3
[تتمة كتاب النكاح]
[تتمة الفصل الثاني في أسباب التحريم]
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على خير خلقه و أفضل بريته محمد و آله الطاهرين.
المطلب السادس: الكفر:
و فيه بحوث
[البحث] الأول:
و فيه مسائل:
[المسألة] الاولى [في جواز نكاح الكتابية و عدم جوازه]:
لا خلاف بين الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- كما نقله غير واحد من محققيهم في أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح غير الكتابية.
[الأقوال في المقام]
و أما الكتابية فقد اختلفوا فيها على أقوال ستة، و الأصل في ذلك اختلاف ظاهر الآيات و الروايات في ذلك، و اختلاف الأفهام في الجمع بينها.
و الأول من الأقوال المذكورة
[الأول] التحريم مطلقا
، و هو مذهب المرتضى و الشيخ في أحد قوليه، و هو أحد قولي الشيخ أيضا، و قواه ابن إدريس، قال المرتضى:
مما انفردت به الإمامية حظر نكاح الكتابيات، و قال الشيخ في الخلاف: المحصلون من أصحابنا يقولون: لا يحل نكاح من خالف الإسلام، لا اليهود و لا النصارى و لا غيرهم، و قال قوم من أصحاب الحديث من أصحابنا: يجوز ذلك، و اختار في كتابي الأخبار التحريم أيضا مطلقا.
و الثاني: الجواز مطلقا
، و هو منقول عن الشيخ علي بن الحسين بن بابويه و ابنه، و ابن أبي عقيل، قال الشيخ علي المذكور على ما نقله عنه في المختلف: و إن تزوجت يهودية أو نصرانية فامنعها من شرب الخمر و أكل لحم الخنزير، و اعلم
4
أن عليك في دينك في تزويجك إياها غضاضة. و نحوه قال ابنه في المقنع، و زاد:
و تزويج المجوسية حرام، و لكن إذا كان للرجل أمة مجوسية، فلا بأس أن يطأها و يعزل عنها و لا يطلب ولدها.
و قال ابن العقيل: و أما المشركات فقوله تعالى «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ» (1) إلا ما استثناه من عفائف أهل الكتاب، فقال «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (2) ثم قال في موضع آخر، قال الله عز و جل «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ- إلى قوله- أُولٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّٰارِ» و ذكر مشركي أهل الكتاب فقال «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ- إلى قوله- وَ لٰا مُتَّخِذِي أَخْدٰانٍ».
و أهل الشرك عند آل الرسول (صلى الله عليه و آله) صنفان: صنف أهل الكتاب، و صنف مجوس و عبدة أوثان و أصنام و نيران، فأما الصنف الذي بدأنا ذكره فقد حرم الله نساءهم حتى يسلموا، و أما أهل الكتاب فهم اليهود و النصارى فلا بأس بنكاح نسائهم متعة و إعلانا، و لا يجمع في نكاح الإعلان منهن إلا أربع فما دون.
الثالث: جواز متعة اليهود و النصارى اختيارا و الدوام اضطرارا
، و هو مذهب الشيخ في النهاية و ابن حمزة و ابن البراج، قال في النهاية: لا يجوز للرجل المسلم أن يعقد على المشركات على اختلاف أصنافهن يهودية كانت أو نصرانية، أو عابدة وثن، فإن اضطر إلى العقد عليهن عقد على اليهودية و النصرانية، و ذلك جائز عند الضرورة، و لا بأس أن يعقد على هذين الجنسين عقد المتعة مع الاختيار.
انتهى، و على هذا النهج كلام الفاضلين الآخرين.
الرابع: عدم جواز العقد بحال، و جواز ملك اليمين
، و نقل عن الشيخ في أحد قوليه.
أقول: و بهذا القول صرح الشيخ المفيد على ما نقله عنه في المختلف حيث قال: و قال المفيد: نكاح الكافرة محرم بسبب كفرها، سواء كانت عابدة وثن أو
____________
(1) سورة البقرة- آية 221.
(2) سورة المائدة- آية 5.
5
مجوسية أو يهودية أو نصرانية، قال الله عز و جل «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ» و قال في باب العقد على الإماء: و تنكح بملك اليمين اليهودية و النصرانية و لا يجوز له ذلك بعقد نكاح و لا يجوز وطؤ المجوسية و الصابئية و الوثنية على حال.
و قال في باب السراري: و لا بأس أن يطأ اليهودية و النصرانية بملك اليمين، و لا يجوز له وطؤ المجوسية على حال، و كذا الصابئيات و الوثنيات حرام وطؤهن بالعقود و ملك اليمين.
الخامس: جواز المتعة و ملك اليمين، و تحريم الدوام
، و نقل عن أبي الصلاح و سلار، و أنه اختيار المتأخرين.
أقول: و هو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط حيث قسم المشركين فيه إلى أقسام ثلاثة: من له كتاب، و هم اليهود و النصارى، أهل التوراة و أهل الإنجيل، قال:
فهؤلاء عند المحصلين من أصحابنا لا يجوز أكل ذبائحهم و لا تزويج حرائرهم، بل يقرون على أديانهم إذا بذلوا الجزية، و فيه خلاف بين أصحابنا، و قال جميع الفقهاء: يجوز أكل ذبائحهم و نكاح حرائرهم.
فأما السامرة و الصابئون فقد قيل: إن السامرة قوم من اليهود، و الصابئون قوم من النصارى، فعلى هذا يحل جميع ذلك، و الصحيح في الصابئة أنهم غير النصارى، لأنهم يعبدون الكواكب، فعلى هذا لا يحل جميع ذلك بلا خلاف، و أما غير هذين الكتابين من الكتب كصحف إبراهيم (عليه السلام) و زبور داود (عليه السلام)، فلا يحل نكاح حرائر من كان من أهلها و لا أكل ذبائحهم.
و من لا كتاب له و لا شبهة كتاب كعبدة الأوثان، فلا يحل نكاحهم، و لا أكل ذبائحهم و لا يقرون على أديانهم بلا خلاف.
و من له شبهة كتاب، و هم المجوس قال قوم: هم أهل الكتاب، كان لهم كتاب ثم نسخ، و رفع من بين أظهرهم، و قال آخرون: ما كان لهم كتاب أصلا، و غلب التحريم، فقيل على القولين، يحقن دماؤهم ببذل الجزية، و تحريم مناكحهم
6
و ذبائحهم بلا خلاف و قد اختار أصحابنا كلهم التمتع بالكتابية و وطأها بملك اليمين، و رووا رخصة في التمتع بالمجوسية. انتهى.
السادس: تحريم نكاحهن مطلقا اختيارا، و تجويزه مطلقا اضطرارا. و تجويز الوطي بملك اليمين
، و نقل عن ابن الجنيد، قال في المختلف: و قال ابن الجنيد: و اختار لمن وجد الغناء- عن نكاح أهل الكتابين- ترك مناكحتهن بالعقد في دار الإسلام، أما في دار حربهم فلا يجوز ذلك، فإن رغبت إلى ذلك ضرورة في دار الإسلام أن يكون الأبكار منهن، و أن يمنعهن أكل و شرب ما هو محرم في دار الإسلام، و لا يحل نكاح من كان نصارى من بني تغلب و ذميمة العرب و مشركيهن.
و من لم يصح له كتاب من الصابئين و غيرهن و اجتناب مناكحتهن أحب إلي، و أما السامرة فيجرون مجرى اليهود، و إن كانوا من بني إسرائيل، و لا بأس بوطىء من ملك من هذه الأصناف كلها بملك اليمين و لكن لا يطلب الولد من غير الكتابية، و قال في نكاح الحر للإماء: و لا يحل للمسلم التزويج على إماء أهل الكتاب. انتهى.
[أنواع الروايات في المقام]
و منشأ هذا الاختلاف اختلاف الأخبار كما أشرنا إليه آنفا، فإنها خرجت في هذا المقام على أنواع متعددة.
[النوع] الأول: على الجواز مطلقا
، و هي ما رواه
المشايخ الثلاثة (1)- (رضوان الله عليهم)- عن معاوية بن وهب و غيره في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل المؤمن يتزوج النصرانية و اليهودية، قال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية و النصرانية: فقلت: يكون له فيها الهوى، فقال: إن فعل فليمنعها من شرب الخمر و أكل لحم الخنزير و اعلم أن عليه في دينه في تزويجه إياها غضاضة».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 356 ح 1، التهذيب ج 7 ص 298 ح 6، الفقيه ج 3 ص 257 ح 7، الوسائل ج 14 ص 412 ح 1.
7
و ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح كما عن ابن رئاب عن ابي بصير و هو مشترك إلا أن الأظهر عندي عده في الصحيح كما تقدمت الإشارة إليه عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل له امرأة نصرانية له أن يتزوج عليها يهودية؟ فقال: إن أهل الكتاب مماليك للإمام، و ذلك موسع منا عليكم خاصة، فلا بأس أن يتزوج قلت: فإنه يتزوج عليها أمة؟ قال: لا يصلح له أن يتزوج ثلاث إماء، فإن تزوج عليهما حرة مسلمة و لم تعلم أن له امرأة نصرانية و يهودية ثم دخل بها فإن لها مما أخذت من المهر فإن شاءت أن تقيم بعد معه أقامت، و إن شاءت أن تذهب إلى أهلها ذهبت، و إذا حاضت ثلاثة حيض أو مرت لها ثلاثة أشهر حلت للأزواج، قلت: فإن طلق عليها اليهودية و النصرانية قبل أن تنقضي عدة المسلمة، له عليها سبيل أن يردها إلى منزله؟ قال: نعم» (2).
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج ذمية على مسلمة، و لم يستأمرها، قال: و يفرق بينهما،.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 358 ح 11، و التهذيب ج 7 ص 449 ح 5، الوسائل ج 14 ص 420 ح 1.
(2) أقول: و مما يدل على كونهم مماليك للإمام (عليه السلام)
صحيحة زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن نصرانية كانت تحت نصراني فطلقها، هل عليها عدة مثل عدة المسلمة؟ فقال: لا، لأنه أهل الكتاب مماليك الإمام، أ لا ترى أنهم يؤدون الجزية كما يؤدى العبد الضريبة، ثم قال: قلت: فان مات عنها و هي نصرانية و هو نصراني، فأراد الرجل من المسلمين تزويجها، قال: لا يتزوجها المسلم حتى تعد من النصراني أربعة أشهر و عشرا.
(منه- (قدس سره)-). و ما رواه- (قدس سره)- موجود في التهذيب ج 7 ص 478 ح 126، الكافي ج 6 ص 174 ح 1، الوسائل ج 15 ص 477 ح 1.
(3) الكافي ج 7 ص 241 ح 8، التهذيب ج 10 ص 144 ح 3، الوسائل ج 18 ص 415 ب 49 ح 1.
8
قلت: فعليه أدب؟ قال: نعم اثنى عشر سوطا و نصف ثمن حد الزاني و هو صاغر، قلت:
فإن رضيت المرأة الحرة المسلمة بفعله بعد ما كان فعل؟ قال: لا يضرب و لا يفرق بينهما يبقيان على النكاح الأول»،.
أقول: في التهذيب «أمة» مكان «ذمية».
و ما رواه
في الفقيه (1) في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج ذمية على مسلمة قال: يفرق بينهما، و يضرب ثمن الحد اثنى عشر سوطا و نصفا، فإن رضيت المسلمة ضرب ثمن الحد و لم يفرق بينهما، قلت: كيف يضرب النصف؟ قال: يؤخذ بالسوط بالنصف فيضرب به».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) عن أبى مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن طعام أهل الكتاب و نكاحهم حلال هو؟ قال: نعم قد كان تحت طلحة يهودية».
و عن محمد بن مسلم (3) في الموثق عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن نكاح اليهودية و النصرانية، فقال: لا بأس، أما علمت أنه كان تحت طلحة بن عبد الله يهودية على عهد النبي (صلى الله عليه و آله)».
و ما رواه
في الكافي (4) عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل للرجل أن يتزوج النصرانية على المسلمة، و الأمة على الحرة؟ فقال: لا يتزوج واحدة منهما على المسلمة، و يتزوج المسلمة على الأمة و النصرانية، و للمسلمة الثلثان و للأمة و النصرانية الثلث».
و عن سماعة (5) في الموثق قال: «سألته عن اليهودية و النصرانية أ يتزوجها
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 269 ح 64، الوسائل ج 14 ص 419 ح 4.
(2) التهذيب ج 7 ص 298 ح 4، الوسائل ج 14 ص 416 ح 3.
(3) التهذيب ج 7 ص 298 ح 5، الوسائل ج 14 ص 419 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 359 ح 5، الوسائل ح 14 ص 419 ح 3.
(5) الكافي ج 5 ص 357 ح 5، الوسائل ج 14 ص 419 ح 2.
9
الرجل على المسلمة؟ قال: لا، و يتزوج المسلمة على اليهودية و النصرانية».
و ما
في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام): و إن تزوجت يهودية أو نصرانية فامنعها من شرب الخمر و أكل لحم الخنزير، و اعلم أن عليك في دينك في تزويجك إياها غضاضة، و لا يجوز تزويج المجوسية، و لا يجوز أن تزوج من أهل الكتاب و لا من الإماء إلا اثنتين».
إلى آخره.
و كلام الشيخ علي بن بابويه المتقدم نقله عين صدر هذه العبارة، و قد تقدم التنبيه على أن أكثر عبائره و فتاويه في الرسالة مأخوذ من هذا الكتاب، و هذه الأخبار هي مستند قول الثاني.
و النوع الثاني: ما دل على التحريم مطلقا
، و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن الحسن بن الجهم في الموثق قال: «قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): يا أبا محمد ما تقول في رجل يتزوج نصرانية على مسلمة؟ قلت: جعلت فداك، و ما قولي بين يديك، قال: لتقولن فإن ذلك يعلم به قولي، قلت: لا يجوز تزويج النصرانية على مسلمة، و لا على غير مسلمة، قال: لم؟ قلت: لقول الله عز و جل «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ» (3) قال: فما تقول في هذه الآية؟. «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (4) قلت فقوله «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ» نسخت هذه الآية فتبسم ثم سكت».
و عن زرارة (5) عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «لا ينبغي نكاح أهل الكتاب، قلت:
____________
(1) فقه الرضا ص 31، مستدرك الوسائل ج 2 ص 584 ح 2 مع اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 5 ص 357 ح 6، التهذيب ج 7 ص 297 ح 1، الوسائل ج 14 ص 410 ح 3.
(3) سورة البقرة- آية 221.
(4) سورة المائدة- آية 5.
(5) الكافي ج 5 ص 358 ح 7، التهذيب ج 7 ص 297 ح 2، الوسائل ج 14 ص 411 ح 4.
10
جعلت فداك و أين تحريمه؟ قال: قوله «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» (1).
و عن زرارة في الصحيح أو الحسن (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله سبحانه «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» فقال: هذه منسوخة بقوله «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ».
و ما رواه
الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره (3) عن ابي جعفر (عليه السلام) في تفسير قوله «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» أن من كانت عنده امرأة كافرة يعني على غير ملة الإسلام و هو على ملة الإسلام فليعرض عليها الإسلام فإن قبلت فهي امرأته، و إلا فهي بريئة منه، فنهى الله أن يمسك بعصمهم.
و ما رواه
الراوندي في نوادره (4) بإسناده عن موسى بن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال علي (عليه السلام): لا يجوز للمسلم التزويج بالأمة اليهودية و لا النصرانية، لأن الله تعالى قال مِنْ فَتَيٰاتِكُمُ الْمُؤْمِنٰاتِ» الحديث.
و روى العياشي في تفسيره (5) عن مسعدة بن صدقة، قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن قول الله «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» قال: نسختها «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ».
و هذه الأخبار أدلة القول الأول.
و النوع الثالث: ما دل على الجواز للضرورة
، و منها ما رواه
في الكافي (6)
____________
(1) سورة الممتحنة- آية 10.
(2) الكافي ج 5 ص 358 ح 8، التهذيب ج 7 ص 298 ح 3، الوسائل ج 14 ص 410 ح 1.
(3) تفسير القمي ج 2 ص 363، الوسائل ج 14 ص 417 ح 7.
(4) نوادر الراوندي ص 48، البحار ج 103 ص 380 ح 20 طبعة الاخوندى.
(5) تفسير العياشي ج 1 ص 296 ح 38 عن ابن سنان عن أبى عبد الله، مستدرك الوسائل ج 2 ص 584 ح 1 عن مسعدة بن صدقة.
(6) الكافي ج 5 ص 360 ح 8، الوسائل ج 14 ص 412 ح 3.
11
عن يونس عنهم (عليهم السلام) قال: «لا ينبغي للمسلم الموسر أن يتزوج الأمة إلا أن لا يجد حرة، فكذلك لا ينبغي له أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب إلا في حال الضرورة، حيث لا يجد مسلمة حرة و لا أمة».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح (1) و إن اشتمل على إرسال ابن أبي عمير لعدهم مرسلاته في الصحاح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا ينبغي للمسلم أن يتزوج يهودية و لا نصرانية و هو يجد مسلمة حرة أو أمة».
و التقريب فيه بحمل «لا ينبغي» على التحريم كما هو ظاهر الخبر الأول.
و النوع الرابع: ما دل على الجواز على كراهة
، و منه صحيحة معاوية ابن وهب (2) المتقدمة في صدر روايات الجواز.
و ما رواه
في الكافي (3) في الصحيح أو الحسن عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «و ما أحب للرجل المسلم أن يتزوج اليهودية و لا النصرانية مخافة أن يتهود ولده أو يتنصر».
و ما رواه
في كتاب قرب الاسناد (4) عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أنه كره مناكحة أهل الحرب».
إلا أن هذا مبني على أن لفظ «لا أحب» و لفظ «كره» بمعنى المكروه المستعمل بين الناس، و هو في الأخبار أعم من ذلك، فإنه قد ورد بمعنى التحريم كثيرا فهما من الألفاظ المتشابهة كما تقدم تحقيقه.
و النوع الخامس: ما دل على تخصيص الجواز بالبله
كما رواه
في الكافي (5) عن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 358 ح 9، التهذيب ج 7 ص 302 ح 17، الوسائل ج 14 ص 421 ح 5.
(2) الكافي ج 5 ص 356 ح 1، التهذيب ج 7 ص 298 ح 6، الفقيه ج 3 ص 257 ح 7، الوسائل ج 14 ص 412 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 351 ح 15، الوسائل ج 14 ص 411 ح 5.
(4) قرب الاسناد ص 65، الوسائل ج 14 ص 411 ح 6.
(5) الكافي ج 5 ص 356 ح 2، التهذيب ج 7 ص 299 ح 7 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 414 ح 1.
12
زرارة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن نكاح اليهودية و النصرانية فقال: لا يصلح للمسلم أن ينكح يهودية و لا نصرانية، و إنما يحل منهن نكاح البله».
و لفظ «لا يصلح» و إن كان ظاهرا في الكراهة باعتبار اصطلاح الناس، إلا أنه في الأخبار من الألفاظ المتشابهة المستعملة في التحريم أيضا، و قرينة التحريم هنا قوله «إنما يحل».
و النوع السادس: ما ورد في التمتع بهن
، و من ذلك ما رواه
في التهذيب (1) عن الحسن بن علي بن فضال في الموثق عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية و النصرانية و عنده حرة».
و عن زرارة (2) قال: «سمعته يقول: لا بأس بأن يتزوج اليهودية و النصرانية متعة، و عنده امرأة».
و عن محمد بن سنان (3) عن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن نكاح اليهودية و النصرانية، فقال: لا بأس، فقلت: فمجوسية، فقال: لا بأس به، يعني متعة».
أقول: قوله «يعني متعة» من كلام الراوي، و هو تفسير لكلامه (عليه السلام) و بيان لإجماله، لعلمه بذلك بقرينة الحال يومئذ، إلا أن هذا التفسير يمكن ان يكون للمجوسية خاصة، و أن نفي البأس عنها إنما هو بالنسبة إلى المتعة دون الدائم، و حينئذ فنفي البأس في اليهودية و النصرانية أعم من المتعة و الدائم، و بهذا تكون هذه الرواية من روايات النوع الأول، و هذا هو الأقرب، و يحتمل أن يكون للجميع.
و عن منصور الصيقل (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بالرجل أن يتمتع
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 256 ح 28، الوسائل ج 14 ص 415 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 256 ح 29، الوسائل ج 14 ص 415 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 256 ح 31، الوسائل ج 14 ص 462 ح 4.
(4) التهذيب ج 7 ص 256 ح 32، الوسائل ج 14 ص 462 ح 5.
13
بالمجوسية».
و عن إسماعيل بن سعد الأشعري (1) في الصحيح قال: «سألته عن الرجل يتمتع من اليهودية و النصرانية؟ قال: لا أرى بذلك بأسا، قال: قلت: بالمجوسية؟
قال: و أما المجوسية فلا».
و حمل في التهذيبين المنع عن المجوسية على الكراهة عند التمكن من غيرها، هذا ما ورد من الأخبار على ما عرفت من الاختلاف و مثلها الآيات القرآنية، فإنها مختلفة أيضا.
فمما يدل على التحريم قوله عز و جل في سورة البقرة «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ»- إلى قوله- وَ لٰا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّٰى يُؤْمِنُوا» (2). و قوله عز و جل في سورة الممتحنة «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا جٰاءَكُمُ الْمُؤْمِنٰاتُ مُهٰاجِرٰاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللّٰهُ أَعْلَمُ بِإِيمٰانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنٰاتٍ فَلٰا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّٰارِ لٰا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لٰا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ- إلى قوله- وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» (3).
و مما يدل على الجواز قوله عز و جل في سورة المائدة «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الْمُؤْمِنٰاتِ وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذٰا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ وَ لٰا مُتَّخِذِي أَخْدٰانٍ» (4).
و أنت خبير بأن أكثر الأخبار دال على الجواز و إن كان على كراهة كما يفهم من الأخبار الأخر المتقدمة، و لا ينافي ذلك روايات المتعة إن لم تؤكده، لدلالتها على الجواز في الجملة، و لهذا مال إلى الجواز شيخنا في المسالك و سبطه السيد السند في شرح النافع.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 256 ج 30، الوسائل ج 14 ص 461 ح 1.
(2) سورة البقرة- آية 221.
(3) سورة الممتحنة- آية 10.
(4) سورة المائدة- آية 5.
14
و يؤيده ما رواه النعماني في تفسيره (1) عن علي (عليه السلام) و صرح به الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره (2) أيضا في بيان ما نصفه منسوخ من الآيات و نصفه باق من أن قوله «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ» قد نسخ بقوله تعالى في سورة المائدة «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ»- إلى قوله- وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (3) و قوله «وَ لٰا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّٰى يُؤْمِنُوا» لم ينسخ إلى آخر كلامهما زيد في إكرامهما، و حينئذ ربما يمكن القول بترجيح الجواز، إلا أن إجماع العامة على الجواز كما نقله الشيخ و غيره.
و قد تقرر في طريق الترجيح في مقام اختلاف الأخبار، عرض الأخبار على مذهبهم و الأخذ بخلافه كما تضمنته مقبولة عمر بن حنظلة (4)، و رواية زرارة و غيرها حتى ورد أنهم ليسوا من الحنيفية على شيء، و أن الرشد في خلافهم، و بلغ الأمر إلى أنهم أمروا شيعتهم بأنه متى أعوزهم الحكم الشرعي رجعوا إلى قضاة العامة، و أخذوا بخلاف ما يفتون به، و حينئذ فيشكل العمل بأخبار الجواز، لإمكان الحمل على التقية.
فإن قيل: إن من جملة القواعد أيضا العرض على الكتاب العزيز، و الأخذ بما وافقه، بل العرض عليه و الترجيح مقدم في الأخبار على رتبة العرض على مذهب العامة.
قلنا: نعم الأمر و إن كان كذلك، لكن الآيات كما عرفت مختلفة، و الجمع بينها مشكل، إلا أنه يمكن أن يقال: إن مقتضى ما قدمنا نقله عن تفسير النعماني و علي بن إبراهيم أن آية «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ» (5) الدالة على التحريم قد
____________
(1) المحكم و المتشابه ص 34 و 35، الوسائل ج 14 ص 413 ح 6.
(2) تفسير القمي ج 1 ص 73.
(3) سورة المائدة- آية 5.
(4) الفقيه ج 3 ص 5 ح 2، الوسائل ج 18 ص 75 ح 1.
(5) سورة البقرة- آية 221.
15
نسخت بآية «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ» (1) الدالة على الجواز، و لهذا جعلنا ذلك مؤيدا للجواز.
و مقتضى ما دلت عليه حسنة زرارة أو صحيحته، و كذا روايته الأخرى المتقدمتين في النوع الثاني أن آية التحريم إنما هي «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» (2) و أن هذه الآية قد نسخت آية «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ» و يؤيد ذلك الروايات الواردة في تفسير «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» المتقدمة في الموضع المذكور.
و أما آية «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ» فالظاهر من إيراده في الاستدلال على التحريم في حسنة زرارة و روايته بآية «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» دونها، مع أنه أصرح في التحريم: أنها قد نسخت بآية المائدة كما نقله الشيخان المتقدم ذكرهما في تفسيريهما، و لعله بعد ذلك نسخت آية المائدة بآية «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» كما صرحت به الروايتان المذكورتان.
و ما يقال من أن المائدة آخر القرآن نزولا غير معلوم على إطلاقه، نعم بعض آياتها كذلك، فإن الظاهر من الأخبار أن السور لم تنزل دفعة واحدة بل القرآن كله إنما نزل نجوما بحسب الأحكام المتجددة و الوقائع المتعددة، و لهذا صرحوا بأنه لم يتكامل في نزوله إلا بعد عشرين سنة، و حينئذ فيكون القرآن دليلا على التحريم بمعونة هذه الروايات، لأنا لا نفهم من القرآن إلا ما أفهمونا إياه، و أوقفونا عليه، سيما عند تشابهه علينا، و نسخ بعضه بعضا.
و من ذلك يظهر ترجيح القول بالتحريم بالنظر إلى هاتين القاعدتين الواردتين في مقام الترجيح، لأن العرض على مذهب العامة و الأخذ بخلافه لا يتم إلا على القول بالتحريم و العرض على الكتاب بالتقريب الذي أوضحناه
____________
(1) سورة المائدة- آية 5.
(2) سورة الممتحنة- آية 10.
16
يقتضي القول بالتحريم، فإنه هو المفهوم من الآيات بمعونة هذه الروايات.
و أما ما ذكره شيخنا في المسالك- من أن إثبات النسخ بهذه الرواية يعني حسنة زرارة مشكل، خصوصا مع عدم صحة سندها- محل نظر، فإن حسنها إنما هو بإبراهيم بن هاشم الذي لا راد لروايته لما هو عليه من علو الشأن و رفعة المكان، حتى عد روايته في الصحيح جملة من محققي متأخري المتأخرين كالشيخ البهائي و والده، و شيخنا المجلسي و والده المولى محمد تقي و غيرهم.
و هو قد اعترف في غير موضع، و كذا سبطه السيد السند بأنه لا راد لروايته، و إن نظموها في قسم الحسن، فالمناقشة في ذلك واهية على أنها كما عرفت قد عاضدها رواية زرارة الثانية، و رواية تفسير الشيخ علي بن إبراهيم، و حينئذ فتحمل تلك الروايات الدالة على الجواز على التقية.
و يؤيده ما سيأتي تحقيقه- إن شاء الله تعالى- في مسألة اشتراط الكفاءة في في النكاح التي هي عبارة عن التساوي في الايمان- كما هو المشهور- أو الإسلام- كما هو القول الآخر- فإنه و إن كان المشهور اختصاص ذلك بجانب الزوج إلا أن الأظهر هو اشتراط ذلك من الجانبين، كما هو مذهب سلار، حيث قال:
و من الشرائط أن تكون مؤمنة أو مستضعفة، فإن كانت ذمية أو مجوسية أو معاندة لم يحل نكاحها قط، لأن الكفاءة في الدين مراعاة عندنا في صحة هذا العقد، فأما في عقد المتعة و الإماء فجائز في الذميات خاصة، دون المجوسية، انتهى.
و أما ما ذكره السيد السند في شرح النافع و إليه أشار جده في المسالك من أن آية «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ» (1) الدالة على الجواز.
لا ينافيها قوله تعالى «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ» (2) لأن الأولى خاصة، و العمل على الخاص مقدم.
____________
(1) سورة المائدة- آية 5.
(2) سورة البقرة- آية 221.
17
ففيه أنه جيد لو لم تعارضه الرواية عنهم (عليهم السلام) فإن موثقة الحسن بن الجهم (1) دلت على أن آية «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ» قد نسخت آية «وَ الْمُحْصَنٰاتُ» و هو و إن وقع في كلام الراوي إلا أنه (عليه السلام) قد قرره على ذلك، لكن هذه الرواية معارضة بما قدمنا نقله عن تفسير النعماني.
و كلام الشيخ علي بن إبراهيم في تفسيره- من أن آية «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ» قد نسخت بقوله تعالى في سورة المائدة «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ- إلى قوله- وَ الْمُحْصَنٰاتُ» (2) و ما ذكروه من الجمع بين الآيتين بتخصيص إحداهما بالأخرى- لا يتم على كل من الروايتين، بل الروايتان ظاهرتان في
____________
(1) الكافي ج 5 ص 357 ح 6، و التهذيب ج 7 ص 297 ح 1، الوسائل ج 14 ص 410 ح 3.
(2) أقول: و بذلك يظهر لك ما في قوله في المسالك- من أنه لا وجه للنسخ بعد إمكان الجمع بين الآيتين بتخصيص عموم آية «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ» بآية «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ» فان فيه أن الروايات قد صرحت بالنسخ و ان اختلف في أن أيتهما الناسخة و أيتهما المنسوخة.
فقوله «لا وجه للنسخ فيه» نوع اعتراض على الامام- (عليه السلام)- في حكمه بالنسخ، و هو لا يخلو من سوء أدب. نعم لو كان ذلك في مقابلة دعوى من ادعى ذلك بغير دليل اتجه ما ذكره.
و كذا قوله «و أما آية النهي عن التمسك بعصم الكوافر فليست صريحة في إرادة النكاح، و لا فيما هو أعم منه» فان فيه أنه و ان كان الأمر كذلك بالنظر الى ظاهر الآية، و لكن بعد ورود الروايات يكون «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» ناسخة لاية «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ» و ورود تفسير الآية بالنكاح كما قدمنا نقله عن تفسير على بن إبراهيم، فلا وجه لهذا الكلام، و هل هو الا نوع رد على الامام- (عليه السلام)- فيما فسر به الآية في المقام.
و بالجملة فإن كلامه هنا بعيد عن التحقيق، و سحيق في ذلك، و أى سحيق (منه- (قدس سره)-).
18
في التعارض، و أنه لا مخرج من ذلك إلا بنسخ إحداهما للثانية، و إن وقع الاختلاف بينهما في أن أيتهما الناسخة و أيتهما المنسوخة.
و كيف كان فالمسألة بمحل من الاشكال، لما عرفت من الاختلاف في الآيات و الروايات، و إن كان ما ذكرناه هو الذي يترجح في النظر القاصر و الذهن الفاتر، و الله العالم.
تنبيهات
الأول [في أن المجوس من أهل الكتاب أم لا؟]:
ظاهر الأصحاب أن المجوس ليسوا داخلين تحت إطلاق أهل الكتاب، و أن أهل الكتاب حقيقة إنما هم اليهود و النصارى، و هذا البحث المتقدم مخصوص بهم و إن ألحقوا بهم في بعض الأحكام.
قال شيخنا في المسالك بعد تمام البحث في اليهود و النصارى: بقي الكلام في المجوسية، فإن الظاهر عدم دخولها في أهل الكتاب،
لقول النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».
فإن فيه إيماء إلى أنهم ليسوا منهم و لذلك قيل: إنهم ممن لهم شبهة كتاب،
و قد روي (2) أنهم حرقوا كتابهم فرفع.
و أيضا فلا يلزم أن يسن بهم سنتهم في جميع الأحكام، و ظاهر الرواية كونه في الجزية، و يؤيده أنهم رووا فيها أيضا غير ناكحي نسائهم و لا أكل ذبائحهم، فيضعف الاحتجاج ببعضها دون بعض، و الرواية عامية، انتهى.
أقول: المفهوم من بعض الأخبار كونهم من أهل الكتاب و أنه كان لهم نبي و كتاب،
فروى في الكافي و التهذيب (3) عن أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 29 ح 11، الوسائل ج 11 ص 97 ح 5.
(2) التهذيب ج 6 ص 175 ح 28، الوسائل ج 11 ص 97 ح 5.
(3) الكافي ج 3 ص 567 ح 4، التهذيب ج 4 ص 113 ح 1، الوسائل ج 11 ص 96 ح 1.
19
قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المجوس كان لهم نبي؟ فقال: نعم. أما بلغك كتاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى أهل مكة أن أسلموا و إلا نابذتكم بحرب، فكتبوا إلى النبي (صلى الله عليه و آله) أن خذ منا الجزية و دعنا على عبادة الأصنام، فكتب إليهم النبي (صلى الله عليه و آله): إني لم آخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، فكتبوا إليه (صلى الله عليه و آله) يريدون بذلك تكذيبه (صلى الله عليه و آله): زعمت أنك لا تأخذ الجزية إلا من أهل الكتاب ثم أخذت الجزية من مجوس هجر، فكتب إليهم النبي (صلى الله عليه و آله): أن المجوس كان لهم نبي فقتلوه، و كتاب فأحرقوه، أتاهم نبيهم بكتابهم في اثنى عشر ألف جلد ثور».
و ما رواه
في التهذيب (1) عن أبي يحيى الواسطي قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المجوس فقال: كان لهم نبي قتلوه و كتاب أحرقوه، أتاهم نبيهم بكتابهم في اثنى عشر ألف جلد ثور.».
«و قال الصدوق في الفقيه (2) المجوس تؤخذ منهم الجزية، لأن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، و كان لهم نبي اسمه جاماست فقتلوه، و كتاب يقال إنه كان يقع في اثنى عشر ألف جلد ثور فحرقوه».
و روى الصدوق في كتاب المجالس (3) بسنده عن الأصبغ بن نباتة أن عليا (عليه السلام) قال على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه الأشعث فقال: يا أمير المؤمنين (عليه السلام) كيف تؤخذ الجزية عن المجوس و لم ينزل عليهم كتاب و لم يبعث إليهم نبي فقال: بلى يا أشعث قد أنزل الله عليهم كتابا و بعث إليهم نبيا».
الحديث.
و روى الشيخ الطوسي في كتاب مجالسه (4) عن علي بن علي بن دعبل أخي
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 175 ح 28، الوسائل ج 11 ص 97 ح 3.
(2) الفقيه ج 2 ص 29 ج 11، الوسائل ج 11 ص 97 ح 5، و فيهما اختلاف مع الأصل.
(3) المجالس ص 206 ح 55، الوسائل ج 11 ص 98 ح 7.
(4) مجالس ابن الشيخ ج 2 ص 375 المجلس- 13، الوسائل ج 11 ص 98 ح 9.
20
دعبل بن علي عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن علي بن الحسين (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب يعني المجوس».
و روى الشيخ المفيد في المقنعة (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مرسلا أنه قال: المجوس إنما ألحقوا باليهود و النصارى في الجزية و الديات لأنه قد كان لهم في ما مضى كتاب».
أقول: الظاهر أنه حيث لم يشتهر نبي المجوس و كتابهم كشهرة كتابي اليهود و النصارى و نبيهما بل كانوا عند الناس أولا و آخرا أنهم ليسوا بأهل الكتاب و لا نبي وقع التعبير بأن يسن بهم سنة أهل الكتاب المشهورين و يلحقوا بهم.
و ظاهر أكثر هذه الأخبار أن ذلك إنما هو بالنسبة إلى الجزية، و ظاهر خبر الشيخ المفيد الإلحاق في الديات أيضا، و الظاهر أنه لهذا لم تجر عليهم أحكام أهل الكتاب المذكورة في هذا المقام بالنسبة إلى الكلام المتقدم نصا و فتوى، و إن كانت الأخبار مختلفة فيهم أيضا لكن لا على الوجه المذكور.
و من ذلك ما تقدم في النوع الأول من
قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقيه (2) «و لا يجوز تزويج المجوسية».
و ما تقدم في النوع السادس من رواية
محمد بن سنان (3) عن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن نكاح اليهودية و النصرانية فقال: لا بأس، فقلت: فمجوسية، فقال:
لا بأس به يعني متعة».
بالتقريب المذكور في ذيلها ثمة.
و رواية منصور الصيقل (4) المتقدم نقلها ثمة أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بالرجل أن يتمتع بالمجوسية».
____________
(1) المقنعة ص 44، الوسائل ج 11 ص 98 ح 8.
(2) الفقه الرضوي ص 235، مستدرك الوسائل ج 2 ص 584.
(3) التهذيب ج 7 ص 256 ح 31، الوسائل ج 14 ص 462 ح 4.
(4) التهذيب ج 7 ص 256 ح 32، الوسائل ج 14 ص 462 ح 5.
21
و صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري (1) المتقدمة ثمة أيضا قال: «سألته عن الرجل يتمتع من اليهودية و النصرانية: قال: لا أرى بذلك بأسا قال: قلت:
بالمجوسية؟ قال: أما المجوسية فلا».
و روى الشيخ في التهذيب (2) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل المسلم يتزوج المجوسية؟ فقال: لا، و لكن إن كانت له أمة مجوسية فلا بأس أن يطأها و يعزل عنها و لا يطلب ولدها».
قال في المسالك: و ليس في حكم المجوسية أوضح من هذه الرواية، و قد دلت على النهي عن تزويجها مطلقا الشامل للدوام و المتعة، و نفي البأس عن وطئها بملك اليمين، و يمكن أن يستنبط منها جواز المتعة، لما روي أن المتمتع بها بمنزلة الأمة، إلا أن يلحق بأهل الكتاب حقيقة أو حكما، و فيه نظر لأن الرواية عامية. انتهى.
أقول: قد دلت صحيحة محمد بن مسلم و كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي على تحريم التزويج بالمجوسية، و ظاهرهما الإطلاق أعم من أن يكون دائمة أو متعة إلا أن غيرهما من هذه الأخبار قد اختلفت في المتعة، فمما يدل على الجواز رواية محمد بن سنان و منصور الصيقل، و مما يدل على المنع صحيحة إسماعيل بن سعد.
و حينئذ فمن يعمل بالأخبار كلها ضعيفها و صحيحها فوجه الجمع عنده هو حمل صحيحة إسماعيل على ما ذكره الشيخ من الكراهة عند التمكن من غير المجوسية، و تخصيص إطلاق كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه و صحيحة محمد بن مسلم بهذه الأخبار الدالة على جواز المتعة، فيحمل ذلك الإطلاق على الدائمة و هذا هو الأظهر.
و من يعمل على الاصطلاح المحدث كشيخنا الشهيد الثاني في المسالك و غيره،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 256 ح 30، الوسائل ج 14 ص 461 ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 292 ح 63، الفقيه ج 3 ص 258 ح 8، الوسائل ج 14 ص 418 ح 1.
22
فإنهم يقفون على إطلاق الصحيحة المذكورة و نحوها فيمنعون من التزويج بها مطلقا، إلا أن فيه أنك قد عرفت الروايات المتقدمة أنها دالة على أن المجوس من جملة أهل الكتاب فيلحقهم في هذا المقام ما يلحق اليهود و النصارى من الأحكام و لا سيما التمتع الذي تكاثرت به الأخبار.
و قوله في المسالك: أن الرواية بكونهم ملحقين بأهل الكتاب عامية- بناء على ما قدمنا نقله عنه من إيراد تلك الرواية العامية- ضعيف لما عرفت من الروايات التي أوردناها من طرق أصحابنا- (رضوان الله عليهم).
و بالجملة فالأظهر هو المنع من تزويجها دواما، و أنه يجوز تزويجها متعة و بملك اليمين.
و أما قوله في المسالك- بعد ذكر صحيحة محمد بن مسلم- أنه ليس في روايات المسألة أوضح من هذه الرواية يعني باعتبار السند و صحته، ففيه أن صحيحة إسماعيل مثلها في الصحة لأنه نقلها في التهذيب عن أحمد بن محمد بن عيسى عن إسماعيل، و طريقه إلى أحمد المذكور صحيح كما صرحوا به في الرجال، و هي في المعنى مؤكدة لظاهر إطلاق صحيحة محمد بن مسلم.
الثاني [في اختلاف كلام الأصحاب في الصائبة و دينهم]
قد اختلف كلام الأصحاب في الصابئة و دينهم فقال الشيخ في المبسوط كما قدمنا نقله: فأما السامرة و الصابئون فقد قيل (1) إن السامرة قوم من اليهود، و الصابئون قوم من النصارى، و الصحيح في الصائبة أنهم غير النصارى، لأنهم يعبدون الكواكب.
و قال الفيومي في كتاب المصباح المنير (2): و صبأ من دين الى دين يصبأ- مهموز
____________
(1) أقول: و هذا القول حكاه أيضا العلامة في القواعد فقال: و أما السامرة فقيل:
أنهم من اليهود، و الصابئون من النصارى، و الأصل أنهم ان كانوا يخالفون القبلتين في فروع الدين فهم منهم، فان خالفوهم في أصله فهم ملاحدة لهم حكم الحربيين، انتهى. (منه- (رحمه الله)-).
(2) المصباح المنير ج 1 ص 454.
23
بفتحتين-: خرج، فهو صابئ، ثم جعل هذا اللقب علما على طائفة من الكفار يقال أنهم تعبد الكواكب في الباطن، و تنسب إلى النصرانية في الظاهر، و هم الصابئة و الصابئون و يدعون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم، و يجوز التخفيف فيقال: الصابون.
و قال في القاموس (1): و الصابئون يزعمون أنهم على دين نوح (عليه السلام) و قبلتهم من مهب الشمال عند منتصف النهار.
و قال في الصحاح: هم جنس من أهل الكتاب. و نقل العلامة في التذكرة عن الشافعي أنهم مبتدعة النصارى كما أن السامرة مبتدعة اليهود.
أقول: و الظاهر أن هذا هو القول الذي رده الشيخ في المبسوط.
و قال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد: و يقال إن الصابئين فرقتان، فرقة توافق النصارى في أصول الدين، و الأخرى تخالفهم فيعبدون الكواكب السبعة، و تضيف الآثار إليها و تنفي الصانع المختار.
قال: و كلام المفيد قريب من هذا، لأنه قال: إن جمهور الصابئين توحد الصانع في الأزل، و منهم من يجعل معه هيولى في القدم صنع منها العالم، فكانت عندهم الأصل، و يعتقدون في الفلك و ما فيه الحياة و النطق أنه المدبر في هذا العالم الدال عليه و عظموا الكواكب و عبدوها من دون الله، و سموها بعضهم ملائكة، و جعلها بعضهم آلهة و بنوا لها بيوتا للعبادات، انتهى.
و في كتاب تفسير الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي (2): الصابئون قوم لا مجوس و لا يهود و لا نصارى و لا مسلمون، و لكنهم يعبدون الكواكب و النجوم.
و في التبيان (3) للشيخ أبي جعفر الطوسي، و مجمع البيان (4) لأبي علي الطبرسي:
____________
(1) القاموس ج 1 ص 21.
(2) تفسير على بن إبراهيم القمي ج 1 ص 48.
(3) التبيان ج 1 ص 283.
(4) مجمع البيان ج 1 ص 126.
24
إنه لا يجوز عندنا أخذ الجزية عن الصابئة لأنهم ليسوا من أهل الكتاب.
إلى غير ذلك من أقوال العلماء المختلفة فيهم، و لا سيما في كتاب الملل و النحل، فإنهم تكلم فيهم في مواضع و أطال.
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه الطائفة ما نقله
الشيخ فخر الدين ابن طريح في كتاب مجمع البحرين (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «سمي الصابئون لأنهم صبوا إلى تعطيل الأنبياء و الرسل و الشرائع، و قالوا كلما جاءوا به باطل، فجحدوا توحيد الله و نبوة الأنبياء و رسالة المرسلين، و وصية الأوصياء، فهم بلا شريعة و لا كتاب و لا رسول»،.
و من هذا الخبر يظهر أنهم ملاحدة كفار، و لا مجرى لهم في هذا المضمار و أما السامرة فظاهر كلام من تعرض لذكرهم أنهم قوم من اليهود كما تقدم في عبارة الشيخ في المبسوط، و الشيخ إنما أنكر ذلك في الصابئين، و لم يتعرض لذكر السامرة، و ربما أشعر كلامه بالموافقة على ما ذكره.
قال في كتاب المصباح المنير (2): فالسامرة فرقة من اليهود و تخالف في أكثر الأحكام. و نحو ذلك نقل العلامة- أجزل الله إكرامه- في القواعد، و حينئذ فالظاهر إجراء أحكام اليهود عليهم لصدق الاسم، و دوران الأحكام مداره، و الله العالم.
الثالث [عدم الفرق بين الحربي و الذمي]
قال في المسالك: و اعلم أنه لا فرق في أهل الكتاب بين الحربي منهم و الذمي لشمول الاسم لهما، و لكن تتأكد الكراهة في نكاح الحربية حذرا من أن يسترق و هي حامل منه، و لا يقبل قولها في أن حملها من مسلم.
أقول: الظاهر بعد ما ذكره- (قدس سره)- من الشمول للحربي في هذا الحكم، فإنه و إن كان الأمر كذلك من حيث الإطلاق، و إلا أن حكم الحربي لما كان إنما هو القتل أو الدخول في الإسلام كتابيا أو غير كتابي وجب تخصيص
____________
(1) مجمع البحرين ج 1 ص 259.
(2) المصباح المنير ج 1 ص 392.
25
الحكم بغير الحربي، و إلا لجاز نكاح الحربية من غير أهل الكتاب، لأن الجميع واحد من حيث الأحكام، مع أنه لا يقول به.
على أن بعض روايات المسألة تضمن التعبير بالذمية كرواية منصور بن حازم (1) و رواية هشام بن سالم (2) المتقدمتين في النوع الأول، و حينئذ فيجب حمل ما عداهما من أخبار المسألة عليهما، و يصير الحكم مختصا بالذمية دون الحربية، و بالجملة فإن ما ذكره من العموم عندي محل إشكال.
ثم إنه قال في المسالك أيضا: و إنما اختص أهل الكتاب باليهود و النصارى دون غيرهم ممن يتمسكون بكتب الأنبياء كصحف شئت و إدريس و إبراهيم أو بالزبور، لأن تلك الكتب لم تنزل عليهم بنظم تدرس و تتلى، و إنما أوحي إليهم معانيها، و قيل: إنها كانت حكما و مواعظ لم تتضمن أحكاما و شرائع، و لذلك كان كل خطاب في القرآن لأهل الكتاب مختصا بهاتين الملتين، انتهى.
المسألة الثانية: في ارتداد أحد الزوجين أو إسلامه
، و الكلام هنا يقع في مواضع:
الأول [في ارتداد أحد الزوجين بعد الدخول و حكم وطي الشبهة بعد الارتداد]
قد صرح الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- بأنه لو ارتد أحد الزوجين عن الإسلام قبل الدخول انفسخ العقد بينهما في الحال، و نسب ذلك إلى عامة أهل العلم من الأصحاب و غيرهم، سواء كان الارتداد عن ملة أو عن فطرة، لأن الارتداد نوع من أنواع الكفر الذي لا يباح التناكح معه.
ثم إنه لا يخلو إما أن يكون المرتد هو الزوجة أو الزوج، فإن كان الزوجة فإنه لا شيء لها لأن الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول بها، و يمكن الاستدلال بفحوى ما يدل على أن النصرانية إذا أسلمت قبل الدخول انفسخ نكاحها و لا مهر لها، كما سيأتي- إن شاء الله تعالى- في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، فإن ذلك
____________
(1) الكافي ج 7 ص 241 ح 8، التهذيب ج 10 ص 144 ح 3، الوسائل ج 18 ص 415 ب 49 ح 1.
(2) الفقيه ج 3 ص 269 ح 64، الوسائل ج 14 ص 419 ح 4.
26
يقتضي سقوط المهر هنا بطريق أولى (1).
و إن كان المرتد الزوج فعليه نصف المهر المسمى إن كانت التسمية صحيحة، لأن الفسخ جاء من قبله فأشبه الطلاق، و إن كانت التسمية فاسدة فنصف مهر المثل و إن لم يكن سمى شيئا فالمتعة، كذا صرح جملة منهم.
و قيل بثبوت جميع المهر في الصورة المذكورة، لأنه هو الثابت بالعقد، و تنصيفه يحتاج إلى دليل، و قيام الدليل على التنصيف بالطلاق أو بإضافة الموت على قول لا يوجب إلحاق ما لا دليل عليه إلا بطريق القياس المحظور في الشريعة.
و اختار هذا القول شيخنا في المسالك، و سبطه السيد السند في شرح النافع و قوته ظاهره (2) إلا أنه
قد روي في الكافي و التهذيب (3) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في مجوسية أسلمت قبل أن يدخل بها زوجها فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لزوجها: أسلم، فأبى زوجها أن يسلم، فقضى لها عليه نصف الصداق، قال: و لم يزدها الإسلام إلا عزا».
و الظاهر أنه إنما قضى (عليه السلام) لها بنصف المهر عليه، لأن الفسخ جاء من قبله بعد إسلامه بعد تكليفه له (عليه السلام) بذلك، فإنه لو أسلم لكانا على نكاحهما، فيكون من قبيل ما نحن فيه، و فيه إشكال يأتي التنبيه عليه، قالوا: و لو وقع الارتداد
____________
(1) وجه الأولوية أنه إذا كان المهر يسقط بالإسلام فإنه يسقط بالكفر بطريق أولى (منه- (قدس سره)-).
(2) و بنحو ذلك صرح سبطه في شرح النافع فقال: ان كان الارتداد بعد الدخول وقف انفساخ العقد على انقضاء العدة إذا كان الارتداد من الزوجة و كان عن ملة فإن رجع المرتدة قبل انقضائها ثبت النكاح، و الا تبين انفساخه من حين الارتداد من غير خلاف عندنا و عند أكثر العامة. انتهى، و الرواية كما ترى بخلافه (منه- (قدس سره)-).
(3) الكافي ج 5 ص 436 ح 6، التهذيب ج 8 ص 92 ح 234، الوسائل ج 14 ص 422 ح 7.
27
منهما دفعة انفسخ النكاح إجماعا، كذا نقل عن التذكرة، و هل يسقط المهر أم لا؟
وجهان، و الأصل يقتضي العدم.
هذا فيما إذا كان الارتداد قبل الدخول، و أما بعد الدخول، فإن كانت المرتدة هي المرأة ملية كانت أو فطرية وقف انفساخ العقد على انقضاء العدة و هي عندهم عدة الطلاق، و لم أقف فيها على نص، فإن انقضت العدة و لم ترجع إلى الإسلام فقد بانت، و لا يجوز له في ضمن العدة التزويج بأختها و لا بخامسة لأنها كالعدة الرجعية، حيث إنه يرجى رجوعها و عودها في كل وقت، كذا ذكروه، و لا يحضرني الآن نص في أنها هل تبين بمجرد الارتداد، أو يقف على انقضاء العدة كما ذكروه.
و إن كان المرتد هو الزوج فإن كان عن ملة وقف الفسخ على انقضاء العدة و هي كعدة الطلاق، فإن عاد قبل انقضاء عدتها فهو أملك بها، و إلا فقد بانت منه، كذا قالوا، و به صرح في المسالك.
و الذي حضرني من الأخبار المتعلقة بهذه الصورة
حسنة أبي بكر الحضرمي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا ارتد الرجل المسلم عن الإسلام بانت منه امرأته كما تبين المطلقة ثلاثا و تعتد منه كما تعتد المطلقة، فإن رجع إلى الإسلام و تاب قبل أن يتزوج فهو خاطب من الخطاب، و لا عدة عليها منه، و إنما عليها العدة لغيره، فإن قتل أو مات قبل انقضاء العدة اعتدت منه عدة المتوفى عنها زوجها، و هي ترثه في العدة و لا يرثها إن ماتت، و هو مرتد عن الإسلام».
و هذه الرواية- كما ترى- دالة على أنها تبين منه بمجرد الارتداد كما تبين المطلقة ثلاثا، و أنه لو تاب و هي في العدة فهو خاطب من الخطاب، و هو أيضا صريح في البينونة بمجرد الارتداد، غاية الأمر أن له أن يتزوجها في العدة، حيث
____________
(1) الكافي ج 7 ص 153 ح 3 مع اختلاف يسير، التهذيب ج 9 ص 373 ح 1 و ج 10 ص 142 ح 24، الفقيه ج 4 ص 242 ب 169 ح 2، الوسائل ج 17 ص 386 ح 4.
28
إنها عدته، و أما غيره فلا يتزوجها إلا بعد انقضاء العدة.
و مورد الخبر هو الملي، لأن الفطري- كما سيأتي الكلام فيه- يجب قتله، و لا يتزوج و لا يقبل توبته بالنسبة إلى التزويج و نحوه، و هم قد ذكروا- كما قدمنا نقله عنهم- أنه يقف فسخ عقد النكاح على انقضاء عدة المرأة منه، و أنه إن عاد إلى الإسلام قبل انقضاء العدة فهو أملك بها و لا يحتاج إلى عقد آخر و الرواية- كما ترى- على خلافه، و قد صرحوا بأنه لا يسقط من المهر هنا شيء لاستقراره بالدخول، و هو كذلك.
و إن كان ارتداد الزوج عن فطرة فإن زوجته تبين منه في الحال، و تعتد عدة الوفاة لوجوب قتله و عدم قبول توبته بالنسبة إلى الأحكام الدنيوية من بينونة زوجته، و قسمة أمواله و وجوب قتله، و إن قبلت فيما بينه و بين الله عز و جل، كما تقدم تحقيقه في باب القضاء من كتاب الصلاة، و الأخبار بما ذكرنا من حكم المرتد الفطري متظافرة.
منها ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرتد، فقال: من رغب عن الإسلام و كفر بما أنزل الله على محمد (صلى الله عليه و آله) بعد إسلامه فلا توبة له، و قد وجب قتله، و بانت منه امرأته، و يقسم ما ترك على ولده».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (2) عن عمار الساباطي في الموثق قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الإسلام و جحد محمدا (صلى الله عليه و آله) نبوته و كذبه، فإن دمه مباح لكل من سمع ذلك منه، و امرأته بائنة منه يوم ارتد، فلا تقربه، و يقسم ماله على ورثته، و تعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها، و على
____________
(1) الكافي ج 7 ص 153 ح 4، التهذيب ج 10 ص 136 ح 1، الوسائل ج 18 ص 544 ح 2.
(2) الكافي ج 7 ص 257 ح 11، التهذيب ج 10 ص 136 ح 2، الفقيه ج 3 ص 89 ح 1، الوسائل ج 18 ص 544 ح 3.
29
الامام أن يقتله، و لا يستتيبه».
إلى غير ذلك من الأخبار، و يثبت المهر أيضا في هذه الصورة كما في سابقتها للعلة المتقدمة.
بقي هنا شيء، و هو أنهم قالوا: لو كان ارتداده عن فطرة و بانت منه فلو وطأها شبهة عليها فعليه مهر آخر للشبهة، و الظاهر أنه مما لا إشكال فيه.
و إن كان ارتداده عن ملة و كان بعد الدخول بها فإنه يقف نكاحه على العدة- كما تقدم- فإن رجع إلى الإسلام فيها استمر على نكاحه الأول، و إن بقي على ارتداده تبين انفساخ النكاح من حين الردة، و على هذا لو وطأها بشبهة على المرأة فإن رجع في العدة فلا شيء عليه، لأن إسلامه كشف عن كونها زوجته حال النكاح، و من ثم إنه بنى على العقد الأول.
و إن بقي على كفره حتى مضت العدة، فهل عليه مهر لو وطأ الشبهة زائدا على الأول أم لا؟ قولان:
أولهما للشيخ، قال: لأن عدم عوده إلى الإسلام كشف عن بطلان النكاح بالردة فكانت كالأجنبية.
و قيل (1): لا يلزمه لهذا الوطي مهر لأنها في حكم الزوجة و إن حرمت عليه و لهذا لو رجع لم يفتقر إلى عقد جديد، بل يبني على الأول، فدل على بقاء حكمه و إن حصل التحريم، غايته أن يكون الردة كالطلاق الرجعي، و هو لا يوجب البينونة.
قال في المسالك: و لعل هذا أقوى، و الظاهر أنه بناء على ما اختاره في المسالك من أنه لا حد عليه لو وطأها لأنها في حكم الزوجة و إن كان ممنوعا من وطئها.
و أما على مذهب الشيخ فيشكل ذلك بما ذكرنا، و ما ذكره من كونها بحكم الأجنبية، إلا أن يحمل كلامه على أنها بحكم الأجنبية بالنسبة إلى المهر لوطء
____________
(1) هذا هو القول الثاني.
30
الشبهة خاصة.
قال في المسالك: و يجب العدة لهذا الوطي، و هما عدتان من شخص واحد فهو بمثابة ما لو طلق امرأته ثم وطأها في العدة و اجتماعهما في الإسلام بمثابة الرجعة هناك، انتهى.
و أنت خبير بأن ظاهر كلام الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- أن الأصل في مسألة المرتد هو ما تقدم في الكافر الغير الكتابي من عدم جواز مناكحته، بناء على الاشتراك في الكفر كما تقدمت الإشارة إلى صدر المسألة فبنوا الأحكام في جميع شقوقها المذكورة على ذلك.
و أيده ببعض ما ورد في أحكام المرتد، و للنظر في ذلك مجال، فإن الأدلة الدالة على تحريم نكاح الكفارة ذكورا و اناثا من الآيات و الروايات إنما يتبادر منها المشرك الغير الكتابي مثل قوله عز و جل «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ. وَ لٰا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّٰى يُؤْمِنُوا» (1) «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» (2) و نحو ذلك الروايات أيضا، و ليس بعد ذلك إلا الأخبار الواردة في المرتد، و هي غير وافية بالأحكام المذكورة هنا، و حينئذ فيشكل الحكم في جملة منها كما أشرنا إليه آنفا سيما بما عرفته من كلامهم في حكم المرتد الملي إذا كان بعد الدخول، و دلالة الرواية على خلاف ما ذكروه.
الثاني [فيما لو أسلم زوج الكتابية]
قالوا إذا أسلم زوج الكتابية فهو على نكاحه سواء كان إسلامه قبل الدخول. أو بعده، و هو موضع وفاق من العلماء المجوزين نكاح الكتابية و المانعين، و محل الخلاف المتقدم إنما هو في ابتداء نكاح المسلم الكتابية دون استدامته، قالوا: و لا فرق في هذا الحكم بين أن يكون الزوج كتابيا أو غير كتابي من أصناف الكفار.
____________
(1) سورة البقرة- آية 221.
(2) سورة الممتحنة- آية 10.
31
أقول: يمكن الاستدلال على ذلك بما رواه
في الكافي (1) عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن أهل الكتاب و جميع من له ذمة إذا أسلم أحد الزوجين فهما على نكاحهما» الخبر.
فإنه بإطلاقه شامل لما نحن فيه إلا أنه
قد روي في الكافي (2) أيضا عن منصور ابن حازم قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أو مشرك من غير أهل الكتاب كانت تحته امرأة فأسلم أو أسلمت قال: ينظر بذلك انقضاء عدتها و إن هو أسلم أو أسلمت قبل أن تنقضي عدتها فهما على نكاحهما الأول، و إن هو لم يسلم حتى تنقضي العدة فقد بانت منه».
و ما رواه
في التهذيب (3) عن أحمد بن محمد أبي نصير في الصحيح قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل تكون له الزوجة النصرانية فتسلم، هل يحل لها أن تقيم معه؟ قال: إذا أسلمت لم تحل له، قلت: جعلت فداك فإن الزوج أسلم بعد ذلك أ يكونان على النكاح؟ قال: لا، بتزويج جديد (4).
____________
(1) الكافي ج 5 ص 358 ح 9، التهذيب ج 7 ص 302 ح 17، الوسائل ج 14 ص 421 ح 5.
(2) الكافي ج 5 ص 435 ح 3، التهذيب ج 7 ص 301 ح 16 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 421 ح 3.
(3) التهذيب ج 7 ص 300 ح 13، الوسائل ج 14 ص 417 ح 5.
(4) أقول. قد وقع في رواية هذا الخبر اختلاف في النسخ، ففي بعضها بغير لفظ «لا»، قال: بتزويج جديد، و في بعض- كما ذكرنا في الأصل- قال: لا، بتزوج جديد، و في بعضها بالتائين الفوقيتين مع لفظ لا و هو «لا تتزوج» و على هاتين النسختين فكلمة «لا» منفصلة، و على الأخرى يحتمل اتصالها و ان بعد، فيحمل قوله بعد ذلك على ما قبل انقضاء العدة جمعا بين الاخبار، كذا ذكره في الوافي.
أقول: و نحو هذا الخبر ما رواه
الحميري في كتاب قرب الاسناد عن أحمد بن محمد ابن عيسى عن البزنطي «قال: سمعت رجلا يسأل أبا الحسن (عليه السلام) عن النصراني تسلم امرأته ثم يسلم زوجها، أ يكونان على النكاح الأول؟ قال: لا، يجددان نكاحا آخر».
و هذا الخبر أيضا لا يخلو عن اشكال، لاحتمال أن يكون «لا» منفصلة، و بها حصل الجواب عن السؤال بمعنى أنهما لا يكونان على النكاح الأول، بل يجددان نكاحا آخر، و هذا هو الظاهر، و يحتمل أن يكون متصلة دالة على النهى عن تجديد نكاح آخر، و حاصله أنهما يكونان على النكاح الأول و لا يجددان نكاحا آخر، و على كل منهما فهو مشكل من حيث التفصيل الذي عرفته في الأصل بالإسلام قبل انقضاء العدة و بعدها و أنه انما يصح النكاح على الأول دون الثاني. (منه- (قدس سره)-) و الرواية المذكورة في التعليقة في قرب الاسناد ص 167، و الوسائل ج 14 ص 417 ذيل ج 5.
32
قوله «فإن الزوج أسلم بعد ذلك» ينبغي حمله على انقضاء العدة، أي أسلم بعد انقضاء العدة كما دل عليه الخبر المتقدم، و المفهوم منهما أنه مع إسلام أحدهما فإنه يكون ثبوت النكاح و استمراره مشروطا بإسلام الآخر قبل انقضاء العدة، و إطلاقهما شامل لما نحن فيه.
و على هذا يمكن تقييد خبر محمد بن مسلم المتقدم بمورده، و هو أهل الذمة خاصة بأن يكون الزوج و الزوجة ذميين، و يكون من جملة الأخبار المتقدمة الدالة على جواز نكاحهن، إلا أنه يشكل بما يدل عليه على إطلاقه من جواز نكاح المسلمة، و الأقرب تقييده بخبر منصور بن حازم بأن يكون معنى قوله «يكونان على نكاحهما» يعني إذا أسلم الآخر قبل انقضاء العدة.
و كيف كان فالظاهر أنه لا مستند لما ذكروه من الحكم الذي قدمنا نقله عنهم إلا الإجماع المدعى في المقام، إذ لم أقف في الأخبار بعد الفحص على ما يدل على ذلك بخصوصه، و الله العالم.
الثالث [فيما لو أسلمت زوجة الكافر]
إذا أسلمت زوجة الكافر فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال، لعدم العدة و امتناع كون الكافر زوجا للمسلمة، و لا مهر لأن الفرقة جاءت من قبلها، و يدل على ذلك ما رواه
ثقة الإسلام (1) في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج
____________
(1) الكافي ج 5 ص 436 ح 4، الوسائل ج 14 ص 422 ح 6.
33
عن أبي الحسن «في نصراني تزوج نصرانية فأسلمت قبل أن يدخل بها، قال:
قد انقطعت عصمتها منه و لا مهر لها و لا عدة عليها منه».
أقول: ما دل عليه الخبر من عدم المهر لها في هذه الصورة هو المعروف من مذهب الأصحاب كما صرحوا به، إلا أنه قد تقدم في رواية
السكوني (1) المذكورة في صدر المسألة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «في مجوسية أسلمت قبل أن يدخل بها زوجها فقضى (عليه السلام) أن لها عليه نصف الصداق».
و يمكن الجمع بين الروايتين: بأن رواية السكوني قد تضمنت أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد دعاه إلى الإسلام فلم يجب، و لو أجاب لكانا على نكاحهما، فلما لم يجب كان الفسخ من قبله فيكون في حكم الطلاق، بخلاف صحيحة عبد الرحمن، فإنها لم تتضمن ذلك، فكان الفسخ من قبل الزوجة، و لعل قصر رواية السكوني على موردها، و العمل بما دلت عليه الصحيحة المذكورة أولى، سيما مع اعتضادها بفتوى الأصحاب (2).
و إن كان بعد الدخول وقف انفساخ العقد على انقضاء العدة، و هي عدة الطلاق من حين إسلامها فإن انقضت العدة و هو على كفره تبين أنها قد بانت منه حين إسلامها، و إن أسلم قبل انقضائها تبين بقاء النكاح.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 436 ح 6، التهذيب ج 8 ص 92 ح 234 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 422 ح 7.
(2) أقول: و من هنا يظهر أن غير الكتابي محل اتفاق فيما ذكرناه من الحكم، و أنه مع عدم الدخول يجب انفساخ العقد، و مع الدخول يقف على انقضاء العدة، فإنه ان كانت المسلمة هي الزوجة فلا سبيل للكافر عليها- كما تقدم دلالة الآيات عليه- و لا تحل له، و ان كان هو الزوج فقد عرفت أن المسلم انما يجوز له التزويج بالكتابية على الخلاف المتقدم، هذا في الابتداء، و أما الاستدامة فقد تقدم أن الجواز متفق عليه، و أما غير الكتابية فلا دليل على جوازه، بل الآيات و الاخبار دالة على المنع منه، و بالجملة فالمسألة ليس محل اشكال. (منه- (رحمه الله)-).
34
و يدل على هذا رواية منصور بن حازم (1) المتقدمة في سابق هذا الموضع، و نحوها ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) عن السكوني «عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) إن امرأة مجوسية أسلمت قبل زوجها، قال علي (عليه السلام): أ تسلم؟
قال: لا، ففرق بينهما، ثم قال: إن أسلمت قبل انقضاء عدتها فهي امرأتك، و إن انقضت عدتها قبل أن تسلم ثم أسلمت فأنت خاطب من الخطاب».
و المشهور بين الأصحاب أنه لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الزوج كتابيا أو غير كتابي، و ذهب الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار إلى اختصاص الحكم المذكور بغير الكتابي، أما الكتابي فإنه ذهب فيه إلى بقاء النكاح و عدم انفساخه إذا كان الزوج بشرائط الذمة، و لكنه لا يمكن من الدخول عليها ليلا، و لا من الخلوة بها نهارا.
و استدل على المشهور بما تقدم من أخبار المسألة، و صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر (3) المتقدمة في سابق هذا الموضع.
و يدل على ما ذهب إليه
الشيخ (4) ما رواه عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) «أنه قال في اليهودي و النصراني و المجوسي إذا أسلمت امرأته و لم يسلم قال: هما على نكاحهما، و لا يفرق بينهما، و لا يترك أن يخرج بها من دار الإسلام إلى دار الكفر».
و عن محمد بن مسلم (5) في الحسن بإبراهيم بن هاشم مع إرسال ابن أبي عمير
____________
(1) الكافي ج 5 ص 435 ح 3، التهذيب ج 7 ص 301 ح 16 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 421 ح 3.
(2) التهذيب ج 7 ص 301 ح 15، الوسائل ج 14 ص 421 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 300 ح 13، الوسائل ج 14 ص 417 ح 5.
(4) التهذيب ج 7 ص 300 ح 12، الوسائل ج 14 ص 420 ح 1.
(5) الكافي ج 5 ص 358 ح 9، التهذيب ج 7 ص 302 ح 17، الوسائل ج 14 ص 421 ح 5.
35
الذي ينظمون مرسلاته في الصحاح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن أهل الكتاب و جميع من له ذمة إذا أسلم أحد الزوجين فهما على نكاحهما و ليس له أن يخرجها من دار الإسلام إلى غيرها، و لا يبيت معها، و لكنه يأتيها بالنهار، و أما المشركون مثل مشركي العرب و غيرهم فهم على نكاحهم إلى انقضاء العدة، فإن أسلمت المرأة ثم أسلم الرجل قبل انقضاء عدتها فهي امرأته، و إن لم يسلم إلا بعد انقضاء العدة فقد بانت منه و لا سبيل له عليها، و كذلك جميع من لا ذمة له (1).
و ما رواه
في الكافي (2) عن يونس قال: «الذمي تكون له المرأة الذمية فتسلم امرأته، قال: هي امرأته يكون عندها بالنهار، و لا يكون عندها بالليل، قال: فإن أسلم الرجل و لم تسلم المرأة يكون الرجل عندها بالليل و النهار».
و طعن السيد السند في شرح النافع في الروايتين الأولتين بضعف السند من حيث إرسال الاولى مع اشتمال سندها على علي بن حديد، و إرسال الثانية، حيث إن ابن أبي عمير قد رواها عن بعض أصحابه و هو مشعر باعترافه بصراحة دلالة الخبرين، و حينئذ فمن لا يرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث يتحتم عليه العمل بالروايتين المذكورتين سيما مع تصريحه هو و غيره بقبول مرسلات ابن أبي عمير، و أنها في حكم المسانيد عندهم.
و قال المحدث الكاشاني في الوافي- بعد إيراد خبر محمد بن مسلم و ما قبله- ما لفظه: أفتى في التهذيبين بهذا الخبر في حكم أهل الذمة، و أول المقيد من الأخبار بانقضاء العدة فيهم بما إذا أخلوا بشرائط الذمة، و فيه بعد، بل هذا الخبر و ما قبله أولى بالتأويل مما تقدمها لمخالفتها قوله عز و جل
____________
(1)
و روى الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه عن أبيه عن جعفر عن أبيه (عليهم السلام) في امرأة تسلم تحت نصراني، قال: هي امرأته ما لم يخرجها من دار الهجرة،.
و هذه الرواية في معنى مرسلة جميل المذكورة في الأصل و رواية محمد بن مسلم. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 5 ص 437 ح 8، الوسائل ج 14 ص 422 ح 8.
36
«وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (1) انتهى.
أقول: فيه (أولا) إن الأخبار المتضمنة للتقييد بانقضاء العدة بمعنى أنه لا يحكم بالبينونة إلا بعد انقضاء العدة ليست إلا رواية منصور بن حازم، و رواية السكوني، و ليس في شيء منهما ما يدل على أن الزوج كان ذميا بل هما مطلقتان بل رواية منصور ظاهرة في كون الزوج ليس من أهل الذمة، و رواية محمد بن مسلم المذكورة قد فصلت حكم الذمي و غيره، و مقتضى القاعدة حمل المجمل على المفصل و المطلق على المقيد.
و (ثانيا) ما استند إليه في الاستدلال على ما اختاره من جعل التأويل في جانب هذه الروايات الثلاثة من الآية المذكورة تبعا للأصحاب فيما استدلوا به في جملة من الأبواب بهذه الآية، مع أنه روى في تفسيره الصافي (2) عن الرضا (عليه السلام) ما يدل على أن المراد من السبيل إنما هو من حيث الحجة و الدليل لا الاستيلاء و الغلبة، فإن استيلاء الكفرة و الفراعنة على المؤمنين بل الأنبياء و الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بالقتل و الإهانة أمر لا ينكر- كما صرح به (عليه السلام) في الخبر- و قد تقدم ذكرنا ذلك في غير موضع.
و بالجملة فإن قول الشيخ المذكور قوي لا أعرف له علة إلا ما يتخيل من ضعف أخباره، بناء على هذا الاصطلاح المحدث الذي هو إلى الفساد أقرب منه إلى الصلاح، و روايات المسألة التي استدل بها للقول المشهور مطلقة قابلة للتقييد بهذه الأخبار (3).
____________
(1) سورة النساء- آية 141.
(2) تفسير الصافي ج 1 ص 406.
(3) أقول: و غاية ما استدل به العلامة- للقول المشهور- الاية المذكورة المتضمنة لنفي السبيل من الكافرين على المؤمنين، و صحيحة البزنطي، و أنت خبير بما في الاستدلال بالآية كما ذكرنا في الأصل.
و أما الرواية فإنما عبر فيها عن الزوج بالرجل، و هو أعم من كونه ذميا أو غيره، فهو قابل في التقييد بما استدل به الشيخ من التفصيل، و مثلها أيضا رواية السكوني التي استدل بها ثمة، فإنها تضمنت لفظ «الزوج» و هو أعم أيضا.
و أما الرواية التي أشرنا إليها في تفسير الآية بأن المراد بالسبيل انما هو من طريق الحجة و الدليل فهي ما رواه
الصدوق في كتاب عيون الأخبار (عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- ج 2 ص 204 ح 5 طبع النجف الأشرف) عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال فيه: و فيهم قوم يزعمون أن الحسين بن على (عليهما السلام) لم يقتل، و أنه القى شبهة على حنظلة بن أسعد الشامي، و أنه رفع الى السماء كما رفع عيسى بن مريم و يحتجون بهذه الآية «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» فقال: كذبوا، عليهم غضب الله و لعنته- الى أن قال- فأما قوله عز و جل «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» فإنه يقول لن يجعل الله لكافر على مؤمن حجة، و لقد أخبر الله عن كفار قتلوا نبيين بغير الحق و مع قتلهم إياهم لن يجعل الله لهم على أنبيائه- (عليهم السلام)-، سبيلا من طريق الحجة.
انتهى.
أقول: فإذا كان معنى الآية انما هو ما ذكره- (عليه السلام)-، فكيف يصح الاستدلال بها في أمثال هذه المقامات على هذه الأحكام، لكن يمكن العذر لأصحابنا من حيث عدم الوقوف على الخبر المذكور، و أما مثل المحدث الكاشاني- رحمة الله عليه- الذي ذكره في تفسيره الصافي (تفسير الصافي ج 1 ص 474 طبع بيروت نقلا عن العيون.) فكيف يسوغ معه الاستدلال به هنا تبعا للأصحاب، و الله العالم. (منه- (قدس سره)-).
37
قال السيد السند في شرح النافع: و العجب أن الشيخ في الخلاف وافق الجماعة على انفساخ النكاح بخروجها من العدة محتجا بإجماع الفرقة، مع اختياره لهذا القول في النهاية و كتابي الأخبار.
أقول: من يعرف حال الشيخ و طريقته في دعوى الإجماع و اختلاف أقواله و فتاويه في كتبه لا يتعجب منه، فإنه في بعض كتبه كالخلاف و المبسوط من رؤوس المجتهدين، و في بعض آخر كالنهاية و كتابي الأخبار من رؤوس الأخباريين و شتان ما بين الحالتين.
و قال في المسالك: و اعلم أنه على قول الشيخ بعدم بطلان النكاح في الذمي لا فرق بين كون إسلامها قبل الدخول و بعده لتناول الأدلة للحالتين، و ربما فهم من عبارة بعض الأصحاب اختصاص الخلاف بما لو كان الإسلام بعد الدخول و ليس كذلك.
انتهى و هو جيد.
تذنيب
لو انتقلت زوجة الذمي من دين الكفر الذي كانت عليه إلى دين آخر من أديان الكفر أيضا قالوا: وقع الفسخ في الحال، و إن عادت بعد ذلك إلى دينها، و ظاهره أن الدين الذي انتقلت إليه أعم من أن يقر أهله عليه أم لا، لعموم قوله تعالى «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ» (1) و قوله (صلى الله عليه و آله) (2) «من بدل دينه فاقتلوه» و حينئذ فيقع الفسخ بينهما في الحال لأنها لا تقر على ذلك، و إنما الحكم فيها القتل، أو الدخول في الإسلام، و على التقديرين ينفسخ النكاح بينهما و بين الذمي.
و أورد عليه أنه محل نظر من وجهين: (أحدهما) إن حكمنا على الذمي بذلك غير لازم لجواز انتقالها إلى دين يصح فيه التناكح في دينهم، فلا ينفسخ ما دامت حية، و على تقدير قتلها فالانفساخ من جهته لا من جهة الكفر.
(الثاني) إنه على تقدير الإسلام لا ينبغي إطلاق الحكم بالانفساخ بل يجيء فيه التفصيل السابق حتى لو كان بعد الدخول فوقف الانفساخ على انقضاء العدة قبل إسلامه، و لو كان انتقالها إلى دين يقر أهله عليه كما لو انتقلت اليهودية إلى النصرانية، فيبني على أنها هل تقر على ذلك أم لا؟ و على تقدير عدم إقرارها لو عادت إلى دينها هل تقر على ذلك كما كانت تقر ابتداء أم لا؟ خلاف، ذكر في بحث الجهاد. انتهى.
أقول: و حيث كانت المسألة عارية من النص، فالكلام فيها مشكل، إلا أن هذا خلاصة ما ذكروه في المقام.
____________
(1) سورة آل عمران- آية 85.
(2) في هامش الجامع الصغير ج 2 ص 101.
39
المسألة الثالثة: إذا أسلم الذمي على أكثر من أربع منكوحات
بالعقد الدائم من الحرائر و أمتين و حرتين فارق ما زاد على العدد المذكور، و لو كان عبدا استدام حرتين أو حرة و أمتين و فارق ما زاد، و استدل عليه في المسالك (1)
بأن النبي (صلى الله عليه و آله) قال لغيلان «أمسك أربعا و فارق سائرهن».
حيث إنه أسلم و عنده ثمان نسوة فقال له النبي (صلى الله عليه و آله) ذلك.
أقول: الظاهر أن الخبر المذكور من أخبار العامة فإني لم أقف عليه في كتب أخبارنا، و الموجود فيها ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المجوسي أسلم و له سبع نسوة و أسلمن معه كيف يصنع؟ قال:
يمسك أربعا و يطلق ثلاثا».
إلا أن مورد هذه الرواية خارج عما نحن فيه لكونها متضمنة لاسلامهن معه، و محل البحث بقاء الزوجات على دينهن، نعم الرواية الأولى دالة بإطلاقها على ذلك، إلا أنك قد عرفت ما فيها، و الظاهر أن قوله في الرواية المذكورة «يطلق» من الإطلاق من باب الأفعال، أو يحتمل على التطليق اللغوي بمعنى التخلية و الترك، فإن المعلوم من كلام الأصحاب أنه ينفسخ عقد الزائد على من يختاره من الأربع و لا يتوقف على طلاق، إلا أني لم أقف لهم على نص فيه، و الخروج عن ظاهر الخبر بغير معارض مشكل.
و كيف كان فلا بد من تقييد هذا الحكم المذكور في صدر المسألة بقيود، منها تقييد الزوجات بكونهن كتابيات مثله ليصح استدامة نكاح العدد المعتبر لما تقدم في الموضع الثاني من سابق هذه المسألة من أن الخلاف في نكاح المسلم الكتابية إنما هو في الابتداء دون الاستدامة، فإن الجواز فيها موضع وفاق، و حينئذ فيجب تخصيص الزوجات بالذميات، فلو كن كافرات غير ذميات فلا بد
____________
(1) مستدرك الوسائل ج 2 ص 584 ب 4 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 436 ح 7، التهذيب ج 7 ص 295 ح 74، الوسائل ج 14 ص 404 ح 1.
40
من مراعاة ما تقدم فيهن من أنه إن أسلمن معه في العدة إن كان بعد الدخول، أو مطلقا إن كان قبله، و إلا انفسخ نكاحهن بإسلامه لعدم جواز تزويج المسلم الكافرة الغير الكتابية.
و منها أنه يجب تقييدهن بكونهن ممن يجوز نكاحهن في دين الإسلام كما نبه عليه بعض الأعلام و هو واضح.
و منها أن تخيير الحر أمتين و حرتين كما تقدم مبني على جواز نكاح الأمة بدون الشرطين، و حينئذ اعتبرنا الشرطين في جواز نكاح الأمة كما هو أحد القولين احتمل انفساخ النكاح ههنا إذا جامعت حرة لفوات الشرط، و يحتمل عدم الانفساخ بناء على أن اعتبار الشرطين إنما هو بالنسبة إلى ابتداء النكاح لا في استدامته، و إلى هذا مال في التذكرة و نسبه إلى علمائنا و استوجهه في المسالك، قالوا: و لا فرق في جواز اختياره لمن شاء منهن على تقدير زيادتهن على العدد الشرعي بين من ترتب عقدهن أو اقترن، و لا بين الأوائل و الأواخر، و لا بين من دخل بهن و غيرهن.
و ظاهر العلامة في التذكرة أن ذلك موضع وفاق بين علمائنا حيث إنه إنما نقل الخلاف في ذلك عن بعض العامة (1) و استدل على هذا الحكم بحديث غيلان المتقدم من حيث إن عدم الاستفصال فيه يفيد العموم. قال في شرح النافع: و في السند و الدلالة نظر، و لا فرق عندهم في هذا الحكم بين ما لو أسلم بعض تلك الزوجات و عدمه، فإن التخيير باق حتى لو كان عنده ثمان فأسلم معه أربع منهن لم يمنع ذلك من اختيار الكتابيات، لأن الإسلام لا يمنع الاستمرار على نكاح الكتابية و لا يوجب تحتم نكاح المسلمة. نعم الأولى و الأفضل اختيار المسلمات لشرف المسلمة
____________
(1) أقول: الخلاف المنقول عن بعض العامة هنا هو أنه إذا تزوجهن في عقد واحد اندفع نكاح الجميع و ان كان في عقود مترتبة لزمه الأربع الأوائل، و أصحابنا لم يعتدوا به. (منه- (قدس سره)-).
41
على الكافرة، إلا أنه قد تقدمت الإشارة إلى أنا لم نقف لهم على نص يدل على ما ذكروه من هذه الدعوى، و ليس إلا ما ينقل من اتفاقهم على ذلك كما تقدم في آخر الموضع الثاني من سابق هذه المسألة، ثم إن من أراد فراقها لا يخلو إما أن يكون قد دخل بها أم لا، و على الثاني فلا مهر لها، و على الأول فالمسمى إن كان، على قول، و قواه في المسالك، و قيل يثبت لها مهر المثل لفساد نكاح ما زاد على العدد فيكون كوطئ الشبهة.
تذنيبان
الأول [فيما رواه الصدوق في إباق العبد]
روى الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب (1) في الموثق عن عمار الساباطي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أذن لعبده في تزويج امرأة حرة فتزوجها، ثم إن العبد أبق من مواليه فجاءت امرأة العبد تطلب نفقتها من مولى العبد فقال: ليس لها على مولى العبد نفقة و قد بانت عصمتها منه، لأن إباق العبد طلاق امرأته، و هو بمنزلة المرتد عن الإسلام، قلت: فإن هو رجع إلى مولاه أ ترجع امرأته إليه؟ قال: إن كانت انقضت عدتها منه ثم تزوجت زوجا غيره فلا سبيل له عليها، و إن كانت لم تتزوج «و لم تنقض العدة» فهي امرأته على النكاح الأول».
هكذا في رواية الشيخ، الخبر.
و في رواية الصدوق له هكذا «و إن كانت لم تتزوج فهي امرأته على النكاح الأول» و لفظ «و لم تنقض العدة» غير مذكور في البين، و ظاهر رواية الصدوق أنها من انقضاء العدة تبقى على نكاحها ما لم تتزوج، و أما على رواية الشيخ فهو مسكوت عنه، و القول بمضمون هذه الرواية منقول عن الشيخ في النهاية و ابن حمزة إلا أن ابن حمزة قيده بكون الزوجة أمة غير سيدة، و تزوجها بإذن السيد ثم
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 288 ح 16، التهذيب ج 8 ص 207 ح 37 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 402 ح 1.
42
أبق، و علل الحكم مع الرواية بأن الارتداد خروج العبد عن طاعة السيد، و هذا المعنى حاصل في الإباق، فإنه كما يجب على المكلف الحر طاعة الله كذلك يجب على العبد طاعة سيده، فيتجه الحكم مع اتحاد علته، و رد بأن طريق الرواية ضعيف، و في التعليل فساد، لمنع كون الارتداد خروج العبد عن طاعة سيده مطلقا، بل خروجه عن طاعة الله معتقدا عدم وجوب الطاعة و ما في معنى ذلك، و الإباق ليس كذلك، و إلا لزم قتل الآبق كما يقتل المرتد.
قال في المسالك بعد ذكر ذلك: و الحق بقاء الزوجية و وجوب النفقة على مولاه لعدم دليل صالح يخرجها عن الأصل، انتهى. و قال سبطه السيد السند في شرح النافع بعد ذكر الرواية: و نقل قول الشيخ و ابن حمزة بذلك و المعتمد بقاء الزوجية إلى أن تقع البينونة بطلاق أو غيره، لأن هذه الرواية لا تبلغ حجة في إثبات هذا الحكم، انتهى.
أقول: و الحكم في هذا المقام لا يخلو من شوب الاشكال لخروج هذه الرواية على خلاف القواعد المقررة و الضوابط المعتبرة المستفادة من الأخبار المتكاثرة، و إمكان تخصيص تلك القواعد بهذا الخبر و العمل بمضمونه في هذا الفرد كما تقدم نظائر ذلك في مواضع عديدة، و الله العالم.
الثاني [في أنه ليس للمسلم إجبار زوجته الذمية على الغسل من الحدث الأكبر]
قد صرح جملة من الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- بأنه ليس للمسلم إجبار زوجته الذمية على الغسل من حيض كان أو جنابة، لأن ذلك حق الله عز و جل، لا حق الزوج، و الحال أنها قد أقرت على دينها شرعا فليس له اعتراضها هذا إن قلنا بجواز الوطي قبل الغسل من الحيض، و لو قلنا بالتحريم كما هو أحد القولين أوجبنا عليها ذلك، فللزوج إجبارها على ذلك لتوقف الاستمتاع الذي هو حقه عليه، و إن كان الذي يجبر عليه إنما هو صورة الغسل مع النية، لأن الغسل و كذا غيره من العبادات لا يصح منها حال الكفر.
قالوا: و له إجبارها أيضا على كل ما ينقض الاستمتاع بدون فعله، و إزالة
43
كل ما ينقصه بقاؤه كالوسخ الكثير و النتن الغالب، و طول الأظفار و شعر الإبط و العانة، و شرب الخمر المؤدي إلى الإسكار، لأن السكر مانع من تمام الاستمتاع، و كذا أكل لحم الخنزير و مباشرة النجاسات المنفرة للنفس، و لا فرق بين قليل السكر و كثيره، لاختلاف الناس في مقدار ما يسكر، فربما أسكر القليل منه فينافي المقصود، لكن قيل: بأنه يشكل هذا الإطلاق بنحو تناول القطرات اليسيرة التي يعلم قطعا عدم إسكارها، و كذلك إطلاق منعها من استعمال النجاسات إنما يتم على تقدير إيجابه نفرة، أو على القول بطهارة بدنها كما يعتبره العامة هنا، أما على قول أصحابنا من نجاستها بدونه، فلا يظهر وجه المنع من مباشرتها لها مطلقا بل من حيث إنها تنافي الاستمتاع و توجب نفرة الطبع، و مثل هذا لا يختص بالكافرة بل تشاركها فيه المسلمة، حتى أن له منعها من تناول كل ذي رائحة خبيثة توجب ذلك كالثوم و البصل، و كذا له منعها من الخروج إلى البيع و الكنائس و غيرها لمنافاته الاستمتاع الواجب عليها في كل وقت، كما له منع المسلمة من الخروج إلى المساجد و نحوها من بيوت الأقارب و الجيران، فإن هذا الحكم يشترك بين الزوجات مطلقا، و لا فرق بين الشابة و المسنة و إن كان المنع في حق الشابة أقوى خوفا من الفتنة، و الله العالم.
البحث الثاني: في كيفية الاختيار:
قالوا: و هو إما بالقول أو بالفعل، و الأول إما بالتصريح أو الكناية.
أما (الأول) فهو كل ما دل من الألفاظ على الإمساك للنكاح، مثل اخترت نكاحك، أو اخترت تقرير نكاحك، أو اخترت بقاءك على النكاح، و نحو ذلك، و في اخترتك و أمسكتك مطلقا إشكال من حيث عدم النكاح، و عده في الشرائع من الألفاظ الدالة على ذلك.
و أما (الثاني) و هو ما يدل بالكناية، فهو ما يدل عليه اللفظ بالالتزام كما
44
لو كان عنده ثمان نسوة فاختار أربعا للفسخ فإنه يلزم نكاح الأربع الباقيات، و إن لم يتلفظ في حقهن بشيء، فإن الشارع قد جعل له الخيار في أن يفسخ عقد من شاء، فإذا اختار فسخ نكاح أربع ثبت عقد البواقي بدون لفظ يدل على الاختيار، بل لا مجال للاختيار هنا بعد خروج أولئك بالفسخ.
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك عد لفظ «اخترتك» و «أمسكتك» في هذا القسم لما قلناه من عدم التصريح بإرادة الإمساك للنكاح و الاختيار له.
و أما (الثالث) و هو الاختيار بالفعل فمثل أن يطأ، فإن ظاهر ذلك أنه لا يطأ إلا من يختار نكاحها لدلالته على الرغبة فيها، عملا بحمل أفعال المسلم على الصحة و صيانته عن الزنا، و لهذا عد ذلك رجوعا في الطلاق، و فسخا على تقدير الخيار للبائع، و على هذا لو وطأ أربعا ثبت عقدهن، و اندفع البواقي. و يظهر من جماعة من الأصحاب عدم الخلاف في ذلك عندنا.
أقول: الأظهر أن يقال: إنه إن اقترن ذلك بالقصد إلى الاختيار فما ذكروه في محله، و إلا فهو محل إشكال، لأن الاختيار الذي به يتحقق بقاء نكاح من يختارهن إنما هو عبارة عن القصد و اللفظ، و الفعل إنما جعل موجبا لذلك، لأنه دال عليه و مبني عنه، و حينئذ فإطلاق القول يكون مجرد الوطي اختيارا بالفعل كما ذكروه لا يخلو من إشكال.
ثم إنهم قالوا: لو لمس أو قبل بشهوة فإنه يمكن أن يكون اختيارا، بتقريب ما ذكر في الوطي من حيث الدلالة على الرغبة، و صيانة حال المسلم، فإنه قائم في الموضعين، و حينئذ فيدلان على الاختيار، كما أنهما يدلان على الرجعة لا بطريق القياس عليها بل المراد تشبيه الاختيار بالرجعة لتقاربها في المعنى، و يمكن أن لا يكون ذلك اختيارا من حيث إنهما أضعف دلالة من الوطي، و الاحتمال فيهما يتطرق من حيث إنهما قد يوجدان في الأجنبية.
أقول: و الأظهر أن يقال هنا ما قدمناه أيضا من أنه إن اقترن ذلك بالقصد
45
إلى الاختيار، فالظاهر أنه موجب للاختيار، و إلا فهو محل إشكال.
تتمة [في دلالة بعض الألفاظ على الاختيار]
قد صرحوا بأن من جملة الألفاظ الدالة على الاختيار الطلاق، لواحدة أو أزيد، لأن الطلاق موضوع لازالة قيد النكاح، فلا تواجه به إلا الزوجة، فإذا خاطب واحدة منهن به كان ذلك دليلا على اختيارها زوجة أو لا، ثم يقع بها الطلاق إن حصلت شرائطه، و ينقطع نكاح الأربع المطلقات بالطلاق، و يندفع نكاح الباقيات بالشرع، و الأصل في ذلك أن الاختيار ليس باللفظ، بل بالقصد، و اللفظ وضع دالا عليه، و الطلاق يدل على إرادة النكاح كما قررناه.
أما لفظ الظهار و الإيلاء فليس كذلك على المشهور، إذ لا دلالة فيهما على الاختيار، و هو وجه الفرق بينهما و بين الطلاق.
و توضيحه: إن الظهار وصف بتحريم المرأة المواجهة به، و الإيلاء حلف على الامتناع من وطئها و كل منهما بالأجنبية أليق منه بالزوجة، غاية الأمر أن الظهار إذا خوطبت به الزوجة ترتب عليه أحكام مخصوصة، و إذا خوطبت به الأجنبية لم تترتب عليه الأحكام، و كان قولا صحيحا بالنسبة إليها، و في الإيلاء لو حلف على الامتناع من وطئ الأجنبية فتزوجها و وطأها كان عليه الكفارة، و كذلك بالزوجة مع زيادة أحكام أخر.
و الحاصل: إن نفس المخاطبة بهما لا تستلزم الزوجية، فلا يكون أحدهما اختيارا، بخلاف الطلاق فإنه رافع للنكاح، و النكاح جزء مفهومه، أو لازمه لزوما بينا، فإثباته يستلزم إثباته.
و نقل عن الشيخ إن كل واحدة من الظهار و الإيلاء يكون تعيينا للنكاح كالطلاق، لأنهما تصرفان مخصوصان بالنكاح، فأشبها لفظ الطلاق، كذا أفاده شيخنا- (قدس سره)- في المسالك، و عندي في أصل الحكم المذكور توقف لعدم
46
النص بما ذكروه، فإثبات الأحكام الشرعية بأمثال هذه التقريبات العقلية عندي محل إشكال.
و لم أقف في هذا الباب إلا على خبر عقبة بن خالد المتقدم (1)، و غاية ما يدل عليه أنه يمسك أربعا و يطلق ثلاثا، و المتبادر من الإمساك هو القصد إلى اختيار بقاء أربع معينات من تلك السبع و المفارقة للباقين.
على أنك قد عرفت دلالة ظاهر الخبر المذكور على توقف فسخ نكاح من لا يريدهن على الطلاق، و إن كانوا لا يقولون به، إلا أن الخبر كما عرفت لا معارض له إلا مجرد شهرة الحكم بينهم بما قالوه.
و بالجملة فالخروج عما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل، و الخروج عن ظاهر الأخبار بذلك أشكل، و الله العالم.
البحث الثالث في اللواحق:
و هي مسائل مترتبة على اختلاف الدين
[المسألة] الأولى: إذا تزوج الكافر امرأة و بنتها ثم أسلم
، فلا يخلو إما أن يكون قد دخل بهما معا، أو لم يدخل بواحدة منهما، أو دخل بالأم دون البنت، أو بالعكس، فههنا صور أربع.
الاولى: أن يكون قد دخل بهما
، فيحرمان عليه معا، أما الأم فللعقد على البنت فضلا عن الدخول بها، و أما البنت فللدخول بالأم، و على هذا فيسقط الاختيار لتحريم كل منهما عليه كما عرفت.
الثانية: أن يدخل بالأم خاصة
، و هو موجب لتحريمهما معا أيضا، أما البنت فللدخول بالأم، و أما الأم فللعقد على البنت كما عرفت في سابق هذه الصورة.
الثالثة: أن يدخل بالبنت خاصة
، و حينئذ تحرم الأم خاصة للعقد على البنت فضلا عن الدخول المفروض هنا، و أما البنت فنكاحها صحيح لا موجب لتحريمها
____________
(1) الكافي ج 5 ص 436 ح 7، التهذيب ج 7 ص 295 ح 74، الوسائل ج 14 ص 404 ح 1.
47
لأن مجرد العقد على الام لا يحرمها، و إنما يحرمها الدخول مع ذلك.
الرابعة: أن لا يدخل بواحدة منهما
، و فيها قولان:
(أحدهما) و هو المشهور بين المتأخرين أن هذه الصورة كسابقتها في أنها تحرم عليه الأم خاصة، و يبطل عقدها للعقد على البنت، فإنه موجب لتحريم الام و إن لم يقترن به دخول، و أما البنت فيلزم نكاحها لعدم الموجب لبطلانه، لأن نكاح الكفر صحيح، و من ثم يتخير أربعا لو أسلم على أزيد منهن، و يصح نكاحهن بغير تجديد عقد آخر.
و (ثانيهما) و هو المنقول عن الشيخ- (رحمه الله)- القول بأن له اختيار أيتهما شاء بناء على أن عقد المشرك لا يحكم صحته إلا بانضمام الاختيار في حال الإسلام، و إلا فهو في حد ذاته باطل بدون ذلك، فإنه لو تزوج بعشر و اختار منهن أربعا لم يكن للبواقي مهر و لا نفقة و لا متعة، بل هن بمنزلة من لم يقع عليهن عقد، و لأنه لو أسلم على أختين قد تزوجهما دفعة تخير أيتهما شاء، و لو كان العقد الذي صدر حال الكفر صحيحا لزم بطلانه كالمسلم، و ليس له الاختيار، و على هذا فإن اختار نكاح البنت استقر نكاحها و حرمت الأم مؤبدا، و إن اختار نكاح الام لم تحرم البنت بدون الدخول.
و أجيب بأن ما ذكر من سقوط المهر و النفقة لا يدل على بطلان العقد، بل الوجه فيه أنه فسخ جاء لا من قبل الزوج، و لأن العقد لو لم يكن صحيحا لم يكن، لانضمام الاختيار أثر في صحته، كما في كل عقد باطل.
هذا ما ذكروه- نور الله تعالى مراقدهم- في هذا المقام، و لم أقف على نص في ذلك عنهم (عليهم السلام) و أنت خبير بان الظاهر أن الكلام في هذه المسألة مبني على ما هو المشهور بينهم، و كذا بين العامة، بل الظاهر اتفاق الجميع عليه حيث لم ينقلوا الخلاف فيه إلا عن أبي حنيفة من أن الكافر مكلف بالفروع، و الخطابات الشرعية متوجهة إليه كما تتوجه إلى المسلم، و إن كان قبول ذلك و صحته منه
48
موقوفا على الإسلام، و حينئذ فما دل من الأخبار على تحريم الام بالعقد على البنت أو الدخول بها، و كذا ما دل على تحريم البنت بالدخول بالأم دون مجرد العقد عليها، و نحو ذلك شامل للكافر كالمسلم فيؤخذ به بعد الإسلام و يحكم عليه بذلك.
و أما على ما يظهر من جملة من الأخبار من أن الخطابات الشرعية و التكاليف الفرعية لا تتناول الكافر في حال كفره، بل هي مختصة بالمسلم، و إنما يخاطب بها و يكلف بأحكامها بعد الإقرار بالإسلام، فمن الجائز أن يقال: إن جميع ما فعله في حال كفره من العقد و التزويج بكل من كان و كيف كان و على أي نحو كان لا يترتب عليه أثر و لا حكم بالنظر إلى شريعتنا، و إنما يترتب على أحكام شريعتهم و ملتهم.
نعم متى دخل في الإسلام تعلقت به التكاليف الإسلامية، و توجهت إليه الخطابات الشرعية، و حينئذ فإذا أسلم على امرأة و بنتها قد تزوجهما في حال الكفر لم ينظر فيما فعله في حال الكفر من دخول أو عدمه أو نحو ذلك مما رفعوه و ذكروه، بل الواجب التفريق بينه و بينهما، حيث إن ذلك غير جائز في شريعة الإسلام.
بقي الكلام في جواز اختيار إحداهما و عدمه، و المسألة غير منصوصة كما عرفت، إلا أنه بالنظر إلى ما ورد في إسلام الكافر على أزيد من أربع أنه يختار أربعا و يفارق الباقي (1) يمكن القول هنا بذلك، لأن الجميع من باب واحد فيختار إحداهما حينئذ، و يثبت نكاحها بالاختيار، و ينفسخ نكاح الثانية.
و من الأخبار المشار إليها ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي (2) في الصحيح عن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 436 ح 7، التهذيب ج 7 ص 295 ح 74 الوسائل ج 14 ص 404 ح 1.
(2) الكافي ج 1 ص 180 ح 3.
49
زرارة قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟ فقال: «إن الله عز و جل بعث محمدا (صلى الله عليه و آله) إلى الناس أجمعين رسولا و حجة لله على جميع خلقه في أرضه، فمن آمن بالله و بمحمد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و اتبعه و صدقه، فإن معرفة الإمام منا واجبة عليه، و من لم يؤمن بالله و برسوله و لم يتبعه و لم يصدقه و يعرف حقهما، فكيف يجب عليه معرفة الامام و هو لا يؤمن بالله و رسوله و يعرف حقهما» الحديث.
و الحديث صحيح صريح في المدعى، و التقريب فيه أنه إذا لم يجب عليه معرفة الإمام الحامل للشريعة و المستودع أحكامها فبطريق الأولى لا يجب على القيام بتلك الأحكام و لا تعرفها و لا الفحص عنها التي هي لا تؤخذ إلا منه، و هذا بحمد الله سبحانه واضح لا خفاء عليه.
و ما رواه
الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره (1) عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى «وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ» (2) قال (عليه السلام): أ ترى أن الله تعالى طلب من المشركين زكاة أموالهم و هم مشركون به، حيث قال: وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ، إنما دعا العباد إلى الايمان، فإذا آمنوا بالله و رسوله افترض عليهم الفرض».
و ما رواه
في كتاب الاحتجاج (3) في حديث الزنديق الذي جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) مستدلا بآي من القرآن على تناقضه و اختلافه، حيث قال (عليه السلام) «فكان أول ما قيدهم به الإقرار بالوحدانية و الربوبية و الشهادة أن لا إله إلا الله، فلما أقروا بذلك تلاه بالإقرار لنبيه (صلى الله عليه و آله) بالنبوة، و الشهادة بالرسالة، فلما انقادوا لذلك
____________
(1) تفسير على بن إبراهيم ج 2 ص 262.
(2) سورة فصلت- آية 6 و 7.
(3) الاحتجاج ص 128 طبعة سنة 1302.
50
فرض عليهم الصلاة ثم الصوم ثم الحج» الحديث.
و لم أر من تنبه لما ذكرناه في هذا المقام و لا حام حوله من العلماء الأعلام إلا المحدثين الأمين الأسترآبادي في كتابه الفوائد المدينة، و المحسن الكاشاني في كتابه الوافي و تفسيره الصافي، فقال في الأول بعد نقل الخبر الأول: و في هذا الحديث دلالة على أن الكفار ليسوا مكلفين بشرائع الإسلام كما هو الحق، خلافا لما اشتهر بين متأخري أصحابنا.
و قال في الثاني بعد نقل الخبر الثاني: هذا الحديث يدل على ما هو التحقيق عندي من أن الكفار غير مكلفين بالأحكام الشرعية ما داموا باقين على الكفر، انتهى.
و نحن قد بسطنا الكلام في هذا المقام بما لا يحوم حوله نقض و لا إبرام في كتابنا الدرة النجفية من الملتقطات اليوسفية، و تقدم نبذة منه في الجلد الأول من كتاب الطهارة في باب غسل الجنابة (1) و أوردنا جملة من الأدلة العقلية و النقلية زيادة على ما ذكرناه، و أبطلنا ما استدل به للقول المشهور بما هو واضح الظهور فليرجع إليه من أحب الوقوف عليه.
و بالجملة فإنه لو قام لهم دليل في هذا المقام على ما ذكروه من هذه الأحكام من الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) لوجب علينا الانقياد، و جذب أعنة الأقلام من هذا الكلام، و حيث لا دليل فالمانع مستظهر، كما هو ظاهر لذوي الأفهام و إن كان هذا يكبر في صدور الآلفين بتقليد المشهورات، و لا سيما إذا زخرفت بالإجماعات، و الله الهادي لمن يشاء.
تذنيبات
الأول [لو أسلم من أمة و بنتها]
قالوا بناء على ما تقدم: لو أسلم من أمة و بنتها و هما مملوكتان له، فإن كان قد وطأهما حرمتها معا، و إن كان وطأ إحداهما حرمت الأخرى،
____________
(1) ج 3 ص 39.
51
و إن لم يكن وطئ واحدة منهما تخير، و علل الحكم الأول بأن وطئ كل من الام و البنت يحرم الأخرى سواء وقع بعقد أو ملك أو شبهة.
و علل الثاني بأنها أم امرأة مدخول بها أو بنتها، و كلتاهما محرم، و أما المدخول بها أيتهما كانت، فإنه يستقر حل وطئها إذ لا موجب لتحريمها.
و علل الثالث بما تقدم في المسلم إذا تزوج الأختين دفعة أو ملكهما فإنه يتخير لنكاح أيتهما شاء، و قد تقدم الكلام في ذلك.
الثاني [لو أسلم عن أختين]
قالوا: لو أسلم عن أختين تخير أيتهما شاء و إن كان قد وطأها، بخبر فيروز الديلمي (1) حيث أسلم عن أختين فخيره النبي (صلى الله عليه و آله) في إمساك أي الأختين شاء، و وطئهما لا دخل له في التحريم هنا، إذ ليستا مثل الام و البنت و يصير حكم غير المختارة حكم الزائد على العدد الشرعي.
الثالث: لو أسلم عن عمة و بنت أخيها، أو خالة و بنت أختها
فإن رضيت العمة أو الخالة بالجمع بينها و بين بنت أخيها أو بنت أختها فلا بحث، و إن اختارتا عدم الجمع تخير بين العمة و بنت أخيها و الخالة و بنت أختها فكل من اختارها صح نكاحها و بطل نكاح الأخرى كما في الأختين، و لو أسلم عن حرة و أمة، فإن رضيت الحرة بالجمع فلا إشكال، و إلا انفسخ عقد الأمة و بقيت الحرة وحدها، ثم أنه على تقدير رضى الحرة بالجمع فعند الأصحاب أنه لا يبنى على القول بجواز نكاح الأمة بدون الشرطين بل هو جاز على القولين، لأن محل الخلاف كما تقدمت الإشارة إليه إنما هو في ابتداء نكاح الأمة لا في استدامته، و يجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء، كما أنه ليس له العقد على الكتابية على القول به، و له استدامته على هذا القول، و لا فرق في رضى العمة أو الخالة أو الحرة بالجمع بين كونه في حال الكفر أو حال الإسلام، فلو رضين في حال الكفر فليس لهن الرجوع عنه بعد الإسلام تمسكا بالاستصحاب و لأن نكاح الكفر صحيح، فإذا
____________
(1) سنن البيهقي ج 7 ص 184.
52
وقع مستجمعا للأمور المعتبرة في شرع الإسلام كان لازما.
هذا ما صرحوا به- نور الله تعالى مراقدهم- في المقام، و هو كما عرفت فيما تقدم خال عن الروايات الدالة على شيء من هذه الأحكام، و لا ريب أن هذه الفروع كلها- ما ذكر و ما يأتي، و كذا ما تقدم في الكتب السابقة كما تقدمت الإشارة إليه- إنما أخذت الأصحاب من كتب المخالفين لعدم وجود أمثال هذه التفريعات في كتب أصحابنا المتقدمين حيث إنها مقصورة على مجرد نقل الأخبار.
نعم ربما أمكن ارتباط بعضها بالأدلة العامة، و ربما وجد نص في بعضها، و ما ذكرناه من البحث سابقا يمكن تطرقه إلى بعض هذه المواضع أيضا.
و بالجملة فالوقوف على جادة الاحتياط فيما لا دليل واضح عليه طريق السلامة، و حيث كان بقية مسائل هذا البحث من هذا القبيل ضربنا صفحا عن ذكرها، و طوينا كشحا عن نشرها، لعدم الأدلة الواضحة فيما ذكروه فيها من الأحكام سيما مع كونها مما لا وقوع لها بين الأنام في جملة من الأيام و الأعوام، و رأينا التشاغل بغيرها مما هو أهم و نفعه أعم أولى بالمسارعة إليه لدى الملك العلام، و الله العالم.
مسائل من لواحق العقد
قد حصلت الغفلة عن ذكرها ثمة، فذكرناها في آخر هذا الفصل.
[المسألة] الاولى [في اشتراط الكفاءة في صحة النكاح و حكم نكاح المخالف]
لا خلاف بين الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- في اشتراط الكفاءة في صحة النكاح، و هي لغة التساوي و المماثلة، من قولهم تكافأ القوم أي تماثلوا، و شرعا التساوي في الايمان على المشهور، و قيل: إنها عبارة عن التساوي في الإسلام و هو اختيار المحقق في كتابيه، و الشهيد الثاني في المسالك، و المحدث الكاشاني في المفاتيح، و نقل في المسالك عن الشيخ المفيد و ابن حمزة قال: للإجماع على اعتباره و عدم الدليل الصالح لاعتبار غيره، ثم قال: و وافقهم ابن الجنيد في غيره من تحرم عليه الصدقة.
أقول: لا بد قبل الخوض في البحث من تقديم مقدمة في المقام، ليتضح بها
53
محل الخلاف، و يبتني عليها الكلام، فنقول قد عرفت فيما تقدم أنه لا يجوز للمسلم التزويج بالكافرة مطلقا، و هو موضع نص و وفاق، و لا يجوز للمسلم التزويج بالكافرة أيضا إلا ما استثني من جواز نكاح الكتابية استدامة و ابتداء على الخلاف المتقدم، و المراد من الإسلام هنا هو التصديق بالشهادتين و جميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه و آله) عدا الإمامة، و الايمان عبارة عن الاعتقاد بالإمامة مع الإسلام المذكور، ثم أنه على تقدير القول المشهور، و هو اعتبار الايمان، فمذهب الأكثر اعتباره في جانب الزوج دون الزوجة، بمعنى أنه لا يجوز للمؤمنة التزويج بالمخالف دون العكس، و هو تزويج المؤمن بالمخالفة، و حكى الشهيد الثاني في الروضة عن بعضهم أنه ادعي الإجماع على ذلك، و على هذا فالكفاءة إنما تشترط في جانب الزوج دون الزوجة.
و قد نقل في المختلف عن سلار ما يشعر باشتراط الكفاءة من جانب الزوجة فإنه قال: و قال سلار: و من الشرائط أن تكون المرأة مؤمنة أو مستضعفة، و إن كانت ذمية أو مجوسية أو معاندة لم يحل نكاحها قط غبطة، لأن الكفاءة في الدين مراعاة عندنا في صحة هذا العقد، انتهى و هو المؤيد بالأخبار الآتية في المقام فإنها صريحة في المنع إلا من المستضعفين و الشكاك.
و بالجملة فالذي يظهر لي من الروايات اعتبار الكفاءة من الطرفين، نعم دلت على استثناء المستضعفة فيجوز تزويجها من حيث إسلامها على كلام يأتي في ذلك إن شاء الله.
و الظاهر أن الحامل لأكثر المتأخرين- على القول بجواز تزويج المخالفة و أن الكفاءة غير مشترطة في جانب المرأة- هو الأخبار الدالة على جواز التزويج بالذمية فجعلوا المخالفة من قبيل ذلك، و فيه ما قدمنا تحقيقه من أن الروايات و إن اختلفت في ذلك إلا أن الأقرب حمل روايات الجواز على التقية.
و كيف كان فمظهر الخلاف بين القولين المتقدمين عند أصحابنا هو المخالفون
54
أهل السنة و المستضعفون من الفريقين.
و أنت خبير بأن هذا إنما يتمشى على مذهب المتأخرين القائلين بإسلام المخالفين و وجوب إجراء أحكام الإسلام عليهم، و أما على مذهب المتقدمين القائلين بكفر المخالفين و نصبهم و عدم جواز إجراء شيء من أحكام الإسلام عليهم إلا أن يكون للتقية كما هو الظاهر من الأخبار الواضحة المنار الساطعة الأنوار كما حققناه في كتاب «الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب» و ما يترتب عليه من المطالب، فلا يتم هذا الكلام، بل يجب الحكم بعدم صحة مناكحتهم كسائر أفراد الكفار، كما ستأتيك به الأخبار إن شاء الله في المقام، مكشوفة القناع لذوي الأفهام، و على هذا فإنما مظهر الخلاف المستضعف خاصة.
إذا تقرر ذلك فاعلم أن ما يدل من الأخبار على اشتراط الايمان، و جواز نكاح في المستضعف و الشكاك خاصة ما رواه
المشايخ الثلاثة (1)- عطر الله مراقدهم- عن الحسين بن بشار قال: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) أسأله عن النكاح فكتب (عليه السلام): من خطب إليكم فرضيتم دينه و أمانته «كائنا من كان» فزوجوه، إِلّٰا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسٰادٌ كَبِيرٌ»،.
و قوله «كائنا من كان» في رواية الفقيه خاصة.
و ما رواه
في الكافي (2) في الصحيح عن علي بن مهزيار قال: «كتب علي بن أسباط إلى أبي جعفر (عليه السلام) في أمر بناته، و أنه لا يجد أحدا مثله، فكتب إليه أبو جعفر (عليه السلام): فهمت ما ذكرت من أمر بناتك، و أنك لا تجد أحدا مثلك، فلا تنظر في ذلك رحمك الله، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: إذا جاءكم من ترضون خلقه و دينه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض و فساد كبير».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 347 ح 1، التهذيب ج 7 ص 396 ح 9، الفقيه ج 3 ص 248 ح 1 مع زيادة فيه، الوسائل ج 14 ص 51 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 347 ح 2، التهذيب ج 7 ص 396 ج 10، الوسائل ج 14 ص 50 ح 1.
55
و بهذا المضمون أخبار عديدة، و التقريب فيها إن غير المؤمن لا يرضى دينه، و الخلق في هذه الرواية و غيرها بمعنى الدين كما صرح به أهل اللغة، لأنه و إن كان لغة بمعنى السجية و الطبيعة أيضا فهو مستعمل في المعنيين.
قال في القاموس (1): و الخلق بالضم و بضمتين: السجية و الطبيعية و المروة و الدين، و قال في كتاب مجمع البحرين (2): إن هذا إلا خلق الأولين بسكون اللام يريد مذهبهم إلى أن قال: و الخلق بالضم السجية لأنه لا قائل هنا باشتراط حسن الخلق و الطبع في صحة النكاح، و لا ورد بذلك نص، فيتعين حمله على المعنى الثاني، و حينئذ فيكون من قبيل عطف المرادف.
و بذلك يظهر لك أن ما طعن به في المسالك على هذه الروايات من أن ذكر الخلق هنا و إضافته إلى الدين مع أن الخلق غير معتبر في الكفاءة إجماعا قرينة على أن اشتراط كل من الأمرين إنما قصد به الكمال، و الأمر بتزويج من هو كذلك لكماله، فلا يلزم منه تحريم تزويج غيره، فإن فيه إنه إنما يتم ما ذكره لو انحصر معنى الخلق في السجية و الطبيعة، و أما إذا كان بمعنى الدين كما صرحوا به أيضا فالواجب حمل اللفظ عليه دون المعنى الآخر لتأيده بالروايات المتكاثرة الدالة على اشتراط الايمان، و أيضا فإن الفتنة و الفساد الكبير إنما يترتب على ترك تزويج من اتصف بالمعنى الذي ذكرناه، لا بالمعنى الذي ذهب إليه.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: تزوجوا في الشكاك، و لا تزوجوهم لأن المرأة تأخذ من أدب زوجها و يقهرها على دينه».
____________
(1) ج 3 ص 229 فصل الخاء باب القاف.
(2) ج 5 ص 156.
(3) الكافي ج 5 ص 348 ح 1، التهذيب ج 7 ص 304 ح 24.
56
و رواه في الفقيه (1) عن صفوان عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله، و طريقه إلى صفوان حسن بإبراهيم بن هاشم فيكون الحديث كالصحيح.
و ما رواه
الشيخ (2) عن زرارة في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أ تزوج مرجئة أو حرورية؟ قال: لا، عليك بالبله من النساء، قال زرارة: فقلت: و الله ما هي إلا مؤمنة أو كافرة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): و أين أهل ثنوي الله عز و جل (3) قول الله عز و جل أصدق من قولك إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ لٰا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لٰا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا» (4).
و ما رواه
في الكافي (5) عن زرارة في الصحيح أو الحسن قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إني أخشى أن لا يحل لي أن أتزوج من لم تكن على أمري، فقال: ما يمنعك من البله من النساء؟ قلت: و ما البله؟ قال: هن المستضعفات من اللاتي لا ينصبن و لا يعرفن ما أنتم عليه».
و عن حمران بن أعين (6) قال: «كان بعض أهله يريد التزويج و لم يجد امرأة مسلمة موافقة فذكرت ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال: أين أنت من البله الذين لا يعرفون شيئا».
و ما رواه
في الفقيه (7) عن حمران بن أعين في الحسن أو الموثق «و كان بعض أهله يريد التزويج فلم يجد امرأة يرضاها، فذكر ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال: أين
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 258 ح 11، الوسائل ج 14 ص 428 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 304 ح 25، الوسائل ج 14 ص 428 ح 1.
(3) أى الذين استثناهم الله تعالى بقوله «إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ. الى آخر الآية».
(4) سورة النساء- آية 101.
(5) الكافي ج 5 ص 349 ح 7، الوسائل ج 14 ص 428 ح 3.
(6) الكافي ج 5 ص 349 ح 9، الوسائل ج 14 ص 430 ح 7.
(7) الفقيه ج 3 ص 258 ح 12، الوسائل ج 14 ص 430 ح 7 مع الاختلاف.
57
أنت من البلهاء و اللواتي لا يعرفن شيئا؟ قلت: إنا نقول: إن الناس على وجهين كافر و مؤمن، فقال: فأين الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا؟ و أين المرجون لأمر الله؟ و أين عفو الله».
و ما رواه
في الكافي (1) عن زرارة في الموثق عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قلت:
ما تقول في مناكحة الناس فإني قد بلغت ما ترى و ما تزوجت قط، قال: و ما يمنعك من ذلك؟ قلت: ما يمنعني إلا أخشى أن لا يكون يحل لي مناكحتهم، فما تأمرني؟ قال: كيف تصنع و أنت شاب أ تصبر؟ ثم ساق الخبر إلى أن قال: قلت: أصلحك الله فما تأمرني أنطلق فأتزوج بأمرك؟ فقال: إن كنت فاعلا فعليك بالبلهاء من النساء، قلت: و ما البلهاء؟ قال: ذوات الخدور العفائف، قلت: من هو على دين سالم بن أبي حفصة؟ فقال: لا، فقلت: من هو على دين ربيعة الرأي؟ فقال: لا، و لكن العواتق اللاتي لا ينصبن و لا يعرفن ما تعرفون».
و ما رواه
في التهذيب (2) في الصحيح عن زرارة قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): عليك بالبله من النساء التي لا تنصب و المستضعفات» (3).
أقول: قد دلت هذه الأخبار على أن زرارة و نحوه كانوا يعتقدون الناس يومئذ إما مؤمن أو كافر، و أنه لا تحل مناكحة الكافرة، و الامام (عليه السلام) قد أقرّه على الحكم بالكفر، و أن نكاحها لا يجوز لذلك، و إنما رد عليه في حصره الناس في القسمين
____________
(1) الكافي ج 5 ص 350 ح 12، الوسائل ج 14 ص 430 ح 9.
(2) التهذيب ج 7 ص 304 ح 26، الوسائل ج 14 ص 431 ح 10.
(3) أقول:
روى العياشي في تفسيره عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله- (عليه السلام)- عن المستضعفين؟ قال: هم أهل الولاية، قلت: أى ولاية تعني قال: ليست ولاية الدين و لكنها في المناكحة و المواريث و المخالطة، و هم ليسوا بالمؤمنين و لا الكفار و منهم المرجون لأمر الله».
(منه- (قدس سره)-) و الرواية في تفسير العياشي ج 1 ص 257 ح 194، و ليس فيه كلمة «الدين» لكن موجود في البحار نقلا عنه، مستدرك الوسائل ج 2 ص 586 ب 9 ح 7.
58
المذكورين مع وجود قسم ثالث، و منهم البله و المستضعفون الذين ليسوا بمؤمنين و لا كافرين، فإنهم من المسلمين.
و قوله (عليه السلام) في هذه الأخبار «لا ينصبون» كناية عن المخالف الذي حكم أصحابنا بإسلامه، و ظاهر هذه الأخبار كما ترى هو كفره، و قوله (عليه السلام) «و لا يعرفون» كناية عن المؤمنين القائلين بإمامة الأئمة (عليهم السلام)، و هذا هو الموافق للأخبار المستفيضة (1) الدالة على أن الناس في زمانهم (عليهم السلام) على أقسام ثلاثة: مؤمن و كافر و ضال، و المراد بالضال الشكاك و المستضعفون، و قد نقلناها بكمالها في كتابنا الشهاب الثاقب المتقدم ذكره، و هي صريحة في كفر المخالفين كما عليه جل علمائنا المتقدمين حسبما أوضحناه في الكتاب المشار إليه.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يتزوج المؤمن الناصبة المعروفة بذلك».
و ما رواه
في الكافي (3) عن ربعي عن الفضيل بن يسار في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال له الفضيل: أتزوج الناصبة؟ قال: لا، و لا كرامة، قلت: جعلت فداك و الله إني لأقول لك هذا، و لو جاءني ببيت ملآن دراهم ما فعلت».
و عن الفضيل بن يسار (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن لامرأتي أختا عارفة على رأينا، و ليس على رأينا بالبصرة إلا قليل فأزوجها ممن لا يرى رأيها؟
قال: لا و لا نعمة و لا كرامة إن الله عز و جل يقول «فَلٰا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّٰارِ لٰا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ، وَ لٰا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ».
____________
(1) الكافي ج 2 ص 381 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 348 ح 3، التهذيب ج 7 ص 302 ح 18، الوسائل ج 14 ص 423 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 348 ح 4، الوسائل ج 14 ص 423 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 349 ح 6، الوسائل ج 14 ص 424 ح 4.
59
و عن الفضيل بن يسار (1) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن نكاح الناصب فقال: لا وجه و الله ما يحل، قال فضيل: ثم سألته مرة أخرى فقلت: جعلت فداك ما تقول في نكاحهم؟ قال: و المرأة عارفة؟ قلت: عارفة، قال: إن العارفة لا توضع إلا عند عارف».
و ما رواه
في التهذيب (2) عن فضيل بن يسار قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرأة العارفة هل أزوجها الناصب؟ قال: لا، لأن الناصب كافر، قال: فأزوجها الرجل غير الناصب و لا العارف؟ فقال: غيره أحب إلي منه».
أقول: أفعل التفضيل هنا ليس على بابه، بل هو بمعنى أصل الفعل كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
و ما رواه
في الكافي (3) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه أتاه قوم من أهل خراسان من وراء النهر فقال لهم: تصافحون أهل بلادكم و تناكحونهم أما إنكم إذا صافحتموهم انقطعت عروة من عرى الإسلام، و إذا ناكحتموهم انهتك الحجاب بينكم و بين الله عز و جل».
و عن أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «تزوج اليهودية و النصرانية أفضل- أو قال- خير من تزوج الناصب و الناصبية».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (5) عن عبد الله بن سنان في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الناصب الذي قد عرف نصبه و عداوته، هل نزوجه المؤمنة و هو قادر على رده، و هو لا يعلم برده؟ قال: لا يزوج المؤمن الناصبة و لا يتزوج الناصب
____________
(1) الكافي ج 5 ص 350 ح 11، الوسائل ج 14 ص 424 ح 5.
(2) التهذيب ج 7 ص 303 ح 21، الوسائل ج 14 ص 431 ح 11.
(3) الكافي ج 5 ص 352 ح 17، الوسائل ج 14 ص 426 ح 12.
(4) الكافي ج 5 ص 351 ح 16، الوسائل ج 14 ص 426 ح 11.
(5) الكافي ج 5 ص 349 ح 8، التهذيب ج 7 ص 302 ح 19، الوسائل ج 14 ص 424 ح 3.
60
المؤمنة، و لا يتزوج المستضعف مؤمنة».
إلى غير ذلك من الأخبار البالغة حد التواتر المعنوي، و المفهوم من الأخبار أن الناصب حيثما يطلق إنما يراد به المخالف الغير المستضعف كما أشرنا إليه في ذيل روايات زرارة، لأن بعضا ورد بأنه عبارة عن المقدم للجبت و الطاغوت و بعضا آخر ورد بأنه المبغض للشيعة من حيث التشيع، و المعنيان متلازمان كما هو المؤيد بالوجدان، و أصحابنا المتأخرون الحاكمون بإسلام المخالفين جعلوا الناصب هو المبغض لأهل البيت (عليهم السلام) أو المعلن ببغضهم فجعلوه أخص من المخالف، و الحق أن المستفاد من الأخبار هو حصول البغض لهم (عليهم السلام) من جميع المخالفين، فإن مجرد التقديم عليهم في الإمامة بغض لهم كما اعترف به شيخنا الشهيد الثاني الحاكم بإسلامهم هنا في كتاب روض الجنان (1) مضافا إلى استفاضة الأخبار بثبوت البعض لهم (2) كما نقلناه في كتابنا المتقدم ذكره، و بذلك يظهر لك
____________
(1) قال في باب السؤر من الكتاب المذكور ص 157 و نعم ما قال حيث ذكر المصنف سؤر الكافر و الناصب ما هذا لفظه: و المراد به من نصب العداوة لأهل البيت- (عليهم السلام)- أو لأحدهم الى أن قال:
و روى الصدوق بن بابويه عن عبد الله بن مسكان عن الصادق- (عليه السلام)- قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت لأنك لا تجد رجلا يقول أنا أبغض محمدا و آل محمد و يتظاهر به، و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم أنكم تتولونا و أنكم من شيعتنا.
و في بعض الاخبار كل من قدم الجبت و الطاغوت فهو ناصب،.
و اختاره بعض الأصحاب إذ لا عداوة أعظم ممن قدم المنحط عن مراتب الكمال، و يفضل المنخرط في سلك الأغبياء و الجهال على من تسنم أوج الجلال حتى شك في أنه الله المتعال. انتهى (منه- (قدس سره)-). و الرواية في عقاب الأعمال ص 247 ح 3.
(2) و من ذلك ما رواه
في الكافي (الكافي ج 8 ص 159 ح 156) عن أبى عبد الله- (عليه السلام)- قال: إياكم و ذكر على و فاطمة- (عليهما السلام).
و عن إبراهيم بن أبى بشير (الكافي ج 8 ص 81 ح 38 مع اختلاف في الراوي و الرواية) قال: قال الصادق- (عليه السلام)-: أحببتمونا و أبغضنا الناس، و صدقتمونا و كذبنا الناس، و وصلتمونا و جفانا الناس.
الحديث.
و في الحديث عن إسماعيل الجعفي قال: قلت لأبي عبد الله- (عليه السلام)-:
رجل يحب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و لا يتبرء من عدوه، يقول: هو أحب الى ممن خالفه، فقال: هو مخلط هو عدو لا تصل خلفه و لا كرامة الا أن تتقيه.
و الاخبار في ذلك أكثر من أن يسع المقام ذكرها، و قد أتينا إليها في كتابنا المشار إليه في الأصل، و منها أخبار عديدة
في تفسير قوله عز و جل «مٰا جَعَلَ اللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ» (سورة الأحزاب- آية 4) ففي بعضها (مجمع البيان ج 8 ص 336) عن الصادق- (عليه السلام)- مٰا جَعَلَ اللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ يحب بهذا قوما و يحب بهذا أعداءهم،.
و في أخرى (تفسير القمي ج 2 ص 171) عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: لا يجتمع حبنا و حب عدونا في جوف إنسان، ان الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه فيحب بهذا و يبغض بهذا.
الى غير ذلك من الاخبار. (منه- (قدس سره)-).
61
ضعف قوله في المسالك بعد الخلاف في أن الناصب هل هو المعلن بعداوة أهل البيت (عليهم السلام) أو لا يشترط الإعلان؟ و على التقديرين فهذا أمر عزيز في المسلمين الآن لا يكاد يتفق إلا نادرا، فلا تغتر بمن يتوهم خلاف ذلك، انتهى.
فإنه كلام باطل لا يلتفت إليه و عاطل لا يعرج عليه، و إنما نشأ من عدم التعمق في الأخبار و ملاحظتها بعين الاعتبار، و ذيل البحث في المقام واسع، و من أراد الاستقصاء في ذلك فليرجع إلى كتابنا المذكور، و إلى كتاب الأنوار الخيرية و الأقمار الدرية في أجوبة المسائل الأحمدية.
و بالجملة فالحكم بالكفر و تحريم المناكحة مما لا ريب فيه و لا شك يعتريه.
و بذلك يظهر لك ما في كلامه في المسالك من المجازفة حيث نقل بعض الروايات الضعيفة السند وردها بذلك، و نقل بعض روايات «إذا جاءكم من ترضون خلقه و دينه» و رده بما قدمنا نقله عنه، و قد عرفت جوابه، و نقل من جملة ذلك
62
رواية أبي بصير المروية في الكافي (1) الدالة على النهي عن تزويج الشكاك معللا بأن المرأة تأخذ من أدب زوجها و يقهرها على دينه، و ردها بضعف السند ثم طعن في متنها بأن النهي عن الشكاك لا يستلزم النهي عن غيرهم، و قد عرفت أنها و إن كانت ضعيفة برواية صاحب الكافي إلا أن الصدوق رواها في الفقيه كما قدمناه عن صفوان عن زرارة و طريقه إلى صفوان حسن بإبراهيم بن هاشم الذي هو في حكم الصحيح على المشهور، و صحيح على القول الآخر.
و أما طعنه في متنها فستعرف ما فيه إن شاء الله ثم، نقل صحيحة عبد الله بن سنان (2)، و هي الأخيرة من الروايات التي قدمناها الدالة على أنه لا يتزوج المستضعف مؤمنة، ثم قال: و هي و إن كانت صحيحة إلا أن المستضعف يطلق على معان، منها ما هو أسوء حالا من المخالف العارف، فلا يلزم من النهي عن نكاح المستضعف النهي عن نكاح غير المؤمن مطلقا، و إن كان في أفراده ما هو أحسن حالا من المخالف. انتهى، ثم نقل موثقة الفضيل بن يسار (3) الدالة على أن العارفة لا توضع إلا عند عارف، ثم طعن في سندها، ثم حمل النهي على الكراهة، و استدل برواية الفضيل الأخرى (4) الدالة على أن «غيره أحب إلي منه».
و العجب أنه بعد نقل هذه الروايات التي ذكرناها عنه قال: فهذه جملة الروايات للقول المشهور في هذا الباب إيذانا بأنه لا دليل للقول المشهور سواها، و هو غلط محض و سهو صرف ناش من عدم إعطاء التأمل حقه في تتبع الأخبار
____________
(1) الكافي ج 5 ص 348 ح 1، الفقيه ج 3 ص 258 ح 11، الوسائل ج 14 ص 428 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 349 ح 8، التهذيب ج 7 ص 302 ح 19، الوسائل ج 14 ص 429 ح 6.
(3) الكافي ج 5 ص 350 ح 11، الوسائل ج 14 ص 424 ح 5.
(4) التهذيب ج 7 ص 303 ح 21، الوسائل ج 14 ص 427 ح 15.
63
كما لا يخفى على من جاس خلال الديار، و الموجود في الأخبار مما يدل على تحريم المناكحة ما يزيد على ما قدمناه أضعافا مضاعفة، ثم أنه استدل على القول الذي اختاره بما قدمنا نقله عنه في صدر المسألة من الإجماع على اعتبار الإسلام، و عدم الدليل الصالح لاعتبار غيره، ثم قال في آخر البحث:
و روى عبد الله بن سنان (1) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام): بم يكون الرجل مسلما يحل مناكحته و موارثته، و بم يحرم دمه؟ فقال: يحرم دمه بالإسلام إذا أظهر و تحل مناكحته و موارثته».
و هو أصح ما في الباب سندا و أظهر دلالة، فقد ظهر بذلك قوة ما اختاره المصنف و إن كان الاحتياط في الفروج أولى، انتهى.
أقول: و وجه النظر يتطرق إلى مواضع من هذا الكلام: الأول: ما قدمنا نقله من قوله في الجواب عن رواية أبي بصير المروية في الفقيه عن صفوان عن زرارة- أن النهي عن الشكاك لا يستلزم النهي عن غيرهم- فإن فيه منعا ظاهرا، كيف و تعليله (عليه السلام) ذلك بأن المرأة تأخذ من أدب زوجها و يقهرها على دينه، ينادي باستلزام النهي عن تزويج الشكاك النهي عن تزويج المخالفين الذين هم أسوء حالا و أثقل أحمالا و أسوء عقيدة من الشكاك كما لا يخفى على من له أدنى ذوق و روية، و قد ساعدنا على هذه المقالة سبطه السيد السند- (قدس سره)- في شرح النافع، فقال بعد نقله الصحيحة المذكورة: و وجه الدلالة أن المنع من تزويج الشكاك يقتضي المنع من تزويج غيره من المعتقدين لمذهب أهل الخلاف بطريق أولى، و يؤيده التعليل المستفاد من قوله (عليه السلام): لأن المرأة تأخذ من أدب زوجها و يقهرها على دينه، انتهى.
الثاني: ما أجاب به عن صحيحة عبد الله بن سنان من قوله: إن المستضعف يطلق- إلى آخر ما قدمنا نقله عنه- فإن فيه أن ما ذكره من هذا المعنى لم ينقله ناقل من علمائنا، و لا ورد به خبر من أخبارنا، و الظاهر أنه ألجأته إليه ضرورة التعصب لهذا القول الضعيف و المذهب السخيف، فإن جملة من الأصحاب
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 303 ح 23، الوسائل ج 14 ص 427 ح 17.
64
فسروا المستضعف بتفسيرات متقاربة و معان متناسبة، لا مدخل لهذا القول الذي تحمله فيها، و قد فسره ابن إدريس- طاب ثراه- بمن لا يعرف اختلاف الناس في المذاهب و لا يبغض أهل الحق على اعتقادهم.
و عرف في الذكرى بأنه الذي لا يعرف الحق و لا يعاند عليه، و لا يوالي أحدا بعينه.
و عرفه الشيخ المفيد في المسائل الغرية بأنه لا يعرف بالولاء، و يتوقف عن البراءة، و هذه التعاريف كلها متقاربة في المعنى، و تعاريف الأصحاب كلها من هذا القبيل، كما صرحوا به في بحث الصلاة على الأموات، و أما الأخبار في تفسيره فمن هذا القبيل أيضا، و قد عقد له في الكافي بابا و سماه باب المستضعف (1) و أخباره كلها كما ذكرناه، ففي جملة منها أنه عبارة «عمن لا يستطيع أن يؤمن، و لا يستطيع أن يكفر» و في بعضها هم النساء و الأولاد، و في بعضها من لم يعرف اختلاف الناس، و في بعضها من لم ترفع له حجة، و مرجعها كلها إلى ضعف العقل، على أن ما ذكره من المعنى فاسد في حد ذاته، حيث إنه لا يفهم من الأسوء حالا من المخالف العارف، و هو المعنى الذي فسر به المستضعف هنا إلا الأشد عنادا في مذهبه الباطل و تعصبا في دينه العاطل، و ليس ذلك إلا بعداوة أهل البيت أو عداوة شيعتهم لأجلهم، لأنا لا نعقل من المخالف متى أطلق إلا المخالف في الإمامة، و المقدم فيها سيما مع وصفه بالعارف، و حينئذ فالأسوء حالا منه إنما هو الناصب المجاهر بالعداوة، و قد عرفت أن الرواية تضمنت حكم الناصب أولا فلا معنى لذكره ثانيا. و بالجملة فإن كلامه هنا مختبط لا يظهر له وجه استقامة بالكلية.
الثالث: فيما استند اليه من رواية الفضيل بحمل قوله (عليه السلام)- بعد قول السائل فأزوجها الغير الناصب و لا العارف-: «و غيره أحب إلي منه» على إرادة التفضيل من هذه الصيغة، فإنه يقتضي كون تزويج الغير الناصب و العارف و هو المستضعف
____________
(1) الكافي ج 2 ص 404 ح 1.
65
و الشكاك محبوبا في الجملة، فإن فيه أنه يجب حمل أفعل التفضيل هنا على غير بابه جمعا بين هذا الخبر و غيره مما دل على اشتراط الايمان في الرجل فإن ذلك شائع ذائع، و من ذلك قوله عز و جل «مٰا عِنْدَ اللّٰهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ» (1) الآية، و قوله (عليه السلام) في
صحيحة عبد الله بن سنان (2) و قد سأله أبوه عن نكاح اليهودية و النصرانية، فقال (عليه السلام) «نكاحهما أحب إلي من نكاح الناصبية».
فإنه بمقتضى ما قاله يدل على جواز نكاح الناصبية مع أنه حرام نصا و إجماعا. و نحوها رواية أبي بصير المتقدمة الدالة على أن تزويج اليهودية و النصرانية أفضل، أو قال: خير من تزويج الناصب و الناصبية.
و بذلك يظهر لك أن الاستدلال بهذه الرواية على إسلام المخالفين أشد بعدا، لأن موردها المستضعف، فإنه هو المراد من غير الناصب و لا العارف، و الناصب هنا بقرينة المقابلة بالعارف إنما أريد به المخالف كما تقدم في أخبار
زرارة من قوله (عليه السلام) «اللواتي لا يعرفن و لا ينصبن».
فإن ذلك مبني على نصب المخالفين و كفرهم، فلا يعبر عنهم إلا بهذا اللفظ.
و أما ما اشتهر بين المتأخرين من تخصيص الناصب بفرد آخر غير المخالف فهو باطل لا دليل عليه كما تقدمت الإشارة إليه.
الرابع: ما استدل به على ما اختاره من القول بالإسلام من الإجماع على اعتبار الإسلام، و عدم الدليل الصالح لاعتبار غيره فإنه باطل مردود بالأخبار الدالة على كفر القوم و نصبهم و شركهم، و حل أموالهم و دمائهم، كما أوضحناه في كتابنا المتقدم ذكره بما لا يحوم حوله شبهة للناظرين، و الدليل الصالح لاعتبار الايمان قد عرفته ساطع البيان مشيد الأركان.
و أما صحيحة عبد الله بن سنان التي نوه بأنها أصح ما في الباب سندا و أظهر
____________
(1) سورة الجمعة- آية 10.
(2) الكافي ج 5 ص 351 ح 15، الوسائل ج 14 ص 426 ح 10.
66
دلالة، فأما ما ذكره من أنها أصح ما في الباب سندا فهو جيد بالنسبة إلى ما أورده من الروايات التي ادعى أنها هي الروايات القول المشهور، و أنه ليس غيرها في الباب، و إلا فإن فيما قدمناه من الأخبار ما هو مثلها، و كذا ما لم ننقله من أخبار المسألة.
و أما ما ذكره من أنها أظهر دلالة على مدعاه، فهو على الضد و العكس مما قاله و ادعاه، بل هي أخفى من السهى الذي لا يكاد أحد يراه.
و بيان ذلك أن السائل سأل عما به يحصل الإسلام لتجري عليه تلك الأحكام، لأنه قال: بم يكون الرجل مسلما تحل مناكحته، و الامام (عليه السلام) لم يجبه عن سؤاله، و إنما ذكر له أن هذه الأحكام مترتبة على الإسلام، و هذا ليس من محل السؤال في شيء.
و بالجملة فإن السؤال عن معنى الإسلام و بيان حقيقته، و نحن لا نخالف في أنه متى ثبت الإسلام لأحد فإنه يجب أن تجري عليه تلك الأحكام، و المدعى في المقام ثبوت الإسلام لأولئك المخالفين، و ليس في الخبر دلالة عليه بوجه، لأنه (عليه السلام) لم يذكر أن الإسلام يحصل بكذا و كذا، و أن هذا الذي يحصل به الإسلام موجود في المخالفين ليحكم بإسلامهم لذلك، و لعل في عدول الامام (عليه السلام) عن صريح الجواب إلى التعمية و الإبهام ما ينبئ عن تقية في المقام، فإن السائل سأل عن الإسلام بم يحصل و يتحقق حتى يحكم بإسلام المتصف به و إجراء أحكام الإسلام عليه، و لم يجب عن أصل السؤال، و هذا بحمد الله سبحانه واضح، و لما ذكره من الاستدلال بالرواية على مدعاه فاضح، و الله العالم.
تنبيهات
الأول:
حيث إن السيد السند صاحب المدارك في شرح النافع إختار عدم الحكم بمناكحة المخالفين مع قوله بإسلامهم أجاب عن صحيحة عبد الله بن سنان المذكورة، قال: الظاهر أن المراد من حل المناكحة و الموارثة الحكم بصحة
67
نكاحهم و موارثتهم، لا جواز تزويجهم، انتهى.
و أنت خبير بما فيه من البعد، و لكنه لا مندوحة له عن ارتكابه حيث إنه ممن يحكم بإسلام أولئك المخالفين.
و التحقيق أن الرواية المذكورة بمعزل عن الدلالة على ما ذكروه، فلا يحتاج إلى تأويل لما أوضحناه من الاشتباه فيها المؤدي إلى طرحها و الاعراض عنها في هذا المقام، كما هو ظاهر لمن سرح بريد النظر فيما قدمناه من الكلام.
الثاني:
قد عرفت دلالة صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة على أنه لا يتزوج المستضعف المؤمنة، و نحوها صحيحة زرارة المروية في الفقيه الدالة على جواز التزويج في الشكاك، و عدم جواز نكاحهم المؤمنة، المعلل بأن المرأة تأخذ من أدب زوجها و يقهرها على دينه، و هو مشكل غاية الإشكال، حيث إنه لا خلاف و لا إشكال في كون الشكاك و المستضعفين من أفراد المسلمين، و قد استفاضت الأخبار بأنه متى حكم بإسلام أحد وجب أن تجري عليه أحكامه من حل المناكحة و الموارثة، و حقن المال و الدم و نحوها، فكيف يتم المنع من مناكحته، و تؤيد الصحيحتين المذكورتين أيضا قوله (عليه السلام) في بعض روايات
الفضيل المتقدمة «العارفة لا توضع إلا عند عارف».
و قوله في أخرى «غيره أحب إلي منه».
أي غير المستضعف كما تقدم بيانه، و يؤكده أيضا الأخبار الكثيرة الدالة على أنه
«إذا جاءكم من ترضون خلقه و دينه فزوجوه، و إلا تفعلون تكن فتنة في الأرض و فساد كبير».
فإن مفهومها أن من لا يرضى دينه لا يزوجوه، و الشكاك و المستضعفين ممن لا يرضى دينه البتة فلا يزوجوه، و حمل النهي على الكراهة و إن أمكن لكنه بعيد عن سياق نظامها و مقتضى مقامها، و الاحتياط لا يخفى.
الثالث [أن المشهور بين المتأخرين هو المنع من مناكحة المخالفين]
قد عرفت أن المشهور بين المتأخرين هو المنع من مناكحة المخالفين مع قولهم بإسلامهم، لاشتراطهم، الايمان في صحة المناكحة، و لم يذهب منهم
68
إلى الاكتفاء بالإسلام إلا المحقق و الشهيد الثاني و المحدث الكاشاني كما قدمنا ذكره.
و فيه (أولا) إن هذا القول بالنظر إلى الأخبار لا يخلو من تدافع و تناقض، فإن مقتضى الحكم بالإسلام جواز المناكحة و غيرها من الأحكام المترتبة على الإسلام كما عرفت آنفا،
ففي رواية حمران بن أعين (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «و الإسلام ما ظهر من قول أو فعل و هو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها و به حقنت الدماء و عليه جرت المواريث و جاز النكاح» الحديث.
و في رواية سماعة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، و التصديق برسول الله (صلى الله عليه و آله) و به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و المواريث و على ظاهره عامة الناس».
و في حسنة الفضيل بن يسار (3) «و الإسلام ما عليه المناكح و المواريث و حقن الدماء».
إلى غير ذلك من الروايات التي يقف عليها المتتبع.
و (ثانيا) إنه من المعلوم في زمنه (صلى الله عليه و آله) جواز مناكحة المنافقين المظهرين للإسلام مع العلم بنفاقهم، و أنه (صلى الله عليه و آله) قد نكح و أنكح بناء على ظاهر الإسلام، و إن علم بالنفاق، و ليس ذلك إلا باعتبار الاكتفاء بالإسلام في صحة المناكحة، و عدم اشتراط الايمان.
و بالجملة فالقول بالإسلام و المنع من المناكحة مما لا يجتمعان، فالقائل بإسلامهم يتحتم عليه القول بجواز مناكحتهم كما هو أحد القولين، و القائل بالمنع من مناكحتهم لا يتم له إلا مع القول بكفرهم و عدم إسلامهم بالكلية كما هو القول الفصل، و المذهب الجزل، المؤيد بتظافر الآيات و الروايات، و هذه الأخبار المانعة من المناكحة إنما منعت من حيث الكفر، و لكن جل هؤلاء القائلين بالإسلام قد وقعوا لذاك في مضيق الإلزام، فاختل نظامهم و انحل زمامهم،
____________
(1) الكافي ج 2 ص 26 ح 5.
(2) الكافي ج 2 ص 25 ح 1.
(3) الكافي ج 2 ص 26 ح 3.
69
و قد وقع لهم مثل هذا الخبط و الخلط في مسألة غسل المخالفين كما تقدم في غسل الأموات من كتاب الطهارة، و كذا الصلاة على الأموات، حيث منعوا من الغسل و الصلاة أو توقفوا مع حكمهم بالإسلام.
الرابع [فيما روي من جواز مناكحة المخالفين]
روى الصدوق (1)- عطر الله مرقده- في الصحيح عن العلاء بن رزين «أنه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن جمهور الناس، فقال: هم اليوم أهل هدنة ترد ظالتهم و تؤدى أمانتهم و تجوز مناكحتهم و موارثتهم في هذه الحال».
و هذه الرواية بحسب ظاهرها منافية لما قدمناه، و الأظهر عندي حملها على التقية، و إلى ذلك أشار صاحب الوسائل أيضا حيث قال: باب جواز مناكحة الناصب عند الضرورة و التقية، ثم أورد الرواية المذكورة و أورد فيها برواية تزويج عمر أم كلثوم (2)، و ظاهر السيد السند في شرح النافع حمل هذه الرواية على ما حمل عليه صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة من أن المراد بجواز مناكحتهم يعني بعضهم في بعض، قال بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه في التنبيه الأول: و أوضح منها دلالة على هذا المعنى ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن العلاء بن رزين.
ثم ساق الرواية إلى آخرها، و هو بعيد بل الأظهر إنما هو الحمل على التقية، و يؤيده ما رواه
الشيخ (3) عن محمد بن علي الحلبي قال: «استودعني رجل من بني مروان ألف دينار، فغاب فلم أدر ما أصنع بالدنانير، فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فذكرت ذلك له، و قلت: أنت أحق بها، فقال: لا إن أبي (عليه السلام) كان يقول: نحن فيهم بمنزلة هدنة نؤدي أمانتهم و نرد ضالتهم و نقيم الشهادة لهم و عليهم، فإذا تفرق الأهواء لم يسمع أحد المقام».
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 302 ح 31، الوسائل ج 14 ص 433 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 346 ح 1، الوسائل ج 14 ص 433 ح 2.
(3) التهذيب ج 6 ص 350 ح 110، الوسائل ج 13 ص 224 ح 10.
70
و عن الحسين الشيباني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل من مواليك يستحل مال بني أمية و دماءهم، و إنه وقع لهم عنده وديعة، فقال: أدوا الأمانات إلى أهلها و إن كان مجوسيا، فإن ذلك لا يكون حتى يقوم قائمنا فيحل و يحرم».
المسألة الثانية [هل التمكن من النفقة شرط في الكفاءة؟]
المشهور بين الأصحاب- رضي الله عنهم- أن التمكن من النفقة ليس شرطا في الكفاءة بل يحصل الكفاءة و يصح العقد و إن كان عاجزا عن ذلك، و قيل باشتراط ذلك، و ظاهرهم أنه شرط في صحة النكاح، و هو منقول عن الشيخ في المبسوط و العلامة في التذكرة، قال في المبسوط على ما نقله في المختلف:
و الكفاءة معتبرة في النكاح، و هي عندنا شيئان: الايمان و إمكان القيام بالنفقة و اليسار المراعى ما يملك القيام بمئونة المرأة و كفايتها لا أكثر من ذلك.
و قيل و هو ظاهر ابن إدريس: إن ذلك ليس شرطا في صحة العقد و إنما للمرأة الخيار إذا تبين كونه غير مؤسر بنفقتها، و لا يكون العقد باطلا بل لها الخيار و ليس كذلك خلاف الإيمان الذي هو الكفر إذا بان كافرا فإن العقد باطل و لا يكون للمرأة الخيار كما كان لها في اليسار، ثم أمر بأن يلحظ ذلك و يتأمل (2).
و استوجهه العلامة في المختلف، و قال: إن المرأة لو نكحت ابتداء بفقير
____________
(1) الكافي ج 5 ص 132 ح 2، التهذيب ج 6 ص 351 ح 114، الوسائل ج 13 ص 222 ح 5.
(2) قال في السرائر: عندنا أن الكفاءة المعتبرة في النكاح أمران: الايمان و اليسار بقدر ما يقوم بأمرها، و الإنفاق عليها، و لا يراعى ما وراء ذلك من الأنساب و الصنائع، و الاولى أن يقال: ان اليسار ليس بشرط في صحة العقد، و انما للمرأة الخيار إذا لم يكن موسرا بنفقتها، و لا يكون العقد باطلا بل الخيار إليها، و ليس كذلك خلاف الإيمان الذي هو الكفر إذا بان كافرا فان العقد باطل، و لا يكون للمرأة الخيار كما كان لها في اليسار، ثم أمر ان يلحظ ذلك و يتأمل، و ما نقلناه في الأصل هو ملخص ذلك. (منه- (قدس سره)-).
71
عالمة بذلك صح نكاحها إجماعا، و لو كانت الكفاءة شرطا لم يصح، و إذا صح مع العلم وجب أن يصح مع الجهل، لوجود المقتضى السالم عن معارضة كون الفقر مانعا. نعم أثبتنا لها الخيار دفعا للضرر عنها، و دفعا للمشقة اللاحقة بها.
و استشكل السيد السند في شرح النافع في ثبوت هذا الخيار هنا، من جهة التمسك بلزوم العقد إلى أن يثبت ما يزيله، و من لزوم الضرر ببقائها معه كذلك المنفي بالآية و الرواية، قال: و المسألة محل تردد.
و قال الشيخ المفيد: المسلمون الأحرار يتكافؤون بالإسلام و الحرية في النكاح و إن تفاضلوا في الشرف و النسب، كما يتكافؤون في الدماء و القصاص، فالمسلم إذا كان واجدا طولا للإنفاق بحسب الحاجة إلى الأزواج مستطيعا للنكاح مأمونا على الأنفس و الأموال، و لم يلزمه آفة في عقله و لا سفه في رأيه، فهو كفو في النكاح.
و قال ابن الجنيد: و الإسلام جامع و أهلوه إخوة متكافؤ دماءهم إلا أن لمن حرمت عليه الصدقة فضلا على غيرهم، فوجب ألا يتزوج فيهم إلا من هو منهم، لئلا يستحل بذلك الصدقة من حرمت عليه إذا كان الولد منسوبا إلى من يحل له الصدقة، انتهى.
أقول: و مما يدل على القول المشهور (أولا) إطلاق الأخبار الدالة على الاكتفاء في الكفاءة بمجرد الايمان، كالأخبار المتقدمة الدالة على أنه (1)
«إذا جاءكم من ترضون خلقه و دينه فزوجوه، إِلّٰا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسٰادٌ كَبِيرٌ».
و منها زيادة على ما قدمناه ما رواه
الكليني في الكافي (2) مرسلا عن الصادق (عليه السلام) قال: «إن الله عز و جل لم يترك شيئا مما يحتاج إليه إلا علمه نبيه، فكان من تعليمه إياه أنه صعد المنبر ذات يوم فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس
____________
(1) الكافي ج 5 ص 347 ح 1 و 2 و 3، الوسائل ج 14 ص 50 ح 1 و ص 51 ح 2 و 3.
(2) الكافي ج 5 ص 337 ح 2، الوسائل ج 14 ص 39 ح 2.
72
إن جبرئيل أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إن الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر، إذا أدرك ثمرة فلم يجتنى أفسدته الشمس و نثرته الرياح، و كذلك الأبكار إذا أدركن ما يدرك النساء فليس لهن دواء إلا البعولة، و إلا لم يؤمن عليهن الفساد لأنهن بشر، قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فمن نزوج؟ فقال:
الأكفاء، فقال: يا رسول الله و من الأكفاء؟ فقال: المؤمنون بعضهم أكفاء بعض».
و روى الصدوق في كتاب علل الشرائع و عيون أخبار الرضا (1) بسنده عن أبي جون مولى الرضا عنه (عليه السلام) قال: «نزل جبرئيل على النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: يا محمد إن ربك يقرؤك السلام، و يقول: إن الأبكار من النساء بمنزلة الثمر على الشجر، فإذا أينع الثمر فلا دواء له إلا اجتناؤه، و إلا أفسدته الشمس و غيرته الريح، و إن الأبكار إذا أدركن ما تدرك النساء فلا دواء لهن إلا البعول، و إلا لم يؤمن عليهن الفتنة، فصعد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) المنبر فخطب الناس ثم أعلمهم ما أمر الله تعالى به، فقالوا: ممن يا رسول الله؟ فقال: من الأكفاء، فقالوا: و من الأكفاء؟ فقال:
المؤمنون بعضهم أكفاء بعض، ثم لم ينزل حتى زوج ضباعة المقداد بن الأسود، ثم قال: أيها الناس إنما زوجت ابنة عمي المقداد ليتصنع النكاح».
و (ثانيا) خصوص قوله عز و جل «إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ» (2).
و ما رواه
في الكافي (3) في الصحيح عن أبي حمزة الثمالي قال: «كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) إذا استأذن عليه رجل فأذن له فدخل عليه فسلم فرحب أبو جعفر (عليه السلام) و أدناه و سأله، فقال الرجل: جعلت فداك إني خطبت إلى مولاك فلان ابن أبي رافع ابنته، فردني و رغب عني و ازدرأني لدمامتي و حاجتي و غربتي، و قد دخلني من
____________
(1) العلل ص 578 ح 4، العيون ج 1 ص 225 ح 37، الوسائل ج 14 ص 39 ح 3.
(2) سورة النور- آية 32.
(3) الكافي ج 5 ص 339 ح 1، الوسائل ج 14 ص 43 ح 1.
73
ذلك غضاضة هجمة غض لها قلبي تمنيت عندها الموت، فقال أبو جعفر (عليه السلام): اذهب فأنت رسولي إليه، و قل له: يقول لك محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) زوج منجح بن رباح مولاي ابنتك فلانة و لا ترده، قال أبو حمزة: فوثب الرجل فرحا مسرعا برسالة أبي جعفر (عليه السلام) فلما أن توارى الرجل قال أبو جعفر (عليه السلام): إن رجلا كان من أهل اليمامة يقال له جويبر أتى رسول الله (صلى الله عليه و آله) منتجعا للإسلام (1) فأسلم و حسن إسلامه و كان رجلا قصيرا دميما محتاجا عاريا- ثم ساق الخبر المشتمل على فقر جويبر و أنه من جملة أهل الصفة الذين كانوا يتعاهدهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالبر و التمر و الشعير إلى أن قال: فقال له: يا جويبر لو تزوجت امرأة فعففت بها فرجك و أعانتك على دنياك و آخرتك، فقال له جويبر: يا رسول الله بأبي أنت و أمي من يرغب في؟ فوالله ما من حسب و لا نسب و لا مال و لا جمال، فأية امرأة ترغب في؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا جويبر إن الله قد وضع بالإسلام من كان في الجاهلية شريفا، و شرف بالإسلام من كان في الجاهلية وضيعا، و أعز بالإسلام من كان في الجاهلية ذليلا، و أذهب بالإسلام ما كان من نخوة الجاهلية و تفاخرها بعشائرها، و باسق (2) أنسابها- إلى أن قال-: ثم قال له: انطلق يا جويبر إلى زياد بن لبيد فإنه من أشرف بني بياضة حسبا فيهم فقل له: إني رسول الله إليك، و هو يقول لك: زوج جويبرا ابنتك الذلفاء».
ثم ساق الكلام بما يتضمن تزويج جويبر المرأة المذكورة.
و الخبر المذكور ظاهر بالنظر الى صدره في المطلوب و المراد، و صريح بالنظر إلى حكاية قصة جويبر بأوضح صراحة لا يعتريها الإيراد.
و مما يدل على ذلك
قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) «إذا خطب
____________
(1) انتجع القوم: إذا ذهبوا بطلب الكلاء، و انتجع فلانا: طلب معروفه. «النهاية».
(2) الباسق: المرتفع في علوه. «النهاية».
(3) الفقه الرضوي ص 31، مستدرك الوسائل ج 2 ص 537 ب 24 ح 3.
74
إليك رجل رضيت دينه و خلقه فزوجه، و لا يمنعك فقره و فاقته، قال الله تعالى «وَ إِنْ يَتَفَرَّقٰا يُغْنِ اللّٰهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ» (1)، و قال «إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ» (2).
و هو كما ترى أيضا صريح في المدعى، و تؤيده الآيات و الروايات الدالة على ضمان الله عز و جل الرزق لمن خلق و تكفله به.
و استدل للقول الثاني بما رواه
في الكافي (3) في الصحيح عن أبان عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الكفو أن يكون عفيفا و عنده يسار».
و رواه الشيخ في التهذيب (4) عن محمد بن الفضيل، عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله.
و أجاب عنه في المختلف بالحمل على الأولوية و الاستحباب، و هو جيد و يشير إليه اشتراط العفة التي هي عبارة عن التقوى، فإنه لم يشترطها أحد في الكفاءة و صحة النكاح، و إلا لبطل بدونه، و على هذا ينبغي حمل كلام الشيخ المفيد فيما قدمنا من عبارته.
و أما ما ذهب إليه ابن الجنيد فإنه استدل له في المختلف بما رواه
في الكافي (5) عن علي بن بلال قال: «لقي هشام بن الحكم بعض الخوارج فقال: يا هشام ما تقول في العجم يجوز أن يتزوجوا في العرب؟ قال: نعم، قال: فالعرب يتزوجوا من قريش؟ قال: نعم، قال: فقريش يتزوج في بني هاشم؟ قال: نعم، قال: عمن أخذت هذا؟ قال: عن جعفر بن محمد (عليه السلام) سمعته يقول: أ تتكافأ دماؤكم، و لا تتكافأ فروجكم؟
قال: فخرج الخارجي حتى أتى أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: إني لقيت هشاما فسألته
____________
(1) سورة النساء- آية 130.
(2) سورة النور- آية 32.
(3) الكافي ج 5 ص 347 ح 1، الوسائل ج 14 ص 51 ح 4.
(4) التهذيب ج 7 ص 394 ح 3، الوسائل ج 14 ص 52 ح 5.
(5) الكافي ج 5 ص 345 ح 5، الوسائل ج 14 ص 46 ح 3.
75
عن كذا، فأخبرني بكذا، و ذكر أنه سمعه منك، قال: نعم قد قلت ذلك، فقال الخارجي: فها أنا ذا قد جئتك خاطبا، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): إنك لكفو في دمك و حسبك في قومك، و لكن الله عز و جل صاننا عن الصدقة، و هي أوساخ أيدي الناس فنكره أن نشرك فيما فضلنا الله به من لم يجعل الله مثل ما جعل الله لنا، فقام الخارجي و هو يقول: تالله ما رأيت رجلا مثله قط ردني و الله أقبح رد، و ما خرج من قول صاحبه».
و حمله في المختلف على الأولوية أيضا، و يحتمل أن هذا الكلام إنما خرج في مقام دفع الخارجي بما لا يستوحش منه من كفره و عدم جواز مناكحته، و لا يراد به ظاهره بالنسبة إلى غيره من الإمامية، فإنهم يتزوجون في بني هاشم من غير خلاف و لا كراهة، كما دل عليه صدر الخبر المذكورة، و حديث تزويج النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب من المقداد بن الأسود، كما دلت عليه جملة من الأخبار، منها الخبر المتقدم.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن أبي بكر الحضرمي «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) زوج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب و إنما زوجه لتتصنع المناكح و ليتأسوا برسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و ليعلموا أن أكرمهم عند الله أتقاهم».
و رواه
في الكافي (2) بسند آخر عن هشام بن سالم عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله، و زاد فيه «و كان الزبير أخا عبد الله و أبي طالب لأبيهما و أمهما».
و روى في التهذيب (3) عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 344 ح 1، التهذيب ج 7 ص 395 ح 6، الوسائل ج 14 ص 45 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 344 ح 2، الوسائل ج 14 ص 45 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 395 ح 5، الوسائل ج 14 ص 47 ح 5.
76
رسول الله (صلى الله عليه و آله) زوج ضبيعة بنت الزبير بن عبد المطلب من مقداد بن الأسود، فتكلمت في ذلك بنو هاشم فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إني إنما أردت أن تصنع المناكحة».
و بالجملة فإن القول المذكور بمكان من الضعف و القصور.
و أما ما ذهب إليه ابن إدريس و العلامة في المختلف من الخيار للمرأة لو ظهر كون الزوج فقيرا بعد عقدة عليها، فإن أثر له في أخبار المسألة، و ما استدلوا به من دفع الضرر عن المرأة مدفوع بما ذكرنا من الآيات و الأخبار الدالة على أن الله سبحانه ضامن بالرزق و متكفل به سواء أجراه على يد الزوج أو غيره، ألا ترى إلى قوله عز و جل «وَ إِنْ يَتَفَرَّقٰا يُغْنِ اللّٰهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ» (1)، فإن فيه إشارة إلى أن التفرق الموجب لقطع إنفاق الزوج على المرأة أو استعانة الزوج بالمرأة على ذلك لا يكون موجبا لاحتياج كل منهما و فقره بالله سبحانه يغني كلا من سعته و كرمه و كذا قوله «إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ» (2) فإن فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي الرد عن التزويج لأجل الفقر، فإن الله عز و جل هو الرزاق لا الزوج، و قد ضمن ذلك في كتابه و هو لا يخلف الميعاد، فلا يمنعه التزويج لأجل فقره، و الآية ظاهرة في الرد على هذا القائل بأوضح ظهور، الظاهر أنه إلى ما ذكرنا يشير كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) حيث استدل بهذه الآية و الآية التي بعدها على عدم منع الفقير من تزويج من رضي دينه، و بذلك يظهر قوة التمسك بلزوم العقد حتى يقوم دليل على جواز فسخه، و يظهر أيضا ضعف استشكال السيد السند في المسألة كما قدمنا نقله عنه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنهم قد صرحوا بأن هذا الشرط ليس على نهج ما قبله من شرط الايمان أو الإسلام للاتفاق هنا على جواز تزويج الفقير المؤمن،
____________
(1) سورة النساء- آية 130.
(2) سورة النور- آية 32.
(3) الفقه الرضوي ص 237.
77
و إنما يظهر فائدة هذا الاشتراط هنا على تقدير القول به في الوكيل المطلق و الولي، فإنه ليس لهما أن يزوجاها إلا من كفو، فإذا اعتبرنا اليسار في الكفاءة لم يصح لهما تزويجهما بالفقير، و إن زوجاها تخيرت في الفسخ كما تتخير في العيوب.
و اختلف كلام العلامة في كتبه هذه المسألة ففي التذكرة اشتراط في الكفاءة اليسار كما قدمنا نقله عنه، و جوز للولي أن يزوجها بالفقير، و لو كان الذي يزوجها السلطان لم يكن له أن يزوجها إلا بكفو في الدين و اليسار، و هذا الكلام لا يخلو من تدافع كما عرفت، و في المختلف لم يعتبر اليسار، و اكتفي بالايمان لكنه حكم بأنها لو تزوجت الفقير جاهلة بفقره كان لها الخيار إذا علمت، و هو قول ابن إدريس كما تقدم، و في القواعد لم يجعل اليسار شرطا و لا أثبت لها الخيار.
و كيف كان فالظاهر أن اليسار شرط في وجوب الإجابة عليها أو على الولي فلو لم يكن ذا يسار لم تجب إجابته، لأن الصبر على الفقر ضرر يدفع الوجوب، و إن ترجحت الإجابة مع كمال دينه كما في قضية جويبر و نحوه، و المعتبر في اليسار من النفقة كونه مالكا لها بالفعل أو القوة القريبة منه، بأن يكون قادرا على تحصيلها بحرفة يحترفها أو تجارة يتجرها، و لا يشترط اليسار في المهر و إنما محل البحث و الخلاف في النفقة خاصة، و الله العالم.
المسألة الثالثة [فيما لو تجدد عجز الزوج عن النفقة]
المشهور بين الأصحاب أنه لو تجدد عجز الزوج عن النفقة فليس للمرأة الفسخ، و نقل عن ابن الجنيد أنها تتخير بين الفسخ و عدمه، و قيل:
بأن الحاكم يبينهما، و هذا القول نقله السيد السند في شرح النافع، قال: نقل المحقق الشيخ فخر الدين عن المصنف أنه نقل عن بعض علمائنا قولا بأن الحاكم يبينهما.
حجة القول المشهور أن النكاح عقد لازم، فيستصحب، و لظاهر قوله تعالى
78
«وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ» (1) و ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) عن السكوني «عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) أن امرأة استعدت على زوجها أنه لا ينفق عليها و كان زوجها معسرا، فأبى علي (عليه السلام) أن يحبسه، و قال: إن مع العسر يسرا».
و لو كان لها الفسخ لعرفها به ليندفع عنها الضرر الذي استعدت لأجله، و حجة ما ذهب إليه ابن الجنيد ما رواه
الصدوق (3) في الصحيح عن ربعي و الفضيل بن يسار «عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل «وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اللّٰهُ» قال: إن أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة، و إلا فرق بينهما».
و ما رواه
في الفقيه (4) أيضا عن عاصم بن حميد عن أبي بصير- و الظاهر أنه ليث المرادي- فتكون الرواية صحيحة قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها و يطعمها ما يقيم صلبها كان حقا على الامام أن يفرق بينهما».
و الظاهر أن هذه الرواية هي مستند القول الثالث، و إلى هذا القول- بما نقل عن ابن الجنيد- مال السيد السند في شرح النافع للصحيحتين المذكورتين، قال: و الروايتان صحيحتا السند، فيتجه العمل بهما مضافا إلى ما يلزم في كثير من الموارد من الحرج العظيم المنفي بقوله تعالى «وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (5) و العسر الزائد الذي هو غير مراد لله عز و جل.
أقول: و الرواية الأولى قد رواها
في الكافي (6) أيضا عن روح بن عبد الرحيم قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قول الله عز و جل «وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ» الحديث.
كما تقدم.
____________
(1) سورة البقرة- آية 280.
(2) التهذيب ج 6 ص 299 ح 44، الوسائل ج 13 ص 148 ح 2.
(3) الفقيه ج 3 ص 279 ح 6، الوسائل ج 15 ص 223 ح 2.
(4) الفقيه ج 3 ص 279 ح 5، التهذيب ج 7 ص 462 ح 61 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 223 ح 1.
(5) سورة الحج- آية 78.
(6) الكافي ج 5 ص 512 ح 7، الوسائل ج 15 ص 224 ح 6.
79
و يقرب من هذين الخبرين ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج قال: «لا يجبر الرجل إلا في نفقة الأبوين و الولد، قال ابن ابي عمير: قلت لجميل: و المرأة؟ قال: قد روى عنبسة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كساها ما يواري عورتها و يطعمها ما يقيم صلبها أقامت معه و إلا طلقها» الحديث،.
و حاصل معنى الخبر أنه في العمودين يجبر على النفقة، و أما في الزوجة فإنها ليست لازمة له لزوم العمودين، بل يجبر على النفقة أو الطلاق.
و يعضد ذلك ما ورد في خبر رواه
في أصول الكافي (2) في باب سيرتهم (عليهم السلام) مع الناس إذا ظهر أمرهم «قال فيه: و الرجل ليس له على عياله أمر و لا نهي إذا لم يجر عليهم النفقة» (3).
و العلامة في المختلف بعد أن نقل الاستدلال للقول المشهور باستصحاب لزوم العقد و رواية السكوني، و لابن الجنيد بلزوم الضرر، و الرواية عن الصادق (عليه السلام) و عارضها برواية السكوني (4) قال في آخر كلامه: و نحن في المسألة من المتوقفين.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 512 ح 8، التهذيب ج 6 ص 293 ح 22 و ص 296 ح 23 و ص 348 ح 98، الوسائل ج 15 ص 224 ح 4.
(2) أصول الكافي ج 1 ص 406 ح 6.
(3) أقول. و الحديث المذكور مروي
عن أبى عبد الله- (عليه السلام)- أن النبي- (صلى الله عليه و آله)- قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، و على أولى به من بعدي، فقيل له: ما معنى ذلك؟ فقال: قول النبي- (صلى الله عليه و آله)- من ترك دينا أو ضياعا فعلى، و من ترك مالا فلورثته، فالرجل ليست له على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال، و ليس له على عياله أمر و لا نهى إذا لم يجر عليهم النفقة و النبي و أمير المؤمنين- (عليهما السلام) و من بعدهما ألزمهم هذا، فمن هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم، و ما كان سبب إسلام عامة اليهود الا من بعد هذا القول من رسول الله- (صلى الله عليه و آله)- و أنهم آمنوا على أنفسهم و على عيالاتهم.
(منه- (قدس سره)-).
(4) التهذيب ج 6 ص 299 ح 44، الوسائل ج 13 ص 148 ح 2.
80
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك التوقف ايضا حيث اقتصر على نقل الأقوال و أدلتها و لم يرجح شيئا في البين، إلا أن الظاهر أنه لم يقف على صحة الخبرين اللذين قدمناهما دليلا لابن الجنيد، فإنه إنما نقل رواية ربعي و الفضيل عارية عن وصفها بالصحة، و الظاهر أنه أخذها من التهذيب، فإنها فيه ضعيفة و إلا فهي في الفقيه صحيحة، و أما صحيحة أبي بصير فلم يتعرض لها، و الظاهر أنه لو وقف على صحة هاتين الروايتين لما عدل عنها بناء على عادته و طريقته كما علمته من سبطه في شرح النافع.
إذا عرفت هذا فاعلم أن الظاهر عندي في المقام بالنظر إلى هذه الأخبار- بناء على قاعدتنا في العمل بجميع الأخبار من غير التفات إلى هذا الاصطلاح المحدث- أمر آخر غير ما ذكروه، و ذلك فإن صريح رواية السكوني كون الزوج معسرا، و أما صحيحة ربعي و الفضيل و كذا صحيحة أبي بصير فإنهما مطلقتان، و حينئذ فيمكن حمل إطلاقهما على ما صرحت به رواية السكوني من التقييد، فينتج من ذلك أن الزوج متى كان معسرا وجب عليها الصبر، عملا باستصحاب لزوم العقد و لا تتخير في فسخ عقدها، و لا يجوز أن يفرق بينهما، و أما إذا كان ذا يسار و لم ينفق عليها فإن الحكم فيه ما دلت عليه الصحيحتان من التفريق بينهما، و يؤيد ما ذكرناه ما هو المفهوم من رواية جميل بن دراج كما ذيلناها به من أنه يجبر على الإنفاق عليها أو الطلاق، و من الظاهر أن الخبر على الإنفاق إنما هو مع إمكانه، و على ما ذكرناه لا تكون الصحيحتان من محل البحث في شيء لتخصيصهما بمن كان ذا يسار، و محل البحث إنما هو العاجز عن الإنفاق.
و بالجملة فالأظهر عندي في الجميع بين الأخبار هو ما ذكرته، و به يظهر قوة القول المشهور، و أنه هو المؤيد المنصور.
ثم أنه لا يخفى أن الذي ذكروه هنا- بناء على قول ابن الجنيد- هو تخير المرأة في فسخ العقد و عدمه، و الذي دلت عليه الصحيحتان التفريق، و هو
81
أعم من ذلك لاحتمال أن يكون المراد به الطلاق بمعنى أنه يجبر على طلاقها، و إلا طلقها الحاكم الشرعي، و يؤيده ما قدمنا نقله من صحيحة جميل أو حسنته الظاهرة في الطلاق إن لم ينفق عليها، بمعنى أنه يجبر عليه مع عدمه الإنفاق عليها.
و نقل عن فخر المحققين أنه بني الخلاف في هذه المسألة على أن اليسار بالنفقة ليس شرطا في لزوم العقد فلو جعلناه شرطا تسلطت بتجدد العجز بغير إشكال، قال في المسالك: و هذا البناء ليس بعيد، إلا أن عبارات الأصحاب مطلقة، بحيث يحتمل كون الخلاف هنا جاريا على القولين، إذ يحتمل على القول بأن اليسار جزء من الكفارة أن يختص بالابتداء، و لا يلزم مثله في الاستدامة كما في العيوب الموجبة للخيار ابتداء، و لا يثبت مع تجددها كما سيأتي، و على كل حال فكلام فخر الدين موجه. انتهى.
المسألة الرابعة [وجوب الإجابة لو خطب المؤمن القادر على النفقة]
قالوا: لو خطب المؤمن القادر على النفقة وجبت إجابته على الولي، و إن كان أخفض نسبا، و إن منعه الولي كان عاصيا، و قيد بعضهم وجوب الإجابة بعدم قصد الأعلى مع وجوده بالفعل أو القوة، فلو قصد الأعلى مع وجوده لم تجب الإجابة بل يتخير بينهما، و هل يعتبر في وجوب الإجابة بلوغ المرأة، أم يجب على الولي الإجابة و إن كانت صغيرة؟ احتمالان، من إطلاق الأمر و انتفاء الحاجة، و علل تخصيص الأولياء بالحكم بأن الولي هو المجيب، و المانع غالبا و إن لم يكن له ولاية شرعية، كما تشير إليه
صحيحة علي بن مهزيار (1) المتقدمة الدالة على أنه «كتب علي بن أسباط إلى أبي جعفر (عليه السلام) في أمر بناته أنه لا يجد أحدا مثله، فكتب إليه أبو جعفر (عليه السلام): فهمت ما ذكرت في أمر بناتك، و أنك لا تجد أحدا مثلك، فلا تنظر في ذلك» الخبر.
و الأصل في هذا الحكم من أصله الأخبار الكثيرة المتقدمة الدالة على
قوله (عليه السلام) (2) «إذا جاءكم من ترضون خلقه و دينه فزوجوه، و إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض و فساد كبير».
و التقريب فيها أن مقتضى الأمر الوجوب، و أن مخالفته معصية.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 347 ح 1 و 2، الوسائل ج 14 ص 51 ح 1 و 2.
(2) الكافي ج 5 ص 347 ح 3، الوسائل ج 14 ص 51 ح 3.
82
و يمكن أن يناقش في دلالة الأمر على الوجوب هنا حيث إن الظاهر من السياق كونه للإباحة، و لا ينافي ذلك «إِلّٰا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسٰادٌ كَبِيرٌ» إذ الظاهر أن المراد أنه إذا حصل الامتناع من الإجابة لكون المخاطب حقيرا في نسبة لا لغيره من الأغراض فإنه يترتب على ذلك الفساد أو الفتنة من نحو التفاخر بالعشائر و المباهاة بالتكاثر كما في زمن الجاهلية، و ما يترتب على ذلك من القبائح الخارجة عن جادة الدين.
و يعضد ما ذكرناه ما صرح به ابن إدريس في كتابه حيث قال: و روي أنه إذا خطب المؤمن إلى غيره بنته و كان عنده يسار بقدر نفقتها، و كان ممن يرضى فعاله و أمانته و لا يكون مرتكبا لشيء يدخل به في جملة الفساق و إن كان حقيرا في نسبه قليلا في ماله فلا يزوجه إياها كان عاصيا لله تعالى مخالفا لسنة نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و وجه الحديث في ذلك أنه إنما يكون عاصيا إذا رده و لم يزوجه لما هو عليه من الفقر، و الأنفة منه لذلك، و اعتقاده أن ذلك ليس بكفو في الشرع، فأما إن رده و لم يزوجه لا لذلك، بل لأمر آخر و غرض غير ذلك من مصالح دنياه فلا حرج عليه و لا يكون عاصيا، فهذا فقه الحديث. انتهى كلامه زيد إكرامه، و هو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه.
و منه يعلم ما قدمنا ذكره من أن الولي لو ترك الإجابة لأجل العدول إلى الأعلى لا يكون عاصيا، و كذا لو ترك الإجابة لما هو عليه من الصفات الذميمة من فسق و نحوه، فإنه لا حرج عليه و لا يكون عاصيا، و الظاهر من الروايات المذكورة أن الخطاب فيها و الأمر بالتزويج و النهي عن الرد إنما توجه إلى الأولياء بالتقريب الذي قدمناه، و على هذا ففي تعلق الحكم بالثيب و البكر البالغ التي لا ولي لها و وجوب الإجابة عليها إن قلنا بالوجوب على الولي إشكال، من حيث إن ظاهر النصوص كما عرفت أن توجه الخطاب فيها إنما هو لخصوص الولي، فلا يتعلق بغيره، و إطلاق هذه الأخبار شامل لجواز مناكحة الأخفض نسبا و الأدنى صنعة
83
و حرفة و نحو ذلك، لأن المدار فيها على المماثلة في الأيمان أو الإسلام خاصة، و أنت خبير بأنها بإطلاقها شاملة للقادر على النفقة و العاجز عنها، و هم قد قيدوا وجوب الإجابة بالقدرة على النفقة، و كأنهم نظروا إلى أن في الصبر على الفقر ضررا عظيما فخصصوا إطلاق هذه الأخبار بذلك، و فيه ما لا يخفى كما تقدم الكلام عليه في شرط الكفاءة، و مقتضى الأخبار المذكورة أيضا تزويج الفاسق، و لا سيما شارب الخمر، إلا أنه قد ورد في النهي عنه أخبار عديدة حملها أكثر الأصحاب على الكراهة جمعا، و منع منه بعض الأصحاب، لقوله تعالى «أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً لٰا يَسْتَوُونَ» (1).
و فيه إن الظاهر من أكثر آيات القرآن أن إطلاق الفسق فيها إنما هو بمعنى الكفر، لا بمعنى المشهور الآن من الأمور المخلة بالعدالة، سيما ما ورد في تفسير هذه الآية من أن المؤمن أمير المؤمنين (عليه السلام) و الفاسق الوليد أخو عثمان لامه (2).
و من الأخبار الواردة في النهي عن تزويج شارب الخمر ما رواه
في الكافي (3) عن أحمد بن محمد رفعه قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من زوج كريمته من شارب الخمر فقد قطع رحمها».
و عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): شارب الخمر لا يزوج إذا خطب».
إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة، إلا
____________
(1) سورة السجدة- آية 18.
(2) تفسير على بن إبراهيم ج 2 ص 170.
(3) الكافي ج 5 ص 347 ح 1، التهذيب ج 7 ص 398 ح 14، الوسائل ج 14 ص 53 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 348 ح 2، التهذيب ج 7 ص 398 ح 15، الوسائل ج 14 ص 53 ح 4.
84
أنها محمولة عند الأصحاب على الكراهة جمعا بينها و بين ما تقدم.
المسألة الخامسة [فيما لو تزوج امرأة ثم علم أنها كانت زانية]
المشهور بين الأصحاب أنه إذا تزوج امرأة ثم علم أنها كانت زنت فليس له الفسخ، و لا الرجوع على الولي بالمهر، و علل الأول بأن ذلك مقتضى العقد اللازم، و أما عدم الرجوع بالمهر فلأن ذلك مقتضى الأصل.
أقول: و يدل على الأول أيضا ما رواه
الصدوق (1) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنما يرد النكاح من البرص و الجذام و الجنون و العفل».
و في رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله المروية في التهذيب (2) قال: «و ترد المرأة من العفل و البرص و الجذام و الجنون و أما سوى ذلك فلا».
و ذهب ابن بابويه في المقنع إلى أنه يفرق بينهما و لا صداق لها، لأن الحديث كان من قبلها، و يدل عليه ما رواه
المشايخ الثلاثة (3) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في المرأة إذا زنت قبل أن يدخل بها الرجل يفرق بينهما و لا صداق لها لأن الحديث كان من قبلها».
و يدل عليه أيضا ما رواه
في الفقيه (4) عن الحسن بن محبوب عن الفضل بن يونس في الموثق قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فلم يدخل بها فزنت، قال: يفرق بينهما و تحد الحد و لا صداق لها»،.
و رد المتأخرون هذه الروايات بضعف السند.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 406 ح 6، الفقيه ج 3 ص 273 ح 4، التهذيب ج 7 ص 424 ح 4، الوسائل ج 14 ص 593 ح 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 425 ح 9، الوسائل ج 14 ص 595 ح 13.
(3) الكافي ج 5 ص 566 ح 45، التهذيب ج 7 ص 473 ح 105، الفقيه ج 3 ص 263 ح 38، الوسائل ج 14 ص 601 ح 3.
(4) التهذيب ج 7 ص 490 ح 177، الفقيه ج 3 ص 263 ح 39، الوسائل ج 14 ص 601 ح 2.
85
و نقل عن الشيخ المفيد و جماعة أن له الخيار في المحدودة (1)، قال في شرح النافع: و لم نقف لهم في ذلك على مستند سوى ما في الالتزام بها من الضرر، لاشتماله على العار، و يضعف بأنه قادر على طلاقه، و به يندفع الضرر، ثم نقل صحيحة الحلبي التي قدمنا نقلها عن الصدوق، و عقبها بما رواه
الكليني (2) عن رفاعة بن موسى قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحدود و المحدودة، هل ترد من النكاح؟ قال: لا».
أقول: و نحو هذه الرواية ما رواه
الحسين بن سعيد في كتابه عن فضالة عن رفاعة بن موسى (3) قال: «سألته عن المحدودة؟ قال: لا يفرق بينهما و لا يترادان النكاح» الحديث،.
و هو صحيح صريح، و الظاهر أن المستند للشيخ المفيد- فيما نقل عنه- هو ما قدمناه من الأخبار الدالة على مذهب ابن بابويه، و إلا فلم نقف على غيرها.
و ذهب الشيخ في النهاية إلى أنها لا ترد، و كذلك التي كانت زنت قبل العقد
____________
(1) أقول: قال الشيخ المفيد- (رحمه الله)-: ترد المحدودة في الفجور، و به قال:
سلار و ابن البراج و اختاره ابن الجنيد و أبو الصلاح و قطب الدين الكيدري، و قال الشيخ في النهاية: المحدودة في الزنا ترد، و أما التي قد زنت قبل العقد فليس للرجل ردها الا أن له أن يرجع على وليها بالمهر، و ليس له فراقها الا بالطلاق، و قال ابن إدريس:
الذي في نفسي أن المحدودة لا ترد بل يرجع على وليها بالمهر إذا كان عالما بدخيلة أمرها، فإن أراد فراقها طلقها، انتهى. كذا نقله العلامة في المختلف، ثم قال: و الأقرب عندي عدم الرد للأصل و ما رواه الحلبي في الصحيح، ثم ساق الرواية كما ذكرناه في دليل القول الأول، و احتج لما ذكره المفيد- (رحمه الله)- باشتماله على العار فكان موجبا للتسلط على الفسخ، و قد عرفت ما فيه. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 5 ص 407 ح 9، الوسائل ج 14 ص 600 ح 2.
(3) البحار ج 103 ص 365 ح 22.
86
إلا أن له الرجوع على وليها بالمهر، و قريب منه قول ابن إدريس، إلا أنه قيل الرجوع عليه بعلمه بحالها.
أما عدم ردها و فسخ نكاحها فلما تقدم في القول المشهور.
و أما الرجوع على وليها فلما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فعلم بعد ما تزوجها أنها قد كانت زنت، قال: إن شاء زوجها أخذ الصداق ممن زوجها و لها الصداق بما استحل من فرجها، و إن شاء تركها، قال: و ترد المرأة من العفل و البرص و الجذام».
إلى آخر ما تقدم في أدلة القول الأول.
و روى هذا الخبر الكليني في الكافي (2) في الصحيح عن معاوية بن وهب بدون الزيادة التي في آخره، و منه يظهر قوة القول بالرجوع إلى المهر لكن ينبغي تقييده بما ذكره ابن إدريس من علم الولي بالزنا، و عدم إخباره الزوج (3) و الظاهر أن مراد الشيخ ذلك و إن أطلق، و يؤيده عموم الأخبار الدالة على الرجوع على الولي إذا كان عالما بالعيب، و الزنا من أظهر العيوب و أفحشها.
و خصوص ما رواه
في الكافي (4) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 425 ح 9، الوسائل ج 14 ص 601 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 355 ح 4، الوسائل ج 14 ص 601 ح 4.
(3) و الى ما اخترناه من العمل بهذه الاخبار يميل كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، حيث انه بعد نقل صحيحة معاوية بن وهب التي في الكافي قال: و لو عمل به لم يكن به بأس، و حمله- على ما لو شرط للزوج كونها عفيفة- خلاف الظاهر، و كون مقتضى النكاح أن المهر على الزوج، و انما يرجع به على الولي لكونه غره بإخفاء أمر المرأة. انتهى و هو جيد، و يعضد كلامه الأخير تكاثر الاخبار بكون المهر على الولي إذا علم بالعيب، و لم يخبر الزوج بذلك، و الزنا من أفحش العيوب فلا اشكال. (منه- (قدس سره)-).
(4) الكافي ج 5 ص 408 ح 15، الوسائل ج 14 ص 600 ب 6 ح 1.
87
(عليه السلام) قال: «سألته عن المرأة تلد من الزنا و لا يعلم بذلك أحد إلا وليها، أ يصلح له أن يزوجها و يسكت على ذلك إذا كان قد رأى منها توبة أو معروفا؟ فقال: إن لم يذكر ذلك لزوجها، ثم علم بعد ذلك، فشاء أن يأخذ صداقها من وليها مما دلس عليه، كان له ذلك على وليها، و كان الصداق الذي أخذت لها لا سبيل عليها فيه بما استحل من فرجها، و إن شاء زوجها أن يمسكها فلا بأس».
و رواه
الحسين بن سعيد في كتابه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي (1) قال: «سألته عن المرأة» الحديث،.
و هو صحيح و بما ذكرنا يظهر ضعف ما تقدم في القول الأول من تعليل عدم الرجوع بالمهر، من أن ذلك مقتضى الأصل فإن فيه أنه و إن كان ذلك مقتضى الأصل لكن يجب الخروج عنه بالدليل و قد عرفته.
بقي الكلام في الروايات المتعارضة في الفسخ و عدمه، و الظاهر ترجيح الروايات الدالة على العدم، و قد تقدم الكلام في هذا المقام بالنسبة إلى الرد بالزنا و عدمه في المطلب الثالث فيما يحرم بالمصاهرة في الإلحاق الذي في آخر المقام الثاني في الزنا، و إنما ذكرناه هنا بالنسبة إلى ما يتعلق به من الرجوع بالمهر و عدمه، و مما يؤيد أخبار عدم الرد أيضا صحيحة رفاعة المتقدمة ثمة، و إن كان موردها إنما هو زنا الزوج، إلا أن الصدوق قائل بالرد و فسخ العقد بالزنا، أعم من أن يكون من الزوج أو الزوجة كما تضمنته عبارة المقنع المتقدمة ثمة.
المسألة السادسة [فيما لو ائتمن الرجل إلى قبيلة و تزوج، فوجد على خلاف ذلك]
قال الشيخ في النهاية، إذا ائتمن الرجل إلى قبيلة و تزوج، فوجد على خلاف ذلك بطل التزويج، و اختاره ابن الجنيد و ابن حمزة، و جعله ابن البراج في كتابيه معا رواية.
و قال الشيخ في المبسوط: إن كان الغرور بالنسب، فهل لها الخيار أم لا؟
____________
(1) البحار ج 103 ص 365 ح 23 الطبع الحديد- طهران، الوسائل ج 14 ص 600 ب 6 ح 1.
88
قولان، و الأقوى أن الاختيار لها، و في الناس من قال لها الخيار و قد روي ذلك في أخبارنا، و اختار ابن إدريس المنع،
قال: و قد روي (1) أن الرجل إذا انتسب إلى قبيلة فخرج من غيرها، سواء كان أرذل أو أعلى، يكون للمرأة الخيار في فسخ النكاح.
و الأظهر أنه لا يفسخ بذلك النكاح لقوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (2) و نسب ما قاله الشيخ في النهاية إلى أنه خبر واحد، ثم قال: إلا أن هذا و إن لم يكن عيبا، فإنه يرد به لأنه تدليس، فرددناه من حيث التدليس بالاشتراط، لا من حيث إنه عيب يرد به من غير اشتراط، لأن العيوب في الخلقة يرد بها النكاح و إن لم يشترط السلامة في حال العقد، بل بمجرد العقد يرد النكاح بعيب الخلقة، فأما التدليس فإنه إذا اشترط أنه حر فخرج عبدا أو انتسب إلى قبيلة فخرج بخلافها، سواء كان أعلى منها أو أدنى، و كذلك السواد و البياض إذا شرطه فخرج بخلافه، و ما أشبه ذلك، فلا يرد به النكاح إلا إذا اشترط خلافه، و أما بمجرد العقد دون تقدم الشرط فلا يرد به النكاح، فهذا الفرق بين عيب الخلقة و بين التدليس.
و قال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال: و الأقرب أنه إذا انتسب إلى قبيلة فبان أدنى منها بحيث لا يلائم شرف المرأة كان لها الخيار في الفسخ، لما فيه من الفضاحة و النقص و التضرر بذلك.
و ما رواه
الحلبي (3) في الصحيح «قال في رجل يتزوج المرأة، فيقول لها أنا من بني فلان، فلا يكون كذلك؟ قال: تفسخ النكاح أو قال: ترد النكاح».
انتهى.
أقول: و هذا التفصيل صار قولا ثالثا في المسألة لأن المشهور فيها القولان المتقدمات خاصة من الخيار مطلقا، أو عدمه مطلقا، و أنت خبير بأن الرواية
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 432 ح 35، الوسائل ج 14 ص 614 ح 1.
(2) سورة المائدة- آية 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 432 ح 35، الوسائل ج 14 ص 614 ح 1.
89
مطلقة لا دلالة لها على ما ذكره من التفصيل كما عرفت من كلام ابن إدريس.
و إلى القول بعدم الخيار يميل كلام المحقق في كتابيه، و هو اختيار شيخنا في المسالك حيث قال- بعد نقل الصحيحة المذكورة- ما لفظه: و الرواية موقوفة لا تصلح للحجية على فسخ مثل هذا العقد اللازم المعتضد بقوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و أصالة بقاء النكاح، نعم لو شرط ذلك في متن العقد توجه التسلط على الفسخ بالإخلال بالشرط، و إن لم يرد في ذلك رواية عملا بالعموم.
و في المختلف وافق الشيخ على الفسخ بدون الشرط بزيادة قيد آخر، و هو ظهوره أدنى مما انتسب إليه بحيث لا يلائم شرف المرأة، و الأقوى عدم الخيار بدون الشرط في متن العقد و هو قول الشيخ في المبسوط و الأكثر، انتهى.
و ظاهر السيد السند في شرح النافع الميل إلى العمل بالرواية المذكورة، فقال- مشيرا إلى الجواب عما طعن به جده على الرواية، و نعم ما قال-: و هذه الرواية صحيحة السند، لكن ردها المتأخرون بالإضمار، حيث إن المسؤول فيها غير مذكور، و عندي أن ذلك غير قادح إذ من المعلوم أن الحلبي إنما يروي عن الامام (عليه السلام) خاصة، و الوجه في وقوع هذه الإضمار في روايات الأصحاب أن الحلبي و غيره من الرواة إذا أورد عدة أحاديث عن الامام (عليه السلام) يصرح أولا باسم المروي عنه ثم يرجع الضمير إليه، فيقول و سألته عن كذا إلى أن يستوفي الأحاديث التي رواها، فلما نقل من بعده تلك الروايات، و فرقها ذلك الناقل على مقتضى ما أراد، اتفق فيها مثل هذه الإضمار، و هو غير قادح قطعا، انتهى.
أقول: و بمثل ذلك صرح المحقق الشيخ حسن في مقدمات منتقى الجمان و غيره من الأعيان.
ثم قال السيد المذكور: و مقتضى الرواية تسلط المرأة على الفسخ إذا انتسب الرجل إلى قبيلة، فبان بخلاف ذلك، و كان الباعث على تزويجه ذلك الانتساب، و العمل بها متجه، و لو بشرط ذلك في متن العقد و ظهر بخلافه تسلط على الفسخ
90
بغير إشكال. انتهى، و هو جيد.
و نقل في المختلف عن ابن الجنيد أنه قال: لو انتسب أحد الزوجين إلى نسب أو صناعة و لم يكن كذلك كان النكاح منفسخا إن لم يرضه الآخر بعد علمه به، فإن تأول تأويلا يكون به صادقا لم يبطل النكاح، و قد روي «أن رجلا تزوج على أنه يبيع الدواب، فوجد بايعا للسنانير لم يفسخ أمير المؤمنين (عليه السلام) نكاحه، و قال: السنانير دواب».
و قال في المختلف بعد ذلك: و البحث هنا يقع في مقامين:
الأول: هل حكم الصنعة حكم القبيلة؟ نص ابن الجنيد عليه في كلامه، هذا و في الرواية دلالة ما من حيث المفهوم عليه.
الثاني: هل الانتساب إلى القبيلة مشترك بين الرجل و المرأة؟ نص ابن الجنيد عليه، و هو قول ابن حمزة و لم يتعرض الشيخ في النهاية لانتساب المرأة، انتهى.
أقول: و الرواية التي أشار إليها ابن الجنيد هي ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: «خطب رجل إلى قوم، فقالوا: ما تجارتك؟ فقال: أبيع الدواب، فزوجوه، فإذا هو يبيع السنانير، فاختصموه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأجاز نكاحه و قال: السنانير دواب».
و يفهم منه أن إجازة النكاح إنما هو من حيث صدق الدواب على السنانير، فلو لم يثبت صدقها عليها لم يجز النكاح، و حينئذ يكون حكم الصنعة حكم القبيلة و الله العالم.
المسألة السابعة [عدم جواز التعريض بالخطبة لذات العدة الرجعية]
قد صرح الأصحاب بأنه لا يجوز التعريض بالخطبة لذات العدة الرجعية لأنها زوجة، و يجوز للمطلقة ثلاثا من الزوج و غيره، و لا يجوز التصريح لها منه و لا من غيره، أما المطلقة تسعا للعدة ينكحها بينها رجلان فلا يجوز
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 433 ح 39، الوسائل ج 14 ص 615 ح 2.
91
التعريض لها من الزوج و يجوز من غيره، و لا يجوز التصريح في العدة منه و لا من غيره.
و أما المعتدة البائنة فيجوز التعريض من الزوج و غيره، و التصريح من الزوج دون غيره.
أقول: التصريح هو الخطاب بما لا يحتمل إلا النكاح، مأخوذ من الصراحة و هو الخلوص، و منه تسمية اللبن الخالص من المذق بالصريح مثل أن يقول:
أتزوجك بعد العدة، و نحوه، و التعريض هو الخطاب بما يحتمل الرغبة في النكاح و غيرها، و إن كان في النكاح أقرب كما سيأتي في الأخبار إن شاء الله.
و أما تحريم التعريض لذات العدة الرجعية فلما ذكروه من أنها زوجة، فيتعلق بها ما يتعلق بالزوجة، و من ذلك تحريم خطبتها تعريضا و تصريحا بواسطة و غيرها من غير خلاف يعرف.
و أما جواز التعريض للمعتدة في العدة البائنة دون التصريح لها فقيل بأنه موضع وفاق، و استدل عليه بقوله «وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسٰاءِ، أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ، عَلِمَ اللّٰهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَ لٰكِنْ لٰا تُوٰاعِدُوهُنَّ سِرًّا، إِلّٰا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً» (1).
و بالجملة فالضابط عندهم في جميع ما ذكر أن التصريح بالخطبة للمعتدة حرام مطلقا، إلا من الزوج في العدة التي يجوز له نكاحها بعدها بحيث لا تكون محرمة عليه كالعدة الرجعية، و كذا إذا كانت بائنا إذا كانت تحل له في الحال، و إن توقف الحل على رجوعها في البذل كما في المختلعة، و التعريض جائز من كل من يجوز له تزويجها بعد العدة، و من الزوج و إن لم يجز له تزويجها حينئذ كالمطلقة ثلاثا قبل المحلل ما لم تكن محرمة عليه مؤبدا.
____________
(1) سورة البقرة- آية 235.
92
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذا المقام ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز و جل «وَ لٰكِنْ لٰا تُوٰاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلّٰا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً» قال: هو الرجل يقول للمرأة قبل أن تنقضي عدتها: أوعدك بيت آل فلان، ليعرض لها بالخطبة، و يعني بقوله «إِلّٰا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً» التعريض بالخطبة «و لا يعزم عقدة النكاح حَتّٰى يَبْلُغَ الْكِتٰابُ أَجَلَهُ».
و عن عبد الله بن سنان (2) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ لٰكِنْ لٰا تُوٰاعِدُوهُنَّ سِرًّا» الآية، قال: السر أن يقول الرجل موعدك بيت آل فلان ثم يطلب إليها أن لا تسبقه بنفسها إذا انقضت عدتها، فقلت. فقوله «إِلّٰا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً»؟ قال: هو طلب الحلال في غيره أن يعزم عقدة النكاح حَتّٰى يَبْلُغَ الْكِتٰابُ أَجَلَهُ».
و عن علي بن أبي حمزة (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ لٰكِنْ لٰا تُوٰاعِدُوهُنَّ سِرًّا» قال: يقول الرجل أواعدك بيت آل فلان يعرض لها بالرفث و يرفث، يقول الله عز و جل «إِلّٰا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً» و القول المعروف التعريض بالخطبة على وجهها و حلها «وَ لٰا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكٰاحِ حَتّٰى يَبْلُغَ الْكِتٰابُ أَجَلَهُ».
و عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل «إِلّٰا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً» قال: يلقاها فيقول إني فيك لراغب و إني للنساء
____________
(1) الكافي ج 5 ص 434 ح 2، الوسائل ج 14 ص 383 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 434 ح 2، الوسائل ج 14 ص 383 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 435 ح 3، التهذيب ج 7 ص 471 ح 94، الوسائل ج 14 ص 384 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 435 ح 4، الوسائل ج 14 ص 384 ح 4.
93
لمكرم، و لا تسبقيني بنفسك، و السر لا يخلو معها حيث و عدها».
و عن عبد الرحمن بن سليمان عن خالته (1) «قالت: دخل علي أبو جعفر محمد بن علي و أنا في عدتي، فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و حق جدي علي و قدمي في الإسلام، فقلت له: غفر الله لك أ تخطبني و أنا في عدتي، و أنت يؤخذ عنك، فقال: أو قد فعلت؟ إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و موضعي، و قد دخل رسول الله (صلى الله عليه و آله) على أم سلمة و كانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله و هو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله عليها فما كانت تلك خطبة».
و روى أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان (2) عن الصادق (عليه السلام) في قوله «لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسٰاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ- إلى قوله- وَ لٰكِنْ لٰا تُوٰاعِدُوهُنَّ سِرًّا» قال: «لا تصرحوا لهن بالنكاح و التزويج» قال: «و من السر أن يقول لها موعدك بيت آل فلان».
و روى العياشي في تفسيره (3) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل «وَ لٰكِنْ لٰا تُوٰاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلّٰا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً» قال: المرأة في عدتها تقول لها قولا جميلا، ترغبها في نفسك: و لا تقول: إني أصنع كذا و أصنع كذا القبيح من الأمر في البضع و كل أمر قبيح».
و عن مسعد بن صدقة (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله «إِلّٰا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً» قال: «يقول الرجل للمرأة و هي في عدتها: يا هذه ما أحب إلا ما أسرك و لو قد مضى عدتك لا تفوتني إن شاء الله فلا تسبقيني بنفسك، و هذا كله من غير أن يعزموا عقدة النكاح».
____________
(1) مستدرك الوسائل ج 2 ص 581.
(2) مجمع البيان ج 1 ص 339 ط صيدا، الوسائل ج 14 ص 384 ح 5.
(3) تفسير العياشي ج 1 ص 123، الوسائل ج 14 ص 384 ح 6.
(4) تفسير العياشي ج 1 ص 123، الوسائل ج 14 ص 385 ح 7.
94
و قال الشيخ علي بن إبراهيم في تفسيره (1) و قوله «وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسٰاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ» فهو أن يقول الرجل للمرأة في العدة إذا توفي عنها زوجها: لا تحدثي حدثا، و لا يصرح لها بالنكاح و التزويج، فنهى الله عن ذلك، و السر في النكاح، فقال «وَ لٰكِنْ لٰا تُوٰاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلّٰا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً» قال: من السر أيضا أن يقول الرجل في عدة المرأة موعدك بيت آل فلان،.
انتهى.
و أنت خبير بأنه ليس في هذه الأخبار ما يفي بالتفصيل الذي ذكروه في أفراد العدد من العدة الرجعية و البائنة بينونة مؤبدة، أو يمكن الرجوع فيها بعد المحلل من الزوج و غيره.
نعم ظاهر كلام الشيخ علي بن إبراهيم فرض ما ذكره في عدة الوفاة، لكنه لا يفيد الاختصاص، و غاية ما يستفاد من هذه الأخبار- بعد ضم بعضها إلى بعض- هو أنه إذا خطبها لا يصرح لها بالنكاح، و إنما يعرض بها تعريضا، و لا يخلو بها، و يقول بها ما يستهجن من القول ترغيبا لها، مثل أنه عظيم الآلة أو أني كثير المجامعة للنساء، و نحوه، و إليه يشير خبر علي بن أبي حمزة، و أصرح منه خبر العياشي و تفسير «السر» المواعدة في مكان كما في أكثر هذه الأخبار كأن فيه إشارة إلى أنهم في السابق هكذا كانوا يفعلون، بأن يواعدها في مكان و يخلو بها و يقول لها من تلك الأقوال القبيحة، فنهى في الآية عنه إلا أن يقولوا قولا سديدا، و هو التعريض الذي دلت الأخبار على جوازه، فالنهي راجع إلى الخلوة بها على المذكور.
و بالجملة فإن ما ذكروه من التفصيل، الظاهر أنه لا مستند له إلا اتفاقهم كما يظهر من بعض عباراتهم، ثم أن ما قدمنا نقله عنهم من جواز التعريض للمطلقة ثلاثا قبل المحلل للزوج و غيره دون التصريح ظاهر السيد السند في شرح
____________
(1) تفسير القمي ج 1 ص 77.
95
النافع المناقشة فيه بالنسبة إلى الزوج حيث قال- بعد نقل ذلك عنهم-: و الأجود تحريمهما معا، لامتناع نكاحه لها قبل المحلل، و هو جيد بناء على ما يفهم من كلامهم من أنه متى كانت المرأة محرمة مؤبدا، فإنه لا يجوز التصريح و لا التعريض لها كالمطلقة تسعا للعدة، و هذه قبل المحلل كذلك، إلا أنك قد عرفت ما في أصل هذه الأحكام من عدم دليل واضح حتى بالنسبة إلى التعريض، بل التصريح في العدة الرجعية حيث إنها زوجة، بل الزوجة فضلا عن العدة، فأي دليل دل على التحريم (1) فإني لم أقف على نص يقتضيه، و التحريم حكم شرعي يترتب عليه المؤاخذة و العقاب من الله سبحانه، و ثبوت الفسق مع المخالفة، و الحكم به من غير دليل مشكل.
و من الممكن أن يقال: إنه لغو من القول لا أثر يترتب عليه. نعم يمكن أن يقال: إن النهي في الآية عن الخلوة بها و هي في العدة و قول ما هو غير المعروف من التصريح بالخطبة أو الكلام المستهجن يدل على النهي عن ذلك لذات الزوج بطريق أولى.
و فيه ما فيه إذ يمكن منع الأولوية بأنه يجوز أن يكون للعدة خصوصية في ذلك، نعم اتفاقهم على الحكم المذكور كما يظهر من كلامهم من أقوى المؤيدات.
و بالجملة فباب المناقشة غير مسدود، و كيف كان فإنه لو صرح بالخطبة في موضع المنع فالظاهر كما صرحوا به أيضا أنه لا يفيد أزيد من الإثم، فلو نكحها بعد انقضاء العدة فنكاحه صحيح، و لا يؤثر فيه ما صنعه أولا كما لو نظر إليها محرما ثم تزوجها، و لم ينقل الخلاف هنا إلا عن بعض العامة.
____________
(1) و أما حديث الباقر- (عليه السلام)- الدال على إنكاره الخطبة حيث اعترضت عليه المرأة بذلك فهو غير صريح في التحريم، بل يمكن حمله على الكراهة.
(منه- (قدس سره)-).
96
المسألة الثامنة [في أن الشرط الفاسد هل يفسد العقد أم لا؟]
قالوا: إذا تزوجت المطلقة ثلاثا و شرطت في العقد أنه إذا حللها فلا نكاح بينهما بطل العقد، و ربما قيل بلغوا الشرط، فلو شرطت الطلاق قيل يصح النكاح و يبطل الشرط، و إن دخل بها فلها مهر المثل، و أما لو لم يصرح بالشرط في العقد، و كان ذلك في نيته أو نية الزوجة أو الولي لم يفسد، و كل موضع قيل يصح العقد فمع الدخول تحل للمطلق مع الفرقة و انقضاء العدة، و كل موضع قيل يفسد لا تحل له، لأنه لا يكفي الوطي ما لم يكن عن عقد صحيح.
أقول: و تفصيل هذه الجملة و بيان ما اشتملت عليه من الأحكام يقع في مواضع:
الأول: فيما إذا شرطت في العقد أنه بعد التحليل فلا نكاح بينهما
، و الظاهر أنه لا ريب في بطلان هذا الشرط لمنافاته لمقتضى العقد، إذ قضيته بقاء التزويج إلى أن يحصلا ما يزيله شرعا من طلاق و نحوه بما علم من الشارع كونه مزيلا و رافعا للنكاح، و لم يثبت من الشارع أن شرط ارتفاعه من نفسه و إن كان على هذا الوجه المعين من جملة ذلك، فقضية الأصل بمعنى الاستصحاب الشرعي المتفق على صحة الحكم به بقاء النكاح و بطلان هذا الشرط.
بقي الكلام في صحة العقد على هذا التقدير و عدمه، و المشهور بين المتأخرين بطلانه، و عللوه بأن التراضي بالعقد إنما وقع على هذا الوجه المخصوص و لم يتم لهما، فلو لم يبطل النكاح لزم صحته بدون التراضي، و هو باطل، و مرجعه إلى أن العقود بالقصود، فلو قيل بالصحة للزم أن ما وقع غير مقصود، و ما قصد غير واقع.
و ذهب جمع من الأصحاب إلى صحة العقد و إن بطل الشرط، منهم الشيخ و ابن الجنيد و ابن البراج و ابن إدريس استنادا إلى ما دل على أن الأصل في العقد الصحة، و قال في المسالك- بعد أن نقل أن القول بالبطلان للأكثر بل ادعى عليه
97
الشيخ الإجماع، ثم علله بما ذكرناه- ما لفظه: و القول بصحة العقد دون الشرط لم يظهر قائله، و ينسب إلى الشيخ و قد صرح بخلافه. نعم هو بابن إدريس أنسب لأنه صرح في غير موضع من النكاح و غيره أن فساد الشرط لا يفسد العقد محتجا عليه بعموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»، و لأنهما شيئان كل منهما منفك عن الآخر، فلا يلزم من بطلان أحدهما بطلان الآخر.
و جوابه: أن الوفاء بالعقد العمل بمقتضاه من صحة و بطلان، سلمنا أن المراد به العمل بمضمونه لكنه مشروط بوقوعه صحيحا بالتراضي و لم يحصل هنا، و انفكاك العقد عن الشرط في نفسه مسلم، لكنه في العقد المخصوص مرتبط به، لأن التراضي إنما وقع كذلك، و الأقوى بطلان العقد أيضا. انتهى، و فيه أن ما ذكره من أن القول بصحة العقد دون الشرط لم يظهر قائله إن أراد به في خصوص هذه المسألة فهو ممكن، إلا أن ما ذكره بقوله «و هو بابن إدريس أنسب»- حيث إنه صرح في مواضع عديدة بأن الشرط الفاسد لا يفسد العقد- يجري أيضا في غيره ممن قال بهذا القول و منهم الشيخ و الجماعة الذين قدمنا ذكرهم، و قد تقدم في كتاب البيع في الفصل الثاني عشر في نكت متفرقة ذكر المسألة، و أنه لو اشتمل العقد على شرط فاسد، فهل يبطل الشرط خاصة مع صحة العقد أو يبطل العقد أيضا؟ و أن العلامة- (رحمه الله)- نقل في المختلف القول الأول عن الشيخ و ابن الجنيد و ابن البراج، و قد حققنا في الموضع المذكور و كذا في مواضع أخر مما تقدم و لا سيما في مقدمات الكتاب في أول جلد كتاب الطهارة أن ما ذكروه من هذا التعليل و إن كان المتسارع إلى الذهن صحته و قبوله، إلا أنه بالنظر إلى الروايات الواردة في ذلك و اختلافها فيما هناك فالحكم لا يخلو من الاشكال، حيث إن جملة من الأخبار ظاهرة بل صريحة في القول بصحة العقد و فساد الشرط خاصة و بعضا دل على بطلان العقد من أصله.
و من الأخبار الدالة على صحة العقد و فساد الشرط خاصة زيادة على ما
98
قدمناه ثمة من الأخبار ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن زرارة قال: «سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن النهارية يشترط عليها عند عقدة النكاح أن يأتيها متى شاء كل شهر أو كل جمعة يوما، و من النفقة كذا و كذا؟ فليس ذلك الشرط بشيء، و من تزوج امرأة فلها ما للمرأة من النفقة و القسمة» الحديث.
أقول: و النهارية على ما ذكره بعض محققي المحدثين هو أن الرجل يخاف من زوجته فيتزوج امرأة أخرى سترا عنها، و يشترط على الثانية إلا يأتيها ليلا، و حاصل كلامه (عليه السلام) أن أصل العقد صحيح و الشرط باطل، و أنه بعد تمام عقد النكاح تستحق المرأة القسمة و النفقة كغيرها من الزوجات، و هو صريح كما ترى في المدعى، و منه يظهر أن جعل ذلك قاعدة كلية كما يظهر من كلامهم بالنظر إلى هذا التعليل الذي ذكره غير جيد، بل الواجب الوقوف على مقتضى الأدلة إن وجدت، و إلا فالتمسك بالاحتياط في هذا الموضع و غيره، و المسألة عارية هنا من النص فيتحتم الاحتياط فيها.
و أما ما ذكره في معنى قوله عز و جل «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» من أنه العمل بمقتضاه من صحة و بطلان فهو بعيد غاية البعد، بل المعنى فيه إنما هو ما سلمه من أن المراد بالعمل بمضمونه كما هو الظاهر لكل ناظر. نعم ما اعترضه به جيد في الظاهر إلا أنه بالرجوع إلى الأخبار يزول عنه الاعتبار كما ذكرناه، و من أراد تحقيق المسألة رجع إلى أحد المواضع التي أشرنا إليها.
الثاني: فيما لو شرط الطلاق
، و الكلام يجري على نحو ما تقدم في سابقه، قال في المسالك: و بطلان الشرط هنا متفق عليه، ثم إنه على القول بصحة العقد و بطلان الشرط يبطل المهر، لأن الشرط جزء من العقد و محسوب منه و له قسط من المهر، فيتجهل المهر حيث فات منه ما يجهل نسبته إلى المجموع فيبطل،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 403 ح 4 مع اختلاف يسير، التهذيب ج 7 ص 372 ح 68، الوسائل ج 15 ص 48 ح 3 مع اختلاف يسير.
99
و حينئذ فيجب مع الدخول مهر المثل، و على القول ببطلان العقد من أصله، فإن كانت جاهلة بالتحريم و دخل بها صار نكاح شبهة و الواجب فيه مهر المثل، و إلا فلا مهر لها لأنها بغي.
الثالث: ما لو لم يصرح بالشرط
، و إن كانت ذلك في نية أحدهما فإن النكاح صحيح، قال في المسالك: و هو موضع اتفاق، و هو الدليل مضافا إلى عموم الوفاء بالعقود، حيث لم يثبت المخصص، و نية الطلاق من حيث العقد لم يثبت كونها مانعة من الصحة و إنما المانع اشتراطه في متن العقد.
أقول: و يؤيده ما ورد في بعض الأخبار من أنه إنما يحرم الكلام.
الرابع:
ما ذكره من أن كل موضع قيل فيه بصحة العقد. إلى آخره، فإنه مما لا إشكال فيه، لأنه شرط التحليل التزويج، و الدخول بالزوجة، و هذا لا يحصل إلا بصحة العقد مع الدخول بها، فلو قيل بفساد العقد- كما هو أحد القولين في المسألة- لم يترتب عليه التحليل و إن نكح، لأنه نكاح لا عن تزويج و عقد، و هو ظاهر.
المسألة التاسعة [في بطلان نكاح الشغار]
قد صرح الأصحاب بأن نكاح الشغار باطل- و هو بكسر الشين و فتحها ثم الغين المعجمتين، نكاح كان معمولا عليه في الجاهلية و هو أن يجعل بضع امرأة مهرا لأخرى.
قال الجواهري: الشغار- بكسر الشين- نكاح كان في الجاهلية، و هو أن يقول الرجل لآخر: زوجني ابنتك أو أختك على أن أزوجك ابنتي أو أختي على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى.
و قريب منه في القاموس و المصباح المنير، و هو مأخوذ إما من شغر الكلب برجله ليبول أي رفعها، و شغرت المرأة رفعت رجلها للنكاح، و منه قول زياد لبنت معاوية التي كانت عند ابنه عبيد الله بن زياد لما افتخرت عليه يوما و تطاولت فشكاها إلى أبيه فدخل عليهما بالدرة ليضربها، و هو يقول: أشغرا و فخرا. أو
100
مأخوذ من شغر البلد إذا خلا من القاضي و السلطان، لخلوه من المهر، و هو باطل بإجماع العلماء و الأخبار.
و منها ما رواه
في الكافي (1) عن غياث بن إبراهيم قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): لا جلب و لا جنب و لا شغار في الإسلام، و الشغار أن يزوج الرجل ابنته أو أخته، و يتزوج هو ابنة المتزوج أو أخته و لا يكون بينهما مهر غير تزويج هذا من هذا و هذا من هذا».
أقول: الظاهر أن هذا التفسير في الخبر من الامام (عليه السلام) لكلامه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و أما الجلب و الجنب، محركين- فلهما معان.
منها: أن ينزل عامل الصدقات موضعا ثم يرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقاتها، و الجنب أيضا أن ينزل العامل بأقصى مواضع الصدقة ثم يأمر بالأموال أن تجنب إليه أي تحضر بين يديه.
و منها: أن يجنب رب المال بماله، أي يبعده عن موضعه، حتى يحتاج العامل إلى الابعاد في طلبه.
و منها: أي يجلب الرجل على فرسه في السباق حثا له على الجري، يقال:
أجلب عليه إذا صاح به و استحسنه.
و منها: أي يجنب فرسا في السياق إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا عجز المركوب تحول إلى المجنوب، و الظاهر أن المراد في الخبر إنما هو بالنسبة إلى عامل الصدقات في كل من اللفظين كما تقدم في كتاب الزكاة.
و منها ما رواه
في الكافي (2) عن ابن جمهور عن أبيه رفعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن نكاح الشغار و هي الممانحة و هو أن يقول الرجل
____________
(1) الكافي ج 5 ص 361 ح 2، التهذيب ج 7 ص 355 ح 8، الوسائل ج 14 ص 229 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 360 ح 3، الوسائل ج 14 ص 229 ح 3.
101
للرجل: زوجني ابنتك حتى أزوجك ابنتي على أن لا مهر بينهما».
قال في الوافي:
الممانحة إما بالنون من المنحة بمعنى العطية، أو الياء التحتانية المثناة من الميح، و هو إيلاء المعروف، و كلاهما موجودان في النسخ.
و ما رواه (1)
عن ابن بكير في الموثق عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر (عليه السلام) أو أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «نهى عن نكاح المرأتين ليس لواحدة منهما صداق إلا بضع صاحبتها، و قال: لا يحل أن ينكح واحدة منهما إلا بصداق و نكاح المسلمين».
و لم ينقل الخلاف في عدم صحته عند العامة، إلا عن أبي حنيفة فإنه قال:
بصحته.
المسألة العاشرة: في جملة من مكروهات النكاح
زيادة على ما تقدم،
و منها العقد على القابلة و بنتها
، و المشهور بين الأصحاب الكراهة، و خص الشيخ و المحقق و جماعة الكراهة بالقابلة المربية، و ظاهر الصدوق في المقنع التحريم حيث قال في الكتاب المذكور: و لا تحل القابلة للمولود و لابنتها، و هي كبعض أمهاته، و في حديث إن قبلت و مرت فالقوابل أكثر من ذلك، و إن قبلت و ربت حرمت عليه، انتهى.
و الذي وقفت عليه من الأخبار ما رواه
في الكافي (2) عن عمرو بن شمر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يتزوج قابلته؟ قال: لا، و لا ابنتها».
و ما رواه
في التهذيب (3) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يتزوج المرأة التي قبلته و لا ابنتها».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (4) عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته
____________
(1) الكافي ج 5 ص 361 ح 1، الوسائل ج 14 ص 229 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 447 ح 2، الوسائل ج 14 ص 386 ح 3.
(3) التهذيب ج 7 ص 455 ح 30، الوسائل ج 14 ص 387 ح 8.
(4) الكافي ج 5 ص 447 ح 2، التهذيب ج 7 ص 455 ح 31، الفقيه ج 3 ص 259 ح 16، الوسائل ج 14 ص 386 ح 1.
102
عن القابلة أ يحل للمولود أن ينكحها؟ فقال: لا، و لا ابنتها هي كبعض أمهاته».
أقول: و هذه الروايات ظاهرة الدلالات على ما ذهب إليه الصدوق.
و قال في الكافي و كذا في الفقيه (1) و في رواية معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن قبلت و مرت فالقوابل أكثر من ذلك، و إن قبلت و ربت حرمت عليه»،.
و هذه هي الرواية التي أشار إليها في المقنع بقوله «و في حديث.» و الظاهر أن المراد بقوله «قبلت و مرت» أي تقدمت و مضت و لم تكلفه و لم تربه، و القوابل بهذا المعنى أكثر من أن يقال بتحريمهن، و نظيره ما ورد في رواية نجاسة أبوال الدواب (2)، بعد الحكم بنجاسة الأبوال «و أما أرواثها فهي أكثر من ذلك» يعني أكثر من أن يحكم بنجاسته و هو كناية عن القول بطهارته.
و منها ما رواه
في الكافي (3) عن إبراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا استقبل الصبي القابلة بوجهه حرمت عليه و حرم عليه ولدها».
أقول: و هذه الرواية أيضا ينتظم في سلك تلك الروايات السابقة: و الظاهر أن المراد باستقبال الصبي القابلة بوجهه يعني وقت الولادة و خروجه من بطن امه، و هو ظاهر في التحريم بمجرد كونها قابلة.
و ما رواه
في التهذيب (4) عن إبراهيم بن عبد الحميد في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن القابلة تقبل الرجل، إله أن يتزوجها؟ فقال: إن كانت قبلته المرة و المرتين و الثلاثة فلا بأس، و إن كانت قبلته و ربته و كفلته فإني أنهى عنها
____________
(1) الكافي ج 5 ص 448 ح 2، الفقيه ج 3 ص 259 ح 17، الوسائل ج 14 ص 386 ح 2.
(2) الكافي ج 3 ص 57 ح 5، التهذيب ج 1 ص 265 ح 62، الوسائل ج 2 ص 1011 ح 8.
(3) الكافي ج 5 ص 448 ح 3، الوسائل ج 14 ص 386 ح 4.
(4) التهذيب ج 7 ص 455 ح 32، الوسائل ج 14 ص 387 ح 7.
103
نفسي و ولدي».
و في خبر آخر «و صديقي».
و أنت خبير بأنه لا يظهر لقوله «إن كان قبلته المرة و المرتين و الثلاثة» وجه ظاهر، لأن القبالة بكسر القاف إنما هي عبارة عن تلقي القابلة الولد عند خروجه، و لا معنى للفظ غير ما ذكرناه، و هذا لا يتكرر و لا يتعدد بحيث يكون مرتين و ثلاثا، إلا أن يراد بالقابلة ما هو أعم من التربية و الكفالة، فيصير معنى الخبر إن كانت كفلته بعد الولادة في بعض من الزمان دفعات غير مستمرة و لا متصلة فلا بأس، و إن استمرت بعد القبالة على كفالته و تربيته فإنه قد نهى عنها، و هذا النهي محتمل لكونه نهي تحريم كما يدعيه الصدوق أو نهي كراهة كما يدعيه الأصحاب حيث استدلوا بهذه الرواية على الكراهة.
و قد ورد في جملة من الأخبار (1)
«قولهم (عليهم السلام) «أحلتهما آية و حرمتهما آية أخرى و أنا أنهى عنهما نفسي و ولدي».
مع حكمهم بكون النهي هناك نهي تحريم كما تقدم في نكاح الأختين المملوكتين، و بالجملة فإنه ظاهر فيما ذهب إليه الصدوق (2).
و منها ما رواه
الشيخ في التهذيب (3) عن أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح قال: «قلت للرضا (عليه السلام): يتزوج الرجل المرأة التي قبلته؟ فقال: سبحان الله ما حرم الله عليه من ذلك».
و ما رواه
الحميري في كتاب قرب الاسناد (4) عن أحمد بن محمد بن أبي نصر في
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 289 ح 51، الوسائل ج 14 ص 372 ح 3.
(2) قال المحقق الشيخ على في شرح القواعد بعد نقل كلام الصدوق و الاستدلال برواية جابر المتضمنة لأنها كبعض أمهاته، و الجواب الطعن في السند أولا ثم الحمل على الكراهة لما رواه إبراهيم بن عبد الحميد ثم ساق الرواية ثم قال: فإنها ظاهرة في الكراهة. انتهى، و فيه ما عرفت في الأصل. (منه- (قدس سره).
(3) التهذيب ج 7 ص 455 ح 29، الوسائل ج 14 ص 387 ح 6.
(4) قرب الاسناد ص 170، الوسائل ج 14 ص 387 ح 5.
104
الصحيح عن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن المرأة تقبلها القابلة فتلد الغلام، يحل للغلام أن يتزوج قابلة امه قال: سبحان الله و ما يحرم عليه من ذلك».
و هذان الخبران صريحان في الجواز و هما مستند القول المشهور، إلا أن الأصحاب لم ينقلوا في كتب الاستدلال إلا الرواية الاولى، و الظاهر أنه بناء منهم على عدم الاعتماد إلا على أخبار الكتب الأربعة كما هو المشهور بينهم، و الشيخ في كتابي الأخبار حمل النهي المطلق على المقيد بالتربية، ثم حمل الجميع على الكراهة جمعا، كما تقدم نقله عنه في صدر المسألة، و يمكن حمل الأخبار الدالة على التربية مثل صحيحة إبراهيم بن عبد الحميد، و رواية معاوية بن عمار، على ما إذا أرضعته بأن يكون التعبير بالتربية و الكفالة كناية عن الرضاع، فالتحريم إنما جاء من قبل الرضاع.
و بالجملة فالمسألة لا تخلو من نوع إشكال، و إن كان القول المشهور أقرب و لا يحضرني الآن مذهب العامة في المسألة، فلعل بعض أخبارها خرج مخرج، التقية، و الله العالم.
و منها أن يزوج ابنه بنت زوجته من غيره إذا ولدتها بعد مفارقته
، و لا بأس بتزويجه ابنتها التي ولدتها من زوج آخر قبله، و الظاهر أن مستند الكراهة هنا هو الجمع بين ما دل على المنع و الجواز.
و الذي وصل إلي من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن أبي همام إسماعيل بن همام في الصحيح قال: «قال أبو الحسن (عليه السلام): قال محمد ابن علي (عليه السلام) في الرجل يتزوج المرأة و يزوج بنتها ابنه فيفارقها، و يتزوجها آخر بعد فتلد منه بنتا، فكره أن يتزوجها أحد من ولده لأنها كانت امرأته فطلقها فصار بمنزلة الأب، و كان قبل ذلك أبا لها».
و عن علي بن إدريس (2) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن جارية كانت في ملكي
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 453 ح 20، الوسائل ج 14 ص 365 ح 5.
(2) التهذيب ج 7 ص 453 ح 21، الوسائل ج 14 ص 365 ح 6.
105
فوطأتها ثم خرجت من ملكي فولدت جارية، يحل لابني أن يتزوجها؟ قال:
نعم لا بأس به قبل الوطي و بعد الوطي واحد».
و ما رواه
في الكافي (1) عن العيص بن القاسم في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يطلق امرأته ثم خلف عليها رجل بعده فولدت للآخر هل يحل ولدها من الآخر لولد الأول من غيرها؟ قال: نعم، قال: و سألته عن رجل أعتق سرية له ثم خلف عليها رجل بعده ثم ولدت للآخر، هل يحل ولدها لولد الذي أعتقها؟ قال: نعم».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن شعيب العقرقوفي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له الجارية يقع عليها يطلب ولدها فلم يرزق منها ولدا فوهبها لأخيه أو باعها فولدت له أولادا، أ يزوج ولده من غيرها ولد أخيه منها؟
فقال: أعد علي، فأعدت عليه، فقال: لا بأس به».
و عن الحسين بن خالد الصيرفي (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن هذه المسألة، فقال: كررها علي، قلت له: إنه كانت لي جارية فلم ترزق مني ولدا فبعتها، فولدت من غيري ولدا، و لي ولد من غيرها، فأزوج ولدي من غيرها ولدها؟ قال:
تزوج ما كان لها من ولد قبلك يقول: قبل أن يكون لك».
و عن زيد بن الجهم الهلالي (4) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتزوج
____________
(1) الكافي ج 5 ص 399 ح 1، التهذيب ج 7 ص 451 ح 16، الوسائل ج 14 ص 363 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 399 ح 1، التهذيب ج 7 ص 452 ح 17، الوسائل ج 14 ص 364 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 399 ح 3، التهذيب ج 7 ص 452 ح 18، الوسائل ج 14 ص 364 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 400 ح 4، التهذيب ج 7 ص 452 ح 19، الوسائل ج 14 ص 364 ح 4.
106
المرأة و يزوج ابنه ابنتها؟ فقال: إن كانت الابنة لها قبل أن يتزوج بها فلا بأس».
و ما رواه
في الفقيه (1) عن صفوان بن يحيى عن زيد بن الجهم الهلالي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتزوج المرأة و لها ابنة من غيره أ يزوج ابنه ابنتها؟ قال: إن كانت من زوج قبل أن يتزوجها فلا بأس، و إن كانت من زوج بعد ما تزوجها فلا».
أقول: هذا ما حضرني من أخبار المسألة و قد اشتركت في الدلالة على جواز التزويج بين ولد الزوج و ولد المرأة الذين كانوا لها قبل أن يتزوج به، و إنما اختلف في المناكحة بين أولاد الزوج و أولادها الذين تجددوا بعد مفارقة الزوج لها، و قد دلت رواية الحسين بن خالد الصيرفي و رواية زيد بن الجهم الاولى و كذا الثانية على المنع من ذلك، و قد حملها الشيخ و من تأخر عنه على الكراهة جمعا بينها و بين ما دل على الجواز، و استدل على ذلك بصحيحة إسماعيل ابن همام (2) لاشتمالها على الكراهة، و هو جيد و إن كان لفظ الكراهة في الأخبار أعم، إلا أن ظاهر التعليل المذكور في الرواية مؤذن بذلك، مضافا إلى ما دل على الجواز.
و من الأخبار المذكورة في هذا المقام ما رواه
الشيخ في التهذيب (3) عن الصفار عن محمد بن عيسى قال: «كتبت إليه خشف أم ولد عيسى بن علي بن يقطين في سنة ثلاث و مائتين تسأل عن تزويج ابنتها من الحسين بن عبيد: أخبرك يا سيدي و مولاي إن ابنة مولاك عيسى بن علي بن يقطين أملكتها من ابن عبيد بن يقطين، فبعد ما أملكتها ذكروا أن جدتها أم عيسى بن علي بن يقطين كانت لعبيد بن يقطين ثم صارت إلى علي بن يقطين فأولدها عيسى بن علي، فذكروا أن ابن عبيد
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 272 ح 76، الوسائل ج 14 ص 364 ح 4.
(2) التهذيب ج 7 ص 453 ح 20، الوسائل ج 14 ص 365 ح 6.
(3) التهذيب ج 7 ص 456 ح 34، الوسائل ج 14 ص 365 ح 7.
107
قد صار عمها من قبل جدتها أم أبيها أنها كانت لعبيد بن يقطين، فرأيك يا سيدي و مولاي أن تمن على مولاتك بتفسير منك، و تخبرني هل تحل له؟ فإن مولاتك يا سيدي في غم، الله به عليم: فوقع (عليه السلام) في هذا الموضع بين السطرين: إذا صار عما لا تحل له، و العم والد و عم».
قال الشيخ: هذا الخبر يحتمل شيئين: (أحدهما) ما تضمنه حديث زيد بن الجهم و الحسين بن خالد الصيرفي أنه إذا كانت للرجل سرية وطأها ثم صارت إلى غيره فرزقت من الآخر أولادا لم يجز أن يتزوج أولاده من غيرها بأولادها من غيره، لمكان وطئه لها، و قد بينا أن ذلك محمول على ضرب من الكراهة، و أنه لا فرق بين أن يكون الولد قبل الوطي أو بعده في أن ذلك ليس بمحظور.
و (الوجه الآخر) هو أن يكون إنما صار عمها لأن جدتها لما كانت لعبيد ابن يقطين ولدت منه الحسين بن عبيد و ليس في الخبر أن الحسين كان من غيرها، ثم لما أدخلت على علي بن يقطين ولدت منه أيضا عيسى، فصارا أخوين من جهة الأم و ابني عمين من جهة الأب، فإذا رزق عيسى بنتا كان أخوه الحسين بن عبيد من قبل أمها عما لها، فلم يجز أن يتزوجها، و لو كان الحسين بن عبيد مولودا من غيرها لم تحرم بنت عيسى عليه على وجه، لأنه كان يكون ابن عم له لا غير، و ذلك غير محرم على حال، انتهى.
أقول: لا يخفى أن الاحتمال الأول لا وجه له، لأن جواب الامام (عليه السلام) صريح في أن التحريم إنما هو لصيرورته عما لها، و الصواب الحق إنما هو الثاني.
بقي هنا شيء و هو أن المحقق الشيخ علي في شرح القواعد و الشهيد الثاني في المسالك بعد أن ذكرا من أدلة المسألة صحيحة إسماعيل بن همام و صحيحة العيص اعترضا على عبارة المتن، بأنه لو أبدل الابن و البنت بالولد ليشمل الذكر و الأنثى كما ورد في صحيحة العيص لكان أجود.
و فيه أن مستند الكراهة في المسألة إنما هي صحيحة إسماعيل بن همام
108
و موردها إنما هو ابن الزوج و بنت المرأة لا مطلق الولد كما تضمنته الروايات الدالة على الجواز من صحيحة العيص و غيرها، و حينئذ فتلك الروايات الدالة على الجواز إنما يستثني منها هذا الفرد خاصة، و أما غيره فلا كراهة فيه، هذا بالنسبة إلى ما ذكروه من الروايتين المتقدمتين حيث إنهما إنما اعتمدا عليهما لصحتهما.
و أما على ما نقلناه من الأخبار كملا فإن التعارض بينهما قد حصل في مطلق الولد، فإن كلا من روايات المنع و روايات الجواز عدا رواية أبي همام قد اشتملت على مطلق الولد، و وجه الجمع بينهما حمل المنع على الكراهة، و حينئذ فيتم ما ذكروه إلا أنهم لا يرتضونه لعدم عملهم بالروايات المذكورة لضعفها باصطلاحهم، و الله العالم.
(و منها) أن يتزوج ضرة كانت لامه مع غير أبيه
، و يدل على ذلك ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن زرارة قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ما أحب للرجل المسلم أن يتزوج ضرة كانت لامه مع غير أبيه».
و خص المحقق في الشرائع الكراهة بمن كانت ضرة لامه قبل أبيه، و اعترضه في المسالك بأن الرواية شاملة للمتقدمة و المتأخرة.
(و منها) أن يتزوج الرجل أخت أخيه
، لما رواه
الشيخ (2) عن إسحاق بن عمار قال: «سألته عن الرجل يتزوج أخت أخيه؟ قال: ما أحب له ذلك».
و يدل على الجواز ما رواه
في الفقيه (3) عن صفوان بن يحيى عن أبي جرير القمي قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) أزوج أخي من أمي أختي من أبي؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): زوج إياها إياه، أو زوج إياه إياها».
و قد مر في الرضاع ما يدل على
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 472 ح 103 و ص 489 ح 172، الوسائل ج 14 ص 389 ب 42 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 472 ح 101، الوسائل ج 14 ص 280 ح 4.
(3) الفقيه ج 3 ص 269 ح 60، الوسائل ج 14 ص 279 ح 1.
109
الجواز على الكراهة في الإخوة الرضاعية.
(و منها) التزويج بالزانية قبل التوبة
عند أكثر الأصحاب، و قيل بالتحريم، و قد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام في الإلحاق المذكور ذيل المقام الثاني من المطلب الثالث فيما يحرم بالمصاهرة.
(و منها) نكاح المرأة المتولدة من الزنا بالعقد أو الملك
، و يتأكد في استيلادها،
روى الكليني- (رحمه الله عليه)- عن عبد الله بن سنان (1) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ولد الزنا ينكح؟ قال: نعم، و لا يطلب ولدها».
و عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام): الخبيثة يتزوجها الرجل؟ قال: لا، و قال: إن كان له أمة وطأها و لا يتخذها أم ولده».
و عن محمد بن مسلم (3) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الخبيثة أتزوجها، قال: لا».
و عن محمد بن مسلم (4) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يشتري الجارية أو يتزوجها لغير رشدة و يتخذها لنفسه، فقال: إن لم يخف العيب على ولده فلا بأس».
و عن الحلبي (5) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن الرجل يكون له الخادم ولد زنا، عليه جناح أن يطأها؟ قال: لا، و إن تنزه عن ذلك فهو أحب إلي».
و روى البرقي في المحاسن عن ثعلبة و عن عبد الله بن هلال (6) عن أبي عبد الله
____________
(1) الكافي ج 5 ص 353 ح 3، الوسائل ج 14 ص 337 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 353 ح 4، الوسائل ج 14 ص 337 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 353 ح 1، الوسائل ج 14 ص 337 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 353 ح 2، الوسائل ج 14 ص 337 ح 4.
(5) الكافي ج 5 ص 353 ح 5، الوسائل ج 14 ص 338 ح 5.
(6) لم نعثر عليها في المحاسن بل وجدناها في التهذيب ج 7 ص 477 ح 125، الفقيه ج 3 ص 271 ح 71، الوسائل ج 14 ص 338 ح 8.
110
(عليه السلام) «في الرجل يتزوج ولد الزنا؟ قال: لا بأس، إنما يكره ذلك مخافة العار، و إنما الولد للصلب، و إنما المرأة وعاء، قلت: الرجل يشتري خادما ولد زنا فيطأها قال: لا بأس».
(و منها) نكاح المجنونة
، فروى في الكافي و التهذيب (1) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سأله بعض أصحابنا عن الرجل المسلم تعجبه المرأة الحسناء أ يصلح له أن يتزوجها و هي مجنونة؟ قال: لا، و لكن إن كانت عنده أمة مجنونة فلا بأس بأن يطأها و لا يطلب ولدها».
(و منها) نكاح الحمقاء
، فروى في الكافي و التهذيب (2) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إياكم و تزويج الحمقاء، فإن صحبتها بلاء و ولدها ضياع».
و روى في الكافي (3) في الصحيح عن أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه عمن حدثه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: زوجوا الأحمق و لا تزوجوا الحمقاء، فإن الأحمق ينجب و الحمقاء لا تنجب».
(و منها) تزويج شارب الخمر
، و قد مر بعض الأخبار الدالة على المنع من تزويجه في المسألة الرابعة.
(و منها) تزويج سيئ الخلق
، و يدل عليه ما رواه
الصدوق (4) بطريقه إلى
____________
(1) الكافي ج 5 ص 354 ح 3، التهذيب ج 7 ص 406 ح 33، الوسائل ج 14 ص 57 ب 34 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 353 ح 1، التهذيب ج 7 ص 406 ح 31، الوسائل ج 14 ص 56 ب 33 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 354 ح 2، التهذيب ج 7 ص 406 ح 32، الوسائل ج 14 ص 57 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 563 ح 30، الفقيه ج 3 ص 259 ح 13، الوسائل ج 14 ص 54 ح 1.
111
يعقوب بن يزيد عن الحسين بن بشار الواسطي قال: «كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام): إن لي قرابة قد خطب إلي ابنتي و في خلقه سوء، قال: لا تزوجه إن كان سيئ الخلق».
(و منها) تزويج المخنث
، فروى عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد (1) عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه قال: «سألته أن أزوج ابنتي غلاما فيه لين و أبوه لا بأس به، قال: إذا لم يكن فاحشة فلا بأس به».
يعني المخنث. و رواه علي بن جعفر في كتابه مثله.
(و منها) تزويج الزنج و الأكراد و الخزر
، فروى في الكافي و التهذيب (2) عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إياكم و نكاح الزنج فإنه خلق مشوه».
قيل: الزنجي بالفتح و الكسر: صنف من السودان واحدهم زنجي.
و روى في الكافي (3) عن أبي ربيع الشامي قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): لا تشتر من السودان أحدا، فإن كان لا بد فمن النوبة، فإنهم من الذين قال الله عز و جل «وَ مِنَ الَّذِينَ قٰالُوا إِنّٰا نَصٰارىٰ أَخَذْنٰا مِيثٰاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّٰا ذُكِّرُوا بِهِ» (4) أما إنهم سيذكرون ذلك الحظ، و سيخرج مع القائم (عليه السلام) منا عصابة منهم، و لا تنكحوا من الأكراد أحدا فإنهم جنس من الجن كشف عنهم الغطاء».
____________
(1) قرب الاسناد ص 108، بحار الأنوار ج 10 ص 286، الوسائل ج 14 ص 54 ح 2 مع اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 5 ص 352 ح 1 و فيه «مسعدة بن زياد» التهذيب ج 7 ص 405 ح 29، الوسائل ج 14 ص 54 ب 31 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 352 ح 2، التهذيب ج 7 ص 405 ح 30، الوسائل ج 14 ص 56 ب 32 ح 1.
(4) سورة المائدة- آية 14.
112
و روى في الكافي (1) عن علي بن داود الحداد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تناكحوا الزنج و الخزر (2)، فإن لهم أرحاما تدل على غير الوفاء، قال: و الهند و السند و القند ليس فيهم نجيب يعني القندهار.
قال في الوافي: خوز: بالضم صنف من الناس، و في بعض النسخ الخزر بالمعجمتين ثم المهملة و هو محركة ضيق العين و صفرها سمي به صنف من الناس هذه صفتهم.
(و منها) تزويج الأعرابي بالمهاجرة
، لما رواه
في الفقيه (3) في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن العلاء «و الخراز» عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال:
لا يتزوج الأعرابي المهاجرة فيخرجها من دار الهجرة إلى الأعراب».
و من هذه الأخبار الدالة على كراهة تزويج شارب الخمر و سيئ الخلق و نحوهما من الأفراد المعدودة يعلم صحة ما ذكره ابن إدريس في معنى الحديث النبوي (صلى الله عليه و آله و سلم) كما تقدم نقله عنه في المسألة الرابعة من أن النهي عن رده متى كان ممن يرضى خلقه و دينه و ترتيب الفتنة و الفساد على الرد، و عدم التزويج إنما هو فيما إذا رده من حيث الفقر و المسكنة و الحقارة في نسبه لا أن يكون رده لا تصافه بهذه الأوصاف المنهي عنهما شرعا، و الله العالم.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 352 ح 3، الوسائل ج 14 ص 55 ح 2.
(2) الخزر: هو ضيق العين و صغرها كأنه ينظر بمؤخرها، و الخزر: جبل من الناس «الصحاح».
(3) الفقيه ج 3 ص 269 ح 65 و فيه «و أبي أيوب عن محمد بن مسلم»، الوسائل ج 14 ص 435 ب 14 ح 1.
113
الفصل الثالث في نكاح المتعة
و يعبر عنها أيضا بالنكاح المنقطع لتحديده بأجل معين، و قد أجمع علماء الفريقين كافة على أن نكاح المتعة كان مشروعا في صدر الإسلام، و فعله الصحابة في زمن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و زمن أبي بكر و برهة من زمن عمر، ثم نهى عنها و توعد من فعلها، و وافقه بعض، و خالفه بعض، و سكت آخرون، و أجمع أهل البيت (عليهم السلام) و شيعتهم على بقاء شرعيتها و أنه لم ينسخ حكمها، و وافقهم على ذلك جماعة من الصحابة و التابعين.
و الأخبار الواردة بها عن أهل البيت (عليهم السلام) قد بلغت حد التواتر المعنوي،
[فيما روته العامة في جواز المتعة]
و من أخبارهم الدالة على إباحتها ما رواه
الحميدي (1) في الجميع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عباس قال: «قال أبو نضرة: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، و كان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، و إن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج و العمرة كما أمركم الله، و أبتوا نكاح هذه النساء، فلن اوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة».
و روى الحميدي (2) أيضا في كتابه في مسند جابر بن عبد الله من طريق آخر قال: «كنا نتمتع بالقبضة من التمر و الدقيق، الأيام على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أبي بكر حتى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث».
____________
(1) صحيح مسلم ج 1 ص 467، أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 178، راجع الغدير ج 6 ص 210.
(2) صحيح مسلم ج 2 ص 23 10 ح 16 و فيه «نستمتع».
114
و روى الترمذي في صحيحة (1) عن ابن عمر، و قد سأله رجل من أهل الشام عن متعة النساء، فقال: حلال، فقال: إن أباك قد نهى عنها، فقال ابن عمر:
أ رأيت إن كان أبي قد نهى عنها و صنعها رسول الله (صلى الله عليه و آله) أ نترك السنة و نتبع أبي؟.
و روى الحافظ أبو نعيم في كتاب الحلية و أحمد (2) بن حنبل في المسند عن عمران بن حصين في متعة النساء، و اللفظ له، قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله و عملناها و فعلنا مع النبي (صلى الله عليه و آله) و لم ينزل قران بحرمتها و لم ينه عنها حتى مات.
إلى غير ذلك من الأخبار التي يضيق عنها المقام، ثم إنهم لانحلال زمامهم و اختلال نظامهم مع دلالة هذه الأخبار و أمثالها على استمرار الحل إلى زمان عمر، اعتذروا لعمر في نهيه عنها بأنه إنما نهى عنها لنسخها في زمنه (صلى الله عليه و آله) و أن معنى
قول عمر في الخبر المشهور (3) «متعتان كانتا في عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حلالا و أنا أنهى عنهما».
يعني أخبركم بالنهي عنهما موافقة لنهي رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم). هذا مع اضطراب أخبارهم التي رووها له في النسخ و عدم إمكان الجمع بينها.
فروى البخاري و مسلم في صحيحهما (4) عن ابن مسعود قال: «كنا نغزو مع رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ليس معنا نساء فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُحَرِّمُوا طَيِّبٰاتِ مٰا أَحَلَّ اللّٰهُ لَكُمْ» (5).
و روى الترمذي عن ابن عباس (6)- رضي الله عنه- قال: إنما كانت المتعة في
____________
(1) صحيح الترمذي ج 1 ص 157، تفسير القرطبي ج 2 ص 365.
(2) صحيح البخاري ج 7 ص 24 كتاب التفسير سورة البقرة طبع سنة 1277.
(3) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 342 و 345، تفسير القرطبي ج 2 ص 370.
(4) صحيح البخاري ج 7 ص 5 كتاب النكاح، صحيح مسلم ج 1 ص 354، الوسائل ج 14 ص 440 ح 26 مع اختلاف يسير.
(5) سورة المائدة- آية 87.
(6) صحيح الترمذي ج 3 ص 430.
115
صدر الإسلام كان الرجل يقدم البلد ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ متاعه و تصلح له شيئه حتى نزلت هذه الآية «إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ» (1).
و رووا في الصحيحين (2) «عن علي (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) نهى عن نكاح المتعة و عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر».
و رووا عن سلمة بن الأكوع (3) «أنه قال: رخص لنا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها».
و رووا عن سيرة الجهني (4) «أنه غزي مع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في فتح مكة قال:
فأقمنا فيها خمسة عشر فأذن لنا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في متعة النساء ثم لم يخرج حتى نهى عنها» و رواه مسلم.
و روى أبو داود و أحمد (5) عنه أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في حجة الوداع نهى عنها.
أقول: انظر إلى هذه الأخبار في هذا المقام و ما هي عليه من التناقض الذي لا يقبل الالتئام و هي بانضمام بعضها إلى بعض دالة على التحليل مرارا عديدة و النسخ كذلك، مع أن غاية ما يدعونه كما نقل عن الشافعي إنما هو مرتان، فإنهم نقلوا عن الشافعي أنه قال: ما علمت شيئا حرم مرتين و أبيح مرتين إلا المتعة.
قال شيخنا في المسالك بعد نقل هذه الروايات التي في النسخ و نعم ما قال:
تأمل هذا الاختلاف في رواية نسخها، و أين النهي عنها في خيبر، و الاذن فيها في أوطاس، ثم النهي عنها بعد ثلاثة أيام مع الحكم بأنها كانت سائغة في أول الإسلام
____________
(1) سورة المؤمنون- آية 6.
(2) صحيح البخاري ج 7 ص 16، صحيح مسلم ج 1 ص 397.
(3) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 182، صحيح مسلم ج 1 ص 394.
(4) صحيح الترمذي ج 3 ص 430.
(5) صحيح مسلم ج 1 ص 394.
116
إلى آخر ذلك الحديث المقتضي لطول مدة شرعيتها، ثم الاذن فيها في فتح مكة و هي متأخرة عن الجميع، ثم النهي عنها ذلك الوقت، ثم في حجة الوداع و هي متأخرة عن الجميع، فيلزم على هذا أن تكون شرعت مرارا و نسخت كذلك.
و من اللطائف في هذا المقام ما نقله في المسالك عن بعض كتب الجمهور: أن رجلا كان يفعلها فقيل له: عمن أخذت حلها؟ فقال: عن عمر، فقالوا: كيف ذلك و عمر هو الذي نهى عنها و عاقب على فعلها؟ فقال:
لقوله (1) «متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أنا احرمهما و أعاقب عليهما، متعة الحج و متعة النساء».
فأنا أقبل روايته في شرعيتها على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و لا أقبل نهيه من قبل نفسه.
و البحث معهم في أمثال هذه المسائل واسع، و قد استوفينا ذلك في مقدمات كتابنا «سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد».
[مما يدل على استحباب المتعة و فضلها]
و لننقل هنا طرفا من الأخبار المروية عن أهل البيت (عليهم السلام) تيمنا كما هي عادتنا في الكتاب، و منها ما يدل على إباحتها، و منها ما يدل على فضلها و استحبابها مضافا إلى ما يأتي في أثناء مباحث الكتاب مما يدل على أحكامها.
فروى في الكافي (2) في الصحيح عن أبي بصير قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المتعة، فقال: نزلت في القرآن فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا تَرٰاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ» (3).
و عن عبد الله بن سليمان (4) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان علي (عليه السلام) يقول: لو لا ما سبقني به بني الخطاب ما زنى إلا شقي».
كذا في الرواية المنقولة في
____________
(1) راجع الغدير ج 6 ص 205- 212.
(2) الكافي ج 5 ص 448 ج 1، الوسائل ج 14 ص 436 ح 1.
(3) سورة النساء- آية 24.
(4) الكافي ج 5 ص 448 ح 2، الوسائل ج 14 ص 436 ح 2.
117
كتب الأصحاب (1).
و قال ابن إدريس في سرائره:
روي في بعض كتب أصحابنا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو لا ما سبقني إليه بني (ابن) الخطاب ما زنى إلا شفي».
بالشين المعجمة و الفاء و معناه إلا قليل، و الدليل عليه حديث ابن عباس ذكره الهروي في الغريبين: ما كانت المتعة إلا رحمة، رحم الله بها امة محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و لو لا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شفاء. و قد أورده الهروي في باب الشين و الفاء، لأن الشفاء عند أهل اللغة القليل بلا خلاف بينهم، و بعض أصحابنا ربما حرف ذلك و قال: و تكلم بالقاف و الياء المشددة، و ما ذكرناه هو وضع اللغة و إليهم المرجع و عليهم المعول في أمثال ذلك، انتهى.
أقول: و يؤيده ما في النهاية الأثيرية (2) قال: و في حديث ابن عباس:
ما كانت المتعة إلا رحمة، رحم بها أمة محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) لو لا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شفاء. أي القليل من الناس من قولهم غابت الشمس إلا قليلا من ضوئها عند غروبها.
و قال الأزهري: قوله إلا شفاء، إلا أن يشفي، يعني يشرف على الزنا و لا يواقعه، و أقام الاسم و هو الشفاء مقام المصدر الحقيقي، و هو الإشفاء على الشيء.
أقول: انظر إلى روايتهم هذا الخبر في كتبهم الموافق لما قدمناه عنهم من الأخبار الدالة على استمرارها إلى زمان عمر، و دلالتها على أن عمر هو الناهي عنها مع أخبار النسخ التي قدمنا نقله عنهم، فأي الخبرين أولى بالقبول عند ذوي العقول، فإن أحدهما باطل البتة و كذب محض بلا ريبة، و لا ريب أن الصحيح منها
____________
(1) أقول: و مما يؤيد ما هو المذكور في لفظ الخبرين ما ورد في بعض الاخبار المنقولة في كتاب البحار ج 103 ص 305: لعن الله ابن الخطاب فلولاه ما زنى إلا شقي أو شقية لانه كان للمسلمين غناء في المتعة عن الزنا. (منه- (قدس سره)-).
(2) النهاية ج 2 ص 488.
118
هو ما اتفق عليه الفريقان، و هو خبر البقاء و الاستمرار إلى ذلك الوقت، فتعين بذلك كذب أخبار النسخ و إن رووها في الصحاح بزعمهم.
و منها ما رواه
في الكافي (1) عن ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنما نزلت «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً».
أقول: و قد روي نحو هذا الخبر من طرقهم، رواه الثعلبي في تفسيره عن حبيب بن أبي ثابت قال: أعطاني عبد الله بن العباس مصحفا و قال: هذا قراءة أبي ابن كعب، فرأيت في المصحف «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة و لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان حكيما عليما»..
و رواه الثعلبي أيضا في تفسيره عن عبد الله بن جبير و أبي نضرة.
و عن علي النسائي (2) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك إني كنت أتزوج المتعة فكرهتها فتشأمت بها فأعطيت الله عهدا بين الركن و المقام و جعلت علي في ذلك نذرا و صياما أن لا أتزوجها، ثم أن ذلك شق علي و ندمت على يميني، و لم يكن بيدي من القوة و ما أتزوج في العلانية، قال: فقال: عاهدت الله أن لا تطيعه، و الله لئن لم تطعه لتعصينه».
و ما رواه
في الفقيه (3) عن جميل بن صالح قال: «إن بعض أصحابنا قال لأبي عبد الله (عليه السلام): إنه يدخلني من المتعة شيء فقد حلفت أن لا أتزوج متعة أبدا، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): إنك إذا لم تطع الله فقد عصيته».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 449 ح 3، الوسائل ج 14 ص 436 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 450 ح 7، التهذيب ج 7 ص 251 ح 8 و ج 8 ص 312 ح 35، الوسائل ج 14 ص 444 ح 1.
(3) الفقيه ج 3 ص 294 ح 16، الوسائل ج 14 ص 445 ح 2.
119
و عن جميل بن صالح (1) عن عقبة عن أبيه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: للمتمتع ثواب؟ قال: إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى و خلافا على من أنكرها لم يكلمها كلمة إلا كتب الله تعالى له بها حسنة، و لم يمد يده إليها إلا كتب الله له حسنة، فإذا دنى منها غفر الله تعالى له بذلك ذنبا، فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مر من الماء على شعره، قلت: بعدد الشعر؟ قال: نعم بعدد الشعر».
و عن بكر بن محمد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المتعة، فقال: إني لأكره للرجل المسلم أن يخرج عن الدنيا و قد بقيت عليه خلة من خلال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يصنعها».
و قال الصادق (عليه السلام) (3) إني لأكره للرجل أن يموت و قد بقيت عليه خلة من خلال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يأتها، فقلت له: فهل تمتع رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)؟ قال: نعم، و قرأ هذه الآية «وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلىٰ بَعْضِ أَزْوٰاجِهِ حَدِيثاً- إلى قوله تعالى- ثَيِّبٰاتٍ وَ أَبْكٰاراً».
و نقل شيخنا المجلسي- (رحمه الله عليه)- في كتاب البحار (4) عن رسالة الشيخ المفيد- رحمة الله عليه- في المتعة أخبارا عديدة في استحبابها، منها ما رواه بسنده في الرسالة إلى
هشام بن سالم في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يستحب للرجل أن يتزوج المتعة و ما أحب للرجل منكم أن يخرج من الدنيا حتى يتزوج المتعة و لو مرة».
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 295 ح 18 و فيه «و روى صالح بن عقبة عن أبيه»، الوسائل ج 14 ص 442 ح 3.
(2) الفقيه ج 3 ص 295 ح 20، الوسائل ج 14 ص 442 ح 1 و فيهما «لم يقضها».
(3) الفقيه ج 3 ص 297 ح 33، الوسائل ج 14 ص 442 ح 2.
(4) بحار الأنوار ج 103 ص 305 ح 13، الوسائل ج 14 ص 443 ح 10.
120
و عن بكر بن محمد (1) «عن الصادق (عليه السلام) حيث سئل عن المتعة، فقال: أكره للرجل أن يخرج من الدنيا و قد بقيت عليه خلة من خلال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لم تقض».
و عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال: قال لي: تمتعت؟
قلت: لا، قال: لا تخرج من الدنيا حتى تحيي السنة».
و عن صالح بن عقبة (3) عن أبيه عن الباقر (عليه السلام) قال: «قلت: للمتمتع ثواب؟».
الحديث كما تقدم نقله عن الفقيه.
و بالإسناد المتقدم أولا
عن أحمد بن محمد بن عيسى عن علي بن محمد الهمداني (4) عن رجل سماه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما من رجل تمتع ثم اغتسل إلا خلق الله من كل قطرة يقطر منه سبعين ملكا يستغفرون له إلى يوم القيامة، و يلعنون متجنبيها إلى أن تقوم الساعة».
ثم نقل جملة من الأخبار إلى ان قال في الرسالة: هذا قليل من كثير في هذا المعنى.
و روى في الكافي (5) عن علي- و المراد به علي بن إبراهيم الذي هو أحد مشايخه- رفعه قال: «سأل أبو حنيفة أبا جعفر محمد بن النعمان صاحب الطاق فقال له: يا أبا جعفر ما تقول في المتعة أ تزعم أنها حلال؟ قال: نعم، قال: فما يمنعك أن تأمر نساءك أن يتمتعن و يكتسبن عليك؟ فقال له أبو جعفر: ليس كل الصنعات يرغب فيها و إن كانت حلالا، و للناس إقدار و مراتب يرفعون أقدارهم، و لكن ما تقول يا أبا حنيفة في النبيذ أ تزعم أنه حلال؟ فقال: نعم، قال: فما يمنعك
____________
(1) بحار الأنوار ج 103 ص 305 ح 14، مستدرك الوسائل ج 2 ص 587 ب 2 ح 1.
(2) بحار الأنوار ج 103 ص 305 ح 15، الوسائل ج 14 ص 443 ح 11.
(3) بحار الأنوار ج 103 ص 306 ح 19، مستدرك الوسائل ج 2 ص 588 ب 2 ح 3.
(4) بحار الأنوار ج 103 ص 307 ح 22، الوسائل ج 14 ص 444 ح 15.
(5) الكافي ج 5 ص 450 ح 8.
121
أن تقعد نساءك في الحوانيت نباذات فيكتسبن عليك؟ فقال أبو حنيفة: واحدة بواحدة و سهمك أنفذ، ثم قال له: يا أبا جعفر إن الآية التي في «سأل سائل» تنطق بتحريم المتعة، و الرواية عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قد جاءت بنسخها؟ فقال له أبو جعفر:
يا أبا حنيفة إن سورة سأل سائل مكية و آية المتعة مدينة و روايتك شاذة ردية، فقال له أبو حنيفة: و آية الميراث أيضا تنطق بنسخ المتعة، فقال أبو جعفر: قد ثبت النكاح بغير ميراث، قال أبو حنيفة: من أين قلت ذاك؟ فقال أبو جعفر: لو أن رجلا من المسلمين تزوج امرأة من أهل الكتاب ثم توفي عنها ما تقول فيها؟
قال: لا ترث منه، قال: فقد ثبت النكاح بغير ميراث ثم افترقا» (1).
أقول: كان أبو جعفر المذكور حديد النظر سريع الجواب بديهة، و كان له مع المخالفين إلزامات، و هو عند الشيعة يلقب بمؤمن الطاق و شاه الطاق و صاحب الطاق، و المخالفون يلقبونه بشيطان الطاق لما يجرعهم في إلزاماته لهم من المشاق.
و له مع أبي حنيفة من هذا القبيل كثير، قال له أبو حنيفة لما بلغه موت الصادق (عليه السلام) شماتة: يا أبا جعفر مات إمامك، فقال له: و إمامك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم.
[فيما يدل على المنع من الإلحاح في المتعة متى أغناه الله بالأزواج]
و في بعض الأخبار ما يدل على المنع من الإلحاح فيها و مداومتها متى أغناه الله بالأزواج
فروى في الكافي (2) عن علي بن يقطين في الصحيح أو الحسن قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن المتعة فقال: و ما أنت و ذاك فقد أغناك الله عنها، قلت: إنما أردت أن أعلمها، فقال: هي في كتاب علي (عليه السلام)، فقلت: تزيدها و تزداد؟ فقال: و هل يطيبه إلا ذاك».
و المراد «تزيدها» في المهر «و تزداد» في
____________
(1) أقول: الظاهر أن عدول مؤمن الطاق الى هذا الجواب مبنى على التنزيل و المماشاة، و الا فإن له أن يجيب بأن المتعة زوجة فتدخل تحت الآية و ان كان إطلاقها على الدائم أكثر استعمالا الا أن الظاهر أنه تفرس في أبي حنيفة أنه لا يقبل هذا الجواب فعدل عنه الى ما ذكره مما لا يمكنه رده و إنكاره. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 5 ص 452 ح 1، الوسائل ج 14 ص 449 ح 1.
122
الأجل، بأن يعقد عليها بعد انقضاء المدة و إن كانت في العدة بمهر جديد و مدة أخرى، و قوله «و هل يطيبه إلا ذاك» لعل المراد به أنها ليست مثل الدائمة متى تزوجها صارت كلا عليه، فإن هذه باعتبار المدة التي لها إن أعجبته جدد العقد عليها بعد المدة و زادها و زادته و إلا تركها.
و عن الفتح بن يزيد (1) قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتعة؟ فقال: هي حلال مباح مطلق لمن لم يغنه الله بالتزويج، فليستعفف بالمتعة، فإن استغنى عنها بالتزويج فهي مباح له إذا غاب عنها».
و عن ابن شمون (2) قال: «كتب أبو الحسن (عليه السلام) إلى بعض مواليه لا تلحوا على المتعة، إنما عليكم إقامة السنة، فلا تشتغلوا بها عن فرشكم و حرائركم فيكفرن و يتبرين و يدعين على الآمر بذلك و يلعنونا».
إلى غير ذلك من الأخبار.
إذا عرفت ذلك فالكلام هنا يقع في الأركان و الأحكام فهنا مقامان:
[المقام] الأول في الأركان:
و هي عند الأصحاب أربعة: الصيغة، و المحل، و الأجل، و المهر. و تفصيل الكلام فيها يقع في موارد:
الأول: في الصيغة
، و لا خلاف في انعقاد نكاح المتعة بأحد هذه الألفاظ الثلاثة و هي: زوجتك و أنكحتك و متعتك بأن تقول المرأة ذلك في الإيجاب، فيقبل الزوج بما يدل على ذلك من الألفاظ، و جوز أبو الصلاح و ابن البراج في الإيجاب أن يقع من الرجل بقوله متعيني نفسك كذا فتقول المرأة قبلت أو رضيت.
و نقل عن المرتضى أنه جعل تحليل الأمة عقد متعة، و على هذا فينعقد عنده بلفظ الإباحة و التحليل، قال في شرح النافع و هو جيد لو ثبت كونه كذلك، لكنه غير واضح كما ستقف عليه في محله، و المشهور في كلام المتأخرين
____________
(1) الكافي ج 5 ص 453 ح 2، الوسائل ج 14 ص 449 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 453 ح 3، الوسائل ج 14 ص 450 ح 4.
123
اعتبار اللفظ الماضي في عقد النكاح مطلقا، لأنه صريح في الإنشاء، بخلاف المستقبل المحتمل للوعد، و خالف جماعة فاكتفوا بلفظ المستقبل، و هذا هو المستفاد من الأخبار المتكاثرة.
منها ما رواه
في الكافي (1) عن أبي بصير، قال: «لا بد من أن تقول في هذه الشروط: أتزوجك متعة كذا و كذا يوما بكذا و كذا درهما نكاحا غير سفاح» الحديث،.
و ظاهره أن هذه الصيغة العقد كما تدل عليه جملة من الأخبار الآتية:
و عن أبان بن تغلب (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال: تقول: أتزوجك متعة على كتاب الله و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) لا وارثة و لا موروثة كذا و كذا يوما و إن شئت كذا و كذا سنة بكذا و كذا درهما، و تسمي من الأجر ما تراضيتما عليه قليلا كان أو كثيرا، فإذا قالت: نعم، فقد رضيت فهي امرأتك، و أنت أولى الناس بها» الحديث،.
و هو كما ترى ظاهر في مخالفة ما ذكروه من وجوه:
منها اشتراط الماضي في الإيجاب و هو هنا بلفظ المستقبل.
و منها كون الإيجاب من المرأة و القبول من الرجل، و الإيجاب هنا من الرجل و القبول من المرأة عكس ما قالوه.
و في رواية ثعلبة (3) «أتزوجك متعة على كتاب الله و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) نكاحا غير سفاح.» إلى آخره.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 455 ح 2، التهذيب ج 7 ص 263 ح 63، الوسائل ج 14 ص 467 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 455 ح 3، التهذيب ج 7 ص 265 ح 70، الوسائل ج 14 ص 466 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 455 ح 4، التهذيب ج 7 ص 263 ح 62، الوسائل ج 14 ص 466 ح 2.
124
و في رواية مؤمن الطاق (1) «يقول لها زوجيني نفسك على كتاب الله و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم).» إلى آخره.
إلى غير ذلك من الأخبار التي من هذا القبيل.
و بالجملة فالظاهر من تتبع الروايات في هذا الباب و غيره أن المدار في صحة العقود كيف كانت على التراضي من الطرفين بالألفاظ الدالة على مقتضى ذلك العقد، كما تقدم ذكره في غير موضع من الكتب المتقدمة.
و يؤكده بالنسبة إلى ما نحن فيه ما رواه
في الكافي (2) عن نوح بن شعيب عن علي عن عمه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «جاءت امرأة إلى عمر فقالت: إني زنيت فطهرني، فأمر بها أن ترجم فأخبر بذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: كيف زنيت؟
فقالت: مررت بالبادية فأصابني عطش شديد فاستسقيت أعرابيا، فأبى أن يسقيني إلا أن امكنه من نفسي، فلما أجهدني العطش و خفت على نفسي سقاني فأمكنته من نفسي، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): تزويج و رب الكعبة».
قال في الوافي: إنما كان تزويجا لحصول الرضا من الطرفين و وقوع اللفظ الدال على النكاح و الإنكاح فيه، و ذكر المهر و تعيينه، و المرة المستفادة من الإطلاق القائمة مقام ذكر الأجل، انتهى.
أقول: و يؤيد ما ذكره- رحمة الله عليه- من حمل الخبر على التزويج المنقطع ذكر الكليني له في هذا الباب و جعله من قبيل أخبار العقد المنقطع، و كأنه فهم منه أنها زوجته نفسها بشربة من ماء.
إلا أنه قد رويت هذه القصة بعينها في خبر آخر بما يدل على خلاف هذا الخبر،
فروى الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب (3) عن محمد بن عمرو بن سعيد عن
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 263 ح 61، الفقيه ج 3 ص 294 ح 15 الوسائل ج 14 ص 467 ح 5.
(2) الكافي ج 5 ص 467 ح 8، الوسائل ج 14 ص 471 ح 8.
(3) التهذيب ج 10 ص 49 ح 186، الفقيه ج 4 ص 25 ح 40، الوسائل ج 18 ص 384 ح 7.
125
بعض أصحابنا قال: «أتت امرأة إلى عمر فقالت: يا أمير المؤمنين إني فجرت فأقم في حد الله، فأمر برجمها و كان علي (عليه السلام) حاضرا قال: فقال له: سلها كيف فجرت؟
قالت: كنت في فلاة من الأرض فأصابني عطش شديد فرفعت لي خيمة فأتيتها فأصبت فيها رجلا أعرابيا فسألته الماء فأبى علي أن يسقيني إلا أن امكنه من نفسي فوليت منه هاربة فاشتد بي العطش حتى غارت عيناي و ذهب لساني، فلما بلغ مني أتيته فسقاني و وقع علي، فقال له (عليه السلام): هذه التي قال الله تعالى «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ» (1) هذه غير باغية و لا عادية إليه، فخلى سبيلها، فقال عمر: لو لا علي لهلك عمر».
و لم أقف على من تكلم في هذين الخبرين و ما هما عليه من الاختلاف في البين إلا المحدث المحسن الكاشاني في الوافي، و لا بأس بنقل كلامه بطوله، و إن طال به زمام الكلام لجودة محصوله، قال في ذيل هذا الخبر- بعد أن أورده في أبواب الحدود في باب من أتى ما يوجب الحد لجهالة أو لضرورة- ما لفظه: «البغي الخيانة، و الظلم و العدوان التجاوز عن الحد و عن قدر الضرورة، و المجرور في «إليه» راجع إلى الفجور، و الظاهر من أمر عمر برجم المرأة بعد إقرارها بالفجور من اكتفائه بالمرة من دون سؤال عن كونها محصنة أو غير محصنة، و ليس هذا من مثله ببعيد، ثم المستفاد من هذا الحديث جواز الزنا إذا اضطر الإنسان إليه بحيث يخاف على نفسه التلف، إلا أنه ستأتي هذه القصة بعينها في باب إثبات المتعة من كتاب النكاح بإسناد آخر و عبارة أخرى (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) و ليس في آخر قوله (عليه السلام) هذه التي قال الله تعالى. إلى آخر الحديث، بل
قال (عليه السلام): فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): تزويج و رب الكعبة،.
و مفاده أنه ليس ذلك بزنا و لا فجور مضطر إليه بل هو نكاح حلال و تزويج صحيح، و ذلك لحصول شرائط النكاح فيه
____________
(1) سورة البقرة- آية 173.
(2) الكافي ج 5 ص 467 ح 8، الوسائل ج 14 ص 471 ح 8.
126
من خلوها عن الزوج و عن ولاية أحد عليها، و رضاء الطرفين و وقوع اللفظ الدال على النكاح و الإنكاح فيه، و ذكر المهر و تعينه، فهو تزويج متعة و نكاح انقطاع، لا يحتاج إلى الطلاق، فإن قيل: يشترط في صحة المتعة ذكر الأجل، قلنا: قد ثبت أنه يغني عنه ذكر المرة و المرتين، و الإطلاق يقتضي المرة فيقوم مقام ذكر الأجل، إن قيل: أنها لم تعتقد حلها و إنما زعمت أنها زنت، قلنا: لعل الحد إنما يجب على الإنسان إذا زنى دون ما إذا زعم أنه زنى، مع أنها كانت مضطرة إلى ما فعلت، فكل من الأمرين جاز أن يكون مسقطا للحد عنها، و لعل هذا هو الوجه في ورود الاعتذار عنها تارة بأنها ليست بزانية و اخرى بأنها كانت مضطرة للزنا، و التحقيق هو الأول، و لعل الثاني إن صح وروده فإنما ورد على التقية و المماشاة مع عمر و أصحابه، و على هذا فلا دلالة فيه على جواز الزنا مع الاضطرار إليه، إن قيل: إن القصة واحدة يستبعد وقوعها مرتين فما وجه اختلاف الفتيا فيها من مفت واحد في مجلس واحد؟ قلنا: الاعتماد فيها إنما هو على رواية أبى عبد الله (عليه السلام) دون رواية غيره، مع أن الحكم الذي في روايته (عليه السلام) هو الصواب في المسألة كما دريت، و إن أريد تصحيح الأخرى أيضا قيل: لعل أمير المؤمنين (عليه السلام): خاطب القوم فيها علانية على جهة التقية بما يناسب قدر عقولهم و مبلغ ما عندهم من العلم، و خاطب أصحابه سرا بما وافق الحل و بما هم أهله، فروى الثاني عنه أولاده عليه و (عليهم السلام)، و الأول الأجانب، و العلم عند الله» انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول: الأظهر في الجواب عن السؤال الثاني أن اعتقاد الحل و عدمه لا مدخل له في صحة العقد إذا وقع مستكملا لشرائط الصحة، و العقد هنا كذلك كما اختاره، و من الجائز أن تكون المرأة جاهلة بحل نكاح المتعة لعدم اشتهارها يومئذ، و أنها على مذهب عمر في تحريمها فاعتقدت كون ما وقع منها زنا يوجب الحد، فلذا اعترفت بذلك و طلبت اقامة الحد عليها، و الامام (عليه السلام) أسقط الحد
127
عنها لصحة النكاح كما في رواية الصادق (عليه السلام)، أو لمكان الضرورة كما في الرواية الأخرى، و سقوطه لمكان الضرورة غير بعيد.
فإن جملة من الأخبار دلت على أنه ما من شيء حرمة الله إلا أباحه لمكان الضرورة،
ففي موثقة سماعة (1) قال: «قال: إذا حلف الرجل تقية لم يضره- إلى أن قال:- و قال: ليس شيء مما حرم الله إلا و قد أحله لمن اضطر إليه».
و نحوه غيره من الأخبار المؤيدة بالدليل العقلي أيضا.
بقي الكلام في اختلاف الخبرين في أن سقوط الحد هل هو لكونه نكاحا صحيحا كما في رواية الصادق (عليه السلام) (2) أو لمكان الضرورة و أنه كان زنا؟ و ما ذكره- رحمة الله عليه- في الجميع بين فتواه (عليه السلام) في هذين الخبرين جيد، و يؤيده أنه (عليه السلام) خاطب بهذا الجواب الذي في هذا الخبر عمر و أصحابه، و مذهب عمر تحريم المتعة فلم يصرح له بأن عدم الحد لصحة النكاح متعة، و إنما صرح له بالاضطرار، و هو صحيح كما عرفت، فإن الضرورات تبيح المحظورات، و أما خبر الصادق (عليه السلام) فليس فيه دلالة على مخاطبة عمر بذلك، و غاية ما يدل عليه أنه أخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك فسألها، فلما أخبرته القضية قال: «تزويج و رب الكعبة» و ليس في الخبر أنها حدث بعد ذلك أو لم تحد، و بلغ ذلك عمر أو لم يبلغه، بل الخبر مجمل في ذلك، فيجمد على إجماله، و الله العالم.
الثاني: في المحل
، و فيه مسائل:
الاولى [في اشتراط كون المتمتع بها مسلمة أو كتابية]
قالوا، يشترط أن تكون مسلمة أو كتابية كاليهود و النصارى و المجوس على أشهر الروايتين، و يمنعها من شرب الخمر، و ارتكاب المحرمات، أما المسلمة فلا تتمتع إلا بالمسلم خاصة، و لا يجوز بالوثنية و الناصبية، و لا تتمتع أمة و عنده حرة إلا بإذنها، و لو فعل كان العقد باطلا، و كذا لا يدخل عليها بنت أخيها
____________
(1) البحار ج 2 ص 272 ح 9 طبعة طهران الجديدة، الوسائل ج 16 ص 165 ح 18.
(2) الكافي ج 5 ص 467 ح 8 الوسائل ج 14 ص 471 ح 8.
128
و لا بنت أختها إلا مع الاذن، و لو فعل كان العقد باطلا.
أقول: قد تقدم الكلام في هذه المواضع، و كلما ثبت هناك من الجواز أو التحريم فهو يجري في هذا الموضع أيضا من هذه المذكورات و غيرها، فلا وجه لإعادته.
الثانية [استحباب كون المتمتع بها مؤمنة عفيفة]
قالوا: يستحب أن تكون مؤمنة عفيفة، و أن يسألها عن حالها مع التهمة، و ليس ذلك شرطا في الصحة، و هذا الكلام يتضمن جملة من الأحكام.
(منها) يستحب أن تكون مؤمنة عفيفة، و يدل على ذلك ما رواه
المشايخ الثلاثة (1) في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: «سأل رجل أبا الحسن الرضا (عليه السلام)- إلى أن قال-: فقال: لا ينبغي لك أن تتزوج إلا مؤمنة أو مسلمة، فإن الله عز و جل يقول «الزّٰانِي لٰا يَنْكِحُ إِلّٰا زٰانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزّٰانِيَةُ لٰا يَنْكِحُهٰا إِلّٰا زٰانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، وَ حُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» (2) و في رواية الفقيه «إلا بمأمونة».
عوض «مؤمنة».
و في حديث أبي سارة (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عنها- يعني المتعة- قال لي: حلال و لا تتزوج إلا عفيفة، إن الله عز و جل يقول «وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ» (4) فلا تضع فرجك حيث لا تأمن على درهمك».
أقول: قد قيل في معنى هذا الخبر وجوه: (أحدها) إن من لا تأمنها على درهمك كيف تأمنها على فرجك، فلعلها تكون في عدة غيرك فيكون وطؤك
____________
(1) الكافي ج 5 ص 454 ح 3، التهذيب ج 7 ص 269 ح 82، الفقيه ج 3 ص 292 ح 5، الوسائل ج 14 ص 451 ح 3.
(2) سورة النور- آية 3.
(3) الكافي ج 5 ص 453 ح 2، التهذيب ج 7 ص 252 ح 11، الوسائل ج 14 ص 451 ح 2.
(4) سورة المؤمنون- آية 5.
129
لها بشبهة، و الاحتياط في تجنب الشبهات مطلوب.
(الثاني) إنها إذا لم تكن عفيفة كانت فاسقة، فهي ليست بمحل للأمانة، فربما تذهب بدراهمك و لا تفي بالأجل.
(الثالث) إنها لما لم تكن مؤتمنة على الدراهم فبالحري أن لا تؤمن على الفرج و إيداع النطفة لديها فلعلها تزني و تخلط ماءك بماء غيرك.
و في الحديث الحسن التفليسي (1) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) أ يتمتع من اليهودية و النصرانية؟ قال: يتمتع من المرأة المؤمنة أحب إلي و هي أعظم حرمة منهما».
و في رواية محمد بن الفيض (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتعة، فقال:
نعم إذا كانت عارفة، قلت: فإن لم تكن عارفة؟ قال: فأعرض عليها و قل لها فإن قبلت فتزوجها، و إن أبت أن ترضى بقولك فدعها» الحديث.
و أما ما رواه
الشيخ (3) عن الحسن بن علي عن بعض أصحابه يرفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تمتع بالمؤمنة فتذلها».
فقد قال الشيخ إنه يحتمل أن يكون المراد به إذا كانت المرأة من أهل بيت الشرف يلحق أهلها العار و يلحقها الذل و يكون ذلك مكروها، انتهى.
و (منها) إنها متى كانت غير مأمونة فالأفضل له أن يسأل عن حالها، و يدل على ذلك ما رواه
المشايخ الثلاثة (4)- رحمة الله عليهم- عن أبي مريم في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه سئل عن المتعة فقال: إن المتعة اليوم ليس كما كانت قبل اليوم
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 257 ح 34، الوسائل ج 14 ص 452 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 454 ح 5، التهذيب ج 7 ص 252 ح 13، الوسائل ج 14 ص 452 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 253 ح 14، الوسائل ج 14 ص 452 ح 4.
(4) الكافي ج 5 ص 453 ح 1، التهذيب ج 7 ص 251 ح 9، الفقيه ج 3 ص 292 ح 3، الوسائل ج 14 ص 451 ح 1.
130
إنهن كن يومئذ يؤمن و اليوم لا يؤمن فاسألوا عنهن».
قال في الوافي: يؤمن إما بكسر الميم من الايمان، بمعنى إيمانهن بحل المتعة، و إما بفتحها من الأمانة، بمعنى صيانة أنفسهن عن الفجور، أو عن الإذاعة إلى المخالفين.
أقول: الظاهر هو الثاني، و فيه إشارة إلى شيوع الزنا و كثرته يومئذ كما تدل عليه
رواية علي بن يقطين (1) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): نساء أهل المدينة، قال: فواسق، قلت: فأتزوج منهن؟ قال: نعم».
على أن الايمان بحل المتعة و التصديق به لا معنى لترتب السؤال عليه، فإنه يجوز التمتع بغير المؤمنة بذلك، و ظاهر الخبر هو السؤال من الغير عن حالها، و عبارات الأصحاب تضمنت سؤالها عن أنه هل لها زوج أم لا؟ و الرواية لا تدل عليه، و إنما تدل على ما ذكرناه.
(و منها) إنه يصح التمتع بها بغير سؤال، بل الأفضل ترك الفحص و السؤال فإنها مصدق في عدم الزوج و العدة، و الأخبار بذلك متكاثرة.
فروى الكليني (2) في الصحيح عن ميسر قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ألقى المرأة بالفلاة التي ليس فيها أحد، فأقول لها: هل لك زوج؟ فتقول: لا، فأتزوجها؟
قال: نعم هي المصدقة على نفسها».
و روى الصدوق (3) بإسناده عن يونس بن عبد الرحمن عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: «قلت: المرأة نتزوج متعة فينقضي شرطها، فتتزوج رجلا آخر قبل أن تنقضي عدتها، قال: و ما عليك، إنما إثم ذلك عليها».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 253 ح 16، الوسائل ج 14 ص 455 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 462 ح 2، الوسائل ج 14 ص 456 ح 1.
(3) الفقيه ج 3 ص 294 ح 17، الوسائل ج 14 ص 456 ح 2.
131
و روى في التهذيب (1) عن فضل مولى محمد بن راشد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: إني تزوجت امرأة متعة فوقع في نفسي أن لها زوجا، ففتشت عن ذلك فوجدت لها زوجا، قال: و لم فتشت».
و عن مهران بن محمد (2) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قيل له:
إن فلانا تزوج امرأة متعة، فقيل له: إن لها زوجا، فسألها، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): و لم سألها».
و عن محمد بن عبد الله الأشعري (3) قال: «قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يتزوج المرأة فيقع في قلبه أن لها زوجا، قال: ما عليه، أ رأيت لو سألها البينة؟ كانت تجد من يشهد أن ليس لها زوج».
و في رسالة المتعة للشيخ المفيد على ما نقله في البحار (4) عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المرأة الحسناء ترى في الطريق، و لا يعرف أن تكون ذات بعل أو عاهرة، فقال: ليس هذا عليك، إنما عليك أن تصدقها في نفسها».
و عن جعفر بن محمد بن عبيد الأشعري (5) عن أبيه قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن تزويج المتعة و قلت: أتهمها بأن لها زوجا، يحل لي الدخول بها؟ قال (عليه السلام):
أ رأيت إن سألتها البينة على أن ليس لها زوج، هل تقدر على ذلك».
و ظاهر هذه الأخبار كما ترى كراهية السؤال و إن كان مع التهمة، و هو خلاف ما دل عليه صحيح أبي مريم المتقدم، و لا يخلو ذلك من الإشكال.
الثالثة [حكم التمتع بالزانية]
المشهور بين الأصحاب كراهة التمتع بالزانية، و نقل التحريم عن الصدوق في المقنع.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 253 ح 17، الوسائل ج 14 ص 457 ح 3.
(2) التهذيب ج 7 ص 253 ح 18 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 457 ح 4.
(3) التهذيب ج 7 ص 253 ح 19 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 457 ح 5.
(4) البحار ج 103 ص 310 ح 49، مستدرك الوسائل ج 2 ص 589 ب 9 ح 1.
(5) البحار ج 103 ص 310 ح 50، مستدرك الوسائل ج 2 ص 589 ب 9 ح 2.
132
و عن ابن البراج أنه لا يعقد على فاجرة إلا إذا منعها من الفجور، فإذا لم تمتنع من الفجور فلا يعقد عليها، و هو ظاهر الشيخ في النهاية أيضا (1).
و الذي وقفت عليه من الأخبار في هذا المقام منها رواية
محمد بن الفيض (2) المتقدم صدرها في المسألة الثانية، حيث قال (عليه السلام) فيها: «و إياكم و الكواشف و الدواعي و البغايا و ذوات الأزواج، فقلت: ما الكواشف؟ قال: اللواتي كاشفن، و بيوتهن معلومة و يزنين، قلت: فالدواعي؟ قال: اللواتي يدعون إلى أنفسهن و قد عرفت بالفساد، قلت: و البغايا؟ قال: المعروفات بالزنا، قلت: فذوات الأزواج قال: المطلقات على غير السنة».
أقول: الظاهر أن هذه الرواية كملا ما تقدم من صدرها، و ما ذكرناه هنا من تتمتها هي حجة الصدوق فيما نقل عنه، حيث إنه قال في الكتاب المذكور:
و لا يتمتع إلا بعارفة، فإن لم تكن عارفة فأعرض عليها فإن قبلت. إلى آخر الخبر كملا، ثم قال: و اعلم أن من تمتع بزانية فهو زان، لأن الله يقول الزّٰانِي لٰا يَنْكِحُ إِلّٰا زٰانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً» (3)، انتهى.
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (4) عن محمد بن إسماعيل بن بزيع في الصحيح قال: «سأل رجل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) و أنا أسمع عن رجل تزوج المرأة متعة و يشترط عليها على أن لا يطلب ولدها، فتأتي بعد ذلك بولد، فشدد في إنكار الولد، و قال:
____________
(1) أقول: حيث قال: فإذا أراد الرجل أن يتمتع بامرأة فلتكن دينة مأمونة، فإنه لا يجوز التمتع بزانية أو غير مأمونة. الى آخره. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 5 ص 454 ح 5، التهذيب ج 7 ص 252 ح 13، الفقيه ج 3 ص 292 ح 4، الوسائل ج 14 ص 454 ح 3.
(3) سورة النور- آية 3.
(4) الكافي ج 5 ص 454 ح 3، التهذيب ج 7 ص 269 ح 82، الفقيه ج 3 ص 292 ح 5، الوسائل ج 14 ص 453 ح 1.
133
أ يجحده إعظاما لذلك؟ فقال الرجل: فإن اتهمها؟ فقال: لا ينبغي لك أن تتزوج إلا مؤمنة أو مسلمة، فإن الله عز و جل يقول الزّٰانِي لٰا يَنْكِحُ إِلّٰا زٰانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً».
الحديث كما تقدم، و الظاهر أن هذا الخبر مستند الصدوق فيما ذكره، من تتمة عبارته السابقة بحمل لفظ «لا ينبغي لك» على التحريم كما هو شائع ذائع في الأخبار.
و ما رواه
الشيخ (1) عن زرارة قال: «سأله عمار و أنا عنده عن الرجل يتزوج الفاجرة متعة، قال: لا بأس، و إن كان التزويج الآخر فليحسن بابه»،.
و فيه دلالة على جواز التمتع بها و إن كان يعلم أنها تزني بخلاف الزوجة الدائمة، فإنه شرط عليه أن يمنعها عن الفجور.
و عن علي بن يقطين (2) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): نساء أهل المدينة» الخبر.
و قد تقدم قريبا.
و عن إسحاق بن جرير (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إن عندنا بالكوفة امرأة معروفة بالفجور، هل يحل لي أن أتزوجها متعة؟ فقال: رفعت راية؟ قلت:
لا، لو رفعت راية لأخذها السلطان، قال: نعم تزوجها متعة، قال: ثم أصغى إلى بعض مواليه فأسر إليه شيئا، فلقيت مولاه فقلت له: ما قال لك؟ فقال: إنما قال: و لو رفعت راية ما كان عليه في تزويجها شيء، إنما يخرجها من حرام إلى حلال».
و منها ما رواه
في الكافي (4) في الصحيح أو الحسن عن ابن أبي عمير عن أبي يعفور رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المرأة و لا أدري ما حالها أ يتزوجها الرجل متعة؟ قال يتعرض لها فإن أجابته إلى الفجور فلا يفعل».
و يمكن أن تكون هذه الرواية دليلا لابن البراج فيما تقدم نقله عنه.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 253 ح 15، الوسائل ج 14 ص 454 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 253 ح 16، الوسائل ج 14 ص 455 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 485 ح 157، الوسائل ج 14 ص 455 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 454 ح 4، الوسائل ج 14 ص 453 ب 8 ح 2.
134
و عن يونس عن بعض رجاله (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتزوج المرأة متعة أياما معلومة، فتجيئه في بعض أيامها فتقول إني قد بغيت قبل مجيئي إليك بساعة أو يوم، هل له أن يطأها، و قد أقرت له ببغيها؟ قال: لا ينبغي له أن يطأها».
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي «و روي لا تمتع بلصة و لا مشهورة بالفجور، و ادع المرأة قبل المتعة إلى ما لا يحل، فإن أجابت فلا تمتع بها».
و من الأخبار المنقولة في كتاب البحار عن رسالة الشيخ المفيد المتقدم ذكرها ما رواه
عن محمد بن فضيل (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) «في المرأة الحسناء الفاجرة هل يجوز للرجل أن يتمتع بها يوما أو أكثر؟ قال: إذا كانت مشهورة بالزنا فلا يتمتع بها و لا ينكحها».
و عن ابن جرير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تزني أ يتمتع بها؟
قال: أ رأيت ذلك؟ قلت: لا، و لكنها ترمى به، قال: نعم يتمتع بها، على أنك تغادر و تغلق بابك».
و عن الحسن (4) عن الصادق (عليه السلام) «في المرأة الفاجرة هل يحل تزويجها؟ قال: نعم إذا هو اجتنبها حتى تنقضي عدتها باستبراء رحمها من ماء الفجور فله أن يتزوجها بعد أن يقف على توبتها».
و روى في كتاب كشف الغمة (5) عن كتاب دلائل الحميري عن الحسن بن ظريف قال: «كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) و قد تركت التمتع ثلاثين سنة، و قد نشطت
____________
(1) الكافي ج 5 ص 465 ح 2، الوسائل ج 14 ص 492 ب 38 ح 1.
(2) البحار ج 103 ص 309 ح 40 و فيه «عن محمد بن فضيل»، مستدرك الوسائل ج 2 ص 589 ب 7 ح 1.
(3) البحار ج 103 ص 309 ح 41، مستدرك الوسائل ج 2 ص 589 ب 8 ح 1.
(4) البحار ج 103 ص 309 ح 42، مستدرك الوسائل ج 3 ص 23 ب 39 ح 3.
(5) كشف الغمة ج 2 ص 423، الوسائل ج 14 ص 455 ح 4.
135
لذلك، و كان في الحي امرأة وصفت لي بالجمال فمال إليها قلبي، و كانت عاهرا لا تمنع يد لامس فكرهتها، ثم قلت: قد قال الأئمة: تمتع بالفاجرة فإنك تخرجها من حرام إلى حلال، فكتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) أشاوره في المتعة، و قلت:
أ يجوز بعد هذه السنين أن أتمتع، فكتب: إنما تحيي سنة و تميت بدعة، و لا بأس، و إياك و جارتك المعروفة بالمهر و إن حدثتك نفسك، إن آبائي قالوا:
تمتع بالفاجرة فإنك تخرجها من حرام إلى حلال، فهذه امرأة معروفة بالهتك، و هي جارتك، و أخاف عليك استفاضة الخبر. فتركتها و لم أتمتع بها، و تمتعها شاذان بن سعيد، رجل من إخواننا و جيراننا، فاشتهر بها حتى علا أمره و صار إلى السلطان و غرم بسبها مالا نفيسا، و أعاذني الله من ذلك ببركة سيدي».
أقول: هذا ما حضرني من أخبار المسألة، و هي كما ترى ما بين ما يدل على الجواز كما هو المشهور، و ما يدل على التحريم كما هو مذهب الصدوق، و الأصحاب حملوا ما دل على المنع على الكراهة، جمعا بين الأخبار.
و أما على القول بالتحريم فاللازم طرح ما دل على الجواز، و هو مشكل، و بعض ما دل على الجواز و إن أمكن تقييده بما يرجع إلى القول بالتحريم، كأن يقيد بمنعها من الفجور، المكنى عنه بأن يغلق بابه، أو بظهور التوبة، كما دلت عليه جملة من هذه الأخبار، إلا أن بعضا آخر كصحيحة زرارة، و رواية إسحاق ابن جرير، و رواية علي بن يقطين، و رواية كشف الغمة ظاهر في الجواز مع عدم القيدين المذكورين، و لا يحضرني الآن مذهب العامة في المسألة فلعل أخبار أحد الطرفين إنما خرج مخرج التقية.
و بالجملة فإن المسألة غير خالية من شوب الإشكال، فإن جملة من أخبار المنع صريح في التحريم، و الله العالم.
الرابعة [حكم التمتع بالبكر]
قد صرح جملة من الأصحاب بأنه يكره التمتع ببكر ليس لها أب فإن فعل فلا يفتضها و ليس محرما.
136
أقول: الكلام هنا يقع في موضعين
(أحدهما) البكر التي لها أب
، هل يجوز التمتع بها دون الأب أم لا؟ و قد تقدم تحقيق الكلام في هذه المسألة، في مسائل المقصد الثاني في الأولياء للعقد من الفصل الأول.
(الثاني) في البكر التي لا أب لها
، و لم نقف فيها على نص بخصوص ما قالوه و إنما نصوص المسألة ما بين مطلق و ما بين مصرح بوجود الأب.
و الظاهر أن الأصحاب إنما استندوا فيما ذكروه إلى الإطلاق، و من ذلك ما رواه
في الكافي (1) عن زياد بن أبي الحلال في الصحيح قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا بأس بأن يتمتع بالبكر ما لم يفض إليها، مخافة كراهية العيب على أهلها».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (2) نور الله مراقدهم- عن حفص بن البختري في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال في الرجل يتزوج البكر متعة، قال: يكره للعيب على أهلها».
و ما رواه
في الكافي (3) عن محمد بن أبي حمزة عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في البكر يتزوجها الرجل متعة؟ قال: لا بأس ما لم يفتضها».
و عن جميل بن دراج (4) في الصحيح أو الحسن قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتمتع من الجارية البكر، قال: لا بأس بذلك ما لم يستصغرها».
أقول: الظاهر أن المعنى في قوله «ما لم يستصغرها» أي: يعدها صغيرة لم تكمل التسع، فإنه لا يصح العقد عليها إلا من الولي، و قيل: إن معناه ما لم يفتضها، لأنه موجب لصغارها و ذلها عند أهلها، و الأول أظهر.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 462 ح 2، الوسائل ج 14 ص 457 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 462 ح 1، الفقيه ج 3 ص 293 ح 10، التهذيب ج 7 ص 255 ج 27، الوسائل ج 14 ص 459 ح 10.
(3) الكافي ج 5 ص 462 ح 3، الوسائل ج 14 ص 458 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 462 ح 4، الوسائل ج 14 ص 460 ح 1.
137
و ما رواه
في الفقيه (1) عن ابن أسباط عن محمد بن عذافر عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن التمتع بالأبكار، فقال: هل جعل ذلك إلا لهن، فليستترن به و ليستعففن».
و من كتاب الحسين بن سعيد على ما نقله في كتاب البحار (2) بسنده فيه عن أبي بكر الحضرمي قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا بكر، إياكم و الأبكار أن تزوجوهن متعة».
و عن عبد الملك بن عمرو (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتعة، فقال: إن أمرها شديد، فاتقوا الأبكار».
و إطلاق هذه الأخبار شامل لذات الأب و غيرها، خرجت منها ذات الأب باختلاف الأخبار فيها بجواز تمتعها بدون إذن الأب و عدمه كما تقدم الكلام فيه، و بقيت غير ذات الأب على مقتضى ما دلت عليه هذه الأخبار و المستفاد منها بعد ضم بعضها إلى بعض هو كراهة التمتع بها، و أشد كراهة الإفضاء إليها بعد التمتع بها، و هو فتوى الأصحاب كما عرفت، و الله العالم.
الخامسة [فيما لو أسلم المشرك و عنده كتابية بالعقد المنقطع]
قالوا: إذا أسلم المشرك و عنده كتابية بالعقد المنقطع كان عقدها ثابتا، و كذا لو كن أكثر، و لو سبقت بالإسلام وقف على انقضاء العدة إن كان دخل بها، فإن انقضت و لم يسلم بطل العقد، و إن لحق بها قبل العدة فهو أحق بها ما دام أجله باقيا، و عللت هذه الأحكام بأنه لما كان عقد المتعة صحيحا عندنا، فإذا أسلم المشرك على منكوحة يجوز استدامة نكاحها كالكتابية أقر عليه كما يقر على الدوام، و كذا لو كن أكثر من واحدة لما سلف من أنه لا تنحصر شرعا في عدد.
و لو انعكس الفرض بأن أسلمت هي دونه توقف فسخ النكاح على العدة، لأن نكاح المسلمة لا يصح لكافر مطلقا، فإن انقضت العدة أو المدة التي جعلاها أجلا للمتعة
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 297 ح 29، الوسائل ج 14 ص 458 ح 4.
(2) البحار ج 103 ص 316 ح 27 الوسائل ج 14 ص 460 ح 13.
(3) البحار ج 103 ص 318 ح 33، الوسائل ج 14 ص 460 ح 14.
138
و لم يسلم تبين انفساخ النكاح في حين الإسلام، أما مع انقضاء العدة فلانفساخ النكاح حينئذ، و أما مع انتهاء المدة فلاقتضائه بالبينونة، و إن أسلم في العدة و قد بقي من المدة شيء فهو أملك بها ما دامت المدة باقية، و على التقديرين يثبت المسمى لاستقراره بالدخول لأنه المفروض، فلو كان الإسلام قبل الدخول، فإن كان منه فالحكم بحاله، و إن كان منها انفسخ النكاح و لا مهر كما مر، لأن الفسخ من قبلها هذا كله إذا كانت المرأة كتابية، فلو كانت غير كتابية فأسلم أحدهما بعد الدخول وقف الفسخ على انقضاء العدة و تبين منه بانقضاء الأجل أو خروج العدة، فأيهما حصل بعد الإسلام انفسخ به النكاح.
و الوجه في ذلك أنه لما لم يجز نكاح غير الكتابية للمسلم دواما و متعة ابتداء و استدامة، و امتنع نكاح الكافر و إن كان كتابيا للمسلم ابتداء و استدامة، وجب فيما إذا كانت الزوجة غير كتابية- أعم من أن تكون وثنية أو غيرها من فرق الكفر- الحكم بانفساخ النكاح إن كان قبل الدخول مطلقا، و توقفه على انقضاء العدة أو المدة إن كان بعده، فأيهما حصل حكم بانفساخ النكاح أو انتهائه، و يثبت المسمى مع الدخول و بدونه إن كان المسلم الزوج كما مر، هكذا حققه شيخنا- (رحمه الله)- في المسالك، و الله العالم.
الثالث: في الأجل
، أجمع الأصحاب على أن ذكر الأجل شرط في صحة نكاح المتعة، فلو لم يذكره انعقد دائما، قالوا: و لا يتقدر في القلة و الكثرة بقدر، بل بما تراضيا عليه، و إن بلغ في حد الكثرة إلى ما يقضي العادة بعدم بلوغه إليه و في جانب القلة إلى حد لا يمكن الجماع فيه، لأن غاية العقد لا ينحصر في ذلك.
و نقل عن ابن حمزة أنه قدر الأجل بما بين طلوع الشمس و نصف النهار، و قيل و لعله أراد التمثيل لا الحصر.
قالوا: و لا بد أن يكون محروسا من الزيادة و النقصان كغيره من الأجل.
و الواجب أولا نقل ما وصل إلينا من الأخبار في هذا المقام، ثم الكلام فيها
139
بتوفيق الملك العلام، و بيان ما يستفاد منها من الأحكام.
الأول: ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن زرارة في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تكون متعة إلا بأمرين أجل مسمى و أجر مسمى».
الثاني: ما رواه
في التهذيب (2) عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتعة، فقال: مهر معلوم إلى أجل معلوم».
الثالث: ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) في الموثق عن أبي بصير قال: «لا بد من أن تقول فيه هذه الشروط: أتزوجك متعة كذا و كذا يوما بكذا و كذا درهما، نكاحا غير سفاح على كتاب الله عز و جل و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) و على أن لا ترثيني و لا أرثك، و على أن تعتدي خمسة و أربعين يوما، و قال بعضهم: حيضة».
أقول: الظاهر أنه لما كانت المتعة غير معهودة في تلك الأزمان فربما توهمت المرأة الزنا، فأمروا (عليهم السلام) بذكر هذه الشروط المذكورة التي لا مدخل لها في صحتها دفعا لتوهم الدوام و توهم الزنا، و لهذا لم يقل أحد من أصحابنا باشتراط ما ذكر في هذا الخبر و نحوه في صحة العقد كما يظهر من هذا الخبر و نحوه، و قوله في آخر الخبر «و قال بعضهم» الظاهر أنه من كلام أبي بصير، و يحتمل أن يكون من من بعض الرواة، و الضمير البارز الظاهر رجوعه إلى الأئمة (عليهم السلام)، و احتمال الرجوع إلى بعض الرواة الظاهر بعده.
الرابع:
عن أبان بن تغلب (4) قال: «قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف
____________
(1) الكافي ج 5 ص 455 ح 1، التهذيب ج 7 ص 262 ح 58، الوسائل ج 14 ص 465 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 262 ح 60، الوسائل ج 14 ص 465 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 455 ح 2، التهذيب ج 7 ص 263 ح 63، الوسائل ج 14 ص 467 ح 4 و فيها اختلاف يسير مع ما نقله صاحب الحدائق- (رحمه الله).
(4) الكافي ج 5 ص 455 ح 3، التهذيب ج 7 ص 265 ح 70، الوسائل ج 14 ص 466 ح 1.
140
أقول لها إذا خلوت بها؟ قال: تقول أتزوجك متعة على كتاب الله و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم)، لا وارثة و لا موروثة كذا و كذا يوما، و إن شئت كذا و كذا سنة، بكذا و كذا درهما، و تسمي من الأجر ما تراضيتما عليه قليلا كان أم كثيرا، فإذا قالت نعم فقد رضيت: فهي امرأتك و أنت أولى الناس بها، قلت: فإني أستحيي أن أذكر شرط الأيام، قال: هو أضر عليك، قلت: و كيف؟ قال: إنك إن لم تشترط كان تزويج مقام، و لزمتك النفقة في العدة و كانت وارثة و لم تقدر على أن تطلقها إلا طلاق السنة».
الخامس: ما رواه
في الكافي (1) عن ثعلبة قال: «تقول: أتزوجك متعة على كتاب الله و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) نكاحا غير سفاح، و على أن لا ترثيني و لا أرثك كذا و كذا يوما بكذا و كذا درهما، و على أن عليك العدة».
السادس:
عن هشام بن سالم (2) قال: «قلت: كيف يتزوج المتعة؟ قال: تقول يا أمة الله أتزوجك كذا و كذا يوما بكذا و كذا درهما، فإذا مضت تلك الأيام كان طلاقها في شرطها، و لا عدة لها عليك».
السابع: ما رواه
في التهذيب (3) عن محمد بن إسماعيل عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يتزوج متعة سنة أو أقل أو أكثر؟ قال: إذا كان شيئا معلوما إلى أجل معلوم، قال: قلت: و تبين بغير طلاق؟ قال: نعم».
الثامن: ما رواه أيضا
عن زرارة (4) في الموثق قال: «قلت له: هل يجوز أن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 455 ح 4، التهذيب ج 7 ص 263 ح 62، الوسائل ج 14 ص 466 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 455 ح 5، الوسائل ج 14 ص 466 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 459 ح 2، التهذيب ج 7 ص 266 ح 72، الوسائل ج 14 ص 478 ب 25 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 459 ح 3، التهذيب ج 7 ص 266 ح 73، الوسائل ج 14 ص 479 ح 2.
141
يتمتع الرجل من المرأة ساعة أو ساعتين؟ فقال: الساعة و الساعتان لا يوقف على حدهما، و لكن العرد و العردتين و اليوم و اليومين، و الليلة و أشباه ذلك».
التاسع: ما رواه
في الكافي (1) عن خلف بن حماد قال: «أرسلت إلى أبي الحسن (عليه السلام): كم أدنى أجل المتعة، هل يجوز أن يتمتع الرجل بشرط مرة واحدة؟
قال: نعم».
العاشر: ما رواه أيضا
عن القاسم بن محمد (2) عن رجل سماه قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتزوج المرأة على عرد واحد، فقال: لا بأس، و لكن إذا فرغ فليحول وجهه و لا ينظر».
الحادي عشر: ما رواه
في التهذيب (3) عن هشام قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
أتزوج المرأة متعة مرة مبهمة؟ قال: فقال: ذلك أشد عليك، ترثها و ترثك، و لا يجوز لك أن تطلقها إلا على طهر و شاهدين، قلت: أصلحك الله فكيف أتزوجها؟
قال: أياما معدودة بشيء مسمى مقدار ما تراضيتم به، فإذا مضت أيامها كان طلاقها في شرطها، و لا نفقة و لا عدة لها عليك، قلت: ما أقول لها؟ قال: تقول لها: أتزوجك على كتاب الله و سنة نبيه، و الله وليي و وليك كذا و كذا شهرا بكذا و كذا درهما، على أن الله لي عليك كفيلا لتفين لي و لا اقسم لك، و لا أطلب ولدك و لا عدة لك علي، فإذا مضى شرطك فلا تتزوجي حتى يمضي لك خمس و أربعون ليلة، و إن حدث بك ولد فأعلميني».
الثاني عشر: و ما رواه
المشايخ الثلاثة (4)- رحمة الله عليهم- عن بكار بن كردم
____________
(1) الكافي ج 5 ص 460 ح 4، الوسائل ج 14 ص 479 ح 5.
(2) الكافي ج 5 ص 460 ح 5، التهذيب ج 7 ص 267 ح 74 الوسائل ج 14 ص 479 ح 4.
(3) التهذيب ج 7 ص 267 ح 76، الوسائل ج 14 ص 470 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 466 ح 4، التهذيب ج 7 ص 267 ح 75، الفقيه ج 3 ص 297 ح 27، الوسائل ج 14 ص 490 ح 1.
142
قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يلقى المرأة فيقول لها: زوجيني نفسك شهرا، و لا يسمي الشهر بعينه، ثم يمضي فيلقاها بعد سنين، قال: فقال: له شهره إن كان سماه، و إن لم يكن سمى فلا سبيل له عليها».
الثالث عشر: ما رواه
في الكافي (1) عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن بكير في الموثق في حديث «إن سمي الأجل فهو متعة، و إن لم يسم الأجل فهو نكاح بات».
أقول: هذه جملة ما وقفت عليه من الروايات المتعلقة بالأجل، و الكلام فيها يقع في مواضع:
الأول [حكم العقد لو خلا من الأجل]
قد اتفقت هذه الأخبار في الدلالة على صحة ما ذكره الأصحاب من اشتراط الأجل في صحة عقد المتعة، و قضية ذلك بطلان العقد لو خلا منه، كما هو ظاهر جملة من الأصحاب و مذهب العلامة و والده و ولده و جمع من الأصحاب منهم شيخنا في المسالك و سبطه السيد السند في شرح النافع.
و قيل بأنه ينقلب العقد دائما و هو المشهور و عليه يدل الخبر الرابع و الخبر الثالث عشر.
و قيل- و هو اختيار ابن إدريس-: إنه إن كان الإيجاب بلفظ التزويج أو النكاح انقلب دائما، و إن كان بلفظ التمتع بطل العقد.
احتج من قال بالأول، أما على البطلان فبأنه لم ينعقد متعة لفوات الشرط الذي هو ذكر الأجل، و هو موضع وفاق، و أما على عدم انعقاده دائما، فإن الدوام غير مقصود بل المقصود خلافه، و العقود تابعة للقصود، و بالجملة فإنه مع الحكم بكونه يكون دائما يلزم أن ما وقع غير مقصود، و ما قصد غير واقع.
أقول: و هذا التعليل ربما يترائى صحته في بادي النظر، إلا أنك بالرجوع إلى الأخبار و تتبعها في جملة مواضع يظهر لك فساده، و من ذلك الروايتان المذكورتان
____________
(1) الكافي ج 5 ص 456 ح 1، التهذيب ج 7 ص 262 ح 59، الوسائل ج 14 ص 469 ح 1.
143
هنا، فإنهما صريحتان في أنه ينقلب دائما، و نحوهما أيضا الرواية الحادية عشر، و من ذلك ما تقدم في غير مقام من دلالة جملة من الأخبار على صحة العقد المشتمل على الشرط الفاسد، و بطلان الشرط خاصة مع أن القصد إنما تعلق بالجميع، فما وقع غير مقصود، و ما قصد غير واقع، و بذلك يظهر منع تبعية العقد للقصد على إطلاقه، و يؤيده ما ذكروه من الإجماع على أن عقد النكاح- إذا تضمن شروطا فاسدة- صحيح مع بطلان الشروط المقصودة، ذكر ذلك السيد السند في شرح النافع، و أما ما أجاب به عنه حيث إنه ممن يختار هذا القول غير موجه.
و بالجملة فإن الاعتماد على هذا التعليل في تأسيس الأحكام الشرعية في مقابلة هذه النصوص الواضحة الجلية لا يخرج عن مقابلة النصوص بالاجتهاد، و فيه خروج عن نهج السداد و طريق الرشاد.
و مما ذكرناه علم حجة القول الثاني، إلا أنه في المسالك نقل الاحتجاج للقول المذكور قال: لأن لفظ الإيجاب صالح لكل منهما، و إنما يتمحض للمتعة بذكر الأجل و للدوام بعدمه، فإذا انتفى الأول ثبت الثاني، و لأن الأصل في العقد الصحة، و الفساد على خلاف الأصل، و لموثقة عبد الله بن بكير، ثم نقل الخبر الثالث عشر، ثم قال: و فيه نظر، لأن المقصود إنما هو المتعة كما هو الفرض، و الأجل شرط فيها، و فوات الشرط يستلزم فوات المشروط، و صلاحية العبارة غير كاف مع كون المقصود خلاف ما يصلح له اللفظ، و المعتبر اتفاق اللفظ و القصد على معنى واحد، و هو غير حاصل هنا، لأن المقصود هو المتعة، و المطابق للفظ هو الدائم، و ذلك يقتضي البطلان لفوات شرط المقصود و قصد الملفوظ، و الأصل إنما يكون حجة مع عدم الناقل، و هو موجود، و الخبر- مع قطع النظر عن سنده- ليس فيه دلالة على أن من قصد المتعة و لم يذكر الأجل يكون دائما، بل إنما دل على أن الدوام لا يذكر فيه الأجل و هو كذلك، لكنه غير المدعى، و حينئذ فالقول بالبطلان مطلقا أقوى، انتهى.
144
أقول: قد عرفت في غير موضع مما تقدم أن الاعتماد عندنا في تأسيس الأحكام الشرعية إنما هو على الأدلة المعصومية دون التخريجات العقلية، و قد عرفت أن هذا التعليل الذي بنى عليه و إن كان مما يتسارع إلى الفهم قبوله، إلا أن الأخبار ترده كما عرفت، و حينئذ فمن الجائز أن يقال في الجواب عما ذكره أولا إنه لما كان لفظ الإيجاب صالحا لكل منهما، و امتنع حمله على المتعة و إن كانت هي المقصودة، للإخلال بشرطها و هو ذكر الأجل، إلا أنه لا مانع من حيث صلاحية اللفظ الدائم أن يحمل عليه، و ينقلب العقد إليه و أن لم يكن مقصودا و هو يرجع إلى بطلان ما ادعوه من اشتراط الصحة بالقصد هذا.
و أما جوابه عن الخبر بعدم الدلالة، و أن المعنى فيه ما ذكره فهو بعيد، إذ لا يخفى على المتأمل أن الخبر ظاهر في أن المدار في الفرق بين كون العقد دائما أو منقطعا إنما هو على تسمية الأجل في العقد و عدمها، و فيه إشعار بأن القصد لا اعتبار به، و إنما الاعتبار بذكر الأجل و عدمه، فإن ذكر الأجل كان منقطعا و إن قصد الدائم، و إن لم يذكره فهو دائم و إن قصد المنقطع، هذا ظاهره، و إن كان على خلاف مقتضى قاعدته التي بنى عليها، و ضابطته التي استند إليها، و أظهر منه خبر أبان بن تغلب، و هو الخبر الرابع، فإنه صريح الدلالة، و هو الذي استدل به غيره، إلا أنه لم ينقله في المقام، و مثلهما كما عرفت الخبر الحادي عشر، فإنه ظاهر في عدم انعقاد العقد متعة إذا جعل الأجل مرة مبهمة:
و مقتضاه على ما يدعيه أن يكون العقد باطلا مع أنه لم يحكم (عليه السلام) فيه بالبطلان، و إنما حكم بانقلابه دائما فيكون من قبيل الخبرين الأولين، و هو ظاهر الدلالة في خلاف ما زعمه.
نعم، له الطعن في هذه الأخبار بضعف السند، إلا أنه عندنا و عند متقدمي أصحابنا غير مسموع و لا معتمد، و من العجب أن سبطه في شرح النافع بعد أن ذكر الروايتين أجاب عنهما بما أجاب جده عن موثقة ابن بكير من أنه لا دلالة
145
فيهما على أنه إذا قصد المتعة و لم يذكر الشرط ينعقد دائما، و إنما المستفاد منهما أن الدوام لا يذكر فيه الأجل، و هو عجيب من مثل هذا الفحل المشهور، فإنه لا يخفى على أدنى ناظر في خبر أبان أن سياق الخبر ينادي بأفصح لسان، و يصرح بأوضح بيان، بأنه في صورة عقد المتعة المشتمل على شروطها المتكررة في الأخبار لو أخل بذكر هذا الشرط من بينها لمكان الاستحياء انقلب عقده دائما، و إن اشتمل على تلك الشروط الأخر، فكيف يتم له دعوى أنه لم يقصد المتعة، و سياق الخبر كما ترى و نحوها فيما ذكرناه أيضا الخبر الحادي عشر بالتقريب المتقدم.
و بالجملة فإن جوابهم عن هذه الأخبار لتشييد قاعدتهم التي بنوا عليها و ضابطتهم التي استندوا إليها محض مجازفة لا تشفي العليل و لا يبرد الغليل، على أنك قد عرفت انتقاض هذه القاعدة و بطلان ما يترتب عليها من الفائدة بما دلت عليه الأخبار الدالة على صحة العقود المشتملة على الشروط الفاسدة، مع بطلان الشروط.
و أما ما ذهب إليه ابن إدريس من التفصيل المتقدم، فإنه علله بأن اللفظين الأولين صالحان لهما بخلاف الثالث، فإنه يختص بالمتعة، فإذا فات شرطها بطل.
و أورد عليه بأن بطلان عقد المتعة كما حصل بفوات شرطه و هو الأجل، فكذلك الدوام بطل بفوات شرطه، و هو القصد إليه، و هو الركن الأعظم في صحة العقود، و هو جيد لو تم ما ذكره من شرطية القصد في صحة العقد كليا.
و نقل هنا أيضا قول رابع و هو التفصيل بأنه إن وقع الإخلال بالأجل على وجه النسيان أو الجهل بطل، و إن وقع عمدا انقلب دائما.
و فيه أنه لا دليل على هذا التفصيل العليل، قال في المسالك بعد نقل هذا القول: و قد ظهر ضعفه مما تقدم، فإنه مع التعمد و قصد المتعة يكون قد أخل بركن من أركان عقدها عمدا، و لم يقصد غيرها، ثم قال: و بالجملة فالأصل في القول بالصحة و الانقلاب دائما هو الرواية السابقة على أي وجه اعتبر و قد عرفت قصورها
146
عن تأسيس مثل هذا الحكم المخالف للأصل متنا و سندا، انتهى.
أقول، و قد عرفت أن الدال على هذا الحكم الروايات الثلاث المتقدمة، و أن ضعف السند غير مرضي عندنا و لا معتمد.
و أما الدلالة فقد أوضحناها بأوضح إيضاح فلا قصور فيها و لا حرج في القول بها و لا جناح، و الله العالم.
فرع لو اختلف الزوجان بعد اتفاقهما على وقوع العقد فادعى أحدهما أنه متعة
و ادعى الآخر الدوام، فإن قلنا بأن إهمال الأجل مطلقا يقتضي الدوام كان القول قول مدعي الدوام، لأن الآخر يدعي الزيادة و هي الأجل، و القول قول منكرها، و إن قلنا أن الإهمال يقتضي الإبطال ما لم يقصد الدوام كما هو القول الآخر فالوجه أنهما يتحالفان، و ينفسخ النكاح، لأن كلا منهما مدع و منكر، و القول قول المنكر بيمينه، و لو اشتبه الحال لموت و نحوه لم يحكم بالتوارث و نحوه إلا مع ثبوت الدوام، كذا صرح به السيد السند في شرح النافع.
و فيه أن تفريع المسألة المذكورة على الخلاف المتقدم هنا لا يخلو من الإشكال فإن القائل بالإبطال في صورة إهمال الأجل إنما هو فيما إذا كان القصد إلى المتعة و أهمل الأجل كما تقدم، و الظاهر من أصل المسألة المفروضة أنهما متفقان على وقوع عقد النكاح في الجملة، و لكن أحدهما يدعي أنه عقد نكاح منقطع مستكمل لجميع شرائط المنقطع، و الآخر يدعي أنه عقد نكاح دائم مستكمل لجميع شرائط الدائم، و متى كان الفرض كذلك فإنه لا تعلق له بهذه المسألة المذكورة و لا تفرع له عليها بوجه.
و الذي يقتضيه النظر في قواعدهم في أمثال هذا المقام هو القول بالتحالف و انفساخ النكاح، لأن ضابطة التحالف هو أن يدعي كل منهما على صاحبه ما ينفيه
147
الآخر بحيث لا يتفقان على أمر، و هو هنا كذلك، فإن كلا من العقدين مغاير للآخر في الأحكام و ما يترتب عليه في المقام، فإذا ادعى أحدهما الدوام و الآخر المتعة، فكل منهما يدعي ما ينفيه صاحبه، كما إذا ادعى أنه باعه هذا الثوب، فقال الآخر إنما بعتني هذا الثوب إشارة إلى ثوب آخر، فإن الحكم التحالف، و أما ترتب ذلك على المسألة المتقدمة و الخلاف فيها كما ذكره- (قدس سره)- و قبله العلامة في المختلف أيضا فلا أعرف له وجها.
قال في المختلف: قال ابن البراج: إذا اختلف الزوجان بعد اتفاقهما على العقد، فادعى أحدهما أنه متعة، كان على مدعي المتعة البينة و على المنكر اليمين، لأن الزوج إن ادعى المتعة كان مدعيا لما يسقط عنه حقوقا من نفقة و ميراث و غير ذلك، و إن ادعت المرأة ذلك كانت مدعيه لما تملك نفسها معه بغير طلاق و ما أشبهه، و المعتمد أن نقول إن كان إهمال الأجل يقتضي الدوام، فالقول قول مدعي الدوام لأن الآخر يدعي زيادة، فالقول قول من ينكرها و إن كان الإهمال يقتضي الإبطال- كما اخترناه نحن- فالوجه أنهما يتحالفان و يفسخ النكاح، لأن كلا منهما مدع، فالقول قول المنكر بيمينه. انتهى، و أنت خبير بما في كل من القولين بعد التأمل فيما قدمناه، و الله العالم.
الثاني [اعتبار ضبط الأجل على وجه يكون محروسا من احتمال الزيادة و النقصان]
من المواضع المتقدم ذكرها: قد عرفت أنه لا بد من اعتبار ضبط الأجل على وجه يكون محروسا من احتمال الزيادة و النقصان كقدوم المسافر و إدراك الثمرة كغيره من الآجال، و يشير إليه ما تقدم في بعض الأخبار المتقدمة إلى أجل معلوم، و قوله في الخبر الثامن «الساعة و الساعتان لا يوقف على حدهما» فإن الجميع ظاهر في أنه لا بد من أن يكون الأجل محدودا، و كذا لا تقدر له في جانب القلة و الكثرة، فلو قدره بوقت لا يعيش إليه لم يضر، لأن الموت قبله غير قادح في صحته شرعا، و كذا في جانب القلة بما لا يمكن فيه الجماع لم يقدح في صحته لأنه لا ينحصر صحته في الجماع.
قال في المسالك: و لا يشترط أن يكون بقدر يمكن فيه الجماع، لأنه غير
148
معتبر فيه، و إنما هو بعض ما يترتب عليه، فلو جعلاه لحظة واحدة مضبوطة صح و يترتب عليه حكم العقد من إباحة النظر، و تحريم المصاهرة كالأم و نحو ذلك مما يترتب على صحة العقد و إن كان المقصود ذلك، لأنه أحد الأغراض المقصودة من النكاح بالعقد إذ لا يعتبر في العقد قصد جميعها و لا أهمها في صحته، و لا فرق في ذلك بين كون الزوجة في محل الاستمتاع و عدمه. انتهى، و هو جيد.
و فيه رد على ما زعمه بعض الأفاضل المعاصرين من بطلان العقد لو وقع لمجرد التحليل و جواز النظر إلى ابنة المعقودة أو أمها و نحو ذلك، و قد بسطنا الكلام معه في ذلك في كتابنا الدرر النجفية.
و كذا قوله «في محل الاستمتاع و عدمه» فيه رد على المحقق الشيخ على- (رحمه الله)- كما ذكرناه ثمة، و يجوز جعل المدة بعض يوم إذا كان مضبوطا إما بغاية معروفة كالزوال و غروب الشمس أو بمقدار معين كنصف يوم، ثم إن اتفق معرفتهما ذلك عملا بما علماه، و إلا رجعا فيه إلى أهل الخبرة العارفين بذلك و ظاهرهم اشتراط العدالة في المخبر، و هل يشترط التعدد كالشهادة أو لا، فيكون من باب الخبر؟ وجهان، قالوا: و لا يشترط ذكر وقت الابتداء و لا العلم به، حيث جعلاه إلى الزوال أو الغروب و نحو ذلك بل أوله وقت العقد كيفما اتفق.
الثالث [في اعتبار اتصال المدة بالعقد و عدم اعتباره]
المشهور في كلام الأصحاب (1) أنه لا يجوز أن يعين شهرا متصلا بالعقد و متأخرا عنه، و لو أطلق اقتضى الاتصال، و قيل بعدم جواز الانفصال، و اختاره السيد السند في شرح النافع حيث قال في الكتاب المذكور: و هل يعتبر في المدة الاتصال أم يجوز جعلها منفصلة عن العقد؟ قولان، أظهرهما الأول، لأن
____________
(1) أقول: من فروع المسألة ما لو كانت المرأة ذات بعل مدة معينة و أراد الغير تزويجها شهرا معينا بعد انقضاء أجل الزوج الأول و عدتها منه فإنه يصح النكاح بمقتضى ظاهر الخبر، و كذا لو لم تكن ذات بعل وقت العقد، و أرادت التزويج في المدة التي بين وقت العقد و بين الشهر المعين بحيث تتم عدتها و أجلها قبل ذلك الشهر، فإنه يجوز بمقتضى ظاهر الخبر أيضا. (منه- (قدس سره)-).
149
الوظائف الشرعية إنما تثبت بالتوقيف، و لم ينقل تجويز ذلك، و إنما المنقول ما تضمن اتصال المدة بالعقد، فيجب القول بنفي ما عداه إلى أن يثبت دليل الجواز.
و قيل بالثاني لوجود المقتضي و هو العقد المشتمل على الأجل المضبوط و هو ضعيف. انتهى، و هو جيد لو لا ورود الخبر الثاني عشر (1) فإنه صريح في أنه متى سمي شهرا و عليه- و إن كان بعد مضي سنين بين العقد و ذلك الشهر- فإن له شهره و به استدل الأصحاب القائلون بالجواز، إلا أن له أن يرده بضعف السند بناء على تصلبه في العمل بهذا الاصطلاح المحدث، و الظاهر أنه لم يقف على الخبر و إلا لأشار إليه و أجاب عنه.
و الخلاف في هذا المقام وقع في موضعين:
أحدهما: ما ذكرناه من جواز الانفصال و عدمه، و قد عرفت دلالة الرواية على الجواز، إلا أنه قد قيل في وجه القول بالبطلان أيضا زيادة على ما ذكره السيد السند في شرح النافع حيث قال: إن صحة العقد توجب ترتب أثره، و أثره هنا هو تحقق الزوجية، و ذلك يمتنع مع تأخر الأجل فيكون فاسدا، لأنا لا نعني بالفاسد إلا ما لا يترتب أثره عليه، و لأنه لو صح العقد كذلك لزم كونها زوجة للعاقد، و خلية من الزوج في المدة، فيلزم جواز تزويجها لغيره خصوصا على تقدير وفاء المدة بالأجل و العدة، و الرواية المذكورة و إن دلت بإطلاقها على الجواز لكنها ضعيفة السند مجهولة الراوي فلا تصلح للدلالة.
و أجاب في المسالك عن ذلك فقال: و يمكن الجواب بأن الأثر مترتب على العقد، و من ثم حكمنا بالزوجية في المدة، فلو كان غير مترتب لما صح في ذلك
____________
(1) الكافي ج 5 ص 466 ح 4، التهذيب ج 7 ص 267 ح 75، الفقيه ج 3 ص 297 ح 27، الوسائل ج 14 ص 490 ح 1.
150
الوقت و تخلفه عن العقد بحسب مقتضى العقد، و إنما يتم ما ذكروه على تقدير اقتضائه الاتصال ثم لا يوجد الأثر.
أقول: فيه أن هذا الجواب غير تام لأن القائل بالبطلان هنا إنما قال به من حيث إن الواجب عنده اتصال الأجل بالعقد، و إنه لا يجوز جعله منفصلا لما ذكره من قوله «إن صحة العقد توجب ترتب أثره. إلى آخره»، و حينئذ فقوله- (قدس سره)- في الجواب بأن الأثر مترتب على العقد بالنظر إلى الحكم بالزوجية في المدة المتأخرة لا يرد على هذا القائل، لأنه يمنع ذلك و يقول بالبطلان في المدة المتأخرة و غيرها، فإن استند فيه إلى الرواية فهو قد اعترف كما تقدم، و سيأتي في كلامه الآتي من أنه لم يستند إليها لضعفها، و إنما جعلها شاهدة على هذه الاعتبار.
و بالجملة فإن الحكم بما ادعاه من صحة الزوجية في المدة المتأخرة حيث قال في آخره: و إنما يتم ما ذكروه على تقدير اقتضائه الاتصال ثم لا يوجد الأثر.
و العجب منه- (قدس سره)- أن صريح كلامه قبل هذا الكلام الذي نقلناه هو أن محل الخلاف ما قررناه من أنه هل يصح العقد مع انفصال الأجل عن العقد أم لا؟ و ما نقلناه من الاحتجاج الذي أجاب عنه هو احتجاج القائلين بالعدم، و أن صحة العقد يقتضي الاتصال، و لو فصل الأجل بطل العقد، فكيف يقول: و هذا إنما يتم على تقدير اقتضائه الاتصال ثم لا يوجد؟ فإن فيه اعترافا بصحة ما ذكروه من الاحتجاج و بطلان ما ذكره من الجواب، حيث إن الأمر كذلك كما عرفت، فإن هذا المحتج بهذه الحجة إنما احتج بها لقوله بالاتصال، و أنه لا يجوز عنده الانفصال للزوم تخلف أثره عند العقد.
و بالجملة فإن كلامه- (رحمه الله)- هنا لا يخلو عن تشويش و اضطراب، ثم إنه قال في تتمة الكلام المذكور عنه: و أما استلزام جواز العقد عليها فيمكن منع الملازمة أولا من حيث إنها ذات بعل، و العقد على ذات البعل لا يجوز،
151
و يمكن التزام الجواز لما ذكر و منع كونها ذات بعل مطلقا (1) بل في المدة المعينة و يترتب على ذلك ثبوت المحرمية قبل المدة و ثبوت المهر لو مات قبلها، فعلى الأول يمكن القول به، و على الثاني ينتفيان إلى أن قال: و الرواية المذكورة جعلت شاهدا للاعتبار لا مستندا للحكم فلا يضر ضعفها، و كيف كان فالقول بجواز النكاح مع تأخر المدة عن العقد قوي، انتهى.
أقول: أراد بالاعتبار الذي استند إليه و جعل الرواية شاهدا عليه هو ما قدمه أولا حيث قال: و إن عيناه منفصلا صح أيضا على الأقوى عملا بالأصل، و لوجود المقتضي للصحة و هو العقد المشتمل على الأجل المضبوط، و انتفاء المانع، و ليس إلا تأخره عن العقد، و لم يثبت شرعا كون ذلك مانعا، و يشهد له إطلاق رواية بكار بن كردم، ثم ساق الرواية.
و فيه أولا ما عرفت فيما قدمنا نقله عن سبطه في شرح النافع، فإنه كلام جيد، و مرجعه إلى أن الأصل عصمة الفروج حتى يقوم دليل على إباحتها، و الذي علم من الأدلة- بناء على طرح الرواية كما هو المفروض في كلامهم- هو اتصال الأجل بالعقد، و من ادعى سوى ذلك فعليه الدليل.
و بذلك يظهر لك ضعف تمسكه بالأصل بمعنى أصالة صحة العقد، فإن الأصل الذي ذكرناه أقوى متمسكا، لأن مرجعه إلى أصالة العدم و هو بديهي لا نزاع فيه.
و كيف كان فدليله بعد ما عرفت لا يخرج عن المصادرة، لأن قوله لوجود
____________
(1) أقول: الأقرب الثاني و هو منع كونها ذات بعل مطلقا، بل انما تتصف بذلك في المدة لأن أحكام ذات البعل لا يمكن إجراؤها عليها إلا في تلك المدة، فكيف يصدق عليها أنها ذات بعل و تدخل تحت أخبار تحريم التزويج بذات البعل، و الحال أنه لا يترتب عليها شيء من أحكام ذات البعل، نعم يمكن أن يقال: أنها ذات بعل في الجملة باعتبار المدة المتأخرة، و كيف كان فهذا الاشكال انما يتفرع على القول بجواز الانفصال، و أما مع القول بوجوب الاتصال فلا ورود له بالكلية. (منه- (قدس سره)-).
152
المقتضي للصحة إلى آخره عين المدعى، و الخصم يمنعه من حيث انفصال الأجل حتى يقوم دليل على الصحة مع الانفصال، و قوله «و لم يثبت شرعا كون ذلك مانعا فيه» أن الأصل العدم، و هو يقتضي أن الأصل المنع حتى يقوم دليل الثبوت.
و بالجملة فإن الخصم يدعي أن تأخير الأجل مانع لعدم ثبوت التعدية، و النوافل الشرعية من نكاح أو بيع أو نحوها موقوفة على السماع من صاحب الشريعة و لم يوجد دليل على أن هذا منها، و بذلك يظهر ضعف تقويته لما اختاره مع طرحه الرواية.
الموضع الثاني من الموضعين المذكورين: فيما لو أطلق يعني شرط أجلا مطلقا لم يعينه بكونه مفصولا أو موصولا، فالمشهور صحة العقد، و أنه يحمل على الاتصال لأنه المتبادر عرفا، و يؤيده أن أثر العقد يجب أن يترتب عليه حين وقوعه، إلا أن يمنع مانع كاشتراط التأخير أو نحوه، و المانع هنا منتف، و لأن المطلق يوجد في ضمن المتصل فيحصل به البراءة، و ظاهر الخبر المذكور في المسألة أيضا ذلك، فإن حكمه (عليه السلام) بنفي السبيل عليها مع عدم تسمية الشهر، بعد مضي الشهر المتصل بالعقد ظاهر في ذلك، و به صرح الشيخ في النهاية تبعا لظاهر الخبر فقال: و متى عقد عليها شهرا، و لم يذكر الشهر بعينه، و مضى عليه شهر ثم طالبها بعد ذلك بما عقد عليها لم يكن له عليها سبيل. انتهى، و هو مبني على حمل الإطلاق على الاتصال كما هو ظاهر.
و قال ابن إدريس: الصحيح ترك هذه الرواية لأن هذا أجل مجهول، إلا أن يقول شهرا من هذا الوقت فيصح لأنه معلوم، و رد بمنع المجهولية، لما عرفت من شهادة العرف بالاتصال، و مثله ما لو أجله إلى الخميس أو إلى الربيع فإنه يحمل على الأقرب مؤيدا بما قدمنا ذكره، و الله العالم.
الرابع [جواز جعل الأجل العرد و العردين]
قد دل الخبر الثامن على جواز جعل الأجل العرد و العردين، و هو على ما في أكثر النسخ بالعين و الراء المهملتين.
153
قال في القاموس: العرد: الصلب الشديد المنتصب و الذكر المنتشر المنتصب، و هو هنا كناية عن المرة و المرتين، و في بعض نسخ التهذيب العود بالواو، و لا يبعد أن يكون تصحيفا كما وقع التصريح بالمرة أيضا في الخبر التاسع، و في الخبر العاشر على عرد واحد أي مرة واحدة، و الذي ذكره الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- هو أنه إذا اتفقا على اشتراط المرة و المرتين، فإما أن يقتصرا على ذلك، أو يقيدا بزمان معين، بحيث يكون أجلا و ظرفا للعمل، أو يقيده بزمان على أن يكون ظرفا خاصة، كرة في هذا اليوم من غير أن يجعلا آخره منتهى الأجل، فهنا أقسام ثلاثة:
(أحدها) أن يقتصرا على ذكر العدد مرة أو مرتين أو أزيد
على وجه مضبوط من غير تقييد بزمان كما هو ظاهر الأخبار المذكورة، و قد اختلف كلام الأصحاب فيه على قولين: أحدهما- و عليه الأكثر- البطلان لقولهم (عليهم السلام) في جملة من الأخبار المتقدمة إلى أجل معلوم، و الأجل الواقع على هذا الوجه غير معلوم، إذ يمكن وقوع المرة و المرات في الزمن الطويل و القصير، و ظاهر الأخبار الثلاثة المتقدم ذكرها هو الجواز سيما الخبر العاشر، و قوله فيه «إذا فرغ فليحول وجهه».
و الجمع بين الأخبار هنا لا يخلو من الاشكال للمجهولية في هذه الصورة، و قد صرح بذلك في الحديث الحادي عشر، فقال: مرة مبهمة، إلا أنه حكم فيه بالانقلاب إلى الدائم، و هو القول الثاني في المسألة، و به صرح الشيخ في النهاية و التهذيب و المحقق في الشرائع استنادا إلى الخبر المذكور، و يأتي فيه البحث المتقدم، فإن الأصحاب قد ردوه بما تقدم في مسألة الإخلال بالأجل بالمرة من عدم القصد إلى الدائم، بل توجه القصد إلى المتعة، فلا ينصرف إلى الدائم بل يبطل من أصله، و قد تقدم الكلام معهم في ذلك و يأتي بناء على ما حققناه ثمة من عدم ثبوت هذه الضابطة التي بنوا عليها، و طرحوا الأخبار لأجلها، بل ظاهر الأخبار يدفعها، و يردها قوة ما ذهب إليه الشيخ.
154
و بالجملة فالمتأخرون القائلون بهذه الاصطلاح المحدث لهم أن يردوا هذه الأخبار كملا بضعف الاسناد، و يبنوا على ما ذكروه من القاعدة المذكورة و نحوها و أما القائلون بالعمل بجميع الأخبار كما هي قاعدة متقدمي علمائنا الأبرار و جملة من متأخري المتأخرين كما هو الحق العلي المنار، فيشكل الحكم لاختلاف هذه الأخبار كما عرفت، و إن كان قول الشيخ في النهاية لا يخلو من قرب.
و
(ثانيها) أن يشترط العدد في زمان معين بحيث يكون الزمان أجلا مضبوطا
كيوم و شهر و لكن ذكر العدد شرطا زائدا على ذلك، و هذا مما لا إشكال فيه و لا ريب يعتريه، لاستجماع العقد لشرائط الصحة المتفق عليها، و ليس فيه زيادة على غيره من العقود المذكورة في الأخبار إلا اشتراط الجماع مرة أو مرات، و هو من الشروط السائغة في هذا العقد، و عموم ما دل على وجوب الوفاء بالشروط يشمله، و يظهر الفائدة في عدم جواز الزيادة على المرات المشترطة، و لا تخرج عن الزوجية إلا بانقضاء المدة، و لا منافاة بين كونها زوجة و تحريم وطئها بعد تمام العدد المشترط، و يجوز الاستمتاع بها في بقية المدة بغير الوطي، لأنها زوجة.
بقي الكلام في أنها لو أذنت بالوطء بعد ذلك فهل يجوز أم لا؟ قال في المسالك: و في جواز الوطي بإذنها وجه، لأن ذلك حقها، فإذا أذنت جاز مع كونها زوجته، و يحتمل المنع لأن العقد لم يتضمن سوى ذلك العدد، و لم يتشخص إلا بما ذكر.
أقول: لا يخفى عليك ضعف هذا الاحتمال، و أن الوجه إنما هو الأول، لما
رواه الصدوق (1) عن إسحاق بن عمار، و طريقه إليه صحيح، و هو مشترك بين الثقة و الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل تزوج بجارية عاتق على أن لا يفتضها، ثم أذنت له بعد ذلك، قال: إذا أذنت له فلا بأس».
و هي الدليل الحق
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 297 ح 30، الوسائل ج 14 ص 458 ح 3.
155
دون هذا الوجه الاعتباري الذي ذكره.
و
(ثالثها) أن يشترطاه في وقت معين بحيث يكون ظرفا له كاليوم مثلا
، و لا مدخل له في التأجيل، و المراد أن لا يقع خارج ذلك اليوم منه شيء، و تبين بانتهاء العدد المشروط، كما أنها تبين بانقضاء ذلك الوقت، و إن لم يفعل.
قال في المسالك، و في صحته قولان: أصحهما البطلان لجهالة الأجل، إذ يحتمل الزيادة و النقصان حيث يكون مقيدا بانقضاء العدد.
و يظهر من الشيخ في النهاية الصحة، حيث قال: إن ذكر المرة و المرتين جاز إذا أسنده إلى يوم معلوم، فإن إسناده إلى اليوم أعم من جعله بمجموعه أجلا أو جعل اليوم ظرفا كما ذكرناه.
و هذا هو الذي فهمه منه العلامة في المختلف، فإنه قال بعد نقله لكلامه بصحة ذلك و البطلان مع إبهام المرة: و الحق البطلان في الجميع، و علل البطلان بأنه ذكر أجلا مجهولا، و يجيء على قول الشيخ بانعقاد الشرط بالعدد المبهم صحته دائما أن يصح هنا كذلك، لأن الأجل المجهول باطل، فيساوي غير المذكور، و جوابه الفرق و منع الأصل، انتهى.
الخامس [حكم التزويج بأخت المتمتع بها قبل انقضاء العدة]
ظاهر قوله (عليه السلام) في الخبر السابع كان طلاقها في شرطها و لا عدة لها عليك- و مثله في الخبر الحادي عشر- «أنه يجوز للزوج التزويج بأخت زوجته المتمتع بها بعد انقضاء مدتها و إن كانت في العدة» (1) لأن المراد بأنه لا عدة لها على الزوج أنه لا يلزمه الصبر إلى انقضاء عدتها ليحل له ما حرم عليه بتزويجها
____________
(1) أقول: و بما ذكرناه من معنى الخبر صرح المحدث الكاشاني في الوافي فقال:
و لا عدة لها عليك، أى ليس عليك أن تصبر الى انقضاء عدتها إذا أردت أن تنكح أختها بعد حلول الأجل، أو ابنة أختها أو ابنة أخيها، أو نحو ذلك من الأمور كما تكون تصبر في عدة الدائم. انتهى، و قيل: بأن المراد من العبارة المذكورة أن العدة بمعنى العدد، أى لا يلزمك رعاية كونها من الأربع، و لا يخفى بعده. (منه- (قدس سره)-).
156
من نكاح الأخت، و الخامسة، و ابنة الأخت، و ابنة الأخت، و هو موافق لما هو المشهور بين الأصحاب من جواز التزويج بهؤلاء المذكورين في عدة المتعة، لأنها بائنة ليس للزوج عليها رجعة كالعدة الرجعية، إلا أن بعض الأخبار قد دلت على تحريم التزويج بالأخت في هذه العدة، و هو مذهب الشيخ المفيد و جماعة تقدم ذكرهم، و قد تقدم تحقيق الكلام في هذه المسألة الثالثة من المقام الأول من المطلب الرابع في استيفاء العدد من الفصل الثاني فليراجع، و المسألة بسبب تأييد الأخبار السابقة الدالة على الجواز بهذين الخبرين لا يخلو من الإشكال، إلا أن الاحتياط سيما في الفروج مطلوب، و هو في العمل برواية التحريم، و الله العالم.
الرابع [ذكر المهر]
من الموارد المتقدم ذكرها في المهر: الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب- رضي الله عنهم- في أن ذكر المهر شرط في صحة هذا العقد، فيبطل بفواته بخلاف الدائم، و عليه تدل النصوص المتقدمة في سابق هذا المورد كقوله (عليه السلام) في خبر الأول «لا يكون متعة إلا بأمرين أجل مسمى و مهر مسمى» و في الثاني «مهر معلوم إلى أجل معلوم» و نحوهما غيرهما، و الفارق بينه و بين العقد الدائم في ذلك النصوص باشتراطه هنا في صحة هذا العقد، و عدم الاشتراط ثمة، و علل أيضا زيادة على ذلك، بأن الغرض الأصلي من نكاح المتعة هو الاستمتاع و إعفاف النفس، فاشتد شبهة بعقود المعاوضات بخلاف عقد الدوام، فإن الغرض الأصلي منه بقاء النسل و غيره من الأغراض المترتبة عليه التي لا تقصد من المتعة، فكان شبهه بالمعاوضات أقل، فمن ثم جاز تجريد العقد منه، و لم يكن ذكره شرطا.
و لا يخفى ما فيه من تطرق المناقشة، إلا أن الأمر في ذلك سهل بعد دلالة النصوص على المراد.
و كيف كان ففي هذا المقام أحكام يجب التنبيه عليها لالجاء الضرورة و الحاجة في أكثر الموارد إليها.
أحدها [اشتراط كون المهر مملوكا معلوما]
قالوا: إنه يشترط في المهر أن يكون مملوكا معلوما بالكيل
157
أو الوزن أو المشاهدة أو الوصف، و يتقدر بالمرضاة قل أو كثر، و هذا الكلام يتضمن أحكاما ثلاثة:
(أحدها) أن يكون مملوكا، و المراد به ما يشمل ما يصح تملكه كالخمر و الخنزير، و ما يختص تملكه بالعاقد، فلا يجوز العقد على مال مغصوب غير مملوك للعاقد، قالوا: فلو عقد على مال الغير لم يصح، لامتناع أن يملك البضع بمال غيره، و إن رضي المالك بعد ذلك، بخلاف البيع و نحوه من عقود المعاوضات، فإن الإجازة تؤثر في نقله إلى ملك المالك، و هنا لا يتصور ذلك.
أقول: لا يظهر لي وجه حسن في الفرق بين الأمرين، بناء على ما يدعونه من صحة الفضولي، و أما بناء على ما هو المختار من بطلان الفضولي فلا إشكال.
و (ثانيها) العلم بمقداره، فإن كان مكيلا فبالكيل، و إن كان موزونا فبالوزن أو معدودا فبالعدد، قالوا: و تكفي المشاهدة في هذه الثلاثة عن الاعتبار بما ذكر كصبرة الحنطة لاندفاع الغرر المطلوب دفعه في هذه المعاوضة، و إن لم يندفع في غيرها لأنها ليست معاوضة محضة بحيث تبنى على المغابنة و المكايسة، بل يعتبر رفع الغرر في الجملة، لأن الركن الأظهر فيها الاستمتاع و لواحقه، و من ثم أطلق عليه اسم الصدقة و النحلة.
أقول: قد عرفت ما في البناء على أمثال هذه التعليلات في تأسيس الأحكام الشرعية من الاشكال، و لا يحضرني الآن نص في المسألة، و كيف كان فما ذكروه من الاكتفاء بالمشاهدة مخصوص بما إذا كان حاضرا، فلو كان غائبا اعتبر وصفه بما يرفع الجهالة فيبطل العقد بدونه، هكذا قالوا أيضا و قال السيد السند في شرح النافع بعد ذكر نحو ما ذكرنا فيما قطع به الأصحاب: و للنظر فيه مجال، و الظاهر أنه إشارة إلى ما أشرنا إليه.
و (ثالثها) إنه لا تقدير له قلة و كثرة و إنما يتقدر بالمراضاة، و على ذلك تدل جملة من الأخبار.
158
منها ما رواه
الكليني (1) عن الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المهر ما هو؟ قال: ما تراضى عليه الناس».
و عن زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الصداق كل شيء تراضى الناس عليه قل أو كثر في متعة أو تزويج غير متعة».
و عن فضيل بن يسار (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الصداق ما تراضيا عليه من قليل أو كثير فهذا الصداق».
و عن أبي بصير (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أدنى مهر المتعة ما هو؟ قال:
كف من طعام، دقيق أو سويق أو تمر».
و ما رواه
ابن بابويه (5) في الحسن عن محمد بن النعمان الأحول «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) قال: أدنى ما يتزوج به الرجل متعة؟ قال: كفين من بر».
و نقل عن ابن بابويه أنه قال: أدنى ما يجزي في المتعة درهم فما فوقه.
و ربما كان مستنده ما رواه
أبو بصير (6) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن متعة النساء؟ فقال: حلال، و أنه يجزي فيه الدرهم فما فوقه».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 378 ح 1، التهذيب ج 7 ص 354 ح 4، الوسائل ج 15 ص 1 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 378 ح 4، الفقيه ج 3 ص 296 ح 23 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 2 ح 6.
(3) الكافي ج 5 ص 378 ح 3، التهذيب ج 7 ص 354 ح 5 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 1 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 457 ح 4، الوسائل ج 14 ص 471 ح 5.
(5) الكافي ج 5 ص 457 ح 2 مع اختلاف يسير، التهذيب ج 7 ص 260 ح 50، الفقيه ج 3 ص 294 ح 15، الوسائل ج 14 ص 471 ح 2.
(6) الكافي ج 5 ص 457 ح 3، التهذيب ج 7 ص 260 ح 51، الوسائل ج 14 ص 470 ح 1.
159
و حمل الخبر جمعا بينه و بين ما عرفت من هذه الأخبار المتقدمة و نحوها على الأدنى في العادة و إن كانت الأدنى منه جائزا شرعا.
و
ثانيها [في وجوب دفع المهر بالعقد]
قد صرح جملة من الأصحاب (1) بأنه يجب دفع المهر بالعقد، و استشكله آخرون.
أما (أولا) فبأن المهر أحد العوضين الذي لا يجب تسليمه إلا بتسليم العوض الآخر، فلا بد من تسليمها نفسها.
و (ثانيا) بما رواه
في الكافي (2) في الصحيح عن عمر بن أبان عن عمر بن حنظلة قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أتزوج المرأة شهرا فتريد مني المهر كملا و أتخوف أن تخلفني، فقال: يجوز أن تحبس ما قدرت عليه، فإن هي أخلفتك فخذ منها بقدر ما تخلفك».
و هي ظاهرة كما ترى في عدم وجوب دفعه إليها كملا.
و كيف كان فالمفهوم من الأخبار أنه لا يستقر ملكها للمهر إلا بالدخول و مضي المدة، فلو لم تف له المدة جاز له مقاصتها بالنسبة، و ظاهرهم أنه موضع وفاق.
و مما يدل على ذلك الرواية المذكورة، و ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) في الصحيح إلى عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: أتزوج المرأة شهرا فأحبس عنها شيئا؟ قال: نعم، خذ منها بقدر ما تخلفك، إن كان نصف شهر فالنصف، و إن كان ثلثا فالثلث».
و عن إسحاق بن عمار (4) في الموثق قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): الرجل
____________
(1) منهم المحقق في الشرائع و العلامة في القواعد و غيرهما. في غيرهما. (منه- (رحمه الله).
(2) الكافي ج 5 ص 460 ح 1 و فيه «لا يجوز» الوسائل ج 14 ص 481 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 461 ح 3، التهذيب ج 7 ص 260 ح 53، الوسائل ج 14 ص 481 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 461 ح 4، الوسائل ج 14 ص 481 ح 3.
160
يتزوج المرأة متعة بشرط أن تأتيه كل يوم حتى توفيه شرطه، أو يشترط أياما معلومة تأتيه فتغدر به فلا تأتيه على ما شرط عليها، فهل يصلح أن يحاسبها على ما لم تأته من الأيام فيحبس عنها من مهرها بحساب ذلك؟ قال: نعم، فينظر ما قطعت من الشرط، فيحبس عنها من مهرها بمقدار ما لم تف له ما خلا أيام الطمث فإنها لها، فلا يكون له إلا ما حل له فرجها».
و ما رواه
في الفقيه (1) عن صفوان بن يحيى عن عمر بن حنظلة قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أتزوج المرأة شهرا بشيء مسمى فتأتي بعض الشهر، و لا تفي ببعض؟ قال: تحبس عنها من صداقها بقدر ما أحبست عنك، إلا أيام حيضها فإنها لها».
أقول: ظاهر لفظ حبس بعض المهر في جملة من هذه الأخبار دال على ما قدمنا من عدم وجوب دفع المهر بمجرد العقد خلافا لما ذكروه، لأن حبسه عنها يقتضي بقاءه في ذمة الزوج و عدم دفعه لها، و بذلك يظهر ضعف ما تقدم نقله عنهم، و الله العالم.
و
ثالثها [في الأخبار الدالة على أنه يصح لمن تمتع بامرأة أن يهبها جميع المدة]
الظاهر لا خلاف بين الأصحاب في أنه لو وهب المتمتع زوجته المدة بعد الدخول بها فإنه لا يسقط شيء من المهر لاقتضاء العقد وجوب الجميع و استقراره بالدخول، فسقوط شيء منه يتوقف على دليل، و ليس فليس، و سقوط بعض منه بالتوزيع كما تقدم لقيام دليل عليه- لا يقتضي ذلك في غيره بغير دليل، و إن كان قبل الدخول وجب نصف المهر، و سقط النصف الآخر.
و ينبغي أن يعلم أولا أن مذهب الأصحاب من غير خلاف يعرف أنه يصح لمن تمتع بامرأة أن يهبها جميع المدة و بعضها قبل الدخول و بعده، و على ذلك تدل جملة من الأخبار.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 294 ح 14، الوسائل ج 14 ص 482 ح 4.
161
منها ما رواه
الصدوق (1) في الصحيح عن علي بن رئاب قال: «كتبت إليه أسأله عن رجل تمتع بامرأة ثم وهب لها أيامها قبل أن يفضي إليها، أو وهب لها أيامها بعد ما أفضى إليها، هل له أن يرجع فيما وهب من ذلك؟ فوقع (عليه السلام):
لا يرجع».
و عن يونس بن عبد الرحمن (2) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة متعة، فعلم بها أهلها، فزوجوها من رجل في العلانية، و هي امرأة صدق، قال:
لا تمكن زوجها من نفسها حتى تنقضي عدتها و شرطها، قلت: إنه كان شرطها سنة، و لا يصبر زوجها، قال: فليتق الله زوجها و ليتصدق عليها بما بقي» الحديث.
و رواه
في الكافي (3) عن إسحاق بن عمار عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) بأدنى تفاوت، و فيه «فليتق الله زوجها الأول و ليتصدق عليها بالأيام، فإنها قد ابتليت و الدار دار هدنة، و المؤمنون في تقية» الحديث (4).
و عن أبان بن تغلب (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك الرجل يتزوج المرأة متعة فيتزوجها على شهر، ثم إنها تقع في قلبه فيجب أن يكون شرطه أكثر من شهر، فهل يجوز أن يزيدها في أجرها و يزداد في الأيام قبل أن
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 293 ح 8، الوسائل ج 14 ص 483 ب 29 ح 1.
(2) الفقيه ج 3 ص 294 ح 17، الوسائل ج 15 ص 456 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 466 ح 6، الوسائل ج 14 ص 493 ح 1.
(4) و تمامه «قلت: فإنه تصدق عليها في أيامها و أنقصت عدتها كيف تصنع؟ قال:
إذا خلا الرجل بها فلنقل هي: يا هذا ان أهلي وثبوا على فزوجوني منك بغير أمري و لم يستأمروني و انى الان قد رضيت فاستأنف أنت الان فتزوجني تزويجا صحيحا فيما بيني و بينك». (منه- (قدس سره)-).
(5) الكافي ج 5 ص 458 ح 2، التهذيب ج 7 ص 268 ح 78، الوسائل ج 14 ص 478 ح 1.
162
تنقضي أيامه التي شرط عليها، فقال: لا يجوز شرطان في شرط، قلت: كيف يصنع، قال: يتصدق عليها بما بقي من الأيام، ثم يستأنف شرطا جديدا».
و هذه الأخبار مع اتفاقها على ما ذكرناه من صحة الهبة بجميع المدة و بعضها قبل الدخول و بعده مؤيدة بظاهر اتفاق الأصحاب على الحكم المذكور، و بذلك يظهر ما في كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك- حيث قال: و قد يشك في جواز هذه الهبة من حيث تجدده شيئا فشيئا، فالثابت في الذمة حال البراءة ليس هو الحق للتجدد- فإنه محض اجتهاد في مقابلة النصوص.
إذا تقرر ذلك فاعلم أن ما قدمنا ذكره من أنه لو كان هبة المدة قبل الدخول وجب لها نصف المهر و سقط النصف الآخر كما في الطلاق قبل الدخول، الظاهر أنه مما لا خلاف فيه بل ادعى عليه المحقق الشيخ علي الإجماع.
و يدل عليه أيضا ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) بطريقين أحدهما في الموثق عن سماعة قال: «سألته عن رجل تزويج جارية أو تمتع بها ثم جعلته في حل من صداقها يجوز أن يدخل بها قبل أن يعطيها شيئا؟ قال: نعم، إذا جعلته في حل فقد قبضته منه، فإن خلالها قبل أن يدخل بها ردت المرأة على الزوج نصف الصداق».
و التقريب فيها أنه لو لا أن الحكم تنصيف المهر في الصورة المذكورة لكان الواجب أن لا ترد إليه شيئا أو ترد الجميع كما لا يخفى، و ظاهره في المسالك التوقف في الحكم، و منشأه المناقشة في ثبوت الإجماع المدعى، و أن الرواية مقطوعة يعني مضمرة، و اعتمد في وجوب تمام المهر على اقتضاء العقد، لقصور الدلالة على المسقط، و ظاهر السيد السند في شرح النافع العمل بالرواية، و إن كانت ضعيفة لجبرها باتفاق الأصحاب لعدم ظهور المخالف، بل دعوى الإجماع كما عرفت، و كل منهما قد خالف نفسه في غير موضع فيما ذكرناه هنا، و الوجه فيه ما قدمنا ذكره من أن أصحاب هذا الاصطلاح- لضيق الخناق- لا يقفون على ضابطة
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 261 ح 55، الوسائل ج 14 ص 483 ح 1.
163
يعتمدون عليها و لا قاعدة يرجعون إليها، و الحق هو القول المشهور، فإنه بعد ورود الخبر به لا يعتريه قصور و لا فتور، و قد صرح غير واحد منهم كما تقدم قريبا بأن الإضمار غير مضر في الأخبار و لا موجب فيها لسقوط الاعتبار.
ثم إنه ينبغي أن يعلم أن ما ذكر من التنصيف في الهبة قبل الدخول مما لا إشكال فيه، إذا وقعت الهبة بجميع المدة الباقية وقت الهبة كما هو ظاهر الخبر الذي هو مستند هذا الحكم، أما لو وهبها البعض خاصة قبل الدخول و قلنا بجوازه و انقضت المدة و لم يدخل فالأظهر أنه لا يسقط من المهر شيء اقتصارا فيما خالف الأصل على مورد النص و الوفاق، قيل: و يحتمل السقوط لصدق التفرق قبل الدخول و رد بأنه ضعيف.
و الظاهر كما استظهره جملة من الأصحاب أن هذه الهبة في معنى الإبراء، فلا يتوقف على القبول، و قال في المسالك: يصح هبة المدة جميعها.
و
رابعها [فيما لو تبين فساد عقد المتعة بأحد الوجوه الموجبة لذلك]
إذا تبين فساد عقد المتعة بأحد الوجوه الموجبة لذلك، كأن ظهر أن لها زوجا، أو أنها أخت زوجته، أو أمها أو نحو ذلك مما يوجب فسخ العقد فإن كان قبل الدخول فلا خلاف في أنه لا شيء لها من المهر، و إن أخذته استعاده منها، إنما الخلاف فيما إذا ظهر شيء من ذلك بعد الدخول، فللأصحاب فيه أقوال:
(أحدها) و هو مذهب الشيخين في المقنعة و النهاية أن لها ما أخذت و لا يلزمه أن يعطيها ما بقي، و لم يفصلا بين كونها عالمة أو جاهلة، و استدل عليه الشيخ في التهذيب (1) بما رواه
في الحسن عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا بقي عليه شيء من المهر و علم أن لها زوجا فما أخذته فلها بما استحل من فرجها و يحبس عنها ما بقي عنده».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 461 ح 2، التهذيب ج 7 ص 261 ح 54 الوسائل ج 14، ص 482 ح 1.
164
أقول: و نحو هذه الرواية ما رواه
في الكافي (1) عن علي بن أحمد بن أشيم قال: «كتب إليه الريان بن شبيب- يعني أبا الحسن (عليه السلام)-: الرجل يتزوج المرأة متعة بمهر إلى أجل معلوم و أعطاها بعض مهرها و أخرته بالباقي ثم دخل بها و علم بعد دخوله بها قبل أن يوفيها باقي مهرها إنما زوجته نفسها و لها زوج مقيم معها، أ يجوز له حبس باقي مهرها أم لا يجوز؟ فكتب (عليه السلام): لا يعطيها شيئا لأنها عصت الله عز و جل».
و الرواية الاولى و إن دلت بإطلاقها على عدم الفرق بين العالمة بالزوج و الجاهلة بأن تعتقد خلوها من الزوج بطلاق أو موت ثم يظهر خلافه، إلا أنه يجب حملها على الجاهلة بقرينة قوله (عليه السلام) في الخبر «فما أخذته فلها بما استحل من فرجها» حيث إنه مع فرض كونها عالمة تكون بغيا و لا مهر لبغي، فكيف يكون ما أخذت ملكا لها بما استحل من فرجها!! و يؤيده قوله (عليه السلام) في الرواية الثانية المشتملة على العالمة «لا تعطها شيئا فإنها عصت الله تعالى»، و ظاهره جواز استرجاع ما أخذته، و لكن لما كان سؤال السائل إنما هو عن جواز حبس الباقي و عدمه أجابه بما ذكر في الخبر، فكأنه (عليه السلام) فهم منه الاعراض عما دفعه لها و عدم إرادته، و إلا فإنه يستحق المطالبة به، لما عرفت من أنها بغي، فلا يستحق شيئا. و الظاهر أيضا حمل كلام الشيخين على ذلك، و لا يحضرني الآن صورة كلاميهما فإن كان وفق عبارة الخبر فالقرينة فيه ظاهرة أيضا.
و بالجملة فما ذكرناه هو الأوفق بالأصول و القواعد، و قد عرفت أن الرواية لا تأباه إلا ان في ذلك إشكالا سيأتي التنبيه عليه.
بقي الكلام فيما لو لم يدفع إليها شيئا بالكلية، أو دفع الجميع، فإن الرواية لا دلالة فيها على حكم شيء من هذين الفردين، و مقتضى القواعد في هذا الباب أنها إن كانت عالمة فإنه يسترجع ما دفع و يمنعها من الجميع إن لم يدفع،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 461 ح 5، الوسائل ج 14 ص 482 ح 2.
165
و إن كانت جاهلة فإنه يكون نكاح شبهة يرجع فيه إلى مهر المثل، لكن هل يقسط على المدة كما إذا أخلفته و لم تف له بتمام المدة أو تستحق الجميع؟ إشكال، و لعل الأول أقرب و الله العالم.
و (ثانيها) أنها إن كانت عالمة فلا شيء لها مطلقا لأنها بغي، و لا مهر لبغي، و إن كانت جاهلة فلها مجموع المسمى، فإن قبضته و إلا أكمل لها، و اختاره المحقق في الشرائع و جماعة، و أورد عليه بالنسبة إلى صورة الجهل، بأن المسمى إنما يلزم بالعقد الصحيح لا الفاسد، و العقد هنا فاسد، و مجرد التراضي بالعقد لا يقتضي لزومه.
و (ثالثها) أنه لا شيء لها مع العلم مطلقا، و مع الجهل فلها مهر المثل مطلقا لأن ذلك هو عوض البضع في وطئ الشبهة، و الواقع هنا كذلك، و هذا هو مختار المحقق في النافع و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، قال السيد السند في شرح النافع: و هو جيد مع إطراح الرواية.
أقول: لا ريب أن مقتضى القواعد بالنسبة إلى صورة الجهل هو وجوب مهر المثل مطلقا، و الرواية و لو على تقدير ما حملناها عليه من التخصيص بالجاهلة قد تضمنت حبس الباقي من المهر، و القول الثالث إنما يتم بطرحها، إلا أنه يمكن أن يقال بتخصيص القاعدة المذكورة بهذه الرواية، و يجب الوقوف فيها على مورد النص من عقد المتعة إذا ظهر أن لها زوجا بعد أن أخذت بعضا من المهر و بقي بعض.
و هل المراد بمهر المثل مهر أمثالها بحسب حالها لتلك المدة التي سلمت نفسها فيها متعة أو مهر المثل للنكاح الدائم، لأن ذلك هو قيمة البضع عند وطئ الشبهة من غير اعتبار العقد المخصوص أو غيره؟ قولان: استظهر في شرح النافع الأول و نفي البعد في المسالك عن الثاني لما ذكرناه من التعليل، و سيجيء الكلام في ذلك و المسألة محل إشكال.
166
و (رابعها) أنه لا شيء لها مع العلم، و مع الجهل يلزمه أقل الأمرين من المسمى و مهر المثل، لأن مهر المثل إن كان أقل فهو عوض البضع حيث تبين بطلان العقد، و إن كان المسمى هو الأقل فقد قدمت على أن لا يستحق غيره.
و أورد عليه بأنه يشكل بأن المسمى إنما رضيت به على وجه مخصوص و هو كونها زوجة، فلا يلزم الرضاء به على تقدير فساد العقد، ثم إنه على تقدير صحة القول المذكور فلو كان في أثناء المدة فالمعتبر الأقل من قسطها من المسمى و مهر المثل بأحد الاختيارين.
قال في المسالك: و لا بأس بهذا القول لو قال به أحد يعتد به من الفقهاء بحيث لا يخرق الإجماع إن اعتبر في الأقوال الحادثة مثل هذا كما هو المشهور.
و اعترضه سبطه في شرح النافع فقال بعد نقل ذلك عنه: أقول: إن إحداث القول في المسألة إنما يمنع منه إذا كان قد انعقد الإجماع البسيط أو المركب على خلافه لاقتضائه الخروج عن قول الامام (عليه السلام) لدخول قوله (عليه السلام) في أقوال المجمعين كما هو المقدر، هذا إنما يتحقق إذا نقل الإجماع في المسألة، أما إذا وجد فيها منا قول أو أقوال و لم ينقل عليها إجماع و لا ظهر المخالف فإن ذلك لا يكون إجماعا و لا يقتضي المنع من إحداث قول مخالف له، و إن لم يعلم وجود قائل به.
هذا كله بعد تسليم كون الإجماع المنقول في كتب الأصحاب هو الإجماع الذي علم فيه دخول قول المعصوم (عليه السلام) في أقوال المجمعين، و من تتبع كلام الأصحاب و ما وقع لهم في نقل الإجماع من الاختلاف و الاضطراب خصوصا ما وقع في كلام الشيخ و المرتضى من دعوى كل منهما الإجماع على نقيض ما ادعى عليه الآخر في عدة مسائل، و دعوى الشيخ في الخلاف الإجماع في مسائل كثيرة و إفتائه بخلاف ذلك في مواضع أخر علم أنهم لا يريدون بالإجماع ذلك المعنى، و إنما يريدون به المشهور بين الطائفة أو غير ذلك مما لم تثبت حجيته و الله العالم، انتهى و هو جيد.
أقول: لا يخفى على من تتبع كلام شيخنا الشهيد الثاني- (رحمه الله)- في
167
المسالك ما وقع من الاضطراب في هذا المقام، و قد قدمنا عنه في كتاب الوصايا في مسألة ما لو أوصى له بأبيه فقبل الوصية ما هو ظاهر بل صريح في إبطال هذا الكلام و أنه من أضعف الأوهام.
فإنه قال: و لا يقدح دعواه الإجماع في فتوى العلامة بخلافه، لأن الحق أن إجماع أصحابنا إنما يكون حجة مع تحقق دخول قول المعصوم (عليه السلام) في جملة أقوالهم، فإن حجيته إنما هي باعتبار قوله عندهم، و دخول قوله في أقوالهم في مثل هذه المسألة النظرية غير معلوم، و قد نبه المصنف في أوائل المعتبر على ذلك فقال: إن حجية الإجماع لا تتحقق إلا مع العلم القطعي بدخول قول المعصوم (عليه السلام) في قول المجمعين، و نهى عن الاغترار بمن يتحكم و يدعي خلاف ذلك، و هذا عند الإنصاف عين الحق، فإن إدخال قول شخص غائب لا يعرف قوله في قول جماعة معروفين بمجرد اتفاقهم على ذلك القول بدون العلم بموافقته لهم تحكم بارد، و بهذا يظهر جواز مخالفة الفقيه المتأخر لغيره من المتقدمين في كثير من المسائل التي ادعوا فيها الإجماع إذا قام عنده الدليل على ما يقتضي خلافهم، و قد اتفق ذلك لهم كثيرا، لكن زلة المتقدم مسامحة عند الناس دون المتأخر. انتهى، و هو جيد يستحق أن يكتب بالنور على وجنات الحور.
المقام الثاني في الأحكام و اللواحق التابعة للمقام:
و فيه مسائل
الأولى [صحة الاشتراط في العقود بما لا يخالف الكتاب و السنة]:
لا ريب و لا إشكال في صحة الاشتراط في العقود بما لا يخالف الكتاب و السنة، و وجوب الوفاء به لعموم الأخبار الدالة على وجوب الوفاء بها، و المفهوم في كلام أكثر الأصحاب أن الشرط إنما يعتد به و يجب الوفاء إذا وقع بين الإيجاب و القبول ليكون من جملة العقد اللازم، فلو قدمه على العقد أو أخره عنه لم يقع معتدا به، لأنه و الحال هذه لا يكون محسوبا من العقد.
و قال الشيخ في النهاية: كل شرط يشترط الرجل على المرأة يكون له
168
تأثير بعد ذكر العقد، فإن ذكر الشروط و ذكر بعدها العقد كانت الشروط التي قدم ذكرها باطلة لا تأثير لها، فإن كررها بعد العقد ثبت على ما شرط.
و أنكر ابن إدريس ذلك و خص اللزوم بما اشتمل عليه العقد، و عليه كافة المتأخرين، و ربما قيل بأن ما دل على الوفاء بالشرط كما يشمل الشرط الذي في العقد يشمل ما تقدم و ما تأخر عنه أيضا، إلا أن يدعى منع صدق اسم الشرط على غير ما لم يذكر في العقد.
و الذي وقفت من الأخبار في هذا المقام ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن محمد ابن مسلم في الموثق قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في الرجل يتزوج المرأة متعة إنهما يتوارثان إذا لم يشترطا، و إنما الشرط بعد النكاح».
و عن ابن بكير (2) في الموثق أو الحسن قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما كان من شرط قبل النكاح هدمه النكاح، و ما كان بعد النكاح فهو جائز» الحديث.
و ما رواه
في الكافي (3) عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا تَرٰاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ» (4) فقال: ما تراضوا به من بعد النكاح فهو جائز و ما كان قبل النكاح فلا يجوز إلا برضاها و بشيء يعطيها فترضى به».
و عن ابن بكير في الموثق (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا اشترطت على
____________
(1) الكافي ج 5 ص 456 ح 4، التهذيب ج 7 ص 265 ح 69، الوسائل ج 14 ص 469 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 456 ح 1، التهذيب ج 7 ص 262 ح 59، الوسائل ج 14 ص 468 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 456 ح 2، الوسائل ج 14 ص 469 ح 3.
(4) سورة النساء- آية 24.
(5) الكافي ج 5 ص 456 ح 3، التهذيب ج 7 ص 263 ح 64، الوسائل ج 14 ص 468 ح 1.
169
المرأة شروط المتعة فرضيت به و أوجبت التزويج فاردد عليها شرطك الأول بعد النكاح، فإن أجازته فقد جاز، و إن لم تجزه فلا يجوز عليها ما كان من الشرط قبل النكاح».
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) بعد أن ذكر أن وجوه النكاح الذي أمر الله جل و عز بها أربعة أوجه إلى أن قال: «و الوجه الثاني نكاح بغير شهود و لا ميراث و هو نكاح المتعة بشروطها، و هي أن تسأل المرأة فارغة هي أم مشغولة بزوج أو بعدة أو بحمل، و إذا كانت خالية من ذلك قال لها: و تمتعيني نفسك على كتاب الله و سنة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) نكاح غير سفاح كذا و كذا بكذا و كذا، و بين المهر و الأجل على أن لا ترثيني و لا أرثك، و على أن الماء أضعه حيث أشاء، و على أن الأجل إذا انقضى كان عليك عدة خمسة و أربعين يوما، فإذا أتممت قلت لها:
متعيني نفسك، و تعيد جميع الشروط عليها، لأن القول الأول خطبة، و كل شرط قبل النكاح فاسد، و إنما ينعقد الأمر بالقول الثاني، فإذا قالت في الثاني: نعم دفع إليها المهر أو ما حضر منه، و كان ما بقي دينا عليك، و قد حل لك وطؤها».
انتهى.
و نقل شيخنا المجلسي في كتاب البحار (2) عن خبر المفضل الوارد في الغيبة قال: «و فيه قال المفضل للصادق (عليه السلام): يا مولاي فالمتعة؟ قال: المتعة حلال طلق، و الشاهد فيها قول الله عز و جل، ثم ساق كلاما طويلا إلى أن قال: قال المفضل:
يا مولاي فما شرائط المتعة؟ قال: يا مفضل لها سبعون شرطا من خالف منها شرطا واحدا ظلم نفسه، قال: قلت: يا سيدي قد أمرتمونا أن لا نتمتع ببغية و لا مشهورة بفساد و لا مجنونة، و أن ندعو المتعة إلى الفاحشة فإن أجابت فقد حرم الاستمتاع بها، و أن نسأل أ فارغة أم مشغولة ببعل أو حمل أو عدة، فإن شغلت بواحدة من الثلاث فلا تحل، و إن خلت فيقول لها: متعيني نفسك على كتاب الله عز و جل
____________
(1) فقه الرضا ص 232، مستدرك الوسائل ج 2 ص 589 ب 14 ح 2.
(2) البحار ج 103 ص 301 ح 11، مستدرك الوسائل ج 2 ص 592 ب 32 ح 1.
170
و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله) نكاحا غير سفاح، أجلا معلوما بأجرة معلومة- و هي ساعة أو يوم أو يومان أو شهر أو سنة أو ما دون ذلك أو أكثر، و الأجرة ما تراضيا عليه من حلقة خاتم أو شسع نعل أو شق تمرة إلى فوق ذلك من الدراهم و الدنانير أو عرض ترضى به- على أن لا ترثيني و لا أرثك، و على أن الماء لي أضعه منك حيث أشاء، و عليك الاستبراء خمسة و أربعين يوما أو محيضا واحدا، فإذا قالت، نعم أعدت القول ثانية و عقدت النكاح، فإن أحببت و أحبت هي الاستزادة في الأجل زدتما» الحديث.
أقول: هذه الأخبار قد اتفقت على بطلان الشرط المتقدم قبل العقد، و الأصحاب قد فهموا من كلام الشيخ أن ذكر الشروط في أثناء العقد لا تلزم إلا أن تعاد بعده، و هو ظاهر أكثر الأخبار المتقدمة، إلا أنهم حملوا لفظ النكاح- في قوله (عليه السلام): و ما كان بعد النكاح فهو جائز- على الإيجاب، و أنه (عليه السلام) سماه نكاحا مجازا، و على ذلك أيضا حملوا عبارة الشيخ.
و أنت إذا تأملت في كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي و كذا حديث المفضل ظهر لك صحة ذلك، فإن ظاهر الخبرين المذكورين هو ذكر الشروط مرتين (أما) المرة الأولى فهي للاعلام بها، و استعلام رضا المرأة بذلك و عدمه، و (أما) الثانية فهي للعقد الذي يستبيح نكاحها كما هو صريح عبارة كتاب الفقه الرضوي، و كذا حديث المفضل حيث قال: فإذا قالت: نعم أعدت القول ثانية و عقدت النكاح، و هما ظاهران في أن عقد النكاح إنما هو بالقول الثاني، و حينئذ فيحمل قولهم (عليهم السلام) في تلك الأخبار المجملة و ما كان بعد النكاح، يعني بعد الإيجاب بقولها أنكحتك نفسي، أو خطابه لها في المرة الثانية بقوله أ تمتعيني نفسك، و نحو ذلك من ألفاظ الإيجاب.
و بالجملة فإنه متى حكم على إجمال تلك الأخبار بهذين الخبرين، فإنه يرتفع بذلك الخلاف من البين، و الله العالم.
الثانية [إلحاق الولد بالمتمتع بها و إن عزل]
قد صرحوا بأنه يجوز للمتمتع العزل و إن لم ترض، و أن الولد
171
يلحق به و إن عزل، و أنه لو نفاه عن نفسه انتفى و لم يفتقر إلى لعان، و هذا الكلام يتضمن أحكاما ثلاثة:
الأول: إنه يجوز للمتمتع العزل و إن لم تأذن، و قد نقل غير واحد من الأصحاب أنه موضع وفاق، و يؤيده ما تقدم في الفائدة الحادية عشر من الفوائد المتقدمة من أن الأظهر الأشهر جواز العزل عن الحرة على كراهية.
و يؤيده أيضا أن الوطي لا يجب لهن إجماعا، لأن الغرض الأصلي منهن الاستمتاع دون النسل، و قوله (عليه السلام)
في رواية ابن أبي عمير (1) المرسلة: الماء ماء الرجل يضعه حيث يشاء، إلا أنه إذا جاء ولد لم ينكره و شدد في إنكار الولد،.
و بالجملة فالحكم مما لا خلاف و لا إشكال.
الثاني: إن الولد يلحق به و إن عزل، و هذا الحكم لا يختص بالمتعة بل يجري في كل وطئ صحيح، و الوجه فيه بعد النص الدال على أن
«الولد للفراش» (2).
و خصوص رواية ابن أبي عمير المتقدمة جواز سبق المني من حيث لا يشعر، و يعضد ذلك إطلاق
صحيحة محمد بن مسلم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث في المتعة قال: «قلت: أ رأيت إن حملت؟ قال: هو ولده».
فإن ترك الاستفصال دليل على العموم في المقال.
و في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (4) قال: «سأل رجل الرضا (عليه السلام) عن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 464 ح 2، التهذيب ج 7 ص 269 ح 80، الوسائل ج 14 ص 489 ح 5.
(2) الكافي ج 7 ص 163 ح 1، التهذيب ج 9 ص 346 ح 26، الوسائل ج 17 ص 566 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 264 ح 66، الوسائل ج 14 ص 488 ح 1 و فيه «حبلت».
(4) الكافي ج 5 ص 454 ح 3، التهذيب ج 7 ص 269 ح 82، الفقيه ج 3 ص 292 ح 5، الوسائل ج 14 ص 488 ح 2.
172
الرجل يتزوج المرأة متعة، و يشترط عليها أن لا يطلب ولدها فتأتي بعد ذلك بولد فينكر الولد، فشدد في ذلك، فقال: يجحد، و كيف يجحد إعظاما لذلك، قال الرجل:
فإن اتهمها؟ قال: لا ينبغي لك أن تتزوج إلا مأمونة».
قوله «و يشترط عليها أن لا يطلب ولدها» كناية عن العزل بمعنى أنه يشترط عليها العزل، و هو ظاهر في أنه ليس له بعد الوطي نفي الولد و إن عزل، و لا بمجرد التهمة، بل لا بد من العلم بانتفائه.
و في رواية الفتح بن يزيد (1) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الشروط في المتعة، فقال: الشروط فيها بكذا و كذا إلى كذا و كذا، فإن قالت نعم فذاك له جائز، و لا تقول كما أنهى إلي أن أهل العراق يقولون: الماء مائي و الأرض لك و لست أسقي أرضك الماء، و إن نبت هناك نبت فهو لصاحب الأرض، فإن شرطين في شرط فاسد: فإن رزقت ولدا قبله، و الأمر واضح، فمن شاء التلبيس على نفسه لبس».
قيل: المراد بالشرطين هما الإفضاء إليها و عدم قبول الولد: و إنما فسدا لتنافيهما شرعا، و قيل: المراد بأحد الشرطين شرط الله لقبول الولد، و الآخر شرط الرجل لنفسه، و الظاهر أن الأول أقرب، لأن ذلك هو الذي اشتمل عليه العقد.
و كيف كان فالخبر دال على أنه متى جامعها فإن عزل فإنه يجب عليه قبول الولد متى رزقها الله تعالى إياه، و لا يجوز له نفيه بأن يلحقه بالأم، و هو المشار إليه بقوله «و إن نبت هناك نبت فهو لصاحب الأرض» فإن المراد بالنبت الولد.
الثالث: إنه لو نفاه عن نفسه، فإنه ينتفي ظاهرا، و لا يتوقف على اللعان، قال في المسالك: و هو موضع وفاق.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 464 ح 3، التهذيب ج 7 ص 269 ح 81، الوسائل ج 14 ص 489 ح 6.
173
أقول: و يدل على ذلك ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يلاعن الرجل المرأة التي يتمتع منها».
و ما رواه
في التهذيب (2) عن ابن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يلاعن الحر الأمة، و لا الذمية، و لا التي يتمتع بها».
و التقريب فيها أن مقتضى سقوط اللعان مطلقا انتفاء الولد بغير لعان، و إلا لا نسد باب نفيه، و لزم كونه أقوى من ولد الزوجة الدائمة و هو معلوم البطلان.
فإن قيل: إن مقتضى ما تقدم من الأخبار هو أن الولد يلحق به و إنه لا يجوز له نفيه إلا أن يعلم بانتفائه، و مقتضى ما ذر هنا أنه لو نفاه عن نفسه انتفى قلنا: ما ذكر هنا مبني على الظاهر كما أشير إليه آنفا، و مبني ما ذكر سابقا على ما بينه و بين الله عز و جل، فهو و إن قبل قوله ظاهرا في انتفائه إلا أنه لا يجوز له فيما بينه و بين الله عز و جل إلا مع العلم بانتفائه، لا بمجرد العزل و لا التهمة، إلا أن لقائل أن يقول: إن ما دل عليه الخبران المذكوران من أنه لا يلاعن الرجل المرأة المتمتع بها لا تصريح فيه بكون اللعان لنفي الولد، فيجوز أن يكون نفي اللعان إنما هو بالنسبة إلى القذف، فإنه أحد موضعي اللعان.
و حينئذ فلا دليل على الحكم المذكور، إلا ما يدعونه من الاتفاق إن ثبت، فلو قيل بعد انتفائه بنفيه- للأخبار الأولة الدالة على وجوب قبوله للولد، و أنه لا يجوز نفيه لعدم التعويل على مثل هذه الإجماعات- لكان في غاية القوة إلا أن الخروج عما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل، و موافقتهم من غير دليل واضح أشكل.
تنبيه
قد طعن شيخنا الشهيد في صحيحة ابن سنان المذكورة هنا، بأن ابن سنان
____________
(1) الكافي ج 6 ص 166 ح 17، التهذيب ج 8 ص 189 ح 18، الوسائل ج 15 ص 605 ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 188 ح 12، الوسائل ج 15 ص 596 ح 4.
174
مشترك بين عبد الله و هو ثقة، و محمد و هو ضعيف، و الاشتراك يمنع الوصف بالصحة.
و اعترضه سبطه في شرح النافع بأن ابن سنان الذي يروي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، هو عبد الله الثقة الجليل قطعا، لأن محمد لم يرو عن الصادق (عليه السلام) أصلا، و إنما يروي عن أصحابه، و قد روى محمد عن عبد الله، و ذلك معلوم من كتب الرجال، انتهى.
أقول: ما ذكره جيد بالنسبة إلى محمد بن سنان الزاهري الضعيف، إلا أنه يبقى احتمال محمد بن سنان أخي عبد الله بن سنان، فإنه قد نقلت روايته عن الصادق (عليه السلام) في مواضع من كتاب طب الأئمة (عليهم السلام)، و يمكن أن يقال: إنه و إن كان كذلك إلا أن الغالب المتكرر روايته هو عبد الله دون أخيه محمد، و الحمل على الغالب أقوى دون الشاذ النادر.
الثالثة [عدم وقوع الطلاق بالمتعة]
لا خلاف نصا و فتوى في أن المتعة لا يقع بها طلاق، بل تبين بانقضاء المدة، و قد تقدمت جملة من الأخبار دالة على ذلك.
و قد عرفت أنه لا يقع بها لعان لنفي الولد اتفاقا، إلا أنك قد عرفت ما فيه، و أما اللعان للقذف فالمشهور أنه لا يقع بها كما هو ظاهر الصحيحين المتقدمين.
و نقل عن الشيخ المفيد و السيد المرتضى أنه يقع بها، لأنها زوجته فتدخل في عموم «وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ» (1) و أجيب عنه بأن عموم القرآن مخصص بالسنة و إن كانت آحادا كما هو الأشهر الأظهر، و المشهور أيضا أنه لا يقع بها إيلاء لقوله عز و جل في قصة الإيلاء «وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلٰاقَ» (2) الدال على قبول المولى منها الطلاق، و المتعة ليست كذلك، و لأن من لوازم الإيلاء المطالبة بالوطء و هو منتف فيها، و انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم.
و نقل عن المرتضى- رضي الله تعالى عنه- وقوع الإيلاء بها لعموم قوله
____________
(1) سورة المؤمنون- آية 5.
(2) سورة البقرة- آية 227.
175
تعالى «لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ» (1) فإنه جمع مضاف و هو من صيغ العموم.
و أجيب عنه بأنه مخصوص بقوله تعالى «وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلٰاقَ» فإن عود الضمير إلى بعض أفراد العام يخصصه.
قال في المسالك: و فيه نظر و المسألة موضع خلاف بين الأصوليين، و قد ذهب جماعة من المحققين إلى أنه لا يخصص.
أقول: و المسألة لعدم النص الظاهر لا تخلو من توقف و إن كان القول المشهور لا يخلو من قرب.
و هل يقع بها ظهار أم لا؟ قولان: المشهور الأول، لأن المتمتع بها زوجة، فتدخل في العمومات المتضمنة لظهار الزوجة و ذهب جماعة منهم ابن بابويه و ابن إدريس إلى الثاني، لأصالة بقاء الحل، و لأن المظاهر يلزم بالفئة أو الطلاق و لا طلاق في المتعة و لا يجب الوطي، فيلزم بالفئة، مع أن إيجابها وحدها لا دليل، و إقامة هبة المدة مقام الطلاق قياس، و لأن أمره بأحد الأمرين موقوف على المرافقة المتوقفة على وجوب الوطي.
قال في المسالك مشيرا إلى الجواب عن ذلك قوله «و لأن المظاهر يلزم بالفئة أو الطلاق.» إلى آخره: و الإلزام بأحد الأمرين لا يوجب التخصيص، فجاز اختصاصه بمن يمكن معه أحد الأمرين و هو الدائم، و هكذا الموافقة، و يبقى أثر الظهار باقيا في غيره كوجوب اعتزالها، و هذا هو هو الأقوى، انتهى.
أقول: و المسألة أيضا محل توقف، لعدم الدليل الواضح، و بالتردد في المسألة أيضا صرح السيد السند في شرح النافع و هو في محله.
الرابعة [في اختلاف الأصحاب في ثبوت التوارث بعقد المتعة]
اختلف الأصحاب في ثبوت التوارث بهذا العقد على أقوال:
(أحدهما) إنه يقتضي التوارث كالدائم حتى لو شرطا سقوطه بطل الشرط، كما لو شرطا عدمه في النكاح الدائم، و يعبر عنه بأن المقتضي للإرث هو العقد
____________
(1) سورة البقرة- آية 226.
176
لا بشرط شيء، و هذا القول لابن البراج، و استند فيه إلى عموم الآية الدالة على توريث الزوجة (1)، و هذه زوجة، فترث كسائر الزوجات، و يدل على كونها زوجة آية «إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ» (2) و ملك اليمين منتف عنها قطعا، فلو لم تثبت كونها زوجة لزم تحريمها، و عدم حلها كما تدعيه العامة من الآية.
و في هذا القول طرح للأخبار بجملتها، و لعله إما بناء من قائله على أنها قد تعارضت فتساقطت، أو كونها خبر واحد لا يخصص عموم القرآن، أو الطعن في السند بالضعف، إلا أن الثالث بعيد، لتفرعه على هذا الاصطلاح المحدث، و هو غير معمول عليه عند أمثال هذا القائل من المتقدمين.
قيل: و لقد كان هذا القول بالسيد المرتضى أنسب، و بأصول أليق، لكنه- (رحمه الله)- عدل عنه لما ظنه من الإجماع على خلافه.
و (ثانيها) عكس القول المذكور، و هو أنه لا توارث فيه من الجانبين، سواء شرطا التوارث أو عدمه، أو لم يشترط شيئا منهما، ذهب إليه أبو الصلاح و ابن إدريس و العلامة في أحد قوليه، و ابنه فخر المحققين، و المحقق الشيخ علي، و الظاهر أنه مذهب أكثر المتأخرين، تمسكا بأصالة العدم، لأن الإرث حكم شرعي يتوقف ثبوته على الدليل، و مطلق الزوجية لا يقتضي استحقاق الإرث، لأن من الزوجات من ترث، و منهن من لا ترث، و الرواية سعيد بن يسار (3) الآتية إن شاء الله تعالى- و نحوها رواية عبد الله بن عمر (4) الآتية أيضا إن شاء الله تعالى
____________
(1) سورة النساء- آية 12.
(2) سورة المؤمنون- آية 6.
(3) التهذيب ج 7 ص 264 ح 67، الوسائل ج 14 ص 487 ح 7.
(4) التهذيب ج 7 ص 265 ح 68، الوسائل ج 14 ص 487 ح 8، و فيهما «عبد الله بن عمرو».
177
بالتقريب الآتي ذيلهما.
و (ثالثها) إن أصل العقد لا يقتضي التوارث بل اشتراطه، فإذا شرط ثبت تبعا للشرط، أما عدم اقتضائه الإرث بدون الشرط فللأدلة المتقدمة، و أما ثبوته مع الشرط فلعموم
«المسلمون عند شروطهم» (1).
اختاره الشيخ و أتباعه إلا القاضي ابن البراج، و به قطع المحقق و الشهيدان، و ستأتي الأخبار الدالة عليه إن شاء الله تعالى.
و (رابعها) عكسه، و هو أنهما يتوارثان ما لم يشترطا سقوطه، فيكون المقتضي للإرث هو العقد بشرط لا شيء، و لو اشترطا ثبوته كان اشتراطا لما يقتضيه العقد، و إلى هذا القول ذهب المرتضى و ابن أبي عقيل، أما ثبوت التوارث مع انتفاء شرط السقوط، فلعموم الآية (2)، و أما السقوط مع الشرط، فلعموم «المؤمنون عند شروطهم» و قد استدل عليه أيضا بموثقة محمد بن مسلم (3) الآتية إن شاء الله تعالى.
و الواجب نقل ما وصل إلينا من روايات المسألة، ثم الكلام فيها بما وفق الله سبحانه فهمه منها.
الأول: ما رواه
في الكافي (4) عن أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح أو الحسن عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «تزويج المتعة نكاح بميراث، و نكاح بغير ميراث، إن اشترطت كان، و إن لم يشترط لم يكن».
و رواه الحميري في قرب الاسناد (5) عن أحمد بن عيسى عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال في الكافي بعد نقل الخبر المزبور:
و روى أيضا «ليس بينهما ميراث
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 467 ح 80، الوسائل ج 14 ص 487 ح 9.
(2) سورة النساء- آية 12.
(3) التهذيب ج 7 ص 264 ح 66، الوسائل ج 14 ص 486 ح 4.
(4) الكافي ج 5 ص 465 ح 2، التهذيب ج 7 ص 264 ح 65، الوسائل ج 14 ص 485 ح 1.
(5) قرب الاسناد ص 159، الوسائل ج 14 ص 485 ح 1.
178
اشتراط أو لم يشترط».
الثاني: ما رواه
في الكافي (1) أيضا في الموثق عن محمد بن مسلم قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في الرجل يتزوج المرأة متعة: إنهما يتوارثان ما لم يشترطا، و إنما الشرط بعد النكاح».
و رواه
الحسين بن سعيد في كتابه عن صفوان بن يحيى بن بكير عن محمد بن مسلم (2) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:.» الحديث.
و رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب عبد الله بن بكير، و حمله الشيخ على أنهما يتوارثان إذا لم يشترطا الأجل، و أيده بما تقدم في رواية أبان بن تغلب (3) إن لم يشترط كان تزويج مقام.
الثالث:
من الكتاب المذكور عن أبي عمير (4) في الصحيح أو الحسن عن عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث في المتعة قال: «فإن أحدث به حدث لم يكن لها ميراث».
الرابع: ما رواه
الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام): كم المهر؟ يعني في المتعة، فقال: ما تراضيا عليه- إلى أن قال:- و إن اشترطا الميراث فهما على شرطهما».
و رواه
الحسين بن سعيد في كتابه عن النضر عن عاصم عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام).» الحديث إلى آخره.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 465 ح 1، التهذيب ج 7 ص 265 ح 69، الوسائل ج 14 ص 486 ح 2.
(2) البحار ج 103 ص 315 ح 19، الوسائل ج 14 ص 486 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 455 ح 3، التهذيب ج 7 ص 265 ح 70، الوسائل ج 14 ص 466 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 466 ح 5، الوسائل ج 14 ص 486 ح 3.
(5) التهذيب ج 7 ص 264 ح 66 و فيه «و ان اشترطت»، الوسائل ج 14 ص 486 ح 5.
179
الخامس: ما رواه أيضا
عن عمر بن حنظلة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث في المتعة قال: «و ليس بينهما ميراث».
السادس: و بإسناده
عن سعيد بن يسار (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتزوج المرأة متعة و لم يشترط الميراث؟ قال: ليس بينهما ميراث، اشترط أو لم يشترط» (3).
و حمله الشيخ على اشتراط سقوط الميراث و قال: و إنما يحتاج ثبوته إلى شرط، لا ارتفاعه، و أيده في الوافي بأنه لما كان المتعارف اشتراطه في هذا العقد نفي التوارث لا إثباته، كما مضى في عدة أخبار حمل قوله «اشترط أو لم يشترط» على ذلك.
السابع: ما رواه أيضا
عن عبد الله بن عمر (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتعة، فقال: حلال من الله و رسوله، قلت: فما حدها؟ قال: من حدودها أن لا ترثها و لا ترثك» الحديث.
الثامن: ما رواه
في الفقيه عن موسى بن بكير عن زرارة (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: «و لا ميراث بينهما في المتعة إذا مات واحد منهما في ذلك الأجل».
و رواه الحسين بن سعيد في كتابه عن النضر عن موسى بن بكير عن زرارة (6) عن أبي جعفر (عليه السلام).
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 270 ح 83، الوسائل ج 14 ص 486 ح 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 264 ح 67، الوسائل ج 14 ص 487 ح 7.
(3) و رواه
الحسين بن سعيد في كتابه عن النضر عن عاصم عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله- (عليه السلام).
- الى آخره. (منه- (قدس سره)-). الوسائل ج 14 ص 486 ح 4.
(4) التهذيب ج 7 ص 265 ح 68، الوسائل ج 14 ص 487 ح 8 و فيهما «عبد الله بن عمرو».
(5) الفقيه ج 3 ص 296 ح 23، الوسائل ج 14 ص 487 ح 10.
(6) البحار ج 103 ص 316 ح 23، مستدرك الوسائل ج 2 ص 591 ب 24 ح 1.
180
التاسع: ما صرح به
الرضا (عليه السلام) في كتابه الفقه الرضوي (1) حيث قال: اعلم أن وجوه النكاح الذي أمر الله عز و جل بها أربعة أوجه منها نكاح بميراث، و هو بولي و شاهدين و مهر معلوم- إلى أن قال:- و الوجه الثاني نكاح بغير شهود و لا ميراث، و هي نكاح المتعة بشروطها.
إلى آخر عبارته المتقدمة في المسألة الأولى.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن مما يدل على القول الثاني الرواية السادسة و السابعة، و التقريب في الثانية منهما أنه (عليه السلام) جعل نفي التوارث من حدود نكاح المتعة، بمعنى أن عقد المتعة لا يقتضي التوارث، إلا أن غاية ما تدل عليه هو عدم التوارث بالعقد، و لا ينافيه ثبوت الإرث بالشرط الخارج عن العقد، و حينئذ فلا تكون هذه الرواية منافية لما دل على ثبوته بالشرط، كما هو القول الثالث.
و أما ما قيل في وجه الاستدلال بالرواية المذكورة من أنه (عليه السلام) نفي التوارث من الجانبين و جعله من حدود المتعة و مقتضياتها، فوجب أن لا يثبت بها توارث إنما مع عدم الاشتراط العدم فواضح، و أما مع شرط الإرث فلأنه شرط ينافي مقتضى العقد على ما دل عليه الحديث، فوجب أن يكون باطلا.
ففيه أنه في صورة شرط الإرث إنما يحصل المنافاة لمقتضى العقد لو كان العقد يقتضي عدم الإرث، و قد عرفت أن غاية ما يدل عليه الخبر هو عدم اقتضاء الإرث، لا اقتضاء عدمه، و المنافاة إنما تحصل بناء على الثاني لا الأول، إذ معنى قوله (عليه السلام) «من حدودها أن لا ترثها و لا ترثك» هو أن من حدودها و مقتضياتها أن عقدها لا يقتضي الإرث، لا أنه يقتضي عدم التوارث، و الفرق بين الأمرين ظاهر.
و مما يدل على القول الثالث الرواية الاولى و الرابعة، و هما مع صحة سنديهما ظاهرتا الدلالة على القول المذكور.
و مما يدل على القول الرابع الرواية الثانية، و قد عرفت حمل الشيخ لها على أن المراد بالشرط اشتراط الأجل، بمعنى أنهما يتوارثان إذا لم يشترطا
____________
(1) فقه الرضا ص 232، مستدرك الوسائل ج 2 ص 591 ب 23 ح 5.
181
الأجل، فإن العقد بدون الأجل يصير دائما كما تقدم، و لا بأس به جمعا بين الأخبار.
و لعل أقرب هذه الأقوال هو القول الثالث لما عرفت من قوة دليله سندا و متنا، و لا ينافيه إلا الرواية السادسة، و إلا فالسابعة قد عرفت أنه لا منافاة فيها، و الرواية الثانية بما ذكرناه من حملها على ما ذكره الشيخ يرتفع المنافاة منها، و الرواية الثالثة غاية ما تدل عليه أنه لا ميراث بمقتضى العقد، و هو موافق للقول المذكور، و كذلك الرواية الخامسة فإن المعنى فيها أنه ليس بينهما توارث، يعني بمقتضى العقد، و لا ينافيه ثبوته بالشرط، و كذلك الرواية الثامنة و التاسعة، فإن مقتضى الجميع أنه لا توارث بمقتضى العقد كما في النكاح الدائم، و هو أحد جزئي المدعى، و حينئذ فتنحصر المنافاة في الرواية السادسة، و الشيخ- رحمة الله عليه- قد حملها على أن المراد اشتراط نفي الميراث و لم يشترط، و هو و إن كان لا يخلو من بعد إلا أنه في مقام الجمع بين الأخبار لا بأس به، لئلا ينافي ما دل على ثبوت الميراث مع الشرط.
و بما حررناه في المقام، يظهر أن أظهر الأقوال المذكورة- بعد رد هذه الأخبار بعضها إلى بعض حسبما عرفت- هو القول المزبور، إلا أنه ربما أشكل من وجه آخر، و هو أن الاشتراط ليس بسبب شرعي في ثبوت الإرث، و أسباب الإرث محصورة و ليس هذا منها، و ما ليس بسبب شرعي لا يمكن جعله سببا، و لا مقتضى للتوارث هنا إلا الزوجية، و لا يقتضي ميراث الزوجية إلا الآية، فإن اندرجت المتعة في الزوجية التي دلت الآية على ثبوت الإرث لها ورثت على كل حال و إن لم يشترط ثبوته، و بطل شرط نفيه، و إن لم تندرج في الزوجية التي في الآية لم يثبت بالشرط لأنه شرط توريث من ليس بوارث، و هو باطل قطعا، و ربما حمل الخبران لأجل ما عرفت على إرادة الوصية باشتراط الإرث في عقد المتعة، فيكون كالإرث، لا إرثا حقيقيا.
و أجيب عن الاشكال المذكور بأنه لما كان الخبران المذكوران مع اعتبار
182
سنديهما واضحا الدلالة على المدعي، و المستفاد منهما كون اشتراط الميراث سائغا لازما فيثبت به، و إن كان أصل الزوجية لا يقتضيه، و الواجب تخصيص الآيات الدالة على ميراث الزوجة بهما كما خصصت في الزوجة الذمية إذا أسلمت تحت كافر، برواية أن الكافر لا يرث المسلم، و من ذلك يعلم الجواب عن قوله «و لا مقتضى للتوارث هنا إلا الزوجية. إلى آخره» فإنه مسلم إلا أنها بدون الشرط مخصوصة بالروايتين المذكورتين بمعنى أن الآيات و إن دلت على كونها زوجة، و الزوجية تقتضي الميراث، إلا أن الخبرين دلا على تخصيص الميراث لعدم المقتضى فيجب تخصيص الآيات بهما، فمع الاشتراط تدخل في عموم الآيات لعدم المقتضى للتخصيص، و مع العدم يجب إخراجهما من العموم بالخبرين، نعم هذا الحكم غريب لعدم النظير، إلا أن الجمع بين الأدلة يقتضيه، فلا بعد فيه، و ليس بعده (1) إلا اطراح الخبرين مع ما هما عليه من جودة الاسناد و الدلالة على المراد.
و أما قوله «إن الاشتراط ليس بسبب شرعي في ثبوت الإرث. إلى آخره» فإنه مردود بأنه بعد دلالة النص على ذلك لا وجه لهذا الكلام لما يتضمنه من الرد على الامام (عليه السلام) حيث جعله سببا في ذلك، و الأسباب لا تنحصر في دلالة الكتاب فهو و إن لم يثبت بالكتاب إلا أنه ثبت بالسنة.
و بالجملة فالنظر في أخبار المسألة بالتقريب الذي قدمناه في حمل بعضها على بعض يقتضي العمل بالقول المذكور.
و مما يتفرع على القول المذكور أنهما لو اشترطا التوارث لأحدهما دون الآخر فإن مقتضى الخبرين العمل بشرطهما، و له نظائر في الأحكام كما في إرث المسلم الكافر دون العكس، و إرث الولد المنفي باللعان إذا اعترف به الأب بعد ذلك فإن الولد يرثه و هو لا يرث الولد، و الله العالم.
الخامسة [في اختلاف الأصحاب في عدة المتمتع بها]
اختلف الأصحاب في عدة المتمتع بها متى دخل بها الزوج و انقضت
____________
(1) الظاهر أن في العبارة سقط و هو أنه ليس بعده أزيد أو أبعد من اطراح الخبرين.
183
مدتها، أو وهبها إياها و لم تكن يائسة و كانت ممن تحيض على أقوال: و منشأ هذا الاختلاف اختلاف الروايات في المسألة.
(فأحدها)- و هو قول الشيخ في النهاية و جمع من الأصحاب منهم ابن البراج في كتابيه و سلار و المحقق في الشرائع و الشهيد في اللمعة و غيرهم- أنها حيضتان فإن كانت في سن من تحيض و لا تحيض فخمسة و أربعون يوما.
و يدل على هذا القول ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن إسماعيل ابن الفضل قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتعة فقال: الق عبد الملك بن جريج فاسأله عنها، فإن عنده منها علما، فلقيته فأملى علي منها شيئا كثيرا في استحلالها، فكان فيما روى لي ابن جريح قال: ليس فيها وقت و لا عدد، إنما هي بمنزلة الإماء يتزوج منهن كم شاء، و صاحب الأربع نسوة يتزوج منهن ما شاء بغير ولي و لا شهود، فإذا انقضى الأجل بانت منه بغير طلاق، و يعطيها الشيء اليسير، و عدتها حيضتان، و إن كانت لا تحيض فخمسة و أربعون يوما. فأتيت بالكتاب أبا عبد الله (عليه السلام) فعرضت عليه، فقال: صدق و أقر به، قال ابن أذينة: و كان زرارة بن أعين يقول هذا و يحلف أنه الحق، إلا أنه كان يقول: إن كانت تحيض فحيضة، و إن كانت لا تحيض فشهر و نصف».
و يدل على ذلك أيضا ما رواه
العياشي في تفسيره (2) عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في المتعة إلى أن قال: «و لا تحل لغيرك حتى تنقضي عدتها، و عدتها حيضتان».
و ما رواه
الحسين بن سعيد في كتابه على ما نقله في كتاب البحار (3) عن النضر عن عاصم بن حميد عن أبي بصير قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المتعة، فقال: نزلت في القرآن- إلى أن قال:- فلا تحل لغيرك حتى تنقضي لها عدتها، و عدتها حيضتان».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 451 ح 6، الوسائل ج 14 ص 447 ح 8.
(2) تفسير العياشي ج 1 ص 233 ح 86، الوسائل ج 14 ص 477 ح 6.
(3) البحار ج 103 ص 315 ح 20، الوسائل ج 14 ص 477 ح 6.
184
و لم أقف على من استدل بهذه الأخبار لهذا القول، و إنما استدل له في المسالك و الروضة برواية
محمد بن الفضيل (1) عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: «طلاق الأمة تطليقتان و عدتها حيضتان».
قال: و روى زرارة (2) في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) «أن على المتعة ما على الأمة».
ثم قال: فيجتمع من الروايتين أن عدة المتعة حيضتان.
و لا يخفى ما فيه سيما مع اختلاف الروايات في الأمة التي جعلوها أصلا للمتعة، على أن صحيحة زرارة التي ذكرها و إن أوهمت ما ذكره باعتبار ما نقله منها إلا أنها بملاحظة ما تقدم منها على هذه العبارة غير دالة على ما أراده.
فإن صورة الرواية هكذا: زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: و عدة المطلقة ثلاثة أشهر، و الأمة المطلقة عليها نصف ما على الحرة، و كذلك المتعة عليها مثل ما على الأمة» و ظاهر هذه الرواية أن المماثلة بين المتعة و الأمة إنما هو في الاعتداد بالأشهر لا الحيض، إذ لا تعرض فيها للحيض بالكلية كما هو ظاهر.
و (ثانيها) إنها حيضة واحدة ذهب إليه ابن أبي عقيل، و يدل عليه من الأخبار ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن أذينة عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عدة المتعة إن كانت تحيض فحيضة، و إن كانت لا تحيض فشهر و نصف».
أقول: هكذا نقل الرواية في الوافي، و الذي
في الكافي إنما هو بهذه الصورة عن زرارة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «إن كانت تحيض فحيضة. إلى آخر ما تقدم».
و بهذه الكيفية نقلها صاحب الوسائل، و ينبه عليه أيضا ما ذكره السيد السند في شرح النافع بعد الرواية كما ذكرناه حيث قال: كذا في الوافي، و صدرها
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 135 ح 66، الوسائل ج 15 ص 470 ح 5.
(2) التهذيب ج 8 ص 157 ح 144، الفقيه ج 3 ص 296 ح 25، الوسائل ج 15 ص 484 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 458 ح 1، الوسائل ج 14 ص 473 ح 1.
185
غير مذكور، لكنه أوردها في أول باب عدة المتعة. انتهى، و من ذلك و يعلم أن ما نقله في الوافي من الزيادة في أولها اجتهاد منه كما هي عادته غالبا.
و كيف كان فإن صاحب الكافي لم يورد في هذا الباب من روايات الاعتداد بالحيض إلا هذه الرواية، و ربما أشعر ذلك بأن مذهبه الاكتفاء بالحيضة الواحدة كما هو المنقول عن ابن أبي عقيل، و قد عرفت في عجز صحيحة إسماعيل بن الفضل (1) أو حسنة ما نقله ابن أذينة عن زرارة من أن مذهبه في العدة بالحيض، القول بالحيضة الواحدة، و الظاهر أن معتمد زرارة على هذه الرواية، و الراوي لها عنه ابن أذينة كما عرفت، و في جميع ذلك نوع تقوية لهذا القول كما لا يخفى.
و مما يدل على هذا القول أيضا ما رواه
في الكافي (2) عن عبد الله بن عمر قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتعة- الحديث كما تقدم في سابق هذه المسألة، و هو الحديث السابع، إلى أن قال في آخره- قال: فقلت: فكم عدتها؟ فقال: خمسة و أربعون يوما أو حيضة مستقيمة».
و ما رواه
في كتاب قرب الاسناد (3) عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: قال أبو جعفر (عليه السلام): عدة المتعة حيضة، و قال: خمسة و أربعون يوما لبعض أصحابه».
و يؤيده ما رواه
في الكافي (4) عن أبي بصير قال: «لا بد من أن تقول في هذه الشروط: أتزوجك متعة كذا و كذا يوما بكذا و كذا درهما نكاحا غير سفاح على كتاب الله عز و جل و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) و على أن لا ترثيني و لا أرثك، و على أن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 451 ح 6، الوسائل ج 14 ص 447 ح 8.
(2) التهذيب ج 7 ص 265 ح 68، الوسائل ج 14 ص 473 ح 4.
(3) قرب الاسناد ص 159، الوسائل ج 14 ص 474 ح 6.
(4) الكافي ج 5 ص 455 ح 2، التهذيب ج 7 ص 263 ح 63 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 467 ح 4 مع اختلاف يسير.
186
تعتدي خمسة و أربعين يوما، و قال بعضهم: حيضة».
أقول: قوله «و قال بعضهم» إما من كلام صاحب الكافي أو من أحد الرواة للخبر.
و روى الطبرسي أبو منصور أحمد بن أبي طالب في كتاب الاحتجاج (1) عن محمد ابن عبد الله بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (صلوات الله عليه) أنه كتب إليه في رجل تزوج امرأة بشيء معلوم إلى وقت معلوم، و بقي له عليها وقت فجعلها في حل مما بقي له عليها، و قد كانت طمثت قبل أن يجعلها في حل من أيامها بثلاثة أيام، أ يجوز أن يتزوجها رجل آخر بشيء معلوم إلى وقت معلوم عند طهرها من هذه الحيضة، أو يستقبل بها حيضة أخرى؟ فأجاب (عليه السلام): يستقبل بها حيضة غير تلك الحيضة، لأن أقل العدة حيضة و طهرة تامة. و في بعض النسخ «و طهارة».
و هذه الرواية أيضا ظاهرة في هذا القول، و المعنى في قوله «لأن أقل العدة.
إلى آخره» أن العدة عبارة عن حيضة كاملة حتى تطهر منها.
و (ثالثها) أنها حيضة و نصف، و هو مذهب الصدوق في المقنع حيث قال: و إذا تزوج الرجل امرأة متعة ثم مات عنها فعليها أن تعتد أربعة أشهر و عشرة أيام، و إذا انقضت أيامها و هو حي فحيضة و نصف مثل ما يجب على الأمة، و إن مكثت عنده أياما فعليها أن تحد و إن كانت عنده يوما أو يومين أو ساعة من النهار فتعتد و لا تحد، انتهى.
و هو مضمون ما رواه
في الفقيه (2) في الصحيح عن صفوان عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة يتزوجها الرجل متعة ثم يتوفى عنها هل عليها العدة؟ قال: تعتد أربعة أشهر و عشرا، فإذا انقضت أيامها و هو حي فحيضة و نصف مثل ما يجب على الأمة قال: قلت: فتحد؟ قال: فقال: نعم إذا مكثت
____________
(1) الاحتجاج ج 2 ص 311، الوسائل ج 14 ص 474 ح 7.
(2) الفقيه ج 3 ص 296 ح 24، التهذيب ج 8 ص 157 ح 143 و فيه «وجبت العدة كملا»، الوسائل ج 14 ص 474 ح 5.
187
عنده أياما فعليها العدة و تحد، و أما إذا كانت عنده يوما أو يومين أو ساعة من النهار فقد وجبت العدة و لا تحد (1).
و رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن أحمد عن علي الميثمي عن صفوان إلى آخر ما تقدم.
و (رابعها) إنها طهران، و هو اختيار الشيخ المفيد و ابن إدريس و العلامة في المختلف، و هو ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و لم أقف بعد التتبع على خبر يدل على هذا القول، و إنما استدل له في المختلف بما رواه
الشيخ عن ليث المرادي (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كم تعتد الأمة من ماء العبد؟ قال: بحيضة».
قال في المختلف في تقرير الاستدلال بهذا الخبر: و الاعتبار بالقرء الذي هو الطهر بحيضة واحدة يحصل قران، القرء الذي طلقها فيه، و القرء الذي بعد الحيضة، و المتمتع بها كالأمة، انتهى.
و مرجعه إلى حمل المتمتع بها على الأمة، و على ذلك حمل الخبر في التهذيب أيضا و اعترضه السيد السند في شرح النافع و قبله جده في المسالك بأن فيه نظرا، فإن الحيضة تتحقق بدون الطهرين معا فضلا عن أحدهما كما لو أتاها الحيض بعد انتهاء المدة بغير فصل، فإن الطهر السابق منتف، و إذا انتهت أيام الحيض تحققت الحيضة التامة و إن لم يتم الطهر، بل بمعنى لحظة منه، و مثل هذا لا يسمى طهرا في اعتبار العدة، و إن اكتفي به سابقا على الحيض، انتهى.
و استدل له في المسالك
بحسنة زرارة (3) عن الباقر (عليه السلام) و فيها «إن كان حر
____________
(1) أقول: ما دل عليه هذا الخبر و ان أفتى به في المقنع من التفصيل في الحد و لا أعرف له وجها، و بذلك صرح العلامة في المختلف فقال بعد نقل كلامه و نقل الرواية المذكورة: و في التفصيل اشكال و هو في محله. (منه- (قدس سره)-).
(2) التهذيب ج 8 ص 135 ح 67، الوسائل ج 14 ص 470 ح 6.
(3) الكافي ج 6 ص 167 ح 1، التهذيب ج 8 ص 135 ح 65، الوسائل ج 15 ص 469 ح 1.
188
تحته أمة فطلاقها تطليقتان، و عدتها قران».
مضافا إلى
صحيحة زرارة المتقدمة (1) الدالة على «أن على المتمتعة ما على الأمة».
قال: و هذه أوضح دلالة من الاولى، و أشار بالأولى إلى رواية محمد بن الفضيل التي قدمنا نقلها عنه دليلا على القبول الأول، قال: لأنها حسنة، و محمد بن الفضيل الذي يروى عن الكاظم (عليه السلام) ضعيف، و إن كان العمل بها أحوط لأن العدة بالحيضتين أزيد منها بالقرءين، انتهى.
و أنت خبير بما في هذا الاستدلال من الوهن و الاختلال أما (أولا) فلأن حسنة زرارة التي استدل بها إنما تضمنت القرءين، و هو كما يطلق على الطهرين يطلق على الحيضتين لغة و شرعا كما قد استفاض في الأخبار، و سيأتي تحقيقه في محله إن شاء الله.
و مع الإغماض عن ذلك فقد عرفت أن ما دلت عليه صحيحة زرارة من أن على المتمتعة ما على الأمة إنما هو بالنسبة إلى الاعتداد بالأشهر لا بالأقراء، حيضا كانت أو أطهارا.
و أما (ثانيا) فلأن الحمل على الأمة مع اختلاف الأخبار فيها أيضا بالطهرين أو الحيضتين، أو الحيضة و نصف كما سلف في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج التي بها أفتى الصدوق في المقنع و اختلاف كلمة الأصحاب كذلك مما لا يجدي نفعا، و لا يثمر ترجيحا، و الحيضتان في الأمة ليس مختصا برواية محمد بن الفضيل حتى أنه يرجح حسنة زرارة عليها بل هو مدلول صحيحة محمد بن مسلم و صحيحة زرارة كما سيأتي تحقيقه في تلك المسألة إن شاء الله تعالى.
و بالجملة فإن كلامه و غيره في هذا المقام مبني على حمل المتمتع بها على الأمة، و قد عرفت ما فيه، و القول الأول قد عرفت قوة مستنده، و صراحة الروايات مع صحتها به، و القول الثاني و الثالث أيضا ظاهران من الأخبار التي قدمناها، و من أجل ذلك حصل الإشكال إذ لا أعرف وجها للجمع بينها على وجه يشفي
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 157 ح 144، الوسائل ج 15 ص 485 ح 2.
189
العليل، و يبرد الغليل، و الحمل على التقية هنا مغلق بابه و مسدل حجابه، إلا أن يكون بالمعنى الآخر الذي تقدمت الإشارة إليه مرارا، لكنه غير معلوم في أي هذه الأقسام، و ظاهر جملة من أفاضل متأخري المتأخرين كالسيد السند في شرح النافع و المحدث الكاشاني في المفاتيح و الفاضل الخراساني في الكفاية التوقف في المسألة.
و ربما جمع بين الأخبار (1) بحمل ما زاد على الحيضة على الاستحباب، و جعله السيد السند الأولى في الجمع بينهما، و جعل الاحتياط في الحيضتين، و هو جيد، و ظاهر المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في الوسائل اختيار مذهب الشيخ المفيد تبعا للجماعة المتقدم ذكرهم استنادا إلى الأخبار الدالة على تفسير الأقراء المعتبرة في العدد بالأطهار، و اتفاق الأصحاب على اعتبار الأطهار في العدة، و تفسير الأقراء التي تضمنتها الآية بها، و عدم عملهم على ما قابلها من روايات الحيض بل حملها على التقية كما ذكره الشيخ.
و فيه (أولا) إنه و إن كان الأمر كما ذكره من حمل الروايات الدالة على تفسير الأقراء بالحيض على التقية و عدم عملهم عليها، إلا أن ذلك إنما وقع لهم في مسألة الزوجة التي يجب عليها العدة بثلاثة أقراء، و الروايات إنما اختلفت في أنه هل المراد بالأقراء هنا هي الأطهار أو الحيض، إنما هو في هذه المسألة و اتفاق الأصحاب على أن المراد بالأقراء هي الأطهار لا الحيض إنما هو ثمة دون ما نحن فيه، و نحن إنما صرنا إلى العمل بتلك الأخبار في تلك المسألة لاتفاق الأصحاب، و اعتضاد تلك الأخبار به، و هذا مفقود فيما نحن فيه لما عرفت من الاختلاف في هذه المسألة، و الحمل على التقية في هذه المسألة غير ميسر لعدم قول
____________
(1) و به صرح شيخنا المجلسي- (قدس سره)- في حواشيه على التهذيب حيث قال بعد نقل الأقوال: و حمل الزائد على الحيضة على الاستحباب لا يخلو من قوة، و الأحوط رعاية الحيضتين، و هو الذي صرح به السيد السند في شرح النافع كما عرفت في الأصل. (منه- (قدس سره)-).
190
العامة بها، فرد تلك الأخبار المعارضة في تلك المسألة من هذه الحيثية لا يستلزم ردها مطلقا.
و (ثانيا) إنك قد عرفت دلالة جملة من الروايات الصحيحة الصريحة على الحيضتين، و جملة أخرى على الحيضة، و صحيحة عبد الرحمن على الحيضة و النصف، و العمل بهذا القول مع عدم الدليل الواضح عليه إلا مجرد هذا التخريج السحيق يستلزم طرح جملة تلك الأخبار، مع ما هي عليه من الصراحة و صحة أكثرها، و هذا لا يلتزمه محصل.
و بالجملة فإني لا أعرف لهذا القول وجها يعتمد عليه، و كيف كان فالاحتياط بالعمل بأخبار الحيضتين عندي متعين، فإنه أحد المرجحات الشرعية في مقام اختلاف الأخبار، و الله العالم.
السادسة [في اختلاف الأصحاب في عدة المتعة من الوفاة]
قد اختلف الأصحاب في عدة المتعة من الوفاة لو مات الزوج في المدة المعينة بينهما، و الكلام هنا يقع في مقامين:
الأول: أن تكون الزوجة المتمتع بها حرة
و المشهورة أن عدتها أربعة أشهر و عشرة أيام إن لم تكن حاملا، و إلا فبأبعد الأجلين منها و من وضع الحمل كالدائم.
و ذهب جمع من الأصحاب- منهم المفيد و المرتضى و سلار و ابن أبي عقيل- إلى أن عدتها شهران و خمسة أيام.
احتج القائلون بالأول بعموم قوله عز و جل «وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً» (1) الآية، و الزوجة صادقة على المتمتع بها بلا خلاف و لا إشكال.
و ما تقدم
في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) من قوله «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة يتزوجها الرجل متعة ثم يتوفى عنها، هل عليها العدة؟ فقال: تعتد
____________
(1) سورة البقرة- آية 234.
(2) التهذيب ج 8 ص 157 ص 143، الفقيه ج 3 ص 296 ح 24، الوسائل ج 15 ص 484 ح 1.
191
أربعة أشهر و عشرا» الحديث.
و ما رواه
في الفقيه (1) في الصحيح عن ابن أذينة عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) ما عدة المتعة إذا مات عنها الذي يتمتع بها؟ قال: أربعة أشهر و عشرا، قال: ثم قال: يا زرارة كل النكاح إذا مات الزوج فعلى المرأة حرة كانت أو أمة و على أي وجه كان النكاح منه متعة أو تزويجا أو ملك يمين فالعدة أربعة أشهر و عشرا، و عدة المطلقة ثلاثة أشهر، و الأمة المطلقة عليها نصف ما على الحرة و كذلك المتعة عليها ما على الأمة».
و الذي يدل على القول الثاني ما رواه
الشيخ (2) عن علي بن حسن الطاطري عن علي بن عبد الله بن علي بن شعبة الحلبي عن أبيه عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة متعة ثم مات عنها، ما عدتها؟ قال: خمسة و ستون يوما».
و ردها المتأخرون بضعف الاسناد سيما بالطاطري، فإن الشيخ ذكر في الفهرست أنه كان واقفيا شديد العناد في مذهبه صعب العصبية على من خالفه من الإمامية، و أجاب الشيخ عنها بالحمل على ما إذا كانت أمة، لما سيأتي إن شاء الله تعالى من أن عدة الأمة من الوفاة هذا القدر، و لا بأس به جمعا بين الأخبار.
بقي من أخبار هذه المسألة ما رواه
الشيخ (3) عن علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «عدة المرأة إذا تمتع بها فمات عنها زوجها خمسة و أربعون يوما».
و هذا الخبر لا ينطبق على شيء من القولين المذكورين، و حمله الشيخ على موت الزوج في العدة بعد انقضاء الأجل، و هو جيد و يؤنس به، عطف الموت بالفاء
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 296 ح 25، التهذيب ج 8 ص 157 ح 144، الوسائل ج 15 ص 484 ح 2.
(2) التهذيب ج 8 ص 158 ح 147، الوسائل ج 15 ص 485 ح 4.
(3) التهذيب ج 8 ص 157 ح 145، الوسائل ج 15 ص 484 ح 3.
192
على المتمتع بها، فكأنه في معنى أن موته وقع على أثر تمام التمتع بانقضاء الأجل.
الثاني: أن تكون أمة
، و المشهور أن عدتها شهران و خمسة أيام، نصف عدة الحرة إذا كانت حاملا، و تدل عليه الأخبار الكثيرة الدالة على أن عدة الأمة في الوفاة زوجة دائمة كانت أو متعة شهران و خمسة أيام.
و من ذلك ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الأمة إذا توفي عنها زوجها فعدتها شهران و خمسة أيام».
و عن الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عدة الأمة إذا توفي عنها زوجها شهران و خمسة أيام، و عدة المطلقة التي لا تحيض شهر و نصف».
و عن أبي بصير (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): عدة الأمة التي يتوفى عنها زوجها شهران و خمسة أيام، و عدة الأمة المطلقة شهر و نصف».
و بهذا المضمون موثقة سماعة، و على هذه الروايات حمل الشيخ رواية ابن أبي شعبة المتقدمة فخصص المرأة بالأمة لمناسبتها لها في العدة.
و ذهب جمع من الأصحاب منهم ابن إدريس و العلامة في المختلف إلى أن عدة الأمة في الوفاة عدة الحرة مطلقا.
قال في المسالك: و في صحيحة زرارة السابقة ما يدل عليه، و يشكل بمعارضتها بهذه الأخبار الكثيرة، و ربما كانت أصح سندا و إن شاركها في وصف الصحة، و أشار بصحيحة زرارة السابقة إلى صحيحته المتقدمة في المقام الأول، و هو قوله «يا زرارة كل النكاح إذا مات الزوج» إلى آخره، و فحوى كلامه يدل على أنه لا مستند لهذا القول إلا هذه الصحيحة مع أن الروايات الدالة عليه كثيرة.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 154 ح 135، الوسائل ج 15 ص 473 ح 9.
(2) التهذيب ج 8 ص 154 ح 134، الوسائل ج 15 ص 473 ح 8.
(3) التهذيب ج 8 ص 154 ح 132، الوسائل ج 15 ص 473 ح 6.
193
و منها ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح عن سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأمة إذا طلقت ما عدتها؟ إلى أن قال: قلت: فإن توفي عنها زوجها؟
فقال: إن عليا (عليه السلام) قال: في أمهات الأولاد لا يتزوجن حتى يعتدن أربعة أشهر و عشرا و هن إماء».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه (2) عن الحسن بن محبوب عن وهب بن عبد ربه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل كان له أم ولد، فزوجها من رجل فأولدها غلاما، ثم إن الرجل مات فرجعت إلى سيدها، إله أن يطأها؟ قال: تعتد من الزوج الميت أربعة أشهر و عشرة أيام، ثم يطأها بالملك بغير نكاح».
و طريق الصدوق إلى حسن بن محبوب صحيح، فتكون الرواية صحيحة.
و ما رواه
في التهذيب (3) عن سليمان بن خالد في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عدة المملوكة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر و عشرا».
و بالجملة فالروايات في المقام مختلفة، و الشيخ قد جمع بينها بحمل هذه الروايات الدالة على عدة الحرة على أمهات الأولاد، و الأخبار الدالة على التنصيف على غيرها من الإماء، و هذا الحمل لا يجري في صحيحة وهب بن عبد ربه، و هو ظاهر، لكون العدة عن الرجل الذي زوجه السيد، و لا موثقة سليمان بن خالد المصرحة بأن المتوفى الزوج لا السيد، و دلالة الروايات من الطرفين إنما هو باعتبار إطلاق الأمة المتوفى عنها زوجها الشامل للزوجة الدائمة و المتمتع بها، و أم الولد بالنسبة إلى سيدها لا تدخل في ذلك و بالجملة فالمسألة محل
____________
(1) الكافي ج 6 ص 170 ح 2، التهذيب ج 8 ص 153 ح 129، الوسائل ج 15 ص 472 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 172 ح 10، التهذيب ج 8 ص 153 ح 130، الفقيه ج 4 ص 246 ح 6 مع تفاوت يسير، الوسائل ج 15 ص 472 ح 3.
(3) التهذيب ج 8 ص 153 ح 131، الوسائل ج 15 ص 473 ح 5.
194
توقف و إشكال.
قال في المسالك: و لو كانت الأمة حاملا اعتدت بأبعد الأجلين من المدة المذكورة و وضع الحمل، أما إذا كانت الأشهر الأبعد، فظاهر، للتحديد بها في الآية و الرواية، و أما إذا كان الوضع أبعد فلامتناع الخروج عن العدة مع بقاء الحمل، لأنه أثر ماء الميت الذي يقصد بالعدة إزالته، و لعموم قوله تعالى «وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» (1) فلا بد من مراعاة المقامين، و ذلك بأبعد الأجلين، انتهى.
أقول: و سيأتي تحقيق المسألة إن شاء الله تعالى في محل اللائق به، و الله العالم.
السابعة [في جواز تجديد العقد عليها بعد الأجل]
لا ريب في جواز تجديد العقد عليها بعد الأجل و إن كانت في العدة سواء أراد العقد عليها دواما أو متعة، و هذا مخصوص به، أما غيره فلا يجوز له العقد عليها إلا بعد تمام العدة.
و يدل على ذلك ما رواه
في الكافي (2) عن أبي بصير في الصحيح أو الموثق قال: «لا بأس بأن تزيدك و تزيدها إذا انقطع الأجل فيما بينكما، تقول لها: استحللتك بأجل آخر برضا منها، و لا يحل ذلك لغيرك حتى تنقضي عدتها» الخبر.
و لا يصح قبل انقضاء أجلها، و لو أراد ذلك وهبها المدة الباقية من الأجل، و استأنف العقد متعة أو دواما، و على ذلك يدل مفهوم الشرط في الخبر المتقدم.
و ما رواه
في الكافي (3) عن أبان بن تغلب قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك الرجل يتزوج المرأة متعة فيتزوجها على شهر ثم إنها تقع في قلبه فيجب أن
____________
(1) سورة الطلاق- آية 4.
(2) الكافي ج 5 ص 458 ح 11، التهذيب ج 7 ص 268 ح 77، الوسائل ج 14 ص 475 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 458 ح 2، التهذيب ج 7 ص 268 ح 78، الوسائل ج 14 ص 478 ح 1.
195
يكون شرطه أكثر من شهر، فهل يجوز أن يزيدها في أجرها، و يزداد في الأيام قبل أن تنقضي أيامه التي شرط عليها؟ فقال: لا، لا يجوز شرطان في شرط، قلت:
فكيف يصنع؟ قال: يتصدق عليها بما بقي من الأيام ثم يستأنف شرطا جديدا».
قوله (عليه السلام) «لا يجوز شرطان في شرط» قيل في معناه وجوه: (منها) إن الشرطان المدتان المتخالفتان و الأجران المتباينان في شرط أي في عقد واحد، ذكره المحدث الكاشاني في الوافي.
و (منها) ما ذكره المحدث الأمين الأسترآبادي قال: أي أجلان في عقد واحد، فلذا لا يجوز عقد جديد قبل انفساخ العقد الأول.
و (منها) ما ذكره المجلسي في حواشيه على الكافي، قال: لعل المراد بالشرط ثانيا الزمان على طريقة مجاز المشاكلة، و بالشرطين العقدين، أي لا يتعلق عقدان بزمان واحد.
و يحتمل أن يكون المفروض زيادة الأجل و المهر في أثناء المدة تعويلا على العقد السابق من غير تجديد، فيكون بمنزلة اشتراط أجلين و مهرين في عقد واحد.
أقول: الظاهر من هذه الوجوه هو ما ذكره المحدث الكاشاني.
و ربما بنى الكلام هنا على الخلاف المتقدم في وجوب اتصال المدة بالعقد و عدمه، فإن قلنا بالأول امتنع حتى ينقضي أجلها، و إن قلنا بالثاني جاز العقد عليها قبل انقضاء الأجل، و هو جيد، إلا أن المحقق- مع تصريحه في الشرائع بجواز انفصال الأجل عن وقت العقد- صرح في النافع في هذه المسألة بأنه لا يصح العقد قبل انقضاء الأجل، و احتمال رجوعه عما أفتى به في الشرائع بعيد.
و ما ذكرناه من عدم جواز تجديد العقد عليها قبل انقضاء الأجل هو المشهور بين الأصحاب، و نقل في المختلف عن ابن حمزة أنه قال: «و إن أراد أن يزيد في الأجل جاز و زاد في المهر، و روي أنه يهب منها مدته ثم يستأنف، و أنه لا يصح ما ذكرناه أولا.
و نقل في المختلف أنه احتج بأصالة الجواز السالم عن معارضة شغلها بعقد
196
غيره، و كونها مشغولة بعقد لا يمنع من العقد عليها مدة أخرى كما لو كانت مشغولة بعدته، ثم قال في المختلف. و لا بأس به عندي، ثم نقل عن ابن أبي عقيل أنه قال:
لو نكح متعة إلى أيام مسماة، فإن أراد أن ينكحها نكاح الدائم قبل أن تنقضي أيامه منها لم يجز ذلك ما لم تملك نفسها، و هو أملك بها منها ما لم تنقض أيامها، فإذا انقضت أيامها فشاءت المرأة أن تنكحه من ساعته جاز، و لو وهب أيامه ثم نكحها نكاح إعلان جاز ذلك.
قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و هو يعضد قول ابن حمزة، إلا أنه قيد بالإعلان.
أقول: ما ذكره- (رحمه الله)- من الاحتجاج لابن حمزة و اختاره محض اجتهاد في مقابلة النصوص، و هو مما منعت منه الشريعة على العموم و الخصوص، و الخبران المتقدمان ظاهران في عدم جواز ذلك.
أما الأول فإنه يدل على ذلك بمفهوم الشرط الذي هو حجة عند محققي الأصوليين، و عليه دلت جملة من الأخبار التي تقدمت الإشارة إليها مرارا.
و أما الثاني فهو صريح في ذلك، و بها يجب الخروج عن الأصل الذي استند إليه، و قياسه العقد في الأجل على العقد في العدة قياس مع الفارق، فإنها في الأجل زوجة، و في العدة تباين، قد خرجت عن الزوجية بالكلية، و إنما وجبت العدة عليها لأجل استبراء رحمها، و لو جدد العقد عليها لم يضر بالعلة في العدة، بخلاف غيره، و لو صح تجديد العقد عليها متعة في الأجل لصح ذلك دواما إذ لا فرق بينهما إذ المقتضي للصحة أمر واحد فيها مع أنه لا يقول به.
و بالجملة فإن ما اختاره من القول المذكور الموجب لرد الخبرين المذكورين مع ظهور دلالتهما و عدم المعارض لهما مما لا يلتزمه محصل، و كان الواجب عليه الجواب عنهما، و هو قد ذكر رواية أبان دليلا للقول المشهور، و اختار ما ذكره و لم يتعرض للجواب عنها.
197
الثامنة [في اشتراط المرأة المتمتع بها عدم الوطي في الفرج]
المشهور بين الأصحاب أنه لو اشترط المرأة المتمتع بها أن لا يطأها في الفرج لزم الشرط و لم يجز له الوطي، و لو أذنت بعد ذلك جاز.
قال الشيخ في النهاية: إذا اشترط الرجل في حال العقد أن لا يطأها في فرجها لم يكن له وطؤها فيه، فإن رضيت بعد العقد بذلك كان ذلك جائزا، و جعله ابن إدريس رواية، و هو مؤذن بتوقفه في ذلك.
و ظاهر العلامة في المختلف عدم الجواز و إن رضيت، فإنه قال- بعد نقل كلام الشيخ في النهاية و نقل نسبة ابن إدريس ذلك إلى الرواية- ما لفظه: و الشيخ عول على
رواية عمار بن مروان (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «قلت: رجل جاء إلى امرأة فسألها أن تزوجه نفسها، فقالت: أزوجك نفسي على أن تلتمس مني ما شئت من نظر أو التماس و تنال مني ما ينال الرجل من أهله، إلا أنك لا تدخل فرجك في فرجي و تلذذ بما شئت فإني أخاف الفضيحة؟ قال: لا بأس، ليس له إلا ما اشترط».
ثم قال: و الجواب نحن نقول بموجب الرواية، و أنها لو اشترطت عليه عدم الإتيان في الفرج لزم، و تمنع تسويغه بعد ذلك بالاذن، انتهى.
أقول: فيه أن الشيخ لم يعود على هذه الرواية كما توهمه، فإنها غير وافية بالاستدلال على ما قال، بل دليله الذي اعتمد عليه إنما هو ما ذكره من الرواية مع ما رواه
في التهذيب عن إسحاق بن عمار، و رواه الصدوق في الفقيه (2) بطريقه إلى إسحاق بن عمار أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل تزوج بجارية عاتق على أن لا يفتضها، ثم أذنت له بعد ذلك، قال: إذا أذنت له فلا بأس».
و هي كما ترى ظاهرة بل صريحة في جواز الوطي بعد الاذن، و طريق
____________
(1) الكافي ج 5 ص 467 ح 9، التهذيب ج 7 ص 270 ح 85، الوسائل ج 14 ص 491 ب 36 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 369 ح 59، الفقيه ج 3 ص 297 ح 30، الوسائل ج 15 ص 45 ب 36 ح 2.
198
الصدوق- (رحمه الله)- إلى إسحاق بن عمار صحيح، و لكن لما كان إسحاق المذكور مشتركا بين الصيرفي الإمامي الثقة، و بين الفطحي الثقة، فالخبر من الموثق.
و في معنى خبر عمار بن مروان ما رواه
سماعة (1) أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل جاء إلى امرأة فسألها أن تزوجه نفسها، فقالت: أزوجك نفسي على أن تلتمس منى ما شئت من نظر و التماس و تنال مني ما ينال الرجل من أهله، إلا أنك لا يدخل فرجك في فرجي، و تلذذ بما شئت، فإني أخاف الفضيحة، فقال: ليس له إلا ما اشترط».
و المفهوم من هذه الأخبار الثلاثة- بعد ضم بعضها إلى بعض- هو صحة الشرط المذكور، و عدم جواز الجماع إلا مع الاذن بعد ذلك فإنه يجوز.
قال السيد السند في شرح النافع بعد ذكر روايات المسألة كملا: و يظهر من العلامة في المختلف عدم جواز مخالفة الشرط، و إن رضيت بذلك، و ربما كان وجهه أن العقد لم يتشخص سوى ذلك بالشرط، فلا يكون خلافه مندرجا في العقد، و المسألة محل إشكال و إن كان الجواز لا يخلو من رجحان، انتهى.
أقول: الظاهر أن العلامة لم يقف في وقت ما كتبه هنا في الكتاب المذكور على رواية إسحاق بن عمار الدالة على مدعى الشيخ كما سمعت مما نقلناه عنه، و إنما استدل له بتلك الرواية الدالة على المنع من الوطي بالشرط و هو مما لا ريب فيه، و لم يقف على ما دل على الجواز مع الاذن فهو معذور فيما ذهب إليه، و إلا فلو أنه وقف على الرواية- و مع هذا اختار المنع- لأجاب عن الرواية المذكورة.
بقي الكلام معه في هذا الوجه الذي استدل به على المنع، و استشكل لأجله مع نقله للخبر المذكور.
و فيه أنه لا ريب في كونها زوجة، و أن الوطي حق لها، فمتى أذنت جاز
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 369 ح 58، الوسائل ج 15 ص 45 ب 36 ح 1.
199
و الاعتماد على تشخص العقد بذلك الشرط- فلا يكون خلافه مندرجا في العقد- قد هدمنا بنيانه، و زعزعنا أركانه بالأخبار الكثيرة الصحيحة الصريحة في صحة العقود المشتملة على الشروط الفاسدة مع بطلان تلك الشروط كما تقدم في غير مقام.
هذا مع تسليم جواز الاعتماد على أمثال هذه التعليلات العليلة في تأسيس الأحكام الشرعية، مع عدم المعارض لها من الأخبار، و إلا فمع منعه سيما بعد وجود الخبر الصريح الصحيح بالاصطلاح القديم، فالحكم أظهر من أن يعتريه شائبة الإشكال.
ثم إنه لا يخفى أن مورد هذه الروايات الثلاث هو الزوجة مطلقا أعم من أن تكون دائمة أو متعة، و الظاهر أنه لا خلاف و لا إشكال في صحة هذا الشرط في عقد المتعة لعموم ما دل على الوفاء بالشروط، و عدم ما يدل على المنافاة، و ما ربما يقال من أن مقتضى العقد إباحة الاستمتاع في كل وقت فتخصيصه ببعض الأوقات ينافيه، مدفوع بأن ذلك إنما يقتضيه العقد المطلق أي المجرد عن الشرط، لا مطلق العقد، على أن ذلك لو تم لاقتضى عدم جواز اشتراط انتفاع البائع بالمبيع مدة معينة و إسقاط الخيار و ما شاكل ذلك، مما أجمع الأصحاب على صحة اشتراطه.
و يعضده ما قدمنا تحقيقه في كتب المعاملات من أن الشروط كائنة ما كانت إنما هي بمنزلة الاستثناء الذي عرفوه بأنه إخراج ما لولاه لدخل، فالمنافاة لأجل العقد حاصلة البتة، و لا خصوصية له بهذا المكان كما يوهمه كلام هذا القائل.
نعم يبقى الكلام و الاشكال في صحة هذا الشرط و عدمه في النكاح الدائم، و القول بلزوم الشرط و جواز الوطي مع الاذن في المنقطع و الدائم للشيخ و المحقق في كتابيه و جماعة.
قال في النافع: لو شرطت أن لا يفتضها صح و لو أذنت بعده جاز، و منهم من خص الجواز بالمتعة، انتهى.
200
و القول باختصاص صحة هذا الاشتراط بالمتعة، و بطلانه بل بطلان العقد في الدائم، للشيخ أيضا و جماعة منهم العلامة في المختلف و ولده في الشرح، استدلوا على البطلان في الدائم بمنافاة هذا الشرط لمقتضى العقد، إذ من أهم مقتضياته حصول التناسل، و هو يستدعي الوطي، و إذا فسد الشرط فسد العقد، لعدم الرضا به بدون الشرط.
أقول: لا يخفى أن الأخبار الثلاثة الواردة في المسألة شاملة بإطلاقها للنكاح الدائم و المنقطع، و بها أخذ من قال بالعموم، إلا أن الظاهر من روايتي عمار و سماعة الاختصاص بنكاح المتعة، فإنه هو الذي يترتب عليه حصول الفضيحة، و سيجيء إن شاء الله الكلام في هذه المسألة بمزيد تحقيق في المقام، و الله العالم.
التاسعة [عدم جواز التمتع بأمة المرأة بغير إذنها]
المشهور بين الأصحاب أنه لا يجوز التمتع بأمة المرأة بغير إذنها، و خالف في ذلك الشيخ في النهاية و التهذيب فجوز التمتع بها بغير إذن المرأة استنادا إلى روايات سيف بن عميرة (1) و قد تقدم تحقيق البحث في هذه المسألة مستوفى، كما هو حقه في المسألة الثانية عشر من المقصد الثاني في الأولياء للعقد من الفصل الأول في العقد (2)، و الله العالم.
الفصل الرابع في نكاح الإماء
و هو إما بالملك للرقبة أو المنفعة أو العقد دواما أو متعة، و قد تقدم في الأبحاث السابقة ذكر كثير من أحكامهن و بقي الكلام هنا في مطالب ثلاثة:
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 257 و 258 ح 39 و 40 و 41، الوسائل ج 14 ص 463 ح 1 و 2 و 3.
(2) أقول: من جملة ذلك في كتاب البيع سيما في باب الحيوان، و كذا في هذا الكتاب فيما يحرم جمعا أو عينا من المطلب الثالث في المصاهرة و غيرهما أيضا. (منه- (قدس سره)-).
201
[المطلب] الأول: في جملة من المسائل المتعلقة بالمقام
. [المسألة] الأولى [لزوم إذن السيد في عقد العبد و الأمة على أنفسهما]
لا يجوز للعبد و لا للأمة أن يعقدا على أنفسهما نكاحا إلا بإذن السيد، لأنهما ملك له، فليس لهما أن يتصرفا في ملكه بغير رضاه، ثم إنه لو تصرفا بغير إذنه كان ذلك من قبيل العقد الفضولي، و قد تقدم الكلام في عقد النكاح الفضولي، و أنه هل يكون صحيحا موقوفا على الإجازة أو باطلا، تقدم ذلك في المسألة السابقة من المقصد الثاني في الأولياء من الفصل الأول، و قد حققنا ثمة أن الأصح صحته، و إن قلنا بالبطلان في غير النكاح من العقود، كما تقدم تحقيقه في كتاب البيع، ثم إن من قال بالبطلان في النكاح مطلقا فقد أبطله هنا.
و من قال بالصحة و توقفه على الإجازة، فقد اختلفوا هنا على أقوال، فمنهم من قال بالصحة و جعله موقوفا على الإجازة، و من أفراد النكاح و هو الأشهر عندهم.
و منهم من جعل الإجازة كالعقد المستأنف و هو قول الشيخ في النهاية، فإنه قال: من عقد على أمة غيره بغير إذن مولاها كان العقد باطلا، فإن رضي المولى بذلك كان رضاه كالعقد المستأنف، يستباح به الفرج، و قد اختلفوا في تنزيل كلامه حيث إن ظاهره التناقض، لحكمه ببطلان العقد، ثم الاكتفاء عنه بالإجازة، و جعلها مبيحة للنكاح كالعقد، مع أن ما يقع باطلا في نفسه لا تثبت صحته بالإجازة على وجوه:
منها ما ذكره العلامة في المختلف من حمل كونه باطلا، على معنى أنه يؤول إلى البطلان و هو جيد، لأن إطلاق البطلان على الموقوف كثير شائع، و على هذا فيرجع إلى القول الأول.
و منهم من قال بالبطلان و هو مذهب ابن إدريس مع أنه حكم بصحة نكاح الفضولي في غير المملوك محتجا بالنهي المقتضي للفساد.
202
و منهم من فرق بين نكاح العبد و الأمة، فيقف الأول و يبطل الثاني، و هو قول ابن حمزة.
و الذي وقفت عليه- من الأخبار المتعلقة بالمسألة- جملة من الأخبار قد تقدمت في المسألة المشار إليها آنفا، و هي صريحة في صحة ذلك، و توقفه على الإجازة، إلا أن موردها كلها إنما هو نكاح المملوك بغير إذن سيده.
و منها
حسنة زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن مملوك تزويج بغير إذن سيده، فقال: ذاك إلى سيده، إن شاء أجازه، و إن شاء فرق بينهما، قلت:
أصلحك الله إن الحكم بن عتيبة و إبراهيم النخعي و أصحابهما يقولون إن أصل النكاح فاسد و لا تحل إجازة السيد له، فقال: أبو جعفر (عليه السلام) إنه لم يعص الله إنما عصى سيده فإذا أجازه فهو له جائز».
و أما نكاح الأمة فلم أقف في شيء من الأخبار على ما يدل على أن الحكم فيه ذلك، بل ربما ظهر منها خلافه، و هو البطلان من رأس.
و منها ما رواه
في التهذيب (2) عن أبي بصير قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن نكاح الأمة، قال: لا يصلح نكاح الأمة إلا بإذن مولاها».
و ما رواه
في الكافي (3) عن أبي العباس قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأمة تتزوج بغير إذن أهلها؟ قال: يحرم ذلك عليها و هو الزنا».
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب (4) عن أبي العباس البقباق قال: «قلت لأبي عبد الله
____________
(1) الكافي ج 5 ص 478 ح 3، التهذيب ج 7 ص 351 ح 63، الوسائل ج 14 ص 523 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 335 ح 4، الوسائل ج 14 ص 528 ح 4.
(3) الكافي ج 5 ص 479 ح 1، الوسائل ج 14 ص 527 ح 2.
(4) التهذيب ج 7 ص 348 ح 55، الفقيه ج 3 ص 286 ح 5، الوسائل ج 14 ص 527 ح 1.
203
(عليه السلام): الرجل يتزوج الأمة بغير علم أهلها؟ قال: هو زنا، إن الله يقول «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ».
و ما رواه
في الكافي (1) عن فضل بن عبد الملك قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأمة تتزوج بغير إذن مواليها؟ قال: يحرم ذلك عليها و هو زنا».
و في رواية الوليد بن صبيح (2) «عن الصادق (عليه السلام) «إن كان الذي زوجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد» (3).
و في رواية سيف بن عميرة (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس أن يتمتع الرجل بأمة المرأة، فأما أمة الرجل فلا يتمتع إلا بأمره».
و في رواية داود بن فرقد (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتزوج بأمة بغير إذن مواليها؟ فقال: إن كانت لامرأة فنعم، و إن كانت لرجل فلا».
و أنت خبير بما في هذه الروايات من ظهور الدلالة على بطلان العقد من أصله، بل صراحتها في ذلك، و لو كان الحكم في الأمة كما في العبد لأجابوا في هذه الأخبار بما أجابوا به في تلك، من أن ذلك للسيد، فإن شاء أجازه، و إن شاء منعه، مع أنها إنما دلت على كونه فاسدا و حراما و أنه زنا.
و بالجملة فإن دلالتها على ما ذكرنا ظاهر، لا يقبل الإنكار، و منه يظهر قوة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 479 ح 2، الوسائل ج 14 ص 528 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 404 ح 1، التهذيب ج 7 ص 349 ح 57، الوسائل ج 14 ص 577 ح 1.
(3) أقول: هذا الخبر هكذا:
عن الوليد بن صبيح عن أبى عبد الله- (عليه السلام)- «في رجل تزوج امرأة حرة فوجدها أمة قد دلست نفسها، قال: ان كان الذي زوجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد».
الخبر. (منه- (قدس سره)-).
(4) التهذيب ج 7 ص 258 ح 41، الوسائل ج 14 ص 463 ب 14 ح 1.
(5) التهذيب ج 7 ص 258 ح 40، الوسائل ج 14 ص 463 ح 3.
204
ما ذهب إليه ابن حمزة من الصحة في العبد و إن كان موقوفا، دون الأمة، فإنه باطل و منه أيضا يظهر قوة قول الشيخ في النهاية بالبطلان حيث خصه بالعقد على الأمة إلا أن ما ذكره من أن الإجازة كالعقد المستأنف محل إشكال، و يمكن أن يقال في دفع الاشكال أنه لما ثبت عنده بالإجماع أن إجازة المولى لعقد الفضولي ماضية في النكاح، جمع بين الأمرين بذلك فقال بالبطلان عملا بتلك الأخبار، و جعل الإجازة كالعقد المستأنف بناء على الإجماع المذكور.
و من الأصحاب من حمل كلام الشيخ المتقدم على أن العقد يكون باطلا بدون الاذن كما ذكرناه، و لكن الإجازة تقوم مقام التحليل، فيكون الرضا عبارة عن التحليل، قال: و من ثم فرضها في الأمة، لأن العبد لا يأتي فيه ذلك، و على هذا الوجه أيضا يرتفع الإشكال الذي ذكرناه أيضا إلا أنه في المسالك قد اعترض على هذا الوجه بأن التحليل منحصر في عبارات، و ليس الرضا منها، فليس بتحليل و لا عقد.
أقول: إن كانت هذه العبارات التي ادعى انحصار التحليل فيها مما دلت عليها الأخبار، و دلت على انحصاره فيها، فما ذكره جيد و إن كانت من كلام الأصحاب من غير دليل يدل عليها في الباب، فكلامه لا يخلو من المناقشة، و سيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.
و مما ذكرنا من دلالة الأخبار على بطلان عقد الأمة دون عقد العبد يظهر لك ضعف حمل العلامة لكلام الشيخ في النهاية على الحمل المتقدم ذكره.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن ظاهره في المسالك أن ما استند إليه ابن حمزة من البطلان في الأمة إنما هو بعض الروايات العامية، و كذلك ابن إدريس في احتجاجه بالنهي، إنما أراد به النهي الوارد في الأخبار العامية، و لهذا اعترضه في المسالك بأنه لا يناسب أصول ابن إدريس، لأن طريقه عامي، و هو لا يكتفي به لو كان خاصيا.
205
أقول: و التحقيق ما عرفت من أن ما ذكروه من الصحة و كونه فضوليا إنما يتم لهم في نكاح العبد خاصة دون الأمة، و أن المستند في بطلان عقد الأمة إنما هو الأخبار التي قدمناها، و به يظهر ضعف القول المشهور من الصحة مطلقا، و ضعف قول ابن إدريس من البطلان مطلقا، و قوة قول ابن حمزة من التفصيل المذكور، و المفهوم من جملة من الأخبار المتقدمة في المسألة المشار إليها آنفا، أنه تكفي في الإجازة سكوت السيد بعد علمه بالنكاح و عدم إنكاره له، و بذلك صرح ابن الجنيد فقال: لو كان السيد علم بعقد العبد و الأمة على نفسه فلم ينكر ذلك، و لا فرق بينهما، جرى ذلك مجرى الرضا في الإمضاء، و استقر به في المختلف و هو جيد للأخبار المشار إليها، إلا أن موردها نكاح العبد كما عرفت، و الله العالم.
تذنيبات
الأول [فيما لو أذن المولى لعبده في التزويج]
المشهور بين الأصحاب أنه إذا أذن المولى لعبده في التزويج كان المهر و نفقة الزوجة على السيد، لأن النكاح لما وقع صحيحا لزمه الحكم بثبوت المهر و النفقة، و لا محل لهما إلا ذمة السيد، لأن العبد لا يملك. هكذا علله في المسالك.
و نقل الشيخ في المبسوط تعلق ذلك بكسب العبد، لأن المهر و النفقة من لوازم النكاح، و كسب العبد أقرب شيء إليه، فإن مصرف الكسب مؤنة الإنسان و ضروراته، و من أهمها لوازم النكاح.
و أورد عليه بأن الدين لا بد له من ذمة يتعلق بها، و ذمة العبد ليست أهلا لذلك، فلا بد من تعلقه بذمة السيد، كذا ذكره السيد السند في شرح النافع.
ثم اعترضه بأنه يمكن دفعه بمنع كون ذمة العبد ليست أهلا للتعلق، و لهذا يتعلق بها عوض التلف إجماعا، و لجواز تعلق المهر بالكسب كما يتعلق أرش الجناية برقبة الجاني، إذ لا مانع من ذلك عقلا و لا شرعا. ثم قال: و احتمل العلامة ثبوتها
206
في ذمته و المسألة قوية الإشكال لفقد النص فيها على أحد الوجوه، و أصالة براءة ذمة المولى من ذلك و الأحوط أن يعين في العقد كون المهر في ذمة المولى أو في كسب العبد أو في ذمته، يتبع به بعد العتق و اليسار، و لو قلنا: إن العبد يملك مطلقا، أو على بعض الوجوه ثبت المهر و النفقة في ذمته من غير إشكال. انتهى كلامه، زيد مقامه. أقول: قد تقدم الكلام في هذه المسألة في المسألة الرابعة عشر من مسائل المقصد الثاني من الفصل الأول في العقد.
و قد ذكرنا ثمة روايتين يظهر منهما أن المهر على السيد (أو لهما)
رواية زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج عبده بغير إذنه فدخل بها، ثم اطلع على ذلك مولاه، فقال: ذلك إلى مولاه، إن شاء فرق بينهما (2)، و إن شاء أجاز نكاحهما، فإن فرق بينهما فللمرأة ما أصدقها، إلا أن يكون اعتدى فأصدقها صداقا كثيرا، و إن أجاز نكاحه فهما على نكاحهما الأول» الحديث.
و (الثانية)
رواية علي بن أبي حمزة (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) «في رجل يتزوج مملوكا له امرأة حرة على مائة درهم، ثم أنه باعه قبل أن يدخل عليها، فقال: يعطيها سيده من ثمنه نصف ما فرض لها، إنما هو بمنزلة دين استدانه بإذن سيده».
و أما الأولى فإن القرينة فيها على كونه على السيد قوله «فللمرأة ما أصدقها إن لم يكن أصدقها صداقا كثيرا» فإن الظاهر أن المراد بالصداق الكثير
____________
(1) الكافي ج 5 ص 478 ح 2، الفقيه ج 3 ص 283 ح 1، التهذيب ج 7 ص 351 ح 62، الوسائل ج 14 ص 523 ح 2.
(2) أقول: فيه أن ظاهر تفريقه بينهما يؤذن بعدم اجازة النكاح، و مقتضى كلام الأصحاب أنه مع عدم اجازة السيد و لا اذنه فان المهر على العبد يتبع به العتق، و لكن ظاهر الخبر أنه على السيد بالتقريب المذكور في الأصل، و لا يخلو من الاشكال. (منه- (قدس سره)-).
(3) التهذيب ج 8 ص 210 ح 51، الفقيه ج 3 ص 289 ح 19، الوسائل ج 14 ص 585 ب 78 ح 1.
207
هو الزائد على مهر المثل، و المعنى فيه أن الصداق على السيد بشرط أن لا يزيد على مهر المثل، و لو كان الصداق إنما على العبد في رقبته أو كسبه لكان هذا الشرط لغوا و إيجاب المهر كملا في الرواية الاولى و نصفه في الثانية من حيث تضمن الاولى الدخول و الثانية عدم الدخول.
و في الثانية دلالة على تنصيف المهر بغير الطلاق كما هو أحد القولين، و في الأولى دلالة على أنه مع الدخول قبل إذن المولى لا يعد زانيا يستوجب حد الزاني، و في بعض الروايات المتقدمة ثمة ما يؤيده.
ثم إن الأظهر في تقرير حجة القول المشهور هو ما قدمنا نقله ثمة عن جده في المسالك، فإنه شاف واف بذلك، و تخرج الروايتان شاهدا عليه.
الثاني [في مالكية المولى مهر الأمة]
قد صرحوا بأنه إذا أذن المولى لأمته في التزويج أو زوجها هو كان المهر له دون الأمة، و الظاهر أنه لا إشكال فيه، لأن الأمة و منافعها مملوكة له، و المهر الذي هو في مقابلة البضع من جملة تلك المنافع المشار إليها، و الله العالم.
الثالث [عدم الفرق بين كون المالك متحدا أو متعددا]
لا فرق في توقف نكاح المملوك على إذن مالكه بين كون المالك متحدا أو متعددا لتحقق المالية لكل من الملاك، و قبح التصرف بغير إذن المالك عقلا و نقلا، و الخلاف في كون النكاح موقوفا على الإجازة أو باطلا يجري هنا كما في المالك المتحد، و كذا القول في المهر و النفقة، و يوزع على كل واحد بمقدار ما يخصه من الملك، و الله العالم.
المسألة الثانية [حكم الولد لو كان الأبوان مملوكين أو كان أحدهما مملوكا]
لا خلاف و لا إشكال في أنه إذا كان الأبوان مملوكين يكون الولد مملوكا لمالكهما، فإنه نماؤهما و تابع لهما، فإن كانا لمالك واحد فالولد له، و إن كان كل واحد منهما لمالك فالولد نصفين بين المالكين عند الأصحاب لأنه نماء ملكهما و لا مزية لأحدهما على الآخر، بخلاف باقي الحيوانات، فإن الولد لمالك الام، و فرقوا بينهما بأن النسب مقصود في الآدميين و هو تابع لهما فيه بخلاف غيره من الحيوانات فإن النسب فيه غير معتبر و النمو و التبعية فيه لاحق
208
بالأم خاصة، كذا ذكروا- رضي الله عنهم- و لم أقف في ذلك على نص.
قال في المسالك- بعد نقله للفرق بين الإنسان و غيره من الحيوانات في التبعية فيه دونها-: و في الفرق خفاء إن لم يكن هنا إجماع، مع أن أبا الصلاح ذهب إلى أنه يتبع الام كغيره من الحيوانات، انتهى.
و بالجملة فما ذكروه من الفرق لعدم الوقوف على نص فيه لا يخلو من الاشكال.
و يدل على الحكم الأول- و هو ما إذا كان الأبوان ملكا لمالك واحد، فإن الولد لمالك أبويه- ما رواه
في الكافي (1) عن أبي هارون المكفوف قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): أ يسرك أن يكون لك قائد يا أبا هارون؟ قال: قلت: نعم جعلت فداك، قال: فأعطاني ثلاثين دينارا فقال: اشتر خادما كسوميا، فاشتراه، فلما أن حج دخل عليه فقال له: كيف رأيت قائدك يا أبا هارون؟ فقال: خيرا، فأعطاه خمسة و عشرين دينارا فقال له: اشتر جارية شبانية فإن أولادهن قرة، فاشتريت جارية شبانية فزوجتها منه، فأصبت ثلاثة بنات فأهديت واحدة منهن إلى بعض ولد أبي عبد الله (عليه السلام) و أرجو أن يجعل ثوابي منها الجنة، و بقيت بنتان ما يسرني بهن ألوف».
أقول: في القاموس الكسوم: الماضي في الأمور، و فيه أيضا الشابن: الغلام الناعم و قد شبن، و شبانة اسم، ثم قال: و الشباني و الاشباني- بالضم- الأحمر الوجه و السبال.
نعم لو شرط أحدهما انفراده بالولد أو الزيادة على نصيبه منه فالظاهر صحة الشرط، لعموم ما دل على وجوب الوفاء بالشروط (2).
أما لو كان أحد الأبوين حرا و الآخر مملوكا فالمشهور أن الولد يتبع الحر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 480 ح 4، الوسائل ج 14 ص 547 ح 1.
(2) سورة المائدة- آية 1.
209
منهما، فيكون حرا مطلقا، و ذهب ابن الجنيد إلى أن الولد رق و أنه تبع للرق منهما إلا مع اشتراط الحرية.
و يدل على القول المشهور أخبار مستفيضة منها ما رواه
في الكافي عن مؤمن الطاق (1) عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن المملوك يتزوج الحرة، ما حال الولد؟ فقال: حر، فقلت: و الحر يتزوج المملوكة؟ قال: يلحق الولد بالحرية حيث كانت إن كانت، الأم حرة أعتق بأمه، و إن كان الأب حرا أعتق بأبيه».
و عن جميل و ابن بكير (2) «في الولد من الحر و المملوكة؟ قال: يذهب إلى الحر منهما».
و عن جميل بن دراج (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا تزوج العبد الحرة فولده أحرار، و إذا تزوج الحرة الأمة فولده أحرار».
و عن جميل بن دراج (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحر يتزوج الأمة، أو عبد يتزوج حرة، قال: فقال لي: ليس يسترق الولد إذا كان أحد أبويه حرا إنه يلحق بالحر منهما أيهما كان، أبا كان أو اما».
و ما رواه
في الفقيه (5) عن جميل بن دراج في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج بأمة فجاءت بولد، قال: يلحق الولد بأبيه، قلت: فعبد يتزوج بحرة؟ قال: يلحق الولد بأمه».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 492 ح 2، الوسائل ج 14 ص 530 ح 7.
(2) الكافي ج 5 ص 492 ح 1، التهذيب ج 7 ص 335 ح 6، الوسائل ج 14 ص 529 ح 4.
(3) الكافي ج 5 ص 492 ح 3، التهذيب ج 7 ص 336 ح 6، الوسائل ج 14 ص 529 ح 6.
(4) الكافي ج 5 ص 492 ح 4، الوسائل ج 14 ص 530 ح 8.
(5) الفقيه ج 3 ص 291 ح 26 ح 26، الوسائل ج 14 ص 529 ح 2.
210
و ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن، و في التهذيب في الصحيح عن عبد الله ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «في العبد تكون تحته الحرة، قال: ولده أحرار، فإن أعتق المملوك لحق بأبيه».
أقول: يعني في الحضانة و الميراث، و أما أصل الحرية فإنما حصلت من تبعية الأم.
و ما رواه
في الكافي (2) في الصحيح أو الحسن عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا، و رواه في الفقيه مرسلا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل الحر يتزوج بأمة قوم، الولد مماليك أو أحرار؟ قال: إذا كان أحد أبويه حرا فالولد أحرار».
و ما رواه
في التهذيب (3) عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في مملوك يتزوج حرة، قال: الولد للحرة، و في حر تزوج مملوكة؟ قال: الولد للأب».
هذه جملة ما وقفت عليه من روايات القول المذكور.
و أما ما يدل على ما ذهب إليه ابن الجنيد، فجملة من الأخبار أيضا منها ما رواه
الشيخ في التهذيب (4) عن أبي بصير قال: «لو أن رجلا دبر- و في الاستبصار رواها عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لو أن رجلا دبر- جارية ثم زوجها من رجل فوطأها كانت جاريته و ولدها منه مدبرين، كما لو أن رجلا أتى قوما فتزوج إليهم مملوكهم كان ما ولد لهم مماليك».
و ما رواه
الصدوق في الفقيه في الصحيح و الشيخ في التهذيب (5) في الصحيح أو
____________
(1) الكافي ج 5 ص 493 ح 6، و أما في التهذيب نعثر عليه، فلم الوسائل ج 14 ص 529 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 493 ح 7، التهذيب ج 7 ص 336 ح 7، الفقيه ج 3 ص 291 ح 25، الوسائل ج 14 ص 529 ح 5.
(3) التهذيب ج 7 ص 336 ح 8، الوسائل ج 14 ص 530 ح 9.
(4) التهذيب ج 7 ص 336 ح 9، الوسائل ج 14 ص 530 ح 10.
(5) التهذيب ج 8 ص 225 ح 42، الفقيه ج 3 ص 68 ح 13، الوسائل ج 14 ص 531 ح 13.
211
الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل زوج أمته من رجل و شرط له أن ما ولدت من ولد فهو حر، فطلقها زوجها أو مات عنها، فزوجها من آخر، ما منزلة ولدها؟ قال: منزلتها ما جعل ذلك إلا للأول، و هو في الآخر بالخيار إن شاء أعتق و إن شاء أمسك».
و ما رواه
في التهذيب (1) عن الحسن بن زياد قال: «قلت له: أمة كان مولاها يقع عليها ثم بدا له فزوجها، ما منزلة ولدها؟ قال: بمنزلتها إلا أن يشترط زوجها».
و عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل يزوج جاريته رجلا، و اشترط عليه أن كل ولد تلده فهو حر فطلقها زوجها ثم تزوجت آخر فولدت، قال: إن شاء أعتق و إن شاء لم يعتق».
و عن أبان بن تغلب (3) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل دبر مملوكته، ثم زوجها من رجل آخر فولدت منه أولادا ثم مات زوجها، و ترك الأولاد منها، فقال: أولاده منها كهيئتها، فإذا مات الذي دبر أمهم فهم أحرار، قلت له: أ يجوز للذي دبر أمهم ان يردها في تدبيره إذا احتاج؟ قال: نعم، قلت:
أ رأيت إن ماتت أمهم بعد ما مات الزوج و بقي أولادها من الزوج الحر، أ يجوز لسيدها أن يبيع أولادها، و يرجع عليهم في التدبير؟ قال: لا، إنما كان له أن يرجع في تدبير أمهم إذا احتاج و رضيت هي بذلك».
و عن عبد الله بن سليمان (4) في حديث قال: «سألته عن رجل يزوج وليدته من رجل و قال: أول ولد تلدينه فهو حر، فتوفي الرجل و تزوجها آخر، فولدت
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 214 ح 69، الوسائل ج 14 ص 531 ح 12.
(2) التهذيب ج 8 ص 212 ح 62، الوسائل ج 14 ص 530 ح 11.
(3) الكافي ج 6 ص 184 ح 6، التهذيب ج 8 ص 250 ح 4، الوسائل ج 16 ص 78 ب 7 ح 1.
(4) التهذيب ج 8 ص 225 ح 23، الوسائل ج 14 ص 531 ب 30 ح 14.
212
له أولادا؟ فقال: أما من الأول فهو حر، و أما من الآخر فإن شاء استرقهم».
هذه جملة ما حضرني من الأخبار الدالة على ما ذهب إليه ابن الجنيد، و أصحابنا لم ينقلوا لابن الجنيد من الأخبار سوى رواية أبي بصير كما في المختلف و شرح النافع للسيد السند، و زاد في المسالك الاستدلال له برواية الحسن بن زياد ثم طعنوا فيها بضعف الاسناد، و الأخبار كما ترى فيها الصحيح باصطلاحهم بل هو أكثرها، إلا أن هذه قاعدتهم غالبا من عدم إعطاء التتبع حقه في روايات المسألة.
و الشيخ- رحمة الله عليه- في الاستبصار أجاب عن رواية أبي بصير بالحمل على ما إذا شرط عليه أن يكون الولد مماليك، فإنهم يكونون كذلك، و قال في التهذيب- بعد ذكر هذا الحمل-: و هذا الخبر و إن لم يكن فيه ذكر الشرط صريحا فنحن نعلم أنه المراد بدلالة ما قدمناه من الأخبار، و أن الولد لاحق بالحرية فإذا ثبت ذلك فلا وجه لهذا الخبر إلا الوجه الذي ذكرناه. انتهى، و لا يخفى ما فيه.
و أجاب عن رواية الحسن بن زياد و صحيحة عبد الرحمن بالحمل على التقية تارة، قال: لأن في العامة من يذهب إلى أن الولد يتبع الام على كل حال، و تارة على ما إذا كان الزوج مملوكا للغير، قال: فإن الولد يكون لاحقا لها إلا أن يشترط مولى العبد.
أقول: و المسألة لتصادم هذه الأخبار و بعد ما ذكره من المحامل محل إشكال، إلا أنه يمكن أن يرجح الحمل على التقية، لشهرة القول الأول في الصدر الأول حيث لم ينقل المخالفة ثمة إلا عن ابن الجنيد سيما مع ما علم غالبا من جريه على مذهب العامة، و قوله بأقوالهم، و عمله بقياساتهم.
هذا كله مع الإطلاق و عدم الشرط، و أما مع الاشتراط فإن كان الواقع هو اشتراط الحرية فلا خلاف و لا إشكال في صحة ذلك كما دلت عليه النصوص المتقدمة و إن كان الشرط هو الرقية فمحل خلاف و إشكال، و المشهور صحة الشرط لعموم
213
قوله عز و جل «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) و عموم
«المؤمنون عند شروطهم» (2).
و ذهب جمع من المتأخرين إلى فساد هذا الشرط، و أنه إذا كان الولد محكوما بحريته مع الإطلاق، و عدم الشرط كما هو القول المشهور، فإنه لا يكون اشتراط رقيته مشروعا، كما أنه لا يصح اشتراط رقية ولد الحرين.
و يعضده أن الولد ليس مملوكا للحر من الأبوين ليصح اشتراطه للمولى، و إنما ألحق فيه لله سبحانه، فلا يصح اشتراطه، و هو كلام جيد متين، و يزيده تأييدا أن أقصى ما دلت عليه الروايات الدالة على الرقية مع الإطلاق هو صحة شرط الحرية بناء على ذلك، أما على العكس و هو ما إذا حكم بالحرية كما هو مدلول أخبار القول المشهور، فإنه لم يتضمن شيء منها الدلالة على الرقية مع اشتراطها، بل ربما أفاد إطلاقها- بأن أحد الأبوين إذا كان حرا فالولد حر- الحكم بالحرية مطلقا بتقريب أن ترك الاستفصال في جواب السؤال مع قيام الاحتمال يفيد العموم في المقال.
و من ثم إن المحقق تردد في النافع، و في الشرائع نسب لزوم الشرط هنا إلى قول المشهور مؤذنا بضعفه و عدم الدليل عليه، و إلى ما ذكرناه من القول الآخر مال في المسالك و سبطه في شرح النافع و هو كذلك لما عرفت، ثم إنه على تقدير بطلان الشرط فهل يبطل العقد، أم يختص البطلان بالشرط؟ قولان، قد تقدم الكلام فيهما في غير موضع، و مما يتفرع على ذلك ما لو وطأها بهذا العقد فأولدها، فإن قلنا بصحة العقد و بطلان الشرط خاصة فالولد حر كما لو لم يشترط بالكلية، و كذا إن قلنا بفساده مع الجهل بالفساد، لأنه نكاح شبهة يلحق بالصحيح، أما لو قلنا ببطلان العقد و كان عالما فإنه يكون زانيا، و الولد يكون رقا تبعا
____________
(1) سورة المائدة- آية 1.
(2) الكافي ج 5 ص 404 ح 8، التهذيب ج 7 ص 371 ح 66، الوسائل ج 15 ص 30 ذيل ح 4.
214
للام من حيث الزنا لا من حيث الشرط، و إن قلنا بصحة الشروط لزوم و لم يسقط بالإسقاط، و إنما يعود إلى الحرية بسبب جديد، كملك الأب له و نحوه، و الله العالم.
المسألة الثالثة [فيما لو تزوج الحر أمة بدون إذن السيد و دخل بها قبل إذنه]
إذا تزوج الحر أمة بدون إذن السيد، و دخل بها قبل رضا السيد و إجازته، فلا يخلو الحال من أن يكونا معا عالمين بالتحريم أو جاهلين أو أحدهما عالما و الآخر جاهلا و بالعكس، فهنا صور أربع:
الاولى: أن يكونا عالمين بالتحريم
، و قد قطع الأصحاب بكون الوطي زنا يثبت به الحد عليهما و الولد رق لمولى الأمة، و إنما اختلفوا في ثبوت المهر للمولى و عدمه.
أقول: أما الحكم بكونه زنا فقد تقدم ما يدل عليه من الأخبار المذكورة في صدر المسألة الأولى الدالة على أن نكاح الأمة من غير إذن المولى باطل، دخل بها أو لم يدخل، خلافا لما ذهب إليه أصحابنا من كونه فضوليا موقوفا على الإجازة، و قد صرح جملة من تلك الأخبار بكونه زنا، كقوله (عليه السلام)
في رواية أبي العباس (1) بعد السؤال عن الأمة تتزوج بغير إذن أهلها؟ قال: يحرم ذلك عليها و هو الزنا.
و في رواية الثانية (2) هو الزنا إن الله يقول «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ».
و نحوه في رواية الثالثة (3).
و أما تزويج العبد بدون إذن سيده و إن كان خارجا عن موضوع المسألة، فظاهر الأخبار التي تقدمت في المسألة السابعة من المقصد الثاني في الأولياء من الفصل الأول أنه موقوف على إذن السيد، و إن دخل بها كما صرح به في بعضها و إن ذلك ليس بزنا معللا في جملة منها بأنه لم يعص الله عز و جل، و إنما عصى
____________
(1) الكافي ج 5 ص 479 ح 1، الوسائل ج 14 ص 527 ب 29 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 348 ح 55، الوسائل ج 14 ص 527 ب 29 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 479 ح 2، الوسائل ج 14 ص 528 ب 29 ح 3.
215
سيده، و ربما ظهر من كلام بعض الأصحاب أنه مع الدخول أيضا زنا يجب به الحد، و ظاهر الأخبار المشار إليها يرده.
و أما الولد فإنه لا خلاف في كونه رقا في صورة تسافح المملوكين أو زنا الحر بالأمة، و ما هنا من قبيل الثاني و إن وقع بلفظ العقد، و قد علل بأن الولد نماء الأمة.
و الأولى الاستدلال عليه بما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) «في رجل أقر على نفسه أنه غصب جارية رجل فولدت الجارية من الغاصب، قال: ترد الجارية و الولد على المغصوب منه إذا أقر بذلك الغاصب».
و رواه الكليني، كذلك و الصدوق- رحمة الله عليه- عن الصادق (عليه السلام) مرسلا، إلا أنه قال فيه «إذا أقر بذلك أو كانت عليه بينة».
و لا إشكال و لا خلاف في كل من هذين الحكمين، إنما الاشكال و الخلاف في المهر، فإن فيه قولين:
(أحدهما)- و هو مختار المحقق في الشرائع- العدم، لأنها زانية، فلا مهر لها، لقوله (عليه السلام) «لا مهر لبغي» و لأن البضع لا يثبت لمنافعه عوض إلا بعقد أو شبهة أو إكراه لها تخرج به عن كونها بغيا، و الوجه أن مالية ليست على نهج الأموال الصرفة، ليكون مطلق الانتفاع بها موجبا للعوض، ألا ترى أنه لو قبل أحد مملوكة الغير أو استمتع بها فيما دون الوطي لم يكن عليه عوض، بخلاف ما لو استخدمها، و الفرق عدم نقصانها بسببه، و حينئذ فالأصل عدم ثبوت كون البضع مضمونا على هذا الوجه، و إنما تضمن بأحد الوجه الثلاثة المتقدمة.
و (ثانيهما) ثبوت المهر للمولى، لأن البضع ملكه، فلا يؤثر علمها و رضاها
____________
(1) الكافي ج 5 ص 556 ح 9، التهذيب ج 7 ص 482 ح 144، مع اختلاف يسير، الفقيه ج 3 ص 266 ح 51، الوسائل ج 14 ص 571 ب 61 ح 1 و فيه «عن على بن حديد» مع اختلاف يسير.
216
في سقوط حقه، و أجيب عن الخبر بعد تسليم صحته بأنه خارج عن محل البحث، و أن المراد به إنما هو الحرة لا الأمة، و ذلك ظاهر من وجهين.
أحدهما: إن لفظ المهر إنما يقال بالنسبة إلى الحرة، و أما عوض بضع الأمة فإنما يطلق عليه اسم العقر أو العشر أو نصفه، و إن أطلق عليه المهر فهو مجاز، و الأصل عدمه، و لهذا وقع التعبير عن الزوجة بابنة المهيرة في قولهم:
لو زوجه بنت مهيرة و أدخل عليه بنت أمة.
و الثاني: من جهة اللام المفيد للملك أو الاستحقاق أو الاختصاص، فإن المنفي في الخبر إنما هو ملك البغي له، و استحقاقها أو اختصاصها، و الثلاثة منفية عن الأمة هنا، لأن المالك له أو المختص أو المستحق إنما هو المولى دون الأمة، و ذلك واضح، لما عرفت من أن البضع ملكه، فما جعل عوضا له إنما يكون للمولى لا للأمة، و بذلك يظهر لك أن الخبر المذكور لا وجه للاستدلال به هنا.
نعم يبقى الإشكال بالنسبة إلى التعليل الثاني، و لهذا أنه في المسالك قوى هذا القول، و جعل ثبوته متوقفا على إثبات كون البضع مضمونا حسبما قدمنا تحقيقه، إلى أن قال: و الثابت على الزاني العقوبة الدنيوية أو الأخروية، و ما سواه يحتاج إلى دليل و هو حاصل مع العقد أو الشبهة.
أقول: و قد عرفت أن الإكراه المخرج لها عن كونها بغيا ثابت لهذين الأمرين.
قال السيد السند في شرح النافع- بعد ذكر القول الثاني و الاستدلال له بأن البضع ملكه فلا يؤثر علمها في سقوط حقه-: و يمكن الاستدلال عليه أيضا
بصحيحة الفضيل بن يسار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، حيث قال فيها «قلت: أ رأيت إن أحل له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فافتضها؟ قال: لا ينبغي له ذلك، قلت: فإن فعل أ يكون زانيا؟ قال: لا، و لكن يكون خائنا، و يغرم لصاحبها عشر قيمتها
____________
(1) الكافي ج 5 ص 468 ح 1، التهذيب ج 7 ص 244 ح 16، الوسائل ج 14 ص 537 ب 35 ح 1.
217
إن كانت بكرا، و إن لم تكن بكرا فنصف عشر قيمتها».
قال: فإن ثبوت العوض هنا يقتضي ثبوته في الزنا المحض بطريق أولى، انتهى.
و فيه ما ذكره جده في المسالك حيث قال- بعد الكلام المتقدم-: نعم لو كانت بكرا لزمه أرش البكارة، لأنها خيانة، فلا دخل في المهر هنا، و إن دخلت فيه على بعض الوجوه، و لربما احتمل كونها مهرا، لأن الشارع جعله تبعا للوطئ، فيأتي فيه الخلاف السابق، و الأصح الأول، لأن الخيانة على المال المملوك الموجبة لنقص المالية مضمونة بغير إشكال، بخلاف المهر، انتهى.
و هو ظاهر في كونه وجوب العشر أو نصفه، إنما وجب من حيث النقص الحاصل بتصرفه في مال الغير بدون إذنه، و لا خصوصية له بالنكاح، فمنشؤه إنما هو التصرف الموجب للنقص، لا ما يراد من المهر، و هو كونه في مقابلة الانتفاع بالبضع، و حينئذ فحمله عليه لا يخرج عن القياس و إن كان قياس أولوية.
و بالجملة فإن المسألة بما عرفت من القيل و القال، و عدم وجود النص لا تخلو من الاشكال، و الله العالم.
الثانية: أن يكونا جاهلين بالتحريم
و يتحقق ذلك إما بأن لا يكونا عالمين بتحريم تزويج الأمة بغير إذن مالكها، أو كانا يعلمان ذلك، و لكن عرضت شبهة أوجبت لهما ذلك، بأن وجدها على فراشه فظنها زوجته أو أمته بعد أن عقد عليها أولا، فإنك قد عرفت أن هذا العقد حيث لم يكن بإذن المالك لا ثمرة له، و لا أثر يترتب عليه و ظنت هي أنه مولاها، لا العاقد عليها، و حينئذ فنكاحه لها و الحال هذه من الطرفين نكاح شبهة، موجب لحرية الولد، و لحوقه بالأب، و دراية للحد و موجب للمهر.
و لكن في المهر هنا أقوال ثلاثة: فقيل: بأنه المسمى في العقد، لأنه العوض الذي تراضيا عليه بالعقد، و العقد صحيح ظاهرا للشبهة.
و قيل: مهر المثل لظهور فساد العقد في نفس الأمر، و أن مهر المثل هو
218
المحكوم به في نكاح الشبهة، و قواه في المسالك، و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في باب الرضاع، و أن الأظهر هو الثاني.
و قيل: بأنه العشر أو نصف العشر، و اختاره السيد السند في شرح النافع، قال: و هذا أقوى، لصحيحة الفضيل المتقدمة، و قوله (عليه السلام)
في صحيحة الوليد بن صبيح (1)- إذا تزوج امرأة حرة فوجدها أمة قد دلست نفسها- «و لمواليها عليه عشر ثمنها إن كانت بكرا، و إن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها».
و فيه ما عرفت آنفا أن مورد كل من الروايتين صورة مخصوصة، و التعدي إلى غيرها كما في ما نحن فيه يحتاج إلى دليل، و إلا فهو مجرد قياس، و الأظهر الاقتصار في كل منهما على مورده.
و مما ذكرنا يظهر أن الأقرب إلى القواعد الشرعية هو القول بمهر المثل.
قالوا: و إن أنت بولد كان حرا تابعا لأبيه، و على الأب قيمته للمولى لأنه نماء ملكه و يعتبر القيمة يوم سقوطه حيا، لأنه وقت الحكم عليه بالمالية لو كان رقا، و الظاهر أنهم استندوا في وجوب القيمة على الأب للمولى إلى الأخبار الواردة في تدليس المرأة نفسها، أو تدليس من زوجها على أنها حرة، ثم ظهر كونها أمة، و سيأتي- إن شاء الله- بعد هذه المسألة.
الثالثة: أن يكون الحر عالما، و الأمة جاهلة
، قالوا: و الحد عليه في هذه الصورة، و ينتفي عنه الولد لأنه عاهر، له الحجر، و يثبت عليه مهر المثل أو العشر أو نصفه للمولى، كما سبق و الولد رق، و هذه الأحكام كلها ظاهرة مما سبق.
الرابعة: العكس
، بأن يكون الحر جاهلا، و هي عالمة و في هذه الصورة يسقط عنه الحد، و يلحقه الولد، و عليه فكه بالقيمة يوم سقوطه حيا كما تقدم، و كذا وجوب المهر حسب ما تقدم جميع ذلك في الصورة الثانية و ظاهره في المسالك
____________
(1) الكافي ج 5 ص 404 ح 1، التهذيب ج 7 ص 349 ح 57 و ص 422 ح 1 و فيهما اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 577 ح 1.
219
التوقف هنا في وجوب المهر، حيث قال: و الحكم بسقوط الحد و لحوق الولد به، و وجوب القيمة كالسابقة، و كذا في وجوب المهر على ما أطلقه المصنف و الجماعة بناء على أنه وطئ محترم من قبله من حيث الشبهة، فيثبت عوضه، و ظاهرهم بل صريح بعضهم عدم الفرق بين علمها و جهلها في ذلك، هنا لا يخلو من إشكال، لأنها مع العلم بغي، فينبغي مجيء الخلاف السابق، لكن لم يتعرضوا له هنا. انتهى، و هو جيد، و أشار بذلك إلى الخلاف المذكور في هذه الصورة، و قد عرفت الكلام فيه.
قالوا: هذا كله إذا لم يجز المولى العقد، فإن أجازه قبل الوطي فواضح، و إن كان بعده بنى على أن الإجازة هل هي كاشفة عن صحة العقد من حينه، أو مصححة له من حينها؟
فعل الأول قال في المسالك و هو الأقوى: يلحق به الولد و إن كان عالما حال الوطي بالتحريم، و سقط عنه الحد و إن كان قد وطأ محرما حالته، و يلزمه المهر لانكشاف كونها زوجة حال الوطي، و إقدامه على المحرم يوجب التعزير لا الحد.
و على الثاني تبقى الأحكام السابقة بأسرها، لأنها حين الوطي لم تكن زوجة ظاهرا و لا في نفس الأمر، و إنما كان قد حصل جزء السبب المبيح و لم يتم إلا بعد الوطي، فكان كما لو لم يكن هناك عقد أصلا. قال في شرح النافع: و الأصح الثاني.
أقول: فيه (أولا) إنا لم نقف بعد التتبع التام للأخبار على أثر يدل على شيء من هذين القولين، و ليس إلا مجرد كلامهم في البين، سيما مع ما عرفت في كتاب البيع من عدم صحة البيع الفضولي الذي هو الأصل في اعتبار الإجازة، و لزوم العقد بها، بل بطلانه من رأس، و إن صح في النكاح كما تقدم تحقيقه، و أما كون الإجازة له بعد وقوعه كاشفة أو ناقلة فلا أثر له في الأخبار سوى ما ذكروه من هذا الاعتبار.
و (ثانيا) إنك قد عرفت مما قدمنا ذكره في المسألة الأولى دلالة الأخبار
220
على بطلان تزويج الأمة بغير إذن مولاها، لا أنه صحيح موقوف على الإجازة كما ادعوه، و ما ذكروه هنا متفرع على ما وقع لهم ثمة من حكمهم بالصحة من غير فرق بين العبد و الأمة لو تزوج كل منهما بغير إذن السيد، و الأخبار إنما دلت على ذلك بالنسبة إلى تزويج العبد كما قدمناها في المسألة المذكورة.
و أما أخبار تزويج الأمة فإنها قد اتفقت على بطلانه و تحريمه، و أنه زنا محض، و لكنهم غفلوا عن ملاحظتها و التأمل فيما وقع فيها، فتأمل و أنصف، و الله العالم.
المسألة الرابعة: إذا ادعت و التأمل فيما وقع فيها، فتأمل و أنصف، و الله العالم.
المسألة الرابعة: إذا ادعت المرأة الحرية، فتزوجها الحر بناء على ذلك
من غير علمه بفساد دعواها، و إلا كان زانيا، و كان الحكم فيه كما تقدم في الصورة الاولى من صور المسألة المتقدمة، و دعواها الحرية إما باعتبار أنها حرة الأصل و لم يكن الزوج عالما بحالها، أو ادعت العتق و ظهر للزوج من قرائن الحال ما أثمر له الظن بصدقها، و توهم الحل بذلك.
أما لو كان عالما بفساد دعواها، أو بعدم الالتفات إلى قولها بدون البينة أو الشياع أو نحو ذلك مما يفيد العلم، فإنه يكون زانيا، و يكون الحكم كما تقدم في الصورة المشار إليها، و حينئذ فمع العمل على يدعواها بالتقريب المتقدم يكون من قبيل الشبهة، فيسقط عنه الحد و يلزمه المهر على الخلاف فيه من كونه المسمى أو مهر المثل أو العشر أو نصفه، و هل يكون الولد حرا أو رقا؟
قولان، و على كل منهما يجب على الأب فكه عند الأصحاب بدفع القيمة إلى مولى الجارية، و الكلام هنا يقع في موضعين:
الأول: في المهر، و ظاهرهم الاتفاق عليه و إن كانت الأمة عالمة بالتحريم، و احتمال العدم كما تقدمت الإشارة إليه ممكن، ثم إنهم اختلفوا في تقديره، فقيل: إنه المسمى لأنه عقد صحيح، قبض فيه أحد العوضين فيجب الآخر، و عروض الفسخ لا يوجب فساده من أصله.
قال في المسالك- و هو ظاهر اختيار المصنف و الأكثر، ثم تنظر فيه،
221
قال-: لأنه واقع بغير إذن السيد و لا أثر لصحته ظاهرا إذا تبين فساده بعد ذلك، و دعوى كون الفسخ لا يفسده من أصله غير سديد. انتهى، و هو جيد.
و قد تقدم الكلام في ذلك، و أن الأظهر بطلان المسمى لظهور بطلان العقد الذي اشتمل عليه، نعم يتم القول بالصحة لو أجاز السيد العقد، بناء على ما يدعونه من كون العقد فضوليا، و أن الإجازة كاشفة.
و قيل: مهر المثل، ذهب إليه الشيخ في المبسوط، و نقله فخر المحققين عن ابن حمزة، كما نقل الأول عن القاضي ابن البراج، و غلطه الشهيد في شرح الإرشاد في كل من النقلين بأنهما قائلان بالقول الثالث. و قد علم وجه هذا القول مما تقدم في غير مقام من أن مرجعه إلى نكاح الشبهة، و الواجب في نكاح الشبهة إنما هو مهر المثل، و وجهه هنا أنه لا ريب أن الجارية ملك للغير، و النكاح موقوف على رضاه، و حيث لم يرض فالنكاح باطل، إلا أنه قد حصل الوطي المحرم بسبب الجهل، فصار نكاح شبهة فوجب مهر المثل، هذا عندهم إذا لم يجز المولى، و إلا فلو أجاز و قلنا بأن الإجازة كاشفة عن صحة العقد من حينه لا من حينها، فإن الواجب حينئذ هو المسمى، إلا أنك قد عرفت ما فيه.
و قيل: بوجوب عشر قيمتها إن كانت بكرا و نصفه إن كانت ثيبا، و هو مذهب الشيخ في النهاية و القاضي ابن البراج و ابن حمزة، و مستندهم في ذلك
صحيحة الوليد بن صبيح (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج امرأة حرة فوجدتها أمة قد دلست نفسها له، قال: إن كان الذي زوجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد، قلت: فكيف يصنع بالمهر الذي أخذت منه قال: إن وجد مما أعطاها شيئا فليأخذه، و إن لم يجد شيئا فلا شيء له عليها، و إن كان زوجها إياه ولي لها ارتجع على وليها بما أخذت منه و لمواليها عليه عشر ثمنها إن كانت بكرا،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 404 ح 1، التهذيب ج 7 ص 349 ح 57 و ص 422 ح 1 و فيهما اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 577 ح 1، و فيه اختلاف يسير.
222
و إن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها، قال: و تعتد منه عدة الأمة، قلت: فإن جاءت بولد؟ قال: أولادها منه أحرار إذا كان النكاح بغير إذن المولى».
قال في المسالك: و ينبغي أن يكون العمل بها لصحتها، و ربما حملت على ما إذا طابق العشر أو نصفه المهر المثل، و هو بعيد، و من الجائز اختصاص الأمة بهذا الحكم و جعل مهر المثل للحرة أو للأمة أيضا في غير موضع النص. انتهى و هو جيد، فإن الرواية لا معارض لها في المقام إلا ما ذكروه من تلك التعليلات مع إمكان الجمع بما ذكره- (رحمه الله)- و تخرج صحيحة الفضيل المتقدمة مؤيدا لذلك.
الثاني: في حكم الولد، و قد تقدمت الإشارة إلى الخلاف فيه بالحرية و الرقية، و نقل في المسالك القول بالرقية عن الشيخ و أتباعه و اختاره المحقق في الشرائع، مع أنه قد حكم في سابق هذه المسألة أن الولد مع الشبهة الجارية على الأب يكون حرا، و إن لزمه فكه بالقيمة، و ما نحن فيه من قبيل ذلك، لأن المفروض اشتباه الحال عليه كما عرفت.
و بالثاني من القولين المذكورين صرح السيد السند في شرح النافع و استدل على القول بالرقية
بحسنة زرارة (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أمة أبقت من مواليها فأتت قبيلة غير قبيلتها فادعت أنها حرة فوثب عليها رجل فتزوجها، فظفر بها مواليها بعد ذلك و قد ولدت أولادا، فقال: إن أقام البينة الزوج على أنه تزوجها على أنها حرة أعتق ولدها، و ذهب القوم بأمتهم، و إن لم يقم البينة أوجع ظهره و استرق ولده».
و عد هذه الرواية في الحسن بناء على رواية الشيخ لها في التهذيب عن عبد الله بن يحيى و لكن الذي في الكافي إنما هو عبد الله بن بحر مكان عبد الله بن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 405 ح 3، التهذيب ج 7 ص 350 ح 59، الوسائل ج 14 ص 578 ح 3.
223
يحيى، و لعله الأقرب فتكون الرواية ضعيفة بهذا الاصطلاح.
و موثقة سماعة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مملوكة أتت قوما فزعمت أنها حرة فتزوجها رجل منهم و أولدها ولدا، ثم إن مولاها أتاهم فأقام عندهم البينة أنها مملوكة، و أقرت الجارية بذلك، فقال: تدفع إلى مولاها هي و ولدها، و على مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمته يوم تصير إليه، قلت: فإن لم يكن لأبيه ما يأخذ ابنه به؟ قال: يسعى أبوه في ثمنه حتى يؤديه و يأخذ ولده، قلت:
فإن أبى الأب أن يسعى في ثمن ابنه؟ قال: فعلى الامام أن يفتديه، و لا يملك ولد حر».
و استدل السيد في شرح النافع على الحرية كما قدمنا نقله عنه
بصحيحة الوليد بن صبيح (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) المتقدمة لقوله في آخرها «أولادها منه أحرار إذا كان النكاح بغير إذن المولى».
و على وجوب القيمة على الأب
بصحيحة محمد بن قيس (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل تزوج جارية على أنها حرة، ثم جاء رجل آخر فأقام البينة على أنها جاريته، قال: يأخذها و يأخذ قيمة ولدها».
ثم قال: و في هذه الرواية دلالة على حرية الولد أيضا.
و أنت خبير بأن الرواية الاولى لا دلالة فيها على القيمة، و الثانية لا دلالة فيها على الحرية، فقوله «و في هذه الرواية دلالة على حرية الولد» لا أعرف له وجها.
و الشيخ قد حمل صحيحة الوليد على أحد وجهين: أحدهما أن يكون قد شهد شاهدان عنده أنها حرة و الثاني أن يكون الأب قد رد ثمنهم.
و احتمل بعضهم أن هذا الكلام منه (عليه السلام) على جهة الإنكار دون الاخبار
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 350 ح 60، الوسائل ج 14 ص 579 ح 5.
(2) الكافي ج 5 ص 404 ح 1، التهذيب ج 7 ص 349 ح 57 و ص 422 ح 1، الوسائل ج 14 ص 577 ح 1، و ما في المصادر اختلاف يسير مع ما ذكره- (قدس سره).
(3) الفقيه ج 3 ص 252 ح 31، الوسائل ج 14 ص 580 ح 8.
224
بقرينة الشرط، و هو قريب، بل الظاهر أنه أقرب من حملي الشيخ.
و من أخبار المسألة
موثقة سماعة (1) قال: «سألته عن مملوكة قوم أتت قبيلة غير قبيلتها، و أخبرتهم أنها حرة فتزوجها رجل منهم فولدت له، قال: ولده مملوكون إلا أن يقيم البينة أنه شهد لها شاهدان أنها حرة، فلا تملك ولده و يكونون أحرارا».
و في هذا الخبر دلالة على ما دلت عليه رواية زرارة (2) المتقدمة من حرية الولد إن أقامت البينة على ما ادعت من الحرية، و تزوجها الرجل بناء على ذلك، و إلا فالولد رق، و هي مؤيدة للقول المشهور برقية الولد بناء على ظاهر الحال، و هي بالنسبة إلى فك الولد بالقيمة مطلقة، فيحمل إطلاقها في ذلك على ما تضمنته موثقة سماعة (3) المتقدمة، و كذا صحيحة محمد بن قيس من وجوب فك الأب له بالقيمة جمعا بين الأخبار.
و منها
موثقة محمد بن قيس (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى علي (عليه السلام) في امرأة أتت قوما فأخبرتهم أنها حرة، فتزوجها أحدهم و أصدقها صداق الحرة ثم جاء سيدها، فقال: ترد إليه و ولدها عبيد».
و هذه الرواية أيضا صريحة في الرقية كما هو القول المشهور، و أما بالنسبة إلى فكه بالقيمة فهي مطلقة، فيجب تقييد إطلاقها بما في الصحيحة المتقدمة الدالة على أن المولى يأخذ قيمة الولد، و أخذ القيمة هو الأنسب بالرقية لا بالحرية
____________
(1) الكافي ج 5 ص 405 ح 2، التهذيب ج 7 ص 349 ح 58، الوسائل ج 14 ص 578 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 404 ح 3، التهذيب ج 7 ص 350 ح 59، الوسائل ج 14 ص 578 ح 3.
(3) التهذيب ج 7 ص 350 ح 60، الوسائل ج 14 ص 579 ح 5.
(4) التهذيب ج 7 ص 349 ح 56، الوسائل ج 14 ص 578 ح 4.
225
كما توهمه السيد السند في شرح النافع فيما قدمنا نقله عنه حتى ادعى أنها دالة على حرية الولد.
و بالجملة فإنه يحصل من الجمع بين روايتي محمد بن قيس المذكورتين باعتبار اشتمال الاولى على أنه يأخذ قيمة الولد أعم من أن يكون حرا أو رقا، و اعتبار اشتمال الثانية على أن ولدها عبيد من غير تعرض للقيمة، هو أنهم عبيد للسيد، و لكن يجب على الأب فكهم بالقيمة، و سند هذا الجمع موثقة سماعة الأولى الدالة على أنها تدفع هي و ولدها إلى مولاها، و على مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمته.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي يظهر لي من تدبر هذه الأخبار- بعد ضم بعضها إلى بعض من غير فرق فيها بين ضعيف و صحيح- هو أن الزوج إن كان قد تزوجها بعد ثبوت دعوى الحرية بالشاهدين فأولاده أحرار و لا يجب عليه فكهم بالثمن، لأنه إنما تزوج حرة باعتبار ظاهر الشرع فلا وجه للقيمة هنا بالكلية، و إن تزوجها على ظاهر الحرية بالتقريب الذي تقدم صدر المسألة، فالولد يكون رقا، و يجب عليه فكه بالقيمة.
و يمكن توجيه ذلك بعد ورود النص به كما عرفت، فيكون بيانا لوجه النص لا علة في الحكم، بأن يقال: إنه لما كانت مملوكة و لم يأذن المالك في تزويجها و لم يكن التزويج على نحو الشاهدين الموجب للثبوت شرعا كان فيه شائبة من الزنا الموجب لرقية الولد، و لما كان ذلك راجعا إلى الشبهة الموجبة لحرية الولد كان الجمع بين الأمرين بالرقية مع الفك بالقيمة.
نعم صرح ابن إدريس بأن القيمة في صورة شهادة الشاهدين و إن لم يكن على الأب إلا أنها على الشاهدين كما سيأتي نقله إن شاء الله.
و فصل العلامة في المختلف فقال: إن رجعا لم يلتفت إلى رجوعهما و ضمنا لمولاها قيمة الجارية و الولد و المهر، و إن ثبت تزويرهما نقض الحكم و كان الولد
226
حرا، و على الأب دفع قيمته يوم سقط حيا. إلى آخره.
أقول: لا يخفى أن أخبار المسألة هنا خالية عن التعرض للقيمة في هذه الصورة، و إنما تضمنت القيمة في صورة التزويج على ظاهر الحال المحكوم فيه برقية الولد لا في صورة الشاهدين المحكوم فيها بالحرية، و الظاهر أن ما ذكره ابن إدريس من أن القيمة على الشاهدين، و ذكره هو بالنسبة إلى رجوعهما هو الأوفق بالقواعد الشرعية كما نبهنا عليه، و الفرق في ذلك بين رجوعهما و ثبوت تزويرهما- كما ذكره العلامة- لا أعرف له وجها.
و أما ما ذهب إليه السيد السند من حرية الولد كما قدمنا نقله عنه استنادا إلى صحيحة الوليد بن صبيح، حيث إن سندها صحيح باصطلاحه، و هو ممن يتهافت على صحة السند، فهو عندنا غير مرضي و لا معتمد، و الروايات التي ذكرناها كما عرفت كلها دالة على الرقية، و الصحيحة المذكورة يمكن تأويلها بما قدمنا ذكره، و الجمع بينها و بين باقي الأخبار يقتضيه.
و أما على ما ذكره و اختاره فإنه يلزم طرح هذه الأخبار مع ما هي عليه من الصراحة و قوة الأسانيد أيضا.
و بما ذكرنا من الحرية مع البينة و الرقية بدونها، صرح الشيخ في النهاية حيث قال: فإن عقد عليها على ظاهر الأمر بشهادة الشاهدين لها بالحرية و يرزق منها أولادا كان أولادها أحرارا، و إن عقد عليها على ظاهر الحال و لم يقم عنده بينة بحريتها ثم تبين أنها كانت رقا كان أولادها رقا لمولاها، و يجب عليه أن يعطيهم أباهم بالقيمة، و على الأب أن يعطيه قيمتهم، فإن لم يكن له مال استسعى في قيمتهم، فإن أبى كان على الامام أن يعطي مولى الجارية قيمتهم من سهم الرقاب، و لا يسترق ولد حر. انتهى، و إليه يرجع كلامه في كتابي الأخبار حيث حمل صحيحة الوليد بن صبيح على أحد الحملين المتقدمين.
227
تذنيبات
الأول: لو دلسها عليه مدلس فزوجها منه على أنها حرة فظهرت أمة، فهل يحكم على الولد بالحرية أو الرقية؟
الذي صرح به جملة من الأصحاب منهم ابن حمزة و ابن إدريس هو الأول.
قال ابن حمزة: إن تزوجها بغير إذن مولاها فأقسامه خمسة:
(الأول) دلسها عليه أحد بالحرية، فيرجع بالمهر على المدلس، و يكون الولد حرا، و للسيد عليه عشر قيمتها إن كانت بكرا و نصف العشر إن كانت ثيبا، و أرش العيب إن عابت بالولادة، و إن دلسها مولاها سقط المهر المسمى و لزم مهر المثل، و دفع بالمهر على سيدها و تحرر الولد.
(الثاني) شهد الشاهدان لها بالحرية، فيرجع بالمهر على الشاهدين، و باقي الأحكام على ما ذكر.
(الثالث) تزوجها بظاهر الحال على الحرية، فيكون النسب لاحقا و الولد رقا، و له الرجوع إليها بالمهر، و عليه للسيد ما ذكرناه من عشر القيمة أو نصفه، و يجب على السيد أن يبيع الولد من أبيه، و لزم الأب قيمته، فإن عجز استسعى فيها، فإن لم يسع دفع الامام (عليه السلام) قيمته للسيد من سهم الرقاب. إلى آخره (1).
و قال ابن إدريس: و إن عقد عليها على ظاهر الحال بشهادة الشاهدين لها بالحرية و رزق منها أولادا كانوا أحرارا، و يجب على الشاهدين ضمان المهر إن
____________
(1) و تمام عبارته هكذا: (الرابع) علم الرقية و لم يعلم التحريم، فيكون الولد رقا، و يلزم المسمى، و يلتحق النسب، و يضمن أرش العيب و الفرق.
(الخامس) أن يعلم الرق و التحريم، فيكون زانيا ان لم يرض السيد بالعقد، و يكون الولد رقا، و النسب غير لاحق، و المهر غير لازم، و الأرش مضمونا، و عشر القيمة ان كانت بكرا، و نصف العشر ان كانت ثيبا، و ان رضى السيد بالعقد صح النكاح، انتهى.
(منه- (رحمه الله)-).
228
كان الزوج سلمه إليها، و قيمة الأولاد يوم وضعهم أحياء، لأن الشهود الزور يضمنون ما يتلفون بشهاداتهم، بغير خلاف بيننا، و الإجماع منعقد على ذلك.
و إن عقد عليها على ظاهر الحال و لم يقم عنده بينة بحريتها ثم تبين أنها كانت رقا كان أولادها رقا لمولاها، و يجب عليه أن يعطيهم أباهم بالقيمة، و على الأب أن يعطيه قيمتهم، فإن لم يكن له مال استسعى في قيمتهم على ما روي في الأخبار- إلى أن قال:- و إذا عقد على امرأة بظن أنها حرة، و الذي عقد عليها كان قد دلسها و كانت أمة، كان له الرجوع عليه بمهرها إن كان قد قبضته، فإن رزق منها أولادا كانوا أحرارا.
و قال أبو الصلاح: و إذا تزوج الحر بامرأة على أنها حرة فخرجت أمة، فولدها لاحقون به، و يرجع بقيمة الولد و الصداق على من تولى أمرها، و إن كانت هي التي عقدت على نفسها لم ترجع على أحد بشيء.
أقول: اشتركت هذه العبارات في الحكم بحرية الولد في صورة التدليس، إلا أن كلام أبي الصلاح صريح في الرجوع بقيمة الولد على المدلس كما يرجع الزوج بالصداق إذا كان قد قبضته، و كلام ابن حمزة إنما تضمن الرجوع بالصداق خاصة، و هو بالنسبة إلى قيمة الولد، و كلام ابن إدريس مطلق بالنسبة إلى الأمرين أعني المهر و قيمة الولد.
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالمقام ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: رجل كان يرى امرأة تدخل على قوم و تخرج فسأل عنها فقيل له إنها أمتهم و اسمها فلانه، فقال لهم: زوجوني فلانة، فلما زوجوه عرفوا على أنها أمة غيرهم، قال: هي و ولدها لمولاها، قلت:
فجاء إليهم فخطب إليهم أن يزوجوه من أنفسهم فزوجوه و هو يرى أنها من أنفسهم، فعرفوا بعد ما أولدها أنها أمة، قال: الولد له و هم ضامنون لقيمة الولد
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 476 ح 119، الوسائل ج 14 ص 579 ح 7.
229
لمولى الجارية».
و ما رواه
في الكافي (1) عن إسماعيل بن جابر أيضا قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نظر إلى امرأة فأعجبته فسأل عنها فقيل: هي ابنة فلان، فأتى أباها فقال: زوجني ابنتك، فزوجه غيرها، فولدت منه فعلم بعد أنها غير ابنته، و أنها أمة، فقال: يرد الوليدة على مولاها، و الولد للرجل، و على الذي زوجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غر الرجل و خدعه».
و هما ظاهران في الحكم بحرية الولد، لأنه لا معنى لقوله في الأول الولد له، و في الثاني و الولد للرجل، إلا اللحوق به في الحرية، و أنهم أحرار مثله و صريحان أيضا في وجوب القيمة على المدلس لمولى الجارية لأن الولد نماء ملكه و حينئذ فيجب حمل إطلاق عبارتي ابن إدريس و ابن حمزة على ما دل عليه الخبران المذكوران من وجوب القيمة على المدلس كما صرح به أبو الصلاح، و بما ذكر هنا و فيما تقدم تجب القيمة في صورة التدليس على المدلس مع الحكم بالحرية، و تجب أيضا في صورة التزويج على ظاهر الحال على الأب مع الحكم بالرقية على ما يستفاد من الأخبار في المقامين.
و إنما يبقى الكلام في صورة شهادة الشاهدين، من وجوب القيمة على الشاهدين كما ذكره ابن إدريس، أو التفصيل الذي تقدم نقله عن العلامة حيث إن الأخبار خالية من التعرض لذلك، إلا أن الظاهر أن الأقرب ما ذكره ابن إدريس، و الله العالم.
الثاني [في إباء الأب عن الاستسعاء في قيمة الولد]
قد صرح الشيخ فيما تقدم من عبارته المنقولة عن النهاية أن الأب إن أبى عن الاستسعاء في قيمة الولد كان على الامام (عليه السلام) أن يعطي مولى الجارية قيمتهم من سهم الرقاب.
و ابن إدريس قد اعترضه هنا فقال- بعد نقل ذلك عنه-: و الذي يقتضيه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 408 ح 13، الوسائل ج 14 ص 602 ح 1.
230
أصول المذهب أن الامام لا يعطي مولى الجارية قيمتهم من سهم الرقاب، و لا يجوز أن يشتروا من سهم الرقاب من الزكاة، لأن ذلك مخصوص بالعبيد و المكاتبين، و هؤلاء غير عبيد و لا مكاتبين بل أحرار في الأصل، انعتقوا كذلك، ما مسهم رق أبدا، لأنه قال (عليه السلام) «و لا يسترق ولد حر» وصفه بأنه حر، فكيف يشترى الحر من سهم الرقاب، و إنما أثمانهم في ذمة أبيهم، لأن من حقهم أن يكونوا رقا لمولى أمهم، فلما حال الأب بينه و بينهم بالحرية وجب عليه قيمتهم يوم وضعهم أحياء أحرارا، و هو وقت الحيلولة، انتهى.
و العجب منه أنه قد وافق الشيخ في هذه الصورة- أعني صورة التزويج- بناء على ظاهر الحال، فقال برقية الولد فيها كما قدمنا نقله عنه في عبارته السابقة و أوجب السعي على أبيه في قيمته، فكيف يوافقه على رقية الولد و يمنع من إعطائه من سهم الرقاب، مدعيا حريتهم- و أنهم ما مسهم رق أبدا مستندا إلى جعل «حر» في الرواية «صفة ولد»- و مع عدم تعينه لذلك لاحتمال الإضافة بل هو أظهر مناقض لما صرح به من الرقية في المسألة.
و كيف كان فكلام الشيخ مبني على الرقية، و كلامه مبني على الحرية، فهذا الإنكار منه مصادرة لأن الشيخ لا يقول بالحرية حتى أنه يرد عليه ما ذكره.
نعم قد ناقش بعض المتأخرين في جعل الشيخ ذلك من الزكاة من سهم الرقاب، مع أن الرواية ليس فيها «إلا أنه على الامام أن يفديه» و هو أعم من كونه من سهم الرقاب أو غيره، و يجوز أن يكون من بيت المال لأنه معد للمصالح.
و فيه أنه متى قيل بالرقية كما هو اختيار الشيخ فجعله من سهم الرقاب أوجه كما صرح به و نازع بعض المتأخرين أيضا في وجوب استسعاء الأب مع عجزه، و أوجب النظر إلى يساره، لضعف الرواية، لأنه من جملة الديون «و قد قال الله تعالى «وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ» (1) و حمل الرواية على الاستحباب
____________
(1) سورة البقرة- آية 280.
231
أقول فيه: إن هذا إنما يتم بناء على القول بالحرية كما هو ظاهر كلام ابن إدريس المذكور هنا حيث صرح بالحرية، و ادعى أن أثمانهم في ذمة أبيهم، و نحوه كلام العلامة في المختلف (1).
و أما على القول بالرقية كما هو ظاهر الأخبار سيما موثقة سماعة، فإنه غير تام، إذ الولد رق للمولى، و الواجب على الأب السعي لفك ابنه من الرقية بكل وجه تمكن منه، و لو تعذر وجب على الامام (عليه السلام) فكه له، و لا يجب على المولى دفعه إلى الأب إلا بالقيمة،
لقوله (عليه السلام) في الرواية المذكورة «و يدفع إلى مولاها هي و ولدها، و على مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمته».
و ليس هنا دين بالكلية، و مما هو ظاهر في الرقية دون الحرية في الصورة المذكورة
قوله (عليه السلام) في رواية زرارة المتقدمة، «و إن لم يقم البينة أوجع ظهره و استرق ولده»،.
و قوله (عليه السلام) في موثقة سماعة الثانية «و ولده مملو كون إلا أن يقيم البينة» الحديث،.
و قوله في موثقة محمد بن قيس «و ولدها عبيد».
فأي دليل في الحكم بالرقية أصرح من هذه
____________
(1) قال العلامة في المختلف: و التحقيق أن تقول: إذا شهد اثنان لها بالحرية فإن رجعا لم يلتفت الى رجوعهما و ضمنا لمولاها قيمة الجارية و الولد و المهر، و ان ثبت تزويرهما نقض الحكم و كان الولد حرا، و على الأب دفع قيمته يوم سقط حيا، فان عجز فالوجه الانظار به الى اليسار، و لا يجب الاستسعاء و لا الأخذ من بيت المال، و ان كان جائزا، لكنه غير واجب، لانه من المصالح، و كذا الحكم لو تزوجها على ظاهر الحال بالحرية من غير أن يشهد لها أحد به، لانه مال ثبت في ذمته، و هو عاجز عنه، فينظر إذا به.
ثم نقل عن الشيخ الاحتجاج بموثقة سماعة الأولة منهما فيما قدمنا نقله، ثم أجاب بالطعن في السند و الحمل على الاستحباب.
و كلامه كما ترى مبنى على الحكم بالحرية في كل صورة تزوير الشاهدين، و الصورة التي هي محل البحث و هو التزويج على ظاهر الحال، مع أنك قد عرفت مما في الأصل تصريح الاخبار في الصورة الثانية بالرقية، و أن وجوب القيمة على الأب انما هو لذلك:
لا أنه حر و يجب على الأب أن يدفع قيمته لو كان رقا. (منه- (قدس سره)-).
232
الأخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار.
و ظاهر هذه الأخبار أن الأولاد لا يتصفون بالحرية إلا بعد دفع القيمة إلى المولى من الأب أو الامام، و إلا فهم على الرق، لا أنهم قد ولدوا على الحرية كما ادعاه ابن إدريس فيما تقدم من كلامه، و هو ظاهر من كلام العلامة في المختلف أيضا.
قال في المسالك بعد ذكر القولين أعني الحرية و الرقية: و تظهر فائدة القولين- مع اتفاقهما على وجوب دفع القيمة و حريته بدفعها- فيما لو لم يدفعها لفقر أو غيره، فعلى القول بحريته تبقى دينا في ذمته و الولد حر، و على القول الآخر يتوقف على دفعها و هو ظاهر فيما قلناه، و واضح فيما ادعيناه. ثم قال أيضا على أثر هذا الكلام:
و أما الحكم باستسعاء الأب في الثمن فمبني على رواية سماعة، و سندها ضعيف، و هو من جملة الديون و لا يجب الاستسعاء بها بل ينظر إلى اليسار لعموم قوله تعالى «وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ» و هذا أقوى، و يمكن حمل الأمر بالاستسعاء على الاستحباب، انتهى.
و فيه أنه قد صرح بأن القيمة يكون دينا في ذمته، و إنما هو على تقدير القول بالحرية، و أما على تقدير الرقية فلا دين بالكلية، و إنما غاية الأمر أن الحرية تتوقف على الشراء و دفع القيمة، بمعنى أنه يجب عليه الشراء، و قبل وقوع الشراء. فالذمة غير مشغولة بالثمن، فلا وجه لتعلقها بالذمة على هذا القول، و حينئذ فحق الكلام أن يقال: و أما الحكم باستسعاء الأب في الثمن فهو مبني على القول بالرقية، و رواية سماعة إنما صرحت بالاستسعاء لما تضمنته من القول بالرقية، و قد عرفت دلالة جملة من الأخبار على ذلك أيضا، فلا معنى لقصر الحكم على رواية سماعة و الطعن فيها بالضعف، و لا معنى لجعله ذلك من الديون بناء على هذا القول، بل كونه من الديون إنما هو على القول بالحرية كما
233
اعترف به، و بالجملة فكلامهم هنا بمعزل عما دلت عليه روايات المسألة.
الثالث [فيما لو تزوجت الحرة بالعبد الغير المأذون له في التزويج]
ما تقدم كله بالنسبة إلى التدليس من جهة الزوجة بأن كانت أمة قد دلست نفسها، أو دلسها آخر بأنها حرة.
أما العكس بأن تتزوج الحرة بالعبد الغير المأذون له في التزويج، قالوا:
فإن كانت عالمة بعدم الاذن لم يكن لها مهر، و لا نفقة مع علمها بالتحريم، و كان أولادها منه رقاقا، و لو كانت جاهلة كانوا أحرارا و لا يجب عليها قيمتهم، و كان مهرها لازما لذمة العبد إن دخل بها يتبع به إذا تحرر، و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع: الأول: إنه لا ريب أنه متى علمت بالتحريم فإنه لا مهر لها و لا نفقة، لأنها بغي خصوصا مع علمها بحاله.
و يدل عليه- مع كونه الأوفق بالقواعد الشرعية- ما رواه
الكليني و الصدوق (1) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أيما امرأة حرة تزوجت نفسها عبدا بغير إذن مواليه، فقد أباحت فرجها و لا صداق لها».
و هو محمول على علمها بالتحريم.
ثم إنه لو اتفق ولد و الحال هذه فإنهم قالوا: إنه رق لمولى الأب لعدم لحوقه بها، و إن كانت حرة حيث إنها بغي فلا وجه لحريته، قال في المسالك:
و هو نماء العبد، و في بعض الروايات دليل عليه.
و لو جهلت التحريم، إما بجهلها برقية الزوج أو بجهلها الحكم، فالنكاح صحيح لموضع الجهل و حصول الشبهة.
و المشهور في كلام الأصحاب من غير نقل خلاف أن الولد حر، لأنه لاحق بها فيتبعها في الحرية، لما تقدم في المسألة الثانية من الأخبار الدالة على
____________
(1) الكافي ج 5 ص 479 ح 7، التهذيب ج 7 ص 352 ح 66، الفقيه ج 3 ص 285 ح 2، الوسائل ج 14 ص 524 ح 3 و 4.
234
تبعيته لأشرف أبويه، و لا قيمة عليها هنا لمولى الزوج، لأنه نماؤها حقيقة، و إنما حكم بالقيمة حيث ينسب إليها و هي أمة.
أقول: و الأظهر أن الفرق بين الموضعين إنما هو لوجود النص ثمة، و عدم وجوده فيما نحن فيه، ثم إن ما صرحوا به هنا من حرية الولد في صورة الجهل بناء على التعليل المذكور لا يخلو من إشكال، و إن كان ظاهرهم الاتفاق عليه، لما رواه
الشيخ (1) بسند معتبر عن العلاء بن رزين عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال في رجل دبر غلاما فأبق الغلام فمضى إلى قوم فتزوج منهم، و لم يعلمهم أنه عبد، فولد له أولاد، و كسب مالا و مات مولاه الذي دبره، فجاء ورثة الميت الذي دبر العبد فطالبوا العبد، فما ترى؟ فقال: العبد و ولده لورثة الميت، قلت: أ ليس قد دبر العبد؟ قال: إنه لما أبق هدم تدبيره، و رجع رقا».
و هي كما ترى صريحة في خلاف ما ذكروه، و هي مستندهم في الحكم ببطلان التدبير بالإباق، و ظاهر الشيخين أيضا في المقنعة و التهذيب القول بمضمونها.
قال في المقنعة: إذا تزوج العبد بغير إذن سيده فأولاده رق للسيد، و إن كانت المرأة حرة.
و الشيخ بعد أن أورد العبارة المذكورة في التهذيب قال: و أما الذي يدل على أن الأولاد يكون رقا لمولاه ما رواه البزوفري، ثم ساق الرواية المذكورة، و لم أقف على من تصدى لنقلها في هذا المقام فضلا عن الجواب عنها، و المسألة لذلك محل إشكال، و لا يحضرني الآن وجه الجمع بين الأخبار إلا الوقوف على موضع النص، و تخصيص الأخبار الدالة على تبعيته للحر من الطرفين بهذا الخبر، على أنه قد عارضها أيضا أخبار عديدة تقدم ذكرها في المسألة الثانية.
الثاني: إنه على تقدير علمها بالتحريم و كونها بغيا فإن مقتضى القواعد الشرعية وجوب الحد عليها، إلا أنه لم يذكره أحد منهم في المقام، و ربما
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 353 ح 68، الوسائل ج 16 ص 69 ح 2.
235
قيل بسقوطه عنها، لأن العقد الواقع عليها يعد شبهة بالنسبة إلى المرأة لضعف عقلها، و هو غير جيد، فإن مجرد العقد عليها مع علمها بفساده و تحريم الوطي لا يعد شبهة قطعا، و الأقرب أن عدم ذكرهم للحد هنا لا يقتضي حكمهم بالعدم، لجواز أن يكونوا قد اعتمدوا على القواعد المقررة الدالة على وجوب الحد على الزاني العالم بالتحريم و هو هنا كذلك.
الثالث: إنه على تقدير الجهل و صحة النكاح فإن المهر يثبت في ذمة العبد لأن الوطي المحرم لا يكون إلا بمهر فيتبع به إذا أعتق، و هل هو المسمى أو مهر المثل يبتنى على الخلاف السابق؟ فلو أجاز المولى بعد ذلك فلا إشكال في كونه المسمى، و لو قلنا إن الإجازة كاشفة و حصلت بعد الوطي مع العلم بالتحريم سقط الحد عنها و لحق الولد بها، لتبين أنها كانت زوجة حال الوطي و إن لم يكن ذلك معلوما لها، إلا أنك قد عرفت فيما قدمناه أنه لم يثبت بذلك دليل على ما ذكروه من هذه القاعدة، و إن كانت متداولة في كلامهم.
و أما النفقة فهي تابعة للزوم العقد بالإجازة، فإذا انتفت الإجازة انتفت النفقة لعدم الزوجية التي هي مناطها هنا، و الله العالم.
المسألة الخامسة [فيما إذا زوج الرجل جاريته عبده]
قال الشيخ في النهاية: إذا زوج الرجل جاريته عبده، فعليه أن يعطيها شيئا من ماله مهرا لها، و كان الفراق بينهما بيده، و ليس للزوج طلاق على حال، فمتى شاء المولى أن يفرق بينهما أمره باعتزالها، و يقول قد فرقت بينكما، و تبعه ابن البراج و أبو الصلاح و ابن حمزة.
و بالغ المفيد في ذلك فقال: إذا زوج الرجل عبده أمته كان المهر عليه في ماله دون العبد و ينبغي أن يعطي عبده شيئا قل أو كثر ليكون مهرا لأمة يتسلمه من العبد قبل العقد أو في حاله أو بعده ليحل له بذلك، و متى كان العقد من السيد بين عبده و أمته كان الفراق بينهما بيده، أي وقت شاء أمرها باعتزاله، و أمره باعتزالها، و لم يكن لأحدهما خلافه فيما يأمره من ذلك فان خالفا سقط
236
خلافهما و كانت تفريقه بينهما كافيا في التحريم، و نائبا مناب لفظ الطلاق الموجب للافتراق.
و قال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي أنه إذ زوج الرجل عبده أمته، فإن السيد لا يجب عليه أن يعطيها شيئا، و أن هذا الفعال من المولى إباحة للعبد جاريته، دون أن يكون عقد نكاح، و إن سمي تزويجا و عقدا، فعلى سبيل الاستعارة و المجاز، و كذا تفريق المولى بينهما- بأمر العبد باعتزالها و أمرها باعتزاله- سمي طلاقا مجازا، لأنه لو كان طلاقا حقيقيا لروعي فيه أحكام الطلاق و ألفاظه و شروطه، و لا كان يقع إلا أن يتلفظ به الزوج،
لأن الرسول (صلى الله عليه و آله) قال (1) «الطلاق بيد من أخذ بالساق».
و هذا قد وقع ممن لم يأخذ بالساق، و هو المولى، و هذا أول دليل و أصدق قيل على أن هذا العقد و الفعال من المولى إباحة للعبد وطئ جاريته، لأنه لو كان عقد نكاح لروعي فيه الإيجاب و القبول من موجب و قابل، و كان يراعى ألفاظ ما ينعقد به النكاح، و لأن العقد حكم شرعي، يحتاج إلى دليل شرعي، انتهى.
و قال العلامة في المختلف- بعد نقل هذه الأقوال: و التحقيق أن نقول:
أما إعطاء الأمة فلا شك في استحبابه، لأنها ملك له، فلا تستحق على مالكها شيئا، و أما كون ذلك إباحة ففي مقام المنع، بل هو نكاح صريح، لأن العبد و الأمة كلاهما محل قابل له.
و يؤيده ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) «في المملوك يكون لمولاه أو لمولاته أمة، فيريد أن يجمع بينهما، أ ينكحه
____________
(1) كنوز الحقائق المطبوع في هامش الجامع الصغير ج 2 ص 9 عن الطبراني، المستدرك ج 3 ص 8.
(2) الكافي ج 5 ص 480 ح 2، التهذيب ج 7 ص 346 ح 47، الوسائل ج 14 ص 548 ح 3.
237
نكاحا؟ أو يجزيه أن يقول قد أنكحتك فلانة، و يعطي من قبله شيئا أو من قبل العبد؟ قال: نعم و لو مدا، و قد رأيته يعطي الدراهم».
و روى الصدوق في الفقيه (1) في الصحيح عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل كيف ينكح عبده أمته؟ قال: يجزيه أن يقول:
قد أنكحتك فلانه، و يعطيها ما شاء من قبله أو من قبل مولاه، و لا بد من طعام أو درهم أو نحو ذلك، و لا بأس بأن يأذن له فيشتري من ماله إن كان له جارية أو جواري يطأهن».
و روى الشيخ في التهذيب (2) قريبا من ذلك في الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام).
لا يقال: النكاح يفتقر إلى القبول، و لا يفتقر هذا إلى القبول، فلا يكون نكاحا، لأنا نقول: القبول إنما يشترط في حق من يملكه، و العبد هنا لا يملك القبول، لأن للمولى إجباره على النكاح، فله هنا ولاية طرفي العقد.
و يدل على أنه ليس بإباحة، ما رواه
علي بن يقطين (3) عن أبي الحسين (عليه السلام) «أنه سئل عن المملوك يحل له أن يطأ الأمة من غير تزويج إذا أحل له مولاه؟
قال: لا يحل له».
و أما تسمية هذا الفراق طلاقا، فإنه على سبيل المجاز، لكن الإجماع منا على أن الفراق هنا بيد السيد.
و يؤيده ما رواه
محمد بن مسلم (4) في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) قال: «سألته عن
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 284 ح 1، الوسائل ج 14 ص 548 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 479 ح 1، التهذيب ج 7 ص 345 ح 46، الوسائل ج 14 ص 548 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 243 ح 14، الوسائل ج 14 ص 536 ح 2.
(4) التهذيب ج 7 ص 346 ح 48، الوسائل ج 14 ص 550 ح 1.
238
قول الله عز و جل «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ النِّسٰاءِ إِلّٰا مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» (1) قال: هو أن يأمر الرجل عبده و تحته أمته فيقول له اعتزل امرأتك و لا تقربها، ثم يحبسها عنه حتى تحيض ثم يمسها».
انتهى.
أقول: في عدة رواية محمد بن مسلم الاولى من الصحيح نظر، فإن في طريقها عبد الله بن محمد، و هو ابن أخو أحمد بن عيسى و ليس بموثق.
ثم إنه لا يخفى أن الكلام هنا يقع في مواضع: الأول: ما ذكر من الخلاف فيما تضمنته هذه الأخبار من دفع السيد شيئا لأمته، متى زوجها عبده، هل هو على وجه الوجوب أو الاستحباب؟ المشهور بين المتأخرين الثاني، و الظاهر أن المشهور بين المتقدمين الأول، و ظاهر السيد السند في شرح النافع الميل إليه، حيث قال- بعد إيراد صحيحة العلاء عن محمد بن مسلم المتقدمة، و حسنة الحلبي المشار إليها في كلام العلامة، و هي ما رواه (2)
قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل كيف ينكح عبده أمته؟ قال: يقول: قد أنكحتك فلانة و يعطيها ما شاء من قبله أو من قبل مولاه و لو مدا من طعام أو درهما أو نحو ذلك».
-: و مقتضى الروايتين وجوب الإعطاء و إليه ذهب الشيخان و أبو الصلاح و ابن حمزة و ابن البراج و حملها المصنف و بعض من تأخر عنه على الاستحباب، و هو مشكل و الوجوب أقرب، انتهى.
و قال في المسالك: و ذهب المصنف و الأكثر إلى الاستحباب بعدم صراحة الرواية في الوجوب، و لما فيه من جبر قلبها مع أن المملوكة ملك للمولى، فلا وجه لوجوب صرف شيء من ملكه إلى وجه آخر من ملكه، و ما يدفعه العبد هو من مال المولى أيضا، لأن ما بيده من كسب أو غيره هو للمولى، انتهى.
أقول: كأنه أشار بعدم صراحة الرواية في الوجوب إلى كون الأمر هنا بالجملة الخبرية.
____________
(1) سورة النساء- آية 24.
(2) الكافي ج 5 ص 479 ح 1، التهذيب ج 7 ص 347 ح 46 و فيه اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 548 ح 2.
239
و فيه أن الدليل على كون الأمر حقيقة في الوجوب من الأدلة الأصولية، و الأخبار المعصومية التي ذكرناها في المقدمات في صدر كتاب الطهارة (1) لا اختصاص له بصيغة افعل، بل كلما دل على الطلب بصيغة الأمر أو الخبر، و ما ذكره- من التأييد وفاقا لما تقدم في كلام العلامة أيضا من أن الأمة ملك للسيد فلا يستحق على مالكها شيئا مردود- بأنه من الجائز حمل الأمر على التعبد الشرعي بذلك، و إن كان الأمر كما ذكروه.
و بالجملة فالأظهر الوقوف على ظواهر النصوص المذكورة، و عدم الالتفات إلى هذه التعليلات في مقابلتها، على أنها قد قدمنا في كتاب المتاجر (2) أن الظاهر من الأخبار هو ملك العبد و إن كان مهجور التصرف إلا بإذن السيد، فلا ورود لما أورده حينئذ.
الثاني: إن صريح كلام الشيخين المتقدم، و هو ظاهر من تبعهما أن المدفوع مهر، و الأخبار المذكورة لا تنهض بالدلالة على ذلك بل ظاهرها أنه عطية محضة.
و في المسالك: و اعلم أن الظاهر من حال هذا المدفوع أنه ليس على جهة كونه مهرا بل مجرد الصلة و البر و جبر خاطر المملوكين.
الثالث: ظاهر كلام المتقدمين أيضا أن ذلك نكاح لا إباحة كما ذكره ابن إدريس فإن قولهم إذا زوج الرجل عبده أمته صريح في إرادة النكاح، و هو ظاهر الأخبار المذكورة أيضا، و ليس فيها ما ربما ينافي ذلك، إلا عدم ذكر القبول من الزوج.
و الجواب عنه بما ذكره العلامة جيد، و ربما قيل بتخصيص الوجوب بكونه عقدا ليكون مهرا، و هو ظاهر كلام المتقدمين المذكورين، فإن كلامهم ظاهر في الثلاثة أعني الوجوب، و كونه عقدا، و كون المدفوع مهرا، و لا يبعد حمل الأخبار عليه، و إن كانت غير ظاهرة في كون المدفوع مهرا.
الرابع: إن ما استدل به العلامة على نفي كون المراد بالنكاح هنا إباحة،
____________
(1) ج 1 ص 112.
(2) ج 19 ص 395.
240
من رواية على بن يقطين ربما أشعر بعدم جواز نكاح التحليل مطلقا أو في هذه الصورة، و ليس الأمر كذلك.
و التحقيق أن الرواية المذكورة- لمصادمة الأخبار المستفيضة الدالة على صحة نكاح التحليل لحر كان أو عبد لها- محمولة على التقية، لأن العامة لا يقولون بصحة نكاح التحليل كما ذكره بعض الأصحاب و سيأتي إن شاء الله تحقيق الكلام في المسألة كما هو حقه في بحث التحليل، و يكفي في رد ما ذهب إليه ابن إدريس من دعوى كونه إباحة، دلالة الروايات على كونه نكاحا و ظهورها في ذلك، و المفهوم من رواية محمد بن مسلم التي عدها في المختلف صحيحة أن هذا النكاح ليس على حد النكاح المشهور في غير هذه الصورة المفتقر إلى الإيجاب من الزوجة، و القبول من الزوج، و الشروط المقررة ثمة بل هو نوع خاص منه، لأن
قوله (1) «أ ينكحه نكاحا أو يجزيه أن يقول أنكحتك فلانة و يعطى منه من ماله شيئا» الخبر،.
ظاهر فيما قلناه و الظاهر أن مرجع السؤال إلى أنه هل يشترط فيه القبول من العبد بعد قول السيد ذلك أم لا؟ فأجاب بأنه لا يشترط ذلك بل يكفي قول السيد ذلك.
الخامس: إن ما أطال به ابن إدريس من منع الطلاق هنا و عدم كونه طلاقا حقيقة تطويل بغير طائل لأن أحدا من المتقدمين لم يدع ذلك، بل صريح كلام الشيخين المتقدم هو الحرمة بمجرد الأمر بالاعتزال و التفريق بينهما، و لعله أراد- بهذا التطويل في نفي كون ذلك طلاقا- هو الدلالة على كونه حينئذ إباحة لا عقدا.
و فيه إنك قد عرفت أن المفهوم من الأخبار أنه و إن كان عقدا إلا أنه لا كالعقود المشهورة المترتبة عليها تلك الأحكام المذكورة بل هو نوع خاص منها وقوفا على ظواهر الأخبار الواردة في المقام.
____________
(1) نقله- (رحمه الله)- بالمعنى.
241
إلحاق [فيما لو تزوج عبد بأمة لغير مولاه]
قالوا: إذا تزوج عبد بأمة لغير مولاه، فإن أذنا الموليان فالولد لهما، و كذا لو لم يأذنا، و لو أذن أحدهما كان الولد لمن لم يأذن، و لو زنا بأمة غير مولاه كان الولد لمولى الأمة.
قال في المسالك بعد نقل ذلك: هذا التفصيل ذكره الأصحاب كذلك و ظاهرهم الاتفاق عليه، و يظهر من بعضهم أنه منصوص و لم نقف عليه.
أقول: قد تقدم شطر من الكلام في هذا المقام في صدر المسألة الثانية، و أشرنا ثمة إلى أنا لم نقف له على دليل سوى ما يدعونه من الاتفاق، مع أن أبا الصلاح جعل الولد لمولى الأمة خاصة كغيرها من الحيوانات، إلا أن يشترط مولى العبد، فيكون له من حيث الشرط.
و بالجملة فإني لم أقف على نص يدل على الاشتراك سواء كان مع الاذن منهما أو عدمه.
و أما لحوقه بمن لم يأذن إذا أذن أحدهما فعللوه بأن الإذن لمملوكه في التزويج مطلقا مقدم على قران الولد منه، لأنه قد يتزوج من ليس برق، فينعقد الولد حرا، بخلاف من لم يأذن فيكون الولد له خاصة.
و لا يخفى ما فيه، نعم يمكن أن يستأنس له بالأخبار المتقدمة الدالة على أن الأمة إذا تزوجت بدون إذن السيد بدعوى الحرية، فإن الولد يكون رقا كرواية زرارة و موثقة سماعة المتقدمتين في المسألة الرابعة، و التقريب فيها أنه حيث كان الزوج حرا فهو بمنزلة المأذون له في النكاح في كون نكاحه صحيحا، و الزوجة حيث أن تزويجها بدعوى الحرية و هي مملوكة واقعا فهو غير مأذون لها و قد ألحق الشارع هنا الولد بالأم الغير المأذونة دون الأب الذي هو في معنى المأذون.
و أما في الزنا و الحكم بالولد لمولى الجارية فيدل عليه مضافا إلى الاتفاق
242
المدعى ما قدمناه في الصورة الاولى من المسألة الثالثة من
رواية جميل (1) عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل أقر على نفسه أنه غصب جارية فولدت الجارية من الغاصب فقال: ترد الجارية و الولد على المغصوب» الخبر.
المسألة السادسة: لو تزوج أمة بين شريكين ثم اشترى حصة أحدهما
بطل العقد، و حرم عليه وطؤها، و لو أمضى الشريك الآخر العقد بعد الابتياع لم يصح، و قيل: يجوز له وطؤها بذلك، و هو ضعيف.
و لو حللها له قيل: يحل و هو مروي، و قيل: لا، لأن سبب الاستباحة لا يتبعض.
و كذا لو ملك نصفها و كان الباقي حرا لم يجز وطؤها بالملك، و لا بالعقد الدائم، فإن هاباها على الزمان قيل: يجوز أن يعقد عليها متعة في الزمان المختص بها و هو مروي، و فيه تردد لما ذكرنا من العلة كذا صرح به المحقق- رحمة الله عليه- و تفصيل الكلام في بيان هذه الأحكام يقع في مواضع:
الأول: في الحكم ببطلان العقد في الصورة المذكورة بشراء حصة أحد الشريكين، و علله في المسالك بأن ملك الجزء يبطل عقده لامتناع أن يعقد الإنسان لنفسه على أمته عقدا، و هو يستلزم بطلان الاستدامة و لا يمكن الحكم ببقاء العقد في الجزء الآخر، لأن العقد لا يتبعض ليبطل في بعضه و يصح في بعض آخر، فتعين بطلانه في الجميع.
قال: و أما تحريم وطئها فلاستلزامه التصرف في مال الغير بغير إذنه الممتنع عقلا و شرعا.
أقول: و الأظهر الاستدلال على ذلك بما رواه
الصدوق- رحمة الله عليه- (2)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 556 ح 9، التهذيب ج 7 ص 482 ح 244، مع اختلاف يسير الوسائل ج 14 ص 571 ب 61 ح 1 و فيه «عن على بن حديد» مع اختلاف يسير.
(2) التهذيب ج 8 ص 204 ح 24، الفقيه ج 3 ص 285 ح 1، الوسائل ج 14 ص 553 ب 46 ح 1.
243
بطريقه عن زرعة عن سماعة قال: «سألته عن رجلين بينهما أمة فزوجاها من رجل ثم إن الرجل اشترى بعض السهمين، قال: حرمت عليه باشترائه إياها و ذلك أن بيعها طلاقها إلا أن يشتريها جميعا».
و رواه
في الكافي (1) في الموثق عن سماعة أيضا مثله، إلا أن فيه «إلا أن يشتريها من جميعهم».
و إذا ثبت بطلان العقد بالخبر المذكور حرم وطؤها لاستلزامه التصرف في مال الشريك بغير إذنه، و حينئذ فلا طريق إلى حلها إلا بشراء الجميع أو ببيع الجميع، ثم تجديد النكاح بأحد الأسباب المبيحة له، و أشار- بقوله: و لو أمضى الشريك الآخر العقد- إلى الرد على الشيخ في النهاية حيث قال: إذا تزوج رجل جارية بين شريكين فاشترى نصيب أحدهما حرمت عليه، إلا أن يشتري النصف الآخر، أو يرضى مالك نصفها بالعقد، فيكون ذلك عقدا مستأنفا، و تبعه ابن البراج.
ورد بأنه إن كان عقد النكاح قد بطل بالشراء كما هو الظاهر فكيف يصير صحيحا بمجرد الرضا، و إن لم يبطل فلا وجه لاعتبار رضاه بعد العقد، لأن العقد المذكور وقع أولا برضاه و لم يتجدد له ملك فلا يقف على إجازته.
أقول: و قد عرفت دلالة الخبر على البطلان فتعين الحكم به، فتصحيحه بعد ذلك بمجرد الرضا غير معقول، و تأول المحقق في نكت النهاية كلام الشيخ هنا فحمله على أن المراد بقوله- أو يرضى مالك نصفها بالعقد- عقد البيع على النصف الثاني، قال: فكأنه يقول: إلا أن يشتري النصف الآخر من بايع النصف الأول فضولا، و يرضى مالك ذلك النصف بالعقد، فتكون الإجازة كالعقد المستأنف، و يكون الألف في قوله «أو وقعت» سهوا من الناسخ أو يكون بمعنى الواو، و على هذا فيكون الطريق إلى حلها في كلام الشيخ أمرا واحدا، و هو شراء النصف الآخر.
قال فخر المحققين بعد أن نقل هذا التأويل: و فيه تأسف و بعد، و قال في
____________
(1) الكافي ج 5 ص 484 ح 6، الوسائل ج 14 ص 553 ب 46 ح 2.
244
المسالك: و هذا التأويل و إن كان بعيدا إلا أن بناء حكم الشيخ- (رحمه الله)- على ظاهره أبعد.
أقول: إن الشيخ ليس بمعصوم من ذلك الاقدام، فكم له من هفوات الأقلام في الأحكام التي لا تقبل الإصلاح بين الأنام، و الظاهر أن ما هنا من ذلك القبيل.
الثاني: ما ذكره بقوله «و لو حللها له» إلى آخره، و توضيحه أن الأمة إذا كانت مشتركة بين شريكين، فأحل أحد الشريكين للآخر وطئها، فهل تحل بذلك؟ الأكثر على العدم، قالوا: لاستلزامه تبعيض سبب الإباحة، بمعنى حصول النكاح بالملك و التحليل معا، مع أن الله عز و جل حصره في أمرين، العقد و الملك بقوله «إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ» (1) و التفصيل قاطع الشركة، فلا يكون الملفق منهما سببا.
و ذهب ابن إدريس إلى حلها بذلك، لأن المراد بالملك الذي هو أحد السببين المذكورين ما هو أعم من ملك الرقبة و المنفعة، و السبب الموجب للتحليل هنا هو الملك، و إن كان مركبا من ملك الرقبة في بعضها و ملك المنفعة في البعض الآخر، فيكون السبب في حل جميعها واحدا، و هو الملك.
و يدل عليه أيضا- و إن كان ابن إدريس لا يستند إليه- ما رواه الكليني و الشيخ (2) في باب السراري و ملك الايمان
في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن محمد بن قيس قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام)- و رواه الصدوق في الصحيح أيضا عن الحسن بن محبوب عن ابن رئاب عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته- عن جارية بين رجلين دبراها جميعا ثم أحل أحدهما فرجها لشريكه، قال: هي له حلال، فأيهما مات قبل صاحبه فقد صار نصفها حرا من
____________
(1) سورة المؤمنون- آية 6.
(2) الكافي ج 5 ص 482 ح 3، التهذيب ج 8 ص 203 ح 23، الفقيه ج 3 ص 290 ح 24، الوسائل ج 14 ص 545 ح 1.
245
قبل الذي مات، و نصفها مدبرا، قلت: أ رأيت إن أراد الثاني منهما أن يمسها، إله ذلك؟ قال: لا، إلا أن يثبت عتقها و يتزوجها برضا منها متى ما أراد، قلت له: أ ليس قد صار نصفها حرا، و قد ملكت نصف رقبتها و النصف الآخر الباقي منها؟ قال: بلى، قلت: فإن هي جعلت مولاها في حل من فرجها؟ قال: لا يجوز لها ذلك، قلت: لم لا يجوز لها ذلك و كيف أجزت للذي له نصفها حين أحلها فرجها لشريكه فيها؟ قال: لأن الحرة لا تهب فرجها و لا تعيره و لا تحله، و لكن لها من نفسها يوم، و للذي دبرها يوم، فإن أحب أن يتزوجها متعة بشيء في ذلك اليوم الذي تملك فيه نفسها فليتمتع منها بشيء قبل أو كثر».
و هذه الرواية قد رواها المشايخ الثلاثة بطرق صحيحة، إلا أن الشيخ في التهذيب (1) رواها في أول كتاب النكاح بطريق فيه علي بن الحسن بن فضال عن محمد ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) و من تأخر عنه كالمحقق و غيره لم يقفوا إلا على هذا السند، فردوا الرواية لذلك بالضعف. قال المحقق في النافع: و بالتحليل رواية فيها ضعف، و في الشرائع نسبه إلى الرواية كما قدمنا ذكره مؤذنا بضعفه.
و قال في المسالك بعد نقل قول ابن إدريس و الاستدلال له بنحو ما قدمنا ذكره: و يؤيده
رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «في جارية بين رجلين دبراها جميعا ثم أحل أحدهما فرجها لصاحبه، قال: هو له حلال».
و هذه الرواية تصلح شاهدا لغير ابن إدريس، فإنه لا يستند إلى مثل هذه الأخبار مع صحتها، فكيف مع ضعفها، و كلام ابن إدريس متوجه و إن كان المنع أولى، انتهى.
و الظاهر أنه لو وقف على هذه الأسانيد الصحيحة المتعددة لهذه الرواية عن محمد بن قيس و عن محمد بن مسلم عنه (عليه السلام) لما عدل عن مذهب ابن إدريس، و بالجملة فالظاهر هو ما ذهب إليه ابن إدريس لما عرفت.
الثالث: ما ذكره بقوله «و كذا لو ملك نصفها و كان الباقي حرا» بمعنى أنه
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 245 ح 19، الوسائل ج 14 ص 545 ح 1.
246
لا يجوز له وطؤها أيضا لو ملك بعضها و كان البعض الآخر حرا، و علل بأن الجزء الحر لا يستباح بملك البعض قطعا، و لا بالعقد الدائم اتفاقا لتبعيض السبب، و لا بالمنقطع لذلك، و لا بالتحليل، لأن المرأة ليس لها تحليل نفسها إجماعا و إنما يقع التحليل من المولى.
أقول: و قد صرحت بالحكم المذكور صحيحة محمد بن قيس المتقدمة، فإنه (عليه السلام) قد صرح بأنه متى مات أحد الشريكين الذي دبرها و صار نصفها حرا، فإنه لا يجوز للآخر من الشريكين وطؤها و الحال هذه إلا أن يثبت عتقها بمعنى أن تعتق كملا و يتزوجه تزويجا جديدا برضا منها و اختيار، و بالجملة فالظاهر أن الحكم مما لا خلاف فيه.
بقي الكلام في العقد عليها متعة في أيامها و هو المشار إليه بقوله «فإن هاباها على الزمان» فإن الرواية المذكورة قد دلت على جواز ذلك، و الأكثر على المنع، لضعف الخبر عندهم كما عرفت، و مع ذلك عللوا المنع بأنها بالمهاباة لا تخرج عن كون المولى مالكا لذلك البعض، و هو يمنع من العقد، لاستحالة العقد على ملكه، و تعدد السبب، و هو المشار إليه بقوله «لما ذكرنا من العلة» و علل أيضا بأن منافع البضع لا تدخل في المهاباة، و إلا لحل لها المتعة في أيامها و هو باطل اتفاقا، و الشيخ في النهاية أفتى بالجواز للرواية المذكورة، و هو الظاهر، فإن الرواية المذكورة لنقل المشايخ الثلاثة لها بعدة أسانيد أكثرها صحيح- مع عدم المعارض لها إلا هذه التعليلات العقلية التي عرفت ما فيها في غير مقام- لا يمكن طرحها و الاعراض عنها، و من الظاهر أيضا أن المتأخرين لو اطلعوا لها على سند صحيح لما عدلوا عنها إلى هذه التعليلات، و إلى ما ذكرنا من العمل بالرواية المذكورة يميل كلام السيد السند- رحمة الله عليه- في شرح النافع لاطلاعه على تلك الأسانيد الصحيحة، و الله العالم.
247
المطلب الثاني في الطواري:
(1) و هي ثلاثة: العتق و البيع و الطلاق، فتحقيق الكلام في هذا المطلب يقع في مقامات ثلاثة:
[المقام] الأول: في العتق:
و فيه مسائل:
[المسألة] الأولى [حكم عتق الأمة التي كان لها زوج عبد]
لا خلاف بين الأصحاب في أن الأمة لو أعتقت و كانت تحت عبد فإنها تتخير في فسخ نكاحها، و الروايات بذلك متظافرة مستفيضة، إنما الخلاف فيما لو كانت تحت حر، فهل يثبت لها الخيار أيضا أم لا؟ فذهب الأكثر و منهم الشيخ في النهاية و المحقق في النافع إلى ثبوته أيضا، و ذهب الشيخ في المبسوط و الخلاف و المحقق في الشرائع إلى العدم، و الواجب أولا نقل ما وصل إلينا من روايات المسألة و الكلام فيها بما وفق الله سبحانه لفهمه منها.
فمن الأخبار المذكورة ما رواه
ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أمة كانت تحت عبد فأعتقت الأمة، قال: أمرها بيدها إن شاءت تركت نفسها مع زوجها، و إن شاءت نزعت نفسها منه، قال:
و ذكر أن بريرة كانت عند زوج لها، و هي مملوكة، فاشترتها عائشة، فأعتقتها،
____________
(1) أقول: الوجه في تسمية هذه الأمور طوارئ هو أنها تطرأ على عقد الأمة فيتغير حكمه الأول إلى حكم آخر لم يكن قبل ذلك، من التسلط على فسخ العقد و تحريمها في بعض الموارد كما سيجيء ذكره ان شاء الله تعالى، و بعضهم أطلق عليها المبطلات للعقد، و فيه أنها لا تبطل العقد مطلقا، بل قد تبطل العقد، و قد يؤول إلى الإبطال فما ذكره الأكثر من المعنى الأول أظهر، قيل: و انما خص الأمور الثلاثة بالتسمية مع أن الطارئ على نكاح المماليك غير منحصر فيها لكثرة مباحث هذه الثلاثة و تشتت أحكامها فتناسب تخصيصها بالذكر و ذكر الباقي في ضمنها أو في محل آخر مناسب، انتهى.
(منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 5 ص 485 ح 1، التهذيب ج 7 ص 341 ح 27، الوسائل ج 14 ص 559 ح 2.
248
فخيرها رسول الله (صلى الله عليه و آله)» الحديث.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن سماعة في الموثق قال: «ذكر أن بريرة مولاة عائشة كان لها زوج عبد، فلما أعتقت قال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله): اختاري، إن شئت أقمت مع زوجك، و إن شئت فلا».
و ما رواه
في التهذيب (2) عن عبد الله بن سنان في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه كان لبريرة زوج عبد فلما أعتقت قال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله): اختاري».
و عن محمد بن آدم (3) عن الرضا (عليه السلام) «أنه قال: إذا أعتقت الأمة و لها زوج خيرت إن كانت تحت عبد أو حر».
و رواه
بسند آخر عن زيد الشحام (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أعتقت الأمة و لها زوج خيرت إن كانت تحت حر أو عبد».
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب (5) عن محمد بن مسلم في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المملوكة تكون تحت العبد ثم تعتق؟ فقال: تخير فإن شاءت أقامت على زوجها، و إن شاءت فارقته».
و هذه الأخبار متفقة الدلالة على الحكم الأول مضافة إلى الاتفاق عليه.
و أما بالنسبة إلى ما إذا كان الزوج حرا فالذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بذلك رواية محمد بن آدم و رواية زيد الشحام الدالتان على تخيرها سواء
____________
(1) الكافي ج 5 ص 487 ح 5، التهذيب ج 7 ص 342 ح 28، الوسائل ج 14.
ص 560 ح 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 341 ح 26، الوسائل ج 14 ص 561 ح 9.
(3) التهذيب ج 7 ص 342 ح 31، الوسائل ج 14 ص 561 ح 12.
(4) التهذيب ج 7 ص 342 ح 32، الوسائل ج 14 ص 561 ح 13.
(5) التهذيب ج 7 ص 343 ح 33، الفقيه ج 3 ص 352 ح 15، الوسائل ج 14 ص 560 ح 7.
249
كان الزوج عبدا أو حرا كما هو المنقول عن الأكثر.
و منها ما رواه
الشيخ عن أبي الصباح الكناني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أيما امرأة أعتقت فأمرها بيدها، إن شاءت قامت معه، و إن شاءت فارقته».
و هي دالة على ذلك أيضا بإطلاقها، و هذه الرواية وصفها جملة من الأصحاب- و منهم شيخنا في المسالك- بالصحة مع أن في طريقها محمد بن الفضيل، و هو مشترك بين الثقة و الضعيف كما لا يخفى على من راجع سندها.
و عن عبد الله بن بكير (2) في الموثق عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل حر نكح أمة مملوكة ثم أعتقت قبل أن يطلقها: قال هي أملك ببضعها».
و هذه الرواية أيضا صريحة في القول المذكور، و لم أقف للقول الآخر على دليل، إلا أصالة لزوم العقد، و أن إبطاله يحتاج إلى دليل، فإن هذه الأخبار حيث كانت ضعيفة الاسناد فهي لا تنهض دليلا يخرج به عن مقتضى الأصل، و بذلك تمسك السيد السند في شرح النافع حيث قال- بعد إيراد الروايات الثلاث المذكورة-: و يشكل بأن هذه الروايات كلها ضعيفة السند فلا تصلح لإثبات حكم مخالف للأصل، ثم نقل عن الشيخ في المبسوط و الخلاف أنه ذهب إلى عدم ثبوت الخيار هنا، ثم قال: و المصير إليه متعين.
و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك لما وصف رواية الكناني بالصحة (3) تمسك بها في الجواب، و جعلها موجبة للخروج عن حكم الأصل، و أيدها بالروايتين
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 341 ح 25، الوسائل ج 14 ص 561 ح 8.
(2) التهذيب ج 7 ص 342 ح 30، الوسائل ج 14 ص 561 ح 11.
(3) حيث انه بعد أن نقل عنهم الاستناد إلى أصالة لزوم العقد و أن حدوث الخيار يحتاج الى دليل، قال: و جوابه أن الدليل موجود و هو الرواية الصحيحة السالفة الدالة بعمومها عليه، و خصوص الروايتين شاهد صريح و ان ضعف طريقها، انتهى.
(منه- (قدس سره)-).
250
الأخيرتين و إن ضعف سندهما، و هو ظاهر في أنه مع ثبوت ضعف الرواية المذكورة كما أوضحناه فإنه لا يتمسك بها و يلتزم بالقول الثاني.
و بالجملة فإن من يعمل بهذا الاصطلاح المحدث يتعين عليه القول بما ذهب إليه الشيخ في المبسوط و الخلاف، و من لم يلتفت إليه و لا يعمل عليه فإنه يتحتم عليه القول بما هو المشهور، و هو عندنا المؤيد المنصور.
تنبيهات:
الأول:
ظاهر الأصحاب الاتفاق على وجوب الفورية بهذا الخيار، و لم أقف له على دليل إلا على وجوه اعتبارية و كلمات عامية، و أخبار المسألة المتقدمة عارية عنه، و الأصل عدمه، إلا إن الخروج عما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل إن تم الاتفاق.
قال السيد السند في شرح النافع: و قد قطع الأصحاب بأن هذا الخيار على الفور، و لا بأس به اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع الوفاق و الضرورة.
و كيف كان فالظاهر كما صرح به جملة منهم- رضي الله عنهم- أنه لو أخرت الفسخ جهلا بالعتق أو جهلا بالخيار، فإنه لا يسقط خيارها فتعذر في عدم الفورية و هل تعذر مع الجهل بالفورية؟ احتمالان: العدم، لاندفاع الضرر مع العلم بالخيار، و لإشعاره بالرضا حيث علمت بالخيار و أخرت و المعذورية لاحتمال كون التأخير لفائدة التروي و نحوه، حيث لا تعلم باشتراط الفورية، و التأخير لا يكون دليلا على الرضا إلا مع العلم باشتراط الفورية، و إلا فلا (1).
الثاني:
لا يخفى أن الحكم بالتخيير في الأخبار المتقدمة معلق على عتق جميع الأمة، و قضية ذلك أنه لو أعتق بعضها قليلا كان أو كثيرا فلا خيار، وقوفا فيما خالف الأصل على مورده، و بذلك صرح أيضا جملة من الأصحاب من غير نقل خلاف.
____________
(1) أى: حيث لا يعلم باشتراط الفورية لا يكون التأخير دليلا على الرضا، و هو ظاهر. (منه- (قدس سره)-).
251
الثالث:
لو كانت صغيرة أو مجنونة ثبت لها الخيار عند الكمال، قالوا: و ليس للمولى هنا تولي الاختيار، لأنه منوط بالشهوة و الميل القلبي، فلا يعتد بوقوعه من غيرها، و إذا أكملت كان الخيار لها على الفور بناء على ما تقدم من وجوب الفورية، و للزوج الوطي قبل الاختيار لبقاء الزوجية و عدم انفساخها ما لم تفسخ و هكذا في وطئها و هي كاملة قبل اختيارها الفسخ، فإنه يجوز له الوطي حيث لا ينافي الفورية.
الرابع:
لا فرق في ثبوت الخيار بين أن يحدث العتق قبل الدخول أو بعده، فلو كان قبله سقط المهر، لأن الفسخ جاء من قبلها و هو موجب لسقوط المهر كما تقدم، و إن كان بعده فالمهر باق على حاله لاستقراره بالدخول، و هو ظاهر فيما لو كان العتق بعد الدخول، فإن العتق الذي هو سبب الخيار إنما وقع بعد استقرار المهر، أما لو كان العتق قبل الدخول ثم حصل الدخول قبل الاختيار- لما عرفت آنفا من عدم المنافاة- فهو مبني على أن الفسخ إنما يرفع النكاح من حينه، و إن كان سببه قد حصل قبل الدخول، و حينئذ فقد استقر المهر، و حيث يستقر باختيارها الزوج أو بالدخول قبل الفسخ فهو للسيد، لوجوبه بالعقد على الأصح، و كونها حالة العقد مملوكة، هذا ملخص كلامهم.
الخامس:
استثنى العلامة في القواعد من الحكم بتخيرها على الإطلاق صورة واحدة، و هي ما إذا كان لشخص جارية قيمتها مائة مثلا، و هو يملك مائة أخرى فزوجها بمائة، ثم أعتقها في مرض الموت قبل الدخول، و بعبارة أخرى إذا كان قد زوجها بثلث ماله و قيمتها ثلث اخرى و ترك مالا بقدر قيمتها، ثم أعتقها في مرضه، أو أوصى بعتقها و وقع العتق قبل الدخول، فإن تخيرها الفسخ يوجب سقوط المهر كما تقدم، فلا ينفذ العتق في جميعها، لانحصار التركة حينئذ في الجارية و مقدار قيمتها، فيبطل العتق فيما زاد على الثلث فيبطل خيارها، لاشتراطه بعتق جميعها كما سلف، فيؤدي ثبوته إلى عدم ثبوته، و هو دور، و لا فرق
252
في ذلك بين وقوع التزويج في مرضه و عدمه، لأن تزويجها لا يتضمن إتلافا، بل اكتسابا للمهر، نعم يشترط وقوع العتق في المرض إذا جعلنا منجزات المريض من الثلث، أو كونه بطريق الوصية كما مثلناه، و لو كان العتق في حال الصحة أو بعد الدخول، فالتخيير بحاله، كذا حققه شيخنا في المسالك.
السادس:
مورد النص التي تقدمت أن الخيار للأمة لو أعتقت، حرا كان زوجها أو عبدا على الأشهر الأظهر، أما لو كان الزوج عبدا و أعتق، فإنه لا خيار له لاختصاص النصوص بالأمة، و لأن الله سبحانه قد جعل بيده الطلاق، فله التخلص منها بالطلاق بخلاف المرأة، و نقل عن بعض العامة أنه أثبت له الخيار قياسا على الزوجة، و نقل ذلك عن ابن الجنيد من علمائنا على ما ذكره في المختلف حيث قال:
و قال ابن الجنيد: فإن أعتق العبد و بقيت الزوجة أمة كان له الخيار دونها و فيه ما عرفت.
و نقل عن ابن حمزة أنه إن أعتق السيد عبده و لم يكرهه على النكاح لم يكن له الخيار، و إن أكرهه كان له ذلك.
و قال في المختلف- بعد رد كلام ابن الجنيد بأنه قياس، و القياس عندنا باطل-: أما لو أكرهه مولاه، فإن الوجه ثبوت الخيار له كالحر المكره، و كما لا خيار له فلا خيار أيضا لمولاه لعدم المقتضي في حقه، و كذا لا خيار للزوجة حرة كانت أو أمة، لأنها رضيت به عبدا فأولى بأن ترضى به حرا.
و قد ورد هذا التعليل
في رواية على بن حنظلة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل زوج أم ولد له من عبد، فأعتق العبد بعد ما دخل بها، هل يكون لها الخيار؟ قال: لا، قد تزوجته عبدا و رضيت به فهو حين صار حرا أحق أن
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 343 ح 36، الوسائل ج 14 ص 562 ب 54 ح 2.
253
ترضى به» (1).
السابع:
إذا زوج عبده أمته ثم أعتق الأمة أو أعتقهما معا، و كذا لو كانا لمالكين فأعتقا دفعة واحدة، فإن الخيار للزوجة كما تقدم.
أما ثبوت الخيار لها في صورة عتقها خاصة فيدل عليه ما رواه
الكليني و الشيخ (2) في الصحيح عن عبد الله بن سنان قال: «و سألته عن الرجل ينكح بعبده أمته ثم أعتقها، تخير فيه أم لا؟ قال: نعم تخير فيه إذا أعتقت».
و ما رواه
في التهذيب (3) عن عبد الله بن سليمان قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نكح أمته عبده و أعتقها، هل تخير المرأة إذا أعتقت أو لا؟ قال: تخير».
و أما في صورة عتقهما معا دفعة واحدة الظاهر أن تخير الأمة هنا مبني على ما تقدم من الخلاف فيما إذا كان الزوج حرا و ذلك لأن عتقهما دفعة اقتضى كون الحكم بخيارها حال حريته، فلا يتم لها الخيار إلا على القول به.
و المحقق في الشرائع قد جمع بين اختصاص التخيير بما إذا كان الزوج عبدا و بين ثبوت الخيار لها إذا أعتقا دفعة، و مثله ما في التحرير و هو لا يخلو عن غفلة
____________
(1) أقول: و يعضده ما رواه
في الكافي (ج 5 ص 487 ح 1، التهذيب ج 8 ص 206 ح 32، الوسائل ج 14 ص 562 ب 54 ح 1) عن ابى بصير و هو ليث المرادي فيكون الخبر صحيحا- عن أبي عبد الله- (عليه السلام) «في العبد يتزوج الحرة ثم يعتق فيصيب فاحشة، قال: فقال: لا يرجم حتى يواقع الحرة بعد ما يعتق، قلت: فللحرة عليه الخيار إذا أعتق؟ قال: لا، قد رضيت به و هو مملوك فهو على نكاحه الأول».
قوله (عليه السلام) «لا يرجم حتى يواقع الحرة بعد ما يعتق» فيه دلالة على أنه لا يستحق الرجم الا أن يكون محصنا، و الإحصان لا يحصل الا بعد مواقعة الحرة معتقا، لأن الأمرين شرط في الإحصان الموجب للرجم كما قرر في محله. (منه- (رحمه الله)-).
(2) الكافي ج 5 ص 486 ح 3، التهذيب ج 7 ص 343 ح 35، الوسائل ج 14 ص 559 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 343 ح 34، الوسائل ج 14 ص 561 ح 10.
254
لما عرفت من أن التخيير لها في صورة عتقهما معا دفعة واحدة إنما يتم على القول المشهور من عدم الفرق بين كون الزوج حرا أو عبدا لا على القول الآخر الذي هو مذهبه في الشرائع كما تقدم.
و العلامة في القواعد قد تنبه لذلك، فرتب الحكم بتخيرها هنا على الخلاف المتقدم.
بقي هنا إشكال قل من تنبه له و هو أنه قد
روى الكليني و الشيخ (1) في الصحيح عن عبد الله بن سنان قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا أعتقت مملوكيك رجلا و امرأته فليس بينهما نكاح، و قال: إذا أحبت أن يكون زوجها كان ذلك بصداق».
و المستفاد منه بطلان نكاح المملوكين بعتقهما معا، و المعروف من كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف كما عرفت هو التخيير لا البطلان، و الله العالم.
المسألة الثانية [في جواز تزويج الرجل أمته بأن يجعل عتقها صداقها]
لا خلاف بين أصحابنا في جواز تزويج الرجل أمته بأن يجعل عتقها صداقها، و اعترف غير واحد منهم بأنه من الأصول المقررة إن تزويج الرجل أمته باطل إلا في هذه الصورة فإنه يجوز عند علمائنا أجمع للنصوص المستفيضة، بل ادعى بعضهم وصولها إلى حد التواتر.
و أورد المحقق في نكت النهاية على هذا الحكم- بسبب مخالفته للأصول- سؤالات (2)، ثم تكلف الجواب عنها، و قال في آخر كلامه: إنه بتقدير منا فإنها الأصل يجب المصير إليها لتحقيق مشروعيتها بالنقل المستفيض.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 486 ح 3، التهذيب ج 7 ص 343 ح 35، الوسائل ج 14 ص 562 ح 1.
(2) أقول: و مجملها أنه كيف يجوز أن يزوج جاريته، و هي مملوكة البضع بغير التزويج، و كيف يتصور الإيجاب و القبول و هي مملوكة، ثم المهر يجب أن يكون متحققا قبل العقد، و مع تقديم التزويج الذي هو مذهب الأكثر لا يكون متحققا ثم يلوح منه الدور، فان العقد لا يتحقق الا بالمهر الذي هو العتق، و العتق لا يتحقق الا بعد العقد.
الى آخر كلامه زيد في إكرامه. (منه- (قدس سره).
255
و قريب منه كلام العلامة في المختلف حيث قال- بعد كلام في المقام-:
و بالجملة فلو كانت هذه المسألة منافية للأصول، لكن بعد ورود النقل فيه يجب المصير إليه متابعة للنقل، و تصير أصلا بنفسها، كما صارت الدية على العاقلة أصلا، انتهى.
أقول: و فيه تأييد أكيد و تشييد سديد لما قدمناه في غير موضع من أن الواجب الوقوف على ما وردت به الأخبار عنهم (عليهم السلام) و إن خالفت مقتضى القواعد المقررة بينهم، و تخصيص تلك القواعد بها.
قال شيخنا في المسالك: و الأصل فيه أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) اصطفي صفية بنت حي ابن أخطب من ولد هارون بن عمران (عليه السلام) في فتح خيبر و أعتقها، و تزوجها، و جعل عتقها مهرها بعد أن حاضت حيضة (1).
أقول: و لا بأس بنقل جملة من الأخبار الواردة بذلك، و منها ما رواه
في الكافي (2) عن عبيد بن زرارة في الحسن «أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا قال الرجل لأمته: أعتقك و أتزوجك و أجعل مهرك عتقك، فهو جائز».
و عن سماعة بن مهران (3) في الموثق قال: «سألته عن رجل له زوجة و سرية يبدو له أن يعتق سريته و يتزوجها، فقال: إن شاء اشترط عليها، أن عتقها صداقها فإن ذلك حلال، أو يشترط عليها، إن شاء قسم لها، و إن شاء لم يقسم، و إن شاء فضل الحرة عليها، فإن رضيت بذلك فلا بأس».
و عن الحلبي (4) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن
____________
(1) البحار ج 21 ص 34 طبعة طهران الجديدة.
(2) الكافي ج 5 ص 476 ح 3، التهذيب ج 8 ص 201 ح 13، الوسائل ج 14 ص 509 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 476 ح 5، الوسائل ج 14 ص 509 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 475 ح 1، الوسائل ج 14 ص 509 ح 3.
256
الرجل يعتق الأمة و يقول: مهرك عتقك؟ فقال: حسن».
و عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل تكون له الأمة فيريد أن يعتقها فيتزوجها، أ يجعل عتقها مهرها، أو يعتقها ثم يصدقها؟ و هل عليها منه عدة؟ و كم تعتد إن أعتقها؟ و هل يجوز له نكاحها بغير مهر؟ و كم تعتد من غيره؟ فقال: يجعل عتقها صداقها إن شاء، و إن شاء أعتقها ثم أصدقها، و إن كان عتقها صداقها فإنها تعتد و لا يجوز نكاحها إذا أعتقها إلا بمهر و لا يطأ الرجل المرأة إذا تزوجها حتى يجعل لها شيئا و إن كان درهما».
و عن عبيد بن زرارة (2) في الصحيح أو الحسن بثعلبة و هو ابن ميمون «أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا قال الرجل لأمته: أعتقك و أتزوجك و أجعل مهرك عتقك، فهو جائز».
و ما رواه
الشيخ (3) عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «أيما رجل شاء أن يعتق جاريته و يتزوجها و يجعل عتقها صداقها فعل».
و عن عبيد بن زرارة (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: رجل قال لجاريته:
أعتقتك و جعلت عتقك مهرك؟ قال: فقال: جائز».
و ما رواه
الشيخ في الأمالي (5) بسنده فيه عن صفية «قالت: أعتقني رسول الله (صلى الله عليه و آله) و جعل عتقي صداقي».
إلى غير ذلك من الأخبار الآتية- إن شاء الله تعالى- في المقام.
و كيف كان فتحقيق البحث في هذه المسألة يستدعي بسط الكلام في مواضع:
____________
(1) الكافي ج 5 ص 476 ح 2، الوسائل ج 14 ص 509 ب 11 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 476 ح 3، الوسائل ج 14 ص 509 ب 11 ح 1.
(3) التهذيب ج 8 ص 201 ح 12 و فيه «صداقها عتقها» الوسائل ج 14 ص 510 ح 5.
(4) التهذيب ج 8 ص 201 ح 13، الوسائل ج 14 ص 510 ح 6.
(5) الأمالي ص 258 الوسائل ج 14 ص 510 ح 8.
257
الأول [في أنه هل يشترط تقديم التزويج على العتق؟]
اختلف الأصحاب في الصيغة الموجبة لهذا الحكم من صحة التزويج و حصول العتق و كونه عوضا عن المهر، فلا يجب عليه مهر بعد ذلك، فهل يشترط تقديم التزويج على العتق أو عكسه؟ أو يجوز الكل منهما؟ الأكثر منهم على الأول و ذهب الشيخ في الخلاف و قبله الشيخ المفيد- (رحمه الله)- إلى اشتراط تقديم العتق، اختاره العلامة في المختلف و الإرشاد، و إلى القول الثالث ذهب المحقق في الشرائع و جملة من المتأخرين منهم السيد السند في شرح النافع، و قبله جده في المسالك، و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين.
و استدل على القول الأول بما رواه
الصدوق في الفقيه (1) عن علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل قال لأمته: أعتقتك و جعلت عتقك مهرك، فقال: أعتقت و هي بالخيار، إن شاءت تزوجته، و إن شاءت فلا، فإن تزوجته فليعطها شيئا، فإن قال: قد تزوجتك و جعلت مهرك عتقك فإن النكاح واقع و لا يعطيها شيئا» (2).
روى هذه الرواية الشيخ في التهذيب مرسلة عن علي بن جعفر، فلذا ردها في المسالك بالضعف بناء على رواية الشيخ لها، و لم يطلع على رواية الصدوق لها بالطريق الصحيح، و من العجب أيضا أنه في المسالك نقل عجز الرواية بهذه الصورة «و إن قال: تزوجتك و جعلت مهرك عتقك فإن النكاح باطل لا يعطيها شيئا» فجعل محل قوله «واقع» في الرواية لفظ «باطل» و قال بعد ذلك في دفع دلالة الرواية على مطلوبهم: و يدل عليه تصريحه بالبطلان في رواية علي بن جعفر مع
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 201 ح 16، الفقيه ج 3 ص 261 ح 29، الوسائل ج 14 ص 510 ح 1.
(2) أقول و بهذه الرواية أفتى الصدوق في المقنع فقال: و إذا قال الرجل لأمته:
أعتقتك و أجعل عتقك مهرك فقد عتقت، و هي بالخيار ان شاءت تزوجته، و ان شاءت لم تزوجه، و ان تزوجته فليعطها شيئا، و ان قال: قد تزوجتك و جعلت مهرك عتقك، فان النكاح واجب و لا يعطيها شيئا و قد عتقت، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
258
تقديم التزويج الذي هو مطلوبهم، و لم ينقلها ناقل غيره بهذه الكيفية، لا في كتب الحديث، و لا في كتب الاستدلال.
و التقريب في الاستدلال بالرواية المذكورة أنه (عليه السلام) حكم بالعتق دون التزويج في صورة تقديم العتق، و حكم بالتزويج و العتق معا في صورة تقديم التزويج.
و رد بأنه يجوز أن يكون حكمه (عليه السلام) ببطلان النكاح في الصورة الأولى إنما استند الى عدم ذكر التزويج في هذه الصيغة، لا إلى تقديم العتق على التزويج، إذ لفظ التزويج غير مذكور في السؤال، و غاية ما ذكر فيها العتق و المهر فجاز أن يكون البطلان إنما نشأ من الإخلال بهذا اللفظ، لا من تقديم العتق عليه.
و نحو هذه الرواية
رواية محمد بن آدم (1) عن الرضا (عليه السلام) «في الرجل يقول لجاريته: قد أعتقتك و جعلت صداقك، عتقك، قال: جاز العتق، و الأمر إليها، إن شاءت زوجته نفسها و إن شاءت لم تفعل، فإن زوجته نفسها فأحب له أن يعطيها شيئا».
و التقريب التقريب المتقدم، و الجواب عن ذلك الجواب المتقدم، و يزيده أن القائل بالصحة على تقدير تقديم العتق يعتبر معه التصريح بالتزويج، و هو منتف في الروايتين المذكورتين.
أقول: ظاهر رواية عبيد بن زرارة المتقدم نقلها عن التهذيب صحة النكاح و حصول العتق بقوله «أعتقتك و جعلت عتقك مهرك» فإن قوله (عليه السلام) «جائز» إنما هو بمعنى الصحيح لأنه لا وجه للحمل على العقد المتزلزل هنا، بل هو إما صحيح أو باطل، و هو بظاهره مخالف لما دل عليه صحيح علي بن جعفر، و رواية محمد بن آدم من عدم صحة النكاح، و إنما الثابت العتق خاصة، إلا أن يحمل الجواز في كلامه (عليه السلام) على جواز العتق خاصة كما هو مدلول الخبرين المذكورين، و يحتمل أيضا أن لفظ «التزويج» سقط من هذا الخبر بناء على رواية صاحب الكافي له بزيادة
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 201 ح 15، الوسائل ج 14 ص 511 ح 2.
259
لفظ «التزويج» كما سلف.
و بالجملة فإنه لا بد من ارتكاب التأويل فيه بما يخرجه عن المخالفة للخبرين المذكورين، و في المسالك أورد هذا الخبر دليلا للقول بما ذهب إليه الشيخ في الخلاف من اشتراط تقديم العتق في صحة النكاح، ثم أطال فيما أورد على الاستدلال به و الجواب عن ذلك، و الأظهر ما عرفت من أنه على ظاهره لا يخلو من الاشكال، فلا بد من ارتكاب التأويل فيه.
و احتج القائلون بالقول الثاني- كما أشار إليه المحقق في الشرائع- بأن بضع الأمة مباح لمالكها بدون العقد، فلا يستباح بالعقد، فلا بد من تقديم العتق ليقع العقد على الحرة.
و رد بأن الكلام إنما يتم بآخره، و لو لا ذلك لم يصح جعل العتق مهرا، لأنه لو حكم بوقوعه بأول الصيغة امتنع اعتباره في التزويج المأتي به بعد.
أقول: و من ذلك ظهر وجه القول الثالث، و هو الأظهر، و مرجعه إلى أنه لا فرق بين تقديم لفظ التزويج أو العتق، لأن الكلام جملة واحدة إنما يتم بآخره.
و مما يدل على الصحة مع تقديم لفظ التزويج صحيحة علي بن جعفر المتقدمة.
و و ما يدل على الصحة مع تقديم لفظ العتق صحيحة عبيد بن زرارة المتقدم نقلها عن الكافي، و في معناها رواية محمد بن مسلم المتقدمة أيضا، و على هذا يحمل إجمال باقي روايات المسألة مما قدمناه و غيره، فإن اشتمل الكلام على العتق و التزويج حكم بهما من غير نظر إلى تقدم خصوص واحد منهما، و إن اشتمل على العتق خاصة فإنما يحكم به خاصة.
الثاني: لو قال: تزوجتك و جعلت مهرك عتقك
، فهل يكفي في العتق عن الإتيان بلفظ أعتقتك؟ الأشهر الأظهر الأول، و عليه يدل صحيحة علي بن جعفر المتقدمة.
260
قال في المختلف: ألفاظ علمائنا و ما ورد في الأخبار يدل على الاكتفاء بقوله تزوجتك و جعلت مهرك عتقك، و إن لم يقل أعتقتك أو أنت حرة، بل يقع العتق بقوله و جعلت عتقك مهرك، كما لو أمهر امرأة ثوبا و قال لها: قد تزوجتك و جعلت مهرك هذا الثوب، فإذا قبلت ملكته بالقبول، فكذا لو جعل العتق مهرا فإنها تملك نفسها بالقبول، و لا حاجة إلى النطق بالعتق و غير ذلك، انتهى و هو جيد.
و نقل عن ظاهر المفيد و أبي الصلاح أنهما اعتبرا لفظ أعتقتك، لأن العتق لا يقع إلا بالصيغة الصريحة، و هو التحرير أو الإعتاق، فلا بد من اللفظ بأحدهما.
و رد- بعد تسليم انحصار العتق في هاتين الصيغتين- بأن هذا العقد قد ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة التي لا سبيل إلى ردها، فلا يقدح فيه مخالفته للأصول المقررة سيما مع ما عرفت آنفا من أن أصل هذه المسألة إنما بني على خلاف الأصول المقررة و القواعد المعتبرة، و ظاهره في المختلف اختيار ما ذهب إليه الشيخ المفيد و أبو الصلاح (1) بعد اعترافه بأن الأول هو الوارد في الأخبار، و تعليله ذلك زيادة على دلالة الأخبار بما قدمنا نقله عنه، و هو لا يخلو من تعجب.
الثالث [عدم الحاجة إلى القبول هنا من المرأة]
الظاهر كما استظهره العلامة في المختلف و جمع من المتأخرين أنه لا حاجة إلى القبول هنا من المرأة، و ذلك لأن مستند شرعية هذا العقد هو النصوص المستفيضة، و هي خالية من اعتبار ذلك إذ ليس في شيء منها ما يدل على ذلك، و لأنها حال الصيغة مملوكة، فلا اعتبار برضاها، و لأن رضاها لو كان معتبرا لبطل ما وقع من المولى، لأنه قائم مقام القبول، حيث إنه وظيفته، و وظيفة الإيجاب من جهتها، و لأنه لا بد من كمال المتعاقدين حال الإيجاب و القبول، و هو منتف هنا، و احتمل جملة من الأصحاب اشتراط القبول كغيره من العقود
____________
(1) فإنه بعد أن نقل عن أبي الصلاح أن صيغته مع تكامل الشروط أن يقول سيدها قد أعتقتك و تزوجتك و جعلت عتقك صداقك قال: و هو المعتمد و هو قول شيخنا المفيد في مقنعته أيضا، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
261
الشرعية، لأن العقد في عرف أهل الشرع هو المركب من الإيجاب و القبول، قالوا:
و لا يقدح في ذلك كونها مملوكة، لأنها بمنزلة الحرة حيث تحرر بتمام العقد، فرقيتها غير مستقرة، و لو لا ذلك لامتنع تزويجها، و الواقع منها منزل منزلة الإيجاب، و إن كان بلفظ القبول لحصول ما يعتبر في العقد في اللفظ الواقع من المولى فكان المعتبر من جانبها مجرد الرضاء به، سواء سميناه إيجابا أم قبولا.
أقول: العجب منهم- (رضوان الله عليهم)- أنهم يعترفون بأن أصل هذه المسألة إنما بنيت على خلاف القواعد الشرعية المقررة عندهم لدلالة النصوص المستفيضة على شرعية هذا العقد و صحته و إن كان على خلاف القواعد، و يتكلفون هنا لوجوب القبول بهذه التكلفات البعيدة مع خلو النصوص على كثرتها من ذلك حتى أنهم قالوا: إنه يعتبر وقوعه بالعربية و على الفور على نهج سائر العقود اللازمة.
و الذي اختاره في المسالك و مثله سبطه السيد السند في شرح النافع هو الأول و لا ريب في ظهور قوته، و ضعف ما عارضه، و هو يرجع إلى ما ورد في جملة من الأخبار من الأمر بالسكوت عما سكت الله عنه و إبهام ما أبهمه الله، و النهي عن القول في الأحكام الشرعية بغير سماع منهم.
الرابع [فيما لو طلقها قبل الدخول]
اختلف الأصحاب فيما إذا طلقها قبل الدخول، فقال الشيخ في النهاية: و إن طلق التي جعل عتقها مهرها قبل الدخول بها، رجع نصفها رقا، و استسعيت في ذلك النصف، فإن لم تسع فيه كان له منها يوم، و لها من نفسها يوم في الخدمة، و إن كان لها ولد له مال ألزم أن يؤدي عنها النصف الباقي و ينعتق حينئذ، انتهى. و تبعه ابن حمزة في ذلك، و به قال العلامة في الإرشاد.
و قال الصدوق في المقنع: و إذا أعتقها و جعل عتقها صداقها ثم طلقها قبل أن يدخل بها فقد مضى عتقها، و يرتجع إليها سيدها بنصف قيمة ثمنها تسعى فيه، و به قال ابن الجنيد و ابن البراج و ابن إدريس و العلامة في المختلف.
262
و الأصل في هذا الخلاف اختلاف الأخبار في المسألة، فمما يدل على القول الأول ما رواه
الشيخ (1) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يعتق جاريته، و يقول لها: عتقك مهرك، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، قال: يرجع نصفها مملوكا و يستسعيها في النصف الآخر».
و عن يونس بن يعقوب (2) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل أعتق أمة له و جعل عتقها صداقها، ثم طلقها قبل أن يدخل بها، قال: يستسعيها في نصف قيمتها، فإن أبت كان لها يوم، و له يوم في الخدمة، فإن كان لها ولد و له مال أدى عنها نصف قيمتها و عتقت».
و رواه الصدوق في الفقيه بإسناده عن الحسن بن محبوب عن يونس بن يعقوب.
و عن عباد بن كثير البصري (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل أعتق أم ولد له و جعل عتقها صداقها، ثم طلقها قبل أن يدخل بها، قال: يعرض عليها أن تستسعي في نصف قيمتها، فإن أبت هي فنصفها رق و نصفها حر».
و أما ما يدل على الثاني فهو ما رواه
الشيخ (4) في الصحيح عن عبد الله بن سنان قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أعتق مملوكة له و جعل عتقها صداقها، ثم طلقها قبل أن يدخل بها، قال: فقال: قد مضى عتقها و ترد على السيد نصف قيمة ثمنها تسعى فيه و لا عدة عليها».
و ما رواه
في الكافي (5) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يعتق أمته
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 202 ح 18، الوسائل ج 14 ص 513 ح 3.
(2) التهذيب ج 8 ص 201 ح 17، الفقيه ج 3 ص 261 ح 28، الوسائل ج 14 ص 513 ح 2.
(3) التهذيب ج 8 ص 202 ح 19، الوسائل ج 14 ص 513 ح 4.
(4) التهذيب ج 7 ص 482 ح 146، الفقيه ج 3 ص 261 ح 27، الوسائل ج 14 ص 513 ح 1.
(5) الكافي ج 5 ص 108 ح 14، الوسائل ج 15 ص 64 ح 3.
263
فيجعل عتقها مهرها، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، قال: ترد عليها نصف قيمتها تستسعي فيها».
و العلامة في المختلف قد احتج على ما اختاره- من مذهب الصدوق- بأنها ملكت نفسها بالإصداق و عتقت فلا ترجع مملوكة بعد العتق، قال: و كلام الشيخ إنما يتم لو قلنا أن المرأة لا تملك جميع المهر بالعقد، بل تملك النصف به، و النصف الآخر بالدخول، ثم أجاب عن الأخبار الثلاثة المتقدمة بأنها ضعيفة السند، ثم قال: و الوجه أن يقال كما قال الصدوق: تستسعي في نصف قيمتها، لأن نصفها يجري مجرى التالف من المهر المعين، أو تنتظر إلى أن يوسع الله تعالى عليها و يؤيد برواية عبد الله بن سنان، ثم ساق الرواية كما قدمنا، و عده الرواية مؤيدا دون أن يعدها دليلا، كأنه لعدم صحتها عنده مع أنها كما عرفت صحيحة السند، لأن الشيخ رواها عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان، و طريقه إلى الحسن بن محبوب صحيح كما نبهوا عليه، و أنت خبير بأن المسألة محل إشكال لتعارض هذه الأخبار، و عدم ظهور وجه للجمع بينها، و إن أمكن أن يقال بتخير المولى بين الأمرين لأنه ملك نصفها بالطلاق، كما لو أصدقها زوجته (1)، و ملكها أنفسها بالعتق كما يشير إليه كلامه مع تسليمه فهو ملك متزلزل، إنما يستقر بالدخول كما في غيره من المهور، و قوله: إن الحر لا يعود رقا مسلم بالنسبة إلى من استقرت حريته لا مطلقا.
و لا يحضرني الآن كلام لأحد من أصحابنا في المقام غير ما نقلته عن العلامة في المختلف.
____________
(1) بمعنى أنه تزوج امرأة و أصدقها أمة ثم طلق تلك المرأة قبل الدخول بها فيرجع عليها بنصف الأمة التي هي المهر، و لا فرق بين المسألتين الا أن الأمة جعلت مهرا لنفسها بالعتق فيما نحن فيه، و جعلت مهرا لغيرها في المسألة المفروضة و مرجع الأمرين إلى أمر واحد. (منه- (قدس سره)-).
264
ثم إن ما ذكره الشيخ فيما قدمنا نقله عنه- من أنه إن كان لها ولد له مال ألزم أن يؤدي عنها النصف الباقي- قد اعترضه فيه جماعة منهم ابن إدريس و العلامة في المختلف، قالوا: لأصالة براءة ذمة الولد إلا أن يتبرع الولد بأداء ذلك، و به صرح ابن الجنيد فقال: و لو طلقها قبل الدخول بها مضى عتقها، و استسعت في نصف قيمتها، و إن كان لها ولد فأدى نصف قيمتها عتقت، انتهى.
و الظاهر أن الشيخ قد استند فيما ذكروه إلى رواية يونس بن يعقوب المتقدمة، إلا أنها غير صريحة في إلزام الولد بذلك و وجوبه عليه، و الله العالم.
المسألة الثالثة [فيما لو اشترى نسية فأعتقها و تزوجها و جعل عتقها مهرها]:
اختلف الأصحاب فيما إذا اشترى أمة نسية، فأعتقها و تزوجها و جعل عتقها مهرها فحملت منه، ثم مات المولى و لم يترك ما يقوم بثمنها فقيل: بأن العتق صحيح و لا سبيل عليها و لا على ولدها، بل يكونان حرين، و هو اختيار ابن إدريس و العلامة و ولده و أكثر المتأخرين، و قيل، ببطلان العتق و عودها رقا، و أن ولدها رق، و هو قول الشيخ في النهاية و ابن الجنيد و ابن البراج.
و الأصل في هذه المسألة ما رواه
الكليني في الكافي (1) في الصحيح و الحسن معا عن هشام بن سالم قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) و أنا حاضر عن رجل باع من رجل جارية بكذا إلى سنة فلما قبضها المشتري أعتقها من الغد، و تزوجها و جعل مهرها عتقها، ثم مات بعد ذلك بشهر فقال، أبو عبد الله (عليه السلام): إن كان للذي اشتراها إلى سنة مال أو عقدة تحيط بقضاء ما عليه من الدين في رقبتها، فإن عتقه و نكاحه جائزان، قال: و إن لم يكن للذي اشتراها فأعتقها و تزوجها مال و لا عقدة يوم مات تحيط بقضاء ما عليه من الدين برقبتها، فإن عتقه و نكاحه باطلان لأنه أعتق ما لا يملك، و أرى أنها رق لمولاها الأول، قيل له: فإن كانت علقت- أعني من المعتق لها المتزوج بها- ما حال الذي في بطنها؟ فقال: الذي في بطنها مع أمه كهيئتها».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 193 ح 1، الوسائل ج 14 ص 582 ب 71 ح 1.
265
و رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن أبي بصير قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام)» الحديث،.
و اضطربت آراء المتأخرين في هذه الرواية من حيث صحة سندها فلم يتجاسروا على ردها، و من حيث مخالفتها لجملة من القواعد الشرعية و الضوابط المرعية فلم يقدموا على القول بما دلت عليه بظاهرها كما قدم عليه الشيخ و من تبعه.
و نقل عن المحقق في نكت النهاية أنه قال: إن سلم هذا النقل، فلا كلام في جواز استثناء هذا الحكم من جميع الأصول المنافية لعلة لا نعلمها، لكن عندي أن هذا خبر واحد لا يعضده دليل، فالرجوع إلى الأصل أولى، و في الشرائع صرح بردها تبعا لابن إدريس لمخالفتها الأصول الشرعية، لأن العتق و التزويج صدرا من أهلها في محلها فوجب الحكم بصحتها و بحرية الولد لحرية أبويه، و حملها العلامة في المختلف على وقوع العتق و النكاح و الشراء في مرض الموت، بناء على مذهبه من بطلان التصرف المنجز مع وجود الدين المستغرق، و حينئذ فترجع رقا و يتبين بطلان النكاح، و اعترضه تلميذه السيد السند عميد الدين بأن الرواية اقتضت عودها و ولدها رقا كهيئتها، و تأويله لا يتم إلا في عودها إلى الرق لا في عود الولد، لأن غايته بطلان العتق في المرض فتبقى أمة، فإذا وطأ الحر أمته لا ينقلب ولده رقا، بل غايته أن امه تباع في الدين (2).
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 202 ح 20، الوسائل ج 14 ص 582 ب 71 ح 1.
(2) أقول: ما نقلناه في الأصل من كلام السيد عميد الدين المذكور انما نقلناه من كلام صاحب المسالك، و الذي وقفت عليه في شرح السيد المذكور على القواعد هذه صورته: و المصنف في المختلف حمل هذه الرواية على وقوع ذلك في مرض موته، فان منجزات المريض تخرج عنده من ثلث تركته ما لم يكن عليه دين، أما مع وجود الدين فإنه يجب أن يبدأ بإخراج الديون، فإذا كان مستغرقا بطل العتق، و ترجع رقا الى مولاها.
و أقول: هذا التأويل لا يتم أيضا لأن الرواية اقتضت عود ولدها رقا كهيئتها، و هو مناف لمذهب المصنف فإنه على تقدير أن يكون عتقها في مرض موته يكون العتق و النكاح باطلين، و أن أولاده لا يجوز استرقاقهم، غاية ما في الباب أنها تباع في الدين، انتهى، و الظاهر أن شيخنا في المسالك نقل العبارة بالمعنى الواضح حيث ان كلامه غير خال من الإجمال فأوضحه- (قدس سرهما) بأوضح بيان. (منه- (قدس سره).
266
و أجاب ابنه فخر المحققين انتصارا لوالده عن ذلك بأنه ليس في الرواية ما يدل على رقية الولد إذ ليس فيها إلا قوله كهيئتها، و هو أعم من أن يكون كهيئتها في حال الحكم بحريتها قبل ظهور عجزه عن الثمن، فيكون حرا، أو بعده فيكون رقا، و لا دلالة للعام على الخاص بإحدى الدلالات.
ورده شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد بأن هذا الكلام على النص فإن المفهوم من قوله كهيئتها ليس إلا أن حكمه حكمها في حال السؤال، و قد حكم قبل ذلك بأنها رق فيكون الولد رقا، فهو دال على رقيته بالمطابقة، إذ هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، و تجويز مثل هذا التأويل يمنع التمسك بجميع النصوص، و في التزامه ما لا يخفى. انتهى و هو جيد.
و بذلك يظهر أن حمل العلامة الرواية على ما ذكره مع تسليمه فإنه لا يتم في الولد مع أنه قد نوقش في أصل الحمل المذكور بأنه يشكل في الأم أيضا من جهة أخرى، و هي أن الرواية دلت على عودها رقا للبائع و مقتضى الحمل جواز بيعها في دينه، لا عودها إلى ملكه.
و نقل عن العلامة في التحرير الحمل على أنه انكشف فساد البيع و وطأ بعد علمه بذلك و مات، فعلى هذا يكون زانيا فيرق ولده.
و اختار هذا الحمل الشيخ أحمد بن فهد الأحسائي في شرحه على الإرشاد، قال: و المختار ما أوله المصنف في التحرير، ثم ذكر العبارة المذكورة، و أورد عليه بأن الرواية قد تضمنت أنه إذا خلف ما يقوم بقضاء ما عليه يكون العتق و النكاح صحيحين جائزين، و متى حمل على فساد البيع- كما ذكره- فإنه لا معنى
267
للحكم بجوازهما سواء خلف شيئا أو لم يخلف، و هو ظاهر.
و حملها ثالث (1) على أنه فعل ذلك مضارة، و العتق يشترط فيه القربة، ورد بأن بطلان العتق لا يقتضي عودها إلى مولاها الأول و لا رقية الولد، مع أن البطلان قد علل في الرواية بأنه أعتق ما لا يملك، و هو غير مناسب لهذا الحمل.
و قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد ذكر التأويلات المذكورة ما ملخصه: و أقول: أن الموجب لهذا الاعتناء و التكلف لهذه الرواية المخالفة للأصول هو ما اعتقدوه من صحة سندها، و قد صرح بصحتها جماعة من الأصحاب المعتبرين كالعلامة و تلميذه الفخر و العميد و الشهيد و غيرهم، أو في صحتها عندي نظر من وجهين، ثم ذكر الوجه الأول بما ملخصه: إن أبا بصير الراوي مشترك بين ليث المرادي، و يحيى بن القاسم الأسدي، و الأول و ان كان ثقة الا ان الثاني ضعيف مختلط، و لا قرينة هنا على تعيين الثقة منهما، ثم ذكر الوجه الثاني بما ملخصه:
إن الرواية المذكورة رواها الشيخ في مواضع عديدة، و في بعضها هشام بن سالم عن أبي بصير، و في بعضها عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام)، و الكليني رواها عن هشام عنه (عليه السلام) بغير واسطة، قال: و حينئذ تكون الرواية مضطربة الاسناد، و الاضطراب في الإسناد يمنع الصحة كما قرره في علم الدراية، و الغرض أن هذه الرواية ليست مقطوعة الصحة في سندها كما ذكروه، فلا يصعب إطراحها حيث يخالف الأمور القطعية التي شهد لها الأصول الشرعية، انتهى.
أقول: أما كلامه في الوجه الأول فجيد، بناء على العمل بهذا الاصطلاح المحدث.
و أما كلامه في الوجه الثاني ففيه أن عد ذلك من باب الاضطراب الذي ترد به الرواية منع ظاهر، كما تقدم الكلام فيه في غير موضع، فإنه من الجائز أن
____________
(1) أقول: هذا الحمل الثالث نقله الشهيد في شرح الإرشاد عن الشيخ قومان بن أحمد العاملي المناري، و هذا الشيخ قد ذكرنا أحواله في اجازتنا الكبيرة.
(منه- (قدس سره)-).
268
يروي الراوي تارة مشافهة و تارة بواسطة، و أي مانع من ذلك.
و بالجملة فالطعن في الرواية بضعف السند ليس في محله، نعم الطعن فيها بمخالفة الأصول و القواعد المتفق عليها نصا و فتوى يمكن، إلا أنه قد تقدم له نظائر لا تكاد تحصى كثرة، و ما ذكره المحقق في نكت النهاية- من أنه متى سلم هذا النقل فلا كلام في جواز استثناء هذا الحكم من جميع الأصول المنافية لعلة لا نعلمها- جيد و إن كان قد رجع عنه، و كيف كان فالمسألة غير خالية من من شوب الاشكال لما عرفت، و الله العالم بحقيقة الحال.
المسألة الرابعة [انعتاق أم الولد بعد وفاة المولى من نصيب ولدها]
لا إشكال في أن أم الولد إنما تنعتق بعد وفاة المولى من نصيب ولدها، لأن مجرد الاستيلاد لا يكون سببا في العتق، و إنما غايته التشبث بواسطته بالحرية، و لا خلاف أيضا في أنه لو مات ولدها و أبوه حي عادت إلى محض الرقية و جاز بيعها، إنما الخلاف هنا في مواضع:
أحدها: ما نقله في المختلف عن ابن إدريس أنه نقل عن المرتضى أنه لا يجوز بيعها ما دام الولد باقيا لا في الثمن و لا في غيره، و هو ضعيف مردود بالأخبار الصحيحة الصريحة في جواز البيع في بعض المواضع، كما سيأتي بعض منها إن شاء الله تعالى في المقام، و يؤيده أنها لم تخرج بالاستيلاد عن الملك.
و ثانيها: فيما لو عجز نصيب ابنها من التركة عن التخلف منها، بمعنى أنه إذا مات المولى و الولد حي انعتقت بموت المولى لانتقالها أو بعضها إلى ولدها، فينعتق عليه ما يرثه منها، لأن ملك الولد لأحد أبويه يوجب عتقه عليه كما قدمنا تحقيقه و لو بقي منها شيء خارج عن ملكه سرى إليه العتق إن كان نصيبه من التركة يفي به، و إلا أعتق منها بقدره.
و لو عجز النصيب عن المتخلف- و هذا هو محل الكلام هنا- فهل الحكم في ذلك أنها تسعى في المتخلف، و لا يسري عليه و لو كان له مال من غير التركة، و لا يلزمه السعي لو لم يكن له مال؟ أم يجب على الولد فكها من ماله؟ الأكثر على
269
الأول، لأن السراية من شروطه الملك الاختياري، و الإرث ليس منه، و إنما قلنا بسرايته عليه في نصيبه من باقي التركة لإطلاق النصوص بأنها تعتق من نصيبه من التركة، و إلا فالأصل يقتضي أن لا تعتق عليه سوى نصيبه منها.
و ذهب ابن حمزة و الشيخ في المبسوط إلى أنه يجب على الولد فك باقيها، أما ابن حمزة فإنه نقل عنه أنه أوجب على الولد السعي في فك باقيها، و أما الشيخ في المبسوط فإنه أوجب على الولد فكها من ماله، و لم نقف لها على دليل، و الأصل يقتضي العدم، لأصالة البراءة من وجوب السعى و عدم المقتضي للسراية عليه حتى يجب عليه فكها من بقية ماله لعدم الاختيار في ملكها.
و ثالثها: في بيعها في حياة المولى في ثمن رقبتها، و تفصيل ذلك أنه لا خلاف في جواز بيعها مع وجود ولدها في ثمن رقبتها إذا مات مولاها و لم يخلف سواها، و إنما الخلاف فيما إذا كان كذلك مع حياة المولى، بمعنى أنه هل يجوز بيعها في ثمن رقبتها إذا كان مولاها حيا، و ليس له من المال ما يفي بثمنها؟ ذهب الأكثر إلى الجواز.
و استدل عليه في المسالك
برواية عمر بن يزيد (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن أم الولد تباع في الدين؟ قال: نعم في ثمن رقبتها».
و روى عمر بن يزيد (2) في الصحيح قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): أسألك قال: سل، قلت: لم باع أمير المؤمنين (عليه السلام) أمهات الأولاد؟ قال: في فكاك رقابهن قلت: و كيف ذلك؟ فقال: أيما رجل اشترى جارية فأولدها ثم لم يؤد ثمنها و لم يدع من المال ما يؤدي عنه، أخذ ولدها منها، و بيعت فأدي ثمنها، قلت:
____________
(1) الكافي ج 6 ص 192 ح 2، التهذيب ج 8 ص 238 ح 92، الوسائل ج 13 ص 51 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 193 ح 5، التهذيب ج 8 ص 238 ح 95، الوسائل ج 13 ص 51 ح 1.
270
فيبعن فيما سوى ذلك من أبواب الدين و وجوهه؟ قال: لا».
و عندي في الاستدلال بالصحيحة المذكورة نظر، فإن قوله (عليه السلام) فيها «و لم يدع من المال ما يؤدي عنه» ظاهر في أن ذلك في صورة موت المولى لا حياته كما ادعاه، نعم الرواية الأول مطلقة، لكن يمكن حمل إطلاقها على ما دلت عليه الصحيحة المذكورة من تخصيص ذلك بالموت، و حينئذ فيشكل الاستدلال بهما على الحكم المذكور و إن كان هو المشهور.
و من ثم نقل عن ابن حمزة تخصيص الجواز بالموت و المنع مما سواه (1) و ظاهر السيد السند في شرح النافع تقوية القول بالمنع أيضا حيث قال: و القول بالمنع نادر لكنه لا يخلو من قوة.
أقول: و يؤيده قوله (عليه السلام) في آخر الخبر بعد سؤال السائل «فيبعن فيما سوى ذلك من دين؟» و التقريب فيه أنه حيث كان مورد الخبر كما ذكرناه إنما هو جواز البيع في فكاك رقابهن بعد موت المولى إذا لم يدع من المال ما يؤدي عنه، فإنه تدخل حينئذ هذه الصورة المفروضة- و هو البيع حال الحياة- فيما سوى ذلك، فلا يجوز البيع حينئذ.
فإذا دلت الرواية المذكورة مع صحة سندها عندهم الذي هو المدار عليه في الاستدلال بينهم على تخصيص الجواز بهذه الصورة الخاصة، و هي بعد الوفاة بالقيود المتقدمة، مع تصريحها بعدم الجواز فيما سوى ذلك، فإنه يتحتم حمل إطلاق رواية عمر بن يزيد المذكورة على هذه الصحيحة جمعا.
____________
(1) و نقل عن ابن حمزة هنا أيضا التصريح بعود الولد رقا حيث قال على ما نقله في المختلف: فان مات سيدها و لم يكن له مال سواها و كان ثمنها في ذمة سيدها عادت بولدها رقا، قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و ليس بجيد لانه ولد حرا.
أقول: لا ريب أن النص انما دل على جواز بيع الأم خاصة و لأجل ذلك حكمنا برقيتها، و أما الولد فلا دليل على رقيته بالكلية. (منه- (قدس سره)-).
271
و رابعها: إن المشهور أنه لا يجوز بيعها في مطلق الدين، بل ثمن رقبتها على ما عرفت من الخلاف في التخصيص بالموت أو العموم لحال الحياة، و نقل عن ابن حمزة جواز بيعها في دينه و إن لم يكن ثمنا لها مع موته و استغراق الدين للتركة (1).
و اختاره الشهيد في اللمعة، و وجهه أن عتقها بعد موت مولاها إنما هو من نصيب ولدها، و الحال أنه لا نصيب له على تقدير استغراق الدين للتركة لقوله عز و جل «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ» (2).
و احتج له أيضا
برواية أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) حيث قال في آخره «فإن مات و عليه دين قومت على ابنها، فإن كان ابنها صغيرا انتظر به حتى يكبر، ثم يجبر على قيمتها».
قال في المسالك بعد نقل ذلك: و جوابه أن الأقوى انتقال التركة إلى الوارث مطلقا، و إن منع من التصرف فيها على تقدير استغراق الدين فيعتق نصيب الولد منها، كما لو لم يكن دين، و يلزمه إذا مقدار قيمة النصيب من ماله، و الرواية قاصرة سندا و دلالة، و مشتملة من الأحكام على ما لا يوافق الأصول فلا اعتداد بها، انتهى.
و ظاهر العلامة في المختلف التوقف في هذه الصورة، حيث قال: المشهور أنه لا يجوز بيع أم الولد إلا في ثمن رقبتها إذا كان دينا على مولاها، و ليس له سواها.
و قال ابن حمزة: و إن مات سيدها و عليه دين في غير ثمن رقبتها قومت على ولدها، فإذا بلغ ألزم أداؤها، فإن لم يكن له مال استسعي فيه، فإن مات
____________
(1) حيث قال في عد المواضع التي يباع فيها: و سابعها: إذا مات مولاها و لم يخلف سواها و عليه دين مستغرق و ان لم يكن ثمنا لها، و علله الشارح بما يرجع الى ما ذكرناه في الأصل، و قد عرفت ما فيه. (منه- (قدس سره)-).
(2) سورة النساء- آية 11.
(3) التهذيب ج 8 ص 239 ح 98، الوسائل ج 13 ص 52 ح 5.
272
قبل البلوغ بيعت في الدين.
احتج الأولون بما رواه عمر بن يزيد (1) عن الكاظم (عليه السلام)، ثم أورد مضمون صحيحة عمر بن يزيد كما قدمنا ذكره، ثم قال:
احتج
ابن حمزة بما رواه أبو بصير (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل اشترى جارية فولدت منه ولدا فمات، قال: إن شاء أن يبيعها باعها، و إن مات مولاها و عليه دين قامت على ابنها، فإن كان ابنها صغيرا انتظر به حتى يكبر ثم يجبر على قيمتها، فإن مات ابنها قبل امه بيعت في ميراث الورثة إن شاء الورثة،.
و لأنها مملوكة (3) فيجب صرف ثمنها في الدين كما لو كان الدين ثمنها، و نحن في هذه المسألة من المتوقفين، انتهى.
أقول: لا يخفى أن النقل عن ابن حمزة في هذا الموضع مختلف، فإن مقتضى النقل الأول- و به صرح في المسالك- إنما هو جواز بيعها في الدين و إن لم يكن ذلك الدين ثمنها إذا كان مستغرقا كما يدل عليه دليله المتقدم، و على هذا فرواية أبي بصير المذكورة لا تعلق لها بذلك، و لا دلالة فيها عليه بوجه، و لهذا ردها في المسالك بذلك.
و مقتضى ما نقله العلامة عنه في المختلف إنما هو تقويمها على ولدها، لا بيعها مطلقا كما هو النقل الأول، و هذا هو مدلول رواية أبي بصير المذكورة، فالاستدلال بها عليه في محله، إلا أنه لا يظهر لي هنا وجه وجيه في مخالفته للقول المشهور كما يعطيه كلام العلامة في المختلف، إذ مقتضى القول المشهور إنما هو
____________
(1) الكافي ج 6 ص 193 ح 5، التهذيب ج 8 ص 238 ح 95، الوسائل ج 13 ص 51 ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 239 ح 98، الوسائل ج 13 ص 52 ح 4 و 5.
(3) قوله و لأنها مملوكة الى آخره من كلام العلامة لا من الرواية كما ربما يسبق الى الوهم. (منه- (قدس سره)-).
273
تحريم بيعها. إلا في ثمن رقبتها.
و غاية ما يدل عليه هذا القول بناء على هذا النقل، و كذا روايته هو أنها تنتقل إلى ولدها و يكون ضامنا لقيمتها، يجب عليه بعد البلوغ أداؤها، و ليس فيها ما يدل على بيعها في غير ثمن رقبتها، ليكون مخالفا، بل ما دلت عليه الرواية هو الأوفق بالقواعد الشرعية، لأن المفروض أن مولاها مديون و لا مال سواها، و لا وارث سوى ابنها، و قد تقرر أن التركة تنتقل إلى الوارث مع اختياره ضمان الدين، فالولد هنا قد ورثتها بموت أبيه، فوجب انعتاقها عليه و وجب عليه أداء قيمتها في الدين، غاية الأمر أنه من حيث كونه صغيرا ينتظر بإخراج الدين من قيمتها إلى بلوغه، و أي منافاة على هذا التقدير، بين هذا القول و بين القول المشهور، نعم في
قوله في آخر الرواية «فإن مات ابنها قبل امه بيعت في ميراث الورثة إن شاء الورثة».
إشكال، إلا أنه خارج عن موضع الاستدلال.
و بالجملة فالرواية المذكورة لا تبلغ قوة المعارضة للصحيحة المتقدمة لو ثبت التعارض، فالعمل على الصحيحة المشار إليها لتأيدها زيادة على ما هي عليه بعمل الأصحاب و فتواهم بها.
هذا و لك أن تقول: إن الدين المذكور في رواية أبي بصير مطلق فيحمل على ثمن رقبتها، و يكون الحكم فيه ما ذكر في الخبر، و على هذا يكون الجمع بينه و بين صحيحة عمر بن يزيد المتقدمة التخيير فيما إذا مات المولى مشغول الذمة بقيمة الأمة، و لم يخلف سواها بين بيعها و دفع ثمنها في الدين، كما تدل عليه الصحيحة المذكورة، و بين التقويم على الولد كما دلت عليه رواية أبي بصير.
و بما ذكرناه في معنى رواية أبي بصير صرح الشيخ- رحمة الله عليه- في النهاية حيث قال: فإن لم يخلف غيرها و كان ثمنها دينا على مولاها قومت على ولدها و يترك إلى أن يبلغ، فإذا بلغ اجبر على ثمنها، و إن مات قبل البلوغ بيعت في ثمنها و قضى به الدين، انتهى.
274
أقول: و هذا هو ما دلت عليه رواية أبي بصير المذكورة، و الشيخ فرضها في الدين الذي هو ثمن رقبتها، حملا للرواية على ذلك، و حينئذ فلا إشكال في بيعها لو مات الولد قبل البلوغ، لأنه يجوز بيعها في حياته كما دلت على صحيحة عمر بن يزيد، فكيف بعد موته.
و ابن إدريس قد اعترض على الشيخ فقال: هذا غير واضح لأنا نبيعها في ثمن رقبتها في حياة مولاها، فكيف بعد موته، و لأي شيء يجبر الولد بعد بلوغه على ثمنها، و لأي شيء يؤخر الدين، إلا أن شيخنا رجع عن هذا في عدة مواضع، و لا شك أن هذا خبر واحد أورده هنا إيرادا لا اعتقادا، انتهى.
و كلام ابن إدريس هو الموافق للمشهور من جواز بيع أم الولد في ثمن رقبتها حيا كان المولى أم ميتا، لما تقدم، إلا أنك قد عرفت أن الدليل لا تنهض بالعموم لحال الحياة.
و كيف كان فمقتضى عمل الشيخ بهذه الرواية هنا موافقة لما تقدم نقله في المختلف عن ابن حمزة، و الوجه في الجمع بين الرواية المذكورة و صحيحة عمر بن يزيد هو ما أشرنا إليه من التخيير، و الله العالم.
المقام الثاني في البيع
، و فيه مسائل:
[المسألة] الأولى [حكم بيع الأمة ذات البعل]
لا خلاف بين الأصحاب في أنه إذا بيعت الأمة ذات البعل، فإن بيعها طلاقها، و يتخير المشتري في الإجازة و الفسخ، و الأصل في هذا الحكم الأخبار المستفيضة.
و منها ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح إلى الحسن بن زياد و هو مشترك بين الثقة و غيره قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية يطؤها، فبلغه أن لها زوجا، قال: يطؤها فإن بيعها طلاقها، و ذلك أنهما لا يقدران على شيء من أمرها إذا بيعا».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 483 ح 1، الوسائل ج 14 ص 553 ب 47 ح 2.
275
و عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) في الصحيح أو الحسن قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأمة تباع و لها زوج؟ فقال: صفقتها طلاقها».
و عن بريد بن معاوية و بكير (2) في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) «قالا: من اشترى مملوكة لها زوج فإن بيعها طلاقها، فإن شاء المشتري فرق بينهما، و إن شاء تركهما على نكاحهما».
و ما رواه
في الكافي و من لا يحضره الفقيه (3) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «طلاق الأمة بيعها، أو بيع زوجها، و قال في الرجل يزوج أمته رجلا حرا ثم يبيعها، قال: هو فراق ما بينهما، إلا أن يشاء المشتري أن يدعهما».
و ما رواه
في الكافي (4) عن عبيد بن زرارة في الموثق قال: «قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الناس يروون أن عليا (عليه السلام) كتب إلى عامله بالمدائن أن يشتري له جارية فاشتراها و بعث بها إليه، و كتب إليه أن لها زوجا، فكتب إلى علي (عليه السلام) أن يشتري يضعها، فاشتراه، فقال: كذبوا على علي (عليه السلام)، أعلى (عليه السلام) يقول هذا».
و ما رواه
في التهذيب (5) في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) طلاق الأمة بيعها».
و ما رواه
في من لا يحضره الفقيه (6) عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني
____________
(1) الكافي ج 5 ص 483 ح 2، الوسائل ج 14 ص 554 ب 47 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 483 ح 3، التهذيب ج 7 ص 337 ح 12، الوسائل ج 14 ص 554 ب 47 ح 4.
(3) الكافي ج 5 ص 483 ح 4، التهذيب ج 7 ص 337 ح 13 الوسائل ج 14 ص 553 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 483 ح 5، الوسائل ج 14 ص 554 ب 47 ح 5.
(5) التهذيب ج 7 ص 340 ح 21، الوسائل ج 14 ص 575 ح 7.
(6) الفقيه ج 3 ص 351 ح 11، الوسائل ج 14 ص 555 ب 48 ح 1.
276
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا بيعت الأمة و لها زوج فالذي اشتراها بالخيار، إن شاء فرق بينهما. و إن شاء تركها معه، فإن هو تركها معه فليس له أن يفرق بينهما بعد ما رضي، قال: و إن بيع العبد، فإن شاء مولاه الذي اشتراه أن يصنع مثل الذي صنع صاحب الجارية فذلك له، و إن سلم فليس له أن يفرق بينهما بعد ما سلم».
و أما ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يبتاع الجارية و لها زوج؟ قال: لا تحل لأحد أن يمسها حتى يطلقها زوجها الحر».
فحمله الشيخ على ما إذا كان المشتري قد أقر الزوج على عقده و رضي به.
إذا عرفت ذلك فالكلام هنا يقع في مواضع:
الأول [هل بقاء النكاح لازما على هذه الحالة مظنة لضرر المالك؟]
قال في المسالك: و الأصل في الحكم بعد النص أن بقاء النكاح لازما على هذه الحالة مظنة لضرر المالك، إذ قد لا يناسب بقاء النكاح فجعل له طريق إلى التخلص بالفسخ.
و أنت خبير بما فيه كما لا يخفى على الموفق النبيه، إذ لا وجود لهذه العلة في الأخبار فيكون مستنبطة. و إطلاق الأخبار المذكورة و كذا إطلاق كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين كون البيع قبل الدخول أو بعده، و كذا بين كون الزوج حرا أو مملوكا، بل في صحيحة محمد بن مسلم تصريح بثبوت الخيار مع كونه حرا، و قد قطع الأصحاب بأن هذا الخيار على الفور، و يشير إليه قوله (عليه السلام) في رواية أبي الصباح الكناني: فإن هو تركها معه فليس له أن يفرق بينهما بعد التراضي، فإنه ظاهر في أنه بعد علمه و عدم فسخه بل سكوته مثلا فإنه رضا منه بذلك، و ليس له التفريق بعد ذلك، فعلى هذا لو أخر لا لعذر كالجهل بأصل الخيار سقط خياره، و في كون الجهل بفوريته عذرا وجهان، و تقدم الإشارة إليهما.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 199 ح 7، الوسائل ج 14 ص 555 ح 7.
277
الثاني [حكم العبد إذا بيع و تحته أمة]
لا خلاف في أن حكم العبد إذا بيع و تحته أمة، حكم الأمة إذا بيعت و لها زوج، حرا كان أو عبدا، و على ذلك دلت صحيحة محمد بن مسلم و رواية أبي الصباح الكناني، إلا أنها مطلقة بالنسبة إلى زوجة العبد بخلاف الأولى، فإنها صريحة في كونها أمة.
و إنما الخلاف فيما لو كان العبد المبتاع تحته حرة، فالأكثر كما نقله في المسالك على ثبوت الخيار للمشتري أيضا، فإن الحكم كما في الأمة لتساويهما في المعنى المقتضي له، و هو توقع الضرر ببقاء التزويج.
و لرواية محمد بن علي (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «إذا تزوج المملوك حرة فللمولى أن يفرق بينهما فإن زوجه المولى حرة فله أن يفرق بينهما».
و التقريب فيها أنه ليس له التفريق بغير البيع إجماعا فينحصر في البيع.
و ردها المتأخرون بضعف السند و الدلالة، فلا يسوغ التعلق بها في إثبات هذا الحكم، و لهذا جزم ابن إدريس- و جمع ممن تأخر عنه- بعدم ثبوت الخيار هنا تمسكا بلزوم العقد، و عدم المخرج عنه لشذوذ الرواية، و الحمل على البيع و الأمة قياس باطل.
و العلامة في المختلف قد شنع على ابن إدريس في هذا المقام، قال: و نسبة كلام الشيخ إلى القياس جهل منه و قلة تأمل و سوء نظر في الأدلة و استخراجها، لأنه لو فقدت النصوص لكان الحكم مساويا للأمة، لأن الشارع لم يفرق بينهما في مثل هذه الأحكام كما لم يفرق في التقويم و عدمه.
و رده جملة من المتأخرين- منهم الشهيد الثاني في المسالك و سبطه في شرح النافع- بأن الحكم بالمساواة يحتاج إلى دليل من نص أو إجماع، و مع انتفائه يجب التمسك بمقتضى العقد اللازم، و حكموا بأن الأصح ما اختاره ابن إدريس،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 339 ح 18، الوسائل ج 14 ص 574 ح 4.
278
و قال في المسالك: و نمنع من مساواة الحرة و الأمة في هذا المعنى، لأن الحرة أشرف، و لا يلزم مع ثبوت الحكم في الأدنى ثبوته في الأعلى، و الرواية قد عرفت ضعفها، و بعدها عن الدلالة، انتهى.
أقول: لا يخفى ما في تعليله المذكور في المسالك من الضعف و الوهن، و إنما الظاهر ما ذكرناه أولا، إلا أنه يمكن أن يقال: إن إطلاق رواية أبي الصباح الكناني شامل لما لو كانت الزوجة حرة أو أمة، فإنه (عليه السلام) حكم بأنه متى بيع العبد فلمشتريه الخيار، كما في مشتري الجارية، و لم يفرق بين كون الزوجة حرة أو أمة، و لو كان الحكم كما يدعونه من تخصيص الخيار بما إذا كانت أمة لم يحسن هذا الإطلاق، إلا أن للمتأخرين الطعن بضعف سند الرواية، و من لا يرى العمل بهذا الاصطلاح فإن له التمسك بالرواية المذكورة، إذ لا طعن فيها من جهة الدلالة، بل هي ظاهرة الدلالة فيما قلناه، و به يطهر قوة القول المشهور، و الله العالم.
الثالث [تخصيص الخيار بالمشتري في بيع العبد أو الأمة]
المستفاد من كلام جملة من الأصحاب و هو صريح كلام ابن إدريس هو تخصيص الخيار بالمشتري في بيع العبد أو الأمة، بمعنى أنه لو زوج السيد أمته عبد غيره فباع السيد أمته أو العبد سيده فإن الخيار مخصوص بالمشتري في كل من الصورتين، و ذهب الشيخ في النهاية إلى ثبوته أيضا لمالك الآخر الذي لم يبع، قال الشيخ في النهاية: و متى عقد الرجل لعبده على أمة غيره جاز العقد، و كان الطلاق بيد العبد، و ليس لمولاه أن يطلق، فإن باعه كان ذلك فراقا بينه و بينهما إلا أن يشاء المشتري إقراره على العقد، و يرضى بذلك مولى الجارية فإن أبى واحد منهما ذلك لم يثبت العقد على حال، و كذلك لو باع مولى الجارية جاريته كان ذلك فراقا بينهما إلا أن يشاء الذي اشتراها إقرارها على العقد، و رضي بذلك مولى العبد، و إن أبى واحد منهما كان العقد مفسوخا، و تبعه ابن البراج في ذلك.
و الشيخ المفيد لم يذكر سوى المشتري و لم يذكر حكم الآخر، و كذا
279
ابن حمزة، و قال ابن إدريس: لا أرى لرضاء الذي لم يبع وجها، لأن الخيار في إقرار العبد و فسخه للمشتري في جميع أصول هذا الباب، و إنما جعل الشارع لمن لم يحضر العقد و لا كان مالكا لأحدهما و إنما انتقل إليه الملك الخيار، لأنه لم يرض بشيء من ذلك الفعال، لا الإيجاب و لا القبول و لا كان له حكم فيها، و الموجب و القابل أعنى السيدين المالكين الأولين رضيا و أوجبا و قبلا، فمن جعل الخيار لهما أو لأحدهما يحتاج إلى دليل، لأنه حكم شرعي يحتاج مثبتة إلى دليل، و إنما أوجبنا الخيار للمشتري، لأنه انتقل الملك إليه، و ليس هو واحدا منهما.
و ظاهر العلامة في المختلف الميل إلى ما ذهب اليه الشيخ حيث نفى عنه البعد عن الصواب، قال: لأن الذي لم يبع إنما رضي بالعقد مع المالك الأول، و الأغراض تختلف باختلاف الملاك، و أيضا البائع أوجد سبب الفسخ، و هو الخيار للمشتري، فيكون للآخر ذلك أيضا، لأنه مالك كالبائع مساو له في الحكم، فيثبت له ما يثبت له.
أقول: و الظاهر هو ما ذهب إليه ابن إدريس، لأنه هو المستفاد من الأخبار المتقدمة، و ما ادعوه زيادة على ذلك لا دليل عليه، و ما ذكره العلامة من الدليلين المذكورين.
أما (الأول) فإنه يصلح لأن يكون وجها للنص بعد وروده، لا دليلا مستقلا برأسه لما عرفت من أن الأحكام الشرعية إنما تبنى على الأدلة المنصوصة الواضحة الجلية، لا على هذه التعليلات العقلية.
و أما (الثاني) فإنه مع صحته لا يخرج عن القياس، و الله العالم.
الرابع [فيما لو كان كل واحد من المزوجين لمالك واحد، فباعهما لاثنين]
قالوا: لو كان كل واحد من العبد و الأمة المزوجين لمالك واحد، فباعهما لاثنين، سواء باع أحدهما لواحد و الآخر لآخر، أم باعهما معا لاثنين على وجه الاشتراك، فإن الخيار في الفسخ للمشتري المتعدد كما ثبت للواحد،
280
و لو باع أحدهما خاصة كان الخيار في فسخ العقد و إمضائه لكل من البائع و المشتري، فظاهر مما تقدم، و أما البائع فلا طلاق النص السابق في كون البيع كالطلاق، و معناه ثبوت التسلط على فسخ العقد المتناول لهما و لاشتراكهما في المعنى المقتضي لجواز الفسخ، فإن المشتري كما يتضرر و يتزوج مملوكه لغير مملوكته كذلك البائع، و حينئذ فيتوقف عقدهما على رضا المتبايعين معا، كذا ذكره شيخنا في المسالك.
و أنت خبير بأن ما ذكره من الحكم الأول جيد لا إشكال فيه، إذ الخيار الثابت للمشتري لا فرق فيه بين تعدد المشتري و اتحاده، لإطلاق النصوص.
و أما الثاني و هو ما ذكره بقوله: و لو باع أحدهما خاصة إلى آخره، ففيه أن إثبات الخيار فيه للبائع لا دليل عليه، و ما احتج به من إطلاق النص في كون البيع كالطلاق بمعنى ثبوت التسلط على الفسخ المتناول لهما.
ففيه أن مقتضى قوله (عليه السلام)
في حسنة بكير و بريد المتقدمة «فإن بيعها طلاقهما فإن شاء المشتري فرق بينهما، و إن شاء تركهما على نكاحهما».
هو تخصيص الخيار بالمشتري، و التشبيه بكونه طلاقا إنما هو باعتبار ذلك خاصة، و نحوها قوله (عليه السلام)
في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «هو فراق فيما بينهما إلا أن يشاء المشتري أن يدعها،»
و ما احتج به من اشتراكهما في المعنى المقتضي لجواز الفسخ».
إلى آخره، ففيه ما أشرنا إليه سابقا من أن هذه العلة مستنبطة فلا تقوم حجة.
و بالجملة فإنه لا فرق في اختصاص الخيار بالمشتري بين كون الزوجين لمالك واحد كما هو المفروض هنا، أو لمالكين متعددين كما تقدم في سابق هذا الموضع، و يؤيد ذلك أيضا إطلاق
رواية أبي الصباح الكناني المتقدمة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا بيعت الأمة و لها زوج فالذي اشتراها بالخيار».
الخبر إلى آخره، فإنه دال بإطلاقه على تخصيص الخيار بالمشتري أعم من أن يكون الزوجان لمالك واحد أو لمالكين متعددين في كل من بيع الأمة أو الزوج، و هو ظاهر في الدلالة على المراد
281
أتم الظهور، لا يعتريه شائبة الفتور و لا القصور.
ثم إنه قال في المسالك- على أثر الكلام المتقدم-: فإن اتفقا على إبقائه لزم، و إن اتفقا على فسخه أو طلب أحدهما فسخه و الآخر إمضاءه انفسخ، أما الأول فظاهر، و أما الثاني فلأن رضاء أحدهما به يوجب تقرره من جانبه، و يبقى من جانب الآخر متزلزلا، فإذا فسخه انفسخ كما لو لم يكن للآخر خيار، و مثله ما لو اشترك الخيار بين البائع و المشتري، فاختار أحدهما الإمضاء و الآخر الفسخ.
انتهى، و هو بالنسبة إلى ما نحن فيه جيد متى ثبت عموم الخيار للبائع و المشتري.
المسألة الثانية: إذا زوج الرجل أمته من غيره بمهر مسمى
فلا إشكال في أن المهر للمولى، لأنه عوض البضع الذي هو ملكه، فإن باعها بعد الدخول بها فقد استقر المهر، و ثبت للمولى لما عرفت، و لا يسقط بالبيع الواقع بعده سواء أجاز المشتري أم لا، و سواء قبض البائع شيئا من المهر أم لا، و الوجه فيه أن الدخول موجب لاستقرار المهر في الحرة حتى لو طلق الزوج، و الحال هذه لم يسقط من المهر شيء، فالبيع أولى.
و بالجملة فإنه قد ثبت و استقر بالأدلة المتكاثرة، و سقوطه بالبيع يحتاج إلى دليل، و ليس فليس.
و إن كان البيع قبل الدخول فظاهرهم سقوط المهر و عدم استحقاق المولى له، و قد تقدم أن للمشتري الخيار، فإن أجاز لزم المهر فكان له، لأن الإجازة كالعقد المستأنف، و إن فسخ سقط المهر، لأن الفرقة قبل الدخول إذا كانت من قبل المرأة توجب سقوطه، و هي هنا من المالك للبضع، فيكون بمنزلة المرأة كما لو كان من قبلها، و هذا هو المشهور بين المتأخرين من ابن إدريس فمن دونه.
و قال ابن إدريس- (رحمه الله)-: إذا زوج أمته من غيره و سمى لها مهرا معينا ثم باع المولى الجارية قبل الدخول بها لم يكن لها المطالبة بشيء من المهر، لأن الفسخ جاء من قبل مولى الجارية، و كل فسخ جاء من قبل النساء قبل
282
الدخول بهن فإنه يبطل مهورهن، و كذلك ليس لمن يشتريها أيضا المطالبة بالمهر إلا أن يرضى بالعقد، فإن رضي المشتري بالعقد كان رضاه كالعقد المستأنف و له حينئذ المطالبة بالمهر كملا، فإن كان الزوج قد دخل بها قبل أن يبيعها مولاها الأول فإن المهر للأول يستحقه جميعه، لأن بالدخول يستقر جميع المهر و له المطالبة به، فإن رضي المولى الثاني الذي هو المشتري بالعقد الأول لم يكن له مهر على الزوج و إن لم يرض بالعقد الأول انفسخ النكاح، و كان للمولى الأول المطالبة بكمال المهر إن لم يكن استوفاه و لا قبضه. انتهى، و على هذه المقالة جرى من تأخر عنه.
و قال الشيخ في النهاية: و إذا زوج الرجل أمته من غيره و سمى لها مهرا معينا، و قدم الرجل من المهر شيئا معينا ثم باع الرجل الجارية لم يكن له المطالبة بباقي المهر، و لا لمن يشتريها إلا أن ترضى، و تبعه ابن البراج في هذه المقالة.
أقول: و الشيخ قد عول فيما ذكره هنا على ما رواه
في التهذيب (1) عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) «في رجل زوج مملوكة له من رجل حر على أربعمائة درهم، فجعل له مائتي درهم و أخر عنه مائتي درهم فدخل بها زوجها، ثم إن سيدها باعها بعد من رجل، لمن تكون المائتان المؤخرتان على الزوج؟ قال: إن كان الزوج دخل بها و هي معه و لم يطالب السيد منه بقية المهر حتى باعها فلا شيء عليه و لا لغيره، و إذا باعها السيد فقد بانت من الزوج الحر إذا كان يعرف هذا الأمر».
و هذه الرواية ردها المتأخرون بضعف الاسناد، قال في المسالك بعد نقل قول الشيخ المذكور: و استند في هذا التفصيل إلى رواية ضعيفة السند لا تصلح لإثبات مثل هذا الحكم الذي لا يوافق الأصول. و نحوه كلام سبطه في شرح النافع.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 484 ح 153، الفقيه ج 3 ص 288 ح 14، الوسائل ج 14 ص 590 ح 1.
283
و نقل عن الشيخ أنه أجاب عنها في كتابي الأخبار بحمل الدخول على الخلوة دون الإيلاج، قال: و قوله «إن لم يكن أوفاها بقية المهر» معناه إن لم يكن فعل الدخول الذي باعتباره يجب أن يوفيها المهر ثم باعها لم يكن له شيء- للفسخ بالبيع من قبله قبل الدخول- و لا لغيره إذا لم يجز العقد، و بذلك أجاب في المختلف أيضا، و بعده أظهر من أن يخفى.
و من أجل ذلك اعتمدوا على ما ذهب إليه ابن إدريس إلا أن ظاهر شيخنا في المسالك الميل إلى أنه في صورة عدم الدخول و إجازة العقد يكون المهر للأول لوجوبه و هي ملكه، أو نصفه بناء على أن البيع بمنزلة الطلاق كما صرحت به النصوص المتقدمة، و لا ريب في تنصفه بالطلاق فينتصف هنا بالبيع أيضا.
و قواه سبطه في شرح النافع بالنسبة إلى المهر كملا، قال- (قدس سره)-:
و يحتمل قويا القول بكون المهر للأول مع إجازة الثاني العقد لدخوله في ملكه بالعقد، و الإجازة تقرير للعقد الأول، و ليست عقدا مستأنفا، و يؤيده اتفاق الأصحاب ظاهرا على أن الأمة المزوجة إذا أعتقت قبل الدخول فأجازت العقد يكون المهر للسيد، و الحكم في إجازة الأمة بعد العتق و إجازة المشتري واحد.
و ربما فرق بينهما بأن البيع معاوضة تقتضي تمليك المنافع تبعا للعين، فتصير منافع البضع مملوكة للمشتري بخلاف العتق فإنه لا يقتضي تمليكا، فإنما هو فك ملك، ففي الأمة المعتقة يكون المنافع كالمستثناة للسيد و في البيع ينتقل إلى المشتري، و في الفرق نظر يعلم مما حررناه، انتهى.
أقول- و بالله التوفيق-: لا يخفى أن الرواية المذكورة قد رواها الشيخ بهذا النحو الذي قدمنا ذكره، و رواها الصدوق و كذا الشيخ أيضا مرة ثانية بنحو آخر يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، و هي بناء على ما قدمنا ذكره موافقة لما صرح به ابن إدريس و من تبعه من أنه مع الدخول قبل البيع فالمهر للمولى الأول و توهم المنافاة فيها من حيث حكمه (عليه السلام) بعدم استحقاق المولى الأول و غيره باقي
284
المهر إذا دخل بها و لم يطلبه السيد بذلك مبني على مسألة أخرى: و هي أن الدخول هل يسقط الأجل أم لا؟ كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب المهور.
و دلت جملة من الأخبار الصحيحة الصريحة في الزوجة الحرة على مثل ما دلت عليه هذه الرواية، و لكن المشهور بين الأصحاب الاعراض عن هذه الروايات لمخالفتها لمقتضى الأصول الشرعية، و حينئذ فلا طعن في هذه الرواية من هذه الجهة، فكل من عمل بتلك الروايات عمل بهذه الرواية أيضا، و كل من أطرحها أطرح هذه الرواية أيضا.
و روى هذه الرواية أيضا
الصدوق في الفقيه (1) عن الحسن بن محبوب عن سعدان بن مسلم عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) «في رجل زوج مملوكة له من رجل حر على أربعمائة درهم فعجل له مائتي درهم، ثم أخر عنه مائتي درهم فدخل بها زوجها، ثم أن سيدها باعها بعد من رجل، لمن تكون المائتان المؤخرة عليه؟ فقال: إن لم يكن أوفاها بقية المهر حتى باعها فلا شيء له عليه و لا لغيره، و إذا باعها السيد فقد بانت من الزوج الحر إذا كان يعرف هذا الأمر، و قد تقدم من ذلك على أن بيع الأمة طلاقها».
أقول: و التقريب في هذه الرواية كما في السابقة، و إن كان في السابقة أصرح من حيث التصريح بعدم الدخول في الجواب، و قوله و لم يطلب السيد منه بقية المهر حتى باعها.
و بالجملة فالرواية على كل من النقلين ظاهرة في ما ذكرناه من التقريب المذكور، و بذلك يظهر أنه لا موجب لردها بالضعف، و لا ضرورة إلى ما ارتكبه الشيخ و مثله العلامة في المختلف من ذلك التأويل البعيد.
بقي الكلام فيما مال إليه في المسالك من تقوية احتمال المهر أو نصفه في صورة عدم الدخول.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 288 ح 14، الوسائل ج 14 ص 590 ح 1.
285
أقول: هذا الاحتمال بالنسبة إلى النصف ضعيف إذ التشبيه بالطلاق لا يقتضي أن يكون من كل وجه كما تقدم ذكره، بل إنما أريد من حيث تسلط المشتري على الفسخ كما تقدم ذكره، و أما بالنسبة إلى المهر كملا فإشكال، لعدم النص، إذ مورد الرواية المتقدمة إنما هو صورة الدخول، و ليس غيرها في الباب، و التعليلات الاعتبارية مع كونها لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية متصادمة من الطرفين، و متعارضة في البين، و في المسألة أقوال ضعيفة ليس في التعرض لها مزيد فائدة و الله العالم.
فائدة [في بينونة الأمة من زوجها الحر بالبيع]
قوله (عليه السلام) في رواية الفقيه «و إذا باعها السيد فقد بانت من الزوج الحر إذا كان يعرف هذا الأمر إلى آخره».
الظاهر من هذا الكلام أن البينونة بالبيع مخصوص بالشيعة الإمامية، و حينئذ فهذا الزوج متى كان منهم و هو عارف بمذهبهم فإنه قد قدم على ذلك، أو أنه قد تقدم له العلم بذلك، و هو يدل بمفهومه على أنه لو لم يكن إماميا فلا يلزمه ذلك و لا تبين بالبيع.
و نظير ذلك ما ورد
في صحيحة محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يزوج أمته من رجل حر ثم يريد أن ينزعها منه و يأخذ منه نصف الصداق فقال: إن كان الذي زوجها منه يبصر ما أنتم عليه و يدين به فله أن ينزعها منه و يأخذ منه نصف الصداق، لأنه قد تقدم من ذلك على معرفة أن ذلك للمولى، و إن كان الزوج لا يعرف هذا، و هو من جمهور الناس يعامله المولى على ما يعامله به مثله، فقد تقدم على معرفة ذلك منه».
و مورد هذا الخبر هو جواز تفريق السيد بين أمته و بين من زوجه بها حرا كان أو عبدا لغيره، و المشهور هنا أن الطلاق بيد العبد، و لكن جملة من الأخبار
____________
(1) الكافي ج 6 ص 169 ح 6، الوسائل ج 15 ص 343 ب 44 ح 3.
286
و منها هذا الخبر دلت على أن الأمر بيد السيد، و يظهر من هذا الخبر حمل تلك الأخبار الدالة على أن الطلاق بيد العبد على التقية كما سيجيء ذكره ان شاء الله تعالى.
و حاصل المعنى في الخبر المذكور أنه إن كان الذي زوجه المولى إماميا عارفا بمذهب الإمامية في جواز نزع المولى أمته متى أراد، فللمولى نزعها منه و أخذ نصف الصداق، لأنه إنما تزوجها قادما على ذلك، و إن لم يكن إماميا عامله بمقتضى مذهبه من عدم جواز النزع، بل يكون الطلاق بيد العبد لا اختيار للمولى فيه، هذا حاصل المعنى فيه، و منه يفهم حمل تلك الأخبار الدالة على ما هو المشهور من أن الطلاق بيد العبد على التقية إلا أنه لا قائل بذلك كما سيأتي تحقيق المسألة في محلها إن شاء الله تعالى، و الله العالم.
المسألة الثالثة [فيما لو زوج السيد عبده و باعه قبل الدخول]
قد تقدم في الموضع الثاني من المسألة الأولى الكلام فيما لو زوج السيد عبده بحرة ثم باعه من أنه هل للمشتري الخيار في الفسخ كما هو المشهور أم لا، كما ذهب إليه ابن إدريس و جميع من تأخر عنه، و أوضحنا ما اقتضته الأدلة في المسألة.
بقي هنا خلاف آخر في المهر، و تفصيل الكلام فيه أنه لا إشكال في أن السيد إذا زوج عبده لزمه المهر، إلا أنه متى باعه بعد الدخول فقد استقر المهر و لزم السيد كملا، و إن باعه قبل الدخول فالذي صرح به الشيخ و جماعة هو تنصيف المهر، لما تقرر في نظيره من أن الفرقة قبل الدخول توجب تنصيف المهر كالطلاق.
و يؤيده تأكيدا هنا
رواية علي بن أبي حمزة (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) «في رجل زوج مملوكا له امرأة حرة على مائة درهم ثم إنه باعه قبل أن يدخل عليها،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 485 ح 158، الفقيه ج 3 ص 289 ح 19، الوسائل ج 14 ص 585 ب 78 ح 1.
287
فقال: يعطيها سيده من ثمنه نصف ما فرض لها، إنما هو بمنزلة دين استدانه بأمر سيده» (1).
و أنكر ابن إدريس ذلك هنا كما أنكر ثبوت الخيار للمشتري لما علم من ثبوت المهر بالعقد، و تنصيفه بالطلاق قبل الدخول وقع على خلاف مقتضى الأدلة، فيقتصر فيه على مورده، و إلحاق غيره به قياس، و الرواية المذكورة ضعيفة السند بعلي بن أبي حمزة.
أقول: و ملخص الكلام هنا يرجع إلى أنه من يعمل على هذا الاصطلاح المحدث فلا شك في قوة قول ابن إدريس عنده، و لهذا مال إليه جملة من المتأخرين منهم صاحب المسالك و غيره، و من لا يرى العمل به فالدليل عنده موجود و هي الرواية المذكورة، و روايات أخر في موارد أخر أيضا.
منها ما تقدم في المورد الرابع في المهر من الفصل الثالث في المتعة من
موثقة سماعة (2) قال: «سألته عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها ثم جعلته في حل من صداقها، أ يجوز أن يدخل بها قبل أن يعطيها شيئا، قال: نعم إذا جعلته في حل فقد قبضته منه فإن خلاها قبل أن يدخل بها ردت المرأة على الرجل نصف الصداق».
و التقريب فيها أنه لو لا أن الحكم تنصيف المهر هنا لكان الواجب أن لا ترد إليه شيئا أو ترد الجميع كما لا يخفى، و في رواية علي بن أبي حمزة المذكورة دلالة على أن المهر في الصورة المذكورة على السيد كما هو المشهور، لا أنه يتعلق بكسب العبد كما ذهب إليه الشيخ، و قد تقدم الكلام في ذلك في التذنيب الأول
____________
(1) و قال في المسالك: و هذه الرواية ضعيفة بعلي بن أبي حمزة، و قول ابن إدريس وجيه في الموضعين، و الجماعة زعموا أن ضعف الرواية منجبر بالشهرة فوافقوا الشيخ هنا و ان خالفوه في غيرها لعدم النص، و يظهر من المصنف التوقف في المسألة و له وجه، مراعاة لجانب الأصحاب، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
(2) التهذيب ج 7 ص 374 ح 76، الوسائل ج 15 ص 50 ب 41 ح 2.
288
من المسألة الاولى من المطلب الأول من هذا الفصل، و الله العالم.
المقام الثالث في الطلاق:
لا خلاف نصا و فتوى فيما أعلم في أنه إذا زوج السيد عبده أمته، فإن الطلاق بيد السيد، و له أن يأمر به و أن يفرق بينهما بغير لفظ الطلاق.
و من الأخبار في ذلك ما رواه
في الكافي (1) عن ليث المرادي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العبد هل يجوز طلاقه، فقال: إن كانت أمتك فلا، إن الله عز و جل يقول «عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ» (2) و إن كانت أمة قوم آخرين أو حرة جاز طلاقها».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا كان العبد و امرأته لرجل واحد، فإن المولى يأخذها إذا شاء و إذا شاء ردها، و قال: لا يجوز طلاق العبد إذا كان هو و امرأته لرجل واحد إلا أن يكون العبد لرجل و المرأة لرجل، و تزوجها بإذن مولاها و إذن مولاها، فإن طلق و هو بهذه المنزلة فإن طلاقه جائز».
و ما رواه
الكافي (4) عن علي بن يقطين في الموثق عن العبد الصالح (عليه السلام) في حديث قال: «و سألته عن رجل زوج غلامه جاريته، فقال: الطلاق بيد المولى».
و ما رواه
في التهذيب (5) عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: طلاق
____________
(1) الكافي ج 6 ص 168 ح 2، التهذيب ج 7 ص 348 ح 54، الوسائل ج 14 ص 577 ب 66 ح 4.
(2) سورة النحل- آية 75.
(3) الكافي ج 6 ص 168 ح 1، التهذيب ج 7 ص 338 ح 16، الوسائل ج 14 ص 551 ب 45 ح 6.
(4) الكافي ج 6 ص 168 ح 5، الوسائل ج 15 ص 341 ب 43 ح 4.
(5) التهذيب ج 7 ص 338 ح 14، الوسائل ج 14 ص 551 ح 5.
289
العبد- إذا تزوج امرأة حرة، أو تزوج وليدة قوم آخرين- إلى العبد، و إن تزوج وليدة مولاه كان هو الذي يفرق بينهما إن شاء، و إن شاء نزعها منه بغير طلاق».
و ما رواه
في الكافي (1) عن عبد الله بن سنان في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: إذا زوج الرجل عبده أمته ثم اشتهاها، قال له: اعتزلها فلما طمثت وطأها، ثم يردها عليه إذا شاء».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ النِّسٰاءِ إِلّٰا مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» (3) قال هو أن يأمر الرجل عبده و تحته أمته فيقول له: اعتزل امرأتك و لا تقربها ثم يحبسها عنه حتى تحيض ثم يمسها، فإذا حاضت بعد مسه إياها ردها عليه بغير نكاح».
و ما رواه
في الكافي (4) عن عمار الساباطي في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يزوج جاريته من عبده فيريد أن يفرق بينهما، فيفر العبد، كيف يصنع؟ قال: يقول لها: اعتزلي فقد فرقت بينكما، فاعتدي فتعتد خمسة و أربعين يوما ثم يجامعها مولاها إن شاء، و إن لم يفر قال له مثل ذلك، قلت:
فإن كان المملوك لم يجامعها؟ قال: يقول لها: اعتزلي فقد فرقت بينكما ثم يجامعها مولاها من ساعته إن شاء و لا عدة عليها».
و عن حفص بن البختري (5) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا كان للرجل أمة فزوجها مملوكه فرق بينهما إذا شاء، و جمع بينهما إذا شاء».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 481 ح 1، الوسائل ج 14 ص 550 ب 45 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 481 ح 2، التهذيب ج 7 ص 346 ح 48، الوسائل ج 14 ص 550 ب 45 ح 1.
(3) سورة النساء- آية 23.
(4) الكافي ج 5 ص 481 ح 3، الوسائل ج 14 ص 550 ح 3.
(5) الكافي ج 6 ص 169 ح 8، الوسائل ج 14 ص 551 ح 8.
290
و ما رواه
في التهذيب (1) عن محمد بن مسلم في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ينكح أمته من رجل أ يفرق بينهما إذا شاء؟ فقال: إن كان مملوكه فليفرق بينهما إذا شاء، إن الله تعالى يقول «عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ» فليس للعبد شيء من الأمر و إن كان زوجها حرا فإن طلاقها صفقتها».
قوله (عليه السلام) «فإن طلاقها صفقتها» أي الطلاق الذي بيد المولى في هذه الصورة إنما هو بيعها كما تقدم.
و أما ما رواه
الشيخ (2) عن علي بن سليمان قال: «كتبت إليه: جعلت فداك، رجل له غلام و جارية، زوج غلامه جاريته، ثم وقع عليها سيدها، هل يجب في ذلك شيء؟ قال: لا ينبغي له أن يمسها حتى يطلقها الغلام».
فهو مع ضعف سنده شاذ لا يلتفت إليه بعد ما عرفت من هذه الأخبار المستفيضة، و قد حمله الشيخ على أن المعنى حتى تبين من الغلام و تعتد و تصير في حكم المطلقة، و ذلك يكون بالتفريق الذي قدمناه، انتهى.
و بالجملة فإن الحكم مما لا خلاف فيه كما عرفت، إنما الخلاف فيما لو لم تكن الزوجة أمة المولى بأن تكون حرة أو أمة لغيره، و المشهور بين الأصحاب أن الطلاق بيد العبد و ليس للسيد إجباره على ذلك، و لا نهيه عنه، و ذهب جمع منهم ابن أبي عقيل و ابن الجنيد إلى نفي ملكية العبد للطلاق إلا بإذن السيد.
و الأصل في هذا الخلاف ما عليه الأخبار من الاختلاف، فمما يدل على القول المشهور ما تقدم من رواية ليث المرادي و رواية أبي الصباح و رواية محمد بن الفضيل، إلا أن الأخيرة أظهر دلالة، حيث دلت على أن أمر الطلاق إلى العبد، بخلاف الأولتين، فإن غاية ما دلتا عليه أن طلاق العبد جائز، و هو لا ينفي طلاق السيد إلا أن يقال: إنه لا قائل بالتشريك بينهما في الطلاق، فحيث دلتا على جواز
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 340 ح 23، الوسائل ج 14 ص 575 ح 8.
(2) التهذيب ج 7 ص 457 ح 35، الوسائل ج 14 ص 549 ب 44 ح 3.
291
وقوعه منه مع عدم القول بالتشريك اقتضى ذلك اختصاصه به.
و منها أيضا ما رواه
في الكافي (1) عن أبي بصير قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يأذن لعبده أن يتزوج الحرة أو أمة قوم، الطلاق إلى السيد أو إلى العبد؟
قال: الطلاق إلى العبد».
و في الموثق عن عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج غلامه جارية حرة، فقال: الطلاق بيد الغلام فإن تزوجها بغير إذن مولاه فالطلاق بيد المولى».
و عن علي بن يقطين (3) في الموثق عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج غلامه جارية حرة، فقال: الطلاق بيد الغلام، قال: و سألته عن رجل زوج أمته رجلا حرا؟ فقال: الطلاق بيد الحر».
و يؤيده أيضا
قوله (عليه السلام) (4) «الطلاق بيد من أخذ بالساق».
و مما يدل على القول الثاني ما رواه
الشيخ (5) في الصحيح عن بكير و بريد بن معاوية عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) «أنهما قالا في العبد المملوك: ليس له طلاق إلا بإذن مولاه».
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب (6) عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) «قالا: المملوك لا يجوز طلاقه و لا نكاحه إلا بإذن سيده قلت: فإن كان السيد زوجه، بيد من الطلاق؟ قال: بيد السيد
____________
(1) الكافي ج 6 ص 168 ح 3، الوسائل ج 15 ص 341 ب 43 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 168 ح 4، الوسائل ج 15 ص 341 ب 43 ح 5.
(3) الكافي ج 6 ص 168 ح 5، الوسائل ج 15 ص 341 ح 4 و ص 342 ح 1.
(4) المستدرك ج 3 ص 8.
(5) التهذيب ج 7 ص 338 ح 15، الوسائل ج 14 ص 551 ب 45 ح 7.
(6) التهذيب ج 7 ص 347 ح 50، الفقيه ج 3 ص 350 ح 2، الوسائل ج 15 ص 343 ب 45 ح 1.
292
«ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ» الشيء الطلاق».
و ما رواه
في التهذيب (1) عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يزوج عبده أمته ثم يبدو له فينزعها منه بطيبة نفسه، أ يكون ذلك طلاقا من العبد؟ فقال: نعم، لأن طلاق المولى هو طلاقها، و لا طلاق للعبد إلا بإذن مولاه».
و عن شعيب العقرقوفي (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل و أنا عنده أسمع عن طلاق العبد، قال: ليس له طلاق و لا نكاح، أما تسمع الله تعالى يقول «عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ» قال: لا يقدر على طلاق و لا نكاح إلا بإذن مولاه».
و عن محمد بن علي (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «إذا تزوج المملوك حرة فللمولى أن يفرق بينهما، و إن زوجه المولى حرة فله أن يفرق بينهما».
هذا ما حضرني من أخبار القولين، و الشيخ حمل هذه الأخيرة من حيث إطلاقها على ما إذا كانت زوجة العبد أمة مولاه كما قيد به بعضها.
و أنت خبير بأن هذا و إن تم في بعضها إلا أنه لا يتم في بعض آخر، مثل قوله
في صحيحة زرارة «قلت: و إن كان السيد زوجه بيد من الطلاق؟ قال: بيد السيد».
فإن ظاهره كون الزوجة أجنبية غير أمته، و أظهر منه قوله في رواية محمد بن علي «و إن زوجه المولى حرة فله أن يفرق بينهما».
و بالجملة فإن ظاهرها باعتبار ضم بعضها إلى بعض إنما هو بالنسبة إلى كون الزوجة غير أمة السيد.
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك هو الميل إلى القول الثاني لصحة أخباره، حيث إنه- بعد أن ذكر حمل الشيخ المذكور- رده بأن الجمع بين
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 347 ح 51، الوسائل ج 14 ص 576 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 347 ح 52، الوسائل ج 14 ص 576 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 339 ح 18، الوسائل ج 14 ص 574 ح 4.
293
الأخبار بتقييد بعضها ببعض فرع حصول المعارضة، و تلك الأخبار لضعفها لا تبلغ قوة المعارضة لهذه الأخبار الصحيحة، إلا أن شيخنا المذكور لم ينقل للقول المشهور إلا الروايات الثلاث الأول، و هي رواية ليث و أبي الصباح و محمد بن الفضيل.
و ظاهر سبطه السيد السند في شرح النافع بعد الاشكال الميل إلى القول المشهور حيث إنه قد طعن في أدلة القول الثاني بأن غاية ما يدل عليه أكثرها و هو- ما عدا صحيحة شعيب العقرقوفي- توقف طلاق العبد على إذن مولاه، لا أن الطلاق بيد السيد، و حينئذ فهو غير واضح الدلالة (1) نعم صحيحة شعيب صريحة في المطلوب، قال: و الجمع بينهما و بين الأخبار المتقدمة لا يخلو من الاشكال و المسألة محل تردد، و إن كان القول المشهور لا يخلو من قرب، لاستفاضة الروايات به و اعتبار أسانيد بعضها و اعتضادها بعمل الأصحاب، انتهى.
أقول: من العجب هنا خروج السيد المذكور- توجه الله بتاج السرور- عن مقتضى قاعدته في الدوران مدار الأسانيد صحة و ضعفا، و دوره مدار صحة السند و إن اشتمل متن الخبر على علل واضحة كما أوضحناه في غير موضع مما تقدم.
و كيف كان فالمسألة عندي محل إشكال لما عرفت من تعارض أخبارها، و عدم استقامة ما ذكره الشيخ من الجمع، إلا أنه
قد روى العياشي في تفسيره (2) بسند فيه عن الحسين بن زيد بن علي، عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول «ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ» (3) و يقول: «للعبد لا طلاق و لا نكاح، ذلك إلى سيده، و الناس يرون خلاف ذلك إذا أذن السيد لعبده،
____________
(1) بمعنى أن الطلاق انما هو للعبد و ان توقف على اذن مولاه على نحو ما قيل من أنه يملك، و ان توقف صحة تصرفه على اذن مولاه و هو لا يوجب استقلال السيد بولاية الطلاق. (منه- (قدس سره)-).
(2) تفسير العياشي ج 2 ص 266 ح 54، مستدرك الوسائل ج 2 ص 597 ب 17 ح 3.
(3) سورة النحل- آية 75.
294
لا يرون له أن يفرق بينهما».
و يفهم من هذا الخبر أن ما دل على القول المشهور من الأخبار إنما خرج مخرج التقية، و أن الحكم الشرعي في المسألة إنما هو القول الثاني، و أنت خبير بأن ظاهر الآية أيضا ليشهد لهذا القول كما ذكره (عليه السلام) في هذا الخبر.
و حينئذ فيحصل الترجيح لأخبار القول الثاني بموافقته ظاهر القرآن الذي هو أحد المرجحات المنصوصة و مخالفة العامة كما يفهم من هذا الخبر التي هي أيضا أحد المرجحات المنصوصة مضافا ذلك إلى صحة أخباره، و به يظهر قوة القول به، و زوال ما ذكرنا آنفا من الاشكال، و الله العالم.
تنبيهات
الأول [في أن نكاح السيد عبده أمته هل يتوقف على الإيجاب و القبول؟]
قد تقدم في المسألة الخامسة من المطلب الأول تحقيق الكلام في أن نكاح السيد عبده أمته هل هو ضرب من ضروب النكاح كتزويج غيرها يفتقر إلى العقد المشتمل على الإيجاب و القبول و نحوهما، فلا يكفي مجرد الاذن كما هو ظاهر المشهور؟ أم يكفي مجرد الاذن و التحليل كما هو قول ابن إدريس؟ و قد حققنا الكلام ثمة في المقام بما لا يحوم حوله نقض و لا إبرام، و بينا أن الظاهر من الأخبار هو كون ذلك نكاحا، إلا أنه ليس كغيره من العقود المفتقرة إلى تلك الشرائط المقررة و لا سيما القبول، فإنه هنا غير مشترط، و إنما هو نوع خاص منه.
و مما يشير إلى ما قلناه من الروايات في هذه المسألة زيادة على ما تقدم ثمة قوله
في موثقة علي بن يقطين «و سألته عن رجل زوج غلامه جاريته»،.
و قوله (عليه السلام)
في رواية محمد بن الفضيل «و إن تزوج وليدة مولاه كان هو الذي يفرق بينهما»،.
و قوله (عليه السلام)
في صحيحة عبد الله بن سنان «إذا زوج الرجل عبده أمته»،.
و نحوها موثقة عمار، و التزويج عبارة عن العقد.
و بالجملة فإن تحقيق الكلام قد مر مستوفى في الموضع المتقدم ذكره،
295
و الذي يتلخص من الكلام في المسألة كون الأقوال فيها ثلاثة:
(أحدهما)- و هو المشهور- اشتراط وقوع النكاح بالإيجاب و القبول.
و (ثانيها) الاكتفاء بالإيجاب مع تسميته نكاحا، و هذا هو الذي اخترناه ثمة، و به صرح العلامة في المختلف، و إليه يميل كلام شيخنا في المسالك.
و (ثالثها) كونه إباحة يكفي فيه كل ما دل على الاذن، و هو مذهب ابن إدريس.
الثاني [ما يعتبر في فسخ المولى لهذا النكاح]
المفهوم من الروايات المتقدمة أنه يكفي في فسخ المولى لهذا النكاح كل لفظ دل عليه من طلاق أو غيره حتى مجرد أمرهما بالتفريق و اعتزال أحدهما الآخر، و هو و إن كان بالقول بالإباحة كما ذهب إليه ابن إدريس أنسب، إلا أنك قد عرفت دلالة الأخبار على إطلاق التزويج و النكاح عليه الموجب لكونه عقدا، و قد دلت أيضا على أن رفع هذا العقد بيد السيد بأي نحو فعل، فلا بعد في ارتفاعه بغير الطلاق كما يرتفع النكاح بالفسخ في مواضع عديدة.
و الظاهر أنه إن وقع التفريق بالطلاق و استجمع شروط الطلاق من الشاهدين و كونه في طهر لم يواقعها فيه و نحو ذلك سمي طلاقا، و إن لم يستجمع الشروط فإنه يكون فسخا إذ لا يقصر عن غيره من الألفاظ الدالة على الفسخ كالأمر بالاعتزال و نحوه بل هو أظهر في ذلك.
و قيل: إن جميع ما يفسخ به النكاح يكون طلاقا، لإفادته فائدته كالخلع.
و قيل: إنه إن وقع بلفظ الطلاق كان طلاقا مطلقا، فإن اتفق خلل في بعض شروطه وقع باطلا لا فسخا، و إن جمع الشروط كان طلاق حقيقا، و إن وقع الفسخ بغير لفظ الطلاق لم يكن طلاقا، و اختار في المسالك الأول من هذه الأقوال الثلاثة.
الثالث [هل يكون مجرد الأمر للعبد بالطلاق فسخا من السيد أم لا؟]
لو أمر المولى العبد بالطلاق و لم يباشره بنفسه، فهل يكون مجرد الأمر للعبد بذلك فسخا من السيد أم لا؟ قيل فيه وجهان:
296
(أحدهما) نعم، لدلالته عليه كما دل عليه ما هو أضعف منه كالأمر بالاعتزال و نحوه.
و (ثانيهما) العدم لأن المفهوم إرادة إيجاده من العبد فلا يحصل قبله، و لأن الأمر بالطلاق يستدعي بقاء الزوجية إلى حين إيقاعه، فلو دل على الفسخ قبلها، لتنافي مدلول اللفظ، و لأنه لو دل على الفسخ لامتنع فعل مقتضاه، و وجه الملازمة أن الفسخ لو وقع لامتنع الطلاق مع أنه مأمور به، فلا يكون ممتنعا.
و أجيب عنه بأن دلالته على إيجاد الطلاق مطابقة، فلا تنافي دلالته بالالتزام على كونه فسخا و هو المدعى، و نمنع كون الأمر بالطلاق يستدعي بقاء الزوجية إلى حينه، و إنما يستدعيه الطلاق الصحيح، و القائل بكونه فسخا لا يجعل الطلاق الواقع بعده صحيحا، و هو جواب الثالث، فإن الأمر إذا دل على الفسخ لا ينافيه امتناع فعل مقتضاه من حيث انفساخ النكاح به، فلا يتوقف على فسخ آخر.
الرابع: لو طلق الزوج الأمة ثم باعها المالك
فلا خلاف في وجوب عدة الطلاق عليها، و هل يجب على المشتري مع إكمالها العدة أن يستبرءها زيادة على العدة؟ قولان مبنيان على التداخل و عدمه.
فقيل: بعدم التداخل، و به قال الشيخ- (رحمه الله)- و أتباعه و ابن إدريس نظرا إلى أن العدة و الاستبراء حكمان مختلفان، و لكل منهما سبب يقتضيه، و تعدد الأسباب يقتضي تعدد المسببات إلا بدليل يوجب التداخل.
و ذهب جملة من المتأخرين و منهم المحقق في الشرائع إلى القول بالتداخل و اختاره في المسالك و علله بوجود الدليل المقتضي، و هو أن الغرض من الاستبراء إنما هو العلم ببراءة الرحم كيف اتفق، و لهذا اكتفى باستبراء البائع، و يسقط لو كانت امرأة أو حائضا، و العدة أدل على ذلك، و لأنها بقضاء العدة مستبرءة، فلا يجب عليها استبراء آخر، لأن وجوب الاستبراء بالبيع إنما هو من احتمال وطئ البائع لغرض وطئ المشتري، و كلاهما ممتنع في صورة النزاع، انتهى، و هو من
297
حيث الاعتبار جيد، إلا هذه العلة التي اعتمد عليها و هي براءة الرحم غير مطردة لوجوب العدة في مواضع مع العلم ببراءة الرحم يقينيا كمن طلقها زوجها مع فراقه لها سنين عديدة، و المتوفى عنها زوجها و إن لم يدخل بها، و نحو ذلك.
و بالجملة فإن علل الشرع ليست عللا حقيقية يدور المعلول معها وجودا و عدما كما تقدم تحقيقه في غير موضع، فاحتمال وجوب الاستبراء على المشتري قائم، و المسألة خالية من النص، فالاحتياط فيها مطلوب سيما مع كونها من مسائل الفروج المطلوب فيها الاحتياط زيادة على غيرها كما تكاثرت به الأخبار.
ثم إن ما فرضنا به المسألة تبعا لكلامهم من الترتيب بين الطلاق و البيع- يطلق الزوج أو لا ثم يبيع السيد- الظاهر أنه متعين، بل لو باع السيد ثم طلق الزوج قبل فسخ المشتري فإن الحكم أيضا كما تقدم.
تذنيبان
أحدهما [فيما لو زوج السيد أمته لعبده]
المشهور في كلام الأصحاب- رضي الله عنهم- من غير خلاف يعرف أنه إذا زوج السيد أمته لعبده فإنها تصير من مولاها بمنزلة الأجنبية لا تحل له منها إلا ما يحل له من أمة غيره كنظر الوجه و الكفين بغير شهوة، و يحرم عليه جميع وجوه الاستمتاع و نظر ما يحل منها بشهوة.
قال في المسالك: و النصوص به كثيرة، و الوجه في ذلك مع النص أن وجوه الاستمتاع صارت مملوكة للزوج فيحرم على غيره، لامتناع حل الاستمتاع بالمرأة لأزيد من واحد شرعا، انتهى.
و ظاهر سبطه السيد السند في شرح النافع المناقشة في هذا الحكم حيث قال: و أطلق العلامة في جملة كتبه أن الأمة المزوجة يحرم على مالكها ما يحرم على غير المالك، و هو غير واضح المأخذ.
298
و الذي وقفت عليه في هذه المسألة من الأخبار ما رواه
الكليني و ابن بابويه (1) في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يزوج مملوكته عبده، أ تقوم عليه كما كانت تقوم فتراه منكشفا أو يراها على تلك الحال؟
فكره ذلك، و قال: قد منعني أبي أن أزوج بعض خدمي غلامي لذلك».
و الظاهر أن المراد بالكراهة هنا التحريم.
و ما رواه
الشيخ (2) في الموثق عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يزوج جاريته، هل ينبغي له أن ترى عورته؟ قال: لا».
و يستفاد من هاتين الروايتين تحريم النظر إلى العورة و ما في معناها مطلقا و لا يبعد تحريم اللمس و النظر بشهوة أيضا كما ذكره المصنف، أما تحريم النظر إلى ما عدا العورة و ما في معناه بغير شهوة فمشكل، لانتفاء الدليل عليه، و الأصل يقتضي العدم، انتهى.
أقول:
و روى الكليني في الكافي (3) موثقة عبيد بن زرارة و زاد فيها على ما تقدم برواية الشيخ «و أنا أتقي ذلك من مملوكتي إذا زوجتها».
و من الأخبار الواردة في المقام أيضا
خبر مسمع (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): عشرة لا يحل نكاحهن و لا غشيانهن إلى أن قال: و أمتك و لها زوج».
و في حديث مسعدة بن زيادة (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «تحرم من الإماء عشرة:
لا تجمع بين الام و البنت إلى أن قال: و لا أمتك و لها زوج».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 480 ح 3، التهذيب ج 8 ص 199 ح 4، الفقيه ج 3 ص 302 ح 30، الوسائل ج 14 ص 548 ب 44 ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 208 ح 43، الوسائل ج 14 ص 549 ح 4.
(3) الكافي ج 5 ص 555 ح 7، الوسائل ج 14 ص 549 ب 44 ح 2.
(4) التهذيب ج 8 ص 198 ح 2، الوسائل ج 14 ص 549 ح 6.
(5) التهذيب ج 8 ص 198 ح 1، الوسائل ج 14 ص 549 ح 5.
299
و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد (1) عن الحسن بن ظريف عن الحسين ابن علوان عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: «إنه قال: إذا زوج الرجل أمته، فلا ينظر إلى عورتها، و العورة ما بين السرة و الركبة».
و أنت خبير بأن ظاهر هذه الرواية هو تحريم النظر إلى ما بين السرة و الركبة أعم من أن يكون بشهوة أم لا، و بها يتم الاستدلال للأصحاب فيما تقدم نقله عنهم.
و بالجملة فالظاهر هو العمل بما قاله الأصحاب، و في معنى الأمة المزوجة المحلل وطؤها للغير، أما لو حلل منها ما دون الوطي، فهل تحرم بذلك على المالك؟ إشكال.
و
ثانيهما [في عدم تسليط السيد على الفسخ فيما لو كان زوج الأمة حرا]
المفهوم من كلام الأصحاب أنه متى كان زوج الأمة حرا أو مملوكا لغير سيد الأمة، فإن السيد لا يتسلط على الفسخ بل الطلاق للزوج حرا كان أو عبدا، أما لو كان الزوج مملوكا للسيد، فإن للسيد التسلط على الفسخ كما تقدم مشروحا.
و يدل على الحكمين المذكورين هنا ما رواه
الشيخ (2) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أنكح الرجل عبده أمته، فرق بينهما إذا شاء، قال:
و سألته عن رجل يزوج أمته من رجل حر أو عبد لقوم آخرين، إله أن ينزعها منه؟ قال: لا، إلا أن يبيعها، فإن باعها فشاء الذي اشتراها أن يفرق بينهما فرق بينهما».
و عن محمد بن مسلم (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ينكح أمته من رجل أ يفرق بينهما إذا شاء؟ فقال: إن كان مملوكه فليفرق بينهما إذا شاء، إن الله تعالى يقول «عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ» فليس للعبد شيء من الأمر، و إن
____________
(1) قرب الاسناد ص 50، الوسائل ج 14 ص 549 ح 7.
(2) التهذيب ج 7 ص 339 ح 19، الوسائل ج 14 ص 574 ح 5 و ص 551 ح 4.
(3) التهذيب ج 7 ص 340 ح 23، الوسائل ج 14 ص 575 ح 8.
300
كان زوجها حرا فإن طلاقها صفقتها».
أقول: يعني أن طلاق السيد و تسلطه على فسخ النكاح إنما يكون ببيعه الأمة.
و مما يدل على الحكم الأول ما رواه
الشيخ (1) في الموثق عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل يزوج أمته من حر؟ قال: ليس له أن ينزعها».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (2) عن أبي بصير قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أنكح أمته حرا أو عبد قوم آخرين، فقال: ليس له أن ينزعها، فإن باعها فشاء الذي اشتراها أن ينزعها من زوجها فعل».
إلا أنه قد ورد هنا جملة من الأخبار ظاهرة في المنافاة لما ذكرناه.
و منها ما رواه
الشيخ (3) في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يزوج جاريته من رجل حر أو عبد، أ له أن ينزعها بغير طلاق؟ قال: نعم، هي جاريته ينزعها متى شاء».
و الشيخ حمل هذا الخبر على أن له ذلك بأن يبيعها، فيكون ببيعه تفريقا بينهما، و لا يخفى ما فيه من البعد.
و منها ما رواه
الشيخ (4) في الموثق عن إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل كانت له جارية، فزوجها من رجل آخر، بيد من طلاقها؟
قال: بيد مولاه، و ذلك لأنه تزوجها و هو يعلم أنها كذلك».
و هذا الخبر أيضا حمله الشيخ على ما حمل عليه سابقه، و احتمل أيضا حمله على كون المولى قد اشترط على الزوج عند العقد أن بيده الطلاق، كما دل عليه بعض
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 337 ح 11، الوسائل ج 14 ص 574 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 169 ح 7، التهذيب ج 7 ص 337 ح 10، الفقيه ج 3 ص 350 ح 3، الوسائل ج 15 ص 342 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 339 ح 17، الوسائل ج 14 ص 574 ح 3.
(4) التهذيب ج 7 ص 339 ح 20، الوسائل ج 14 ص 575 ح 6.
301
أخبار المسألة، و لا يخفى بعد الجميع.
و منها ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يزوج أمته من رجل حر، ثم يريد أن ينزعها منه، و يأخذ منه نصف الصداق، فقال: إن كان الذي زوجها منه يبصر ما أنتم عليه و يدين به، فله أن ينزعها منه، و يأخذ منه نصف الصداق، لأنه قد تقدم من ذلك على معرفة أن ذلك للمولى، و إن كان الزوج لا يعرف هذا، و هو من جمهور الناس يعامله المولى على ما يعامل مثله، فقد تقدم على معرفة ذلك منه».
و هذا الخبر كما ترى ظاهر في أن ما ورد من الأخبار الدالة على أن الطلاق بيد الزوج، و أن السيد ليس له انتزاعها إنما خرجت مخرج التقية و أن الحكم الشرعي في المسألة إنما هو رجوع الاختيار إلى السيد، فله أن ينزعها.
و إلى ما تضمنه هذا الخبر يشير أيضا قوله في موثقة إسحاق بن عمار «لأنه تزوجها و هو يعلم أنها كذلك» يعني يعلم أن للسيد انتزاعها، و أن طلاقها بيده، و هو مثل قوله في الخبر «لأنه قد تقدم من ذلك على معرفة أن ذلك للمولى» و قد تقدم الكلام في بيان معنى هذا الخبر.
و بالجملة فإن حاصله الجمع بين الأخبار بحمل أخبار القول المشهور على التقية، و هو جمع حسن بين الأخبار، إلا أن الاشكال فيه أنه لا قائل بذلك، بل المشهور الذي لم يظهر فيه خلاف إنما هو العكس.
و منها ما رواه
العياشي في تفسيره (2) على ما نقله عنه شيخنا المجلسي في كتاب البحار، و روى عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينكح أمته من رجل، قال: إن كان مملوكا فليفرق بينهما إذا شاء لأن الله يقول
____________
(1) الكافي ج 6 ص 169 ح 6، الوسائل ج 15 ص 342 ح 3 و فيه اختلاف يسير.
(2) تفسير العياشي ج 2 ص 264 ح 48 و فيه «فان طلاقها عتقها»، مستدرك الوسائل ج 2 ص 599 ب 32 ح 2.
302
«عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ» فليس للعبد من الأمر شيء، و إن كان زوجها حرا فإن طلاقها صفقتها».
و هذا الخبر كما ترى أغرب و أعجب حيث دل على الفرق بين الحر و العبد فجعل الطلاق بيد الزوج إن كان حرا، و بيد السيد إذا كان عبدا.
و منها ما رواه
العياشي (1) أيضا عن أبي بصير «في الرجل ينكح أمته لرجل، إله أن يفرق بينهما إذا شاء؟ قال: إن كان مملوكا فليفرق بينهما إذا شاء؟ قال:
إن كان مملوكا فليفرق بينهما إذا شاء، لأن الله يقول «عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ».
فليس للعبد من الأمر شيء، و إن ان زوجها حرا فرق بينهما إذا شاء المولى». و يشبه أن يكون قد وقع في هذا الخبر تحريف و تغيير لأن قضية التفصيل المغايرة، مع أن مرجعها إلى أمر واحد.
و بالجملة فالمسألة لما عرفت في غاية الاشكال، و نهاية الإعضال، و من ذكر هذه المسألة من الأصحاب لم يذكر من الأخبار المنافية للقول المشهور إلا صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله، و أجاب عنها بما قدمناه نقله عن الشيخ، و الله العالم.
المطلب الثالث في الملك:
قد تقدم أن نكاح الإماء يقع بالعقد و بالملك، و الأول قد تقدم الكلام فيه.
و الكلام هنا في الثاني، و حيث كان الملك ينقسم إلى ملك الرقبة و ملك المنفعة، فلا بد من بيان أحكامه في مقامين:
[المقام] الأول: في ملك الرقبة
، و الكلام فيه يقع في مواضع:
الأول [عدم انحصار النكاح بملك اليمين في عدد]:
لا خلاف نصا و فتوى في عدم انحصار النكاح بملك اليمين في عدد، بخلاف نكاحهن بالعقد.
____________
(1) تفسير العياشي ج 2 ص 265 ح 51، مستدرك الوسائل ج 2 ص 599 ب 32 ح 3.
303
ففي صحيحة ابن أذينة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: كم يحل من المتعة؟ قال: فقال: هن بمنزلة الإماء».
و في حسنة إسماعيل بن الفضيل (2) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) فيما أخبر به ابن جريح في أحكام المتعة، قال: ليس فيها وقت و لا عدد، إنما هي بمنزلة الإماء».
و في حديث أحمد بن محمد بن أبي نصر (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث المتعة «حكى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): إنما هي مثل الإماء يتزوج ما شاء».
قال في المسالك: و اعلم أن النص و الإجماع متطابقان على جواز النكاح بملك اليمين، و على عدم انحصاره في عدد، بخلاف نكاحهن بالعقد، و لعل الوجه فيه خفة حقوق المملوكة، و كون استحقاق منافع البضع بالمالية، فيكون كالتصرف في مطلق الأموال، فلا يتطرق إليه ما يتطرق إلى النكاح بالعقد من محذور الحيف و الميل، انتهى.
و الحكم مختص بالرجال، أما النساء فإن الملك فيهن ليس طريقا إلى حل الوطي.
و روى ابن بابويه (4) في الصحيح عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة أمكنت من نفسها عبد ا لها أن يباع بصغر منها و محرم على كل مسلم أن يبيعها عبدا مدركا بعد ذلك».
و روى الكليني (5) الرواية المذكورة، و زاد فيها «تضرب مائة، و يضرب العبد خمسين».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 451 ح 1، الوسائل ج 14 ص 447 ح 6.
(2) الكافي ج 5 ص 451 ح 6، الوسائل ج 14 ص 447 ح 8.
(3) التهذيب ج 7 ص 259 ح 48، الوسائل ج 14 ص 448 ح 11.
(4) الفقيه ج 3 ص 289 ح 17، الوسائل ج 14 ص 558 ب 51 ح 1.
(5) الكافي ج 5 ص 493 ح 1، التهذيب ج 8 ص 206 ح 33، الوسائل ج 14 ص 558 ب 51 ح 1.
304
الثاني [حكم الجمع بين الأختين و بين الام و البنت في الملك]
لا خلاف في جواز الجمع بين الأختين و بين الام و البنت في الملك، و لا إشكال، إنما يحرم ذلك في العقد أو الوطي على التفصيل الذي تقدم في مسائل المقصد الثاني فيما يحرم جمعا من المطلب الثالث فيما يحرم بالمصاهرة، و كذا يجوز أن يملك موطوءة الأب كما يجوز للأب ملك موطوءة الابن، فإنه كما لا يمتنع أن ينتقل إلى الأب أو الابن مال الآخر كذلك لا يمتنع أن ينتقل إليه مملوكته، و إن كان قد وطأها المالك الأول، و إنما يحرم على كل واحد منهما وطئ من وطأها الآخر لعموم قوله عز و جل «وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ» (1).
و بالجملة فإن تحريم الوطي لا يقدح في صحة التملك كما لو تملك بعض من يحرم عليه بالنسب.
الثالث: إذا بيعت الأمة و لها زوج
فإن أجاز المشتري النكاح لم يكن له فسخه بعد ذلك، لأن الذي له شرعا هو الخيار، فإذا أجاز سقط حقه، و لزم النكاح، و كذا لو علم و سكت و لم يعرض له، لما عرفت آنفا من أن الخيار فوري، فإذا أعرض بعد علمه بطل خياره، و إن لم يجز النكاح انفسخ العقد، و جاز للمشتري نكاحها، إلا أنه لا يحل له إلا بعد العدة، و هي قران، أو شهر و نصف على قول إن كانت لم تحض و مثلها تحيض، و قيل: يكفي الاستبراء بحيضة أو خمسة و أربعين يوما.
وجه الأول: إطلاق الطلاق على هذا البيع في كثير من الأخبار المتقدمة لكونه سببا في التسلط على الفسخ، فإذا حصل الفسخ كان طلاقا بطريق أولى، كذا ذكره في المسالك، و فيه ما عرفت آنفا من أن غاية ما تدل عليه هذه العبارة في الأخبار هو المشابهة للطلاق، و يكفي في ذلك مجرد التسلط به على الفسخ كما يشير إليه قوله في صحيحة بريد و بكير المتقدمة «فإن بيعها طلاقها، فإن شاء المشتري فرق بينهما، و إن شاء تركهما على نكاحهما» و هو لا يستلزم كونه طلاقا لو وقع، بحيث يترتب عليه ما يترتب على الطلاق من الأحكام التي من
____________
(1) سورة النساء- آية 22.
305
جملتها وجوب العدة، و بذلك يظهر أن قوله «فإذا حصل الفسخ كان طلاقا بطريق أولى» غير موجه.
و وجه الثاني: إطلاق النصوص الدالة على استبراء المشتري للأمة إذا اشتراها، و ما نحن فيه من جملة ذلك، و استبراؤها كما سيأتي ذكره بحيضة أو خمسة و أربعين يوما.
و من العجب ما وقع له في المسالك في هذا المقام، فإنه نقل في المتن عن المصنف أنه لو لم يجز نكاحها لم يكن عليها عدة و كفى الاستبراء في جواز الوطي، ثم إنه قال في الشرح: و حيث يفسخ المشتري العقد لا تحل له حتى تنقضي عدتها من الفسخ كالطلاق بمعنى قرءين أو شهر و نصف- إلى أن قال:- و قيل:
و يكفي استبراؤها بحيضة أو خمسة و أربعين يوما، و هو الذي اختاره العلامة و لم ينقل غيره، و الأقوى الأول، و هو الذي اختاره المصنف و لم ينقل غيره. انتهى ملخصا، و فيه أن المصنف إنما صرح بالاستبراء كما نقله عن العلامة مع تصريحه بنفي العدة، فكيف ينسب إليه اختيار القول الأول، و هو القول بوجوب العدة.
و أما ما ذكره من أن الأقوى القول بالعدة بناء على ما قدمنا نقله عنه في بيان وجهه ففيه ما عرفت.
الرابع [في جواز ابتياع ذوات الأزواج من أهل الحرب]
قد صرح الأصحاب من غير خلاف يعرف بأنه يجوز ابتياع ذوات الأزواج من أهل الحرب و لو من أزواجهن، و كذا يجوز شراء بناتهم و أبنائهم و لو من الآباء، و يصيرون ملكا للمشتري، و يترتب على هذا التملك أحكامه التي من جملتها وطئ الجارية بملك اليمين، و على ذلك دلت جملة من النصوص، و قد تقدمت في كتاب البيع في الفصل التاسع في بيع الحيوان (1) و منها
رواية عبد الله اللحام (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يشتري
____________
(1) ج 19 ص 462.
(2) التهذيب ج 7 ص 77 ح 44، الوسائل ج 13 ص 28 ح 2.
306
من رجل من أهل الشرك ابنته، فيتخذها؟ قال: لا بأس».
و بهذا الاسناد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري امرأة رجل من أهل الشرك، يتخذها أم ولد؟ قال: فقال: لا بأس».
و أشار بقوله يتخذها إلى الوطي.
و روى الشيخ في التهذيب (2) عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن سبي الأكراد إذا حاربوا و من حارب من المشركين، هل يحل نكاحهم و شراءهم؟ قال: نعم».
إلى غير ذلك من الأخبار المتقدمة ثمة.
و قد صرح جملة من الأصحاب منهم المحقق الشيخ على في الشرح و الشهيد الثاني في المسالك، بأن إطلاق البيع على ذلك يعني بالنسبة إلى الشراء من الزوج أو الأب و نحوهما إنما هو بطريق المجاز، باعتبار صورته، فهو بالاستنقاذ أشبه منه بالبيع، فإنهم فيء للمسلمين يملكون بمجرد الاستيلاء عليهم، فإذا حصل البيع كان آكد في ثبوت الملك و تحققه.
قال المحقق المذكور: نعم في صورة بيع القريب (3) قريبه الذي حقه أن ينعتق عليه إشكال.
و قال في المسالك: و الأقوى أنه لا يترتب عليه أحكامه من طرف المشتري، حتى لو كان المبيع قريبه الذي ينعتق عليه عتق بمجرد البيع، و تسليطه عليه، لإفادة اليد الملك المقتضي للعتق.
أقول: قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الحادية عشر من المقصد الثاني من الفصل التاسع في بيع الحيوان من كتاب البيع (4) و كذا يجوز شراء ما يبيعه أهل
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 77 ح 43، الوسائل ج 13 ص 28 ح 3.
(2) التهذيب ج 8 ص 200 ح 9، الوسائل ج 11 ص 99 ب 50 ح 1.
(3) مثل الابن و الابنة، لا مثل الزوجة و نحوها. (منه- (رحمه الله)-).
(4) ج 19 ص 462.
307
الضلال من أهل الحرب و إن كان ذلك للإمام (عليه السلام) لحصول الاذن منهم (عليهم السلام) و في رواية الهاشمي المتقدمة ما يدل عليه، و تقدم أيضا في المسألة الاولى من المقصد الأول من الفصل التاسع في بيع الحيوان (1) من الأخبار ما يدل عليه.
الخامس [وجوب الاستبراء قبل الوطي إلا ما استثنى]
قد صرح جل الأصحاب بأن كل من ملك أمة بوجه من وجوه التملك ببيع أو هبة أو إرث أو صلح أو قرض أو استرقاق أو نحو ذلك، فإنه يجب عليه استبراؤها قبل الوطي.
و خص ابن إدريس ذلك بالبيع و الشراء اقتصارا على مورد النص، فإنه هو الذي وردت النصوص فيه بالاستبراء دون غيره من الوجوه المذكورة، مستدلا على نفيه في غير البيع بالأصل و عموم «مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» (2).
و احتج الأصحاب على ما ذهبوا إليه من العموم باشتراك هذه الوجوه في المقتضى لذلك، و هو العلم ببراءة الرحم من ماء الغير، و المحافظة على الأنساب من الاختلاط.
و نقل عن ابن إدريس أنه وافق الأصحاب أيضا في موضع آخر من كتابه، ثم إنهم صرحوا أيضا بسقوطه في مواضع.
أقول: و تحقيق المسألة بتفصيل هذا الجمال بما يزيل عنه نقاب الاشكال قد تقدم في كتاب البيع في فصل بيع الحيوان فلا حاجة إلى إعادته، و إن كان جملة من أصحابنا قد كرروا الكلام عليه في هذا الموضع أيضا.
نعم هنا موضعان يسقط الاستبراء فيهما لم يتقدم ذكرهما:
(أحدهما) ما لو ملك أمة فأعتقها فإن له العقد عليها بعد العتق، و أن يطأها من غير استبراء، و إن كان الأفضل له الاستبراء.
قال في المسالك: و ظاهر الأصحاب الاتفاق عليه، أما غيره فقد أطلق جملة
____________
(1) ج 19 ص 372.
(2) سورة النساء- آية 24.
308
من الأصحاب أنه ليس له ذلك إلا بعد العدة، و يدل على الحكم الأول جملة من الأخبار:
منها ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يشتري الجارية فيعتقها ثم يتزوجها، هل يقع عليها قبل أن يستبرئ رحمها؟ قال: يستبرئ رحمها بحيضة، قلت: فإن وقع عليها؟ قال: لا بأس».
و عن عبيد بن زرارة (2) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يشتري الجارية ثم يعتقها و يتزوجها، هل يقع عليها قبل أن يستبرئ رحمها؟ قال:
يستبرئ رحمها بحيضة، و إن وقع عليها فلا بأس».
و عن أبي العباس البقباق (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية فأعتقها ثم تزوجها و لم يستبرئ رحمها، قال: كان نوله أن يفعل، و ان لم يفعل فلا بأس».
و عن ابن أبي يعفور (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث «. و قال في رجل اشترى جارية ثم أعتقها و لم يستبرئ رحمها، قال: كان نوله أن يفعل، فإذا لم يفعل فلا شيء عليه».
قوله «نوله أن يفعل» أي ينبغي له أن يفعل.
و استدلوا على الحكم المذكور أيضا بأن الاستبراء إنما للمملوكة، و هذه قد خرجت بالعتق عن كونها مملوكة، فإنها تصير بالعتق أجنبية منه، نسبتها إليه و إلى غيره على السواء.
و فيه أن هذا إنما يصلح وجها للنص لا لتأسيس الحكم، لأن أدلة وجوب الاستبراء على المشتري مطلقة أو عامة، فهي شاملة لمن أعتق و لم يعتق، إلا أنه لما ورد النص باستثناء من أعتق وجب الوقوف على مورد النص، و بقي ما عداه
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 175 ح 36، الوسائل ج 14 ص 514 ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 175 ح 37، الوسائل ج 14 ص 514 ح 2.
(3) التهذيب ج 8 ص 175 ح 38 و فيه «كان له أن يفعل»، الوسائل ج 14 ص 514 ح 3.
(4) التهذيب ج 8 ص 171 ح 21، الوسائل ج 14 ص 498 ح 3.
309
داخلا تحت الإطلاق.
و كيف كان فإن هذا الأخبار كما أنها دالة على جواز الوطي من غير استبراء فهي دالة على أفضلية الاستبراء، و إطلاق أكثر عبارات الأصحاب تقتضي عدم الفرق بين أن يعلم للأمة وطئ محرم أم لا، و قيده العلامة في جملة من كتبه بأن لا يعلم لها وطئ محرم، و إلا وجب الاستبراء، و لا ريب أنه أحوط.
و أما الحكم الثاني و هو أنه لا يجوز لغيره وطؤها حتى تعتد كالحرة، فهو مما لا ريب فيه و لا إشكال إذا كان المولى قد وطأها كما سيأتي الدلالة عليه في حسنة الحلبي و صحيحة زرارة الآتيتين في الموضع الثاني.
أما لو لم يطأها المولى فإطلاق جملة من العبارات يقتضي وجوب العدة، و هو لا يخلو من إشكال، إذ لا يظهر هنا وجه للفرق بين الأجنبي و المولى، لأنها بالعتق صارت أجنبية للجميع، فوجوب العدة للأجنبي و سقوطها عن المولى لا يظهر له وجه و المفهوم من عبارته في الشرائع سقوط العدة في الموضعين و هو صريح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حيث قال: و حاصل الحكم أن المولى إذا أعتق أمته فلا يخلو إما أن يكون بعد أن وطأها أو قبله، فإن كان قبل الوطي جاز لغيره تزويجها بغير عدة و لا استبراء، و إن أمكن أن تكون موطوءة في ذلك الطهر لغير المعتق، بأن يكون المعتق اشتراها ثم أعتقها قبل أن تحيض عنده، و وجه جواز تزويجها لغيره بغيره استبراء ما تقدم من جواز تزويج مولاها لها من غير استبراء من حيث إنه مختص بالمالك، و تابع لنقل الملك، و هو هنا منتف لأنها حرة، انتهى.
أقول: و يمكن أن يقال على ما ذكره في وجه الجواز (1) إن الذي تقدم في كلامه في الاستدلال على جواز تزويج المولى من غير استبراء هو الاستدلال بالأخبار
____________
(1) فإنه قال بعد ذكر الحكم في عبارة المصنف: و مستنده صحيحة محمد بن مسلم و أردفها برواية عبيد بن زرارة و رواية أبي العباس، ثم قال: و يدل عليه أيضا أن الاستبراء انما يثبت وجوبه للمملوكة، إلى آخر ما ذكره من الدليل العقلي. (منه- (رحمه الله)-).
310
الثلاثة الأول، ثم أردفها بالدليل العقلي الذي قدمنا ذكره عنهم، و قد عرفت ما فيه، و أنه لا يصلح لتأسيس حكم شرعي، و إن صلح لأن يكون وجها للنص، فلم يبق إلا الأخبار و موردها إنما هو المولى، و حينئذ يبقى غير المولى لا دليل عليه فيجب العدة بالنسبة إليه و به يزول الإشكال الذي أشرنا إليه آنفا و يقوى الفرق بين المولى و غيره كما دل عليه إطلاق العبارات المشار إليها آنفا.
قال في المسالك: و ألحق بعضهم بالعتق تزويج المولى للأمة المبتاعة فإنه لا يجب على الزوج استبراؤها ما لم يعلم سبق وطئ محرم في ذلك الطهر، و ذلك لأن الاستبراء تابع لانتقال الملك، و هو منتف هنا، و على هذا فيمكن أن يجعل ذلك وسيلة إلى سقوط الاستبراء من المولى أيضا بأن يزوجها من غيره، ثم يطلقها الزوج قبل الدخول، فيسقط الاستبراء بالتزويج، و العدة بالطلاق قبل المسيس، و إن وجد ما يظن كونه علة للاستبراء، و هو اعتبار براءة الرحم من ماء السابق، فإن العلة مستنبطة لا منصوصة، و مثله الحيلة على إسقاطه ببيعها من امرأة و نحو ذلك، انتهى.
أقول: مدار صحة هذا الكلام من أوله إلى آخره على ما ادعاه من أن العلة في الاستبراء هو طلب براءة الرحم إنما هي علة مستنبطة و إلا فإن ظاهر النصوص أن الأمر بالاستبراء إنما هو على جهة التعبد شرعا بذلك.
و فيه أنه
قد روى الكليني (1) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل اشترى جارية- إلى أن قال:- قلت: جارية لم تحض، كيف يصنع بها؟
فقال: أمرها شديد، غير أنه إن أتاها فلا ينزل عليها حتى يستبين له إن كان بها حبل، قلت: و في كم يستبين له؟ قال: في خمسة و أربعين ليلة».
و هي ظاهرة كما ترى في أن العلة في الاستبراء هو اعتبار براءة الرحم من ماء السابق، و حينئذ فإذا كانت العلة ذلك كما دل عليه النص فإنه لا يتم ما ادعاه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 472 ح 2، الوسائل ج 13 ص 36 ح 1.
311
ذلك البعض الذي نقل عنه إلحاق تزويج المولى للأمة بالعتق، فإنه إذا كانت العلة في الاستبراء شرعا هو ما عرفت، فإنه لا يختص ذلك بالمشتري، بل يجري فيه و في ذلك الرجل الذي زوجه الأمة، و تكاثر الأخبار بالنسبة إلى المشتري إنما هو من حيث كون شرائه لأجل الوطي، لا من حيث كونه مشتريا و مالكا كما توهموه.
و (ثانيهما) ما لو كانت الأمة سرية للمولى فأعتقها، فإنه يجوز له وطؤها بالعقد عليها من غير استبراء و لا عدة، و أما غيره فلا يجوز إلا بعد العدة.
و يدل على ذلك ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يعتق سريته، أ يصلح له أن يتزوجها بغير عدة؟
قال: نعم، قلت: فغيره؟ قال: لا، حتى تعتد ثلاثة أشهر» الخبر.
و ما رواه
في التهذيب (2) عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل أعتق سريته، إله أن يتزوجها بغير عدة؟ قال: نعم، قلت: فغيره؟ قال: لا، حتى تعتد ثلاثة أشهر».
المقام الثاني: في ملك المنفعة الحاصل بالتحليل
، و الكلام في هذا المقام يقع في موارد:
الأول [صحة تحليل المولى وطؤ أمته لغيره]:
المعروف من مذهب الأصحاب صحة تحليل المولى وطؤ أمته لغيره.
قال ابن إدريس: إنه جائز عند أكثر أصحابنا المحصلين، و به تواترت الأخبار، و هو الأظهر بين الطائفة و العمل عليه و الفتوى به، و منهم من منع منه، انتهى.
و حكى الشيخ في المبسوط قولا بالمنع منه، و هو الذي أشار إليه ابن إدريس بقوله: و منهم من منع.
و يدل على المشهور الأخبار المستفيضة المتكاثرة التي يضيق المقام عن الإتيان
____________
(1) الكافي ج 5 ص 476 ح 4، الوسائل ج 14 ص 511 ب 13 ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 175 ح 35، الوسائل ج 14 ص 511 ب 13 ح 1.
312
عليها، و لكن ننقل شطرا منها.
و منها ما رواه
الكليني و الشيخ (1) في الصحيح عن الفضيل بن يسار قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك إن بعض أصحابنا قد روى عنك أنك قلت:
إذا أحل الرجل لأخيه جاريته فهي له حلال، فقال: نعم يا فضيل، قلت له: فما تقول في رجل عنده جاريته نفيسة و هي بكر أحل لأخيه ما دون فرجها، إله أن يفتضها؟ قال: لا، ليس له إلا ما أحل له منها، و لو أحل له قبلة منها لم يحل له سوى ذلك، قلت: أ رأيت إن أحل له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فافتضها؟
قال: لا ينبغي له ذلك، قلت: فإن فعل، أ يكون زانيا؟ قال: لا، و لكن يكون خائنا، و يغرم لصاحبها عشر قيمتها». و زاد في الكافي «و إن لم تكن بكرا فنصف عشر قيمتها» الحديث.
و ما رواه
في الكافي (2) في الصحيح عن ابن رئاب عن أبي بصير، و هو مشترك و الأظهر عندي عد حديثهما معا في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة أحلت لابنها فرج جاريتها، قال: هو له حلال، قلت: أ فيحل له ثمنها؟ قال:
لا، إنما يحل له ما أحلت له» الحديث.
و في الصحيح عن ضريس بن عبد الملك (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يحل لأخيه من جاريته و هي تخرج في حوائجه؟ قال: هي له حلال».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 468 ح 1، التهذيب ج 7 ص 244 ح 16، الفقيه ج 3 ص 289 ح 21، الوسائل ج 14 ص 537 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 468 ح 2، التهذيب ج 7 ص 242 ح 8، الوسائل ج 14 ص 534 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 248 ح 26، الفقيه ج 3 ص 290 ح 22، الوسائل ج 14 ص 540 ح 1.
313
و في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (1) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في امرأة أحلت لزوجها جاريتها، فقال: ذلك له، قال: فإن كانت تمزح؟ فقال:
و كيف له بما في قلبها، إذا علم أنها تمزح فلا».
و في الحسن عن زرارة (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يحل جاريته لأخيه؟ قال: لا بأس، قال: قلت: فإنها جاءت بولد» الحديث،.
و سيأتي تمامه إن شاء الله قريبا.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) عن عبد الكريم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: في الرجل يحل لأخيه فرج جاريته؟ قال: نعم، له ما أحل منها».
و عن أبي بكر الحضرمي (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إن امرأتي أحلت لي جاريتها، فقال: انكحها إن أردت، قلت: أبيعها؟ قال: لا، إنما حل لك منها ما أحلت».
و عن الحسن بن عطية (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أحل الرجل من جاريته قبلة لم يجز له غيرها، فإن أحل له منها دون الفرج لم يحل له غيره، و إن أحل له الفرج حل له جميعا».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 469 ح 8، التهذيب ج 7 ص 242 ح 10 و ص 462 ح 62 مع تفاوت يسير، الوسائل ج 14 ص 227 ح 2 ص 534 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 469 ح 6، التهذيب ج 7 ص 247 ح 25، الفقيه ج 3 ص 290 ح 23، الوسائل ج 14 ص 540 ح 3 و 4 و ما في المصادر «قلت لأبي جعفر (عليه السلام)».
(3) الكافي ج 5 ص 468 ح 3، التهذيب ج 7 ص 242 ح 9 و فيه «عن أبى عبد الله- (عليه السلام)-»، الوسائل ج 14 ص 538 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 468 ح 4، الوسائل ج 14 ص 539 ح 2.
(5) الكافي ج 5 ص 470 ح 15، التهذيب ج 7 ص 245 ح 18، الوسائل ج 14 ص 539 ح 1.
314
و في الصحيح عن هشام بن سالم و حفص بن البختري (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يقول لامرأته: أحلي لي جاريتك، فإني أكره أن تراني منكشفا، فتحلها له، قال: لا يحل له منها إلا ذلك، و ليس له أن يمسها و لا أن يطأها» و زاد فيه هشام «له أن يأتيها؟ قال: لا يحل له إلا الذي قالت».
و عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة أحلت لي جاريتها؟ فقال: ذلك لك، قلت: فإن كانت تمزح؟ قال: كيف لك بما في قلبها، فإن علمت أنها تمزح فلا».
إلى غير ذلك من الأخبار، و سيأتي شطر منها إن شاء الله تعالى في الأبحاث الآتية.
احتج المانعون على ما نقله في المختلف بقوله عز و جل «وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ. إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ العٰادُونَ» (3) و هذا خارج عن القسمين فيدخل تحت العدوان.
و ما رواه
الحسين بن علي بن يقطين (4) في الصحيح قال: «سألته عن الرجل يحل فرج جاريته؟ قال: لا أحب ذلك».
و عن عمار الساباطي (5) عن الصادق (عليه السلام) «في المرأة تقول لزوجها: جاريتي لك قال: لا يحل له فرجها إلا أن تبيعه أو تهب له».
و أجاب في المختلف عن الآية بأن المراد بالملك في الآية ما يشمل ملك المنفعة، فيكون نكاح التحليل مندرجا تحت الآية، و عن الحديث الأول بالحمل
____________
(1) الكافي ج 5 ص 469 ح 7، التهذيب ج 7 ص 245 ح 17، الوسائل ج 14 ص 538 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 469 ح 8، التهذيب ج 7 ص 242 ح 10، و فيه «أحلت لزوجها»، الوسائل ج 14 ص 534 ح 3.
(3) سورة المؤمنون- آية 5 و 6 و 7.
(4) التهذيب ج 7 ص 243 ح 11، الوسائل ج 14 ص 533 ح 7.
(5) التهذيب ج 7 ص 243 ح 13، الوسائل ج 14 ص 535 ح 5.
315
على الاستحباب، قال: و الثاني ضعيف السند، مع أن الصيغة و هي التحليل لم توجد، انتهى.
و الأظهر عندي حمل الخبرين على التقية، فإن العامة مطبقون على عدم صحة نكاح التحليل و هو من خواص الإمامية- أنار الله برهانهم.
و يشير إلى ما ذكرنا كلام الشيخ في الجواب عن خبر الحسين بن علي بن يقطين حيث إنه قال: إن هذا الخبر و رد مورد الكراهة، و الوجه فيه أن هذا مما لا يراه غيرنا، و مما يشنع علينا مخالفونا به، فالتنزه عنه أولى. انتهى، و هو يرجع إلى الحمل على التقية كما ذكرناه.
و من هذه الأخبار المتقدمة و أمثالها يعلم صحة ما صرح به الأصحاب من أنه يجب الاقتصار في التحليل على ما تناوله اللفظ، فلو أحل له قبلة خاصة- اقتصر عليها و حرم ما زاد- و النظر خاصة اختص الحل به، و لو أحل له الخدمة خاصة حرم ما سواها، و لو أحل له الوطي لم يحل له الاستخدام. نعم يحل له غيره من ضروب الاستمتاع لدلالته على الوطي بالمطابقة، و دلالته على باقي وجوه الاستمتاع كالنظر و اللمس و القبلة و نحوها بالالتزام، و بذلك صرحت رواية الحسن بن عطية.
الثاني [في اعتبار صيغة لنكاح التحليل]
لا ريب في اعتبار صيغة لهذا النكاح، فإن مجرد التراضي لا يكفي حل الفروج إجماعا، و قد أجمعوا على الجواز بلفظ التحليل، لأنه هو الوارد في النصوص كما عرفت مما قدمناه من الأخبار و غيره على هذا المنوال أيضا، فيصح بقوله: أحللت لك وطؤ فلانة، أو: جعلتك في حل من وطئها، قاصدا به الإنشاء.
و اختلفوا في لفظ الإباحة، فالمشهور- و هو قول الشيخ في النهاية و أتباعه و المرتضى- أنه لا يفيد الحل، و نقل عن العلامة في أحد قوليه وقوفا على ظاهر النصوص، و تمسكا بالأصل، و ذهب الشيخ في المبسوط و ابن إدريس و المحقق و العلامة في القول الآخر و جماعة إلى الاكتفاء به لمشاركته للتحليل في المعنى، و يجوز إقامة كل من المترادفين مقام الآخر كما ذكر في الأصول.
316
و رد بمنع الاكتفاء بالمرادف، فإن في النكاح شائبة العبادة، و كثير من أحكامه توقيفية، و في معنى الإباحة أذنت لك في وطئها، و سوغت لك و ملكتك ذلك، فمن جوز الإباحة اكتفى بهذه الألفاظ لأنها في معناها، و من اقتصر على التحليل منع منها.
أقول:
و روى الشيخ في التهذيب (1) عن هشام بن سالم قال: «أخبرنا محمد بن مضارب قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا محمد خذ هذه الجارية تخدمك و تصيب منها فإذا خرجت فارددها إلينا».
و فيه كما ترى دلالة على الاكتفاء بالكنايات، فبطريق الأولى الاكتفاء بالإباحة، و ما في معناها من هذه الألفاظ المذكورة و نحوها.
و أما لفظ العارية فظاهر المحقق في النافع أنه لا خلاف في المنع منه حيث نقل الاتفاق من الجميع على المنع.
و يدل عليه ما رواه
في الكافي (2) عن أبي العباس البقباق قال: «سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) و نحن عنده عن عارية الفرج، فقال: حرام، ثم مكث قليلا ثم قال: و لكن لا بأس بأن يحل الرجل جاريته لأخيه».
إلا أنه نقل السيد السند في شرح النافع عن ظاهر ابن إدريس حصول أبا عبد الله (عليه السلام) و نحن عنده عن عارية الفرج، فقال: حرام، ثم مكث قليلا ثم قال: لكن: لا بأس بأن يحل الرجل جاريته لأخيه».
إلا أنه نقل السيد في شرح النافع عن ظاهر ابن إدريس حصول التحليل به، ثم قال: و يدل عليه
رواية الحسن العطار (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن عارية الفرج، قال: لا بأس به، قلت: فإن كان منه ولد؟ فقال: لصاحب الجارية إلا أن يشترط عليه».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 470 ح 14، التهذيب ج 7 ص 242 ح 7، الوسائل ج 14 ص 532 ح 6.
(2) الكافي ج 5 ص 470 ح 16، التهذيب ج 7 ص 244 ح 15، الوسائل ج 14 ص 536 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 246 ح 21، الوسائل ج 14 ص 540 ح 2.
317
ثم قال: و هي ضعيفة بجهالة الراوي، فالأحوط الاقتصار على لفظ التحليل، لأنه المتفق و إن كان الاجتزاء بكل لفظ أفاد الاذن في الوطي لا يخلو من قوة، انتهى.
أقول: أما ما ذكره من ضعف الرواية بجهالة الراوي فإنه يمكن المناقشة فيه بأن الحسن العطار هنا الظاهر أنه الحسن بن زياد العطار الضبي، و هو ثقة فتكون الرواية صحيحة.
و أما ما ذكره من الاحتياط أو الاقتصار على لفظ التحليل و إن كان الاجتزاء بكل لفظ أفاد الاذن في الوطي لا يخلو من قوة فهو جيد، و يؤيده ما تقدم في غير مقام من أن المدار في العقود مطلقا على الألفاظ الدالة على الرضاء بمقتضى ذلك العقد بأي لفظ كان، فهنا بطريق أولى حيث إنه في الحقيقة لا يخرج عن الإباحة كما سيظهر لك إن شاء الله تعالى، و الأمر فيها أوسع دائرة من العقود و يؤيده تأييدا رواية محمد بن مضارب المتقدمة.
بقي الكلام في تعارض رواية البقباق الدالة على عدم جواز النكاح بالعارية، و رواية الحسن العطار الدالة على جوازه، و أنه لا بأس به، و قد جمع بينهما في الوافي بحمل العارية في رواية الحسن على التحليل، و أنه قد أطلق عليه تجوزا، و لا بأس به في مقام الجمع، و الله العالم.
الثالث [في أن التحليل هنا هل هو عقد أو إباحة؟]
اختلف الأصحاب في أن التحليل هنا هل هو عقد إباحة و تمليك منفعة؟ فنقل عن السيد المرتضى أنه عقد متعة محتجا على ذلك بأنه ليس ملك يمين، لأن المفهوم من ملك اليمين ملك الرقبة فيكون عقدا لانحصار سبب الإباحة في العقد و الملك بنص القرآن، و المشهور أنه ملك منفعة، لأنه ليس عقد دوام، و إلا لم يرتفع إلا بالطلاق و هو باطل إجماعا، و لا عقد متعة، لأنه مشروط بذكر المهر و الأجل و هما غير معتبرين في التحليل، و إذا انتفى كونه عقدا ثبت كونه تمليك منفعة، لأن الحل دائر مع العقد و الملك على سبيل منع الخلو، و إذا انتفى الأول ثبت الثاني.
318
قال السيد السند في شرح النافع بعد ذكر ذلك و هو جيد: لو انحصر طريق الحل في المنفعة و الملك، لكنه غير ثابت خصوصا مع استفاضة الأخبار بل تواترها بأن التحليل طريق إلى حل الوطي، انتهى.
أقول: فيه أنه لا ريب في أن مقتضى قوله عز و جل «إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ العٰادُونَ» (1) هو انحصار الحل في العقد و الملك، إلا أنه حيث ثبت بالأخبار حصول الحل بالتحليل فلا بد من إرجاع ذلك إلى أحد الفردين المذكورين في الآية لئلا يلزم طرح الأخبار المذكورة لخروجها على خلاف ما صرح به الكتاب العزيز حسب ما استفاضت به
أخبارهم (عليهم السلام) «أن كل خبر خالف القرآن يضرب به عرض الحائط (2).
و بالجملة فاللازم إما منع دلالة الآية على الحصر، و الظاهر أنه لا يقول به لتصريحها بأن من ابتلى و راء ذلك فهو عاد، و أما طرح الأخبار المذكورة فالجمع بين الأدلة حيثما أمكن أولى من طرحها، و هو هنا ممكن على القول المشهور بحمل الملك في الآية على ما هو أعم من ملك الرقبة أو المنفعة.
و كيف كان فالظاهر هو القول المشهور، إذ لا يخفى على من تأمل الأخبار المتقدمة و ما اشتملت عليه من
قوله (عليه السلام) «لو أحل له قبلة لم يحل له سواها، و أنه لا يحل له إلا ما أحل».
و قوله «يحل له ما دون الفرج».
و نحو ذلك أنه لا مجال للحمل على العقد المدعى هنا و لا معنى له، بل ليس إلا مجرد الإباحة و تمليك تلك المنفعة الخاصة التي تعلق بها الاذن، و كذا ما تضمن أنه لو أحل له الفرج حل له جميع ذلك، لا معنى له إلا إباحة الفرج له، فإنه يستبيح به ما عداه من نظر و لمس و تقبيل و نحوها، و لا معنى للعقد هنا بوجه، فكلام السيد المزبور على غاية من القصور.
____________
(1) سورة المؤمنون- آية 6 و 7.
(2) لم نعثر عليه بهذا اللفظ.
319
إذا عرفت ذلك فاعلم أن ظاهر الأصحاب وجوب القبول على كل من القولين، قال في المسالك: أما على العقد فظاهر، و اما التمليك فلأنه في معنى هبة المنفعة فيكون أيضا من قبيل العقود، و إنما نفينا عنه اسم عقد النكاح، لا مطلق العقود، فالتحقيق أنه عقد في الجملة على التقديرين، انتهى.
و فيه أنه لا يخفى على من راجع الأخبار الواردة في المقام أنها على كثرتها و تعددها لا إشارة فيها إلى اعتبار القبول كما عرفت من الأخبار المتقدمة و نحوها غيرها فإنها كلها على هذا المنوال، بل هي بالدلالة على العدم أنسب و إليه أقرب، و قد اعترف بذلك أيضا سبطه السيد السند في شرح النافع، فقال بعد نقل ذلك عنهم: و ليس في الروايات ما يدل عليه، بل الظاهر منها خلافة، انتهى.
ثم إن المشهور بينهم أنه لا يفتقر إلى تعيين مدة، و نقل عن الشيخ في المبسوط أنه يفتقر، و لم نقف له على دليل، و الروايات على كثرتها خالية من ذلك، و الظاهر أنه لا يشترط فيه ما تقدم في نكاح الإماء من الاشتراط بفقدان الطول و خوف العنت لإطلاق أكثر الأخبار و خصوص صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع المتقدمة و هي الأولى منها، و رواية أبي بكر الحضرمي المتقدمة أيضا.
الرابع [في تحليل السيد أمته لعبده]
اختلف الأصحاب في تحليل السيد أمته لعبده، فذهب جملة منهم الشيخ في النهاية و العلامة في المختلف و ولده فخر المحققين إلى العدم
لصحيحة علي بن يقطين (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) «أنه سئل عن المملوك أ يحل له أن يطأ الأمة من غير تزويج إذا أحل له مولاه؟ قال: لا يحل له».
و استدلوا أيضا بأنه نوع تمليك، و العبد ليس أهلا له.
و ذهب ابن إدريس و المحقق في الشرائع إلى الجواز، و يدل عليه ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) عن فضيل مولى راشد قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): لمولاي في
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 243 ح 14، الوسائل ج 14 ص 536 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 238 ح 60، الوسائل ج 14 ص 536 ح 1.
320
يدي مال، فسألته أن يحل لي مما أشتري من الجواري، فقال: إن كان يحل لك إن أحل لك فهو حلال، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فقال: إن أحل لك جارية بعينها فهو لك حلال، و إن قال: اشتر منهن ما شئت، فلا تطأ منهن شيئا إلا من يأمرك، إلا جارية يراها فيقول: هي لك حلال، و إن كان لك أنت مال فاشتر من مالك ما بدا لك».
و إلى هذه الرواية مع الرواية السابقة أشار المحقق في الشرائع بقوله: و في تحليل أمته لمملوكه روايتان: إحداهما المنع، و ظاهر شيخنا في المسالك أنه لم يقف على الرواية الثانية حيث قال: و الرواية التي أشار المصنف إلى دلالتها على الجواز لم نقف عليها و لا ذكرها غيره، و إنما التجأ في تعليل هذا القول و الاحتجاج له إلى الأدلة العقلية التي يتكلفونها في أمثال هذا الموضع.
قال: و اختار المصنف الحل لوجود المقتضي، و انتفاء المانع، إذ ليس إلا كونه لا يملك و نفي ملكه مطلقا ممنوع، سلمنا لكن المراد بالملك هنا الإباحة بمعنى استحقاق البضع و إباحته لا الملك بالمعنى المشهور لأن ملك البضع لا معنى له إلا الاستحقاق المذكور.
و أنت خبير بما فيه كما سلف الكلام في مثله في غير موضع، و قد اتفق لسبطه في شرح النافع أيضا- من حيث عدم وقوفه على الرواية- ارتكاب تكلف آخر أيضا، فقال- بعد قول المصنف: و في تحليل أمته لمملوكه تردد، و مساواته للأجنبي أشبه- ما هذا لفظه: منشأ التردد من إطلاقات الروايات المتضمنة لحل الأمة بالتحليل المتناولة للحر و العبد، و من صحيحة علي بن يقطين المتضمنة للمنع من ذلك، ثم ساق الرواية.
و فيه أن ما ادعاه من إطلاق الروايات و تناوله للحر و العبد غير مسلم، إذ لا وجود له في الأخبار كما لا يخفى على من راجعها، و قد تقدم لك شطر منها، فإنه ليس فيها ما يتناول للمملوك بوجه، إذ غاية ما دلت عليه و به صرحت عباراتها
321
إنما هو الرجل يحل جاريته لأخيه، و منها ما هو مخصوص بالمرأة تحل لزوجها أو المرأة لابنها و نحو ذلك، و ليس فيها إشارة إلى الحل للمملوك بالكلية.
و تردد المصنف إنما هو من تعارض الخبرين المذكورين، و لكنه لما لم يطلع على الخبر الدال على الجواز ارتكب هذا التكلف مع ما عرفت من بطلانه.
و كيف كان فالظاهر هو حمل صحيحة علي بن يقطين على التقية، كما قدمنا ذكره في المورد الأول، لاعتضاد رواية الجواز المذكورة بجملة من الأخبار الدالة على جواز تسري العبد الجواري بإذن مولاه.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن المملوك كم يحل أن يتزوج؟ قال: حرتان أو أربع إماء: و قال: لا بأس إن كان في يده مال، و كان مأذونا له في التجارة أن يتسري ما شاء من الجواري و يطأهن».
و ما رواه
في الكافي (2) عن إسحاق بن عمار قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المملوك يأذن له مولاه أن يشتري من ماله الجارية و الثنتين و الثلاث و رقيقة له حلال؟ قال: يحد له حدا لا يجاوزه».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا أذن الرجل لعبده أن يتسرى من ماله، فإنه يتسرى كم شاء بعد أن يكون قد أذن له».
و ظاهره في المسالك أيضا حمل صحيحة علي بن يقطين على التقية، قال: لأن العامة يمنعون التحليل مطلقا، إلا أنه من حيث عدم اطلاعه على الرواية المعارضة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 477 ح 3، التهذيب ج 8 ص 210 ح 54، الوسائل ج 14 ص 520 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 477 ح 4، الوسائل ج 14 ص 407 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 477 ح 5، التهذيب ج 7 ص 296 ح 77، الوسائل ج 14 ص 407 ح 3.
322
استشكل، فقال: و مع ذلك ففي تكلف الحمل مع عدم وجود المعارض إشكال، ثم قال: إنه لا فرق على القولين بين تحليل عبده لأمته أو عبد غيره إذا أذن سيده و إنما خص المصنف عبده لموضع النص.
و عندي فيه إشكال، لأن التحليل على خلاف الأصل و خارج عن مقتضى القواعد و ظاهر القرآن، و لهذا أطبق العامة على عدم جوازه، و لكن لما تكاثرت به أخبارنا من غير معارض فيها أطبق الأصحاب على جوازه، إلا الشاذ النادر، و تكلفوا إدخاله في الآية كما تقدم، و لا ريب أن مورد الأخبار كما لا يخفى على من تتبعها إنما هو التحليل للحر خاصة، و التحليل للعبد إنما وقع في خبر فضيل مولى راشد، و مورده مختص بتحليل السيد أمته لعبده، و حينئذ فالحكم بتحليل السيد أمته لعبد غيره مع إذن مالك العبد مما لا دليل له في الأخبار، و حمله على ما نحن فيه من عبد السيد و أمته كما يفهم من كلامه لا يخرج عن القياس.
الخامس [حكم الأمة المبعضة أو المشتركة]
قالوا: لو ملك بعض الأمة، و كان البعض الآخر حرا، فأحلت نفسها له، لم يحل له نكاحها، و لو كانت بين شريكين، فأحل أحد الشريكين حصته لشريكه فقولان: المشهور المنع.
أقول: قد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام بما يتعلق بكل من المسألتين المذكورتين في المسألة السادسة من المطلب الأول مفصلا فليرجع إليه.
السادس [حكم الولد الحاصل من التحليل]
إذا أحل السيد أمته لحر و حصل من التحليل ولد، فلا يخلو إما أن يشترط في صيغة التحليل كونه حرا أو رقا، أو لا يشترط شيء منهما.
و على الأول فإنه يكون حرا، و لا قيمة على الأب إجماعا.
و على الثاني يبنى على صحة هذا الشرط في نكاح الأمة و عدمه، و قد تقدم الكلام فيه في المسألة الثانية من المطلب الأول.
و على الثالث فالمسألة محل خلاف بين الأصحاب، فالمشهور بين المتأخرين و به قال الشيخ في الخلاف و المرتضى و ابن إدريس أنه حر، و لا قيمة على أبيه
323
و خالف في ذلك الشيخ في النهاية و المبسوط و كتابي الأخبار، فقال: بأنه رق، قال في النهاية: و متى جعله في حل من وطئها، و أتت بولد كان لمولاها و على أبيه أن يشتريه بماله إن كان له مال، و إن لم يكن له مال استسعى في ثمنه، و إن شرط أن يكون حرا كان على ما شرط و نحوه في المبسوط و كتابي الأخبار، و منشأ هذا الخلاف اختلاف الأخبار و الانظار.
فمما يدل على القول المشهور ما رواه
في الكافي (1) عن زرارة في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يحل جاريته لأخيه؟ فقال: لا بأس بذلك، قلت:
فإنه قد أولدها، قال: يضم إليه ولده، فترد الجارية على مولاها، قلت: فإنه لم يأذن له في ذلك، قال: إنه قد حلله منها فهو لا يأمن ذلك».
و ما رواه
الشيخ (2) في الموثق عن إسحاق بن عمار قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يحل جاريته لأخيه؟ أو حرة حللت جاريتها لأخيها؟ قال: يحل له من ذلك ما أحل له، قلت: فجاءت بولد، قال: يلحق بالحر من أبويه».
و عن عبد الله بن محمد (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقول لأخيه جاريتي لك حلال، قال: قد حلت له، قلت: فإنها قد ولدت، قال: الولد له و الام للمولى، و اني لأحب للرجل إذا فعل بأخيه أن يمن عليه فيهبها له».
أقول:
يعني إذا جاءت بولد.
و مما يدل على القول الآخر ما رواه
الصدوق- رحمة الله عليه- و الشيخ (4) عن ضريس بن عبد الملك في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «الرجل يحل لأخيه جاريته
____________
(1) الكافي ج 5 ص 469 ح 6، التهذيب ج 7 ص 247 ح 25، الوسائل ج 14 ص 540 ح 4 و ما في المصادر اختلاف يسير مع ما نقله- (قدس سره).
(2) التهذيب ج 7 ص 247 ح 23، الوسائل ج 14 ص 541 ح 7.
(3) التهذيب ج 7 ص 247 ح 24، الوسائل ج 14 ص 541 ح 6.
(4) التهذيب ج 7 ص 248 ح 26، الفقيه ج 3 ص 290 ح 22، الوسائل ج 14 ص 540 ح 1.
324
و هي تخرج في حوائجه، قال: هي له حلال، قلت: أ رأيت إن جاءت بولد ما يصنع به؟ قال: هو لمولى الجارية، إلا أن يكون قد اشترط عليه حين أحلها له أنها إن جاءت بولد فهو حر، قال: إن كان فعل فهو حر، قلت: فيملك ولده؟ قال: إن كان له مال اشتراه بالقيمة».
و روى الشيخ هذه الرواية في التهذيب بسند آخر ضعيف، و هو الذي نقله الأصحاب في كتب الاستدلال، و لذا ردوا الرواية بذلك كما أشار إليه المحقق في الشرائع، و صرح به الشارح في المسالك، و العلامة في المختلف، و لم يقفوا على رواية الشيخ لها بالسند الآخر الصحيح و مثله الصدوق في الفقيه.
و يدل على ذلك
صحيحة الحسن العطار (1) و هو الحسن بن زياد العطار، و قد و ثقة النجاشي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن عارية الفرج؟ قال: لا بأس به، قلت: فان كان منه ولد، فقال: لصاحب الجارية إلا أن يشترط عليه».
و المراد بالعارية هنا التحليل كما تقدم ذكره.
و ما رواه
في التهذيب (2) عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبى الحسن (عليه السلام) «في امرأة قالت لرجل: فرج جاريتي لك حلال، فوطأها فولدت ولدا، قال: يقوم الولد عليه بقيمته».
و قد رد المتأخرون هذه الروايات بضعف الاسناد، و قال في المسالك: و في طريق الاولى علي بن فضال، و الثانية مجهولة بالعطار، و الثالثة بعبد الرحمن بن حماد، و أراد بالأولى صحيحة ضريس بناء على نقلها بذلك السند الضعيف كما عرفت، و أراد بالثانية صحيحة الحسن العطار، و بالثالثة رواية إبراهيم بن عبد الحميد، و مثله العلامة في المختلف، و كان الحامل لهم على الطعن في الحسن العطار هو ما في الفهرست من قول الشيخ: الحسن العطار له أصل يروى عنه ابن أبي عمير،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 246 ح 21، الوسائل ج 14 ص 540 ب 37 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 248 ح 27، الوسائل ج 14 ص 541 ح 5.
325
و فيه أن الظاهر إن الرجل المذكور هو ما ذكره النجاشي بقوله الحسن بن زياد العطار مولى بني ضبة كوفي ثقة- إلى أن قال:- له كتاب يروي عنه ابن أبي عمير فإن الوصف بالعطار و رواية ابن أبي عمير عنه قد اتفقت عليه العبارتان، و لكن النجاشي زاد ذكر الأب، و الشيخ لم يتعرض له، و بالجملة فالمتأمل في ذلك لا يخفى عليه أن الرجل واحد.
و أجاب الشيخ عن الروايات الأولة بالحمل على أحد وجهين:
(الأول) الحمل على اشتراط الأب الحرية فإنها مجملة قابلة لذلك.
(الثاني) الحمل على أن يكون ضم ولده إليه و لحوقه به بالقيمة كما هو صريح عبارته في النهاية المتقدمة ذكرها، و يبعد الأول قوله (عليه السلام) في آخر حسنة زرارة قد حلله منها و هو لا يأمن ذلك، و يرجح الثاني قوله (عليه السلام)
في آخر رواية إبراهيم بن عبد الحميد «يقوم الولد عليه بقيمته».
و قوله
في آخر صحيحة ضريس «قلت: فيملك ولده؟ قال: إن كان له مال اشتراه بالقيمة».
و قال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه- بعد أن أورد حسنة زرارة و صحيحة ضريس- ما صورته: قال مصنف هذا الكتاب- رحمة الله عليه-: هذان الحديثان متفقان، و ليسا بمختلفين و خبر
حريز عن زرارة قال «يضم إليه ولده».
يعني بالقيمة ما لم يقع الشرط بأنه حر. انتهى، و هو جمع حسن بين الأخبار، و قد رجحه السيد السند في شرح النافع فإنه قال- بعد نقل كلام الصدوق-:
و ما ذكره من الجمع جيد.
و أما ما احتج به بعض المتأخرين من عموم الأخبار المتقدمة- في المسألة الثانية من المطلب الأول الدالة على أن ولد الحر لا يكون إلا حرا- منظور فيه بأن الدليل هناك مورده التزويج، و التحليل أمر آخر، و لهذا أن الشيخ في المبسوط فرق بين ما إذا قلنا بأن التحليل عقد كما هو قول المرتضى أو إباحة، فأوجب إلحاقه بالحر منهما على الأول و حكم بالرقية على الثاني، فقال على
326
ما نقله في المختلف: و يكون الولد لاحقا بأمه و يكون رقا إلا أن يشترط الحرية، و لو كان عقدا يعني التحليل الحق بالحرية على كل حال، لأن الولد عندنا يلحق بالحرية من أي جهة كان. ذكر ذلك في معرض الاستدلال على أن التحليل نوع تمليك لا عقد، على أنه قد دلت هناك جملة من الروايات على الرقية أيضا كما هو مذهب ابن الجنيد.
و بذلك يظهر لك رجحان ما ذهب إليه الشيخ- عطر الله مرقده- و الأصحاب لم ينقلوا الخلاف في هذا المقام إلا عن الشيخ وحده، مع أن عبارة الصدوق المذكورة صريحة في ذلك.
هذا و ظاهر عبارة المحقق في كتابيه أنه لا خلاف في حرية الولد، و إنما الخلاف في وجوب فكه بالقيمة على الأب، قال في الشرائع: ولد المحللة حر، ثم إن شرط الحرية مع لفظ الإباحة فالولد حر، و لا سبيل على الأب، و إن لم يشترط قيل: يجب على أبيه فكه بالقيمة، و قيل: لا يجب، و هو أصح الروايتين، و قال في النافع: ولد المحللة حر، فإن شرط الحرية في العقد فلا سبيل على الأب و إن لم يشترط ففي إلزامه قيمة الولد روايتان، أشبههما أنه لا يلزم.
و أنت خبير بما فيه، فإن الخلاف كما عرفت إنما هو في الحرية و الرقية، و قد صرح الشيخ في عبارته المتقدم نقلها عن المبسوط بالرقية، فقال: و يكون رقا إلا أن يشترط الحرية، و كذا عبارة النهاية، و قوله «كان لمولاها» يعني ملكا لمولاها، و الأخبار أيضا إنما تصادمت في ذلك، و القول بوجوب فكه بالقيمة إنما هو على تقدير الرقية كما عرفت من عبارة الشيخ في النهاية و الصدوق في الفقيه، و القائل بالحرية لا يقول بلزوم القيمة للأب.
أقول: و قد تقدم جملة من أحكام الإماء في كتاب البيع، و في الفصول السابقة من هذا الكتاب.
327
ختام [نوادر الأخبار في الفصل]
يتضمن جملة من الأخبار كالنوادر لهذا الفصل.
فمنها ما رواه
في الكافي (1) عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس أن ينام الرجل بين أمتين و الحرتين، إنما نساؤكم بمنزلة اللعب».
و عن عبد الرحمن بن أبي نجران (2) عمن رواه عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه كان ينام بين جاريتين.
أقول: قد صرح الأصحاب هنا بأنه لا بأس بالنوم بين أمتين، و يكره بين الحرتين.
أما الحكم الأول فاستدلوا عليه بالرواية الثانية، و عللوا الكراهة بما فيه من الامتهان كما ذكره في المسالك، و نحوه سبطه في شرح النافع حيث نقل عنهم ذلك، و قال: لا بأس به.
و فيه أن الخبر الأول- كما ترى- ظاهر في الجواز بالنسبة إلى الإماء و الحرائر، معللا له بما ذكر مما يدل على حسنه و حصول اللذة به.
و روى الشيخ (3) في الصحيح عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل ينكح الجارية من جواريه و في البيت من يرى و يسمع، قال: لا بأس».
و بمضمون هذه الرواية صرح المحقق في النافع فقال: و لا بأس أن يطأ الأمة و في البيت غيره.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 560 ح 16، التهذيب ج 7 ص 486 ح 161، الوسائل ج 14 ص 589 ب 84 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 459 ح 46، الوسائل ج 14 ص 589 ح 2.
(3) التهذيب ج 8 ص 208 ح 41، الوسائل ج 14 ص 584 ح 1.
328
أقول:
قد روى في الكافي (1) عن ابن راشد عن أبيه قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) قال: لا يجامع الرجل امرأته و لا جاريته و في البيت صبي، فإن ذلك مما يورث الزنا».
و هو ظاهر في الكراهة كالحرة، اللهم إلا أن يقال: إنه لا منافاة بين نفي البأس الدال على الجواز و الكراهة.
و روى في الكافي (2) عن عبد الرحمن بن أبي نجران عمن رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أتى الرجل جاريته ثم أراد أن يأتي الأخرى توضأ».
و فيه دلالة على استحباب الوضوء في هذا الحال.
و روى الراوندي سعيد بن هبة الله في كتاب الخرائج و الجرائح (3) عن الحسن ابن أبي العلاء قال: «دخل على أبي عبد الله (عليه السلام) رجل من أهل خراسان فقال: إن فلانا بن فلان بعث معي بجارية و أمرني أن أدفعها إليك، قال: لا حاجة لي فيها إنا أهل بيت لا تدخل الدنس بيوتنا، قال: لقد أخبرني أنها ربيبة حجره، قال:
لا خير فيها، فإنها قد أفسدت، قال: لا علم لي بهذا، قال: أعلم أنه كذا».
و عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) «أنه دخل عليه رجل من أهل خراسان، فقال (عليه السلام):
ما فعل فلان؟ قال: لا علم لي به، قال: أنا أخبرك به، بعث معك بجارية لا حاجة فيها، قال: و لم قال: لأنك لم تراقب الله فيها حيث عملت ما عملت ليلة نهر بلخ، فسكت الرجل، و علم أنه أعلم بأمر عرفه».
قال في الوسائل بعد نقل هذين الخبرين: و روى الراوندي و المفيد و الطبرسي و الصدوق و غيرهم أحاديث كبيرة في هذا المعنى، و أنه أرسل إليهم (عليهم السلام) بهدايا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 499 ح 1، التهذيب ج 7 ص 414 ح 27، الوسائل ج 14 ص 94 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 459 ح 45، الوسائل ج 14 ص 589 ب 84 ح 2 و لم نعثر عليه في الكافي.
(3) الخرائج ص 232، الوسائل ج 14 ص 573 ح 1.
(4) الخرائج ص 232، الوسائل ج 14 ص 573 ح 2.
329
و جواز زنا بهن الرسل، فأخبروا بالحال، و ردوا الجواري (1).
و ظاهر صاحب الوسائل عموم هذا الحكم لغيرهم (عليهم السلام) أيضا فقال: باب كراهة وطئ الجارية الزانية بالملك و تملكها و قبول هبتها، و الظاهر بعده، فإن ظاهر الخبر الأول هو اختصاص هذا الحكم بهم (عليهم السلام) لقوله (عليه السلام) «إنا أهل بيت لا تدخل الدنس بيوتنا» لا أنه عام لغيرهم، مع ما عرفت من الأخبار المتكاثرة الدالة على جواز تزويج الزانية، و المتعة بها، و إمساك امرأته التي يعلم أنها تزني، و جوازه في الحرة- خصوصا الزوجة- يقتضي ثبوته في الأمة بطريق أولى كما لا يخفى.
و روى في الكافي (2) عن جعفر بن يحيى الخزاعي عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «قلت له: اشتريت جارية من غير رشدة، فوقعت مني كل موقع، فقال: سل عن أمها لمن كانت، فسله يحلل الفاعل بأمها ما فعل ليطيب الولد».
أقول: قد تقدم في باب الرضاع أخبار عديدة نظير هذا الخبر في الاسترضاع ممن ولادتها من الزنا.
و منها
رواية إسحاق بن عمار (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن غلام لي وثب على جارية لي فأحبلها فولدت، و احتجنا إلى لبنها فإن أحللت لهما ما صنعا أ يطيب اللبن؟ قال: نعم».
و قد صرح جملة من الأصحاب بالإعراض عنها، و ارتكبوا التأويل فيها بالحمل على ما إذا كانت الأمة قد تزوجت بدون إذن مولاها، فإن الأولى له إجازة العقد ليطيب اللبن، مستندين إلى أن إحلال ما مضى من الزنا لا يرفع إثمه، و لا يرفع حكمه، فكيف يطيب لبنه، و هذه المناقشة تجري في هذا الخبر أيضا إلا أنها
____________
(1) الخرائج ص 299، الوسائل ج 14 ص 573 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 560 ح 18، الوسائل ج 14 ص 570 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 43 ح 6، التهذيب ج 8 ص 109 ح 18، الوسائل ج 15 ص 185 ح 5.
330
غير ملتفت إليها، فإنه اجتهاد في مقابلة النصوص، و استبعاد محض بل جرأة على أهل الخصوص.
و روى الشيخ (1) عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أيما رجل وقع على وليدة قوم حراما ثم اشتراها فادعى ولدها فإنه لا يورث منه، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) سلم قال: الولد للفراش و للعاهر الحجر، و لا يورث ولد الزنا إلا رجل يدعى ابن وليدته».
و هو محمول على كون الشراء وقع بعد تحقق الولد كما هو ظاهر الخبر المذكور.
و عن أبي بصير (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن يقال للإماء يا بنت كذا و كذا، و قال: لكل قوم نكاح».
أقول: فيه دلالة على عدم جواز قذف أصحاب الملل و الأديان و الطعن في أنسابهم بما خالف مقتضى شريعتنا إذا كان سائغا في شرائعهم، و عليه تدل جملة من الأخبار.
منها ما رواه
في التهذيب (3) عن عبد الله بن سنان في الحسن قال: «قذف رجل رجلا مجوسيا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: مه، فقال الرجل: إنه ينكح امه و أخته، فقال: ذاك عندهم نكاح في دينهم».
و عن أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كل قوم يعرفون النكاح من السفاح فنكاحهم جائز».
إلى غير ذلك من الأخبار.
____________
(1) الكافي ج 7 ص 163 ح 1، التهذيب ج 8 ص 207 ح 40، الوسائل ج 17 ص 566 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 472 ح 99، الوسائل ج 14 ص 588 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 574 ح 1، التهذيب ج 7 ص 486 ح 164، الوسائل ج 14 ص 588 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 475 ح 115، الوسائل ج 14 ص 588 ح 3.
331
و روى في الكافي (1) عن أبي شبل قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل مسلم ابتلى ففجر بجارية أخيه، فما توبته؟ قال: يأتيه فيخبره و يسأله أن يجعله من ذلك في حل و لا يعود، قال: قلت: فإن لم يجعله من ذلك في حل؟ قال: قد لقي الله و هو زان خائن» الحديث.
و الأصحاب قد صرحوا في هذا الموضع بأنه في صورة طلب التحليل و البراءة منه يعرض له و يكنى و لا يصرح، لما فيه من إثارة العداوة و مزيد الشحناء، و الخبر كما ترى بخلافه.
و عن سليمان بن صالح (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن الرجل ينكح جارية امرأته، ثم يسألها أن تجعله في حل فتأبى، فيقول: إذا لأطلقنك و يجتنب فراشها فتجعله في حل، فقال: هذا غاصب، فأين هو من اللطف».
و عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل تصب عليه جارية امرأته إذا اغتسل و تمسحه بالدهن؟ قال: يستحل ذلك من مولاتها، قال: قلت: إذا أحلت له هل يحل له ما مضى؟ قال: نعم» الحديث.
أقول: و هذا الخبر من قبيل ما تقدم من مرسلة الخزاعي و أخبار الرضاع.
و عن محمد بن مسلم (4) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في امرأة الرجل يكون لها الخادم قد فجرت فتحتاج إلى لبنها؟ قال: مرها، فلتحللها يطيب اللبن».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 469 ح 9، الفقيه ج 4 ص 28 ح 50، الوسائل ج 14 ص 542 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 470 ح 10، الفقيه ج 3 ص 303 ح 36، الوسائل ج 14 ص 542 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 459 ح 47، الوسائل ج 14 ص 542 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 470 ح 12، الوسائل ج 14 ص 543 ح 1.
332
و عن جميل بن دراج (1) عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل كانت له مملوكة فولدت من فجور فكر، مولاها أن ترضع له مخالفة أن لا يكون ذلك جائزا له، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فحلل خادمك من ذلك حتى يطيب اللبن».
أقول: و هذان الخبران من الأخبار المشار إليها آنفا في الدلالة على ما دلت عليه رواية إسحاق بن عمار المتقدمة.
و روى في الكافي (2) عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يجوز للعبد تحرير و لا تزويج و لا إعطاء من ماله إلا بإذن مولاه».
و عن منصور بن حازم (3) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) في مملوك تزوج بغير إذن مولاه، أ عاص لله؟ قال: عاص لمولاه، قلت: حرام هو؟ قال: ما أزعم أنه حرام، و قل له أن لا يفعل إلا بإذن مولاه».
و عن معاوية بن وهب (4) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في رجل كاتب على نفسه و ماله و له أمة و قد شرط عليه أن لا يتزوج، فأعتق الأمة و تزوجها؟
قال: لا يصلح له أن يحدث في ماله إلا الأكلة من الطعام و نكاحه فاسد مردود» الحديث.
أقول: في هذه الأخبار دلالة على ما هو المختار كما قدمنا ذكره في كتاب البيع من القول بأن العبد يملك و لكن التصرف محجور عليه إلا بإذن المولى، و ظاهر هذه الأخبار بعد ضم بعضها إلى بعض هو أن نكاحه بغير إذن المولى و إجازته باطل و إن لم يكن حراما يستحق عليه العقاب، و يشير إليه قول الباقر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 470 ح 13، الوسائل ج 14 ص 543 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 477 ح 1، الوسائل ج 14 ص 522 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 478 ح 5، الوسائل ج 14 ص 522 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 478 ح 6، التهذيب ج 8 ص 269 ح 11، الوسائل ج 14 ص 522 ح 3.
333
(عليه السلام) في حسنة زرارة المتقدمة (1) في المسألة الاولى من المطلب الأول في الرد على العامة القائلين ببطلان النكاح و أنه لا يكون موقوفا على الإجازة، أنه لم يعص الله، و إنما عصى سيده فإذا أجازه فهو جائز.
و روى الشيخ (2) عن مسعدة بن زياد قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): تحرم من الإماء عشرة: لا تجمع بين الام و البنت، و لا بين الأختين، و لا أمتك و هي حامل من غيرك حتى تضع، و لا أمتك و لها زوج، و لا أمتك و هي عمتك من الرضاعة، و لا أمتك و هي خالتك من الرضاعة، و لا أمتك و هي أختك من الرضاعة، و لا أمتك و هي ابنة أختك من الرضاعة، و لا أمتك و هي في عدة، و لا أمتك و لك فيها شريك».
و عن مسمع كردين (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
عشرة لا يحل نكاحهن و لاغشيانهن: أمتك أمها أمتك، و أمتك أختها أمتك، و أمتك و هي عمتك من الرضاعة، و أمتك و هي خالتك من الرضاعة، و أمتك و هي أختك من الرضاعة، و أمتك و قد أرضعتك، و أمتك و قد وطأت حتى تستبرئ بحيضة، و أمتك و هي حامل من غيرك، و أمتك و هي على سوم من مشتري، و أمتك و لها زوج و هي تحته».
و روى في كتاب مكارم الأخلاق (4) عن الحسين بن المختار رفعه «إن سلمان تزوج امرأة غنية، فدخل فإذا البيت فيه الفراش، فقال: إن بيتكم لمحرم، إذ قد تحولت فيه الكعبة، قال: فإذا جارية محتمة، فقال: لمن هذه؟
____________
(1) الكافي ج 5 ص 478 ح 3، التهذيب ج 7 ص 351 ح 63، الفقيه ج 3 ص 350 ح 4، الوسائل ج 14 ص 523 ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 198 ح 1، الفقيه ج 3 ص 286 ح 4، الخصال ج 2 ص 438 ح 27، الوسائل ج 14 ص 516 ح 1.
(3) التهذيب ج 8 ص 198 ح 2، الوسائل ج 14 ص 517 ح 2.
(4) مكارم الأخلاق ص 237، البحار ج 103 ص 342 ح 22.
334
فقالوا: لفلانة امرأتك، قال: من اتخذ جارية لا يأتيها ثم أتت محرما كان وزر ذلك عليه».
و عن الصادق (عليه السلام) (1) «من اتخذ جارية في أنها في كل أربعين يوما مرة».
و عنه (عليه السلام) (2) قال: «إذا أتى الرجل جاريته ثم أراد أن يأتي الأخرى توضأ».
أقول: في الخبر الثاني دلالة على كراهة ترك الجارية بغير وطئ بعد الأربعين يوما.
و نقل في كتاب البحار (3) عن نوادر الراوندي بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال علي (عليه السلام): إذا تزوج الرجل حرة و أمة في عقد واحد، فنكاحهما باطل».
و بهذا الاسناد (4) قال: «قال علي (عليه السلام) إذا تزوج الحر أمة فإنها تخدم أهلها نهارا، و تأتي زوجها ليلا، و عليه النفقة إذا فعلوا ذلك، فإن حالوا بينه و بينها ليلا فلا نفقة».
و الله أعلم بحقائق أحكامه.
____________
(1) مكارم الأخلاق ص 237، البحار ج 103 ص 342 ح 23.
(2) مكارم الأخلاق ص 237، البحار ج 103 ص 342 ح 24.
(3) البحار ج 103 ص 344 ح 34.
(4) البحار ج 103 ص 344 ح 35.
335
الفصل الخامس فيما يلحق بالنكاح
و فيه مقاصد
[المقصد] الأول فيما يرد به النكاح
، و الكلام فيه يقطع في مطالب ثلاثة:
[المطلب] الأول: في العيوب
، و هي إما في الرجل أو المرأة، فههنا مقامان:
[المقام] الأول: في عيوب الرجل
، و هي على المشهور بين الأصحاب أربعة: الجنون، و الخصاء، و العنن، و الجب. و تردد في الشرائع في الرابع ثم قال: و الأشبه تسلطها على الفسخ، و نقل عن ابن البراج في المهذب أنه ذهب إلى اشتراك الرجل المرأة في كون كل من الجنون و الجذام و البرص و العمى موجبا للخيار في النكاح.
و كذلك ابن الجنيد و زاد العرج و الزنا، و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الميل إلى عد الجذام و البرص في عيوب الرجل حيث قال- بعد نقل قولي ابن البراج و ابن الجنيد-: و دليلهما في غير الجذام و البرص غير واضح، أما فيهما ففي غاية الجودة، لصحيحة الحلبي، ثم ساق الرواية، و سيأتي ذكرها و نقل كلامه الذي على أثرها، و بيان ما فيه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا بد من الكلام في كل واحد واحد من هذه الأمور المذكورة.
[الجنون]
(و منها الجنون) قال في المسالك: لا خلاف في كون الجنون من عيوب الرجل المجوزة لفسخ المرأة النكاح في الجملة، ثم إذا كان مقدما على العقد أو مقارنا له ثبت لها به الفسخ مطلقا سواء كان مطبقا أم دوارا، و سواء عقل أوقات الصلاة أم لا، و إن كان متجددا بعد العقد سواء كان قد وطأ أم لا، فإن كان لا يعرف أوقات الصلاة فلها الفسخ أيضا، و إن عقل حينئذ فأكثر المتقدمين كالشيخ و أتباعه على عدم الفسخ، و الأقوى عدم اشتراطه لعدم وجود دليل يفيد التقييد، و تناول
336
الجنون بإطلاقه لجميع أقسامه، فإن الجنون فنون، و الجامع بينهما فساد العقل كيف اتفق، انتهى.
و نقل عن ابن حمزة أنه أطلق أن الجنون الموجب للخيار في الرجل و المرأة هو الذي لا يعقل معه أوقات الصلاة، و هو يشمل المتقدم منه و المتجدد، و المشهور في كلام الأصحاب أنهم لم يقيدوا الجنون بهذا القيد إلا في المتجدد بعد العقد.
قال في المسالك: و كيف كان فلا دليل على اعتبار ذلك، و إن كان مشهورا.
أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار هنا ما رواه
المشايخ الثلاثة (1) عن علي ابن أبي حمزة قال: «سئل أبو إبراهيم (عليه السلام) عن المرأة يكون لها زوج، و قد أصيب في عقله بعد ما تزوجها أو عرض له جنون، فقال لها: أن تنزع نفسها منه إن شاءت».
قال في الفقيه (2) بعد أن أورد هذه الرواية:
و روى في خبر آخر أنه «إن بلغ به الجنون مبلغا لا يعرف أوقات الصلاة فرق بينهما، و إن عرف أوقات الصلاة فلتصبر المرأة معه، فقد ابتليت».
قال السيد السند في شرح النافع بعد نقل ذلك: و كأن هذه الرواية مستند ابن حمزة و من قال بمقالته، لكنها مرسلة، ثم طعن في الرواية الأولى بأن راويها علي بن أبي حمزة، و هو أحد عمد الواقفية، فلا تنهض روايته حجة في إثبات الأحكام الشرعية.
أقول: الظاهر أن الرواية التي أشار إليها الصدوق إنما هي ما صرح به
الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقيه الرضوي (3) حيث قال (عليه السلام): «إذا تزوج رجل فأصابه بعد ذلك جنون فبلغ به مبلغا لا يعرف أوقات الصلاة فرق بينهما، فإن عرف
____________
(1) الكافي ج 6 ص 151 ح 1، التهذيب ج 7 ص 428 ح 19، الفقيه ج 3 ص 338 ح 3.
(2) الفقيه ج 3 ص 338 ح 4.
(3) فقه الرضا ص 237، الوسائل ج 14 ص 607 ح 1 و 3.
337
أوقات الصلاة فلتصبر المرأة معه فقد ابتليت».
و قد عرفت مما تقدم سيما في كتب العبادات نقل الصدوق- رحمة الله عليه- و أبيه في الرسالة عبارات هذا الكتاب و الإفتاء بها و إن كان نقله هنا إنما هو بطريق الرواية، و أبوه في الرسالة قد أفتى بهذه العبارة بعينها، على ما نقله في المختلف (1) و لم أقف في هذا الحكم إلا على هذين الخبرين.
و يمكن الجمع بينهما بتقييد إطلاق رواية علي بن أبي حمزة (2) بما ذكره (عليه السلام) في كتاب الفقه.
ثم إن ظاهر كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه هو أن الجنون بعد العقد، و أن التفصيل بكونه إن كان لا يعقل أوقات الصلاة فلها الفسخ و إن عقل فلا فسخ إنما هو في صورة ما إذا كان الجنون بعد العقد، وطأ أم لا، و هو على هذا دليل لقول الشيخ و من تبعه، و لا يصلح لأن يكون دليلا لابن حمزة، لأن كلامه (عليه السلام) أعم من المتقدم على العقد و المتأخر عنه، و إن كانت العبارة التي نقلها الصدوق- رحمة الله عليه- (3)
____________
(1) حيث قال: و ظاهر كلام على بن بابويه ذلك، فإنه قال: إذا تزوج رجل و أصابه بعد ذلك جنون فبلغ به مبلغا لا يعرف أوقات الصلاة فرق بينهما، و ان عرف أوقات الصلاة فلتصبر المرأة معه، فقد ابتليت. انتهى، و هي عين عبارة كتاب الفقيه كما ترى.
(منه- (قدس سره)-).
(2) فإنها مطلقة بالنسبة إلى عقل أوقات الصلاة و عدمه، و كلامه- (عليه السلام)- في كتاب الفقه مفصل، فيحمل إطلاق الخبر المذكور على التفصيل الذي في كلامه- (عليه السلام)- كما هو القاعدة المقررة في أمثال ذلك. (منه- (قدس سره)-).
(3) الظاهر أن الصدوق بنى في عبارته التي نقلها في الرواية على ما تضمنه الخبر الذي قبلها من فرض الجنون بعد ما تزوجها، فأطلق في نقلها الرواية اعتمادا على ذلك، فكأنه قال: و روى في خبر آخر أنه مع ظهور الجنون بعد التزويج ان بلغ به الجنون.
الى آخره، و اللفظ الذي نقله عنه لفظ الكتاب كلمة كلمة، و عبارة أبيه في الرسالة كما عرفت من نقل المختلف انما هي عبارة الكتاب من أولها إلى آخرها، و بالجملة فإنه لا ريب في كون تلك الرواية هي كلامه- (عليه السلام)- في كتاب الفقه (منه- (قدس سره)-) الفقه الرضوي ص 237.
338
مطلقة، و لهذا إن السيد في شرح النافع جعلها دليلا له، إلا أن الظاهر كما عرفت أن كلام الصدوق- رحمة الله عليه- إنما هو مأخوذ من كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه، و إن أجمل في التعبير عنه، و عبارة الكتاب صريحة في المتأخر عن العقد كما عرفت، و ظاهر رواية علي بن أبي حمزة أيضا أن الجنون إنما هو بعد العقد
لقوله (عليه السلام) «و قد أصيب في عقله بعد ما تزوجها».
و على هذا فمورد روايات المسألة إنما هو المتجدد بعد العقد، و الظاهر أن الوجه فيه هو عدم صحة النكاح لو فرض الجنون قبل العقد، إلا أن يكون الجنون أدوارا و عقد في حال الصحة، أو قلنا بجواز تزويج الولي له.
و كيف كان فإن ما ذكره الأصحاب من العموم أو الإطلاق في المسألة لما قبل العقد أو قارنه أو تأخر عنه لا دليل عليه، بل الموجود في الأدلة إنما هو المتأخر خاصة، و الظاهر أن معتمد المتأخرين بعد الطعن في أخبار المسألة بالضعف إنما هو الاتفاق و الإجماع إن ثبت.
و في المسالك استدل على الحكم المذكور
بصحيحة الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «إنما يرد النكاح من البرص و الجذام و الجنون و العقل».
قال: و هو شامل لما قبل العقد و بعده، و لما يعقل معه أوقات الصلاة و غيره، ثم نقل رواية علي بن أبي حمزة، ثم قال: و هي صريحة في المتجدد شاملة بإطلاقها لما قبل الدخول و بعده، ثم قال: لكن في طريقها ضعف، و عمدة الأمر على الاتفاق على كون الجنون عيبا مطلقا مع عدم وجود دليل مخصص، انتهى.
أقول: ما ذكره من الاستدلال على هذا الحكم بصحيحة الحلبي محل نظر.
أما (أولا) فلأن المتبادر من قوله «إنما يرد النكاح» إنما هو تسلط الزوج
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 424 ح 4، الوسائل ج 14 ص 593 ب 1 ح 6.
339
على الفسخ إذا ظهر بالزوجة أحد هذه العيوب لأن النكاح إنما يستند إلى الزوجة، فيكون رده من قبل الزوج.
و أما (ثانيا) فلأن الكليني و الصدوق- رحمة الله عليهما- قد رويا هذه الرواية بالاشتمال على السؤال عن عيوب المرأة، و الشيخ قد أسقط السؤال، و اقتصر على مجرد الجواب.
و هذه صورة الرواية بنقل الشيخين المذكورين:
عن الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في رجل تزوج إلى قوم فإذا امرأته عوراء، و لم يبينوا له، قال:
لا ترد إنما يرد النكاح من البرص و الجذام و الجنون و العفل، قلت: أ رأيت إن كان قد دخل بها كيف يصنع بمهرها قال: لها المهر بما استحل من فرجها، و يغرم وليها الذي أنكحها مثل ما ساق إليها».
و نقلها
شيخنا المجلسي في كتاب البحار (2) عن الحسين بن سعيد في كتابه عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في الرجل: يتزوج إلى قوم» الحديث.
كما نقله الشيخان المذكوران.
و بالجملة فإن من يقول بهذا الاصطلاح المحدث لا دليل عنده لهذا الحكم إلا ما يتشبثون به من الإجماع الذي قد عرفت في غير مقام ما فيه من النزاع، و لهذا إن السيد السند في شرح النافع قال: و المسألة قوية الإشكال، لانتفاء ما يعتمد عليه من النص فيها، فإن ثبت فيها إجماع على أن الجنون مطلقا أو على بعض الوجوه موجب للخيار: وجب المصير إليه، و إلا فالأمر كما ترى.
و أما من لا يقول به- كما هو الحق الحقيق بالاتباع، و إن كان في هذه الأزمان قليل الاتباع- فالأمر واضح، و العمل على الروايتين المذكورتين، إلا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 406 ح 6، التهذيب ج 7 ص 426 ح 12، الفقيه ج 3 ص 273 ح 4، الوسائل ج 14 ص 597 ح 5.
(2) البحار ج 103 ص 364 ح 18 مع اختلاف يسير.
340
أن موردهما كما عرفت إنما هو الجنون المتجدد بعد العقد أعم من أن يكون قد وطأ أم لا.
بقي شيء، و هو أنه هل يفتقر فسخ المرأة في المتجدد إلى طلاق أم لا؟
ظاهر الشيخ في النهاية الأول حيث قال: فإن حدث بالرجل جنة يعقل معها أوقات الصلاة لم يكن لها اختيار، و إن لم يعقل أوقات الصلاة كان لها الخيار، فإن اختارت فراقه كان على وليه أن يطلقها، و كذا قال ابن البراج في المهذب و ابن زهرة و ابن إدريس لم يذكرا الطلاق.
قال في المختلف: و الوجه أنه لا يفتقر الى طلاق، سواء تجدد بعد الدخول أو قبله كغيره من العيوب، انتهى.
أقول: أنت خبير بأن الروايتين الواردتين في المسألة لا دلالة فيهما على الطلاق بوجه، بل ظاهر رواية علي بن أبي حمزة و قوله فيها «لها أن تنزع نفسها منه إن شاءت» إنما هو الفسخ خاصة و أن الاختيار لها، فأيهما اختارت مضى، و عبارة كتاب الفقه و إن كانت مجملة إلا أن الظاهر حملها على هذه الرواية لصراحتها في الفسخ، و بالجملة فالظاهر ضعف القول المذكور.
[الخصاء]
(و منها الخصاء) و هو بكسر الخاء المعجمة: المرسل الأنثيين، قاله الجوهري، و في كتاب المصباح المنير للفيومي: خصيت العبد و أخصيته خصاء بالكسر و المد سللت خصيته، فهو فعيل بمعنى مفعول، قيل: و الحق به الوجاء، و هو رض الخصيتين بحيث تبطل قوتهما.
و في القاموس: أنه بمعنى الخصاء.
و قال في المسالك: و الوجاء بالكسر و المد أيضا هو رض الخصيتين بحيث تبطل قوتهما، قيل: إنه من أفراد الخصاء، فيتناوله لفظه، انتهى.
و عد الخصاء من عيوب الرجل هو المشهور بين الأصحاب، و يدل عليه
341
جملة من الأخبار.
منها ما رواه
المشايخ الثلاثة (1) في الموثق عن عبد الله بن بكير عن أبيه عن أحدهما (عليهما السلام) «في خصي دلس نفسه لامرأة مسلمة فتزوجها، قال: فقال: يفرق بينهما إن شاءت المرأة، و يوجع رأسه، و إن رضيت به و أقامت معه لم يكن لها بعد رضاها به إن تأباه».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن سماعة في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أن خصيا دلس نفسه لامرأة، قال: يفرق بينهما و تأخذ المرأة منه صداقها، و يوجع ظهره كما دلس نفسه».
و ما رواه
في التهذيب (3) عن عبد الله بن مسكان في الصحيح قال: «بعثت بمسألة مع ابن أعين قلت: سله عن خصي دلس نفسه لامرأة و دخل بها فوجدته خصيا، قال: يفرق بينهما و يوجع ظهره و يكون لها المهر بدخوله عليها».
و ما رواه
الحميري في كتاب قرب الاسناد (4) عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن خصي دلس نفسه لامرأة، ما عليه؟ قال: يوجع ظهره و يفرق بينهما و عليه المهر كاملا إن دخل بها و إن لم يدخل بها فعليه نصف المهر».
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (5) «و إن تزوجها خصي فدلس نفسه لها و هي لا تعلم فرق بينهما، و يوجع ظهره كما دلس نفسه، و عليه نصف الصداق و لا عدة عليها منه، فإن رضيت بذلك لم يفرق بينهما، و ليس لها الخيار بعد ذلك».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 410 ح 3، التهذيب ج 7 ص 432 ح 31، الفقيه ج 3 ص 298 ح 59 و فيه اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 608 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 411 ح 6، التهذيب ج 7 ص 432 ح 32، الوسائل ج 14 ص 608 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 432 ح 33، الوسائل ج 14 ص 608 ح 3.
(4) قرب الاسناد ص 108، الوسائل ج 14 ص 609 ح 5.
(5) فقه الرضا ص 237، الطبعة الأولى سنة 1406 ه، و فيه «لم يفرق ما بينهما».
342
و بهذه العبارة بعينها أفتى الشيخ علي بن بابويه في الرسالة على ما نقله عنه في المختلف (1).
و ما رواه
الكشي في كتاب الرجال عن ابن مسكان (2) «أنه كتب إلى الصادق (عليه السلام) مع إبراهيم بن ميمون يسأله عن خصي دلس نفسه على امرأة، قال: يفرق بينهما و يوجع ظهره».
و نقل عن الشيخ في الخلاف و المبسوط أن الخصاء ليس بعيب، محتجا بأن الخصي يولج و يبالغ أكثر من الفحل، و إنما لا ينزل و عدم الانزال ليس بعيب.
و العجب منه مع ورود هذه الأخبار و نقله لجملة منها في كتب الأخبار كيف يطرحها في معارضة هذا التعليل و يرجحه عليها. و بالجملة فإن الحكم بعد ورود هذه الأخبار مما لا ريب فيه.
بقي الكلام في الوجاء فإن ثبت أنه داخل تحت الخصاء، و إلا فالتمسك بأصالة صحة العقد أقوى مستند في المقام، و بما ذكرناه أيضا صرح السيد السند في شرح النافع.
[العنن]
(و منها العنن) و قد عرفه المحقق في الشرائع بأنه مرض تضعف معه القوة عن نشر العضو بحيث يعجز عن الإيلاج.
قال في المسالك: و الاسم العنة بالضم، و يقال للرجل إذا كان كذلك:
عنين كسكين.
____________
(1) قال في المختلف: و قال على بن بابويه «و ان تزوجها خصى قد دلس نفسه لها و هي لا تعلم فرق بينهما و يوجع ظهره كما دلس نفسه، و عليه نصف الصداق و لا عدة عليها منه» و كذا قال الصدوق في المقنع.
أقول: و هذه العبارة عين عبارة كتاب الفقه المذكورة في الأصل، و به يعلم صحة ما كررناه في غير مقام من اعتماد الصدوقين على هذا الكتاب و الإفتاء بعبارته. (منه- (قدس سره)-).
(2) رجال الكشي ص 243، الوسائل ج 14 ص 609 ح 7.
343
أقول: قال في القاموس: العنين كسكين من لا يأتي النساء عجزا، و لا يريدهن.
و قال في كتاب مصباح المنير: رجل عنين لا يقدر على إتيان النساء، و لا يشتهي النساء، و ظاهره أنه لا بد في تحقق العنن من أمرين: أحدهما العجز عن إتيانهن لضعف العضو و عدم قدرته عن الانتشار، و ثانيهما عدم إرادة القلبية بالكلية، و ظاهر كلام الفقهاء إنما هو الأول خاصة كما عرفت من كلام المحقق.
و كيف كان فإنه قد أجمع الأصحاب على أنه من العيوب الموجبة لتسلط المرأة على الفسخ، و عليه تدل جملة من الأخبار.
منها ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «العنين يتربص به سنة، ثم إن شاءت امرأته تزوجت و إن شاءت أقامت».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (2) عن عباد الضبي و في الفقيه و التهذيبين غياث مكان عباد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال في العنين: إذا علم أنه عنين لا يأتي النساء فرق بينهما، فإذا وقع عليها وقعة واحدة لم يفرق بينهما و الرجل لا يرد من عيب».
و ما رواه
في الكافي (3) عن أبي بصير في الصحيح، و هو المرادي بقرينة ابن مسكان عنه قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة ابتلى زوجها فلا يقدر على الجماع، أ تفارقه؟ قال: نعم إن شاءت، قال ابن مسكان: و في حديث آخر تنتظر سنة، فإن أتاها و إلا فارقته، فإن أحبت أن تقيم معه فلتقم».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه (4) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 431 ح 27، الوسائل ج 14 ص 611 ح 5.
(2) الكافي ج 5 ص 410 ح 4، التهذيب ج 7 ص 430 ح 25، الفقيه ج 3 ص 357 ح 4، الوسائل ج 14 ص 610 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 411 ح 5، الوسائل ج 14 ص 610 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 412 ح 10، التهذيب ج 7 ص 430 ح 23، الفقيه ج 3 ص 358 ح 6، الوسائل ج 14 ص 611 ح 4.
344
أمير المؤمنين (عليه السلام) من أتى امرأته مرة واحدة ثم أخذ عنها فلا خيار لها».
قال في الفقيه: و في خبر آخر «أنه متى أقامت المرأة مع زوجها بعد ما علمت أنه عنين و رضيت به لم يكن لها خيار بعد الرضا».
و ما رواه
في التهذيب (1) عن إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام) كان يقول: إذا تزوج الرجل امرأة فوقع عليها مرة ثم أعرض عنها فليس لها الخيار لتصبر فقد ابتليت».
و عن أبي الصباح الكناني (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة ابتلى زوجها فلا يقدر على الجماع أبدا، أ تفارقه؟ قال: نعم إن شاءت».
و عن الكناني (3) بهذا الاسناد قال: «إذا تزوج الرجل المرأة و هو لا يقدر على النساء أجل سنة حتى يعالج نفسه».
و عن أبي البختري (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) «أن عليا (عليه السلام) كان يقول: يؤخر العنين سنة من يوم ترافعه امرأته، فإن خلص إليها، و إلا فرق بينهما، فإن رضيت أن تقيم معه ثم طلبت الخيار بعد ذلك فقد سقط الخيار و لا خيار لها».
و ما رواه
في كتاب قرب الاسناد (5) عن الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) «أنه كان يقضي في العنين أنه يؤجل سنة من يوم مرافعة المرأة».
و عن عبد الله بن الحسن (6) عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن عنين دلس نفسه لامرأة، ما حاله؟ قال: عليه المهر، و يفرق
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 430 ح 26، الوسائل ج 14 ص 612 ح 8.
(2) التهذيب ج 7 ص 431 ح 28، الوسائل ج 14 ص 611 ح 6.
(3) التهذيب ج 7 ص 431 ح 29، الوسائل ج 14 ص 611 ح 7.
(4) التهذيب ج 7 ص 431 ح 30، الوسائل ج 14 ص 611 ح 9.
(5) قرب الاسناد ص 50، الوسائل ج 14 ص 612 ح 9.
(6) قرب الاسناد ص 108، الوسائل ج 14 ص 612 ح 12.
345
بينهما إذا علم أنه لا يأتي النساء».
و في كتاب الفقه الرضوي (1) قال (عليه السلام) «فإن تزوجها عنين و هي لا تعلم، فإن علم أن فيه علة تصبر عليه حتى يعالج نفسه سنة، فإن صلح فهي امرأته على النكاح الأول، و إن لم يصلح فرق بينهما، و لها نصف الصداق، و لا عدة عليها منه، فإن رضيت بذلك لا يفرق بينهما، و ليس لها خيار بعد ذلك».
أقول: و يفهم من هذه الأخبار بعد ضم بعضها إلى بعض بحمل مطلقها على مقيدها و مجملها على مفصلها أمور:
الأول: إنه يجب تأجيله سنة بعد ظهور العنن، و أن مبدأ ذلك من وقت المرافعة إلى الحاكم الذي وقعت النزاع و الدعوى بينهما، و قد نقل الشهيد الثاني و قبله المحقق الشيخ علي الاتفاق على وجوب التأجيل سنة، مع أن العلامة في المختلف نقل عن ابن الجنيد أنه إن كانت العنة متقدمة على العقد جاز للمرأة الفسخ في الحال، و إن كانت حادثة بعد العقد أجل سنة من حين الترافع.
و احتج له في المختلف برواية الضبي و رواية أبي الصباح الكناني، و الجواب عنهما بما ذكرناه من تقييد إطلاقهما بالأخبار الدالة على التأجيل، و حمل المطلق على المقيد.
و أجاب العلامة عنهم في المختلف بأن العلم إنما يحصل بعد السنة، قال:
و لو قدر حصوله قبلها فالأقوى ما قاله ابن الجنيد.
أقول: الظاهر من الأخبار أن التأجيل سنة ليس لأن العلم به لا يحصل إلا بعد السنة كما ذكره، بل إنما هو لاحتمال زواله بالمعالجة و نحوها و إلا فهو قد ثبت بأحد الأمور الآتية في ثبوته من العجز عن وطئ النساء، أو القيام في الماء البارد و نحوهما مما سيأتي، و لكن الشارع لأجل التوسعة عليه ضرب له هذه المدة للمعالجة كما تضمنه خبر الكناني الثاني، و سيأتي إن شاء الله ما يدل
____________
(1) فقه الرضا ص 237، الطبعة الأولى سنة 1406 ه، و فيه اختلاف يسير.
346
على ما ذكرناه.
الثاني: إنه له تجدد بعد وطئها و لو مرة واحدة فإنه لا فسخ لها، فلتصبر فإنها قد ابتليت، و هو أشهر القولين بين الأصحاب، و ذهب الشيخ المفيد و جماعة إلى أن لها الفسخ أيضا للاشتراك في الضرر الحاصل باليأس من الوطي، و فيه طرح للأخبار المصرحة بالصبر لها و أنها قد ابتليت كرواية إسحاق بن عمار، و رواية الضبي و رواية السكوني.
و ظاهره في المسالك الميل إلى القول الثاني لضعف الأخبار المذكورة، لأن الجمع بين الأخبار بحمل المطلق على المقيد فرع تحقق المعارضة، و هذه الأخبار تقصر عن معارضة الأخبار المطلقة التي فيها الصحيح كصحيحة محمد بن مسلم، قال:
و توقف في المختلف و له وجه، انتهى.
أقول: و سيأتي تتمة الكلام في هذا المقام في المطلب الآتي في أحكام العيوب إن شاء الله تعالى.
الثالث: لو رضيت من المرأة بالزوج بعد العلم بالعنن فإنه لا خيار لها، و الظاهر أنه لا خلاف فيه.
الرابع: الظاهر من الأخبار المتقدمة أن العنن الموجب للفسخ هو عدم إمكان إتيانه النساء، سواء كانت هي أو غيرها، فلو عجز عنها مع إمكان إتيانه غيرها لم يسم عنينا، فإن قوله
في رواية الضبي «إذا علم أنه لا يأتي النساء، فرق بينهما».
و قوله
في رواية أبي بصير «ابتلى زوجها فلم يقدر على الجماع».
ظاهر فيما قلناه، و نحوهما غيرهما.
و يظهر من عبارة الشيخ المفيد المتقدمة أن المعتبر في صدق العنن و عدمه إنما هو بالنسبة إلى الزوجة، و لا عبرة بغيرها، حيث قال: فإن وصل إليها و لو مرة واحدة فهو أملك بها، و إن لم يصل إليها في السنة كان لها الخيار، و مفهومه
347
أنه لو لم يصل إليها و إن وصل إلى غيرها فإن لها الخيار، و هو مشكل (1).
و يمكن حمل كلامه على التمثيل، بمعنى أنه إن أمكنه الوصول إلى من يريد نكاحها من تلك المرأة أو غيرها، و التعبير بها إنما وقع من حيث كونها هي الزوجة المراد الدخول بها.
و الظاهر أنه لا وجه لهذا التقدير الذي بنى عليه الكلام من إمكان زوال العنن بالنسبة إلى امرأته دون أخرى، فإن العنن الذي هو عبارة عن المرض المذكور إن وجد فإنه مانع مطلقا، و إن زال فهو يقدر على الجماع مطلقا، و التعبير في الروايات إنما وقع بناء على ذلك، فربما عبر بالنساء مطلقا، و ربما عبر بالمرأة، و هكذا من العبارات الخارجة مخرج التمثيل دون الخصوصية بفرد دون آخر.
الخامس: ما تضمنته رواية عبد الله بن الحسن المروية في كتاب قرب الاسناد من وجوب المهر كملا، و كلامه في كتاب الفقه الرضوي من التخصيص بالنصف لا يخول من إشكال، و مقتضى قواعد الأصحاب أنه إذا كان الفسخ من قبل المرأة و كان قبل الدخول فإنه يسقط المهر، إلا أنهم استثنوا العنن في هذا المقام، فقالوا:
بأنه ينتصف المهر بالفسخ كما دل عليه كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي، و عليه تدل أيضا
صحيحة أبي حمزة (2) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إذا تزوج الرجل المرأة الثيب التي قد تزوجت زوجا غيره، فزعمت أنه لم يقربها منذ دخل بها- إلى أن قال:- فعلى الامام أن يؤجله سنة، فإن وصل إليها و إلا فرق بينهما و أعطيت نصف الصداق، و لا عدة عليها».
و هذه الرواية هي مستند الأصحاب
____________
(1) أقول: قد ذكرنا هذه المسألة أيضا في المطلب الثاني في أحكام العيوب فليراجع. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 5 ص 411 ح 7، التهذيب ج 7 ص 429 ح 20، الوسائل ج 14 ص 613 ح 1.
348
في تنصيف المهر في هذه الصورة و نحوها كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه.
و أما رواية قرب الاسناد الدالة على إعطاء المهر كملا فلا أعلم بها قائلا، إلا أن المنقول عن ابن الجنيد أنه قال: إن المرأة إن اختارت الفسخ بعد تمكينها إياه من نفسها وجب المهر و إن لم يولج، و يمكن جعل هذه الرواية مستندا له، و العلامة في المختلف قد جعل كلام ابن الجنيد بناء على أصله من قوله بوجوب المهر بالخلوة (1)، مع أن هذه الرواية كما ترى ظاهرة فيه.
[الجب]
(و منها الجب) و المشهور بين الأصحاب على وجه لم ينقل فيه أحد خلافا هو عد الجب من العيوب الموجبة للفسخ، و إن تردد فيه المحقق في الشرائع، و الظاهر أن وجهه عدم ورد نص فيه بخصوصه، كغيره من العيوب المتقدمة، و أن مقتضى العقد لزوم النكاح، و فسخه يتوقف على دليل شرعي، و ليس فليس، و يمكن الاستدلال عليه بفحوى ما دل على ثبوت الخيار بالخصاء و العنن بخلاف المجبوب الذي لم يبق له ما يمكنه به الوطي بالكلية، و يعضده إطلاق رواية أبي الصباح الكناني المتقدمة.
قال في المسالك: و يمكن إثباته من النصوص الدالة على حكم الخصاء فإنه أقوى عيبا منه لقدرة الخصي على الجماع في الجملة، بل قيل: إنه يصير أقوى من
____________
(1) قال العلامة في المختلف: المشهور أن العنين يجب عليه نصف المهر مع فسخ المرأة النكاح، و قد نص عليه الصدوق في المقنع و أبوه و الشيخ في النهاية و غيرهم، و ليس هنا فسخ من قبل الزوجة يستعقب شيئا من المهر سوى هذا، و الأصل فيه اترافه على مخادمها و خلوته بها سنة، و قال ابن الجنيد- رحمة الله عليه-: إذا اختارت الفرقة بعد تمكينها إياه من نفسها وجب المهر و ان لم يولج، و هو بناء على أصله من أن المهر يجب بالخلوة كما يجب بالدخول، انتهى.
أقول: قد عرفت أن مستند القول بالتنصيف انما هو صحيحة أبي حمزة، و أما مذهب ابن الجنيد فيمكن أن يكون مستند رواية قرب الاسناد. (منه- (قدس سره)-).
349
الفحل بواسطة عدم خروج المني منه، و من ثم ذهب بعضهم إلى عدم كونه عيبا لذلك، بخلاف المجبوب، فإنه قد انتفى عنه القدرة على الجماع رأسا لعدم الآلة، و كذلك استفادته من العنن لمشاركته له في المعنى و زيادة، لأن العنن يمكن برؤه، و المجبوب يستحيل، و يمكن استفادته من عموم الأخبار كقوله في رواية أبي الصباح (1) في امرأة ابتلى زوجها فلا يقدر على الجماع إلى آخره، فإنه يشمل بإطلاقه المجبوب لأنه لا يقدر على الجماع مضافا الى لزوم الضرر بالمرأة على تقدير عدم إثبات الخيار لها، و هو منفي، و حينئذ فالمذهب كونه عيبا. انتهى و هو جيد.
و يؤكده أن الظاهر من جعل الشارع لها الخيار في المواضع المتقدمة إنما هو لرفع الضرر عنها، و لهذا لو رضيت سقط خيارها، و لا ريب في حصول الضرر في هذا الموضع، بل هو أشد ضررا من غيره كما ذكره شيخنا المذكور، فيكون أولى بجعل الخيار لها فيه، و اشترط في الشرائع أن لا يبقى له ما يمكن معه الوطي و لو قدر الحشفة، و هو كذلك لأن الوطي يصدق بذلك المقدار و يترتب عليه أحكامه من الغسل و المهر و الحد و نحوها.
و بالجملة فالظاهر أنه عيب يثبت به الفسخ اتفاقا، هذا إذا كان ثابتا قبل العقد.
أما لو تجدد بعد العقد سواء كان قبل الوطي أو بعده، فهل يكون الحكم فيه كذلك أم لا، قولان، و قد اضطرب هنا كلام الشيخ و العلامة في كتبهما، فذهب الشيخ في المبسوط و ابن البراج و جماعة إلى ثبوت الخيار متى وجد.
و استدل عليه في المبسوط بالإجماع، و عموم الأخبار، مع أنه في موضع آخر من الكتاب المذكور، قال: و عندنا لا يرد الرجل من عيب يحدث به إلا الجنون الذي لا يعقل معه أوقات الصلاة، و قال المخالف: إذا حدث واحد من الأربعة:
الجنون و الجذام و البرص و الجب فلها الخيار، و عندنا أنه لا خيار، انتهى.
و هو مشعر بدعوى الإجماع عليه مع ادعائه الإجماع في مقابله، و هذا من
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 431 ح 28، الوسائل ج 14 ص 611 ح 6.
350
جملة ما اتفق له في غير موضع من دعوى الإجماع على حكم، و دعواه في موضع آخر على خلافه، و كذلك ذهب في الخلاف إلى عدم الخيار بالحادث، و إليه ذهب ابن إدريس.
و أما العلامة فإنه في المختلف قوى جواز الفسخ بالجب و الخصاء و العنن، و إن تجددت بعد الدخول، و في الإرشاد قطع بعدم ثبوته بالمتجدد منها مطلقا، و كذا في التحرير، ثم في موضع آخر منه قرب جواز الفسخ بالمتجدد من الجب بعد الوطي و إبقاء الخصاء على الحكم الأول من عدم الفسخ بالمتجدد منه بعد العقد مطلقا، و في العنة جوز بالمتجدد بعد العقد و قبل الدخول خاصة.
و في القواعد جزم بالجباء المتجدد منه بعد العقد و قبل الوطي و تردد في المتجدد بعد الوطي و شرط في الخصاء سبقه على العقد، و نسب الحكم في المتجدد إلى قول، مشعرا بتردده، و في العنة شرط عدم الوطي.
و التحقيق في هذا المقام أن يقال: إنك قد عرفت أنه ليس في الأخبار ما يدل على حكم الجب بالكلية، و إنما المرجع في حكمه إلى الأخبار المتقدمة في تلك الأفراد بالتقريب المتقدم، و قد عرفت أن الظاهر من تلك الأخبار باعتبار ضم بعضها إلى بعض، و حمل مطلقها على مقيدها، و مجملها على مفصلها من غير التفات إلى صحيح منها أو ضعيف هو أنه مع الدخول بها و لو مرة فلا فسخ، و الفسخ إنما هو فيما عدا ذلك، و حينئذ فيكون الحكم في الجب أيضا كذلك، و يأتي على القول الآخر المتقدم ذكره ثمة جواز الفسخ مطلقا، و لعله من هنا نشأ هذا الخلاف في هذه الصورة أيضا.
[الجذام و البرص و العمى]
(و منها) الجذام و البرص و العمى، و ذهب إليه ابن البراج في المهذب، و جعله مشتركا بين المرأة و الرجل، و قبله ابن الجنيد أيضا و زاد العرج و الزنا.
قال في المسالك: و دليلهما في غير الجذام و البرص غير واضح، أما فيهما ففي
351
غاية الجودة،
لصحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «يرد النكاح من البرص و الجذام و الجنون و العفل».
قال: و هو متناول بإطلاقه للرجل و المرأة، و لأن ثبوتهما عيبا في المرأة مع أن للرجل وسيلة إلى التخلص منها بالطلاق يوجب كونها عيبا في الرجل بالنسبة إليها بطريق أولى، لعدم قدرتها على التخلص لو لا الخيار، و حصول الضرر منه بالعدوى باتفاق الأطباء- إلى أن قال:- و يبقى الكلام في اعتبار سبقه على العقد و الاكتفاء بالمتجدد منه مطلقا أو قبل الدخول كما سبق في نظائره، بل العموم هنا أولى لإطلاق النص الصحيح المتناول لجميع الأقسام، انتهى.
و فيه أن ما استند إليه هنا من النص المذكور قد تقدم الجواب عنه و أن هذا النص ليس من محل البحث في شيء، فإن مورد الخبر إنما هو عيوب النساء كما تقدم ذلك مشروحا مبينا في مسألة الفسخ بالجنون، و يؤيده ذكر العفل في جملة تلك العيوب، فإنه مخصوص بالمرأة، و من نظر إلى روايتي الكليني و الصدوق المشتملتين على السؤال عن عيوب المرأة، و هو (عليه السلام) قد أجابه بما هو مذكور هنا علم أن الشيخ قد أسقط السؤال و اقتصر على إيراد الجواب، و هو معيب عند المحدثين كما ذكره جملة من المحققين، لعروض مثل هذا الاشتباه هنا، فإن هذا الجواب مبني على السؤال المذكور في صدر الخبر، و إقطاعه عنه يوجب ما وقع فيه هذا المستدل هنا، و كيف كان فإنه لا أقل أن يكون ما ذكرناه مساويا لما قالوه للاحتمال، و به يبطل الاستدلال.
و أما الوجه العقلي الذي ذكره فقد عرفت في غير موضع مما تقدم أن هذه التعليلات العقلية لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، لاستفاضة الآيات و الروايات بالرجوع في الأحكام إلى الكتاب العزيز أو ما ورد عنهم (عليهم السلام).
____________
(1) الكافي ج 5 ص 406 ح 6، التهذيب ج 7 ص 424 ح 4، الوسائل ج 14 ص 597 ح 5.
352
[الزنا]
(و منها) الزنا، المشهور أنه ليس بعيب يرد به النكاح، و قال ابن الجنيد:
الزنا قبل العقد و بعده يرد به النكاح، فلو زنت المرأة قبل دخول الرجل بها فرق بينهما، و كذلك إن كان الزاني رجلا فلم ترض المرأة فرق بينهما، و وافقه الصدوق في المقنع في الزوجة، فقال في الكتاب المذكور: إذا زنت المرأة قبل دخول الرجل بها فرق بينهما و لا صداق لها، لأن الحدث كان من قبلها،
لقول على (عليه السلام) (1) «إذا زنت قبل أن يدخل بها زوجها؟ قال: يفرق بينهما و لا صداق لها، لأن الحدث كان من قبلها».
أقول: لا ريب أن ما ذكره الصدوق و ابن الجنيد هنا قد دل عليه جملة من الأخبار المتقدمة في الإلحاق الذي بعد المقام الثاني في الزنا من المطلب الثالث فيما يحرم بالمصاهرة، إلا أنه قد دلت صحيحة رفاعة المذكورة ثمة على خلاف ما دلت عليه تلك الروايات، و بهذه الصحيحة أفتى الصدوق في علل الشرائع (2) مع أنه قد أفتى في المقنع كما عرفت بالأخبار الدالة على الفسخ، و هو غريب منه.
و بالجملة فإن ظاهر الأصحاب الاعراض عن تلك الروايات و عدم العمل بها، و قد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام في مواضع، منها في المسألة الخامسة من من مسائل لواحق المذكورة في آخر الفصل الثاني فليراجع ذلك من أحب.
[ما لو ظهر كون الزوج خنثى]
(و منها) ما لو ظهر كون الزوج خنثى (3) قيل: لها الفسخ، و هو قول الشيخ في المبسوط في موضعين منه، قال في أحدهما: و لو أصابته خنثى و قد ثبت أنه رجل فهل لها الخيار؟ على قولين: أحدهما أن لها الخيار و هو الأقوى،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 566 ح 45، التهذيب ج 7 ص 490 ح 176، الفقيه ج 3 ص 263 ح 38، الوسائل ج 14 ص 601 ح 3.
(2) الكافي ج 7 ص 179 ح 7، علل الشرائع ص 502 ط النجف الأشرف، الوسائل ج 18 ص 359 ح 8.
(3) أي المرأة وجدت الزوج خنثى. (منه- (قدس سره)-).
353
و في موضع ثالث أنه ليس بعيب و إنما هو بمنزلة الإصبع الزائدة، و هذا هو الأقوى، و كذا لو ظهرت المرأة خنثى، لأن الزائد فيها كالإصبع الزائدة.
أقول: و الأظهر أن يقال، بالنسبة إلى الرجل كالثقبة الزائدة، لا كالإصبع كما ذكره، و إنما التشبيه بالإصبع لمن حكم بكونها امرأة.
قال في المسالك: و موضع الخلاف ما إذا كان محكوما له بالذكورية، أو الأنوثية، أما لو كان مشكلا تبين فساد النكاح، و بذلك صرح الشيخ في المبسوط بأنه صرح بكون الخلاف في الخنثى الواضح، لأنه قال في الموضعين المشار إليهما آنفا: لو بان خنثى و حكم بأنه ذكر هل لها الخيار أم لا؟ و اختار العلامة في المختلف عدم الخيار لما ذكره الشيخ من التعليل بأن هذه الزيادة كالإصبع الزائدة، قال: و لا وجه للخيار مع إمكان الوطي و ثبوت الرجولية، و قال في المسالك:
و وجه الخيار مع وضوحه (1) وجود النفرة منه، و كون العلامات ظنية لا تدفع الشبهة، و الانحراف الطبيعي.
أقول: و بمقتضى هذا التقرير أنه لو ظهر كون الزوج امرأة و الزوجة رجلا بالعلامات التي يستعلم بها الواضح بطل العقد، و كذا لو ظهر كونه خنثى مشكلا بطل أيضا، و لم أقف في هذه المسألة على نص يدل على ما ذكروه من ثبوت الخيار للمرأة لو ظهر كون زوجها خنثى و قد حكم بكونه رجلا شرعا، و للرجل لو ظهر كون زوجته خنثى قد حكم شرعا بكونها امرأة، إلا أن حديث دينار الخصي (2) المشتمل على عد الأضلاع، و أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ألحق تلك الخنثى بالرجل لما كانت أضلاعها مثل أضلاع الرجال، يدل على بطلان النكاح لو ظهر كون الخنثى
____________
(1) قوله «مع وضوحه» يعنى فرض كونه خنثى واضحا لا خنثى مشكلا فإنه مع كونه مشكلا يبطل النكاح. (منه- (قدس سره)-).
(2) التهذيب ج 9 ص 354 ح 5، الفقيه ج 4 ص 239 ح 4، الوسائل ج 17 ص 575 ح 3.
354
التي كانت زوجة- رجلا، و يأتي مثله في الزوج إذا كان خنثى، و ظهر كونه امرأة بالعلامات المنصوبة من الشارع، و هو مما لا إشكال فيه كما صرح به الأصحاب، و أما موضع البحث فلم أقف فيه على نص.
[ظهور كذبه في الانتماء إلى قبيلة]
(و منها) ما لو انتمى الرجل إلى قبيلة فزوجوه بناء على ذلك، فظهر خلاف ما ادعاه، فهل للمرأة الخيار أم لا؟ قولان: و قد تقدم الكلام في هذه المسألة في المسألة السادسة من مسائل لواحق العقد المذكورة في آخر الفصل الثاني، فلا حاجة الى إعادته.
المقام الثاني: في عيوب المرأة
، و هي على المشهور في كلامهم سبعة: الجنون و الجذام و البرص و القرن و الإفضاء و العمى و الإقعاد، و في العرج أقوال، يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، و عد الصدوق في المقنع من عيوب المرأة الموجبة للفسخ ما إذا زنت المرأة قبل دخول الزوج بها، و عد ابن الجنيد مطلق الزنا من الرجل و المرأة قبل العقد و بعده، و عد ابن الجنيد مطلق الزنا من الرجل و المرأة قبل العقد و بعده، و عد المفيد و جماعة المحدودة في الزنا، بل الظاهر أنه المشهور بين المتقدمين على ما نقله في المسالك، و المشهور بين المتأخرين عدم عد ذلك، و الواجب أولا نقل ما وصل إلينا من الأخبار المتعلقة بالمقام، ثم الكلام فيها بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر (عليهم السلام).
الأول: ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج إلى قوم فإذا امرأته عوراء، و لم يبين و له، قال:
يرد النكاح من البرص و الجذام و الجنون و العقل».
الثاني: ما رواه
الشيخ و الصدوق (2) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 406 ح 6، الوسائل ج 14 ص 593 ح 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 426 ح 12، الفقيه ج 3 ص 273 ح 4، الوسائل ج 14 ص 593 ح 6 و ص 597 ح 5.
355
أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في رجل تزوج إلى قوم فإذا امرأته عوراء، و لم يبينوا له، قال: لا تردد، إنما يرد النكاح من البرص و الجذام و الجنون و العفل، قلت:
أ رأيت إن كان قد دخل بها كيف يصنع بمهرها؟ قال: لها المهر بما استحل من فرجها، و يغرم وليها الذي أنكحها مثل ما ساق إليها».
الثالث: ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنما يرد النكاح من البرص و الجذام و الجنون و العفل».
الرابع: ما رواه
عن زيد الشحام (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ترد البرصاء و المجنونة و المجذومة، قلت: العوراء؟ قال: لا».
الخامس: ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) عن رفاعة قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحدود و المحدودة هل ترد من النكاح؟ قال: لا، قال رفاعة: و سألته عن البرصاء؟ قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة زوجها وليها و هي برصاء أن لها المهر بما استحل من فرجها، و أن المهر على الذي زوجها، و إنما صار المهر عليه لأنه دلسها، و لو أن رجلا تزوج امرأة و زوجها رجل لا يعرف دخيلة أمرها لم يكن عليه شيء و كان المهر يأخذه منها» (4).
السادس:
عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال في الرجل إذا.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 424 ح 4، الوسائل ج 14 ص 594 ح 10.
(2) الكافي ج 5 ص 406 ح 8، التهذيب ج 7 ص 424 ح 6، الوسائل ج 14 ص 594 ح 11.
(3) الكافي ج 5 ص 407 ح 9، التهذيب ج 7 ص 424 ح 8، الوسائل ج 14 ص 600 ح 2.
(4) أقول
و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر الرواية من كتاب البزنطي عن الحلبي «قال: سألت أبا عبد الله- (عليه السلام)- عن البرصاء، قال: قضى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في امرأة زوجها وليها».
الحديث كما في الأصل. (منه- (قدس سره)-).
(5) الكافي ج 5 ص 407 ح 12، التهذيب ج 7 ص 427 ح 13، الوسائل ج 14 ص 598 ح 2.
356
تزوج المرأة فوجد بها قرنا و هو العفل أو بياضا أو جذاما أنه يردها ما لم يدخل بها».
السابع:
عن الحذاء (1) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل تزوج امرأة من وليها فوجد بها عيبا بعد ما دخل بها، قال: فقال: إذا دلست العفلاء نفسها و البرصاء و المجنونة و المفضاة و ما كان بها من زمانة ظاهرة، فإنها ترد على أهلها من غير طلاق، و يأخذ الزوج المهر من وليها الذي كان دلسها، فإن لم يكن وليها علم بشيء من ذلك فلا شيء عليه، و ترد إلى أهلها، قال: و إن أصاب الزوج شيئا مما أخذت منه فهو له، و إن لم يصب شيئا فلا شيء له، قال: و تعتد منه عدة المطلقة إن كان قد دخل بها، و إن لم يكن دخل بها فلا عدة و لا مهر».
الثامن: ما رواه
في الكافي (2) عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المرأة ترد من أربعة أشياء من البرص و الجذام و الجنون و القرن و هو العفل ما لم يقع عليها فإذا وقع عليها فلا».
التاسع: ما رواه
في الكافي و الفقيه (3) عن الحسن بن صالح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فوجد بها قرنا، قال: هذه لا تحبل و ينقبض زوجها عن مجامعتها ترد على أهلها، قلت: فإن كان دخل بها؟ قال: إن كان علم بها قبل أن يجامعها ثم جامعها فقد رضي بها، و إن لم يعلم بها إلا بعد ما جامعها، فإن شاء بعد أمسكها، و إن شاء سرحها إلى أهلها، و لها ما أخذت منه بما استحل من فرجها».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 408 ح 14، التهذيب ج 7 ص 425 ح 10، الوسائل ج 14 ص 596 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 409 ح 16، التهذيب ج 7 ص 427 ح 14، الوسائل ج 14 ص 592 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 409 ح 17، الفقيه ج 3 ص 274 ح 5، الوسائل ج 14 ص 599 ح 3.
357
العاشر: ما رواه
في الكافي (1) عن أبي الصباح الكناني في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فوجد بها قرنا قال: هذه لا تحبل و لا يقدر زوجها على مجامعتها، يردها على أهلها صاغرة و لا مهر لها، قلت: فإن كان دخل بها؟ قال إن كان علم بذلك قبل أن ينكحها يعني المجامعة ثم جامعها فقد رضي بها، و إن لم يعلم إلا بعد ما جامعها، فإن شاء بعد أمسك و إن شاء طلق».
الحادي عشر: ما رواه
الشيخ (2) في الصحيح عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يتزوج المرأة فيؤتى بها عمياء أو برصاء أو عرجاء، قال: ترد على وليها، و يكون لها المهر على وليها. فإن كان بها زمانة لا يراها الرجال أجيز شهادة النساء عليها».
الثاني عشر: ما رواه
في التهذيب (3) عن محمد بن مسلم في الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ترد البرصاء و العمياء و العرجاء».
و زاد في الفقيه: الجذماء.
الثالث عشر: ما رواه
في التهذيب (4) عن غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «في رجل تزوج امرأة فوجدها برصاء أو جذماء، قال: إن كان لم يدخل بها و لم يبين له فإن شاء طلق، و إن شاء أمسك، و لا صداق لها و إذا دخل بها فهي امرأته».
الرابع عشر: ما رواه
في التهذيب (5) عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: «سألت
____________
(1) الكافي ج 5 ص 409 ح 18، التهذيب ج 7 ص 427 ح 15، الوسائل ج 14 ص 598 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 424 ح 5، الوسائل ج 14 ص 594 ح 9.
(3) التهذيب ج 7 ص 424 ح 7، الفقيه ج 3 ص 273 ح 3، الوسائل ج 14 ص 594 ح 7 و 12.
(4) التهذيب ج 7 ص 426 ح 11، الوسائل ج 14 ص 595 ح 14.
(5) الكافي ج 5 ص 355 ح 4، التهذيب ج 7 ص 425 ح 9 و ص 448 ح 4، الوسائل ج 14 ص 601 ح 4، و ما في المصادر اختلاف يسير مع ما نقله- (قدس سره).
358
أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فعلم بعد ما تزوجها أنها قد كانت زنت، قال:
إن شاء زوجها أخذ الصداق ممن زوجها، و لها الصداق بما استحل من فرجها، و إن شاء تركها،
قال: و ترد المرأة من العفل و البرص و الجذام و الجنون فأما ما سوى ذلك فلا».
الخامس عشر: ما رواه
في التهذيب (1) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه قال: في كتاب علي (عليه السلام): من تزوج امرأة فيها عيب دلسته و لم تبين ذلك لزوجها فإنه يكون لها الصداق بما استحل من فرجها، و يكون الذي ساق الرجل إليها على الذي زوجها و لم يبين».
السادس عشر: ما ذكره
الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) قال: «و إن تزوج رجل بامرأة فوجدها قرناء أو عفلاء أو برصاء أو مجنونة، إذا كان بها ظاهرا كان له أن يردها على أهلها بغير طلاق، و يرجع الزوج على وليها بما أصدقها إن كان أعطاها شيئا، فإن لم يكن أعطاها شيئا فلا شيء عليه».
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام هنا يقع في مواضع.
الأول [في بيان حقيقة البرص]
لا خلاف نصا و فتوى في أن الجنون الذي هو عبارة عن فساد العقل من العيوب الموجبة للفسخ و إطلاق النصوص يقتضي الفسخ به متى تحقق، بأي سبب كان، و على أي وجه كان دائما أو أدوارا، عقل معه أوقات الصلوات أو لم يعقل، و كذا إطلاق فتاوى الأصحاب على ما صرح به غير واحد منهم- رضي الله عنهم-، نعم يشترط استقراره، فلا عبرة بعروض زوال العقل وقتا ثم يعود، لعدم صدق الجنون عرفا على من كان كذلك.
و كذا الجذام متفق عليه نصا و فتوى، إلا أنه لا يحكم به إلا بعد تحققه بتناثر اللحم و سقوط بعض الأطراف كالأنف، و ذلك لأن الجذام بالفتح بمعنى القطع،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 432 ح 34، الوسائل ج 14 ص 597 ح 7.
(2) فقه الرضا ص 237، مستدرك الوسائل ج 2 ص 602 ب 1 ح 8.
359
و إنما سمي مجذوما لذلك.
قال في كتاب المصباح المنير (1)- بعد أن ذكر أن الجذام مصدر من باب ضرب بمعنى القطع- ما لفظه: و منه يقال: جذم الإنسان بالبناء للمفعول إذا أصابه الجذام، لأنه يقطع اللحم و يسقطه و هو مجذوم، انتهى.
و أما مع ظهور علاماته قبل أن يتحقق من ضيق النفس و بحة الصوت و كمود العينين إلى حمرة، و نحو ذلك، فإنه يرجع فيه إلى أهل الخبرة من الأطباء، قالوا:
و يشترط فيهم العدالة و التعدد و الذكورة كغيرها من الشهادات أو الشياع المتاخم للعلم، و بدون ذلك يتمسك بأصالة لزوم العقد.
و كذا لا خلاف في البرص نصا و فتوى، و الذي ذكره جملة من الأصحاب، و به صرح في القاموس (2) أنه بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد مزاج. و قال المحقق في الشرائع هو البياض الذي يظهر على صفحة البدن لغلبة البلغم.
و قالوا في المسالك: و البرص مرض معروف يحدث في البدن يغير لونه إلى السواد أو إلى البياض، لأن سببه قد يكون غلبة السوداء فيحدث الأسود، و قد يكون غلبة البلغم فيحدث الأبيض.
و قال في كتاب مجمع البحرين (3): البرص لون مختلط حمرة و بياضا أو غيرهما.
و لا يحصل إلا من فساد المزاج و خلل في الطبيعة.
أقول: و المفهوم من دعاء أمير المؤمنين (عليه السلام) على أنس لما لم يشهد بخبر الغدير فدعا عليه ببياض لا تواريه العمامة، أن البرص هو البياض.
و كيف كان فإنه لا يحكم به إلا بعد تحققه كالجذام.
قال في المسالك: فإنه يشتبه بالبهق في القسمين و السببين، قال: و الفرق
____________
(1) المصباح المنير ص 130.
(2) القاموس المحيط ج 2 ص 295.
(3) مجمع البحرين ج 4 ص 163.
360
بينهما أن البرص يكون غائصا في الجلد و اللحم، و البهق يكون في سطح الجلد خاصة ليس له غرز و قد يتميزان بأن يغرز فيه الإبرة، فإن خرج منه دم فهو بهق، و إن خرج منه رطوبة بيضاء فهو برص، انتهى.
و بالجملة فإنه مع اشتباه الحال يرجع فيه إلى أرباب الخبرة بذلك حسبما تقدم في الجذام.
الثاني [في بيان حقيقة القرن]
قد دل الحديث الأول على أن من جملة تلك العيوب العفل، و كذا في الخبر الثاني و الثالث و السابع و الرابع عشر، و في بعضها ذكر عوضه «القرن» كالخبر التاسع و العاشر و الخامس عشر، و في بعضها فسر أحدهما كما في الخبر السادس و الثامن، و به يزول الاشكال من البين، و كلام أهل اللغة قد اختلف في الاتحاد و التغاير، و باختلافه اختلف كلام الفقهاء أيضا.
قال في كتاب المصباح المنير (1): عفلت المرأة عفلا من باب تعب إذا خرج من فرجها شيء يشبه أدرة الرجل فهي عفلاء و زان حمراء، و الاسم العفلة مثل قصبة.
و قال ابن الأعرجي (2): العفل لحم ينبت في قبل المرأة و هو القرن، قالوا:
و لا يكون العفل في البكر، و إنما يصيب المرأة بعد الولادة، و قيل: هي المتلاحمة أيضا، و قيل هو ورم يكون بين مسلكي المرأة فيقبض فرجها حتى يمنع الإيلاج، انتهى.
و قال في مادة قرن: و القرن مثل فلس أيضا العفلة، و هو لحم ينبت في الفرج في مدخل الذكر كالغدة الغليظة، و قد يكون عظما، ثم نقل عن الأصمعي أنه سمي قرنا لأنه اقترن مع الذكر خارج الفرج، انتهى.
و قال في القاموس (3): العفل و العفلة متحركتين شيء يخرج من قبل النساء و حياء الناقة كالأدرة للرجال و لم يذكر القرن.
____________
(1) لم نعثر عليه في المصباح المنير.
(2) تاج العروس ج 8 ص 24.
(3) القاموس المحيط ج 4 ص 18.
361
و قال في النهاية الأثيرية (1): القرن بسكون الراء شيء يكون في فرج المرأة كالسن يمنع من الوطي يقال له العفل.
و قريب منه قال الجوهري (2)، إلا أنه قال في موضع آخر: العفل شيء يخرج من قبل النساء و حياء الناقة شبيه بالأدرة التي للرجل.
و نقل عن ابن دريد في الجمهرة (3) أن القرناء هي المرأة التي يخرج قرنة من رحمها، قال: و الاسم القرن و ضبطه محركا مفتوحا، و قال في العفل: إنه غلظ في الرحم.
أقول: و كلام أكثرهم يدل على اتحاد العفل و القرن، و لكنه مختلف في أنه هل هو عبارة عن شيء يخرج من قبل المرأة إلى خارج القبل، و يكون كالأدرة للرجال، و الأدرة على ما ذكروه و زان غرفة انتفاخ الخصيتين، أو أنه عبارة عن عظم كالسن يكون في باطن القبل يمنع من الوطي أو أنه لحم ينبت في باطن القبل، و على كل تقدير فإن النصوص قد دلت على أنه عيب يجوز الفسخ به، فبأي معنى كان من هذه المعاني فإن الفسخ به جائز، لدوران الحكم مدار هذا الاسم بأي معنى كان، و الظاهر من جملة من الأخبار المتقدمة هو أنه لا يمنع الجماع و إن كان يعسر كالخبر الثاني لقوله «أ رأيت إن كان قد دخل بها» إلى أن قال «لها المهر بما استحل من فرجها» مع عده العفل في جملة تلك العيوب و كذا مفهوم الخبر السادس لقوله «يردها ما لم يدخل بها» و صريح الخبر الثامن، و كذا التاسع، و عدم الرد مع الدخول بها محمول على الدخول مع العلم بالعيب، فإنه دال على الرضاء بها فليس له الفسخ حينئذ كما صرح به في الخبر التاسع و نحوه الخبر العاشر.
____________
(1) النهاية الأثيرية ج 4 ص 54.
(2) الصحاح ج 5 ص 769.
(3) جمهرة اللغة ج 2 ص 408.
362
و هذه الأخبار كلها دالة على إمكان المجامعة مع عده عيبا يفسخ به، و الأصحاب قد اختلفوا في ذلك بعد اتفاقهم على أن المانع عيب يتخير في الفسخ به.
فالمشهور و هو الذي قطع به الشيخ عدم الخيار به لعدم المقتضي له، فإن الخيار إنما نشأ من حيث المنع من الوطي الذي هو أهم المطالب من التزويج، و ظاهر المحقق في الشرائع الميل إلى ثبوت الخيار به، وقوفا على ظاهر النصوص الدالة على عده عيبا أعم من أن يمكن معه الوطي أم لا، و لم أقف على قائل صريح بذلك، و عبارة المحقق بقوله «و لو قيل بالفسخ» تشعر بأنه لا قائل بذلك.
قال في المسالك: و هذا القول قوي إن لم يكن الإجماع على خلافه إذ لا يظهر به قائل صريحا كما يظهر من عبارة المصنف، انتهى.
أقول: العجب منهم- رحمة الله عليهم- في استنادهم في الخيار إلى إطلاق الأخبار مع أن ما ذكرنا من الأخبار مع كثرتها مطابقة الدلالة على إمكان النكاح معه مع عده عيبا يوجب الخيار.
و بالجملة فالظاهر من الأخبار هو ثبوت الخيار به، و إن أمكن الوطي، و ما ذكروه من التعليل العقلي بأن الخيار إنما نشأ من حيث المنع من الوطي ممنوع، فإنها علة مستنبطة لا دلالة في شيء من الأخبار عليها، و لعل العلة إنما هو نفرة الزوج من ذلك أو عدم الحبل أو عسر مجامعتها كما يشير إليه الخبر التاسع و العاشر، و كيف كان فإن هذا التعليل في مقابلة ما ذكرناه من الأخبار عليل لا يلتفت إليه.
الثالث [هل العرج من العيوب؟]
أكثر الأخبار المتقدمة خالية من عد العرج في جملة عيوب المرأة، و إنما تضمنه الخبر الحادي عشر و الثاني عشر مع تضمن جملة منها الحصر في الأربعة المشهورة و هي: الجذام و البرص و الجنون و العفل، و يؤكده قوله في الخبر الرابع عشر بعد عد الأربعة المذكورة «فأما ما سوى ذلك فلا» و من هنا اختلف كلمة الأصحاب في ذلك على أقوال عديدة:
363
(أحدها) عده مطلقا و هو قول الشيخين في الفقيه و التهذيب و المقنعة و ابن الجنيد و أبي الصلاح و أكثر الأصحاب للخبرين المذكورين.
و (ثانيها) ثبوته بشرط كونه بينا، ذهب إليه العلامة في المختلف و التحرير، و نقله عن ابن إدريس، و استدل عليه بالروايتين المذكورتين.
و أنت خبير بأنه لا دلالة فيهما على هذا القيد، و العجب أن العلامة نسب هذا القول إلى الشيخ في النهاية و التهذيب مع أن الشيخ لم يقيده بذلك، و المتبادر من لفظ البين ما كان ظاهرا في الحس و إن لم يبلغ حدا يمنع من التردد إلا بمشقة كثيرة، و هذا هو المتبادر من لفظ العرج، و حينئذ فيرجع القولان إلى قول و أحد، و إن أريد هنا معنى آخر فلا أعرف له دليلا.
و (ثالثها) تقييده ببلوغ حد الإقعاد، و هو قول المحقق في الشرائع و العلامة في القواعد و الإرشاد، و أنت خبير بما فيه، فإن هذا لا يسمى عرجا لغة و لا عرفا.
قال في المسالك: و كأن الحامل لهم على هذا التقييد أمران: أحدهما:
استبعاد كون مطلق العرج عيبا موجبا للخيار خصوصا مع وقوع الخلاف فيه، و حصول الشك في خروج العقد من اللزوم إلى الجواز، و معارضة صحيحة الحلبي السابقة الدالة على عدم الرد بغير ما ذكره فيها من العيوب.
و الثاني: ورود كون الزمانة عيبا في صحيحة داود بن سرحان، فإن ظاهرها أن الرد منوط بالزمانة عملا بمفهوم الشرط و كذا رواية أبي عبيدة السالفة، فيجب حمل المطلق على المقيد، ثم قال: و فيه نظر، لأن مفهوم الزمانة أمر آخر غير المفهوم من العرج، و مقتضى النصوص كون كل واحد منهما عيبا برأسه، و ليس ذلك من باب المطلق و المقيد في شيء، بل الظاهر أن الزمانة أمر خفي لا يطلع عليه الرجال، و العرج ليس كذلك، و سيأتي النقل عن الصدوق- رحمة الله عليه- أنه جعلهما أمرين و أثبت الخيار بالزمانة دون العرج، و استبعاد كون العرج عيبا مطلقا غير مسموع بعد و رود النص الصحيح، و الشك في خروج
364
العقد من اللزوم منتف بعد و رود النص، و عمل أكثر الأصحاب. انتهى، و هو جيد، و منه يعلم ضعف القول المذكور، و أنه بمحل من القصور.
و (رابعها) عدم عده عيبا مطلقا، و هو الظاهر من كلام الشيخ في المبسوط و الخلاف حيث إنه لم يعده في عيوب المرأة، و كذا ابن البراج في المهذب، و هو ظاهر الصدوق في المقنع حيث إنه لم يعده في عيوب المرأة، و إنما نسبه إلى الرواية، فقال: و اعلم أن النكاح لا يرد إلا من أربعة أشياء: من البرص و الجذام و الجنون و العقل، إلا أنه روي في الحديث أن العمياء و العرجاء ترد.
أقول: و المسألة عندي لا تخلو من الإشكال لدلالة الخبرين المذكورين على عده من العيوب، و مفهوم الحصر في تلك الأخبار الدال على العدم المؤكد بقوله في بعضها «و أما ما سوى ذلك فلا».
فإن قيل: هنا أشياء آخر خارجة عن الأربعة المذكورة قد و ردت بها النصوص أيضا و قال بها جملة من الأصحاب، قلنا: ما ذكرناه في العرج يجري فيها أيضا.
و أما ما أجاب به في المسالك حيث نقل عن أصحاب هذا القول الاحتجاج بأصالة لزوم العقد، و ظاهر الحصر
في صحيحة الحلبي في قوله (عليه السلام) «إنما يرد النكاح من البرص و الجذام و الجنون و العفل».
ثم قال: و لا يخفى ضعف الدليلين، فإن الأصل قد عدل عنه بما ثبت في النصوص الصحيحة من الخيار فيه، و في غيره من العيوب، و الحصر في الرواية غير مراد، لخروج كثير من العيوب عنها، و إثبات الاختيار حينئذ بدليل خارجي ليشاركه العرج فيه، و الكليني رواها عن الحلبي مجردة عن أداة الحصر و هو أوضح، انتهى.
ففيه أن الحصر ليس مخصوصا بالرواية التي ذكرها و هي الرواية الثالثة، بل هو موجود في الرواية الثانية أيضا، و أظهر منها ما في الرواية الرابعة عشر من قوله (عليه السلام) بعد عد الأربعة المذكورة «و أما ما سوى ذلك فلا» و حينئذ فكيف
365
لا يكون الحصر مرادا في تلك الأخبار مع صراحة هذه الرواية في أنه لا ترد فيما سوى هذه الأربعة.
و بذلك يظهر لك بقاء الاشكال فيما ذكرناه بالنسبة إلى هذه الأربعة و ما زيد عليها من عرج و غيره، فأن مقتضى هذه الروايات هو انحصار العيب في هذه الأربعة، و مقتضى ما و رد في غير هذه الأخبار موجودة في مواضع أخر.
و كيف كان فالظاهر ترجيح ما ذكره من العمل بالأخبار في كل فرد فرد وردت به، إلا أنه بعد لا يخلو من نوع توقف، و لعل روايات أحد الطرفين إنما خرجت مخرج التقية.
الرابع [في بيان معنى الزمانة]
قد تضمنت الرواية السابعة عد الإفضاء في جملة عيوب المرأة، و قد تقدم ذكر معناه، و هو أحد السبعة التي ذكرها الأصحاب كما تقدم ذكره، و هو مما لا إشكال و لا خلاف فيه عندهم فيما أعلم مع أنه زائد على الأربعة المتقدمة، و تضمنت أيضا «من بها زمانة» و كذا الرواية الحادية عشر.
و الزمانة على ما ذكره في القاموس (1) العاهة، و قال في كتاب المصباح المنير (2):
زمن الشخص زمنا و زمانة، فهو زمن من باب تعب، و هو مرض يدوم زمانا طويلا.
و لم يعده الأصحاب هنا من عيوب المرأة سوى الصدوق في المقنع فإنه قال:
من تزوج امرأة فوجدها قرناء أو عفلاء أو برصاء أو مجنونة أو كان بها زمانة ظاهرة كان له أن يردها على أهلها بغير طلاق، و إنما ذكر أكثرهم الإقعاد، مع أنه لا وجود له في الأخبار، إلا أن جملة ممن تأخر استدلوا له بصدق الزمانة عليه، فإنها بكل من التفسيرين المذكورين صادقة على المقعد، و يؤيده أنه قد تقدم دلالة الأخبار على عد العرج في العيوب، و الإقعاد أسوء حالا منه فيكون عيبا البتة.
____________
(1) القاموس المحيط ج 4 ص 232.
(2) المصباح المنير ص 348.
366
و بالجملة فالأقرب عده بالتقريب المذكورة، و قد تقدم أنه أحد السبعة المشهورة في كلامهم.
الخامس [حكم العمى]
قد عدوا من جملة السبعة المشهورة العمى أيضا، و يدل عليه الخبر الحادي عشر و الثاني عشر، و ربما ظهر من كلام الشيخ في المبسوط أنه ليس بعيب، فإنه عد عيوب المرأة ستة، ثم قال: و في أصحابنا من ألحق بها العمى، و كونها محدودة في الزنا، و الظاهر هو المشهور لما عرفت من دلالة الخبرين المذكورين عليه.
السادس [حكم الرتق]
قد عد بعضهم الرتق من جملة العيوب الموجبة للخيار، و نسبه المحقق في الشرائع إلى لفظ قيل مؤذنا، بتمريضه لعدم وجوده في النصوص، و إن كان الاعتبار بالنظر إلى ما تقدم في الأخبار يساعده، و لهذا قال في الشرائع:
و ربما كان صوابا إن منع الوطي أصلا، لفوات الاستمتاع.
و الرتق على ما ذكره أهل اللغة: التحام الفرج على وجه لا يمكن دخول الذكر فيه.
قال في كتاب المصباح المنير (1): رتقت المرأة رتقا من باب تعب فهي رتقاء، إذا انسد مدخل الذكر من فرجها و لا يستطاع جماعها.
و في القاموس (2) امرأة رتقاء: بينة الرتق لا يستطاع جماعها، أو لا خرق لها إلا المبال خاصة. و نحوه كلام الجوهري في الصحاح (3).
و فسره العلامة في القواعد بأنه عبارة عن كون الفرج ملتحما بحيث لا يكون فيه مدخل للذكر، و هذا هو الموافق لما ذكره أهل اللغة، و لكنه قال في السرائر:
إن الرتق لحم ينبت في الفرج يمنع دخول الذكر، و على هذا يكون مرادفا للعفل بأحد معانيه المتقدمة.
____________
(1) المصباح المنير ص 297.
(2) القاموس المحيط ج 3 ص 235.
(3) الصحاح ج 4 ص 1480.
367
و الظاهر أنه إلى هذا أشار في المسالك بقوله: و ذكر بعضهم أن الرتق مرادف للقرن و العفل، و أن الثلاثة بمعنى و أحد، فعلى هذا يكون داخلا في النص، ثم إنه على تقدير تفسيره بالمعنى المشهور فإنه و إن كان لم يرد به نص بخصوصه إلا أنه يمكن استفادة حكمه من الخبر التاسع و الخبر العاشر، و قوله فيهما «هذه لا تحبل و لا يقدر زوجها على مجامعتها يردها على أهلها» فإنه بمنزلة التعليل لجواز الرد بالنسبة إلى المسؤول عنه في الروايتين فيتعدى إلى كل موضع و جدت فيه العلة المذكورة.
قال في المسالك: و ما قيده به من كونه عيبا على تقدير منعه الوطي أصلا هو المذهب، لأنه حينئذ يصير أولى بالحكم من القرن و العفل اللذين لا يوجبان انسداد المحل أصلا مع اشتراكهما في العلة الموجبة للفسخ و هو فوات الاستمتاع، فجرى مجرى فوات المنفعة فيما يطلب بالعقد منفعة. انتهى و هو جيد.
السابع [هل المحدودة في الفجور من العيوب؟]
عد الشيخ المفيد في عيوب النساء المحدودة في الفجور، و به قال سلار و ابن البراج و ابن الجنيد و أبو الصلاح و قطب الدين الكيدري، و عد الصدوق في المقنع المرأة إذا زنت قبل الدخول بها فإنه يفرق بينهما و لا صداق لها، لأن الحدث كان من قبلها.
و قال الشيخ في النهاية: المحدودة في الزنا لا ترد و كذلك التي كانت قد زنت قبل العقد، فليس للرجل ردها، إلا أن يرجع على وليها بالمهر و ليس له فراقها إلا بالطلاق، و قال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي أن المحدودة لا ترد بل يرجع على وليها بالمهر إذا كان عالما بدخلة أمرها، فإن أراد فراقها طلقها. انتهى، و هو يرجع إلى كلام الشيخ في النهاية و هو المشهور بين المتأخرين.
و نقل عن الشيخ المفيد أنه احتج باشتماله على العار فكان موجبا للتسلط على الفسخ و بالرواية الرابعة عشر، و الظاهر أن بناء الاستدلال بها على أن قوله
368
«إن شاء زوجها أخذ الصداق ممن زوجها، و لها الصداق بما استحل من فرجها» و هو كناية عن المفارقة بقرينة المقابلة بقوله «و إن شاء تركها» و حاصل الجواب أنه يتخير بين فراقها فيأخذ الصداق ممن زوجها، و بين إمساكها و تركها على حالها، و الشيخ قد أجاب عن هذه الرواية فقال: إن هذا لا ينافي ما قدمناه من أنه ليس الرد بمجرد الفسق لأنه قال: إذا علم بها أنها كانت قد زنت كان له الرجوع على وليها بالصداق، و لم يقل أن له ردها، و لا يمنع أن يكون له استرجاع الصداق و إن لم يكن له رد العقد، لأن بأحد الحكمين منفصل عن الآخر، و ظاهر من تأخر عنه الجمود على هذا الجواب، و لا يخفى ما فيه، فإن ما ادعاه من إمساكها مع أخذ الصداق مما لا يوافق أصولهم و قواعدهم، و كأنه على هذا حمل قوله «و إن شاء تركها» على ترك أخذ المهر و إلا فلا معنى لهذا الكلام على تقدير حمله المذكور.
و بالجملة فالظاهر من الرواية إنما هو التخيير بين فراقها و إمساكها، لكنه عبر عن فراقها بلازمه الذي هو استرجاع المهر ممن زوجها و لا معنى لقوله «و إن شاء تركها» إلا على هذا الوجه، على أنه قد اعترضه في المختلف في هذا الجواب أيضا فقال: إذا ثبت هذا ففي إيجاب المهر على الولي مع عدم كونه عيبا كما اختاره الشيخ و ابن إدريس إشكال، ينشأ من أن التضمين إنما هو باعتبار تدليس العيب على الزوج، فإن كان عيبا كان له الفسخ، و إن لم يكن فلا، و حاصله أن وجوب الضمان إنما هو باعتبار تدليس العيب على الزوج، فلو لم يكن عيبا فإنه لا ضمان و متى كان عيبا يوجب الضمان فإنه يوجب الفسخ أيضا.
و بالجملة فإنه لا معنى للرواية إلا ما ذكرناه على أنه قد تقدم جملة من الأخبار الدالة على ما دل عليه هذا الخبر في الإلحاق الذي بعد المقام الثاني في الزنا من المطلب الثالث فيما يحرم بالمصاهرة، و تقدم ما يعارضها، و الأصحاب قد
369
أعرضوا عن العمل بتلك الأخبار، لمعارضتها بما هو أكثر عددا و أقوى سندا كما تقدم تحقيقه في الموضع المذكور، مع أن هذه الرواية لا تنطبق على القول المذكور، لأن موردها المحدودة في الزنا لا مطلق الزانية، و الرواية إنما اشتملت على الثاني دون الأول، و المنقول عن أصحاب القول المذكور إنما هو التعليل العقلي، و هو الأول، و الاستدلال لهم بالرواية إنما وقع من العلامة في المختلف بناء على قاعدته من تكلف الأدلة لما ينقله من الأقوال.
قال شيخنا في المسالك- و نعم ما قال-: و منها المحدودة في الزنا، ذهب أكثر قدماء الأصحاب إلى أنه يجوز للزوج فسخ نكاحها لأن ذلك من الأمور الفاحشة التي يكرهها الأزواج، و نفور النفوس منه أقوى من نحو العمى و العرج، و لزوم العار العظيم به يقتضي كون تحمله ضررا عظيما، و للرواية السابقة، و فيها مع قصور الدلالة عن جواز الرد، عدم دلالتها على محل النزاع، و من ثم ذهب المتأخرون إلى أن ذلك كله ليس بعيب يجوز الفسخ، و الطلاق بيد الزوج لجبر ما يشاء من الضرر و المشقة بتحملها، و للشيخ قول آخر بعدم الفسخ، لكن يرجع الزوج بالمهر على وليها العالم بحالها، عملا بمدلول الرواية، ورده في المختلف بأن الضمان إنما هو باعتبار تدليس العيب على الزوج، فإن كان عيبا أوجب الفسخ، و إلا لم يجب المهر. انتهى و هو جيد وجيه.
و بالجملة فإنه لا دليل على ما نقله الشيخ المفيد و من تبعه إلا هذا الوجه العقلي الاعتباري، فإن الروايات خالية منه، و ما نقل عن الصدوق- رحمة الله عليه- من مطلق الزنا، فقد تقدم الكلام فيه مشروحا في الموضع المشار إليه آنفا.
المطلب الثاني: في أحكام العيوب
، و فيه مسائل:
[المسألة] الاولى [في تجدد العيب بعد العقد و قبل الدخول]:
عيوب المرأة المبيحة للفسخ إما أن تكون متقدمة على العقد أو أو متجددة بعده و قبل الدخول أو متأخرة عن الدخول، و الظاهر أنه لا خلاف و لا إشكال في الفسخ في المتقدم على العقد، و عدم الفسخ في المتأخر عن الدخول.
370
أما الأول فلأنه مورد النصوص المتكاثرة المتقدمة.
و أما الثاني فإنه قال في المسالك: لا خيار في هذه الصورة اتفاقا على ما يظهر من المصنف و غيره لجريان الدخول مجرى التصرف المانع من الرد بالعيب، و سبق لزوم العقد فيستصحب،
و لصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المرأة ترد من أربعة أشياء: من البرص و الجذام و الجنون و القرن ما لم يقع عليها، فإذا وقع عليها فلا».
و هي شاملة بإطلاقها لوقوعه عليها قبل وجود العيب و بعده، انتهى.
و ربما ظهر من كلام الشيخ في المبسوط أن العيب الحادث بعد الدخول يثبت به الفسخ كما نقله عنه في المسالك، و بالجملة فالعمدة عندهم الاستدلال على عدم الفسخ مع تأخر العيب عن الدخول هو الإجماع المدعى مع ظاهر إطلاق الخبر المذكور.
أقول: و التمسك بأصالة لزوم العقد حتى يقوم دليل على تطرق الفسخ إليه أقوى مستمسك في المقام، و محل الخلاف في هذا المقام إنما هو تجدد العيب بعد العقد و قبل الدخول، و فيه قولان:
(أحدهما) ثبوت الفسخ، ذهب إليه الشيخ في المبسوط و الخلاف تمسكا بإطلاق الأخبار المتقدمة الدالة على ثبوت الفسخ بهذه العيوب أعم من أن تكون موجودة قبل العقد أو متجددة بعده.
و (ثانيهما) العدم، و اختاره ابن إدريس و المحقق في الشرائع و العلامة في جملة من كتبه، و هو المشهور بين المتأخرين، محتجين بأن العقد وقع لازما فيستصحب، و بأن أمر النكاح مبني على الاحتياط فلا يتسلط على فسخه بأي سبب كان، و أجابوا عن الأخبار بأنها ليست صريحة في ذلك، بل ربما ظهر من
____________
(1) الكافي ج 5 ص 409 ح 16، التهذيب ج 7 ص 427 ح 14، الفقيه ج 3 ص 273 ح 1، الوسائل ج 14 ص 592 ح 1.
371
أكثرها تعلق الحكم بالموجود قبل العقد فيجب التمسك فيما عداه بمقتضى العقد اللازم، قال في المسالك: و لا بأس بهذا القول و إن كان القول الآخر لا يخلو من قوة أيضا.
و ظاهر سبطه في شرح النافع اختيار هذا القول حيث قال- بعد الاحتجاج عليه بنحو ما ذكرنا-: و هذا أقوى.
أقول: لا يخفى أن أكثر الروايات المتقدمة المشتملة على الأسئلة ظاهرة في تقدم العيب على العقد مثل قوله في الخبر الأول و الثاني (1)
قال: «سألته عن رجل تزوج إلى قوم فإذا امرأته عوراء».
فإنه ظاهر في تقدم العور على العقد، لكن لما لم يكن العور من العيوب،
قال (عليه السلام) «لا ترد و لكن ترد من البرص و الجذام و الجنون و العفل».
بمعنى أنها ترد لو كانت المرأة المسؤول عنها كذلك، و المسؤول عنها كما عرفت من كان العور متقدما فيها على العقد، و قوله في الخبر الخامس
«قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة زوجها وليها و هي برصاء».
و هو ظاهر في تقدم البرص على العقد، و قوله في الخبر السادس
«في الرجل إذا تزوج المرأة فوجد بها قرنا».
و هو أيضا ظاهر في التقدم، و مثله الخبر السابع بل هو أظهر باعتبار نسبة التدليس إلى المرأة أو الولي، و التدليس إنما يكون باعتبار العقد عليها و هي معيبة، و إلا فلو عقد عليها و هي صحيحة سالمة من العيب و إنما حدث العيب بعد العقد فإنه لا ينسب التدليس إليها و لا إلى وليها و هو ظاهر، و فيها دلالة بالمفهوم الشرطي- الذي هو حجة عند المحققين- على أنه متى لم يحصل التدليس الذي هو كما عرفت عبارة عن تقدم العيب على العقد فإنها لا ترد على أهلها، و هو يصدق على من حدث بها العيب بعد العقد و قبل الدخول و أنها لا ترد لعدم التدليس فيها الموجب للرد، و هو بحمد الله سبحانه ظاهر و مثل ذلك الخبر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 406 ح 6، التهذيب ج 7 ص 426 ح 12، الوسائل ج 14 ص 593 ح 6.
372
التاسع و العاشر و قوله
«تزوج امرأة فوجد بها قرنا».
و قوله في الخبر الحادي عشر
«يتزوج المرأة فيؤتى بها عمياء أو برصاء».
و مثله الخبر الثالث عشر و الخامس عشر.
و بالجملة فإن هذه الأخبار كما ترى ظاهرة في تقدم العيب على العقد، و ما أجمل منها و هو الأقل يمكن حمله على ما دلت عليه هذه الأخبار من التقدم، و على هذا فتبقى أصالة لزوم العقد سالمة من المعارض، و به يظهر قوة القول المشهور بين المتأخرين، إلا أنه بعد لا يخلو من نوع توقف، و المشهور في كتب الأصحاب انحصار الخلاف في هذه المسألة في القولين المذكورين، و ربما يظهر من ابن الجنيد هنا قول ثالث على ما نقله في المسالك، و هو ثبوت الفسخ بالجنون المتجدد، و إن كان بعد الدخول كما تقدم في الرجل لأنه قال: و لو حدث ما يوجب الرد قبل العقد بعد الدخول لم يفرق بينهما إلا الجنون فقط، فجعل الجنون موجبا للخيار في كل من الزوجين و إن حدث بعد الدخول، لأنه كما تقدم نقله عنه آنفا شرك في العيوب التي ذكرها بين الرجل و المرأة، و مفهوم عبارته المذكورة أيضا ثبوت الخيار بباقي العيوب لو حدث قبل الدخول كقول الشيخ- رحمة الله عليه.
المسألة الثانية [في أحكام خيار الفسخ]
قد ذكر الأصحاب لخيار الفسخ هنا أحكاما
(منها) الفورية
، و المشهور في كلامهم من غير خلاف يعرف أن الخيار المذكور هنا فوري للرجل كان أم للمرأة، فلو علم من له الخيار و لم يبادر بالفسخ لزم العقد، و علل مع ذلك بأن الغرض من الخيار دفع الضرر بالتسلط على الفسخ، و هو يحصل بذلك فيقتصر فيما خالف الأصل على مقدار ما يحصل به.
و اعترف في المسالك بأنه ليس لهم نص في ذلك بالخصوص. و قال سبطه في شرح النافع: و في بعض الروايات دلالة عليه، ثم إنه إن كان العيب ظاهرا متفقا عليه لا نزاع فيه بينهما فالفورية معتبرة في الفسخ، و إن توقف ثبوته على المرافعة إلى الحاكم فالفورية في المرافعة إلى الحاكم، فإذا ثبت صار الفسخ فوريا.
و (منها) أن الفسخ المذكور ليس بطلاق، لأن الطلاق يفتقر إلى لفظ خاص
373
و شروط مقررة لا دليل على اعتبارها هنا و لا قائل بها، فلا يعد من الثلاث المحرمة، و لا ينتصف به المهر كما ينتصف بالطلاق إلا في صورة خاصة خرجت بنص خاص، و هي الفسخ بالعنة كما تقدم.
[عدم لزوم الرجوع إلى الحاكم في الفسخ]
و (منها) أن المشهور أنه لا يفتقر الفسخ بالعيوب إلى الحاكم، سواء كانت في المرأة أو الرجل، بل لكل من المرأة و الزوج التفرد بالفسخ في موضع يجب له الخيار إلا في العنة، فإنه يفتقر لضرب الأجل، و غاية ما يفهم من النصوص أن الفسخ حق ثابت لكل من الزوجين في مورده، فمتى اختاره فسخ به.
و من الأخبار الدالة على كل من الحكمين الأخيرين
رواية علي بن أبي حمزة (1) الواردة في الجنون، و فيها «لها أن تنزع نفسها متى شاءت».
و في روايات الخصاء «يفرق بينهما» و هو خطاب لمن له قوة يد في الأمر و النهي مطلقا، و كناية عن انفساخ النكاح إذا لم ترض به، و في بعض روايات العنن أنه بعد مضي السنة «إن شاءت تزوجت و إن شاءت أقامت» و في بعض «تفارقه إن شاءت» و في بعض «فإن أتاها في ضمن السنة و إلا فارقته» و في بعض أخبار عيوب المرأة «ترد على أهلها من غير طلاق» و هو صريح في نفي الطلاق و مثله في كتاب الفقه الرضوي مما تقدم قوله «يردها إلى أهلها بغير طلاق» و في جملة منها «يرد النكاح من البرص و الجنون» و نحو ذلك مما ذكر في تلك الأخبار، و الجميع كما ترى ظاهر في أنه ليس بطلاق، و لا يفتقر إلى الحاكم الشرعي بوجه.
و أما ما اشتمل عليه بعض تلك الأخبار من قوله «إن شاء طلق و إن شاء أمسك» فالمراد بالطلاق هنا كما ذكره الشيخ- (رحمه الله)- الرد و السراح المذكوران في غير هذا الخبر.
و بالجملة فالحكم بالنسبة إلى النظر في الأخبار مما لا شك فيه و مما يدل
____________
(1) الكافي ج 6 ص 151 ح 1، التهذيب ج 7 ص 428 ح 19، الفقيه ص 338 ح 3.
374
على المرافعة إلى الحاكم في العنة لضرب الأجل ما تقدم
في حديث أبي البختري (1) من قوله «يؤخر العنين سنة من يوم مرافعة امرأته».
و مثله حديث كتاب قرب الاسناد (2) المتقدم أيضا.
و ما ذكرناه من أنه لا يفتقر الفسخ إلى الرجوع إلى الحاكم في غير العنة هو المشهور في كلام الأصحاب، و نقل الخلاف هنا عن ابن الجنيد حيث قال: و إذا أريدت الفرقة لم يكن إلا عند من يجوز حكمه من و الي المسلمين أو خليفته أو بمحضر من المسلمين إن كانا في بلد هدنة أو سلطان متغلب، انتهى.
و اضطرب كلام الشيخ في المبسوط في هذا المقام فقال: و إن اختار الفسخ أتى الحاكم بفسخ النكاح، و ليس له أن ينفرد به لأنها مسألة خلاف، هذا عند المخالف و لا يمنع عندنا أن يفسخ الرجل ذلك بنفسه أو المرأة، لأن الأخبار مطلقة في هذا الباب، ثم قال بعد كلام طويل: فأما الفسخ فإلى الحاكم لأنه مختلف فيه، و لو قلنا على مذهبنا أنه له الفسخ بنفسه كان قويا، و الأول أحوط لقطع الخصومة، ثم قال بعد ذلك: لا يجوز أن تفسخ- يعني امرأة العنين- بغير حاكم لأنه مختلف فيه.
أقول: ظاهر كلامه و كذا ظاهر كلام ابن الجنيد أن اشتراط الفسخ بالحاكم مذهب المخالفين. أما كلام الشيخ فهو صريح في ذلك، و أن مذهب الإمامية عدم اشتراطه، و أن هذا الاحتياط الذي صار إليه إنما هو بالنظر إلى خلاف العامة.
و أما كلام ابن الجنيد فإنه يشير إلى ذلك بقوله إن كانا في بلد هدنة- يعني تقية- أو سلطان متغلب- يعني سلاطين الجور.
و بالجملة فإن القول المذكور كما عرفت مع شذوذه لا دليل عليه، و ليس في هذا الكلام المنقول عنهما ما يدل على المخالفة لما عليه الأصحاب و صريحا إن
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 431 ح 30، الوسائل ج 14 ص 612 ح 9 و فيهما «ترافعه».
(2) قرب الاسناد ص 50، الوسائل ج 14 ص 612 ح 12.
375
لم يكن أولى بالدلالة على الموافقة، فإن كلامهم يدور على أن ذلك إنما هو مذهب المخالفين، و القول به إنما هو على جهة التقية منهم، و هو ظاهر فيما قلناه و واضح فيما ادعيناه.
المسألة الثالثة [فيما لو فسخ الزوج]
الظاهر أنه لا خلاف في أنه إذا فسخ الزوج قبل الدخول فإنه لا مهر لها، و لو فسخ بعده فلها المسمى و يرجع به على المدلس، و يدل على الحكم المذكور جملة من الأخبار المتقدمة في المقام الثاني من سابق هذا المطلب مثل
صحيحة أبي عبيدة (1) و هي الرواية السابعة من تلك الروايات، و قوله فيها «و ترد على أهلها بغير طلاق، و يأخذ الزوج المهر من وليها الذي كان دلسها، فإن لم يكن وليها علم بشيء من ذلك فلا شيء عليه، و ترد إلى أهلها، قال: و إن أصاب الزوج شيئا مما أخذت منه فهو له، و إن لم يصب شيئا فلا شيء له، قال: و تعتد عدة المطلقة إن كان دخل بها، و إن لم يكن دخل بها فلا عدة و لا مهر».
و رواية رفاعة (2) و هي الخامسة من الروايات المتقدمة، و قوله (عليه السلام) فيها «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة زوجها وليها و هي برصاء أن لها المهر بما استحل من فرجها و أن المهر على الذي زوجها، و إنما صار المهر عليه لأنه دلسها، و لو أن رجلا تزوج امرأة أو زوجها رجل لا يعرف دخيلة أمرها لم يكن عليه شيء و كان المهر يأخذه منها».
و صحيحة الحلبي أو حسنته (3) و هي الثانية من تلك الروايات و فيها «قلت:
أ رأيت إن كان قد دخل بها كيف يصنع بمهرها؟ قال: لها المهر بما استحل من
____________
(1) الكافي ج 5 ص 408 ح 14، التهذيب ج 7 ص 425 ح 10، الوسائل ج 14 ص 596 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 407 ح 9، التهذيب ج 7 ص 424 ح 8، الوسائل ج 14 ص 600 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 426 ح 12، الوسائل ج 14 ص 593 ح 6.
376
فرجها، و يغرم وليها الذي أنكحها مثل ما ساق إليها».
و نحو هذه الروايات أيضا رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) و هي الرابعة عشر من تلك الروايات، و كذا صحيحة محمد بن مسلم (2) و هي الخامسة عشر.
[مباحث]
و تمام تحقيق الكلام في المقام يتوقف على رسم مباحث:
الأول:
إذا فسخ الزوج بعد الدخول استحقت الزوجة المسمى و مقتضى القواعد الشرعية أنه لا فرق في ذلك بين كون العيب الذي فسخ به كان قبل العقد أو حدث بعده، لأن النكاح صحيح و إن فسخ بالخيار و ثبوت الخيار فرع على صحة العقد في نفسه، لأن الفسخ لا يبطله من أصله، و لهذا لا يرجع بالنفقة الماضية، و حينئذ فالواجب هو المسمى لصحة العقد.
و قال الشيخ في المبسوط: إن كان الفسخ بالمتجدد بعد الدخول فالواجب المسمى لأن الفسخ إنما يستند إلى العيب الطارئ بعد استقراره، و إن كان بعيب موجود قبل العقد أو بعده قبل الدخول وجب مهر المثل، لأن الفسخ و إن كان في الحال إلا أنه مستند إلى حال حدوث العيب، فيكون كأنه وقع مفسوخا حين حدث العيب، فيصير كأنه وقع فاسدا، فيلحقه أحكام الفاسد، إن كان قبل الدخول فلا مهر و لا متعة، و إن كان بعده فلا نفقة للعدة و يجب مهر المثل.
قال في المسالك: و لا يخفى ضعفه لأن النكاح وقع صحيحا، و الفسخ و إن كان بسبب العيب السابق لا يبطله من أصله بل من حين الفسخ، و لا يزيل الأحكام التي سبقت عليه خصوصا إذا كان العيب حادثا بعد العقد، فإن دليله لا يخفى عليه.
أقول: و فيه أيضا أن مقتضى كلامه أن ظهور العيب السابق على العقد أو على الدخول موجب لبطلان العقد، حيث إنه جعل العقد في قوة المفسوخ به.
و فيه أنه قد ثبت له التخيير بين الفسخ و الإمضاء، و اختياره الإمضاء لا يجامع
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 425 ح 9، الوسائل ج 14 ص 601 ح 4.
(2) التهذيب ج 7 ص 432 ح 34، الوسائل ج 14 ص 597 ح 7.
377
بطلانه بالعيب حين ظهوره.
و كيف كان فإن المعتمد في ذلك على الأخبار، و هي كما عرفت دالة على أنه متى فسخ فإن لها المسمى مع الدخول، أعم من أن يكون العيب متقدما على العقد أو متأخرا، بل ظاهر أكثرها كما قدمنا بيانه إنما هو تقدم العيب على العقد، و هو الذي حكم فيه بمهر المثل، و الروايات صريحة في المسمى كما عرفت.
الثاني:
قد دلت الأخبار و به صرح الأصحاب على أنه متى فسخ الزوج بعد الدخول فإن لها المسمى، و أن الزوج يرجع به على وليها الذي دلسها، و المراد من التدليس هو عدم إخبار الزوج بالعيب المذكور، مع علم المتولي للتزويج به، و لا فرق في ذلك بين كون المدلس وليا شرعيا أو غيره، بل لو كان التدليس إنما وقع منها من غير واسطة في البين فإنه يرجع عليها بالمهر متى قبضته، و لو لم يدفع إليها شيئا لم تستحق شيئا.
و يدل على ذلك فيما إذا كانت هي التي دلست نفسها ما تقدم
في رواية رفاعة (1) من قوله «و لو أن رجلا تزوج امرأة قد زوجها رجل لا يعرف دخيلة أمرها لم يكن عليه شيء، و كان المهر يأخذه منها».
و حاصله أن التدليس لما لم يحصل من المتولي لتزويجها لعدم علمه، و إنما حصل منها لعدم إخبارها بالعيب مع علمها به، فإن للزوج الرجوع بالمهر عليها، و مقتضاه أنه لو لم يدفع إليها شيئا فإنه لا يجب عليه، إذ لا معنى لدفعه لها و استرجاعه منها، و بما ذكرنا صرح الأصحاب أيضا.
و يدل على ذلك أيضا ما رواه
في الكافي (2) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل ولته امرأة أمرها أو ذات قرابة أو جار لها لا يعلم دخيلة أمرها فوجدها قد دلست عيبا هو بها، قال: يؤخذ المهر منها و لا يكون
____________
(1) الكافي ج 5 ص 407 ح 9، التهذيب ج 7 ص 424 ح 8، الوسائل ج 14 ص 596 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 407 ح 10، الوسائل ج 14 ص 597 ح 4.
378
على الذي زوجها شيء».
قال في المسالك: إذا تقرر ذلك فمما غرم الزوج من المهر، و كان هناك مدلس رجع به عليه سواء كان وليا أم غيره، حتى لو كان المدلس هو المرأة رجع عليها أيضا بمعنى أنه لا يثبت عليه لها مهر، و لا وجه لإعطائها إياه ثم الرجوع عليها به.
بقي الكلام فيما لو انتفى التدليس بأن كان العيب خفيا لم تطلع عليه المرأة فضلا عن المتولي لتزويجها، و الظاهر أنه لا رجوع لانتفاء المقتضي لذلك، ثم إنهم ذكروا أنه لو كان الرجوع على غير الزوجة فلا ريب أنه يرجع لجميع ما غرمه، و إن كان الرجوع عليها فإن المشهور أنه لا يرجع بالجميع بل يجب أن يستثني منه ما يكون مهرا، لأن الوطي المحرم لا يخلو من مهر، و قيل إنه يرجع بالجميع تمسكا بالإطلاق، و استظهره السيد السند في شرح النافع.
أقول: و يؤيده ما ذكرنا من رواية رفاعة، و قوله فيها «و كان المهر يأخذه منها» فإنه صريح في الرجوع بالمهر كملا، و أصرح منها صحيحة الحلبي أو حسنته المذكورة.
و أما ما ذكروه من أن النكاح المحرم لا يخلو من مهر على إطلاقه ممنوع، فإن الظاهر أن الرجوع عليها بالمهر هنا عقوبة لتدليسها كما في صورة الرجوع على المتولي لنكاحها إذا كان عالما بالعيب مع أنه أجنبي.
ثم إنه على تقدير القول المشهور من استثناء شيء يكون مهرا ففي تقديره قولان:
(أحدهما) ما ذهب إليه ابن الجنيد من أنه أقل مهر مثلها، لأنه قد استوفى منفعة البضع فوجب عوضه، و هو مهر المثل.
(و ثانيها) و عليه الأكثر أنه أقل ما يكون مهرا و هو أقل ما يتمول في العادة، و وجهه ورود النص بالرجوع بالجميع، فيجب الاقتصار في المخالفة على موضع
379
اليقين، و اعترف في المسالك بأن النصوص خالية من هذا الاستثناء. أقول: بل هي ظاهرة في رده لما عرفت من حديث رفاعة.
الثالث:
قد دلت جملة من الأخبار المتقدمة في المقام الثاني في عيوب المرأة من المطلب الأول على جواز الفسخ بعد الدخول مثل الخبر الثاني و الخامس و السابع (1) و يستفاد منها أن الوطي لا يمنع من الفسخ بالعيب السابق على العقد، و لكن قد دلت جملة منها أيضا على أن الدخول بها يمنع من الرد، كقوله (عليه السلام) في
رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله (2) و هي الرواية السادسة «أنه يردها ما لم يدخل بها».
فإن مفهومه أنه متى دخل بها لا يردها، و
في صحيحته (3) و هي الثامنة من تلك الروايات «ترد من أربعة أشياء. ما لم يقع عليها، فإذا وقع عليها فلا».
و في رواية غياث بن إبراهيم (4) و هي الرواية الثالثة عشر «و إذا دخل بها فهي امرأته».
و الوجه الواضح المنار في الجمع بين هذه الأخبار هو أنه إن دخل بها مع علمه بالعيب فهو رضا منه بها، فليس له الفسخ حينئذ، و عليه تحمل الأخبار الأخيرة، و إن دخل بها جاهلا به فإن له الرد، و عليه تحمل الأخبار الأولة، و قد دل على هذا التفصيل الخبر التاسع (5) و الخبر العاشر (6) بأوضح دلالة.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 426 ح 12 و ص 424 ح 8 و ص 425 ح 10، الوسائل ج 14 ص 593 ح 6 و ص 600 ح 2 و ص 596 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 407 ح 12، التهذيب ج 7 ص 427 ح 13، الوسائل ج 14 ص 598 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 409 ح 16، التهذيب ج 7 ص 427 ح 14، الوسائل ج 14 ص 592 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 426 ح 11، الوسائل ج 14 ص 595 ح 14.
(5) الكافي ج 5 ص 409 ح 17، الفقيه ج 3 ص 274 ح 5، الوسائل ج 14 ص 599 ح 3.
(6) الكافي ج 5 ص 409 ح 18، التهذيب ج 7 ص 427 ح 15، الوسائل ج 14 ص 598 ح 1.
380
الرابع:
إذا فسخت الزوجة بعيب في الزوج، فإن كان بعد الدخول فإن لها المسمى في العقد لأن المسمى يلزم بالعقد، و يستقر بالدخول، و إن كان قبل الدخول فلا شيء لها لأن الفسخ جاء من قبلها، و استثنى من ذلك الفسخ بالعنن فإن لها نصف المهر.
فأما ما يدل على أن الفسخ متى كان من قبل المرأة فإنه مع عدم الدخول لا مهر لها فهو ما رواه
المشايخ الثلاثة (1) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في المرأة إذا زنت قبل أن يدخل بها الرجل: يفرق بينهما و لا صداق لها، إن الحدث كان من قبلها».
و هو ظاهر في أنه متى كان السبب الموجب للفسخ من قبلها فإنه لا مهر لها عملا بالعلة المذكورة، و هذا الحكم من القواعد المتفق عليها عندهم و المسلمة بينهم كما صرحوا به في غير موضع من الأحكام.
و أما ما يدل على استثناء الفسخ بالعنن من هذه القاعدة
فصحيحة أبي حمزة (2) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إذا تزوج الرجل المرأة الثيب التي قد تزوجت زوجا غيره فزعمت أنه لم يقربها منذ دخل بها- إلى أن قال:- فعلى الامام أن يؤجله سنة فإن وصل إليها و إلا فرق بينهما و أعطيت نصف الصداق و لا عدة عليها».
و قد تقدم الكلام في هذا المقام أيضا.
الخامس:
قد ذكر الشيخ و جملة من الأصحاب أنه لو فسخت المرأة بالخصاء ثبت لها المهر مع الخلوة و يعزر، و استدلوا عليه بما رواه
الشيخ (3) في الصحيح عن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 566 ح 45، التهذيب ج 7 ص 473 ح 105، الفقيه ج 3 ص 263 ح 38، الوسائل ج 14 ص 601 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 411 ح 7، التهذيب ج 7 ص 429 ح 20، الوسائل ج 14 ص 613 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 432 ح 33، الوسائل ج 14 ص 608 ح 3.
381
ابن مسكان قال: «بعثت بمسألة مع ابن أعين قلت: سله عن خصي قد دلس نفسه لامرأة و دخل بها فوجدته خصيا، قال: يفرق بينهما و يوجع ظهره، و يكون لها المهر بدخوله عليها».
و عن سماعة (1) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أن خصيا دلس نفسه لامرأة، قال: يفرق بينهما و تأخذ المرأة منه صداقها و يوجع ظهره كما دلس نفسه».
و أنكر ابن إدريس هذا الحكم و قال: لا دليل على صحة هذه الرواية من كتاب و لا سنة مقطوع بها و لا إجماع، و الأصل براءة الذمة، و إن كان أورده شيخنا في نهايته إيرادا لا اعتقادا.
و قال العلامة في المختلف: إن الشيخ بنى ذلك على أصله من ثبوت المهر بالخلوة.
قال السيد السند في شرح النافع- بعد نقل ذلك عن العلامة-: و فيه نظر فإن الشيخ إنما استند في هذا الحكم إلى هذه الروايات، و لو صح سندها لوجب المصير إليه، و إذا لم يثبت ذلك الأصل فالمسألة محل تردد، انتهى.
أقول: و من روايات المسألة ما رواه
الثقة الجليل عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد (2) عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن خصي دلس نفسه لامرأة ما عليه؟ قال: يوجع ظهره و يفرق بينهما و عليه المهر كاملا إن دخل بها، و إن لم يدخل بها فعليه نصف المهر».
و ما صرح به
الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) حيث قال: و إن تزوجها خصي فدلس نفسه لها و هي لا تعلم فرق بينهما و يوجع ظهره كما دلس نفسه، و عليه نصف الصداق و لا عدة عليها منه».
و نقل في المختلف هذه العبارة بلفظها عن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 411 ح 6، التهذيب ج 7 ص 432 ح 32، الوسائل ج 14 ص 608 ح 2.
(2) قرب الاسناد ص 108، الوسائل ج 14 ص 609 ح 5.
(3) فقه الرضا ص 237، مستدرك الوسائل ج 2 ص 604 ب 12 ح 2.
382
الشيخ علي بن بابويه في الرسالة، و ابنه في المقنع على وجه الإفتاء بها.
و أنت خبير بأن المستفاد من هذه الروايات بعد ضم بعضها إلى بعض هو أن الخصاء و إن كان عيبا إلا أنه يمكن الجماع معه كما ذكره الشيخ و غيره، و من هذه الجهة لم يعده عيبا كما تقدم نقله عنه، قال: لأن غايته أنه لا ينزل، و إلا فإنه يبالغ في الإيلاج أكثر من الفحل، و عدم الانزال ليس بعيب، و حينئذ فنقول إنه متى دخل الخصي بها وجب المهر. و هو مما لا إشكال فيه، و به صرحت صحيحة علي بن جعفر، و عليه يحمل صحيحة ابن مسكان و موثقة سماعة، و إن لم يدخل بها فنصف المهر كما صرحت به صحيحة علي بن جعفر أيضا و عليه يحمل كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي.
و بذلك يظهر لك أن ما ذكره هؤلاء الأجلاء في المقام فإنه نفخ في غير ضرام،:
و مبنى هذا الاشكال عندهم و الاختلاف بينهم على دعوى دلالة صحيحة ابن مسكان و موثقة سماعة على وجوب المهر بالخلوة، فمن ثم اتخذهما الشيخ دليلا على ما ادعاه من وجوب المهر بالخلوة، و ردهما ابن إدريس لذلك، و هكذا كلام العلامة و السيد المذكور.
و فيه أن غاية ما يدل عليه الخبران المذكوران هو أنه بتزويجه بها و دخوله عليها يجب المهر، و هو مجمل بالنسبة إلى الوطي و عدمه، و لكن صحيحة علي بن جعفر قد فصلت الحكم بأنه إن كان قد دخل بها فلها المهر كملا، و إن لم يدخل فنصفه، و المجمل يحمل على المفصل كما هو القاعدة الكلية و يعضدها كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقيه، و حكمه بالتنصيف فإنه محمول على الفسخ مع عدم الدخول، و هذا بكرامته سبحانه واضح لا سترة عليه، و الله العالم.
المسألة الرابعة [مواضع من أحكام العنن]
قد ثبت بما قدمناه في المقام الأول من المطلب الأول أن العنن من جملة عيوب الرجل المتفق على جواز فسخ المرأة به، بقي الكلام هنا في مواضع من أحكامه:
383
الأول [في الطريق إلى الحكم بالعنن]
إنك قد عرفت أن العنة عبارة عن ضعف الآلة عن الانتشار و الولوج في الفرج، فهو أمر مخفي لا يطلع عليه غير من ابتلى به، فلا يمكن الاطلاع عليه بالشهادة حينئذ فلا طريق إلى الحكم به إلا بإقرار صاحبه على نفسه أو قيام بينة بإقراره، فعلى هذا لو ادعت المرأة عليه بذلك و أنكر الرجل فالقول قوله بيمينه عملا بأصالة السلامة الراجعة إلى أصالة العدم، فإن حلف استقر النكاح، و إن نكل فإن قضينا بمجرد النكول ثبت العيب، و إلا ردت اليمين على المرأة، فإن حلفت ثبت العيب، إلا أنه لا بد في حلفها من حصول العلم لها به، و ذلك يحصل بممارستها له مدة على وجه يحصل لها بتعاضد القرائن العلم بالعنة.
و نقل الأصحاب عن الصدوق- رحمة الله عليه- أن الرجل المدعى عليه العنة يقام في الماء البارد، فإن تقلص حكم بقوله، و إن بقي مسترخيا حكم لها.
و نقل ذلك في المسالك عن ابن حمزة أيضا قال: و معنى تقلص انضم و انزوى، و لفظ الصدوق «و إن تشنج» و المراد به تقبض الجلد، قال: و أنكر هذه العلامة المتأخرون، لعدم الوثوق بالانضباط و عدم الوقوف على مستند صالح، نعم هو قول الأطباء و كلامهم فيثمر الظن الغالب بالصحة، إلا أنه ليس طريقا شرعيا، انتهى.
أقول: لا يخفى أن ما نقلوه عن الصدوق فإنه قد رواه في كتابه من لا يحضره الفقيه (1) عن الصادق (عليه السلام) مرسلا و به
صرح الرضا (عليه السلام) في كتابه (2) حيث قال: و إذا ادعيت عليه أنه عنين و أنكر الرجل أن يكون كذلك، فإن الحكم فيه أن يجلس الرجل في ماء بارد فإن استرخى ذكره فهو عنين، و إن تشنج فليس بعنين».
و لكن أصحابنا المتأخرين حيث لم يصل إليهم الكتاب المذكور و لا اطلعوا عليه لم يطلعوا على ما فيه من الأحكام.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 357 ح 2، الوسائل ج 14 ص 614 ح 4.
(2) فقه الرضا ص 237، مستدرك الوسائل، ج 2 ص 604 ب 14 ح 1.
384
و روى الصدوق في الفقيه (1) قال: و في خبر آخر أنه يطعم السمك الطري ثلاثة أيام ثم يقال له: بل على الرماة، فإن ثقب بوله الرماد فليس بعنين، و إن لم يثقب بوله الرماد فهو عنين.
الثاني [حكم ما لو تجدد العنن بعد الوطي]
إذا تحقق العنن للرجل فإما أن يثبت تقدمه على العقد أو تأخره عنه قبل الوطي أو بعده، و إنما يحصل بعد الوطي، و لا خلاف في الفسخ به في الصورة الاولى و عليه تدل الأخبار المتقدمة.
و أما بعد العقد و قبل الوطي فالمشهور جواز الفسخ به أيضا، و ربما ظهر من عبارة المبسوط عدمه، و أما المتجدد بعد الوطي فأكثر الأصحاب على عدم الفسخ به.
و ذهب الشيخ المفيد و جماعة إلى أن لها الفسخ به أيضا، قال الشيخ المذكور- على ما نقله عنه في المختلف-: و إن تزوجته على أنه سليم فظهر لها أنه عنين انتظرت به سنة، فإن وصل إليها فيها و لو مرة واحدة فهو أملك بها، و إن لم يصل إليها في مدة السنة كان لها الخيار، فإن اختارت المقام معه على أنه عنين لم يكن لها بعد ذلك خيار، و إن حدث بالرجل عنة بعد صحته كان الحكم في ذلك كما وصفناه ينتظر به سنة، فإن تعالج فيها و صلح و إلا كانت المرأة بالخيار، انتهى.
قال الشيخ في التهذيب- بعد نقل ذلك عنه-: فأما الذي ذكره- رحمة الله عليه- من التسوية بين العنة إذا حدثت بعد الدخول و بينهما إذا كانت قبل الدخول إنما حمله على ذلك عموم الأخبار التي رويت في ذلك مثل ما رواه الحسين بن سعيد، ثم نقل
صحيحة محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «العنين يتربص به سنة، ثم إن شاءت امرأته تزوجت و إن شاءت أقامت».
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 357 ح 3، الوسائل ج 14 ص 614 ح 5.
(2) التهذيب ج 7 ص 431 ح 27، الوسائل ج 14 ص 611 ح 5.
385
و عن أبي الصباح الكناني (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة ابتلى زوجها فلا يقدر على الجماع أبدا، أ تفارقه؟ قال: نعم إن شاءت».
و عن أبي البختري (2) عن أبي جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام) كان يقول:
يؤخر العنين سنة من يوم ترافعه امرأته فإن خلص إليها و إلا فرق بينهما».
ثم قال: و الأولى عندي الأخذ بالخبر الذي رويناه
عن إسحاق بن عمار (3) عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) «أن عليا (عليه السلام) كان يقول: إذا تزوج الرجل امرأة فوقع عليها مرة ثم أعرض عنها فليس لها الخيار فلتصبر فقد ابتليت و ليس لأمهات الأولاد و لا الإماء ما لم يمسها من الدهر إلا مرة واحدة خيار».
و عن غياث الضبي (4) عن الصادق (عليه السلام) «قال في العنين: إذا علم أنه عنين لا يأتي النساء فرق بينهما، و إذا وقع عليها دفعة واحدة لم يفرق بينهما، و الرجل لا يرد من عيب».
أقول: مرجع كلام الشيخ إلى أن الأخبار التي استدل إليه الشيخ المفيد و إن دلت على ما ذكره بإطلاقها إلا أن هذه الروايات باعتبار ما اشتملت عليه من أنه متى جامعها و لو مرة واحدة فإنه لا خيار لها خاصة صالحه لتقييد تلك الأخبار، و قضية الجمع بينها تقييد ذلك الإطلاق بهذه الأخبار، و هو جيد، فإن ذلك قاعدة كلية عندهم في الجمع بين الأخبار.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 431 ح 28، الوسائل ج 14 ص 611 ح 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 431 ح 30، الوسائل ج 14 ص 612 ح 9.
(3) التهذيب ج 7 ص 430 ح 26، الوسائل ج 14 ص 612 ح 8.
(4) الكافي ج 5 ص 410 ح 4 و فيه «عباد الضبي»، التهذيب ج 7 ص 430 ح 25، الفقيه ج 3 ص 357 ح 4 مع تفاوت يسير، الوسائل ج 14 ص 610 ح 2.
386
و جملة من المتأخرين منهم صاحب المسالك و سبطه في شرح النافع (1) و غيرهما رجحوا مذهب الشيخ المفيد عملا بذلك الإطلاق حيث إن في رواياته صحيحة محمد ابن مسلم، و الأخبار المقيدة ضعيفة باصطلاحهم لا تصلح لمعارضة تلك الأخبار، و الجمع بين الأخبار عندهم فرع حصول التعارض، و موجب ذلك أن من لا يرى العمل بهذا الاصطلاح كالمتقدمين و من تبعهم من متأخري المتأخرين فإنه يتحتم عندهم الجمع بين الأخبار بما ذكره الشيخ- رحمة الله عليه.
قال في المختلف- بعد نقل ما ذكرناه-: و الأشهر قول الشيخ عملا بمقتضى العقد اللازم و بما تقدم في الرواية، و إن كان قول المفيد لا يخلوا أيضا من قوة، لما فيه من دفع الضرر بفوات فائدة النكاح، فنحن في ذلك من المتوقفين، انتهى.
و فيه أنه بعد ثبوت الحكم بالأخبار و دلالتها على أنها قد ابتليت فلتصبر لا وجه لهذا الكلام، و الأدلة العقلية في حد ذاتها غير مسموعة، فكيف في مقابلة الأخبار الصريحة في ردها.
و العجب من شيخنا المفيد أنه حكم في صورة العنن الأصلي بأنه متى أجل سنة و وصل إليها في تلك المدة و لو مرة فإنه يكون أملك بها- يعني لا خيار لها- و هو أعم من أن يعود العنن إليه بعد ذلك أم لا، فإنه لا خيار لها في هذه الصورة على كلا الاحتمالين، و حينئذ فلا بد من تقييد إطلاق الأخبار بغير هذه الصورة، لأن مقتضى إطلاق تلك الأخبار هو أن العنن موجب للخيار أعم من أن يكون أصليا أو إنما عرض بعد التزويج و الدخول، و مقتضى ما ذكره من أنه بعد ثبوت العنن و كونه أصليا لو وصل إليها مرة فإنها لا خيار لها و إن عاد العنن له بعد
____________
(1) قال السيد السند في شرح النافع بعد رده الروايات المقيدة بضعف الاسناد: و المسألة محل تردد و ان كان المصير الى ما عليه الأكثر من اشتراط حصول العنة قبل الوطي أولى اقتصارا في فسخ العقد اللازم على موضع الوفاق، و هو ظاهر في اختياره القول المشهور للتعليل المذكور. (منه- (قدس سره)-).
387
ذلك كما هو مقتضى إطلاق كلامه، الخروج عن مقتضى ذلك الإطلاق، فيجب تخصيصه بغير هذه الصورة.
و أنت خبير بأنه لا فرق بين هذه الصورة و لا بين العنن العارض بعد الوطي إذ الجميع من باب واحد، فلا معنى لاستثنائه هذه الصورة، و حكمه بالفسخ في تلك الصورة. و بالجملة فالمعتمد هو القول الأول و هو الذي عليه المعول.
الثالث [متى يتحقق العنن؟]
ظاهر جملة من الأصحاب أن العنن إنما يتحقق بالعجز عن وطئها قبلا و دبرا، و العجز عن وطئ غيرها. فلو عجز عنها مثلا و أمكن وطئ غيرها لم يكن عنينا، و لم يترتب عليه جواز الفسخ.
و يدل على ذلك قوله (عليه السلام)
في رواية غياث الضبي (1) المتقدمة «إذا علم أنه لا يأتي النساء فرق بينهما».
و قوله
في رواية أبي بصير (2) المتقدمة أيضا «ابتلى زوجها فلم يقدر على الجماع».
و استدل السيد السند في شرح النافع على هذا القول
برواية عمار (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن رجل أخذ عن امرأته فلا يقدر على إتيانها، فقال:
إن كان لا يقدر على إتيان غيرها من النساء فلا يمسكها إلا برضاها بذلك، و إن كان يقدر على غيرها فلا بأس بإمساكها».
ثم ردها مع رواية الضبي بضعف السند، و ظني أن هذه الرواية ليست من روايات العنن، و إنما المراد بالأخذ فيها هو عمل شيء كالسحر يمنع من الجماع.
قال في القاموس (4): و الأخذ بالضم رقية كالسحر، و على هذا المعنى حمله في الوافي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 410 ح 4، التهذيب ج 7 ص 430 ح 25، الوسائل ج 14 ص 610 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 411 ح 5، الوسائل ج 14 ص 610 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 411 ح 9، الوسائل ج 14 ص 611 ح 3.
(4) ج 1 ص 350.
388
أيضا و إن احتمل ارادة العنن أيضا.
و ظاهر عبارة الشيخ المفيد المتقدمة في سابق هذا الموضع و قوله «انتظرت به سنة فإن وصل إليها فيها و لو مرة واحدة فهو أملك بها، و إن لم يصل إليها في مدة السنة كان لها الخيار» فإن ظاهرها أن العنن يصدق بمجرد عدم الوصول إليها و إن أمكن الوصول إلى غيرها.
و يدل على ذلك قوله (عليه السلام)
في صحيحة أبي حمزة الثمالي (1) و قد تقدمت «فإذا ذكرت أنها عذراء فعلى الامام أن يؤجله سنة فإن وصل إليها، و إلا فرق بينهما».
فإن ظاهر هذا الكلام هو الاكتفاء في حصول العنن، و جواز الفسخ بعجزه عن وطئها و إن لم يعلم عجزه عن وطئ غيرها، و يعتريني في هذا المقام إشكال، و هو أنه قد تقدم في كلام أهل اللغة في معنى العنين أنه الذي لا يقدر على إتيان النساء و لا يريدهن بالكلية، و في كلام الفقهاء أنه مرض تضعف معه القوة عن نشر العضو.
و ظاهر الكلام في الموضعين أنه لا يختلف باختلاف النساء فيزول بالنسبة إلى بعض، و يحصل بالنسبة إلى أخرى، ففرض الأصحاب هذا الخلاف و جعله مسألة في البين ليس في محله، و الروايات المذكورة لا دلالة فيها على ما ادعوه من الاختلاف بل هي بالنسبة إلى ما ندعيه أقرب و بما ذكرناه أنسب.
و أما رواية الضبي و كذا رواية أبي بصير فهما ظاهرتان في أن العنين من لا يقدر على مجامعة النساء من زوجته و غيرها و هو صريح فيما قلناه.
و أما صحيحة أبي حمزة فغاية ما تدل عليه أنه إن جامعها في هذه المدة فإنه يعمل زوال العنة عنه، و إن لم يمكنه جماعها علم أنه عنين لا يمكن جماعها و لا جماع غيرها، نعم رواية عمار ظاهرة فيما ذكروه إلا أنك قد عرفت أنها ليست من محل البحث في شيء.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 411 ح 7، التهذيب ج 7 ص 429 ح 20، الوسائل ج 14 ص 613 ح 1.
389
الرابع [فيما لو ادعى الوطي و أنكرت]
أطلق الأكثر بأنه لو ادعى الوطي و أنكرت فالقول قوله بيمينه، سواء كان بعد ثبوت العنن أو قبله، و المحقق في الشرائع فرض المسألة فيما لو ادعى الزوج الوطي بعد ثبوت العنن، و حكم بأن القول قوله بيمينه، و الحكم ظاهر فيما لو ادعى الزوج الوطي قبل ثبوت العنن، فإنه يقبل قوله بيمينه.
قالوا: لأن دعوى الوطي يتضمن إنكار العنن المؤيد بأصالة السلامة من العيب فيكون قوله مقبولا بيمينه، و يدل عليه ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن أبي حمزة قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إذا تزوج الرجل المرأة الثيب التي قد تزوجت زوجا غيره فزعمت أنه لم يقربها منذ دخل بها فإن القول في ذلك قول الرجل، و عليه أن يحلف بالله لقد جامعها، لأنها المدعية، قال: فإن تزوجها و هي بكر فزعمت أنه لم يصل إليها فإن مثل هذا تعرفه النساء فلينظر إليها من يوثق به منهن، فإذا ذكرت أنها عذراء فعلى الامام أن يؤجله سنة، فإن وصل إليها و إلا فرق بينهما، و أعطيت نصف الصداق و لا عدة عليها».
و قال في الفقه الرضوي (2) «و إذا ادعت أنه لا يجامعها- عنينا كان أو غير عنين- فيقول الرجل أنه قد جامعها، فعليه اليمين و عليها البينة لأنها المدعية».
و الخبران ظاهران في أن الدعوى المذكورة قبل ثبوت العنن.
و إنما الإشكال فيما إذا كانت الدعوى بعد ثبوت العنن كما فرضه المحقق و نحوه العلامة في القواعد، و وجه الاشكال أنه مدع لزوال ما قد ثبت، فلا يكون قوله مقبولا، مع أنهم حكموا هنا بقبول قوله بيمينه.
و المفهوم من كلام المحقق الشيخ علي في شرح القواعد أن الوجه فيما حكموا به من قبول قوله بيمينه في هذه الدعوى مع ثبوت العنن أحد أمرين:
____________
(1) الكافي ج 5 ص 411 ح 7، التهذيب ج 7 ص 429 ح 20، الوسائل ج 14 ص 613 ح 1.
(2) فقه الرضا ص 237، مستدرك الوسائل ج 2 ص 604 ب 14 ح 1.
390
إما لأن هذا الفعل لا يعلم إلا من قبله فيقبل قوله فيه، كدعوى المرأة انقضاء العدة بالأقراء، و إما لأن العنة لا تثبت قبل مضي السنة، و إلا لثبت الفسخ، و أما الثابت العجز الذي يمكن أن يكون عنة و أن يكون غيرها، و لهذا يجب أن يؤجل سنة لينظر فيها هل يقدر على الوطي أم لا، فإن قدر فلا عنة و إلا ثبتت و حكم بها، فيكون الزوج بدعواه الوطي و إن كان بصورة المدعي، إلا أنه في الحقيقة منكر للعنة و الأصل الصحة و حصول العيب على خلاف الأصل، و إن كان بعد ثبوت العجز، و حينئذ فيقبل قوله فيه، و استدلوا أيضا بصحيحة أبي حمزة المذكورة بدعوى أنها مطلقة فإن موردها اختلافهما في حصول الوطي و عدمه المتناول لما إذا وقع ذلك قبل ثبوت العنة و بعده.
و فيه أن الظاهر بعده، لأنه بعد ثبوت العنة يثبت لها الخيار في الفسخ و عدمه، فلا وجه لما تضمنه الخبر حينئذ من الحكم المذكور فيه، و لا ضرورة تلجأ إليه.
و في المسألة قول آخر أيضا صرح به الشيخ في الخلاف و الصدوق في المقنع و جماعة من الأصحاب، و هو أن دعواه الوطي إن كان في القبل، فإن كانت بكرا صدق بشهادة أربع نساء يشهدون بذهابها، و إن كانت ثيبا حشي قبلها خلوقا، ثم يؤمر بالوطء فإن خرج الخلوق على ذكره كان القول قوله، و إلا فلا.
و استدل عليه في الخلاف بإجماع الفرقة و أخبارهم.
و الذي ورد من الأخبار في ذلك أما بالنسبة إلى البكر فما تقدم في صحيحة أبي حمزة.
و أما بالنسبة إلى الثيب فهو ما رواه
الشيخ في التهذيب و الكليني في الكافي (1) عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن بعض مشيخته قال: «قالت امرأة لأبي عبد الله
____________
(1) الكافي ج 5 ص 411 ح 8، التهذيب ج 7 ص 429 ح 21، الفقيه ج 3 ص 357 ح 1، الوسائل ج 14 ص 613 ح 2.
391
(عليه السلام)، أو سأله رجل عن رجل تدعي عليه امرأته أنه عنين و ينكر الرجل، قال:
تحشوها القابلة بالخلوق و لا تعلم الرجل و يدخل عليها الرجل، فإن خرج و على ذكره الخلوق صدق، و كذبت، و إلا صدقت و كذب».
و رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن عبد الملك بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له، أو سأله رجل عن رجل ادعت عليه امرأته» الحديث (2).
و ما رواه
في الكافي عن غياث بن إبراهيم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ادعت امرأة على زوجها على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه لا يجامعها، فأمرها أمير المؤمنين (عليه السلام) أن تستذفر بالزعفران ثم يغسل ذكره فإن خرج الماء أصفر صدقه، و إلا أمره بطلاقها».
و رد المتأخرون الروايات المذكورة بضعف الاسناد، فلا يسوغ التعلق بها، و الأظهر بناء على إطراح هذا الاصطلاح المحدث العمل بها كما عمل بها المشايخ المتقدمون.
____________
(1) ما عثرنا على هذه الرواية بهذا السند في التهذيب نعم روى في الفقيه عن محمد ابن على بن محبوب عن أحمد بن محمد عن أبيه عن أبيه عن عبد الله الفضل الهاشمي عن أبي عبد الله- (عليه السلام)- الى آخر الحديث.
(2) أقول: الذي في الكافي عبد الله بن الفضل الهاشمي و هو ثقة في الرجال، الا أن الحديث فيه ضعف باعتبار الإرسال عن بعض مشيخته، و في التهذيب عبد الملك بن الفضل الهاشمي و هو غير موجود في الرجال، و لا يبعد عندي أنه عبد الله المذكور في رواية الكافي و انما حصل الغلط من قلم الشيخ بإبداله عبد الملك و له أمثال ذلك مما لا يخفى كثرة، فيكون الحديث صحيحا لانه رواه الحسن بن محبوب عن أحمد بن محمد عن أبيه عن عبد الملك و طريقه الى الحسن محبوب صحيح. (منه- (قدس سره)-).
(3) الكافي ج 5 ص 412 ح 11 و فيه اختلاف يسير، التهذيب ج 7 ص 430 ح 24، الوسائل ج 14 ص 614 ح 3.
392
أما بالنسبة إلى البكر فحيث كان الخبر كما عرفت صحيحا باصطلاحهم، فإنهم حكموا بمضمونه، ثم إنه لو ادعى عود البكارة بعد ثبوتها بشهادة النساء و أنه قد وطأها، و لكن هذه البكارة التي شهدت النساء بها إنما تجددت بعد الوطي فالقول قول المرأة بيمينها، و إما بعدم الوطي أو بأن هذه البكارة بكارة الأصل لا متجددة، فإن دعواها معتضدة بأصالة بقاء البكارة، و أن الظاهر عدم العود، هذا كله فيما لو كانت الدعوى وطؤها قبلا.
أما لو ادعى وطؤ غيرها من النساء أو وطؤها دبرا فإن القول قوله بيمينه أيضا كما تقدم في سابق هذا الموضع عملا بما تقدم في تينك المسألتين من أصالة الصحة و عدم العيب في إحداهما و تعذر إقامة البينة في الأخرى.
الخامس [مدة الخيار]
قد تقدم أن العنن يثبت بأحد الطرق المتقدمة من اعتراف الرجل بالعجز عن المجامعة، أو القيام في الماء البارد كما ذهب إليه الشيخ في الخلاف و الصدوق في المقنع، أو أكل السمك طريا ثلاثة أيام و البول على الرماد كما روي، و حينئذ فإن صبرت المرأة مع علمها بأن لها الخيار و رضيت به فلا خيار لها بعد ذلك لأن الخيار فوري، و إن لم تصبر رفعت أمرها إلى الحاكم فيؤجله سنة من يوم المرافعة، فإن واقعها في ضمن تلك المدة فلا خيار لها، و إلا تخيرت و فسخت، و لها نصف المهر، و قد تقدمت جملة من الأخبار الدالة على هذه الأحكام.
و علل التمديد بالسنة الواقع في الأخبار بأن تعذر الجماع ربما كان لعارض من خارج من حرارة، فيزول في فصل الشتاء، أو برودة فيزول في فصل الصيف، أو يبوسة فيزول في فصل الربيع، أو رطوبة فيزول في الخريف، و المشهور أنه ليس لها الفسخ قبل المرافعة و مضي المدة المذكورة.
و قد تقدم نقل خلاف ابن الجنيد و قوله: إن كانت العنة متقدمة على العقد جاز للمرأة الفسخ في الحال، و إن كانت حادثة بعد العقد أجل سنة، و يدل
393
عليه خبر غياث الضبي و خبر أبي الصباح الكناني، إلا أنهما مطلقان فيحمل إطلاقهما على ما تضمنته الأخبار المقيدة بذكر السنة.
و المفهوم من الاخبار و كلام الأصحاب أن العجز عن إتيان النساء الذي فسر به العنن ليس باعتبار بعض دون بعض، لأنه مرض مخصوص يمنع من حركة العضو و انتشاره مطلقا، و هو لا يختلف باختلاف النسوة، فأما مع العجز عن امرأة مخصوصة فإنه قد يتفق و يكون لانحباس الشهوة عنها بسبب نفرة أو حياء أو نحو ذلك، و لا يكون بذلك عنينا، و قد يكون له نوع اختصاص بالقدور على جماعها بالإنس بها و الميل إليها و انتفاء ذلك من غيرها، و لا فرق في العنة عندهم بين كونها خلقية أو عارضة، بين كونها قبل العقد و بعده قبل الدخول، و أما بعد الدخول فقد تقدم أن الأشهر الأظهر عدم الخيار و حيث يختار لها الفسخ فلها نصف المهر، و إن كان على خلاف القاعدة المقررة بينهم، لصحيحة أبي حمزة، و قد تقدمت و تقدم الكلام في ذلك و الله العالم.
المطلب الثالث في التدليس:
تفعيل من الدلس و هو الظلمة، قال في كتاب المصباح المنير (1): دلس البائع تدليسا كتم عيب السلعة من المشتري و أخفاه.
و قال الخطابي و جماعة و يقال: دلس دلسا من باب ضرب، و التشديد أشهر في الاستعمال.
قال الأزهري: سمعت أعرابيا يقول: ليس لي الأمر دنس و لا دلس، أي لا خيانة و لا خديعة، و الدلسة بالضم الخديعة أيضا. و قال ابن فارس: أصله من الدلسة و هي الظلمة، انتهى.
أقول: و منه يعلم أنه لغة بمعنى الظلمة و المخادعة، و كأن المدلس لما أتى بالمعيب أو الناقص إلى المخدوع و قد كتم عليه عيبه و نقصانه أتاه به في الظلمة و خدعه.
قال في المسالك: و الفرق بينه- يعني التدليس- و بين العيب أن التدليس لا يثبت إلا بسبب اشتراط صفة كمال، و هي غير موجودة أو ما هو في معنى الشرط،
____________
(1) المصباح المنير ص 270.
394
و لولاه لم يثبت الخيار بخلاف العيب، فإن منشأه وجوده، و إن لم يشترط الكمال و ما في معناه فمرجع التدليس إلى إظهار ما يوجب الكمال أو إخفاء ما يوجب النقص، و منشأ الخيار فوات مقتضى الشرط أو الظاهر، انتهى.
و ظاهر هذا الكلام يقتضي أن للتدليس معنى أخص فيقابل العيب، و معنى أعم يشمل به العيب، و المفهوم من كلام أهل اللغة هو الثاني، إلا أنه سبب الخيار في العيب غيره بالنسبة إلى إظهار ما يوجب الكمال، و كيف كان فالأمر في ذلك سهل بعد وضوح المقصود.
و تحقيق الكلام في هذا المطلب يقع في مسائل:
[المسألة] الأولى [فيما لو تزوج امرأة على أنها حرة فبانت أمة]
إذا تزوج امرأة على أنها حرة باشتراط ذلك في نفس العقد فبانت أمة، فللزوج فسخ النكاح إذا وقع النكاح بإذن المولى و كان ممن يجوز له نكاح الإماء، أما بدون ذلك فإنه يقع العقد باطلا في الثاني، و في الأول موقوفا على الإجازة على المشهور، و قيل: إنه باطل، و هو الأظهر، و لا فرق في جواز الفسخ في الصورة المذكورة بين الدخول بها و عدمه.
أما ثبوت الفسخ فلأن ذلك قضية الشرط دخل أم لم يدخل، فإن التصرف لا يسقط خيار الشرط كما سبق في موضعه، أما لو وقع ذلك بغير شرط، بل أخبرته أو أخبره المتولي لنكاحها بالحرية فتزوجها لذلك على وجه حصل به تدليس بأن وقع الخبر في معرض التزويج، ففي إلحاقه بالشرط قولان ناشئان من تحقق التدليس و أصالة لزوم العقد، و نقل عن الشيخ في المبسوط أنه صرح باختصاص الحكم بما لو شرط ذلك، و عن القواعد أنه صرح بمساواة الأمرين.
قال في المسالك: و عبارة المصنف و جماعة يحتمل إرادة القسمين، و كذلك الرواية التي هي مستند الحكم و هي
رواية الوليد بن صبيح (1) عن أبي عبد الله
____________
(1) الكافي ج 5 ص 404 ح 1، التهذيب ج 7 ص 422 ح 1، الوسائل ج 14 ص 577 ح 1.
395
(عليه السلام) «في رجل تزوج امرأة حرة فوجدها أمة قد دلست نفسها».
إلى آخره، انتهى.
و ظاهر السيد السند في شرح النافع القول بمساواة الأمرين حيث قال: إذا تزوج امرأة على أنها حرة فظهرت أمة، سواء شرط ذلك في نفس العقد أو ذكر قبله و جرى العقد عليه، و كان للزوج فسخ النكاح- إلى أن قال:- أما ثبوت الفسخ مع اشتراط ذلك في العقد فظاهر، لأن ذلك فائدة الشرط، و أما مع ذكره قبل العقد و جريان العقد عليه، فإن التراضي إنما وقع على هذا الوجه المخصوص فإذا لم يبطل العقد بفواته فلا أقل من ثبوت الخيار، انتهى.
أقول: لم أقف لما ذكره من الحكم بأن له الفسخ في الصورة المذكورة على نص واضح، إلا أنه في صورة الشرط الظاهر أنه لا إشكال فيه عملا بقضية الشرط و هو موضع اتفاق، و أما مع عدمه فليس إلا ما ذكره السيد السند هنا، و ظاهر جملة منهم الاستدلال على ذلك
برواية الوليد بن صبيح التي أشار إليها في المسالك، و هي ما رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج امرأة حرة فوجدها أمة قد دلست نفسها قال: إن كان الذي زوجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد، قلت: و كيف يصنع بالمهر الذي أخذت منه؟ قال: إن وجد مما أعطاها شيئا فليأخذه، و إن لم يجد شيئا فلا شيء له عليها، و إن كان زوجها إياه ولي لها ارتجع على وليها بما أخذت منه، و لمواليها عليه عشر ثمنها إن كانت بكرا، و إن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها، قال: و تعتد منه عدة الأمة، قلت:
فإن جاءت منه بولد؟ قال: أولادها منه أحرار إذا كان النكاح بغير إذن الولي» (1).
و أنت خبير بأن هذه الرواية لا دلالة فيها على المدعى، و إنما الظاهر
____________
(1) أقول: ربما يتسارع الى الوهم المغايرة بين لفظ الولي في الرواية و الموالي و هو باطل، فإنه لا ولى للأمة الا مولاها، فالولي بالنسبة إليها و المولى بمعنى واحد كما لا يخفى، و يؤيده قرينة المقابلة بينه و بين قوله في صدر الخبر «ان كان الذي زوجه إياها من غير مواليها» فإنه ظاهر في كون الولي من مواليها. (منه- (قدس سره)-).
396
منها أنه متى كان الذي زوجها من غير مواليها فالنكاح فاسد، و فيه رد لما يدعونه من أنه موقوف على الإجازة كما تقدمت الإشارة إليه، و متى كان المزوج لها من مواليها فإنه يرجع عليه بالمهر الذي أخذته منه، و هو ظاهر في بطلان النكاح، و لكن لمولاها عوض ما استحل من فرجها العشر أو نصف العشر، و المدعى هو أنه لو كان التزويج بإذن المولى و التدليس إنما وقع منه فإن الزوج يتخير بين الرضا بالعقد و فسخه، و الرواية إنما تدل بظاهرها على البطلان، لقضية الرجوع على المولى بالمهر الذي دفعه، و حينئذ فالخبر بالدلالة على خلاف ما يدعونه أنسب، و إلى ما ذكرناه أقرب.
و أما ما اشتمل عليه صدر الخبر من أنه إذا كان الذي زوجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد، و أنه يرجع بالمهر عليها فيأخذ مما وجده دون أن يرجع على الذي زوجها، فيجب حمله على عدم علم الذي زوجها بالتدليس كما يشير إليه قوله «دلست نفسها» فإنه في هذه الحال إنما يرجع عليها، و أما لو كان المدلس هو الذي زوجها فالرجوع بالمهر إنما هو عليه دونها، كما تقدم تحقيقه.
و بالجملة فالظاهر عندي من الخبر المذكور هو بطلان النكاح في الصورة التي ادعوا أن للزوج الفسخ، بمعنى التخيير بين الرضا بالعقد و بين فسخه، فليتأمل في المقام.
ثم إنه بناء على ما ذكره من تخيير الزوج في الفسخ لو فسخ قبل الدخول فإنه لا مهر، و الظاهر أنه لا خلاف فيه كما سبق في العيوب، و إن فسخ بعده فحيث كان بإذن السيد كما هو المفروض يلزم المسمى، و أما لو لم يكن بإذنه فإنه بناء على ما قالوه، من أن العقد يقع موقوفا على إذنه تأتي الأقوال الثلاثة المتقدمة في مثله من المسمى أو مهر المثل أو العشر و نصف العشر على التقديرين، إلا أنك قد عرفت أن الظاهر من الأخبار في هذه الصورة إنما هو البطلان.
و منها رواية الوليد المذكورة و قوله فيها «إن كان الذي زوجها من غير
397
مواليها فالنكاح فاسد» و نحوها غيرها مما تقدم في المسألة الاولى من الفصل الرابع في نكاح الإماء.
و أنت خبير بأن ما ذكروه أيضا من لزوم المسمى بالدخول متى كان بإذن المولى مشكل بما ذكرناه، من أن المفهوم من رواية الوليد المذكورة هو أنه يرجع في الصورة المذكورة على وليها بالمهر الذي أخذته منه، و لكن الولي يرجع عليه بالعشر أو نصف العشر، فالواجب في هذه الحال إنما هو العشر أو نصف العشر، و فيه إشارة إلى بطلان المسمى في الصورة المذكورة، و الرجوع إلى العشر و نصف العشر.
هذا مقتضى الخبر، و هم- (رضوان الله عليهم)- قد نقلوا الخبر المذكور و لم يتكلموا في معناه و ما اشتمل عليه من هذه الأحكام بشيء بالكلية، و ما ذكرناه من بيان معناه و ما اشتمل عليه من هذا التفصيل الذي ذكرناه ظاهر لمن تأمل بعين البصيرة، و نظر بمقلة غير حسيرة، و تناوله بيد غير قصيرة.
ثم إنهم قالوا بناء على ما ذكره من أن للزوج الفسخ في الصورة المذكورة أنه لو فسخ بعد الدخول فلا كلام في وجوب المهر للمولى، و أنه لو فسخ بعد الدخول و غرم المهر و ما في معناه و تبين بطلان العقد فإنه يرجع به على المدلس، و قد تقدم في أحكام العيوب ما يدل عليه.
ثم إنه لا يخلو إما أن يكون المدلس هو المرأة أو مولاها أو أجنبيا، فإن كانت هي المدلسة لم يكن الرجوع عليها حال الرقية، لأنه يكون كالرجوع على المولى و هو باطل، بل إنما يرجع عليها بعد العتق و اليسار، فإن لم يكن دفع المهر إليها غرمه المولى، لأنه له، و لكن يرجع به عليها كما عرفت على الوجه المتقدم، و إن كان قد دفعه إليها استعاده، لأنه باق على ملكه حيث إن قبضها إياه قبض فاسد إن كانت عينه باقية كلا أو بعضا، و تبعها بالباقي حسبما تقدم، و إن كان المدلس المولى قالوا: فإن أتى في لفظه بما يقتضي العتق، مثل
398
قوله هي حرة، إنشاء أو إخبارا حكم عليه بحريتها إعمالا لسبب بحسب مقتضاه، و حينئذ فيصح العقد و يكون المهر لها دون السيد، لأنها قد تحررت، و يعتبر في صحة النكاح حينئذ إذنها سابقا أو إجازتها لاحقا كغيرها من الحرائر.
و إن لم يتلفظ بما يقتضي العتق بل تكلم بكلام يحتمل الحرية و غيرها فلا شيء للسيد، و لا للمملوكة، أما المملوكة فإنها لا تستحق من مهرها شيئا، و السيد و إن استحقه بالدخول إلا أن للزوج الرجوع عليه لتدليسه عليه و تغريره إياه، و لا وجه لدفعه إليه ثم استرجاعه منه.
و هل يستثني للسيد أقل ما يصح أن يجعل مهرا و هو أقل ما يتمول أو أقل ما يكون مهرا لأمثالها كما ذهب إليه ابن الجنيد؟ قيل: لا، و هو ظاهر اختيار المحقق تمسكا بإطلاق ما دل على الرجوع على المدلس مما غرمه و إن كان هو المولى. و قيل: نعم، لأن الوطي المحرم في غير صورة التحليل يمتنع خلوه من العوض، و أجيب بأن العوض متحقق لكن يرجع به على المدلس.
أقول: قد تقدم الكلام في هذا المقام في المسألة الثالثة من المطلب الثاني، و قد ذكرنا ثمة أن ما ادعوه من هذه القاعدة، و هو أن الوطي المحرم يمتنع خلوه من العوض على إطلاقه ممنوع، بل ظاهر الأخبار خلافه كما قدمنا بيانه و شيدنا بنيانه.
و إن كان المدلس أجنبيا رجع عليه بجميع المهر المسمى للمولى. قالوا:
و لو دفعه إليها في هذه الصورة و تلف في يدها غرم مهرا آخر للسيد و رجع به على المدلس، لأن دفعه لها غير شرعي، حيث إن المهر للمولى، فيجب عليه دفعه مرة أخرى للمولى، و يرجع به على المدلس.
أقول: حيث إنه لم يرد في الأخبار ماله تعلق بهذه المسألة إلا رواية الوليد ابن صبيح المتقدمة بالتقريب الذي ذكرناه فيها، فإنه يعسر الجمع بينها و بين ما قرروه في هذا المقام في جملة من المواضع:
399
(منها) إنهم ذكروا في صورة ما إذا كانت هي المدلسة، أنه لو دفع إليها المهر استعاده إن كان موجودا كلا أو بعضا، و إن لم يكن تبعها به العتق و اليسار، و ظاهر الرواية في هذه الصورة كما بيناه أنه إن لم يجد شيئا فلا شيء له عليها.
(و منها) إن ما ذكروه في صورة تزويج المولى لها من التفصيل في الألفاظ التي حصل بسببها التدليس من حصول العتق بها في بعض و عدم حصوله في آخر يرده إطلاق الخبر المذكور فإن غاية ما دل عليه أنه إذا زوجها الولي- و هو الذي عرفت أن المراد به المولى- فإنه يرجع عليه بما أخذت منه أعم من أن يأتي بتلك الألفاظ المذكورة أو غيرها، و يؤيده أن الحكم بحصول العتق بمجرد تلك الألفاظ كما ذكروه من غير قصد إليه- و لا سيما أنه مشروط بالقربة و لم تحصل- مشكل.
(و منها) ما تقدم ذكره من أن مقتضى كلامهم أنه متى كان النكاح بغير إذن المولى فإنه يقع صحيحا موقوفا على إجازته، و الخبر المذكور صريح في أن النكاح فاسد و يعضده في ذلك جملة من الأخبار التي قد تقدمت الإشارة إليها.
(و منها) ما تقدم الإشارة إليه أيضا من أنهم صرحوا بأنه متى كان التزويج بإذن السيد فإن له المسمى مع الدخول، مع أن الرواية المذكورة تدل بناء على ما شرحناه في معناها على أن الزوج يرجع على السيد بالمهر المسمى لتدليسه، و لكن للسيد عليه العشر أو نصف العشر بما استحل منها، و هو ظاهر في بطلان المسمى الذي حكموا به و الانتقال عنه إلى العشر أو نصف العشر.
و بالجملة فإن من تأمل الرواية المذكورة حق التأمل لا يخفى عليه صحة ما قلناه، و لم أر من تعرض للكلام على ما اشتملت عليه من هذه الأحكام، و قد تقدم الكلام في المسألة بالنسبة إلى المهر و الولد في المسألة الرابعة من الفصل الرابع في نكاح الإماء.
المسألة الثانية [فيما لو تزوجت الحرة عبدا على أنه حر]
إذا تزوجت الحرة عبدا على أنه حر- و إن كان بمجرد
400
إخباره قبل العقد بكونه حرا- ثم ظهر كونه عبدا، فإن كان التزويج بغير إذن مولاه و لم يجز العقد بعد وقوعه كان العقد باطلا، و إن كان بإذنه أو إجازته صح العقد و كان للمرأة الفسخ، و لا فرق في ذلك بين أن تتبين الحال قبل الدخول أو بعده إلا أنه إن فسخت قبل الدخول فلا مهر، و كذا لو تبين بطلان العقد لعدم إذن السيد قبل الدخول بها فإنه لا مهر لها أيضا، و إن فسخت بعد الدخول فلها المهر، و إن وقع النكاح برضاء السيد كان لها عليه المسمى و إلا كان لها مهر المثل على المملوك يتبع به بعد العتق.
و الذي وقفت عليه من الأخبار في هذا المقام ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة حرة قد تزوجت مملوكا على أنه حر فعلمت بعد أنه مملوك، فقال: هي أملك بنفسها إن شاءت قرت معه، و إن شاءت فلا، فإن كان دخل بها بعد ما علمت أنه مملوك و أقرت بذلك فهو أملك بها».
و رواه الكليني و الصدوق.
و ما رواه
في الكافي (2) عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة حرة دلس لها عبد فنكحها و لم تعلم إلا أنه حر، قال: يفرق بينهما إن شاءت المرأة».
و الروايتان صريحتان في ثبوت الخيار لها بعد العلم و إطلاقها دال على أنه لا فرق في ذلك بين كون ذلك بعد الدخول أو قبله، و أما باقي الأحكام فهي معلومة مما سبق في غير مقام.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 410 ح 2، التهذيب ج 7 ص 428 ح 18، الفقيه ج 3 ص 287 ح 13 و فيها «سألت أبا جعفر»، الوسائل ج 14 ص 605 ب 11 ح 1، و ما في المصادر اختلاف يسير مع ما نقله- (قدس سره).
(2) الكافي ج 5 ص 410 ح 1، الوسائل ج 14 ص 606 ح 2.
401
المسألة الثالثة [فيما لو عقد على بنت رجل على أنها بنت مهيرة فبانت بنت أمة]
اختلف الأصحاب فيما لو عقد على بنت رجل على أنها بنت مهيرة فبانت بنت أمة، فقال الشيخ في النهاية أن له ردها، فإن لم يكن دخل بها لم يكن لها عليه شيء و كان المهر على أبيها، و إن كان قد دخل بها كان المهر عليه بما استحل من فرجها، و قال ابن البراج: إذا تزوج من رجل على ابنته أنها بنت مهيرة فوجدها بنت أمة كان مخيرا بين ردها و بين إقرارها على العقد، فإن ردها فعلى قسمين: إما أن يكون دخل بها فعليه المهر بما استحل من فرجها، و إن لم يكن دخل بها لم يكن عليه شيء، و قد ذكر أن المهر يجب لها على أبيها إذا لم يدخل بها، و الأولى أن ذلك لا يجب.
و قال الكيدري: إن لم يدخل بها فلا شيء عليه و المهر على أبيها على ما روي، و الأصل انه غير واجب.
و قال ابن إدريس: إن لم يكن دخل بها لم يكن عليه شيء، و روي أن المهر على أبيها، و ليس عليه دليل من كتاب و لا سنة مقطوع بها و لا إجماع، و الأصل براءة الذمة، فمن شغل ذمة الأب بالمهر يحتاج إلى دليل، و إن دخل بها كان المهر عليه لها بما استحل من فرجها، و رجع على أبيها به، فإن رضي بعد ذلك بالعقد لم يكن له بعد رضاه الرجوع بالمهر و لا خيار الرد.
و قال المحقق في الشرائع: قيل: إذا عقد على بنت رجل على أنها بنت مهيرة فبانت بنت أمة كان له الفسخ، و الوجه ثبوت الخيار مع الشرط لا مع إطلاق العقد، فإن فسخ قبل الدخول فلا مهر، و لو فسخ بعده كان لها المهر و يرجع به على المدلس أبا كان أو غيره.
أقول: و قد اتضح بما ذكرناه أن الخلاف هنا في مواضع ثلاثة:
(أحدها) إنه مع عدم الدخول بها هل يثبت لها المهر على أبيها أم لا؟ و الأول قول الشيخ في النهاية خاصة، و الثاني هو المشهور.
و (ثانيها) إنه هل الحكم في هذه الصورة هو ردها على أبيها كما ذكره
402
الشيخ، أو أنه يتخير بين الرد و القبول كما هو المشهور.
و (ثالثها) إنه على تقدير أن الحكم هو الخيار كما هو المشهور، هل الخيار مخصوص بما إذا شرط كونها بنت مهيرة في أصل العقد أو مطلقا؟ عبارة المحقق المذكورة صريحة كما ترى في الأول، و مثله العلامة في المختلف حيث قال: و الوجه عندي أنه لا خيار إلا مع الشرع، و اختاره في المسالك فقال- بعد أن نقل عن المحقق ذلك-: و هذا هو الأقوى و ظاهر الأكثر الثاني.
ثم إن الأصحاب ذكروا مسألة أخرى على أثر هذه المسألة، فقالوا: لو زوجه بنت مهيرة و أدخل عليه بنته من أمة فعليه ردها، و لها مهر المثل إن دخل بها، و يرجع به على من سائقها إليه و يرد عليه التي زوجها، و كذا كل من أدخل عليه غير زوجته فظنها زوجته، قالوا: و الفرق بين المسألتين أن العقد في السابقة على بنت الأمة مع دخوله على أن تكون بنت الحرة، فلذا كان له الخيار لفوات شرطه، أو ما أقدم عليه، و في هذه الصورة وقع على بنت الحرة باتفاقهما، و إنما أدخل عليه بنت الأمة بغير عقد، و الحكم بوجوب رد التي أدخلت عليه ظاهر، لأنها ليست هي المعقود عليها، و لها مهر المثل إذا دخل بها جاهلا بالحال، لأنه وطء شبهة، و مهر المثل عوضه، و يرجع به على المدلس الذي ساقها إليه لغروره.
و قال الشيخ في النهاية (1): و متى كان للرجل بنتان أحدهما بنت مهيرة و الأخرى بنت أمة فعقد الرجل على بنته من المهيرة، ثم ادخل عليه بنته من أمة كان له ردها، و إن كان قد دخل بها و أعطاها المهر كان المهر لها بما استحل من فرجها، و إن لم يكن دخل بها فليس لها عليه مهر، و على الأب أن يسوق إليه ابنته من المهيرة، و كان عليه المهر من ماله إذا كان المهر الأول قد وصل إلى
____________
(1) النهاية ج 2 ص 485 طبعة قم.
403
ابنته الاولى، و إن لم يكن قد وصل إليها و لا يكون قد دخل بها كان المهر في ذمة الزوج.
و قال ابن البراج: و إن كان الرجل قد دفع الصداق إلى الأولى لم يكن لهذه عليه شيء، و وجب على أبيها في ماله صداقها دون الزوج.
أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار في هذا المقام ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) في الموثق عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل خطب إلى رجل ابنة له من مهيرة، فلما كان ليلة دخولها على زوجها ادخل عليه ابنة له اخرى من أمة قال: ترد على أبيها و ترد إليه امرأته، و يكون مهرها على أبيها».
و هذه الرواية ظاهرة في المسألة بل صريحة في المسألة الثانية لدلالتها على أن التي أدخلت عليه غير الابنة التي وقع العقد عليها، و قد حكم (عليه السلام) بأنه ترد الابنة التي أدخلت عليه إلى أبيها لأنها ليست هي الزوجة، و يرد إلى الرجل ابنته التي وقع عليها العقد لأنها زوجته، و مهرها على أبيها عوض تدليسه، و المهر الذي دفعه أولا للتي أدخلت عليه بناء على أنه دخل بها، و الرواية و إن كانت مجملة في ذلك إلا أن هذا التفصيل معلوم مما سيأتي إن شاء الله تعالى.
و ما رواه
في الكافي (2) عن محمد بن مسلم في الصحيح أو الحسن قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخطب إلى الرجل ابنته من مهيرة فأتاه بغيرها، قال:
ترد إليه التي سميت له بمهر آخر من عند أبيها، و المهر الأول للتي دخل بها».
و هذه الرواية أيضا ظاهرة بل صريحة في المسألة الثانية، و أن التي أدخلت عليه غير زوجته المعقود بها، و قد كني عن العقد في الخبرين بالخطبة، و قد حكم
____________
(1) الكافي ج 5 ص 406 ح 4، التهذيب ج 7 ص 423 ح 3، الوسائل ج 14 ص 603 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 406 ح 5، التهذيب ج 7 ص 423 ح 2، الوسائل ج 14 ص 603 ح 1.
404
(عليه السلام) بأن ما ساقه الزوج من المهر يكون للتي أدخلت عليه لمكان دخوله بها مع جهله بالحال، و أن على الأب أن يدفع لزوجته التي عقد بها عليه المهر من ماله.
و الروايتان المذكورتان كما ترى على خلاف قواعدهم (1) من إيجاب مهر المثل للتي أدخلت عليه لأنه نكاح شبهة، و هو موضع مهر المثل، و أنه يرجع به على الأب لتدليسه، مع أن الروايتين ظاهرتان في أن لها المهر الذي ساقه الزوج أولا، و مقتضى قواعدهم أنه يجب للزوجة المهر الذي سمي في العقد، و يجب على الزوج دفعة لها، مع أنه (عليه السلام) حكم في الخبرين بإيجابه على الأب.
و يعضد هذين الخبرين أيضا ما رواه
الثقة الجليل أحمد بن محمد بن عيسى في كتاب النوادر (2) عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن عليا (عليه السلام) قضى في رجل له ابنتان إحداهما لمهيرة و الأخرى لأم ولد، فزوج ابنته المهيرة فلما كان ليلة البناء أدخلت عليه ابنته لام ولد فوقع عليها، قال:
ترد عليه امرأته التي كانت تزوجها، و ترد هذه على أبيها، و يكون مهرها على أبيها».
و رواه
الصدوق في المقنع (3) مرسلا قال: «قضى علي (عليه السلام)» الحديث.
أقول: قول «و يكون مهرها على أبيها» راجع إلى التي كانت قد تزوجها
____________
(1) قال السيد السند في شرح النافع: ما تضمنته الرواية من كون مهر الزوجة على أبيها مخالف للأصل، و يمكن حملها على أن المسمى مساو لمهر المثل، فان ما أخذته التي دخل بها من المهر يكون للشبهة، و يرجع الى أبيها إذا كان قد ساقها اليه و يدفع الى ابنته الأخرى، و يكون ذلك معنى كون المهر من عند أبيها، انتهى.
و لا يخفى ما فيه من التعسف الظاهر، و أي ضرورة تلجئ الى ذلك، إذ من الجائز بل هو الظاهر أن الحكم بذلك و ان كان على خلاف القواعد الا أنه وقع عقوبة و مؤاخذة للأب بما فعله من التدليس، و له نظائر قد تقدمت. (منه- (قدس سره)-).
(2) النوادر ص 65، البحار ج 103 ص 365 ح 24، الوسائل ج 14 ص 603 ح 3.
(3) الوسائل ج 14 ص 603 ذيل ح 2.
405
كما صرح به الخبر المتقدم.
و يؤكده أيضا ما رواه
ابن شهرآشوب في كتاب المناقب (1) عن إسماعيل بن موسى بإسناده «أن رجلا خطب إلى رجل ابنة له عربية فأنكحها إياه، ثم بعث إليه بابنة له أمها أعجمية فعلم بذلك بعد أن دخل بها، فأتى معاوية و قص عليه القصة فقال: معضلة لها أبو الحسن، فاستأذنه و أتى الكوفة و قص على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: على أبي الجارية أن يجهز لابنة التي أنكحها إياه بمثل صداق التي ساق إليه فيها، و يكون صداق التي ساق منها لأختها بما أصاب من فرجها، و أمره أن لا يمس التي تزف إليه حتى تقضي عدتها، و يجلد أبوها نكالا لما فعل» (2).
و أنت خبير بأن هذه الأخبار بعد حمل مجملها على مفصلها قد اتفقت على أن الحكم في المسألة الثانية هو وجوب مهر الزوجة التي أخر دخولها على أبيها، و المهر الذي ساق الزوج أولا يكون للتي أدخلت عليه لمكان الدخول بها، و إن كان ذلك على خلاف قواعدهم المشهورة إلا أنه صريح كلام الشيخ في النهاية كما قدمناه، و كذا كلام ابن البراج، و المشهور بين المتأخرين خلافه كما عرفت مما قدمنا نقله عنهم.
قال العلامة في المختلف- بعد ذكر المسألة الثانية و نقل قول الشيخ في النهاية بنحو ما نقلناه آنفا و ذكر رواية محمد بن مسلم الاولى-: و الحق أن نقول إن كانت الأولى عالمة بأنها ليست الزوجة و دخل بها على علمها بالتحريم لم يكن لها مهر لأنها زانية، و إن لم تكن عالمة أو جهلت التحريم كان لها مهر مثلها- إلى أن
____________
(1) المناقب ج 2 ص 376، البحار ج 103 ص 361 ح 3.
(2) قد تضمنت هذه الرواية زيادة على غيرها من روايات المسألة عدم جواز وطئ زوجته حتى تنقضي عدة التي أدخلت عليه، و الوجه فيه ظاهر حيث انها أختها، و نكاحها صحيح لانه نكاح شبهة، و الوطي ما دامت في العدة يستلزم الجمع بين الأختين، و تضمنت جلده تأديبا جزاء لما فعله من التدليس و ارتكاب أمر محرم شرعا. (منه- (قدس سره)-).
406
قال:- و أما الأولى فلها مهرها على الزوج لأنه لا يسقط بدفع الزوج إلى الثانية، ثم الزوج يطالب الأب الرافع بما دفعه الزوج إلى الثانية لأنه غره، انتهى.
و فيه أنه و إن كان ذلك مقتضى قواعدهم المقررة، لكن اتفاق هذه الروايات و دلالتها صريحا على ما ذكرناه يمنع من ردها و طرحها في مقابلة ما ذكروه سيما مع ما عرفت في غير موضع مما تقدم من وقوع نحو ذلك في مواضع لا تحصى كثرة.
و كيف كان فجملة هذه الأخبار إنما تضمنت حكم المسألة الثانية، و ليس غيرها في الباب، و على هذا فالمسألة الأولى خالية من الدليل، و إن كثر فيها القال و القيل، و ما ذكروه فيها من الرواية بأن مهر تلك المرأة مع عدم الدخول بها على أبيها لم نقف عليه في خبر بالكلية، و كذا المواضع التي وقع فيها الخلاف كما قدمنا ذكره لم نقف فيها على خبر.
و بالجملة فإنه لم يصل إلينا خبر يتضمن تلك المسألة بالكلية، و إنما الذي وصل إلينا هذه الأخبار التي ذكرناها، و موضعها إنما هو المسألة الثانية، و حينئذ فيشكل الكلام فيها و إن أمكن بالنظر إلى تقريباتهم العقلية في بعض المواضع منها، إلا أنها غير معمول عليها عندنا كما عرفت في غير موضع مما تقدم.
و العلامة في المختلف بعد أن اختار فيها أنه لا خيار إلا مع الشرط كما قدمنا نقله عنه قال: و الشيخ عول على رواية محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)، ثم ساق الرواية الاولى من روايته، ثم قال: و إن كان ضامنا في هذه الصورة فكذا في المتنازع لعدم التفاوت، و في إيجاب المهر على الأب إشكال، انتهى.
و أنت خبير بأن ظاهر كلامه أن الشيخ إنما قال بوجوب المهر على الأب في المسألة الأولى إلحاقا لها بالمسألة الثانية، حيث أوجب على الأب المهر للزوجة، و لا يخفى أنه مع كونها قياسا، فهو قياس مع الفارق، لأن التي حكم بإيجاب المهر لها على الأب في المسألة الأولى ليست زوجة، لأن الشرط و التراضي إنما وقع على بنت المهيرة، و هذه إنما هي مدلسة، و لذا حكم بردها على أبيها، و من أجل
407
ذلك استشكل أيضا في إيجاب المهر على الأب، و التي حكم بإيجاب المهر لها في المسألة الثانية زوجة شرعية مستحقة للمهر، لكن لما كان الأب سببا في فوات مهرها باستحقاق الأخت التي أدخلت عليه لدخوله بها، غرم المهر عقوبة لابنته التي أخر إدخالها على زوجها.
و بالجملة فالمسألة حيث كانت عارية عن النص فالكلام فيها مشكل، و حبس الفكر عن الجولان في ميدانها أوفق بالامتثال لما أمروا به في أمثالها.
فوائد
الأولى:
قد وقع التعبير بالمهيرة في الأخبار و كلام الأصحاب،
و في الحديث كان لداود (عليه السلام) (1) ثلاثمائة مهيرة، و سبعمائة سرية.
و هي فعلية بمعنى مفعولة، و المراد بها على ما ذكره أهل اللغة الحرة كالجوهري و غيره، سميت بذلك لأنها لا ينكح إلا بمهر، بخلاف الأمة فإنها قد توطئ بالملك و التحليل.
قال في القاموس (2) المهيرة هي الحرة الغالية المهر. و في الصحاح (3): المهيرة هي الحرة.
الثانية:
قال في المسالك: و اعلم أنه لا فرق في بنت المهيرة بين كون أمها حرة في الأصل، أو معتقة لما عرفت من أن المراد منها لغة الحرة، و هي شاملة لهما و يحتمل ضعيفا (4) الفرق، بناء على أن المعتقة يصدق عليها أنها كانت أمة،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 567 ح 50، الوسائل ج 14 ص 181 ح 9، و ما في المصدرين «كان لسليمان بن داود».
(2) القاموس ج 2 ص 137.
(3) الصحاح ج 2 ص 821.
(4) أقول: أشار بهذا الاحتمال الى ما ذكره جملة منهم السيد عميد الدين في شرح القواعد فإنه استشكل في المسألة لهذا الاحتمال، و المذكور فيها جوابه. (منه- (قدس سره)-).
408
إذ لا يشترط في صدق المشتق بقاء المعنى المشتق منه، و لا يخفى ضعفه إذ لا اشتقاق هنا، بل الأمة اسم للرقية، و هو منتف بعد العتق، و تعريف أهل اللغة ينافيه، انتهى.
الثالثة:
لا يخفى أن ما صرحت به أخبار المسألة الثانية من ثبوت المهر لمن أدخلت عليه مبني على الدخول بها مع عدم علمها بالحال، و إلا فلو كانت عالمة بأنها ليست زوجة فإنه لا شيء لها لأنها زانية، و لو علم هو مع جهلها كان هو زانيا، و لكن لها مهر المثل عند الأصحاب لموضع الشبهة، و المهر الذي تضمنته الأخبار، هذا مع الدخول بها و إلا فلا شيء لها لا على الرجل الذي أدخلت عليه و لا غيره، لأنها ليست معقودا عليها و لا موطوءة، و الله أعلم.
المسألة الرابعة [فيما لو تزوج امرأة على أنها بكر فظهرت ثيبا]
إذا تزوج الرجل امرأة على أنها بكر فظهرت ثيبا فظاهر كلام جملة من الأصحاب التفصيل في ذلك بأنه إن كان شرط كونها بكرا و ثبت سبق الثيبوبة على العقد فإنه يجوز له الفسخ لفوات الشرط المقتضي للتخيير كنظائره، و إلا فلا، لأن الثيبوبة في نفسها ليست عيبا بحيث ترد به المرأة، و لذلك لم يذكر في العيوب المتقدمة، و إنما جاز الفسخ من حيث الشرط.
و يثبت سبق الثيبوبة بإقرارها و بالبينة، أو بقرائن الأحوال المفيد للعلم، و لو تجددت الثيبوبة بعد العقد فلا خيار أيضا و لا رجوع لعدم المقتضي، و ما تجدد بعد العقد من جملة العوارض اللاحقة لها لا توجب شيئا، و لا يترتب عليها أثر، و لو اشتبه الحال بأن لم يعلم تقدم ذلك على العقد أو تأخره عنه، فلا خيار أيضا لأصالة عدم التقدم، ثم إنه متى فسخ فإن كان قبل الدخول فلا شيء لها، و إن كان بعده فقد استقر المهر و يرجع به على المدلس، و إن كانت هي المدلسة فلا شيء لها، إلا أنهم قالوا هنا جريا على ما تقدم من نظائر هذا الموضع أنه يستثني لها أقل ما يصلح لأن يكون مهرا كما هو أحد القولين.
و الذي وقفت عليه من الأخبار في هذا المقام ما رواه
ثقة الإسلام (1) في الصحيح
____________
(1) الكافي ج 5 ص 413 ح 1، التهذيب ج 7 ص 428 ح 16، الوسائل ج 14 ص 605 ب 10 ح 1.
409
عن محمد بن القاسم بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) «في الرجل يتزوج امرأة على أنها بكر فيجدها ثيبا، يجوز له أن يقيم عليها؟ قال: فقال: قد تفتق البكر من المركب و من النزوة».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) في الصحيح عن محمد بن جزك قال: «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن رجل تزوج جارية بكرا فوجدها ثيبا، هل يجب لها الصداق وافيا أم ينتقص؟ قال: ينتقص».
و ظاهر الخبر الأول يتناول من اشترط بكارتها في العقد أو ذكرت قبله و جرى العقد عليها من غير اشتراط له في نفس العقد، و أنه مع عدم العلم بالتقدم على العقد يجوز تجدده بأحد الوجهين المذكورين فلا يوجب ذلك الخيار، و ظاهر الثانية هو أنه مع ظهور الثيبوبة ينقص شيء من المسمى، و سيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى، و أما باقي الأحكام في المقام فقد علم وجهها مما سبق.
بقي هنا شيء، و هو أنه حيث لا فسخ إما لعدم وجود موجبه، أو لاختياره المقام معها و إن جاز له الفسخ، فهل للزوج أن ينقص شيئا من المهر لظهور الثيبوبة التي هي على خلاف ما وقع عليه الاتفاق من البكارة أم لا؟ قولان، و الثاني منقول عن أبي الصلاح و بن البراج (2) و الأول هو المشهور.
قال أبو الصلاح على ما نقل عنه في المختلف في بحث المهور: إذا تزوج بكرا فوجدها ثيبا و أقرت للزوج بذلك حسب، أو قامت به البينة فليس يوجب الرد و لا نقصانا في المهر.
و ظاهر هذا الكلام عدم ثبوت الخيار، و إن تقدم حصول الثيبوبة على العقد
____________
(1) الكافي ج 5 ص 413 ح 2، التهذيب ج 7 ص 428 ح 17، الوسائل ج 14 ص 605 ب 10 ح 2.
(2) و أما ابن البراج فإنه قال: إذا تزوجها على أنها بكر فوجدها ثيبا جاز أن ينقص من مهرها شيئا، و ليس ذلك بواجب. انتهى، و ربما أشعرت هذه العبارة بخلاف ما نقل عنه. (منه- (قدس سره)-).
410
و شرط البكارة، و هو خلاف ما يفهم من كلام الأصحاب كما عرفت، و لهذا أن العلامة في المختلف قال: و أبو الصلاح إن قصد التزويج بالبكر مع عدم شرط البكارة فهو مسلم، و إن قصد ذلك مع اشتراط البكارة فهو ممنوع، ثم إنه على تقدير القول المشهور من جواز أن ينقص من المهر شيئا فإنهم قد اختلفوا في قدر ذلك على أقوال:
(أحدها) أن ينقص شيء في الجملة، حيث قد ورد عن الشارع نقص شيء و لم يقدره كما تشعر به صحيحة محمد بن جزك المتقدمة، و التقريب فيها استلزام النقص تقدير منقوص، و المناسب تقدير لفظ شيء مبهم لاقتضاء المقام إياه، و هذا القول للشيخ في النهاية.
و (ثانيها) إن الناقص السدس، و نقل عن القطب الراوندي في شرح مشكل النهاية محتجا بأن الشيء في عرف الشرع السدس، فلهذا حمل عليه في الوصية فكذا هنا، و غلطه المحقق فقال: بأن الشيء لم يذكر في الرواية، و إنما وجب تقديره لاقتضاء اللفظ نقصان قدر مبهم، و هو الشيء المنكر، لا الشيء المعين الذي هو السدس، ثم كون الشيء سدسا في الوصية لا يقتضيه في غيرها، لانتفاء الدليل عليه مع كونه أعم، ورده العلامة أيضا في المختلف فقال: الجواب المنع من العرف الشرعي في ذلك، و لهذا لا يحمل عليه في الإقرار و غيره، و لا يلزم من تقديره في الوصية تقديره في غيرها، إذ ليس في الرواية لفظ شيء.
و (ثالثها) إنه ينقص منه مقدار ما بين مهر البكر و الثيب، و هو قول ابن إدريس حيث قال- على ما نقله في المختلف-: الصحيح أنه ينقص من المسمى مقدار مثل ما بين مهر البكر إلى مهر الثيب، و ذلك يختلف باختلاف الجمال و السن و الشرف و غير ذلك، فلأجل هذا قيل ينقص من مهرها شيء منكر غير معروف، و اختاره في المختلف، و هو قول المحقق في الشرائع.
و قد اعترض على هذا القول السيد عميد الدين في شرحه على القواعد فقال: و أنا أقول: إن كلام ابن إدريس ليس جيدا على إطلاقه، فإنه ربما
411
أدى إلى سقوط المهر بالكلية، و ذلك لأنا لو فرضنا أن مهرها بكرا خمسون و ثيبا أربعون كان له أن يسقط التفاوت و هو عشرة، كما قال ابن إدريس، فلو فرضنا أن المسمى كان عشرة لزم خلو البضع من المهر بإسقاط جميعه، بل ينبغي أن يقال أنه يسقط نسبة ما بين مهرها بكرا و ثيبا، ففي هذه الصورة يسقط خمس ما وقع عليه العقد، و ذلك ديناران. انتهى و هو جيد، و قد تقدم نظيره في كتاب البيع.
و نقل الشيخ ابن فهد في الموجز عن فخر المحققين أنه رده بأن قيمة المثل يعتبر في المعاوضات المحضة و النكاح ليس منها، و هو ظاهر في رد قول ابن إدريس.
و ظاهره في المسالك (1) و سبطه في شرح النافع حمل كلام ابن إدريس على ما ذكره السيد عميد الدين من إرادة النسبة بين المهرين لا مجموع ما بينهما. و نسبه في المسالك إلى العلامة في التحرير أيضا، و قال: و وجهه أن الرضاء بالمهر المعين إنما حصل على تقدير اتصافها بالبكارة و لم تحصل إلا خالية من الوصف، فيلزم التفاوت كأرض ما بين المبيع صحيحا و معيبا، قال: و يضعف بأن ذلك إنما يتم حيث يكون فواته قبل العقد، أما مع إمكان تجدده فلا، لعدم العلم بما يقتضي السقوط. انتهى و هو جيد.
و (رابعها) ما نقله في المسالك عن المحقق أيضا و هو إحالة تقدير ذلك على نظر الحاكم، لانتفاء تقدير النص شرعا مع الحكم بأصله بالرواية الصحيحة فيرجع فيه إلى رأي الحاكم، قال: و هذا القول منسوب إلى المصنف أيضا و هو أوجه الأقوال، لثبوت النقص بالرواية الصحيحة و عدم تقديره لغة و شرعا، فلا
____________
(1) حيث قال في ثالثها: أنه ينقص منه مقدار ما بين مهر البكر و الثيب أى بنسبة ما بينهما لا مجموع ما بينهما لئلا يلزم استيعاب المسمى في بعض الموارد بل الزيادة عليه، فلو فرض مهر مثل البكر مائة و الثيب خمسين نقص من الفرض نصف المسمى، و هو قول ابن إدريس- (رحمه الله)- و رجحه المصنف- رحمة الله عليه- و العلامة في التحرير.
الى آخر ما ذكرناه في الأصل. (منه- (قدس سره)-).
412
شيء أنسب له من نظر الحاكم، و حينئذ فينظر في أصل المسألة برأيه، انتهى.
أقول: الموجود من الأقوال في المسألة هو الثلاثة الأول كما ذكره في المختلف، و مثله السيد عميد الدين في شرح القواعد، و هذا القول نقله الشيخ أحمد ابن فهد عن المحقق في النكت (1).
إذا عرفت ذلك فاعلم أن المسألة غير خالية من الاشكال، و الظاهر عندي ضعف القول الرابع بعد الثاني فإنه أضعف الأقوال، و ما احتج في المسالك بهذا القول من ثبوت النقص بالرواية، و عدم تقديره لغة و شرعا يعني عدم تقدير الشيء، فإنه لا يستلزم الرجوع إلى الحاكم بوجه من الوجوه، و كيف و الحاكم إنما يجوز له الحكم بشيء بعد قيام دليل عليه عنده، و لم يرد من الشرع تفويض الأحكام الشرعية أو تقدير المجهولات إليه يحكم فيها برأيه كما ادعاه من قوله، و ينظر في أصل المسألة برأيه، و أي دليل دل على تفويض ذلك إليه يحكم فيه برأيه، مع أنه مأخوذ عليه آية و رواية أن لا يحكم إلا بما أنزل الله، و أقرب هذه الأقوال القول الأول و الثالث، بل يمكن إرجاعهما إلى قول واحد كما هو ظاهر العلامة في المختلف حيث قال- بعد اختيار مذهب ابن إدريس- و هو غير مناف لما قاله الشيخ، و الله العالم.
المسألة الخامسة [فيما لو تزوج رجلان بامرأتين فأدخلت امرأة كل واحد منهما على الآخر]
قد صرح جملة من الأصحاب بأنه إذا تزوج رجلان بامرأتين فأدخلت امرأة كل واحد منهما على الآخر فوطأها، فلكل واحدة منهما على واطئها مهر المثل، و ترد كل واحدة على زوجها، و عليه مهرها المسمى، و ليس له وطؤها حتى تنقضي عدتها من وطئ الأول، و لو ماتتا في العدة أو مات الزوجان ورث كل منهما زوجة نفسه و ورثته.
____________
(1) و ظاهر السيد السند في شرح النافع الميل الى هذا القول تبعا لجده- (قدس سرهما)- حيث قال- بعد ذكر الوجه الذي نقلناه عن جده-: و لا بأس به. (منه- (قدس سره)-).
413
و قال الشيخ في النهاية (1) إذا عقد الرجلان على امرأتين فأدخلت امرأة هذا على هذا، و الأخرى على الآخر ثم علم بعد ذلك فإن كانا قد دخلا بهما فإن لكل واحدة منهما الصداق، فإن كان الولي تعمد ذلك، اغرم الصداق، و لا يقرب كل واحد منهما امرأته حتى تنقضي عدتها، فإن ماتتا قبل انقضاء العدة فليرجع الزوجان بنصف الصداق على ورثتها، و يرثانهما الزوجان، و إن مات الرجلان و هما في العدة فإنهما يرثانهما، و لهما المسمى.
و قال ابن إدريس: و الصحيح من الأقوال أن بموت أحد الزوجين يستقر جميع المهر كملا، سواء دخل بها الرجل أو لا.
أقول: و الأصل في هذه المسألة ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن جميل بن صالح عن بعض أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) «في أختين هديتا إلى أخوين في ليلة، فأدخلت امرأة هذا على هذا، و أدخلت امرأة هذا على هذا، قال: لكل واحد منهما الصداق بالغشيان، و إن كان وليهما تعمد ذلك اغرم الصداق، و لا يقرب واحد منهما امرأته حتى تنقضي العدة، فإذا انقضت العدة صارت كل واحدة منهما إلى زوجها بالنكاح الأول، قيل له: فإن ماتتا قبل انقضاء العدة؟ قال: فقال: يرجع الزوجان بنصف الصداق على ورثتهما، و يرثانهما الرجلان، قيل: فإن مات الرجلان و هما في العدة؟ قال: ترثانهما و لهما نصف المهر المسمى، و عليهما العدة بعد ما تفرغان من العدة الأولى تعتدان عدة المتوفى عنها زوجها».
و روى هذه الرواية
الصدوق في الفقيه (3) عن الحسن بن محبوب عن جميل بن صالح أن أبا عبد الله (عليه السلام) قال: «في أختين أهديتا» الحديث،.
و هو صحيح لأن طريق
____________
(1) النهاية ص 488 ط قم مع إضافات فراجع.
(2) الكافي ج 5 ص 407 ح 11، التهذيب ج 7 ص 434 ح 41، الوسائل ج 14 ص 396 ب 49 ح 2.
(3) الفقيه ج 3 ص 267 ح 54.
414
الصدوق إلى الحسن بن محبوب صحيح، و باقي رجاله ثقات، و الأصحاب في كتب الاستدلال كالمختلف و المسالك و غيرهما إنما نقلوا الخبر برواية الكليني و الشيخ، و ردوه بضعف السند، لما عرفت من الإرسال، و طعن فيه المسالك باشتماله على تنصيف المهر في موت كل منهما، و لا بأس بنقل كلامه، و إن طال به زمام الكلام ليظهر لك ما فيه من صحة أو سقام.
قال- رحمة الله عليه- بعد الكلام في المسألة و ذكر الرواية: و قد ظهر أن الرواية ضعيفة بالإرسال و القطع معا، و مع ذلك فالشيخ لم يعمل بموجبها في الزوجين لتضمنها لثبوت نصف المهر بالموت في كل منهما، و الشيخ خصه بموت الزوجة، و أوجب مع موت الزوج المسمى، و لعل لفظ المسمى وقع سهوا، و كان حقه نصف المسمى كما في الرواية، لأنها هي مستند ذكره لها في النهاية، و قد ذكرها الصدوق في المقنع كما ذكرها في التهذيب، و لكن الصدوق لم يجعلها مقطوعة، بل قال: و سئل الصادق (عليه السلام) عن أختين أهديتا إلى أخوين. إلى آخر الحديث، و في المختلف اقتصر في نقل الرواية على ما تضمنه كلام الشيخ، و ترك حكاية آخرها المتضمن لثبوت نصف المهر على تقدير موت الزوج، فلم يحصل فيها مخالفة إلا في موضع واحد، و هو ثبوت نصف المهر على تقدير موت الزوجة كما ذكره في النهاية، ثم حمل الرواية على أن المرأتين ليس لهما ولد، فيرجع الزوجان بالنصف فيما دفعاه مهرا على سبيل الميراث، و رضيه منه المتأخرون، و هذا الحل مع بعده يتم في جانب الزوج دون الزوجة لحكمه لها أيضا بالنصف، مع أن أول الرواية تضمن حصول الغشيان و وجوب الصداق، و آخرها اقتضى ثبوت النصف بالموت، و حملها على ما لوقع ذلك قبل الدخول خلاف ظاهرها، و على كل تقدير، فإطراح الرواية لما ذكر من وجه الضعف أولى من تكلف حملها على ما لا تدل عليه، انتهى.
أقول- و بالله التوفيق-: إن ما طعن به من ضعف السند فقد عرفت جوابه،
415
و أنه مبني على نقله الرواية من التهذيب أو الكافي، و إلا فهي كما عرفت صحيحة في الفقيه، و عبارة المقنع التي حكاها مبنية على ذلك.
و أما ما طعن به في متن الخبر من اشتماله على تنصيف المهر بموت الزوج و الزوجة مع ذكر الغشيان الذي هو كناية عن الدخول في صدر الخبر، فالجواب عنه أنه لا يخفى أن الغشيان الذي وقع إنما هو من ذلك الرجل الأجنبي الذي أدخلت عليه المرأة بظن أنه زوجها فجامعها على أنها زوجته، و الصداق المذكور الذي استحقه بالغشيان مراد به مهر المثل الذي ذكره الأصحاب، حيث إن النكاح هنا وقع نكاح شبهة يوجب مهر المثل، غاية الأمر أنه عبر عنه بالصداق، و هو غير بعيد و لا مستغرب.
و أما ما ذكره من السؤال في الرواية بقوله: فإن ماتتا قبل انقضاء العدة؟
قال: يرجع بنصف الصداق. فالمراد بالصداق هنا إنما هو المسمى في العقد بين تلك المرأة و زوجها لا مهر المثل الذي تقدم في صدور الرواية.
و بذلك على ذلك أن هذا السؤال إنما وقع على أثر قوله: و لا يقرب واحد منهما امرأته حتى تنقضي العدة، فإذا انقضت العدة صارت كل امرأة منهما إلى زوجها، فإنه لما تضمن وجوب إرجاع كل واحدة منهما إلى زوجها الذي عقد عليها، بعد أن تنقضي عدة نكاح الشبهة رجع السائل و سأل عن موت أحد الزوجين من المرأة أو الرجل في تلك العدة.
و حاصله يرجع إلى موت أحد الزوجين قبل الدخول و هي مسألة مشهورة سيأتي تحقيق الكلام فيها، و قد قيل بتنصيف المهر في الموضعين و دلت عليه جملة من الأخبار أيضا، و هذا الخبر من جملتها، و إن عارضها غيرها من الأخبار.
و بالجملة فإن كلا من المرأتين المذكورتين لها صداقان: أحدهما و هو مهر المثل على الواطئ لها، و هو المذكور في صدر الرواية، و المهر الآخر المسمى في العقد على الزوج، و هذا هو الذي وقع السؤال عن وجوبه كملا أو
416
تنصيفه بالموت، و هي مسألة مشهورة، و أخبارها من الطرفين مأثورة، و هذا الخبر من جملتها، و بذلك يظهر أنه لا طعن من هذه الجهة لوجود القائل، و دلالة الأخبار على تنصيف المهر في الموضعين، و لا ضرورة إلى ما تكلفه في المختلف و لا غيره، و لا إشكال بحمد الملك المتعال في هذا المجال كما لا يخفى على من عرف الرجال بالحق، لا الحق بالرجال.
و من روايات المسألة أيضا و إن لم تشتمل على هذه الأحكام ما رواه
في الفقيه (1) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجلين نكحا امرأتين، فأتى هذا بامرأة هذا، و هذا بامرأة هذا؟ قال: تعتد هذه من هذا، و هذه من هذا، ثم ترجع كل واحدة إلى زوجها».
أقول: حكمه (عليه السلام) بالعدة هنا محمول على وقوع الدخول، و إلا فمع عدمه فإنه ترجع كل واحدة إلى زوجها من حين العلم بالحال، و به صرح الأصحاب أيضا، و قد صرحوا أيضا بأنه متى كان الرجل عالما بالحال و هي جاهلة فإنه يكون زانيا فيحد لذلك، و لها المهر، و عليها العدة و لو علمت هي و جهل هو كانت زانية لا مهر لها، و يجب عليها الحد و عليها العدة لوطئه المحرم، و العدة تثبت مع احترام الوطي من جهتها أو من جهته كما عرفت، و لو علما معا كانا زانيين فلا مهر و لا عدة، و لو فرض دخول أحدهما دون الآخر أو العلم من أحدهما دون الآخر اختص كل بما يلزمه من الأحكام المذكورة، و الله العالم.
المسألة السادسة [ثبوت مهر المثل ببطلان العقد و مهر المسمى بفسخه]
من القواعد المقررة بينهم أن كل موضع حكم فيه ببطلان العقد فللزوجة مع الوطي مهر المثل لا المسمى، و كل موضع حكم فيه بصحة العقد فلها مع الوطي المسمى و إن تعقبه الفسخ.
و علل الأول بأن مهر المثل عوض البضع المحرم حيث لا عقد، و مع بطلان العقد ينزل كعدمه فيكون كالوطئ لشبهة المجرد عن العقد.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 267 ح 52، الوسائل ج 14 ص 395 ب 49 ح 1.
417
و علل الثاني بأن المسمى تابع لصحة العقد، فمتى صح العقد وجب المسمى و إن تعقبه الفسخ لوجوبه بالعقد، و الفسخ إنما يرفع العقد من حين الفسخ لا من أصل العقد، فلا يبطل المسمى الذي قد استقر بالدخول سواء كان الفسخ بعيب سابق له أو لا حق، و للشيخ في المبسوط قول بالتفصيل، و هو أنه إن كان الفسخ بعيب سابق على الوطي لزم مهر المثل سواء كان حدوثه قبل العقد أو بعده، و قد تقدم الكلام في ذلك.
المقصد الثاني في المهور:
جمع مهر و هو على ما عرفة في الصحاح و القاموس (1): الصداق، قالا: و الصداق بكسر الصاد و فتحها: المهر.
قال في المسالك: و هو مال يجب بوطىء غير زنا منهما و لا ملك يمين أو بعقد النكاح أو تفويت بضع قهرا على بعض الوجوه كإرضاع و رجوع شهود.
قال سبطه في شرح النافع بعد نقل ذلك: و أورد عليه طردا عقر الأمة الزانية إن جعلنا العقر مهرا كما ذكره المعرف فإنه جعل من أسماء المهر العقر، و عكسا أرض البكارة، فإنه يجب بالوطء المخصوص و ليس مهرا و النفقة إن قلنا أنها تجب بالعقد، و النشوز مانع، ثم قال: و الأمر في ذلك هين.
ثم إنه قال في المسالك: و له أسماء كثيرة منها الصداق بفتح الصاد و كسرها سمي به لإشعاره بصدق رغبة باذله في النكاح الذي هو الأصل في إيجابه، و الصدقة بفتح أوله و ضم ثانيه، و النحلة، و الأجر، و الفريضة، و قد ورد بها القرآن، قال الله تعالى «وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ نِحْلَةً» (2) و قال «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» (3) و قال «وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً» (4) و العليقة، و العلائق،
و قد روي (5) أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: أدوا العلائق، قيل: و ما العلائق؟ قال: ما ترضى به الأهلون.
____________
(1) الصحاح ج 4 ص 1506، القاموس ج 2 ص 136.
(2) سورة النساء- آية 4.
(3) سورة النساء- آية 24.
(4) سورة البقرة- آية 237.
(5) النهاية لابن الأثير ج 3 ص 289.
418
و العقر بالضم، و الحباء بالكسر، و يقال من لفظ الصداق و الصدقة: صدقتها، و من المهر: مهرتها، و لا يقال: أصدقتها و أمهرتها، و منهم من جوزه، و قد استعمله المصنف و غيره من الفقهاء، انتهى كلامه.
قال في كتاب المصباح المنير (1): و مهرت المرأة مهرا من باب نفع أعطيتها المهر، و أمهرتها بالألف كذلك، و الثاني لغة تميم و هي أكثر استعمالا، و منهم من يقول مهرتها إذا زوجها من رجل على مهر فهي مهيرة، فعلى هذا يكون مهرت و أمهرت لاختلاف معنيين. انتهى.
و قال أيضا في الكتاب المذكورة: و صداق المرأة فيه لغات أكثرها فتح الصاد، و الثانية كسرها، و الجمع صدق بضمتين، و الثالثة لغة الحجاز صدقة، و يجمع صدقات على لفظها، و في التنزيل «وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ» و الرابعة لغة تميم صدقة، و الجمع صدقات، مثل غرفة و غرفات، و صدقه لغة خامسة و جمعها صدق مثل قرية و قرى، و أصدقتها بالألف أعطيتها صداقها، و أصدقتها تزوجتها على صداق، انتهى.
و كيف كان ففي هذا المقصد بحوث:
[البحث] الأول: فيما يصح أن يكون مهرا
، و فيه مسائل:
[المسألة] الأولى [في أن كل ما يملكه المسلم مما يعد مالا يصلح جعله مهرا]
المفهوم من كلام الأصحاب الاتفاق على أن كل ما يملكه المسلم مما يعد مالا يصلح جعله مهرا للزوجة عينا كان أو دينا أو منفعة، و المراد بالمنفعة ما يشمل منفعة العقار و الحيوان و الغلام و الأجير، و إنما وقع الخلاف في جعل المهر عملا من الزوج للزوجة أو وليها، فمنعها الشيخ في النهاية، و المشهور الجواز و هو قوله في الخلاف و المبسوط، و إليه ذهب الشيخ المفيد و ابن الجنيد و ابن إدريس، و جملة من تأخر عنه.
قال في النهاية: يجوز العقد على تعليم آية من القرآن أو شيء من الحكم و الآداب، لأن ذلك له أجر معين، و قيمة مقدورة، و لا يجوز العقد على إجارة،
____________
(1) المصباح المنير ص 801.
419
و هو أن يعقد الرجل على امرأة على أن يعمل لها أو لوليها أياما معلومة، أو سنين معينة.
و ظاهر كلامه في الخلاف أن القول بما ذهب إليه في النهاية كان موجودا قبله حيث قال: يجوز أن يكون منافع الحر مهرا مثل تعليم قرآن أو شعر مباح أو تعليم بناء أو خياطة ثوب و غير ذلك مما له أجر، و استثنى أصحابنا من جملة ذلك الإجارة، و قالوا: لا يجوز، لأنه كان يختص بموسى (عليه السلام)، و نحوه في المبسوط.
و ابن البراج قد تبع الشيخ في النهاية في كتاب الكامل، و وافق المشهور في المهذب فقال: و يجوز أن يكون منافع الحر مهرا، مثل أن يخدمها شهرا و على خياطة ثوب، و على أن يخيط له شهرا، و كذلك البناء و ما أشبهه، و كذلك تعليم القرآن، و المباح من الشعر، و روى أصحابنا أن الإجارة مدة لا تصلح أن تكون صداقا لأن ذلك مخصوص بموسى (عليه السلام).
و قال ابن إدريس: يجوز أن يكون منافع الحر مهرا، مثل تعليم القرآن أو شعر مباح أو بناء أو خياطة ثوب و غير ذلك مما له اجرة، لأن كل ذلك له أجر معين و قيمة مقدرة.
و استثنى بعض أصحابنا من جملة ذلك الإجارة إذا كانت معينة يعملها الزوج بنفسه، قال: لأن ذلك كان مخصوصا بموسى (عليه السلام)، و الوجه في ذلك أن الإجارة إذا كانت معينة لا تكون مضمونة، بل إذا مات المستأجر لا يؤخذ من تركته، و لا يستأجر لتمام العمل، و إذا كانت في الذمة تؤخذ من تركته، و يستأجر لتمام العمل، قال: و الذي أعتمده و أعمل عليه و أفتي به أن منافع الحر ينعقد بها عقود النكاح، و تصح الإجارة، و الأجرة على ذلك، سواء كانت الإجارة في الذمة أو معينة لعموم الأخبار، و ما ذكره بعض أصحابنا من استثنائه الإجارة و أنها كانت مخصوصة بموسى (عليه السلام) فكلام في غير موضعه، و اعتماد على خبر شاذ نادر.
420
فإذا تأمل حق التأمل بان و وضح أن شعيبا (عليه السلام) استأجر موسى (عليه السلام) ليرعى له، لا ليرعى لبنته، و ذلك كان في شرعه و ملته أن المهر للأب دون البنت، و إذا كان كذلك فإنه لا يجوز في شرعنا ما جاز في شرع شعيب (عليه السلام)، فأما إذا عقد على إجارة ليعمل لها فالعقد صحيح سواء كانت الإجارة معينة أو في الذمة.
و قد أورد شيخنا
في التهذيب (1) خبرا عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) «قال لا يحل النكاح اليوم في الإسلام بإجارة بأن يقول: أعمل عندك كذا سنة على أن تزوجني أختك أو بنتك، قال: حرام، لأنه ثمن رقبتها و هي أحق بمهرها».
فهذا يدلك على ما حررناه و بيناه، فمن استثنى من أصحابنا الإجارة، إن أراد الإجارة التي فعلها شعيب (عليه السلام) مع موسى (عليه السلام) فصحيح، و إن أراد غير ذلك فباطل. انتهى كلامه، و هو جيد للأخبار الدالة على ذلك عموما و خصوصا.
و منها ما رواه
في الكافي (2) عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال سألته عن المهر ما هو؟ قال: ما تراضى عليه الناس».
و عن الفضيل بن يسار (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الصداق ما تراضيا عليه من قليل أو كثير فهذا الصداق».
و عن الحلبي (4) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المهر، فقال: ما تراضى عليه الناس» الحديث.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 414 ح 2، التهذيب ج 7 ص 367 ح 51، الفقيه ج 3 ص 268 ح 56، الوسائل ج 15 ص 33 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 378 ح 1، التهذيب ج 7 ص 354 ح 4، الوسائل ج 15 ص 1 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 378 ح 3، التهذيب ج 7 ص 354 ح 5، الوسائل ج 15 ص 1 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 379 ح 5، التهذيب ج 7 ص 354 ح 6، الوسائل ج 15 ص 1 ح 1.
421
و عن زرارة بن أعين (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الصداق كل شيء تراضى عليه الناس قل أو كثر في متعة أو تزويج غير متعة».
إلى غير ذلك من الأخبار التي بهذا المضمون.
و ما رواه
في الكافي (2) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقالت: زوجني، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من لهذه؟
فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) زوجنيها، فقال: ما تعطيها؟ فقال: ما لي شيء، قال: لا، فأعادت، فأعاد رسول الله (صلى الله عليه و آله) الكلام، فلم يقم أحد غير الرجل، ثم أعاد، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله)، في المرة الثالثة أ تحسن من القرآن شيئا؟ قال:
نعم، قال: قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلمها إياه».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) عن بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة على أن يعلمها سورة من كتاب الله عز و جل، فقال:
ما أحب أن يدخل بها حتى يعلمها السورة و يعطيها شيئا، قلت: أ يجوز أن يعطيها تمرا أو زبيبا؟ فقال: لا بأس بذلك إذا رضيت به كائنا ما كان».
و هذه الأخبار كما ترى ظاهرة في القول المشهور غاية الظهور، و لا سيما الخبرين الأخيرين.
هذا و الذي وقفت عليه من الأخبار في قصة موسى (عليه السلام) ما رواه
في الكافي (4) في الصحيح أو الحسن عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): قول شعيب (عليه السلام) إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 378 ح 4، الوسائل ج 15 ص 2 ح 6.
(2) الكافي ج 5 ص 380 ح 5، التهذيب ج 7 ص 354 ح 3، الوسائل ج 15 ص 3 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 380 ح 4، التهذيب ج 7 ص 367 ح 50، الوسائل ج 15 ص 12 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 414 ح 1، الوسائل ج 15 ص 33 ح 1.
422
فإن أتممت عشرا فمن عندك، أي الأجلين قضى؟ قال: الوفاء منهما أبعدهما عشر سنين، قلت: فدخل بها قبل أن ينقضي، الشرط أو بعد انقضائه؟ قال قبل أن ينقضي، قلت له: فالرجل يتزوج المرأة و يشترط لأبيها إجارة شهرين، يجوز ذلك؟ فقال: إن موسى (عليه السلام) قد علم أنه سيتم له شرطه، فكيف لهذا بأن يعلم أنه سيبقى حتى يفي له، و قد كان الرجل على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) يتزوج المرأة على السورة من القرآن، و على الدرهم، و على القبضة من الحنطة».
و روى الشيخ في التهذيب (1) عن أحمد بن محمد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتزوج المرأة و يشترط إجارة شهرين، قال: إن موسى (عليه السلام)» الحديث.
كما تقدم بأدنى تفاوت.
و روى الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره (2) عن محمد بن مسلم في حديث طويل قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أي الأجلين قضى؟ قال: أتمها عشر حجج، قلت له: فدخل بها قبل أن يقضي الأجل أو بعده؟ قال: قبل، و قال قلت:
فالرجل يتزوج المرأة و يشترط لأبيها إجارة شهرين مثلا، أ يجوز ذلك؟ قال:
إن موسى بن عمران (عليه السلام) علم أنه يتم له شرطه، فكيف لهذا أن يعلم أنه يبقى حتى يفي» الحديث.
و أجيب عن هذه الأخبار بأن الظاهر هو حمل النهي فيها على الكراهة لا التحريم، لأن ما اشتملت عليه جار في تعليم القرآن الذي قد دلت الأخبار كما عرفت على جواز جعله مهرا، بل كل مهر قبل تسليمه كذلك، لأنه لا وثوق له بالبقاء حتى يسلمه، مع أن ذلك غير قادح في الصحة إجماعا.
أقول: و الظاهر عندي أن هذه الأخبار إنما خرجت مخرج المجاراة، و التسليم بمعنى أن العقد بهذه الصورة غير جائز، لأن المهر حق للزوجة لا للأب،
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 366 ح 46، الوسائل ج 15 ص 33 ب 22 ح 1.
(2) تفسير القمي ج 2 ص 139، المستدرك ج 2 ص 608 ب 19 ح 4.
423
و مع فرض جواز ذلك للأب فإنه كيف له بالعلم بالبقاء هذه المدة، و فعل موسى (عليه السلام) بناء على جوازه في تلك الشريعة إنما كان لعلمه بالبقاء إلى أن يفي بالمدة، و أما غيره ممن لا يعلم فلا ينبغي له ذلك، و النهي أيضا على هذا التقدير لا يخرج عن الكراهة على تقدير جواز التزويج، و إلا فهو غير جائز.
و يدل على عدم جواز التزويج بهذه الكيفية ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن السكوني عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يحل النكاح- كذا في الكافي، و في الكتابين الأخيرين عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن عليا (عليه السلام) قال: لا يحل النكاح- اليوم في الإسلام بإجارة، بأن يقول: أعمل عندك كذا و كذا سنة على أن تزوجني ابنتك أو أختك، قال: هو حرام، لأنه ثمن رقبتها و هي أحق بمهرها».
قال في الفقيه ذيل هذا الخبر: و في حديث آخر «إنما كان ذلك لموسى بن عمران لأنه علم من طريق الوحي هل يموت قبل الوفاء أم لا، فوفي بأتم الأجلين».
و التقريب في الخبر المذكور دلالته على أن المنع من هذه الصورة إنما هو من حيث جعل المهر للأب و هو حق للمرأة، و ثمن رقبتها لا من جهة الإجارة، و فيه إشعار بأنه لو كانت الإجارة لها بأن يكون العمل لها فإنه صحيح لا مانع منه، و هو صريح في بطلان هذا العقد لو كان العمل المجعول مهرا لأبيها، و ما ذيله في الفقيه لا يظهر له وجه ارتباط بالخبر، بناء على ما قلناه، لأن الخبر لم يتضمن المنع من حيث الإجارة، و التذييل المذكور إنما ينصب على ذلك، ليصير بمعنى التخصيص له، بل إنما تضمن بالمنع و البطلان من حيث إن هذا العمل الذي جعله مهرا لا يجوز جعله للأب لأنه مهر، و المهر حق الزوجة لا الأب.
و بالجملة فالظاهر هو القول المشهور كما عرفت من ظهور الأخبار المتقدمة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 414 ح 2، التهذيب ج 7 ص 367 ح 51 و فيه اختلاف يسير، الفقيه ج 3 ص 268 ح 56 و فيه فقط «أن عليا (عليه السلام) قال:» و التهذيب موافق للكافي، الوسائل ج 15 ص 33 ب 22 ح 2.
424
في ذلك، و عدم ظهور المنافاة من هذه الأخبار. و الله العالم و أولياؤه الأخيار.
المسألة الثانية: لو عقد الذميان و نحوهما على ما لا يجوز العقد عليه في شريعة الإسلام
كالخمر و الخنزير صح، لأن ذلك مما يملك في شريعتهم فيجوز جعله مهرا، لكن لو أسلما معا أو أحدهما، فإن كان بعد التقابض لا شيء للزوجة، لبراءة ذمة الزوج بقبضها في شريعتهم، و إن كان قبل التقابض لم يجز دفع المعقود عليه، أما مع إسلامهما معا فإنه يحرم القبض و الإقباض في دين الإسلام، و أما مع إسلام الزوج فإنه لا يجوز له إقباضه و لا دفعه، و أما مع إسلامها فإنه لا يجوز لها قبضه، و العلة في هذه المواضع هو عدم صحة تملك هذه الأشياء في شريعة الإسلام، و ما لا يكون مملوكا لا يكون مهرا، و حينئذ فالواجب بناء على ما هو المشهور هو القيمة عند مستحليه، لأن التسمية وقعت صحيحة، و لهذا لو كان قد حصل التقابض قبل الإسلام برء، و لكن حيث تعذر تسليم العين لما عرفت وجب الانتقال إلى القيمة، و هذا القول هو المشهور، مثله ما لو جعلاه ثمنا لمبيع أو عوضا لصلح أو إجارة أو نحوهما.
و قيل: إن الواجب مهر المثل تنزيلا- لتعذر تسليم العين- منزلة الفساد، و رده السيد السند في شرح النافع بأنه ضعيف.
أقول: و يدل على ما هو المشهور من الرجوع إلى القيمة ما رواه
المشايخ الثلاثة (1) عن رومي بن زرارة عن عبيد بن زرارة قال: «قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام):
النصراني يتزوج النصرانية على ثلاثين دنا من خمر و ثلاثين خنزيرا، ثم أسلما بعد ذلك، و لم يكن دخل بها، قال: ينظر، كم قيمة الخمر و كم قيمة الخنازير فيرسل بها إليها ثم يدخل عليها، و هما على نكاحهما الأول».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 437 ح 9، التهذيب ج 7 ص 356 ح 11، الفقيه ج 3 ص 291 ب 142 ح 1، الوسائل ج 15 ص 4 ح 2.
425
و قد روى في الكافي و التهذيب (1) عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سأله (2) رجل عن رجلين من أهل الذمة أو من أهل الحرب يتزوج كل واحد منهما امرأة و أمهرها خمرا و خنازير ثم أسلما، فقال: ذلك النكاح جائز حلال، لا يحرم من قبل الخمر، و لا من قبل الخنازير، قلت: فإن أسلما قبل أن يدفع إليها الخمر و الخنازير؟ فقال: إذا أسلما حرم عليه أن يدفع إليها شيئا من ذلك، و لكن يعطيها صداقا».
و أنت خبير بأن هذه الرواية للدلالة على القول بمهر المثل، و احتمال حملها على القيمة- كما دلت عليه الرواية الأولى- يحتاج إلى تكلف بعيد.
و لو كانا مسلمين أو أحدهما مسلما فعقدا على خمر أو خنزير أو نحوهما مما لا يصح تملكه، فلا ريب في بطلان المسمى، و هل يبطل العقد أو يصح؟ قولان و على تقدير الصحة ما الذي يجب عوض ذلك، فالكلام هنا في موضعين:
(أحدهما) في صحة العقد و بطلانه
، و قد اختلف الأصحاب في ذلك فذهب جمع منهم الشيخان في المقنعة و النهاية و القاضي و ابن البراج و التقي أبو الصلاح إلى القول بالبطلان، و قيل: بالصحة و هو مذهب الشيخ في المبسوط و الخلاف، و به قال ابن حمزة و ابن زهرة و ابن إدريس و المحقق، و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين.
احتج الأولون بأن الرضا شرط في صحة العقد، و هو إنما وقع على جعل الخمر في مقابلة البضع مع أنه باطل، فما وقع عليه الرضا غير صحيح، و ما هو صحيح لم يقع عليه التراضي، و لأنه عقد معاوضة (3) فيفسد بفساد العوض كالبيع،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 436 ح 5، التهذيب ج 7 ص 355 ح 10، الوسائل ج 15 ص 4 ح 1.
(2) في التهذيب «عن طلحة بن زيد قال: سألته إلخ» و الظاهر أنه من سهو قلم الشيخ- رضي الله عنه. (منه- (قدس سره)-).
(3) و الذي يدل على كونه عقد معاوضة قوله سبحانه «فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» و الأدلة الدالة على جواز النظر إليها متى أراد تزويجها من قولهم- (عليهم السلام)- أنه مسام، و أنه يشتريها بأغلى الثمن، و نحو ذلك من الألفاظ الدالة على المعاوضة، و أن المهر عوض البضع، و يظهر أيضا من قولهم زوجتك بكذا، فان الباء للمعاوضة كما في قولك بعث كذا بكذا. (منه- (رحمه الله)-).
426
و قول الباقر (عليه السلام) (1) «الصداق ما تراضيا عليه قل أو كثر».
و يلزمه بطريق عكس النقيض أن ما لم يتراضيا عليه لم يكن مهرا.
احتج الآخرون بوجود المقتضي للصحة و هو الإيجاب و القبول و عدم المانع إذ ليس إلا بطلان المهر، لكن بطلانه لا يؤثر في بطلان العقد، لصحة، عرائه عنه، بل صحة العقد مع شرط عدمه، فلا يكون ذكر المهر الفاسد أعظم من اشتراط عدم المهر، و لأن المهر و العقد غير ان، ففساد أحدهما لا يوجب فساد الآخر، و يظهر الغيرية فيما لو عقد بغير مهر، فإنه يصح بلا خلاف.
و أجيب عن دليل الأولين بأن ما ادعوه من أن بطلان المسمى يوجب عدم الرضا بأصل العقد قياسا على سائر المعاوضات منقوض بما لو ظهر المهر مستحقا، فإن العقد صحيح بلا إشكال، مع أنه لو كان كذلك في المعاوضة المحضة فإنها تفسد بظهور استحقاق أحد العوضين، و بذلك يظهر أنه ليس النكاح كالمعاوضة المحضة، و من ثم سماه الله تعالى نحلة (2) و هي العطية، و ركن العقد يقوم بالزوجين.
و أما ما استندوا إليه من الخبر، ففيه أن الظاهر أن المراد من الصداق الذي تراضيا عليه هو المهر الذي يذكر في العقد، لا مطلق المهر، لأن المهر الواجب مع عدم ذكره في العقد لم يتراضيا عليه، مع أنه صح أن يكون مهرا، و أيضا فالظاهر منه كون التراضي في جانب القلة و الكثرة مع التعيين بقرينة قوله «قل أو كثر».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 378 ح 3، التهذيب ج 7 ص 354 ح 5، الوسائل ج 15 ص 1 ب 1 ح 3.
(2) سورة النساء- آية 4.
427
و أجيب عن دليل الآخرين بالفرق بين عدم التسمية و تسمية الفاسد، لأنهما في الأول قد تراضيا على عدم المهر، فصح العقد للرضا به خاليا عن العوض، إلا أنه يثبت مهر المثل حينئذ، لأنه العوض شرعا في مثل ذلك، بخلاف الثاني، لأن التراضي لم يقع بالعقد خاليا عن العوض و المسمى باطل شرعا، و غيره غير مرضي به، فلا تصح للعوضية، و لا يلزم من تغايرهما مع التعويض تغايرهما مع التسمية، لأن التراضي إنما وقع على العقد المشخص بالمهر المعين، فكانا أمرا واحدا مركبا، فيفوت بفوات أحد أجزائه.
أقول: و المسألة لخلوها عن النص محل إشكال، سيما مع تدافع هذه الأقوال، و لهذا توقف العلامة في المختلف، و كذا شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و سبطه في شرح النافع، إلا أنه في المسالك مع موافقته للعلامة في التوقف قال:
إن جانب الصحة لا يخلو من رجحان، و سبطه قال بعد نقله التوقف عن العلامة:
و هو في محله، و إن كان القول بالبطلان لا يخلو من رجحان، و قد عرفت في غير موضع مما تقدم عدم جواز الاعتماد في تأسيس الأحكام الشرعية على هذه التعليلات العقلية مع سلامتها من التعارض، فكيف و الحال كما رأيت.
و (ثانيهما) [ما الذي يجب على تقدير الصحة؟]
أنه على تقدير القول بالصحة كما هو المشهور بين المتأخرين، فما الذي يجب؟ قد اختلف الأصحاب القائلون بهذا القول على أقوال:
الأول: إنه يجب مهر المثل مع الدخول كالمفوضة، ذهب إليه الشيخ في الخلاف و ابن إدريس و المحقق، و علل بأن عدم صلاحية المسمى لأن يكون صداقا اقتضى بطلان التسمية، فيصير العقد خاليا من المهر، و يلزم بالوطء مهر المثل، لأنه قيمة البضع حيث لا تسمية، و قد اختلف كلام العلامة هنا، ففي الإرشاد قيد بالدخول كما ذكره هؤلاء المشار إليهم، و في غيره أطلق مهر المثل، و ظاهره وجوب مهر المثل و إن كان بمجرد العقد بدل المسمى حيث تعذر، و على هذا يكون هذا القول منقسما إلى قولين، و قد نبه عليهما شيخنا الشهيد في شرح نكت الإرشاد،
428
و نقل القول بوجوب مهر المثل بنفس العقد عن الشيخ، و علل هذا القول بأن العقد وقع بالعوض، فلا يكون تفويضا، لكن لما تعذر العوض المعين وجب الانتقال إلى بدله، و هو مهر المثل.
و رد بأن مهر المثل إنما ثبت كونه عوضا للوطئ حيث لا تسمية، لا أنه يكون بدلا عن المهر الفاسد، و لا يبعد أن يكون مراده- رحمة الله عليه- بما أطلقه هو التقييد بالدخول كما ذكره في الإرشاد، و إنما أطلق اعتمادا على ظهور ذلك من القواعد الشرعية، و كيف كان فإنه لو حمل على ظاهره ضعيف جدا لا ينبغي أن يلتفت إليه.
الثاني: إن الواجب قيمته عند مستحليه حتى لو كان المهر حرا قدر على تقدير رقيته، و نقل عن الشيخ في موضع من المبسوط، و الوجه فيه أن قيمة الشيء أقرب إليه عند تعذره، و لأنهما عقدا على شخص باعتبار ماليته، فمع تعذر الشخص يجب المصير إلى المال.
و رد الأول بأن الانتقال إلى القيمة فرع صحة العقد على ذي القيمة، لأن القيمة لم يقع التراضي عليها، و رد الثاني بأن تقدير المالية هنا ممتنع شرعا، فيجب أن تلغى كما ألغى التعيين.
أقول: و مع قطع النظر عن الرد بما ذكر في كل من الوجهين فإن إثبات الأحكام الشرعية بمثل هذه التعليلات العقلية مما منعت منه الآيات القرآنية و السنة النبوية على الصادع بها و آله أشرف صلاة و تحية.
الثالث: الفرق بين كون المهر الذي لا يملكه المسلم متقوما في الجملة كالخمر و الخنزير فيعتبر قيمته، و غير متقوم كالحر فيعتبر مهر المثل، و توضيحه أن الحر ليس مالا بالكلية، فيكون ذكره كالعدم بخلاف الخمر، فإنه مضمون على المسلم للذمي المستتر و كذا الذمي على مثله، فتكون المالية فيه ملحوظة في الجملة، فلا يكون العقد خاليا عن المهر أصلا بخلاف الحر، و ضعف هذا القول يعلم مما سبق، فإنه مركب منهما.
429
قال في المسالك: و اعلم أنه على القول الثاني يكون وجوب القيمة منوطا بمجرد العقد و إن لم يدخل بغير خلاف، بخلاف القول الأول فإن فيه وجهين، و كذا على الثالث، فإن الجهة التي توجب فيه القيمة تلحقه بالثاني، و الذي توجب مهر المثل تلحقه بالأول، انتهى.
و ظاهر السيد السند في شرح النافع ترجيح الأول من هذه الأقوال الثلاثة حيث قال: و أجود الأقوال دليلا الأول، و هذا الترجيح مبني على القول بالصحة، بمعنى أنه لو قيل بالصحة لكان هذا القول أجود الأقوال المذكورة، و إلا فقد عرفت آنفا أنه قد رجح القول بالبطلان من عبد التوقف في المسألة، و الله العالم.
المسألة الثالثة [في أن المهر لا يتقدر بقدر في جانب القلة إلا بأقل مما يتمول]
لا خلاف بين الأصحاب في أن المهر لا يتقدر بقدر في جانب القلة إلا بأقل ما يتمول، أي يعد مالا.
و أما في جانب الكثرة، فالمشهورة بين المتقدمين- و عليه كافة المتأخرين- أنه لا يتقدر بقدر بل بما شاء.
و نقل الخلاف هنا صريحا عن المرتضى- عليه الرحمة- في الانتصار، فإنه قال: و مما انفردت به الإمامية أن لا يتجاوز بالمهر خمسمائة درهم جياد قيمتها خمسون دينارا، فما زاد على ذلك رد إلى السنة، و هو ظاهر ابن الجنيد و الصدوق في الفقيه، و كذا في الهداية (1) ورد ذلك بالآيات و الروايات، قال الله عز و جل «وَ آتَيْتُمْ إِحْدٰاهُنَّ قِنْطٰاراً فَلٰا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً» (2).
____________
(1) قال في الهداية، و مهر السنة خمسمائة درهم فمن زاد على السنة رد إلى السنة، فان أعطاها من الخمسمائة درهما واحدا أو أكثر من ذلك ثم دخل بها فلا شيء لها بعد ذلك انما لها ما أخذت منه قبل أن يدخل.
أقول: و هو مضمون رواية المفضل المذكورة في الأصل، و نحو ذلك عبارة ابن الجنيد، فإنه ذكر رواية المفضل أيضا. (منه- (قدس سره)-).
(2) سورة النساء- آية 20.
430
و القنطار على ما في القاموس (1): بالكسر وزن أربعين أوقية من ذهب أو فضة أو ألف دينار أو ألف و مائتا أوقية، أو سبعون ألف دينار أو ثمانون ألف درهم أو مائة رطل من ذهب أو فضة أو ألف دينار أو ملأ مسك ثور ذهبا أو فضة.
و قال عز و جل «فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» (2) و قال «فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ» (3) و هي عامة لكل ما وقع عليه التراضي، و قد تقدمت جملة من الروايات في المسألة الأولى صريحة الدلالة بأن المهر ما وقع عليه التراضي قليلا كان أو كثيرا.
و في حسنة الوشاء (4) عن الرضا (عليه السلام) «لو أن رجلا تزوج امرأة جعل مهرها عشرين ألفا و جعل لأبيها عشرة آلاف كان المهر جائزا، و الذي جعل لأبيها فاسدا».
و روي في الكافي (5) في الصحيح عن الفضيل قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة بألف درهم، فأعطاها عبدا آبقا و بردا حبرة بألف درهم التي أصدقها، قال: إذا رضيت بالعبد و كانت قد عرفته فلا بأس إذا هي قبضت الثوب و رضيت بالعبد» الحديث،.
إلى غير ذلك مما يضيق المقام عن نقله.
احتج المرتضى على ما نقله عنه بإجماع الطائفة، و بأن المهر يتبعه أحكام شرعية، فإذا وقع العقد على مهر السنة فما دون ترتب عليه الأحكام بالإجماع، و أما الزائد فليس عليه إجماع و لا دليل شرعي، فيجب نفيه.
و أنت خبير بما فيه بعد ما عرفت، و ضعفه أظهر من أن يذكر.
____________
(1) القاموس المحيط ج 2 ص 122.
(2) سورة النساء- آية 24.
(3) سورة البقرة- آية 237.
(4) الكافي ج 5 ص 384 ح 1، التهذيب ج 7 ص 361 ح 28، الوسائل ج 15 ص 19 ح 1.
(5) الكافي ج 5 ص 380 ح 6، التهذيب ج 7 ص 366 ح 47، الوسائل ج 15 ص 35 ب 24 ح 1.
431
نعم ربما أمكن الاستدلال له بما رواه
الشيخ (1) عن محمد بن سنان عن المفضل ابن عمر قال: «دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت له: أخبرني عن مهر المرأة الذي لا يجوز للمؤمنين أن يجوزوه؟ قال: فقال: السنة المحمدية خمسمائة درهم فمن زاد على ذلك رد إلى السنة و لا شيء عليه أكثر من الخمسمائة درهم، فإن أعطاها من الخمسمائة درهما أو أكثر من ذلك ثم دخل بها فلا شيء عليه، قال:
قلت: فإن طلقها بعد ما دخل بها؟ قال: لا شيء لها، إنما كان شرطها خمسمائة درهم، فلما أن دخل بها قبل أن تستوفي صداقها هدم الصداق، فلا شيء لها، إنما لها ما أخذت من قبل أن يدخل بها، فإذا طلبت بعد ذلك في حياة منه أو بعد موته فلا شيء لها».
إلا أنه لا يوافق مذهبه، في عدم العمل بالأخبار و لو كانت صحيحة فكيف إذا كانت ضعيفة.
و قد أجاب العلامة في المختلف عنها بالحمل على الاستحباب، قال: و مع الزيادة يستحب الرد بالبراء إلى مهر السنة، فإذا حصل الإبراء لا يلزمه أكثر منه. انتهى، و لا بأس به، فإنه ليس بعد ذلك إلا طرحه لمخالفته لما عرفت من الآيات القرآنية و السنة المستفيضة النبوية، و قد استفاضت الأخبار بعرض الأخبار عليهما و رمى ما خالفهما و هذا الخبر بظاهره مخالف لهما كما عرفت.
قال في المسالك: و احتج المرتضى على مذهبه بإجماع الطائفة و هو عجيب، فإنه لا يعلم له موافق فضلا عن أن يكون مما يدعى فيه الإجماع، و قد اتفق له ذلك في الانتصار في مسائل كثيرة ادعى فيها الإجماع، و ليس له موافق، ذكرنا جملة منها في بعض الرسائل- الى أن قال بعد الطعن في سند الرواية بمحمد بن سنان و المفضل بن عمرو الطعن في متنها بمخالفتها لعموم الكتاب و السنة- ما لفظه:
و بقي أنه قال بعد ذلك، فإن أعطاها من الخمسمائة إلى آخر ما تقدم، ثم قال:
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 361 ح 27، الوسائل ج 15 ص 17 ح 14.
432
فانظر إلى هذه المخالفات العجيبة و الأحكام الغريبة في هذا الخبر الواهي، و كيف يحسن بعد ذلك الاستناد إليه في حكم من هذه الأحكام مع مخالفة مدلوله في جميعها لما عليه علماء الإسلام، بل مثل هذا لا ينبغي إبداعه في كتب الحديث فضلا عن أن يجعل سند الحكم، انتهى.
و فيه أن هذا الطعن ليس من خصوصيات هذا الخبر، بل هنا أخبار عديدة فيها الصحيح باصطلاحهم دالة عليه، و بها قال جملة من الأصحاب أيضا كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى عند ذكر المسألة المشار إليها، بل ظاهر عبارة الصدوق في الفقيه و الهداية هو القول بمضمون هذه الرواية، و كذا عبارة ابن الجنيد القائل بذلك أيضا، و لكن شيخنا الحر- (رحمه الله)- على رد هذا الخبر و رميه من البين غفل عن ذلك، نعم هو بما تضمنه صدره من عدم جواز الزيادة على الخمسمائة درهم مخالف لعمومات الكتاب و السنة كما عرفت، و الله العالم.
و كيف كان فإن الأفضل هو الاقتصار على الخمسمائة لاستفاضة الأخبار بأنه مهر السنة حتى وقعت المبالغة فيه بما تضمنه هذا الخبر مما يؤذن بتعينه.
فمن الأخبار المشار إليها ما رواه
ثقة الإسلام (1) في الصحيح عن معاوية بن وهب قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ساق رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى أزواجه اثنتي عشرة أوقية و نشا، و الأوقية أربعون درهما، و النش نصف الأوقية عشرون درهما، فكان ذلك خمسمائة درهم، قلت: بوزننا، قال: نعم».
و عن حماد بن عيسى (2) في الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول:
قال أبي: ما زوج رسول الله (صلى الله عليه و آله) شيئا من بناته، و لا تزوج شيئا من نسائه على أكثر من اثنتي عشرة أوقية و نش، و الأوقية أربعون درهما، و النش عشرون درهما».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 376 ح 2، الوسائل ج 15 ص 5 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 376 ح 5، قرب الاسناد ص 10، الوسائل ج 15 ص 6 ح 4.
433
و عن عبيد بن زرارة (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: مهر رسول الله (صلى الله عليه و آله) نساءه اثنى عشر أوقية و نشأ، و الأوقية أربعون درهما، و النش نصف الأوقية و هو عشرون درهما».
أقول: و بما دلت عليه هذه الأخبار من تفسير الأوقية و النش و صرح به أهل اللغة أيضا، قال ابن إدريس في سرائره: النش- بالنون المفتوحة و الشين المعجمة المشددة- و هو عشرون درهما و هو نصف الأوقية من الدراهم، لأن الأوقية عند أهل اللغة أربعون درهما، فإني سألت ابن القصار ببغداد و هو إمام أهل اللغة في عصره فأخبرني بذلك، انتهى.
و قال في القاموس (2): النش إلى أن قال: و نصف أوقية عشرون درهما.
و قال الجوهري (3): النش عشرون درهما و هو نصف أوقية لأنهم يسمون الأربعين درهما أوقية و يسمون العشرين نشا، و يسمون الخمسة نواتا.
و روى ثقة الإسلام (4) عن الحسين بن خالد قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن مهر السنة كيف صار خمسمائة درهم؟ فقال: إن الله تبارك و تعالى أوجب على نفسه أن لا يكبره مؤمن مائة تكبيرة، و يسبحه مائة تسبيحة، و يحمده مائة تحميدة، و يهلله مائة تهليلة، و يصلي على محمد و آله مائة مرة ثم يقول: اللهم زوجني من الحور العين إلا زوجه الله حوراء عيناء و جعل ذلك مهرها، ثم أوحى الله إلى نبيه (صلى الله عليه و آله) أن يسن مهر المؤمنات خمسمائة درهم ففعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أيما مؤمن خطب أخيه مؤمنة و بذل له خمسمائة درهم فلم يزوجه فقد عقه و استحق من الله أن لا يزوجه حوراء».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 376 ح 4، الوسائل ج 15 ص 6 ح 3.
(2) القاموس المحيط ج 2 ص 290.
(3) الصحاح ج 3 ص 1021.
(4) الكافي ج 5 ص 376 ح 7، و فيه «حوراء عين»، التهذيب ج 7 ص 356 ح 14 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 5 ح 2.
434
المسألة الرابعة [لزوم تعيين المهر لو ذكر في العقد]
قد صرح الأصحاب بأن المهر إذا ذكر في العقد فلا بد من تعيينه ليخرج عن الجهالة إما بالإشارة كهذا الثوب و هذه الدابة، أو بالوصف الذي يحصل به التعيين.
و ظاهرهم أنه يكفي فيه المشاهدة و إن كان مكيلا أو موزونا و أمكن استعلامه بها، بل صرح بذلك جملة منهم كالصبرة من الطعام و القطعة من الفضة أو الذهب، و مرجع ذلك إلى المعلومية في الجملة من غير استقصاء لجميع طرقها، قالوا، و الوجه فيه أن النكاح ليس على حد المعاوضات الحقيقية، و الركن الأعظم فيه الزوجان، و المهر دخيل فيه لم يعتبر فيه ما يعتبر في غيره من المعاوضات المحضة.
أقول: و يدل على ذلك صحيح محمد بن مسلم (1) المتقدمة المتضمن لحكاية المرأة التي أتت إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) و طلبت منه أن يزوجها فإن المهر فيها قد جعل ما يحسنه من القرآن، و لم يسأل عن مقداره، و هو مجهول، فإذا جاز التزويج بالمهر الذي على هذا النحو، فبالمشاهدة من غير وزن و لا كيل بطريق أولى لحصول المعلومية في الجملة، بخلاف المهر في هذا الخبر.
و يؤيد ذلك أيضا ما تقدم في جملة من الأخبار «أن المهر ما تراضيا عليه» فإنه شامل بإطلاقه لما نحن فيه، و قد تقدم في جملة من أخبار المتعة كف من طعام دقيق أو سويق أو تمر.
و في خبر (2) عن الكاظم (عليه السلام) «كان الرجل يتزوج على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) على القبضة من الحنطة».
و في الجميع دلالة واضحة على الاكتفاء بالمعلومية في الجملة.
بقي الكلام فيما لو قبضته و الحال هذه فإنه إن لم يتوقف على العلم به أمر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 380 ح 5، التهذيب ج 7 ص 354 ح 7، الوسائل ج 15 ص 3 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 414 ح 7، التهذيب ج 7 ص 366 ح 46، الوسائل ج 15 ص 33 ح 1.
435
و حصل العلم لها بعد ذلك فلا إشكال، و إن استمر الأمر على المجهولية و احتج بعد ذلك إلى معلوميته لتلفه قبل التسليم أو بعده، و قد طلقها قبل الدخول ليرجع بنصفه، فالظاهر أنه لا وجه للرجوع إلا بطريق الصلح إذ لا طريق للمعلومية لفواته على المجهولية، و نقل عن المحقق الشيخ علي أنه احتمل وجوب مهر المثل (1) و رده في المسالك و مثله سبطه في شرح النافع بأن ضمان المهر عندنا ضمان يد، لا ضمان معاوضة، و من ثم كان التلف قبل القبض يوجب الرجوع إلى القيمة، لا مهر المثل، و زاد في المسالك: نعم هو مذهب العامة.
المسألة الخامسة [في صحة النكاح لو تزوج امرأتين فصاعدا في عقد واحد بمهر واحد]
الظاهر أنه لا خلاف و لا إشكال في صحة النكاح لو تزوج امرأتين فصاعدا في عقد واحد بمهر واحد، إنما الخلاف و الاشكال في صحة المهر في هذه الصورة و بطلانه، و أنه على تقدير الصحة، فهل يقسط المهر على عدد رؤوسهن بالسوية أو يقسط على مهر أمثالهن؟ وجهان، بل قولان، و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع:
الأول [دليل الحكم]
إن ما ذكر من صحة النكاح في هذه الصورة لم أقف فيه على نص بخصوصه، إلا أن الظاهر دخوله تحت العمومات، و الأصحاب قد عللوا ذلك بوجود المقتضي للصحة و هو العقد الجامع لشرائطه، و انتفاء المانع، إذ ليس إلا جمع المهر على شيء واحد و هو لا يصلح للمانعية، لأنه على تقدير صحة المهر يظهر حق كل واحدة بالتوزيع، و على تقرير البطلان لا يؤثر في العقد كما سيأتي بيانه و هو يرجع إلى ما ذكرناه.
الثاني: في صحة المهر و بطلانه
، و المشهور هو الأول، حتى أن أكثرهم
____________
(1) أقول: ظاهر كلام الشيخ على- ت(قدس سره)- في شرح القواعد أن هذا الاحتمال انما هو بالنسبة إلى تلف المهر قبل التسليم، دون ما إذا كان بعده و قد طلقها قبل الدخول، فإنه قال: لكن لو تلف قبل التسليم أو بعده و قد طلقها قبل الدخول أمكن وجوب مهر المثل في الأول إلى آخر ما ذكره. (منه- (قدس سره)-).
436
لم ينقل هنا خلافا، و إنما تعرضوا للخلاف في التقسيط كما سنذكره في الموضع الآتي، و من حكم بالصحة كما هو المشهور قال: لأنه معلوم جملة، و حصة كل واحدة يمكن علمها بعد ذلك كثمن المبيعين في عقد واحد.
و من حكم بالبطلان قال: لأن المهر هنا متعدد في نفسه و إن كان مجتمعا، و حصة كل واحدة منه ليست معلومة عند العقد، و علمها بعد ذلك لا يفيد الصحة كما لو كان مجهولا منفردا و علم به بعد ذلك، و نمنع صحة البيع للملكين غير المشتركين بثمن واحد كما هو مذهب الشيخ في الخلاف و غيره (1).
أقول: و يؤيده ما تقدم في كتاب البيع من دلالة
صحيحة محمد بن الحسن الصفار (2) على أنه «لو باع ماله و مال الغير بطل بالنسبة إلى مال الغير، و صح بالنسبة إلى ماله».
و الوجهان حكاهما الشيخ في المبسوط، و لم يتعرض الأكثر لذكر البطلان و لا لذكر وجهه.
أقول: حيث كانت المسألة عارية من النص أشكال الكلام فيها سيما مع تدافع هذه التعليلات، و إن كانت لا تصلح لتأسيس حكم شرعي.
____________
(1) و ربما أجيب عن ذلك بأن المسمى هنا في مقابلة البضعين من حيث الاجتماع و لا يلزم من التقسيط الحكمي التقسيط اللفظي، و هو الموجب للجهالة في المهر دون التقسيط الحكمي، و هو الجواب عن بيع الملكين أيضا و لزوم كون الثمن مجهولا بالتقسيط، ثم انه لو سلم عدم الجواز في البيع كما هو المنقول عن الشيخ في الخلاف فإنه يمكن أن يقال بالصحة هنا، لان النكاح ليس على حد المعاوضات المحضة و ان أشبهها و لحق بها في بعض الأحكام فإنه يحتمل من الجهالة ما لا يحتمله غيره من عقود المعاوضات.
و أنت خبير بما في هذا الكلام عن تطرق المناقشة و عدم صلوحه لتأسيس الأحكام لما عرفته في غير مقام، و الأحكام الشرعية انما تبنى على الأدلة الواضحة الجلية لا هذه التخريجات العقلية. (منه- (قدس سره)-).
(2) التهذيب ج 7 ص 150 ح 16، الوسائل ج 12 ص 252 ح 1.
437
الثالث [في تقسيط المسمى على كل واحدة]
إنه على تقدير القول بالصحة يقسط المسمى على كل واحدة ليعرف مقدار ما يخصها من المهر، و فيه وجهان، بل قولان:
(أحدهما) و هو قول الشيخ في المبسوط و تبعه ابن البراج أنه يقسم بينهن بالتسوية، فيقسم على الزوجين أنصافا و على الثلاث أثلاثا و هكذا.
و علل بأنه الأصل في إطلاق الاستحقاق إذا قيل لفلان و فلان كذا و الترجيح على خلاف الأصل.
و (الثاني) و هو اختيار المحقق و العلامة و الأكثر و منهم المحقق الشيخ علي و الشهيد الثاني في المسالك و غيره التقسيط على مهور أمثالهن، و تعطى كل واحدة ما يقتضيه التقسيط كما لو باع عبده و عبد غيره بثمن واحد، أو جمع بين نكاح و بيع، و علل بأن العرض المالي إذا قوبل بعوض متقوم كانت القيمة ملحوظة، و من ثم يكون زيادة العوض و نقصانه ناشئا عن زيادتها و نقصانها غالبا، و قيمة البضع إنما هي مهر المثل فيكون قسط كل واحدة من المسمى بحسبه لا محالة.
ثم إنه لا ينبغي أن يعلم أنه على القول بفساد المهر، فالذي صرح به في المسالك أن لكل واحدة مهر مثلها كما لو أصدقها مجهولا يتعذر تقويمه كعبد و دابة و شيء، لأن الصداق و إن لم يكن عوضا في أصله إلا أنه إذا ذكر في العقد جرت عليه أحكام المعاوضات، و الجهالة من موانع صحتها فيثبت مهر المثل، قال:
و يحتمل الفرق و توزيع المسمى هنا على مهور أمثالهن، و لكن واحدة منه ما يقتضيه التوزيع، و يكون الحاصل لهن على هذا القول كالحاصل إذا قلنا بصحة المسمى، و الفرق بينه و بين المجهول المطلق تعذر تقويم ذلك، و إمكان تقويم هذا.
أقول: هذا حاصل ما ذكروه في المسألة، و قد عرفت أن المسألة خالية من النص بجميع شقوقها، و ظاهر من ذهب إلى التقسيط على مهور أمثالهن أن الوجه في ذلك عنده هو إلحاق النكاح بالبيع، و قياسه عليه للاشتراك في المعاوضة، حيث إن المهر عوض البضع كما أن الثمن عوض المثمن، مع أنا قد قدمنا في
438
كتاب البيع (أقول: قد تقدم ذلك في المسألة الرابعة من المقام الثاني في المتعاقدين من الفصل الأول) (1) أن هذا التقسيط على الوجه المذكور، و الأخذ بالنسبة من الثمن لم نقف له على نص، و أن طريق الاحتياط فيه هو الصلح، و بذلك يظهر لك أن المسألة غير خالية من شوب الاشكال.
و كيف كان فإن الذي ذكروه ثمة من التقسيط أو الأخذ من المسمى بالنسبة هو أنه يقوم المجموع أعني ما باعه من ماله و مال غيره بقيمة عادلة، ثم إنه يقوم أحدهما بانفراده و تنسب قيمته إلى قيمة المجموع و يؤخذ بهذه النسبة من المسمى في العقد، و مقتضى ذلك بالنسبة إلى ما نحن فيه أن ينظر إلى مهور أمثال هؤلاء المعقود عليهن اثنتين أو أكثر، و إلى مهر مثل كل واحدة واحدة منهن فينسب إلى ذلك المجموع و يؤخذ من المسمى في العقد بتلك النسبة، مثلا مهور أمثال هؤلاء المعقود عليهن مائة درهم، و مهر إحداهن خمسون درهما، و الثانية خمسة و عشرون، و الثالثة خمسة و عشرون، فيؤخذ من المسمى للأولى بالضعف، و لكل من الثانية و الثالثة بالربع، و على هذا فقس.
ثم إنه قال في المسالك: و اعلم أنه لو زوج أمته من رجل على صداق واحد صح النكاح و الصداق قولا واحدا. لأن المستحق هنا واحد، فهو كما لو باع عبدين بثمن واحد، و لو كان له بنات و للآخر بنون، فزوجهن صفقة واحدة بمهر واحد، بأن قال: زوجت ابنتي فلانة من ابنك فلان، و فلانة من فلان إلى آخره بألف، ففي صحة الصداق كالسابقة وجهان، و أولى بالبطلان هنا لو قيل به، ثم لأن تعدد العقد هنا أظهر لتعدد من وقع له من الجانبين، انتهى.
المسألة السادسة [فيما لو عقد على مهر مجهول]
لا خلاف بين الأصحاب كما ادعاه في المسالك و غيره في غيره في أنه إذا عقد على مهر مجهول بحيث لا يمكن استعلامه في نفسه كعبد و دابة و شيء و نحو ذلك، فإنه يبطل المسمى و يثبت مهر المثل، لامتناع تقويم
____________
(1) ج 18 ص 402.
439
المجهول على هذا الوجه.
أقول: و الوجه فيه هو ما تقدم من أن المهر متى ذكر في العقد فإنه يشترط فيه التعيين بالإشارة أو الوصف الرافعين للجهالة، و قضية ذلك بطلان المسمى لو كان أحد هذه المذكورات أو بطلان العقد، إلا أنه نقل عن الشيخ و أتباعه و تبعه جمع من المتأخرين فيما لو تزوجها على خادم أو دار أو بيت فإنهم حكموا بصحة العقد و المهر، و أن الواجب لها ما كان وسطا من هذه الأشياء، استنادا إلى أخبار وردت بذلك و هي:
ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن ابن أبي عمير عن علي بن أبي حمزة قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): تزوج رجل امرأة على خادم، قال: فقال: لها وسط من الخدم قال: قلت: على بيت؟ قال: وسط من البيوت».
و ما رواه
في التهذيب (2) في الصحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن (عليه السلام) «في رجل تزوج امرأة على دار، قال: لها دار وسط».
و ما رواه
في الكافي (3) عن علي بن أبي حمزة قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل زوج ابنته ابن أخيه، و أمهرها بيتا و خادما، ثم مات الرجل، قال:
يؤخذ المهر من وسط المال، قال: قلت: فالبيت و الخادم؟ قال: وسط من البيوت و الخادم وسط من الخدم، قلت: ثلاثين أربعين دينارا؟ و البيت نحو من ذلك، فقال:
هذا سبعين ثمانين دينار، أو مائة نحو من ذلك».
و ظاهر المحقق في الشرائع التوقف في هذا الحكم حيث نسبه إلى «قيل» و كذا عبارة العلامة في القواعد، و يلوح عن ابن إدريس اختياره، حيث أورده
____________
(1) الكافي ج 5 ص 381 ح 7 مع اختلاف يسير، التهذيب ج 7 ص 366 ح 48، الوسائل ج 15 ص 36 ح 2.
(2)، التهذيب ج 7 ص 375 ح 83، الوسائل ج 15 ص 36 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 381 ح 8، الوسائل ج 15 ص 35 ح 1.
440
بصيغة «روي» و لم يرده.
و بالجملة فالظاهر من كلام المتأخرين الذين هم أصحاب هذا الاصطلاح المحدث في الأخبار أنهم ما بين جازم ببطلان المسمى و الرجوع إلى مهر المثل، و ما بين متوقف في المسألة.
و أما المتقدمون الذين لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم فإنهم قائلون بهذا الأخبار، و قصروها على موردها لما عرفت من مخالفتها للقاعدة التي قرروها في المهر و هو الأظهر.
قال في المسالك- بعد نقل رواية علي بن أبي حمزة الاولى و مرسلة ابن أبي عمير- ما لفظه: و لا يخفى ضعف الرواية الأولى بعلي المذكور، فإنه رأس الواقفية، و الثانية مرسلة، لكن مرسل ابن أبي عمير قبله الأصحاب، اعتمادا منهم على أنه لا يرسل إلا عن الثقة، مع أنه راوي الرواية الأولى عن ابن أبي حمزة، فإن تم ما قالوه فهو يتسامح في الرواية مع ذكر المروي عنه لا مع تركه، و لا بد لهذه الدعوى من إثبات، و الأقوى بطلان المهر كغيره، و الرجوع إلى مهر المثل لما ذكر، و لأن الوسط من هذه الأشياء لا ينضبط بل هو مختلف اختلافا شديدا خصوصا مع عدم تعيين بلد الدار و البيت، انتهى (1).
____________
(1) و بنحو ما نقلناه عن المسالك صرح المحقق الثاني في شرح القواعد فقال بعد رد الروايتين الأولتين بضعف السند: و مع ذلك لا يمكن العمل بهما، لان الوسط من الدور و البيوت و الخدام ليس شيئا معينا مضبوطا و لا هو مختلف اختلافا يسيرا، بل هو في غاية البعد عن القسط، فإن الأعلى و الأدنى من ذلك لا يكاد يوقف عليه، و الوسط ان أريد به ما بين الطرفين فمعلوم شدة اختلاف أفراده و تباين قيمتها، و أن ذلك طريق للتنازع و التخاصم، و موقع للحاكم في التحديد. و ان أريد أوسط ما بين الطرفين فهو أبعد، و لان هذا لا يكاد يوقف عليه، فالقول بعدم الصحة و الرجوع الى مهر المثل لا يخلو من قوة، لأن الشارع أحكم من أن يضبط الأحكام بما لا ينضبط، انتهى.
و اقتفاه في هذا الكلام السيد في شرح النافع، و قد عرفت ما فيه و ما استبعده به- من أن الشارع أحكم من أن يضبط الأحكام بما لا ينضبط- مردود بأن الأمر على ما يفهم من الاخبار في هذا المقام و في باب البيع و غيره من العقود ليس على ما ضيقوه، بل هو أوسع من ذلك كما تقدم في غير موضع من الكتب السالفة. (منه- (قدس سره)-).
441
أقول: لا يخفى أن ما جرى عليه المتقدمون من المعاصرين للأئمة إلى زمان المحقق و العلامة و من في عصرهم من أصحاب هذا الاصطلاح المحدث إنما هو صحة هذه الأخبار المنقولة في أصولهم المشهورة، و الصحة و الضعف عندهم ليس باعتبار الراوي، و تعليل العمل بمراسيل ابن أبي عمير بما ذكره إنما هو تخرج من المتأخرين بناء على عملهم بهذا الاصطلاح و ضيق الخناق فيه، فيعتذرون بهذه الأعذار الواهية ليتسع لهم المجال إلى العمل بالأخبار، و نحوه قولهم بجبر الخبر الضعيف بالشهرة، إذ لا يخفى على المتأمل بالفكر الصائب أنه لو اقتصر في العمل بالأحكام الشرعية على الأخبار الصحيحة باصطلاحهم لبطلت هذه الشريعة من أصلها و اضمحلت بكلها أصولا و فروعا، إذ ليس في هذا القسم من الأخبار ما يفي بأقل قليل من الأحكام كما لا يخفى على ذوي الأفهام، و المنقول عن ابن أبي عمير في إرساله الروايات إنما هو حيث ذهبت كتبه لما كان في حبس الرشيد خمس سنين، فقيل: إن أخته وضعتها في غرفة فذهبت بالمطر، و قيل: إنها دفنتها تلك المدة حتى ذهبت، فحدث لذلك من حفظه و أرسل الأخبار لذلك، و لكنهم لضيق الخناق في اصطلاحهم و احتياجهم إلى العمل بأخباره لفقوا لأنفسهم هذا الاعتذار الشارد.
و بالجملة فالكلام في هذا الباب واسع ليس هذا مقامه، على أن لقائل أن يقول: إن ما ادعوه من القاعدة في المهر فإنه لا بد بعد ذكره في العقد من الإشارة إليه أو وصفه بما يحصل به التعيين لم نقف لهم فيه على نص يوجب الالتزام به، ورد ما خالفه إليه، و إنما هو مجرد اصطلاح منهم بزعم أن الجهالة فيه
442
تؤدي إلى النزاع، و قد عرفت ما في الاستناد إلى الأدلة العقلية في الأحكام الشرعية لورود الأخبار بخلافها في مواضع لا تحصى مما مر بك، و سيأتي أمثاله إن شاء الله، و يؤيد ما قلناه ما صرحوا به آنفا من اغتفار الجهالة في المهر، و جوازه بمثل قبضة من طعام و نحو ذلك على أن ما ذكروه من أن الوسط لا ينضبط بل هو مختلف اختلافا شديدا إن أريد به الانضباط على تقدير ما اختاروه مسلم، و لكن لا دليل عليه و إن أريد في الجملة، و إن حصل الاختلاق أيضا في الجملة فهو غير ضائر و لا مانع من الصحة كما تشير إليه الرواية الثالثة، و لم يذكرها أحد منهم فإن ظاهرها أن الوسط الذي يؤخذ به في قيم هذه الأشياء هي هذه المقادير المذكورة في الخبر لصدق الوسط على كل منها عرفا.
و بالجملة فإن الأمر بالنظر إلى الأخبار أوسع مما ضيقوا به في هذا الموضع و غيره مما تقدم، و تقدم الكلام فيه.
و كيف كان فالأحوط الوقوف على ما ذكروه من القاعدة و ما يترتب عليها من الفائدة، و الوقوف على موارد هذه الأخبار جمعا بين ما ذكروه، و بين ما دلت عليه الأخبار المذكورة، و الله العالم.
المسألة السابعة: لو تزوجها على كتاب الله و سنة نبيه ص و لم يسم مهرا
فالمشهور من غير خلاف يعرف، بل ظاهر المحقق الشيخ على و الشهيد الثاني في الروضة إن ذلك إجماع أن مهرها خمسمائة درهم لما عرفت من الأخبار المتقدمة أن مهر السنة هو هذا القدر.
و يدل عليه هذا الحكم بخصوصه ما رواه
في التهذيب (1) عن أسامة بن حفص، و كان قيما لأبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل تزوج امرأة و لم يسم لها مهرا و كان في الكلام أتزوجك على كتاب الله و سنة نبيه، فمات عنها أو أراد أن يدخل بها، فما لها من المهر؟ قال: مهر السنة، قال: قلت: يقولون أهلها
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 363 ح 33، الوسائل ج 15 ص 25 ب 13 ح 1.
443
مهور نسائها، قال: فقال: هو مهر السنة، و كلما قلت له شيئا قال: مهر السنة».
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروضة موافقة الأصحاب في الحكم المذكور من غير إشكال و لا مناقشة، قال بعد ذكر المصنف الحكم المذكور ما لفظه: للنص و الإجماع، و بهما يندفع الاشكال مع جهل الزوجين أو أحدهما لما جرت به السنة منه، و لقبوله الغرر كما تقرر، و العجب أنه خالف نفسه في المسالك فناقش أولا في صدق كون ذلك على كتاب الله، حيث إنه ليس في الكتاب ما يدل على كون المهر خمسمائة ثم التجأ إلى قوله «وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ» (1) قال: و مما آتانا به كون السنة في المهر ذلك، ثم نقل رواية أسامة بن حفص المذكورة و طعن في سندها بالضعف، ثم قال: فإن كان على الحكم إجماع، و إلا فلا يخلو من إشكال، لأن تزويجها على الكتاب و السنة أعم من جعل المهر مهر السنة، كما لا يخفى، إذ كل نكاح مندوب إليه بل جائز فهو على كتاب الله و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله) ثم على تقدير إرادتهما بذلك كون المهر مهر السنة، ففي الاكتفاء بذلك عن ذكر القدر في العقد نظر، كما لو قال: تزوجتك على المهر الذي تزوج به فلان، انتهى.
أقول: أما المناقشة الأولى فإنها مدفوعة أولا بالرواية المذكورة و ثانيا بالأخبار المستفيضة الدالة على أنه لا حكم من الأحكام إلا و هو مذكور في القرآن حتى أرش الخدش، و الجلدة و نصف الجلدة، و في جملة من الأخبار ما يدل على استنباطهم (عليهم السلام) لجملة من الأحكام المخصوصة من آيات القرآن ما لم تبلغه عقولنا و لا تصل إليه أفهامنا، و حينئذ فعدم علمه و معرفته- رحمة الله عليه- هو و غيره لهذا الحكم من القرآن لا يدل على العدم، كما لا يخفى.
و أما المناقشة الثانية فإنها مدفوعة بالخبر المذكور المنجبر بالشهرة، إذ لا مخالف في الحكم المذكور و هو ممن نقل الإجماع عليه في الروضة كما سمعت، و هذه قاعدة مسلمة بين أصحاب هذا الاصطلاح بالاتفاق، و إن كانت ناشئة عن
____________
(1) سورة الحشر- آية 7.
444
ضنك المجال في هذا الاصطلاح و ضيق الخناق كما تقدمت الإشارة إليه.
و مما ذكرنا يعلم الجواب عن المناقشة الثالثة، فإنه متى ثبت المذكور و جب القبول لما اشتمل عليه من الأحكام، و منها ما ذكره في هذا المقام.
و بالجملة فإن الظاهر هو العمل بالخبر المذكور، و ما تضمنته من الأحكام، و منه يستفاد صحة العقد و إن كانا جاهلين بقدر مهر السنة كما أشار إليه في الروضة، و أما مع علمهما بذلك فينبغي القطع بالصحة.
و كيف كان فهذا الخبر مؤيدا لما قدمنا ذكره في المسألة السابقة من سعة الدائرة في صحة العقود، و أنها ليست على الوجه الذي ضيقوه و اشترطوه من الشروط الموجبة للتعيين و التشخيص على وجه لا يتطرق إليه الجهالة الموجبة للتخاصم و التنازع.
المسألة الثامنة: لو سمى لها مهرا و لأبيها أو غيره من الأولياء أو واسطة أو أجنبي شيئا
فظاهر كلام جملة من الأصحاب كالمحقق في الشرائع و العلامة في في القواعد و غيرهما في غيرهما التفصيل في ذلك بين أن يكون المشروط لغيرها خارجا عن المهر و يكون جزء من المهر ناسبين الثاني إلى لفظ قيل، و حينئذ فتحقيق الكلام في هذا المقام في موضعين:
الأول: أن يكون المشروط لغيرها خارجا عن المهر بأن يجعل مهرها مثلا ألفا و يعقدان على ذلك، و يشترطان لأبيها أو غيره في العقد شيئا آخر زائدا على الألف، و ظاهر الأصحاب الاتفاق على صحة المهر الذي جعله للزوجة و بطلان ما سماه لغيرها، و بذلك صرح الشيخ في النهاية فقال: لو عقد على امرأة و سمى لها مهرا و لأبيها أيضا شيئا كان المهر لازما له، و ما سماه لأبيها لم يكن منه عليه شيء.
و استند الأصحاب فيما ذكروه هنا إلى
حسنة الوشاء (1) عن الرضا (عليه السلام) «قال
____________
(1) الكافي ج 5 ص 384 ح 1، التهذيب ج 7 ص 361 ح 28، الوسائل ج 15 ص 19 ح 1.
445
لو أن رجلا تزوج امرأة و جعل مهرها عشرين ألفا و جعل لأبيها عشرة آلاف كان المهر جائزا، و الذي جعله لأبيها فاسدا».
و إطلاق الخبر يقتضي عدم الفرق بين كون المجعول لأبيها تبرعا محضا، أو لأجل وساطة و عمل محلل، و لا بين كون المجعول له مؤثرا في تقليل مهر الزوجة بسبب جعله في العقد، و قصدها إلزامه به و عدمه.
و نقل عن ابن الجنيد أنه قال: و لا يلزم الزوج غير المهر من جعالة جعلها لولي أو واسطة، و لو وفى الزوج بذلك تطوعا كان أحوط
لقول النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «أحق الشروط ما نكحت به الفروج».
فإن طلقها قبل الدخول لم يكن عليه إلا نصف الصداق دون غيره، فإن كان قد دفع ذلك رجع عليها بنصف المهر، و كذلك الجعالة على الواسطة.
و قال في المختلف: و الوجه أن نقول إن كان قد جعل للواسطة شيئا على فعل مباح، و فعله لزمه و لم يسقط منه شيء بالطلاق، لأنه جعالة على عمل محلل مطلوب في نظر العقلاء، و كان واجبا بالفعل كغيره، و إن لم يكن على جهة الجعالة بل ذكره في العقد لم يكن عليه منه شيء سواء طلق أو لا.
و اعترضه في المسالك بأن ما ذكره جيد إلا أنه خارج عن محل الفرض، لأن الكلام فيما يشترط في العقد و يلزم بمجرده، و كذلك كلام ابن الجنيد، و إنما جعل الوفاء به على وجه الاحتياط رعاية للحديث النبوي، و إذا دفعه على هذا الوجه لا يملكه القابض بمجرد الدفع، فيجوز الرجوع فيه بعده سواء طلق أم لا، لكن فرضه مع الطلاق نظرا إلى فوات المطلوب من النكاح، فلم نجد في الرجوع مخالفة للحديث.
و ما ذكره في المختلف إنما يلزم من حيث الجعالة، لا من حيث ذكره في العقد بل ذكره في العقد بدون لفظ يقتضي الجعالة لغو، فهو خارج عن محل
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 252 ح 12 و فيه «عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-» مع اختلاف يسير.
446
الفرض، و بتقدير وقوعه بالجعالة على عمل محلل لا إشكال في لزومه بالفعل و عدم الرجوع فيه بالطلاق حيث لا يكون له مدخل في ذلك، انتهى و هو جيد.
أقول: لا يخفى أن ما ذكروه في فرض المسألة كما قدمنا ذكره و كذا ما يفهم من ظاهر الخبر من الإطلاق لا يخلو من الاشكال، و الأنسب بالقواعد الشرعية و الضوابط المرعية هو أن يقال: إنه إذا تزوج المرأة و سمى لها مهرا، و سمى لأبيها أو غيره شيئا بحيث يكون المجموع في مقابلة البضع فإنه يسقط ما سمى لغيرها، لأن المهر إنما هو حق الزوجة في مقابلة البضع دون غيرها، و على ذلك يحمل إطلاق الخبر المذكور.
و بالجملة فإن سقوطه لا بد أن يكون من حيث استناده إلى عقد النكاح و إلا فلو شرط له شيئا على جهة التبرع خارجا عن المهر و عن كونه جعالة فلا مانع من صحته، و قضية الأخبار الدالة على وجوب الوفاء بالشروط وجوب الوفاء به، و لا فرق في ذلك بين كون الاشتراط المذكور باستدعاء الزوجة أو بفعل الزوج ابتداء، و ينبغي على تقرير صحة الشرط المذكور أن لا يؤثر الطلاق فيه كما هو ظاهر، و بما ذكرناه يظهر لك أيضا ما في قول العلامة في المختلف، و إن لم يكن على جهة الجعالة بل ذكره في العقد لم يكن عليه منه شيء، فإنه على إطلاقه ممنوع، فإنه لو وقع على جهة الشرط كما ذكرناه فما المانع من لزومه، بل ظواهر أخباره وجوب الوفاء بالشروط يقتضي وجوب الوفاء به، طلق أو لم يطلق.
الثاني: أن يكون المشروط من جملة المهر، و ظاهر كلام ابن الجنيد لزومه، حيث قال- على أثر الكلام المتقدم نقله عنه-: فإن كانت المرأة اشترطت رجع عليها بنصف صداقها، و نصف ما أخذه من الذي شرطت له ذلك، لأن ذلك كله بعض الصداق الذي لم ترض بنكاحها إلا به، و المشهور بين الأصحاب على ما نقله في المسالك عدم الصحة نظرا إلى ما قدمنا ذكره من أن المهر حق الزوجة،
447
فشرطه لغيرها مناف لمقتضى العقد، و من ثم إن المحقق- (رحمه الله)- إنما نسب القول باللزوم (1) إلى لفظ قيل كما قدمت الإشارة إليه، و ربما أيد كلام ابن الجنيد هنا بعموم الأخبار الدالة على أن (2)
«المؤمنين عند شروطهم».
و لأن عطيتها من مالها جائز، فاشتراطه في العقد لا يخالف السنة، و نقل عن الشهيد في شرح نكت الإرشاد الميل إليه، و كذلك المحقق الشيخ علي (3) و هذا القدر المشروط هنا ينتصف بالطلاق لأنه من جملة المهر كما هو المفروض بأن شرط عليها بعد فرضه مهرها أن يدفع إلى أبيها منه شيء، فمتى طلقها رجع عليها بنصف المجموع، و بذلك صرح الشيخ علي فيما طويناه من كلامه و هو صريح عبارة ابن الجنيد المذكورة.
المسألة التاسعة [فيما أفاده صاحب الشرائع من ضرورة تعيين المهر بما يرفع الجهالة]
قال في الشرائع: لا بد من تعيين المهر بما يرفع الجهالة، فلو أصدقها تعليم سورة وجب تعيينها و لو أبهم فسد المهر، و كان لها مع الدخول مهر المثل.
و قال في المسالك- بعد ذكر ذلك-: من جملة المفسد للمهر جهالته، فمتى عقد على مجهول كدابة و تعليم سورة غير معينة بطل المسمى، لأن الصداق و إن لم يكن عوضا في أصله، إلا أنه مع ذكره في العقد يجري عليه أحكام
____________
(1) قال المحقق في الشرائع و لو سمى للمرأة مهرا و لأبيها شيئا معينا لزم ما سمى لها و سقط ما سمى لأبيها، و لو أمهرها مهرا و شرط أن تعطى أباها منه شيئا معينا قبل: يصح المهر و الشرط بخلاف الأول. و في معناها عبارة القواعد (منه- (قدس سره)-).
(2) التهذيب ج 7 ص 371 ح 66، الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
(3) حيث قال في شرح القواعد: و الذي يقتضيه النظر- الى أن قال:- و ان كان قد سمى المجموع للزوجة مهرا و شرط عليها أن تدفع إلى أبيها منه شيئا على جهة التبرع منه و الإحسان، فالفساد لا وجه له، لان ذلك شرط لا يخالف الكتاب و السنة، فلا وجه لإبطاله، و على هذا لو طلقها يرجع ينصف المجموع لان جميعه هو المهر، انتهى و هو مؤيد لما ذكرناه (منه- (قدس سره)-).
448
المعاوضات، و الجهالة من موانع صحتها، فيثبت مهر المثل مع الدخول، و المتعة مع الطلاق، كالمفوضة، لا بمجرد العقد لأن فساد المهر باعتبار الجهل به الموجب لتعذر تقويمه صير العقد كالخالي عن المهر، فلا يثبت مثل المهر بمجرد العقد كما صرح به المصنف و غيره، و فهم خلاف ذلك و هم، انتهى.
أقول: قد عرفت مما قدمنا ذكره أن ما ذكره من اشتراط التعيين على الوجه الذي ذكروه مما لم يقم عليه دليل، بل ربما ظهر من الأدلة خلافه (1).
و صحيح محمد بن مسلم المتضمن لحكاية المرأة التي طلبت من النبي (صلى الله عليه و آله) أن يزوجها ظاهر فيما قلناه، فإنه (صلى الله عليه و آله) قال في المرة الثالثة «أ تحسن من القرآن شيئا؟ قال: نعم، قال: قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن، فعلمها إياه».
و من الظاهر أن هذه صيغة العقد مع أن ما يحسنه غير معلوم و لا مضبوط بكونه سورة أو أقل أو أكثر، فأي جهالة أشد من هذه الجهالة، و هم قد أثبتوا الجهالة فيما لو أصدقها تعليم سورة، و هي أعم من الطويلة و القصيرة فلا بد من تعيينها، و الخبر قد تضمن ما يحسن من القرآن، و هو أشد إجمالا و إبهاما، و الرواية صحيحة باصطلاحهم، و قد تلقوها بالقبول في جملة من الأحكام التي اشتملت عليها، و هي ظاهرة في خلاف ما ذكروه هنا.
و قد عرفت أيضا ورد الأخبار بصحة التزويج على الدار و البيت و الخادم، و أن لها وسطا من هذه الأشياء، و من الظاهر أن هذه الأشياء إنما خرجت مخرج التمثيل، فالحكم بالصحة غير مقصور عليها، لكنهم من حيث الالتزام بهذه القاعدة التي اتفقوا
____________
(1) و يشير الى ما ذكرناه ما صرح به السيد السند في شرح النافع حيث قال: و ربما ظهر من صحيحة محمد بن مسلم المتضمنة لقصة تلك المرأة التي طلبت من النبي- (صلى الله عليه و آله)- أن يزوجها جواز كون المهر مجهولا فإنه- (صلى الله عليه و آله)- زوجها على ما يحسن من القرآن من غير أن يسأله عما يحسن من ذلك، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
449
عليها في المهر قصروا الحكم فيها على مورد هذا الأخبار، و إلا فالحق أن هذه القاعدة و إن اتفقوا ظاهرا عليها لكن لما كانت غير منصوصة و لا دليل عليها في الأخبار فإنه بالنظر إلى الأخبار الواردة في المقام مما ذكرناه و غيره لا مانع من صحة العقد فيما منعوا منه، و يؤيد ذلك الأخبار الدالة على أن المهر ما تراضيا عليه من قليل أو كثير، فإنه بإطلاقه شامل للمجهول الذي منعوا من العقد عليه، على أنهم قد صرحوا- كما قدمنا نقله عنهم آنفا في المسألة الرابعة- بالاكتفاء بالمعلومية في الجملة، حتى أنهم حكموا في الموضع الذي يحتاج فيه إلى تنصيف المهر بالرجوع إلى الصلح من حيث المجهولية، و عدم إمكان استعلام النصف.
و يؤيد ذلك أيضا الأخبار المتفق على العمل بها الواردة بجعل المهر ما حكمت به الزوجة أو الزوج (1)، فإن العقد قد اشتمل على مهر مجهول، و من شروط صحته أن يكون المهر المذكور في العقد معلوما، و الاكتفاء في الصحة بالمعلومية بعد العقد كما دلت عليه تلك الأخبار لا يوجب الصحة بمقتضى قواعدهم، فإنهم صرحوا بأنه لو عقد على مجهول بطل العقد، و لا يفيده العلم بعد ذلك صحة، و إليه يشير قوله في عبارة المسالك المذكورة، إلا أنه مع ذكره في العقد تجري عليه أحكام المعاوضات، و الجهالة من موانع صحتها.
و ما يؤيد ذلك أيضا ما رواه
في التهذيب (2) عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: ما أدنى ما يجرى من المهر؟ قال: تمثال من سكر».
و حمله على تمثال مشاهد أو معلوم بأحد الوجوه خلاف ظاهر الخبر.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 379، التهذيب ج 7 ص 365، الوسائل ج 15 ص 31- 34.
(2) الكافي ج 5 ص 382 ح 16، التهذيب ج 7 ص 363 ح 36، الوسائل ج 15 ص 1 ح 2.
450
و من الأخبار الظاهرة في المسألة المذكورة ما رواه
الشيخ (1) عن بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة على أن يعلمها سورة من كتاب الله عز و جل، فقال: ما أحب ان يدخل بها حتى يعلمها السورة، و يعطيها شيئا، قلت: أ يجوز أن يعطيها تمرا أو زبيبا؟ فقال: لا بأس بذلك إذا رضيت به كائنا ما كان».
و الخبر كما ترى ظاهر في أن المهر تعليم سورة في الجملة و هو (عليه السلام) قد حكم بالصحة، و لم يشترط تعيينها و كونها سورة كذا كما هو ظاهر كلامهم، و ليس في سند هذا الخبر مما ربما يتوقف في شأنه، إلا الحارث بن مؤمن الطاق، و هو و إن لم يوصف بمدح و لا توثيق، إلا أنه من أصحاب الأصول.
قال النجاشي (2) بعد ذكره: روى عن الصادق (عليه السلام)، له كتاب يرويه عنه عدة من أصحابنا منهم الحسن بن محبوب.
و قال الشيخ في الفهرست (3): له أصل عنه الحسن بن محبوب، و الراوي عنه هنا هو الحسن بن محبوب، و هو مشعر بنوع مدح له، لأن رواية هؤلاء الأجلاء عنه و الاعتماد على كتابه لا يقصر عن وصفه بالمدح الموجب لعد حديثه في الحسن، بناء على اصطلاحهم، و كيف كان فالخبر ظاهر في خلاف ما ذكروه من اشتراط التعيين، كما هو ظاهر للحاذق المكين.
المسألة العاشرة [في جواز جعل الصداق تعليم صنعة لا يحسنها أو سورة لا يعلمها]
قد صرحوا بأنه يجوز أن يجعل الصداق تعليم صنعة لا يحسنها بالفعل، أو تعليم سورة لا يعلمها و نحو ذلك، و الوجه فيه أن المعتبر كونه معينا في حد ذاته و مقدورا عليه عادة، و لا يشترط فيه وجوده بالفعل عنده،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 380 ح 4، التهذيب ج 7 ص 367 ح 50، الوسائل ج 15 ص 12 ح 2.
(2) النجاشي ص 101.
(3) الفهرست ص 89.
451
بل لمكان تحصيله له بنفسه أو بمعاون، و غايته أنه يثبت في الذمة، و يجب و فاؤه عند المطالبة إن أمكن ذلك، و مع عدم إمكان حصوله فيما نحن فيه من تعليم الصنعة أو السورة فإنه يرجع إلى أجرة المثل، لأنه قيمة المهر حيث تتعذر عينه.
قال في المسالك: و هل يعتبر في المعلم لها غيره المحرمية؟ وجهان، من استلزامه سماع صوت الأجنبي المحرم و نظره كذلك، و من تقييده بخوف الفتنة، و استثناء نظر يمكن معه التعليم، و قد تقدم بحثه في بابه خصوصا تعليم القرآن إذا كان واجبا فإنه يستثني للضرورة، و لا إشكال لو أمكن من وراء الحجاب.
أقول: قد تقدم الكلام في أن ما ادعوه- من تحريم سماع صوت المرأة و تحريمه بأكثر من خمس كلمات- و إن كان هو المشهور، إلا أن الأدلة المعصومية في خلافه و اضحة الظهور، و تحدث النساء في مجالس الأئمة و فاطمة (صلوات الله عليها) مع الصحابة، و لا سيما في مخاصمتها لطلب الميراث أمر غير منكور، و تقدم أيضا في كتب العبادات و غيرها استثناء الوجه و ظاهر الكفين و الرجلين من المرأة، و لهذا يجوز كشفها في الصلاة، و حينئذ فلا إشكال في جواز تعليم الأجنبي لها، نعم يبقى الاشكال لو فيما استلزم الفتنة فما ذكروه من الكلام في المقام على إطلاقه غير موجه، ثم إنه إن شرط تعليمها بنفسه فالظاهر أنه لا إشكال في وجوب تعلمه لتعليمها، و أما مع عدمه فإشكال من أنه تكسب لوفاء الدين، و هو غير واجب عليه، و من توقف الواجب عليه.
المسألة الحادية عشر: إذا عقد على هذا الظرف على أنه خل في زعمها فبان خمرا
، أو على شخص معين أنه عبد فبان حرا و نحو ذلك مما يظن صلاحيته لأن يكون مهرا فيظهر عدمها، فإنه لا خلاف في صحة العقد، لما عرفت من أن المهر ليس من أركانه، و لا شرط في صحته و لا خلاف أيضا في فساد المعين بعد ظهوره على خلاف ما يصلح لأن يكون مهرا، و إنما الخلاف فيما يجب من المهر في هذه الحال، لأن العقد صحيح و البضع لا بد له من عوض، و في ذلك أقوال:
452
(أحدها) هو اختيار ابن الجنيد و ابن إدريس و المحقق في الشرائع و العلامة في المختلف في مثل الخل في المثال المتقدم، و هكذا في باقي الأمثلة يرجع إلى مثل ذلك المظنون، و علل بأن تراضيهما وقع على ذلك الجزئي المعين الذي ظنا كونه خلا، و هو يستلزم الرضا بالخل الكلي مهرا، لأن الجزئي يستلزم الكلي، فالرضاء به يستلزم الرضاء به، فإذا فات ذلك الجزئي لعدم صلاحيته للملك بقي الكلي، لأنه أحد الأمرين اللذين وقع التراضي بهما، و لأنه أقرب إلى المعقود عليه لأنه مثله، و اعترضه المحقق الشيخ علي في شرح القواعد فقال:
و لقائل أن يقول أن الكلي الذي وقع التراضي عليه بالعقد على الجزئي هو الكلي المقترن بالمشخصات الموجودة في ذهن المتعاقدين، و هذا يمتنع بقاؤه، و إذا ارتفعت المشخصات، و المحكوم بوجوبه غيره، أعني الكلي في ضمن شخص آخر و هذا لم يقع التراضي عليه أصلا أصالة و لا تبعا، فإيجابه بالعقد إيجاب لما لم يتراضيا عليه، و كونه أقرب إلى المعقود عليه مع تسليم صحته لا يستلزم وجوبه، لأن المهر الذي يجب بالعقد هو ما تراضيا عليه، و لا يلزم من التراضي على أحد المثلين التراضي على الآخر.
أجاب في المسالك عن ذلك- بعد أن ذكره بلفظ إن قيل- بما صورته:
قلنا الجزئي الذي وقع التراضي عليه و إن لم يساوه غيره من أفراد الكلي، إلا أن الأمر لما دار بين وجوب مهر المثل و قيمة الخمر، و مثل الخل، كان اعتبار المثل أقرب الثلاثة، لأن العقد على الجزئي المعين اقتضى ثلاثة أشياء ذلك المعين بالمطابقة، و إرادة الخل الكلي بالالتزام، و كون المهر واجبا بالعقد، بحيث لا تنفك المرأة عن استحقاقه، حتى لو طلقها كان لها نصفه، أو مات أحدهما فجميعه، و إذا فات أحد الثلاثة، و هو الأول، وجب المصير إلى بقاء الآخرين بحسب الإمكان (1)
«إذ
____________
(1) رواه النراقي في الفوائد ص 88 عن عوالي اللئالي عن على- (عليه السلام).
453
لا يسقط الميسور بالمعسور».
و عموم (1)
«إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
و هما لا يوجدان معا في ضمن وجوب مهر المثل، لأنه لا يجب إلا بالدخول عند القائل به، و إمكان وجودهما في ضمن قيمة الخمر يفسد بما سنبينه من ضعف دليله له، فلم يبق إلا المثل، و لا شبهة في أن الرضاء بالخل المعين في الظرف يستلزم إرادة كون المهر خلا بخلاف القيمة و نحوها.
أقول: يقتضي هذا الكلام تسليم صحة ما أورده المحقق المذكور و بطلان الدليل الأول الذي قرروه، و أن المعتمد إنما هو الدليل الذي قرره هنا.
و (ثانيها) إن الواجب مهر المثل، إختاره العلامة في القواعد و في أكثر كتبه مستدلا عليه بأن الكلي غير مرضي به إلا في ضمن الجزئي المشترط، فهو منفي بتغليب التشخص عليه، و الشخصي باطل لخروجه عن المالية، فيرجع الأمر في شرط عوض لم يسلم لها فينتقل الى مهر المثل.
و ظاهر المحقق الشيخ علي في شرح القواعد اختيار هذا القول، قال في المسالك: و يشكل بما مر، و بأن مهر المثل ربما كان زائدا عن قيمة الخل كثيرا، فلا يكون مقصودا للزوج أصلا، أو ناقصا كثيرا فلا يكون مقصودا للزوجة و لا مرضيا به،
و قد قال (عليه السلام) «المهر ما تراضيا عليه الزوجان».
و لا يرد مثله في وجوب مثل الخل، لأن ذلك أقرب إلى ما تراضيا عليه، بل ربما لم يخالف ما تراضيا عليه إلا بمشخصات لا دخل لها في المقصود و لا في المالية، فيلغو عند حصول مثل هذا العارض، انتهى.
و (ثالثها) وجوب قيمة الخمر عند مستحليه، و إليه ذهب الشيخ في المبسوط و الخلاف، مستندا إلى أن قيمة الشيء أقرب إليه عند تعذره، و لأنهما عقدا على شخص باعتبار ماليته، فمع تعذره لظهور بطلان المعاوضة عليه يصار إلى القيمة.
____________
(1) رواه مسلم في صحيحة ج 1 ص 513، و النسائي ج 2 ص 1.
454
قال في المسالك: و فيه منع بين لأن الخمر غير مقصود أصلا، و لا وقع عليه التراضي، فكيف ينتقل إلى قيمته، و اعتبارها فرع صحة العقد على العين بخلاف ما لو عقدا على الخمر عالمين به، فإنهما قد تراضيا على العين، فلا يمتنع الانتقال إلى القيمة لتعذر العين كما تقدم، و ظاهر الحال أن قول المصنف أقرب الأقوال إلى مراد المتعاقدين فينبغي أن يكون العمل عليه.
ثم قال في المسالك أيضا: هذا كله في المثلي كالخمر. أما القيمي كالعبد إذا ظهر حرا فالانتقال إلى قيمته لقيامها مقام المثل في المثلين و ليس هذا كالقول الثالث، لأن ذلك يعتبر فيه قيمة العين بالوصف الواقع الذي امتنع صحته عليه بواسطته، و هنا اعتبرت القيمة باعتبار الوصف المقصود لهما، و على هذا فيسقط القول الثالث في القيمي لأن الحر لا قيمة له. نعم لو ظهر مستحقا كان اعتبار قيمته جاريا على القولين، و على هذا فالقول بالمثل متعذر في القيمي مطلقا، و بقيمة الواقع متعذر في الحر، فليس فيه إلا القول بقيمته أو مهر المثل، فإطلاقهم تشبيه الحكم في مسألة الحر بظرف الخمر لا يأتي على إطلاقه، بل يحتاج إلى تنقيح.
أقول: و حيث إن المسألة غير منصوصة فالاعتماد في الحكم فيها على هذه التعليلات سيما مع ما عرفت من تدافعها مشكل على طريقتنا، و الاحتياط فيها واجب، و الظاهر أنه يحصل بالتراضي على مهر المثل أو مثل الخل، و الثاني أظهر لأنه الأقرب إلى ما ظناه و عقدا على تقديره، و الله العالم.
المسألة الثانية عشر [في أن المهر مضمون في يد الزوج قبل تسليمه إلى الزوجة]
لا خلاف بين الأصحاب في أن المهر مضمون في يد الزوج قبل تسليمه إلى الزوجة، و إنما الكلام في وجه الضمان في أنه هل يكون ضمانه كضمان المبيع في يد البائع و الثمن في يد المشتري؟ أو كضمان المقبوض بالسوم و ضمان العارية المضمونة؟ و يعبر عن الأول بضمان العقد و ضمان المعاوضة، و يعبر عن الثاني بضمان اليد، و على تقدير الأول فالمضمون مهر المثل كما سيأتي
455
تحقيقه، و على تقدير الثاني يكون المضمون مثل المهر إن كان مثليا، و قيمته إن كان قيميا.
وجه الأول على ما ذكروه إن الصداق مملوك بعقد معاوضة، فكان كالمبيع في البيع، و يظهر كونه معاوضة من قوله عز و جل «وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» (1) و قولهم «زوجتك بكذا» كما يقال «بعتك بكذا» و لأنها تتمكن من رده بالعيب كما في المبيع، و تحبس نفسها لتستوفيه بمعنى أنها تمنع عن الدخول بها حتى تقبضه كما سيأتي ذكره في محله- إن شاء الله تعالى- و الحكمان الأخيران من أحكام المعاوضة.
و وجه الثاني إنه ليس عوضا حقيقيا لجواز العقد، و صحته بدونه و أن يكون عاريا منه و عدم انفساخ النكاح بتلفه، و لا ينفسخ برده، و لا يفسد بفساده، و لا يتزلزل بتزلزله، و لا شيء من الأعواض الحقيقية كذلك، و يؤيده أيضا إطلاق اسم النحلة عليه في قوله سبحانه «وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ نِحْلَةً» (2) و من أجل ما ذكرناه في هذين الوجهين حصل الاشتباه في الضمان على أحد الأمرين المذكورين، إلا أن المشهور في كلام الأصحاب هو الثاني كما صرح به في المسالك، و إليه يشير كلام المحقق في الشرائع بقوله «و المهر مضمون على الزوج، فلو تلف قبل تسليمه كان ضامنا له بقيمة وقت تلفه على قول المشهور لنا».
قال الشارح: و نبه بنسبته إلى القول على عدم تعينه و احتمال القول الآخر.
أقول: لا يبعد أن مراده بالنسبة إلى قول المشهور إنما هو الإشارة إلى عدم دليل من النصوص على الحكم المذكور، و ليس إلا مجرد الشهرة كما هو الغالب في عباراته و عبارات غيره.
و بالجملة فإن المسألة- كما عرفت- عارية عن النص، و ليس إلا هذان الوجهان الاعتباريان المتضادان، و لا ترجيح لأحدهما على الآخر إلا بالشهرة المدعاة
____________
(1) سورة النساء- آية 52.
(2) سورة النساء- آية 4.
456
في الثاني، و فرعوا على الوجهين المذكورين فروعا منها ما نحن فيه من تلف المهر في يد الزوج قبل تسليمه إذا كان التلف من جهته أو من جهة الله.
فعلى الوجه الأول يجب مهر المثل لأنه ينفسخ المهر فيرجع إلى مهر المثل، كما أنه إذا تلف أحد العوضين في البيع قبل القبض انفسخ البيع، و إنما جعل الانفساخ في البيع دون النكاح لأن العوضين من أركان البيع، بخلاف المهر، فإنه ليس بركن في عقد النكاح، فإنما أركانه الزوجان فلا يبطل النكاح بفواته قبل القبض، و معنى كونه مضمونا عليه هو أن فواته من ماله فيكون في حكم ما لو لم يذكر بالكلية، و يرجع إلى مهر المثل و يكون هو الواجب، كما لو لم يذكر المهر بالكلية.
و على الوجه الثاني يكون مضمونا على الزوج بالمثل إن كان مثليا، أو القيمة إن كان قيميا كغيره من الأموال المضمونة ضمان يد مما تقدم ذكره و نحوه، و أكثر الأصحاب إنما ذكروا في هذا المقام الضمان على هذا الوجه من غير أن ينقلوا قولا بوجوب مهر المثل أو يذكروه احتمالا في المسألة.
و الظاهر أن القول بمهر المثل إنما هو للعامة، و إن ذكره بعض متأخري أصحابنا وجها و احتمالا في المسألة كما يشير إليه كلام الشيخ في المبسوط حيث قال- بعد نقل القولين عن العامة-: و الذي يقتضيه مذهبنا في كل مهر معين إذا تلف، فإنه تجب قيمته و لا يجب مهر المثل، لا يقال: إن ظاهر كلام العلامة ينافي ذلك، حيث إنه أوجب مهر المثل في مواضع نزل فيها المهر منزلة التالف، و من جملتها ما لو تزوجها على ظرف خل فظهر خمرا، أو ما لو تزوج المسلم على خمر أو خنزير عالما بالحال، فإن حكمه بمهر المثل هنا إنما يتم على تقدير ضمان المعاوضة لا ضمان اليد، من حيث إن هذا في حكم التلف، مع أنه لا يقول بضمان المعاوضة في التلف الحقيقي، لأنا نقول: إن موضع البحث في البناء على ضمان المعاوضة أو ضمان اليد إنما هو بالنسبة إلى عروض التلف بعد الحكم بالصحة
457
كما في ما نحن فيه، لأنه بعد صحة المهر عرض له البطلان بالتلف، أما مع فساد المهر ابتداء من أول الأمر فلا إشكال في وجوب مهر المثل.
و المواضع التي نقلناها عن العلامة إنما هي من قبيل الثاني، لا الأول، و بذلك صرح الشيخ في المبسوط أيضا حيث قال- عقيب ما تقدم نقله عنه-: و أما المهر إذا كان فاسدا فإنه يوجب مهر المثل بلا شك، و العلامة إنما ذكر مهر المثل بناء على أن المهر المذكور فاسد من أصله، و لذلك ذكر مهر المثل.
بقي الكلام في أنه على تقدير الضمان بالقيمة إذا كان قيميا، فالاعتبار بأي القيم، هل هي قيمته وقت التلف؟ أو أعلى القيم من حين العقد إلى حين التلف؟ أو الأعلى من حين المطالبة إلى وقت التلف فيما إذا طالبته و امتنع من التسليم؟ (1) أقوال:
للأول أن العين ما دامت موجودة لا تجب القيمة قطعا، و إنما ينتقل إليها مع تلف العين فيكون المعتبر فيها وقت الانتقال إليها، و لا ينافي ذلك كون العين مضمونة عليه حينئذ، لأن معنى ضمانها إنما هو بمعنى أنها لو تلفت لوجب الانتقال إلى البدل، و هذا القول هو الذي صرح به المحقق في الشرائع و العلامة في الإرشاد، قال في المسالك: و هو الأقوى. و في القواعد اقتصر على القولين الأولين من غير ترجيح لشيء منها، و الظاهر أنه هو المشهور كما تقدم في كتاب البيع.
و علل الثاني بأنه مضمون في جميع الأوقات، و من جملتها ضمان علو القيمة
____________
(1) و هذا القول للشيخ في المبسوط، و ظاهره أنه مع عدم المطالبة فالقيمة يوم التلف، قال في الكتاب المذكور: إذا كان المتلف الزوج أو أمرا سماويا، فان كان مثليا كان لها مثله، و ان لم يكن له مثل فالقيمة، فإن كانت قد طالبت به فمنعها فعليه أكثر ما كانت له قيمة من يوم المطالبة إلى يوم التلف لانه كالغاصب، و ان تلف في يده من غير مطالبة قيل: عليه قيمة يوم التلف، و هو الأقوى، و قيل: الأكثر، لأنه كالغاصب إلا في الإثم، انتهى.
(منه- (قدس سره)-).
458
خصوصا مع مطالبتها بالتسليم و امتناعه، لأنه يصير حينئذ غاصبا فيؤخذ بأشق الأحوال و جوابه يعلم مما ذكر في تعليل القول الأول.
و بيانه أن ما ذكره من كونه مضمونا في جميع الأوقات ليس إلا بمعنى أنه لو تلف لوجب الانتقال إلى البدل كما عرفت، و التعدي بالمنع بعد المطالبة، و عدم التسليم غاية ما يوجبه الإثم لا الزيادة في القدر الذي قام الدليل على ضمانه، و منه يعلم الجواب عن الثالث أيضا.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن المذكور في كلام غير واحد من الأصحاب هنا كما تقدمت الإشارة إليه إنما هو الضمان بالمثل أو القيمة من غير تعرض لمهر المثل، و لا تفريع ذلك على مسألة أخرى، و ما نقلناه من تفريع ذلك على تقسيم الضمان إلى ضمان يد و ضمان معاوضة لم أقف عليه إلا في كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، و قد صرحا بأنه لو تلف المبيع في يد البائع أو الثمن في يد المشتري فإنه ينفسخ البيع و يجب مثل المبيع أو قيمته في الأول، و حيث إنه لا سبيل هنا إلى فسخ النكاح، لأن المهر ليس ركنا فيه، بخلاف البيع بالنسبة إلى المبيع و الثمن، فإنهما ركنان فيه، و إنما ينفسخ المهر خاصة، كان الواجب على هذا الوجه مهر المثل، قال في المسالك: و على الأول- و أراد ضمان المعاوضة- يجب مهر المثل، كما لو تلف أحد العوضين في البيع قبل القبض، فإن البيع ينفسخ، و يجب مثل البيع أو قيمته، و نحوه كلام المحقق الشيخ علي أيضا، و لا يخلو من الاشكال.
و وجه الاشكال- أن ما صرحوا به هنا من الضمان لو تلف المبيع في يد البائع فإنه ينفسخ العقد، و يجب عليه مثل المبيع أو قيمته- ينافي ما صرحوا به في كتاب البيع من أنه في هذه الصورة يبطل البيع من أصله، و يرجع كل من المبيع و الثمن إلى صاحبه الأول، و لا ضمان بالكلية.
قال في المسالك- بعد قول المصنف إذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال
459
بايعه- ما صورته: المراد أنه ينفسخ العقد بتلفه من حينه، و يرجع الثمن إلى المشتري إلى آخره، فإنه صريح في بطلان البيع من رأس، و لم يذكروا ثمة ضمانا و لو إشارة، و يؤكده أنهم حكموا بأن بطلان البيع إنما هو بعد دخول المبيع في ملك البائع بعد انتقاله آنا ما، و أن التلف كاشف عنه.
و بالجملة فإن كلامهم ثمة ظاهر في أنه لا ضمان بالكلية، و بذلك يظهر لك أن الحكم هنا بالضمان و تسميته ضمان معاوضة، و تفريع النكاح عليه من هذه الجهة لا يخلو عندي من إشكال، و لعله لقصور فهمي الفاتر و جمود ذهني القاصر، فليتأمل.
المسألة الثالثة عشر: لو ظهر الصداق معيبا
فلا يخلو (إما) أن يكون العيب كان قبل العقد و لكن لم تعلم به الزوجة، و الحكم فيه عند الأصحاب أن لها رده بالعيب و الرجوع إلى قيمته، و لها إمساكه بالأرش، لأن العقد إنما وقع على السليم، فإذا لم يجده كذلك أخذت عوض الفائت و هو الأرش، و لم ينقلوا فيها خلافا.
(و إما) أن يكون بعد العقد و قبل التسليم، فالذي صرح به الشيخ في المبسوط على ما نقل عنه أنها تتخير بين أخذه بالأرش، و رده فتأخذ القيمة كما لو تلف، لأنه مضمون عليه و قد وقع العقد عليه سليما، فإذا تعيب كان لها رده، و المشهور في كلام المتأخرين أن الذي لها في هذه الصورة أرش النقصان من غير رد، لأنه عين حقها، و نقصه ينجبر بضمان أرشه، و ضعفوا ما ذكره الشيخ بأن كونه مضمونا ضمان اليد يوجب بقاؤه على ملكها، و ضمان الفائت لا غير، كما لو عابت العين المغصوبة عند الغاصب، على أنه في موضع آخر من المبسوط قوى عدم الخيار و تعين أخذ الأرش.
أقول: لم أقف على نص في المقام و بذلك يشكل البحث فيها و الكلام.
المسألة الرابعة عشر [في جواز الامتناع من تسليم نفسها قبل قبض المهر]
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في أنه يجوز للزوجة الغير المدخول بها الامتناع من تسليم نفسها حتى تقبض إذا كان المهر
460
حالا و الزوج موسرا، و إنما الخلاف فيما إذا كان معسرا، و كذا الخلاف لو كانت المطالبة بعد الدخول، و الكلام في هذا المقام يقع في مواضع:
الأول: فيما إذا سمى لها مهرا و كان موسرا و لم يدخل بها و المهر حال
، و المشهور- بل ادعي عليه الإجماع- هو جواز الامتناع لها، و لا أعرف لهم دليلا غير ما يدعونه من الإجماع، و أن النكاح من قبيل المعاوضات التي قد تقرر فيها أن لكل من المتعاوضين الامتناع من تسليم ما في يده من العوض حتى يتسلم الآخر.
قال شيخنا الشهيد في المسالك- بعد الكلام في المسألة و ذكر مقدمات مهدها قبل الكلام في المسألة- ما صورته: و خلاصة القول فيها أن الزوجة إن كانت كاملة صالحة للاستمتاع و لم يكن قد دخل بها الزوج و المهر حال و هو موسر، فلها الامتناع من التمكين حتى تقبض مهرها بتمامه اتفاقا، لا بمعنى وجوب ابتداء الزوج بتسليم المهر أولا، بل إما كذلك، أو بتقابضهما معا، بأن يؤمر الزوج بوضع الصداق في يد من يتفقان عليه أو يد عدل، و تؤمر بالتمكين، فإذا مكنت سلم العدل الصداق إليها، و هذا في الحقيقة في معنى إقباض المهر أولا، إلا أن ما يخافه الزوج من فواته بوصوله إليها يستدرك بوضعه على يد العدل فيصير في معنى التقابض معا، حيث إن القابض نائب عنها، و إنما اعتبر ذلك لما تقرر في المقدمة الأولى أن في النكاح معنى المعاوضة، و في الثانية أن لكل من المتعاوضين الامتناع من الإقباض حتى يقبض الآخر و طريق الجمع ما ذكره، و في المسألة وجهان آخران:
أحدهما: أنه يجبر الزوج على تسليم الصداق أولا، فإذا سلم سلمت نفسها، و الفرق بينهما أن فائت المال يستدرك، و فائت البضع لا يستدرك.
و الثاني: لا يجبر واحد منهما، لكن إذا بادر أحدهما إلى التسليم اجبر الآخر على تسليم ما عنده، و أصحهما الأول لما فيه من الجمع بين الحقين، و به
461
يحصل الجواب عن الوجه الثاني.
و في الثالث: أنه قد يؤدي إلى بقاء النزاع لعدم بدءة أحدهما و لا بد من نصب طريق شرعي يحسم مادته، و هذه الأوجه قد مضى نقلها في البيع، انتهى كلامه علت في الخلد أقدامه.
و قال سبطه السيد السند و العلامة الأوحد السيد محمد في شرح النافع- بعد ذكر ذلك، و نعم ما قال، فإنه الأصح من هذه الأقوال كما لا يخفى على من عرف الرجال بالحق، لا الحق بالرجال- ما صورته: إنا لم نقف في هذه المسألة على نص، و الذي يقتضيه النظر فيها أن تسليم الزوجة نفسها حق عليها، و تسليم المهر إليها حق عليه، فيجب على كل منهما إيصال الحق إلى مستحقه، و إذا أخل أحدهما بالواجب عصى، و لا يسقط بعصيانه حق الآخر، فإن تم الإجماع على أن لها الامتناع من تسليم نفسها إلى أن تقبض المهر كما ذكره الأكثر أو إلى أن يحصل التقابض من الطرفين فلا كلام، و إلا وجب المصير إلى ما ذكرناه. انتهى و هو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه.
و ما اعترضه به هنا بعض مشايخنا المعاصرين من المحدثين (1)- حيث قال بعد نقله ما صورته: و قد ظهر من كلامه أنه مخالف للأصحاب في المسألة، و إنما خالفهم لعدم وقوفه في المسألة على نص، مع أن الذي ذكره أيضا خال من النص، فلا وجه لترجيحه على كلامهم، انتهى- ظاهر السقوط، و ذلك لأن ما ذكره السيد المزبور و إن كان خاليا من النص على الخصوص، إلا أنه الموافق للقواعد الشرعية و الضوابط المرعية، إذ لا يخفى أن قضية العقد أوجبت استحقاق الزوج البضع، و استحقاق المرأة المهر، فليس لأحدهما الإخلال بما وجب عليه في مقابلة امتناع الآخر، و إخلاله بما وجب عليه، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لكل ناظر.
____________
(1) هو الشيخ المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني في جواب المسائل الحسينية. (منه- رحمة الله عليه-).
462
و ما ذكره السيد المشار إليه هنا قد سبقه إليه أستاذه المحقق الأوحد المولى أحمد الأردبيلي- (رحمه الله عليه)- في كتاب البيع في شرحه على الإرشاد كما ذكره ثمة حيث قال- بعد نقل قول المصنف «و يجب على المتبايعين دفع العوضين من غير أولوية» إلى آخره- ما صورته: اعلم أن الأكثر هكذا قالوا:
و حاصله أنها يجب عليها معا الدفع، أو بعد أخذ العوض، و يجوز لكل المنع حتى يقبض، و كأنهم نظروا إلى أن البيع معاوضة محضة، و لا يجب على كل منهما الدفع، لأن العوض مال الآخر، فما لم يأخذ العوض لا يجب إعطاء العوض، و المسألة مشكلة كسائرها لعدم النص، و ثبوت الانتقال بالعقد يقتضي وجوب الدفع على كل واحد منهما عند طلب الآخر، و عدم جواز الحبس حتى يقبض، و جواز الأخذ لكل حقه من غير إذن الآخر إن أمكن له على أي وجه كان، لأن ذلك هو مقتضى الملك، و منع أحدهما حق الآخر و ظلمه لا يستلزم جواز الظلم للآخر، و منعه من حقه فيجبرهما الحاكم معا على ذلك إن امتنعا، فيعطي من يد و يأخذ من أخرى، أو يقبض لأحدهما، و يأمره بالإعطاء، انتهى كلامه.
و قد تكلف بعض المجتهدين من مشايخنا المعاصرين (1) في الاستدلال للقول المشهور بأدلة لا يخلو من القصور حيث سئل عن هذه المسألة فأجاب- رحمة الله عليه- بأن لها الامتناع حتى تقبضه هي أو وكيلها وفاقا للمشهور، قال: لأن تقديم المهر أو بعضه هو المتعارف في جميع الأعصار و به جرت السنة، فعند إطلاق العقد يكون بمنزلة ما شرط تقديمه، فلها الامتناع حتى تقبضه أو ترضى بشيء عملا لمقتضى الشرط، و ما كان بمنزلته.
و يدل عليه ما رواه
الشيخ (2) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا
____________
(1) هو شيخنا الشيخ أحمد الجزائري المجاور بالنجف الأشرف حيا و ميتا قدس الله سره. (منه- (قدس سره)-).
(2) التهذيب ج 7 ص 357 ح 15، الوسائل ج 15 ص 12 ح 1.
463
تزوج الرجل المرأة فلا يحل له فرجها حتى يسوق إليها شيئا درهما فما فوقه أو هدية من سويق أو غيره».
و المعنى لا يحل له جبرها على فرجها حتى يسوق إليها مهرها أو شيئا ترضى به، و أما إذا رضيت فهي حلال له، و لا تحرم بلا خلاف، و يكون المهر دينا عليه كما تدل عليه الأخبار.
و يدل عليه أيضا
قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة الفضيل بن يسار (1) «فالذي أخذت من الزوج قبل أن يدخل بها حل للزوج به فرجها قليلا كان أو كثيرا إذا هي قبضته منه و قبلت و دخلت عليه، و لا شيء لها بعد ذلك».
و قول أبي عبد الله (عليه السلام) في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) «إذا أهديت إليه و دخلت بيته ثم طلبت بعد ذلك فلا شيء لها».
فإن فيه إشعارا و واضحا بأن لها الامتناع من الدخول حتى تقبض ما ترضى به، و يرشد إلى ذلك، أن فائت المال يستدرك بإقامة مثله، و فائت البضع لا يستدرك، لعدم إمكان قيام مثله مقامه.
فينبغي أن يسلم المهر إليها أولا ثم هي تسلم نفسها، فإذا أرادت مهرها و بذلت نفسها فعلى الحاكم أن يجبره على التسليم أولا إذا امتنع، كما يجبره على الحقوق، فإن بذله لها مقدما فعلى الحاكم أن يجبرها على تسليم نفسها إن امتنعت، و هذا هو الموافق للعدل، و المأمور به من قوله «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و المفتي به عند الكل، انتهى.
أقول: الظاهر عندي أن ما تكلفه من هذا الدليل، فإنه لا يشفي العليل، و لا يبرد الغليل، و لا يفي بالهداية إلى ذلك السبيل.
أما (أولا) فإن ما ذكره من أن تقديم المهر أو بعضه لما كان هو المتعارف في جميع الأعصار، و به جرت السنة، فهو كالشرط في إطلاق العقد، فلها الامتناع
____________
(1) الكافي ج 5 ص 385 ح 1، التهذيب ج 7 ص 359 ح 22، الوسائل ج 15 ص 17 ح 13.
(2) الكافي ج 5 ص 385 ح 2، التهذيب ج 7 ص 359 ح 23، الوسائل ج 15 ص 15 ح 18.
464
حينئذ حتى تقبض المهر، لا يخفى ما فيه بعد تسليم ما ذكره على من راجع الآيات و الأخبار الدالة على التشديد في الفتوى، فإنه لا بد من العلم و اليقين فيما يحكم به و يفتي به، و وجوب الوقوف مع الاشتباه، و هي مستفيضة في الكافي و غيره.
و من ذلك ما رواه
في الكافي (1) بإسناده إلى زرارة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام): ما حق الله على العباد؟ فقال: أن يقولوا ما يعلمون، و يقفوا عند ما لا يعلمون».
و عن هشام بن سالم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله.
و عن زياد بن أبي رجا (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ما علمتم فقولوا، و ما لم تعلموا فقولوا: الله أعلم».
و عن إسحاق بن عبد الله (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن الله خص عباده بآيتين من كتابه «أن لا يقولوا حتى يعلموا، و لا يردوا ما لم يعلموا، و قال الله تعالى «أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثٰاقُ الْكِتٰابِ أَنْ لٰا يَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ إِلَّا الْحَقَّ» (5).
و عن حمزة الطيار (6) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه، و التثبت و الرد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد».
و في حديث صاحب البريد المروي في الكافي (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أما إنه شر عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا».
إلى غير ذلك من الأخبار.
____________
(1) الكافي ج 1 ص 43 ح 7، الوسائل ج 18 ص 11 ح 9.
(2) الكافي ج 1 ص 50 ح 12، الوسائل ج 18 ص 12 ب 4 ح 10.
(3) الكافي ج 1 ص 42 ح 4، الوسائل ج 18 ص 10 ب 4 ح 5.
(4) الكافي ج 1 ص 43 ح 8.
(5) سورة الأعراف- آية 169.
(6) الكافي ج 1 ص 50 ح 10، الوسائل ج 18 ص 59 ح 29.
(7) الكافي ج 2 ص 402 ذيل ح 1 ط طهران، الوسائل ج 18 ص 47 ب 7 ح 25.
465
و حينئذ فكيف يمكن التجاسر على الحكم لها بالامتناع من تسليم نفسها بعد ملك الزوج للبضع بالعقد، و أنه هو الناقل له، و المبيح أن يقال فيه أنه محتمل لذلك، لا أنه دليل شرعي يصح تأسيس الأحكام الشرعية به و ترتبها عليها، و لو صح الاعتماد على مثل هذه التخريجات في الأحكام الشرعية لاتسع المجال و عظم الاشكال، سيما مع ما عرفت من استفاضة الآيات و الروايات بالنهي عن القول و الفتوى بغير علم قطعي، و يقين شرعي كما عرفت.
و أما (ثانيا) فإن ما استند إليه من رواية أبي بصير- و أن المعنى أنه لا يحل له جبرها على فرجها حتى يسوق إليها مهرها أو شيئا ترضى به- ففيه أن المراد من الرواية كما ذكره الأصحاب قديما و حديثا إنما هو كراهة الدخول بها قبل ذلك، و كيف لا، و هو قد استباح فرجها بالعقد، و ملك بضعها بذلك، فكيف يتوقف حلها على دفع المهر أو شيء آخر مع اتفاق الأصحاب على أن المهر ليس ركنا في العقد، و يملك البضع بدون ذكره بالكلية.
و يوضح ذلك بأتم إيضاح قيام غير المهر مقامه في ذلك، فإن الاتفاق قائم على أن حل الفرج لا يتوقف على ذلك بالكلية، فكيف يتوهم من لفظ لا يحل هنا التحريم، و الحال كما عرفت.
و من الأخبار الظاهرة فيما ذكرناه
صحيحة بريد العجلي (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة على أن يعلمها سورة من كتاب الله، فقال: ما أحب أن يدخل حتى يعلمها السورة أو يعطيها شيئا، قلت: أ يجوز أن يعطيها تمرا أو زبيبا؟ قال: لا بأس بذلك إذا رضيت به كائنا ما كان».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 380 ح 4، التهذيب ج 7 ص 367 ح 50، الوسائل ج 15 ص 12 ح 2.
466
و روى أحمد بن محمد بن عيسى (1) في كتاب النوادر عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة بنسية، فقال: إن أبا جعفر (عليه السلام) تزوج امرأة بنسية، ثم قال لأبي عبد الله (عليه السلام): يا بني ليس عندي من صداقها شيء أعطيها إياه و أدخل عليها، فأعطني كساءك هذا فأعطيها إياه، فأعطاها ثم دخل بها».
و في موثقة أبي بصير (2) قال: «تزوج أبو جعفر امرأة فزارها و أراد أن يجامعها، فألقى عليها كساه ثم أتاها، قلت: أ رأيت إذا أوفى مهرها إله أن يرتجع الكساء؟ قال: لا إنما استحل به فرجها».
و إنما حملنا هذه الأخبار على الكراهة، لما بإزائها من الأخبار الدالة على جواز الدخول بها من غير أن يعطيها شيئا.
و منها رواية عبد الحميد بن عواض (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) الدالة على أنه يصلح أن يواقعها و لم ينقدها من مهرها شيئا.
و في رواية أخرى (4) له عنه (عليه السلام) قال: «قلت له: أتزوج المرأة و أدخل بها و لا أعطيها شيئا؟ قال: نعم يكون دينا لها عليك».
و في ثالثة له (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتزوج المرأة فلا يكون
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 13 ح 5.
(2) التهذيب ج 7 ص 368 ح 53، الوسائل ج 15 ص 43 ب 33 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 413 ح 1، التهذيب ج 7 ص 358 ح 17، الوسائل ج 15 ص 16 ب 8 ح 10.
(4) الكافي ج 5 ص 413 ح 3، التهذيب ج 7 ص 357 ح 16، الوسائل ج 15 ص 16 ب 8 ح 9.
(5) الكافي ج 5 ص 414 ح 4، التهذيب ج 7 ص 358 ح 19، الوسائل ج 15 ص 14 ب 8 ح 2.
467
عنده ما يعطيها فيدخل بها؟ قال: لا بأس، إنما هو دين لها عليه».
و ما رواه
أحمد بن محمد بن عيسى (1) في كتاب النوادر في الموثق عن زرارة قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة، أ يحل له أن يدخل بها قبل أن يعطيها شيئا؟ قال: نعم».
و لو تم ما ذكره من أنه لا يحل له جبرها على فرجها حتى يسوق إليها مهرها أو شيئا ترضى به، للزم طرح هذه الأخبار، مع أنها هي المعتضدة بالاتفاق على التحليل بالعقد، و أنه هو المبيح لذلك لا غير.
و أما ما اشتمل عليه خبر أبي بصير من أنه لا يرتجع الكساء، لأنه إنما استحل فرجها به، فإنه محمول على تأكد استحباب الدفع إليها شيئا قبل الدخول، و ذلك لأنه إنما استحل فرجها بالعقد لا بما دفعه أخيرا من مهر أو هدية، و ما استند إليه من لفظ «لا تحل» و أنه محمول على ظاهره من التحريم فهو مما لا يتجسمه محصل، للاتفاق نصا و فتوى على التحليل بالعقد، فلا بد من الحمل على المجاز كما و رد في
قوله (صلى الله عليه و آله) «لا يحل لامرأة تؤمن بالله و اليوم الآخر أن تدع عانتها فوق عشرين يوما».
رواه في الكافي (2)، على أن ما اعتمده من هذه الأخبار مدخول أيضا من وجهين:
أحدهما: إن مقتضى كلامه أن الأمر بدفع هذه الأشياء قبل الدخول إنما هو ليرضيها، و إلا فلو رضيت من غير شيء فهي له حلال، و المفهوم من الأخبار التي تلوناها أن دفع ذلك إنما هو من حيث إنه السنة في الدخول قبل دفع المهر، فإنه يدفع لها ذلك، و إن رضيت بالدخول بغير شيء بالكلية إذ لا إشعار في شيء منها بأن الدفع إنما هو لامتناع المرأة من الدخول، و أن الإعطاء إنما هو لاسترضائها، و أخبار الكساء الذي ألقاه الباقر (عليه السلام) على امرأته ثم أتاها ظاهرة
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 18 ح 17.
(2) الكافي ج 6 ص 506 ح 11، الوسائل ج 1 ص 439 ب 86 ح 1.
468
فيما قلناه، و كذا غيرها.
و ثانيهما: إن محل البحث و مطرح الكلام هو أن لها الامتناع حتى تقبض المهر، و الذي دلت عليه هذه الأخبار هو الاكتفاء بدفع شيء على جهة الهدية، و أنه ليس لها الامتناع بعد ذلك، و أحدهما غير الآخر، و حينئذ فلا دلالة فيها على ما ادعوه.
و أما (ثالثا) فإن ما استند إليه من صحيحة الفضيل بن يسار و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الدالتين على سقوط المهر بالدخول، فمع أنهما لا إشعار فيهما بما نحن فيه كما ادعاه و سجل عليه بأنه إشعار و اضح، فالقول بما دلا عليه مرغوب عنه كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في محله.
و كيف كان فما ادعاه من إشعارهما بما ذكره لا أعرف له وجها، و لعل وجه الاشعار عنده بهذه العبارة التي نقلها من صحيحة الفضيل (1) و هي قوله: فالذي أخذت من الزوج قبل أن يدخل بها، حل للزوج به فرجها من حيث الاشعار بتحريم الفرج على الزوج مع عدم الأخذ، و إذا كان الفرج حراما بدون ذلك فلها الامتناع حينئذ قبل الأخذ، و فيه ما عرفت من أن حل الفرج هنا إنما حصل بالعقد، لا بدفع المهر كلا أو بعضا أو غيره من هدية و نحوها، و هذا الكلام في جملة هذه الاخبار إنما خرج مخرج التجوز في الكناية عن استحباب تقديم المهر أو بعضه أو غيره من هدية و نحوها لا أنه محمول على ظاهره فإنه باطل اتفاقا إذ لا خلاف و لا إشكال في أن تحليل الفرج إنما حصل بالعقد، و تؤيده الأخبار المتقدمة الدالة على جواز الدخول بها و إن لم يدفع إليها شيئا.
و أما (رابعا) فإن ما ذكره- من أنه يرشد إلى ذلك أن فائت المال يستدرك إلى آخره- بمعنى أنه يجب تقديم المهر إليها أولا لأنه لو امتنعت من تسليم
____________
(1) الكافي ج 5 ص 385 ح 1، التهذيب ج 7 ص 359 ح 22، الوسائل ج 15 ص 17 ح 13.
469
البضع يمكن استرجاعه منها، بخلاف ما إذا قدمت البضع و دخل بها، فإنه لا يمكن استدراكه إذا لم يدفع المهر.
فيه أنه أول المسألة و محل البحث، فإن الخصم يمنع ذلك، و يقول: إن البضع هنا ليس بفائت، بل هو تسليم للحق إلى مستحقه، دفع الزوج المهر أم لم يدفع، لأن الزوج قد ملك البضع بمجرد، العقد، كما أنها قد ملكت المهر في الصورة المفروضة كذلك، و بما شرحناه و أوضحناه يظهر لك ما في قوله، هذا هو الموافق للعدل و المأمور به من قوله «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) فإن فيه أن دعوى موافقته للعدل عدول عن المنهج الواضح، بل الموافقة للعدل إنما تحصل بالجري على ما اقتضاه العقد من انتقال كل من العوضين إلى الآخر، و وجوب تسليمه إليه من غير توقفه على شيء، و هذا هو المأمور به في قوله عز و جل «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» حيث إن قضية العقد انتقال البضع إلى الزوج و المهر إلى الزوجة، فيجب على كل منهما الوفاء بما اقتضاه العقد من الانتقال على الوجه المذكور من غير توقف لأحدهما على الأخر، و حينئذ فالآية عليه لا له، و بالجملة فإن جميع ما لفقه في هذا المقام و زعم أنه دليل و اضح فهو من جملة الأوهام التي لا يعرج عليها في الأحكام.
الثاني: الصورة الأولى بحالها و لكن الزوج معسر
، و المشهور أن الحكم فيها كما تقدم من جواز الامتناع لها حتى تقبض المهر، و إنما الفرق بين الصورتين عندهم بالإثم و عدمه، فإنه مع اليسار و طالبتها يأثم الزوج بالمنع، و تستحق عنده النفقة، و إن لم تسلم نفسها إذا بذلت التمكين بشرط تسليم المهر، و أما مع إعساره فلا إثم عليه بالتأخير.
و في استحقاق النفقة وجهان (2) و ذهب ابن إدريس إلى أنه ليس لها الامتناع
____________
(1) سورة المائدة- آية 1.
(2) أحدهما: العدم لانتفاء التمكين حيث انه معلق بأمر ممتنع عادة، و هو اختيار الشهيد في شرح الإرشاد، و ثانيهما: انها تستحق النفقة كما في الموسر لاشتراكهما في بذل التمكين بشرط تسليم المهر، و امتناع التسليم عادة، و لا دخل له في الفرق سيما أنه يمكن الاجتماع بالعرض و نحوه، و هو اختيار شيخنا الشهيد الثاني- (قدس سره)- في المسالك. (منه- (قدس سره)-).
470
مع الإعسار لمنع مطالبته، فيبقى وجوب حقه بلا معارض، و اختاره السيد السند في شرح النافع، و هو جيد، و اعترضه المحقق الشيخ علي و مثله الشهيد الثاني بأن منع المطالبة مع الإعسار لا يقتضي وجوب التسليم قبل دفع العوض، و لأن النكاح نوع معاوضة، فلا يجب تسليم أحد العوضين بدون الآخر، و إلى ما ذكره يميل كلام شيخنا المحدث المعاصر المتقدم ذكره (1) حيث قال- في رد كلام ابن إدريس بناء على ما ذكره في المسألة السابقة-: إن الذي اقتضاه الدليل أمران، أحدهما جواز الامتناع قبله، و الثاني جبره على تسليم المهر إليها إذا طلبته، و الإعسار إنما رفع الثاني و لا يستلزم رفع الأول.
و أنت خبير بعد الإحاطة بما أسلفناه ما في كلاميهما من النظر الظاهر، و من ثم مال إلى ما اخترناه في هذه المسألة و في السابقة المولى الفاضل ملا محمد باقر الخراساني في كتاب الكفاية.
قال السيد السند في شرح النافع- بعد نقل كلام المحقق الشيخ علي المتقدم- ما صورته: و هو مدفوع بعموم ما دل على أنه يجب للزوجة طاعة الزوج خرج من ذلك ما إذا امتنع من تسليم المهر إليها مع يسار، فيبقى ما عداه مندرجا في العموم، انتهى.
و اعترضه هنا أيضا شيخنا المحدث المذكور بأن فيه نظرا، لأن مقتضى هذا الدليل يتناول المعسر و الموسر معا، و قد تقرر سابقا أن مقتضى النظر أن ليس
____________
(1) هو شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني- (قدس سره)- و شيخنا المعاصر الأخر الذي قدمنا ذكره أيضا انما هو من المجتهدين، و الإشارة بالمحدث قرينة إرادة الأول دون الأخر. (منه- (قدس سره)-).
471
لها الامتناع و إن عصى، لعدم النص على ذلك، و ليس الإجماع عنده متحققا، فما باله يرد كلام الشيخ بحجة لم يتحقق عنده، فإما أن يقول الأصحاب مطلقا، أو يخالفهم مطلقا، فإن التفصيل مدخول، و الدليل معلول. انتهى، و ظني أن ما اعترضه به- رحمة الله عليه- لا وجه له.
أما (أولا) فلأن كلام السيد- رحمة الله عليه- في المسألة الاولى ليس بصريح في الجزم و الفتوى بما ذكره بل علق على ثبوت الإجماع و عدمه، فإن ثبت الإجماع على ما ادعوه كان الأمر على ما قالوه، و إلا وجب المصير إلى ما ذكره، و لم يصرح بأن الإجماع عنده متحقق أو غير متحقق، بل الإجماع عنده في مقام الاحتمال، فلذا جعل الحكم في قالب الإجمال.
و (ثانيا) إن كلامه هنا إنما جرى فيه على طريق المماشاة مع الأصحاب فيما ذكروه في تلك المسألة فإنه على تقدير صحة كلامهم في المسألة السابقة لا يتم إلحاق هذه بها، و جعلها مثلها- كما ادعوه- لظهور الفرق بينهما بما ذكره من أن ما دل (1) على عموم إطاعة الزوجة للزوج و إن خصص في تلك المسألة بالإجماع المدعى على جواز امتناعها، إلا أنه لا مخصص هنا له، لعدم تحقق الإجماع في المسألة، و هو كلام صحيح لا غبار عليه، و لا يتطرق القدح بوجه من الوجوه إليه، ثم إن شيخنا المحدث المذكور، قال- بعد البحث في المسألة الذي من جملته ما نقلناه عنه- ما صورته: و عندي في كلا الحكمين توقف، لعدم الظفر بشيء من النصوص من أهل العصمة (عليهم السلام) فيها و قد أرجيت حكمها إلى العالم من أهل بيت محمد- (عجل الله فرجه)- و رددتها إلى الله و رسوله و إليه- (صلوات الله و سلامه عليه)- انتهى كلامه.
أقول: ما ذكره من التوقف- و إن كان لا يخلو من وجه- لعدم النص في المسألة على الخصوص، إلا أن ما ذكره السيد السند المتقدم ذكره جريا على ما ذكره
____________
(1) الكافي ج 5 ص 513، الوسائل ج 14 ص 111 ب 79.
472
شيخه المحقق الأردبيلي- عطر الله مرقديهما- في المقام لا يخلو من قرب تام لما ذكرناه من أن مقتضى العقد انتقال البضع إلى الزوج، و انتقال حق المهر في الصورة المفروضة إلى الزوجة، و أنه لا دليل على توقف دفع أحدهما على الآخر إلا ما يدعى من الإجماع، و قد عرفت ما فيه في غير موضع مما تقدم، و لا سيما في بحث صلاة الجمعة من كتب العبادات، و ما يدعونه من أن النكاح من المعاوضات، و فيه ما عرفت أيضا من عدم الدليل على الامتناع في المعاوضات، و مع تسليم الدليل في المعاوضات، فحمل النكاح عليها قياس لا يناسب أصول المذهب سيما مع اعترافهم بأنه ليس من المعاوضات الحقيقية كما تقدم ذكره، و إنما له شبه بها في بعض الموارد، و مجرد المشابهة لا يقتضي أن يكون من كل وجه، و للأدلة الدالة على وجوب قيامها بحقوق الزوجية الواجبة عليها، و وجوب إطاعته متى أرادها، خرج من ذلك ما قام الدليل على خروجه، و بقي الباقي و هذا منه، حيث إنه لم يقم هنا دليل شرعي على العذر لها في الامتناع.
الثالث: الصورة الاولى و أن يكون المهر مؤجلا
، معسرا كان الزوج أو مؤسرا، و قد قطع الأصحاب بأنه ليس لها الامتناع، إذ لا يجب لها عليه شيء فيبقى وجوب حقه عليها بلا معارض، فيجب الوفاء بالعقد الواقع عن رضاها به، و الحكم هنا لا إشكال فيه، و إنما الكلام فيما لو مضت المدة و لم يدخل بها لمانع من جهته كمرض أو غيبته أو نحوهما، أو مانع من جهتها شرعي كالحج و المرض المانع من جميع أنواع الاستمتاع، أو غير شرعي كما لو منعت نفسها عصيانا و أقدمت على فعل الحرام حتى انقضت المدة، قالوا: في جواز امتناعها إلى أن تقبضه تنزيلا له منزلة الحال ابتداء، و عدمه نظرا إلى استصحاب وجوب التمكين الثابت قبل الحلول وجهان: استجود السيد في شرح النافع الثاني، و جعله الأقوى في شرح المسالك، و نقله عن الشيخ في المبسوط قال: و تبعه عليه الأكثر.
473
أقول: و القول بجواز الامتناع منقول عن الشيخ في النهاية، حيث أطلق جواز امتناعها حتى تقبض المهر الشامل لمحل النزاع، أما بخصوص المسألة فلا نعلم به قائلا، و لا ذكره أحد ممن تعرض لنقل الأقوال على ما صرح به في المسالك، و إنما ذكره من ذكره وجها في المسألة و احتمالا.
ثم أقول: و على ما اخترناه و حققناه فلا وجه للوجه الأول، إذ الواجب عليها بذل الطاعة و عدم جواز الامتناع سواء كان المهر حالا أو مؤجلا كما عرفت.
الرابع: الصورة الأولى، إلا أنه قد دخل بها
، و المشهور أنه ليس لها الامتناع بعد ذلك، و به صرح الشيخ في الخلاف و المرتضى و أبو الصلاح، و اختار المحقق و جملة من المتأخرين، قال في المسالك: و هو الأقوى عملا بمقتضى القواعد السابقة، فإن المهر قد استقر بالوطء، و قد حصل تسليمها نفسها برضاها، و متى سلم أحد المتعاوضين الذي قبله باختياره لم يكن له بعد ذلك حبسه، و قيل بجواز الامتناع لها و هو خيرة الشيخ في النهاية و المبسوط و الشيخ المفيد و القاضي ابن البراج، و فرق ابن حمزة بين تسليم نفسها اختيارا، فحكم بسقوط حقها من الامتناع، و إكراها، فجوز لها الامتناع لأنه بسبب الإكراه قبض فاسدا فلا يترتب عليه أثر القبض الصحيح، و لأصالة بقاء الحق الثابت إلى أن يثبت المزيل.
أقول: و هذا التفصيل مبني على ما ذكره في المسالك من أنه هل يشترط في القبض وقوعه طوعا، أم يكتفي به مطلقا؟ وجهان، من حصول الغرض و انتفاء الضمان به كيف اتفق، و من تحريم القبض بدون الاذن، فلا يترتب عليه أثر الصحيح، قال: و الحق أن بعض أحكام القبض متحققة كاستقرار المهر بالوطء كغيرها، و بعضها غير متحقق قطعا كالنفقة، و يبقى التردد في موضع النزاع حيث يدخل بها أكرها هل لها الامتناع بعده من الإقباض حتى تقبض المهر أم لا؟ انتهى.
و أنت خبير بأنه على ما حققه فإن الحكم بقي في قالب الاشتباه، ثم لا يخفى
474
أن البحث هنا جار على ما مهدوه من الحكم يكون النكاح من قبيل المعاوضات التي يشترط فيها التقابض من الطرفين، و أما على ما اخترناه فإنه لا ثمرة لهذا الخلاف لوجوب الطاعة عليها، و بذل نفسها له متى طلبها، سلم إليها المهر أو لم يسلمه، دخل بها أو لم يدخل، ثم إنه على تقدير تسليم ما ذكروه من البناء على تلك القاعدة، فإنه يمكن أن يقال في بطلان القول الثاني: إن مقتضى العمومات الدالة على وجوب التمكين متى طلبها و أرادها هو عدم جواز الامتناع، خرج منه ما قبل الدخول بالإجماع المدعى إن تم، فيبقى الباقي مندرجا تحت العمومات المذكورة.
و أما ما ذكره ابن حمزة- في صورة الإكراه من أنه قبض فاسد، فلا يترتب عليه أثر القبض الصحيح، و لأصالة بقاء الحق الثابت إلى أن يثبت المزيل- يمكن دفعه بأن العقد لما اقتضى استحقاق الزوج للبضع و ملكه له، و دلت الأخبار على وجوب إطاعة الزوجة لزوجها متى طلبها و أرادها مطلقا، مع ما عرفت من عدم الدليل على التوقف على المهر، فإن ما ذكره من فساد القبض ممنوع، فإنه قبض حقه، و الاذن فيها غير شرط بعد ثبوت استحقاقه، و وجوب الطاعة عليها، و الحق الذي أوجبه لها و هو الامتناع حتى تقبض المهر ممنوع، لعدم الدليل عليه، هذا هو مقتضى التحقيق بالنظر إلى الأدلة الشرعية و القوانين المرعية، و ما عداه فهو كما عرفت إنما تبنى على دعاوي عارية من الدليل، لا تشفي العليل و لا تبرد الغليل و إن اشتهرت بينهم جيلا بعد جيل.
البحث الثاني: في التفويض
، و هو لغة الرد إلى الغير، و منه قوله «وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّٰهِ» و الإهمال، و منه قوله شعرا:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * * * و لا سراة إذا جهالهم سادوا
قال في كتاب المصباح (1): و فوض إليه أمره تفويضا: أسلم أمره إليه،
____________
(1) المصباح المنير ص 662.
475
و فوضت المرأة نكاحها إلى الزوج حتى تزوجها من غير مهر، و قيل: فوضت أي أهملت حكم المهر، و هي مفوضة اسم فاعل، قيل: مفوضة اسم مفعول لان الشرع فوض أمر المهر إليها في إثباته و إسقاطه (1)، و قوم فوضى إذا كانوا متساوين لا رئيس لهم، و المال فوضى بينهم أي مختلط من أراد منهم شيئا أخذه، و كانت خيبر فوضى أي مشتركة بين الصحابة غير مقسومة، انتهى.
و التفويض شرعا رد أمر المهر أو البضع إلى أحد الزوجين أو ثالث، أو إهمال المهر في العقد و عدم ذكره بالمرة، و الأول منهما يسمى تفويض المهر، و الثاني تفويض البضع، فالكلام هنا يقع في مطلبين:
[المطلب] الأول: في تفويض البضع
، و هو أن لا يذكر في العقد مهر، مثل أن تقول هي زوجتك نفسي، أو يقول وليها أو وكيلها زوجتك فلانة، فيقول الزوج قبلت، و تحقيق القول فيه يقع في موضعين:
[الموضع] الأول [جواز إخلاء العقد من المهر]
لا خلاف بين الأصحاب في جواز إخلاء العقد من المهر، و ادعى عليه جماعة الإجماع، و عليه تدل الآية و الأخبار الكثيرة.
أما الآية فهي قوله عز و جل «لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ مٰا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً» (2) و التقريب فيها على ما ذكره بعض الأصحاب أن الظاهر أن المراد من الجناح المنفي هو المهر، لأنه تعالى نفي الجناح إلى إحدى الغايتين،
____________
(1) أقول: لم أقف في الاخبار على هذه التسمية إلا في بعض أخبار تفويض المهر و هو ما رواه
الشيخ في التهذيب عن أبى بصير «قال: سألت أبا عبد الله- (عليه السلام)- عن الرجل يفوض اليه صداق امرأته فينقص عن صداق نسائها».
الخبر، و سيأتي ان شاء الله تعالى في المطلب الثاني، و أما أخبار تفويض البضع فلم أقف في شيء منها على هذه التسمية و لكن كلام أهل اللغة كما عرفت ظاهر فيه، و الأمر في ذلك سهل لا مضايقة فيه. (منه- (قدس سره)-).
(2) سورة البقرة- آية 236 و 237.
476
و هي المسيس أو الفرض، و الثابت عند أحد هذين الأمرين هو المهر، فإنه يجب بالجماع أو فرضه بعد إخلاء العقد منه.
أقول: و يشير إلى ذلك تتمة الآية من قوله سبحانه «وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، مَتٰاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً، فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ» الآية، فإنه تعالى حكم بالمتعة لتلك التي نفي الجناح عن طلاقها قبل المسيس و الفرض، و لا متعة لمن طلقها قبل الدخول إلا التي لم يسم لها مهرا، ثم عقبها بالمطلقة قبل المسيس مع فرض المهر، و بين حكمها و هو ظاهر أيضا في أن الاولى لم يفرض لها مهر في العقد.
و أما الأخبار فمنها ما رواه
في الكافي (1) عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في رجل تزوج امرأة و لم يفرض لها صداقا ثم دخل بها قال:
لها صداق نسائها».
و عن عبد الرحمن المذكور (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل تزوج المرأة و لم يفرض لها صداقا فمات عنها أو طلقها قبل أن يدخل بها، ما لها عليه؟
قال: ليس لها صداق و هي ترثه و يرثها».
و ما رواه
الشيخ (3) في الموثق عن منصور بن حازم قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) في رجل يتزوج امرأة و لم يفرض لها صداقا، قال: لا شيء لها من الصداق، فإن كان دخل بها فلها مهر نسائها».
و عن الحلبي (4) في الصحيح قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة فدخل بها
____________
(1) الكافي ج 5 ص 381 ح 10، التهذيب ج 7 ص 362 ح 29، الوسائل ج 15 ص 24 ح 3.
(2) الكافي ج 7 ص 133 ح 4، الوسائل ج 15 ص 78 ب 59 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 362 ح 30، الوسائل ج 15 ص 24 ب 12 ح 2.
(4) التهذيب ج 7 ص 362 ح 31، الوسائل ج 15 ص 24 ب 12 ح 1.
477
و لم يفرض لها مهرا ثم طلقها، فقال: لها مهر مثل مهور نسائها و يمتعها».
و عن أبي بصير (1) قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة فوهم أن يسمي لها صداقا حتى دخل بها، قال: السنة، و السنة خمسمائة درهم».
و عن أسامة بن حفص (2) و كان قيما لأبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: «قلت له:
رجل تزوج امرأة و لم يسم لها مهرا، و كان في الكلام أتزوجك على كتاب الله و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله) فمات عنها، أو أراد أن يدخل بها، فمالها من المهر؟ قال: مهر السنة، قال: قلت: يقول أهلها: مهور نسائها، قال: فقال هو مهر السنة» الحديث.
و الوجه في صحة العقد- مع خلوه عن ذكر المهر- ما تقدم من أن المهر ليس من أركان عقد النكاح كالعوضين في البيع و نحوه من عقود المعاوضات و إنما الأركان فيه الزوجان خاصة، و إن كان المهر لازما في الجملة، و يتحقق التفويض بعدم ذكر المهر في العقد سواء أطلق، أم شرط أن لا مهر عليه في الحال، أو أطلق، بأن قال لا مهر عليه، فإن مرجع الجميع إلى أمر واحد، لأن عدم ذكره في معنى نفيه في الحال، و هو لا ينافي مقتضى التفويض و وجوبه في المئال. نعم لو صرح بنفيه في الحال و المئال على وجه يشمل ما بعد الدخول أو قال: قبل الدخول و بعده، فالظاهر كما صرح به الأصحاب بطلان العقد، لأن المعلوم من الأخبار أن وجوب المهر من مقتضيات عقد النكاح إما بالعقد أو بالوطء أو بالفرض، فإذا شرط خلاف ذلك فقد شرط خلاف مقتضى العقد فيبطل.
و يدل على ذلك ما رواه
الشيخ (3) عن زرارة في الصحيح قال: «سألته كم أحل لرسول الله (صلى الله عليه و آله) من النساء؟ قال: ما شاء من شيء، قلت: فأخبرني عن قول
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 362 ح 32، الوسائل ج 15 ص 25 ب 13 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 363 ح 33، الوسائل ج 15 ص 25 ب 13 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 384 ح 2، التهذيب ج 7 ص 364 ح 41، الوسائل ج 15 ص 28 ب 19 ح 1.
478
الله عز و جل «وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهٰا لِلنَّبِيِّ» (1) قال: لا تحل الهبة إلا لرسول الله (صلى الله عليه و آله) و أما غيره فلا يصلح له نكاح إلا بمهر».
إذا عرفت ذلك فاعلم أن مجرد العقد في التفويض لا يوجب المهر و لا المتعة، بل إنما يجب المتعة بالطلاق قبل الدخول، و مهر المثل بالدخول، و يجب أيضا ما يفرضانه و يتفقان عليه بالفرض قبل الدخول، و لا فرق في وجوب مهر المثل بالدخول بين أن يطلقها أو لا يطلقها، لأنه قد استقر بالدخول.
و أما ما يفرض قبل الدخول فإنه لو طلقها و الحال كذلك فلها نصف المفروض كما دلت عليه الآية «فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ» (2).
و يدل على وجوب المتعة الآية المتقدمة، للأمر فيها و هو للوجوب،
و حسنة الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها، قال: عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا، و إن لم يكن فرض فليمتعها على نحو مما مثلها من النساء».
و لو مات أحد الزوجين قبل الدخول و الطلاق، فإن كان الموت قبل المرض فلا شيء لها لانتفاء سبب الوجوب فإنه منحصر في الفرض و الدخول.
و عليه تدل
صحيحة الحلبي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في المتوفى عنها زوجها إذا لم يدخل بها: فإن لم يكن فرض لها مهرا فلا مهر لها، و عليها العدة و لها الميراث».
و هو يدل بمفهوم الشرط على ثبوت المهر المفروض إن كان فرضه.
____________
(1) سورة الأحزاب- آية 50.
(2) سورة البقرة- آية 237.
(3) الكافي ج 6 ص 106 ح 3، التهذيب ج 8 ص 142 ح 92، الوسائل ج 15 ص 55 ح 7.
(4) التهذيب ج 8 ص 146 ح 104، الوسائل ج 15 ص 76 ب 58 ح 22.
479
و صحيحة زرارة (1) قال: «سألته عن المرأة تموت قبل أن يدخل بها، أو يموت الزوج قبل أن يدخل بها، قال: فقال: أيهما مات فللمرأة نصف ما فرض لها، و إن لم يكن فرض لها فلا مهر لها».
إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الجارية على هذا المنوال، و قد اشتركت في الدلالة على عدم المهر مع موتها أو أحدهما إذا لم يفرض المهر لا في العقد و لا بعده، و اختلفت في استحقاق الجميع أو النصف لو فرض المهر، و حصل الموت قبل الدخول، و سيجيء تحقيق ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى، ثم إنه لا يخفى أن المفوضة و إن لم تستحق المهر بنفس العقد و لكنه حيث كان المهر لازما للنكاح كما عرفت و أنها ملكت بالعقد أن تملك المهر كما ذكروه، فإن لها المطالبة بفرضه و تعيينه قبل الدخول لتعرف ما تستحق بالوطء أو الموت و ما تشطر بالطلاق قبل الدخول أو الفسخ على القول بالتنصيف به، ثم إن اتفقا على قدر معين صح و لزم و لم يكن لها غيره، و لا فرق بين كونه بقدر مهر المثل أو أقل منه أو أكثر، و ليس لأحد منهما بعد الاتفاق الرجوع فيه مطلقا، و إن اختلفا بأن فرض الزوج لها أقل مما ترضى به فإشكال، و لم أقف في المقام على نص، إلا أنهم ذكروا أنه إن كان مفروضة بقدر مهر السنة فصاعدا ففي لزومه من طرفها وجهان ينشئان من أنه لو فرض إليها التقدير لما كان لها الزيادة عليه، و كذا الحاكم كما سيأتي، و من أن البضع يقتضي مهر المثل، و الخروج عنه في بعض الموارد على خلاف الأصل فيقتصر عليه، و كون ذلك للحاكم ممنوع، و إن كان أقل منه لم يقع بغير رضاها اتفاقا، فحينئذ إن ترافعا إلى الحاكم فرض لها مهر المثل من غير زيادة و لا نقصان ما لم يتجاوز السنة فيرد إليها إن اعتبرنا ذلك في مهر المثل، و إلا لم يتقيد بذلك قال في المسالك: و هو الأقوى. و المسألة لما عرفت محل توقف و إشكال.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 119 ح 5، التهذيب ج 8 ص 148 ح 108، الوسائل ج 15 ص 73 ب 58 ح 7.
480
الموضع الثاني [المعتبر في مهر المثل و المتعة]
قد صرح الأصحاب بأن المعتبر في مهر المثل بحال المرأة، و في المتعة بحال الزوج، فالكلام هنا أيضا في موضعين:
(أحدهما) في مهر المثل
، و المراد به ما يبذل عادة في مقابل نكاح أمثالها، و المراد بأمثالها من كان متصفا بمثل صفاتها و ما هي عليه من الجمال و البكارة و الشرف و الثروة و العقل و الأدب و حسن التدبير في المنزل و نحو ذلك، و أضداد هذه الأشياء لأن ذلك مما يختلف به المهر اختلافا ظاهرا.
و في الأخبار فسروا (عليهم السلام) مهر المثل هنا بمهور نسائها، كما تقدم في رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله الاولى (1)، و موثقة منصور بن حازم (2) و صحيحة الحلبي (3)، و حينئذ فيجب تقييد ما ذكره الأصحاب- من مثلها، و أن المراد به من شأنها في أوصافها- بمن كان من نسائها و أقاربها من الأب أو الأم للإطلاق (4)، و هل يعتبر في أقاربها أن يكونوا من أهل بلدها؟ قولان، قال السيد السند في شرح
____________
(1) الكافي ج 5 ص 381 ح 10، التهذيب ج 7 ص 362 ح 29، الوسائل ج 15 ص 24 ح 3.
(2) التهذيب ج 7 ص 362 ح 30، الوسائل ج 15 ص 24 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 362 ح 32، الوسائل ج 15 ص 24 ح 1.
(4) أي إطلاق نسائها شامل لمن كان من جهة الأب أو الأم حسبما هو المشهور، و قال بان البراج: المعتبر من مهر المثل بنساء المرأة، و هن من كان منهن من عصباتها كالأخت من جهة الأب و الام و بناتها و العمة و بناتها و ما أشبه ذلك، و أما الأم و ما هو من جهتها فلا يعتبر به في ذلك، و قد كان الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي و غيره يعتبرون من ذلك، و الأقوى عندي ما ذكرته، لأن المرأة لم الولد من عرض المسلمين تكون تحت الشريف النسب، مثل الرجل يكون من ولد الحسن و الحسين- (عليهما السلام)- فيتزوج بالمرأة من العامة ليس لها نسب و لا حسب، فالمعتبر في نسائها من كان من عصبتها لما ذكرناه. انتهى، و لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه. (منه- (قدس سره)-).
481
النافع أظهرهما ذلك، لأن المهر يختلف باختلاف البلدان اختلاف عظيما، و فيه تأمل. و قيد جملة من الأصحاب- بل الظاهر أنه المشهور- الحكم بلزوم مهر المثل بما إذا لم يتجاوز مهر السنة و هي خمسمائة درهم، و إلا رد إليها، و ادعى عليه فخر المحققين الإجماع، مع أن والده في المختلف نقل الاختلاف في ذلك، و حكى القولين، و لم يرجح شيئا في البين قال بعد نقل جملة من الأقوال في المسألة:
بقي هنا بحثان: (الأول) هل يعتبر البلد؟ قال بعض علمائنا به، و يحتمل العدم (الثاني) أكثر الأصحاب على أنه لا يزيد على مهر السنة و هو خمسمائة درهم، لما رواه
أبو بصير (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة فوهم أن أن يسمي صداقها»- الخبر،.
و قد تقدم قريبا- ثم قال: و هو غير دال صريحا على المطلوب، و قال بعض علمائنا: لا يتقدر بقدر، لما دلت الأخبار المطلقة عليه. انتهى.
و ربما أشعر ظاهره باختيار القول الأخير، حيث إنه طعن في رواية أبي بصير التي استند إليه الأكثر بأنها غير دالة صريحا على المطلوب و لم يطعن في دليل الأخر، و توجيه ما أشار إليه في رد رواية أبي بصير و عدم دلالتها على القول المذكور، و ما ذكره شيخنا في المسالك قال- بعد نقل الرواية-: و فيها مع ضعف السند قصور الدلالة، لأن الكلام في المفوضة، و مورد الرواية ما إذا و هم أن يسمي صداقها، و هو يقتضي كونه أراد التسمية فنسيها، و هذا ليس من التفويض في شيء، و إن كان العقد قد وقع بصورة التفويض، فجاز اختلاف الحكم لذلك، و من ثم ذهب بعض علمائنا إلى أن مهر المثل لا يتقدر بقدر لإطلاق الأخبار في ذلك، ثم نقل رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله، و موثقة منصور بن حازم و صحيحة الحلبي، انتهى.
و بذلك يظهر لك أن الأظهر هو القول الآخر، و أن القول المشهور بمحل من القصور.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 362 ح 32، الوسائل ج 15 ص 25 ح 2.
482
ثم إنه لا يخفى أن مهر المثل قد حكموا به في مواضع عديدة غير هذا الموضع، منها نكاح الشبهة، و الوطي في النكاح الفاسد و الإكراه، و التسمية الفاسدة، و إذا نكح عدة نساء بمهر واحد كما تقدم كل منها في موضعه.
و لم يذكروا في شيء من هذه المواضع هذا التقييد إلا في مسألة التفويض، و وجه الشبهة في ذكره هنا دون تلك المواضع من حيث ذهاب معظم الأصحاب إلى التقييد و قصور دليله.
و (ثانيهما) في المتعة
، و مستحقها هي المفوضة إذا طلقها قبل الدخول و قبل أن يفرض لها فريضة، و الاعتبار فيها بحال الزوج في يساره و إعساره كما دلت عليه الآية وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ» (1) و على ذلك تدل الأخبار.
و منها ما رواه
في الفقيه (2) عن محمد بن الفضيل عن الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلها نصف مهرها، و إن لم يكن سمى لها مهرا فمتاع بالمعروف على الموسع قدره و على المقتر قدره» الحديث.
و ما رواه
في الكافي (3) عن أبي بصير قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها- إلى أن قال- و إن لم يكن فرض لها شيئا فليمتعها على مثل ما تمتع به مثلها من النساء».
و ما رواه
في الكافي (4) عن حفص بن البختري في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يطلق امرأته، أ يمتعها؟ قال: نعم أما يحب أن يكون من المحسنين،
____________
(1) سورة البقرة- آية 236.
(2) الفقيه ج 3 ص 326 ح 1، الوسائل ج 15 ص 55 ح 8.
(3) الكافي ج 6 ص 108 ح 11، التهذيب ج 8 ص 142 ح 92، الوسائل ج 15 ص 55 ح 7.
(4) الكافي ج 6 ص 104 ح 1، ح 1، التهذيب ج 8 ص 140 ح 86، الوسائل ج 15 ص 55 ح 5.
483
أما يحب أن يكون من المتقين».
و ما رواه
في التهذيب (1) عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أن متعة المطلقة فريضة».
و ما رواه
في الفقيه (2) قال: و في رواية البزنطي «أن متعة المطلقة فريضة».
و ما رواه
في الفقيه (3) عن ابن رئاب عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «متعة النساء واجبة، دخل بها أو لم يدخل، و تمتع قبل أن تطلق».
و ما رواه
في الكافي (4) عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في قول الله عز و جل «وَ لِلْمُطَلَّقٰاتِ مَتٰاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» (5) قال: متاعها بعد ما تنقضي عدتها على الموسع قدره و على المقتر قدره، و كيف يمتعها و هي في عدتها ترجوه و يرجوها، و يحدث الله بينهما ما يشاء، و قال: إذا كان الرجل موسعا عليه يمتع امرأته بالعبد و الأمة، و المقتر يمتع بالحنطة و الزبيب و الثوب و الدراهم، و إن الحسن ابن علي (عليهما السلام) متع امرأة له بأمة، و لم يطلق امرأة إلا متعها».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (6) عن أبي بصير قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام):
أخبرني عن قول الله عز و جل «وَ لِلْمُطَلَّقٰاتِ مَتٰاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» ما أدنى ذلك المتاع إذا كان معسرا لا يجد؟ قال: خمار و شبهه».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 105 ح 2، التهذيب ج 8 ص 141 ح 89، الوسائل ج 15 ص 54 ح 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 327 ح 3، الوسائل ج 15 ص 56 ح 9.
(3) الفقيه ج 3 ص 328 ح 10، الوسائل ج 15 ص 59 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 105 ح 3، الوسائل ج 15 ص 59 ح 2 و 3.
(5) سورة البقرة- آية 241.
(6) الكافي ج 6 ص 105 ح 5، التهذيب ج 8 ص 140 ح 85 مع اختلاف يسير الوسائل ج 15 ص 57 ح 2.
484
قال في الفقيه (1): و روي أن الغني يمتع بدار أو خادم، و الوسط يمتع بثوب، و الفقير يمتع بدرهم أو خاتم، و روي أن أدناه خمار و شبهه.
و ما رواه
في التهذيب (2) عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يريد أن يطلق امرأته قبل أن يدخل بها، قال: يمتعها قبل أن يطلقها فإن الله تعالى قال «وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ» (3).
و عن محمد بن مسلم (4) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يطلق امرأته، قال: يمتعها قبل أن يطلق، فإن الله تعالى يقول وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ».
و ما رواه
في كتاب قرب الاسناد (5) عن ابن الوليد عن ابن بكير قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ» ما قدر الموسع و المقتر؟ قال: كان علي بن الحسين (عليه السلام) يمتع بالراحلة».
و روى هذا الخبر
العياشي في تفسيره (6) و زاد «يعني حملها الذي عليها».
و ظاهره أن المتعة إنما هو الحمل لا أصل الراحلة، فهو على حذف مضاف مثل و سأل القرية.
و في كتاب الفقيه الرضوي (7) «كل من طلق امرأته من قبل أن يدخل بها
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 327 ح 4 و 5، الوسائل ج 15 ص 57 و 58 ح 3 و 4.
(2) التهذيب ج 8 ص 141 ح 88، الوسائل ج 15 ص 54 ح 4.
(3) سورة البقرة- آية 236.
(4) التهذيب ج 8 ص 142 ح 91، الوسائل ج 15 ص 54 ح 1.
(5) قرب الاسناد ص 81.
(6) تفسير العياشي ج 1 ص 124، الوسائل ج 15 ص 58 ح 5.
(7) فقه الرضا ص 242، مستدرك الوسائل ج 2 ص 610 ب 33 ح 5 و ص 611 ب 34 ح 5.
485
فلا عدة عليها منه، فإن كان سمى لها صداقا فلها نصف الصداق، فإن لم يكن سمى لها صداقا فلا صداق لها و لكن يمتعها بشيء قل أم كثر على قدر يساره، فالموسع يمتع بخادم أو دابة، و الوسط بثوب، و الفقير بدرهم أو خاتم، كما قال الله تبارك و تعالى «وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتٰاعاً بِالْمَعْرُوفِ».
[تنبيهات]
و تمام الكلام في المقام يتوقف على بيان أمور:
الأول [انقسام حال الزوج إلى اليسار و الإعسار و لا ثالث لهما]
المفهوم من ظاهر الآية و أكثر الأخبار هو انقسام حال الزوج إلى قسمين، اليسار و الإعسار، و المشهور في كلام الأصحاب زيادة قسم ثالث و هو المتوسط، و عليه يدل كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقيه الرضوي، و مرسلة الصدوق المتقدمة، و الظاهر أنها من الكتاب فإنها عين عبارته، و لا ريب أنها منه حسب ما تقدم بيانه في غير مقام، سيما في كتب العبادات، و الظاهر كما استظهره في المسالك أن مرجع الثلاثة الأقسام المذكورة إلى القسمين المذكورين، لأن القسم الثالث الذي هو الوسط بعض أفراده ما يلحق بالأعلى، و بعضها ما يلحق بالأسفل، فهو لا يخرج منهما، و من ثم أنه (عليه السلام) في كتاب الفقه بعد أن ذكر الأقسام الثلاثة استدل عليه بالآية التي ظاهرها إنما هو التقسيم إلى قسمين، و ما ذاك إلا من حيث ما ذكرنا.
الثاني [خروج الموارد المذكورة في الأخبار مخرج التمثيل لا الحصر]
قال المحقق في النافع: فالغني يمتع بالثوب المرتفع و عشرة دنانير و أزيد، و اعترضه السيد السند في شرحه بأنه لم يقف على مستنده، قال: و زاد في الشرائع الدابة أيضا، و هو كالذي قبله، ثم قال: و الأجود اتباع ما ورد به النقل، و هو أن الغني يمتع بالعبد أو الأمة أو الدار، و الفقير بالحنطة و الزبيب و الخاتم و الثوب و الدرهم فما فوق.
أقول: الظاهر أن ما ذكره في هذه الأخبار التي قدمناها من ذكر هذه الأشياء المعدودة إنما خرج مخرج التمثيل لا الحصر، و كلام الأصحاب في عد هذه الأشياء الغير المنصوصة إنما هو بناء على ما ذكرناه، و يشير إلى ذلك
قول
486
الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) المذكور «يمتعها بشيء قل أم كثر على قدر يساره».
و يؤيد ذلك أيضا إطلاق الآية، و أما ما ذكره- من أن المحقق في الشرائع ذكر الدابة و هي غير موجودة في النصوص- فالجواب عن ذلك ما عرفت مع أنها مذكورة في كتاب الفقه الرضوي فلعله و إن لم يقف على الكتاب المذكور إلا أنه تبع من عد الدابة لورودها في هذا الكتاب كالشيخ علي بن بابويه و الشيخ المفيد و نحوهم، و المحقق تبعهم في عدها.
الثالث [عدم الخلاف في وجوب المتعة هنا]
الظاهر أنه لا خلاف في وجوب المتعة هنا للآية و الروايات المتقدمة و نحوها المشتملة على الأمر بها الذي هو حقيقة في الوجوب و في بعضها أنها فريضة، و ظاهر جملة من الأخبار المتقدمة أنها قبل الطلاق كرواية أبي حمزة (2) و صحيحة محمد بن مسلم (3) و رواية زرارة (4) المنقولة في الفقيه، إلا أن رواية الحلبي (5) المنقولة في الكافي صريحة في أن المتعة إنما هي بعد أن تنقضي عدتها معللا ذلك بأنها في العدة ترجوه و يرجوها، و الجمع بين هذه الأخبار لا يخلو من إشكال، و لا يحضرني الآن وجه يعتمد عليه في ذلك، هذا على تقدير ما دلت عليه الأخبار من ثبوت المتعة للمدخول بها، و أما على ما ذكره الأصحاب من تخصيصها بغير المدخول بها فالظاهر أنها قبل الطلاق، كما هو ظاهر هذه الأخبار، و لم أقف على من ذكر هذا الحكم من الأصحاب، بل ظاهرهم وجوب دفع ذلك و إن كان بعد الطلاق، و لعل مستندهم الإطلاق في أكثر الأخبار، إلا أن مقتضى القاعدة بعد ورود هذه
____________
(1) فقه الرضا ص 242، مستدرك الوسائل ج 2 ص 610 ب 33 ح 5.
(2) التهذيب ج 8 ص 141 ح 88، الوسائل ج 15 ص 54 ح 4.
(3) التهذيب ج 8 ص 142 ح 91، الوسائل ج 15 ص 54 ح 1.
(4) الفقيه ج 3 ص 328 ح 10، الوسائل ج 15 ص 59 ب 50 ح 1.
(5) الكافي ج 6 ص 105 ح 3، التهذيب ج 8 ص 139 ح 83، الوسائل ج 15 ص 59 ب 50 ح 2 و 3.
487
الأخبار بالتقييد هو حمل المطلق على المقيد.
الرابع [فيما لو حصلت البينونة بينهما بغيره من فسخ أو موت أو لعان]
قد عرفت مما قدمنا في صدر هذه المسألة أن مستحق المتعة هي المطلقة على الوجه المتقدم، فلو حصلت البينونة بينهما بغيره من فسخ أو موت أو لعان أو غير ذلك من قبله أو من قبلها أو منهما فلا مهر و لا متعة للأصل، و هذا هو المشهور، و قوى الشيخ في المبسوط ثبوتها بما يقع من قبله من طلاق أو فسخ أو من قبلهما، دون ما كان من قبلها خاصة، و قوى في المختلف وجوبها في الجميع.
قال في المبسوط: الفراق أربعة أضرب: إما أن يكون من جهته بطلاق أو لعان أو ردة أو إسلام، فإن كان بالطلاق فلها المتعة لعموم الآية، و إن كان باللعان أو بالارتداد أو الإسلام قال قوم: تجب المتعة، لأن الفراق من قبله، و هو الذي يقوى في نفسي، و لو قلنا لا يلزمه متعة- لأنه لا دليل عليه- لكان قويا.
و إما من جهتها بارتداد أو إسلام أو بعتق تحت عبد فتختار نفسها، أو تجد به عيبا فتفسخ، أو يجد بها عيبا فإنه و إن كان الفاسخ هو، فهي المدلسة، فالكل من جهتها، و لا متعة في ذلك كله، فأما امرأة العنين فلو شاءت أقامت معه، و قال قوم: لها متعة، و قال آخرون: لا متعة لها و هو الصحيح.
و أما إن جاءت الفرقة من جهتهما معا كالخلع و هو كالطلاق يجب المتعة.
و أما من جهة أجنبي بأن ترضعها امه فهو كالخلع المغلب فيه حكم الزوج، لأنه يعود إليه بها قبل الدخول نصف المهر، فكأنه طلقها هو، فعليه المتعة.
قال في المختلف- بعد نقل ذلك عنه- و هذا الكلام يدل على تردده في إيجاب المتعة باللعان و شبهه، و الوجه عندي الوجوب، و كذا في زوجة العنين لما تقدم في الأول، و لوجوب نصف المهر في الثاني، انتهى.
و الشيخ في الخلاف قد وافق القول المشهور، فقال: كل فرقة تحصل بين الزوجين سواء كان من قبله أو من قبلها أو من قبل أجنبي أو من قبلهما فلا يجب بها المتعة إلا الطلاق فحسب، و به قال ابن إدريس و جل من تأخر عنه و هو
488
الأظهر، لدلالة الآية و الأخبار المتقدمة، على أن ذلك في الطلاق مع تأيدها بالأصل، و حمل غيره عليه بمجرد المشابهة قياس لا يوافق أصول المذهب.
الخامس [توجيه الأخبار الدالة على شمول المتعة للمدخول بها أيضا]
الظاهر من كلام الأصحاب هو اختصاص المتعة بغير المدخول بها كما قدمناه في عنوان المسألة، و عليه تدل أكثر أخبار المسألة المتقدمة، إلا أن جملة من الأخبار قد دلت على ثبوتها للمدخول بها أيضا كرواية
زرارة (1) و قوله فيها «متعة النساء واجبة دخل بها أو لم يدخل»،.
و رواية الحلبي (2) لقوله فيها «متاعها بعد ما تنقضي عدتها، إلى أن قال: و كيف يمتعها و هي في عدة ترجوه و يرجوها».
فإنه ظاهر في المدخول بها إذ لا عدة على غير المدخول بها إجماعا نصا و فتوى،
و صحيحة الحلبي (3) قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة فدخل بها و لم يفرض لها مهرا ثم طلقها، فقال: لها مهر مثل مهور نسائها و يمتعها».
و هي صريحة في مجامعة المتعة للمهر.
و الشيخ قد حمل هذه الأخبار على الاستحباب، و تبعه الجماعة، و لا يخفى بعد سيما مع قوله في رواية زرارة «واجبة دخل بها أو لم يدخل» و المسألة لا تخلو من توقف و إشكال و الاحتياط فيها مطلوب على كل حال.
السادس [هل للولي أن يزوج المولى عليه مفوضة أم لا؟]
لا إشكال في صحة التفويض من البالغة الرشيدة الغير المولى عليها، لأن الحق في ذلك لها، و أمر نكاحها بيدها، تختار ما تريد من الوجوه الصحيحة، و منها التفويض و إنما الكلام في المولى عليها بجميع أنواعها، فهل للولي أن يزوجها مفوضة أم لا؟ قولان: (أحدهما) صحة التفويض كغيرها، فعلى هذا ليس لها بعد الطلاق و قبل الفرض أو الدخول إلا المتعة.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 328 ح 10، الوسائل ج 15 ص 59 ب 50 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 105 ح 3، التهذيب ج 8 ص 139 ح 83، الوسائل ج 15 ص 59 ب 50 ح 2 و 3.
(3) التهذيب ج 7 ص 362 ح 31، الوسائل ج 15 ص 24 ح 1.
489
و (الثاني) صحة العقد، و أن الثابت لها مهر المثل بمجرد العقد و لا تفويض، و على هذا فبالطلاق ينتصف المهر.
و أنت خبير بأن إطلاق الأخبار المتقدمة الواردة في التفويض شامل للتفويض من الزوجة و الولي، مثل قولهم في تلك الأخبار «رجل تزوج امرأة و لم يفرض لها صداقا» و نحو ذلك من العبارات، و حينئذ فإذا صح التفويض من الولي كما هو أحد القولين المذكورين ترتب عليه أحكام التفويض، و القائل بوجوب مهر المثل هنا إنما علله بأن تصرف الولي منوط بمهر المثل و ثمن المثل، لأن النكاح يلحق بالمعاوضات فيجب مراعاة عوض البضع، فإذا فرض دون مهر المثل وقع فاسدا، فوجب مهر المثل كما لو فسد المهر بغيره.
و فيه أنك قد عرفت ما في قياس النكاح على المعاوضات، و أنه متى كانت الأخبار شاملة لهذا الفرد، فالتفصيل الذي اشتملت عليه- بأنه إن دخل بها فلها مهر المثل أو فرض لها فرضا فهو ما فرضه، و إلا فالمتعة إن وقع الطلاق بدون أحد الأمرين- جار فيه. و الله العالم بأحكامه و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه.
المطلب الثاني: في تفويض المهر
، و هو كما تقدمت الإشارة إليه أن يذكر في العقد مجملا، و يفوض تعيينه إلى أحد الزوجين و لا خلاف بين أصحابنا في جوازه، و أخبارهم دالة عليه، و إنما خالف فيه العامة، فحكموا بأن المهر الواقع على هذه الكيفية فاسد، فيكون الكلام فيه على قياس المهر الفاسد من من الرجوع إلى مهر المثل.
[الأخبار الواردة في المقام]
و تحقيق الكلام في هذه المطلب يتوقف على نقل الأخبار الواردة في المقام، ثم الكلام فيما دلت عليه من الأحكام.
فمنها ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) في الحسن عن الحسن بن زرارة عن
____________
(1) الكافي ج 5 ص 379 ح 1، التهذيب ج 7 ص 365 ح 43، الوسائل ج 15 ص 31 ح 1.
490
أبيه قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة على حكمها، قال: لا تجاوز بحكمها مهر نساء آل محمد (صلى الله عليه و آله) اثنتي عشرة أوقية و نش، و هو وزن خمسمائة درهم من الفضة، قلت: أ رأيت إن تزوجها على حكمه و رضيت بذلك، فقال: ما حكم به من شيء فهي جائز عليهما قليلا كان أو كثيرا، قال: فقلت له: كيف لم تجز حكمها عليه و أجزت حكمه عليها؟ قال: فقال: لأنه حكمها فلم يكن لها أن تجوز ما سن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و تزوج عليه نساءه فرددتها إلى السنة، و لأنها هي حكمته و جعلت الأمر إليه في المهر و رضيت بحكمه في ذلك فعليها أن تقبل حكمه قليلا كان أو كثيرا».
قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين بعد ذكر هذا الخبر:
الحكم إجماعي و التفصيل و الفرق غير واضح، و لعله يرجع إلى أنه لما حكمها فلو لم يقدر لها حد فيمكن أن تجحف و تحكم بما لا يطيق، فلذا حد لها، و لما كان خير الحدود ما حده رسول الله (صلى الله عليه و آله) جعل ذلك حده، انتهى.
و منها ما رواه
المشايخ الثلاثة (1) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل تزوج امرأة على حكمها أو على حكمه فمات أو ماتت قبل أن يدخل بها، قال: لها المتعة و الميراث، و لا مهر لها، قلت: فإن طلقها و قد تزوجها على حكمها؟ قال: إذا طلقها و قد تزوجها على حكمها لم يتجاوز بحكمها عليه أ كثير من وزن خمسمائة درهم فضة مهور نساء رسول الله (صلى الله عليه و آله) قوله «أكثر من وزن خمسمائة درهم».
هكذا في الكافي و الفقيه، و في التهذيبين «لم يتجاوز بحكمها على خمسمائة درهم» و هو الصواب.
و ما رواه
في من لا يحضره الفقيه (2) عن صفوان بن يحيى في الصحيح عن أبي جعفر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 379 ح 2، التهذيب ج 7 ص 365 ح 44، الفقيه ج 3 ص 262 ح 34، الوسائل ج 15 ص 32 ح 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 262 ح 35، الوسائل ج 15 ص 32 ب 21 ح 3.
491
- يعني الأحوال- قال: «قلت لأبي بعد الله (عليه السلام): رجل تزوج امرأة بحكمها ثم مات قبل أن تحكم، قال: ليس لها صداق و هي ترث».
و رواه في الفقيه (1) أيضا عن البزنطي عن عبد الكريم بن عمرو عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام).
و ما رواه
في التهذيب (2) عن أبي بصير قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يفوض إليه صداق امرأته، فينقص عن صداق نسائها، قال: يلحق بمهر نسائها».
و حمله الشيخ في كتابي الأخبار على ما إذا فوض إليه على أن يجعله مثل مهر نسائها.
قال في الوافي: و بعده لا يخفى، و الصواب حمله على ما هو الأولى و إن لم يلزمه أكثر مما أوفي. انتهى و هو جيد.
إذا عرفت ذلك فالكلام هنا يقع في مواضع:
الأول [في اختصاص تفويض تقدير المهر بأحد الزوجين]
الظاهر من الأخبار المذكورة هو اختصاص تفويض تقدير المهر بأحد الزوجين، و هو المتفق عليه، و قيل بجواز التفويض إليهما معا، و اختاره في المسالك. و قيل بجوازه إلى أجنبي و رده في المسالك، قال- (رحمه الله)- في الكتاب المذكور: و يفوض تقديره إلى أحد الزوجين، و عليه اقتصر المصنف أو إليهما معا و لا إشكال في جوازه أيضا، و ألحق بعضهم جعله للأجنبي غيرهما، لأنه و إن لم يكن منصوصا بخصوصه، إلا أنه في معنى التوكيل و قد تراضيا عليه، و لعموم
قوله (صلى الله عليه و آله) (3) «المؤمنون عند شروطهم».
و وجه المنع أن المهر حق يتعلق بالزوجين فلا يتعدى إلى غيرهما بغير إذن شرعي و هذا أجود، انتهى.
و فيه أن ما أورده على هذا القول وارد عليه فيما ذهب إليه من جعل الاختيار إليهما معا مع أن الوارد في النصوص إنما هو التفويض إلى أحدهما،
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 229 ح 3، الوسائل ج 17 ص 529 ح 3.
(2) التهذيب ج 7 ص 366 ح 45، الوسائل ج 15 ص 32 ح 4.
(3) التهذيب ج 7 ص 371 ح 66، الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
492
فالخروج عنه إلى كل من الفردين الآخرين يكون بغير إذن شرعي، و هو قد منع من التعدي إلا بإذن شرعي بل يمكن أن يدعى أن المنع هنا أظهر منه في الأجنبي، لأن التفويض إليهما معا مظنة النزاع و الاختلاف، ثم إنه قال في المسالك بناء على ما اختاره من التفويض إليهما معا و تفويضه إلى الزوجين معا يتوقف على اتفاقهما معا عليه كاتفاقهما على فرضه في القسم الأول، فإن اختلفا قال الشيخ في المبسوط: وقف حتى يصطلحا. و تبعه العلامة، و لم يذكروا الرجوع هنا إلى الحاكم، و لو قيل به كان حسنا، لوجود المقتضي فيهما مع اشتراكهما في عدم النص على الخصوص، انتهى.
أقول: هذا ما أشرنا إليه آنفا من مفسدات هذا القول، فإنه لو لم يتفقا بالكلية يلزم الحرج و العسر المنفيين بالآية و الرواية، و كلما أدى إليهما يكون باطلا، و ما اختاره من الرجوع إلى الحاكم بمجرد تخرج لا دليل عليه، نعم لو كان أصل الحكم مما ثبت بالدليل فلا بأس بما ذكره إلا أن الأصل غير ثابت كما اعترف به. و بالجملة فالأظهر هو الوقوف على مورد النصوص.
الثاني [حكم ما لو فوض التقدير إلى الزوج أو الزوجة]
المفهوم من الأخبار المذكورة أن المهر متى فوض تقديره إلى الزوج كان له الحكم بما شاء من قليل أو كثير، فلا تقدير له في طرف الكثرة، و متى فوض إلى الزوجة لم يتقدر في طرف القلة، و يتقدر في طرف الكثرة بمهر السنة، فلا يمضي حكمها فيما زاد عليه، و الظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأصحاب أيضا، إذا لم ينقل في المسألة خلاف فيما أعلم، و يظهر من السيد السند في شرح النافع المناقشة في الدليل حيث إنه استدل على الحكم المذكور برواية الحسن بن زرارة، ثم طعن فيها من حيث السند باشتماله على الحسن بن زرارة و هو مجهول، و أن ما تضمنه من تعليل الفرق غير واضح، فإنه فرق بنفس الدعوى.
و فيه أن الحسن بن زرارة و إن لم يذكر في كتب الرجال كما ذكره إلا أن مدح الصادق (عليه السلام) له و لأخيه الحسين في الحديث الصحيح الذي ورد في حق
493
أبيه كما رواه الكشي مما يوجب عد حديثه في الحسن، حيث قال (عليه السلام): و لقد أدى إلى ابناك الحسن و الحسين رسالتك أحاطهما الله و كلأهما ورعاهما و حفظهما بصلاح أبيهما. إلى آخره، و لذا قال شيخنا المجلسي في رسالته الوجيزة في الرجال إنه مهمل على المشهور، ممدوح على الظاهر.
و أما الطعن في المتن بما ذكره من عدم وضوح الفرق، فغير مضر بالمقصود من الاستدلال بالخبر.
الثالث [فيما لو طلقها قبل الدخول و قبل الحكم]
قد ذكر الأصحاب أنه لو طلقها قبل الدخول و قبل الحكم ألزم من إليه الحكم أن يحكم، و كان لها النصف مما حكم به، و لو كانت الحاكمة هي المرأة و حكمت بما يزيد على مهر السنة، فالواجب هو نصف مهر السنة لما تقدم من بطلان ما زاد عليه، و لو كان الحكم بعد الدخول فالواجب هو جميع ما يحكم به الحاكم لأنه مقتضى العقد، و قد استقر بالدخول و لا موجب لتنصيفه.
و يشير إلى هذه الصورة قوله (عليه السلام)
في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة «فإن طلقها، و قد تزوجها على حكمها لم تتجاوز بحكمها على خمسمائة درهم» الحديث.
و الرواية و إن كان موردها كون الحاكم هو المرأة إلا أنه لا قائل بالفرق، و الأصل بقاء الحكم حتى يحكم الحاكم أيهما كان، و الحكم بالتنصيف بالطلاق و إن لم يتضمنه هنا روايات المسألة إلا أنه مستفاد من أدلة أخرى.
الرابع [فيما لو مات الحاكم قبل الحكم و قبل الدخول]
اختلف الأصحاب فيما لو مات الحاكم قبل الحكم و قبل الدخول، فالمشهور بينهم و منهم الشيخ في النهاية و ابن البراج و ابن حمزة و الصدوق في المقنع و العلامة في المختلف و ولده في الشرح و الشهيد في شرح الإرشاد أن لها المتعة و على هذا القول تدل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة، و ربما قيل: إن الرواية غير صريحة الدلالة على المطلوب لأن قوله «فمات أو ماتت» محتمل لكون الميت هو الحاكم، أو كونه المحكوم عليه، و مع قيام الاحتمال يبطل الاستدلال.
و رد بأنه لا ريب أن الظاهر منها كون الميت هو الحاكم، لأنه الأقرب
494
و المحدث عنه، و لأنه (عليه السلام) في آخر الحديث ذكر أن الحكم لا يسقط بالطلاق مع بقاء الحاكم، و إذا لم يسقط بالطلاق لم يسقط بالموت بطريق أولى.
قال في المسالك في الجواب عن الاحتمال المذكور: لأنا نقول: لفظها و إن احتمل ذلك بمجرده إلا أن فيها ما ينفي كون الميت المحكوم عليه، لأنه ذكر فيها أن المحكوم عليه لو مات قبل الحكم لا يبطل الحكم، و يحكم الحاكم بعد ذلك، و يثبت ما يحكم به، و إذا كان الطلاق لا يسقط الحق مع بقاء الحاكم فلأن لا يسقط مع موت أحدهما مع بقائه أولى، و وجه الأولوية بقاء حكم الزوجية بالموت دون الطلاق، و لا يضر اختلاف الحق حيث إنه هنا المتعة، و هناك المهر المحكوم به، لاشتراكهما في أصل الاستحقاق، و إن فرق النص بينهما في المقدار، و أيضا فموت المحكوم عليه خارج بالإجماع، على أنه لا أثر له في وجوب المتعة، فيبقى الآخر. انتهى المقصود من كلامه، و فيه زيادة في إيضاح الحكم على ما نقلناه.
و ذهب العلامة في القواعد إلى ثبوت مهر المثل، و علله بأنه هو قيمة البضع حيث لم يتعين غيره، و بأن المهر مذكور، غايته أنه مجهول، فإذا تعذرت معرفته وجب الرجوع إلى مهر المثل.
و رد الأول بأن الزوج لم يتحقق منه الدخول ليثبت عليه عوض البضع، و الثاني بأنه نفس المدعى، فكيف يجعل دليلا عليه مع أنهما معارضان بالنص الصحيح المتقدم.
قال السيد السند في شرح النافع: و حكى الشيخ في المبسوط في هذه المسألة قولا بلزوم مهر المثل و قواه، و اختاره العلامة في القواعد و استدل له ثم ذكر الدليل المتقدم.
أقول: إن كتاب المبسوط لا يحضرني الآن، و لكن الذي نقله العلامة عن المبسوط لا يساعد ما ذكره، بل هو على خلافه، حيث نقل عنه إنه قال: لو مات
495
أحدهما فقولان: أحدهما أن لها مهر مثلها، و الثاني لا مهر لها، و هو الصحيح عندنا، و فيه خلاف، هذه صورة ما نقله في المختلف عنه، و مع ذلك فإن الشهيد الثاني في المسالك بعد أن نقل عن المختلف ما ذكرناه، و كذا عن الشهيد في شرح الإرشاد، اعترضهما بأن في هذا النقل نظرا لأن الشيخ إنما ذكر هذه العبارة و الخلاف المذكور في مفوضة البضع، و أما مفوضة المهر فلم يذكر حكم موت الحاكم فيها أصلا.
و ذهب ابن إدريس إلى عدم ثبوت شيء مع موت الحاكم قبل الحاكم قال:
لو مات الحاكم قبل الدخول و قبل الحكم لم يثبت للزوجة مهر و لا متعة كمفوضة البضع، لأن مهر المثل، إنما يجب بالدخول، و المتعة إنما تجب بالطلاق، و الأصل براءة الذمة: و إلحاق الموت بالطلاق قياس، و إلى هذا القول ذهب الشيخ في الخلاف و ابن الجنيد أيضا، و الخبر الصحيح حجة على من عدا ابن إدريس، فإنه بمقتضى أصوله الغير الأصيلة لا يلزمه القول به، و الله العالم.
البحث الثالث: في اللواحق
و فيه مسائل:
[المسألة] الاولى [في عدم سقوط المهر كلا أو بعضا بالدخول لو لم تقبضه]
المشهور بين الأصحاب أن المهر كلا أو بعضا لا يسقط بالدخول لو لم تقبضه بل يكون دينا عليه، طالت المدة أم قصرت، طالبت أم لم تطالب، و يدل عليه ظاهر قوله عز و جل «وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ نِحْلَةً» (1).
و من الأخبار الدالة على ذلك ما رواه
في الكافي (2) في الصحيح أو الحسن عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يتزوج المرأة على الصداق المعلوم، فيدخل بها قبل أن يعطيها؟ فقال: يقدم إليها ما قل أو كثر إلا أن يكون له وفاء من عرض إن حدث به حدث ادي عنه فلا بأس».
____________
(1) سورة النساء- آية 4.
(2) الكافي ج 5 ص 413 ح 2، التهذيب ج 7 ص 358 ح 18، الوسائل ج 15 ص 13 ح 1.
496
و عن عبد الحميد بن عواض (1) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتزوج المرأة فلا يكون عنده ما يعطيها فيدخل بها؟ قال: لا بأس إنما هو دين عليه لها».
و عن غياث بن إبراهيم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يتزوج بعاجل و آجل؟ قال: الأجل إلى موت أو فرقة».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (3) عن عبد الحميد الطائي قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أتزوج المرأة و أدخل بها و لا أعطيها شيئا؟ قال: نعم يكون دينا عليك».
و رواه الكليني (4) في الحسن عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن عبد الحميد.
و عن عبد الحميد بن عواض (5) في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
المرأة أتزوجها أ يصلح أن أواقعها و لم أنقدها من مهرها شيئا؟ قال: نعم إنما هو دين عليك».
و رواه الكليني (6) أيضا مثله.
و عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي (7) عن آبائه عن علي (عليه السلام) «أن امرأة أتته و رجل قد تزوجها و دخل بها و سمى لها مهرا و سمى لمهرها أجلا، فقال له علي (عليه السلام): لا أجل لك في مهرها إذا دخلت بها فأد إليها حقها» (8).
____________
(1) الكافي ج 5 ص 414 ح 4، التهذيب ج 7 ص 358 ح 19، الوسائل ج 15 ص 14 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 381 ح 11، الوسائل ج 15 ص 14 ح 3.
(3) التهذيب ج 7 ص 357 ح 16، الوسائل ج 15 ص 16 ح 9.
(4) الكافي ج 5 ص 413 ح 3، الوسائل ج 15 ص 16 ح 9.
(5) التهذيب ج 7 ص 358 ح 17، الوسائل ج 15 ص 16 ح 10.
(6) الكافي ج 5 ص 413 ح 1، الوسائل ج 15 ص 16 ح 10.
(7) التهذيب ج 7 ص 358 ح 20، الوسائل ج 15 ص 16 ح 11.
(8) أقول: هذا الخبر على ظاهره لا أعلم به قائلا. (منه- (قدس سره)-).
497
و عن عبد الخالق (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتزوج المرأة فيدخل بها قبل أن يعطيها شيئا، قال: هو دين عليه».
و مما يؤيد ذلك تأييدا ظاهرا جملة من الروايات الدالة على أن من لم ينو إعطاء المهر فهو زان، و لا فرق بين عدم نيته سابقا أو لاحقا.
و منها ما رواه
في الكافي (2) عن الفضيل بن يسار في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يتزوج المرأة، و لا يجعل في نفسه أن يعطيها مهرها فهو زان».
و عن حماد بن عثمان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من تزوج امرأة و لا يجعل في نفسه أن يعطيها مهرها فهو زنا».
و عن السكوني (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إن الله ليغفر كل ذنب يوم القيامة إلا مهر امرأة، و من غصب أجيرا أجرته، و من باع حرا».
و ما رواه
الصدوق في الفقيه (5) مرسلا قال: «قال الصادق (عليه السلام) من تزوج امرأة و لم ينو أن يوفيها صداقها فهو عند الله زان».
«قال (6) و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن أحق الشروط أن يوفي به ما استحللتم به الفروج».
و روى في حديث المناهي عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد (7) عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «من ظلم امرأة مهرها فهو عند الله
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 358 ح 21، الوسائل ج 15 ص 17 ح 12.
(2) الكافي ج 5 ص 383 ح 3، الوسائل ج 15 ص 21 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 383 ح 2، الوسائل ج 15 ص 21 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 382 ح 17، الوسائل ج 15 ص 22 ح 4.
(5) الفقيه ج 3 ص 252 ح 11، الوسائل ج 15 ص 22 ح 6.
(6) الفقيه ج 3 ص 252 ح 12، الوسائل ج 15 ص 22 ح 7.
(7) الفقيه ج 4 ص 7 ضمن حديث مناهي النبي- (صلى الله عليه و آله)-، و الوسائل ج 15 ص 22 ح 8.
498
زان، يقول الله عز و جل يوم القيامة: عبدي زوجتك أمتي على عهدي فلم توف بعهدي و ظلمت أمتي، فيؤخذ من حسناته فيدفع إليها بقدر حقها، فإذا لم تبق له حسنة أمر به إلى النار، بنكثه العهد إن العهد كان مسؤولا».
و روى الراوندي في كتاب النوادر (1) عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال علي (عليه السلام)- في قوله تعالى «وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ نِحْلَةً»-: أعطوهن الصداق الذي استحللتم به فروجهن، فمن ظلم المرأة صداقها الذي استحل به فرجها فقد استباح فرجها زنا».
و ما رواه
الصدوق في كتابي العلل و العيون (2) عن الرضا (عليه السلام) في علل محمد بن سنان أنه كتب إليه أن «علة المهر و وجوبه على الرجال، و لا يجب على النساء أن يعطين أزواجهن؟ قال: لأن على الرجال مؤنة المرأة و هي بائعة نفسها، و الرجل مشتر، و لا يكون البيع بلا ثمن، و لا الشراء بغير إعطاء الثمن».
و التقريب في هذه الأخبار الأخيرة أن المرأة متى جاءت تطلب مهرها الذي وقع عليه العقد كلا أو بعضا و منعها إياه من أجل رضاها بالدخول أو جبرها عليه، فقد دخل تحت مصداق هذه الأخبار، إذ النواقل الشرعية محصورة، و ليس مجرد الدخول بالمرأة منها، و الأصل بقاء الحق الثابت أولا حتى يظهر ما يوجب البراءة منه.
و نقل الشيخ في التهذيب عن بعض أصحابنا أنه إذا دخل بها هدم الصداق، و عليه تدل جملة من الأخبار أيضا.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) في الصحيح عن الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام)
____________
(1) نوادر الراوندي ص 37.
(2) علل الشرائع ص 500 ب 262، عيون أخبار الرضا ج 2 ص 245، الوسائل ج 15 ص 23 ح 9.
(3) الكافي ج 5 ص 385 ح 1، التهذيب ج 7 ص 359 ح 22، الوسائل ج 15 ص 17 ح 13.
499
«في رجل تزوج امرأة و دخل بها ثم أولدها ثم مات عنها فادعت شيئا من صداقها على ورثة زوجها، فجاءت تطلبه منهم و تطلب الميراث، فقال: أما الميراث فلها أن تطلبه، و أما الصداق فالذي أخذت من الزوج قبل أن يدخل بها، فهو الذي حل للزوج به فرجها قليلا كان أو كثيرا إذا هي قبضته منه و قبلت و دخلت عليه به، و لا شيء لها بعد ذلك».
و ما رواه
في الكافي (1) عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الزوج و المرأة يهلكان جميعا فيأتي ورثة المرأة فيدعون على ورثة الرجل الصداق، فقال: و قد هلكا و قسم الميراث؟ فقلت: نعم، فقال ليس لهم شيء، فقلت: و إن كانت المرأة حية فجاءت بعد موت زوجها تدعي صداقها؟ فقال:
لا شيء لها و قد أقامت معه مقرة حتى هلك زوجها، فقلت: فإن ماتت و هو حي فجاءت ورثتها يطالبونه بصداقها؟ فقال: و قد أقامت معه حتى ماتت لا تطلبه؟
فقلت: نعم، فقال: لا شيء لهم، قلت: فإن طلقها فجاءت تطلب صداقها؟ قال: و قد أقامت لا تطلبه حتى طلقها لا شيء لها، قلت: فمتى حد ذلك الذي إذا طلبته كان لها؟ قال: إذا أهديت إليه و دخلت بيته ثم طلبت بعد ذلك فلا شيء لها، إنه كثير لها أن تستحلف بالله مالها قبله من صداقها قليل و لا كثير».
و عن محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يتزوج المرأة و يدخل بها ثم تدعي عليه مهرها، فقال: إذا دخل بها فقد هدم العاجل».
و عن عبيد بن زرارة (3) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يدخل
____________
(1) الكافي ج 5 ص 385 ح 2، التهذيب ج 7 ص 359 ح 23، الوسائل ج 15 ص 15 ح 8.
(2) الكافي ج 5 ص 383 ح 2، التهذيب ج 7 ص 360 ح 25، الوسائل ج 15 ص 14 ح 6.
(3) الكافي ج 5 ص 383 ح 3، التهذيب ج 7 ص 359 ح 24، الوسائل ج 15 ص 14 ح 4.
500
بالمرأة ثم تدعي عليه مهرها، فقال: إذا دخل بها فقد هدم العاجل».
و ما رواه
في التهذيب (1) عن الحسن بن علي بن كيسان قال: «كتبت إلى الصادق (عليه السلام) أسأله عن رجل يطلق امرأته و طلبت منه المهر، و روى أصحابنا أنه إذا دخل بها لم يكن لها مهر، فكتب: لا مهر لها».
و عن المفضل بن عمر (2) قال: «دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت له: أخبرني مهر المرأة الذي لا يجوز للمؤمنين أن يجوزوه، قال: فقال: السنة المحمدية خمسمائة درهم فمن زاد على ذلك رد إلى السنة و لا شيء عليه أكثر من الخمسمائة درهم، فإن أعطاها من الخمسمائة درهم درهما أو أكثر من ذلك ثم دخل بها فلا شيء عليه، قال: قلت: فإن طلقها بعد ما دخل بها؟ قال: لا شيء لها، إنما كان شرطها خمسمائة درهم، فلما أن دخل بها قبل أن تستوفي صداقها هدم الصداق، فلا شيء لها، إنما لها ما أخذت من قبل أن يدخل بها، فإذا طلبت بعد ذلك في حياة منه أو بعد موته فلا شيء لها».
و أنت خبير بأن هذه الأخبار على كثرتها و صحة جملة منها لم أقف على قائل بما دلت عليه غير ذلك البعض الذي نقل عنه الشيخ، و إلا فالشيخ و من تأخر عنه كلهم قد صرحوا بخلاف ما دلت عليه، و ارتكبوا التأويل فيها، و هو لما عرفت من وضوح أدلة القول المشهور و موافقتها لأصول المذهب، و مخالفة هذه.
و الشيخ حمل هذه الأخبار تارة على أنه ليس لها شيء بمجرد الدعوى من دون بينة كما يدل عليه
خبر الحسن بن زياد (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا دخل الرجل بامرأته ثم ادعت المهر، و قال الزوج: قد أعطيتك، فعليها البينة
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 376 ح 87، الوسائل ج 15 ص 18 ح 15.
(2) التهذيب ج 7 ص 361 ح 27، الوسائل ج 15 ص 17 ح 14.
(3) الكافي ج 5 ص 386 ح 4، التهذيب ج 7 ص 360 ح 26، الوسائل ج 15 ص 15 ح 7.
501
و عليه اليمين».
قال: و لو كان الأمر على ما ذهب إليه بعض أصحابنا من أنه إذا دخل بها هدم الصداق لم يكن لقوله (عليه السلام) «عليها البينة و عليه اليمين» معنى، لأن الدخول قد أسقط الحق، فلا وجه لإقامة البينة و لا اليمين.
و تارة على ما إذا لم يسم لها مهرا، و قد ساق إليها شيئا كما نبه عليه خبر الفضيل (1).
و قد اعترضه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بالنسبة إلى الوجه الأول بعد أن نقل عنه الجمع بين الأخبار به فقال: و في هذا الحمل نظر، لأن الخصم يستند إلى تلك الأخبار، و هي صريحة في إسقاط الدخول، و لا يضره هذا الخبر لأنها أصح منه سندا مع أن في الخبر مع تسليم سنده إشكالا من حيث إن المهر إذا تعين في ذمة الزوج، فهو المدعي للايفاء، و هي المنكرة، فيكون البينة عليه لا عليها، نعم لو كان النزاع في التسمية و عدمها مع عدم الدخول أمكن توجيه ذلك، و سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى، انتهى.
و أما التأويل الثاني فاعترضه فيه المحدث الكاشاني بأنه ليس في خبر الفضيل ما يدل على عدم التسمية، بل فيه ما يشير إلى التسمية، انتهى.
أقول: لا يخفى أن الخبر غير صريح و لا ظاهر في شيء من الأمرين، و مع تسليم ظهوره فيما ذكره فهو لا ينافي ارتكاب التأويل فيه بما ذكره الشيخ- رحمة الله عليه- إذ التأويل إنما هو على خلاف الظاهر.
ثم إن المحدث المذكور قال: و يخطر بالبال أن يحمل مطلق هذه الأخبار على مقيدها- أعني يحمل سقوط مطلق الصداق على سقوط العاجل منه- فإنهم كانوا يومئذ يجعلون بعض الصداق عاجلا و بعضه آجلا، كما مر التنبيه عليه في
____________
(1) الكافي ج 5 ص 385 ح 1، التهذيب ج 7 ص 359 ح 22، الوسائل ج 15 ص 17 ب 8 ح 13.
502
بعض ألفاظ خطب النكاح، و كان معنى العاجل ما كان دخوله بها مشروطا على إعطائه إياها، فإذا دخل بها قبل الإعطاء فكأن المرأة أسقطت عنه حقها العاجل و رضيت بتركه، و لا سيما إذا كانت قد أخذت بعضه أو شيئا آخر كما دل عليه حديث الفضيل (1)، و أما الآجل فلما جعلته حين العقد دينا عليه فلا يسقط إلا بالأداء، و عليه تحمل أخبار أول الباب. انتهى، و أشار بأخبار أول الباب إلى أخبار القول المشهور.
أقول: ما ذكره من الحمل و إن كان وجيها في حد ذاته، و عليه يدل خبر غياث بن إبراهيم (2) المتقدم، إلا أن فيه أن خبر الفضيل ظاهر بل صريح في خلافه، فإنه ظاهر كالصريح في أن المهر و هو خمسمائة درهم إنما هي عاجلة لا تأجيل فيها، و أنها متى قبضت منها و لو درهما واحدا أو دخلت عليه سقط الباقي بمجرد دخوله بها، و كذلك صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (3) فإنه (عليه السلام) قد قرر فيها ضابطة كلية، و هي أنه متى عقد على مهر ثم دخلت عليه فليس لها المطالبة، و إما لها المطالبة قبل الدخول، و الذي يقرب في الفكر العليل أن يقال: إن هذه الأخبار قد خرجت على نوعين:
(أحدهما) إن الدخول يهدم العاجل مثل رواية محمد بن مسلم (4) و رواية عبيد بن زرارة (5) و هذه الأخبار ظاهرة في أن المهر آجل و عاجل، و المعنى فيها
____________
(1) الكافي ج 5 ص 385 ح 1، التهذيب ج 7 ص 359 ح 22، الوسائل ج 15 ص 17 ح 13.
(2) الكافي ج 5 ص 381 ح 11، الوسائل ج 15 ص 14 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 385 ح 2، التهذيب ج 7 ص 359 ح 23، الوسائل ج 15 ص 15 ح 8.
(4) التهذيب ج 7 ص 260 ح 25، الوسائل ج 15 ص 14 ح 6.
(5) التهذيب ج 7 ص 359 ح 24، الوسائل ج 15 ص 14 ح 4.
503
ما ذكره في الوافي و به تشهد رواية غياث المتقدمة، و الأقرب عندي حملها على التقية كما ذكره جملة من الأصحاب من تصريح جملة من العامة بذلك، و أن العاجل عندهم يهدم بالدخول، و إلا فمجرد رضاها بالدخول بعد استقرار المهر في ذمته و إن اشترط تقديمه على الدخول لا يوجب سقوطه بالدخول.
و (النوع الثاني) سقوط المهر مطلقا بالدخول و إن لم يكن ثمة حال و لا مؤجل، و هذه محل الاشكال و الداء العضال، فإن بعضها و إن أمكن حمله على عدم التسمية كما احتمله الشيخ إلا أن خبر الفضيل صريح في التسمية، و عليه يحمل إطلاق باقي الأخبار إلا أن قوله
في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) «إنه كثير لها أن تستحلف بالله ما لها قبله من صداقها قليل و لا كثير».
صريح في عدم الهدم، و إلا لم يكن لتحليفه على ذلك وجه، ثم إنه بالنظر إلى إطلاق تلك الأخبار و عدم التسمية فيها و قطع النظر عن رواية الفضيل، و ظاهر الأصحاب أن الحكم فيها كما حملت عليه هذه الأخبار من أنه متى لم يسم مهرا و أعطاها شيئا و دخل بها مع رضاها بذلك فإنها لا تستحق سواه، و ليس لها مطالبة بشيء.
و قال شيخنا الشهيد الثاني: هذا القول هو المشهور بين الأصحاب خصوصا المتقدمين منهم، و لاشتهاره وافقهم ابن إدريس عليه (2) مستندا إلى الإجماع و الموافق
____________
(1) الكافي ج 5 ص 385 ح 2، التهذيب ج 7 ص 359 ح 23، الوسائل ج 15 ص 15 ح 8.
(2) قال ابن إدريس في كتابه: و من سمى المهر حال العقد و دخل بها كان في ذمته، و ان لم يكن سمى مهرا و أعطاها شيئا قبل دخوله بها ثم دخل بها بعد ذلك لم تستحق عليه شيئا سوى ما أخذته منه قبل الدخول كان ذلك قليلا أو كثيرا على ما رواه أصحابنا و أجمعوا عليه، فان دليل هذه المسألة هو الإجماع المتقدم بغير خلاف، و فيه الحجة لا وجه لذلك إلا الإجماع، و ان لم يعطها شيئا قبل الدخول بها، و لم يسم مهرا حال العقد ثم دخل بها لزمه مهر المثل، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
504
للأصول أنها إن رضيت به مهرا لم يكن لها غيره، و إلا فلها مع الدخول مهر المثل و يحسب ما وصل إليها منه إذا لم يكن على وجه التبرع، انتهى.
أقول: ينبغي أن تحمل الأخبار المذكورة على الرضاء به عن المهر ليحسم مادة الاشكال.
و إنما يبقى الكلام في رواية المفضل، و لعلها لقصورها سندا و عددا لا يعارض بها الأخبار المذكورة سيما مع ما اشتملت عليه مما ظاهر الأصحاب على خلافه من عدم جواز الزيادة على مهر السنة كما تقدم الكلام فيه، فيجب إرجاعها إلى قائلها، و لا يبعد حملها على التقية أيضا، و احتمل العلامة في المختلف هنا وجها آخر، و هو أن العادة كانت في الزمان السابق أن لا يدخل بالمرأة حتى يقدم المهر، و الأخبار المذكورة إنما خرجت بهذا التقريب، قال: بقي هنا شيء، و هو أن تقول: قد كان في الزمن الأول لا يدخل الرجل حتى يقدم المهر، و العادة الآن بخلاف ذلك، فلعل منشأ الحكم العادة فنقول: إن كانت العادة في بعض الأزمان أو الأصقاع كالعادة القديمة كان الحكم ما تقدم، و إن كانت العادة كالعادة الآن كان القول قولها، انتهى.
و منه يظهر حمل الأخبار المذكورة على ما جرت به العادة يومئذ من التقديم قبل الدخول، فيكون القول قول الزوج عملا بمقتضى العادة، و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني- (رحمه الله عليه)- في المسالك التوقف في المسألة حيث اقتصر على نقل الخلاف في المسألة و نقل بعض الروايات المتعلقة بها و لم يرجح شيئا في البين، و سبطه السيد السند قد اختار القول المشهور و أشار إلى بعض ما في أدلة خلافه من القصور، و المعتمد هو القول المشهور، و الله العالم.
تنبيه [فيما لو لم يسم لها مهرا و قدم لها شيئا قبل الدخول]
قد عرفت مما تقدم أن المشهور بين الأصحاب أنه لو لم يسم لها مهرا و قدم لها شيئا قبل الدخول كان ذلك مهرها، و أن ابن إدريس قد ادعى عليه الإجماع، و لم نقف له عليه دليل من الأخبار، و الشيخ قد حمل رواية الفضيل المتقدمة
505
على ذلك، فقال: يدل على صحة التأويل قوله (عليه السلام) في رواية الفضيل الذي أخذته قبل أن يدخل بها فهو الذي حل له به فرجها، و ليس بعد ذلك شيء و أورد عليه أن سكوتها و رضاها بالدخول لا يدل على رضاها به مهرا، بل هو أعم منه، و العام لا يدل على الخاص، على أنه قد تقدم في مفوضة البضع أن المستفاد من أخبارها أنها تستحق بالدخول مهر المثل، و هذه من جملة أفرادها.
و أما ما نقل عن الشيخ المفيد من تعليل ذلك بأنها لو لم ترض به مهر لما مكنته من نفسها حتى تستوفي تمامه أو توافقه على ذلك و تجعله دينا عليه في ذمته.
فرده في المسالك بأن منعه ظاهر، إذ لا يلزم من عدم رضاها عدم تمكينها لجواز اعتمادها في ذلك على ما يلزم شرعا بالدخول و هو مهر المثل.
أقول: و من ثم إن المحقق في الشرائع قال هنا: قيل: إذا لم يسم لها مهرا و قدم لها شيئا ثم دخل كان ذلك مهرها، و لم يكن لها مطالبته بعد الدخول إلا أن تشارطه قبل الدخول، على أن المهر غيره، و هو تعويل على تأويل رواية و استناد إلى قول المشهور. انتهى، و هو جيد، و قد قدمنا أن الأظهر حمل رواية الفضيل على الرضاء بما قدمه مهر لئلا يلزم مخالفتها للقواعد الشرعية، و الله العالم.
المسألة الثانية [عدم استقرار جميع المهر بمقدمات الوطي]
لا خلاف بين الأصحاب في أن الوطي الموجب للغسل موجب لاستقرار ملك جميع المهر المسمى في العقد، و إنما الخلاف في أنه هل يقوم غيره من مقدمات الوطي- كالخلوة و نحوها مما يأتي ذكره- مقامه أم لا؟
الأشهر الأظهر الثاني، و ذهب جمع من المتقدمين إلى أن الخلوة توجب المهر ظاهرا حيث لا يثبت شرعا عدم الدخول، و أما باطنا فلا يستقر المهر جميعه إلا بالدخول، و أطلق الصدوق وجوبه بمجرد الخلوة، و أضاف ابن الجنيد إلى الجماع إنزال الماء بغير إيلاج و لمس العورة و النظر إليها و القبلة متلذذا بذلك، و إن لم يكن قد دخل، و لا بأس بنقل جملة من عباراتهم فنقول:
قال الشيخ في النهاية: و متى خلا الرجل بامرأته و أرخى الستر ثم طلقها
506
وجب عليه المهر على ظاهر الحال، و كان على الحاكم أن يحكم بذلك و إن لم يكن بها، إلا أنه لا يحل للمرأة أن تأخذ أكثر من نصف المهر.
و قال في الخلاف: إذا طلقها بعد أن خلا بها و قبل أن يمسها اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب، فذهبت طائفة إلى أن وجود هذه الخلوة و عدمها سواء، و ترجع عليه نصف الصداق و لا عدة عليها، و هو الظاهر من روايات أصحابنا، و ذهب طائفة إلى أن الخلوة يستقر بها المسمى و تجب لها العدة، و به قال قوم من أصحابنا، و نحوه قال في المبسوط.
و قال ابن الجنيد: الذي يوجبه العقد من المهر المسمى النصف، و الذي يوجب النصف الثاني من المهر بعد الذي وجب من العقد منه الوقاع أو ما قام مقامه من تسليم المرأة نفسها لذلك، فإن وقعت الخلوة بحيث لا مانع ظهر من علة و لا غيرها فالحكم بالأغلب يقع بوجوب المهر من الحاكم، و لا يحل للمرأة أخذه إذا علمت أنه لم يقع جماع و لا ما يقوم مقام ذلك من إنزال الماء من غير إيلاج أو لمس عورة أو نظر إليها أو قبلة، فإن تلذذ بشيء من ذلك خصيا كان أو عنينا أو فحلا لزمه المهر.
و قال ابن أبي العقيل: و قد اختلف الأخبار عنهم (عليهم السلام) في الرجل يطلق المرأة قبل أن يجامعها و قد دخل بها و مس كل شيء منها إلا أنه لم يصبها، فروي عنهم في بعض الأخبار أنهم قالوا: إذا أغلق الباب و أرخيت الستور وجب لها المهر كاملا و وجبت العدة. و في بعض الأخبار أن لها نصف المهر و لا عدة عليها، و هذا أدل الخبرين بدلالة الكتاب و أشبه بقولهم، لأن الله عز و جل يقول «وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ» (1) فأخبر أنه إذا طلقها قبل أن يجامعها أن لها نصف المهر.
و قد جاء عنهم (عليهم السلام) ما يخص هذا في قضائهم في العنن أن الرجل إذا تزوج
____________
(1) سورة البقرة- آية 227.
507
المرأة فدخل بها فادعت المرأة أنه لم يصبها و خلا بها أجله الإمام سنة، فإذا مضت السنة و لم يصبها فرق بينهما و أعطيت نصف الصداق و لا عدة عليها منه، و في هذا إبطال لرواية من روى عنهم (عليهم السلام) أنه إذا أغلق الباب و أرخى الستور وجب المهر كاملا، و هذا العنين قد أغلق الباب و أرخى الستور و أقام معها سنة لا يجب عليه إلا نصف الصداق، و المسألتان واحدة لا فرق بينهما.
و ابن البراج و قطب الدين الكيدري وافقا الشيخ في النهاية.
و قال الصدوق في المقنع: و إذا تزوج الرجل المرأة و أرخى الستور و أغلق الباب ثم أنكرا جميعا المجامعة فلا يصدقان، لأنها ترفع عن نفسها العدة، و يرفع عن نفسه المهر.
و قال ابن حمزة: و إذا دخل بها و أرخى الستر عليها و ادعى الرجل أنه لم يواقعها و أمكنه إقامة البينة و أقامها قبلت منه، و إن لم يمكنه كان له أن يستحلفها، فإن استحلفها و إلا لزمه المهر.
أقول: و الواجب أولا نقل ما وصل إلينا من أخبار المسألة ثم الكلام في المقام بما رزق الله عز و جل فهمه منها ببركة أهل الذكر (عليهم السلام).
فمنها ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل دخل بامرأته، قال: إذا التقى الختانان وجب المهر و العدة».
و عن حفص بن البختري (2) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا التقى الختانان وجب المهر و العدة و الغسل».
و عن داود بن سرحان (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أولج فقد وجب الغسل و الجلد و الرجم و وجب المهر».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 109 ح 1، الوسائل ج 15 ص 65 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 109 ح 2، الوسائل ج 15 ص 65 ح 4.
(3) الكافي ج 6 ص 109 ح 3، الوسائل ج 15 ص 65 ح 5.
508
و عن يونس بن يعقوب (1) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فأغلق بابا و أرخى سترا و لمس و قبل ثم طلقها، أ يوجب عليه الصداق؟
قال: لا يوجب الصداق إلا الوقاع».
و عن عبد الله بن سنان (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سأله أبي و أنا حاضر عن رجل تزوج امرأة فأدخلت عليه فلم يمسها و لم يصل إليها حتى طلقها، هل عليها عدة منه؟ فقال: إنما العدة من الماء، قيل له: و إن كان واقعها في الفرج و لم ينزل؟ قال: إذا أدخله وجب الغسل و المهر و العدة».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب عن يونس بن يعقوب (3) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: لا يوجب المهر إلا الوقاع في الفرج».
و عن محمد بن مسلم (4) في الموثق قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) متى يجب المهر؟
قال: إذا دخل بها».
و عن حفص بن البختري (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل دخل بامرأته، قال: إذا التقى الختانان وجب المهر و العدة».
و عن يونس بن يعقوب (6) في الحسن أو الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فأدخلت عليه فأغلق الباب و أرخى الستر و قبل و لمس من غير أن يكون وصل إليها بعد، ثم طلقها على تلك الحال، قال: ليس عليه إلا نصف المهر».
أقول: و هذه الأخبار هي أدلة القول المشهور.
و يدل على القول الآخر ما رواه
في الكافي عن الحلبي (7) في الصحيح أو
____________
(1) الكافي ج 6 ص 109 ح 5، الوسائل ج 15 ص 67 ب 55 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 109 ح 6، الوسائل ج 15 ص 65 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 464 ح 67، الوسائل ج 15 ص 66 ح 6.
(4) التهذيب ج 7 ص 464 ح 68، الوسائل ج 15 ص 66 ح 7.
(5) التهذيب ج 7 ص 464 ح 69، الوسائل ج 15 ص 66 ح 8.
(6) التهذيب ج 7 ص 467 ح 78، الوسائل ج 15 ص 68 ح 5.
(7) الكافي ج 6 ص 109 ح 7، الوسائل ج 15 ص 67 ح 2.
509
الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يطلق المرأة و قد مس كل شيء منها إلا أنه لم يجامعها، إلها عدة؟ فقال: ابتلى أبو جعفر (عليه السلام) بذلك فقال له أبوه علي بن الحسين (عليه السلام): إذا أغلق بابا و أرخى سترا وجب المهر و العدة».
قال في الكافي: قال ابن أبي عمير، اختلف الحديث في أن لها المهر كملا، و بعضهم قال: نصف المهر، و إنما معنى ذلك أن الوالي إنما يحكم بالحكم الظاهر إذا أغلق الباب و أرخى الستر وجب المهر، و إنما هذا عليها إذا علمت أنه لم يمسها فليس لها فيما بينهما و بين الله إلا نصف المهر.
و ما رواه
في التهذيب (1) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا تزوج الرجل المرأة ثم خلا بها فأغلق عليها بابا و أو أرخى سترا ثم طلقها فقد وجب عليه الصداق، و خلاؤه بها دخول».
و عن السكوني (2) عن جعفر عن أبيه ع أن عليا ع كان يقول: من أجاف من الرجال على أهله بابا و أرخى سترا ثم طلقها فقد وجب عليه الصداق».
و الشيخ حمل هذين الخبرين على ما إذا كانا متهمين، يعني يريد الرجل أن يدفع المهر عن نفسه، و المرأة أن تدفع العدة عن نفسها.
و استدل عليه بما رواه
في الكافي (3) عن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
الرجل يتزوج المرأة فيرخي عليها و عليها الستر و يغلق الباب ثم يطلقها، فتسأل المرأة: هل أتاك؟ فتقول: ما أتاني، و يسأل هو: هل أتيتها؟ فيقول: لم آتها، فقال: لا يصدقان، و ذلك أنها تريد أن تدفع العدة عن نفسها، و يريد هو أن يدفع المهر عن نفسه، يعني إذا كانا متهمين».
قال: و متى كانا صادقين أو كان هناك طريق
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 464 ح 71 لكن عن إسحاق بن عمار، الوسائل ج 15 ص 67 ح 3.
(2) التهذيب ج 7 ص 464 ح 72، الوسائل ج 15 ص 67 ح 4.
(3) الكافي ج 6 ص 110 ح 8، التهذيب ج 7 ص 465 ح 73، الوسائل ج 15 ص 69 ح 1.
510
يمكن أن يعرف به صدقهما فلا يوجب المهر إلا المواقعة.
و استدل عليه برواية زرارة (1) الدالة على تنصيف المهر بالطلاق قبل الدخول، ثم ذكر ما نقله في الكافي عن ابن أبي عمير قال: و هذا وجه حسن و لا ينافي ما قدمناه، لأنا إنما أوجبنا نصف المهر مع العلم بعدم الدخول و مع التمكن من معرفة ذلك، فإما مع ارتفاع العلم و ارتفاع التمكن فالقول ما قاله ابن أبي عمير، انتهى.
و منها ما رواه
في التهذيب (2) عن محمد بن مسلم في الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن المهر متى يجب؟ قال: إذا أرخيت الستور و أجيف الباب، و قال:
إني تزوجت امرأة في حياة أبي علي بن الحسين (عليه السلام) و إن نفسي تاقت إليها، فذهبت إليها فنهاني أبي فقال: لا تفعل يا بني، لا تأتها في هذه الساعة، و إني أبيت إلا أن أفعل فلما دخلت عليها قذفت إليها بكساء كان علي، و كرهتها و ذهبت لأخرج، فنامت مولاة لها فأرخت و أجافت الباب، فقلت: مه، و قد وجب الذي تريدين».
و عن أبي بصير (3) قال: «تزوج أبو جعفر (عليه السلام) امرأة فأغلق الباب، فقال:
افتحوا و لكم ما سألتم، فلما فتحوا صالحهم».
و ما رواه
في الكافي (4) عن إسحاق بن عمار في الموثق عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتزوج المرأة فيدخل بها فيغلق بابا و يرخي سترا عليها و يزعم أنه لم يمسها، و تصدقه هي بذلك، عليها عدة؟ قال: لا، قلت: فإنه شيء دون شيء؟ قال: إن أخرج الماء اعتدت، يعني إذا كانا مأمونين صدقا».
و ما رواه
في الصدوق عن كتاب العلل (5) عن أبي عبيدة في الصحيح عن أبي عبد الله
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 465 ح 74، الوسائل ج 15 ص 70 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 466 ح 75، الوسائل ج 15 ص 68 ح 6.
(3) التهذيب ج 7 ص 467 ح 77، الوسائل ج 15 ص 69 ح 8.
(4) الكافي ج 6 ص 110 ح 9، الوسائل ج 15 ص 69 ح 2.
(5) علل الشرائع ص 517 ب 289 ح 7، الوسائل ج 15 ص 70 ح 3.
511
(عليه السلام) عن الرجل يتزوج المرأة البكر أو الثيب و يرخي عليه و عليها الستر أو أغلق عليه و عليها الباب، ثم يطلقها فتقول: لم يمسني، و يقول هو: لم أمسها، قال:
لا يصدقان، فإنها تدفع عن نفسها العدة و يدفع عن نفسه المهر.
أقول: هذا ما حضرني من أخبار المسألة، و الشيخ- رحمة الله عليه- فيما تقدم من كلامه قد جنح إلى ما ذكره ابن أبي عمير في الجميع بين هذه الأخبار و هذه الأخبار، و إلى هذا مال السيد السند في شرح النافع حيث قال بعد نقل كلام ابن أبي عمير: و استحسن الشيخ- رحمة الله- هذا الوجه من الجمع، و لا بأس به، انتهى.
و مرجعه إلى حمل أخبار إرخاء الستر و إغلاق الباب على الكناية عن الدخول بها، و أن الظاهر من هذا العمل وقوع الدخول لوجوب التستر به عن الناس، و حينئذ فترجع هذه الأخبار إلى الأخبار الأولة الدالة على وجوب المهر كملا بالدخول، و يخطر بخاطري القاصر و ذهني الفاتر بعد ما ذكروه بل الذي يظهر من هذه الروايات بعد التأمل في مضامينها و عباراتها و النظر في مطاوي قرائنها و إشاراتها هو أن الموجب للمهر إنما هو إرخاء الستر و إغلاق الباب من حيث هو، لا من حيث إنه مظنة للوقاع، و كاشف عن وقوعه، بل و إن علم عدم الوقاع فالواجب هو ذلك، و ينبهك على ذلك قوله (عليه السلام) في رواية زرارة المتقدمة بعد أن حكم بوجوب الصداق بمجرد إغلاق الباب و إرخاء الستر «خلاؤه بها دخول» بجعل مجرد خلائه بها دخولا، و الحمل على أنه إنما حكم بذلك من حيث كونه مظنة للدخول، خلاف الظاهر، و أوضح منه في ذلك أخبار تزويج الباقر (عليه السلام) و قد تضمن خبر محمد بن مسلم أنه (عليه السلام) بعد أن قذف عليها بالكساء و رآها كرهها فذهب ليخرج، فقامت مولاتها لما رأته عازما على الخروج و أرخت الستر و أجافت الباب، فقال (عليه السلام): «قد وجب الذي تريدين» يعني المهر كملا، و من الظاهر أنه لم يجامعها كما يدل عليه سياق الخبر، و قد حكم (عليه السلام) لها بوجوب المهر بمجرد ما فعلته مع عدم الجماع، و هو أظهر ظاهر فيما قلناه، و هو أيضا ظاهر
512
خبر أبي بصير و إن كان الخبر الأول أوضح، و يقرب عندي حمل هذه الأخبار بناء على ما ذكرناه على التقية.
أما (أولا) فلأنها هي الأصل في اختلاف الأخبار كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب من جلد كتاب الطهارة (1).
و أما (ثانيا) فلأنه بعد بطلان الحمل الذي ذكروه بما عرفت فليس إلا رد الأخبار المذكورة، و قد تقدم أن الحمل على التقية لا يشترط فيه وجود القائل به منهم، على أنه يمكن وجود القائل به، فإنه لا يحضرني الآن مذاهب العامة في هذه المسألة، و كيف كان فالظاهر الذي عليه العمل هو القول المشهور، و أما ما ذكره ابن الجنيد من تلك الأمور الزائدة على الخلوة فلم نظفر له في أخبارنا على أثر، و هذه أخبار المسألة كملا، و الظاهر أنه تبع في ذلك العامة كما هي عادته غالبا، و العجب من أصحابنا في نقل أقوال، و الاعتداد بها مع ما يطعنون به عليه من اقتفاء العامة، و لا سيما في العمل بالقياس و الاستحسان، هذا بالنسبة إلى ما عدا رواية أبي بصير و صحيحة أبي عبيدة المنقولة من كتاب العلل و موثقة إسحاق ابن عمار، و أما هذه الأخبار الثلاثة فالمستفاد منها بعد ضم بعضها إلى بعض أنه إن كانا في اعترافهما بعدم الدخول متهمين يجر كل منهما النفع إلى نفسه من جهة كما صرح به في خبري أبي بصير و صحيحة أبي عبيدة فإنها لا يقبل قولهما، و لو كانا مأمونين صدقا كما صرح به موثق إسحاق بن عمار، و الظاهر حمل خبر أبي بصير و صحيحة أبي عبيدة على وقوع الدخول في الخلوة و ظهور ذلك بقرائن الحال، و أنهما إنما أنكرا ذلك للعلة المذكورة في كل منهما و موثقة إسحاق ابن عمار على عدم ظهور ذلك مع كونهما مأمونين، و حينئذ فلا ينافي ما قدمنا ذكره من أن ظاهر تلك الأخبار هو ترتب وجوب المهر على مجرد الخلوة و إن علم عدم الدخول، و الله العالم.
____________
(1) ج ص 4.
513
المسألة الثالثة [فيما لو طلق زوجته قبل الدخول و قد فرض لها مهرا]
لا خلاف بين الأصحاب في أنه إذا طلق زوجته قبل الدخول و قد فرض لها مهرا فإنه يرجع بنصفه، فإن كان قد دفع المهر لها استعاد نصفه، و إلا أعطاها النصف خاصة، سواء قلنا بأنها تملك المهر جميعا بمجرد العقد أو نصفه خاصة.
و يدل على ذلك من الأخبار ما رواه
في الفقيه (1) عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلها نصف مهرها، و إن لم يكن سمي لها مهرا فمتاع بالمعروف» الحديث.
و ما رواه
في الكافي (2) عن أبي بصير قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها، قال: عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا» الحديث.
و ما رواه
في الكافي (3) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فقد بانت منه و تزوج إن شاءت من ساعتها، و إن كان فرض لها مهرا فلها نصف المهر» الحديث.
و عن الحلبي (4) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها، قال: عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا» الحديث.
إلى غير ذلك من الأخبار الآتي جملة منها إن شاء الله تعالى في المقام، ثم إن في هذا المقام صورا عديدة:
الاولى: أن يكون المهر دينا في ذمته
، و لا إشكال في أنه إذا طلقها قبل الدخول برءت ذمته من نصفه، و وجب عليه دفع النصف الآخر إليها.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 326 ح 1، الوسائل ج 15 ص 55 ح 8.
(2) الكافي ج 6 ص 108 ح 11 و ص 106 ح 3، الوسائل ج 15 ص 61 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 106 ح 1، الوسائل ج 15 ص 61 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 106 ح 3، التهذيب ج 8 ص 142 ح 92، الوسائل ج 15 ص 55 ح 7.
514
الثانية: أن يكون عينا إلا أنها باقية في يد الزوج
، و حينئذ فإن كانت باقية إلى وقت الطلاق من غير زيادة و لا نقصان فلا إشكال في أنه يستحق نصفها و يكونان شريكين فيها، و إن زادت بزيادة من الله سبحانه فالزيادة لها بناء على ما هو الأشهر الأظهر من انتقال المهر كملا إليها بالعقد و أنها تملكت، و إن كان ملك أحد النصفين متزلزلا و إن كانت الزيادة بفعله فهو بمنزلة الغاصب بناء على القول بانتقال المهر إليها كملا كما هو المعتمد فإنه كالأجنبي و يصير كالغاصب.
و إن نقصت كان النقص مضمونا عليه، و إن تلف رجعت عليه بالقيمة أو المثل.
الثالثة: أن يكون عينا إلا أنه قد سلمها إليها
، فإن كان باقيا استعاد نصفه، و إن وجده تالفا استعاد نصف مثله إن كان مثليا، و نصف قيمته إن كان قيميا، ثم إنه إن اتفقت قيمته من حين العقد إلى حين القبض فلا إشكال، و إن اختلفت قالوا: يرجع بأقل القيم، لأن قيمته يوم العقد إن كانت هي الأكثر منها حين قبضها فما نقص قبل القبض كان مضمونا عليه، فلا يضمنها ما هو في ضمانه، و إن كانت القيمة يوم القبض أكثر مما زاد بعد العقد لها، فلا يضمنها ما هو ملكها، قالوا: و في حكم التلف ما لو انتقل عن ملكها انتقالا لازما كالبيع و العتق و الهبة اللازمة.
الرابعة: كسابقتها إلا أنه وجد العين ناقصة
، و كان النقص نقصان عين، كعور الدابة أو صفة كنسيان الصنعة، ففي كيفية الرجوع أقوال ثلاثة:
(أحدها) و هو المنقول عن الشيخ في المبسوط أن الزوج يتخير بين الرجوع بنصف القيمة سليما، و بين أخذ نصف العين من غير أرش.
و (ثانيها) الرجوع بنصف العين و نصف الأرش لأن العين لا تخرج عن حقيقتها بالتعيب، و مستحقة إنما هو العين و تعيبها مجبور بالأرش، و ظاهره في المسالك اختيار هذا القول.
و (ثالثها) التفصيل بأن النقص إن كان بفعلها أو فعل الله سبحانه تخير بين أخذ نصفه ناقصا و بين تضمينها نصف قيمته، و إن كان من قبل أجنبي لم يكن
515
له سبيل على المهر و ضمنها نصف القيمة يوم قبضه، و هو قول ابن البراج.
الخامسة: الصورة بحالها إلا أنه وجد العين زائدة
، و حينئذ فلا يخلوا إما أن تكون الزيادة باعتبار القيمة السوقية، و لا إشكال في أنه يأخذ نصف العين كما لو نقصت كذلك، و إن كانت الزيادة منفصلة كالولد و اللبن و ثمرة الشجرة و الكسب فهي للمرأة بناء على ما هو الأشهر الأظهر من ملكها المهر كملا بمجرد العقد و هذه الأشياء نماء ملكها سواء كانت العين في يدها أو في يده، و يختص رجوعه بنصف الأصل.
و يدل على خصوص هذا الحكم من الأخبار ما رواه
في الكافي (1) عن عبيد ابن زرارة في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل تزوج امرأة على مائة شاة، ثم ساق إليها الغنم، ثم طلقها قبل أن يدخل بها و قد ولدت الغنم، قال:
إن كان الغنم حملت عنده رجع بنصفها و نصف أولادها، و إن لم يكن الحمل عنده رجع بنصفها و لم يرجع من الأولاد بشيء».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) عن عبيد بن زرارة قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل تزوج امرأة و مهرها مهرا فساق إليها غنما و رقيقا فولدت عندها فطلقها قبل أن يدخل بها، قال: إن كان ساق إليها ما ساق و قد حملن عنده فله نصفها و نصف ولدها، و إن كن حملن عندها فلا شيء له من الأولاد».
و التقريب فيها أن تلك الغنم و الرقيق إذا حملن عنده فالمهر مجموع الأمهات و الأولاد، فمع الطلاق قبل الدخول يرجع بنصف كل منهما، و أما إذا حملن عندها فإن المهر إنما هو الأمهات خاصة، و قد فرضنا أنها تملك المهر بأجمعه بمجرد العقد فيكون هذا النماء نماء ملكها، و في الخبر دلالة واضحة على القول المشهور من ملكها المهر بمجرد العقد خلافا لابن الجنيد إذ لو كان كما يدعيه من ملكها
____________
(1) الكافي ج 6 ص 106 ح 4، الوسائل ج 15 ص 43 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 368 ح 54، الوسائل ج 15 ص 43 ح 1.
516
النصف خاصة بالعقد و النصف الآخر إنما تملك بالدخول لكان الرجوع عنها بنصف الأولاد إذا حملن عندها.
إلا أنه
قد روى الصدوق في الفقيه (1) عن الحسن بن محبوب عن حماد الناب عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة على بستان له معروف و له غلة كثيرة، ثم مكث سنين لم يدخل لها ثم طلقها، قال: ينظر إلى ما صار إليه من غلة البستان من يوم تزوجها فيعطيها نصفه و يعطيها نصف البستان، إلا أن تعفو فتقبل منه و يصطلحا على شيء ترضى به منه فإنه أقرب للتقوى».
و هو كما ترى ظاهر فيما ذهب إليه ابن الجنيد من أنها بالعقد لا تملك إلا النصف خاصة، و لهذا حكم بأن غلة البستان في تلك السنين التي بين العقد و الطلاق تقسم أنصافا بينهما، و من المعلوم أن الغلة تابعة للأصل.
و بذلك يظهر لك ما في كلام السيد السند في شرح النافع حيث قال في الجواب عن دلالتها على مذهب ابن الجنيد ما صورته: و هذه الرواية غير دالة على المطلوب صريحا، إذ لا مانع من ثبوت هذا الحكم و إن قلنا إن المرأة تملك المهر بأجمعه بالعقد، فإن فيه إن من القواعد المقررة المتفق عليها نصا و فتوى أن النماء تابع للأصل، فإذا فرض أن المرأة تملك المهر كملا بمجرد العقد، فكيف يحكم (عليه السلام) للزوج بنصفه؟ و ما الوجه فيه؟ و مقتضى القواعد إنما هو كونه للمرأة، و الموافق للقاعدة إنما هو ما ذكرناه من كون نصف الأصل لها بمجرد العقد و النصف الآخر قبل الدخول للزوج، هذا كلامه في تلك المسألة- أي مسألة ملك الكل أو النصف بالعقد- و أما في هذه المسألة فأقصى ما أجاب به عنها هو ضعف السند.
و بالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الإشكال في كل من الموضعين لعدم ظهور محمل لرواية أبي بصير المذكورة، و ليس في سندها ممن ربما يتوقف في شأنه إلا أبو بصير لاشتراكه بين يحيى بن القاسم الضعيف باصطلاحهم و المرادي
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 272 ح 77، الوسائل ج 15 ص 41 ح 1.
517
الثقة، و الحق عندي كما عليه جملة من أفاضل متأخري المتأخرين هو جلالة يحيى بن القاسم و عد حديثه في الصحيح، فإن المستفاد من جملة من الأخبار أنه بالمحل الأعلى عندهم (عليهم السلام)، و حينئذ فتكون الرواية صحيحة معتبرة، و بذلك يعظم الاشكال.
هذا كله في الزيادة المنفصلة، و أما لو كانت متصلة كالسمن و كبر الحيوان فإنه قطع جماعة من الأصحاب بأن للزوج نصف قيمته من دون الزيادة، و أن المرأة لا تجبر على دفع العين، لأن الزيادة ليست مما فرض فلا يكون للزوج الرجوع بها، و علله في المسالك بأن الزيادة ملكها و لا يمكن فصلها و لا تجبر على بذلها مجانا و لا بالعوض، لكنها تتخير حينئذ بين دفع نصف المشتمل على الزيادة و بين بذل نصف القيمة مجردة عنها، فإن سمحت ببذل العين اجبر على القبول، لأن النفع عائد إليه واصل حقه في العين عملا بظاهر الآية، و إنما منع تعلق حقها بها الذي لا يمكن فصله، فإذا سمحت ببذله زال المانع، انتهى.
أقول:
روى الشيخ في التهذيب (1) عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن أبيه أن عليا (عليه السلام) «قال في الرجل يتزوج المرأة على وصيف فكبر عندها فيريد أن يطلقها قبل أن يدخل بها قال: عليه نصف قيمته (2) يوم دفعه إليها لا ينظر في زيادة و لا نقصان».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 369 ح 57، الوسائل ج 15 ص 44 ح 2.
(2) أقول: الذي رواه الشيخ في التهذيب «عليه نصف قيمته» الى آخره، و قال السيد السند في شرح النافع و لعل المراد بقوله عليه نصف قيمته أنه يتعلق بالوصيف نصف القيمة لمولاه، إذ لا وجه لإلزام المولى بدفع نصف قيمة الوصيف إلى المرأة، و لو كان بدل «عليه» «عليها، أو له» كان أوضح، انتهى.
أقول: الظاهر أن ما وقع من تذكير الضمير هنا انما هو من سهو قلم الشيخ- رحمة الله- كما نبهنا عليه في مواضع لا يخفى سيما في كتب العبادات مما وقع له من التحريف بالتغيير و التبديل في متون الاخبار و أسانيدها بحيث انه لا يكاد يسلم خبر من شيء من ذلك الا نادرا و لهذا أنه في الوافي إنما ذكر الخبر بلفظ «عليها» و من عادته مراعاة أمثال هذا الغلط و التحريف في الاخبار فلا حاجة الى ما تكلفه السيد السند- (قدس سره)- من الحمل، و الله العالم. (منه- (قدس سره)-).
و يحتمل أن يكون من سهو النساخ لا من قلم الشيخ و لذا في الكافي «و عليها».
518
و رواه الكليني (1) عن السكوني «عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في المرأة: تزوج على الوصف فيكبر عندها فتزيد أو ينقص ثم يطلقها قبل أن يدخل بها» الحديث.
كما تقدم، و هو كما ترى ظاهر بل صريح فيما ذكره الأصحاب من حكم المسألة، و الشيخ في المبسوط بعد أن قوى تخيرها بين دفع نصف العين و نصف قيمتها من دون الزيادة كما قدمنا نقله عن المسالك قال: و يقوى في نفسي أن له الرجوع بنصفه مع الزيادة التي لا يتميز لقوله تعالى «فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ» (2) و ظاهره أنها تجبر على دفع نصف العين في صورة الزيادة التي لا يتميز، و أورد عليه في المسالك بأن الزيادة ليست مما فرض فلا تدخل في مدلول الآية.
و أجاب سبطه السيد السند في شرح النافع فقال: و يمكن دفعه بأن العين مع الزيادة التي لا تتميز يصدق عليها عرفا أنها المفروضة فتناوله الآية الشريفة، و بالجملة فما قوى في نفس الشيخ لا يخلو من قوة، انتهى.
أقول: لا يخفى أنه بعد دلالة الخبر المذكور على أن الحكم في المسألة هو دفع نصف القيمة لا ينظر في زيادة و لا نقصان، فما ذكره الشيخ و قواه بمكان من الضعف، و أن ظاهره كما عرفت أن الحكم الشرعي هو جبر المرأة على دفع نصف العين في الصورة المذكورة، و لهذا أن المحقق في الشرائع أشار إلى رده بقوله: و لا تجبر المرأة على الأظهر، و هل هو إلا الاجتهاد في مقابلة النصوص، و بذلك يظهر لك ما في تقوية السيد السند لقول الشيخ هنا من النظر الظاهر، و الله العالم.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 108 ح 13، و فيه «و عليها»، الوسائل ج 15 ص 44 ح 2.
(2) سورة البقرة- آية 237.
519
تنبيهات
الأول [فيما لو أصدقها حيوانا حاملا و حكمنا بدخول الحمل في الصداق]
قالوا: لو أصدقها حيوانا حاملا و حكمنا بدخول الحمل في الصداق إما بمجرد الإطلاق كما هو مذهب الشيخ و جماعة أو بالشرط كما هو القول الآخر صار الجميع مهرا، فإذا طلقها قبل الدخول رجع بنصف الجميع لأنه هو المهر.
أقول: و قد تقدم ما يدل على ذلك من روايتي
عبيد بن زرارة (1) و قوله (عليه السلام) في الأولى منهما «إن كانت الغنم حملت عنده رجع بنصفها و نصف أولادها».
و نحوه في الثانية، و قد تقدم بيان الوجه فيه، و إطلاق الخبرين المذكورين شامل لما لو وقع الطلاق قبل وضع الحمل أو بعده فإنه يرجع بالنصف في كلتا الحالين، لأنه قد علق الرجوع بالنصف على حصول الحمل عنده المستلزم لوقوع العقد بعد الحمل، و هو أعم من أن تضع قبل الطلاق أو بعده، و بذلك يظهر أن ما وقع لهم في هذا المقام من الاحتمالات و التفريعات و التكلفات- كما نقله في المسالك حتى ذهب بعضهم في صورة الطلاق بعد الوضع إلى الرجوع بنصف الأم خاصة و أرش نقصانها، قال: لأن الحمل زيادة ظهرت بالانفصال عن ملكها، و بعضهم جعله احتمالا في المسألة- كله نفخ في غير ضرام و خروج عما جاء عنهم (عليهم السلام)، و الظاهر أنه لم تخطر لهم هذه الأخبار بالبال، و إنما بنوا على مجرد التخريجات العقلية كما هي عادتهم غالبا.
الثاني [فيما لو أصدقها تعليم صناعة ثم طلقها قبل الدخول]
قالوا: لو أصدقها تعليم صناعة ثم طلقها قبل الدخول كان لها نصف اجرة تعلمها، و لو كان علمها قبل الطلاق رجع بنصف الأجرة. و علل الرجوع بنصف الأجرة في الموضعين المذكورين بأنه (في الأول) يتعذر تعليمها نصف الصنعة خاصة، إذ ليس للنصف حد يوقف عليه أو لا نصف لها مطلقا فينزل ذلك منزلة
____________
(1) الكافي ج 6 ص 106 ح 4، التهذيب ج 7 ص 368 ح 54، الوسائل ج 15 ص 43 ح 1.
520
ما لو تلف الصداق في يده، فترجع بنصف الأجرة، و لأنه صار أجنبيا لا يصلح تعلمها منه لو فرض إمكان التوصل إلى الحق.
و أما (في الثاني) فلتعذر رجوعه بعين ما فرض، إذ لا يمكن تخليص نصف الصنعة منها فيكون المهر بمنزلة التالف في يدها، فيرجع بنصف الصنعة منها فيكون المهر بمنزلة التالف في يدها، فيرجع بنصف الأجرة. قالوا: و الحكم في الموضعين مما لا إشكال فيه.
قالوا: و لو كان الصداق تعليم سورة و طلقها قبل الدخول، فإن كان قد علمها رجع عليها بنصف الأجرة كالصنعة، و إن لم يكن علمها فليس الحكم فيها كالصنعة لأن تعليم نصف السورة أمر ممكن في نفسه، و لكن الزوج صار أجنبيا منها، فإن حرمنا على الأجنبي سماع صوت المرأة أو جوزناه، و لكن خيف الفتنة أو لم يمكن ذلك إلا بالخلوة المحرمة رجعت عليه بنصف الأجرة كالصنعة، لتعذر الرجوع إلى نصف المفروض بمانع شرعي، فيكون كالمانع العقلي، و إن أمكن ذلك من غير محذور قيل: جاز تعليمها النصف من وراء حجاب، لأنه موضع ضرورة كمعاملة الأجنبية، أو لأنه تعليم واجب، أو لأن مطلق سماع صوتها غير محرم، و هذا الوجه خيرة الشيخ في المبسوط، و قيل: ترجع عليه بنصف الأجرة مطلقا، لما ذكر من الموانع، و لأن النصف يعسر الوقوف عليه، لاختلاف الآيات في سهولة التعليم و صعوبته، و على الأول تقسم السورة بالحروف، لا بالآيات.
أقول: لم أقف في هذا المقام على شيء من الأخبار إلا ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل تزوج امرأة على سورة من كتاب الله عز و جل ثم طلقها من قبل أن يدخل بها، و بما يرجع عليها؟ قال: بنصف ما يعلم به مثل تلك السورة».
و مورد الرواية ما إذا علمها السورة، لأن الرجوع عليها دليل وصول المهر إليها، و إلا لكانت هي التي ترجع عليه، و يبقى الاشكال فيما لو لم يعلمها السورة، فهل الواجب عليه تعليمها النصف لأنه ممكن؟ و ما ذكروه من تحريم سماع
____________
(1) الكافي ج 6 ص 382 ح 14، التهذيب ج 7 ص 364 ح 38، الوسائل ج 15 ص 27 ح 1.
521
الأجنبية على إطلاقه ممنوع كما تقدم قريبا، بل الأدلة الكثيرة صريحة في الجواز فيعلمها و لو من وراء حجاب- أنها ترجع بنصف الأجرة؟ احتمالان، و الظاهر أن الحكم في الصنعة إذا طلقها بعد أن علمها إياها كذلك، و من وجوب الرجوع عليها بنصف اجرة مثلها كما ذكره (عليه السلام) في السورة، لاشتراك الجميع في التعليم الذي هو الموجب للأجرة، و حينئذ فيكون حكم هذه الصورة مستفاد من النص المذكور، فلا حاجة إلى ما أطالوا به في تعليل ذلك مما تقدم نقله عنهم، من قولهم:
و أما في الثاني فلتعذر رجوعه بعين ما فرض إلى آخره.
الثالث [فيما لو أبرأته من الصداق قبل الدخول بها ثم طلقها]
المشهور بين الأصحاب أنه لو أبرأته من الصداق قبل الدخول بها ثم طلقها قبل الدخول أنه يرجع عليها نصف المهر الذي وقع عليه العقد، لأنه لا فرق بين تصرفها فيه يصرفه في مصالحها و لا بين تصرفها فيه بالإبراء منه أو بهبته له أو لغيره، و مجملة أنها متى تصرفت فيه تصرفا ناقلا عن ملكها لازما لا يمكن الرجوع فيه، فإنه يلزمها عوض النصف.
و حكى في القواعد وجها بعدم الرجوع، و قبله الشيخ في المبسوط، قال في المسالك: و هو قول لبعض العامة، و احتجوا عليه بأنها لم تأخذ منه مالا و لا نقلت إليه الصداق و لا أتلفته عليه، فلا تضمن.
ورد بأن ضعفه ظاهر، فإن المهر كان مستحقا لها في ذمة الزوج، فلما أبرأته منه انتقل عن ملكها إليه فتحقق النقل، أو يقال: بأنها إسقاط المهر من ذمته بعد أن كان ثابتا فيها قد أتلفته، إذ لا شبهة في أنه كان ملكها ثم خرج عنه فتغرم له البدل (1).
____________
(1) قالوا: أما الأول فظاهر، و أما الثاني فلاشتماله أن يستحق الإنسان في ذمة نفسه شيئا فلا يتحقق نقله اليه، و أما الثالث فلانه لم يصدر منها الا إزالة استحقاقها في ذمته و هو ليس بإتلاف البتة، ورد هذه الوجوه في المسالك بكلام يطول ذكره ليس في نقله مزيد فائدة بعد ما عرفت في الأصل، و من أحب الوقوف عليه فليرجع الى الكتاب المذكور. (منه- (قدس سره)-).
522
أقول: و الذي حضرني من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن محمد بن مسلم في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فأمهرها ألف درهم و دفعها إليها فوهبت له خمسمائة درهم وردتها عليه ثم طلقها قبل أن يدخل بها، قال: ترد عليه الخمسمائة درهم الباقية لأنها إنما كانت لها خمسمائة درهم فوهبتها له، وهبتها إياها له و لغيره سواء».
و ما رواه
في التهذيب و الفقيه (2) عن شهاب بن عبد ربه في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة على ألف درهم، فبعث بها إليها فردتها عليه و وهبتها له، و قالت: أنا فيك أرغب مني في هذه الألف هي لك، فقبلها منها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، قال: لا شيء لها و ترد عليه خمسمائة درهم».
و ما رواه
الشيخ (3) في الموثق عن سماعة قال: «سألته عن رجل تزوج جارية أو تتمتع بها ثم جعلته من صداقها في حل، أ يجوز له أن يدخل بها قبل أن يعطيها شيئا؟ قال: نعم إذا جعلته في حل فقد قبضته منه، فإن خلاها قبل أن يدخل بها ردت المرأة على الزوج نصف الصداق».
و بذلك يظهر لك ضعف ما احتمله الشيخ و العلامة من عدم الرجوع بناء على تلك التخرصات الباردة و التخريجات الشاردة، و منشأ ذلك الغفلة عن ملاحظة الأخبار و عدم إعطاء التأمل حقه في تتبع الآثار الواردة عن الأئمة (عليهم السلام).
الرابع: لو أعطاها عوض المهر متاعا أو عبدا آبقا أو شيئا ثم طلق قبل الدخول
رجع بنصف المسمى دون العوض، و الوجه في رجوعه بنصف المسمى دون
____________
(1) الكافي ج 6 ص 107 ح 9، التهذيب ج 7 ص 368 ح 55، الوسائل ج 15 ص 44 ب 35 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 107 ح 8 مع اختلاف يسير، التهذيب ج 7 ص 374 ح 74، الفقيه ج 3 ص 328 ح 9 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 50 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 374 ح 76، الوسائل ج 15 ص 50 ح 2.
523
نصف العوض أن الذي يستحقه الزوج بالطلاق نصف المهر المفروض، و عوضه غيره، فلا يرجع به، و ينبغي أن يعلم أن المراد برجوعه بنصف المسمى هنا إنما هو رجوعه بمثله أو قيمته، لأن المسمى بالمعاوضة و دفع العوض الذي هو أحد هذه المذكورات قد صار ملك الزوج، فالنصف المحكوم بعوده إليه قد انتقال عن ملكها بالمعاوضة المذكورة، فيرجع حينئذ إلى مثله أو قيمته، كما لو انتقل منها إلى غيره، و لا فرق في ذلك بين انتقاله بعوض يساوي قيمته أو ينقص أو يزيد، و لا بين أنواع الأعواض لاشتراك الجميع في المقتضى و هو خروجه بذلك عن ملكها كما خرج بغير عوض كالهبة.
و يدل على أصل الحكم المذكور ما رواه
الكليني (1) في الصحيح عن الفضيل ابن يسار قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة بألف درهم فأعطاها عبدا له آبقا و بردا حبرة بألف درهم التي أصدقها، قال: إذا رضيت بالعبد و كانت قد عرفته فلا بأس إذا هي قبضت الثوب و رضيت بالعبد، قلت: فإن طلقها قبل أن يدخل بها؟ قال: لا مهر لها و ترد عليه خمسمائة و يكون العبد لها».
الخامس [فيما لو دبر مملوكا جاز أن يجعله مهرا لزوجته]
الظاهر أنه لا إشكال و لا خلاف في أنه إذا دبر مملوكا ذكرا كان أو أنثى جاز لمن دبره أن يجعله مهرا لزوجته، لأنه بالتدبير لا يخرج عن ملكه، بل له التصرف فيه بجميع أنواع التصرفات من بيع و غيره، و هو كالوصية بل هو في التحقيق وصية بالعتق، و حينئذ فلو طلقها قبل الدخول صار المدبر مشتركا بينهما لرجوع نصفه إلى الزوج، حيث إنه المهر و حكمه الرجوع بنصفه في الطلاق، و هذا كله مما لا خلاف فيه. إنما الخلاف في أنه يجعله مهرا، هل يبطل التدبير أو يبقى صحيحا؟ أكثر الأصحاب سيما المتأخرين على الأول، و هو مذهب ابن إدريس و من تأخر عنه، و ذهب الشيخ في النهاية و بعض أتباعه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 380 ح 6، التهذيب ج 7 ص 366 ح 47، الوسائل ج 15 ص 35 ح 1.
524
إلى الثاني.
قال في النهاية: إذا عقد لها على جارية مدبرة له و رضيت المرأة به ثم طلقها قبل الدخول بها كان لها يوم من خدمتها، و له يوم، فإذا مات المدبر صارت حرة و لم يكن لها عليها سبيل، و إن ماتت المدبرة و كان لها مال كان نصفه للرجل و نصفه للمرأة. و نحوه كلام ابن البراج في كتابيه المهذب و الكامل.
و قال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول المذهب أن العقد على هذه المدبرة صحيح، و تخرج عن كونها مدبرة و تستحقها المرأة، لأن التدبير وصية، و لو أوصى ببعض أملاكه ثم أخرجه عن ملكه قبل موته بطلت وصيته، و المدبرة هنا قد أخرجها بجعلها مهرا- إلى أن قال:- اللهم إلا أن يكون التدبير المذكور واجبا على وجه النذر لا رجوع للمدبر فيه، فيصح ما قاله شيخنا- (رحمه الله).
و اعترضه العلامة في المختلف ببطلان جعلها مهرا حينئذ، و قيد بقاء التدبير بما لو شرط إبقاء التدبير فإنه يكون لازما لعموم (1)
«المؤمنون عند شروطهم».
و لأنه كشرط العتق في البيع و نحوه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن مستند الشيخ فيما ذهب إليه في النهاية هو ما رواه
عن المعلى بن خنيس (2) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) و أنا حاضر عن رجل تزوج امرأة على جارية له مدبرة قد عرفتها المرأة و تقدمت على ذلك و طلقها قبل أن يدخل بها، قال: فقال: أرى للمرأة نصف خدمة المدبرة، و يكون للمرأة يوم في الخدمة، و يكون لسيدها الذي كان دبرها يوم في الخدمة، قيل له: فإن ماتت المدبرة قبل المرأة و السيد، لمن يكون الميراث؟ قال: يكون نصف ما تركت
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 371 ذيل ح 66، الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 380 ح 3، التهذيب ج 7 ص 367 ح 49، الوسائل ج 15 ص 34 ح 1.
525
للمرأة و النصف الآخر لسيدها الذي دبرها» (1).
قال في المسالك: و هذه الرواية مع ضعف سندها لا تدل على انعتاقها بموت السيد كما ادعاه الشيخ، و إنما تضمنت صحة جعلها مهرا و عود نصفها إلى المولى، و كونها مشتركة بينه و بين المرأة، و ما تركته بينهما كذلك، و هذا كله لا كلام فيه.
نعم يظهر منها رائحة البقاء على التدبير من قوله «و تقدمت على ذلك» و قوله «فإن ماتت المدبرة» و شبه ذلك، و مثل هذا لا يكفي في إثبات الحكم بالمخالف للأصل.
انتهى، و هو جيد.
أقول الأقرب في هذه الرواية و إرجاعها إلى ما عليه الأصحاب هو ما ذكره في المختلف من الحمل على الشرط بمعنى أنه أمهرها المدبرة و شرط بقاء التدبير، فإن الشرط سائغ كما في شرط العتق في البيع، فيكون التدبير لازما لا يمكن الرجوع فيه لوجوب الوفاء بالشرط، و يشير إليه قوله في الرواية و قد عرفتها المرأة و تقدمت على ذلك بمعنى أنها عرفت الشرط عليها بذلك و رضيت به، و على هذا يرتفع منافاة الخبر للقواعد الشرعية و ينطبق على ما قاله الأصحاب، و لا ريب أنه أقرب ما يمكن أن يقال.
المسألة الرابعة [فيما لو اشترط في العقد ما يخالف المشروع]
المشهور في كلام الأصحاب أنه إذا اشترط في العقد ما يخالف المشروع مثل أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى بطل الشرط و صح العقد و المهر، و كذا لو شرط تسليم المهر في أجل، فإن لم يسلمه كان العقد باطلا، لزم العقد و المهر و بطل الشرط.
____________
(1) أقول: في هذه الرواية ما يدل على ما اخترناه و قدمنا تحقيقه في كتاب البيع من أن العبد يملك و ان كان في التصرف محجورا عليه الا بإذن سيده، و ما طعن به ابن إدريس في هذه الرواية من هذه الجهة مردود بأن ما ذكرناه من ملك العبد مستفاد من جملة من الاخبار كما تقدم في الكلام فيه ثمة. (منه- (قدس سره)-).
526
قال في المسالك: لا إشكال في فساد الشرط المخالف للمشروع لذلك، و إنما الكلام في صحة العقد بدون الشرط من حيث إنهما لم يقصدا إلى العقد إلا مقيدا بالشرط المذكور، و قد سبق غير مرة أن فساد الشرط يوجب فساد العقد عند المصنف و الأكثر، و لكن ظاهرهم هنا هو الاتفاق على صحة العقد، لأنهم لم ينقلوا فيه خلافا، انتهى.
و اعترضه سبطه السيد السند في شرح النافع فيما ذكره من أن ظاهرهم الاتفاق على صحة العقد و أنهم لم ينقلوا خلافا، فقال: و هو غير جيد، فإن العلامة- (رحمه الله عليه)- حكى في المختلف عن الشيخ في المبسوط أنه قال: إن كان الشرط يعود بفساد العقد- مثل أن تشترط الزوجة عليه أن لا يطأها- فالنكاح باطل، لأنه شرط يمنع المقصود بالعقد، ثم قال في المختلف: و الوجه عندي ما قاله الشيخ في المبسوط إلى آخره.
أقول: فيه أن الظاهر من كلام جده في المسالك و مثله المحقق في الشرائع أن مسألة اشتراط أن لا يطأها الزوج غير مسألة اشتراط أن لا يتزوج و لا يتسرى عليها، و أن الثانية منهما مما لا خلاف في كون الشرط مخالفا للمشروع بخلاف الأولى، فإن المحقق قد صرح بالمسألتين كل منهما في مقالة على حدة، فذكر مسألة اشتراط أن لا يتسرى و لا يتزوج بنحو ما قدمنا، و وصفه بأنه شرط يخالف المشروع، و حكم فيها ببطلان الشرط و صحة العقد، ثم ذكر بعدها بلا فصل مسألة اشتراط أن لا يطأها، و اختار لزوم الشرط و صحة العقد، و مثله الشارح في المسالك فإنه اختار ذلك أيضا، و نقل كلام الشيخ في المبسوط الذي اعترض به عليه في شرح هذه المقالة، و هو ظاهر في تغاير المسألتين و اختلاف الحكمين، و أن الاتفاق الذي ادعاه إنما هو بالنسبة إلى الشروط المتفق على كونها مخالفة للمشروع، و شرط عدم الوطي- عنده، و عند من قال بجواز اشتراطه و هو مذهب الشيخ في النهاية و غيره كما سيأتي إن شاء الله- غير مخالف للمشروع، و بذلك يظهر لك
527
أن إيراده عليه غير متوجه كما سيظهر لك إن شاء الله تعالى تمام الظهور من الكلام في ثاني هذه المسألة، على أن جده قد نقل في شرح هذه المسألة- أعني مسألة أن لا تشترط ما يخالف المشروع كعدم التزويج و التسري- عن الشيخ في المبسوط أنه قال في هذه المسألة: و لا يفسد المهر عندنا. قال في المسالك: و هو ظاهر في الاتفاق عليه، و صحة المهر إنما يكون مع صحة العقد.
أقول: و فيه كما ترى دلالة واضحة على ما قلناه من تغاير المسألتين، و أن ظاهر كلام الشيخ في المبسوط في هذه المسألة الاتفاق على صحة العقد بالتقريب الذي أشار إليه جده، و في مسألة اشتراط أن لا يطأها، ذكر ذلك الكلام الظاهر في بطلان العقد كما عرفت، و يدل أيضا على اختلاف المسألتين اختلاف أخبارهما كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى (1).
و الواجب هنا أولا نقل ما وصل إلينا من الأخبار في هذه المسألة، ثم الكلام بما يتعلق بها من نقض أو إبرام.
فمنها ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل تزوج امرأة و شرط لها إن هو تزوج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سرية فهي طالق، فقضى في ذلك بأن شرط الله قبل شرطكم، فإن شاء و في لها بالشرط، و إن شاء أمسكها و اتخذ عليها و نكح عليها».
و عن ابن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل قال لامرأته: إن نكحت عليك أو تسريت فهي طالق قال: ليس ذلك بشيء، إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: من اشترط شرطا سوى كتاب الله فلا يجوز ذلك له و لا عليه».
____________
(1) فان أخبار اشتراط أن لا يتزوج عليها و لا يتسرى قد اتفقت على بطلان الشرط مع صحة العقد، و أخبار اشتراط أن لا يطأها قد اتفقت على صحة الشرط. (منه- (قدس سره)-).
(2) التهذيب ج 7 ص 370 ح 63، الوسائل ج 15 ص 46 ب 38 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 373 ح 71، الوسائل ج 15 ص 47 ب 39 ح 39 ح 2.
528
و ما رواه
في الكافي (1) عن زرارة «أن ضريسا كان تحته بنت حمران بن أعين، فجعل لها أن لا يتزوج عليها و لا يتسرى أبدا في حياتها و لا بعد موتها على إن جعلت له هي أن لا تتزوج بعده و جعلا عليهما من الهدي و الحج و البدن و كل ما لهما في المساكين إن لم يف كل واحد منهما لصاحبه، ثم إنه أتى أبا عبد الله (عليه السلام) فذكر ذلك له، فقال: إن لابنة حمران لحقا، و لن يحملنا ذلك على أن لا نقول لك الحق، اذهب و تزوج و تسر، فإن ذلك ليس بشيء، و ليس شيء عليك و لا عليها و ليس ذلك الذي صنعتما بشيء، فجاء فتسرى و ولد له بعد ذلك أولاد».
و رواه
في الفقيه (2) عن موسى بن بكر عن زرارة قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إن ضريسا كان تحته أنبه حمران» الحديث.
على تفاوت في ألفاظه و زيادة و نقصان.
إلا أنه قد و رد بإزاء هذه الأخبار ما يدل أيضا على لزوم الشرط المذكور.
و هو ما رواه
في الكافي (3) عن ابن بزرج قال: «قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام) و أنا قائم: جعلني الله فداك إن شريكا لي كانت تحته امرأة فطلقها فبانت منه فأراد مراجعتها، و قالت المرأة: لا و الله لا أتزوجك أبدا حتى تجعل الله عليك لي إلا تطلقني و لا تزوج علي، قال: و فعل؟ فقلت: نعم قد فعل، جعلني الله فداك، قال:
بئس ما صنع و ما كان يدريه ما وقع في قلبه في جوف الليل أو النهار، ثم قال له: أما الآن فقل له: فليتم للمرأة شرطها فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: «المسلمون عند شروطهم» الحديث.
و ما رواه
في التهذيب (4) عن بزرج عن عبد صالح (عليه السلام) قال: قلت: إن رجلا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 403 ح 6، التهذيب ج 7 ص 371 ح 65 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 29 ح 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 270 ح 70، الوسائل ج 15 ص 29 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 404 ح 8، الوسائل ج 15 ص 30 ح 4 مع اختلاف.
(4) التهذيب ج 7 ص 371 ح 66، الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
529
من مواليك تزوج امرأة ثم طلقها فبانت منه فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلا أن يجعل لله عليه أن لا يطلقها و لا يتزوج عليها فأعطاها ذلك، ثم بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع؟ قال: بئس ما صنع و ما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل و النهار، قل له فليف للمرأة بشرطها، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: «المؤمنون عند شروطهم».
قال في التهذيب بعد ذكر الرواية الثانية: ليس بين هذه الرواية و الرواية الأولى تضاد، لأن هذه الرواية محمولة على الاستحباب على أن هذه الرواية تضمنت أنه جعل الله عليه ذلك، و هذا نذر وجب عليه الوفاء، و ما تقدم في الرواية الأولى جعلا على أنفسهما و لم يقل لله فلم يكن ذلك نذرا يجب الوفاء به.
و في الاستبصار جوز حمله على التقية، قال: لموافقته العامة.
أقول: و هذا هو الظاهر الذي يجب حمل الخبرين المذكورين عليه و إلا فالاستحباب قد عرفت ما فيه فيما تقدم، و أما الحمل على النذر، ففيه إشكال لأن الظاهر أنه يرجع إلى نذر المباح، و في انعقاده خلاف، أظهره عدم الانعقاد كما تحقق في محله، و الأخبار دلت على أن النذر ليس بشيء حتى يسمى لله شيئا صدقة أو صلاة أو نحو ذلك من الطاعات الراجحة، و مجرد قوله لله مع كون المنذور إنما هو أن لا يطلقها و لا يتزوج عليها لا يخرج عن المباح.
و بالجملة فالظاهر هو حمل الخبرين على التقية، و يكون العمل على تلك الأخبار المؤيدة باتفاق الأصحاب على الحكم المذكور.
ثم إن من الأخبار الدالة على صحة العقد مع بطلان الشرط خلافا لما زعموه من أن مقتضى القواعد بطلان العقد ببطلان الشرط من حيث عدم القصد إلى العقد إلا مقيدا بالشرط- ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يتزوج المرأة إلى أجل مسمى فإن جاء بصداقها إلى أجل
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 370 ح 61 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 46 ب 38 ح 1.
530
مسمى فهي امرأته، و إن لم يأت بصداقها إلى الأجل فليس له عليها سبيل- و ذلك شرطهم بينهم حين أنكحوا- فقضى للرجل أن بيده بضع امرأته و أحبط شرطهم».
و رواه الكليني (1) أيضا بسند فيه سهل.
و عن محمد بن قيس (2) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى علي في رجل تزوج امرأة و أصدقها و اشترطت في ذلك أن بيدها الجماع و الطلاق، قال:
خالفت السنة، و ولت الحق من ليس بأهله، قال: فقضى علي (عليه السلام) أن على الرجل النفقة و بيده الجماع و الطلاق و ذلك السنة».
و في معناها أخبار عديدة تقدمت في كتاب البيع، و منها أخبار بريرة (3).
و مما يدل على ما هو المشهور هنا ما رواه
في الكافي و التهذيب (4) عن هارون ابن مسلم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: ما تقول في رجل جعل أمر امرأته بيدها؟ قال: فقال: ولى الأمر من ليس أهله و خالف السنة، و لم يجز النكاح».
أقول: و يمكن حمل إطلاق الخبر الأول على هذا الخبر: فإنه صريح في بطلان النكاح، و السابق لا ظهور له في ذلك، و إن استدل به أصحابنا على صحة العقد مع بطلان الشرط، إلا أنه عندي غير ظاهر في حكم العقد من صحة أو بطلان، بل هو مطلق، و الذي قدمناه من التحقيق في هذا المقام هو أنه لما كانت الأخبار مختلفة في ذلك فالواجب الوقوف على ما دلت عليه من غير أن يكون
____________
(1) الكافي ج 5 ص 402 ح 1، الوسائل ج 15 ص 46 ب 38 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 403 ح 7 و فيه «عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله- (عليه السلام)-» مع اختلاف، التهذيب ج 7 ص 369 ح 60، الفقيه ج 3 ص 269 ح 61 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 40 ب 29 ح 1 مع اختلاف يسير.
(3) التهذيب ج 7 ص 341 ح 26، الوسائل ج 14 ص 561 ح 9.
(4) الكافي ج 6 ص 137 ح 4، التهذيب ج 8 ص 88 ح 220 و فيه «مروان بن مسلم»، الوسائل ج 15 ص 336 ح 5.
531
هنا قاعدة يبنى عليها كما ذكروه، و ما لم يرد فيه خبر ينبغي التوقف في الحكم.
و كيف كان فالعمل في المسألة على ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من صحة العقد و بطلان الشرط في صورة اشتراط أن لا يتزوج و لا يتسرى، و كذا في صورة اشتراط تسليم المهر إلى أجل.
و قد صرح في المسالك بأن في المسألة وجها أو قولا بصحة العقد دون المهر، ثم شرح ذلك بما هو مذكور ثمة (1) و هو اجتهاد في مقابلة النصوص، و من ثم أعرضنا عن ذكره و طوينا الكلام دون نشره، فإن مقتضى النصوص المذكورة هو صحة العقد و المهر و بطلان الشرط خاصة، و الله العالم.
المسألة الخامسة [فيما لو شرطت أن لا يفتضها]
اختلف الأصحاب فيما لو شرطت أن لا يفتضها على أقوال:
(أحدها) ما ذهب إليه الشيخ في النهاية من لزوم الشروط و صحة العقد في الدائم و المنقطع، و به قال جمع من الأصحاب منهم المحقق في الشرائع، و الشارح في المسالك.
____________
(1) قال- (قدس سره)- في تعليل ما نقلناه عنه: لان الشرط كالعوض المضاف الى الصداق حيث يكون من المرأة، أو كجزء من المعوض، و الصداق مبذول في مقابلة الجميع، و بفساد الشرط يفوت بعض العوض و المعوض و قيمته مجهولة، فلا يعلم قدر الصداق في الأول و لا نصيب الباقي في الثاني، فيثبت مهر المثل و هو متجه لأنه في الأول قد رضى ببذله مع التزام ترك حق، فمع انتفاء اللزوم يكون الرضا به أولى، و لأنها في الثاني قد رضيت به مع ترك حق لها، فبدونه أولى به، انتهى.
و فيه ما عرفت من غير مقام من الكتاب من أن مقابلة النصوص بهذه التعليلات العقلية جرأة عليهم- (صلوات الله عليهم)-، أ رأيت أنهم- (عليهم السلام)- يطلقون الأحكام في النصوص، و لا يعلمون ما ذكره هو و غيره من هذه التعليلات المذكورة و نحوها، و لله در سبطه في شرح النافع حيث قال بعد نقل ملخص كلامه: و هذا الاحتمال لا يخلو من ضعف، لأنه ان اعتبر حصول الرضا بالعقد بدون الشرط اتجه الحكم بفساد العقد، و ان عول على الرواية وجب المصير الى القول بالصحة في مواردها، و الله العالم (- منه (قدس سره)-).
532
قال في النهاية: لو شرطت عليه في حال العقد أن لا يفتضها لم يكن له افتضاضها فإن أذنت له بعد ذلك في الافتضاض جاز له ذلك.
و قال المحقق في الشرائع: و إذا شرط أن لا يفتضها لزم الشرط، و لو أذنت بعد ذلك جاز عملا بإطلاق الرواية، و قيل: يختص لزوم هذا الشرط بالنكاح المنقطع و هو تحكم.
و استدلوا على ذلك بما تكرر من الحديث المستفيض (1)
«المؤمنون عند شروطهم».
و ما رواه
الشيخ (2) عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له:
رجل جاء إلى امرأة فسألها أن تزوجه نفسها، فقالت: أزوجك نفسي على أن تلتمس مني ما شئت من نظر و التماس، و تنال مني ما ينال الرجل من أهله إلا أنك لا تدخل فرجك في فرجي و تلذذ بما شئت فإني أخاف الفضيحة، قال: ليس له منها إلا ما اشترط».
و رواه في الكافي (3) عن عمار بن مروان عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله.
و عن إسحاق بن عمار (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له رجل تزوج بجارية عاتق على أن لا يفتضها، ثم أذنت له بعد ذلك، قال: إذا أذنت له فلا بأس».
و الرواية الأولى دالة على جواز اشتراط عدم الوطي مطلقا، و إن لم يكن بطريق الافتضاض، و هما بإطلاقهما شاملتان للعقد الدائم و المنقطع.
و (ثانيها) ما ذهب إليه الشيخ في المبسوط من بطلان الشرط و العقد معا في الدائم و صحة الشرط في المنقطع، و هو مذهب العلامة في المختلف و ولده في الشرح
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 371 ذيل ح 66، الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
(2) التهذيب ج 7 ص 369 ذيل ح 58، الوسائل ج 15 ص 45 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 467 ح 9، التهذيب ج 7 ص 270 ح 85، الوسائل ج 14 ص 491 ب 36 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 369 ذيل ح 59، الوسائل ج 15 ص 45 ح 2.
533
و اختاره المحقق الشيخ علي في شرح القواعد (1) و السيد السند في شرح النافع، قال في المبسوط: إذا كان الشرط يعود بفساد العقد مثل أن تشترط الزوجة عليه أن لا يطأها فالنكاح باطل، لأنه شرط يمنع المقصود بالعقد، قال: و قد روى أصحابنا أن العقد صحيح و الشرط صحيح و لا يكون له وطؤها، فإن أذنت فيما بعد كان له ذلك، قال: و عندي أن هذا يختص عقد المتعة دون عقد الدوام، و مثله قال القطب الكيدري.
قال في المختلف بعد نقل الأقوال في المسألة: و الوجه عندي ما قاله الشيخ في المبسوط من بطلان العقد و الشرط معا، أما الشرط فلأنه مناف لمقتضى العقد، و من أهم مقتضياته حصول التناسل، و هو يستدعي الوطي، و أما العقد فلعدم الرضاء به بدون الشرط.
و احتجوا على الجواز في المنقطع بأن المقصود الأصلي من التمتع التلذذ و كسر الشهوة دون التوالد و التناسل، و ذلك لا يستدعي الوطي، و عليه نزلوا الروايتين المذكورتين.
قال في المسالك: و هذا لا يخلو من التحكم كما قاله المصنف، لأن النص مطلق، و المقاصد في النكاح مطلقا مختلفة، و جاز أن يكون المطلوب من الدائم ما ادعوه في المنقطع و بالعكس، و لا يعتبر في صحة العقد تتبع غايته، و لا رعاية مقاصده الغائية، بل يكفي قصد بعضها، و هو متحقق في المتنازع فيهما، انتهى، و هو جيد.
و (ثالثهما) ما ذهب إليه ابن إدريس و جماعة من فساد الشرط في الدائم
____________
(1) قال المحقق الشيخ علي- (رحمه الله)- و أما البطلان في الدوام فلانه مناف لمقتضاه لان المقصود الأصلي منه النسل، و من أهم مقتضياته حصول التناسل و هو يستدعي الوطي فيكون الشرط فاسدا و يفسد به العقد للمنافاة و عدم الرضا بالعقد الا به، انتهى.
(منه- (قدس سره)-).
534
و المنقطع، و صحة العقد، قال في كتاب السرائر: إن شرط ما يخالف الكتاب و السنة كان العقد صحيحا، و الشرط باطلا، و روى أنه إن شرطت عليه في حال العقد أن لا يفتضها لم يكن له افتضاضها، فإن أذنت له بعد ذلك في الافتضاض جاز له ذلك، فأوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته إيرادا لا اعتقادا، لأنه رجع عنه في مبسوطه، و قال: ينبغي أن يخص هذه الرواية بالنكاح المؤجل دون الدوام، لأن المقصود من ذلك الافتضاض، و الذي يقتضيه المذهب الأول، إذ الشرط باطل لأنه مخالف لموضوع الكتاب و السنة، و لأن الأصل براءة الذمة من لزوم هذا الشرط، و الإجماع غير منعقد عليه، بل ما يورد ذلك إلا في شواذ الأخبار، انتهى.
أقول: أما ما ذهب إلى بطلان العقد استنادا إلى تلك القاعدة التي قرروها، و الضابطة التي اعتبروها فهو مردود بما قدمنا تحقيقه في غير موضع من أن أكثر الأخبار خرجت على خلاف هذه الضابطة و إن دل بعضها على اعتبارها، فهي حينئذ لا تصلح لأن تكون ضابطة كلية ترد في مقابلتها الأخبار، بل الواجب هو العمل على الأخبار في كل حكم و أفقت تلك الضابطة أو خالفتها، و مع عدم وجود خبر فالتوقف في المسألة و الرجوع إلى الاحتياط.
و أما من ذهب إلى فساد الشرط فهو أيضا مبني على ما ذكروه و ادعوه من أن الغرض من النكاح الدائم و التوالد و التناسل الذي يتوقف على الجماع، و أنه بذلك يكون هذا الشرط مخالفا للكتاب و السنة.
و فيه ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني فإنه كلام موجه، و يرجع ذلك إلى منع مخالفة الكتاب و السنة، فإنه حيث دل الخبر على صحة اشتراطه فلا مخالفة فيه، و أنه شرط سائغ كغيره من الشروط السائغة، و الغرض من النكاح غير منحصر في الجماع و لا طلب الولد فإن (1) كان هو أعظم غاياته.
بقي الكلام في الأخبار المذكورة، و لا ريب أن ظاهرها العموم للنكاح الدائم
____________
(1) الصحيح «و ان» و لعله اشتباه وقع من النساخ.
535
و المنقطع، إلا أن احتمال الحمل على المنقطع قائم بقرينة ذكر خوف الفضيحة في الرواية الاولى.
و (رابعها) ما ذهب إليه ابن حمزة و هو كقول ابن إدريس في الدائم مع الحكم بصحتها في المنقطع، قال- على ما نقله عنه في المختلف-: الشرط الذي لا يقتضيه العقد و يخالف الكتاب و السنة يبطل الشرط، دون العقد، و هي تسعة، اشتراطها عليه أن لا يتزوج عليها في حياتها و بعد وفاتها و لا يتسرى و لا يجامعها إلا في نكاح المتعة.
أقول: و وجهه يعلم مما تقدم، و كيف كان فإن المسألة لما عرفت لا تخلو من شوب الاشكال، و إن كان الأقرب هو القول الأول (1) و ينبغي التنبيه على أمرين:
الأول: المذكور في كلام الأصحاب في هذا المقام هو اشتراط عدم الافتضاض، و الظاهر جريان الحكم في الوطي مطلقا كما تضمنه خبر سماعة، و حينئذ فيجري فيه الكلام كما في الافتضاض، و هل اشتراط عدم التقبيل و نحوه و من مقدمات الوطي معه كذلك؟ قال في شرح القواعد: لم أقف فيه على شيء، و إلحاقه باشتراط عدم الوطي ليس ببعيد، و ينبغي أن يستوي في ذلك الدوام و المتعة، انتهى.
و قال في المسالك: و لو اشترط ترك بعض مقدمات الوطي ففي إلحاقه باشتراط تركه وجهان: من مساواته له في المقتضي، و اختصاص الوطي بالنص، و في الأول قوة، لضعف المخصص.
أقول: لا يخفى أن المقتضي لاشتراط عدم الوطي هو خوف الفضيحة كما تضمنه الخبر الأول، و هذا لا يجري في مقدمات النكاح من تقبيل و نحوه، و مورد النص هو الوطي خاصة و الخروج عنه إلى تلك الأمور قياس لا يوافق أصول المذهب،
____________
(1) لاعتضادها بعموم الآية أعنى قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و الخبر المستفيض المتقدم الدال على وجوب الوفاء بالشرط و الخبرين المذكورين، و ليس لذلك معارض الا ما يدعونه من منافاة الشرط المقصود بالنكاح، و قد عرفت ما فيه، و من هنا استشكل العلامة في القواعد، و قد عرفت ضعف المعارض. (منه- (قدس سره)-).
536
و هو قد عمل بمقتضى النص، و وافق الشيخ في النهاية فيما أفتى به عملا بالنص المذكور، و كيف يطعن فيه بالضعف هنا، و هو قد عمل به في الأصل المسألة؟
الثاني: قد عرفت أنه على القول بصحة شرط عدم الافتضاض فإنه يلزم و لا يجوز له الاقتضاض، فإذا أذنت بعد ذلك ففي جوازه قولان:
(أحدهما) الجواز، و به قطع الشيخ و المحقق فيما تقدم من عبارتيهما، و عليه دل خبر إسحاق بن عمار، و علل أيضا بأن المنع حق لها فيزول بإذنها إذ الزوجية متحققة.
و (ثانيهما) العدم، لأن الفروج لا تحل بالاذن بل بالعقد، و لما لم يكن العقد مثمرا للحل لم يكن للاذن اعتبار.
و أجيب عنه بأن السبب في الحل هو العقد المتقدم، لا مجرد الإذن، غاية الأمر أن الشرط كان مانعا من عمل السبب عمله، و بالاذن يرتفع المانع، و ظاهر المحقق الشيخ علي في شرح القواعد اختيار الثاني محتجا بما نقلناه، و أن الرواية ضعيفة، و فيه ما عرفت من الجواب عما احتج به، و الطعن بضعف الرواية غير مسموع عندنا.
و قال في شرح النافع- بعد ذكر دليل القول الثاني و جوابه-: و المسألة محل تردد، و إن كان القول بالجواز لا يخلو من قرب، و الظاهر أن منشأ التردد عنده ضعف الرواية الدالة على الجواز.
و بالجملة فالعمل على ما دل عليه الخبر، و لا يلتفت إلى هذه التعليلات في مقابلته.
المسألة السادسة [فيما لو اشترط أن لا يخرجها من بلدها]
اختلف الأصحاب فيما إذا اشترط أن لا يخرجها من بلدها، فقيل: يلزم الشرط، و هو قول الشيخ في النهاية، قال في الكتاب المذكور: و متى شرط الرجل لامرأته في حال العقد أن لا يخرجها من بلدها لم يكن له أن يخرجها إلا برضاها، و تبعه على ذلك جمع من الأصحاب منهم ابن حمزة و ابن البراج
537
و العلامة في المختلف و الإرشاد و الشهيد في اللمعة و شرح نكت الإرشاد، و ظاهر المحقق في الشرائع التوقف فيه، حيث قال: قيل يلزم و هو المروي، فإن نسبته إلى قيل ثم إلى الرواية مما يؤذن بتمريضه و التوقف فيه، و نحو ذلك عبارة العلامة في القواعد أيضا.
و يدل عليه صريحا ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن أبي العباس عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يتزوج امرأة و يشترط لها أن لها يخرجها من بلدها، قال: يفي له لذلك (أو قال:) يلزمه ذلك».
و ما رواه
في التهذيب (2) عن علي الميثمي عن ابن عمير قال: «قلت لجميل ابن دراج: رجل تزوج امرأة و شرط لها المقام بها في أهلها أو بلد معلوم، فقال:
قد روى أصحابنا عنهم (عليهم السلام) أن ذلك لها، و أنه لا يخرجها إذا شرط ذلك لها».
و يدل عليه عموما أيضا ما رواه
في التهذيب عن السكوني (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف لها به فإن المؤمنين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما».
و يؤكده أيضا أن ذلك شرط مقصود للعقلاء، و الأغراض تتعلق باللبث في المنازل و الاستيطان في البلدان التي حصل بها الأنس، و النشوء بين الأهل و رعاية مصلحتها و ذلك أمرهم، فجاز اشتراطه لهذه الأغراض الصحيحة المترتبة عليه.
و ذهب ابن إدريس إلى بطلان الشرط و صحة العقد، و تبعه عليه جميع منهم المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، و نقل أيضا عن الشيخ في المبسوط و الخلاف
____________
(1) الكافي ج 5 ص 402 ح 2، التهذيب ج 7 ص 372 ح 69، الوسائل ج 15 ص 49 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 373 ح 72، الوسائل ج 15 ص 49 ح 3.
(3) التهذيب ج 7 ص 467 ح 80 لكن عن إسحاق بن عمار و فيه «المسلمين» بدل «المؤمنين»، الوسائل ج 15 ص 50 ح 4.
538
قالوا: لأن الاستمتاع بالزوجة في جميع الأزمنة و الأمكنة حق للزوج بأصل الشرع فإذا شرط ما يخالفه بطل.
و أجابوا عن الرواية الأولى حيث إنها هي المتداولة في كلامهم بالحمل على الاستحباب، و فيه أن الحمل على الاستحباب- الذي هو خلاف الظاهر- فرع وجود المعارض الأقوى، و المعارض هنا ليس إلا هذا التعليل، و ضعفه ظاهر للمتأمل بعين الإنصاف.
فإن فيه (أولا) إن ما ادعى من كون الاستمتاع في جميع الأزمنة و الأمكنة حقا للزوج إن أريد مع عدم الشرط فهو مسلم و لا يضرنا، و إن أريد و لو مع الشرط فهو محل البحث و عين المتنازع فيه، فالاستدلال به مصادرة محضة.
و (ثانيا) إنه لا تخفى أن الشروط إنما هي بمنزلة الاستثناء في الكلام الذي هو عبارة عن إخراج ما لو لا استثناء لدخل بمعنى أن مقتضى العقد هو الدخول و لكن بالاشتراط يجب خروجه، و لو كان اشتراط ما يخالف الثابت بالعقد و الشرع باطلا للزم بطلان جميع الشروط المخالفة لمقتضى العقد كاشتراط تأجيل المهر، و إسقاط الخيار في البيع، و انتفاع البائع بالمبيع مدة معينة، و كذا المشتري بالثمن مدة معينة، و هو معلوم البطلان، و المستفاد من الأخبار أن البطلان في الشروط إنما هو باعتبار المخالفة للكتاب و السنة، و هو المشار إليه بقولهم في تلك الأخبار، و منها الرواية التي قدمناها ما أحل حراما أو حرم حلالا، و بذلك يظهر لك ضعف القول المذكور و أنه بمحل من القصور، سيما بعد دلالة الأخبار الواضحة عليه كما عرفت عموما و خصوصا،
[تنبيهات]
و ينبغي التنبيه على أمور:
الأول:
قد نقل جملة من الأصحاب منهم المحقق الشيخ على كما تقدم موافقة مذهب الشيخ في المبسوط و الخلاف لما ذهب إليه ابن إدريس من بطلان الشرط، و صحة العقد في صورة اشتراط أن لا يخرجها من بلدها، و الموجود في عبارة الشيخ في الكتابين إنما هو اشتراط أن لا يسافر بها، و لهذا اعترضهم في المسالك بأن
539
عد الشيخ من جملة القائلين بالمنع في المسألة كابن إدريس و غيره ليس كذلك، قال: لأن السفر أمر آخر غير الخروج من البلد كما لا يخفى و الخروج من البلد قد يصدق من غير السفر، انتهى.
أقول: الظاهر أن ما استدركه- (رحمه الله)- على الأصحاب ليس في محله لعدم خطور هذه التدقيقات- التي جرى عليها هو و غيره من المتأخرين- ببال الشيخ، و ذكره عدم السفر إنما أراد به عدم الخروج تجوزا على الغالب من أن الخروج عن البلد لأجل الاستيطان إنما يكون بالسفر.
الثاني:
قد صرح في المسالك و غيره في غيره بأنه على قدير القول بصحة الشرط هنا، فهل يتعدى الحكم إلى شرط أن لا يخرجها من منزلها و من محلها أم لا؟ وجهان، من مشاركته النصوص في الحكمة الباعثة على الحكم و عموم الأدلة الأخرى، و من عدم النص و بطلان القياس. و قطع الشهيد في اللمعة بالأول، و اختاره السيد السند في شرح النافع، و قواه جده في المسالك.
و بالثاني صرح المحقق الشيخ علي في شرح القواعد معللا له بأن اشتراط ذلك على خلاف الأصل لما قلناه من أن سلطنة إسكان الزوجة بيد الزوج، فيقتصر فيه على مورد النص، قال: و الأصح عدم التعدي.
أقول: لا يخفى أن كلام كل من هذين القائلين و ما اعتمد عليه في البين مبني على أنه ليس في المسألة إلا صحيحة أبي العباس المذكورة التي موردها الإخراج من البلد، فإنها هي المتداولة في كلامهم، و الجارية في هذا المقام على رؤوس أقلامهم، و أما على ما نقلناه من الخبرين الأخيرين فإنه لا إشكال في صحة التعدي إلى ما ذكروه من هذه المواضع.
فإن (الأولى) منهما دلت على أنه لو شرط لها المقام في أهلها أو بلد معلوم وجب عليه الوفاء به، و الأول منهما هو ما ذكروه من أنه شرط لها أن لا يخرجها من منزلها.
و (الثانية) منهما قد دلت على أن من شرط لامرأته شرطا فليف به،
540
و علله بالخبر المستفيض، و لا ريب أن المفروض هنا من قبيل ذلك، و حينئذ فالواجب هو الاستدلال بما ذكرناه من الأخبار، و لا يحتاج إلى ما بنوه عليه، و وقعوا به بسببه في التردد من تلك الوجوه، إلا أنهم لعدم الاطلاع على هذه الأخبار في عذر مما أوردناه عليهم، ثم إنه مع قطع النظر عن هذين الخبرين و الرجوع إلى ما ذكروه من التعليلات، فالظاهر تعدي الحكم إلى هذه المذكورات عملا بعموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالشروط إلا ما استثني، و ليس هذا منه، و به يندفع ما قيل من أنه قياس فإن العمل كما يجب بالأدلة الخاصة كذلك بالعمومات مع عدم التخصيص، و ما استند إليه المحقق الشيخ علي من أن سلطنة إسكان الزوجة بيد الزوج قد عرفت الجواب عنه آنفا.
الثالث: هل يسقط هذا الشرط بإسقاطه بعد العقد؟
قيل: لا، لأن الذي يعقل سقوطه بالإسقاط هو الحق الثابت و استحقاق السكنى يتجدد بتجدد الزمان، فلا يسقط بالإسقاط كالنفقة، و يحتمل السقوط كما في إسقاط الخيار، و هبة مدة المتمتع بها، و توقف لذلك السيد السند في شرح النافع.
أقول: لا ريب أن الشرط المذكور هو أن لا يخرجها من البلد، و إسقاطه هو الرضاء بالخروج، و لا ريب في أنه مع الرضاء بالخروج مع طلب الزوج ذلك، فإن الواجب شرعا هو الخروج لوجوب طاعته بمقتضى الأدلة، و لا معارض لها هنا مع رضاها، و لو تم ما ذكروه من عدم السقوط بإسقاطها الشرط المذكور لكان لها التخلف عن طاعته بغير عذر شرعي، و هو باطل، و الظاهر أن ما ذكروه من عدم السقوط بالإسقاط إنما هو بالنسبة إلى الحق المالي الذي يتجدد بتجدد الزمان كنفقة الزوجة مثلا، لا مطلق الحق، و الحق الذي لها هنا هو عدم الخروج و متابعته فيه لا السكنى كما ذكروه، فإذا أسقطت حقها و رضيت بالخروج سقط و وجب عليها الخروج مع طلب الزوج ذلك.
المسألة السابعة: لو شرط لها مائة دينار إن خرجت معه،
و خمسين إن
541
لم تخرج معه، فإن أخرجها إلى بلد الشرك يبطل شرطه و لزمته المائة، و إن أخرجها إلى بلاد الإسلام لزم الشرط.
و المستند في هذا الحكم ما رواه
الكليني (1) في الحسن عن علي بن رئاب عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: «سئل و أنا حاضر عن رجل تزوج امرأة على مائة دينار على أن تخرج معه إلى بلاده» فإن لم تخرج معه فمهرها خمسون دينار، أ رأيت إن لم تخرج معه إلى بلاده؟ قال: فقال: إن أراد أن يخرج بها إلى بلاد الشرك فلا شرط له عليها في ذلك، و لها مائة دينار التي أصدقها إياها، و إن أراد أن يخرج بها إلى بلد المسلمين و دار الإسلام فله ما اشترط عليها، و المسلمون عند شروطهم، و ليس له أن يخرج بها إلى بلاده حتى يؤدي إليها صداقها، أو ترضى من ذلك بما رضيت و هو جائز له».
أقول: لا ريب أن هذه المسألة من فروع المسألة السابقة، فكل من منع من صحة هذا الشرط ثمة كابن إدريس و من تبعه منع من الصحة هنا، و إن صح العقد.
و من جوز الشرط و قال بصحته ثمة، فبعض منهم قالوا بذلك هنا أيضا، و بعض توقف و تنظر هنا.
و من الأولين الشيخ في النهاية و جماعة منهم العلامة في أكثر كتبه، و المحقق في النافع عملا بالخبر المذكور و عموم الأمر بالوفاء بالشروط.
و من الآخرين المحقق في الشرائع فإنه حكم بالصحة في المسألة الاولى، و تردد في هذه المسألة.
ثم إن قوله (عليه السلام) في الجواب «إن أراد أن يخرج بها إلى بلاد الشرك» إلى آخره معناه أنه لما اشترط عليها أن يخرج إلى بلاده، و هو أعم من أن يكون بلاد الإسلام أو بلاد الشرك أراد (عليه السلام) إيضاح الحكم بالنسبة إلى كل
____________
(1) الكافي ج 5 ص 404 ح 9، التهذيب ج 7 ص 373 ح 70، الوسائل ج 15 ص 49 ح 2.
542
من الفردين، فقال: إن كان بلاده التي شرط الخروج إليها بلاد الشرك فإنه لا شرط له عليها في ذلك، بمعنى أن شرطه باطل، و الوجه فيه ظاهر، لما في الإقامة في بلاد الشرك من الشرر بالمسلم في دينه، فلا يجب عليها إطاعته، و كان لها مجموع المائة الدينار التي أصدقها إياها، و إن كان بلاده بلاد الإسلام فله ما اشترط عليها، بمعنى أنه يجب عليها متابعته و الوفاء بما شرطه عليها من الخروج إلى بلاده، لدخوله في الحديث المشهور (1)
«المسلمون عند شروطهم».
بقي هنا شيء، و هو أنه قد طعن جملة من الأصحاب في متن هذه الرواية بمخالفتها لمقتضى الأصول في مواضع:
(أحدها) مجهولية المهر و عدم تعينه، حيث جعله مائة على تقدير، و خمسين على تقدير.
و (ثانيها) إنه أوجب فيها مائة دينار على تقدير إرادة الخروج بها إلى بلاد الشرك، و إنه لا شرط له عليها، بمعنى أنه لا يجب عليها الخروج معها مع أنه خلاف الشرط الذي وقع العقد عليه، لأن استحقاق المائة إنما وقع على تقدير الخروج معه إلى بلاده كائنة ما كانت، فكيف تستحق المائة مع عدم الخروج؟
و (ثالثهما) الحكم بعدم جواز إخراجها إلى بلاده- و إن كانت دار الإسلام- إلا بعد أن يعطيها المهر الشامل لما لو كان ذلك قبل الدخول و بعده، مع أنه بعد الدخول لا يجوز لها الامتناع عند أكثر الأصحاب، كما تقدم على أنه لا يجب عليه إعطاء المهر مطلقا من دون أن تطلبه، مع أنه قد حكم في الرواية بعدم جواز خروجه بها إلا بعد أن يؤدي صداقها، و لو لم تطلبه، و ربما كان منشأ تردد المحقق كما قدمنا نقله عنه من هذه المخالفات التي اشتملت عليها الرواية، و ظاهر المحقق الشيخ علي في شرح القواعد بناء على مذهبه في المسألة السابقة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 404 ح 8 و 9، التهذيب ج 7 ص 373 ح 70، الوسائل ج 15 ص 49 ح 2.
543
من موافقة ابن إدريس في بطلان الشرط، رد الرواية هنا بما اشتملت عليه من هذه المخالفات مضافا إلى ما اعتمد من المخالفات التي ذكرها في تلك المسألة.
قال في المسالك: و الذي يوافق الأصل بطلان الشرط المذكور لما ذكرناه، و بطلان المهر لكونه غير معين، و صحة العقد لعدم ارتباطه به كما سلف في نظائره، و لعدم القائل ببطلانه، و إن كان محتملا، و على هذا فيثبت لها مهر المثل لكونه مجهولا ابتداء، ثم أورد على نفسه جملة من الإشكالات في المقام. إلى أن قال:
و لو عملنا بالرواية لجودة سندها كان حسنا، و سلمنا من هذا الاشكال، ثم ذكر الاعتذار عن تلك المخالفات.
و قال سبطه السيد السند في شرح النافع: و الحق أنه إن بلغت الرواية من حيث السند حدا يجب معه العمل بها، وجب المصير إلى ما تضمنته من الأحكام، إذ ليس فيها ما يخالف دليلا قطعيا و إلا وجب ردها و الرجوع إلى مقتضى الأصول المقررة، و هو بطلان المسمى إن قدح فيه مثل هذه الجهالة، و الرجوع إلى مهر المثل أو بطلان العقد من رأس، لعدم الرضاء به دون الشرط، انتهى.
أقول: و كلامه هنا كلام متردد و متوقف، و لعله من حيث إن الرواية ليست من قسم الصحيح باصطلاحهم، و إنما هي من الحسن، و كلامه فيه لا يخلو من اضطراب مع أن حسنها إنما هو بإبراهيم بن هاشم الذي لا راد لحديثه، بل عده في الصحيح جملة من أرباب هذا الاصطلاح.
ثم إنه لا يخفى أنه قد تقدم في غير موضع من هذا الكتاب في كتب المعاملات مما لا يكاد يحصى كثرة من ورود الأحاديث على خلاف قواعدهم المقررة و ضوابطهم المعتبرة و اضطراب كلامهم في ذلك، فما بين أن يعملوا بالأخبار في بعض تلك المواضع، و يغمضون النظر عن تلك القواعد، و ما بين أن يردوا النصوص وقوفا على تلك القواعد، و ما بين أن يتكلفوا الجمع بين الجميع.
و الحق هو الوقوف على ما وردت به الأخبار كما قدمنا في غير موضع على
544
أن المخالفة الاولى مدفوعة بما تقدم في كتاب البيع (1) من الأخبار الدالة على صحة البيع مع الترديد في الثمن بين كونه نسبة بكذا و كذا و نقدا بكذا و كذا، و قد ذكرنا ثمة صحة ذلك كما دلت عليه الأخبار و إن كان خلاف قواعدهم، و قد صرحوا أيضا بالصحة فيما لو قال: إن خطته كذا فلك كذا، و إن خطته كذا فلك كذا، و هذا كله مما يؤيد الصحة هنا مع أنه قد تقدم النقل عنهم بالاكتفاء في المهر بالمشاهدة عن الكيل و الوزن فيما يشترط فيه الكيل و الوزن نظرا إلى أن مثل هذه الجهالة غير مؤثرة في بطلان المهر، لأنه ليس على حد المعاوضات المشترطة فيها المعلومية من كل وجه، و قد تقدم في المسألة الرابعة من البحث الأول من المقصد الثاني في المهور ما فيه مزيد تأييد لما ذكرناه و تأكيد لما سطرناه، و بالجملة فالعمل على ما دل عليه الخبر في المقام، و هكذا في غير هذا من الأحكام، و الله العالم.
المسألة الثامنة [بطلان النكاح بشرط الخيار]
المشهور بين الأصحاب بطلان النكاح بشرط الخيار، و به قطع الشيخ في المبسوط و غيره من المتأخرين، و عللوه بأن النكاح ليس من عقود المعاوضات القابلة لخيار الشرط، بل فيه شائبة العبادة، فالشرط يخرجه عن وضعه، و حينئذ فيبطل الشرط، و أما بطلان العقد فلأن التراضي لم يقع على العقد إلا مقترنا بالشرط المذكور، و إذا لم يتم الشرط لم يصح العقد مجردا لعدم القصد إليه كذلك، و صحة العقود مترتبة على القصود، فليس إلا الحكم ببطلانهما معا و صحتهما معا، لكن لا سبيل إلى الثاني، لمنافاته وضع النكاح كما عرفت، فتعين الأول، قال في المسالك: و هذا هو الأقوى.
أقول: مبني هذا الاستدلال على ثبوت هذه القاعدة التي تكررت في كلامهم، و هي أن العقود بالقصود، و القصد هنا إنما توجه للعقد المقرون بذلك الشرط، و حينئذ فيبطل مع بطلان الشرط، لعدم القصد المذكور، و فيه ما نبهنا
____________
(1) ج 19 ص 122.
545
عليه في غير موضع مما تقدم من أن الأخبار الواردة في هذا المضمار تدفع هذه القاعدة، و تبطل ما يترتب عليها من الفائدة لتكاثرها بصحة العقد مع بطلان الشرط في غير موضع من الأحكام.
و بذلك يظهر لك قوة ما ذهب إليه ابن إدريس في هذه المسألة من صحة العقد و بطلان الشرط، و وجهه ما أشار إليه من وجود المقتضي لصحة العقد، و هو اجتماع شرائط الصحة فيه، لأنه الفرض، و انتفاع المانع إذ ليس إلا اشتراط الخيار فيه و إذا كان العقد غير قابل للخيار لنفي شرطه، و عمل بمقتضى العقد لأصالة الصحة، و عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) كما لو اقترن بغيره من الشرائط الفاسدة، فإن كل واحد من العقد و الشرط أمر منفك عن الآخر، فلا يلزم من بطلان أحدهما بطلان الآخر، و بالغ في ذلك فقال: إنه لا دليل على البطلان من كتاب و لا سنة و لا إجماع، بل الإجماع على الصحة لأنه لم يذهب إلى البطلان أحد من أصحابنا، و إنما هو تخريج المخالفين و فروعهم، إختاره الشيخ على عادته في الكتاب. انتهى، و هو جيد لما عرفت.
و أما اشتراط الخيار في الصداق فالظاهر أنه لا مانع من صحته و قد تقدم تحقيق القول في هذه المسألة بكلا فرديها في المسألة السادسة من الفصل الأول في العقد.
المسألة التاسعة [في أن المرأة تملك المهر بمجرد العقد]
المشهور بين الأصحاب أن المرأة تملك المهر بمجرد العقد، و إن كان الملك كملا لا يستقر إلا بالدخول، فلو طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصفه إن كان قد دفعه إليها، و خالف في ذلك ابن الجنيد، فقال: الذي يوجبه العقد من المهر المسمى النصف، و الذي يوجب النصف الثاني من المهر بعد الذي وجب بالعقد منه هو الوقاع، أو ما قام مقامه من تسليم المرأة نفسها لذلك.
____________
(1) سورة المائدة- آية 1.
546
احتج من ذهب إلى الأول بقوله عز و جل «وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ نِحْلَةً» (1) حيث أضاف الصداق إليهن، و لم يفرق بين قبل الدخول و بعده، و أمر أيضا بإيتائهن ذلك، فثبت أن الكل لهن، و أن الصداق عوض البضع، فإذا ملك الزوج البضع بالعقد وجب أن تملك المرأة عوضه لأن ذلك مقتضى المعاوضة، و هذا الوجه من حيث الاعتبار جيد.
و يدل على ذلك أيضا موثقة عبيد بن زرارة المروية في الكافي (2)، و كذا موثقته المروية في التهذيب (3) و قد تقدمنا في المسألة الثالثة، و تقدم القول في تقريب الاستدلال بهما، و يدل على ذلك أيضا الأخبار الآتية إن شاء الله في مسألة موت أحد الزوجين قبل الدخول الدالة على ان الزوجة المتوفى عنها زوجها قبل الدخول تستحق المهر كملا.
و منها
صحيحة منصور بن حازم (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يدخل بها، قال: لها صداقها كاملا و ترثه و تعتد أربعة أشهر و عشرا كعدة المتوفى عنها زوجها».
و التقريب فيها أنه لو كان الأمر كما يدعيه ابن الجنيد من أنها لا تملك بالعقد إلا النصف، و النصف الآخر إنما تملكه بالدخول و التمكين لما حكم (عليه السلام) بأن الصداق بعد الموت لها كاملا، إلا أنه قد تقدم في المسألة المشار إليها دلالة رواية أبي بصير على ما ذهب ابن الجنيد بالتقريب الذي ذكرناه ثمة، و من أجل ذلك بقي الإشكال في المسألة، و العلامة في المختلف احتج لابن الجنيد بأنه لو ملكت بالعقد لاستقر و لم يزل عن ملكها إلا بسبب ناقل كبيع و نحوه.
____________
(1) سورة النساء- آية 3.
(2) الكافي ج 5 ص 383 ح 3، الوسائل ج 14 ص 14 ح 4.
(3) التهذيب ج 7 ص 359 ح 24، الوسائل ج 14 ص 14 ح 4.
(4) التهذيب ج 8 ص 146 ح 107، الوسائل ج 15 ص 76 ح 23.
547
و ما رواه
يونس بن يعقوب (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا يوجب المهر إلا الوقاع في الفرج».
و عن محمد بن مسلم (2) عن الباقر (عليه السلام) قال: «سألته متى يجب المهر؟ قال:
إذا دخل بها».
قال: و هو يقتضي عدم الوجوب مع عدم الدخول، ثم رده بما ملخصه:
منع الملازمة في الأول، فإن الوجوب أعم من الاستقرار، و لأن المتبادر من الوجوب اللزوم، و الاستقرار و انتفاؤه قبل الدخول لا يقتضي انتفاء أصل الملك.
و بالجملة فإن محل الاشكال إنما هو باعتبار دلالة ظاهر رواية أبي بصير المذكورة على ما ادعاه، و ما أجيب به عنها قد عرفت ما فيه مما قدمناه في تلك المسألة، و لا يحضرني الآن وجه تحمل عليه.
ثم إن مما يتفرع على الخلاف المذكور جواز التصرف لها في المهر قبل القبض و عدمه، فمتى قلنا بملكها له بمجرد العقد فإنه يجوز لها التصرف فيه قبل القبض و بعده عملا بالخبر المشهور عنه (صلى الله عليه و آله) (3)
«الناس مسلطون على أموالهم».
و قضية التسلط جواز التصرف.
و نقل عن الشيخ في الخلاف أنه منع منه قبل القبض استنادا إلى ما
روي عنه (صلى الله عليه و آله) (4) «أنه نهى عن بيع ما لم يقبض».
و بأن تصرفها بعد القبض جائز بالإجماع، و لا دليل على جوازه قبله، و ضعفه أظهر من أن يخفى.
أما (أولا) فلأن النهي في الخبر على إطلاقه ممنوع، و مورده إنما هو النهي عن بيع ما اشتراه قبل قبضه لا مطلقا، سلمنا، لكن لا يلزم من النهي عن بيعه النهي عن مطلق التصرف الذي هو المدعى، لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.
و أما (ثانيا) فإنه يمكن حمل النهي على الكراهة جمعا.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 464 ح 67، الوسائل ج 15 ص 66 ح 6.
(2) التهذيب ج 7 ص 464 ح 68، الوسائل ج 15 ص 66 ح 7.
(3) البحار ج 2 ص 272 ح 7.
(4) التهذيب ج 7 ص 231 ح 26، الوسائل ج 12 ص 382 ح 6.
548
و أما (ثالثا) فلأن نفي الدلالة على جواز التصرف فيه قبل القبض ممنوع، و سند المنع قد عرفته، و الدليل لا ينحصر في الإجماع.
و أما (رابعا) فإنه قد اعترف قبل هذا الكلام- في الكتاب المذكور كما نقله عنه في المختلف- بأن المرأة تملك الصداق بالعقد، و هو في ضمان الزوج إن تلف قبل القبض، و هو ظاهر المناقضة لما ذكره، و بالجملة فإن كلامه هنا عليل لا يلتفت إليه و لا يعول عليه.
المسألة العاشرة [في حكم المهر مع موت أحد الزوجين قبل الدخول]
قد عرفت أن الأشهر الأظهر هو وجوب المهر كملا بمجرد العقد، إلا أنه لا يستقر إلا بالدخول، و أنه لا خلاف نصا و فتوى في استقراره بالدخول. و عليه تدل الأخبار المستفيضة، و قد تقدم شطر منها في المسألة الثانية من هذا البحث، و أنه ينتصف بالطلاق قبل الدخول من غير خلاف، كما دلت عليه الأخبار، و قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الثالثة.
بقي الكلام هنا في حكم المهر مع موت أحد الزوجين قبل الدخول، و أنه هل ينتصف المهر بذلك أم لا؟
و الواجب أولا نقل ما وصل إلينا من كلامهم، ثم نقل الأخبار الواردة في المقام، و الكلام فيها بما يسر الله تعالى فهمه ببركة أهل الذكر (عليهم السلام).
فنقول: قال الشيخ في النهاية: و متى مات الرجل عن زوجته قبل الدخول بها وجب على ورثته أن يعطوا المرأة المهر كاملا، و يستحب لها أن تترك نصف المهر، فإن لم تفعل كان لها المهر كله. و إن ماتت المرأة قبل الدخول بها كان لأوليائها نصف المهر، و تبعه ابن البراج في الكامل، و قال في المهذب: لورثتها المطالبة بالمهر، و قطب الدين الكيدري تابع الشيخ أيضا، و قال ابن حمزة: يلزم المهر المعين بنفس العقد، و يستقر بأحد ثلاثة أشياء بالدخول و الموت و ارتداد الزوج (1).
____________
(1) أى ارتداده عن فطرة، و بنحو هذه العبارة عبر الشهيد الثاني في الروضة، فقال:
و يستقر بأحد أمور أربعة: الدخول إجماعا، وردة الزوج عن فطرة و موته في الأشهر.
انتهى، و الظاهر أن الوجه في استقراره بالردة هو ثبوت المهر عليه بالعقد، فيجب الحكم باستمراره الى أن يعمل وجود المسقط، و لم يثبت أن الردة توجب السقوط.
(منه- (قدس سره)-).
549
و قال ابن إدريس: متى مات أحد الزوجين قبل الدخول استقر جميع المهر كاملا، لأن الموت عند محصلي أصحابنا يجري مجرى الدخول في استقرار المهر جميعه، و هو اختيار شيخنا المفيد في أحكام النساء، و هو الصحيح لأنا قد بينا بغير خلاف بيننا أن بالعقد تستحق المرأة جميع المهر المسمى، و يسقط بالطلاق قبل الدخول نصفه، و الطلاق غير حاصل إذا مات، فيقينا على ما كنا عليه من استحقاقه فمن ادعى سقوط شيء منه يحتاج إلى دليل، و لا دليل على ذلك من إجماع، لأن أصحابنا مختلفون في ذلك، و لا من كتاب الله تعالى، و لا تواتر أخبار و لا دليل عقلي، بل الكتاب قاض بما قلناه، و العقل حاكم بما اخترناه، ثم نسب كلام الشيخ في النهاية إلى أنها أخبار آحاد أوردها إيرادا لا اعتقادا، فلا رجوع عن الأدلة القاهرة اللائحة، و البراهين الواضحة بأخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا.
قال في المختلف: و قول ابن إدريس قوي، ثم قال في المختلف: تذنيب:
لو مات الزوج قبل الدخول وجب لها المهر كملا كما نقلناه في صدر المسألة.
و قال الصدوق في المقنع: و في حديث آخر إن لم يكن دخل بها و قد فرض لها مهرا فلها نصفه، و لها الميراث و عليها العدة، و هو الذي أعتمده و أفتي به، و الوجه الأول لما تقدم، انتهى.
أقول: ظاهر كلامه أنه لا مخالف في وجوب المهر كملا بموت الزوج إلا الصدوق في المقنع، و قد اقتفاه في نقل هذا القول من تأخر عنه، و الذي وقفت عليه في كتاب المقنع لا يساعد ما تذكروه، بل ظاهره إنما هو موافقة القول المشهور.
و هذه صورة عبارته في النسخة التي عندي: و المتوفى عنها زوجها التي لم يدخل بها، إن كان فرض لها صداقا فلها صداقها الذي فرض لها، و لها الميراث و عدتها أربعة أشهر و عشرا، كعدة التي دخل بها. و إن لم يكن فرض لها مهرا
550
فلا مهر لها، و عليا العدة و لها الميراث. و في حديث آخر إن لم يكن دخل بها و قد فرض لها مهرا فلها نصفه و لها الميراث و عليها العدة.
هذه صورة ما في الكتاب و الظاهر منه هو الفتوى بما ذكره أولا من وجوب المهر كملا، و القول بالنصف إنما نسبه إلى الرواية مؤذنا بضعفه أو التوقف فيه، كما هو الجاري في عبائر غيره، فقوله «و هو الذي أعتمده و أفتى به» يعني القول بالتنصيف لا أعرف له وجها، و هذه عبارته كما عرفت، و لا يحضرني الآن نسخة اخرى من الكتاب المذكور، فليتأمل في ذلك.
هذا و أما روايات المسألة فمنها ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يموت و تحته امرأة لم يدخل بها، قال:
لها نصف المهر و لها الميراث كاملا و عليها العدة كاملة».
و ما رواه
في التهذيب (2) عن عبيد بن زرارة في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة و لم يدخل بها، قال: إن هلكت أو هلك أو طلقها و لم يدخل بها فلها النصف و عليها العدة كملا و لها الميراث».
و ما رواه
في الكافي (3) عن عبد الرحمن بن حجاج في الصحيح عن رجل عن علي بن الحسين (عليه السلام) «أنه قال في المتوفى عنها زوجها و لم يدخل بها: أن لها نصف الصداق و لها الميراث و عليها العدة».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (4) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي
____________
(1) الكافي ج 6 ص 118 ح 1، التهذيب ج 8 ص 144 ح 98، الوسائل ج 15 ص 71 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 118 ح 2، التهذيب ج 8 ص 144 ح 99، الوسائل ج 15 ص 72 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 118 ح 3 و ج 7 ص 132 ح 1، الوسائل ج 15 ص 72 ح 5.
(4) الكافي ج 6 ص 118 ح 4، التهذيب ج 8 ص 144 ح 100، الوسائل ج 15 ص 72 ح 6.
551
عبد الله (عليه السلام) قال: «إن لم يكن دخل بها و قد فرض لها مهرا فلها نصف ما فرض و لها الميراث و عليها العدة».
و عن زرارة (1) في الصحيح قال: «سألته عن المرأة تموت قبل أن يدخل بها أو يموت الزوج قبل أن يدخل بها؟ فقال أيهما مات فللمرأة نصف ما فرض لها، و إن لم يكن فرض لها، فلا مهر لها».
و ما رواه
في الكافي (2) عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في امرأة توفيت قبل أن يدخل بها، ما لها من المهر؟ و كيف ميراثها؟ فقال: إذا كان قد فرض لها صداقا فلها نصف المهر، و هو يرثها، و إن لم يكن فرض لها صداقا فلا صداق لها. و قال في رجل توفي قبل أن يدخل بامرأته، قال: إن كان فرض لها مهرا فلها نصف المهر، و هي ترثه، و إن لم يكن فرض لها مهرا فلا مهر لها».
و رواه
في التهذيب (3) في الصحيح مثله إلى قوله «فلا صداق لها».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (4) عن عبيد بن زرارة و أبي العباس «قالا: قلنا لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل تزوج امرأة ثم مات عنها و قد فرض لها الصداق؟
فقال: لها نصف الصداق و ترثه من كل شيء، و إن ماتت فهو كذلك».
و عن عبيد بن زرارة (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المتوفى عنها زوجها و لم يدخل بها، قال: هي بمنزلة المطلقة التي لم يدخل بها، إن كان سمى لها مهرا فلها نصفه» الحديث.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 119 ح 5، التهذيب ج 8 ص 146 ح 108، الوسائل ج 15 ص 73 ح 7.
(2) الكافي ج 6 ص 118 ح 6، الوسائل ج 15 ص 73 ح 8.
(3) التهذيب ج 8 ص 147 ح 109، الوسائل ج 15 ص 73 ح 8.
(4) الكافي ج 6 ص 119 ح 7، التهذيب ج 8 ص 147 ح 110، الوسائل ج 15 ص 73 ح 9.
(5) الكافي ج 6 ص 119 ح 9، الوسائل ج 15 ص 74 ح 11.
552
و عن الصيقل و أبي العباس (1) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المرأة يموت عنها زوجها قبل أن يدخل بها، قال: لها نصف المهر». الحديث.
و ما رواه
في الكافي و الفقيه (2) عن عبيد بن زرارة في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة هلك زوجها و لم يدخل بها، قال: لها الميراث و عليها العدة كاملة، و إن سمى لها مهرا فلها نصفه، و إن لم يكن سمى لها مهرا، فلا شيء لها».
و ما رواه
في الفقيه (3) في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتزوج المرأة ثم يموت قبل أن يدخل بها، فقال: لها الميراث- إلى أن قال:- و إن كان سمى لها مهرا يعني صداقا فلها نصفه» الحديث.
و ما رواه
في التهذيب (4) عن الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج امرأة و لم يسم لها مهرا فمات قبل أن يدخل بها، قال: هي بمنزلة المطلقة».
هذا ما وقفت عليه من أخبار التنصيف في موت الزوج.
و أما الأخبار الدالة على الجميع فمنها:
ما رواه
في التهذيب (5) عن سليمان بن خالد قال: «سألته عن المتوفى عنها زوجها و لم يدخل بها، فقال: إن كان فرض لها مهرا فلها مهرها و عليها العدة و لها الميراث و عدتها أربعة أشهر و عشرا، و إن لم يكن قد فرض لها مهرا فليس لها مهر، و لها
____________
(1) الكافي ج 6 ص 119 ح 10، الوسائل ج 15 ص 74 ح 12.
(2) الكافي ج 6 ص 120 ح 11، الفقيه ج 3 ص 327 ح 8، الوسائل ج 15 ص 72 ح 4.
(3) الفقيه ج 4 ص 229 ب 157 ح 1، الوسائل ج 17 ص 529 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 458 ح 42، الوسائل ج 15 ص 78 ح 4.
(5) التهذيب ج 8 ص 145 ح 101 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 75 ح 20.
553
الميراث و عليها العدة».
و عن الكناني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا توفي الرجل عن امرأته و لم يدخل بها فلها المهر كله إن كان سمى لها مهرا و سهمها من الميراث، و إن لم يكن سمى لها مهرا لم يكن لها مهر و كان لها الميراث».
و عن الحلبي (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال في المتوفى عنها زوجها إذا لم يدخل بها: إن كان فرض لها مهرا فلها مهرها الذي فرض لها و لها الميراث» الحديث.
و رواه بسند آخر عن زرارة مثله (3).
و عن منصور بن حازم (4) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يدخل بها، قال: لها صداقها كاملا و ترثه» الحديث.
و عن منصور بن حازم (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل تزوج امرأة و سمى لها صداقا، ثم مات عنها و لم يدخل بها، قال: لها المهر كاملا و لها الميراث، قلت: فإنهم رووا عنك أن لها نصف المهر، قال: لا يحفظون عني إنما ذلك في المطلقة».
أقول: هذا ما حضرني من أخبار المسألة، و هي كما ترى إنما اختلفت بالنسبة إلى موت الرجل و أكثرها قد دل على التنصيف.
و أما بالنسبة إلى موت المرأة فهي متفقة على التنصيف، و ليس في شيء منها
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 145 ح 102 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 76 ح 21.
(2) التهذيب ج 8 ص 146 ح 104، الوسائل ج 15 ص 76 ح 22.
(3) التهذيب ج 8 ص 146 ح 105، الوسائل ج 15 ص 76 ح 22.
(4) التهذيب ج 8 ص 146 ح 107، الوسائل ج 15 ص 76 ح 23.
(5) التهذيب ج 8 ص 147 ح 112، الوسائل ج 15 ص 77 ح 24.
554
دلالة على استحقاق ورثتها لجميع المهر، و بذلك يظهر لك ضعف قول من ذهب إلى وجوب الجميع في هذه الصورة، و لا أعرف لهم مستندة في وجوب ذلك إلا وجوب المهر بأصل العقد كما هو ظاهر كلام ابن إدريس فيستصحب الحكم المذكور.
و فيه أنهم قد خرجوا عن ذلك في الطلاق بورود الأخبار الدالة على التنصيف، و الأخبار هنا أيضا قد اتفقت على التنصيف بغير معارض، فيجب الخروج بها عن حكم الاستصحاب المذكور.
و لهذا قال الشيخ- (رحمه الله)- في التهذيب: على أن الذي اختاره و أفتي هو أن أقول: إذا مات الرجل عن زوجته قبل الدخول بها كان لها المهر كله، و إن ماتت هي كان لأوليائها نصف المهر، و إنما فصلت هذا التفصيل، لأن جميع الأخبار التي قدمناها في وجوب المهر فإنها تتضمن إذا مات الزوج، و ليس في شيء منها أنها إذا ماتت هي كان لأوليائها المهر كاملا، و أنا لا أتعدى الأخبار. و أما ما عارضها من التسوية بين موت كل واحد منهما في وجوب نصف المهر فمحمول على الاستحباب الذي قدمناه. و أما الأخبار التي تتضمن أنه إذا ماتت كان لأوليائها نصف المهر، فمحمولة على ظاهرها و لست أحتاج إلى تأويلها، و هذا المذهب أسلم لتأويل الأخبار انتهى كلامه.
أقول: أما ما ذكره بالنسبة إلى موت الزوجة فجيد لما عرفته. و أما بالنسبة إلى موت الزوج من أن الواجب هو الجميع فمحل إشكال، و إن كان هو المشهور في كلامهم، إلا أن ظاهر صاحبي الكافي و الفقيه هو القول بالتنصيف حيث إنهما اقتصرا في نقل أخبار المسألة على أخبار التنصيف، و لم ينقلا شيئا من أخبار وجوب الجميع، و إلى هذا يميل كلام المحدثين الفاضل المحسن الكاشاني في الوافي، و الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في الوسائل، و إلى ذلك أيضا يميل كلام السيد السند في شرح النافع بعد الإشكال في المقام، و هو الأقرب عندي.
أما (أولا) فلتكاثر الأخبار بالتنصيف كما عرفت منها ما نقلناه، و منها ما لم
555
ننقله مما ورد في مواضع من الأحكام.
منها ما رواه
في الفقيه (1) عن الحسن بن محبوب عن جميل بن صالح في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في أختين أهديتا إلى أخوين- ثم ساق الحديث إلى أن قال:- فإن ماتتا؟ قال: يرجع الزوجان بنصف الصداق على ورثتهما، و يرثانهما الزوجان، قيل: فإن مات الزوجان؟ قال: ترثانهما و لهما نصف الصداق».
و عن عبد العزيز بن المهتدي عن عبيد بن زرارة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يزوج ابنه يتيمة في حجره، و ابنه مدرك و اليتيمة غير مدركة، قال: نكاحه جائز على ابنه، فإن مات عزل ميراثها منها حتى تدرك، فإذا أدركت حلفت بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث إلا رضاها بالنكاح، ثم يدفع إليها الميراث و نصف المهر» الحديث.
و في صحيح أبي عبيدة الحذاء (3) و قد تقدم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غلام و جارية زوجهما وليان لهما و هما غير مدركين- إلى أن قال:- قلت: فإن الرجل أدرك قبل الجارية و رضي بالنكاح ثم مات قبل أن تدرك الجارية، أ ترثه؟
قال: نعم يعزل ميراثها منه حتى تدرك فتحلف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث إلا رضاها بالتزويج، ثم يدفع إليها الميراث و نصف المهر» الحديث.
و في حديث زرارة (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في جارية لم تدرك لا يجامع مثلها أو رتقاء- إلى أن قال:- قلت: فإن مات الزوج عنهن قبل أن يطلق؟ قال: لها
____________
(1) الكافي ج 5 ص 407 ح 11، التهذيب ج 7 ص 434 ح 41، الفقيه ج 3 ص 267 ح 54، الوسائل ج 14 ص 396 ح 2.
(2) الفقيه ج 4 ص 227 ح 2 و فيه «عبد العزيز العبدي»، الوسائل ج 15 ص 74 ح 14.
(3) الكافي ج 5 ص 401 ح 4، التهذيب ج 7 ص 388 ح 31، الوسائل ج 15 ص 71 ح 2 و ج 17 ص 527 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 107 ح 5، التهذيب ج 7 ص 465 ح 74 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 70 ح 1.
556
الميراث و نصف الصداق و عليهن العدة».
و في حديث عبد الله بن بكير (1) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل أرسل يخطب عليه امرأة و هو غائب فأنكحوا الغائب و فرضوا الصداق، ثم جاء خبره أنه توفي بعد ما سبق الصداق لها، قال: إن كان أملك بعد ما توفي فليس لها صداق و لا ميراث، و إن كان أملك قبل أن يتوفى فلها نصف الصداق و هي وارثة و عليها العدة».
و يؤيده مفهوم الروايات الكثيرة الدالة على أنه لا يوجب المهر إلا الوقاع في الفرج، و إذا أدخله وجب الجلد و الغسل و المهر، و نحو ذلك من العبارات.
و أنت خبير بأن أخبار المهر كملا، و هي الأربع الروايات المتقدمة لا تبلغ قوة في معارضة هذه الأخبار المستفيضة في أحكام عديدة و مواضع متفرقة، فالواجب هو جعل التأويل في جانبها لقلتها و رجحان ما عارضها بالكثرة و الاستفاضة.
و أما (ثانيا) فإنه قد نقل جملة من أصحابنا أن جمهور العامة على القول في هذه المسألة بوجوب المهر كملا.
و يؤيده ما نقله بعض أصحابنا عن كتاب ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام حيث قال: و يتقرر المهر كله بالوطء و لو حراما و موت أحدهما، لانتهاء العقد به، و هو كاستيفاء المعقود عليه به قبله. انتهى، قال: و ضابطه في الكتاب نقل مذاهبهم الأربعة، متفقة كانت أو مختلفة، انتهى.
و يشير إلى ما ذكرناه من حمل أخبار المهر كملا على التقية، قوله
في رواية منصور بن حازم الثانية (2) «قلت: فإنهم رووا عنك أن لها نصف المهر، قال:
لا يحفظون عني إنما ذلك في المطلقة.
و يوضحه ما رواه
الثقة الجليل سعد بن عبد الله في بصائر الدرجات عن محمد
____________
(1) الكافي ج 5 ص 415 ح 1، التهذيب ج 7 ص 367 ح 52، الوسائل ج 15 ص 75 ح 16.
(2) التهذيب ج 8 ص 147 ح 112، الوسائل ج 15 ص 77 ح 24.
557
ابن أبي عمير عن جميل بن صالح عن منصور بن حازم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أما أحد أجد أحدثه و إني لأحدث الرجل بالحديث، فيتحدث به فأوتى فأقول:
إني لم أقله».
فإن فيه إشعار بالشكاية من أصحابه في عدم كتمان ما يحدث عن غير أهله، و أنه إذا سئل بعد ذلك أنكر ما قاله أولا تقية، و لا يخفى أن الأمر هنا كذلك، فإن قوله (عليه السلام) بالتنصيف قد استفاض كما عرفت من هذه الأخبار التي ذكرناها على وجه لا يقبل الإنكار، فإنكاره (عليه السلام) لذلك، و قوله «لا يحفظون عني» بعد إفتائه بوجوب الجميع إنما خرج مخرج التقية، و هو بحمد الله سبحانه واضح لكل ذي فكر و روية، و حمل رواية التنصيف على الاستحباب- كما زعمه الشيخ، بمعنى أنه يستحب للمرأة أخذ النصف خاصة- أبعد بعيد لما عرفت من هذه الأخبار و تكاثرها في غير حكم من الأحكام مضافا إلى ما عرفته في غير موضع مما تقدم مما في الحمل على الاستحباب، و إن اتخذوه قاعدة كلية في جميع الأبواب.
و بالجملة فالظاهر عندي بالنظر إلى ما ذكرته من الأخبار هو القول بالتنصيف و حمل الأخبار المعارضة على التقية التي هي في اختلاف الأخبار أصل كل بلية، إلا أن لقائل أن يقول: إن مرجع ما اخترعوه إلى ترجيح أخبار التنصيف باعتبار مخالفتها للعامة، و أخبار الجميع موافقة لهم عملا بالقاعدة المنصوصة من عرض الأخبار عند الاختلاف على مذهب العامة و الأخذ بخلافه، و هو جيد إلا أنه يمكن أن يقال أيضا إن من القواعد عرضها- عند الاختلاف- على الكتاب العزيز و الأخذ بما وافقه، و طرح ما خالفه، و أخبار الجميع موافقة له بقوله عز و جل «وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ نِحْلَةً» (2) الشامل بإطلاقه لحال الحياة و الموت، و أخبار التنصيف مخالفة له، فيجب طرحها بمقتضى هذه القاعدة.
و يمكن الجواب بأن الأمر و إن كان كذلك، إلا أنه هنا لا يمكن العمل
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 77 ح 25 نقلا عن مختصر البصائر ص 102.
(2) سورة النساء- آية 4.
558
بهذه القاعدة لما عرفت من تكاثر الأخبار الدالة على التنصيف، و تعددها في موارد عديدة بحث لا يمكن طرحها، و لو جاز ردها على ما هي عليه من الاستفاضة و صحة الأسانيد و رواية الثقات لها في الأصول المعتمدة، لأشكل الحال أي إشكال، و صار الداء عضالا و أي عضال، و التأويلات التي ذكرها الشيخ بعيدة غاية البعد، لا وجه للقول بها فلم يبق إلا طرحها بل الواجب تخصيص الآية بها كما جرى عليه الأصحاب في غير موضع من نظائر هذه المسألة، حسبما قدمناه في غير موضع، و يبقى حمل تلك الأخبار على التقية كما قلناه، و هذه هو الأقرب، و الله العالم.
المسألة الحادية عشر [في من بيده عقدة النكاح أنه من هو؟]
قد عرفت أن الأشهر الأظهر هو أن المرأة تملك المهر بمجرد العقد إلا أنه متى طلقها قبل الدخول عاد نصفه إلى الزوج، و ينبغي أن يعلم أن عود النصف إلى الزوج مقيد بأن لا تعفو عن النصف الباقي لها، فيصير الجميع للزوج حينئذ أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح، لقوله عز و جل «وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» (1) إلا أن من له عقدة النكاح ليس له أن يعفو عن الجميع، و أما هي فإن لها العفو عن الجميع كما تدل عليه الأخبار.
بقي الكلام في من بيده عقدة النكاح أنه من هو؟ هل هو الولي الجبري الذي هو الأب أو الجد له؟ أو هو مع من توليه أمرها في النكاح كان من كان؟
و الأول مذهب أكثر الأصحاب، و منهم الشيخ في الخلاف مدعيا عليه الإجماع، و الثاني قوله في النهاية، و تلميذه القاضي.
و الواجب أولا نقل ما وصل إلينا من عباراتهم ثم عطف الكلام على نقل أخبار المسألة، ثم الكلام في المقام بما وفق الله سبحانه لفهمه منها ببركة أهل الذكر (عليهم السلام).
فنقول: قال الشيخ في النهاية: الذي بيده عقدة النكاح الأب أو الأخ إذا
____________
(1) سورة البقرة- آية 227.
559
جعلت الأخت أمرها إليه، أو من وكلته في أمرها، فأي هؤلاء كان جاز له أن يعفو عن بعض المهر، و ليس له أن يعفو عن جميعه.
و قال في كتاب الخلاف: الذي بيده عقدة النكاح عندنا هو الولي الذي هو الأب أو الجد، إلا أن عندنا له أن يعفو عن بعضه، و ليس له أن يعفو عن جميعه.
و قال في كتاب التبيان: قوله تعالى «إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ» معناه من يصح عفوها من الحرائر البالغات غير المولى عليها لفساد عقلها، فيترك ما يجب لها من نصف الصداق. و قوله «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» قال مجاهد و الحسن و علقمة أنه الولي، و هو المروي عن الباقر (عليه السلام) و الصادق (عليه السلام) غير أنه لا ولاية لأحد عندنا إلا الأب و الجد على البكر غير البالغ، فأما من عداهما فلا ولاية له إلا بتولية منها، و روي عن علي (عليه السلام) و سعيد بن المسيب و شريح أنه الزوج، و روي ذلك أيضا في أخبارنا، غير أن الأول أظهر و هو المذهب، و من جعل العفو للزوج- قال:- له أن يعفو عن جميع النصف، و من جعله للولي قال أصحابنا: له أن يعفو عن بعضه، و ليس له أن يعفو عن جميعه، و إن امتنعت المرأة من ذلك لم يكن لها ذلك إذا اقتضت المصلحة، ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) و اختار الجبائي أن يكون المراد به الزوج، لأنه ليس للولي أن يهب مال المرأة.
و قال ابن البراج: الذي بيده عقدة النكاح من الأب و غيره ممن تجعل المرأة إليه ذلك، و توليه إياه يجوز له العفو عن بعض المهر، و لا يجوز له العفو عن جميعه.
و قال ابن إدريس: الذي يقوى في نفس و يقتضيه أصول المذهب، و يشهد بصحته النظر و الاعتبار و الأدلة القاهرة و الآثار، أنه الأب و الجد من قبله مع حياته أو موته إذا عقدا على غير البالغ، فلهما أن يعفوا عما تستحقه من نصف المهر بعد الطلاق إذا رأيا ذلك مصلحة لها، و يكون المرأة وقت عفوهما غير بالغ، فأما من عداهما أو هما مع بلوغها و رشدها فلا يجوز لهما العفو عن النصف، و صارا
560
كالأجانب، لأنهما لا ولاية لهما في هذه الحال، و لا يجوز لأحد التصرف في مالها بالهبة و العفو و غير ذلك إلا عن إذنها للمنع من التصرف في مال الغير عقلا و سمعا إلا بإذنه، و ليس في الآية متعلق سوى ما ذكرناه، لأنه تعالى قال «إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ» فدل هذا القول أنهن ممن لهن العفو و هن الحرائر البالغات الواليات على أنفسهن في العقد و العفو و البيع و الشراء و غير ذلك، ثم قال «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» معناه إن لم يكن بالغات، و لا واليات على أنفسهن، فعند هذه الحال لا يلي عليهن عندنا سوى الأب و الجد بغير خلاف، فلهما العفو بعد الطلاق عما تستحقه، و لو لا إجماع أصحابنا- على أن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب و الجد على غير البالغ- لكان قول الجبائي قويا، مع أنه قد ورد في بعض أخبارنا أنه الزوج.
قال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال: و التحقيق أن نقول: الزوجة إن كانت صغيرة كان ولي أمرها الأب و الجد له، و لهما العفو عن جميع النصف و بعضه مع المصلحة في ذلك، و إن كانت بالغة رشيدة فالأمر لها. إلى آخره.
و أما الأخبار الواردة في المسألة فمنها ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي في حديث قال: «و قال في قول الله عز و جل «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» قال: هو الأب و الأخ و الرجل يوصى إليه، و الرجل يجوز أمره في مال المرأة، فيبيع لها و يشتري لها فإذا عفى فقد جاز».
و ما رواه في الكافي و الفقيه (2) عن سماعة كما في الأول، و عن الحلبي و أبي بصير و سماعة كما في الثاني، و الخبر في الموثق على الأول و الصحيح على الثاني
عن
____________
(1) الكافي ج 6 ص 106 ح 3، التهذيب ج 8 ص 142 ح 92، الوسائل ج 15 ص 62 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 106 ح 2، الفقيه ج 3 ص 327 ح 6، الوسائل ج 15 ص 62 ح 1.
561
أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل «وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» قال: هو الأب أو الأخ أو الرجل يوصى إليه، و الذي يجوز أمره في مال المرأة فيبتاع لها، فتجيز، فإذا عفا فقد جاز».
و في الفقيه عوض قوله «فتجيز» «و يتجر» و هو أظهر.
قال في الفقيه (1): و في خبر آخر «يأخذ بعضا و يدع بعضا، و ليس له أن يدع كله».
و ما رواه
في التهذيب (2) في الصحيح عن ابن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الذي بيده عقدة النكاح، قال: هو الأب و الأخ و الرجل يوصى إليه، و الذي يجوز أمره في مال المرأة فيبتاع لها و يشتري فأي هؤلاء عفا فقد جاز».
و ما رواه
العياشي في تفسيره (3) عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) «في قول الله عز و جل «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» قال: هو الأب و الأخ و الرجل يوصى إليه» الحديث.
كما هنا.
و عن أبي بصير و محمد بن مسلم (4) في الصحيح كلاهما عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ، فقال: هو الأب و الأخ و الموصى إليه، و الذي يجوز أمره في مال المرأة من قرابتها فيبيع لها و يشتري، قال: فأي هؤلاء عفا فعفوه جائز في المهر إذا عفا عنه».
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 327 ح 7، الوسائل ج 15 ص 63 ح 2.
(2) التهذيب ج 7 ص 393 ح 49 و فيه «عن أبى بصير»، الوسائل ج 14 ص 213 ح 4.
(3) تفسير العياشي ج 1 ص 125 ح 406 و فيه «و الأخ و الموصى إليه»، مستدرك الوسائل ج 2 ص 611 ب 37 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 484 ح 154، الوسائل ج 14 ص 213 ح 5.
562
و عن ابن أبي عمير (1) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في قوله تعالى «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» قال: يعني الأب و الذي توكله المرأة و توليه أمرها من أخ أو قرابة أو غيرهما».
و عن عبد الله بن سنان (2) في الصحيح «قال الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ هو ولي أمرها».
و رواه العياشي في تفسيره (3) عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله.
و عن رفاعة (4) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الذي بيده عقدة النكاح، قال: الولي الذي يأخذ بعضا و يترك بعضا، و ليس له أن يدع كله».
و رواه
العياشي في تفسيره (5) عن رفاعة مثله، إلا أن فيه قال: «هو الولي الذي يزوج، و يأخذ بعضا و يترك بعضا».
إلى آخر ما هنا.
و ما رواه
العياشي في تفسيره (6) عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) «في قوله «إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» قال:
هو الولي و الذين يعفون عن الصداق أو يحطون عنه بعضه أو كله».
و عن إسحاق بن عمار (7) قال: «سألت جعفر بن محمد (عليه السلام) عن قول الله «إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ» قال: المرأة تعفو عن نصف الصداق، قلت «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» قال: أبوها إذا عفا جاز، و أخوها إذا كان يقيم بها و هو القائم عليها فهو
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 51 ذيل حديث 7، الوسائل ج 13 ص 290 ب 7 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 392 ح 46، الوسائل ج 14 ص 212 ح 2.
(3) تفسير العياشي ج 1 ص 125 ح 404، مستدرك الوسائل ج 2 ص 564 ب 7 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 392 ح 48، الوسائل ج 14 ص 213 ح 3.
(5) تفسير العياشي ج 1 ص 125 ح 407، مستدرك الوسائل ج 2 ص 611 ب 37 ح 3.
(6) تفسير العياشي ج 1 ص 125 ح 405، الوسائل ج 15 ص 63 ح 4.
(7) تفسير العياشي ج 1 ص 126 ح 410، الوسائل ج 15 ص 63 ح 5.
563
بمنزلة الأب يجوز له، و إذا كان الأخ لا يقيم بها و لا يقوم عليها لم يجز عليها أمره».
و عن محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في قوله «إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» قال: الذي يعفو عن الصداق أو يحط بعضه أو كله».
و عن سماعة (2) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» قال:
هو الأب و الأخ و الرجل الذي يوصى إليه و الذي يجوز أمره في مال المرأة فيبتاع لها و يشتري فأي هؤلاء عفا فقد جاز، قلت: أ رأيت إن قالت، لا أجيزها، ما يصنع؟
قال: ليس لها ذلك، أ تجيز بيعه في مالها و لا تجيز هذا».
و عن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في قول الله «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» قال: هو الأخ و الأب و الرجل يوصى إليه، و الذي يجوز أمره في مال يتيمة، قلت: أ رأيت إن قالت: لا أجيز، ما يصنع؟ قال: ليس ذلك لها، أ تجيز بيعه في مالها و لا تجيز هذا».
هذا ما حضرني من أخبار المسألة،
[تنبيهات]
و الكلام فيها يقع في مواضع:
الأول [في دلالة أكثر الروايات على خلاف القول المشهور]:
لا يخفى أن أكثر هذه الروايات إنما تدل على القول الثاني الذي هو خلاف المشهور بينهم، و الأصحاب لم يذكروا دليلا عليه إلا صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم، و رواية أبي بصير عارية عن الوصف بالصحة، و العلامة في المختلف حيث اختار القول المشهور رد رواية أبي بصير بأنها مرسلة.
و بالجملة فإنهم لعدم إعطاء الوسع حقه في تتبع الأخبار يقعون في مثل هذه الإشكالات، و سوء الاختيار، كما لا يخفى على من نظر ما نقلناه من أخبار المسألة هنا من الكتب الأربعة و غيرها، و ليس فيها على تعددها ما تدل على المشهور
____________
(1) تفسير العياشي ج 1 ص 126 ح 411، الوسائل ج 15 ص 63 ح 3.
(2) تفسير العياشي ج 1 ص 126 ح 412، الوسائل ج 15 ص 63 ح 3.
(3) تفسير العياشي ج 1 ص 125 ح 408 و فيه «في ما له بقيمة» مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 63 ح 6.
564
إلا صحيحة عبد الله بن سنان و صحيحة رفاعة، مع أنهما غير صريحتين في الحصر في الولي، بل غايتهما أنهما بالنسبة إلى غيره مطلقات، و قضية الجمع بينهما و بين باقي الأخبار حمل إطلاقهما على ما فصلته الأخبار الباقية، سيما مع ما عرفت من صحة أسانيد كثيرة منها.
و بالجملة فالظاهر بالنسبة إلى ما ذكرناه من الأخبار هو القول الثاني لما عرفت، و إلا فالعمل بما دلت عليه هاتان الروايتان و طرح باقي أخبار المسألة على كثرتها و صحة أكثرها مما لا يتجشمه محصل، على أنه متى كان جواز عفوه مشروطا بكونه وكيلا من جهتها في ذلك، فإنه لا مانع حينئذ من ذلك كما سيأتي ذكره.
الثاني [تعسف تفسير من بيده النكاح بالزوج]:
لا يخفى أن ما ذكره جملة من أصحابنا كما عرفت من كلام الشيخ- رحمة الله- في التبيان و ابن إدريس من ورود الرواية من طرقنا بتفسير «الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» بالزوج، لم نقف عليها فيما وصل إلينا من أخبار المسألة و هي هذه التي ذكرناها، و لو ثبت ورود خبر بذلك فالظاهر خرج مخرج التقية لاختصاص هذا القول بالعامة و روايتهم له عن علي (عليه السلام) كما تقدم في كلام الشيخ في التبيان، على أن انطباق الآية على ذلك لا يخلو من تعسف، لأن العفو حقيقة إنما هو بمعنى الاسقاط، فمعنى عفو الزوجة عن النصف الباقي لها في ذمة الزوج بعد الطلاق يعني إسقاطه فيكون الجميع للزوج، و ليس للزوجة شيء بالكلية، و عفو الزوج ليس بهذه الكيفية، بل هو عبارة عن التزامه ما سقط بالطلاق و رده على على الزوجة، فيكون المهر كملا للزوجة، و هذا ليس بإسقاط، بل هو عكسه، على أن صدق من بيده عقدة النكاح على الزوج أيضا لا يخلو من تكلف، فإن الظاهر أن الذي بيده عقدة النكاح إنما هو الموجب له، و هو الذي يعقده كالمرأة أو الولي دون القابل الذي هو الزوج.
و بالجملة فإن هذا القول و إن طال في المسالك الذب عنه فهو بمحل من
565
الضعف، لخلو أخبارنا عنه، و عدم قائل به فيما أعلم، فالاشتغال بغيره أهم.
الثالث [في شمول من بيده عقدة النكاح لوكيل المرأة في النكاح]
لا يخفى أن ظاهر هذه الأخبار أن أحد أفراد من بيده عقدة النكاح الذي يقوم على المرأة و يبيع و يشتري لها قريبا كان كما تضمنه صحيح أبي بصير و محمد بن مسلم، و غيره كما هو ظاهر الأخبار الباقية، و الأصحاب حملوه على أن يكون وكيلا في النكاح أو العفو، و إلا فمجرد قيامه بأمرها و البيع و الشراء لها لا يسوغ له العفو عن مهرها، لعدم دخوله في من بيده عقدة النكاح، إذ لا يسوغ له تزويجها بمجرد ذلك، إلا أن الحمل على ذلك في غاية البعد عن ظواهر سياق أكثر الأخبار، مثل رواية إسحاق بن عمار المنقولة من تفسير العياشي و قوله في الأخ إن كان يقيم بها و هو القائم عليها «فهو بمنزلة الأب يجوز له، و إذا كان لا يقيم بها و لا يقوم عليها لم يجز عليها أمره» فجعل مناط صحة العفو إنما هو القيام بأمرها و عدمه، و لو كان الأمر منوطا بالتوكيل- كما ذكره الأصحاب- لما حسن هذا الترديد، و نحو ذلك قوله في روايتي
سماعة و أبي بصير المنقولتين من تفسير العياشي أيضا «أ رأيت إن قال (1) لا أجيز».
إلى آخره، و تعليله (عليه السلام) إن ذلك ليس لها بأنها تجيز بيعه في مالها و لا تجيز هذا، فإنه لو كان الأمر كما ذكره الأصحاب من أنه وكيل من جهتها في العقد و العفو أو في العفو خاصة لكان الظاهر الرد لما قالته إنما هو ليس لها ذلك لأنها وكلته، و جعلته قائما مقامها في ذلك إلا أن مرسلة ابن أبي عمير ظاهرة فيما ذكره الأصحاب.
و بالجملة فإن الأحوط هو ما ذكروه، و إن كان انطباق أكثر الأخبار عليه في غاية البعد.
الرابع [في أن] أكثر الأخبار مطلق بالنسبة إلى عفو غيرها بأنه يعفو عن الكل أو البعض
، و ربما ظهر من بعضها جواز عفوه عن الكل أيضا، إلا أن صحيحة رفاعة قد صرحت بأنه ليس له العفو عن الكل، و عليها ظاهر كلام الأصحاب،
____________
(1) الصحيح «قالت» و لعل اشتباه وقع من النساج.
566
بل ربما ظهر من المبسوط و التبيان و مجمع البيان و الراوندي في فقه القرآن دعوى الإجماع عليه، و في المختلف وفاقا للجامع أن المصلحة إن اقتضت العفو عن الكل جاز، و مورد الصحيحة المذكورة هو الولي الشرعي، و إطلاقها يقتضي جواز عفوه، سواء كان فيه مصلحة المولى عليه أم لا، و أما هي فلها أن تعفو عن الجميع لأنه مالها، ثم إن الظاهر من الآية و أكثر الأخبار أن عفوها من النصف الذي لها إنما هو على جهة الفضل و الاستحباب، و ظاهر روايتي سماعة و أبي بصير المنقولتين عن تفسير العياشي تحتم الإجازة عليها و الرضاء اللهم إلا أن يحملا على الوكالة، و أن الوكيل إذا تصرف بعد الوكالة فليس للموكل فسخه، بل يجب عليه إمضاؤه، و ربما قيد تحتم ذلك عليها بما إذا اقتضته المصلحة، قال في كتاب مجمع البيان:
فإن امتنعت المرأة عن ذلك لم يكن لها ذلك إذا اقتضته المصلحة عن أبي عبد الله (عليه السلام).
أقول: و هذه الرواية لم تصل إلينا و لا وقفنا عليها، فإن هذه روايات المسألة التي قدمناها، و الروايتان الدالتان على ذلك خاليتان من هذا القيد.
و كيف كان فلا أعرف للزوم ذلك إلا الوجه الذي ذكرته، و هو أعم من أن تقتضيه المصلحة أم لا، و ربما أشعر ظاهر هذا الكلام الذي ذكره في مجمع البيان بأن ذلك في صورة عفو الولي بالنسبة إلى الصغيرة، و أنه ليس لها بعد البلوغ رده إذا اقتضته المصلحة، حيث إن فعل الولي منوط بها، إلا أن مورد الأخبار كما عرفت إنما هو بالنسبة إلى البالغة، و القائم بأمرها في بيع و شراء و نحوه كما عرفت.
الخامس [في معنى العفو المراد من الآية]
مقتضى إطلاق الآية و الأخبار انتقال الجميع إلى الزوج بالعفو عن النصف الباقي لها، أعم من أن يكون المهر دينا أو عينا، و بهذا صرح الشيخ في المبسوط و أكثر الأصحاب و حمل على أن العفو بمعنى العطاء، فيتناول الأعيان، قال في المسالك: و هو قوي لوروده بمعنى العطاء لغة كما سننبه عليه.
و قيل: إن العفو مختص بالدين، و أما العين فلا تنتقل إلا بلفظ الهبة أو
567
التمليك أو نحوهما، لا بالعفو، لأنه لا مجال فيه للأعيان، كلفظ الإبراء فلا يتناول إلا الدين.
و أجابوا عن الآية بأن المراد من العفو معناه لا لفظه، بمعنى إرادة حصول الملك للعفو عنه، بعبارة تقيد ذلك، و لو كان المراد لفظه لتعين في الموضعين، و هو منفي بالإجماع، و سمي نقله منها عفوا تنبيها على حصول فضيلة العفو و المدح، فإن توقف النقل له على صيغة شرعية- كما لو قال: ملكه هذا- فإنه يريد نقل ملكه إليه بلفظ شرعي يفيده بأي لفظ ادعى معناه و إن لم يكن بلفظ التمليك.
أقول: الظاهر عندي قوة هذا القول: و إن كان خلاف ما عليه الأكثر، فإن الأول مبني على صحة كون العفو بمعنى الإعطاء، و ما ادعاه شيخنا المتقدم ذكره من وروده بمعنى العطاء لغة لم أقف عليه في كلام أحد من أهل اللغة، و المذكور في كلامهم إنما هو الاسقاط.
قال في كتاب المصباح المنير (1) «و عفوت عن الحق: أسقطته» و غاية ما استند إليه- (رحمه الله عليه)- و هو الذي أشار إليه بقوله «كما سننبه عليه» هو ما ذكره أخيرا حيث قال: و العفو كما يطلق على الاسقاط، يطلق على الإعطاء كما أشرنا إليه سابقا، و من الأول قوله تعالى «وَ الْعٰافِينَ عَنِ النّٰاسِ» (2) أي التاركين ما لهم عندهم من مظلمة. و من الثاني قوله تعالى «يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ» (3) أي الفضل من الأموال الذي يسهل إعطاؤه. و قوله تعالى «خُذِ الْعَفْوَ» (4) أي خذ ما أعطاك الناس من ميسور أخلاقهم و لا تنقص عليهم، و غير ذلك فيصلح للأمرين.
أقول: لا يخفى أن غاية ما تدل عليه الآيتان هو كون العفو هنا بمعنى الميسور.
____________
(1) المصباح المنير ص 572.
(2) سورة آل عمران- آية 134.
(3) سورة البقرة- آية 219.
(4) سورة الأعراف- آية 199.
568
و عن الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية الأولى قال: العفو الوسط من غير إسراف و لا إفتار.
و بالجملة فالمراد ما يسهل إعطاؤه، فأين هذا مما يدعيه من أن العفو بمعنى الإعطاء، و الإعطاء إنما استفيد من لفظ آخر كقوله خذ في قوله «خُذِ الْعَفْوَ» و ينفقون في قوله «مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ» لا من لفظ العفو.
و بالجملة فإن الاستدلال بذلك من مثله- (رحمه الله)- غريب عجيب كما لا يخفى على الأديب اللبيب و الموافق المصيب، و حينئذ فالواجب على ما اخترناه أنه متى كان المهر دينا فإنه يصح بلفظ العفو و الهبة و الإبراء، و الترك و الاسقاط و التمليك، لإفادة كل من هذه الألفاظ المعنى المراد من إسقاط حقها الذي في ذمته (1)، و إن كان عينا و كان في يده فبلفظ التمليك و الهبة، و لا يصح بلفظ الإبراء و الاسقاط و الترك لأن هذه الألفاظ ظاهرة عندهم في إسقاط ما في الذمة، و كذا لو كان في يدها فإنه يكفي التمليك و الهبة بشرط القبض له من يدها كما تقدم في الهبة دون التمليك، قالوا: و لا بد من القبول على التقديرين إذا كان عينا، و النصوص لا دلالة لها عليه.
السادس [أنه ليس لولي الزوج العفو من حقه كلا أو بعضا]
قد صرحوا بأنه ليس لولي الزوج العفو من حقه كلا أو بعضا مع الطلاق، لأن العفو عن مال الغير بغير إذن المالك على خلاف الأصل، فيجب الاقتصار فيه على مورد الاذن و الرخصة، و هو ولي المرأة خاصة، و لأنه لا غبطة للمولى عليه في ذلك، و تصرف الولي منوط بالمصلحة، و إنما خرج عنها ولي المرأة بالنص الخاص، و من ثم منع بعضهم من عفو ولي المرأة أيضا لذلك، كما
____________
(1) قال الشيخ في المبسوط: لو كان المهر دينا على الزوج فطلق قبل الدخول كان لها العفو عن الباقي بألفاظ منه العفو و التمليك و الهبة و الاسقاط و التبرئة و الإبراء، و هل يفتقر الى قبوله؟ قال: فيه وجهان: الأول أن نقول يفتقر الى قبوله، و الوجه عندي عدم الافتقار، لأنه إسقاط و إبراء فأشبه الطلاق و العتاق، و انتهى. (منه- (قدس سره)-).
569
تقدم في كلام ابن إدريس، قالوا: و يتصور الولاية على الزوج مع وقوع طلاقه عن مولى عليه فيما إذا بلغ فاسد العقل، فإن للولي أن يطلق عنه مع المصلحة كما سيأتي بخلاف الصبي، و لو فسرنا من بيده عقدة النكاح بما يشتمل الوكيل كما هو القول الآخر، و هو الذي قد عرفت دلالة جل الأخبار عليه و إن كان خلاف المشهور دخل وكيل الزوج في الحكم المذكور هنا كما يدخل وليه.
السابع [في أن القدر المعفو عنه ينتقل بمجرد العفو]
ظاهر الآية و الأخبار المتقدمة هو أن القدر المعفو عنه ينتقل بمجرد العفو إلى من عفي له من زوج أو زوجة، و لا يتوقف على أمر آخر، و هو لا يوافق ما فصله الأصحاب في هذا الباب مما تقدمت الإشارة إليه، و بسط جملة من الأصحاب الكلام عليه.
و نحن نذكر هنا ملخص ما ذكره شيخنا في المسالك الذي أوضح فيه طرق الأحكام لكل قاصد و سالك، قال: ليس المراد من العفو الموجب لبراءة كل من الزوجين من حق الآخر كونه سببا تاما بمجرده في نقل الملك أو البراءة منه، بل المراد كونه سببا في ذلك، أعم من أن يكون تاما أو ناقصا أو متوقفا على شرط آخر، و إن كان قد أطلق في الآية كون العفو موجبا لسقوط الحق أو نقله، لأن إطلاقه كذلك لا ينافي اعتبار أمر آخر.
إذا تقرر ذلك فنقول: المهر إما أن يكون عينا أو دينا، و على الأول إما أن يكون في يدها أو في يده، و الثاني إما أن يكون في ذمتها- بأن قبضته و تلف في يدها- أو في ذمته، و على التقادير الأربعة إما أن يكون العافي الزوج أو أو الزوجة أو من يقوم مقامهما في معناهما، فتحقق الملك و انتقاله و سقوطه عن الذمة يتم بثمان صور:
الاولى: أن يكون دينا في ذمة الزوج، و العافي المرأة، فتحصل براءة ذمته بمجرد عفوها، لأن العفو حينئذ بمنزلة الإبراء، فلا يشترط فيه سوى اللفظ الدال عليه و إن لم يقبل من عليه الحق على الأقوى، و قد تقدم تحقيقه في باب
570
الهبة، و يصح ذلك بلفظ العفو و الإبراء و الاسقاط و الترك و الهبة و التمليك لاشتراك الجميع في الدلالة عليه.
الثانية: الصورة بحالها و يكون عينا في يده فلا يكفي مجرد العفو، لأن ذلك بمنزلة الهبة لغيره، بل لا بد من لفظ يدل عليه، كلفظ الهبة و التمليك أو العفو على قول قوي، لا الإبراء و الاسقاط و ما شاكلهما، و يشترط أيضا قبول المتهب، و لا يشترط قبض جديد، لأنه مقبوض بيده بالفعل، و يلحقه حينئذ أحكام الهبة من اللزوم و الجواز على ما سبق تفصيله.
الثالثة: الصورة بحالها بأن كان عينا في يده لكن كان هو العافي عن حقه، فيشترط فيه ما اشترط في السابقة من الإيجاب و القبول، و يزيد اشتراط إقباضها إياه، لأنه خارج عن يدها.
الرابعة: الصورة بحالها بأن كان هو العافي، و لكن كان دينا في ذمته، و لا ينقل بالإبراء و ما في معناه قطعا لاختصاصه بالدين في ذمة المعفو عنه لا العافي، و ينتقل بلفظ الهبة لكن بشرط التسليم.
الخامسة: أن يكون دينا في ذمتها و تكون هي العافية، و الحكم فيه كالسابقة، و الأقوى افتقاره إلى العقد بعد التعيين فيهما لأن ذلك مقتضى الهبة، و لا وجه هنا سواها، و هذا هو الذي اختاره الشيخ في المبسوط.
السادسة: الصورة بحالها و هو كونه دينا في ذمتها لكن العافي هو الزوج، و هنا ينزل منزلة الإبراء كما مر في نظيره، و يصح بجميع الألفاظ الستة، و لا يفتقر إلى القبول على الأقوى.
السابعة: أن يكون عينا في يدها، و هي العافية أيضا، و يشترط فيه ما يشترط في الهبة من العقد و الإقباض.
الثامنة: الصورة بحالها، و العافي هو الزوج فيشترط فيه عقد الهبة، و لا يشترط تجديد الإقباض لحصوله في يدها، و اشترط الشيخ مضي مدة يمكن فيها قبض من
571
هي في يده، و الأقوى عدم اشتراطه، و قد تقدم البحث في بابه، انتهى ملخصا.
المسألة الثانية عشر [فيما لو زوج الرجل ولده الصغير و للولد مال]
المشهور في كلام الأصحاب بل الظاهر أنه لا خلاف فيه، كما يفهم من المسالك و نقل عن التذكرة أنه استند إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه أنه إن زوج الرجل ولده الصغير و للولد مال، فإن المهر في مال الولد، و إن كان الولد فقيرا فالمهر لازم للأب يخرج من أصل ماله لو مات و لم يدفعه، و إن بلغ الولد و أيسر أو مات قبل ذلك.
و الذي وقفت عليه من الأخبار في هذه المسألة ما رواه
في الكافي (1) عن الفضل ابن عبد الملك قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يزوج ابنه و هو صغير؟ قال:
لا بأس، قلت: يجوز طلاق الأب؟ قال: لا، قلت: على من الصداق؟ قال: على الأب إن كان ضمنه لهم، و إن لم يكن ضمنه فهو على الغلام، إلا أن يكون للغلام مال فهو ضامن له، و إن لم يكن ضمن» الحديث.
هكذا صورة الخبر في الكافي على ما نقله في الوافي، و فيه إشكال، و نقله في المسالك «إلا أن لا يكون للغلام مال» و هو الظاهر، و هذه الخبر وصفه في المسالك بالصحة مع أن في طريقه عبد الله بن محمد عن علي بن الحكم، و عبد الله بن محمد هذا هو المشهور ببنان أخو أحمد بن محمد بن عيسى، و هو مجهول في كتب الرجال.
و عن عبيد بن زرارة (2) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يزوج ابنه و هو صغير؟ قال: إن كان لابنه مال فعليه المهر، و ان لم يكن للابن مال فالأب ضامن المهر، ضمن أو لم يضمن».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 400 ح 1 و فيه «الا أن لا يكون للغلام مال»، التهذيب ج 7 ص 389 ح 35، الوسائل ج 15 ص 39 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 400 ح 2، التهذيب ج 7 ص 389 ح 34، الوسائل ج 15 ص 39 ح 1.
572
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجل له ولد فزوج منهم اثنين و فرض الصداق ثم مات، من أين يحسب الصداق من جملة المال أو من حصتهما؟ قال: من جميع المال إنما هو بمنزلة الدين».
و رواه
الشيخ (2) بطريق آخر في الموثق عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته» الحديث.
و في آخر صحيحة
أبي عبيدة الحذاء (3) المتقدمة الواردة في تزويج الصغيرين «قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوجها قبل أن تدرك؟ قال: يجوز عليها تزويج الأب، و يجوز على الغلام، و المهر على الأب للجارية».
و ما رواه
في التهذيب (4) عن محمد بن مسلم في الصحيح قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصبي يتزوج الصبية؟ قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم جائز، و لكن لهما الخيار إذا أدركا، فإن رضيا بذلك، فإن المهر على الأب، قلت له:
فهل يجوز طلاق الأب على ابنه في صغره؟ قال: لا».
و لا يضر اشتمال الرواية على ما لا يقول به الأصحاب من ثبوت الخيار في صورة تزويج الأبوين لهما، فإن طرح بعض الخبر لمعارض أقوى، لا يستلزم طرح ما لا معارض له.
و ما رواه
علي بن جعفر في كتابه (5) عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «
____________
(1) الكافي ج 5 ص 400 ح 3، التهذيب ج 7 ص 389 ح 33، الوسائل ج 15 ص 39 ح 3.
(2) التهذيب ج 9 ص 169 ح 33، الوسائل ج 15 ص 39 ح 3.
(3) الكافي ج 5 ص 401 ح 4، التهذيب ج 7 ص 388 ح 31 و ج 9 ص 382 ح 2 الوسائل ج 17 ص 527 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 182 ح 19، الوسائل ج 14 ص 208 ح 8.
(5) بحار الأنوار ج 10 ص 290 طبعة الاخوندى، الوسائل ج 15 ص 40 ح 4.
573
سألته عن الرجل يزوج ابنه و هو صغير، فدخل الابن بامرأته، على من المهر؟
على الأب أو على الابن؟ قال: المهر على الغلام، و إن لم يكن له شيء فعلى الأب، ضمن ذلك على ابنه أو لم يضمن إذا كان هو أنكحه و هو صغير».
و ما رواه
أحمد بن محمد بن عيسى (1) في النوادر عن صفوان عن محمد عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «قلت: الرجل يزوج ابنه و هو صغير، فيجوز طلاق أبيه، قال: لا، قلت: فعلى من الصداق؟ قال: على أبيه إذا كان قد ضمنه لهم، فإن لم يكن ضمن لهم فعلى الغلام، إلا أن لا يكون للغلام مال فعلى الأب، ضمن أو لم يضمن».
و المفهوم من هذين الخبرين الأخيرين أن المهر يكون على الأب و إن كان للولد مال، و أما في حال فقر الولد فإنه عليه، ضمن أو لم يضمن، و على هذا المعنى يحمل إطلاق رواية الفضل بن عبد الملك، فإن قوله «قال: على الأب إن كان ضمنه لهم» يعني في صورة ما إذا كان للولد مال، فإن وجوبه عليه مشروط بضمانه له، فلو لم يضمنه فإنه على الولد، و لهذا قال «فإن لم يكن ضمنه فهو على الغلام» ثم استثنى منه «إلا أن لا يكون للغلام مال» بالكلية، فإن الأب ضامن و إن لم يضمن، هذا على تقدير ما رواه في المسالك كما قدمنا ذكره، و أما على ما نقله في الوافي- و هو الموجود في الكافي (2)- فهو لا يخلو من الاشكال لعدم استقامة المعنى، كما دلت عليه الروايات الأخر.
و أما ما أطلق في بعض هذه الروايات من كون المهر على الأب فيجب حمله على فقر الولد كما فصلته الأخبار الأخر.
[فوائد]
بقي الكلام هنا في مواضع:
الأول [فيما لو اشترط الأب عدم الضمان]
نقل عن العلامة في التذكرة أنه استثنى من الحكم بضمان الأب
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 40 ح 5.
(2) لا يخفى أن الموجود في الكافي مطابق لنقل المسالك و كأن نقل الوافي من غلط النسخة، و الله العالم.
574
له على تقدير فقر الابن ما لو صرح الأب بنفي الضمان، فإنه لا يضمن، و حمل قوله في الرواية «أ و لم يضمن» على عدم اشتراط الضمان لا على اشتراط عدمه.
و اعترضه في المسالك بأنه لا يخلو من إشكال، قال: لأن النص و الفتوى متناول لما استثناه، و حمله على غيره يحتاج إلى دليل نقلي يعارضه حتى يوجب حمله على ذلك، و لأن الصبي لا يحتاج إلى النكاح فلا حظ له في التزام المهر في ذمته مع الإعسار عنه، فتزويج الولي متوقف على وجود المصلحة، بل و انتفاء المفسدة، و لو قيد ذلك بما إذا كان في التزام الصبي بالمهر مصلحة- بأن كانت الزوجة مناسبة له و خاف فوتها بدون ذلك، و نحوه- قرب من الصواب، إلا أن تخصيص النصوص الصحيحة بذلك لا يخلو من إشكال، انتهى.
و قال سبطه السيد السند في شرح النافع بعد أن نقل عن جده- أن النص و الفتوى متناول لما استثناه- ما لفظه: و هو كذلك، لكن لا يبعد المصير إلى ما ذكره في التذكرة لعموم قوله (عليه السلام) (1)
«المؤمنون عند شروطهم».
و الرواية لا تنافيه صريحا و لا ظاهرا.
أقول: لا يخفى قوة ما ذكره شيخنا في المسالك فإن قوله (عليه السلام) «أو لم يضمن» شامل لكل من صورتي عدم الضمان و اشتراط عدمه، و التخصيص بالأول يحتاج إلى مخصص، و بذلك يظهر ما في قول سبطه «و الرواية لا تنافيه صريحا و لا ظاهرا» و كيف لا تنافيه، و هي دالة بإطلاقها أو عمومها على الصورة المذكورة، فإنه يصدق على من اشترط عدم الضمان أنه لم يضمن و حديث «المؤمنون عند شروطهم» إنما يتم الاستدلال به لو لم يكن له معارض، و المعارض كما ذكرنا موجود، فإن مقتضى إطلاق الروايات المتقدمة أنه يضمن في هذه الصورة أعني صورة فقر الولد أعم من أن يشترط الضمان على نفسه أو لا يشترط بأن اشترط عدمه أو لم يشترط، و العجب من قوله- رحمة الله عليه- «و الرواية لا تنافيه صريحا و لا ظاهرا» بعد اعترافه أولا بأن النص متناول لما استثناه، فإنه إذا كان متناولا لذلك الفرد
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 371 ح 66، الوسائل ج 15 ص 30 ح 4.
575
المستثنى فكيف لا تنافي استثناؤه و لو ظاهرا.
الثاني [فيما لو كان الصبي مالكا لبعض المهر]:
قالوا: لو كان الصبي مالكا لبعض المهر دون بعض لزمه بنسبة ما بملكه، و لزم الأب الباقي، و هو جيد.
الثالث [في أن إطلاق المال في الأخبار شامل لما يؤخذ في الدين و ما لا يؤخذ]
إطلاق المال في الروايات- الدالة على أنه متى كان للولد مال فإن المهر على الأب شامل لما يؤخذ في الدين و ما لا يؤخذ فيه، مثل دار السكنى و دابة الركوب و نحوهما إلا أن ذلك لا يقتضي صرف الثاني من هذين الفردين في أداء دين المهر لو تزوج و الحال كذلك، فلو كان له دار سكنى و فرس ركوب و نحوهما، فإن إطلاق النصوص و الفتاوى يقتضي أن المهر عليه دون الأب، و لكنه متى تزوج كذلك كان المهر في ذمته، و لا يجب عليه صرف هذه الأشياء في أداء دين المهر لو طلبته الزوجة، بل يبقى المهر ثابتا في ذمته إلى أن يتيسر له قضاؤه، وقوفا على مقتضى الدليلين في كل من المقامين، فإن غاية ما يدل عليه الدليل في هذه المسألة هو أنه متى كان له مال فالمهر عليه دون أبيه، بمعنى أن المهر يكون في ذمته و الحكم بوجوب المهر في ذمته لا يقتضي وجوب صرف هذه الأشياء في أدائه، بل يرجع في ذلك إلى تلك المسألة الأخرى، و هو استثناء هذه الأشياء من الصرف في الدين، بل يبقي في ذمته إلى أن يقدر على الوفاء جمعا بين الأصلين المذكورين.
الرابع [لو أدى الأب المهر في موضع لا يضمنه]
لا ريب أن كل موضع لا يضمن الأب المهر فيه لو أداه تبرعا عنه فإنه لا رجوع له به، كما لو أداه الأجنبي، أما لو ضمنه صريحا و انتقل إلى ذمته بالضمان، فلو ادى بعد ذلك فهل يرجع به أم لا؟ اختلف كلام العلامة في التذكرة في ذلك فقال في موضع منها بجواز رجوعه إذا قصد بالضمان الرجوع، محتجا بأن قصد الرجوع هنا يجري مجري إذن المضمون عنه في الضمان، و في موضع آخر قطع بعد الرجوع محتجا بأنه أدى مالا وجب عليه بأصل الشرع.
و أورد عليه بأن في الفرق بين ضمانه لذلك و أدائه له ابتداء نظرا، لأنه بالنظر إلى الطفل متبرع في الموضعين، و بالنظر إلى كونه وليا منصوبا للنظر،
576
و رعاية المصلحة للابن ينبغي عدم الضمان في الموضعين إذا أدى و ضمن بطريق الولاية على قصد الرجوع على الطفل.
و يتجه على هذا أن يقيد بكون ذلك مصلحة للطفل، فإن مطلق وفاء الدين عن المعسر و انتقاله من مستحق إلى آخر لا يكون مصلحة مطلقا، بل قد يكون، كما لو كان المستحق الثاني أسهل من الأول، و أرفق بالمديون، و قد ينعكس، فإن انضم إلى كون الأداء و الضمان مصلحة للطفل مع قصد الرجوع عليه اتجه جوازه، و إلا فلا.
الخامس: إذا دفع الأب عن ولده الصغير مع يسار الولد [ثم بلغ الولد و طلق قبل الدخول]
تبرعا أو مع فقره لكونه ضامنا له، ثم بلغ الولد و طلق قبل الدخول، فإنه يزول ملك المرأة عن نصف الصداق، و هل يرجع في هذه الصورة إلى الأب أو الابن؟ الأقوى أنه يرجع إلى الابن، و هو اختيار جمع من الأصحاب منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و سبطه السيد السند في شرح النافع، و تردد المحقق في الشرائع.
و وجه القوة فيما قويناه ما صرحوا به من أنه لا ريب أن المرأة قد ملكته بقبضها إياه من الأب، سواء كان قد لزمه بالضمان أم دفعه تبرعا، و من ثم كان النماء لها، و خروج النصف بالطلاق ثابت للزوج بالنص، و هو ملك جديد ثبت له بعد ملك المرأة، لا إبطال لملك المرأة السابق، ليرجع إلى مالكه، و لأن دفع الأب له كالهبة للابن التي لا يجوز الرجوع فيها.
و الأظهر الاستناد إلى عموم النصوص الدالة على رجوع النصف إلى الزوج بالطلاق فإنه شامل لهذه الصورة، لأن ترك الاستفصال دليل على العموم في المقال.
و أما ما ذكره المحقق من التردد في الحكم فإن منشأه مما ذكرناه، و من أن المهر عوض البضع، و البضع ملك للولد قطعا، فيكون عوضه عليه، و لزومه للأب من حيث إلزامه ذمة الصغير الذي لا يحتاج إلى النكاح لا يوجب كون دفعه هبة له، و إن نزل منزلتها، فلا يلزم مساواتها في جميع الأحكام، و إنما القصد منه
577
وفاء دين الولد، فإذا برءت ذمته من النصف بالطلاق ينبغي أن يعود إلى الأب.
ورد بمنع استلزام ملك الولد البضع كون عوضه عليه، و انتفاضة ظاهر بالمتنازع، فإن العوض على الأب إجماعا.
إنما الكلام في عوده بعد خروجه عن ملكه، و وجوب وفائه، ثم لا نقول:
إن دفع الأب له هبة حتى يلزم ما ذكره، و إنما فرضناه منزلا منزلة الهبة لما بينهما من المناسبة، و إلا فهو دين وفاه المستحق عليه و انتقاله من المستحق له بالطلاق ملك آخر قهري إلى الزوج، لا اختيار فيه لأحد.
أقول: و الأظهر عندي ما تقدمت الإشارة إليه من أن الاعتماد في ذلك إنما هو على الأخبار الدالة على استحقاق الزوج للنصف بعد الطلاق قبل الدخول و رجوعه إليه، و فيها غنية عن هذه التكلفات و لا نزاع في كونها بإطلاقها أو عمومها شاملة لموضع البحث.
السادس: لو لم يدفع الأب المهر مع لزومه له و طلقها قبل الدخول
فقد قطع الشيخ في المبسوط و تبعه العلامة في القواعد بأنه لا يستحقه الابن، و تبرأ ذمة الأب من النصف و يلزمه دفع النصف الآخر إلى الزوجة، و عللوا ذلك بأن دفع المهر بمنزلة الهبة للولد، فبعد قبضه لا رجوع فيها، و قبله غير متحققة فتبرء ذمته من النصف، فلا يملكه الولد لعدم القبض.
و فيه- على تقدير تسليم الاعتماد على مثل هذه التعليلات العليلة- أن هذا إنما يتم فيما إذا كان الأب متبرعا بالدفع عن الصغير، كما إذا كان الصغير موسرا أو معسرا، و قد شرط الأب عدم الضمان على القول به، أما إذا لزمه ابتداء، كما إذا كان الولد معسرا و لم يشترط عدم ضمانه، فإن المهر يلزمه بالعقد سواء كان قبضته الزوجة أم لا، حتى لو كان عينا ملكت نماؤها كما سلف، فلا يظهر الفرق بين قبضها و عدمه هنا، و التعليل بالهبة لا يظهر إلا مع التبرع به لا مع لزومه ابتداء و هو جيد.
578
السابع: لو دفع الأب المهر عن الولد الكبير متبرعا، ثم طلق قبل الدخول
، فهل يعود النصف إلى الدافع و هو الأب أو إلى الزوج و هو الابن؟ قولان، و بالثاني قطع العلامة في التذكرة على ما نقل عنه، و تردد فيه في الشرائع، و استشكله في القواعد، و في التحرير قوى الأول، و جزم الشهيد الثاني في المسالك و سبطه في شرح النافع بالحكم برجوعه إلى الزوج، و هو الظاهر لعين ما تقدم من أن العين قد انتقلت إلى الزوجة و صارت ملكها بعد قبضها إياها، و العود إلى الولد إنما وقع بملك جديد، و في معناه ما لو دفعه أجنبي تبرعا فإن الحكم فيه بعد القبض كذلك.
قالوا: و من هنا ظهر الفرق بين دفع الأب المهر إلى الزوجة و عدمه، لأنه لما لم يكن المهر لازما له فهو متبرع بالوفاء فلا يخرج عن ملكه إلا بدفعه، فإن دفع الجميع كان الحكم كما سبق، و إن دفع النصف و طلق الولد قبل الدخول سقط النصف الآخر عن ذمة الزوج، و لم يجب على الأب دفعه إلى الولد بغير إشكال، لانتفاء ما يقتضيه.
و وجه تردد المحقق هنا و استشكال العلامة ما ذكروا من الأصل بقاء الملك على مالكه حيث لم يتحقق قصد التمليك، بل غايته إرادة إبراء ذمته من الدين، فإذا برءت بالطلاق عاد المال إلى أصله، و دفعه في قضاء الدين عنه لا يستلزم أن يكون هبة، حتى أنه يقال: إن الولد ملكه، و لا يصح للأب الرجوع في هبة الولد.
و رد بما عرفت من أنه بالدفع إلى المرأة قد انتقل عن ملكه، و صار ملكا لها قطعا.
و أما الولد فلا دخل له في ذلك، ليقال إنه هبة أو إنه صار مملوكا للولد.
بل الزوج إنما استحقه بملك جديد بعد أن صار للمرأة، للأخبار الدالة على رجوع النصف له بالطلاق.
و قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: و اعلم أن الشيخ في المبسوط قطع في المسألتين بعدم عود النصف المدفوع إلى الوالد كما ذكر المصنف من غير تردد،
579
و اتفق كلام العلامة في كتبه في أن الحكم في الصغير كذلك، و اختلف كلامه في الكبير، ففي التذكرة و الإرشاد قطع بكون حكمه حكم الصغير في عود النصف إليه، و في التحرير قوى رجوعه إلى الأب بعد أن حكم بكونه للولد، و في القواعد استشكل بعد حكمه بكونه للولد أيضا.
و بالجملة فلم يتحقق في الصغير خلاف، و إنما هو ظاهر في الكبير، و إنما تردد المصنف نظرا إلى ما يظهر من عدم إفادة تعليلهم المدعى، فإن الشيخ و غيره إنما عللوه بكونه هبة، و الهبة لا يرجع فيها بعد إقباضها للرحم، أو بعد التصرف فيها، و لا يخفى قصور التعليل، انتهى.
البحث الرابع: في التنازع
، و فيه مسائل:
الاولى: لو اختلفا في أصل المهر
بأن ادعته المرأة و أنكر الزوج، فقال:
لا مهر لك عندي، و ما أشبهه، فإن كان ذلك قبل الدخول فالظاهر أنه لا إشكال و لا خلاف في أن القول قول الزوج بيمينه، لأن مجرد العقد لا يستلزم المهر لانفكاكه عنه في صورة التفويض، ثم يمكن استمرار براءته إلى أن يموت أحدهما قبل الدخول.
و إن كان بعد الدخول فقد أطلق الأكثر أنه كذلك أيضا، و هو على إطلاقه مشكل، لأن العقد إن اشتمل على مهر فهو الواجب، و الأصل بقاؤه، و إن لم يشتمل على مهر كان مهر المثل واجبا بالدخول، فالقول بأن القول قول الزوج بيمينه- و الحال كما عرفت- مشكل.
و ربما أجيب بالتمسك بالبراءة الأصلية، و توضيحه أن العقد لا يستلزم وجوب المهر على الزوج و كذا الدخول لا يستلزمه بل هو أعم منه، و العام لا يدل على الخاص، و بيان العموم أن الزوج قد يكون صغيرا معسرا زوجه أبوه، فإن المهر في ذمة الأب، أو يكون عبدا زوجه مولاه، فكان المهر على المولى.
و بذلك يظهر أن الدخول لا يستلزم ثبوت المهر في ذمة الزوج، و منه يظهر
580
صحة التمسك بأصالة البراءة في مقام الاختلاف.
و فيه أنه لا خلاف نصا و فتوى في أن تفويض البضع موجب لمهر المثل مع الدخول، و هذا هو الذي تمسكنا به، و ما ذكر من هذين الموضعين لا ينافي ذلك، فإنا نقول بموجبهما، فإن ثبت هنا أن النكاح كان على أحد هذين الوجهين فلا نزاع في أن القول قول الزوج بيمينه، أما لو علم انتفاؤهما فهو محل الاشكال، فلا يتم ما ذكروه كليا.
و بالجملة فإن ما ذكروه جيد إن ثبت انتفاء التفويض، إما باتفاقهما على ذلك، أو قيام البينة و ما في معناها على ذلك، لجواز أن يكون المهر المسمى دينا في ذمة المرأة أو عينا في يدها، فلا يكون العقد المشتمل على التسمية بمجرده مقتضيا لاشتغال ذمة الزوج بشيء من المهر.
و نقل عن العلامة في التحرير قول آخر في المسألة، و هو أنه إذا وقع الاختلاف في أصل المهر بعد الدخول يستفسر، هل سمى أو لا؟ فإن ذكر تسميته كان القول قوله مع اليمين، و إن ذكر عدمها لزم مهر المثل، و إن لم يجب بشيء حبس حتى يبين. و اعترضه في المسالك بوجوه، من أحب الوقوف عليها فليرجع إلى الكتاب المذكور.
و في القواعد فصل تفصيلا آخر، فقال: و التحقيق أنه إن انكسر التسمية صدق باليمين، لكن يثبت عليه- قبل الدخول مع الطلاق- المتعة، و مع الدخول مهر المثل، و الأقرب أن دعواها إن قصرت عنهما ثبت ما ادعته، و لو أنكر لاستحقاق عقيب دعواها إياه أو دعواها التسمية، فإن اعترفا بالنكاح فالأقرب عدم سماعه.
قال في المسالك: و هو أقل إشكالا من الأول. ثم أطال في الكلام عليه و بيان ما اختاره في المسألة بتفصيل يقف عليه من أحب الرجوع إليه، و الملخص عندي ما قدمنا ذكره.
و أما ما أضيف إلى ذلك من التفريعات في المسألة فمحل إشكال، و لو كان
581
الاختلاف في القدر بأن ادعت الزوجة قدرا زائدا على ما أقر به الزوج، فلا إشكال و لا خلاف في أن القول قول الزوج بيمينه، بمقتضى القاعدة الكلية المستفادة من النصوص المستفيضة، و خصوص
صحيحة أبي عبيدة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل تزوج امرأة فلم يدخل بها فادعت أن صداقها مائة دينار، و ذكر الرجل أنه أقل مما قالت، و ليس لها بينة على ذلك؟ قال: القول قول الزوج مع يمينه».
إلا أنه ينبغي تقييد ذلك بما لو أطلق الدعوى، أو ادعت هي التسمية هذا القدر في العقد، و ادعى هو تسمية الأقل، و الشيخ في المبسوط فرض المسألة في هذا القسم الأخير.
أما لو اتفقا على عدم التسمية فالواجب مهر المثل، و الاختلاف يقع حينئذ فيه، فإن كان القدر الذي يعترف به الزوج أقل منه، فدعواه في قوة إيفاء الزائد أو التخلص منه بالإبراء و نحوه، و مثل هذا لا يقبل قوله فيه.
و كذا مع اتفاقهما على التسمية، و اعترف بأنهما أكثر، و يدعي التخلص من الزائد بإبراء أو وفاء و نحوهما، على أنه يمكن المناقشة أيضا فيما فرضه في المبسوط محلا للمسألة من الاختلاف في دعوى التسمية بأن يقال: إنه مع اختلافهما في قدر التسمية، يكون كل منهما منكرا لما يدعيه الآخر، و مقتضى ذلك وجوب التحالف، و الرجوع إلى مهر المثل، إلا أنه يشكل بأن إطلاق الرواية الصحيحة شامل لهذه الصورة كما فهمه الشيخ- رحمة الله عليه- على ما فيه مما عرفت من الحزازة، و من هنا قال في القواعد: و ليس بعيدا من الصواب تقديم قول من يدعي مهر المثل، فإن ادعى النقصان و ادعت الزيادة تحالفا، و رد إليه، و لو كان الاختلاف في صفة المهر كالصحيح و المكسر، و الجيد و الردي، فالقول قول الزوج بيمينه، لأصالة براءة ذمته مما تدعيه المرأة من الوصف الزائد،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 386 ح 3، التهذيب ج 7 ص 364 ح 39 مع اختلاف و ص 376 ح 85، الوسائل ج 15 ص 28 ب 18 ح 1.
582
و لا فرق في ذلك بين الدخول و عدمه، و لا بين ما لو كان ما تدعيه مهر المثل أم أقل.
و ألحق به بعض الأصحاب الاختلاف في الحلول و التأجيل، أو في تقدير الأجل، بل جعلها من أفراد الاختلاف في الصفة، و استشكله في المسالك بأن الأصل عدم التأجيل و عدم زيادة الأجل عما تدعيه، فهي المنكرة و هو المدعي، فتقديم قوله فيهما ممنوع، قال: و لو قيل بالتحالف على تقدير الاختلاف في الصفة لأن كلا منهما منكر ما يدعيه الآخر خصوصا مع تصريح كل منهما بكون ما يدعيه هو الذي وقع عليه العقد كان وجها فيثبت مهر المثل، إلا أن يزيد على ما تدعيه المرأة أو ينقص عما يدعيه الزوج، انتهى.
و ألحق جماعة من الأصحاب منهم الشيخ في المبسوط و ابن إدريس و العلامة في التحرير اختلافهما في جنسه بالاختلاف في قدره، كما لو قالت: المهر مائة دينار فقال: بل مائة درهم، و استدلوا عليه بأن الزوج منكر، فيكون القول قوله.
قال في المسالك: و الاشكال فيه أقوى، و وجه التحالف فيه أولى، إلا أن الأصحاب أعرضوا عنه رأسا، و جماعة من العامة أثبتوه في أكثر هذه المسائل حتى في الاختلاف في أصل المهر، و ما حققناه أظهر.
أقول: ما ذكره من اختيار القول بالتحالف في هذه المواضع يخالف ما قدمه في كتاب البيع في مسألة اختلاف المتبايعين، فإنه قد جعل لذلك ضابطة، و هو ادعاء كل منهما على صاحبه ما ينفيه الآخر، بحيث لا يتفقان على أمر، فلو اتفقا على أمر خرج ذلك عن مقتضى الضابطة المذكورة، و في هذا الموضع قد اتفقا على أمر، و إنما الاختلاف في الزيادة التي يدعيها المدعي و الزيادة في الوصف أو الزيادة في الجنس، و قد تقدم منا تحقيق الكلام في ذلك في المسألة المذكورة في كتاب التجارة، و تحقيق آخر أيضا في آخر أبواب الإجارة فليرجع إليه من أحب الوقوف عليه. و كيف كان فالاحتياط فيما عدا المنصوص من هذه المواضع بالصلح و نحوه أولى.
583
الثانية: لو أقر بالمهر و ادعى تسليمه، و أنكر المرأة
، فمقتضى القواعد الشرعية أن القول قولها بيمينها، و به صرح الأصحاب أيضا لثبوته في ذمته باعترافه و أصالة بقائه و عدم تسليمه حتى يثبت ذلك بوجه شرعي، و أما ما ورد
في رواية الحسن بن زياد (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا دخل الرجل بامرأته ثم ادعت المهر، و قال الزوج: قد أعطيتك، فعليها البينة، و عليه اليمين».
فهي غير معمول عليها عند أصحابنا سيما مع ما في منتها من المخالفة للأصول، فإن المهر إذا تعين في ذمة الزوج فهو المدعى للايفاء، و هي المنكرة، فتكون البينة عليه لا عليها، و أما ما ورد في معنى هذه الرواية من الأخبار التي دلت على سقوط المهر كلا أو بعضا بالدخول فقد تقدم الكلام فيها و أنه لا عامل بها منها، لمعارضتها بالأخبار الراجحة بعمل الأصحاب و موافقة الضوابط الشرعية، تقدم ذلك في المسألة الاولى من سابق هذا البحث، و عمل بمضمونها ابن الجنيد، فقال بتقديم قول الرجل في البراءة من المهر بعد الدخول، و قولها في ثبوتها قبله.
قال في المسالك بعد نقل ذلك عنه: و المذهب هو الأول، و أنه لا فرق بين وقوع الدعوى قبل الدخول و بعده.
أقول: لا يبعد حمل الأخبار المشار إليها على التقية كما تقدمت الإشارة إليه.
الثالثة: لو اختلفا في المدفوع بعد أن كان قدر مهرها فقالت: دفعته هبة، فقال: بل صداقا
، فظاهر جملة من الأصحاب كالمحقق في الشرائع أن القول قوله لأنه أبصر بنيته، و فصل شيخنا في المسالك في ذلك فقال: إن كان دعواها عليه أنه نوى بالدفع الهبة من غير أن يتلفظ بما يدل عليها فالقول قوله بغير يمين، لأنه لو اعترف لها بما تدعيه لم يتحقق الهبة إلا بانضمام لفظ يدل عليها، فلا يفتقر إلى اليمين، و إن ادعت تلفظه بما يدل على الهبة فالقول قوله مع اليمين، لأصالة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 386 ح 4، التهذيب ج 7 ص 360 ح 26 و ص 376 ح 84، الوسائل ج 15 ص 15 ح 7.
584
العدم، و لأنه منكر.
أقول: و بهذا التفصيل صرح في القواعد فقال: و لو دفع مساوي المهر فادعت دفعه هبة، قدم قوله مع اليمين إن ادعت تلفظه بالهبة، و إلا قبل من غير يمين، بأن تدعي أنه نوى بالدفع الهبة، لأنه لو نواه لم يصر هبة.
الرابعة: إذا خلا بها فادعت المواقعة
، فلا يخلو إما أن تكون بكرا أو ثيبا، و على الأول فلا إشكال، لإمكان استعلام الحال بنظر الثقات من النساء إلى ذلك، و هو مستثنى لموضع الحاجة، كنظر الطبيب و نحوه، و إنما الاشكال و الخلاف في الثاني، فقيل: القول قول الرجل عملا بالأصل، لأن الأصل العدم حتى يثبت خلافه. و قيل: إن القول قولها عملا بالظاهر من حال الصحيح في خلوته بالحلال مع عدم الموانع و حصول الدواعي، و تؤيده الأخبار المتقدمة بأن إرخاء الستر يوجب المهر، و قد تقدم الكلام في هذه الأخبار، و أن الظاهر عدم العمل عليها.
و بالجملة فمرجع الكلام هنا إلى تعارض الأصل و الظاهر، فمن عمل بظاهر تلك الأخبار فقد رجح البناء على الظاهر، و يكون الحكم هنا عنده هو تقديم قول المرأة بيمينها، و أما مع عدم العمل بها فالظاهر هو ترجيح الأصل، و به صرح في المسالك، فقال: لكن الأقوى تقديم الأصل، لأن وجود القدرة و الدواعي و انتفاء الصارف مظنون لا معلوم، و معها لا بد لفعل القادر من ترجيح، و الأصل عدمه.
الخامسة: إذا اختلف الزوجان بعد اتفاقهما على وقوع عقد نكاح بينهما في وقتين
، فادعى الزوج التكرار المحض إما على وجه الاحتياط في تصحيحه أو لقصد اشتهاره أولا كذلك و ادعت المرأة أن كلا منهما عقد شرعي مستقل لا مجرد تكرار، و إن لم تذكر سبب الفرقة من العقد الأول، لأن الدعوى تدل عليه، فظاهر كلام الأصحاب أن القول قولها، و علل بأن العقد حقيقة شرعية في السبب المبيح للبضع، و استعماله في مجرد الإيجاب و القبول المجردين عن ذلك الأثر مجاز بحسب الصورة كتسمية الصورة المنقوشة على الجدار فرسا.
585
بقي الكلام في أنه مع تقديم قولها فما الواجب من المهر في هذه الصورة؟
قال الشيخ في المبسوط: لو أقامت بينة لعقدين في وقتين فادعى الزوج التكرار و ادعت صحة العقدين و تعدد النكاح قدم قولها باليمين، و الأولى أن يقول: أن يلزمه المهران معا، و قال بعضهم يلزمه مهر و نصف لأنه يقول: طلقتها بعد الأول قبل الدخول فعلي نصف المهر، ثم تزوجت بها ثانيا، و هذا أقوى.
قال في المختلف و هو يدل على تردده في ذلك، قال: و كان والدي- (رحمه الله عليه)- يقوي الثاني، و شيخنا أبو القاسم جعفر بن سعيد- (رحمه الله)- يقوي الأول و هو الأقوى عندي لاعتراف الزوج بثبوت الأول في ذمته، و قيام البينة عليه بالثاني، و تعليل الشيخ ليس بجيد، لأن دعواه الطلاق المتخلل بين العقدين ينافي دعوى التكرار، و لو ادعى تخلل الطلاق كان القول قوله مع اليمين. انتهى.
أقول: و هنا قول ثالث، لم يتعرض إليه في المختلف و هو وجوب مهر واحد و قد نقله في المسالك ثالثا للقولين المذكورين، و علل القول بوجوب المهرين بأن كل عقد له سبب تام في وجوب المهر و الأصل استمراره و لأنه لا ينتصف إلا بالطلاق، و سماع دعواه الطلاق الموجب للتنصيف ينافي دعواه التكرار كما عرفت من كلامه في المختلف، و علل القول الثاني بأن الفرقة متحققة ليصح فرض العقد الثاني، و الوطؤ غير معلوم مع أن الأصل عدمه فيجب النصف بالعقد الأول و المهر كملا بالعقد الثاني.
و علل القول الثالث بأن من أسباب الفرقة ما لا يوجب مهرا و لا نصفها كردتها و إسلامها، و فسخه بعيبها قبل الدخول، و فسخها بعيب غير العنة قبله، أيضا فإنه يجوز أن تكون الفرقة الموجبة لتعدد العقد من أحد هذه المذكورات، فلا توجب شيئا بالكلية، و يبقى المهر بالعقد الثاني، على أنه يمكن أيضا كونه مهرا واحدا بالطلاق في الأول قبل الدخول، و في الثاني كذلك، فإن كل واحد من الطلاقين موجب للنصف، و من المجموع يحصل مهر واحد.
و ظاهر في المسالك اختيار القول الأول على تردد قال: و الأقوى وجوب
586
المهرين لأصالة بقائهما في ذمته حتى يحصل المزيل و هو غير معلوم، و مجرد الفرقة أعم من كونها مسقطة و عدمه، إلا أن يدعي عدم الإصابة و الطلاق، فيلزم مهر و نصف، أو يدعي الطلاق في الثاني أيضا قبل الدخول فمهر واحد يجتمع منهما، أو يدعي الفسخ بأحد الأسباب الموجبة لعدم المهر مع إمكانه، فيجب المهر الثاني خاصة أو يدعي الطلاق قبل الدخول في الثاني فنصفه لا غير، لكن يشكل قبول دعواه الفسخ بالعيب، لأصالة عدمه، و يظهر من الشهيد في شرح الإرشاد قبوله محتجا بأن تجويزه ينفي القطع بالزيادة على المهر الثاني، و هذا بخلاف دعوى الطلاق، فإنه بفعله، و يرجع فيه إليه، و أما الدخول فالأصل عدمه، كما أن الأصل استصحاب المهر كملا إلا إن يدعي المزيل، فلو سكت عن الدعوى ثبت المهران على الأقوى، و هذا كما يقال: إن المستودع بعد ثبوت الإيداع مطالب بها، و محبوس عليها ما دام ساكتا، فإن ادعى تلفا أو ردا صدق بيمينه، و انقطعت المطالبة، انتهى.
هذا ملخص كلامهم في المقام، قد أوردناه لتطلع على ما وقع لهم فيه من النقض و الإبرام، و المسألة لخلوها عن النص القاطع لمادة القيل و القال لا تخلو من الاشكال، و لهذا كثر فيها الاحتمال و تعددت الأقوال.
المقصد الثالث في القسم و النشوز و الشقاق:
فهنا مقالتان،
[المقالة] الاولى في القسم:
و هو بفتح القاف مصدر قسم يقسم، و بالكسر: الحظ و النصيب، قال: في كتاب المصباح المنير (1): قسمته قسما من باب ضرب فرزته أجزاء فانقسم، و الموضع مقسم مثل مسجد، و الفاعل قاسم، و قسام مبالغة، و الاسم القسم بالكسر، ثم أطلق على الحصة و النصيب، فيقال هذا قسمي، و الجمع أقسام مثل حمل و أحمال.
____________
(1) المصباح المنير ص 690.
587
و عرفه في المسالك بأنه حق واجب لمن يجب الإنفاق عليه من الزوجات.
و أورد عليه سبطه في شرح النافع بأنه ينتقض طردا بوطىء الزوجة الواجب في أربعة أشهر، فإن التعريف صادق عليه، و عكسا بمن لا يجب عليه الإنفاق من الأزواج، كالمعسر و الصغير، فإن القسم يجب عليه مع أن النفقة غير واجبة، قال:
و يمكن دفعها بتكلف، و الأمر في ذلك هين. انتهى، و الكلام هنا يقع في موارد:
الأول [في أن لكل من الزوجين على الآخر حقوقا واجبة و مستحبة]
لا خلاف و لا إشكال في أن لكل من الزوجين على الآخر حقوقا واجبة و مستحبة، و من الواجب على الزوج النفقة و الكسوة و الإسكان.
و من الواجب عليها التمكين من الاستمتاع، و إلى ما ذكرنا يشير قوله عز و جل «قَدْ عَلِمْنٰا مٰا فَرَضْنٰا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوٰاجِهِمْ» (1) و قوله عز و جل «وَ عٰاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (2) و قال «وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (3) و المراد تشبيه أصل الحقوق بالحقوق لا في الكيفية و الكمية لاختلافهما.
و أما الأخبار الواردة في هذا المقام الدالة على حقوق كل منهما على الآخر فهي مستفيضة متكاثرة، و قد تقدم جملة منها في الفائدة السادسة عشر من فوائد المقدمة.
و مجمل حقوق الزوج عليها كما دلت عليه الأخبار المشار إليها أن تطيعه و لا تعصيه و لا تصدق من بيته إلا بإذنه، و لا تصوم تطوعا إلا بإذنه، و لا تمنعه نفسها و إن كانت على ظهر قتب، و لا تخرج من بيته إلا بإذنه، و عليها أن تطيب و تزين له بأطيب طيبها و أزين زينتها، و أن لا تبيت ليلة و هو عليها ساخط و ان كان ظالما لها.
و قال (صلى الله عليه و آله) (4) «لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد
____________
(1) سورة الأحزاب- آية 50.
(2) سورة النساء: آية 19.
(3) سورة البقرة- آية 228.
(4) الكافي ج 5 ص 507 ح 6، الفقيه ج 3 ص 277 ح 3، الوسائل ج 14 ص 115 ب 81 ح 1.
588
لزوجها».
و في خبر آخر (1) عنه (صلى الله عليه و آله) «و أكثر من ذلك حقوقه عليها».
و مجمل حقوقها عليه أن يكسوها و يشبعها، و إن جهلت غفر لها،
و في خبر عنه (2) (صلى الله عليه و آله) «فقلت: فليس لها عليه شيء غير هذا؟ قال (صلى الله عليه و آله): لا، قالت: لا و الله لا تزوجت أبدا».
و في خبر آخر (3) «يسد جوعها و يستر عورتها و لا يقبح لها وجها، و إذا فعل ذلك فقد و الله أدى إليها حقوقها».
إذا تقرر ذلك فالواجب على كل منهما القيام بالحق الواجب عليه من غير أن يخرج صاحبه إلى طلبه له و الاستعانة بالغير على ذلك.
الثاني: لا خلاف بين الأصحاب في وجوب القسمة بين الزوجات
لما فيه من العدل و المعروف و حسن المعاشرة المشار إليه بقوله عز و جل «وَ عٰاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (4) و التأسي به (صلى الله عليه و آله) (5) فإنه كان يقسم بين زوجاته، حتى أنه كان في مرضه يطاف به بينهن، و كان يقول: هذا قسمي فيما أملك، و أنت أعلم بما لا أملك» يعني المودة و الميل القلبي.
و روي (6) «أن عليا (عليه السلام) كان له امرأتان، فكان إذا كان يوم واحدة لا يتوضأ في بيت الأخرى».
و روي في كتاب عقاب الأعمال (7) عنه (صلى الله عليه و آله) «أنه قال: و من كانت له امرأتان
____________
(1) الكافي ج 5 ص 508 ح 7، الوسائل ج 14 ص 112 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 511 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 511 ح 5 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 226 ح 1.
(4) سورة النساء- آية 19.
(5) مجمع البيان ج 3 ص 121، الوسائل ج 15 ص 84 ح 2.
(6) مجمع البيان ج 3 ص 121، الوسائل ج 15 ص 85 ح 3.
(7) عقاب الأعمال ص 333، الوسائل ج 15 ص 84 ب 4 ح 1.
589
فلم يعدل بينهما في القسم من نفسه و ماله جاء يوم القيامة مغلولا مائلا شقه حتى يدخل النار».
و ينبغي أن يعلم أن وجوب العدل في القسم إنما هو باعتبار المساواة فيما تقدم ذكره من الأمور الواجبة عليه من النفقة و الكسوة و الإسكان و المبيت و الإقامة عندها في يومها و ليلتها لا بالنسبة إلى المودة التي هي أمر قلبي، لقوله عز و جل «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسٰاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ، فَلٰا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهٰا كَالْمُعَلَّقَةِ» الآية (1) و إليه يشير الحديث النبوي المتقدم.
و روي في الكافي في الصحيح أو الحسن عن نوح بن شعيب و محمد بن الحسن (2) قال: «سأل ابن أبي العوجاء هشام بن الحكم فقال له: أ ليس الله حكيما؟ قال:
بل هو أحكم الحاكمين، قال: فأخبرني عن قول الله عز و جل «فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا تَعْدِلُوا فَوٰاحِدَةً» (3) أ ليس هذا فرض؟ قال: بلى، قال: فأخبرني عن قول الله عز و جل «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسٰاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ، فَلٰا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهٰا كَالْمُعَلَّقَةِ» أي حكيم يتكلم بهذا؟ فلم يكن عنده جواب، فرحل إلى المدينة إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: يا هشام في غير وقت حج و لا عمرة؟ قال: نعم جعلت فداك لأمر أهمني، إن ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شيء، قال: و ما هي؟
قال:- فأخبره بالقصة- فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أما قوله عز و جل «فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا تَعْدِلُوا فَوٰاحِدَةً» يعني في النفقة، و أما قوله «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسٰاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلٰا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهٰا كَالْمُعَلَّقَةِ» يعني في المودة، قال: فلما قدم عليه هشام بهذا
____________
(1) سورة النساء- آية 129.
(2) الكافي ج 5 ص 362 ح 1، الوسائل ج 15 ص 86 ح 1.
(3) سورة النساء- آية 3.
590
الجواب و أخبره قال: و الله ما هذا من عندك» (1).
و بالجملة فإنه لا خلاف في وجوب القسمة، إنما الخلاف في أنه هل تجب بنفس العقد و التمكين، أم يتوقف على الشروع؟ قولان، المشهور- على ما نقله في المختلف- الأول، و مبنى هذا الخلاف على أن القسمة هل هي حق للزوج خاصة أو مشتركة بينه و بين الزوجة؟ و قال الشيخ في المبسوط: لا يجب عليه القسمة ابتداء، لكن الذي يجب عليه النفقة و الكسوة و المهر و السكنى، فمتى تكفل بهذا لا يلزمه القسم، لأنه حق له، فإذا أسقطه لا يجبر عليه، و يجوز له تركه، و أن يبيت في المساجد و عنه أصدقائه، فأما إذا أراد أن يبتدئ بواحدة منهن فيجب عليه القسمة، لأنهن ليس واحدة منهن أولى بالتقديم من الأخرى، انتهى.
و اعترضه في المختلف بأنا نمنع أنه حقه المختص به بحيث يكون له تركه، فإنه حق مشترك، فللمرأة المطالبة بحقها منه، و الأخبار وردت مطلقة بالأمر بالقسمة، فإن الباقر (عليه السلام) قسم للحرة الثلثين من ماله و نفسه، و للأمة الثلث من ماله و نفسه، و إلى القول بما ذهب إليه الشيخ في المبسوط ذهب المحقق في الشرائع و العلامة في التحرير، و اختاره السيد السند في شرح النافع، قال- (رحمه الله)-
____________
(1) أقول: روى هذه القصة
على بن إبراهيم في تفسيره عن أبى جعفر الأحول و أنه سأله رجل من الزنادقة فقال: أخبرني عن قول الله «فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ- الى قوله- فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا تَعْدِلُوا فَوٰاحِدَةً» و قال في آخر السورة «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسٰاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلٰا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ» فبين القولين فرق، فقال أبو جعفر الأحول: فلم يكن عندي في ذلك جواب فقدمت المدينة فدخلت الى أبي عبد الله (عليه السلام) فسألته عن الآيتين، فقال: أما قوله «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا تَعْدِلُوا فَوٰاحِدَةً» فإنما عنى في النفقة، و أما قوله «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسٰاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ» فإنما عنى في المودة، فإنه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين في المودة. فرجع أبو جعفر الى الرجل فأخبره فقال: هذا شيء حملته الإبل من الحجاز،.
انتهى. (منه- (رحمه الله)-). تفسير القمي ج 1 ص 155 طبع النجف.
591
بعد نقل ذلك عن هؤلاء المذكورين: و هو المعتمد تمسكا بمقتضى الأصل السالم عما يصلح للمعارضة، فإن الأخبار الواردة في هذا الباب قليلة جدا و ليس فيها ما يدل على وجوب القسم ابتداء بخصوصه أو إطلاقه كما يظهر للمتتبع، و كذا الكلام في التأسي، فإنه لم يثبت أن النبي (صلى الله عليه و آله) قسم بين نسائه ابتداء على وجه الوجوب ليجب التأسي به في ذلك، على أن المشهور بين الخاصة و العامة أن القسم لم يكن واجبا عليه (صلى الله عليه و آله)، انتهى.
أقول: و الحق أنه لا دليل في الأخبار على شيء من القولين، إلا أن ما ذهب إليه الشيخ و من تبعه مؤيد بالأصل كما ذكره السيد السند، فلا يبعد ترجيحه لذلك، و أدلة القول المشهور كلها مدخولة كما بسط عليه الكلام في المسالك.
الثالث [فيما لو لم يكن له إلا زوجة واحدة]
ينبغي أن يعلم أن مما يتفرع على الخلاف المتقدم كما صرح به الأصحاب أيضا أنه لو لم يكن له إلا زوجة واحدة فعلى المشهور من وجوب القسم ابتداء، فإن لها ليلة من أربع ليال يبيت فيها عندها، و ثلاث له يضعها حيث يشاء، لأن الله تعالى أباح له أن ينكح أربع نساء لا أزيد، فللواحدة من الأربع ليلة، فإذا انقضت الأربع وجب أن يبيت عندها ليلة، ثم له ثلاث يضعها حيث يشاء و هكذا، و من كان له زوجتان فلكل واحدة ليلة من الأربع، و اثنتان من الدور له، يضعها حيث يشاء، و من كان له ثلاث زوجات يبقى له من الدور ليلة يضعها حيث يشاء، و من كان له أربع فقد كل الدور لهن فليس له شيء زائد، و لم يكن له الإخلال بالمبيت عند صاحبة الليلة أبدا مع الاختيار، و عدم الاذن، و كل ما فرغ الدور استأنف الدور على الترتيب الذي فعل في الدور الأول و له أن يخص بعض الزوجات بالليلة التي له، إلا أن الفضل المساواة بينهن.
و أما على القول الآخر من عدم الوجوب إلا إذا ابتدأه، فلو لم يكن عنده إلا زوجة واحدة لم يجب القسم لها مطلقا، بل له أن يبيت عندها متى شاء، و يعتزلها متى شاء، و من كانت عنده زوجتان فإنه لا يجب عليه القسم لها ابتداء
592
بل له أن يبيت حيث يشاء، فإن بات عند واحدة منهن ليلة وجب عليه أن يبيت عند الأخرى، مراعاة للعدل بينهما، و عملا بالأمر بالمعاشرة بالمعروف. و نحو ذلك من الأدلة الدالة على وجوب العدل كما تقدم، فإذا ساوى بينهما في المبيت كما ذكرنا جاز له اعتزالهما و ترك القسمة إلى أن يبيت عند واحدة منهما فيلزمه المبيت عند الأخرى لما تقدم، و هكذا، و مثله يأتي فيما لو كان عنده ثلاث أو أربع، فإنه بعد كمال دوره عليهن و المساواة بينهن في ذلك الدور له الاعراض عنهن كما في الابتداء.
و من الأخبار الواردة في المقام ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن الحسن ابن زياد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون له المرأتان و إحداهما أحب إليه من الأخرى، إله أن يفضلها بشيء؟ قال: نعم له أن يأتيها ثلاث ليال، و الأخرى ليلة، لأن له أن يتزوج أربع نسوة، فليلتاه يجعلهما حيث يشاء- إلى أن قال:- و للرجل أن يفضل نساءه بعضهن على بعض ما لم يكن أربعا».
و ما رواه
في الفقيه (2) في الصحيح عن العلاء عن محمد بن مسلم قال: «سألته عن الرجل يكون عنده امرأتان إحداهما أحب إليه من الأخرى؟ قال: له أن يأتيها ثلاث ليال و الأخرى ليلة، فإن شاء أن يتزوج أربع نسوة كان لكل امرأة ليلة، و لذلك كان له أن يفضل بعضهن على بعض ما لم يكن أربعا».
و ما رواه
في التهذيب (3) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن الرجل يكون عنده امرأتان إحداهما أحب إليه من الأخرى، أ له أن يفضل إحداهما على الأخرى؟ قال: نعم يفضل بعضهن على بعض ما لم يكن أربعا».
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 419 ح 1، الوسائل ج 15 ص 80 ح 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 270 ح 68، الوسائل ج 15 ص 81 ح 3.
(3) التهذيب ج 7 ص 420 ح 3، الوسائل ج 15 ص 80 ح 1.
593
و ما رواه
في كتاب قرب الاسناد (1) عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل له امرأتان هل له أن يفضل إحداهما على الأخرى؟ قال: له أربع، فليجعل لواحدة ليلة، و للأخرى ثلاث ليال،.
قال: و سألته عن رجل له ثلاث نسوة، هل له أن يفضل إحداهن؟ قال: له أربع ليال فليجعل لواحدة إن أحب ليلتين، و للاخرتين لكل واحدة ليلة، و في الكسوة و النفقة مثل ذلك».
و غاية ما تدل عليه هذه الأخبار و نحوها هو أنه يجوز له التفضيل بما له من ليالي الدور بمن شاء من نسائه ما لم يكن أربعا.
و أما ما نحن فيه من الخلاف فلا دلالة و لا إشارة في هذه الأخبار إليه، و قد عرفت أنه على المشهور يجب عليه استئناف الدور كلما فرغ و على القول الآخر لا يجب عليه بل له أن يبيت حيث شاء إلى أن يبيت عند واحدة منهن، فيجب عليه المبيت عند الأخرى متحدة أو متعددة.
و مما يتفرع على القولين أنه لو كان عنده منكوحات لا يجب لهن قسمة، فعلى الأول بعد تمام الدور لا يجوز له المبيت عند واحدة منهن إلا بإذن مستحقة تلك الليلة، و على الثاني يجوز له المبيت عند كل من لا يستحق قسمته إلى أن يبيت عند واحدة من ذوي القسم فيجب عليه إتمام الدور، و له بعد تمام الدور أن يعدل إلى من لا يستحق قسمة، و ذلك واضح، و الله العالم.
الرابع [في أقل أفراد القسم لو تعددت الزوجة ليلة ليلة]
لا خلاف و لا إشكال في أن أقل أفراد القسم لو تعددت الزوجة ليلة ليلة فإنه هو المستفاد من الأخبار و من سيرة النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة الأبرار (عليهم السلام) و إنما الخلاف و الاشكال في الزيادة.
فقيل: يجوز أن يجعلها أزيد من ليلة، و نقل عن الشيخ في المبسوط و جمع من الأصحاب للأصل و حصول الغرض حيث تحصل التسوية بينهن في الزمان، و لأن الحق له، فتقديره إليه، و حقهن إنما هو في العدل و التسوية و هو متحقق.
____________
(1) قرب الاسناد ص 108 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 88 ب 9 ح 1 و 2.
594
و قيل: لا يجوز الزيادة على ليلة، و هو اختيار المحقق في الشرائع و غيره، و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين تأسيا بالنبي (صلى الله عليه و آله)، و لما فيه من الإضرار و التضرير، إذ قد يحصل لبعضهن القسم، و يلحقه ما يقطعه عن القسم للباقيات، و لا يخفى ما في هذه التعليلات العليلة من الضعف و القصور لو جوزنا بناء الأحكام الشرعية على مثلها، و قد أوضحه شيخنا في المسالك.
و بالجملة فإنه بالنظر إلى تعليلاتهم في المقام، فالأول هو الأقرب، و قد اختلفوا أيضا في أنه على تقدير جواز الزيادة، فهل لها قدر محدود؟ ففي المبسوط قدرها بثلاث ليال، و اعتبر في الزائد عنها رضاهن.
و نقل عن ظاهر ابن الجنيد جواز جعلها سبعا، و الظاهر- كما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم سيما في كتب المعاملات- أن هذه التفريعات و نحوها الأصل فيها العامة، و الشيخ حذا حذوهم كما هي عادته في المبسوط، و من تأخر عن الشيخ أخذ ذلك عنه، و هي بمعزل عن الأخبار، و الكلام فيها بمثل هذه التخرصات و التخريجات مشكل، و طريق الاحتياط يقتضي الوقوف على القسمة ليلة ليلة، من غير زيادة و لا نقصان، فإنه هو المعلوم من سيرته (صلى الله عليه و آله) و سيرة أبنائه الطاهرين (عليهم السلام) و شيعتهم الماضين.
الخامس [في كيفية البدأة]
إذا أراد القسمة سواء قلنا بوجوبها ابتداء أو بعد الاختيار، فقد اختلف الأصحاب في كيفية البدأة، فهل له أن يبدأ بمن شاء منهن، ثم يختار ثانيا و ثالثا إلى أن يتم الدور على العدد الذي عنده، و لا يتوقف ذلك على القرعة؟ أو أنه يجب الرجوع إلى القرعة؟ قولان، المشهور الأول، و هو اختيار المحقق في الشرائع و الشارح في المسالك، و على الثاني فمن خرج اسمها بدأ بها، فإن كانتا اثنتين اكتفى بالقرعة مرة واحدة، لأن الثانية تعينت ثانيا، و إن كن ثلاثا أقرع بين الباقين في الليلة الثانية، و إن كن أربعا أقرع بين الثلاث ثانيا ثم بين الاثنين ثالثا تحرزا عن التفضيل و الترجيح، و لأنه ليس واحدة منهن أولى
595
بالتقدم من الأخرى، فالتقديم بالقرعة عدل، و لأن تقديم واحدة بغير قرعة يقتضي الميل إليها فيدخل في الوعيد السابق من الخبر النبوي، و لأن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يقرع بين نسائه إذا أراد سفرا و يصحب من أخرجتها القرعة، و من هذا الكلام علم أدلة القول الثاني.
و أما الأول فاستدل عليه في المسالك بالأصل، و لأنه على القول بعدم وجوب الابتداء بالقسمة، بسبيل من الاعراض عنهن جميعا، و لما لم يبت عند بعضهن لا يلزم شيء للباقيات، فلا يحتاج إلى القرعة ابتداء، قال: و هذا أقوى، و هو الذي اختاره المصنف و الأكثر.
أقول: و الكلام في هذا الفرع كغيره مما تقدم مما لا نص فيه و لا دليل عليه، و لهم فيه تفريعات ليس في التطويل بها مزيد فائدة بعد ما عرفت من عدم ثبوت الأصل.
السادس [في أن الواجب في القسمة هو المضاجعة ليلا دون المجامعة]
قد صرح الأصحاب بأن الواجب في القسمة هو المضاجعة ليلا دون المجامعة، و المراد بالمضاجعة النوم معها على فراش واحد قريبا منها عادة بحث لا يعد هاجرا و إن لم يتلاصقا، قالوا: و يدل عليه التأسي، و ظاهر قوله تعالى «وَ عٰاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ».
أقول: و يشير إليه أيضا قوله عز و جل «وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبٰاساً» الآية،
روى الصدوق- رحمة الله عليه- في كتاب علل الشرائع (1) بإسناده إلى عبد الله بن زيد بن سلام «أنه سأل رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال: أخبرني لم سمي الليل ليلا؟ قال: لأنه يلائل الرجال من النساء، جعله الله عز و جل ألفه و لباسا، و ذلك قول الله عز و جل «وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبٰاساً وَ جَعَلْنَا النَّهٰارَ مَعٰاشاً» (2) فقال: صدقت يا محمد (صلى الله عليه و آله)» الحديث.
و أما المواقعة فلا تجب عند الأصحاب إلا في كل أربعة أشهر مرة و قد تقدم
____________
(1) علل الشرائع ص 470 ح 33 ط النجف الأشرف.
(2) سورة النبإ- آية 10 و 11.
596
أن مورد الخبر إنما هو المرأة الشابة لا مطلقا.
و أما النهار فالمشهور أنه لا قسمة فيه، و وجوب القسمة مختص بالليل لقوله سبحانه «وَ جَعَلْنَا النَّهٰارَ مَعٰاشاً» أي لتحصيل المعاش، و هو وقت التردد و الانتشار في الحوائج.
و ربما ظهر من كلام الشيخ في المبسوط وجوب الكون مع صاحبته الليلة نهارا، فإنه قال: قد بينا أن القسم يكون ليلا، و كل امرأة قسم لها ليلا فإن لها نهار تلك الليلة، فإن أراد أن يبتدأ بالنهار جاز، و إن أراد أن يبتدأ بالليل جاز، لكن المستحب أن يبتدأ بالليل.
و قريب منه كلام العلامة في التحرير، لكنه جعل النهار تابعا لليلة الماضية فقال: النهار تابع لليلة الماضية فلصاحبتها نهار تلك الليلة، لكن له أن يدخل فيه إلى غيرها لحاجة كعبادة أو دفع نفقة أو زيارتها أو استعلام حالها، أو لغير حاجة، و ليس له الإطالة، و الأقرب جواز الجماع و لو استوعب النهار قضاء لصاحبة الليلة، انتهى.
و نقل عن ابن الجنيد أنه أضاف إلى الليلة القيلولة، و لم نقف له على مستند بالخصوص.
أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالمقام ما رواه
المشايخ الثلاثة (1) عن إبراهيم الكرخي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل له أربع نسوة، فهو يبيت عند ثلاث منهن في لياليهن و يمسهن، فإذا نام عند الرابعة في ليلتها لم يمسها، فهل عليه في هذا إثم؟ قال: إنما عليه أن يكون عندها في ليلتها و يظل عندها صبيحتها، و ليس عليه أن يجامعها إذا لم يرد ذلك».
و ظاهر هذه الرواية تخصيص المقام عندها نهارا بصبيحة تلك الليلة، و هي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 564 ح 34، التهذيب ج 7 ص 422 ح 11، الفقيه ج 3 ص 270 ح 68، الوسائل ج 15 ص 84 ب 5 ح 1.
597
عبارة عن أول النهار، و يحتمل على بعد كون هذا التعبير كناية عن مجموع النهار أيضا.
و كيف كان فإنه يظهر ضعف قول من استدل بهذه الرواية لابن الجنيد، و الأصحاب- لضعف الرواية بالراوي المذكور- حملوها على الاستحباب، فإنه لا قائل بها على ظاهرها، و قد تقدمت الرواية
عن علي (عليه السلام) (1) «إنه كان له امرأتان فكان إذا كان يوم واحدة لا يتوضأ في بيت الأخرى».
و لعله محمول على الفضل و الاستحباب، ثم إن ما تقدم ذكره من تخصيص القسم بالليل ليس المراد به أنه يجب المقام عندها من أول الليل إلى آخره بل يجب الرجوع إلى ما جرت به العادة من كون ذلك بعد قضاء الحوائج كالصلاة في المسجد و مجالسة الضيف و نحو ذلك. نعم ليس له الدخول في تلك الليلة عند ضربتها إلا للضرورة فيما قطع به الأصحاب، و من الضرورة عيادتها إذا كانت مريضة، و قيده في المبسوط بما إذا كان المرض ثقيلا، و إلا لم يصح، فإن مكث عندها وجب قضاء زمانه ما لم يقصر بحيث لا يعد إقامة عرفا، فيأثم خاصة، قيل: هذا كله فيمن لا يكون كسبه ليلا كالحارس و شبهه، و إلا فعماد القسمة في حقهم النهار، و حكم الليل عندهم كنهار غيرهم، و النهار كالليل عند غيرهم في جميع ما ذكر.
السابع: إذا اجتمع عنده حرة و أمة بالعقد
فالمشهور أن للأمة ليلة و للحرة ليلتين، و هو مبني على جواز الجمع بينهما، كما تقدم تحقيقه في موضعه، فكل موضع يجوز الجمع بينهما فإن للحرة الثلثين، و للأمة الثلث على المشهور، و نقل عن الشيخ المفيد (2)- رحمة الله عليه- أن الأمة لا قسمة لها، و الأخبار ترده.
____________
(1) مجمع البيان ج 3 ص 121، الوسائل ج 15 ص 85 ح 3.
(2) أقول: صورة كلامه على ما نقله في المختلف أنه قال: «و هذا الحكم يعني القسمة في حرائر النساء، فأما الإماء و ملك اليمين منهن فله أن يقسم بينهن كيف شاء، و يقيم عند كل واحدة منهن ما شاء، و ليس للأخرى عليه اعتراض في ذلك بحال. قال في المختلف:
و هذا يوهم أنه لاحق للأمة المزوجة في القسم، فان قصد شيخنا المفيد عدم القسمة صارت المسألة خلافية و الا فلا، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
598
و منها ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الرجل يتزوج المملوكة على الحرة؟ قال: لا، فإذا كانت تحته امرأة مملوكة فتزوج عليها حرة قسم للحرة مثلي ما يقسم للمملوكة».
و عن محمد بن قيس (2) في الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى في رجل نكح أمة ثم وجد طولا- يعني استغناء- و لم يشته أن يطلق الأمة نفسه فيها، فقضى أن الحرة تنكح على الأمة، و لا تنكح الأمة على الحرة إذا كانت الحرة أولهما عنده، و إذا كانت الأمة عنده قبل نكاح الحرة على الأمة، قسم للحرة الثلثين من ماله و نفسه- يعني نفقته- و للأمة الثلث من ماله و نفسه».
و عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يتزوج الأمة على الحرة؟ قال: لا يتزوج الأمة على الحرة و يتزوج الحرة على الأمة، و للحرة ليلتان و للأمة ليلة».
و ما رواه
في الكافي (4) و التهذيب (5) عن أبي بصير قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن نكاح الأمة، قال: يتزوج الحرة على الأمة- إلى أن قال:- و إن اجتمعت عندك حرة و أمة فللحرة يومان و للأمة يوم» الحديث.
و ما رواه
الصدوق في الفقيه (6) مرسلا قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): تزوج
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 421 ح 8، الوسائل ج 15 ص 87 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 421 ح 6، الوسائل ج 15 ص 87 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 421 ح 7، الوسائل ج 15 ص 87 ح 3.
(4) الكافي ج 5 ص 359 ح 3، الوسائل ج 14 ص 392 ح 2.
(5) التهذيب ج 7 ص 335 ح 4، الوسائل ج 14 ص 528 ح 4.
(6) الفقيه ج 3 ص 270 ح 69، الوسائل ج 14 ص 393 ح 7.
599
الأمة على الأمة و لا تزوج الأمة على الحرة، و تزوج الحرة على الأمة، فإن تزوجت الحرة على الأمة فللحرة ثلثان و للأمة الثلث، و ليلتان و ليلة».
و ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح عن ابن مسكان عن أبي بصير في حديث قال: «و لا بأس أن يتزوج الحرة على الأمة، فإن تزوج الحرة على الأمة فللحرة يومان و للأمة يوم».
و في رواية محمد بن الفضيل (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) فالقسم للحرة يومان و للأمة يوم».
إلى غير ذلك من الأخبار الجارية في هذا المضمار.
قال في المسالك: و المشهور أن للأمة نصف حق الحرة، و لما كانت القسمة لا تصح من دون ليلة كاملة جعل للحرة ليلتان، و للأمة ليلة، و ليكن ذلك من ثمان جمعا بين حقهما و حق الزوج، فيكون الذي له منها خمس ليال و لهما ثلاث، هكذا ذكره جماعة من المتأخرين، و لا يخلو من نظر لأن تنصيف الليلة في في القسمة يجوز لعوارض كما سيأتي، فإن لم يجز ابتداء فلا مانع من كونه هنا كذلك، و لما كان الأصل في دور القسمة أربع ليال فالعدول إلى جعله من ثمان بمجرد ذلك مشكل.
أقول: الظاهر أن منشأ هذا الكلام هو الإجمال الذي في بعض هذه الروايات كما في صحيحة محمد بن مسلم (3) و هي التي أوردها في هذا المقام من قوله «قسم للحرة مثلي ما قسم للمملوكة» و نحوها موثقة محمد بن قيس (4) المشتملة أيضا على الثلثين و الثلث، فإن ذلك يمكن بجعل نصف ليلة للأمة، و ليلة كاملة للحرة فيكون الدور من أربع، و لا يتوقف صحة القسمة على جعل ليلة كاملة للأمة
____________
(1) الكافي ج 5 ص 360 ح 9، الوسائل ج 14 ص 393 ح 3.
(2) التهذيب ج 7 ص 344 ح 40، الوسائل ج 14 ص 393 ح 4.
(3) التهذيب ج 7 ص 421 ح 8، الوسائل ج 15 ص 87 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 421 ح 6، الوسائل ج 15 ص 87 ح 2.
600
و ليلتين للحرة كما ذكروه، و لما فيه من أنه يلزم الخروج عن الدور الأول بجعل ثمان ليال.
و فيه أنه لا يخفى أن جملة من أخبار المسألة قد خرجت مجملة كما حكيناه، و جملة قد اشتملت على التفصيل، و تعيين القسمة بكونها ليلتين و ليلة، و يومين و يوما، فإذا حمل مجملها على مفصلها و مبهمها على مبينها ظهر أن القسمة إنما هي على ما ذكره الأصحاب لا ما ذكره هو، و إيراده بأن الدور يلزم أن يكون من ثمان لا خير فيه، بعد اقتضاء ما تضمنته الأخبار له، و حينئذ فالعمدة فيما ذكره الأصحاب- من جعل القسمة ليلة و ليلتين- إنما هو الأخبار، و الظاهر أنها لا تصح بدون ذلك، و إلا لوقعت الإشارة إليه فيها، و لعل الوجه في ذلك دون أن يكون بنصف ليلة و ليلة كاملة كما ذكر أن في ذلك رفعا للاستئناس و تنقيصا للعيش مضافا إلى تعسر ضبط النصف غالبا، فلا يصح أن يكون مناطا للأحكام الشرعية، و بذلك يتضح لك ما في قوله «فالعدول إلى جعله من ثمان بمجرد ذلك مشكل» فإن العدول إنما وقع لاقتضاء الأخبار- الدالة على القسمة بالليلة و الليلتين- ذلك، و اتفاقها على ذلك بعد حمل مجملها على مبينها لا بمجرد ما توهم.
قيل: و يجب تفريق ليلتي الحرة في الثمان الذي هو الدور، بأن يكون واحدة في الأربع الاولى، و الثانية في الأربع الثانية ليقع لها من كل أربع واحدة إن لم ترض بغيره.
و فيه أن إطلاق الأخبار المذكورة يدفعه، و الله العالم.
هذا و لو اجتمع عنده حرة و زوجة كتابية، فالمشهور بين الأصحاب من غير خلاف يعرف أن للكتابية مثل ما للأمة في هذه الصورة، فلها ليلة و للحرة المسلمة ليلتان.
601
و المستند في ذلك ما رواه
في الكافي (1) عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام): هل للرجل أن يتزوج النصرانية على المسلمة و الأمة على الحرة؟ فقال: لا يتزوج واحدة منهما على المسلمة، و يتزوج المسلمة على الأمة و النصرانية، و للمسلمة الثلثان، و للأمة و النصرانية الثلث».
و بذلك يظهر ما في كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك من إنكار النص في هذه المسألة حيث قال: مساواة الحرة الكتابية للأمة في القسمة لا نص عليه ظاهرا، لكنه مشهور بين الأصحاب، و ذكر ابن إدريس أنه مروي، و ربما استدل له باقتضاء الإسلام أن يعلو على غيره، و لا يعلى عليه، فلو ساوت المسلمة لزم عدم العلو، و فيه نظر، لأن مثل ذلك لا يقاوم الأدلة العامة المتناولة لها إلى آخره.
و العجب أيضا من سبطه السيد السند في شرح النافع حيث قال- بعد أن أورد الرواية المذكورة مستندا للحكم المذكور- ما لفظه: و سندها معتبر إذ ليس فيه من يتوقف في حاله سوى عبد الله بن محمد بن عيسى الأشعري، فإنه غير موثق، لكن كثيرا ما يصف الأصحاب روايته بالصحة، مع أن عدم ظهور الخلاف في المسألة كاف في إثبات هذا الحكم، انتهى.
أقول: لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه من الوهن و التستر بما هو أوهن من بيت العنكبوت و إنه لأوهن البيوت، و لكن هذا عادة أصحاب هذا الاصطلاح المحدث إذا ضاق عليهم الخناق و اضطروا إلى العمل بالرواية الضعيفة باصطلاحهم لستروا بأمثال هذه الأعذار السخيفة، و هو أظهر دليل على ضعف اصطلاحهم كما تقدم تحقيقه في غير موضع.
و كذا قوله «مع أن عدم ظهور الخلاف في المسألة كاف في إثبات الحكم» فإن فيه أن غاية ما يستندون إليه مع فقد النصف بالإجماع، و هو هنا مما لم يدعه أحد، و مجرد عدم ظهور الخلاف لا يدل على العدم، و الأحكام الشرعية مطلوب فيها وجود الأدلة الشرعية، و إلا كان قولا على الله بغير علم، فيدخل قائله تحت
____________
(1) الكافي ج 5 ص 359 ح 5، الوسائل ج 14 ص 419 ح 3.
602
ذم الآيات و الروايات المتضمنة لذلك.
و بالجملة فإن كلامه- رحمة الله عليه- هنا بمحمل من الضعف و القصور.
قالوا: و لو كانت الزوجة أمة كتابية، فالظاهر أنها تستحق من القسم نصف ما تستحقه الأمة المسلمة فيكون لها مع الحرة المسلمة ربع القسمة، فتصير القسمة من ستة عشر ليلة للأمة الكتابية منها ليلة، و للحرة المسلمة أربع، و الباقي للزوج، حيث لا يكون له غيرهما، و لا يخفى أن اجتماع المختلفات يتشعب إلى صور كثيرة تعرف أحكامها بالمقايسة إلى ما ذكرناه.
الثامن [في أن المبيت عند البكر سبعة أيام و ثلاثة عند الثيب]
المشهور بين الأصحاب أن البكر تختص عند الدخول بسبع، و الثيب بثلاث، و به صرح المحقق في الشرائع، و قال في النافع: و تختص البكر عند الدخول بثلاث إلى سبع، و الثيب بثلاث. و نقل عن الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار أن اختصاص البكر بالسبع على وجه الاستحباب، و أما الواجب لها ثلاث، و الظاهر أن عبارة النافع مبنية على هذا القول.
و قال ابن الجنيد: إذا دخل ببكر و عنده ثيب واحدة فله أن يقيم عند البكر أول ما يدخل بها سبعا ثم يقسم، و إن كان عنده ثلاث ثيب أقام عند البكر ثلاثا حق الدخول، فإن شاء أن يسلفها من يوم إلى أربعة تتمة سبعة و يقيم عند كل واحدة من نسائه مثل ذلك ثم يقسم لهن جاز، و الثيب إذا تزوجها فله أن يقيم عندها ثلاثا حق الدخول، ثم يقسم لها و لمن عنده واحدة كانت أو ثلاثا قسمة متساوية، انتهى.
و الأصل في ذلك الأخبار و باختلافها، اختلفت هذه الأقوال في مقام الجمع بينها، فالواجب أولا نقل ما وصل إلينا من أخبار المسألة، ثم الكلام بما وفق سبحانه لفهمه منها ببركة أهل الذكر (عليهم السلام).
فمنها ما رواه
في الكافي (1) عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 5 ص 565 ح 40، الوسائل ج 15 ص 82 ح 4.
603
«في الرجل تكون عنده المرأة فيتزوج اخرى، كم يجعل للتي يدخل بها؟ قال:
ثلاثة أيام، ثم يقسم».
و هذه الرواية كما ترى مطلقة، و ليس فيها دلالة على خصوص شيء من الفردين اللذين هما محل البحث.
و ما رواه
في الكافي (1) عن هشام بن سالم في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يتزوج البكر، قال: يقيم عندها سبعة أيام».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) عن الحضرمي عن محمد بن مسلم قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل تزوج امرأة و عنده امرأة؟ فقال: إن كانت بكرا فيلبت عندها سبعا، و إن كانت ثيبا فثلاثا».
و عن ابن أبي عمير عن غير واحد عن محمد بن مسلم (3) قال: «قلت: الرجل يكون عنده المرأة يتزوج الأخرى، أ له أن يفضلها؟ قال: نعم، إن كانت بكرا فسبعة أيام، و إن كانت ثيبا فثلاثة أيام».
و هذه الرواية رواها الصدوق في كتابه عن ابن أبي عمير، و طريقه اليه صحيح، فتكون الرواية صحيحة، و لا يضر الإرسال إن لم يكن مؤكدا للصحة، لأن الرواية عن غير واحد مما يؤذن بالاستفاضة، و هي أظهر في الصحة عن الرواية عن الثقة المتحد، و هذه روايات السبع.
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (4) عن الحسن بن زياد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قد تقدم قريبا، قال فيه: «قلت: فيكون عنده المرأة فيتزوج جارية بكرا؟
قال: فليفضلها حين يدخل بها بثلاث ليال» الخبر.
و عن سماعة (5) في الموثق قال: «سألته عن رجل كانت له امرأة فيتزوج عليها، هل يحل له أن يفضل واحدة على الأخرى؟ قال: يفضل للمحدثة حدثان
____________
(1) الكافي ج 5 ص 565 ح 39، الوسائل ج 15 ص 82 ح 3.
(2) التهذيب ج 7 ص 420 ح 4، الوسائل ج 15 ص 82 ح 5.
(3) التهذيب ج 7 ص 420 ح 4 بتفاوت في السند و المتن، الفقيه ج 3 ص 269 ح 66، الوسائل ج 15 ص 81 ح 1.
(4) التهذيب ج 7 ص 410 ح 1، الوسائل ج 15 ص 82 ح 7.
(5) التهذيب ج 7 ص 410 ح 2، الوسائل ج 15 ص 82 ح 8.
604
عرسها بثلاثة أيام إذا كانت بكرا ثم يسوي بينهما بطيبة نفس إحداهما للأخرى».
و عن الحلبي (1) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث تقدم، قال فيه:
«و قال: إذا تزوج الرجل بكرا و عنده ثيب فله أن يفضل البكر ثلاثة أيام».
و هذه الروايات الثلاث.
هذا ما وقفت عليه من الأخبار في المسألة، و الشيخ قد جمع بينها بحمل أخبار السبع على الجواز، و الثلاث على الأفضل، قال: لأن الأفضل أن لا يفضل البكر أكثر من ثلاث ليال عندنا في عرسها.
أقول: ظاهر حسنة محمد بن مسلم وجوب السبع للبكر و الثلاث للثيب، لقوله فيها «فليبت» و هو أمر باللام، إلا أنه يعارضها في ذلك لفظ الأمر أيضا بالتفضيل بثلاث في رواية الحسن بن زياد، و الظاهر أنه لا مندوحة عما ذكره الشيخ من الجمع المذكور، و أن البكر أكثر ما تفضل به السبع، و أقله الثلاث، و الثيب بالثلاث خاصة.
إنما يبقى الكلام في الوجوب، و أكثر أخبار المسألة ظاهر في الجواز مثل قوله «و له أن يفضل» و يحمل الأمر في الروايتين اللتين ذكرناهما على على الاستحباب، و أن أقل مراتبه الثلاث و أكثرها السبع، و لم أقف على مصرح بالوجوب صريحا في كلامهم.
بقي الكلام هنا في مواضع: الأول: ظاهر النص و الفتوى أنه لا فرق في الزوجة بين الحرة و الأمة، و لا في الثيب بين من ذهب بكارتها بجماع أو غيره، و نقل عن العلامة في النهاية أنه استقرب تخصيص الأمة بنصف ما تختص به، لو كانت حرة و رجح في القواعد المساواة، و الروايات كما ترى مطلقة.
الثاني، قال في المسالك: يجب التوالي في الثلاث و السبع، لأن الغرض لا يتم إلا به، و يتحقق بعدم خروجه في الليل إلى عنده واحدة من نسائه مطلقا
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 420 ح 3، الوسائل ج 15 ص 82 ح 6.
605
على حد ما يعتبر في القسمة، و لا إلى غيرها لغير ضرورة أو طاعة كصلاة جماعة و نحوها مما لا يطول زمانه، و إن كان طاعة لأن المقام عندها واجب فهو أفضل من المندوب.
أقول: ظاهر هذا الكلام وجوب السبع و الثلاث، و هو مشكل لعدم الدليل الواضح عليه من الأخبار، و جملة منها إنما دلت على أن له أن يفضل، و ظاهر هذه العبارة إنما هو الجواز، و أما بعض الأخبار الدالة على ذلك بلفظ الأمر فقد عرفت ما فيه من تعارض الخبرين بالثلاثة في أحدهما و السبعة في الآخر، و لا طريق في الجمع بينهما إلا بحمل الأمر على الاستحباب و الترتيب فيه بمعنى أن أقل أفراد الفضل ثلاثة و أكثرها سبعة.
و بالجملة فالقول بالوجوب يحتاج إلى دليل من النصوص واضح الدلالة صريح المقالة، و ظاهر كلامه أن مستنده في الوجوب إنما هو الغرض المترتب على ذلك، و هو إشارة منه إلى ما قدمه في صدر البحث حيث قال- بعد ذكر تخصيص البكر بسبع، و الثيب بثلاث- ما لفظه: و المقصود منه أن ترتفع الحشمة و تحصل الألفة و الانس، و خصت البكر بزيادة، لأن حياءها أكثر. انتهى، و فيه أن هذه العلة غير منصوصة بل هي مستنبطة فلا يكون حجة.
و بالجملة فإني لا أعرف على الوجوب دليلا واضحا، و أصالة براءة الذمة أقوى متمسك حتى يقوم دليل واضح على ما يوجب شغلها. نعم ما ذكره من من التوالي هو المتبادر من ظواهر الأخبار المذكورة، و أما كونه على جهة الوجوب فغير واضح.
و وجه استفادة التوالي منها كما ذكرنا هو قوله (عليه السلام)
في رواية عبد الرحمن ابن أبي عبد الله «ثلاثة أيام ثم يقسم».
و في موثقة سماعة «ثلاثة أيام ثم يسوي بينهما».
فإن ظاهرهما هو توالي الثلاثة ثم القسمة الشرعية بعد ذلك، على أنهم صرحوا في مسألة ثلاثة أيام التي هي أقل الحيض و عشرة أيام الإقامة بأن المتبادر
606
من ذلك هو التوالي، و الظاهر أنه هنا كذلك.
و يعضده أن التوالي هو المعمول عليه في جميع الأعصار و الأمصار من زمن النبي (صلى الله عليه و آله) إلى يومنا هذا، و إطلاق الأخبار إنما يحمل على الأفراد المتعارفة المتكررة دون الفروض النادرة التي ربما لا توجد، و إنما تذكر فرضا كما هنا.
الثالث:
روى الصدوق في كتاب علل الشرائع (1) عن محمد بن الحسن عن الصفار عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن الحسين بن علوان عن الأعمش عن عباية الأسدي عن عبد الله بن عباس في حديث «أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) تزوج زينب بنت جحش فأولم و أطعم الناس- إلى أن قال: و لبث سبعة أيام بلياليهن عند زينب ثم تحول إلى بيت أم سلمة و كان ليلتها و صبيحة يومها من رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
أقول: ما دل عليه هذا الخبر من إقامته (صلى الله عليه و آله و سلم) سبعة أيام عند زينب مع كونها ثيبا، ظاهر المخالفة لما تقدم من الأخبار المتفقة على أن الثيب ليس لها إلا ثلاثة أيام، و الأخبار إنما اختلفت في البكر دون الثيب، إلا أن الخبر سنده غير نقي كما عرفت، فإن صح وجب قصره على مورده و تخصيصه (صلى الله عليه و آله و سلم) بذلك، و أن مورد تلك الأخبار ما عداه (صلى الله عليه و آله و سلم) و ظاهر الخبر المذكور أن الدخول بزينب كان في ليلة أم سلمة، و هي حقها من القسم، و أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد إقامة السبعة عند زينب تحول إلى بيت أم سلمة حيث كان الدخول بزينب في ليلتها، و الظاهر أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) استمر على القسم بعد ذلك كما كان أولا.
و ظاهره في المسالك أنه لو كان التزويج في أثناء القسم ظلم على من بقي بتأخير حقها بعد حضوره، و أنه يجب التخلص بما ذكره في سابق هذا الكلام، مما لا أعرف له وجه استقامة في المقام، فليراجع إليه من أحب الوقوف عليه.
الرابع: ظاهر أكثر الأصحاب أنه لا فرق هنا في الزوجة بين الأمة و الحرة عملا بعموم الأدلة.
____________
(1) علل الشرائع ص 65 ط النجف الأشرف، الوسائل ج 15 ص 81 ح 2.
607
و نقل عن العلامة في التحرير أنه استقرب تخصيص الأمة بنصف ما يختص به لو كانت حرة كالقسم في دوام النكاح، فكما أنها في القسم إنما لها نصف الحرة فكذا هنا، و في القواعد رجح المساواة.
ثم إنه على القول بالتشطير كما قربه في التحرير ففي كيفيته وجهان:
(أحدهما) أن يكمل المنكسر فيثبت للبكر أربع ليال، و للثيب ليلتان.
و (ثانيهما)- و هو أصحهما على ما ذكره في المسالك- أن للبكر ثلاث ليال و نصفا، و للثيب ليلة و نصفا، قال: لأن المدة قابلة للتنصيف، فيخرج عند انتصاف الليل إلى بيت منفردا و متحدا، ثم قال: و تعتبر الحرية و الرقية بحال الزفاف، فلو نكحها و هي أمة، و زفت إليه و هي حرة فلها حق الحرائر، انتهى.
التاسع [في سقوط القسمة بالسفر]
المفهوم من كلام جملة من الأصحاب سقوط القسمة بالسفر، بمعنى أنه متى أراد سفرا و أحب أن يصحب بعض نسائه دون بعض فإن له ذلك، و لا يجب عليه القضاء لمن خلفهن بعد الرجوع.
و احتجوا على ذلك بأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يفعل ذلك، و لم ينقل عنه القضاء، و لو وقع لنقل، و قيد بعضهم عدم القضاء بما إذا صحب من أراده بالقرعة، و لو صحبها بمجرد الميل القلبي قضى، لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ما كان يخرج معه واحدة إلا بالقرعة، و لهذا أنه لم يقض، و صحبتها دون غيرها بمجرد الميل القلبي من غير قرعة لا يخلو من الظلم لغيرها و الميل على الباقين، و من أطلق نظر إلى أن السفر لا حق للنساء فيه، و من ثم جاز انفراده به.
و أورد عليه بالفرق بين الأمرين، فإن جواز ذلك له منفردا لا يستلزم جواز صحبة من أراد بمجرد الميل إليها.
ثم إنه مع الإطلاق أو التقييد بالقرعة هل يعم الحكم لكل سفر النقلة و الإقامة كإرادة الانتقال إلى بلد و التوطن فيها، و سفر الغيبة الذي يريد الرجوع بعد قضاء غرضه إلى بلده كسفره للتجارة و نحوها؟ قولان:
608
(أحدهما) العموم، معللا بأن السفر لا حق لهن فيه، و لا مزية لسفر على سفر، و لأن الاشتغال بمشقة السفر و عناية يمنع من حقوق القسمة و خلوص الصحبة، و التفرد بالخلوة التي هي غاية القسمة.
و (ثانيهما) الاختصاص بسفر الغيبة فيقضى في سفر النقلة، قالوا: و الفرق بينهما أن سفر النقلة لا يختص ببعضهن، بل يحتاج إلى نقلهن جميعا، فلا يخصص واحدة بالاستصحاب كما في الحضر، فإن صحب بعضهن قضى للباقين، بخلاف السفر الآخر، إذ لا حق لهن فيه.
قالوا: و في حكم سفر النقلة الإقامة في سفر الغيبة بحيث يخرج عن اسم المسافر بالتمام أو ما في معناه: لأنه بالإقامة على ذلك الوجه يصير كالحاضر في التمتع بالزوجة، و الخروج عن مشقة السفر.
أقول: و لم أقف بعد التتبع على نص في هذا المقام بحيث يمكن الرجوع إليه في استنباط شيء من هذه الأحكام. نعم من المشهورات الذايعات بين الخاصة و العامة صحبته (صلى الله عليه و آله و سلم) لبعض نسائه في السفر، و أن ذلك بالقرعة، حتى أن أبا حنيفة- فيما نقله عنه العامة و الخاصة- قد رد على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في مواضع منها هذا الموضع، فقال: إنه كان يصحب بعض نسائه بالقرعة، و القرعة عندي قمار، و الظاهر أن جميع ما ذكره الأصحاب هنا تبعا للشيخ في المبسوط و غيره إنما هو من تفريعات العامة على ما عرفت في غير مقام مما تقدم، و الاعتماد في تأسيس الأحكام على مجرد هذه التعليلات العقلية لا يوافق أصول مذهبنا المبنية على الكتاب و السنة، و أن ما عداهما مما تكاثرت الآيات و الأخبار بالمنع من الاعتماد عليه و الرجوع في الأحكام الشرعية إليه، و الواجب الرجوع فيما لم ترد به النصوص إلى الاحتياط و الوقوف فيه على سواء ذلك الصراط كما وردت به أخبارهم (عليهم السلام).
العاشر [في استحباب التسوية بين الزوجات في الإنفاق و حسن المعاشرة]
من المستحبات عند الأصحاب في هذا المقام أن يقرع بينهن إذا
609
أراد أن يصحب بعضهن في السفر معه تأسيا بالنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فإنه كان يقرع بينهن لذلك كما تقدم، و كيفية القرعة هنا أن يكتب أسماء النسوة في رقاع بعددهن، و يدرجها في بنادق متساوية، و يضعها على وجه لا يتميز و يخرج منها واحدة على السفر، فمن خرج منها صحبها، و إن أراد استصحاب اثنتين معه أخرج رقعة أخرى، و هكذا. و إن شاء أثبت الحضر في ثلاث رقاع و السفر في واحدة و أدرجها ثم يخرج رقعة على اسم واحدة فإن خرجت رقعة السفر صحبها، و إن خرجت من رقاع الحضر أخرج رقعة أخرى على اسم اخرى. و هكذا حتى يبقى رقعة السفر، فيتعين المتخلفة، و إذا أراد السفر باثنتين أثبت السفر في رقعتين و الحضر في رقعتين، ثم إنه بعد خروج القرعة، على من تخرج عليه من واحدة أو أكثر لا يكون ذلك موجبا لاستصحابها بل يجوز له أن يجعلها مع المتخلفات، لكن هل يجوز له مع تركها أن يستصحب غيرها؟ منع منه الشيخ في المبسوط و إلا لانتفت فائدة القرعة.
و قيل: يجوز ذلك لأنها ليست من الملزمات، فإن الاستصحاب تبرع، حيث إن زمان السفر لا يستحق الزوجات فيه القسم، و إنما فائدة القرعة دفع المشقة، و الشحناء عن قلوب المتخلفات حيث لم يصحبهن و صحب من يريد بمجرد الميل و الهوى، و إذا كان صحبتها بالقرعة التي هي من الله عز و جل ارتفع ذلك من قلوبهن، و الفرق بين تركها مع المتخلفات و عدم أخذ غيرها، و بين تركها و أخذ غيرها- حيث جاز الأول بلا خلاف دون الثاني- أن القرعة لا يوجب الصحبة و إنما تعين من يستحق التقديم على تقدير إرادته، و كيف كان فالأولى مراعاة القرعة.
و منها استحباب التسوية بين الزوجات في الإنفاق و حسن المعاشرة و طلاقه الوجه و الجماع و نحو ذلك، لما في ذلك من رعاية العدل و الإنصاف.
و من الأخبار الجارية في هذا المضمار ما رواه
الصدوق (1) مرسلا قال: «قال
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 281 ح 13 و 14 و ص 362 ح 11، الوسائل ج 14 ص 122 ح 5 و 8 و 9.
610
الصادق (عليه السلام): رحم الله عبدا أحسن فيما بينه و بين زوجته، فإن الله تعالى قد ملكه ناصيتها و جعله القيم عليها.
قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): خيركم خيركم لنسائه، و أنا خيركم لنسائي.
قال: و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): عيال الرجل أسراؤه، و أحب العباد إلى الله تعالى أحسنهم صنعا إلى أسرائه».
و روى الشيخ في التهذيب (1) عن عبد الملك بن عتبة الهاشمي قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يكون له امرأتان يريد أن يؤثر إحداهما بالكسوة و العطية، أ يصلح ذلك؟ قال: قال: لا بأس بذلك و اجتهد في العدل بينهما».
و عن معمر بن خلاد (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) هل يفضل الرجل نساءه بعضهن على بعض؟ قال: لا، و لكن لا بأس به في الإماء».
و النهي في هذا الخبر محمول على الكراهة جمعا بينه و بين ما تقدمه، و قد تقدمت الرواية
عن علي (3) أنه إذا كان يوم واحدة، لا يتوضأ في بيت الأخرى.
و منها أن يكون صبيحة ذلك اليوم عند صاحبة الليلة لما تقدم في المورد الخامس من رواية إبراهيم الكرخي الدالة على أنه إنما عليه أن يكون عندها في ليلتها، و يظل عندها صبيحتها، و قد تقدم أن الحمل على الاستحباب إنما هو من حيث ضعف سند الرواية، و إلا فلو كانت صحيحة لحكم بالوجوب، و حينئذ فمن لا يرى العمل بهذا الاصطلاح فالحكم عنده الوجوب كما هو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط المتقدم ذكره ثمة.
و منها أنه يستحب له أن يأذن لها في عيادة مرض أبيها و أمها و حضور موتهما و نحوهما من أقاربها أيضا، و له منعها عن ذلك، كذا ذكره الأصحاب.
و عللوا الأول بما في عدم ذلك من التأدية إلى الوحشة و قطيعة الرحم.
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 422 ح 9، الوسائل ج 15 ص 83 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 422 ح 10، الوسائل ج 15 ص 83 ح 2.
(3) مجمع البيان ج 3 ص 121، الوسائل ج 15 ص 85 ح 3.
611
و أما الثاني فيدل عليه ما رواه
الكليني (1) عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن رجلا من الأنصار على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) خرج في بعض حوائجه فعهد إلى امرأته عهدا أن لا تخرج من بيتها حتى يقدم قال: و إن أباها مرض فبعثت المرأة إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالت: إن زوجي خرج و عهد إلي أن لا أخرج من بيتي حتى يقدم، فإن أبي قد مرض، فتأمرني أن أعوده؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله):
لا اجلسي في بيتك و أطيعي زوجك، قال: فثقل فأرسلت إليه ثانيا بذلك، فقالت:
فتأمرني أن أعوده؟ فقال: اجلسي في بيتك و أطيعي زوجك، قال: فمات أبوها فبعثت إليه أن أبي قد مات فتأمرني أن أصلي عليه، فقال: لا اجلسي في بيتك و أطيعي زوجك، قال: فدفن الرجل فبعث إليها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إن الله قد غفر لك و لأبيك بطاعتك لزوجك».
أقول: ما عللوا به الحكم الأول عليل لا يصلح للاستدلال، فإن الاستحباب حكم شرعي كالوجوب و التحريم لا يثبت إلا بدليل من الكتاب و السنة أو الإجماع عند من يرى حجيته، لا بمثل هذه المناسبات و التقريبات العقلية.
و بالجملة فإني لم أقف على نص يدل على استحباب ذلك له مع عدم صراحة الرواية المذكورة في أن له المنع من ذلك.
الحادي عشر: لو وهبت إحدى الزوجات حقها من القسم للزوج أو لبعض نسائه
جاز، لكن لا يجب على الزوج القبول لأن الاستمتاع بها حق له في الجملة، فإن رضي بذلك جاز.
و يدل على جواز ذلك ما رواه
الشيخ (2) عن علي بن جعفر عن أخيه موسى ابن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل له امرأتان، قالت إحداهما ليلتي و يومي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 513 ح 1، الفقيه ج 3 ص 280 ح 8، الوسائل ج 14 ص 125 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 474 ح 110، الوسائل ج 15 ص 85 ح 2.
612
لك يوما أو شهرا أو ما كان، أ يجوز ذلك؟ قال: إذا طابت نفسها و اشترى ذلك منها فلا بأس».
و ظاهر الخبر حصول المعاوضة عن الهبة المذكورة، و التعبير بالشراء و البيع مجاز، لأن البيع و الشراء متعلقة بالأعيان المالية، و إن كان للشيخ قول كما تقدم في كتاب البيع بتعلقه بالمنافع و نحوها. و كيف كان فالظاهر أن المراد المعاوضة عليه في الجملة.
هذا بالنسبة إلى هبته للزوج، و في معنى هذا الخبر أخبار أخر تأتي إن شاء الله تعالى في النشوز.
و أما الهبة لبعض الزوجات فيدل عليه ما نقله في المسالك من رواية سودة بنت زمعة زوجة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، قال بعد ذكر الحكم المذكور، و الأصل في ذلك
ما روي (1) أن سودة بنت زمعة لما كبرت وهبت ليلتها لعائشة، و كان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يقسم لها يوما و يوم سودة.
أقول: الظاهر أن هذه الرواية من روايات العامة فإني لم أقف بعد التتبع عليها في شيء من كتب أخبارنا، و على هذا فلو كانت الهبة لبعض الزوجات، فإن كانت ليلة الواهبة متصلة بليلة الموهوبة بات عند الموهوبة ليلتين متواليتين، و إن كانت منفصلة فالأظهر أنه تبقى على ما كان سابقا، بمعنى أنه يبيت عند الموهوبة فيها من غير أن يجوز له تقديمها و جعلها متصلة بليلة الموهوبة، لأن من الجائز رجوع الواهبة في تلك الأيام للمتوسطة، و بالتقديم يفوت حق الرجوع و لو كانت الهبة للزوج فهو مخير في وضعها حيث شاء، لكن الظاهر أنه ليس تقديمها على و وقتها، فينظر مع ذلك في ليلة التي يريد تخصيصها بها، فإن كانتا متواليتين فلا إشكال، و إلا أخر المبيت بها عندها إلى ذلك الوقت، لعين ما تقدم، و إن و هبتها لجميع نسوته كان القسم كما لو لم تكن، و اختص القسم بمن عداها.
بقي الكلام هنا في شيئين (أحدهما) أنه ينبغي أن يعلم أنه لما كانت الهبة
____________
(1) سنن ابن ماجة ج 1 ص 634 ب 48 ح 1972، سنن ابى داود ج 2 ص 243 ح 2135.
613
مشروطة برضاء الزوج كما تقدم، و كانت هذه الهبة في معنى الاسقاط للحق و المسامحة به، فلزومها إنما يمكن باعتبار الزمان الماضي بمعنى أنه لو رجعت فيما مضى لم يجب قضاؤه لخروجه عن ملكها بالهبة و القبض و انتقاله إلى الموهوب، و أما المستقبل فلا تلزم الهبة فيه، بل لها الرجوع كما عرفت، لأنه متجدد لا يمكن قبضة و إنما هو بمعنى الاسقاط لا هبة حقيقة، حتى أنها لو رجعت في أثناء الليل وجب على الزوج الانتقال و الخروج مع العلم من عند الموهوبة إليها، و ما مضى فلا تأثير للرجوع فيه لجريان الهبة فيه.
و (ثانيهما) أنه لو طلبت عوضا عن هذه الهبة فأجابها الزوج و الضرات.
فهل يكون العوض المذكور لازما أم لا؟ نقل عن الشيخ في المبسوط الثاني محتجا بأن العوض إنما يكون في مقابلة عين أو منفعة، و هذا الحق ليس عينا و لا منفعة، و إنما هو مأوى و مسكن فلا تصح المعاوضة عليه بالمال.
و المحقق في الشرائع نقل هذا القول بلفظ «قيل» مؤذنا بتمريضه و تضعيفه أو تردده فيه، و وجهه في المسالك بمنع انحصار المعاوضة في الأمرين المذكورين، قال: لجواز المعاوضة بالصلح على حق الشفعة و التحجير و غيرهما من الحقوق.
أقول: قد عرفت من ظاهر رواية علي بن جعفر المتقدمة صحة ذلك، و إن عبر عنه بالشراء مجازا و المراد الكناية عن المعاوضة عليه، و بذلك يظهر قوة القول الأول.
الثاني عشر: لا قسمة للصغيرة و لا الناشزة
عند الأصحاب، و علل بأن القسمة كالنفقة التي هي من جملة الحقوق الواجبة، فمن لا يستحق النفقة لصغر أو نشوز لا تستحق القسمة.
و أما المجنونة فإن كان جنونها أدوارا فظاهرهم أن لها نصيب من القسمة، و إن كان مطبقا فظاهر جمع منهم إطلاق عدم القسمة لها، و إن استحقت النفقة، إذ لا عقل لها حتى يدعوها إلى الانس بالزوج و التمتع به، و فصل آخرون فخصوا عدم القسمة بما إذا كان يخاف أذاها، و لم يكن لها شعور بالإنس به، و إلا قسم لها.
614
و أما المسافرة فإن كان سفرها بغير إذنه في غير واجب فهي ناشزة لا تستحق قسمة، و إن كان واجبا مضيقا كالحج الواجب بالأصل و النذر المعين فظاهرهم أنه لا يسقط حقها بل يجب القضاء لها بعد الرجوع، و لو كان السفر بإذنه في غرض لها غير الواجب أو الواجب الموسع فهل تستحق قسمة أم لا؟ قولان: أولهما للعلامة في التحرير، و ثانيهما له في القواعد. و وجه الأول أنه بالإذن لها و إن فات حقه، إلا أن حقها باق فيجب القسم لها، و وجه الثاني فوات التمكين و الاستمتاع المستحق عليها لأجل مصلحتها، و الاذن إنما يؤثر في سقوط الإثم عنها، و فوات التسليم المستحق عليها، و إن كان بسبب غير مأثوم فيه، لكنه يوجب سقوط ما يقابله و هو القسم، كما إذا فات تسليم المبيع قبل القبض بسبب تعذر التسليم فيه، فإنه يسقط تسليم الثمن، و حيث يحكم بالوجوب في هذه المواضع أو عدم الوجوب، فالمراد وجوب القضاء و عدم وجوبه، و ظاهره في المسالك التوقف هنا حيث اقتصر على نقل القولين المذكورين و الوجه فيهما و لم يرجح شيئا، و لم أقف في هذا الموضع على شيء من النصوص إلا أن جملة من الأحكام المذكورة في المقام مما تقتضيه القواعد الشرعية و الضوابط المرعية.
المقالة الثانية في النشوز و الشقاق
، و الكلام فيها يقع في مقامين:
[المقام] الأول في النشوز:
و هو لغة الارتفاع، و شرعا الخروج عن الطاعة، يقال:
نشز الرجل ينشز نشزا، إذا كان قاعدا فنهض قائما، و منه قوله عز و جل «وَ إِذٰا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا» (1) أى انهضوا إلى أمر من أمور الله تعالى.
قالوا: و سمى خروج أحد الزوجين عن طاعة الآخر نشوزا، لأنه بمعصيته قد ارتفع و تعالى عما أوجب الله عليه من ذلك، و لذلك خص النشوز بما إذا كان الخروج من أحدهما، لأن الخارج ارتفع على الآخر، فلم يقم بحقه أو عن
____________
(1) سورة المجادلة: آية 11.
615
الحق، و لو كان الخروج منهما معا خص باسم الشقاق- كما سيأتي- لا النشوز، لاستوائهما معا في الارتفاع فلم يتحقق ارتفاع أحدهما عن الآخر.
أقول: في كتاب المصباح المنير (1): نشزت المرأة من زوجها نشوزا- من بابي قعد و ضرب- عصت زوجها و امتنعت عليه، و نشز الرجل من امرأته نشوزا- بالوجهين- تركها و جفاها، و في التنزيل «وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً» (2) و أصله الارتفاع، يقال: نشز من مكانه نشوزا- بالوجهين- إذا ارتفع عنه. انتهى، و مقتضى هذا الكلام إطلاق النشوز لغة على المعنى الشرعي.
و نحو هذه العبارة فيما ذكرناه عبارة القاموس (3)، و حينئذ فما ذكره الأصحاب من أنه لغة بمعنى الارتفاع و شرعا بمعنى الخروج عن الطاعة غير جيد، لما عرفت من أنه يطلق لغة على المعنيين المذكورين.
إذا تقرر ذلك فاعلم أن النشوز قد يكون من الزوجة، و قد يكون من الزوج، و إلى الأول يشير قوله عز و جل «وَ اللّٰاتِي تَخٰافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضٰاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ» (4) و إلى الثاني يشير قوله عز و جل «وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يُصْلِحٰا بَيْنَهُمٰا» الآية، فالكلام هنا يقع في موضعين:
الأول: في نشوز المرأة
، و الأصل في هذا المقام الآية المتقدمة، و هي قوله تعالى «وَ اللّٰاتِي تَخٰافُونَ نُشُوزَهُنَّ» الآية، إلا أنه قد وقع الكلام فيها في مواضع:
الأول: إنه هل تثبت هذه الأمور المذكورة في الآية مع تحقق النشوز أو ظهور أماراته قبل وقوعه أو معهما؟ فقيل: إن المراد بخوف النشوز توقعه،
____________
(1) المصباح المنير ص 831.
(2) سورة النساء- آية 128.
(3) القاموس المحيط ج 2 ص 194.
(4) سورة النساء- آية 34.
616
و قال الفراء على ما نقله في كتاب مجمع البيان (1) تعلمون نشوزهن، قال: و قد يكون الخوف بمعنى العلم، و هو ظاهر جملة من الأصحاب كما سيظهر لك إن شاء الله تعالى.
الثاني: إن هذه الأمور الثلاثة المذكورة في الآية على التخيير أو الجمع أو الترتيب بالتدرج من الأخف إلى الأثقل، و هو جل شأنه قد ذكر الثلاثة متعاطفة بالواو، و المفيدة للجمع، و قد ذهب ابن الجنيد إلى الجمع في هذه الأمور الثلاثة كما هو ظاهر الواو، و جعلها مترتبة على النشوز بالفعل، و لم يتعرض للحكم مع ظهور أماراته، و كأنه حمل الخوف على معنى العلم كما تقدم نقله عن الفراء، و أبقى الواو على ظاهرها من إفادة الجمع، و ذهب جمع منهم المحقق في النافع إلى أن هذه الأمور الثلاثة مترتبة، لكن المحقق اعتبر في الوعظ ظهور أمارة العصيان، و في الهجر عدم إفادة الوعظ، و في الضرب عدم إفادة الهجر.
و أنت خبير بأنه إذا لم يفد الوعظ يكون النشوز متحققا بالفعل.
و العلامة في الإرشاد جعل الأمور الثلاثة مترتبة على النشوز بالفعل مع كونها في نفسها مرتبة و هو ظاهر كلام الثقة الجليل علي بن إبراهيم الآتي إن شاء الله تعالى.
و ظاهر جماعة منهم المحقق في الشرائع و العلامة في القواعد جعل الأمور الثلاثة منزلة على الحالين- أعني ظهور أمارات النشوز، و تحققه بالفعل- فإنهم جعلوا الوعظ و الهجر معلقا على ظهور أماراته، و الضرب منوطا بحصوله بالفعل، و العلامة في التحرير و قوله جمع من الأصحاب فصلوا في المسألة تفصيلا آخر فجعلوه الأمور الثلاثة مترتبة على مراتب ثلاثة من حالها، فمع ظهور أمارات النشوز يقتصر على الوعظ، و مع تحققه قبل الإصرار ينتقل إلى الهجر، فإن لم ينجع و أصرت انتقل إلى الضرب، و استقر به السيد السند في شرح النافع قال:
فيكون معنى الآية «وَ اللّٰاتِي تَخٰافُونَ نُشُوزَهُنَّ» فَعِظُوهُنَّ، فإن نشزن فاهجروهن
____________
(1) مجمع البيان ج 3 ص 43.
617
في المضاجع فإن أصررن فاضربوهن، انتهى.
و قال الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره (1) «وَ اللّٰاتِي تَخٰافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضٰاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلٰا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا» (2) و ذلك إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها، قال زوجها، اتقي الله و ارجعي إلى فراشك، فهذه الموعظة، فإن أطاعته فسبيل ذلك، و إلا سبها و هو الهجر، فإن رجعت إلى فراشها فذلك، و إلا ضربها ضربا غير مبرح، فإن رجعت و أطاعت فضاجته، يقول الله «فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلٰا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا» يقول: لا تكلفوهن الحب، فإنما جعل الموعظة و السب و الضرب لهن في المضجع «إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلِيًّا كَبِيراً».
انتهى، و ظاهره كما ترى ترتب هذه الأمور على النشوز بالفعل لا خوفه، و هو محمول على ما تقدم نقله عن الفراء من أن الخوف بمعنى العلم.
الثالث: فيما هو المراد من هذه الأمور الثلاثة المذكورة في الآية، (أما) الوعظ فظاهر، و هو تخويفها بالله سبحانه و ذكر ما ورد من حقوق الزوج على المرأة في الأخبار عن النبي (صلى الله عليه و آله) و أبنائه الأطهار.
و (أما) الهجر فقد اختلف فيه كلامهم، و ظاهر كلام الشيخ علي بن إبراهيم المتقدم، تفسيره بالسب و هو غريب، و لم يذكره غيره فيما أعلم و لا ريب أنه أحد معاني الهجر لكنه هنا بعيد، بل المراد إنما هو ما يؤذن بالصد و الاعراض و القطعية، و قيل: هو أن يحول ظهره إليها في المضجع، و به قال ابن بابويه (3)، و رواه
____________
(1) تفسير القمي ج 1 ص 137.
(2) سورة النساء- آية 34.
(3) قال في المختلف: قال الشيخ في المبسوط: الهجران في المضجع أن يترك قربها، و قال الشيخ على بن بابويه في رسالته و ابنه في مقنعه و ابن البراج: أن يجعل إليها ظهره، و ابن إدريس قال بالأول، و جعل الثاني رواية، و كلامهما عندي جائز، و تختلف ذلك باختلاف الحال في السهولة و الطاعة و عدمها، انتهى. (منه- (قدس سره)-) [تتمة] أقول: صورة العبارة هكذا: و أما النشوز فقد يكون من الرجل، و قد يكون من المرأة. فأما الذي من الرجل فهو انه يريد طلاقها فنقول: أمسكني و لك ما عليك و قد وهبت ليلتي لك. و يصطلحان على هذا، فإذا نشزت المرأة كنشوز الرجل فهو الخلع إذا كان من المرأة وحدها فهو أن لا تطيعه، و هو ما قال الله تبارك و تعالى «وَ اللّٰاتِي تَخٰافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضٰاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ» فالهجران الى آخر ما في الأصل.
(منه- (قدس سره)-).
618
الطبرسي في كتاب مجمع البيان (1) عن الباقر (عليه السلام)، و نسبه في الشرائع إلى الرواية.
و في كتاب الفقه الرضوي (2): و أما النشوز- إلى أن قال- و الهجران هو أن يحول إليها ظهره في المضجع و الضرب بالسواك و شبهه ضربا رفيقا،.
انتهى.
و قيل: أن يعتزل فراشها و يبيت على فراش آخر، إختاره الشيخ في المبسوط و ابن إدريس، و قيل: إنه كناية عن ترك الجماع.
و أما الضرب فقد تقدم في كلام علي بن إبراهيم أنه يضربها ضربا غير مبرح، و به صرح غيره أيضا، و المراد من غير المبرح ما لا يدمي لحما، و لا يهشم عظما، و يكون كضرب الصبيان للتأديب بحيث يتألم منه المضروب، و لا يوجب ضررا في بدنه.
و في تفسير مجمع البيان (3) عن الباقر (عليه السلام) «أنه الضرب بالسواك».
و مثله ما عرفت من كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي.
قال في المسالك و نعم ما قال: و في بعض الأخبار أنه يضربها بالسواك، و لعل حكمته توهمها إرادة المداعبة، و إلا فهذا الفعل بعيد عن التأديب و الإصلاح، انتهى و هو جيد.
و قيل: إن الضرب يكون بمنديل ملفوف، أو درة، و لا يكون بسياط و لا خشب،
____________
(1) مجمع البيان ج 3 ص 44.
(2) فقه الرضا ص 245.
(3) مجمع البيان ج 3 ص 44.
619
نقله الشيخ في المبسوط عن قوم، و أظهر هذه الأقوال الأول فإنه هو الذي يرجى به الرجوع إلى الطاعة. و لو حصل بالضرب تلف، قيل: وجب عليه الغرم لأنه قد تبين بذلك أنه إتلاف لا إصلاح بخلاف الولي إذا أدب الطفل، و فرق بينهما بأن تأديب المرأة لحظ نفسها، و الولد لحظه لا لحظ الولي.
و أورد عليه بأن في الفرق نظرا، قال في شرح النافع: و ينبغي القطع بعدم غرمه لأنه بتأديب الطفل محسن، و ما على المحسنين من سبيل، و لا يبعد إلحاق الزوج به في ذلك، خصوصا إن كان المقصود من الضرب تأديبها على فعل محرم انتهى.
أقول: يمكن أن يقال: إنه إن كان الضرب المذكور ليس مما يترتب عليه التلف بحسب العادة، و إنما اتفق التلف بعده اتفاقا فهذا لا يترتب عليه ضمان، و إن كان مما يمكن ترتب التلف عليه فلا يبعد وجوب الضمان.
الثاني: في نشوز الزوج
، و هو المشار إليه بقوله عز و جل «وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً» (1) الآية: قالوا: و هو عبارة عن أن يتعدى الزوج عليها و يمنعها بعض حقوقها الواجبة من نفقة أو كسوة أو قسم أو نحو ذلك أو أنه يضربها و يؤذيها بغير سبب مبيح له ذلك، و حينئذ فترفع أمرها إلى الحاكم، فإن ثبت عنده ما ادعته ببينة أو اعتراف أو نحو ذلك عزره بما يراه، و أجرى عليها النفقة من ماله و لو ببيع عقاره عليه، و إلا نصب بينهما ثقة يستعلم صدق ما ادعته، و يكون الحكم كما تقدم، و لو لم يكن يؤذيها و لا يمنعها شيئا من حقوقها الواجبة إلا أنه يكرهها لكبر أو مرض أو غيرهما فلا يدعوها إلى فراشه و يهم بطلاقها، فلها أن تسترضيه بإسقاط بعض حقوقها من القسم أو النفقة أو نحوهما و يحل له ذلك، و هذا هو الصلح الذي أشارت إليه الآية بقوله «وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يُصْلِحٰا بَيْنَهُمٰا صُلْحاً».
____________
(1) سورة النساء- آية 128.
620
و على ذلك تدل جملة من الأخبار، منها ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن قول الله عز و جل «وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً» فقال: هي المرأة تكون عند الرجل فيكرهها فيقول لها: إني أريد أن أطلقك، فتقول له: لا تفعل إني أكره أن تشمت بي، و لكن انظر في ليلتي فاصنع بها ما شئت، و ما كان سوى ذلك من شيء فهو لك، و دعني على حالتي، فهو قوله تبارك و تعالى «فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يُصْلِحٰا بَيْنَهُمٰا صُلْحاً» و هذا هو الصلح».
و عن علي بن أبي حمزة (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً» فقال: إذا كان كذلك فهم بطلاقها قالت له: أمسكني و ادع لك بعض ما عليك و أحللك من يومي و ليلتي، حل له ذلك و لا جناح عليهما».
و عن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن قول الله عز و جل «وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً» قال: هذا تكون عنده المرأة لا تعجبه فيريد طلاقها فتقول له: أمسكني و لا تطلقني و ادع لك ما على ظهرك، و أعطيك من مالي و أحللك من يومي و ليلتي، فقد طاب ذلك له كله».
ما رواه
في الفقيه (4) عن المفضل بن صالح عن زيد الشحام عن أبي عبد الله
____________
(1) الكافي ج 6 ص 145 ح 2، التهذيب ج 8 ص 103 ح 27، الوسائل ج 15 ص 90 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 145 ح 1، العياشي ج 1 ص 278 ح 282 و فيه «عن أبى عبد الله- (عليه السلام)- قال: سألته» مع فرق يسير، الوسائل ج 15 ص 90 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 145 ح 3 و فيه «هذا كله»، التهذيب ج 8 ص 103 ح 28 و فيه «الحسن بن هاشم»، الوسائل ج 15 ص 91 ح 3.
(4) الفقيه ج 3 ص 336 ب 167 ح 1، الوسائل ج 15 ص 91 ح 4.
621
(عليه السلام) قال: «النشوز قد يكون من الرجل و المرأة جميعا، فأما الذي من الرجل فهو ما قال الله عز و جل في كتابه «وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يُصْلِحٰا بَيْنَهُمٰا صُلْحاً وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ» (1) و هو أن تكون المرأة عند الرجل لا تعجبه فيريد طلاقها فتقول له: أمسكني و لا تطلقني و ادع لك ما على ظهرك، و أحل لك يومي و ليلتي، فقد طاب له ذلك».
و ما رواه
العياشي (2) في تفسيره عن أحمد بن محمد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) «في قول الله عز و جل «وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً» فقال: النشوز:
الرجل يهم بطلاق امرأته، فتقول له: ادع ما على ظهرك، و أعطيك كذا و كذا، و أحللك من يومي و ليلتي على ما اصطلحا، فهو جائز».
و عن زرارة (3) قال: «سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن النهارية- إلى أن قال:- و لكنه إن تزوج امرأة فخافت منه نشوزا أو خافت أن يتزوج عليها أو يطلقها فصالحته من حقها على شيء من نفقتها أو قسمتها، فإن ذلك جائز لا بأس به».
أقول: و هذه الأخبار بعد حمل مطلقها على مقيدها و مجملها على مبينها ظاهرة الاتفاق في تخصيص صحة الصلح- و براءة ذمة الزوج مما أسقطته عنه المرأة- بما لو كرهها أو أراد التزويج عليها أو نحو ذلك مما لا يتضمن إخلالا بواجب أو ارتكاب محرم.
و بذلك يظهر ضعف قول من قال: إنه لو أخل الزوج بحقوقها الواجبة أو بعضها فتركت له بعض الحقوق جاز ذلك و برءت ذمته، و إن كان آثما في نشوزها،
____________
(1) سورة النساء- آية 128.
(2) تفسير العياشي ج 1 ص 278 ح 281، الوسائل ج 15 ص 91 ح 6.
(3) الكافي ج 5 ص 403 ح 4، و فيه «المهارية» و «إذا تزوج»، التهذيب ج 7 ص 372 ح 68، تفسير العياشي ج 1 ص 278 ح 283 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 91 ح 7 و ص 48 ح 3.
622
لأن الآية بمقتضى الروايات التي وردت بتفسيرها أكثرها صريح في تخصيص ذلك بكراهته لها و نحو ذلك دون الإخلال بالحقوق الواجبة عليه لها، و ما أطلق فقرائن ألفاظه ظاهر في ذلك أيضا.
و بالجملة فإن المستفاد من الآية و الأخبار- بتقريب ما قلناه- أن النشوز الموجب لصحة الصلح بإسقاط بعض الحقوق هو ما لم يتحقق إخلال الزوج بشيء من الحقوق الواجبة عليه، على أنه متى كان القسم و النفقة من الأمور الواجبة عليه، فتركت له النفقة مثلا لأجل القسم، فإنه يكون هذا الترك لا في مقابلة عوض، لأن القسم واجب عليه تركت النفقة أم لم تتركها، فيكون إسقاط النفقة من غير سبب يوجبه قبيحا، و لو قهرها على بذل ما تركت له فلا ريب في عدم حله. لأنه إكراه بغير حق شرعي.
المقام الثاني في الشقاق:
و هو أن يكره كل واحد من الزوجين صاحبه، فيكون كل واحد منهما بكراهيته للآخر في شق عنه- أي ناحية- و الحكم في ذلك، بعث كل واحد منهما حكما من أهله حسبما يأتي تفصيله.
و الأصل في هذا المقام الآية أعني قوله عز و جل «وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقٰاقَ بَيْنِهِمٰا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا إِنْ يُرِيدٰا إِصْلٰاحاً يُوَفِّقِ اللّٰهُ بَيْنَهُمٰا» (1).
و الأخبار و منها ما رواه
في الكافي (2) عن علي بن أبي حمزة قال: «سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن قول الله عز و جل وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقٰاقَ بَيْنِهِمٰا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا» فقال: يشترط الحكمان إن شاءا فرقا و إن شاءا جمعا، ففرقا أو جمعا جاز».
و عن سماعة (3) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل
____________
(1) سورة النساء- آية 35.
(2) الكافي ج 6 ص 146 ح 1، الوسائل ج 15 ص 89 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 146 ح 4، التهذيب ج 8 ص 104 ح 30، الوسائل ج 15 ص 93 ح 1.
623
«فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا» أ رأيت إن استأذن الحكمان فقالا للرجل و المرأة: أ ليس قد جعلتما أمركما إلينا في الإصلاح و التفريق؟ فقال الرجل و المرأة: نعم، فأشهدا بذلك شهودا عليهما، أ يجوز تفريقهما عليهما؟ قال: نعم، و لكن لا يكون إلا على طهر من المرأة من غير جماع من الزوج، قيل له: أ رأيت إن قال أحد الحكمين: قد فرقت بينهما، و قال الآخر: لم أفرق بينهما، فقال:
لا يكون تفريقا حتى يجتمعا جميعا على التفريق، فإذا اجتمعا على التفريق جاز تفريقهما».
و عن محمد بن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن قول الله عز و جل «فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا»؟ قال: ليس للحكمين أن يفرقا حتى يستأمروا».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (2) عن الحلبي في الصحيح، و في آخر في الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن قول الله عز و جل «فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا» قال: ليس للحكمين أن يفرقا حتى يستأمرا الرجل و المرأة، و يشترطا عليهما إن شئنا جمعنا و إن شئنا فرقنا فإن جمعا فجائز، و إن فرقا فجائز».
و ما رواه
في الكافي (3) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في قول الله عز و جل «فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا» قال: الحكمان يشترطان إن شاءا فرقا و إن شاءا جمعا، فإن جمعا فجائز، و إن فرقا فجائز».
و في كتاب الفقه الرضوي (4) «و أما الشقاق فيكون من الزوج و المرأة جميعا كما
____________
(1) الكافي ج 6 ص 147 ح 5، الوسائل ج 15 ص 92 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 146 ح 2، التهذيب ج 8 ص 103 ح 29، الفقيه ج 3 ص 337 ح 1، الوسائل ج 15 ص 89 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 146 ح 3، الوسائل ج 15 ص 92 ح 2.
(4) فقه الرضا ص 245، مستدرك الوسائل ج 2 ص 613 ب 8 ح 1.
624
قال الله تعالى «وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقٰاقَ بَيْنِهِمٰا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا» يختار الرجل رجلا و المرأة تختار رجلا فيجتمعان على فرقة أو على صلح، فإن أرادا إصلاحا أصلحا من غير أن يستأمرا، و إن أرادا التفريق بينهما فليس لها إلا بعد أن يستأمرا الزوج و المرأة».
انتهى.
و في تفسير العياشي (1) عن محمد بن سيرين عن عبيدة قال: «أتى علي بن أبي طالب (عليه السلام) رجل و امرأة، و مع كل واحد منهما فئام من الناس فقال (عليه السلام): ابعثوا حكما من أهله و حكما من أهلها، ثم قال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟
عليكما إن رأيتما أن يجمعا جمعتما، و إن رأيتما أن يفرقا فرقتما، فقالت المرأة:
رضيت بكتاب الله علي ولي، فقال الرجل: أما في الفرقة فلا، فقال علي (عليه السلام):
ما تبرح حتى تقر بما أقرت به».
و روى في الكتاب المذكور عن زيد الشحام (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في قوله تعالى «فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا» قال: ليس للحكمين أن يفرقا حتى يستأمرا الرجل و المرأة».
قال: و في خبر آخر عن الحلبي عنه (عليه السلام) «و يشترط عليهما إن شاءا جمعا و إن شاءا فرقا» فإن جمعا فجائز، فإن فرقا فجائز، قال: و في رواية فضالة «فإن رضيا و قلداهما الفرقة ففرق فهو جائز».
انتهي.
هذا ما حضرني من أخبار المسألة،
و قال الشيخ علي بن إبراهيم في تفسيره (3) «وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقٰاقَ بَيْنِهِمٰا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا» فما حكم به الحكمان فهو جائز، يقول الله «إِنْ يُرِيدٰا إِصْلٰاحاً يُوَفِّقِ اللّٰهُ بَيْنَهُمٰا» يعني الحكمان، فإذا كان الحكمان عدلين دخل حكم المرأة على المرأة فيقول: أخبرني ما في نفسك فإني لا أحب أن أقطع شيئا دونك، فإن كانت هي الناشزة قالت:
____________
(1) تفسير العياشي ج 1 ص 241 ح 127، الوسائل ج 15 ص 94 ح 6.
(2) تفسير العياشي ج 1 ص 241 ح 124 و 126، الوسائل ج 15 ص 93 و 94 ح 3 و 5.
(3) تفسير القمي ج 1 ص 137 مع اختلاف يسير، مستدرك الوسائل ج 2 ص 614 ب 11 ح 1.
625
أعطه من مالي ما شاء و فرق بيني و بينه، و إن لم تكن ناشزة قالت: أنشدك الله أن لا تفرق بيني و بينه، و لكن استزد لي في نفقتي، فإنه إلى مسيء، و يخلو حكم الرجل بالرجل، فيقول: أخبرني بما في نفسك، فإني لا أحب أن أقطع شيئا دونك، فإن كان هو الناشز قال: خذ لي منها ما استطعت و فرق بيني و بينها فلا حاجة لي فيها، و إن لم يكن ناشزا قال: أنشدك الله أن لا تفرق بيني و بينها فإنها أحب الناس إلي، فأرضها من مالي بما شئت، ثم يلتقي الحكمان و قد علم كل واحد منهما ما أوصى به إليه صاحبه، فأخذ كل واحد منهما على صاحبه عهد الله و ميثاقه لتصدقني و لأصدقنك، و ذلك حين يريد الله أن يوفق بينهما، فإذا فعلا و حدث كل واحد منهما صاحبه بما أفضي إليه عرفا من الناشز، فإن كانت المرأة هي الناشزة قالا: أنت عدوة الله الناشزة العاصية لزوجك ليس لك عليه نفقة و لا كرامة لك و هو أحق أن يبغضك أبدا حتى ترجعين إلى أمر الله، و إن كان الرجل هو الناشز قالا له: يا عدو الله أنت العاصي لأمر الله المبغض لامرأته فعليك نفقتها و لا تدخل لها بيتا و لا ترى لها وجها أبدا حتى ترجع إلى أمر الله عز و جل و كتابه.
و قال: و أتى علي بن أبي طالب (عليه السلام) رجل و امرأة على هذه الحال فبعث حكما من أهله و حكما من أهلها، و قال للحكمين هل تدريان ما تحكمان؟
احكما، إن شئتما فرقتما، و إن شئتما جمعتما، فقال الزوج: لا أرضى بحكم فرقة و لا أطلقها، فأوجب عليه نفقتها، و منعه أن يدخل عليها، و إن مات على ذلك الحال الزوج ورثته، و إن ماتت لم يرثها إذا رضيت منه بحكم الحكمين و كره الزوج، فإن رضي الزوج و كرهت المرأة أنزلت هذه المنزلة إن كرهت و لم يكن لها عليه نفقة، و إن مات لم ترثه، و إن ماتت ورثها حتى ترجع إلى حكم الحكمين،.
انتهى.
[تنبيهات]
إذا عرفت ذلك فاعلم أن تحقيق الكلام في المقام يقع في مواضع:
الأول [في المراد من خوف الشقاق في الآية هل هو خشيته أو العلم به؟]
هل المراد من خوف الشقاق في الآية هو خشية الشقاق كما هو ظاهر اللفظ، أو العلم به؟ قولان، و إلى الأول يميل كلام أمين الإسلام الطبرسي
626
في كتاب مجمع البيان حيث قال «وَ إِنْ خِفْتُمْ» أي خشيتم، و قيل علمتم، و الأول أصح، لأنه لو علم الشقاق يقينا لما احتيج إلى الحكمين.
و إلى الثاني يميل كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، حيث حمل الآية أولا على المعنى الظاهر من اللفظ مع تقدير الاستمرار بمعنى أنه إن خشيتم استمرار الشقاق، لأن ظهور النشوز منها موجب لحصول الشقاق.
أقول: فالمراد حينئذ خوف استمراره، ثم قال: و يجوز أن يراد من خشية الشقاق العلم به كما سلف، و هو أولى من إضمار الاستمرار، و كلام سبطه في شرح النافع يميل إلى الأول حيث قال: و الظاهر أن المراد و الله أعلم «إن خفتم استمرار الشقاق بينهما» أو يقال: إن الشقاق إنما يتحقق مع تمام الكراهة بينهما، فيكون المراد أنه إذ حصلت كراهة كل منهما لصاحبه و خفتم حصول الشقاق بينهما «فَابْعَثُوا حَكَماً» و قيل: معنى خفتم علمتم.
أقول: الظاهر أن المراد من قول شيخنا الطبرسي «لأنه لو علم الشقاق يقينا لما احتيج إلى الحكمين» هو أن الغرض من بعث الحكمين هو الإصلاح بينهما باجتماع أو فرقة، و متى كان الشقاق معلوما علم أنه لا يمكن الإصلاح بالاجتماع، فموضع إرسالهما إنما هو في مقام يرجو فيه الاجتماع بأن يظهر الكراهة من كل منهما لصاحبه في الجملة إلا أنه يرجى الاجتماع حينئذ، و هو يرجع إلى المعنى الثاني الذي ذكره في شرح النافع، و الظاهر قربه.
الثاني [من المخاطب في الآية بإنفاذ الحكمين؟]
اختلف المفسرون و الفقهاء في المخاطب في الآية بإنفاذ الحكمين هل هو الحاكم الشرعي؟ أو الزوجان؟ أو أهل الزوجين؟ على أقوال، و بالأول قطع المحقق في الشرائع و العلامة في القواعد، و نسبه في المسالك إلى الأكثر، قال: و جعلوا ضمير فابعثوا في الآية راجعا إلى الحكام.
و الثاني اختيار ابن بابويه في الفقيه و المقنع و أبيه في الرسالة و المحقق في الشرائع، إلا أنه في النافع قال: إذا امتنعا بعثهما الحاكم.
627
قال في كتاب مجمع البيان (1): «و اختلف في المخاطب بإنفاذ الحكمين من هو؟ فقيل: السلطان الذي ترافع الزوجان إليه، عن سعيد بن جبير و الضحاك و أكثر الفقهاء، و هو الظاهر في الأخبار عن الصادقين (عليهما السلام) و قيل: إنه الزوجان أو أهل الزوجين عن السدي، و اختلفوا في الحكمين هل لهما أن يفرقا بالطلاق إن رأيا أم لا؟ و الذي في روايات أصحابنا عنهم (عليهم السلام) أنه ليس لهما ذلك إلا بعد أن يستأمراهما و يرضيا بذلك، و قيل: إن لهما ذلك، عن سعيد بن جبير و الشعبي و السدي و إبراهيم، و رووه عن علي (عليه السلام)، و من ذهب إلى هذا القول قال: إن الحكمين وكيلان، انتهى.
و أنت خبير بأنه ليس في الأخبار المتقدمة ما يدل على ما نحن فيه إلا كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه، فإنه صريح في أن البعث من الزوجين، و إنما نسب هذا القول إلى الصدوق في الفقيه (2) لأنه قد عبر بهذه العبارة حيث قال: الشقاق قد يكون من المرأة و الرجل جميعا، و هو ما قال الله تعالى «وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقٰاقَ بَيْنِهِمٰا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا» (3) فيختار الرجل رجلا و تختار المرأة رجلا، فيجتمعان على فرقة أو صلح، فإن أرادا الإصلاح أصلحا من غير أن يستأمرا، و إن أرادا أن يفرقا فليس لهما أن يفرقا إلا بعد أن يستأمرا الزوج و المرأة، انتهى (4).
و الظاهر أن عبارة أبيه في الرسالة كذلك أيضا، و أما عبارة المقنع فهي
____________
(1) مجمع البيان ج 3 ص 44.
(2) الفقيه ج 3 ص 337.
(3) سورة النساء- آية 34.
(4) ثم قال في تمام هذا الكلام: و هو المناسب بمقام البعث و التحكيم و اللائق بقطع التنازع و المروي. ثم ذكر القولين الآخرين و ضعفهما، و كلامه ظاهر في اختيار هذا القول ب(منه- (قدس سره)-).
628
مثل عبارته في الفقيه، و هو نظير ما قدمنا في غير موضع من إفتاء الصدوق و أبيه في الرسالة إليه بعبارات هذا الكتاب، و من أجل ذلك اعتمدنا عليه فيما تضمنه من الأحكام و ظاهر الرواية المرسلة المذكورة في كلام علي بن إبراهيم، هو أن المرسل هو الامام (عليه السلام) حيث تضمنت أنه بعد أن أتاه الرجل و المرأة على هذه الحالة بعث حكما من أهله و حكما من أهلها.
و أما رواية عبيدة المنقولة من تفسير العياشي فهي محتملة لكون خطابه (عليه السلام) للزوجين، و إن كان الخطاب بضمير الجمع فإنه غير غريب في الكلام، و يحتمل أن يكون لأهلها، و لعله الأقرب.
و ظاهر موثقة سماعة هو أن البعث من الزوجين أيضا كما دل عليه كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه حيث قال الراوي بعد ذكر الآية: أ رأيت إن استأذن الحكمان فقالا للرجل و المرأة: أ ليس قد جعلتما أمركما إلينا في الإصلاح و التفريق إلى آخره، فإنه ظاهر في كون البعث منهما كما لا يخفى بل هو ظاهر الروايات الدالة على اشتراط الحكمين على الزوجين قبول ما يحكمان به، فإنه لو كان البعث إنما هو من الامام من غير تعلق بالزوجين بالكلية كما هو ظاهر القول المشهور، لما كان لهذا الاشتراط هنا وجه كما لا يخفى (1).
و نقل عن ابن الجنيد أن الامام يأمر الزوجين أن يبعثا فيكون هذا قولا ثالثا، و يدل عليه ظاهر رواية عبيدة المنقولة من تفسير العياشي بجعل الخطاب فيها للزوجين كما قدمنا ذكره.
و أما ما ذكره في كتاب مجمع البيان من أن القول بأن البعث من السلطان- يعني الإمام- «هو الظاهر في الأخبار عن الصادقين» فلا أعرف له وجها، و هذه
____________
(1) فان ظاهر هذه الاخبار أن البعث موقوف على رضاهما و من قال بأن البعث من الحاكم فإنه يجعله مستقلا لا يتوقف على مراجعتهما، رضياهما بذلك أو لا. (منه- (قدس سره)-).
629
أخبار المسألة كملا الموجودة في الكتب الأربعة و غيرها، و ليس فيها ما يدل على ذلك إلا المرسلة المذكورة في كلام علي بن إبراهيم، مع معارضتها بما عرفت من ظاهر موثقة سماعة، و صريح كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي، و ظواهر تلك الأخبار المشار إليها، اللهم إلا أن يكون قد وصلت إليه أخبار لم تصل إلينا.
و كيف كان فالظاهر أن وجه الجمع بين الأخبار المذكورة هو كون البعث من الزوجين، فإن أخلا به بعث الحاكم كما قدمنا نقله عن المحقق في النافع، و الظاهر أنه جعله وجه جمع بين الأخبار، و لعله إلى ذلك يشير خبر عبيدة المنقولة عن تفسير العياشي حيث أمر (عليه السلام) غيره بأن يبعث، و هو كما عرفت محتمل لأن يكون الزوجان أو أهلهما، و يحتمل أيضا أن يكون البعث إنما هو من الامام، و لكن مع تعذره فالزوجان، و هذا أنسب بالقول المشهور من أن الباعث إنما هو الامام، لكن رواية عبيدة المذكورة منافرة لهذا الحمل.
الثالث [في أن وجه الجمع بين الأخبار هو كون البعث من الزوجين]
المشهور بين الأصحاب القائلين بأن الباعث هو الامام أن ذلك على جهة التحكيم، لا التوكيل، بأن يكون الامام قد نصبهما وكيلين عن الزوج و الزوجة، لأن البضع حق للزوج، و المال حق للزوجة، و هما بالغان رشيدان، فلا يكون لأحد ولاية عليهما، فلا يكونا إلا وكيلين.
و اعترض عليه بأن حكم الشارع قد يجري على غير المحجور عليه كالمماطل و بإصرار الزوجين على الشقاق قد صارا ممتنعين عن قبول الحق، فجاز الحكم عليهما.
و القول بكونه توكيلا لابن البراج في الكامل، إلا أنه عدل عنه في المهذب و وافق المشهور، قال في كتاب المهذب: و قد ذكرنا في كتابنا الكامل في الفقه في هذا الموضع أنه على طريق التوكيل، و الصحيح أنه على طريق التحكيم، لأنه لو كان توكيلا لكان ذلك تابعا للوكالة و بحسب شرطها، انتهى.
و قال الشيخ في المبسوط: الذي يقتضيه مذهبنا أن ذلك حكم لأنهم رووا أن لهما الإصلاح من غير استئذان، و ليس لهما الفرقة بالطلاق و غيره إلا بعد
630
أن يستأذناهما، و لو كان توكيلا لكان ذلك تابعا للوكالة و بحسب شرطها، و به قال ابن إدريس، و العلامة و غيرهما.
و ظاهر الأصحاب الاتفاق على أنه متى كان البعث من الزوجين فلا يكون إلا توكيلا. قال في المسالك: و لو جعلنا بعثهما من الزوجين فلا شبهة في كونه توكيلا، لأنهما ليسا من أهل التفويض في الحكم الكلي و إن كان متعلقة جزئيا.
أقول- و بالله الثقة لإدراك كل مأمول: إنه لا يخفى على من راجع الأخبار التي قدمناها و هي أخبار المسألة التي وصلت إلينا أنها متفقة على كون ذلك تحكيما، سواء كان الباعث الإمام أو الزوجين، و الذي يدل على كونه تحكيما لا توكيلا مع بعث الزوجين كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) و هو مذهب الصدوقين أيضا حيث عبرا بعبارته حسبما عرفت آنفا، فإنه (عليه السلام) ذكر أن الحكمين بعد بعث الزوجين لهما يجتمعان على فرقة أو إصلاح، فإن اجتمعا على الإصلاح لم يحتج إلى مراجعة، و إن اجتمعا على الفرقة فلا بد لهما أن يستأمرا الزوج و الزوجة، و هذا هو الذي دلت عليه رواية محمد بن مسلم و حسنة الحلبي فإنهما دلتا على الاستئمار في الفرقة دون الإصلاح، و لو كان ما يدعونه من أنه إذا كان البعث من الزوجين فإنه لا يكون إلا توكيلا- كما سمعته من كلامه في المسالك- لكان الواجب في كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه أن يجعل الحكم منوطا بما يأمران به و يعينانه لهما كما في سائر أفراد الوكالة، لا أنه يجعل ذلك مفوضا لهما، و أظهر من ذلك أنه (عليه السلام) قد جعل كلامه تفسيرا للآية، الصريحة في التحكيم دون الوكالة.
و بالجملة فإنه لا شك في دلالة كلامه (عليه السلام) على أنه في صورة بعث الزوجين تحكيم لا توكيل، كما ادعوه، و إن كان ظاهرهم الاتفاق عليه، و قد عرفت أيضا أن ظاهر موثقة سماعة هو كون الباعث الزوجين، و قد اعترف بذلك أيضا في المسالك، فقال بعد إيراد الرواية: و يمكن أن يستدل بها على أن المرسل الزوجان،
____________
(1) فقه الرضا ص 245، مستدرك الوسائل ج 2 ص 613 ب 8 ح 1.
631
مع أنه لا ريب في أن ما اشتملت عليه تحكيم بلا إشكال لا توكيل.
و بالجملة فإن ما ذكره ابن البراج في الكامل من كونه توكيلا مع كون الباعث الامام، و ما ذكروه من أنه أيضا توكيل مع كون الباعث الزوجين، لا دليل عليه سوى هذه الوجوه الاعتبارية التي لفقوها، و الأخبار كما ترى على خلافها (1).
الرابع [فيما لو رأيا الحكمان الصلح]
المفهوم من كلام الأصحاب أنه لا إشكال في أن الحكمين لو رأيا الصلح و اجتمعا عليه، فإنه لا يتوقف على الاستئذان من الزوجين، و إنما الخلاف فيما لو رأيا الفرقة بخلع أو طلاق فهل لهما الاستقلال بذلك أم يتوقف على الاستئذان؟
قولان، قال في المسالك بعد كلام في المقام: ثم إن رأيا الإصلاح هو الأصلح فعلاه، و إن رأيا الأصلح لهما الفراق فهل يجوز لهما الاستبداد به فيباشر حكمه الطلاق و حكمها بذل عوض الخلع إن رأيا الخلع هو الصلاح؟ أم يختص بحكمهما بالإصلاح دون الفراق؟ قولان مرتبان على كونهما وكيلين أو حكمين، فعلى الأول لا إشكال في وجوب مراعاة الوكالة، فإن تناولت الفراق فعلاه و إلا فلا.
و على الثاني ففي جواز الفراق أيضا قولان مبنيان على أن مقتضى التحكيم على الإطلاق تسويغهما فعل ما يريانه صلاحا، فيتناول الطلاق و البذل حيث يكون صلاحا، و بأن أمر طلاق المكلف إلى الزوج
لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (2) «الطلاق بيد من أخذ بالساق».
و هذا هو الأشهر.
أقول: لا يخفى أن ما يكررونه في هذا المقام من احتمال التوكيل و يفرعون
____________
(1) قال السيد السند في شرح النافع: الأقرب أن المرسل لهما ان كان هو الحاكم كان بعثهما تحكيما، و ليس لهما التفريق قطعا، و ان كان الزوجان كان توكيلا، فيجوز لهما التصرف فيما تعلقت به الوكالة من صلح أو طلاق أو بذل صداق أو غير ذلك، و ليس لهما تجاوز عما تعلقت به الوكالة. انتهى، و ظاهر كلامهم كلها على هذا المنوال، و فيه ما عرفت في الأصل. (منه- (قدس سره)-).
(2) في هامش الجامع الصغير ج 2 ص 9 عن الطبراني ط القاهرة 1373 ه.
632
عليه فروعا مثل ما ذكره هنا قد عرفت ما فيه، و ليس في أخبار المسألة ما يشير إليه فضلا عن الدلالة عليه، بل هي ظاهرة في خلافه حيث إنهم قد ادعوا أنه متى كان البعث من الزوجين فإنه لا يكون إلا توكيلا، مع أنا بينا دلالة كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي، و نحوه موثقة سماعة على خلافه بل هو ظاهر تلك الأخبار التي أشرنا إليه آنفا، و بذلك يظهر لك أن ما ذكره من البناء في الخلاف- الأول- على كونهما وكيلين أو حكمين لا وجه له بالكلية، و التحقيق إنما هو ما ذكره ثانيا من أن القولين المذكورين إنما هما على تقدير كونهما حكمين، و هذا هو الذي دلت عليه الأخبار المتقدمة، فإن بعضها قد دل على الاستئذان متى اختارا الفراق، و بعضها قد دل بظاهره على العدم.
و من هنا علم دليل كل من القولين، إلا أن المفهوم منها بعد التأمل في مضامينها إنه إن شرط الحكمان على الزوجين الرضاء بكل ما فعلاه، و قبول كل ما رأياه من فرقة أو اجتماع فإن تفريقهما جائز لا يتوقف على المراجعة متى رأيا ذلك صلاحا و إن لم يشترطا فإنه يجب عليهما الاستئذان في الفراق متى رأيا المصلحة فيه، و على الأول من هذين الأمرين تدل رواية علي بن أبي حمزة (1) و موثقة سماعة (2) و رواية أبي بصير (3) فإنهما قد اشتركت في أنه متى وقع الاشتراط كان ما فعلاه من أي الأمرين جائزا و إن لم يحصل الاستئذان، ألا ترى أنه في موثقة سماعة لم يستثن بعد الاشتراط إلا كونها على طهر لو أراد الطلاق أو الخلع، و أظهر من ذلك مرسلة فضالة المنقولة في آخر كلام العياشي، و قوله فيها «فإن رضيا و قلداهما الفراق ففرقا فهو جائز».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 145 ح 1، الوسائل ج 15 ص 90 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 146 ح 4، التهذيب ج 8 ص 104 ح 30، الوسائل ج 15 ص 93 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 146 ح 3، الوسائل ج 15 ص 92 ح 2.
633
و على الثاني تدل رواية محمد بن مسلم (1) و صدر حسنة الحلبي (2) و رواية زيد الشحام المنقولة من تفسير العياشي (3)، و عبارة كتاب الفقه الرضوي (4) و الظاهر أن حسنة الحلبي قد جمعت الأمرين باعتبار صدرها و عجزها، و أن العطف بالواو في قوله «و إن يشترطا» وقع سهوا من النساخ، و إنما هو «بأو» المخيرة، و يكون حاصل المعنى أنه ليس لهما أن يفرقا حتى يستأمرا، أو أنهما يشترطان إن شاءا جمعا و إن شاءا فرقا، فلا يتوقف التفريق على الاستئذان، بل إن جمعا فجائز و إن فرقا فجائز، و على تقدير العطف بالواو كما هو الموجود فيما حضرني من نسخ الخبر لا يخلو معنى الخبر من إشكال، لما عرفت من الأخبار الأخر.
و بما ذكرنا يظهر أنه لا معنى للخلاف المذكور، بل الحكم هو ما صرحت به هذه الأخبار بالتقريب الذي ذكرناه و عليه تجتمع الأخبار.
و أما ما علله في المسالك من بناء القولين المذكورين على ما ذكره من العلتين فكلام قشري ناش عن عدم تتبع الأخبار و التأمل فيما دلت عليه.
أما ما ذكره من تعليل جواز الفراق بغير استئذان بأن مقتضى التحكيم على الإطلاق تسويغها، ففيه إن جملة من الأخبار قد صرحت بوجوب الاستئذان مع إرادة الفراق، و حينئذ فيجب تقييد هذا الإطلاق بها فلا معنى للاستدلال به.
و أما ما ذكره من تعليل عدم الجواز بأن الطلاق بيد الزوج للخبر النبوي، ففيه أنه لا عام إلا و قد خص، على أن ما نحن فيه لا ينافي الخبر حقيقة لأن الطلاق إنما وقع عن إذنه، حيث إنه جعل اختياره إلى من حكمه، و قد شرط
____________
(1) الكافي ج 6 ص 147 ح 5، الوسائل ج 15 ص 92 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 146 ح 2، التهذيب ج 8 ص 103 ح 29 و فيهما «ان شئنا جمعنا و ان إلخ»، الفقيه ج 3 ص 337 ح 1، الوسائل ج 15 ص 89 ح 1.
(3) العياشي ج 1 ص 241 ح 124، الوسائل ج 15 ص 93 ح 3.
(4) فقه الرضا ص 245، مستدرك الوسائل ج 2 ص 613 ب 8 ح 1.
634
عليه الحكم الذي عينه قبول الفراق إن رأيا المصلحة فيه فرضي و قبل بذلك كما أشارت إليه الأخبار المتقدمة سيما مرسلة فضالة.
و بالجملة فإن الظاهر عندي من الأخبار هو ما ذكرته (1) وافق كلامهم أو خالفه.
الخامس [هل يتعين كون الحكمين من أهل الزوجين؟]
المشهور بينهم أنه لا يتعين كون الحكمين من أهل الزوجين، بأن يكون المبعوث من قبل الزوج من أهله و المبعوث من قبل الزوجة من أهلها، و هو قول الشيخ في المبسوط و ابن البراج و تبعهما الأكثر، و إن دل ظاهر الآية على ذلك، لحصول الغرض بهما و إن كانا أجنبيين، و أجابوا عن الآية بأنها مسوقة للإرشاد، فلا يدل الأمر فيها على الوجوب، بل هي من قبيل «وَ أَشْهِدُوا إِذٰا تَبٰايَعْتُمْ» (2).
____________
(1) أقول: ما اخترناه نقله في المختلف عن ابن حمزة، قال: المشهور أنه ليس للحكمين التفريق إلا بإذن الزوجين، و قال ابن حمزة يبعث الحاكم حكما من أهله و حكما من أهلها لتدبير الأمر، فإن جعل إليهما الإصلاح و الطلاق أنفذا ما رأياه صلاحا من غير مراجعة، و أن لهما القول و حضر كل الزوجين و لم يكن أحدهما مغلوبا على عقله، و ان كان ما رأياهما الإصلاح أصلحا من غير مراجعة، فان رأيا التفريق بينهما بطلاق أو خلع لم يمضيا الا بعد المراجعة، فإن رضيا فذاك و ان أبيا ألزمهما الحاكم القيام بالواجب.
لنا ما رواه الحلبي في الخبر، ثم أورد حسنة الحلبي ثم قال: احتج ابن حمزة بما رواه سماعة، ثم ذكر موثقة سماعة، ثم أجاب عنها بمنع صحة السند.
أقول: قد عرفت أن المفهوم من الاخبار أن الوجه في عدم الاستئذان في الفراق انما هو من حيث اشتراط الحكمين على الزوجين الرضا بكل ما حكما به، و قبول الزوجين ذلك، لا من حيث إطلاق أمر الإمام لهما كما ذكره ابن حمزة، و بالجملة فإن كلامهم في المقام على غاية من البعد عن ظواهر الاخبار كما أوضحناه في الأصل. (منه- (قدس سره)-).
(2) سورة البقرة- آية 282.
635
و قيل: بوجوب كونهما من أهلهما، وقوفا على ظاهر الآية، و هو مذهب ابن إدريس، و قواه العلامة في المختلف فلا يتحقق الامتثال بدونه، و أيد بأن الأهل أعرف بالمصلحة من الأجانب.
أقول: لا يخفى أن المسألة لا تخلو من نوع إشكال، و الاحتياط فيها مطلوب على كل حال.
و يمكن تأييد القول الثاني بأن المأمور به وجوبا أو استحبابا إنما هو من كان من الأهل، فإجزاء غيره يتوقف على دليل، و مجرد ما ذكر من الاحتمال لا ينهض قوة بالاستدلال، و إلى ما ذكرنا يميل كلام السيد السند في شرح النافع حيث قال: و هل يجوز كونه أجنبيا؟ قيل: نعم، و به قطع المصنف في الشرائع لحصول الغرض بهما.
و قيل: يعتبر كونهما من أهلها لدلالة الآية عليه، و لأن الأهل أعرف بالمصلحة من الأجانب، و هو جيد خصوصا بعد حمل الأمر على الوجوب، ثم نقل عن جده في المسالك أنه قال: و لو تعذر الأهل فلا كلام في جواز الأجانب، ثم قال: و قد يناقش فيه بعد تعلق الأمر بذلك، انتهى و هو جيد.
السادس [في أن بعث الحكمين هل هو واجب أو مستحب؟]
قد وقع الخلاف أيضا في أن بعث الحكمين هل هو واجب أو مستحب؟ فقيل بالأول نظرا إلى ظاهر الأمر في الآية الذي هو حقيقة في الوجوب.
و قيل بالثاني نظرا إلى أن الغرض منه مصلحة دنيوية فيكون الأمر للإرشاد كما في قوله «وَ أَشْهِدُوا إِذٰا تَبٰايَعْتُمْ».
أقول: يمكن أن يستدل على الوجوب بما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى من أن الامام يجبر المتخلف عن حكم الحكمين بعد التحكيم على القبول، و يعاقبه، فإنه لو كان البعث مستحبا لما حسن ترتب هذا التكليف عليه.
و ربما علل الوجوب بأن الظاهر من حال الشقاق وقوع الزوجين أو أحدهما في المحرم فيجب تخليصهما منه حسبة، و علل العدم بإمكان الإصلاح
636
بدون ذلك فلا يكون واجبا، و إن كان راجحا نظرا إلى ظاهر الآية، و في الأول منهما نظر (1).
قال في المسالك: و الوجه- بناء على أن البعث من وظائف الحاكم- الوجوب، و لو جعلنا متعلق الأمر الزوجين فالاستحباب أوجه، لإمكان رجوعهما إلى الحق بدون الحكمين. نعم لو توقف الرجوع إلى الحق عليهما وجب بعثهما مطلقا من باب المقدمة، انتهى.
السابع [في نقد المصنف ما أفاده علي بن إبراهيم في المقام]
المفهوم من خبر عبيدة المنقول عن العياشي (2) و كذا الخبر المرسل المنقول في كلام الشيخ الجليل علي بن إبراهيم (3) أن الامام يجبر الزوجين على الرضا بما حكم به الحكمان، أعم من أن يكونا مبعوثين من الامام أو الزوجين.
أما الأول فلأنه لما رضيت المرأة بما حكم به الحكمان لها أو عليها يعني من اجتماع أو فرقة، و امتنع الزوج من الرضاء بالفراق فقال له (عليه السلام): لا تبرح حتى تقر بما أقرت به، أي ترضى بما رضيت به، و ظاهره الحبس حتى يرضى بذلك.
و أما الثاني فإنه لما علم (عليه السلام) الحكمين الحكم بأنكما إن شئتما فرقتما و إن شئتما اجتمعا، امتنع الزوج من الحكم بالفراق فأوجب عليه نفقتها، و منعه الدخول عليها و أنه إن مات الزوج على تلك الحال ورثته المرأة، و إن ماتت لم يرثها، و هكذا لو كان الامتناع من جهة المرأة و هو ظاهر في أن الحكم الشرعي فيما لو امتنع أحدهما هو حصول الفرقة من جانب الممتنع بحيث إنه لا يرث من صاحبه لو مات، و صاحبه يرثه، و لم أقف على ذلك في غير الكتاب المذكور و الشيخ المذكور من الثقات المعتمدين، و كتابه مشهور معمول عليه، و من الأصول
____________
(1) وجه النظر أن الوجوب انما يترتب على تحقق الوقوع في المحرم لا على خوف الوقوع فيه، لإمكان عدم الوقوع كما في الثاني. (منه- (قدس سره)-).
(2) تفسير العياشي ج 1 ص 241 ح 127.
(3) تفسير على بن إبراهيم ج 1 ص 137 و فيه «جمعتما».
637
المعتمدة، و هو ظاهر في كون ذلك مذهبه في هذه المسألة، و لم أقف في كلام أحد من الأصحاب على من تعرض للكلام في هذه الصورة إلا ما يظهر من كلام ابن الجنيد حيث أوجب على الزوجين إنفاذ ما حكم به الحكمان من فرقة أو اجتماع من غير استئذان متى اشترط الحكمان عليهما ذلك، فإنه يشعر بأنه مع إخلال أحدهما بهذا الواجب فعلى الامام أن يجبره على القيام به، بل صرح بذلك في كلامه كما سيأتي نقله إن شاء الله تعالى قريبا.
و العجب أنه مع حرص أصحابنا على نقل الأقوال و بيان الخلاف في جميع المسائل كيف غفلوا عن نقل ذلك و التنبيه عليه و بيان ما فيه من صحة أو بطلان، مع أن الشيخ المذكور من أساطين الفرقة الناجية، و كتابه مشهور متداول بينهم، و مثل ذلك أيضا ما اشتمل عليه صدر كلامه الذي جعله تفسيرا للآية فإنه لا خلاف بين الأصحاب في أن الشقاق عبارة عن النشوز من كل من الزوجين عن الآخر و البغض من كل منهما لصاحبه، و هو صريح كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (1) كما قدمناه، و هذا الكلام الذي ذكره- (رحمه الله)- يرجع إلى أن النشوز إنما هو من أحدهما، و أيضا مقتضى ما دلت عليه الأخبار و صرح به الأصحاب أن الحكمين بعد أن يجتمعا و يتفقا على الحكم فهو إما صلح و جمع بينهما، و إما فرقة و طلاق، و ظاهر كلامه- رحمة الله عليه- هنا أنه بعد اجتماعهما و ظهور الناشز منهما و أنه الزوج أو الزوجة فإنهما ينكران على الناشز منهما، و أن الحكم الشرعي فيه إن كان الناشز هو الزوج أن تجب عليه النفقة و حقوق الزوجية و لا يمكن من المرأة، و إن كانت الزوجة فإنها لا تستحق عليه نفقة و لا يجب لها شيء من الحقوق، و أيد ذلك بما رواه عن علي (عليه السلام) كما قدمنا إيضاحه، و من ذلك تفسيره الهجر في المضاجع بالسب كما قدمنا ذكره.
و بالجملة فإن جميع ما ذكره في هذا المقام من الأحكام الغريبة التي لم نقف
____________
(1) فقه الرضا ص 245، مستدرك الوسائل ج 2 ص 613 ب 8 ح 1.
638
عليها في كلام غيره، و الشيخ المذكور كما عرفت على غاية من الجلالة و هو من أرباب النصوص و من معاصري الأئمة (عليهم السلام) و من الظاهر أنه لا يفتي بذلك إلا عن خبر وصل إليه.
الثامن [هل حكم الحكمين من باب التوكيل أو التحكيم؟]
قال ابن الجنيد على ما نقله العلامة في المختلف عنه: و إن كان النشوز منهما و لم يرجعا بالوعظ من الوالي و لا الذي يتحاكمان إليه أمر الرجل بأن يختار من أهله من لا يتهم على المرأة و لا عليه، و كذلك تؤمر المرأة بأن تختار من أهلها و يشترط الوالي أو المرتضي بحكمه على الزوجين أن للمختارين جميعا أن يفرقا بينهما أو يجمعا إن رأيا ذلك صوابا، و كذلك إن رأيا إيقاع شروط بينهما لا يردها كتاب و لا سنة و لا إجماع، و على كل واحد من الزوجين إنفاذ ذلك و الرضاء به، و أنهما قد و كلاهما في ذلك، و مهما فعلاه فهو جائز عليهما، ثم يخلو كل واحد من المختارين بصاحبه، فيعلم ذات نفسه و يشير عليه بالصواب ثم يجتمعان فيحكمان، و على الوالي إن كان التحاكم إلى غيره أن يأخذ الزوجين بالعمل بذلك، إلا أن يكون المختاران أو أحدهما قد تجاوز شيئا رسماه أو رسمه صاحبه له.
قال العلامة بعد نقله: و هذا الكلام يعطي أنه توكيل، و أن لها أن يفرقا.
أقول: الظاهر أن قوله «و أنهما و كلاهما في ذلك» إنما خرج مخرج التجوز بمعنى أنه في حكم الوكالة، و إلا فصدر الكلام ظاهر بل صريح في أنه تحكيم، ثم إن في هذا الكلام دلالة على ما قدمنا ذكره في وجه الجمع بين أخبار المسألة، من أنه متى شرط الحكمان على الزوجين الرضاء بما حكما به، فلهما أن يفرقا بينهما من غير استئذان، و هو جيد كما عرفت، و إن كان خلاف المشهور بينهم، و أما قوله «و كذلك إن رأيا إيقاع شروط بينهما لا يردها كتاب و لا سنة» فهو مما صرح به غيره أيضا، كما إذا شرطا على الزوج أن يسكنها في البلد الفلاني، أو المسكن الفلاني، أو لا يسكن معها ضرة في دار واحدة أو
639
نحو ذلك، أو شرطا على الزوجة أن يؤجل عليه الحال من المهر إلى أجل، أو ترد عليه ما قبضته منه قرضا أو نحو ذلك، لعموم الأخبار الدالة على وجوب الوفاء بالشروط، و يلزم الزوج و الزوجة القيام بذلك حسبما اشترطا عليهما أولا.
و أما الشروط المخالفة للمشروع كعدم التزويج و التسري و نحو ذلك مما تقدم الكلام فيه، أو ترك بعض حقوقها من القسم أو النفقة أو المهر أو نحو ذلك، فهو غير لازم إجماعا.
و أما قوله «ثم يخلو كل واحد. إلى آخره» فإن ظاهر الأصحاب أن هذا من مستحبات التحكيم.
قال في المسالك: و ينبغي أن يخلو حكم الرجل بالرجل و حكم المرأة بالمرأة خلوة غير محرمة ليعرفا ما عندهما، و ما فيه رغبتهما و إذا اجتمعا لم يخف أحدهما على الآخر ليتمكنا من الرأي الصواب. انتهى، و الظاهر أن الأصل في ذلك ما قدمنا نقله عن الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره.
التاسع [في أنه ينبغي للحكمين إخلاص النية في السعي و قصد الإصلاح]
من المستحبات عندهم أيضا في هذا المقام ما ذكره شيخنا في المسالك: قال: و ينبغي للحكمين إخلاص النية في السعي و قصد الإصلاح، فمن حسنت نيته فيما يتحراه أصلح الله مسعاه، و كان ذلك سببا لحصول مبتغاه كما ينبه عليه قوله تعالى «إِنْ يُرِيدٰا إِصْلٰاحاً يُوَفِّقِ اللّٰهُ بَيْنَهُمٰا» (1) و مفهوم الشرط أن عدم التوفيق بين الزوجين يدل على فساد قصد الحكمين، و أنهما لم يجتمعا على قصد الاصطلاح بل في نية أحدهما أو هما فساد، فلذا لم يبلغا المراد، انتهى.
أقول: و مما يزيد ما ذكره تأييدا و يعليه تشييدا ما رواه الصدوق في الفقيه في هذا الباب عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم (2) أنه تناظر هو و بعض المخالفين في الحكمين بصفين عمرو بن العاص و أبي موسى الأشعري، فقال المخالف: إن الحكمين لقبولهما الحكم كانا مريدين الإصلاح بين الطائفتين، فقال هشام، بل
____________
(1) سورة النساء- آية 35.
(2) الفقيه ج 3 ص 338 ح 2.
640
كانا غير مريدين للإصلاح بينهما، قال المخالف: من أين قلت هذا؟ قال هشام: من قول الله في الحكمين «إِنْ يُرِيدٰا إِصْلٰاحاً يُوَفِّقِ اللّٰهُ بَيْنَهُمٰا». فلما اختلفا و لم يكن اتفاق على أمر واحد و لم يوفق الله بينهما، علمنا أنهما لم يريدا الإصلاح.
العاشر: لو غاب الزوجان أو أحدهما بعد بعث الحكمين فهل ينفذ حكمهما أم لا؟
صرح الشيخ في المبسوط بالثاني، فقال: لا يجوز الحكم مع غيبة أحدهما لأن الحكم حينئذ مشروط ببقاء الشقاق و الخصومة بينهما، و مع الغيبة لا يعرف بقاء ذلك، و لأن كل واحد منهما محكوم له و عليه، و لا يجوز القضاء للغائب و إنما يجوز عليه.
و جوز المحقق و المتأخرون الحكم مع الغيبة، لأنه مقصور على الإصلاح و هو غير متوقف على الحضور، و أجابوا عن دليل الشيخ بأن الأصل بقاء الشقاق استصحابا لما كان قبل الغيبة.
قال في المسالك: و فيه نظر، لجواز أن يشمل الحكم مع الإصلاح على شرط لأحدهما، فيكون حكما للغائب و إن حصل معه الإصلاح.
أقول: لا يخفى أن كلام المجوزين مبني على ما تقدم نقله عنهم من أنه لا يجوز للحكمين الحكم بالفرقة إلا بعد الاستئذان، فلذا خصوا الجواز بالإصلاح.
و التحقيق أنك قد عرفت أن أخبار المسألة قد خرجت على نوعين (أحدهما) ما إذا اشترط الحكمان على الزوجين قبول ما يحكمان به، و أنه ليس في هذه الصورة مراجعة، لا في فرقة و لا إصلاح، كما دلت عليه الأخبار المذكورة، و قضية ذلك جواز الحكم مع الغيبة، لأنه بالاشتراط عليهما و قبولهما الشرط لزم قبولهما لما يحكمان به، حضرا أو غابا كما اعترفوا به في صورة الإصلاح، اشتمل الحكم على شروط أو لم يشتمل، و الفرق بين الحكم له و عليه لا أعرف له دليلا واضحا، فإن قضية التحكيم قبول ما يحكم به الحكمان كيف كان، و بأي صورة كان، هذا مقتضى ظاهر الأخبار المذكورة.
641
و (ثانيهما) إذا لم يشترطا و أنه لا بد في هذه الصورة من المراجعة في إرادة التفريق كما دلت عليه الأخبار المذكورة و قضية ذلك الجواز مع الغيبة بالنسبة إلى الصلح خاصة دون التفريق.
هذا ما يظهر لي من الأخبار حسبما أدى إليه الفهم السقيم.
الحادي عشر [فيما لو منعها شيئا من حقوقها الواجبة]
قد صرح جملة من الأصحاب بأنه لو منعها شيئا من حقوقها الواجبة كالنفقة و القسم مثلا، فبذلت له مالا للخلع لم يكن ذلك إكراها و إن كان محرما، و إنما لم يكن ذلك إكراها لأنه أمر منفك عن طلب الخلع، فإنه قد يفعل ذلك مع إرادته المقام معها، و إنما منعها لحرصه على المال، و قلة ديانته و ضعف دينه أو ميله إلى ضرتها، و كذا لو بذلت له مالا للخلع، حيث إنه أغارها و تزوج عليها، و هو أولى بعدم ترتب الإكراه عليه، فإن التزويج جائز بل مستحب.
و ما ذكرنا من أصل الحكم المذكور صرح به الشيخ في المبسوط و المحقق في الشرائع و غيرهما، و الظاهر أنه المشهور، و اختلف كلام العلامة في ذلك، ففي الإرشاد وافق الشيخ و أفتى بما ذكره، و في التحرير نسب القول المذكور إلى الشيخ ساكتا عليه، و هو يؤذن بتردده فيه أو ضعفه عنده، و في القواعد قيد حقوقها بالمستحبة، و مفهومه أنه لو منعها الحقوق الواجبة كان ذلك إكراها، و هذا القول نقله الشيخ في المبسوط أولا عن بعض العامة، ثم قال: الذي يقتضي مذهبنا أن هذا ليس بإكراه و هو المعتمد.
و كيف كان فإن مقتضى ما ذكره الشيخ و من تبعه أنه لا يشترط في الكراهة الموجبة للخلع أن تكون ذاتية كما هو المعمول عليه في بلادنا البحرين، و حضرناه مع جملة من مشايخنا المعاصرين بل تكفي الكراهة العارضة بسبب ترك القسم أو النفقة و نحوهما، و سيأتي تحقيق الكلام في باب الخلع إن شاء الله تعالى.
642
إلى هنا تم الجزء الرابع و العشرون حسب تجزئتنا بحمد الله و منه، و قد بذلنا الجهد غاية في تصحيحه و مقابلته مع النسخ المطبوعة و استخراج أحاديثه. و سيليه الجزء الخامس و العشرون في بقية كتاب النكاح و أول كتاب الطلاق بمشيئة الباري عز اسمه.
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة
الجزء الرابع و العشرون
تأليف
الشيخ يوسف بن احمد البحراني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

