 302 ب 10 ح 1.
420
لمقتضى القواعد الشرعية و القوانين المرعية، و كيف كان فهي دالة في الجملة.
بقي الكلام بالنسبة إلى مهر كل منهما بعد حصول التحريم، و قد صرحوا بالنسبة إلى الكبيرة أنه إن كان قد دخل بها استقر مهرها بالدخول فلا يسقط بالسبب الطارئ و إن كان من جهتها كما لو ارتدت بعده، و إن لم يدخل بها سقط مهرها، لأن الفسخ حصل من قبلها كالردة قبله، و فيه إشكال.
و أما الصغيرة فإنه صرح بعضهم بأنها تستحق جميع المهر على الزوج لوجوبه بالعقد و عدم ثبوت مسقط، و قيل: ترجع عليه بالنصف خاصة كالطلاق، و قوى في المسالك الأول، و الله العالم.
الثالثة [فيما أرضعت الزوجتين الكبيرتين الزوجة الرضيعة]
ما لو كان له زوجتان كبيرتان و زوجة رضيعة فأرضعت إحدى الزوجتين تلك الرضيعة الرضاع المحرم، ثم أرضعتها الثانية كذلك، و لا خلاف في تحريم الصغيرة و المرضعة الأولى حسبما تقدم في سابق هذا الموضع، و إنما الخلاف في تحريم المرضعة الثانية، فقيل: بعدم تحريمها، و هو مذهب الشيخ في النهاية و ابن الجنيد، و إليه يميل كلام المحقق في الشرائع حيث نسب القول بالتحريم إلى أنه الأولى، و احتجوا على ذلك بخروج الصغيرة عن الزوجية إلى البنتية وقت رضاع الثانية لها، و أم البنت غير محرمة على أبيها، خصوصا على القول باشتراط بقاء المعنى المشتق في صدق الاشتقاق كما هو رأي جمع من الأصوليين.
و بما رواه في
الكافي و التهذيب عن علي بن مهزيار (1) رواه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قيل له: إن رجلا تزوج بجارية صغيرة فأرضعتها امرأته، ثم أرضعتها امرأة له أخرى فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية و امرأتاه، فقال أبو جعفر (عليه السلام) «: أخطأ ابن شبرمة، حرمت عليه الجارية و امرأته التي أرضعتها أولا، فأما الأخيرة فلم تحرم عليه، كأنها أرضعت ابنتها».
و في التهذيب «لأنها أرضعت ابنته» و هو الصحيح، قال في التهذيب: و فقه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 446 ح 13، التهذيب ج 7 ص 293 ح 68، الوسائل ج 14 ص 305 ب 14 ج 1.
421
هذا الحديث أن المرأة الأولى إذا أرضعت الجارية حرمت الجارية عليه لأنها صارت بنته، و حرمت عليه المرأة الأخرى لأنها أم امرأته، فإذا أرضعتها المرأة الأخيرة أرضعتها و هي بنت الرجل لا زوجته، فلم تحرم عليه لأجل ذلك.
و إلى هذا القول مال السيد السند في شرح النافع، و شيخنا المجلسي في حواشيه على الكافي و هو الأظهر، و يعضده أصالة الإباحة، قال في شرح النافع- بعد ذكر الرواية-: فهذه الرواية و إن كانت ضعيفة السند لكنها مطابقة لمقتضى الأصل السالم عن المعارض صريحا فيترجح العمل بمضمونها. انتهى.
و قيل يتعدى التحريم إلى الثانية أيضا، و هو مذهب ابن إدريس، و نقل عن الشيخ في المبسوط، و به صرح المحقق في النافع، و العلامة في المختلف و أكثر المتأخرين، و منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك قالوا: لأن هذه يصدق عليها أنها أم زوجته و إن كان قد انفسخ عقدها، لأن الأصح أنه لا يشترط في صدق المشتق بقاء المعنى فتدخل تحت قوله «وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ» و لمساواة الرضاع للنسب، و هو محرم سابقا و لا حقا فكذا مساويه، كذا ذكره في المسالك ثم قال:
و هو الأقوى.
أقول: مرجع الدليل الأول إلى ثبوت هذه القاعدة الأصولية، و هو أنه لا يشترط في صدق المشتق بقاء مأخذ الاشتقاق، و قد حققنا في مقدمات الكتاب من المجلد الأول (1) في كتاب الطهارة ما في ذلك من الاشكال و اختلاف الأقوال و عدم الصلاحية للبناء عليها في الأحكام الشرعية و الاستدلال، و أما الثاني فيخص عموم القاعدة المذكورة بالرواية.
بقي الكلام فيما طعن به في المسالك على الرواية المشار إليها من أنها ضعيفة السند، قال: لأن في طريقها صالح بن حماد و هو ضعيف، و مع ذلك فهي مرسلة لأن المراد بأبي جعفر (عليه السلام) حيث يطلق الباقر (عليه السلام)، و بقرينة قول ابن شبرمة في مقابلة، لأنه كان في زمنه و ابن مهزيار لم يدرك الباقر (عليه السلام).
____________
(1) ج 1 ص 121.
422
و لو أريد بأبي جعفر الثاني و هو الجواد (عليه السلام) بقرينة أنه أدركه و أخذ عنه فليس فيه أنه سمع منه ذلك، بل قال: قيل له، و جاز أن يكون سمع ذلك بواسطة، فالارسال متحقق على التقديرين مع أن هذا الثاني بعيد لأن إطلاق أبي جعفر لا يحمل على الجواد (عليه السلام). انتهى.
أقول: فيه (أولا) أن ما طعن به من ضعف السند فهو عندنا غير مسموع و لا معتمد كما تقدمت الإشارة إليه في غير موضع مما تقدم مع أن ذلك لا يقوم حجة على الشيخ و أمثاله من المتقدمين الذين لا وجود لهذا الاصطلاح المحدث عندهم على أنك قد عرفت أن سبطه الذي هو من المتصلبين في هذا الاصطلاح قد عمل بالخبر المذكور و خرج عن قاعدة اصطلاحه في الأخبار، لاعتضاد الخبر بأصالة الإباحة.
و (ثانيا) أن دعوى الإرسال بعدم صحة إطلاق أبي جعفر (عليه السلام) على الجواد (عليه السلام) ممنوعة كما لا يخفى على من تتبع الأخبار، فإنه في الأخبار غير عزيز، و منه خبر الكتاب الذي كتبه إلى شيعته في أمر الخمس، و صورة السند هكذا على ما
في التهذيب (1): محمد بن الحسن الصفار عن أحمد و عبد الله بن محمد عن علي بن مهزيار قال: «كتب إليه أبو جعفر (عليه السلام) و قرأت أنا كتابه إليه في طريق مكة قال: الذي أوجبت في سنتي هذه» الخبر،.
و ضمير «قال» يرجع الى أحمد أو عبد الله «كتب إليه» يعني إلى علي بن مهزيار.
و (ثالثا) أنه مع تسليم الإرسال و أن المروي عنه هو الباقر (عليه السلام) فمن الظاهر الذي لا يعتريه الريب أن جلالة الرجل المذكور و علو منزلته في هذه الفرقة الناجية يمنع من نقله الخبر مع عدم صحته عنده و ثبوته لديه كما في مراسيل ابن أبي عمير و غيره.
و (رابعا) أن ما جعله قرينة على كون المراد الباقر (عليه السلام) من قول ابن شبرمة في مقابلته، فإن ذلك متجه لو خلي المقام مما يدافعه و يضاده، فإنه متى كان
____________
(1) التهذيب ج 4 ص 141 ح 20، الوسائل ج 6 ص 349 ح 5.
423
الظاهر كون المراد بأبي جعفر هو الجواد (عليه السلام) لرواية علي بن مهزيار عنه، و الأصل عدم الإرسال فإن من الجائز الخالي من الاستبعاد أن يكون ذلك السائل الذي قال له نقل له قول ابن شبرمة في المسألة، و إن كان الرجل المنقول عنه قد مات مذ سنين عديدة و هو (عليه السلام) خطأ ابن شبرمة في هذه الفتوى، و لا ريب أن هذا الاحتمال أقرب من تكلفه الإرسال في الرواية بالحمل على الباقر (عليه السلام).
و (خامسا) أن ما ذكره من أن قول ابن مهزيار «قيل له» لا يستلزم أنه سمع ذلك مشافهة، بل يجوز أن يكون سمع ذلك بواسطة.
فقيه: أنه مع تسليمه و إن بعد فإن حكايته ذلك عنه (عليه السلام) و لو بواسطة لو لم يكن ثابتا محققا عنده لما استجاز أن ينقله لعلمه بما يترتب عليه من العمل به، و هو لا يقصر عن المشافهة، و بالجملة فإن جميع ما تكلفه لرد الرواية ليس في محله، و لذا لم يلتفت إليه سبطه في المقام بل عمل بالرواية من غير توقف، و الله العالم.
الرابعة [فيما لو تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأته]
لو تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأته حرمن كلهن إن كان قد أرضعتهما بلبنه، سواء أرضعتهما على الاجتماع أم على التعاقب. أما تحريم الصغيرتين فلأنهما صارتا ابنتيه، و أما الكبيرة فلأنها أم زوجتيه و أم الزوجة تحرم و إن لم تدخل بالزوجة، و الأم من الرضاع كالأم من النسب كما تقرر، و إن أرضعتهما بلبن غيره، فإن كان دخل بالكبيرة حرمن أيضا جميعا مؤبدا، لأن الرضيعتين و إن لم يكونا بالرضاع ابنتيه لكنهما ابنتا زوجته المدخول بها و هي أم زوجتيه فيحرمن كلهن.
قالوا: و لا فرق بين كون إرضاعهما دفعة أو علي التعاقب، لأن الكبيرة و إن خرجت عن الزوجية بإرضاع الأولى إلا أن الرضيعة الثانية قد صارت بنت من كانت زوجته.
أقول: و هو يرجع إلى ما تقدم من البناء على قاعدة أنه لا يشترط في صدق المشتق بقاء مأحذ الاشتقاق، و قد تقدم ما فيه، و إن لم يكن دخل بالكبيرة فلا يخلو
424
إما أن تكونا ارتضعتا منها دفعة أو على التعاقب، فإن كان الأول بأن أعطتهما في الرضعة الأخيرة كل واحدة ثديا و ارتويا دفعة واحدة انفسخ عقد الجميع لتحقق الجمع بين الأم و بنتيها بالعقد، و اختص التحريم المؤبد بالكبيرة لأنها أم زوجتيه، و له تجديد العقد على من شاء من الأختين.
و إن أرضعتهما على التعاقب انفسخ نكاح الكبيرة و الأولى خاصة لتحقق الجمع المحرم فيهما و بقي نكاح الثانية لأن الكبيرة لم تصر لها أما حتى انفسخ عقدها فلم يتحقق الجمع المحرم، و يبقى حل الصغيرة الاولى موقوفا على مفارقة الثانية كما في كل أخت الزوجة غير معقود عليها، و قس على هذا ما لو أرضعت له زوجة ثالثة و رابعة دفعة أو على التعاقب (1).
الخامسة: لو زوج ابنه الصغير بابنة أخيه الصغيرة ثم أرضعت جدتهما أحدهما
انفسخ نكاحهما، لأن الجدة إن كانت للأب و كان المرتضع الذكر، فإنه يصير عما لزوجته، لأنه صار أخا أبيها لأمه من الرضاع بعد أن كان ابن عمها فتحرم عليه، و إن كان المرتضع الأنثى فإنها تصير عمة لزوجها لأنها أخت أبيه لامه فتحرم عليه أيضا.
و إن كانت الجدة المرضعة جدة للام بأن كانا ولدي خالة كما كانا ولدي عم، فإن كان المرتضع الذكر فإنه يصير خالا لزوجته لأنه صار أخا أمها من الرضاع، و إن كان المرتضع الأنثى فإنها تصير خالة لزوجها لأنها أخت امه من الرضاع.
و الكل مما يحرم نكاحه في النسب فيحرم في الرضاع أيضا، عملا بالخبر المتفق عليه.
السادسة: لو تزوجت المرأة الكبيرة بصغير
بأن عقد له عليها وليه الإجباري،
____________
(1) يعنى أرضعت الكبيرة زوجة له ثالثة رضيعة، فإنه ان كان قد دخل بالكبيرة حرمت عليه الصغيرة و هي الثالثة أيضا مؤبدا كما ذكر في الأصل و الا بقيت الصغيرة زوجة من غير فسخ و ذلك لان الكبيرة قد بانت منه سابقا، فلا يتحقق الجمع بينها و بين بنتها، و هكذا لو أرضعت رابعة. (منه- (قدس سره)-).
425
ثم فسخت منه بعيب أو غيره من الأمور الموجبة للفسخ ثم إنها تزوجت بكبير و أرضعت ذلك الصغير بلبن زوجها الكبير فإنها تحرم على الزوجين معا، أما على الصغير فلصيرورته ابنا لها و هي أم له، و لأنها منكوحة أبيه. و أما الكبير فلأنها كانت زوجة لابنه الرضاعي و حليلة الابن محرمة، و كذا الحكم لو تزوجت بالكبير أولا، ثم طلقها، ثم تزوجت بالصغير، ثم أرضعته بلبنه، و الكلام في المهر هنا كما سبق.
السابعة: لو طلق زوجته الكبيرة فأرضعت زوجته الصغيرة
حرمتا عليه إن كان دخل بالكبيرة لصيرورتها أم زوجته، و صيرورة الصغيرة بنتا له إن كان الرضاع بلبنه، و إن لم يكن الرضاع بلبنه تصير بنتا للزوجة المدخول بها.
و إن لم يدخل بالكبيرة حرمت الكبيرة خاصة لما عرفت دون الصغيرة، لأن البنت لا تحرم على الزوج بمجرد العقد على أمها بل مع الدخول بالأم نعم ينفسخ النكاح فله تجديده إن شاء.
و لا يخفى عليك أن الحكم بالتحريم هنا مبني على الاكتفاء بمن كانت زوجته، و قد تقدم ذكر الخلاف في مثل ذلك في المسألة الثالثة، لكنه هنا منتف حيث لا قائل بخلاف ما ذكرناه، و هو يرجع إلى العمل بالقاعدة الأصولية المتقدمة على بعض الأقوال، و هو أنه لا يشترط في صدق المشتق بقاء مأخذ الاشتقاق، إلا أن ثمة نصا على خلاف القاعدة المذكورة، و قائلا بذلك و هنا لا نص و لا مخالف على الظاهر.
الثامنة: لو كان له زوجتان كبيرة و صغيرة فأرضعت أم الزوجة الكبيرة زوجته الصغيرة
انفسخ نكاحهما معا لصيرورة الصغيرة حينئذ أختا لزوجته الكبيرة و الجمع بين الأختين في النكاح محرم، و لو أرضعت الصغيرة جدة الزوجة الكبيرة أو أختها.
قال في القواعد: إشكال.
و وجه الاشكال على ما ذكره شراح الكتاب أنه على تقدير كون مرضعة
426
الزوجة الصغيرة جدة الكبيرة، فإن كانت جدة لأبيها تصير الصغيرة عمة الزوجة الكبيرة، و إن كانت جدتها لأمها تكون خالة لها، و على تقدير كون المرضعة أخت الزوجة الكبيرة تكون الكبيرة خالة الصغيرة، فيكون جامعا بين العمة و بنت الأخ، و بين الخالة و بنت الأخت في الصور الثلاث و كل ذلك منهي عنه،
لقوله (عليه السلام) (1) «لا تنكح المرأة على عمتها و لا على خالتها».
و من أن هذه النسبة بمجردها غير مانعة من النكاح، فإنه لو أذنت العمة أو الخالة، أو تقدم عقد بنت الأخ أو الأخت و رضيت العمة و الخالة جاز الجمع، و لم يقم دليل على عدم جواز الجمع هنا فيستصحب الحكم السابق.
قال المحقق الثاني في الشرح: و التحقيق أن يقال إن الجمع بين العمة و بنت أخيها و الخالة و بنت أختها في النكاح بغير رضا العمة و الخالة ممنوع منه و لهذا لو عقد أحد الوكيلين على بنت الأخ و الوكيل الآخر على عمتها في زمان واحد لم يقع كل من النكاحين صحيحا ماضيا و لا واحد منهما بدون رضاهما، لانتفاع المرجح بل يقعان موقوفين، و كذا لو تزوجهما في ساعة واحدة، و علي هذا فيكون الرضاع المحدث بهذه النسبة لاجتماعهما في النكاح، و هو منهي عنه بدون الاذن و الفرض انتفاعه. انتهى و هو جيد.
و على هذا ففي صورة ما إذا أرضعت الصغيرة جدة الكبيرة لأبيها تصير الصغيرة عمة الزوجة الكبيرة، و ينفسخ النكاح هنا لعدم جواز الجمع إلا مع رضا العمة، و العمة هنا صغيرة لا يمكن اعتبار رضاها في الصورتين.
و في صورة ما لو أرضعت الصغيرة جدة الكبيرة للام، تصير الصغيرة خالة الزوجة الكبيرة فينفسخ النكاح أيضا لعين ما ذكرنا في العمة.
و في صورة ما لو أرضعت الصغيرة أخت الكبيرة تكون الكبيرة خالة الصغيرة، فإن رضيت صح النكاح و لا فسخ. لأنه يجوز الجمع بين الخالة و بنت أختها مع
____________
(1) الكافي ج 5 ص 424 ح 2، الوسائل ج 14 ص 375 ح 2.
427
رضا الخالة، و لو أرضعت امرأة أخي الكبيرة تلك الصغيرة صارت الكبيرة عمة الصغيرة، فإن رضيت لم ينفسخ النكاح أيضا.
و بالجملة فإن الرضاع هنا يجري مجرى النسب في صحة النكاح مع الرضا، و عدمه مع عدم الرضاء لصدق هذه العنوانات، أعني كونها عمة و خالة و بنت أخ و بنت أخت على من كانت كذلك نسبا أو رضاعا كما تقدم في الأم و البنت و الأخت، و بذلك يظهر لك ضعف الوجه الثاني من وجهي الإشكال المذكور.
ثم إنه ينبغي أن يعلم أن غاية ما يلزم هنا هو انفساخ العقد لعدم جواز الجمع لا التحريم المؤبد، و الله العالم.
التاسعة: لو كانت له أمة قد وطأها فأرضعت زوجته الصغيرة
حرمتا معا، سواء كان الرضاع بلبنة أو لبن غيره، أما على الأول فلصيرورة الأمة اما لزوجته، و صيرورة الزوجة بنتا له و أما على الثاني فلكون الأمة اما لزوجته، و الزوجة بنت المدخول بها. أما لو لم يكن الأمة موطوءة، فإنها تختص بالتحريم دون الزوجة، لأنها أم زوجته، و أما الزوجة فلا موجب لتحريمها.
قال المحقق الثاني في شرح القواعد: و الظاهر أنه إذا لم يكن قد وطأ الأمة لا تحرم الزوجة بإرضاع الأمة إياها إذ لا يحرم على الشخص بنت مملوكته التي لم يطأها لا عينا و لا جمعا، فلا تحريم حينئذ و لا فسخ، انتهى.
و يغرم الزوج للصغيرة على تقدير تحريمها عليه المهر جميعا أو نصفه على ما سبق، و أما رجوع الزوج على الأمة المرضعة، فإن كانت أمته و هي مملوكة له، لم يرجع عليها بشيء، لأنه لا يثبت له على ماله مال.
نعم لو كانت مكاتبة مطلقة أو مشروطة رجع عليها لانقطاع سلطنته عنها، و كونها بحيث يثبت عليها مال، و كذا لو كانت مملوكة لغيره قد نكحها بالعقد أو التحليل، فإنه يرجع عليها، على إشكال في الجميع، منشأه ما تقدم من أن البضع هل هو كالأموال يضمن بالتفويت أم لا؟ و قد تقدم الكلام في ذلك في الصورة
428
الثانية من الصور الخمس المذكورة في أول هذا المقام، فإن قلنا بالضمان تبعت الأمة المرضعة متى أعتقت كما في سائر الإتلافات المالية.
العاشرة: لو كان لاثنين زوجتان صغيرة و كبيرة
فطلق كل منهما زوجته، و تزوج كل منهما بزوجة الآخر، ثم أرضعت الصغيرة منهما الكبيرة، قالوا:
حرمت الكبيرة عليهما معا لكونهما أم زوجة، أما بالنسبة إلى زوج الصغيرة في الحال فواضح، و أما بالنسبة إلى من كانت زوجته ثم طلقها فهو مبني على ما تقدم من الاكتفاء في التحريم بمثل ذلك أو عدمه؟ و هو يرجع إلى العمل بتلك القاعدة الأصولية و عدمه، و أما الصغيرة فإنها تحرم على من دخل بالكبيرة لأنها بنت زوجته المدخول بها، أو من كانت زوجته، دون من لم يدخل بها لأن البنت لا تحرم على الزوج بمجرد العقد على أمها بخلاف الام، و من المعلوم أن أم الزوجة حرام لقوله سبحانه «وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ».
المورد الخامس: إذا ادعى أحد الزوجين الرضاع المحرم
فلا يخلو إما أن يكون المدعي هو الزوج أو الزوجة فالكلام هنا في الموضعين.
الأول: أن يكون المدعي هو الزوج
، بأن يدعي على المرأة أنها امه من الرضاع أو بنته أو أخته مثلا، فإما أن لا يمكن قبول دعواه بحيث يكذبه الحس و ينافيه الوجدان، بأن يقضي- الوجدان بالنظر إلى سن كل واحد منهما- أنه لا يمكن ارتضاعهما من لبنه في الحولين، أو لا يمكن رضاعه من لبنها كذلك أو لا يمكن ارتضاعهما من امرأة واحدة أو بلبن رجل واحد فإنه لا يلتفت إلى دعواه و لا يعمل عليها و جاز له أن يتزوجها، و إن كان قد تزوجها صح تزويجه و لم تحرم عليه، أو يمكن ذلك، و على هذا إن كان قبل العقد عليها يحكم عليه باعترافه، و لا يجوز له التزويج بها ظاهرا سواء صدقته أو كذبته و إن أكذب نفسه و ادعى تأويلا محتملا لعموم
«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز (1)».
، و هذا
____________
(1) الوسائل ج 16 ص 111 ح 2.
429
هو الظاهر من إطلاق الأصحاب الحكم في المسألة.
و ربما احتمل قبول قوله إذا أكذب نفسه و ادعى تأويلا محتملا بأن قال:
قد اعتمدت في الإقرار على قول من أخبرني، ثم تبين لي أن مثل ذلك لا يثبت به الرضاع و أمكن في حقه ذلك، إلا أن ظاهرهم هو الأول.
و إن كانت الدعوى المذكورة بعد العقد عليها و قبل الدخول و صدقته في تلك الدعوى فالعقد باطل، و لا مهر و لا متعة لها لانتفاء النكاح، و إن كانت بعد الدخول و كانت عالمة بذلك قبل الدخول فلا شيء لها أيضا لأنها بعلمها سابقا ثم قبولها الدخول تكون بغيا، و لا مهر لبغي، و إن لم تعلم إلا بعد الدخول فهي حال الدخول جاهلة بالتحريم، و المنقول عن الشيخ أن لها المسمى معللا ذلك بأن العقد هو سبب ثبوت المهر لأنه مناط الشبهة، فكان كالصحيح المقتضي لتضمين البضع بما وقع عليه التراضي في العقد.
و اختار في المسالك و قبله المحقق الثاني في شرح القواعد أن الذي لها في هذه الصورة إنما هو مهر المثل، قال في المسالك- بعد نقل قول الشيخ-:
و يحتمل وجوب مهر المثل لبطلان العقد فيبطل ما تضمنه من المهر الموجب له، و هو وطئ الشبهة، و عوضه مهر المثل، لأن المعتبر في المتلفات المالية و ما في حكمها هو قيمة المثل، و قيمة منافع البضع هو مهر المثل، و هذا هو الأقوى (1).
انتهى. و على هذا النهج كلامه في شرح القواعد (2).
____________
(1) ثم انه قال- بعد قوله «و هذا هو الأقوى»- هذا إذا كان مهر المثل أقل من المسمى أو مساويا له، أما لو كان أزيد منه احتمل أن لا يكون سوى المسمى لقدومها على الرضاع عن البضع بالأقل فلا يلزمه الزائد، و ثبوت مهر المثل مطلقا، لان ذلك هو المعتبر في قيمته شرعا و رضاها بدون وجه شرعي و لا عبرة به، و هذا هو المعتمد. انتهى.
(منه- (قدس سره)-).
(2) حيث قال: و يحتمل وجوب مهر المثل مع الجهل، لان العقد باطل فلا يلزم من جهته مهر لبطلان ما تضمنه، و قد تقرر في الأصول أن الباطل لا يترتب عليه أثره و انما الموجب له وطئ الشبهة و لا تعلق له بالمسمى، و لان الواجب في الإتلاف انما هو قيمة المثل فوجب ضمانه: و هو الأصح. انتهى (منه- (قدس سره)-).
430
هذا فيما إذا صدقته الزوجة، أما لو كذبته فإن أقام بينة على دعواه التحريم حكم بها و كان كما لو صدقته، و إن لم يكن ثمة بينة حكم على بالحرمة لاعترافه، عملا بالخبر المتفق عليه، و لا يقبل قوله بالنسبة إلى المرأة فإن ادعى عليها العلم فله إحلافها، و متى حلفت أو لم يدع عليها العلم و كان ذلك قبل الدخول فهل الواجب لها عليه نصف الصداق لأنها فرقة من طرف الزوج قبل الدخول كالطلاق، أو الجميع لوجوبه بالعقد، و تنصيفه بالطلاق لا يقتضي إلحاق غيره به لأنه قياس لا يوافق أصول المذهب؟ قولان: المشهور الأول، و الثاني مختار جملة من محققي المتأخرين كالمحقق الثاني و الشهيد الثاني في شرحي القواعد و المسالك، و أما بعد الدخول فالواجب الجميع قولا واحدا و حكم بالفرقة بينهما.
الثاني: أن يكون مدعي الرضاع المحرم هو الزوجة
، و حينئذ فإن كان ذلك قبل التزويج حكم عليها به و حرم عليها نكاحه، و هو واضح، فإن كان بعد التزويج سمعت أيضا دعواها الحرمة و إن كانت قد رضيت بالعقد لجواز جهلها بالحرمة حال العقد، و إنما تجدد لها باخبار الثقات بعد ذلك، فلا يكون فعلها مكذبا لدعواها، و حينئذ فإن صدقها الزوج على دعواها و كان ذلك قبل الدخول بها ثبتت الفرقة بينهما و لا شيء لها، و إن كان بعد الدخول فلها مهر المثل أو المسمى على الخلاف المتقدم مع جهلها حال العقد، و إنما حصل العلم بالتحريم لها بعده.
و اختار في التذكرة أن لها أقل الأمرين، لأن المسمى إن كان أقل فلا تستحق ظاهرا غيره، و لا يقبل قولها في استحقاق الزائد بل القول فيه قوله بيمينه، و إن كان مهر المثل أقل فلا تستحق بدعواها غيره، لأن الوطي بدعواها لشبهة لا لعقد، و اختار هذا القول في المسالك. و كذا الشيخ علي في شرح القواعد.
431
و أما مع العلم بالتحريم قبله فهي بغي لا مهر لها، و إن كذبها الزوج و كان ذلك بعد العقد و قبل الدخول لم تقبل دعواها في حقه، و له المطالبة بحقوق الزوجية و ليس لها الامتناع بحسب الظاهر، و لكن ليس لها ابتداءها بالاستمتاع لأنه محرم بزعمها، و لا مهر لها لفساده بزعمها، و يجب عليها أن تفتدي منه بما أمكنها، و التخلص من ذلك بكل وجه ممكن.
و إن كذبها الزوج و كان ذلك بعد الدخول بها فالحكم في المهر كما تقدم من الأقوال الثلاثة، و أما في بطلان العقد فإنه لا يقبل قولها إلا بالبينة، لكن لها إحلافه لو ادعت عليه العلم فيحلف على نفى العلم بذلك، (1) فإن حلف اندفعت دعواها و حكم بصحة النكاح ظاهرا، و عليها فيما بينها و بين الله التخلص من ذلك بحسب الإمكان.
و إن نكل ردت اليمين عليها فتحلف على البت لأنه حلف على إثبات فعل، فإن حلفت حكم بالفرقة بينهما، و وجب بالدخول ما مر، و إن نكلت أو نكلا معا بقي النكاح ظاهرا.
و حيث يبقى بحسب الظاهر فليس لها الابتداء بالاستمتاع كما عرفت و لا المطالبة بحقوق الزوجية من نفقة و كسوة و مبيت عندها و نحو ذلك، لاعترافها بأنها ليست زوجة. نعم لها قبول ذلك مع دفع الزوج.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن عندي في هذا المقام إشكالا و لعله إنما جاء من قصور فهمي الفاتر، و ذلك بالنسبة إلى القول الذي نقلناه عن التذكرة، و ذكرنا أنه اختاره في المسالك و شرح القواعد من القول بالتفصيل، فإن المفهوم من كلامه في المسالك الذي قدمناه في الموضع الأول- في اختياره القول بمهر المثل في صورة
____________
(1) لما تقرر في كتاب القضاء من أن الحلف على نفى فعل الغير يحلف على نفسي العلم، و الحالف على إثبات فعل الغير أو إثبات فعل نفسه أو نفى فعله انما يحلف على القطع و البت. (منه- (قدس سره)-).
432
ما إذا لم تعلم المرأة بالتحريم إلا بعد الدخول، فهي حال الدخول جاهلة بالتحريم- أن الواجب لها مهر المثل دون الممسى لبطلان العقد، فيبطل ما تضمنه من المهر، و الموجب له وطئ الشبهة، و عوضه مهر المثل إلى آخره، و كذا صرح فيما طويناه من كلامه (1) و لم ننقله في تعليل وجوب مهر المثل لها، و إن كان أزيد من المسمى، قال: لأن ذلك هو المعتبر في قيمته شرعا.
و لا يخفى أن ما نحن فيه من قبيل ذلك، فإن الدخول هنا وقع قبل العلم بالتحريم، فيكون ذلك وطئ شبهة، و قد تقرر أن وطئ الشبهة موجب لمهر المثل كائنا ما كان لعين ما نقلناه عن المسالك في تلك المسألة.
و قوله في التذكرة- إن المسمى إن كان أقل فلا يستحق ظاهرا غيره- مردود بأن المسمى قد بطل ببطلان العقد لعين ما تقدم في تلك المسألة، و الواجب لها شرعا من حيث إن الوطي من شبهة إنما هو مهر المثل كما عرفت.
قوله- و لا يقبل قولها في استحقاق الزائد، بل القول قوله بيمينه- لا معنى له لأنا نتكلم على ما يقتضيه هذا العقد الذي ظهر بطلانه هل الواجب فيه ما سمي في العقد أو مهر المثل، و لا تعلق للكلام هنا بمدع و لا منكر حتى يقال إنه تدعي الزيادة و هو ينكرها فالقول قوله بيمينه، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا خفاء عليه، و الله العالم.
المورد السادس [عدم الحكم بالرضاع المحرم إلا بعد ثبوته شرعا]
لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في أنه لا يحكم بالرضاع المحرم إلا بعد ثبوته شرعا، فتحقيق الكلام في المقام يقع في مواضع.
الأول [اختلاف الأصحاب في ثبوت الرضاع بشهادة النساء]
اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في أنه هل يثبت بشهادة النساء منفردات أو منضمات أم لا، فذهب الشيخ في الخلاف و موضع من المبسوط، و تبعه ابن إدريس و سبطه نجيب الدين يحيى بن سعيد صاحب الجامع إلى العدم
____________
(1) قوله «فيما طويناه من كلام»، إشارة الى ما نقلناه عنه في الحاشية المتقدمة.
(منه- (قدس سره)-).
433
و هو اختيار العلامة في التحرير، و نقله في المسالك عن الأكثر، و ذهب الشيخ أبو عبد الله المفيد و سلار و الشيخ في كتاب الشهادات من المبسوط إلى قبولها، و هو المنقول عن ابن حمزة و ابن الجنيد و ابن أبي عقيل. و اختاره العلامة في المختلف و القواعد و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و قربه المحقق في الشرائع، و تردد فيه في النافع.
احتج الأولون بأصالة الإباحة، قال في المسالك: و لا يخفى ضعف أصالة الإباحة مع معارضة الشهادة.
احتج الآخرون
بموثقة عبد الله بن بكير (1) عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) «في امرأة أرضعت غلاما و جارية، قال: يعلم ذلك غيرها؟ قال قلت: لا، قال: لا تصدق إن لم يكن غيرها».
قال في المسالك: و مفهوم الشرط أنها تصدق حيث يعلم ذلك غيرها: لأن عدم الشرط يقتضي عدم المشروط و هو عدم التصديق، فيثبت نقيضه، و هو التصديق.
انتهى.
أقول: و الأظهر الاستدلال على هذا القول الأخير بأنه لا ريب أن الرضاع مما يعسر اطلاع الرجال عليه غالبا كالولادة و البكارة و الثيوبة و عيوب النساء الباطنة كالرتق و القرن و الحيض و نحو ذلك، و قد استفاضت الأخبار بأن ما كان كذلك فإنه تقبل شهادة النساء فيه.
و ممن صرح بأن الرضاع مما يعسر اطلاع الرجال عليه شيخنا الشهيد في اللمعة، و هو ظاهر الشهيد الثاني في شرحها حيث نسبه إلى الأقوى، و بذلك صرح المحدث الكاشاني في المفاتيح، و الفاضل الخراساني في الكفاية.
و أما الأخبار الدالة على قبول شهادة النساء فيما يعسر اطلاع الرجال عليه
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 323 ح 38، الوسائل ج 14 ص 304 ح 3.
434
فمنها
قول الرضا (عليه السلام) في رواية محمد بن الفضيل (1) «تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه، و ليس معهن رجل».
و في رواية أبي بصير (2) قال: «سألت الصادق (عليه السلام) عن شهادة النساء، فقال:
تجوز شهادة النساء وحدهن على ما لا يستطيع الرجال ينظرون إليه».
و في رواية إبراهيم الخارقي (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه و يشهدوا عليه».
و في موثقة ابن بكير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال تجوز شهادة النساء في العذرة و كل عيب لا يراه الرجال».
و في صحيحة عبد الله بن سنان (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال تجوز شهادة النساء وحدهن بلا رجال في كل ما لا يجوز للرجال النظر إليه».
و في رواية داود بن سرحان (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أجيز شهادة النساء في الغلام صاح أو لم يصح و في كل شيء لا ينظر إليه الرجال تجوز شهادة النساء فيه».
إلى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبع، و بذلك يظهر لك قوة القول الثاني (7).
____________
(1) الكافي ج 7 ص 391 ح 5، التهذيب ج 6 ص 264 ح 110، الوسائل ج 18 ص 259 ح 7.
(2) الكافي ج 7 ص 391 ح 4، التهذيب ج 6 ص 264 ح 109، الوسائل ج 18 ص 258 ح 4.
(3) التهذيب ج 6 ص 265 ح 112، الوسائل ج 18 ص 259 ح 5.
(4) الكافي ج 7 ص 391 ح 7، التهذيب ج 6 ص 271 ح 137، الوسائل ج 18 ص 260 ح 9.
(5) الكافي ج 7 ص 391 ح 8، التهذيب ج 6 ص 264 ح 107، الوسائل ج 18 ص 261 ح 10.
(6) الكافي ج 7 ص 392 ح 13، التهذيب ج 6 ص 268 ح 126، الوسائل ج 18 ص 261 ح 12.
(7) و به قطع المحقق و العلامة و الشهيد في شرح شهادات الإرشاد، و صرح بأنه هو المشهور بين الأصحاب، و عليه اعتمد المحقق الشيخ على في شرح القواعد.
(منه- (قدس سره)-).
435
الثاني [في مواضع تجوز الشهادة النساء فيها]
المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) أنه في كل موضع يكفى فيه شهادة النساء منفردات لا يكفي فيه أقل من أربع نساء، لما علم من عادة الشارع في باب الشهادات من اعتبار امرأتين برجل، و الأمر بإشهاد رجل و امرأتين.
نعم قد استثني من ذلك صورتان قد خرجتا بنص خاص إحداهما الوصية بالمال، و الثانية ميراث المستهل، فإنه قد دلت النصوص على ثبوت الحق كلا أو بعضا بنسبة الشاهد، فيثبت الكل بالأربع، و ثلاثة الأرباع بالثلاثة، و النصف بالاثنين، و الربع بالواحدة.
و ذهب الشيخ المفيد و تبعه سلار إلى أنه يقبل في عيوب النساء و الاستهلال و النفاس و الحيض و الولادة و الرضاع شهادة امرأتين مسلمتين في حال الضرورة، و إذا لم يوجد إلا شهادة امرأة واحدة مأمونة قبلت شهادتها فيه، و استندا في ذلك إلى
صحيحة الحلبي (1) «عن الصادق (عليه السلام) أنه سأله عن شهادة القابلة في الولادة؟
قال: تجوز شهادة الواحدة».
و أجاب في المختلف عن الرواية بالقول بالموجب، فإنه يثبت بشهادة الواحدة الربع، مع أنه لا يدل على حكم غير الولادة، و نقل عن ابن أبي عقيل و سلار القول بقبول الواحدة في الرضاع و الحيض و النفاس و الاستهلال و العذرة و عيوب النساء من غير اعتبار الضرورة.
و عن ابن الجنيد القول باعتبار الأربع، و القضاء بشهادة ما نقص عن العدد في حالة الاختيار و لكن بالحساب من ذلك كما في الاستهلال و الوصية قال:
و كل أمر لا يحضره الرجال و لا يطلعون عليه فشهادة النساء فيه جائزة كالعذرة و الاستهلال و الحيض، فلا يقضى بالحق إلا بأربع منهن، فإن شهد بعضهن فبحساب ذلك.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 390 ح 2، التهذيب ج 6 ص 269 ح 128، الوسائل ج 18 ص 258 ح 2.
436
و رد بأن هذا إنما يستقيم على ما قد عول عليه من العمل بالقياس إذ لا نص هناك في باب الرضاع، و لا تنصيص أيضا على العلة الجامعة. انتهى، و هو جيد.
الثالث [في اعتبار ذكر وصول اللبن إلى الجوف]
قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لا يقبل الشهادة بالرضاع مجملة، فلا يكفي الشهادة بحصوله مطلقا لوقوع الخلاف فيه كمية و كيفية، و اختلاف مذهب الشاهد و الحاكم في ذلك.
فلو شهد الشاهد أن بين فلان و فلانة رضاعا محرما لم يقبل ذلك، لجواز بنائه في شهادته على التحريم بما لا يوافق مذهب الحاكم، بل لا بد أن يشهد أن فلانا رضع من ثدي فلانة من لبن الولادة أو الحمل المستند إلى النكاح الصحيح خمس عشرة رضعة مثلا تامات في الحولين من غير أن يفصل بينهما برضاع امرأة غيرها.
نعم لو علم أن مذهب الشاهد لا يخرج عن مذهب الحاكم بأن يكون من جملة مقلديه الموثوق بمراعاته مذهبه، فالظاهر أنه لا يحتاج إلى التفصيل المذكور و إن كان أحوط، و مثله ما لو كان الشاهد فقيها موثوقا به و هو موافق الحاكم في جميع شرائط الرضاع، قال في شرح القواعد: و هذا قوي، لكن لا نجد به قائلا من الأصحاب، و بمثله صرح في شرح اللمعة (1).
و صرحوا أيضا بأنه يشترط في صحة شهادته أن يعرف المرأة في تلك الحال أنها ذات لبن، و أن يشاهد الولد قد التقم الثدي، و أن يكون مكشوفا لئلا يلتقم غير الحلمة، و أن يشاهد امتصاصه له و تحريك شفتيه و التجرع و حركة الحلق على وجه يحصل له القطع بذلك
لقولهم (عليهم السلام) «لا تشهد إلا على مثل
____________
(1) حيث قال: و لو علم موافقة رأى الشاهد لرأي الحاكم في جميع الشرائط فالمتجه الاكتفاء بالإطلاق، الا أن الأصحاب أطلقوا القول بعدم صحتها الا مفصلا الى آخره. (منه- (قدس سره)-).
437
الشمس» (1).
أقول: و من هنا تبين لك صحة ما قدمناه من عسر اطلاع الرجال على ذلك غالبا.
و هل يعتبر في التفصيل ذكر وصول اللبن إلى الجوف، قال بعضهم: فيه وجهان، و استقرب العلامة في القواعد عدم الاشتراط لأن ضابط وجوب التفصيل وقوع الخلاف في شرائط المشهود به، دفعا لاحتمال استناد الشاهد إلى اعتقاد لا يستصحه الحاكم، و وصول اللبن إلى الجوف ليس من هذا القبيل، فيكفي فيه إطلاق الشهادة.
و أيضا ليس بمحسوس، فلا يعتبر تصريح الشاهد به، و من قال إنه يحكم به، يعول على ما ذكره لتقبل الشهادة كما ذكر في الإيلاج في شهادة الزنا.
و أيضا ذلك مناط نشر الحرمة فلا بد من ذكره، و أيضا اختصاص علية الحكم (2) ببعض الأفراد لا يقدح في عمومه فإن العلة في تحريم الخمر هو الإسكار، مع أن قليله يحرم و إن لم يسكر، قال المحقق الثاني في شرح القواعد: و الأول أصح، لأن الشهادة بالرضاع يقتضيه، فيكفي عن ذكره.
و قال سبطه- المحقق الداماد بعد نقل ذلك عنه-: و عندي أن الأصح هو الثاني عملا بمقتضى الأدلة. انتهى. و أشار بالأدلة إلى ما ذكرناه في الاستدلال للوجه الثاني و الظاهر هو ما ذكره جده (قدس الله روحهما)قال في شرح القواعد:
____________
(1) الوسائل ج 18 ص 250 ح 3.
(2) قوله «و أيضا اختصاص علية الحكم» الى آخره إشارة إلى الجواب عما ذكره في أدلة الأول- من تعليله بأن ضابط وجوب التفصيل وقوع الخلاف في شرائط المشهود به، و هذا الفرد ليس محل خلاف، و وجه الجواب ظاهر فإنه لا يجب اطراد العلة في جميع الافراد المحكوم فيها بذلك الحكم كما ذكر من مثال الخمر و نحوه تعليل وجوب العدة باستبراء الرحم و غير ذلك. (منه- (قدس سره)-).
438
هل يشترط أن يشهد الشاهد بأن الرضيع بقي اللبن في جوفه، لأنه لو قاءه لم يثمر الرضاع التحريم، مقتضي التعليل السابق اعتباره، لأن هذا من الأمور المختلف فيها و لم أجد به تصريحا، إلا أنه ينبغي اعتباره.
قال سبطه- بعد نقل ذلك عنه- قلت: لا ريب في وجوب اعتباره و إن لم يكن هو مما اختلف فيه لما تعرفته، فكيف إذا وقع فيه الخلاف. انتهى.
هذا كله إذا كانت الشهادة على نفس الرضاع، أما لو كانت على إقرار المقر به فإنه لا يعتبر ما ذكر من التفصيل و إن أمكن استناد المقر إلى ما لا يحصل به التحريم عند الحاكم عملا بعموم
«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (1).
إلا أن يعلم استناده إلى مذهب يخالف مذهب السامع أو الحاكم و لا تقبل إلا شهادة رجلين، لأن الإقرار مما يطلع عليه الرجال غالبا.
الرابع [حكم المرأة المحرمة بالرضاع بالشبهة المحصورة و غير المحصورة]
لو كان له أخت من الرضاع أو بنت أو نحوهما فامتزجت بأهل قرية، قال العلامة في القواعد: جاز أن ينكح واحدة منهن، و لو اشتبهت بمحصور العدد عادة حرم الجميع.
قال المحقق الشيخ علي في شرحه على الكتاب: فهنا صورتان: (إحداهما) أن يكون الاختلاط بعدد غير محصور بالعادة كنسوة بلد أو قرية كبيرة فله نكاح واحدة منهن، و لو لا ذلك لسد عليه باب النكاح لأنه لو انتقل إلى بلدة لم يؤمن مسافرتها إلى بلدة اخرى قال: و مثله ما لو اختلط صيد مملوك بصيود مباحة لا تنحصر فإنه لا يحرم الاصطياد، و كذا لو تنجس مكان أرض غير محصورة، فإنه لا يمنع من الصلاة على تلك الأرض.
(الثانية) أن يكون الاختلاط بعدد محصور في العادة فيمنع من النكاح هنا لوجوب اجتناب المحرم و لا يتم إلا باجتناب الجميع، و لا عسر في اجتناب العدد المحصور، ثم قال: و المراد من غير المحصور عسر عدهن على آحاد الناس
____________
(1) الوسائل ج 16 ص 133 ح 2.
439
نظرا إلى أن أهل العرف إذا نظروا إلى مثل ذلك العدد أطلقوا عليه أنه ليس بمحصور لكثرته، و إلا فلو عمد أحد إلى أكبر بلدة لعد سكانها لأمكنه ذلك.
انتهى.
قال بعض الفضلاء بعد نقل ذلك: و هذا الكلام لا يخلو من اشكال و إن كان الاجتناب هو الأحوط فتأمل. انتهى.
أقول: قد تقدم تحقيق الكلام في جلد كتاب الصلاة، و كذا حققنا المسألة بما لا مزيد عليه في كتابنا الدرر النجفية، و ذكرنا الخلاف في هذا المقام من بعض متأخري المتأخرين الأعلام.
و أما ما ذكره المحقق المذكور هنا بالنسبة إلى ما هو المراد من غير المحصور فيمكن الاستدلال له
بموثقة حنان بن سدير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل و أنا حاضر عن جدي رضع من خنزير حتى شب و اشتد عظمه، ثم استفحله رجل في غنم فخرج له نسل ما تقول في نسله؟ قال: أما ما عرفت من نسله بعينه فلا تقربه، و أما ما لم تعرفه فهو بمنزلة الجبن فكل و لا تسأل عنه».
بحمل الغنم في الخبر على قطيع كثير الغنم كما هو الغالب، و قد حكم (عليه السلام) بأنه ما لم يعلم نسل ذلك الفحل بعينه فإنه يجوز له الأكل من تلك الغنم، و ليس إلا من حيث إنه غير محصور عادة كالقرية الكبيرة التي مثل بها و يؤيده تمثيله بالجبن الذي استفاضت الروايات بحله و إن عمل بالميتة لكونه غير محصور فيحتمل أن لا يكون كذلك.
و في الخبر أيضا احتمال آخر ذكرناه في كتاب الدرر النجفية، و هو أنه يمكن أن يكون نسله غير محقق و لا معلوم في جملة تلك الغنم، لاحتمال أنه سرق أو ضل أو ذبح أو بيع أو نحو ذلك، و لا يتحقق العلم بالحرام في المقام، و الحكم
____________
(1) الكافي ج 6 ص 249 ح 1، التهذيب ج 9 ص 44 ح 183، الفقيه ج 3 ص 212 ح 77، الوسائل ج 16 ص 352 ح 1.
440
بالتحريم مبني على تيقن العلم ببقائه.
بقي هنا شيء ينبغي التنبيه عليه، و هو أنه لو عقد على واحدة من العدد المحصور فلا ريب أنه منهي عن ذلك و أن العقد باطل بحسب ظاهر الشرع لما عرفت من تحريم الجميع عليه في المحصور، و لكن لو ظهر بعد العقد أن المعقود عليها ليست من المحرمات عينا و لا جمعا، فهل يحكم بصحة العقد بناء على مطابقته للواقع و انكشاف ذلك له، أو البطلان لسبق الحكم ببطلانه، و أنه وقع مع اعتقاد العاقد عدم الصحة، و أن الأحكام الشرعية إنما تناط بالظاهر لا بالواقع و نفس الأمر، مقتضي قواعد الأصحاب و أصولهم هو البطلان لما عرفت، و لا ريب أن التجديد أحوط.
الخامس: لو حصل الشك في بلوغ النصاب من العدد المعتبر أو في وصول اللبن إلى الجوف
في بعض المرات أو نحو ذلك من الشروط المعتبرة في التحريم لم تثبت الحرمة، لأن الأصل الإباحة و الأصل عدم الحرمة، إلا أن الاحتياط يقتضي التحريم كما استفاض الأمر به سيما في النكاح محافظة على النسل الممتد إلى يوم القيمة.
أما لو شك في وقوع الرضاع في الحولين، قالوا: تقابل هنا أصلان أصالة بقاء الحولين، لأن كون المرتضع في الحولين كان ثابتا قبل الرضاع و الأصل البقاء و أصالة الإباحة لأنها كانت ثابتة قبل الرضاع و قبل النكاح و الأصل بقاؤها.
و رجح الثاني بوجوه (أحدها) أن التقابل و التكافؤ أي تقال الأصلين المذكورين، و عدم إمكان ترجيح أحدهما على الآخر، يقتضي التساقط كما قيل تعارضا تساقطا، فينتفي التحريم قطعا لانتفاء سببه، و يلزم من انتفائه ثبوت الإباحة إذ لا يعقل ارتفاع النقيضين.
و (ثانيها) أن الشك في وقوع الرضاع في الحولين يقتضي الشك في تقدم الرضاع و تأخره، و الأصل عدم التقدم.
441
لا يقال: كما أن الأصل عدم التقدم فكذا الأصل عدم التأخر، لأنا نقول هو كذلك، إلا أن الأصل حصل بطريق آخر، و هو أن التقدم يقتضي تحقق الرضاع في أزمنة تزيد على أزمنة تأخره، و الأصل عدم الزيادة و إن وجد هذا الأصل مع أصل الإباحة قوى جانبه به.
و (ثالثها) قوله تعالى (1) «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ» بعد قوله تعالى «وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ» فإن المراد- و الله أعلم- اللاتي أرضعنكم الرضاع المحكوم به شرعا وقوعه في الحولين، لأن ذلك يشترط قطعا، و ليس محكوما بكون الرضاع في محل النزاع واقعا في الحولين لتقابل الأصلين المتقدمين، فيندرج التنازع في حل نكاحها في عموم قوله «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ».
قال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد: و هو من أبين المرجحات ثم قال و قد يقال: يرجح التحريم بأنه إذا تعارض الناقل و المقرر رجح الناقل و لأن التأسيس خير، و لأنه «إذا اجتمع الحلال و الحرام غلب الحرم».
و ضعفه ظاهر، لأن ترجيح الناقل في النصوص من حيث اشتماله على زيادة لا ينافيها الأخر، أما في الأصلين كما هنا فهو غير واضح، و إنما يغلب الحرام الحلال إذا ثبت التحريم شرعا، كما لو اشتبهت محرمة بأجنبية. انتهى.
المورد السابع: في جملة من الأحكام المتفرقة
و نظمها يقع في مسائل.
الأولى [فيما لو تزوج بنت الأخ أو الأخت على العمة أو الخالة من الرضاع]
قال العلامة و جمع من الأصحاب إنه لو تزوج بنت الأخ أو الأخت على العمة أو الخالة من الرضاع، فإن كان بإذنهما صح قولا واحدا و إلا بطل.
و قيل: يقع موقوفا على الإجازة، و الظاهر الأول للنهي الوارد
في صحيحة أبي عبيدة الحذاء (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تنكح المرأة على عمتها
____________
(1) سورة النساء- آية 24.
(2) الكافي ج 5 ص 445 ح 11، التهذيب ج 7 ص 292 ح 65، الفقيه ج 3 ص 260 ح 21، الوسائل ج 14 ص 304 ح 1.
442
و لا على خالتها و لا على أختها من الرضاعة».
و في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) (1) «. لا تزوج بنت الأخ و الأخت على العمة و الخالة إلا برضا منهما، فمن فعل فنكاحه باطل».
و لعموم
قوله (عليه السلام) (2) «الرضاع لحمة كلحمة النسب»،.
و قوله (3) (عليه السلام) «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
الثانية [حكم أم الغلام المدخول فيه و أخته و بنته من الرضاع]
لا خلاف و لا إشكال في أنه إذا أوقب غلاما حرمت عليه أم الغلام و بنته و أخته مؤبدا إذا كن من النسب للنصوص الواردة بذلك عن أهل العصمة (صلوات الله عليهم).
و الظاهر أنهن لو كن من الرضاع فكذلك لعموم قوله (عليه السلام) «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» و صدق الام عليها في قوله عز و جل (4) «وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ» و كذا الأخت في قوله «وَ أَخَوٰاتُكُمْ».
و يؤيد ذلك
صحيحة محمد بن مسلم (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل فجر بامرأة أ يتزوج أمها من الرضاعة أو بنتها؟ قال: لا».
و التقريب فيه أنه حيث حلت الام من الرضاعة و البنت هنا محل نظيريهما من النسب فحرمتا عليه فكذلك فيما نحن فيه، الاندراج تحت عموم الخبر النبوي
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 333 ح 5، الوسائل ج 14 ص 385 ح 3.
(2) ما عثرنا بهذه العبارة نعم في المصباح و ابن أثير في مادة لحم بجملة «الولاء لحمة كلحمة النسب»، عوالي اللئالي ج 2 ص 307 ح 33.
(3) التهذيب ج 7 ص 291 ح 59، الكافي ج 5 ص 438 ح 2، الوسائل ج 14 ص 281 ح 3 و 4.
(4) سورة النساء- آية 23.
(5) التهذيب ج 7 ص 331 ح 19، الكافي ج 5 ص 416 ج 8، الوسائل ج 14 ص 325 ح 1.
443
المذكور.
و ربما قيل: بالعدم، لأن الأم حقيقة في النسبية التي ولدته لقوله تعالى (1) «إِنْ أُمَّهٰاتُهُمْ إِلَّا اللّٰائِي وَلَدْنَهُمْ» فلا تتناول النصوص الواردة بالتحريم لها.
و فيه أن الحصر المذكور في الآية إنما هي إضافي بالنسبة إلى المظاهرة و تسمية المظاهر لزوجته اما، و إلا فقد عرفت في الآية إطلاق الأم على المرضعة و الأصل في الاستعمال الحقيقة.
الثالثة [هل الرضاع سبب في العتق لو ملك من ينعتق به أم لا؟]
اختلف الأصحاب (رضوان الله عنهم) في الرضاع، هل يكون مثل النسب في كونه سببا في العتق لو ملك من ينعتق به أم لا؟، و قد تقدم تحقيق الكلام في هذه المسألة في المسألة الثانية من الفصل التاسع في بيع الحيوان من كتاب البيع.
الرابعة [في تحريم الجمع بين الأختين في النكاح]
الظاهر أنه لا خلاف نصا و فتوى في تحريم الجمع بين الأختين في النكاح، سواء كانت الأختية من النسب أو الرضاع لتناول النصوص لكل منهما و قد تقدمت.
و لا فرق بين كون العقد دائما أو منقطعا دخل بإحداهما أم لم يدخل، لان مناط التحريم الجمع في النكاح و هو صادق بالعقد، و جميع ما يجري من الأحكام الآتية في النسبية عند ذكر المسألة يجري في الرضاعية.
أما لو جمع بينهما في الملك فالظاهر أنه لا مانع منه و لا قائل بخلاف ذلك فيما أعلم، لأن الغرض الأصلي في الملك المالية كما قيل، و ليس الغرض منه الوطي، و إن تعلق به جوازه حتى لو اشترى جارية فوطأها لم يحرم شراء أختها و إنما يحرم الجمع في النكاح لقوله تعالى (2) «وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ».
نعم يحرم عليه وطئ الثانية بعد أن وطأ الأولى التي كانت عنده قبل شراء
____________
(1) سورة المجادلة- آية 2.
(2) سورة النساء- آية 23.
444
الثانية، إذ لا خلاف في أنه يحرم عليه الاستمتاع بالثانية ما دامت الاولى في ملكه.
و بالجملة فإنه بوطىء إحدى الأختين المملوكتين يحرم عليه وطئ الأخرى حتى تخرج الاولى عن ملكه، و يأتي إن شاء الله تحقيق الكلام في المسألة عند ذكرها في محلها، و الغرض هنا التنبيه على أن ما يتعلق بالأختين بالنسب من الأحكام يجري في الأختين من الرضاع، و مورد أخبار أحكام المسألة الأختان، الشامل بعمومه لما كان من النسب أو الرضاع.
و لو قيل: إن المتبادر منهما إنما هو الأختية من النسب كما فهمه الأصحاب قلنا: مع ذلك فإنه بانضمام خبر
«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
يتم الاستدلال كما عرفت في غير مقام.
الخامسة [عدم اشتراط إذن المولى و الزوج في التحريم]
لا خلاف بين الأصحاب في أنه لا يشترط إذن المولى و لا إذن الزوج في تحريم الرضاع، قالوا أما الزوج فظاهر لأنه لا يملك الزوجة و لا لبنها و إن كان منسوبا إليه، و غاية ما هناك أنه يلزم من الرضاع الإثم إذا استلزم تعطيل بعض حقوقه الواجبة، و هذا لا يوجب نفي تعلق التحريم بالرضاع، و هكذا القول في المولى لأن تصرفها في لبنها و إن كان محرما بغير إذن المولى لأنه ماله إلا أنه لا منافاة بين التحريم و بين كون الرضاع محرما، و بالجملة فإن المعتمد هو إطلاق النصوص الدالة على التحريم فإنه يتناول هذا الإرضاع المذكور.
السادسة [لو فجر بعمته أو خالته هل يحرم بنتهما من الرضاع؟]
ظاهر المشهور من غير خلاف يعرف هو أنه متى فجر بعمته أو خالته حرم عليه التزويج بابنتهما نسبا، و سيأتي تحقيق المسألة في محلها إن شاء الله.
و مقتضى النص النبوي المتقدم تحريم البنت الرضاعية أيضا حسبما عرفت في غير هذا الموضع من فرعية الرضاع على النسب في كل موضع حكم بالتحريم فيه نسبا، و ربما سبق إلى بعض الأوهام القاصرة عدم التحريم لعدم تناول نصوص المسألة للبنت الرضاعية، و الأصل الإباحة، و هو ضعيف، فإنك قد عرفت من الأخبار المتقدمة في صدر هذا المطلب أن هذا الخبر النبوي قاعدة كلية و ضابطة
445
جلية في تفريع الرضاع على النسب فإنهم (عليهم السلام) بعد ذكر الأحكام في تلك الأخبار يستدلون بهذا الخبر من حيث كونه قاعدة كلية في هذا الباب، كما لا يخفى على ذوي الأذهان و الألباب، و الله العالم بحقائق أحكامه.
المطلب الثالث: فيما يحرم بالمصاهرة
، و هي على ما ذكره الأصحاب علاقة تحدث بين الزوجين و أقرباء كل منهما بسبب النكاح توجب الحرمة، و يلحق بالنكاح الوطي و النظر و اللمس على وجه مخصوص.
قال شيخنا الشهيد الثاني: هذا هو المعروف من معناها لغة و عرفا فلا يحتاج إلى إضافة وطئ الأمة و الشبهة و الزنا و نحوه إليها و إن أوجب حرمة على بعض الوجوه، إذ ذاك ليس من المصاهرة بل من جهة ذلك الوطي و إن جرت العادة بإلحاقها بها في بابها. انتهى.
أقول: و كيف كان فلا بد من الكلام على كل من هذه المذكورات و تحقيق الحال فيها، ثم الكلام فيما يلحق بذلك، فهنا مقصدان:
[المقصد] الأول: في الكلام على هذه المذكورات
، و ذلك يكون في مقامات.
[المقام] الأول: في النكاح الصحيح
و فيه مسائل:
[المسألة] الأولى [حرمة أم الموطوءة و بناتها على واطئ المرأة بالعقد الصحيح]
من وطأ امرأة بالعقد الصحيح دواما أو متعة أو بالملك حرم على الواطئ أم الموطوءة و بناتها و إن سفلن، تقدمت ولادتهن أو تأخرت و لو لم تكن في حجره.
قال السيد السند في شرح النافع: هذه الأحكام مجمع عليها بين المسلمين فلا حاجة إلى التشاغل بأدلتها. انتهى.
و لا يتوهم من ظاهر الآية اشتراط كون الربائب في الحجر حيث وصف الربائب المحرمات بكونهن في الحجر، فإنه إنما خرج مخرج الغالب، و قد وقع الاتفاق نصا و فتوى على أن هذا الوصف غير معتبر، و الأخبار من الخاصة و العامة مستفيضة بالتحريم، سواء كن في الحجر أم لا، فالوصف للتعريف لا للتخصيص.
446
فروى الشيخ في التهذيب عن غياث بن إبراهيم (1) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام) قال: إذا تزوج الرجل المرأة حرمت عليه ابنتها إذا دخل بالأم، فإذا لم يدخل بالأم فلا بأس أن يتزوج بالابنة، فإن تزوج الابنة فدخل بها أو لم يدخل بها فقد حرمت عليه الام، و قال: الربائب عليكم حرام، كن في الحجر أو لم يكن».
و روى في الفقيه (2) قال: «قال علي (عليه السلام): الربائب عليكم حرام» الحديث.
و عن إسحاق بن عمار (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام) كان يقول:
الربائب عليكم حرام مع الأمهات اللاتي قد دخلتم بهن، هن في الحجور و غير الحجور سواء» الحديث.
و روى في الكافي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يتزوج المرأة متعة، أ يحل له أن يتزوج ابنتها؟ قال: لا».
و روى الشيخ عن محمد بن مسلم (5) في الصحيح قال: «سألت أحدهما (عليهما السلام) عن رجل كانت له جارية فأعتقت فتزوجت فولدت، أ يصلح لمولاها الأول أن يتزوج بنتها؟ قال: لا، هي عليه حرام و هي ابنته، و الحرة و المملوكة في هذا سواء».
و ما رواه
في الفقيه عن العلاء عن محمد بن مسلم (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل كانت له جارية و كان يأتيها فباعها، فأعتقت و تزوجت فولدت ابنة
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 273 ح 2، الوسائل ج 14 ص 351 ح 4.
(2) الفقيه ج 3 ص 262 ح 33، الوسائل ج 14 ص 352 ح 6.
(3) التهذيب ج 7 ص 273 ح 1، الوسائل ج 14 ص 351 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 422 ح 2، التهذيب ج 7 ص 277 ح 11، الوسائل ج 14 ص 350 ح 1.
(5) التهذيب ج 7 ص 277 ح 12، الوسائل ج 14 ص 358 ح 6.
(6) الفقيه ج 3 ص 287 ح 11، الوسائل ج 14 ص 358 ح 6.
447
هل يصلح ابنتها لمولاها الأول؟ قال: هي حرام عليه».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن جميل بن دراج (1) عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) «في رجل كانت له جارية فوطأها ثم اشترى أمها أو بنتها، قال:
لا تحل له» و زاد في الكافي «أبدا».
إلى غير ذلك من الأخبار المتكاثرة في حكم الإماء الدالة على التحريم و لكن قد ورد في مقابلتها أخبار أخر- و إن كانت أقل عددا- دالة على عدم التحريم في الإماء، و إنما ذلك مخصوص بالحرائر.
و منها ما رواه
الشيخ عن رزين بياع الأنماط (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل كانت له جارية فوطأها فباعها أو ماتت، ثم وجد ابنتها أ يطأها؟ قال: نعم، إنما هذا من الحرائر، أما الإماء فلا بأس».
و مثلها رواية أخرى لرزين (3) أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام).
و رواية الفضل بن يسار (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كانت له مملوكة يطأها فماتت ثم يصيب بعد، ابنتها قال: لا بأس ليست بمنزلة الحرة».
و أجاب الشيخ عن هذه الأخبار بتأويلات لا يخلو من بعد، و لا أعلم قائلا بهذه الأخبار، بل قد عرفت مما قدمنا نقله عن صاحب المدارك في شرح النافع دعوى الإجماع على التحريم في تلك الأشياء المعدودة التي من جملتها هذا الفرد.
و كيف كان فإنه كما يحرم على الواطئ أم الموطوءة و بناتها كما تقدم يحرم على الموطوءة أبو الواطئ و إن علا و أولاده و إن سفلوا تحريما مؤبدا.
و لو تجرد العقد عن الوطي حرمت المعقود عليها على أب العاقد و إن علا،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 431 ح 3، التهذيب ج 7 ص 276 ح 7، الوسائل ج 14 ص 357 ح.
(2) التهذيب ج 7 ص 278 ح 17، الوسائل ج 14 ص 360 ح 16.
(3) التهذيب ج 7 ص 278 ح 18، الوسائل ج 14 ص 360 ح 14.
(4) التهذيب ج 7 ص 279 ح 20، الوسائل ج 14 ص 360 ح 15.
448
و أولاده و إن سفلوا.
أما تحريمها على أب العاقد بمجرد العقد فلقوله تعالى (1) «وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ» الشامل لمن كانت مدخولا بها و غيرها، و قوله تعالى (2) «وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ» و النكاح حقيقة في العقد كما صرح به جمع من الأصحاب و لو نوقش بأنه حقيقة في الوطي أو مشترك فالآية الأولى كافية في الاستدلال.
و أما تحريمها على ابنه فيدل عليه ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة و الفضيل (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث العامرية و الكندية، «قال أبو جعفر (عليه السلام): لو سألتهم عن رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها أ تحل لابنه؟ قالوا: لا، فرسول الله (صلى الله عليه و آله) أعظم حرمة من آبائهم».
و ما رواه
في التهذيب عن يونس بن يعقوب (4) قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) رجل تزوج امرأة فمات قبل أن يدخل بها أ تحل لابنه؟ فقال: إنهم يكرهونه».
و المراد بالكراهة هنا التحريم كما هو شائع في الأخبار.
الى غير ذلك من الأخبار، و حرمت بنتها على العاقد جمعا لا عينا، فلو فارق الام و لم يدخل بها جاز له تزويج البنت لقوله تعالى (5) «وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ» و هو صريح في الحكم المذكور.
و هل تحرم أمها بنفس العقد أم لا تحرم إلا بالدخول بالبنت؟ المشهور الأول، و ذهب ابن أبي عقيل إلى الثاني، و الأخبار في المسألة مختلفة، و إن كان الظاهر هو المشهور و حيث إن بعض محققي متأخري المتأخرين استشكل في
____________
(1) سورة النساء- آية 23.
(2) سورة النساء- آية 22.
(3) الكافي ج 5 ص 421 ح 3، الوسائل ج 14 ص 313 ح 4.
(4) التهذيب ج 7 ص 281 ح 27، الوسائل ج 14 ص 315 ح 9.
(5) سورة النساء- آية 23.
449
المسألة غاية الاشكال و بعضا آخر (1) كذلك أيضا قد جعلها مما يرجى حكمه حتى يظهر الحق لما فيها من الإعضال، رأيت أن أبسط الكلام في المقام بتوفيق الملك العلام بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الأعلام.
فأقول و به سبحانه الثقة لا دراك المأمول و نيل المسؤل: من الأدلة الدالة علي القول المشهور قوله عز و جل في تعداد المحرمات «وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ».
و التقريب فيها أن ظاهر قوله تعالى «وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ» في تعداد المحرمات المعدودة، هو الشمول للمدخول بهن و غيرهن، فإن الجمع المضاف يفيد العموم كما قرر في محله، و بهذا المعنى وردت الأخبار المأثورة في تفسير الآية المذكورة كما ستمر بك إن شاء الله.
و نقل شيخنا الشهيد الثاني في المسالك (2) عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: أبهموا ما أبهم الله، يعني عمموا حيث عمم بخلاف الربائب، فإنه قيدهن بالدخول بأمهاتهن فيتقيدن.
و أنت خبير بأن ظاهر قوله سبحانه «وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» نعت للنساء اللواتي هن أمهات الربائب لا غير، و على ذلك أيضا تدل الأخبار الآتية، و بذلك يظهر لك صحة دلالة الآية بطرفيها على القول المذكور.
و أما على تقدير قول ابن أبي عقيل، فإنهم قد حملوا الآية على أن قيد الدخول راجع إلى المعطوف و المعطوف عليه، و أن يكون قوله تعالى «مِنْ نِسٰائِكُمُ» راجعا
____________
(1) أما الأول فهو السيد السند صاحب المدارك في شرحه على النافع، و الثاني هو المحقق المدقق الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن يوسف البحراني صاحب رياض المسائل و حياض الدلائل (منه- (قدس سره)-).
(2) المسالك ج 1 ص 477.
450
إلى الجميع أيضا لا إلى الجملة الأخيرة، فيكون المعنى بالنسبة إلى تعلقه بالجملة الاولى «وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ. مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ».
ورد الحمل المذكور (أولا) بأن الوصف و الشرط و الاستثناء المتعقب للجمل يجب عوده للأخيرة، كما حقق في الأصول، إلا مع قيام القرينة الدالة على خلاف ذلك.
و (ثانيا) أن رجوع «مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» إليهما غير مستقيم حيث إن (من) على تقدير التعلق بالجملة الأولى تكون بيانية لبيان الجنس و تمييز المدخول بهن من غير المدخول بهن، فيكون التقدير حرمت عليكم أمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن.
و على تقدير التعلق بربائبكم تكون ابتدائية، لابتداء الغاية كما تقول:
بنات رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من خديجة (رضي الله عنها)، و يمتنع أن يراد بالكلمة الواحدة في الخطاب الواحد معنيان مختلفان.
و (ثالثا) ما نقله في كتاب مجمع البيان عن الزجاج من أن الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدا، قال: لا يجيز النحويون «مررت بنسائكم و هربت من نساء زيد الظريفات» على أن يكون الظريفات نعتا لهؤلاء النساء و هؤلاء النساء. انتهى.
أقول: و نحوه ما نقله بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين عن أحمد بن محمد المقري في شرح الوجيز للشافعي حيث قال- بعد كلام في المقام-:
و ذهب بعض الأمة المتقدمين إلى جواز نكاح الأم إذا لم يدخل بالبنت، و قال:
الشرط الذي في الآية يعم الأمهات و الربائب و جمهور العلماء على خلافه، لأن أهل العربية ذهبوا إلى أن الخبرين إذا اختلفا لا يجوز أن يوصف الاسمان بوصف واحد، فلا يجوز «قام عمرو و قعد زيد الظريفان» و علله سيبويه باختلاف العامل في الصفة لأن العامل في الصفة هو العامل في الموصوف.
451
و بيانه في الآية أن قوله «اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» يعود عند القائل إلى «نِسٰائِكُمْ» و هو مخفوض بالإضافة، و إلى «رَبٰائِبُكُمُ» و هو مرفوع، و الصفة الواحدة لا تتعلق بمختلفي الاعراب و لا بمختلفي العامل كما تقدم. انتهى.
و (رابعا) و هو أقواها و أمتنها و أظهرها و أبينها- و إن كانت هذه الوجوه كلها ظاهرة بينة الدلالة على المطلوب- الأخبار الواردة بتفسير الآية حيث إنها فصلت بين الجملتين و صرحت بأن الجملة الأولى مطلقة شاملة للمدخول بها و غيرها، و الثانية مقيدة و أن القيد المذكور راجع إليها على الخصوص، و منه يعلم دلالة الأخبار أيضا على الحكم المذكور، و تطابق القرآن معها على الدلالة على القول المشهور و يظهر بطلان ما ادعوه من حمل الآية على ذلك المعنى أتم الظهور.
فمن الأخبار المشار إليها
رواية إسحاق بن عمار (1) «عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام) كان يقول: الربائب عليكم حرام مع الأمهات اللاتي قد دخلتم بهن في الحجور و غير الحجور سواء، و الأمهات مبهمات دخل بالبنات أم لم يدخل، فحرموا و أبهموا ما أبهم الله».
و هذه الرواية كما ترى صريحة الظهور في القول المشهور، و فيها إشارة إلى تفسير الآية بالإطلاق في الجملة الاولى و التقييد في الثانية، فإن قوله (عليه السلام):
«و الأمهات مبهمات» مأخوذ من إبهام الباب، بمعنى إغلاقه، و أمر مبهم لا مأتي له، أو من أبهمت الشيء إبهاما إذا لم يتبينه، أو من قولهم فرس مبهم، و هو الذي لا يخالط لونه لون أحمر، و المعنى أنها مغلقة في التحريم لا مدخل للحل فيها بوجه، أو أنها لم تبين و تفصل أو أنها لم تميز تميز الربائب بوقوع التقييد بالدخول الذي أوجبه الاستثناء فيها، فكأنه لم يخلط صفة حرمتها بحل، فهي كالمصمتة لا يخالطها لون سوى لونها.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 273 ح 1، الوسائل ج 14 ص 351 ح 3.
452
و منها رواية غياث (1) و قد تقدمت بتمامها في صدر المسألة و هي أيضا صريحة الدلالة على القول المشهور.
و منها
موثقة أبي بصير (2) قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فقال: تحل له ابنتها و لا تحل له أمها».
و هي أيضا صريحة الدلالة على المراد.
و منها ما رواه
العياشي في تفسيره عن أبي حمزة (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة و طلقها قبل أن يدخل بها، أ تحل له ابنتها؟ قال:
فقال: و قد قضى في هذا أمير المؤمنين (عليه السلام)، لا بأس به إن الله تعالى يقول «وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ». و لكنه لو تزوج الابنة ثم طلقها قبل أن يدخل بها لم تحل له أمها، قال: قلت: أ ليس هما سواء؟ قال: فقال: لا ليس هذه مثل هذه، إن الله تعالى يقول «وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ» لم يستثن في هذه كما اشترط في تلك، هذه هنا مبهمة ليس فيها شرط و تلك فيها شرط.
أقول: و هذه الرواية نص في المطلوب صريحة في المعنى الذي حملنا عليه الآية، و به يظهر ضعف تلك التخريجات الباردة و التوهمات الشاردة في حمل الآية على القول الآخر.
و مما استدل به للقول الآخر
صحيحة منصور بن حازم (4) المروية في الكافي قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوج امرأة
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 273 ح 2، الوسائل ج 14 ص 351 ح 4.
(2) التهذيب ج 7 ص 273 ح 3، الوسائل ج 14 ص 352 ح 5.
(3) تفسير العياشي ج 1 ص 230 ح 74، الوسائل ج 14 ص 356 ح 7.
(4) الكافي ج 5 ص 422 ح 4، التهذيب ج 7 ص 274 ح 5، الوسائل ج 14 ص 354 ح 1.
453
فماتت قبل أن يدخل بها، أ يتزوج بأمها؟ فقال: أبو عبد الله (عليه السلام) قد فعله رجل منا فلم نر به بأسا، فقلت: جعلت فداك ما تفخر الشيعة إلا بقضاء علي (عليه السلام) في هذه الشمخية التي أفتاها ابن مسعود أنه لا بأس بذلك.
ثم أتى عليا (عليه السلام) فسأله، فقال له علي (عليه السلام): من أين أخذتها؟ فقال: من قول الله عز و جل (1) «وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ» فقال علي (عليه السلام): إن هذه مستثناة، و هذه مرسلة و أمهات نسائكم، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) للرجل: أما تسمع ما يروى هذا عن علي (عليه السلام)؟ فلما قمت ندمت و قلت: أي شيء صنعت يقول هو:
قد فعله رجل منا فلم نر به بأسا، و أقول أنا: قضى علي (عليه السلام) فيها فلقيته بعد ذلك فقلت له: جعلت فداك مسألة الرجل إنما كان الذي قلت يقول كان ذلة منى، فما تقول فيها؟ فقال: يا شيخ تخبرني أن عليا (عليه السلام) قضى بها و تسألني ما تقول فيها؟».
و روى هذه الرواية أيضا
العياشي في تفسيره عن منصور بن حازم (2) و فيها «فقلت له: و الله ما تفخر الشيعة على الناس إلا بهذا، إن ابن مسعود أفتى في هذه الشمخية أنه لا بأس بذلك».
إلى آخر ما تقدم.
قوله (عليه السلام) «إن هذه مستثناة» إشارة إلى تحريم الربائب، و معنى كونها «مستثناة» أي مقيدة، فإن التحريم مقيد بالدخول بالأم، و الكلام المقيد من حيث القيد فيه استثناء لما خرج عن محل القيد، فكأنه قيل حرمت عليكم الربائب إلا مع عدم الدخول بالأم.
و قوله «هذه مرسلة» راجع إلى تحريم الأمهات، و معنى كونها «مرسلة» أي مطلقة مأخوذ من قولهم «دابة مرسلة» أي غير مربوط: و هو يقابل التقييد
____________
(1) سورة النساء- آية 22.
(2) تفسير العياشي ح 1 ص 231 ح 75، الوسائل ج 14 ص 354 ح 1.
454
الذي في الاولى، و المراد أن تحريم الأمهات مع العقد على البنات مطلق، سواء دخل بالبنت أم لا، فقوله «وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ» بدل من قوله «و هذه مرسلة»، و الواو من الكلام المحكي فلا يتوهم كونها عاطفة.
و هذه الرواية مما استدل به لابن أبي عقيل، و هي- عند التأمل الصادق في سياقها- بالدلالة على القول المشهور أشبه، فإن عدوله (عليه السلام) عن الجواب الصريح بالجواز في قوله «قد فعله رجل منا فلم نر به بأسا»، مع احتمال كون الفعل المنفي بالياء و ضمير الغائب مجهولا أو معلوما إنما كان لنوع علة في المقام، و الظاهر أنها للتقية.
و الاستدلال بالخبر مبني على كون الفعل المنفي بالنون، ليكون دالا على أنهم لا يرون بذلك بأسا، و هو غير متعين.
و يؤيده بأظهر تأييد قول منصور بن حازم و نقله عن علي (عليه السلام) ما نقله مع عدم تكذيب الامام (عليه السلام) له و لا إنكاره عليه، بل ظاهره تقريره على ذلك، سيما ما تضمنه الكلام من افتخار الشيعة بقضاء علي (عليه السلام) في هذه الواقعة المؤيد بما تضمنته الأخبار المتقدمة من حكاية ذلك عن علي (عليه السلام)، و نسبته إلى الشيعة بطريق الجزم يشعر باستفاضته يومئذ إن لم ندع أنه مجمع عليه إذ لا يقصر عن قول- بعض الفقهاء في كتبهم- و هذا مذهب الشيعة فإنهم يجعلونه مؤذنا بدعوى الإجماع، بل إجماعا حقيقة، و أن قول الصادق (عليه السلام) أخيرا لما اعتذر إليه منصور بن حازم من تعرضه عليه «يا شيخ تخبرني أن عليا (عليه السلام) قضى فيها و تسألني ما تقول» مراد به: أن قولي قول علي (عليه السلام) في ذلك و قضائه، فكيف تسألني بعد علمك بقضاء علي (عليه السلام) فيها.
و بالجملة فسوق الكلام ينبئ عن الإبهام في جوابه (عليه السلام) لذلك الرجل، و لعل وجه الإبهام ما ذكره بعض مشايخنا الاعلام من متأخري المتأخرين من أنه حيث كان نقل الشيعة عن علي (عليه السلام) في هذه الواقعة خلاف ما نقله العامة عنه
455
حيث قال العلامة في التذكرة، و نقل العامة عن علي (عليه السلام) أنه يشترط في تحريم الام الدخول بالبنت كالبنت، و به قال أنس بن مالك، و مجاهد و داود الأصفهاني و بشر المريسي كان عدم التصريح بتصحيح ما نقله منصور بن حازم من تقية، و عدم التصريح بجواب أصل المسألة دفعا لما يدل عليه الجواب من تصحيح أحد النقلين. و بالجملة فالرواية لما فيها من الإجمال و الاحتمال لا تصلح للاستدلال.
و منها
صحيحة جميل و حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) على ما رواه ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في كتابيه (1) قال: «الام و الابنة سواء إذا لم يدخل بها، يعني إذا تزوج المرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فإنه إن شاء تزوج أمها و إن شاء تزوج ابنتها» (2).
و أنت خبير بأنه لا دلالة في هذه الرواية صريحا و لا ظاهرا إلا بمعونة التفصيل المذكور و هو غير معلوم كونه من الامام (عليه السلام)، بل الظاهر أنه من بعض الرواة، و حينئذ فلا يكون حجة.
و بالجملة فإن حجية الاستدلال به موقوفة على كون ذلك عن الامام (عليه السلام) و هو غير معلوم و لا ثابت. و أما أصل الرواية مع قطع النظر عن هذا التفسير المذكور فيحتمل أن يكون المعنى فيه أنه إذا تزوج الام و لم يدخل بها فالام و البنت
____________
(1) الكافي ج 5 ص 421 ح 1، التهذيب ج 7 ص 273 ح 4 و فيه «الام و البنت»، الوسائل ج 14 ص 355 ح 3.
(2) قال الشيخ (رحمه الله) بعد نقل هذا الخبر: هذا الخبر مخالف للقرآن فلا يجوز العمل عليه، لانه
روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) أنهم قالوا إذا جائكم عنا حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإذا وافق كتاب الله فخذوه و ما خالف فاطرحوه و ردوه إلينا.
قال: و يجوز أن يكون ورد مورد التقية لأنه موافق لمذهب بعض العامة، انتهى.
أقول: قد عرفت مما ذكرنا في الأصل أن ما ذكره غير محتاج اليه الا مع ثبوت كون تلك الزيادة عنه (عليه السلام) و هو غير معلوم. (منه- (قدس سره)-).
456
سواء في أصل الإباحة فإن شاء دخل بالأم و إن شاء فارقها و تزوج البنت، و يؤيده إفراد الضمير فإنه راجع إلى الأم.
و يحتمل أن يكون معناه أنه إذا تزوج الام و البنت و لم يدخل بهما فهما سواء في التحريم جمعا لا عينا.
و مما يؤيد ما ذكرنا- من أن التفسير ليس من أصل الرواية- أن صاحب الوسائل نقل هذه الرواية في أخبار المسألة من كتاب النوادر لأحمد بن محمد بن عيسى (1) عارية عن هذه الزيادة.
نعم روى هذه الرواية
الصدوق في الفقيه بما هذه صورته: عن جميل بن دراج (2)» أنه سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها أ تحل له ابنتها؟ قال: الام و الابنة في هذا سواء إذا لم يدخل بإحداهما حلت له الأخرى».
و هذه الرواية و إن كانت صريحة الدلالة على القول المذكور، إلا أنه من المحتمل قريبا أن قوله- «إذا لم يدخل بإحداهما حلت له الأخرى»- تفسير بالمعنى من الصدوق (رحمه الله) تبعا لما فسر به في تلك الرواية لما علم من تصرفه في الأخبار على حسب ما ذهب إليه فهمه.
و يؤيده اختلاف المحدثين في نقل الخبر فبين من نقله عاريا من التفسير بالكلية و بين ما نقله بلفظ يعني كما في الرواية المتقدمة، و بين من نقله بما يوهم كونه من أصل الخبر كما فعله في الفقيه، و مع هذا الاحتمال فلا يتم الوثوق و الاعتماد على الخبر المذكور.
نعم ربما كان نقل الصدوق للخبر بهذه الكيفية مؤذنا بكون مذهبه ذلك بناء على قاعدته في كتابه، إلا أن فيه أنا قد تحدينا مواضع عديدة في كتابه
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 355 ح 3.
(2) الفقيه ج 3 ص 262 ح 32، الوسائل ج 14 ص 356 ح 6.
457
وقت قراءة بعض الأعلام الكتاب علينا فوجدناه في جملة من المواضع قد جمع فيها بين الأخبار المتنافية التي لا يمكن جعلها جميعا مذهبا له، و لم يذكر وجه الجمع فيها بما يوجب رجوع بعضها إلى بعض، كما لا يخفى على من راجع الكتاب، و تأمله حق التأمل في هذا الباب.
و منها معلقة
محمد بن إسحاق بن عمار (1) قال: «قلت له رجل تزوج امرأة فهلكت قبل أن يدخل بها تحل له أمها، و ما الذي يحرم عليه منها و لم يدخل بها».
و هذه الرواية أوضح ما استدل به لهذا القول.
و كيف كان فالقول الفصل- في هذا المقام و المذهب و الذي لا يعتريه شائبة الإبهام- هو أن يقال: لا ريب في صراحة الروايات الأول في الدلالة على القول المشهور، و لا شبهة في مطابقتها للكتاب العزيز، و لا سيما مع ما ورد من تفسيرها بذلك عنهم (عليهم السلام) كما دريت.
و قد استفاض عنهم (عليهم السلام) عرض الأخبار عند التعارض و الاختلاف عليه، و الأخذ بما وافقه و طرح ما خالفه، و هذه الأخبار الدالة على هذا القول الآخر ظاهرا أو احتمالا مخالفة له فيجب طرحها بمقتضى القاعدة المذكورة، و مع التحاشي عن طرحها بالكلية فما كان منها قابلا للحمل على ما يجتمع به على تلك الأخبار يجب أن يصار إليه، تفاديا من طرحها، و ما لا يكون قابلا لذلك يجب حمله على التقية التي هي الأصل في اختلاف الأخبار في جميع الأبواب.
و يعضد ذلك شهرة الحكم بالقول المشهور سابقا و لا حقا كما سمعت من صحيحة منصور بن حازم (2) بتقريب ما ذيلناها به.
و أما نسبة هذا القول إلى الصدوق كما ذكره في المختلف ففيه ما عرفت، و يؤيده أيضا أنه قال في كتاب المقنع إذا تزوج البنت فدخل بها أو لم يدخل
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 275 ح 6، الوسائل ج 14 ص 356 ح 5.
(2) التهذيب ج 7 ص 274 ح 5، الوسائل ج 14 ص 354 ح 1.
458
فقد حرمت عليه الام.
و قد روى «أن الأم و البنت في هذا سواء إذا لم يدخل بإحداهما حلت له الأخرى».
و هو ظاهر في فتواه بالقول المشهور، و نسبة القول الآخر إلى الرواية، و المعلوم من حاله و عادته أنه لا يختلف فتواه في كتبه كغيره من المجتهدين.
و بالجملة فهو قرينة ظاهرة فيما نقلناه، و يعضد أخبار القول المشهور موافقتها للاحتياط الذي هو أحد المرجحات المنصوصة عند التعارض كما تضمنه مرفوعة زرارة.
و بما قررناه في هذه السطور و أوضحناها بما لا يداخله القصور يظهر لك قوة القول المشهور، و أنه المؤيد المنصور.
و أما من استشكل في هذه المسألة من المحققين المتقدمين، فإن منشأ ذلك بالنسبة إلى أولهما أنه حيث كان من أرباب هذا الاصطلاح المحدث، و لا يعمل من الأخبار إلا على الصحيح منها أو الحسن.
و أخبار إلا على الصحيح منها أو الحسن.
و أخبار القول المشهور و إن كانت ضعيفة باصطلاحه، إلا أن المشهور العمل بها، حصل له الاشكال و التوقف لمعارضة صحة تلك الروايات بشهرة العمل بهذه الروايات، و هذا الاشكال مفروغ عنه عندنا، حيث إنه لم يقم لنا دليل على صحة هذا الاصطلاح، بل الأدلة قائمة على خلافه و أنه إلى الفساد أقرب من الصلاح، كما تقدم إيضاحه في مقدمات الكتاب في الجلد الأول من كتاب الطهارة (1).
و أما ثانيهما فإنه قال- بعد الكلام في المقام بإبرام النقض و نقض الإبرام-:
و يمكن ترجيح قول ابن أبي عقيل بأصالة الحل،
و قوله (عليه السلام) (2) «كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه».
و ظاهر الكتاب لا يأباه، بحيث إن
____________
(1) ج 1 ص 14.
(2) الكافي ج 5 ص 313 ح 40 التهذيب ج 7 ص 226 ح 9، الوسائل ج 12 ص 60 ح 4.
459
الخبر المخالف له يعد مخالفا للكتاب المخالفة الموجبة للرد.
و احتمال إطلاق أخبار التحريم شدة الكراهة المقتضي للجمع بين الأخبار الذي هو أولى من العمل بها المقتضى لطرح أخبار الجواز أصلا و رأسا، و المسألة قوية الإشكال جدا، ثم ساق الكلام إلى أن قال: هذه المسألة من المعضلات المأمور بالإرجاء حتى يظهر الحق. انتهى كلامه، علت في الفردوس أقدامه.
و فيه نظر من وجوه: الأول: أن أصالة الحل التي استند إليها فهو مما يجب الخروج عنها بعد قيام الدليل على خلافها، و قد تقدم ذلك من الكتاب و السنة على وجه واضح الظهور، بل كالنور على الطور.
الثاني: أن ما استند إليه من خبر «كل شيء لك حلال» مردود بأن الظاهر أن أفراد هذه الكلية إنما هي موضوعات الحكم الشرعي، لا نفس الحكم الشرعي كما تقدم إيضاحه في مسألة الإنائين من كتاب الطهارة، و في مقدمات الكتاب من جلد كتاب الطهارة، و كذا مثل ذلك في كتاب الدرر النجفية، فأفراد هذه الكلية إنما هي الأفراد المعلوم حلها ثم يعرض لها ما يوجب الشك في التحريم، فإنه يجب استصحاب الحكم بحلها المعلوم أولا حتى يثبت التحريم، فلا يكتفي في ذلك بالظن فضلا عن الشك.
و الغرض من ذلك بيان سعة الشريعة و سهولتها، و دفع الوساوس الشيطانية، و حينئذ فافرادها الجهل بمعروض الحكم الشرعي، لا أن إفرادها الجهل بالحكم الشرعي، و من أحب تحقيق الكلام في هذا المقام، فليرجع إلى المواضع المذكورة.
الثالث: قوله «و ظاهر الكتاب لا يأباه» فإن فيه ما عرفت سابقا من الوجوه الدالة على بطلان حمل الآية على هذا المعنى فظهور الآية في إبائه مما لا يستراب فيه، و لا شك يعتريه كما لا يخفى على من نظر إلى ما قدمناه بعين الإنصاف، و به يكون مخالفتها موجبة للرد بلا ريب و لا إشكال.
الرابع: قوله «و احتمال إطلاق أخبار التحريم شدة الكراهة فإنه بعيد
460
غاية البعد عن سياق تلك الأخبار سيما ما تضمن منها تفسير الآية مع اعتضادها بظاهر الآية و عدم صراحة المخالف من الأخبار في المخالفة سوى الرواية الأخيرة التي يضعف عن مقاومة تلك الأخبار.
و ما تمسك به- من لزوم طرح المقابل متى عمل على أخبار التحريم- مردود بما ذكرنا سابقا من أن الأخبار المقابلة منها ما ليس بصريح في المخالفة، بل يمكن حمله على تلك الأخبار.
و ما كان صريحا أو ظاهرا يمكن حمله على التقية و لو لم يكن قائلا به من العامة بالكلية كما تقدم بيانه في غير موضع، فكيف مع وجود القائل، فلا يلزم ما توهمه من طرحها بالكلية.
و بالجملة فأخبار التحريم مع صراحتها مؤيدة بالقرآن، و الشهرة في
قوله (عليه السلام) (1) «خذ بما اشتهر بين أصحابك».
و الاحتياط الذي هو كما عرفت من جملة المرجحات، و ليعلم أن ما ذكرنا هنا من هذا التحقيق قد سبق لنا قبل تصنيف هذا الكتاب، فأثبتنا هنا كما هو، لما فيه من الإحاطة بأطراف الكلام في الباب، و الله العالم.
المسألة الثانية [في عدم جواز وطئ مملوكة الأب أو الابن على الآخر إلا بعقد أو ملك أو تحليل]
لا خلاف بين الأصحاب (رضي الله عنهم) في أنه لا يحرم مملوكة الأب على الابن و لا العكس بمجرد الملك، و أما مع وطئ كل منهما مملوكته، فإنها تحرم على الآخر: قال السيد السند في شرح النافع: هذان الحكمان إجماعيان منصوصتان.
أقول: أما عدم التحريم بمجرد الملك فلأن الأصل الإباحة حتى يقوم دليل على التحريم، و المحرمات معدودة في الأخبار و كلام الأصحاب، و ليس منها بمجرد ملك الأب أو الابن بالنسبة إلى الآخر، و هو ظاهر.
____________
(1) عوالي اللئالي ج 3 ص 129 ح 12، مستدرك الوسائل ج 3 ص 185 ب 9 ح 2.
461
و أما حصول التحريم بالوطء فلقوله عز و جل (1) «وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ» بناء على كون النكاح حقيقة في الوطي، و قوله عز و جل (2) «وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلٰابِكُمْ» و الحليلة: فعلية بمعنى المفعول، و المراد المحللة و هي شاملة للزوجة و المملوكة.
و يمكن المناقشة بأن التحليل يحصل بمجرد العقد و الملك فإنها تكون محللة بأيهما حصل، و المراد هنا الوطي، فالآية أعم من المطلوب، و الأظهر الرجوع في ذلك إلى الأخبار.
و منها
رواية زرارة المروية في الكافي (3) قال أبو جعفر (عليه السلام) في حديث:
«إذا أتى الجارية و هي حلال فلا تحل تلك الجارية أبدا لابنه و لا لأبيه».
و تدل عليه الأخبار الكثيرة الآتية الدالة على التحريم بالنظر بشهوة و التقبيل و نحو ذلك، فإنه إذا أوجب ذلك التحريم أوجبه الوطي بطريق أولى.
و بالجملة فإن الحكم اتفاقي لا خلاف فيه و لا يجوز لكل من الأب و الابن أن يطأ مملوكة الآخر إلا بعقد أو ملك أو تحليل لقبح التصرف في مال الغير بغير إذنه عقلا و شرعا، و عموم الأدلة الدالة على ذلك لكل من الأب و الابن بالنسبة إلى مال الآخر جارية كان أو غيرها، نعم يجوز للأب أن يقوم جارية ابنه الصغير على نفسه ثم يطأها لدلالة الأخبار على ذلك.
و منها ما رواه
في الكافي عن داود بن سرحان (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
رجل تكون لبعض ولده جارية، و ولده صغار، فقال: لا يصلح أن يطأها حتى
____________
(1) سورة النساء- آية 22.
(2) سورة النساء- آية 22.
(3) الكافي ج 5 ص 419 ح 7، التهذيب ج 7 ص 281 ح 25، الوسائل ج 14 ص 318 ح 5.
(4) الكافي ج 5 ص 471 ح 1، التهذيب ج 7 ص 271 ح 87، الوسائل ج 14 ص 544 ح 4.
462
يقومها قيمة عدل ثم يأخذها، و يكون لولده عليه ثمنها».
و عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) في الصحيح أو الحسن قال: «قلت له: الرجل يكون لابنه جارية، إله أن يطأها، فقال: يقومها على نفسه قيمة و يشهد على نفسه بثمنها أحب إلي».
و إطلاقه محمول على الابن الصغير.
و عن محمد بن إسماعيل (2) و الظاهر أنه ابن بزيع، فيكون الخبر صحيحا قال: «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) في جارية لابن لي صغير، أ يجوز لي أن أطأها؟
فكتب: لا، حتى تخلصها».
أقول: الظاهر أن المراد بقوله «حتى تخلصها» أي تخرجها عن ملكه بالشراء و ضمان القيمة كما دل عليه غيره من الأخبار.
و أما ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) عن الحسن بن محبوب في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام): إني كنت وهبت لابنتي جارية حيث زوجتها فلم تزل عندها في بيت زوجها حتى مات زوجها، فرجعت إلي هي و الجارية، أ فتحل لي الجارية أن أطأها فقال: قومها بقيمة عادلة، و اشهد على ذلك، ثم إن شئت تطأها».
فهو محمول على اذن البنت بذلك، كما يدل عليه ما رواه
في الكتابين (4) المذكورين عن الحسن بن صدقة قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت: إن بعض أصحابنا روى أن للرجل أن ينكح جارية ابنه و جارية ابنته ولي ابنة و ابن و لا بنتي جارية اشتريتها لها من صداقها، أ فيحل لي أن أطأها؟ فقال: لا، إلا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 471 ح 3، الوسائل ج 14 ص 543 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 471 ح 4، الوسائل ج 14 ص 543 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 471 ح 5، التهذيب ج 6 ص 345 ح 91، الوسائل ج 12 ص 198 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 471 ح 6، التهذيب ج 7 ص 272 ح 89، الوسائل ج 14 ص 544 ح 5.
463
بإذنها، قال الحسن بن الجهم: أ ليس قد جاء أن هذا جائز؟ قال: نعم ذاك إذا كان هو سببه، ثم التفت إلي و أومى نحوي بالسبابة فقال: إذا اشتريت أنت لابنك و كان الابن صغيرا و لم يطأها حل لك أن تقتضها فتنكحها، و إلا فلا، إلا بإذنهما».
قال في المسالك: و يجوز للأب تقويم أمة الصغير على نفسه بأن يتملكها بعقد شرعي مملك لا بمجرد التقويم، إذ لا ينتقل الملك به، و بدون الانتقال لا يباح الوطي. انتهى.
أقول: قد عرفت من هذه الأخبار و مثلها غيرها أيضا مما لم ننقله أنه لا تعرض فيها و لو بالإشارة إلى هذا العقد، و قد عرفت في غير موضع مما تقدم أن الأمر في العقود أوسع دائرة مما ذكروه و ضيقوا به من تلك الصيغ الخاصة بالترتيب و الشروط التي ذكروها، فإنه لم يقم على شيء منه دليل، بل الدليل على خلافه واضح السبيل.
و قد صرح جمع من الأصحاب- منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك- بأنه لا يشترط وجود المصلحة في ذلك للابن، بل يكفى انتفاء المفسدة، و الظاهر أن المستند في ذلك إطلاق النصوص المذكورة. و هل يتعدى الحكم إلى الجد أم لا؟ قال في المسالك: وجهان أجودهما ذلك لاشتراكهما في المعنى، و قال سبطه في شرح النافع: و لا يتعدى ذلك إلى الجد و لا إلى غيره من الأولياء.
أقول: و المسألة محل إشكال من حيث إن مورد النصوص الأب، و الحكم على خلاف الأصول فيقتصر فيه على مورد النص، و من حيث صدق الأب على الجد و إن علا، و مشاركته للأب في أحكام كثيرة، و لا ريب أن الأحوط العدم، و ظاهر الأصحاب أيضا أنه لا فرق في جواز ذلك بين كون الأب مليا أم لا، عملا بإطلاق النصوص.
464
تنبيهات:
الأول: لو وطأ أحدهما مملوكة الآخر
من غير شبهة فلا ريب في كونه زانيا، و إنما الكلام في تحريمها بذلك على الآخر و سيأتي الكلام فيه- إن شاء الله- في التحريم بالزناء و عدمه، و يحد الابن دون الأب.
قال في المسالك: و الفرق بين الأب و الابن بعد النص إن الأب أصل له فلا يناسبه إثبات العقوبة عليه بخلاف العكس. انتهى.
و لو كان ثمة شبهة، فلا حد على واحد فيهما، و لو حملت مملوكة الأب من الابن بوطىء الشبهة انعتق الولد، و لا قيمة على الابن، لأن ولد الولد ينعتق على جده من حين الولادة، و لو حملت مملوكة الابن من الأب لم ينعتق، لأن المالك للجارية هو الابن، و هو أخو المولود، و الأخ لا ينعتق على أخيه، و على الأب فكه بالقيمة، نعم لو كان المولود أنثى عتقت على أخيها.
الثاني: تحرم أخت الزوجة جمعا لا عينا
، فيحرم الجمع بينهما في الدائم و المنقطع، و في النكاح بالملك سواء كانت الأختية لأب و أم أو لأحدهما، و لو أراد نكاح الأخت الأخرى بعد أن نكح الاولى فليس له ذلك حتى تخرج الاولى من العدة أو يكون الطلاق بائنا.
و إذا انقضى أجل المتعة فلا يجوز العقد على أختها حتى تنقضي العدة على الصحيح، و إن كان المشهور خلافه، حتى
قال ابن إدريس في كتابه و قد روي في المتعة (1) «إذا انقضى أجلها أنه لا يجوز العقد على أختها حتى تنقضي عدتها»،.
و هي رواية شاذة مخالفة لأصول المذهب لا يلتفت إليها، و لا يجوز التصريح عليها. انتهى و هو جيد على أصله الغير الأصيل المخالف لما عليه كافة العلماء جيلا بعد جيل.
____________
(1) السرائر ص 290، الكافي ج 5 ح 431 ح 5، التهذيب ج 7 ص 287 ح 45، الوسائل ج 14 ص 369 ح 1.
465
و الذي يدل على هذه الأحكام جملة من الأخبار منها ما رواه
في الكافي عن جميل بن دراج (1) في الصحيح عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) «أنه قال في رجل تزوج أختين في عقدة واحدة، قال: هو بالخيار يمسك أيتهما شاء و يخلى سبيل الأخرى».
و عن أبي بكر الحضرمي (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل نكح امرأة ثم أتى أرضا فنكح أختها و هو لا يعلم، قال: يمسك أيتهما شاء، و يخلي سبيل الأخرى».
و عن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل اختلعت منه امرأته، أ يحل له أن يخطب أختها من قبل أن تنقضي عدة المختلعة؟ قال: نعم، قد برءت عصمتها منه، و ليس له عليها رجعة».
و عن الحلبي (4) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل طلق امرأته أو اختلعت أو بارئت، إله أن يتزوج بأختها؟ قال: فقال: إذا برءت عصمتها و لم يكن له عليها رجعة فله أن يخطب أختها، قال: و سئل عن رجل كانت عنده اختان مملوكتان فوطئ إحداهما ثم وطئ الأخرى، قال: إذا وطأ الأخرى فقد حرمت عليه الاولى حتى تموت الأخرى، قال: أ رأيت إن باعها أ تحل له الأولى؟ قال: إن كان يبيعها لحاجة و لا يخطر على قلبه من الأخرى شيء فلا أرى بذلك بأسا، و إن كان إنما يبيعها ليرجع إلى الاولى فلا، و لا كرامة».
و عن زرارة (5) في الحسن «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل طلق امرأته و هي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 431 ح 3، التهذيب ج 7 ص 285 ح 39، الوسائل ج 14 ص 368 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 431 ح 2، التهذيب ج 7 ص 285 ح 41، الوسائل ج 14 ص 369 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 144 ح 9، الوسائل ج 15 ص 480 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 432 ح 7 الوسائل ج 15 ص 480 ح 2.
(5) الكافي ج 5 ص 432 ح 8 لكن عن أبى جعفر (عليه السلام)، التهذيب ج 7 ص 286 ح 44، الوسائل ج 14 ص 371 ح 2.
466
حبلى أ يتزوج أختها قبل أن تضع؟ قال: لا يتزوجها حتى يخلو أجلها».
و عن ابن أبي حمزة (1) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طلق امرأته أ يتزوج أختها؟ قال: لا، حتى تنقضي عدتها، قال: و سألته عن رجل ملك أختين أ يطؤهما جميعا؟ فقال: يطؤ إحداهما، و إذا وطئ الثانية حرمت عليه الاولى التي وطئ حتى تموت الثانية، أو يفارقها، و ليس له أن يبيع الثانية من أجل الأولى ليرجع إليها، إلا أن يبيع لحاجة أو يتصدق بها أو تموت، قال: و سألته عن رجل كانت له امرأة فهلكت، أ يتزوج أختها؟ فقال: من ساعته إن أحب».
و ما رواه
الشيخ عن الحسين بن سعيد (2) في الصحيح قال: «قرأت في كتاب رجل إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام): جعلت فداك الرجل يتزوج المرأة متعة إلى أجل مسمى فينقضي الأجل بينهما، هل له أن ينكح أختها من قبل أن تنقضي عدتها؟ فكتب: لا يحل له أن يتزوجها حتى تنقضي عدتها».
و سيأتي تحقيق الكلام في جملة من هذه الأحكام المذكورة في هذه الأخبار في الأبحاث الآتية إن شاء الله.
الثالث [عدم التحريم فيما لو وطئ الأب زوجة ابنه لشبهة]
قالوا: لو وطئ الأب زوجة ابنه لشبهة لم تحرم على ابنه لسبق الحل كما هو أحد القولين، لأن وطئ الشبهة إنما يحرم بناء على القول المشهور به إذا كان سابقا على النكاح، فلو كان متأخرا كما هنا لم يحرم، و لو قلنا بأنه يحرم سابقا و لا حقا حرمت على الابن.
قالوا: و يتفرع على الخلاف ما لو وطأها الابن ثانيا، فإن قلنا بأنه يحرم لا حقا فقد حرمت عليه، فلو وطأها ثانيا و كانا عالمين بالتحريم فهو زان و لا مهر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 432 ح 9، التهذيب ج 7 ص 290 ح 54 لكن ليست فيه الفقرة الأولى، الوسائل ج 15 ص 481 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 431 ح 5، التهذيب ج 7 ص 287 ح 45، الوسائل ج 14 ص 369 ح 1.
467
لها سوى الأول، و إن كانا جاهلين أو هي جاهلة فإن لها بهذا الوطي مهر المثل كغيره من وطئ الشبهة، فيكون لها على الولد مهران حينئذ: المسمى الأول، و مهر المثل ثانيا، و لها على أبيه أيضا مهر المثل لوطء الشبهة.
المسألة الثالثة: في الجمع بين العمة و بنت أخيها، و الخالة و بنت أختها
أجمع العامة على تحريم الجمع في النكاح بين ما ذكرناه
لقوله (عليه السلام) (1) «لا تجمع بين المرأة و عمتها، و لا بين المرأة و خالتها».
و الضابط عندهم تحريم الجمع بين كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا لحرم عليه نكاح الأخرى.
قال في المسالك: و هذا ضابط حسن، لأنه يدخل فيه الجمع بين الأختين، و بين البنت و أمها و إن علت و ابنتها و إن سفلت، و يبقي الكلام في الجمع بين العمة مع بنت الأخ، و الخالة مع بنت الأخت.
أقول: صحة هذه الضابطة و ثبوت كونه ضابطا يتوقف على قيام الدليل بتحريم الجمع مطلقا في تلك الأفراد، فأي فرد قام الدليل عليه كذلك صح اندراجه تحت هذا الضابط، و محل البحث لما كان بمقتضى أدلتهم كونه كذلك صح اندراجه.
و أما مقتضى أدلتنا و أخبارنا فحيث إنه لم يكن كذلك لجواز الجمع مع الرضاء و الاذن كما سيظهر لك إن شاء الله فإنه لا يندرج تحت الضابط المذكور بل يكون الضابط المذكور مخصوصا بالأختين و البنت و أمها و الام و بنتها.
و كيف كان فالكلام هنا يقع في موضعين
(أولهما) [جواز الجمع مع الإذن و الروايات الدالة على ذلك]
المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) حتى كاد يكون إجماعا، بل نقل الإجماع العلامة في التذكرة و قبله المرتضى في الانتصار و الشيخ في الخلاف، جواز الجمع بين من ذكرناه بشرط رضاء العمة و الخالة، فبدونه يحرم ذلك، و نقل عن ابن أبي عقيل و ابن الجنيد
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 332 ح 3 و فيه «لا يحل للرجل أن يجمع الى آخره»، الوسائل ج 14 ص 376 ح 7.
468
الجواز مطلقا، و عن الصدوق في المقنع مطلقا، و الظاهر هو القول المشهور.
و أما ما يدل على الجواز في الجملة فعموم قوله عز و جل (1) «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ» بعد أن عدد المحرمات جمعا و عينا.
و ما رواه
علي بن جعفر (2) قال: «سألت أخي موسى (عليه السلام) عن الرجل يتزوج المرأة على عمتها أو خالتها؟ قال: لا بأس، لأن الله عز و جل قال وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ».
أقول: و هذه الرواية لم تصل إلينا في كتب الأخبار المشهورة، و إنما نقلها العلامة في المختلف عن ابن أبي عقيل في ضمن كلامه، و سيأتي نقل صورة عبارته، و أنا أذكر هنا ما وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالمقام.
فمنها ما رواه
في الكافي عن محمد بن مسلم (3) في الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا تتزوج ابنة الأخ و لا ابنة الأخت على العمة و لا على الخالة إلا بإذنهما، و تزوج العمة و الخالة على ابنة الأخ و ابنة الأخت بغير إذنهما».
و رواه
الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم (4) عنه (عليه السلام) مثله إلا أنه قال:
«لا تنكح و تنكح».
و عن أبي عبيدة الحذاء (5) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا تنكح المرأة على عمتها و لا على خالتها إلا بإذن العمة و الخالة».
و ما رواه
الشيخ عن علي بن جعفر (6) عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «
____________
(1) سورة النساء- آية 24.
(2) الوسائل ج 14 ص 377 ح 11.
(3) الكافي ج 5 ص 424 ح 1، الوسائل ج 14 ص 375 ح 1.
(4) الفقيه ج 3 ص 260 ح 23، الوسائل ج 14 ص 375 ح 1.
(5) الكافي ج 5 ص 424 ح 2، الوسائل ج 14 ص 375 ح 2.
(6) التهذيب ج 7 ص 333 ح 5، الوسائل ج 14 ص 375 ح 3.
469
سألته عن امرأة تزوجت على عمتها و خالتها؟ قال: لا بأس، و قال: تزوج العمة و الخالة على ابنة الأخ و ابنة الأخت، و لا تزوج بنت الأخ و الأخت على العمة و الخالة إلا برضا منهما، فمن فعل فنكاحه باطل».
و عن محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «تزوج العمة و الخالة على بنت الأخ و ابنة الأخت بغير إذنهما».
و بالإسناد عن محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا تزوج ابنة الأخت على خالتها إلا بإذنها، و تزوج الخالة على ابنة الأخت بغير إذنها».
و عن أبي الصباح الكناني (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة و عمتها، و لا بين المرأة و خالتها».
و عن أبي عبيدة (4) قال: «سمعت أبا عبد الله يقول: لا تنكح المرأة على عمتها و لا على خالتها و لا على أختها من الرضاعة».
و ما رواه الصدوق و الكليني مثله (5).
و عن مالك بن عطية (6) عنه (عليه السلام) قال: «لا يتزوج المرأة على خالتها، و يتزوج الخالة على ابنة أختها».
و ما رواه
الصدوق في كتاب العلل عن محمد بن مسلم (7) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنما نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن تزويج المرأة على عمتها و خالتها إجلالا للعمة
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 332 ح 1، الوسائل ج 14 ص 376 ح 5.
(2) التهذيب ج 7 ص 332 ح 2، الوسائل ج 14 ص 376 ح 6.
(3) التهذيب ج 7 ص 332 ح 3، الوسائل ج 14 ص 376 ح 7.
(4) التهذيب ج 7 ص 333 ح 6، الوسائل ج 14 ص 376 ح 8.
(5) الكافي ج 5 ص 445 ح 11، الفقيه ج 3 ص 260 ح 21، الوسائل ج 14 ص 376 ح 8.
(6) الفقيه ج 3 ص 260 ح 22، الوسائل ج 14 ص 377 ح 9.
(7) العلل ص 499 ب 257 ح 1، الوسائل ج 14 ص 377 ح 10.
470
و الخالة، فإذا أذنت في ذلك فلا بأس».
و ما رواه
أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره بسنده عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا تنكح ابنة الأخت على خالتها، و تنكح الخالة على ابنة أختها، و لا تنكح ابنة الأخ على عمتها، و تنكح العمة على ابنة أخيها».
و بسنده عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا تنكح الجارية على عمتها و لا على خالتها إلا بإذن العمة و الخالة، و لا بأس أن تنكح العمة و الخالة على بنت أخيها و بنت أختها».
و ما رواه
الشيخ عن السكوني (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «إن عليا (عليه السلام) أتي برجل تزوج امرأة على خالتها فجلده و فرق بينهما».
هذا ما وقفت عليه من أخبار المسألة، و أنت خبير متى ضم بعضها إلى بعض يحمل مطلقها على مقيدها و مجملها على مفصلها كما هو القاعدة المطردة في غير مقام من الأحكام فإنها ظاهرة في المراد، عارية عن وصمة الإيراد.
و ربما يقال إن هذا الجواب إنما يتم على تقدير جواز تخصيص القرآن بخبر الواحد، و فيه أنه و إن وقع الخلاف في ذلك في الأصول إلا أن المختار- كما صرح به جمع من المحققين منهم شيخنا الشهيد الثاني في هذه المسألة- هو الجواز فلا منافاة.
فأما خبر السكوني المذكور فحمله الشيخ (رحمه الله) على عدم الرضاء و انتفاء الاذن، و جوز حمله على التقية.
أقول: و هو الأظهر فإن العامة كما عرفت مجمعون على تحريم الجمع مطلقا، و بذلك يظهر لك قوة القول المشهور، و أنه المؤيد المنصور.
و قال ابن أبي عقيل على ما نقله عنه في المختلف لما عد المحرمات في الآية
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 377 ح 12.
(2) الوسائل ج 14 ص 377 ح 13.
(3) التهذيب ج 7 ص 332 ح 4، الوسائل ج 14 ص 376 ح 4.
471
قال: فهذه جملة النساء التي حرم الله نكاحهن و أحل نكاح ما سواهن ألا تسمعه يقول بعد هذه الأصناف الستة «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ» فمن ادعى أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حرم عليه غير هذه الأصناف و هو يسمع الله يقول «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ» فقد أعظم القول على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قد قال: ألا لا يتعلقن على أحد بشيء فإني لا أحل إلا ما أحل الله و لا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، و كيف أقول ما يخالف القرآن و به هداني الله عز و جل.
و قد روي عن علي بن جعفر (1) قال: «سألت أخي موسى (عليه السلام)».
ثم ساق الرواية كما قدمناه، و قال ابن الجنيد: و قول الله عز و جل «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ» غير حاظر الجمع بين العمة و ابنة الأخ أو الخالة و ابنة الأخت و الحديث الذي روى فيه إنما هو نهي احتياط لا تحريم.
و قد روي جوازه إذا تراضيا عن أبي جعفر (عليه السلام) و موسى بن جعفر (عليه السلام) قال يحيى بن الحسن و عثمان المثنى: و الاحتياط عندي ترك ذلك، و من عقده لم ينفسخ كما ينفسخ نكاح الأخت على الأخت، و الأم علي البنت انتهى.
و ظاهره في المسالك المنع من دلالة كلاميهما على الجواز مطلقا، كما فهمه الأصحاب قال: لأنهما أطلقا القول بالجواز و استدلا بالآية، و هو مذهب الأصحاب و إنما الكلام في أمر آخر و هو غير مناف لما أطلقاه مع أن ابن الجنيد قال- عقيب ذلك-: و قد روي جوازه إذا تراضيا عن أبي جعفر و موسى بن جعفر (عليهما السلام) و عادته في كتابه أن يعد قول الأئمة كذلك مع اختياره له، و حجتهما الآية و الخبر السابق عن الكاظم (عليه السلام) الدالان على الحل، و جوابه أنهما مطلقان و الأخبار الأخرى مقيدة، فيجب الجمع بحمل المطلق على المقيد. انتهى.
أقول: الظاهر- بعد ما تكلفه (قدس سره)- أن ظاهر كلاميهما إنما هو الجواز و إن لم يحصل الرضاء من العمة و الخالة، ألا ترى ابن الجنيد حمل الأخبار
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 377 ح 11.
472
المطلقة في المنع على الاحتياط الراجع إلى الكراهة، و عضد ذلك بالرواية عن أبي جعفر و موسى (عليهما السلام) الدالة على الجواز مع التراضي.
و لو كان الأمر كما زعمه (قدس سره) لكان الواجب على ابن الجنيد أن يخصص خبر النهي بخبر التراضي، فيقول إنه منهي عنه إلا مع التراضي.
و بالجملة فالظاهر من كلاميهما هو ما نقله الأصحاب عنهما من الجواز مطلقا.
و أما الصدوق فإنه قال في المقنع: و لا تنكح المرأة على عمتها و لا على خالتها و لا على ابنة أخيها و لا على بنت أختها فعمم المنع و لم يفرق بين دخول العمة و الخالة على بنت الأخ و بنت الأخت و بين العكس، مع أن الأخبار كما عرفت قد صرحت بالفرق، و هو (قدس سره) قد نقل جملة من هذه الأخبار في الفقيه، فقوله بالتعميم هنا عجب خارج عن مقتضى قاعدته و عادته في فتاويه، و يمكن تقييد إطلاقه هنا بالأخبار المذكورة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن تحقيق الكلام في المقام يتوقف على بيان أمور.
أحدها [عدم لزوم الإذن في إدخال العمة و الخالة على بنت الأخ و بنت الأخت]
أن المفهوم من الأخبار المتقدمة و به صرح الأصحاب أنه ليس له إدخال بنت الأخ و بنت الأخت على العمة و الخالة إلا مع إذن العمة و الخالة (1)، و له إدخال العمة و الخالة على بنت الأخ و بنت الأخت من غير استيذان المدخول عليها، و لا يعرف هنا مخالف إلا ما يظهر من ظاهر عبارة المقنع، إلا أنك قد عرفت أن الأخبار على خلافه، فإنها قد صرحت بجواز إدخال العمة و الخالة و إن لم ترض المدخول عليها.
و
ثانيها: أنه هل يشترط علم العمة و الخالة بكون المدخول عليها ابنة أخ
____________
(1) أقول: المخالف في الصورة الأولى ابن أبى عقيل و ابن الجنيد في ظاهر كلاميهما كما عرفت، حيث قالا بالجواز مطلقا و في الصورة الثانية ظاهر عبارة المقنع كما ذكرنا.
(منه- (قدس سره)-).
473
أو بنت أخت و يرضيان بذلك أم لا؟ أطلق أكثر الأصحاب الجواز و لم يشترطوا ذلك، كما نقله السيد السند في شرح النافع، و جزم العلامة في جملة من كتبه باشتراط ذلك، و مستنده غير ظاهر من الأخبار التي قدمناها، و هي أخبار المسألة كملا بل ظاهر إطلاقها عدمه.
و ثالثها [حكم ما لو أدخلهما بغير إذن العمة و الخالة]
أنه على تقدير القول باعتباره و اشتراطه، فلو أدخلهما جاهلتين بالحال فهل يقع العقد باطلا أم يتوقف عقد الداخلة على رضاها، أم عقدها و عقد المدخول بها؟ أوجه: و استوجه في المسالك الوسط منها، محتجا بأن جواز عقد الداخلة مشروط برضاها فلا وجه لإبطاله بدونه، بل يقع موقوفا على الرضاء فإن حصل صح، و إلا فلا، و لهذا بطل الوجه الأول، و عقد السابقة قد حكم بصحته و لزومه قبل العقد الثاني فيستصحب.
و الحق في ذلك للداخلة، فيتخير في عقد نفسها بين فسخه و الرضاء بمصاحبة المدخول عليها، و بهذا بطل الوجه الثالث، قال: و كون رضاها شرطا في صحة جواز الجمع لا يدل على أزيد من ذلك، لأن العقد لا يقصر عن عقد الفضولي، و سيأتي تحقيقه. انتهى.
و اختار سبطه في شرح النافع الأول من الوجوه الثلاثة قال: لأن إلحاق ذلك بعقد الفضولي لا يخرج عن القياس، و هو جيد.
و رابعها [حكم الجمع في الوطي بملك اليمين]
هل يختص هذا الحكم بالجمع بينهما بالزوجية، فلا يحرم الجمع في الوطي بملك اليمين أو يعم التحريم؟: وجهان: استظهر الأول منهما شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و سبطه في شرح النافع مستندين إلى أن أكثر الروايات إنما وردت بلفظ التزويج، و بعضها و إن عبر فيه بلفظ النكاح، لكن الظاهر منه إرادة العقد سيما مع القول بكونه حقيقة في العقد، و أيدوه بأن المملوكة ليست أهلا للإذن و السلطنة في النكاح، فلا يكون استيذانها معتبرا.
و على هذا فلو كانت العمة و الخالة أمتين، و أدخل عليهما بنت الأخ و الأخت
474
أمتين جاز ذلك للتعليل المذكور، و أولى بالجواز لو كانت بنت الأخ و بنت الأخت حرتين، فإنه لا يستأذن العمة و لا الخالة.
و لو كانت العمة و الخالة حرتين و أدخلت عليهما بنت الأخ و بنت الأخت بالملك احتملا اعتبار استيذانهما، لأن توقف إدخال الحرة عليهما على الاذن يقتضي توقف إدخال المملوكة عليه بطريق أولى، إلا أنه ربما يناقش في ثبوت الأولوية من حيث عدم استحقاق الأمة للاستمتاع، و الاحتياط في أمثال هذه المواضع مما لا ينبغي تركه بل ربما كان واجبا.
و (ثانيهما) [في حكم عقد الداخلة و المدخول عليها]
أنك قد عرفت أنه لا يجوز إدخال بنت الأخ و بنت الأخت على العمة و الخالة إلا برضاهما، و حينئذ فلو عقد عليهما و أدخلهما بدون ذلك، فهل يقع عقد الداخلة باطلا خاصة مع لزوم عقد الاولى المدخول عليها، أو يبطل عقد الداخلة و يتزلزل عقد المدخول عليها، فلها أن يفسخ عقد نفسها، أو يتزلزل العقدان السابق و الطارئ، أو يتزلزل العقد الطارئ خاصة بحيث يكون موقوفا على رضا المدخول عليها مع لزوم عقد المدخول عليها أقوال:
(أولها) للمحقق في كتابيه، و الوجه فيه أما بالنسبة في لزوم عقد الاولى فلانعقاده لازما، و الأصل بقاؤه حتى يقوم دليل على خلافه، و النهي في الأخبار إنما توجه إلى العقد الثاني، فلا موجب لتأثر الأول بوجه.
و أما بالنسبة إلى بطلان العقد الثاني فللنهي عنه في الأخبار المتقدمة المقتضي للفساد و لتصريح رواية علي بن جعفر (1) المتقدمة بأنه مع عدم رضاء العمة و الخالة باطل، و لأن ظاهر الأخبار المتقدمة أن رضاء العمة و الخالة شرط في صحة العقد لأن قوله (عليه السلام) «لا يتزوج ابنة الأخت على العمة و الخالة إلا بإذنهما» يقتضي النهي إلا مع مصاحبة الاذن و اتصافه به، فيجب حصوله وقت التزويج بمقتضى
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 333 ح 5، الوسائل ج 14 ص 375 ح 3.
475
ذلك.
و اعترض على هذه الأدلة في المسالك فقال: إن النهى لا يدل على الفساد في المعاملات كما حقق في الأصول، و الخبر المصرح بالبطلان- مع ضعف سنده- يمكن حمله على البطلان مع كراهتهما لذلك جمعا بين الأدلة.
قال: و نمنع شرطية الرضاء في صحة العقد، و الأخبار لا يدل عليه، لما عرفت من أن النهي لا يدل على الفساد بنفسه، و دلالتها على اعتبار مصاحبة الاذن في وقوعه لازما أو غير منهي عنه لا مطلقا.
ثم قال: فإن قيل إن النهي في المعاملات و إن لم يدل على الفساد بنفسه، لكنه إذا دل على عدم صلاحية المعقود عليها للنكاح، فهو دال على الفساد من هذه الجهة كالنهي عن نكاح الأخت و العمة و الخالة، و كما في النهي عن بيع الغرر، و النهي في محل النزاع من هذا القبيل.
قلنا: لا نسلم دلالته على عدم صلاحية المعقود عليها للنكاح، فإنها عند الخصم صالحة له، و لهذا صلحت مع الاذن بخلاف الأخت، و بيع الغرر فإنهما لا يصلحان أصلا.
و صلاحية الأخت على بعض الوجوه كما لو فارق الأخت لا يقدح، لأنها حينئذ ليست أختا للزوجة، بخلاف بنت الأخت و نحوها فإنها صالحة للزوجية مع كونها بنت أخت الزوجة، و الأخبار دلت على النهي عن تزويجها، و قد عرفت أنه لا يدل على الفساد، فصار النهي عن هذا التزويج من قبيل ما حرم لعارض كالبيع وقت النداء لا لذاته، و العارض هو عدم رضاء الكبيرة، فإذا لحقه الرضاء زال النهي. انتهي كلامه زيد مقامه.
أقول: أما حمله- رواية علي بن جعفر الصريحة بالبطلان- على البطلان مع كراهتهما لذلك، ففيه من البعد ما لا يخفى، فإن لفظ الرواية هكذا
«و لا يتزوج بنت الأخ و الأخت على العمة و الخالة إلا برضاء منهما، فمن فعل فنكاحه باطل».
يعني من فعل بغير الرضا منهما فهو باطل، و هو ظاهر في اشتراط مصاحبة الرضاء
476
للتزويج، و إلا كان التزويج باطلا فالبطلان مترتب على عدم الرضاء وقت التزويج الذي هو أعم من الكراهة (1).
و أما ما ادعاه- من أن دلالة الأخبار على اعتبار مصاحبة الاذن إنما هو في وقوعه لازما أو غير منهي عنه لا مطلقا،- فهو تقييد للأخبار من غير دليل، بل ظاهرها إنما هو مصاحبته مطلقا، لأن قولهم (عليهم السلام) في جملة من تلك الروايات المتقدمة
«لا يتزوج ابنة الأخ و ابنة الأخت على العمة و الخالة إلا بإذنهما».
ظاهر في اشتراط وقوع التزويج مطلقا بمصاحبة الإذن بمعنى أنه لا بد في وقوع العقد من الاذن ليصح و يترتب عليه أحكامه.
و أما ما ذكره من أن النهي لا يدل على الفساد في المعاملات ففيه ما ذكره سبطه السيد السند في شرح النافع من أن النهي و إن لم يقتض الفساد في المعاملات لكن الحكم بصحة العقد الذي تعلق به النهي يحتاج إلى دليل يدل عليه بخصوصه أو عمومه، و بدونه يجب الحكم بالفساد، و ليس على صحة العقد الذي تعلق به النهي دليل من نص أو إجماع فيجب القول بعدم الترتب عليه لأن ذلك مقتضى الأصل و منه يظهر اختياره (قدس سره) لهذا القول.
و حاصله أنه بعد نهي الشارع عن هذا العقد الدال على عدم اعتباره في نظره، و إلا لما نهي عنه- لا يمكن الحكم بترتب أثر من الآثار عليه كما في غيره من العقود التي لم يتعلق بها نهي فلا بد للحكم بصحته و ترتب آثار العقود عليه من دليل من خارج.
و بالجملة فإنه بواسطة النهي عنه قد صار محلا للريبة و تطرق البطلان إليه و إن لم يمكن الجزم ببطلانه، و هو كلام موجه، و كيف كان فإن الظاهر هو البطلان كما هو ظاهر الأخبار المتقدمة، و يؤيده أوفقيته للاحتياط المطلوب
____________
(1) لان عدم الرضا يصدق مع علمهما و كراهتهما ذلك و يصدق مع عدم العلم بالكلية. (منه- (قدس سره)-).
477
سيما في النكاح.
و (ثانيها) لابن إدريس، و دليله على بطلان عقد الداخلة النهي الوارد في الأخبار لدلالته على الفساد، و أما تزلزل عقد المدخول عليها فلم يتعرض لدليله، و كأنه أخذه من كلام الشيخ الآتي حيث انه نقل عنه أن العمة و الخالة تتخير بين إمضاء عقد الداخلة و بين فسخ عقديهما و الاعتزال، ثم اعترض عليه بالنسبة إلى إمضاء عقد الداخلة بأنه لوقوعه من غير إذن عقد باطل للنهي عنه في الأخبار، فلا بد من تجديد عقد جديد عند الرضاء، و جمد على باقي كلامه.
و ضعف هذا القول أظهر من أن يخفى، فإن عقد الداخلة إذا وقع فاسدا كما حكم به لم يبق لتخيرها في فسخ عقد نفسها وجه لأن المقتضي للفسخ إنما هو حصول الجمع بين العمة و بنت أخيها، و الخالة و بنت أختها، و مع وقوع العقد فاسدا لم يتحقق الجمع، فلا موجب للفساد بالكلية.
و (ثالثها) للشيخين و من تبعهما فإنهما قالا: تتخير العمة و الخالة بين إمضاء عقد الداخلة و فسخه، و بين فسخ عقد أنفسهما السابق و الاعتزال، و يكون اعتزالهما بمنزلة الطلاق و إن أمضيا العقد كان ماضيا، و لم يكن لهما بعد ذلك فسخه.
و علل القول المذكور بوقوع العقدين صحيحين، و أما الأول فظاهر، و أما الثاني فلأنه عقد صار من أهله في محله جامعا بشرائطه. و لا يؤثر تجدد البطلان بفسخ العمة و الخالة في صحته الأصلية كغيره من العقود الموقوفة على رضاء الغير، و إذا وقع صحيحا كانت نسبة العقدين إلى العمة و الخالة على السواء، و لما كان الجمع موقوفا على رضاهما تخيرتا في رفع الجمع بما شائتا من فسخ عندهما و عقد الداخلة.
و أورد عليه بأن العقد الأول لازم بالأصل، و الأصل يقتضي بقاءه على اللزوم إلى أن يثبت المزيل، و ما ذكر لا يصلح له، لأن رفع الجمع يحصل بفسخ العقد الطارئ، و هو متعلق الرضا، و رفع الجمع و إن كان يحصل بفسخ أحد العقدين
478
إلا أن فسخ السابق قد منع منه مانع شرعي و هو لزومه، فتسلط على رفع الثاني خاصة، و هو جيد.
و (رابعها) للعلامة في جملة من كتبه و جمع من المتأخرين، و وجهه: أما بالنسبة إلى لزوم عقد المدخول عليها فلما تقدم.
و أما بالنسبة إلى تزلزل الطارئ من غير أن يكون باطلا فوجهه في المسالك قال: لعموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) فإن المتنازع فيه إذا تعقبه رضاء من يعتبر رضاه اندرج في هذا العموم فوجب الحكم بصحته، فقبل الرضاء لا يكون فاسدا، و إلا لم ينقلب صحيحا، و لا معنى للموقوف إلا ذلك.
قال: و لأنه عقد صدر بدون رضاء من يعبر رضاه في صحته، فكان كالفضولي و قد تقدم صحة الفضولي في النكاح، فهنا أولى، لأن المدخول عليها ليس لها أولوية مباشرة العقد بل الرضاء به بخلاف الزوجة في عقد الفضولي فإن بيدها مباشرته و الرضاء به، فإذا صح في الأقوى لزم مثله في الأضعف بطريق أولى، و النهي السابق في الأخبار قد عرفت أنه لا يدل على الفساد على المنع منه بدون الاذن، و هو أعم من السابق و اللاحق، و على تقدير إرادة السابق لا يلزم الفساد، قال: و هذا هو الأقوى. انتهى كلامه.
و أنت خبير بما فيه أما (أولا) فلما عرفت في غير مقام مما قدمناه من أن بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات التقريبية لا يخلو من مجازفة.
و (ثانيا) أنك قد عرفت مما قدمنا في القول الأول أن الأظهر هو البطلان في هذا العقد المتأخر، و إليه يميل كلام سبطه في شرح النافع كما يدل عليه كلامه الذي قدمنا نقله ثمة.
و (ثالثا) أن المفهوم من الأخبار اعتبار تقدم الإذن، فإن قوله (عليه السلام)
«لا يتزوج إلا بإذن العمة و الخالة».
يعني لا يقع العقد إلا بعد الاذن، سواء كانت الباء للمصاحبة
____________
(1) سورة المائدة- آية 1.
479
أو السببية، و حينئذ فلا يجزى الرضاء بعد وقوع العقد ليلحق ذلك بالفضولي، أو يكون أولى منه، و به يظهر عدم اندراج هذا العقد تحت قوله «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» كما تكلفه، إلى آخر ما ذيله به فإنها مجرد ادعاء، و يمنعها الخصم.
و بالجملة فكلامه (قدس سره) هنا غير موجه عندي و الأظهر عندي في المسألة هو القول الأول. و الله العالم.
المقام الثاني في الزنا:
لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في أن الزنا المتأخر عن العقد الصحيح لا ينشر حرمة المصاهرة، سواء في ذلك الزنا بالعمة و الخالة أو غيرهما، لأصالة بقاء الحكم الحاصل بالعقد، و قولهم (عليهم السلام) (1)
«لا يفسد الحرام الحلال».
و إنما الخلاف في الزنا المتقدم هل ينشر حرمة المصاهرة أم لا؟ الأشهر ذلك.
و مما يدل على الحكمين المذكورين ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «أنه سئل عن الرجل يفجر بالمرأة أ يتزوج ابنتها؟ قال: لا، و لكن إن كانت عنده امرأة ثم فجر بأمها أو ابنتها أو أختها لم تحرم عليه امرأته، إن الحرام لا يفسد الحلال».
و ما رواه
في التهذيب عن أبي الصباح الكناني (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا فجر الرجل بالمرأة لم تحل له ابنتها أبدا، و إن كان قد تزوج ابنتها قبل ذلك و لم يدخل بها فقد بطل تزويجه، و إن هو تزوج ابنتها و دخل بها ثم فجر بأمها بعد ما دخل بابنتها فليس يفسد فجوره بأمها نكاح ابنتها إذا هو دخل بها و هو قوله: لا يفسد الحرام الحلال إذا كان هكذا».
و في هذا الخبر إشكال يأتي التنبيه
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 329 ح 11، الوسائل ج 14 ص 327 ح 8.
(2) الكافي ج 5 ص 415 ح 1، التهذيب ج 7 ص 329 ح 10، الوسائل ج 14 ص 326 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 329 ح 11، الوسائل ج 14 ص 327 ح 8.
480
عليه إن شاء الله.
و مما يدل على الأول ما رواه
في الكافي في الحسن أو الصحيح عن الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج جارية فدخل بها ثم ابتلى بها ففجر بأمها، أ تحرم عليه امرأته؟ فقال: لا، إنه لا يحرم الحلال الحرام».
و عن زرارة (2) في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال في رجل زنا بأم امرأته أو بابنتها أو بأختها فقال: لا يحرم ذلك عليه امرأته، ثم قال: ما حرم حرام قط حلالا».
و عن زرارة (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل زنى بأم امرأته أو بأختها فقال: لا يحرم ذلك عليه امرأته إن الحرام لا يفسد الحلال و لا يحرمه».
و ما رواه
في الفقيه عن موسى بن بكر عن زرارة (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سئل عن رجل كانت عنده امرأة فزنى بأمها أو بابنتها أو بأختها فقال: ما حرم قط حلالا، امرأته له حلال».
و عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يصيب من أخت امرأته حراما، أ يحرم ذلك عليه امرأته؟ فقال: إن الحرام لا يفسد الحلال، و الحلال يصلح به الحرام».
و مما يدل على الحكم الثاني ما رواه
في الكافي عن منصور بن حازم (6) في
____________
(1) الكافي ج 5 ص 415 ح 3، التهذيب ج 7 ص 330 ح 16، الوسائل ج 14 ص 326 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 416 ح 4، التهذيب ج 7 ص 330 ح 17، الوسائل ج 14 ص 326 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 416 ح 6، الوسائل ج 14 ص 327 ح 4.
(4) الفقيه ج 3 ص 263 ح 41، الوسائل ج 14 ص 327 ح 6.
(5) الفقيه ج 3 ص 263 ح 40، الوسائل ج 14 ص 327 ح 5.
(6) الكافي ج 5 ص 416 ح 5، التهذيب ج 7 ص 330 ح 15، الوسائل ج 14 ص 323 ح 3.
481
الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل كان بينه و بين امرأة فجور، فهل يتزوج ابنتها؟ فقال: إن كان من قبلة أو شبهها فليتزوج ابنتها، و إن كان جماعا فلا يتزوج ابنتها، و ليتزوجها هي إن شاء».
و رواه الشيخ بسنده عن ابن يعقوب إلا أنه قال:
«فليتزوج ابنتها إن شاء و إن كان جماعا فلا يتزوج».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن محمد بن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجل فجر بامرأة، أ يتزوج بأمها من الرضاعة أو ابنتها؟ قال: لا».
و التقريب في هذا الخبر أنه قد تقدم أن الرضاع فرع على النسب فلو لا أنه حرام في النسب لما حرم في الرضاع.
و ما رواه
في الكافي عن يزيد الكناسي (2) قال: «إن رجلا من أصحابنا تزوج امرأة فقال لي: أحب أن تسأل أبا عبد الله (عليه السلام) و تقول له: إن رجلا من أصحابنا تزوج امرأة قد زعم أنه كان يلاعب أمها و يقبلها من غير أن يكون أفضى إليها، قال: فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقال لي: كذب، مره فليفارقها، قال: فرجعت من سفري فأخبرت الرجل بما قال أبو عبد الله (عليه السلام)، فوالله ما دفع ذلك عن نفسه و خلى سبيلها» (3).
و عن عيص بن القاسم (4) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل باشر امرأة و قبل، غير أنه لم يفض إليها ثم إلها ثم تزوج ابنتها؟ قال: إذا لم يكن أفضى إلى الأم فلا بأس، و إن كان أفضى إليها فلا يتزوج ابنتها».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 416 ح 8، التهذيب ج 7 ص 331 ح 18، الوسائل ج 14 ص 322 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 416 ح 9، الوسائل ج 14 ص 323 ح 5.
(3) أقول: في هذا الخبر دلالة على أن الامام (عليه السلام) قد يجيب بناء على علمه بالحال من غير التفات الى ما تضمنه السؤال (منه- (قدس سره)-).
(4) الكافي ج 5 ص 415 ح 2، الوسائل ج 14 ص 322 ح 2.
482
و نقل ابن إدريس عن الشيخ المفيد و السيد المرتضى عدم التحريم بالزناء المتقدم و اختاره و مال إليه، و اختاره أيضا المحقق في النافع، و في الشرائع نسبه إلى أصح الروايتين إيذانا بنوع توقف فيه.
و الذي يدل عليه من الأخبار ما رواه
الشيخ عن سعيد بن يسار (1) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل فجر بامرأة، يتزوج ابنتها؟ قال: نعم يا سعيد إن الحرام لا يفسد الحلال».
و عن هاشم بن المثنى (2) قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) جالسا فدخل عليه رجل فسأله عن الرجل يأتي المرأة حراما، أ يتزوجها؟ قال: نعم و أمها و ابنتها».
و عن منصور بن حازم (3) في الموثق قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل فجر بامرأة، هل يجور له ان يتزوجها بابنتها؟ قال: ما حرم حرام حلالا قط».
و عن هاشم بن المثنى (4) قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له رجل رجل فجر بامرأة أ تحل له ابنتها؟ قال: نعم، إن الحرام لا يفسد الحلال».
و عن حنان بن سدير (5) في الموثق قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ سأله سعيد عن رجل تزوج امرأة سفاحا، هل تحل له ابنتها؟ قال: نعم إن الحرام لا يحرم الحلال».
و عن زرارة (6) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل فجر بامرأة، هل يجوز
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 329 ح 12، الوسائل ج 14 ص 323 ح 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 326 ح 1، الوسائل ج 14 ص 324 ح 7.
(3) التهذيب ج 7 ص 329 ح 13، الوسائل ج 14 ص 324 ح 9.
(4) التهذيب ج 7 ص 328 ح 8. الوسائل ج 14 ص 324 ح 10.
(5) التهذيب ج 7 ص 328 ح 9، الوسائل ج 14 ص 325 ح 11.
(6) التهذيب ج 7 ص 329 ح 13، الوسائل ج 14 ص 324 ح 9.
483
له أن يتزوج ابنتها؟ قال: ما حرم حرام حلالا قط».
و عن صفوان في الصحيح (1) قال: «سأله المرزبان عن الرجل يفجر بالمرأة و هي جارية قوم آخرين ثم اشترى ابنتها، أ يحل له ذلك؟ قال: لا يحرم الحرام الحلال، و رجل فجر بامرأة حراما أ يتزوج بابنتها؟ قال: لا يحرم الحرام الحلال».
هذا ما وقفت عليه من الأخبار الدالة على هذا القول، و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و سبطه في شرح النافع لم ينقلا لهذا القول دليلا من الأخبار إلا رواية هاشم بن المثنى الثانية، و رواية حنان بن سدير، و رداهما بضعف السند.
و قد عرفت أن فيها الصحيح باصطلاحهم، و لكنهم لقصور التتبع لم يقفوا عليه، و ما ذكروه من الجواب غير حاسم لمادة الاشكال.
و الشيخ (رحمه الله) في كتابي الأخبار حمل روايتي حنان بن سدير و هاشم بن المثنى الاولى على ما إذا كان الفجور بإحداهما بعد عقد الأخرى، و باقي الأخبار على الفجور بما دون الوطي، من تقبيل و نحوه.
و لا يخفى ما فيه من البعد و التكلف، و ما في الفرق بين الروايتين المذكورتين و غيرهما، فإن تأويله في كل من الموضعين يأتي على الجميع، و المسألة غير خالية من شوب الاشكال لما عرفت.
و احتمل بعضهم في أخبار القول الثاني الحمل على التقية، و هو غير بعيد، و لا ريب في ترجيح القول المشهور بموافقة الاحتياط، فالاحتياط يقتضي الوقوف عليه.
تذنيبات
الأول [عدم نشر حرمة المصاهرة لو زنى بعد العقد بأم امرأته أو بنتها]
المفهوم من كلام أكثر الأصحاب و كذا إطلاق أكثر النصوص أنه بمجرد العقد على المرأة و كونها زوجة أعم من أن يكون دخل بها أو لم يدخل،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 471 ح 97، الوسائل ج 14 ص 325 ح 12.
484
لو زنا بعد ذلك بأمها أو بنتها لم ينشر حرمة المصاهرة، و المفهوم من رواية أبي الصباح المتقدمة أن ذلك مخصوص بالدخول بالزوجة لا مجرد العقد، فلو عقد عليها و لم يدخل فزنا أفسد ذلك الزنا نكاحه، كما لو تقدم على العقد.
و مثلها في ذلك ما رواه
في الكافي عن عمار الساباطي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل تكون له الجارية فيقع عليها ابن ابنه قبل أن يطأها الجد، أو الرجل يزني بالمرأة، فهل يحل لأبيه أن يتزوجها؟ قال: لا، إنما ذلك (2) إذا تزوجها الرجل فوطئها ثم زنى بها ابنه لم يضره، لأن الحرام لا يفسد الحلال و كذلك الجارية».
و لم أقف على من تنبه لذلك إلا السيد السند في شرح النافع حيث ذكر دلالة رواية أبي الصباح الكناني على ذلك ثم قال: و لا أعلم بمضمون هذه الرواية قائلا، ثم طعن فيها بأن في طريقها محمد بن الفضيل، و هو مشترك بين الثقة و الضعيف.
أقول: قد نقل العلامة في المختلف القول بمضمون هذين الخبرين عن ابن الجنيد، و لكنه إنما استدل له برواية عمار خاصة.
قال في المختلف: لو سبق العقد من الأب أو الابن على امرأة ثم زنا بها الآخر لم تحرم على العاقد، سواء دخل بها العاقد قبل الزنا من الآخر أم لم يدخل، ذهب إليه أكثر علمائنا، و شرط ابن الجنيد في الإباحة الوطي، فلو عقد و لم
____________
(1) الكافي ج 5 ص 420 ح 9، التهذيب ج 7 ص 282 ح 32، الوسائل ج 14 ص 320 ح 3.
(2) قوله «انما ذلك الى آخره» يعني إنما تحل في هذه الصورة أعني صورة الوطي، و كذلك الجارية إنما تحل في صورة وطئ السيد لها، و الا فلو زنا بها ابنه قبل الوطي، حرمت (منه- (قدس سره)-).
485
يدخل فزنا الآخر حرمت على العاقد أبدا، ثم قال: لنا الأصل الإباحة، و لأنها ثابتة قبل الزنا بمجرد العقد فيستصحب، و لقوله (عليه السلام) (1)
«لا يحرم الحرام الحلال».
و هي حلال بالعقد، فلا يقتضي الوطي الحرام تحريما، ثم استدل له بخبر عمار و أجاب عنه بأنه استدلال بالمفهوم، و هو ضعيف، و السند أيضا ضعيف.
أقول: أما ضعف السند فقد عرفت في غير موضع مما تقدم أنه لا يكون حجة على المتقدمين الذين لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم، و أما ضعف المفهوم فهو مجبور بصراحة منطوق الرواية الأخرى في ذلك.
و إلى القول بمضمون هذين الخبرين مال بعض (2) مشايخنا المحققين من متأخزي المتأخرين و هو ظاهر الشيخ في الاستبصار (3) أيضا حيث إنه استدل بخبر عمار على التأويل الذي تأول به روايتي هاشم بن المثنى و حنان بن سدير من التفصيل الذي اشتمل عليه الخبر المذكور.
و المسألة لا تخلو من شوب الاشكال، و إن كان العمل- بالخبرين المذكورين و تخصيص تلك الأخبار بهما- غير بعيد، و احتمال التقية فيهما من حيث إنه قول ابن الجنيد الذي يجري على مذهب العامة غالبا ممكن أيضا، و الله العالم:
الثاني [فيما ملك الرجل جارية فوطأها ابنه أو أبوه قبل المالك]
اختلف الأصحاب (رضي الله عنهم) فيما لو ملك الرجل جارية فوطئها ابنه أو أبوه قبل أن يطأها المالك، فقال الشيخ في النهاية بالتحريم و به قال ابن الجيد و ابن البراج.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 415 ح 3، التهذيب ج 7 ص 33 ح 16، الوسائل ج 14 ص 326 ح 2.
(2) هو الشيخ الفاضل المحقق المدقق الشيخ أحمد بن الشيخ الفاضل الشيخ محمد ابن يوسف البحراني (قدس سره) على ما وجدته بخطه. (منه- (قدس سره)-).
(3) الاستبصار ج 3 ص 164.
486
و قال الصدوق في الفقيه (1) «و إن زنا الرجل بامرأة ابنه أو بامرأة أبيه أو بجارية ابنه أو بجارية أبيه فإن ذلك لا يحرمها على زوجها و لا يحرم الجارية على سيدها، و إنما يحرم ذلك إذا كان منه بالجارية و هي حلال، فلا تحل تلك الجارية أبدا لابنه و لا لأبيه».
و قال ابن إدريس: لا فرق بين أن يطأ الولد جارية الأب قبل وطئ الأب أو بعده في عدم التحريم.
احتج الشيخ بما رواه
عن عمار الساباطي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يكون له الجارية» الخبر.
كما تقدم في سابق هذا التذنيب.
و احتج ابن إدريس بقوله (عليه السلام) (3)
«لا يحرم الحرام الحلال».
و بقوله تعالى (4) «فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ» و قوله تعالى (5) «أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» و هذه ملك يمين، و الأصل الإباحة فلا يرجع عن هذه الأدلة القاهرة بأخبار الآحاد، كذا نقله العلامة في المختلف، ثم قال: و نحن في هذه المسألة من المتوقفين، و رواية الشيخ ضعيفة السند لكن يعضدها ما تقدم من الروايات الدالة على التحريم لو زنا الابن بامرأة الأب، و الملك و إن أثمر الإباحة، لكن يظهر أثره في الوطي، إذ قد يملك من لا يباح له وطؤها. انتهى.
أقول: قد أورد الدليل لكلام الشيخ و كلام ابن إدريس و لم يورد لكلام
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 264 ح 41.
(2) الكافي ج 5 ص 420 ح 9، التهذيب ج 7 ص 282 ح 32، الوسائل ج 14 ص 320 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 415 ح 3، الوسائل ج 14 ص 326 ح 2.
(4) سورة النساء- آية 3.
(5) سورة النساء- آية 3.
487
الصدوق دليلا، و كلام الصدوق هنا مضمون
رواية زرارة (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا زنا رجل بامرأة أبيه أو جارية أبيه فإن ذلك لا يحرمها على زوجها، و لا تحرم الجارية على سيدها، إنما يحرم ذلك منه إذا أتى الجارية و هي حلال، فلا تحل تلك الجارية أبدا لابنه و لا لأبيه» الحديث.
و أنت خبير بأن ظاهر إطلاق كلامه- و هو ظاهر الرواية المذكورة أيضا- هو عدم التحريم بالزنا هنا سواء كان مقدما علي الوطي أو متأخرا: و إنما المحرم إنما هو الوطي الحلال خاصة، و هو يرجع على هذا التقدير إلى قول ابن إدريس.
و مثل هذه الرواية في هذا الإطلاق
رواية مرازم (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) و سئل عن امرأة أمرت ابنها أن يقع على جارية لأبيه فوقع فقال: أثمت و أثم ابنها، و قد سألني بعض هؤلاء عن هذه المسألة، فقلت له: أمسكها فإن الحلال لا يفسده الحرام».
و موثقة سماعة (3) و سيأتي قريبا إن شاء الله و فيها السؤال «عن رجل عنده جارية و زوجة، فأمرت الزوجة ابنها أن يثيب على جارية أبيه ففجر بها، فقال:
قال (عليه السلام): لا يحرم ذلك على أبيه» الحديث.
و لا يخفى عليك أن وجه الجمع بين موثقة عمار و هذه الأخبار الثلاثة هو تقييد إطلاق هذه الأخبار بالموثقة المذكورة، فتحمل حينئذ على كون الزنا وقع بعد وطئها المالك.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 419 ح 7، التهذيب ج 7 ص 281 ح 25، الوسائل ج 14 ص 319 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 419 ح 8، التهذيب ج 7 ص 283 ح 33، الوسائل ج 14 ص 320 ح 4.
(3) التهذيب ج 8 ص 179 ح 51، الوسائل ج 14 ص 564 ح 3.
488
و مثل الموثقة المذكورة في التحريم بتقديم الزنا على وطء المالك
حسنة الكاهلي (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) و أنا عنده عن رجل اشترى جارية و لم يمسها فأمرت امرأته ابنه، و هو ابن عشر سنين أن يقع عليها فوقع عليها فما ترى فيه، فقال: أثم الغلام و أثمت امه، و لا أرى للأب إذا قربها الابن أن يقع عليها»، الحديث.
و بذلك يزول الاشكال و يرجع الكلام هنا إلى ما تقدم في صدر المقام من الخلاف فيما لو كان الزنا متقدما على النكاح بالنسبة إلى المرأة الحرة، و ابن إدريس إنما قال بعدم التحريم من حيث قوله ثم بعدم التحريم كما تقدم.
و بذلك يظهر لك أن توقف العلامة- هنا مع قوله بالتحريم في تلك المسألة- لا وجه له، و بالجملة فالظاهر أن هذه المسألة أحد جزئيات تلك المسألة المتقدمة، و الله العالم.
الثالث [في تحريم بنت العمة و الخالة لو زنى بهما]
قد اتفق الأصحاب (رضوان الله عليهم) على أنه لو زنا بالعمة و الخالة حرمت عليه بناتهما، حتى من الشيخ المفيد و السيد المرتضى القائلين بعدم نشر الحرمة في الزنا السابق، و قد جعلوا هذا الفرد مستثنى من محل الخلاف السابق.
و استدلوا عليه بما رواه
ثقة الإسلام (2) في الكافي في الصحيح أو الحسن عن أبي أيوب عن محمد بن مسلم قال: «سأل رجل أبا عبد الله و أنا جالس عن رجل نال من خالته في شبابه ثم ارتدع، أ يتزوج ابنتها. فقال. لا، قلت: إنه لم يكن أفضى إليها، إنما كان شيء دون شيء، فقال: لا يصدق و لا كرامة».
و رواه
الشيخ في التهذيب (3) بطريق موثق عن أبي أيوب عن أبي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 418 ح 4، الوسائل ج 14 ص 319 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 417 ح 10، الوسائل ج 14 ص 329 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 311 ح 49، الوسائل ج 14 ص 329 ح 2.
489
قال: «سأله محمد بن مسلم و أنا جالس عن رجل نال من خالته و هو شباب ثم ارتدع، أ يتزوج ابنتها. قال: لا، قال: إنه لم يكن أفضى إليها إنما كان شيء دون ذلك، قال: كذب».
و ادعى المرتضى الإجماع على الحكم المذكور في الانتصار (1)، و نازع ابن إدريس في المسألة، إلا أنه لم يجتر على المخالفة، قال في كتابه: و قد روي أن من فجر بعمته أو خالته يحرم عليه ابنتاهما.
أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته و شيخنا المفيد في مقنعته و السيد المرتضى في انتصاره، فإن كان على المسألة إجماع فهو الدليل عليها، و نحن قائلون و عاملون بذلك، و إن لم يكن إجماع فلا دليل على تحريم البنتين المذكورتين من كتاب و لا سنة، و لا دليل عقلي، و ليس دليل الإجماع في قول رجلين و لا ثلاثة، و لا من عرف اسمه و نسبه، لأن وجه كون الإجماع عندنا حجة دخول قول المعصوم- للأمن من الخطأ- في جملة القائلين بذلك.
قال في المختلف- بعد أن أورد هذا الكلام-: و هذا يشعر بعدم جزمه بالتحريم و توقفه فيه، و لا بأس في التوقف في هذه المسألة، فإن عموم قوله تعالى (2).
«وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ» يقتضي الإباحة. انتهى.
أقول: العجب منه (قدس سره) في توقفه هنا مع قوله في الكتاب المذكور بأن الزنا السابق ينشر حرمة المصاهرة كما هو القول المشهور، فكيف يتوقف في حكم العمة و الخالة مع دخولهما في العمومات الدالة على الحكم المذكور، و التوقف إنما يحسن من مثل ابن إدريس القائل بعدم نشر الحرمة ثمة، لعدم
____________
(1) حيث قال: مما ظن انفراد الإمامية به القول بأن من زنا بعمته أو خالته حرمت عليه بنتاهما، ثم ذكر أن بعض العامة وافق على ذلك و أن أكثرهم خالفوا، ثم استدل على التحريم بالإجماع و الاخبار. (منه- (قدس سره)-).
(2) سورة النساء- آية 24.
490
الدليل عنده على استثنائه من الإجماع الذي يعتمد عليه: و خبر الواحد ليس بدليل عنده.
و بالجملة فإن قوله بالتوقف هنا وقع عن غفلة و سهو، و من عمل بالرواية- من القائلين في تلك المسألة بعدم التحريم- قال بالتحريم هنا للرواية، لكن مورد الرواية إنما هو الخالة خاصة، فإلحاق العمة بها قياس لا يوافق أصول المذهب.
و طعن في المسالك في الرواية المذكورة بأنها ضعيفة السند ردية المتن، قال: فإن السائل لم يصرح بوقوع الوطي أولا، و صرح بعدمه ثانيا، و كذبه الإمام في ذلك، و هذا غير لائق بمقامه، و هو قرينة الفساد، و مع ذلك فهي مخصوصة بالخالة، فإلحاق العمة بها قياس، و الإجماع غير متحقق بمثل ذلك.
أقول: أما طعنه بضعف السند فهو مبني على نقله الرواية من التهذيب، فإنها فيه و إن كانت موثقة، لكنه يعد ذلك من قسم الضعيف، و إلا فهي في الكافي حسنة على المشهور بإبراهيم بن هاشم الذي قد عد حديثه في الصحيح جملة من فضلاء أصحاب هذا الاصطلاح.
و أما الطعن بالاشتمال على الخالة خاصة فهو جيد كما قدمنا ذكره.
و أما الطعن- برداءة المتن و مثله قول سبطه إن متن هذه الرواية لا يخلو من تهافت- فلا أعرف له وجها وجيها، إذ ليس فيها أزيد من تكذيبه (عليه السلام) الناقل فيما نقله في هذه الواقعة من عدم الإفضاء، و حكمه (عليه السلام) بالإفضاء الذي رتب عليه التحريم، و النهي عن تزويج ابنتها، و قد مر نظيره في رواية يزيد الكناسي.
و مرجع ذلك إلى حكمه بعلمه، فإن أعمال العباد تعرض عليهم، و يعرفون صحيحها و فاسدها، و في هاتين الواقعتين علم (عليه السلام) كذب المخبر فيما أخبر به من عدم الإفضاء، و أي مانع من ذلك و أي تهافت هنا في متن الخبر.
و التحقيق في المقام أن يقال: إن العمل في هذه المسألة على ما تقدم في تلك المسألة من الخلاف في نشر الحرمة بالزنا السابق و عدمه، فإن قلنا بنشر الحرمة كما هو المشهور فلا إشكال: لأن هذا الفرد أحد جزئيات تلك المسألة.
491
بل أولى بالتحريم، فإن قلنا بالعدم وجب الوقوف على هذه الرواية باستثناء الخالة خاصة من الحكم المذكور.
إلحاق: يشتمل على جملة من أحكام الزنا
ذكرناها في هذا المقام استطرادا لتتميم الكلام.
المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) جواز التزويج بالزانية و إن كانت مشهورة بالزناء على كراهية، سواء الزاني و غيره، فقال الشيخان: إن من فجر بامرأة لم يجز له تزويجها إلا بعد ظهور توبتها، و تبعهما ابن البراج و كذا أبو الصباح، إلا أنه أطلق الحكم في الزاني و غيره، و مثله أيضا الصدوق في المقنع (1) و مال السيد السند (قدس سره) في شرح النافع إلى التحريم في المشهورة بالزنا قبل التوبة، و الجواز في غيرها على كراهة، و هو ظاهر المحدث الكاشاني في الوافي و المفاتيح.
أقول: و الأخبار في هذا المقام كثيرة، إلا أنها مختلفة جدا على وجه يعسر انطباقها سيما على القول المشهور، و أصحابنا (رضوان الله عليهم)، لم يستوفوها كملا في الكتب الاستدلالية، و لم يجمعوا بينها على وجه يحسم مادة الإشكال في هذا المجال.
[الأخبار الدالة على تحريم التزويج بمن اشتهر بالزنا]
و لا يخفى على من راجعها أنها قد خرجت على أقسام ثلاثة.
الأول: ما دل منها على تحريم التزويج بمن اشتهر بالزنا ذكرا كان أو أنثى ما لم يعرف منه التوبة.
و منها ما رواه
في الكافي و الفقيه (2) عن داود بن سرحان عن زرارة في
____________
(1) حيث قال في المقنع: و لا يتزوج الزانية و لا يزوح الزاني حتى يعرف منهما التوبة قال الله عز و جل «الزّٰانِي لٰا يَنْكِحُ إِلّٰا زٰانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزّٰانِيَةُ لٰا يَنْكِحُهٰا إِلّٰا زٰانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَ حُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» انتهى. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 5 ص 354 ح 1، باختلاف يسير، التهذيب ج 7 ص 406 ح 34، الفقيه ج 3 ص 256 ح 2، الوسائل ج 14 ص 335 ح 2.
492
الصحيح برواية الفقيه قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل (1) «الزّٰانِي لٰا يَنْكِحُ إِلّٰا زٰانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزّٰانِيَةُ لٰا يَنْكِحُهٰا إِلّٰا زٰانٍ أَوْ مُشْرِكٌ» قال: هن نساء مشهورات بالزنا، و رجال مشهورون بالزنا، شهروا بالزنا و عرفوا به، و الناس اليوم بتلك المنزلة، من أقيم عليه حد الزنا أو شهر بالزنا لم ينبغ لأحد أن يناكحه حتى يعرف منه التوبة».
و «لم ينبغ» في الخبر مراد به التحريم كما تكاثر في الأخبار من استعمال «ينبغي» في الوجوب و «لا ينبغي» في التحريم، و يدل على ذلك قوله عز و جل في آخر الآية المذكورة في الخبر «وَ حُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» (2).
و صدر الآية و إن كان بلفظ الخبر إلا ان المراد به الإنشاء، و هو النهي عن ذلك.
و قوله (عليه السلام) «و الناس اليوم بتلك المنزلة» إشارة إلى أن الآية و إن نزلت في الموجودين في زمنه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلا أن حكمها جار فيمن تأخر إلى يوم القيمة كما في جملة من الآيات النازلة في قضايا مخصوصة يومئذ (3).
و ما رواه
في الكافي (4) عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «في قوله عز و جل
____________
(1) سورة النور- آية 3.
(2) سورة النور- آية 3.
(3) و روى علم الهدى في رسالته المحكم و المتشابه نقلا عن تفسير النعماني بإسناده المذكور ثمة عن على (عليه السلام) «قال: و أما ما لفظه خصوص و معناه عموم فقوله الى أن قال: و قوله سبحانه «الزّٰانِي لٰا يَنْكِحُ إِلّٰا زٰانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزّٰانِيَةُ لٰا يَنْكِحُهٰا إِلّٰا زٰانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَ حُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» فنزلت هذه الآية في نساء كن بمكة معروفات بالزنا منهن سارة و خثيمة و رباب حرم الله نكاحهن، فالاية جارية في كل من كان من النساء مثلهن» انتهى. (منه- (قدس سره)-). و هذه الرواية في الوسائل ج 14 ص 336 ح 5.
(4) الكافي ج 5 ص 355 ح 3، الوسائل ج 14 ص 336 ح 3.
493
الزّٰانِي لٰا يَنْكِحُ إِلّٰا زٰانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً» قال: هم رجال و نساء كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) مشهورين بالزنا، فنهى الله عز و جل عن أولئك الرجال و النساء، و الناس اليوم على تلك المنزلة، من شهر شيئا من ذلك أو أقيم عليه الحد فلا تزوجوه حتى تعرف توبته».
و عن حكم بن حكيم في الموثق (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله عز و جل «وَ الزّٰانِيَةُ لٰا يَنْكِحُهٰا إِلّٰا زٰانٍ أَوْ مُشْرِكٌ؟ قال: إنما ذلك في الجهر، ثم قال: لو أن إنسانا زنى ثم تاب تزوج حيث شاء».
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن الحلبي (2) في الصحيح قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تتزوج المرأة المعلنة بالزنى و لا يزوج الرجل المعلن بالزنى إلا بعد أن تعرف منهما التوبة».
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) «و لا يجوز مناكحة الزاني و الزانية حتى يظهر توبتهما، و إن زنى الرجل بعمته أو بخالته حرمت عليه ابنتاهما أن يتزوجهما و من زنى بذات البعل محصنا كان أو غير محصن ثم طلقها زوجها أو مات عنها و أراد الذي زنى بها أن يتزوج بها لم تحل له ابدا، و يقال لزوجها يوم القيمة خذ من حسناته ما شئت».
انتهى.
و فيه دلالة على تحريم ذات البعل مؤبدا على من زنى بها، و هو مما لا خلاف فيه و إن ناقش فيه بعض متأخري المتأخرين بعدم وجود المستند، و سيأتي الكلام فيه إن شاء الله في محله.
أقول: و هذه الروايات كما ترى على تعددها صريحة في التحريم مؤبدة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 355 ح 6، الوسائل ج 14 ص 336 ح 4.
(2) الفقيه ج 3 ص 256 ح 1، التهذيب ج 7 ص 327 ح 5، الوسائل ج 14 ص 335 ح 1.
(3) فقه الرضا ص 37، مستدرك الوسائل ج 2 ص 576 ب 11 ح 8.
494
بالآية الشريفة المراد بها النهي المؤكد بقوله في آخرها «وَ حُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» إلا أن بإزائها جملة من الأخبار التي ظاهرها المعارضة.
و منها ما رواه
في التهذيب عن زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سئل عن رجل أعجبته امرأة فسأل عنها؟ فإذا النثاء (2) عليها شيء من الفجور، فقال: لا بأس أن يتزوجها و يحصنها».
و هذه الرواية أجاب عنها الشيخ بالحمل على التوبة، و الأظهر ما ذكره في الوافي من الحمل على غير المشهورة.
و عن علي بن يقطين (3) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): نساء أهل المدينة، قال: فواسق، قلت: فأتزوج منهن؟ قال: نعم».
و عن عباد بن صهيب (4) عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: «لا بأس أن يمسك الرجل امرأته إن رآها تزني، و إن لم يقم عليها الحد فليس عليه من إثمها شيء».
و عن زرارة (5) قال: «سأله عمار و أنا حاضر عن الرجل يتزوج الفاجرة متعة؟ قال: لا بأس، و إن كان التزويج الآخر فليحصن بابه».
و ما رواه
في كتاب قرب الاسناد في الصحيح عن علي بن رئاب (6) قال: «سألت
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 331 ح 21، الوسائل ج 14 ص 333 ح 2.
(2) النثاء و الإثم: بالثاء المثلثة، و هو مقصور كالثناء بتقديم المثلثة، و الأول يقال في الشر، و الثاني في الخير خاصة، و قيل ان الأول يستعمل فيهما معا و الثاني في خصوص الخير، و حينئذ فقوله «شيء من الفجور» بدل من النثاء. (منه- (قدس سره)-).
(3) التهذيب ج 7 ص 253 ح 16، الوسائل ج 14 ص 333 ح 3.
(4) التهذيب ج 7 ص 331 ح 20، الوسائل ج 14 ص 333 ح 1.
(5) التهذيب ج 7 ص 253 ح 15، الوسائل ج 14 ص 333 ح 4.
(6) قرب الاسناد ص 78، الوسائل ج 14 ص 334 ح 6.
495
أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة الفاجرة يتزوجها الرجل المسلم؟ قال: نعم، و ما يمنعه؟
و لكن إذا فعل فليحصن بابه مخالفة الولد».
أقول: و طريق الجمع- بين هذه الأخبار و ما في معناها و بين الأخبار المتقدمة- حمل هذه الأخبار على غير المشهورة لعدم الإشارة في شيء منها فضلا عن التصريح بكون المزني بها مشهورة بذلك.
و أما ما فعله في الوسائل تبعا للمشهور- من حمل الأخبار الأولة على الكراهة جمعا بين الأخبار بزعمه- فهو عن مضامين تلك الاخبار في غاية البعد، بل هو مما يقطع ببطلانه لصراحتها في التحريم، سيما بمعونة الآية التي إنما وردت تلك الأخبار تفسيرا لها إذ لا خلاف في أن صدر الآية و إن كان بلفظ الخبر لكنه مراد به النهي كما ينادى به قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم «فنهى الله عز و جل عن أولئك» و نواهي الله سبحانه للتحريم اتفاقا إلا مع القرينة.
و إنما الخلاف في أوامر السنة و نواهيها، مؤكدا بقوله (عليه السلام) في آخر الآية «وَ حُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» فأي مجال للحمل هنا على الكراهة كما زعمه و الحال كما ترى، إلا أنه ينبغي أن يقيد جواز التزويج بها متى كانت غير مشهورة بأن يحصن بابه، كما تضمنته جملة من الأخبار المذكورة بحمل مطلقها على مقيدها في ذلك فلو لم يحصن بابه لم يجز له تزويجها لما يأتي في أخبار القسم الثالث من عدم جواز التزويج بالمرأة التي زنى بها حتى يعرف منها التوبة (1).
الثاني: ما يدل نصا على وجوب التفريق بين الزوجين إذا زنا أحدهما بعد العقد و قبل الدخول.
و منها ما رواه
في الفقيه عن طلحة بن زيد (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: «
____________
(1) و في هذه المسألة تحقيق آخر ذكرناه في آخر الفصل الثاني في المسائل الملحقة بالعقد في المسألة الخامسة منها فليراجع. (منه- (قدس سره)-).
(2) الفقيه ج 3 ص 263 ح 37، التهذيب ج 7 ص 490 ح 175، الوسائل ج 14 ص 616 ح 3.
496
قرأت في كتاب علي (عليه السلام) أن الرجل إذا تزوج المرأة فزنى من قبل أن يدخل بها لم تحل له، لأنه زان و يفرق بينهما و يعطيها نصف المهر».
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب عن علي بن جعفر (1) في الصحيح عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج بامرأة فلم يدخل بها فزنى ما عليه؟ قال: يجلد الحد و يحلق رأسه، و يفرق بينه و بين أهله و ينفى سنة».
و عن الحسن بن محبوب عن الفضل بن يونس (2) في الموثق قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فلم يدخل بها فزنت؟ قال: يفرق بينهما و تحد الحد و لا صداق لها».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله مراقدهم) عن السكوني (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في المرأة إذا زنت قبل أن يدخل بها الرجل:
يفرق بينهما و لا صداق لها لأن الحدث كان من قبلها».
و بمضمون هذه الأخبار أفتى الصدوق في كتاب المقنع فقال: و إذا تزوج الرجل المرأة فزني قبل أن يدخل بها لم تحل له لأنه زان، و يفرق بينهما و يعطيها نصف الصداق» و في حديث آخر «يجلد الحد و يحلق رأسه، و يفرق بينه و بين أهله و ينفى سنة، و إذا زنت المرأة قبل دخول الرجل بها فرق بينهما و لا صداق لها، لأن الحدث من قبلها».
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 262 ح 36، التهذيب ج 7 ص 489 ح 174، الوسائل ج 14 ص 616 ح 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 263 ح 39، التهذيب ج 7 ص 490 ح 177، الوسائل ج 14 ص 601 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 566 ح 45، التهذيب ج 10 ص 36 ح 126، الفقيه ج 3 ص 263 ح 38، الوسائل ج 14 ص 601 ح 3.
497
و نقل بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين (1) عن الشيخ المفيد و سلار و ابن البراج و ابن الجنيد و أبي الصلاح أنه ترد المحدودة في الفجور، و يمكن أن يكون مستندهم هذه الأخبار، و المشهور بين المتأخرين عدم الفسخ و التفريق (2) هذا.
و قد ورد ما يناقض هذه الأخبار فيما دلت عليه من هذه الأحكام و به أفتى الصدوق في علل الشرائع (3) حيث قال- بعد إيراد حديث طلحة المذكورة-: و الذي افتى به و أعتمد عليه في هذا الباب ما حدثني به
محمد بن الحسن (رحمه الله) عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير و فضالة بن أيوب عن رفاعة قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يزني قبل أن يدخل بأهله، أ يرجم؟ قال: لا قلت: يفرق بينهما إذا زنى قبل أن يدخل بها، قال: لا» و زاد فيه ابن أبي عمير «و لا يحصن بالإماء».
و هو كما ترى صحيح السند صريح الدلالة فيما قلناه، و العجب من اختلاف فتوى الصدوق في هذه المسألة كما عرفت، فإنه غير معهود من قاعدته، و لا موجود
____________
(1) هو شيخنا المجلسي (قدس سره) في حواشيه على كتب الاخبار.
(منه- (قدس سره)-).
(2) أقول: العجب من شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حيث انه انما احتج للقائلين بجواز الفسخ في صورة زناء الزوجة باشتماله على العار، فكان موجبا للتسلط على الفسخ ثم رد بأنه متسلط عليه بالطلاق، فيدفع به الضرر، و غفل عن الروايات التي نقلناها في الأصل، فإنها صريحة في التفريق، سواء كان الزنا من الزوجة أو الزوج.
(منه- (قدس سره)-).
(3) علل الشرائع ص 502 ب 264 ط النجف الأشرف، الكافي ج 7 ص 179 ح 8، الفقيه ج 4 ص 29 ح 4، التهذيب ج 10 ص 16 ح 41، الوسائل ج 18 ص 358 ح 1 و 2.
498
في طريقته و عادته.
و مما يؤيد العمل بهذا الخبر ظهور مخالفة هذه الأخبار المقابلة له لما قدمناه من الأخبار، و ما يأتي في القسم الثالث، فإن الأخبار المتقدمة منها ما دل على جواز تزويج المشهورة بالزنا مع العلم بالتوبة، و منها ما دل على جواز التزويج بغير المشهورة و إن لم يعلم منها توبة.
و الأخبار الآتية قد دلت على جواز تزويج من زنى بها سابقا بشرط ظهور التوبة، و جملة منها مطلق في الجواز، و الجميع دال على جواز تزويج الزانية إما مع شرط التوبة أو مع عدمه، و حله من غير أن يترتب عليه شيء، فكيف يترتب على هذا الزاني و إن كان مرة واحدة قبل الدخول هذه الأحكام المغلظة من وجوب التفريق، و بطلان النكاح، و أن يحلق رأسه، و ينفى من بلده سنة و نحو ذلك.
و من الظاهر أن هذا النوع إن لم ينقص عن تلك الأنواع الأخر لم يزد عليها، فإن خصوصية العقد هنا لا مدخل له في هذه الأحكام المغلظة المترتبة على هذا الزنا.
و يقرب عندي احتمال خروج هذه الأخبار مخرج التقية، فإن ما اشتملت عليه من هذه الأحكام المغلظة لا يوافق مقتضى قواعد الشريعة السمحة السهلة المبنية على التخفيف، سيما مع مقابلتها بما هو أكثر منها عددا و أصح سندا من الأخبار المشار إليها.
و يمكن الجمع- و إن بعد بين هذه الأخبار و بين صحيحة رفاعة- بحمل الأخبار المذكورة علي من اشتهر بالزنا مع عدم التوبة و حمل صحيحة رفاعة على من لم يشتهر أو اشتهر لكن تاب بعد ذلك، و الله العالم.
الثالث: ما يدل على حكم الرجل يتزوج المرأة بعد أن زنى بها.
و قد اختلفت الأخبار في ذلك، فجملة منها دلت علي الجواز بشرط ظهور
499
التوبة منها، و جملة دلت على الجواز مطلقا.
و من الأول ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب (1) عن عمار بن موسى في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يحل له أن يتزوج امرأة كان يفجر بها؟ فقال: إن آنس منها رشدا فنعم، و إلا فليراودنها على الحرام، فإن تابعته فهي عليه حرام، و إن أبت فليتزوجها».
و ما رواه
في الكافي (2) عن إسحاق بن جرير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يفجر بالمرأة، ثم يبدو له في تزويجها، هل يحل له ذلك؟ قال: نعم إذا هو اجتنبها حتى تنقضي عدتها باستبراء رحمها من ماء الفجور، فله أن يتزوجها و إنما يجوز له أن يتزوجها بعد أن يقف على توبتها».
و رواه الشيخ مثله إلى قوله «فله أن يتزوجها».
و لم يذكر شرط التوبة.
و ما رواه
في التهذيب (3) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أو أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لو أن رجلا فجر بامرأة ثم تابا فتزوجها لم يكن عليه شيء من ذلك».
و ما رواه
في التهذيب و الفقيه (4) عن أبي بصير في الموثق قال: «سألته عن رجل فجر بامرأة ثم أراد بعد، أن يتزوجها، فقال: إذا تابت حل له نكاحها، قلت: كيف تعرف توبتها؟ قال: يدعوها إلى ما كانا عليه من الحرام فإن امتنعت
____________
(1) الكافي ج 5 ص 355 ح 1، التهذيب ج 7 ص 328 ح 7، الوسائل ج 14 ص 331 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 356 ح 4، التهذيب ج 7 ص 327 ح 4، الوسائل ج 14 ص 331 ح 4.
(3) التهذيب ج 7 ص 327 ح 2، الوسائل ج 14 ص 331 ح 5.
(4) التهذيب ج 7 ص 327 ح 6، الفقيه ج 3 ص 264 ح 42، الوسائل ج 14 ص 332 ح 7.
500
و استغفرت ربها عرف توبتها».
و في مرفوعة ابن أبي يعفور (1) «قال (عليه السلام): يتعرض لها فإن أجابته إلى الفجور فلا يفعل».
و على هذه الأخبار اعتمد الشيخان و من تبعهما في تحريم تزويجها ما لم يعلم توبتها، كما قدمنا نقله عنهما في صدر الإلحاق المذكور، و كذا من أطلق الحكم في الزوجة و غيرها.
[الأخبار الدالة على جواز التزويج بالزانية المشهورة]
و من الثاني: و هو ما دل على الجواز مطلقا ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أيما رجل فجر بامرأة ثم بدا له أن يتزوجها حلالا، قال: أوله سفاح و آخره نكاح، و مثله مثل النخلة أصاب الرجل من تمرها حراما ثم اشتراها بعد، فكانت له حلالا».
و ما رواه
في الكافي (3) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل فجر بامرأة ثم بدا له أن يتزوجها؟ فقال: حلال، أو له سفاح و آخره نكاح، أوله حرام و آخره حلال».
و ما رواه
في الفقيه (4) عن موسى بن بكر عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال لا بأس إذا زنى رجل بامرأة أن يتزوج بها بعد، و ضرب مثل ذلك مثل رجل سرق تمرة نخلة ثم اشتراها بعد».
و ظاهر المتأخرين الجمع بين هذه الروايات بحمل النهي في الأخبار الأولة عن تزويجها حتى تعرف توبتها على الكراهة دون التحريم- مستندين كما ذكره في
____________
(1) الكافي ج 5 ص 454 ح 4، الوسائل ج 14 ص 453 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 356 ح 2، التهذيب ج 7 ص 327 ح 3، الوسائل ج 14 ص 331 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 356 ح 3، الوسائل ج 14 ص 330 ح 1.
(4) الفقيه ج 3 ص 263 ح 41، الوسائل ج 14 ص 332 ح 8.
501
المختلف إلى أصالة الإباحة، و أن الزنا لا حرمة له فأشبه الأجنبي.
و فيه أن الأخبار المذكورة ظاهرة بل صريحة في التحريم بدون ظهور التوبة و لا معارض لها إلا هذه الأخبار المطلقة، و مقتضى القاعدة كما ذكروه في غير موضع حمل المطلق على المقيد، فهنا ينبغي أن يكون كذلك و به يظهر قوة مذهب القائلين بالتحريم حتى تعرف التوبة.
و مما ذكرنا يظهر قوة القول بالتحريم في المشهورة بالزناء حتى يعرف منها التوبة بطريق أولى، و يمكن أيضا حمل هذه الأخبار المطلقة في الجواز على الأخبار الأخيرة من أخبار القسم الأول الدالة علي جواز التزويج بالزانية «و أن يحصن بابه»، فيجوز التزويج حينئذ بمن فجر بها سابقا و إن لم يظهر منها التوبة لكن «يحصن بابه»، و يمنعها من الزنا، و بالجملة فإنك إذا راجعت أخبار القسم الأول و القسم الثالث و ضممت بعضها إلى بعض بحمل مطلقها على مقيدها و مجملها على مفصلها يظهر لك أنه لا يجوز التزويج بالزانية المشهورة إلا مع ظهور التوبة منها، و كذا الرجل المشهور بالزناء و أما التزويج بالزانية الغير المشهورة فيشترط في جواز التزويج بها، إما ظهور التوبة أو منعها من الزنا الذي عبر عنه بأنه «يحصن بابه».
و أما أخبار القسم الثاني فالظاهر عندي إرجاعها إلى قائلها (عليه السلام) و العمل عندي على صحيحة رفاعة لما عرفت آنفا.
و أما رواية عباد بن صهيب المتقدمة في أخبار القسم الأول الدالة بظاهرها على جواز إمساك زوجته و إن رآها تزني، فهي لعدم قبولها لما ذكرنا من التأويل مرجوعة إلى قائلها أيضا لمعارضتها بما هو أكثر عددا و أصح سندا من أخبار المسألة كملا، كما عرفت بعد جمعها و حمل بعضها على بعض بما هو مقتضى القواعد الشرعية و الضوابط المرعية، و الله العالم.
502
تنبيهات:
الأول [طعن الشهيد الثاني في رواية أبي بصير]
طعن شيخنا الشهيد الثاني في المسالك في رواية أبي بصير المتقدمة- بعد رميها بالضعف- بأن في متنها إشكالا من حيث إن دعائها إلى الحرام يتضمن إعزائها بالقبيح.
و فيه نظر، أما (أولا) فلأن هذا المضمون كما ورد في هذه الرواية ورد أيضا في موثقة عمار و مرفوعة ابن أبي يعفور (1).
و أما (ثانيا) فلأنه متى حرم تزويجها حتى تعرف توبتها، فلا وجه أكشف و أظهر من دعائها إلى ذلك، و لو أمكن أيضا بوجه آخر كفى كما دلت عليه موثقة عمار من قوله «فإن آنس منها رشدا» و موثقة إسحاق بن جرير من قوله «بعد أن يقف على توبتها».
و بالجملة فإن ما ذكره اجتهاد في مقابلة النصوص و جرأة على أهل الخصوص.
الثاني [حكم إمساك الزوجة المصرة على الزنا]
المشهور بين الأصحاب جواز إمساك الزوجة و إن أصرت على الزنا، و ذهب جماعة منهم الشيخ المفيد إلى التحريم مع الإصرار، قال شيخنا المفيد (عطر الله مرقده): و إذا كان للرجل امرأة ففجرت و هي في بيته و علم ذلك من حالها كان بالخيار إن شاء أمسكها و إن شاء طلقها، و لم يجب لذلك فرقها و لا يجوز له إمساكها و هي مصرة على الفجور، فإن أظهرت التوبة جاز له المقام عليها
____________
(1) أقول: و نحو ذلك ما رواه
الراوندي في كتاب النوادر عن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رجل لعلى (عليه السلام): إذا زنا الرجل بالمرأة ثم أراد أن يتزوجها فقال: لا بأس إذا تابا، فقيل: هذا الرجل يعلم توبة نفسه فكيف يعلم توبة المرأة؟ فقال: يدعوها الى الفجور، فان ائت فقد تابت و ان قبلت حرم نكاحها».
(منه- (قدس سره)-)، هذه الرواية في مستدرك الوسائل ج 2 ص 576 ب 11 ذيل ح 1.
503
و ينبغي له أن يعتزلها بعد ما وقع من فجورها حتى يستبرئها.
و قال ابن حمزة: و إذا أصرت المرأة عند زوجها على الزنا انفسخ نكاحها على قول بعض الأصحاب.
و قال سلار: و إن زنت امرأته لم تحرم عليه إلا أن تصر، قال في المختلف بعد نقل ذلك: و الوجه عدم التحريم لقوله (عليه السلام)
«لا يحرم الحرام الحلال» (1)،.
و ما رواه عباد بن صهيب (2)- ثم ساق الرواية و قد تقدمت (3) ثم قال-: احتج سلار بأن أعظم فوائد النكاح التناسل، و أعظم حكم الحد و الزجر عن الزنا لزوم اختلاط الأنساب، فلو أبيح له نكاح المصرة على الزنا لزم اختلاط الأنساب، و هو محذور عنه شرعا، ثم أجاب بأنه لا نسب للزاني. انتهى.
أقول: و يمكن الاستدلال للقول بالتحريم هنا بالروايات المتقدمة في القسم الثالث الدالة على أنه لا يجوز تزويج امرأة زنى بها إلا بعد وقوفه على توبتها، بتقريب أن الإصرار على الزنا كما يمنع ابتداء يمنع استدامة، إذ العلة واحدة في الموضعين و حديث عباد بن صهيب قد عرفت ما فيه، و حديث
«لا يحرم الحرام الحلال».
مخصص بما ذكرناه من الأخبار، و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب التوقف و الاشكال.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 471 ح 97، الوسائل ج 14 ص 325 ح 12.
(2) التهذيب ج 7 ص 331 ح 20، الوسائل ج 14 ص 333 ح 1.
(3) أقول: و مثل هذه الرواية ما رواه شيخنا
المجلسي عن كتاب الحسين بن سعيد بسند صحيح إلى زرارة قال: «جاء رجل الى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: يا رسول الله ان امرأتي لا تدفع يد لامس، قال. طلقها، قال: يا رسول الله انى أحبها قال: فأمسكها».
فإنها صريحة في إمساكها و ان كانت مصرة على الزنا غير متمكن من إحصانها و منعها، و أخبار الأقسام الثلاثة في الأصل واضحة بل صريحة في المعارضة للرواية و ما في معناها.
(منه- (قدس سره). و الرواية في البحار ج 104 ص 12 ح 36.
504
الثالث [في الأخبار الواردة في لزوم العدة على الزانية و عدمه]
المشهور في كلام الأصحاب بل الظاهر أنه لا خلاف فيه أنه لا عدة على الزانية إذا كانت ذات حمل من الزاني، أما لو لم تكن كذلك فالمشهور أيضا أنه لا عدة عليها، و قيل: بوجوبها و إليه مال العلامة في التحرير (1).
قال المحدث الكاشاني في المفاتيح: قيل: و لا عدة للزاني مع الحمل بلا خلاف إذ لا حرمة له، و بدونه قولان: أشهرهما العدم و أثبتها في التحرير، أقول: و الأحوط ثبوتها مطلقا عملا بالعمومات و حذرا من اختلاط المياه و تشويش الأنساب، انتهى.
و الظاهر أنه أراد بالعمومات ما ورد عنهم (عليهم السلام) في عدة روايات من
قولهم «إذا أدخله وجب الغسل و العدة و المهر و الرجم» (2).
و قولهم «العدة من الماء» (3).
و نحو ذلك و هو شامل بإطلاقه للزناء.
و أما العلة الثانية و هي المحاذرة من اختلاط المياه و تشويش الأنساب، فهي لا تنطبق على الإطلاق الذي اختاره، إذ مع الحمل لا يلزم ذلك كما لا يخفى، و إنما يتجه في غير صورة الحمل.
أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بذلك رواية إسحاق بن جرير (4) المتقدمة في القسم الثالث، و هي دالة على أنه لا يجوز لمن فجر بالمرأة أن يتزوجها حتى تنقضي عدتها باستبراء رحمها من ماء الفجور.
و ما رواه
الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول (5) عن أبي جعفر
____________
(1) قال في التحرير: و لو زنت امرأة خالية من بعل فحملت لم يكن عليها عدة من الزنا، و جاز لها التزويج، و لو لم يحمل فالأقرب أن عليها العدة. انتهى.
(منه- (قدس سره)-).
(2) الوسائل ج 15 ص 66 ح 9 و ص 65 ح 1.
(3) الوسائل ج 15 ص 66 ح 9 و ص 65 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 356 ح 4، التهذيب ج 7 ص 327 ح 4، الوسائل ج 14 ص 331 ح 4.
(5) تحف العقول ص 454 الطبعة الثانية، الوسائل ج 15 ص 476 ح 2.
505
محمد بن علي الجواد (عليهما السلام) «أنه سئل عن رجل نكح امرأة على زنا، أ يحل له أن يتزوجها؟ قال: يدعها حتى يستبرئها من نطفته و نطفة غيره، إذ لا يؤمن منها أن تكون قد أحدثت مع غيره حدثا كما أحدثت معه ثم يتزوج إذا أراد، فإنما مثلها مثل نخلة أكل رجل منها حراما ثم اشتراها فأكل منها حلالا».
و ما رواه
في التهذيب عن زرعة عن سماعة (1) في الموثق «قال سألته عن رجل له جارية فوثب عليها ابن له ففجر بها، قال: قد كان رجل عنده جارية و له زوجة فأمرت ولدها أن يثب على جارية أبيه ففجر بها فسئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فقال: لا يحرم ذلك على أبيه، إلا أنه لا ينبغي له أن يأتيها حتى يستبرئها للولد، فإن وقع فيما بينهما ولد فالولد للأب إن كانا جامعاها في يوم واحد و شهر واحد».
و إلى العمل بهذه الأخبار مال المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي فقال في بدايته بوجوب العدة على الزانية إذا أرادت أن يتزوج الزاني أو غيره، و هو جيد، إلا أن عبارته مطلقة في وجوب العدة على الزانية حاملا كانت أم لا.
و المستفاد من الروايات المذكورة من حيث التعليل فيها باستبراء الرحم التخصيص بغير الحامل كما لا يخفى، و ما تعلق به أصحابنا النافين للعدة من حيث «إن ماء الزاني لا حرمة له» اجتهاد في مقابل النصوص.
و أنت خبير بأن المستفاد من روايتي إسحاق بن جرير و رواية كتاب تحف العقول تخصيص وجوب الاستبراء بغير ذات البعل إذا أرادت أن يتزوج الزاني و غيره، و هو الذي صرح به القائلون بوجوب العدة.
أما لو كانت ذات بعل فإشكال ينشأ من دلالة الأخبار (2) على أن
«الولد للفراش»،.
فيلحق بالزوج، و إن احتمل كونه من الزاني، و حينئذ فلا يضر اختلاط المياه، لأن الشارع ألحقه بالزوج، و من ظاهر موثقة سماعة المذكورة، و لعل الموثقة
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 179 ح 51، الوسائل ج 14 ص 564 ح 3.
(2) التهذيب ج 8 ص 183 ح 64، الوسائل ج 14 ص 565 ح 1.
506
المذكورة محمولة على استحباب الاستبراء و كراهة الجماع بدونه، و يخرج لفظ «لا ينبغي» شاهدا بأن يحمل على ما هو المتعارف من الكراهة، إلا أن عبارة الشيخ المفيد المتقدمة ظاهرة فيما دلت عليه الرواية المذكورة، و الاحتياط ظاهر، و الله العالم.
المقام الثالث: في وطئ الشبهة
، و المراد به ما ليس بمستحق منه مع عدم العلم بتحريمه، كالوطئ في نكاح فاسد أو شراء فاسد مع عدم العلم بفسادهما:
و إذا ظن أجنبية أنها زوجته أو أمته فوطأها و نحو ذلك.
و قد اختلف الأصحاب في نشر الحرمة به فالمشهور ذلك، و أنه كالوطئ الصحيح، و خالف في ذلك ابن إدريس فقال: أما عقد الشبهة و وطي الشبهة فعندنا لا ينشر الحرمة و لا يثبت به تحريم المصاهرة بحال، و تبعه المحقق في كتابيه و نسب القول بالتحريم إلى تخريج الشيخ فقال في الشرائع: و أما الوطي بالشبهة فالذي خرجه الشيخ (رحمه الله) أنه ينزل منزلة النكاح الصحيح، و فيه تردد، أظهره أنه لا ينشر.
قال في المسالك: و وجه التحريم مساواته للصحيح في لحوق النسب، و ثبوت المهر به، و العدة، و سقوط الحد، و هي معلولة للوطئ الصحيح كما أن الحرمة معلولة الآخر، و ثبوت أحد المعلولين يستلزم ثبوت الآخر، و المصنف يمنع ذلك لعدم النص و أصالة بقاء الحل و ضعف هذا التخريج، فإنه لا يلزم من ثبوت حكم لدليل ثبوت آخر يناسبه، كما أن المحرمية منتفية عن وطئ الشبهة بالإجماع، مع أنها من جملة معلولات الوطي الصحيح، و قد سبقه ابن إدريس إلى ذلك.
و الأقوى نشر الحرمة به مع سبقه لثبوته في الزنا بالنص الصحيح مع تحريمه، فيكون في الشبهة أولى، لأنه وطئ محترم شرعا، فيكون إلحاقه بالوطء الصحيح في ثبوت حرمة المصاهرة أولى من الزنا، كما يثبت به أكثر أحكام الصحيح.
و لا يقدح تخلف المحرمية، لأنه إباحة بحل النظر بسببه، فجاز اشتراطه
507
بكمال حرمة الوطي، و الموطوئة بالشبهة لا يباح النظر إليها للواطئ فلأقاربه أولى. انتهى.
أقول: و على هذا النهج كلام غير، في تعليل القول المشهور، و من ذلك علم حجج القولين المذكورين. و المسألة عندي لا تخلو من توقف و إشكال، فإن ما احتج به ابن إدريس و المحقق جيد من حيث أصالة الحل، و عدم الدليل على ما يوجب الخروج عنها، إلا ما ادعوه من مفهوم الأولوية من الأخبار الدالة على بشر الحرمة بالزناء.
و فيه (أولا) أن هذا لا يقوم حجة على المحقق و ابن إدريس، لأنهما يمنعان القول بنشر حرمة الزنا المتقدم و يقولون إنه لا ينشر الحرمة، و يطرحون هذه الأخبار، و يعملون على الأخبار المقابلة لها فكيف تقوم عليهم الحجة بهذا الدليل، و إنما تثبت حجيته عند من يعمل بتلك الأخبار، و يقول بنشر الحرمة بالزناء السابق على النكاح.
و الظاهر أن خلافهم هنا مبني على الخلاف في تلك المسألة كما قدمنا نقله عنهم و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر، لا سترة عليه.
و (ثانيا) أن كلامهم مبني على حجية مفهوم الأولوية، و قد سبق منا الكلام فيه في مقدمات الكتاب المذكورة في المجلد الأول في الطهارة (1) و بالجملة فالمسألة عندي محل توقف، و الله العالم.
المقام الرابع: في المس و النظر هل ينشر حرمة المصاهرة أم لا؟
الظاهر أنه لا خلاف في عدم النشر بنظر و لمس ما يجوز لغير المالك نظره، كالوجه و الكفين ما لم يكن بشهوة، أما ما لا يجوز كالفرج و باطن الجسد فقد اختلف فيه كلام الأصحاب.
و تنقيح الكلام في المقام أن يقال: إذا ملك الرجل أمة وطأها أو نظر منها إلى
____________
(1) ج 1 ص 55.
508
ما لا يجوز لغيره النظر اليه كالوجه و الكفين أو لمسه، فهل يحرم بذلك على أبيه أو ابنه أم لا؟ أقوال:
(أحدها) القول بالتحريم، و هو منقول عن الشيخ في النهاية و أتباعه، و اختاره العلامة في المختلف و التذكرة إلا أن الذي في عبارة النهاية إنما هو النظر و التقبيل بشهوة حيث قال: لو نظر الأب أو الابن أو قبل بشهوة جارية قد ملكها حرم على الآخر وطؤها.
و (ثانيها) القول بعدم التحريم بالكلية، و إنما المحرم الوطي خاصة، و إليه ذهب ابن إدريس و المحقق و العلامة في غير الكتابين المتقدمين.
قال ابن إدريس: لا يحرم على أحدهما لو نظر الآخر و قبل و إن كان بشهوة بل المقتضي للتحريم الوطي لأصالة الإباحة و قوله (1) «أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» قال:
و هذا مذهب الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، و الفقيه أبي يعلى سلار قال: و به أفتى، و غلطه العلامة في نقله هذا القول عن الشيخين المذكورين، و هو كذلك.
و (ثالثها) اختصاص التحريم بمنظورة الأب و ملموسته دون الابن، و هو مذهب الشيخ المفيد و أبي الصلاح، قال شيخنا المفيد (عطر الله مرقده): من ابتاع جارية فنظر منها إلى ما كان يحرم عليه قبل ابتياعها بشهوة فضلا عن لمسها لم تحل لابنه بملك يمين و لا عقد نكاح أبدا، و ليس كذلك حكم الابن إذا نظر من أمة يملكها إلى ما وصفناه.
و قال في باب السراري: إذا نظر الأب إلى جارية قد ملكها نظرا بشهوة حرمت على ابنه، و لم تحرم على الأب بنظر الابن دون غيره، ففرق بين الأب و الابن في الحكم المذكور، و به يظهر لك غلط ابن إدريس و نقله عنه القول بما ذهب إليه، و الظاهر من هذه الأقوال هو القول الأول.
____________
(1) سورة النساء- آية 4.
509
و الواجب أولا نقل الأخبار الواردة في المقام ثم تذييلها بما يسر الله تعالى فهمه منها بتوفيقه و بركة أهل العصمة (صلوات الله عليهم) فنقول:
منها ما رواه
الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل تكون عنده الجارية يجردها و ينظر إلى جسدها نظر شهوة و ينظر منها إلى ما يحرم على غيره، هل تحل لأبيه؟ و إن فعل ذلك أبوه هل تحل لابنه؟
قال: إذا نظر إليها نظر شهوة و نظر منها إلى ما يحرم على غيره لم تحل لابنه، و إن فعل ذلك الابن لم تحل لأبيه».
و رواه
في الكافي و التهذيب عن محمد بن إسماعيل. و هو ابن بزيع (2) في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يكون عنده الجارية فيقبلها، هل تحل لولده؟ فقال: بشهوة؟ قلت: نعم، قال: فقال: ما ترك شيئا إذا قبلها بشهوة ثم قال ابتداء منه: إن جردها و نظر إليها بشهوة حرمت على أبيه و ابنه، قلت:
إذا نظر إلى جسدها؟ فقال: إذا نظر إلى فرجها و جسدها بشهوة حرمت عليه».
أقول: و بهاتين الروايتين استدل للقول الأول، و هما صحيحتان صريحتان.
و الظاهر أن المراد من النظر إلى ما يحرم على غيره الاحتراز عن الوجه و الكفين حيث إنه يجيء أن النظر إليهما لا يوجبان تحريما و إن كان النظر بشهوة.
و ظاهر الأصحاب أن النظر إليهما بشهوة يوجب التحريم، و ظاهر الخبرين خلافه، و كذا ظاهر الخبرين سيما الثاني أن التحريم بالنظر إلى الجسد لا بد من تقييده بالشهوة، فلو نظر إليه بغير شهوة لم يوجب تحريما، و مقتضى الخبر قصر التحريم على الأب و الابن.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 212 ح 64، الوسائل ج 14 ص 318 ح 6.
(2) الكافي ج 5 ص 418 ح 2، التهذيب ج 7 ص 281- 282 ح 28، الوسائل ج 14 ص 317 ح 1.
510
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا جرد الرجل الجارية و وضع يده عليها فلا تحل لابنه».
أقول: يجب تقييد التحريم بكون ذلك عن شهوة كما دل عليه الخبران الأولان.
و منها ما رواه
في التهذيب عن عيص بن القاسم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أدنى ما تحرم به الوليدة تكون عند الرجل على ولده إذا مسها أو جردها».
و ما رواه
في التهذيب في الموثق عن عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل تكون عنده الجارية فتنكشف فيراها أو يجردها لا يزيد على ذلك، قال: لا تحل لابنه».
و عن داود الأبزاري (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل اشتري جارية فقبلها قال: تحرم على ولده، و قال: إن جردها فهي حرام على ولده».
أقول: و بصحيحة محمد بن مسلم استدل للقول الثالث من حيث اشتمالها على تحريم ملموسة الأب على الابن دون العكس.
و فيه: أن غاية ما يدل عليه هو التنبيه على حكم ملموسة الأب بالنسبة إلى الابن و أما بالنسبة إلى العكس فهو مطلق فيجب تقييده بالخبرين السابقين الصحيحين الصريحين في حكمهما معا و الأخبار الثلاثة متفقة على حكم الابن و تحريم منظورة الأب و ملموسته عليه، و الخبران الأولان مصرحان بالعكس.
نعم لو كان ما دل عليه الخبر واقفا على جهة الحصر بحيث لا يتعدى إلى العكس
____________
(1) الكافي ج 5 ص 419 ح 5، التهذيب ج 7 ص 282 ح 29، الوسائل ج 14 ص 417 ح 4.
(2) التهذيب ج 8 ص 208 ح 45، الوسائل ج 14 ص 585 ح 1.
(3) التهذيب ج 8 ص 208 ح 46، الوسائل ج 14 ص 585 ح 2.
(4) التهذيب ج 8 ص 209 ح 48، الوسائل ج 14 ص 585 ح 4.
511
لتم الاستدلال، و هكذا يقال في الأخبار الباقية، فإن موردها تحريم منظورة الأب و ملموسته على الابن دون العكس لا على جهة الحصر، بل هي مطلقة بالنسبة إلى العكس فيجب تقييدها بالخبرين الأولين.
و كيف كان فإنه يجب تقييد هذه الأخبار بالشهوة أيضا لما عرفت من صراحة الصحيحين المتقدمين في ذلك، و أيضا فإنه هو الغالب سيما في التقبيل، و بذلك يظهر ضعف القول المذكور.
و منها ما رواه
الشيخ (1) في الموثق عن علي بن يقطين عن العبد الصالح (عليه السلام) «عن الرجل يقبل الجارية و يباشرها من غير جماع داخل أو خارج أ تحل لابنه أو لأبيه؟ قال: لا بأس».
و هذه الرواية قد استدل بها بالقول الثاني، و حملوا الروايات المنافية على الكراهة جمعا.
و فيه: أن النهي حقيقة في التحريم فلا يحمل على خلافه إلا مع القرينة الواضحة الصارفة عن الحقيقة، و الرواية المذكورة غير صريحة في التحريم لإمكان حملها على ما ذكره الشيخ من كون ذلك لا بشهوة، و المحرم إنما هو الواقع بشهوة كما عرفت.
و بالجملة فإن هذا الخبر يضعف عن معارضة الأخبار المتقدمة سندا و عددا و دلالة، فيجب التأويل في جانبه لا في جانب تلك الأخبار.
و بما ذكرنا يظهر ضعف الاستناد إلى أصالة الإباحة كما ذكره ابن إدريس لوجوب الخروج عنها بالدليل الدال على التحريم، و قد عرفت ضعف الاستناد إلى الآية فإنها مخصوصة بالأخبار، على أن مجرد الملك لا يقتضي إباحة الوطي فقد يملك من لا يجوز له وطؤها، و الله العالم.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 209 ح 47، الوسائل ج 14 ص 585 ح 3.
512
تذنيبات
الأول [في تعدى التحريم إلى أمها]:
لو قلنا بتحريمها على الأب و الابن كما هو أحد الأقوال المتقدمة، فهل يتعدى التحريم إلى أمها و إن علت، و ابنتها و إن سفلت: فيحرم على المولى نكاحها أم لا، الظاهر أن المشهور الثاني، و بالأول صرح الشيخ في الخلاف و ابن الجنيد (1).
و احتج في الخلاف بإجماع الفرقة و أخبارهم و الاحتياط، و في موضع آخر من الكتاب المذكور خص التحريم بالنظر إلى فرجها، و استدل
بقول النبي (صلى الله عليه و آله) (2) «لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة و ابنتها».
و ما روى
عنه (3) (صلى الله عليه و آله): «من كشف قناع امرأة حرم عليه ابنتها».
و الظاهر أنه عنى بالأخبار هذه الأخبار مع أنها عامية فإنها غير موردة في شيء من أخبارنا.
و العلامة في المختلف قد استدل له
بصحيحة محمد بن مسلم (4) عن أحدهما (عليهما السلام) «عن رجل تزوج امرأة فنظر إلى رأسها و إلى بعض جسدها، أ يتزوج ابنتها؟ قال:
لا، إذا رأى ما يحرم على غيره فليس له أن يتزوج ابنتها».
____________
(1) قال ابن الجنيد: إذا أتى الرجل من زوجته و أمته محرما على غيره كالقبلة و الملامسة و النظر إلى العورة فقد حرمت عليه ابنتها بنسب كانت أو رضاع، و قال الشيخ في الخلاف: اللمس إذا كان بشهوة مثل القبلة أو اللمس إذا كان مباحا أو شبهة ينشر التحريم، و تحرم الام و ان علت و البنت و ان سفلت، و استدل عليه بإجماع الفرقة و أخبارهم و قال في موضع آخر: و إذا نظر الى فرجها تعلق به تحريم المصاهرة، و استدل بإجماع الفرقة و أخبارهم و طريق الاحتياط، ثم ذكر الروايتين المنقولتين في الأصل. (منه- (قدس سره)-).
(2) عوالي اللئالي ج 3 ص 333 ح 222، مستدرك الوسائل ج 2 ص 579 ب 20 ح 6.
(3) عوالي اللئالي ج 3 ص 333 ح 223، مستدرك الوسائل ج 2 ص 579 ب 20 ح 6.
(4) التهذيب ج 7 ص 280 ح 23، الوسائل ج 14 ص 353 ح 1.
513
و رواية أبي الربيع (1) قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) «عن رجل تزوج امرأة فمكث أياما معها لا يستطيعها، غير أنه قد رأى منها ما يحرم على غيره ثم طلقها، أ يصلح له أن يتزوج ابنتها؟ فقال: لا يصلح له و قد رأى من أمها ما رأى».
و رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، و هي مثل رواية أبي الربيع المذكورة.
ثم أجاب عنها بما ذكره الشيخ في كتابي الأخبار من حمل النهي فيها على الكراهة جمعا، أقول: و لا يبعد الحمل على التقية أيضا. و بالجملة فإن الآية الشريفة أعني قوله عز و جل (2) «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ» الصريحة في قصر تحريم البنت على المدخول بالأم، و المس و النظر و نحوهما لا يسمى دخولا، و كذلك الأخبار الكثيرة المتقدمة الصريحة في عدم تحريم البنت إلا مع الدخول بالأم.
و خصوص
صحيحة العيص بن القاسم- (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل باشر امرأة و قبل، غير أنه لم يفض إليها ثم تزوج ابنتها؟ قال: إذا لم يكن أفضى إلى الأم فلا بأس، و إن كان أفضى إليها فلا يتزوج ابنتها».
- صريح في عدم التحريم إلا مع الدخول، مع تأيد هذه الأدلة بأصالة الإباحة.
على أن في الاستدلال بهذه الأخبار خروجا عن محل البحث، فإن مورد هذه الأخبار إنما هو الزوجة، و محل البحث الأمة، و من ذلك يظهر ضعف القول المذكور، و أنه بمحل من القصور لعدم الدليل عليه، و حينئذ فيجب قصر التحريم على الأب و الابن كما تقدم، و الله العالم.
الثاني [في فرض نشر المس و النظر الحرمة هل يتعدي إلى أمها و ابنتها أم لا؟]:
قد نقل جملة من الأصحاب عن المحقق الشيخ فخر الدين في شرح
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 280 ح 24 و فيه «أ يصلح»، الوسائل ج 14 ص 353 ح 2.
(2) سورة النساء- آية 23.
(3) الكافي ج 5 ص 415 ح 2، الوسائل ج 14 ص 322 ح 2.
514
القواعد أنه قال بأن القائلين أن الزنا ينشر حرمة المصاهرة اختلفوا في أن النظر المحرم إلى الأجنبية و المس هل ينشر الحرمة؟ فتحرم به الأم و إن علت، و البنت و إن نزلت أم لا؟ هذا كلامه (رحمة الله عليه).
قال في المسالك: و لم نقف على القائل بالتحريم، و على القول به لا تحرم المنظورة و الملموسة على الفاعل، و إنما نقل الخلاف في أمها و ابنتها، و كيف كان فهو قول ضعيف جدا لا دليل عليه. انتهى.
و مما يدل على بطلان هذا القول
صحيح العيص بن القاسم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل باشر امرأة و قبل، غير أنه لم يفض إليها، ثم تزوج ابنتها قال: إن لم يكن أفضى إلى الأم فلا بأس، و إن كان أفضى إليها فلا يتزوج ابنتها».
و ما رواه
المجلسي في كتاب البحار عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن منصور بن حازم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل كان بينه و بين امرأة فجور، أ يحل له أن يتزوج ابنتها، قال: إن كان قبلة و شبهها فليتزوج بها إن شاء أو بابنتها».
قال:
و روى القاسم بن محمد عن أبان عن منصور (3) مثل ذلك إلا أنه قال:
«فإن جامعها فلا يتزوج ابنتها و ليتزوجها»،.
و في الخبر دلالة على ما ذكره شيخنا المتقدم ذكره من قوله «و على القول به لا تحرم المنظورة و الملموسة على الفاعل».
و المشهور أيضا أنه لو وقع اللمس أو النظر و كذا القبلة بشبهة فإنه لا يحرم و نقل عن الشيخ في الخلاف القول بالتحريم به للام و البنت فساوى بين المباح من هذه الأشياء و بين الشبهة.
قال في الكتاب المذكور: اللمس بشهوة مثل القبلة و اللمس إذا كان مباحا
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 330 ح 14، الوسائل ج 14 ص 322 ح 2.
(2) البحار ج 104 ص 10 ح 25، مستدرك الوسائل ج 2 ص 575 ب 6 ح 4.
(3) البحار ج 104 ص 10 ح 26، مستدرك الوسائل ج 2 ص 575 ب 6 ذيل ح 8.
515
أو بشبهة ينشر التحريم، و تحرم الام و إن علت و البنت و إن نزلت، و استدل بإجماع الفرقة و أخبارهم. انتهى.
و لا ريب في ضعفه كما صرح به جملة من المتأخرين، فإنه مجرد دعوى لا دليل عليها.
الثالث [في عدم جواز لمس الأجنبي للأمة]
المفهوم من كلام جملة من الأصحاب كالعلامة في القواعد و المحقق في الشرائع جواز لمس الأجنبي للأمة في الجملة، و فيه إشكال.
قال في القواعد: و لا خلاف في انتفاء التحريم بما يحل لغير المالك كنظر الوجه و لمس الكف، قال الشارح المحقق: و يستفاد من قول المصنف- ثم نقل العبارة المذكورة- أنه يحل النظر و اللمس المذكوران في الأمة للأجنبي و في حل اللمس تردد. انتهى.
و قال المحقق في الشرائع: فما يسوغ لغير المالك كنظر الوجه و لمس الكف لا ينشر الحرمة.
قال في المسالك: يستفاد منه أيضا أن لمسها جائز في الجملة، و لم يذكروا جوازه بل القائلون بجواز النظر قصروه عليه، عملا بظاهر قوله تعالى (1) «وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا» فإنه يقتضي إباحة نظر محل ذلك، فاللمس باق على أصل التحريم، و صرح بعض الأصحاب بتحريم اللمس مطلقا، و في القواعد في هذا المحل جوز لمس كف الأمة للأجنبي، و جعله المراد مما يحل لغير المالك لمسه، و يمكن حمل عبارة المصنف عليه. انتهى.
أقول: في قوله- و يمكن حمل عبارة المصنف عليه- فيه ما لا يخفى فإن مرجع العبارتين إلى أمر واحد فلا معنى لقوله «و يمكن».
و كيف كان فإن ما ذكراه من جواز اللمس في هذا الموضع لا أعرف عليه دليلا، و غاية ما يستفاد من الأخبار- الدالة على استثناء الوجه و الكفين من العورة
____________
(1) سورة النور- آية 31.
516
بالنسبة إلى بدن المرأة- هو جواز النظر إليهما، و أما اللمس فلم أقف له على دليل، و الله العالم.
ختام:
قد صرح جملة من الأصحاب بأن المحرمات المذكورة في باب المصاهرة بالنكاح الصحيح أو الزنا أو وطئ الشبهة أو النظر و اللمس كما تحرم بالنسب كذلك تحرم بالرضاع، فكل من حرم بالمصاهرة بسبب كالأبوة و البنوة و الأمية و البنتية و نحوها إذا كان من النسب حرم نظيره في الرضاع فيحرم الموطوءة بالعقد على أب الواطئ الرضاعي كما تحرم على أبيه النسبي و إن علا، و ابنه نسبا و رضاعا و إن نزل، و يحرم على الواطئ أمها رضاعا كما تحرم الأم النسبية و إن علت، و هكذا ابنتها لعموم
«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (1).
و لا يقال: إن هذا إنما يحرم بالمصاهرة لا بالنسب، فلا يدخل في عموم الخبر، لأنا نقول: قد بينا في باب الرضاع تفصيل الكلام و شرحه بأوضح بيان في معنى المصاهرة، و أنها على معنيين مصاهرة مبنية على النكاح، و هي راجعة إلى النسب فيحرم بها ما يحرم من النسب، و مصاهرة راجعة إلى الرضاع فلا يترتب عليها تحريم إلا على مذهب القائلين بالتنزيل في الرضاع، و قد أشرنا ثمة إلى بطلانه.
و مما يعضد ما ذكرنا ما رواه
أبو عبيدة الحذاء (2) في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: لا تنكح المرأة على عمتها و لا على خالتها و لا على أختها من الرضاعة».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 437 ح 2 و 3، التهذيب ج 7 ص 292 ح 60، الوسائل ج 14 ص 281 ح 4.
(2) الفقيه ج 3 ص 260 ح 21، الكافي ج 5 ص 445 ح 11، التهذيب ج 7 ص 292 ح 65، الوسائل ج 14 ص 304 ح 1 و ص 300 ح 6.
517
و ما رواه
محمد بن مسلم (1) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل فجر بامرأة، أ يتزوج أمها من الرضاعة أو ابنتها؟ قال، لا».
و التقريب فيه صدق الام و البنت في موضع التحريم على الرضاعيتين كما تصدق على النسبيتين، و هكذا في الأب و الابن و الأخت و العمة و الخالة و نحوها من المحرمات النسبية، و الظاهر أن الحكم موضع وفاق عند كل من قال بالتحريم في المصاهرة. و الله العالم.
المقصد الثاني: فيما يلحق بما تقدم
من المواضع التي أشرنا إليها آنفا من وقوع التحريم فيها زيادة على ما تقدم في المقامات المتقدمة، و قد تقدم ذلك في صدر البحث، و حيث كان التحريم في بعضها جمعا و في بعضها عينا فالكلام هنا يقع في موردين.
[المورد] الأول: فيما يحرم جمعا
و فيه مسائل.
الاولى [في تحريم الجمع بين الأختين في النكاح]
لا خلاف نصا و فتوى في تحريم الجمع بين الأختين في النكاح، و قد تقدمت جملة من الأخبار الدالة على ذلك في التذنيبات التي في آخر المسألة الثانية من المطلب الثاني و سيأتي جملة من الأخبار الدالة على ذلك.
و أما ما روي في شدوذ الأخبار
عن منصور بن الصيقل (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بالرجل أن يتمتع باختين».
فإنه محمول على ما ذكره الشيخ (رحمه الله) من أنه يتمتع واحدة بعد اخرى، لا أنه يجمع بينهما.
و بالجملة فإن الحكم المذكور مما لا خلاف و لا إشكال فيه، و حينئذ فلو تزوجهما فلا يخلو أن يكونا مترتبتين إحداهما بعد الأخرى، أو يقع ذلك في
____________
(1) الكافي ج 5 ص 416 ح 8، التهذيب ج 7 ص 331 ح 19، الوسائل ج 14 ص 325 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 288 ح 47، الاستبصار ج 3 ص 171 ح 1 فيه «بأختين»، الوسائل ج 14 ص 370 ح 2.
518
عقد واحد، فالكلام هنا في موضعين:
(أحدهما) أن يتزوجهما بالترتيب إحداهما قبل الأخرى
. و الذي صرح به الشيخ في النهاية هو بطلان عقد الثانية خاصة، فإن وطأ الثانية فرق بينهما، و لا يرجع في نكاح الاولى حتى تخرج التي وطأها من العدة، و به صرح ابن البراج و ابن زهرة.
و قال ابن إدريس: لا دليل على صحة هذه الرواية، و الذي يقتضيه أصول المذهب أنه لا يمتنع من وطئ امرأته الاولى.
و قال ابن الجنيد، لو تزوج بأخت امرأته و هو لا يعلم فرق بينهما إن كان لم يدخل بالثانية، فإن دخل بالأخيرة خير أيتهما شاء، و لا يقرب التي يختار حتى تنقضي عدة التي فارق، فإن أحب العود إلى التي فارقها لم يكن له أن يعقد حتى يفارق التي كانت في حباله، إما بطلاق بين أو خلع تبين منه عصمتها ثم لا يكون له رجعة عليها أو يموت. انتهى.
أقول: و يدل على القول الأول ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي عن زرارة (1) في الموثق «قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوج بالعراق امرأة ثم خرج إلي الشام فتزوج امرأة أخرى فإذا هي أخت امرئته التي بالعراق، قال: يفرق بينه و بين التي تزوجها بالشام و لا يقرب المرأة حتى تنقضي عدة الشامية، قلت: فإن تزوج امرأة ثم تزوج أمها و هو لا يعلم أنها أمها؟ قال: قد وضع الله عنه جهالته بذلك، ثم قال: إذا علم أنها أمها فلا يقربها و لا يقرب الابنة حتى تنقضي عدة الأم منه، فإذا انقضت عدة الام حل له نكاح الابنة، قلت: فإن جاءت الام بولد؟ قال: هو ولده، و يكون ابنه و أخا امرأته» (2).
____________
(1) الكافي ج 5 ص 431 ح 4، الفقيه ج 3 ص 264 ح 43 التهذيب ج 7 ص 285 ح 40، الوسائل ج 14 ص 368 ح 1.
(2) هذه الرواية عدها في المختلف في الصحيح، ثم اعترض على نفسه بأن في سندها ابن بكير و هو فطحي، ثم أجاب بأن الكشي قد نقل عنه أنه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه.
و لا يخفى عليك ما فيه من التكلف لخروجه عن اصطلاحه، و فيه تأييد لما قدمنا ذكره في الكتاب في غير موضع من خروجهم عن مقتضى اصطلاحهم لضيق الخناق فيه و تسترهم بالأعذار الواهية. (منه- (قدس سره)-).
519
و مما يدل على ما ذهب إليه ابن الجنيد ما رواه
في الكافي عن أبي بكر الحضرمي (1) في الحسن قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل نكح امرأة ثم أتى أرضا فنكح أختها و هو لا يعلم، قال: يمسك أيتهما شاء و يخلي سبيل الأخرى».
و نقل عنه في المختلف أنه استدل أيضا- زيادة على الرواية المذكورة- بأنهما عقدان استباح بهما وطأهما فيتخير لامتناع الجمع، و عدم الأولوية كما في المقارن.
ثم أجاب في المختلف عن الرواية بأنا نقول بموجبها، و المراد: إمساك الأولى بالعقد الثابت المستقر، و إن أراد إمساك الثانية طلق الأولى و ابتدأ العقد على الثانية.
أقول: و بهذا أجاب الشيخ (رحمه الله) عن الرواية المذكورة، و لا يخفى ما فيه من البعد، و المسألة لذلك لا تخلو من شوب الإشكال إلا أنه يمكن ترجيح القول المشهور بأن النهي عن الجمع إنما توجه هنا إلى الأخيرة، و لهذا لو كان عالما بكون الثانية أختا للأولى، فإنه لا خلاف و لا إشكال في بطلان عقدها و حينئذ فصحته ظاهرا قبل العلم لا ينافي بطلانه بعد العلم كما في غيره من نكاح الشبهة.
و مما يؤيد ذلك أيضا
صحيحة محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل
____________
(1) الكافي ج 5 ص 431 ح 2، التهذيب ج 7 ص 285 ح 41، الوسائل ج 14 ص 369 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 430 ح 3، التهذيب ح 7 ص 294 ح 71، الوسائل ج 14 ص 400 ح 1.
520
كان تحته أربع نسوة فطلق واحدة ثم نكح اخرى قبل أن تستكمل المطلقة العدة قال: فيلحقها بأهلها حتى تستكمل المطلقة أجلها، و تستقبل الأخرى عدة اخرى و لها صداقها إن كان دخل بها، فإن لم يكن دخل بها فله ماله و لا عدة عليها، ثم إن شاء أهلها بعد انقضاء عدتها زوجوه، و إن شاؤا لم يزوجوه».
و رواية عنبسة بن مصعب (1) «قال، سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كانت له ثلاث نسوة فتزوج عليهن امرأتين في عقد واحد، فدخل بواحدة منهما ثم مات فقال: إن كان دخل بالمرأة التي بدأ باسمها و ذكرها عند عقد النكاح فإن نكاحها جائز، و لها الميراث و عليها العدة، و إن كان دخل بالمرأة التي سميت و ذكرت بعد ذكر المرأة الأولى فإن نكاحها باطل، و لا ميراث لها و عليها العدة».
و التقريب فيهما دلالتهما على بطلان عقد الخامسة لأنها هي التي توجه إليها النهي، و المسئلتان من باب واحد، إلا أنه يبقى الكلام فيما يحمل عليه حسنة الحضرمي المذكورة، و ليس إلا ما ذكره الشيخ و إن بعد، و احتمال التقية فيه ممكن، سيما من حيث قول ابن الجنيد به.
و مما يؤيد الرواية الأولى أيضا فيما دلت عليه من الأمر بفراق الأخيرة ما رواه
في الكافي مسندا في الصحيح عن محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في أختين نكح إحداهما رجل ثم طلقها و هي جبلي ثم خطب أختها فجمعهما قبل أن تضع أختها المطلقة ولدها؟ فأمره أن يفارق الأخيرة حتى تضع أختها المطلقة ولدها ثم يخطبها و يصدقها صداقا مرتين».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 430 ح 4، التهذيب ج 7 ص 295 ح 72، الوسائل ج 14 ص 403 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 430 ح 1، التهذيب ج 7 ص 284 ح 38، الوسائل ج 14 ص 366 ح 1.
521
و رواه الصدوق في الفقيه (1) مرسلا قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام)» الحديث إلا أن الذي فيه «فنكحها» مكان «فجمعها» و فيه «فأمره أن يطلق الأخرى».
قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقل الخبر كما نقلناه: بيان، «فجمعها» كذا في أكثر النسخ، و الصواب فجامعها، و ربما يوجد في بعض النسخ «فجمعها» و في الفقيه «فنكحها» و هو أوضح، و فيه «فأمره أن يطلق الأخرى» و هو يشعر بصحة العقد على الأخيرة، و يدل عليه إيجاب الصداق مرتين، إلا أن يقال: ذلك لمكان الوطي.
ثم إن صح العقد على الأخيرة، فما الوجه في التفريق ثم الخطبة و تثنية الصداق، و إن جعل- يطلق من الإطلاق و حمل النكاح و الجمع على الوطي، و قيل بإبطال العقد الأول على الأخيرة- صحت النسختان و زال الاشكال. انتهى.
أقول: هذا الخبر قد نقله
شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار من كتاب الحسين بن سعيد (2) بسنده فيه إلى محمد بن قيس هكذا: عن أبي جعفر (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «في أختين نكح إحداهما رجل ثم طلقها و هي حبلى، ثم خطب أختها فنكحها قبل أن تضع أختها المطلقة ولدها، أمره أن يفارق الأخيرة حتى تضع أختها المطلقة ولدها، ثم يخطبها و يصدقها صداقها مرتين».
و هذه الرواية موافقة لرواية الصدوق في لفظة «نكحها» عوض «فجمعها» الذي في رواية الكليني، و موافقة لرواية الكليني في لفظ «المفارقة» دون لفظ «الطلاق» الذي في الفقيه.
و كيف كان فالظاهر بالنسبة إلى المخالفة الاولى أن الحق منهما ما نقله في الفقيه و في كتاب الحسين بن سعيد من لفظ «النكاح» بمعنى الوطي لها.
و يدل عليه أنه هو الذي يترتب عليه المهر كما صرح به في رواية الكافي
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 269 ح 62، الوسائل ج 14 ص 366 ح 1.
(2) البحار ج 104 ح 26 ح 6، مستدرك الوسائل ج 2 ص 580 ب 24 ح 1.
522
أيضا من كون الصداق مرتين، و ذلك لأنه نكاح شبهة موجب للصداق البتة، و بالنسبة إلى المخالفة الثانية هو ما في الكافي و رواية الحسين بن سعيد من لفظ «المفارقة» دون «الطلاق» الذي في رواية صاحب الفقيه.
و يؤيده ما تقدم في رواية زرارة المتضمنة لأمره (عليه السلام) بأن يفرق بينه و بين امرأته الشامية التي هي الأخيرة، و هو الأنسب بالقواعد الشرعية، لأنه لما كان منهيا عنه فهو باطل، و إن لم يأثم لمكان الجهل.
بقي الكلام فيما ذكره ابن إدريس مما قدمنا نقله عنه من تجويز نكاح الاولى قبل أن تخرج الثانية من العدة، ردا على الشيخ فيما ذكره من أنه لا يقرب الاولى حتى تخرج الثانية من العدة.
و ظاهر العلامة في المختلف موافقة ابن إدريس في هذا المقام حيث قال- بعد الكلام في المسألة-: بقي هنا بحث و هو أنه هل يحرم الاولى مدة عدة الثانية؟ ظاهر كلامه في النهاية ذلك، و الوجه الحمل على الكراهة، عملا بأصالة الإباحة، و لوجود المقتضى و هو العقد السابق السالم عن المعارض، و هو تجدد العقد على الأخت، فإنه لا يقتضي تحريما على العلم لقوله (عليه السلام) (1)
«لا يحرم الحرام الحلال».
فكذا مع الجهل، و العدة غير مانعة لأنها ثابتة و الجمع بين الأختين منتف. انتهى.
أقول: و بالجواز على كراهة صرح في القواعد أيضا، و هو ظاهر المحقق الشيخ على في شرحه.
و أنت خبير بأن ما ذكره في المختلف و إن كان جيدا في بادئ النظر إلا أنه عند التأمل في المقام لا يخلو من نظر، فإن الخبر صريح في التحريم كما ادعاه الشيخ خصوصا قوله (عليه السلام) في مسألة نكاح الام على البنت،
«و لا يقرب البنت حتى تنقضي عدة الام منه، فإذا انقضت عدة الام حل له نكاح البنت»،.
و مسألة الأختين و مسألة
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 471 ح 97، الوسائل ج 14 ص 325 ح 12.
523
الام و البنت من باب واحد، و غاية ما يدل عليه كلامه (قدس سره) أنه لا يعرف وجه التحريم في هذا المقام.
و فيه: أن عدم معرفته له لا يدل على العدم، فلعل للتحريم وجها لا تهتدي إليه أبصارنا، فيجب التسليم فيما أمروا و نهوا و إن لم نهتد إلى وجه، و الواجب شرعا هو متابعتهم فيا أمروا و نهوا. لا طلب العلة منهم و بيان الوجه في ذلك، و بالجملة فالظاهر هو ما ذكره الشيخ (رحمة الله عليه) و الله العالم.
تفريع:
لو قلنا ببطلان عقد الأخيرة كما هو أحد القولين فهو ظاهر مع العلم بالمتقدم و المتأخر، أما لو اشتبه ذلك و لم يعلم السابق من اللاحق، فالظاهر هو تحريمهما معا كما هو مقتضى قاعدة الاشتباه بمحصور، لأن إحداهما محرمة يقينا لكنها قد اشتبهت بالأخرى، و بذلك صرح في القواعد أيضا فقال: فلو اشتبه السابق منع منهما، و الأقرب إلزامه بطلاقهما (1).
(الثاني) [ما لو تزوجهما معا في عقد واحد]
من الموضعين المشار إليهما آنفا: ما لو تزوجهما معا في عقد واحد، و قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك، فذهب الشيخ و جمع من الأصحاب منهم ابن البراج و ابن الجنيد إلى أنه يختار أيهما شاء، و كذا في الزائد على الأربع، و اختاره العلامة في المختلف و ذهب ابن إدريس و ابن حمزة إلى بطلان العقد، و إلى هذا القول ذهب المحقق و أكثر المتأخرين.
____________
(1) قال الشارح المحقق (رحمة الله عليه): و الأقرب عند المصنف إلزامه بطلاقهما بأن يجبره الحاكم على ذلك، و وجه القرب أن البقاء على الزوجية موجب للضرر بالنسبة اليه و إليهما، لتعلق أحكام الزوجية و منعه من الاستمتاع، و لان تحصيل البراءة عن حقوق الزوجية واجب، و لا يتم الا بالطلاق، ثم ناقش في ذلك بما هو مذكور ثمة. (منه- (قدس سره)-).
524
و يدل على ما ذهب إليه الشيخ ما رواه
الصدوق في الصحيح عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في رجل تزوج أختين في عقدة واحدة، قال: هو بالخيار يمسك أيتهما شاء، و يخلي سبيل الأخرى،.
و قال في رجل تزوج خمسا في عقدة واحدة: يخلي سبيل أيتهن شاء» و زاد في الكافي «و يمسك الأربع».
و هذه الرواية قد رواها الكليني و الشيخ بطريق فيه ضعف، وردها المتأخرون بذلك، و لكنها كما عرفت قد رويت بطريق صحيح و هي صريحة في المدعى، فلا مجال للطعن فيها بوجه.
احتج القائلون بالبطلان بأن العقد على كل واحدة منهما محرم للعقد على الأخرى و نسبته إليهما على السوية، فلا يمكن الحكم بصحته فيهما لمحذور الجمع، و لا في إحداهما على التعيين لأنه ترجيح من غير مرجح، و لا بغير معينة، لأن الحكم بالإباحة عرض معين فلا بد له من محل جوهري معين يقوم به لأن غير المعين في حد ذاته لا وجود له فإذا بطلت هذه الأحكام لزم الحكم بالبطلان فيهما، و لأن العقد عليهما معا منهي عنه نهيا ناشئا عن عدم صلاحية المعقود عليهما على الوجه المخصوص للنكاح، و إن كانت صالحة بغير هذه الجهة، و النهي على هذا الوجه يقتضي بطلان العقد و إن لم يكن مطلق النهي موجبا لبطلان المعقود، كذا قرره شيخنا في المسالك.
و فيه ما قدمنا لك ذكره في غير موضع من أن الخروج عن مقتضى الروايات- الصحيحة الصريحة في الحكم بمجرد هذه الأدلة العقلية- مجازفة محضة في أحكامه سبحانه، لما عرفته قريبا من أنا مأمورون بالأخذ بأوامرهم (صلوات الله عليهم)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 431 ح 3 و ص 430 ح 5، الفقيه ج 3 ص 265 ح 45، التهذيب ج 7 ص 285 ح 39 و ص 295 ح 73. الوسائل ج 14 ص 367 ح 1 و ص 403 ب 4 ح 1.
525
و نواهيهم و إن لم تدرك أفهامنا غاياتها و عللها، فالخروج عنها بهذه التعليلات العقلية غير جيد، و لهذا إن شيخنا المذكور إنما جنح إلى هذا التعليل لضعف الرواية بناء على نقل الكليني و الشيخ، و حيث اطلع على نقل صاحب الفقيه لها بطريق صحيح عدل إلى العمل بالرواية فقال بعد نقلها: و على هذا فيتجه العمل بمضمونها لصحتها في المسألتين بعد تحقيق الحال من الكتاب، فعندي فيه شبهة تتوقف على المراجعة.
أقول: أراد بالمسألتين مسألة الأختين و مسألة الجمع بين الخمس، و ما ذكره من الشبهة لا أعرف له وجها، فإن الرواية في الفقيه كما ذكره سندا و متنا صحيح، أما المتن فقد عرفته، و أما السند فإن طريق الصدوق إلى ابن أبي عمير- كما ذكره هو (قدس سره) في المسالك أيضا عن محمد بن الحسن عن الحميري عن أيوب بن نوح و إبراهيم بن هاشم و محمد بن عبد الجبار عن محمد ابن أبى عمير- هو في أعلى مراتب الصحة.
و مما يؤيد ذلك تصريحه (عليه السلام) بهذا الحكم في الجمع بين الخمس بعقد واحد و المسألتان من باب واحد، و بما ذكرنا يظهر قوة القول الأول، و الله العالم.
إلحاق [في حكم التزويج بالخمس مترتبا و معا]
الظاهر أن ما تقدم من البحث في الأختين و الخلاف في الموضعين يجري في الخمس، و بذلك صرح في المختلف. فقال: لا يجوز الجمع بين الأختين في العقد و لا بين الخمس، و لا بين اثنتين و عنده ثلاث إجماعا، فإن فعل دفعة قال الشيخ في النهاية: يتخير في أي الأختين شاء و في الزائد على الأربع، و هو قول ابن الجنيد و ابن البراج، ثم نقل قول ابن إدريس المتقدم، و بالجملة فإن المسألتين من باب واحد.
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة ما تقدم في
صحيحة
526
جميل (1) من «أنه متى تزوج خمسا في عقد واحد يخلي سبيل أيتهن شاء».
و هذا حكم الأختين على أحد القولين كما تضمنته الرواية المذكورة أيضا.
و صحيحة محمد بن قيس (2) المتقدمة في الموضع الأول، و هي نظيرة صحيحة المتقدمة أيضا الواردة في الأختين.
و رواية عنبسة بن مصعب (3) المتقدمة أيضا في الموضع الأول، إلا أن هذه الرواية لا تخلو من منافاة لما دلت عليه صحيحة جميل، لأن هذه الرواية قد تضمنت أنه متى عقد على اثنتين دفعة و عنده ثلاث فإن العقد صحيح بالنسبة إلى من قدم اسمها في العقد، و باطل بالنسبة إلى المؤخر اسمها.
و صحيحة جميل دلت على أنه متى جمع الخمس في عقد واحد تخير أيتها شاء، و مقتضاه أنه يتخير أيضا في الاثنتين، إذ لا فرق بين العقد على الخمس دفعة و بين من تزوج اثنتين و عنده ثلاث.
و مقتضى رواية عنبسة أنه يبطل عقد الخامسة التي تأخر ذكر اسمها، و لا أعرف وجها للجمع بينهما إلا أن تحمل صحيحة جميل على كون ذكر الخمس وقع إجمالا لا تفصيلا، بأن قال: زوجتك هذه الخمس نسوة، أو زوجتك الخمس نسوة المعدودات بيني و بينك، و نحو ذلك.
و من روايات الخمس أيضا ما رواه
في الكافي عن زرارة و محمد بن مسلم (4)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 430 ح 5، التهذيب ج 7 ص 295 ح 73، الفقيه ج 3 ص 265 ح 45، الوسائل ج 14 ص 403 ب 4 ح 1 و ص 367 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 430 ح 3، التهذيب ج 7 ص 294 ح 71، الفقيه ج 3 ص 265 ح 46، الوسائل ج 14 ص 400 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 430 ح 4، التهذيب ج 7 ص 295 ح 72، الفقيه ج 3 ص 266 ح 48، الوسائل ج 14 ص 403 ب 5 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 429 ح 1، التهذيب ج 7 ص 294 ح 69، الوسائل ج 14 ص 399 ح 1.
527
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا جمع الرجل أربعا فطلق إحداهن فلا يتزوج الخامسة حتى تنقضي عدة المرأة التي طلق، و قال: لا يجمع الرجل ماءه في خمس».
و عن علي بن أبي حمزة (1) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يكون له أربع نسوة فيطلق إحداهن أ يتزوج مكانها اخرى؟ قال: لا حتى تنقضي عدتها».
و نظير هذين الخبرين في الأختين ما رواه
في الكافي عن زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل طلق امرأته و هي حبلى، أ يتزوج أختها قبل أن تضع؟ قال: لا يتزوجها حتى يخلو أجلها».
و عن علي بن أبي حمزة (3) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طلق امرأة، أ يتزوج أختها؟ قال: لا حتى تنقضي عدتها».
المسألة الثانية [عدم جواز الجمع بين الأختين في الوطي بملك اليمين]
لا خلاف في جواز الجمع بين الأختين في الملك و إن تناوله النهي في ظاهر الآية و هو قوله تعالى (4) «وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ» إلا أن المراد به ما كان بالعقد أو الوطي أو بهما إجماعا، و لا خلاف أيضا في أنه لا يجوز الجمع بينهما في الوطي بملك اليمين و لا الجمع بينهما في النكاح (5) كما تقدم في سابق هذه المسألة.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 429 ح 2، التهذيب ج 7 ص 294 ح 70، الوسائل ج 14 ص 400 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 432 ح 8، التهذيب ج 7 ص 282 ح 44، الوسائل ج 14 ص 371 ب 28 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 432 ح 9، التهذيب ح 7 ص 290 ح 7 ص 290 ح 54، الوسائل ج 14 ص 374 ح 10.
(4) سورة النساء- آية 23.
(5) أقول: و يدل عليه ما سيأتي ان شاء الله تعالى في الرواية الثانية عشر في قوله تعالى «وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلّٰا مٰا قَدْ سَلَفَ» يعني في النكاح. (منه- (قدس سره)-).
528
و حينئذ فإذا ملك أمتين دفعة أو على التعاقب صح الانتقال و الملك إجماعا، و له نكاح أيتهما شاء، فإذا وطأ إحداهما حرمت عليه الأخرى حتى تخرج الاولى عن ملكه، فلو خالف و وطأ الأخرى أيضا فقد أثم، و لا حد عليه من حيث الملك، و إنما يعزر من حيث ارتكاب المحرم كما في كل فاعل محرم.
بقي الكلام في أنه بعد وطئه الثانية فهل تحرم الاولى عليه، أو الثانية، أو هما معا على بعض الوجوه؟ أقوال منتشرة:
الأول: مذهب الشيخ في النهاية و هو انه: إن وطأ الأخرى بعد وطئ الاولى و كان عالما بتحريم ذلك عليه حرمت الاولى عليه حتى تموت الثانية، فإن أخرج الثانية عن ملكه ليرجع إلى الأولى لم يجز له الرجوع إليها، فإن أخرجها عن ملكه لا لذلك جاز له الرجوع إلى الاولى، و إن لم يعلم تحريم ذلك عليه، جاز له الرجوع إلى الأولى على كل حال إذا أخرج الثانية عن ملكه.
هذا لفظ عبارته في الكتاب المذكور، و تبعه القاضي و ابن حمزة و اختاره العلامة في المختلف.
الثاني: قول ابن إدريس، و هو أن الاولى تبقى على الحل و الثانية على التحريم سواء أخرج الثانية عن ملكه أم لا و سواء كان جاهلا بتحريم وطئ الثانية عليه أم عالما، و متى أخرج الأولى عن ملكه حلت له الثانية سواء أخرجها لأجل العود إلى الثانية أم لا.
أما الأول فلأن التحريم إنما تعلق بوطىء الثانية، لأن به حصل الجمع بين الأختين فيستصحب، و
«الحرام لا يحرم الحلال» (1).
و لأصالة بقاء الحل، و تحريم الثانية.
و أما الثاني فلأنه متى أخرج إحداهما عن ملكه لم يبق جامعا بين الأختين لانتفاء سببه، و اختار هذا القول المحقق و العلامة في القواعد، و نقله في المسالك عن الشيخ في المبسوط و أكثر المتأخرين.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 328 ح 9، الوسائل ج 14 ص 325 ح 11.
529
قال ابن إدريس في السرائر: و لا بأس أن يجمع الرجل بين الأختين في الملك، لكنه لا يجمع بينهما في الوطي لأن حكم الجمع بينهما في الوطي حكم الجمع بينهما في العقد، فمتى ملك الأختين فوطأ واحدة منهما لم يجز له وطئ الأخرى حتى يخرج تلك من ملكه بالهبة أو البيع أو غيرهما.
و قد روى أنه «إن وطأ الأخرى بعد وطئه الاولى و كان عالما بتحريم ذلك حرمت عليه الاولى حتى تموت الثانية، فإن أخرج الثانية عن ملكه ليرجع إلى الأولى لم يجز له الرجوع إليها، و إن أخرجها عن ملكه لا لذلك جاز له الرجوع إلى الاولى، و ان لم يعلم بتحريم ذلك عليه جاز له الرجوع إلى الأولى على كل حال إذا أخرج الثانية عن ملكه».
و الرواية بهذا الذي سطرناه لم يوردها في كتابه و تصانيفه إلا القليل من أصحابنا (1).
و الذي يقتضيه أصول المذهب و يقوى في نفسي أنه إذا أخرج إحداهما عن ملكه حلت الأخرى، سواء أخرجها ليعود إلى من هي باقية في ملكه، أو لا يعود، عالما كان بالتحريم أو غير عالم، لأنه إذا أخرج إحداهما لم يكن جامعا بين الأختين بلا خلاف.
فأما تحريم الأولى إذا وطأ الثانية ففيه نظر، فإن كان على ذلك إجماع منعقد أو كتاب أو سنة متواترة رجع إليه، و إلا فلا يرجع عليه إليه، لأن الأصل الإباحة للأولى، و إنما التحريم تعلق بوطىء الثانية بعد وطئه للأولى، لأنه بوطئه للثانية يكون جامعا بين الأختين فكيف تحرم الاولى و هي المباحة الوطي و تحل المحرمة الوطي؟
و قد قلنا: إنها رواية أوردها شيخنا في نهايته إيرادا لا اعتقادا مثل ما أورد
____________
(1) إلا أنه بمضمونها قد وردت عدة روايات في كتب أخبارنا كما سيأتي في الصفحات الاتية.
530
كثيرا من الأخبار في كتابه المشار إليه إيرادا لا اعتقادا. انتهى.
أقول: لا يخفى أن كلامه و إن كان هو الأوفق بمقتضى القواعد العقلية، إلا أن الأخبار على خلافه، و عدم اهتدائه للوجه- فيما دلت عليه من الأحكام و العلة فيها- لا يدل على العدم.
و قال في المختلف- بعد نقل ملخص كلامه و الجواب-: الأدلة غير منحصرة فيما ذكره، و قل أن يوجد شيء منها في الفروع، و الأصل إنما يصار إليه مع عدم دليل يخرج عنه، و لا امتناع في اقتضاء وطئ الثانية تحريم الأولى، فإذا وجدت الروايات خالية من المعارض وجب الحكم به، و ما ذكره استحسان لا يجوز العمل به. انتهى، و هو جيد.
أقول: و من المحتمل قريبا أن يكون تحريم الرجوع إلى الاولى مع العلم و عدم التحريم مع الجهل إنما وقع عقوبة له كما يظهر من الأخبار الاتية، و قوله (عليه السلام) «لا و لا كرامة»، و هذان القولان هما المشهوران في كلام الأصحاب، و الواجب علينا أولا نقل ما وصل إلينا من الأخبار في المقام و الكلام فيها بما يسر الله تعالى فهمه منها ببركة أهل الذكر (صلوات الله و سلامه عليهم).
فأقول: الأول: ما رواه
في الكافي في الحسن أو الصحيح عن الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «و سئل عن رجل كان عنده اختان مملوكتان فوطأ إحداهما ثم وطأ الأخرى؟ قال: إذا وطأ الأخرى فقد حرمت عليه حتى تموت الأخرى قلت: أ رأيت إن باعها أ تحل له الأولى؟ قال: إن كان يبيعها لحاجة و لا يخطر على قلبه من الأخرى شيء فلا أرى بذلك بأسا، و إن كان إنما يبيعها ليرجع إلى الاولى فلا و لا كرامة».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 432 ح 7، التهذيب ج 7 ص 290 ح 53، الفقيه ج 3 ص 284 ح 1، الوسائل ج 14 ص 373 ح 9.
531
الثاني:
عن أبي الصباح الكناني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل عنده اختان مملوكتان فوطأ إحداهما ثم وطأ الأخرى، قال: حرمت عليه الاولى حتى تموت الأخرى، قلت: أ رأيت إن باعها، قال: إن كان إنما يبيعها لحاجته و لا يخطر على باله من الأخرى شيء فلا أرى بذلك بأسا، و إن كان إنما يبيع ليرجع إلى الاولى فلا».
و رواه الصدوق بإسناده عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله.
الثالث:
عن علي بن أبي حمزة (2) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل ملك أختين أ يطؤهما جميعا فقال: يطأ إحداهما، و إذا وطأ الثانية فقد حرمت عليه الاولى التي وطأها حتى تموت الثانية أو يفارقها، و ليس له أن يبيع الثانية من أجل الأولى ليرجع إليها، إلا أن يبيع لحاجة أو يتصدق بها أو تموت».
الرابع: ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن الحلبي (3) في الصحيح بروايتي الشيخين المتقدمين عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال. قلت له: الرجل يشتري الأختين فيطأ إحداهما ثم يطأ الأخرى بجهالة قال: إذا وطأ الأخيرة بجهالة لم تحرم عليه الاولى، و إن وطأ الأخيرة و هو يعلم أنها عليه حرام حرمتا عليه جميعا».
الخامس: ما رواه
في التهذيب عن عبد الغفار الطائي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 431 ح 6، التهذيب ج 7 ص 290 ح 52، الوسائل ج 14 ص 373 ح 9.
(2) الكافي ج 5 ص 432 ح 9، التهذيب ج 7 ص 290 ح 54، الوسائل ج 14 ص 374 ح 10.
(3) التهذيب ج 7 ص 290 ح 55، الكافي ج 5 ص 433 ح 14، الفقيه ج 3 ص 284 ب 138 ح 2، الوسائل ج 14 ص 372 ح 5.
(4) التهذيب ج 7 ص 291 ح 56، الوسائل ج 14 ص 372 ح 6.
532
«في رجل كانت عنده اختان فوطأ إحداهما ثم أراد أن يطأ الأخرى، قال: يخرجها من ملكه، قلت: إلى من؟ قال: إلى بعض أهله، قلت: فإن جهل ذلك حتى وطأها؟ قال: حرمتا عليه كلتاهما» قال في التهذيب «حرمتا عليه جميعا».
يعني به ما دامتا في ملكه، و أما إذا زال ملك إحداهما فقد حلت الأخرى.
السادس:
عن أبي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كانت له اختان مملوكتان فوطأ إحداهما ثم وطأ الأخرى، أ يرجع إلى الأولى فيطأها؟
قال: إذا وطأ الثانية فقد حرمت عليه الاولى حتى تموت، أو يبيع الثانية من غير أن يبيعها من شهوة لأجل أن يرجع إلى الأولى».
السابع:
عن عبد الله بن سنان (2) في الصحيح «قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا كانت عند الرجل الأختان المملوكتان فنكح إحداهما، ثم بدا له في الثانية فنكحها، فليس ينبغي له أن ينكح الأخرى حتى تخرج الاولى من ملكه يهبها أو يبيعها، فإن وهبها لولده يجزيه» (3).
الثامن:
عن معاوية بن عمار (4) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كانت عنده جاريتان اختان فوطأ إحداهما، ثم بدا له في الأخرى، قال:
يعتزل هذه و يطأ الأخرى، قال: قلت: فإنه تنبعث نفسه للأولى، فقال:
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 291 ح 57، الوسائل ج 14 ص 373 ح 7.
(2) التهذيب ج 7 ص 288 ح 48، الوسائل ج 14 ص 371 ح 1.
(3) أقول: ظاهر الرواية الاولى أنه بعد نكاحهما معا لا تحل له الاولى حتى يخرج الثانية عن ملكه لا بقصد العود إلى الاولى، و ظاهر هذه الصحيحة أنه ليس له نكاح الثانية مرة أخرى حتى تخرج الاولى عن ملكه مطلقا، و يحصل من الجميع أن حل أحدهما متوقف على إخراج الأخرى أيتهما كانت. (منه- (قدس سره)-).
(4) التهذيب ج 7 ص 288 ح 49، الوسائل ج 14 ص 371 ح 2.
533
لا يقربها حتى يخرج تلك عن ملكه» (1).
التاسع:
عن علي بن يقطين (2) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن أختين مملوكتين و جمعهما، قال: مستقيم و لا أحبه لك، قال: و سألته عن الام و البنت المملوكتين، قال: هو أشدهما و لأحبه لك».
العاشر:
عن الحلبي (3) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال محمد بن علي (عليهما السلام) في أختين مملوكتين تكونان عند الرجل جميعا قال: قال علي (عليه السلام): أحلتهما آية و حرمتهما آية أخرى، و أنا أنهى عنهما نفسي و ولدي».
الحادي عشر: ما رواه
العياشي (4) في تفسيره عن أبي عون قال: «سمعت أبا صالح الخثعمي قال: قال علي (عليه السلام) ذات يوم: سلوني، فقال ابن الكوا، أخبرني عن بنت الأخ من الرضاعة و عن الأختين المملوكتين، فقال: إنك لذاهب في النية
____________
(1) أقول: هذه الموثقة لا تخلو من الإجمال، و لعل الأقرب في معناها ان معنى قوله «بدا له في الأخرى» أنه أراد نكاحها فقال (عليه السلام): إذا أراد أن ينكحها يعتزل مدة يعني الاولى، و المراد من اعتزالها الكناية عن فراقها و إخراجها عن ملكه، فإذا أخرجها وطئ الأخرى و هي الثانية، فقال له الراوي: «انه تنبعث نفسه للأولى» فقال (عليه السلام): لا يقرب الاولى حتى يخرج الثانية عن ملكه و لا نكاح الاولى حتى يخرج الثانية عن ملكه، و يكون الخبر حينئذ جامعا بين ما دلت عليه الاخبار السابقة من توقف حل الثانية على إخراج الاولى، و أما حمل الاعتزال على ظاهر معناه كما هو ظاهر المسالك فظني بعده لخروجه بذلك عما دلت عليه الاخبار المذكورة. (منه- (قدس سره)-).
(2) التهذيب ج 7 ص 288 ح 50، الوسائل ج 14 ص 372 ح 4.
(3) التهذيب ج 7 ص 289 ح 51، الوسائل ج 14 ص 372 ح 3.
(4) تفسير العياشي ج 1 ص 232 ح 79، الوسائل ج 14 ص 374 ح 12.
ففيهما «أبا صالح الحنفي».
534
سل ما يعينك أو ما ينفع، فقال ابن الكوا: إنما نسألك عما لا نعلم، فأما ما نعلم فلا نسألك عنه، ثم قال: أما الأختان المملوكتان أحلتهما آية و حرمتهما آية، و لا أحله و لا احرمه، و لا أفعله أنا و لا أحد من أهل بيتي».
الثاني عشر:
عن عيسى بن عبد الله (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن أختين مملوكتين ينكح إحداهما، أ تحل له الأخرى فقال: ليس ينكح الأخرى إلا فيما دون الفرج، و إن لم يفعل فهي خير له نظير تلك المرأة تحيض فتحرم على زوجها أن يأتيها في فرجها لقول الله عز و جل «وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ» و قال «و أن تجمع بين الأختين إلا ما قد سلف» يعني في النكاح فيستقيم للرجل أن يأتي المرأة و هي حائض فيما دون الفرج».
هذا ما حضرني من روايات المسألة، و أنت خبير بأنها قد اتفقت كلها على أنه بنكاح الثانية بعد أن نكح الاولى تحرم عليه الاولى حتى يفارق الثانية لا لقصد الرجوع إلى الاولى، و أكثرها مطلق في تحريم الاولى.
و الخبر الرابع قيد ذلك بالعلم، فلو وطأ الثانية جاهلا بتحريم وطئها لم تحرم عليه الاولى، و ما أطلق منها في حل الاولى- بإخراج الثانية عن ملكه أعم من أن يكون بقصد الرجوع إلى الأولى أو لا بهذا القصد- مقيد بما دل على اشتراط أن لا يكون بقصد الرجوع إلى الاولى، و بذلك يظهر لك ضعف القول المشهور.
و قولهم أن الاولى تبقى على الحل- سواء أخرج الثانية عن ملكه أم لا.
و سواء كان جاهلا بتحريم وطئ الثانية عليه أم لا، و تمسكهم في ذلك بما عرفت من الدليل المتقدم نقله عنهم- فإنه اجتهاد محض في مقابلة النصوص و جرأة تامة على أهل الخصوص.
____________
(1) تفسير العياشي ج 1 ص 232 ح 78، الوسائل ج 14 ص 374 ح 11. ففيهما «أَنْ تَجْمَعُوا».
535
نعم بقي كلام في أن أكثر الأخبار إنما صرح بتحريم الاولى بعد وطئ الثانية من غير تعرض لحكم الثانية، بل ظاهرها اختصاص التحريم بالأولى إلى أن تموت الثانية أو يخرجها من ملكه لا بقصد العود للأولى.
و حينئذ فيشكل الجمع بينهما و بين الرواية الرابعة، و ذلك فإنه إن حملت تلك الروايات باعتبار دلالتها على اختصاص التحريم بالأولى على صورة الجهل، فالمنافاة لتلك الروايات ظاهرة لتصريحها بعدم تحريم الاولى في صورة الجهل.
و إن حملناها على صورة العلم فالمنافاة أيضا موجودة، فإن صريح الرواية المذكورة تحريمها معا، و هذه الروايات كما عرفت ظاهرها اختصاص التحريم بالأولى خاصة، فالمنافاة حاصلة على كل حال.
و التحقيق أن يقال: إنه لا شك في دلالة تلك الروايات على تحريم الاولى و أما بالنسبة إلى الثانية فغايتها أن تكون مطلقة، إذ لا صراحة و لا ظهور في الاختصاص بالأولى دون الثانية، و أن الثانية لا تحرم، و من الممكن بل هو الظاهر أن عدم التصريح بتحريم الثانية إنما هو من حيث معلومية تحريمها قبل وطؤها بمجرد وطئ الاولى لما عرفت من أنه بوطىء إحداهما تحرم عليه الأخرى اتفاقا نصا و فتوى، فتحريمها لما كان معلوما لم يحتج إلى تنبيه عليه.
و أما الأولى فإنها محللة و إنما عرض لها التحريم بوطىء الثانية، فلذلك احتيج إلى التنبيه إلى تحريمها، فقد عرفت مما قدمناه وجوب تقييد إطلاق تلك الروايات- من حيث دلالتها بإطلاقها على تحريم الاولى سواء كان وطؤ الثانية عن علم أو جهل- بتلك الرواية الدالة على تخصيص تحريم الاولى بصورة العمد، و حينئذ فتحريم الاولى في تلك الأخبار مخصوص بصورة العلم.
و قد تلخص من ذلك أنه متي وطأ الثانية عالما بتحريم ذلك عليه حرمتا معا، أما الأولى فلما عرفت من دلالة الأخبار على ذلك بعد حمل مطلقها على مقيدها و أما الثانية فلثبوت التحريم لها قبل وطئها بعد وطئ الاولى، فتكون باقية على
536
التحريم مدة بقائها في الملك، و متى وطأها جاهلا فظاهر الخبر الرابع عدم تحريم الاولى، و ظاهر الخبر الخامس تحريمهما معا.
و الشيخ قد جمع بينهما بحمل الخبر الرابع على ما إذا أخرج الثانية عن ملكه كما يشير إليه كلامه في النهاية الذي قدمناه، و الخبر الخامس- كما تقدم نقله عنه في ذيل الخبر المذكور- على مدة بقائهما في ملكه.
و أما إذا أخرج إحداهما عن ملكه فقد حلت الأخرى، و لا يخفى ما فيه من البعد، فإن ظاهر الرواية الاولى هو أنه مع الجهل لا تحرم عليه مطلقا و إن لم يخرج الثانية عن ملكه.
و ما حمل عليه الرواية الثانية- من أنه في صورة الجهل حرمتا كلتاهما ما دامتا في الملك- يجري في صورة العلم، فإنهما في صورة العلم- التي دلت الرواية الرابعة على أنهما تحرمان معا- مخصوص بمدة بقائهما في الملك أيضا فلو أخرج إحداهما عن ملكه فالظاهر أنه لا قائل بالتحريم للباقية، و حينئذ فلا فرق في هذا الحكم بين صورة العلم و الجهل.
و هكذا الكلام فيما حمل عليه الرواية الرابعة حيث قيد حل الاولى مع الجهل بما إذا أخرج الثانية عن ملكه، فإن هذا الحكم حكم العالم أيضا كما عرفت، فأي فرق هنا بين العلم و الجهل.
و بالجملة فإن الظاهر أنه بإخراج إحداهما عن ملكه لا بقصد الرجوع إلى الأخرى بعد وطئهما معا تحل له الباقية، سواء كان وطؤ الثانية عن علم أو جهل إذ المحرم هو جمعهما في النكاح و الوطي بعقد كان ذلك أو ملك، و بإخراج إحداهما يزول السبب الموجب للتحريم.
و المسألة عندي هنا محل إشكال لاختلاف الروايتين المذكورتين في صورة الجهل و عدم استقامة جمع الشيخ المذكور لما عرفت فيه من القصور، و لعله لقصور فهمي السقيم و فتور ذهني العقيم.
537
و أما ما دل عليه الخبر التاسع من جواز الجمع بين الأختين على كراهة، كما يشير إليه قوله «مستقيم و لا أحب لك» فحمله الشيخ على الجمع في الملك دون الوطي و علل الكراهة بأنه ربما تشوقت نفسه إلى وطئها فيفعل ذلك فيصير مأثوما.
و فيه أنه لم يقم لنا دليل على كراهية الجمع في الملك و الحمل عليه يحتاج إلى دليل من خارج، و الظاهر هو أن المراد إنما هو الجمع في الوطي، و لكن الخبر خرج مخرج التقية كما يظهر من الخبر العاشر و الحادي عشر.
و أما ما دل عليه الخبر العاشر من قوله (عليه السلام) «أحلتهما آية و حرمتهما آية» فقال الشيخ «رحمة الله عليه»: عنى بالمحللة آية الملك (1)، و المحرمة آية الوطي (2)، و النهي إما على التحريم و أراد به الوطي أو الكراهة و أراد به الجمع.
و الظاهر بعد ما ذكره (قدس سره) بل عدم صحته، لأن الخبر صريح في تعارض الآيتين بحسب الظاهر و اتحاد مورد الحكمين، مع أنه لم يثبت كراهة الجمع في الملك كما عرفت.
و الأظهر أن المراد بالآية المحللة إنما هي قوله عز و جل (3) «وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ»، و الآية المحرمة قوله تعالى (4) «وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ» المراد به الجمع في النكاح اتفاقا، و عليه يدل الخبر الثاني عشر، فمورد الحل و الحرمة ليس إلا الوطي خاصة.
و الظاهر أنه إلى هذا أشار في الاستبصار حيث قال بعد الوجه الذي قدمنا
____________
(1) أما آية الملك فهي قوله «أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ».
(2) و أما آية الوطي فهي قوله عز و جل «وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ».
(منه- (قدس سره)-).
(3) سورة المؤمنون- آية 5 و 6.
(4) سورة النساء آية- 23.
538
نقله عنه: و يمكن أن يكون قوله (عليه السلام) «أحلتهما آية» أي عموم الآية و ظاهرها يقتضي ذلك، و كذلك قوله «و حرمتهما آية» أي عموم الآية يقتضي ذلك، إلا أنه إذا تقابل العمومان على هذا الوجه ينبغي أن يخص أحدهما بالآخر ثم بين بقوله «أنا أنهى عنهما نفسي و ولدي» ما يقتضي تخصيص إحدى الآيتين و تبقية الأخرى على عمومها.
و قد روي هذا الوجه عن أبي جعفر (عليه السلام)، روى ذلك
علي بن الحسن بن فضال (1) ثم ساق سنده إلى يحيى بن بسام قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عما يروي الناس عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أشياء من الفروج لم يكن يأمر بها و لا ينهى عنها إلا نفسه و ولده، فقلت: كيف يكون ذلك؟ قال: أحلتها آية و حرمتها آية أخرى فقلنا:
هل الآيتان تكون إحداهما نسخت الأخرى؟ أم هما محكمتان ينبغي أن يعمل بهما؟ فقال: قد بين لهم إذ نهى نفسه و ولده قلنا: ما منعه أن يبين ذلك للناس؟
قال: خشي أن لا يطاع، فلو أن أمير المؤمنين ثبتت قدماه أقام كتاب الله كله و الحق كله».
انتهى.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن في المسألة قولين آخرين شاذين مجهولي القائل ليس في التعرض لذكرهما كثير فائدة لعدم الدليل عليهما، أشار إليهما المحقق في النافع و ذكر في المسالك أيضا أنه لم يعرف القائل بهما و لا نقلهما غير المصنف، و أن المشهور- بين نقلة الخلاف- القولان المتقدمان خاصة، ثم تكلف للاستدلال لهما بما لا يخلو من تكلف و تعسف.
و قال الشيخ في التهذيب (2) و متى كان عند الرجل اختان مملوكتان فوطأ إحداهما ثم وطأ الأخرى و هو عالم بأن ذلك حرام عليه، فإنه يحرم عليه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 556 ح 8، التهذيب ج 7 ص 463 ح 64، الوسائل ج 13 ص 301 ح 8.
(2) التهذيب ج 7 ص 289 ذيل ح 51.
539
الاولى حتى يخرج الأخيرة من ملكه.
ثم استدل عليه بالرواية الثانية و الاولى و الثالثة ثم قال: و متى وطأ الثانية و هو لا يعلم تحريم ذلك لم تحرم عليه الاولى، ثم استدل له بالرواية الرابعة و الخامسة، و ذيل الخامسة بما قدمنا نقله عنه ذيلها من التأويل.
وعد شيخنا الشهيد الثاني في المسالك هذا قولا خامسا في المسألة باعتبار إطلاق كلام الشيخ (رحمه الله) أن خروج الثانية عن ملكه موجب لتحليل الاولى و إن كان بقصد العود إلى الاولى، و هو خلاف تفصيله في النهاية.
أقول: و يؤيده أنه في النهاية قيد حل الاولى مع الجهل بإخراج الثانية عن ملكه، و هنا أطلق و لم يقيده بذلك.
و يمكن أن يجاب عن ذلك بأن إطلاق الشيخ في عبارته مع وجود هذه القيود في أدلة المذكورة دليل على إرادتها، و إلا فدليله لا يطابق دعواه، و به يبطل القول المذكور لخلوه من الدليل، فالظاهر هو حمل كلامه على إرادة هذه القيود التي تضمنتها رواياته، و على هذا يرجع إلى قوله المتقدم نقله عن كتاب النهاية.
و كلام شيخنا الشهيد الثاني هنا في المسالك ظاهر في التوقف و الاشكال في المسألة، حيث إنه نقل أخبارها على غير وجهه، و بعضا طعن في سنده مع صحته فنقل الرواية الثانية بغلط في متنها و اعترضها بأنها متهافتة المتن.
و نقل الرواية الرابعة من التهذيب و اعترضها بضعف السند، و أنها بسبب ذلك لا تصلح لتخصيص تلك الأخبار المطلقة، و غفل عن سندها في الكافي و الفقيه، فإنه صحيح كما قدمنا ذكره، و حصل له نوع توقف و إشكال في المقام بسبب ذلك، و هو ناش عن الغفلة في الموضعين.
ثم إنه قال في آخر البحث و نعم ما قال: و اعلم أن الأخبار على كثرتها قد اشتركت في الحكم بتحريم الأولى مع علم الواطئ بالتحريم، فالقول ببقائها على الحل و إطراح جملة هذه الأخبار و إن ضعف طرقها مشكل، و اشتركت أيضا في أن إخراج الثانية لأبنية العود إلى الأولى يحللها، و هذا أيضا لا شبهة فيه.
540
و بقي ما لو أخرج الأولى عن ملكه، فإنه يحلل الثانية قطعا لزوال المقتضي للتحريم و هو الجمع.
و بقي الإشكال في حل أيتهما كان مع بقائهما على ملكه، و ينبغي التوقف فيه إلى أن يظهر المرجح، و طريق الاحتياط لا يخفى. انتهى.
أقول: قوله- و إن ضعف طريقها- مبني على ما نقله في الكتاب المذكور، و إلا فقد عرفت أن فيها الصحيح و الحسن بإبراهيم بن هاشم الذي لا يقصر عن الصحيح و الموثق و غيرهما.
و أما قوله- و بقي ما لو أخرج الأولى عن ملكه، فإنه يحلل الثانية قطعا- فإن فيه أن هذا ظاهر صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة، إلا أنه لم ينقلها في المسالك فهو مستفاد من الأخبار حينئذ.
و أما قوله- و بقي الإشكال في حل أيتهما إلى آخره- فلا يخلو من إشكال فإنك قد عرفت أن الحكم بجمع الأختين في الوطي مما اتفقوا على تحريمه بعقد كان أو ملك، و قد صرحت الأخبار كما صرحوا به أيضا أنه متى وطأ إحداهما بعد ملكه لهما حرمت عليه الثانية، و توجه المنع إليها، فلا يجوز له وطئوها.
للزوم الجمع المنهي عنه، و على هذا فلو وطأهما معا و ارتكب المحرم بوطىء الثانية بعد الأولى فإنهما يحرمان عليه معا ما دامتا في ملكه و إن حل تملكها، إلا أن وطئهما محرم عليه، فلا يجوز له وطؤ واحدة منهما إلا أن يخرج الأخرى عن ملكه.
فما ذكره من الإشكال- في حل أيتهما ما دامتا في ملكه- لا أعرف له وجها، بل الظاهر هو تحريمهما معا ما دامتا في الملك لما وقع عليه الاتفاق نصا و فتوى من تحريم الجمع في النكاح، و هو يحصل بنكاح إحداهما فإنه يحرم عليه الثانية، فكيف فيما إذا نكحهما معا تحل له إحداهما حتى أنه يتوقف في أيتهما يعني الأولى أو الثانية.
و بالجملة فإن قضية تحريم الجمع عدم حل واحدة منهما بعد وطئ
541
إحداهما فضلا عن وطئهما معا إلا مع إخراج إحداهما عن الملك لزوال سبب التحريم، و الله العالم.
تذنيب: لو وطأ أمته بالملك ثم تزوج نسبا أو رضاعا
، قال الشيخ: يصح التزويج و تحرم الموطوءة بالملك ما دامت الزوجة في حباله لعموم (1) «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ» قالوا: و ليس مطلق الجمع بين الأختين محرما، فإن اجتمعتا في الملك ليس محرما قطعا و إن كان الملك يجوز الوطي، و لأن النكاح أقوى من الوطي بملك اليمين فإذا اجتمعتا قدم الأقوى، و إنما كان أقوى لكثرة ما يتعلق به من الأحكام التي لا تلحق الوطي بالملك، مضافا إلى أن الغرض من الملك المالية فلا ينافي النكاح، فعلى هذا تحرم الموطوءة بالملك ما دامت الثانية زوجته.
و ظاهر المحقق في الشرائع التردد في ذلك، قال في المسالك: و وجهه أن الوطي يصير الأمة فراشا للحوق الولد به، فلم يجز أن يرد النكاح على فراش الأخت، كما لا يرد نكاح الأخت على نكاح أختها، و لأنه فعل في الأخت ما ينافي إباحة أختها المفترشة، فلم يجز كالوطئ ثم قال: و أجيب ببطلان القياس مع وجود الفارق فإن النكاح أقوى من الوطي بملك اليمين.
أقول: لا يخفى ما في هذه التعليلات العليلة من الوهن، و عدم الصلاح لتأسيس الحكم الشرعي، و المستفاد من الأدلة هو تحريم الجمع بين الأختين في الوطي بعقد نكاح كان أو ملك، أعم من أن تستوي الأختان في الأول أو الثاني أو تختلفا كما هو محل البحث.
و تعليل تقديم النكاح على الملك- بما ذكروه من أن النكاح أقوى لكثرة ما يتعلق به من الأحكام- مجرد دعوى لا تسمع إلا مع الدليل، فإن الأحكام
____________
(1) سورة النساء- آية 24.
542
الشرعية مبنية على التوقيف بالسماع من حامل الشريعة، و لا تثبت على مجرد هذه الخيالات العقلية و التخرصات الوهمية.
فكما أنه لو جمع بينهما في العقد حرمتا جميعا على التفصيل المتقدم، و كذا لو جمعهما في نكاح الملك فكذا هنا، هذا مقتضى الأصول و القواعد الشرعية و أما الاستناد إلى الآية فقد عرفت أنها مخصصة بما لا تحصى من الأحكام، فالاعتماد في الاستدلال على مثل ذلك مجازفة.
ثم قال في المسالك أيضا على أثر الكلام المتقدم: و لو انعكس الفرض بأن تزوج الأمة ثم ملك أختها و وطأها فعل حراما، و لم يقدح ذلك في صحة النكاح، و لا يجب إخراج الموطوءة عن ملكه، للأصل، و لأن الأقوى يدفع الأضعف. انتهى.
أقول: لا ريب في صحة النكاح هنا لوقوعه أولا كما لو تزوج الأختين مرتبا، فإنا قد قدمنا أن عقد الاولى صحيح، لكن يبقى الإشكال في ملك الأخت الثانية و وطئها، فهل يجب به إخراجها عن ملكه، كما يجب في المملوكتين لتحل الاولى له و يجوز له وطئوها و إلا للزم الجمع المحرم، أو لا يجب و إن حرم وطئوها بناء على أن الوطي في الأمة بمنزلة العقد في الحرمة.
و توضيحه: أنك قد عرفت أنه لا يمتنع الجمع بين الأختين في الملك، و إنما يمتنع في الوطي به، فلو ملكهما معا فلا إشكال، و لو وطئ إحداهما حصل تحريم الجمع بخلاف الحرة، فإن الممتنع هو الجمع في العقد، و الجمع في الوطي في الإماء كالجمع بالعقد في الحرائر، فكما أن الحرة تحل أختها بطلاقها المزيل للعقد المحرم، فالأمة تحل أختها بترك وطئها المنزل منزلة العقد و إن لم يخرجها عن الملك، فإنه بترك الوطي تكون مملوكة غير فراش، و الجمع في الملك غير محرم و كيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال، و الله العالم.
المسألة الثالثة: هل يجوز الجمع بين اثنين من ولد فاطمة (عليهما السلام) أم لا؟
أقول: هذه المسألة لم يحدث فيها الكلام إلا في هذه الأعصار الأخيرة، و إلا فكلام
543
المتقدمين من أصحابنا (رضوان الله عليهم) و المتأخرين خال من ذكرها و التعرض لها، و قد اختلف فيها الكلام و كثر فيها النقض و الإبرام بين علماء عصرنا و من تقدمه قليلا، فما بين من جزم بالتحريم، و من جزم بالحل، و من توقف في ذلك.
و الأصل في هذه المسألة ما رواه
الشيخ في التهذيب عن علي بن الحسن بن فضال عن السندي بن الربيع عن ابن أبي عمير (1) عن رجل من أصحابنا قال: «سمعته يقول لا يحل لأحد أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمة (عليها السلام) أن ذلك يبلغها فيشق عليها، قلت: يبلغها؟ قال: أي و الله».
و رواه
الصدوق في كتاب العلل عن محمد بن على ماجيلويه عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن حماد (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الحديث».
فممن جزم بالتحريم في هذه المسألة المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (عطر الله مرقده) و الشيخ الفقيه الشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني (قدس الله روحه)على ما وجدته بخط والدي (طيب الله تعالى مرقده) حيث قال بعد نقل هذا الخبر برواية الصدوق: قد نقل هذا الحديث بهذا السند الفقيه النبيه الشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني (قدس سره) و قال عقيب ذكره ما صورته:
يقول كاتب هذه الأحرف جعفر بن كمال الدين البحراني: هذا الحديث صحيح و لا معارض له فيجوز أن يخصص به عموم القرآن، و يكون الجمع بين الشريفتين من ولد الحسن و الحسين (عليهما السلام) في النكاح حراما. انتهى. كلامه (قدس سره).
و هذا الحديث ذكره الشيخ في التهذيب أيضا إلا أن سنده فيه غير صحيح.
و هذا الشيخ كما ترى قد نقله بهذا السند الصحيح على الظاهر، و لا نعلم من أين
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 463 ح 63، الوسائل ج 14 ص 387 ح 1.
(2) علل الشرائع ج 2 ص 590 ب 385، من نوادر العلل ح 38.
544
أخذه (قدس سره) و لكن كفى به ناقلا. و كتب الفقير أحمد بن إبراهيم. انتهى كلام والدي (طيب الله ثراه و جعل الجنة مثواه).
و أقول: إنه قد أخذه من كتاب العلل، و لكن الوالد لم يطلع عليه و ليته كان حيا فأهديه إليه، و ممن مال إلى العمل بالخبر المذكور المحدث الفاضل المولى محمد جعفر الأصفهاني المشهور بالكرباسي صاحب الحواشي على كتاب الكفاية ذكر ذلك في كتاب النوادر حيث قال- بعد نقل الخبر المذكور بطريقي الشيخين المذكورين- ما هذا لفظه: أقول: فيه دلالة على عدم جواز الجمع بين ثنتين من ولد فاطمة (عليها السلام) و لم أجد معارضا لها حتى يحمل ذلك على الكراهة، و ظاهرها حرمة الجمع، و الأحوط ترك الجمع و تخصيص العمومات بها، إلا أنه لا بد من العلم بكونهما من ولد فاطمة (عليها السلام). انتهى.
و أما شيخنا علامة الزمان و نادر الأوان الشيخ سليمان البحراني (قدس سره) فقد اختلف النقل عنه في هذه المسألة، فإني وجدت بخط بعض الفضلاء الموثوق بهم نقلا من خطه (عطر الله مرقده) بعد نقل الخبر المذكور ما صورته: و مال إلى العمل به بعض مشايخنا و هو متجه لجواز تخصيص عمومات الكتاب بالخبر الواحد الصحيح، و إن توقفنا في المسألة الأصولية، و لا كلام في شدة المرجوحية و شدة الكراهة انتهى.
و نقل تلميذه المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح (عطر الله مرقده) في كتاب منية الممارسين في أجوبة مسائل الشيخ ياسين عنه التوقف، حيث قال بعد ذكر المسألة المذكورة: و كان شيخنا علامة الزمان يتوقف في هذه المسألة و يأمر بالاحتياط فيها حتى إني سمعت من ثقة من أصحابنا أنه أمره بطلاق واحدة من نسائه لأنه كانت تحته فاطميتان، و نقل عنه أنه يرى التحريم إلا أني لم أعرف منه غير التوقف.
ثم قال (قدس سره) بعد كلام في البين: إلا أني بعد في نوع حيرة و اضطراب
545
و دغدغة و ارتياب فانا في المسألة متوقف و الاحتياط عندي لازم.
و قد سألني بعض الاخوان المتورعين عن هذه المسألة سابقا و كان مبتلى بها حيث إنه جامع بين فاطميتين فكتبت له جوابا يشعر بالتوقف و الأمر بالاحتياط، فامتثل ما كتبته و طلق واحدة، و لا شك أن هذا طريق السلامة و السلوك في مسالك الاستقامة، نسأل الله الوقوف عند الشبهات و التثبت عند الزلات. انتهى.
أقول: أما ما نقله عن شيخه العلامة من التوقف فإنه لا ينافي الجزم عنه بالتحريم كما نقلناه و نقله هو عن ذلك الرجل لجواز أن يكون صار إلى التحريم بعد التوقف أو بالعكس، و ما ذهب إليه هو (قدس سره) من التوقف فإنما أراد في الفتوى بالتحريم و إن كان يقول بتحريم الجمع من حيث الاحتياط كما أشار إليه بقوله: و الاحتياط عندي فيها لازم.
و ذلك لأن الأحكام عند أصحابنا الأخباريين ثلاثة، حلال بين، و حرام بين، و شبهات بين ذلك، و الحكم عندهم في موضع الشبهة وجوب الاحتياط، و ليس الفرق بينه و بين من قدمنا نقل القول عنه بالتحريم إلا من حيث المستند، و إلا فالجميع متفقون على تحريم الجمع في المسألة.
و الظاهر أن منشأ توقف شيخنا المذكور عدم وقوفه على رواية الصدوق للخبر في العلل بالسند الصحيح المذكور، فإنه إنما نقل الخبر برواية الشيخ و أطال الكلام في سنده نقضا و إبراما لأجل إثبات صحته بطريق المتأخرين إلا أنه (قدس سره) من متصلبي الأخباريين لا يرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث، فتوقفه هنا غريب لا أعرف له وجها وجيها.
و لبعض الأفاضل المعاصرين (1) اعتراضات عديدة على كلامه في كتاب منية الممارسين قد أجاد فيها بما أدس، و هو كلام طويل واسع لا يسع المقام نقله إلا
____________
(1) هو الفاضل المحقق السيد عبد الله بن السيد نور الدين السيد نعمة الله الشوشتري الجزائري قدس الله أسرارهم جميعا) في أجوبة المسائل الجبلية. (منه- (قدس سره)-).
546
أنه قال في آخره- بعد نقل الرواية بطريق الصدوق في العلل و الكلام في السند- ما ملخصه. و الصحيح أنه من الصحيح، مأخوذا من كتاب ابن أبي عمير أو من تأخر عنه، و على هذا فيلزم على المجتهدين العاملين بالآحاد الصحاح العمل بها، إلا من قصر العمل على الكتب الأربعة فيبقى الإلزام على العاملين بما عداها من الكتب المشهورة مثل شيخنا البهائي (رحمه الله عليه) و موافقيه.
و كذا يلزم العمل بها على هذا الفاضل و من وافقه في جواز تخصيص الكتاب و السنة بخبر الواحد الصحيح، كما صرح به فيما تقدم، فلا وجه لتوقفه في الحكم، و هل هذا إلا تسليم للقياس و منع للنتيجة.
قوله- فالشيخ محمد الحر جار على أصله- كلام مقبول، لكني لا أعلم ما الذي ثبط (1) هذا الفاضل عن موافقته، مع أنه يحذو حذوه في أكثر الأبواب الأصلية و الفرعية؟ ثم ما الذي أرجع الشيخ محمد الحر عن فتياه هذه في وسائل الشيعة؟ حيث تصدى لتأويل الرواية فقال بعد ما نقلها: قد ورد حصر المحرمات في النكاح و إباحة ما عداها في القرآن و الحديث، و هذا يمكن أن يحمل على كون البنتين أختين، أو على الكراهة مع الجور عليهما أو على إحداهما في القسم، لتعليله أنه يشق على فاطمة (عليها السلام) بعد الموت و ذلك بحسب الطينة البشرية في النساء و لم يذكر أنه يؤذيها، بل هو أعم، و لم يذكر أنه يشق على الرسول و الأئمة (صلوات الله عليهم)، و ذلك لا يدل على التحريم مع ما تقدم و مع القرينة.
انتهى كلامه.
أقول: إلى هنا كلام الفاضل المشار إليه آنفا و هو جيد وجيه كما سيظهر لك إن شاء الله بما لا يخفى على الفطق النبيه، و هو ظاهر بل صريح في قوله بالخبر المذكور، إلا أن ما نقله- عن الشيخ محمد الحر- من الكلام الدال على رجوعه، و تأويله
____________
(1) ثبطه عن الأمر و ثبطه تثبيطا: قعد به عن الأمر و شغله عنه و منعه تخذيلا و نحوه (المصباح المنير ج 1 ص 110).
547
الخبر بما ذكره- عجب عجيب فإن نسخ الوسائل التي عندنا خالية من ذلك و إنما الذي فيه أنه قال: باب حكم الجمع بين ثنتين من ولد فاطمة (عليها السلام)، ثم نقل الرواية بطريق الشيخ، ثم قال: محمد بن علي بن الحسين في العلل عن محمد ابن علي ماجيلويه، ثم ساق السند إلى حماد كما تقدم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول، و ذكر مثله.
هذا صورة ما في كتاب الوسائل الذي حضرني، و الظاهر أن ما نقله الفاضل المذكور حاشية كتبت على الكتاب المذكور لبعض الناظرين في الجواب، فظن أنها من أصل الكتاب، أو نسخها الناسخ بناء على ذلك فليراجع الكتاب من أحب الوقوف على تحقيق الحال.
ثم أقول: و الظاهر من نقل الصدوق الخبر المذكور و جموده عليه و عدم تعرضه للقدح هو القول بمضمونه، كما هو المعهود من طريقته و المألوف من عادته و إن كان ذكره هنا إنما هو من حيث الاشتمال على العلة بالمشقة في المنع، فإن المعلوم من عادته في كتبه و مصنفاته أنه لا ينقل من الأخبار إلا ما يعتمده و يحكم بصحته متنا و سندا و يفتي به.
و إذا أورد ما هو بخلاف ذلك نبه على العلة فيه و ذيله بما يشعر بالطعن في متنه أو سنده، و هذا المعنى و إن لم يصرح به إلا في الفقيه، إلا إن المتتبع لكتبه و مؤلفاته و الناظر في جملة مصنفاته لا يخفى عليه صحة ما ذكرناه، و حيث إن هذا الكلام مما يكبر في صدور القاصرين سيما المعاصرين فيقابلونه بالإنكار و الصد و الاستكبار، فلا بأس لو أرخينا العنان للقلم في الجري في هذا الميدان بنقل جملة من المواضع الدالة على ما ذكرناه ساعة من الزمان و إن طال به زمام الكلام، فإنه أهم المهام.
فنقول: من المواضع المذكورة ما صرح به في باب العلة التي من أجلها حرم على الرجل جارية ابنه و أحل له جارية ابنته (1)، فإنه أورد خبرا يطابق
____________
(1) العلل ص 525 ب 303 طبع النجف الأشرف، الوسائل ج 14 ص 545 ح 8.
548
هذا العنوان، و يدل على جواز نكاح جارية الابنة لأن الابنة لا تنكح، ثم قال عقيبه، قال مؤلف هذا الكتاب و ساق الكلام إلى أن قال: و الذي أفتى به أن جارية الابنة لا يجوز للأب أن يدخل بها.
و منها في باب علة تحصين الأمة الحر (1) فإنه أورد خبرا يدل على أن الأمة يحصل بها الإحصان، ثم قال بعده قال: محمد بن علي رضي الله عنه مصنف هذا الكتاب: جاء هذا الحديث هكذا فأوردته كما جاء في هذا الموضع لما فيه من ذكر العلة، و الذي أفتى به و اعتمد عليه ما حدثني به محمد بن الحسن ثم ساق جملة من الأخبار الدالة على أن الحر لا تحصنه المملوكة.
و منها في باب العلة التي من أجلها صار وقت المغرب إذا ذهب الحمرة من المشرق (2) ثم أورد الخبر بذلك، ثم أردفه بأخبار دالة على التحديد بغروب الشمس و غيبوبة القرص، ثم قال: قال محمد بن على مؤلف الكتاب: إنما أوردت هذه الأخبار على أثر الخبر الذي في أول هذا الباب، لأن الخبر احتجت في هذا المكان لما فيه من ذكر العلة، و ليس هو الذي أقصده من الأخبار التي رؤيتها في هذا المعنى، و أوردت ما أقصده و أستعمله و أفتي به على أثره، ليعلم ما أقصده من ذلك.
و منها في باب علة منع شرب الخمر في حال الاضطرار (3)، فإنه أورد خبرا يدل على أن المضطر لا يجوز له أن يشرب الخمر، و قال بعده: قال محمد بن علي بن الحسين مصنف هذا الكتاب: جاء هذا الحديث هكذا كما أوردته، و شرب الخمر في حال الاضطرار مباح الى آخر كلامه.
و منها في باب العلة التي من أجلها جعلت أيام منى ثلاثة أيام (4) فإنه أورد
____________
(1) العلل ص 511 ب 285 طبع النجف الأشرف، الوسائل ج 18 ص 352 ح 2.
(2) العلل ص 549 ب 60 طبع النجف الأشرف، الوسائل ج 3 ص 126 ح 3.
(3) العلل ص 478 ب 227 طبع النجف الأشرف، الوسائل ج 17 ص 277 ح 13.
(4) العلل ص 450 ب 204 طبع النجف الأشرف، الوسائل ج 9 ص 58 ح 7.
549
حديثا يدل على أن من أدرك شيئا من أيام منى فقد أدرك الحج، ثم قال: قال محمد بن علي مصنف هذا الكتاب جاء هذا الحديث هكذا، فأوردته في هذا الموضع لما فيه من ذكر العلة، و الذي أفتي به و أعتمده ما حدثنا به شيخنا محمد بن الحسن، ثم ساق الخبر بما يدل على تخصيص إدراك الحج بإدراك المشعر قبل الزوال، و عرفة قبل الزوال.
و منها في باب العلة التي من أجلها تجزئ البدنة عن نفس واحدة، و تجزى البقرة عن خمسة، (1) فإنه أورد خبرا بهذا المضمون، ثم قال بعده: قال مصنف هذا الكتاب: جاء هذا الحديث هكذا فأوردته لما جاء فيه من ذكر العلة، و الذي أفتي به و أعتمد به و أن البقرة و البدنة يجزيان عن سبعة نفر إلى آخره.
و منها في حديث ورد فيه أن من بر الولد أن لا يصوم تطوعا و لا يحج تطوعا و لا يصلي تطوعا إلا بإذن أبويه، و إلا كان قاطعا للرحم، (2) ثم قال بعده: قال محمد بن علي مؤلف هذا الكتاب: جاء هذا الخبر هكذا، و لكن ليس للوالدين على الولد طاعة في ترك الحج تطوعا كان أو فريضة إلى آخره.
و نحو ذلك في باب العلة التي من أجلها لا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتت، (3) و في باب العلة التي من أجلها قال هارون لموسى (عليهما السلام): «يا بن أم لا تأخذ بلحيتي و لا برأسي» (4) إلى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع، فكلامه ذيل هذه الأخبار و سكوته في سائر المواضع أدل دليل على ما قلناه.
____________
(1) العلل ص 440 ب 184 طبع النجف الأشرف، الوسائل ج 10 ص 116 ح 18.
(2) العلل ص 385 باختلاف يسير طبع النجف الأشرف، الوسائل ج 7 ص 396 ح 2.
(3) العلل ص 341 ب 42 طبع النجف الأشرف، الوسائل ج 3 ص 591 ح 1.
(4) العلل ص 68 ب 58 طبع النجف الأشرف.
550
و منها أنه قال في كتاب عيون أخبار الرضا (1) بعد نقل حديث في سنده محمد بن عبد الله المسمعي ما صورته: قال مصنف هذا الكتاب: كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه سيئ الرأي في محمد بن عبد الله المسمعي راوي هذا الحديث، و إنما أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب لأنه كان في كتاب الرحمة و قد قرأته عليه فلم ينكره و رواه لي. انتهي.
أقول: و هذا الكلام ظاهر بل صريح في أنه لا يخرج شيئا من الأخبار في كتبه إلا و هو صحيح عنده لا يعتريه في صحته شك و لا شبهة، و متى كان غير ذلك نبه عليه ذيل الخبر.
و منها ما في الفقيه (2) في باب من أفطر أو جامع في شهر رمضان بعد أن أورد خبرا يتضمن أن من جامع امرأته و هو صائم و هي صائمة أنه إن كان أكرهها فعليه كفارتان و إن كان طاوعته فعليه كفارة ما صورته: قال مصنف هذا الكتاب:
لم أجد ذلك في شيء من الأصول، و إنما تفرد بروايته علي بن إبراهيم بن هاشم.
و منها في كتاب الغيبة بعد أن أورد حديثا عن أحمد بن زياد قال: قال مصنف هذا الكتاب لم أسمع هذا الحديث إلا من أحمد بن زياد بعد منصرفي من حج بيت الله الحرام، و كان رجلا ثقة دينا، إلى آخره.
و منها في الكتاب المذكور بعد نقل حديث عن علي بن عبد الله الوراق قال: قال مصنف هذا الكتاب: لم أسمع هذا الحديث إلا عن علي بن عبد الله الوراق، و وجدته بخطه مثبتا فسألته عنه فرواه لي عن سعد بن عبد الله عن أحمد ابن إسحاق كما ذكرته.
____________
(1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 20 طبع النجف الأشرف، الوسائل ج 18 ص 81 ح 21.
(2) الكافي ج 7 ص 242 ح 12، التهذيب ج 10 ص 145 ح 5، الفقيه ج 2 ص 73 ح 6، الوسائل ج 7 ص 37 ب 12 ح 1.
551
و في هذه المواضع الثلاثة دلالة على أن جميع أخباره التي ينقلها ساكتا عليها موجودة في الأصول العديدة ثابتة الصحة عنده مروية من طرق عديدة، و إذا ضممت هذه المواضع بعضا إلى بعض عرفت أن نقله لهذا الخبر و كذا غيره من الأخبار التي يجمد عليها ليس إلا لأنها صحيحة صريحة معمول عليها عنده و معتمد عليها لديه.
ثم أقول: ظاهر الشيخ القول بهذا الخبر و نحوه و إن لم يصرح بالحكم بخصوصه، حيث إنه في كتاب العدة و صدر كتاب الاستبصار قد صرح بأن الخبر إذا لم يكن متواترا أو تعرى عن إحدى القرائن الملحقة له بالتواتر فإنه خبر واحد، و يجوز العمل به إذا لم يعارضه خبر آخر و لم يعلم فتوى الأصحاب على خلافه، و هذا الخبر كما ترى ليس له معارض فيما دل عليه، و لم يقع من أحد من الأصحاب فتوى بخلافه فيجوز العمل به حينئذ.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن المانع من هذا الحكم إما أن يتطرق نزاعه إلى سند الخبر المذكور أو متنه، فأما السند فالكلام فيه مفروع منه على رأينا في عدم العمل بهذا الاصطلاح المحدث، و مع التسليم فإن الرواية صحيحة بنقل الصدوق كما هو المشهور بين الأصحاب من عد أخبار هؤلاء المذكورين في الصحيح، عن أبان بن عثمان الذي ربما ناقش في صحة خبره من لا يلتفت إليه و لا يعول عليه كما لا يخفى على الممارس، و محمد بن علي ماجيلويه الذي هو من عمد مشايخ الإجازة و قد عد حديثهما في الصحيح العلامة و غيره في غير موضع.
و أما متن الخبر فإنه لا يخفى أن قوله- لا يحل من الألفاظ الصريحة في التحريم- إذ هو المتبادر منه عند الإطلاق و التبادر إمارة الحقيقة، كما صرح به محققو الأصوليين، و يؤكده التعليل بالمشقة، و أن ذلك يشق عليها (صلوات الله عليها)، و من الظاهر البين أن الأمر الذي يشق عليها يؤذيها، و إيذاؤها محرم بالاتفاق، لأنه إيذاء لرسول الله (صلى الله عليه و آله) بالخبر المتفق عليه بين الخاصة
552
و العامة
«فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما يؤذيها» (1).
و لو قيل: إن لفظ «لا يحل» قد ورد في مواضع عديدة بمعنى الكراهة، فلا يكون نصا في التحريم لما رواه
الكليني و الصدوق (2) «عطر الله مرقديهما» عنه (صلى الله عليه و آله) «قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله و اليوم الآخر أن تدع عانتها فوق عشرين يوما».
مع أن ذلك غير واجب بالإجماع.
و حينئذ فيمكن حمل الخبر المذكور على ذلك، و إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال كما ذكروه، و لفظ «المشقة» لا يستلزم الإيذاء، و حينئذ فلا ينهض الخبر دليلا على التحريم.
قلنا: لا يخفى عن الفطن- اللبيت و الموفق المصيب و من أخذ القواعد الشرعية و الضوابط المرعية بأدنى نصيب- أن الواجب هو حمل الألفاظ على حقائقها متى أطلقت، و إنما تحمل على مجازاتها بالقرائن الحالية أو المقالية لا بمجرد التخرص و التخمين، إذ لو ساغ ذلك لبطلت جملة القواعد الشرعية، و اختلت تلك الأحكام النبوية، و من الظاهر لمتتبع الأحكام أن لفظ «لا يحل» من الألفاظ الصريحة في التحريم حيثما يطلق إلا مع قرينة خلافه.
و من أمثلته القرآنية قوله تعالى «لٰا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسٰاءَ كَرْهاً (3)» و قوله «لٰا يَحِلُّ لَكَ النِّسٰاءُ مِنْ بَعْدُ» (4) و قوله «فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» (5) و قوله «لٰا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لٰا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ» (6).
____________
(1) العلل ص 186 طبع النجف الأشرف؟ اما الأحاديث العامة فراجع الغدير ج 7 ص 231.
(2) الكافي ج 6 ص 506 ح 11، الفقيه ج 1 ص 67 ح 36، الوسائل ج 14 ص 439 ح 1.
(3) سورة النساء- آية 19.
(4) سورة الأحزاب- آية 52.
(5) سورة البقرة- آية 230.
(6) سورة الممتحنة- آية 10.
553
و أما السنة فأكثر من أن يأتي عليه قلم الإحصاء أو يدخله العد و الاستقصاء و العرف العام و الخاص من أقوى الدلائل التي لا يناضلها مناضل.
و أما حديث العانة فإن الحمل على الكراهة إنما وقع من حيث القرينة الدالة على ذلك، و هي أولا ما دل على استحباب حلقها من الأخبار و الإجماع و أن تركها مكروه.
و ثانيا قوله في الخبر «مَنْ كٰانَ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» فإنه يؤذن بأن ترك العانة المدة المذكورة مناف لكمال الايمان، و هذا معنى الكراهة و القرينة موجودة في الخبر.
و أما قوله- و إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال- فكلام شعري و إلزام جدلي، و تخريج سوفسطائي لا يصح النظر إليه و لا التصريح في مقام التحقيق عليه، و إلا لانسد بذلك باب الاستدلال و اتسعت دائرة القيل و القال، و انفتح باب الخصام و الجدال، إذ لا قول إلا و لقائل فيه مقال، و لا دليل إلا و للمنازع فيه مجال فإن باب المجاز أوسع من أن ينتهي إلى حد أو يدخل أفراده الحصر و العد و إن تفاوتت قربا و بعدا و ظهورا و خفاء، و للزم بذلك انسداد باب إثبات الصانع و النبوة و الإمامة، و قامت الحجة لأصحاب الملل و المخالفين فيما يبدونه من التأويلات في الأدلة التي تقيمها الشيعة و البراهين، بل الحق الحقيق بالقبول هو ما صرح به جملة من علماء الأصول من أن المدار في الاستدلال على النص و الظاهر، و لا يلتفت إلى الاحتمال في مقابلة شيء منها.
نعم ربما يصار إليه في مقام تعارض الأدلة و أرجحية المعارض فإنه يرتكب التأويل و الاحتمال جمعا بين الأدلة و إن كان خلاف الظاهر كما هو مطرد بينهم.
و أما قوله- إن لفظ المشقة لا يستلزم الإيذاء- فهو كلام ناش عن عدم التأمل في المقام و التدبر لما ذكره العلماء الاعلام في هذا المقام فإنه لا يخفى أن المشقة لغة بمعنى الثقل و الشدة و الصعوبة فيقال أمر شاق: أي شديد ثقيل صعب.
554
و قال في القاموس (1): شق عليه الأمر شقا صعب، و قال ابن الأثير في النهاية (2) و فيه
«لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء»:.
أي لو لا أن أثقل عليهم من المشقة و هي الشدة.
و قال المفسرون في قوله عز و جل «وَ مٰا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ» (3):
أي لأحملك من الأمر ما يشتد عليك.
و قال الهروي في كتاب الغربيين: قوله تعالى (4) «لَمْ تَكُونُوا بٰالِغِيهِ إِلّٰا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ» قال قتادة: أي بجهد النفس.
أقول: و إن كانت المشقة كما ذكره هؤلاء الأعلام عبارة عن هذا المعنى و هو الذي ذكروه، و هو ما يصعب تحمله و يشتد على النفس تحمله و القيام به و يبلغ به الجهد، فكيف لا تكون مستلزما للأذى، مع أن الأذى إنما هو الضرر اليسير كما صرح به في القاموس مثل التهديد و الغيبة و نحو ذلك.
و قد صرح المفسرون في قوله سبحانه (5) «لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلّٰا أَذىً» أي ضررا يسيرا، و على هذا فيكون الأذى إنما هو أقل مراتب المشقة، فكيف لا تكون لازما للمشقة؟ و هل يشك عاقل في أن من وقع في شدة و أمر صعب لا يتأذى بذلك؟ و لكن من منع ذلك إنما بنى على مقتضى هواه و عقله بغير ارتياب، من غير مراجعة لكلام العلماء في هذا الباب فضل عن سواء الطريق و أوقع نفسه و غيره في لجج المضيق.
لا يقال: هذا الخبر قد روته العلماء في كتبهم و اطلع عليه الفضلاء منهم
____________
(1) قاموس المحيط ج 3 ص 258.
(2) النهاية ج 2 ص 491.
(3) سورة القصص- آية 27.
(4) سورة النحل- آية 7.
(5) سورة آل عمران آية- 111.
555
و لم يصرح أحدهم بما دل عليه من هذا الحكم في محرمات النكاح من الكتب الفروعية كما صرحتم به، بل أعرضوا عن التعرض له بالكلية، و لو كان ذلك حقا لذكروه و في مصنفاتهم سطروه.
لأنا نقول: هذا القائل إما أن يسلم ما ذكرناه من صحة الخبر و صراحته كما نقوله أم لا؟ و على الثاني يكون الكلام معه في إثبات الدليل و صحته و صراحته، و هذا خارج عن موضع السؤال فلا وجه لهذا السؤال حينئذ، و على الأول فإن كلامه هذا مردود بما صرح به غير واحد من العلماء المحققين، منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك في غير موضع من الكتاب المذكور من جواز مخالفة الفقيه لما يدعونه من الإجماع إذا قام الدليل على خلافه، فكيف لو لم يكن ثمة إجماع و لا قائل بخلافه بالكلية، فإنه قال في مسألة ما لو أوصى له بأبيه فقبل الوصية بعد الطعن في الإجماع: و بهذا يظهر جواز مخالفة الفقيه المتأخر لغيره إذا قام له الدليل على ما يقتضي خلافهم، و قد اتفق ذلك لهم كثيرا، و لكن زلة المتقدم متسامحة بين الناس دون المتأخرين. انتهى.
و قد قدمنا كلامه بطوله في كتاب الوصايا، و حينئذ فإذا شاع مخالفتهم في المسائل الإجماعية مع أن الإجماع عندهم أحد الأدلة الشرعية متى قام الدليل على خلاف ذلك الإجماع، فكيف لا يجوز القول بما لم يتعرضوا له نفيا و لا إثباتا إذا قام الدليل عليه، و مجرد رؤيتهم الخبر و روايتهم الخبر و روايتهم له في كتب الأخبار مع عدم ذكرهم حكمه في الكتب الفروعية لا يصلح لأن يكون دليلا على رد ذلك الخبر و لا ضعفه، مع عدم تصريحهم بالرد و التضعيف و بيان الوجه فيه، فكم خبر رووه و لم يتعرضوا للتنبيه على حكمه في الكتب الفروعية، و هل هذا الكلام إلا مجرد تمويه على ضعفة العقول، و من ليس له قدم ثابت في معقول و منقول.
على أنه لا يشترط عندنا في الفتوى بحكم من الأحكام تقدم قائل به من
556
متقدمي العلماء الأعلام، كما صرح به جملة من محققي أصحابنا، و إن ادعاه شذوذ منهم.
نعم المشهور بينهم اشتراط عدم مخالفة الإجماع على ما عرفت فيه من عدم ما يوجب الالتفات إليه و السماع، و كيف و لو تم هذا الشرط لما اتسعت دائرة الخلاف و تعدد الأقوال في المسائل الشرعية على ما هي عليه الآن، كما لا يخفى على ذوي الإنصاف، حتى أنك لا تجد حكما من الأحكام إلا و قد تعددت فيه أقوالهم كما لا يخفى على من راجع كتاب المختلف، و هذه الأقوال كلها تجددت بتجدد العلماء عصرا بعد عصر.
و قد نقل بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) انحصار الفتوى زمن الشيخ (رحمة الله عليه) فيه، و كذا ما بعد زمانه و لم يبق إلا حاك عنه و ناقل، حتى انتهت النوبة إلى ابن إدريس ففتح باب الطعن على الشيخ و الخلاف له، ثم اتسع الباب و انتشر الخلاف، فإذا كان الأمر كذلك فكيف استجاز هذا القائل المنع من الفتوى بشيء لم يتعرض له الأصحاب نفيا و لا إثباتا إذا قام الدليل الشرعي عليه، هذا.
و ممن جرى على هذا المنوال الذي جرينا عليه في هذا المقال المحدث الكاشاني (قدس سره) فإنه صرح في المفاتيح بتحريم كتابة القرآن على المحدث
لصحيحة علي بن جعفر أن أخيه (1) موسى (عليه السلام) «أنه سأله عن الرجل أ يحل له أن يكتب القرآن في الألواح و الصحيفة و هو على غير وضوء؟ قال: لا».
مع اعترافه بأنه لم يجد به قائلا، و هذه الرواية التي أفتى بمضمونها و أعتمد عليها بمرأى و منظر من العلماء قبله، مع أنه لم يصرح أحد بما دلت عليه و لم يقل بما دلت عليه قائل، و لم ير ما ذكره هذا القائل مانعا له عن القول بما دلت عليه، و لا موجبا للطعن على القائل المذكور بما ذهب إليه.
و هذا المحدث الأمين الأسترآبادي (عطر الله مرقده) في حواشيه على
____________
(1) البحار ج 10 ص 277 ط جديد، التهذيب ج 1 ص 127 ح 36، الوسائل ج 1 ص 270 ح 4.
557
كتاب المدارك على ما وجدته بخطه صرح بعدم العفو عن نجاسة دم الغير و إن كان أقل من درهم، إلحاقا له بدم الحيض،
لمرفوعة البرقي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «دمك أنظف من دم غيرك، إذا كان في ثوبك شبه النضح من دمك فلا بأس، و إن كان من دم غيرك قليلا كان أو كثيرا فاغسله».
و لم يقل بمضمون هذه الرواية أحد قبله مع أن الرواية مذكورة في كتب الأصحاب إلى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع الماهر و الخبير الباهر.
فإن قيل: إن عمومات الآيات مثل قوله سبحانه «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ» (2) و قوله «وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ» (3) و قوله «فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ» (4) و كذلك عمومات السنة مخالفة لهذا الخبر، و هو قاصر عن معارضتها، و العمل عليها أرجح، و القول بها أولى.
قلنا: هذا القائل أيضا إما أن يوافقنا على صحة هذا الخبر و صراحته فيما ندعيه أو لا؟ و على الثاني فكلامه هذا لا وجه له، بل الواجب عليه أن يقول هذا الخبر غير صحيح و لا صريح فيما تدعونه فيكون محل البحث هنا.
و على الأول فكلامه هذا ساقط أيضا لاتفاق أجلاء الأصحاب و معظمهم قديما و حديثا على تخصيص عمومات الكتاب و السنة و تقييد مطلقاتهما بالخبر الصحيح الصريح تعدد أو اتحد، و ها نحن نتلو عليك جملة من تلك المواضع إجمالا.
فمنها مسألة التخيير في المواضع الأربعة بين القصر و الإتمام مع دلالة الآية و الأخبار على وجوب التقصير على المسافر مطلقا.
و منها مسألة الحبوة. و دلالة الآيات و الروايات على أن ما يخلفه الميت
____________
(1) الكافي ج 3 ص 59 ح 7، الوسائل ج 2 ص 1028 ح 2.
(2) سورة النساء- آية 24.
(3) سورة النور- آية 32.
(4) سورة النساء- آية 3.
558
يقسم على جميع الورثة على الكتاب و السنة، مع استثناء أخبار الحبوة لتلك الأشياء المخصوصة و اختصاص أكبر الولد بها.
و منها منع من ثبت له الإرث بالآيات و الروايات من الوالد و الولد و الزوجة و نحوهم بالموانع المنصوصة من القتل و الكفر و الرقية و اللعان، فإنه لا خلاف في منعهم مع دلالة الآيات و الروايات على إرثهم مطلقا.
و منها ميراث الزوجة غير ذات الولد على المشهور، و مطلقا على المختار، فإن مقتضى إطلاق الآيات و الروايات على إرثها من كل شيء من عينه منقول أو غير منقول، مع دلالة الأخبار، و بها قال الأصحاب على الحرمان من الرباع على التفصيل المذكور في محله.
و منها قولهم بعد نشر حرمة الرضاع بين الأجنبيين إذا ارتضعا من امرأة مع تعدد الفحل لأخبار دلت على ذلك، مع دلالة الآية و هي «وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ» (1) و جملة من الأخبار على نشر الحرمة بذلك.
و منها مسألة الخمس و دلالة الآية و الروايات الكثيرة على وجوب إخراجه مع دلالة جملة من الأخبار على السقوط مطلقا، أو بخصوص الأرباح.
و منها ميراث زوجة المريض إذا طلقها في مرضه و خرجت من العدة فإنها ترثه إلى سنة، مع دلالة الآيات و الروايات على أن الميراث لا يكون إلا بسبب أو نسب، و هذه بعد الخروج من العدة تصير أجنبية.
إلى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها الماهر البصير، و لا ينبئك مثل خبير.
و حينئذ فإذا ثبت جواز تخصيص عمومات الكتاب و السنة بالخبر الصحيح في هذه المواضع و نحوها، فما المانع منه فيما نحن فيه لولا زيغ الأفهام و زلل الإقدام في ميدان النقض و الإبرام.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن ما يفهم من كلام شيخنا المحدث الصالح المتقدم
____________
(1) سورة النساء- آية 23.
559
ذكره و ما نقله عن شيخه العلامة (أجزل الله إكراهما في دار الإقامة) من أن المخرج من هذه المسألة بعد عقده على اثنتين أنه يطلق واحدة فإنه لا يخلو من إشكال، لا شعاره بصحة عقد الثانية.
و التحقيق أن هذه المسألة مثل مسألة الجمع بين الأختين حذو النعل بالنعل، و حينئذ فالمخرج منها هنا كما تقدم ثمة، و هو أنه يفارق الثانية، و إن طلقها فهو أولى و أحوط و يتجنب الاولى حتى تخرج الثانية من العدة، و إن أراد الثانية اعتزلها و طلق الاولى. و متي خرجت من العدة عقد الثانية عقدا مستأنفا.
و الله العالم بحقائق أحكامه.
المسألة الرابعة [حكم نكاح الأمة لمن لا يجد الطول إلى نكاح الحرة و خشي العنت]
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في أنه يجوز للحر نكاح الأمة لمن لا يجد الطول إلى نكاح الحرة و خشي العنت، و الصبر أفضل، و بذلك صرحت الآية في قوله عز و جل (1) «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنٰاتِ الْمُؤْمِنٰاتِ فَمِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ مِنْ فَتَيٰاتِكُمُ الْمُؤْمِنٰاتِ- إلى قوله- ذٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَ أَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ».
و الطول لغة: الزيادة و الفضل، و المراد هنا الزيادة في المال على وجه يتمكن من المهر و النفقة و لو بالقوة كأصحاب الحرف، إلا أن الظاهر من بعض الروايات الآتية التخصيص بالمهر، و هو الأقرب، فإن الرزق مضمون.
و العنت لغة: المشقة الشديدة، و المراد به هنا المشقة باعتبار تحمل ضرر العزوبة أو الوقوع في الزنا الذي تؤدي إليه غلبة الشهوة الحيوانية عليه و إنما الخلاف فيما إذا فقد أحد الشرطين المذكورين على أقوال ثلاثة.
أحدها: التحريم و الظاهر أنه المشهور بين المتقدمين ذهب إليه الشيخ في المبسوط و الخلاف و ابن البراج و ابن الجنيد و ابن أبي عقيل و الشيخ المفيد.
و ربما ظهر من عبارة ابن أبي عقيل دعوى الإجماع على ذلك، حيث قال:
____________
(1) سورة النساء- آية 25.
560
لا يحل للحر المسلم عند آل الرسول (صلى الله عليه و آله) أن يتزوج الأمة متعة و لا نكاح إعلان إلا عند الضرورة، و هو إذا لم يجد مهر حرة و ضرت به الغروبة و خاف على نفسه منها الفجور، و إذا كان كذلك حل له نكاح الأمة.
و إذا كان يجد السبيل إلى تزويج الحرة و لم يخش على نفسه الزنا الحرام لم يحل له أن يتزوج الأمة متعة و لا إعلانا، فإن تزوجها على هذه الحال فالنكاح باطل، قال الله تعالى «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنٰاتِ الْمُؤْمِنٰاتِ» يعني الحرائر «فَمِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ مِنْ فَتَيٰاتِكُمُ الْمُؤْمِنٰاتِ» يعني الإماء ثم قال «ذٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ» و العنت الزنا، فأحل تزويج الإماء لمن لا يجد طولا أن ينكح الحرائر و حرم نكاحهن على واجدي الطول.
و قد أجاز قوم من العامة تزويج الإماء في حال الضرورة و غير الضرورة لو أجدى الطول و غير واحدي الطول، و كفى بكتاب الله عز و جل ردا عليهم دون ما سواه، انتهى.
و هؤلاء القائلون بالتحريم منهم من قال بصحة العقد مع المخالفة و إنما يأثم خاصة، و به صرح الشيخ المفيد و ابن البراج، و ظاهر الباقين البطلان و هو صريح عبارة ابن أبي عقيل المذكورة، و سيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.
و ثانيهما: الجواز علي كراهة، و هو مذهب الشيخ في النهاية و ابن حمزة و ابن إدريس و المحقق و العلامة، و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين.
و ثالثها: تحريم الأمة لمن عنده حرة خاصة، نقله الشيخ في الخلاف قولا في المسألة، و الذي يدل على القول الأول ظاهر الآية المتقدمة، و التقريب فيها أنه تعالى شرط في نكاح الإماء عدم الطول، لأن «من» للشرط، و شرط خوف العنت بقوله «ذٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ» و المشروط عدم عند عدم شرطه، و يدل على ذلك الأخبار الكثيرة.
561
و منها ما رواه
الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) «قال سألته عن الرجل يتزوج المملوكة؟ قال: لا بأس إذا اضطر إليها».
و رواه بطريق آخر
في الموثق عن محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يتزوج المملوكة؟ قال: إذا اضطر إليها فلا بأس».
و ما رواه
في الكافي عن زرارة بن أعين (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتزوج الأمة؟ قال: لا، إلا أن يضطر إلى ذلك».
و عن أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الحر يتزوج الأمة؟ قال: لا بأس إذا اضطر إليها».
و التقريب فيها ثبوت البأس مع عدم الضرورة و هو يقتضي التحريم، لأن المراد بالبأس المنفي هو التحريم، و قد دل الخبر على ثبوته مع انتفاء الضرر، و إذا ثبت اشتراط الجواز بذلك كان مخصصا لعموم الآيات التي استدل بها المجوزون و رافعا للاضل الذي استندوا إليه أيضا، استدل القائلون بالقول الثاني بالأصل و عموم قوله تعالى «وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ» (5) و قوله «وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ» (6) و قوله «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ» (7).
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 421 ح 8، الوسائل ج 15 ص 87 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 334 ح 2، الوسائل ج 14 ص 392 ح 6.
(3) الكافي ج 5 ص 360 ح 6، الوسائل ج 14 ص 391 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 359 ح 1، التهذيب ج 7 ص 334 ح 1، الوسائل ج 14 ص 391 ح 4.
(5) سورة النور- آية 32.
(6) سورة البقرة- آية 221.
(7) سورة النساء- آية 24.
562
و يؤيده ما رواه
في الكافي عن يونس بن عبد الرحمن (1) عنهم (عليهم السلام) قال: «لا ينبغي للمسلم الموسر أن يتزوج الأمة إلا أن لا يجد حرة» الحديث.
و عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا ينبغي للحر أن يتزوج الأمة و هو يقدر على الحرة».
و عن ابن بكير (3) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا ينبغي أن يتزوج الرجل الحر المملوكة اليوم، إنما كان ذلك حيث قال الله عز و جل (4) «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا»،. و الطول المهر، و مهر الحرة اليوم مثل مهر الأمة أو أقل»
و هذه الرواية هي التي أشرنا إليها آنفا بأنها تدل على أن الطول عبارة عن ملك المهر خاصة.
و التقريب في هذه الروايات أنه عبر فيها بلفظ «ينبغي» و هو ظاهر في الكراهة و أجاب في المختلف- حيث اختار الجواز- عن الآية بأنها تدل من حيث المفهوم و هو ضعيف، و إذا عارضه المنطوق خرج عن الدلالة.
علي أن المعلق الأمر بالنكاح إما إيجابا أو استحبابا، فإذا انتفى المعلق عليه انتفى الوصف الزائد على الجواز، و أيضا أنه خرج مخرج الأغلب فلا يدل على نفي الحكم عما عداه، قال: و كذا الجواب عن الخبر.
ورد بأن مفهوم الشرط حجة عند المحققين، و لا منطوق يعارضه، بل العموم و هو قابل للتخصيص، و إنما يتم كون المعلق على الشرط الأمر لو قدرنا الجار في قوله «فَمِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» متعلقا بمحذوف يدل على الأمر كقوله
____________
(1) الكافي ج 5 ص 360 ح 8، الوسائل ج 14 ص 391 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 360 ح 9، الوسائل ج 14 ص 391 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 360 ح 7، التهذيب ج 7 ص 334 ح 3، الوسائل ج 14 ص 391 ح 5.
(4) سورة النساء- آية 24.
563
«فلينكح» و ليس بلازم، لجواز تقديره بما يناسب الحل بغير الأمر كقوله «فنكاحه مما ملكت أيمانكم»، و نحو ذلك.
و يؤيده أن الآية مسوقة لبيان الحل و الحرمة، لا لبيان الأمر، و إخراج الشرط مخرج الأغلب خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بدليل بعينه، كتقييد تحريم الربائب بكونهن في الحجور. انتهى، و هو جيد (1).
أقول: لا يخفى أن الاستدلال بالأخبار من الطرفين لا يخلو من الإشكال، أما أخبار القول بالتحريم فلأنه مبني على أن البأس المذكور فيها بمعنى التحريم و مفهومه أعم من ذلك، و لذا قيل إن نفي البأس لا يخلو من البأس.
و أما أخبار القول بالجواز فلأنه مبني على أن لفظ «ينبغي» و «لا ينبغي» بمعنى الأولى و خلاف الأولي، و قد عرفت في غير موضع مما تقدم أنه و إن كان كذلك بحسب العرف الآن بين الناس، إلا أن المستفاد من الأخبار المتكاثرة استعماله
____________
(1) كذا نقله في المسالك، و قال سبطه في شرح النافع في الجواب عما ذكره العلامة: و فيه نظر، فان المفهوم الواقع في الآية مفهوم شرط، و هو حجة عند المحققين و منهم العلامة (قدس سره) و دلالة قوله تعالى «ذٰلِكَ» يعنى نكاح الإماء «لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ» بمفهوم الحصر، و هو لا يقصر عن المنطوق.
و قوله- و إذا عارضه المنطوق خرج عن الدلالة العامة- و هو غير جيد لعدم تحقق التعارض فان الخاص مقدم، و المفروض أنه حجة.
و قوله- ان المعلق الأمر بالنكاح اما إيجابا أو استحبابا- غير واضع، إذا المتبادر من سوق الآية كون الأمر هنا للإباحة، كما في قوله «وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا» لأنها مسوقة لبيان الحل و الحرمة، لا لبيان الواجب من الوطي و المندوب، مع أن تقدير الأمر غير متعين لجواز أن يكون المقدر «فنكاحه من ما ملكت أيمانكم» و نحو ذلك.
و قوله- ان التعليق في الآية و الخبر خرج مخرج الأغلب- غير ظاهر، و قد ظهر من ذلك أن القول بالتحريم لا يخلو عن قوة. انتهى، و هو جيد. (منه- (قدس سره)-).
564
في الواجب و المحرم، و قد ذكرنا أنه من الألفاظ المتشابهة لا يحمل على أحد المعنيين إلا بالقرينة، و لا قرينة هنا توجب للحمل على أحدهما.
نعم الاستدلال بظاهر الآية على التحريم بالتقريب الذي تقدم في الجواب عن كلام العلامة جيد، و سيأتي في أخبار المسألة الآتية إن شاء الله ما يدل عليه أيضا و إلى القول بالتحريم في المسألة يميل كلام السيد السند في شرح النافع و قبله جده في المسالك.
و الذي يدل على القول الثالث ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي عن الحلبي (1) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «تزوج الحرة على الأمة، و لا تزوج الأمة على الحرة و من تزوج أمة على حرة فنكاحه باطل».
، و في معناه أخبار كثيرة يأتي ذكرها- إن شاء الله- قريبا.
و أنت خبير بما في هذا الاستدلال من تطرق الاختلال، فإن غاية ما تدل عليه الروايات المذكورة هو وقوع نكاح الأمة لمن لم يكن عنده حرة في الجملة، فإن قوله «تزوج الحرة علي الأمة» ظاهر في سبق نكاح الأمة، و أنه صحيح في الجملة و نحن نقول به، فإنه يجوز نكاح الأمة عند فقد الطول و خوف العنت، فلعل نكاح الأمة قبل إدخال الحرة عليها كان لذلك، و لا دلالة فيها على جواز نكاح الأمة مطلقا كما هو المطلوب بالاستدلال.
و بالجملة فإنها تدل على وقوع نكاح الأمة، لا على جوازه مطلقا، و وقوعه ممكن في تلك الصورة المذكورة.
و تمام تحقيق الكلام في المقام يتوقف على بيان أمور
(أحدها) [هل العقد باطل من أصله؟]
قد تقدمت الإشارة إلى أن القائلين بالتحريم منهم من أبطل العقد من أصله، و منهم من قال بصحته و إن أثم بالمخالفة، و كأن الأولين نظروا إلى أن النهي توجه إلى الوطي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 359 ح 2، التهذيب ج 7 ص 344 ح 39، الوسائل ج 14 ص 392 ح 1.
565
فيتبعه العقد فيبطل حينئذ، و الآخرين إلى أن المنع راجع إلى العقد وحده فلا يبطل، لأن النهي في غير العبادات لا يوجب البطلان.
و يمكن الجواب عنه بأن النهي هنا متوجه إلى ركن العقد و هي الزوجة، كما لو كانت إحدى المحرمات أو إحدى الأختين أو الخمس في الجمع، و مرجعه إلى ما تقدم في غير موضع من التفصيل في النهي في المعاملات من أنه إن توجه إلى ذات المعقود عليه بمعنى عدم صلاحيته للدخول تحت العقد فالعقد باطل، و إن توجه إليه باعتبار أمر خارج كالبيع وقت النداء فهو صحيح و إن أثم و به يظهر رجحان القول بالبطلان.
و ممن قال بالصحة هنا شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) حيث قال: و لا يجوز لمن وجد طولا لنكاح الحرائر أن ينكح الإماء، لأن الله اشترط في إباحة نكاحهن عدم الطول لنكاح الحرائر من النساء.
ثم بعد كلام طويل قال: و من تزوج أمة و هو يجد طولا لنكاح الحرائر خالف الله عز و جل و شرطه عليه، إلا أنه لا ينفسخ بذلك نكاحه، و نحوه كلام ابن البراج (1).
و على هذا يتخرج في المسألة قول رابع، و هو أن يخص القول ببطلان العقد مع التحريم، و هذا القول بصحته و إن حرم.
و (ثانيها) [عدم الفرق في المنع من العقد و تحريمه بين الدائم و المنقطع]
إطلاق كلام الأصحاب في هذا الباب يقتضي أنه لا فرق في المنع من العقد و تحريمه على القول الأول بين النكاح الدائم و المنقطع.
و بذلك صرح في المسالك جازما به فقال: لا فرق في المنع من العقد على
____________
(1) حيث قال: أباح الله تعالى من تضمنته الآية بشرط عدم الطول لنكاح الحرائر الا أن يخشى العنت، الى أن قال: فان تزوج بأمة و هو يجد الطول الى نكاح الحرة فقد خالف كتاب الله تعالى و ما شرط عليه، و لا يبطل عقده على الأمة، بل يكون العقد ماضيا.
انتهى. (منه- (قدس سره)-).
566
القول به بين الدائم و المنقطع لشمول النكاح المشروط لهما، و أما التحليل فإن جعلناه عقدا امتنع أيضا، و إن جعلناه إباحة فلا، كما لا يمتنع وطؤها بملك اليمين. انتهى.
و اعترضه سبطه السيد السند (قدس سره) في شرح النافع، فقال الأجود قصر الحكم على الدائم، لأنه المتبادر من اللفظ عند الإطلاق.
و يدل عليه أيضا ما رواه
الكليني في الصحيح عن محمد بن إسماعيل (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) هل للرجل أن يتمتع من المملوكة بإذن أهلها و له امرأة حرة؟ قال: نعم، إذا رضيت الحرة، قلت: فإن أذنت الحرة يتمتع منها؟
قال: نعم».
و ما رواه
الشيخ في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (2) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن امرأة أحلت لزوجها جاريتها فقال: ذلك له، قلت: فإن خاف أن تكون تمزح، قال: و كيف له بما في قلبها، فإن علم بأنها تمزح فلا»،.
انتهى.
أقول: أما ما ادعاه من أن المتبادر من لفظ التزويج في أخبار المسألة هو الدائم فهو جيد، و لكن احتمال شمول المنقطع لإطلاق الزوجة على المتعة قريب و عليه بنى الأصحاب فيما ذكروه من العموم.
و أما الاستدلال بالروايتين المذكورتين فهو جيد، و التقريب فيهما أنه بوجود الزوجة عنده فقد أحد الشرطين المجوزين للنكاح، لأن الطول حاصل بوجود الزوجة فلا يجوز النكاح، مع أنه قد جوز له نكاح المتعة هنا باذن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 463 ح 3 بأدنى تفاوت، التهذيب ج 7 ص 257 ح 37، الوسائل ج 14 ص 464 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 469 ح 8 مع اختلاف يسير، التهذيب ج 7 ص 242 ح 10، الفقيه ج 3 ص 289 ح 20، الوسائل ج 14 ص 534 ح 1 و 3.
567
الزوجة، و كذا نكاح المحللة، إلا أنه
قد روى العياشي في تفسيره عن البزنطي (1) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) يتمتع بالأمة بإذن أهلها؟ قال: نعم إن الله تعالى يقول:
فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ».
و قال محمد بن صدقة البصري (2) «سألته عن المتعة، أ ليس هذا بمنزلة الإماء؟
قال: نعم أما تقرء قول الله «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنٰاتِ الْمُؤْمِنٰاتِ- إلى قوله- وَ لٰا مُتَّخِذٰاتِ أَخْدٰانٍ» فكما لا يسع الرجل أن يتزوج الأمة و هو يستطيع أن يتزوج بالحرة، فكذلك لا يسع الرجل أن يتمتع بالأمة و هو يستطيع أن يتزوج بالحرة».
فإن عجز الخبر ظاهر الدلالة على ما ذكره الأصحاب من عدم الفرق في التحريم بين الدائم و المنقطع، و ينبغي أن يحمل صدره على جواز التمتع مع وجود الشرطين المجوزين، و لا يحضرني الآن وجه شاف في الجمع بين هذه الأخبار.
و (ثالثها) [نقد صحة عقد النكاح الواقع إذا تجدد زوال الطول و العنت]
قالوا: لو وجد الشرطان فتزوج الأمة ثم تجدد زوالهما و لو بفقد أحدهما لم يقدح في صحة النكاح السابق و إن لم يدخل، للحكم بصحته و لزومه حين إيقاعه فيستصحب، حتى لو فرض طلاقها رجعيا جاز له رجعتها حينئذ، لأن الرجعية بمنزلة الزوجة. انتهى.
و فيه إشكال لما عرفت في غير موضع مما تقدم في أمثال هذه التخريجات و التعليلات و مخالفة النصوص لها في غير موضع، و الحكم هنا عار عن النص بنفي أو إثبات.
و (رابعها) [حكم ما لو أمكن زوال العنت بوطىء ملك اليمين]
قال في المسالك: لو أمكن زوال العنت بوطىء ملك اليمين مع
____________
(1) تفسير العياشي ج 1 ص 234 ح 89، التهذيب ج 7 ص 257 ح 35، الوسائل ج 14 ص 464 ح 3.
(2) تفسير العياشي ج 1 ص 234 ح 90، الوسائل ج 14 ص 496 ح 1.
568
فقده الطول للحرة لم يجز له وطئ الأمة لفقد الشرط المخل لجواز نكاح الأمة لأن قدرته على رفع العنت بوطىء ملك اليمين يدفع خوف العنت مطلقا كقدرته على دفعه بالتقوى.
و ربما احتمل الجواز، لأنه لا يستطيع طول الحرة و هو الشرط، و يضعف بأن خوف العنت شرط أيضا و هو منتف. انتهى، و هو جيد.
و (خامسها) [حصول العنت بعدم القدرة على وطئ الحرة]
لا ريب أنه بوجود الحرة عنده يكون واجدا للطول فتحرم عليه الأمة بناء على القول بالتحريم، أما لو لم يحصل القدرة على وطئها- إما لكونها رتقا أو ضعيفة عن الوطي بمرض أو صغر، أو أنها غائبة عنه، بحيث يخشى العنت قبل الوصول إليها- فقد صرحوا بأنه يجوز له نكاح الأمة، لفقد شرط الطول و دفعا للحرج، فإنه لا فرق بين عدمها بالكلية و بين وجودها على إحدى هذه الكيفيات المذكورة، نعم لو أمكن مع وجودها زوال العنت بالاستمتاع بها على بعض الوجوه غير الوطي امتنع نكاح الأمة.
و (سادسها) لو وجدت الحرة و قدر على ما طلبته من المهر، لكن طلبت أزيد من مهر مثلها
بحيث تجحف بالزيادة ففي وجوب بذله و تحريم نكاح الأمة وجهان:
من تحقق القدرة المقتضية لوجود الطول، و من لزوم الضرر و المشقة بدفع الزيادة و حمل القدرة على المتعارف.
قال في المسالك: و هو قوي مع استلزام بذل الزيادة الإسراف عادة بحسب حاله أو الضرر و إلا فالأول أقوى، و لهذا نظائر كثيرة سبق، منها وجود الماء للطهارة بأزيد من ثمن مثله، و وجود الساتر للعورة، و وجود الراحلة في الحج و غيرها.
انتهى.
و (سابعها) [قبول قوله بخوف العنت و في فقد الطول]
الظاهر أنه لا إشكال في قبول قوله بخوف العنت و في فقد الطول إذا لم يعلم كذبه بوجه من الوجوه، و لو كان في يده مال لم يعلم كونه ملكا له و ادعى أنه لغيره قبل قوله، و كذا لو ادعى أن عليه دينا يمنع الطول و لذلك
569
نظائر كثيرة قد دلت النصوص فيها على قبول قول مدعيها، مثل قبول قول المرأة في الحيض و الطهارة منه، و عدم الزوج، و وفاته، و طلاقه لها، و أداء الزكاة، و عدم وجوبها و نحو ذلك.
(ثامنها) [عدم جواز الزيادة على الواحدة حيث يسوغ النكاح]
قالوا: مما يتفرع على المنع عدم جواز الزيادة على الواحدة حيث يسوغ النكاح، و يجوز له الواحدة لحصول شرطي الجواز لانتفاء العنت بالواحدة، هذا إذا تمكن من الوصول إليها بحيث يزول العنت المعتبر في المنع، فلو كانت بعيدة عنه لا يمكن الوصول إليها بدون العنت جازت الثانية كما تجوز على القول الآخر مطلقا: أما الثالثة فتحرم مطلقا اتفاقا، و الله العالم.
المسألة الخامسة: في الجمع بين الأمة و الحرة في النكاح
و ذلك إما بإدخال الأمة على الحرة أو العكس أو جمعهما دفعة.
فهنا صور ثلاث
الأولى: إدخال الأمة على الحرة
، فقيل: بأنه لا يجوز نكاح الأمة على الحرة إلا بإذنها، فإن بادر كان العقد على الأمة باطلا، ذهب إليه ابن الجنيد و ابن أبي عقيل و ابن إدريس و المحقق في كتابيه للنهي عنه، و تدل عليه حسنة الحلبي و رواية حذيفة بن منصور الآتيتان إن شاء الله.
و قيل: إنه يكون للحرة الخيار في إمضائه و فسخه من غير أن يبطل في نفسه لأن الحق في ذلك لها فلا يقصر عن عقد الفضولي، و اختاره في المسالك، قال: و قد تقدم ما يصلح تحقيقا لهذا القول في العقد على بنت الأخ و الأخت بعد العمة و الخالة، لعموم الأمر بالوفاء بالعقود، خرج منه ما إذا ردته إجماعا فيبقى الباقي، و هذا هو الأقوى (1).
____________
(1) ثم انه قال في المسالك: و يمكن أن يريد المصنف بالبطلان هذا المعنى لانه كثيرا ما يطلقه في مقابل عدم اللزوم، و عليه حمل العلامة عبارات الأصحاب بذلك- انتهى.
أقول: لا ريب في بعد هذا المعنى، لان الروايات التي استندوا إليها لا تقبله، كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى فإنها صريحة في البطلان. (منه- (قدس سره)-).
570
أقول: قد تقدم منا في الموضع المشار إليه ما يدل على وهنه و ضعفه و أنه لا يخرج عن القياس على الفضولي مع ما في الفضولي من الكلام، و قيل: يتخير الحرة بين فسخ عقد الأمة و عقد نفسها، و هو منقول عن الشيخين و أتباعهما، و نقل عنهما الاستدلال عليه برواية سماعة الآتية.
أقول: يجب أن يعلم أن الكلام في هذه المسألة متفرع على ما تقدم في سابق هذه المسألة من الخلاف، و قد عرفت أن الأصح من الأقوال المتقدمة في تلك المسألة هو التحريم، و حينئذ فيجب الحكم ببطلان العقد كما هو القول الأول، رضيت الحرة أم لم ترض، و تقييدهم التحريم بعدم رضاء الحرة- المؤذن بأنها لو رضيت صح النكاح- خلاف إطلاق الأخبار الواردة في المقام.
و منها ما رواه
في الكافي الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «تزوج الحرة على الأمة، و لا تزوج الأمة على الحرة، و من تزوج أمة على حرة فنكاحه باطل».
و عن أبي بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن نكاح الأمة، فقال: تتزوج الحرة على الأمة، و لا تتزوج الأمة على الحرة، و نكاح الأمة على الحرة باطل».
و في الصحيح إلى الحسن بن زياد (3)، و هو الصيقل (4) كما في سند الخبر في التهذيب قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): تزوج الحرة على الأمة، و لا تزوج الأمة على الحرة، و لا النصرانية و لا اليهودية على المسلمة، فمن فعل ذلك فنكاحه باطل».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 395 ح 2، التهذيب ج 7 ص 344 ح 39 الوسائل ج 14 س 392 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 359 ح 3، الوسائل ج 14 ص 392 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 344 ح 41، الوسائل ج 14 ص 393 ح 5.
(4) و هذا الخبر عده السيد في شرح النافع في الصحيح و هو غفلة، فإن الحسن ابن زياد هنا مجهول. (منه- (قدس سره)-).
571
و ما رواه
في الفقيه في الصحيح عن محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه قال.
قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن تنكح الحرة على الأمة، و لا تنكح الأمة على الحرة» الحديث.
و ما رواه
في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): تزوج الأمة على الأمة، و لا تزوج الأمة على الحرة، و تزوج الحرة على الأمة، فإن تزوجت الحرة على الأمة، فللحرة الثلثان، و للأمة الثلث، ليلتان و ليلة».
و ما رواه
في التهذيب عن محمد بن الفضيل (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «لا يجوز نكاح الأمة على الحرة، و يجوز نكاح الحرة على الأمة» الحديث.
و عن حذيقة بن منصور (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) «عن رجل تزوج أمة على حرة لم يستأذنها قال يفرق بينهما، قلت: عليه أدب؟ قال: نعم اثنى عشر سوطا و نصف ثمن حد الزاني و هو صاغر».
و روى الصدوق في كتاب الخصال (5) بسنده عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن موسى بن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: «سئل أبي (عليه السلام) عما حرم الله عز و جل من الفروج في القرآن، و ما حرم رسول الله (صلى الله عليه و آله) في سنته، فقال، الذي حرم الله عز و جل أربعة و ثلاثون وجها سبعة عشر في القرآن و سبعة عشر في السنة- إلى أن قال-: و أما التي في السنة فالمواقعة في شهر رمضان نهارا- إلى أن قال- و تزويج الأمة على الحرة، و تزويج الأمة لمن يقدر على تزويج الحرة».
و في الخبر دلالة على ما اخترناه في المسألة السابقة من تحريم تزويج الأمة مع فقد الشرطين المجوزين.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 269 ح 63، الوسائل ج 14 ص 393 ح 6.
(2) الفقيه ج 3 ص 270 ح 69، الوسائل ج 14 ص 393 ح 7.
(3) التهذيب ج 7 ص 344 ح 40، الوسائل ج 14 ص 393 ح 4.
(4) التهذيب ج 7 ص 344 ح 42، الوسائل ج 14 ص 394 ح 2.
(5) الخصال ص 532 ح 10 ط النجف الأشرف.
572
و من ذلك جملة من الأخبار المنقولة
في كتاب البحار (1) عن الحسين بن سعيد في كتابه، و هي ما رواه عن صفوان عن العلاء عن محمد عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الرجل يتزوج المملوكة على الحرة؟ قال: لا، و إذا كانت تحته امرأة مملوكة فتزوج عليها حرة، قسم للحرة مثلي ما يقسم للأمة، قال: محمد و سألته عن الرجل يتزوج المملوكة؟ فقال: لا بأس إذا اضطر إليها».
و عن النضر بن سويد عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل نكح أمة فوجد طولا إلى حرة، و كره أن يطلق الأمة، قال:
ينكح الحرة على الأمة إن كانت الأمة أو ليهما عنده، و ليس له أن ينكح الأمة على الحرة إذا كانت الحرة أو ليهما عنده» الحديث.
و عن النضر عن عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا ينكح الرجل الأمة على الحرة، و إن شاء نكح الحرة على الأمة، ثم يقسم للحرة مثلي ما يقسم للأمة».
و عن القاسم عن أبان عن عبد الرحمن (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته هل للرجل أن يتزوج النصرانية على المسلمة و الأمة على الحرة؟ قال: لا يتزوج واحدة منهما على المسلمة، و يتزوج المسلمة على الأمة و النصرانية، و للمسلمة الثلثان، و للأمة و النصرانية الثلث».
أقول: هذا ما حضرني من أخبار المسألة، و هي متفقة الدلالة واضحة المقالة في التحريم الذي تضمنه القول الأول، و به يظهر أنه هو الذي عليه المعول، و إطلاقها شامل لما رضيت الحرة أو لم ترض، إذ لا إشعار في شيء منها فضلا عن الظهور بالصحة مع رضاها إلا ما ربما يشعر به خبر حذيفة بن منصور، و هو- مع كونه في كلام الراوي- إنما يدل بالمفهوم الضعيف الذي لا دليل على حجيته.
____________
(1) البحار ج 103 ص 342 ح 25.
(2) البحار ج 103 ص 342 ح 26.
(3) البحار ج 103 ص 343 ح 27.
(4) البحار ج 103 ص 343 ح 30.
573
و من هذه الأخبار المتكاثرة كما عرفت يظهر قوة القول بالتحريم في المسألة السابقة، و هو الذي اخترناه و أشرنا سابقا إلى مجيء ما يدل عليه من الأخبار، و هي هذه الأخبار، مضافا إلى ظاهر الآية المتقدمة ثمة، لأنه لو كان تزويج الأمة جائزا- مع اختلال أحد الشرطين كما ذهب إليه من ذهب من أصحابنا- لما خرجت هذه الأخبار مع كثرتها على البطلان في بعض، و النهي في آخر، و لا يجوز في ثالث، و أن فاعله يستحق للأدب و الجلد ثمن حد الزاني في رابع، و نحو ذلك.
و بالجملة فإن دلالة هذه الأخبار على القول المذكور أظهر من أن يعتريها القصور، بل هي في الظهور كالنور على الطور، و الأصحاب لم يذكروا من هذه الروايات إلا حسنة الحلبي و رواية الحسن بن زياد.
و أجاب عنهما في المختلف بأن معنى أن العقد باطل يعني آئل إلى البطلان، بتقدير اعتراض الحرة و عدم رضاها، و هو بعيد غاية البعد، مع أنه لا ضرورة تلجئ إليه، إذ لا معارض للروايتين المذكورتين، و لهذا أنه قال في المختلف في آخر كلامه: إن القول بالبطلان غير بعيد من الصواب.
و أما القول الثاني: فقد أشرنا آنفا إلى أنه لا يخرج عن القياس بناء على حمله على الفضولي، مع أنه لا دليل على اعتبار رضاء الحرة في صحة العقد، فيصير قياسا مع الفارق، و كيف كان فالأخبار المذكورة واضحة في رده و إبطاله.
و أما الثالث: فاستدلوا عليه
برواية سماعة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج أمة على حرة فقال: إن شاءت الحرة أن تقيم مع الأمة أقامت، و إن شاءت ذهبت إلى أهلها».
قال في المسالك بعد نقل الخبر دليلا للقول المذكور: و هو يدل على جواز فسخها عقد نفسها، و يسهل بعده القول بجواز فسخها عقد الأمة، لكن الخبر ضعيف السند. انتهى.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 359 ح 4 بعكس ما في التهذيب، التهذيب، ج 7 ص 345 ح 43، الوسائل ج 14 ص 394 ح 3.
574
أقول: كأنه أراد بهذا الكلام تتميم الاستدلال بالخبر لقصور الخبر المذكور، حيث إن أقصى ما يدل عليه تخيرها بين فسخ عقد نفسها و عدمه، و أما فسخ عقد الأمة فلا يدل عليه بوجه، مع أن الذي نقله سبطه السيد السند في شرح النافع عن الشيخين و ابن حمزة و ابن البراج أنهم أفتوا بمضمون هذه الرواية، و مضمونها كما عرفت إنما هو تخيرها بين فسخ عقد نفسها و عدمه.
و ظاهر كلام العلامة في المختلف (1) أن مذهب الشيخين و أتباعهما إنما هو تخير الحرة بين فسخ عقد الأمة و إمضائه، و هو القول الثاني الذي قدمناه.
و بالجملة فإن كلامهم هنا مختلف (2) في نقل مذهب الشيخ و أتباعه في هذه المسألة، و على أي تقدير فإن رواية سماعة المذكورة لا يبلغ قوة في معارضة ما قدمناه من الأخبار الدالة على بطلان عقد الأمة في الصورة المذكورة، فلا بد من ارتكاب التأويل فيها و إلا فطرحها.
الثانية [ما لو تزوج الحرة على الأمة]
من الصور الثلاث الذي تقدم ذكرها: ما لو تزوج الحرة على الأمة و الأخبار المتقدمة صريحة في الجواز، و هو مما لا خلاف فيه.
بقي الكلام في علم الحرة بذلك و عدمه، و الذي صرح به الأصحاب (رضوان الله عليهم) هنا أنه إن كانت الحرة عالمة بزوجية الأمة فلا اعتراض لها بعد رضاها أولا بذلك، لأن دخولها و الحال هذه يتضمن رضاها، و إن لم تعلم كان لها فسخ عقد نفسها لا فسخ عقد الأمة.
أما عدم تسلطها على فسخ عقد الأمة فللزومه قبل دخولها فلا سبيل لها إلي
____________
(1) حيث قال: إذا تزوج الأمة على الحرة و لم تعلم الحرة فالأقرب أن نكاح الأمة لا يقع باطلا من أصله، بل إذا فسخت الحرة نكاحها بطل و الأصح، و به قال الشيخان و ابن براج و ابن حمزة الى آخره، فان الضمير في نكاحها إلى الأمة كما لا يخفى.
(منه- (قدس سره)-).
(2) فشيخنا في المسالك نقله كما قدمنا ذكره في صدر البحث، و سبطه قد نقله كما أشرنا اليه، و صاحب المختلف قد نقله بوجه ثالث، كما ذكرناه في الحاشية السابقة.
(منه- (قدس سره)-).
575
إبطاله كذا قيل، و الأجود أن يقال إنه لا دليل على تسلطها عليه مع ثبوت لزومه أولا.
أما تسلطها على فسخ عقد نفسها فلما رواه
الشيخ في الصحيح عن يحيى الأزرق عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل كانت له امرأة وليدة، فتزوج حرة و لم يعلمها بأن له امرأة وليدة، فقال إن شاءت الحرة أقامت، و إن شاءت لم تقم، قلت: قد أخذت المهر فتذهب به؟ قال: نعم بما استحل من فرجها».
أقول: و روى هذه الرواية
الحسين بن سعيد في كتابه أيضا عن علي بن نعمان عن يحيى الأزرق (2) «قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) مثله.
و روى فيه أيضا على ما نقله
شيخنا المجلسي في كتاب البحار عن الحسن بن محبوب عن يحيى اللحام عن سماعة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل يتزوج امرأة حرة و له امرأة أمة، لم تعلم الحرة أن له امرأة أمة، فقال: إن شاءت الحرة أن تقيم مع الأمة أقامت، و إن شاءت ذهبت إلى أهلها، قلت له: فإن لم يرض بذهابها إله عليها سبيل؟ قال: لا سبيل له عليها إذا لم ترض بالمقام، قلت:
فذهابها إلى أهلها هو طلاقها؟ قال: نعم إذا خرجت من منزله اعتدت ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر، ثم تتزوج إن شاءت».
و ذهب الشيخ في التبيان إلي تخيرها بين فسخ عقد نفسها و فسخ عقد الأمة و فيه ما عرفت من أن عقد الأمة بسبقه لازم لا يتسلط على فسخه إلا بدليل، و لا دليل، و الضرر يندفع عنها بفسخ عقد نفسها.
الثالثة [ما لو جمعهما في عقد واحد من غير علم الحرة]
من الصور المشار إليها: ما لو جمعهما في عقد واحد من غير علم الحرة و لا تقدم رضاها، فقيل: إن عقد الحرة يقع صحيحا لازما، و عقد الأمة يقع باطلا، و هو ظاهر المحقق في كتابيه، و هو اختيار جملة من الأصحاب، منهم السيد
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 345 ح 44، الوسائل ج 14 ص 394 ح 1.
(2) النوادر ص 67، البحار ج 103 ص 343 ح 29.
(3) البحار ج 103 ص 343 ح 28، مستدرك الوسائل ج 2 ص 582 ب 43 ح 2.
576
السند في شرح النافع.
و يدل عليه ما رواه
الشيخ و الصدوق عن أبي عبيدة الحذاء (1) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سئل عن رجل تزوج امرأة حرة و أمتين مملوكتين في عقدة واحدة، فقال: أما الحرة فنكاحها جائز فإن كان قد سمى لها مهرا فهو لها، و أما المملوكتان فإن نكاحهما في عقدة واحدة مع الحرة باطل، يفرق بينه و بينهما».
و هي نص في المراد.
و قيل: إن عقد الحرة كما تقدم، و أما الأمة فإنه يقف على رضاء الحرة، فإن أجازته لزم و إن فسخته انفسخ، و هو منقول عن الشيخين و أتباعهما، قال في المسالك: و هو الأقوى.
أقول: لا أعرف لقوته وجها، مع عدم دليل في الأخبار عليه، بل دلالتها على خلافه كما عرفت من الصحيحة المذكورة، حيث صرحت بالبطلان، و أنه يفرق بينه و بينهما.
و قيل: تتخير الحرة بين فسخ عقد نفسها و عقد الأمة، إختاره العلامة في المختلف محتجا بأن العقد واحد، و هو متزلزل و لا أولوية.
ورد بأنها إذا لم ترض بعقد الأمة فسر فتحققت الأولوية مع أنها حاصلة بالرواية الصحيحة، و بوجوب الوفاء بالعقود خرج منه عقد الأمة لحق الحرة فيبقى الباقي، و الضرر مندفع عنها بتخيرها و الحكم ببطلان عقد الأمة. انتهى.
أقول: لا ضرورة إلى هذا التطويل في التعليل، و يكفي في بطلان ما ذكره ما ذكرناه من وجود النص الصحيح الصريح في لزوم عقد الحرة و بطلان عقد الأمة.
و نقل
الشيخ المجلسي في كتاب البحار عن كتاب نوادر الراوندي أنه روى
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 266 ح 49، التهذيب ج 7 ص 345 ح 45، الوسائل ج 14 ص 395 ح 1.
577
فيه بإسناده (1) عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال علي (عليه السلام) إذا تزوج الرحل حرة و أمة في عقد واحد فنكاحهما باطل».
و هي ظاهرة في بطلان نكاحهما معا، و لا أعرف بها قائلا، و هي تضعف عن معارضة الصحيحة المذكورة المتقدمة فهي مرجوعة إلى قائلها (عليه السلام).
و اعلم أن الجمع في عقد واحد يتحقق بأن يزوج الرجل ابنته و أمته لآخر في عقد واحد، أو يزوج ابنته و أمة غيره بالوكالة لذلك أو بالعكس، أو يزوجهما بالوكالة فيهما معا، و الله العالم.
المورد الثاني فيما يحرم عينا:
و فيه أيضا مسائل:
[المسألة] الأولى [حرمة العقد على ذات البعل]
قالوا: لا يحل العقد على ذات البعل و لا تحرم به مع الجهل بكونها ذات بعل، و أما مع العلم فإشكال، نعم لو زني بها حرمت، و كذا لو زنى بها في العدة الرجعية من غير خلاف يعرف في الموضعين.
و تفصيل هذا الإجمال بما يزيح عنه غشاوة الإشكال يقع في مواضع.
الأول [المراد من قولهم لا يحل العقد على ذات البعل]
هل المراد من قولهم. «لا يحل» هو أنه يحرم عليه العقد و يأثم لو أوقعه في هذه الحال، أو أن المراد أنه يبطل و يصير لاغيا، لا يترتب عليه أثر شرعي؟ احتمالان: و نظير ذلك ما صرحوا به في قولهم- لا يجوز استعمال الماء النجس في الطهارة- فإنه قد صرح بعضهم بأن المراد به تحريم ذلك و ترتب الإثم عليه، لأن استعمال المكلف الماء النجس فيما يعد طهارة في نظر الشارع أو إزالة نجاسة يتضمن إدخال ما ليس من الشرع فيه، كالصلاة بغير طهارة فيكون حراما لا محالة.
و قيل: إن المراد به إنما هو عدم الاعتداد به في الطهارة و رفع الحدث.
به صرح العلامة في النهاية، فقال- بعد أن حكم بتحريم ذلك-: لا نعني بالتحريم
____________
(1) البحار ج 103 ص 344 ح 34، نوادر الراوندي ص 38، مستدرك الوسائل ج 2 ص 583 ب 44 ح 1.
578
حصول الإثم، بل نعني عدم الاعتداد به في رفع الحدث، انتهى. و هو الأقرب، فإن الحكم بالتأثيم يتوقف على دليل واضح.
نعم لو اعتقد صحته و صحة ما يترتب عليه كان مشرعا، و إلا فمجرد الاستعمال لا يوجب ذلك، بل غايته أن يكون لاغيا عابثا، و كيف كان فإنه قد تقدم ما يدل على تحريم التعريض بالخطبة لذات العدة الرجعية بالآية، فتحريم العقد على ذات البعل أولى.
الثاني. في أنها هل تحرم على العاقد بذلك العقد
فلا يجوز له تزويجها لو طلقها زوجها أم لا؟ ظاهر الأكثر الجواز، للأصل السالم من المعارض.
قال: السيد السند (قدس سره) في شرح النافع- بعد فتواه بما أفتى به المصنف من عدم التحريم-: و في المسألة وجه بالتحريم مع العلم بكونها ذات بعل، لتحريم المعتدة بمجرد العقد عليها مع العلم بأنها في العدة فذات البعل أولى، لأن علاقة الزوجية أقوى من علاقة الاعتداد.
و يشكل بأن الأولوية إنما تثبت إذا ثبت التعليل و هو غير ثابت هنا، و من الجائز اختصاص المعتدة بمزية اقتضت ذلك، و بالجملة فإلحاق ذات البعل بالمعتدة في هذا الحكم لا يخرج عن القياس. انتهى.
أقول: بل الظاهر الاستناد في التحريم هنا إلى الأخبار الدالة بإطلاقها على ذلك، مثل
موثقة أديم بن الحر (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): التي تتزوج و لها زوج يفرق بينهما، ثم لا يتعاودان أبدا».
و مرفوعة أحمد بن محمد المروية في الكافي (2) عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد رفعه «أن الرجل إذا تزوج المرأة و علم أن لها زوجا فرق بينهما و لم تحل له أبدا».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 305 ح 29، الوسائل ج 14 ص 341 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 429 ح 11، التهذيب ج 7 ص 305 ح 28، الوسائل ج 14 ص 343 ح 10.
579
و قوله «و علم لها زوجا» جملة حالية، فتكون الرواية دالة على أنه مع العلم بكونها ذات بعل لا تحل له أبدا، و الأولى دالة على ذلك أيضا بإطلاقها، فتكونان هما المسند في الحكم المذكور، و ما ذكر من التعليل يكون توجيها للنص مؤكدا له.
و سيأتي في الموضع الثالث في عبارة كتاب الفقه الرضوي ما يدل على التحريم مؤبدا (فيما إذا تزوج امرأة لها زوج دخل بها أو لم يدخل) و هي صريحة في التحريم دخل بها أو لم يدخل، لكن ينبغي تقييدها بالعالم بأن لها زوجا، هذا في صورة العلم مع عدم الدخول.
و أما في صورة الدخول، فإن كان عالما بأنها ذات بعل فإنها تحرم عليه اتفاقا، لكونه زانيا بذات بعل، و سيأتي الكلام فيه.
و إن كان جاهلا فإنها تحرم أيضا
لموثقة زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في امرأة فقدت زوجها أو نعي إليها فتزوجت، ثم قدم زوجها بعد ذلك فطلقها، فقال:
تعتد منهما جميعا ثلاثة أشهر عدة واحدة، و ليس للأخير أن يتزوجها أبدا».
و رواية زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا نعي الرجل إلى أهله أو أخبروها أنه قد طلقها فاعتدت ثم تزوجت فجاء زوجها الأول، فإن الأول أحق بها من هذا الأخير دخل بها الأول أو لم يدخل، و ليس للأخير أن يتزوج بها أبدا، و لها المهر بما استحل من فرجها».
قوله «و لها المهر بما استحل من فرجها» يعنى مع فرض الدخول بها، و ما دلت عليه من أنه «ليس للأخير أن يتزوج بها» مع عدم الدخول يجب تقييده و إن بعد بالعلم بكونها ذات بعل، و إلا فمع الجهل فإنها لا تحرم عليه.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 308 ح 37، الوسائل ج 14 ص 341 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 149 ح 1 مع اختلاف يسير، التهذيب ج 7 ص 488 ح 169، الوسائل ج 14 ص 342 ح 6.
580
و ربما قيل: بعدم التحريم في الموضعين، استنادا إلى أصالة الصحة، و استضعافا للأخبار المذكورة، و من ثم استشكل السيد السند في شرح النافع لذلك و هو ضعيف و لا يلتفت إليه، فإن رد هذه الأخبار من غير معارض لا يتجشمه ذو مخافة من الله سبحانه و تقوى في دينه.
و بالجملة فإن المستفاد من هذه الروايات هو الحكم بالتحريم في صورتي العلم بكونها ذات بعل، فإن نكاحها محرم دخل بها أو لم يدخل، و في صورة الدخول بها علم أو لم يعلم، و هذا حكم العقد في العدة.
نعم يبقى الكلام فيما لو انتفى الأمران: من العلم بكونها ذات بعل و الدخول بها، بأن عقد عليها غير عالم بأنها ذات بعل و لم يدخل بها، و الظاهر من كلامهم من غير خلاف يعرف هو عدم التحريم.
و بما ذكرنا هنا يظهر لك ما في كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروضة و المسالك حيث قال في الروضة: ففي إلحاق ذات البعل بالمعتدة وجهان: من أن علاقة الزوجية فيها أقوى، و انتفاء النص و نحوه في المسالك، و قبله العلامة في القواعد حيث قال: لو تزوج بذات البعل ففي إلحاقه بالمعتدة إشكال، ينشأ من عدم التنصيص و أولوية التحريم، و قال ابنه في الإيضاح: الأولى عندي الاقتصار على محل النص، أعني القول بالتحريم في المعتدة خاصة التي هي موضع النصوص دون ذات البعل حيث لا نص فيها، مع أن النصوص كما شرحناه ظاهرة في التحريم، و أن حكم ذات البعل و المعتدة واحد في التحريم.
الثالث [الزنا بامرأة ذات بعل أو في عدة رجعية]
أنه لا خلاف بين الأصحاب بل ادعى عليه غير واحد منهم الإجماع (1) في أنه لو زنى بذات بعل أو في عدة رجعية فإنها تحرم عليه مؤبدا، و ظاهر
____________
(1) قال السيد المرتضى (رضوان الله عليه) في الانتصار: مما انفردت به الإمامية القول بأن من زنى بامرأة و لها بعل حرم عليه نكاحها أبدا و ان فارقها بعلها، و باقي الفقهاء يخالفون في ذلك، و الحجة في ذلك إجماع الطائفة. (منه- (قدس سره)-).
581
المحقق في الشرائع التوقف فيه، حيث نسب الحكم إلى قول المشهور، قال في.
المسالك: إنما نسبه إلى الشهرة مع عدم ظهور المخالف لعدم وقوفه على مستند صالح له من النص، و عدم تحقق الإجماع على وجه يكون حجة كما حققناه سابقا.
نعم يتوجه على ما تقدم- من إلحاق العقد على ذات البعل بالمعتدة- تحريمها هنا مع الدخول، لأنه إذا ثبت تحريمها بالعقد المجرد مع لعلم فمع الدخول أولى، أو نقول: إذا ثبت تحريمها بالدخول مع العقد فمع التجرد عنه أولى انتهى.
أقول: هذا الحكم قد استدل عليه الشيخ في التهذيب بمرفوعة أحمد بن محمد (1) المتقدمة و موثقة أديم بن الحر (2) المتقدمة أيضا، و ردهما المتأخرون بضعف الاسناد و قصور الدلالة، و الظاهر أن الشيخ بنى في الاستدلال بهذه الأخبار مع كون موردها إنما هو التزويج، و المدعى إنما هو الزنا، أما على ما ذكره المحقق الشيخ علي (قدس سره) في شرح القواعد من شمول هذه الأخبار لمحل النزاع، قال:
لأن ذلك شامل لما إذا أدخل بها عالما بأن لها زوجا فإنه زان حينئذ. و إن احتمل اختصاص الحكم بحال العقد دون مطلق الزنا. انتهى.
و ما ذكره المحدث الكاشاني (عطر الله مرقده) في الوافي من الجمع بين هذه الأخبار و بين ما دل على جواز تزويجه لها في الصورة المذكورة مثل
صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة و لها زوج و هو لا يعلم، فطلقها الأول أو مات عنها ثم علم الأخير، أ يراجعها؟ قال: لا،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 429 ح 11، التهذيب ح 7 ص 305 ح 28، الوسائل ج 14 ص 343 ح 10.
(2) التهذيب ج 7 ص 305 ح 29، الوسائل ج 14 ص 341 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 477 ح 123، الوسائل ج 14 ص 341 ح 3.
582
حتى تنقضي عدتها».
و في بعض النسخ «أ يتزوجها» بدل «أ يراجعها» و هو أظهر، و على تقدير النسخة التي في الخبر فالمراجعة بمعنى تزويجها مرة أخرى، كما يدل عليه قوله «حتى تنقضي عدتها» بأن تحمل هذه الروايات على ما إذا لم يثبت الموت أو الطلاق ثبوتا شرعيا مع علمه بأنها ذات زوج، فإنه يكون حينئذ زانيا.
بخلاف ما دل عليه صحيح عبد الرحمن، فإنه صريح في عدم علمه بأن لها زوجا، و مرفوعة أحمد بن محمد ظاهرة في أنه تزوجها مع علمه بأن لها زوجا، فيكون ذلك زنا البتة، و وقوعه مع الاقتران بالعقد لا يكون سببا في الفرق، فإن وقوع العقد و الحال أنه عالم بالزوج في حكم العدم، هذا.
و الظاهر عندي أن الحكم إنما خرج عن المتقدمين بهذه الكيفية استنادا الى ما ذكره الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي فإنه صرح به في موضعين من الكتاب المذكور أحدهما (1)
قوله (عليه السلام) «و من تزوج امرأة لها زوج دخل بها أو لم يدخل بها أو زنا بها لم تحل له أبدا».
و قال في موضع آخر (2): «و من زنا بذات بعل محصنا كان أو غير محصن ثم طلقها زوجها أو مات عنها و أراد الذي زنى بها أن يتزوج بها لم تحل له أبدا، و يقال لزوجها يوم القيامة: خذ من حسناته ما شئت».
و قد ذكر شيخنا المجلسي و أبوه «رضوان الله تعالى عليهما» بأن كثيرا من الأحكام التي ذكرها المتقدمون عارية من الدليل، و اعترضهم فيها المتأخرون بعدم وجود دليل، أو تكلفوا لها الاستدلال بما لا يدفع الاختلال و لا يزيل الإشكال فإن أدلتها موجودة في هذا الكتاب، و قد نبهنا على مواضع كثيرة في كتب العبادات من هذا الكتاب.
____________
(1) فقه الرضا ص 32، مستدرك الوسائل ج 2 ص 577 ب 16 ح 1.
(2) فقه الرضا ص 37، مستدرك الوسائل ج 2 ص 576 ب 11 ح 8.
583
و أعظم السبب في ذلك أن المتقدمين كثيرا ما يعدون فتاوى على بن الحسين بن بابويه في عداد النصوص فيعتمدون في الإفتاء عليها، و فتاوى علي بن الحسين في رسالته إلى ابنه الصدوق جلها مأخوذة من هذا الكتاب كما نبهنا عليه في مواضع لا تحصى سيما في كتب العبادات، و كذلك كثيرا ما يذكره الصدوق في الفقيه عاريا عن النسبة إلى المعصوم فإنه من هذا الكتاب.
و أما ما ربما يعترض به من أن الكتاب لم يثبت كونه عنه (عليه السلام) فإنه ناشئ عن قصور التتبع، فإن اعتماد الصدوقين على الإفتاء بعبائر هذا الكتاب بعينها- سيما في مقابلة الأخبار المتكاثرة الصريحة الظاهرة- أدل دليل على اعتماد هما عليه و ثبوته عندهما.
و قد تقدم في الجلد الثاني في كتاب الطهارة نقل كلام والد الصدوق في صورة ظهور هذا الكتاب في الأعصار المتأخرة، و اعتماد شيخنا المجلسي و أبيه على الكتاب المذكور، و ما وجدا على نسخة الكتاب بخط جملة من العلماء المتقدمين.
و بالجملة فإن الكتاب عندي معتمد لاعتماد الصدوقين عليه، كما لا يخفى على المتتبع البصير و الفاضل النحرير، و لا ينبئك مثل خبير.
و تقييد العدة في كلامهم بالرجعية عن احتراز البائن، لأن الأولى زوجة، بخلاف الثانية، و الأصل العدم حتى يقوم دليل على خلافه. ثم إنه لا فرق على على ما اخترناه- كما هو المشهور- بين علم الزاني بكونها ذات بعل أو في عدة أم لا و لا بين دخول الزوج بها أم لا، و لا بين المتمتع بها و الدائم، عملا بعموم النص المتقدم، و لا يلحق به الزنا بذات العدة البائنة و لا عدة الوفاة، و لا يلحق به الزنا بذات البعل الموطوءة بالشبهة و لا بالأمة الموطوءة بالملك، عملا بأصالة الحل و عدم وجود ما يخرج منها.
584
تذنيب:
طعن في المسالك في موثقة زرارة (1) المتقدمة في الموضع الثاني الدالة على مساواة النكاح للعدة بأنها مع ضعف سندها تضمنت الاكتفاء بعدة واحدة و هم لا يقولون به، و كذا إطلاق كون العدة ثلاثة أشهر، إلا أن هذا سهل، أقول: لا ريب في أنه و إن كان المشهور بينهم عدم تداخل عدة وطئ الشبهة و عدة النكاح الصحيح، بل تعتد لكل منهما عدة، و ربما ظهر من كلام شيخنا المذكور في موضع آخر من الكتاب اتفاق الأصحاب على ذلك إلا أن الظاهر من من الأخبار خلافه، و منها الخبر المذكور.
و منها ما رواه
المشايخ الثلاثة عن موسى بن بكر عن زرارة (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن امرأة نعي إليها زوجها فاعتدت و تزوجت، فجاء زوجها الأول ففارقها، و فارقها الآخر، كم تعتد للناس، قال: ثلاثة قروء، و إنما تستبرئ رحمها بثلاثة قروء، و تحل للناس كلهم، قال زرارة: و ذلك أن الناس قالوا: تعتد عدتين من كل واحد عدة، فأبى ذلك أبو جعفر (عليه السلام) و قال تعتد ثلاثة قروء و تحل للرجال».
و ما رواه
في الكافي عن يونس (3) عن بعض أصحابه «في امرأة نعي إليها زوجها فتزوجت ثم قدم زوجها الأول فطلقها، و طلقها الآخر قال: فقال إبراهيم النخعي:
عليها أن تعتد عدتين فحملها زرارة إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقال: عليها عدة واحدة».
و من هذين الخبرين يظهر أن تعدد العدة مذهب العامة، فما ورد بذلك
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 308 ح 37، الوسائل ج 14 ص 341 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 150 ح 1، التهذيب ج 7 ص 489 ح 171، الفقيه ج 3 ص 355 ح 3 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 343 ح 7.
(3) الكافي ج 6 ص 151 ح 2، الوسائل ج 15 ص 468 ح 2.
585
في أخبارنا يجب حمله على التقية، و إن اشتهر بينهم العمل عليه، و الله العالم.
المسألة الثانية [تزويج المرأة في عدتها]
إذا تزوج الرجل امرأة في العدة فلا ريب في أن العقد فاسد، ثم إنه إن كان عالما بكونها في عدة و أنه يحرم ذلك، فلا ريب في أنها تحرم مؤبدا بمجرد ذلك العقد، و إن كان جاهلا بأحدهما لم تحرم عليه إلا بالدخول.
و هذه الأحكام مع الاتفاق عليها قد تكاثرت بها النصوص عن أهل الخصوص (صلوات الله عليهم و سلامه).
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا تزوج الرجل المرأة في عدتها و دخل بها لم تحل له أبدا، عالما كان أو جاهلا، و إن لم يدخل بها حلت للجاهل و لم تحل للآخر».
و ما رواه
في الكافي في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة، أ هي ممن لا تحل له أبدا؟ فقال: لا، أما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها، و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك، فقلت: بأي الجهالتين يعذر؟
بجهالته أن يعلم أن ذلك محرم عليه؟ أم بجهالته أنها في عدة؟ فقال: إحدى الجهالتين أهون من الأخرى، الجهالة بأن الله حرم ذلك عليه، و ذلك بأنه لا يقدر على الاحتياط معها، فقلت: فهو في الأخرى معذور، قال: نعم، إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها، فقلت: فإن كان أحدهما متعمدا و الآخر يجهل، فقال: الذي تعمد لا يحل له أن يرجع إلى صاحبه أبدا».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 426 ح 2، التهذيب ج 7 ص 307 ح 34، الوسائل ج 14 ص 345 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 427 ح 3، التهذيب ج 7 ص 306 ح 32، و فيه «أعذر» بدل «أهون» و عن أبي عبد الله (عليه السلام) بدل أبي إبراهيم (عليه السلام)، الوسائل ج 14 ص 345 ح 4.
586
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن إسحاق بن عمار (1) في الموثق قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): بلغنا عن أبيك ان الرجل إذا تزوج المرأة في عدتها لم تحل له أبدا، فقال: هذا إذا كان عالما، فإذا كان جاهلا فارقها و تعتد، ثم يتزوجها نكاحا جديدا».
و ما رواه
الشيخ عن حمران (2) في الحسن قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن امرأة تزوجت في عدتها بجهالة منها بذلك، قال: فقال: لا أرى عليها شيئا، و يفرق بينها و بين الذي تزوج بها و لا تحل له أبدا، قلت: فإن كانت قد عرفت أن ذلك محرم عليها ثم تقدمت على ذلك، فقال: إن كانت قد تزوجته في عدة لزوجها الذي طلقها عليها فيها الرجعة، فإني أرى أن عليها الرجم، و إن كانت تزوجت في عدة ليس لزوجها الذي طلقها عليها فيها الرجعة، فإني أرى عليها حد الزاني و يفرق بينها و بين الذي تزوجها، و لا تحل له أبدا».
أقول: قيد في الاستبصار صدر الخبر بما إذا دخل بها ليصح تأبيد الحرمة و أنت خبير بأن الخبر بتمامه و ما اشتمل عليه من الأحكام لا يتم إلا مع الدخول بها فالتقييد لا يختص بصدر الخبر، بل لا بد من التقييد في جملة ما اشتمل عليه من الأحكام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن الحلبي (3) في الحسن أو الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المرأة الحبلى يموت زوجها فتضع و تزوج قبل أن تمضي لها أربعة أشهر و عشرا، فقال: إن كان دخل بها فرق بينهما، ثم لم تحل له أبدا،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 428 ح 10، التهذيب ج 7 ص 307 ح 33، الوسائل ج 14 ص 347 ح 17.
(2) التهذيب ج 7 ص 487 ح 166، الوسائل ج 14 ص 348 ح 10.
(3) الكافي ج 5 ص 427 ح 4، التهذيب ج 7 ص 306 ح 31، الوسائل ج 14 ص 346 ح 6.
587
و اعتدت بما بقي عليها من الأول، و استقبلت عدة اخرى من الآخر ثلاثة قروء و إن لم يكن دخل بها فرق بينهما و اعتدت بما بقي عليها من الأول، و هو خاطب من الخطاب».
و عن محمد بن مسلم (1) في الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها؟ قال: إن كان دخل بها فرق بينهما و لم تحل له أبدا، و أتمت عدتها من الأول، و عدة اخرى من الآخر، و إن لم يكن دخل بها فرق بينهما و أتمت عدتها من الأول، و كان خاطبا من الخطاب».
قال الشيخ في كتابي الأخبار قوله «و هو خاطب من الخطاب» محمول على من عقد عليها و هو لا يعلم أنها في عدة، و حينئذ يجوز له العقد عليها بعد انقضاء عدتها.
و عن سليمان بن خالد (2) في الموثق قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة في عدتها؟ فقال: يفرق بينهما، فإن كان دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، و يفرق بينهما و لا تحل له أبدا، و إن لم يكن دخل بها فلا شيء لها من مهرها».
و عن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في رجل نكح امرأة و هي في عدتها قال: يفرق بينهما، ثم تقضي عدتها، فإن كان دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها و يفرق بينهما، و إن لم يكن دخل بها فلا شيء لها».
أقول: ينبغي تقييد استحقاقها المهر- بما استحل من فرجها- بما إذا كانت جاهلة بالتحريم.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 428 ح 8، الوسائل ج 14 ص 346 ح 9.
(2) الكافي ج 5 ص 427 ح 6، التهذيب ج 7 ص 308 ح 39، الوسائل ج 14 ص 346 ح 7.
(3) الكافي ج 5 ص 427 ح 9، الوسائل ج 14 ص 346 ح 8.
588
و ما رواه
في التهذيب عن زرارة (1) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) «في امرأة تزوجت قبل أن تنقضي عدتها، قال: يفرق بينهما، و تعتد عدة واحدة منهما جميعا».
و عن أبي العباس (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المرأة تتزوج في عدتها قال:
يفرق بينهما و تعتد عدة واحدة منهما جميعا».
و ما رواه
في الكافي عن إسحاق بن عمار (3) في الموثق قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الأمة يموت سيدها، قال: تعتد عدة المتوفى عنها زوجها، قلت: فإن رجلا تزوجها قبل أن تنقضي عدتها؟ قال: يفارقها، ثم يتزوجها نكاحا جديدا بعد انقضاء عدتها، قلت: فأين ما بلغنا عن أبيك في الرجل إذا تزوج المرأة في عدتها لم تحل له أبدا، قال: هذا جاهل».
و ما رواه
الشيخ عن جميل عن بعض أصحابه (4) عن أحدهما (عليهما السلام) «في المرأة تزوج في عدتها، قال: يفرق بينهما و تعتد عدة واحدة منهما جميعا، و إن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للأخير و إن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر فهو للأول».
و رواه الصدوق بطريقه إلى جميل بن دراج (5) نحوه.
و عن عبد الله بن الفضل الهاشمي (6) عن بعض مشيخته قال: «قال: أبو عبد الله (عليه السلام): قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة توفي زوجها و هي جبلي فولدت قبل أن يمضي أربعة أشهر و عشرا، و تزوجت قبل أن تكمل الأربعة الأشهر و العشر فقضى
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 308 ح 36، الوسائل ج 14 ص 347 ح 11.
(2) التهذيب ج 7 ص 308 ح 38، الوسائل ج 14 ص 347 ح 12.
(3) الكافي ج 6 ص 171 ح 2، التهذيب ج 8 ص 155 ح 138، الوسائل ج 14 ص 345 ح 15.
(4) التهذيب ج 7 ص 309 ح 41، الوسائل ج 14 ص 347 ح 14.
(5) الفقيه ج 3 ص 301 ح 24، الوسائل ج 14 ص 347 ح 14.
(6) التهذيب ج 7 ص 474 ح 111، الوسائل ج 14 ص 348 ح 16.
589
أن يطلقها، ثم لا يخطبها حتى يمضي آخر الأجلين، فإن شاء موالي المرأة أنكحوها، و إن شاؤا أمسكوها و ردوا عليه ماله».
أقول يجب حمله على عدم الدخول و يشير إليه قوله «و ردوا عليه ماله» يعني المهر، و لو دخل بها لكان لها المهر عوض البضع، و الطلاق هنا عبارة عن المفارقة لبطلان العقد، و قد تقدم ما يفصح عن جميع ذلك في صحيحة الحلبي أو حسنته الأخيرة.
و عن علي بن بشير النبال (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة في عدتها و لم يعلم، و كانت هي قد علمت أنه بقي من عدتها، و أنه قذفها بعد علمه بذلك، فقال: إن كانت علمت أن الذي صنعت محرم عليها فقدمت على ذلك، فإن عليها الحد حد الزاني، و لا أرى على زوجها حين قذفها شيئا، و إن فعلت ذلك بجهالة منها ثم قذفها بالزنا ضرب قاذفها الحد، و فرق بينهما، و تعتد ما بقي من عدتها الأولى و تعتد بعد ذلك عدة كاملة».
و روى أحمد بن محمد (2) بن عيسى في كتاب النوادر عن النضر عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يتزوج المرأة المطلقة قبل أن تنقضي عدتها؟
قال: يفرق بينهما و لا تحل له أبدا، و يكون لها صداقها بما استحل من فرجها، أو نصفه إن لم يكن دخل بها».
إذا عرفت ذلك فالكلام هنا يقع في مواضع: الأول: ينبغي أن يعلم أن تفصيل أحكام المسألة أنهما إما أن يكونا عالمين أو جاهلين، أو تكون المرأة عالمة و الرجل جاهلا أو بالعكس.
و على كل من هذه التقديرات إما أن يحصل دخول أم لا؟ فهنا صور:
(الأولى) أن يكونا عالمين بالعدة و التحريم و يدخل بها.
(الثانية) الصورة بحالها إلا أنه لم يدخل بها، و في هاتين الصورتين تحرم مؤبدا اتفاقا نصا و فتوى كما عرفته من النصوص المذكورة.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 309 ح 42، الوسائل ج 14 ص 349 ح 18.
(2) فقه الرضا: ص 68، الوسائل ج 14 ص 350 ح 21.
590
(الثالثة) أن يكونا جاهلين بالعدة أو التحريم و يدخل بها و هذه كذلك تحرم مؤبدا نصا و فتوى.
(الرابعة) الصورة بحالها إلا أنه لم يدخل، و هذه لا تحرم اتفاقا نصا و فتوى.
(الخامسة) علم إحداهما و جهل الآخر و الذي صرح به جملة من الأصحاب أنه يلزم كل واحد منهما حكمه، فالعالم يلزمه مقتضى علمه، و الجاهل يلزمه مقتضى جهله. و يدل على ذلك ما تقدم في
صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج من قوله «فقلت: و إن كان أحدهما متعمدا و الآخر يجهل، فقال: الذي تعمد لا يحل له أن يرجع إلى صاحبه أبدا»،.
و قريب منها رواية علي بن بشير النبال.
و أورد في هذا المقام بأنه كيف يعقل التحريم في أحد الجانبين خاصة مع أنه متى حرم على أحدهما الآخر لم يجز للآخر التزويج به، لما في ذلك من المعاونة على الإثم و العدوان.
و فيه أن هذا إنما يتم فيما لو علم الآخر بأن من حرم عليه ذلك قدم على ارتكاب المحرم، و أما لو كان جاهلا بذلك فلا ورود لما أوردوه، مثلا إذا كانت الزوجة عالمة بأنها في العدة و أنها يحرم عليها التزويج في هذه الحال، و الذي أراد أن يتزوج بها لا علم له بشيء من ذلك بالكلية فهو جاهل بمعرفة حال المرأة، و ما هي عليه من العلم بالأمرين المذكورين فإنه لا يحصل بتزويجه لها معاونة على الإثم و العدوان.
و على ما ذكرنا تدل رواية علي بن بشير النبال فإنها دلت على أن المرأة كانت عالمة بأنها في العدة، و الزوج غير عالم بذلك و لا عالم بحالها، فإن تزويجه لها صحيح من الجانبين إن جهلت تحريم التزويج في العدة، و أن قذفه لها بالزنا و الحال هذه موجب للحد عليه.
و إن علمت التحريم فالنكاح من جهته صحيح لا يلحقه إثم بذلك و لا عقوبة، و من جهتها باطل فإنها زانية، و يجب عليها حد الزاني، و ليس على زوجها
591
بقذفه لها شيء لثبوت الزنا.
و بالجملة فإن ما ذكروه- من هذا الاشكال و تكلفوا للجواب عنه بما لا يخلو من الاختلال- لا أعرف له وجها وجيها، و الحكم هنا باعتبار صحة النكاح من جهته و بطلانه من اخرى إنما هو بحسب الظاهر، لا بحسب الواقع و نفس الأمر، كما في المختلفين في صحة العقد و فساده.
الثاني: قد صرحوا (رضوان الله عليهم) بأنه لا فرق في العدة بين كونها رجعية أو بائنة، أو عدة وفاة، أو عدة شبهة، و لا في العقد بين الدائم و المنقطع، و هو كذلك لا طلاق النصوص المتقدمة.
قال في المسالك: و في إلحاق مدة الاستبراء بالعدة وجهان، و عدمه أقوى، وقوفا على موضع النص و استصحابا للحل في غيره، و مثله يأتي في الوفاة المجهولة ظاهرا قبل العدة مع وقوعه بعد الوفاة في نفس الأمر، لأن العدة لا تصح إلا بعد بلوغ الخبر و الأقوى عدم التحريم مطلقا أيضا. انتهى.
و أقول: ينبغي أن يعلم أن الحكم في الوفاة المجهولة مقيد بما إذا علم الزوج بالوفاة، و إلا فلو لم يعلم و لا حصل دخول فإنه لا تحرم بغير إشكال، و حينئذ فإذا علم بالوفاة و عقد في تلك المدة المتخللة بين الوفاة و بين العدة، أو دخل و الحال كذلك فالأظهر عدم التحريم المؤبد، لعدم المقتضي له من كونها معتدة أو ذات بعل، أما عدم كونها معتدة فلأن العدة انما تكون بعد العلم بالوفاة أو ما في معناه و إن طال الزمان، و المفروض عدمه. و أما عدم كونها ذات بعل فظاهر، لفرض كونه بعد علم الزوج بالوفاة.
و كيف كان فالمسألة لا تخلو من الاشكال، و إن كان ما ذكره (قدس سره) و غيره من الأصحاب هو الأظهر في بادى النظر لما ذكر، إلا أن الفرع المذكور غريب يحتاج الحكم فيه إلى دليل واضح و إن كان الأصل الحل، و هو معتمد الأصحاب.
و احتمل بعض هنا التحريم المؤبد، قال: لأنه لو تزوجها بعد هذا الزمان
592
في زمان العدة لاقتضى التحريم ففيه أولى لأنه أقرب إلى زمان الزوجية ورد بمنع تحقق الأولوية. و بالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الاشكال.
الثالث: قد صرحوا أيضا بأنه مع الدخول فإنها تحرم على أبيه و ابنه مطلقا، لأنه إما زنا أو وطئ شبهة، و قد تقدم أنهما موجبان لذلك على الأصح و إن كان الثاني منهما عندي لا يخلو عن توقف كما تقدم ذكره.
الرابع: إطلاق النصوص و كلام الأصحاب يقتضي أنه متى كان العقد في العدة فإنه يقتضي التحريم المؤبد مع الدخول جاهلا سواء كان الدخول في العدة أو بعدها، إلا أنه قال في المسالك: و وطئ الجاهل بالتحريم بعد العدة لا أثر له في التحريم و إن تجدد له العلم، و إنما المحرم الوطي فيها أو العلم بالتحريم حاله العقد، و هو مشكل، و لم أقف على من ذكر ذلك غيره، و إلى ما ذكرناه هنا تنبه صاحب الكفاية أيضا.
الخامس: قد اختلفت الروايات المذكورة هنا في تعدد العدة و اتحادها و المشهور بين الأصحاب وجوب التعدد، حتى قال السيد السند في شرح النافع:
إن القول بإجزاء العدة الواحدة غير معروف القائل.
و في شرح المختصر لابن فهد أن القائل هنا أبو علي بن الجنيد، و من أجل قولهم بوجوب التعدد (1) حمل الشيخ في كتابي الأخبار روايتي زرارة و أبي العباس المتقدمتين- الدالتين على العدة الواحدة- على ما إذا لم يكن الثاني قد دخل بها.
و هو كما ترى، فإن الخبرين قد صرحا بأنها تعتد عدة واحدة منهما جميعا، فكيف تعتد من الثاني و هو لم يدخل بها، ما هذه إلا غفلة ظاهرة،
____________
(1) أقول ظاهره في المسالك الميل الى القول باتحاد العدة حيث قال: في القول بالاكتفاء بواحدة مجهول القائل، و لكن مستنده روايات كثيرة، ثم نقل صحيحة زرارة، بل رواية أبي العباس و نقل جواب الشيخ عنهما، ورده بما ذكرناه في الأصل و لم يرد على ذلك. (منه- (قدس سره)-).
593
و جملة من المتأخرين منهم السيد السند في شرح النافع و المحدث الشيخ محمد الحر جمعوا بين الأخبار بحمل التعدد على الاستحباب، و زاد في الوسائل حمل أخبار العدة الواحدة على التقية.
أقول: قد عرفت مما قدمناه في التذنيب الذي في آخر المسألة المتقدمة أن الأظهر إنما هو حمل أخبار التعدد على التقية، لما عرفت من ظهور تلك الروايتين المتقدمتين ثمة في ذلك.
السادس: قد صرح الشيخ و غيره من الأصحاب بأنه مع الدخول يجب عليه المهر، و هو مما لا إشكال فيه، لكن هل الواجب هو المسمى في العقد أو مهر المثل؟
الذي صرح به الشيخ و المحقق في الشرائع هو المسمى، نظرا إلى أن المسمى هو الذي وقع التراضي عليه في العقد، و الأظهر ما صرح به آخرون من مهر المثل لانه الواجب مع عدم المقدر و هو هنا كذلك لأن العقد وقع باطلا فيبطل ما اشتمل عليه من المسمى، و قد تقدم ما فيه مزيد إيضاح لذلك.
و الظاهر من كلام الأصحاب هو أن المهر مخصوص بالدخول، و مع عدم الدخول فلا شيء لها، و عليه تدل رواية أبي بصير المتقدمة، و قوله فيها «و إن لم يكن دخل بها فلا شيء لها» و مثلها رواية سليمان بن خالد أيضا إلا أن رواية أحمد بن محمد بن عيسى في كتابه النوادر دلت على أنه مع عدم الدخول لها نصف المهر، و هي دالة على التنصيف في انفساخ عقد الشبهة، و لا أعلم بمضمونها قائلا، و سيأتي تحقيق المسألة في محله إن شاء الله.
السابع: قال في المسالك في هذا المقام: و في إلحاق ذات البعل بالمعتدة وجهان أيضا: من مساواتها لها في المعنى، و زيادة علقة الزوجية فيكون من باب مفهوم الموافقة، و انتفاء العدة التي هي مورد النص، و إن كان اختصاص العدة بمزية خاصة.
أقول: قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك و أن الظاهر كون الحكم في الموضعين
594
واحدا للروايات التي تقدمت ثمة، لا بهذه التعليلات العليلة.
الثامن: إذا تزوج في العدة و دخل بها فحملت فمتى كان جاهلا كان النكاح شبهة فيلحق به الولد، لأنه في حكم النكاح الصحيح كما تقدم، بشرط أن يكون لستة أشهر فصاعدا من وقت الوطي، و إن جاءت به لأقل من ستة أشهر من حين الوطي فهو للأول، و على ذلك يدل
مرسلة جميل (1) المتقدمة، و قوله فيها «و إن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للأخير، و إن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر فهو للأول».
التاسع: ما اشتملت عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) من تقسيم الجاهل إلى من كان جاهلا بالعدة أو جاهلا بالتحريم و إن علم العدة، و أن كلا منهما معذور يصح نكاحه ظاهرا مما لا إشكال و لا خلاف فيه.
و توضيح معنى الخبر على وجه يظهر لكل من نظر أن نقول: قد اشتمل هذا الخبر على فردي الجاهل بالحكم الشرعي و الجاهل ببعض جزئيات الحكم الشرعي و أفراد موضوعه، و دل على معذورية كل منهما، إلا أن الأول أعذر، لعدم قدرته على الاحتياط، و ذلك فإن الجاهل بالحكم الشرعي، و هو تحريم التزويج في العدة جهلا ساذجا غير متصور له بالمرة، لا يتصور الاحتياط في حقه بالكلية لعدم تصوره الحكم بالمرة كما عرفت.
و أما الجاهل بكونها في عدة مع علمه فتحريم التزويج في العدة، فهو جاهل بموضوع الحكم المذكور مع معلومية أصل الحكم له، و هذا يمكنه الاحتياط بالفحص و السؤال عن كونها ذات عدة أم لا، إلا أنه غير مكلف به، بل
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 309 ح 41، الفقيه ج 3 ص 301 ح 24، الوسائل ج 14 ص 347 ح 14.
(2) الكافي ج 5 ص 427 ح 3، التهذيب ج 7 ص 306 ح 32، الوسائل ج 14 ص 345 ح 4.
595
ظاهر جملة من الأخبار مرجوحية السؤال و الفحص، كما في غير هذا الموضع كما حققناه في محل أليق، عملا بسعة الشريعة الحنفية.
نعم متى كان الجهل ببعض جزئيات الحكم الشرعي مع العلم بأصل الحكم فإنه يجب الفحص و السؤال، كما تضمنته
صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) «قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان الجزاء عليهما أو على كل واحد منهما؟ قال: لا، بل عليهما أن يجزي كل واحد منهما عن الصيد، قلت: إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك، فلم أدر ما عليه، فقال: (عليه السلام) إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط».
و ظاهر الخبر أن السائل كان عالما بأصل وجوب الجزاء عليهما، و إنما الشك في موضعه بأن يكون عليهما معا جزاء واحد يشتركان فيه، أو على كل واحد جزاء بانفراده (2).
____________
(1) الكافي ج 4 ص 391 ح 1، التهذيب ج 5 ص 466 ح 277، الوسائل ح 9 ص 210 ح 6.
(2) فهو يرجع الى الشك في جزئي من جزئيات ذلك الأمر الكلى، و هو وجوب الجزاء على المحرم، و بالجملة مع العلم بأصل الحكم الشرعي ان حصل الشك في معروضه و محله، كما إذا علم بتحريم الميتة و شك في كون هذا اللحم ميتة أم لا؟ و علم بتحريم التزويج في العدة و لكن شك في كون تلك المرأة في عدة أم لا؟ فإنه لا يجب عليه الفحص و السؤال، بل ورد النهى عنه عملا بسعة الشريعة.
و ان حصل الشك في كون هذا الجزئي هل هو من جزئيات ذلك الحكم أم لا؟ وجب الفحص و السؤال، لأنه شك في نفس الحكم الشرعي، و قد علم من الآيات و الاخبار وجوب البناء على اليقين و العلم، و حينئذ فيجب عليه الفحص و السؤال: و ان تعذر فالوقوف على جادة الاحتياط. هذا كله مع العلم بأصل الحكم الشرعي، و أما مع عدمه بأن كان جاهلا به فان كان جهلا سازجا بالاصطلاح فهو معذور لعدم إمكان الاحتياط في حقه كما ذكرناه في الجاهل بتحريم التزويج في العدة، و الا فالواجب عليه الفحص و السؤال، و ان تعذر العلم بالحكم فليعمل على الاحتياط كما تضمنته رواية بريد الكناسي بالنسبة إلى العالمة بالعدة الا إلها لم تقدر بقدرها، قال (عليه السلام): «إذا علمت أن عليها العدة لزمت الحجة فتسأل حتى تعلم». (منه- (قدس سره)-).
596
المسألة الثالثة [حرمة أم الغلام الموطوء و أخته و بنته على الواطئ]
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بأن من لاط بغلام فأوقب فإنه يحرم على الواطئ العقد على أم ذلك الموطوء و أخته و بنته، هذا مع عدم سبق عقدهن على الفعل المذكور، فلو سبق فإن الفعل المذكور لا يوجب تحريما، عملا باستصحاب الحل السابق، «و أن الحرام لا تحرم الحلال».
و مما يدل على الوجه الذي قلناه أخبار عديدة، و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة في هذا المقام.
منها: ما رواه
في الكافي عن حماد بن عثمان (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل أتى غلاما، أ تحل له أخته، قال: فقال: إن كان ثقب فلا».
و عن ابن أبي عمير (2) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يعبث بالغلام قال: إذا أوقب حرمت عليه ابنته و أخته».
قال في الكافي (3) و بهذا الاسناد عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل يأتي أخا امرأته فقال: إذا أوقبه فقد حرمت عليه المرأة»،.
أقول: المراد أنه أتى أخاها قبل أن يتزوج بها».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 417 ح 1، الوسائل ج 14 ص 340 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 417 ح 2، الوسائل ج 14 ص 339 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 418 ح 4، الوسائل ج 14 ص 339 ح 2.
597
و عن موسى بن سعدان (1) عن بعض رجاله قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) جالسا فقال له رجل: ما ترى في شابين كانا مصطحبين، فولد لهذا غلام و للآخر جارية، أ يتزوج ابن هذا ابنة هذا، قال: فقال: نعم سبحان الله لم لا يحل؟ فقال:
إنه كان صديقا له، قال: فقال: و إن كان فلا بأس، قال: فإنه كان يفعل به، قال:
فأعرض بوجهه، ثم أجابه و هو مستتر بذارعيه، فقال: إن كان الذي كان منه دون الإيقاب فلا بأس أن يتزوج، و إن كان قد أوقب فلا يحل له أن يتزوج».
و ما رواه
الصدوق في كتاب عقاب الأعمال (2) قال: «روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل لعب بغلام، قال: إذا أوقب لن تحل له أخته أبدا».
و رواه البرقي في المحاسن (3) مثله.
و ما رواه
الشيخ (4) عن إبراهيم بن عمر عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل لعب بغلام، هل تحل له امة؟ قال: إن كان ثقب فلا».
و هذه الأخبار كلها كما ترى ضعيفة السند بالاصطلاح المحدث، و لكن أصحابنا المتأخرين تمسكوا هنا في الحكم المذكور بالإجماع المنقول و جبر ضعف الأخبار بالشهرة بين الأصحاب، و لا يخفى عليك ما فيه، و لكن ضيق الخناق بالعمل بهذا الاصطلاح ألجأهم إلى هذه الأعذار الواهية.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أن تحقيق الكلام في المقام يتوقف على بيان أمور:
الأول [ما حد الإيقاب؟]
الظاهر أن الإيقاب المترتب عليه التحريم في هذا المقام هو إدخال بعض الحشفة و لو قليلا و إن لم يترتب عليه الغسل، فإن الغسل إنما يجب بغيبوبة الجميع،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 417 ح 3، التهذيب ج 7 ص 310 ح 43، الوسائل ج 14 ص 340 ح 3.
(2) عقاب الأعمال ص 316 ح 4 ط إيران، الوسائل ج 14 ص 340 ح 5.
(3) المحاسن ص 112 ح 104، الوسائل ج 14 ص 340 ح 5.
(4) التهذيب ج 7 ص 310 ح 45، الوسائل ج 14 ص 340 ح 7.
598
يقال: وقب الشيء يقب وقوبا: إذا أدخل، و الدخول يصدق بإدخال بعض الحشفة و بالجملة فإن الحكم مما لا خلاف فيه لغة و شرعا.
الثاني [تعدي الحكم إلى الأم و إن علت، و البنت و إن سفلت]
ظاهر الأصحاب الاتفاق على تعدي الحكم إلى الأم و إن علت، و البنت و إن سفلت، فتحرم على الفاعل جدات المفعول لأب كن أو لام، لصدق الام على كل منهن، و كذا القول في البنات، سواء كن بنات أولاد أو بنات بنات، و تعدي الحكم في الموضعين، إما من حيث شمول اللفظين المذكورين لذلك حقيقة (1) أو للاتفاق على الحكم المذكور، و ظاهره في المسالك أنه لو لا ذلك لكان للكلام في التعدي مجال، قال: لما عرفت من أنهما حقيقتان في المتصلتين دون المنفصلتين بالوسائط.
أقول: لا يخفى أن المستفاد من الآيات و الروايات الواردة في الميراث و النكاح هو العموم و الشمول في الأمهات و البنات، و الآباء و الأولاد لمن ارتفع من الآباء و الأمهات، و من نزل من الأولاد و البنات، فلو ادعى كون ذلك حقيقة شرعية- لاستعمال الشارع لهما في هذا المعنى- لم يكن بعيدا.
و قد تقدم الكلام في ذلك و تحقيق القول فيه في مواضع، و لا سيما في كتاب الخمس، نعم المستعمل في عرف الناس إطلاق الأم و الأب على من يولد منهما الولد بغير فاصلة، و الجد و الجدة على من كانا بفاصلة و هكذا في البنت و بنت البنت، و بالجملة فإن الحكم هنا مما لا خلاف و لا إشكال فيه، أما الأخت فلا يتعدى الحكم إلى بنتها اتفاقا.
الثالث [في شمول الحكم إذا كان الفاعل صغيرا]
الظاهر من كلام الأصحاب أنه لا فرق في الفاعل و المفعول بين الصغير و الكبير عملا بالإطلاق، و نسبه في المسالك إلى الأقوى، و الظاهر أنه أشار
____________
(1) أقول: قال ابن إدريس هنا: و يدخل في تحريم الأم الجدة و ان علت لأنها أم عندنا حقيقة، و كذلك بنت البنت، و كذلك بنت ابن بنته و ان سفلن، لأنهن بناته حقيقة.
انتهى، و هو مبنى على ما تقدم نقله عند من مذهبه في كون أولاد الأولاد أولادا حقيقة، كما تقدم في كتاب الخمس. (منه- (قدس سره)-).
599
إلى ما ذكره العلامة في القواعد من الإشكال في شمول ذلك للفاعل إذا كان صغيرا.
و وجه الاشكال على ما ذكره بعض شراح الكتاب (1) من حيث عموم «من وطأ غلاما» المتناول للصغير و الكبير، و من قرينة «حرم عليه» الدالة على اختصاص الحكم بالمكلفين، فإن الصغير لا يحرم عليه شيء، كما لا يجب عليه شيء و لأصالة عدم التحريم. انتهى.
و قال المحقق الشيخ على (رحمه الله) في توجيه الاشكال المذكور، منشأه من أن التحريم الوارد في النص دليل على أن هذا الحكم إنما هو في البالغ، لامتناع تعلق التحريم في الصبي، و من أن النص خرج مخرج الغالب، و أن هذا الفعل إنما يقع غالبا من البالغ، و لأنه بعد البلوغ يصدق عليه أنه رجل أوقب غلاما تعلق به التحريم، لعموم النص لمن تقدم إلحاقه على البلوغ و من تأخر عنه.
انتهى.
أقول: لا يخفى على من راجع أخبار المسألة و هي التي قدمناها لم يشذ منها شيء- أن موردها بالنسبة إلى الفاعل إنما هو الرجل، و هو ظاهر بل صريح في الكبير، و به يظهر أنه لا وجه لقول الشارح الأول أن مستند الاشكال عموم «من وطأ غلاما» المتناول للصغير و الكبير، و قوله في الوجه الثاني من وجهي الاشكال و من قرينة «حرم عليه» الدالة على اختصاص الحكم بالمكلفين.
و لا معنى أيضا لما ذكره المحقق الشيخ على في وجهي الإشكال، من الاستناد إلى التحريم الوارد في النص بمعنى أن الدليل على كونه كبيرا، إنما هو التحريم الوارد في النص، فإن الصبي لا تحريم بالنسبة إليه، إذ هو غير مخاطب بالمرة، و من أن التحريم إنما خرج مخرج الغالب، و ذلك فإنه إذا كان المصرح به في الأخبار بالنسبة إلى الفاعل إنما هو الرجل الذي إنما يطلق على البالغ، و لا سيما بقرينة
____________
(1) أقول: هو الفاضل عميد الحق و الدين عبد المطلب بن الأعرج الحسيني أحد تلامذة العلامة في شرحه المسمى بكنز الفوائد في حل مشكلات القواعد. (منه- (قدس سره).
600
المقابلة بالغلام، فأي وجه لهذه الاعتبارات المتكلفة و التوجيهات المتعسفة، نعم ما ذكره أخيرا- من قوله- و لأنه بعد البلوغ يصدق عليه أنه رجل إلى آخره- محتمل إلا أنه مقابل بأصالة الحلية و عدم التحريم.
و بالجملة فالمسألة لا يخلو من شوب الاشكال، و إن كان الاحتياط فيما ذكروه (رضوان الله تعالى عليهم)، و كيف كان فإنه على تقدير الشمول للصغير فإن التحريم يتعلق بالولي قبل بلوغ الفاعل، و بعد البلوغ يتعلق به كما صرحوا به أيضا.
الرابع: هل الام و البنت الرضاعيتان تدخلان تحت التحريم هنا فتحرمان كما تحرمان من النسب؟
استشكل العلامة في القواعد في ذلك، و منشأه من أن صدق الام و البنت عليهما إنما هو بطريق المجاز، لأن الحقيقة إنما تصدق على ما إذا كان بالولادة، فلا يتناولهن النص الوارد بالتحريم، و من عموم قوله (عليه السلام) (1)
«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
أقول: و قد تقدم الكلام هنا في هذه المسألة في آخر المطلب الثاني في الرضاع في المسألة الثانية من مسائل المورد السابع، و قد ذكرنا ثمة أن التحريم هو الأقوى و هو المشهور، و أن القول الأخر بمحل من القصور.
الخامس [الخلاف في شمول المفعول للميت]:
استشكل العلامة في القواعد في شمول المفعول للميت، بمعنى لو لاط ميتا فهل تحرم عليه تلك المحرمات المذكورة أم لا؟ و منشأه الإشكال من العموم الشامل للميت، و من خروجه بالموت عن كونه مشهية طبعا، و تعلق أحكام الجناية، فإن المتبادر إلى الفهم من النص إنما هو الحي دون الميت، كذا ذكره المحقق الشيخ علي، ثم قال: و التحريم ليس ببعيد.
و قال بعض شراح الكتاب (2) في توجيه الاشكال أنه ينشأ من عموم النص
____________
(1) الكافي ج 5 ص 437 ح 2 و 3، التهذيب ج 7 ص 291 ح 59 و ص 292 ح 60، الوسائل ج 14 ص 281 ح 3 و 4.
(2) هو السيد عميد الدين المتقدم ذكره في الحاشية السابقة. (منه- (قدس سره)-).
601
الصادق على الحي و الميت، و من أنه بالموت خرج عن إلحاق أحكام الأحياء و صار جاريا مجرى الجمادات. انتهى.
أقول: أما ما استندوا إليه في وجه التحريم من إطلاق النصوص ففيه ما صرح غير واحد من الأصحاب- في غير موضع من الأحكام، بل صار كالقاعدة الكلية- من أن إطلاق الأخبار إنما يحمل على الأفراد الغالبة المتكثرة المتكررة و هي التي يتبادر إليها الإطلاق دون الفروض النادرة التي ربما لا تقع و إنما تذكر فرضا، و بذلك يظهر لك أن ما ذكره المحقق المتقدم ذكره- من أن التحريم غير بعيد- في غاية البعد.
السادس [عدم تحريم شيء على المفعول]
قد صرح جملة من الأصحاب بأنه لا يحرم على المفعول بسبب ذلك الفعل شيء، و إنما التحريم على الفاعل خاصة، و قال السيد السند في شرح النافع: أنه نقل عن بعض الأصحاب تعلق التحريم به كالفاعل، ثم قال: و هو ضعيف انتهى، و هو كذلك لعدم الدليل على ذلك.
السابع [في تحريم بنت الفاعل على ابن المفعول و بالعكس]
ما تضمنته مرسلة موسى بن سعدان (1) عن بعض رجاله من تحريم بنت الفاعل على ابن المفعول و بالعكس لم أقف على قائل به من الأصحاب، و لا على من نبه عليه في هذا الباب، بل الظاهر منهم الجواز، إلا أن الخبر لا معارض له إلا العمومات، و يمكن تخصيصها به حيث لا معارض له على الخصوص إلا أنه بعد لا يخلو من الاشكال، و الاحتياط لا يخفى سيما في الفروج، كما صرحت به الأخبار.
الثامن [عدم التحريم لو سبق العقد عليهن]
قد تقدم في صدر المسألة أن تحريم المذكورات مشروط بسبق الفعل على العقد عليهن، فلو سبق العقد عليهن فإنه لا تحرم، و هو مما لا إشكال فيه لما تقدم، و إنما الإشكال فيما لو فارق من سبق عقدها قبل الفعل، فهل يجوز
____________
(1) الكافي ج 5 ص 417 ح 3، التهذيب ج 7 ص 310 ح 43، الوسائل ج 14 ص 340 ح 3.
602
له تجديد نكاحها بعده أم لا؟
استظهر السيد السند في شرح النافع الأول و لم يبين وجهه، ثم احتمل عدمه، لصدق سبق الفعل بالنسبة إلى العقد الجديد، و المسألة عندي لا يخلو من شوب الاشكال لعدم النص و الاحتمال المذكور قريب، بل لا يبعد ترجيحه لدخوله بالنسبة إلى هذا العقد المتأخر تحت إطلاق الأخبار المتقدمة الموجبة للتحريم، و يؤيده أنه الأحوط في المقام. و الله العالم.
المسألة الرابعة [حكم تزويج المحرم]
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في أنه لو عقد المحرم على امرأة عالما بالتحريم حرمت عليه مؤبدا و إن لم يدخل بها، و لو كان جاهلا فسد العقد و لم تحرم مؤبدا و إن دخل.
و نقل في المنتهى إجماع الفرقة على الحكمين المذكورين- أعني حكمي العالم و الجاهل- و أسنده في التذكرة إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، و الأصل في ذلك الأخبار، إلا أنها بحسب الظاهر مختلفة.
فمنها ما يدل على أن النكاح باطل بقول مطلق، و من ذلك ما رواه الشيخ في فمنها ما يدل على أن النكاح باطل بقول مطلق، و من ذلك ما رواه
الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس للمحرم أن يتزوج و لا يزوج، فإن تزوج أو زوج محلا فتزويجه باطل بقول مطلق».
، و بهذا المضمون روايات عديدة.
و منها ما يدل على البطلان أيضا مع التصريح بجواز تزويجها بعد الإحرام
كصحيحة محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضي أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ملك بضع امرأة و هو محرم قبل أن يحل، فقضى أن يخلي سبيلها و لم يجعل نكاحه شيئا حتى يحل فإذا أحل خطبها إن شاء، فإن شاء أهلها زوجوه».
و هي دالة
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 328 ح 41، الفقيه ج 2 ص 230 ح 68 الا ان فيه «و لا يزوج محلا»، الوسائل ج 9 ص 89 ح 1.
(2) التهذيب ج 5 ص 330 ح 47، الوسائل ج 9 ص 92 ح 3.
603
بإطلاقها على عدم التحريم المؤبد أعم من أن يكون عالما أو جاهلا.
و منها ما دل بإطلاقه على تحريم المؤبد عالما كان أو جاهلا، و هو ما رواه
الشيخ عن أديم بن الحر الخزاعي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن المحرم إذا تزوج و هو محرم فرق بينهما و لا يتعاودان أبدا».
و في الموثق عن ابن بكير عن إبراهيم بن الحسن (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن المحرم إذا تزوج و هو محرم فرق بينهما ثم لا يتعاودان أبدا».
و منها ما يدل على التحريم المؤبد إن كان عالما بالتحريم، و هو ما رواه
الكليني و الشيخ عن زرارة و داود بن سرحان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال فيه «و المحرم إذا تزوج و هو يعلم أنه حرام عليه لم تحل له أبدا».
و روى الحسين بن سعيد في كتابه بسنده فيه عن أديم بياع الهروي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الملاعنة إذا لا عنها زوجها لم تحل له أبدا- إلى أن قال-:
و المحرم إن تزوج و هو يعلم أنه حرام عليه لا تحل له أبدا».
و الشيخ (رحمه الله) قد حمل روايتي أديم بن الحر و إبراهيم بن الحسن- الدالتين بإطلاقهما على التحريم المؤيد مطلقا- على ما إذا كان عالما، و حمل صحيحة محمد بن قيس- الدالة على جواز المراجعة بعد الإحرام مطلقا عالما كان أو جاهلا- على الجاهل، و استند في هذا الحمل إلى رواية زرارة و داود بن سرحان، فإنها تدل بمنطوقها على التحريم المؤبد مع العلم، و تدل بمفهومها على عدم التحريم
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 329 ح 45، الوسائل ج 9 ص 91 ح 2.
(2) الكافي ج 4 ص 372 ح 3، التهذيب ج 5 ص 329 ح 46، الوسائل ج 9 ص 91 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 426 ح 1، التهذيب ج 7 ص 305 ح 30، الوسائل ج 14 ص 378 ح 1.
(4) مستدرك الوسائل ج 2 ص 581 ب 32 ح 1.
604
مع الجهل و هو جمع حسن لا يعتريه الاشكال، سيما مع تأيده بالإجماع المدعى في المقام كما عرفت، و الرواية الثانية المنقولة من كتاب الحسين بن سعيد.
و بذلك يظهر ضعف مناقشة صاحب المسالك و سبطه السيد السند في هذا المقام من حيث ضعف رواية زرارة و داود بن سرحان مع أنهما في غير موضع قد عملا بالأخبار الضعيفة من حيث جبرها بالشهرة، و قد عرفت دعوى الإجماع هنا و عدم ظهور المخالف، و يظهر من صاحب المسالك أنه ليس في هذا الباب من الأخبار إلا رواية زرارة المذكورة، و نقل عن ابن إدريس و الشيخ فخر الدين بن العلامة أنهما أطلقا التحريم مع العلم و مع الدخول في صورة الجهل.
و لا بأس بنقل كلامه ليظهر لك ما في نقضه و إبرامه، قال (قدس سره)- بعد ذكر عبارة المصنف الدالة على الحكم بالتحريم المؤبد مع العلم و عدمه مع الجهل- ما لفظه: هذا هو المشهور بين الأصحاب، و مستنده رواية
زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) و من جملتها أن «المحرم إذا تزوج و هو يعلم أنه حرام عليه لا تحل له أبدا».
و هي دالة بإطلاقها على التحريم مع العلم و ان لم يدخل، و مفهومها على عدم التحريم مع عدمه و إن دخل، و يعتضد المفهوم بالأصل فيقوي من ضعفه، و إنما الكلام في حالة العلم لضعف الرواية إلا أنه لا قائل بعدم التحريم مطلقا و إن اختلفت كلماتهم في الشرط، فإن الأكثرين اعتبروا ما ذكره المصنف.
و منهم من اقتصر على حال العلم كالمفيد (رحمة الله عليه) (1) وقوفا مع الرواية
____________
(1) أقول: صورة عبارة الشيخ المفيد (رحمه الله) على ما نقله في المختلف: و من عقد على امرأة و هو محرم مع العلم بالنهي عن ذلك فرق بينهما و لم تحل له أبدا، انتهى.
و هي و ان لم تدل على الجهل و لا الدخول، لكنها تدل من حيث المفهوم على ما ذكره الشيخ من عدم التحريم مع الجهل و ان دخل، و حينئذ فلا يعد ذلك قولا مخالفا كما لا يخفى.
(منه- (قدس سره)-).
605
و منهم من أطلق التحريم من غير فرق بين العالم و غيره كسلار و الصدوق، و جماعة أطلقوا التحريم مع العلم، و مع الدخول في حالة الجهل، منهم ابن إدريس و قواه فخر الدين في شرحه إلى غير ذلك من الاختلافات، و ليس في الباب من النصوص سوى ما ذكرناه. انتهى.
أقول: الظاهر أنه تبع العلامة في المختلف (1) في هذا المقام، فإنه بعد أن نقل عبائر هؤلاء المذكورين في الكتاب كما أشار إليه هنا قال: و الذي بلغنا في هذا الباب ما رواه
زرارة عن الصادق (عليه السلام) «و المحرم إن تزوج و هو يعلم أنه حرام عليه لا تحل له أبدا».
و أنت قد عرفت أن الأخبار في المسألة متكاثرة، إلا أنها بحسب الظاهر مختلفة، و إن ادعيا أنه ليس في الباب إلا رواية زرارة، غفلة عن مراجعة باقي الأخبار المذكورة، و حينئذ فما ذكره المحقق و نحوه غيره من بيان حكم العالم و الجاهل فالظاهر أنهم قد تبعوا الشيخ فيما قدمنا نقله عنه من الجمع بين الأخبار، و هو جيد وجيه، كما لا يخفى على الفطن النبيه، و ما ذكره الشيخ المفيد فإنه يرجع إلى الوقوف على رواية زرارة المذكورة منطوقا و مفهوما.
و ما ذكره الصدوق و سلار من الحكم بالتحريم المؤبد أعم من أن يكون جاهلا أو عالما الظاهر (2) أنهما استندا فيه إلى روايتي أديم و إبراهيم المذكورتين.
____________
(1) أقول: و على هذا النهج جرى المحقق الشيخ على في شرحه على القواعد فقال بعد نقل الأقوال التي في المختلف ملخصا: قال المصنف في المختلف: و الذي بلغنا في هذا الباب ما رواه زرارة ثم ساق كلامه الى آخره، ثم قال: و هو صحيح في موضعه. منه- (قدس سره)-).
(2) بل الأظهر أنه انما استند في ذلك الى كتاب الفقه الرضوي كما هي قاعدته غالبا
فإنه (عليه السلام) قال في الكتاب المذكور «و المحرم إذا تزوج في إحرامه فرق بينهما و لا تحل له أبدا».
و قد قدمنا في كتب العبادات أمثال هذا من الصدوق و أبيه (عطر الله مرقديهما).
(منه- (قدس سره)-).
606
قال في المقنع: و لا يجوز للمحرم أن يتزوج و لا يزوج المحل، و إذا تزوج في إحرامه فرق بينهما و لم تحل له أبدا، و هو كما ترى موافق لما دل عليه الخبران المذكوران و ما ذكره ابن إدريس، أما بالنسبة إلى التحريم مع العلم فدليله واضح من الرواية المذكورة، و أما مع الدخول في صورة الجهل فلا أعرف عليه دليلا من الأخبار، إلا بأن يكون نوعا من الاعتبار كما هي قاعدتهم الجارية في هذا المضمار.
قال ابن إدريس في كتاب السرائر في تعداد المحرمات: و يحرم أيضا على التأييد المعقود عليها في عدة معلومة أي عدة كانت أو إحرام معلوم، و المدخول بها فيهما على كل حال، سواء كان عن علم أو جهل بحالهما، و نحوها عبارة أبي الصلاح، و يمكن أن يكون قد حمل الإحرام على العدة في ذلك.
و مما يدل على عدم التحريم- مع الجهل دخل أو لم يدخل- مفهوم رواية زرارة و داود بن سرحان و إطلاق صحيحة محمد بن قيس، خرج عنها العالم بتقييدها بروايتي أديم و إبراهيم و بقي الجاهل، و بالجملة فالظاهر هو القول المشهور، فإنه لا يعتريه قصور و لا فتور.
و ينبغي أن يعلم أنه إنما يحصل التحريم بالعقد مع صحته لولا المانع الذي هو الإحرام، و حينئذ فلا عبرة بالفاسد، و لا يترتب عليه تحريم سواء علم بفساده أم لا.
و نقل عن العلامة في التحرير أنه استقرب إلحاقه بالصحيح إذا اعتقد صحته و الظاهر بعده، و لا فرق في التحريم بين إحرام الحج و العمرة في ذلك، و لا بين الفرض و النفل، و لا بين كونه عن نفسه أو غيره، و لا بين كون المعقود عليه محرما و عدمه، كل ذلك لإطلاق النص، و لو انعكس الفرض في الأخير بأن كان الزوج محلا و الزوجة محرمة، فالأصل يقتضي عدم التحريم، و لا نص هنا يوجب الخروج عنه و في بعض عبارات الأصحاب ما يدل على التسوية بين الأمرين، و كيف كان فالعقد
607
فاسد، و الله العالم.
المسألة الخامسة [في وطئ الصبية قبل بلوغ تسع سنين]
لا خلاف في أنه يحرم وطئ الصبية قبل بلوغ تسع سنين، و على هذا فلو خالف و تزوج بصبية لم تبلغ تسع سنين فوطأها فقد اختلف كلام الأصحاب في ذلك.
فقال الشيخ في النهاية: إنه إذا وطأها فرق بينهما و لم تحل له أبدا.
و قال: الشيخ المفيد (عطر الله مرقده): الرجل إذا جامع الصبية و لها دون تسع سنين فأفضاها كان عليه دية نفسها، و القيام بها حتى يفرق الموت بينهما.
و قال: ابن الجنيد: فإن أولج عليها بالوطء فأفضاها قبل تسع سنين فعليه أن لا يطلقها حتى يموت، و ينفق عليها و يقوم بأمرها، فإن أحب طلاقها غرم ديتها و لزمه مع ذلك مهرها.
و قال ابن حمزة لما عد المحرمات و ذكر من جملتها التي أفضاها بالوطي و هي في حباله: و لها دون تسع سنين، و تبين منه بغير طلاق.
و قال ابن إدريس: إنها تحرم مؤبدا لكن لا تبين منه و لا ينفسخ عقدها بمجرد ذلك، بل هو بالخيار بين أن يطلقها أو يمسكها و لا يحل له وطؤها أبدا، و ليس بمجرد الوطي تبين منه و ينفسخ عقدها، كما يظن ذلك من لا يحصل شيئا من هذا الفن، و لا يفهم معنى ما يقف عليه من سواد الكتب.
و معنى قول الشيخ- فرق بينهما- أي في الوطي، دون بينونة العقد و انفساخه، لا جماع أصحابنا على أن من دخل بالمرأة وطأها دون تسع سنين و أراد طلاقها طلقها على كل حال، و لا عدة عليها بعد الطلاق، و إذا كانت قد بانت بوطئها قبل بلوغ التسع فلا حاجة إلى طلاقها. انتهى.
أقول: ظاهر كلام الشيخ أنه بمجرد الدخول بها تحرم عليه و ينفسخ عقدها، إلا أن ابن إدريس حمل التفريق في كلامه على المنع من الوطي و إن بقيت زوجته،
608
و المشهور في كلام المتأخرين أن المحرم إنما هو الإفضاء لا مجرد الدخول (1) و إن قلنا ان التحريم إنما هو في الوطي خاصة.
و ظاهر عبارة الشيخ المفيد بقاء الزوجية، و أن الإفضاء لها إنما يوجب الدية، و القيام بها حتى يفرق الموت بينهما، بمعنى أنه لا يجوز له طلاقها و الحال هذه، و أما تحريمها عليه في الوطي أو خروجها من الزوجية بالكلية فلم يتعرض له، و كذلك عبارة ابن الجنيد، إلا أنه بالإفضاء حرم عليه الطلاق و أوجب عليها القيام بها، و أنه مع ارادة الطلاق يجب عليه ديتها، و يلزمه مهرها.
و عبارة الشيخ المفيد ظاهرة في وجوب الدية و إن لم يطلق، و أما كلام ابن حمزة فإنه صريح في البينونة و انفساخ العقد بالإفضاء (2). و قد عرفت إنكار ابن إدريس ذلك أشد الإنكار، و تشنيعه على صاحب هذا القول. و الواجب أولا نقل ما وصل إلينا من الأخبار، فإنها هي التي عليها المدار في الإيراد و الإصدار.
و منها ما رواه
الصدوق بطريقه إلى الحسن بن محبوب عن أيوب عن حمران (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن رجل تزوج جارية بكرا لم تدرك، فلما
____________
(1) قال المحقق في الشرائع: إذا أدخل بصبية لم تبلغ تسعا فأفضاها حرم عليه وطؤها و لم تخرج عن حبالته، و لو لم يفضها لم تحرم على الأصح. و قال العلامة في القواعد: لا يحل وطي الزوجة الصغيرة قبل أن تبلغ تسعا فان فعل لم تحرم على الأصح إلا مع الإفضاء فتحرم مؤبدا، قيل و لا تخرج من حباله و فيه نظر.
و يجب عليه الإنفاق عليها الى أن يموت أحدهما، و ان طلقها و تزوجت بغيره على اشكال، و على هذا النهج كلام غيرهما. (منه- (قدس سره)-).
(2) بمعنى أن الإفضاء هو الموجب للتحريم أعم من أن يكون تحريم الوطي خاصة أو تحريم بقائها على الزوجية بمعنى أنها لا تكون زوجته بعد ذلك بل تحرم عليه مؤبدا.
(منه- (قدس سره)-).
(3) الفقيه ج 3 ص 272 ح 79، الوسائل ج 14 ص 380 ح 1.
609
دخل بها افتضها فأفضاها فقال: إن كان دخل بها و لها تسع سنين فلا شيء عليه، و إن كانت لم تبلغ تسع سنين و كان لها أقل من ذلك بقليل حين افتضها فإنه قد أفسدها و عطلها على الأزواج، فعلى الامام أن يغرمه ديتها، و إن أمسكها و لم يطلقها حتى تموت فلا شيء عليه».
و طريق الصدوق إلى الحسن بن محبوب في الصحيح، فتكون الرواية حسنة بحمران.
و ما رواه
في الكافي عن يعقوب بن يزيد عن بعض أصحابنا (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا خطب الرجل المرأة فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين فرق بينهما و لم تحل له أبدا».
و عن بريد بن معاوية (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل افتض جارية يعني امرأته فأفضاها، قال: عليه الدية إن كان دخل بها قبل أن تبلغ سنين، قال: فإن كان أمسكها و لم يطلقها فلا شيء عليه، و إن كان دخل عليه و لها تسع سنين فلا شيء عليه إن شاء أمسك، و إن شاء طلق».
و عن الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج جارية فوقع بها فأفضاها، قال: عليه الاجراء عليها ما دامت حية».
قال الشيخ: هذا محمول على من دخل بعد تسع سنين فلا يلزمه الدية، بل الاجراء عليها إن أمسكها أو طلقها.
هذا ما حضرني من روايات هذه المسألة.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 429 ح 12، التهذيب ج 7 ص 311 ح 50، الوسائل ج 14 ص 381 ح 2.
(2) الكافي ج 7 ص 314 ح 18، التهذيب ج 10 ص 249 ح 17، الوسائل ج 14 ص 381 ح 3.
(3) التهذيب ج 10 ص 249 ح 18، الفقيه ج 4 ص 101 ح 19، الوسائل ج 14 ص 381 ح 4، و ج 19 ص 212 ح 2.
610
و أنت خبير بأن غاية ما تدل عليه الرواية الأولى هو أنه بالإفضاء قد عطلها و أفسدها على الأزواج، فعلى الامام أن يغرمها ديتها، و إن أمسكها و لم يطلقها و قام بواجبها فلا دية عليه، و المفهوم منه بقاء النكاح و عدم البينونة بالإفضاء، و أما أنه يحرم عليه نكاحها و يجب التفريق بينهما في النكاح فلا دلالة في الخبر عليه، بل هو في ذلك مطلق، و هذا الرواية مطابقة لما ذهب إليه ابن الجنيد.
و أما الرواية الثانية فهي مطابقة لما تقدم نقله عن الشيخ في النهاية، من أنه بالدخول بها يفرق بينهما و لم تحل له أبدا.
و أما الرواية الثالثة فهي كالرواية الاولى في أنه بالافضاء عليه الدية إن طلقها، و إن أمسكها و قام بواجبها لم يكن عليه شيء، و هي ظاهرة في بقائها على الزوجية و مطلقة في تحريم الوطي و عدمه.
و أما الرواية الرابعة فقد دلت على أنه بالإفضاء عليه القيام بواجبها و إجراء النفقة و نحوها عليها ما دامت حية، و هي أشد الروايات إطلاقا و أعظمها إغلاقا من جهات عديدة.
و يمكن الجمع بين هذه الأخبار بحمل الدخول الذي اشتملت عليه الرواية الثانية على الإفضاء كما هو القول المشهور، و تقييد إطلاق ما عدا الرواية الثانية بها حيث ما عدا الرواية الثانية مطلق في تحريم الوطي و عدمه و إن دلت على بقاء الزوجية، فيحمل إطلاقها على ما دلت عليه الرواية الثانية من أنه بالإفضاء يجب التفريق بينهما يعني في النكاح، و لا يحل له وطؤها أبدا و إن كانت باقية على الزوجية، كما دلت عليه الأخبار الباقية، و به يظهر ضعف قول ابن حمزة من أنها تبين منه بغير طلاق.
و على هذا تلتئم الأخبار و يتلخض من ذلك أنه بالإفضاء يحرم عليه وطؤها و نكاحها و إن كانت زوجته، و لا تبين منه بمجرد ذلك، و أنه إن أمسكها و قام بواجبها فلا إشكال، و لا يجب عليه شيء أزيد من ذلك، و إن طلقها وجب عليه الدية.
611
[فوائد]
و تمام تحقيق القول في المقام يتوقف على رسم فوائد
الأولى [عدم الخروج عن الزوجية بالإفضاء]
قد عرفت من كلام ابن إدريس أنه بالإفضاء لا يخرج عن الزوجية، و إنما يحرم عليه وطؤها مؤبدا و إن كانت زوجته، و من كلام ابن حمزة أنه صريح في الخروج عن الزوجية كما هو ظاهر الخبر الثاني.
و أيد هذا القول جملة من المتأخرين منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و المحقق الثاني في شرح القواعد بأن التحريم المؤبد ينافي مقتضى النكاح إذ ثمرته حل الاستمتاع، و لأنه يمنع النكاح سابقا فيقطعه لاحقا، كالرضاع و اللعان و القذف للزوجة الصماء و الخرساء.
و من أجل ذلك توقف العلامة في المختلف في هذا المقام و تبعه الفاضلان المتقدمان، فقال في المسالك- بعد ذكر ما ذكرناه، و أن الحكم بالبينونة هو الظاهر من مرسلة يعقوب بن يزيد، و عدمه هو الظاهر من رواية بريد بن معاوية- ما لفظه: و الطريق فيهما مظلم فيبنغي التوقف فيه، و قال المحقق الثاني:
و توقف المصنف في المختلف لعدم الظفر بقاطع من الجانبين، و قول ابن حمزة ليس ببعيد و التوقف طريق السلامة. انتهى.
أقول: لا ريب أن ما ذكروه من الوجه الاعتباري- و هو أنه كما يمنع التحريم من النكاح سابقا كذا يبطله لاحقا- جيد، إلا أنك قد عرفت اتفاق حسنة بكير و إن كانوا لم يذكروها في هذا المقام، و رواية بريد على بقاء الزوجية، و هما صريحتان في ذلك مع تأيدهما بالاستصحاب، و هو هنا حجة شرعية لأنه عبارة عن وجوب العمل بمقتضي العقد السابق حتى يثبت المخرج عنه، و مرسلة يعقوب ابن يزيد و إن كان ظاهرها ما ذكروه، إلا أن تأويلها بالحمل على التفريق و التحريم المؤبد في النكاح خاصة جمعا بين الأخبار قريب جدا.
و ما ذكروه من التقريب الاعتباري و إن كان جيدا إلا أنه من الجائز- بعد دلالة الخبرين المذكورين على خلافه- أن يكون ذلك عقوبة له و مؤاخذة له
612
بسوء فعله و ارتكابه هذا الأمر الفظيع، كما دلت على وجوب الدية عليه، فيكون ما ذكروه من ذلك الوجه الاعتباري مخصصا بهذه الروايات بالتقريب المذكور.
و الأصحاب لم ينقلوا في المقام إلا روايتي يعقوب بن يزيد و بريد بن معاوية على أنهم قد خرجوا عن العمل بالرواية المذكورة بالنسبة إلى الدخول فحملوه على الإفضاء، مع أنه لا معارض في ذلك لها فإن ما تضمن الإفضاء من الروايات إنما يترتب عليه الدية خاصة، فكيف يتوقفون في الخروج عنها في محل البحث، و الحال أن المعارض موجود و هو أصرح و أرجح.
الثانية [المراد بالإفضاء]
المشهور أن الإفضاء هو صيرورة مسلك البول و الحيض واحدا بذهاب الحاجز بينهما، و قيل: صيرورة مسلك الغائط و الحيض واحدا، و الظاهر أنه لا يخلو من بعد، لشدة ما بين المسلكين و قوة الحاجز بينهما فلا يكاد يتفق زواله، و سيأتي- إن شاء الله- مزيد تحقيق لذلك في كتاب الديات.
الثالثة [وجوب الإنفاق عليها و حكم ما لو تزوجت]
قال العلامة في القواعد: و يجب عليه الإنفاق عليها إلى أن يموت أحدهما و إن طلقها و تزوجت بغيره على إشكال.
أقول: الظاهر من كلامهم أنه بالإفضاء يجب على الزوج الإنفاق عليها إلى أن يموت أحدهما، و إن خرجت بالإفضاء من الزوجية كما هو أحد القولين أو طلقها فإنه يجب عليه الإنفاق عليها، و استندوا في ذلك إلى إطلاق رواية الحلبي المتقدمة حيث دلت على الأمر بالإجراء عليها ما دامت حية، مع أنك قد عرفت ان مقتضى حسنة حمران و رواية بريد أنه مع الطلاق فالواجب إنما هو الدية و هم لم يتعرضوا لذكر الدية في هذه المسألة بالكلية، كما لا يخفى على من راجع كلامهم.
بقي الكلام فيما إذا تزوجت، فهل يكون الحكم كذلك عملا بإطلاق الرواية المذكورة أم لا؟ نظرا إلى أن الظاهر أن الأمر بالإجراء عليها إنما هو لأنها قد خرجت بالإفضاء عن ان يرغب فيها الأزواج، فأوجب الشارع علي المفضي
613
نفقتها إرفاقا بها، فإذا تزوجت انتفى المقتض من الإرفاق.
و مال المحقق الثاني في شرح الكتاب إلى وجوب الإنفاق عليها في الصورة المذكورة قال بعد الكلام في المسألة: فالذي يجب أن يقال: إن الرواية إن كانت معتبرة وجب العمل بظاهرها، و لا يسقط وجوب الإنفاق بالتزويج. انتهى.
أقول: لا يخفى أن الاستناد في هذا الحكم إلى الرواية المذكورة لا يخفى ما فيه من الاشكال لما هي عليه من غاية الإجمال، فإنه لم يصرح فيها ببلوغ التسع و لا عدمه. فلذا حملها الشيخ على ما بعد بلوغ التسع هذا، مع أن الحكم المذكور ظاهر تمام الظهور من حسنه حمران و رواية بريد فإنهما قد اتفقتا على الدلالة على أنها بالإفضاء فالواجب على زوجها الدية إن طلقها، أعم من أن تتزوج أم لا، و القيام بواجبها إن أمسكها، و بذلك يزول الاشكال و يؤول إلى الاضمحلال.
الرابعة [حكم ما] لو وطأ أجنبية قبل البلوغ بزنا أو نكاح شبهة فأفضاها
، فهل تثبت فيها الأحكام المذكورة من التحريم المؤبد و الإنفاق إلى أن يموت أحدهما أم لا؟
استقرب العلامة في القواعد الأول عدا النفقة فإنه استشكل فيها، و علل وجه القرب في التحريم أن هذا الفعل حيث اقتضى التحريم المؤبد في الزوجة ففي الأجنبية أولى، لأنه أفحش فيناسبه زيادة العقوبة، و ذلك لأنه إذا كانت الزوجة التي قد ملك بالعقد الشرعي نكاحها فتحرم عليه أبدا بالإفضاء، فبطريق الأولى في الأجنبية التي هي يحرم عليه نكاحها.
و أما النفقة فوجه الاشكال فيها ينشأ من أن المقتضي له في الزوجية العقوبة بارتكاب الوطي المحرم، و هي في الأجنبية أفحش، و لحصول الضرر بعدم رغبة الأزواج فيها، و من أن الظاهر أن النفقة تابعة للزوجية، و هي غير موجودة في محل الفرض فلا تكون واجبة، و قال المحقق الشيخ على في الشرح: و الذي يقتضيه النظر ثبوت التحريم المؤبد بإفضاء الأجنبية بزناء أو شبهة من باب مفهوم الموافقة، فإن وطئ الزوجة
614
قبل البلوغ و إن حرم إلا أن وطئ الأجنبية أبلغ منه في التحريم و أفحش، و أما باقي الأحكام فإن إثباتها مشكل، و لا دليل قويا عليه. انتهى.
و نقل عن الشيخ في الخلاف أنه ألحق بالإفضاء للزوجة الإفضاء بوطىء الشبهة في التحريم و وجوب الإنفاق، و عن ابن إدريس أنه منع ذلك.
أقول: و التحقيق في المقام أن جميع ما ذكروه في الأجنبية من الأحكام إنما هو من قبيل أضغاث الأحلام، و إن تستروا عنه بكونه مفهوم موافقة أو أولوية أو نحو ذلك من الكلام، فإن المدار عندنا في الأحكام الشرعية إنما هو على النصوص و دلالتها بالعموم أو الخصوص.
و لا ريب أن القدوم على تحريم ما أحله الله و تحليل ما حرم الله بغير نص واضح جرأة عظيمة لمخالفة الآيات و الروايات، و هذه الأجنبية مما علم حل نكاحها قبل وقوع الفعل اتفاقا، و القول بتحريمها به يحتاج إلى النص الصريح كما ورد في الزوجة.
على أن الأمر في الزوجة كما عرفت آنفا محل إشكال، فنحن في عويل من ذلك لعدم تحقق الجزم بالحكم بكون المحرم هو مجرد النكاح، أو أنها تبين بذلك بالكلية لما عرفت من إجمال النصوص، فكيف بالملحق بها في ذلك.
الخامسة [حكم إفضاء الأمة]
لا يخفى أن مورد الأخبار المتقدمة الزوجة، و على هذا لا تدخل الأمة لو أفضاها، و الظاهر من الأخبار أيضا الإفضاء بالوطء فلا تدخل فيه الإفضاء بالإصبع و نحوها، و بذلك صرح العلامة في القواعد أيضا فقال: و الأقرب عدم تحريم الأمة و المفضاة بالإصبع، و وجه قربه ظاهر مما ذكرناه.
و بالجملة فإن الدليل الوارد في المسألة غير شامل لهما فإدخالهما بغير دليل مجرد قياس لا يوافق أصول الشريعة.
السادسة: لو كان الإفضاء بالوطء بعد بلوغ الزوجة
لم يكن على الزوج شيء لأن الوطي مأذون فيه محلل له شرعا، و إذا حصل به الإفضاء لم يثبت به
615
شيء من هذه الأحكام لعدم الدليل عليه، بل قيام الدليل على خلافه، لقوله (عليه السلام)
في حسنة حمران المتقدمة «إن كان دخل بها و لها تسع سنين فلا شيء عليه».
، و مفهوم الشرط في
رواية بريد «و إن كان بالنسبة إلى الدية».
و بذلك يظهر ما في كلام الشيخ في حمله رواية الحلبي- المتضمنة لوجوب الاجراء عليها- على ما إذا دخل بها بعد بلوغ التسع، و أنه يجب عليه الاجراء عليها أمسكها أو طلقها، فإن فيه أن مقتضى الأصل المؤيد بما نقلناه من حسنة حمران أنه بعد بلوغ التسع لا يتعلق به شيء من هذه الأحكام بالكلية، و إنما هي مخصوصة بالإفضاء قبل التسع.
و الرواية المذكورة فيها من الإجمال ما يمنع الاعتماد عليها في الاستدلال، و ذلك من جهات عديدة: (أحدها) أن الحكم مخصوص بمن لم تبلغ التسع و هي مجملة فيه. (و ثانيها) التحريم مؤبدا في النكاح خاصة أو التزويج و هي مجملة فيه (و ثالثها) وجوب الدية إن طلقها و هي مجملة فيه، و كيف كان فإنه يجب حمل إطلاقها في هذه الأحكام على ما فصله غيرها، و جواب الشيخ عنها في هذه الصورة التي ذكرها لا يحسم مادة الاشكال. و الله العالم.
المسألة السادسة [في أن البنت المتولدة من الزنا حرام على الزاني]
المشهور بين الأصحاب من غير خلاف يعرف أن البنت المتولدة من الزنا حرام على الزاني، و استدل عليه الشيخ في الخلاف بوجهين:
الأول- أنه إذا زنى بامرأة حرمت عليه بنتها و انتشرت الحرمة، و طريقة الاحتياط يقتضي تجنب هذه.
الثاني: قوله تعالى (1) «وَ رَبٰائِبُكُمُ» و هذه بنتها و بنته لغة و إن لم يكن شرعا، و قال ابن إدريس بالتحريم أيضا، لكن لا من هذه الحيثية، بل من حيث إن بنت الزنا كافرة فلا يحل على المسلم نكاحها و ليست بنتا له شرعا و عرف الشارع هو الطاري على عرف اللغة.
____________
(1) سورة النساء- آية 22.
616
ورد (أولا) بمنع كفر ولد الزنا لعدم الدليل عليه، و (ثانيا) بالمنع من طريان عرف شرعي في ذلك لقوله تعالى (1) «إِنْ أُمَّهٰاتُهُمْ إِلَّا اللّٰائِي وَلَدْنَهُمْ» فجعل المولدة مطلقا اما: فتكون المتولدة بنتا على حسب القانون اللغوي.
أقول: و الحق في هذا المقام أن يقال: إن المسألة لعدم ورود شيء فيها من النصوص بالعموم أو الخصوص من المتشابهات
«حلال بين، و حرام بين، و شبهات بين ذلك».
كما استفاضت به الأخبار.
و الحكم في الشبهات كما دلت عليه الأخبار هو الوقوف عن الفتوى فيها و العمل بالاحتياط متى احتيج إلى ذلك، فالواجب هنا- في البنت المتولدة من ماء الزاني بالنسبة إليه، و الولد المتولد من الزانية بالنسبة إليها، و كذا بالنسبة إلى الاخوة و أشباههم في الموضعين- هو العمل بما يقتضيه الاحتياط من المعاملة تارة بحكم الأجنبي، و تارة بحكم الأولاد النسبية، فتحرم المناكحة بينه و بين من تولد منه كالولد النسبي، و يحرم النظر و اللمس كما يحرم في الأجنبي و على هذا فقس، و الله العالم.
____________
(1) سورة المجادلة- آية 2.
617
المطلب الرابع (1) في استيفاء العدد
و المراد به ما هو أعم من العدد في الزوجات و المطلقات و حينئذ فهنا مقامات:
[المقام] الأول: في عدد الزوجات
و فيه مسائل:
الاولى [عدم جواز الزيادة على أربع حرائر و أمتين بالعقد الدائم]
لا خلاف بين الأصحاب بل بين علماء الإسلام كما نقله جملة من الاعلام في أنه لا يجوز للحر أن يجمع بين ما زاد على أربع حرائر بالعقد الدائم، إما بملك اليمين و العقد المنقطع فله ما شاء.
و الأصل في ذلك الكتاب و السنة، قال الله عز و جل (2) «فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ» و الواو للتخيير كما صرحوا به لا للجمع، و إلا لجاز نكاح ثماني عشرة و الجمع بينهن، لأن معنى مثنى: اثنان اثنان، و ثلاث:
ثلاث ثلاث، و رباع، أربع أربع، و هو باطل.
و أما الأخبار بذلك فهي مستفيضة، و منها ما رواه
الصدوق (3) في كتاب عيون الأخبار عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: «و لا يجوز الجمع بين أكثر من
____________
(1) الصحيح حسب الظاهر «المطلب الرابع» بدل «الفصل الرابع».
(2) سورة النساء- آية 3.
(3) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 123 طبع النجف الأشرف، الوسائل ج 14 ص 399 ح 3.
618
أربع حرائر».
و رواه في الخصال (1) عن الأعمش عن الصادق (عليه السلام) مثله، و رواه الحسن ابن على بن شعبة في كتاب تحف العقول (2) مرسلا.
و روى العياشي (3) في تفسيره عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يحل لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام من الحرائر».
و روى الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان (4) قال: «قال الصادق (عليه السلام) لا يحل لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام».
و منها ما رواه
في الصحيح أو الحسن عن جميل بن دراج عن زرارة و محمد بن مسلم (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا جمع الرجل أربعا فطلق إحداهن، فلا يتزوج الخامسة حتى تنقضي عدة المرأة التي طلق، و قال: لا يجمع الرجل ماءه في خمس».
و عن علي بن أبي حمزة (6) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل يكون له أربع نسوة فيطلق إحداهن، أ يتزوج مكانها اخرى؟ قال: لا حتى تنقضي عدتها».
و عن محمد بن قيس (7) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في رجل كانت تحته
____________
(1) الخصال ص 607 طبع إيران، الوسائل ج 14 ص 399 ح 3.
(2) تحف العقول ص 420 طبع إيران، الوسائل ج 14 ص 399 ح 3.
(3) تفسير العياشي ج 1 ص 218 ح 14، الوسائل ج 14 ص 399 ح 4.
(4) مجمع البيان ج 3 ص 6.
(5) الكافي ج 5 ص 429 ح 1، التهذيب ج 7 ص 294 ح 69، الوسائل ج 14 ص 399 ح 1.
(6) الكافي ج 5 ص 329 ح 2، التهذيب ج 7 ص 294 ح 70، الوسائل ج 14 ص 400 ح 2.
(7) الكافي ج 5 ص 430 ح 3، التهذيب ج 7 ص 294 ح 71، الوسائل ج 14 ص 400 ح 1.
619
أربع نسوة فطلق واحدة، ثم نكح اخرى قبل أن تستكمل المطلقة العدة، قال:
فليلحقها بأهلها حتى تستكمل المطلقة أجلها، و تستقبل الأخرى عدة اخرى، و لها صداقها إن كان قد دخل بها، و إن لم يكن دخل بها فله ماله، و لا عدة عليها، لم إن شاء أهلها بعد انقضاء عدتها زوجوه، و إن شاؤا لم يزوجوه».
إلى غير ذلك من الأخبار الواضحة المنار، و لا حاجة إلى التطويل بنقلها مع كون الحكم اتفاقيا كما عرفت.
و لا خلاف بين أصحابنا في أنه لا يجوز للحر الزيادة على أمتين بأن يكونا من جملة الأربع، فيحل له حرتان و أمتان، و لا يحل له أربع إماء و لا ثلاث إماء مع حرة و بدونها، و لا أمتان مع ثلاث حرائر، هذا مع القول بجواز نكاح الأمة اختيارا، و أما على القول بتقييد نكاحها بالشرطين المتقدمين فتقيد صحة النكاح بحصولهما، فعلى هذا لو فقد الطول و خاف العنت جاز له نكاح واحدة، و لو تعذر الوصول إليها لبعد و نحوه بحيث يخاف العنت جاز أخذ ثانية و أما الثالثة فلا يجوز مطلقا لما عرفت من أنه لا يحل له أزيد من ثنتين.
و الذي يدل على أصل الحكم المذكور ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح عن ابن رئاب عن أبي بصير و هو مشترك، و الخلاف في الضرير مشهور، إلا أن الأظهر عندي عد حديثه في الصحيح وفاقا لجملة من متأخري المتأخرين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل له امرأة نصرانية، إله أن يتزوج عليها يهودية، فقال:
إن أهل الكتاب مماليك للإمام، و ذلك موسع منا عليكم خاصة فلا بأس أن يتزوج، فقلت: إنه يتزوج عليها أمة، فقال: لا يصلح أن يتزوج ثلاث إماء» الحديث.
و لا خلاف أيضا بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) في أنه لا يجوز للعبد
____________
(1) الكافي ج 5 ص 358 ح 11، التهذيب ج 7 ص 449 ح 5، الوسائل ج 14 ص 399 ح 2.
620
الزيادة على أربع إماء، أو حرتين، أو حرة و أمتين بالعقد الدائم دون المنقطع أو ملك اليمين فإن له ما شاء، و خالفنا فيه العامة أجمع، فذهب بعضهم إلى أنه لا يتجاوز اثنتين مطلقا على النصف من الحر، و ذهب الأقل إلى أن له أربعا مطلقا.
و الذي يدل على ما ذكره الأصحاب روايات عديدة منها ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح (1) عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن العبد يتزوج أربع حرائر؟ قال: لا، و لكن يتزوج حرتين، و إن شاء تزوج أربع إماء».
و عن ابن مسكان (2) في الصحيح عن الحسن بن زياد، «و هو مجهول» عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: سألته عن المملوك ما تحل له من النساء؟ فقال: حرتان أو أربع إماء» الحديث.
و ما رواه
الصدوق عن حماد بن عيسى (3) «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال له:
كم يتزوج العبد؟ قال: قال أبي (عليه السلام): قال علي (عليه السلام): لا يزيد على امرأتين».
و ما رواه
الشيخ عن زرارة (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا يجمع العبد المملوك من النساء أكثر من حرتين».
و ما رواه
في كتاب قرب الاسناد عن الحسين بن علوان (5) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول: لا يتزوج العبد أكثر من امرأتين».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 476 ح 1، التهذيب ج 7 ص 296 ح 78، الوسائل ج 14 ص 405 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 477 ح 2، التهذيب ج 8 ص 210 ح 53، الوسائل ج 14 ص 405 ح 2.
(3) الفقيه ج 3 ص 271 ح 73، الوسائل ج 14 ص 406 ح 3.
(4) التهذيب ج 7 ص 296 ح 76، الوسائل ج 14 ص 406 ح 4.
(5) قرب الاسناد ص 50، و فيه «لا يتزوج العبد إلا امرأتين»، الوسائل ج 14 ص 406 ح 5.
621
و لكل من الحر و العبد أن يضيف إلى ذلك بالعقد المنقطع و ملك اليمين ما شاء، أما عدم الحصر في الإماء فهو موضع وفاق من جميع المسلمين كما نقله بعض علمائنا المحققين و لعموم قوله تعالى (1) «أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» و جواز ذلك للعبد بناء على أنه يملك كما هو الأظهر، و قد تقدم ذلك في مقدمات كتاب التجارة.
و أما بالعقد المنقطع فهو المشهور بين أصحابنا حتى ادعى عليه ابن إدريس الإجماع، و نقل عن ابن البراج أنه حرم الزيادة على الأربع، قيل: و المنقول من عبارته لا يدل على ذلك صريحا، و كيف كان فإن الأخبار الدالة على الحكمين المذكورين متكاثرة.
و من الأخبار الواردة في ملك اليمين ما رواه
في الكافي عن الحسن بن زياد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «و لا بأس بأن يأذن له- يعني المملوك- مولاه فيشتري من ماله إن كان له جارية أو جواري يطؤهن و رقيقه له حلال».
و عن إسحاق بن عمار (3) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المملوك يأذن له مولاه أن يشتري من ماله الجارية الثنتين و الثلاث و رقيقه له حلال؟ قال:
يحد له حدا لا يتجاوزه».
و عن زرارة (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا أذن الرجل لعبده أن يتسري من ماله، فإنه يتسري كم شاء بعد أن يكون قد أذن له».
____________
(1) سورة النساء- آية 4.
(2) الكافي ج 5 ص 477 ذيل ح 2، التهذيب ج 8 ص 210 ح 53، الوسائل ج 14 ص 406 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 477 ح 4، الوسائل ج 14 ص 407 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 477 ح 5، التهذيب ج 7 ص 296 ح 77، الوسائل ج 14 ص 407 ح 3.
622
و ما رواه
الشيخ عن محمد بن الفضيل (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المملوك كم يحل له من النساء؟ فقال: لا يحل له إلا اثنتين، و يتسري ما شاء إذا كان أذن له مولاه».
و أما ما يتعلق بالمتعة من الأخبار فمنه ما رواه
في الكافي (2) عن زرارة في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: ما تحل من المتعة؟ قال: كم شئت».
و عن عمر بن أذينة (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له:
كم تحل له من المتعة؟ قال: فقال: هن بمنزلة الإماء».
و روى في الفقيه عن الفضل بن يسار (4) «أنه سأله عن المتعة؟ فقال: هي كبعض إمائك».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (5) عن بكر بن محمد الأزدي في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتعة؟ أ هي من الأربع؟ فقال: لا».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (نور الله مراقدهم (6) عن أبي بصير قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المتعة أ هي من الأربع؟ قال: لا، و لا من السبعين».
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 211 ح 55، الوسائل ج 14 ص 407 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 451 ح 3، التهذيب ج 7 ص 258 ح 43، الوسائل ج 14 ص 446 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 451 ح 1، الوسائل ج 14 ص 408 ب 10 ح 2.
(4) الفقيه ج 3 ص 294 ح 13، الوسائل ج 14 ص 448 ح 12.
(5) الكافي ج 5 ص 451 ح 2، التهذيب ج 7 ص 258 ح 42، قرب الاسناد ص 21، الوسائل ج 14 ص 446 ح 1.
(6) الكافي ج 5 ص 451 ح 4، التهذيب ج 7 ص 258 ح 44، الفقيه ج 3 ص 294 ح 12، الوسائل ج 14 ص 447 ح 7.
623
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في المتعة، قال: «ليست من الأربع، لأنها لا تطلق و لا ترث، و إنما هي مستأجرة».
و عن عبيد بن زرارة (2) عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ذكرت له المتعة أ هي من الأربع؟ قال: تزوج منهن ألفا فإنهن مستأجرات».
و ما رواه
في الكافي (3) عن إسماعيل بن الفضل في الصحيح أو الحسن قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتعة؟ فقال: الق عبد الملك بن جريح فاسأله عنها فإن عنده منها علما، فلقيته فأملى على- منها شيئا كثيرا في استحلالها، فكان فيما روى لي ابن جريح قال: ليس فيها وقت و لا عدد، إنما هي بمنزلة الإماء يتزوج منهن كم شاء، و صاحب الأربع نسوة يتزوج منهن ما شاء بغير ولي و لا شهود، فإذا انقضى الأجل بانت منه بغير طلاق، و يعطيها الشيء اليسير، و عدتها حيضتان و إن كانت لا تحيض فخمسة و أربعون يوما، فأتيت بالكتاب أبا عبد الله (عليه السلام) فعرضت عليه، فقال: صدق و أقر به.
قال ابن أذينة: و كان زرارة بن أعين يقول هذا و يحلف أنه الحق، إلا أنه كان يقول: إن كانت تحيض فحيضة، و إن كانت لا تحيض فشهر و نصف».
احتج ابن البراج على ما نقل عنه بعموم الآية المتقدمة و هي «فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ» (4) الآية، و ما رواه
الشيخ عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (5) عن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 451 ح 5، التهذيب ج 7 ص 259 ح 46، الوسائل ج 14 ص 646 ح 4 و 5.
(2) الكافي ج 5 ص 452 ح 7، التهذيب ج 7 ص 258 ح 45، الوسائل ج 14 ص 446 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 451 ح 6، الوسائل ج 14 ص 447 ح 8.
(4) سورة النساء- آية 3.
(5) التهذيب ج 7 ص 259 ح 48، الوسائل ج 14 ص 448 ح 9.
624
أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل تكون عنده المرأة، أ يحل له أن يتزوج بأختها متعة؟ قال: لا، قلت: حكى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) إنما هي مثل الإماء يتزوج ما شاء، قال: لا، هي من الأربع».
أقول: و يدل على ذلك أيضا ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن عمار الساباطي في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «عن المتعة، قال: هي أحد الأربعة».
و أجيب عن الآية- بعد تسليم دلالتها على تحريم الزائد بالحمل على النكاح الدائم، جمعا بينها و بين الأخبار المتقدمة- و عن الرواية بحمل النهي على الكراهة و حمل قوله «من الأربع» على الاستحباب، كما تدل عليه
رواية البزنطي (2) الأخرى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): اجعلوهن من الأربع، فقال له صفوان بن يحيى: على الاحتياط؟ قال: نعم».
أقول: الظاهر أن وجه الاحتياط في جعلها من الأربع، لدفع شنعة المخالفين لأنه متى جعلها من الأربع أمكنه دعوى كونها دائمة لا متعة، بخلاف ما لو زادت على الأربع فإنه لا يتم له ذلك، و بالجملة فالقول المذكور ضعيف لما عرفت من الأخبار الدالة على القول المشهور بأوضح دلالة في الظهور، و عدم ظهور ما استدل به لما عرفت.
قال في المسالك- بعد أن أورد من هذه الروايات صحيحة زرارة و هي الاولى ثم رواية زرارة الدالة على أنه يتزوج منهن ألفا، ثم رواية أبي بصير الدالة على أنه لا من الأربع و لا من السبعين، ثم رواية محمد بن مسلم، ثم موثقة عمار، ثم رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر المتضمنة للاحتياط و وصفها بالصحة- ما صورته:
و اعلم أن جميع ما في الباب من الأخبار معلول السند عدا الأخير، لأن الأول موقوف، و الثاني في طريقه جهالة، و كذا الرابع، و في طريق الثالث ضعف و من ثم ذهب ابن البراج إلى تحريم الزيادة فيهن على الأربع، عملا بمفهوم الآية
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 259 ح 47، الوسائل ج 14 ص 448 ح 10.
(2) التهذيب ج 7 ص 259 ح 49، الوسائل ج 14 ص 448 ح 11.
625
و صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر ثم نقل روايته الأولى التي قدمناها بتمامها ثم قال: و يؤيده الخبران الأخيران (1) و في المختلف اقتصر من الحكم على مجرد الشهرة و لم يصرح بمختاره و عذره واضح، و دعوى الإجماع في ذلك غير سديدة و لو تمت كانت هي الحجة. انتهى.
أقول: فيه (أولا) أن من روايات المسألة كما عرفت صحيحة بكر بن محمد الأزدي، لأن سندها في الكافي هكذا الحسين بن محمد عن أحمد بن إسحاق الأشعري عن بكر بن محمد الأزدي «قال: سألت» الخبر، و هؤلاء كلهم ثقات مشهورون لا يرتاب أحد في عد حديثهم في الصحيح، إلا أن عذره في ذلك واضح حيث عزب الخبر عن خاطره و لم يذكره.
و منها حسنة إسماعيل بن الفضل الهاشمي، و سندها في الكافي علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي، و ليس في هذا السند إلا إبراهيم بن هاشم و قد اعترف هو و غيره في غير موضع بأن حديثه و إن كان حسنا إلا أنه لا يقصر عن الصحيح، و قد عده في الصحيح جملة من محققي متأخري المتأخرين، و هو الصحيح على الاصطلاح الغير الصحيح، و لهذا أنا في كل موضع يكون إبراهيم المذكور نردد بين الصحيح أو الحسن.
و (ثانيا) أن ما طعن به على صحيح زرارة من أنه موقوف، و الظاهر أنه أراد أنه مضمر ففيه أنه قد صرح غير واحد من المحققين بأن مثل زرارة في علو شأنه و سمو مكانه لا يعتمد في أخذ الأحكام على غير الامام (عليه السلام).
و (ثالثا) أن وصفه روايتي أحمد بن محمد بن أبي نصر بالصحة- ليتجه له الطعن على القول المشهور بضعف دليل من خالفه- مردود بما ذكره سبطه السيد السند (قدس سره) في شرح النافع حيث قال: و اعلم أن العلامة و من تأخر عنه
____________
(1) أقول: أراد بالخبرين الأخيرين رواية ابن أبى نصر التي وصفها بالصحة و موثقة عمار (منه- (قدس سره)-).
626
و صفوا روايتي أحمد بن محمد بن أبي نصر بالصحة، مع أن الشيخ في كتابي الأخبار أوردهما مرسلتين بغير إسناد.
و ذكر الشيخ في الفهرست أن لابن أبي نصر كتاب الجامع و كتاب النوادر، و طريقه إلى كتاب الجامع صحيح دون كتاب النوادر فيشكل الحكم بصحة الروايتين. انتهى، و هو جيد.
و بالجملة فإن مناقشته هنا بعد ما عرفت من أضعف المناقشات، بناء على تسليم العمل بهذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد أقرب من الصلاح.
الثانية [عدم جواز العقد على الخامسة حتى تنقضي عدة المطلقة]
إذا تزوج الحر بالعقد الدائم أربع حرائر حرم عليه الزائد حتى تموت (1) واحدة منهن أو يطلق واحدة منهن و تنقضي عدتها إذا طلقها طلاقا رجعيا لأن الرجعية بحكم الزوجة و من ثم لزمت نفقتها، و جاز الرجوع إليها بمجرد الفعل
____________
(1) و مما يدل على جواز التزويج مع الموت ما رواه
الحميري في كتاب قرب الاسناد (قرب الاسناد ص 109 الوسائل ج 14 ص 402 ح 7) عن على بن جعفر و رواه على بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل كانت له أربع نسوة فماتت إحداهن هل يصلح له أن يتزوج في عدتها اخرى قبل أن ينقضي عدة المتوفاة؟ فقال: إذا ماتت فليتزوج متى أحب».
الا أنه
قد روى الشيخ عن عمار (التهذيب ج 7 ص 475 ح 114، الوسائل ج 14 ص 401 ح 5) في الموثق قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له أربع نسوة فتموت إحداهن، فهل يحل له أن يتزوج اخرى مكانها؟
قال: لا، حتى يأتي عليها أربعة أشهر و عشر».
و حملها الشيخ (رحمه الله) على الاستحباب، قال: لأنه إذا ماتت المرأة جاز أن يتزوج الأخرى مكانها في الحال. انتهى.
أقول: و هذه من جملة غرائب روايات عمار المذكور، كما شنع عليه المحدث الكاشاني في الوافي (منه- (قدس سره)-).
627
كالاستمتاع فلم يفارق الزوجة في الحكم، و حينئذ فلا تحل الخامسة ما لم تنقضي العدة لما تقدم من النهي عن جمع مائه في أكثر من أربع حرائر، و هذا كله مما لا خلاف و لا إشكال فيه.
و إنما الكلام فيما إذا طلقها بائنا، فهل يكون التزويج متوقفا على انقضاء العدة أيضا كما في الرجعية أم لا؟ إطلاق الأخبار الواردة في المسألة يقتضي ذلك و أطلق المفيد في المقنعة عدم جواز العقد على الخامسة حتى ينقضي عدة المطلقة.
و الذي صرح به جملة من المتأخرين و هو المشهور بينهم أنه متى كان الطلاق بائنا فهو مثل الموت يتزوج قبل انقضاء العدة و إن كان على كراهية، و علل جواز التزويج بخروجها مع البينونة عن عصمة النكاح فصارت كالأجنبية و ورد الروايات بجواز نكاح الأخت مع بينونة الأخت الأخرى قبل انقضاء عدتها.
مثل ما رواه
الكليني (1) في الحسن أو الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل طلق امرأته أو اختلعت أو بارأت، إله أن يتزوج بأختها؟ قال: فقال:
إذا برأت عصمتها و لم يكن له عليها رجعة فله أن يخطب أختها» الحديث.
و عللت الكراهة بتحريمها بحرمة النكاح و بإطلاق النهي عن التزويج قبل انقضاء العدة، و فيه ما لا يخفى.
أقول: و الروايات الواردة في المقام منها ما تقدم من صحيحة زرارة أو حسنته و رواية علي بن أبي حمزة و رواية محمد بن قيس.
و منها أيضا ما رواه
الشيخ (2) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل له أربع نسوة فطلق واحدة يضيف إليها أخرى؟ قال: لا، حتى تنقضي العدة». الحديث.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 432 ح 7، و فيه «بانت» عوض «بارأت» التهذيب ج 7 ص 286 ح 42، الوسائل ج 15 ص 480 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 471 ح 96، الوسائل ج 14 ص 401 ح 4.
628
و ما رواه
الصدوق (1) (رحمة الله عليه) بطريقه إلى الحسن بن محبوب عن سعد بن أبي خلف عن سنان بن طريف عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن رجل كن له ثلاث نسوة ثم تزوج امرأة أخرى فلم يدخل بها: ثم أراد أن يعتق أمته و يتزوجها قال: إن هو طلق التي لم يدخل بها فلا بأس بأن يتزوج اخرى من يومه ذلك و إن طلق من الثلاث النسوة اللاتي دخل بهن واحدة لم يكن له أن يتزوج امرأة أخرى حتى تنقضي عدة المطلقة».
و ما رواه
الحميري في كتاب قرب الاسناد (2) عن عبد الله بن الحسن عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) و رواه علي بن جعفر في كتابه قال: «سألته عن رجل كانت له أربع نسوة فطلق واحدة، هل يصلح له أن يتزوج اخرى قبل أن تنقضي عدة التي طلق؟ قال لا يصلح له أن يتزوج حتى تنقضي عدة المطلقة».
و أنت خبير بأن هذه الروايات على كثرتها و تعددها قد اشتركت في إطلاق توقف التزويج على انقضاء العدة أعم من أن تكون بائنة أو رجعية و ليس في الباب ما يوجب التخصيص الذي ادعوه. نعم ورد ذلك في الأخت كما تقدم في حسنة الحلبي أو صحيحة.
و حمل ما نحن فيه على مسألة الأخت- باعتبار اشتراكهما في العلة المذكور في الأخت من قوله «إذا برأت عصمتها و لم يكن له عليها رجعة له أن يخطب أختها»- مشكل فإنه لا يخرج عن القياس الممنوع منه، إلا أن ظاهر قوله
في صحيحة زرارة المتقدمة أو حسنته (3) «لا يجمع الرجل ماءه في خمس».
ما يؤيد القول المشهور
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 485 ح 156، الفقيه ج 3 ص 265 ح 47، الوسائل ج 14 ص 401 ح 6.
(2) قرب الاسناد ص 111 الوسائل ج 14 ص 402 ح 8.
(3) قال في المسالك: و في التذكرة حمل رواية زرارة السابقة على أحد الأمرين لورود النص في الأختين من حيث عدم الفارق بينهما، و أشار برواية زرارة إلى صحيحته أو حسنته المتقدمة في صدر المطلب، و بالوجهين الى ما قدمه من حمل الرواية على الرجعي أو الكراهة، و هذا الحمل أعنى حمل حكم الخمس على حكم الأختين عين القياس الذي قلناه.
(منه- (قدس سره)-).
629
فإن الطلاق البائن لا يتحقق معه جمع الماء في خمس و إن بقيت العدة لأنها بالخروج عن عصمة النكاح تصير كالأجنبية.
و بالجملة فالمسألة لا تخلو من نوع إشكال و توقف، و ظاهر السيد السند في شرح النافع التوقف في ذلك و إن رجح القول المشهور، و قبله جده أيضا في المسالك، و الاحتياط طريق السلامة سيما في الفروج، و الله العالم.
الثالثة [عدم جواز العقد على الأخت حتى تخرج الأخت الأولى من العدة]
لو طلق المرأة و أراد نكاح أختها فليس له نكاح الأخت حتى تخرج الاولى من العدة، أو يكون الطلاق بائنا و هو مما لا خلاف فيه، و الأخبار به متكاثرة.
فأما بالنسبة إلى الخروج من العدة إذا كان الطلاق رجعيا فما يدل على ذلك ما رواه
في الكافي (1) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل طلق امرأته و هي حبلى، أ يتزوج أختها قبل أن تضع؟ قال: لا يتزوجها حتى يخلو أجلها».
و عن علي بن أبي حمزة (2) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طلق امرأته أ يتزوج أختها؟ قال: لا حتى تنقضي عدتها».
إلى غير ذلك من الأخبار.
و أما بالنسبة إلى الطلاق البائن و أنه يجوز له التزويج و لا يتوقف على انقضاء العدة فما رواه في الكافي و التهذيب (3) في الصحيح إلى أبي بصير و هو مشترك،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 432 ح 8، الوسائل ج 14 ص 371 ب 28 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 432 ح 9، التهذيب ج 7 ص 287 ح 44، الوسائل ج 15 ص 481 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 144 ح 9، التهذيب ج 8 ص 137 ح 76، الوسائل ج 15 ص 480 ح 1.
630
إلا أن الأظهر عندي وفاقا لجمع من متأخري المتأخرين عد
حديث الضرير في الصحيح فتكون الرواية صحيحة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل اختلعت منه امرأته، أ يحل له أن يخطب أختها من قبل أن تنقضي عدة المختلعة؟
قال: نعم قد برءت عصمتها، و ليس له عليها رجعة».
و ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل طلق امرأته أو اختلعت منه أو بارأت، إ له أن يتزوج بأختها؟ قال: فقال:
إذا برئت عصمتها و لم يكن له عليها رجعة فله أن يخطب أختها» الحديث.
و ما رواه
الحسين بن سعيد في كتابه بسنده عن أبي بصير و المفضل بن صالح و أبي أسامة (2) جميعا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المختلعة إذا اختلعت من زوجها و لم يكن له عليها رجعة حل له أن يتزوج بأختها في عدتها».
بقي الكلام فيما لو كانت متعة قد انقضى أجلها و بقيت في العدة فهل يجوز العقد على أختها في تلك الحال، المشهور بين الأصحاب الجواز، نظرا إلى ما تقدم من الخبرين الدالين على أنها في العدة البائنة قد انقطعت عصمتها.
قال ابن إدريس في السرائر: و قد روى في المتعة إذا انقضي أجلها أنه لا يجوز العقد على أختها حتى تنقضي عدتها، و هي رواية شاذة مخالفة لأصول المذهب لا يلتفت إليها و لا يجوز التصريح عليها.
أقول: و الرواية التي أشار إليها هي ما رواه
المشايخ الثلاثة (3) بأسانيدهم، إلا أن الصحيح منها هو ما رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد قال: «قرأت في كتاب
____________
(1) الكافي ج 5 ص 432 ح 7، التهذيب ج 7 ص 386 ح 42، الوسائل ج 15 ص 480 ح 2.
(2) البحار ج 104 ص 26 ح 8 ط جديد، الوسائل ج 15 ص 481 ح 5.
(3) الكافي ج 5 ص 431 ح 5 عن يونس، التهذيب ج 7 ص 287 ح 45، الفقيه ج 3 ص 295 ح 21، الوسائل ج 14 ص 369 ح 1.
631
رجل إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام): جعلت فداك يتزوج الرجل متعة إلى أجل مسمي فينقضي الأجل بينهما، هل له أن ينكح أختها قبل أن تنقضي عدتها؟ فكتب (عليه السلام) لا يحل له أن يتزوجها حتى تنقضي عدتها».
و رواه
الحسين بن سعيد (1) في كتابه كما نقله عنه شيخنا المجلسي في كتاب البحار قال: «قرأت في كتاب رجل إلى أبي الحسن (عليه السلام)» الحديث.
و بهذه الرواية أفتى الصدوق في المقنع فقال: و إذا تزوج امرأة متعة إلى أجل مسمى فلما انقضي أجلها أحببت أن يتزوج أختها؟ فلا يحل له حتى تنقضي عدتها.
و نقل هذا القول أيضا عن الشيخ المفيد، و الظاهر أنهم خصصوا به عموم تلك الروايات، و الشيخ بعد أن طعن في الخبر- بأنه ليس كل ما يوجد في الكتب صحيحا- جوز تخصيصه بالمتعة، و هو جيد.
و اختار العمل بالخبر المذكور أيضا السيد السند في شرح النافع، و هذا مما يؤيد ما قدمنا ذكره في غير موضع من أن الواجب هو الوقوف في جزئيات الأحكام على الأخبار، و لا يلتفت إلى ما يبنون عليه من القواعد و إن كانت مستفادة من الأخبار، لجواز تخصيصها بذلك الخبر، و المشهور حمل الخبر المذكور على الكراهة كما ذكره في المسالك.
و لو تزوج الأختين في عقد واحد فالمشهور بين المتأخرين بطلان العقد، و قيل يتخير، و متى اختار إحداهما بطل نكاح الثانية، و قد مر تحقيق الكلام في المسألة مستوفى، و كذا لو تزوجهما على التعاقب، تقدم ذلك في صدر المقصد الثاني فيما يلحق بما تقدم.
الرابعة [فيما إذا طلق إحدى الأربع بائنا و تزوج اثنتين]
إذا طلق إحدى الأربع بائنا و تزوج اثنتين فالعقد للسابقة إن وقع الترتيب، و إن اقترنا في العقد فالمشهور بين المتأخرين البطلان، كما ذكروه
____________
(1) البحار ج 104 ص 27 ح 12 ط جديد.
632
فيما لو اتفق اقتران العقد على الخمس.
و قيل: إنه يتخير أيهما شاء كما في الخمس أيضا، و هو قول الشيخ في النهاية و جماعة، و نقل المحقق في الشرائع أن القول بالتخيير بين الاثنتين رواية، ثم ردها بضعف السند، و أنكرها الشارح في المسالك، قال: و الرواية بالتخيير في خصوص المسألة ما وقفت عليها.
و هو كذلك فإنه لم يصل لنا في هذا المقام إلا
حسنة جميل بن دراج الواردة في الخمس، و هي ما رواه عن الصادق (عليه السلام) (1) (عليه السلام) «في رجل تزوج خمسا في عقدة، قال:
يخلي سبيل أيتهن شاء و يمسك الأربع».
و رواية عنبسة بن مصعب (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) في رجل كانت له ثلاث نسوة فتزوج عليهن امرأتين في عقدة فدخل بواحدة منهما ثم مات فقال: إن كان دخل بالمرأة التي بدأ باسمها و ذكرها عند عقدة النكاح فإن نكاحها جائز و لها الميراث و عليها العدة، و إن كان دخل بالمرأة التي سميت و ذكرت بعد ذكر المرأة الأولى فإن نكاحها باطل، و لا ميراث لها».
و لا أعلم قائلا بمضمون هذه الرواية، و مقتضي كلام الأصحاب في الخمس من البطلان كما هو المشهور أو التخيير كما هو القول الآخر يجري في هذه المسألة أيضا فإما أن يبطل العقد من رأس أو يتخير، و لو وجدت هذه الرواية التي نقلها لما كان عنها معدل لتأيدها بحسنة جميل، و إن خالفها رواية عنبسة.
و كيف كان فإن التعارض هنا بين الحسنة المذكورة و الرواية الأخرى ظاهر إذ لا فرق بين العقد على الخمس دفعة و لا بين العقد على اثنتين دفعة مع وجود
____________
(1) الكافي ج 5 ص 430 ح 5، التهذيب ج 7 ص 295 ح 73، الوسائل ج 14 ص 403 ب 4 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 430 ح 4، التهذيب ج 7 ص 295 ح 72، الوسائل ج 14 ص 403 ب 5 ح 1.
633
الثلاث عنده و إحداهما دلت على التخيير و الثانية على صحة عقد من تقدم اسمها و مقتضاها أنه في العقد على الخمس دفعة يبطل من تأخر ذكر اسمها عن الرابعة.
و لا أعرف وجها للجمع بينهما إلا أن يقال-: و إن كان لا يخلو من بعد إلا أنه في مقام الجمع قريب- بحمل حسنة جميل الدالة على التخيير على ما إذا وقع العقد عليهن إجمالا بأن قال زوجتك هذه الخمس النسوة أو زوجتك الخمس النسوة المعلومة بيني و بينك، أو الثنتين المعلومتين بيني و بينك، و حينئذ فيتخير إحداهن- و رواية عنبسة على وقوع الخمس أو الاثنتين تفصيلا بذكر اسم كل واحدة بعد الأخرى.
المقام الثاني: في عدد المطلقات المحرمات
، و هي ثلاث أو تسع فالكلام هنا في موضعين.
الأول: في الثلاث
مذهب الأصحاب من غير خلاف يعرف أن كل امرأة حرة استكملت الطلاق ثلاثا حرمت حتى تنكح زوجا غير المطلق، سواء كانت مدخولا بها أو لم يكن، راجعها أو تركها، و سواء كان زوجها حرا أو عبدا.
و كل أمة استكملت طلقتين حرمت على المطلق حتى تنكح زوجا غيره حرا كان زوجها أم عبدا، فالاعتبار حينئذ بالثلاث و اثنتين إنما هو باعتبار الزوجة.
و العامة جعلوا الاعتبار بحال الزوج، فإذا كان حرا اعتبر في التحريم الثلاث و إن كانت الزوجة أمة، و إذا كان عبدا اعتبر طلقتان و إن كان تحته حرة، فعلى هذا لو كان حرا تحته حرة فالاعتبار بالثلاث إجماعا من الجميع، و كذا لو كان عبدا تحته أمة فالاثنتان اتفاقا، و إنما يظهر الخلاف في الحر تحته أمة و العبد تحته حرة و مستند الأصحاب فيما ذكروه الأخبار المتكاثرة الدالة على أن الاعتبار بحال الزوجة لا بحال الزوج.
634
و منها ما رواه
في الكافي عن أبي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن طلاق الأمة فقال: تطليقتان».
و عن عيص بن القاسم (2) في الصحيح «قال ابن شبرمة قال: الطلاق للرجل، فقال: أبو عبد الله (عليه السلام) الطلاق للنساء، و تبيان ذلك أن العبد يكون تحته الحرة فيكون تطليقها ثلاثا، و يكون الحر تحته الأمة فيكون طلاقها تطليقتين».
و عن زرارة (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن حر تحته أمة أو عبد تحته حرة كم طلاقها و كم عدتها؟ فقال: السنة في النساء في الطلاق فإن كانت حرة فطلاقها ثلاثا و عدتها ثلاثة أقراء، و إن كان حر تحته أمة فطلاقها تطليقتان و عدتها قرءان».
و عن عبد الله بن سنان (4) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «طلاق المملوك للحرة ثلاث تطليقات، و طلاق الحر للأمة تطليقتان».
إلى غير ذلك من الأخبار الجارية على هذا المنوال، و لا فرق في الطلقات المحرمة على هذا الوجه بين كونها للعدة و غيرها بخلاف المحرمة أبدا.
الثاني: في التسع
لا خلاف و لا إشكال في أنه إذا استكملت المطلقة تسعا للعدة ينكحها بينها رجلان بعد الثالثة و بعد السادسة، فإنها تحرم على المطلق أبدا.
و المراد بطلاق العدة هو أن يطلقها بالشرائط ثم يراجعها في العدة و يطأها، ثم يطلقها في طهر آخر، ثم يراجعها في العدة و يطأها، ثم يطلقها الثالثة، ثم
____________
(1) الكافي ج 6 ص 169 ح 2، التهذيب ج 8 ص 154 ح 132، الوسائل ج 15 ص 391 ح 4 و ص 473 ح 6.
(2) الكافي ج 6 ص 167 ح 3، الوسائل ج 15 ص 391 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 167 ح 1، التهذيب ج 8 ص 134 ح 65 الوسائل ج 15 ص 469 ب 40 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 167 ح 4، الوسائل ج 15 ص 394 ح 7.
635
ينكح زوجا غيره بعد العدة، ثم يفارقها و تعتد منه فيتزوجها الأول، و يفعل كما فعل أولا، ثم بعد الطلقة السادسة يتزوجها آخر، ثم يرجع إلى زوجها الأول بعد العدة و يعمل بها كما تقدم، فإنها في التطليقة التاسعة تحرم عليه مؤبدا.
و من هنا يعلم أن إطلاق كون التسع للعدة إنما وقع تجوزا فإن الثالثة من كل ثلاث إنما هي للسنة لا للعدة، و الظاهر أن وجه التجوز باعتبار أن الأكثر للعدة، فأطلق اسم الأكثر على الأقل، أو باعتبار المجاورة.
قال في المسالك: و تظهر فائدة الاعتبارين فيما لو طلق الأولى للعدة و الثانية للسنة فإن المعنيين ينتفيان عن الثالثة و يصدق على الثانية اسم العدية بالاعتبار الثاني دون الأول: و فيما لو كانت الثانية للعدة و الأولى للسنة، فعلى الأول يختص بها الاسم و على الثاني يصدق الاسم على الطرفين بمجاورتهما.
و مع ذلك ففي اعتبار التحريم بمثل هذا إشكال، من وجود العلاقة فيهما كما اعتبرت في الثالثة إجماعا، و من أن تعليق الحكم على المعنى المجازي على خلاف الأصل لا يصار إليه في موضع الاشتباه، و هذا هو الأقوى فيجب الاقتصار بالتحريم المؤبد على موضع اليقين، و هو وقوع التسع على الوجه الأول و إكمال التسع للعدة حقيقة مع التفرق، و لا يغتفر الثالثة كما اغتفرت في الأولى لكونها على خلاف الأصل كما ذكرناه فيقتصر بها على موردها، و هو وقوعها بعد عديتين.
و على هذا إن وقع في كل ثلاث واحدة عدية احتسبت خاصة، و إن وقع في بعض الأدوار عديتان احتمل إلحاق الثالثة بهما- كما في مورد النص لوجود العلاقة بالمعنيين- و عدمه لخروج مجموع الواقع عن مورده، و للتوقف في الحكم- بالتحريم مطلقا فيما خرج عن موضع النص و الإجماع- مجال. انتهى.
أقول: لا يخفى على من راجع الأخبار المتعلقة بهذه المسألة أنه لا دلالة في شيء منها على ما ذكروه من اشتراط كون تلك الطلقات التسع الموجبة للتحريم المؤبد عدية، بل هي ظاهرة في الأعم من الطلقات العدية أو السنية، بل بعضها
636
ظاهر في طلاق السنة، و لا أعرف لهم مستندا غير الإجماع، فما ادعاه (قدس سره) من النص في قوله- و للتوقف فيما خرج عن موضع النص و الإجماع مجال- لا أعرف له وجها.
و الذي وقفت عليه من نصوص المسألة هو ما رواه
ثقة الإسلام (1) (عطر الله مرقده) عن زرارة و داود بن سرحان عن أبي عبد الله (عليه السلام) و ابن بكير عن أديم بياع الهروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال: الملاعنة إذا لا عنها زوجها لم تحل له أبدا، و الذي يتزوج المرأة في عدتها و هو يعلم لا تحل له أبدا و الذي يطلق الطلاق الذي لا يحل له حتى تنكح زوجا غيره ثلاث مرات، و تزوج ثلاث مرات لا تحل له أبدا، و المحرم إذا تزوج و هو يعلم أنه حرام عليه لم تحل له أبدا».
و رواه
الحسين بن سعيد (2) في كتابه عن أديم بياع الهروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) نحوه، إلا أنه لم يذكر «و تزوج ثلاث مرات».
و التقريب فيها أنهم قد صرحوا بأن الطلقات المحرمة ثلاثا التي لا تحل إلا بعد نكاح أخرى أعم من أن يكون عدية أم للسنة، و هو (عليه السلام) في هذا الخبر قد صرح بأن هذه الثلاث إذا تكررت ثلاث مرات حرمت مؤبدة، و هو ظاهر في أن التحريم المؤبد يحصل بالتسع مطلقا، للعدة كانت أم للسنة.
و منها ما رواه
في الكافي (3) أيضا عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في رجل- إلى أن قال-: و سألته عن الذي يطلق ثم يراجع ثم يطلق ثم يراجع ثم يطلق، قال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فيتزوجها رجل آخر فيطلقها على السنة ثم ترجع إلى زوجها الأول فيطلقها ثلاث تطليقات فتنكح زوجا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 426 ح 1، التهذيب ج 7 ص 305 ح 30، الوسائل ج 14 ص 378 ح 1 و ج 15 ص 358 ح 4.
(2) مستدرك الوسائل ج 3 ص 13 ح 8.
(3) الكافي ج 5 ص 428 ح 9، الوسائل ج 15 ص 357 ح 2.
637
غيره فيطلقها، ثم ترجع إلى زوجها الأول فيطلقها ثلاث مرات على السنة ثم تنكح، فتلك التي لا تحل له أبدا» الحديث.
و هو كما ترى لا إشارة فيه إلى طلاق العدة فضلا عن التصريح به، بل هو ظاهر في أن الثلاث الأولى إنما كانت للسنة، و الثلاث الثانية مجملة و الثلاث الثالثة قد صرح بأنها على السنة.
قال في الوافي: و قوله في آخر الحديث «ثم تنكح»، كأنه لتتميم الأمر و ذكر الفرد الأخفى، و إلا فلا مدخل لنكاح الغير في تأييد الحرمة. انتهى.
أقول: و أنت خبير بأن الخبر السابق على هذا الخبر قد تضمن ذلك على رواية الكافي لقوله فيه «و تزوج ثلاث مرات» فإن المرة الثالثة هي التي بعد التاسعة و ظاهر هذين الخبرين هو اشتراط النكاح بعد التاسعة في التحريم المؤبد على الزوج الأول، إلا أنه لا قائل به.
و العجب من المحدث الحر العاملي في الوسائل حيث عنون الباب بما يوافق المشهور و لم يورد فيه خبرا يدل على ذلك، بل أطال فيه بالأخبار الواردة بالتحريم بالثلاث و أورد هذه الرواية، و حمل السنة فيها على المعنى الأعم من غير معارض لها في الباب بل الأخبار كما تقدم و يأتي لا يعتريها فيما ذكرناه الشك و لا الارتياب.
و منها ما رواه
المشايخ الثلاثة (1) في الصحيح عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) و إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي عبد الله (عليه السلام) و أبي الحسن (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل المرأة فتزوجت ثم طلقها زوجها فتزوجها الأول ثم طلقها فتزوجها رجل، ثم طلقها هكذا ثلاثا لم تحل له أبدا».
و هي كما ترى صريحة في طلاق السنة دون العدة للشروط بالرجوع في العدة و الدخول بها كما عرفت، نعم ذلك في حديث رواه الصدوق في الخصال في حديث قد اشتمل على جوامع محرمات النكاح، إلا أن الظاهر أنه ليس هو المستند لهم
____________
(1) الكافي ج 5 ص 428 ح 7، التهذيب ج 7 ص 311 ح 48، الوسائل ج 14 ص 408 ب 11 ح 2 و ما عثرنا على هذه الرواية في الفقيه.
638
سيما المتأخرين الذين عملهم مقصور على أخبار الكتب الأربعة المشهورة كما صرحوا به و لا بأس بنقله بطوله لما اشتمل عليه من تعداد المحرمات كتابا و سنة و كتابنا هذا كما أنه كتاب فقه و فروع، فهو كتاب أخبار كما أشرنا إليه سابقا.
و الخبر المذكور ما رواه
الصدوق في الكتاب المذكور (1) بسنده عن موسى ابن جعفر (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عما حرم الله عز و جل من الفروج في القرآن و عما حرمه رسول الله (صلى الله عليه و آله) في سنته فقال: الذي حرم الله عز و جل أربعة و ثلاثون وجها سبعة عشر في القرآن، و سبعة عشر في السنة.
فأما التي في القرآن فالزنا، قال الله عز و جل وَ لٰا تَقْرَبُوا الزِّنىٰ» (2) و نكاح امرأة الأب قال الله عز و جل «وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ» (3) و «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ وَ عَمّٰاتُكُمْ وَ خٰالٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُ الْأَخِ وَ بَنٰاتُ الْأُخْتِ وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلٰابِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلّٰا مٰا قَدْ سَلَفَ» (4) و الحائض حتى تطهر، قال الله عز و جل وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ» (5)» و النكاح في الاعتكاف قال الله عز و جل «وَ لٰا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عٰاكِفُونَ فِي الْمَسٰاجِدِ» (6).
و أما التي في السنة فالمواقعة في شهر رمضان نهارا، و تزويج الملاعنة بعد اللعان، و التزويج في العدة، و المواقعة في الإحرام، و المحرم يتزوج أو يزوج و المظاهر قبل أن يكفر، و تزويج المشركة، و تزويج الرجل امرأة قد طلقها للعدة تسع
____________
(1) الخصال ص 532 ح 10 من أبواب الثلاثين و ما فوقه.
(2) سورة الإسراء- آية 32.
(3) سورة النساء- آية 22.
(4) سورة النساء- آية 23.
(5) سورة البقرة- آية 222.
(6) سورة البقرة- آية 187.
639
تطليقات، و تزويج الأمة على الحرة و تزويج الذمية على المسلمة، و تزويج المرأة على عمتها و خالتها، و تزويج الأمة من غير إذن مولاها: و تزويج الأمة لمن يقدر على تزويج الحرة، و الجارية من السبي قبل القسمة، و الجارية المشتراة قبل أن يستبرءها و المكاتبة التي قد أدت بعض المكاتبة».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (1)- بعد أن ذكر طلاق السنة و أنها تحرم بعد الثلاثة و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، و لم يتعرض لذكر التسع- ما لفظه: و أما طلاق العدة فهو أن يطلق الرجل امرأته على طهر من غير جماع ثم يراجعها من يومه أو من غد أو متى ما يريد من قبل أن تستوفي قرؤها، و أدنى المراجعة أن يقبلها أو ينكر الطلاق فيكون إنكار الطلاق مراجعة، فإذا أراد أن يطلقها ثانية لم يجز ذلك إلا بعد الدخول بها.
و إذا أراد طلاقها تربص بها حتى تحيض و تطهر فيطلقها، فإن أراد مراجعتها راجعها، فإن طلقها الثالثة فقد بانت منه ساعة طلقها، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فإذا انقضت عدتها منه فتزوجها رجل آخر فطلقها أو مات عنها و أراد الأول أن يتزوجها فعل.
فإن طلقها ثلاثا واحدة بعد واحدة على ما وصفناه لك فقد بانت منه لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فإن تزوجها غيره و طلقها أو مات عنها و أراد الأول أن يتزوجها فعل، فان طلقها ثلاث تطليقات على ما وصفته واحدة بعد واحدة فقد بانت منه و لا تحل له بعد تسع تطليقات أبدا، و اعلم أن كل من طلق تسع تطليقات على ما وصفت لم تحل له أبدا.
انتهى كلامه (عليه السلام) ملخصا.
و أنت خبير بأن ظاهره الدلالة على ما هو المشهور من اشتراط كون التسع للعدة فإنه بعد ذكر طلاق السنة لم يتعرض للتسع، و إنما ذكر التسع في الطلاق العدي و ظاهره اختصاص التسع المحرمة أبدا بالطلاق العدي، كما يشير قوله
____________
(1) فقه الرضا ص 31 و 32، مستدرك الوسائل ج 3 ص 12 و 13.
640
«و اعلم أن كل من طلق تسع تطليقيات على ما وصفت لم تحل له أبدا»، و الذي وصفه إنما هو الطلاق العدي كما عرفت.
و أصرح من ذلك ما صرح به
علي بن إبراهيم في تفسيره (1) حيث قال: و أما المرأة التي لا تحل لزوجها أبدا، فهي التي طلقها زوجها ثلاث تطليقات للعدة على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين، و تتزوج زوجا غيره فيطلقها و يتزوج بها الأول الذي طلقها ثلاث تطليقات ثم يطلقها أيضا ثلاث تطليقات للعدة على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين فتتزوج زوجا آخر ثم يطلقها فيتزوجها الأول الذي قد طلقها ستة تطليقات على طهر و تزوجت زوجين غير زوجها الأول ثم طلقها الزوج الأول ثلاث تطليقات للعدة على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين، فهذه التي لا تحل لزوجها الأول أبدا، لأنه قد طلقها تسع تطليقات، و تزوج بها تسع مرات و تزوجت ثلاثة أزواج، فلا تحل للزوج الأول أبدا».
و فتوى مثل هذه الثقة الجليل بذلك لا يكون إلا عن وصول خبر إليه بذلك حيث إنه من عمدة أرباب النصوص الذين لا يعولون إلا عليها بالعموم أو الخصوص مع أن الأخبار التي قدمناها كما عرفت ظاهرة في خلاف ذلك.
و بالجملة فالمسألة لما عرفت محل إشكال و إعضال لعدم حضور وجه بالبال يحمل عليه الأخبار المتقدمة، و عدم إمكان الخروج عما عليه الأصحاب بعد الاعتضاد بما ذكرناه من الخبرين و كلام هذا الثقة الجليل، و الله العالم.
هذا في الحرة و أما في الأمة فلم أقف في النصوص علي الحكم فيها، قال شيخنا في المسالك: أما الأمة فيحتمل تحريمها بالست، لتنزيلها منزلة التسع للحرة، و لأن نكاح الرجلين يتحقق فيها كتسع الحرة، و بالتسع كالحرة، لأنها إذا طلقت تسعا نكحها بعد كل طلقتين رجل صدق أنه نكحها بين التسع رجلان
____________
(1) تفسير القمي ج 1 ص 79.
641
فيجتمع الشرطان المعتبران في التحريم المؤبد و هما التسع و نكاح الرجلين، بخلاف الست لتخلف الأول.
و يحتمل عدم تحريمها مؤبدا مطلقا، لأن ظاهر النص كون مورده الحرة، فيتمسك في الأمة بأصالة بقاء الحل، و لأن شرط التحريم المؤبد وقوع التسع للعدة ينكحها بينها رجلان، و ذلك منتف في الأمة على كل حال لتوقف التسع على نكاح أربعة رجال، و هو مغاير لظاهر اعتبار الرجلين خاصة.
و بالجملة فالحكم بالتحريم المؤبد بمثل هذه المناسبات مشكل، و وروده في كيفية مخصوصة لا يوجب تعديه إلى غيرها، لجواز أن يكون للهيئة الاجتماعية من كون الطلقتين متواليتين للعدة و ثالثة بعدها محرمة، و هكذا ثلاث مرات توجب حكما لا يحصل بدونها. انتهى.
و ما أفاده في هذه الجملة جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه و إن خالفه في بعض المواضع و كذا غيره من البناء على أمثال هذه المناسبات في الأحكام، و الله العالم.
المطلب الخامس: في اللعان
، و لا خلاف في كونه موجبا للتحريم المؤبد نصا و إجماعا، و سيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله في باب اللعان و نقل الأخبار في ذلك، و كذا الحكم لو قذف الزوج امرأته الخرساء و الصماء بما يوجب اللعان بأن يرميها بالزنا مع دعوى المشاهدة و عدم البينة، و الحكم مقطوع به في كلامهم و ظاهرهم أنه موضع وفاق، و إنما الكلام في الوصفين المذكورين هل يشترط اجتماعهما أو يكفي أحدهما، عبر جملة منهم بالوصفين المذكورين كما ذكرناه و اكتفى الأكثر بأحد الأمرين.
و أما الروايات الواردة في المقام فمنها ما رواه في
الكافي (1) عن هشام بن سالم في الصحيح عن أبي بصير و هو مشترك عندهم، و حديثه معدود في الضعيف لحكمهم بضعف الضرير.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 166 ح 18، التهذيب ج 8 ص 193 ح 34، الوسائل ج 15 ص 603 ح 2.
642
و الأظهر عندي أنه صحيح قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل قذف امرأته بالزنا و هي خرساء صماء لا تسمع ما قال، قال: إن كان لها بينة فشهدوا عند الامام جلد الحد و فرق بينهما ثم لا تحل له أبدا، و إن لم تكن لها بينة فهي حرام عليه ما أقام معها، و لا إثم عليها منه».
يعني أنه إن كان لها بينة على أنه قذفها في هذه الحال و شهدت عند الامام جلد الحد، و هذه الرواية رواها الشيخ بلفظ «أو» بين خرساء صماء حيث إن المفيد في المقنعة ذكر ذلك بلفظ «أو» فأورد الشيخ هذه الرواية دليلا له بهذا اللفظ مع أنه أوردها في باب اللعان كما في الكافي بغير لفظ (أو) و كذا نقله عنه السيد السند في شرح النافع.
و منها ما رواه
ثقة الإسلام (1) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي و محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل قذف امرأته و هي خرساء، قال: يفرق بينهما».
و عن محمد بن مروان (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المرأة الخرساء كيف يلاعنها زوجها؟: قال: يفرق بينهما و لا تحل له أبدا».
و يظهر من النظر في مجموع هذه الأخبار الاكتفاء بالخرس انضم إليه الصمم أم لا إن ثبت انفكاكه عنه، و إنما يحصل الاشكال على تقدير الانفكاك في الصمم وحده، حيث إن الدليل خال منه إلا أن المفهوم من كلام أهل اللغة هو الانفكاك و أن الصمم إنما هو عبارة عن آفة تنزل بالسامعة فلا تسمع الصوت، و الخرس آفة تنزل باللسان تمنع من الكلام.
و بالجملة فإن محل الشك وجود الصمم خاصة من حيث الاختلاف في نقل رواية أبي بصير المتقدمة، فعلى ما نقله الشيخ في التهذيب بلفظ (أو) يتجه
____________
(1) الكافي ج 6 ص 164 ح 9، التهذيب ج 8 ص 193 ح 32، الوسائل ج 15 ص 602 ب 8 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 167 ح 20، التهذيب ج 8 ص 193 ح 35، الوسائل ج 15 ص 603 ح 4.
643
ترتب الحكم عليه بانفراده و على ما نقله صاحب الكافي فلا، و في التحرير استشكل حكم الصماء خاصة، و الظاهر أن وجهه ما ذكرناه.
و كيف كان فإنهم صرحوا بأنه لا فرق في الزوجة بين كونها مدخولا بها و عدمه عملا بإطلاق النص، و متى حرمت قبل الدخول ثبت جميع المهر استصحابا لما وجب عليه بالعقد، و تنصيفه على خلاف الأصل فيقتصر على مورده.
ولي في هذا الحكم توقف لورود التنصيف في غير الطلاق فيحتمل أن هذا منه و لو لم يدع المشاهدة لم تحرم و وجب عليه الحد، و لو أقام البينة بما ادعاه لم تحرم أيضا، إلا أنه لا حد عليه، و لا يسقط الحد عنه بالقذف مع الحكم بتحريمها عليه لعدم المنافاة، و عليه تدل رواية أبي بصير، و إن سقط باللعان من حيث إقامته مقام الشهود المسقطة للحد عنه، و يبقى الحد في ذمته لو لم ترافعه إلى الحاكم الشرعي أو لم يسمعه أحد و يحرم عليه بذلك فيما بينه و بين الله.
و لو انعكس الفرض بأن قذفت السليمة الأصم أو الأخرس فالمشهور بين الأصحاب أنه لا تحريم و عن الصدوق القول بالتحريم مؤبدا، و يدل عليه ما رواه
ثقة الإسلام (1) عن ابن محبوب عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في امرأة قذفت زوجها و هو أصم، قال: يفرق بينها و بينه و لا تحل له أبدا».
ورد هذه الرواية المتأخرون بالإرسال و هو ضعيف عند من لم يعمل بهذا الاصطلاح المحدث، و هم كافة المتقدمين و جملة من متأخري المتأخرين.
إلى هنا تم الجزء الثالث و العشرون حسب تجزئتنا بحمد الله و منه و قد بذلنا الجهد غايته في تصحيحه و مقابلته مع النسخ المطبوعة و استخراج أحاديثه، و يليه الجزء الرابع و العشرون في بقية كتاب النكاح ان شاء الله تعالى.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 166 ح 19، التهذيب ج 8 ص 193 ح 33، الوسائل ج 15 ص 603 ح 3.
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة
الجزء الثالث و العشرون
تأليف
الشيخ يوسف بن احمد البحراني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

