3
[تتمة كتاب النكاح]
[تتمة الفصل الخامس]
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على خير خلقه محمد و آله الطاهرين.
المقصد الرابع في أحكام الأولاد:
و البحث فيه يقع بالنسبة إلى الأولاد و سنن الولادة و الحضانة، فهنا مقامات:
[المقام] الأول: ما يتعلق بالأولاد و بمن يلحقون
، و هم إما أن يكونوا أولاد زوجة موطوءة بالعقد الدائم أو أولاد موطوءة بالملك، أو أولاد موطوءة بالشبهة، فهنا مسائل:
[المسألة] الأولى: في أولاد الموطوءة بالعقد الدائم
، لا خلاف بين الأصحاب كما ادعاه جملة منهم في أن ولد الزوجة الدائمة يلحق بالزوج بشروط ثلاثة:
(أحدها) الدخول بالزوجة، و الدخول الموجب للحوق الولد يتحقق عندهم بغيبوبة الحشفة أو قدرها من مقطوعها في القبل و إن لم ينزل، و ألحقوا به الوطء في الدبر أيضا.
قال في المسالك: و ذكر الشهيد في قواعده أن الوطء في الدبر على هذا الوجه يساوي القبل في هذا الحكم و غيره إلا في مواضع قليلة استثناها- ثم قال:- و ما وقفت على كلام أحد يخالف ذلك، انتهى.
و أنت خبير بما فيه على إطلاقه من الإشكال، فإنه مع العلم بعدم الانزال
4
و إن كان الجماع في القبل، و كذا مع الجماع في الدبر كيف يحكم بالإلحاق و الحال هذه و لم أر من تنبه لذلك إلا السيد السند في شرح النافع حيث قال:
و قد يقع الاشكال مع العلم بعدم نزول الماء، و ذكر المصنف في الشرائع و غيره أن الوطء في الدبر على هذا الوجه يساوي الوطء في القبل في هذا الحكم و هو أشد إشكالا، و ربما ظهر من كلام ابن إدريس و العلامة في التحرير أنه لا عبرة بالوطء في الدبر، و هو متجه. انتهى كلامه، و هو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه.
نعم لو كان قد أنزل لكنه عزل عن الزوجة فإن الإلحاق في هذه الصورة كما قطعوا به جيد، لإمكان أن يسبقه شيء من الماء يتحقق به الحمل من غير أن يشعر به، أما في الصورتين المذكورتين فلا وجه لذلك يمكن الاستناد إليه و البناء في الحكم عليه.
و مما يدل على ما ذكرناه في صورة العزل ما رواه
في كتاب قرب الاسناد (1) عن السندي بن محمد عن أبي البختري عن جعفر بن محمد (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) قال: «جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: كنت أعزل عن جارية لي فجاءت بولد، فقال (صلى الله عليه و آله):
قد ينفلت، فألحق به الولد».
و نحوه في بعض التوقيعات الخارجة من الناحية المقدسة (2).
ثم إنه ينبغي أن يعلم أنه لا بد أن يكون الزوج ممن يمكن التولد منه من جهة السن، فلو كان صغيرا لا يمكن حصول ذلك منه لم يلحق به الولد، و نقل عن العلامة في الإرشاد أنه اكتفى ببلوغ العشر، و هو مشكل، إلا أن يعلم بالعادة وقوع ذلك منه.
و (ثانيها) مضي أقل مدة الحمل، و هي ستة أشهر من حين الوطء، قال في شرح النافع: و هو موضع وفاق، و في المسالك نسب الإجماع على ذلك إلى علماء الإسلام.
____________
(1) قرب الاسناد ص 65، الوسائل ج 15 ص 113 ب 15 ح 1 و فيه «ان الوكاء قد ينفلت».
(2) التوقيع المشار اليه هنا مكتوب في حاشية آخر المسألة الثانية (منه- (قدس سره)-).
5
و يدل عليه قوله تعالى «وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلٰاثُونَ شَهْراً» (1) مع قوله تعالى «وَ فِصٰالُهُ فِي عٰامَيْنِ» (2) فإنه يتركب من الآيتين أن حمله يكون ستة أشهر، لأنها هي الباقية من الثلاثين شهرا بعد عامي الفصال، و ليست هذه المدة هي أقصى مدة الحمل للإجماع و الوجدان، فتعين أن يكون أقل مدته.
و يدل على ذلك الأخبار أيضا و منها ما رواه
في الفقيه (3) عن سلمة بن الخطاب بسنده عن علي (عليه السلام) قال: «أدنى ما تحمل المرأة لستة أشهر، و أكثر ما تحمل لسنة».
و ما رواه
في الكافي (4) عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا كان للرجل منكم الجارية يطؤها فيعتقها فاعتدت و نكحت فإن وضعته لخمسة أشهر فإنه من مولاها الذي أعتقها، و إن وضعت بعد ما تزوجت لستة أشهر فإنه لزوجها الأخير».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (5) عن جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) «في المرأة تزوج في عدتها، قال: يفرق بينهما و تعتد عدة واحدة منهما، و إن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للآخر، و إن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر فهو للأول».
و رواه
في الفقيه (6) في الصحيح قال: «و في رواية جميل في المرأة- الحديث».
____________
(1) سورة الأحقاف- آية 15.
(2) سورة لقمان- آية 14.
(3) الفقيه ج 3 ص 330 ح 8، الوسائل ج 15 ص 118 ح 15.
(4) الكافي ج 5 ص 491 ح 1، الوسائل ج 15 ص 115 ح 1.
(5) لم نعثر عليه في الكافي، التهذيب ج 7 ص 309 ح 41، الوسائل ج 15 ص 117 ح 13.
(6) الفقيه ج 3 ص 301 ح 24، الوسائل ج 15 ص 117 ذيل ح 13.
6
و ما رواه
في الكافي (1) عن محمد بن يحيى يرفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تلد المرأة لأقل من ستة أشهر».
إلى غير ذلك من الأخبار المتفرقة في جملة من الأحكام الآتي بعضها إن شاء الله.
و (ثالثها) أن لا يتجاوز أقصى مدة الحمل، و هو مما لا خلاف فيه، إنما الخلاف في تقدير المدة المذكورة، هل هي سنة أو تسعة أشهر أو عشرة أشهر؟
مع الاتفاق على أنه لا يزيد على السنة.
و إلى (الأول) ذهب المرتضى في الانتصار مدعيا عليه الإجماع، و نفي عنه البأس في المختلف و هو مذهب أبي الصلاح، و اختاره شيخنا في المسالك و سبطه السيد السند في شرح النافع، و جعله المحقق في الشرائع متروكا، و إلى هذا القول مال صاحب الكفاية. و إلى (الثاني) أكثر الأصحاب فإنه المشهور بينهم. و إلى (الثالث) الشيخ في موضع من المبسوط، قال في الشرائع بعد نقل القول بذلك: و هو حسن يعضده الوجدان.
و الواجب بمقتضى عادتنا في الكتاب نقل الأخبار التي وصلت إلينا في المسألة المذكورة، ثم الكلام فيها بما وفق الله سبحانه لفهمه منها ببركة أهل الذكر (عليهم السلام).
و منها ما تقدم
في رواية سلمة بن الخطاب (2) من قوله «و أكثر ما تحمل لسنة».
و هذه الرواية صريحة في السنة، إلا أنه قال في الوافي: و في بعض النسخ «و أكثر ما تحمل لسنتين» فإن صح فلعله ورد على التقية.
أقول: و بلفظ السنتين نقل الخبر في كتاب الوسائل، و لم يذكر غيرها، و على هذا النسخة لا دلالة في الرواية على شيء من الأقوال المذكورة.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 563 ح 32، التهذيب ج 7 ص 486 ح 163، الوسائل ج 15 ص 116 ح 8.
(2) الفقيه ج 3 ص 330 ح 8، الوسائل ج 15 ص 118 ح 15.
7
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن معاوية بن حكيم عن أبي إبراهيم (عليه السلام) أو أبيه (عليه السلام) «أنه قال في المطلقة يطلقها زوجها فتقول: أنا حبلى فتمكث سنة، قال: إن جاءت به لأكثر من سنة لم تصدق و لو ساعة واحدة في دعواها».
و ما رواه
في الكافي (2) عن عبد الرحمن بن سيابة عمن حدثه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألت عن غاية الحمل بالولد في بطن أمه كم هو؟ فإن الناس يقولون: ربما بقي في بطنها سنتين، فقال: كذبوا أقصى مدة الحمل تسعة أشهر لا يزيد لحظة.
و لو زاد ساعة لقتل امه قبل أن يخرج».
و هذه الرواية كما ترى صريحة في التسعة.
و ما رواه
في روضة الكافي (3) عن أبان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن مريم حملت بعيسى تسع ساعات، كل ساعة شهر».
و هي ظاهرة في التسعة.
و استند السيد السند في شرح النافع في الاستدلال على ما اختاره من السنة.
و كذا من تبعه في ذلك إلى
صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (4) قال: «سمعت أبا إبراهيم يقول: إذا طلق الرجل امرأته فادعت حبلى انتظر تسعة أشهر، فإن ولدت و إلا اعتدت بثلاثة أشهر ثم قد بانت منه».
و رواية محمد بن حكيم (5) عن أبي الحسن (عليه السلام): قال: «قلت له: المرأة الشابة
____________
(1) الكافي ج 6 ص 101 ح 3، التهذيب ج 8 ص 129 ح 45، الوسائل ج 15 ص 442 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 52 ح 3، التهذيب ج 8 ص 115 ح 45، الوسائل ج 15 ص 115 ح 3.
(3) روضة الكافي ج 8 ص 273 ح 516 و فيه «أبان عن رجل عن»، الوسائل ج 15 ص 116 ح 7.
(4) الكافي ج 6 ص 101 ح 1، الفقيه ج 3 ص 330 ح 7، التهذيب ج 8 ص 129 ح 43، الوسائل ج 15 ص 441 ب 25 ح 1.
(5) الكافي ج 6 ص 101 ح 2، التهذيب ج 8 ص 129 ح 44، الوسائل ج 15 ص 442 ح 2.
8
التي تحيض مثلها يطلقها زوجها فيرتفع حيضها كم عدتها؟ قال: ثلاثة أشهر، قلت:
فإنها ادعت الحبل بعد ثلاثة أشهر، قال: عدتها تسعة أشهر، قلت: فإنها ادعت الحبل بعد تسعة أشهر؟ قال: إنما الحبل تسعة أشهر، قلت: تزوج؟ قال: تحتاط بثلاثة أشهر، قلت: فإنها ادعت بعد ثلاثة أشهر، قال: لا ريبة عليها تزوجت إن شاءت».
قال: و الظاهر أن المراد بقوله «الحبل تسعة أشهر» أن الغالب فيه ذلك، ثم أمرها بالاحتياط ثلاثة أشهر، و ذلك مجموع السنة، و في رواية أخرى لابن حكيم- ثم نقل الرواية المتقدمة الظاهرة في السنة، ثم قال:- و ذكر جدي أنه وقع في زمانه في بعض النساء تأخر حمله سنة، و حكي لنا في هذا الزمان أنه وقع ذلك أيضا في بعض نساء بلدنا، و لا ريب أن اعتبار ذلك عادة و إن كان نادرا أولى من الحكم بنفي النسب عن أهله، انتهى.
أقول: مرجع استدلاله بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، و الرواية الاولى من روايتي محمد بن حكيم مع أن ظاهرهما أنما هو الدلالة على القول بالتسعة إلا أنه (عليه السلام) لم يرخص لها في التزويج إلا بعد مضي التسعة و الثلاثة الأشهر التي بعدها الذي مجموعه سنة، فهو يدل على أن أقصى مدة الحمل سنة، إذ لو كان ذلك تسعة أشهر لجوز لها النكاح بعد التسعة، أو حمل ما دل بظاهره على التسعة على أنه الأغلب.
و فيه: (أولا) أن المستفاد من أخبار هذه المسألة- أعني مسألة المسترابة كما سيأتي إن شاء الله تحقيقه في محله- هو أن هذه الأشهر الأخيرة هي العدة الشرعية و مضي التسعة الأشهر و إن حصل به براءة الرحم و حصل اليقين بعدم الحبل لمضي المدة التي هي أكثر الحمل، لكنه لا ينافي وجوب الاعتداد، فإن ما علل به وجوب الاعتداد من تحصيل براءة الرحم ليس كليا يجب إطراده، لتخلفه في مواضع لا تحصى، كمن مات عنها زوجها بعد عشر سنين من مفارقتها، و كذا في الطلاق مع أنه لا ريب في وجوب العدة.
9
و (ثانيا) أن ارتكاب التأويل في الأخبار فرع وجود المعارض، و هم لم يذكروا على ما اختاروه من القول بالسنة دليلا يوجب إخراج هذه الأخبار عن ظاهرها، فحمله ما دل على التسعة- كهذه الروايات على أن ذلك الغالب- خروج عن الظاهر، يتوقف على وجود المعارض الراجح الدال على القول بالسنة، و ليس إلا ما أورده من ظاهر رواية محمد بن حكيم الثانية (1) التي هي مع الغماض عن المناقشة في دلالتها معارضة بما هو أظهر دلالة منها كرواية عبد الرحمن بن سيابة (2) و الرواية التي بعدها، على أنك قد عرفت في غير موضع مما تقدم أن من القواعد المقررة في كلامهم (3) أن إطلاق الأخبار إنما تحمل على الأفراد الغالبة المتكررة المتكثرة دون الفروض النادرة التي ربما لا تقع و لا تعلم إلا بمثل هذه الحكايات التي نقلها.
و (ثالثا) أن اعتماده في الاستدلال على القول بالسنة بهاتين الروايتين بالتقريب الذي ذكره من ضم الثلاثة أشهر الأخيرة إلى التسعة، و أن المجموع يصير سنة منقوض بما دلت عليه موثقة عمار الظاهرة في أن أقصى الحمل سنة، حيث إنه (عليه السلام) أوجب الاعتداد فيها بالثلاثة بعد مضي السنة، و هي ما رواه (4)
عن أبي عبد الله
____________
(1) الكافي ج 6 ص 101 ح 2، التهذيب ج 8 ص 129 ح 44، الوسائل ج 15 ص 442 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 52 ح 3، التهذيب ج 8 ص 115 ح 45، الوسائل ج 15 ص 115 ح 3.
(3) و مرجع ذلك الى أنه مع معلومية الحال بكونه تسعة أو سنة فلا اشكال، و انما الإشكال فيما إذا جهل ذلك كما في صورة الارتياب، فمقتضى ما قلنا من القاعدة هو الحمل على التسعة لأنه هو الفرد المتكرر الغالب، فمتى حصلت التسعة حكم بخروجها من العدة.
(منه- (قدس سره)-).
(4) الكافي ج 6 ص 98 ح 1، التهذيب ج 8 ص 119 ح 9، الوسائل ج 15 ص 442 ب 13 ح 1.
10
(عليه السلام) «أنه سئل عن رجل عنده امرأة شابة، و هي تحيض كل شهرين أو ثلاثة أشهر حيضة واحدة، كيف يطلقها زوجها؟ فقال: أمرها شديد تطلق طلاق السنة تطليقة واحدة على طهر من غير جماع بشهود، ثم تترك حتى تحيض ثلاث حيض متى حاضت، فإذا حاضت ثلاثا فقد انقضت عدتها، قيل له: و إن مضت سنة و لم تحض فيها ثلاث حيض؟ قال: إذا مضت سنة و لم تحض ثلاث حيض يتربص بها بعد السنة ثلاثة أشهر، ثم قد انقضت عدتها» الحديث،.
و هذا الخبر من الأخبار الدالة على السنة، و هو كما ترى ظاهر فيما قدمنا ذكره، من أن هذه الثلاثة الأشهر الأخيرة هي العدة الشرعية، و إن علم براءة الرحم بمضي أقصى الحمل بالتسعة كما في الأخبار المتقدمة، أو السنة كما في هذه الرواية، لا أن هذه الثلاثة تضم إلى المدة الأولى ليحصل بالمجموع أقصى الحمل، و إلا للزم أن أقصى الحمل بناء على هذه الرواية خمسة عشر شهرا و هو باطل يقينا.
و بالجملة فإن ما تكلفه- (رحمه الله)- و قبله جده في المسالك من الاستدلال على ما ذهبا إليه بهذه الرواية فهو لا يخلو من تكلف و تعسف، و سيظهر لك- إن شاء الله تعالى- ذلك في المسألة المذكورة وفق الله سبحانه للوصول إليها.
و العلامة في المختلف قد اقتصر على نقل أقوال المسألة، و هي الثلاثة المذكورة و لم يتعرض لذكر أدلة شيء منها، و قد عرفت أن روايات المسألة و هي التي وقفنا عليها منحصرة في القول بالتسعة و القول بالسنة، و أما القول بالعشرة فلم نقف له على خبر، إلا أن ظاهر بعضهم أنه مروي أيضا، قال ابن حمزة- على ما نقله عنه في المختلف-: أكثر مدة الحمل فيه روايات ثلاثة: تسعة أشهر، و عشرة، و سنة.
ثم لا يخفى أن ما دل عليه خبر محمد بن حكيم الأول قد روى نحوه في أخبار أخر له أيضا منها ما رواه (1)
عن أبي عبد الله (عليه السلام) أو أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل طلق امرأته، فلما مضت ثلاثة أشهر ادعت حبلى، قال: ينتظر بها تسعة
____________
(1) الكافي ج 6 ص 102 ح 5، الوسائل ج 15 ص 443 ح 5.
11
أشهر، قال: قلت: فإنها ادعت بعد ذلك حبلى، قال: هيهات هيهات، إنما يرتفع الطمث من ضربين، إما حبل بين و إما فساد من الطمث، و لكنها تحتاط بثلاثة أشهر بعد».
و أنت خبير بما في هذا الخبر من الدلالة الظاهرة على ما قررناه، و الوضوح فيما اخترناه، و التقريب فيه أنه لما ادعت الحبل بعد الثلاثة الأشهر فأمره (عليه السلام) بالانتظار لتسعة أشهر التي هي أقصى مدة الحمل، فإن ظهر فيها حمل فذاك، و إلا فإنه قد تبين بانقضاء المدة المذكورة عدم الحمل، و لهذا لما قال له الراوي أنها بعد التسعة ادعت الحبل، قال: هيهات هيهات. يعنى هذا لا يكون أبدا بأن تمضي مدة تسعة أشهر لم يتبين فيها الحمل ثم يتبين بعدها، و ما ذاك إلا من حيث إنها أقصى مدة الحمل، و لو كان مدة الحمل سنة كما يقوله أولئك لم يكن لهذا الكلام معنى بالكلية، بل كان ينبغي أن يرتب على مضي السنة، لا التسعة الأشهر، ثم إنه أمره بالثلاثة الأشهر بعد التسعة التي تبين بها عدم الحمل و براءة الرحم منه احتياطا، و هي العدة الشرعية المأمور بها بعد الطلاق، و إنما نسبها إلى الاحتياط لتبين براءة الرحم قبلها، و إنما هي مؤكدة لذلك و الوجه ما قد عرفته من أن التعليل ببراءة الرحم إنما هو للتقريب إلى الأفهام، لا أنه علة حقيقية، يدور المعلول معها وجودا و عدما.
نعم يبقى الكلام في الجمع بين أخبار السنة و التسعة، و لا يحضرني الآن وجه شاف يعول عليه.
و من فروع المسألة ما لو وضعت الولد بعد سنة من وقت الجماع فإنه على القول بكون أقصى مدة الحمل تسعة لا يلحق بالزوج، و إنما يلحق به على تقدير القول بالسنة، و هذا معظم الشبهة عند شيخنا الشهيد الثاني و سبطه، و إليه أشار السيد السند فيما قدمنا نقله عنه بقوله في آخر كلامه «و لا ريب أن اعتبار ذلك عادة و إن كان نادرا أولى من الحكم بنفي النسب عن أهله، و مرجعه إلى التمسك
12
بأن الولد للفراش» كما ذكره جده بقوله: و استصحاب حكمه، و حكم الفراش أنسب و إن كان خلاف الغالب.
و فيه أنه متى قام الدليل بأن أقصاه تسعة كما عرفته من الأخبار التي قدمناها، و هي ما بين نص و صريح في ذلك و ظاهر، فإنه يجب تخصيص حديث الفراش بها، و قد عرفت أن جل أخبار محمد بن حكيم و هي متعددة زيادة على ما نقلناه ظاهرة في التسعة، و ما ارتكبوه من تأويلها قد عرفت ما فيه بما أظهرناه من ضعف باطنه و خافية، على أنك قد عرفت أن مقتضى قواعدهم إنما هو الحمل على الأفراد الغالبة المتكررة، لا الفروض الشاذة النادرة.
[فوائد]
و تحقيق الكلام في المقام يتم برسم فوائد:
الأولى [فيما لو دخل بزوجته و جاءت بولد لأقل من ستة أشهر]:
اختلف الأصحاب فيما لو دخل بزوجته و جاءت بولد لأقل من ستة أشهر و هو حي كامل، فقال الشيخ المفيد: إن ولدت زوجته على فراشه حيا تاما لأقل من ستة أشهر من يوم لامسها فليس بولد في حكم العادة، و هو بالخيار إن شاء أقر به، و إن شاء نفاه عنه.
و قال الشيخ في النهاية: فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر حيا سليما جاز له نفيه عن نفسه.
و قال ابن إدريس: يجب عليه نفيه، و إلى هذا القول ذهب إليه من تأخر عنه و هو المشهور بين المتأخرين.
قال في المختلف و هو المعتمد لنا: أنه ليس ولدا له فسكوته عن نفيه يوجب لحاقه به و اعترافه بنسبه، و هو حرام إجماعا. و على هذا المنهاج كلام غيره، و هو الظاهر الذي لا إشكال فيه.
و العجب من مثل الشيخين في خلافهما لذلك.
روى الصدوق في الفقيه، و الشيخ في التهذيب (1) عن أبان بن تغلب قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 301 ح 27، التهذيب ج 8 ص 167 ح 4، الوسائل ج 15 ص 117 ح 3.
13
فلم تلبث بعد ما أهديت إليه إلا أربعة أشهر حتى ولدت جارية، فأنكر ولدها و زعمت هي أنها حملت منه، قال: فقال: لا يقبل منها ذلك، و إن ترافعا إلى السلطان تلاعنا و فرق بينهما و لم تحل له أبدا».
و كذا يجب أن يكون الحكم كذلك فيما إذا ولدت الزوجة بعد أقصى زمان الحمل من حين الوطء فإنه يجب على الزوج نفيه لانتفائه عنه في نفس الأمر، فهو في معلومية نفيه عنه كما لو ولدت به قبل الدخول، أو ولدت به لأقل من ستة أشهر كما تقدم، و قد ذكر جملة من الأصحاب هنا أن ذلك يعلم بأحد أمرين، إما اتفاق الزوجين على عدم الوطء في المدة المذكورة، أو ثبوت ذلك بغيبة أحدهما عن الآخر في جميع هذه المدة.
و مما ورد بالنسبة إلى الغيبة ما رواه
في الكافي (1) عن يونس «في المرأة يغيب عنها زوجها فتجيء بولد، أنه لا يلحق الولد بالرجل إذا كانت غيبة معروفة، و لا تصدق إنه قدم فأحبلها».
و قوله «إذا كانت غيبته معروفة» فيه إشارة إلى محل المسألة.
الثانية [فيما لو زنت المرأة على فراش زوجها]
لا خلاف و لا إشكال في أنه لو زنت المرأة على فراش زوجها كان الولد ملحقا بالزوج لا ينتفي منه إلا باللعان،
للخبر المستفيض (2) عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) «الولد للفراش و للعاهر الحجر».
و روى الكليني (3) عن سعيد الأعرج في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد، لمن يكون الولد؟ قال: للذي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 490 ح 1، التهذيب ج 8 ص 167 ح 3، الوسائل ج 15 ص 213 ب 100 ح 1.
(2) الكافي ج 7 ص 163 ح 1، التهذيب ج 9 ص 346 ح 26، الوسائل ج 17 ص 566 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 491 ح 3، التهذيب ج 8 ص 169 ح 13، الوسائل ج 14 ص 568 ح 4.
14
عنده، لقول رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): الولد للفراش و للعاهر الحجر».
و ما رواه
في التهذيب (1) عن سعيد الأعرج في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يتزوج المرأة و ليست بمأمونة تدعي الحمل، قال: ليصبر لقول رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): الولد للفراش و للعاهر الحجر».
إلى غير ذلك من الأخبار الواردة بهذا المضمون، و لا فرق في ذلك بين كون الولد مشبها للزاني في الخلق و الخلق أم لا، عملا بالإطلاق.
تنبيه [معنى] قوله «الولد للفراش»
قيل: أي لمالك الفراش، و هو الزوج أو المولى.
أقول: قال في كتاب المصباح المنير (2): قوله «الولد للفراش» أي الزوج، فإن كل واحد من الزوجين يسمى فراشا للآخر، كما سمي كل واحد منهما لباسا للآخر، انتهى. و على هذا فلا يحتاج إلى تقدير مضاف كما في الأول. و قوله «و للعاهر- أي الزاني- الحجر» يحتمل معنيين: أحدهما أن الحجر كناية عن الخيبة و الحرمان بمعنى لا شيء له، كما يقال: له التراب. و ثانيهما أنه كناية عن الرجم بالأحجار، و رد بأن ليس كل زان يجب رجمه.
قال السيد الرضي صاحب كتاب نهج البلاغة في كتاب المجازات النبوية بعد ذكر الخبر: هذا مجاز على أحد التأويلين و هو أن يكون المراد أن العاهر لا شيء له في الولد، فعبر عن ذلك بالحجر، أي له من ذلك ما لاحظ فيه و لا انتفاع به، كما لا ينتفع بالحجر في أكبد الأحوال- إلى أن قال:- و أما التأويل الآخر الذي يخرج به الكلام عن حيز المجاز إلى الحقيقة فهو أن يكون المراد أنه ليس
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 183 ح 64، الوسائل ج 15 ص 565 ح 1.
(2) المصباح المنير ص 640.
15
للعاهر إلا إقامة الحد عليه و هو الرجم بالأحجار فيكون الحجر هنا اسما للجنس لا المعهود، و هذا إذا كان العاهر محصنا، فإن كان غير محصن فالمراد بالحجر هنا على قول بعضهم الإعناف به و الغلظ عليه بتوفية الحد الذي يستحقه من الجلد، و في هذا القول تعسف، و الاستكراه- و إن كان داخلا في باب المجاز- إلا أن الغلظ على من يقام عليه الحد إذا كان الحد جلدا لا رجما لا يعبر عنه بالحجر لأن ذلك بعيد عن سنن الفصاحة، و الأولى الاعتماد على التأويل الأول.
الثالثة: إذا اختلف الزوجان في الدخول و عدمه
فادعته المرأة ليلحق به الولد و أنكره الزوج فلا ريب في أن القول قوله بيمينه لأن الأصل عدمه و لأن الدخول من فعله فيقبل قوله فيه، و لو اتفقا على الدخول لكن أنكر الزوج الولادة و ادعى أنها أتت به من خارج فالقول قوله بيمينه أيضا لأن الأصل عدم الولادة، و لو اعترف بالدخول و الولادة و حصلت الولادة بعد مضي أقل مدة الحمل و قبل مضي أقصاه فإن الولد يلحق به شرعا و يلزمه الإقرار به، و لو أنكره و الحال هذه لم ينتف عنه إلا باللعان و هو موضع وفاق.
أما لو ادعى الأب ولادته لدون ستة أشهر أو لأزيد من أقصى الحمل و ادعت الزوجة ولادته بعد مضي أقل مدته أو قبل مضي أقصاه، فظاهر إطلاق بعض العبارات أن القول قول المرأة، و أن الحكم كما في سابق هذا الموضع و الأنسب بقواعدهم و الأربط بضوابطهم أن القول قول المرأة فيما إذا ادعى الزوج ولادته بعد مضي أقصى الحمل، لأن الأصل عدم مضي تلك المدة، و الأصل عدم تقدم الوطء على الوقت الذي تعترف به المرأة.
و أما في صورة ما إذا ادعى ولادته قبل مضي أقل مدة الحمل و ادعت المرأة مضي تلك المدة، فيشكل القول بتقديم قولها (1) في ذلك، لأن الأصل عدم مضي
____________
(1) لان مثال هذه الدعوى- أى دعوى عدم مضى تلك المدة- إلى دعوى الدخول، فإنه إذا قال: لم تمض ستة أشهر من حين الوطء فمعناه أنه لم يطأ قبل هذه المدة و انما وطأ في انتهائها، فكما أن قوله يقدم في عدم الدخول لأصالة عدمه، فكذا هنا لأصالة عدم تقدمه، لاشتراكهما في تعليل الأصل. كذا إفادة شيخنا في المسالك.
(منه- (قدس سره)-).
16
تلك المدة المتنازع فيها، و عدم تقدم الوطء عن الوقت الذي يعترف به الزوج، فالأظهر هنا تقديم قول الزوج في ذلك، و من هنا حمل بعضهم إطلاق تقديم قول المرأة في الاختلاف في المدة على المعنى الأول (1) ليتجه الحكم بتقديم قول المرأة.
قال في شرح النافع: و متى قلنا بتقديم قول المرأة فالظاهر أن عليها اليمين كما صرح به الشهيد و جماعة، و ربما ظهر من كلام بعض الأصحاب عدم يمينها و هو بعيد. انتهى، و هو جيد.
الرابعة [حكم الولد] لو زنى بامرأة فأحبلها ثم تزوجها
، و كذا لو زنى بأمة غيره ثم اشتراها لم يجز له إلحاق الولد بنفسه، لأن الولد إنما حصل بالزنا، و النسب لا يثبت بالزنا، و مجرد الفراش لا يقتضي إلحاق ما علم انتفاؤه.
و يدل على ذلك من الأخبار صريحا ما رواه
الشيخ (2) في الصحيح عن علي ابن مهزيار عن محمد بن الحسن القمي قال: «كتب بعض أصحابنا على يدي أبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك ما تقول في رجل فجر بامرأة فحبلت ثم إنه تزوجها بعد الحمل فجاءت بولد و هو أشبه خلق الله به، فكتب (عليه السلام) بخطه و خاتمه: الولد لغية لا يورث».
و في الصحيح عن الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أيما رجل وقع على وليدة قوم حراما ثم اشتراها فادعى ولدها فإنه لا يورث منه، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)
____________
(1) و هو ما لو أتت به بعد مضى ستة أشهر. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 7 ص 164 ح 4، التهذيب ج 8 ص 182 ح 61، الوسائل ج 15 ص 214 ب 101 ح 1.
(3) الكافي ج 7 ص 163 ح 1 مع زيادة فيه، التهذيب ج 8 ص 207 ح 40، و ج 9 ص 346 ح 26، الوسائل ج 17 ص 566 ح 1 و ج 14 ص 583 ب 74 ح 1.
17
قال: الولد للفراش و للعاهر الحجر».
الخامسة: إذا طلق الرجل زوجته فاعتدت و تزوجت ثم أتت بولد
فإن كان لدون ستة أشهر فهو للأول و لو كان لستة أشهر فصاعدا فهو للأخير، و كذا لو أعتق أمة فتزوجت بعد العدة ثم ولدت فإن الحكم في الولد كما ذكر من التفصيل.
و الوجه في الأول ظاهر لانتفاء الولد في هذه الحال عن الثاني بعدم مضي أقل مدة الحمل من وطيه، مؤيدا ذلك بالأخبار الآتية في المقام، و نحوه في الحكم بكونه للأول أيضا ما لو أتت به قبل تجاوز أقصى مدة الحمل من وطء الأول و لم تتزوج لأنها فراشه حينئذ و لم يشاركه فراش آخر ليشاركه في الولد.
و أما الثاني و هو ما لو أتت به لستة أشهر فصاعدا فالحكم به للثاني ظاهر فيما لو كان الإتيان به بعد مضي أقصى مدة الحمل من وطء الأول فإنه لا يمكن إلحاقه بالأول حينئذ، و إنما الكلام فيما لو أتت به قبل مضي الأقصى، فإنه يمكن أن يكون من الأول لعدم تجاوز أقصى مدة الحمل من وطئه، و أن يكون من الثاني لمضي أقل مدة الحمل من وطئه، و المشهور- و به قطع الشيخ في النهاية و المحقق و جماعة- أنه للثاني، و قال الشيخ في المبسوط: تعتبر القرعة لإمكان أن يكون من الأول و من الثاني لأن الأم فراش لكل منهما حال وطئه، و لا ترجيح إلا بالقرعة.
و يدل على المشهور جملة من الأخبار، منها ما رواه
الكليني (1) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا كان للرجل منكم الجارية يطؤها فيعتقها فاعتدت و نكحت فإن وضعت لخمسة أشهر فإنه من مولاها الذي أعتقها، و إن وضعت بعد ما تزوجت لستة أشهر فإنه لزوجها الأخير».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 491 ح 1، التهذيب ج 8 ص 168 ح 10 و فيه «فإنه لمولاها» الوسائل ج 15 ص 115 ح 1.
18
و ما رواه
في التهذيب (1) عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل إذا طلق امرأته ثم نكحت و قد اعتدت و وضعت لخمسة أشهر فهو للأول، و إن كان ولدا ينقص من ستة أشهر فلأمه و لأبيه الأول، و إن ولدت لستة أشهر فهو للأخير».
و ما رواه
الصدوق في الفقيه (2) في الصحيح عن جميل بن دراج «في المرأة تتزوج في عدتها، قال: يفرق بينهما و تعتد عدة واحدة منهما، فإن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للأخير، و إن جاءت بولد في أقل من ستة أشهر فهو للأول».
و رواه
الكليني و الشيخ (3) عن جميل بن دراج عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) «في المرأة تزوج» الحديث.
و ما رواه
الشيخ (4) عن أبي العباس البقباق قال: «إذا جاءت بولد لستة أشهر فهو للأخير، و إن كان أقل من ستة أشهر فهو للأول».
و قد اشتركت هذه الروايات في الدلالة على أنه مع تعدد صاحب الفراش فإنه يحكم للأول إن نقص عن الستة، و إن كانت ستة فصاعدا فهو للثاني، و منه يظهر بطلان القول بالقرعة، و كذا الحكم في الأمة لو باعها سيدها بعد الوطء فإنه متى ولدت عند المشتري لأقل من ستة تبين أنه من البائع، و يزيد هنا أنه يبطل البيع لظهور كونها أم ولد، و أما لو ولدت لستة فصاعدا فهو من المشتري و البيع صحيح.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 167 ح 5، الوسائل ج 15 ص 117 ح 11.
(2) الفقيه ج 3 ص 301 ح 24، التهذيب ج 7 ص 309 ح 41 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 117 ح 13.
(3) لم نعثر عليه في الكافي، التهذيب ج 8 ص 168 ح 8، الوسائل ج 15 ص 117 ح 13.
(4) التهذيب ج 8 ص 167 ح 7، الوسائل ج 15 ص 117 ح 12.
19
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك (1) عدم الوقوف على شيء من الروايات التي ذكرناها دليلا للقول باللحوق بالثاني منهما متى كان لستة فصاعدا، لأنه بعد نقل القولين المذكورين إنما علل كلا منهما بالعلل الاعتبارية المتعارفة في كلامهم ثم قال: و اختار المصنف إلحاقه بالثاني و لعله أقوى.
المسألة الثانية: في أولاد الموطوءة بالملك و ما يترتب عليها من الأحكام
، و ذلك يقع في مواضع: منها أنه متى وطأ الأمة فجاءت بولد لستة أشهر فصاعدا لزم الإقرار به لأنه لو نفاه لم يلاعن امه بل يحكم بنفيه ظاهرا، و لو اعترف به بعد ذلك الحق به، و تفصيل الوجه في هذا الإجمال أن يقال:
أما لزوم الإقرار به إذا لم يعلم انتفاؤه عنه فيدل عليه بعد اتفاق الأصحاب على الحكم المذكور ما رواه
الكليني (2) في الصحيح عن سعيد بن يسار قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجارية تكون للرجل يطيف بها و هي تخرج فتعلق، قال: يتهمها الرجل أو يتهما أهله؟ قلت: أما ظاهرة فلا، قال: إذا لزمه الولد».
____________
(1) فإنه- (قدس سره)- قال: و ان أمكن إلحاقه بهما بأن ولدته فيما بين أقصى الحمل و أدناه من وطئهما أمكن كونه منهما، و لا خلاف في عدم الترجيح للأول لأن فراش الثاني اما أقوى- من حيث زوال الأول و حصول الثاني بالفعل- أو مساو له، و في ترجيح الثاني و اعتبار القرعة قولان: منشأهما من كونها حال الوطء فراشا لكل منهما، و الزمان صالح لإلحاقه بهما فلا ترجيح إلا بالقرعة، و من أن فراش الثاني ثابت بالفعل حقيقة. بخلاف الزائل فإنه مجاز عند جمع من الأصوليين،
و قد قال النبي (صلى الله عليه و آله) «الولد للفراش».
و القولان للشيخ في المبسوط و النهاية و العلامة في المختلف و غيره، و اختاره المصنف الحاقه بالثاني و لعله أقوى، انتهى.
و فيه ما لا يخفى كما عرفت في غير موضع مما تقدم، و النصوص بحمد الله سبحانه واضحة جلية، و لكنهم لمزيد الاستعجال يغفلون عن مراجعتها. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 5 ص 489 ح 1، التهذيب ج 8 ص 181 ح 57، الوسائل ج 14 ص 565 ح 2.
20
و عن سعيد بن يسار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وقع على جارية له تذهب و تجيء و قد عزل عنها و لم يكن منه إليها شيء، ما تقول في الولد؟ قال، أرى أن لا يباع هذا يا سعيد، قال: و سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقال: أيتهمها؟ فقلت:
أما تهمة ظاهرة فلا، قال: فيتهمها أهلك؟ فقلت: أما شيء ظاهر فلا، قال:
فكيف تستطيع أن لا يلزمك الولد».
و ما رواه
الشيخ (2) في الصحيح عن عمر بن يزيد قال: «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): في هذا العصر رجل وقع على جاريته ثم شك في ولده، فكتب (عليه السلام): إن كان فيه مشابهة منه فهو ولده».
و ظاهر هذه الأخبار عدم لحوقه به مع التهمة، و سيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
و أما أنه لو علم انتفاؤه عنه فإنه يجوز له نفيه، و ينبغي ظاهرا من غير أن يتوقف على لعان، فهو مجمع عليه بينهم، و قد نقل الإجماع على ذلك فخر المحققين في شرح القواعد و شيخنا الشهيد الثاني في الروضة و المسالك.
و أما سقوط اللعان هنا فلأن مورده- كما دلت عليه الآية- الزوجان كما سيجيء بيانه إن شاء الله تعالى في محله. قال سبحانه «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰاجَهُمْ» الآية.
و أما انتفاؤه ظاهرا بمجرد النفي، فاستدل عليه زيادة على الإجماع المدعى بأن ذلك لا يعرف إلا من قبله، فلو لم ينتف بنفيه- و الحال أنه لا ينتفي باللعان- لزم كون ولد الأمة أقوى من ولد الحرة لأن ولد الحرة ينتفي باللعان، و هذا لا يمكن نفيه أصلا على هذا التقدير، و ذلك معلوم البطلان. انتهى، و فيه ما لا يخفى.
و بالجملة فإني لا أعرف لهم دليلا ظاهرا إلا الإجماع المدعى.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 489 ح 4، التهذيب ج 8 ص 181 ح 58، الوسائل ج 14 ص 566 ح 5.
(2) التهذيب ج 8 ص 181 ح 56 و فيه «عن يعقوب بن يزيد»، الوسائل ج 14 ص 564 ح 5.
21
و أما أنه إذا اعترف به بعد الإنكار الحق به، فاستدل عليه بخبر (1)
«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».
و لأن الملاعن الذي ينتفي عنه الولد باللعان إذا أكذب نفسه الحق به الولد- كما سيجيء إن شاء الله تعالى في باب اللعان- و إلحاقه به فيما إذا اعترف به بعد النفي بطريق أولى.
تذنيبات
الأول [حكم ولد المتعة]
لا يخفى أن ما ذكروه من هذه الأحكام في ولد الأمة يجيء مثله- كما صرح به الأصحاب- في ولد المتعة من لزوم الاعتراف به إذا لم يعلم انتفاؤه، و أنه إذا انفاه ينتفي ظاهرا من غير لعان، و إذا اعترف به بعد النفي الحق به.
قال السيد السند في شرح النافع: و نقل جدي- (رحمه الله عليه)- في باب المتعة من الروضة و المسالك الاتفاق على أن ولد المتعة ينتفي بغير لعان، مع أنه قال في هذا الباب من الروضة: أن انتفاء ولد المتعة بمجرد النفي هو المشهور، و حكي عن المرتضى- رحمة الله عليه- قولا بإلحاقها بالدائمة في توقف انتفاء ولدها على اللعان.
أقول: و قد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام في الفصل الثالث في المتعة، و بينا ما في المسألة من الاشكال، و إن لم يتنبه إليه أحد من علمائنا الأبدال، و أن الروايات التي استندوا إليها في ذلك لا تخلو من الإجمال، فليرجع إليه من أحب تحقيق الحال.
الثاني [فيما لو أقر بالولد ثم أنكره]
لا خلاف بين الأصحاب في أنه متى أقر بالولد فإنه لا يقبل منه إنكاره بعد ذلك، و قد ادعى الإجماع على ذلك جملة منهم و عليه تدل الأخبار أيضا.
و منها ما رواه
الشيخ (2) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال:
و أيما رجل أقر بولد ثم انتفى منه فليس له ذلك و لا كرامة، يلحق به ولده
____________
(1) الوسائل ج 16 ص 111 ح 2.
(2) الكافي ج 7 ص 163 ح 1، التهذيب ج 9 ص 346 ح 26، الوسائل ج 17 ص 564 ح 1.
22
إذا كان من امرأته أو وليدته».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه (1) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: من أقر بولد ثم نفاه جلد الحد و الزم الولد».
و ما رواه
في التهذيب (2) عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: «إذا أقر الرجل بالولد ساعة لم ينتف منه أبدا».
و ما رواه
في الكافي (3) عن سعد بن سعد في الصحيح قال: «سألته- يعني أبا الحسن الرضا (عليه السلام)- عن رجل كان له ابن يدعيه فنفاه و أخرجه من الميراث و أنا وصيه فكيف أصنع؟ فقال- يعني الرضا (عليه السلام)-: لزمه الولد بإقراره بالمشهد لا يدفعه الوصي عن شيء قد علمه».
و ما رواه
في التهذيب (4) عن أبي بصير قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ادعى ولد امرأة لا يعرف له أب ثم انتفى من ذلك، قال: ليس له ذلك».
و ما رواه
في التهذيب (5) عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أقر الرجل بولد ثم نفاه لزمه».
الثالث: إذا كان للجارية موال عديدة
و وطأها كل منهم و ولدت، فإما أن يكون وطء الموالي متفرقا بأن وطأها الأول ثم باعها من الثاني فوطأها ثم باعها من الثالث فوطأها و هكذا، و إن كان في طهر واحد، أو يكون وطء الموالي
____________
(1) الكافي ج 7 ص 261 ح 8، الفقيه ج 4 ص 36 ح 12 و فيه «أن عليا (عليه السلام) قال:»، التهذيب ج 10 ص 87 ح 103، الوسائل ج 18 ص 457 ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 183 ح 63، الوسائل ج 17 ص 565 ح 4.
(3) الكافي ج 7 ص 64 ح 26، الفقيه ج 4 ص 163 ح 2، التهذيب ج 9 ص 235 ح 11، الوسائل ج 13 ص 476 ح 1.
(4) التهذيب ج 8 ص 167 ح 6، الوسائل ج 17 ص 564 ح 3.
(5) التهذيب ج 9 ص 346 ح 28، الوسائل ج 17 ص 564 ح 2.
23
مجتمعا بحيث يكونون مشتركين في الجارية فوطأها كل منهم من حيث الملك فهنا قسمان:
(أحدهما) أن يكون الموالي متفرقة على الوجه الذي ذكرناه، و الذي ذكره الأصحاب أنه يحكم بالولد للأخير الذي عنده الجارية إن جاءت بالولد لستة أشهر فصاعدا من يوم وطئها، و إلا كان للذي قبله بالشرط المذكور، و هكذا في كل واحد منهم، و هي و إن كانت فراشا للجميع أو كالفراش إلا أن الولد عندهم يلحق بالمالك بالفعل دون الزائد و إن أمكن لحوقه به، هذا إن حصل شرط الإلحاق و هو التولد على الوجه المذكور، و إلا فالسابق، لأنه ناسخ لحكم الذي قبله مع إمكان اللحوق أيضا، و هكذا.
و الذي يدل على ما ذكروه من تقديم الحاضر دون من سبق و إن أمكن اللحوق ما رواه
المشايخ الثلاثة (1)- رحمة الله عليهم- عن الصيقل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: و سئل عن رجل اشترى جارية ثم وقع عليها قبل أن يستبرء رحمها، قال: بئس ما صنع، و يستغفر الله و لا يعود، قلت: فإنه باعها من آخر و لم يستبرء رحمها ثم باعها الثاني من رجل آخر فوقع عليها و لم يستبرء رحمها فاستبان حملها عند الثالث، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): الولد للفراش و للعاهر الحجر».
و رواه
الشيخ في التهذيب (2) بسند آخر عن الصيقل قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) و ذكر مثله، إلا أنه قال «قال أبو عبد الله (عليه السلام): الولد للذي عنده الجارية، و ليصبر لقول رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): الولد للفراش و للعاهر الحجر».
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) «و إن كانوا ثلاثة واقعوا جارية على
____________
(1) الكافي ج 5 ص 491 ح 2، الفقيه ج 3 ص 285 ح 2، التهذيب ج 8 ص 168 ح 11، الوسائل ج 14 ص 568 ح 2.
(2) التهذيب ج 8 ص 168 ح 12، الوسائل ج 14 ص 568 ح 3.
(3) فقه الرضا ص 262 مع اختلاف يسير.
24
الانفراد بعد أن اشتراها الأول و واقعها ثم اشتراها الثاني و واقعها ثم اشترى الثالث و واقعها، كل ذلك في طهر واحد، فأتت بولدها لكان الحق أن يلحق الولد بالذي عنده الجارية و يصبر لقول رسول الله (صلى الله عليه و آله): الولد للفراش و للعاهر الحجر»،.
هذا مما لا يخرج في النظر و ليس فيه إلا التسليم، و في الخبرين دلالة على كون الأمة فراشا، و الأصحاب قد استدلوا في ذلك بهذين الخبرين لضعف قول من منع كونها فراشا.
و (ثانيهما) أن يطأها الموالي المشتركون فيها في طهر واحد، و لا ريب أنهم قد فعلوا محرما فإنه لا يجوز لأحد الشركاء الوطء بدون إذن الشركاء الأخر، لكنه لا يكون بذلك زانيا بل عاصيا يستحق التعزير و يلحق به الولد، و يقوم عليه الأمة و الولد يوم سقط حيا، و قد تقدم تحقيق الكلام في المسألة في كتاب البيع (1) و الكلام هنا فيما إذا اجتمعوا على الوطء فإنهم و إن فعلوا محرما إلا أن الولد لاحق بهم لا بمعنى أنه يكون مشتركا بين الجميع بل يختص بواحد منهم، يجب الرجوع إلى القرعة في تعيينه كما دلت عليه الأخبار، فكل من خرج اسمه الحق به الولد و اغرم حصص الباقين من قيمته و قيمة امه، لأنها قد صارت أم ولد بالنسبة إلى من الحق به، و ها أنا أسوق ما وقفت عليه من أخبار المسألة.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا وقع الحر و العبد و المشرك بامرأة في طهر واحد فادعوا الولد أقرع بينهم فكان الولد للذي يخرج سهمه».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه (3) عن عاصم بن حميد عن أبي بصير في الصحيح أو
____________
(1) ج 19 ص 478.
(2) الكافي ج 5 ص 490 ح 1، التهذيب ج 6 ص 240 ح 26 مع اختلاف في السند و المتن، الوسائل ج 14 ص 567 ح 3 و ج 18 ص 187 ح 1 مع اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 5 ص 491 ح 2، الفقيه ج 3 ص 54 ح 11، التهذيب ج 8 ص 170 ح 16، الوسائل ج 14 ص 567 ح 4 و ج 18 ص 188 ح 6.
25
الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «بعث رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عليا (عليه السلام) إلى اليمن فقال له حين قدم: حدثني بأعجب ما ورد عليك، قال: يا رسول الله أتاني قوم قد تبايعوا جارية فوطؤوها جميعا في طهر واحد فولدت غلاما و احتجوا فيه كلهم يدعيه فأسهمت بينهم و جعلته للذي خرج سهمه، و ضمنته نصيبهم، فقال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم):
إنه ليس من قوم تنازعوا ثم فوضوا أمرهم إلى الله عز و جل إلا خرج سهم المحق».
و رواه الشيخ (1) عن عاصم بن حميد عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله.
و ما رواه
في التهذيب عن معاوية بن عمار في الصحيح و الصدوق (2) عنه في الضعيف عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إذا وطأ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت فادعوه جميعا أقرع الوالي بينهم، فمن قرع كان الولد ولده، و يرد قيمة الولد على صاحب الجارية» الحديث.
و ما رواه
في التهذيب (3) عن سليمان بن خالد في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قضى علي (عليه السلام) في ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد. و ذلك في الجاهلية قبل أن يظهر الإسلام فأقرع بينهم و جعل الولد لمن قرع و جعل عليه ثلثي الدية للآخرين، فضحك رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حتى بدت نواجده قال: و ما أعلم فيها شيئا إلا ما قضى علي (عليه السلام)».
و نحو ذلك
صحيحة الحلبي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا وقع المسلم و اليهودي و النصراني على المرأة في طهر واحد أقرع بينهم، و كان الولد للذي تصيبه القرعة».
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 238 ح 16، الوسائل ج 18 ص 188 ح 5.
(2) الفقيه ج 3 ص 52 ح 4، التهذيب ج 8 ص 169 ح 14، الوسائل ج 14 ص 566 ح 1 و ج 18 ص 190 ح 14.
(3) التهذيب ج 8 ص 169 ح 15، الوسائل ج 14 ص 566 ح 2.
(4) التهذيب ج 9 ص 348 ح 33، الوسائل ج 17 ص 571 ب 10 ح 1.
26
قال في المسالك- بعد أن ذكر صحيحة أبي بصير (1) المشتملة على بعث رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عليا (عليه السلام) إلى اليمن و لم ينقل سواها- ما صورته: و الأصحاب حكموا بمضمونها و حملوا قوله «و ضمنته نصيبهم» على النصيب من الولد و الام معا كما لو كان الواطئ واحدا منهم ابتداء، فإنه يلحق به و يغرم نصيبهم منهما كذلك، لكن يشكل الحكم بضمانه لهم نصيب الولد لادعاء كل منهم أنه ولده و أنه لا يلحق بغيره، و لازم ذلك أنه لا قيمة له على غيره من الشركاء، و هذا بخلاف ما لو كان الواطئ واحدا، فإن الولد محكوم بلحوقه به، و لما كان من نماء الأمة المشتركة جمع بين الحقين بإغرامه قيمة الولد لهم و إلحاقه به، بخلاف ما هنا، و الرواية ليست صريحة في ذلك، لأن قوله «و ضمنته نصيبهم» يجوز إرادة النصيب من الأم، لأنه هو النصيب الواضح لهم باتفاق الجميع بخلاف الولد، و يمكن أن يكون الوجه في إغرامه نصيبهم من الولد، أن ذلك ثابت عليه بزعمه أنه ولده، و دعواهم لم يثبت شرعا، فيؤاخذ المدعي بإقراره بالنسبة إلى حقهم، و النصيب في الرواية يمكن شموله لهما معا من حيث إن الولد نماء أمتهم، فلكل منهم فيه نصيب سواء الحق به أم لا، و لهذا يغرم من لحق به نصيب الباقين في موضع الوفاق، و على كل حال فالعمل بما ذكره الأصحاب متعين و لا يسمع الشك فيه مع ورود النص به ظاهرا و إن احتمل غيره، انتهى.
أقول: لا يخفى أن الرواية المذكورة و إن أوهمت ما ذكره من حيث عدم الصراحة في كون ما يغرمه نصيبهم من الولد، إلا أن
صحيحة معاوية بن عمار صريحة في ذلك لقوله «فمن قرع كان الولد ولده، و ترد قيمة الولد على صاحب الجارية».
و حاصله: أن من غلب بالقرعة و خرج اسمه يجب عليه إعطاء شريكه في الجارية حصته من قيمة الولد، فقوله «قيمة الولد» أي حصته من قيمة الولد،
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 170 ح 16، الوسائل ج 18 ص 188 ح 6.
27
و هو أيضا ظاهر صحيحة سليمان بن خالد و إن عبر عن القيمة بالدية، فإنه بعد أن حكم بأن الولد لمن قرع أوجب عليه ثلثي القيمة أي قيمة الولد، لأن الشركاء ثلاثة كما هو مذكور في صدر الخبر.
و بالجملة فإن ظاهر هذه الروايات المشتملة على القيمة إنما أريد بها قيمة الولد، لأن سياقها إنما هو في حكم الأولاد لا قيمة الجارية، و إن كان ذلك أيضا واجبا عليه إلا أنه لم يتعرض له في هذه الأخبار، و إنما يستفاد من أخبار كما تقدم في كتاب البيع، و على هذا فيمكن أن يقال- في دفع ما ذكره من الاستشكال- أنه لما دلت الأخبار بعد إلحاق الولد به بالقرعة و صيرورته هو الأب الحقيقي بذلك صار في حكم ما لو كان الواطئ لها واحدا من الشركاء خاصة، و يترتب عليه هنا ما ذكر في تلك المسألة، و دعوى كل من الشركاء- أنه ولده بزعمه بعد خروج القرعة لواحد معين- في حكم العدم، فإن القرعة قد عينت الأب الحقيقي.
و قال في كتاب الفقه الرضوي (1) و لو أن رجلين اشتريا جارية و واقعاها جميعا فأتت بولد لكان الحكم فيه أن يقرع بينهما، فمن أصابت القرعة الحق به الولد، و يغرم نصف قيمة الجارية لصاحبه، و على كل واحد منهما نصف الحد.
انتهى، و هذا الخبر قد تضمن قيمة الجارية خاصة.
الرابع: أنه لو وطأها المولى و وطأها أجنبي بالزنا فولدت
فإنه لا خلاف في إلحاقه بالمولى، لأخبار الفراش المتظافرة
و صحيحة سعيد الأعرج (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد، لمن تكون الولد؟ قال:
للذي تكون عنده لقول رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): الولد للفراش و للعاهر الحجر».
و موثقة
____________
(1) فقه الرضا ص 262، مستدرك الوسائل ج 3 ص 200 ب 11 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 491 ح 3، التهذيب ج 8 ص 169 ح 13 و فيه «عنده الجارية»، الوسائل ج 14 ص 568 ح 4.
28
سماعة (1) قال: «سألته عن رجل له جارية فوثب عليها ابن له ففجر بها، قال: قد كان رجل عنده جارية و له زوجة فأمرت ولدها أن يثب على جارية أبيه ففجر بها، فسأل أبو عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فقال: لا يحرم ذلك على أبيه، إلا أنه لا ينبغي له أن يأتيها حتى يستبرئها للولد، فإن وقع فيما بينهما ولد فالولد للأب إذا كانا جامعاها في يوم واحد و شهر واحد».
و إنما الاشكال و الخلاف فيما لو حصل في الولد أمارة تغلب على الظن أن الولد ليس من المولى، قال الشيخ في النهاية: إذا حصل في الولد أمارة يغلب معها الظن أنه ليس من المولى لم يجز له إلحاقه به و لا نفيه عنه، و ينبغي أن يوصي له بشيء و لا يورثه ميراث الأولاد، و تبعه على ذلك جملة من الأصحاب منهم المحقق في النافع، و في الشرائع نسبه إلى قيل، و تردد فيه، و الظاهر أنه المشهور.
و يدل عليه من الأخبار ما رواه
في الكافي (2) عن محمد بن عجلان قال: «إن رجلا من الأنصار أتى أبا جعفر (عليه السلام) فقال له: إني قد ابتليت بأمر عظيم، إني وقعت على جاريتي ثم خرجت في بعض حوائجي فانصرفت من الطريق، فأصبت غلامي بين رجلي الجارية فاعتزلتها فحبلت ثم وضعت جارية لعدة تسعة أشهر، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): احبس الجارية لا تبعها و أنفق عليها حتى تموت أو يجعل الله لها مخرجا، فإن حدث بك حدث فأوص بأن ينفق عليها من مالك حتى يجعل الله لها مخرجا» الحديث.
و رواه
الكليني و الشيخ في التهذيب (3) في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 179 ح 51، الوسائل ج 14 ص 564 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 488 ح 2، التهذيب ج 8 ص 180 ح 53، الوسائل ج 14 ص 563 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 488 ح 1، الفقيه ج 4 ص 230 ح 1، التهذيب ج 8 ص 179 ح 52، الوسائل ج 14 ص 563 ح 1.
29
أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن رجلا من الأنصار أتى أبي- الحديث.
كما تقدم إلى قوله- حتى يجعل الله لها مخرجا» و فيه أيضا «فقال له أبي (عليه السلام): لا ينبغي لك أن تقربها و لا تنفيها» عوض قوله «فقال له أبو جعفر (عليه السلام)» إلخ.
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب (1) عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل كان يطأ جارية له و أنه كان يبعثها في حوائجه و أنها حبلت و أنه بلغه عنها فساد، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا ولدت أمسك الولد و لا يبيعه و يجعل له نصيبا في داره، قال:
فقيل له: رجل يطأ جارية له و أنه لم يكن يبعثها في حوائجه و أنه اتهمها و حبلت، فقال: إذا هي ولدت أمسك الولد و لا يبيعه و يجعل له نصيبا من داره و ماله، و ليس هذه مثل تلك».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (2) عن عبد الحميد بن إسماعيل قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كانت له جارية يطؤها و هي تخرج في حوائجه فحبلت فخشي أن لا يكون منه، كيف يصنع؟ أ يبيع الجارية و الولد؟ قال: يبيع الجارية و لا يبيع الولد و لا يورثه من ميراثه شيئا».
و أنت خبير بأنه ليس في شيء من هذه الأخبار على تعددها دلالة على ما ذكره الشيخ من اشتراط حصول أمارة يغلب معها الظن بأنه ليس من المولى في ترتب ما ذكره من الأحكام التي جعلها حالة وسطى بين الولد و الأجنبي، و غاية ما تدل عليه الأخبار المذكورة هو حصول الزنا منها مع وطء المولى لها أو التهمة لها بالزنا، و أن هذه الأحكام مترتبة على ذلك، و فيه ما لا يخفى من الاشكال لما عرفت من الأخبار المتقدمة و أخبار القاعدة المشهورة من أن
«الولد للفراش
____________
(1) الكافي ج 5 ص 489 ح 2، الفقيه ج 4 ص 231 ح 3، التهذيب ج 8 ص 182 ح 59، الوسائل ج 14 ص 565 ح 3.
(2) الكافي ج 5 ص 489 ح 3، الفقيه ج 3 ص 230 ح 2 مع اختلاف يسير، التهذيب ج 8 ص 180 ح 54، الوسائل ج 14 ص 565 ح 4.
30
و للعاهر الحجر» (1).
و محل البحث أحد أفراد القاعدة و مقتضى جميع ذلك حرية الولد و إلحاقه بالأب.
قال في المسالك: القول المذكور للشيخ و أتباعه و أكثر الأصحاب استنادا إلى روايات كثيرة دالة بظاهرها على ذلك لكنها مختلفة الدلالة و الاسناد، و الواضح السند منها ليس بصريح في المطلوب، و الدال عليه الآخر ضعيف السند، و لكثرتها أعرضنا عن نقلها مضافا إلى مخالفتها للقواعد الشرعية، و الأخبار الصحيحة المتفق عليها (2) من أن «الولد للفراش و للعاهر الحجر» و أنه لا عبرة في الولد بمشابهة الأب أو غيره، و لأن الولد المذكور إن كان لاحقا به فهو حر وارث، و إلا فهو رق، فجعله طبقة ثالثا و قسما آخر ليس بجيد، و مقتضى النصوص أن الولد يملك الوصية و لا يملكه المولى و لا الوارث، و هي من خواص الحر، لكن عدم إلحاقه به ينافي ذلك، فالأقوى الاعراض عن مثل هذه الروايات، و الأخذ بالمجمع عليه من أن الولد للفراش حيث تجتمع شرائط إلحاقه به، انتهى.
أقول: و من أخبار المسألة ما رواه
في التهذيب (3) عن جعفر بن محمد بن إسماعيل ابن الخطاب «أنه كتب إليه يسأله عن ابن عم له كانت له جارية تخدمه و كان يطؤها، فدخل يوما إلى منزله فأصاب معها رجلا تحدثه فاستراب بها فهدد الجارية فأقرت أن الرجل فجر بها ثم إنها حبلت فأتت بولد، فكتب (عليه السلام): إن كان الولد لك أو فيه مشابهة منك فلا تبعهما فإن ذلك لا يحل لك، و إن كان الابن ليس منك و لا فيه مشابهة منك فبعه و بع أمه».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 491 ح 3، التهذيب ج 8 ص 169 ح 13، الوسائل ج 14 ص 568 ح 4.
(2) التهذيب ج 8 ص 169 ح 12 و 13، الوسائل ج 14 ص 568 ب 58 ح 3 و 4.
(3) التهذيب ج 8 ص 180 ح 55، الوسائل ج 14 ص 564 ح 4.
31
و عن يعقوب بن يزيد (1) في الصحيح قال: «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) في هذا العصر رجل وقع على جاريته، ثم شك في ولده، فكتب (عليه السلام): إن كان فيه مشابهة منه فهو ولده».
و أنت خبير بما عليه أخبار هذه المسألة من الاختلاف و الاضطراب بما لا يقبل الإصلاح و يزيل الارتياب، فجملة منها و هو أكثرها على الإلحاق بصاحب الفراش مع العلم بالزنا فضلا عن التهمة به، أعم من أن يظهر في الولد مشابهته له أم المشابهة للزاني أم لا، و جملة وافرة ظاهرة في أنه مع التهمة فضلا عن وقوع الزنا بالفعل يجعل للولد تلك الحالة الوسطى كما هو صريح أكثر هذه الأخبار الأخيرة، و نحوها مفهوم الأخبار المتقدمة في صدر المسألة كما أشرنا إليه ثمة، و هذان الخبران قد تضمنا أنه مع تحقق الزنا يرجع إلى مشابهة الولد لمولى الجارية و عدمها.
مع أن هنا جملة من الأخبار دالة بصريحها على أنه قد يخرج الولد على غاية من البعد عن الأب في اللون و نحوه من الأمور التي جعلوها منشأ للإلحاق به، و أنه ابنه حقيقة، و إن كنا لا نهتدي لأسباب عدم المشابهة و الاختلاف التام بينهما في الخلق و الخلق مثل ما رواه
في الكافي (2) عن عبد الله بن سنان عن بعض أصحابه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «أتى رجل من الأنصار رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: هذه ابنة عمي و امرأتي لا أعلم إلا خيرا و قد أتتني بولد شديد السواد منتشر المنخرين جعد قطط، أفطس الأنف، لا أعرف شبهه في أخوالي و لا في أجدادي، فقال لامرأته:
ما تقولين؟ قالت: لا و الذي بعثك بالحق نبيا ما أقعدت مقعده مني منذ ملكني أحدا غيره، قال: فنكس رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) برأسه مليا ثم رفع بصره إلى السماء ثم أقبل على الرجل فقال: يا هذا إنه ليس من أحد إلا بينه و بين آدم تسعة و تسعون عرقا كلها تضرب في النسب، فإذا وقعت النطفة في الرحم اضطربت تلك العروق
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 181 ح 56، الوسائل ج 14 ص 564 ح 4.
(2) الكافي ج 5 ص 561 ح 23، الوسائل ج 15 ص 218 ح 1.
32
تسأل الله لشبه لها، فهذا من تلك العروق التي لم يدركها أجدادك و لا أجداد أجدادك، خذ إليك ابنك، فقالت المرأة: فرجت عني يا رسول الله».
و ما رواه
في الكافي (1) عن ابن مسكان عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن رجلا أتى بامرأته إلى عمر فقال: إن امرأتي هذه سوداء و أنا أسود، و إنها ولدت غلاما أبيض، فقال لمن بحضرته: ما ترون؟ فقالوا: نرى أن ترجمها، فإنها سوداء و زوجها أسود و ولدها أبيض، قال: فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) و قد وجه بها لترجم فقال: ما حالكما؟ فحدثاه، فقال للأسود: أ تتهم امرأتك؟
فقال: لا، قال: فأتيتها و هي طامث؟ قال: قد قالت لي في ليلة من الليالي: إني طامث، فظننت أنها تتقي البرد فوقعت عليها، فقال للمرأة: هل أتاك و أنت طامث؟
قالت: نعم سله قد حرجت عليه و أبيت، قال: فانطلقا فإنه ابنكما و إنما غلب الدم النطفة فابيض، و لو قد تحرك اسود فلما أيفع اسود». (2).
و روى الصدوق في الفقيه (3) مرسلا قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله): من نعم الله عز و جل على الرجل أن يشبهه ولده».
قال: «و قال الصادق (عليه السلام): إن الله تبارك و تعالى إذا أراد أن يخلق خلقا جمع كل صورة بينه و بين آدم، ثم خلقه على صورة إحداهن، فلا يقولن أحد لولده هذا لا يشبهني و لا يشبه شيئا من آبائي».
أقول: و يمكن تفسير خبر العروق بهذا الخبر، و مقتضى ذينك الخبرين أنه لو كان الحاكم غير المعصومين (عليهم السلام) هو نفي الولد في هاتين الصورتين عن أبيه عملا بما دلا عليه، و هذان الخبران كما ترى على خلافهما، فكيف يصح أن يجعل ما اشتمل عليه قاعدة شرعية، و الحال كما عرفت.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 566 ح 46، الوسائل ج 15 ص 219 ح 2.
(2) أيفع الغلام فهو يافع: إذا شارف الاحتلام و لم يحتلم.
(3) الفقيه ج 3 ص 312 ح 22 و 23، الوسائل ج 15 ص 219 ح 3 و 4.
33
و يمكن الجمع بين الأخبار بحمل خبر جعفر بن محمد بن إسماعيل و صحيحة يعقوب بن يزيد على مورديهما، و أنها قضية في واقعة فلا تتعدى إلى غيرها.
و كيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال و إن كان الأقرب هو اللحوق بمن عنده الجارية، و ظاهر السيد السند في شرح النافع الميل إلى القول المشهور لصحة بعض أخباره حيث قال: و عذر المصنف في العمل بهذه الروايات واضح لصحة بعضها و اعتضادها بالبعض الآخر و عمل الأصحاب بها، و مع ذلك فالمسألة بمحل تردد، انتهى.
و فيه أن هذه الروايات (1) سيما ما اشتمل عليه أكثرها من التهمة لا يبلغ قوة المعارضة لما دلت عليه تلك الأخبار لكثرتها و صراحتها في اللحوق بصاحب الفراش، و لا يحضرني الآن مذهب العامة في هذه المسألة، فينبغي أن يراجع.
المسألة الثالثة: في وطء الشبهة
، قال في المسالك: لا خلاف في أن وطء
____________
(1) أقول: و مما يؤيد ما ذكرناه من عدم البناء على التهمة ما رواه
الصدوق في كتاب إكمال الدين و إتمام النعمة (إكمال الدين و إتمام النعمة ص 500 توقيع 25، الوسائل ج 15 ص 119 ب 19 ح 1) عن الحسين بن إسماعيل الكيدري عن أبى طاهر البلالي «قال: كتب جعفر بن حمدان فخرجت اليه هذه المسائل: استحللت بجارية و شرطت عليها أن لا أطلب ولدها و لم ألزمها منزلي، فلما أتى لذلك مدة قالت قد حبلت ثم أتت بولد ثم أنكرته- الى أن قال:- فخرج جوابها- يعنى عن صاحب الزمان (صلوات الله عليه).
و أما الرجل الذي استحل بالجارية و شرط عليها أن لا يطلب ولدها: فسبحان الله من لا شريك له في قدرته، شرطه على الجارية شرط على الله، هذا ما لا يؤمن أن يكون، و حيث عرض له في هذا شك، و ليس يعرف الوقت الذي أتاها، فليس ذلك يوجب البراءة من ولده».
أقول: مرجع كلام السائل إلى أنه شرط العزل عن الجارية، و مع هذا لم يلتزمها العزل فأتت بولد و الحال هذه و هو ظاهر في تهمتها و قد حكم (عليه السلام) بأن الولد له، و أن شكه و تهمته لها ليس بشيء، و أن اشتراط العزل كما قدمناه غير موجب لنفى الولد عنه.
(منه- (قدس سره)-).
34
الشبهة كالصحيح في لحوق أحكام النسب، انتهى.
أقول: و قد تقدم الكلام في تعريفه و بيان الخلاف في نشر حرمة المصاهرة به في الفصل الثاني في أسباب التحريم، و أما لحوق ولد الشبهة بالواطئ كما في النكاح الصحيح فيدل عليه مضافا إلى الإجماع المذكور جملة من الأخبار.
و منها
صحيحة جميل بن دراج (1) «في المرأة تزوج في عدتها: قال: يفرق بينهما و تعتد عدة واحدة منهما، فإن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للأخير، و إن جاءت بولد في أقل من ستة أشهر فهو للأول» هكذا في الفقيه.
و رواه
الكليني و الشيخ (2) في الضعيف عن جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) في المرأة. إلخ.
و ما رواه
في الكافي (3) عن زرارة في الموثق قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام)- إلى أن قال:- قلت: فإن تزوج امرأة ثم تزوج أمها و هو لا يعلم أنها أمها؟
قال: قد وضع الله عنه بجهالة لذلك، ثم قال: إذا علم أنها أمها فلا يقربها، و لا يقرب البنت حتى تنقضي عدة الام منه، فإذا انقضت عدة الام حل له نكاح البنت، قلت:
فإن جاءت الام بولد؟ قال: هو ولده و أخو امرأته».
و قد تقدم الكلام (4) في أنه لو وطأ أمة الغير بشبهة فولدت الحق الولد بالحر و عليه فكه بالقيمة لمولى الجارية على خلاف في ذلك.
و من أفراد نكاح الشبهة ما لو تزوج امرأة بظن أنها لا زوج لها بموت أو
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 301 ح 24 مع اختلاف يسير.
(2) لم نعثر عليه في الكافي، التهذيب ج 7 ص 309 ح 41، الوسائل ج 15 ص 117 ح 13.
(3) الكافي ج 5 ص 431 ح 4، الوسائل ج 14 ص 368 ب 26 ح 1 و فيه اختلاف يسير.
(4) تقدم ذلك في المسألة الرابعة من المطلب الأول من الفصل الرابع في أحكام الإماء.
(منه- (قدس سره)-).
35
طلاق، فظهر أنه لم يمت أو لم يطلق فإنها ترد على الأول بعد الاعتداد من الثاني، و ما أتت من الأولاد بعد تزويج الثاني يلحق بالثاني بالشرائط المتقدمة، هذا إذا كان التزويج بحكم الحاكم أو شهادة الشاهدين، لأن وطء الثاني يكون شبهة مسوغة للوطء و موجبة لإلحاق الولد، و ثبوت الاعتداد بعد ظهور الفساد، و أما لو كان التزويج وقع بالعمل بخبر من لا يثبت به الحكم شرعا كالواحد فإن كان لظن جواز التعويل عليه شرعا جهلا منهما بالحكم الشرعي فإنه شبهة أيضا، و إلا كان ذلك زنا فلا مهر و لا يلحق الولد بالواطئ و لا عدة عليها منه إلا على القول بوجوبها في الزنا مطلقا، و الظاهر أنه لا خلاف في هذه الأحكام، و عليها يدل أيضا جملة من الأخبار.
و منها ما رواه
المشايخ الثلاثة (1) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا نعي الرجل إلى أهله أو خبروها أنه طلقها فاعتدت ثم تزوجت فجاء زوجها الأول بعد فإن الأول أحق بها من هذا الآخر دخل بها الأول أو لم يدخل، و لها من الأخير المهر بما استحل من فرجها».
و زاد في الكافي و التهذيب «و ليس للآخر أن يتزوجها أبدا».
و روى هذا المضمون بعدة طرق في كتب الأخبار المشهورة، و قد تقدم الكلام في هذه المسألة مستوفى في الفصل الثاني.
المقام الثاني: في سنن الولادة و ما يستحب فعله بالمولود.
قالوا: و الواجب استبداد النساء بالمرأة عند الولادة دون الرجال إلا مع عدم النساء، و أما الزوج فلا بأس به و إن وجد النساء، و علل وجوب استبداد النساء بها بأن مثل ذلك يوجب سماع صوتها غالبا و الاطلاع على ما يحرم عليهم.
و فيه ما تقدم في غير موضع من عدم ثبوت تحريم سماع صوت الأجنبية
____________
(1) الكافي ج 6 ص 149 ح 1، الفقيه ج 3 ص 355 ح 3، التهذيب ج 7 ص 488 ح 169، الوسائل ج 14 ص 342 ب 16 ح 6 و ج 15 ص 466 ب 37 ح 1.
36
بل قيام الدليل على جوازه، نعم التعليل الثاني لا بأس به إن لزم ذلك، و الظاهر.
جواز ذلك للرجال المحارم إلا أن يستلزم المباشرة لما لا يجوز لهم المباشرة و نظر ما لا يجوز نظره، و مع الضرورة لتعذر النساء بالكلية يسقط البحث لأن الضرورات تبيح المحظورات كما يستفاد من جملة من الروايات، و كما صرحوا به من إباحة ذلك للطبيب في وقت الحاجة و لو إلى العورة، و هذا الوجوب في جميع المراتب كفائي يجب على كل من بلغه حالها من النساء إلى أن يحصل من يقوم به فيسقط عن الباقين، و هكذا في الرجال حيث تلجئ الضرورة إليهم.
و أما السنن التي أشرنا إليها (فمنها)
إخراج من في البيت من النساء وقت الولادة
، و هو حكم غريب لم أقف في كلام الأصحاب، و قد رواه
في الكافي و الفقيه (1) عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كان علي بن الحسين (عليه السلام) إذا حضرت ولادة المرأة قال: أخرجوا من في البيت من النساء لا يكون أول ناظر إلى عورة».
قال في الوافي (2): يعني لا يكون أول من ينظر إليه امرأة و يقع نظرها إلى عورته منه، فإنهن ينظرن أولا إلى عورته ليعلم أنه ذكر أو أنثى، بل ينبغي أن يقع عليه أولا نظر رجل و أن ينظر منه إلى غير عورة.
(و منها)
الأذان في اذن المولود اليمنى و الإقامة في اليسرى
، روى في الكافي (3) عن أبي يحيى الرازي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا ولد لكم المولود أي شيء تصنعون به؟ قلت: لا أدري ما نصنع به، قال: فخذ عدسة من جاوشير فذيفه بماء ثم قطر في أنفه في المنخر الأيمن قطرتين و في الأيسر قطرة واحدة، و أذن في اذنه
____________
(1) الكافي ج 6 ص 17 ح 1، الفقيه ج 3 ص 365 ح 28 و فيه «لا تكون المرأة أول ناظر الى عورته»، التهذيب ج 7 ص 436 ح 1، الوسائل ج 15 ص 119 ب 18 ح 1.
(2) الوافي ج 3 ص 200 ب 211 من أبواب النكاح.
(3) الكافي ج 6 ص 23 ح 1، التهذيب ج 7 ص 436 ح 2 و فيهما «فدفه»، الوسائل ج 15 ص 137 ب 35 ح 2.
37
اليمنى و أقم في اليسرى تفعل به ذلك قبل قطع سرته، فإنه لا يصرع أبدا و لا تصيبه أم الصبيان».
قوله «فخذ عدسة» أي مقدار عدسة.
و عن حفص الكناسي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «مروا القابلة أو بعض من يليه أن تقيم الصلاة في اذنه اليمنى».
و عن السكوني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): من ولد له مولود فليؤذن في اذنه اليمنى بأذان الصلاة و ليقم في اليسرى فإنه عصمة من الشيطان الرجيم».
و روى في الفقيه (3) مرسلا قال: «قال الصادق (عليه السلام): المولود إذا ولد يؤذن في اذنه اليمنى و يقام في اليسرى».
و الظاهر حمل رواية حفص على الرخصة.
(و منها)
تحنيكه بماء الفرات و تربة الحسين (عليه السلام)
قالوا: فإن لم يوجد ماء الفرات فبماء قراح، و لو لم يوجد إلا ماء ملح جعل فيه شيء من التمر أو العسل.
و الذي وقفت عليه من الأخبار هنا ما رواه
في الكافي (4) عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «يحنك المولود بماء الفرات و يقام في اذنه».
قال: و في رواية أخرى (5) «حنكوا أولادكم بماء الفرات و تربة الحسين (عليه السلام) و إن لم يكن فبماء السماء».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 23 ح 2، الوسائل ج 15 ص 137 ب 35 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 24 ح 6، التهذيب ج 7 ص 437 ح 6، الوسائل ج 15 ص 136 ب 35 ح 1.
(3) الفقيه ج 1 ص 195 ح 49، الوسائل ج 4 ص 672 ح 2.
(4) الكافي ج 6 ص 24 ح 3، التهذيب ج 7 ص 436 ح 3، الوسائل ج 15 ص 138 ح 2.
(5) الكافي ج 6 ص 24 ح 4، التهذيب ج 7 ص 436 ح 4، الوسائل ج 15 ص 138 ح 3.
38
و عن أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): حنكوا أولادكم بالتمر، هكذا فعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بالحسن و الحسين (عليهما السلام)».
و روى في كتاب عيون أخبار الرضا (2) بسنده فيه عن أم الرضا (عليه السلام) «تقول في حديث: لما وضعت ابني عليا دخل على أبوه موسى بن جعفر (عليه السلام) فناولته إياه في خرقة بيضاء فأذن في اذنه اليمنى و أقام في اليسرى و دعا بماء الفرات فحنكه به ثم رده إلى فقال: خذيه فإنه بقية الله في أرضه».
و في كتاب الفقه الرضوي (3) كما سيأتي نقل كلامه التحنيك بالعسل و هو مستند الأصحاب فيما قدمنا نقله عنهم. لكن الظاهر أنهم أخذوا ذلك من كلام الصدوقين اللذين من عادتهما الإفتاء بعبارات هذا الكتاب كما عرفته.
و روى في الفقيه (4) عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن علي بن الحسين (عليهم السلام) عن أسماء بنت عميس عن فاطمة (عليها السلام) «قالت: لما حملت بالحسين (عليه السلام) و ولدته جاء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: يا أسماء هلمي ابني، فدفعته إليه في خرقة صفراء فرمى بها النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أذن في اذنه اليمنى و أقام في اذنه اليسرى».
أقول: التحنيك إدخال ذلك إلى حنكه و هو أعلى داخل الفم، و أنت خبير بأن أكثر الأخبار اشتمل على استحباب الأذان في الاذن اليمنى و الإقامة في الاذن اليسرى و بعضها اشتمل على الإقامة في الاذن اليمنى خاصة، و الظاهر أنه محمول على الرخصة، و إن كان الأفضل الأول.
ثم إن المستفاد من هذه الأخبار هو استحباب التحنيك بماء الفرات، و هو
____________
(1) الكافي ج 6 ص 24 ح 5، التهذيب ج 7 ص 436 ح 5 و فيه «أبى بصير قال:
قال أمير المؤمنين»، الوسائل ج 15 ص 137 ح 1.
(2) عيون أخبار الرضا ج 1 ص 16 ح 2 ط النجف الأشرف، الوسائل ج 15 ص 138 ح 4.
(3) فقه الرضا ص 239.
(4) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 24 ح 5 ط النجف الأشرف، الوسائل ج 15 ص 138 ح 5.
39
النهر المشهور، و مع عدمه فبماء المطر، و الأصحاب ذكروا أنه مع عدمه فبماء عذب، و مع تعذره بأن كان مالحا يوضع فيه التمر أو العسل، و لم أقف فيه على نص، و الذي يقتضيه الجمع بين هذه الأخبار أنه يحنك بماء الفرات و إلا فبماء المطر يوضع فيه شيء من التربة و شيء من حلاوة التمر أو العسل فيحصل العمل بالجميع.
(و منها)
غسل المولود
، و قد تقدم الكلام فيه في كتاب الطهارة (1).
(و منها)
أن يسميه بأحد الأسماء المستحسنة
و أفضلها ما يتضمن العبودية لله و يليها في الفضل أسماء الأنبياء و الأئمة، كذا ذكره جملة من الأصحاب، منهم المحقق و العلامة.
أقول: ما ذكره من الأفضل ما تضمن العبودية لله و يليها في الفضل أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) لم نقف عليه فيما وصل إلينا من نصوص المسألة.
و منها ما رواه
في الكافي (2) عن ثعلبة بن ميمون عن رجل قد سماه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «أصدق الأسماء ما سمي بالعبودية و أفضلها أسماء الأنبياء».
و عن موسى بن بكر (3) عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: «أول ما يبر الرجل ولده أن يسميه باسم حسن، فليحسن أحدكم اسم ولده».
و عن عبد الله بن الحسين (4) بن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): استحسنوا أسماءكم فإنكم تدعون بها يوم القيامة، قم يا فلان بن فلان إلى نورك، قم يا فلان بن فلان لا نور لك».
____________
(1) ج 4 ص 189.
(2) الكافي ج 6 ص 18 ح 1، التهذيب ج 7 ص 438 ح 11 مع زيادة، الوسائل ج 15 ص 124 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 18 ح 3، التهذيب ج 7 ص 437 ح 9، الوسائل ج 15 ص 122 ب 22 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 19 ح 10، الوسائل ج 15 ص 122 ب 22 ح 2.
40
و عن أحمد (1) عن بعض أصحابنا عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يولد لنا ولد إلا سميناه محمدا، فإذا مضى سبعة أيام فإن شئنا غيرنا و إن شئنا تركنا».
و عن فلان بن حميد (2) «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) و شاوره في اسم ولده، فقال:
سمه بأسماء من العبودية، فقال: أي الأسماء هو؟ فقال: عبد الرحمن».
و عن عاصم الكوزي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: من ولد له أربعة أولاد لم يسم أحدهم باسمي فقد جفاني».
و عن سليمان بن جعفر الجعفري (4) قال: «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول:
لا يدخل الفقر بيتا فيه اسم محمد أو أحمد أو علي أو الحسن أو الحسين أو جعفر أو طالب أو عبد الله أو فاطمة من النساء».
و يستفاد من بعض الأخبار استحباب التسمية قبل الولادة و إلا فبعد الولادة حتى السقط،
فروى في الكافي (5) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): سموا أولادكم قبل أن يولدوا، فإن لم تدروا أذكر أم أنثى فسموهم بالأسماء التي تكون للذكر و الأنثى، فإن أسقاطكم إذا لقوكم في القيامة و لم تسموهم يقول السقط لأبيه ألا سميتني و قد سمى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) محسنا قبل أن يولد».
و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد (6) عن السندي بن محمد عن أبي البختري
____________
(1) الكافي ج 6 ص 18 ح 4، التهذيب ج 7 ص 437 ح 10، الوسائل ج 15 ص 125 ب 24 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 18 ح 5، الوسائل ج 15 ص 125 ب 23 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 19 ح 6، الوسائل ج 15 ص 126 ح 2.
(4) الكافي ج 6 ص 19 ح 8، التهذيب ج 7 ص 438 ح 12، الوسائل ج 15 ص 128 ب 26 ح 1.
(5) الكافي ج 6 ص 18 ح 2، الوسائل ج 15 ص 121 ح 1.
(6) قرب الاسناد ص 74، الوسائل ج 15 ص 122 ب 21 ح 2.
41
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): سموا أسقاطكم فإن الناس إذا دعوا يوم القيامة بأسمائهم تعلق الأسقاط بآبائهم فيقولون لم لم تسمونا؟ فقالوا:
يا رسول الله هذا من عرفنا أنه ذكر سميناه باسم الذكور و من عرفناه أنها أنثى سميناها باسم الإناث، أ رأيت من لم يستبن خلقه كيف نسميه؟ قال: بالأسماء المشتركة مثل زائدة و طلحة و عنبسة و حمزة.
أقول: الظاهر أن المراد منه ما اقتران بتاء التأنيث من أسماء الرجال فإنه صالح لكل منهما، و المستفاد من أكثر الأخبار كما سيأتي إن شاء الله تعالى في أخبار سنن اليوم السابع اختصاص استحباب التسمية باليوم السابع، و أكثر ما ذكرنا من الأخبار هنا مطلق لا منافاة فيه.
و إنما الإشكال في الخبرين الأخيرين، و الظاهر عندي في الجمع بين هذه الأخبار هو حمل استحباب التسمية قبل الولادة على التسمية بمحمد و أنه يستمر على هذه التسمية إلى اليوم السابع، فإن شاء استمر و إن شاء غير كما دل عليه الخبر المرسل المتقدم.
و أما السقط فإنه بعد ولادته سقطا يسميه بعد الولادة للعلة المذكورة في الخبر، و يكون هذا مستثنى من أخبار المسألة، ثم في اليوم السابع يستحب له التسمية بما شاء كما دلت عليه تلك الأخبار إن أراد التغيير عن اسم محمد الذي قلنا أنه يستحب تسميته به قبل الولادة.
(و منها)
تكنيته
، إلا أن منها ما يستحب و منها ما يكره، و الكنية- بضم الكاف- من الأعلام ما صدر بأب أو أم، و من الأخبار الدالة على ذلك ما رواه
في الكافي (1) عن معمر بن خثيم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال فيه: قال: «إنا لنكني أولادنا في صغرهم مخالفة النبز أن يلحق بهم».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 19 ح 11، التهذيب ج 7 ص 438 ح 14، الوسائل ج 15 ص 129 ب 27 ح 1.
42
أقول: فيه إشارة إلى قوله تعالى «وَ لٰا تَنٰابَزُوا بِالْأَلْقٰابِ» (1) و المراد بالنبز اللقب السوء.
و روى في الكافي (2) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من السنة و البر أن يكنى الرجل باسم ابنه».
و عن السكوني (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) نهى عن أربع كنى عن أبي عيسى و عن أبي الحكم و عن أبي مالك و عن أبي القاسم إذا كان الاسم محمدا».
و عن زرارة (4) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن رجلا كان يعشي علي ابن الحسين (عليه السلام) كان يكنى أبا مرة، و كان إذا استأذن عليه يقول: أبو مرة بالباب، فقال له علي بن الحسين (عليهما السلام): يا هذا إذا جئت بابنا فلا تقولن أبو مرة.
(و منها)
أن لا يسمى ببعض الأسماء
كما رواه
في الكافي (5) عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) دعا بصحيفة حين حضره الموت يريد أن ينهى عن أسماء يسمى بها فقبض و لم يسمها، منها: الحكم و حكيم و خالد و مالك و ذكر أنها ستة أو سبعة مما لا يجوز أن يسمى بها».
و عن محمد بن مسلم (6) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن أبغض الأسماء إلى الله حارث و مالك و خالد».
____________
(1) سورة الحجرات- آية 11.
(2) الكافي ج 2 ص 162 ح 16، الوسائل ج 15 ص 129 ب 27 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 21 ح 15، التهذيب ج 7 ص 439 ح 16، الوسائل ج 15 ص 131 ب 29 ح 2.
(4) الكافي ج 6 ص 21 ح 17، الوسائل ج 15 ص 131 ب 29 ح 1.
(5) الكافي ج 6 ص 20 ح 14، التهذيب ج 7 ص 439 ح 15 و فيه «حماد عن الحلبي» الوسائل ج 15 ص 130 ح 1.
(6) الكافي ج 6 ص 21 ح 16، التهذيب ج 7 ص 439 ح 17، الوسائل ج 15 ص 130 ح 2.
43
و عن صفوان (1) رفعه عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) قال: «هذا محمد قد أذن لهم في التسمية به، فمن أذن لهم في «ياسين» يعني التسمية به، و هو اسم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)».
و روى الصدوق في الخصال (2) عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ألا إن خير الأسماء عبد الله و عبد الرحمن و حارثة و همام، و شر الأسماء ضرار و مرة و حرب و ظالم».
قال في المسالك (3)- بعد أن ذكر المصنف أن من جملة الأسماء المنهي عن التسمية به ضرارا- ما صورته: و ليس في الأخبار تصريح بالنهي عن ضرار بخصوصه، و لكنه من الأسماء المنكرة، و هو غفلة منه عن الاطلاع على هذا الخبر حيث إنه ليس في الكتب الأربعة.
و روى الكشي في كتاب الرجال (4) عن علي بن عنبسة قال: «قال أبو عبد الله لعبد الله بن أعين: كيف سميت ابنك ضريسا؟ قال: كيف سماك أبوك جعفرا؟ قال:
إن جعفرا نهر في الجنة، و ضريس اسم شيطان».
(و منها)
سنن اليوم السابع من ولادته
، و هي ما رواه
في الكافي (5) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المولود قال: يسمى في اليوم السابع و يعق عنه و يحلق رأسه و يتصدق بوزن شعره فضة، و يبعث إلى القابلة بالرجل مع الورك و يطعم منه و يتصدق».
و عن أبي بصير (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا ولد لك غلام أو جارية فعق
____________
(1) الكافي ج 6 ص 20 ح 13، الوسائل ج 15 ص 130 ح 3.
(2) الخصال ص 250 ح 118، الوسائل ج 15 ص 131 ح 5.
(3) مسالك الافهام ج 1 ص 578.
(4) الكشي ص 117، الوسائل ج 15 ص 131 ح 6.
(5) الكافي ج 6 ص 29 ح 10، الوسائل ج 15 ص 149 ح 1.
(6) الكافي ج 6 ص 28 ح 7، الوسائل ج 15 ص 151 ح 7.
44
عنه يوم السابع شاة أو جزورا و كل منهما و أطعم و سم و احلق رأسه يوم السابع و تصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة و أعط القابلة طائقا من ذلك، فأي ذلك فعلت فقد أجزأك».
أقول: الظاهر أن المراد بقوله «أي ذلك» بالنسبة إلى ما خير فيه من الشاة أو الجزور و الفضة أو الذهب.
و عن أبي الصباح الكناني (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصبي المولود متى يذبح عنه و يحلق رأسه و يتصدق بوزن شعره و يسمى؟ قال: كل ذلك في يوم السابع».
و عن عمار بن موسى (2) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن العقيقة عن المولود و كيف هي؟ قال: إذا أتى للمولود سبعة أيام سمي بالاسم الذي سماه الله، ثم يحلق رأسه و يتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة، و يذبح عنه كبش، و إن لم يوجد كبش أجزأه ما يجزي في الأضحية، و إلا فحمل أعظم ما يكون من حملان السنة، و يعطي القابلة ربعها، و إن لم تكن قابلة فلأمه، تعطيها من شاءت و تطعم منه عشرة من المسلمين، فإن زادوا فهو أفضل و تأكل منه، و العقيقة لازمة إن كان غنيا أو فقيرا إذا أيسر فعل، و إن لم يعق عنه حتى ضحي عنه فقد أجزأته الأضحية، و قال: إن كانت القابلة يهودية لا تأكل من ذبيحة المسلمين أعطيت قيمة ربع الكبش».
، و في الفقيه «فإن زاد فهو أفضل» و ليس فيه «و تأكل منه» و في نسخ التهذيب «و لا تأكل منه».
و قال في كتاب الفقيه الرضوي (3) «فإذا ولد فأذن في اذنه الأيمن و أقم
____________
(1) الكافي ج 6 ص 28 ح 8، الوسائل ج 15 ص 150 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 28 ح 9، التهذيب ج 7 ص 443 ح 35، الوسائل ج 15 ص 150 ح 4.
(3) فقه الرضا ص 239 مع اختلاف يسير.
45
في اذنه الأيسر و حنكه بماء الفرات إن قدرت عليه أو بالعسل ساعة يولد، و سمه بأحسن الاسم، و كنه بأحسن الكنى، و لا يكنى بأبي عيسى و لا بأبي الحكم و لا بأبي الحارث و لا بأبي القاسم إذا كان الاسم محمدا، و سمه اليوم السابع، و اختنه، و اثقب اذنه و احلق رأسه، و زن شعره بعد ما تحلقه بفضة أو بالذهب و تصدق بها و عق عنه كل ذلك يوم السابع».
ثم ذكر أحكام العقيقة كما سننقله كملا في موضعه إن شاء الله تعالى.
و ظاهر بعض الأخبار أنه لو لم يحلق في اليوم السابع سقط الاستحباب،
رواه الكليني (1) في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن مولود يحلق رأسه بعد يوم السابع، فقال: إذا مضى سبعة أيام فليس عليه حلق».
(و منها)
حلق الرأس كملا
فلا يترك له قنازع فإنه مكروه كما تكاثرت به الأخبار،
فروى في الكافي (2) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تحلقوا الصبيان القزع، و القزع أن يحلق موضعا و يدع موضعا».
قال في الوافي (3): و في بعض النسخ «لا تخلفوا الصبيان»- بالخاء المعجمة و الفاء- و النسخة الأولى تكون على حذف مضاف، أي لا تحلقوا الصبيان حلق القزع، و القزع- بالتحريك- قطع من السحاب واحدها قزعة سمي حلق بعض رأس الصبي و ترك بعضه في مواضع متعددة القزع تشبيها بقطع السحاب المتفرقة، و يقال: القنازع أيضا كما في بعض الأخبار الآتية إن شاء الله، و واحدتها قنزعة بضم القاف و الزاي و فتحهما و كسرهما.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 38 ح 1، التهذيب ج 7 ص 446 ح 50 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 169 ب 60 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 40 ح 1، التهذيب ج 7 ص 447 ح 54، الوسائل ج 15 ص 173 ب 66 ح 1 مع اختلاف يسير.
(3) الوافي ج 3 ص 206 ب 218.
46
و روى في الكافي (1) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «اتي النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بصبي يدعو له و له قنازع فأبى أن يدعو له، و أمر أن يحلق رأسه».
و ربما نافى ما ورد في الكراهة في هذين الخبرين ما روي من ثبوت القنازع للحسن و الحسين (عليهما السلام) كما رواه
في الكافي (2) عن الحسين بن خالد قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن التهنئة بالولد متى؟ قال: إنه لما ولد الحسن بن علي (عليه السلام) هبط جبرئيل بالتهنئة على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في اليوم السابع و أمره أن يسميه و يكنيه و يحلق رأسه و يعق عنه و يثقب اذنه، و كذلك كان حين ولد الحسين (عليه السلام) أتاه في اليوم السابع فأمره بمثل ذلك، قال: و كان لهما ذؤابتان في القرن الأيسر و كان الثقب في الاذن اليمنى في شحمة الاذن، و في اليسرى في أعلى الأذن، فالقرط في اليمنى و الشنف في اليسرى»-.
قال في الكافي (3):- «و قد روي أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ترك لهما ذؤابتين في وسط الرأس و هو أصح من القرن».
و قد ذكر بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين للجمع بين هذا الخبر و ما قبله وجوها لا تخلو من التكلف و البعد، و الأقرب أن يقال في ذلك إن الأخبار الدالة على الكراهة مخصوصة بما إذا كان ما يترك بغير حلق في مواضع متفرقة، لا في موضع واحد، و يؤيده أن ظاهر كلام أهل اللغة تخصيص اسم القنازع بما إذا كان كذلك، و ما ذكر في خبر الحسن و الحسين (عليهما السلام) إنما هو في موضع واحد.
قال في النهاية الأثيرية (4) في الحديث أنه نهى عن القنازع و هو أن
____________
(1) الكافي ج 6 ص 40 ح 3، التهذيب ج 7 ص 447 ح 55، الوسائل ج 15 ص 174 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 33 ح 6، الوسائل ج 15 ص 159 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 34 ذيل ح 6، الوسائل ج 15 ص 174 ح 5.
(4) النهاية لابن الأثير ج 4 ص 112.
47
يؤخذ بعض الشعر و يترك منه مواضع متفرقة لا يؤخذ كالقزع.
و قال في القاموس (1): و أما نهي النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن القنازع فهو أن يؤخذ الشعر و يترك منه مواضع.
إلا أنه ربما أشكل ذلك بما رواه
في الكافي (2) عن القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه كان يكره القزع في رؤوس الصبيان، و ذكر أنه القزع أن يحلق الرأس إلا قليلا و يترك وسط الرأس يسمى القزعة».
و في بعض النسخ حذف قوله «و يترك» و بذلك يظهر بقاء المسألة في زاوية الإشكال إلا أن يقال باختصاص ذلك بهما (عليهما السلام).
(و منها)
ثقب الاذن
، و استحبابه متفق عليه بين الأصحاب و يدل عليه جملة من الأخبار منها ما تقدم في حديث الحسن و الحسين (عليهما السلام) (3) و ما تقدم من كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه (4) و ما رواه
في الكافي (5) عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن ثقب اذن الغلام من السنة، و ختانه لسبعة أيام من السنة».
و عن عبد الله بن سنان (6) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن ثقب اذن الغلام من السنة و ختان الغلام من السنة».
و ما رواه
الصدوق (7) عن السكوني قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): يا فاطمة اثقبي أذني الحسن و الحسين (عليهما السلام) خلافا لليهود».
و نقل عن بعض العامة تحريمه لما
____________
(1) القاموس المحيط ج 3 ص 75.
(2) الكافي ج 6 ص 40 ح 2، الوسائل ج 15 ص 174 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 33 ح 6، الوسائل ج 15 ص 159 ح 2.
(4) فقه الرضا ص 239.
(5) الكافي ج 6 ص 35 ذيل ح 1، الوسائل ج 15 ص 159 ح 1.
(6) الكافي ج 6 ص 36 ح 5، الوسائل ج 15 ص 160 ح 3 و ليس فيهما «ان».
(7) الفقيه ج 3 ص 316 ح 22، الوسائل ج 15 ص 160 ح 4.
48
فيه من تأليم الولد و إنه أذى لم يؤذن فيه.
و فيه أن الاذن قد ظهر من هذه الأخبار، و استمرت عليه سيرة الناس في سائر الأعصار و الأمصار، قال في المسالك (1)- بعد الاستدلال برواية الحسين ابن خالد و نقل كلام هذا البعض من العامة- ما لفظه: فإن صح حديثنا أو جبرته الشهرة فهو الاذن، و إلا فما قال موجه.
و فيه أن صحيحة عبد الله بن سنان قد صرحت به، و لكنه لم يقف عليها، و إلا لذكرها و لم يتعرض لهذا الكلام.
بقي الكلام في أن ظاهر إطلاق كلام الأصحاب حصول السنة بثقب اذن واحدة، و هو ظاهر إطلاق رواية مسعدة بن صدقة و صحيحة عبد الله بن سنان و صريح روايتي الحسين بن خالد و السكوني الواردتين في الحسنين (عليهما السلام) حصول ذلك في الأذنين، و الظاهر حمل إطلاق ما عداهما عليهما فيكون السنة في ثقب الأذنين، و لم أقف على من تعرض لذلك من الأصحاب.
(و منها)
الختان
، و عده الأصحاب من مستحبات اليوم السابع أيضا، و قد تقدم ما يدل عليه.
و يدل عليه أيضا ما رواه
في الكافي (2) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «اختنوا أولادكم لسبعة أيام فإنه أطهر و أسرع لنبات اللحم و إن الأرض لتكره بول الأغلف».
و نحوه ما تقدم في حديث مسعدة بن صدقة.
و عن السكوني (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): طهروا
____________
(1) مسالك الافهام ج 1 ص 578.
(2) الكافي ج 6 ص 34 ح 1، التهذيب ج 7 ص 444 ح 41، الوسائل ج 15 ص 161 ج 5 و ما في المصادر «عن مسعدة بن صدقة» و هناك رواية عن السكوني قريبة منها بالمعنى نقلها: الكافي ج 6 ص 35 ح 2، التهذيب ج 7 ص 445 ح 42، الوسائل ج 15 ص 161 ح 4.
(3) الكافي ج 6 ص 35 ح 2، الوسائل ج 15 ص 361 ح 4.
49
أولادكم يوم السابع فإنه أطيب و أطهر و أسرع لنبات اللحم، و إن الأرض تنجس من بول الأغلف أربعين صباحا».
و عن عبد الله بن جعفر (1) في الصحيح «أنه كتب إلى أبي محمد علي بن الحسن (عليه السلام) أنه روى عن الصادقين أن اختنوا أولادكم يوم السابع يطهروا، و أن الأرض تضج إلى الله من بول الأغلف، و ليس جعلت فداك لحجامي بلدنا حذق بذلك، و لا يختنونه يوم السابع و عندنا حجام اليهود، فهل يجوز لليهود أن يختنوا أولاد المسلمين أم لا؟ فوقع (عليه السلام): السنة يوم السابع فلا تخالفوا السنن إن شاء الله».
و عن علي بن يقطين (2) في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ختان الصبي لسبعة أيام من السنة هو أو يؤخر، و أيهما أفضل؟ قال: لسبعة أيام من السنة و إن أخر فلا بأس».
و عن المغيرة (3) عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المولود يعق عنه و يختن لسبعة أيام».
[تنبيهات]
إذا تقرر ذلك فاعلم أن تمام تحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مواضع:
الأول [في وجوب الاختتان بعد البلوغ]
لا خلاف بين علماء الإسلام، كما ادعاه جملة من الأعلام في أنه يجب الاختتان بعد البلوغ، و إنما الخلاف فيما قبله، فذهب الأكثر إلى أنه كغيره من التكاليف التي لا تجب إلا بالبلوغ، و الأصل براءة ذمة الولي من هذا التكليف، و نقل عن العلامة في التحرير أنه قال: و لا يجوز تأخيره إلى البلوغ.
قال السيد السند في شرح النافع: و ربما كان مستنده الروايات المتضمنة لأمر الولي بذلك، و هو ضعيف للتصريح في صحيحة علي بن يقطين بأنه لا بأس
____________
(1) الكافي ج 6 ص 35 ح 3، الوسائل ج 15 ص 160 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 36 ح 7، التهذيب ج 7 ص 445 ح 44، الوسائل ج 15 ص 165 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 36 ح 9، الوسائل ج 15 ص 165 ح 2.
50
بالتأخير، انتهى.
و فيه أن الظاهر من الصحيحة المذكورة إنما هو أنه لا بأس بالتأخير عن السابع، بمعنى أنه لا يتحتم له فعله وجوبا أو استحبابا في اليوم السابع بل يجوز التأخير عنه، و القائل بالوجوب إنما أراد به الوجوب الموسع إلى ما قبل البلوغ فيتضيق حينئذ، و على هذا فلا تكون الرواية منافية لتلك الأخبار التي استند إليها ذلك القائل بالوجوب، و ليس المراد أنه لا بأس بالتأخير إلى البلوغ ليتم ما ذكره.
نعم يمكن الاستدلال على الاستحباب بالأخبار الدالة على أنه من السنن.
مثل ما رواه
في الكافي (1) عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ختان الغلام من السنة و خفض الجواري ليس من السنة».
و ما تقدم في
رواية مسعدة بن صدقة (2) من قوله (عليه السلام) «ثقب اذن الغلام من السنة، و ختانه لسبعة أيام من السنة».
فجعله في قرن ثقب الاذن ظاهر في كونه مثله في الاستحباب، إلا أن باب المناقشة غير مسدود، و ظاهر المحقق في الشرائع (3) الميل إلى هذا القول أيضا حيث قال: و أما الختان فمستحب يوم السابع، و لو أخر جاز، و لو بلغ و لم يختن وجب أن يختن نفسه، و الختان واجب و خفض الجواري مستحب.
قال في المسالك (4)- بعد أن ذكر أنه هل أول وقت وجوبه قبل التكليف بحيث إذا بلغ الصبي يكون قد اختتن قبله و لو بقليل، أم لا يجب إلا بعد البلوغ كغيره من التكليفات المتعلقة بالمكلف- ما صورته: يظهر من عبارة المصنف الأول، لإطلاق حكمه عليه بالوجوب و لا ينافيه حكمه باستحبابه يوم السابع، لأن الوجوب على هذا القول موسع من حين الولادة إلى أن يقرب التكليف، و على
____________
(1) الكافي ج 6 ص 37 ح 2، الوسائل ج 15 ص 167 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 35 ح 1، الوسائل ج 15 ص 159 ح 1.
(3) شرائع الإسلام ص 175.
(4) مسالك الافهام ج 1 ص 578.
51
هذا فيكون فعله يوم السابع أفضل أفراد الواجب، و لأجل ذلك أطلق عليه الاستحباب كما يقال: يستحب صلاة الفريضة في أول وقتها، و على هذا فيكون الوجوب متعلقا بالولي فإن لم يفعل إلى أن بلغ الصبي أثم، و تعلق الوجوب حينئذ بالصبي، و بهذا القول صرح في التحرير، انتهى.
أقول: ما ذكره جيد، إلا أنه لا يتحتم حمل العبارة المذكورة عليه بحيث لا يمكن احتمال غيره، إذ من الجائز أن يكون قوله «و الختان واجب» و هو الذي أشار إليه بقوله «لإطلاق حكمه عليه بالوجوب» إنما هو بالنسبة إلى ما بعد البلوغ، فإنه لما ذكر أولا أن الختان مستحب يوم السابع و لو أخر جاز، و علم منه استحباب الختان بعد الولادة و أن الفضل في اليوم السابع ذكر حكم الختان بعد البلوغ بقوله «و لو بلغ و لم يختن وجب عليه أن يختن نفسه» و قوله «و الختان واجب» يعني بعد البلوغ.
و بالجملة فإن هذه الجملة متعلقة بما قبلها مما يدل على وجوبه بعد البلوغ و لا ارتباط لها بصدر العبارة الدالة على استحبابه بعد الولادة. و كيف كان فالظاهر هو القول المشهور، فإن التمسك بالأصل أقوى متمسك حتى يقوم دليل واضح على الخروج عنه، و الأمر في الروايات المتقدمة غير ظاهر في الوجوب سيما بالنظر إلى تلك التعليلات التي اشتملت عليها تلك الأخبار، فإنها بالحمل على الاستحباب أنسب كما وقع نحوه في غير هذه المسألة.
قال في المسالك (1)- في تعليل قول المشهور-: و وجه الثاني أن الختان شرط في صحة الصلاة و نحوها من العبادات، فلا يجب إلا مع وجوب المشروط، و لو سلم أنه واجب لنفسه فمتعلقه المكلف و الأصل براءة ذمة الولي من فعله، و الأمر قبل البلوغ محمول على الاستحباب، انتهى.
أقول: أما ما ذكره من أن الختان شرط في صحة الصلاة فلا يحضرني دليل يدل عليه و لا نص يوجب المصير إليه، و استدل بعضهم على ذلك بنجاسة الجلدة
____________
(1) مسالك الافهام ج 1 ص 578.
52
الساترة فإنها لوجوب قطعها في حكم الميتة، و ضعفه أظهر من أن يخفى. نعم ما ذكره بعد ذلك جيد كما أشرنا إليه.
الثاني [في استحباب الخفض بالنسبة إلى النساء]
لا خلاف بين الأصحاب في استحباب ذلك في النساء، و ليس بواجب إجماعا، و يعبر عنه بالخفض بالنسبة إلى النساء و الختان بالنسبة إلى الرجال.
فروى في الكافي (1) عن عبد الله بن سنان في الصحيح قال: «ختان الغلام من السنة و خفض الجواري ليس من السنة».
و عن السكوني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «خفض النساء مكرمة، ليست من السنة و لا شيئا واجبا، و أي شيء أفضل من المكرمة».
قال بعض مشايخنا:
مكرمة أي موجبة لحسنها و كرامتها عند زوجها، و المعنى ليست من السنن بل من التطوعات. أقول: و يؤيده ما يأتي إن شاء الله تعالى في حديث أم حبيب.
و عن عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الختان سنة في الرجال و مكرمة في النساء».
و عن أبي بصير (4) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجارية تسبى من أرض الشرك فتسلم فتطلب لها من يخفضها، فلا تقدر على امرأة؟ فقال: إنما السنة في الختان على الرجال، و ليس على النساء».
و روى الفقيه (5) عن غياث بن إبراهيم عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) قال: «
____________
(1) الكافي ج 6 ص 37 ح 2، الوسائل ج 15 ص 167 ح 2 و فيه «و خفض الجارية».
(2) الكافي ج 6 ص 37 ح 3، التهذيب ج 7 ص 445 ح 46 و فيه «خفض الجواري»، الوسائل ج 15 ص 167 ح 3 و ما في المصادر «عن مسعدة بن صدقة».
(3) الكافي ج 6 ص 37 ح 4، التهذيب ج 7 ص 445 ح 47، الوسائل ج 15 ص 168 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 37 ح 1، التهذيب ج 7 ص 446 ح 48 و فيه «و ليست»، الوسائل ج 15 ص 166 ب 56 ح 1.
(5) الفقيه ج 3 ص 314 ح 16، الوسائل ج 15 ص 163 ح 8.
53
قال علي (عليه السلام): لا بأس أن لا تختن المرأة، فأما الرجل فلا بد منه».
و روى الشيخ في التهذيب (1) عن وهب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: «لا تخفض الجارية حتى تبلغ سبع سنين».
و في هذا الخبر دلالة على أن وقت الخفض في النساء بلوغ السبع و في الذكور اليوم السابع.
و روى محمد بن مسلم (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لما هاجرت النساء إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) هاجرت فيهن امرأة يقال لها أم حبيب، و كانت خافضة تخفض الجواري، فلما رآها رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال لها: يا أم حبيب العمل الذي كان في يدك هو في يدك اليوم؟ قالت: نعم يا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إلا أن يكون حراما فتنهاني عنه، فقال: لا، بل حلال فادني مني حتى أعلمك، قالت: فدنوت منه فقال: يا أم حبيب إذا أنت فعلت فلا تهتكي- أي لا تستأصلي- فإنه أشرق للوجه و أحظى عند الزوج» الحديث.
و بالجملة فالحكم للذكر و الأنثى معلوم كما عرفت، و إنما يبقى الكلام في الخنثى، قال في المسالك (3): و أما الخنثى فإن الحق بأحدهما لحقه حكمه، و إن أشكل أمره ففي وجوبه في حقه و توقف صحة صلاته عليه وجهان: من الشك في ذكوريته التي هي مناط الوجوب، معتضدا بأصالة البراءة، و لاشتماله على تأليم من لا يعلم وجوبه عليه، و من انحصار أمره فيهما، فلا يحصل اليقين بصحة العبادة بدونه، و لأنه مأخوذ بمراعاة الجانبين حيث يمكن، و لدخوله في عموم
قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «الختان من الفطرة الحنفية».
و قولهم (عليهم السلام) (4) «اختنوا أولادكم
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 360 ح 154، الوسائل ج 12 ص 93 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 38 ح 6، التهذيب ج 7 ص 446 ح 49، الوسائل ج 6 ص 360 ح 156 و ج 12 ص 92 ح 1 و فيه اختلاف يسير.
(3) مسالك الافهام ج 1 ص 579.
(4) الكافي ج 6 ص 35 ح 3، الفقيه ج 3 ص 314 ح 17، الوسائل ج 15 ص 160 ح 1.
54
يوم السابع يطهروا».
لأن لفظ الأولاد يشمل الجميع خرج منه الإناث بدليل من خارج فيبقى الباقي، و لا ريب أن هذا أولى، انتهى.
أقول: أما التعليل بتوقف صحة الصلاة عليه فعليل، لما عرفت من عدم قيام دليل عليه، و إن اشتهر ذلك بينهم.
و أما التمسك بإطلاق هذه الأخبار ففيه أن إطلاق الأخبار إنما ينصرف إلى الافراد المتكررة المتعارفة، فإنها هي التي ينصرف إليها الإطلاق دون الفروض النادرة التي ربما لا توجد إلا فرضا، و مع تسليم شموله لها فإنه يجب تخصيصه بما دل من الأخبار على اختصاص ذلك بالذكر من الأولاد دون الإناث، و الخنثى ليست بذكر، و بالجملة فالظاهر إنما هو الوجه الأول من كلامه.
الثالث [عدم الدليل على وجوب الختان على البالغ إلا الإجماع]
قد عرفت أنه قد ادعى الإجماع من علمائنا الأعلام على وجوب الختان على البالغ، و لا أعرف لهم دليلا واضحا و لا معتمدا صريحا غير هذا الإجماع المدعى، مع أن أكثر النصوص مصرح بالاستحباب، و ها أنا أتلو عليك ما وقفت عليه من الأخبار في هذا الباب.
فمنها ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن هشام بن سالم عن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من الحنيفية الختان».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من سنن المرسلين الاستنجاء و الختان».
و قد تقدم قريبا
في رواية عبد الله بن سنان (3) «أن الختان سنة في الرجال و مكرمة في النساء».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 36 ح 8، الوسائل ج 15 ص 161 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 36 ح 6، التهذيب ج 7 ص 445 ح 43، الوسائل ج 15 ص 161 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 37 ح 4، الوسائل ج 15 ص 168 ح 1.
55
و في رواية أبي بصير (1) «إنما السنة في الختان على الرجال و ليس على النساء».
و في تفسير العياشي (2) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ما أبقت السنة شيئا حتى أن منها قص الشارب و الأظفار و الأخذ من الشارب و الختان».
و عن طلحة بن زيد (3) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إن الله عز و جل بعث خليله بالحنيفية و أمره بأخذ الشارب و قص الأظفار و نتف الإبط و حلق العانة و الختان».
و لا يخفى أن عد الختان في قرن هذه الأشياء المتفق على استحبابها قرينة ظاهرة في الاستحباب.
و روى في الكافي (4) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا أسلم الرجل اختتن و لو بلغ ثمانين سنة».
و روى في كتاب عيون أخبار الرضا (5) بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) «أنه كتب إلى المأمون: و الختان سنة واجبة للرجال و مكرمة للنساء».
و هذان الخبران أقصى ما ربما يتوهم منه الدلالة على الوجوب، و قيام الحمل على تأكد الاستحباب أقرب قريب. و بالجملة فإنه لا دليل في الأخبار يعتمد عليه، و إنما العمدة هو الإجماع المدعى.
الرابع [في استحباب الدعاء وقت ختن الصبي]
و يستحب الدعاء وقت ختن الصبي بما رواه
في الفقيه (6) عن مرازم بن حكيم
____________
(1) الكافي ج 6 ص 37 ح 1، الوسائل ج 15 ص 166 ب 56 ح 1.
(2) تفسير العياشي ج 1 ص 61 ح 104، الوسائل ج 15 ص 163 ح 10.
(3) تفسير العياشي ج 1 ص 388 ح 145، الوسائل ج 15 ص 163 ح 11.
(4) الكافي ج 6 ص 37 ح 10، التهذيب ج 7 ص 445 ح 45، الوسائل ج 15 ص 166 ب 55 ح 1.
(5) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 123 ط النجف الأشرف، الوسائل ج 15 ص 163 ح 9.
(6) الفقيه ج 3 ص 315 ح 18، الوسائل ج 15 ص 169 ب 59 ح 1.
56
عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الصبي إذا ختن قال: يقول: اللهم هذه سنتك و سنة نبيك صلواتك عليه و آله و اتباع منا لك و لنبيك بمشيتك و بإرادتك و قضائك لأمر أردته و قضاء حتمته و أمر أنفذته فأذقته حر الحديد في ختانه و حجامته لأمر أنت أعرف به مني، اللهم فطهره من الذنوب و زد في عمره و ادفع الآفات عن بدنه و الأوجاع عن جسمه، و زده من الغنى و ادفع عنه الفقر فإنك تعلم و لا نعلم» قال أبو عبد الله (عليه السلام): أي رجل لم يقلها عند ختان ولده فليقلها عليه من قبل أن يحتلم، فإن قالها كفى حر الحديد من قتل أو غيره».
(و منها)
العقيقة
، و قد تقدم ذكرها في سنن يوم السابع إلا أنها لكثرة ما يتعلق بها من الأحكام حسن إفرادها بالذكر، و أصل العقيقة على ما يفهم من كلام أهل اللغة الشعر الذي يخرج به المولود آدميا كان أو غيره من بطن أمه، و يقال: بمعنى الشق.
قال في المصباح المنير (1): عق عن ولده عقا من باب قتل، و الاسم العقيقة و هي الشاة التي تذبح يوم الأسبوع، و يقال للشعر الذي يولد عليه المولود من آدمي و غيره عقيقة، و عق بالكسر، يقال: أصل العق الشق، يقال: عق ثوبه كما يقال: شق ثوبه، بمعناه، و منه يقال: عن الولد أباه عقوقا- من باب قعد- إذا عصاه و ترك الإحسان إليه. انتهى، و مثله كلام غيره، و كأن الشعر الذي يولد عليه المولود سمي بالعقيقة، لأنه يحلق عنه ثم قيل للذبيحة التي تذبح لأنه يشق حلقومها.
قال الهروي في كتاب الغريبين: و العق في الأصل الشق و القطع، و سمي الشعر الذي يخرج على المولود من بطن امه و هو عليه عقيقة لأنها إن كانت على إنسي حلقت و إن كانت على بهيمة نسلتها، و قيل للذبيحة عقيقة لأنها يشق حلقومها، ثم قيل للشعر الذي ينبت بعد ذلك الشعر عقيقة على جهة الاستعارة، انتهى.
____________
(1) المصباح المنير ص 577 و فيه اختلاف يسير.
57
[فوائد]
و كيف كان فتحقيق الكلام فيها يقع في مواضع:
الأول [اختلاف الأصحاب في وجوبها و استحبابها]
اختلف الأصحاب في وجوبها و استحبابها، و المشهور الثاني و إلى الأول ذهب المرتضى و ابن الجنيد ادعى إليه في الانتصار إجماع الإمامية و يظهر من المحدث الكاشاني في الوافي الميل إليه حيث قال: باب العقيقة و وجوبها، ثم أورد جملة من الأخبار الظاهرة في ذلك.
و منها ما رواه
في الكافي و الفقيه (1) عن علي بن أبي حمزة عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: «العقيقة واجبة إذا ولد للرجل فإن أحب أن يسميه من يومه فعل».
و ما رواه
في الكافي (2) عن علي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «العقيقة واجبة».
و عن أبي خديجة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كل مولود مرتهن بالعقيقة».
و ما رواه
في الفقيه (4) مرسلا قال: و في رواية أبي خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كل إنسان مرتهن بالفطرة، و كل مولود مرتهن بالعقيقة».
قال في الوافي- بعد ذكر هذين الخبرين-: يعني أن زكاة الفطرة و العقيقة حقان واجبان في عنق الإنسان و المولود، و هما مقيدان بهما لا ينفكان عنهما إلا بالأداء».
و ما رواه
في الكافي (5) في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كل مولود مرتهن بعقيقته».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 24 ح 1، الفقيه ج 3 ص 312 ح 4، التهذيب ج 7 ص 440 ح 23، الوسائل ج 15 ص 144 ح 5.
(2) الكافي ج 6 ص 25 ح 7، التهذيب ج 7 ص 441 ح 25، الوسائل ج 15 ص 144 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 24 ح 2، التهذيب ج 7 ص 441 ح 26، الوسائل ج 15 ص 144 ح 6.
(4) الفقيه ج 3 ص 312 ح 2، الوسائل ج 15 ص 144 ح 2.
(5) الكافي ج 6 ص 25 ح 4، الوسائل ج 15 ص 144 ح 7.
58
و عن أبي بصير (1) في الموثق أو الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن العقيقة أ واجبة هي؟ قال: نعم واجبة».
و ما رواه
في الكافي عن عبد الله بن سنان و في الفقيه (2) عن عمر بن يزيد في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني و الله ما أدري كان أبي عق عني أم لا، قال: فأمرني أبو عبد الله (عليه السلام) فعققت عن نفسي و أنا شيخ. و قال عمر: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كل امرئ مرتهن بعقيقته، و العقيقة أوجب من الأضحية».
و ذهب الشيخ و من تأخر عنه إلى الاستحباب، و غاية ما استدل به العلامة في المختلف (3) بعد اختياره الاستحباب هو أصالة البراءة، ثم أورد دليلا للمرتضى روايتي علي بن أبي حمزة و أبي بصير، و أجاب بأن المراد شدة الاستحباب.
و أنت خبير بما فيه، و اعترضه في المسالك (4) في استدلاله للمرتضى بهاتين الروايتين بأن السيد لا يستند في مذهبه إلى الأخبار الصحيحة إذا كانت من طريق الآحاد، و كيف يحتج برواية ابن أبي حمزة و هو مصرح بكفره و كفر أضرابه من الفرق، و إنما أوجبها لما توهمه من إجماع الإمامية عليه كما أشار إليه في الانتصار، و جعل الإجماع مستنده في أكثر المسائل، و إن كان في تحقق الإجماع نظر، إلا أنه رأى ذلك حسبما اتفق عليه. انتهى، و هو جيد يعلم منه التساهل في دعاويهم الإجماع، و لم يذكر في المسالك دليلا على الاستحباب، و إنما قال- بعد إيراد رواية أبي بصير و رواية علي بن أبي حمزة و رواية أبي المعزا المصرحة بالوجوب-: و هذه الأخبار مع قطع النظر عن سندها محمولة على تأكد الاستحباب
____________
(1) الكافي ج 6 ص 25 ح 5، الوسائل ج 15 ص 144 ح 4.
(2) الكافي ج 6 ص 25 ح 2، الفقيه ج 3 ص 312 ح 3 و 1، التهذيب ج 7 ص 441 ح 27، الوسائل ج 15 ص 145 ب 39 ح 1 و ص 143 ب 38 ح 1.
(3) مختلف الشيعة ص 576 و 577.
(4) مسالك الافهام ج 1 ص 579.
59
أو ثبوته لأنه معنى الوجوب لغة. و يؤيد الثاني
قول الصادق (عليه السلام) في رواية عمر بن يزيد «و العقيقة أوجب من الأضحية».
و فيه أن الحمل على خلاف الظاهر يتوقف على وجود المعارض و هو لم يذكر ما يعارضها، و أما الطعن بضعف السند فهو ليس بمرضي و لا معتمد، و أما رواية عمر بن يزيد فهي ظاهرة فيما ذكره، و قال السيد السند في شرح النافع:
و أما الروايات المتضمنة للوجوب فكلها ضعيفة السند، و مع ذلك إنما يتم الاستدلال بها إذا ثبت كون الوجوب حقيقة شرعية أو عرفية في اصطلاحهم في المعنى المتعارف الآن عند الفقهاء و هو غير معلوم.
أقول: و التحقيق أن المسألة لا تخلو من شوب الاشكال لما عرفت مما قدمناه من الأخبار الظاهرة في الوجوب.
و أما الطعن فيها بضعف السند فقد عرفت أنه عند من لا يرى العمل بهذا الاصطلاح غير مرضي و لا معتمد، إلا أن مما يعارض ذلك و يدافعه أولا ما قدمناه تحقيقه في غير موضع من أن الوجوب في الأخبار من الألفاظ المتشابهة لاستعماله فيها في معان عديدة:
(أحدها) هذا المعنى المصطلح عليه الآن بين الفقهاء، و هذا هو الذي أشار إليه السيد السند- رحمة الله عليه.
و (ثانيا) عد العقيقة في قرن تلك الأمور المتفق على استحبابها في الأخبار التي تقدمت في سنن اليوم السابع فإنه مما يثمر الظن الغالب بكونها مثلها.
و (ثالثا) ما عرفت من رواية عمر بن يزيد التي هي صحيحة برواية الصدوق حيث جعل العقيقة أوجب من الأضحية التي هي مستحبة اتفاقا، فالظاهر أن الوجوب إنما هو بمعنى الثبوت أو تأكد الاستحباب اللذين هما أحد معاني هذا اللفظ، فإنه هو الذي يجري فيه التفضيل بمعنى أشد ثبوتا
60
أو آكد استحبابا.
و نحو ذلك ما ورد
في موثقة سماعة (1) قال: «سألته عن رجل لم يعق عن ولده حتى كبر و كان غلاما شابا أو رجلا قد بلغ، قال: إذا ضحي عنه أو ضحى الولد عن نفسه فقد أجزأه عن العقيقة».
و موثقة عمار الساباطي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) و فيها «و إن لم يعق عنه حتى ضحى فقد أجزأه الأضحية».
و التقريب فيها أنها لو كانت واجبة كغيرها من الواجبات فإنه لا يعقل إجزاء الأضحية المستحبة اتفاقا عنها إذ لا نظير له في الأحكام الشرعية. و مقتضى الوجوب تعلق الخطاب بها حتى يأتي بها، و قيام غيرها مما لا يخاطب به حتما يحتاج إلى دليل، فإن ثبت له نظير في الأحكام فذلك، و إلا فلا.
هذا، و أما ما رواه
في الكافي (3) عن ذريح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في العقيقة قال:
إذا جاز سبعة أيام فلا عقيقة له».
مما يدل على سقوطها بعد السبعة فهو معارض بالأخبار المستفيضة الدالة على الإتيان بها مطلقا، سيما أخبار الوجوب و أنه مرتهن بها، و حمله بعض المحدثين على نفي العقيقة الكاملة، من قبيل من لم يصل في جماعة فلا صلاة له، أو على الرخصة، و الأول أقرب.
الثاني [في استحباب مساواة العقيقة للمولود]
قد ذكر جملة من الأصحاب أنه يستحب مساواة العقيقة للمولود،
____________
(1) الكافي ج 6 ص 39 ح 3، التهذيب ج 7 ص 447 ح 53، الوسائل ج 15 ص 173 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 28 ح 9، التهذيب ج 7 ص 443 ح 35، الوسائل ج 15 ص 150 ح 4.
(3) الكافي ج 6 ص 38 ح 2، التهذيب ج 7 ص 446 ح 51، الوسائل ج 15 ص 170 ح 2.
61
بأن يعق عن الذكر ذكرا و عن الأنثى أنثى. أقول: أكثر الأخبار الواردة ظاهرة في مساواة الغلام للجارية في العقيقة.
و منها ما رواه
في الكافي (1) عن منصور بن حازم في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «العقيقة في الغلام و الجارية سواء».
و عن سماعة (2) في الموثق قال: «سألته عن العقيقة فقال: في الذكر و الأنثى سواء».
و عن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عقيقة الغلام و الجارية كبش».
و عن عبد الله بن مسكان (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن العقيقة فقال: عقيقة الجارية و الغلام كبش كبش».
و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد (5) عن عبد الله بن الحسن عن علي ابن جعفر عن أخيه قال: «سألته عن العقيقة عن الغلام و الجارية سواء؟ قال:
كبش كبش».
و عن محمد بن عبد الحميد (6) عن يونس بن يعقوب قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن العقيقة الجارية و الغلام فيها سواء؟ قال: نعم».
و أما ما يدل على ما ذكروه من استحباب مساواة العقيقة للمولود فهو ما رواه
في الفقيه (7) عن محمد بن زياد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن العقيقة؟
فقال: شاة أو بقرة أو بدنة، ثم يسمى و يحلق رأس المولود يوم السابع و يتصدق
____________
(1) الكافي ج 6 ص 26 ح 2، الوسائل ج 15 ص 147 ب 42 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 26 ح 1، الوسائل ج 15 ص 147 ب 42 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 26 ح 4، الوسائل ج 15 ص 147 ب 42 ح 3.
(4) الكافي ج 6 ص 26 ح 3، الوسائل ج 15 ص 147 ب 42 ح 4.
(5) قرب الاسناد ص 122، الوسائل ج 15 ص 148 ب 42 ح 5.
(6) قرب الاسناد ص 129، الوسائل ج 15 ص 148 ب 42 ح 6.
(7) الفقيه ج 3 ص 313 ح 6، الوسائل ج 15 ص 148 ح 7 و فيهما (محمد بن مارد).
62
بوزن شعره ذهبا أو فضة، فإن كان ذكر عق عنه ذكرا، و إن كان أنثى عق عنها أنثى».
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1): و إذا أردت أن تعق عنه فليكن عن الذكر ذكرا و عن الأنثى أنثى.
قال الصدوق- رحمة الله عليه- في الفقيه (2): و يجوز أن يعق عن الذكر بأنثى و عن الأنثى بذكر،
و قد روي أن يعق عن الذكر بأنثيين و عن الأنثى بواحدة.
و ما استعمل في ذلك فهو جائز.
و ظاهره في المسالك (3) عدم الوقوف على دليل الحكم المذكور، حيث إنه بعد ذكر عبارة المصنف الدالة على الحكم المذكور قال: استحباب مساواتها للولد في الذكورية و الأنوثية،
رواه الكليني مرسلا عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: «إذا كان يوم السابع و قد ولد لأحدكم غلام أو جارية فليعق عنه كبشا عن الذكر ذكرا و عن الأنثى مثل ذلك».
و روى أخبار كثيرة على أجزاء الذكر و الأنثى مطلقا، ثم أورد صحيحة منصور بن حازم إلى أن قال: مع أن الرواية الأولى ليست صريحة في اعتبار المساواة، بل الظاهر من قوله «و الأنثى مثل ذلك» أن المستحب كونها ذكرا في الذكر و الأنثى، فيكون موافقا لغيره من الأخبار الدالة على التسوية بينهما، انتهى.
و اقتفاه سبطه في شرح النافع أيضا قال: و ذكر جمع من الأصحاب منهم المصنف في الشرائع أنه يستحب أن يعق عن الذكر ذكرا و عن الأنثى أنثى و رواه الكليني مرسلا عن أبي جعفر (عليه السلام) ثم أورد الرواية التي أوردها جده ثم قال: و هي ضعيفة السند قاصرة المتن.
____________
(1) فقه الرضا ص 239، المستدرك ج 2 ص 620 ب 31 ح 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 313 ذيل ح 7 و صدر ح 8.
(3) مسالك الافهام ج 1 ص 579.
(4) الكافي ج 6 ص 27 ح 4، الوسائل ج 15 ص 151 ح 11.
63
و العجب أن الرواية مذكورة في الفقيه فكيف غفلا عنها حتى تمسكا بهذه الرواية، و الحق أن هذه المرسلة محتملة لكل من المعنيين المذكورين، فهي متشابهة لا يمكن الاعتماد عليها في شيء منهما.
الثالث [عدم اجزاء التصدق بثمنها]
قد صرحوا بأنه لو عجز عنها في الحاضر توقع المكنة و لا يجزي التصدق بثمنها، و يدل عليه ما رواه
الكليني (1) في الحسن عن محمد بن مسلم قال: «ولد لأبي جعفر (عليه السلام) غلام فأمر زيد بن علي أن يشتري له جزورين للعقيقة، و كان زمن غلاء، فاشترى له واحدة و عسرت عليه الأخرى، فقال لأبي جعفر (عليه السلام): قد عسرت علي الأخرى فنتصدق بثمنها؟ فقال: لا، اطلبها حتى تقدر عليها فإن الله عز و جل يحب إهراق الدماء و إطعام الطعام».
و عن ابن بكير (2) في الموثق قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فجاءه رسول عمه عبد الله بن علي فقال له: يقول عمك: إنا طلبنا العقيقة فلم نجدها فما ترى نتصدق بثمنها؟ فقال: لا، إن الله يحب إطعام الطعام و إراقة الدماء».
الرابع [في أنه هل يشترط في العقيقة شروط الأضحية؟]
قد ذكروا أنه يستحب فيها شروط الأضحية من كونها سليمة من العيوب سمينة، و لم أقف في الأخبار على ما يدل عليه، بل الظاهر منها خلافه، و هو الظاهر من الكليني أيضا حيث إنه عنون الباب فقال: باب أن العقيقة ليست بمنزلة الأضحية، ثم ذكر فيه ما رواه
في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن منهال القماط (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن أصحابنا يطلبون العقيقة إذا كان إبان تقدم الأعراب فيجدون الفحولة، و إذا كان غير ذلك الإبان لم توجد فيعز عليهم، فقال: إنما هي شاة لحم ليست بمنزلة الأضحية يجزي
____________
(1) الكافي ج 6 ص 25 ح 8 و فيه «غلامان جميعا»، الوسائل ج 15 ص 146 ب 40 ح 2 و فيه «غلامان».
(2) الكافي ج 6 ص 25 ح 6، الوسائل ج 15 ص 145 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 29 ح 1، الوسائل ج 15 ص 153 ح 1.
64
فيها كل شيء».
و روى أيضا عن مرازم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «العقيقة ليست بمنزلة الهدي، خيرها أسمنها».
و حاصله أنه لا يشترط فيها ما يشترط في الهدي و إن كان الأفضل فيها الأسمن.
الخامس [كراهة أكل الوالدين و العيال منها]
يكره أكل الوالدين منها بل جملة العيال، و يتأكد في الأم،
فروي في الكافي (2) عن أبي خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يأكل هو و لا أحد من عياله من العقيقة، و قال: و للقابلة الثلث من العقيقة، فإن كانت القابلة أم الرجل أو في عياله فليس لها منها شيء، و تجعل أعضاء ثم يطبخها و يقسمها، و لا يعطيها إلا لأهل الولاية، و قال: يأكل من العقيقة كل أحد إلا الأم».
و عن الكاهلي (3) في الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في العقيقة، قال: لا تطعم الام منها شيئا».
و عن ابن مسكان (4) عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تأكل المرأة من عقيقة ولدها» الحديث.
و في كتاب الفقه الرضوي (5) «و لا يأكل منه الأبوان، و إن أكلت منه الام فلا ترضعه».
و بهذه العبارة أعني قوله «و إن أكلت منه الام لم ترضعه» عبر في الفقيه (6) فقال: و الأبوان لا يأكلان من العقيقة و ليس ذلك بمحرم عليهما، و إن أكلت منه الام لم ترضعه» و لم أقف على من صرح بذلك من الأصحاب غيره،
____________
(1) الكافي ج 6 ص 30 ح 2، الوسائل ج 15 ص 154 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 32 ح 2، الوسائل ج 15 ص 156 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 32 ح 3، الوسائل ج 15 ص 156 ح 2.
(4) الكافي ج 6 ص 32 ح 1، الوسائل ج 15 ص 157 ح 3.
(5) فقه الرضا ص 239، مستدرك الوسائل ج 2 ص 621 ب 34 ح 1.
(6) الفقيه ج 3 ص 313 ح 8.
65
و لا على خبر يتضمن ذلك غير ما في الكتاب المذكور.
و مما يدل على حمل النهي على الكراهة ما ورد من جواز أكل الأب منها كما رواه
في الكافي (1) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المولود يسمى في اليوم السابع و يعق عنه- إلى أن قال:- و يبعث إلى القابلة بالرجل مع الورك و يطعم منه و يتصدق».
و عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا ولد لك غلام أو جارية فعق عنه يوم السابع شاة أو جزورا و كل منها و أطعم» الحديث.
و مما يدل على جواز أكل العيال ما رواه
في الكافي (3) عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث عقيقة الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) عن الحسن و الحسين (عليهما السلام) قال: «و عق عنهما شاة شاة، و بعثوا برجل شاة إلى القابلة، و نظروا ما غيره، فأكلوا منه و أهدوا إلى الجيران، و حلقت فاطمة (عليها السلام) رؤوسهما و تصدقت بوزن شعرهما فضة».
و المراد أنهم نظروا في غير ما بعثوا به إلى القابلة فأكلوا منه و أهدوا فكأن «ما» هنا وقعت زائدة أو استفهامية.
ثم إن ما دل عليه خبر أبي خديجة من أن العقيقة تجعل أعضاء يعني لا يكسر لها عظم مما صرح به الأصحاب أيضا و حكموا بكراهته، و عليه دل الخبر المذكور.
و نحوه ما رواه
في الكافي (4) عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «و اقطع العقيقة جداول (5) و اطبخها و ادع عليها رهطا من المسلمين».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 29 ح 10، الوسائل ج 15 ص 149 ب 44 ح 1 و فيهما «قال: يسمى».
(2) الكافي ج 6 ص 28 ح 7، الوسائل ج 15 ص 151 ح 7.
(3) الكافي ج 6 ص 33 ح 5، الوسائل ج 15 ص 158 ح 4.
(4) الكافي ج 6 ص 27 ح 1، الوسائل ج 15 ص 151 ب 44 ح 8.
(5) أقول: ما اشتمل عليه الخبر من لفظ «جداول» لا يخلو من اشكال، فإن جداول جمع جدول و هو النهر الصغير و لا مناسبة فيه للمقام، و الظاهر انما هو جدول جمع جدل و هو العضو. قال في القاموس: و الجدل و يكسر كل عضو و كل عظم معرق لا يكسر و لا يخلط به غيره، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
66
إلا أنه
قد روى في الفقيه (1) مرسلا قال: «قال عمار الساباطي: و سئل عن العقيقة إذا ذبحت هل يكسر عظمها؟ قال: نعم يكسر عظمها و يقطع لحمها و تصنع بها بعد الذبح ما شئت».
و الظاهر أن هذا الخبر خرج مخرج التنبيه على الجواز فلا ينافي الكراهة.
السادس [استحباب طبخها و إطعامها المؤمنين]
من المستحبات طبخها و إطعامها المؤمنين.
قال في كتاب الفقه الرضوي (2) «و تفرق لحمها على قوم مؤمنين محتاجين، و إن أعددته طعاما و دعوت عليه قوما من إخوانك فهو أحب إلي، و كلما أكثرت فهو أفضل، و حده عشرة أنفس و ما زاد، و أفضل ما تطبخ به ماء و ملح».
انتهى.
و في كتاب الفقيه (3) «و روي أن أفضل ما تطبخ به ماء و ملح».
و الظاهر أنه إشارة إلى ما ذكره (عليه السلام) هنا.
و في موثقة عمار (4) «و يطعم منه عشرة من المسلمين فإن زادوا فهو أفضل و تأكل منه».
و في الخبر ما يدل على الرخصة للأب في الأكل، و قد تقدم مثله.
و في التهذيب (5) «و لا تأكل منه».
و هو على حسب ما دل عليه غيره من كراهة الأكل للأب أيضا. و قد تقدم
في رواية عبد الله بن سنان «و اطبخها و ادع عليها رهطا من المسلمين».
و في رواية أبي خديجة المتقدمة «ثم يطبخها و يقسمها
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 314 ح 12، الوسائل ج 15 ص 152 ح 17.
(2) فقه الرضا ص 239 و فيه تقديم و تأخير، مستدرك الوسائل ج 2 ص 621 ب 34 ح 1.
(3) الفقيه ج 3 ص 313 ح 11، الوسائل ج 15 ص 152 ح 16 و فيهما «ما يطبخ».
(4) الكافي ج 6 ص 28 ضمن ح 9، الوسائل ج 15 ص 150 ضمن ح 4.
(5) التهذيب ج 7 ص 443 ضمن ح 35.
67
و لا يعطيها إلا لأهل الولاية».
و في حديث يحيى بن أبي العلاء المتقدمة أيضا «فأكلوا و أهدوا إلى الجيران».
و ظاهره إهداء اللحم من غير طبخ.
و في حديث حفص الكناسي المروي في الكافي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «و يدعى نفر من المسلمين فيأكلون و يدعون للغلام».
و قال في الفقيه (2) «و إن شاء قسمها أعضاء كما هي، و إن شاء طبخها و قسم معها خبزا و مرقا و لا يعطيها إلا لأهل الولاية».
أقول: و قد تلخص من ذلك جواز الجمع إلا أن الأفضل الطبخ في منزله و أن يضيف إلى اللحم شيئا من خبز أو أرز أو بعض الحبوب و أن يدعو لها المؤمنين في منزله، و أن أقل من يدعوه عشرة لا أقل.
السابع [استحباب إعطاء القابلة جزء من العقيقة]
لا ريب في استحباب إعطاء القابلة جزء من العقيقة إذا لم تكن من العيال كما صرحت به رواية أبي خديجة المتقدمة لأن العيال لا يأكلون منها كما تقدم.
بقي الكلام في تعيين ما تعطى، و الروايات في ذلك لا تخلو من اختلاف، ففي رواية أبي خديجة المتقدمة ثلث العقيقة. و قد تقدم أيضا
في حديث يحيى ابن أبي العلاء في عقيقة الحسنين (عليهما السلام) «و بعثوا برجل شاة إلى القابلة».
و في رواية أبي بصير المتقدمة أيضا «و يبعث إلى القابلة بالرجل مع الورك».
و في روايته الثانية مما حذفناه منها
«و أعط القابلة طائفا من ذلك» (3).
و هو إما بالفاء بعد
____________
(1) الكافي ج 6 ص 28 ضمن ح 5 و ص 29 ضمن ح 12، الوسائل ج 15 ص 152 ضمن ح 12.
(2) الفقيه ج 3 ص 313 ضمن ح 8.
(3) أقول: قد ورد في حديث العامة مثل ذلك و وجهوه بالوجهين، قال في النهاية:
و في حديث عمران بن حصين «أن غلاما أبق له فقال: لأقطعن منه طابقا ان قدرت عليه» أى عضوا، و جمعه طوابق- ثم قال في الطاء مع الياء المثناة و الفاء أخيرا بعد ذكره في الحديث المذكور طائفا- هكذا جاء في الرواية «أي بعض أطرافه و الطائفة: القطعة من الشيء، و روى بالباء و القاف و قد تقدم» انتهى. (منه- (قدس سره)-).
68
الياء المهموزة، أو بالباء الموحدة ثم القاف كما ذكره في النهاية (1) و هو عبارة عن العضو أو القطعة.
و في موثقة عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «و يعطي القابلة ربعها و إن لم تكن قابلة فلأمه تعطيه من شاءت- إلى أن قال:- و إن كانت القابلة يهودية لا تأكل من ذبيحة المسلمين أعطيت قيمة ربع الكبش».
و في رواية حفص الكناسي (3) «و اهدى إلى القابلة الرجل مع الورك».
و نحوها موثقة سماعة (4) و حسنة الكاهلي (5) و أكثر هذه الأخبار على الرجل و الورك، و الظاهر أن العمل بكل من هذه الأخبار حسن، و أما ما اشتمل عليه موثقة عمار من أنه مع عدم القابلة فلأمه تعطيه من شاءت فهو مما صرح به الأصحاب أيضا.
قال في المسالك (6): و المراد أن الأب يعطيها حصة القابلة إن كان هو الذابح للعقيقة و تصدق به، لأنه يكره أن تأكل منها، و في قوله (عليه السلام) «تعطيها من شاءت» إشارة إلى أن صدقتها به لا يختص بالفقراء بل تتأدى السنة بصدقتها على الغني و الفقير، انتهى.
الثامن [العقيقة عن نفسه لو لم يعق الأب عنه]
قد ذكروا أنه لو لم يعق الأب عنه عق عن نفسه بعد البلوغ، و تدل عليه الأخبار المتقدمة المصرحة بوجوبها و أنه مرتهن بها، فيبقى تحت عهدة الأمر حتى يحصل الامتثال، و قد تقدم في الموضع الأول
في موثقة سماعة (7) أن الرجل
____________
(1) النهاية لابن الأثير ج 3 ص 153 «طيف» و ص 114 «طبق».
(2) الكافي ج 6 ص 28 ضمن ح 9، الوسائل ج 15 ص 150 ضمن ح 4.
(3) الكافي ج 6 ص 28 ضمن ح 5 و ص 29 ضمن ح 12، الوسائل ج 15 ص 152 ضمن ح 12.
(4) الكافي ج 6 ص 28 ح 6، الوسائل ج 15 ص 150 ح 6.
(5) الكافي ج 6 ص 29 ح 11، الوسائل ج 15 ص 150 ح 5.
(6) مسالك الافهام ج 1 ص 579.
(7) الكافي ج 6 ص 39 ح 3، الوسائل ج 15 ص 173 ح 1.
69
إذا لم يعق عن ولده و قد كبر أنه إذا ضحي عنه أو ضحى الولد عن نفسه فقد أجزأ عن العقيقة،.
و مفهومه أنه لو لم يضح عن نفسه و لا ضحى عنه أبوه فالخطاب باق.
و يؤيده ما ورد من أنه مع الشك في أن أباه هل عق عنه أم لا؟ فإنه يستحب له أن يعق عن نفسه كما تقدم في صحيحة عمر بن يزيد (1) بطريق الفقيه المذكورة في الموضع الأول. و قد صرحوا أيضا بأنه لو مات الصبي في اليوم السابع فإن مات قبل الزوال سقطت و إن مات بعده لم يسقط.
و على ذلك تدل ما رواه
في الكافي و الفقيه (2) عن إدريس بن عبد الله قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مولود يولد فيموت يوم السابع هل يعق عنه؟ قال:
إن كان مات قبل الظهر لم يعق عنه، و إن مات بعد الظهر عق عنه».
التاسع: فيما يستحب أن يقال وقت الذبح
، فروى في الكافي (3) عن الكرخي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «تقول على العقيقة إذا عققت: بسم الله و بالله اللهم عقيقة عن فلان لحمها بلحمه و دمها بدمه و عظمها بعظمه، اللهم اجعله وقاء لآل محمد صلى الله عليه و عليهم».
و عن يونس (4) عن بعض أصحابه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا اذبحت فقل: بسم الله و بالله و الحمد لله و الله أكبر إيمانا بالله و ثناء على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و العصمة لأمره و الشكر لرزقه و المعرفة بفضله علينا أهل البيت، فإن كان ذكرا فقل: اللهم إنك وهبت لنا ذكرا و أنت أعلم بما وهبت، و منك ما أعطيت و كل ما صنعنا، فتقبله على سنتك و سنة نبيك و رسولك (صلى الله عليه و آله و سلم) و اخسأ عنا الشيطان الرجيم، لك سفكت الدماء لا شريك لك و الحمد لله رب العالمين».
قوله «بفضله علينا أهل البيت» المراد
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 312 ح 3، الوسائل ج 15 ص 145 ب 39 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 39 ح 1، الفقيه ج 3 ص 314 ح 13، الوسائل ج 15 ص 170 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 30 ح 1، الوسائل ج 15 ص 154 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 30 ح 2، الوسائل ج 15 ص 155 ح 4.
70
به أهل بيت نفسه كما نبه عليه بعض المحدثين.
و عن سهل (1) عن بعض أصحابه رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «نقول على العقيقة» و ذكر مثله و زاد فيه «اللهم لحمها بلحمه و دمها بدمه و عظمها بعظمه و شعرها بشعره و جلدها بجلده، اللهم اجعله وقاء لفلان بن فلان».
و روى في الكافي و الفقيه (2) عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أردت أن تذبح العقيقة قلت يٰا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّٰا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً مسلما وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلٰاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ لٰا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذٰلِكَ أُمِرْتُ و أنا من المسلمين، اللهم منك و لك بسم الله و بالله و الله أكبر اللهم صل على محمد و آل محمد، و تقبل من فلان بن فلان، و تسمي المولود باسمه ثم تذبح».
و روى في الكافي (3) بسنده عن محمد بن زياد عن أبي عبد الله (عليه السلام)، و في الفقيه (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يقال عند العقيقة: اللهم منك و لك ما وهبت و أنت أعطيت، اللهم فتقبل منا على سنة نبيك (صلى الله عليه و آله و سلم)، و نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، و تسمي و تذبح، و تقول: لك سفكت الدماء لا شريك لك و الحمد لله رب العالمين، اللهم اخسأ الشيطان الرجيم».
و روى في الكافي (5) عن الكاهلي في الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال في العقيقة:
إذا ذبحت تقول وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً مسلما
____________
(1) الكافي ج 6 ص 31 ح 3، الوسائل ج 15 ص 155 ح 5.
(2) الكافي ج 6 ص 31 ح 4، الفقيه ج 3 ص 314 ح 14، الوسائل ج 15 ص 154 ب 46 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 31 ح 5، الوسائل ج 15 ص 155 ح 3 و فيهما «محمد بن مارد».
(4) الفقيه ج 3 ص 314 ح 15 و فيه «اخسأ عنا»، الوسائل ج 15 ص 155 ح 3.
(5) الكافي ج 6 ص 31 ح 6، الوسائل ج 15 ص 156 ح 6.
71
وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلٰاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ لٰا شَرِيكَ لَهُ، اللهم منك و لك، اللهم هذا عن فلان بن فلان».
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) «فإن أردت ذبحه فقل: بسم الله و بالله منك و بك و لك و إليك عقيقة فلان بن فلان على ملتك و دينك و سنة نبيك محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)، باسم الله و بالله و الحمد لله و الله أكبر إيمانا بالله و ثناء على رسول الله، و العصمة بأمره و الشكر لرزقه و المعرفة لفضله علينا أهل البيت، فإن كان ذكرا فقل: اللهم أنت وهبت لنا ذكرا و أنت أعلم بما وهبت و منك ما أعطيت و لك ما صنعنا، فتقبله منا على سنتك و سنة نبيك (صلى الله عليه و آله و سلم) فاحتبس عنا الشيطان الرجيم، و لك سفكت الدماء و لوجهك القربات لا شريك له».
تكملة في الرضاع
و الكلام فيها يقع في موردين
[المورد] الأول في الرضاع نفسه
، و الكلام فيه يقع في مواضع:
الأول [في أن أفضل ما يرضع به الصبي لبن أمه]
قالوا: إن أفضل ما يرضع به الصبي لبن أمه لأنه أوفق بمزاجه و أنسب بطبعه، و هو غذاؤه في بطن امه.
أقول: و يدل عليه ما رواه
الكافي (2) عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما من لبن يرضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمه».
الثاني [في أنه لا يجب على الأم إرضاع الولد]
المعروف من كلام الأصحاب أنه لا يجب على الأم إرضاع الولد.
و استدل عليه مضافا إلى الأصل بقوله عز و جل «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. وَ إِنْ تَعٰاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرىٰ» (3) و لو كان الرضاع واجبا عليها
____________
(1) فقه الرضا ص 239، مستدرك الوسائل ج 2 ص 621 ب 33 ح 1 و فيهما «فاخنس- فاخسأ خ ل-» و كذلك «سكب» بدل «سفكت».
(2) الكافي ج 6 ص 40 ح 1، الوسائل ج 15 ص 175 ح 2.
(3) سورة الطلاق- آية 6.
72
لما حسن أن يقال «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ» إلا أنه يشكل ذلك بأن مورد الآية كما ينادي به سياق الكلام إنما هو المطلقة البائن، و عدم الوجوب هنا مما لا خلاف فيه.
قال في كتاب مجمع البيان (1) «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» أي و إن أرضعن الولد لأجلكم بعد البينونة فاعطوهن أجر الرضاع يعني اجرة المثل.
انتهى، و هذا الكلام في الآية الثانية، فإن السياق كله إنما هو في المطلقة، و حينئذ فاستدلال أصحابنا بهاتين في المقام لا يخلو من نظر، إذ محل البحث إنما هو الزوجة.
و الأظهر الاستدلال على ذلك بما رواه
في الكافي (2) عن سليمان بن داود المنقري قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرضاع، قال: لا تجبر المرأة على إرضاع الولد و تجبر أم الولد».
و هو صريح في المراد.
الثالث [تقييد الحكم المذكور بوجود الأب و.]
يجب تقييد الحكم المذكور كما نبه عليه غير واحد من الأصحاب بأن ذلك مشروط بوجود الأب و قدرته على دفع الأجرة، أو عدم تبرعها، أو وجود مال للولد و وجود مرضعة سواها، و إلا وجب ذلك عليها كما يجب عليها الإنفاق عليه إذا كان الأب معسرا أو مفقودا.
الرابع [عدم الفرق بين اللبأ و غيره]
إطلاق كلام أكثر الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين اللبأ، و هو أول ما يحلب بعد الولادة و غيره عملا بإطلاق الدليل، و أوجب جماعة منهم العلامة في القواعد و الشهيد إرضاعها اللبأ، محتجين بأن الولد لا يعيش بدونه، و رده جمع ممن تأخر عنهما بأنه ممنوع بالوجدان.
____________
(1) مجمع البيان ج 10 ص 309.
(2) الكافي ج 6 ص 40 ح 4، التهذيب ج 8 ص 107 ح 11، الوسائل ج 15 ص 175 ب 68 ح 1.
73
قال في المسالك (1): و لعلهم أرادوا الغالب، أو أنه لا يقوى و لا يشتد بنيته إلا به، ثم إنه على القول بالوجوب هل تستحق الأم اجرة عليه من الأب أو من الولد إن كان له مال أم لا؟ قولان: و الأول مذهب الأكثر مستندين إلى إطلاق قوله تعالى «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» و بالثاني قطع المقداد في كنز العرفان محتجا بأنه واجب، و لا يجوز أخذ الأجرة على الواجب.
قال في المسالك (2): و كليته ممنوعة، فإن مالك الطعام يلزمه بذله للمضطر، و لكن بالعوض باعتراف هذا القائل، و إن كان فيه خلاف أيضا، انتهى.
و توضيحه أن الممتنع هو أخذ الأجرة على نفس العمل الذي يجب عليه القيام به، مثل تغسيل الموتى و دفنهم و نحو ذلك لا أخذ عوض ما يجب بذله كدفع المال إلى المضطر، و اللبأ من قبيل الثاني لا الأول.
و أنت خبير بأن قضية الوجوب سقوط الأجرة إلا أن يقوم دليل على خلاف ذلك، و الآية المذكورة ليست من محل البحث في شيء، فإن المدعى وجوب الإرضاع عليها، و الآية المذكورة قد عرفت أن موردها المطلقة البائنة و عدم الوجوب عليها ظاهر، و ما ذكروه من بذل الطعام للمضطر إن وجد ما يدل على ما ادعوه من الأخبار فلا إشكال، و إلا فللمناقشة فيما ذكروه مجال، و لا يحضرني الآن شيء من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة.
الخامس [في جواز استئجار الأب الأم للرضاع إذا كانت مطلقة بائنة]
لا خلاف و لا إشكال في جواز استئجار الأب الأم للرضاع إذا كانت مطلقة بائنة، لأن منافعها مملوكة لها و لا تعلق للأب بها، إنما الخلاف فيما لو كانت زوجة، فالمشهور بين الأصحاب الجواز مستندين إلى عموم قوله «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ».
و فيه ما عرفت من أن مورد هذه الآية إنما هي المطلقة، فهي دليل للأول من هذين الحكمين لا للثاني. نعم يدل على ذلك أصالة الجواز لأنك قد عرفت
____________
(1) مسالك الافهام ج 1 ص 580.
(2) مسالك الافهام ج 1 ص 580.
74
بالخبر المتقدم أن الإرضاع غير واجب عليها، فكما يجوز استئجارها لا رضاع غيره فكذا لا رضاعه، و منع الشيخ في المبسوط (1) من استيجار الزوج بها، و كذا منع من استئجارها لخدمته و خدمة غيره و إرضاع ولد غيره، مستندا إلى أن زوجها قد ملك الاستمتاع بها في كل وقت إلا ما استثنى من أوقات الصلاة و الصيام، فما عقدت عليه من المنافع لا يقدر على إيفائه، و إذا لم تقدر على إيفائه كان العقد باطلا، كما لو آجر نفسه شهرا ثم آجرها ذلك الشهر بغير المستأجر.
و أجيب بمنع ملك الزوج لجميع منافعها و إنما ملك الاستمتاع و لا يلزم من استحقاقه في جميع الأوقات ملك غيره من المنافع، و ما ذكره الشيخ قول لبعض العامة و لا ريب في ضعفه.
السادس [عدم جواز إرضاع غيره لو استئجرت لإرضاع ولدها]
لا يخفى أنه على تقدير القول المشهور من جواز استئجارها لإرضاع ولدها، فإن تعلقت الإجارة بها نفسها لم يكن لها إرضاع غيره، فإن فعلت فلا اجرة لها، و إن تعلقت بها و بغيرها بأن كان الاستئجار على تحصيل الرضاع كيف اتفق بها أو بغيرها جاز، و مع عدم تعيين أحد الأمرين بأن أطلق إشكال، و لا يبعد إلحاقه بالقسم الأول، لأنه الذي ينصرف إليه ظاهر الإطلاق، و المشهور على ما ذكره في المسالك (2) جواز إرضاعها له بنفسها و غيرها، قال: لأنها حينئذ أجير مطلق، و من شأنه جواز تحصيل المنفعة بنفسه و غيره. انتهى، و الأقرب الأول و هو اختيار سبطه في شرح النافع.
السابع [في أن الأجرة من مال الولد أو الأب]
ينبغي أن يعلم أن الأجرة من مال الولد إن كان له مال و إلا فعلى الأب، و ظاهر بعض العبارات أنه مع حياة الأب فالأجرة على الأب، و مع موته فالأجرة من مال المرتضع، و هو على إطلاقه غير جيد (3) بل الوجه هو
____________
(1) المبسوط ج 6 ص 36.
(2) مسالك الافهام ج 1 ص 580.
(3) لانه مع حياة الأب و وجود مال للولد، فالولد غنى لا يستحق على الأب نفقة فلا يجب على الأب شيء و هو ظاهر. (منه- (قدس سره)-).
75
ما قدمنا ذكره.
و روى في الكافي و التهذيب (1) عن ابن أبي يعفور في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى في رجل توفى و ترك صبيا فاسترضع له أن أجر رضاع الصبي مما يرث من أبيه و امه».
و رواه الشيخ (2) بطريق آخر و زاد فيه «من حظه مما ورث من أبيه».
و روى في التهذيب (3) عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قضى علي (عليه السلام) في صبي مولود مات أبوه أن رضاعه من حظه مما ورث من أبيه».
و روى في الكافي (4) عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل مات و ترك امرأته و معها منه ولد فألقته على خادم لها فأرضعته، ثم جاءت تطلب رضاع الغلام من الوصي، فقال: لها أجر مثلها و ليس للوصي أن يخرجه من حجرها حتى يدرك و يدفع إليه ماله».
و في هذه الأخبار دلالة على عدم وجوب الرضاع على الام كما تقدم، و جواز استئجارها للرضاع كما هو المشهور، و ظاهر صحيحة عبد الله بن سنان استحقاقها الأجرة و إن أرضعته بغيرها، و مقتضى كلامهم حمله على كون الاستئجار وقع كذلك أو كونه مطلقا إلا أن الخبر لا يخلو من الإجمال.
الثامن [في أن الأم أحق برضاعه إذا تبرعت أو قنعت بما يطلب غيرها]
قد صرحوا بأن الأم أحق برضاعه إذا تبرعت أو قنعت بما يطلب غيرها، و لو طلبت زيادة على ما يرضى به غيرها فللأب انتزاعه منها، و يدل على
____________
(1) الكافي ج 6 ص 41 ح 5، التهذيب ج 7 ص 447 ح 56، الوسائل ج 15 ص 179 ح 2.
(2) التهذيب ج 8 ص 106 ح 8، الوسائل ج 15 ص 179 ح 3.
(3) التهذيب ج 9 ص 244 ح 39.
(4) الكافي ج 6 ص 41 ح 7، الوسائل ج 15 ص 178 ب 71 ح 1 و فيهما «امرأة».
76
الحكم الأول أعني أحقيتها بالرضاع إذا تبرعت أو قنعت بما يطلب غيرها قوله سبحانه «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» (1) فإن الآية شاملة لهاتين الصورتين.
و رواية أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: المطلقة الحبلى ينفق عليها حتى تضع حملها، و هي أحق بولدها أن ترضعه بما تقبله امرأة أخرى، يقول الله تعالى «لٰا تُضَارَّ وٰالِدَةٌ بِوَلَدِهٰا وَ لٰا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى الْوٰارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ» (3).
لا يضار الصبي و لا تضار به في رضاعه، و ليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين، فإن أراد الفصال عن تراض منهما كان حسنا، و الفصال هو الفطام».
و على الحكم الثاني و هو انتزاعه منها لو طلبت الزيادة قوله تعالى «وَ إِنْ تَعٰاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرىٰ» (4).
و يدل على الحكمين معا ما رواه
الشيخ (5) عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل المرأة و هي حبلى أنفق عليها حتى تضع حملها و إذا وضعته أعطاها أجرها و لا يضارها إلا أن يجد من هو أرخص منها أجرا فإن هي رضيت بذلك الأجر فهي أحق بابنها حتى تفطمه».
و عن أبي العباس (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال: فإن قالت المرأة لزوجها الذي طلقها: أنا أرضع ابني بمثل ما تجد من يرضعه فهي أحق به».
و هذه الرواية دليل على الصورة الثانية من الحكم الأول.
و حكى الشيخ في الخلاف قولا بأن الأم أحق بالولد متى طلبت اجرة المثل
____________
(1) سورة الطلاق- آية 6.
(2) الفقيه ج 3 ص 329 ح 2، الوسائل ج 15 ص 178 ب 70 ح 7 و فيهما «لا يضار بالصبي و لا يضار بأمه».
(3) سورة البقرة- آية 233.
(4) سورة الطلاق- آية 6.
(5) التهذيب ج 8 ص 106 ح 9، الوسائل ج 15 ص 191 ح 2.
(6) التهذيب ج 8 ص 105 ح 2، الوسائل ج 15 ص 191 ح 3.
77
و إن وجد الأب من يأخذ أقل أو يتبرع، تمسكا بإطلاق الآية المتقدمة و الأخبار المذكورة ترده كما عرفت.
التاسع [في أن للمولى إجبار أمته على الرضاع]
لا خلاف و لا إشكال في أن للمولى إجبار أمته على الرضاع لأنها مع جميع منافعها ملك له سواء في ذلك منافع الاستمتاع و غيرها، بخلاف الزوجة حيث اختص الاستحقاق بمنافع الاستمتاع و لا فرق في ذلك بين أم الولد و غيرها، و قد تقدم في الموضع الثاني
قوله (عليه السلام) في رواية المنقري (1) «و تجبر أم الولد».
و ذكر أم الولد لا يقتضي نفي ذلك عن غيرها.
العاشر [في استحباب الإرضاع من الثديين معا]
ظاهر بعض الأخبار استحباب الإرضاع من الثديين معا، و هذا الحكم لم يتعرض له أحد من الأصحاب فيما أعلم، و يدل عليه ما رواه
في الكافي (2) عن محمد بن العباس بن الوليد عن أبيه عن امة أم إسحاق بنت سليمان «قالت: نظر إلى أبو عبد الله (عليه السلام) و أنا أرضع أحد ابني محمدا أو إسحاق، فقال، يا أم إسحاق لا ترضعيه من ثدي واحد و أرضعيه من كليهما، يكون أحدهما طعاما و الآخر شرابا»،.
و رواه
في الفقيه (3) مرسلا قال: «نظر الصادق (عليه السلام) إلى أم إسحاق و هي ترضع أحد ابنيها» الحديث.
قال في الوافي (4): لما كان في الجديد لذة كان اللبن الجديد مما يسيغ القديم كما أن الشراب يسيغ الطعام، فصح بهذا الاعتبار أن يكون أحدهما بمنزلة الطعام و الآخر بمنزلة الشراب، انتهى.
و روى في الفقيه (5) بإسناده عن محمد بن علي الكوفي عن إسماعيل بن مهران عن مرازم عن جابر بن يزيد عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: «قال رسول الله
____________
(1) الكافي ج 6 ص 41 ح 4، الوسائل ج 15 ص 175 ب 68 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 40 ح 2، الوسائل ج 15 ص 176 ب 69 ح 1.
(3) الفقيه ج 3 ص 305 ح 4.
(4) الوافي ج 3 ص 207 ب 220.
(5) الفقيه ج 4 ص 296 ح 77، الوسائل ج 15 ص 176 ب 69 ح 2.
78
(صلى الله عليه و آله و سلم): إذا وقع الولد في بطن امه- إلى أن قال:- و جعل الله تعالى رزقه في ثدي امه أحدهما شرابه و في الآخر طعامه» الخبر.
الحادي عشر [حكم ما لو ادعى الأب وجود متبرعة و أنكرت الأم]
قال في الشرائع (1): لو ادعى الأب وجود متبرعة و أنكرت الأم فالقول قول الأب، لأنه قد يدفع عن نفسه وجوب الأجرة. على تردد. قال في المسالك (2): منشأ التردد من كون الام منكرة لما يدعيه من وجود المتبرعة، و الأصل عدمه، فيكون القول قولها لأنه المدعي، و لأن الحق ثابت لها و هو يدعي إسقاطه بوجود المتبرعة، و الأصل عدم سقوطه إلى أن يثبت، و مما ذكره المصنف من أن الأم تدعي شغل ذمة الأب بالأجرة و هو ينفي ذلك عن نفسه، و الأصل براءة ذمته منها، و لأنه يعسر عليه إقامة البينة على ما يقوله فيصدق بيمينه و هو قول الشيخ في المبسوط و هو الأشهر، انتهى.
أقول: الظاهر أن الأنسب بقواعدهم و الأقرب إلى ضوابطهم هو ما قرره الشارح أولا، فإن مقتضى صورة النزاع التي فرضوها هو أن الأب ادعى وجود متبرعة و الام أنكرت، فالأب هو المدعي و الام هي المنكرة، فيجب العمل بمقتضى القاعدة المنصوصة فيهما كما في كل مدع و منكر، و قضية ذلك أن القول قول الام بيمينها، و أما جعل الام مدعية- لأنها تدعي شغل ذمة الأب بالأجرة، و هو منكر لأنه ينفي بذلك عن نفسه- و ليس هو صورة الدعوى التي فرضوها، و إنما ذلك من لوازمها على أنه لا معنى لدعوى الام شغل ذمة الأب بالأجرة قبل الرضاع، لأن هذا النزاع إنما وقع في أول الأمر قبل دفع الولد إليها، و قبل تعيين الأجرة بأمره، و مرجعه إنما هو إلى دعوى شغل الذمة لو أرضعت بعد دفع الولد إليها.
و بالجملة فإن عد الام مدعية و الأب منكرا بهذا التقريب الذي ذكروه
____________
(1) شرائع الإسلام ص 566 الطبعة الثالثة سنة 1403 ه، و فيه «لانه يدفع».
(2) مسالك الافهام ج 1 ص 581.
79
- مع كون صورة النزاع الذي فرضوه إنما هو على الوجه الذي عرفت- لا يخلو من غموض و إشكال.
المورد الثاني: في مدته
، و الكلام فيه أيضا يقع في مواضع:
الأول [في أن مدة الرضاع حولان كاملان]
لا خلاف نصا و فتوى في أن مدة الرضاع المحدودة شرعا و إن جاز النقيصة عنها و الزيادة عليها حولان كاملان.
و يدل على ذلك قوله تعالى «وَ الْوٰالِدٰاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلٰادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كٰامِلَيْنِ لِمَنْ أَرٰادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضٰاعَةَ» (1) و ما سيأتي من الأخبار المذكورة في المقام إن شاء الله تعالى.
الثاني [جواز الاقتصار على أحد و عشرين شهرا]:
قد صرح الأصحاب بجواز الاقتصار على أحد و عشرين شهرا لا أقل لظاهر قوله تعالى «وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلٰاثُونَ شَهْراً» (2) فإذا حملت به تسعة أشهر كما هو الغالب كان الباقي للرضاع أحدا و عشرين شهرا.
و يدل على ذلك أيضا جملة من الأخبار منها ما رواه
في التهذيب (3) عن عبد الوهاب بن الصباح قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): الفرض في الرضاع أحد و عشرون شهرا، فما نقص عن أحد و عشرين شهرا فقد نقص المرضع، فإن أراد أن يتم الرضاعة له فحولين كاملين».
و ما رواه
في الكافي (4) عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الرضاع أحد و عشرون شهرا فما نقص فهو جور على الصبي».
و ظاهر الخبرين تحريم ما نقص عن أحد و عشرين كما هو ظاهر الأصحاب أيضا لحكمه في الأول بأن الأحد و عشرين هو الفرض، و في الثاني بأن ما نقص منه جور و ظلم للصبي.
____________
(1) سورة البقرة- آية 233.
(2) سورة الأحقاف- آية 15.
(3) التهذيب ج 8 ص 106 ح 7، الوسائل ج 15 ص 177 ح 2.
(4) الكافي ج 6 ص 40 ح 3، الوسائل ج 15 ص 177 ح 5 و فيهما «واحد و عشرون».
80
و استشكل ذلك في شرح النافع فقال: و لو قيل بجوازه إذا اقتضت مصلحة الولد ذلك و تراضى عليه الأبوان لم يكن بعيدا، قال: و يدل عليه ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس للمرأة أن تأخذ في رضاع ولدها أكثر من حولين كاملين، فإن أرادا الفصال قبل ذلك عن تراض منهما فهو حسن».
أقول: الظاهر أن الوجه في الجمع بين هذا الخبر و الخبرين الأولين هو تخصيص النقصان في هذا الخبر بما لا يبلغ النقصان عن ذلك الحد، فإن الخبرين الأولين ظاهران بل صريحان في تحريم النقص عن ذلك المقدار.
بقي هنا شيء يجب التنبيه عليه و هو: أنه قد تقدم في المسألة الاولى من المقام الأول الاستدلال بهذه الآية، أعني قوله «وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلٰاثُونَ شَهْراً» على أن أقل الحمل ستة أشهر، و أقصى الفصال عامان، و هنا قد استدلوا بها على أن أقصى الفصال أحد و عشرون شهرا، و أن يشكل أيضا ذلك على تقدير القول بأن أقصى الحمل سنة، و القول بأن أقصاه عشرة أشهر، و جواز أن تضعه لسبعة أشهر، و في جميع هذه الصور لا يتم أن الفصال أحد و عشرون شهرا، و لهذا نقل عن ابن عباس أن من ولد لستة أشهر ففصاله في عامين، و من ولد لسبعة فمدة رضاعه ثلاثة و عشرون شهرا، و من ولد لتسعة هو أحد و عشرون.
قال في المسالك (2): و هو قول موجه جامع بين الآيات.
أقول: و الأظهر عندي عدم الرجوع في الاستدلال في هذه المسألة إلى الآية المذكورة بل الاعتماد على الأخبار التي ذكرناها، و المستفاد من النصوص الواردة في تفسير هذه الآية أن نزولها كان في الحسين (عليه السلام) كما ينادي به سياق الكلام في الآية قبل هذا الموضع و بعده، و لا بأس بذكر خبر من تلك الأخبار.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 105 ح 4، الوسائل ج 15 ص 177 ب 70 ح 1.
(2) مسالك الافهام ج 1 ص 580.
81
و هو ما رواه
في الكافي (1) بسنده إلى أبي خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لما حملت فاطمة (عليها السلام) بالحسين (عليه السلام) جاء جبرئيل إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: إن فاطمة ستلد غلاما تقتله أمتك من بعدك فلما حملت فاطمة الحسين (عليه السلام) كرهت حمله، و حين وضعت كرهت وضعه، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): لم تر في الدنيا أم تلد غلاما تكرهه، و لكنها كرهت لما علمت أنه سيقتل، قال: و فيه نزلت هذه الآية «وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ إِحْسٰاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلٰاثُونَ شَهْراً» (2).
و نحوه غيره، و على هذا فمحل الاستدلال بالآية إنما هو ما قدمناه في المسألة الاولى من المقام الأول من هذا المقصد، و جميع ما ذكره من الإشكالات و الاحتمالات في الآية باعتبار الاستدلال بها في هذا المقام فهو نفخ في غير ضرام.
الثالث [في جواز الزيادة على الحولين شهرا و شهرين]
قد ذكروا أنه يجوز الزيادة على الحولين شهرا و شهرين لا أكثر، و قيل: إنه مروي، و قد اعترف السيد السند في شرح النافع بأنه لم يقف على الرواية، و هو كذلك، فإنا بعد الفحص و التتبع لم نقف عليها في شيء من كتب الأخبار.
نعم
قد روى الكليني (3) و ابن بابويه في الصحيح عن سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن الصبي هل يرتضع أكثر من سنتين؟
فقال: عامين، قلت: فإن زاد على سنتين هل على أبويه من ذلك شيء؟ قال: لا».
و ظاهر هذه الرواية جواز الزيادة على الحولين مطلقا، و هم لا يقولون به، و الأمر بالحولين في الآية و الأخبار لا يقتضي المنع عما زاد.
الرابع [عدم استحقاق الأجرة في ما يجوز لها إرضاعه من الشهر و الشهرين]
قد صرحوا بأن ما يجوز لها إرضاعه من الشهر و الشهرين لا تستحق
____________
(1) أصول الكافي ج 1 ص 464 ح 3.
(2) سورة الأحقاف- آية 15.
(3) الكافي ج 6 ص 41 ح 8، الفقيه ج 3 ص 305 ح 2، التهذيب ج 8 ص 107 ح 12، الوسائل ج 15 ص 177 ح 4، و ما في المصادر «يرضع».
82
عليه اجرة، و استشكله على إطلاقه في المسالك (1) بأنه إنما يتم على تقدير عدم حاجة الولد إليه، أما لو احتاج إليه لمرض و نحوه بحيث لا يمكن غذاؤه فيها بغير اللبن كان اللبن حينئذ بمنزلة النفقة الضرورية، فعدم استحقاق الام عليه اجرة مطلقا لا يخلو من نظر، إلا أن عمل الأصحاب و رواياتهم على ذلك، فلا مجال لخلافه.
أقول: من الروايات التي استند إليها الأصحاب فيما ذكروه ما تقدم في
صحيحة الحلبي (2) من قوله (عليه السلام) «ليس للمرأة أن يأخذ في رضاع ولدها أكثر من حولين كاملين».
و ما رواه
في الكافي (3) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث «أنه نهى أن يضار الصبي أو تضار أمه في رضاعه، و ليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين، فإن أرادا فصالا عن تراض منهما قبل ذلك كان حسنا، و الفصال هو الفطام».
و قد تقدم في رواية أبي بصير (4) المذكورة في الموضع الثامن من المورد الأول نحو ذلك.
و أنت خبير بأنه و إن كان ظاهر هذه الأخبار هو عدم جواز أخذ الأجرة على هذه المدة الزائدة، إلا أنه يجب تخصيصها بصورة عدم الضرورة للرضاع كما هو الغالب، و الأخبار إنما خرجت بناء على ذلك، و يؤيده قوله في تلك الأخبار بعد هذه الكلام «فإن أرادا فصالا عن تراض قبل ذلك كان حسنا» فإن الكلام من أوله إلى آخره مبني على صحة الولد و سلامته، و إلا فالمستفاد من الأخبار
____________
(1) مسالك الافهام ج 1 ص 581.
(2) التهذيب ج 8 ص 105 ح 4، الوسائل ج 15 ص 176 ب 7 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 41 ح 6، الوسائل ج 15 ص 177 ح 3.
(4) الفقيه ج 3 ص 329 ح 2، الوسائل ج 15 ص 178 ح 7.
83
أن الضرورات تبيح المحظورات، و حينئذ فيجب عليها رضاعه في تلك المدة لمكان الضرورة، و يجب على الأب الأجرة حسبما قرره- (رحمه الله)- أولا.
و أما ما ذكره- رحمة الله عليه- من أن عمل الأصحاب و رواياتهم على ذلك فلا مجال لخلافه، ففيه أن غاية ما يفهم من كلامهم و من الأخبار المذكورة هو إطلاق القول بالمنع من أخذ الأجرة على هذه المدة، و ليس في شيء منهما ما يدل صريحا أو ظاهرا على أن الأمر كذلك في صورة الاضطرار إلى الرضاع هذه المدة، فالجميع قابل للتقييد بما ذكرناه، فلا منافاة كما توهم، و إلى ما ذكرناه يميل كلام سبطه في شرح النافع حيث قال: و لو اضطر الولد إلى الرضاع بعد الحولين لمرض و نحوه فالأقرب وجوب أجرتها على الأب لأن ذلك بمنزلة النفقة الضرورية.
انتهى و هو جيد.
المقام الثالث: في الحضانة
، و الظاهر أن أصلها من حضن الطائر بيضه، أي ضمه تحت جناحه، قال في كتاب المصباح المنير (1) بعد ذكر المعنى المذكور:
و الحضانة- بالفتح و الكسر- اسم منه. و قال في المسالك: هي- بفتح الحاء- ولاية على الطفل و المجنون لفائدة تربيته، و ما يتعلق بها من مصلحته من حفظه و جعله في سريره و رفعه و كحله و رهنه و غسل خرقه و ثيابه و تنظيفه و نحو ذلك و هي بالأنثى أليق منها بالرجل، لمزيد شفقتها و خلقها المعد لذلك بالأصل، انتهى.
[الأخبار الواردة في المقام]
و الواجب أولا نقل ما وصل إلينا من أخبار المسألة، و كلام الأصحاب في المقام، و الكلام في ذلك بما يسر الله تعالى فهمه بتوفيقه و ببركة أهل الذكر (عليهم السلام).
فمن الأخبار ما رواه
في الكافي (2) عن أبي العباس البقباق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل أحق بولده أم المرأة؟ فقال: لا بل الرجل، قال: فإن قالت المرأة لزوجها الذي طلقها أنا أرضع ابني بمثل ما تجد من ترضعه فهي أحق به».
____________
(1) المصباح المنير ج 1 ص 193.
(2) الكافي ج 6 ص 44 ح 1، الوسائل ج 15 ص 191 ح 3 و ليس فيهما «قال» الثانية.
84
و في معنى هذه الرواية روايات تقدمت في الموضع الثامن من المورد الأول من التكملة في الرضاع.
و في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الحلبي المطلقة ينفق عليها حتى تضع حملها، و هي أحق بولدها حتى ترضعها بما تقبله امرأة اخرى، إن الله عز و جل يقول «لٰا تُضَارَّ وٰالِدَةٌ بِوَلَدِهٰا وَ لٰا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» (2) الحديث.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) عن المنقري عمن ذكره قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يطلق امرأته و بينهما ولد أيهما أحق بالولد؟ قال: المرأة أحق بالولد ما لم تتزوج».
و رواه
في الفقيه (4) عن المنقري عن حفص بن غياث أو غيره قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)» الحديث.
و ما رواه
في الفقيه (5) عن عبد الله بن جعفر في الصحيح عن أيوب بن نوح قال: «كتب إليه بعض أصحابه أنه كانت لي امرأة و لي منها ولد فخليت سبيلها فكتب (عليه السلام): المرأة أحق بالولد إلى أن يبلغ سبع سنين إلا أن تشاء المرأة».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (6) عن داود بن الحصين عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى «وَ الْوٰالِدٰاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلٰادَهُنَّ» قال: ما دام الولد في الرضاع فهو بين الأبوين
____________
(1) الكافي ج 6 ص 103 ح 3، الوسائل ج 15 ص 192 ح 5.
(2) سورة البقرة- آية 233.
(3) الكافي ج 6 ص 45 ح 3، التهذيب ج 8 ص 105 ح 3، الوسائل ج 15 ص 191 ح 4.
(4) الفقيه ج 3 ص 275 ح 2 و فيه اختلاف يسير.
(5) الفقيه ج 3 ص 275 ح 4، الوسائل ج 15 ص 192 ح 6.
(6) الكافي ج 6 ص 45 ح 4، الفقيه ج 3 ص 274 ب 127 ح 1، التهذيب ج 8 ص 104 ح 1، الوسائل ج 15 ص 190 ب 81 ح 1.
85
بالسوية، فإذا فطم فالأب أحق به من الأم، فإذا مات الأب فالأم أحق به من العصبة، فإن وجد الأب من يرضعه بأربعة دراهم و قالت الام: لا أرضعه إلا بخمسة دراهم فإن له أن ينزعه منها إلا أن ذلك خير له و أرفق به أن يذره مع أمه».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن داود الرقي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة حرة نكحت عبدا فأولدها أولادا، ثم إنه طلقها فلم تقم مع ولدها و تزوجت، فلما بلغ العبد أنها تزوجت أراد أن يأخذ ولده منها، و قال: أنا أحق بهم منك إذا تزوجت، فقال: ليس للعبد أن يأخذ منها ولدها، و إن تزوجت حتى يعتق هي أحق بولدها منه ما دام مملوكا، فإذا أعتق فهو أحق بهم منها».
و ما رواه
الصدوق (2) في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أيما امرأة حرة تزوجت عبدا فولدت منه أولادا فهي أحق بولدها منه و هم أحرار، فإذا أعتق الرجل فهو أحق بولده منها لموضع الأب».
و ما رواه
في الكافي (3) في الموثق عن جميل و ابن بكير جميعا «في الولد من الحر و المملوكة، قال: يذهب إلى الحر منها».
و روى ابن الشيخ في أماليه (4) عن أبيه عن أبي الصلت عن ابن عقدة عن عبد الله ابن علي عن الرضا عن آبائه عن علي (عليهم السلام) «أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قضى بابنة حمزة لخالتها، و قال: الخالة والدة».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 45 ح 5، التهذيب ج 8 ص 107 ح 10، الوسائل ج 15 ص 181 ب 73 ح 2 و فيها اختلاف يسير.
(2) الفقيه ج 3 ص 275 ح 3، الوسائل ج 15 ص 181 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 492 ح 1، الوسائل ج 15 ص 182 ب 73 ح 3.
(4) أمالي ابن الشيخ ص 218 ح 5، الوسائل ج 15 ص 182 ب 73 ح 4.
86
و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر (1) من كتاب مسائل الرجال و مكاتباتهم من مولانا أبي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) برواية الجوهري و الحميري عن أيوب بن نوح قال: «كتب إليه- يعني بشار بن بشير-: جعلت فداك رجل تزوج امرأة فولدت منه ثم فارقها، متى يجب له أن يأخذ ولده؟ فكتب: إذا صار له سبع سنين، فإن أخذه فله، و إن تركه فله».
هذا ما حضرني من أخبار المسألة
، و الكلام في هذا المقام بما يحيط بأطراف النقض و الإبرام يقع في مسائل:
[المسألة] الأولى: في الحضانة وقت الرضاع و بعده
، (أما) الأول فقد صرح جملة من الأصحاب بأن الأم أحق بالولد مدة الرضاع قال في المسالك: و لا خلاف فيه إذا كانت متبرعة أو رضيت بما تأخذ غيرها من الأجرة.
أقول: و يدل على ما ذكره جملة من هذه الروايات المنقولة هنا، و ما تقدم في الموضع الثامن من المورد الأول من التكملة، إلا أن ابن فهد في المهذب ادعى الإجماع أيضا على اشتراك الحضانة بين الأبوين مدة الرضاع، قال: وقع الإجماع على اشتراك الحضانة بين الأبوين مدة الحولين، و على سقوطها بعد البلوغ، انتهى.
و يدل على ما قاله
رواية داود بن الحصين (2) و قوله (عليه السلام) فيها «ما دام الولد في الرضاع فهو بين الأبوين بالسوية».
إلا أنها تضعف عن معارضة تلك الأخبار الدالة على القول الأول سندا و عددا. و بالجملة فإنه لا إشكال بعد دلالة هذه الأخبار على أحقية الأم به مدة الرضاع إذا تبرعت أو رضيت بما رضي به غيرها.
و إنما الإشكال فيما إذا سقط حقها من الرضاعة و استرضع الأب غيرها بأن لم تتبرع و لم ترض بما رضي به غيرها، فإنه قد تقدم في رواية داود بن الحصين أن للأب أن ينزعه منها، و حينئذ فإذا زال حقها من الرضاع فهل يزول
____________
(1) السرائر ص 479، الوسائل ج 15 ص 192 ح 7.
(2) الوسائل ج 15 ص 190 ب 81 ح 1.
87
أيضا حقها من الحضانة أم يبقى؟ قولان: و بالأول صرح المحقق في الشرائع و إلى الثاني ذهب ابن إدريس فقال: لا يسقط حقها من الحضانة، لأنهما حقان متغايران، فلا يلزم من سقوط أحدهما سقوط الآخر، و هو قوي من حيث الاعتبار، إلا أن ظاهر قوله (عليه السلام) في رواية داود بن الحصين أن للأب أن ينزعه منهما إن لم ترض بما رضي به غيرها يرد ما ذكره، و يؤيده أيضا مفهوم رواية أبي الصباح الكناني (1) و رواية أبي العباس (2)، و إلى القول بما ذهب إليه المحقق مال السيد السند في شرح النافع لما ذكرناه، و أيده بما يلزم من الحرج في تردد المرضعة إلى الأم في كل وقت يحتاج الولد إلى الرضاع و العسر المنفيين بالآية و الرواية و ظاهر جده في المسالك و الروضة الميل إلى ما ذهب إليه ابن إدريس استضعافا لرواية داود بن الحصين، و إمكان حملها على أن المراد نزعه من جهة الرضاع لا مطلقا، قال: و الضرر بذلك لا يبلغ حدا لإسقاط الحق الثابت، و حينئذ فتأتي المرضعة و ترضعه عندها مع الإمكان، فإن تعذر حمل الصبي إلى المرضعة وقت الإرضاع خاصة، فإن تعذر جميع ذلك اتجه سقوط حقها من الحضانة للحرج و الضرر.
أقول: و الأقرب هو ما ذهب إليه المحقق- رحمة الله عليه- لظاهر الروايات المذكورة، و إن كان ما ذهب إليه ابن إدريس لا يخلو من قوة من حيث الاعتبار.
هذا بالنسبة إلى مدة الحولين، (و أما) بعدهما فقيل: إن الأب أحق بالذكر و الام أحق بالأنثى حتى تبلغ سبع سنين، و هو قول الشيخ في النهاية و ابن إدريس و ابن البراج و ابن حمزة و المحقق.
و قيل: إن الأم أحق بالذكر مدة الحولين، و بالأنثى إلى تسع سنين و هو قول الشيخ المفيد (3) و تلميذه سلار و قيل: إن الأم أحق بالولد ما لم تتزوج،
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 191 ب 81 ح 2.
(2) الوسائل ج 15 ص 191 ب 81 ح 3.
(3) قال في المقنعة: و إذا فصل الصبي من الرضاع كان الأب أحق بكفالته من الام، و الام أحق بكفالة البنت حتى تبلغ تسع سنين الا أن تتزوج، فان تزوجت كان الأب أحق بكفالة البنت حينئذ، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
88
ذهب إليه الصدوق في كتاب المقنع و قيل: إن الأم أحق بالبنت ما لم تتزوج، و بالصبي إلى سبع سنين، إختاره ابن الجنيد و الشيخ في الخلاف محتجا بإجماع الفرقة و أخبارهم، و أنكر ابن إدريس في سرائره هذا القول و بالغ في رده فقال:
ما ذكره شيخنا في مسائل خلافه قول بعض المخالفين، و ما اخترناه هو الصحيح، لأنه لا خلاف أن الأب أحق بالولد في جميع الأحوال، و هو المولى عليه و القيم بأمره، فأخرجناه بالإجماع الحولين في الذكر، و في الأنثى السبع سنين، فمن ادعى أكثر من ذلك يحتاج إلى دليل قاطع، و هو مذهب شيخنا في نهايته، و العجب قوله في آخر المسألة «دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم» و هو مما يضحك به الثكلى، من أجمع منهم معه؟ و أي خبر لهم في ذلك؟ بل أخبارنا بخلافه واردة، و إجماعنا بضد ما قاله- (رحمه الله)- و رد العلامة في المختلف على ابن إدريس و بالغ في تهجينه و الإزراء عليه بجرأته على الشيخ.
أقول: لا ريب أن كلام ابن إدريس جيد لكن الأولى الاقتصار على بيان المسألة من غير تعرض للإزراء بالشيخ- رحمة الله عليه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن ما تضمنه القول الأول من أن الأب أحق بالذكر ظاهر من الأخبار المتقدمة الدالة على اختصاص الام به مدة الحولين، فإن مفهومها أنه بعد الحولين تصير الحضانة للأب، و أما ما تضمنه من أن الأم أحق بالأنثى حتى تبلغ سبع سنين فلم نقف له على نص صريح، و ليس في الأخبار المتقدمة و هي أخبار المسألة كملا- مما يتضمن السبع إلا صحيحة أيوب بن روح و روايته المنقولة من مستطرفات السرائر، و ظاهرهما العموم لكل من الذكر و الأنثى، و أن الأم أحق بهما في هذه المدة، و إلى العمل بهذه الصحيحة على عمومها مال السيد السند في شرح النافع، و الشيخ و من تأخر عنه حملوها على البنت جمعا بينها و بين ما دل على أن الذكر بعد الحولين تصير حضانته إلى الأب، و حينئذ فيصير الخبر باعتبار ذلك دليلا لما ذكره في النهاية.
89
و أما القول الثاني فالوجه في حكم الذكر ظاهر مما عرفت. و أما الأنثى و أنها في حضانة الأم إلى تسع سنين فلم نقف على خبر يدل عليه، و قد اعترف بذلك من تقدمنا أيضا، و لعل شيخنا المفيد- رحمة الله عليه- وصل إليه خبر بما ذكره و إن لم يصل إلينا.
و أما القول الثالث- و هو مذهب الصدوق- فيدل عليه رواية المنقري (1) المتقدمة، و رواية حفص بن غياث (2) و الشيخ- (رحمه الله)- قد حمل الرواية تارة على ما إذا كانت تكفله بما يكفله غيرها، قال: و يحتمل أن يكون المراد بالولد هنا الأنثى و يحتمل أن يكون المراد به ما لم يفطم.
و أما القول الرابع فقد عرفت ما فيه من كلام ابن إدريس، و الأقرب عندي في الجمع بين أخبار المسألة هو أن يقال: إنه بعد الطلاق إن وقع التشاجر و النزاع بين الأبوين في الحضانة فالظاهر أن الأب أحق به إلا في مدة الحولين إذا رضيت بما يرضى به غيرها، أو تبرعت، فإنها تصير حينئذ أحق، و إلى ما ذكرنا من أحقية الأب يشير
قوله (عليه السلام) في رواية البقباق (3) بعد أن سأله: الرجل أحق بولده أم المرأة؟ فقال: بل الرجل، و إن لم يكن هناك تنازع بينهما فالأم أحق به إلى السبع ما لم تتزوج،.
و على ذلك يحمل ما دل على السبع على عمومه، و يؤيده ما ورد في جملة من الأخبار الدالة على ما ينبغي أن يفعل بالولد في مبدأ نشوه و تربيته.
ففي خبر يونس (4) عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «دع ابنك يلعب سبع سنين و ألزمه نفسك سبعا، فإن أفلح و إلا فإنه لا خير فيه».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 40 ح 4، الوسائل ج 15 ص 175 ب 68 ح 1.
(2) الفقيه ج 3 ص 275 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 44 ح 1، التهذيب ج 8 ص 105 ح 2، الوسائل ج 15 ص 191 ح 3.
(4) الكافي ج 6 ص 46 ح 1، الوسائل ج 15 ص 193 ح 1.
90
و في الفقيه (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «يربى الصبي سبعا، و يؤدب سبعا و يستخدم سبعا».
و في رواية يونس بن يعقوب (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أمهل صبيك حتى يأتي له ست سنين، ثم ضمه إليك سبع سنين، فأدبه بأدبك» الحديث.
و في رواية ابن أسباط (3) عن عمه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن الغلام يلعب سبع سنين، و يعلم الكتاب سبع سنين، و يتعلم الحلال و الحرام سبع سنين».
فإنه لا يخفى أن السبع التي هي مدة التربية و اللعب إنما يكون عند الأم لأنها هي المربية له، و إليه يشير قوله «ثم ضمه إليك و ألزمه نفسك» يعني بعد تلك السبع، و هو ظاهر في أن الأب إنما يضمه إلى نفسه و تصير الحضانة له بعد تلك السبع التي مضت للولد عند امه، و لا فرق في ذلك بين الذكر و الأنثى.
المسألة الثانية [في شرائط حضانة الأم]
قد صرح الأصحاب بأن حضانة الأم حيث تثبت لها الحضانة مشروطة بشروط:
الأول: أن تكون مسلمة
إذا كان الولد مسلما كولد المسلم المحكوم بالإسلام لإسلام أبيه، و علل بأن الحضانة ولاية، و لا ولاية للكافر على المسلم، للآية (4) و بأنها تفتنه عن دينه لأنه ينشأ على ما يألفه منها.
قالوا: و لو كان الولد كافرا تبعا لأبويه فحضانته على ما فصل إن ترافعوا إلينا.
الثاني: أن تكون حرة
، فلا حضانة لها لو كانت أمة لأن منافعها مملوكة
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 319 ح 5، الوسائل ج 15 ص 195 ح 5.
(2) الكافي ج 6 ص 46 ح 2، التهذيب ج 8 ص 111 ح 28، الوسائل ج 15 ص 193 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 47 ح 3، التهذيب ج 8 ص 111 ح 29، الوسائل ج 15 ص 194 ح 1 و ليس في المصادر «ان».
(4) سورة النساء- آية 141.
91
لسيدها، فهي مشغولة بخدمته عن الحضانة، و لأن الحضانة ولاية، و المملوك ليس أهلا لها.
أقول: و يؤيده بل يدل عليه ما تقدم من رواية داود الرقي (1) و صحيحة الفضيل بن يسار (2) و مقطوعة جميل و ابن بكير (3) و التقريب فيها أنه رتب الولاية في الحضانة على الحرية فمنع الأب من الحضانة ما دام رقا، و أنما يجوز له بعد الحرية مع ما عرفت آنفا من أن الحضانة للأب إلا في مدة الرضاع
الثالث: أن تكون عاقلة
، فلا حضانة للمجنون لأن المجنون يحتاج إلى من يحضنه، فكيف يحضن غيره، قالوا: و لا فرق بين أن يكون الجنون مطبقا أو أدوارا، إلا أن يقع نادرا من غير أن تطول مدته فلا يبطل الحق، و في إلحاق المرض المزمن الذي لا يجرى زواله كالسل و الفالج بحيث يشغل الألم عن كفالته و تدبير أمره وجهان: من اشتراكهما في المعنى المانع من مباشرة الحفظ، و أصالة عدم سقوط الولاية مع إمكان تحصيلها بالاستنابة، و لعل هذا أرجح.
قيل (4) و لو كان المرض مما يعدي كالجذام و البرص فالأظهر سقوط حضانتها بذلك تحرزا من تعدي الضرر إلى الولد، و هو مبني على الخبر الوارد
عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) (5) «فر من المجذوم فرارك من الأسد».
و يحتمل بناء على
خبر (6) «لا عدوى و لا طيرة».
و خبر من ذا الذي أعدى الأول عدم سقوط الولاية، و الشهيد في قواعده ذكر
____________
(1) الكافي ج 6 ص 45 ح 5، التهذيب ج 8 ص 107 ح 10، الوسائل ج 15 ص 181 ب 73 ح 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 275 ح 3، الوسائل ج 15 ص 181 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 492 ح 1، التهذيب ج 7 ص 335 ح 5، الوسائل ج 14 ص 529 ح 4.
(4) القائل السيد السند في شرح النافع (منه- (قدس سره)-).
(5) الفقيه ج 3 ص 258 ح 4، الوسائل ج 8 ص 431 ح 2.
(6) الوسائل ج 8 ص 370 ب 28 ح 1.
92
هذا شرطا على حدة.
الرابع: أن تكون فارغة من حقوق الزوج
، فلو تزوجت سقط حقها من الحضانة.
أقول: و يدل على هذا الشرط ما تقدم في حديثي المنقري و حفص بن غياث الدالين على أن المرأة أحق بالولد ما لم تتزوج، و نقل الشهيد الثاني في الروضة الإجماع على هذا الشرط و إطلاق النص، و كلام الأصحاب يقتضي أنه لا فرق في سقوط حقها بالتزويج بين دخول الزوج و عدمه، و يحتمل اختصاص السقوط بحال الدخول لأنه الذي يحصل فيه الاشتغال بحقوق الزوج المانعة لها من الكفالة.
بقي الكلام في أنه لو طلقت الام فهل تعود إليها الولاية لزوال المانع و هو التزويج؟ أم لا لخروجها بالنكاح عن الاستحقاق فلا تعود إلا بدليل؟ قولان:
أولهما للشيخ، و الثاني لابن إدريس، و الشيخ إنما استدل هنا بأخبار العامة، فاحتج بما رواه
أبو هريرة (1) «أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: الأم أحق بحضانة ابنها ما لم تتزوج».
قال: حد حقها بالتزويج، فإذا زال التزويج فالحق باق على ما كان.
و عن عبد الله بن عمر (2) «أن امرأة قالت: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إن ابني هذا كان بطني له وعاء، و ثديي له سقاء و حجري له حواء، و أن أباه طلقني و أراد أن ينزعه مني، فقال لها النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): أنت أحق به ما لم تنكحي».
احتج ابن إدريس بأن الحق خرج عنها بالنكاح و عوده يحتاج إلى دليل، و الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) جعل غاية الاستحقاق للحضانة التي تستحقها الام تزويجها، و هذه قد تزوجت. فخرج الحق منها.
و العجب من الشيخ في استناده إلى هذه الأخبار العامية، مع روايته للأخبار التي من طرق أهل البيت (عليهم السلام) في كتب الحديث.
قال العلامة في المختلف بعد نقل القولين المذكورين: و الوجه ما قاله
____________
(1) سنن أحمد ج 2 ص 203 و فيه «عن عمرو بن العاص» مع اختلاف يسير.
(2) سنن ابن داود ج 2 ص 283 ح 2276.
93
الشيخ لأن الحضانة جعلت إرفاقا بالصبي، فإذا تزوجت الام خرجت باشتغالها بزوجها و حقوقه عن الحضانة للطفل، فلهذا سقطت، فإذا طلقت زال المانع فيبقى المقتضي سليما عن المعارض فيثبت حكمه، و ظاهر السيد السند في شرح النافع الميل إلى هذا القول أيضا حيث جعله الأقرب، و الظاهر أنه كذلك، ثم إنه بناء على العود بالطلاق فظاهر كلام السيد المشار إليه أنه إنما يعود بمجرد الطلاق إذا كان الطلاق بائنا، و لو كان رجعيا فبعد العدة.
و فيه أنه من الممكن ترتب الحكم على مجرد الطلاق في الرجعي أيضا بناء على أنها لا يجب عليها بعد الطلاق شيء من حقوق الزوجية التي بها حكموا بزوال حضانتها بالتزويج، و حينئذ فتكون فارغة لكفالة الصبي و القيام بأحواله.
الخامس: أن تكون أمينة
، فلا حضانة لمن لا أمانة لها، قال في شرح النافع:
و هذا الشرط لم يعتبره المصنف، و قد اعتبره الشيخ في المبسوط و جماعة منهم الشهيد في القواعد، و لا بأس به لأن من لا أمانة لها ربما خانت في حفظ الولد، و لأن في التكليف بتسليم الولد إلى غير المأمونة عسرا و حرجا فكان منفيا.
أقول: لا يخفى ما في هذه التعليلات العليلة، فإن الخروج عما ثبت شرعا لها من حق الحضانة بمثل هذه التعليلات لا يخلو من مجازفة، على أنه من المعلوم الذي جبلت عليه الطباع حنو المرأة على ولدها و حرصها على القيام به و اللطف به في جميع أحواله و حرصها على ما يصلحه و ينفعه، كل ذلك جبلة و طبيعة و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا مرية فيه، و كيف مع هذا يتم ما ذكره من قوله «و ربما خانت في حفظ الولد».
و بالجملة فإن كلامه- (رحمه الله)- عندي هنا غير موجه، على أنه لو تم ما ذكروه من هذه التخريجات لجرى ذلك في الأب أيضا و هو معلوم البطلان، و لعل ترك هذا الشرط هو الأظهر، فإن الام لمزيد شفقتها و حنوها على ولدها طبيعة و جبلة يمنع مما توهمه علة لهذا الشرط.
94
السادس: أن تكون مقيمة
، فلو انتقلت إلى محل تقصر فيه الصلاة سقط حقها من الحضانة عند الشيخ في المبسوط، ثم نقل عن قوم أنه إن كان المنتقل هو الأب فالأم أحق به، و إن انتقلت الأم فإن كان انتقالها من قرية إلى بلد فهي أحق به، و إن كان من بلد إلى قرية فالأب أحق به، لأن في السواد يقل تعليمه و تخرجه، و قال- بعد نقل ذلك-: إنه قوي، و حكى الشهيد في قواعده قولا بأن الأب لو سافر جاز له استصحاب الولد و سقطت حضانة الأم.
أقول: الظاهر أن جميع هذه التفريعات و التعليلات كلها من كلام العامة، كما عرفت في غير موضع من الكتب السابقة، جرى عليها الشيخ في المبسوط و تبعه غيره.
و لا يخفى ما في بناء الأحكام الشرعية عليها من المجازفة في أحكامه سبحانه المبنية على النصوص الواضحة من الكتاب و السنة، كما استفاضت به أخبارهم (عليهم السلام).
المسألة الثالثة [انتقال الحضانة إلى الأم بعد موت الأب]
قد صرحوا بأنه لو مات الأب و قد صارت الحضانة له بأن كان الولد أكبر من سنتين و البنت أكبر من سبع- بناء على ما ذكروه مما تقدم نقله عنهم- فإن الحضانة تنتقل إلى الأم دون الوصي المنصوب من قبل الأب و غيره، و كذا تكون الأم أحق لو كان الأب مملوكا أو كافرا و إن تزوجت، إلا أن يعتق المملوك و يسلم الكافر.
أقول: أما الحكم الأول فلم أقف له على دليل في النصوص و هم أيضا لم يذكروا له دليلا، و إن كان من الأدلة الاعتبارية الجارية في كلامهم، و المقطوع به في النصوص هو أن الحضانة لها في مدة الرضاع كما تقدم، و أن الأب لا يزاحمها فيها، فلو مات في هذه الحال فالام باقية على ولايتها، و ليس للوصي معارضتها لأنها إذا كانت في هذه الحال أولى من الأب على تقدير وجوده فهي أولى من وصيه بطريق الأولى مع موته.
و كذا في السبع في البنت على ما يدعونه مما تقدم في كلامهم لعين ما ذكر،
95
و أما بعد هذه المدة فيما إذا صارت الولاية للأب لو مات الأب فلا أعرف دليلا على رجوع الولاية لها، و أنها حق الوصي، إلا أن ظاهر كلامهم الاتفاق على أنها للأم، و فرعوا عليه أيضا عدم الفرق بين كون الام متزوجة أم لا، و بهذا التعميم صرح العلامة في الإرشاد فقال: و لو مات الأب لم تسقط به يعني التزويج، و استحقت الحضانة إلى وقت التزويج.
و أما الحكم الثاني، فإما بالنسبة إلى كون الأب مملوكا فقد تقدم ما يدل عليه من الأخبار مثل رواية داود الرقي (1) و صحيحة الفضيل بن يسار (2) و مقطوعة جميل و ابن بكير (3)، و في الأولى دلالة على الأولوية و إن تزوجت كما ذكروه، و أما بالنسبة إلى كونه كافرا فاستدلوا عليه بمفهوم الأولوية من المملوك فإنه متى كانت الأم أولى من الأب المملوك فبطريق الأولى تكون أولى من الكافر، لأنه أبعد من الولاية.
المسألة الرابعة [في حكم الحضانة مع فقد الأبوين]
قد اختلف الأصحاب في حكم الحضانة مع فقد الأبوين اختلافا زائدا لعدم النصوص الواردة في هذا المقام غير رواية ابن الشيخ الطوسي في أماليه الواردة في ابنة حمزة، و الأكثر في هذه المسألة على تعدي الحكم إلى باقي الأقارب، و ترتيبهم على ترتيب الإرث تمسكا بظاهر قوله تعالى «وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ» (4) فإن الأولوية تشمل الإرث و الحضانة و غيرهما، و لأن الولد يفتقر إلى التربية و الحضانة، فلا بد من أن يكون له من يقوم بذلك، و القريب أولى من البعيد، و على هذا فمع فقد الأبوين ينظر في الموجود من الأقارب، و يقدر لو كان وارثا، و يحكم له بحق الحضانة، ثم إن اتحد اختص،
____________
(1) الكافي ج 6 ص 45 ح 5، الوسائل ج 15 ص 181 ب 73 ح 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 275 ح 3، الوسائل ج 15 ص 181 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 492 ح 1، الوسائل ج 15 ص 182 ب 73 ح 3.
(4) سورة الأنفال- آية 75.
96
و إن تعدد أقرع بينهم لما في اشتراكهم من الإضرار بالولد.
قال في المسالك: و هذا القول هو المعتمد. و قيل: إنه مع فقد الأبوين تكون الحضانة لأب الأب مقدما على غيره من الاخوة و الأجداد، و إن شاركوه في الإرث، و هذا هو الذي قطع به المحقق و العلامة في غير المختلف و جماعة منهم الشيخ في موضع من المبسوط و ابن إدريس كما سيأتي في نقل كلامه. و قيل:
إنه مع فقد الأبوين ينتقل الحكم إلى الأجداد، و يقدمون على الاخوة و إن شاركوهم في الميراث، و لا يفرق بين الجد للأب و غيره، و مع فقدهم ينتقل إلى باقي مراتب الإرث، و هذا القول مذهب العلامة في الإرشاد، و أجمل حكم الأجداد، و لم يفصل الحكم في الأجداد مع التعدد و العلو، و من يتقرب منهم بالأب أو الأم.
و قيل: إنه مع موت الأب تقوم امه مقامه في ذلك، فإن لم يكن له أم و كان له أب قام مقامه في ذلك، فإن لم يكن له أب و لا أم كانت الأم التي هي الجدة أحق به من البعد، و هذا القول مذهب الشيخ المفيد في المقنعة. و قيل: إن من مات من الأبوين كان الباقي أحق به من قرابة الميت إلا أن يكون المستحق له غير رشيد، فيكون من قرب إليه أولى به، فإن تساوت القربات قامت القربات مقام من هي له قرابة في ولايته- إلى أن قال:- و الام أولى ما لم تتزوج ثم قرابتها أحق به من قرابة الأب لحكم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) بابنة حمزة لخالتها دون أمير المؤمنين (عليه السلام) و جعفر، و قد طالبا بها لأنها ابنة عمهما جميعا، و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): عندي ابنة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و هي أحق بها، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ادفعوها إلى خالتها، فإن الخالة أم. و هذا القول لابن الجنيد، و في المسألة أقوال أخر غير ما ذكرناه.
أقول: و المسألة لعدم النص لا تخلو من الإشكال إلا أن الظاهر أن ما ذكره ابن إدريس (2) هنا هو الأقرب إلى جادة الاعتدال حيث قال- بعد أن نقل عن
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 182 ب 73 ح 4.
(2) السرائر لابن إدريس ص 319.
97
الشيخ في الخلاف كلاما طويلا يتضمن تعدية ولاية الحضانة إلى باقي الوراث و تقديم بعضهم على بعض- ما صورته: ما ذكره الشيخ في الخلاف من تخريجات المخالفين و معظم قول الشافعي، و بناهم على القول بالعصبة، و ذلك عندنا باطل، و لا حضانة عندنا إلا للام نفسها و الأب، فأما غيرهما فليس لأحد عليه ولاية سوى الجد من قبل الأب خاصة.
قال في شرح النافع: و يظهر من المصنف في الشرائع الميل إلى هذا القول، و لا يخفى و جاهته، و إنما قلنا بثبوت الولاية للجد من قبل الأب لأن له ولاية المال و النكاح، فيكون له ولاية التربية بطريق أولى، و إنما كانت الأم أولى منه بالنص، فمع عدمها و عدم من هو أولى منه تثبت الولاية، و على هذا فلو فقد الأبوان و الجد فإن كان للولد مال استأجر الحاكم له من يربيه من ماله، فإن لم يكن له مال كان حكم تربيته حكم الإنفاق عليه، فيجب على المؤمنين كفاية.
انتهى و هو جيد، و لهم هنا تفريعات على ما ذكروه من الأقوال أعرضنا عن التطويل بنقلها لما عرفت في الأصل المبني عليه في المقام من كونه في معرض التزلزل و الانهدام.
المقصد الخامس في النفقات:
و أسبابها ثلاثة: الزوجية، و القرابة، و الملك، و لا خلاف بين علماء الإسلام في وجوبها: بهذه الثلاثة، و حينئذ فالكلام في هذا المقصد يقع في مطالب ثلاثة.
[المطلب] الأول في الزوجية:
و الأصل في وجوب نفقة الزوجة الكتاب و السنة قال الله عز و جل «الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ بِمٰا فَضَّلَ اللّٰهُ بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ وَ بِمٰا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوٰالِهِمْ» (1) و قال سبحانه «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اللّٰهُ لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا مٰا آتٰاهٰا سَيَجْعَلُ اللّٰهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً» (2).
____________
(1) سورة النساء- آية 34.
(2) سورة الطلاق- آية 7.
98
و روى ثقة الإسلام في الكافي (1) عن إسحاق بن عمار في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما حق المرأة على زوجها الذي إذا فعله كان محسنا؟ قال:
يشبعها و يكسوها و إن جهلت غفر لها».
و روى في الفقيه (2) في الصحيح عن ربعي عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في قوله عز و جل «وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اللّٰهُ» قال: إذا أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة، و إلا فرق بينهما».
و عن عاصم بن حميد (3) عن أبي بصير في الصحيح قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها و يطعمها ما يقيم صلبها كان حقا على الامام أن يفرق بينهما».
إلى غير ذلك من الأخبار التي تقدم جملة منها في الفائدة السادسة عشر من فوائد المقدمة.
إذا عرفت ذلك فتحقيق الكلام في المقام يتوقف على بسطه في مسائل:
[المسألة] الأولى [في أنه هل تجب النفقة بمجرد العقد إذا كان دائما أم لا؟]:
لا خلاف بين الأصحاب في اشتراط النفقة بالعقد الدائم، فلا يجب لمتمتع بها نفقة، و إليه يشير
قول الصادق (عليه السلام) في رواية زرارة (4) «تزوج منهن ألفا فإنما هن مستأجرات».
و قول أبي جعفر (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم (5) «لأنها لا تطلق، و لا تورث و إنما هي مستأجرة».
و من المعلوم أن الأجير لا نفقة (6) و إنما
____________
(1) الكافي ج 5 ص 510 ح 1، الوسائل ج 15 ص 224 ح 5.
(2) الفقيه ج 3 ص 279 ح 6، الوسائل ج 15 ص 223 ب 1 ح 1.
(3) الفقيه ج 3 ص 279 ح 5، الوسائل ج 15 ص 223 ح 2.
(4) الكافي ج 5 ص 452 ح 7، التهذيب ج 7 ص 258 ح 45، الوسائل ج 14 ص 446 ح 2، و ما في المصادر «فإنهن».
(5) الكافي ج 5 ص 451 ح 5، التهذيب ج 7 ص 259 ح 46 مع زيادة فيه، الوسائل ج 14 ص 446 ح 4 و ما في المصادر «لا ترث» و هو الصحيح.
(6) و الصحيح «لا نفقة له».
99
الخلاف بينهم في أنه هل تجب النفقة بمجرد العقد إذا كان دائما و إن سقطت بالنشوز، أو أنه يشترط مع العقد التمكين الكامل؟ و عرفه المحقق في الشرائع بأنه التخلية بينها و بينه بحيث لا يختص موضعا و لا وقتا. فلو بذلت نفسها في زمان دون زمان أو مكان دون آخر مما يسوغ فيه الاستمتاع لم يحصل التمكين قولان، الأكثر على الثاني، بل لم أقف على مصرح بالأول و إن ذكر بلفظ «قيل».
ثم إنه على تقدير القول المشهور فهل يتوقف حصول التمكين على لفظ من قبل المرأة يدل على ذلك مثل أن تقول: سلمت نفسي إليك في أي مكان شئت و نحو ذلك مع حصول التخلية أم لا؟ قولان، و بالأول صرح العلامة في التحرير، و صرح في المسالك بأنه ذلك ظاهر كلام جملة من الأصحاب ثم استشكل في ذلك (1).
أقول: بل يجب القطع بعدمه، أما (أولا) فلعدم الدليل عليه، و القائل به لم ينقل عنه ذكر دليل على ذلك، و لو من الأدلة الاعتبارية الجارية في كلامهم و أصالة العدم أقوى مستمسك حتى يقوم الدليل الواضح من الكتاب أو السنة على ما يوجب الخروج عنه، و هذه قاعدتهم في غير مقام من الأحكام.
و أما (ثانيا) فلأن الأصل المبني عليه هذا القول أعني القول بوجوب التمكين على الوجه الذي عرفت، و أن وجوب النفقة متوقف على ذلك مما لم يقيموا عليه دليلا واضحا و لا برهانا لائحا، غير مجرد الدعوى مع ظهور الأدلة على خلافه، و هو ما قدمناه من الأخبار الدالة على ترتب وجوب النفقة على مجرد
____________
(1) حيث قال: و اعلم أن الظاهر من كلام المصنف و غيره بل صرح به بعضهم أن التمكين لا يكفى حصوله بالفعل، بل لا بد من لفظ يدل عليه من قبل المرأة بأن تقول: كلت نفسي إليك حيث شئت و أى زمان شئت، و نحو ذلك، فلو استمرت ساكتة و ان مكنت من نفسها بالفعل لم يكف في وجوب النفقة، و لا يخلو ذلك من اشكال، انتهى (منه- (قدس سره)-).
راجع مسالك الافهام ج 1 و فيه «سلمت نفسي».
100
الزوجية التي لا خلاف في حصولها بمجرد العقد.
قال السيد السند في شرح النافع: و قد اختلف الأصحاب في اعتبار هذا الشرط، فذهب الأكثر إلى اعتباره، و أن العقد بمجرده لا يوجب النفقة، و إنما تجب بالتمكين، إما بجعله تمام السبب أو سببا تاما أو شرطا في الوجوب، و ربما قيل بوجوب النفقة بالعقد كالمهر لكنها تسقط بالنشوز، و المعتبر الأول اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع الوفاق، و ليس فيما وصل إلينا من الأدلة النقلية ما ينافي ذلك صريحا و لا ظاهرا، انتهى.
أقول فيه: إن الأخبار التي أشرنا إليها أظهر ظاهر في ترتب النفقة على مجرد العقد فإن ما اشتمل عليه جملة منها مما ذكرناه و ما لم نذكره من قوله (عليه السلام) «حق المرأة على زوجها» يعني من حيث الزوجية، لأن التعليق على الوصف يشير بالعلية، و هو صريح في المطلوب، و نحوه قوله «من كانت عنده امرأة فلم يكسها (1) و يطعمها ما يقيم صلبها» إلخ أظهر ظاهر فيما ذكرناه فإنه بمجرد العقد يصدق أنه عنده امرأة.
و بالجملة فدلالة الأخبار على ما ذكرناه أظهر ظاهر كما عرفت، فدعواه أنه لم يصل إليه من الأدلة النقلية ما ينافي ذلك عجيب من مثله- (رحمه الله).
و ممن وافقنا على هذه المقالة- و إن غلب عليه رعاية الشهرة فتوقف فيما قاله- شيخنا الشهيد الثاني في المسالك (2) و الحري أن ننقل جميع ما ذكره في المقام بلفظه و إن طال به زمان الكلام.
قال- (قدس سره)- بعد الكلام في المقام «و لا ريب في أن للنفقة تعلقا بالعقد و التمكين جميعا فإنها لا تجب قبل العقد، و لو نشزت بعد العقد لم تطالب بالنفقة، و اختلف في أنها بم تجب؟ فقيل: بالعقد كالمهر لا التمكين، لدلالة الأدلة السابقة
____________
(1) و الصحيح كما في الرواية المتقدمة «فلم يكسها ما يوارى عورتها و يطعمها.».
(2) مسالك الافهام ج 1 ص 584 و فيه «لا بالتمكين».
101
على وجوبها للزوجة من غير تقييد، غايته أن النشوز لما ثبت أنه مانع من وجوب الإنفاق كان الشرط عدم ظهور المانع، فما لم يوجد المانع يستمر الوجوب المعلق على الزوجية الحاصلة بالعقد، فالعقد مثبت، و النشوز مسقط، و لأنها تجب للمريضة و الرتقاء، و قيل: لا تجب بالعقد مجردا بل بالتمكين، لأن المهر يجب به و العقد لا يوجب عوضين مختلفين، و لأن النفقة مجهولة الجملة، و العقد لا يوجب مالا مجهولا، و لما
روي «أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) تزوج و دخل بعد سنتين و لم ينفق إلا بعد دخوله».
و لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «اتقوا الله في النساء فإنهن عوار عندكم، اتخذتموهن بأمانة الله، و استحللتم فروجهن بكلمة الله، و لهن عليكم رزقهن و كسوتهن بالمعروف».
أوجب لهن إذا كن عند الرجال، و هو يدل على التمكين، و لأن الأصل براءة الذمة من وجوب النفقة خرج منه حالة التمكين بالإجماع فيبقى الباقي على الأصل، و في جميع هذه الأدلة نظر، لأن عدم إيجاب العقد عوضين مختلفين و عدم إيجابه مالا مجهولا مجرد دعوى أو استبعاد قد دلت الدليل على خلافهما فإن الآيات الدالة على وجوب النفقة على الزوجة من غير تقييد يدل على أن العقد أوجب النفقة على ذلك الوجه، و أي مانع من إيجاب العقد أمرين مختلفين كما في شراء الدابة و المملوك، فإن العقد يوجب الثمن كالمهر، و يوجب الإنفاق المجهول من غير شرط إجماعا، و عدم إنفاق النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قبل الدخول- لو سلم- لا يدل على عدم الوجوب بإحدى الدلالات، و الخبر يدل على خلاف مطلوبكم لأن الضمير في قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «و لهن عليكم» يعود على النساء المصدر بذكرهن، و هن أعم من الممكنات، و وصفهن بالوصفين لا يدل على التمكين المدعى كونه شرطا أو سببا لأن استحلال فروجهن يحصل مع التمكين التام و عدمه، و أما
____________
(1) سنن ابن ماجة ج 2 ص 1025 من باب 74، سنن أبى داود ج 2 ص 185 من باب 56، سنن الدارمي ج 2 ص 48، تحف العقول ص 30 مع اختلاف يسير، و ليس في المصادر «فإنهن عوار عندكم».
102
أصالة البراءة فإنما تكون حجة مع عدم دليل ناقل عنه، لكنه موجود هنا بالعمومات الدالة على وجوب نفقة الأزواج، و الأصل عدم التخصيص، و على كل حال فالأظهر بين الأصحاب هو القول الثاني كما أشار إليه المصنف- (رحمه الله)-» انتهى، و هو جيد وجيه كما لا يخفى عن الفطن النبيه.
و لكنه- رحمة الله عليه- لمراعاة الشهرة في المسألة لم يصرح بالفتوى بما قاله، و في قوله «و كذا قول المحقق في المتن» إن ذلك يعني شرطية التمكين أو سببيته هو الأظهر بين الأصحاب ما يؤذن بالتردد، بل المحقق قد صرح في متن عبارته بالتردد، فقال «و في وجوب النفقة بالعقد أو بالتمكين تردد، أظهره بين الأصحاب وقوف الوجوب على التمكين» و هو ظاهر في بقائه على التردد، لتخصيصه الأظهرية بالأصحاب، و لم يذكر أن الأظهر عنده ذلك.
و بالجملة فالأظهر هو القول المخالف للمشهور، فإنه هو المؤيد بالأدلة و المنصور، و ما عدل بمحمل من الضعف و القصور،
[فوائد]
و تنقيح البحث في المسألة يتم برسم فوائد:
الأولى [مواضع ظهور ثمرة الخلاف]
قد صرحوا بأنه يظهر فائدة الخلاف المذكور في مواضع
منها ما لو اختلفا في التمكين
بأن ادعته المرأة و أنكره الزوج، فإن قلنا إن التمكين سبب أو شرط فالقول قول الزوج، و على المرأة البينة، لأنها تدعي ما يخالف الأصل، و إن قلنا إنها تجب بالعقد و النشوز مانع كان القول قولها لأن الأصل استمرار ما ثبت بالعقد، و هو يدعي السقوط بالنشوز فعليه البينة.
و
منها ما لو لم يطالبها الزوج بالزفاف
، و لم تمنع هي منه و لا عرضت نفسها عليه و مضت لذلك مدة، فإن اعتبرنا التمكين فلا نفقة لها لأنه لم يحصل من جانبها تمكين قولي و لا فعلي كما هو المفروض، و إن قلنا إنها تجب بالعقد و تسقط بالنشوز وجبت النفقة، إذ المفروض أنه لم يقع من جانبها امتناع يتحقق به النشوز.
أقول: لا يخفى ما في كلامهم في هذا التمكين الذي ادعوا شرطيته أو سببيته
103
في وجوب الإنفاق من الإجمال، و عدم ظهور معنى يترتب عليه الخلاف في هذا المجال، فإنه إن كان عبارة عن أن تبذل نفسها و تعرض نكاحها عليه فهو لا يكون إلا بالقول الذي تقدم، و قد عرفت أنه خلاف المشهور، و إن كان عبارة عن إجابتها له متى طلب و تسليم نفسها متى أراد من غير تعلل و لا توقف على زمان و لا مكان كما هو ظاهر تعريف المحقق المتقدم مع تعريفه بالتخلية بينها و بينه- فهو حاصل في هذه الصورة المفروضة، و لا ثالث لهذين المعنيين، فإنه متى لم يطالبها الزفاف و لم يطلب الدخول بها و هي منتظرة له في ذلك فالتمكين حاصل، و إنما حصل التأخير بسببه، إلا أن يقولوا بأنه يجب عليها أن تخرج من بيتها و تمضي إليه و تطالبه بالدخول، أو تقول له ذلك القول المتقدم، و هو ظاهر البطلان.
و بالجملة فإن كلامهم في تحقق معنى هذا التمكين الذي ادعوه غير منقح و لا موجه كما لا يخفى على المتأمل بعين الإنصاف.
الثانية [في حرمة مجامعة الزوجة الصغيرة]
لو كانت الزوجة صغيرة يحرم جماعها فالمشهور أنه لا نفقة لها لعدم تحقق التمكين من جانبها من حيث عدم صلاحيتها لذلك عادة.
و قال ابن إدريس (1): إذا كانت الزوجة صغيرة و الزج كبير وجب عليه نفقتها لعموم وجوب النفقة على الزوجة، و دخوله مع العلم بحالها، و هذه ليست ناشزا و الإجماع منعقد على وجوب النفقة على الزوجات.
و اعترضه السيد السند في شرح النافع فقال- بعد نقل كلامه-: و في ثبوت ما ادعاه من العموم نظر، و في الإجماع منع، مع أنه- (رحمه الله)- يعتبر في وجوب النفقة التمكين، لا انتفاء النشوز، و التمكين لا يتحقق مع الصغر، انتهى.
أقول: أما قوله «إن في ثبوت ما ادعاه من العموم نظر» فهو محل نظر لما عرفت من ظاهر الآيات و الأخبار الدالة على وجوب النفقة مع تحقق الزوجية من غير تقييد بحال و لا زمان. نعم ما أورده عليه من أنه قائل بشرطية التمكين
____________
(1) السرائر: ص 320.
104
و التمكين هنا غير حاصل فهو ظاهر الورود عليه، إلا أنه يمكن أن يجاب عنه بأن التمكين الواجب على تقدير القول به إنما هو ممن له أهلية ذلك، و إن كان ظاهر كلامهم الأعم من ذلك حيث حكموا هنا بأن العلة في عدم وجوب النفقة هو عدم التمكين من حيث صغرها و عدم قابليتها، و الظاهر أن ما ذكرنا أقرب، و كيف كان فقول ابن إدريس هو الظاهر من الأخبار المتقدمة المترتب فيها وجوب الإنفاق على مجرد الزوجية بقول مطلق.
الثالثة [حكم ما] لو كانت الزوجة كبيرة و الزوج صغيرا
قال الشيخ في المبسوط و الخلاف لا نفقة عليه، و ظاهر جملة من الأصحاب منهم ابن الجنيد و المحقق في الشرائع و العلامة في المختلف و الشهيد الثاني و غيرهم بل الظاهر أنه المشهور الوجوب.
قال في الشرائع (1): أما لو كانت كبيرة و الزوج صغيرا قال الشيخ لا نفقة لها، و فيه إشكال منشأه تحقق التمكين من طرفها و الأشبه وجوب الإنفاق، انتهى.
و استشكل في شرح النافع كلام المحقق هنا ثم قال: و قول الشيخ متجه لأنه الأصل و لا مخرج عنه.
أقول: قد عرفت بما قدمناه من التحقيق تزعزع هذا الأصل، و أنه بالبناء عليه غير حقيق، و قد بينا المخرج عنه و هو عموم الآيات و الأخبار المستفيضة، فالظاهر هو ما ذهب إليه الجماعة، أما على ما اخترناه في المسألة من ترتب الوجوب على مجرد حصول الزوجية و عدم ظهور النشوز فظاهر، و أما على ما هو المشهور من اشتراط التمكين فلأنه المفروض، و الأصل عدم اشتراط أمر آخر في الوجوب، و هو قابلية الزوج للاستمتاع بها.
و علل ما ذهب إليه الشيخ بوجه عليل نقله في المسالك و أجاب عنه، على أنه مع ثبوته و صحته فبناء الأحكام الشرعية على مثله- من هذه العلل الاعتبارية و التوجيهات العقلية- مما حظرت الأخبار جوازه، كما تقدم ذكره في غير موضع.
____________
(1) شرائع الإسلام ص 176.
105
الرابعة [فيما لو غاب الزوج عن المرأة]
قالوا: إذا غاب الزوج عن المرأة فإن كانت غيبته بعد أن حصل التمكين من الزوجة وجب عليه النفقة و استمرت عليه مدة غيبته، و إن كانت غيبته قبل التمكين فإن اكتفينا بالعقد و جعلنا النشوز مانعا فالحكم كذلك حيث لم يثبت النشوز، و إن اعتبرنا التمكين في الوجوب شرطا أو سببا فلا نفقة لها، فلو حضرت في هذه الصورة عند الحاكم و بذلت التسليم و الطاعة لزوجها اعلم بذلك، فإن وصل إليها وجبت النفقة حينئذ، و إن لم يفعل، فإذا مضى زمان يمكنه الوصول فيه إليها عادة فرض لها الحاكم النفقة في ماله لأن الامتناع منه.
و لو نشزت المرأة مع حضور الزوج فغاب عنها و هي كذلك ثم عادت إلى الطاعة لم تجب نفقتها إلى أن يعلم بعودها، و يمضي زمان يمكنه الوصول إليها لخروجها بالنشوز عن استحقاق النفقة، فلا تعود إلا مع تحقق التمكين.
أقول: قد عرفت مما قدمناه من التحقيق في المسألة ما في بعض هذه الشقوق من الاختلال و بعض من الإجمال، و ما ذكروه من حضورها عند الحاكم على تقدير اعتبار التمكين فلا أعرف له وجها و لا ما يوجبه.
نعم الواجب عليها إعلامه، و بعد علمه بذلك فإنه يجب عليه الإنفاق عليها لزوال المانع، و هو النشوز، رجع من سفره أم لم يرجع، فلو لم يرجع و لم ينفق عليها رفعت أمرها إلى الحاكم حينئذ و أخبرته بالحال ليجزي عليها النفقة من ماله.
الخامسة [عدم سقوط النفقة بامتناعها عن الوطء لعذر شرعي]
لا تسقط النفقة بامتناعها عن الوطء لعذر شرعي كالحيض و فعل الواجب أو عقلي كالمرض، و هل يفرق في الواجب بين المضيق و الموسع أم لا؟
قولان، فاعتبر الشيخ و العلامة في القواعد في جواز مبادرتها إلى الواجب الموسع من الصوم إذن الزوج، و نقل عن الشيخ في موضع من المبسوط أنه اعتبر ذلك في قضاء الفريضة أيضا، و ظاهر جمع منهم السيد السند في شرح النافع عدم الفرق صوما كان أو صلاة، لأصالة عدم ثبوت سلطنته عليها في فعل الواجب، و هو الأقرب، و الظاهر أنه المشهور، و اتفق الجميع على جواز مبادرتها إلى الصلاة
106
الواجبة في أول الوقت بغير إذنه، و فرقوا بينهما بما لا يخلو من نظر، و على ما اخترناه فلا ضرورة إلى الفرق المذكور، و المشهور بين الأصحاب أنه لو كان الفعل مندوبا فإن كان مما يتوقف على إذن الزوج كالحج و الصوم فإن فعله بدون إذنه موجب لفساده، و لكنه لا يوجب منع النفقة، لأنه غير مانع من التمكين، إلا أن تمنعه من الاستمتاع، فيكون هو السبب في عدم وجوب النفقة لا نفس العبادة.
و نقل عن الشيخ أنه أسقط النفقة مع امتناعها من الإفطار، و أورد عليه بأنه على إطلاقه مشكل، فإن النشوز لا يتحقق بترك غير الاستمتاع فلا يتحقق بمخالفتها في ترك الأكل و الشرب إذ لا يجب عليها إطاعته في ذلك، إلا أن يقال:
إن ترك الإفطار يقتضي الامتناع عن الوطء.
و فيه أن الموجب حينئذ إنما هو الامتناع من الوطء، و عبارة الشيخ أعم لأنه رتب النشوز على المطالبة بالفطر فتمتنع.
و بالجملة فضعف القول المذكور ظاهر، و إن كان مما لا يتوقف على إذنه جاز لها فعله بغير الإذن إلا أن يكون ذلك مانعا من الاستمتاع بأن يطلبه منها في ذلك الوقت فتجب عليها طاعته، لأن المندوب لا يعارض الواجب، و لو استمرت و الحال هذه لم تستحق نفقة لتحقق النشوز، بل يحكم ببطلان الفعل نظرا إلى النهي، أو يصح و إن أثمت بالمخالفة، وجهان مبنيان على أن الأمر بالشيء هل يستلزم النهي عن ضده الخاص أم لا؟ و الأظهر عندي الثاني كما تقدم تحقيقه في غير موضع من الكتب المتقدمة.
السادسة [حكم ما لو كانت الزوجة مريضة أو رتقاء أو قرناء]
قال في الشرائع (1): لو كانت مريضة أو رتقاء أو قرناء لم تسقط النفقة لإمكان الاستمتاع بما دون الوطء قبلا و ظهور العذر فيه.
قال في المسالك (2): لما حكم بعدم وجوب الإنفاق على الصغيرة، و إن مكنت
____________
(1) شرائع الإسلام ص 202.
(2) مسالك الافهام ج 1 ص 585.
107
من حيث تعذر الوطء ذكر ما يمكن أن يشاركها في الحكم و هو المريضة و الرتقاء و القرناء، و نبه المصنف على الفرق بينها و بين الصغيرة بأن الاستمتاع بالرتقاء و القرناء ممكن في ما دون الفرج و ظهور العذر فيه من حيث كونه مانعا دائما، فلا يناسب إدامة الحبس عليها مع عدم النفقة، بخلاف الصغيرة فإن لها أمدا يرتقب، و أما المريضة فإن الوطء و إن تعذر لها مطلقا إلا أن ذلك عارض متوقع الزوال كالحيض فلا يؤثر، انتهى.
أقول: لا يخفى ما في هذه التعليلات العليلة في بيان الفرق بين الصغيرة و غيرها مما ذكر هنا من الوهم و عدم صلوحها لتأسيس الأحكام الشرعية المبنية على التوقيف من صاحب الشريعة.
على أن لقائل أن يقول: إن إمكان الاستمتاع بما دون الوطء الذي جعلوه موجبا للنفقة في هذه الأفراد المذكورة يجري في الصغيرة، إذا المحرم إنما هو وطؤها الذي ربما أوجب إفضاؤها، و أما الاستمتاع بها بالملاعبة و نحوها فهو ممكن كما في أولئك، فلم لا تجب لها النفقة! و بالجملة فالجميع مشتركة في العذر المانع من الوطء و إن تفاوتت، باعتبار كون عذر الصغيرة مرجو الزوال، و عذر أولئك ليس كذلك، و مشتركة في إمكان الاستمتاع بغير الجماع فلا فرق حينئذ، و الحق الحقيق بالاتباع الذي لا يحتاج إلى تكلف و لا يتطرق إليه النزاع هو اشتراك الجميع في وجوب النفقة نظرا إلى عموم الآيات و الروايات التي قد اعترف سابقا فيما قدمنا من كلامه بأن مقتضاها ترتب وجوب النفقة على مجرد تحقق الزوجية، و هؤلاء كملا أزواج بغير خلاف و لا إشكال، فتجب لها النفقة على كل حال، و الركون إلى خلاف ذلك- بناء على هذه التكلفات البعيدة و التخريجات الغير السديدة- مجازفة محضة في أحكامه.
108
المسألة الثانية [في ثبوت النفقة للمطلقة الرجعية]
قد صرح المحقق (1) بأنه تثبت النفقة للمطلقة الرجعية كما تثبت للزوجة، و تسقط نفقة البائنة و سكناها سواء كانت عن طلاق أو فسخ.
نعم لو كانت حاملا لزم الإنفاق عليها حتى تضع، و هل النفقة للحمل أو لامه؟ قولان، و في الحامل المتوفى عنها زوجها روايتان أشهرهما أنه لا نفقة لها، و الأخرى ينفق عليها من نصيب ولدها.
و تفصيل ما اشتمل عليه هذا الكلام من الأحكام يقع في مقامات:
[المقام] الأول [في أدلة ثبوت النفقة لها]
ما ذكره من وجوب النفقة للمطلقة الرجعية كما تثبت للزوجة موضع وفاق لأنها بسبب بقائها تحت سلطنة الزوج و حبسها عن الأزواج بمنزلة الزوجة بل هي زوجة و إن خرجت عنها في بعض الأحكام.
و يدل على ذلك أيضا ما رواه
المشايخ الثلاثة (2) بأسانيده متعددة عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن المطلقة ثلاثة ليس لها نفقة على زوجها، إنما ذلك للتي لزوجها عليها رجعة».
و ما رواه
في الكافي (3) عن سعد بن أبي خلف في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن شيء من الطلاق، فقال: إذا طلق الرجل امرأته طلاقا لا يملك فيه الرجعة فقد بانت منه ساعة طلقها و ملكت نفسها و لا سبيل له عليها، و تعتد حيث شاءت و لا نفقة لها، قال: قلت: أ ليس الله يقول «لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لٰا يَخْرُجْنَ» (4) قال: فقال: إنما عنى بذلك التي تطلق تطليقة بعد تطليقة، فتلك التي لا تخرج حتى تطلق الثالثة، فإذا طلقت الثالثة فقد بانت منه و لا نفقة لها،
____________
(1) شرائع الإسلام ص 202.
(2) الكافي ج 6 ص 104 ح 1، الفقيه ج 3 ص 324 ح 5، التهذيب ج 8 ص 133 ح 58، الوسائل ج 15 ص 232 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 90 ح 5، التهذيب ج 8 ص 132 ح 57، الوسائل ج 15 ص 231 ح 1.
(4) سورة الطلاق- آية 1.
109
و المرأة التي يطلقها الرجل تطليقة ثم يدعها حتى يخلو أجلها فهذه أيضا تقعد في منزل زوجها، و لها النفقة و السكنى حتى تنقضي عدتها».
و روى الثقة الجليل عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد (1) عن عبد الله ابن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن المطلقة إلها نفقة على زوجها حتى تنقضي عدتها؟ قال: نعم».
و إطلاقه محمول على الرجعية لما يظهر لك إن شاء الله تعالى من أن غيرها لا نفقة لها.
و بالجملة فالحكم المذكور اتفاقي نصا و فتوى فلا إشكال، و استثنى بعضهم من النفقة الواجبة لها آلة التنظيف لأن الزوج لا ينتفع بذلك.
قال في المسالك: و هو حسن، و قال سبطه في شرح النافع: و الإطلاق أجود فلعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
أقول: ما ذكره سبطه- (رحمه الله)- هو المؤيد بالأخبار الكثيرة، و منها ما رواه
في الكافي (2) عن أبي بصير في الموثق عن أحدهما (عليهما السلام) «في المطلقة تعتد في بيتها و تظهر له زينتها لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا».
و عن محمد بن قيس (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «المطلقة تشوق لزوجها ما كان عليها رجعة و لا يستأذن عليها».
و المراد تتزين له بحيث يشتاق إليها.
و في رواية زرارة (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المطلقة تكتحل و تختضب و تلبس ما شاءت من الثياب لأن الله عز و جل يقول «لَعَلَّ اللّٰهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذٰلِكَ أَمْراً» (5). لعلها أن تقع في نفسه فيراجعها»
إلى غير ذلك من الأخبار.
____________
(1) قرب الاسناد ص 110.
(2) الكافي ج 6 ص 91 ح 10، التهذيب ج 8 ص 131 ح 50، الوسائل ج 15 ص 437 ب 21 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 91 ح 7، الوسائل ج 15 ص 437 ب 21 ح 4.
(4) الكافي ج 6 ص 92 ح 14، التهذيب ج 8 ص 131 ح 53، الوسائل ج 15 ص 337 ب 21 ح 2.
(5) سورة الطلاق- آية 1.
110
و لا تسقط نفقة المعتدة إلا بما تسقط به نفقة الزوجة، و يستمر إلى انقضاء العدة، و لو ظهر بالمرأة أمارات الحمل بعد الطلاق فعلى الزوج الإنفاق عليها إلى أن تضع، و لو أنفق عليها ثم تبين أنها لم تكن حاملا قيل: إنها ترد ما دفع إليها، و فيه تردد.
[المقام] الثاني [سقوط نفقة البائن و سكناها إذا لم تكن حاملا]
ما ذكره من سقوط نفقة البائن و سكناها إذا لم تكن حاملا، فالظاهر أنه موضع وفاق، و تدل عليه الأخبار المتكاثرة.
و منها ما تقدم في رواية زرارة و صحيحة سعد و ما رواه
في الكافي (1) عن عبد الله بن سنان في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المطلقة ثلاثا على السنة هل لها سكنى أو نفقة؟ قال: لا».
و عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن المطلقة ثلاثا إلها سكنى و نفقة؟ قال: حبلى هي؟ قلت: لا، قال: لا».
و عن سماعة (3) في الموثق قال: «قلت: المطلقة ثلاثا إلها سكنى أو نفقة؟
فقال: حبلى هي؟ فقلت: لا، قال: ليس لها سكنى و لا نفقة».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (4) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن المطلقة ثلاثا. لها النفقة و السكنى؟ فقال: أ حبلى هي؟ قلت: لا، قال:
لا».
إلا أنه
روى الشيخ (5) أيضا في الصحيح عن ابن سنان قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المطلقة ثلاثا على العدة لها سكنى أو نفقة؟ قال: نعم».
و الشيخ حمله على
____________
(1) الكافي ج 6 ص 104 ح 2، التهذيب ج 8 ص 133 ح 59، الوسائل ج 15 ص 233 ح 5.
(2) الكافي ج 6 ص 104 ح 3، الوسائل ج 15 ص 233 ح 6.
(3) الكافي ج 6 ص 104 ح 5، الوسائل ج 15 ص 232 ح 3.
(4) التهذيب ج 8 ص 133 ح 61، الوسائل ج 15 ص 233 ح 7.
(5) التهذيب ج 8 ص 133 ح 60، الوسائل ج 15 ص 233 ح 8.
111
الاستحباب، قال: و يحتمل أن يكون المراد به إذا كانت المرأة حاملا.
أقول: و كلا الاحتمالين بعيد إلا أن الثاني أقل بعدا.
[المقام] الثالث [في لزوم الإنفاق فيما لو كانت حاملا]
ما ذكره من أنها لو كانت حاملا لزم الإنفاق عليها حتى تضع، و هو مما لا أعرف فيه خلافا، و يدل عليه قوله عز و جل «وَ إِنْ كُنَّ أُولٰاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّٰى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» (1) و هي تدل بعمومها على من كانت رجعية أو بائنة.
و من الأخبار ما رواه
ثقة الإسلام (2) في الصحيح أو الحسن عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الحامل أجلها أن تضع حملها و عليه نفقتها بالمعروف حتى تضع حملها».
و عن عبد الله بن سنان (3) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يطلق امرأته و هي حبلى قال: أجلها أن تضع حملها و عليه نفقتها حتى تضع حملها».
و نحوهما صحيحة الحلبي و رواية الكافي، و الجميع دال على البائن التي هي محل البحث من حيث الإطلاق كالآية، فإن الطلاق فيها أعم من أن يكون بائنا أو رجعيا، و إنما الخلاف بينهم في أن النفقة هنا هل هي للحامل لأجل الحمل؟
أو أنها للحمل؟ قولان، الأكثر على الثاني و هو قول الشيخ في المبسوط، و تبعه عليه أكثر الجماعة مستندين إلى دوران وجوب النفقة مع الحمل وجودا و عدما، فإنها لو كانت حائلا فإنها لا نفقة لها و متى كانت حاملا وجبت النفقة، فلما وجبت بوجوده و سقطت بعدمه دل على أنها له كدورانها مع الزوجية وجودا و عدما،
____________
(1) سورة الطلاق- آية 6.
(2) الكافي ج 6 ص 103 ح 1، التهذيب ج 8 ص 133 ح 62، الوسائل ج 15 ص 231 ب 7 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 103 ح 4، التهذيب ج 8 ص 134 ح 63، الوسائل ج 15 ص 230 ب 7 ح 1.
112
و لوجوبها له منفصلا فكذا متصلا، و لنص الأصحاب على أنه ينفق عليها من مال الحمل.
و ذهب جمع منهم ابن حمزة إلى الأول، مستندين إلى أنه لو كانت النفقة للحمل لوجبت نفقته دون نفقتها مقدرة بحال الزوج، لأن نفقة الأقارب غير مقدرة بخلاف نفقة الزوجة، و لأنها لو كانت للحمل لوجبت على الجد كما لو كان منفصلا و هي لا تجب عليه هنا، و لأنها لو كانت للولد لسقطت بيسار الولد كما إذا ورث أو أوصى له بشيء فقبله أبوه.
قال في المسالك- بعد ذكر ذلك-: و الشيخ التزم بعض هذه الإلزامات فحكم بسقوطها بيسار الولد و ثبوتها على الجد، و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك التوقف في المسألة حيث اقتصر فيه على نقل القولين المذكورين و نقل أدلتهما و لم يتعرض لترجيح شيء منهما، و لا للطعن في أدلة أحدهما.
و ظاهر سبطه السيد السند في شرح النافع ترجيح القول الأول قال: و قيل إنها للحامل و هو الأصح لأنه المستفاد من الآية، فإن الضمير في «عليهن» يرجع إلى الحامل بغير إشكال، ثم أورد بعض الأدلة المتقدمة.
أقول: و المسألة محل إشكال لعدم النص الواضح القاطع لمادة القيل و القال، و أما قوله في شرح النافع في الاستدلال على ما اختاره بأنه المستفاد من الآية من حيث إن الضمير في «عليهن» يرجع إلى الحامل فهو عجيب، إذ الجميع متفقون على أن الإنفاق إنما هو على الام، و هي التي تأكل و تشرب و تلبس، و إنما الخلاف في أن هذا الإنفاق عليها هل لاستحقاقها له و أنها هي صاحبة الحق و إن كان السبب في ذلك الحمل الذي في بطنها؟ أو أن المستحق لذلك إنما هو الحمل و الإنفاق عليها إنما هو لأجل الحمل بأن يعيش في بطنها حتى تلده فهو المستحق أولا و بالذات، و الإنفاق عليها إنما هو بمنزلة الطريق إلى بقائه؟
و بالجملة فإن الآية لا دلالة فيها على ما ادعاه، ثم إنهم قد ذكروا هنا
113
فروعا عديدة على القولين المذكورين لا بأس بذكرها، و إن كان قليل الجدوى في هذا المجال لما عرفت من عدم ثبوت الأصل و أنه محل الاشكال، فكل ما يتفرع عليه باق في زاوية الإجمال و الاحتمال.
و (منها) إذا تزوج الحر أمة و شرط مولاها رق الولد و قلنا بجواز ذلك فأبانها و هي حامل فعلى القول بأنها للحمل لا تجب على والده، لأن الولد ملك لغيره، و إنما يجب على سيده، و هو سيد الأمة، و على القول بأنها للحامل تجب على الزوج.
و (منها) إذا تزوج عبد بأمة فأبانها حاملا فعلى القول بأن النفقة للحمل تكون على سيد الولد منفردا أو مشتركا دون الأب لأنه عبد و العبد لا تجب عليه نفقة أقاربه: و على القول بأنها للحامل فإن النفقة على العبد في كسبه أو على سيده.
و (منها) ما لو تزوج عبد بحرة و شرط مولى العبد رقية الولد، فإن جعلنا النفقة للحمل فهي على المولى، و إن جعلناها للحامل فهي في ذمة المولى أو كسب العبد على الخلاف في ذلك.
و على هذه الفروع اقتصر الشيخ و المحقق، و زاد المتأخرون أن (منها) ما لو لم ينفق عليها حتى مضت مدة أو مجموع العدة، فمن قال بوجوبها للحمل فإنه لا يوجب قضاءها لأن نفقة الأقارب لا تقضى، و من قال أنها لها أوجب القضاء لأن نفقة الزوجة مما يقضى كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قال في المسالك: و أورد على هذا بأن القضاء إنما هو للزوج لكونها معاوضة، و الزوجية هنا منتفية قطعا، و أجيب بأن الوجوب لها على حد الوجوب للزوجة و فيه منع. و يمكن الجواب بأن النفقة حق مالي و الأصل فيه وجوب القضاء، خرج القريب من ذلك بدليل خارج، لأنها معونة لسد الخلة فيبقى الباقي على الأصل، انتهى.
114
أقول: لا يخفى ما في هذا الجواب من تطرق المناقشة إليه، فإن مرجع كلام المورد إلى أنه ليس كل نفقة يجب قضاؤها، فإن نفقة الأقارب لا يجب قضاؤها و نفقة الزوجة التي قام الدليل على وجوب قضائها إنما هي التي وجبت من حيث الزوجية لأنها في مقابلة التمكين كما تقدم، فهي معاوضة كما ذكره و من ثم إن الناشز و من أخلت بالتمكين لا نفقة لهما، و ما عدا ذلك فالأصل براءة الذمة من النفقة أو قضائها، و بذلك يظهر لك ما في قوله «إن النفقة حق مالي و الأصل فيه وجوب القضاء» فإنه مغالطة، إذ الخصم يمنع الكبرى على الإطلاق.
و بالجملة فإنه لما كان المعلوم من الأدلة أن وجوب نفقة الزوجة إنما هو من قبيل المعاوضة، فهي لا تكون إلا من حيث الزوجية، و وجوب القضاء إنما يفرع على ذلك، و الزوجية مفقودة في محل البحث، كما هو المفروض، فالقول بوجوب القضاء في محل البحث خلف ظاهر، و الأصل الذي ادعاه من وجوب القضاء معارض بأن الأصل براءة الذمة.
و (منها) ما لو كانت ناشزا حال الطلاق، أو نشزت بعده، فعلى القول بأن النفقة لها تسقط لما علم من أن المطلقة حيث يجب نفقتها كالزوجة تسقط نفقتها حيث تسقط، و تجب حيث تجب، و على القول بأنها للحمل لا تسقط.
أقول: و يعتريني في هذا المقام إشكال حيث إن ظاهر كلامهم و قولهم هنا النفقة للحامل ليس المراد به أنها تستحق النفقة أصالة كما في استحقاقها لو كانت زوجة أو مطلقة رجعية، و إنما المراد استحقاقها لا لأجل الحمل و بقائه و حفظه إلى أن تلده، و حينئذ فالنشوز لا يؤثر في منع النفقة، و هم متفقون على أن البائن لا تستحق نفقة و هذه بائن، و إنما استحقاقها من أجل الحمل، و لهذا قيل: بأن النفقة إنما هي للحمل دونها. و بالجملة فالظاهر أن النشوز سيما بعد الطلاق البائن لا يؤثر في منع النفقة على القول بأن النفقة لها.
و (منها) ما لو ارتدت بعد الطلاق فيسقط نفقتها على الأول دون الثاني. إلى
115
غير ذلك من المواضع التي من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى المسالك و غيره من المطولات.
[المقام] الرابع [في نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها]
ما ذكره من الحامل المتوفى عنها زوجها، و الخلاف في هذه المسألة مشهور بين الأصحاب لاختلاف أخبارها، فذهب الشيخ في النهاية و الأكثر و منهم الصدوق في المقنع و ابن الجنيد و أبو الصلاح و ابن البراج و ابن حمزة إلى وجوب الإنفاق عليها من مال الولد، و ذهب جمع منهم ابن إدريس و المحقق و العلامة و سائر المتأخرين إلى العدم، و هو المنقول عن الشيخ المفيد كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، و نقله في المختلف عن ابن أبي عقيل حيث قال: و قال ابن أبي عقيل:
لا نفقة للمتوفى عنها زوجها سواء كانت حبلى أو غير حبلى، و اختاره في المسالك.
و الذي وصل إلى من الأخبار في هذا المقام منه ما رواه
ثقة الإسلام (1) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في الحبلى المتوفى عنها زوجها: أنها لا نفقة لها».
و عن أبي الصباح الكناني (2) في الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المرأة الحامل المتوفى عنها زوجها هل لها نفقة؟ قال: لا».
و عن زرارة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المرأة المتوفى عنها زوجها هل لها نفقة؟ فقال: لا».
و ما رواه
في التهذيب (4) عن زيد أبي أسامة قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 6 ص 114 ح 3، التهذيب ج 8 ص 151 ح 121، الوسائل ج 15 ص 234 ب 9 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 115 ح 8، التهذيب ج 8 ص 150 ح 120، الوسائل ج 15 ص 234 ب 9 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 115 ح 9، التهذيب ج 8 ص 151 ح 122، الوسائل ج 15 ص 234 ب 9 ح 3.
(4) التهذيب ج 8 ص 151 ح 123، الوسائل ج 15 ص 235 ح 7.
116
عن الحبلى المتوفى عنها زوجها هل لها نفقة؟ فقال: لا».
و عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن المتوفى عنها زوجها إلها نفقة؟ قال: لا».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه (2) عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المرأة الحبلى المتوفى عنها زوجها ينفق عليها من مال ولدها الذي في بطنها».
قال في شرح النافع بعد ذكر هذه الرواية: و جمع من الأصحاب و صفوها بالصحة، و هو منظور فيه، فإن في طريقها محمد بن الفضيل و هو مشترك بين الثقة و الضعيف، و لعلهم اطلعوا على قرائن أفادت أنه ثقة، و نحوه قال في المسالك.
أقول: بل الظاهر أن وصفها بالصحة إنما وقع سهوا من المتقدم، فتبعه عليه من تأخر عنه لعدم المراجعة إلى السند، و أمثاله كثيرة كما لا يخفى على المتتبع.
و ما رواه
في الكافي (3) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «المتوفى عنها زوجها ينفق عليها من ماله».
و ما رواه
في الفقيه (4) عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: «نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها من جميع المال حتى تضع».
و أكثر هذه الأخبار قد دل على أنه لا نفقة لها كما ذهب إليه ابن إدريس و من تأخر عنه.
و الشيخ قد حملها على أنه لا نفقة لها يعني من مال الميت و إن كان لها النفقة
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 152 ح 126، الوسائل ج 15 ص 235 ح 6.
(2) الكافي ج 6 ص 115 ح 10، الفقيه ج 3 ص 330 ح 3، التهذيب ج 8 ص 152 ح 125، الوسائل ج 15 ص 236 ب 10 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 120 ح 4، التهذيب ج 8 ص 151 ح 124، الوسائل ج 15 ص 235 ح 4.
(4) الفقيه ج 3 ص 330 ح 4، التهذيب ج 8 ص 152 ح 127، الوسائل ج 15 ص 236 ب 10 ح 2.
117
من مال الولد، قال في شرح النافع بعد نقل ذلك عنه: و لا بأس بهذا الجمع لو تكافأت الروايات في السند و الدلالة، لكنه محل نظر.
و فيه أن صحيحة محمد بن مسلم الاولى قد صرحت- بعد نفي النفقة أو النهي عنها- بأنه ينفق عليها من مالها، و بذلك يظهر أنه لا يتم هذا الجمع، فنفي البأس عنه إنما نشأ عن الغفلة عن ملاحظة الصحيحة المذكورة، فإنها صريحة في أنه إنما ينفق عليها من مالها لا من مال الميت، و لا مال الولد، و نقل عن الشيخ المفيد في كتاب التمهيد أنه أنكر الحكم بالإنفاق عليها من مال الحمل تمام الإنكار، فقال: إن الولد إنما يكون له مال عند خروجه إلى الأرض حيا، فأما و هو جنين لا يعرف له موت من حياة فلا ميراث له و لا مال على الاتفاق، فكيف ينفق على الحبلى من مال من لا مال له لو لا السهو في الرواية أو الإدخال فيها. انتهى، كذا نقله عنه ابن إدريس لتأييد ما ذهب إليه.
و قال العلامة في المختلف: و التحقيق أن نقول: إن جعلنا النفقة للحمل فالحق ما قاله الشيخ، و إن جعلناها للحامل فالحق ما قاله المفيد.
و اعترضه السيد السند في شرح النافع فقال: ما ذكره بعيد عن التحقيق، إذ ليس في الروايات المتضمنة لهذا الحكم (1) دلالة على أن النفقة للحمل بوجه، و إنما المستفاد منها أن ينفق على الحامل من نصيب الحمل، فإن وجب العمل بها تعين المصير إلى هذا الحكم مطلقا، و إن ترجح ردها- إما لقصورها من حيث السند أو الدلالة أو لما ذكره المفيد من أن الحمل لا مال له- وجب نفي هذا الحكم رأسا كما ذكره المفيد و ابن إدريس، أما التفصيل فلا وجه له، انتهى.
أقول: الظاهر أن مراد العلامة من هذا الكلام هو الجمع بين أخبار المسألة بحمل ما دل على وجوب الإنفاق عليها من مال ولدها الذي في بطنها، على أن هذه النفقة للولد لا للحامل، و حمل ما دل على أنه لا نفقة بالكلية كما دلت عليه
____________
(1) أي الأمر بالإنفاق (منه- (قدس سره)-).
118
أكثر الأخبار على النفقة للحامل، و مرجعه إلى أنها تستحق النفقة للولد، و لا تستحقها لنفسها، و حينئذ فقول السيد «أن المستفاد من الأخبار أن ينفق على الحامل من نصيب الحمل، فإن وجب العمل. إلخ» مردود بأنه و إن استفيد ما ذكره من هذا الخبر إلا أن الأخبار الأخر ظاهرة في أنه لا نفقة مطلقا و الواجب الجمع بين الجميع بوجه يرفع الاختلاف من البين، فكيف يتم قوله إنه إن عمل بهذه الرواية كان كذا، و إن وجب ردها كان كذا، فإن فيه إنا نريد العمل بالرواية المذكورة على وجه تجتمع به مع الروايات الأخر و هو يحصل بالتفريع على تلك المسألة.
قوله «ليس في الروايات المتضمنة لهذا الحكم دلالة على أن النفقة للحمل بوجه» مسلم لكن ارتكاب التأويل لا يتوقف على ذلك كما لا يخفى فإن التأويل ليس إلا الحكم بخلاف الظاهر، و الرواية و إن لم تكن متضمنة لذلك و لا دلالة عليه إلا أنه يمكن حملها على ذلك.
و بالجملة فالظاهر أن ما ذكره- (رحمه الله)- لا يخلو من شوب المناقشة بحسب فهمي القاصر، و بعض مشايخنا المحدثين (1) من متأخري المتأخرين احتمل في الجمع بين روايات المسألة بحمل ما دل على وجوب الإنفاق من نصيب الولد على ما إذا كانت محتاجة لأنه تجب نفقتها عليه، و حمل ما دل على عدم الإنفاق على ما إذا لم تكن محتاجة، و هو لا يخلو من قرب.
و كيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال، و إن كان ما ذهب إليه المتأخرون أقرب، لتكاثر الأخبار به، و عدم نهوض رواية أبي الصباح التي استند إليها المتقدمون بالمعارضة، إلا أن شهرة الفتوى بها بين المتقدمين- سيما الصدوق فإنه قال في الفقيه «و الذي نفتي به رواية الكناني»- مما يوجب مزيد اعتبار لها.
بقي الكلام في الروايات الباقية و منها صحيحة محمد بن مسلم الثانية، و قوله فيها «ينفق عليها من ماله» و الشيخ قد استدل بهذه الرواية على ما ذهب إليه من
____________
(1) هو شيخنا المجلسي- (قدس سره)- في حواشيه على كتب الاخبار. (منه- (قدس سره)-).
119
وجوب الإنفاق من مال الولد، مدعيا أن الضمير في قوله «من ماله» يعود إلى الولد، قال في الاستبصار: قوله (عليه السلام) «ينفق عليها من ماله» محمول على أنه ينفق عليها من مال الولد إذا كانت حاملا، و الولد و إن لم يجر له ذكر جاز لنا أن نقدره لقيام الدليل كما فعلناه في مواضع كثيرة من القرآن و غيره. انتهى، و لا يخفى ما فيه من البعد، فإن تقدير الولد فرع الدلالة عليه في الخبر بوجه، و الخبر لا دلالة فيه على محل البحث و هي الحامل، و إنما مورده المتوفى عنها زوجها و هذا الخبر أورده في الكافي في باب الرجل يطلق امرأته ثم يموت قبل أن تنقضي عدتها، و هو يشعر بأنه حمل الخبر على المطلقة قبل الوفاة و إن لم تكن حاملا.
و كيف كان فالخبر مع كونه بحسب ظاهره لا يخلو من الاشكال ليس من أخبار المسألة التي يمكن الاعتماد إليها في الاستدلال، و حمله بعض المحدثين من متأخري المتأخرين أنه يستحب للورثة ذلك.
و منها رواية السكوني المتضمنة لأن نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها من جميع المال (1) و الشيخ حمله في التهذيبين تارة على الاستحباب مع رضاء الورثة، و اخرى على نصيب الولد قبل القسمة لعدم تميزه بعد لتوقفه بعد على العلم بكونه ذكرا أو أنثى، و لعل الثاني أقرب، و أقرب منه الحمل على التقية، لمخالفة الخبر لفتوى الطائفة و أخبارهم مضافا إلى أن الرواية من العامة.
المسألة الثالثة [في أن الرجوع في قدر النفقة إلى العرف و العادة]
الظاهر أن الرجوع في قدر النفقة إلى العرف و العادة، و كذا في الاخدام و عدمه، و تفصيل الكلام في المقام أنه ينبغي أن يعلم أنه لما كانت الأوامر بالنفقة في الكتاب و السنة مطلقة مثل قوله عز و جل
____________
(1) أقول: و في معنى رواية السكوني المذكورة ما رواه الراوندي عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال على (عليه السلام): الحامل المتوفى عنها زوجها نفقتها من جميع مال الزوج حتى تضع. (منه- (قدس سره)-) مستدرك الوسائل ج 2 ص 636 ب 5 ح 2.
120
«وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ» (1) و قوله «فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اللّٰهُ» (2)
و قولهم (عليهم السلام) فيما تقدم من الأخبار (3) «يشبعها و يقيم ظهرها و يطعمها ما يقيم صلبها».
و نحو ذلك كان المرجع فيها إلى العرف و العادة فيما جزم له الأصحاب، لأنه الحكم في ذلك حيث لا يرد له تقدير من الشارع.
و هكذا الكلام في الكسوة فإنه قد تقدم في الأخبار أن الواجب عليه الكسوة و في بعض ما يستر العورة و نحو ذلك، و الأصحاب قد صرحوا بأنها ترجع فيما تحتاج إليه- من الطعام و جنسه من البر و الشعير و التمر و الزبيب و الذرة و غيرها، و الإدام الذي تأتدم به من السمن و الزيت و الشيرج و اللحم و اللبن و غيره، و الكسوة من القميص و السراويل و المقنعة و الجبة و غيرها و جنسها من الحرير و القطن و الكتان، و الإسكان في دار و بيت لا يقين بحالها، و الإخدام إذا كانت من ذوي الحشمة و المناصب المقتضية لذلك، و آلة الادهان التي تدهن به شعرها و ترجله من شيرج أو زيت مطلق أو مطيب بالورد أو البنفسج أو غيرهما مما يعتاد لأمثالها و المشط و ما تغسل به الرأس من السدر و الطين و الصابون على حسب عادة البلد و نحو ذلك مما يحتاج إليه- إلى عادة أمثالها من أهل بلدها، و إن اختلفت العادة رجع إلى الأغلب، و مع التساوي فما يليق منه بحاله.
أقول: و الذي حضرني من الأخبار المتعلقة مضافا إلى الأخبار المتقدمة ما رواه
الشيخ في الصحيح و الكليني (4) بسنده فيه إرسال عن شهاب بن عبد ربه قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما حق المرأة على زوجها؟ قال: يسد جوعتها و يستر عورتها
____________
(1) سورة البقرة- آية 233.
(2) سورة الطلاق- آية 7.
(3) الكافي ج 5 ص 511، الوسائل ج 15 ص 223 ب 1.
(4) الكافي ج 5 ص 511 ح 5، التهذيب ج 7 ص 457 ح 38 و فيهما اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 226 ب 2 ح 1.
121
و لا يقبح لها وجها، فإذا فعل ذلك فقد أدى و الله إليها حقها، قلت: فالدهن؟
قال: غبا يوم و لا يوم لا، قلت: فاللحم؟ قال: في كل ثلاثة أيام فيكون في الشهر عشر مرات لا أكثر من ذلك في كل ستة أشهر، و يكسوها في كل سنة أربعة أثواب ثوبين للشتاء و ثوبين للصيف، و لا ينبغي أن يقفر بيته من ثلاثة أشياء:
دهن الرأس و الخل و الزيت و يقوتهن بالمد، فإني أقوت به نفسي، و ليقدر لكل إنسان منهم قوته فإن شاء أكله و إن شاء وهبه و إن شاء تصدق به، و لا تكون فاكهة عامة إلا أطعم عياله منها، و لا يدع أن يكون للعيد عندهم فضلا في الطعام أن ينيلهم من ذلك شيئا لا ينيلهم في سائر الأيام».
أقول: ما اشتمل عليه الخبر من التقدير بالمد في النفقة لم يقف على قائل به إلا الشيخ- رحمة الله عليه- في الخلاف، و في المبسوط فصل فجعل على الموسر مدين كل يوم و على المتوسط مدا و نصفا و على المعسر مدا.
أقول: أما التقدير بالمد كما ذكره في الخلاف فقد عرفت مستنده، و أما التفصيل الذي ذكره في المبسوط فلم نقف له على مستند في الأخبار إلا أن يكون نوع من الاعتبار.
و قال في المسالك- بعد نقل ذلك عن الشيخ-: و الأصل في هذا التقدير أن المد قدره الشارع في الكفارات قوتا للمسلمين فاعتبرت النفقة به، لأن كل واحد منهما مال يجب بالشرع لأجل القوت، و يستقر في الذمة، و ربما أوجب الشارع في بعض الكفارات لكل مسكين مدين، فجمع في القول الثاني بين الأمرين فجعل المدين على الموسر، و المد على المعسر و جعل المتوسط بينهما، فألزمه بمد و نصف، و الأقوى ما اختاره المصنف من عدم التقدير، و الرجوع إلى قدر الكفاية و سد الخلة و هي الحاجة و هو اختيار ابن إدريس و سائر المتأخرين لأن التقدير رجوع إلى تخمين و ضرب من القياس لا يطابق أصول مذهبنا، انتهى.
و الظاهر أن شيخنا المذكور غفل عن الخبر الذي نقلناه، و إنما التجأ
122
في توجيه كلام الشيخ إلى الحمل على الكفارة، و قد عرفت ورود النص به.
نعم ما ذكره في المبسوط خال من النص، و الإيراد عليه إنما هو بالنسبة إلى ما ذكره في المبسوط خاصة، إلا أنه يمكن حمل الخبر المذكور على أن ذلك كان عادتهم في تلك الأوقات كما يستفاد من جملة من الروايات بالنسبة إلى الكفارات و الصدقات كما في حديث ضيعة الصادق (عليه السلام) المسماة بعين زياد.
و أما قوله في الخبر «و الصبغ في كل ستة أشهر» فالظاهر أن المراد به مثل الحناء و الوسمة و الثياب المصبوغة، و أما ما اشتمل عليه من أن اللحم في كل ثلاثة أيام، فلا أعلم به قائلا على هذا الإطلاق، و المنقول عن الشيخ أنه اعتبر اللحم في كل أسبوع مرة محتجا بأنه المعروف قال: و يكون يوم الجمعة.
و عن ابن الجنيد أنه أوجب اللحم على المتوسط في كل ثلاثة أيام.
و كيف كان فالعمل على ما دل عليه الخبر من كونه في كل ثلاثة أيام متوسطا أو غيره، و الظاهر أن المراد بالدهن الذي حكم بكونه غبا هو دهن البدن، فإنه في الصدر الأول متعارف ليبوسة أهوية تلك البلدان.
ثم إن الظاهر من كلام العلامة في المختلف أنه لم يقف أيضا على الخبر المذكور كما لا يخفى على من راجعه، و نحوه ابن إدريس في رده على الشيخ في ما ادعاه من الدليل على هذه المسألة بإجماع الفرقة و أخبارهم، و أنكر وجود الأخبار بذلك، و الكل صادر عن غفلة عن النص المدعى، و مع أنه صحيح السند صريح الدلالة، إلا أن الظاهر أن الوجه فيه ما ذكرناه.
تنبيهات
الأول [وجوب اتخاذ الخادم للزوجة إن كان من شأنها]
لا يخفى أن في النساء من لا تخدم نفسها بحسب عادة أمثالها و أهل بلدها لشرفها و علو منزلتها بل لها من يخدمها، فهذه يجب على الزوج أن يتخذ لها خادما بآية المعاشرة بالمعروف، و لا فرق عند الأصحاب بين كون الزوج معسرا
123
أو موسرا، حرا أو عبدا، لأن الاعتبار بحال المرأة في بيت أبيها، و يجب أن يكون الخادم امرأة أو صبيا أو محرما لها، و في جواز مملوكها الخصي نظر، ينشأ من جواز نظره إليها و عدمه، و قد تقدم الكلام فيه في بعض فوائد المقدمة، و أما من تخدم نفسها بحسب العادة فلا تجب في حقها ذلك إلا لمرض و نحوه، فعلى الزوج حينئذ إقامة من يخدمها.
الثاني:
قالوا: إذا أخدمها بحرة أو أمة مستأجرة فليس عليه سوى الأجرة و إن أخدمها بجاريته كانت نفقتها عليه من جهة الملك، و إن كان يخدمها بكفاية مؤنة خادمها فهذا موضع نفقة الخادم، و القول في جنس طعامها و قدره كما هو في جنس طعام المخدومة، و لو قال الزوج: أنا أخدمها لإسقاط مؤنة الخدمة عن نفسه فله، لأن ذلك حق عليه يجب عليه وفاؤه بنفسه أو غيره، هذا مما لا يستحيى منه كغسل الثوب و استسقاء الماء و كنس البيت و طبخ الطعام، أما ما يستحيى منه كالذي يرجع إلى خدمة نفسها من صب الماء على يدها و حملها إلى الخلاء و غسل خرق الحيض و الجماع و نحو ذلك فلها الامتناع من خدمته لأنها تحتشمه و تستحيي منه فيضر بحالها، و أطلق جماعة تخيره في الخدمة بنفسه مطلقا لأن الحق عليه فالتخيير في جهاته إليه.
الثالث:
قد عرفت أنه يرجع في جنس المأكول و الملبوس و الإدام إلى عادة أمثالها من أهل البلد، و كذا في المسكن، قالوا: و لها المطالبة بالتفرد بالمسكن عن مشارك غير الزوج، و المراد من المسكن ما يليق بها من دار و حجرة و بيت فالتي يليق بها الدار و الحجرة لا يسكن معها غيرها في دار واحدة بدون رضاها، لكن لو كان في دار حجرة مفردة المرافق فله أن يسكن، و كذا لو أسكن واحدة في العلو و واحدة في السفل و المرافق متميزة، و لا تجمع بين الضرتين، و لا بين المرأة و غيرها في بيت واحد مطلقا إلا بالرضا.
الرابع:
قالوا: تختلف الكسوة باختلاف الفصول و البلدان في الحر و البرد فيعتبر في الشتاء زيادة الحشو بالقطن و نحوه، و يرجع في جنسه من القطن
124
و الكتان و الحرير إلى عادة أمثالها، و كذا يجب في الصيف الثياب اللائقة بحالها من الكتان و الحرير و نحوه مما يعتاد، و يعتبر مع ذلك ثياب التجمل زيادة على ثياب البدلة إذا كانت من أهل التجمل، و لو كانت البلاد باردة و لم يستغن بالثياب عن الوقود وجب لهن الحطب و الفحم بقدر الحاجة، و يجب أيضا مراعاة ما يفرش على الأرض من البساط و الحصير و الملحفة و النطع و المخدة و اللحاف بما يليق بحالها عادة بحسب الفصول، و قد عد الفقهاء في هذا الباب أشياء كثيرة بحسب ما اتفق اعتياده عندهم، و مرجعه إلى ما يعتبر في العادة لأمثالها في بلدها في كل وقت بما يناسبه.
المسألة الرابعة:
و هي تتضمن حكمين
(أحدهما) [في أن الزوجة تملك نفقة يومها مع التمكين]
لا خلاف بين الأصحاب في أن الزوجة تملك نفقة يومها مع التمكين، فلو منعها و انقضى اليوم أو الأيام وجب قضاؤها.
قال في المسالك: لما كان المقصود من النفقة القيام بحاجتها و سد خلتها لكونها محبوسة لأجله فالواجب منها أن يدفع يوما فيوما، إذ لا وثوق باجتماع الشرائط في باقي الزمان، و الحاجة تندفع بهذا المقدار، فيجب دفعها في صبيحة كل يوم إذا طلع الفجر و لا يلزمها الصبر إلى الليل ليستقر الوجوب لتحقق الحاجة لأنها تحتاج إلى الطحن و الخبز و الطبخ، إذ الواجب عليه دفع الحب و نحوه و مؤنة إصلاحه لا عين المأكول عملا بالعادة، فلو لم يسلم إليها أول النهار لم تنله عند الحاجة، و لو منعها من النفقة و انقضى اليوم ممكنة استقرت ذلك اليوم في ذمته لأن نفقة الزوجة اعتياض في مقابلة الاستمتاع، فتصير بمنزلة الدين، و كذا نفقة الأيام المتعددة إذا مضت و لم ينفق عليها، انتهى.
أقول: لا أعرف لما ذكره من هذا التفصيل نصا واضحا و لا دليلا صالحا، فإن الظاهر من الأخبار المتقدمة سيما صحيحة شهاب بن عبد ربه أن الواجب شرعا إنما هو عين المأكول لا الحب و أمثاله مما يحتاج إلى علاج و مزاولة
125
و استناده- في الوجوب لما ذكره إلى العادة- مردود، بأن ذلك إنما هو من حيث المسامحة و التراضي و عدم المضايقة في الحقوق الشرعية، ألا ترى أن العادة قاضية بتكلف المرأة في خدمة البيت بما لا يجب عليها شرعا من طبخ و خبز و غسل ثياب لنفسها و زوجها و نحو ذلك.
و بالجملة فإن الظاهر أن الحق الشرعي لها إنما هو شيء يوكل بغير مؤنة و لا كلفة من خبز أو تمر أو نحوهما، و هذا هو ينطبق عليه حديث المد و هو الظاهر من تلك الأخبار المطلقة من قوله «يشبعها و يقيم صلبها» و نحو ذلك و التكليف بما زاد مما ذكره هو و غيره- (رحمه الله)- محتاج إلى دليل و لا دليل، و التمسك بقضية العادة بين الناس قد عرفت أنه غير خال من وصمة الشك و الالتباس إلا أني أظن أن ما ذكرناه مما يكبر في صدور بعض الناظرين في المقام ممن تألف متابعة الشهرة في الأحكام و كل ميسر لما خلق له.
نعم ما ذكره من قضاء النفقة لو أخر دفعها عن وقتها لا ريب فيه لما ذكره، ثم إنه قال في المسالك أيضا: ثم استحقاق الزوجة المئونة على وجه التمليك لا الإمتاع، لأن الانتفاع به لا يتم إلا مع ذهاب عينه، و كذا حكم كلما يستهلك من آلة التنظيف و الدهن و الصابون و الطين و نحو ذلك، فإذا دفعه إليها ملكت نفقة اليوم و تخيرت بين التصرف فيه أو في بعضه و استفضال بعضه و جميعه و الإنفاق على نفسها من مالها كما تخير في جهات أموالها، انتهى.
أقول: و يدل عليه قوله (عليه السلام)
في صحيحة شهاب المتقدمة «و يقدر لكل إنسان منهم قوته فإن شاء أكله و إن شاء وهبه و إن شاء تصدق به».
و
(ثانيهما) [اختلاف الأصحاب في كون الكسوة تمليكا أو إمتاعا]
قد اختلف الأصحاب في كون الكسوة تمليكا أو إمتاعا، و بالأول قال الشيخ في المبسوط، و المحقق و العلامة في غير التحرير و القواعد و الثاني (1) خيرة العلامة في القواعد و شيخنا الشهيد الثاني في الروضة و المسالك،
____________
(1) و على هذا القول فليس لها بيعها و لا التصرف فيها بغير اللبس من أنواع التصرفات، و لا لبسها زيادة على المعتاد كيفية و كمية، فإن فعلت فأبلتها قبل المدة التي تبلى فيها عادة لم يجب عليه إبدالها بغيرها، و كذا لو أبقتها زيادة على المدة و له إبدالها بغيرها مطلقا و تحصيلها بالإعادة و الاستيجار و غيرهما، و لو طلقها و ماتت و نشزت استحق ما يجده منها مطلقا. و أيد هذا القول بأن الغاية من الكسوة الستر و هو يحصل بالإمتاع كالسكنى و أصالة براءة الذمة من التمليك. (منه- (قدس سره)-).
126
و تردد العلامة في التحرير.
احتج من قال بالأول بقوله تعالى «وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ» و التقريب فيها أنه عطفها على الرزق، فيكون الواجب فيهما واحدا لاقتضاء العطف التسوية في الحكم و هو في الرزق التمليك فيكون كذلك في الكسوة، و لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «و لهن عليكم رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» فاللام للملك.
و تنظر فيه في المسالك قال: لمنع اقتضاء العطف التسوية في جميع الأحكام و جميع الوجوه سلمنا، لكن المعتبر الاشتراك في الحكم المذكور دون صفته و كيفيته، فإن قولنا: أكرم زيدا و عمرا يقتضي اشتراكهما في أصل الإكرام لا التسوية فيه من كل وجه. و الظاهر من الحكم هنا هو كون الرزق مستحقا عليه فيكون الكسوة كذلك، و أما كيفية الاستحقاق فأمر آخر خارج عن أصل الحكم، و من الجائز أن يريد بقوله «وَ كِسْوَتُهُنَّ» جعلهن مكتسئين و هو يتم بالامتاع. و أما الخبر فمع قطع النظر عن إسناده يجوز أن تكون اللام للاستحقاق لا الملك أو الاختصاص بل هو الأصل فيها، كما حققه جماعة و هما يتحققان بالإمتاع، انتهى.
أقول: و المسألة عندي محل توقف و إشكال لعدم النص القاطع لمادة القيل و القال، و الركون إلى هذه التعليلات المتعارضة في كلامهم و الجارية على رؤوس أقلامهم في تأسيس الأحكام الشرعية مجازفة محضة. ثم إنهم ذكروا بناء على القولين المذكورين فروعا يظهر فيها فائدة الخلاف.
(منها) ما لو دفع إليها كسوة لمدة جرت العادة ببقائها إليها فتلفت في يدها
127
قبل مضي المدة من غير تقصير، فعلى القول بالتمليك لا يجب عليه إبدالها لأنه قد وفى ما عليه فأشبه ما إذا ملكها النفقة فتلفت في يدها. و على القول بالإمتاع يجب عليه إبدالها قالوا: و لو أتلفتها بنفسها فلا إبدال على القولين لأنه على الإمتاع يلزمها ضمانها فكأنها لم تتلف، و أما على الملك فظاهر مما تقدم.
(و منها) لو انقضت المدة و الكسوة باقية لرفقها بها فعليه كسوة أخرى على الأول و هو الذي حكم به في الشرائع لأن ملكها لها مترتب على المدة المعتادة لها كما لو استفضلت من طعام يومها، و على الثاني لا تلزمه حتى يبلى عندها.
(و منها) ما لو مات في أثناء المدة أو ماتت هي أو طلقها و الكسوة باقية في المدة التي تصلح لها فعلى القول بالإمتاع تسترد مطلقا. و على القول بالتمليك قال في المسالك: يحتمل قويا ذلك. يعني الاسترداد مطلقا لأنه أعطاها للمدة المستقبلة و هو غير واجبة كما لو أعطاها نفقة أيام، و هو الذي جزم به المصنف فيما يأتي و عدمه لأن تلك المدة بالنسبة إلى الكسوة كاليوم بالنسبة إلى النفقة، و سيأتي أن النفقة لا تسترد لو وقع ذلك في أثناء النهار.
(و منها) إذا لم يكسها مدة صارت الكسوة دينا عليه على الأول كالنفقة، و على الإمتاع لا يصير دينا.
(و منها) أنه يجوز له أخذ المدفوع إليها و يعطيها غيره على القول بالامتناع و على القول بالتمليك لا يجوز ذلك إلا برضاها.
(و منها) أنه لا يصح لها بيع المأخوذ و لا التصرف فيه بغير اللبس إن قلنا بالإمتاع، و يصح على القول بالتمليك، إن لم يناف غرض الزوج من التزين و التجمل.
(و منها) جواز إعطائها الكسوة بالإعارة و الإجارة على تقدير القول بالتمليك دون القول بالإمتاع، و لو تلف المستعار فضمانه على الزوج.
المسألة الخامسة [فيما لو ادعت البائن أنها حامل]
قد صرح بعض الأصحاب بأنه إذا ادعت البائن أنها حامل صرفت إليها النفقة يوما فيوما، فإن تبين الحمل، و إلا استعيدت. و مقتضى هذا الكلام وجوب النفقة بمجرد دعواها، و إن لم يتبين أو يظن صحة ذلك، قيل:
128
و وجهه أن الحمل في ابتدائه لا يظهر إلا لها، فقبل قولها فيه كما يقبل في الحيض و العدة، لأن الجميع من الأمور التي يختص بها و لا يعلم إلا من قبلها، و أيضا فإن في ذلك جمعا بين الحقين، و حق الزوج على تقدير عدم ظهور ذلك ينجبر بالرجوع عليها، و في التأخير إلى أن يتحقق إضرار لها مع حاجتها إلى النفقة، و عدم وجوب قضائها لو قلنا إن النفقة للحمل، لأن نفقة الأقارب لا تقضى.
و نقل عن الشيخ في المبسوط أنه علق وجوب الإنفاق على ظهور الحمل، و عن العلامة في التحرير أنه علقها على شهادة أربع من القوابل، و هو ظاهر اختياره في المسالك قال: لأن وجوب الإنفاق على الزوجة انقطع بالطلاق البائن، و وجوبه عليها مشروط بالحمل، و الأصل عدمه إلى أن يتحقق، و حكم الزوجة به في الابتداء ظني، و الظن قد يكذب، و لأنه تعالى قال «وَ إِنْ كُنَّ أُولٰاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّٰى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» (1) شرط في الإنفاق عليهن كونهن أولات حمل، و هذا الوصف لا يتحقق بمجرد الدعوى، انتهى.
أقول: و المسألة لما عرفت من تقابل هذه التعليلات في المقام و عدم النص الواضع عنهم (عليهم السلام) محل توقف و إشكال، و ما ذكره في المسالك جيد، إلا أنه يمكن تخصيصه بما تقدم أولا من التعليلات، ثم إنه على تقدير وجوب الإنفاق عليها بمجرد دعواها هل تطالب بكفيل لجواز ظهور خلاف ما ادعته؟ قال في المسالك: فيه وجهان منشأهما أنها استولت على مال الغير بسبب لم يثبت في نفس الأمر، و إنما حكم به الشارع لتعذر إثبات موجبها قطعا، فلو أخرت إلى الوضع لزم الإضرار بها كما قررناه، فيجمع بين الحقين بالدفع إليها بكفيل، و من حيث عدم ثبوت استحقاق الرجوع عليها الآن، و الأول لا يخلو من قوة، انتهى.
المسألة السادسة [في أن النفقة هل هي للحامل أو الحمل]
المشهور بين الأصحاب أنه لا نفقة للبائن إلا المطلقة الحامل، لأن أسباب النفقة منحصرة في الثلاثة المتقدم ذكرها التي أحدها الزوجية،
____________
(1) سورة الطلاق- آية 6.
129
و البائن ليست زوجة فتزول السببية، خرج من ذلك بالنص و الإجماع الحامل المطلقة، فيبقى ما عداها على حكم الأصل.
و قيل بوجوب النفقة على البائن بغير الطلاق إذا كانت حاملا، نظرا إلى أن وجوب النفقة على المطلقة الحامل لأجل الحمل من حيث كونه ولدا للمنفق لا لأجلها، و هذه العلة موجودة في الحامل منه غير المطلقة، و بذلك أفتى في المبسوط حتى في الحامل من نكاح فاسد كنكاح الشغار مع الجهل محتجا بعموم الأخبار الدالة على وجوب الإنفاق على الحامل.
قال في المسالك: و يضعف الأول بأنه مبني على العمل بالقياس، و إلا فالآية صريحة في الحامل المطلقة، و مع ذلك فكون النفقة للحمل غير معلوم، و إنما المعلوم أنها للحامل و إن كان ذلك بسببه.
و أما الأخبار التي ادعى الشيخ عمومها فذكرها في التهذيب، و كلها مقيدة بالطلاق إلا رواية
محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الحامل أجلها أن تضع حملها و عليه نفقتها بالمعروف حتى تضع حملها».
فهذه شاملة بإطلاقها لغير المطلقة، لكنها ضعيفة السند بمحمد بن قيس فإنه مشترك بين الثقة و غيره، و يمكن حملها على المطلقة حيث يستقل بنفسها.
نعم لو ثبت أنها للحمل اتجه ذلك، و الذي دلت عليه النصوص وجوبها للمطلقة الحامل فيقتصر عليها لكونه على خلاف الأصل، انتهى.
أقول: مرجع الكلام في هذا المقام إلى الخلاف المتقدم في أن النفقة هل هي للحامل أو الحمل؟ و قد قدمنا في تلك المسألة أن ظاهره في المسالك هو التوقف حيث اقتصر على نقل القولين و أدلتهما، و لم يتعرض لترجيح شيء منهما و ظاهره هنا ترجيح كونها للحامل. و الذي يقرب عندي الرجوع في ذلك إلى
____________
(1) الكافي ج 6 ص 103 ح 1، التهذيب ج 8 ص 133 ح 62، الوسائل ج 15 ص 231 ح 3.
130
الأخبار، فإن المستفاد من أكثرها هو كون موردها المطلقة كما هو ظاهر الآية و ليس فيها ما ربما ينافي ذلك إلا إطلاق صحيحة محمد بن قيس و هو محمول على ما دل عليه غيرها من التقييد بالمطلقة لأنه هو الفرد الشائع المتكثر، و قضيته الجمع بين الأخبار ذلك.
و أما طعنه في الصحيحة المذكورة باشتراك محمد بن قيس فقد تكرر منه في هذا الكتاب في غير موضع و قد نبهنا على أنه غلط محض كما اعترف به سبطه أيضا في شرح النافع.
المطلب الثاني، في نفقة الأقارب:
و الكلام في هذا المطلب يقع في مواضع:
[الموضع] الأول [في ترتيب وجوب النفقات]
المفهوم من كلام الأصحاب أن نفقة الإنسان على نفسه مقدمة على غيره من زوجة أو غيرها من الآباء و الأولاد بل على جميع الحقوق من الديون و غيرها و لا إشكال فيه، و نفقة الزوجة مقدمة على نفقة الأقارب، قال السيد السند في شرح النافع: إن هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب و ظاهرهم أنه موضع وفاق و استدلوا على ذلك بأن نفقة الزوجة وجبت على وجه المعاوضة في مقابل الاستمتاع بخلاف نفقة القريب، فإنها إنما وجبت لمجرد المواساة، و ما كان وجوبه على وجه المعاوضة أقوى مما وجب على وجه المواساة، و لهذا لم تسقط نفقة الزوجة بغنائها و لا بمضي زمان بخلاف نفقة القريب.
أقول: المفهوم من الأخبار وجوب النفقة للجميع، و قضية الاشتراك في الوجوب تساوي الجميع في ذلك من غير تقديم لبعض على بعض، و مجرد قوة النفقة على الزوجة و أنها أقوى بهذه الوجوه المذكورة لا تصلح لتأسيس حكم شرعي عليه كما عرفت في غير موضع مما تقدم.
و الذي حضرني من الأخبار هنا ما رواه
الكليني (1) في الصحيح أو الحسن عن
____________
(1) الكافي ج 4 ص 13 ح 1 و فيه «من الذي احتن»، التهذيب ج 6 ص 293 ح 19، الوسائل ج 15 ص 237 ح 3.
131
حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: من الذي أجبر عليه و تلزمني نفقته؟ فقال:
الوالدان و الولد و الزوجة».
و روى الشيخ في التهذيب و الصدوق في الفقيه (1) في الصحيح عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله.
و ما رواه
في الكافي (2) عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: من يلزم الرجل من قرابته ممن ينفق عليه؟ قال: الوالدان و الولد و الزوجة».
و زاد في الفقيه «و الوارث الصغير، يعني الأخ و ابن الأخ و نحوه» و الظاهر أن التفسير من الراوي كما جزم به في الوافي، و يحتمل أن يكون من كلام الصدوق.
و عن جميل (3) في الصحيح عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا يجبر الرجل إلا على نفقة الأبوين و الولد، قلت لجميل: و المرأة؟ قال: روى بعض أصحابنا و هو عنبسة بن مصعب و سورة بن كليب عن أحدهما (عليهما السلام) أنه إذا كساها ما يواري عورتها و أطعمها ما يقيم صلبها أقامت معه و إلا طلقها، قال: قلت لجميل:
فهل يجبر على نفقة الأخت؟ قال: إن أجبر على نفقة الأخت لكان ذلك خلاف الرواية».
و المراد من الخبر المذكور أنه يجبر على نفقة الوالدين و الوالد، و أما المرأة فإنه يخير بين الإنفاق عليها و بين طلاقها، و أما ما ذكر بالنسبة إلى الأخت فالمراد أنه لو قيل بوجوب النفقة عليها لكان ذلك خلاف ظاهر النصوص حيث إن ظاهرها مشعر بالحصر في العمودين و الزوجة.
و هذه الأخبار كما ترى ظاهرة فيما ذكرناه من اشتراك الجميع في الوجوب، فترجيح بعضها على بعض بالتقديم يحتاج إلى دليل من النصوص، و المسألة لا تخلو
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 59 ح 1، التهذيب ج 6 ص 293 ح 20، الوسائل ج 15 ص 237 ح 6.
(2) الكافي ج 4 ص 13 ح 3، الوسائل ج 15 ص 237 ح 5.
(3) الكافي ج 5 ص 512 ح 8، التهذيب ج 6 ص 294 ح 22 و 23، الوسائل ج 15 ص 224 ح 4.
132
من الإشكال، لأن الخروج عما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل و متابعتهم من غير دليل أشكل.
[الموضع] الثاني [في تعدى الوجوب إلى من علا من الآباء و الأمهات أو سفل من الأولاد]
لا خلاف و لا إشكال في وجوب النفقة على الأبوين و إن ارتفعا، و الأولاد و إن سفلوا، و لم يظهر من أحد من الأصحاب خلاف في ذلك إلا ما يتراءى من تردد المحقق في الشرائع و النافع، ثم جزم بعد ذلك بالحكم المذكور و وافق القول المشهور.
قال السيد السند في شرح النافع: أجمع العلماء كافة على وجوب النفقة على الأبوين و الأولاد- إلى أن قال:- و هل يتعدى الوجوب إلى من علا من الآباء و الأمهات أو سفل من الأولاد؟ المشهور بين الأصحاب ذلك، بل لم أقف فيه على مخالف صريح أو تردد سوى المصنف، و كأن منشأ التردد من الشك في صدق الآباء و الأمهات و الأولاد على من علا أو سفل منهم بطريق الحقيقة، و هو في محله، و إن كان الأقرب وجوب النفقة على الجميع. انتهى، و بنحو ذلك صرح جده في المسالك أيضا.
أقول: و قد تقدم تحقيق القول في هذه المسألة- أعني إطلاق الأب على من علا و الابن على من سفل- في مواضع، و لا سيما في كتاب الخمس. و أوضحنا بالأدلة القاطعة و البراهين الساطعة أن الإطلاق المذكور حقيقة في الموضعين بما لا يعتريه للناظر المنصف شك في البين، و لا يخفى أن جزم هؤلاء السابقين ثمة من [عدم] صدق الإطلاق حقيقة [و] بوجوب الإنفاق (1) في هذه المسألة على من علا من الآباء و سفل من الأبناء لا يخلو من مدافعة و مناقضة لأن الوجوب مترتب على الصدق حقيقة و هم لا يقولون به، و الفرق بين هذا الموضع و تلك المواضع المتقدمة غير ظاهر، بل صريح كلامهم هنا هو صحة ما ذكرنا (2) و لكن لا أعرف لهم وجه عذر في
____________
(1) كأن في العبارة سقط و نحن صححناها.
(2) من ترتب الحكم بالعموم على الدخول تحت الإطلاق المذكور حقيقة. (منه- (قدس سره)-).
133
الخروج عما حكموا به ثمة إلا ما ربما يدعى من الإجماع هنا على العموم، و ظاهره في المسالك أن تردد المصنف إنما هو لذلك حيث قال: إنا لا نعلم مخالفا من أصحابنا في دخولهم هنا، و إنما تردد المصنف لضعف الدليل، و من أصوله- رحمة الله عليه- أنه لا يعتد بحجية الإجماع بهذا المعنى كما نبه عليه في مقدمة المعتبر، و هو الحق الذي لا يحيد عنه المنصف، انتهى.
أقول: قد أجاد بما أفاد و لكنه قد خالف نفسه في ذلك في غير موضع كما لا يخفى على من مارس كلامه و تتبع كتابه، و كيف كان فالحكم على ما اخترناه بحمد الله سبحانه واضح لا شك فيه، و لا ريب يعتريه، و أما ما عدا من ذكرنا من الأقارب فقد صرح الأصحاب بأنه لا تجب النفقة عليهم بل يستحب، و لا سيما إذا كان وارثا و نقل العلامة في القواعد قولا بوجوب النفقة على الوارث، و أسند شراحه هذا القول إلى الشيخ، مع أنه على ما نقل عنه في المبسوط قطع باختصاصها بالعمودين، و أسند وجوبها للوارث إلى الرواية و حملها على الاستحباب و أنكر جملة ممن تأخر عنه الوقوف على هذه الرواية.
أقول: يمكن أن تكون الرواية المذكورة هي ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن غياث عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «اتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بيتيم فقال: خذوا بنفقته أقرب الناس إليه من العشيرة كما يأكل ميراثه».
و يؤكدها ما تقدم في آخر صحيحة محمد الحلبي (2) برواية صاحب الفقيه، و الشيخ في الاستبصار حملها على الاستحباب، أو على ما إذا لم يكن وارث غيره إن مات كل واحد منهما ورث صاحبه و لم يكن هناك من هو أولى منه، و بهذا التقريب
____________
(1) الكافي ج 4 ص 13 ح 2، التهذيب ج 6 ص 293 ح 21، الوسائل ج 15 ص 237 ح 4.
(2) الفقيه ج 3 ص 59 ح 1، الاستبصار ج 3 ص 44 ح 4، الوسائل ج 15 ص 247 ح 6.
134
الذي ذكره- رحمة الله عليه- يتم الاستدلال، و إلا في التوقف على سواها في هذا المجال، و إلى القول بما تضمنته صحيحة الحلبي من وجوب الإنفاق على الوارث الصغير يميل كلام السيد السند في شرح النافع حيث إنه بعد أنه أنكر الوقوف على الرواية التي ادعاها في المبسوط قال: نعم مقتضى صحيحة الحلبي وجوب النفقة على الوارث الصغير، و العمل بها متجه لصحتها و وضوح دلالتها، انتهى.
و مما يدل على استحباب النفقة على من عدا من ذكر ما
رواه الصدوق في الخصال (1) بسنده عن زكريا المؤمن رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: من عال ابنتين أو أختين أو عمتين أو خالتين حجبتاه من النار بإذن الله».
و في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) (2) في قوله تعالى «وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ» (3) قال: من الزكاة و الصدقات و الحقوق اللازمات- إلى أن قال:- و ذوي الأرحام القريبات و الآباء و الأمهات، و كالنفقات المستحبة على من لم يكن فرضا عليهم النفقة و سائر القربات- الحديث.
[الموضع] الثالث [في أن نفقة الولد إنما تجب على أبيه دون أمه]
المفهوم من كلام الأصحاب هو أن نفقة الولد إنما تجب على أبيه دون أمه لقوله تعالى «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» (4) فأوجب أجرة الرضاع على الأب فكذا غيرها من النفقات.
أقول: و يؤيده أيضا عدم وجوب الإرضاع عليها، بل لها الامتناع و أنها كغيرها من الأجانب المستأجرات، و لو كانت النفقة عليها واجبة كالأب لما صح ذلك.
و بالجملة فالتمسك بأصالة براءة ذمتها من ذلك أقوى مستمسك حتى يقوم الدليل على الخروج عنه، و قد صرحوا أيضا بأن النفقة الواجبة على الأب لو مات
____________
(1) الخصال ج 1 ص 37 ح 14، الوسائل ج 15 ص 238 ح 1.
(2) تفسير الإمام العسكري ص 35، الوسائل ج 15 ص 238 ح 2.
(3) سورة البقرة- آية 3.
(4) سورة الطلاق- آية 6.
135
الأب أو كان فقيرا فإنها تنتقل إلى آبائه الأقرب فالأقرب، و استندوا في ذلك إلى أن أب الأب أب فيدخل تحت ما دل على وجوب النفقة على الأب.
و أورد عليه في شرح النافع بأن هذا الاستدلال لو تم لاقتضى مساواة الجد و إن علا للأب، لا تقدم الأب كما هو المدعي- ثم قال:- إلا أن ظاهر الأصحاب الاتفاق على الحكم المذكور و لعله الحجة.
أقول: و فيه تأييد ظاهر لما اخترناه في المسألة من صدق الأب حقيقة على الجد و إن علا، و نحوه الابن و إن سفل، و الركون إلى حجية الإجماع هنا قد تقدم قريبا ما فيه.
ثم إنهم قالوا: إنه مع عدم الآباء و الأجداد أو فقرهم تجب النفقة على الام، و مع عدمها أو فقرها فعلى آباء الام و أمهاتها و إن علوا مقدما في الوجوب الأقرب فالأقرب. كذا نص عليه الشيخ في المبسوط، و كثير من المتأخرين لم يتعرضوا لحكم الآباء و الأمهات من قبل الأم.
أقول: لم أقف في النصوص على ما يتضمن هذا الحكم، أعني حكم الام و آبائها و أمهاتها، و الظاهر أن ذلك من تخريجات الشيخ- رحمة الله عليه.
و مما يتفرع على القرب و التساوي كما ذكروه أمور: (الأول) أنه لو كان الأب و الام معسرين و لا يجد الولد سوى نفقة أحدهما فالظاهر أنهما يكونان فيه بالتساوي لتساوي رتبتهما و عدم الترجيح، و كذا لو كان له أب معسر و ابن كذلك ذكرا كان أو أنثى، أما لو كان له أب معسر و جد كذلك و عجز عن نفقتهما جميعا فإنه يقدم نفقة الأب لأنه الأقرب، و كذا لو كان له جد و جد أب أو ابن و ابن ابن.
(الثاني) لو كان له ولدان و لم يقدر إلا على نفقة أحدهما و له أب موسر، وجب على الأب نفقة الآخر، فإن اختلفا في قدر النفقة و كان مال الأب يسع أحدهما بعينه كالأقل نفقة اختص به و وجبت نفقة الآخر على جده، و إن تساويا
136
في النفقة و اتفقا على الشركة أو على أن يختص كل واحد منهما بواحد فذاك، و إلا رجعا إلى القرعة.
(الثالث) لو كان للمعسر أب و ابن موسران كانت النفقة عليهما بالسوية لتساويهما في المرتبة، أما لو كان له أب وجد فالنفقة على أبيه دون جده، و كذا القول فيما لو كان له أب و ابن ابن فإن النفقة على الأب لأنه الأقرب.
(الرابع) لو كان فقيرا و له أم و ابن موسران قيل- في تساويهما في وجوب الإنفاق أو تقدم الولد على الام- وجهان: منشأهما اتحاد المرتبة، و كون الولد مقدما على الجد المقدم عليها، فيكون أولى بالتقدم أقول: يمكن أن يقال بترجيح تقديم الولد في وجوب الإنفاق، لأنه المستفاد من النصوص المتقدمة، و أما الأم فلم يقم دليل على وجوب الإنفاق عليها على الولد كما عرفت، غاية الأمر أنهم ذكروا أنه مع فقد من يجب عليه من الأب و إن علا و الابن و إن سفل فإنه يجب على الام ثم آبائها و أمهاتها الأقرب فالأقرب، و الولد هنا موجود.
الموضع الرابع: أنه يشترط في المنفق عليه الفقر و العجز عن الاكتساب
، فلو لم يكن كذلك لم يجب الإنفاق عليه، و ربما قيل باشتراط الفقر خاصة و أنه لا يشترط عدم القدرة على الاكتساب لحصول الحاجة بالفعل، و هو مردود بأن النفقة معونة على سد الخلة، و المكتسب قادر فهو كالغني، و من ثم منع من الزكاة و من الكفارات المشروطة بالفقر.
نعم يعتبر في الكسب كونها لائقا بحاله عادة، فلا يكلف من كان شريف القدر و العالم الكنس و الدباغة و نحوهما، و لو أمكن المرأة الكسب بالتزويج بمن يليق بها تزويجه عادة فهي قادرة بالقوة، و هل يشترط عدم تمكن القريب من أخذ نفقته من الزكاة و نحوها من الحقوق؟ احتمالان، قال في شرح النافع: أظهرهما العدم، تمسكا بالإطلاق.
137
[الموضع] الخامس: أنه يجب الإنفاق على القريب المبغض
و إن كان فاسقا أو كافرا لعموم الآية و سائر الأدلة مما تقدم و غيره كقوله عز و جل «وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً» (1) و موردها الكافران، و الفاسقان بطريق أولى، و من المصاحبة بالمعروف الإنفاق عليهما.
قالوا: و لا يقدح كونهما غير وارثين لعدم الملازمة بينهما، و بذلك صرح الأصحاب و أكثر العلماء من غيرهم، قال الشيخ في المبسوط: كل سبب يجب به الإنفاق من زوجية و نسب و ملك يمين فإنا نوجبها مع اختلاف الدين، كما توجبها مع اتفاقه لأن وجوبها بالقرابة، و تفارق الميراث لأنه يستحق بالقرابة في الموالاة، و اختلاف الدين يقطع الموالاة.
و أغرب المحقق الشيخ فخر الدين في شرحه على ما نقل عنه في المسالك حيث جعل المانع من الإرث كالرق و الكفر و القتل مانعا من وجوب الإنفاق، قال:
و ربما نقل عنه أن ذلك إجماعي، و الأمر بخلافه، لتصريح الأصحاب بنحو ما قلناه، و لم نقف على مخالف لهم فيه. انتهى، و أشار بقوله «بنحو ما قلناه» إلى ما قدمه أولا من نحو ما ذكرناه في صدر الكلام.
[الموضع] السادس [هل يجب إعفاف من تجب نفقته؟]
المشهور أنه لا يجب إعفاف من تجب نفقته، و المراد بالإعفاف أن يصيره ذا عفة إما بتزويجه أو يعطيه مهرا يتزوج به أو يملكه جارية أو يعطيه ثمن جارية صالحة له، و نقل عن بعض الأصحاب القول بالوجوب للأب و إن علا، لأن ذلك من أهم المصاحبة بالمعروف المأمور بها في الآية، و لأنه من وجوه حاجاته المهمة، فيجب على الابن القيام به كالنفقة و الكسوة، و المشهور الاستحباب و هو الأظهر.
و تؤيده الأخبار الدالة على أنه لا يجوز له التصرف في جارية ابنه إلا أن
____________
(1) سورة لقمان- آية 15.
138
يقومها على نفسه، و لو كان ذلك واجبا على الابن لجاز له التصرف فيها مطلقا كما في غيرها من النفقة الواجبة، فإنه مع إخلال الابن بها يجوز له أخذها، و يقبل قوله في الحاجة إلى النكاح و الرغبة فيه على ما صرح به الأصحاب.
قالوا: و نفقة الزوجة تابعة للاعفاف، فإن وجب وجبت، و إلا استحبت، و كذا القول في نفقة زوجة الأب التي تزوجها بغير واسطة الابن، و أوجب الشيخ في المبسوط نفقة زوجته و إن لم يجب إعفافه، قال: لأنها من جملة مؤنته و ضروراته، كنفقة خادمه حيث يحتاج إليه.
قال في المختلف: لا يجب على الولد الغني الإنفاق على زوجة والده المعسر، و لا على الوالد وجوب الإنفاق على زوجة ولده المعسر لأصالة البراءة، و أوجب الشيخ في المبسوط النفقة فيها (1) لأنها من مؤنة والده.
أقول: لا أعرف له دليلا غير ما ذكر من هذا الدليل الاعتباري الذي لا يخفى ضعفه مع ما عرفت من عدم الدليل في أصل المسألة (2).
[الموضع] السابع [حكم ما لو دافع من وجبت عليه النفقة]
قالوا: لو دافع من وجبت عليه النفقة أجبره الحاكم، فإن امتنع حبسه، و قيل: يتخير بين حبسه و تأديبه لينفق بنفسه، و بين أن يدفع من ماله قدر النفقة إن كان له مال ظاهر، و إن توقف على بيع شيء من عقاره و ماله جاز، لأن حق النفقة واجب فكان كالدين، و لو كان من تجب عليه النفقة غائبا تولى الحاكم الإنفاق من ماله كالحاضر الممتنع. قيل: و للحاكم أن يأذن له في الاستدانة و الإنفاق ثم الرجوع عليه بعد حضوره.
قال في المسالك: و لو لم يقدر على الوصول إلى الحاكم ففي جواز استقلاله بالاستقراض عليه أو البيع من ماله مع امتناعه أو غيبته وجهان، أجودهما الجواز،
____________
(1) هكذا في الأصل و الصحيح «النفقة عليها».
(2) و هو وجوب الإعفاف. (منه- (قدس سره)-).
139
لأن ذلك من ضروب المقاصة حيث يقع أخذ القريب في الوقت و الزوجة مطلقا، انتهى.
المطلب الثالث، في نفقة المملوك:
و هو إما أن يكون من الأناسي أو غيره من سائر الحيوانات، فالكلام هنا في موضعين:
[الموضع] الأول- في المملوك الأناسي
و فيه مسألتان:
[المسألة] الاولى [عدم الخلاف في وجوب النفقة عليه إذا لم يكن له مال]:
لا خلاف نصا و فتوى في وجوب النفقة عليه إذا لم يكن له مال.
روى ثقة الإسلام (1) في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا الأب و الام و الولد و المرأة و المملوك، و ذلك أنهم عياله لازمون له».
و عن جميل بن دراج (2) في الصحيح أو الحسن قال: «لا يجبر الرجل إلا على نفقة الأبوين و الولد» الحديث.
و روى الصدوق في العلل (3) في الصحيح عن عبد الله بن الصلت عن عدة من أصحابنا يرفعونه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال: خمسة لا يعطون من الزكاة الولد و الوالدان و المرأة و المملوك، لأنه يجبر على النفقة عليهم».
إلى غير ذلك من الأخبار.
و قد نقل غير واحد من أصحابنا أنه لا خلاف بين علماء الإسلام في الحكم المذكور و لا فرق في المملوك بين الصغير و الكبير، و الصحيح و الأعمى، و المدبر و المرهون و المستأجر و غيرها، و كذا لا فرق بين الكسوب و غيره، لكن متى كان كسوبا يخير المولى بين الإنفاق عليه من ماله و أخذ كسبه و بين الإنفاق عليه من كسبه،
____________
(1) الكافي ج 3 ص 552 ح 5، التهذيب ج 4 ص 56 ح 7، الوسائل ج 6 ص 165 ب 13 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 512 ح 8، التهذيب ج 6 ص 294 ح 23، الوسائل ج 15 ص 224 ح 4.
(3) علل الشرائع ص 371 ب 94 ح 1 ط النجف الأشرف، الوسائل ج 6 ص 166 ب 13 ح 4.
140
و المرجع إلى واحد لأن الكسب أحد أموال السيد، و لهذا لو قصر كسبه وجب الإتمام على السيد، و لو تعدد المالك وزعت النفقة على الجميع بحسب الملك، و يرجع في قدر النفقة إلى عادة مماليك أمثال المولى من أهل بلاده لأنها غير متعددة شرعا على المشهور، فيجب الرجوع فيها إلى العادة كما قلنا، فيعتبر قدر ما يكفيه من طعام و كسوة، و يرجع في الكيفية إلى ما تقدم من عادة أمثال مماليك الموالي من أهل بلاده، و لو كان السيد ممن يتنعم في الطعام و الإدام و الكسوة استحب له التوسعة على مملوكه كذلك.
و روي عنه (1) (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «إخوانكم حولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، و يلبسه مما يلبس».
قال في المسالك بعد نقله: أنه محمول على الاستحباب، أو على أن الخطاب للعرب الذين مطاعمهم و ملابسهم متقاربة، أو على أنه جواب سائل علم حاله، فأجاب على ما اقتضاه الحال كما وقع في كثير من أجوبته (صلى الله عليه و آله و سلم).
أقول: الظاهر أن الخبر المذكور عامي لعدم وجوده في كتب أخبارنا كما لا يخفى على من راجعها، فلا ضرورة إلى ارتكاب هذه التكلفات في تأويله، و لو امتنع السيد عن الإنفاق عليه خيره الحاكم بين بيعه و بين الإنفاق عليه و جبره على أحدهما إن لم يكن له مال.
المسألة الثانية [في جواز مخارجة المملوك على شيء]:
قالوا: يجوز مخارجة المملوك على شيء فما فضل يكون له، فإن كفاه لنفقته و إلا أتمه المولى، و المراد بالخارجة ضرب خراج معلوم على المملوك يؤديه كل يوم أو كل سنة أو مدة مما يكسبه، و ما فضل عن ذلك الذي ضربه عليه فإنه يكون للعبد، و هل للسيد إجبار العبد على ذلك؟ قولان، اختار في المسالك الثاني، و مثله سبطه السيد السند في شرح النافع، و علله بأنه يملك استخدامه المعتاد لا تحصيل ذلك القدر المطلوب منه بالكسب.
____________
(1) صحيح البخاري ج 1 ص 11 ب 22 من الايمان.
141
و اختار العلامة في التحرير جواز إجباره على ذلك إذا لم يتجاوز بذلك المجهود لأنه يملك منافعه، فله نقلها إلى غيره بالعوض على كره منه و المخارجة مثله. قالوا: و إذا و في و زاد ما يكتسبه فالزيادة مبرة من السيد إلى عبده و توسيع عليه.
أقول: هذا مبني على ما هو المشهور بينهم من عدم جواز ملك العبد، و فيه ما ستعرفه- إن شاء الله- في المقام، و قد تقدم أيضا تحقيق ذلك في كتاب البيع. و الذي وقفت عليه هنا من الأخبار الدالة على مشروعية المخارجة ما
رواه الصدوق في الفقيه (1) عن الحسن بن محبوب عن عمر بن يزيد في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أراد أن يعتق مملوكا له و قد كان مولاه يأخذ منه ضريبة فرضها عليه في كل سنة و رضي بذلك المولى، فأصاب المملوك في تجارته مالا سوى ما كان يعطي مولاه من الضريبة، قال: فقال: إذا أدى إلى سيده ما كان فرض عليه، فما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك. ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام):
أ ليس قد فرض الله تعالى على العباد فرائض، فإذا أدوها لم يسألهم عما سواها، قلت: فللمملوك أن يتصدق مما اكتسب و يعتق بعد الفريضة التي كان يؤديها إلى سيده؟ قال: نعم و أجر ذلك له، قلت: فإن أعتق مملوكا مما كان اكتسب سوى الفريضة لمن يكن ولاء المعتق؟ فقال: يذهب فيتولى من أحب إذا ضمن جريرته، و عقله كان مولاه و ورثه، قلت: أ ليس قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): الولاء لمن أعتق؟ فقال: هذا سائبة لا يكون ولاؤه لعبد مثله، قلت. فإن ضمن العبد الذي أعتقه جريرته و حدثه يلزمه ذلك و يكون مولاه و يرثه؟ فقال: لا يجوز ذلك، لا يرث عبد حرا».
و في هذا الخبر فوائد عديدة قد ذكرنا و سنذكر- إن شاء الله- كلا منها
____________
(1) الكافي ج 6 ص 190 ح 1، الفقيه ج 3 ص 74 ح 6، التهذيب ج 8 ص 224 ح 40 و فيها اختلاف يسير مع ما نقله- (قدس سره).
142
في موضعه، و من أظهرها دلالة على ملك العبد لفاضل الضريبة، كما اخترناه مما قدمنا تحقيقه في كتاب البيع (1) و هو أحد القولين في المسألة.
و لو قلنا بأنه لا يملك كما هو القول الآخر كان الأمر كما قدمنا نقله عنهم من أن فاضل الضريبة مبرة من السيد إلى عبده إلا أن النص المذكور على خلافه.
الموضع الثاني: في نفقة البهائم المملوكة
، مأكولة كانت أو غير مأكولة و لا خلاف في وجوب نفقتها كما نقله غير واحد من الأصحاب، و على ذلك تدل الأخبار.
و منها ما رواه
في الكافي (2) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام)» قال: للدابة على صاحبها ستة حقوق، لا يحملها فوق طاقتها، و لا يتخذ ظهرها مجلسا يتحدث عليها، و يبدأ بعلفها إذا نزل، و لا يسمها، و لا يضربها في وجهها فإنها تسبح، و يعرض عليها الماء إذا مر به».
و روى في الفقيه (3) عن السكوني بإسناده قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): للدابة على صاحبها خصال، يبدأ بعلفها إذا نزل، و يعرض عليها الماء إذا مر به، و لا يضرب وجهها فإنها تسبح بحمد ربها، و لا يقف على ظهرها إلا في سبيل الله، و لا يحملها فوق طاقتها، و لا يكلفها من المشي إلا ما تطيق».
إلى غير ذلك من الأخبار.
و يقوم مقام علفها و سقيها تخليتها في المرعى لترعى فيه، و يجزي بعلفه كما هو المتعارف في جميع البلدان، و لو لم يجزها فعلى المالك الإتمام، و لو امتنع المالك أجبره الحاكم على بيعها أو علفها أو ذبحها لو كانت مأكولة اللحم، أو للانتفاع بإهابها، و إذا لم ينتفع بها بالذبح اجبر على أحد الأمرين.
فوائد
الأولى:
قالوا: لا يجوز تكليف الدابة ما لا تطيقه من تثقيل الحمل و إدامة
____________
(1) ج 19 ص 395.
(2) الكافي ج 6 ص 537 ح 1، الوسائل ج 8 ص 351 ب 9 ح 6.
(3) الفقيه ج 2 ص 187 ح 1، الوسائل ج 8 ص 350 ب 9 ح 1.
143
السير. أقول: و قد عرفت ما يدل عليه من الخبرين المتقدمين.
الثانية:
قالوا: يجوز غصب العلف لإبقائها إذا لم يوجد غيره و لم يبذله المالك بالعوض، كما يجوز غصبه كذلك لحفظ نفس الإنسان، و إن كان يلزمه المثل أو القيمة.
الثالثة:
قالوا: لا يجوز الحلب إذا كان يضر بالبهيمة لقلة العلف و إن لم يضر ولدها، و تركه إذا لم يكن في الحلب إضرار بها لما فيه من تضييع المال و الإضرار بالبهيمة. قيل: و يحتمل الوجوب، و يستحب أن لا يستقصي في الحلب.
الرابعة:
قالوا: ينبغي أن يبقى للنحل شيء من العسل في الكوارة، و لو احتاجت إليه كوقت الشتاء وجب إبقاء ما يكفيها عادة، و يستحب أن يبقى أكثر من الكفاءة إلا أن يضر بها.
الخامسة:
قد صرحوا بأنه حيث إن ديدان القز إنما تعيش بالتوت، فعلى مالكها القيام بكفايتها منه و حفظها من التلف، فإن عن الورق و لم يعتن بها باع الحاكم من ماله و اشترى لها منه ما يكفيها. قال في شرح النافع بعد نقل ذلك عن جده في المسالك: و هو كذلك، و إذا جاء وقتها بتخفيف جوزها في الشمس و إن هلكت تحصيلا للغرض المطلوب منها. قال في شرح النافع: و عليه عمل الناس كافة عصرا بعد عصر من غير نكير فكان إجماعا، و يدل عليه قوله تعالى «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» (1) أي لأجل انتفاعكم به في دنياكم و دينكم.
السادسة:
ما كان من المال ما لا روح له كالعقار، فالمفهوم من كلام الأصحاب أنه لا يجب عمارته و لا زراعة الأرض، لكنه يكره تركه إذا أدى إلى الخراب.
قال في المسالك: و في وجوب سقي الزرع و الشجرة و حرثه مع الإمكان قولان، أشهرهما العدم.
____________
(1) سورة البقرة- آية 29.
144
و لنقطع الكلام حامدين للملك العلام على جزيل نعمائه الجسام، و جميل أياديه العظام، التي من أهمها الفوز بسعادة الاختتام، مصلين على نبيه محمد و آله مصابيح الظلام، و أركان الإسلام، و كعبة الاعتصام، و بدور التمام، سائلين منه عز و جل الأمداد بالتوفيق، الذي هو خير صاحب و رفيق، إلى الفوز بإتمام الكتب الباقية، و أن ينيم عني عيون العوائق، و يجعلني في درعه الحصينة الواقية، و أن يعصمني من زلل الأقدام، و زيغ الأفهام، و طغيان الأقلام، في نعمه منه سبحانه و عافيته، إنه أكرم مقصود و مسؤول، و أجود مرجو و مأمول، و قد اتفق الفراغ من هذا المجلد و هو المجلد التاسع (1) من كتاب «الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة» و يتلوه المجلد العاشر (2) في كتاب الطلاق و ما يتبعه من الكتب في اليوم الثاني من شهر جمادى الثانية أحد شهور السنة الخامسة و الثمانين بعد المائة و الألف من الهجرة النبوية في الأرض المقدسة كربلاء المعلى بيد العبد يوسف بن أحمد ابن إبراهيم البحراني جزاه الله تعالى بإحسانه و جوده و امتنانه، آمين آمين آمين.
____________
(1) حسب تجزئة المؤلف- (قدس الله روحه) الزكية.
(2) حسب تجزئة المؤلف- (قدس الله روحه) الزكية.
145
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد و عترته الطاهرين، و سلام على المرسلين و على عباده الصالحين.
كتاب الطلاق
و لهم فيه تعريفات قد أردفت بإيرادات ليس في التعرض لذكرها مزيد فائدة بعد ظهور المعنى لكل من خاض الفن و مارس الأخبار و كلام علمائنا الأبرار.
مقدمة [في الأخبار الواردة في المقام]
قد تكاثرت الأخبار و به صرح جملة من علمائنا الأبرار، بكراهة الطلاق مع التئام الأخلاق.
فروى في الكافي (1) عن سعد بن طريف عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «مر رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) برجل فقال: ما فعلت امرأتك؟ فقال: طلقتها يا رسول الله، قال: من غير سوء؟ قال: من غير سوء. ثم إن الرجل تزوج فمر به النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: تزوجت؟
فقال: نعم. ثم مر به فقال له بعد ذلك: ما فعلت امرأتك؟ قال: طلقتها قال:
من غير سوء؟ قال: من غير سوء. ثم إن الرجل تزوج فمر به النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال:
____________
(1) الكافي ج 6 ص 54 ح 1، الوسائل ج 15 ص 267 ب 1 ح 6 و فيهما اختلاف يسير.
146
تزوجت؟ فقال: نعم، ثم قال له بعد ذلك: ما فعلت امرأتك؟ قال: طلقتها، قال: من غير سوء؟ قال: من غير سوء. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إن الله عز و جل يبغض أو يلعن كل ذواق من الرجال، و كل ذواقة من النساء».
و ما رواه
فيه (1) أيضا عن ابن أبي عمير في الصحيح أو الحسن عن غير واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما من شيء مما أحله الله عز و جل أبغض إليه من الطلاق، و أن الله يبغض المطلاق الذواق».
و عن أبي خديجة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن الله عز و جل يحب البيت الذي فيه العرس، و ما من شيء أبغض إلى الله عز و جل من الطلاق».
و عن طلحة بن زيد (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعت أبي (عليه السلام) يقول:
إن الله عز و جل يبغض كل مطلاق ذواق».
و بإسناده (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «بلغ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أن أبا أيوب يريد أن يطلق امرأته، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إن طلاق أم أيوب لحوب».
أقول:
يعني بالحوب الإثم.
و عن صفوان بن مهران (5) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): تزوجوا و زوجوا- إلى أن قال:- و ما من شيء أحب إلى الله عز و جل من بيت يعمر بالنكاح، و ما من شيء أبغض إلى الله عز و جل من بيت يخرب في الإسلام بالفرقة، يعني الطلاق».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 54 ح 2، الوسائل ج 15 ص 267 ب 1 ح 5.
(2) الكافي ج 6 ص 54 ح 3، الوسائل ج 15 ص 267 ب 1 ح 2 و فيهما «و يبغض البيت الذي فيه الطلاق».
(3) الكافي ج 6 ص 55 ح 4، الوسائل ج 15 ص 267 ب 1 ح 2.
(4) الكافي ج 6 ص 55 ح 5، الوسائل ج 15 ص 267 ب 1 ح 4.
(5) الكافي ج 5 ص 328 ح 1، الوسائل ج 15 ص 266 ب 1 ح 1.
147
و روى الفضل الطبرسي في مكارم الأخلاق (1) قال: «قال (عليه السلام): تزوجوا و لا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش. قال: و قال (عليه السلام): تزوجوا و لا تطلقوا فإن الله لا يحب الذواقين و الذواقات».
أقول: و إنما حملنا هذه الاخبار مع إطلاقها على التئام الأخلاق، لورود أخبار أخر في مقابلتها دالة على الأمر بالطلاق مع عدم التئام الأخلاق.
و منها ما رواه
في الكافي (2) عن عثمان بن عيسى عن رجل عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه كانت عنده امرأة تعجبه، و كان لها محبا، فأصبح يوما و قد طلقها، و اغتم لذلك، فقال له بعض مواليه: جعلت فداك لم طلقتها؟ فقال: إني ذكرت عليا (عليه السلام) فتنقصته فكرهت أن ألصق جمرة من جمر جهنم بجلدي».
و عن خطاب بن سلمة (مسلمة خ ل) (3) قال: «كانت عندي امرأة تصف هذا الأمر، و كان أبوها كذلك، و كانت سيئة الخلق فكنت أكره طلاقها لمعرفتي بإيمانها و إيمان أبيها، فلقيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) و أنا أريد أن أسأله عن طلاقها- إلى أن قال:- فابتدأني فقال: يا خطاب كان أبي زوجني ابنة عم لي و كانت سيئة الخلق، و كان أبي ربما أغلق علي و عليها الباب رجاء أن ألقاها، فأتسلق الحائط و أهرب منها، فلما مات أبي طلقتها، فقلت: الله أكبر أجابني و الله عن حاجتي من غير مسألة».
و عن خطاب بن مسلمة (4) قال: «دخلت عليه- يعني أبا الحسن موسى (عليه السلام) و أنا أريد أن أشكو إليه ما ألقى من امرأتي من سوء خلقها، فابتدأني فقال:
إن أبي كان زوجني مرة امرأة سيئة الخلق فشكوت ذلك إليه فقال: ما يمنعك من فراقها، قد جعل الله ذلك إليك، فقلت فيما بيني و بين نفسي: قد فرجت عني».
____________
(1) مكارم الأخلاق ص 197 ط الاعلمى بيروت، الوسائل ج 15 ص 268 ب 1 ح 7 و 8.
(2) الكافي ج 6 ص 55 ح 1، الوسائل ج 15 ص 269 ب 3 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 55 ح 2، الوسائل ج 15 ص 269 ب 3 ح 2.
(4) الكافي ج 6 ص 55 ح 3، الوسائل ج 15 ص 269 ب 3 ح 3.
148
بقي هنا إشكال و هو أنه قد تكاثرت الأخبار بأن الحسن (عليه السلام) كان رجلا مطلقا للنساء حتى عطب به أبوه علي (عليه السلام) على ظهر المنبر.
و من الأخبار في ذلك ما رواه
في الكافي (1) عن عبد الله بن سنان في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن عليا (عليه السلام) قال و هو على المنبر: لا تزوجوا الحسن، فإنه رجل مطلاق، فقام إليه رجل من همدان فقال: بلى و الله أزوجه، و هو ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و ابن أمير المؤمنين (عليه السلام) فإن شاء أمسك و إن شاء طلق».
و عن يحيى بن أبي العلاء (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن الحسن بن علي (عليهما السلام) طلق خمسين امرأة فقام علي (عليه السلام) بالكوفة فقال: يا معاشر أهل الكوفة لا تنكحوا الحسن (عليه السلام) فإنه رجل مطلاق، فقام إليه رجل فقال: بلى و الله أنكحته إنه ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و ابن فاطمة (عليها السلام) فإن أعجبته أمسك، و إن كره طلق».
و روى البرقي في كتاب المحاسن (3) عن ابن محبوب عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال: «أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: جئتك مستشيرا إن الحسن و الحسين و عبد الله بن جعفر خطبوا إلى فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): المستشار مؤتمن، أما الحسن فإنه مطلاق للنساء، و لكن زوجها الحسين فإنه خير لابنتك».
و ربما حمل بعضهم هذه الأخبار على ما تقدم في سابقها من سوء خلق في أولئك النساء أو نحوه مما يوجب أولوية الطلاق، و لا يخفى بعده، لأنه لو كان كذلك لكان عذرا شرعيا، فكيف ينهى أمير المؤمنين (عليه السلام) عن تزويجه و الحال كذلك.
و بالجملة فالمقام محل أشكال، و لا يحضرني الآن الجواب عنه، و حبس القلم عن ذلك أولى بالأدب.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 56 ح 4، الوسائل ج 15 ص 271 ب 4 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 56 ح 5، الوسائل ج 15 ص 268 ب 2 ح 2 و فيهما «لننكحنه فإنه».
(3) المحاسن ص 601 ح 20، الوسائل ج 15 ص 268 ب 2 ح 1.
149
و الكلام في هذا الكتاب في أركان الطلاق و أقسامه و لواحقه، فهنا مقاصد ثلاثة:
[المقصد] الأول: في الأركان
و هي أربعة
[الركن] الأول: المطلق
و يعتبر فيه شروطا أربعة
أحدها البلوغ
و الكلام فيه يقع في موضعين:
الأول [في جواز طلاق الصبي و عدمه]
لا خلاف بين الأصحاب في عدم صحة طلاق من لم يبلغ عشرا و إن كان مميزا، كما لا خلاف في صحة طلاق من كان بالغا، و إنما الخلاف فيمن بلغ عشرا و هو مميز، فذهب الشيخ في النهاية و ابن البراج و ابن حمزة و غيرهم إلى صحة طلاقه، و ذهب ابن إدريس إلى العدم و هو المشهور بين المتأخرين، و قال علي بن بابويه في رسالته: و الغلام إذا طلق للسنة فطلاقه جائز، و ظاهره عدم التقييد بالعشر و لا بالتمييز.
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن ابن أبي عمير عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يجوز طلاق الصبي إذا بلغ عشر سنين».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه (2) عن سماعة في الموثق قال: «سألته عن طلاق الغلام و لم يحتلم و صدقته، قال: إذا هو طلق للسنة و وضع الصدقة في موضعها و حقها فلا بأس و هو جائز».
و ما رواه
في الكافي (3) في الموثق عن ابن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «
____________
(1) الكافي ج 6 ص 124 ح 5، الوسائل ج 15 ص 324 ب 32 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 124 ح 1، الفقيه ج 3 ص 325 ح 1، التهذيب ج 8 ص 76 ح 174، الوسائل ج 15 ص 325 ب 32 ح 7.
(3) الكافي ج 6 ص 124 ح 4 و فيه «لا يجوز»، التهذيب ج 8 ص 76 ح 176، الوسائل ج 15 ص 325 ب 32 ح 5.
150
يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل و وصيته و صدقته و إن لم يحتلم».
و ما رواه
الشيخ (1) بطريقه عن علي بن الحسن بن علي بن فضال عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل و صدقته و وصيته و إن لم يحتلم».
و ما رواه
في الكافي (2) عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه أو الصبي أو مبرسم (3) أو مجنون أو مكره».
و عن أبي الصباح الكناني (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس طلاق الصبي بشيء».
و عن أبي بصير (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يجوز طلاق الصبي و لا السكران».
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (6) «و الغلام إذا طلق للسنة فطلاقه جائز».
و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد (7) عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: «لا يجوز طلاق الغلام حتى يحتلم».
____________
(1) التهذيب ج 9 ص 182 ح 8، الوسائل ج 13 ص 321 ب 15 ح 2 و فيه «جميل ابن دراج عن أحدهما».
(2) الكافي ج 6 ص 126 ح 6، الوسائل ج 15 ص 324 ب 32 ح 3.
(3) البرسام: هو التهاب في الحجاب الذي بين الكبد و القلب.
(4) الكافي ج 6 ص 124 ح 2، التهذيب ج 8 ص 76 ح 175، الوسائل ج 15 ص 324 ب 32 ح 1.
(5) الكافي ج 6 ص 124 ح 3، الوسائل ج 15 ص 324 ب 32 ح 4.
(6) فقه الرضا ص 243، مستدرك الوسائل ج 3 ص 8 ب 24 ح 3.
(7) قرب الاسناد ص 50، الوسائل ج 15 ص 325 ب 32 ح 8.
151
أقول: هذه جملة ما حضرني من الأخبار في المسألة، و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك نقل متن مرسلة ابن أبي عمير عن ابن بكير، و نقل ذلك عن ابن أبي عمير أيضا قال في الكتاب المذكور- بعد قول المصنف: و في من بلغ عشرا عاقلا فطلق للسنة رواية بالجواز فيها ضعف- ما صورته: الرواية التي أشار إليها رواها
ابن فضال عن ابن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يجوز طلاق الصبي إذا بلغ عشر سنين».
و ضعفها بالرجلين المذكورين فإنهما فطحيان، و مع ذلك عمل بمضمونها الشيخان و جماعة من المتقدمين، و قد روى في معناها
ابن أبي عمير في الحسن مرسلا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يجوز طلاق الصبي إذا بلغ عشر سنين».
و روى ابن بكير جواز طلاقه غير مقيد بالعشر أيضا عنه (عليه السلام) قال: «يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل و وصيته و صدقته و إن لم يحتلم».
انتهى.
أقول: ما ذكره من رواية ابن بكير الاولى و هم نشأ من الشيخ في التهذيب تبعه عليه من لم يتأمل المقام مثل شيخنا المذكور، و مثله صاحب الوسائل، و قد نبه على ما ذكرناه السيد السند- رحمة الله عليه- في شرح النافع حيث قال بعد نقل مرسلة ابن أبي عمير كما نقلناه: و قد جعل الشيخ في التهذيب هذه الرواية رواية ابن بكير، و هو غير جيد، فإن رواية ابن بكير رواه الكليني متقدمة على هذه الرواية بغير فصل، و كأن نظر الشيخ سبق من سند رواية ابن بكير إلى متن رواية ابن أبي عمير، و قد وقع نحو ذلك في عدة مواضع من التهذيب فينبغي التنبيه عليه.
انتهى، و هو جيد لما قدمناه في مواضع عديدة سيما في كتب العبادات من ذكر ما وقع للشيخ من أمثال ذلك في متون الأخبار و أسانيدها، و قل ما يخلو خبر من نحو ذلك.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن غاية ما تعلق به السيد السند في شرح النافع- دليلا لما اختاره من القول المشهور بين المتأخرين- هو تمسك بمقتضى الأصل فيما لم يقم دليل على خلافه، و رواية أبي الصباح الكناني و رواية أبي بصير
152
المتقدمين، ثم أجاب عن مرسلة ابن أبي عمير بضعف الإسناد بالإرسال، و لم ينقل غيرها من الأخبار الدالة على مذهب الشيخ و من تبعه.
و أنت خبير بما فيه أما (أولا) فلأن الأصل يجب الخروج عنه بالدليل كما سنوضحه إن شاء الله تعالى. و أما (ثانيا) فإن الطعن في مرسلة ابن أبي عمير مع كونه خلاف قواعدهم و ما صرحوا به من عدهم مرسلاته في حكم المسانيد، فهو وارد عليه في استدلاله بروايتي الكناني و أبي بصير.
و التحقيق أنه بالنظر إلى الأخبار فإن قوة قول الشيخ مما لا يداخله الإنكار بعد ضم الأخبار المذكورة بعضها إلى بعض بحمل مطلقها على مقيدها و مجملها على مفصلها، فيحمل الصبي في رواية الكناني و أبي بصير و نحوهما مما دل على عموم عدم جواز طلاقه على من لم يبلغ العشر أو من بلغ، و لكن لا يعقل ذلك، و ما دل على جواز طلاقه مطلقا كموثقات محمد بن مسلم و سماعة و ابن بكير و نحوها على من بلغ عشرا، و كان يعقل ذلك، و به يجتمع الأخبار على وجه واضح المنار، و يظهر قوة قول الشيخين و أتباعهما و هو ظاهر الصدوق في الفقيه لاقتصاره على نقل موثقة سماعة الدالة على هذا القول، و هو صريح عبارة أبيه في الرسالة كما عرفت، و الظاهر أنه المشهور بين المتقدمين.
و قال السيد السند في شرح النافع- بعد نقله عبارة الشيخ علي بن الحسين بن بابويه المذكورة- ما لفظه: و ربما كان مستنده في هذا الإطلاق ما رواه ولده في الفقيه عن زرعة عن سماعة- ثم نقل الرواية حسبما قدمناه، ثم قال:- و هذه الرواية ضعيفة بالإضمار، و اشتمال سندها على عدة من الواقفية، فلا يصلح التعلق بها في إثبات هذا الحكم، انتهى.
أقول: فيه أن مستند الشيخ المذكور إنما هو كتاب الفقه الرضوي، فإن عبارته التي قدمنا نقلها عنه عين عبارة الكتاب المتقدمة، حسبما عرفت في غير موضع مما تقدم من إفتائه في الرسالة بعبارات هذا الكتاب كما أوضحناه
153
سابقا، بما لا يداخله الشك و لا الارتياب. و لكنهم لعدم اطلاعهم على الكتاب المذكور يتكلفون له تحصيل الأدلة المناسبة، كما هي قاعدته في المختلف.
و بالجملة فإن الظاهر عندي هو القول المذكور لاجتماع الأخبار عليه، و القول بما عليه المتأخرون موجب لطرح أخبار المسألة مع اعتبار أسانيدها قوتها، و الجمع بين الأخبار مهما أمكن روي من طرح بعضها، و إلى هذا القول يميل كلام صاحب الكفاية.
الثاني [في أنه ليس للولي أن يطلق عن الصبي قبل بلوغه]
لا خلاف بين الأصحاب في أنه ليس للولي أن يطلق عن الصبي قبل بلوغه، و يدل عليه الخبر المشهور (1) من
قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «الطلاق بيد من أخذ بالساق».
و ما رواه
في الكافي (2) عن الفضل بن عبد الملك قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يزوج ابنه و هو صغير؟ قال: لا بأس. قلت: يجوز طلاق الأب؟ قال: لا».
و وصف السيد السند في شرح النافع هذه الرواية بالصحة، مع أن في طريقها عبد الله بن محمد المشهور بنيان أخا أحمد بن محمد بن عيسى و هو مجهول في الرجال.
و ما رواه
في التهذيب (3) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الصبي يتزوج الصبية يتوارثان؟ قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم. قلت:
فهل يجوز طلاق الأب؟ قال: لا».
و عن عبيد بن زرارة (4) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله.
نعم لو بلغ فاسد العقل جاز للولي أن يطلق عنه مع مراعاة الغبطة على المشهور بين المتقدمين و المتأخرين، بل ادعى عليه فخر المحققين الإجماع، و لم
____________
(1) الجامع الصغير ج 2 ص 57 ط القاهرة سنة 1373 ه. ق.
(2) الكافي ج 5 ص 400 ح 1، التهذيب ج 7 ص 389 ح 35، الوسائل ج 15 ص 39 ب 28 ح 2.
(3) التهذيب ج 7 ص 388 ح 32، الوسائل ج 14 ص 220 ب 12 ح 1.
(4) التهذيب ج 9 ص 382 ح 1 لكن عن عبيد بن زياد و يحتمل اشتباه قد وقع، الوسائل ج 17 ص 528 ب 11 ح 3.
154
ينقل الخلاف هنا إلا عن الشيخ في الخلاف، فإنه ذهب إلى عدم الجواز محتجا بإجماع الفرقة، و تبعه ابن إدريس، و احتج كل من القائلين المذكورين بجملة من الأدلة العقلية التي ليس في التطويل بذكرها مزيد فائدة، و الظاهر هو القول المشهور للأخبار التي هي المعتمد في الورود و الصدور.
و منها ما رواه
ثقة الإسلام و الشيخ (1) في الصحيح عن أبي خالد القماط قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل الأحمق الذاهب العقل أ يجوز طلاق وليه عليه؟ قال: و لم لا يطلق هو؟ قلت: لا يؤمن إن هو طلق أن يقول غدا لم أطلق، أو لا يحسن أن يطلق، قال: ما أرى وليه إلا بمنزلة السلطان».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه (2) عن أبي خالد قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل يعرف رأيه مرة و ينكره اخرى، يجوز طلاق وليه عليه؟ قال: ما له هو لا يطلق؟
قلت: لا يعرف حد الطلاق و لا يؤمن عليه إن طلق اليوم أن يقول غدا لم أطلق، قال: ما أراه إلا بمنزلة الإمام يعني الولي».
أقول: المراد من كون الولي بمنزلة السلطان أو بمنزلة الإمام يعني في تولي الطلاق عنه كما يفصح به الخبر الآتي، و الظاهر أن قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «لم لا يطلق؟» مبني على كون الجنون أدوارا كما هو ظاهر الخبر الثاني، و حينئذ فيطلق في وقت إفاقته، فأجاب السائل بأنه في حال الإفاقة ليس كامل العقل، لما ذكره في الخبرين.
و ما رواه
في الكافي (3) عن أبي خالد القماط عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في طلاق
____________
(1) الكافي ج 6 ص 125 ح 1، التهذيب ج 8 ص 75 ح 172، الوسائل ج 15 ص 329 ب 35 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 125 ح 2، الفقيه ج 3 ص 326 ح 3، الوسائل ج 15 ص 327 ب 34 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 126 ح 7، الوسائل ج 15 ص 329 ب 35 ح 3.
155
المعتوه قال: يطلق عنه وليه فإني أراه بمنزلة الامام».
و عن شهاب بن عبد ربه (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): المعتوه الذي لا يحسن أن يطلق، يطلق عنه وليه عن السنة» الحديث.
احتج ابن إدريس بأن الأصل بقاء العقد و صحته،
و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (2) «الطلاق بيد من أخذ بالساق».
و فيه أن الأصل يجب الخروج عنه بالدليل و قد عرفت، و الخبر مع تسليم صحة سنده مطلق يجب تقييده بما ذكرنا من الأخبار، على أنه غير مناف للمراد، و ذلك لأن طلاق الولي طلاقه، كما أنه يجوز طلاق الوكيل بالإجماع، إذ لم يوجب أحد من الأصحاب إيقاع الطلاق مباشرة من الزوج.
قال في المسالك- بعد أن استدل للقول المشهور بالروايتين الأولتين-: و في الاحتجاج بهذه الأخبار نظر، لأن جعل الولي بمنزلة الامام و السلطان لا يدل على جواز طلاقة عنه، و لأن متن الحديث لا يخلو من قصور، لأن السائل وصف الزوج بكونه ذاهب العقل، ثم يقول له الامام «ماله لا يطلق» مع الإجماع على أن المجنون ليس له مباشرة الطلاق، و لا أهلية التصرف، ثم يعلل السائل عدم طلاقه بكونه ينكر الطلاق أو لا يعرف حدوده، ثم يجيبه بكون الولي بمنزلة السلطان و كل هذا يضعف الاحتجاج بها، و أيضا فهذه الأخبار ليس فيها تقييد باشتراط طلاقه بالمصلحة و الغبطة للمجنون، و من ثم ذهب ابن إدريس إلى عدم الجواز، و قبله الشيخ في الخلاف محتجا بإجماع الفرقة، و بأصالة بقاء العقد و صحته، و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم)- ثم أورد الخبر النبوي المتقدم.
أقول: أما ما طعن به من عدم دلالة جعل الولي بمنزلة السلطان- على جواز طلاقه عنه- فقد عرفت إفصاح الرواية الثالثة به، و بها كشف نقاب الإبهام عن
____________
(1) الكافي ج 6 ص 125 ح 5، الوسائل ج 15 ص 329 ب 35 ح 2.
(2) الجامع الصغير ج 2 ص 57.
156
الروايتين المذكورتين كما أشرنا إليه آنفا، و آكد ذلك الرواية الرابعة، و لكن العذر له واضح حيث لم يطلع عليها و إلا لأوردهما.
و أما الطعن في المتن بما ذكره فقد تقدم الجواب عنه.
و بالجملة فإنه إذا ضمت هذه الأخبار الأربعة بعضها إلى بعض فإنه لا إشكال في قوة القول المشهور، و ما عليه القول الآخر من القصور. و شيخنا المذكور قد رجع في آخر كلامه إلى القول المشهور، و إنما كلامه هنا نوع مناقشة أوردها في البين، مع أنك قد عرفت أنه لا أثر لها و لا عين.
نعم ما ذكره- من أنه ليس في هذه الأخبار تقييد باشتراط الطلاق بالمصلحة- متجه، إلا أنه يمكن الرجوع في ذلك إلى الأدلة العامة الدالة على أن تصرف الولي منوط بالمصلحة إن ثبت ذلك.
الثاني [العقل]
من الشروط الأربعة المتقدمة العقل، فلا يصح طلاق المجنون و لا السكران و لا من زال عقله بإغماء أو شرب مرقد لعدم القصد. و المراد بالمجنون المطبق، لأن من كان جنونه أدوارا فله أن يطلق في حال الإفاقة بغير إشكال.
و المراد بالسكران من بلغ بتناول المسكر إلى حد يرتفع معه القصد، و قيل في حده إنه الذي اختلط كلامه المنظوم و انكشف سره المكتوم.
و من الأخبار الدالة على ذلك ما رواه
المشايخ الثلاثة (1) عن الحلبي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن طلاق المعتوه الذاهب العقل أ يجوز طلاقه؟ قال: لا. و عن المرأة إذا كانت كذلك أ يجوز بيعها و صدقتها؟ قال: لا».
و ما رواه
في الكافي (2) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كل طلاق
____________
(1) الكافي ج 6 ص 125 ح 4، الفقيه ج 3 ص 326 ح 1، التهذيب ج 8 ص 75 ح 170، الوسائل ج 15 ص 327 ب 34 ح 4.
(2) الكافي ج 6 ص 126 ح 6، الوسائل ج 15 ص 327 ب 34 ح 3.
157
جائز إلا طلاق المعتوه أو الصبي أو مبرسم أو مجنون أو مكره».
و ما رواه
في التهذيب (1) عن زكريا بن آدم قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن طلاق السكران و الصبي و المعتوه على عقله و من لم يتزوج، فقال: لا يجوز».
و ما رواه
في الكافي (2) عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن طلاق السكران، فقال: لا يجوز و لا كرامة».
و عن أبي الصباح الكناني (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال ليس طلاق السكران بشيء».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (4) في الصحيح برواية التهذيب عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن طلاق السكران، قال: لا يجوز و لا عتقه» و زاد في التهذيب «قال: و سألته عن طلاق المعتوه، فقال: و ما هو؟ قلت: الأحمق الذاهب عقله، قال:
لا يجوز. قلت: و المرأة كذلك يجوز بيعها و شراؤها؟ قال: لا».
و ما رواه
في التهذيب (5) عن إسحاق بن جرير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن السكران يطلق أو يعتق أو يتزوج، أ يجوز له و هو على حاله؟ قال: لا يجوز له».
و أما ما رواه
في التهذيب و الفقيه (6) عن شعيب عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن المعتوه أ يجوز طلاقه؟ فقال: ما هو؟ فقلت: الأحمق الذاهب العقل فقال: نعم».
فحمله الصدوق- (رحمه الله)- في الفقيه و الشيخ في الكتابين على ما
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 73 ح 165، الوسائل ج 15 ص 328 ب 34 ح 7.
(2) الكافي ج 6 ص 126 ح 1، الوسائل ج 15 ص 330 ب 36 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 126 ح 2، الوسائل ج 15 ص 330 ب 36 ح 2.
(4) الكافي ج 6 ص 126 ح 4، التهذيب ج 8 ص 73 ح 164، الوسائل ج 15 ص 330 ب 36 ح 4 و ص 328 ب 34 ح 5.
(5) التهذيب ج 8 ص 73 ح 163، الوسائل ج 15 ص 328 ب 34 ح 6.
(6) الفقيه ج 3 ص 326 ح 2، التهذيب ج 8 ص 75 ح 171، الوسائل ج 15 ص 328 ب 34 ح 8.
158
إذا طلق عنه وليه، و جوز في الاستبصار حمله على ناقص العقل دون فاقده.
أقول: ظاهر هذه الأخبار أن المعتوه هو المجنون الذاهب العقل، و ظاهر كلام جملة من أهل اللغة أنه الناقص العقل.
قال الفيومي في كتاب المصباح المنير (1): عته عتها من باب تعب و عتاها بالفتح: نقص عقله من غير جنون أو دهش، و فيه لغة ثانية عته بالبناء للمفعول عتاهة بالفتح و عتاهية بالتخفيف فهو معتوه بين العته.
و في التهذيب (2): المعتوه المدهوش من غير حس أو جنون، انتهى.
و قال في القاموس (3): عته كعني عتها و عتها و عتاها بضمها فهو معتوه نقص عقله أو فقد أو دهش، انتهى.
و الظاهر من سؤالهم (عليهم السلام) السائل في بعض هذه الأخبار بعد ذكر المعتوه «ما هو» هو أنه يطلق على كل من الأمرين- أعني فاقد العقل و ناقصه- فإذا أجاب بأنه فاقد العقل منع (عليه السلام) من جواز وقوع تلك الأمور منه، و مفهومه أنه لو لم يكن كذلك جاز وقوعها، و قد تقدم حكم طلاق الولي. عن المجنون.
و أما السكران و نحوه من المغمى عليه و شارب المرقد فظاهر الأصحاب الاتفاق على عدم جواز طلاق الولي عنه، لعدم الدليل على ذلك، و لظهور الفرق بأن لهؤلاء أمدا قريبا إلى الإفاقة و رجوع العقل لهم، فهم في حكم النائم بخلاف المجنون المطبق بناء على الغالب.
الثالث من الشروط المتقدمة الاختيار، فلا يصح طلاق المكره كما لا يصح شيء من تصرفاته، و هو إجماعي كما نقله السيد السند في شرح النافع، و يدل
____________
(1) المصباح المنير ص 536.
(2) تهذيب اللغة للأزهري ج 1 ص 139 و فيه «من غير مس جنون».
(3) القاموس المحيط ج 4 ص 287.
159
عليه مضافا إلى الإجماع المذكور جملة من الأخبار منها ما رواه
في الكافي (1) عن زرارة في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن طلاق المكره و عتقه، فقال: ليس طلاقه بطلاق، و لا عتقه بعتق» الحديث.
و عن يحيى بن عبد الله بن الحسن (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول:
لا يجوز طلاق في استكراه و لا يجوز يمين في قطيعة رحم- إلى أن قال:- و إنما الطلاق ما أريد به الطلاق من غير استكراه و لا إضرار».
و عن عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: لو أن رجلا مسلما مر بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتى يتخوف على نفسه أن يعتق أو يطلق ففعل لم يكن عليه شيء».
و ينبغي أن يعلم أن الإكراه الموجب لبطلان ما يترتب عليه من طلاق و غيره مشروط بأمور:
(منها) قدرة المكره على ما توعده به لغلبة أو سلطان أو تغلب.
(منها) عجز المكره عن دفع ذلك عن نفسه، و لو بفرار أو استعانة بالغير.
(و منها) أن يعلم أو يظن غالبا أنه لو لم يفعل ما يريده و امتنع من ذلك أو وقع به المكروه.
(و منها) أن يكون ما توعده به مضرا بالمكره في نفسه أو من يجري مجراها من والديه و ولده و أقاربه من قتل أو جرح أو ضرب شديد أو حبس أو شتم أو أخذ مال مضر به، و يختلف ما عدا القتل و الجرح باختلاف طبقات الناس و مراتبهم، فربما كان قليل الشتم يضر بالوجيه صاحب الوقار، و الضرب لا يضر ببعض آخر و لا يبالي به، و ربما ضر أخذ عشرة دراهم ببعض لفقره، و لا يضر مائة دراهم أو
____________
(1) الكافي ج 6 ص 127 ح 2، الوسائل ج 15 ص 331 ب 37 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 127 ح 4، التهذيب ج 8 ص 74 ح 167 و فيه «لا يجوز طلاق في استكراه و لا يجوز عتق في استكراه»، الوسائل ج 15 ص 331 ب 37 ح 4.
(3) الكافي ج 6 ص 126 ح 1، الوسائل ج 15 ص 331 ب 37 ح 2.
160
أكثر بآخر لكثرة أمواله.
و من الأصحاب من جعل المال مطلقا من قبيل القتل و الجرح، فجعل القليل و الكثير منه محققا للإكراه، و به صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروضة (1) و الأظهر ما ذكرناه، و هو الذي استظهره في المسالك، و مثله سبطه السيد السند في شرح النافع، و مجمل الكلام في المقام أنه يتحقق الإكراه بتوعده بما يكون مضرا به بحسب حاله في نفسه أو من يجري مجراه مع قدرة المتوعد على ما توعد به و حصول الظن بأنه يفعله لو لم يفعل.
فروع
الأول [فيما لو خير الزوج بين الطلاق و دفع مال غير مستحق]
قالوا: لو خير الزوج بين الطلاق و دفع مال غير مستحق و ألزم أحد الأمرين فهو إكراه، بخلاف ما لو خير بينه و بين فعل يستحقه الآمر من دفع مال أو غيره.
أقول: يمكن الاستدلال على الثاني بما رواه
في الكافي (2) عن محمد بن الحسن الأشعري قال: «كتب بعض موالينا إلى أبي جعفر (عليه السلام): إن معي امرأة عارفة أحدث زوجها فهرب عن البلاد فتبع الزوج بعض أهل المرأة، فقال: إما طلقت و إما رددتك فطلقها و مضى الرجل على وجهه، فما ترى للمرأة؟ فكتب بخطه: تزوجي يرحمك الله».
و التقريب فيه أن ما خيره فيه من الوجه الثاني- و هو رده للقيام بواجب الزوجة- أمر واجب عليه، و الامام قد أمرها بالتزويج لصحة الطلاق.
____________
(1) قال في الروضة: و لا فرق بين كون المتوعد به قتلا و جرحا و أخذ مال- و ان قل- و شتما و ضربا و حبسا، و يستوي في الثلاثة الأول جميع الناس، أما الثلاثة الأخيرة فتختلف باختلاف الناس. إلخ. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 6 ص 81 ح 9، التهذيب ج 8 ص 61 ح 119، الوسائل ج 15 ص 307 ب 26 ح 4.
161
و بالجملة فالخبر صريح في أن نحو ذلك ليس بإجبار، و ليس الوجه فيه إلا ما ذكرناه.
و أما الحكم الأول فالظاهر أنه لا إشكال فيه أيضا إلا أنه يجب تقييد المال بكونه مضرا به كما تقدم، و يمكن الاستدلال عليه بما رواه
في الكافي (1) عن منصور بن يونس في الموثق قال: «سألت العبد الصالح (عليه السلام) و هو بالعريض فقلت له: جعلت فداك إني قد تزوجت امرأة و كانت تحبني فتزوجت عليها ابنة خالي و قد كان لي من المرأة ولد فرجعت إلى بغداد فطلقتها واحدة ثم راجعتها، ثم طلقتها الثانية ثم راجعتها، ثم خرجت من عندها أريد سفري هذا حتى إذا كنت بالكوفة أردت النظر إلى ابنة خالي، فقالت أختي و خالتي: لا تنظر إليها و الله أبدا حتى تطلق فلانة، فقلت: و يحكم و الله مالي إلى طلاقها من سبيل، فقال لي: هو من شأنك ليس لك إلى طلاقها من سبيل، فقلت: جعلت فداك إنه كانت لي منها ابنة و كانت ببغداد و كانت هذه بالكوفة و خرجت من عندها قبل ذلك بأربع، فأبوا علي إلا تطليقها ثلاثا، و لا و الله جعلت فداك ما أردت الله و ما أردت إلا أن أداريهم عن نفسي و قد امتلأ قلبي من ذلك جعلت فداك. فمكث طويلا مطرقا، ثم رفع رأسه إلى و هو متبسم فقال: أما ما بينك و بين الله عز و جل فليس بشيء، و لكن إذا قدموك إلى السلطان أبانها منك».
و التقريب فيه أن مرجع المسألة إلى التخيير بين الطلاق و بين ما هو غير مستحق عليه شرعا، فإنه في هذه الحال يكون إكراها، و ما دل عليه الخبر من هذا القبيل، فإن منعه من زوجته التي هي ابنة خاله أمر محرم كالمثال الذي ذكروه من دفع مال غير مستحق بخلاف ما إذا كان مستحقا عليه شرعا، فإنه ليس بإكراه كالرد المتقدم.
الثاني: لو اكره على الطلاق فطلق ناويا له
قيل: يقع صحيحا، و هو اختيار
____________
(1) الكافي ج 6 ص 127 ح 3، الوسائل ج 15 ص 332 ب 38 ح 1 مع اختلاف يسير.
162
العلامة في التحرير، و به جزم شيخنا الشهيد الثاني في الروضة، و في المسالك أنه الأصح، لحصول اللفظ و القصد، و لأن القصد لا إكراه عليه، فلو لا حصول الرضا بالعقد لما قصد إليه. و قيل بالبطلان إذ المفروض أنه لو لا الإكراه لما فعله، و عقد المكره باطل بالنص و الإجماع.
قال في شرح النافع- بعد نقل القولين-: و حجتيهما و المسألة محل إشكال، و هو كذلك، و يمكن تأييد القول الثاني بقوله (عليه السلام)
في رواية يحيى بن عبد الله ابن الحسن المتقدمة «و إنما الطلاق ما أريد به الطلاق من غير استكراه و لا إضرار».
فإنه و إن صدق على هذا الطلاق المفروض أنه أريد به الطلاق، بمعنى أنه حصل القصد إليه، لكنه ناش عن الاستكراه و الإضرار، فالقصد إليه مع كونه ناشئا عن الإكراه غير مجد في صحته، و كيف كان فالمسألة باقية في غشاوة الإشكال.
الثالث [لو أكرهه على طلاق امرأته بعينها فطلق غيرها أو أزيد]
قالوا: لو أكرهه على طلاق امرأته بعينها فطلق غيرها صح، و كذا لو أكرهه على أن يطلق طلقة واحدة فطلق أزيد، و الوجه فيه أنه يشعر باختياره فيما أتى به (1) إذ لم يتعلق الإكراه بذلك، و الظاهر أنه لا إشكال فيه. أما لو أكرهه على طلاق إحدى الزوجتين فطلق معينة، فالذي اختاره السيد السند في شرح النافع و قبله جده في الروضة أنه إكراه (2) و علله في شرح النافع بأنه لا يمكن التخلص من الضرر المتوعد به بدون ذلك. قيل بأنه يقع الطلاق لأنه مختار في تعيينها، و لأنه لما عدل من الإبهام إلى التعيين فقد زاد على ما أكرهه
____________
(1) و توضيحه: انا نمنع وقوع الطلاق بالإكراه إذا لم يظهر ما يدل على اختياره، و أما إذا ظهر بأن خالف المكره و أتى بغير ما حمله عليه فلا مانع لوقوع الطلاق، لان مخالفته له يشعر باختياره فيما أتى به، و ذكروا لذلك أمثلة منها ما ذكرناه في الأصل.
(منه- (قدس سره)-).
(2) و علله في الروضة قال: و الأقوى أنه إكراه، إذ لا يتحقق فعل يقتضي أمره بدون أحدهما، و هو يرجع الى ما ذكره سبطه كما نقلناه في الأصل. (منه- (رحمه الله)-).
163
عليه لأن الإكراه على طلاق إحداهما لا على طلاق هذه، و طلاق هذه طلاق إحداهما مع زيادة. و قد تقرر في الأصول أن الأمر بالكلي ليس أمرا بجزئي معين.
و رد بأن متعلق الإكراه و إن كان كليا لكنه يتأدى في ضمن طلاق كل واحدة بعينها، و طلاق واحدة غير معينة. فكل واحد من الافراد داخل في المكره عليه، و مدلول عليه بالتضمن.
نعم لو صرح له بالحمل على طلاق واحدة مبهمة بأن يقول: أحدا كما طالق مثلا فعدل عنه إلى طلاق معينة فلا شبة هنا في وقوع الطلاق على المعينة لأنه غير المكره عليه جزما.
و أنت خبير بأنه بالنظر إلى هذه التعليلات فإن القول الأول هو الأقرب، إذ هو الأربط بالقواعد و الأنسب، إلا أنك قد عرفت في غير موضع مما تقدم ما في البناء على أمثال هذه التعليلات.
الرابع [هل يعتبر في الحكم ببطلان طلاق المكره عدم إمكان التورية؟]
قال في المسالك: لا يعتبر في الحكم ببطلان طلاق المكره التورية، و إن كان يحسنها عندنا، لأن المقتضي لعدم وقوعه هو الإكراه الموجب لعدم القصد إليه، فلا يختلف الحال بين التورية و عدمها، و لكن ينبغي التورية للقادر عليها بأن ينوي بطلاق فاطمة المكره عليها غير زوجته ممن يشاركها في الاسم، أو ينوي طلاقها من الوثاق، أو يعلقه في نفسه بشرط، و لو كان جاهلا بها أو أصابه دهشة عند الإكراه- كسل السيف مثلا- عذر إجماعا، انتهى.
و ربما كان في قوله «عندنا» إيماء إلى أنه عند المخالفين ليس كذلك، فتعتبر التورية عندهم في بطلان العقد، و يكون منشأ بطلانه ذلك، و لا ريب في ضعفه لما ذكره- رحمة الله عليه.
الخامس [حكم ما إذا كان الإكراه بحق]
قال في الكتاب المتقدم ذكره أيضا: يستثني من الحكم ببطلان فعل المكره ما إذا كان الإكراه بحق، فإنه صحيح كإكراه الحربي على الإسلام و المتردد، إذ لو لم يصح لما كان للإكراه عليه معنى، و له موارد كثيرة ذكرناها
164
فيما سلف من هذا الكتاب، و العبارة الجامعة لها مع السابقة أن يقال: ما لا يلزمه في حال الطواعية لا يصح منه إذا أتى به مكرها. و ما يلزمه في حال الطواعية يصح مع الإكراه عليه، و لا يخلو الحكم بإسلام الكافر مع إكراهه عليه من غموض من جهة المعنى، و إن كان الحكم به ثابتا من فعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فما بعده، لأن كلمتي الشهادة نازلتان في الاعراب عما في الضمير منزلة الإقرار، و الظاهر من حال المحمول عليه بالسيف أنه كاذب، لكن لعل الحكمة فيه أنه مع الانقياد ظاهرا و صحبة المسلمين و الاطلاع على دينهم يحصل له التصديق القلبي تدريجا، فيكون الإقرار اللساني سببا في التصديق القلبي، انتهى.
أقول: لا ريب أن محل الاشكال عنده هنا إنما هو إسلام المنافقين المقرين بمجرد اللسان مع عدم التصديق القلبي، و الأخبار قد دلت على أن فائدة هذا الإسلام إنما هو بالنسبة إلى الأمور الدنيوية من حقن الدم و المال و الطهارة، و جواز المناكحة و نحو ذلك، و أما بالنسبة إلى الآخرة فإنهم من أهل النار و الإكراه حينئذ إنما تعلق بإظهاره و إن كان كاذبا بحسب الواقع، و هذا مما لا غموض فيه، و يصير من قبيل الإكراه على الحقوق الواجبة كأداء الدين و نحوه، فإنه كما يجب على المديون أداء ما يلزمه شرعا كذلك يجب على الكافر الانقياد بهذا الدين و الدخول فيه، و إن كان الأول حقا لغيره سبحانه، و الثاني حقا له جل شأنه.
بقي الكلام في أنه مع عدم تصديقه بالإسلام و اعتقاده له و إذعانه به فالفائدة في مجرد إظهاره لأجل هذه الأمور الدنيوية قليل الجدوى.
و الجواب عن ذلك أن الفائدة فيه (أولا) إعراضه عن المنازعة و المقاومة بالحرب لهذا الدين و أهله، و هي من أهم الفوائد.
(و ثانيا) ما ذكره شيخنا المذكور من رجاء دخوله في هذا الدين و تصديقه به، و تدل عليه الأخبار الواردة في تألف النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) منافقي قريش بدفع
165
الزكوات لهم، كما ورد في تفسير الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، و قد تقدمت الأخبار بذلك في كتاب الزكاة، و في بعضها، فأمر الله نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يتألفهم بالمال و العطاء لكي يحسن إسلامهم، و يثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه و أقروا به، و إن كان أصحابنا لم يطلعوا على هذه الأخبار، حيث فسروا الْمُؤَلَّفَةِ في آية الزكاة بالتأليف للجهاد، و مورد الأخبار المذكورة أنما هو التأيف للبقاء على دين الإسلام و التصديق به كما قدمنا تحقيقه في الكتاب المذكور.
السادس [لو تلفظ بالطلاق ثم قال كنت مكرها و أنكرت المرأة]
قال في المسالك: لو تلفظ بالطلاق ثم قال كنت مكرها و أنكرت المرأة، فإن كان هناك قرينة تدل على صدقه بأن كان محبوسا أو في يد متغلب دلت القرينة على صدقه قبل قوله بيمينه، و إلا فلا.
و لو طلق في المرض فقال كنت مغشيا على أو مسلوب القصد لم يقبل قوله إلا ببينة تقوم على أنه كان زائل العقل في ذلك الوقت، لأن الأصل في تصرفات المسلم الصحة إلى أن يثبت خلافها، و إنما عدلنا في دعوى الإكراه عن ذلك بالقرائن لظهورها و كثرة وقوعها، و وضوح قرائنها بخلاف المرض، انتهى.
أقول: ما ذكره من قبول قوله «بيمينه» في المسألة الاولى مع انضمام القرائن المذكورة إلى الدعوى مقطوع به في كلام الأصحاب، و احتجوا عليه بأن القصد إلى العقد و الرضا به شرط في صحة العقد. لكن لما لم يمكن الاطلاع على الرضا غالبا إلا باللفظ الدال عليه اكتفى الشارع به إذا لم تقم قرينة على عدم الرضا، أما مع وجود القرينة الدالة على انتفائه فلا يكفي التعويل على دلالة اللفظ لانتفاء الدليل عليه، و الأصل عدمه.
و أما ما ذكره في المسألة الثانية من عدم قبول قوله «إلا بالبينة» فهو على إطلاقه محل نظر، و ذلك لأنه إن طابق الظاهر فالأمر كما ذكره، و إن ظهر من حال المريض اضطراب و اختلاط كعدم انتظام كلامه و تغير أحواله ثم ادعى زوال العقل و الحال كما فرضنا فإن الظاهر قبول قوله- لعين ما ذكر في المسألة الأولى- اعتمادا على القرائن في الموضعين.
166
الرابع [القصد]
من الشروط المتقدمة القصد، و هو لا يختص بالطلاق بل يشترط القصد في صحة التصرفات اللفظية من الطلاق و غيره إجماعا كما نقله بعضهم، و تدل عليه من الأخبار الواردة في الطلاق
رواية زرارة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال: لا طلاق إلا ما أريد به الطلاق».
و رواية هشام بن سالم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا طلاق إلا لمن أراد الطلاق».
و في رواية محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه قال: لا يقع الطلاق بإكراه و لا إجبار و لا على سكر و لا على غضب».
و قد تقدم
في حديث يحيى بن عبد الله بن الحسن (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إنما الطلاق ما أريد به الطلاق من غير استكراه و لا إضرار».
و رواية عبد الواحد بن مختار الأنصاري (5) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا طلاق إلا لمن أراد الطلاق».
و رواية اليسع (6) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في حديث: و لو أن رجلا طلق على سنة و على طهر من غير جماع و أشهد و لم ينو الطلاق لم يكن طلاقه طلاقا».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 62 ح 1، الوسائل ج 15 ص 286 ب 11 ح 3.
(2) التهذيب ج 8 ص 51 ح 79، الوسائل ج 15 ص 286 ب 11 ح 4.
(3) الفقيه ج 3 ص 321 ح 5 لكن الظاهر أن هذا كلام الصدوق لا من جزء الرواية.
(4) الكافي ج 6 ص 127 ح 4، التهذيب ج 8 ص 74 ح 167، الوسائل ج 15 ص 331 ب 37 ح 4.
(5) الكافي ج 6 ص 62 ح 2، التهذيب ج 8 ص 51 ح 81، الوسائل ج 15 ص 285 ب 11 ح 2 و ص 286 ح 5.
(6) الكافي ج 6 ص 62 ح 3، التهذيب ج 8 ص 51 ح 82، الوسائل ج 15 ص 285 ب 11 ح 1.
167
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1): «و لا يقع إلا على طهر من غير جماع بشاهدين عدلين مريدا للطلاق».
و مما يترتب على ذلك طلاق الساهي و النائم و الغالط و الهازل، و حال الغضب الذي يرتفع معه القصد، و منه أيضا الأعجمي الذي لقن الصيغة و لا يفهم معناها.
بقي الكلام في أنه لو ادعى المطلق عمد القصد، فقيل: بأنه لا يقبل منه كما في سائر التصرفات القولية من بيع و نحوه، لأن الظاهر من حال العاقل المختار القصد إلى مدلول اللفظ الذي يتلكم به، فإخباره بخلاف ذلك مناف للظاهر، و هو ظاهر اختيار شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و سبطه في شرح النافع.
و أطلق جمع من الأصحاب منهم المحقق في الشرائع أن المطلق لو قال «لم أقصد الطلاق» قبل منه ظاهرا، و دين بنيته باطنا، و إن تأخر تفسيره ما لم يخرج العدة، لأنه إخبار عن نيته، و ظاهره أن العلة في قبول قوله هو كون ذلك إخبارا عن نيته، إذ لا يمكن الاطلاع عليها إلا من قبله، فكان قوله مقبولا كنظائره من الأمور التي لا تعلم إلا من المخبر، و هو جيد فيما إذا وقع ذلك في العدة الرجعية لأن ذلك يعد رجعة كإنكار الطلاق.
و إنما الإشكال في العدة البائنة، فإن ظاهر كلامه أن العدة فيه أعم من الرجعية و البائنة، و وجه الاشكال فيها أن الزوجية فيها زائلة بالكلية، فحكمها في ذلك حكم ما بعد العدة الرجعية، فكيف يتم قبول قوله في هذه الحال؟ على أنك قد عرفت معارضة ما ذكره من العلة بما قدمنا ذكره في علة القول الأول من أن الظاهر من حال العاقل المختار. إلخ.
و لو قيل: إن الأصل مرجح عليه هنا، للزم مثله في البيع و نحوه من العقود و الإيقاعات، مع الاتفاق منهم على عدم قبول قبوله في عدم القصد فيها،
____________
(1) فقه الرضا ص 241، مستدرك الوسائل ج 3 ص 4 ب 10 ح 6.
168
و اختصاص الطلاق بذلك مشكل.
قيل: و ربما كان مستند حكمهم بذلك و تخصيص الطلاق بذلك موثقة منصور بن يونس (1) المتقدمة من حيث دلالتها على أنه طلق امرأته و لم يكن له في طلاقها نية، و إنما حمله عليه بعض أقاربه، فقال (عليه السلام) «ما بينك و بين الله فليس بشيء» و هو مشعر بقبول قوله، و فيه: إنا قد بينا أن مورد الخبر المذكور إنما هو الإكراه- بالتقريب الذي ذكرناه ذيله- و جواب الامام (عليه السلام) له بذلك إنما هو بناء على ما نقله من القصة المتضمنة لاكراهه على الطلاق لا من حيث مجرد دعواه عدم القصد.
و بالجملة فالأظهر عدم القبول- كما هو القول الأول- إلا مع قيام القرينة على صدقه، أو كونها في عدة رجعية فيجعل ذلك بمنزلة الرجعة، و الظاهر أنه لو صادقته المرأة على ذلك فهو كما ذكرنا أيضا لكون الحق منحصرا فيهما، فيعاملان بما اتفقا عليه، و يرجع أمرهما في صدقهما و كذبهما إلى الله عز و جل.
تنبيهان
الأول [في توكيل الغير في إيقاع صيغة الطلاق]
لا خلاف بين الأصحاب في جواز الوكالة في الطلاق الغائب، و إنما الخلاف في الحاضر، فالمشهور الجواز، و ذهب الشيخ و أتباعه إلى المنع. قال في النهاية: إذا وكل الرجل غيره بأن يطلق عنه لم يقع طلاقه إذا كان حاضرا في البلد، فإن كان غائبا جاز توكيله في الطلاق. و تبعه ابن حمزة و ابن البراج.
احتج الأصحاب على ما هو المشهور بينهم بأصالة صحة الوكالة، و صحة إيقاع الصيغة المشترطة في نظر الشارع، و وجود المقتضي و هو الصيغة، و انتفاع المعارض و هو اشتراط المباشرة، إذ لا تعلق لغرض الشارع في إيقاع هذا الفعل
____________
(1) الكافي ج 6 ص 127 ح 3، الوسائل ج 15 ص 332 ب 38 ح 1.
169
من مباشر دون غيره، و ما رواه
سعيد الأعرج (1) في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) «في رجل يجعل أمر امرأته إلى رجل، فقال: اشهدوا إني قد جعلت أمر فلانة إلى فلان فيطلقها، أ يجوز ذلك للرجل؟ قال: نعم».
قالوا: و ترك الاستفصال في الحال يدل على عموم المقال.
و أنت خبير بأن ظاهر هذا الخبر أن الوكالة فيه ليست على النهج المبحوث عنه، فإن ظاهره إنما هو جعل الاختيار في الطلاق و عدمه إلى ذلك الرجل، فإن شاء طلق و إن شاء لم يطلق إلا أن الرجل اختار الطلاق فطلق، و محل البحث إنما هو توكيل الغير في إيقاع صيغة الطلاق، و الذي يدل على الجواز هنا جملة من الأخبار منها:
ما رواه
المشايخ الثلاثة (2) في الصحيح في بعضها عن ابن مسكان عن أبي هلال الرازي- و الظاهر أنه مجهول- قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل وكل رجلا بطلاق امرأته إذا حاضت و طهرت و خرج الرجل، فبدا له، فأشهد أنه قد أبطل ما كان أمره به، و أنه قد بدا له في ذلك، قال: فليعلم أهله و الوكيل».
و ما رواه
في الكافي (3) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل جعل طلاق امرأته بيد رجلين فطلق أحدهما و أبى الآخر، فأبى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يجيز ذلك حتى يجتمعا جميعا على الطلاق».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 129 ح 2، التهذيب ج 8 ص 39 ح 35، الوسائل ج 15 ص 333 ب 39 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 129 ح 4، الفقيه ج 3 ص 48 ح 2، التهذيب ج 8 ص 39 ح 36، الوسائل ج 15 ص 333 ب 39 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 129 ح 3، التهذيب ج 8 ص 39 ح 37، الوسائل ج 15 ص 333 ب 39 ح 2.
170
و ما رواه
الشيخ (1) عن اليقطيني قال: «بعث إلى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) رزم ثياب و غلمانا و دنانير و حجة لي و حجة لأخي موسى بن عبيد و حجة ليونس بن عبد الرحمن، فأمرنا أن نحج عنه، و كان بيننا مائة دينار أثلاثا فيما بيننا، فلما أردت أن أعبي الثياب رأيت في أضعاف الثياب طينا، فقلت للرسول (2): ما هذا؟ فقال:
ليس يوجه بمتاع إلا جعل فيه طينا من قبر الحسين (عليه السلام)، ثم قال الرسول: قال أبو الحسن (عليه السلام): هو أمان بإذن الله، و أمرنا بالمال بأمور من صلة أهل بيته و قوم محاويج لا مؤنة لهم، و أمر بدفع ثلاثمائة دينار إلى رحم امرأة كانت له، و أمر لي أن أطلقها عنه و أمتعها بهذا المال، و أمرني أن اشهد على طلاقها صفوان بن يحيى و آخر نسي محمد بن عيسى اسمه».
أما ما استدل به الشيخ و أتباعه على ما ذهبوا إليه فهو ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تجوز الوكالة في الطلاق».
قال في التهذيب- بعد نقل هذا الخبر-: و هذا الحديث لا ينافي الأخبار الأولة، لأنا نحمل هذا الخبر على الحال التي يكون الرجل فيها حاضرا غير غائب، فإنه متى كان الأمر على ما وصفناه لم يجز وكالته في الطلاق. و الأخبار الأولة في تجويز الوكالة مختصة بحال الغيبة و لا تنافي بين الأخبار. و قال ابن سماعة: إن العمل على الذي ذكر فيه أنه لا يجوز الوكالة في الطلاق و لم يفصل، و ينبغي أن يكون العمل على الأخبار كلها حسبما قدمناه، انتهى.
و قال في الكافي- بعد نقل الأخبار الدالة على الجواز-: و روي أنه لا يجوز الوكالة في الطلاق- ثم أورد خبر زرارة المذكور ثم قال:- و قال الحسن بن سماعة:
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 40 ح 40، الوسائل ج 15 ص 334 ب 39 ح 6.
(2) يعني الذي بعثه الامام الرضا (عليه السلام).
(3) الكافي ج 6 ص 130 ح 6، التهذيب ج 8 ص 39 ح 39، الوسائل ج 15 ص 334 ب 39 ح 5.
171
و بهذا الحديث نأخذ.
أقول: و قد ظهر من ذلك أن في المسألة أقوالا: القول المشهور و هو الجواز، و مذهب الشيخ و أتباعه و هو التفصيل بين الحضور و الغيبة، و مذهب الحسن بن سماعة و هو المنع و التوقف في المسألة، و هو ظاهر الكليني، حيث نقل الرواية المخالفة لما ذكره أولا و لم يجب عنها بشيء، و يرد على ما ذهب إليه الشيخ أنه لا قرينة في الأخبار المذكورة تؤنس بهذا التفصيل، و أكثر الأخبار مطلق، و إن كان مورد بعضها الغيبة، و يرد على ما ذكره ابن سماعة أن فيه طرحا للأخبار الدالة على القول المشهور، و هي أكثر عددا و أوضح سندا.
و بالجملة فظهور الخبر الأخير في المعارضة مما لا ينكر، و لا يحضرني الآن محمل صحيح يحمل عليه، قال في الوافي- بعد ذكر استبعاد حمل الشيخ-:
و لو جاز تقييد الخبر بحال الحضور استنادا إلى ظهور بعض ما يخالفه في الغائب لجاز تقييده بالنساء في كله أمر الطلاق إليهن استنادا إلى ورود ما يوافقه فيهن كما يأتي في الباب الآتي من التخيير، انتهى.
و مراده أنه لو صح حمل الشيخ- و الحال أنه لا قرينة تؤنس به في هذه الأخبار إلا مجرد ورود بعض الأخبار في طلاق الغائب كذلك- لجاز أيضا أن يحمل إطلاق هذا الخبر على ما دلت عليه الأخبار الدالة على عدم جواز التخيير للنساء في الطلاق، و أنه موكول لهن، كما سيأتيك الاخبار به إن شاء الله قريبا، و يأتي بيان الوجه فيها، فيكون هذا الخبر من الأخبار الدالة على القول المشهور من أنه لا يجوز للنساء الوكالة في الطلاق بأن يتولين ذلك مباشرة أو وكالة.
و أنت خبير بما فيه من البعد كما في مذهب الشيخ، و بالجملة فالمسألة عندي لا تخلو من نوع توقف، و الأنسب بقواعد الأصحاب كما هي قاعدتهم في جميع الأبواب هو حمل النهي في هذا الخبر على الكراهة، لكن من قواعدهم أنهم لا يرتكبون الجمع إلا مع التكافؤ في السند، فاكتفوا هنا برد الخبر المذكور
172
لضعف سنده، و أعرضوا عنه لذلك، قال في المسالك: و على قول الشيخ يتحقق الغيبة بمفارقة مجلس الطلاق و إن كان في البلد.
أقول: فهم هذا المعنى من عبارة الشيخ التي قدمنا نقلها عنه لا يخلو من إشكال، بل ظاهرها إنما هو الغيبة عن البلد لا عن مجلس الطلاق، فإنه بعد أن صرح بأنه لم يقع طلاقه إذا كان حاضرا في البلد قال: و إن كان غائبا جاز، المتبادر منه يعني غائبا عن البلد، و مفهومه أنه متى كان حاضرا في البلد لم يجز. و حينئذ فإن كان ما ذكره- (رحمه الله)- مأخوذا من كلام آخر غير هذه العبارة فيمكن صحة ما ادعاه، و إن كان من هذه العبارة فالأمر كما ترى.
الثاني [في جواز جعل الأمر إليها في طلاق نفسها]
المشهور بين الأصحاب أنه يجوز جعل الأمر إليها في طلاق نفسها و قال الشيخ في المبسوط: و إن أراد أن يجعل الأمر إليها فعندنا لا يجوز على الصحيح من المذهب، و في أصحابنا من أجازه.
قال في المختلف- في الاحتجاج لما اختاره من القول المشهور-: لنا أنه فعل يقبل النيابة، و المحل قابل فجاز كما وكل غيرها من النساء أو توكلت في طلاق غيرها.
و احتج في المسالك بما دل على جواز النيابة فيه مطلقا قال: و هو يشمل استنابتها كغيرها. ثم نقل عن الشيخ أنه استند في تخصيصها بالمنع إلى أن القابل لا يكون فاعلا، و ظاهر
قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «الطلاق بيد من أخذ بالساق».
فإنه يقتضي عدم صحة التوكيل مطلقا، خرج عنه غير المرأة بدليل من خارج، فتبقى هي على أصل المنع. ثم رده فقال: و لا يخفى ضعف الدلالة، فإن المغايرة بين القابل و الفاعل يكفي فيه الاعتبار، و هما مختلفان بالحيثية، و الخبر مع تسليمه لا يفيد الحصر، و على تقدير تسليم إفادته فما أخرج غيرها من الوكلاء عنه يخرجها لتناوله لها، انتهى.
____________
(1) الجامع الصغير ج 2 ص 57.
173
و عندي في المسألة نوع توقف، و إن كان القول المشهور لا يخلو من قوة بالنظر إلى هذه التعليلات، إلا أن الاعتماد عندنا في الأحكام الشرعية إنما هو على النصوص، و الزوجية قد ثبتت و تحققت، فرفعها و رفع ما يترتب عليها يتوقف على دليل واضح من النصوص.
و قال في الكفاية: و لو وكلها في طلاق نفسها ففي صحته قولان، و الأدلة من الجانبين محل البحث. انتهى، و فيه إيذان بتوقفه في المسألة. و نحوه المحدث الكاشاني في المفاتيح حيث إنه اقتصر على نقل القولين من غير ترجيح في البين، و هذا في محله كما عرفت.
الركن الثاني: المطلقة
، [شرائطها]
و يشترط فيها أمور
الأول: أن تكون زوجة
فلا أثر لطلاق الموطوءة بالملك و لا الأجنبية، و كذا لو علق الطلاق بالتزويج بأن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أو كل من أتزوج فهي طالق، و الأصل في ذلك أن كلا من النكاح و الطلاق أحكام شرعية يتوقف ثبوتها و الحكم بها على الأسباب و العلل المنوطة بها شرعا فهي توقيفية، و النكاح لما ثبت بما رسمه الشارع من الأسباب و الشروط، فرفعه و رفع ما يترتب عليه متوقف على ما ثبت من الشارع كونه رافعا مزيلا لحكمه. و الذي علم من الشارع هو ورود الطلاق على الأزواج خاصة دون ملك اليمين و الأجانب، و استصحاب الحل فيهن باق لا رافع له شرعا، و إلحاقهن بحكم الزوجات قياس لا يوافق أصول المذهب و بذلك صرحت الأخبار أيضا.
و منها ما رواه
في الكافي (1) عن عبد الله بن سليمان عن أبيه قال: «كنا في المسجد، فدخل علي بن الحسين (عليه السلام) و لم أثبته و عليه عمامة سوداء قد أرسل
____________
(1) الكافي ج 6 ص 63 ح 4، الوسائل ج 15 ص 287 ب 12 ح 3 و فيهما اختلاف يسير.
174
طرفيها بين كتفيه (1) فقلت لرجل قريب المجلس مني: من هذا الشيخ؟ فقال:
ما لك لم تسألني عن أحد دخل المسجد غير هذا الشيخ؟ فقلت: لم أر أحدا دخل المسجد أحسن هيئة في عيني من هذا الشيخ، فقال: إنه علي بن الحسين (عليه السلام) فقمت و قام الرجل و غيره فاكتنفناه و سلمنا عليه، فقال له الرجل: ما ترى في رجل سمى امرأته بعينها و قال يوم يتزوجها هي طالق ثلاثا ثم بدا له أن يتزوجها، أ يصلح له ذلك؟ فقال: إنما الطلاق بعد النكاح، قال عبد الله: فدخلت أنا و أبي على أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) فحدثه أبي بهذا الحديث، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أنت تشهد على علي بن الحسين (عليه السلام) بهذا الحديث؟ قال: نعم».
قال الكاشاني- في الوافي ذيل هذا الخبر-: أراد أبو عبد الله (عليه السلام) بهذا السؤال تسجيل الحكم عليه حيث إنه مخالف لمذاهب العامة و عملهم، و كان المخاطب منهم، و لعله ممن يحسن اعتقاده في علم علي بن الحسين (عليه السلام)، انتهى.
و عن سماعة (2) قال: «سألته عن الرجل يقول يوم أتزوج فلانة فهي طالق، فقال:
ليس بشيء، إنه لا يكون طلاق حتى يملك عقدة النكاح».
و عن محمد بن قيس (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق و إن اشتريت فلانا فهو حر، و إن اشتريت هذا الثوب فهو في المساكين، فقال: ليس بشيء، لا يطلق إلا ما يملك، و لا يعتق إلا ما يملك، و لا يتصدق إلا بما يملك».
____________
(1) أقول: في هذا الحديث دلالة على أن السنة في التعمم هو دون التحنك، كما اشتهر بين جملة من الأصحاب، فإنه ناش عن الغفلة عن ملاحظة الاخبار، و نحو هذا الخبر غيره كما تقدم في كتاب الصلاة من هذا الكتاب. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 6 ص 63 ح 2، الوسائل ج 15 ص 288 ب 12 ح 5.
(3) الكافي ج 6 ص 63 ح 5 و ليس فيه «و لا يعتق الا ما يملك»، الوسائل ج 15 ص 287 ب 12 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
175
و ما رواه
الصدوق (1) في الصحيح عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن رجل قال: كل امرأة أتزوجها ما عاشت أمي فهي طالق، فقال:
لا طلاق إلا بعد نكاح، و لا عتق إلا بعد ملك».
و رواه في المقنع عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) مرسلا.
و عن النضر بن قرواش (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «لا طلاق قبل نكاح، و لا عتق قبل ملك».
و روى في كتاب قرب الاسناد (3) عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «أنه كان يقول: لا طلاق لمن لا ينكح، و لا عتاق لمن لا يملك».
أقول: المراد بالنكاح في هذه الأخبار الثلاثة مع رواية عبد الله بن سليمان المتقدمة هو العقد لا الوطء، و إلا لم يتم الحصر في الأولين و لا السلب في الآخرين، و يؤيده ما تقدم في موثقة سماعة من قوله «عقدة النكاح» و حينئذ ففي هذه الأخبار دلالة ظاهرة على تمام المدعى من عدم الطلاق بالمملوكة و الأجنبية و المعلق طلاقها بالتزويج، و هو بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه.
و روى الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان (4) عن حبيب بن أبي ثابت قال: «كنت عند علي بن الحسين (عليه السلام) فقال له رجل: إني قلت يوم أتزوج فلانة فهي طالق، فقال: اذهب فتزوجها، فإن الله بدأ بالنكاح قبل الطلاق فقال «إِذٰا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنٰاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ» (5).
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 321 ذيل ح 3، الوسائل ج 15 ص 286 ب 12 ح 1.
(2) الكافي ج 8 ص 169 ح 234، الوسائل ج 15 ص 287 ب 12 ح 4.
(3) قرب الاسناد ص 42، الوسائل ج 15 ص 288 ب 12 ح 7.
(4) مجمع البيان ج 8 ص 364، الوسائل ج 15 ص 289 ب 12 ح 13.
(5) سورة الأحزاب- آية 49.
176
أقول: و هذا الخبر أيضا ظاهر فيما قلناه.
و بالجملة فالحكم المذكور اتفاقي نصا و فتوى فلا إشكال، و إنما خالف في ذلك العامة، فحكم بعضهم بوقوعه على الأجنبية مطلقا، و بعضهم بوقوعه إذا علقه بتزويجها، بمعنى احتساب ذلك من الطلقات الثلاث المحرمة على تقدير تزويجها. و ضعف الجميع بما ذكرنا من الأخبار ظاهر.
الثاني: أن يكون العقد دائما
، فلا يقع الطلاق بالأمة المحللة و لا المتمتع بها و لو كانت حرة، و الحكم هنا أيضا موضع وفاق كما نقله في المسالك، قال:
و لأن التحليل نوع إباحة، فمتى شاء الزوج تركها بغير طلاق فلا حاجة إليه، و المتمتع بها تبين بانقضاء المدة و بإسقاطه لها كما مر،
و قد روى محمد بن إسماعيل (1) في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) قال: «قلت: و تبين بغير طلاق؟ قال: نعم».
و الاعتماد على الاتفاق، و إلا فتعدد الأسباب ممكن، انتهى.
أقول: و مما يدل على عدم وقوع الطلاق بالمحللة الأخبار الأربعة المتقدمة الدالة على أن الطلاق إنما هو بعد النكاح، و النكاح كما عرفت عبارة عن العقد و هو قسيم للتحليل، فلا يدخل فيه.
و مما يدل على عدم وقوعه بالمتمتعة الصحيحة التي ذكرها، و ما رواه
في الكافي (2) عن هشام بن سالم قال: «قلت: كيف يتزوج المتعة؟ قال: تقول يا أمة الله أتزوجك كذا و كذا يوما، فإذا مضت تلك الأيام كان طلاقها في شرطها».
و أما قوله «و الاعتماد على الاتفاق، و إلا فتعدد الأسباب ممكن» ففيه أنه
____________
(1) الكافي ج 5 ص 459 ح 2، التهذيب ج 7 ص 266 ح 72، الوسائل ج 14 ص 478 ب 25 ح 1.
(2) الكافي ج 5 ص 455 ح 5، الوسائل ج 14 ص 466 ب 18 ح 3 و فيهما «بكذا و كذا درهما» و كذلك في آخر الرواية «و لا عدة لها عليك».
177
و إن كان تعددها ممكنا إلا أن ذلك فرع ثبوت السببية، و حيث لم يثبت هنا سببية الطلاق فالأصل عدمها لما تقدم من أن الأحكام المذكورة توقيفية، فلا يحتاج إلى الاتفاق، و في معنى ما ذكرنا من الأخبار أخبار أخر لا ضرورة لا يرادها مع عدم المخالف.
الثالث: أن يطلقها في طهر لم يقربها فيه
- بمعنى أن تكون مسترابة- فلو طلقها في طهر و مسها فيه لم يقع طلاق، و يستثني من ذلك اليائسة و الصغيرة و الحامل و المسترابة على تفصيل يأتي ذكره إن شاء الله.
و أما ما يدل على الحكم الأول- أعني عدم صحة الطلاق في طهر واقعها فيه- فاتفاق الأصحاب و إجماعهم على ذلك أولا. و ثانيا الأخبار المستفيضة بل قيل إنها ربما بلغت حد التواتر.
و منها ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن عمر بن أذينة عن زرارة و بكير ابني أعين و محمد بن مسلم و بريد بن معاوية العجلي و الفضيل بن يسار و إسماعيل الأزرق و معمر بن يحيى بن بسام كلهم سمعوه من أبي جعفر (عليه السلام) و من ابنه بعد أبيه (عليهما السلام) بصورة ما قالوا و إن لم أحفظ حروفه غير أنه لم يسقط جمل معناه: إن الطلاق الذي أمر الله به في كتابه و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه إذا حاضت المرأة و طهرت من حيضها أشهد رجلين عدلين قبل أن يجامعها على تطليقه- الحديث.
و ما رواه
في الكافي (2) بالسند المذكور عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) «أنهما قالا: إذا طلق الرجل في دم النفاس أو طلقها بعد ما يمسها فليس طلاقه إياها بطلاق».
و ما رواه
في الكافي (3) عن ابن أذينة في الصحيح عن بكير و غيره عن أبي جعفر
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 28 ح 4، الوسائل ج 15 ص 351 ب 3 ح 7 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 60 ح 11، التهذيب ج 8 ص 47 ح 66، الوسائل ج 15 ص 277 ب 8 ح 5.
(3) الكافي ج 6 ص 61 ح 17، التهذيب ج 8 ص 48 ح 67، الوسائل ج 15 ص 279 ب 8 ح 9.
178
(عليه السلام) قال: «كل طلاق لغير العدة فليس بطلاق، أن يطلقها و هي حائض أو في دم نفاسها أو بعد ما يغشاها قبل أن تحيض، فليس طلاقها بطلاق» الحديث.
إلى غير ذلك من الأخبار كما تقدمت الإشارة إليه.
و أما ما يدل على الثاني- و هو استثناء اليائسة و ما بعدها بعد الاتفاق على الحكم المذكور- فجملة من الأخبار:
و منها ما رواه
في الكافي (1) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بطلاق خمس على كل حال: الغائب عنها زوجها، و التي لم تحض، و التي لم يدخل بها، و الحبلى، و التي قد يئست».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (2) عن إسماعيل بن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «خمس يطلقهن الرجل على كل حال: الحامل المتيقن حملها، و الغائب عنها زوجها، و التي لم تحض، و التي قد يئست من المحيض، و التي لم يدخل بها».
و ما رواه
الشيخ (3) في الصحيح عن محمد بن مسلم و زرارة و غيرهما عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) «قالا: خمس يطلقهن أزواجهن متى شاءوا، الحامل المستبين حملها، و الجارية التي لم تحض، و المرأة التي قعدت من المحيض، و الغائب عنها زوجها، و التي لم يدخل بها».
و ما رواه
الصدوق في الخصال (4) عن حماد بن عثمان في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «خمس يطلقن على كل حال: الحامل، و التي قد يئست من المحيض، و التي لم يدخل بها، و الغائب عنها زوجها، و التي لم تبلغ المحيض».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 79 ح 2، الوسائل ج 15 ص 306 ب 25 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 79 ح 3، الفقيه ج 3 ص 334 ح 1، التهذيب ج 8 ص 61 ح 117 و ص 70 ح 150، الوسائل ج 15 ص 305 ب 25 ح 1.
(3) التهذيب ج 8 ص 70 ح 149، الوسائل ج 15 ص 306 ب 25 ح 4.
(4) الخصال ج 1 ص 303 ح 81، الوسائل ج 15 ص 306 ب 25 ح 5.
179
إذا عرفت ذلك فاعلم أن المذكور في كلام الأصحاب عد الصغيرة في جملة من استثني من الحكم المتقدم، و المذكور في الأخبار عدا رواية الخصال كما عرفت إنما هو التي لم تحض، و ليس فيها تعرض لذكر الصغيرة، و الظاهر أن الشيخ و من تأخر عنه من الأصحاب فهموا من هذا اللفظ الكناية عن الصغيرة فجعلوها من جملة الخمس، و لم يذكروا التي لم تحض، قال الشيخ في النهاية بعد عد الصغيرة: و المراد بالصغيرة من نقص سنها عن تسع سنين، قال: و من كان لها تسع سنين فصاعدا، و لم تكن حاضت بعد و أراد طلاقها فليصبر عليها ثلاثة أشهر، ثم يطلقها بعد ذلك.
و اعترضه في شرح النافع فقال: و عندي في التخصيص نظر، و لا يبعد أن يكون المراد بمن لم تحض التي لم تحض مثلها عادة و إن زاد سنها عن التسع، و مراده- (رحمه الله)- أن تفسيره من لم تحض الوارد في الأخبار بالصغيرة خاصة محل نظر، بل الأولى في تفسيره هو الحمل على ما هو أعم، و هي التي لم تحض مثلها عادة، سواء كان لنقص سنها عن التسع أو لم يكن، فيكون أعم من الصغيرة و المسترابة.
و لقائل أن يقول: إن رواية الخصال قد تضمنت على التي لم تبلغ المحيض و هي عبارة، عن الصغيرة، و حينئذ فيحمل عليها إطلاق الأخبار الباقية، و به يظهر صحة ما ذكره الأصحاب من عد الصغيرة في هذا الباب و يزول ما ذكره السيد المذكور من الإيراد.
و كيف كان فإنهم عدوا المسترابة في جملة من استثني بشرط مضي ثلاثة أشهر، و هي عندهم من كانت في سن من تحيض و هي لا تحيض، سواء كان عدم حيضها لعارض من رضاع أو مرض أو يكون خلقيا، قالوا: و إطلاق المسترابة عليها مجرد اصطلاح، و إلا فقد يحصل مع انقطاع الحيض استرابة الحمل و قد
180
لا يحصل، إلا أنه لا بد في طلاقها من مضي ثلاثة أشهر و لا يقع قبلها و هو مقطوع به (1) في كلامهم بل الظاهر أنه موضع وفاق.
و يدل عليه ما رواه
ثقة الإسلام (2) في الصحيح عن داود بن أبي يزيد العطار عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المرأة يستراب بها، و مثلها تحمل و مثلها لا تحمل و لا تحيض و قد واقعها زوجها، كيف يطلقها إذا أراد طلاقها؟
قال: فليمسك عنها ثلاثة أشهر ثم يطلقها».
و ما رواه
الشيخ (3) في الصحيح عن إسماعيل بن سعد الأشعري قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن المسترابة من المحيض كيف تطلق؟ قال: تطلق بالشهور».
و الظاهر أن المراد بالشهور الأشهر الثلاثة.
و يؤيده ما رواه
في الكافي (4) عن الحسن بن علي بن كيسان قال: «كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن رجل له امرأة من نساء هؤلاء العامة، و أراد أن يطلقها، و قد كتمت حيضها و طهرها مخافة الطلاق، فكتب (عليه السلام): يعتزلها ثلاثة أشهر ثم يطلقها.
الرابع: أن يعين المطلقة
، على خلاف في ذلك، و توضيح ذلك: إنه قد اختلف الأصحاب في أنه لو كان له أكثر من زوجة فقال: إحداكن طالق،
____________
(1) قال المحقق- (قدس سره)- في الشرائع بعد ذكر الشرط المذكور: و يسقط اعتبار ذلك في اليائسة، و فيما لم تبلغ المحيض. و في الحامل و المسترابة بشرط أن يمضي عليها ثلاثة أشهر لم تر دما معتزلا لها، و لو طلق المسترابة قبل مضى ثلاثة أشهر من حين المواقعة لم يقع الطلاق، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 6 ص 97 ح 1، التهذيب ج 8 ص 69 ح 147، الوسائل ج 15 ص 335 ب 40 ح 1.
(3) التهذيب ج 8 ص 68 ح 144، الوسائل ج 15 ص 414 ب 4 ح 17.
(4) الكافي ج 6 ص 97 ح 1، الوسائل ج 15 ص 311 ب 28 ح 2.
181
أو إحدى زوجاتي طالق، فالمشهور أنه باطل لوجوب التعيين، و هو مذهب الشيخ المفيد و السيد المرتضى و ابن إدريس و الشيخ في أحد قوليه و المحقق في أحدهما، و العلامة في أحدهما و كذا الشهيد في أحدهما و هو اختيار السيد السند في شرح النافع، و هو الأظهر لما قدمنا ذكره سابقا من أن النكاح و الطلاق أمور توقيفية يجب الوقوف فيها على ما رسمه الشارع صحة و بطلانا، و لا ريب أن النكاح عصمة مستفادة من الشرع فلا بد في زواله من سبب شرعي قد علم من الشارع، و القدر المعلوم إجماعا و نصا كما هو المفهوم من أخبار أهل البيت (عليهم السلام) هو المعين، فمن ادعى سببية غيره فعليه الدليل، و ليس له إلى ذلك سبيل.
و قال الشيخ في المبسوط: إنه يصح. و اختاره ابن البراج و تبعهما المحقق و العلامة و الشهيد في أقوالهم الأخر، و احتجوا بأصالة عدم الاشتراط، و عموم مشروعية الطلاق.
و يرد على الأول ما أشرنا إليه من أن الطلاق من الأمور التوقيفية، لا مدخل للأصل فيها، بل المدار فيه على وجود السبب الذي جعله الشارع لذلك، و حيث لم يوجد فلا يمكن الحكم به.
و على الثاني منع العموم على وجه يتناول ما ذكروه، بل منع كون ذلك طلاقا، و لهم بناء على هذا القول تفريعات قد اختلفت فيها أنظارهم و اضطربت فيها أفكارهم.
منها أنه متى طلق و لم يعين فهل يستخرج المطلقة بالقرعة أو يرجع في ذلك إلى تعيينه؟ قولان: اختار أولهما المحقق في الشرائع، و ثانيهما العلامة في القواعد.
و منها أنه على القولين المذكورين، فهل يحكم بوقوع الطلاق من حين اللفظ أو من حين التعيين؟ قولان آخران: اختار أولهما الشيخ في المبسوط، و ثانيهما العلامة في القواعد و التحرير، و يتفرع على ذلك العدة، فعلى الأول تعتد من حين
182
اللفظ، و على الثاني من حين التعيين. إلى غير ذلك من التفريعات و المباحث الطويلة المتفرعة على هذا القول، و حيث قد عرفت أنه لا دليل على القول المذكور. فلا ضرورة إلى التشاغل بما يتفرع عليه.
الخامس: أن تكون طاهرة من الحيض و النفاس بشرط أن تكون مدخولا بها و زوجها حاضرا
، فلو طلقها في حال الحيض و النفاس مع عدم الأمرين المذكورين فلا خلاف في عدم وقوعه طلاقا، و به تظافرت الأخبار.
فروى الشيخ (1) في الصحيح عن محمد الحلبي قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
الرجل يطلق امرأته و هي حائض؟ قال: الطلاق على غير السنة باطل».
و قد تقدم
في صحيحة عمر بن أذينة (2) الثانية عن الجماعة المتقدم ذكرهم إذا طلق الرجل في دم النفاس أو طلقها بعد ما يمسها فليس طلاقة إياها بطلاق.
و ما رواه
في الكافي (3) عن الحلبي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته و هي حائض، فقال: الطلاق بغير السنة باطل».
و قد تقدم أيضا في رواية ابن أذينة في الصحيح عن بكير (4) و غيره ما يدل على ذلك، إلى غير ذلك من الأخبار.
و أما ما يدل على صحة طلاق الحائض غير المدخول بها و الغائب عنها زوجها فهو ما تقدم من الأخبار الدالة على أن خمسا يطلقن على كل حال، و عد منهن
____________
(1) الكافي ج 6 ص 58 ح 3، التهذيب ج 8 ص 47 ح 63، الوسائل ج 15 ص 277 ب 8 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 60 ح 11، التهذيب ج 8 ص 47 ح 66، الوسائل ج 15 ص 277 ب 8 ح 5.
(3) الكافي ج 6 ص 58 ح 6، التهذيب ج 8 ص 47 ح 64، الوسائل ج 15 ص 277 ب 8 ح 2.
(4) الكافي ج 6 ص 60 ح 17، التهذيب ج 8 ص 47 ح 67، الوسائل ج 15 ص 279 ب 8 ح 9.
183
التي لم يدخل بها و الغائب عنها زوجها.
و بالجملة فالحكم المذكور مما لا خلاف فيه و لا إشكال، و إنما محل البحث و الاشكال الذي طال فيه النزاع و الجدال و كثر فيه القيل و القال قدر الغيبة الموجبة لجواز الطلاق في المحيض، و تفصيل الكلام في المقام أن يقال:
لا خلاف نصا و فتوى في جواز طلاق الحائض إذا كان الزوج غائبا في الجملة فلو أراد أن يطلق زوجته و قد خرج عنها في طهر جامعها فيه، فهل يكفي في الجواز مجرد الغيبة؟ أم لا بد من أمر آخر و تربص مدة معينة؟
و ها أن أنقل ما وصل إلى من الأقوال و الأخبار صحيحها و ضعيفها بناء على ما هو المختار، فأقول:
قد ذهب الشيخ المفيد (1) و سلار و الشيخ علي بن الحسين بن بابويه و ابن أبي عقيل و غيرهم إلى جواز طلاق الغائب إذا كانت بحيث لا يمكنه استعلام حالها من غير تربص، و ادعى ابن أبي عقيل تواتر الأخبار بذلك.
و قال الصدوق في الفقيه (2): و إذا أراد الغائب أن يطلق امرأته، فحد غيبته التي إذا غابها كان له أن يطلق متى شاء، أقصاه خمسة أشهر أو ستة أشهر،
____________
(1) أقول: قال الشيخ المفيد- (قدس سره)-: و من كان غائبا عن زوجته فليس يحتاج في طلاقها إلى ما يحتاج اليه الحاضر من الاستبراء، لكنه لا بد له من الإشهاد، فإذا أشهد رجلين من المسلمين على طلاقه لها وقع بها الطلاق ان كانت طاهرا و حائضا و على كل حال.
و قال الشيخ على بن الحسين بن بابويه: و اعلم يا بنى أن خمسا يطلقن على كل حال و لا يحتاج الرجل أن ينتظر طهرهن. وعد الخمس المذكورات في الاخبار.
و قال ابن أبي عقيل: و قد تواترت الاخبار عن الصادقين (عليهم السلام) أن خمسا يطلقن على كل حال إذا شاء أزواجهن أي وقت شاءوا و هي التي قد يئست من المحيض. ثم ساق باقي الأفراد كما ورد في تلك الاخبار، و لم يقدر مدة الغيبة بقدر معين.
(منه- (قدس سره)-).
(2) الفقيه ج 3 ص 325 ذيل ح 1.
184
و أوسطه ثلاثة أشهر، و أدناه شهر.
و قال الشيخ في النهاية: و متى لم يكن دخل بالمرأة و طلقها وقع الطلاق و إن كانت حائضا، و كذلك إن كان غائبا شهرا فصاعدا وقع طلاقه إذا طلقها و إن كانت حائضا- و قال في موضع آخر منها:- إذا خرج إلى السفر و قد كانت طاهرا طهرا لم يقربها فيه بجماع جاز له أن يطلقها أي وقت شاء، و متى كانت طاهرا طهرا قد قربها فيه بجماع فلا يطلقها حتى يمضي ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر، ثم يطلقها بعد ذلك أي وقت شاء.
و كلامه الأول يرجع إلى ما ذكره الصدوق في الفقيه، و به صرح ابن حمزة أيضا، فقدر مدة التربص بشهر فصاعدا.
و بما ذكره من الكلام الثاني صرح ابن البراج (1) و قال ابن الجنيد: و الغائب لا يطلق حتى يعلم أن المرأة برية من الحمل أو هي حامل، فإن علم ذلك فأوقع الطلاق على شرائطه وقع، ثم قال: و ينتظر الغائب بزوجته من آخر جماع أوقعه ثلاثة أشهر إذا كانت ممن تحمل، و إن كانت آيسة أو لم تبلغ إلى حال الحمل طلقها إذا شاء و هو ظاهر في تقدير مدة التربص بثلاثة أشهر و علم براءة رحمها من الحمل.
و اختار هذا القول العلامة في المختلف، و ذهب الشيخ في الاستبصار و ابن إدريس و العلامة في أكثر كتبه، و المحقق و هو المشهور بين المتأخرين إلى اعتبار مضي مدة يعلم انتقالها من الطهر الذي واقعها فيه إلى آخر بحسب عادتها، و لا يتقدر بمدة مخصوصة.
و الأصل في اختلاف هذه الأقوال اختلاف الأخبار الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) و منها ما تقدم في الشرط الثالث من الأخبار الدالة على أن خمسا يطلقن على
____________
(1) فقال: ان كان لما خرج كانت طاهرة طهرا لم يقربها فيه بجماع طلقها أي وقت أراد و ان كانت طاهرا طهرا قد قربها فيه بجماع فلا يطلقها حتى تمضى لها ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر و يطلقها بعد ذلك أى وقت أراد، انتهى. (منه- رحمة الله عليه-).
185
كل حال (1).
و الظاهر أنه بإطلاق هذه الأخبار أخذ الشيخ المفيد و من تبعه من المشايخ المتقدم ذكرهم كما هو صريح عبارتي ابن أبي عقيل و الشيخ علي بن بابويه.
و نحو هذه الأخبار أيضا ما رواه
في الكافي (2) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الرجل يطلق امرأته و هو غائب؟ قال: يجوز طلاقه على كل حال، و تعتد امرأته من يوم طلقها».
و ما رواه
في التهذيب (3) «في الرجل يطلق امرأته و هو غائب، فيعلم أنه يوم طلقها كانت طامثا، قال: يجوز».
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (4): «و اعلم أن خمسا يطلقن على كل حال، و لا يحتاج أن ينتظر طهرهن: الحامل و الغائب عنها زوجها و التي لم يدخل بها و التي لم تبلغ الحيض و التي قد يئست من الحيض».
أقول: و بهذه العبارة عبر الشيخ علي بن الحسين بن بابويه في رسالته إلى ابنه كما تقدمت الإشارة إليه فقال- على ما نقله في الفقيه-: و اعلم يا بني أن خمسا يطلقن على كل حال، و لا يحتاج الرجل أن ينتظر طهرهن، ثم عد هؤلاء المذكورات، و هو مؤيد لما قد تقدم ذكره في غير مقام من إفتائه بعبارات الكتاب المذكور.
و منها ما رواه
في الكافي (5) في الموثق عن إسحاق عن أبي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 6 ص 79 ح 1 و 2 و 3، الفقيه ج 3 ص 334 ح 1، الوسائل ج 15 ص 305 و 306 ب 25 ح 1 و 3.
(2) الكافي ج 6 ص 80 ح 7، الوسائل ج 15 ص 307 ب 26 ح 1.
(3) التهذيب ج 8 ص 62 ح 120، الوسائل ج 15 ص 308 ب 26 ح 6.
(4) فقه الرضا ص 244، مستدرك الوسائل ج 3 ص 6 ب 19 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
(5) الكافي ج 6 ص 80 ح 3، الوسائل ج 15 ص 307 ب 26 ح 3.
186
قال: «الغائب إذا أراد أن يطلقها تركها شهرا».
و عن حميد عن ابن سماعة (1) قال: «سألت محمد بن أبي حمزة: متى يطلق الغائب؟ قال: حدثني إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله أو أبي الحسن (عليهما السلام) قال:
إذا مضى له شهر».
و ما رواه
الشيخ (2) في الصحيح عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الرجل إذا خرج من منزله إلى السفر فليس له أن يطلق حتى تمضي ثلاثة أشهر».
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب (3) عن إسحاق بن عمار في الموثق قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الغائب الذي يطلق كم غيبته؟ قال: خمسة أشهر أو ستة أشهر، قلت: حد دون ذا؟ قال: ثلاثة أشهر».
و ما رواه
في الكافي (4) عن بكير في الحسن قال: «أشهد على أبي جعفر (عليه السلام) أني سمعته أنه يقول: الغائب يطلق بالأهلة و الشهور».
و جمع الشيخ بين هذه الأخبار المختلفة في مدة التربص بحملها على اختلاف عادات النساء في الحيض، و علم الزوج بحال زوجته في ذلك فقال: فمن يعلم من حال زوجته أنها تحيض في كل شهر يجوز له أن يطلقها بعد انقضاء الشهر، و من يعلم أنها لا تحيض إلا في كل ثلاثة أشهر لم يجز له أن يطلقها إلا بعد انقضاء ثلاثة أشهر، و كذلك من تحيض في كل ستة أشهر، و حينئذ فالمراعى في جواز ذلك مضي حيضة و انتقالها إلى طهر لم يقربها فيه بجماع. و اقتفاه
____________
(1) الكافي ج 6 ص 81 ح 8، الوسائل ج 15 ص 308 ب 26 ح 5.
(2) التهذيب ج 8 ص 62 ح 122، الوسائل ج 15 ص 308 ب 26 ح 7.
(3) الفقيه ج 3 ص 325 ح 2، التهذيب ج 8 ص 62 ح 123، الوسائل ج 15 ص 308 ب 26 ح 8 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(4) الكافي ج 6 ص 79 ح 1، التهذيب ج 8 ص 63 ح 124، الوسائل ج 15 ص 307 ب 26 ح 2.
187
في هذا أكثر المتأخرين.
قال المحقق الشيخ علي- رحمة الله عليه-: و هو الذي يقتضيه النظر الصحيح و الوقوف مع القوانين الأصولية، لأن الأخبار الدالة على وجوب التربص مدة ليصح الطلاق لا يجوز إجراؤها على ظاهرها من الاختلاف و التنافي، و لا إطراح بعضها، فلم يبق إلا الجمع بينها بالحمل على أن المراد مراعاة زمان يعلم الزوج الغائب حصول الحيض بعد طهر الجماع، و الانتقال عنه إلى الطهر، و أن الاختلاف ينزل على اختلاف عادة النساء في حصول الحيض باعتبار شهر أو ثلاثة أشهر أو خمسة أو ستة، فقد اشتركت أخبار التربص في أن الانتقال من طهر إلى طهر آخر شرط في صحة الطلاق من الغائب و لو ظنا مستفادا من عادة المرأة إن كانت معلومة، و إلا فمن غالب عادات النساء. و دلت رواية أبي بصير (1) على أنه لو طلقها و علم يوم طلقها أنها كانت طامثا يجوز الطلاق. و لا ريب أن ما اشتركت فيه هذه الأخبار مخصوص لعموم الخبرين الدالين على جواز تطليق زوجة الغائب على كل حال، انتهى كلامه.
أقول: لا ريب أن تلك الأخبار المطلقة التي دلت على مذهب الشيخ المفيد و من تبعه من أولئك الفضلاء دالة على جواز الطلاق على كل حال، و الأخبار الدالة على التربص بالنظر إلى القاعدة الأصولية يجب أن تكون مخصصة لها، لكن الإشكال في هذه الأخبار الدالة على التربص من حيث اختلافها، فإن التخصيص بها يتوقف على جمعها على وجه يرفع الاختلاف بينها. و الجمع بينها بما ذكروه من اختلاف عادات النساء بناء على الغائب بعيد جدا، فإنه و إن قرب في رواية الشهر إلا أنه بعيد في رواية الثلاثة الأشهر، و أبعد منه في رواية الخمسة و الستة الأشهر، فإن الغالب في هذا المقدار ممنوعة أشد المنع، بل هو مخالف للغالب، على أن تلك الأخبار ليس فيها سؤال عن واقعة مخصوصة حتى تنزيلها على كون المرأة
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 62 ح 120، الوسائل ج 15 ص 308 ب 26 ح 6.
188
معتادة بتلك العادة، و إنما وقع السؤال في كل خبر منها عن مطلق النساء و مطلق الغائب، فكأنه بمنزلة القاعدة الكلية (1) و الضابطة الجلية لا اختصاص له بفرد دون فرد.
و بالجملة فإن تخصيص إطلاق تلك الأخبار بأخبار التربص مع اختلافها غير تام، فلا بد من جمعها على وجه تلتئم به، و هذا الوجه الذي ذكروه قد عرفت ما فيه.
نعم يتجه عند من يعمل بهذا الاصطلاح المحدث ترجيح روايات الثلاثة الأشهر لصحة بعضها، فيخصص بها هذا الإطلاق، و لهذا قال السيد- في شرح النافع حيث إنه من أرباب هذا الاصطلاح- ما لفظه: و الذي يقتضيه الجمع بين الأخبار الصحيحة بعد طرح غيرها اعتبار الثلاثة الأشهر حملا لما أطلق فيه من الأخبار جواز طلاق الغائب على هذا المقيد، و يعضده أن الغالب من حال الغائب و زوجته أن يكون حالها مجهول عنده فتكون كالمسترابة التي يجب التربص بها ثلاثة أشهر و مع ذلك فما ذهب إليه شيخنا المفيد- (قدس سره)- و من تبعه من عدم اعتبار التربص غير بعيد عن الصواب حملا لما تضمن ذلك على الأفضلية، إذ من المستبعد جدا إطلاق صحة طلاق الغائب على كل حال في الأخبار الصحيحة الواردة في مقام البيان مع أنها مشروطة بأمر آخر غير مذكور، و في موثقة إسحاق بن عمار إشعار بذلك أيضا، و المسألة محل تردد، و لا ريب أن اعتبار الثلاثة أشهر كما تضمنته صحيحة جميل بن دراج أولى و أحوط، انتهى.
أقول: و مرجع كلامه هنا في توجيه كلام الشيخ المفيد إلى وجه آخر في الجمع بين المطلق و المقيد، و هو العمل بالمطلق على إطلاقه، و حمل المقيد على
____________
(1) و ذلك فان اللام فيها لام التحلية، و هو للعموم في المقامات الخطابية، كقولهم «إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء» و هكذا في الإضافة أيضا، و حينئذ فيكون ذلك بمنزلة القاعدة الكلية كما ذكروه في حديث إذا بلغ الماء كرا. (منه- (قدس سره)-).
189
الاستحباب، المنع في كلامهم إنما هو من الحمل على القاعدة الأصولية من حمل المطلق على المقيد، و بعض الأخبار يشير إليه و يعضده، و ما ذكره من الاستبعاد غير جيد، فإن نظيره في الأحكام غير عزيز بل شائع كثير، و ما ذهب إليه الشيخ في الاستبصار و من تبعه ممن تقدم ذكره جيد، إلا أن الكلام في تطبيق أخبار التربص عليه، فإن فيه ما عرفته من أن مبنى كلامه إلى أن اختلاف الأخبار مبنى على اختلاف عادات النساء، فمن كانت عادتها في الشهر مرة لا يجوز طلاقها إلا بعد شهر، و من كانت في كل ثلاثة أشهر فلا يجوز إلا بعد الثلاثة، و هكذا و قد تقدم ما فيه.
و بالجملة فالمسألة محل إشكال، و لا يحضرني الآن مذهب العامة في المسألة فلعل أخبار التربص إنما خرجت مخرج التقية، أو اختلافها إنما كان من حيث ذلك.
[مسائل]
بقي في المقام مسائل
الاولى [في ما يتفرع على القول بوجوب التربص]
إذا قلنا بوجوب التربص مدة فطلق الغائب زوجته، فلا يخلو إما أن يطلق بعد مضي المدة المعتبرة أو قبلها، و على كل من التقديرين المذكورين إما أن يوافق فعله كونها جامعة لشرائطه في الواقع، بأن تكون قد حاضت بعد طهر المواقعة فوقع الطلاق حال الطهر، أو لا يوافق، بأن تبين وقوعه في طهر المواقعة أو حالة الحيض أو يستمر الاشتباه، و حينئذ فهنا صور:
الاولى: أن يطلقها بعد المدة المعتبرة ثم تظهر الموافقة
بأن كانت قد انتقلت من طهر المواقعة إلى طهر آخر، و أن الطلاق وقع حال الطهر، و لا إشكال هنا في صحة الطلاق إجماعا لاجتماع شرائطه المعتبرة في صحته ظاهرا و في نفس الأمر.
الثانية: الصورة بحالها، و لكن ظهر بعد ذلك كونها حائضا حال الطلاق
، و لا إشكال هنا أيضا في صحة الطلاق لأن المعتبر في صحة طلاق الغائب مراعاة المدة
190
المعتبرة، و هو حاصل هنا، و ظهور الحيض هنا غير مانع لعدم العلم به حال الطلاق، و ظهوره بعد ذلك مستثنى بالنص و الفتوى كما تقدمت به الأخبار و منها رواية أبي بصير (1) المصرحة بكونه قد طلق امرأته و هو غائب ثم علم بعد ذلك أنها يوم طلقها كانت طامثا فأجاز (عليه السلام) الطلاق. و بالجملة فإن الصحة في هذه الصورة مجمع عليها نصا و فتوى.
الثالثة: الصورة الأولى بحالها، لكن ظهر بعد ذلك كونها باقية في طهر المواقعة
لم تنتقل منه إلى حيض و لا طهر آخر.
قال في المسالك: و هو صحيح أيضا لعين ما ذكر في سابق هذه الصورة، و هو وقوعه على الوجه المعتبر شرعا و لأن الطلاق إذا حكم بصحته في حالة الحيض بالنص و الإجماع فلأن يحكم بصحته في حال الطهر أولى، لما قد عرفت من أن شرط الطلاق في غير الغائب أمران: وقوعه في طهر، و كون الطهر غير طهر المواقعة، فإذا اتفق وقوعه في حالة الحيض تخلف الشرطان لعدم طهر آخر غير طهر المواقعة و عدم الخلو من الحيض، و إذا اتفق وقوعه في حالة الطهر فالمتخلف شرط واحد، و هو كون الطهر غير طهر المواقعة، فإذا كان تخلف الشرطين في الغائب غير مانع فتخلف أحدهما أولى بعدم المنع، انتهى.
و عورض بأن شرط الطلاق من غير الغائب أمران: الانتقال من طهر المواقعة، و وقوع الطلاق في الطهر، فإذا اتفق وقوعه في حال الحيض تخلف الثاني، و إذا اتفق في طهر المواقعة تخلف الأول: فلا تتم الأولوية المذكورة.
و استظهر المحقق الشيخ علي- (رحمه الله)- عدم الوقوع لانتفاء شرط الصحة، و هو استبراء الرحم خرج منه حال الحيض، فيبقى الباقي، و نمنع من وجود الشرط فإن الاذن في الطلاق استنادا إلى الظن لا يقتضي الحكم بالصحة إذا ظهر بطلان الظن.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 62 ح 120، الوسائل ج 15 ص 308 ب 26 ح 6.
191
و أجيب عنه بأن الشرط المعتبر في طلاق الغائب ليس إلا مراعاة المدة المعتبرة و هو حاصل كما هو المفروض، و صحة الطلاق لو ظهر وقوعه حال الحيض المستفادة من رواية أبي بصير و غيرها، و عمل الأصحاب مبنية عليه، و حينئذ فلا يقدح ظهور بطلان الظن و لا يؤثر فيما حكم بصحته كما ظنه- (رحمه الله).
و بالجملة فإن الشرط المعتبر حاصل كما هو التقدير، و المانع و هو ظهور الخطأ لا يصلح للمانعية، كيف و قد تخلف فيما هو أولى بالحكم أو مساو في المنع.
و الفصل بين الحالين- مع تخلف الشرط فيهما، و القول بصحة أحدهما دون الآخر تعلقا بفقد الشرط لظهور بطلان الظن- تحكم محض.
و أما حديث كون الحكمة- في انتظار المدة المقررة- هو استبراء الرحم، فحديث شعري، و العلة المذكورة مستنبطة محضة لا منصوصة، فلا يلزم اطرادها.
و إنما المنصوص فيما وصل إلينا من الأخبار اعتبار انقضاء المدة و استنبط منها الاكتفاء بظن الانتقال من طهر إلى آخر، و كلاهما متحقق.
أقول: لا ريب أنه بالنظر إلى ظاهر أخبار المسألة مطلقها و مقيدها يظهر قوة القول الأول، لأن المطلق منها قد دل على أن الغائب يطلق زوجته على كل حال، و هذه الحال المفروضة التي هي محل البحث داخلة في العموم بلا ريب، و المقيد بالتربص دل على أنه يتربص بها المدة المعتبرة و بعدها يجوز له طلاقها، و لا استفصال فيها بين ظهور كونها وقت الطلاق حائضا أو في طهر المواقعة أو غير ذلك، و عدم الاستفصال دليل العموم في المقال.
الرابعة: أن يطلقها مراعيا للمدة المعتبرة، و يستمر الاشتباه
فلا يعلم كونها حال الطلاق ذات حيض أم لا، في طهر المواقعة أم لا، و الطلاق هنا صحيح قولا واحدا كما ذكره في المسالك، و وجهه وجود المقتضي، و هو مضي المدة المعتبرة، لأن شرط صحة طلاق الغائب مراعاة مضي المدة المعتبرة مع عدم العلم بكونها وقت الطلاق حائضا أو باقية في طهر المواقعة، و هو حاصل كما هو المفروض، و عدم
192
المانع، إذ ليس إلا الاشتباه، و هو غير صالح للمانعية، فإنه مع الظهور كما تقدم لا يبطل الطلاق، فبطريق الأولى مع الاشتباه.
الخامسة: أن يطلقها قبل مضي المدة المعتبرة إلا أنه ظهر بعد الطلاق وقوعه في طهر لم يقربها فيه
، قالوا: و في صحة الطلاق وجهان: من حصول شرط الصحة في نفس الأمر و ظهور ذلك، و من عدم وجود الشرط المعتبر في صحة الطلاق حال إيقاعه.
و رجح الأول في المسالك بأنه يمكن أن يجعل ظهور اجتماع الشرائط بعد ذلك كاشفا عن صحته، خصوصا مع جهله ببطلان الطلاق من دون مراعاة الشرط، لقصده حينئذ إلى طلاق صحيح، ثم ظهر اجتماع شرائطه، ثم قال: فالأظهر الصحة.
و اعترضه سبطه في شرح النافع بأنه مشكل لإطلاق النص الدال على اعتبار المدة في الغائب و لم تحصل هنا، و هو جيد.
السادسة: الصورة بحالها إلا أنه تبين عدم الانتقال من طهر المواقعة
أو كونها حائضا أو استمر الاشتباه، و الظاهر أنه لا إشكال في بطلان الطلاق لعدم حصول الشرط، و هو مضي المدة المعتبرة، و أكده ظهور كون الطلاق في طهر المواقعة أو حال الحيض أو استمرار الاشتباه، فالإشكال في الأول باحتمال الصحة إنما نشأ من انكشاف الحال بما يقتضي الصحة، و الأمر هنا بالعكس.
المسألة الثانية: لو تربص بها المدة المعتبرة و أخبره من يعتد بقوله شرعا أنها حائض
بسبب تغيير عادتها، و كذا لو أخبره ببقائها في طهر المواقعة، أو بكونها حائضا حيضا آخر بعد الطهر، فطلقها و الحالة هذه، فهل يصح أم لا؟ إشكال، و جزم المحقق الشيخ علي و شيخنا الشهيد الثاني بالعدم.
احتج المحقق المذكور بأن ظاهر الأخبار يقتضي العلم بطهرها وقت الطلاق أو ظنه، و لعموم الدلائل الدالة على المنع من طلاق الحائض، خرج ما دل عليه
193
أخبار الخمس (1) اللاتي يطلقن على كل حال، و منها زوجة الغائب بعد التربص إذا ظهر كونها حائضا عند الطلاق. لرواية أبي بصير (2) فيبقى الباقي على أصله، انتهى.
و قيل: بأن فيه وجها آخر بالصحة لحصول الشرط، و هو انقضاء المدة المعتبرة، و لا يخلو من قوة، لما عرفت من أن المستفاد من النصوص إنما هو التربص المقدار المذكورة و ظن الانتقال من طهر إلى آخر إنما استفيد استنباطا كما اعترف به في المسالك، و ما ذكره المحقق المزبور من أن ظاهر الأخبار يقتضي العلم بطهرها وقت الطلاق، أو ظنه إنما يسلم له بالنسبة إلى أخبار الحاضر، و هو غير محل البحث، و إلا فأخبار طلاق الغائب لا إشعار فيها بما ذكره إن لم يكن فيما إشعار بخلافه و مع تسليم عموم الدلائل الدالة على المنع من طلاق الحائض يجب تخصيصه بما دل على صحة طلاق الغائب إما مطلقا أو بعد مدة التربص مطلقا و إن ظهر كونها حائضا.
و التحقيق أن هنا عمومين قد تعارضا (أحدهما) عموم المنع من طلاق الحائض الشامل لطلاق الغائب و غيره (و ثانيهما) عموم جواز طلاق الغائب على كل حال مطلقا أو بعد المدة المعتبرة الشامل حالي ظن الحيض و عدمه، و تخصيص أحدهما بالآخر يحتاج إلى مخصص من خارج، و منه يظهر بقاء المسألة في قالب الاشكال و إن كان مقتضى الاحتياط سيما في الفروج تخصيص العموم الثاني بالأول
المسألة الثالثة [هل يصح طلاقها من غير تربص لو خرج في طهر لم يقربها فيه؟]
ظاهر الأصحاب أنه لو خرج في طهر لم يقربها فيه فإنه يصح طلاقها من غير تربص و إن اتفق في الحيض، و به صرح الشيخ في النهاية فيما قدمنا من عبارته، و نحوها عبارة ابن البراج.
و قال في المسالك: لو كان خروج الزوج في طهر آخر غير طهر المواقعة
____________
(1) الكافي ج 6 ص 79 ح 1 و 2 و 3، الفقيه ج 3 ص 334 ح 1، الوسائل ج 15 ص 305 و 306 ب 25 ح 1 و 3.
(2) التهذيب ج 8 ص 62 ح 120، الوسائل ج 15 ص 308 ب 26 ح 6.
194
يصح طلاقها من غير تربص ما لم يعلم كونها حائضا، و لا يشترط هنا العلم أو الظن بعدم الحيض لأن شرط الصحة هنا موجود، و هو استبراؤها بالانتقال من طهر إلى آخر، و إنما الحيض بعد ذلك مانع من صحة الطلاق، و لا يشترط في الحكم بصحة الفعل العلم بانتفاء موانعه، بل يكفي عدم العلم بوجودها.
و ظاهر سبطه السيد السند في شرح النافع التوقف و الاستشكال في هذا المقام، حيث إنه بعد نسبة أصل الحكم المذكور إلى الشيخ في النهاية و جماعة قال: و هو مشكل، لإطلاق ما تضمن اعتبار مضي المدة في الغائب، فإنه يتناول بإطلاقه من خرج في طهر المواقعة و غيره، و لأن ما تضمن بطلان طلاق الحائض متناول لهذه الصور كما يتناول غيرها، فيتوقف الحكم بالصحة في هذه الصورة على وجود دليل عليه. نعم لو قيل: بأن من هذا شأنه يصح طلاقه من غير تربص إذا اتفق وقوع الطلاق في الطهر كان متجها، لأن الحاضر يقع طلاقه على هذا الوجه، فالغائب أولى، لأنه أخف حكما منه، انتهى و هو جيد.
و يزيده إيضاحا و بيانا أنه لا ريب في صحة هذا القول بناء على مذهب الشيخ المفيد و من تبعه من أولئك الأفاضل من صحة الطلاق مع عدم التربص، إنما الإشكال بناء على وجوب التربص، فإن فيه:
(أولا) أن ظاهر أخبار التربص هو وجوب ذلك أعم من هذه الصورة المفروضة و غيرها، و تخصيصها يحتاج إلى دليل.
(و ثانيا) أنه كما أن من شروط صحة الطلاق العلم بانتقال المرأة من طهر المواقعة إلى طهر آخر كذلك من شروطه العلم بكونها غير حائض وقت الطلاق كما قدمنا بيانه- و دلالة الأخبار عليه- في الشرط الخامس.
و غاية ما يفهم من الأخبار بالنسبة إلى الفرق بين الحاضر و الغائب هو أن الغائب يصح طلاقه بعد التربص للمدة المعتبرة، و إن اتفق كون الطلاق في طهر المواقعة أو اتفق كونها حائضا وقت الطلاق. و أما الحاضر فلا بد من تقدم العلم
195
بعدم الأمرين المذكورين، و حينئذ فالحكم بصحة الطلاق مع الغيبة و عدم التربص بل بمجرد العلم بكونها في غير طهر المواقعة، و إن كان حائضا يحتاج إلى دليل لكونه على خلاف ما يظهر من أدلة وجوب التربص، فيبقى على الأصل من اشتراط العلم بعدم الحيض الذي قامت الأدلة على أنه شرط في صحة الطلاق.
قوله- (رحمه الله)-: و لا يشترط هنا العلم أو الظن بعدم الحيض لأن شرط الصحة هنا موجود، و هو استبراؤها بالانتقال من طهر إلى آخر مردود بأنه كما أن من الشروط الانتقال من طهر إلى آخر كذلك منها العلم بكونها طاهرا وقت الطلاق كما عرفت، و غاية ما دل عليه الدليل سقوط هذين الشرطين في الغائب مع التربص لا مع عدمه، و بالجملة فالأظهر عندي ما ذكره السيد السند المذكور- (رحمه الله).
المسألة الرابعة [في ما لو كان حاضرا و لا يمكنه استعلام حالها]
لو كان حاضرا لكن لا يمكنه الوصول إلى الزوجة و استعلام حالها لحبس و نحوه، فهو بمنزلة الغائب فيما عرفت من حكمه و الأقوال فيه، كما أنه لو كان غائبا و لكن يمكنه استعلام أحوالها لورود الأخبار عليه ممن يعتقد صدقة، و يركن في صحة الأخبار إليه، فإنه يكون في حكم الحاضر.
و الذي يدل على الحكم الأول من الأخبار ما رواه
في الكافي و الفقيه (1) في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة سرا من أهلها و هي في منزل أهلها، و قد أراد أن يطلقها و ليس يصل إليها ليعلم طمثها إذا طمثت و لا يعلم بطهرها إذا طهرت، قال: فقال: هذا مثل الغائب عن أهله، يطلقها بالأهلة و الشهور، قلت: أ رأيت إن كان يصل إليها الأخبار الأحيان و الأحيان لا يصل إليها فيعلم حالها، كيف يطلقها؟ فقال، إذا مضى له شهر لا يصل إليها فيه فيطلقها إذا نظر إلى غرة الشهر الآخر بشهود، و يكتب الشهر الذي يطلقها فيه و يشهد على طلاقها رجلين، فإذا مضى ثلاثة أشهر
____________
(1) الكافي ج 6 ص 86 ح 1، الفقيه ج 3 ص 333 ح 1، الوسائل ج 15 ص 310 ب 28 ح 1.
196
فقد بانت منه و هو خاطب من الخطاب، و عليه نفقتها في تلك الثلاثة الأشهر التي تقعد فيها».
و أنت خبير بأن قوله (عليه السلام) أولا «يطلقها بالأهلة و الشهور» أي بالأهلة مع معلوميتها، أو العدد مع عدم المعلومية المؤذن بتعدد الشهور لا يخلو من مدافعة لقوله ثانيا «إذا مضى له شهر لا يصل إليها فيطلقها» المؤذن بكون مدة التربص شهرا خاصة، إلا أن يحمل على أن أقل ذلك شهر و أكثره ثلاثة أشهر، فتحمل الثلاثة على الاستحباب.
و الظاهر أنه إلى ذلك يشير كلام الشيخ في النهاية حيث قال: و متى كان للرجل زوجة معه في البيت غير أنه لا يصل إليها فهو بمنزلة الغائب عن زوجته، فإذا أراد طلاقها فليصبر إلى أن يمضي ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر ثم يطلقها إن شاء.
و القول بهذا الحكم و الاستدلال عليه بالخبر المذكور مما جرى عليه من تأخر عن الشيخ، إلا ابن إدريس فإنه اعترضه في ذلك، فقال: الذي يقتضي أصول مذهبنا و إجماعنا منعقد عليه أنه لا يجوز للحاضر أن يطلق زوجته المدخول بها و هي حائض بغير خلاف، و حمل الحاضرة في البلد على تلك قياس، و هو باطل عندنا، و الأصل الزوجية، فمن أوقع الطلاق يحتاج إلى دليل قاهر، و ما ذكره شيخنا خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا كما أورد أمثاله مما لا يعول عليه و لا يعرج عليه، و لو لا إجماعنا على طلاق الغائب و إن كانت زوجته حائضا لما صح، فلا نتعداه و لا نتخطاه، انتهى.
و رده العلامة في المختلف فقال: و المعتمد قول الشيخ، لنا أن المقتضي معلوم الثبوت و المعارض لا يظن ثبوته، بل يظن عدمه فيثبت الحكم، أما وجود المقتضي فلأن لفظ الطلاق موضوع شرعا للبينونة و سبب تام فيها و قد وجد، و أما انتفاء المعارض فلأنه ليس إلا الحيض و هو غير معلوم الثبوت بل مظنون العدم،
197
إذ التقدير ذلك، و أما ثبوت الحكم عند ذلك فهو ظاهر لأن المقتضي لجواز تطليق الغائب- و هو خفاء حالها عنه مع غلبة ظنه بالانتقال من طهر المواقعة إلى غيره- موجود هنا و بثبوت العلم يلزم ثبوت الحكم و لا يرجع ذلك إلى القياس بل إلى وجود ما جعله الشارع علة، و ما رواه الشيخ في الصحيح- ثم ساق الخبر كما قدمناه ثم قال:- و هذا نص في الباب، و إذا وافق المعلوم المعقول الحديث الصحيح المنقول و اشتهر بين الجماعة العمل به كان معينا، انتهى و هو جيد.
أقول: و نظير الخبر المذكور ما رواه
في الكافي (1) عن الحسن بن علي بن كيسان قال: «كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن رجل له امرأة من نساء هؤلاء العامة و أراد أن يطلقها و قد كتمت حيضها و طهرها مخافة الطلاق، فكتب (عليه السلام):
يعتزلها ثلاثة أشهر و يطلقها».
و هذا الخبر مع كون مورده مورد الأول تضمن التربص بثلاثة أشهر، و الظاهر حمله على ما قدمناه من استحباب الثلاثة، و أنها أكثر مدة التربص، و أما الحمل على أن عادتها في كل ثلاثة أشهر فبعيد جدا.
الركن الثالث: الصيغة:
ينبغي أن يعلم هنا و إن تقدمت الإشارة إليه أن النكاح لما كان عصمة مستفادة من الشرع وقف زواله على رافع شرعي، و بسبب من جانب الشارع يوجب رفع ذلك، و قد اتفق النص و الفتوى على الصحة بلفظ الطلاق بإضافته إلى لفظ يدل على التعيين، كقوله أنت أو فلانة أو هذه أو نحو ذلك، و ما عدا ذلك فيجب نفيه إلى أن يثبت دليل على صحة الوقوع به.
و الذي وقفت عليه من الأخبار في هذا المقام ما رواه
الصدوق في الفقيه (2) في الصحيح عن حماد بن عثمان عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل
____________
(1) الكافي ج 6 ص 97 ح 1، الوسائل ج 15 ص 311 ب 28 ح 2.
(2) الفقيه ج 3 ص 356 ح 1، الوسائل ج 15 ص 292 ب 15 ح 1.
198
قال لامرأته: أنت مني خلية أو برية أو بتة أو بائن أو حرام، فقال: ليس بشيء».
و العجب من صاحبي الوافي و الوسائل أنهما لم ينقلا هذه الرواية في جملة روايات المسألة المذكورة، و هذا المكان هو محلها اللائق بها.
و روى في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم «أنه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قال لامرأته: أنت علي حرام أو بائنة أو بتة أو برية أو خلية، قال: هذا كله ليس بشيء، إنما الطلاق أن يقول لها في قبل العدة بعد ما تطهر من حيضها قبل أن يجامعها: أنت طالق أو اعتدي، يريد بذلك الطلاق، و يشهد على ذلك رجلين عدلين».
و نقل العلامة في المختلف عن البزنطي قال: «روى أحمد بن محمد بن أبي نصر في كتاب الجامع عن محمد بن سماعة عن محمد بن مسلم (2) عن الباقر (عليه السلام) «في رجل قال لامرأته: أنت حرام أو بائنة أو بتة أو برية أو خلية، فقال: هذا ليس بشيء إنما الطلاق أن يقول لها من قبل عدتها قبل أن يجامعها: أنت طالق، و يشهد على ذلك رجلين عدلين».
و هذه الرواية خالية من الزيادة التي في سابقتها و هي قوله:
اعتدي يريد بذلك الطلاق.
و ما رواه
في الكافي (3) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الطلاق أن يقول لها: اعتدي أو يقول: أنت طالق».
و عن محمد بن قيس (4) في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الطلاق
____________
(1) الكافي ج 6 ص 69 ح 1، التهذيب ج 8 ص 108 ح 27، الوسائل ج 15 ص 295 ب 16 ح 3.
(2) المختلف ص 585، الوسائل ج 15 ص 295 ب 16 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 69 ح 2، التهذيب ج 8 ص 37 ح 28، الوسائل ج 15 ص 295 ب 16 ح 4.
(4) الكافي ج 6 ص 70 ح 3، الوسائل ج 15 ص 296 ب 16 ح 5.
199
للعدة أن يطلق الرجل امرأته عند كل طهر، و يرسل إليها أن اعتدي فإن فلانا قد طلقك، قال: هو أملك برجعتها ما لم تنقض عدتها».
و عن عبد الله بن سنان (1) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يرسل إليها فيقول الرسول: اعتدي فإن فلانا قد فارقك. قال ابن سماعة: و إنما معنى قول الرسول اعتدي فإن فلانا قد فارقك- يعني الطلاق- إنه لا يكون فرقة إلا بطلاق».
قال في الكافي بعد هذا الخبر: حميد بن زياد عن ابن سماعة عن علي بن الحسن الطاطري قال: الذي أجمع عليه في الطلاق أن يقول: أنت طالق أو اعتدي، و ذكر أنه قال لمحمد بن أبي حمزة: كيف يشهد على قوله: اعتدي؟ قال: يقول: اشهدوا اعتدي، قال ابن سماعة: غلط محمد بن أبي حمزة أن يقول: اشهدوا اعتدي، قال الحسن بن سماعة: ينبغي أن يجيء بالشهود إلى حجلتها أو يذهب بها إلى الشهود إلى منازلهم، و هذا المحال الذي لا يكون، و لم يوجب الله عز و جل هذا على العباد، فقال الحسن: ليس الطلاق إلا كما روى بكير بن أعين أن يقول لها و هي طاهر من غير جماع: أنت طالق، و يشهد شاهدين عدلين، و كل ما سوى ذلك فهو ملغى» انتهى، و مقتضاه عدم وقوع الطلاق حتى من هذه المادة إلا بهذا اللفظ بخصوصه فلا يصح بلفظ أنت طالق أو من المطلقات أو أنت مطلقة على خلاف في هذه اللفظة يأتي إن شاء الله ذكره، و هو جيد.
إذا تقرر ذلك فاعلم أن تحقيق الكلام هنا يقع في مواضع:
أحدها [في انحصار صيغة الطلاق في لفظ الطلاق]
المشهور بين الأصحاب انحصار صيغة الطلاق في لفظ الطلاق بالتقريب المذكور آنفا، و ذهب ابن الجنيد إلى وقوعه أيضا بلفظ اعتدي قال: الطلاق لا يقع إلا بلفظ الطلاق أو قوله اعتدي، و أما ما عدا ذلك فلا يقع به، و احتجوا له بروايتي
____________
(1) الكافي ج 6 ص 70 ح 4، الوسائل ج 15 ص 295 ب 16 ح 2.
200
محمد بن مسلم و الحلبي الصحيحتين أو الحسنتين، و حملهما الشيخ في كتابي الأخبار على أن لفظ اعتدي إنما يعتبر إذا تقدم قول الرجل أنت طالق ثم يقول اعتدي قال: لأن قوله لها اعتدي ليس له معنى لأن لها أن تقول: من أي شيء أعتد؟
فلا بد أن يقول اعتدي لأني طلقتك، فالاعتبار إذا بلفظ الطلاق لا بهذا القول إلا أنه يكون هذا القول كالكاشف عن أنه لزمها حكم الطلاق الموجب لها ذلك.
و اعترضه الشهيد الثاني في المسالك و سبطه في شرح النافع حيث إنهما ممن يدور مدار صحة الأسانيد بناء على هذا الاصطلاح المحدث، فمالا إلى قول ابن الجنيد لهذين الخبرين من حيث اعتبار سنديهما، فأجابا عن كلام الشيخ بما ملخصه: أنه لا يخفى ما فيه من البعد و شدة المخالفة للظاهر، لأنه (عليه السلام) جعل قوله اعتدي معطوفا على قوله أنت طالق ب«أو» المفيدة للتخير في إحدى الروايتين و معطوفا عليه في الرواية الأخرى، فكيف ينحصر وقوعه بأحد اللفظين الذي خير بينه و بين اللفظ الآخر و قوله- (رحمه الله)- «أنه لا معنى لقوله اعتدي» غير جيد لأنه إذا نوى به الطلاق و حكم الشارع بحصول البينونة به يصير في معنى أنت طالق، فإذا قالت من أي شيء أعتد؟ يقول: من هذا الطلاق الواقع بهذا اللفظ، غاية الأمر أنها لم تفهم ذلك من قوله اعتدي، فسألت عنه، و ذلك لا يوجب أن لا يكون له معنى، و لا يمكن الجواب عن هاتين الروايتين بالحمل على التقية لأن في إحدى الخبرين ما ينافي ذلك، و هو أنه لا يقع الطلاق بقوله أنت حرام أو بائنة أو برية أو خلية، فإن الطلاق عند المخالفين يقع بجميع ذلك مع النية، انتهى.
أقول: لا ريب أن ظاهر الروايتين المذكورتين هو الدلالة على مذهب ابن الجنيد، و مقتضى العمل بهذا الاصطلاح المحدث القول بما دل عليه هذان الخبران لأنهما أصح أخبار المسألة، و لكن الأصحاب قديما و حديثا قد اعترضوا عنهما، و لم يقل بهما من المتقدمين إلا ابن الجنيد الذي قد علم من تتبع أحواله و أقواله الميل إلى مذهب المخالفين و العمل بأخبارهم و الاستناد إليها و الاستدلال بها،
201
بل بالقياس الذي منعته الشريعة، و لم يقل به من المتأخرين إلا هذان الفاضلان كما عرفت، و إلا فغيرهما من المحقق و العلامة و غيرهما كلهم على القول المشهور.
و كيف كان فإن التحقيق في المقام بناء على ما هو المختار عندنا من العمل جميع الأخبار، و هو رد هذه الأخبار المتقدمة بعضها إلى بعض، و حمل مطلقها على مقيدها، و مجملها على مفصلها، و ارتكاب التأويل في الروايتين المذكورتين بقرينة ما دلت عليه الروايات الأخر، و أن قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن قيس أو حسنته «يرسل إليها اعتدي، فإن فلانا قد طلقك» ظاهر في أن هذه الرسالة إخبار عن طلاق سابق، و أمر لها بالاعتداد منه، لا أن «أعتدي» هي صيغة الطلاق و هو بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه، و حاصل معنى الخبر أن يطلق الرجل امرأته عند كل طهر ثم يرسل إليها. إلخ. و نحوه رواية عبد الله بن سنان، و قوله (عليه السلام) «يرسل إليها فيقول الرسول اعتدي فإن فلانا قد فارقك» و الرواية الأولى منهما صحتها أو حسنتها- إنما هو بإبراهيم بن هاشم الذي في سند ذينك الخبرين، و اعتبارهما إنما هو به، فيجب عليهم قبولها لذلك. و تعضدها رواية البزنطي، و دلالتها على الحصر في قوله «أنت طالق» و هي صريحة في المدعى. و حينئذ فيجب حمل إطلاق خبري الحلبي و محمد بن مسلم فيما دلا عليه من أن «أعتدي» صيغة الطلاق على هذين الخبرين من تقدم الطلاق، و أن قوله «اعتدي» إنما هو إخبار عن تقدم طلاق، و أمر لها بالاعتداد منه حسبما ذكره الشيخ- رحمة الله عليه- و ظاهر كلام الكليني المتقدم نقله وقوع الخلاف بين أصحاب الأئمة (عليهم السلام) يومئذ، فمذهب محمد بن أبي حمزة القول بأن «اعتدي» من صيغ الطلاق، و مذهب الحسن بن سماعة الذي رواه عن بكير بن أعين هو أن الصيغة إنما هي «أنت طالق»، و في المسالك ذكر أنه عبد الله بن بكير بن أعين و طعن فيه، و الذي في الكافي إنما هو بكير الممدوح المعدود حديثه في الحسن، و ما ذكره من
202
بعد الحمل على التقية إنما يتم له في رواية محمد بن مسلم، لاشتمالها على تلك الألفاظ دون رواية الحلبي، فيمكن حملها على التقية و لا مانع منه، و لا ينافيه عدم إمكان ذلك في تلك الرواية لجواز حملها على التقية بالمعنى الآخر الذي تقدمت الإشارة إليه غير مرة، و قد تقدم في المقدمة الاولى (1) من المقدمات التي في أول كتاب الطهارة.
و بالجملة فالظاهر عندي هو القول المشهور و ارتكاب التأويل في هذين الخبرين جمعا بينهما و بين الأخبار الأخر كما عرفته.
تنبيه [في ما قاله صاحب المسالك في وقوع الطلاق بالكنايات]
ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك توسعة الدائرة في المقام بالحكم بالصحة في جملة من الكنايات الظاهرة في إرادة معنى الطلاق تفريعا على الحكم بالصحة بلفظ اعتدي كما اختاره، و أن ذلك لازم لمن قال بهذا القول. قال- (رحمه الله)-: نعم يمكن أن يقال: إن حكمه بوقوع الطلاق بقوله اعتدي مع النية و هو كناية قطعا يدل على وقوعه بغيره من الكنايات التي هي أوضح معنى من قوله اعتدي مثل قوله أنت مطلقة أو طلقتك أو من المطلقات أو مسرحة أو سرحتك أو مفارقة أو فارقتك أو من المسرحات أو من المفارقات إلى غير ذلك من الكنايات التي هي أوضح دلالة على الطلاق من قوله اعتدي، بل قيل: إن السراح و الفراق و ما اشتق منهما و من الطلاق صريح لا كناية لورودها في القرآن مرادا بها الطلاق كقوله تعالى «وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلًا» (2) «وَ سَرِّحُوهُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلًا» (3) «أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ» (4) «أَوْ فٰارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» (5) «وَ إِنْ يَتَفَرَّقٰا يُغْنِ اللّٰهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ» (6) «فوقوع الطلاق
____________
(1) ج 1 ص 5- 12.
(2) سورة الأحزاب- آية 28.
(3) سورة الأحزاب- آية 49.
(4) سورة البقرة- آية 229.
(5) سورة الطلاق- آية 2.
(6) سورة النساء- آية 130.
203
بقوله اعتدي يدل بمفهوم الموافقة على وقوعه بجميع هذه الألفاظ و ما في معناها، و تبقى الكنايات التي لا تدخل في مفهوم الموافقة- بل إما مساوية لقوله اعتدي أو أخفى- مردودة لعدم الدليل.
و منها قوله في الخبر خلية و برية و بتة و بتلة و نحوها، و حينئذ نكون أعملنا جميع الأخبار المعتبرة مؤيدا بعموم الآيات و الأخبار الدالة على الطلاق من غير تقييد، و لا يضرنا مفهوم الحصر في قوله «إنما الطلاق أن يقول: أنت طالق» لوجهين:
(أحدهما) أن الحصر في الصيغتين بطريق المطابقة، و في غيرهما بطريق الالتزام فلا منافاة.
(و الثاني) إمكان حمله على مجرد التأكيد بقرينة قوله في رواية الحلبي «الطلاق أن يقول لها» من غير أداة الحصر، و لا يرد على هذا الحصر المبتدأ في خبره، لأن ذلك غير مطرد كما حقق في محله، و قد وقع استعمال «إنما» في الكلام الفصيح مجردا عن الحصر، و تقدم مثله في الأخبار، و لو قيل بهذا القول لكان في غاية القوة، و توهم أنه خلاف الإجماع قد تكلمنا عليه غير مرة، انتهى.
أقول: لا ريب أن ما ذكره من لزوم صحة الطلاق بهذه الكنايات المذكورة لمن قال بصحته بلفظ اعتدي جيد، و أما أن ذلك صحيح كما ادعى قوته فهو ممنوع، و ما تكلفه في منع الحصر في الأخبار المذكورة بعيد جدا، فإن المتأمل في سياقها لا يخفى عليه فهم الحصر منها، إذ لا يخفى أن قوله (عليه السلام)- بعد عد تلك الألفاظ المدعي وقوع الطلاق بها ليس بشيء- الطلاق أن يقول لها كذا و كذا في حال الطهر قبل المجامعة بشهادة عدلين أظهر ظاهر في إرادة الحصر، و يؤيده ذكر شروط صحة الطلاق الآخر من الشهادة على الطلاق، و الانتقال من طهر المواقعة، و كونها طاهرا، فإن ذلك كله أدل دليل على أن المراد الحصر في هذا اللفظ مع اجتماع هذه الشروط، و تكلف خلاف ذلك بعيد عن سياق الأخبار
204
المذكورة كما لا يخفى على المتأمل المنصف.
و أما ورود لفظ السراح و الفراق في القرآن بمعنى الطلاق فالظاهر في الجواب عن ذلك أن يقال: لا يخفى أن جل الآيات القرآنية و جملة الأخبار الواردة في السنة المطهرة إنما اشتملت على التعبير عن هذه الفرقة المخصوصة بلفظ الطلاق، و ظاهرها أن هذا هو اللفظ الحقيقي الموضوع لهذا المعنى، و أن ما عداه من لفظ السراح و الفراق و نحوهما إنما أطلقا مجازا أو كناية عنه في مقام المحاورة، فلا يلزم من صحة صيغته بالطلاق صحة صيغته بهما، لأن الصيغة أمر آخر متوقف على التوقيف و السماع من الشارع كما عرفت، و مقتضى ذلك الاكتفاء في صيغة الطلاق، بكل لفظ من هذه المادة، إلا أنك قد عرفت أنه حيث كان النكاح عصمة شرعية، فيجب استصحابها إلى أن يثبت المزيل لها شرعا، و الذي علم من الأخبار المتقدمة بالتقريب المتقدم إنما هو لفظ مخصوص من هذه المادة، لا كل لفظ منها، فيجب الوقوف على ما علم كونه مزيلا، و تخصيص ما ذكرنا من العموم بذلك.
و
ثانيها [في مواضع وقع الخلاف في وقوع الطلاق بها]
أنه لا يخفى أن ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من عدم الاكتفاء بتلك الألفاظ في صحة الطلاق من قوله «خلية أو برية» و نحوهما مما لا خلاف بين أصحابنا فيه نوى بهما الطلاق أو لم ينو، و إنما الخلاف هنا من العامة حيث حكموا بوقوع الطلاق بها مع نيته، و الوجه في ذلك أن أصحابنا يشترطون في صحة الطلاق صراحة اللفظ الدالة عليه، فلا يجوز بالمشترك الدال عليه و على غيره، و الظاهر أن مرادهم باشتراط النية فيه مع كون القصد إلى الطلاق شرطا في صحته- و إن كان باللفظ الصريح كما تقدم ذكره- هو أن الكناية لا يحكم بوقوع الطلاق بها إلا من العلم بإرادة الطلاق بخلاف الصريح، فإن الحكم بوقوع الطلاق لا يتوقف على ذلك، و إن كان القصد إلى الطلاق معتبرا فيه أيضا.
و توضيح ذلك ما أفاده شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حيث قال: و هذه
205
النية أمر آخر غير القصد الذي تقدم اعتباره في الصيغة الصريحة لأن المراد بالنية هنا قصد إيقاع الطلاق، و هناك قصد لفظه لمعناه. و تحقيق الفرق أنه لما كان المعنى في اللفظ الصريح متحدا اكتفى بقصد اللفظ للمعنى بمعنى كون المتلفظ قاصدا قابلا للقصد، و إن لم يصرح بالقصد، و لهذا حكم عليه به بمجرد سماع اللفظ، و إنما احترزوا باشتراط القصد عن مثل الساهي و النائم إذا أوقعا لفظا صريحا فإنه لا يعتد به لعدم القصد إلى مدلوله، بخلاف الكناية فإن ألفاظها لما كانت مشتركة بين المقصود منها و هو الطلاق و نحوه لم تحمل عليه بمجرد قصده إلى المعنى لاشتراكه، بل لا بد من القصد إلى بعض معانيه، و هو الطلاق مثلا، و هذا القصد على خلاف الأصل، لأنه تخصيص المشترك بأحد معانيه، فلا بد من العلم به، و إلا لم يحكم عليه بالطلاق و لا غيره، بخلاف الصريح، فإن الأصل فيه إذا وقع من العاقل الخالي عن الموانع أن يكون قاصدا به مدلوله، فهذا هو الفارق بين القصدين، فتدبره، فإنه من مواضع الاشتباه على كثير. انتهى، و هو جيد رشيق، و قد تقدم ما يؤكده و يعضده.
بقي هنا مواضع وقع الخلاف فيها (منها) ما لو قال: أنت مطلقة، فظاهر الشيخ في المبسوط أنه يقع بها الطلاق مع النية، قال في الكتاب المذكور: عندنا أن قوله أنت مطلقة إخبار عما مضى فقط، فإن نوى به الإيقاع في الحال فالأقوى أن نقول إنه يقع. و قال في الخلاف: إذا قال لها: أنت مطلقة لم يكن ذلك صريحا منه في الطلاق و إن قصد بذلك أنها مطلقة الآن، و هذا القول هو المشهور بين الأصحاب.
و يرد على ما ذهب إليه في المبسوط أنه يلزمه القول بذلك في غير هذه الصيغة، لأن كلامه ظاهر في كونه هنا كناية إذ الصريح كما عرفت لا يفتقر إلى النية، و حينئذ فيلزمه القول بذلك في سائر الكنايات من ألفاظ هذه المادة،
206
إذ لا يعرف هنا وجه خصوصية لهذه الصيغة دون غيرها، مثل قوله أنت من المطلقات أو أنت طلاق، بل هي أبلغ من قوله أنت طالق، كما صرحوا به، لأنهم متى أرادوا المبالغة في فاعل عدلوا به إلى لفظ المصدر، فيقولون في عادل عدلا، مبالغة لأنه أبلغ منه.
و المحقق في الشرائع رد هذا القول بأنه بعيد عن شبه الإنشاء، لأنه إخبار عن وقوع الطلاق فيما مضى، و الأخبار غير الإنشاء.
و اعترضه في المسالك بأن المصنف على ما تكرر منه مرارا و كذا غيره يجعلون لفظ الماضي أنسب بالإنشاء، بل قد جعله في النكاح صريحا في الإنشاء، فما الذي عدا فيما بدا؟ و قولهم إن نقل الاخبار إلى الإنشاء على خلاف الأصل مسلم، لكن يطالبون بالفارق بين المقامين، و الموجب لجعله منقولا في تلك المواضع دون هذا، فإن جعلوه النص فهو ممنوع، بل ورد في الطلاق ما هو أوسع كما ستراه. و إن جعلوه الإجماع فالخلاف في المقامين موجود في صيغ كثيرة.
انتهى، و هو جيد متين بل جوهر ثمين.
و حينئذ فالحق في رد القول المذكور إنما هو عدم النص الدال على وقوع الطلاق بهذه الصيغة، و قد عرفت أصالة استصحاب الحكم بالنكاح حتى يثبت الرافع شرعا، و الذي استفيد من الأخبار المتقدمة إنما هو صيغة طالق بإضافة ما يعين المطلقة، و يبقى الباقي على أصالة المنع، و هذا هو الحق في الجواب: مضافا إلى ما أشرنا إليه من أن اللازم من القول بهذه الصيغة القول بغيرها من صيغ الكنايات من هذه المادة، و هو لا يلتزمه و لا يقول به.
(و منها) ما لو قال: طلقت فلانة، فقال الشيخ: إنه لا يقع به طلاقا، قال:
لأنه إخبار لا إنشاء.
و فيه (أولا) أن أكثر صيغ العقود المقصود بها الإنشاء إنما عبر فيما بلفظ الماضي الذي هو صريح في الاخبار، فنقلوه إلى الإنشاء في تلك العقود، مثل بعت
207
و زوجت و صالحت و نحو ذلك، و ما نحن فيه كذلك، على أنه لا خلاف في الصحة بلفظ فلانة طالق، و قد صرحوا بأن الماضي أقرب إلى الإنشاء من اسم الفاعل.
(و ثانيا) أن الشيخ قد صرح- كما سيأتي إن شاء الله- بأنه لو قيل له: هل طلقت فلانة؟ فقال: نعم، كان جوابه بنعم طلاقا لها، و ليس الوجه فيه إلا أن قوله نعم مقتض لإعادة السؤال، فكأنه قال: طلقتها، فقول نعم في معنى طلقتها، و حينئذ فإذا وقع الطلاق باللفظ الراجع إلى شيء وقع بذلك الشيء البتة و هو «طلقتها» فيما نحن فيه، فحكمه بالصحة ثمة موجب للحكم بها في هذه الصورة، و هو ظاهر.
(و منها) ما لو قيل له: هل طلقت فلانة؟ فقال: نعم، فإن المشهور بين الأصحاب و به صرح الشيخ في النهاية أنه يقع طلاقا، و به صرح ابن حمزة و ابن البراج و غيرهما.
و قال ابن إدريس: و إن قيل للرجل: هل طلقت فلانة؟ فقال: نعم، كان ذلك إقرارا منه بطلاق شرعي.
قال في المختلف: و التحقيق أن نقول: إن قصد بذلك الإقرار بطلاق سابق حكم عليه به ظاهرا و دين بنيته في نفس الأمر، و إن قصد بذلك الإنشاء فهل يصح؟ ظاهر كلام النهاية نعم، و ظاهر كلام ابن إدريس المنع.
أقول: و الشيخ قد استند فيما ذهب إليه إلى
رواية السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «في الرجل يقال له: أطلقت امرأتك؟ فيقول: نعم، قال:
قد طلقها حينئذ».
فالتقريب فيها أن قوله نعم صريح في إعادة السؤال على سبيل الإنشاء، لأن نعم في الجواب تابع للفظ السؤال، فإذا كان صريحا كان الجواب صريحا فيما السؤال صريح فيه، و لهذا إذا قيل لزيد في ذمتك مائة؟ فإن قال نعم كان إقرارا يوجب الحكم عليه بها.
و فيه (أولا) أنه قد تقدم في سابق هذا الموضع اعتراف الشيخ بأنه لا يقع
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 38 ح 30، الوسائل ج 15 ص 296 ب 16 ح 6.
208
الطلاق بقوله طلقت فلانة فكذا فيما هو بمعناه و هو قول «نعم» بالتقريب المذكور، و لأن صحته كذلك تقضي صحة سائر العقود به مثل أن يقول له: هل بعت فلانا؟
فيقول: نعم، و هم لا يقولون به، و إنما خصوا الطلاق بذلك بالرواية.
(و ثانيا) أنه لا يلزم من تضمن نعم معنى السؤال أن يكون بمنزلة لفظه من كل وجه، و قائما مقامه من جميع الوجوه، و لذا قال في المسالك: إنا لو جوزنا وقوعه بلفظ طلقت فلانة لا يلزم منه جواز وقوعه بلفظ نعم، للفرق بين الملفوظ و المقدر في صيغ العقود و الإيقاعات.
(و ثالثا) عدم صراحة الرواية في كون نعم مقصودا بها الإنشاء، فيحتمل الاخبار، و أنه سأل عن إيقاع طلاق سابق، فأجاب بنعم، و أتى بالسبب الموجب للحكم عليه بالطلاق، و هو اعترافه به. قال في المختلف بعد الطعن في الرواية بضعف السند، مع أن الشيخ قال في المبسوط: يلزم الطلاق، فإن كان صادقا لزمه باطنا و ظاهرا، و إن كان كاذبا لزمه في الحكم، و هذا دليل على أنه جعله إقرارا بالطلاق لا إنشاء، و تحمل الرواية على أنه أتى بالسبب الموجب للحكم عليه بالطلاق. انتهى، و هو ظاهر فيما قلناه.
ثم إن العلامة في المختلف احتج أيضا برواية البزنطي المتقدمة أيضا الدالة على حصر صيغ الطلاق في قوله: أنت طالق، قال في المسالك- بعد نقل ذلك عنه-:
و هذه الرواية أوضح دلالة على تخصيص أنت طالق من بين الصيغ المتنازع في وقوعه بها، و هي سالمة من إضافة ما تقدم في رواية محمد بن مسلم أو يقول لها اعتدي، و لو صحت لكانت أجود في الدلالة على نفي تلك الأقوال، انتهى.
أقول: لا يخفى أن الكتاب المذكور من الأصول المشهورة و الكتب المأثورة، و الرواية صحيحة باصطلاح أصحابنا المتقدمين الذي عليه العمل دون هذا الاصطلاح المحدث فيثبت بها المدعى، و العلامة مع كونه أصل هذا الاصطلاح المحدث قد اعتمد عليها، و استدل بها في المقام.
و بالجملة فالأقرب في المسألة هو ما ذهب إليه ابن إدريس إلا إذا علمنا أنه
209
لم يقع منه غيره، و ينبغي تقييد إطلاق كلام ابن إدريس بذلك، و العلامة قيده بقصد الإقرار كما تقدم في كلامه.
قال في المسالك: و لا إشكال مع القصد، إنما الكلام مع الجهل بحاله، و الوجه ما قلناه من الحكم بكونه إقرارا إلا مع العلم بانتفاء سابق، و يرجع في ذلك إلى القرائن المفيدة لكونه مريد الإنشاء أو الإقرار. انتهى، و هو مؤيد لما قلناه و واضح فيما ادعيناه.
ثم إنه بعد الوصول إلى هذا المكان اتفق وقوع النظر على جملة من الأخبار الظاهرة فيما ذهب إليه الشيخ زيادة على رواية السكوني التي طعنوا فيها بضعف السند.
و منها ما رواه
الكافي (1) عن عثمان بن عيسى عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: فرجل طلق امرأته من هؤلاء و لي بها حاجة، قال: فيلقاه بعد ما طلقها و انقضت عدتها عند صاحبها فتقول له: أطلقت فلانة؟ فإذا قال نعم فقد صار تطليقة على طهر، فدعها من حين طلقها تلك التطليقة حتى تنقضي عدتها، ثم تزوجها، فقد صارت تطليقة بائنة».
و ما رواه
في الكافي و الفقيه (2) في الحسن أو الموثق عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل طلق امرأته ثلاثا فأراد رجل أن يتزوجها، فكيف يصنع؟ فقال: يدعها حتى تحيض و تطهر، ثم يأتيه و معه رجلان شاهدان فيقول:
أطلقت فلانة؟ فإذا قال نعم تركها ثلاثة أشهر، ثم خطبها إلى نفسه».
و ما رواه
في التهذيب (3) عن إسحاق بن عمار في الموثق «في الرجل يريد
____________
(1) الكافي ج 5 ص 423 ح 1، الوسائل ج 14 ص 383 ب 36 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 424 ح 3، الفقيه ج 3 ص 257 ح 4 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 323 ب 31 ح 2 مع اختلاف يسير و ج 14 ص 382 ب 36 ح 1.
(3) التهذيب ج 7 ص 470 ح 92، الوسائل ج 15 ص 323 ب 31 ذيل ح 2.
210
أن يتزوج المرأة و قد طلقت ثلاثا فأراد رجل أن يتزوجها، كيف يصنع فيها؟
قال: يدعها حتى تطهر، ثم يأتي زوجها و معه رجلان يقول: قد طلقت فلانة؟» الحديث.
كما في سابقه.
و عن حفص بن البختري (1) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل طلق امرأته ثلاثة، فأراد رجل أن يتزوجها، كيف يصنع؟ قال: يأتيه فيقول: طلقت فلانة؟ فإذا قال نعم تركها ثلاثة أشهر، ثم خطبها إلى نفسه».
أقول: قد اشتركت هذه الأخبار مع تعددها و قوة أسانيدها في الدلالة على وقوع الطلاق بلفظ نعم بعد السؤال عن أنه هل طلق أم لا، و أن ذلك يقع طلقة واحدة بقرينة الأمر بإحضار الشاهدين بسماع ذلك، و إيجاب العدة بعد سماع ذلك من الزوج. و من الظاهر البين الظهور أن لفظ نعم هنا إنما وقع جوابا للسؤال عن طلاق سابق، و أن الزوج المخبر بقوله نعم إنما قصد ذلك، لا أنه قصد الإنشاء، لأن المفروض في الاخبار أنه مخالف، و قد طلقها بمقتضى مذهبه، و اللازم من ذلك صحة الطلاق الثاني من غير اعتبار قصد الإنشاء، و فيه رد على الأصحاب فيما ادعوه من وجوب قصد الإنشاء في صحة الطلاق، فإنه (عليه السلام) قد حكم بصحة الطلاق في هذه الأخبار مع معلومية قصد الاخبار كما عرفت، و هذا مما يؤكد ما قدمناه ذكره في غير موضع سيما في كتب المعاملات من أنه ينبغي أن يكون المدار على ما ترد به الأخبار و إن خالف ذلك مقتضى قواعدهم المقررة و ضوابطهم المعتبرة.
و لو ادعى إرادة الإنشاء بعد التلفظ بهذا القول فمقتضى قواعد الأصحاب و به صرح بعضهم قبول قوله، لأنه منوط بنيته، و لا يمكن استعلام ذلك إلا منه كما تقدم مثله مرارا.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 59 ح 113، الوسائل ج 15 ص 323 ب 31 ح 1.
211
(و منها) أن الشيخ في النهاية قال: و ينوب مناب قوله أنت طالق بغير العربية بأي لسان كان فإنه تحصل به الفرقة، و أطلق. و نحوه كلام ابن حمزة و ابن البراج و غيرهما، و قال ابن إدريس: و ما ينوب مناب قوله أنت طالق بغير العربية بأي لسان كان فإنه تحصل به الفرقة إذا تعذر عليه لفظ العربية، فأما إذا كان قادرا على التلفظ بالطلاق بالعربية فطلق بلسان غيرها، فلا تقع الفرقة بذلك، لأنه ليس عليه دليل، و الأصل بقاء العقد.
احتج الشيخ على ما نقل عنه، بأن المقصود في المحاورات بالذات إنما هو المعاني دون الألفاظ، لأنها دلائل، و نسبة الألفاظ متساوية، و بما رواه
وهب ابن وهب (1) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: «كل طلاق بكل لسان فهو طلاق».
و قال في المختلف بعد أن نقل احتجاج الشيخ المذكور و نقل عن ابن إدريس الاحتجاج بأن الأصل عصمة الفروج، و الاستصحاب يدل على بقاء العقد، و الفرقة أمر شرعي و لم يثبت، و نحن في هذه المسألة من المتوقفين.
أقول: و العجب منه- (قدس سره)- من توقفه في هذه المسألة مع أن مقتضى اصطلاحه الحكم بضعف الرواية المذكورة، سيما و راويها أكذب البرية، و هو يرد الروايات الموثقات بل الحسنة في بعض الأوقات، اعتمادا على هذا الاصطلاح، فما باله يتوقف هنا، و أدلة ابن إدريس واضحة الظهور، و موافقة للقواعد الشرعية، لو لا ظاهر الرواية المذكورة، على أن الرواية غير صريحة في المدعى، و ظاهرها إنما هو عدم إمكان العربية، لأن الظاهر أن المراد منها إنما هو أن أهل كل لسان من عربي أو عجمي أو تركي أو نحوها فله أن يطلق بلسانه، و من الغالب اختصاص أهل كل لسان بذلك اللسان لا يتجاوزونه إلى غيره، و معرفة بعضهم لألسن متعددة أمر على خلاف الغالب لا يحمل عليه الإطلاق.
و ما ذهب إليه ابن إدريس هو المشهور بين المتأخرين كما نقله في المسالك،
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 38 ح 31، الوسائل ج 15 ص 297 ب 17 ح 1.
212
و زاد في الاحتجاج على ما ذكره ابن إدريس بأن اللفظ العربي هو الوارد في القرآن و الأخبار المتكرر في لسان أهل الشرع، و الظاهر هو ما ذهب إليه ابن إدريس لما عرفت، و ما علل به الشيخ من قوله «إن المقصود في المحاورات بالذات هو المعاني دون الألفاظ» و أورد عليه في سائر العقود، و هو لا يقول به.
و
ثالثها [في عدم وقوع الطلاق بالكتابة من الغائب القادر على اللفظ]
أنه لا خلاف بين الأصحاب في عدم وقوع الطلاق بالكتابة من الحاضر القادر على النطق، إنما الخلاف في أنه هل يقع من الغائب القادر على اللفظ أم لا؟ فالمشهور العدم، و هو مذهب الشيخ في المبسوط و الخلاف مدعيا عليه الإجماع، و قال في النهاية، فإن كتب بيده أنه طلق امرأته و هو حاضر ليس بغائب لم يقع الطلاق، فإن كان غائبا و كتب بخطه أن فلانة طالق وقع الطلاق، و إن قال لغيره: اكتب إلى فلانة امرأتي بطلاقها لم يقع الطلاق. فإن طلقها بالقول ثم قال لغيره اكتب إليها بالطلاق كان الطلاق واقعا بالقول دون الأمر، و تبعه على ذلك جملة من أتباعه، و الأصل في هذا الاختلاف اختلاف أخبار المسألة.
و الذي وقفت عليه منها ما رواه
في الكافي و الفقيه (1) عن أبي حمزة الثمالي في الصحيح قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قال لرجل: اكتب يا فلان إلى امرأتي بطلاقها، أو اكتب إلى عبدي بعتقه، يكون ذلك طلاقا أو عتقا؟ فقال: لا يكون طلاقا و لا عتقا حتى ينطق به بلسانه، أو يخطه بيده و هو يريد به الطلاق أو العتق، و يكون ذلك منه بالأهلة و الشهور، و يكون غائبا عن أهله».
أقول: و هذه الرواية هي مستند الشيخ في النهاية و من تبعه.
و ما رواه
في الكافي (2) في الصحيح أو الحسن عن زرارة قال: «قلت لأبي جعفر
____________
(1) الكافي ج 6 ص 64 ح 1، الفقيه ج 3 ص 325 ح 1، التهذيب ج 8 ص 38 ح 33، الوسائل ج 15 ص 291 ب 14 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 64 ح 2، الوسائل ج 15 ص 291 ب 14 ح 2.
213
(عليه السلام): رجل كتب بطلاق امرأته أو بعتق غلامه، ثم بدا له فمحاه، قال: ليس ذلك بطلاق و لا عتاق حتى يتكلم به».
و ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن ابن أذينة قال: «سألته عن رجل كتب إلى امرأته بطلاقها أو كتب بعتق مملوكه و لم ينطق به لسانه، قال: ليس بشيء حتى ينطق به».
و ما رواه
بسند آخر عن زرارة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل» الحديث.
و أجاب العلامة في المختلف عن صحيحة الثمالي بالحمل على حالة الاضطرار، قال: و تكون لفظة «أو» للتفصيل لا للتخيير، لا يقال: هذه الرواية مختصة بالغائب، و الرواية الأولى مطلقة، و المقيد مقدم، لأنا نقول: الغيبة و الحضور لا تأثير لهما في السبب، فإنا نعلم أن اللفظ لما كان سببا في البينونة استوى إيقاعه من الغائب و الحاضر، و كذا الكتابة لو كانت سببا لتساوي الحال فيهما، مع أن في روايتنا ترجيحا بسبب موافقته للأصل، و تأيدها بالنظر و الشهرة في العمل، انتهى.
و اعترضه في المسالك فقال: و فيه نظر، لأن الرواية صريحة في أن المطلق يقدر على التلفظ، لأنه قال: اكتب يا فلان إلى امرأتي بطلاقها. إلخ، فلا وجه لحمله على حالة الاضطرار، و مع ذلك ففي هذه الرواية ترجيح على السابقة لصحة سندها، و أنها مقيدة بالنية و الغيبة و تلك مطلقة فيهما، فجاز كون منعه من وقوع الطلاق لعدم النية بالكتابة، أو لعدم العلم بالنية، أو يحمل على حال الحضور جمعا، على أنه مع ثبوت المرجح لا ضرورة إلى الجمع. و أما ما قيل: إن الغيبة و الحضور لا تأثير لهما في السببية فهو مصادرة و محضة، لأن الخصم يدعي
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 453 ح 23، الوسائل ج 15 ص 290 ب 14 ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 38 ح 32، الوسائل ج 15 ص 291 ب 14 ح 2.
214
الفرق، و يحتج عليه بالخبر الصحيح، و هو الفارق بين الكتابة و اللفظ المشترك في السببية بين الغائب و الحاضر، فكيف يدعى عدم تأثير الغيبة و الحضور؟ و بذلك انقطع الأصل الذي ادعوه، و ثبت سببية الطلاق.
و أما دعوى ترجيح الأول بموافقة الأصل و الشهرة في العمل ففيه: أن الصحيح مقدم على الحسن، فلا تعارض، ثم إن المقيد مقدم على المطلق، انتهى.
أقول: ما ذكره- (رحمه الله)- و إن ترائي أنه جيد، و لذا تبعه فيه جملة ممن تأخر عنه كالمحدث الكاشاني في المفاتيح و الفاضل الخراساني في الكفاية، إلا أنه لا يخفى على المتتبع أن الذي عهد من الشارع في أبواب العقود و الإيقاعات و الإقرارات و نحوها إنما هو الألفاظ و الأقوال الدالة على هذه المعاني دون مجرد الكتابة، و لهذا لم يجوزها أحد بالكتابة، و يبعد اختصاص الطلاق بهذا الحكم لعدم ظهور خصوصيته له بذلك، و يعضده ما ورد في بعض الأخبار إنما يحرم الكلام، و يؤكده أيضا الحصر في أنت طالق المستفاد من الروايات المتقدمة حسبما تقدم تحقيقه، فإنه كما يكون الحصر في هذه الصيغة موجبا لنفي ما سواها من الصيغ اللفظية فكذلك الكتابة، لأنها عندهم من جملة الصيغ الموجبة للطلاق.
هذا مع ما في تحقق الشهادة في هذه الصورة من الإشكال، فإن الإشهاد إنما يطلق حقيقة على سماع لفظ الطلاق من المطلق، فإنه بمجرد سماع ذلك منه يجب بشهادة الشاهدين الحكم عليه بوقوع الطلاق.
و أما في الكتابة حيث قيدوها بالقصد إلى الطلاق الذي لا يعلم إلا بإقراره و اعترافه، فيشكل الشهادة على مجرد رؤية الكتابة حال الكتابة أو بعدها، على أن ما ذكره من جواز كون منعه (عليه السلام) من وقوع الطلاق لعدم النية بالكتابة، أو لعدم العلم بالنية أو الحضور جمعا بين الأخبار مدخول بأن قوله (عليه السلام) «ليس ذلك بطلاق حتى يتكلم به في صحيحة زرارة، و قوله في صحيحة ابن أذينة «ليس بشيء حتى ينطق به» ظاهر في أن عدم الصحة إنما استند إلى عدم النطق و التكلم
215
- نوى أو لم ينو، حفر أو غاب، علمت البينة (النية خ ل) أم لا- لا إلى عدم النية أو عدم العلم بها أو عدم الحضور كما ادعاه، و أن المدار إنما هو على النطق، و الكلام و هو بحمد الله سبحانه ظاهر لذوي الأفهام، و به يظهر بطلان ما ادعاه من الجمع في المقام.
و هل يشترط في الشهادة أيضا رؤية حال الكتابة أو يكفي رؤيتها بعد ذلك، قال في المسالك: وجهان، و الأول لا يخلو من قوة، لأن ابتداءها هو القائم مقام اللفظ لا استدامتها، و إنما تعلم النية بإقراره، و لو شك فيها فالأصل عدمها، و حينئذ فتكون الكتابة كالكناية، و من ثم ردها الأصحاب مطلقا اطرادا للقاعدة مع أنهم نقضوها في مواضع كما ترى.
أقول: و هذا أيضا مما يوهن هذا القول لما صرحوا به بل أجمعوا عليه من اشتراط الصراحة في صيغة الطلاق و عدم جواز وقوعه بالكتابة.
و بالجملة فالمسألة عندي محل توقف، و لعل الخبر المذكور إنما خرج مخرج التقية، و لا يحضرني الآن أقوال العامة في المسألة، فليلاحظ ذلك.
قال في المسالك: و لا فرق في الغائب بين البعيد بمسافة القصر و عدمه، مع احتمال شموله للغائب عن المجلس لعموم النص، و الأقوى اعتبار الغيبة عرفا، و لتكن الكتابة للكلام المعتبر في صحة الطلاق كقوله: فلانة طالق، أو يكتب إليها: أنت طالق، و لو علقه بشرط كقوله: إذا قرأت كتابي فأنت طالق، فكتعليق اللفظ.
أقول: احتمال شموله للغائب عن المجلس غير جيد، فإن النص و هو صحيحة الثمالي تضمن الغائب عن أهله، و هو لا يصدق إلا على المسافر عن بلده.
نعم لو كان بلفظ الغائب خاصة، لربما أمكن ما ذكره.
و أما ما ذكره من كون الكتابة بالكلام المعتبر في صحة الطلاق كقوله فلانة طالق ففيه: أن تعين هذه الصيغة بمقتضى الدليل إنما هو بالنسبة إلى
216
التلفظ بالطلاق، و أما أحاديث الكتابة فهي مطلقة و تخصيصها يحتاج إلى دليل، و كما خرج عن أخبار وجوب اللفظ بهذا الخبر فليخرج عنها أيضا بالعمل بإطلاق هذه الأخبار من إيقاع الكتابة بأي لفظ من هذه المادة عملا بإطلاق الأخبار المذكورة و التقييد إنما ثبت في العبارة اللفظية.
إتمام [حكم ما لو تعذر النطق]
نعم لو تعذر النطق كفت الكتابة و الإشارة من غير خلاف يعرف، و منه الأخرس، فيصح طلاقه بذلك كما تصح سائر عقوده و أقاريره و عباراته، و لا بد من فهم الشاهدين ذلك منه ليحكم عليه به، و الظاهر تقديم الكتابة إذا كان ممن يكتب على الإشارة كما اختاره ابن إدريس، لأنها أقوى في الدلالة على المراد، لكن لا بد أن يفهم أنه نوى بها الطلاق.
و من الأخبار الواردة في المقام ما رواه
المشايخ الثلاثة (1) عن البزنطي في الصحيح في بعض الطرق قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل تكون عنده المرأة ثم يصمت و لا يتكلم، قال: يكون أخرس؟ قلت: نعم، فيعلم منه بغضا لامرأته و كراهته لها، أ يجوز أن يطلق عنه وليه؟ قال: لا، و لكن يكتب و يشهد على ذلك، قلت:
أصلحك الله فإنه لا يكتب و لا يسمع كيف يطلقها؟ قال: بالذي يعرف منه به من فعاله، مثل ما ذكرت من كراهته و بغضه لها».
و ما رواه
في الكافي (2) عن أبان بن عثمان قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن طلاق الأخرس، قال: يلف قناعها على رأسها و يجذبه».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 128 ح 1، الفقيه ج 3 ص 333 ح 1، التهذيب ج 8 ص 74 ح 166، الوسائل ج 15 ص 299 ب 19 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 128 ح 2، الوسائل ج 15 ص 300 ب 19 ح 2.
217
و عن السكوني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها فيضعها على رأسها و يعتزلها».
و رواه الشيخ (2) بسند آخر عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله.
و ما رواه
في الكافي (3) عن يونس «في رجل أخرس كتب في الأرض بطلاق امرأته فقال: إذا فعل في قبل الطهر بشهود، و فهم عنه كما يفهم عن مثله و يريد الطلاق جاز طلاقه على السنة».
و هذه الأخبار كلها متفقة الدلالة على ما ذكره، و نقل عن الصدوقين و جماعة من الأصحاب أنهم اعتبروا فيه إلقاء القناع على المرأة، يري أنها قد حرمت عليه لرواية السكوني و أبي بصير، و منهم من خير بين الإشارة و إلقاء القناع، و منهم من جمع بينهما، و التحقيق الاكتفاء بما يفهم ذلك كائنا ما كان، و ذكر بعض الأفراد في الأخبار إنما خرج مخرج التمثيل.
و
رابعها [في اختلاف الأصحاب في وقوع الطلاق بالتخيير]
أنه لا خلاف بين علماء العامة في صحة التخيير بمعنى تفويض الزوج أمر الطلاق إلى المرأة و تخييرها في نفسها قاصدا بذلك الطلاق، فإذا اختارت نفسها وقع الطلاق، و أن ذلك بمنزلة توكيلها في طلاق نفسها، فالتخيير كناية عن ذلك، و احتجوا بآية التخيير النازلة على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد اعتزاله أزواجه.
و أما أصحابنا فقد اختلفوا في ذلك، فذهب جمع منهم ابن الجنيد و ابن أبي عقيل و السيد المرتضى، و نقل عن ظاهر الصدوق إلى وقوع الطلاق به إذا اختارت نفسها بعد تخييره لها على الفور مع اجتماع الشرائط من الاستبراء و سماع الشاهدين،
____________
(1) الكافي ج 6 ص 128 ح 3، التهذيب ج 8 ص 74 ح 168، الوسائل ج 15 ص 300 ب 19 ح 3.
(2) التهذيب ج 8 ص 92 ح 233 عن على بن أبي حمزة عن أبى عبد الله (عليه السلام) مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 301 ب 19 ح 5.
(3) الكافي ج 6 ص 74 ح 169، الوسائل ج 15 ص 300 ب 19 ح 4.
218
و المشهور- و هو مذهب الشيخ، و به صرح الشيخ علي بن بابويه في الرسالة و جملة المتأخرين- عدم وقوع الطلاق به.
قال ابن الجنيد على ما نقله في المختلف: إذا أراد الرجل أن يخير امرأته اعتزلها شهرا و كان على طهر من غير جماع في مثل الحالة التي لو أراد أن يطلقها فيه طلقها، ثم خيرها فقال لها: قد خيرتك أو جعلت أمرك إليك، و يجب أن يكون ذلك بشهادة، فإن اختارت نفسها من غير أن تشاغل بحديث من قول أو فعل كان يمكنها أن لا تفعل صح اختيارها، و إن اختارت بعد فعلها ذلك لم يكن اختيارها ماضيا، و إن اختارت في جواب قوله لها ذلك و كان مدخولا بها و كان تخييره إياها عن غير عوض أخذه منها كان كالتطليقة الواحدة التي هو أحق برجعتها في عدتها، و إن كانت غير مدخول بها فهي تطليقة بائنة، و إن كان تخييره عن عوض فهي بائن و هي أملك بنفسها، و إن جعل الاختيار إلى وقت معينة و اختارت قبله جاز اختيارها، و إن اختارت بعده لم يجز.
و قال ابن أبي عقيل: و الخيار عند آل الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يخير الرجل امرأته و يجعل أمرها إليها في أن تختار نفسها أو تختاره بشهادة شاهدين في قبل عدتها، فإن اختارت المرأة نفسها في المجلس فهي تطليقة واحدة و هو أملك برجعتها ما دامت لم تنقض عدتها، و إن اختارت فليس بطلاق، و لو تفارقا ثم اختارت المرأة نفسها لم يقع شيء، و لو قال لها: قد جعلت أمرك بيدك فاختاري نفسك في مجلسك، فسكتت أو تحولت عن مجلسها بطل اختيارها بترك ذلك، و إن سمى الرجل في الاختيار وقتا معلوما ثم رجع عنه قبل بلوغ الوقت كان ذلك له، و ليس يجوز للزوج أن يخيرها أكثر من واحدة بعد واحدة، و خيار بعد خيار بطهر و شاهدين، فإن خيرها أكثر من واحدة أو خيرها أو تخير نفسها في غير عدتها كان ذلك ساقطا غير جائز، و إن خير الرجل أباها أو أخاها أو أحد من أوليائها كان اختيارها.
و قال الشيخ علي بن بابويه: و لا يقع الطلاق بإجبار و لا إكراه و لا على
219
شك، فمنه طلاق السنة، و طلاق العدة- إلى أن قال:- و منه التخيير. و لما بحث عن تلك الأقسام إلى أن وصل إلى التخيير فقال: و أما التخيير فأصل ذلك (1): إن الله عز و جل أنف لنبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) بمقالة قالها بعض نسائه: أ ترى محمدا لو طلقنا لا نجد أكفاءنا من قريش يتزوجونا، فأمر الله عز و جل نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يعتزل نساءه تسعة و عشرين يوما، فاعتزلهن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في مشربة أم إبراهيم ثم نزلت هذه الآية «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلًا وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدّٰارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللّٰهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنٰاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً» (2) فاخترن الله و رسوله فلم يقع طلاق.
هذا ما حضرني من عبائر المتقدمين، و الواجب أولا نقل ما وصل إلينا من أخبار المسألة، ثم الكلام فيها بما يسر الله عز و جل فهمه منها و جمعها على وجه يرسل به غشاوة الاختلاف عنها.
فمنها ما رواه
الصدوق في الفقيه (3) في الصحيح عن ابن أذينة عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا خيرها و جعل أمرها بيدها في قبل عدتها من غير أن يشهد شاهدين فليس بشيء، و إن خيرها و جعل أمرها بيدها بشهادة شاهدين في قبل عدتها فهي بالخيار ما لم يتفرقا، فإن اختارت نفسها فهي واحدة، و هو أحق برجعتها، و إن اختارت زوجها فليس بطلاق».
و ما رواه
في الكتاب المذكور (4) عن ابن مسكان عن الصيقل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الطلاق أن يقول الرجل لامرأته: اختاري، فإن اختارت نفسها فقد بانت منه و هو خاطب من الخطاب، و إن اختارت زوجها فليس بشيء، أو يقول:
أنت طالق، فأي ذلك فعل فقد حرمت عليه، و لا يكون طلاق و لا خلع و لا مباراة
____________
(1) مضمون ما جاء في الكافي ج 6 ص 137 ح 1.
(2) سورة الأحزاب- آية 28 و 29.
(3) الفقيه ج 3 ص 335 ح 2، الوسائل ج 15 ص 338 ب 41 ح 14.
(4) الفقيه ج 3 ص 335 ح 3، الوسائل ج 15 ص 338 ب 41 ح 15.
220
و لا تخير إلا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين».
و عن الحلبي (1) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يخير امرأته أو أباها أو وليها، فقال: كلهم بمنزلة واحدة إذا رضيت».
و عن الحسن بن محبوب عن جميل بن صالح عن الفضيل بن يسار (2) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قال لامرأته: قد جعلت الخيار إليك، فاختارت نفسها قبل أن يقوم، قال: يجوز ذلك عليه. قلت: فلها متعة؟ قال:
نعم. قلت: فلها ميراث إن مات الزوج قبل أن تنقضي عدتها؟ قال: نعم، و إن ماتت هي ورثها الزوج».
و أقول: و لتفرد صاحب الفقيه بهذه الأخبار نسب إليه القول بمضمونها كما تقدمت الإشارة إليه.
و ما رواه
في التهذيب (3) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل خير امرأته، قال: إنما الخيار لها ما داما في مجلسهما، فإذا افترقا فلا خيار لها».
و بسند آخر عن زرارة (4) مثله، و زاد «أصلحك الله، فإن طلقت نفسها ثلاثا قبل أن يتفرقا من مجلسهما؟ قال: لا يكون أكثر من واحدة، و هو أحق برجعتها قبل أن تنقضي عدتها، قد خير رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) نساءه فاخترنه، فكان ذلك طلاقا، قال: فقلت له: لو اخترن أنفسهن؟ فقال: ما ظنك برسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لو اخترن أنفسهن أ كان يمسكهن».
و عن زرارة و محمد بن مسلم (5) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا خيار إلا على طهر من غير جماع بشهود».
و عن زرارة (6) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إذا اختارت نفسها فهي تطليقة
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 335 ح 4 و 5، الوسائل ج 15 ص 338 ب 41 ح 16 و 17.
(2) الفقيه ج 3 ص 335 ح 4 و 5، الوسائل ج 15 ص 338 ب 41 ح 16 و 17.
(3) التهذيب ج 8 ص 89 ح 222، الوسائل ج 15 ص 337 ب 41 ح 7 و فيهما «تفرقا».
(4) التهذيب ج 8 ص 90 ح 227، الوسائل ج 15 ص 338 ب 41 ح 12.
(5) التهذيب ج 8 ص 90 ح 223، الوسائل ج 15 ص 337 ب 41 ح 8.
(6) التهذيب ج 8 ص 90 ح 224، الوسائل ج 15 ص 337 ب 41 ح 9.
221
بائنة، و هو خطاب من الخطاب، و إن اختارت زوجها فلا شيء».
و عن بريد الكناسي (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا ترث المخيرة من زوجها شيئا من عدتها، لأن العصمة قد انقطعت فيما بينها و بين زوجها من ساعتها، فلا رجعة له عليها و لا ميراث بينهما».
و عن حمران (2) في الحسن قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: المخيرة تبين من ساعتها من غير طلاق و لا ميراث بينهما، لأن العصمة منها قد بانت ساعة كان ذلك منها و من الزوج».
أقول: و هذه الأخبار و ما في معناها هي أدلة القول الآخر في المسألة.
و أما ما يدل على القول المشهور و هو المؤيد المنصور كما سيظهر لك إن شاء الله غاية الظهور فمنها:
ما رواه
في الكافي (3) في الموثق عن عيص بن القاسم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل خير امرأته فاختارت نفسها، بانت منه؟ فقال: لا، إنما هذا شيء كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) خاصة أمر بذلك ففعل، و لو اخترن أنفسهن لطلقهن، و هو قول الله عز و جل «قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلًا».
أقول: ظاهر الخبر المذكور أنه لا بد بعد اختيارها نفسها من الطلاق من الزوج، لا أنها تبين بمجرد الاختيار أو يحصل الطلاق بذلك، بل لا بد من اتباعه بالطلاق، و أنه (صلى الله عليه و آله) لو اخترن أنفسهن لطلقهن، و لا يخفى أن ظاهر الآية المذكورة ذلك، إلا أنه مناف لأخبار المسألة كما عرفت و تعرف، إلا أن يقال:
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 90 ح 225، الوسائل ج 15 ص 337 ب 41 ح 10 و الظاهر أن «يزيد الكناسي» هو الصحيح.
(2) التهذيب ج 8 ص 90 ح 226، الوسائل ج 15 ص 338 ب 41 ح 11.
(3) الكافي ج 6 ص 137 ح 3، التهذيب ج 8 ص 87 ح 218، الوسائل ج 15 ص 336 ب 41 ح 4.
222
إن هذا إنما هو بالنسبة إليه (صلى الله عليه و آله و سلم) كما هو مورد الخبر، لكن الظاهر أنه لا قائل بالفرق.
قال الشيخ في كتابي الأخبار (1) بعد نقل هذا الخبر: قال الحسن بن سماعة:
و بهذا الخبر تأخذ في الخيار.
و ما رواه
في الكافي (2) عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الخيار، فقال: و ما هو و ما ذاك؟ إنما ذاك شيء كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)».
و عن محمد بن مسلم (3) في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني سمعت أباك يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) خير نساءه فاخترن الله و رسوله فلم يمسكهن على الطلاق و لو اخترن أنفسهن لبن، فقال: إن هذا حديث كان أبي يرويه عن عائشة: و ما للناس و الخيار، إنما هذا شيء خص الله عز و جل به رسوله (صلى الله عليه و آله و سلم)».
أقول: لعل الوجه في نسبته (عليه السلام) هذا الخبر إلى رواية أبيه (عليه السلام) عن عائشة المؤذن بكذبه هو ما اشتمل عليه من أنهن لو اخترن أنفسهن لبن، حيث إن ظاهر الخبر الأول الاحتياج إلى الطلاق بعد الاختيار، و إلا فإنه ليس فيما نقله زرارة عن أبيه (عليه السلام) ما يخالف الواقع في القصة.
و ما رواه
في الكافي (4) عن زرارة في الموثق قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:
إن الله عز و جل أنف لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن مقالة قالتها بعض نسائه، فأنزل الله تعالى آية التخيير، فاعتزل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) تسعة و عشرين ليلة في مشربة أم إبراهيم، ثم دعاهن فخيرهن فاخترنه فلم يك شيئا، فلو اخترن أنفسهن كانت واحدة بائنة. قال: و سألته عن مقالة المرأة ما هي؟ قال: فقال: إنها قالت «ترى محمدا» أنه لو طلقنا إنه لا يأتينا الأكفاء من قومنا يتزوجونا».
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 88 ذيل ح 218 و فيه «و بهذا الحديث نأخذ في الخيار».
(2) الكافي ج 6 ص 136 ح 1 و 2، الوسائل ج 15 ص 336 ب 41 ح 1 و 3.
(3) الكافي ج 6 ص 136 ح 1 و 2، الوسائل ج 15 ص 336 ب 41 ح 1 و 3.
(4) الكافي ج 6 ص 137 ح 1 مع اختلاف يسير.
223
و عن محمد بن مسلم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل إذا خير امرأته، فقال:
إنما الخيرة لنا ليس لأحد، و إنما خير رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لمكان عائشة، فاخترن الله و رسوله، و لم يكن لهن أن يخيرن غير رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)».
قوله (عليه السلام) «إنما الخيرة لنا» يعني باعتبار اختصاص ذلك برسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و منزلتهم معه واحدة. و قوله «لمكان عائشة» قيل في معناه: إنه لما لم يطلقهن بل خيرهن لأنه (صلى الله عليه و آله) كان يحب عائشة لحسنها و جمالها، و كان يعلم أنهن لا يخترن غيره لحرمة الأزواج عليهن. أو أن السبب الأعظم في هذه القضية كان سوء معاشرة عائشة، و قلة احترامها له (صلى الله عليه و آله و سلم).
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) بعد أن ذكر في صدر البحث أقسام الطلاق إجمالا: و إن منه طلاق السنة و طلاق العدة و طلاق الغلام- ثم شرح هذه الأشياء كلا على حدة إلى أن قال:- و أما التخيير فأصل ذلك أن الله أنف لنبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) بمقالة قالتها بعض نسائه، إلى آخر ما في عبارة الشيخ علي بن بابويه- (رحمه الله)- حيث إنها مأخوذة من الكتاب المذكور على ما عرفت في غير موضع مما تقدم.
أقول: و الأقرب عندي هو القول المشهور لوجوه: (أحدها) أن مقتضى القاعدة المنصوصة- المتفق على ورودها عنهم (عليهم السلام) من عرض الأخبار مع الاختلاف بل بدونه على مذهب العامة و الأخذ بخلافه- هو حمل أخبار الوقوع على التقية، و لذلك أن الشيخ أيضا حملها على ذلك، لاتفاق العامة على ما دلت هذه الأخبار عليه، و يؤيده اختلاف الأخبار باختلافهم في أحكامه من كونه طلاقا رجعيا أو بائنا و نحو ذلك.
(و ثانيها) أنه مع العمل بأخبار الوقوع فإنه يلزم طرح الأخبار الدالة على العدم، إذ لا محمل لها، و من القواعد المقررة عندهم أن إعمال الدليلين مهما
____________
(1) الكافي ج 6 ص 139 ح 6، الوسائل ج 15 ص 336 ب 41 ح 2 و فيهما «أن يخترن».
(2) فقه الرضا ص 241 و 244 مع اختلاف يسير.
224
أمكن أولى من طرح أحدهما.
(و ثالثها) تأيد أخبار المنع بجملة من الأخبار الدالة على عدم صحة تفويض أمثال ذلك إلى النساء.
و منها ما رواه
في الكافي (1) عن الحسن بن علي بن فضال عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في امرأة نكحها رجل فأصدقته المرأة و اشترطت عليه أن بيدها الجماع و الطلاق فقال: خالف السنة و ولى الحق من ليس أهله، و قضى أن على الرجل الطلاق، و أن بيده الجماع و الطلاق، و تلك السنة».
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب (2) في الصحيح عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى علي (عليه السلام) في رجل تزوج امرأة و أصدقها و اشترطت أن بيدها الجماع و الطلاق، قال: خالف السنة و ولت الحق من ليس بأهله، قال: قضى أن على الرجل النفقة، و بيده الجماع و الطلاق، و ذلك السنة».
أقول: في الفقيه «فأصدقته» مكان «فأصدقها و أن عليه الصداق» بدل «على الرجل النفقة».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) عن مروان بن مسلم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: ما تقول في رجل جعل أمر امرأته بيدها؟ قال: فقال:
ولى الأمر من ليس أهله و خالف السنة و لم يجز النكاح».
و قد اشتركت هذه الأخبار في الدلالة على أن جعل الطلاق بيد المرأة خلاف
____________
(1) الكافي ج 5 ص 403 ح 7، الوسائل ج 15 ص 340 ب 42 ح 1 و فيهما «أن على الرجل الصداق».
(2) الفقيه ج 3 ص 269 ح 61، التهذيب ج 7 ص 369 ح 60، الوسائل ج 15 ص 40 ب 29 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 6 ص 137 ح 4، التهذيب ج 8 ص 88 ح 220، الوسائل ج 15 ص 336 ب 41 ح 5.
225
السنة النبوية و الشريعة المحمدية (صلى الله عليه و آله و سلم)، فكل ما خالفها فهو باطل البتة، حتى أنه (عليه السلام) في الحديث الأخير حكم ببطلان النكاح، و مورده كما ترى مورد تلك الأخبار لأنه قال فيه: «إنه جعل أمر امرأته بيدها» و هذا هو معنى التخيير فهو أصرح الأخبار في بطلان التخيير، إذ لو كان ذلك سائغا كما يدعونه لصح شرطه في العقد و لم يحكم ببطلان النكاح، و الخبر كما ترى على خلافه.
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك- باعتبار تصلبه في العمل بهذا الاصطلاح المحدث- ترجيح القول بالوقوع لرجحان أخباره بالكثرة و الصحة و الصراحة، قال- (رحمه الله)-: و أجاب المانعون عن الأخبار الدالة على الوقوع بحملها على التقية، و لو نظروا إلى أنها أكثر و أوضح سندا و أظهر دلالة لكان أجود، و وجه الأول واضح، و الثاني أن فيها الصحيح و الحسن و الموثق، و ليس فيها ضعيف، بخلاف أخبار المنع، فإن فيها الضعيف و المرسل و المجهول.
أقول: لا يخفى أن الحمل على التقية لا تنافيه صحة الأخبار و تكاثرها، بل لو ادعي كون ذلك مؤكدا للحمل على التقية لكان أقرب لشيوع التقية و خفاء الحق الواقعي بتلك البلية، فلا جرم قلت أخباره و قل انتشاره على أن هذا الاصطلاح المحدث لا وجود له عند أصحابنا المتقدمين، بل الأخبار كلها صحيحة عندهم بهذا الاعتبار، و إنما الضعف بوجوه أخر لا تعلق لها بالسند كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب في أول جلد كتاب الطهارة (1)، و القاعدة المروية عنهم (عليهم السلام) في تعارض الأخبار صادقة على الجميع، لا اختصاص لها بمادة دون اخرى، و لا ريب في صدقها على ما نحن فيه، فيجب العمل بمقتضاها، إلا أنه لما كانت هذه القاعدة مطرحة في كلامهم- كما لا يخفى على من خاض بحور نقضهم
____________
(1) الحدائق ج 1 ص 14.
226
و إبرامهم- و أن بما اخترعوا لهم في الجمع بين الأخبار و لا وجود لها في السنة و لا في الكتاب من حمل النواهي الكراهة و الأوامر على الاستحباب، ضربوا عنها صفحا، و طووا عنها كشحا بمثل هذه التعليلات العليلة و نحوها.
تفريعات على القول بالتخيير
الأول [هل هذا الطلاق يقع رجعيا أم بائنا؟]:
أنه هل يكون الطلاق الواقع بالتخيير إذا اختارت نفسها طلاقا رجعيا أم بائنا؟ ظاهر عبارة ابن أبي عقيل المتقدمة أنه يكون رجعيا، و عليه تدل من أخبار التخيير المتقدمة صحيحة محمد بن مسلم المروية في الفقيه، لقوله فيها، «و هو أحق برجعتها» و نحوها صحيحة الفضيل بن يسار لحكمه فيها بالموارثة التي هي فرع بقاء الزوجية، و رواية زرارة لقوله فيها «و هو أحق برجعتها قبل أن تنقضي عدتها».
و قيل: إنها تكون بائنة، و عليه تدل من الأخبار المذكورة رواية الصيقل، لقوله فيها «فإن اختارت نفسها فقد بانت منه، و هو خاطب من الخطاب» و رواية زرارة الأخرى لقوله فيها «إذا اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة، و هو خاطب من الخطاب» و رواية بريد [يزيد] الكناسي، و هي أصرح الجميع، و نحوها حسنة حمران، و الظاهر أن هذا الاختلاف في هذه الأخبار منشؤه اختلاف العامة في ذلك، و لكن لا يحضرني الآن نقل مذاهبهم، إلا أنك لما عرفت أن هذه الأخبار إنما خرجت مخرج التقية و جميع ما تضمنته إنما هو من أقوالهم، فالظاهر أن منشأ هذا الاختلاف فيها هو ما ذكرناه.
و كيف كان فهو مما يوهن التمسك بها و الاعتماد عليها إذ لا حاجة للجمع بينها في ذلك، فلم يبق إلا تعارضها و تساقطها.
و ظاهر كلام ابن الجنيد المتقدم أن كون ذلك رجعيا أو بائنا إنما هو باعتبار أمر آخر، و هو أنه إن كان التخيير بعوض كان بائنا، كالطلاق بالعوض و إلا كان رجعيا.
227
قال في المسالك: و فيه جمع بين الأخبار، و فيه أنه لا يكاد يشم لهذا التفصيل و لا لهذا العوض رائحة في الأخبار بالكلية، و كيف يكون جمعا بينها مع أنه لا إشارة في شيء من الأخبار إليه فضلا عن الدلالة الظاهرة عليه، بل ظاهر سياق الأخبار المذكورة بل صريحها أن كلا من الأمرين إنما يترتب على مجرد التخيير، و لا دليل على العوض بالكلية و لا سيما رواية بريد [يزيد] الكناسي و حسنة حمران، فإنهما تناديان بأوضح دلالة على أن نفي الميراث و انقطاع العصمة و البينونة و عدم الرجعة إنما يترتب على اختيارها نفسها خاصة، و دعوى كون ذلك بعوض إنما هو من قبيل الرمي في الظلام و القياس في الأحكام الذي منعت منه شريعة الملك العلام، إذ مرجع ما ذكروه إنما هو إلى أنه حيث ثبت ذلك في الطلاق بعوض أثبتناه في التخيير إذا كان ثمة عوض بل هذا أشد بعدا لعدم الجامع بين المقيس و المقاس عليه.
و بالجملة فإن بعد هذا القول في المقام مما لا يخفى على ذوي الأفهام، إلا أن شيخنا المذكور لما كان مائلا إلى القول بالتخيير كما عرفت تشبث في الذب عنه بذلك.
و أما قوله أيضا على أثر ما تقدم- و يمكن الجمع بينها بحمل البائن على تخيير من لا عدة لها كغير المدخول بها و اليائسة و الرجعي على من لها عدة رجعية لأن التخيير جائز للجميع على القول به- فهو في البعد مثل سابقه، فإن سياق أخبار التخيير ينادي بأفصح لسان و أوضح بيان بأن ما تضمنته تلك الأخبار من الأحكام إنما ترتب على التخيير، بمعنى أنه متى خيرها و اختارت نفسها لزم كذا و كذا، أعم من أن تكون ذات عدة أم لا، و مقتضى ما ذكره من احتمال الجمع بما ذكر إنما هو ترتب البينونة و عدم الإرث و عدم الرجعة على عدم الدخول بها أو على كونها يائسة، و الأخبار خالية من الاشعار به، بل ظاهرها كما عرفت إنما هو ترتب ذلك على مجرد التخيير، و بالجملة فإن مقتضى إطلاق هذه الأخبار
228
هو ما ذكرناه، و التخصيص يحتاج إلى دليل و ليس فليس.
الثاني [اشتراط وقوع الخيار في المجلس قبل التفرق]
عبارة ابن أبي عقيل المتقدمة اشتراط وقوع الخيار في المجلس قبل التفرق لقوله «و إن اختارت نفسها في المجلس فهي تطليقة واحدة» و عليه تدل رواية زرارة لقوله فيها «إنما الخيار لها ما داما في المجلس فإذا افترقا فلا خيار لها» و صحيحة محمد بن مسلم و هي الأولى لقوله فيها «فهي بالخيار ما لم يتفرقا» و قوله في صحيحة الفضيل بن يسار «و اختارت نفسها قبل أن تقوم» و هو و إن كان في كلام الراوي، إلا أن الحجة تقرير الامام (عليه السلام)، و إطلاق المجلس يقتضي عدم الفرق بين طول المجلس و قصره، و عدم الفرق بين تخلل كلام أجنبي بين التخيير و الاختيار أم لا.
لكن الظاهر من عبارة ابن الجنيد هو اتصال الاختيار بالتخيير اتصالا عرفيا بمعنى عدم ضرر الفصل بالسعال و نحوه من الفصل القليل، لقوله «فإن اختارت نفسها من غير أن تشاغل بحديث من قول أو فعل كان يمكنها أن لا تفعله صح اختيارها، و إن اختارت بعد فعلها ذلك لم يكن اختيارها ماضيا. انتهى و ظاهره فورية التخيير، و على هذا يكون المجلس كناية عن هذا الاتصال العرفي إلا أنه ينافيه قوله «ما لم يتفرقا» في رواية زرارة و صحيحة محمد بن مسلم (1) و «قبل أن يقوم» في صحيحة الفضيل فإن ظاهره أن الغاية المبطلة للخيار هي التفرق عن المجلس، فما لم يتفرقا و إن طال الجلوس أو حصل الفصل فإنه لا يبطل التخيير و على هذا فما ذكره ابن الجنيد من هذا الشرط لا دليل عليه من الأخبار المذكورة.
____________
(1) و صحيحة محمد بن مسلم أظهر دلالة على ذلك حيث انه قال «فهي بالخيار ما لم يتفرقا» فجعل الغاية في سقوط الخيار هو التفرق خاصة، و كذا قوله في صحيحة الفضيل «قبل أن يقوم» فان الجميع ظاهر في صحة التخيير و ان طال الجلوس في مقامها و جواز الفصل بكلام أجنبي طال أو قصر ما لم يحصل التفرق. (منه- (قدس سره)-).
229
و بذلك يظهر أن ما ذكروه في هذا المقام- من أنه إذا كان بمنزلة عقد التمليك لم يكن العبرة بالمجلس بل بالمقارنة، و إن جعل بمنزلة التوكيل لم يكن المجلس أيضا معتبرا بل يجوز مع التراخي- لا معنى له، بل إن الذي ينبغي أن يقال بناء على ما قالوه من صحة التخيير: إن هذا حكم برأسه و المجلس فيه أثر على الوجه المتقدم في الأخبار بالتقريب الذي شرحناه. و أما بناء على ما قلناه من عدم القول بذلك، فإن الوجه فيه أنه حيث كان العامة القائلون بهذا القول قد اشترطوا فيه هذا الشرط خرجت الأخبار مصرحة به وفاقا لهم
الثالث [في أنه يشترط في الطلاق بالتخيير جميع شرائط صحة الطلاق]
يشترط في هذا التخيير عند القائل به ما يشترط في صحة الطلاق من استبراء المرأة و سماع الشاهدين و غير ذلك. و هل يكفي سماعهما نطقها خاصة، أو يعتبر سماعهما نطقهما معا؟
قال في المسالك: ظاهر الرواية و الفتوى الأول، و أن الفراق يقع بمجموع الأمرين فيعتبر سماعهما من الشاهدين، فينزل حينئذ منزلة الخلع حيث يقع البذل من جانبها و الطلاق من جانبه، و إن اختلفا في كون الطلاق هنا من جانبها و يحتمل الاكتفاء بسماع اختيارها، لأن الفراق إنما حصل به، و لهذا لو ردته أو اختارته لم يقع، فيكون ذلك بمنزلة تفويض الطلاق إليها، فلا يشترط إلا سماع ما دل على الطلاق لا سماع ما هو بمنزلة الوكالة فيه، انتهى.
أقول: اتفقت السنخ على لفظ الأول في قوله «ظاهر الرواية و الفتوى الأول» و منها نسخة بخط المصنف- رحمة الله عليه- و الأنسب في التعبير إنما هو الثاني عوض لفظ الأول لأن العبارة المتقدمة كما ذكرناه هو أنه هل يكفي سماعهما نطقها خاصة أو يعتبر سماعهما نطقهما معا، و الأول منهما هو الاكتفاء بسماع نطقها خاصة، و الثاني هو سماعهما نطقهما معا، و الذي ادعاه من النص و الفتوى و رتب عليه الكلام بقوله «و أن الفراق يقع بمجموع الأمرين. إلخ» إنما يتجه على الثاني، و يدلك على ذلك أيضا قوله أخيرا «و يحتمل الاكتفاء
230
بسماع اختيارها» و هذا هو الأول قد جعله احتمالا. و بالجملة فالظاهر وقوع السهو من قلم المصنف في التعبير بلفظ الأول في هذا المقام، و إنما حقه أن يقول الثاني.
و كيف كان فالذي تقدم في أخبار المسألة مما يدل على ذلك ما تضمنته صحيحة محمد بن مسلم من قوله «و إن خيرها أو جعل أمرها بيدها بشهادة شاهدين. إلخ» و هو ظاهر في كون شهادة الشاهدين على تخيير الرجل لها أو جعله الأمر بيدها مع اختيارها إن اختارت نفسها، و هو ظاهر فيما ادعاه من كون الشهادة على الأمرين و ما تضمنته رواية الصيقل من قوله «و لا يكون تخيير إلا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين» و هو أيضا يرجع إلى الأول، و إن كان الأول أظهر.
و ما في صحيحة زرارة و محمد بن مسلم من قوله (عليه السلام) «لا خيار إلا على طهر من غير جماع بشهود» و هو يرجع إلى سابقه، و المعنى فيهما أنه لا خيار أو لا تخيير بأن يخير الرجل امرأته فتختار نفسها إلا بهذه الشروط.
و أما الاحتمال الذي ذكره أخيرا فهو جيد من حيث الاعتبار كما ذكره- (رحمه الله)- إلا أن ظواهر النصوص على خلافه، و الأظهر هو الوقوف على مقتضى ما دلت عليه الأخبار.
الرابع [جواز الرجوع في التخيير مطلقا]
قال في المسالك: يجوز له الرجوع في التخيير مطلقا، و هو الظاهر من رواية زرارة «إنما الخيار لهما ما داما في مجلسهما» و لأنه إن كان تمليكا كان الرجوع فيه قبل القبول جائزا، و إن كان توكيلا فكذلك بطريق أولى، و مقتضى قوله «إن الخيار لهما ما داما في المجلس» جواز فسخه لكل منهما في المجلس و إن وقع التخيير من كل منهما، و هو مشكل من جانبها مطلقا، إذ لا خيار لها في الطلاق مطلقا، و من جانبه لو كان بائنا، إلا أن الأمر فيه أسهل لإمكان تخصيصه بالرجعي.
أقول: الظاهر أن المعنى في قوله (عليه السلام) في خبر زرارة «إنما الخيار لها
231
ما داما في مجلسهما» إنما هو أنه متى خيرها فاختارت نفسها فإنه يشترط أن يكون في مجلس واحد، بمعنى أنه لو خيرها و سكتت حتى تفرقا ثم اختارت نفسها لم يقع، فلا بد من أن يكون التخيير منه و الاختيار منها في مجلس واحد.
و يشير إلى ذلك قوله في صحيحة محمد بن مسلم «فإن خيرها أو جعل أمرها بيدها بشهادة شاهدين في قبل عدتها فهي بالخيار ما لم يتفرقا» فإنه دال على أنه يشترط أن يكون اختيار نفسها في مجلس تخيير الزوج لها، لا بعد مفارقته، و في معناه صحيحة الفضيل.
و بالجملة فالمراد بالخيار هو التخيير الذي يترتب عليه الفراق لا الخيار في الرجوع عن مقتضى التخيير كالخيار في سائر العقود بمعنى فسخها، حتى أنه يدعى أنه مقتضى قوله «إن الخيار لها ما داما في المجلس» جواز فسخه لكل منهما في المجلس، و إن وقع التخيير، من كل منهما، و كيف يتم الفسخ بعد اختيارها نفسها و أكثر الأخبار قد دل على أنها باختيارها نفسها قد بانت منه و انقطعت العصمة بينهما من ساعته كما صرحت به حسنة بكير، و رواية بريد [يزيد] الكناسي، و كيف يتم الفسخ بعد حصول البينونة و انقطاع العصمة، و على تقدير الروايات الأخر الدالة على أنه بمنزلة الطلاق الرجعي كيف يتم لها فسخ الطلاق حسبما ذكره من أنه لا خيار لها في الطلاق مطلقا، و بهذا يظهر لك أن حمله الرواية على ما ذكره- من جواز الرجوع في التخيير بمعنى فسخه من الزوج أو من كل منهما- ليس في محله، و إنما المعنى فيها ما قلناه.
و أما تكرارهم التفريع على التمليك أو التوكيل فقد عرفت أن الظاهر أن يقال: إن هذا حكم برأسه عند من قال به، يترتب عليه من الأحكام ما دلت عليه أخباره.
و
خامسها [في اشتراط تجريد صيغة الطلاق من الشرط و الصفة]
قد صرح الأصحاب من غير خلاف يعرف أنه يشترط تجريد صيغة الطلاق من الشرط و الصفة. بل ادعى عليه ابن إدريس كما نقل عنه الإجماع، و مثله شيخنا الشهيد الثاني في الروضة، فإنه قال بعد ذكر المصنف الحكم المذكور: و هو موضع وفاق منا. و ظاهرهم أن المستند فيه إنما
232
هو الإجماع، و الظاهر أنه لذلك نسب المحقق في الشرائع الحكم المذكور إلى قول المشهور مؤذنا بالتوقف فيه و الطعن في دليله. و ظاهره في المسالك الميل أيضا إلى ذلك، قال- (رحمه الله)-: نبه بقوله على قول المشهور على ضعف مستنده، فإنه ليس عليه نص، و إنما أوردوا عليه أدلة ظاهرية كقولهم: إن النكاح أمر ثابت متحقق، و لا يزول إلا بسبب متحقق، و وقوعه مع الشرط مشكوك فيه. و قولهم:
إنه مع عدم الشرط إجماعي، و لا دليل على صحته بالشرط، و نحو ذلك، فإن هذا كله مندفع بعموم الأدلة على ثبوت حكم الطلاق حيث يقع أعم من كونه منجزا أو معلقا على شرط.
و قال سبطه في شرح النافع بعد نقل ذلك عنه: و هو جيد لو ثبت ما ادعاه من العموم لكنه محل نظر- ثم قال:- و يمكن أن يستدل على اعتبار هذا الشرط مضافا إلى ما سبق بقوله (عليه السلام)
في حسنة محمد بن مسلم (1) «إنما الطلاق أن يقول لها. أنت طالق أو اعتدي».
فإن الصيغة المعلقة على شرط أو صفة خارجة عن هذين اللفظين، و المعتمد ما عليه الأصحاب، انتهى.
أقول: ما ادعاه شيخنا المذكور من العمومات ليس في محله، و إنما هنا إطلاقات، و الظاهر أن مراده ذلك، فإنهم يعبرون عن أحدهما بالآخر، إلا أنه قد تقرر أن الإطلاق إنما يحمل على الأفراد الشائعة المتكررة، فإنها هي التي يتبادر إليها الإطلاق، دون الفروض النادرة، و لا ريب أن المتكرر في الطلاق إنما هو المنجز الغير المعلق، بل ذكر المعلق إنما هو فرض أرادوا التنبيه على حكمه لو وقع.
نعم لو استدل على صحة الطلاق مع التعليق بالأدلة الدالة على وجوب الوفاء
____________
(1) الكافي ج 6 ص 69 ضمن ح 1، التهذيب ج 8 ص 37 ضمن ح 27، الوسائل ج 15 ص 295 ب 16 ضمن ح 3.
233
بالشروط لكان وجها، إلا أنه يمكن الجواب عنه بأن النكاح و الطلاق من الأمور التوقيفية يحتاج في ثبوتها إلى ما دل شرعا على ما يوجب النكاح أو الطلاق كما تقدم ذكره، و لم يعلم من الشارع صحة الطلاق مع التعليق، و الأصل بقاء عصمة النكاح حتى يقوم الدليل الشرعي على انقطاعها. و بالجملة فالظاهر هو القول المشهور، و هو الأوفق بالاحتياط (1) كما لا يخفى.
و المراد بالشرط المعلق عليه هو ما يحتمل وقوعه و عدمه كدخول الدار مثلا، و بالصفة ما لا بد من وقوعه عادة كطلوع الشمس، و قد استثني من الحكم ببطلان الطلاق المعلق على الشرط ما إذا كان الشرط معلوم الوقوع عند إيقاع الصيغة كما لو قال: أنت طالق إن كان الطلاق يقع بك، و هو يعلم وقوعه، فإن الطلاق هنا يقع صحيحا حيث إنه لا تعليق في المعنى، و نقل عن الشيخ أن الطلاق لا يقع لصدق تعليقه على الشرط، و هم اتفقوا على بطلان الطلاق المعلق على الشرط و هذا منه، لأن قوله «إن كان يقع بك» شرط لغة و عرفا و رده المحقق في الشرائع بأن ما ذكره حق إن كان المطلق لا يعلم، و أما مع علمه بأن الطلاق يقع بها و هي مستكملة لشرائطه فلا.
و توضيحه: أن التعليق على الشرط لم يكن مبطلا من حيث كونه تعليقا على شرط، و إنما أبطل من حيث عدم التنجيز و إيقاعه في الحال، فالمدار في صحته إنما هو على التنجيز، و مطلق الشرط لا ينافيه، بل الشرط الذي لا يعلم وقوعه، و إلا فلو علم حال الطلاق أنها جامعة للشرائط من عدم الحيض و كونها في طهر لم يقربها فيه فقد علم حينئذ صلاحيتها لوقوع الطلاق بها، فإذا علقه على وقوعه بها فقد علقه على أمر يعلم حصوله حال الطلاق، فلم يناف ذلك بتنجيزه بخلاف
____________
(1) فان النكاح موجب لتحلل ما كان محرما قبله، و الطلاق موجب لتحريم ما كان محللا قبله، فلا بد في كل من التحليل في الأول و التحريم في الثاني من موجب شرعي و دليل قطعي، و لم يعلم من الشارع وقوع الطلاق المعلق، و لا بيان حاله من أنه صحيح أو باطل كما لا يخفى (منه- (قدس سره)-).
234
ما لو جهل حالها، و كذا القول في كل شرط يعلم وقوعه حالة الطلاق كقوله:
إن كان يوم الجمعة فأنت طالق، مع علمه بأنه يوم الجمعة، فإن الطلاق يقع البتة، لأن الشرط في قوة الوصف، فكأنه قال بناء على المثال الأول: أنت طالق في هذا الوقت الذي يقع فيه الطلاق بك، و أنت طالق في هذا اليوم بناء على المثال الثاني.
و سادسها [في الأخبار الدالة على وقوع الطلاق لو فسر الطلقة باثنين أو ثلاث]
اختلف الأصحاب فيما لو فسر الطلقة باثنين أو ثلاث، فهل يبطل الطلاق من أصله؟ أو يلغو التفسير و تصير واحدة؟ قولان: (الأول) للسيد المرتضى في الانتصار و سلار و ابن أبي عقيل و ابن حمزة (و الثاني) للشيخ في النهاية و المرتضى في القول الآخر و ابن إدريس و المحقق و العلامة في المختلف و جماعة، و الظاهر أنه هو المشهور سيما بين المتأخرين، و اتفق الجميع على عدم وقوع المجموع، بمعنى أنه لا يقع ثلاثا أو اثنين بمجرد قوله ذلك، بل لا بد لوقوع العدد من تخلل الرجعة، و الأصل في هذا الاختلاف الروايات و التعليلات.
أما القول الثاني فإن العلامة في المختلف قد استدل عليه بوجود المقتضي، و هو قوله «أنت طالق» و انتفاء المانع، إذ ليس إلا قوله ثلاثا، و هو غير معارض لأنه مؤكد لكثرة الطلاق و إيقاعه و تكثير سبب البينونة، و الواحدة موجودة في الثلاث لتركبها منها و من وحدتين اخرتين، و لا منافاة بين الكل و جزئه. فيكون المقتضي و هو الجزء خاليا من المعارض.
و رد (1) بأنه ضعيف جدا لمنع كون الثلاث مؤكدة للواحدة- أعني المقيدة بقيد الوحدة- بل منافية لها، و الموجود في ضمن الثلاث الواحدة لا بشرط، و المطلوب هنا الواحدة بشرط لا بمعنى المقيدة بقيد الوحدة، و هي غير داخلة في الثلاث قطعا. و هو جيد، و الأولى الرجوع إلى الأخبار، و ها أنا أسوق ما حضرني من الأخبار الدالة على هذا القول
____________
(1) الراد هو السيد السند في شرح النافع. (منه- (رحمه الله)-).
235
و منها ما رواه
في الكافي (1) عن زرارة في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد و هي طاهر، قال: هي واحدة».
و في الصحيح أو الحسن (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الذي يطلق في حال طهر في مجلس ثلاثا؟ قال: هي واحدة».
و في الصحيح عن أبي بصير الأسدي (3) و محمد بن علي الحلبي و عمر بن حنظلة جميعا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الطلاق ثلاثا في غير عدة، إن كانت على طهر فواحدة، و إن لم تكن على طهر فليس بشيء».
قوله «في غير عدة» أي إذا لم يكن للعدة، بأن يرجع في العدة و يجامع.
و عن عمرو بن البراء (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن أصحابنا يقولون: إن الرجل إذا طلق امرأته مرة أو مائة مرة فإنما هي واحدة، و قد كان يبلعنا عنك و عن آبائك (عليهم السلام) أنهم كانوا يقولون: إذا طلق مرة أو مائة مرة فإنما هي واحدة، فقال: هو كما بلغكم».
و ما رواه
في التهذيب (5) عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) «في التي تطلق في حال طهرها في مجلس ثلاثا، قال: هي واحدة».
و عن بكير (6) في الحسن أو الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن طلقها للعدة أكثر من واحدة فليس الفضل على الواحد بطلاق».
و ما رواه
الكليني (7) في الصحيح عن شهاب بن عبد ربه عن أبي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 6 ص 70 ح 1، الوسائل ج 15 ص 311 ب 29 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 71 ح 2، الوسائل ج 15 ص 312 ب 29 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 71 ح 3، الوسائل ج 15 ص 311 ب 29 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 71 ح 4، الوسائل ج 15 ص 313 ب 29 ح 7.
(5) التهذيب ج 8 ص 53 ح 90، الوسائل ج 15 ص 312 ب 29 ح 3.
(6) التهذيب ج 8 ص 53 ح 91، الوسائل ج 15 ص 314 ب 29 ح 12.
(7) الكافي ج 6 ص 125 ح 5، الوسائل ج 15 ص 312 ب 29 ح 4.
236
«في حديث قال: قلت: فطلقها ثلاثا في مقصد، قال: ترد إلى السنة، فإذا مضت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة».
و نحو رواية أبي محمد الوابشي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام).
و عن الكلبي النسابة (2) عن الصادق (عليه السلام) «في حديث قال فيه: فقلت:
فرجل قال لامرأته أنت طالق ثلاثا، فقال: ترد إلى كتاب الله و سنة نبيه».
و عن محمد بن سعيد الأموي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق ثلاثا في مقصد واحد، قال: فقال: أما أنا فأراه قد لزمه، و أما أبي فكان يرى ذلك واحدة».
أقول: الظاهر أن ما أفتى به (عليه السلام) من لزوم الطلاق و أنه يكون بائنا إنما خرج مخرج التقية، و يؤيده أن الراوي اموي، و الذي نقله عن أبيه هو الموافق للأخبار المذكورة، و أورد شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد على الاستدلال بهذه الأخبار أن السؤال فيها عمن طلق ثلاثا في مجلس و هو أعم من أن يكون بلفظ الثلاث أو بلفظ لكل واحد مرة، و الثاني لا نزاع فيه، فلم قلتم أنه غير مراد، و بتقدير عدم تعينه للإرادة يكون أعم من كل واحد، و العام لا يستلزم الخاص.
و أجاب عنه في المسالك فقال: إن لنا الاستدلال بعمومه الشامل للقسمين فإن «من» من صيغ العموم، فيتناول من طلق ثلاثا مرسلة، كذا و بثلاثة ألفاظ، و قد حكم على هذا العام بوقوع واحدة، فيتناول بعمومه موضع النزاع كما هو شأن كل عام.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 53 ح 92، الوسائل ج 15 ص 314 ب 29 ح 13.
(2) الكافي ج 1 ص 350 ضمن ح 6 طبع دار الكتب الإسلامية، الوسائل ج 15 ص 312 ب 29 ح 5.
(3) التهذيب ج 8 ص 53 ح 93، الوسائل ج 15 ص 314 ب 29 ح 14.
237
و اعترضه سبطه في شرح النافع فقال: و عندي في هذا الجواب نظر، فإن لفظة «من» و إن أفاد العموم و تناول كل مطلق، لكن لفظ «طلق» مثبت فلا يفيد العموم على وجه يتناول أقسام الطلاق، و عموم المطلق يتحقق بتناول اللفظ لكل مطلق أوقع الطلاق بثلاثة ألفاظ، فلا يجب تناوله لمن طلق ثلاثا بلفظ واحد مرسل، مع أن المتبادر من قوله «طلق ثلاثا» أنه أوقع الطلاق بثلاث صيغ، إذ لا يصدق على من قال «سبحان الله عشرا» أنه سبح الله عشر مرات. و بالجملة فهذه الروايات غير دالة على المطلوب صريحا و لا ظاهرا. انتهى، و هو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه، إلا أن آخر العبارة لا يخلو من خزازة و لعله لغلط وقع فيها.
و حق الكلام أن يقال: إذ لا يصدق على من قال «سبح الله عشرا» إلا أنه سبح الله عشر مرات لا أن يقول «سبحان الله» عشرا خاصة، و نحو ذلك من الألفاظ المؤدية لهذا المعنى، و يؤيد قوله في حسنة بكير أو موثقته المتقدمة إن طلقها للعدة أكثر من واحدة، فليس الفضل على الواحد بطلاق، فإن المراد منها كما هو الظاهر إنما هو تعدد الطلاق. و حينئذ فيحمل عليها إطلاق الأخبار المذكورة، و كيف كان فإن لم يكن ما ذكرناه هو الأظهر من الأخبار المذكورة فلا أقل من كونه أحد الاحتمالين، و به يبطل الاستدلال لقيام الاحتمال.
و مما يدل على كونه واحدة متى تعددت العبارة ثلاثا مثلا و أن الزائد لغو- مضافا إلى ما ذكره شيخنا الشهيد من أنه لا نزاع فيه-
رواية إسحاق بن عمار الصيرفي (1) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام) كان يقول: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها ثلاثا في كلمة واحدة فقد بانت منه، و لا ميراث بينهما و لا رجعة، و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، و إن قال: هي طالق، هي طالق، هي طالق فقد بانت منه بالأولى، و هو خاطب من الخطاب، إن شاءت
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 53 ح 94، الوسائل ج 15 ص 315 ب 29 ح 15.
238
نكحته نكاحا جديدا، و إن شاءت لم تفعل».
و صد الخبر إنما خرج مخرج التقية، كما هو مذهب العامة، و على ذلك حمله الشيخ و غيره، و يدل عليه ما رواه
الشيخ (1) عن أبي أيوب الخزاز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كنت عنده فجاء رجل فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا، قال: بانت منه. قال: فذهب ثم جاء رجل آخر من أصحابنا فقال: رجل طلق امرأته ثلاثا، فقال: تطليقة. و جاء آخر فقال: رجل طلق امرأته ثلاثا، فقال: ليس بشيء. ثم نظر إلي فقال: هو ما ترى، قال:
قلت: كيف هذا؟ قال: هذا يرى أن من طلق امرأته ثلاثا حرمت عليه، و أنا أرى أن من طلق امرأته ثلاثا على السنة فقد بانت منه، و رجل طلق امرأته ثلاثا و هي على طهر فإنما هي واحدة، و رجل طلق امرأته ثلاثا على غير طهر فليس بشيء» (2).
أقول: في هذا الخبر دلالة على أنهم (عليهم السلام) كثيرا ما يجيبون باعتبار علمهم بالحال، و الأول كان من المخالفين و أجابه (عليه السلام) بما يوافق معتقده ظاهرا من حصول البينونة بمجرد الثلاث، و لكنه (عليه السلام) أراد مع وقوعه على السنة كما أوضحه.
و الثاني حيث كان من أصحابنا أجابه بما أجاب به أصحابه (عليه السلام) في هذه الأخبار حيث
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 54 ح 95، الوسائل ج 15 ص 315 ب 29 ح 16.
(2) أقول: و من هذا القبيل ما رواه
في التهذيب [ج 8 ص 92 ح 232] في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبى نصر عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: «سألته رجل و أنا حاضر عن رجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فقال له أبو الحسن (عليه السلام): من طلق امرأته ثلاثا للسنة فقد بانت عنه، قال: ثم التفت الى فقال: يا فلان لا تحسن أن تقول مثل هذا».
أقول: الظاهر أن السائل كان مخالفا فأجاب (عليه السلام) بجواب يظن أنه مطابق لسؤاله و الحال أنه ليس كذلك لأنه أراد بطلاق السنة، هو الطلاق المشتمل على الرجوع بين الطلقات و الدخول، فان هذا هو المحرم ثانيا إذا كان ثلاثا، و السائل يظن أن مراده ما سأل عنه من الطلاق ثلاثا في مجلس واحد و أنه من السنة عنده، و قوله (عليه السلام) «لا يحسن أن تقول مثل هذا» يعنى أن يجيب بالحكم الواقعي مع كونه موافقا لمراد السائل يعتقد أنك أجبته بمقتضى اعتقاده الباطل. (منه- (قدس سره)-).
239
إنه فهم منه أنه طلق ثلاثا في مجلس واحد. و الثالث لما علم أنه طلق على غير طهر أجابه بالبطلان من حيث فوات أحد شروط الطلاق.
احتج من قال بالبطلان (أولا) بأن الواحدة المنفردة- أعني المقيدة بقيد الوحدة- غير مرادة فلا تقع، لأن من جملة شرائط الصحة القصد إلى الطلاق، و المقصود هو التطليقات الثلاث غير واقع إجماعا، و مرجعه إلى أن المقصود غير واقع و الصالح للوقوع غير مقصود، لأنه غير مريد للواحدة المقيدة بقيد الوحدة.
و أجيب عنه بأن قصد الثلاث يستلزم قصد كل واحدة، و فيه ما تقدم في صدر المسألة في الجواب عما استدل به في المختلف.
(و ثانيا) الروايات، و هي التي عليها المعول في الاستدلالات، لما عرفت ما في هذه الأدلة العقلية من المناقضات.
و منها ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من طلق ثلاثا في مجلس فليس بشيء، من خالف كتاب الله رد إلى كتاب الله».
و عن علي بن إسماعيل (2) قال: «كتب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام):
جعلت فداك روى أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يطلق امرأته ثلاثا بكلمة واحدة على طهر بغير جماع بشاهدين أنه يلزمه تطليقة واحدة، فوقع بخطه (عليه السلام):
أخطأوا على أبي عبد الله (عليه السلام) أنه لا يلزم الطلاق، و يرد إلى كتاب الله و سنته إن شاء الله».
أقول: و الذي يظهر لي في الجمع بين أخبار المسألة هو حمل ما دل أنها واحدة على ما إذا وقع الطلاق بصيغ ثلاث في مجلس واحد، فإنه هو المتبادر من هذه العبارة بالتقريب الذي عرفته آنفا، و حمل الأخبار الدالة على أنه ليس بشيء
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 54 ح 96، الوسائل ج 15 ص 313 ب 29 ح 8.
(2) التهذيب ج 8 ص 56 ح 101، الوسائل ج 15 ص 316 ب 29 ح 19 و فيهما اختلاف يسير.
240
و أنه باطل على ما إذا وقع الطلاق بصيغة واحدة تضمنت لفظ «ثلاثا» و العامة هنا على لزوم الطلاق و كونه بائنا لا تحل له بعده إلا بالمحلل كما عرفت، و الأئمة (عليهم السلام) قد ردوه و حكموا ببطلانه رأسا.
و توضيح هذا الجمع مكاتبة عبد الله بن محمد المذكورة حيث إنها تضمنت تخطئة من حكم بالواحدة في صورة تضمن الطلاق ثلاثا بكلمة واحدة، و منه يفهم أن كونه واحدة في الأخبار المتقدمة إنما هو في صورة تعدد الصيغة ثلاثا في مجلس واحد، و قد حكم (عليه السلام) في الخبر ببطلان ذلك، و أنه لا يلزمه طلاق مطلقا، لا واحدة كما هو المشهور عندهم، و لا أزيد كما ذهب إليه العامة، بل هو باطل يرد إلى الكتاب و السنة، فهو ظاهر في الجمع المذكور بكل طرفيه، و يؤكده ما تقدم من التقريب المشار إليه.
و مما يؤيد البطلان متى كان دفعة واحدة دون أن يكون ذلك تطليقة واحدة ما رواه
الراوندي في كتاب الخرائج عن هارون بن خارجة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت إني ابتليت فطلقت أهلي ثلاثا في دفعة، فسألت أصحابنا فقالوا: ليس بشيء، و أن المرأة قالت: لا أرضى حتى تسأل أبا عبد الله (عليه السلام)، فقال: ارجع إلى أهلك فليس عليك شيء».
و بالجملة فإنه ليس لما ذكرناه من هذا الجمع مناف إلا شهرة الحكم بين أصحابنا بكونه يقع واحدة متى كان الطلاق بصيغة واحدة مشتملة على لفظ «ثلاثا» و على ما ذكرناه من أن الطلاق ثلاثا في مجلس بلفظ «ثلاثا» خاصة دون تعدد الصيغ باطل من أصله تحمل الأخبار المتكاثرة القائلة (2)
«إياكم و المطلقات ثلاثا في مجلس واحد، فإنهن ذوات أزواج».
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 319 ب 29 ح 29.
(2) التهذيب ج 8 ص 58 و 56 ح 109 و 102، الوسائل ج 15 ص 316 ب 29 ح 20 و 21.
241
و من هنا يمكن الاستدلال للقول بالبطلان بهذه الأخبار، فإن المطلقة ثلاثا في مجلس واحد بمعنى تثليث الصيغ لا خلاف و لا إشكال في كونه يقع واحدة، فلم يبق إلا الحمل على إيقاع الصيغة بلفظ ثلاثا الذي هو محل البحث هنا و قد حكموا (عليهم السلام) بالبطلان، و أن المطلقات كذلك ذوات أزواج. إلا أن الشيخ لحكمه بوقوع الثلاث واحدة في الصورة المذكورة كما هو المشهور حمل هذه الأخبار على اختلاف بعض الشرائط الموجبة لصحة الطلاق، و لا يخفى بعده.
و يؤيد الروايات المذكورة ما قدمناه من الأخبار (1) الدالة على أنه إذا أراد الرجل تزويج المطلقة ثلاثا انتظر أن تكون في طهر و أتى بشاهدين معه، و سأل زوجها هل طلقت فلانة؟ فإذا قال نعم فهي تطليقة، تعتد بعدها عدة المطلقة، ثم يتزوجها، فإنها أظهر ظاهر في بطلان الطلاق الأول الذي وقع من المخالف.
لكن بإزاء هذه الأخبار أيضا أخبار أخر تدل على جواز التزويج في هذه الصورة من غير الاحتياج إلى طلاق آخر، إلزاما لهم بما ألزموا به أنفسهم.
و منها ما رواه
في التهذيب (2) عن إبراهيم بن محمد الهمداني في الصحيح أو الحسن قال: «كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) مع بعض أصحابنا فأتاني الجواب بخطه الشريف: فهمت ما ذكرت من أمر بنتك و زوجها فأصلح الله لك ما تحب صلاحه فأما ما ذكرت من خسته بطلاقها غير مرة، فانظر يرحمك الله فإن كان ممن يتولانا و يقول بقولنا فلا طلاق عليه، لأنه لم يأت أمرا جهله، و إن كان ممن يتولانا و يقول بقولنا فاختلعها منه فإنه إنما نوى الفراق بعينه».
و عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: امرأة طلقت
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 59 ح 113، الوسائل ج 15 ص 323 ب 31 ح 1 و 2.
(2) التهذيب ج 8 ص 57 ح 105، الوسائل ج 15 ص 320 ب 30 ح 1، و فيهما «أبى جعفر الثاني» و كذلك «و من حنته» و أيضا «و ان كان ممن لا يتولانا و لا يقول بقولنا فاختلعها منه».
(3) التهذيب ج 8 ص 58 ح 107، الوسائل ج 13 ص 320 ب 30 ح 3.
242
على غير السنة، قال: تتزوج هذه المرأة، و لا تترك بغير زوج».
و عن عبد الله بن سنان (1) قال: «سألته عن رجل طلق امرأته بغير عدة ثم أمسك عنها حتى انقضت عدتها، هل يصلح لي أن أتزوجها؟ قال: نعم، لا تترك المرأة بغير زوج».
و عن ابن جبلة (2) قال: «حدثني غير واحد من أصحاب علي بن أبي حمزة عن علي بن أبي حمزة أنه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن المطلقة على غير السنة، أ يتزوجها الرجل؟ فقال: ألزموهم من ذلك ما ألزموا أنفسهم، و تزوجوهن فلا بأس بذلك
قال الحسن: و سمعت جعفر بن سماعة و سئل عن امرأة طلقت على غير السنة، أ لي أن أتزوجها؟ فقال: نعم. قلت: أ ليس تعلم أن علي بن حنظلة روى إياكم و المطلقات على غير السنة فإنهن ذوات أزواج؟ فقال: يا بني رواية علي بن أبي حمزة أوسع على الناس، قلت: و أي شيء روى علي بن أبي حمزة؟ قال: روى عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه قال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، و تزوجوهن فإنه لا بأس بذلك».
و عن عبد الأعلى (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا، قال: إن كان مستحقا بالطلاق ألزمته ذلك».
و عن أبي العباس البقباق (4) قال: «دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) قال: فقال لي: ارو عني أن من طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد فقد بانت منه».
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 58 ح 108، الوسائل ج 15 ص 321 ب 30 ح 4 و فيهما اختلاف يسير.
(2) التهذيب ج 8 ص 58 ح 109، الوسائل ج 15 ص 321 ب 30 ح 5 و فيهما اختلاف يسير.
(3) التهذيب ج 8 ص 59 ح 110، الوسائل ج 15 ص 321 ب 30 ح 7 و فيهما «مستخفا».
(4) التهذيب ج 8 ص 59 ح 111، الوسائل ج 15 ص 321 ب 30 ح 8 و فيهما «أبي العباس البقباق».
243
و ما رواه
في الكافي (1) عن جعفر بن محمد بن عبد الله عن أبيه قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن تزويج المطلقات ثلاثا، فقال لي: إن طلاقكم لا يحل لغيركم، و طلاقهم يحل لكم، لأنكم لا ترون الثلاث شيئا و هم يوجبونها».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) عن جعفر بن محمد العلوي قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)» الحديث،.
بدون قوله «و هم يوجبونها».
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه قد صرح الأصحاب بأنه لو كان المطلق مخالفا يعتقد الطلاق ثلاثا لزمته، و كذا كل طلاق على غير السنة مما يحكمون بلزومه و صحته كوقوع الطلاق بغير إشهاد و وقوعه في الحيض و باليمين و بالكناية مع النية، فإنه في جميع هذه المواضع يلزمون بصحته و يحكم عليهم بذلك، و استدلوا على ذلك بجملة من الأخبار المتقدمة، مثل صحيحة إبراهيم بن محمد الهمداني و رواية على بن أبي حمزة و رواية عبد الأعلى، و ما ذكروه- رحمة الله عليهم- و دلت عليه الأخبار المذكورة من إلزامهم بذلك و الحكم عليهم به مما لا إشكال فيه، مضافا إلى الإجماع المدعى عليه كما نقله في المسالك.
و يؤيده أيضا ما رواه
محمد بن مسلم في الموثق (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الأحكام، قال: يجوز على كل ذي دين ما يستحلونه».
و رواية عبد الله بن محرز (4) الواردة في الميراث.
____________
(1) لم نعثر عليه في الكافي بل وجدناه في الفقيه مرسلا ج 3 ص 257 ح 5 عن الصادق (عليه السلام) مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 321 ب 30 ح 9.
(2) التهذيب ج 3 ص 59 ح 112 و قد وجدنا فيها عبارة «و هم يوجبونها».
(3) التهذيب ج 9 ص 322 ح 11، الوسائل ج 17 ص 484 ب 4 ح 4.
(4) و هي ما رواه
عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل ترك ابنته و أخته لأبيه و امه، قال: المال كله لابنته، و ليس للأخت من الأب و الام شيء. قلت: فانا قد احتجنا الى هذا و الرجل الميت من هؤلاء الناس و أخته مؤمنة، قال: فخذ لها النصف، خذوا منهم ما يأخذون منكم في سنتهم و قضائهم و أحكامهم، قال: فذكرت ذلك لزرارة فقال: ان على ما جاء به لنورا، خذهم بحقك في أحكامهم و سنتهم كما يأخذون منكم فيه».
و في معناه أخبار عديدة. (منه- (قدس سره)-). راجع الرواية في الكافي ج 7 ص 100 ح 2، التهذيب ج 9 ص 321 ح 9، الوسائل ج 17 ص 484 ب 4 ح 1 و 2، و ما في المصادر «ان على ما جاء به ابن محرز لنورا».
244
إنما الإشكال في أن جملة من هذه الروايات قد صرحت بجواز تزويج تلك المرأة المطلقة بهذا الطلاق الجاري على غير السنة، مع ما عرفت من الروايات الدالة على أن المطلقات على غير السنة ذوات أزواج، فلا يجوز تزويجهن، و الأخبار الدالة على أنه متى أراد الرجل تزويج واحدة ممن طلقت كذلك انتظر طهرها و أتى بشاهدين معه فسأل زوجها هل طلقت فلانة؟ فإذا قال نعم كانت تطليقة و اعتدت لها، فإذا خرجت من العدة جاز تزويجها.
و المنافاة بين هذه الروايات ظاهرة و لم أر من تعرض لوجه الجمع بينها. و الظاهر خروج هذه الأخبار الدالة على الجواز مخرج الرخصة في التزويج بهن، و إليه يشير كلام جعفر بن سماعة المتقدمة و إن كان الأصل و الأفضل هو المنع.
و مما يستأنس به لذلك
رواية شعيب الحداد (1) قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):
رجل من مواليك يقرؤك السلام، و قد أراد أن يتزوج امرأة قد وافقته و أعجبه بعض شأنها، و قد كان لها زوج، فطلقها ثلاثا على غير السنة، و قد كره أن يقدم على تزويجها حتى يستأمرك فتكون أنت آمره، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): هو الفرج و أمر الفرج شديد، و منه يكون الولد، و نحن نحتاط فلا يتزوجها».
فإن الظاهر أن هذا المنع على وجه الأفضلية، فالاحتياط هنا مستحب، و إن جاز التزويج رخصة بالأخبار المتقدمة.
و يمكن الجمع بين هذه الأخبار بأنه إن كانت الزوجة مخالفة جاز
____________
(1) الكافي ج 5 ص 423 ح 2، الوسائل ج 14 ص 193 ب 157 ح 1 و فيهما «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)» و كذلك «أنت تأمره».
245
تزويجها، و إليه يشير حديث الإلزام بما ألزموا أنفسهم (1)، و إن كانت مؤمنة فلا إلا بطلاق جديد. إلا أنه ينافيه ظاهر خبر إبراهيم بن محمد الهمداني مع عدم الإشارة إليه في شيء من هذه الأخبار.
الركن الرابع في الاشهاد:
و فيه مسائل:
[المسألة] الأولى [اشتراط الاشهاد في صحة الطلاق]
اتفق النص و الفتوى على اشتراط الاشهاد في صحة الطلاق، فلا بد من حضور شاهدين حال إنشاء الطلاق، و لو تجرد عنهما بطل، و بذلك تكاثرت الأخبار.
و منها قوله (عليه السلام)
في صحيحة محمد بن مسلم (2) «طلاق السنة يطلقها تطليقة يعني على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين» الحديث.
و قوله (عليه السلام)
في صحيحة زرارة (3) «فإذا خرجت من طمثها طلقها تطليقة من غير جماع، و يشهد شاهدين على ذلك» الحديث.
و قوله (عليه السلام)
في صحيحة أبي بصير (4) «فإذا طهرت طلقها واحدة بشهادة شاهدين- إلى أن قال:- فإن طلقها واحدة أخرى على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ثم تركها حتى يمضي أقراؤها- إلى أن قال أيضا:- و أما طلاق الرجعة فإنه يدعها حتى تحيض و تطهر ثم يطلقها بشهادة شاهدين» الحديث.
و في حسنة زرارة و محمد بن مسلم (5) و من معهما عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) «أنهما قالا: و إن طلقها في استقبال عدتها طاهرا من غير جماع و لم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه إياها بطلاق».
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 58 ح 109، الوسائل ج 15 ص 321 ب 30 ح 5.
(2) الكافي ج 6 ص 64 ح 1، التهذيب ج 8 ص 25 ح 1، الوسائل ج 15 ص 344 ب 1 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 65 ح 2، التهذيب ج 8 ص 26 ح 2، الوسائل ج 15 ص 344 ب 1 ح 2.
(4) الكافي ج 6 ص 66 ح 4، الوسائل ج 15 ص 345 ب 1 ح 3 و ص 349 ب 2 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
(5) الكافي ج 6 ص 60 ح 11، الوسائل ج 15 ص 282 ب 10 ح 3.
246
و حسنة زرارة و محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الطلاق لا يكون بغير شهود، و الرجعة بغير شهود» الحديث.
و رواية أبي الصباح الكناني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من طلق بغير شهود فليس بشيء».
إلى غير ذلك من الأخبار التي تأتي إن شاء الله في المباحث الآتية.
ثم إنه لا بد من شهادتهما مجتمعين، فلا يجزي لو كانا متفرقين.
و يدل عليه ما رواه
في الكافي (3) في الصحيح أو الحسن عن البزنطي قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته على طهر من غير جماع و أشهد اليوم رجلا، ثم مكث خمسة أيام، ثم أشهد آخر، فقال إنما أمر أن يشهدا جميعا».
و ما رواه
في التهذيب (4) في الصحيح عن ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن تفريق الشاهدين في الطلاق؟ فقال: نعم، و تعتد من أول الشاهدين، و قال: لا يجوز حتى يشهدا جميعا».
أقول: صدر الخبر مراد به الأداء بمعنى جواز تفريق الشاهدين في أداء الشهادة و لهذا قال «من أولها» فإن إخبارها بالطلاق بعد وقوعه كاف في الشروع في العدة، و التزويج يتوقف على الثاني لثبوت الطلاق بذلك، و عجز الخبر مراد به التحمل كما دل عليه الخبر الأول.
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (5): و إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته يتربص بها حتى تحيض و تطهر، ثم يطلقها تطليقة واحدة في قبل عدتها بشاهدين عدلين في مجلس واحد، فإن أشهد على الطلاق رجلا واحدا ثم أشهد بعد
____________
(1) الكافي ج 6 ص 73 ح 3، الوسائل ج 15 ص 371 ب 13 ح 3 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 60 ح 13، الوسائل ج 15 ص 283 ب 10 ح 6.
(3) الكافي ج 6 ص 71 ح 1، الوسائل ج 15 ص 301 ب 20 ح 1.
(4) التهذيب ج 8 ص 50 ح 77، الوسائل ج 15 ص 301 ب 20 ح 2.
(5) فقه الرضا ص 241.
247
ذلك برجل آخر لم يجز ذلك الطلاق، إلا أن يشهدهما جميعا في مجلس واحد بلفظ واحد. إلخ.
و يكفي سماعهما في الشهادة على الطلاق، و لا يشترط استدعاؤهما لذلك لأن الشهادة لا يشترط في ثبوتها في نفسها طلبها من الشهود.
و على ذلك يدل ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل كانت له امرأة طهرت من حيضها فجاء إلى جماعة فقال: فلانة طالق، أ يقع عليها الطلاق و لم يقل اشهدوا؟ قال: نعم».
و عن صفوان بن يحيى (2) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طهرت امرأته من حيضها فقال فلانة طالق، و قوم يسمعون كلامه، و لم يقل لهم اشهدوا، أ يقع الطلاق عليها؟ قال: نعم، هذه شهادة».
و هل يشترط في الشهادة على الطلاق العلم بالمطلقة؟ ظاهر السيد السند في شرح النافع ذلك، و لم أقف لغيره على كلام في هذا المقام.
قال- رحمة الله عليه-: و اعلم أن الظاهر من اشتراط الإشهاد أنه لا بد من حضور شاهدين يشهدان الطلاق بحيث تتحقق معه الشهادة بوقوعه، و إنما يحصل ذلك مع العلم بالمطلقة على وجه يشهد العدلان بوقوع طلاقها، فما اشتهر بين أهل زماننا من الاكتفاء بمجرد سماع العدلين صيغة الطلاق- و إن لم يعلما المطلق و المطلقة بوجه- بعيد جدا، بل الظاهر أنه لا أصل له في المذهب، فإن النص و الفتوى متطابقان على اعتبار الاشهاد، و مجرد سماع صيغة لا يعرف قائلها لا يسمى إشهادا قطعا، و ممن صرح باعتبار علم الشهود بالمطلقة الشيخ- (رحمه الله)- في النهاية، فإنه قال «و متى طلق و لم يشهد شاهدين ممن ظاهره الإسلام كان طلاقه غير واقع، ثم قال: و إذا أراد الطلاق فينبغي أن يقول: فلانة طالق، و يشير إلى المرأة بعد أن يكون العلم قد سبق بها من الشهود، فيقول هذه طالق».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 72 ح 3، الوسائل ج 15 ص 302 ب 21 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 72 ح 4، الوسائل ج 15 ص 302 ب 21 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
248
و يدل على ذلك- مضافا إلى ما ذكرناه من عدم تحقق الاشهاد بدون العلم بالمطلقة- ما رواه
الكليني عن محمد بن أحمد بن مطهر (1) قال: «كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام): إني تزوجت نسوة لم أسأل عن أسمائهن ثم أريد طلاق إحداهن و تزويج امرأة أخرى، فكتب (عليه السلام): انظر إلى علامة إن كانت بواحدة منهن فتقول: اشهدوا أن فلانة التي لها علامة كذا و كذا هي طالق، ثم تزوج الأخرى إذا انقضت العدة».
انتهى كلامه.
أقول: ظاهر كلامه أن مراده بالعلم بالمطلقة و المطلق هو العلم الموجب لتميزها و تشخصها دون العلم في الجملة، و إلا فالعلم في الجملة مما لا إشكال فيه و لا مرية يعتريه، لا من أهل زمانه و لا من غيرهم، و هو الذي جرى عليه كافة من حضرنا مجالسهم من مشايخنا المعاصرين.
و أما العلم بالمعنى الذي ذكر، فلا أعرف عليه دليلا واضحا، و جميع ما استدل به في المقام لا يخلو من النظر الظاهر لذوي الأفهام، مع قيام صريح الدليل- كما ستعرف إن شاء الله تعالى- على خلافه.
فأما ما ذكره من عدم تحقق الاشهاد بدون العلم بالمطلقة، ففيه ما ذكرناه من التفصيل، بأنه إن أراد العلم بها على وجه تميزها و تشخصها فهو ممنوع، و هو عين المدعى، لا بد لإثباته من دليل، و إن أراد في الجملة فهو مسلم، و الأمر كذلك، فإنه لو قال: زوجتي فاطمة طالق، و الشهود ليس لهم معرفة سابقة بها إلا بهذا الاسم الذي ذكره في هذه الحال، فإنه كاف في العلم بها. و كذلك المطلق إذا علموا أن اسمه زيد مثلا فإنه يكفي في العلم به، و لا يشترط أزيد من ذلك.
و على هذا تدل عبارة الشيخ التي نقلها دون ما عداه، فإن قوله «فينبغي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 563 ح 31، الوسائل ج 14 ص 401 ب 3 ح 3 و فيهما اختلاف يسير.
249
أن يقول: فلانة طالق» يعني يسمي المطلقة باسمها العلمي كما ذكرناه، و مع عدم معرفة اسمها العلمي فلا بد من شيء يدل على التعيين لوجوبه في صحة الطلاق كما تقدم، بأن يشير إلى امرأة جالسة و يقول هذه طالق، بعد علم الشهود بها و لو في الجملة بأن تكون بنت فلان أو أخت فلان أو البصرية أو الكوفية أو نحو ذلك مما يفيد العلم في الجملة.
و أما الخبر الذي ذكره، فإنه تضمن أن الزوج لا يعرف أسماء النساء، و الحال أنه يريد طلاق واحدة منهن، و من شروط الطلاق كما تقدم تعيين المطلقة فلا يصح لو كان عنده زوجات متعددة أن يقول: إحداكن طالق و نحوه، و إن خالف في ذلك بعض الأصحاب كما تقدم، إلا أن الأشهر الأظهر وجوب التعيين، و حينئذ فإذا تعذر معرفة الاسم العلمي ليعبر به في صيغة الطلاق فلا بد من لفظ يفيد التعيين، مثل أن يعلمها بعلامة تزيل الاشتراك و توجب التعيين، و ظاهر الخبر أنه لو كان يعرف أسمائهن و طلق واحدة منهن بالاسم العلمي لصح الطلاق، و لم يشترط زيادة على ذلك، و أنه إنما صار إلى التعيين بالعلامة لتعذر معرفة الاسم العلمي، و هذا عين ما نقول به و لا دلالة فيه على العلم الذي يدعيه، بل غايته العلم في الجملة.
و مما يدل صريحا على ما قلناه و ينادي بصحة ما ادعيناه ما رواه
في الكافي (1) عن علي بن إبراهيم عن أبيه و عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد جميعا عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن أبي بصير يعني المرادي قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل يتزوج أربع نسوة في عقدة واحدة أو قال في مجلس واحد و مهورهن مختلفة، قال: جائز له و لهن، قلت: أ رأيت إن هو خرج إلى بعض البلدان فطلق واحدة من الأربع،
____________
(1) الكافي ج 7 ص 131 ح 1، التهذيب ج 8 ص 93 ح 238، الوسائل ج 15 ص 303 ب 23 ح 1، و ما في المصادر اختلاف يسير، و لفظة «ليس» غير موجودة في الكافي و الوسائل و لعلها سقطت من الرواة أو النساخ كما أشار إليها المعلق في الكافي فراجع.
250
و أشهد على طلاقها قوما من أهل تلك البلاد و هم لا يعرفون المرأة، ثم تزوج امرأة من أهل تلك البلاد بعد انقضاء عدة تلك المطلقة، ثم مات بعد ما دخل بها، كيف يقسم ميراثه؟ قال: إن كان له ولد فإن للمرأة التي تزوجها أخيرا من تلك البلاد ربع ثمن ما ترك، و إن عرفت التي طلقت بعينها و نسبها فلا شيء لها من الميراث و ليس عليها العدة، قال: و تقسم الثلاث النسوة ثلاثة أرباع ثمن ما ترك، و عليهن العدة، و إن لم تعرف التي طلقت من الأربع قسمن النسوة ثلاثة أرباع ثمن ما ترك بينهن جميعا و عليهن جميعا العدة».
و رواه الشيخ في الصحيح عن الحسن بن محبوب، و طريقه إليه صحيح، و هو مع صحة سنده صريح في صحة طلاق من لم يعرفها الشهود، و من الظاهر أن هذه المعرفة المنفية إنما هي المعرفة الشخصية التي ادعاها، و إلا فإنه لا بد في صحة الطلاق من التعيين الموجب لوقوع الطلاق على واحدة معينة، و لا ينافيه الاشتباه المذكور في آخر الرواية، لجواز أن يكون القوم الذين طلق بحضورهم قد نسوا الاسم الذي سماها به.
و بالجملة فالخبر ظاهر بل صريح في خلاف ما ادعاه. نعم ربما يدل على ما ذكره ما رواه
الشيخ (1) في الحسن عن حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يكون خلع و لا تخيير و لا مباراة إلا على طهر من المرأة من غير جماع و شاهدين يعرفان الرجل و يريان و يعرفان المرأة و يحضران التخيير، و إقرار المرأة أنها على طهر من غير جماع يوم خيرها. فقال له محمد بن مسلم: ما إقرار المرأة هاهنا؟ قال: يشهد الشاهدان عليها بذلك للرجل، حذار أن تأتي بعد فتدعي أنه خيرها و هي طامث، فيشهدان عليها بما سمعا منها» الحديث.
إلا أن ظاهر هذا الخبر لم يتضمن الطلاق، و هو غير هذه الأشياء المذكورة،
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 99 ح 33، الوسائل ج 15 ص 304 ب 23 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
251
و يمكن حمله على الاستحباب و الاحتياط.
و بالجملة فإن ما ذكرنا من الاكتفاء بالمعرفة الإجمالية هو الذي جرى عليه مشايخنا الذي عاصرناهم و حضرنا مجالس طلاقهم كما حكاه هو أيضا عما اشتهر في زمانه، و أما ما ادعاه- (رحمه الله)- فلم أقف له على موافق، و لا دليل يعتمد عليه، و لم أقف لأحد من أصحابنا على بحث في هذه المسألة سوى ما نقلناه عنه، و قد عرفت ما فيه.
المسألة الثانية [في اعتبار العدالة في الشاهدين و معنى العدالة]
المشهور بين الأصحاب اعتبار العدالة في الشاهدين، و عليه يدل ظاهر الآية، و هو قوله تعالى «ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» (1) و التقريب فيها أن الخطاب للمسلمين، فالإسلام مستفاد من قوله منكم، و يبقى اعتبار العدالة أمرا زائدا على الإسلام، فلا يكفي مجرد الإسلام كما ادعاه جملة من الأعلام، أو لهم الشيخ في بعض كتبه. و قد وافق على الاستدلال بالآية شيخنا الشهيد الثاني في المسالك في هذا الكتاب و إن خالف نفسه في كتاب الشهادات فارتكب التأويل فيها بما يخرجها عن الاستدلال بها بما لا يخفى ضعفه على المتأمل في هذا المقال.
و من الاخبار الدالة على ما ذكرناه من اشتراط العدالة قول الصادقين (عليهما السلام) في
صحيحة الفضلاء (2) «و إن طلقها في استقبال عدتها طاهرا من غير جماع، و لم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه إياها بطلاق».
و قول أبي جعفر (عليه السلام) في حسنة بكير و غيره (3) «و إن طلقها للعدة بغير شاهدي عدل فليس طلاقه بطلاق».
و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم (4) «أشهدت رجلين عدلين كما أمر الله عز و جل؟ فقال: لا، فقال: اذهب فإن طلاقك ليس بشيء».
____________
(1) سورة الطلاق- آية 2.
(2) الكافي ج 6 ص 60 ح 11، الوسائل ج 15 ص 282 ب 10 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 61 ح 17، الوسائل ج 15 ص 282 ب 10 ح 2.
(4) الكافي ج 6 ص 60 ح 14، الوسائل ج 15 ص 283 ب 10 ح 7 و فيهما اختلاف يسير.
252
و قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) «ثم يطلقها تطليقة من غير جماع و يشهد شاهدين عدلين و يراجعها» الحديث.
و قول أبي الحسن (عليه السلام) في حسنة أحمد بن محمد بن أبي نصر (2) «يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشاهدين عدلين كما قال الله عز و جل في كتابه، فإن خالف ذلك رد إلى كتاب الله تعالى».
إلى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبع، و بذلك يظهر لك ضعف القول بالاكتفاء بمجرد الإسلام كما تقدم نقله عن الشيخ، و تبعه فيه جملة من الأعلام، منهم شيخنا الشهيد الثاني و سبطه في شرح النافع و المحدث الكاشاني في المفاتيح. قال في النهاية: و متى طلق و لم يشهد شاهدين ممن ظاهره الإسلام كان طلاقه غير واقع- ثم قال:- فإن طلق بمحضر من رجلين مسلمين و لم يقل لهما اشهدا وقع طلاقه، و جاز لهما أن يشهدا بذلك.
أقول: هكذا نقل عنه السيد السند في شرح النافع، و فيه أنه و إن ذكر هذا الكلام في كتاب الطلاق إلا أنه قال في كتاب الشهادات: العدل الذي يجوز قبول شهادته للمسلمين و عليهم هو أن يكون ظاهره ظاهر الايمان، ثم يعرف بالستر و العفاف، و الكف عن البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار من شرب الخمر- إلى أن قال:- و غير ذلك الساتر لجميع عيوبه، و يكون متعاهدا للصلوات الخمس مواظبا عليهن حافظا لمواقيتهن متوفرا على حضور جماعة المسلمين غير متخلف عنهم إلا لمرض أو علة أو عذر، و هو كما ترى مضمون ما دلت عليه صحيحة ابن أبي يعفور (3) الواردة
____________
(1) الكافي ج 6 ص 65 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 67 ح 6، الوسائل ج 15 ص 282 ب 10 ح 4.
(3) الفقيه ج 3 ص 24 ح 1، التهذيب ج 6 ص 241 ح 1، الوسائل ج 18 ص 288 ب 41 ح 1.
253
في تعريف العدالة، ثم قال: و يعتبر في شهادة النساء الايمان و الستر و العفاف و طاعة الأزواج، و ترك البذاء و التبرج إلى أندية الرجال، انتهى.
و حينئذ فما ذكره من العبارة المذكورة في النكاح إنما أجمل فيها اعتمادا على ما قدمه في كتاب الشهادات حيث إنه ذكره أولا قبل كتاب النكاح، و إلا للزم التناقض بين كلاميه في كتاب واحد، نعم ظاهره في المبسوط ذلك، إلا أن ظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك أن الخلاف هنا غير الخلاف المشهور في معنى العدالة، من أنها عبارة عن الملكة الراسخة كما هو المشهور بين المتأخرين أو الإسلام، و أن كلام الشيخ هنا مبني على ذلك.
قال في المسالك في هذا المقام: و هل المعتبر في العدالة هنا ظهورها بترك المعاصي و القيام بالواجبات مع الايمان الخالص كما اعتبر في غايره من الشهادات؟ أم يكفي الإسلام و إن انتفى الايمان الخالص و العدالة بالمعنى المشهور؟
و الأشهر الأول- إلى أن قال:- القول بالاكتفاء فيهما هنا بالإسلام للشيخ في النهاية و جماعة منهم القطب الراوندي، إما بناء على أن الأصل في المسلم العدالة أو خصوص
رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (1) الحسنة قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته بعد ما غشيها بشهادة (شاهدين خ ل) عدلين، فقال: ليس هذا طلاقا، فقلت: جعلت فداك كيف طلاق السنة؟ فقال: يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشهادة عدلين كما قال الله عز و جل في كتابه، فإن خالف ذلك يرد إلى كتاب الله تعالى، فقلت له: فإن طلق على طهر من غير جماع بشاهد و امرأتين؟
فقال: لا تجوز شهادة النساء في الطلاق، و قد تجوز شهادتهن مع غيرهن في الدم إذا حضرنه، فقلت: فإن أشهد رجلين ناصبين على الطلاق، أ يكون طلاقا؟ فقال: من ولد على الفطرة أجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خيرا».
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 49 ح 71، الوسائل ج 15 ص 282 ب 10 ح 4 و فيهما اختلاف يسير.
254
و هذه الرواية واضحة الاسناد و الدلالة على الاكتفاء بشهادة المسلم في الطلاق و لا يرد أن قوله «بعد أن يعرف منه خيرا» ينافي ذلك، لأن الخير قد يعرف من المؤمن و غيره، هو نكرة في سياق الإثبات لا يقتضي العموم، فلا ينافيه مع معرفة الخير منه بالذي أظهر من الشهادتين و الصلاة و الصيام و غيرها من أركان الإسلام أن يعلم منه ما يخالف الاعتقاد الصحيح لصدق معرفة الخير منه معه، و في الخبر- مع تصديره باشتراط شهادة عدلين ثم اكتفاؤه بما ذكر- تنبيه على أن العدالة الإسلام و إذا أضيف إلى ذلك أن لا يظهر الفسق كان أولى، انتهى.
قال سبطه في شرح النافع بعد نقل ذلك عنه: هذا كلامه- (رحمه الله)- و هو جيد، و الرواية الاولى مع صحتها دالة على ذلك أيضا، فإن الظاهر أن التعريف في قوله (عليه السلام) فيها «و عرف بالصلاح في نفسه» للجنس لا للاستغراق و هاتان الروايتان مع صحبتهما سالمتان من المعارض فيتجه العمل بهما.
أقول: أشار بالرواية الاولى إلى ما قدمه في كلامه من استدلاله لهذا القول
بصحيحة عبد الله بن سنان (1) قال: «قلت للرضا (عليه السلام): رجل طلق امرأته و أشهد شاهدين ناصبين، قال: كل من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته».
ثم أورد رواية أحمد بن محمد بن أبي نصير و أردفها بكلام جده المذكور في تقريب الاستدلال بها من قوله «و هذه الرواية واضحة الإسناد. إلخ».
و أنت خبير بأنا قد قدمنا في بحث صلاة الجمعة من المجلد الثاني في الصلاة (2) تحقيق الكلام في هذا المقام، و أحطنا بأطراف النقض و الإبرام، و أوضحنا ما في كلام هذين الفاضلين من البطلان الظاهر لجملة الأفهام، و أنه من أفحش الأوهام الناشئة عن الغفلة و عدم التدبر لأخبار أهل الذكر (عليهم السلام)، إلا أنه ربما عسر
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 28 ح 18، التهذيب ج 6 ص 283 ح 183، الوسائل ج 18 ص 290 ب 41 ح 5 و ما في المصادر «عبد الله بن المغيرة».
(2) الحدائق ج 10 ص 12.
255
على الناظر في هذا الكتاب مراجعة ذلك الكتاب المذكور فيجره الوهم و التعصب لهذين الفاضلين إلى نسبة كلامنا إلى الضعف و القصور لما جبلت عليه قرايح أبناء الوقت و الزمان من التعويل على أقوال المتقدمين دون الأقران، فلا علاج إنا ارتكبنا مرارة التكرار لازاحة هذا الوهم عن تلك الأفكار، فنقول: إن هذا الكلام باطل من وجوه:
الأول: ما قدمنا ذكره من دلالة الآية و الأخبار على أن العدالة أمر زائد على مجرد الإسلام، المعتضد ذلك بدلالة جملة من الأخبار كصحيحة ابن أبي يعفور (1) المشهورة و غيرها مما قدمنا ذكره في ذلك الكتاب، الدال جميع ذلك على أنها عبارة عن التقوى و الصلاح و العفاف و نحوها، و بذلك يظهر ما في قول سبطه من أنهما سالمتان من المعارض فيتجه العمل بهما.
الثاني: أنه لا خلاف بين أصحابنا من هؤلاء القائلين بهذا القول و غيرهم في كفر الناصب و نجاسته و حل ماله و دمه، و أن حكمه حكم الكافر الحربي، و إنما الخلاف في المخالف الغير الناصب هل يحكم بإسلامه كما هو المشهور بين المتأخرين؟ أم بكفره كما هو المشهور بين المتقدمين؟ و الروايتان قد اشتملتا على شهادة الناصبين على الطلاق، فكيف يتم الحكم بالإسلام؟ ثم صحة الطلاق فرعا على ذلك مع الاتفاق نصا و فتوى على الكفر، إلا أن يريدوا بالإسلام مجرد انتحال الإسلام، فيدخل حينئذ فيه الخوارج و المجسمة و المشبهة فيكون ظلمات بعضها فوق بعض.
ثم لو تنزلنا عن ذلك و حملنا الناصب في الخبرين على المخالف كما ربما يدعيه الخصم، حيث إن مذهبهم الحكم بإسلام المخالفين، فإنا نقول: إن قبول شهادة المخالف مخالف للأدلة الشرعية كتابا و سنة لدلالتها على عدم جواز
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 24 ح 1، الوسائل ج 18 ص 288 ب 41 ح 1.
256
قبول شهادة الفاسق و الظالم، و أي فسق و ظلم أظهر من الخروج من الايمان و الإصرار على ذلك، لاعتقاد الفاسد المترتب عليه ما لا يخفى من المفاسد.
و أما ما أجاب به المحدث الكاشاني في المفاتيح- تبعا لصاحب المسالك من أن الفسق إنما يتحقق بفعل المعصية، مع اعتقاد كونها معصية لا مع اعتقاد كونها طاعة، و الظلم إنما يتحقق بمعاندة الحق مع العلم به- فهو مردود بأنه لو تم هذا الكلام المنحل الزمام المموه الفاسد الناشئ عن عدم إعطاء التأمل حقه في هذه المقاصد لاقتضى قيام العذر للمخالفين و عدم استحقاق العذاب في الآخرة، و لا أظن هؤلاء القائلين يلتزمونه.
و ذلك فإن المكلف إذا بذل جهده و جده في تحصيل الحق و أتعب الفكر و النظر في ذلك و أداه نظره إلى ما كان باطلا في الواقع لعروض الشبهة له فلا ريب في أنه يكون معذورا عقلا و نقلا، لعدم تقصيره في السعي في طلب الحق و تحصيله، و امتثال ما أمر به، و كذا يقوم العذر لمنكري النبوات من أهل الملل و الأديان، و هذا في البطلان أظهر من أن يحتاج إلى التبيان.
و بالجملة فإنه إن كان في هذا الاعتقاد الذي جعله طاعة، و عدم العلم الذي ذكره إنما نشأ عن بحث و نظر، فإنه يقوم بهما العذر شرعا عند الله عز و جل، فلا مناص عما ذكرناه، و إلا فلا معنى لكلامه بالكلية، كما هو الظاهر لكل ذي عقل و روية.
الثالث: أنه قد استفاضت الروايات و الأخبار عن الأئمة الأبرار (عليهم السلام) كما بسطنا الكلام على ذلك في كتابنا «الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب» و ما يترتب عليه من المطالب بكفر المخالفين و شركهم و نصبهم و نجاستهم، و أن الكلب و اليهودي خير منهم، و هذا مما لا يجامع مع الحكم بالإسلام البتة فضلا عن العدالة، و دلت أيضا على أنهم ليسوا من الحنيفية على شيء، و أنهم ليسوا إلا مثل الجدر المنصوبة، و أنه لم يبق في يدهم إلا مجرد استقبال القبلة، و استفاضت
257
بعرض الأخبار على مذهبهم و الأخذ بخلافه (1) و استفاضت ببطلان أعمالهم (2)، و أمثال ذلك مما يدل على خروجهم عن الملة المحمدية و الشريعة النبوية بالكلية، و الحكم بعد التهم لا يجامع شيئا من ذلك.
الرابع: أنه يلزمه مما ذكره من أن الخبر نكرة في سياق الإثبات فلا يعم، و كذا قول سبطه «أن التعريف في قوله: و عرف بالصلاح في نفسه للجنس لا للاستغراق» دخول أكثر الفسقة و المردة في هذا التعريف، إذ ما من فاسق في الغالب إلا و فيه صفة من صفات الخير، فإذا جاز اجتماع العدالة مع فساد العقيدة جاز مع شرب الخمر و الزنا و اللواط و نحو ذلك من الكبائر بطريق أولى، بل يدخل في ذلك الخوارج و المرجئة و أمثالهما من الفرق التي لا خلاف في كفرها، حيث إن الخبر بهذا المعنى حاصل فيهم، فيثبت عدالتهم بذلك، و إن كانوا فاسدي العقيدة و متصفين بالكبائر العديدة، نعوذ بالله من زلل الإقدام في الأحكام و طغيان الأقلام في معالم الحلال و الحرام.
الخامس: قوله «إن الخير يعرف من المؤمن- إلى قوله- الصدق معرفة الخير منه» فإن فيه زيادة على ما تقدم أن الأخبار الصحيحة الصريحة قد استفاضت ببطلان عبادات المخالفين لاشتراط صحة العبادة بالإقرار بالولاية (3)، بل ورد
عن الصادق (عليه السلام) سواء على الناصب صلى أم زنا (4).
و المراد بالناصب هو مطلق المخالف كما حققناه في كتابنا المذكور آنفا، و حينئذ فأي خيرية في أعمال من قام الدليل على بطلانها و أنها في حكم العدم، و كونها في الظاهر بصورة العبادة لا يجدي نفعا، لأن خيرية الخير و شرية الشر إنما هو باعتبار ما يترتب على كل منهما
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 6 ضمن ح 2.
(2) الوسائل ج 18 ص 75 ب 9 ح 4.
(3) الوسائل ج 1 ص 90 ب 29.
(4) عقاب الأعمال ص 471 ح 17 و لكن عن أبى جعفر (عليه السلام) مع اختلاف يسير.
258
من النفع و الضر كما ينادي به
الخبر النبوي (1) «لا خير بخير بعده النار، و لا شر بشر بعده الجنة».
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي ظهر لي في معنى الخبرين المذكورين أنهما إنما خرجا مخرج التقية.
و توضيح ذلك: إنه قد ظهر بما قدمناه من الوجوه أن المخالف ناصبا كان بالمعنى الذي يدعونه أو غيره لا خير فيه بوجه من الوجوه، فخرج من البين بذلك و لو حمل الخير في الخير على مطلق الخير كما ادعاه في المسالك لجامع الفسق البتة، إذ لا فاسق متى كان مسلما إلا و فيه خير، فيلزم صحة الطلاق مع شهادة الفاسق، و هو باطل إجماعا نصا و فتوى، لدلالة الآية و الرواية على رد خبره، فلا بد من حمل الخير على أمر زائد على مجرد الإسلام، و وجه الإجمال في الخبرين بالنسبة إلى هذه العبارة إنما هو التقية التي هي في الأحكام الشرعية أصل كل بلية، و ذلك أن السائل في الخبر الثاني (2) لما سأله عن كيفية طلاق السنة أجابه (عليه السلام) بالحكم الشرعي الواضح، و هو أن يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشاهدين عادلين كما قال الله تعالى عز و جل في كتابه، فإن خالف ذلك رد إلى الكتاب، بمعنى أنه يبطل ما أتى به من الطلاق لمخالفة الكتاب باشتراط عدالة الشاهدين و نحوه من تلك الشروط.
و لا ريب أن الطلاق بشهادة الناصبين بهذا التقرير باطل عند كل من له أنس بالأخبار و معرفة بما يعتقدونه (عليهم السلام) في مخالفيهم من الكفر و الشرك و العداوة، فيجب رد من أشهدهما على طلاق إلى كتاب الله الدال على بطلان هذا الطلاق، لكن لما سأل سائل بعد ذلك عن خصوص ذلك، و كان المقام لا يقتضي الإفصاح بالجواب الواقعي أجمل (عليه السلام) في الجواب بعبارة توهم بظاهرها ما ذكره، و توهموه في بادي
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 379 ضمن ح 10 مع اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 67 ح 6.
259
النظر، إلا أنه لما كان الناصب بمقتضى ما علم من مذهبهم و تواترت به أخبارهم لا خير فيه بالكلية كما عرفته، وجب إخراجه من المقام، و حمل العبارة المذكورة على من عداه، و مما ذكرنا يعلم الكلام في الخبر الآخر.
و بذلك يظهر لك زيادة على ما قدمناه ما في كلام السيد السند و قوله «إن الروايتين سالمتان من المعارض» فإن معارضيهما أكثر من أن يحصى.
و بالجملة فإن الواجب في الاستدلال بالخبر في هذا الموضع و غيره النظر إلى انطباق موضع الاستدلال على مقتضى القواعد المعتبرة، و القوانين المقررة في الأخبار، فمتى كان مخالفا لها و خارجا عنها وجب طرحه، و امتنع الاستناد إليه، و إن كان ذلك الخبر صحيح السند صريح الدلالة، لاستفاضة أخبارها بعرض الأخبار على الكتاب و السنة، و لكن عادة أصحاب هذا الاصطلاح سيما السيد المذكور قصر النظر على الأسانيد، فمتى صح الخبر لم ينظروا إلى ما في متنه من العلل كما قدمنا التنبيه عليه في غير موضع.
ثم إنه قال في المسالك في هذا المقام: و يتفرع على المشهور من اعتبار عدالة الشاهدين بمعنى ملكة التقوى و المروة أن المعتبر ثبوتها ظاهرا لا في نفس الأمر لأنه لا يطلع عليه إلا الله، فلو اعتبر ذلك في حق غيرهما لزم التكليف بما لا يطاق، فلا يقدح فسقهما في نفس الأمر في صحة الطلاق مع ظهور عدالتهما، و لا يشترط حكم الحاكم بها، بل ظهورها عند المطلق و من يرتب على الطلاق حكما، و هل يقدح فسقهما في نفس الأمر بالنسبة إليهما حتى لا يصلح لأحدهما أن يتزوج بها أم لا؟ نظرا إلى حصول شرط الطلاق، و هو العدالة ظاهرا، وجهان، و كذا لو علم الزوج فسقهما مع ظهور عدالتهما، ففي الحكم بوقوع الطلاق بالنسبة [إليه] حتى تسقط عنه حقوق الزوجية، و يستبيح أختها و الخامسة وجهان، و الحكم بصحته فيهما لا يخلو من قوة، انتهى.
أقول: لا يخفى أن العدالة بالنسبة إلى المتصف بها غيرها بالنسبة إلى غيره ممن يتبعه و يعتقد عدالته، و كلامه بالنسبة إلى الغير صحيح لا شك فيه
260
و لا مرية تعتريه سواء فسرنا العدالة بالملكة كما هو المشهور بين المتأخرين، و هو الذي ذكره هنا، أو حسن الظاهر الذي دل عليه صحيح ابن أبي يعفور (1) كما هو المشهور بين متأخري المتأخرين، فإنه على أي منهما إنما يبنى فيهما على ما يظهر للتابع و معتقد العدالة من الاتصاف بذلك الصفات التي تضمنها الخبر مع عدم ظهور ما ينافيها، و إنما الاشكال و محل البحث بالنسبة إليه هو في نفسه.
و توضيحه: إن من علم من نفسه الفسق مع كونه على ظاهر العدالة بين الناس، فهل يجوز له الدخول في الأمور المشروطة بالعدالة، و تقلدها من الإمامة في الجملة و الجماعة و الشهادة و الجلوس في مجلس الحكم و القضاء بين الناس و نحو ذلك أم لا؟
ظاهر شيخنا المذكور ذلك، و اقتضاه فيما ذكره هنا من الصورتين المذكورتين بعض مشايخنا المعاصرين و توقف آخر (2)، و في الكفاية وافقه في
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 24 ح 1.
(2) المقتفى له في الصورتين شيخنا الشيخ سليمان البحراني في بعض أجوبة المسائل بعد التردد، و المتوقف شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح- (قدس سرهما).
قال المحدث المذكور: و لو نواها يعني الإمامة وعد نفسه من أحد الشاهدين و كان تائبا عن المعاصي جاز له ذلك، أما لو كان مصرا على المعاصي مرتكبا للكبائر فإشكال، و للأصحاب فيه قولان أحدهما الجواز، لان المدار انما هو على اعتقاد المؤتم أو المطلق، و بناء للأمور على الظاهر دون الباطن، و من حيث انه إغراء للقبيح لانه عالم بفسق نفسه، فكيف يتقلد ما ليس له، خصوصا في الجماعة الواجبة كالجمعة؟ و الأحكام الشرعية انما خرجت على الظاهر إذا لم يمكن الاطلاع على الباطن، و هو مطلع على حقيقة الأمر، و الأول أوفق بالقواعد الأصولية، الا أنه لما لم يكن نص في المسألة فاعتقادى الوقوف عن الحكم و العمل بالاحتياط في العلم و العمل، و رد ما لم يأتنا به علم من أهل العصمة (صلوات الله عليهم)، لقول الصادق (عليه السلام): ارجه حتى تلقى امامك، و ان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المهلكة، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
261
الاولى دون الثانية.
و الذي ظهر لي بعد إمعان النظر في المقام و مراجعة أخبارهم (عليهم السلام) هو عدم جواز الدخول في هذه الأمور و الحال هذه.
و بيان ذلك: إن ظاهر الآية و الأخبار الدالة على النهي عن قبول خبر الفاسق، و النهي عن الصلاة خلفه إنما هو من حيث الفسق، لأن التعليق على الوصف مشعر بالعلية، و هو مشعر بأن الفاسق ليس أهلا لهذا المقام، و لا صالحا لتقلد هذه الأحكام، و إذا كان الشارع لم يره أهلا لذلك، و لا صالحا لسلوك هذه المسالك لمنع الناس من الاقتداء به و قبول خبره، و نحو ذلك، فهو في معنى منعه له من ذلك، فإدخاله نفسه فيما لم يره الله عز و جل أهلا له موجب لمخالفته عز و جل و التعرض لسخطه. و جواز اقتداء الناس به من حيث عدم ظهور فسقه لهم لا يدل على جواز الدخول له، لأن حكم الناس في ذلك غير حكمه هو في حد ذاته، و الكلام إنما في الثاني، و أحدهما لا يستلزم الآخر بوجه، نظير ذلك في الأحكام غير عزيز، فإن لحم الميتة محرم على العالم به، و حلال بالنسبة إلى الجاهل به.
و يؤيد ما قلناه ظواهر جملة من الأخبار مثل
صحيحة أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «خمسة لا يؤمون الناس على كل حال: المجنون و الأبرص و المجذوم و ولد الزنا و الأعرابي».
و نحوها صحيحة محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام).
و التقريب فيهما أنهما إنما قد صرحا بتوجه النهي إلى هؤلاء عن الإمامة لأنهم ليسوا من أهلها باعتبار ما هي عليه من العيوب المذكورة المانعة من أهلية الإمامة، و بعض الأخبار و إن ورد أيضا في نهي الناس عن الائتمام بهم، إلا أن
____________
(1) الكافي ج 3 ص 375 ح 1، الوسائل ج 15 ص 399 ب 15 ح 5 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الفقيه ج 1 ص 247 ح 15.
262
النهي إنما توجه إلى المؤتمين.
و أما في هذين الخبرين الصحيحين فإنه إنما توجه إلى الامام بأن لا يكون من أحد هؤلاء، فلو فرضنا عدم علم الناس بما هم عليه من هذه الصفات المانعة من الإمامة مع اعتقاد الناس فيهم العدالة، فإنه يجوز للناس الاقتداء بهم بالتقريب المتقدم، لكن بمقتضى هذين الخبرين لا يجوز لهم الإمامة لما هم عليه من الموانع المذكورة و إن خفيت على الناس، و هذا بعينه جار في الفاسق الذي هو محل البحث بأن كان عالما بفسق نفسه و إن خفي على الناس، و مما يؤيد ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح: يا شريح جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي، و نحوه.
و التقريب فيها هو ظهورها في النهي عمن لم يكن مستكملا لأسباب النيابة و شرائطها، و أهلية الحكم و الفتوى، و لا ريب أن أعظم الأسباب المانعة الفسق، فهي ظاهرة في منع الفاسق من الجلوس في هذا المقام و إن كان ظاهر العدالة بين الأنام، و عدم جواز تقلده الأحكام. و جواز تقليد. الناس له من حيث عدم ظهور فسقه لهم لا يدل على جوازه له، لأنه عالم بأن الشارع قد منع الناس عن اتباع الفاسق و تقليده، و ليس إلا من حيث فسقه، فالفسق صفة مانعة من تقلد هذه الأمور، و كلام من قدمنا كلامه و إن كان مخصوصا بالشهادة أو مع الإمامة، إلا أن المواضع الثلاثة واحد، فإن مبنى الكلام هو أنه هل يكتفي بظهور العدالة في جواز التقلد لهذه الأمور المشروطة بها و إن لم يكن كذلك واقعا؟ أم لا بد من ثبوتها واقعا؟ فالكلام جار في جميع ما يشترط فيه العدالة، و هذا أحدها.
و مما يؤيد ما ذكرناه بأوضح تأييد هو أن الظاهر المتبادر من الآية و الأخبار المصرح فيها بالعدالة و اشتراطها في الشاهد مثل قوله عز و جل
263
«وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» و قوله (عليه السلام) (1) يطلقها بحضور عدلين أو إذا شهدا عدلين و نحو ذلك هو اتصاف الشاهد بالعدالة في حد نفسه و ذاته، لا بالنظر إلى غيره، إذ لا يخفى أن قولنا فلان عدل و فلان ثقة مثل قولنا فلان عالم و شجاع و جواد و نحو ذلك، و من المعلوم في جميع ذلك إنما هو اتصافه بهذه الصفات في حد ذاته، غاية الأمر أنه قد يطابق علم المكلف و الواقع في ذلك، و قد يختلفان، بأن يكون كذلك في نظر المكلف، و إن لم يكن واقعا، و حينئذ فيلزم كلا حكمه، فيلزم من اعتقد عدالته جواز الاقتداء به مثلا و قبول شهادته، و يلزمه هو عدم جواز الدخول في ذلك، كذا يلزم من اطلع على فسقه عدم جواز الاقتداء به.
و على هذا فإذا كان المراد من الآية و الأخبار المشار إليها إنما هو اتصافه في حد ذاته، فكيف يجعل المناط الاتصاف بالعدالة باعتبار الغير كما توهموه و بنوا عليه ما بنوا من الفروع المذكورة؟ و لا ريب أنه متى كان كذلك إنما هو بالنسبة إليه في حد ذاته، فإنه لا يجوز له الدخول فيما هو مشروط بالعدالة البتة.
و بذلك يظهر ما في كلام صاحب المسالك و من تبعه من الوهن و القصور و لا سيما في فرضه الثاني، و هو ما إذا علم الزوج فسقهما فطلق بحضورهما مع ظهور عدالتهما بين الناس، فإنه أوهن من بيت العنكبوت و أنه لأوهن البيوت، و مقتضى تجويزه الطلاق هنا جواز اقتداء من علم فسق الامام به في الصلاة، لظهور عدالته بين الناس، و هكذا قبول فتواه و أحكامه، و الكل في البطلان أوضح من أن يحتاج إلى بيان، و بالحملة فالطلاق في الصورتين المفروضتين مما لا إشكال في بطلانه و لا سيما الثانية.
المسألة الثالثة [شرائط صحة الشهادة]
قال المحقق- رحمة الله عليه- في الشرائع: فلو شهد أحدهما
____________
(1) الكافي ج 6 ص 60، الوسائل ج 15 ص 282 ب 10 ح 2 و 3 و 4 و 7 و ما نقله المصنف هو مضمون الخبر لا نصه.
264
بالإنشاء ثم شهد الآخر به بانفراده لم يقع الطلاق، أما لو شهدا بالإقرار لم يشترط الاجتماع، و لو شهد أحدهما بالإنشاء و الآخر بالإقرار لم يقبل، و لا تقبل شهادة النساء في الطلاق لا منفردات و لا منضمات إلى الرجال، و لو طلق و لم يشهد ثم أشهد كان الأول لغوا و وقع حين الإشهاد إذا أتى باللفظ المعتبر في الإنشاء.
أقول: الكلام في هذه المقالة في مواضع: الأول: قوله «و لو شهد أحدهما- إلى قوله- لم يقع الطلاق» و الوجه في عدم وقوع الطلاق دلالة الأخبار (1) صريحا و كذا ظاهر الآية (2) على اجتماع الشاهدين في السماع، و أنه لا يكفي تفريقهما بأن يطلق بحضرة واحد منهما ثم يطلق مرة أخرى بحضرة الآخر.
و من الأخبار المذكورة ما رواه
في الكافي (3) عن أحمد بن أبي نصر في الصحيح أو الحسن قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته على طهر من غير جماع أشهد اليوم رجلا، ثم مكث خمسة أيام و اشهد آخر، قال: إنما أمر أن يشهدا جميعا».
و ما رواه
في التهذيب (4) في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن تفريق الشاهدين في الطلاق، فقال: نعم و تعتد من أول الشاهدين و قال: لا يجوز حتى يشهدا جميعا».
و موضع الدلالة من الخبر المذكور قوله في آخره «و لا يجوز حتى يشهدا جميعا» و أن المراد به حال التحمل للشهادة، و صدر الخبر مراد به الأداء لها، و لهذا قال «و تعتد من أول الشاهدين» و لكن لا يجوز التزويج إلا بعد أداء الشاهد الثاني الذي يحصل به الثبوت الشرعي، و لو جاز التفريق في التحمل لم يجز الاعتداد إلا بالأخير لعدم صحة الطلاق إلا بعد شهادة الأخير، هذا مع قطع النظر
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 281 ب 10 ح 2 و 3 و 7.
(2) سورة الطلاق- آية 2.
(3) الكافي ج 6 ص 71 ح 1، الوسائل ج 15 ص 301 ب 20 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
(4) التهذيب ج 8 ص 150 ح 77، الوسائل ج 15 ص 301 ب 20 ح 2.
265
عن تصريحه في آخر الخبر بعدم جواز التفريق، و بالجملة فالحكم المذكور لا خلاف و لا إشكال فيه.
الثاني: قوله «أما لو شهدا بالإقرار لم يشترط الاجتماع» و الوجه فيه ظاهر، لأن الإقرار اعتراف و إخبار عن طلاق سابق و «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» و الحكم فيه كما في غيره من الإقرارات، و لا يشترط فيه اجتماع الشهود و إنما يشترط ذلك في الشهادة على إنشاء الطلاق كما دل عليه الخبران المتقدمان نعم لو كان الطلاق الأول باطلا، كأن يكون بغير شهود أو بشاهد واحد، و علم أن الإقرار الذي أقر له أخيرا إنما هو إشارة إلى ذلك الطلاق، فلا ريب في البطلان و إن أقر به عند شاهدين مجتمعين، فإنه إذا لم يصح الطلاق السابق لم يصح الإقرار به، و الحكم بالصحة إنما هو مع إطلاق الإقرار، لأن الإطلاق منزل على الصحيح سواء شهد على إقراره الواحد شاهدان في دفعة، أو شهدا متفرقين (1) بأن أقر عند كل واحد، لأن صحة الإقرار لا يشترط فيها الاشهاد، و إنما المعتبر ثبوته شرعا متى توقف عليها و هو يحصل مع كل من الأمرين (2) لأن مرجعهما إلى أمر واحد، و بالجملة فالحكم مما لا إشكال فيه.
الثالث: قوله «و لو شهد أحدهما بالإنشاء و الآخر بالإقرار لم يقبل» و الوجه فيه ظاهر مما تقدم، فإن الطلاق الذي سمعه أحدهما بالإنشاء باطل لعدم استكماله لشروط صحة الطلاق، و هو اجتماع الشاهدين، و متى بطل كان الإقرار به باطلا و إن شهد به اثنان فضلا عن الواحد كما عرفت آنفا.
الرابع: قوله «و لا تقبل شهادة النساء في الطلاق- إلى قوله- إلى الرجال» و يدل عليه ظاهر الآية و جملة من الأخبار مضافا إلى ظاهر اتفاق الأصحاب على
____________
(1) بمعنى أنه يصح إقراره، و ان لم يشهد عليه أحدا فإنه يعتبر ثبوته. (منه- (قدس سره)-).
(2) أى مع تعدد الشاهد، و شهادة كل واحد على واحد من الأمرين.
(منه- (قدس سره)-).
266
ذلك، فإن قوله عز و جل «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» ظاهر في اعتبار ذكوريتهما.
و من الأخبار
قول أبي عبد الله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (1) «و أنه سئل عن شهادة النساء في النكاح، قال: تجوز إذا كان معهن رجل، و كان علي (عليه السلام) يقول:
لا أجيزها في الطلاق» الحديث.
و قول أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في رواية محمد بن الفضل (2) «و لا تجوز شهادتهن في الطلاق و لا في الدم».
و قول أبي عبد الله (عليه السلام) في رواية داود بن الحصين (3) «و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجيز شهادة المرأتين في النكاح و لا يجيز في الطلاق إلا بشاهدين عدلين».
و قول علي (عليه السلام) في رواية السكوني (4) «شهادة النساء لا تجوز في نكاح و لا طلاق و لا في الحدود إلا في الديون و ما لا يستطيع الرجل النظر إليه».
و قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم (5) «لا تجوز شهادة النساء في الهلال و لا في الطلاق».
الخامس: قوله «و لو طلق و لم يشهد ثم أشهد. إلخ» و الوجه في كون الأول لغوا هو عدم استكمال الشرائط التي من جملتها سماع الشاهدين، و الحكم بوقوع الثاني لا بد فيه أيضا من استكمال الشرائط، و إلا لم يقع. و قوله «إذا
____________
(1) الكافي ج 7 ص 390 ح 2، التهذيب ج 6 ص 269 ح 128، الوسائل ج 18 ص 258 ب 24 ح 2.
(2) الكافي ج 7 ص 391 ح 5، التهذيب ج 6 ص 264 ح 110، الوسائل ج 18 ص 259 ب 24 ح 7 و ما في المصادر «محمد بن الفضيل».
(3) التهذيب ج 6 ص 281 ضمن ح 179، الوسائل ج 18 ص 265 ب 24 ضمن ح 35 و فيهما اختلاف يسير.
(4) التهذيب ج 6 ص 281 ح 178، الوسائل ج 18 ص 267 ح 42 و فيهما اختلاف يسير.
(5) الكافي ج 7 ص 391 ح 6، الوسائل ج 18 ص 28 ب 24 ح 8.
267
أتى باللفظ المعتبر في الإنشاء» إشارة إلى قصد الطلاق، فلو قصد الاخبار و لو كان بذلك اللفظ لقوله «اشهدوا بأن فلانة طالق» قاصدا به الاشهاد لا الإنشاء لم يقع. و على هذا فالمائز بين العبارتين و صحة الطلاق في أحدهما دون الآخر هو النية و القصد فإن قصد الإنشاء وقع، و إن قصد الاشهاد لم يقع، و يمكن علم الشاهدين به بالقرائن المفهمة للحال، أو أخباره بذلك.
و الأصل في هذا الحكم
صحيحة أحمد بن محمد (1) قال: «سألته عن الطلاق، فقال: على طهر، و كان علي (عليه السلام) يقول: لا طلاق إلا بالشهود، فقال له رجل: إن طلقها و لم يشهد ثم أشهد بعد ذلك بأيام فمتى تعتد؟ فقال: من اليوم الذي أشهد فيه على الطلاق».
و الظاهر أن إطلاق الرواية مبني على ما علم من غيرها من إخبار الطلاق من وجوب استكمال الشروط في صحته الذي من جملتها قصد الإنشاء و غيره.
المقصد الثاني في أقسام الطلاق
و ينقسم إلى بدعي و سني، و السني ينقسم إلى بائن و رجعي، و الرجعي ينقسم إلى عدي و غيره، فهنا أقسام أربعة:
الأول: الطلاق البدعي
، منسوب إلى البدعة و هو المحرم إيقاعه، و المراد بالسني الذي يقابله هنا هو السني بالمعني الأعم، و هو الجائز شرعا سواء كان واجبا أو مندوبا أو مكروها (2).
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 50 ح 78، الوسائل ج 15 ص 284 ب 10 ح 10.
(2) قالوا: و المراد بالواجب طلاق المولى و المظاهر، فإنه يؤمر بعد المدة بأن يغير أو يطلق، فالطلاق واجب تخييرا.
و المراد بالمندوب الطلاق مع النزاع و الشقاق و عدم رجاء الائتلاف و الوفاق، و إذا لم تكن عفيفة يخاف منها إفساد الفراش.
و المراد بالمكروه الطلاق عند التئام الأخلاق و سلامة الحال، و قد تقدمت جملة من الاخبار في صدر الكتاب دالة على الكراهة في الصورة المذكورة. (منه- (قدس سره)-).
268
و للبدعي أسباب ثلاثة: (أحدها) الحيض، فلا يجوز طلاق الحائض بعد الدخول مع حضور الزوج أو ما في حكمه من غيبته دون المدة المشروطة على ما تقدم تحقيقه مع كونها حائلا، و كذا النفساء.
(و ثانيها) عدم استبرائها بطهر آخر غير ما مسها فيه بأن يطلقها في الطهر الذي مسها فيه. و هذان السببان متفق عليهما بين الخاصة و العامة.
(و ثالثها) طلاقها أزيد من واحدة بغير رجعة مخللة بين الطلقات، و التحريم في هذه الصورة من خصوصيات مذهب الشيعة، و وافقهم أبو حنيفة و مالك في بدعية الجمع بين الطلقات بلفظ واحد، و اتفق الجمهور على صحة طلاق البدعة مع الإثم، و أصحابنا على بطلانه (1) إلا فيما زاد على الواحد، فإنه مع وقوعه مترتبا يقع واحدا إجماعا، و مع وقوعه بلفظ واحد يقع واحدا أيضا على الخلاف المتقدم.
و أورد على ما ذكر من التخصيص بهذه الأسباب الثلاثة الطلاق بالكتابة، و بدون الإشهاد فإنه باطل، و كذا الطلاق أزيد من مرة مرتبا إذا لم يتخلل بينها رجعة.
و يمكن الجواب باختصاص البدعة بالثلاثة المتقدمة، و أن ما زاد يكون باطلا و يكون الطلاق الباطل أعم من البدعي فإنه مجرد اصطلاح لا مشاحة فيه، لكن على هذا لا يكون القسمة حاصرة، فإن المقسم مطلق الطلاق الذي هو أعم من الصحيح و الفاسد، و كيف كان فالأمر في ذلك سهل بعد وضوح الحكم في كل من هذه الأفراد.
الثاني: الطلاق السني البائن
، و هو ما لا يصح للزوج الرجعة معه، و هو
____________
(1) حاصل المعنى أن أصحابنا على بطلان البدعي بجميع أفراده إلا في صورة ما إذا طلق ثلاثا مترتبة أو مرسلة، فإن الطلاق يقع واحدا في الصورة الأولى إجماعا، و في الثانية على الخلاف، و البطلان في البدعية انما يتوجه إلى الزائد.
(منه- (قدس سره)-).
269
سنة: طلاق التي لم يدخل بها، و اليائسة، و من لم تبلغ المحيض، و المختلعة، و المبارأة ما لم ترجعا في البذل، و المطلقة ثلاثا بينها رجعتان إذا كان حرة، و إلا فاثنتان.
قالوا: و المراد بالدخول الموجب للعدة القدر الموجب للغسل، و هو غيبوبة الحشفة أو قدرها في قبل أو دبر.
أقول: و تدل عليه جملة من الأخبار تقدم نقلها في فصل المهور، إلا أن في دخول الموطوءة في الدبر في ذلك إشكال تقدم التنبيه عليه. و المراد بمن لم تبلغ المحيض، أي لم تبلغ التسع، فلو بلغتها لزمتها العدة مع الوطء، و إن لم تكن ممن تحيض عادة، و تقييد المختلعة و المبارأة بما لم ترجعا في البذل يقتضي أن الطلاق يكون رجعيا مع الرجوع فيه، فالعدة هنا قد تكون بائنة و رجعية بالاعتبارين المذكورين.
الثالث: الطلاق الرجعي العدي
، و هو الذي يصح معه الرجعة و إن لم يرجع و يكون ذلك فيما عدا الأقسام الستة المتقدمة في البائن، و على هذا و ما تقدم في سابق هذا القسم يكون طلاق المختلعة تارة من أقسام البائن، و هو فيما إذا لم ترجع في البذل، و تارة من أقسام الرجعي، و هو في صورة الرجوع، و إطلاق الرجعي على هذا القسم يكون بسبب جواز الرجوع فيه و إمكانه، و يعبر عن بعض أفراده بطلاق العدة (1) و هو أن يطلق على الشرائط، ثم يراجع قبل الخروج من العدة و يواقع، ثم يطلقها في غير طهر المواقعة، ثم يراجعها و يواقعها، ثم يطلقها في طهر آخر، و هذه تحرم في الثالثة حتى تنكح زوجا غيره، و في التاسعة مؤبدا كما ذكروه من غير خلاف يعرف، و فيه كلام يأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى في المقام، و لو طلق بعد المراجعة قبل المواقعة صح، إلا أنه لا يسمى طلاق العدة، لاختلال أحد
____________
(1) إشارة الى أن ما يفهم من كلامهم من حصر الرجعي في العدي و السني ليس في محله، فان من راجع في العدة و لم يواقع فطلاقه رجعي، و ليس من طلاق السنة، و لا من طلاق الرجعة. (منه- (قدس سره)-).
270
شروطه و هو المواقعة، و يكون طلاق السنة بالمعنى الأعم.
الرابع: الطلاق السني بالمعنى الأخص
، و هو المشار إليه آنفا بأنه غير العدي، و هو عبارة أن يطلقها و يتركها حتى تخرج من العدة، رجعية كانت العدة أو بائنة، ثم يتزوجها إن شاء ثم يطلقها و يتركها حتى تخرج من العدة ثم يتزوجها، و هذه تحرم في كل ثالثة حتى تنكح زوجا غيره على المشهور، و لا تحرم مؤبدا و إن بلغ تسعا، و فيه أيضا ما سيأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى، و هو يشارك طلاق العدة في الحكم الأول، و يفارقه في الثاني، و الثاني منهما محل وفاق عندهم.
[فوائد]
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام هنا يقع في مواضع:
الأول [في حرمة المطلقة تسعا مؤبدا]
قال السيد السند في شرح النافع: قد نقل جمع من الأصحاب الإجماع على أن المطلقة تسعا للعدة تحرم مؤبدا، و لم ينقلوا على ذلك دليلا. و الذي وقفت عليه في ذلك ما رواه
الكليني (1) عن زرارة بن أعين و داود بن سرحان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الملاعنة إذا لاعنها زوجها لم تحل له أبدا، و الذي يتزوج المرأة في عدتها و هو يعلم لا تحل له أبدا، و الذي يطلق الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ثلاث مرات لا تحل له أبدا، و المحرم إذا تزوج و هو يعلم أنه حرام عليه لا تحل له أبدا».
و في الصحيح عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام)، و إبراهيم بن عبد الحميد (2) عن أبي عبد الله و أبي الحسن (عليهما السلام) قال: «إذا طلق الرجل المرأة فتزوجت، ثم طلقها زوجها فتزوجها الأول، ثم طلقها فتزوجت رجلا آخر، ثم طلقها فتزوجها الأول، فطلقها هكذا ثلاثا لم تحل له أبدا».
و إطلاق الرواية الاولى و خصوص الثانية يقتضي حصول التحريم بالطلقات
____________
(1) الكافي ج 5 ص 426 ح 1، الوسائل ج 15 ص 358 ب 4 ح 4 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 5 ص 428 ح 7 و فيه «ثم طلقها الزوج الأول» بدل «فطلقها».
271
التسع التي ليست للعدة، لكن لا أعلم بمضمونه قائلا، انتهى.
أقول: قد تقدم تحقيق الكلام في المقام في المطلب الرابع في استيفاء العدد من الفصل الثاني في أسباب التحريم من كتاب النكاح، و ذكرنا ما يدل على كلام الأصحاب، إلا أن المسألة بقيت في قالب الاشكال لعدم حضور ما يحصل به الجمع بين أخبارها، و إلى ما ذكرنا من هذا الكلام أشرنا فيما قدمنا في القسم الثالث و الرابع بقولنا فيه ما ينبغي التنبيه عليه، فإن مقتضى ما ذكره السيد السند من الأخبار المذكورة التحريم بالتسع مؤبدا في الطلاق العدي و السني بالمعنى الأخص جميعا، و الأصحاب إنما أثبتوا التحريم بذلك في العدي خاصة و صرحوا بنفيه في السني.
و ثانيها [في معنى طلاق السنة و طلاق العدة]
قد تكاثرت الأخبار بتقسيم الطلاق إلى طلاق العدة و طلاق السنة، و بذلك صرح الشيخ في النهاية و جمع من الأصحاب.
فروى الكليني (1) في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه قال: كل طلاق لا يكون عن السنة أو على العدة ليس بشيء، قال زرارة: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):
فسر لي طلاق السنة و طلاق العدة، فقال: أما طلاق السنة فإذا أراد الرجل أن يطلق امرأته فلينتظر بها حتى تطمث و تطهر، فإذا خرجت من طمثها طلقها تطليقة من غير جماع، و يشهد شاهدين على ذلك، ثم يدعها حتى تطمث طمثتين فتنقضي عدتها بثلاث حيض و قد بانت منه، و يكون خاطبا من الخطاب، إن شاءت زوجته و إن شاءت لم تزوجه، و عليه نفقتها و السكنى ما دامت في عدتها، و هما يتوارثان حتى تنقضي العدة، قال: و أما طلاق العدة الذي قال الله تعالى «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ» (2) فإذا أراد الرجل منكم أن يطلق امرأته طلاق العدة فلينتظر بها حتى تحيض و تخرج من حيضها. ثم يطلقها تطليقة من غير جماع،
____________
(1) الكافي ج 6 ص 65 ح 2، الوسائل ج 15 ص 344 ب 1 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
(2) سورة الطلاق- آية 1.
272
و يشهد شاهدين عدلين و يراجعها من يومه ذلك إن أحب، أو بعد ذلك بأيام قبل أن تحيض، و يشهد على رجعتها و يواقعها حتى تحيض، فإذا حاضت و خرجت من حيضها طلقها تطليقة أخرى من غير جماع، و يشهد على ذلك، ثم يراجعها أيضا متى شاء قبل أن تحيض، و يشهد على رجعتها و يواقعها، و تكون معه إلى أن تحيض الحيضة الثالثة، فإذا خرجت من حيضتها الثالثة طلقها التطليقة الثالثة بغير جماع و يشهد على ذلك، فإذا فعل ذلك فقد بانت منه، و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، قيل له: فإن كانت ممن لا تحيض؟ فقال: مثل هذه تطلق طلاق السنة».
و عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «طلاق السنة يطلقها تطليقة على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ثم يدعها حتى تمضي أقراؤها، فإذا مضت أقراؤها فقد بانت منه، و هو خاطب من الخطاب إن شاءت نكحته و إن شاءت فلا، و إن أراد أن يراجعها أشهد على رجعتها قبل أن تمضى أقراؤها فتكون عنده على التطليقة الماضية».
و عن أبي بصير (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن طلاق السنة، قال: طلاق السنة إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته يدعها إن كان قد دخل بها حتى تحيض ثم تطهر، فإذا طهرت طلقها واحدة بشهادة شاهدين، ثم يتركها حتى تعد ثلاثة قروء، فإذا مضت ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة، و كان زوجها خاطبا من الخطاب، إن شاءت تزوجته و إن شاءت لم تفعل، فإن تزوجها بمهر جديد كانت عنده على ثنتين باقيتين و قد مضت الواحدة، فإن هو طلقها واحدة أخرى على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ثم تركها حتى تمضي أقراؤها، فإذا مضت أقراؤها من قبل أن يراجعها فقد بانت منه باثنتين و ملكت أمرها، و حلت للأزواج، و كان زوجها خاطبا من الخطاب، إن شاءت تزوجته و إن شاءت لم تفعل، فإن هو تزوجها
____________
(1) الكافي ج 6 ص 64 ح 1، الوسائل ج 15 ص 344 ب 1 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 66 ح 4، التهذيب ج 8 ص 27 ح 3، الوسائل ج 15 ص 345 ب 1 ح 3 و عبارة «و أما طلاق الرجعة. إلخ» لم يذكرها صاحب الوسائل.
273
تزويجا جديدا بمهر جديد كانت معه بواحدة باقية و قد مضت اثنتان، فإن أراد أن يطلقها طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره تركها، حتى إذا حاضت و طهرت أشهد على طلاقها تطليقة واحدة، ثم لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. و أما طلاق الرجعة فأن يدعها حتى تحيض و تطهر، ثم يطلقها بشهادة شاهدين ثم يراجعها و يواقعها، ثم ينتظر بها الطهر، فإذا حاضت و طهرت أشهد شاهدين على التطليقة أخرى ثم يراجعها و يواقعها، ثم ينتظر بها الطهر، فإذا حاضت و طهرت أشهد شاهدين على التطليقة الثالثة، ثم لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، و عليها أن تعتد ثلاثة قروء من يوم طلقها التطليقة الثالثة» الحديث.
قال في الكافي: و يستفاد من كلام بعضهم أن المعتبر في طلاق العدة الطلاق ثانيا بعد المراجعة و المواقعة، و بعضهم لم يعتبر الطلاق ثانيا.
قيل: و ربما لاح من كلام الشيخ في النهاية و جماعة أن الطلاق الواقع بعد المراجعة و المواقعة يوصف بكونه عديا و إن لم يقع بعده رجوع و وقاع، لكن الطلاق الثالث لا يوصف بكونه عديا إلا إذا وقع بعد الرجوع و الوقاع، و في بعض الروايات دلالة عليه.
أقول: ظاهر القول الأول و الثاني هو اتصاف الطلاق الأول و الثاني بكونه عديا دون الثالث، لأن الأول جعل شرط الاتصاف بكونه عديا هو الطلاق ثانيا بعد المراجعة و المواقعة، و القول الثاني اقتصر على المراجعة و المواقعة، و كل منها حاصل في التطليقة الاولى و الثانية، أما الثالثة فلا، و مقتضى ما نقل عن النهاية و الجماعة المذكورين هو عدم اتصاف الطلاق الأول بكونه عديا، و إنما يتصف بذلك الطلاق الثاني و الثالث.
و الذي وقفت عليه في تفسير الطلاق العدي من الأخبار المروية في كتب الأخبار هو ما نقله من الخبرين المذكورين، و لم أقف على غيرهما. و المفهوم منهما أن الطلاق العدي عبارة عن هذه الطلقات الثلاث الواقعة على هذه الكيفية من غير
274
تخصيص بالأولى أو الثانية أو غيرهما.
و في معنى الخبرين المذكورين
قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1)- بعد أن ذكر طلاق السنة على نحو ما قدمناه في الأخبار المذكورة-: «و أما طلاق العدة فهو أن يطلق الرجل امرأته على طهر من غير جماع بشاهدين عدلين ثم يراجعها من يومه أو من غد أو متى ما يريد من قبل أن تستوفي قروءها. فإذا أراد أن يطلقها ثانية لم يجز ذلك إلا بعد الدخول بها، و إذا أراد طلاقها يتربص بها حتى تحيض و تطهر، ثم طلقها في قبل عدتها بشاهدين عدلين، فإن أراد مراجعتها راجعها. فإن طلقها الثالثة فقد بانت منه ساعة طلقها، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فإذا انقضت عدتها منه و تزوجها رجل آخر و طلقها أو مات عنها و أراد الأول أن يتزوجها فعل، و إن طلقها ثلاثا واحدة بعد واحدة على ما وصفناه لك فقد بانت منه، و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فإن تزوجها و طلقها أو مات عنها و أراد الأول أن يتزوجها فعل، فإن طلقها ثلاث تطليقات على ما وصفته واحدة بعد واحدة فقد بانت منه، و لا تحل له بعد تسع تطليقات أبدا».
و ربما أشعر صدر كلامه (عليه السلام) بأن طلاق العدة ليس إلا عبارة عن الطلاق على الشروط، ثم الرجوع في العدة خاصة حيث إنه بعد أن فسره بذلك قال:
«فإذا أراد أن يطلقها ثانية لم يجز ذلك إلا بعد الدخول بها» فجعل الدخول بها شرطا في صحة الطلاق ثانيا. و ظاهره أن طلاق العدة يتحقق بدون المواقعة.
و كيف كان فتوقف صحة الطلاق ثانيا على المواقعة محل كلام يأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى، و قد تضمن ذلك عجز صحيحة أبي بصير المتقدمة مما لم ننقله منها، و هو موافق لما ذهب إليه ابن أبي عقيل في تلك المسألة الآتي تحقيقها إن شاء الله تعالى في محله.
و قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: و اعلم أن تعريف المصنف و غيره لطلاق
____________
(1) فقه الرضا ص 242 مع اختلاف يسير.
275
السنة بالمعنى الأخص يقتضي اختصاصه بذات العدة، و أنه يشمل العدة البائنة و الرجعية، و في كثير من الأخبار كالذي أسلفناه ما يدل على اختصاصه بالعدة الرجعية ثم لا يراجع فيها، و الوجه لحوق أحكامه بكل طلاق لا يلحقه رجعة، سواء كان ذلك لعدم العدة أم لكونها بائنة، أم لكونها رجعية و لم يرجع، فإنها لا تحرم به في التاسعة مؤبدا، لاختصاص ذلك الحكم بطلاق العدة، و لصدق عدم الرجعية في جميع ما ذكرناه، انتهى.
أقول: ما ذكره- (رحمه الله)- من دلالة الأخبار على اختصاص طلاق السنة بذات العدة الرجعية التي لم يرجع فيها جيد كما لا يخفى على من تأمل الأخبار التي قدمناها، فتعريفه بما يدخل فيه غير هذا الفرد من العدة البائنة أو غير ذات العدة غير جيد.
نعم لما كان التحريم في التاسعة مقصورا في الأخبار على طلاق العدة و مشروطا فيه المراجعة في العدة و المواقعة بعد الرجعة كان ما عداه من الأقسام المذكورة لا تحرم بها المرأة في التاسعة، فهو حكم ثابت لطلاق السنة و غيره من الأفراد المذكورة.
و ثالثها: المشهور بين الأصحاب أنه إذا طلق زوجته طلاق السنة المتقدم شرحه فإنها بعد الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، و هذا الطلاق يفارق طلاق العدة في أن المطلقة به لا تحرم مؤبدا، بخلاف طلاق العدة فإنها تحرم بعد التاسعة مؤبدا، و هو محل وفاق على ما نقله في المسالك، و يشاركه بناء على المشهور في عدم الحل بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره.
و نقل عن عبد الله بن بكير أن هذا الطلاق- أعني طلاق السنة- لا يحتاج إلى محلل بعد الثلاثة (1) بل استيفاء العدة الثالثة بهدم التحريم، و هو ظاهر الصدوق
____________
(1) و الظاهر أنه لا خلاف فيما عدا طلاق السنة من أنواع الطلاق في أنه بعد الثالثة يتوقف على المحلل، و انما محل الخلاف المنقول عن ابن بكير هو طلاق السنة خاصة، و محل الاختلاف في الاخبار أيضا انما هو طلاق السنة خاصة. (منه- (قدس سره)-).
276
في الفقيه (1) أيضا، حيث قال بعد أن أورد طلاق السنة: فجائز له أن يتزوجها بعد ذلك، و سمي طلاق السنة طلاق الهدم، لأنه متى استوفت قروءها و تزوجها ثانية هدم الطلاق الأول. و هو كما ترى ظاهر فيما ذهب اليه ابن بكير، و المشهور في كلام الأصحاب تخصيص الخلاف في هذا المقام بابن بكير، حتى أن شيخنا الشهيد الثاني في الروضة اعترض المصنف في قوله في اللمعة «و قد قال بعض الأصحاب أن هذا الطلاق لا يحتاج إلى محلل بعد الثلاث»- بعد تفسيره البعض المذكور بابن بكير و ذكر رواياته- بأن عبد الله بن بكير ليس من أصحابنا الإمامية، و لقد كان ترك حكاية قوله في هذا المختصر أولى.
و فيه أنه يجوز أن يكون المصنف إنما أراد بذلك البعض الصدوق لما عرفت ثم إنه لا يخفى عليك أن الظاهر أن
عبارة الصدوق هنا مأخوذة من كتاب الفقه الرضوي (2) حيث قال (عليه السلام) بعد شرح طلاق السنة: «و سمي طلاق السنة طلاق الهدم، لأنه متى استوفت قروءها و تزوجها الثانية هدم الطالق الأول- و هي كما ترى عين عبارة الصدوق، ثم قال (عليه السلام):- و روي أن طلاق الهدم لا يكون إلا بزوج ثان».
انتهى، و هو إشارة إلى القول المشهور، و في نسبة ذلك إلى الرواية إيذان بأن الأول هو الذي يختاره و يفتي به (عليه السلام)، و لهذا أفتى به الصدوق- رحمة الله عليه.
و الواجب أولا نقل ما وصل إلينا من أخبار المسألة، ثم الكلام بما يسر الله سبحانه فهمه منها، فمما يدل على القول المشهور صحيحة أبي بصير (3) المتقدمة في سابق هذا الموضع.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 320 ضمن ح 1.
(2) فقه الرضا ص 242.
(3) الكافي ج 6 ص 66 ح 4.
277
و ما رواه
في التهذيب (1) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل طلق امرأته، ثم تركها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجها، ثم طلقها من غير أن يدخل بها، حتى فعل ذلك ثلاثا، قال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره».
و عن الحسن بن زياد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن طلاق السنة كيف يطلق الرجل امرأته؟ فقال: يطلقها في طهر قبل عدتها من غير جماع بشهود فإن طلقها واحدة ثم تركها حتى يخلو أجلها فقد بانت منه، و هو خاطب من الخطاب، و إن راجعها فهي عنده على تطليقة ماضية، و بقي تطليقتان، و إن طلقها الثانية ثم تركها حتى يخلو أجلها فقد بانت منه، و إن هو أشهد على رجعتها قبل أن يخلو أجلها فهي عنده على تطليقتين ماضيتين و بقيت واحدة، فإن طلقها الثالثة فقد بانت منه، و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، و هي ترث و تورث ما كان له عليها رجعة من التطليقتين الأولتين».
و ما رواه
الشيخ (3) في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا أراد الرجل الطلاق طلقها قبل عدتها في غير جماع فإنه إذا طلقها واحدة ثم تركها حتى يخلو أجلها إن شاء أن يخطب مع الخطاب فعل، فإن راجعها قبل أن يخلو أجلها أو بعده كانت عنده على تطليقة، فإن طلقها الثانية أيضا فشاء أن يخطبها مع الخطاب إن كان تركها (4) حتى يخلو أجلها، فإن شاء راجعها قبل أن ينقضي و إن فعل فهي عنده على تطليقتين، فإن طلقها الثالثة
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 65 ح 133، الوسائل ج 15 ص 351 ب 3 ح 4.
(2) الكافي ج 6 ص 67 ح 5، الوسائل ج 15 ص 346 ب 1 ح 4 و فيهما اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 6 ص 69 ح 9، التهذيب ج 8 ص 29 ح 5، الوسائل ج 15 ص 347 ب 1 ح 7 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(4) قوله «ان كان تركها» قيد للمشية في قوله «فشاء أن يخطبها» و جواب الشرط محذوف أى فعل، كما تقدم التصريح به في سابق هذا الكلام من الخبر. (منه- (قدس
سره)-).
278
فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، و هي ترث و تورث ما كانت في الدم من التطليقتين الأولتين».
و
ما رواه الشيخ (1) في الصحيح عن ابن أذينة و زرارة و بكير و محمد بن مسلم و بريد بن معاوية و الفضيل بن يسار و إسماعيل الأزرق و معمر بن يحيى بن بسام كلهم سمعه عن أبي جعفر (عليه السلام) و عن ابنه أبي عبد الله (عليه السلام) بصورة ما قالوا و إن لم أحفظ حروفه غير أنه لم يسقط جمل معناه: إن الطلاق الذي أمر الله به في كتابه و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) أن المرأة إذا حاضت و طهرت من حيضها أشهد رجلين عدلين قبل أن يجامعها على تطليقه، ثم هو أحق برجعتها ما لم تمض لها ثلاثة قروء، فإن راجعها كانت عنده على تطليقتين و إن مضت ثلاثة قروء قبل أن يراجعها فهي أملك بنفسها، فإن أراد أن يخطبها مع الخطاب خطبها، فإن تزوجها كانت عنده على تطليقتين، و ما خلا هذا فليس بطلاق.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يطلق امرأته تطليقة ثم يراجعها بعد انقضاء عدتها، فإذا طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره» الحديث.
و ما رواه
في الكافي (3) عن صفوان عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في المطلقة التطليقة الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره و يذوق عسيلتها».
و نحو هذه الرواية مما دل بإطلاقه على ما ذكرناه ما رواه
الشيخ (4) في
____________
(1) الكافي ج 6 ص 69 ح 7، التهذيب ج 8 ص 28 ح 4، الوسائل ج 15 ص 351 ب 3 ح 7 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 76 ح 4، التهذيب ج 8 ص 33 ح 18، الوسائل ج 15 ص 352 ب 3 ح 9.
(3) الكافي ج 6 ص 76 ح 3، التهذيب ج 8 ص 33 ح 17، الوسائل ج 15 ص 353 ب 3 ح 10 و ما في المصادر «عسيلتها».
(4) التهذيب ج 8 ص 66 ح 136، الوسائل ج 15 ص 350 ب 3 ح 1.
279
الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) قال: «البكر إذا طلقت ثلاثة مرات و تزوجت من غير نكاح فقد بانت منه، و لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره».
و نحوها رواية طربال (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام).
و عن عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في امرأة طلقها زوجها ثلاثا قبل أن يدخل بها، قال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره».
و أما ما يدل على ما ذهب إليه ابن بكير من أن استيفاء العدة يهدم الطلاق المتقدم، و لا تحتاج المطلقة كذلك إلى محلل بعد الثالثة، فهو ما رواه
الشيخ (3) عن ابن بكير عن زرارة قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: الطلاق الذي يحبه الله و الذي يطلقه الفقيه و هو العدل بين المرأة و الرجل أن يطلقها في استقبال الطهر بشهادة شاهدين و إرادة من القلب ثم يتركها حتى تمضي ثلاثة قروء، فإذا رأت الدم في أول قطرة من الثالثة و هو آخر القروء- لأن الأقراء هي الأطهار- فقد بانت منه، و هي أملك بنفسها، فإن شاءت تزوجته و حلت له بلا زوج، فإن فعل هذا بها مائة مرة هدم ما قبله و حلت بلا زوج، و إن راجعها قبل أن تملك نفسها ثم طلقها ثلاث مرات يراجعها و يطلقها لم تحل له إلا بزوج».
و ما رواه
في الكافي (4) عن حميد بن زياد، عن عبد الله بن أحمد عن ابن أبي عمير عن ابن المغيرة عن شعيب الحداد، عن المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يطلق امرأته ثم لم يراجعها حتى حاضت ثلاث حيض، ثم تزوجها ثم طلقها فتركها حتى حاضت ثلاث حيض، ثم تزوجها، ثم طلقها من غير أن يراجع، ثم تركها حتى حاضت ثلاث حيض، قال: له أن يتزوجها أبدا ما لم
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 65 ح 135، الوسائل ج 15 ص 350 ب 3 ح 2.
(2) التهذيب ج 8 ص 65 ح 132، الوسائل ج 15 ص 350 ب 3 ح 3.
(3) التهذيب ج 8 ص 35 ح 26، الوسائل ج 15 ص 355 ب 3 ح 16 و فيهما اختلاف يسير.
(4) الكافي ج 6 ص 77 ح 2، الوسائل ج 15 ص 354 ب 3 ح 13 و فيهما اختلاف يسير.
280
يراجع و يمس. و كان ابن بكير و أصحابه يقولون هذا ما أخبرني ابن المغيرة، قال: قلت له: من أين قلت هذا؟ قال: قلته من قبل رواية رفاعة، روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه يهدم ما مضى، قال: قلت له: فإن رفاعة إنما قال: طلقها، ثم نزوجها رجل ثم طلقها، ثم تزوجها الأول، إن ذلك يهدم الطلاق الأول».
و عن حميد بن زياد عن ابن سماعة عن محمد بن زياد و صفوان عن رفاعة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طلق امرأة حتى بانت منه و انقضت عدتها، ثم تزوجت زوجا آخر فطلقها أيضا، ثم تزوجها زوجها الأول، أ يهدم ذلك الطلاق الأول؟ قال: نعم. قال ابن سماعة: و كان ابن بكير يقول: المطلقة إذا طلقها زوجها ثم تركها حتى تبين ثم تزوجها فإنما هي عنده على طلاق مستأنف قال: و ذكر الحسين بن هاشم أنه سأل ابن بكير عنها، فأجابه بهذا الجواب، فقال له: سمعت في هذا شيئا؟ فقال: رواية رفاعة، فقال: إن رفاعة روى إذا دخل بينهما زوج، فقال: زوج و غير زوج عندي سواء، فقلت: سمعت في هذا شيئا؟ فقال: لا، هذا ما رزق الله عز و جل من الرأي، قال ابن سماعة: و ليس نأخذ بقول ابن بكير، فإن الرواية إذا كان بينهما زوج».
و عن محمد بن أبي عبد الله عن معاوية بن حكيم عن ابن المغيرة (2) قال: «سألت عبد الله بن بكير عن رجل طلق امرأته واحدة ثم تركها حتى بانت منه ثم تزوجها، قال: هي معه كما كانت في التزويج، قال: قلت له: فإن رواية رفاعة إذا كان بينها زوج، فقال لي عبد الله: هذا زوج و هذا مما رزق الله من الرأي و متى ما طلقها واحدة فبانت منه ثم تزوجها زوج آخر ثم طلقها زوجها
____________
(1) الكافي ج 6 ص 77 ح 3، الوسائل ج 15 ص 353 ب 3 ح 11 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 78 ح 4، التهذيب ج 8 ص 30 ح 8، الوسائل ج 15 ص 353 ب 3 ح 12 و ما في المصادر اختلاف يسير، و عبارة «قال معاوية بن حكيم.» غير موجودة في التهذيب و الوسائل.
281
فتزوجها الأول فهي عنده مستقبلة كما كانت، فقلت لعبد الله: هذا برواية من؟
فقال: هذا مما رزق الله تعالى.
قال معاوية بن حكيم: روى أصحابنا عن رفاعة ابن موسى أن الزوج يهدم الطلاق الأول، فإن تزوجها فهي عنده مستقبلة. قال أبو عبد الله (عليه السلام): يهدم الثلاث و لا يهدم الواحدة و الثنتين.
و رواية رفاعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) هو الذي احتج به ابن بكير» انتهى ما ذكره في الكافي.
و قد تقدم نقل كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) كما عبر به الصدوق في الفقيه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الشيخ بعد نقل الرواية الأولى التي رواها ابن بكير عن زرارة أجاب عنها فقال (2): فهذه الرواية أوكد شبهة من جميع ما تقدم من الروايات، لأنها لا تحتمل شيئا مما قلناه، لكونها مصرحة خالية من وجوه الإضمار إلا أن في طريقها عبد الله بن بكير، و قد بينا من الأخبار ما تضمن أنه قال حين سئل عن هذه المسألة «هذا مما رزق الله من الرأي- ثم قال:- و من هذه صورته فيجوز أن يكون أسند ذلك إلى رواية زرارة نصرة لمذهبه الذي كان أفتى به، و أنه لما رأى أصحابه لا يقبلون ما يقوله برأيه أسنده إلى من رواه عن أبي جعفر (عليه السلام)، و ليس عبد الله بن بكير معصوما لا يجوز عليه هذا، بل وقع عنه من العدول عن اعتقاد مذهب الحق إلى اعتقاد مذهب الفطحية ما هو معروف من مذهبه، و الغلط في ذلك أعظم من إسناده فيما يعتقد صحته بشبهة إلى بعض أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، و إذا كان الأمر على ما قلناه لم يعرض هذه الرواية ما قدمناه، انتهى.
و اعترضه جملة من أفاضل المتأخرين و متأخريهم، بأن هذا القدح العظيم في ابن بكير ينافي ما صرح به في فهرسته من توثيقه، و ما رواه الكشي من الإجماع على تصحيح ما يصح عنه، و يوجب عدم جواز العمل بروايته مع أنهم متفقون على
____________
(1) فقه الرضا ص 242 قوله «سمى طلاق السنة. إلخ».
(2) التهذيب ج 8 ص 35 بعد ذكر حديث 26 و فيه اختلاف يسير.
282
العمل بها، بل ترجيحها بما تقدم من الإجماع المذكور على غيرها.
و أنت خبير بأنه لا يخفى على المعترض- فيما قدمناه من الروايات عن الكافي المتضمنة لمحاجة الأصحاب لعبد الله المذكور فيما تفرد به و ذهب إليه، و جوابه تارة بالأخذ برواية رفاعة، مع أن رواية رفاعة إنما تضمنت الهدم بالزوج الثاني، لا بمجرد استيفاء العدة كما ادعاه، و جوابه تارة بأن هذا مما رزقه الله من الرأي،- أنه لو كان لهذه الرواية التي نقلها عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أصل يومئذ لكانت هي الأولى لاحتجاجه و إلجام ألسنة المعترضين عليه، و حيث لم يحتج بها و لم يذكرها علم أنها مخترعة بعد ذلك، و أنه لما رأى عدم قبول قوله و ما احتج به في تلك الأخبار عدل إلى هذه الرواية لما ذكره الشيخ من الشبهة التي عرضت له.
و منه يعلم الجواب عما اعترضوا به الشيخ من أن ذلك موجب لعدم جواز العمل برواية عبد الله المذكور، لأن الشيخ لم يطعن عليه بأنه يعتقد المخالفة في الحكم الشرعي، و إنما أسند إليه عروض الشبهة في ذلك و أنه بسبب عروض هذه الشبهة و توهم أنها حق روى عن زرارة هذه الرواية.
و الأقرب عندي هو حمل ما ذكره ابن بكير من هذه الأقوال و كذا رواية صحيحة زرارة على التقية و أن ابن بكير كان عالما بالحكم المذكور في كلام الأصحاب، و لكنه عدل عن القول به و إظهار الإفتاء به تقية، و على هذا يحمل صدر رواية معلى بن خنيس المتقدمة.
و بالجملة فإن شهرة الحكم بين متقدمي الأصحاب و متأخريهم مع اعتضادها بما قدمناه من الأخبار المتكاثرة ظاهرة في أن ذلك هو مذهبهم (عليهم السلام)، و أن القول بخلاف ذلك ضعيف.
و من الأخبار الدالة على مذهب ابن بكير أيضا ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 30 ح 9، الوسائل ج 15 ص 355 ب 3 ح 15.
283
عن عبد الله بن سنان قال: «إذا طلق الرجل امرأته فليطلق على طهر بغير جماع بشهود، فإن تزوجها بعد ذلك فهي عنده على ثلاث و بطلت التطليقة الاولى، و إن طلقها اثنتين ثم كف عنها حتى تمضي الحيضة الثالثة بانت منه بثنتين، و هو خاطب من الخطاب، فإن تزوجها بعد ذلك فهي عنده على ثلاث تطليقات و بطلت الاثنتان، فإن طلقها ثلاث تطليقات على العدة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره».
و حمله الشيخ على أنه تزوجها بعد العدة و بعد أن تزوجها زوج آخر، و لا يخفى بعده، و الأظهر حمله على ما حملنا عليه أمثاله، على أن الرواية المذكورة مقطوعة، و إنما هي فتوى عبد الله بن سنان فلا تقوم به حجة.
مسائل
[المسألة] الاولى: في طلاق الحامل
لا خلاف بين الأصحاب في جواز طلاقها مرة، و عليه تدل جملة من الأخبار مثل
قول أبي عبد الله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (1) «لا بأس بطلاق خمس على كل حال: الغائب عنها زوجها، و التي لم تحض، و التي لم يدخل بها، و الحبلى، و التي يئست من المحيض».
و قول أبي جعفر (عليه السلام) في رواية إسماعيل بن جابر الجعفي (2) «خمس يطلقن على كل حال: الحامل المتيقن حملها» الحديث،.
و بهذا المضمون أخبار عديدة، و إنما يجوز تطليق هؤلاء على كل حال، لأنهن مأمونات من العلوق.
إنما الخلاف بين الأصحاب فيما زاد على المرة، فقال الصدوقان في الرسالة و المقنع: و إن راجعها- يعني الحبلى- قبل أن تضع ما في بطنها، أو يمضي لها ثلاثة أشهر، ثم أراد طلاقها فليس له ذلك حتى تضع ما في بطنها و تطهر ثم يطلقها. و هو ظاهر في المنع من الطلاق ثانيا ما دامت حاملا، أو يمضي ثلاثة
____________
(1) الكافي ج 6 ص 79 ح 2، الوسائل ج 15 ص 306 ب 25 ح 3 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 79 ح 1، الوسائل ج 15 ص 305 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
284
أشهر أعم من أن يكون للعدة و غيره.
و قال الشيخ في النهاية: و إن أراد أن يطلق امرأته و هي حبلى يستبين حملها فيطلقها أي وقت شاء، و إذا طلقها واحدة كان أملك برجعتها ما لم تضع ما في بطنها، فإذا راجعها و أراد طلاقها للسنة لم يجز له ذلك حتى تضع ما في بطنها، فإذا راجعها [و] أراد طلاقها للعدة واقعها ثم طلقها بعد المواقعة، فإذا فعل ذلك فقد بانت منه بطلقتين، و هو أملك برجعتها، فإن راجعها و أراد طلاقها ثالثة واقعها، ثم يطلقها، فإذا طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجها غيره.
و تبعه ابن البراج و ابن حمزة.
و ذهب ابن الجنيد إلى المنع من طلاق العدة إلا بعد شهر، و لم يتعرض لغيره قال على ما نقله في المختلف: و الحبلى إذا طلقها زوجها وقع عليها الطلاق، و له أن يرتجعها، فإن أراد طلاقها تركها شهرا من حال جماعة في الرجعة ثم طلقها فإن ارتجعها الثانية و أراد طلاقها طلقها كذلك، فإذا ارتجعها ثم طلقها كذلك لم تحل له حتى تنكح زوجها غيره.
و ذهب ابن إدريس و المحقق و جماعة إلى جواز طلاقها مطلقا كغيرها، و أنه يجوز طلاقها للسنة كما يجوز للعدة، إذ لا مانع من إجماع و لا كتاب و لا سنة متواترة، و الأصل الصحة مع عموم «فإن طلقها».
أقول: و الأصل في هذا الاختلاف اختلاف أخبار المسألة، فالواجب أولا نقل ما وصل إلينا من أخبار المسألة ثم الكلام فيها بما رزقه الله تعالى فهمه منها.
فمنها ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «طلاق الحامل واحدة، و إن شاءت راجعها قبل أن تضع، فإن وضعت قبل أن يراجعها فقد بانت منه و هو خاطب من الخطاب».
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 71 ح 155، الوسائل ج 15 ص 380 ب 20 ح 2 و فيهما «و ان شاء».
285
و عن إسماعيل الجعفي (1) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «طلاق الحامل واحدة، فإذا وضعت ما في بطنها فقد بانت منه».
و رواه الكليني نحوه.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «طلاق الحامل واحدة و عدتها أقرب الأجلين».
و عن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الحبلى تطلق تطليقة واحدة».
و ما رواه
في الكافي (4) بأسانيد عديدة فيها الصحيح عن إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «طلاق الحامل واحدة فإذا وضعت ما في بطنها فقد بانت منه».
و ما رواه الصدوق في الفقيه (5) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله، و طريقه إلى زرارة صحيح في المشيخة.
و ما رواه
في التهذيب (6) عن سماعة في الموثق قال: «سألته عن طلاق الحبلى، فقال: واحدة، و أجلها أن تضع حملها».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (7) عن الحلبي في الصحيح قال: «طلاق الحبلى واحدة و أجلها أن تضع حملها و هي أقرب الأجلين».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 81 ح 5، التهذيب ج 8 ص 70 ح 153 و فيه «طلاق الحامل واحدة و لأجلها أن تضع حملها.»، الوسائل ج 15 ص 380 ب 20 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 81 ح 2، التهذيب ج 8 ص 70 ح 151، الوسائل ج 15 ص 380 ب 20 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 81 ح 1، التهذيب ج 8 ص 70 ح 152، الوسائل ج 15 ص 381 ب 20 ح 4.
(4) الكافي ج 6 ص 81 ح 5، التهذيب ج 8 ص 70 ح 152، الوسائل ج 15 ص 381 ب 20 ح 1.
(5) الفقيه ج 3 ص 329 ح 1.
(6) التهذيب ج 8 ص 71 ح 154، الوسائل ج 15 ص 381 ب 20 ح 5.
(7) الكافي ج 6 ص 82 ح 8، التهذيب ج 8 ص 71 ح 155، الوسائل ج 15 ص 419 ب 9 ح 6، و ما في المصادر «و هو أقرب.».
286
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب (1) عن محمد بن منصور الصيقل عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يطلق امرأته و هي حبلى، قال: يطلقها. قلت: فيراجعها؟
قال: نعم يراجعها، قلت: فإنه بدا له بعد ما راجعها أن يطلقها، قال: لا، حتى تضع».
و ما رواه
في الكافي (2) في الصحيح عن بريد الكناسي و هو مجهول قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن طلاق الحبلى فقال: يطلقها واحدة للعدة بالشهور و الشهود، قلت: فله أن يراجعها؟ قال: نعم و هي امرأته، قلت: فإن راجعها و مسها ثم أراد أن يطلقها تطليقة أخرى، قال: لا يطلقها حتى يمضي لها بعد ما مسها شهر، قلت:
فإن طلقها ثانية و أشهد على طلاقها ثم راجعها و أشهد على رجعتها و مسها، ثم طلقها التطليقة الثالثة و أشهد على طلاقها لكل عدة شهر، هل تبين منه كما تبين المطلقة على العدة التي لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره؟ قال: نعم، قلت: فما عدتها؟ قال: عدتها أن تضع ما في بطنها، ثم قد حلت للأزواج».
و ما رواه
في التهذيب (3) عن إسحاق بن عمار في الموثق قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الحامل يطلقها زوجها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها الثالثة، قال: تبين منه، و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره».
و عن إسحاق بن عمار (4) في الموثق عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طلق امرأته و هي حامل، ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها الثالثة،
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 331 ح 1، التهذيب ج 8 ص 71 ح 157، الوسائل ج 15 ص 381 ب 20 ح 7.
(2) الكافي ج 6 ص 82 ح 12، الوسائل ج 15 ص 382 ب 20 ح 11 و الصحيح «يزيد الكناسي» مع اختلاف يسير.
(3) التهذيب ج 8 ص 71 ح 156، الوسائل ج 15 ص 381 ب 20 ح 6.
(4) التهذيب ج 8 ص 73 ح 161، الوسائل ج 15 ص 382 ب 20 ح 10.
287
في يوم واحد، تبين منه؟ قال: نعم».
و ما رواه
في التهذيب (1) عن ابن بكير عن بعضهم قال: «في الرجل تكون له المرأة الحامل و هو يريد أن يطلقها قال: يطلقها إذا أراد الطلاق بعينه يطلقها بشهادة الشهود، فإن بدا له في يومه أو من بعد ذلك أن يراجعها يريد الرجعة بعينها فليراجع و يواقع ثم يبدو له فيطلق أيضا ثم يبدو له فيراجع كما راجع أولا، ثم يبدو له فيطلق فهي التي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره إذا كان إذا راجع يريد المواقعة و الإمساك و يواقع».
و عن إسحاق بن عمار (2) في الموثق عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: «سألته عن الحبلى تطلق الطلاق التي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره؟ قال: نعم، قلت:
أ لست قلت لي إذا جامع لم يكن له أن يطلق؟ قال: إن الطلاق لا يكون إلا على طهر قد بان، أو حمل قد بان، و هذه قد بان حملها».
أقول: لما توهم السائل عدم جواز الطلاق بعد الجماع قبل الاستبراء أجابه (عليه السلام) بأن هذا في غير الحامل المستبين حملها لتكاثر الأخبار كما عرفت بأنها من اللواتي يطلقن على كل حال.
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3): «و أما طلاق الحامل فهو واحد، و أجلها أن تضع ما في بطنها، و هو أقرب الأجلين، فإذا وضعت أو سقطت يوم طلقها أو بعده متى كان فقد بانت منه و حلت للأزواج، فإن مضى لها ثلاثة أشهر من قبل أن تضع فقد بانت منه، و تحل للأزواج حتى تضع، فإن راجعها من قبل أن تضع ما في بطنها أو يمضي لها ثلاثة أشهر ثم أراد طلاقها فليس له ذلك حتى تضع ما في بطنها و تطهر ثم يطلقها».
هذا ما حضرني من الأخبار في المقام، و الشيخ قد حمل الأخبار الأولة الدالة
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 72 ح 160، الوسائل ج 15 ص 382 ب 20 ح 9 مع اختلاف يسير في الحديثين الأخيرين.
(2) التهذيب ج 8 ص 71 ح 158، الوسائل ج 15 ص 382 ب 20 ح 8 مع اختلاف يسير في الحديثين الأخيرين.
(3) فقه الرضا ص 244 مع اختلاف يسير.
288
بظاهرها على انحصار طلاق الحامل في الواحدة على طلاق السنة جمعا بين الأخبار المذكورة و ما قابلها، و هو جيد كما يظهر لك إن شاء الله تعالى.
و السيد السند في شرح النافع لما كان مطمح نظره متعلقا بالأسانيد، فهو يدور مدار الأسانيد الصحيحة، رجح العمل بالأخبار الدالة على انحصار طلاقها في الواحدة لكثرة الأخبار الصحاح فيها، فقال بعد البحث في المسألة: و الذي يقتضيه الوقوف مع الأخبار الصحيحة المستفيضة الحكم بأن طلاق الحامل واحد، لكن المصنف في الشرائع ادعى الإجماع على جواز طلاق الحامل ثانيا للعدة، ثم نقل الخلاف في طلاقها للسنة، و نقل عنه أنه قال في بعض تحقيقاته: الوجه الاعراض عن أخبار الآحاد و الالتفات إلى ما دل عليه القرآن من جواز طلاقها مطلقا، و يشكل بأن الأخبار المتضمنة- لأن (1) طلاق الحامل واحدة- مستفيضة كما عرفت و أسانيدها معتبرة، و ليس لها ما يصلح للمعارضة، فإطراحها مشكل، انتهى و هو جيد.
بناء على هذا الاصطلاح المحدث الذي هو عليه فإن الأخبار في هذه المسألة ظاهرة التعارض لدلالة ظاهر أخبار الواحدة على انحصار طلاق الحامل فيها، و إنها لا تطلق إلا واحدة، فلو راجعها قبل خروج العدة فليس له أن يطلقها إلا بعد وضع الحمل كما دلت عليه رواية الصيقل و كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب فقه الرضوي و دلالة الأخبار الباقية على أنها تطلق ثانية و ثالثة و هي حامل بعد المراجعة و المواقعة أو مع عدمها، و من قاعدة أرباب هذا الاصطلاح أنهم لا يجمعون بين الأخبار إلا بعد التكافي في الأسانيد، و أخبار الزيادة على واحدة قاصرة عن المعارضة لضعف أسانيدها، فيتعين العمل بأخبار الواحدة.
هذا حاصل كلامه- (رحمه الله)- و هذا هو مذهب الصدوقين، فإن ما نقله الأصحاب عنهما مما قدمنا ذكره في صدر المسألة لم ينقل على وجهه، و رسالة الشيخ علي بن الحسين بن بابويه، و إن كانت لا تحضرني الآن لكن المقنع عندي
____________
(1) و الصحيح «بأن» كما يظهر من سياق العبارة.
289
موجود، و الذي فيه عين ما ذكر الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي، و إن فرق بعض ألفاظه عن بعض إلا أن المرجع إلى أمر واحد، و هذه صورة ما فيه:
و اعلم أن أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن، و هو أقرب الأجلين، و إذا وضعت أو أسقطت يوم طلقها أو بعده متى كان فقد بانت منه فلا تحل للأزواج حتى تضع، فإن راجعها قبل أن تضع ما في بطنها أو يمضي لها ثلاثة أشهر ثم أراد طلاقها فليس له حتى تضع ما في بطنها ثم تطهر و يطلقها، و سئل الصادق (عليه السلام) عن المرأة الحامل يطلقها زوجها ثم يراجعها ثم يطلقها الثالثة، فقال: قد بانت منه، و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، و طلاق الحامل واحدة و عدتها أقرب الأجلين، انتهى.
و أنت خبير بأن المفهوم منه هو ما نقلناه عن كتاب الفقه، فإنه أفتى فيه بكون طلاق الحامل واحدة و عدتها أقرب الأجلين، و هو وضع الحمل كما هو مذهبه في المسألة، و أفتى بناء على ذلك بأنه لو راجعها قبل مضي العدة و هي ثلاثة أشهر أو وضع الحمل فإنه ليس طلاقها إلا بعد وضع الحمل، و هو ظاهر بل صريح في أنه لا يجوز له طلاقها ثانيا ما دامت حاملا، ثم نقل عن الصادق (عليه السلام) مضمون ما دلت عليه موثقتا عمار المتقدمتان من جواز الزيادة على طلقة واحدة، و في نسبة ذلك إلى الرواية مع إفتائه بخلافه ما يدل على اختلاف الرواية يومئذ عندهم، و لكن الراجح عنده ما أفتى به اعتمادا على الكتاب الذي أفتى بعبارته، و مثله كثير قد قدمنا التنبيه عليه، سيما في كتب العبادات من اعتماد الصدوقين على الكتاب المذكور و الإفتاء بعبائره في مقابلة الأخبار الصحيحة الصريحة المتكاثرة الدالة على خلاف ذلك.
و مما شرحناه يظهر لك أن مستند الصدوقين فيما ذهبا إليه إنما هو كتاب الفقه الرضوي كما عرفته في غير موضع مما تقدم من الكتب السابقة، و أن مذهب الصدوقين هو ما يظهر من السيد السند التعويل عليه، و ليته كان حيا فأهديه إليه.
290
نعم يبقى الإشكال في الروايات الأخر و ما دلت عليه من جواز التعدد، و الشيخ قد جمع بين أخبار المسألة كملا بحمل ما دل على أن طلاق الحامل واحدة و لا يجوز ما زاد عليها على طلاق السنة بالمعنى الأخص، و حمل الأخبار الدالة على جواز الزيادة على واحدة على طلاق العدة.
و اعترضه الشهيد الثاني (أولا) بأن محل الخلاف إنما هو الطلاق الثاني لا الأول للاتفاق على صحة الأول كما تقدم، و استفاضة الأخبار به سنيا كان أو عديا، و الطلاق السني بالمعني الأخص لا يقع ثانيا بالنسبة إلى الحامل لأنها بعد الطلاق الأول للسنة- الذي شرطه الخروج من العدة- لا يجوز العقد عليها إلا بعد وضع الحمل، و حينئذ لا يكون حاملا، فلو طلقها و الحال هذه لم يدخل في محل البحث.
نعم الطلاق الأول يصدق عليه أنه للسنة متى تركها حتى وضعت حملها، لكنه ليس محل خلاف، إنما محله الطلاق الثاني كما عرفت، و هو لا يتم في الحامل بالكلية.
و (ثانيا) بأن تخصيصه الجواز بالعدي، فيه أن الأخبار قد دلت على جواز التعدد، و إن لم يكن عديا كموثقتي إسحاق بن عمار الأولتين من موثقاته الثلاث المتقدمة، فإن ظاهرهما المراجعة من غير مواقعة، و هو ليس بعدي و لا سني بالمعني الأخص، نعم هو سني بالمعنى الأعم.
أقول: يمكن الجواب عما ذكره- (رحمه الله)- أما عن (الأول) فبأنه و إن كان محل الخلاف إنما هو الطلاق الثاني للحامل كما ذكر- (رحمه الله)- إلا أن الشيخ لم يلحظ ذلك، لأن مطمح نظره إلى الجمع بين أخبار المسألة، و جملة منها قد صرحت بالانحصار في الطلقة الواحدة، فلا يجوز طلاقها ثانيا، و جملة منها صرحت بالزيادة على الواحدة، و الشيخ حمل الواحدة في هذه الأخبار و هي التي لم يقع قبلها طلقة على طلاق السنة، بمعنى أنه إذا أراد أن يطلق الحامل
291
طلاق السنة طلقها طلقة واحدة، و تركها حتى تضع حملها، و لا يجوز أن يراجعها و يطلقها قبل الوضع طلاقا سنيا، لأنه مشروط بالخروج من العدة التي هي هنا وضع الحمل، فطلاق السنة طلاقا ثانيا لا يكون للحامل بالكلية، فإنها بعد وضع الحمل لو طلقت لم يكن طلاق حامل فيخرج عن محل البحث.
و أما عن (الثاني) فبأن يقال: إنه لا ريب أن أخبار الزيادة على واحدة منها ما هو صريح في طلاق العدة كرواية بريد الكناسي (1)، و إن اشتملت على الشهر هنا زيادة على ما شرط في طلاق العدة في غير هذا الموضع، و رواية ابن بكير عن بعضهم.
و منها ما هو مطلق كموثقتي إسحاق بن عمار الأولتين من الثلاث المتقدمات و طريق الجمع بينها تقييد إطلاق هاتين الروايتين بما دلت عليه الروايتان الأخريان، و الظاهر أن هذا هو الذي قصده الشيخ- رحمة الله عليه- و إلى ما ذكرناه يشير كلام العلامة في المختلف، حيث قال بعد البحث في المسألة ما لفظه:
و التحقيق في هذا الباب أن يقول: طلاق العدة و السنة واحد و إنما يصير للسنة بترك المراجعة و ترك المواقعة، و للعدة بالرجعة في العدة و المواقعة، فإن طلقها لم يظهر أنه للسنة أو للعدة إلا بعد وضع الحمل، لأنه إن راجع قبله كان طلاق العدة، و إن تركها حتى تضع كان طلاق السنة، فإن قصد الشيخ ذلك فهو حق، و تحمل الأخبار عليه، انتهى.
أقول: لا ريب أن هذا هو الذي قصده الشيخ- (رحمه الله)- و إن خرج فيه عن محل البحث، حيث إن مراده الجمع بين أخبار المسألة و كلام العلامة كما ترى إنما هو بالنسبة إلى الطلاق الأول فهو الذي حمل عليه كلام الشيخ، و بذلك يعلم اندفاع ما أورده شيخنا المتقدم ذكره على الشيخ- رحمة الله عليه.
____________
(1) و الصحيح كما سبق ذكره «يزيد الكناسي».
292
نعم يبقى الكلام فيما دلت عليه رواية بريد [يزيد الكناسي] من اعتبار الشهر في طلاق العدة هنا، و الواجب تقييد ما أطلق من الأخبار بها إذ لا معارض لها- مع قوة سندها، فإن رواتها غير الراوي المذكور من الثقات الإمامية- إلا إطلاق الأخبار المذكورة، و هي قابلة للتقييد بها، و حينئذ فمتى راجع و واقع لم يجز له الطلاق إلا بعد مضي شهر من يوم المواقعة، و يحتمل بالنسبة إلى موثقتي إسحاق بن عمار العمل بظاهرهما من جواز الطلاق ثانيا بعد المراجعة من غير مواقعة، و إن لم يكن عديا و لا سنيا بالمعنى الأخص بل بالمعنى الأعم، و لعله أظهر، و قد تلخص مما ذكرنا أنه متى أراد الطلاق للسنة و ليس له أن يطلقها إلا طلقة واحدة و يتركها حتى تضع حملها و إن أراد الطلاق للعدة، فإن رجع و واقع فليس له الطلاق ثانيا إلا بعد مضي الشهر، فإن لم يواقع بناء على ما ذكرنا من الاحتمال فله أن يطلقها متى شاء، و حينئذ فيثبت للحامل طلاق السنة بالمعنى الأخص و طلاق العدة خاصة بناء على كلام الشيخ و من تبعه، و طلاق السنة بالمعنى الأعم بناء على ما ذكرناه من الاحتمال عملا بإطلاق الموثقتين المذكورتين.
و من ذلك يعلم أنه متى كان محل الخلاف هو الطلاق الثاني- كما هو ظاهر كلام الأصحاب و به صرح في المسالك و غيره- في غيره- فإنه لا يجري ذلك في طلاق السنة لما عرفت آنفا، و إنما تطلق للعدة خاصة بقاء على كلام الشيخ، و للسنة بالمعنى الأعم على ما ذكرناه من الاحتمال، فما ذكره ابن إدريس و من تبعه من المتأخرين- و منهم شيخنا في المسالك من جواز تطليقها مطلقا كغيرها- لا أعرف له وجها.
قال في المسالك بعد البحث في المسألة ما صورته: و الحق الاعراض عن هذه التكلفات التي لم يدل عليها دليل، و الرجوع إلى حكم الأصل من جواز طلاق الحامل كغيرها مطلقا، بشرائطه و عدم الالتفات إلى هذه الأخبار الضعيفة الاسناد المتناقضة الدلالة، و ما فيها من الصحيح ليس فيه ما ينافي الجواز و حمل أخبار النهي
293
عن الزائد على الكراهة، و جعله قبل شهر آكد، من غير أن يفرق بين كون الواقع طلاق عدة أو سنة بمعنييه، و قد ظهر بذلك أن القول بجواز طلاقها مطلقا هو الأقوى. و اعلم أنه قد ظهر أن القول بجواز طلاقها ثانيا للعدة وفاقي في الجملة لأن المتأخرين جوزوه مطلقا، و الشيخ خص الجواز به، و ابن الجنيد قيده بعد شهر، و ابنا بابويه أطلقا جوازه بعد ثلاثة أشهر، و بذلك ظهر صحة ما ادعاه المصنف من جوازه إجماعا، و إن كان بعضهم يشترط في صحته شرطا زائدا، لأن ذلك لا ينافي الحكم بجوازه في الجملة. إلى آخر كلامه- (رحمه الله).
و فيه نظر، أما (أولا) فإنه مع تسليم الاعراض عن الروايات الضعيفة باصطلاحهم فإنه لا يتم ما ذكره من الجواز مطلقا، قوله «و ما فيها من الصحيح ليس فيه ما ينافي الجواز ممنوع، لما عرفت من أن ظاهرها انحصار صحة طلاق الحامل في الواحدة، فلا يجوز غيرها، و هو ظاهر كلام سبطه في شرح النافع كما قدمناه، و يؤيده تصريح رواية الصيقل و كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه، و كذا عبارة المقنع بأنه ليس له أن يطلق بعد المراجعة حتى تضع.
و أما (ثانيا) فما ادعاه من جواز طلاقها للسنة بالمعنى الأخص فإنه غير مستقيم كما شرحناه آنفا، و بذلك اعترف أيضا فيما تقدم من كلامه، حيث قال في الاعتراض على عبارة الشيخ في النهاية: و السني بالمعنى الأخص لا يتحقق في الحامل، لأنه لا يصير كذلك إلا بعد الوضع و العقد عليها ثانيا، و حينئذ فلا يكون حاملا، و الكلام في الطلاق الواقع بالحامل. انتهى، فكيف يدعي هنا جوازه، ما هذا إلا عجب عجيب من هذا النحرير، و سهو ظاهر في هذا التحرير.
و أما (ثالثا) فإن ما ادعاه في تشييد دعوى الوفاق على جواز الطلاق العدي ثانيا من أن الصدوقين أطلقا جوازه بعد ثلاثة أشهر، أشد عجبا مما تقدم، فإن عبارتهما المنقولة في كلامهم كما قدمنا ذكرها في صدر المسألة صريحة في أن ذكر الثلاثة أشهر إنما هو لصحة الرجعة لا للطلاق، و هذه صورتها: و إن راجعها
294
قبل أن تضع ما في بطنها أو يمضي لها ثلاثة أشهر ثم أراد طلاقها فليس له ذلك حتى تضع ما في بطنها و تطهر ثم يطلقها. و هي صريحة في أن الطلاق ثانيا لا يجوز إلا بعد الوضع و الطهارة من النفاس، و الثلاثة الأشهر إنما هي بالنسبة إلى صحة الرجوع، و ذلك لأن الحامل تبين بأقرب الأجلين، أما الثلاثة الأشهر أو الوضع.
و الغرض بيان أن الرجعة وقعت في العدة قبل مضي واحد من الأمرين المذكورين فتكون الرجعة صحيحة، أما لو أراد الطلاق ثانيا بعد هذه الرجعة فإنه لا يجوز له إلا بعد أن تضع، و يؤكده ما شرحناه سابقا من بيان مذهب الصدوقين في هذه المسألة. فانظر إلى ما في هذا الكلام من الخلل الظاهر لذوي الأفهام، و الغرض من التنبيه على ما في أمثال هذا المقال من السهو الواضح الناشئ من الاستعجال هو وجوب التأمل و تحقيق الحال، و عدم الركون إلى من قال، و إن كان من مجلي حلبة الرهان في ذلك المجال، و في المشهور «اعرف الرجال بالحق، و لا تعرف الحق بالرجال» و بالجملة فالظاهر عندي هو العمل بجملة الأخبار المذكورة، و الجمع بينها ما قدمنا ذكره.
المسألة الثانية [في ما لو طلق الحامل المدخول بها ثم راجعها و واقعها]
لا خلاف بين الأصحاب في أنه إذا طلق الحامل المدخول بها ثم راجعها و واقعها كما هو طلاق العدة المتقدم فإنه يجوز أن يطلقها ثانيا، إنما الخلاف فيما إذا طلقها بعد المراجعة الخالية من المواقعة، سواء كان في طهر الطلاق الأول أو الطهر الذي بعده، و المشهور بين الأصحاب صحة الطلاق.
و نقل عن ابن أبي عقيل أنه خالف في ذلك و حكم بعدم وقوع الطلاق على هذا الوجه، سواء كان في طهر الطلاق الأول أو الطهر الذي بعده، و هذه صورة عبارته على ما نقله عنه غير واحد منهم العلامة في المختلف و غيره.
قال- (رحمه الله)-: لو طلقها من غير جماع قبل تيسر المواقعة بعد الرجعة لم يجز ذلك، لأنه طلقها من غيره أن ينقضي الطهر الأول، و لا ينقضي الطهر الأول
295
إلا بتدليس المواقعة بعد المراجعة، فإذا جاز أن يطلق التطليقة الثانية بلا طهر جاز أن يطلق كل تطليقة بلا طهر، و لو جاز ذلك لما وضع الله الطهر، انتهى.
و اعترضه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد نقل عبارته بما هذا لفظه:
و إنما ذكرنا عبارته لاشتمالها على الاستدلال على حكمه، و به يظهر ضعف قوله مع شذوذه، فإنا لا نسلم أن الطهر لا ينقضي بدون المواقعة، للقطع بأن تخلل الحيض بين الطهرين يوجب انقضاء الطهر السابق، سواء واقع فيه أم لا.
ثم لا نسلم اشتراط انقضاء الطهر في صحة الطلاق مطلقا. و إنما الشرط انقضاء الطهر الذي واقعها فيه، و هو منتف هنا لأن الطلاق الأول وقع بعده في طهر آخر، لأنه الغرض فلا يشترط أمر آخر، انتهى.
أقول: و تحقيق المقام على وجه لا يعتريه النقض و الإبرام بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الأعلام- رفع الله تعالى أقدارهم في دار السلام- قد سبق لي في بعض أجوبة مسائل بعض الطلبة الكرام، و هو يتوقف على نقل ما ورد من الأخبار في هذا المجال، ليتضح بذلك حقيقة الحال، و يظهر ما في كلام جملة من الأصحاب من الاختلال، فنقول:
من الأخبار الدالة على ما هو المشهور
موثقة إسحاق بن عمار (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل طلق امرأته ثم راجعها بشهود، ثم طلقها ثم بدا له فيراجعها بشهود، تبين منه؟ قال: نعم، قلت: كل ذلك في طهر واحد، قال: تبين منه».
و هي كما ترى صريحة في أن مجرد الرجعة كاف في صحة الطلاق ثانيا و إن كان في طهر الطلاق الأول.
و صحيحة عبد الحميد بن عواض و محمد بن مسلم (2) «قالا: سألنا أبا عبد الله
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 92 ح 236، الوسائل ج 15 ص 379 ب 19 ح 5 و فيهما اختلاف يسير.
(2) التهذيب ج 8 ص 45 ح 58، الوسائل ج 15 ص 378 ب 19 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
296
(عليه السلام) عن رجل طلق امرأته و أشهد على الرجعة و لم يجامع، ثم طلق في طهر آخر على السنة أ تثبت التطليقة الثانية من غير جماع؟ قال: نعم، إذا هو أشهد على الرجعة و لم يجامع كانت التطليقة ثانية».
و هي صريحة أيضا في المدعى، و الطلاق الثاني هنا وقع في طهر آخر غير طهر الطلاق الأول.
و صحيحة البزنطي (1) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته بشاهدين، ثم راجعها و لم يجامعها بعد الرجعة حتى طهرت من حيضها، ثم طلقها على طهرت بشاهدين، أ تقع عليها التطليقة الثانية و قد راجعها و لم يجامعها؟
قال: نعم».
و حسنة أبي علي بن راشد (2) قال: «سألته مشافهة عن رجل طلق امرأته بشاهدين على طهر، ثم سافر و أشهد على رجعتها، فلما قدم طلقها من غير جماع، أ يجوز ذلك له؟ قال: نعم، قد جاز طلاقها».
و هما صريحتان أيضا في المدعى.
و استدل جملة من الأصحاب على ذلك أيضا بما ورد من الأخبار دالا على تحقق الرجعة مع عدم الجماع
كصحيحة عبد الحميد الطائي (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجعة بغير جماع تكون رجعة؟ قال: نعم».
و ظني أن هذا الاستدلال ليس في محله، فإنه لا يفهم من كلام ابن أبي عقيل منع حصول الرجعة إلا بالجماع معها، بل ظاهر عبارته أن مراده إنما هو كون الجماع شرط في صحة الطلاق الواقع بعد الرجعة، فالرجعة تقع و إن لم يكن ثمة جماع، و لكن لو طلقها و الحال هذه لم تحسب له إلا بالتطليقة الأولى دون هذه.
و الذي يدل على ما ذهب إليه ابن أبي عقيل
صحيحة عبد الرحمن بن
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 45 ح 59، الوسائل ج 15 ص 379 ب 19 ح 2.
(2) التهذيب ج 8 ص 45 ح 60، الوسائل ج 15 ص 379 ب 19 ح 4.
(3) التهذيب ج 8 ص 44 ح 56، الوسائل ج 15 ص 378 ب 18 ح 1.
297
الحجاج (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في الرجل يطلق امرأته، له أن يراجع؟
قال: لا يطلقن التطليقة الأخرى حتى يمسها».
و رواية المعلى بن خنيس (2) عن أبي عبد الله «في الرجل يطلق امرأته تطليقة، ثم يطلقها الثانية قبل أن يراجع، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا يقع الطلاق الثاني حتى يراجع و يجامع».
و موثقة إسحاق بن عمار (3) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل يطلق امرأته في طهر من غير جماع، ثم راجعها من يومه ذلك ثم يطلقها، أ تبين منه بثلاث طلقات في طهر واحد؟ فقال: خالف السنة، قلت: فليس ينبغي له إذا هو راجعها أن يطلقها إلا في طهر آخر؟ قال: نعم، قلت: حتى يجامع؟
قال: نعم».
هذه الروايات الثلاث صريحة فيما ذهب إليه ابن أبي عقيل، مع أنه لم ينقلها، و إنما نقلها الأصحاب له في كتب الاستدلال، و استدل له في المختلف و تبعه عليه جملة من المتأخرين عنه
برواية أبي بصير (4) عن أبي عبد الله قال: «المراجعة هي الجماع و إلا فإنما هي واحدة».
و في هذا الاستدلال ما عرفت آنفا، و الظاهر أنهم فهموا من منع ابن أبي عقيل من الطلاق ثانيا بعد الرجعة بدون جماع أن الوجه فيه عدم حصول الرجعة بالكلية، فيصير الطلاق لاغيا. و أنت خبير بأنه لا دلالة في كلامه على ذلك إذ أقصى ما يدل عليه عدم صحة ذلك الطلاق الأخير خاصة، و أما أن العلة فيه عدم
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 44 ح 53، الوسائل ج 15 ص 376 ب 17 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
(2) التهذيب ج 8 ص 46 ح 62، الوسائل ج 15 ص 377 ب 17 ح 5 و فيهما اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 6 ص 60 ح 12، الوسائل ج 15 ص 377 ب 17 ح 3 و فيهما اختلاف يسير.
(4) التهذيب ج 8 ص 44 ح 54، الوسائل ج 15 ص 376 ب 17 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
298
حصول الرجعة، فلا دلالة فيه عليه.
و يدل على هذا القول أيضا
صحيحة زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه قال:
كل طلاق لا يكون على السنة أو على العدة فليس بشيء».
ثم فسر (عليه السلام) طلاق السنة و طلاق العدة بما تقدم ذكره في سابق هذه المسألة، و التقريب فيها أنه من الظاهر أن الطلاق بعد المراجعة بدون المواقعة غير داخل في شيء من ذينك الفردين فيثبت بموجب الخبر أنه ليس بشيء.
و أجاب السيد السند في شرح النافع بأن قوله «ليس بشيء» يعتد به في الأدلة كما في هذين النوعين، و فيه من البعد ما لا يخفى.
و يدل على هذا القول أيضا بأوضح دلالة و أفصح مقالة و إن لم ينبه عليه أحد من علمائنا الأعلام
صحيحة أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن طلاق السنة، قال: طلاق السنة إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته يدعها إن كان دخل بها حتى تحيض ثم تطهر، فإذا طهرت طلقها واحدة بشهادة شاهدين، ثم تركها حتى تعتد ثلاثة قروء، فإذا مضت ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة و كان زوجها خاطبا من الخطاب- إلى أن قال:- و أما طلاق الرجعة، فإن يدعها حتى تحيض و تطهر، ثم يطلقها بشهادة شاهدين، ثم يراجعها و يواقعها، ثم ينتظر بها الطهر، فإذا حاضت و طهرت أشهد شاهدين على تطليقة أخرى، ثم يراجعها و يواقعها، ثم ينتظر بها الطهر فإذا حاضت و طهرت أشهد شاهدين على التطليقة الثالثة، فإن طلقها واحدة على طهر بشهود ثم انتظر بها حتى تحيض و تطهر ثم طلقها قبل أن يراجعها لم يكن طلاقه الثانية طلاقا لأنه طلق
____________
(1) الكافي ج 6 ص 65 ح 2، التهذيب ج 8 ص 26 ح 2، الوسائل ج 15 ص 344 ب 1 صدر ح 1، و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 66 ح 4، التهذيب ج 8 ص 27 ح 49، الوسائل ج 15 ص 345 ب 1 ح 3 و ص 349 ب 2 ح 2 و ما في المصادر اختلاف يسير.
299
طالقا، لأنه إذا كانت المرأة مطلقة من زوجها كانت خارجة عن ملكه حتى يراجعها، فإذا راجعها صارت في ملكه ما لم تطلق التطليقة الثالثة، فإذا طلقها التطليقة الثالثة فقد خرج ملك الرجعة من يده، فإن طلقها على طهر ثم راجعها فانتظر بها الطهر من غير مواقعة فحاضت و طهرت، ثم طلقها قبل أن يدنسها بمواقعة بعد الرجعة لم يكن طلاقه لها طلاقا لأنه طلقها التطليقة الثانية في طهر الاولى، و لا ينقض الطهر إلا مواقعة بعد الرجعة، و كذلك لا تكون التطليقة الثالثة إلا بمراجعة و مواقعة بعد المراجعة، ثم حيض و طهر بعد الحيض، ثم طلاق بشهود حتى يكون لكل تطليقة طهر من تدنيس المواقعة بشهود».
أقول: و يقرب بالبال العليل و الفكر الكليل أن هذا الخبر هو معتمد ابن أبي عقيل فيما ذهب إليه، و إن دلت تلك الأخبار الأخر أيضا عليه، حيث إن كلامه في التحقيق راجع إلى نقل هذا الخبر بالمعنى في بعض، و بألفاظه في آخر و حاصل معنى الخبر المذكور أنه لو طلق ثم راجع من غير مواقعة ثم طلقها في طهر آخر لم يكن ذلك طلاقا، لأنه وقع في طهر الطلقة الاولى، و قوله «و لا ينقض الطهر. إلخ» في مقام التعليل لذلك، بمعنى أن الطهر الآخر الذي تصير به الطلقة الواقعة فيه ثانية و تكون صحيحة هو ما وقع بعد الرجعة المشتملة على المواقعة، ثم الحيض بعدها و الطهر منه.
ثم ذكر (عليه السلام) أنه لا تكون التطليقة الثالثة و لا تصح إلا بمراجعة قبلها و مواقعة. إلخ، و الطهر المعتبر في كلامه (عليه السلام) هو الطهر من تدنيس المواقعة الذي هو الجماع، فكأنه أراد به الطهر من الجنابة، فإنه ما لم يواقعها مرة أخرى فهي على ذلك الطهر، و لا يزول ذلك الطهر إلا بمواقعة أخرى، و هو خلاف ما هو المعروف بين الأصحاب في هذا الباب من كون الطهر عن النقاء من الحيض على الوجوه المقررة ثمة.
و لهذا اعترض شيخنا الشهيد الثاني فيما قدمنا من كلامه على عبارة ابن
300
أبي عقيل التي هي كما عرفت إنما أخذت من هذا الخبر، و لم يدر كلام ابن أبي عقيل إنما هو مأخوذ من هو الخبر، فإن الإشكال الذي في عبارته إنما نشأ من هنا، و إن الاعتراض على كلام ابن أبي عقيل اعتراض على هذا الخبر، فإن الطهر بالمعنى المذكور في كلام ابن أبي عقيل كما هو في هذا الخبر ليس هو المعروف بينهم. (1) و على هذا يتم ما ذكره ابن أبي عقيل في عبارته من قوله «و إذا جاز أن يطلق التطليقة الثانية. إلخ».
و يندفع عنه ما أورده عليه شيخنا الشهيد الثاني أيضا هنا، لأنه إذ فسر الطهر في عبارته بالمعنى المذكور في الخبر فالاعتراض عليه اعتراض على الخبر المذكور، و لا أراك ترتاب بعد التأمل في مضمون الخبر في صحة ما ذكرناه من كون عبارة ابن أبي عقيل مأخوذة من هذا الخبر و ملخصة منه، و لا تشك بعد معلومية ما شرحناه من معنى الخبر و كلام ابن أبي عقيل في صحة ما قدمنا ذكره من أن ابن أبي عقيل لم يذهب الى اشتراط المواقعة في صحة الرجعة كما توهموه حسبما ينادي به هذا الخبر الذي منه أخذت عبارته، فإنه (عليه السلام) صرح بأنه لو طلق قبل المراجعة لم يكن طلاقه الثاني طلاقا، لأنه طلق طالقا، و علله بأن المطلقة تخرج عن ملك الزوج و لا تدخل في ملكه إلا بالرجعة، ثم صرح (عليه السلام) بأنه إذا طلقها ثم راجعها من غير مواقعة ثم طلقها لم يكن طلاقه ذلك طلاقا، و علله من حيث وقوع الطلاق في طهر الطلقة الاولى، مع أن شرط صحة تعدد الطلاق تعدد الأطهار، و حينئذ فلو كانت الرجعة التي حصلت منه بعد الطلاق من غير جماع غير صحيحة كما يدعونه- من أن المرأة باقية على مقتضى الطلاق الأول-
____________
(1) و هو ما كان مشتملا على المواقعة بعد الرجعة، و حينئذ فلو طلق بعد مراجعات عديدة من غير مواقعة في شيء منها و طلق بعد كل مراجعة و ان كان الطلاق بعد النقاء من الحيض فإنها كلها تكون في طهر واحد، فلو اعتبر هذه الطلقات و صحت لم يكن لاعتبار الشارع الطهر و وضعه مزيد فائدة. (منه- (قدس سره)-).
301
لعلله (عليه السلام) بما علل به سابقه من كونه طلق طالقا، فإنه أوضح في التعليل و أظهر كما لا يخفى.
و بالجملة فالظاهر أن ما ادعوه من ذلك مجرد توهم نشأ من حكم ابن أبي عقيل ببطلان الطلاق الأخير، و لا وجه له ظاهرا عندهم إلا ذلك، حيث إن هذا الوجه الذي علل به الابطال كما في الرواية غريب على قواعدهم، و لم يقفوا على هذه الرواية بالكلية، و لم يتعرضوا لها في الكتب الاستدلالية.
و أما قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير السابقة «المراجعة هي الجماع» فالظاهر أن المعنى فيها أن المراجعة الموجبة لصحة الطلاق بعدها هي ما اشتملت على الجماع كما يدل عليه قوله «و إلا فهي واحدة» كما لا يخفى.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الجمع بين هذه الأخبار لا يخلو عن أحد وجوه:
الأول: ما ذكره شيخنا في كتابي الأخبار من حمل الأخبار الواردة بالنهي عن تكرار الطلاق بعد الرجعة بدون وطء، فإن ذلك الطلاق لا يقع على كون ذلك الطلاق للعدة، لأنه كما تقدم في سابق هذه المسألة مشروط بالرجعة و الوطء بعدها عندهم، و حمل أخبار الجواز على طلاق السنة بالمعنى الأعم، و نسبه المحقق في الشرائع بعد نقل ذلك عنه إلى التحكم، و هو القول بغير دليل.
قال في المسالك: و وجهه أن كلا من الأخبار و رد في الرجل يطلق على الوجه المذكور، و يجيب الامام (عليه السلام) بالجواز أو النهي من غير استفصال، فيفيد العموم من الطرفين، و لأن شرط العدي الوطء بعده و بعد الرجعة منه في العدة، و ها هنا شرط في جواز الطلاق ثانيا سبق الوطء، و سبقه ليس بشرط في طلاق العدة، و إنما الشرط تأخره، فيلزم الشيخ أخذ غير الشرط مكانه. ثم قال- رحمة الله عليه:- و للشيخ أن يجيب بأن الباعث على الجمع التعارض، فلا يضره عمومها من الطرفين على تقدير تسليمه، لأن تخصيص العام لأجل الجمع جائز، خير من إطراح أحد الجانبين، و الوطء الذي جعل معتبرا في الطلاق ثانيا يجعل الطلاق السابق عديا
302
و ليس الحكم مختصا بالطلاق الثاني بل بهما معا، بمعنى أن من أراد طلاق المرأة للعدة أزيد من مرة فليس له ذلك، و لا يتحقق إلا بالمراجعة و الوطء ليصير الثاني عديا أيضا، و ليصير الثالث بحكمها لتحرم في الثالثة عليه قطعا بخلاف ما لو طلقها على غير هذا الوجه، فإن فيه أخبارا تؤذن بعدم التحريم لعدم نقضها، انتهى.
هذا، و عندي فيما ذهب إليه الشيخ- (رحمه الله)- من الجمع المذكور نظر من وجوه: (أحدها) ما ذكره في المسالك في بيان أحد وجهي التحكم الذي نسبه المحقق إلى الشيخ من أن الحمل على الطلاق العدي يوجب اشتراطه بسبق الوطء مع أن الشرط فيه إنما هو تأخر الوطء.
و ما أجاب به شيخنا الشهيد الثاني عنه- من أن الوطء الذي جعل معتبرا في الطلاق ثانيا يجعل الطلاق السابق عديا. إلى آخره- ينافي ما صرح به الشيخ من أن مراده بالطلاق العدي هو الثاني لا الأول. فإنه قال في كتاب الاستبصار (1)- بعد أن نقل في حيز «أما» صحيحة عبد الحميد الطائي المتقدمة و صحيحة محمد بن مسلم الدالتين على أن الرجعة بغير جماع رجعة- ما صورته: فالوجه في هذين الخبرين أنه يكون رجعة بغير جماع، بمعنى أنه يعود إلى ما كان عليه من أنه يملك مواقعتها، و لو لا الرجعة لم يجز ذلك، و ليس في الخبر أنه يجوز له أن يطلقها تطليقة أخرى للعدة و إن لم يواقع، و نحن إنما اعتبرنا المواقعة فيمن أراد ذلك، فأما من لا يريد ذلك فليس الوطء شرطا له. انتهى، و هو صريح في أن مراده بالطلاق العدي هو الثاني المسبوق بالمواقعة كما لا يخفى.
و قال أيضا- بعد إيراد صحيحة البزنطي و حسنة أبي علي بن راشد المتقدمتين الدالتين على وقوع الطلقة الثانية و جوازها بعد المراجعة من غير جماع- ما لفظه:
لأنه ليس في هذه الأخبار أن له أن يطلقها طلاق العدة، و نحن إنما نمنع أن يجوز له أن يطلقها طلاق العدة، فأما طلاق السنة فلا بأس أن يطلقها بعد ذلك
____________
(1) الاستبصار ج 3 ص 281 بعد الحديث 3 و 4.
303
إلخ. فإنه كما ترى قد حمل قوله في صحيحة البزنطي «أ يقع عليها التطليقة الثانية» و قوله في حسنة أبي علي «أ يجوز له ذلك» على كون ذلك الطلاق الثاني سنيا يعني بالمعنى الأعم لا عديا، و هو مشعر بأنه لو حصلت المواقعة بعد تلك الرجعة لكان الطلاق الواقع بعد عديا لأن حكمه بكونه سنيا لا عديا إنما هو من حيث عدم تقدم المواقعة و حصول الرجعة خالية عن المواقعة.
و بالجملة فحيث كان محل الاختلاف في الأخبار إنما هو بالنسبة إلى وقوع التطليقة الثانية الواقعة بعد الرجعة بغير مواقعة و صحتها، بل عدم الوقوع و الصحة، فبعض الأخبار دل على صحة ذلك الطلاق و بعضها دل على العدم، جمع الشيخ بينها بحمل أخبار عدم الصحة على ما إذا قصد بذلك الطلاق العدي فإنه لا يجوز له بذلك و لا يصح منه، و لا يقع للعدة لعدم المواقعة قبله، و إنما يقع للسنة خاصة. هذا حاصل مراد الشيخ- رحمة الله عليه- و صريح عبائره كما لا يخفى و حينئذ فيتوجه عليه ما تقدم إيراده، و لا يندفع بما اعتذر عنه به في المسالك، فتأمل و أنصف.
(و ثانيها) أن الشيخ قد استند في وجه الجمع الذي ذكره إلى
رواية المعلى ابن خنيس (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الذي يطلق ثم يراجع ثم يطلق فلا يكون بين الطلاق و الطلاق جماع، فتلك تحل له قبل أن تزوج زوجا غيره، و التي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره هي التي تجامع بين الطلاق و الطلاق».
و أورد عليه بأنه لا دلالة في هذه الرواية إلا على أن الجماع بين الطلاقين شرط في التحريم الموجب المحوج إلى المحلل، و أما التفصيل بالسني و العدي و اشتراط الجماع بعد الرجوع في العدة خاصة فلا دلالة في الخبر عليه، على أن في هذا الخبر من الإشكال أيضا ما يمنع من العمل به و الاعتماد عليه لدلالته على أن غير الطلاق العدي لا تبين منه في الثالثة. و هو خلاف ما عليه الأصحاب
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 46 ح 61، الوسائل ج 15 ص 379 ب 19 ح 3 و فيهما اختلاف يسير.
304
و منهم الشيخ أيضا، فهي مخالفة لقواعدهم. نعم ربما أمكن انطباقها على مذهب ابن أبي عقيل.
(و ثالثها) أن مقتضى ما ذكره الشيخ من الحمل هو أنه متى راجع ثم طلق من غير مواقعة فإنه يكون الطلاق صحيحا و إن لم يقع للعدة بزعمه و إنما يقع للسنة، مع أن المفهوم من الأخبار المانعة هو الإبطال رأسا و عدم وقوع الطلاق مطلقا كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) الدالة على النهي عنه، و رواية المعلى بن خنيس (2) المصرحة بأنه لا يقع الطلاق الثاني حتى يراجع و يجامع، و نحوها موثقة إسحاق بن عمار (3) و حمل هذه الأخبار على الطلاق العدي كما زعمه، بمعنى أنه لا يقع عديا، و إن وقع سنيا قد عرفت فساده من الوجه الأول، فيبقى التعارض بين أخبار الطرفين على حاله كما لا يخفى.
الثاني: ما اختاره جملة من أصحابنا منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و سبطه السيد السند في شرح النافع من حمل النهي على الكراهة، و أخبار الجواز على أصل الإباحة.
قال في المسالك: و وجه أولوية الجماع البعد عن مذهب المخالفين المجوزين لتعدد الطلاق كيف اتفق، ليصير الأمران على طرف النقيض، حيث إن ذلك معدود عند أصحابنا من طلاق البدعة كما سلف، ثم لو لم يظهر الوجه في الجمع لكان متعينا حذرا من إطراح أحدهما رأسا، أو الجمع بما لا يقتضيه أصول المذهب كما جمع به الشيخ، و الحمل على الجواز و الاستحباب سالم من ذلك و موجب لإعمال الجميع.
و فيه أن ذلك و إن أمكن في بعض الأخبار، إلا أنه لا يجري في جميعها،
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 44 ح 53.
(2) التهذيب ج 8 ص 46 ح 62.
(3) الكافي ج 6 ص 60 ح 12.
305
مثل رواية المعلى الدالة على أنه لا يقع، فإنه صريح في الإبطال رأسا، و مثل صحيحة زرارة (1) و صحيحة أبي بصير (2) فإنها صريحتان في الابطال، و لكن العذر لمثل شيخنا المشار إليه في ذلك واضح، حيث إنهم لم يتعرضوا لنقل الروايات المذكورة و لم يقفوا عليها.
الثالث: ما ذهب إليه المحدث الكاشاني في كتاب الوافي و المفاتيح من أنه إن كان غرضه من الرجعة أن يطلقها تطليقة أخرى حتى تبين منه فلا يتم مراجعتها و لا يصح طلاقها بعد المراجعة و لا يحسب من الثلاث حتى يمسها، و إن كان غرضه من الرجعة أن تكون في حبالته و له فيها حاجة، ثم بدا له أن يطلقها، فلا حاجة إلى المس و يصح طلاقها و يحسب من الثلاث، قال: و إنما جاز هذا التأويل لأنه كان أكثر ما يكون غرض الناس من المراجعة الطلاق و البينونة كما يستفاد من الأخبار، و يشار إليه بقوله (عليه السلام) و إلا فإنها واحدة، حتى أنه ربما صدر ذلك عن الأئمة (عليهم السلام) كما مضى
في حديث أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال «إنما فعلت ذلك بها لأنه لم يكن لي بها حاجة».
، انتهى كلامه زيد مقامه.
و أشار بحديث أبي جعفر (عليه السلام) إلى
رواية أبي بصير (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فقال: أخبرك بما صنعت أنا بامرأة كانت عندي فأردت أن أطلقها فتركتها حتى إذا طمثت و طهرت طلقتها من غير جماع و أشهدت على ذلك شاهدين، ثم تركتها حتى إذا كادت أن تنقضي عدتها راجعتها و دخلت بها و تركتها حتى إذا طمثت و طهرت ثم طلقتها على طهر من غير جماع بشاهدين، ثم تركتها حتى إذا كان قبل أن تنقضي عدتها
____________
(1) الكافي ج 6 ص 65 ح 2.
(2) التهذيب ج 8 ص 44 ح 54.
(3) التهذيب ج 8 ص 41 ح 44، الوسائل ج 15 ص 358 ب 4 ح 3 و فيهما اختلاف يسير.
306
راجعتها و دخلت بها، حتى إذا طمثت و طهرت ثم طلقتها على طهر بغير جماع بشهود، و إنما فعلت ذلك بها لأنه لم يكن لي بها حاجة».
و ما ذكره- رحمة الله عليه- من الجمع لا يخلو عندي من قرب، و يؤيده ما ورد في تفسير قوله سبحانه «وَ لٰا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرٰاراً لِتَعْتَدُوا» (1) من
رواية الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن قول الله عز و جل «وَ لٰا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرٰاراً لِتَعْتَدُوا» قال: الرجل يطلق حتى إذا كادت أن يخلو أجلها راجعها ثم طلقها يفعل ذلك ثلاث مرات، فنهى الله عز و جل عن ذلك».
و رواية الحسن بن زياد (3) عنه (عليه السلام) قال: «لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته ثم يراجعها و ليس له فيها حاجة ثم يطلقها، فهذا الضرار الذي نهى الله تعالى عز و جل عنه إلا أن يطلق ثم يراجع و هو ينوي الإمساك».
فإن هاتين الروايتين صريحتان في أنه متى كان قصد من المراجعة مجرد البينونة فلا يجوز له ذلك، و لا يصح طلاقه الثاني لما فيه من الإضرار بها في مدة العدد الثلاث بعدم الجماع و نحوه، و قد تكون العدة تسعة أشهر مع أن غاية ما رخص به الشارع في ترك الجماع إذا كانت زوجة أربعة أشهر، فالزيادة على ذلك إضرار محض، فنهى الله سبحانه عنه، و الظاهر أنه من أجل هذا النهي الموجب للتحريم و بطلان الطلاق كان الامام (عليه السلام) يجامع بعد كل رجعة مع أن قصده البينونة.
و بالجملة فهذا الوجه عندي لما عرفت في غاية القوة، و عليه يجتمع أكثر أخبار المسألة، و لعل في قوله في موثقة إسحاق بن عمار الاولى «ثم بدا له فراجعها» إشارة إلى ذلك بمعنى بدا له و ظهر إرادة المعاشرة فراجع، و على هذا الوجه يمكن تطبيق الروايات الثلاث الأول التي ذكرناها في أدلة ابن أبي عقيل،
____________
(1) سورة البقرة- آية 231.
(2) الفقيه ج 3 ص 323 ح 1، الوسائل ج 15 ص 402 ب 34 ح 2.
(3) الفقيه ج 3 ص 323 ح 2، الوسائل ج 15 ص 402 ب 34 ح 1.
307
فإنها و إن كانت مطلقة بالنسبة إلى ما ذكر من التفصيل، إلا أنها بالتأمل في مضامينها و التعمق في معانيها يظهر أنها إنما خرجت من ذلك القبيل.
أما
صحيحة عبد الرحمن (1) فإنه إنما سئل عن الرجل إذا طلق فهل له أن يراجع أم لا؟ فأجاب (عليه السلام) «لا يطلق التطليقة الأخرى حتى يمسها».
و أنت خبير بأن هذا الجواب بحسب الظاهر غير منطبق على السؤال، و الظاهر أنه (عليه السلام) فهم من السائل بقرينة حالية، و إن لم ينقل في الخبر أن مراده السؤال عن الرجعة بمجرد إيقاع الطلاق بعدها، فأجاب (عليه السلام) بالنهي عن هذا الطلاق على هذا النحو، إلا أن يمسها كما فعل الباقر (عليه السلام) فيما تقدم من حديث أبي بصير، و معناها يرجع إلى معنى رواية أبي بصير كما أوضحناه سابقا.
و أما رواية المعلى (2) فالظاهر أن غرض السائل أنه هل يصح الطلاق من غير رجعة، بمعنى أنه يترتب عليه ما يترتب على المواقع بعد الرجعة من البينونة و نحوها؟ و غرضه من ذلك استعلام ما لو قصد البينونة بالطلاق على هذا النحو، فإنه لا ثمرة للطلقة الثانية لو صحت إلا قصد ذلك و حصوله، فأجاب (عليه السلام) بأنه لا يقع الطلاق الثاني على هذا الوجه إلا مع الجماع بعد المراجعة.
و أما موثقة إسحاق بن عمار (3) فهي صريحة في ذلك، فإن إيقاع ذلك في يوم أو في طهر دليل على كون الباعث على تلك الرجعة هو مجرد قصد البينونة، فلذا نسبه إلى مخالفة السنة.
بقي هنا شيء و هو أن هذا الوجه و إن اجتمعت عليه أدلة القول المشهور و كذا هذه الروايات الثلاث بالتقريب الذي عرفته، لكن يبقى الإشكال في كلامه- رحمة الله عليه- من وجهين:
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 44 ح 53.
(2) التهذيب ج 8 ص 46 ح 62.
(3) الكافي ج 6 ص 60 ح 12.
308
(الأول) قوله «فلا يتم مراجعتها» فإن فيه دلالة على أن المراجعة بدون النكاح بعدها إذا كان قصده مجرد البينونة لا يقع، و هو موافق لما صرح به غيره من الأصحاب كما قدمنا ذكره، حيث أوردوا في الاستدلال صحيحة عبد الحميد الطائي (1) و رواية أبي بصير (2) و قد أوضحنا لك أنه لا دليل على عدم وقوع الرجعة، و إنما غاية ما يستفاد من الأخبار عدم صحة الطلاق خاصة، و حينئذ فتبقى بعد الرجعة على حكم الزوجية إذا طلقها ضرارا بغير جماع فيجب لها ما يجب للزوجة.
(الثاني) من جهة صحيحة أبي بصير التي هي كما عرفت معتمد ابن أبي عقيل و صريح عبارته، فإنها لا تندرج تحت هذا التأويل، حيث إنه (عليه السلام) قد علل فساد الطلاق الواقع على ذلك الوجه فيها بوجه آخر من كونه لم يقع في طهر الطلقة الاولى، و على هذا فيبقى الإشكال بحاله في المسألة، لأن الظاهر أنه معتمد ابن أبي عقيل في الاستدلال على ما ذهب إليه إنما هو هذه الرواية كما أوضحناه آنفا، و هي غير منطبقة على شيء من هذه الوجوه الثلاثة التي نقلناها في الجمع بين أخبار المسألة و ما عداها من الأخبار و إن دل بحسب الظاهر على مذهب ابن أبي عقيل، إلا أنه لم يستند إليه في الاستدلال و لم يصرح به، و مع هذا فإنه يمكن تطبيقه كما ذكرناه، و أما هذه الصحيحة فهي صريحة في مدعاه غير قابلة لذلك، مع كونها مشتملة على ما عرفت من إطلاق الطهر على خلاف ما هو المعهود من معناه في الأخبار و كلام الأصحاب، و لم أقف على ما تعرض للكلام فيها من المحدثين الذين نقلوها في كتب الأخبار، و لم ينقلها أحد في كتب الفروع الاستدلالية، بل لم يستوفوا الأخبار فيها بالكلية، و لا يحضرني الآن وجه تحمل عليه سوى الرد و التسليم لقائلها، و إرجاع الحكم فيها لعالم من آل محمد (صلى الله عليه و آله و سلم).
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 44 ح 56.
(2) التهذيب ج 8 ص 44 ح 54.
309
المسألة الثالثة: في حكمين مما يتعلق بطلاق الغائب:
(إحداهما) لو طلق غائبا ثم حضر و دخل بها و لم يعلمها ثم بعد ذلك ادعى الطلاق
، فإنه لا تقبل دعواه، و لو أقام البينة بالطلاق لم تقبل بينته، و لو أولدها و الحال هذه الحق به الولد للحكم في ظاهر الشرع بثبوت الزوجية.
و يدل على ذلك ما رواه
ثقة الإسلام (1) عن سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته و هو غائب و أشهد على طلاقها، ثم قدم فأقام مع المرأة أشهرا لم يعلمها بطلاقها، ثم إن المرأة ادعت الحبل، فقال الرجل: قد طلقتك و أشهدت على طلاقك، قال: يلزم الولد و لا يقبل قوله».
و أيده بعضهم بأن تصرف المسلم مبني على الصحة، فإذا ادعى بعد ذلك ما يخالفه لا يزول ما قد ثبت سابقا.
و أورد عليه بأن تصرفه إنما يحمل على المشروع حيث لا يعترف بما ينافيه، و لهذا لو وجدناه يجامع امرأة و اشتبه حالها فإنا لا نحكم عليه بالزنا، لكن إذا أقر أنه زان حكم عليه به، و علل أيضا بأن الوجه في عدم قبول بينته أنه قد كذبها بفعله.
و أورد عليه أنه إنما يتم إذا كان هو الذي أقامها، فلو قامت الشهادة حسبة، و ورخت بما ينافي فعله، قبلت و حكم بالبينونة.
نعم يبقى الكلام في إلحاق الولد بهما أو بأحدهما، و هو مبني على ما تقدم في الكلام في الأولاد من اعتبار العلم بالحال و عدمه، و الظاهر هو العمل بالخبر المذكور، و المفهوم منه أنه لا يقبل قوله و إن أقام البينة. و يمكن الفرق بين ما نحن فيه و بين الاعتراف بالزنا، بأن الاعتراف بالطلاق مستلزم لدفع أحكام الزوجية الواجبة عليه بظاهر الشرع، فهو في معنى الاعتراف في حق غيره، فلا يقبل بخلاف الزنا، فإنه حق لله سبحانه محضا أو مشتركة في بعض الوجوه.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 80 ح 5، الوسائل ج 15 ص 374 ب 15 ح 4.
310
هذا كله إذا كان الطلاق بائنا أو رجعيا و انقضت المدة قبل فعله المكذب لدعواه، و إلا قبل، و كان الوطء رجعة بلا إشكال.
(و ثانيهما) ما لو كان غائبا و له أربع نسوة ثم طلق إحداهن
، فإنه قد صرح الأصحاب بأنه لا يجوز أن يتزوج عوضها في حال غيبته إلا بعد مضي تسعة أشهر.
و الأصل في هذا الحكم ما رواه
ثقة الإسلام (1) عن حماد بن عثمان في الحسن أو الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل له أربع نسوة طلق واحدة منهن و هو غائب عنهن متى يجوز له أن يتزوج؟ قال: بعد تسعة أشهر، و فيها أجلان (2): فساد الحيض و فساد الحمل».
و جملة من الأصحاب كالمحقق و العلامة و غيرهما قد ألحقوا بذلك الحكم تزويج الأخت، فصرحوا بأنه إذا طلق الغائب و أراد العقد على أختها في حال غيبته فإنه لا يجوز له إلا بعد تسعة أشهر.
و الشيخ في النهاية خص الحكم بتزويج الخامسة تبعا للنص، و اقتفاه ابن إدريس في ذلك فقال: فأما إن كانت واحدة فطلقها طلاقا شرعيا و أراد أن يعقد على أختها في حال سفره، فإذا انقضت عدتها على ما يعلمه من عادتها فله العقد على أختها و لا يلزمه أن يصبر تسعة أشهر، لأن القياس عندنا باطل، و كذا التعليل، فليلحظ الفرق بين المسألتين.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 80 ح 6، الوسائل ج 15 ص 479 ب 47 ح 1.
(2) قوله «و فيها أجلان. إلخ» لا يخلو من غموض، و يمكن أن يقال: إن مراده (عليه السلام) أن الاعتداد بالتسعة جامع للعدتين، لأنه ان كان انقطاع الدم لفساد في الحيض فالحكم هو الثلاثة الأشهر، و هي حاصلة في ضمن التسعة، و ان كان انقطاع الدم لأجل الحمل فهو يعلم بمضي التسعة التي هي أقصى مدة الحمل على المشهور، و بمضي التسعة خالية من الحمل يعلم فساد الحمل، فلذا جعل التسعة متضمنة للاجلين، و عبر عنهما بفساد الحيض الموجب للثلاثة الأشهر، و فساد الحمل بمضي المدة التي يعلم فيها ذلك و هي التسعة، و الله العالم. (منه- (قدس سره)-).
311
و اعترضه العلامة في المختلف فقال بعد ذلك عنه: و هو خطأ، إذ لا فرق بين الأمرين، و كما تحرم الخامسة كذا تحرم الأخت في العدة، و كما أوجبنا الصبر تسعة أشهر في الخامسة استظهارا كذا يجب في الأخت، و قوله «فإذا انقضت عدتها على ما يعلمه من عادتها فله العقد على أختها» يوهم أنه مع علمه بخروج العدة لا يجوز في الخامسة، و ليس بجيد، بل الصبر إنما يجب في الخامسة مع الاشتباه، انتهى.
و أورد عليه السيد السند في شرح النافع بأن ما ذكره أولا- في توجيه إلحاق الأخت بالخامسة- لا يخرج عن القياس، و ما ذكره ثانيا- من إيهام كلام ابن إدريس عدم جواز تزويج الخامسة مع العلم بخروج المطلقة من العدة- غير واضح، فإن المراد بالعلم هنا الظن المستفاد من معرفة العادة كما سبق في طلاق الغائب، و هذا القدر يكفي في جواز تزويج الخامسة، نعم لو حصل العلم القطعي بخروج المطلقة من العدة جاز له العقد على أختها و على الخامسة من غير إشكال، إلا أن ذلك خلاف ما أراده ابن إدريس.
أقول: لا يخفى أن المفهوم من الأخبار و كلام الأصحاب أن الاعتداد بتسعة أشهر إنما هو فيما لو كانت المرأة مسترابة الحمل، و إلا فالعدة إنما هي ثلاثة أشهر خاصة مع عدم إمكان الاعتداد بالأقراء.
و مما يدل على الأمرين المذكورين
موثقة محمد بن حكيم (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قلت له: المرأة الشابة التي تحيض مثلها يطلقها زوجها و يرتفع حيضها كم عدتها؟ قال: ثلاثة أشهر، قلت: فإن ادعت الحبل بعد ثلاثة أشهر؟ قال:
عدتها تسعة أشهر، قلت: فإن ادعت الحبل بعد تسعة أشهر؟ قال: إنما الحبل
____________
(1) الكافي ج 6 ص 101 ح 2، الوسائل ج 15 ص 442 ب 25 ح 2.
312
تسعة أشهر» الحديث،.
و بمضمونها أخبار (1) عديدة (2).
و مما يدل على الثاني الأخبار المستفيضة، و منها في خصوص الغائب
صحيحة محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال: إذا طلق الرجل امرأته و هو غائب فليشهد على ذلك، فإذا مضى ثلاثة أشهر فقد انقضت عدتها».
و مقتضى هذه الرواية أنه بعد انقضاء الثلاثة يجوز تزويج الأخت و تزويج الخامسة، و أنت خبير بأن ما دلت عليه الرواية المتقدمة من وجوب التربص تسعة أشهر مناف لما دلت عليه هذه الرواية، من أن العدة إنما هي ثلاثة أشهر لأن موردهما من طلق امرأته و هو غائب، و كم عدتها، و إن كان السؤال في الأولى عن طلاق إحدى الأربع و في هذه الرواية مطلق، و قد ورد الجواب بالتسعة في الاولى، و الثلاثة في الثانية، و لا يعلم هنا وجه خصوصية لإحدى الأربع فيستثنى من هذه القاعدة المستفادة من النصوص كما أشرنا إليه، و لا وجه للجمع إلا حمل الرواية الأولى على المسترابة، و بذلك يظهر لك قوة ما ذكره العلامة في اعتراضه على ابن إدريس و ضعف ما أورده عليه السيد السند، فإنه إذا كان مقتضى القاعدة المتفق عليها نصا و فتوى أن العدة (4) فيمن انقطع عنها الحيض إنما هو الاعتداد
____________
(1) الكافي ج 6 ص 101 باب المسترابة بالحبل، الوسائل ج 15 ص 410 ب 4 و ص 441 ب 25.
(2) و منها
صحيحة زرارة [الكافي ج 6 ص 98 ح 1، الوسائل ج 15 ص 411 ب 4 ح 5] عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «أمران أيهما سبق بانت منه المطلقة المسترابة: إن مرت بها ثلاثة أشهر بيض ليس فيها دم بانت به، و ان مرت بها ثلاثة حيض ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض» الحديث،.
و نحوها غيرها. (منه- (قدس سره)-).
(3) التهذيب ج 8 ص 61 ح 118، الوسائل ج 15 ص 448 ب 28 ح 11 و فيهما اختلاف يسير.
(4) و اليه يشير كلام العلامة- (قدس سره)- بقوله استظهارا، و قوله (عليه السلام) ثانيا مع الاشتباه، فان جميع ذلك من لوازم الاسترابة بالحمل، و مع عدم ذلك فالعدة انما هي ثلاثة أشهر كما هو مقتضى الروايات المستفيضة. (منه- (قدس سره)-).
313
بثلاثة أشهر، و الاعتداد بالتسعة إنما هو مع الاسترابة بالحمل من غير فرق في ذلك بين طلاق الغائب و الحاضر كما هو مقتضى إطلاق النصوص المشار إليها، فلا وجه لما اشتملت عليه رواية حماد (1) من التسعة إلا الحمل على المسترابة، و إلا فاستثناؤها من هذه القاعدة الكلية و الضابطة الجلية مع عدم خصوصية تدل على ذلك مشكل، و حينئذ فلا فرق بين الخامسة و الأخت في الحكم المذكور.
و قال السيد السند المذكور في الكتاب المشار إليه: و لو علم انتفاء الحمل صبر مقدار ما يمضي فيه ثلاثة قروء على حسب ما يعلمه من عادتها، أو ثلاثة أشهر، و يدل على ذلك صحيحة محمد بن مسلم (2)- ثم أورد الرواية المذكورة ثم قال:- حكم (عليه السلام) بانقضاء عدتها بذلك بناء على الغائب من أن كل شهر تحصل فيه حيضة للمرأة و متى انقضت العدة جاز التزويج بالأخت، و الخامسة، خرج من ذلك ما إذا كان الحمل ممكنا، فإنه يجب التربص بالرواية المتقدمة، فيبقى ما عداها مندرجا في هذا الإطلاق، انتهى.
أقول: لا يخفى أنما ذكره إنما يتم لو دلت الروايتان على ما ادعاه في صحيحة محمد بن مسلم من العلم بانتفاء الحمل، و في صحيحة حماد بن عثمان أو حسنته من كون الحمل ممكنا مع أن الروايتين لا دلالة لهما على شيء من الأمرين المذكورين، و إنما هما بالنسبة إلى ما ذكره مطلقتان، إذ غاية ما دلتا على أن كلا من الرجلين المذكورين طلق امرأته و هو غائب، غاية الأمر أن رواية حماد دلت على كون المطلقة رابعة، و أما أن المرأة مما علم انتفاء الحمل عنها، أو أن الحمل ممكن فتكون مسترابة فلا دلالة عليه بالكلية كما هو ظاهر، فلم يبق إلا أن يحمل إطلاق كل منهما على ما ذكره متى كان ذلك، فلا خصوصية للرابعة بالاعتداد تسعة أشهر كما دلت عليه رواية حماد، بل ذلك يجري في كل
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 479 ب 47 ح 1.
(2) الوسائل ج 15 ص 410 ب 4 ح 1.
314
مسترابة إذ العلة في التسعة إنما هي الاسترابة لا خصوصية الرابعة. و بذلك يظهر لك ما في قوله، فيبقى ما عداها مندرجا في هذا الإطلاق.
و أما صحيحة محمد بن مسلم فهي جارية على ما دلت عليه الأخبار المتكاثرة (1)- من أنه متى لم يمكن العدة بالأقراء فإنها تعتد بالشهور الثلاثة- لا يحتاج إلى حمل و لا تأويل، و بذلك يتضح لك ما قدمنا ذكره من أنه بذلك يظهر لك قوة ما ذكره العلامة.
المسألة الرابعة [في كراهة الطلاق للمريض]
قد صرح الأصحاب بأنه يكره للمريض أن يطلق، و لو طلق كان طلاقه صحيحا، و أنه يرث زوجته إذا ماتت في العدة الرجعية، و لا يرثها في البائن و لا بعد العدة، و ترثه هي سواء طلقها بائنا أو رجعيا ما بين الطلاق و بين السنة ما لم تتزوج أو يبرأ من المرض الذي طلقها فيه.
[فوائد]
أقول: تحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مقامات:
الأول [ظهور بعض الأخبار في تحريم طلاق المريض]
ما ذكر من كراهة الطلاق للمريض زيادة على ما ورد من كراهته الطلاق مطلقا مما تكاثرت به الأخبار، بل ربما دل بعضها بظاهره على التحريم، و لهذا نقل القول بالتحريم عن ظاهر عبارة الشيخ المفيد في المقنعة، و المشهور الكراهة.
و من الأخبار الواردة في المقام ما رواه
في الكافي (2) عن عبيد بن زرارة في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يجوز طلاق المريض، و يجوز نكاحه».
و ما رواه
في الكافي (3) و فيه عن زرارة في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس للمريض أن يطلق و له أن ينكح».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 89 باب عدة المطلقة و أين تعتد.
(2) الكافي ج 6 ص 122 ح 4، التهذيب ج 8 ص 77 ح 177، الوسائل ج 15 ص 384 ب 21 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 122 ح 8، التهذيب ج 8 ص 77 ح 179، الوسائل ج 15 ص 384 ب 21 ح 4.
315
و عن عبيد بن زرارة (1) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المريض، إله أن يطلق امرأته في تلك الحال؟ قال: لا، و لكن له أن يتزوج إن شاء، فإن دخل بها ورثته، و إن لم يدخل بها فنكاحه باطل».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن زرارة في الصحيح عن أحدهما (عليهم السلام) قال: «ليس للمريض أن يطلق و له أن يتزوج، فإن هو تزوج و دخل بها فهو جائز، و إن لم يدخل بها حتى مات في مرضه فنكاحه باطل و لا مهر لها و لا ميراث».
و إنما حملت هذه الأخبار على الكراهة مع ظهورها في التحريم لما سيأتي إن شاء الله من الأخبار الدالة على صحة طلاقه لو طلق في هذه الحال، و سيأتي أيضا إن شاء الله تعالى ما هو الوجه في الكراهة.
الثاني [في أنه يرث زوجته إذا ماتت في العدة الرجعية]:
ما ذكر أنه يرث زوجته إذا ماتت في العدة الرجعية، و هو مجمع عليه بين الأصحاب كما نقله في المسالك.
و أما أنه لا يرثها في البائن و لا بعد العدة الرجعية فلانقطاع العصمة بينهما خرج ميراثها منه بالنصوص الآتية و بقي ما عداه على مقتضى القاعدة، و يعضده بعده النصوص الدالة على ذلك أن المطلقة رجعية بمنزلة الزوجة، فتثبت لها أحكام الزوجة التي من جملتها الحكم المذكور ما دامت في العدة، و ينتفي إذا بانت بأحد الوجهين المذكورين.
و من الأخبار الدالة على الحكمين المذكورين ما رواه
في الكافي (3) عن زرارة
____________
(1) الكافي ج 6 ص 121 ح 1، التهذيب ج 8 ص 77 ح 178، الوسائل ج 15 ص 383 ب 21 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 123 ح 12، التهذيب ج 8 ص 77 ح 180، الوسائل ج 15 ص 383 ب 21 ح 1.
(3) الكافي ج 7 ص 134 ح 2، الوسائل ج 17 ص 530 ب 13 ح 4.
316
في الموثق قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يطلق المرأة، قال: ترثه و يرثها ما دام له عليها رجعة».
و ما رواه
في الفقيه (1) في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن ابن رئاب عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل امرأته توارثا ما كانت في العدة، فإذا طلقها التطليقة الثالثة فليس له عليها رجعة، و لا ميراث بينهما».
إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة (2) الدالة على ثبوت التوارث في العدة الرجعية، و انتفائه مع البينونة.
و بذلك يظهر ما في كلام صاحب الكفاية تبعا للسيد السند في شرح النافع من المناقشة في الحكم الأول. قال في الكفاية: و يرث زوجته في العدة الرجعية عند الأصحاب، و نقل غير واحد منهم الإجماع عليه لكن إطلاق الصحيحة المذكورة ينافيه، و أشار بالصحيحة المذكورة إلى ما قدمه من
صحيحة الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن الرجل يحضره الموت فيطلق امرأته، هل يجوز طلاقها؟
قال: نعم، و إن مات ورثته، و إن ماتت لم يرثها».
و السيد السند بعد أن ذكر الحكم المذكور في كلام الأصحاب اعترضه بأن مقتضى صحيحة الحلبي المتقدمة أن الزوج لا يرثها مطلقا، و حمل الروايات على الطلاق البائن ينافيه قوله (عليه السلام) قبل ذلك «فإن مات ورثته» و المسألة محل إشكال.
أقول- و بالله التوفيق-: لا إشكال بحمد الملك المتعال فإن إطلاق الصحيحة المذكورة يجب تقييده بالروايات المستفيضة الدالة على التوارث في العدة الرجعية مطلقا صحيحا كان أو مريضا، و قد عرفت بعضها، و أما الصحيحة المذكورة فالمراد منها إنما هو ما لو طلق المريض زوجته و خرجت عن العدة، فإن مات ورثته،
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 228 ح 1، الوسائل ج 17 ص 532 ب 23 ح 10 و فيهما اختلاف يسير.
(2) التهذيب ج 9 ص 383، الوسائل ج 17 ص 530 ب 13.
(3) الكافي ج 6 ص 123 ح 11، الوسائل ج 17 ص 534 ب 14 ح 6 و فيه اختلاف يسير.
317
و إن ماتت لم يرثها على التفصيل الاتي إن شاء الله تعالى، و ما ذكر من أن الزوج لا يرثها في البائن هو المشهور بين الأصحاب خصوصا المتأخرين، و به قطع الشيخ في الخلاف محتجا بإجماع الفرقة و أخبارهم، إلا أنه قال في النهاية و تبعه فيه جملة من أتباعه: إذا طلق الرجل امرأته و هو مريض فإنهما يتوارثان ما دامت في العدة- ثم قال:- و لا فرق في جميع هذه الأحكام بين أن تكون التطليقة هي الأولى أو الثانية أو الثالثة، و سواء كان له عليهما رجعة أم لم يكن، انتهى (1).
و مرجعه إلى ثبوت التوارث بينهما في العدة مطلقا رجعية كانت أو بائنة.
و اختصاص الإرث بعد العدة بالمرأة، دون العكس إلى مدة السنة كما سيأتي، و لا ريب في ضعفه، لأن الطلاق البائن موجب لانقطاع العصمة بين الزوجين الموجب سقوط التوارث، استثني من ذلك إرثها منه بالنص و الإجماع- كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى- و بقي الباقي.
و من الأخبار الدالة على القول المشهور إطلاق موثقة زرارة و صحيحته (2) المتقدمتين و نحوهما غيرهما، و التقريب فيهما أنهما خصا التوارث من الجانبين بما إذا كانت في العدة الرجعية، و متى خرجت من العدة أو كانت العدة بائنة فلا توارث خرج منه بالنص و الإجماع إرث المرأة من الزوج إذا طلقها و هو مريض، فإنها ترثه في العدة البائنة و بعد العدة الرجعية إلى سنة كما سيأتي إن شاء الله تعالى و سيأتي في الأخبار الآتية ما يدل على ذلك.
____________
(1) أقول: هذا القول الذي ذهب إليه في النهاية على طرف النقيض من القول الذي ذهب اليه صاحب الكفاية و شرح النافع، فإنهما ذهبا الى عدم التوارث في العدة الرجعية مع بقاء الزوجية، و الشيخ ذهب الى ثبوته في العدة البائنة مع انقطاع العصمة بالكلية فيها على طرفي الإفراط و التفريط. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 7 ص 134 ح 2 و ج 6 ص 123 ح 12، الوسائل ج 17 ص 530 ب 13 ح 4 و ج 15 ص 383 ب 21 ح 1.
318
و من أظهر الأدلة (1) أيضا ما سيظهر لك إن شاء الله من أن المقتضي لإرث الزوجة في صورتي العدة البائن و بعد الخروج من العدة الرجعية إنما هو التهمة بمنعها من الإرث، و هذه العلة منتفية من جانب الزوج كما لا يخفى.
و اعلم أنه قد احتج في المسالك للقول المشهور بموثقة زرارة المتقدمة، ثم قال في تقريب الاستدلال بها: و قيد الرجعة لا يصلح في ميراثها إجماعا لثبوته مطلقا فيبقى في ميراثه و للقرب، و إذا انتفى القيد انتفى الحكم تحقيقا لفائدته. ثم استدل له بحسنة الحلبي التي تقدم وصفها بصحيحة الحلبي (2)، ثم قال: و ليس ذلك في الرجعي لاتفاقهما في الحكم فهو في البائن، ثم قال: و حجة الشيخ و أتباعه روايات تدل بظاهرها على ثبوت التوارث بينهما من غير تفصيل، و الأخبار من الجانبين غير نقية، و الأولى الرجوع إلى حكم الأصل، و الوقوف على موضع الوفاق، و هو دال على الأول، انتهى.
أقول: أما تقريب الاستدلال بموثقة زرارة كما ذكره فهو إنما يتم لو كان موردها طلاق المريض ليترتب عليه صحة قوله، و قيد الرجعة لا يصلح في ميراثها إجماعا لثبوته مطلقا، مع أن الرواية كما عرفت مطلقة شاملة للصحيح و المريض، فلا يتم ما ذكره، و كذا التعليل بالقرب إنما يتجه على كون موردها المريض، و إلا فهو لغو، فالحق أن الاستدلال بها إنما هو بالتقريب الذي قدمناه، و أما استدلاله بحسنة الحلبي، ففيه أنه لو حمل قوله «و إن ماتت لم يرثها على الطلاق البائن» لنافى قوله «و إن ماتت ورثته» كما تقدمت الإشارة إليه في كلام سبطه
____________
(1) و استدل في شرح النافع على ذلك أيضا بصحيحة الحلبي المتقدمة بحملها على الطلاق البائن، مع أنه قد اعترض ذلك في صدر كلامه بأنه ينافيه قوله فيها «فان مات ورثته» و الأظهر انما هو حمل الصحيحة المذكورة على الخروج من العدة كما ذكرناه في الأصل، فلا يكون من محل الاستدلال في شيء. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 6 ص 123 ح 11.
319
السيد السند، بل الأظهر في معنى الخبر إنما هو ما قدمنا ذكره.
و أما قوله «إن حجة الشيخ و أتباعه روايات تدل بظاهرها على ثبوت التوارث بينهما من غير تفصيل» ففيه: إنا لم نقف على شيء من هذه الأخبار في طلاق المريض بالكلية، و ستمر بك إن شاء الله مذيلة ببيان ما اشتملت عليه من الأحكام.
الثالث [في علة وجوب الإرث للزوجة في الصورتين الخارجتين من القواعد المقررة]
ما ذكره بقوله «و ترثه سواء طلقها بائنا أو رجعيا. إلى آخر الكلام» و الوجه فيه أنه لا خلاف نصا و فتوى في أن مطلقه المريض ترثه في العدة البائنة بعد انقضاء العدة الرجعية إلى سنة ما لم يبرأ من مرضه ذلك أو تتزوج هي قبل انقضاء السنة.
و إنما الخلاف في أن وجوب الإرث لها في هاتين الصورتين الخارجتين من القواعد المقررة هل هو لمجرد إطلاق النصوص الدالة على ذلك أعم من أن يكون السبب الداعي إلى الطلاق من جهته أو من جهتها؟ أو أن العلة إنما هي التهمة بالإضرار بها و منعها من الميراث، فقوبل حينئذ بنقيض مطلوبه من توريثها في المدة المذكورة ما لم تتزوج أو يبرأ أو تزيد على السنة؟ أو يكون السبب من جهتها، و يكون الحكم هنا كما في القاتل و حرمانه من الإرث، مقابلة له بضد مطلوبه؟ المشهور الأول، و إلى الثاني ذهب الشيخ في الاستبصار و العلامة في المختلف و جملة من متأخري المتأخرين كالمحدث الكاشاني و المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي و غيرهما، و هو الأظهر.
و ها أنا أتلو عليك أخبار المسألة زيادة على ما تقدم منها بحيث لا يشذ منها شيء إن شاء الله.
و منها ما رواه
في الكافي (1) عن أبي العباس في الصحيح أو الحسن عن أبي
____________
(1) الكافي ج 6 ص 122 ح 7، الوسائل ج 15 ص 363 ب 6 ح 1.
320
عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل المرأة في مرضه ورثته ما دام في مرضه ذلك، و إن انقضت عدتها إلا أن يصح منه، قال: قلت: فإن طال به المرض؟ فقال: ما بينه و بين سنة».
دلت هذه الرواية على تحديد المدة بالسنة، فلا ميراث بعدها، و على الإرث في السنة مع استمرار المرض و إن كان الطلاق بائنا أو بعد العدة الرجعية.
و ما رواه
في الكافي و الفقيه (1) عن الحذاء و أبي الورد كلاهما عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل امرأته تطليقة في مرضه ثم مكث في مرضه حتى انقضت عدتها فإنها ترثه ما لم تتزوج، فإن كانت تزوجت بعد انقضاء العدة فإنها لا ترثه».
و ما رواه
في الكافي (2) عن عبد الرحمن بن الحجاج في الموثق عمن حدثه عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل طلق امرأته و هو مريض، قال: إن مات في مرضه و لم تتزوج ورثته، و إن كانت قد تزوجت فقد رضيت بالذي صنع، فلا ميراث لها».
و هما دالان على أنه بالتزويج يزول الإرث.
و عن عبيد بن زرارة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طلق امرأته و هو مريض حتى مضى لذلك سنة، قال: ترثه إذا كان في مرضه الذي طلقها فيه لم يصح من ذلك».
و مفهومه دال على ما ذكره الأصحاب من أنه لو صح لم ترثه.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (4) عن أبي العباس في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل طلق امرأته و هو مريض تطليقة و قد كان طلقها قبل ذلك
____________
(1) الكافي ج 6 ص 121 ح 2، الفقيه ج 3 ص 353 ح 3 و فيه اختلاف يسير، التهذيب ج 8 ص 77 ح 181، الوسائل ج 15 ص 386 ب 22 ح 5.
(2) الكافي ج 6 ص 122 ح 3، التهذيب ج 8 ص 78 ح 182، الوسائل ج 15 ص 386 ب 22 ح 6 مع اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 6 ص 122 ح 5، التهذيب ج 8 ص 78 ح 183، الوسائل ج 15 ص 386 ب 22 ح 7 مع اختلاف يسير.
(4) الكافي ج 6 ص 122 ح 6، التهذيب ج 8 ص 78 ح 184، الوسائل ج 15 ص 386 ب 22 ح 8 مع اختلاف يسير.
321
تطليقتين؟ قال: فإنها ترثه إذا كان في مرضه، قال: قلت: و ما حد المرض؟
قال: لا يزال مريضا حتى يموت و إن طال ذلك إلى سنة».
و عن أبي العباس في الصحيح برواية المشايخ الثلاثة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل المرأة في مرضه ورثته ما دام في مرضه ذلك و إن انقضت عدتها إلا أن يصح منه، قال: قلت: فإن طال به المرض؟ قال: ما بينه و بين سنة».
و عن سماعة برواية الثلاثة (2) في الموثقة قال: «سألته (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته، قال: ترثه ما دامت في عدتها، و إن طلقها في حال إضرار فهي ترثه إلى سنة، فإن زاد على السنة يوما واحدا لم ترثه» و زاد في الكافي و التهذيب «و تعتد منه أربعة أشهر و عشرا، عدة المتوفى عنها زوجها».
و بهذه الرواية استدل الشيخ على ما قدمنا نقله عنه، وردها المتأخرون بضعف السند، و هو غير مرضي و لا معتمد.
و ما رواه
في الكافي و الفقيه (3) عن أبان عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في رجل طلق امرأته تطليقتين في صحته، ثم طلق التطليقة الثالثة و هو مريض:
إنما ترثه ما دام في مرضه و إن كان إلى سنة».
و هذه الرواية مع رواية أبي العباس الثانية ظاهرة الدلالة في أنها ترثه في عدة الطلاق البائن كما قدمنا ذكره و نحوهما ما يأتي في موثقة عبيد بن زرارة.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (4) عن الحلبي و أبي بصير و أبي العباس جميعا
____________
(1) الكافي ج 6 ص 122 ح 7، الفقيه ج 4 ص 228 ح 2، التهذيب ج 9 ص 385 ح 9، الوسائل ج 15 ص 384 ب 22 ح 1، و في بعضها اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 122 ح 9، الفقيه ج 3 ص 354 ح 7، التهذيب ج 8 ص 78 ح 186، الوسائل ج 15 ص 384 ب 22 ح 4، و في بعضها اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 7 ص 134 ح 6، الفقيه ج 3 ص 353 ح 5، الوسائل ج 15 ص 385 ب 22 ح 3، و ما في المصادر اختلاف يسير.
(4) الكافي ج 7 ص 134 ح 6، التهذيب ج 9 ص 386 ح 10، الوسائل ج 15 ص 387 ب 22 ح 9.
322
عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال: ترثه و لا يرثها إذا انقضت العدة».
و ما رواه
في التهذيب (1) عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يطلق امرأته في مرضه، قال: ترثه ما دام في مرضه و إن انقضت عدتها».
و عن عبيد بن زرارة (2) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يطلق امرأته تطليقتين ثم يطلقها الثالثة و هو مريض فهي ترثه».
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب (3) عن ابن مسكان عن البقباق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته و هو مريض، قال: ترثه في مرضه ما بينه و بين سنة إن مات من مرضه ذلك، و تعتد من يوم طلقها عدة المطلقة، ثم تتزوج إذا انقضت عدتها، و ترثه ما بينها و بين سنة إن مات في مرضه ذلك و إن مات بعد ما تمضي سنة فليس لها ميراث».
و لا منافاة بين هذا الخبر و بين ما تقدم في موثقة سماعة (4) من أنها تعتد عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر و عشرا، فإن المراد من هذا الخبر أنها تعتد بعد طلاقه لها عدة المطلقة، و هما يتوارثان في العدة كما تقدم، فإذا انقضت العدة امتنع ميراثه منها لو ماتت، و بقي ميراثها منه لو مات، فلو مات قبل السنة ورثته، و اعتدت منه عدة المتوفى عنها زوجها ما لم تتزوج قبل ذلك، و على هذا تحمل موثقة سماعة.
و ما رواه
في كتاب من لا يحضره الفقيه (5) عن صالح بن سعيد عن يونس
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 78 ح 185، الوسائل ج 15 ص 387 ب 22 ح 10.
(2) التهذيب ج 8 ص 80 ح 193، الوسائل ج 15 ص 388 ب 22 ح 15.
(3) الفقيه ج 3 ص 353 ح 1، التهذيب ج 8 ص 79 ح 190، الوسائل ج 15 ص 387 ب 22 ح 11 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(4) الكافي ج 6 ص 122 ح 9، الوسائل ج 15 ص 385 ب 22 ح 4.
(5) الفقيه ج 4 ص 228 ح 4، الوسائل ج 17 ص 534 ب 14 ح 7.
323
عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته ما العلة التي من أجلها إذا طلق الرجل امرأته و هو مريض في حال الإضرار ورثته و لم يرثها؟ فقال: هو الإضرار و معنى الإضرار منعه إياها ميراثها منه، فألزم الميراث عقوبة».
و هذا الخبر صريح فيما ذهب إليه الشيخ مما تقدم نقله عنه، و هو ظاهر الصدوق بناء على قاعدته المذكورة في صدر كتابه.
و ما رواه
في التهذيب (1) عن محمد بن القاسم الهاشمي قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا ترث المختلعة و المبارأة و المستأمرة في طلاقها من الزوج شيئا إذا كان ذلك منهن في مرض الزوج و إن مات في مرضه، لأن العصمة قد انقطعت منهن و منه».
أقول: و في هذا الخبر ما يشير إلى ذلك، فإن الأخبار المتقدمة كلها قد اتفقت على ميراثها منه إلى سنة و إن خرجت من العدة، و هؤلاء إنما خرجوا من الحكم المذكور لأن العلة في الطلاق من جهتهن بالمطالبة بالطلاق دون المطلقة التي لا تطلب ذلك، بل ربما تكون كارهة له و إن بانت كما ذكره في الاستبصار.
هذا ما حضرني من أخبار المسألة، و أنت خبير بأنه إذا ضم بعضها إلى بعض ما تقدم و ما تأخر من غير رد لشيء منها كما هو قاعدتنا في الكتاب، فإن الناتج من ذلك هو أنه لا ينبغي للمريض أن يطلق زوجته إضرارا بها، و هذا هو العلة في المنع الوارد في الأخبار المتقدمة في صدر المسألة.
ثم إنه إن فعل ذلك و خالف فإن طلاقة يكون صحيحا، فيجوز للمرأة التزويج بعد الخروج من العدة، فإن تزوجت بعد العدة أو بريء المريض من مرضه أو جاز المرض السنة فلا ميراث بينهما، و إلا فهي ترثه و إن بانت منه بطلاق بائن أو خروج من العدة الرجعية عقوبة و مقابلة له بضد ما قصده من منعها من الميراث بالطلاق، و تعتد عدة المتوفى عنها زوجها متى ورثته.
و أما ما ادعاه في المسالك من ورود أخبار دالة على ما ذهب إليه الشيخ من أنه
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 100 ح 14، الوسائل ج 15 ص 496 ب 5 ح 4.
324
يرثها كما ترثه في العدة البائنة، فليس في الأخبار المذكورة ما يدل عليه و ليس غيرها في الباب.
نعم هنا بعض الأخبار الموهمة لذلك، إلا أنه ليس فيها تصريح بالمرض، بل ظاهرها إنما هو الصحيح.
و منها ما رواه
في التهذيب (1) عن عبد الرحمن عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طلق امرأته آخر طلاقها، قال: نعم يتوارثان في العدة».
و عن يحيى الأزرق (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «المطلقة ثلاثا ترث و تورث ما دامت في عدتها».
و الشيخ قد حملها تارة على ما إذا وقعت الثلاث في مجلس واحد فتحسب بواحدة يملك معها الرجعة، و اخرى على ما إذا وقعت الثالثة في حال مرض الزوج، فإنه يوجب الإرث و إن انقطعت العصمة.
و أنت خبير بما في هذا الاستدلال مع تعدد الاحتمال من الضعف و القصور، و به يظهر قوة القول المشهور كما تقدم ذكره، و التأويل الثاني إنما يتم لو قام الدليل من خارج على ميراثه منها كما قام على ميراثها منه، و إلا فإتيانه بمجرد هذه الرواية لا يخفى ما فيه.
تنبيهات
الأول [حكم الأحوال المخوفة المشابهة بالمرض]
المشهور أنه كما لا يلحق بالطلاق غيره من أنواع الفسخ اتفاقا كذلك لا يلحق بالمرض غيره مما يشبهه من الأحوال المخوفة، وقوفا فيما خالف الأصل على موضع اليقين، و نقل عن ابن الجنيد أنه ألحق الأسير الغير الآمن على نفسه غالبا، و المأخوذ للقود بحد يخاف عليه، مثل ما يخاف عليه بالمرض.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 80 ح 191، الوسائل ج 15 ص 388 ب 22 ح 12 و فيهما اختلاف يسير.
(2) التهذيب ج 8 ص 94 ح 239، الوسائل ج 15 ص 388 ب 22 ح 13.
325
و نفى عنه العلامة- (رحمه الله عليه)- البأس، و لا يخفى أنه مجرد قياس لا يخرج عن ظلمة الالتباس.
الثاني [في ما لو طلق المريض الأمة أو الكتابية طلاقا رجعيا]
اختلف الأصحاب فيما لو طلق الأمة مريضا طلاقا رجعيا، أو الكتابية، ثم أعتقت الأمة و أسلمت الكتابية في العدة و مات في مرضه، فقيل بأنهما ترثان في العدة و لا ترثان بعدها، لانتفاء التهمة، لأن الأمة و الكتابية لا ترثان وقت الطلاق.
و قيل: إنهما ترثان مطلقا و لو بعد العدة، لوجود المقتضي للإرث- و هو الطلاق في المرض- و انتفاء المانع، إذ ليس هنا إلا كونهما غير وارثين وقت الطلاق، و هو لا يصلح للمانعية، لأن المعتبر استحقاق الإرث حال الحكم به، و المفروض أنهما حال الموت حرة مسلمة.
و أنت خبير بأن القولين المذكورين متفرعان على الخلاف المتقدم ذكره من أن الموجب للميراث بعد العدة أو كون الطلاق بائنا هل هو مجرد إطلاق الأخبار الدالة على أن المريض إذا طلق امرأته في حال مرضه ورثته إلى سنة؟ أو أن الموجب إنما هو حصول التهمة بكون طلاقه لها لقصد حرمانها من الميراث؟
فالقول الثاني و هو القول بميراثها مطلقا يتفرع على الأول، و الأول على الثاني.
و قيل في المسألة أيضا قول ثالث، و هو أنها لا ترث (1) و إن انتفت التهمة و علل بأنه طلقهما في حال لم يكن لهما أهلية الإرث، و المفروض كون الطلاق بائنا، فلم يصادف وقت الإرث أهليتهما له للبينونة و لا وقت الطلاق لوجود المانع و هو الرق و الكفر.
و نقل عن فخر المحققين أنه استدل على هذا القول بأن النكاح الحقيقي لم يوجب لهما الميراث فكيف الطلاق. و اعترضه في المسالك بمنع أن النكاح لا يوجب الميراث، قال: بل هو موجب له مطلقا، و لكن الكفر و الرق مانعان من الإرث إذ الإسلام و الحرية شرط فيه، و تخلف الحكم عن السبب لوجود مانع
____________
(1) الظاهر «أنهما لا ترثان» هو الصحيح.
326
أو فقد شرط لا يقدح في سببيته، فإذا فقد المانع أو وجد الشرط عمل السبب عمله كما حقق في الأصول و الأمر هنا كذلك، انتهى.
أقول: و الظاهر بالنظر إلى ما قدمنا اختياره من أن الموجب للإرث إنما هو التهمة بقصده الإضرار بها هو القول الأول من الأقوال الثلاثة المذكورة، و هو اختيار العلامة في المختلف، و نقله فيه عن ابن الجنيد أيضا و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بناء على ترجيحه القول بإطلاق الأخبار المتقدمة و عدم صلاحية المخصص للتخصيص لضعف الاسناد اختار الثاني.
الثالث: إذا ادعت المطلقة المريض أن المريض طلقها قبل موته في حال المرض
، و أنكر الوارث ذلك و زعم أنه طلقها في حال الصحة قالوا: إن القول هنا قول الوارث لتساوي الاحتمالين المذكورين، و الأصل عدم التوارث إلا مع وجود سببه.
توضيحه: أن إرث المطلقة هنا لما كان جاريا على خلاف الأصل و متوقفا على شرط- و هو وقوع الطلاق في حال مرض الموت- فلا بد في ثبوت الميراث من العلم بوجود الشرط المذكور، و إلا فالأصل عدم الإرث.
الرابع [لو طلق أربعا في مرضه و تزوج أربعا و دخل بهن ثم مات]
قالوا: لو طلق أربعا في مرضه و تزوج أربعا و دخل بهن ثم مات فيه كان الربع أو الثمن بينهن بالسوية، و إنما قيد تزويج الأربع الجديدات بالدخول لما سيأتي إن شاء الله من أن صحة نكاح المريض مشروط بالدخول. فلو مات قبله فلا ميراث، و حينئذ فإذا دخل بالأربع الجديدات ورثته بالدخول و الزوجية المقتضية لذلك، و ورثته الأربع الأول أيضا لوجود سببه، و هو الطلاق في مرض الموت المقتضي للإرث و إن خرجن عن الزوجية. و حينئذ فتشترك الجميع في الربع أو الثمن بالسوية كاشتراك الأربع فيه و لا ميراث لما زاد عن الأربع بالزوجية إلا في هذه الصورة، و الله العالم.
327
المقصد الثالث في جملة من الأحكام المتعلقة بالمقصد المتقدم
و فيه فصول:
[الفصل] الأول في المحلل:
[شرائطه]
و يشترط فيه شروط،
الأول: أن يكون الزوج بالغا
، و في المراهق خلاف، و الذي قطع به الأكثر العدم، و قوى الشيخ في المبسوط و الخلاف وقوع التحليل بالمراهق، و هو من قارب الحلم، فإنه يحصل بوطئه التحليل.
و يدل على المشهور صريحا ما رواه
في الكافي (1) عن علي بن الفضل الواسطي قال: «كتبت إلى الرضا (عليه السلام): رجل طلق امرأته الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فتزوجها غلام لم يحتلم، قال: لا، حتى يبلغ. فكتبت إليه: ما حد البلوغ؟
فقال: ما أوجب على المؤمنين الحدود».
و ما روي في عدة أخبار
عنه (صلى الله عليه و آله) «حتى تذوقي عسيلته و يذوق عسيلتك».
و هو ما فسره في النهاية (2) و غيرها من كتب اللغة كناية عن لذة الجماع، و قيل:
الانزال، و هو لا يتحقق إلا في البالغ لأن اللذة التامة إنما تحصل بإنزال المني و إن حصل قبله لذة ما، و يشير إليه التشبيه بالعسل المشتمل على كمال اللذة، و استدل للشيخ بظاهر قوله تعالى «حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» (3) الصادق ذلك الصغير و الكبير، و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني- (رحمه الله عليه)- في المسالك بالميل إلى ما ذهب إليه الشيخ مستندا إلى ظاهر الآية المذكورة، و استضعافا لسند الرواية المتقدمة، و حملا للحديث النبوي على ما يشمل المراهق لأن له لذة
____________
(1) الكافي ج 6 ص 76 ح 6، الوسائل ج 15 ص 367 ب 8 ح 1.
(2) النهاية لابن الأثير ج 3 ص 237.
(3) سورة البقرة- آية 230.
328
الجماع، و كذلك المرأة تلتذ به فيتناوله الخبر.
و فيه: أن ما استند إليه من ظاهر الآية يرده أنهم قد صرحوا في غير مقام بأن الإطلاق إنما ينصرف إلى الأفراد الكثيرة المتعارفة دون الأفراد النادرة، و لا ريب أن نكاح غير البالغ من أندر الفروض النادرة.
و أما رد الرواية بضعف السند فقد عرفت أنه غير مرضي و لا معتمد، أما عندنا فظاهر، و أما عندهم فلجبرها بشهرة الفتوى بمضمونها، حتى أن سبطه الذي هو عمدة المشيدين لهذا الاصطلاح المحدث قد قال بالقول المشهور و استدل بها.
و أما دعوى دخول المراهق في الحديث النبوي فهو بعيد غاية البعد لما أشرنا إليه آنفا.
الثاني: أن يطأها المحلل
، فلا يكفي العقد المجرد عن الوطء، و لا الخلوة المضاف إليه. و نقل الإجماع على ذلك من الخاصة و العامة إلا من سعيد بن المسيب، حيث اكتفى بمجرد العقد عملا بظاهر الآية المتقدمة، لأن النكاح حقيقة في العقد.
و فيه مضافا إلى الإجماع المذكور أن إطلاق الآية مخصص بأخبار العسيلة، و منها في خصوص ما نحن فيه، ما رواه
في الكافي (1) عن أبي حاتم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يطلق امرأته الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ثم تزوج رجلا لا يدخل بها، قال: لا حتى يذوق عسيلتها».
و ما رواه
في التهذيب (2) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يطلق امرأته تطليقة ثم يراجعها بعد انقضاء عدتها، فإذا طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فإذا تزوجها غيره و لم يدخل بها و طلقها أو مات عنها لم تحل لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 425 ح 4، الوسائل ج 15 ص 366 ب 7 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
(2) التهذيب ج 8 ص 33 ح 18، الوسائل ج 15 ص 352 ب 3 ح 9.
329
و خبر العسيلة أيضا مروي عندهم كما هو مروي عندنا،
فروى غير واحد منهم (1) «أنه جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالت: كنت عند رفاعة، فبت طلاقي، فزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، فطلقني قبل أن يمسني- و في رواية: و أنا معه مثل هدية الثوب- فتبسم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و قال: أ تريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته، و يذوق عسيلتك».
الثالث: أن يكون الوطء في القبل
فلا يكفي في الدبر، و قال في المسالك:
و هو مستفاد أيضا من ذوق العسيلة، فإنه منتف من الجانبين في غير القبل، و لأنه المعهود.
أقول: و في هذا الكلام تأييد لما أوردناه عليه آنفا من استناده إلى ظاهر الآية في تقوية مذهب الشيخ، مع أنه خلاف المعهود، و استناده إلى الحديث النبوي في شموله المراهق، بدعوى حصول اللذة له فإن اللذة أيضا حاصلة بالجماع في الدبر، و لم يرتكب ذلك فاعله إلا لما يراه فيه من اللذة، و لكنها لا يبلغ لذة النكاح في القبل، و دعواه- رحمة الله عليه- أنه منتف من الجانبين في غير القبل ممنوعة لما عرفت.
الرابع: كون الوطء موجبا للغسل
، و حده أن تغيب الحشفة أو قدرها من مقطوعها، لأن ذلك هو مناط أحكام الوطء كلها، قالوا: و الفرق بين أن يحصل مع ذلك انتشار العضو و عدمه حتى لو حصل بإدخال الحشفة بالاستعانة، كفى على ما يقتضيه إطلاق النص و الفتوى.
و يشكل ذلك بأخبار العسيلة الظاهرة في حصول اللذة بذلك الجماع، و مجرد إدخال المقدار المذكور على هذا الوجه لا يترتب عليه لذة كما لا يخفى، و دعوى اقتضاء إطلاق النص ما ذكروه ممنوع، فإن الإطلاق إنما
____________
(1) سنن أبى داود ج 2 ص 294 ح 2309، سنن البيهقي ج 7 ص 373، النهاية لابن الأثير ج 3 ص 237.
330
يحمل على الأفراد الشائعة المتكررة دون الفروض النادرة، و يؤيد ذلك بأخبار العسيلة المذكورة. و بالجملة فالظاهر عندي ضعف ما ذكروه، و إن كان ظاهرهم الاتفاق عليه.
الخامس: كون ذلك بالعقد الدائم
، و احترزنا بالعقد عن ملك اليمين و التحليل لقوله تعالى «حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» (1) و النكاح حقيقة في العقد، و على تقدير كونه حقيقة في الوطء فلفظ الزوج موجب لخروج النكاح بالملك و التحليل إذ لا يسمى واحد منهما زوجا، و يدل على ذلك قوله تعالى «فَإِنْ طَلَّقَهٰا» و النكاح بملك اليمين أو التحليل لا طلاق فيه.
و من الأخبار الدالة على ذلك بالنسبة إلى ملك اليمين ما رواه
في التهذيب (2) عن الفضيل عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجل زوج عبده أمته ثم طلقها تطليقتين، أ يراجعها إن أراد مولاها؟ قال: لا، قلت: أفرأيت أن وطأها مولاها أ يحل للعبد أن يراجعها؟ قال: لا، حتى تزوج زوجا غيره و يدخل بها فيكون نكاحا مثل نكاح الأول، و إن كان قد طلقها واحدة فأراد مولاها راجعها».
و التقريب فيها أن الأمة تحرم بتطليقتين و لا تحل إلا بالمحلل، و قد منع (عليه السلام) نكاح المولى أن يكون تحليلا موجبا لجواز مراجعة الزوج الأول لها، و أوجب زوجا غيره مثل التزويج الأول، و نحوها أيضا رواية عبد الملك بن أعين. (3)
و احترزنا بالدائم عن نكاح المتعة، فإنه لا يحصل به تحليل اتفاقا و فتوى،
____________
(1) سورة البقرة- آية 230.
(2) التهذيب ج 8 ص 87 ح 217، الوسائل ج 15 ص 397 ب 27 ح 2.
(3) و هي ما رواه
في التهذيب [ج 8 ص 84 ح 205] عن عبد الملك بن أعين قال: «سألته عن رجل زوج جاريته رجلا فمكثت معه ما شاء الله ثم طلقها و رجعت الى مولاها فوطأها، أ تحل لزوجها إذا أراد أن يراجعها؟ قال: لا، حتى تنكح زوجا غيره».
و هي محمولة على ما إذا كان الطلاق مرتين، لان الطلاق مرة لا يوجب التحريم كما صرحت به الرواية المذكورة في الأصل. (منه- (قدس سره)-).
331
و من الأخبار في ذلك ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «قال سألته عن رجل طلق امرأته ثلاثا، ثم تمتع منها رجل آخر، هل تحل للأول؟ قال: لا».
و عن الصيقل (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فتزوجها رجل متعة، أ يحل له أن ينكحها؟
قال: لا، حتى تدخل في مثل ما خرجت منه».
أقول: و في هذا الخبر دلالة على عدم التحليل بشيء من الثلاثة المذكورين فإن الذي خرجت منه إنما هو النكاح بالعقد الدائم، و هو الذي حصل به التحريم بالتكرر ثلاث مرات، فلا بد في المحلل الذي تدخل فيه أن يكون كذلك، فلا يجزي نكاح الملك و لا التحليل و لا المتعة، و هو ظاهر.
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (3) عن الصيقل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له:
رجل طلق امرأته طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فيتزوجها رجل متعة، أ تحل للأول؟ قال: لا، لأن الله تعالى يقول «فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهٰا» و المتعة ليس فيها طلاق».
أقول: و من هذا الخبر أيضا يستفاد عدم التحليل بملك اليمين و التحليل، إذ لا طلاق في شيء منهما كما عرفت.
و عن هشام بن سالم (4) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج امرأة ثم طلقها فبانت فتزوجها رجل آخر متعة، هل تحل لزوجها الأول؟ قال: لا، حتى تدخل فيما خرجت منه».
و التقريب فيها كما تقدم في رواية الصيقل الاولى.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 425 ح 1، الوسائل ج 15 ص 368 ب 9 ح 2 و فيهما «تمتع فيها».
(2) الكافي ج 5 ص 425 ح 2، الوسائل ج 15 ص 368 ب 9 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
(3) التهذيب ج 8 ص 34 ح 22، الوسائل ج 15 ص 369 ب 9 ح 4.
(4) التهذيب ج 8 ص 34 ح 21، الوسائل ج 15 ص 369 ب 9 ح 3.
332
و عن عمار بن موسى (1) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته تطليقتين للعدة، ثم تزوجت متعة، هل تحل لزوجها الأول؟ قال:
لا: حتى تزوج ثباتا».
أقول: و في هذا الخبر دلالة على ما ذكرناه من الشرط المذكور الموجب لخروج الثلاثة المذكورة، فإن ثباتا إما بالثاء المثلثة ثم الباء الموحدة ثم التاء المثناة من فوق، أو بالباء الموحدة أولا ثم بالتائين المثناتين من فوق من البت بمعنى اللزوم، و المعنيان متقاربان، و هما كناية عن العقد الدائم كما وقع التعبير به في غير هذا الخبر أيضا.
و من أخبار المسألة زيادة على ما ذكر ما رواه
في الكافي (2) عن إسحاق بن عمار قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فتزوجها عبد ثم طلقها، هل يهدم الطلاق؟ قال: نعم، لقول الله تعالى في كتابه «حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» و قال: هو أحد الأزواج».
و في الخبر دلالة على التحليل بتزويج العبد كالحر.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن التحليل المذكور إذا استكمل الشرائط المذكورة فإنه لا خلاف في هدمه الثلاث الطلقات إذا وقع بعدها، و إنما الخلاف في هدمه ما دون الثلاث، بمعنى أنه إذا طلق الزوجة طلقة واحدة أو طلقتين ثم خرجت من العدة فتزوجت بغيره تزويجا مشتملا على شروط التحليل المتقدمة ثم طلقها أو مات عنها ثم رجعت إلى الزوج الأول بعقد جديد، فهل تبقى معه على ثلاث تطليقات، بمعنى أن هذا التزويج قد هدم الطلاق الأول فكأنه لم يطلقها بالكلية و لا يحسب تلك الطلقة أو الطلقتان؟ أو أنها تبقى معه على ما بقي من الثلاث،
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 33 ح 20، الوسائل ج 15 ص 364 ب 6 ح 5 و فيهما «بتاتا» مع اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 5 ص 425 ح 3، الوسائل ج 15 ص 370 ب 12 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
333
بمعنى أن التزويج الثاني لم يهدم الطلاق الأول فتبقى بعد عودها إلى الأول على واحدة أو اثنتين؟ قولان، المشهور الأول، و قيل بالثاني، إلا أن القائل به غير معلوم، و إنما نقله الشيخ في الخلاف عن بعض أصحابنا المتأخرين، و هو الظاهر عندي من الأخبار كما ستمر بك إن شاء الله تعالى واضحة المنار ساطعة الأنوار.
و الذي يدل على القول المشهور ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي (1) عن رفاعة في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طلق امرأته حتى بانت منه و انقضت عدتها ثم تزوجت زوجا آخر فطلقها أيضا ثم تزوجها زوجها الأول، أ يهدم ذلك الطلاق الأول؟ قال: نعم».
و رواها
الشيخ في التهذيب (2) بسند فيه ضعف عن رفاعة بن موسى قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل طلق امرأته تطليقة واحدة فتبين منه ثم يتزوجها آخر فيطلقها على السنة فتبين منه ثم يتزوجها الأول، على كم هي عنده؟ قال:
على غير شيء. ثم قال: يا رفاعة كيف إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجها ثانية استقبل الطلاق، فإذا طلقها واحدة كانت على اثنتين».
و ما رواه
في التهذيب (3) عن عبد الله بن عقيل بن أبي طالب (عليه السلام) في الضعيف قال: «اختلف رجلان في قضية إلى علي (عليه السلام) و عمر في امرأة طلقها زوجها تطليقة أو اثنتين، فتزوجها آخر فطلقها أو مات عنها، فلما انقضت عدتها تزوجها الأول، فقال عمر: هي منك على ما بقي من الطلاق. و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): سبحان الله أ يهدم ثلاثا و لا يهدم واحدة».
و أما ما يدل على القول الآخر فظاهر الآية و هي قوله تعالى
____________
(1) الكافي ج 6 ص 77 ح 3، التهذيب ج 8 ص 30 ح 7، الوسائل ج 15 ص 363 ب 6 ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 31 ح 11، الوسائل ج 15 ص 363 ب 6 ح 1.
(3) التهذيب ج 8 ص 34 ح 25، الوسائل ج 15 ص 363 ب 6 ح 3 و فيهما اختلاف يسير.
334
«فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» فإن المراد من الآية كما ذكره المفسرون و به وردت الأخبار أنه إذا طلقها الثالثة، و هو أعم من أن يتحلل ذلك نكاح زوج غيره أم لا، إذ المدار في التحريم المتوقف حله على المحلل هو حصول الطلقات الثلاث مطلقا، و به أخبار صحاح صراح متكاثرة.
و منها ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن و في التهذيب (1) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طلق امرأته تطليقة واحدة ثم تركها حتى قضت عدتها ثم تزوجها رجل غيره ثم إن الرجل مات أو طلقها فراجعها الأول، قال: هي عنده على تطليقتين باقيتين».
و ما رواه
في الكافي (2) عن علي بن مهزيار في الصحيح قال: «كتب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام): روى بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يطلق امرأته على الكتاب و السنة فتبين منه بواحدة فتزوج زوجا غيره فيموت عنها أو يطلقها فترجع إلى زوجها الأول، أنها تكون عنده على تطليقتين و واحدة قد مضت، فوقع (عليه السلام) تحته: صدقوا. و روى بعضهم أنها تكون عنده على ثلاث مستقبلات، و أن تلك التي طلقها ليست بشيء لأنها قد تزوجت زوجا غيره، فوقع (عليه السلام) بخطه: لا».
و ما رواه
الشيخ (3) عن أحمد بن محمد بن عيسى عن علي بن أحمد عن عبد الله بن محمد قال: «قلت له: روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يطلق امرأته على الكتاب و السنة فتبين منه بواحدة و تزوج زوجا غيره فيموت عنها أو يطلقها فترجع إلى زوجها الأول أنها تكون عنده على تطليقتين و واحدة قد مضت، فقال: صدقوا».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 426 ح 5، التهذيب ج 8 ص 32 ح 12، الوسائل ج 15 ص 364 ب 6 ح 6 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 5 ص 426 ح 6، الوسائل ج 15 ص 364 ب 6 ح 7 و 8 و فيهما اختلاف يسير.
(3) التهذيب ج 8 ص 32 ح 16، الوسائل ج 15 ص 364 ب 6 ح 7 و فيهما اختلاف يسير.
335
و ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن منصور عن أبي عبد الله (عليه السلام) في امرأة طلقها زوجها واحدة أو اثنتين ثم تركها حتى تمضي عدتها فتزوجها غيره فيموت أو يطلقها فيتزوجها الأول، قال: هي عنده على ما بقي من الطلاق».
و رواه أيضا بسند آخر في الصحيح عن ابن مسكان عن محمد الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله.
و عن جميل بن دراج (3) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل المرأة فتزوجت ثم يطلقها فتزوجها الأول ثم طلقها فتزوجت رجلا ثم طلقها، فإذا طلقها على هذا ثلاثا لم تحل له أبدا».
و نحو روى إبراهيم بن عبد الحميد (4) عن الحسن (عليه السلام) و في بعض متون هذا الخبر و هو الذي نقله في المسالك
عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) و إبراهيم بن عبد الحميد عن الكاظم (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل المرأة فتزوجت ثم طلقها زوجها فتزوجها الأول ثم طلقها فتزوجت رجلا، ثم طلقها هكذا ثلاثا لا تحل له أبدا».
و التقريب في هذا الخبر أنه لو هدم الزوج المتوسط الطلاق الذي تقدم من الزوج الأول لكان إذا طلقها على الوجه المذكور في الخبر تحل له أبدا لعدم الموجب للتحريم. و الظاهر أن المراد بقوله «لم تحل له أبدا» يعني حتى تنكح زوجا غيره.
و ما رواه
الشيخ (5) عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن موسى بن بكير عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «أن عليا (عليه السلام) كان يقول في الرجل يطلق امرأته تطليقة ثم يتزوجها بعد زوج: إنها عنده على ما بقي من طلاقها».
و ليس في سند هذا
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 32 ح 13، الوسائل ج 15 ص 365 ب 6 ح 9.
(2) التهذيب ج 8 ص 32 ح 14، الوسائل ج 15 ص 365 ب 6 ح 9.
(3) الكافي ج 5 ص 428 ح 13.
(4) الكافي ج 5 ص 428 ح 7.
(5) التهذيب ج 8 ص 32 ح 15، الوسائل ج 15 ص 365 ب 6 ح 10 و فيهما «موسى بن بكر».
336
الخبر من يتوقف في شأنه إلا موسى بن بكير، فإنه قيل: إنه واقفي إلا أنه من أصحاب الأصول، و الراوي عنه صفوان الذي قد نقل فيه إجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنه، فالرواية لا يخلو من الاعتبار في سندها.
و ما رواه
أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن النصر عن عاصم عن محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طلق امرأته تطليقة ثم نكحت بعده رجلا غيره ثم طلقها فنكحت زوجها الأول، فقال: هي عنده على تطليقة».
هذا ما حضرني من روايات هذا القول و لا يخفى على الناقد البصير ضعف معارضة روايتي القول المشهور لهذه الأخبار، بل التحقيق أنه ليس للقول المشهور إلا رواية رفاعة، لأن رواية عبد الله بن عقيل لم تستند إلى إمام، و إنما استندت إليه، فهي ليست بدليل شرعي، و لا سيما مع معارضتها برواية الباقر (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) خلاف ما دلت عليه كما عرفت، فلم يبق إلا رواية رفاعة، و العمدة في ترجيحها إنما هو شهرة القول بها، فانحصر الدليل في الشهرة، و لهذا أن جملة من المتأخرين قد ترددوا في المسألة، و استشكلوا فيها من حيث صحة أخبار القول الثاني و تكاثرها و من حيث شهرة القول الأول حيث لم يظهر له مخالف منهم، و منهم العلامة في التحرير و السيد السند في شرح النافع و الفاضل الخراساني في الكفاية، و نسبه المحقق في كتابيه إلى أشهر الروايتين، و مثله العلامة في القواعد و الإرشاد إيذانا بالتوقف فيه.
و الشيخ قد أجاب عما نقله من أدلة هذا القول بوجوه: (منها) أن الزوج الثاني لم يدخل بها، أو كان تزوج متعة، أو لم يكن بالغا، فإن في جميع هذه المواضع لا يحصل التحليل كما تقدم ذكره، أو الحمل على التقية محتجا بأنه مذهب عمر كما دلت عليه رواية عبد الله بن عقيل، و لا يخفى بعد الجميع.
قال السيد السند في شرح النافع بعد ذكر محامل الشيخ: و لا يخفى بعد
____________
(1) البحار ج 104 ص 69 ح 10، الوسائل ج 15 ص 365 ب 6 ح 11.
337
هذه المحامل، و المسألة محل تردد، و القول بعدم الهدم لا يخلو من قوة، إلا أن المشهور خلافه، و من ثم اقتصر المصنف على جعل رواية الهدم أشهر مؤذنا بتوقفه فيه و هو في محله، انتهى.
و قال جده في المسالك بعد ذكر جملة من أدلة هذا القول: و لا يخفى عليك قوة دليل هذا الجانب لضعف مقابله، إلا أن عمل الأصحاب عليه، فلا سبيل إلى الخروج عنه- ثم نقل محامل الشيخ الثلاثة الأول، و قال عقيبها:- و ما أشبه هذا الحمل بأصل الحجة.
أقول: لا يخفى عليك ما في التمسك بعمل الأصحاب في مقابلة هذه الأخبار الصحاح الصراح المستفيضة من المجازفة، فإنه لا ريب أن المأخوذ على الفقيه في الفتوى بالأحكام الشرعية إنما هو الأخذ بما أنزل الله سبحانه مما ورد في الكتاب العزيز و السنة المطهرة. و لا سيما
الخبر المستفيض من الخاصة و العامة عنه (صلى الله عليه و آله) (1) «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما».
لا ما ذكره غير، من العلماء و إن ادعوا الإجماع عليه.
و بذلك اعترف هو نفسه- رحمة الله عليه- في مسألة ما لو أوصى له بأبيه فقبل الوصية من كتاب الوصايا، و قد قدمنا كلامه في كتاب الوصايا إلا أنه لا بأس بنقل ملخصه هنا.
قال- رحمة الله عليه-: و لا يقدح دعواه الإجماع في فتوى العلامة بخلافه، لأن الحق أن إجماع أصحابنا إنما يكون حجة مع تحقق دخول قول المعصومين (عليهم السلام) في جملة قولهم- إلى أن قال:- و بهذا يظهر جواز مخالفة الفقيه المتأخر لغيره من المتقدمين في كثير من المسائل التي ادعوا فيها الإجماع إذا قام عنده الدليل
____________
(1) الكافي ج 1 ص 19 ح 9، الوسائل ج 18 ص 151 ب 13 ح 77 و ص 19 ب 5 ح 9، مسند أحمد بن حنبل ج 3 ص 14 و 17 و ما في المصادر اختلاف يسير.
338
على ما يقتضي خلافهم، و قد اتفق ذلك لهم كثيرا، لكن زلة المتقدم متسامحة عند الناس دون المتأخرين، انتهى.
فانظر إلى ما بينه و بين هذا الكلام المنحل الزمام من الغفلة مما حققه في ذلك المقام، الذي هو الحقيق بالأخذ به و الالتزام، ثم إنا لو نزلنا عن القول بمقتضى قواعدهم من أنه لا يجمع بين الأخبار إلا بعد تحقق المعارض بينها، و قلنا بثبوت التعارض بين روايات القول الآخر و موثقة رفاعة، فالواجب الرجوع إلى طرق الترجيح الواردة في مقبولة عمر بن حنظلة (1) و رواية زرارة و نحوهما، و من الطرق المذكورة الترجيح بالأعدل و الأفقه و الأورع.
(و منها) الترجيح بالشهرة، و لا ريب في حصول الترجيح بهاتين الطريقتين لروايات القول الآخر (2) دون رواية رفاعة، فإن روايات عدم الهدم قد رواها كثير من فقهاء أصحابهم (عليهم السلام) كزرارة و علي بن مهزيار و منصور بن حازم و جميل بن دراج و عبد الله بن علي بن أبي شعبة و أخيه محمد، فتكون روايات عدم الهدم بذلك أشهر رواية و أعدل و أفقه و أورع رواة و المراد بالشهرة التي هي أخذ طرق الترجيح إنما هي الشهرة في الرواية، لا العمل كما حقق في محله، و كذا المجمع عليه، و هو حاصل لروايات عدم الهدم خاصة.
و بالجملة فالترجيح بهاتين الطريقتين مما لا إشكال في اختصاصه بالروايات المذكورة.
(و منها) الترجيح بموافقة الكتاب، و هو أيضا مخصوص برواية عدم الهدم
____________
(1) الكافي ج 1 ص 67 ح 10، الوسائل ج 18 ص 75 ب 9 ح 1.
(2) و مقتضاها هو طرح رواية رفاعة بالكلية لعدم نهوضها بالمعارضة سندا و عددا، إلا أنا لو تنزلنا عن ذلك و قلنا بمعارضتها فلنا أن نقول أيضا ما عرفت في الأصل.
(منه- (قدس سره)-).
339
بالتقريب الذي قدمناه، و قد استفاضت الأخبار بالرد إلى الكتاب (1)، و أن ما خالف كتاب الله زخرف.
(و منها) الترجيح بالاحتياط كما تضمنته مرفوعة زرارة (2) و هو أيضا مخصوص بالرواية المذكورة.
(و منها أيضا) الأخذ بقول الأخير من الإمامين (عليهما السلام) (3). و هذه القاعدة ذكرها الصدوق في كتابه، و هو أيضا حاصل الروايات المذكورة.
و بيانه: أن صحيح علي بن مهزيار قد اشتمل على عرض القولين المذكورين على أبي الحسن الهادي (عليه السلام) فصدق روايات القول الآخر، و بقي روايات القول المشهور.
أما الترجيح بالتقية فهو أقوى ما يمكن أن يتمسك به لترجيح خبر رفاعة.
و فيه (أولا) أنه مبني على ثبوت ذلك، و هو غير معلوم، فإن المستند بكونه حكم عمر إنما هو رواية عبد الله بن عقيل، و هي غير مستندة إلى الامام (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 1 ص 69، الوسائل ج 18 ص 75 ب 9.
(2) مستدرك الوسائل ج 3 ص 185 ب 9 ح 2 من أبواب صفات القاضي.
(3) و من أخبار هذه القاعدة ما رواه
في الكافي [ج 1 ص 67 ح 8 و فيه اختلاف يسير] عن الحسين بن المختار عن بعض أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لو حدثتك بحديث العام، ثم جئتني من قابل فحدثتك، بأيهما كنت تأخذ؟ قال: قلت: كنت آخذ بالأخير، فقال لي: رحمك الله».
و عن المعلى بن خنيس [الكافي ج 1 ص 67 ح 9 و فيه اختلاف يسير] عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إذا جاء حديث عن أولكم و حديث عن آخركم بأيهما آخذ؟ فقال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحي فخذوا بقوله. قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): انا و الله لا ندخلكم الا فيما يسعكم».
و الصدوق- رحمة الله عليه- أشار الى هذه القاعدة في باب الرجل يوصى لرجلين [الفقيه ج 4 ص 151] حيث نقل فيه خبرين يتوهم أنهما مختلفان فقال: و لو صح الخبران جميعا لكان الواجب الأخذ بقول الأخير كما أمر به الصادق (عليه السلام). (منه- (قدس سره)-).
340
بل المخبر بذلك إنما هو عبد الله المذكور، و قوله ليس بحجة شرعية، سيما مع معارضة خبر زرارة الدالة على أن عليا (عليه السلام) كان يقول إنها على ما بقي من الطلاق، و هي صريحة في أن مذهب علي (عليه السلام) هو القول بعدم الهدم، و الراوي عنه ابنه الباقر (عليه السلام)، و لا تعارضه رواية عبد الله بن عقيل عنه (عليه السلام) خلافه.
(و ثانيا) أن العامة مختلفون في المسألة أيضا على ما نقله الشيخ في الخلاف (1)، و القول بالهدم منقول عن أبي حنيفة و أبي يوسف و ابن عمر، و ليس حمل أخبار عدم الهدم على التقية كما ذكره الشيخ بأولى من حمل رواية رفاعة الشاذة النادرة عليه، سيما مع ما علم من كتب السير و التواريخ من شيوع مذهب أبي حنيفة في زمانه و قوته، و هو في عصر الصادق (عليه السلام) المروي عنه القول بالهدم، و حينئذ فلا يبعد حمل رواية رفاعة الدالة على الهدم على التقية.
و يؤيده أن المنقول في كتب السير و الأخبار أن شهرة هذه المذاهب الأربعة إنما كان قريبا من سنة خمس و ستين و ستمائة، و استمر الأمر إلى هذا الزمان و أما في الأعصار السابقة فإن المعتمد في كل زمان على من اعتنت به خلفاء الجور و قدموه للقضاء و الفتيا و إليه يرجع الحكم في جميع البلدان، و كان المعتمد في زمن أبي حنيفة على فتاويه، و في زمن هارون الرشيد و هو في عصر مولانا الكاظم (عليه السلام) على فتاوي أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة، قالوا: قد استقضاه الرشيد و اعتنى به حتى لم يقلد في بلاد العراق و الشام و مصر إلا من أشار إليه أبو يوسف، و في زمن المأمون كان الاعتماد على يحيى بن أكثم القاضي، و في زمن المعتصم على أحمد ابن أبي داود القاضي، و إذا كان الأمر كذلك فيجوز أن يكون المشهور في عصر مولانا الصادق (عليه السلام) الذي عليه عمل العامة، و إليه ميل قضاتهم و حكامهم هو القول بالهدم بل هو الواقع، لأن اعتماد العامة في وقت الصادق (عليه السلام) كان على أبي حنيفة القائل بالهدم، فالتقية منه لشيوع مذهبه في تلك الأيام، و إن كان نادرا في وقت
____________
(1) الخلاف: ج 3 كتاب الطلاق «مسألة 59».
341
آخر، و هذا بحمد الله ظاهر لا سترة عليه.
(و ثالثا) أنه من الممكن عدم الترجيح هنا بهذه القاعدة- أعني التقية و عدمها- فإن طرق الترجيح التي اشتملت عليها مقبولة عمر بن حنظلة مترتبة، فأولها الترجيح بالأعدل و الأفقه و الأورع، ثم بعدها الترجيح بالأشهر و المجمع عليه، ثم الترجيح بمخالفة العامة، فالترجيح بمخالفة العامة إنما وقع في المرتبة الثالثة و هو لا يصار إليه إلا مع تعذر الترجيح بما قبله من المراتب.
و قد عرفت أن الترجيح بالمرتبتين الأولتين حاصل لروايات عدم الهدم، و حينئذ فلا يصار إلى الترجيح بالتقية. فإن قلت: إن جملة من الأخبار قد دلت على الترجيح بمخالفة العامة مطلقا، قلنا: يجب تقييد ما أطلق بما دلت عليه هذه الأخبار الناصة على الترتيب بين هذه المراتب.
و كيف كان فقد ظهر لك مما حققناه في المقام بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الأعلام قوة القول بأخبار عدم الهدم، و أنه هو الذي لا يحوم حوله نقض و لا إبرام.
مسائل
الاولى [في حصول التحليل بالذمي كالمسلم]
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في حصول التحليل بالذمي كالمسلم إذ لم يذكر أحد منهم أن الإسلام شرط في المحلل، و لا طلاق الآية، و هي قوله تعالى «حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» فلو طلق الذمية ثلاثا فتزوجت بعده ذميا ثم بانت منه و أسلمت أو جوزنا نكاح الكتابية ابتداء جاز للأول نكاحها، و يتصور طلاق المسلم للذمية ثلاثا على تقدير أن رجوعه في طلاقها في العدة ليس ابتداء نكاح فلا يمنع منه، أو على القول بجواز نكاحها ابتداء، أو على تقدير طلاقها مرتين في حال كفرهما، و وقوع الثالثة بعد إسلام الزوج دونها، فإذا تزوجت ذميا أفاد التحليل لزوجها المسلم إذا أسلمت أو قلنا بجواز نكاحها ابتداء للمسلم.
و قالوا: و كذا لو كان الزوج كافرا أو ترافعوا إلينا حكمنا بحلها له سواء
342
كان ذميا أم لا، و كذا لو أسلم الزوج و قد حللها كافر مثلها، لأن أنكحة الكفار مقرة على حالها كما تقدم في بابه.
الثانية [في أن الاعتبار بالتحريم الموجب للمحلل إنما هو بالنسبة إلى المرأة]
لا خلاف بين أصحابنا في أن الاعتبار بالتحريم الموجب للمحلل و كون التحريم يحصل بثلاث أو اثنين إنما هو بالنسبة إلى المرأة دون الزوج، بمعنى أنه لو كان تحته امرأة حرة و استحكمت ثلاث طلقات فإنها لا تحل له إلا بمحلل سواء كان الزوج حرا أو مملوكا، و لو كان تحته أمة و استكملت اثنين حرمت حتى تنكح زوجا غيره سواء كان زوجها حرا أو مملوكا، و خالفنا العامة في ذلك، فجعلوا الاعتبار بحال الزوج، فإذا كان حرا اعتبر في التحريم الثلاث سواء كان تحته أمة أو حرة، و إن كان الزوج عبدا اعتبر طلقتان و إن كان تحته حرة، و مظهر الخلاف في الحر تحته الأمة، و بالعكس، و إلا فلا خلاف فيما إذا كان حرا تحته حرة، أو مملوكا تحته مملوكة للاتفاق على الثلاث في الاولى و الاثنتين في الثانية.
و تدل على ما ذهب إليه الأصحاب الأخبار المتكاثرة، و منها ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح عن عيص بن القاسم قال: «إن ابن شبرمة قال: الطلاق للرجل فقال أبو عبد الله (عليه السلام): الطلاق للنساء، و بيان ذلك: أن العبد تكون تحته الحرة فيكون تطليقها ثلاثا، و يكون الحر تحته الأمة، فيكون طلاقها تطليقتين».
و عن زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) في الصحيح قال: «سألته عن حر تحته أمة أو عبد تحته حرة، كم طلاقهما و كم عدتهما؟ فقال: السنة في النساء في الطلاق فإن كانت حرة فطلاقها ثلاثا، و عدتها ثلاثة قروء، و إن كان حرا تحته أمة فطلاقها تطليقتان و عدتها قرءان».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 167 ح 3، الوسائل ج 15 ص 391 ب 24 ح 1 و فيهما «و تبيان ذلك».
(2) الكافي ج 6 ص 167 ح 1، الوسائل ج 15 ص 469 ب 40 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
343
و عن عبد الله بن سنان (1) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «طلاق المملوك للحرة ثلاث تطليقات، و طلاق الحر للأمة تطليقتان».
و ما رواه
في الفقيه (2) عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له:
إذا كانت الحرة تحت العبد كم يطلقها؟ فقال: قال علي (عليه السلام): الطلاق و العدة بالنساء».
إلى غير ذلك من الأخبار.
الثالثة [في ما لو كانت تحته أمة فطلقها تطليقتين ثم إنه اشتراها]
قد عرفت أن الأمة تحرم بتطليقتين، و لا تحل لزوجها الأول إلا بمحلل مستجمع للشرائط المتقدمة، و هنا مواضع ثلاثة، ربما كانت مظنة للشبهة، إلا أنها قد انكشفت عنها بالأخبار الدالة على اندراجها في القاعدة المذكورة.
الأول: ما لو كانت تحته أمة فطلقها تطليقتين ثم إنه اشتراها، فمقتضى القاعدة المتقدمة عدم جواز نكاحه لها حتى تزوج زوجا آخر متصفا بصفات التحليل.
و على ذلك يدل ما رواه
الشيخ (3) عن بريد بن معاوية العجلي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الأمة يطلقها تطليقتين، ثم يشتريها. قال: لا، حتى تنكح زوجا غيره».
و ما رواه
في الكافي (4) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل حر كانت تحته أمة فطلقها طلاقا بائنا ثم اشتراها، هل يحل له أن يطأها؟ قال: لا».
و عن بريد العجلي (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في رجل تحته أمة
____________
(1) الكافي ج 6 ص 167 ح 4، الوسائل ج 15 ص 394 ب 25 ح 7.
(2) الفقيه ج 3 ص 351 ح 5، الوسائل ج 15 ص 393 ب 25 ح 1.
(3) التهذيب ج 8 ص 84 ح 204، الوسائل ج 15 ص 395 ب 26 ح 3.
(4) الكافي ج 6 ص 173 ح 2، التهذيب ج 8 ص 84 ح 207، الوسائل ج 15 ص 395 ب 26 ح 5.
(5) الكافي ج 6 ص 173 ح 4، التهذيب ج 8 ص 85 ح 209، الوسائل ج 15 ص 396 ب 26 ح 6.
344
فطلقها تطليقتين ثم اشتراها، قال: لا يصلح له أن ينكحها حتى تزوج زوجا غيره، و حتى تدخل في مثل ما خرجت منه».
و عن سماعة (1) في الموثق قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة مملوكة ثم طلقها ثم اشتراها بعده، هل تحل له؟ قال: لا، حتى تنكح زوجا غيره».
أقول: المراد طلاقا بائنا بالمرتين لأنه هو الذي يترتب عليه التحريم.
و أما ما رواه
الشيخ (2) عن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل كانت تحته أمة فطلقها طلاقا بائنا ثم اشتراها بعد، قال: يحل له فرجها من أجل شراها، و الحر و العبد في هذه المنزلة سواء».
و قال الكليني بعد ذكر حديث الحلبي (3) المتقدم:
قال ابن أبي عمير: و في حديث آخر «حل له فرجها من أجل شرائها، و الحر و العبد في ذلك سواء».
و يظهر من ابن الجنيد القول بمضمون هذا الخبر على ما نقله في المسالك، فقد أجاب الشيخ عنه في كتابي الأخبار بحمل البينونة على الخروج من العدة لا البينونة بطلقتين و قيد إباحة الفرج بالشراء بما إذا تزوجت زوجا آخر و اعترض عليه ببعد هذه التأويلات. و مال في الوافي (4) إلى حمل الأخبار الأخيرة على الرخصة و إن كان على كراهية.
و الأقرب حمل الخبر المجوز على التقية كما يشير إليه ما رواه
الشيخ (5) في الصحيح عن عبد الله بن سنان قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كانت تحته أمة فطلقها
____________
(1) الكافي ج 6 ص 173 ح 3، التهذيب ج 8 ص 85 ح 208، الوسائل ج 15 ص 396 ب 26 ح 7.
(2) التهذيب ج 8 ص 85 ح 210، الوسائل ج 15 ص 395 ب 26 ح 4 و فيهما «شرائها».
(3) الكافي ج 6 ص 173 ح 2، الوسائل ج 15 ص 396 ب 26 ح 8.
(4) الوافي ج 3 ص 164.
(5) التهذيب ج 8 ص 83 ح 203، الوسائل ج 15 ص 395 ب 26 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
345
على السنة فبانت منه ثم اشتراها بعد ذلك قبل أن تنكح زوجا غيره، قال: أ ليس قد قضى علي (عليه السلام) في هذا؟ أحلتها آية و حرمتها آية، و أنا أنهى عنها نفسي و ولدي».
و رواه الكليني (1) عن عبد الله بن سنان نحوه، و النهي الذي نسبه إلى نفسه و ولده حقيقة في التحريم.
و أما ما زعمه في الوافي من حمل الخبر المذكور على ما قدمنا نقله عنه من الجواز على كراهة فإنه في غاية البعد، فإن مقتضى القاعدة كما عرفت هو التحريم مع تأيدها بالأخبار المتقدمة.
و مما يدلك على أن المراد بهذه العبارة إنما هو التحريم ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) عن معمر بن يحيى بن بسام قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عما يروي الناس عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أشياء من الفروج لم يكن يأمر بها و لا ينهى عنها إلا نفسه و ولده، فقلنا: كيف ذلك؟ قال: أحلتها آية و حرمتها آية أخرى. قلنا:
هل تكون إحداهما نسخت الأخرى؟ أم هما محكمتان ينبغي أن يعمل بهما؟ قال:
قد بين لهم إذ نهى نفسه و ولده، فقلنا: ما منعه أن يبين للناس؟ قال: خشي أن لا يطاع: فلو أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ثبت قدماه أقام كتاب الله كله، و الحق كله».
و روى ذلك علي بن جعفر في كتابه (3) نحوه.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 173 ح 1 و فيه اختلاف يسير.
(2) التهذيب ج 7 ص 463 ح 64، الوسائل ج 14 ص 301 ب 8 ح 8.
(3) أقول: و هو ما رواه
[بحار الأنوار ج 10 ص 266 ضمن ح 1 مع اختلاف يسير] في كتابه عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الاختلاف في القضاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في أشياء من الفروج أنه لم يأمر بها و لم ينه عنها الا أنه نهى نفسه و ولده، فقلت: فكيف يكون ذلك؟ قال: أحلتها آية و حرمتها آية، قلت: هل يصلح أن تكون أحدهما منسوخة؟ أم هما محكمتان ينبغي أن يعمل بهما؟ قال: قد بين إذ نهى نفسه و ولده، قلت: فما منعه أن يبين للناس؟ قال: خشي أن لا يطاع، و لو أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ثبتت قدماه أقام كتاب الله كله» الحديث.
الى آخره. (منه- (رحمه الله)-).
346
الثاني: ما لو طلقت الأمة تطليقتين ثم وطأها المالك فإنها لا تحل لزوجها إلا بالتزويج ثانيا بشروط التحليل، و بذلك صرح الأصحاب أيضا.
و تدل على ذلك رواية الفضيل (1) المتقدمة في الشرط الخامس من شروط التحليل.
و نحوها
رواية عبد الملك بن أعين (2) قال: «سألته عن رجل زوج جاريته رجلا فمكثت معه ما شاء الله، ثم طلقها فرجعت إلى مولاها فوطأها، أ تحل لزوجها إذ أراد أن يراجعها؟ فقال: لا، حتى تنكح زوجا غيره».
و نحوه ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى (3) في نوادره عن الحلبي في الصحيح، و إطلاق الطلاق محمول على المرتين، لأنه هو الموجب للمحلل كما صرحت به رواية الفضيل المذكورة.
الثالث: ما لو أعتقت الأمة بعد الطلاق مرتين أو أعتق زوجها أو هما معا، فإن العتق لا يهدم الطلاق، و كذا لو عتقت بعد تطليقة واحدة، فإنها تكون عنده على تطليقة أخرى.
و يدل عليه ما رواه
الشيخ (4) عن رفاعة في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العبد و الأمة يطلقها تطليقتين ثم يعتقان جميعا، هل يراجعها؟ قال: لا، حتى تنكح زوجا غيره فتبين منه».
و عن محمد بن مسلم (5) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «المملوك إذا كانت تحته مملوكة فطلقها ثم أعتقها صاحبها كانت عنده على واحدة».
و عن الحلبي (6) في الصحيح قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في العبد تكون تحته
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 87 ح 217، الوسائل ج 15 ص 397 ب 27 ح 2.
(2) التهذيب ج 8 ص 84 ح 205، الوسائل ج 15 ص 396 ب 27 ح 1.
(3) الوسائل ج 15 ص 397 ب 27 ح 3.
(4) التهذيب ج 8 ص 87 ح 216، الوسائل ج 15 ص 397 ب 28 ح 1.
(5) التهذيب ج 8 ص 86 ح 211، الوسائل ج 15 ص 398 ب 28 ح 2.
(6) التهذيب ج 8 ص 86 ح 212، الوسائل ج 15 ص 398 ب 28 ح 3.
347
الأمة فيطلقها تطليقة ثم أعتقا جميعا، كانت عنده على تطليقة واحدة».
و رواه الصدوق (1) بإسناده عن حماد عن الحلبي نحوه.
و عن هشام بن سالم (2) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ذكر أن العبد إذا كان تحته الأمة فطلقها تطليقة فأعتقا جميعا كانت عنده على تطليقة واحدة».
و ما ذكرنا من الحكم المذكور هو المشهور. و نقل عن ابن الجنيد أنه ذهب إلى أن الأمة إذا أعتقت قبل وقوع الطلاق الثاني بها انتقل حكم طلاقها إلى حال الحرائر، فلا تحرم إلا بالثالثة.
و أيده في المسالك بما وقع لهم في نظير هذه المسألة فيما ذكروه في نكاح المشركات إذا أسلم العبد و عنده أربع و أعتق، و كذا في باب القسم بين الزوجات إذا أعتقت الأمة في أثناء القسم، و ملخص ذلك أنه متى كان العتق قبل استيفاء حق العبودية فإنه يلحق بالأحرار في الحكم، و المسائل الثلاث مشتركة في ذلك، فيتجه ما ذكره ابن الجنيد بناء على ذلك.
إلا أن فيه (أولا) أن ما ذكرناه من الأخبار المتكاثرة في هذه المسألة صريحة في رد هذا القول و دفعه.
(و ثانيا) أن ما ذكروه في المسألتين المذكورتين ليس إلا مجرد تخريجات قد بنوا اختلافهم عليها في ذينك الموضعين، و لهذا إنا لم نتعرض لذكر هاتين المسألتين فيما سلف لعدم النص مع كثرة الاختلاف و التخريجات المتدافعة. و بالجملة فالمعتمد هنا هو القول المشهور، و هو المؤيد بالأخبار و المنصور.
الرابعة [في وقوع التحليل من الخصي]
المعروف من كلام الأصحاب وقوع التحليل من الخصي إذا وطأ بالشرائط المتقدمة. لأن التحليل معتبر فيه ما يعتبر في الجماع الموجب للغسل من إيلاج الحشفة أو قدرها من مقطوعها، و الخصاء غير مانع من ذلك، فإن غاية ما يترتب عليه هو عدم
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 352 ح 13.
(2) التهذيب ج 8 ص 86 ح 213، الوسائل ج 15 ص 398 ب 28 ح 4 و فيهما اختلاف يسير.
348
الانزال خاصة، حتى أن الشيخ أنكر كونه عيبا محتجا بأن الخصي يولج و يبالغ أكثر من الفحل و إنما لا ينزل، و عدم الانزال ليس بعيب، و قد تقدم الكلام معه في ذلك.
و بالجملة فالظاهر أنه لا خلاف و لا إشكال في الحكم المذكور، إلا أنه قد
روى الشيخ (1) في الصحيح عن صفوان عن محمد بن مضارب و هو مجهول في الرجال إلا أنه يفهم من بعض الأخبار (2) ما يؤذن بمدحه قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الخصي يحلل؟ قال: لا يحلل».
و ردها المتأخرون بضعف الراوي، و يمكن حملها على خصي لا يحصل منه الجماع على الوجه المعتبر، و إلى العمل بالخبر المذكور مال في المسائل فقال: باب أن الخصي لا يحلل المطلقة ثلاثا، ثم أورد الخبر المذكور، و أردفه بخبر آخر رواه الشيخ أيضا عن صفوان عن محمد بن مضارب مثله إلا أن فيه «يحل و لا يحل» و لا يخفى ما فيه من الاشكال كما عرفت.
الخامسة: إذا ارتد المحلل بعد التزويج بها
، فإن كان بعد وطئها في القبل فلا إشكال في حصول التحليل حينئذ، و إن كان قبله لم يحصل التحليل بالوطء في العدة، لأنه بارتداده قد انفسخ العقد، و إن بقي أثره بعوده إليها لو راجع في العدة بالعقد السابق، و يتصور ثبوت العدة مع عدم الدخول قبلا، بأن يكون قد وطأها في الدبر فإنه لا يكفي في التحليل كما تقدم، و يوجب العدة عند الأصحاب، و كذا لو خلا بها عند جمع منهم، فإنها لا توجب التحليل و توجب العدة.
و ألحق ابن الجنيد بالخلوة التذاذه بما ينزل به الماء.
أما لو لم يحصل منه ما يوجب العدة من هذه الأمور المذكورة قبل الارتداد فإنها تبين منه، و يصير في حكم الأجنبي لا أثر لوطئه بالكلية لانفساخ العقد بالردة
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 34 ح 23، الوسائل ج 15 ص 369 ب 10 ح 1 و 2.
(2) و هو ما رواه
الشيخ [التهذيب ج 7 ص 242 ح 7] عنه قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام):
يا محمد خذ هذه الجارية تخدمك و تصيب منها، فإذا خرجت فارددها إلينا».
قال شيخنا الشهيد الثاني في حواشيه على الخلاصة: و فيه تنبيه على حسن حاله، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
349
و ثبوت البينونة بذلك. و على هذا فهنا أقسام ثلاثة، ثالثها الوطء في العدة زمان الردة، و فائدته جواز الرجوع إليها في العدة لو رجع إلى الإسلام، و جملة منهم لم يذكروا إلا القسمين الآخرين، و هو أنه إن كانت الردة قبل الوطء انفسخ النكاح و صار وطء أجنبي لا يحلل قطعا و إن كان بعده حلت بالأول، و أنت قد عرفت ثبوت قسم ثالث، و يجري ما ذكر من الحكم في الزوجة أيضا لو كانت هي المرتدة فوطأها في زمان ردتها ثم رجعت إلى الإسلام.
السادسة [في قبول قول المرأة في موت الزوج و عدمه]
المفهوم من كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف قبول قول المرأة في موت الزوج و عدمه، و طلاقه لها و الخروج من العدة. و عليه تدل ظواهر جملة من الأخبار، و يؤيده أن من القواعد المقررة عندهم قبول قول من لا منازع له و به تضافرت الأخبار في جزئيات الأحكام كما بسطنا الكلام عليه في كتاب الزكاة (1) و ما نحن فيه من جملة أفرادها.
و من أخبار القاعدة المذكورة ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: عشرة كانوا جلوسا و في وسطهم كيس فيه ألف درهم فسأل بعضهم بعضا: أ لكم هذا الكيس؟ فقالوا كلهم: لا، و قال واحد منهم:
هو لي، فلمن هو؟ قال: هو الذي ادعاه».
و يؤيده أيضا أن الأخبار الواردة بإثبات الدعاوي بالبينات و الأيمان لا عموم فيها على وجه يشمل ما نحن فيه، و إنما موردها ما إذا كان النزاع بين خصمين مدع و منكر.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لو ادعت المرأة المطلقة ثلاثا أنها تزوجت و حللت
____________
(1) الحدائق ج 12 ص 165.
(2) الكافي ج 7 ص 422 ح 5، التهذيب ج 6 ص 292 ح 17، الوسائل ج 18 ص 200 ب 17 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
350
نفسها لزوجها الأول، فالمشهور قبول قولها، و ظاهر المحقق في الشرائع و النافع (1) التوقف في ذلك، و إليه يميل كلام الفاضل الخراساني في كتاب الكفاية، و أنت خبير بأن مقتضى القواعد المشار إليها هو قبول قولها.
و من الأخبار الدالة على ذلك أيضا ما
في رواية ميسر (2) و هي صحيحة إليه قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ألقى المرأة في الفلاة التي ليس فيها أحد فأقول لها:
أ لك زوج؟ فتقول: لا، فأتزوجها؟ قال: نعم، هي المصدقة على نفسها».
و في رواية أبان بن تغلب (3) قال: «قلت لأبي عبد الله ع: إني أكون في بعض الطرقات فأرى المرأة الحسناء، و لا آمن أن تكون ذات بعل أو من العواهر قال: ليس هذا عليك، إنما عليك أن تصدقها في نفسها».
و التقريب فيهما- و إن كان موردهما نفي الزوج- هو حكمه (عليه السلام) بأنها المصدقة على نفسها الشامل لما نحن فيه، فإن مقتضاه أن كل ما أخبرت به عن نفسها مما لا يعرف إلا من جهتها فإنها مصدقة فيه.
و بذلك يظهر لك ما في قول صاحب الكفاية- بعد إشارته للخبرين المذكورين- و للتأمل في عموم الروايتين بحيث يشمل محل البحث مجال. فإن ثبوت التعميم بالتقريب الذي ذكرناه مما لا مجال لإنكاره، نعم يتم ما ذكره بالنظر إلى مورد الخبرين إلا أن الاعتبار إنما هو بجوابه (عليه السلام) الذي هو كالضابطة الكلية في أنها مصدقة على نفسها في كل ما لا يعلم إلا من جهتها.
قال في المسالك في تعليل القول المشهور: و لأنها مؤتمنة في انقضاء العدة
____________
(1) حيث قال في الشرائع: و لو انقضت مدة فادعت أنها تزوجت و فارقها و قضت العدة في تلك المدة قيل: يقبل، لأن في جملة ذلك ما لا يعلم الا منها، و في رواية إذا كانت ثقة صدقت. و قال في النافع: و لو ادعت أنها تزوجت و دخل و طلق فالمروي القبول إذا كانت ثقة. و العبارتان كما ترى ظاهرتان في ما ذكرناه. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 5 ص 462 ح 2، الوسائل ج 14 ص 456 ب 10 ح 1.
(3) الكافي ج 5 ص 462 ح 1، الوسائل ج 14 ص 456 ب 10 ح 1.
351
و الوطء مما لا يمكن إقامة البينة عليه، و ربما مات الزوج أو تعذر مصادقته لغيبة و نحوها، فلو لم يقبل منها ذلك لزم الإضرار بها و الحرج المنفيين.
أقول: و يؤيده أيضا مع دخوله في ضابطة الخبرين المذكورين ما
في رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر (1) و غيره قال: «قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يتزوج المرأة فيقع في قلبه أن لها زوجا، فقال: ما عليه، أ رأيت لو سألها البينة كان يجد من يشهد أن ليس لها زوج».
و هي ظاهرة فيما ذكره شيخنا المذكور.
و تدل على أصل المدعى
صحيحة حماد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل طلق امرأة ثلاثا فبانت منه فأراد مراجعتها، فقال لها: إني أريد مراجعتك، فتزوجي زوجا غيري، فقالت: قد تزوجت زوجا غيرك و حللت لك نفسي، أتصدق و يراجعها؟ و كيف يصنع؟ قال: إذا كانت المرأة ثقة صدقت في قولها».
قال في المسالك: و كما يقبل قولها في حق المطلق يقبل في حق غيره، فكذا الحكم في كل امرأة كانت مزوجة و أخبرت بموته و فراقه و انقضاء العدة في وقت محتمل و لا فرق بين تعيين الزوج و عدمه، و لا بين إمكان استعلامه و عدمه.
انتهى، و قد عرفت وجه صحته مما تقدم.
و مما يؤكد الاعتماد على قولها ما دل على كراهة السؤال و لو مع التهمة مثل ما رواه
في التهذيب (3) عن فضيل مولى محمد بن راشد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت:
إني تزوجت امرأة متعة فوقع في نفسي أن لها زوجا، ففتشت عن ذلك فوجدت لها زوجا، قال: و لم فتشت؟».
و عن مهران بن محمد (4) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قيل له:
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 253 ح 19، الوسائل ج 14 ص 457 ب 10 ح 5 و فيهما اختلاف يسير.
(2) التهذيب ج 8 ص 34 ح 24، الوسائل ج 15 ص 370 ب 11 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
(3) التهذيب ج 7 ص 253 ح 17، الوسائل ج 15 ص 457 ب 10 ح 3 و فيهما اختلاف يسير.
(4) التهذيب ج 7 ص 253 ح 18، الوسائل ج 15 ص 457 ب 10 ح 4 و فيهما اختلاف يسير.
352
إن فلانا تزوج امرأة متعة فقيل: إن لها زوجا فسألها، فقال أبو عبد الله (عليه السلام):
لم سألها؟».
و ما رواه
في الفقيه (1) عن يونس بن عبد الرحمن عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: «قلت له: المرأة تزوجت متعة فينقضي شرطها و يتزوجها رجل و آخر قبل تنقضي عدتها، قال: و ما عليك إنما إثم ذلك عليها».
أقول: المراد أنها تزوجها الآخر جاهلا مع علمها هي بذلك.
بقي الكلام فيما دلت عليه صحيحة حماد من اشتراط كون المرأة ثقة في قبول قوله، مع أن ظاهر الأخبار و كلام الأصحاب خلافه، و حمله جملة من المتأخرين منهم شيخنا في المسالك على أن المراد بالثقة من تسكن النفس إلى خبرها، و إن لم تكن متصلة بالعدالة المشترطة في قبول الشاذة، و هو جيد.
و كيف كان فهو لا يخلو من منافرة لما دلت عليه الأخبار الأخيرة من كراهة الفحص و إن كان مع التهمة، و يمكن الجمع بين الأخبار المذكورة بحمل صحيحة حماد على ما هو الأفضل في مقام التهمة من الفحص. و الظاهر أن ما دل عليه الخبر من إخبارها بالتحليل عقيب أمره لها بذلك المشعر برغبتها في الرجوع إلى الزوج كان محل التهمة، فأمر بالتثبت و العمل بقولها بالشرط المذكور، و حمل الأخبار الأخيرة على الجواز شرعا، أو العمل بسعة الشريعة و أنه غير مكلف شرعا بالفحص و لا يجب عليه ذلك.
فروع
الأول [لو عينت المحلل فكذبها في أصل النكاح]
قال في المسالك: لو عينت الزوج يعني المحلل فكذبها في أصل النكاح احتمل تصديقها في التحليل- و إن لم يثبت عليه موجب الزوجية لوجود المقتضي لقبول قولها مع تكذيبه، و هو إمكان صدقها مع تعذر إقامة البينة على جميع ما
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 294 ح 17، الوسائل ج 14 ص 456 ب 10 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
353
تدعيه، و مجرد إنكاره لا يمنع صدقها في نفس الأمر- و عدمه نظرا إلى تقديم قوله لأنه منكر و استصحابا للأصل، و لإمكان إقامة البينة على أصل التزويج.
و فيه أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنا لا نقبل قولها إلا في حقها خاصة، و الأصل لو عارض لقدح في أصل دعواها مطلقا، انتهى.
أقول: الظاهر من الأخبار المتقدمة هو الثاني، لأن قبول قولها إنما هو في موضع لا يمكن الاطلاع عليه إلا من جهتها، فإن دعواها لا معارض له، و المعارض هنا موجود، و الاطلاع على الحال ممكن من غيرها و هو الزوج، فإنه بإنكاره تزويجها بالكلية قد حصلت المعارضة لدعواها التحليل، و الاطلاع على كذب الدعوى المذكورة بالنظر إلى إنكار التزويج، و قوله «إن المقتضي لقبول قولها إمكان صدقها» ليس في محله، بل المقتضي لذلك إنما انحصار الاطلاع على ذلك الأمر المدعى فيها، فلا يعلم إلا من جهتها سيما مع تعذر اطلاع الغير عليه بالكلية، و لهذا نسب تكليفها باليمين أو البينة إلى الحرج و العسر. و دعواها التحليل هنا لما عارضها إنكار الزوج المحلل النكاح من أصله خرجت المسألة عما نحن فيه و رجعت إلى سائر الدعاوي المتضمنة لمدع و منكر، و وجب فيها ما يجب ثمة، و بعد ثبوت أحد الأمرين يترتب عليه الحكم المناسب للمقام من تحليل و عدمه، و هكذا ينبغي أن يحقق المقام.
الثاني: إذا اتفق المحلل و المرأة على الإصابة بعد الدخول
فلا إشكال في حصول التحليل للزوج الأول و لو كذبها في ذلك، قال الشيخ في المبسوط: إنه يعمل الزوج الأول على ما يغلب على ظنه في صدقها و صدق المحلل، لأن الغرض تعذر البينة و الظن مناط الأحكام الشرعية غالبا فيرجع إليه.
و قال المحقق بعد نقل قول الشيخ المذكور: و لو قيل: يعمل بقولها على كل حال كان حسنا، لتعذر إقامة البينة بما تدعيه.
قال في المسالك: و الأقوى ما اختاره المصنف لما ذكره من تعذر إقامة البينة،
354
مع أنها تصدق في شرطه و هو انقضاء العدة، فكذا في سببه، و لأنه لولاه لزم الحرج و الضرر كما أشرنا إليه سابقا، و إنما يقبل قولها فيما يتعلق بها من حل النكاح.
و نحوه لا في حقه، و لا يلزمه إلا نصف المهر، حتى لو أنكر أصل العقد لم يلزمه المهر و إن قبل قولها في التزويج، انتهى.
أقول- و بالله الثقة لبلوغ كل مأمول-: إن الظاهر أن الكلام في هذه المسألة كما في سابقتها، فإن المسألة- بحصول المعارض و المنازع في صحة ما تدعيه من الوطء الذي يترتب عليه التحليل- قد خرجت عن مدلول الأخبار المتقدمة و رجعت إلى مسائل المدعي و المنكر، فيجب على المدعي إقامة البينة، و مع تعذرها فاليمين على المنكر، و الواجب على الزوج اليمين في عدم الإصابة أو الرد، و كيف كان فإن ثبت ذلك ترتب عليه التحليل، و إلا فلا تحليل.
و بالجملة فإن مناط قبول قولها الذي دلت عليه الأخبار ليس مجرد تعذر البينة عليها خاصة، و إلا لاتسع المجال بالنسبة إلى غيرها من أفراد المدعين كما لا يخفى، بل هو ادعاؤها دعوى لا راد لها و لا مقابل فيها و أنه لا يعلم صحتها إلا من جهتها.
و نظير ما ذكروه ما لو ادعت المرأة أن لا زوج لها و ادعى آخر أنها زوجته، فإن الظاهر أنه لا قائل بجواز تزويجها في هذه الحال بناء على أنها مصدقة في دعوى عدم الزوج، و الحال أن مدعى زوجيتها موجود، و إنما قبول قولها مع عدم ذلك كما هو ظاهر من الأخبار المتقدمة.
الثالث [في تحقق التحليل بالوطء المحرم شرعا و عدم تحققه]
لو وطأها المحلل وطئا محرما شرعا كالوطء في الإحرام منه أو منها أو منهما و الوطء في الحيض و في الصوم الواجب و نحو ذلك فهل يحصل به التحليل أم لا؟ قولان:
(أحدهما) العدم، ذهب إليه الشيخ و ابن الجنيد، و استدل الشيخ بأن التحريم
355
معلوم، و لا دليل على أن هذا الوطء محلل،
و لقول النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «حتى يذوق عسيلتها».
يدل عليه، لأنه إنما أراد بذلك ذوقا مباحا، لأن النبي (صلى الله عليه و آله) لا يبيح المحرم، و أيضا فإنه محرم عليه هذا الوطء و منهي عنه، و النهي يدل على فساد المنهي عنه، و لأن الإباحة تعلقت بشرطين بالنكاح و الوطء، ثم إن النكاح إذا كان محرما لا يحل للأول، و كذلك الوطء.
(و ثانيهما) ثبوت التحليل بذلك. اختاره العلامة في المختلف و غيره و شيخنا في المسالك، و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين.
قال في المختلف (2): لنا قوله تعالى «حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» (3) جعل غاية التحريم نكاح الغير، و قد حصل، و مطلق النكاح أعم من النكاح في وقت يباح فيه أو يحرم، و الحكم معلق على المطلق، و لأنه وطء في نكاح صحيح قبلا، فوجب بأن يحصل به الإحلال كما لو وطأها و قد ضاق، عليه وقت الصلاة، و يمنع علم التحريم بعد النكاح الثاني، و إرادة المباح هو المتنازع، و تعليق الرجعة على مطلق النكاح الشامل للمحرم لا يقتضي إباحة المحرم، و النهي إنما يدل على الفساد في العبادات، و الفرق بين تحريم النكاح و تحريم الوطء طاهر للإجماع على اشتراط النكاح الصحيح بخلاف المتنازع، انتهى.
و الحق أن المسألة لخلوها من النص غير خالية من شوب الإشكال، إلا أنه يمكن أن يقال: إن الظاهر بالنظر إلى إطلاق الأخبار المتقدمة في شروط التحليل هو القول الثاني، إذ غاية ما يستفاد منها هو التزويج دواما و الدخول بها، و أما أن ذلك الوطء يشترط فيه أن يكون مباحا- كأن لا يكون زمن الحيض و لا النفاس و لا الإحرام مثلا- فلا، و ورودها في مقام البيان عارية عن اشتراط ذلك ظاهر في
____________
(1) بحار الأنوار ج 104 ص 141 ح 20 مع اختلاف في اللفظ.
(2) مختلف الشيعة ج 2 ص 593 و فيه اختلاف يسير.
(3) سورة البقرة- آية 229.
356
عدم الشرط المذكور، و الشروط الخمسة المتقدمة حاصلة في صورة هذا الوطء المنهي عنه، فيحصل به التحليل حينئذ.
و بالجملة فإن إطلاق الأخبار المذكورة شامل لهذا الوطء فيحصل به التحليل، و تقييدها يحتاج إلى دليل و ليس فليس.
الفصل الثاني في الرجعة:
و الأصل فيها الكتاب و السنة و الإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذٰلِكَ إِنْ أَرٰادُوا إِصْلٰاحاً» (1) أي بردهن إلى النكاح، و الرجعة فيهن في زمان العدة و التربص إن أرادوا بالرجعة إصلاحا لما بينهن، و لم يريدوا المضارة لهن.
و قوله تعالى «فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ» (2) و الإمساك بالمعروف الرجعة و حسن المعاشرة، و التسريح بإحسان التطليقة الثالثة بعد المراجعة كما في الحديث النبوي، أو أن لا يراجعها حتى تخرج من العدة و تبين منه.
و قوله سبحانه «وَ إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ» (3) أي قاربن بلوغ الأجل «فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» أي راجعوهن بقصد المعاشرة بالمعروف و القيام بواجبهن من غير طلب ضرار بالمراجعة، أَوْ «سَرِّحُوهُنَّ» أي خلوهن حتى تنقضي عدتهن فيكن أملك بأنفسهن «وَ لٰا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرٰاراً» أي لا تراجعوهن بقصد الإضرار بهن من غير رغبة فيهن.
و روى في الفقيه (4) قال: «سئل الصادق (عليه السلام) عن هذه الآية فقال: الرجل يطلق حتى إذا كادت أن يخلو أجلها راجعها ثم طلقها يفعل ذلك ثلاث مرات، فنهى الله عز و جل عن ذلك».
و أما الأخبار فهي مستفيضة، و ستأتي جملة منها في أثناء المباحث الآتية
____________
(1) سورة البقرة- آية 228.
(2) سورة البقرة- آية 229.
(3) سورة البقرة- آية 231.
(4) الفقيه ج 3 ص 323 ح 1، الوسائل ج 15 ص 402 ب 34 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
357
إن شاء الله تعالى.
و أما الإجماع فقد نقله غير واحد، و كيف كان فتفصيل الكلام في هذا الفصل و تحقيق ما اشتمل عليه يقع في مواضع:
الأول [في أن الرجعة تقع بالقول و الفعل]
لا خلاف في أن الرجعة تقع بالقول و الفعل، و الأول إجماعي من الخاصة و العامة، و الثاني إجماعي عندنا، و وافقنا عليه بعض العامة، و القول إما صريح في معنى الرجعة كقوله راجعتك و ارتجعتك، و أصرح منه إضافة قوله إلى نكاحي.
قال شيخنا الشهيد الثاني في الروضة- بعد أن ذكر هذه الألفاظ الثلاثة و أنها صريحة في الرجعة- ما لفظه: و في معناه رددتك و أمسكتك لورودهما في القرآن، قال الله تعالى «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذٰلِكَ». «فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ» (1) و لا يفتقر إلى نية الرجعة لصراحة الألفاظ، و قيل: يفتقر إليها في الأخيرين لاحتمالهما غيرهما (2) كالإمساك باليد أو في البيت و نحوه، و هو حسن.
قال سبطه السيد السند في شرح النافع بعد نقل ذلك عنه: أقول قد بينا فيما سبق أنه لا بد من القصد إلى مدلول اللفظ الصريح و قصد المعنى المطلوب في غيره، و إنما يفترقان في أن التلفظ بالصريح يحكم عليه بقصد مدلوله من غير احتياج إلى إخباره بذلك، و التلفظ بغيره لا يحكم عليه بقصد المعنى المطلوب منه إلا مع اعترافه بذلك أو وجود القرينة الدالة عليه، فقوله إنه لا يفتقر مع الإتيان براجعتك إلى نية الرجعة لا يخلو من تسامح. انتهى، و هو جيد، لأن الإتيان بالألفاظ في الرجعة أو غيرها مجردة عن نية المعنى المراد منها، و قصده لا يقع إلا من عابث أو ساه أو نائم، و إلا فالعقلاء إنما تورد الألفاظ في كلامهم و محاوراتهم مقرونة بقصد معانيها المرادة منها. نعم، فهم السامع تلك المعاني المرادة قد لا يتوقف على شيء وراء مجرد ذلك اللفظ، و هو الصريح في معناه الذي
____________
(1) سورة البقرة- آية 228 و 229.
(2) و الصحيح «غيرها».
358
لا يحتمل غيره، و قد يتوقف على أمر آخر من ضم قرينة في الكلام أو اعترافه بذلك، و هذا يكون في غير الصريح مما يحتمل معنيين أو أكثر.
و كيف كان فكل ما دل على قصد الرجل في النكاح من الألفاظ بنفسه أو ضم شيء من خارج فهو مفيد للرجوع بلا خلاف و لا إشكال.
و أما الرجوع بالفعل كالوطء و التقبيل و اللمس بشهوة فهو موضع وفاق، و ربما كان أقوى في الدلالة على الرجعة من القول، إلا أنه لا بد من أن يقصد به الرجوع لأنه في حد ذاته أعم من ذلك، فلا عبرة بما وقع منه سهوا أو بقصد عدم الرجعة أو لا بقصدها فإن ذلك لا يفيد الرجوع، و إن فعل حراما في غير صورة السهو و الغفلة لانفساخ النكاح بالطلاق و إن كان رجعيا، و لو لا ذلك لم تبن بانقضاء العدة، إلا أنه لا حد عليه و إن كان عالما بالتحريم لعدم خروجها بعد عن حكم الزوجية رأسا، فغاية ما يلزم هو التعزير على فعل المحرم إلا مع الجهل بالتحريم.
و مما يدل على وقوع الرجعة بالوطء ما رواه
الصدوق (1) عن الحسن بن محبوب في الصحيح عن محمد بن القاسم قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من غشي امرأته بعد انقضاء العدة جلد الحد، و إن غشيها قبل انقضاء العدة كان غشيانه إياها رجعة».
و إطلاق الخبر يشمل ما ذكرناه من الصور المستثناة، إلا أن الظاهر تقييده بما عداها، فإن الأحكام صحة و بطلانا و ثوابا و عقابا دائرة مدار القصود و النيات كما تقدم تحقيقه في بحث النية من كتاب الطهارة (2).
و مما يقع به الرجعة أيضا إنكار الطلاق، قال في شرح النافع: و هذا مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا.
و قال في المسالك: و ظاهرهم الاتفاق على كونه رجوعا. و علله المحقق في الشرائع بأنه يتضمن التمسك بالزوجية، قال في المسالك: و لأنه أبلغ من
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 18 ح 18، الوسائل ج 18 ص 400 ب 29 ح 1 و فيهما «رجعة لها».
(2) الحدائق ج 2 ص 170.
359
الرجعة بألفاظها المشتقة منها و ما في معناها لدلالتها على رفعه في غير الماضي و دلالة الإنكار على رفعه مطلقا.
أقول: و الأولى الرجوع إلى النص الوارد في المقام، و هو ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي (1) عن أبي ولاد الحناط في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة ادعت على زوجها أنه طلقها تطليقة طلاق العدة طلاقا صحيحا- يعني على طهر من غير جماع- و أشهد بها شهودا على ذلك، ثم أنكر الزوج بعد ذلك، فقال: إن كان إنكار الطلاق قبل انقضاء العدة فإن إنكاره للطلاق رجعة لها، و إن أنكر الطلاق بعد انقضاء العدة فإن على الامام أن يفرق بينهما بعد شهادة الشهود بعد ما يستحلف أن إنكاره الطلاق بعد انقضاء العدة و هو خاطب من الخطاب».
و هي صحيحة صريحة مؤيدة بعمل الأصحاب، فلا مجال للتوقف في الحكم المذكور.
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) «و أدنى المراجعة أن يقبلها أو ينكر الطلاق فيكون إنكار الطلاق مراجعة».
الثاني [في استحباب الإشهاد في الرجعة و عدم وجوبه]
يستحب الاشهاد في الرجعة و لا يجب اتفاقا، و عليه تدل جملة من الأخبار.
منها ما رواه
في الكافي (3) عن زرارة و محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن الطلاق لا يكون بغير شهود، و إن الرجعة بغير شهود رجعة و لكن ليشهد بعد فهو أفضل».
و عن الحلبي (4) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الذي يراجع و لم يشهد قال: يشهد أحب إلي، و لا أرى بالذي صنع بأسا».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 74 ح 1، التهذيب ج 8 ص 42 ح 48، الوسائل ج 15 ص 372 ب 14 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) فقه الرضا ص 242، المستدرك ج 3 ص 14 ب 12 ح 1 و فيهما «إنكاره للطلاق».
(3) الكافي ج 6 ص 73 ح 3، الوسائل ج 15 ص 371 ب 13 ح 3.
(4) الكافي ج 6 ص 72 ح 1، الوسائل ج 15 ص 371 ب 13 ح 2.
360
و عن محمد بن مسلم (1) قال: «سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته واحدة ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها و لم يشهد على رجعتها، قال: هي امرأته ما لم تنقض عدتها، و قد كان ينبغي له أن يشهد على رجعتها، فإن جهل ذلك فليشهد حين علم، و لا أرى بالذي صنع بأسا، و أن كثيرا من الناس لو أرادوا البينة على نكاحهم اليوم لم يجدوا أحد يثبت على الشهادة على ما كان من أمرهما، و لا أرى بالذي صنع بأسا، و إن يشهد فهو أحسن».
و في صحيحة محمد بن مسلم (2) «و إنما جعل الشهود لمكان الميراث» إلى غير ذلك من الأخبار.
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) «فإن أراد مراجعتها راجعها، و تجوز المراجعة بغير شهود كما يجوز التزويج، و إنما تكره المراجعة بغير شهود من جهة الحدود و المواريث و السلطان».
انتهى.
الثالث: لو طلقها طلاقا رجعيا فارتدت
، فهل يصح مراجعتها في حال الردة؟
المشهور المنع، فكما أنه لا يصح ابتداء الزوجية فكذا استدامتها، و يؤيد ذلك أن الرجوع تمسك بعصم الكوافر المنهي عنه في الآية نهي فساد لقوله «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» (4). و علل أيضا بأن المقصود من الرجعة الاستباحة، و هذه الرجعة لا تفيد الإباحة فإنه لا يجوز الاستمتاع بها و لا الخلوة بها ما دامت مرتدة.
و علل الجواز بأن الرجعية زوجة، و يؤيده عدم وجوب الحد بوطئها، و وقوع الظهار و اللعان و الإيلاء بها، و جواز تغسيل الزوج لها و بالعكس فهي بمنزلة الزوجة.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 73 ح 4، الوسائل ج 15 ص 372 ب 13 ح 6 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 73 ح 5، الوسائل ج 15 ص 371 ب 13 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
(3) فقه الرضا ص 242، مستدرك الوسائل ج 3 ص 14 ب 11 ح 1.
(4) سورة الممتحنة- آية 10.
361
و أنت خبير بأن المسألة و إن كانت خالية من النص في هذه الصورة إلا أن مقتضى ما قدمنا نقله عنهم في كتاب النكاح في مسألة ارتداد أحد الزوجين (1)- من أنه متى كانت المرتدة المرأة و كان ذلك قبل الدخول انفسخ العقد بينهما في الحال، و إن كان بعد الدخول كان الفسخ و عدمه مراعى بانقضاء العدة و عدمه، فإن انقضت العدة و لم ترجع إلى الإسلام فقد بانت منه- هو جريان هذا الحكم فيما نحن فيه، فإنها في العدة و إن كانت زوجته يجوز مراجعتها كما يجوز تزويجها ابتداء، إلا أنها بالارتداد قد عرض لها ما يوجب انفساخ الزوجية إما في الحال كما لو لم يكن ثمة دخول، و إما مراعى بانقضاء العدة في صورة الدخول، فالرجوع إليها في حال الارتداد و إن كان في العدة، إلا أن الارتداد قد أوجب فسخ النكاح هنا، كما أوجبه لو لم يكن ذات عدة رجعية بل زوجة أصلية، إلا أنه يمكن أن يقال بصحة الرجعة لا صحة مستقرة، بل مراعاة بعدم انقضاء العدة على الارتداد، بمعنى أنه لو رجعت إلى الإسلام قبل انقضائها استقرت صحة الرجعة، و إلا تبين فسادها، كما أنها بالارتداد تنفسخ زوجيتها انفساخا مراعى بانقضاء العدة على الارتداد، فلو رجعت إلى الإسلام قبل انقضائها بقيت على الزوجية السابقة.
الرابع: لو طلق و راجع فأنكرت الدخول بها
أولا و زعمت أن لا عدة عليها و لا رجعة فالقول قولها بيمينها، لأنها تدعي ما يوافق الأصل، إذ الأصل عدم الدخول، و حينئذ فإذا حلفت بطلت رجعته التي يدعيها عليها و لا نفقة لها و لا سكنى و لا عدة عليها، و جاز لها أن تنكح زوجا غيره في الحال، و ليس له أن ينكح أختها، و لا أربعا غيرها لاعترافه بأنها زوجته.
بقي الإشكال في المهر، فإن مقتضى كلام الزوج أن لها المهر كملا، و مقتضى كلامها أنه إنما تستحق بالنصف خاصة لدعواها عدم الدخول بها، و حينئذ فإن
____________
(1) و هي المسألة الثانية من المطلب السادس في الكفر من الفصل الثاني في أسباب التحريم. (منه- (قدس سره)-). راجع الحدائق ج 24 ص 25.
362
كانت قد قبضت المهر كملا فليس للزوج مطالبتها بشيء لاعترافه باستحقاقها إياه، لكن لا يجوز لها التصرف في أزيد من النصف، و لو لم تقبضه لم يجز لها أن تقبض إلا النصف خاصة.
و كيف كان فينبغي أن يقبض الحاكم النصف الآخر من يدها أو يده، لأنه مال لا يدعيه أحد، و حفظ مثل ذلك وظيفة الحاكم الشرعي، و لا يبعد أن الحكم فيه الصرف في وجوه البر، و له نظائر عديدة في الأخبار.
و لو انعكس الحكم فادعت المرأة الدخول و أنكر الزوج فالقول قوله بيمينه، و حينئذ فإذا حلف فلا رجعة و لا سكنى و لا نفقة لها عليه، و عليها العدة لادعائها الدخول، و يرجع بنصف الصداق إن كانت قبضته، و لو لم تقبضه رجعت عليه بالنصف خاصة».
الخامس [كيفية رجوع الأخرس]
المشهور بين الأصحاب أن رجعة الأخرس بالإشارة المفهمة لها كغيرها من عقوده و إيقاعاته، و نقل عن الصدوقين أنه أخذ القناع من رأسها.
أقول: قال الشيخ علي بن الحسين في رسالته إلى ولده (1) «الأخرس إذا أراد أن يطلق امرأته ألقى على رأسها قناعها يريها أنها قد حرمت عليه، و إذا أراد مراجعتها كشف القناع عنها يرى أنها قد حلت» و نحو ذلك في كتاب المقنع لابنه، و هذا القول قد جعله الشيخ و ابن البراج رواية، و كذلك المحقق في النافع أسنده إلى الرواية.
قال السيد السند في شرح النافع: و لم نقف عليها في شيء من الأصول.
نعم
روى الكليني (2) عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) «أنه قال: طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها فيضعها على رأسها و يعتزلها».
و نسب هذا القول في الشرائع إلى الشذوذ.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 333 ذيل ح 1 و فيه «يرى أنها قد حرمت عليه».
(2) الكافي ج 6 ص 128 ح 3، التهذيب ج 8 ص 92 ح 233 و فيه «عن على بن أبي حمزة» مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 300 ب 19 ح 3.
363
و يقرب في البال أن العبارة المنقولة عن الشيخ علي بن بابويه مأخوذة من كتاب الفقه الرضوي (1) على النهج الذي قد عرفت في غير موضع، إلا أن كتاب الفقه الرضوي الذي عندي لا يخلو من غلط و سقط في هذا المكان، فإنه (عليه السلام) عد طلاق الأخرس في أفراد الطلاق التي ذكرها في أول الباب و في مقام التفصيل، و بيان كل فرد فرد من تلك الأفراد لم يتعرض لطلاق الأخرس بالكلية، فليلاحظ ذلك من نسخة اخرى.
و كيف كان فينبغي حمل ذلك على ما إذا فهم من ذلك الطلاق و الرجعة، فيرجع إلى ما هو المشهور، لأن ذلك من جملة إشاراته المعتبرة في ذلك.
السادس [في أنه لو ادعت الزوجة انقضاء العدة بالحيض]
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في أنه إذا ادعت الزوجة انقضاء العدة بالحيض في زمان يمكن فيه ذلك- و أقله ستة و عشرون يوما و لحظتان (2) كما سيجيء إن شاء الله تعالى- كان قولها مقبولا في ذلك.
و يدل عليه ما رواه
ثقة الإسلام (3) في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الحيض و العدة إلى النساء إذا ادعت صدقت».
و ما رواه
الشيخ (4) في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «العدة و الحيض إلى النساء».
روى أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي (5) عن الصادق (عليه السلام) في قوله
____________
(1) فقه الرضا ص 248.
(2) و توضيحه بأن يطلق و قد بقي من الطهر لحظة، ثم تحيض أقل الحيض ثلاثة أيام، ثم تطهر أقل الطهر عشرة، ثم تحيض أيضا ثلاثة أيام، ثم تطهر عشرة، ثم تدخل في الحيض بلحظة، و بذلك يحصل القدر المذكور و تخرج من العدة. (منه- (قدس سره)-).
(3) الكافي ج 6 ص 101 ح 1، الوسائل ج 15 ص 441 ب 24 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(4) التهذيب ج 8 ص 165 ح 174، الوسائل ج 15 ص 441 ب 24 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(5) تفسير مجمع البيان ج 2 ص 326، الوسائل ج 15 ص 441 ب 24 ح 2.
364
تعالى «وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِي أَرْحٰامِهِنَّ» قال: قد فوض الله إلى النساء ثلاثة أشياء الحيض و الطهر و الحمل».
و جملة من الأصحاب قد استدلوا بالآية المذكورة بتقريب أنه لو لا قبول قولهن في ذلك لم يؤتمن في الكتمان، و إطلاق النصوص المذكورة يقتضي عدم الفرق بين دعوى المعتاد و غيره.
و أما ما رواه
الصدوق في الفقه (1) مرسلا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «أنه قال في امرأة ادعت أنها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض أنه يسأل نسوة من بطانتها هل كان حيضها فيما مضى على ما ادعت؟ فإن شهدت صدقت و إلا فهي كاذبة».
فقد حمله الشيخ في كتابي الأخبار على المتهمة جمعا بين الأخبار، و هو جيد لما تقدم قريبا من الأخبار المؤيدة لهذه الأخبار الدالة على قبول قولها في أمثال هذه الأمور.
و أما ما قربه الشهيد في اللمعة (2) من أنه لا يقبل من المرأة دعوى غير المعتاد إلا بشهادة أربع من النساء المطلعات على باطن أمرها، و ادعى أن ذلك ظاهر الروايات فلا أعرف له وجها، إذ ليس سوى رواية السكوني المذكورة مع معارضتها بما هو أكثر عددا و أصح سندا و أصرح دلالة، فيتعين حملها على المتهمة كما ذكره الشيخ. هذا كله فيما إذا لم يكن لها مقابل في دعواها و لا منازع فإنه يقبل قولها بغير يمين و يجوز لها التزويج، أما لو أنكر الزوج ما ادعته من الخروج من العدة فإنه يتوجه عليها اليمين و تخرج المسألة عما نحن فيه كما تقدمت الإشارة إليه.
____________
(1) الفقيه ج 1 ص 100 ح 207 طبع مكتبة الصدوق، التهذيب ج 8 ص 166 ح 175 عن السكوني، الوسائل ج 2 ص 596 ب 47 ح 3 عن إسماعيل بن أبي زياد، و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) حيث قال في الكتاب المذكور [اللمعة الدمشقية ص 209 و شرح اللمعة ج 2 ص 135]:
و ظاهر الروايات أنه لا يقبل منها غير المعتاد إلا بشهادة أربع من النساء المطلعات على باطن أمرها. و هو قريب، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
365
قال في شرح النافع بعد أن ذكر نحو ذلك: و هو مقطوع به في كلام الأصحاب، و لو ادعت المرأة انقضاء العدة بالأشهر فالظاهر أنه إن لم يكن لها مقابل و لا راد لدعواها فإنه يقبل قولها عملا بالأخبار المتقدمة، و إن أنكر الزوج ذلك فإنه لا يقبل قولها، و القول قول الزوج بيمينه كما ذكره الأصحاب أيضا.
قال في المسالك: لأن هذا الاختلاف راجع في الحقيقة إلى وقت الطلاق، و القول قوله فيه كما تقدم قوله في أصله، و لأنه مع دعوى بقاء العدة يدعي تأخر الطلاق، و الأصل فيه معه لأصالة عدم تقدمه في الوقت الذي تدعيه، انتهى.
و لو كانت من ذوات الحمل فادعت وضعه قال في المسالك: صدقت أيضا بيمينها مع إمكانه لما تقدم، و يختلف الإمكان بحسب دعواها، فإن ادعت ولادة ولد تام فأقل مدة تصدق فيها ستة أشهر و لحظتان من يوم النكاح، لحظة لإمكان الوطء و لحظة للولادة، فإن ادعت أقل من ذلك لم تصدق، و إن ادعت سقطا مصورا أو مضغة أو علقة اعتبر إمكانه عادة.
و ربما قيل: إنه مائة و عشرون يوما و لحظتان في الأول، و ثمانون يوما و لحظتان في الثاني، و أربعون و لحظتان في الثالث،
لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «يجمع أحدكم في بطن امه أربعون يوما نطفة، و أربعون يوما علقة، و أربعون يوما مضغة، ثم ينفخ فيه الروح».
و حيث قدم قولها في ذلك لم تكلف إحضار الولد لعموم الأدلة و جواز موته و تعذر إحضاره، انتهى.
أقول: لا يخفى أن ظاهر الأخبار المتقدمة الدالة على أنها مصدقة في العدة هو شمول العدة لجميع أفرادها من كونها بالحيض أو الأشهر أو وضع الحمل، و حينئذ فلا وجه لاشتراط اليمين هنا في تصديقها دون الفردين المتقدمين، و طلب اليمين
____________
(1) و قريب منه ما جاء في الوسائل ج 19 ص 240 ب 19 ح 8 و 9، و البحار عن النبي (ص) ج 60 ص 360 ح 49، و جاء لفظ الحديث مع اختلاف يسير في صحيح مسلم بشرح النوري ج 16 ص 189 كتاب القدر ح 1.
366
منها إنما هو في مقام ظهور منازع فيما ادعته كما تقدم، سواء كان في هذا الموضع و غيره، و أما مع عدمه فقضية الأخبار المذكورة قبول قولها من غير يمين.
بقي التقييد بإمكانه و هو مما لا بأس به، في هذا الموضع و ما تقدم أيضا.
و أما ما نقله من الخبر النبوي فيما إذا ادعت سقطا كاملا أو مضغة أو علقة، و أن الخبر المذكور دليل للقول الذي نقله ففيه أن الظاهر أن الخبر المذكور ليس من طريقنا لعدم وجوده في أخبارنا، إلا أن نظيره مما ورد بمعناه قد ورد في الأخبار عنهم (عليهم السلام)، و الظاهر أنه لم يخطر بباله يومئذ و إلا لنقله و استدل به، بل رجح هذا القول على ما ذكره أولا لدلالتها عليه.
فمن الأخبار الدالة على ذلك ما رواه
في الكافي (1) في الموثق عن الحسن بن الجهم قال: «سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: قال أبو جعفر (عليه السلام): إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما، فإذا كمل أربعة أشهر بعث الله ملكين خلاقين» الخبر.
و عن زرارة (2) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه:
«فتصل النطفة إلى الرحم فتردد فيه أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما» الحديث.
و في رواية محمد بن إسماعيل (3) أو غيره عن أبي جعفر (عليه السلام) قال فيها «فإنه أربعين ليلة نطفة و أربعين ليلة علقة و أربعين ليلة مضغة، فذلك تمام أربعة أشهر، ثم يبعث الله ملكين خلاقين» الخبر.
و بذلك يظهر لك رجحان القول المذكور لدلالة هذه الأخبار الصحيحة الصريحة عليه دون ما ذكره أولا.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 13 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 13 ح 4 و فيه «فتردد فيه أربعين يوما ثم تصير علقة أربعين يوما ثم تصير.».
(3) الكافي ج 6 ص 16 ح 6.
367
فرع [فيما لو ادعت الحمل فأنكر الزوج]
قالوا: إذا ادعت الحمل فأنكر الزوج و أحضرت ولدا فأنكر ولادتها له فالقول قوله لإمكان إقامة البينة بالولادة.
أقول: الفرق بين هذا الحكم و ما تقدم من تقديم قولها في الوضع هو الاتفاق ثمة على الحمل و أنه من الزوج و إنما الاختلاف في الولادة، و لا ريب أن المرجع إليها في ذلك للآية و الرواية.
و أما هنا فإن الزوج ينكر الحمل فضلا عن وضعه، فالقول قوله بيمينه لأصالة عدم الحمل، و لا فرق بين أن تحضر ولدا أو تدعي ولادته، فلا يلحق به بمجرد دعواها لجواز التقاطها له، و إنما يلزمه الاعتراف بما علم ولادته على فراشه لا ما تدعي المرأة ولادته كذلك، و حينئذ فلا يحكم بانقضاء العدة بذلك بل يفتقر إلى مضي عدة بالأقراء أو الأشهر فيرجع إليها فيها و إن كذبت في الآخر.
السابع: لو ادعى الزوج [أنه قد رجع فيها في العدة]
بعد انقضاء العدة أو بعد أن تزوجت أنه قد رجع فيها في العدة، قال في المسالك: نظر، فإن أقام الأول عليها بينة فهي زوجته سواء دخل بها الثاني أو لم يدخل، و يجب لها مهر المثل على الثاني إن دخل بها، و إن لم يكن بينة و أراد التحليف سمعت دعواه على كل منهما. ثم ساق الكلام في صورة الدعوى على الزوجة و ما في المسألة من الشقوق و صورة الدعوى على الزوج الثاني و ما يترتب على ذلك.
قال شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني في أجوبة المسائل الحسنية: إذا طلقها و رجع و أشهد على الرجعة و أقام بينة شرعية بذلك حكم له بها و إن تزوجت عند الأصحاب كما يستفاد من كلامهم، و ممن صرح بذلك شيخنا الشهيد الثاني- ثم قال بعد نقل كلام شيخنا الشهيد الثاني (رحمه الله عليه) بتمامه- ما لفظه: و في الكل إشكال لعدم الظفر بنص في ذلك كله إلا أن أصل
368
المسألة ليس بموضع إشكال عندهم كما يعرف من كلامهم، و إن كان عندي أيضا فيها توقف، و هذه هي المسألة التي وقع النزاع فيها بين الشيخ الثقة الجليل زين الدين علي بن سليمان القدمي البحراني و الشيخ أحمد ابن الشيخ محمد بن علي بن يوسف بن سعيد المشاعي الاصبعي، و قد حكم الشيخ أحمد بقبول الدعوى مع قبول البينة، و ألحقها بالأول و منع الثاني، و خالفه الشيخ علي و حكم بها للثاني و لم يسمع دعوى الأول احتجاجا بأن الرجوع لا بد فيه من الاعلام في العدة، و النكاح قد وقع صحيحا مطابقا للشرع، فلا يكفي الرجوع الذي لم يحصل العلم به إلا بعد التزويج، و استفتيا فيها فقهاء العصر و كتبا فيها إلى سائر البلدان كشيراز و أصفهان، فصححوا كلام الشيخ أحمد و خطأوا الشيخ عليا، و الحق أن هذا هو ظاهر كلام الأصحاب لأنهم لم يشترطوا في صحة الرجوع الاعلام، و ليس هو من باب عزل الوكيل- كما يجيء بيانه- و إن كان لي فيها تأمل لعدم النص الصريح في المسألة، انتهى كلامه.
أقول: لا ريب أن ظاهر كلمة الأصحاب الاتفاق على القول بأنه يملك رجعتها متى رجع في العدة و إن لم يبلغها الخبر، و أنه بالإشهاد على الرجعة يسترد نكاحها لو نكحت غيره مع عدم بلوغها الخبر.
قال في المسالك: الرابع: أن يقع النزاع بعد ما نكحت، ثم جاء الأول فادعى الرجعة سواء كان عذرهما في النكاح لجهلهما بالرجعة أم نسبتهما إلى الخيانة و التلبيس نظر، فإن أقام عليها بينة. إلى آخر ما تقدم.
و قال العلامة في القواعد و لا يشترط علم الزوجة في الرجعة و لا رضاها، فلو لم تعلم و تزوجت ردت إليه، و إن دخل الثاني بعد العدة و لا يكون الثاني أحق بها. انتهى، و عبارته و إن كانت مطلقة بالنسبة إلى ثبوت الرجعة و عدمه إلا أن مراده بعد الثبوت بالشهادة لما صرح به قبيل هذا الكلام من قوله «و يستحب الاشهاد» و ليس شرطا، لكن لو ادعى بعد العدة وقوعها فيها لم تقبل دعواها إلا بالبينة.
369
و قال في التحرير: و لا يشترط في صحة الرجعة إعلام الزوجة و لا الشهادة بها، فلو راجعها بشهادة اثنين و هو غائب في العدة صحت الرجعة، فإن تزوجت حينئذ كان فاسدا سواء دخل الثاني أو لا، و لا مهر على الثاني مع عدم الدخول و لا عدة، و مع الدخول المهر و العدة، و ترجع إلى الأول بعدها. إلى غير ذلك من عباراتهم التي يقف عليها المتتبع.
و العجب من شيخنا المحدث الصالح المتقدم ذكره في إنكار النصوص على ما ذهب إليه الأصحاب لعدم اطلاعه عليها في هذا الباب مع أنها موجودة مكشوفة القناع واجبة الاتباع، و كذا ظاهر ما نقله عن الشيخين الجليلين في القضية التي نقلها و الاستفتاء في المسألة إلى البلدان، مع أن إخبارها واضحة البيان فيما ذكره علماؤنا الأعلام.
و الذي وقفت عليه من ذلك ما رواه
في الكافي (1) بسند صحيح إلى المرزبان قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رجل قال لامرأته: اعتدي فقد خليت سبيلك، ثم أشهد على رجعتها بعد أيام ثم غاب عنها قبل أن يجامعها حتى مضت لذلك شهر بعد العدة أو أكثر، فكيف تأمره؟ فقال: إذا أشهد على رجعته فهي زوجته».
أقول: ظاهر هذه الرواية كما ترى واضحة الدلالة على أنه بمجرد الاشهاد على الرجعة في العدة تثبت الزوجية كما هو المشهور بلغها الخبر أو لم يبلغها، تزوجت بعد العدة لعدم بلوغ الخبر أو لم تتزوج، و ليس في سند هذا الخبر من ربما يتوقف في شأنه سوى المرزبان، و هو ابن عمران بن عبد الله، و قد ذكر النجاشي (2) أن له كتابا و هو مؤذن بكونه من أصحاب الأصول، و روى الكشي (3) حديثا يشعر بحسن
____________
(1) الكافي ج 6 ص 74 ح 2، التهذيب ج 8 ص 43 ح 49، الوسائل ج 15 ص 373 ب 15 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) رجال النجاشي ص 423 تحت رقم 1134 طبع مؤسسة النشر الإسلامي- قم.
(3) رجال الكشي ص 426 تحت رقم 366.
370
حاله، و لهذا عد شيخنا المجلسي في الوجيزة حديثه في الحسن.
و ما رواه
في الكافي (1) عن الحسن بن صالح قال: «سألت جعفر بن محمد (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته و هو غائب في بلدة اخرى و أشهد على طلاقها رجلين ثم إنه راجعها قبل انقضاء العدة و قد تزوجت، فأرسل إليها: إني كنت قد راجعتك قبل انقضاء العدة و لم اشهد، قال: لا سبيل له عليها، لأنه قد أقر بالطلاق و ادعى الرجعة بغير بينة فلا سبيل له عليها، و لذلك ينبغي لمن طلق أن يشهد، و لمن راجع أن يشهد على الرجعة كما أشهد على الطلاق، و إن كان قد أدركها قبل أن تزوج كان خاطبا من الخطاب».
و التقريب فيها أن قوله «و ادعى الرجعة بغير بينة فلا سبيل له عليها» يدل بمفهومه على أنه لو كان له بينة على الرجعة كان له سبيل عليها مؤكدا ذلك بالأمر لمن راجع أن يشهد على الرجعة كما يشهد على الطلاق حتى يثبت الزوجية في الأول كما ينبغي في الثاني.
و ما رواه
الشيخ (2) عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي (عليه السلام) «في رجل أظهر طلاق امرأته و أشهد عليه و أسر رجعتها ثم خرج، فلما رجع وجدها قد تزوجت، قال: لا حق له عليها من أجل أنه أسر رجعتها و أظهر طلاقها».
و التقريب فيه كما في سابقه.
و يؤيد ذلك أيضا إطلاق جملة من الأخبار مثل
قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة و محمد بن مسلم (3) «و أن الرجعة بغير شهود رجعة، و لكن ليشهد بعد فهو أفضل».
و قوله (عليه السلام) أيضا في حديث آخر لمحمد بن مسلم (4) «و إن أراد أن يراجعها أشهد على رجعتها قبل أن تنقضي أقراؤها».
و في ثالث لمحمد بن مسلم (5) أيضا
____________
(1) الكافي ج 6 ص 80 ح 4، الوسائل ج 15 ص 373 ب 15 ح 3 و فيهما اختلاف يسير.
(2) التهذيب ج 8 ص 44 ح 55، الوسائل ج 15 ص 374 ب 15 ح 5 و فيهما «عن آبائه عن على».
(3) التهذيب ج 8 ص 42 ح 47، الوسائل ج 15 ص 371 ب 13 ح 3.
(4) الكافي ج 6 ص 64 ح 1، الوسائل ج 15 ص 371 ب 13 ح 4.
(5) الكافي ج 6 ص 73 ح 4، الوسائل ج 15 ص 371 ب 13 ح 6.
371
عنه (عليه السلام) «و قد سئل عن رجل طلق امرأته واحدة ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها و لم يشهد على رجعتها، قال: هي امرأته ما لم تنقض العدة، و قد كان ينبغي له أن يشهد على رجعتها فإن جهل ذلك فليشهد حين علم، و لا أرى بالذي صنع بأسا» الحديث.
إلى غير ذلك مما هو على هذا المنوال، فهي كما ترى شاملة بإطلاقها لما لو علمت المرأة أو لم تعلم، تزوجت أو لم تزوج، فإنها بمجرد الرجعة في العدة تكون زوجته شرعا واقعا، و إنما الإشهاد على ذلك لدفع النزاع و ثبوت الزوجية في الظاهر، فلو فرضت أن الزوجة صدقته و وافقته على دعواه قبل التزويج بغيره صح نكاحه لها، فتوقف شيخنا المحدث الصالح- رحمة الله عليه- في المسألة لعدم النص عجيب، و أعجب منه حكم شيخنا قدوة المحدثين و رئيس المحققين الشيخ علي بن سليمان المتقدم ذكره بعدم صحة الرجعة لعدم بلوغ الخبر لها في العدة لما ذكره من التعليل في مقابلة الأخبار المذكورة، و إن أمكن أن يقال: إنه لا ريب أن ما ذكره من التعليل المذكور قوي متين لأن الأحكام الشرعية لم تبن على ما في نفس الأمر و الواقع، و النكاح الذي وقع أخيرا وقع صحيحا بحسب ظاهر الشرع، و إبطاله بمخالفة ما في نفس الأمر مشكل لما ذكرناه، إلا أنه لما دلت الأخبار المذكورة على خلافه وجب الخروج عنه.
و لكن يؤيد ما ذكره شيخنا المذكور بل يدل على ذلك صريحا ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن الذي لا يقصر عن الصحيح بإبراهيم بن هاشم عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه قال في رجل طلق امرأته و أشهد شاهدين، ثم أشهد على رجعتها سرا منها و استكتم الشهود فلم تعلم المرأة بالرجعة حتى انقضت عدتها، قال: تخير المرأة، فإن شاءت زوجها و إن شاءت غير ذلك، و إن تزوجت قبل أن تعلم بالرجعة التي أشهد عليها زوجها فليس للذي طلقها عليها
____________
(1) الكافي ج 6 ص 75 ح 3، الوسائل ج 15 ص 373 ب 15 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
372
سبيل، و زوجها الأخير أحق بها».
و هي كما ترى صريحة فيما ذهب إليه شيخنا الشيخ علي المذكور، و لعل اعتماده فيما ذهب إليه إنما كان على هذه الرواية سيما مع صحتها و صراحتها و ضعف ما يقابلها و إن لم ينقل ذلك عنه في الحكاية المتقدمة، فإن الشيخ المذكور في الاطلاع على الأخبار و ما اشتملت عليه من الأسرار كان ممن لا ثاني له، و لهذا اشتهر في بلاد العجم تسميته بأم الحديث في وقته، و بذلك يظهر لك بقاء المسألة في قالب الاشكال.
و في بعض الحواشي المنسوبة إلى شيخنا المجلسي المولى محمد باقر على هذا الخبر ما صورته: ظاهره اشتراط علم الزوجة في تحقق الرجعة، و لم أر به قائلا و يمكن حمله على ما إذا لم يثبت بالشهود، و هو بعيد، انتهى.
و أصحابنا لم يتعرضوا للكلام في هذه الأخبار، أما في كتب الاستدلال كالمسالك و نحوه فإنهم لم يتعرضوا لنقل شيء من الروايات بالكلية و إنما ذكروا الحكم المذكور مسلما بينهم من غير استدلال، كأنه من قبيل المجمع عليه بينهم، و في كتب الأخبار لم يتعرضوا لهذا الاختلاف الظاهر بين روايات المسألة، و ربما أشعر سكوتهم عن ذلك بأن الحكم المذكور اتفاقي نصا و فتوى، و الحال كما عرفت، فإنه و إن كان ظاهر الفتوى ذلك إلا أن النصوص كما رأيت ظاهرة الاختلاف، و الصحيحة المذكورة صريحة الدلالة في المخالفة لما تقدمها من الأخبار، و لا يحضرني الآن مذهب العامة في هذه المسألة، فلعل الصحيحة المذكورة من حيث الاتفاق على خلاف ما دلت عليه إنما خرجت مخرج التقية.
و في كتاب سليم بن قيس (1) و هو أحد الأصول المشهورة و الكتب المأثورة المعتمد عليها عند محققي أصحابنا كما صرح به شيخنا المجلسي- (رحمه الله)- في
____________
(1) سليم بن قيس الكوفي طبع دار الكتب الإسلامية ص 139، البحار ج 104 ص 158 ح 81 و فيهما «أبا كنف» مع اختلاف يسير.
373
كتاب البحار في رواية له عن علي (عليه السلام) يذكر فيها بدع عمر و إحداثه، قال (عليه السلام): و أعجب من ذلك أن أبا كيف العبدي أتاه فقال: إني طلقت امرأتي و أنا غائب فوصل إليها الطلاق، ثم راجعتها و هي في عدتها، و كتبت إليها فلم يصل الكتاب حتى تزوجت، فكتب إليه: إن كان هذا الذي تزوجها دخل بها فهي امرأته، و إن كان لم يدخل بها فهي امرأتك، و كتب له ذلك و أنا شاهد و لم يشاورني و لم يسألني و يرى استغناءه بعلمه عني، فأردت أن أنهاه، ثم قلت: ما أبالي أن يفضحه الله، ثم لم تعبه الناس بل استحسنوه و اتخذوه سنة و قبوله و رأوه صوابا و ذلك قضاء لا يقضي به مجنون» الحديث
و هو كما ترى غير خال من شوب الاشكال لما تضمنه من الإجمال، و وجه البطلان في قضائه الذي نفاه عليه أن هذا التفصيل لا وجه له، لأن جواز الدخول و عدمه تابع لصحة التزويج و عدمها و فرع عليها، فإن كان التزويج صحيحا فلا معنى لكونها زوجة الأول مع عدم الدخول، و إن كان باطلا فلا وجه لكونها زوجة الثاني مع الدخول لما عرفت من التبعية و الفرعية، و جهل الرجل المذكور أكثر من تحويه (1) السطور أو يقوم به مداد البحور، و اعترافه في غير مقام غير منكور، و الله العالم.
بقي الكلام فيما لم يكن ثمة بينة، و قد فصل الكلام في ذلك شيخنا في المسالك بما لم يسلكه قبله سالك، قال- (رحمه الله)-: و إن لم يكن بينة و أراد التحليف سمعت دعواه على كل منهما، فإن ادعى عليها فأقرت له بالرجعة لم يقبل إقرارها على الثاني، و في غرمها للأول مهر المثل لتفويت البضع عليه قولان، تقدم البحث فيهما في النكاح، و إن أنكرت فهل تحلف؟ فيه وجهان مبنيان على أنها هل تغرم له لو أقرت أم لا؟ فإن لم نقل بالغرم فلا وجه لتحليفه، لأن الغرض منه الحمل على الإقرار و لا فائدة فيه، فإن قلنا بالتحليف فحلفت سقط دعوى الزوج، و إن نكلت حلف و غرمها مهر المثل و لا يحكم ببطلان النكاح الثاني، و إن
____________
(1) هكذا، و الصحيح «من أن تحويه».
374
جعلنا اليمين المردودة كالبينة لأنها إنما يكون كذلك في حق المتداعيين خاصة.
و ربما احتمل بطلان النكاح على هذا التقدير لذلك، و هو ضعيف، فإذا انقطعت الخصومة معها بقيت على الزوج الثاني، ثم إن أنكر صدق بيمينه، لأن العدة قد انقضت و النكاح وقع صحيحا في الظاهر، و الأصل عدم الرجعة، و إن نكل ردت اليمين على المدعي، فإن حلف حكم بارتفاع النكاح الثاني، و لا تصير المرأة للأول بيمينه.
ثم إن قلنا: إن اليمين المردودة كالبينة، فكأنه لم يكن بينها و بين الثاني نكاح فلا شيء لها عليه إلا مهر المثل مع الدخول، و إن قلنا إنها كالإقرار، و إقراره عليها غير مقبول، و لها كمال المسمى إن كان بعد الدخول، و نصفه إن كان قبل، و الأقوى ثبوت المسمى كملا مطلقا، و إن جعلناها كالبينة لما ذكرناه من أنها إنما يكون كالبينة في حق المتنازعين خاصة، و إذا انقطعت الخصومة بينهما فله الدعوى على المرأة إن لم يكن سبق بها، ثم ينظر إن بقي النكاح الثاني، فإن حلف فالحكم كما ذكر فيما إذا بدأ بها، و إن لم يبق بأن أقر الثاني للأول بالرجعة أو نكل فحلف الأول فإن أقرت المرأة سلمت إليه، و إلا فهي المصدقة باليمين، فإن نكلت و حلف المدعي سلمت إليه، و لها على الثاني مهر المثل إن جرى دخول، و إلا فلا شيء عليه كما لو أقرت بالرجعة، و كل موضع قلنا لا تسلم المرأة إلى الأول لحق الثاني، و ذلك عند إقرارها أو نكولها أو يمين الأول، فإذا زال حق الثاني بموت أو غيره سلمت إلى الأول، كما لو أقر بحرية عبد في يد غيره ثم اشتراه فإنه يحكم عليه بحريته، انتهى.
أقول: لا يخفى أن جملة من هذه الأحكام يمكن استنباطه من الرجوع إلى القواعد المقررة و الضوابط المشتهرة، و جملة منها لا تخلو من الاشكال لما عرفت من تعدد الاحتمالات، و الاحتياط في أمثال ذلك مطلوب على كل حال.
375
تذنيب إذا ادعى أنه راجع زوجته الأمة في العدة فصدقته
و أنكر المولى و ادعى خروجها قبل الرجعة فلا خلاف في أن القول قول الزوج، إنما الخلاف في أنه هل يقبل قوله من غير يمين أم لا بد من اليمين؟
المنقول من الشيخ الأول، و استنادا إلى أن الرجعة تفيد استباحة البضع، و هو حق يتعلق بالزوجين فقط، فمع مصادقة الزوجة على صحة الرجعة و وقوعها شرعا لا يلتفت إلى رضا المولى: و لا موجب لليمين على الزوج، لأن اليمين إن كانت للمرأة فهي قد صدقته فلا يمين في البين، و إن كان للمولى فقد عرفت أن رضاه غير معتبر.
و تردد المحقق في ذلك و وجهه الشارح في المسالك بأن حق المولى إنما يسقط زمن الزوجية لا مع زوالها، و هو الآن يدعي عود حقه و الزوج ينكره فيتوجه اليمين، قال: و بهذا يظهر منع تعلق الحق بالزوجين فقط، فإن ذلك إنما هو في زمن الزوجية، إذ قبلها الحق منحصر في المولى و كذا بعدها، و النزاع هنا في ذلك، فالقول باليمين أجود بل يحتمل تقديم قول المولى لقيامه في ذلك مقام الزوجة، و قولها مقدم على الوجه المتقدم، فلا أقل من اليمين على الزوج، انتهى.
أقول: و الحكم لكونه خاليا من النص موضع توقف و إشكال، كما عرفت في أمثاله الجارية على هذا المنوال، و الاعتماد على هذه التعليلات العليلة مجازفة في أحكام الملك المتعال.
إلحاق فيه اشقاق [في ذكر الحيل الشرعية]
قد جرت عادة جملة من الأصحاب بذكر الحيل الشرعية في هذا المقام، قال المحقق في الشرائع: يجوز التوصل بالحيل الشرعية المباحة دون المحرمة في إسقاط ما لو لا الحيلة لثبت، و لو توصل بالمحرمة أثم و تمت الحيلة.
376
قال شيخنا في المسالك بعد ذكر ذلك: هذا باب واسع في جميع أبواب الفقه، و الغرض منه التوصل إلى تحصيل أسباب تترتب عليها أحكام شرعية، و تلك الأسباب قد تكون محللة و قد تكون محرمة، و الغرض من تعليم الفقيه الأسباب المباحة، فأما المحرمة فيذكرونها بالفرض ليعلم حكمها على تقدير وقوعها، انتهى.
أقول: لا ريب أن جملة من الحيل المشار إليها قد دلت عليها الأخبار بالخصوص، و جملة منها و إن لم تدل عليه النصوص إلا أنها موافقة لمقتضى القواعد المتفق عليها بينهم.
(و منها) ما هو باطل، و إن توهم كونه حيلة شرعية موجبة لتحليل ما أريد منها كما سيظهر لك إن شاء الله، إلا أن العمل على ما لم يوجد فيه نص بالخصوص على الإطلاق لا يخلو من إشكال لما يظهر مما حكاه الله تعالى في كتابه عن اليهود في قضية الاصطياد الذي نهوا عنه يوم السبت، و أنه عز و جل مسخهم قردة بما عملوه من الحيلة في ذلك.
ففي تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) (1) عند قوله تعالى في سورة البقرة «وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنٰا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ» (2) قال:
«قال علي بن الحسين (عليه السلام): كان هؤلاء قوما يسكنون على شاطئ بحر فنهاهم الله و أنبياؤه عن اصطياد السمك في يوم السبت، فتوصلوا إلى حيلة ليحلوا بها لأنفسهم ما حرم الله، فخذوا أخاديد و عملوا طرقا تؤدي إلى حياض يتهيأ للحيتان الدخول فيها من تلك الطرق، و لا يتهيأ لها الخروج إذا همت بالرجوع، فجاءت الحيتان يوم السبت جارية على أمان لها فدخلت الأخاديد و حصلت في الحياض و الغدران، فلما كانت عشية اليوم همت بالرجوع منها إلى اللجج لتأمن من صائدها فرامت الرجوع فلم تقدر، و بقيت ليلتها في مكان يتهيأ أخذها بلا اصطياد لاسترسالها
____________
(1) تفسير الامام الحسن العسكري (ع) ص 136 مع اختلاف يسير.
(2) سورة البقرة- آية 65.
377
فيه و عجزها عن الامتناع لمنع المكان لها، و كانوا يأخذون يوم الأحد و يقولون:
ما اصطدنا في السبت و إنما اصطدنا في الأحد، و كذب أعداء الله بل كانوا آخذين بها بأخاديدهم التي عملوها يوم السبت حتى كثر من ذلك مالهم» الحديث.
و يظهر من المحقق الأردبيلي- (رحمه الله عليه)- التوقف في استعمال هذه الحيل، و لو كانت بحسب الظاهر جارية على نهج القوانين الشرعية، ذكر ذلك في غير موضع من شرحه على كتاب الإرشاد، منها في باب الربا حيث قال- في تمثيل المصنف بقوله: مثل إن أراد بيع قفيز حنطة بقفيز (1) من شعير أو الجيد بالرديين و غير ذلك- ما لفظه: يبيع المساوي بالمساوي قدرا و يستوهب الزائد، و هو ظاهر لو حصل القصد في البيع و الهبة، و ينبغي الاجتناب عن الحيل مهما أمكن، و إذا اضطر يستعمل ما ينجيه عند الله، و لا ينظر إلى الحيل و صورة جوازها ظاهرا، لما عرف من علة تحريم الربا، و كأنه إلى ذلك أشار في التذكرة بقوله:
لو دعت الضرورة إلى بيع الربويات مستفضلا مع اتحاد الجنس. إلخ، انتهى كلامه رحمة الله عليه.
و محصله: أن الفقهاء قد ذكروا جملة من الحيل الموجبة للخروج من الربا كما قدمنا ذكره في كتاب البيع، و منها ما ذكر هنا، و هو أن يبيعه المساوي و يهب له الزائد، و ظاهر المحقق المذكور التوقف في ذلك من حيث عدم القصد إلى الهبة، و إنما الغرض منها التوصل إلى تحليل ما حرم الله تعالى بالحيل إلا ما ورد به النص و إلا فما ذكره من أن القصد لم يكن للهبة من حيث هي و إنما القصد إلى تحليل الربا يمكن خدشه بأنه لا تشترط قصد جميع الغايات المترتبة على ذلك العقد، بل يكفي قصد غاية صحيحة من غاياته كما صرح به شيخنا في المسالك و تبعه من تأخر عنه في ذلك حيث قال و نعم ما قال:
و لا يقدح في ذلك كون هذه الأمور غير مقصودة بالذات، و العقود تابعة
____________
(1) في شرح الإرشاد «بقفيزين».
378
للقصود، لأن قصد التخلص من الربا إنما يتم مع القصد إلى بيع صحيح أو قرض أو غيرهما من الأنواع المذكورة و ذلك كاف في القصد، إذ لا يشترط في القصد إلى عقد قصد جميع الغايات المترتبة عليه، بل يكفي قصد غاية صحيحة من غاياته فإن من أراد شراء دار مثلا ليؤاجرها و يكتسب بها فإن ذلك كاف في الصحة، و إن كان لشراء الدار غايات أخر أقوى من هذه و أظهر في نظر العقلاء، و كذا القول في غير ذلك من أفراد العقود، و قد ورد في أخبار كثيرة يدل على جواز الحيلة على نحو ذلك، انتهى.
و الواجب هنا ذكر جملة مما خطر بالبال من الأنواع التي توصل إلى تحليلها بالاحتيال و التمييز بين صحيحها و فاسدها زيادة على ما تقدم سيما في باب الربا من كتاب البيع و كتاب الشفعة.
[الحيلة للفرار من الخمس و الزكاة]
(و منها) ما اشتهر في هذه الأوقات من أنه إذا كان في ذمة الرجل ألف درهم من وجه الخمس أو الزكاة فإنه يبيع سلعة قيمتها مائة درهم على فقير بألف درهم ثم يحتسب عليه الثمن بما في ذمته من وجه الخمس أو الزكاة، و هذا البيع بحسب القواعد الشرعية صحيح إذا وقع بالتراضي من الطرفين و معرفة المبيع من الجانبين، و لكن إذا نظرت إلى الواقع و أنه لم يدفع في الحقيقة من تلك الألف إلا مائة درهم خاصة حصل الإشكال في حصول البراءة من الزائد بهذه الحيلة، و كانت قريبة من حيلة اليهود في إسقاط ما حرم الله عليهم.
و لا يبعد أن يقال إن الذمة مشغولة بهذا المبلغ بيقين، و لا تبرأ إلا بيقين دفعه كملا، و حصول الدفع بهذه الحيلة غير معلوم يقينا على أنه يمكن أن يقال: إن في صحة هذا البيع إشكالا، لأنه و إن صح البيع في أمثاله بزيادة على الثمن الواقعي أضعافا مضاعفة إلا أنه مخصوص بقصد المشتري الى دفع الثمن و رضاه بالمبيع بهذا الثمن، و فيما نحن فيه ليس كذلك، فإن المشتري إنما رضي بالشراء بهذا الثمن من حيث علمه بأنه لا يؤخذ منه، و إلا فمن المجزوم به أنه لا يرضى بدفع هذا الثمن في مقابلة هذا المبيع اليسير كما هو المفروض.
379
و بالجملة فإنه من الظاهر أن المشتري لم يقصد دفع الثمن، مع أن الثمن أحد أركان المبيع كما تقدم في كتاب البيع فهو في قوة أنه اشترى بلا ثمن، و لا خلاف في بطلانه لما عرفت. و كيف كان فالجزم ببراءة الذمة عندي في هذه الصورة محل توقف و إشكال.
(و منها)
ما لو خافت المرأة من تزويج زوجها بامرأة معينة
فحملت ولدها على أن يتزوج بها قبل أبيه، أو أمة يريد شراءها الأب فاشتراها الابن، أو حملت الام ابنها على الزنا بتلك المرأة التي يريد أبوه تزويجها أو الأمة التي يريد شراءها بناء على نشر الحرمة بالزنا، فإنه و إن أثم من حيث حرمة الزنا إلا أن الحيلة تحصل به.
(و منها)
ما لو كرهت المرأة زوجها و أرادت انفساخ العقد بينهما فارتدت
انفسخ النكاح و بانت منه إن كان قبل الدخول، و لو كان بعده توقف البينونة على انقضاء العدة قبل رجوعها، فإن أخرت إلى انقضائها بانت منه، فإذا رجعت بعد ذلك إلى الإسلام قبل و تمت الحيلة، كذا ذكره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و لا يخلو من إشكال، فإن مقتضى هذا الكلام أن إظهار الارتداد لم يقع عن تغير في الاعتقاد للإسلام و اعتقاد الكفر، و الكفر الموجب للفسخ إنما مناطه الاعتقاد لا مجرد الإظهار، و مجرد الإظهار إنما يوجب الفسق لا الكفر.
و بالجملة فإنه لا يظهر في صحة هذه الحيلة على وجه ينفسخ بها النكاح إذ مرجعها إلى إظهار الكفر من غير زوال اعتقاد الإسلام و هو غير موجب للارتداد شرعا.
[الحيل المبيحة لنكاح جماعة امرأة في يوم واحد]
(و منها) ما عدوه في هذا الباب من الحيل المبيحة (1) لنكاح جماعة امرأة في
____________
(1) أقول: قال في المختلف [مختلف الشيعة ص 620]: قال الشيخ في الخلاف:
إذا تزوج امرأة ثم خلعها ثم تزوجها و طلقها قبل الدخول بها لا عدة عليها. و قال في المبسوط:
إذا خلعها ثم تزوجها ثم طلقها ثم راجعها ثم خالعها قبل الدخول قال قوم تبنى، و قال آخرون تستأنف و هو الصحيح عندنا، و قال بعضهم لا عدة عليها ها هنا و هو الأقوى عندنا و الأول أحوط. و قال ابن البراج في المهذب: فان خالعها ثم تزوجها ثم طلقها استأنفت أيضا العدة و لم يجز لها أن تبنى على ما تقدم- ثم قال في المختلف:- و الوجه ما قاله الشيخ في الخلاف لقوله تعالى [سورة الأحزاب- آية 49] «ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمٰا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهٰا» انتهى. (منه- (قدس سره)-).
380
يوم واحد بأن يتزوجها أحدهم و يدخل بها ثم يطلقها، ثم يتزوجها ثانية و يطلقها من غير دخول، فإنه يجوز للآخر أن يتزوجها في تلك الحال لسقوط العدة حيث إنها غير مدخول بها. هكذا ذكر في المفاتيح ثم قال: و هو غلط واضح لأن العدة الأولى لم تسقط إلا بالنسبة إلى الزوج الأول الذي هو صاحب الفراش حيث لا يجب الاستبراء من مائه، و أما بالنسبة إلى غيره فما العلة في سقوطها، و إنما الساقط العدة الثانية فقط ليس إلا، انتهى.
أقول: لا ريب أن ما أورده عليهم ظاهر الورود كما سيظهر لك إن شاء الله تعالى، إلا أن كلامه أيضا لا يخلو من سهو و غفلة، فإنه قد فرض المسألة في نكاح قوم لامرأة واحدة في يوم، و هذا لا يتم فيما فصله و أوضحه من أنه يتزوجها أحدهم و يدخل بها ثم يطلقها. إلخ، فإن الطلاق بعد الدخول لا يصح عندنا إلا بعد الاستبراء بحيضة أو ثلاثة أشهر، و حينئذ فكيف يمكن ما فرضه من وقوع نكاح القوم في يوم واحد، اللهم إلا أن يكون مراده الرد على العامة القائلين بجواز الطلاق في الطهر الذي واقع فيه من غير حاجة إلى الاستبراء، و إن كان الظاهر من كلامه إنما هو الرد على من ذهب من أصحابنا إلى صحة هذه الحيلة.
ثم إن من ذهب من أصحابنا إلى ذلك و جوزه فإنما يفرضه في المتعة حيث إنها تبين بمجرد انقضاء المدة أو هبتها.
381
لكن المفهوم من كلام الفضل بن شاذان (1) و كلام الشيخ المفيد على ما نقله المرتضى- رحمة الله عليه- في كتاب المجالس الذي جمعه من كلام الشيخ المفيد- رحمة الله عليه- هو إنكار ذلك و تخصيصه بالعامة، مع أنهم يلزمهم مثل ذلك متى قالوا بسقوط العدة في الصورة المذكورة كما سيظهر لك إن شاء الله تعالى، و صورة الإلزام الذي ألزم به الفضل بن شاذان من جواز نكاح عشرة لامرأة واحدة في يوم واحد موضعه طلاق الخلع و الطلاق البائن، حيث إن العامة لا يوجبون الاستبراء و يجوزون الطلاق في الحيض، قال الشيخ المفيد- بعد حكاية ما وقع للفضل بن شاذان مع العامة- ما صورته: و الموضع الذي لزمت هذه الشناعة فقهاء العامة دون الشيعة الإمامية أنهم يجيزون الخلع و الطلاق و الظهار في الحيض و في الطهر الذي قد
____________
(1) أقول: صورة ما حكى عن الفضل في الكتاب المذكور قال: قد ألزم الفضل بن شاذان فقهاء العامة- على قولهم في الطلاق أن يحل للمرأة المسلمة الحرة أن يمكن من وطئها في اليوم الواحد عشرة أنفس على سبيل النكاح، و هذا شنيع في الدين و منكر في الإسلام.
قال الشيخ: و وجه إلزامه لهم ذلك بأن قال: أخبروني عن رجل تزوج امرأة على الكتاب و السنة و ساق إليها مهرها، أ ليس قد حل له وطؤها، فقالوا و قال المسلمون كلهم:
بلى،، قال: فان كرهها عقيب الوطء أ ليس يحل له خلعها؟ فما مذهبكم في تلك الحال؟
قال العامة خاصة: نعم، قال: فان خلعها ثم بدا له بعد ساعة في العود إليها أ ليس له أن يخطبها لنفسه؟ قالوا: بلى، قال لهم: فان عقد عليها عقد النكاح أ ليس قد عادت الى ما كانت عليه من النكاح و سقطت عنها عدة الخلع؟ قالوا: بلى، قال: فان رجع الى نيته في فراقها ففارقها عقيب العقد الثاني من غير أن يدخل بها ثانية أ ليس قد بانت منه و لا عدة عليها بنص القرآن من قوله تعالى «ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمٰا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهٰا»؟ فقالوا:
نعم، و لا بد لهم من ذلك مع التمسك بالقرآن، قال لهم: قد حلت من وقتها للأزواج إذ ليس عليها عدة بنص القرآن، قالوا: بلى، قال: فما تقولون لو صنع بها الثاني كصنع الأول أ ليس يكون قد نكحها اثنان في بعض يوم من غير حظر في ذلك على أصولكم في الأحكام، فلا بد من أن يقولوا: بلى، و قال: و كذلك لو نكحها ثالث و رابع الى أن يتم عشرة أنفس و أكثر من ذلك الى آخر النهار أ ليس يكون جائزا حلالا؟ و هذه من الشناعة بمرتبة لا تليق بأهل الإسلام. قال الشيخ: و الموضع الى آخر ما هو مذكور في الأصل، انتهى.
(منه- (قدس سره)-).
382
حصل فيه جماع من غير استبانة حمل، و الإمامية تمنع من ذلك و تقول إن هذا أجمع لا يقع بالحاضرة التي تحيض إلا بعد أن تكون طاهرا من الحيض طهرا لم يحصل فيه جماع، فلذلك سلمت مما وقع فيه المخالفون، انتهى.
و ظاهر كلام هؤلاء المشايخ بل الظاهر أنه المشهور هو سقوط العدة عن المختلعة و المطلقة ثلاثا لو عقد عليها الزوج بعد ذلك قبل انقضاء العدة ثم طلقها قبل الدخول، و أنها يجوز لغيره في تلك الحال التزويج بها لدخوله تحت عموم الآية، و لم يتفطن هؤلاء الإعلام إلى أن ما ألزموه العامة من هذه الشناعة التي شنعوا بها عليهم لازمة لهم متى قالوا بهذا القول، و ذلك فإنه لو انقضت عدة المستمتعة و تم أجلها أو وهبها ذلك فإنها تبين في الحال، و لا خلاف في أنه يجوز لزوجها العقد عليها في تلك العدة، فلو عقد عليها ثم أبرأها قبل الدخول بها فإنه لا عدة عليها لكونها غير مدخول بها، فيجوز لآخر أن يتمتعها و يعمل بها ما عمل و هكذا حسبما شنعوا به على العامة، و منشأ الغلط في هذه المسألة هو أن العدة إنما تسقط بالنسبة إلى الزوج كما تقدم في كلام المحدث المتقدم، فإنه يجوز له العقد عليها قبل انقضاء العدة لعدم وجوب الاستبراء من مائه الذي هو العلة في وجوب العدة، و أما بالنسبة إلى غير الزوج فلا تسقط، و طلاقه لها ثانيا بعد هذا العقد المجرد عن الدخول لا يؤثر في سقوط تلك العدة الاولى، و إنما يؤثر في عدة هذا الطلاق، و التمسك بظاهر الآية في المقام مغالطة، فإنها إنما دلت على سقوط العدة في الطلاق أو الإبراء الثاني و لا نزاع فيه، و محل النزاع إنما هو العدة الاولى و الإبراء الأول، و الآيات و الروايات الدالة على وجوب العدة شاملة لهذه الصورة، و السقوط إنما ثبت بالنسبة إلى الزوج خاصة بدليل خاص، و أما غيره فعموم الآيات و الروايات دال على وجوبها.
و الذي يدل على ما ذكرنا من الاختصاص بالزوج ما رواه
في الكافي (1) في
____________
(1) الكافي ج 5 ص 459 ح 3، الوسائل ج 14 ص 475 ب 23 ح 3.
383
الصحيح أو الحسن عن ابن أبي عمير عمن رواه قال: «إن الرجل إذا تزوج المرأة متعة كان عليها عدة لغيره، فإذا أراد هو أن يتزوجها لم يكن عليها منه عدة يتزوجها إذا شاء».
و قد وقفت على رسالة في المتعة الظاهر أنها من تصانيف المحقق الفيلسوف العماد مير محمد باقر الداماد، و قد جنح فيها إلى القول المشهور و لم يتفطن إلى ما فيه من القصور فصرح بأن المستمتعة المحتال في سقوط عدتها بذلك النحو لا عدة عليها لا للعقد الثاني و لا للأول.
و ممن أنكر ذلك و صرح ببطلان هذه الحيلة شيخنا البهائي- (رحمه الله عليه)- في أجوبة مسائل الشيخ صالح الجزائري حيث قال بعد كلام في المقام: أما لو دخل بالمتمتع بها ثم أبرأها ثم تمتع بها و أبرأها قبل الدخول فالذي أعتمد عليه أنه لا تحل لغيره العقد عليها إلا بعد العدة، و لا فرق بين الإبراء و الطلاق، و ما يوجد في كتب الأصحاب من جواز ذلك لانخراطه في سلك المطلقات قبل الدخول لا أعول عليه و لا أقول به، و للكلام فيه مجال واسع ليس هذا محله، و الله أعلم، انتهى.
(و منها)
ما لو أراد التوصل إلى حل نظر يحرم عليه نظرها
، و لمس من يحرم عليه لمسها بأن يعقد الرجل بابنه الصغير متعة على امرأة بالغة لأجل أن يحل للأب نظر تلك المرأة المعقود عليها و لمسها، أو يعقد الرجل بابنته الصغيرة على رجل لأجل أن يكون ذلك الرجل محرما لام البنت وجدتها يحل له نظرهما و لمسهما و نحو ذلك، و الظاهر عندي صحة ذلك و أنه يترتب على هذا العقد ما يترتب على عقود النكاح، و المقصود منها النكاح، و إن لم يكن هذا العقد مقصودا به النكاح، و قد عرفت مما قدمنا نقله قريبا عن شيخنا الشهيد الثاني في المسالك أنه لا يشترط في صحة العقد قصد جميع غاياته المترتبة عليه بل يكفي قصد بعضها، على أن ما تمسك به من توهم عدم جواز ذلك من أن العقود تابعة للقصود و قصد النكاح هنا غير موجود.
384
و فيه (أولا) أنه إن أريد القصد و لو في الجملة فهو حاصل، و إن أريد القصد إلى كل ما يترتب على ذلك العقد فعلى مدعي ذلك إثباته بالدليل، مع أن ظاهر الأدلة كما سيظهر لك إنما هو خلاف ذلك.
(و ثانيا) أن الظاهر من الأخبار على وجه لا يزاحمه الإنكار و هو انخرام هذه القاعدة و بطلان ما رتبوه عليها من هذه الفائدة كما لا يخفى على من جاس خلال ديار الأخبار و التقط من لذيذ تلك الثمار.
و ها أنا أتلو عليك ما حضرني من الأخبار المشار إليها، فمن ذلك الأخبار الواردة في التخلص من الربا و الحيلة في دفعه.
و منها ما رواه
في الكافي (1) عن محمد بن إسحاق بن عمار قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إن سلسبيل طلبت مني مائة ألف درهم على أن تربحني عشرة آلاف درهم، فأقرضتها تسعين ألفا و أبيعها ثوبا أو شيئا يقوم على بألف درهم بعشرة آلاف درهم، قال: لا بأس».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن محمد بن إسحاق بن عمار أيضا قال: «قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يكون له المال قد حل على صاحبه، يبيعه لؤلؤة تسوى مائة درهم بألف درهم، و يؤخر عليه المال إلى وقت؟ قال: لا بأس، قد أمرني أبي (عليه السلام) ففعلت ذلك. و زعم أنه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عنها فقال له مثل ذلك».
و روى المشايخ الثلاثة (3)- رحمة الله عليهم- في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سألته (عليه السلام) عن الصرف- إلى أن قال:- فقلت له: أشتري ألف درهم و دينار بألفي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 205 ح 9، الوسائل ج 12 ص 379 ب 12 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 5 ص 205 ح 10، التهذيب ج 7 ص 53 ح 28، الوسائل ج 12 ص 380 ب 12 ح 6 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 5 ص 246 ح 9، التهذيب ج 7 ص 104 ح 51، الوسائل ج 12 ص 466 ب 6 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
385
درهم؟ قال: لا بأس، إن أبي كان أجرأ على أهل المدينة مني، و كان يقول هذا فيقولون إنما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، و لو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، و كان يقول لهم: نعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال».
إلى غير ذلك من الأخبار الواردة كذلك.
و التقريب فيها أنهم (عليهم السلام) قد حكموا بصحة بيع هذه الأشياء المذكورة بأضعاف ثمنها الواقعي توصلا إلى الخروج من الوقوع في الربا، و أصل البيع غير مقصود البتة، و لهذا أنكرته العامة العمياء، و إنما المقصود ما ذكرناه، و الشارع قد سوغه و جوزه كما نقله عنه نوابه (عليه السلام) و خلفاؤه (عليه السلام) و به يظهر أنه لا يشترط قصد جميع ما يترتب على ذلك العقد.
(و منها)
الأخبار الدالة على صحة بيع الآبق
(1) مع ضميمة و إن كانت يسيرة و الثمار قبل ظهورها أو بلوغ حد الصلاح مع الضميمة (2) أيضا، فلو لم يوجد الآبق و لم تخرج الثمار أو خرجت و فسدت كان الثمن في مقابلة الضميمة، مع أن تلك الأثمان أضعاف ثمن هذه الضميمة واقعا و العقد أولا، و بالذات لم يتوجه إلى بيع الضميمة بهذا الثمن الزائد البتة، و هم (عليهم السلام) قد حكموا بصحة البيع فيها بهذا الثمن، و إن كان الغرض من ضمها إنما هو التوصل إلى صحة بيع تلك الأشياء.
(و منها)
الأخبار الدالة على أن العقد المقترن بالشرط الفاسد صحيح
و إن بطل الشرط كما هو أحد القولين في المسألة، و جمهور الأصحاب و إن كانوا بناء على هذه القاعدة حكموا ببطلان العقد من أصله، لأن المقصود بالعقد هو المجموع و أصل العقد مجردا عن الشرط غير مقصود فيكون باطلا، لأن العقود تابعة للقصود
____________
(1) الكافي ج 5 ص 209 ح 3، التهذيب ج 7 ص 69 ح 10، الوسائل ج 2 ص 262 ب 11 ح 1 و 2.
(2) الكافي ج 5 ص 176 ح 7، التهذيب ج 7 ص 84 ح 3، الوسائل ج 13 ص 9 ب 3 ح 2.
386
فما كان مقصودا غير صحيح، و ما كان صحيحا غير مقصود، إلا أن الأخبار ترده في جملة من الأحكام كما
في صحيحة محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يتزوج المرأة بمهر إلى أجل مسمى، فإن جاء بصداقها إلى أجل مسمى فهي امرأته، و إن لم يأت بصداقها إلى الأجل فليس له عليها سبيل، و ذلك شرطهم عليه حين أنكحوه، فقضى للرجل أن بيده بضع امرأته و أحبط شرطهم».
و نحوه صحيحته الأخرى أيضا.
و حسنة الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) الواردة في بريرة و أنها كانت مملوكة لقوم فباعوها عائشة و اشترطوا أن لهم ولاءها، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): الولاء لمن أعتق.
و روى الكليني (3) عن الوشاء عن الرضا (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: لو أن رجلا تزوج امرأة و جعل مهرها عشرين ألفا و جعل لأبيها عشرة آلاف كان المهر جائزا، و الذي جعل لأبيها فاسدا».
و السيد السند صاحب المدارك في شرح النافع حيث إنه من القائلين بهذه القاعدة التجأ في الواجب عن صحيحتي محمد بن قيس إلى قصرهما على مورديهما بعد أن حكم أنهما في حكم رواية واحدة، و لم يعلم أن الدلالة على ما ذكرناه لا ينحصر فيهما، مع أنه قد اعترف بما ذكرناه في رواية الوشاء المذكورة فقال:
و يستفاد من هذه الرواية عدم فساد العقد باشتماله على هذا الشرط الفاسد، انتهى.
(و منها)
الأخبار الدالة على أن عقد المتعة مع عدم ذكر الأجل فيه ينقلب دائما
كما
في موثقة عبد الله بن بكير (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن سمى الأجل فهو متعة، و إن لم يسم الأجل فهو نكاح بات».
____________
(1) الكافي ج 5 ص 402 ح 1، الوسائل ج 15 ص 20 ب 10 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الفقيه ج 3 ص 79 ح 4، الوسائل ج 16 ص 40 ب 37 ح 2.
(3) الكافي ج 5 ص 384 ح 1، الوسائل ج 15 ص 19 ب 9 ح 1.
(4) الكافي ج 5 ص 456 ح 1، الوسائل ج 14 ص 469 ب 20 ح 1.
387
و نحوها رواية أبان بن تغلب (1) و رواية هشام بن سالم (2) كما تقدم جميع ذلك في المسألة المذكورة.
و قد استشكل جملة من متأخري المتأخرين بناء على هذه القاعدة في العمل بهذه الأخبار، و هو مجرد استبعاد عقلي في مقابلة النصوص، فإن الدلالة على هذا الحكم غير مختص لهذه الأخبار لما عرفت مما تلوناه من الأخبار المذكورة، فإنها صريحة في رد القاعدة المذكورة و بمضمونها قال الأصحاب: فلا وجه لهذا الاستشكال و لا مستند لهذه القاعدة إلا مجرد العقل، و إن دل بعض الأخبار في بعض الجزئيات على ما تضمنته، إلا أنه ليس على وجه كلي يوجب كونه قاعدة كلية، و الأحكام الشرعية توقيفية تدور مدار الأدلة الشرعية وجودا و عدما، و إن اشتهر بينهم- (رضوان الله عليهم)- تقديم الأدلة العقلية على الأدلة النقلية حتى أنهم في الكتب الاستدلالية تراهم في جملة الأحكام إنما يبدأون بالأدلة العقلية ثم يردفونها بالأدلة النقلية، و هو غلط محض كما أوضحناه بما لا مزيد عليه في جملة من زبرنا.
و بالجملة فإن الظاهر مما تلوناه من الأخبار المذكورة هو عدم الاعتماد على هذه القاعدة، إلا أن تحمل على ما قدمنا ذكره آنفا من القصد و لو في الجملة، و به تنطبق على هذه الأخبار كما لا يخفى على ذوي الأفكار، و في هذه المسألة توهمات أخر قد بينا فسادها في كتابنا «الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية» من أحب الوقوف عليها فليرجع إليه.
[في الموارد التي دلت الأخبار على جواز الحلف بغير الواقع]
(و منها) ما لو كان عليه دين قد بريء منه بالأداء إلى صاحبه، أو إبراء صاحبه من ذلك الدين فادعى عليه و خاف من دعوى الأداء أو الإبراء أن تنقلب اليمين إلى المدعي لعدم البينة فأنكر الاستدانة من رأس، فإنه يجوز له أن يحلف على ذلك بشرط التورية ليخرج من الكذب على ما صرح به الأصحاب من غير خلاف يعرف.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 455 ح 3، الوسائل ج 14 ص 470 ب 20 ح 2.
(2) الكافي ج 5 ص 455 ح 5، الوسائل ج 14 ص 470 ب 20 ح 3.
388
و المراد بالتورية بأن يقصد بمدلول اللفظ إلى أمر غير ما يدل ظاهر اللفظ بأن يقصد بقوله «ما استدنت منك» نفي الاستدانة في مكان مخصوص أو زمان مخصوص غير الزمان أو المكان الذي وضعت فيه الاستدانة واقعا، أو يقصد نوعا من المال غير الذي استدانه فينوي في حال حلفه على أحد هذه الوجوه ما كان الضرورة حيث إنه بريء الذمة واقعا غير مخاطب بالأداء شرعا. هذا إذا كان المدعى عليه مظلوما كما عرفت، فإن التورية في يمينه لدفع ذلك الظلم حائزة شرعا.
و أما لو كان المدعي محقا فأنكر المدعى عليه و حلف موريا بها يخرجه عن الكذب فإنه لا تفيده التورية هنا، لأن اليمين هنا على نية المدعي و قصده دون المدعى عليه، فيترتب على هذه اليمين ما يترتب على من حلف بالله كاذبا من الإثم و المؤاخذة.
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذا المقام ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن صفوان قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يحلف و ضميره على غير ما حلف عليه، قال: اليمين على الضمير».
و ما رواه في الكافي و الفقيه (2) عن إسماعيل بن سعد الأشعري في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) مثله.
و ما رواه
في الكافي (3) عن مسعدة بن صدقة قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: و سئل عما يجوز و ما لا يجوز في النية على الإضمار في اليمين فقال:
قد يجوز في موضع و لا يجوز في آخر، فأما ما يجوز فإذا كان مظلوما فيما حلف
____________
(1) الكافي ج 7 ص 444 ح 3، الوسائل ج 16 ص 150 ب 21 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 7 ص 444 ح 2، الفقيه ج 3 ص 233 ح 30، الوسائل ج 16 ص 149 ب 21 ح 1.
(3) الكافي ج 7 ص 444 ح 1، التهذيب ج 8 ص 280 ح 17، الوسائل ج 16 ص 149 ب 20 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
389
عليه و نوى اليمين فعلى نيته، و أما إذا كان ظالما فاليمين على نية المظلوم.
أقول: و بما دل عليه الخبر الثاني يجب تخصيص الخبر الأول بضمير المظلوم فقوله «اليمين على الضمير» يعني ضمير المظلوم، و هو خاص بالصورة الاولى من الصورتين المتقدمتين، و من الخبر الثاني يظهر أن التورية في الصورة الثانية لا تفيد صاحبها فائدة لأنه (عليه السلام) حكم في هذه الصورة بأن اليمين على نية المظلوم و قصده، فلا أثر للتورية حينئذ في هذه الصورة من الظالم، و يظهر من جملة من الأخبار جواز الحلف في مثل هذه المقام و الاخبار بغير الواقع و إن لم يرتكب التورية، و موردها ما إذا لم يكن التوصل إلى حقه أو دفع الضرر عن نفسه إلا بتلك اليمين الكاذبة فإنه يجوز له الحلف و الحال هذه، و ما نحن فيه من قبيل الثاني و هو دفع الضرر عن نفسه.
و من الأخبار المشار إليها ما رواه
في الفقيه (1) بطريقه إلى ابن بكير عن زرارة قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): نمر بالمال على العشار فيطلبون منا أن نحلف لهم و يخلون سبيلنا، و لا يرضون منا إلا بذلك، قال: فاحلف لهم، فهو أحلى من التمر و الزبد».
و ما رواه
في التهذيب (2) في الصحيح عن الوليد بن هشام المرادي- و هو مهمل- قال: «قدمت من مصر و معي رقيق، و مررت بالعشار فسألني، فقلت: هم أحرار كلهم. فقدمت المدينة فدخلت على أبي الحسن (عليه السلام) فأخبرته بقول العشار، فقال:
ليس عليك شيء».
و ما رواه
في الفقيه (3) في الصحيح عن الحلبي قال: «سألته عن الرجل يحلف
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 230 ح 14، الوسائل ج 16 ص 135 ب 12 ح 6.
(2) الفقيه ج 3 ص 84 ح 8، التهذيب ج 8 ص 289 ح 60، الوسائل ج 16 ص 71 ب 60 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(3) الفقيه ج 3 ص 231 ح 21، الوسائل ج 16 ص 135 ب 12 ح 8.
390
لصاحب العشور، يجوز بذلك ماله؟ قال: نعم».
و ما رواه
في الكافي (1) عن محمد بن مسعود الطائي قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) إن أمي تصدقت علي بدار لها- أو قال: بنصيب لها في دار- فقالت لي:
استوثق لنفسك، فكتبت إني اشتريت و أنها قد باعتني و أقبضت الثمن، فلما ماتت قال الورثة: احلف إنك اشتريت و نقدت الثمن، فإن حلفت لهم أخذته، و إن لم أحلف لهم لم يعطوني شيئا، قال: فقال: احلف و خذ ما جعلت لك».
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب (2) عن محمد بن أبي الصباح قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إن أمي تصدقت علي بنصيب لها في دار، فقلت لها: إن القضاة لا يجيزون هذا، و لكن اكتبيه شراء، فقالت: اصنع من ذلك ما بدا لك في كل ما ترى أنه يسوغ لك، فتوثقت، فأراد بعض الورثة أن يستحلفني أني قد نقدتها الثمن و لم أنقدها شيئا، فما ترى؟ فقال: احلف لهم».
و احتمال تقييد إطلاق هذه الأخبار بالأولة و إن أمكن إلا أن الظاهر أنه لا يخلو من بعد، و من أراد الاطلاع على ما يزيد ما ذكرنا من المواضع التي ذكرها الأصحاب في أمثلة الاحتيال فليراجع إلى مطولاتهم.
الفصل الثالث في العدد:
جمع عدة، و هي على ما ذكره الجوهري (3) أيام أقراء المرأة. و نحوه في القاموس، (4) و زاد أيام حدادها على الزوج. و في النهاية الأثيرية (5) عدة المرأة
____________
(1) الكافي ج 7 ص 32 ح 17 مع اختلاف يسير.
(2) الفقيه ج 3 ص 228 ح 4، التهذيب ج 8 ص 287 ح 48، الوسائل ج 13 ص 310 ب 9 ح 5 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(3) الصحاح ج 2 ص 506.
(4) القاموس ج 1 ص 324 مع اختلاف يسير.
(5) النهاية لابن الأثير ج 3 ص 190.
391
المطلقة و المتوفى عنها زوجها ما تعده من أيام أقرائها و أيام حملها، أو أربعة أشهر و عشر ليال. و عرفها شيخنا الشهيد الثاني في المسالك (1) بأنها شرعا اسم لمدة معدودة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها أو للتعبد أو التفجع على الزوج، و شرعت صيانة للأنساب و تحصينا لها عن الاختلاط، و الأصل في وجوب العدة قبل الإجماع الآيات القرآنية و الأخبار المعصومية (عليهم السلام).
قال عز شأنه «وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ» (2) «وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسٰائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلٰاثَةُ أَشْهُرٍ وَ اللّٰائِي لَمْ يَحِضْنَ وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» (3) «وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً» (4) «ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمٰا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهٰا» (5).
و أما الأخبار فهي متواترة متكاثرة و ستمر بك- إن شاء الله تعالى- في الأبحاث الآتية.
قال في المسالك (6) و اعلم أن المدة المستدل بمضيها على براءة الرحم تتعلق تارة بالنكاح و وطء الشبهة و تشتهر باسم العدة، و اخرى بملك اليمين، و إما حصولا في الابتداء أو زوالا في الانتهاء، و تشتهر باسم الاستبراء، و النوع الأول منه ما يتعلق بفرقة بين الزوجين، و هو حي كفرقة الطلاق و اللعان و الفسوخ، و يشمله عدة الطلاق لأنه أظهر أسباب الفراق، و حكم العدة وطء الشبهة حكمها، و إلى ما يتعلق بفرقة تحصل بموت الزوج و هي عدة الوفاة، انتهى.
أقول: و الكلام في هذا الفصل يقع في مقامات
[المقام] الأول [في أنه لا عدة على الزوجة الغير المدخول بها]
أجمع العلماء من الخاصة و العامة على أنه لا عدة على الزوجة الغير المدخول بها، سواء بانت بطلاق أو فسخ
____________
(1) مسالك الافهام ج 2 ص 34 مع اختلاف يسير.
(2) سورة البقرة- آية 228.
(3) سورة الطلاق- آية 4.
(4) سورة البقرة- آية 234.
(5) سورة الأحزاب- آية 49.
(6) مسالك الافهام ج 2 ص 34 مع اختلاف يسير.
392
لأن الغرض منها براءة الرحم، نعم خرج من هذا الحكم المتوفى عنها زوجها للاتفاق نصا و فتوى على وجوب العدة في الحال المذكور.
و مما يدل على نفي العدة في غير الوفاة الآية و الأخبار المتكاثرة. قال الله عز و جل «ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمٰا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهٰا».
و من الأخبار في ذلك ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل إذا طلق امرأته و لم يدخل بها، فقال: قد بانت منه و تزوج من ساعتها إن شاءت».
و ما رواه
في الكافي (2) في الصحيح عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) «في رجل تزوج امرأة بكرا ثم طلقها قبل أن يدخل بها ثلاث تطليقات في كل شهر تطليقة، قال: بانت منه في التطليقة الاولى و اثنتان فضل، و هو خاطب يتزوجها متى شاءت و شاء بمهر جديد، قيل له: فله أن يراجعها إذا طلقها تطليقة واحدة قبل أن تمضي ثلاثة أشهر؟ قال: لا، إنما كان يكون له أن يراجعها لو كان دخل بها أولا، فأما قبل أن يدخل بها فلا رجعة له عليها قد بانت منه ساعة طلقها».
و عن الحلبي (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فليس عليها عدة تزوج من ساعتها إن شاءت، و بينهما تطليقة واحدة، و إن كان فرض لها مهرا فلها نصف ما فرض».
إلى غير ذلك من الأخبار.
و أما ما ذكرنا من خروج عدة الوفاة عن هذا الضابط المذكور فستأتي
____________
(1) الكافي ج 6 ص 83 ح 1، التهذيب ج 8 ص 64 ح 128، الوسائل ج 15 ص 404 ب 1 ح 6 و ما في المصادر «و تزوج ان شاءت من ساعتها».
(2) الكافي ج 6 ص 84 ح 4، الوسائل ج 15 ص 403 ب 1 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 6 ص 83 ح 3، التهذيب ج 8 ص 64 ح 130، الوسائل ج 15 ص 404 ب 1 ح 4 و ما في المصادر «و تبينها» بدل «و بينهما».
393
الأخبار الدالة عليه عند ذكر المسألة إن شاء الله تعالى.
[تنبيهات]
بقي الكلام هنا في مواضع بها يتم تنقيح المقام
الأول [في أن المراد بالدخول الوطء الموجب للغسل]
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب- إذ لم ينقل هنا خلاف في الباب- في أن المراد بالدخول الوطء قبلا أو دبرا وطئا موجبا للغسل.
و استدل على ذلك بقول
أبي عبد الله (عليه السلام) في حسنة الحلبي (1) في رجل دخل بامرأة «إذا التقى الختانان وجب المهر و العدة».
و بهذا المضمون أخبار عديدة.
و صحيحة عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ملامسة النساء هو الإيقاع».
و في الصحيح عن عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سأله أبي و أنا حاضر عن رجل تزوج امرأة فأدخلت إليه فلم يمسها و لم يصل إليها حتى طلقها، هل عليها عدة منه؟ فقال: إنما العدة من الماء، قيل له: فإن كان واقعها في الفرج و لم ينزل؟ فقال: إذا أدخله وجب الغسل و المهر و العدة».
و في الموثق عن يونس بن يعقوب (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: لا يوجب المهر إلا الوقاع في الفرج».
إلى غير ذلك من الأخبار التي من هذا القبيل، و عندي فيما ذكروه- رحمة الله عليهم- من شمول الدخول المترتبة عليه هذه الأحكام المذكورة في هذه الأخبار للوطء في الدبر إشكال، فإنى لم أقف على نص صريح في ذلك سيما مع ما تقدم من الخلاف نصا و فتوى في إيجاب الوطء في الدبر للغسل كما تقدم في كتاب الطهارة مع ترجيح العدم كما تقدم، و الاستناد في ذلك إلى هذه الأخبار
____________
(1) الكافي ج 6 ص 109 ح 1، الوسائل ج 15 ص 65 ب 54 ح 3 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 109 ح 4، الوسائل ج 15 ص 65 ب 54 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 6 ص 109 ح 6، الوسائل ج 15 ص 65 ب 54 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
(4) التهذيب ج 7 ص 464 ح 67، الوسائل ج 15 ص 66 ب 54 ح 6.
394
و نحوها لا يخلو من غموض.
قال السيد السند في شرح النافع بعد استدلال الأصحاب بصحيحة عبد الله ابن سنان الثانية: و ربما تناول هذه الرواية بإطلاقها الوطء في الدبر، انتهى.
و يضعف بأنه من المقرر في كلامهم كالقاعدة الكلية عندهم أن الإطلاق إنما ينصرف إلى الأفراد المتكثرة الشائعة، فإنها هي التي يحمل عليها الإطلاق و يتبادر إلى الفهم دون الفروض النادرة، و لا ريب أن الفرد الشائع في الوطء إنما هو الجماع في القبل لأنه هو المندب إليه و المحثوث إليه سيما مع كراهة الآخر، بل قيل بتحريمه. و بالجملة فالمسألة عندي لا تخلو من توقف و إشكال.
الثاني [عدم الفرق بين وطء الكبير و الصغير]
نقل عن جمع من الأصحاب أنه لا فرق بين وطء الكبير و الصغير و إن نقص سنه، عن زمان إمكان التولد منه عادة لإطلاق النص.
قال في المسالك: و اعلم أنه لا فرق بين وطء الصبي القاصر عن سن من يصلح للولادة له و غيره لوجود المقتضي، و هو الوطء الذي جعل مناطا لها كوطء الكبير بتغيب الحشفة خاصة من غير إنزال، و يتغلب جانب التعبد هنا نظرا إلى تعليق الحكم بالوجه المنضبط، انتهى.
و عندي في المسألة نوع توقف لما عرفت من أن الطلاق في الأخبار إنما تحمل على الأفراد الشائعة المتعارفة المتكررة، و هي هنا البالغ دون الصغير، فإنه نادر بل مجرد فرض، و الحمل على البالغ الذي أولج من غير إنزال- كما ذكره و دلت عليه صحيحة عبد الله بن سنان الثانية- لا يخرج عن القياس.
و الأحكام الشرعية كما قدمنا ذكره في غير موضع منوطة بالأدلة الصريحة الواضحة و هي هنا خفية و غير لائحة، و يمكن الاستئناس لذلك بما تقدم في خبر الواسطي (1) المذكور في صدر الفصل الأول الدال على عدم حصول التحليل بالغلام الذي لم يحتلم حتى يبلغ، فإن فيه إيماء إلى عدم ترتب الأحكام الشرعية على
____________
(1) الكافي ج 6 ص 76 ح 6، الوسائل ج 15 ص 267 ب 8 ح 1.
395
نكاح غير البالغ، التي من جملتها التحليل. و بالجملة فالحكم عندي غير خال من شوب التوقف و الاشكال.
الثالث [هل يلحق بالوطء دخول المني المحترم في الفرج؟]
قد صرح جماعة من الأصحاب منهم شيخنا في المسالك و سبطه في شرح النافع بأنه يلحق بالوطء دخول المني المحترم في الفرج فيلحق به الولد إن فرض، و تعتد بوضعه، و ظاهرهم عدم وجوب العدة بدون الحمل هنا، و عندي فيه توقف أيضا لعدم الوقوف على نص يصلح دليلا لهذا الإلحاق.
الرابع [في وجوب العدة على مدخولة الخصي]
ظاهر كلام الأصحاب- و به صرح في المسالك- وجوب العدة على مدخولة الخصي، فإنه و إن لم ينزل و لكنه يولج فيكون بمنزلة الفحل الذي يولج و لا ينزل، و المعتبر في هذا الباب هو الإيلاج خاصة كما عرفت، و عليه دلت الأخبار.
و يدل على ما ذكروه من وجوب العدة هنا ما رواه
في الكافي و الفقيه (1) عن أبي عبيدة في الصحيح قال: «سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن خصي تزوج امرأة و فرض لها صداقا و هي تعلم أنه خصي، فقال: جائز، فقيل: فإنه مكث معها ما شاء الله ثم طلقها، هل عليها عدة؟ قال: نعم، أ ليس قد لذ منها و لذت منه» (2) الحديث.
إلا أنه
قد روى الشيخ في التهذيب (3) في الصحيح عن أحمد بن محمد بن عيسى
____________
(1) الكافي ج 6 ص 151 ح 1، الفقيه ج 3 ص 268 ح 58، الوسائل ج 14 ص 608 ب 13 ح 4 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) و تمام الخبر المذكور «. قيل له: فهل كان عليها فيما كان يكون منه و فيها غسل؟ قال: فقال: ان كانت إذا كان ذلك منه أمنت، فإن عليها غسلا، و قيل له: فهل له أن يرجع بشيء من صداقها إذا طلقها؟ فقال: لا».
أقول: ما دلت عليه من تخصيص وجوب الغسل عليها بحصول الأمناء منها دون مجرد الإيلاج كما هو القاعدة الكلية لا يخلو من التأمل لاستفاضة الأخبار بأنه إذا أدخله فقد وجب عليه الغسل و المهر و الرجم. (منه- (قدس سره)-).
(3) التهذيب ج 7 ص 375 ح 80، الوسائل ج 15 ص 52 ب 44 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
396
عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: «سئل الرضا (عليه السلام) عن خصي تزوج امرأة على ألف درهم ثم طلقها بعد ما دخل بها، قال: لها الألف الذي أخذت منه و لا عدة عليها».
و جمع المحدث الكاشاني في الوافي (1) و المفاتيح بين الخبرين بحمل العدة في الخبر الأول على الاستحباب.
و فيه أن وجوب العدة هو مقتضى القواعد الشرعية و الضوابط المرعية المستفادة من الأخبار المعصومية لما عرفت من دلالة الأخبار (2) على أن مناط العدة هو الإيلاج و إن لم يحصل إنزال، و إطلاق الأخبار شامل للخصي و غيره، مؤيدا ذلك باتفاق الأصحاب على الحكم المذكور، و تخرج صحيحة أبي عبيدة المذكورة شاهدة على ذلك، فالواجب جعل التأويل في جانب الرواية الثانية المخالفة لتلك القواعد المذكورة، لا الاولى.
و لو كان الرجل مجبوبا- و هو مقطوع الذكر و سليم الأنثيين- فالمشهور أنه لا عدة على المرأة لعدم حصول الدخول الذي هو مناط ذلك.
____________
(1) الوافي ج 3 ص 180 ب 187.
(2) و منها ما في
حسنة الحلبي [الكافي ج 6 ص 109 ح 1، الوسائل ج 15 ص 65 ب 54 ح 3 و فيهما «المهر» يدل «الغسل»] عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل دخل بامرأة، قال: إذا التقى الختانان وجب الغسل و العدة».
و في حسنة حفص بن البختري [الكافي ج 6 ص 109 ح 2، الوسائل ج 15 ص 65 ب 54 ح 4] عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا التقى الختانان وجب المهر و العدة و الغسل».
و في حسنة داود بن سرحان [الكافي ج 6 ص 109 ح 3، الوسائل ج 15 ص 65 ب 54 ح 5] عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أولجه فقد وجب الغسل و الجلد و الرجم و وجب المهر».
و هذه الاخبار و نحوها كلها متعاضدة للدلالة على ترتب هذه الأشياء على الدخول من أى فرد كان من أفراد الرجال، فلا وجه للفرق في ذلك بين العدة و وجوب المهر كما تضمنته صحيحة البزنطي المذكورة، و بذلك يظهر أيضا ما في صحيحة أبي عبيدة [الوسائل ج 14 ص 608 ب 13 ح 4] مما قدمنا ذكره في الحاشية السابقة من جعل مناط الغسل الأمناء من المرأة دون مجرد الإيلاج. (منه- (قدس سره)-).
397
و نقل عن الشيخ في المبسوط وجوب العدة محتجا بإمكان المساحقة. و رد بأن مجرد الإمكان غير كاف في الوطء الكامل.
و الحق في الجواب أن الحكم بالوجوب يتوقف على الدليل، و غاية ما دلت عليه الأخبار هو إدخال الذكر على الوجه المتقدم، و هو غير حاصل. نعم لو ظهر بها حمل لحقه الولد، و اعتدت حينئذ بوضعه كما ذكره الأصحاب.
و أما الممسوح الذي لم يبق له شيء و لا يتصور منه دخول فقد صرح الأصحاب بأنه لو أتت منه بولد لم يلحقه على الظاهر، و لا يجب على زوجته منه عدة، و ربما قيل: حكمه حكم المجبوب، و هو بعيد.
الخامس: لا عدة للحامل من الزنا
بلا خلاف، فيجوز لها التزويج قبل الوضع، و أما مع عدمه فالمشهور أنه كذلك، لأن الزنا لا حرمة له، و به علل الأول أيضا و أثبتها العلامة في التحرير. قال في المسالك: و لا بأس به، حذرا من اختلاط المياه و تشويش الأنساب.
أقول: و هذا القول و إن ندر فهو المختار لما دل عليه من الأخبار، و منها ما رواه
في الكافي (1) عن إسحاق بن جرير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يفجر بالمرأة ثم يبدو له في تزويجها، هل يحل له ذلك؟ قال: نعم إذا هو اجتنبها حتى تنقضي عدتها باستبراء رحمها من ماء الفجور فله أن يتزوجها، و إنما يجوز له تزويجها بعد أن يقف على توبتها».
و ما رواه
الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول (2) عن أبي جعفر محمد بن علي الجواد (عليه السلام) «أنه سئل عن رجل نكح امرأة على زنا، أ تحل له أن يتزوجها؟
فقال: يدعها حتى يستبرئها من نطفته و نطفة غيره، إذ لا يؤمن منها أن يكون
____________
(1) الكافي ج 5 ص 356 ح 4، الوسائل ج 14 ص 330 ب 11 ح 4 و ج 15 ص 476 ب 44 ح 1.
(2) تحف العقول ص 454، الوسائل ج 15 ص 476 ب 44 ح 2.
398
قد أحدثت مع غيره حدثا كما أحدثت معه، ثم يتزوج بها إذا أراد، فإنما مثلها مثل نخلة أكل رجل منها حراما فأكل منها حلالا».
و بذلك يظهر لك ما في قولهم إن الزنا لا حرمة له، و قد تقدم تحقيق البحث في ذلك (1) و يأتي إن شاء الله في المباحث الآتية ما يشير إليه أيضا.
السادس [عدم وجوب العدة بالخلوة]
المشهور أنه لا تجب العدة بالخلوة، و نقل عن ابن الجنيد القول بالوجوب حيث قال على ما نقله عنه السيد السند في شرح النافع: الأغلب في من خلا بزوجته، و لا مانع له عنها وقوع الوطء إن كانت ثيبا، و الالتذاذ بما ينزل به الماء إذا كانت بكرا، و إن كان زمان اجتماعهما يمكن ذلك فيه حكم عليه بالمهر، و عليها بالعدة إن وقع الطلاق، إلا أنه ربما عرض أمور لا يمكن إشهادة على إيقاعه و الإنسان على نفسه بصيرة.
أقول: قد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام في بحث المهور في كتاب النكاح (2) و ملخصه أن الموجب للمهر و العدة إنما هو المواقعة دون مجرد الخلوة إلا في مقام التهمة بأن يخلو بها، و تدل القرائن على الوقاع، و مع هذا يعترف الزوجان بعدمه، فإنه لا يقبل قولهما لقيام التهمة.
و أما الأخبار الدالة بظاهرها على ثبوت ذلك بمجرد الخلوة فسبيلها الحمل على التقية دون ما ذكره أصحابنا من التأويل فإنه بعيد كما أوضحناه ثمة.
المقام الثاني: في المستقيمة الحيض
، و هي تعتد بثلاثة أقراء، و هي الأطهار على الأشهر الأظهر إذا كانت حرة سواء كانت تحت حر أو عبد. و تفصيل هذا الإجمال على وجه يتضح به الحال يقع في مواضع:
____________
(1) أقول: تقدم ذلك في التنبيهات- التي بعد الإلحاق- المشتملة على جملة من أحكام الزنا من المقام الثاني من المطلب الثالث فيما يحرم بالمصاهرة من كتاب النكاح.
(منه- (قدس سره)-). راجع الحدائق ج 23 ص 502.
(2) الحدائق ج 24 ص 505- 511.
399
الأول [في معنى القرء]
القرء- بالفتح و الضم- يجمع على أقراء و قروء، سواء كان بمعنى الطهر أو الحيض، و نقل عن بعض أهل اللغة أنه بالفتح الطهر و يجمع على فعول كحرث و حروث و ضرب و ضروب، و القرء بالضم الحيض و يجمع على أقراء مثل قفل و أقفال.
قال في المسالك (1) بعد نقل ذلك: و الأشهر عدم الفرق بين الضم و الفتح و أنه يقع على الحيض و الطهر جميعا بالاشتراك اللفظي أو المعنوي.
أقول: في كتاب المصباح المنير (2) للفيومي: و القرء فيه لغتان: الفتح و جمعه قرء و أقراء مثل فلس و إفلاس و أفلس، و الضم و يجمع على أقراء مثل قفل و أقفال، قال أئمة اللغة: و يطلق على الطهر و الحيض، و حكاه ابن فارس أيضا. انتهى، و هو ظاهر في القول المشهور كما أشار إليه شيخنا المذكور.
و كيف كان فقد اختلفوا في إطلاق هذا اللفظ عليهما فقيل: إنه حقيقة في الطهر مجاز في الحيض، فإن القرء بمعنى الجمع و الطهر هو الذي يجمع الدم في بدنها و يحبسه في الرحم، و قيل بالعكس لأن المرأة لا تسمى من ذوات الأقراء إلا إذا حاضت، و قيل: الأشهر الأظهر أنه مشترك بينهما كسائر الأسماء المشتركة، و رجح الأولان بأن المجاز خير من الاشتراك، و يرده نص أهل اللغة على الاشتراك كما عرفت من عبارة المصباح المنير، و لا رجحان للمجاز عليه بعد ثبوته.
الثاني: المراد بالمستقيمة الحيض
هي من كان الحيض يأتيها على عادة النساء في كل شهر مرة، و في معناها من كانت تعتاد الحيض فيما دون الثلاثة أشهر، فإن حكمها الاعتداد بالأقراء كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
و فسرها شيخنا في المسالك (3) بأنها معتادة الحيض وقتا و عددا، و في حكمها
____________
(1) مسالك الافهام ج 2 ص 35.
(2) المصباح المنير ج 1 ص 687 مع اختلاف يسير.
(3) قال (قدس سره) [مسالك الافهام ج 2 ص 36]: المراد بمستقيمة الحيض معتادة الحيض وقتا و عددا، و ان استحيضت بعد ذلك فإنها ترجع في الحيض الى عادتها و تجعل ما سواها طهرا و في حكمها المعتادة وقتا خاصة لأنها بحسب أوله مستقيمة الحيض، و انما يلحق بالمضطربة في آخره. انتهى (منه- (قدس سره)-).
400
معتادته وقتا خاصة و أورد عليه بأنه غير واضح، لأن من اعتادت الحيض فيما زاد على ثلاثة أشهر لا تعتد بالأقراء و إن كانت لها عادة وقتا و عددا، انتهى و هو جيد.
الثالث [في الأخبار الدالة أن المطلقة تبين عند الحيضة الثالثة]
لا خلاف بين العلماء من الخاصة و العامة في أن الحرة المطلقة المدخول بها و من في معناها إذا كانت على الوجه المتقدم تعتد بثلاثة أقراء كما قال عز شأنه «وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ» (1) و هو خبر في معنى الأمر.
و إنما الخلاف في المراد من الآية و أنه أي المعنيين الطهر أو الحيض؟
لما عرفت من إطلاقه عليها، و المعروف من مذهب الأصحاب أنه الطهر: و عليه تدل جملة من الأخبار، و قيل: إنه الحيض، و عليه تدل جملة منها أيضا.
فمن الأخبار الدالة على الأول ما رواه
في الكافي (2) عن زرارة في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: أصلحك الله رجل طلق امرأته على طهر من غير جماع بشهادة عدلين، فقال: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها و حلت للأزواج، قلت له: أصلحك الله إن أهل العراق يروون عن علي (عليه السلام) أنه قال: هو أحق برجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، فقال: كذبوا».
و عن زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) في الصحيح قال: «المطلقة إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد بانت منه».
و عن زرارة (4) في الموثق بأسانيد عديدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «أول دم رأته
____________
(1) سورة البقرة- آية 228.
(2) الكافي ج 6 ص 86 ح 1، التهذيب ج 8 ص 123 ح 25، الوسائل ج 15 ص 426 ب 15 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 6 ص 87 ح 2، الوسائل ج 15 ص 428 ب 15 ح 7.
(4) الكافي ج 6 ص 87 ح 6، الوسائل ج 15 ص 428 ب 15 ح 9.
401
من الحيضة الثالثة فقد بانت منه».
و عن إسماعيل الجعفي (1) في الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل طلق امرأته، قال: هو أحق برجعتها ما لم تقع في الدم من الحيضة الثالثة».
و عن زرارة (2) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «المطلقة ترث و تورث حتى ترى الدم الثالث: فإذا رأته فقد انقطع».
و عن زرارة (3) في الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: المطلقة تبين عند أول قطرة من الدم في القرء الأخير».
و عن إسماعيل الجعفي (4) في الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يطلق امرأته، فقال: هو أحق برجعتها ما لم تقع في الدم الثالث».
و ما رواه
في التهذيب (5) عن زرارة قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إني سمعت ربيعة الرأي يقول: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة بانت منه، و إنما القرء ما بين الحيضتين، و زعم أنه إنما أخذ ذلك برأيه، فقال أبو جعفر (عليه السلام): كذب، لعمري ما قال ذلك برأيه و لكنه أخذه عن علي (عليه السلام)، قال: قلت: و ما قال علي فيها؟ قال:
كان يقول: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها و لا سبيل له عليها، و إنما القرء ما بين الحيضتين، و ليس لها أن تتزوج حتى تغتسل من الحيضة الثالثة».
و عن محمد بن مسلم (6) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يطلق امرأته متى تبين منه؟ قال: حين يطلع الدم من الحيضة الثالثة تملك نفسها، قلت: فلها
____________
(1) الكافي ج 6 ص 87 ح 4، الوسائل ج 15 ص 427 ب 15 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 87 ح 5، الوسائل ج 15 ص 427 ب 15 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 87 ح 7، الوسائل ج 15 ص 429 ب 15 ح 10.
(4) الكافي ج 6 ص 87 ح 8، الوسائل ج 15 ص 429 ب 15 ح 11.
(5) الكافي ج 6 ص 88 ح 9، التهذيب ج 8 ص 123 ح 28، الوسائل ج 15 ص 427 ب 15 ح 4 و ما في المصادر «و ما قال فيها على».
(6) الكافي ج 6 ص 88 ح 11، التهذيب ج 8 ص 124 ح 30، الوسائل ج 15 ص 432 ب 16 ح 1.
402
أن تتزوج في تلك الحال؟ قال: نعم، و لكن لا تمكن من نفسها حتى تطهر من الدم».
و ما رواه
في الكافي (1) عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «المطلقة تبين عند أول قطرة من الحيضة الثالثة «قال: قلت: بلغني أن ربيعة الرأي قال: من رأيي أنها تبين عند أول قطرة، فقال: كذب ما هو من رأيه، إنما هو شيء بلغه عن علي (عليه السلام)».
و عن زرارة (2) في الصحيح أو الحسن قال: «سمعت ربيعة الرأي يقول:
إن من رأيي أن الأقراء التي سمى الله عز و جل في القرآن إنما هو الطهر بين الحيضتين، فقال: كذب لم يقله برأيه، و لكنه إنما بلغه عن علي (عليه السلام)، فقلت:
أصلحك الله كان علي (عليه السلام) يقول ذلك؟ فقال: نعم إنما القرء الطهر تقرأ فيه الدم فتجمعه فإذا جاء الحيض دفعته».
و عن زرارة (3) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «القرء ما بين الحيضتين».
و عن محمد بن مسلم (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) في الصحيح أو الحسن مثله.
و عن زرارة (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) في الحسن قال: «الأقراء هي الأطهار».
و عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة إذا طلقها زوجها متى تكون هي أملك بنفسها؟ قال: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فهي أملك بنفسها، قلت: فإن عجل الدم عليها قبل أيام قرئها؟ فقال:
إذا كان الدم قبل عشرة أيام فهو أملك بها و هو من الحيضة التي طهرت منها، فإن
____________
(1) الكافي ج 6 ص 87 ح 3، الوسائل ج 15 ص 428 ب 15 ح 8 و فيهما «عن أبى عبد الله».
(2) الكافي ج 6 ص 89 ح 1، الوسائل ج 15 ص 425 ب 14 ح 4 مع اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 6 ص 89 ح 2، التهذيب ج 8 ص 122 ح 22، الوسائل ج 15 ص 424 ب 14 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 89 ح 3، التهذيب ج 8 ص 122 ح 23، الوسائل ج 15 ص 424 ب 14 ح 2.
(5) الكافي ج 6 ص 89 ح 4 و فيه «عن أبى عبد الله»، التهذيب ج 8 ص 123 ح 24، الوسائل ج 15 ص 424 ب 14 ح 3.
(6) الكافي ج 6 ص 88 ح 10، الوسائل ج 15 ص 433 ب 17 ح 1.
403
كان الدم بعد العشرة أيام فهو من الحيضة الثالثة و هي أملك بنفسها».
و ما رواه
الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان و العياشي في تفسيره (1) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «أن عليا (عليه السلام) كان يقول: إنما القرء الطهر يقرأ فيه الدم فتجمعه فإذا جاء الحيض قذفته، قلت: رجل طلق امرأته طاهرا من غير جماع بشهادة عدلين، قال: إذا دخلت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها و حلت للأزواج، قلت: إن أهل العراق يروون أن عليا (عليه السلام) يقول: إنه أحق برجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، فقال: كذبوا».
هذا ما وقفت عليه من الأخبار الدالة على القول المشهور و هي كما ترى فيه واضحة الظهور، و ما دل منها كما هو المصرح به في أكثرها على أن انقضاء الأطهار الثلاثة تحصل بالدخول في الدم الثالث مبني على عد الطهر الذي طلقت فيه، و أنه في الغالب يكون الحيض بعده متأخرا عنه بزمان و إن قصر، إلا فلو فرض حصول أول الحيض بعد انقضاء صيغة الطلاق بلا فصل فإنها لا تخرج من العدة برؤية الدم الثالث حيث إنه لم يسبق لها إلا طهران خاصة، بل لا بد من الطهر بعد الدم الثالث، و بذلك صرح الشيخان و غيرهم كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
و أما ما يدل على القول الآخر فمن ذلك ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عدة التي تحيض و يستقيم حيضها ثلاثة أقراء و هي ثلاث حيض».
و عن أبي بصير (3) و هو المرادي في الصحيح مقطوعا مثله، و حملهما الشيخ في التهذيبين تارة على التقية، و اخرى على عدم استيفاء الثالثة.
____________
(1) مجمع البيان ج 2 ص 326، تفسير العياشي ج 1 ص 114، الوسائل ج 15 ص 431 ب 15 ح 19 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) التهذيب ج 8 ص 126 ح 33، الوسائل ج 15 ص 425 ب 14 ح 7.
(3) التهذيب ج 8 ص 126 ح 34، الوسائل ج 15 ص 425 ب 14 ح 7 و ذيله.
404
و عن القداح (1) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: «قال علي (عليه السلام): إذا طلق الرجل المرأة فهو أحق بها ما لم تغتسل من الثالثة».
و عن إسحاق بن عمار (2) عمن حدثه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «جاءت امرأة إلى عمر فسألته عن طلاقها، قال: اذهبي إلى هذا فاسأليه- يعني عليا (عليه السلام)- فقالت لعلي (عليه السلام): إن زوجي طلقني، قال: غسلت فرجك؟ قال: فرجعت إلى عمر فقال:
أرسلتني إلى رجل يلعب، قال: فردها إليه مرتين كل ذلك ترجع فتقول: يلعب، قال: فقال لها: انطلقي إليه فإنه أعلمنا، قال: فقال لها علي (عليه السلام): غسلت فرجك؟
قالت: لا، قال: فزوجك أحق ببضعك ما لم تغسلي فرجك».
و عن محمد بن مسلم (3) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يطلق امرأته تطليقة على طهر من غير جماع يدعها حتى تدخل في قرئها الثالث و يحضر غسلها ثم يراجعها و يشهد على رجعتها، قال: هو أملك بها ما لم تحل لها الصلاة».
و عن الحسن بن زياد (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «هي ترث و تورث ما كان له الرجعة من التطليقتين الأولتين حتى تغتسل».
هذا ما حضرني من الأخبار الدالة على القول الآخر، و الشيخ كما عرفت قد حملها على التقية، و حمل خبر عمر على التقية في الفتوى أو في الرواية.
و نقل عن شيخه المفيد- رحمة الله عليه- أنه قال: إذا طلقها في آخر طهرها اعتدت بالحيض، و إن طلقها في أوله اعتدت بالأطهار، و جعله وجه جمع بين الأخبار، ثم قال:
و هذا وجه قريب غير أن الأولى ما قدمناه.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 125 ح 31، الوسائل ج 15 ص 425 ب 14 ح 12.
(2) التهذيب ج 8 ص 125 ح 32، الوسائل ج 15 ص 429 ب 15 ح 13 و فيهما اختلاف يسير.
(3) التهذيب ج 8 ص 127 ح 36، الوسائل ج 15 ص 430 ب 15 ح 15.
(4) التهذيب ج 8 ص 127 ح 37، الوسائل ج 15 ص 430 ب 15 ح 16 و فيهما اختلاف يسير.
405
أقول: لا يخفى قرب ما قربه من تأويل الشيخ المفيد، إلا أن الأخبار خالية من الإشارة إليه فضلا عن الدلالة عليه، و المعتمد هو الحمل على التقية كما يشير إليه صحيح زرارة المتقدم في صدر الأخبار حيث كذب (عليه السلام) أهل العراق فيما نقلوه عن علي (عليه السلام) من جعل الأقراء هي الحيض بعد أن أسنده إليهم، و نحوه الرواية المنقولة من كتاب مجمع البيان و تفسير العياشي.
و قد تضمنت جملة من الروايات المذكورة أن مذهب علي (عليه السلام) إنما هو كون القرء بمعنى الطهر، و لعل ما تضمنه خبر المرأة التي سألت عمر هو مستند أهل العراق فيما نقلوه عن علي (عليه السلام) من أن القرء بمعنى الحيضة، إلا أنه ينافيه تكذيبه (عليه السلام) فيما نقلوه.
و احتمل في التهذيبين (1) في خبر المرأة أن يكون على وجه إضافة المذهب إليهم فيكون قول أبي عبد الله (عليه السلام): قال علي (عليه السلام): إن هؤلاء يقولون كذلك، لا أنه يكون مخبرا في الحقيقة عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: و قد صرح أبو جعفر (عليه السلام) في رواية زرارة و غيرها بأنهم كذبوا على علي (عليه السلام). انتهى، و هو في مقام الجمع بين هذه الأخبار غير بعيد، و به ترتفع المنافاة المتقدم ذكرها.
و بذلك يظهر أن المعتمد هو القول المشهور لما عرفت من تضافر الأخبار به مؤيدة بفتوى الطائفة بذلك.
الرابع [في أنها تحتسب بالطهر الذي طلقت فيه]
لا خلاف بين الأصحاب في أنها تحتسب بالطهر الذي طلقت فيه، فيكون أحد الأطهار الثلاثة الموجبة للخروج من العدة. قال السيد السند في شرح النافع: هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، و ظاهرهم أنه موضع وفاق أقول: و تدل عليه الأخبار المتقدمة الدالة على أنها بالدخول في الدم الثالث فقد انقضت عدتها، فإنه مني كما عرفت آنفا على الاحتساب بالطهر الذي طلقت فيه كما أوضحناه آنفا لأن هذا هو الغالب، فمن أجل ذلك بني عليه
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 125 ذيل ح 32، الاستبصار ج 3 ص 329 ذيل ح 8.
406
إطلاق الأخبار، فإن وقوع الطلاق على وجه يكون الحيض بعده بلا فصل نادر أشد الندور. و لو اتفق ذلك بأن حاضت بعد انتهاء لفظ الطلاق و لم يحصل زمان بين الطلاق و الحيض صح الطلاق لوقوعه في الطهر، و لم يحسب ذلك الطهر من العدة، لأنه لم يعقب الطلاق بل يفتقر ذلك إلى ثلاثة قروء مستأنفة بعض الحيض.
الخامس [انقضاء العدة في رؤية الدم الثالث]
أطلق المحقق في النافع انقضاء العدة في رؤية الدم الثالث كما هو ظاهر إطلاق الأخبار، و قيده في الشرائع بما إذا كانت عادتها مستقرة بالزمان، قال: و إن اختلفت صبرت إلى انقضاء أقل الحيض آخذا بالاحتياط، و مرجعه إلى اشتراط أن يكون أول الحيض منضبطا، و في ذلك إنما يكون في المعتادة وقتا و عددا و في المعتاد وقتا، أما لو اختلفت عادتها وقتا و لم تكن مستقرة بأن كانت تحيض تارة في أول الشهر و اخرى في وسطه و تارة في آخره فإنها بالنسبة إلى أوله كالمضطربة فلا يحكم بانقضاء العدة إلا مع العلم بكونه حيضا، و ذلك بعد مضي ثلاثة أيام.
أقول: الكلام هنا مبني على ما تقدم تحقيقه في باب الحيض من كتاب الطهارة (1) من أن المبتدئة و المضطربة هل تحيض برؤية الدم؟ أو تستظهر للعبادة بأن لا تتحيض إلا بعد مضي ثلاثة أيام؟ قولان، و في المسألة قول ثالث اختاره السيد السند في المدارك، و هو أنها تتحيض برؤية الدم إذا كان بصفة دم الحيض، و إلا فإنها إنما تتحيض بعد الثلاثة الأيام، فعلى القول بأنها تتحيض بمجرد رؤية الدم جرى الإطلاق في عبارة النافع، و هو أنها تخرج من العدة برؤية الدم الثالث للحكم بكونه حيضا بمجرد رؤية الدم بعد الطلاق، و على القول الثاني لا تخرج من العدة إلا بعد مضي الثلاثة لتحقق كونه حيضها بعدها، و احتمال عدم الحيض قبل إتمامها.
____________
(1) الحدائق ج 3 ص 234.
407
و يحتمل في عبارة الشرائع أنه و إن قلنا بأن المضطربة و أختها تتحيضان بمجرد رؤية الدم إلا أن الأحوط للعدة الأخذ بالقول الآخر، و هذا هو الظاهر من العبارة فإن التعبير بالاحتياط إنما ينطبق على هذا المعنى، و الذي حققناه في باب الحيض كما تقدم في كتاب الطهارة أنه لا دليل على اعتبار التربص ثلاثة أيام كما قالوه، و الأخبار الواردة في المسألة صريحة في التحيض، بمجرد رؤية الدم في المضطربة و المبتدئة، و حينئذ فلا إشكال، و ما ادعى من الاحتياط هنا يتوقف على وجود الدليل على اعتبار الثلاثة في تلك المسألة، و على هذا جرى إطلاق أخبار المسألة هنا كما لا يخفى.
السادس [في أقل المدة التي تنقضي به العدة]
قد صرح الأصحاب بأن أقل زمان تنقضي به العدة ستة و عشرون يوما و لحظتان، و اللحظة الأخيرة ليست من العدة و إنما هي دالة على الخروج.
و بيانه: أنه يمكن أن يفرض أن يطلقها و قد بقي من الطهر لحظة بعد الطلاق، ثم تحيض أقل الحيض ثلاثة أيام، ثم تطهر أقل الطهر عشرة، و الجميع ثلاثة عشر يوما و لحظة و قد حصل لها طهران، ثم تحيض أقل الحيض ثلاثة أيام، ثم تطهر أقل الطهر عشرة، فهذه ثلاثة عشر اخرى، و الجميع ستة و عشرون يوما و لحظة، ثم تحيض بعد تمام العشرة الأخيرة و بالحيض لحظة من أوله يتبين انقضاء الطهر الثالث و تمامه، فتكون هذه اللحظة الأخيرة من الحيض كاشفة عن الخروج من العدة، و لا مدخل لها في العدة لانقضائها بالطهر الثالث، و حينئذ فأقلها في الحقيقة ستة و عشرون يوما و لحظة، و هي التي من أولها لا غير، و قيل بأن اللحظة الأخيرة جزء من العدة، و نسب إلى الشيخ لتوقف انقضاء العدة عليها فكانت كغيرها من الأجزاء، و لا ريب في ضعفه، فإن مجرد توقف انقضاء العدة عليها لا يستلزم كونها جزء منها، و إنما هي كاشفة عن سبق انتهاء الطهر الثالث الذي هو نهاية العدة و مظهر الخلاف في الرجوع في تلك اللحظة، فتصح على قول الشيخ المذكور، لأنها من العدة و تبطل على المشهور، و كذا فيما لو
408
تزوجت بغيره، فيها فيصح على المشهور و يبطل على قول الشيخ، و فيما لو مات الزوج فيها فعلى المشهور ينتفي الإرث و على قول الشيخ ترث.
هذا، و مما ذكر من أن أقل ما تنقضي به العدة المدة المذكورة مبني على الغالب، و إن كان أيضا في حد ذاته نادرا، إلا أنه قد يتفق أيضا فيما هو أقل من ذلك، بأن يطلقها بعد الوضع و قبل رؤية دم النفاس بلحظة، ثم ترى دم النفاس لحظة لأنه محسوب بحيضة و إن كان لحظة كما تقدم في بابه، فإذا رأت بعد الطلاق دم النفاس لحظة ثم مضى لها أقل الطهر ثم رأت الدم ثلاثة أيام أقل الحيض ثم انقطع عشرة أيام ثم رأت الدم الثالث انقضت عدتها بأول لحظة من الدم الثالث، و مجموع ذلك ثلاثة و عشرون يوما و ثلاث لحظات، و الكلام في اللحظة الأخيرة هنا كما سبق من الدخول و الخروج.
السابع: لو اختلف الزوجان
فادعت المرأة بقاء جزء من الطهر بعد الطلاق ليكون أول الأطهار الثلاثة و تقصر بذلك العدة و أنكر الزوج ذلك بأن ادعى وقوع الحيض بعد الطلاق بلا فاصلة لتكون الأطهار الثلاثة متأخرة عن الحيض فتطول مدة العدة ليتمكن من الرجوع فيها، و المعروف من كلام الأصحاب و عليه تدل ظواهر الآية و الأخبار الدالة على الرجوع إليها في الحيض و الطهر أن القول قول المرأة هنا و إن كان معه أصالة بقاء العدة و استصحاب حكم الزوجية، إلا أنك قد عرفت أن دليل تقديم قولها أقوى، للآية و الرواية، و هي مقدمة على دليل الاستصحاب و إن كان حجة في هذا الباب، لأن مرجعه إلى الاستناد إلى عموم الدليل و إطلاقه.
بقي الكلام في النفقة في المدة الزائدة على تقدير دعواه، فمقتضى ما ادعته أنها لا تستحق فيها نفقة لخروجها من العدة، فإن كان قد دفعها إليه لم يرجع بها، لأنه معترف باستحقاقها لذلك، فليس له انتزاعها، و إن لم يكن دفعها لم يكن لها المطالبة بها لاعترافها بعدم الاستحقاق.
409
قال في المسالك بعد ذكر نحو ذلك: و يحتمل جواز أخذها منها في الأول لما تقدم من أن شرط استحقاق المطلقة رجعيا النفقة بقاؤها على الطاعة كالزوجة، و بادعائها البينونة لا يتحقق التمكين من طرفها، فلا تستحق نفقة على القولين، فله المطالبة بها حينئذ، فلا يكون كالمال الذي لا يدعيه أحد لأن مالكه هنا معروف، و يمكن الفرق بين عدم التمكين المستند إلى دعوى البينونة و بينه على تقدير الاعتراف ببقاء العدة بالنسبة إليه، لأنها بزعمها ليست ناشزا في الأول بخلاف الثاني، و الأجود الأول، انتهى.
المقام الثالث: في المسترابة
، و هي المسترابة الحيض أو الحمل، و تسمى ذات الشهور، و ما يلحق بذلك من الأحكام، و فيه بحوث:
[البحث] الأول: في المسترابة بالحيض
، و هي التي لا تحيض مع كونها في سن من تحيض، فإنها تعتد من الطلاق و الفسخ- و في معناهما وطء الشبهة- بثلاثة أشهر إذا كانت حرة تحت عبد أو حر، و لا فرق عندهم في كون انقطاع حيضها خلقيا أو لعارض من حمل أو إرضاع أو مرض، فإنها تعتد بالأشهر الثلاثة لظاهر عموم قوله عز و جل «وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسٰائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلٰاثَةُ أَشْهُرٍ وَ اللّٰائِي لَمْ يَحِضْنَ» (1) أي فعدتهن كذلك.
قال في كتاب مجمع البيان (2) للطبرسي «وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسٰائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ» فلا تدرون لكبر ارتفع حيضهن أم لعارض «فَعِدَّتُهُنَّ ثَلٰاثَةُ أَشْهُرٍ» و هن اللواتي أمثالهن يحضن، لأنهن لو كن في سن من لا تحيض لم يكن للارتياب معنى، و هذا هو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام)،.
انتهى.
____________
(1) سورة الطلاق- آية 4.
(2) مجمع البيان ج 1 ص 306.
410
و على هذا فالريبة تتحقق بأن تكون في سن من تحيض و لا تحيض، أما من لا تحيض مثلها فلا ريبة فيها، و حينئذ فيحمل قوله تعالى «وَ اللّٰائِي لَمْ يَحِضْنَ» على من كان انقطع الحيض عنها خلقة و طبيعة، و الظاهر أن المراد من اليأس من الحيض في الآية ليس ما يتبادر من ظاهر اللفظ، بل المراد منه أن ينقطع عنها الدم ثلاثة أشهر فصاعدا، فإن الاعتداد بالأشهر هو و الذي سيقت له الآية إنما يترتب على ما قلناه لا على اليأس منه بالكلية، إذ لا عدة على اليائس.
و ينبغي أن يعلم أن ظاهر الآيات و الأخبار أن الأصل في عدة الحامل الأقراء و أما الاعتداد بالأشهر فإنما هو لفقد الأقراء، قال عز و جل «وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ» و قال سبحانه «وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسٰائِكُمْ» إلى قوله «وَ اللّٰائِي لَمْ يَحِضْنَ» فاشترط في اعتدادهن بالأشهر فقد الأقراء من حيث عدم الحيض.
و أما الأخبار الواردة في المقام فهي مستفيضة، و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) في الحسن أو الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «أمران أيهما سبق بانت به المطلقة المسترابة تستريب الحيض إن مرت بها ثلاثة أشهر بيض ليس فيها دم بانت به، و إن مرت بها ثلاثة حيض ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض.
قال ابن أبي عمير: قال جميل: و تفسير ذلك إن مرت ثلاثة أشهر إلا يوما فحاضت، ثم مرت بها ثلاثة أشهر إلا يوما فحاضت، ثم مرت بها ثلاثة أشهر إلا يوما فحاضت، فهذه تعتد بالحيض على هذا الوجه و لا تعتد بالشهور، و إن مرت ثلاثة أشهر بيض لم تحض فيها فقد بانت».
و ما رواه
في الكافي (2) عن زرارة في الموثق عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «أي
____________
(1) الكافي ج 6 ص 98 ح 1، التهذيب ج 8 ص 118 ح 8، الوسائل ج 15 ص 411 ب 4 ح 5، و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 100 ح 9، التهذيب ج 8 ص 118 ح 7، الوسائل ج 15 ص 411 ب 4 ح 3، و ما في المصادر اختلاف يسير.
411
الأمرين سبق إليها فقد انقضت عدتها، إن مرت بها ثلاثة أشهر لا ترى فيها دما فقد انقضت عدتها، و إن مرت ثلاثة أقراء فقد مضت عدتها».
و عن الحلبي (1) في الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا ينبغي للمطلقة أن تخرج إلا بإذن زوجها حتى تمضي عدتها ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر إن لم تحض».
و عن داود بن سرحان (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عدة المطلقة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر إن لم تكن تحيض».
و عن محمد بن مسلم (3) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «في التي تحيض في كل ثلاثة أشهر مرة أو في ستة أو في سبعة أشهر، و المستحاضة التي لم تبلغ الحيض و التي تحيض مرة و ترتفع مرة و التي لا تطمع في الولد و التي قد ارتفع حيضها و زعمت أنها لم تيأس و التي ترى الصفرة من حيض ليس بمستقيم، فذكر أن عدة هؤلاء كلهن ثلاثة أشهر».
و عن أبي العباس (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته بعد ما ولدت و طهرت و هي امرأة لا ترى دما ما دامت ترضع، ما عدتها؟ قال:
ثلاثة أشهر».
أقول: و قد اشتركت هذه الأخبار في الدلالة على ما أشرنا إليه آنفا من أن الاعتداد بالأشهر إنما هو مع عدم إمكان حصول الأقراء، و أنه مع إمكان حصول الأقراء فأيهما سبق اعتدت به، و به يظهر أن المراد باليأس في الآية الذي رتب عليه الاعتداد بالأشهر إنما هو انقطاع الدم ثلاثة أشهر فصاعدا كما تقدم ذكره، و عليه دلت الأخبار.
بقي هنا شيء و هو أن ظاهر حسنة زرارة أو صحيحته و هي المتقدمة في
____________
(1) الكافي ج 6 ص 89 ح 1، الوسائل ج 15 ص 434 ب 18 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 90 ح 2، الوسائل ج 15 ص 422 ب 12 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 99 ح 5، الوسائل ج 15 ص 410 ب 4 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 99 ح 7، الوسائل ج 15 ص 410 ب 4 ح 6.
412
صدر هذه الروايات أنه متى مرت بها ثلاثة أشهر بيض قبل الثلاث حيض تعتد بها، و متى مرت بها ثلاثة حيض لم يتخلل بينها ثلاثة أشهر بيض اعتدت بها.
و ربما يستفاد منها الاكتفاء بثلاثة أشهر بيض و إن تخللت بين الحيضتين، و لا تتخصص بالسبق كما يعطيه ظاهر كلام الأصحاب، إلا أن فيه ما سيأتي التنبيه عليه إن شاء الله.
و حينئذ فلو فرض أن حيضها إنما يكون فيما زاد ثلاثة أشهر و لو ساعة و طلقت في أول الطهر فمضت الثلاثة من غير أن ترى الدم فيها اعتدت بالأشهر، و لو فرض كونها معتادة الحيض في آخر كل ثلاثة بحيث لم تسلم لها ثلاثة أشهر بيض لم تعتد بالأشهر.
و استشكل ذلك في المسالك (1) بعد ذكر نحو ما ذكرناه قال: و يشكل على هذا بما لو كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة أشهر مثلا مرة، فإنه على تقدير طلاقها في أول الطهر أو ما قاربه بحيث يبقى له منه ثلاثة أشهر بعد الطلاق تنقضي عدتها بالأشهر كما تقرر، لكن لو فرض طلاقها في وقت لا يبقى من الطهر ثلاثة أشهر تامة كان اللازم من ذلك اعتدادها بالأقراء، فربما صارت عدتها سنة و أكثر على تقدير وقوع الطلاق في وقت لا يتم بعده ثلاثة أشهر بيضا، و الاجتزاء بالثلاثة على تقدير سلامتها، فتختلف العدة باختلاف الطلاق الواقع بمجرد الاختيار مع كون المرأة من ذوات العادة المستقرة في الحيض، و يقوى الاشكال لو كانت لا ترى الدم إلا في كل سنة أو أزيد، فإن عدتها بالأشهر على المعروف في النص و الفتوى و مع هذا فيلزم مما ذكروه هنا من القاعدة أنه لو طلقها في وقت لا يسلم بعد الطلاق ثلاثة أشهر أن تعتد بالأقراء و إن طال زمانها، و هذا بعيد مناف لما قالوه من أن أطول عدة تفرض عدة المسترابة و هي سنة أو تزيد ثلاثة أشهر كما سيأتي. و لو قيل بالاكتفاء بثلاثة أشهر إما مطلقا أو بيضا كما لو خلت من الحيض ابتداء كان
____________
(1) مسالك الافهام ج 2 ص 38.
413
حسنا، انتهى كلامه.
أقول: الظاهر عندي في الجواب عن هذا الإشكال الذي عرض له- رحمة الله عليه- في هذا المجال هو أن المتبادر من المعتادة كما تقدمت الإشارة إليه في الموضع الثاني من سابق هذا المقام هي من كانت الحيض يأتيها على عادة نسائها و أمثالها في كل شهر مرة، فإن هذا الفرد هو الغالب المتكرر المتكثر دون من تعتاد ذلك في كل أربعة أشهر أو خمسة أو أزيد، فإن ذلك من الفروض النادرة، و قد عرفت في غير مقام أن من القواعد المقررة بينهم حمل إطلاق الأخبار على الأفراد الشائعة المتكررة، فإنها هي التي ينصرف إليها الإطلاق دون الفروض النادرة، و حينئذ فجميع من ذكره من هذه الفروض النادرة إنما يعتددن بالأشهر خاصة، و تخرج صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة شاهدة على ذلك حيث عد ممن يعتددن بالأشهر من تحيض في كل ثلاثة أشهر مرة أو في ستة أو في سبعة.
أقول: و نحوها ما زاد على ذلك، فإن ما ذكره (عليه السلام) إنما خرج مخرج التمثيل، و من ثم إنه نقل في المسالك عن المصنف و العلامة في كتبه أن من كانت لا تحيض إلا في كل خمسة أشهر أو ستة أشهر عدتها بالأشهر و أطلق، و زاد في التحرير: أنها متى كانت لا تحيض في كل ثلاثة أشهر فصاعدا تعتد بالأشهر و لم تعتد بفروض الحيض في أثنائها كما فرضناه، ثم نقل صحيحة محمد بن مسلم المذكورة و قال بعدها: و هي تؤيد ما ذكرناه، انتهى.
و بالجملة فإن المعتادة التي حكمها التحيض بالأقراء هي التي تعتاد الحيض في كل شهر مرة، و في معناها من تعتاد الحيض فيما دون الثلاثة، و على هذا فلو كانت تعتاد الحيض في كل أربعة أشهر مرة مثلا و طلقت في وقت لا يسلم لها ثلاثة أشهر بيض فإنها تعتد بالأشهر، و تحسب مبدأ الثلاثة الأشهر من طهرها من الحيض الذي عرض لها بعد الطلاق حتى يكمل الثلاثة.
بقي الإشكال هنا فيمن تحيض في كل ثلاثة أشهر مرة، فإن ظاهر كلامه
414
الاكتفاء بها في الخروج من العدة كما أشار إليه بقوله «و لو قيل. إلخ» و مما يؤيد ما ذكره من الاكتفاء بثلاثة أشهر مطلقا يعني و إن لم يكن بيضا صحيحة محمد بن مسلم الدالة على أن من تحيض في كل ثلاثة أشهر مرة فإنها تعتد بالشهور.
و نحوها
صحيحة أبي مريم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «عن الرجل كيف يطلق امرأته و هي تحيض في كل ثلاثة أشهر حيضة واحدة؟ فقال: يطلقها تطليقة واحدة في غرة الشهر، فإذا انقضت ثلاثة أشهر من يوم طلقها فقد بانت منه، و هو خاطب من الخطاب».
إلا أن ظاهر صحيحة زرارة (2) المتقدمة الاعتداد في هذه الصورة بالأقراء كما عرفته من تفسير جميل للرواية المذكورة، و لهذا أن السيد السند في شرح النافع حمل الروايتين الأولتين على من تحيض بعد الثلاثة الأشهر و لا يخفى بعده، فإن مفاد لفظة «في» هو الظرفية و كون الحيض في أثناء الثلاثة لا بعدها.
و مثل الروايتين أيضا
رواية أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في المرأة يطلقها زوجها و هي تحيض في كل ثلاثة أشهر حيضة، فقال: إذا انقضت ثلاثة أشهر انقضت عدتها، تحسب بها لكل شهر حيضة».
و ظاهر هذه الروايات كما ترى هو أن من كانت عادتها في الحيض في كل ثلاثة أشهر فإنها تعتد بالأشهر، و لا قائل به من الأصحاب بل ظاهرهم الاتفاق على اعتدادها بالأقراء كما تقدم في كلام جميل في ذيل صحيحة زرارة، و هو ظاهر الصحيحة المذكورة و غيرها، و لكن هذه الأخبار كما ترى على خلافه. و ما تأولوها به مما قدمنا نقله عن السيد السند و كذا كما يأتي من تأويل الشيخ بعيد غاية البعد، إلا أن الأوفق
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 120 ح 13، الوسائل ج 15 ص 423 ب 13 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 98 ح 1.
(3) التهذيب ج 8 ص 120 ح 12، الوسائل ج 15 ص 410 ب 4 ح 2.
415
بالقواعد هو ما عليه الأصحاب.
و قد وقع نحو ذلك من الإشكال أيضا فيمن تعتاد الحيض في كل خمسة أشهر أو ستة أشهر مثلا مرة واحدة، فإن المفهوم من كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف أنها تعتد بالأشهر لحصول ثلاثة أشهر بيض في تلك المدة فتخرج بها من العدة، و عليه تدل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة و صحيحة زرارة أو حسنته المتقدمة أيضا و غيرهما. و أولى بالحكم المذكور منهما ما لو كانت تحيض في كل سنة أو سنتين مرة، فإنها تعتد بالأشهر أيضا.
و يدل على ذلك ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن زرارة قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التي لا تحيض إلا في ثلاث سنين أو أربع سنين، قال: تعتد ثلاثة أشهر ثم تزوج إن شاءت».
إلا أنه قد ورد بإزائها من الأخبار ما يدل على اعتدادها بالأقراء كما رواه
في التهذيب (2) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في التي لا تحيض إلا في ثلاث سنين أو أكثر من ذلك، قال: تنتظر مثل قروئها التي كانت تحيض إلا في استقامتها، و لتعتد ثلاثة قروء و تزوج إن شاءت».
و عن الغنوي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال «في المرأة التي لا تحيض إلا في ثلاث سنين أو خمس سنين، قال: تنتظر مثل قروئها التي كانت تحيض فلتعتد ثم تزوج إن شاءت».
و عن أبي الصباح (4) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن التي لا تحيض إلا في
____________
(1) لم نعثر عليه في الكافي، الفقيه ج 3 ص 332 ح 5، التهذيب ج 8 ص 121 ح 16، الوسائل ج 15 ص 413 ب 4 ح 11.
(2) التهذيب ج 8 ص 121 ح 18، الوسائل ج 15 ص 414 ب 4 ح 14 و ليس فيهما «تنتظر» مع اختلاف يسير.
(3) التهذيب ج 8 ص 122 ح 21، الوسائل ج 15 ص 415 ب 4 ح 19 و فيهما «تنتظر» مع اختلاف يسير.
(4) التهذيب ج 8 ص 122 ح 19، الوسائل ج 15 ص 414 ب 4 ح 15 و فيهما «تنتظر» مع اختلاف يسير.
416
ثلاث سنين، قال: تنتظر مثل قروئها التي كانت تحيض في استقامتها، و لتعتد ثلاثة قروء ثم تزوج إن شاءت».
و هذه الأخبار حملها في الاستبصار على المستحاضة التي كانت لها عادة مستقيمة تغيرت عن ذلك فتعمل على عادتها السابقة المستقيمة، و حمل أخبار الأشهر على ما إذا لم تكن لها عادة بالحيض أو نسيت عادتها فإنها تعتد بالأشهر.
و في التهذيب حمل الجميع على من كانت لها عادة مستقيمة و كانت عادتها في كل شهر مرة، قال: و قد نبه (عليه السلام) بقوله «تحسب بها كل شهر حيضة على ذلك» يعني في خبر أبي بصير المتقدمة.
و كيف كان فالعمل على ما عليه الأصحاب و دلت عليه تلك الأخبار، و ترد هذه الأخبار إلى قائلها و هو أعلم بها.
البحث الثاني: في المسترابة بالحمل
، و هي التي ابتدأت العدة بالأشهر فرأت في الشهر الثالث أو قبله حيضا، فإن كملت لها ثلاثة قروء بأن حصل لها قرءان بعد الأول و هو السابق على الدم فإنه محسوب بقرء كما تقدم، و لو أزيد من ثلاثة أشهر (1) اعتدت بها و إن تأخرت الحيضة الثانية أو الثالثة فقد استرابت بالحمل.
و قد اختلف الأصحاب على قولين: أحدهما- و هو اختيار ابن إدريس و المحقق و هو الذي عليه الأكثر-: أنها تصير مدة يعلم بها براءة رحمها من الحمل و هي عندهم تسعة أشهر من حين الطلاق، لأنها أقصى الحمل على المشهور، فإن ظهر بها حمل اعتدت بوضعه، و إن لم يظهر بها حمل علم براءة رحمها و اعتدت بعد التسعة بثلاثة أشهر.
____________
(1) قوله «و لو أزيد من ثلاثة أشهر» متعلق بقوله «فان كملت لها ثلاثة قروء».
(منه- (رحمه الله)-).
417
و الأصل في هذا الحكم ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن سورة بن كليب «قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته تطليقة على طهر من غير جماع طلاق السنة و هي ممن تحيض، فمضى ثلاثة أشهر فلم تحض إلا حيضة واحدة، ثم ارتفعت حيضتها حتى مضت ثلاثة أشهر أخرى، و لم تدر ما رفع حيضها، قال: إذا كانت شابة مستقيمة الطمث فلم يطمث في ثلاثة أشهر إلا حيضة ثم ارتفع طمثها فلا تدري ما رفعها فإنها تربص تسعة أشهر من يوم طلاقها، ثم تعتد بعد ذلك ثلاثة أشهر ثم تزوج إن شاءت».
و اعترض هذا الخبر في المسالك و مثله سبطه السيد السند في شرح النافع (أولا) بضعف السند.
و (ثانيا) بأنها مخالفة للأصل في اعتبار الحمل بتسعة أشهر من حين الطلاق فإنه لا يطابق شيئا من الأقوال في أقصى الحمل، لأن مدته معتبرة من آخر وطء يقع بها لا من حين الطلاق، فلو فرض أنه كان معتزلا لها أزيد من ثلاثة أشهر تجاوزت مدته أقصى الحمل على جميع الأقوال، فقد يكون أزيد من شهر فيخالف القولين بالتسعة و العشرة.
(و ثالثا) أن اعتدادها بثلاثة أشهر بعد العلم ببراءتها من الحمل غير مطابق لما سلف من الأصول لأنه مع طرو الحيض قبل تمام الثلاثة- إن اعتبرت العدة بالأقراء و إن طالت كما يقتضيه الضابط السابق- لم يتم الاكتفاء بالثلاثة، و إن اعتبر خلو ثلاثة أشهر بيض بعد النقاء فالمعتبر بعد العلم بخلوها من الحمل حصول الثلاثة كذلك و لو قبل العلم، لأن عدة الطلاق لا يعتبر فيها القصد إليها بخصوصها، بل لو مضت المدة و هي غير عالمة بالطلاق كفت، فكذلك هنا.
(و رابعا) أن المستفاد من الأخبار الصحيحة الاكتفاء بمضي ثلاثة أشهر خالية من الحيض، فلو قيل بالاكتفاء بها مطلقا كان متجها، كذا صرح به في شرح النافع.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 119 ح 10، الوسائل ج 15 ص 423 ب 13 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
418
(و خامسا) أنه ليس في الرواية ما يدل على أنه لمكان الحمل بل في التقييد بالتسعة ما يشعر به، و في تقييدها بكونها من حين الطلاق ما قد يقتضي خلافه.
أقول- و به سبحانه التوفيق لإدراك كل مأمول و نيل كل مسؤول-: إنه لا يخفى أنه
قد روى ثقة الإسلام في الكافي (1) عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال: «سمعت أبا إبراهيم (عليه السلام) يقول: إذا طلق الرجل امرأته فادعت حبلا انتظر تسعة أشهر، فإن ولدت و إلا اعتدت بثلاثة أشهر ثم قد بانت منه».
و عن محمد بن حكيم (2) في الموثق عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قلت له: المرأة الشابة التي تحيض مثلها يطلقها زوجها و يرتفع حيضها، كم عدتها؟ قال: ثلاثة أشهر قلت: فإنها ادعت الحبل بعد الثلاثة أشهر، قال: عدتها تسعة أشهر، قلت: فإنها ادعت الحبل بعد التسعة أشهر، قال: إنما الحبل تسعة أشهر، قلت: تزوج؟ قال:
تحتاط بثلاثة أشهر، قلت: فإنها ادعت بعد ثلاثة أشهر، قال: لا ريبة عليها تزوجت إن شاءت».
و عن محمد بن حكيم (3) أيضا في الموثق عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: «قلت له:
المرأة الشابة التي تحيض مثلها يطلقها زوجها فيرتفع طمثها، ما عدتها؟ قال:
ثلاثة أشهر قلت: جعلت فداك فإنها تزوجت بعد ثلاثة أشهر فتبين لها بعد ما دخلت على زوجها أنها حامل، قال: هيهات من ذلك يا ابن حكيم، رفع الطمث ضربان: إما فساد من حيض فقد حل له الأزواج و ليس بحامل، و إما حامل فهو يستبين في ثلاثة أشهر لأن الله تعالى قد جعله وقتا يستبين منه الحمل، قال: قلت:
فإنها ارتابت بعد ثلاثة أشهر، قال: عدتها تسعة أشهر، قلت: فإنها ارتابت بعد تسعة أشهر، قال: إنما الحمل تسعة أشهر، قلت: فتزوج؟ قال: تحتاط بثلاثة
____________
(1) الكافي ج 6 ص 101 ح 1، الوسائل ج 15 ص 442 ب 25 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 101 ح 2، الوسائل ج 15 ص 442 ب 25 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 6 ص 101 ح 4، الوسائل ج 15 ص 442 ب 25 ح 4 و فيهما اختلاف يسير.
419
أشهر، قلت: فإن ارتابت بعد ثلاثة أشهر؟ قال: ليس عليها ريبة، تزوج».
و ما رواه
محمد بن حكيم (1) أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أو أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل طلق امرأته، فلما مضت ثلاثة أشهر ادعت حبلا، فقال: ينتظر بها تسعة أشهر، قال: قلت: فإنها ادعت بعد ذلك حبلا، فقال: هيهات هيهات إنما يرتفع الطمث من ضربين: إما حمل بين، و إما فساد من الطمث، و لكنها تحتاط بثلاثة أشهر بعد» الحديث.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام في هذا المقام يقع في مواضع:
الأول: أنه لا يخفى على المتأمل في هذه الروايات أن الاعتداد بتسعة أشهر ثم ثلاثة بعدها حكم المسترابة بالحمل، فإنه لا فرد هنا سواها يثبت له هذا الحكم اتفاقا نصا و فتوى، و رواية سورة المذكورة و إن لم يصرح فيها بالاسترابة كما في الروايات التي نقلها، إلا أن إطلاقها محمول على ما صرحت به هذه الأخبار لما عرفت من الاتفاق نصا و فتوى في أنه ليس هنا فرد يثبت له هذا الحكم غير المسترابة بالحمل.
و حينئذ فجميع ما أوردوه على الرواية المتقدمة يجري في هذه الأخبار لاشتراك الجميع في محل هذه الإيرادات، و لا فرق بين ما نقلناه من هذه الروايات و بين رواية سورة إلا من حيث إن الاسترابة مستندة في هذه الأخبار إلى دعوى المرأة الحبل، و في تلك الرواية إلى رؤية الدم مرة أو مرتين و انقطاعه، و إلا فالجميع مشترك في حصول الاسترابة، و أن حكمها هو ما ذكره في هذه الأخبار، و الظاهر أن الذي حملهم على هذه الإيرادات هو ضعف سند الرواية و عدم المعاضد لها فيما دلت عليه.
و قد عرفت مما نقلناه من هذه الأخبار التي فيها الصحيح باصطلاحهم و الموثق و تعدد الخبر بذلك أن ذلك غير مختص برواية سورة، بل هو جار في جميع هذه
____________
(1) الكافي ج 6 ص 102 ح 5، الوسائل ج 15 ص 443 ب 25 ح 5 و فيهما اختلاف يسير.
420
الأخبار، و حينئذ فردها جميعا بهذه التشكيكات و الإيرادات من غير مخالف في البين من الأخبار و لا من علمائنا الأبرار إلا الشاذ النادر غير ملتفت إليه، بل لا يخلو من الرد على الشارع و الجرأة عليه، و الواجب العمل بها و تطبيقها على الأصول و القواعد المقررة كما سيظهر لك إن شاء الله.
الثاني: أن ما ذكره من الطعن في الرواية بضعف السند- و هذا الإيراد من خصوصيات سبطه السيد السند- ففيه ما عرفت في غير موضع مما تقدم أنه غير مرضي و لا معتمد، أما (أولا) فلانجبار ضعفها بشهرة العمل بها بين الأصحاب، و أما (ثانيا) فلاعتضادها بما ذكره من الأخبار، فإن الحكم بما تضمنته غير منحصر فيها كما عرفت.
الثالث: ما ذكروه من مخالفة الرواية للأصل في اعتبار الحمل تسعة أشهر من حين الطلاق، فإن فيه أن غاية ما تدل عليه الرواية المذكورة أنها تربص تسعة أشهر من يوم طلقها، و لا تعرض فيها لكون ذلك مدة الحمل، و مثلها الروايات المذكورة، على أن موثقتي ابن حكيم (1) قد صرحتا بكون هذه التسعة عدة لها، و لا يخفى أن من شأن العدة أن يكون مبدؤها بعد الطلاق.
نعم صرح في الموثقتين المذكورتين بأنها بعد الاعتداد تسعة أشهر لا تكون مسترابة لأن أقصى الحمل تسعة أشهر، و قد حصلت، و لكن هذا لا يستلزم ما ذكره لجواز أن يكون المراد أنه لما مضت لها تسعة أشهر من حين الطلاق و اعتدت بها فإنه لا استرابة عليها لحصول أقصى مدة الحمل، بمعنى أن عدتها وقعت بما هو أقصى الحمل، فلا ريبة، غاية الأمر أن العدة الشرعية لها هنا قد وقعت بما هو أقصى الحمل و إن كان ذلك زائدا على مدة أقصى الحمل متى اعتبر من بعد الوطء.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 101 ح 2 و 4.
421
و بالجملة فالغرض من ذكر التسعة بيان الاعتداد بها، و أنها تخرج بها و إن استلزم حصول أقصى الحمل بذلك، فلا إشكال بحمد الله المتعال (1).
الرابع: ما ذكره بقوله «إن اعتدادها بثلاثة أشهر بعد العلم ببراءتها من الحمل فإن فيه أن براءة الرحم بعد التسعة كما تضمنته الأخبار المذكورة لا ينافيه وجوب الاعتداد بعدها بالثلاثة الأشهر حتى أنه ينسب إلى مخالفة الأصول، فإنه لا يخفى على الماهر المتأمل في العلل الواردة في الأخبار أنها ليست عللا حقيقة يدور المعلول مدارها وجودا و عدما، و على تقدير كونها كذلك في بعض الموارد فإنه لا يجب اطرادها، و كون ذلك حكما كليا. ألا ترى أنه قد ورد النص بأن مشروعية العدة للعلم ببراءة الرحم من الحمل، مع أنه لو طلق زوجته أو مات عنها بعد عشرين سنة لم يقربها فيها بالكلية لو جبب عليها العدة في الموضعين المذكورين.
و حينئذ فتصريح الأخبار هنا بوجوب الاعتداد ثلاثة أشهر لا ينافيه معلومية براءة الرحم بمضي التسعة، كما أنه لا منافاة بين وجوب العدة فيما فرضناه مع
____________
(1) أقول: و بذلك يظهر ما في كلام شيخنا الشهيد الثاني في حواشيه على الروضة من أن التربص تسعة غير مروي لكن عليه أكثر الأصحاب و العمل به أقوى. إلخ، و هو عجيب من مثله- (قدس سره)- مع نقله في المسالك [مسالك الافهام ج 2 ص 38] رواية سورة بن كليب دليلا للقول بالتسعة، و ان اعترضها بما نقلناه عنه من الوجوه المذكورة في الأصل.
و مع قطع النظر عنها فهذه الروايات التي نقلناها ظاهرة في التربص تسعة أيضا، و لعل ما ذكره من إنكار النص بذلك مبنى على ما مر منه في المسألة في الأصل و هي من رأت الدم في الأشهر الثلاثة مرة أو مرتين ثم احتبس، و أن رواية سورة ضعيفة، فهي في حكم العدم إلا أنك قد عرفت مما ذكرناه في الأصل أن مرجع رواية سورة الى ما دلت عليه الاخبار المذكورة و ان اختلف وجه الاسترابة بأن استند الى تخلف الحيض كما في رواية سورة أو ادعاء المرأة الحبل كما في تلك الروايات، و أن حكم المسترابة بأي نحو كانت هو ما ذكر من الاعتداد بالتسعة ثم الثلاثة. (منه- (قدس سره)-).
422
معلومية براءة الرحم بمدة تلك العشر السنين.
و أما ما ذكروه من أنه مع طرو الحيض قبل تمام الثلاثة إن اعتبرت العدة بالأقراء. إلخ فإن لقائل أن يقول: إن إطلاق الأخبار المذكورة يقتضي الاجتزاء بالثلاثة مطلقا بيضا كانت أم مشتملة على الحيض، لأنها قد خرجت من العدة بالتسعة، و إنما هذه الثلاثة لمزيد الاحتياط في البراءة من الحمل و هو حاصل بالثلاثة بيضا كانت أم لا.
على أنك قد عرفت في البحث الأول ورود جملة من الأخبار الدالة على أن من كان عادتها الحيض في كل ثلاثة أشهر مرة فإنها تعتد بها، و إن لم يوافق ذلك مقتضى قواعدهم، و إليه أشار في المسالك كما قدمنا ذكره، و قد عرفت بعد ما تأولها به فليكن الحكم في هذه الصورة، كذلك إذا اقتضته الأخبار بل هو أولى (1) مما دلت عليه تلك الأخبار و إن لم يوافق قواعدهم.
الخامس: أن ما ذكره في شرح النافع من أن المستفاد من الأخبار الصحيحة الاكتفاء بمضي ثلاثة أشهر خالية من الحيض. إلخ فإن فيه أن الظاهر من تلك الأخبار و إن تفاوتت ظهورا و خفاء أن المراد إنما هو بعد الطلاق، بمعنى أن أي الأمرين سبق من ثلاثة أشهر بيض أو الأقراء الثلاثة فقد بانت به، للاتفاق نصا و فتوى، على أنه متى تمت ثلاثة أشهر بيض بعد الطلاق فإنها تخرج من العدة إلا أن تدعي حبلا كما دلت عليه روايات محمد بن حكيم، أما لو عرض لها الحيض قبل تمام الثلاثة و لم يحصل بها ثلاثة أقراء متوالية فإنها تكون حينئذ مسترابة.
ففي موثقة جميل (2) عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «أي الأمرين
____________
(1) و بيان وجه الأولوية أنه إذا صح الاعتداد بالثلاثة الأشهر المشتملة على الحيض كما دلت عليه الاخبار المشار إليها فالاعتداد بهذه الثلاثة التي إنما زيدت احتياطا، و الا فالعدة الموجبة للخروج لو حصلت بالتسعة أولا أولى بالصحة، و هو ظاهر. (منه- (قدس سره)-).
(2) الرواية المنقولة ليست بموثقة جميل بل هي موثقة زرارة التي سيرويها المصنف بعد سطور، أما موثقة جميل فليست بهذه العبارة، راجع: الكافي ج 6 ص 98 ح 1، التهذيب ج 8 ص 68 ح 145 و ص 118 ح 8، الوسائل ج 15 ص 411 و 414 ب 4 ح 5 و 12.
423
سبق إليها فقد انقضت عدتها، إن مرت بها ثلاثة أشهر لا ترى فيها دما فقد انقضت عدتها، و إن مضت ثلاثة أقراء فقد انقضت عدتها».
و في رواية أبي مريم (1) «فإن انقضت ثلاثة أشهر من يوم طلقها فقد بانت منه».
و في موثقة زرارة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «أي الأمرين سبق إليها فقد انقضت عدتها، إن مرت بها ثلاثة أشهر لا ترى فيها دما فقد انقضت عدتها، و إن مرت بها ثلاثة أقراء فقد انقضت عدتها».
و المراد بالسبق يعني بعد الطلاق، بمعنى أن أيهما تقدم على الآخر فقد حصلت به البينونة، و إلا فحصول الثلاثة البيض بعد تقدم الدم مرة أو مرتين غير مجد و لا موجب للخروج من العدة لحصول الاسترابة بالحمل كما دلت عليه رواية سورة (3) فإنها قد تضمنت أنه بعد حصول حيضة لها في الثلاثة الأشهر الأول انقطع الدم عنها ثلاثة أشهر أخرى، و قد حكم (عليه السلام) عليها بالاسترابة، و أن تعتد بالتسعة و لم يلتفت إلى تلك الثلاثة البيض التي مرت بعد تلك الثلاثة التي فيها الدم.
نعم في صحيحة زرارة أو حسنته المتقدمة ما يوهم ذلك كما تقدمت الإشارة إليه إلا أن المفهوم من كلام الأصحاب إنما هو ما ذكرناه.
و يمكن الجواب عن الرواية المذكورة بأن غاية ما تدل عليه بالمفهوم هو أنه إن مرت بها ثلاث حيض و كان بينها ثلاثة أشهر فإنها لا تعتد بالأقراء.
و أنت خبير بأنه لا يلزم من عدم اعتدادها بتلك الثلاثة الأشهر البيض
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 120 ح 13، الوسائل ج 15 ص 423 ب 13 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 100 ح 9، التهذيب ج 8 ص 118 ح 7، الوسائل ج 15 ص 411 ب 4 ح 3 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(3) التهذيب ج 8 ص 119 ح 10، الوسائل ج 15 ص 423 ب 13 ح 2.
424
لجواز أن يرجع حكمها إلى المسترابة كما قلنا، فتعتد بتسعة أشهر ثم الثلاثة كما دل عليه خبر سورة.
و بالجملة فإن عدم الاعتداد بالأقراء أعم من الاعتداد بتلك الثلاثة الأشهر البيض المفروضة، و من الانتقال إلى حكم المسترابة الذي نحن فيه كما هو ظاهر، و حينئذ فلا منافاة في الرواية لما تدعيه (1) السادس: ما ذكروه من أنه ليس في الرواية ما يدل على أنه لمكان الحمل.
إلخ، و الظاهر أن المراد بهذا الكلام الرد على الأصحاب فيما ذكروه من الاستدلال بالرواية على ما ادعوه مما قدمنا ذكره من أنها إذا حاضت في الثلاثة الأول ثم احتبست الحيضة الثانية أو الثالثة فقد استرابت بالحمل.
فاعترضوهم بأنه ليس في الرواية ما يدل على مكان الحمل و إن أشعر به التقييد بالتسعة، إلا أنه يخالفه التقييد بكون التسعة من حين الطلاق.
و فيه ما عرفت آنفا من أنه و إن كان الأمر كما ذكروه بالنسبة إلى هذه الرواية إلا أنه بانضمام ما قدمناه من الأخبار الواردة في هذه المسألة معتضدة باتفاق كلمة الأصحاب فإنه يعلم أن الاعتداد بالتسعة ثم الثلاثة بعدها إنما هو في المسترابة لا غير، و أما المنافاة التي أشار إليها فقد عرفت الجواب عنها في الموضع الثالث.
و بالجملة فإنه بعد ورود هذه الأخبار التي ذكرناها متضمنة إلى رواية سورة التي اعترضوها بهذه الوجوه لا ينبغي الالتفات إلى ما ذكروه، لجريان ما ذكروه في الأخبار المذكورة كملا وردها بهذه التخريجات العقلية مع وضوحها في الدلالة و عدم المعارض مما لا يتجشمه محصل.
الثاني من القولين المتقدمين: أنها تصبر سنة لأنها أقصى مدة الحمل، فإن ظهر بها
____________
(1) أقول: و بذلك يظهر ما في كلام الفاضل الخراساني في الكفاية [كفاية الأحكام ص 204] تبعا للسيد السند المذكور حيث قال في الكفاية: و المستفاد من صحيحة زرارة الاكتفاء بثلاثة أشهر بيض و ان تخلل بين الحيضتين فالقول به متجه، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
425
حمل اعتدت بوضعه، و إن مرت الأقراء الثلاثة بها ضمن هذه المدة اعتدت بها، و إلا اعتدت بثلاثة أشهر بعد كمال السنة إن لم يتم الأقراء في أثنائها.
و على هذا القول يدل ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن عمار الساباطي في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن رجل عنده امرأة شابة و هي تحيض كل شهرين أو ثلاثة أشهر حيضة واحدة، كيف يطلقها زوجها؟ فقال: أمرها شديد، تطلق طلاق السنة تطليقة واحدة على طهر من غير جماع بشهود، ثم يترك حتى تحيض ثلاث حيض متى حاضت، فإذا حاضت ثلاثا فقد انقضت عدتها، قيل له:
و إن مضت سنة و لم تحض فيها ثلاث حيض؟ فقال: يتربص بها بعد السنة ثلاثة أشهر، ثم قد انقضت عدتها، قيل: فإن مات أو ماتت؟ فقال: أيهما مات ورثه صاحبه ما بينه و بين خمسة عشر شهرا».
و ظاهر الشيخ في النهاية الجمع بين رواية عمار المذكورة و رواية سورة ابن كليب بحمل الاولى على احتباس الدم الثالث فيجب عليها الصبر إلى سنة، و الثانية على احتباس الدم الثاني فتصبر إلى تسعة، ثم تعتد بثلاثة أشهر في كلا الحالتين.
قال- رحمة الله عليه- في كتاب النهاية (2): و إذا كانت المرأة مسترابة فإنها تراعى الشهور و الحيض، فإن مرت بها ثلاثة أشهر بيض لم تر فيها دما فقد بانت منه بالشهور، و إن مرت بها ثلاثة أشهر إلا يوما ثم رأت الدم كان عليها أن تعتد بالأقراء، فإن تأخرت عنها الحيضة الثانية فلتصبر من يوم طلقها إلى تمام التسعة أشهر، فإن لم تر دما فلتعتد بعد ذلك ثلاثة أشهر و قد بانت منه، فإن رأت الدم فيما بينها و بين التسعة أشهر ثانيا و احتبس عليها الدم الثالث فلتصبر تمام السنة ثم
____________
(1) الكافي ج 6 ص 98 ح 1، التهذيب ج 8 ص 119 ح 9، الوسائل ج 15 ص 422 ب 13 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) النهاية ص 532.
426
تعتد بعد ذلك بثلاثة أشهر تمام الخمسة عشر شهرا و قد بانت منه، و أيهما مات ما بينه و بين الخمسة عشر شهرا ورثه صاحبه، انتهى.
و في الاستبصار صرح بالعمل برواية سورة بن كليب، و حمل موثقة عمار على الفضل و الاستحباب بمعنى أن الأفضل لها أن تعتد إلى خمسة عشر شهرا.
و المحقق في الشرائع بعد أن نقل عن الشيخ في النهاية حمل رواية عمار على احتباس الدم الثالث، نسبة إلى التحكم، و هو القول بغير دليل.
و وجهه أن الخبر المذكور لا تعرض فيه لكون المحتبس هو الدم الثالث، بل غاية ما تضمنت أنها لم تحض في السنة ثلاث حيض أعم من أن تكون حاضت فيها مرة أو مرتين.
و اعتذر في ذلك للشيخ- رحمة الله عليه- عما أورد عليه بأن هذا التنزيل الذي ذكره في النهاية يوافق ظاهر الخبرين، قال: و لأنه قال في الخبر الأول- يعني خبر سورة- أنها لم تطمث في الثلاثة الأشهر إلا مرة ثم ارتفع حيضها، و هو صريح في احتباس الثانية و أوجب التربص تسعة أشهر. إلخ. و قال في الثاني: أنه انقضت سنة و لم تحض فيها ثلاث حيض، و هذا و إن كان شاملا لنفي الثانية أو الثالثة إلا أن طريق الجمع بينهما بحمله على احتباس الثالثة، و القرينة قوله «لم تحض فيها ثلاث حيض» فإنها لو لم تحض إلا مرة يقال لم تحض فيها حيضتين أو إلا حيضة، فهذا وجه مصير الشيخ إلى ما ذكره من التنزيل.
ثم اعترضه بأنه مع ذلك لا يسلم من التحكم، لأن الفرق بين احتباس الثانية و الثالثة لا مدخل له في هذه الأحكام، فإن احتمال الحمل يوجب فساد اعتبار الاثنتين كما يوجب فساد الواحدة، و أقصى الحمل مشترك بين جميع أفراد النساء بالتسعة أو السنة أو غيرهما، فالفرق بين جعل مدة التربص للعلم بالبراءة من الحمل تسعة تارة و سنة أخرى يرجع إلى التحكم، انتهى.
ثم قال: و على تقدير الاعتبار برواية عمار فيما ذكره الشيخ في الاستبصار
427
من الجمع أدخل في الحكم.
أقول: و إلى الجمع بما ذكره في الاستبصار مال في المختلف أيضا، و كيف كان فإن الظاهر عندي هو الاعتماد على رواية سورة في هذه المسألة لاعتضادها كما عرفت بالأخبار التي قدمناها حسبما أوضحناه من التحقيق المتقدم.
و بذلك يظهر لك ما في قوله في المسالك (1) «اعلم أن طريق الروايتين قاصر عن إفادة مثل هذا الحكم خصوصا رواية سورة، لكن الشهرة مرجحة لجانبها على قاعدتهم، و لو قيل بالاكتفاء بالتربص مدة يظهر فيها انتفاء الحمل كالتسعة من غير اعتبار مدة اخرى كان وجها» فإنه جيد بناء على التمسك بهذا الاصطلاح المحدث و عدم المراجعة لما أسلفناه من الأخبار، و إلا فمع ملاحظة الأخبار المذكورة سيما مع صحة سند بعضها و اعتبار الباقي منها و كثرتها فإنه لا مجال للتوقف في الحكم بالثلاثة بعد التسعة، و قد تقدم في كلام سبطه السيد السند الميل إلى الاكتفاء بالثلاثة الأشهر الخالية من الحيض، و قد عرفت ما فيه، و الحق كما عرفت هو وجوب الجميع كما عليه الأصحاب قديما و حديثا.
تنبيهان
الأول [اختصاص الحكم المذكور بالحرة]
لا يخفى أن ما ذكرنا من الحكم المذكور مخصوص بالحرة كما تقدمت الإشارة إليه في صدر البحث الأول، و يشير إليه الأمر بالاعتداد بثلاثة أشهر بعد التسعة أو السنة و مراعاة الأقراء الثلاثة، فلو كانت أمة اعتبر عدتها في الأمرين.
الثاني [في ما ذهب إليه الشهيد الثاني في الروضة]
قال شيخنا الشهيد الثاني في الروضة (2): و إطلاق النص و الفتوى يقتضي عدم الفرق بين استرابتها بالحمل و عدمه في وجوب التربص تسعة أو سنة ثم الاعتداد بعدها حتى لو كان زوجها غائبا عنها فحكمها كذلك، و إن كان ظاهر الحكم
____________
(1) مسالك الافهام ج 2 ص 39.
(2) شرح اللمعة ج 2 ص 136.
428
يقتضي اختصاصه بالمسترابة، ثم نقل عن المصنف أنه احتمل في بعض تحقيقاته الاكتفاء بالتسعة لزوجه الغائب محتجا بحصول مسمى العدة.
أقول: ما ذكره من إطلاق النص و الفتوى في إيجاب الاعتداد بالتسعة أو السنة ثم ثلاثة أشهر بعدهما و إن لم تكن مسترابة بالحمل عندي محل نظر.
أما النص فإنه و إن كان كذلك بالنظر إلى ظاهر روايتي سورة و عمار إلا أن المفهوم أن المستفاد من جملة من الأخبار (1) و منها روايات ابن حكيم المتقدمة أن انقطاع الحيض إما من فساد من الحيض أو حصول الحمل، فإنه يحصل العلم بالأمرين بمرور ثلاثة أشهر بيض، فإنها إن استرابت بالحمل صبرت إلى التسعة أو العشرة، و إلا انقضت عدتها بتلك الأشهر الثلاثة البيض لمعلومية كون ذلك من فساد في الحيض، و الغائب عنها زوجها كما فرضه لا يقوم فيها احتمال الحمل فلا تكون مسترابة، و يتعين أن يكون انقطاع دمها في تلك الثلاثة متى مرت بها ثلاثة أشهر بيض إنما هو لفساد في الحيض فتعتد بها و تخرج من العدة، و لا يجب عليها انتظار التسعة أشهر أو العشرة كما توهمه- رحمة الله عليه.
____________
(1) أقول: و الوجه في هذه الاخبار هو أن الحيض الطبيعي الذي جعله الله سبحانه في النساء كل شهر مرة كما دلت عليه جملة من الاخبار، منها
خبر أديم بن الحر [الكافي ج 3 ص 75 ح 1، الوسائل ج 3 ص 550 ب 9 ح 2] عن الصادق (عليه السلام) «أنه سمعه يقول:
ان الله تبارك و تعالى حد النساء في كل شهر مرة،.
و حينئذ فمتى احتبس الحيض ثلاثة أشهر فهو لا يكون الا عن مرض و فساد في الحيض أو من جهة الحمل، و متى انتفى احتمال الحمل بوجه من الوجوه تعين كونه من الفساد في الحيض، و الشارع لأجل ذلك قد جعل الثلاثة الأشهر البيض عوض ثلاث حيض كما صرح به (عليه السلام)
في رواية أبي بصير [الكافي ج 6 ص 99 ح 6، الوسائل ج 15 ص 410 ب 4 ح 2 و فيهما اختلاف يسير] «فقال: إذا انقضت عدتها يحسب لها بكل شهر حيضة».
و حينئذ فإذا مرت بها ثلاثة أشهر بيض بعد الطلاق مع عدم الاسترابة بالحمل تعين أن تكون عدتها تلك الثلاثة الأشهر البيض تقدمت أو تأخرت، و لا موجب للصبر الى بلوغ التسعة بوجه من الوجوه، و الله العالم. (منه- (قدس سره)-).
429
و من الروايات الدالة على ما ذكرنا زيادة على ما تقدم ما رواه
محمد بن حكيم (1) أيضا قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة يرتفع حيضها، فقال: ارتفاع الطمث ضربان: فساد من حيض و ارتفاع من حمل، فأيهما كان فقد حلت للأزواج إذا وضعت أو مرت بها ثلاثة أشهر بيض و ليس فيها دم».
و هي كما ترى ظاهرة بل صريحة في أنه مع العلم بعدم الحمل كما هو المفروض في كلامه بالنسبة إلى من غاب عنها زوجها فإنها تخرج من العدة بمرور ثلاثة أشهر بيض سواء كان من أول الأمر كما هو متفق عليه أو بعد ذلك كما فيما نحن فيه، لأنها بعد أن رأت الدم مرة أو مرتين ثم انقطع ثلاثة أشهر فصاعدا مع غيبة زوجها عنها فإنه لا استرابة بالحمل فيعلم أن ذلك لفساد في الحيض، فيكفي الثلاثة الأشهر في الخروج من العدة، لأنه (عليه السلام) في هذا الخبر قد حكم بأنه إذا مرت بها ثلاثة أشهر بيض مع معلومية عدم الحمل خرجت بها من العدة لمعلومية أن انقطاع الحيض إنما هو لفساد في الحيض دون احتمال الحمل، و مع معلومية الحمل فإنها تعتد بوضعه، و هو ظاهر.
و على هذا فإطلاق الخبرين المذكورين محمول على احتمال الاسترابة بالحمل، و إلا فمع تعين عدم الاسترابة فإنه لا ضرورة إلى الصبر تسعة فضلا عن العشرة.
و أما ما ادعاه من إطلاق الفتوى فهو و إن وقع في بعض العبارات اعتمادا على ظهور الحكم و أن بلوغ التسعة أو العشرة إنما هو من حيث الاسترابة بالحمل إلا أن أكثر العبارات قد اشتمل على التقييد.
أما في صدر الكلام- كما في عبارة الشيخ في النهاية المتقدمة- فإنه جعل محل البحث و الكلام في المسألة المسترابة و نحوها كلام أتباعه.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 130 ح 47، الوسائل ج 15 ص 414 ب 4 ح 16 و فيهما «سألت أبا الحسن» مع اختلاف يسير.
430
و أما في الأثناء كما عبر به المحقق في الشرائع حيث قال: أما لو رأت في الثالث حيضا و تأخرت الثانية أو الثالثة صبرت تسعة أشهر لاحتمال الحمل، ثم اعتدت بعد ذلك بثلاثة أشهر. إلخ.
و نحوها عبارته في النافع أيضا (1) و هو كما ترى صريح في أن الصبر تسعة أشهر إنما هو لاحتمال الحمل، فلو لم يكن محتملا لم يجب عليه الصبر المدة المذكورة، و لا ما ذكر بعد ذلك.
و قال ابن إدريس في السرائر بعد نقل كلام النهاية المتقدم: و الذي يقوى في نفسي أنها إذا احتبس عنها الدم الثالث بعد مضي تسعة أشهر اعتدت بعدها بثلاثة أشهر تمام السنة لأنها تستبرئ بتسعة أشهر و هو أقصى مدة الحمل، فيعلم أنها ليست حاملا ثم تعتد بعد ذلك عدتها و هي ثلاثة أشهر. إلخ. و هو صريح أيضا فيما قلناه، فإن الغائب عنها زوجها قد علم أنها ليست حاملا من أول الأمر فلا يحتاج إلى التربص تسعة أشهر، و هو ظاهر، إلى غير ذلك من عباراتهم. (2)
و بالجملة فإن ما ذكره- رحمة الله عليه- من الكلام المذكور بمحل من القصور كما عرفت، و بذلك يظهر أيضا ما في الذي نقله عن الشهيد من الاحتمال فإنه أبعد بعيد في هذا المجال، إذ المفهوم من الأخبار أن التسعة إنما هي من حيث احتمال الاسترابة بالحمل، و هو الموافق للأصول كما اعترف به و عبر عنه بظاهر الحكم لا في مقام يقطع فيه بعدمه، بل الظاهر إنما هو الخروج بالثلاثة البيض الحاصلة قبل بلوغ التسعة.
____________
(1) أقول: قال السيد السند في شرح النافع- بعد قول المصنف: صبرت تسعة أشهر لاحتمال الحمل- ما لفظه: و يستفاد من التعليل باحتمال الحمل أنه لو علم انتفاؤه بغيبة الزوج و نحوه لم يجب عليها التربص كذلك بل تعتد بثلاثة أشهر. انتهى، و منه يعلم ضعف ما ذكره جده- (قدس سره)- و توهمه من إطلاق عبارات الأصحاب. (منه- (قدس سره)-).
(2) و قال في القواعد: أما لو رأت الدم في الثالث و تأخرت الحيضة الثانية و الثالثة صبرت تسعة أشهر لتعلم براءة رحمها ثم اعتدت بعد ذلك ثلاثة أشهر،. إلخ، فانظر الى تعليله الصبر إلى التسعة بالعلم ببراءة رحمها، فلو كان براءة الرحم معلومة كما في زوجة الغائب فإنه لا يوجب الصبر تسعة أشهر. (منه- (قدس سره)-).
431
البحث الثالث [في طلاق الصغيرة التي لم تبلغ تسع سنين]
قد عرفت أن المرأة إذا كانت في سن من تحيض و هي لا تحيض فإن عدتها ثلاثة أشهر بلا خلاف، و لكن الأصحاب قد اختلفوا هنا في الصغيرة التي لم تبلغ تسع سنين إذا طلقت بعد الدخول بها و إن فعل زوجها محرما، و كذا في اليائسة هل عليها عدة أم لا؟ و كذا في صورة الفسخ و وطء الشبهة الموجبين للعدة في غير هذا الموضع.
فالمشهور بين الأصحاب أنه لا عدة عليها، و به صرح الشيخان و الصدوقان و سلار و أبو الصلاح و ابن البراج و ابن حمزة و من تأخر عنه.
قال السيد المرتضى: الذي أذهب إليه أن على الآية- من الحيض و التي لم تبلغ- العدة على كل حال من غير شرط الذي حكيناه عن بعض أصحابنا- يعني بذلك أن لا تكون في سن من تحيض- و تبعه في ذلك ابن زهرة، و المعتمد هو الأول كما تكاثرت به الأخبار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام).
و منها ما رواه
في الكافي (1) عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): ثلاث يتزوجن على كل حال، التي لم تحض و مثلها لا تحيض، قال: قلت:
و ما حدها؟ قال: إذا اتي لها أقل من تسع سنين، و التي لم تدخل بها، و التي قد يئست من المحيض و مثلها لا تحيض، قال: قلت: و ما حدها؟ قال: إذا كان لها خمسون سنة».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) في الموثق عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ثلاث يتزوجن على كل حال، التي قد يئست من المحيض و مثلها لا تحيض قلت: و متى تكون كذلك؟ قال: إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض و مثلها لا تحيض، و التي لم تحض و مثلها لا تحيض، قلت: و متى تكون كذلك؟ قال: ما لم تبلغ تسع سنين، فإنها لا تحيض و مثلها لا تحيض، و التي لم يدخل بها».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 85 ح 4، الوسائل ج 15 ص 406 ب 2 ح 4.
(2) التهذيب ج 7 ص 469 ح 89، الوسائل ج 15 ص 409 ب 3 ح 5.
432
و ما رواه
في الكافي (1) عن جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يطلق الصبية التي لم تبلغ و لا تحمل مثلها و قد كان دخل بها، و المرأة التي قد يئست من الحيض و ارتفع حيضها و لا تلد مثلها، قال: ليس عليهما عدة و إن دخل بهما».
و ما رواه
في الفقيه (2) عن جميل أنه قال «في الرجل- الحديث إلى قوله- عدة».
فيكون الخبر صحيحا.
و ما رواه
في الكافي (3) في الصحيح أو الحسن عن حماد بن عثمان عمن رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الصبية التي لا تحيض مثلها و التي قد يئس من المحيض، قال:
ليس عليهما عدة و إن دخل بهما».
و عن محمد بن مسلم (4) في الموثق عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «التي لا تحبل مثلها لا عدة عليها».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (5)- رحمة الله عليهم- عن محمد بن مسلم قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في المرأة التي قد يئست من المحيض يطلقها زوجها، قال: قد بانت منه و لا عدة عليها».
و ما رواه
في التهذيب (6) في الصحيح عن حماد بن عثمان قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التي قد يئست من المحيض، و التي لا تحيض مثلها، قال: ليس عليهما عدة».
و عن جميل بن دراج (7) عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل
____________
(1) الكافي ج 6 ص 84 ح 1، الوسائل ج 15 ص 406 ب 2 ح 3.
(2) الفقيه ج 3 ص 331 ح 4.
(3) الكافي ج 6 ص 85 ح 2، الوسائل ج 15 ص 409 ب 3 ح 3.
(4) الكافي ج 6 ص 85 ح 3، الوسائل ج 15 ص 409 ب 3 ح 2.
(5) الكافي ج 6 ص 85 ح 5، الفقيه ج 3 ص 331 ح 2، التهذيب ج 8 ص 68 ح 139، الوسائل ج 15 ص 408 ب 3 ح 1.
(6) التهذيب ج 6 ص 66 ح 137، الوسائل ج 15 ص 405 ب 2 ح 1.
(7) التهذيب ج 6 ص 66 ح 138، الوسائل ج 15 ص 405 ب 2 ح 2.
433
يطلق الصبية التي لم تبلغ و لا تحمل مثلها، قال: ليس عليها عدة و إن دخل بها».
و نقل عن المرتضى- رحمة الله عليه- الاحتجاج على ما ذهب إليه بقوله تعالى «وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسٰائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلٰاثَةُ أَشْهُرٍ وَ اللّٰائِي لَمْ يَحِضْنَ» (1) قال: و هذا صريح في أن الآيات و اللائي لم يحضن عدتهن الأشهر على كل حال.
ثم أورد على نفسه بأن في الآية شرطا و هو قوله تعالى «إِنِ ارْتَبْتُمْ» و هو منتف عنهما، ثم أجاب بأن الشرط لا ينفع أصحابنا، لأنه غير مطابق لما يشترطونه و إنما يكون نافعا لهم لو قال تعالى: إن كان مثلهن يحضن في الآيسات و في اللائي لم يبلغن المحيض إذا كان مثلهن تحيض. و إذا لم يقل تعالى ذلك بل قال «إِنِ ارْتَبْتُمْ» و هو غير الشرط الذي شرطه أصحابنا فلا منفعة لهم به. و لا يخلو قوله تعالى «إِنِ ارْتَبْتُمْ» أن يريد به ما قاله جمهور المفسرين و أهل العلم بالتأويل من أنه تعالى قال: إن كنتم مرتابين في عدة هؤلاء النساء و غير عالمين بمبلغها.
و وجه المصير في هذا التأويل ما روي في سبب نزول هذه الآية أن ابي بن كعب قال: يا رسول الله إن عددا من عدد النساء لم يذكر في الكتاب الصغار و الكبار و أولات الأحمال، فأنزل الله تعالى «وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ» إلى قوله «وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» فكان هذا دالا على أن المراد بالارتياب ما ذكرناه، لا الارتياب بأنها يائسة أو غير يائسة لأنه تعالى قد قطع في الآية على اليأس من المحيض و المشكوك في حالها و المرتاب في أنها تحيض أو لا تحيض لا تكون يائسة.
ثم أطال في الكلام على عادته- رحمة الله عليه- في كل مقام، و أجيب عن ذلك بمنع كون المراد بالريبة بالمعنى الذي ذكره إذ من المحتمل عودها إلى اليأس من المحيض، و إنما أتى بالضمير مذكرا لكون الخطاب مع الرجال كما يدل عليه قوله «مِنْ نِسٰائِكُمْ»، و لأن النساء يرجعن في معرفة أحكامهن أو إلى
____________
(1) سورة الطلاق- آية 4.
434
رجالهن أو إلى العلماء فكأن الخطاب لهم لا للنساء.
أقول: و يؤيد ما ذكروه من رجوع الريبة إلى النساء ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألت عن قول الله عز و جل «إِنِ ارْتَبْتُمْ» ما الريبة؟ فقال: ما زاد على شهر فهو ريبة، فلتعتد ثلاثة أشهر و لتترك الحيض، و ما كان في الشهر لم يزد في الحيض على ثلاث حيض فعدتها ثلاث حيض».
قال الشيخ (2)- رحمة الله عليه-: الوجه فيه أنه إن تأخر الدم عن عادتها أقل من الشهر فليس لريبة الحبل بل ربما كان لعلة، فلتعتد بالأقراء، فإن تأخر الدم شهرا فإنه يجوز أن يكون للحبل فتعتد ثلاثة أشهر ما لم تر فيها دما، انتهى.
و توضيحه: أنه لما كان مقتضى الطبيعة و العادة التي جعلها الله في النساء هو الحيض في كل شهر مرة فلو انقطع عنها ذلك شهرا فصاعدا كان ذلك لريبة فلتعتد بالشهور، و إذا مضت لها ثلاثة أشهر بيض و لا تنتظر الحيض التي كانت تعتاده سابقا إن رأت الدم في الشهر فلا ريبة هنا، و إن تأخر عن عادتها فلتعتد بالحيض. و مرجع ذلك إلى ما تقدم من الأخبار الدالة على أن أيهما سبق من الشهور أو الأقراء اعتدت به، و قد تقدم في صدر البحث الأول نقلا عن الطبرسي في مجمع البيان معنى آخر للريبة يرجع إلى تعلقها بالنساء أيضا، و قد أسنده إلى أئمتنا (عليهم السلام).
و بذلك يظهر لك أن ما ذكره- رحمة الله عليه- من المعنى الذي اعتمد فيه على تلك الرواية العامية التي نقلها ليس مما يعول عليه و لا يلتفت إليه، و مع الإغماض عن ذلك فلا أقل أن يكون ما ذكرناه محتملا في الآية و مساويا لما ذكره من الاحتمال، فإنه كاف في دفع تعلقه بالآية و الاستناد إليها في الاستدلال. نعم ربما ظهر ما ذكره من بعض الأخبار الواردة في المقام، و منها:
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 118 ح 6، الوسائل ج 15 ص 410 ب 4 ح 2.
(2) الاستبصار ج 3 ص 325 ذيل ح 10.
435
ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير قال: «عدة التي لم تبلغ المحيض ثلاثة أشهر، و التي قد قعدت عن المحيض ثلاثة أشهر».
قال في الكافي- بعد ذكر الروايات التي قدمنا نقلها عنه دالة على القول المشهور-:
و قد روي أن عليهن العدة إذا دخل بهن- ثم أورد هذه الرواية ثم قال:- و كان ابن سماعة يأخذ بها، و يقول: إن ذلك في الإماء لا يستبرئن إذا لم يكن بلغن الحيض، فأما الحرائر فحكمهن في القرآن، يقول الله عز و جل «وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسٰائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلٰاثَةُ أَشْهُرٍ وَ اللّٰائِي لَمْ يَحِضْنَ» و كان معاوية بن حكيم يقول: ليس عليهن عدة، و ما احتج به ابن سماعة فإنما قال الله عز و جل «إِنِ ارْتَبْتُمْ» و إنما ذلك إذا وقعت الريبة بأن قد يئسن، فأما إذا جازت الحد و ارتفع الشك أنها قد يئست أو لم تكن الجارية بلغت الحد فليس عليهن عدة، انتهى ما ذكره في الكافي.
و كلامه هنا في معنى الريبة يرجع إلى ما قدمنا نقله عن الطبرسي الذي أسنده إلى الأئمة (عليهم السلام)، و على هذا فالمراد باللائي يئسن من المحيض في الآية يعني في الجملة، فإن حصل الشك و الريبة في تحققه و عدمه فالحكم الاعتداد بالأشهر الثلاثة و كذا من لم تحض لصغر كان أم لا، فإن عدتها ثلاثة أشهر.
و بالجملة فإن الآية ظاهرة في تقييد اعتداد اليائسة بالثلاثة الأشهر بالريبة فلا تثبت بدونها، و الريبة على ما عرفت من الخبر، و كلام هذين الفاضلين إنما ترجع إلى الشك في بلوغ السن الذي يحصل اليأس، كما هو ظاهر كلام الفاضلين المذكورين، أو الريبة في الحمل كما هو ظاهر الخبر، و على كل منهما يسقط تعلقه بالآية، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه.
ثم إنه في الكافي لم يتعرض للجواب عن الخبر المذكور مع رده له، و المتأخرون
____________
(1) الكافي ج 6 ص 85 ح 5، التهذيب ج 8 ص 67 ح 142، الوسائل ج 15 ص 407 ب 2 ح 6.
436
قد ردوه بضعف السند بجماعة من رواته مع أنها غير مستندة إلى إمام، فلا يعارض بها تلك الأخبار المتقدمة.
و قال الشيخ في الكتابين (1): هذا الخبر نحمله على من يكون مثلها تحيض لأن الله تعالى شرط ذلك و قيده بمن يرتاب بحالها، قال الله تعالى «وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسٰائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلٰاثَةُ أَشْهُرٍ وَ اللّٰائِي لَمْ يَحِضْنَ» فشرط في إيجاب العدة ثلاثة أشهر بأن تكون مرتابة، و كذلك كان التقدير في قوله «وَ اللّٰائِي لَمْ يَحِضْنَ» أي فعدتهن ثلاثة أشهر، و هذا أولى مما قاله ابن سماعة لأنه قال: تجب العدة على هؤلاء كلهن، و إنما سقط عن الإماء العدة، لأن هذا تخصيص منه في الإماء من غير دليل، و الذي ذكرناه مذهب معاوية بن حكيم من متقدمي فقهاء أصحابنا و جميع الفقهاء المتأخرين، و هو مطابق لظاهر القرآن و قد استوفينا تأويل ما يخالف ما أفتينا به مما ورد من الأخبار فيما تقدم، انتهى.
أقول: و ما ذكره من التأويل للخبر المذكور ظاهر بالنسبة إلى التي قعدت عن المحيض، و هي اليائسة بمعنى أنها قعدت عن المحيض و الحال أن مثلها تحيض.
أما بالنسبة إلى الصغيرة التي عبر عنها بأنها لم تبلغ الحيض فهو مشكل، لأن المتبادر منها أنها التي لم تبلغ التسع، و حينئذ فلا يتجه قوله «إن مثلها تحيض» إلا أن يحمل قوله «لم تبلغ المحيض» أي لم تحض بالفعل، و هو و إن كان بعيدا إلا أنه في مقام الجمع غير بعيد لضرورة الجمع بين الأخبار. و كيف كان فإنه ينافيه الخبر الآتي.
و منها ما رواه
في التهذيب (2) عن محمد بن حكيم قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت: المرأة التي لا تحيض مثلها و لم تحض كم تعتد؟ قال: ثلاثة أشهر، قلت:
فإنها ارتابت، قال: تعتد آخر الأجلين تعتد تسعة أشهر، قلت: فإنها ارتابت
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 68 ذيل ح 143 الاستبصار ج 3 ص 338 ذيل ح 4 و يظهر أن المصنف نقله بالمعنى.
(2) التهذيب ج 8 ص 68 ح 146، الوسائل ج 15 ص 414 ب 4 ح 18.
437
قال: ليس عليها ارتياب، لأن الله تعالى جعل للحبل وقتا فليس بعده ارتياب».
و الخبر كما ترى ظاهر في أن من لم تحض و لا تحيض مثلها فإنها تعتد ثلاثة أشهر و هو صادق على الصغيرة و اليائسة، و لا وجه للجواب عنها إلا بالحمل على زيادة «لا» في قوله «التي لا تحيض مثلها» من قلم الشيخ أو النساخ. إلا أن في الخبر إشكالا من وجه آخر، و هو أن السائل قال: «قلت: فإن ارتابت- يعني بعد الثلاثة أشهر- قال (عليه السلام): تعتد تسعة أشهر» و حينئذ فمتى حملنا الخبر على الصغيرة التي لم تبلغ التسع فكيف يمكن فرض الارتياب فيها باحتمال الحبل و هي لم تبلغ التسع؟
و بالجملة فالخبر على ظاهره غير مطابق للقواعد الشرعية و الضوابط المرعية، فلا أوسع من رده إلى قائله (عليه السلام).
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال في الجارية التي لم تدرك الحيض، قال: يطلقها زوجها بالشهور، و قيل: فإن طلقها تطليقة ثم مضى شهر ثم حاضت في الشهر الثاني؟ قال: فقال:
إذا حاضت بعد ما طلقها بشهر ألقت ذلك الشهر و استأنفت العدة بالحيض، فإن مضى لها بعد ما طلقها شهران ثم حاضت في الثالث أتمت عدتها بالشهور، فإذا مضى لها ثلاثة أشهر فقد بانت منه، و هو خاطب من الخطاب، و هي ترثه و يرثها ما كانت في العدة».
و هو ظاهر كما ترى في وجوب العدة بالشهور على الصغيرة التي لم تدرك الحيض أي لم تبلغ. و يمكن الجواب عنه بحمل قوله «لم تدرك الحيض» أي لم يقع بها حيض و إن كانت في سن من تحيض، و باب المجاز واسع.
و لكن يبقى في الخبر أيضا إشكال من وجه آخر، حيث إنه حكم بأنه إذا
____________
(1) لم نعثر عليه في الكافي، التهذيب ج 8 ص 138 ح 81، الوسائل ج 15 ص 407 ب 2 ح 7 و فيهما اختلاف يسير.
438
مضى لها شهران بعد ما طلقها ثم حاضت في الثالث فقد انقضت عدتها، و قد مضى نظيره في الأخبار التي تقدمت في البحث الأول من هذا المقام، إلا أن يحمل قوله «ثم حاضت في الثالث» يعني بعد الثالث، فلا يبعد حمل ما تضمن وجوب العدة على الصغيرة و اليائسة من الأخبار على التقية لما صرح به في الوسائل (1) من موافقتها لمذاهب المخالفين، فإن ثبت فإنه لا مندوحة عنه، بل و إن لم يثبت إذ ليس بعد دلالة ظاهر الآية على ما ذكرناه و استفاضة الأخبار به كما عرفت و اتفاق علماء الفرقة الناجية إلا من شذ على ذلك إلا خروج هذه الأخبار مخرج التقية بالمعنى المشهور أو المعنى الآخر الذي تقدمت الإشارة إليه مرارا.
تنبيهات
الأول [في نقد المصنف لما ذهب إليه السيد السند في هذا المقام]
قال السيد السند في شرح النافع: و اعلم أن المصنف و جمعا من الأصحاب صرحوا بأن المراد بالصغيرة من نقص سنها عن التسع، و مورد الروايات التي لا تحيض مثلها، و هي تتناول من زاد سنها على التسع إذا لم يحض مثلها، و قد وقع التصريح في صحيحة جميل بعدم وجوب العدة على من لم يحمل مثلها و إن كان قد دخل بها الزوج، مع أن الدخول بمن دون التسع محرم، و حمله على الدخول المحرم خلاف الظاهر، و لو قيل بسقوط العدة عن الصبية التي لم يحمل مثلها و إن كانت قد تجاوزت التسع لم يكن بعيدا من الصواب و إن كان الاحتياط يقتضي المصير إلى ما ذكروه، انتهى.
و فيه نظر، و ذلك لأنه و إن كان قد ورد في بعض الأخبار التعبير بالتي لا تحيض مثلها كما ذكره، إلا أنهم قد فسروه (عليهم السلام) في جملة من الأخبار بمن لم تبلغ التسع كما في رواية عبد الرحمن بن الحجاج (2) و هي الاولى من الروايات
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 407 ب 2 ذيل ح 6.
(2) الكافي ج 6 ص 85 ح 4، الوسائل ج 15 ص 406 ب 2 ح 4.
439
المتقدمة، فإنه لما عد (عليه السلام) من جملة الثلاث اللائي يتزوجن على كل حال التي لا تحيض و مثلها لا تحيض سأله السائل: ما حدها؟ قال: إذا أتى لها أقل من تسع سنين و مثلها موثقته (1) و هي الثانية من الروايات، و حينئذ فيجب حمل ما أطلق من الأخبار على هذين الخبرين ليرتفع التنافي بينهما و التدافع.
و أما ما اعتضد به من صحيحة جميل (2) الدالة على الدخول بمن لا تحمل مثلها من أن الدخول بها حرام و أن الحمل على الدخول المحرم خلاف الظاهر ففيه أن مرسلة جميل و هي الأخيرة من الروايات المتقدمة قد تضمنت بأن الرجل يطلق الصبية التي لم تبلغ و لا تحمل مثلها فقال (عليه السلام) «ليس عليها عدة و إن دخل بها» و معلوم أن الدخول بها محرم.
و نحوها مرسلة جميل (3) الأخرى و هي الثالثة من الروايات في الرجل يطلق الصبية التي لم تبلغ و لا تحمل مثلها و قد كان دخل بها، و من المعلوم أن الدخول بها حرام.
و في معنا هما صحيحة حماد بن عثمان أو حسنته (4) عمن رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام).
و بذلك يظهر لك أن استبعاده الحمل على الدخول المحرم- باعتبار إطلاق الرواية التي ذكرها- ليس في محله، بل إطلاق الرواية المذكورة محمول على تقييد هذه الأخبار.
و منه يظهر أن الحق ما قاله الأصحاب من أن محل البحث هي الصغيرة التي لم تبلغ التسع و إن دخل بها و ارتكب المحرم في الدخول بها. و أن ما توهمه من سقوط العدة عمن بلغت التسع إذا لم تحمل مثلها في غاية البعد عن الصواب لمنافاته
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 67 ح 141 و ص 137 ح 77، الوسائل ج 15 ص 401 ب 33 ح 4 و ح 2 ص 581 ب 31 ح 6.
(2) الكافي ج 6 ص 84 ح 1، الوسائل ج 15 ص 406 ب 2 ح 3.
(3) التهذيب ج 8 ص 66 ح 138، الوسائل ج 15 ص 405 ب 2 ح 2.
(4) الكافي ج 6 ص 85 ح 2، الوسائل ج 15 ص 409 ب 3 ح 3.
440
لما دلت عليه أخبار الباب. و بالجملة فإن ما ذكره مجرد وهم نشأ عن قصور التتبع للأخبار كما عرفت.
الثاني [تحديد السن الذي به تكون المرأة يائسة]
اختلف الأصحاب في تحديد السن الذي به تكون المرأة يائسة لاختلاف الأخبار، و نحن قد حققنا الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه في باب الحيض من كتاب الطهارة (1) فمن أحب الوقوف عليه فليرجع إلى الكتاب المذكور.
الثالث [لو رأت المطلقة الحيض مرة ثم بلغت اليأس]
قد صرح الأصحاب بأنه لو رأت المطلقة الحيض مرة ثم بلغت اليأس أكملت العدة بشهرين.
و استدلوا عليه بما رواه
ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ عنه في التهذيب (2) عن هارون بن حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في امرأة طلقت و قد طعنت في السن فحاضت حيضة واحدة ثم ارتفع حيضها، فقال: تعتد بالحيضة و شهرين مستقبلين، فإنها قد يئست من المحيض».
و علل أيضا بأن الوجه في ذلك حكم الشارع عليها بوجوب العدة قبل اليأس و قد كانت حينئذ من ذوات الأقراء، فإذا تعذر إكمالها لليأس المقتضي انتفاء حكم الحيض مع تلبسها بالعدة أكملت بالأشهر لأنها بدل عن الأقراء كما تقرر فيجعل لكل قرء شهر.
و الأولى أن يجعل هذه وجها للخبر المذكور لا علة مستقلة لما قدمنا لك في غير موضع من أن أمثال هذه التعليلات لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، و لو فرض بلوغها حد اليأس بعد أن حاضت حيضتين احتمل إكمال العدة بشهر كما هو مقتضى ما دلت عليه الرواية المذكورة، و لكن الأصحاب اقتصروا على مورد الرواية، و لا تكاد توجد عدة ملفقة من الأمرين إلا هذه، و إنما لم تجعل من انقطع
____________
(1) الحدائق ج 3 ص 171.
(2) الكافي ج 6 ص 100 ح 11، التهذيب ج 8 ص 121 ح 15، الوسائل ج 15 ص 416 ب 6 ح 1.
441
دمها قبل تمام العدة لعارض كذلك لأن عود الدم هنا ممكن و احتسابه من الحيض جائز، بخلاف اليأس الذي تبين به انقطاع الحيض بالمرة.
البحث الرابع: في جملة من الأحكام الملحقة بهذا المقام.
الأول [في ما لو استمر الدم متشبها]
قال المحقق في الشرائع (1): و لو استمر الدم مشتبها رجعت إلى عادتها في زمان الاستقامة و اعتدت به و لو لم يكن لها عادة اعتبرت صفة الدم و اعتدت بثلاثة أقراء، و لو اشتبه رجعت إلى عادة نسائها، و لو اختلفن اعتدت بالأشهر، انتهى.
و المراد باستمراره أي تجاوزه العشرة، و المراد باشتباهه في هذا المقام هو أنه بعد تجاوز العادة متى كانت ذات عادة إلى أن يتجاوز العشرة محتمل لأن يكون حيضا و عدمه، و إن كان مع الانقطاع قبل العشرة أو تجاوزها يكون غير مشتبه، و ما ذكر من الرجوع بعد تجاوز العشرة إلى العادة متى كانت ذات عادة و الاعتداد بها و كذا لو لم تكن ذات عادة بل كانت مبتدئة أو مضطربة من العمل بالتمييز إذا حصلت شرائطه المتقدمة في باب الحيض مما لا إشكال فيه و لا خلاف.
إنما الإشكال في قوله «و لو اشتبه رجعت إلى عادة نسائها» فإنه على إطلاقه- و إن
____________
(1) أقول. بهذه العبارة التي عبر بها المحقق عبر الشيخ في النهاية، و مثله العلامة في القواعد و التحرير من غير فرق بين المبتدئة و المضطربة، و قال في الإرشاد: و المضطربة يرجع الى أهلها أو التميز، فان فقدت فإلى الأهل، هذا حكم المضطربة، و لم يذكر المبتدئة بالكلية مع أن الأمر كما عرفت في الأصل على العكس، و زاد عطف التميز على الأهل ب«أو» الموجبة للتخيير.
و ابن إدريس بعد أن نقل عبارة الشيخ في النهاية المتضمنة لتقديم التميز على عادة الأهل قال: و الاولى تقديم العادة على اعتبار صفة الدم، لأن العادة أقوى، فان لم يكن لنسائها عادة رجعت الى اعتبار صفة الدم، فقدم الرجوع الى النساء على التميز، و لم يفرق بين المبتدئة و المضطربة كما لم يفرق غيره أيضا.
و بالجملة فإن كلامهم هنا لا يخلو من الاضطراب، و ليس لهذا الاختلاف هنا أصل يمضى عليه، و المعمول على ما تقدم في باب الحيض [الحدائق ج 3 ص 234] من التحقيق في ذلك. (منه- (قدس سره)-).
442
كان قد صرح به الشيخ قبله و العلامة في أكثر كتبه بعده- محل إشكال، و ذلك لأن من لم يكن لها عادة و اعتبرت صفة الدم مراد بها المبتدئة و المضطربة كما عرفت، و مقتضى العبارة أنهما مع فقد التميز ترجعان إلى عادة نسائهما، و هذا في المبتدئة جيد لما تقدم في باب الحيض من الأخبار الدالة عليه، و قول الأصحاب به. و أما المضطربة فلا دليل عليه فيها، و لا قائل به إلا ما ينقل عن أبي الصلاح، و هو شاذ مردود بعدم الدليل عليه، بل الحكم فيها أنها مع فقد التميز ترجع إلى الروايات، و ليس لحكم الحيض في العدة أمر يقتضي هذا بخصوصه.
و بالجملة فإن تصريحهم بذلك هنا- على خلاف ما قرروه و اتفقوا عليه إلا الشاذ منهم كما عرفت في باب الحيض- لا يخلو من تدافع.
نعم مقتضى ما قرروه في باب الحيض أن المبتدئة مع فقد التميز و فقد عادة النساء، و المضطربة مع فقد التميز ترجعان إلى التحيض بالروايات المتقدمة في باب الحيض.
و أما هنا فإن الأخبار قد صرحت بأنها تعتد بالأشهر الثلاثة في موضع الأخذ بالروايات ثمة التي تنقص عن الثلاثة الأشهر.
و من الأخبار المشار إليها ما رواه
في الكافي (1) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عدة المرأة التي لا تحيض و المستحاضة التي لا تطهر ثلاثة أشهر، و عدة التي تحيض و يستقيم حيضها ثلاثة قروء».
و عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عدة التي لم تحض و المستحاضة التي لم تطهر ثلاثة أشهر، و عدة التي تحيض و يستقيم حيضها ثلاثة قروء».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 100 ح 8، التهذيب ج 8 ص 118 ح 6، الوسائل ج 15 ص 412 ب 4 ح 7.
(2) الكافي ج 6 ص 99 ح 3، التهذيب ج 8 ص 117 ح 5، الوسائل ج 15 ص 413 ب 4 ح 9.
443
و ما رواه
في التهذيب (1) عن زرارة قال: «إذا نظرت فلم تجد الأقراء إلا ثلاثة أشهر، فإذا كانت لا يستقيم لها حيض تحيض في الشهر مرارا فإن عدتها عدة المستحاضة ثلاثة أشهر، و إذا كانت تحيض حيضا مستقيما فهو في كل شهر حيضة بين كل حيضتين شهر، و ذلك القرء».
قال في الوافي: «فلم تجد الأقراء إلا في ثلاثة أشهر» أي لم تجد الأطهار الثلاثة إلا في ثلاثة أشهر، و هذا ينقسم إلى قسمين كما فصله، انتهى.
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (2) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) «أنه قال في التي تحيض في كل ثلاثة أشهر مرة أو في ستة أو في سبعة أشهر و المستحاضة التي لم تبلغ الحيض، و التي تحيض مرة و ترتفع مرة، و التي لا تطمع في الولد و التي قد ارتفع حيضها و زعمت أنها لم تيأس، و التي ترى الصفرة من حيض ليس بمستقيم، فذكر أن عدة هؤلاء كلهن ثلاثة أشهر».
و بهذه الأخبار خرجت المستحاضة المستمر دمها بالنسبة إلى العدة عن الحكم التي تقرر لها في باب الحيض فحكمها بالنسبة إلى العدة الاعتداد ثلاثة أشهر، و أما بالنسبة إلى العبادات فترجع فيها إلى الروايات المتقدمة في باب الحيض.
قال في المسالك: و يمكن أن تكون حكمة العدول عن الروايات إلى الأشهر انضباط العدة بذلك، دون الروايات من حيث إنها تتخير في تخصيص العدد بما شاءت من الشهر، و ذلك يوجب كون العدة بيدها زيادة و نقصانا، و ذلك غير موافق لحكمة العدة، انتهى.
و من جملة أخبار المسألة ما رواه
الشيخ (3) عن جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما
____________
(1) الكافي ج 6 ص 100 ح 10، و لم نعثر عليه في التهذيب، الوسائل ج 15 ص 411 ب 4 ح 4.
(2) الكافي ج 6 ص 99 ح 5، الفقيه ج 3 ص 332 ح 6، التهذيب ج 8 ص 119 ح 11، الوسائل ج 15 ص 410 ب 4 ح 1.
(3) التهذيب ج 8 ص 127 ح 38، الوسائل ج 15 ص 415 ب 5 ح 1.
444
(عليهما السلام) قال: «تعتد المستحاضة بالدم إذا كان في أيام حيضها، أو بالشهور إن سبقت لها، فإن اشتبه فلم تعرف أيام حيضها من غيرها فإن ذلك لا يخفى، لأن دم الحيض دم عبيط حار و أن دم الاستحاضة دم أصفر بارد».
أقول: و في هذه الرواية دلالة على ما تقدم نقله عن الأصحاب من العمل بالتميز مبتدئة كانت أو مضطربة بحمل عدم المعرفة على ما هو أعم من وجود أيام حيض لها سابقا، و لكن أضلتها أو لم تكن بالكلية، و مرجعه إلى توجه التقي إلى القيد و المقيد، أو القيد خاصة، و يحتمل اختصاصها بالمضطربة.
و ما رواه
في الفقيه (1) عن محمد بن مسلم في الصحيح «أنه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن عدة المستحاضة، قال: تنظر قدر أقرائها فتزيد يوما أو تنقص يوما، فإن لم تحض فلتنظر إلى بعض نسائها فلتعتد بأقرائها».
و في هذا الخبر دلالة على ما تقدم أيضا من أن ذات العادة مع استمرار الدم ترجع إلى عادتها السابقة، و المبتدئة تنظر إلى حيض نسائها و تعتد بأقرائهن.
و أما ما ذكروه هنا من جريان هذا الحكم في المضطربة فقد عرفت ما فيه، و أنه لا دليل عليه لا في باب الحيض و لا في هذا الباب.
الثاني [أن الشهر حقيقة في الهلالي]
قد صرح الأصحاب بأنه متى طلقت في أول الهلال و كانت تعتد بالأشهر اعتدت بثلاثة أشهر هلالية، لأن الشهر حقيقة في الهلالي، و هو مما لا خلاف فيه.
إنما الخلاف فيما لو طلقت في أثناء الشهر فقيل: إنها متى طلقت في أثناء الشهر و انكسر ذلك الشهر اعتبر بعده شهران هلاليان و أكمل المنكسر ثلاثين يوما.
(أما) الأول فلما عرفت من أن الشهر متى أطلق فإنه حقيقة في الهلالي.
(و أما) الثاني فلأنه لما امتنع في الشهر الأول أن يكون هلاليا لفوات بعضه وجب الانتقال إلى الشهر العرفي و هو الثلاثون.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 333 ح 9 و فيه «سأله محمد بن مسلم»، الوسائل ج 15 ص 416 ب 5 ح 2.
445
و قيل بأنه تجبر الأول بقدر ما فات منه، و وجهه أن إطلاق الشهر محمول على الهلالي، فإذا فات بعضه أكمل من الرابع بقدر الفائت، فلو فرض كونه تسعة و عشرين يوما و طلقها و قد مضى منه عشرون يوما أكمله بتسعة من الشهر الرابع و قيل: إنه ينكسر الجميع فيسقط اعتبار الأهلة في الثلاثة، و وجهه أن المنكسر أولا يتمم مما يليه فينكسر أيضا و هكذا.
و إلى القول الأول مال المحقق في الشرائع و الشهيد الثاني في شرحه، و تحقيق الكلام في المقام قد مر مستوفى في باب السلم من كتاب المعاملات (1) فليرجع إليه من أحب الوقوف عليه.
قال في المسالك: و اعلم أن انطباق الطلاق و نحوه من العقود على أول الشهر يتصور بأن يبتدأ في اللفظ قبل الغروب من ليلة الهلال بحيث يقترن بأول الشهر لا بابتدائه في أول الشهر، لأنه إلى أن يتم لفظه يذهب جزء من الشهر فينكسر.
أقول: لا يخفى ما فيه من العسر و تعذر معرفة ذلك على سائر الناس، مع أن الذي صرح به في كتاب السلم إنما هو بناء الابتداء على العرف، فلا يقدح فيه اللفظة و لا الساعة، و هو ظاهر غيره أيضا كما قدمنا ذكره في كتاب السلم.
قال في كتاب السلم: يعتبر في أولية الشهر و أثنائه العرف لا الحقيقة لانتفائها دائما أو غالبا إذ لا يتفق المقارنة المحضة بغروب ليلة الهلال، فعلى هذا لا يقدح فيه نحو اللحظة، و يقدح فيه نصف الليل و نحوه، و حيث كان المرجع إلى العرف فهو المعيار، و الظاهر أن الساعة غير قادحة. انتهى و هو جيد، لا ما ذكره في هذا الكتاب من اعتبار الأولية الحقيقية.
الثالث [في ما لو ارتابت بالحمل]
لا خلاف بين الأصحاب في أنه لو ارتابت بالحمل بأن وجدت علامة تفيد الظن به بعد العدة نكحت أو لم تنكح جاز لها التزويج، و كان نكاحها صحيحا
____________
(1) الحدائق ج 19 ص 131.
446
للحكم شرعا بانقضاء العدة المبيح للتزويج، فلا يعارضه الظن الطارئ بالريبة، و مرجعه إلى أن الشك لا يعارض اليقين، و هي قاعدة كلية متفق عليها.
إنما الخلاف فيما لو حصلت الريبة قبل انقضاء العدة، فهل يجوز لها التزويج بعد انقضاء العدة أم لا؟
و بالثاني قال الشيخ في المبسوط، فإنه حكم بأنه لا يجوز لها أن تنكح بعد انقضاء العدة إلى أن يتبين الحال، و علله بأن النكاح مبني على الاحتياط.
و بالأول صرح المحقق و العلامة لوجود المقتضي، و هو الخروج من العدة و انتفاء المانع، إذ الريبة بذاتها لا توجب الحكم بالحمل، و الأصل عدمه.
أقول: و يمكن تأييد ما ذهب إليه الشيخ هنا بروايات محمد بن حكيم المتقدمة (1) و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) المتقدمة أيضا، و التقريب فيها أنها دلت على أن المسترابة بعد الثلاثة الأشهر التي هي العدة لذات الشهور تعتد بتسعة أشهر، بناء على كون مدة الحمل هي التسعة أو سنة كما في موثقة عمار (3) بناء على كونها سنة، ثم إنها تحتاط بعد المدة المذكورة بثلاثة أشهر، و لعل تعبير الشيخ بالاحتياط وقع تبعا لما صرحت به الروايات المذكورة، فإنها صرحت بأنها بعد التسعة أو العشرة لا ريبة عليها، و لكن تحتاط بالصبر ثلاثة أشهر، و أنه لا يجوز لها التزويج إلا بعد مضي الثلاثة الأخيرة مع الحكم بانتفاء الريبة عنها بعد التسعة أو السنة، إلا أنه يمكن تخصيص محل البحث بما لو حصلت الريبة في الثلاثة الأشهر التي هي العدة لذات الشهور، و إلا فإنها بعد تمام الثلاثة و عدم الريبة يجوز لها التزويج كما يدل عليه ما رواه
في الكافي عن محمد بن حكيم (4) في الحسن عن
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 129 ح 44 و 46 و 47، الوسائل ج 15 ص 442 ب 25 ح 2 و 4.
(2) التهذيب ج 8 ص 128 ح 42، الوسائل ج 15 ص 421 ب 11 ح 1.
(3) التهذيب ج 8 ص 119 ح 9، الوسائل ج 15 ص 422 ب 13 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 102 ح 4، الوسائل ج 15 ص 442 ب 25 ح 4 و فيهما اختلاف يسير.
447
العبد الصالح (عليه السلام) قال: «قلت له: المرأة الشابة التي تحيض مثلها يطلقها زوجها فيرتفع طمثها، ما عدتها؟ قال: ثلاثة أشهر، قلت: جعلت فداك فإنها تزوجت بعد ثلاثة أشهر، فتبين لها بعد ما دخلت على زوجها أنها حامل، قال: هيهات من ذلك يا ابن حكيم، رفع الطمث ضربان: إما فساد من حيضة فقد حل لها الأزواج و ليس بحامل، و إما حامل فهو يستبين في ثلاثة أشهر، لأن الله تعالى قد جعله وقتا يستبين فيه الحمل، قال: قلت: فإنها ارتابت بعد ثلاثة أشهر، قال: عدتها تسعة أشهر، قلت: فإنها ارتابت بعد تسعة أشهر، قال: إنما الحمل تسعة أشهر، قلت:
فتزوج؟ قال: تحتاط بثلاثة أشهر، قلت: فإنها ارتابت بعد ثلاثة أشهر، قال: ليس عليها ريبة، تزوج».
المقام الرابع في عدة الحامل:
و المشهور في كلام الأصحاب أن عدتها وضع الحمل حيا كان أو ميتا تاما كان أو ناقصا إذا تحقق أنه مبدأ نشو آدمي، و يدل عليه قوله عز و جل «وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» و هي بإطلاقها شاملة لما ذكرناه من الأفراد، و يدل على ذلك الأخبار أيضا، منها:
ما رواه
في الكافي (1) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا طلقت المرأة و هي حامل فأجلها أن تضع حملها و إن وضعت من ساعتها».
و ما رواه
في الفقيه في الصحيح و الكليني (2) في الموثق عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن الحبلى إذا طلقها زوجها فوضعت سقطا ثم أو لم يتم فقد انقضت عدتها، أو إن كان مضغة، قال: كل شيء وضعته يستبين أنه حمل ثم أو لم يتم فقد انقضت عدتها و إن كان مضغة».
و هو صريح فيما ذكرناه من الأفراد المتقدمة.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 82 ح 11، الوسائل ج 15 ص 419 ب 9 ح 7 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 82 ح 9، الفقيه ج 3 ص 330 ح 6، الوسائل ج 15 ص 421 ب 11 ح 1.
448
و ما رواه
في التهذيب (1) عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طلق امرأته و هي حبلى و كان في بطنها اثنان فوضعت واحدا و بقي واحد، قال: تبين بالأول و لا تحل للأزواج حتى تضع ما في بطنها».
و عن عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المرأة تضع، أ يحل لها أن تتزوج قبل أن تطهر؟ قال: إذا وضعت تزوجت، و ليس لزوجها أن يدخل بها حتى تطهر».
و عن الحلبي (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «طلاق الحبلى واحدة، و إن شاء راجعها قبل أن تضع، و إن وضعت قبل أن يراجعها فقد بانت منه و هو خاطب من الخطاب».
و ما رواه
في الكافي (4) عن إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «طلاق الحامل واحدة، فإذا وضعت ما في بطنها فقد بانت منه».
و رواه الصدوق عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) و طريقه إليه في المشيخة صحيح، فيكون الخبر صحيحا.
و قال الصدوق في الفقيه: و اعلم أن أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن و هو أقرب الأجلين، فإذا وضعت أو أسقطت يوم طلقها أو بعده متى كان فقد بانت منه و حلت للأزواج فإذا مضى بها ثلاثة أشهر من قبل أن تضع فقد بانت منه و لا تحل للأزواج حتى تضع، انتهى و نقل ذلك عن ابن حمزة أيضا.
و قال العلامة في المختلف: المشهور أن عدة الحامل وضع الحمل في الطلاق، و قال الصدوق- ثم أورد العبارة المذكورة ثم قال:- و قال السيد المرتضى: مما
____________
(1) الكافي ج 6 ص 82 ح 10، التهذيب ج 8 ص 73 ح 162، الوسائل ج 15 ص 420 ب 10 ح 1.
(2) التهذيب ج 7 ص 489 ح 173، الوسائل ج 15 ص 481 ب 49 ح 1.
(3) التهذيب ج 8 ص 71 ح 155، الوسائل ج 15 ص 419 ب 9 ح 8.
(4) الكافي ج 6 ص 81 ح 3، الفقيه ج 3 ص 329 ح 1، الوسائل ج 15 ص 418 ب 9 ح 4 و 1.
449
يظن أن الإمامية مجمعة عليه و منفردة به القول إن عدة الحامل المطلقة أقرب الأجلين، بمعنى أن المطلقة إذا كانت حاملا و وضعت قبل مضي الأقراء الثلاثة فقد بانت بذلك، و إن مضت الأقراء الثلاثة قبل أن تضع حملها بانت بذلك أيضا، و قد بينا في جواب المسائل الواردة من أهل الموصل المتضمنة أنه ما ذهب جميع أصحابنا إلى هذا المذهب، و لا أجمع العلماء منا عليه، و أكثر أصحابنا يفتي بخلافه، و إنما عول من خالف من أصحابنا على خبر يرويه زرارة عن الباقر (عليه السلام) و قد بينا أنه ليس بحجة، ثم سلمناه و تأولناه.
و قال ابن إدريس: و قد ذهب بعض أصحابنا إلى أن الحامل عدتها أقرب الأجلين من جملتهم ابن بابويه، و معنى ذلك أنه إن مرت بها ثلاثة أشهر فقد انقضت عدتها و لا تحل للأزواج حتى تضع ما في بطنها، و إن وضعت الحمل بعد طلاقه بلا فصل بانت منه و حلت للأزواج، و تعجب منه، انتهى.
أقول: ظاهر كلامي المرتضى و ابن إدريس ذهاب جملة من الأصحاب إلى هذا القول و أن منهم الصدوق، و ظاهر كلام المتأخرين تخصيص الخلاف بالصدوق.
و الذي يدل على هذا القول ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن أبي الصباح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «طلاق الحامل واحدة و عدتها أقرب الأجلين».
و عن الحلبي (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «طلاق الحبلى واحدة، و أجلها أن تضع حملها، و هو أقرب الأجلين».
و رواه في الكافي (3) أيضا عن ابن مسكان عن أبي بصير في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله.
و السيد السند في شرح النافع إنما استدل لهذا القول برواية أبي الصباح،
____________
(1) الكافي ج 6 ص 81 ح 2، التهذيب ج 8 ص 70 ح 151، الوسائل ج 15 ص 418 ب 9 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 82 ح 8، الوسائل ج 15 ص 419 ب 9 ح 6.
(3) الكافي ج 6 ص 82 ح 6، الوسائل ج 15 ص 418 ب 9 ح 2.
450
ثم ردها بضعف السند لاشتماله على محمد بن الفضيل و هو مشترك، مع أنك قد عرفت ورود هذين الخبرين الصحيحين بذلك.
و التحقيق عندي في الجواب أن هذه الأخبار غير صريحة بل و لا ظاهرة فيما ادعاه الصدوق- رحمة الله عليه- لأن المفهوم من أخبار المسألة كملا بعد ضم بعضها إلى بعض هو أن عدة الحامل وضع الحمل، فإنه أقرب الأجلين كما هو مدلول صحيحتي الحلبي و أبي بصير، و إنما وصف وضع الحمل بأنه أقرب الأجلين لجواز حصوله بعد الطلاق بلحظة أو أيام يسيرة، و نحو ذلك بخلاف التحديد بالثلاثة الأشهر فإنه لا قرب فيها بالكلية، و حينئذ فمعنى قوله في رواية الكناني «و عدتها أقرب الأجلين» أن عدتها هو وضع الحمل الذي هو أقرب الأجلين، فهو صفة لموصوف محذوف لا أن المراد ما توهمه- رحمة الله عليه- و من معه من أن المعنى أقرب العدتين، بمعنى أن أيهما سبق اعتدت به، فإنه مردود بالآية و الأخبار المتكاثرة كما عرفت.
و على تقدير ما ذكرناه تجمع الآية و أخبار المسألة كملا و يرتفع التنافي من البين.
و أما ما ذكره المرتضى من دلالة رواية زرارة عن الباقر (عليه السلام) على قول الصدوق فإنا لم نقف فيما وصل إلينا من الأخبار عليها، و إنما الذي وصل إلينا ما ذكرناه من الروايات الثلاث المنقولة، و تمام تحقيق الكلام في المقام يتم برسم مسائل:
الأولى [فيما لو كانت حاملا باثنين فولدت واحدا]
- اختلف الأصحاب فيما لو كانت حاملا باثنين فولدت واحدا فهل تبين بوضع الأول، و إن لم ينكح إلا بعد وضع الثاني؟ أو أنها لا تبين إلا بوضعهما معا؟ قولان:
(أولهما) للشيخ في النهاية و ابن البراج و ابن حمزة و ابن الجنيد و عليه تدل رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) المتقدمة.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 82 ح 10، الوسائل ج 15 ص 420 ب 10 ح 1.
451
و قال أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان (1) «و روى أصحابنا أن الحامل إذا وضعت واحدا انقطعت عصمتها من الزوج، و لا يجوز لها أن تعقد على نفسها لغيره حتى تضع الآخرة».
و يحتمل إرادة الرواية المذكورة و نقلها بالمعنى، و يحتمل أن يكون رواية أخرى بهذا اللفظ، و لعله الأقرب.
(و ثانيهما) للشيخ في الخلاف و المبسوط و ابن إدريس و العلامة و المحقق، و ادعى في الخلاف إجماع أهل العلم عليه، و اختاره في المسالك و سبطه السيد السند في شرح النافع تمسكا بظاهر الآية، فإنه مع بقاء شيء من الحمل في الرحم لا يصدق وضع حملهن، و استضعافا للرواية، قال: و الرواية واضحة المتن، لكن في طريقها عدة من الواقفية و المجاهيل، و ذلك مما يمنع العمل بها.
و أنت خبير بأنه و إن كان ظاهر الآية كما ذكروه إلا أن مقتضى كلامه- رحمة الله عليه- أنه لو صح الخبر لأمكن تخصيص الآية به، و حينئذ فمن لا يرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث و يحكم بصحة الأخبار جريا على ما جرت عليه متقدمو علمائنا الأبرار، فإنه له أن يخصص الآية المذكورة به إذ لا معارض له في البين إلا إطلاق الآية، و الجمع بين الدليلين بما ذكرنا أولى من طرح أحدهما كما هي القاعدة المطردة في كلامهم.
و ممن ذهب إلى ما اخترناه المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في كتاب الوسائل.
الثانية [في أن انقضاء العدة إنما يحصل بخروج الحمل أجمع]
ظاهر الآية و الأخبار المتقدمة أن انقضاء العدة إنما يحصل بخروجه أجمع، فلو خرج نصفه أو أزيد متصلا أو منفصلا فإنه لا يصدق وضع الحمل المترتب عليه الخروج من العدة في الآية و الأخبار، فتبقى أحكام الزوجية من الرجعة في الرجعية و الميراث لو مات أحدهما، و نحو ذلك و هو ظاهر.
الثالثة [هل يكفي وضع الحمل نطفة أو علقة؟]
لا خلاف و لا إشكال في أنه لا يكفي وضعه نطفة مع عدم استقرارها
____________
(1) مجمع البيان ج 10 ص 307، الوسائل ج 15 ص 421 ب 10 ح 2.
452
في الرحم، و أما معه فظاهر الشيخ الحكم بانقضاء العدة بها مطلقا، و فيه إشكال للشك في كونه قد صار حملا، و يأتي مثل ذلك في العلقة من الدم التي لا تخطيط فيها، و وافق الشيخ هنا جماعة من الأصحاب منهم المحقق.
قال في المسالك: و هو قريب مع العلم بأنها مبدأ نشو آدمي، و إلا فلا، و لو سقطت مضغة فالأقرب كما استقربه في المسالك أيضا أنها تكفي في العلم بذلك.
الرابعة [اشتراط كونه منسوبا إلى من العدة منه]
قال في المسالك: يشترط في الحمل كونه منسوبا إلى من العدة منه، إما ظاهرا أو احتمالا، فلو انتفى عنه شرعا لم يعتد به، و إمكان تولده منه بأن يكون فحلا أو مجبوبا له بقية أو لا معها، لما تقدم من لحوق الحمل به، و لو انتفى عنه شرعا بأن ولدته تاما لدون ستة أشهر من يوم النكاح أو لأكثر و بين الزوجين مسافة لا تقطع في تلك المدة لم تنقض به العدة. و كذا لا يلحق بالممسوح على الأظهر و إن أمكنت المساحقة في حقه لفقد آلة التولد، انتهى و هو جيد.
الخامسة [في ما لو طلقت المرأة فادعت الحمل]
قد صرح الأصحاب بأنه لو طلقت المرأة فادعت الحمل صبر عليها أقصى الحمل، و هو تسعة أشهر عند بعض، و هو المشهور كما تقدم، و سنة عند آخر، و عشرة أشهر عند ثالث، ثم لا يقبل دعواها، و قد تقدمت جملة من الروايات الدالة على هذا الحكم في صدر البحث الثاني من سابق هذا المقام، و هي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) و روايات محمد بن حكيم، (2) و هي متفقة في الدلالة على التسعة، و موثقة عمار المتقدمة في المذكور آنفا و هي دالة على القول بالسنة.
و أما القول بالعشرة فلم نقف له على خبر.
و استدل شيخنا في المسالك و نقله سبطه السيد السند في شرح النافع على القول بالسنة بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المشار إليها، و هي ما رواه في الصحيح «قال: سمعت أبا إبراهيم (عليه السلام) يقول: إذا طلق الرجل امرأته و ادعت أنها حبلى انتظر تسعة أشهر، فإن ولدت و إلا اعتدت بثلاثة أشهر ثم قد بانت منه».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 101 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 101 ح 2 و 4 و 5.
453
قال في شرح النافع: و هذه الرواية صريحة في وجوب التربص سنة، لكنها لا تدل صريحا على أن ذلك أقصى الحمل. انتهى، و نحوه كلام جده في المسالك.
و أنت خبير بما فيه، فإن الظاهر أن مرجع هذه الرواية إلى ما دلت عليه روايات محمد بن حكيم المتقدمة من أنها بعد الاسترابة أو ادعاء الحمل بعد الثلاثة فإنها تصبر تسعة أشهر، فإن ظهر الحمل فيها و إلا اعتدت بعدها بثلاثة أشهر، إلا أن أكثر روايات محمد بن حكيم صرحت بأن تلك التسعة أقصى مدة الحمل، و هذه الرواية فيها نوع إجمال، إلا أنها عند التأمل ترجع إلى ذلك، لأن قوله «انتظر تسعة أشهر فإن ولدت و إلا اعتدت» ظاهر في أن التسعة أقصى مدة الحمل، و إلا فلا معنى لفرض الولادة فيها، و لو كان أقصى الحمل سنة كما يدعون دلالة هذا الخبر عليه لكان تخصيص هذا الفرض بالتسعة لاغيا، لأن محله السنة لا التسعة، و الثلاثة التي بعد التسعة قد عرفت آنفا أنها هي العدة الشرعية بعد تيقن براءة الرحم بمضي التسعة.
و بالجملة فإن روايات محمد بن حكيم و هذه الرواية قد اشتركت في الدلالة على أنها بالاسترابة و دعوى الحمل بعد الثلاثة تصبر تسعة أشهر، فإن ظهر بها حمل و إلا اعتدت بعدها بثلاثة أشهر، غاية الأمر أن أكثر روايات ابن حكيم صرحت بكون التسعة أقصى مدة الحمل، و هذه و إن لم تكن صريحة في ذلك إلا أنها ظاهرة فيه. و مع تسليم عدم ظهورها و أنها مطلقة في ذلك فإنه يجب تقييد إطلاقها على ما قيد به تلك الأخبار، و إلا كان ذكر التسعة في البين لغوا.
و الدليل على القول بالسنة إنما هو موثقة عمار (1) كما تقدم، و لكنها حيث دلت على التربص سنة ثم الاعتداد بثلاثة أشهر فيكون الجميع خمسة عشر شهرا. مع أنه لا قائل بكون الحمل كذلك أطرحوها. و كيف كان فالعمل
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 119 ح 9، الوسائل ج 15 ص 422 ب 13 ح 1.
454
على القول بالتسعة.
السادسة [في عدة المطلقة المتوفى عنها زوجها]
(1) قد صرح الأصحاب بأنه لو طلقها رجعيا ثم مات استأنف عدة الوفاة، أما لو كانت بائنا فإنها تقتصر على إتمام عدة الطلاق. و علل بأن المطلقة رجعيا بحكم الزوجة فيثبت لها ما يثبت للزوجة من الأحكام كالتوارث بينهما و الظهار و الإيلاء و غيرهما من أحكام الزوجية. و منها ما هنا من وجوب استئناف عدة الوفاة و عدم البناء على ما تقدم بخلاف البائنة، فإنها في حكم الأجنبية.
و يدل على ما ذكروه من الحكم الأول جملة من الأخبار.
و منها ما رواه
في الكافي (2) في الصحيح أو الحسن عن جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) «في رجل طلق امرأته طلاقا يملك فيه الرجعة ثم مات عنها قال: تعتد بأبعد الأجلين أربعة أشهر و عشرا».
و عن هشام بن سالم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثم مات قبل أن تنقضي عدتها، قال: تعتد أبعد الأجلين عدة المتوفى عنها زوجها».
و عن زرارة (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «عدة المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين لأن عليها أن تحد أربعة أشهر و عشرا، و ليس عليها في الطلاق أن تحد».
____________
(1) أقول: هذه المسألة و ان لم تكن مناسبة بعنوان البحث في هذا المقام حيث ان موضوعه في عدة الحامل، و المفروض فيها انما هو عدة من مات عنها زوجها و هي في عدة الطلاق، فلا مناسبة، الا أن أصحابنا قد صرحوا بهذا الحكم في هذا الموضع فحذونا حذوهم و جرينا على ما جروا عليه، فلا يظن بنا ظان الغفلة عن ذلك. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 6 ص 120 ح 1، التهذيب ج 8 ص 149 ح 113، الوسائل ج 15 ص 463 ب 36 ح 5.
(3) الكافي ج 6 ص 121 ح 5، التهذيب ج 8 ص 149 ح 115، الوسائل ج 15 ص 463 ب 36 ح 5.
(4) الكافي ج 6 ص 114 ح 4، التهذيب ج 8 ص 150 ح 119، الوسائل ج 15 ص 456 ب 31 ح 4.
455
أقول: قوله «عدة المتوفى عنها زوجها» يعني إذا كانت مطلقة آخر الأجلين أي أبعدهما، و فيه تعليل استئناف عدة الوفاة بأنها يجب عليها الحداد فيها و هي أربعة أشهر و عشرا، فلا بد من الحداد فيها من أولها إلى آخرها، بخلاف عدة الطلاق فإنه ليس فيه حداد، و من ثم وجب عليها استئناف عدة الوفاة.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) في الصحيح عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: أيما امرأة طلقت ثم توفي عنها زوجها قبل أن تنقضي عدتها و لم تحرم عليه فإنها ترثه، ثم تعتد عدة المتوفى عنها زوجها، و إن توفيت و هي في عدتها و لم تحرم عليه فإنه يرثها-.
و زاد في التهذيب- و إن قتل ورثت من ديته، و إن قتلت ورث من ديتها، ما لم يقتل أحدهما الآخر».
و ما رواه
في الفقيه (2) عن سماعة في الموثق قال: «سألته عن رجل طلق امرأته ثم إنه مات قبل أن تنقضي عدتها، قال: تعتد عدة المتوفى عنها زوجها و لها الميراث».
و عن محمد بن مسلم (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته تطليقة من غير جماع ثم توفي عنها و هي في عدتها، قال: ترثه، ثم تعتد عدة المتوفى عنها زوجها» الحديث.
و أما الحكم الثاني و هو أنه متى كان الطلاق بائنا فإنها تقتصر على إتمام عدة الطلاق، فيدل عليه الأصل السالم من المعارض لأن ما تقدم من الروايات بعد ضم مطلقه إلى مقيده تقتضي اختصاص الاستئناف بالموت العدة الرجعية، و يدل عليه أيضا مفهوم قوله في صحيحة محمد بن قيس «و لم تحرم عليه» الذي هو كناية عن الطلاق بائنا.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 121 ح 6، التهذيب ج 8 ص 80 ح 194 و ص 149 ح 116 الوسائل ج 15 ص 464 ب 36 ح 3 و 4 و ما في المصدرين الأخيرين اختلاف يسير.
(2) الفقيه ج 3 ص 353 ح 4، الوسائل ج 15 ص 465 ب 36 ح 9.
(3) التهذيب ج 8 ص 81 ح 195، الوسائل ج 17 ص 531 ب 13 ح 5 و فيهما «تطليقة على طهر ثم.» مع اختلاف يسير.
456
و أما ما رواه
في الكافي (1) عن علي بن إبراهيم عن بعض أصحابنا «في المطلقة البائنة إذا توفي عنها زوجها و هي في عدتها قال: تعتد بأبعد الأجلين».
فردها المتأخرون بضعف السند، قال في شرح النافع: و ضعف هذه الرواية يمنع من العمل بها، و حمله بعض محدثي متأخري المتأخرين (2) على الاستحباب و فيها ما لا يخفى، و لا يحضرني الآن وجه وجيه تحمل عليه.
بقي هنا شيء و هو أنه لا إشكال فيما ذكرنا من وجوب استئناف عدة الوفاة لو مات الزوج في عدة الرجعية فيما إذا زادت عدة الوفاة على عدة الطلاق كما هو الغالب، إنما الإشكال فيما لو انعكس الفرض كالمسترابة التي عدتها في الطلاق تسعة أشهر أو سنة ثم ثلاثة أشهر بعد ذلك، فإن عدة الطلاق هنا أزيد من عدة الوفاة التي هي أربعة أشهر و عشرة أيام.
و حينئذ فهل تجتزي في هذه الحال بعدة الوفاة نظرا إلى عموم أدلة عدة الوفاة و أنه لا فرق بين المسترابة و غيرها؟ أو تعتبر بأبعد الأجلين من أربعة أشهر و عشرة أيام و من مدة يعلم فيها انتفاء الحمل لأنها بالاسترابة تكون في معرض الحمل و فرض الحامل المتوفى عنها زوجها الاعتداد بأبعد الأجلين كما سيأتي ذكره إن شاء الله؟
أو أنه يجب عليها إكمال عدة المطلقة بثلاثة أشهر بعد التسعة أو السنة أو أربعة أشهر و عشرة أيام بعدهما عوض الثلاثة الأشهر؟ أوجه:
رجح في القواعد الأول على إشكال. و استوجهه السيد السند في شرح النافع قصرا لما خالف الأصل على موضع النص.
و قال في المسالك في توجيه الأوجه المذكورة من إطلاق الحكم بانتقالها إلى عدة الوفاة: و لا دليل فيها على اعتبار ما زاد عن أبعد الأجلين، ثم يتجه فيها
____________
(1) الكافي ج 6 ص 120 ح 2 و فيه «توفى عنها و هي.»، الوسائل ج 15 ص 464 ب 36 ح 6.
(2) هو المحدث الحر في كتاب الوسائل (منه- (قدس سره)-).
457
الاكتفاء بأربعة أشهر و عشرة ما لم يظهر الحمل لأصالة العدم و من أن انتقالها إلى عدة الوفاة انتقال إلى الأقوى و الأشد، فلا يكون سببا في الأضعف.
و وجه الثالث أن التربص بها مدة يظهر فيها عدم الحمل لا يحتسب من العدة كما سبق، و إنما تعتد بعدها و من ثم وجب للطلاق ثلاثة أشهر، فيجب للوفاة أربعة أشهر و عشرة، و الحق الاقتصار في الحكم المخالف للأصل على مورده، و الرجوع في غيره إلى ما تقتضيه الأدلة، و غايتها هنا التربص بها إلى أبعد الأجلين من الأربعة الأشهر و عشرة و المدة التي يظهر فيها عدم الحمل و لا يحتاج بعدها إلى أمر آخر، و دعوى الانتقال هنا إلى الأقوى مطلقا ممنوع، و إنما الثابت الانتقال إلى عدة الوفاة كيف اتفق. انتهى.
أقول: و المسألة لا تخلو من شوب الاشكال، لعدم الدليل الواضح في هذا المجال و تدافع التعليلات و قيام الاحتمال، إلا أنه يمكن أن يقال- و لعله الذي تجتمع عليه الأخبار-: إن مقتضى أخبار عدة الوفاة هو وجوب إلغاء عدة الطلاق و العمل بعدة الوفاة، و مقتضى أخبار المسترابة هو التربص تسعة أشهر أو سنة، ثم الثلاثة الأشهر بعد أي منهما، و الجمع بين روايات الطرفين يقتضي الانتقال إلى عدة الوفاة، بأن يكون في الثلاثة الأخيرة بعد إتمام التسعة أو السنة، لأن عدة الطلاق في المسترابة إنما هي الثلاثة الأشهر الأخيرة، دون التسعة أو السنة كما مر تحقيقه، و التسعة أو السنة إنما هي لاستبراء الرحم، و إن أطلق عليها لفظ العدة في بعض الأخبار توسعا و تجوزا، و حينئذ فلو مات في ضمن التسعة أو السنة وجب إتمامها ثم الاعتداد بعدة الوفاة، و لو مات في ضمن الثلاثة وجب استئناف عدة الوفاة.
و بالجملة فإن روايات استئناف عدة الوفاة دلت على أن ذلك إذا وقع الموت في ضمن العدة الرجعية، و العدة بالنسبة إلى المسترابة إنما هي الثلاثة الأخيرة كما عرفت فيختص الحكم بها، و يؤيده أن ذلك هو الأحوط، و فيه عمل بروايات
458
الطرفين و عدم إلغاء شيء منها في البين.
السابعة [في ما لو كان الوطء بشبهة و حملت ثم طلقها]
قد تقدم (1) أنه يشترط في الحمل الذي تنقضي العدة بوضعه كونه منسوبا إلى من العدة منه، و على هذا فلو حملت من الزنا ثم طلقها الزوج بأن يعلم انتفاؤه عن الفراش بكونه غائبا عنها تلك المدة، أو تلد تاما لدون ستة أشهر من يوم النكاح فإنها تعتد بما كانت تعتد به لو لا الزنا، فإن لم يجامع حملها حيض اعتدت بالأشهر، و إن جامعه و قلنا بجواز حيضها كما هو أظهر القولين اعتدت بالأقراء و بانت بانقضاء الأشهر أو الأقراء، و إن لم تضع حملها فإن الزنا لا حرمة له، حملت منه أو لم تحمل، و لذا أيضا أنه لو حملت من الزنا و لم تكن ذات بعل فإنه يجوز لها التزويج قبل أن تضع، و عليه ظاهر اتفاق كلمة الأصحاب.
أما لو لم تحمل من الزنا فظاهر الأكثر أنها كذلك. و قرب في التحرير أن عليها مع عدم الحمل العدة و هو الظاهر عندي.
و عليه يدل ما رواه
في الكافي (2) عن إسحاق بن جرير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يفجر بالمرأة ثم يبدو له في تزويجها، هل يحل له ذلك؟
قال: نعم إذا هو اجتنبها حتى تنقضي عدتها باستبراء رحمها من ماء الفجور فله أن يتزوجها» الخبر.
و في معناه رواية كتاب تحف العقول (3) للحسن بن علي بن شعبة، و قد تقدمت.
____________
(1) تقدم ذلك في المسألة الرابعة من هذه المسائل. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 5 ص 356 ح 4، الوسائل ج 14 ص 331 ب 11 ح 4.
(3) و هي ما رواه في الكتاب المذكور [تحف العقول ص 332 و فيه اختلاف يسير] عن أبى جعفر محمد بن على الجواد (عليه السلام) «أنه سئل عن رجل نكح امرأة على زنا، أ يحل له أن يتزوجها؟ فقال: يدعها حتى يستبرئها من نطفته و نطفة غيره، إذ لا يؤمن منها أن تكون قد أحدثت مع غيره كما أحدثت معه، ثم يتزوج بها إذا أراد» الحديث.
(منه- (قدس سره)-).
459
و تؤيدهما الأخبار (1) الدالة على أنه إذا أدخله فقد وجبت العدة و المهر و الرجم و الغسل.
و لو كان الوطء بشبهة و حملت ثم طلقها فلا يخلو إما أن يكون إلحاق الولد بالزوج من حيث الفراش أم لا، بل بالواطئ لبعد الزوج عنها في تلك المدة فلا يمكن إلحاقه به، و حينئذ فيجب عليها عدة الطلاق خاصة (2) على الأول، و على الثاني يجب عليها كما صرحوا به عدتان بأن تعتد أولا من الواطئ بوضع الحمل ثم من الزوج عدة الطلاق. قالوا: و لا يتداخلان عندنا لأنهما حقان مقصودان للآدميين كالدين، فتداخلهما على خلاف الأصل.
و أنت خبير بما في هذا التعليل و أمثاله كما عرفت في غير موضع مما تقدم و قد تقدم في كتاب النكاح اختلاف الروايات في اتحاد العدة أو تعددها في مثل هذا الموضع، و هو نكاح الشبهة، و أن المشهور بين الأصحاب بل كاد يكون إجماعا هو التعدد، مع أن المفهوم من جملة من الأخبار أن التعدد مذهب العامة و مقتضاه حمل أخبار التعدد على التقية، و أن القول بالاتحاد هو الأظهر.
و من الأخبار المشار إليها ما رواه
المشايخ الثلاثة (3) عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن امرأة نعي إليها زوجها فاعتدت و تزوجت، فجاء زوجها الأول ففارقها و فارقها الآخر، كم تعتد للناس؟ قال: ثلاثة قروء، و إنما يستبرء رحمها بثلاثة قروء، و تحل للناس كلهم، قال زرارة: و ذلك أن أناسا قالوا: تعتد عدتين من كل واحد عدة،
____________
(1) الكافي ج 6 ص 109 ح 1 و 2 و 3 و 6، الوسائل ج 15 ص 75 ب 58 ح 17 و 18.
(2) ما ذكر حكم ما لو تقدم وطء الشبهة على الطلاق، أما لو انعكس الأمر بأن طلقها ثم وطئت بالشبهة فإنهم صرحوا بأن ما مضى بعد الطلاق من المدة قبل الوطء يحسب من العدة و تعتد من الوطء بوضع الحمل ثم تعود إلى إتمام بقية عدة الطلاق بعد الوضع، حيث انه لا تداخل في العدتين. (منه- (قدس سره)-).
(3) الكافي ج 6 ص 150 ح 1، الفقيه ج 3 ص 356 ح 6، التهذيب ج 7 ص 489 ح 171، الوسائل ج 15 ص 468 ب 38 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
460
فأبى ذلك أبو جعفر (عليه السلام) و قال: تعتد ثلاثة قروء و تحل للرجال».
و ما رواه
في الكافي (1) عن يونس عن بعض أصحابه «في امرأة نعي إليها زوجها و تزوجت، ثم قدم الزوج الأول، فطلقها و طلقها الآخر قال: فقال إبراهيم النخعي عليها أن تعتد عدتين، فحملها زرارة إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقال: عليها عدة واحدة».
و بالجملة فإنهم لقصور تتبعهم للأخبار يقعون في مثل هذا و أمثاله.
المقام الخامس: في عدة الوفاة و ما يترتب عليها
، و المعتدة عدة الوفاة إما أن تكون حائلا أو حاملا، فالكلام هنا في مواضع:
الأول: في عدة الحائل
، لا خلاف بين الأصحاب و غيرهم في أن الحرة الحائل المتوفى عنها زوجها تعتد أربعة أشهر و عشرة أيام صغيرة كانت أو كبيرة مدخولا بها أم غير مدخول بها دائمة أو متمتعا بها، و الأصل في ذلك قوله عز و جل «وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً» (2) و هي بإطلاقها شاملة لما ذكرنا من الأفراد و غيرها من الأمة و الحامل، إلا أن هذين الفردين المذكورين خرجا بالدليل كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
و أما الأخبار الواردة في المقام فهي مستفيضة.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يموت و تحته امرأة لم يدخل بها، قال: لها نصف المهر و لها الميراث كاملا و عليها العدة كاملة».
و عن عبيد بن زرارة (4) في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج
____________
(1) الكافي ج 6 ص 151 ح 2، الوسائل ج 15 ص 468 ب 38 ح 2.
(2) سورة البقرة- آية 234.
(3) الكافي ج 6 ص 118 ح 1، التهذيب ج 8 ص 144 ح 98، الوسائل ج 15 ص 462 ب 35 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 118 ح 2، التهذيب ج 8 ص 144 ح 99، الوسائل ج 15 ص 72 ب 58 ح 3.
461
امرأة و لم يدخل بها، قال: إن هلكت أو هلك أو طلقها فلها النصف، و عليها العدة كملا و لها الميراث».
و ما رواه
في الكافي (1) عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح عن رجل عن علي بن الحسين (عليه السلام) «أنه قال في المتوفى عنها زوجها و لم يدخل بها أن لها نصف الصداق، و لها الميراث و عليها العدة».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن لم يكن دخل بها و قد فرض لها مهرا فلها نصف ما فرض لها و لها الميراث و عليها العدة».
و بهذا المضمون عدة من الأخبار قد أشركت في الدلالة على أن المتوفى عنها زوجها قبل الدخول عليها العدة كملا.
إلا أنه
قد روى الشيخ في التهذيب (3) عن محمد بن عمر الساباطي قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، قال: لا عدة عليها و سألته عن المتوفى عنها زوجها من قبل أن يدخل بها، قال: لا عدة عليها هما سواء».
و ردها المتأخرون كما في المسالك و شرح النافع للسيد السند لضعف السند و شذوذها و مخالفتها للقرآن.
أقول: و الأظهر عندي أنها محمولة على التقية كما يشير إليه ما رواه
الشيخ في التهذيبين (4) عن عبيد بن زرارة قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طلق
____________
(1) الكافي ج 6 ص 118 ح 3، الوسائل ج 15 ص 72 ب 58 ح 5.
(2) الكافي ج 6 ص 118 ح 4، التهذيب ج 8 ص 144 ح 100 و فيهما «ان لم يكن و قد دخل»، الوسائل ج 15 ص 72 ب 58 ح 6.
(3) التهذيب ج 8 ص 144 ح 96، الوسائل ج 15 ص 462 ب 35 ح 4.
(4) التهذيب ج 8 ص 144 ح 97، الوسائل ج 15 ص 463 ب 35 ح 5.
462
امرأته قبل أن يدخل بها، أ عليها عدة؟ قال: لا، قلت له: المتوفى عنها زوجها قبل أن يدخل بها، أ عليها عدة؟ قال: أمسك عن هذا».
و ما رواه
في الكافي (1) عن عبيد بن زرارة في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المتوفى عنها زوجها و لم يدخل بها، قال: هي بمنزلة المطلقة التي لم يدخل بها إن كان سمى لها مهرا فلها نصفه و هي ترثه، و إن لم يكن سمى لها مهرا فلا مهر لها و هي ترثه، قلت: العدة؟ قال: كف عن هذا».
و لا ريب أن أمره (عليه السلام) للسائل بالكف في هذين الخبرين لا وجه له إلا التقية.
و من أخبار المسألة ما رواه
الصدوق في الفقيه (2) في الصحيح أو الحسن عن صفوان عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة يتزوجها الرجل متعة ثم يتوفى عنها، هل عليها العدة، قال: تعتد أربعة أشهر و عشرا- إلى أن قال:- قلت: فتحد؟ قال: فقال: نعم، إذا مكثت عنده أياما فعليها العدة و تحد و إذا كانت يوما أو يومين أو ساعة من النهار فقد وجبت العدة و لا تحد».
و ما رواه
عن عمر بن أذينة عن زرارة (3) في الصحيح قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام): ما عدة المتعة إذا مات عنها الذي تمتع بها؟ قال: أربعة أشهر و عشرا، قال:
يا زرارة كل النكاح إذا مات الزوج فعلى المرأة حرة كانت أو أمة، أو على أي وجه كان النكاح منه متعة أو تزوجها أو ملك يمين فالعدة أربعة أشهر و عشرا، و عدة المطلقة ثلاثة أشهر، و الأمة المطلقة عليها نصف ما على الحرة، و كذلك المتعة عليها ما على الأمة».
و أما ما ورد
في رواية علي بن يقطين (4) من أن عدتها في الوفاة خمسة و أربعون يوما،.
و في رواية أخرى (5) خمسة و ستون يوما.
فقد تقدم الكلام فيها في كتاب النكاح
____________
(1) الكافي ج 6 ص 119 ح 9، الوسائل ج 15 ص 74 ب 58 ح 11.
(2) الفقيه ج 3 ص 296 ح 24، الوسائل ج 15 ص 484 ب 52 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
(3) الفقيه ج 3 ص 296 ح 25، الوسائل ج 15 ص 484 ب 52 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
(4) التهذيب ج 8 ص 157 ح 145، الوسائل ج 15 ص 484 ب 52 ح 3.
(5) التهذيب ج 8 ص 157 ح 146، الوسائل ج 15 ص 484 ب 52 ح 4.
463
في الفصل الثالث في نكاح المتعة. (1)
و من أخبار المسألة أيضا ما رواه
في الكافي (2) عن محمد بن سليمان عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) قال: «قلت له: جعلت فداك كيف صارت عدة المطلقة ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر و صارت عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر و عشرا، فقال:
أما عدة المطلقة ثلاثة قروء فلاستبراء الرحم من الولد، و أما عدة المتوفى عنها زوجها فإن الله عز و جل شرط للنساء شرطا و شرط عليهن شرطا فلم يجيء بهن فيما شرط لهن، و لم يجر فيما اشترط عليهن، أما ما شرط لهن في الإيلاء أربعة أشهر إذ يقول الله عز و جل «لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ» (3) فلم يجوز لأحد أكثر من أربعة أشهر في الإيلاء لعلمه تبارك و تعالى أنه غاية صبر المرأة من الرجل، و أما ما شرط عليهن فإنه أمرها أن تعتد إذا مات عنها زوجها أربعة أشهر و عشرا، فأخذ منها له عند موته ما أخذ لها منه في حياته عند إيلائه قال الله تبارك و تعالى في عدتهن «يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً» و لم يذكر العشرة الأيام في العدة إلا مع الأربعة الأشهر في ترك الجماع فمن ثم أوجبه عليها و لها».
قال في الوافي: «فلم يجيء بهن» بسكون الجيم من جاء كسعي أي لم يحبسهن و لم يمسكهن «و لم يجر» بضم الجيم من الجور خلاف العدل، انتهى.
أقول: قد نقل بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين أن في بعض النسخ بالحاء المهملة قال: من المحاباة بمعنى العطية و الصلات، أي قرر هذا الحكم رفقا لطاقتهن و وسعهن فيما فرض إصلاحهن، و فيما فرض عليهن فلم يجاب و لم يتفضل عليهن فيما شرط لهن في الإيلاء بأن يفرض أقل من أربعة أشهر، و لم يجر عليهن من الجور و الظلم فيما فرض عليهن في عدة الوفاة بأن
____________
(1) الحدائق ج 24 ص 190.
(2) الكافي ج 6 ص 113 ح 1، الوسائل ج 15 ص 452 ب 30 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
(3) سورة البقرة- آية 226.
464
يفرض أكثر من أربعة أشهر، و أما العشر فلعله لم تحسب لاشتغالها فيه بالتعزية و انكسار شهوتها بالحزن، فكأنه غير محسوب، و في بعض النسخ بالجيم، و يمكن أن يكون مهموزا من جأي كسعي: أي جلس، أي لم يحبسهن و لم يمسكهن، و الأول أظهر، انتهى.
أقول: و المحاباة لغة بمعنى المسامحة، إلا أنها ترجع إلى العطية، قال في كتاب المصباح المنير (1): بأن محاباة مسامحة مأخوذة من حبوة إذا أعطيته، و حينئذ فالمراد أنه سبحانه لم يسامحهن بأن يفرض لهن في الإيلاء أقل من الأربعة أشهر.
قال في المسالك: تعتبر مدة العدة بالهلال ما أمكن، فإن مات الزوج في خلال شهر هلالي و كان الباقي منه أكثر من عشرة أيام تعد ما بقي و تحسب ثلاثة أشهر عقيبه بالأهلة، و تكمل ما بقي من شهر الوفاة ثلاثين من الشهر الواقع بعد الثلاثة و تضم إليها عشرة أيام، فإذا انتهت إلى الوقت الذي مات فيه الزوج يوم مات فقد انتهت العدة، و إن كان الباقي أقل من عشرة أيام و لم تعتده و تحسب أربعة أشهر بالأهلة عقيبه و تكمل الباقي عشرة من الشهر السادس، و إن كان الباقي عشرة بلا زيادة و لا نقصان اعتدت بها، و تضم إليها أربعة أشهر بالأهلة، و في هذا المنكسر ثلاثين، أو الاكتفاء بإكمال ما فات منه خاصة ما تقدم في نظائره من الخلاف، و إن انطبق الموت على الشهر الهلالي حسبت أربعة أشهر بالأهلة و ضمت إليها عشرة أيام من الشهر الخامس، فلو كانت محبوسة لا تعرف الهلال و لا تجد من يخبرها ممن يعتمد بقوله اعتدت بالأيام، و هي مائة و ثلاثون يوما، انتهى كلامه و هو جيد.
و العشرة المعتبرة في العدة هي عشرة ليال مع أيامها، و إن كانت الأيام غير داخلة في العشر المجردة عن التاء على المشهور عند أهل اللغة.
الثاني: في عدة الحامل
، و هي أبعد الأجلين من وضعها و استكمال أربعة
____________
(1) المصباح المنير ص 165 و فيه هكذا «و حاباه محاباة سامحه مأخوذ من حبوته إذا أعطيته».
465
أشهر و عشرة أيام، و هو موضع وفاق و إجماع كما نقله غير واحد منهم، و عليه تدل الأخبار المتكاثرة.
قيل: و فيه جمع بين عموم الآيتين، و هما قوله عز و جل «وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً» و قوله تعالى «وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ».
و التقريب في ذلك أن الحامل داخلة تحت عموم الآيتين و شملها عمومها، و امتثال الأمر يقتضي التربص بأبعد الأجلين ليحصل كل من العدتين.
و فيه أن الظاهر من سياق آية وضع الحمل موردها إنما هو عدة الطلاق فلا عموم فيها بحيث يشمل عدة الوفاة، و بالجملة فالمرجع في ذلك إنما هو إلى الأخبار الواردة بذلك.
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن سماعة في الموثق قال: «قال: المتوفى عنها زوجها الحامل، أجلها آخر الأجلين إذا كانت حبلى فتمت لها أربعة أشهر و عشرا و لم تضع فإن عدتها إلى أن تضع، و إن كانت تضع حملها قبل أن يتم لها أربعة أشهر و عشرا تعتد بعد ما تضع تمام أربعة أشهر و عشرا، و ذلك أبعد الأجلين».
و ما رواه
في الكافي (2) عن عبد الله بن سنان في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الحبلى المتوفى عنها زوجها عدتها آخر الأجلين».
و عن محمد بن قيس (3) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة توفي عنها زوجها و هي حبلى، فولدت قبل أن تنقضي أربعة أشهر و عشر فتزوجت، فقضى أن يخلى عنها ثم لا يخطبها حتى ينقضي آخر الأجلين
____________
(1) الكافي ج 6 ص 113 ح 1، التهذيب ج 8 ص 150 ح 117، الوسائل ج 15 ص 455 ب 31 ح 2 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 114 ح 6، الوسائل ج 15 ص 455 ب 31 ح 5.
(3) الكافي ج 6 ص 114 ح 5، الوسائل ج 15 ص 456 ب 31 ح 3.
466
فإن شاء أولياء المرأة أنكحوها و إن شاءوا أمسكوها، فإن أمسكوها ردوا عليه ماله».
و عن محمد بن مسلم (1) في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المرأة الحبلى المتوفى عنها زوجها تضع و تزوج قبل أن يخلو أربعة أشهر و عشر؟ قال: إن كان زوجها الذي تزوجها دخل بها فرق بينهما و اعتدت ما بقي من عدتها الاولى و عدة اخرى، و من لم يكن دخل بها فرق بينهما و اعتدت ما بقي من عدتها، و هو خاطب من الخطاب».
و عن الحلبي (2) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال: في الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي عدتها آخر الأجلين».
و عن زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «عدة المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين لأن عليها أن تحد أربعة أشهر و عشرا و ليس عليها في الطلاق أن تحد».
و إطلاقها محمول على الحامل لما عرفت من أخبار المسألتين.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (4) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المرأة الحبلى يموت زوجها فتضع و تزوج قبل أن تمضي لها أربعة أشهر و عشرا، فقال: إن كان دخل بها فرق بينهما، ثم لم تحل له أبدا، و اعتدت بما بقي عليها من الأول، و استقبلت عدة اخرى من الآخر ثلاثة قروء، و إن لم يكن دخل بها فرق بينهما، و اعتدت بما بقي عليها من الأول و هو خاطب من الخطاب».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 114 ح 7، الوسائل ج 15 ص 456 ب 31 ح 6 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 114 ح 2، الوسائل ج 15 ص 455 ب 31 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 114 ح 4، الوسائل ج 15 ص 455 ب 31 ح 4.
(4) الكافي ج 5 ص 427 ح 4، التهذيب ج 7 ص 306 ح 31، الوسائل ج 14 ص 346 ب 17 ح 6 و ما في المصادر اختلاف يسير.
467
و خالف العامة في هذا الحكم فجعلوا عدتها وضع الحمل كالطلاق و لو بلحظة من يوم الوفاة، و الأخبار كما ترى ترده.
الثالث [في معنى الحداد]
فيما يترتب عليها و هو الحداد، و لا خلاف فيه بين كافة أهل العلم من الخاصة و العامة، و الأخبار به من الفريقين متضافرة، و هو عبارة عن ترك الزينة، و على ذلك اتفقت كلمة الفقهاء و أهل اللغة أيضا.
قال في كتاب المصباح المنير (1) حدت المرأة على زوجها تحد، و تحد حدادا بالكسر فهي حاد بغير هاء، و أحدت إحدادا فهي محد، و محدة، إذا تركت الزينة لموته، و أنكر الأصمعي الثلاثي و اقتصر على الرباعي، انتهى.
و قال في الصحاح (2) أحدت المرأة أي امتنعت من الزينة و الخضاب بعد وفاة الزوج.
و قال في القاموس (3) و الحادة المحدة تاركة الزينة للعدة.
و ظاهر عبارة الصحاح الاقتصار على الرباعي كما ذكره الأصمعي، و عبارة القاموس ظاهرة فيهما.
و من الأخبار الواردة في المقام ما رواه
في الكافي (4) عن ابن أبي يعفور في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المتوفى عنها زوجها، فقال: لا تكتحل للزينة و لا تطيب و لا تلبس ثوبا مصبوغا، و لا تبيت عن بيتها، و تقضي الحقوق، و تمتشط بغسله، و تحج و إن كانت في عدتها».
قال في كتاب مجمع البحرين (5) و الغسلة بالكسر الطيب و ما تجعله المرأة
____________
(1) المصباح المنير ص 171.
(2) الصحاح ج 2 ص 463.
(3) القاموس المحيط ج 1 ص 287.
(4) الكافي ج 6 ص 116 ح 4، الوسائل ج 15 ص 450 ب 29 ح 2.
(5) مجمع البحرين ج 5 ص 434.
468
في شعرها عند الامتشاط، و نحوه ما نقل عن الصحاح. (1)
و في القاموس (2) ما تجعله المرأة في شعرها عند الامتشاط و ما يغسل به الرأس من خطمي و نحوه قال في كتاب المصباح المنير (3) و ظاهر عبارة الصحاح و كتاب المجمع اشتماله على الطيب.
و ما رواه
في الكافي (4) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «في حديث قال فيه: فتمسك عن الكحل و الطيب و الأصباغ».
و عن أبي العباس (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المتوفى عنها زوجها قال:
لا تكتحل للزينة و لا تطيب، و لا تلبس ثوبا مصبوغا، و لا تخرج نهارا، و لا تبيت عن بيتها، قلت: أ رأيت إن أرادت أن تخرج إلى حق كيف تصنع؟ قال: تخرج بعد نصف الليل و ترجع عشاء».
و عن زرارة (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المتوفى عنها زوجها ليس لها أن تطيب و لا تزين حتى تنقضي عدتها أربعة أشهر و عشرة أيام».
و عن أبي بصير (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المرأة يتوفى عنها زوجها و تكون في عدتها، أ تخرج في حق؟ فقال: إن بعض نساء النبي (صلى الله عليه و آله) سألته فقالت: إن فلانه توفي عنها زوجها، فتخرج في حق ينوبها؟ فقال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): أف لكن قد كنتن من قبل أن ابعث فيكن، و أن المرأة منكن إذا توفي عنها زوجها أخذت بعسرة فرمت بها خلف ظهرها، ثم قالت: لا أمتشط و لا أكتحل
____________
(1) الصحاح ج 5 ص 1781.
(2) القاموس المحيط ج 4 ص 24.
(3) المصباح المنير ص 612.
(4) الكافي ج 6 ص 112 ح 6، الوسائل ج 15 ص 449 ب 29 ح 1.
(5) الكافي ج 6 ص 116 ح 6، الوسائل ج 15 ص 450 ب 29 ح 3.
(6) الكافي ج 6 ص 117 ح 12، الوسائل ج 15 ص 450 ب 29 ح 4.
(7) الكافي ج 6 ص 117 ح 13، الوسائل ج 15 ص 459 ب 33 ح 7.
469
و لا أختضب حولا كاملا، و إنما أمرتكن بأربعة أشهر و عشرا ثم لا تصبرن، لا تمتشط و لا تكتحل و لا تختضب و لا تخرج من بيتها نهارا و لا تبيت عن بيتها، فقالت: يا رسول الله فكيف تصنع إن عرض لها حق؟ فقال: تخرج بعد زوال الليل و ترجع عند المساء، فتكون لم تبت عن بيتها قلت له: فتحج؟ قال: نعم».
و عن محمد بن مسلم (1) قال: «جاءت امرأة إلى أبي عبد الله (عليه السلام) تستفتيه في المبيت في غير بيتها و قد مات زوجها، فقال: إن أهل الجاهلية كان إذا مات زوج المرأة أحدت عليه امرأته اثني عشر شهرا، فلما بعث الله محمدا (صلى الله عليه و آله و سلم) رحم ضعفهن فجعل عدتهن أربعة أشهر و عشرا، و أنتن لا تصبرن على هذا!!».
و ما رواه
في كتاب الفقيه (2) في الصحيح قال: «كتب الصفار إلى أبي محمد الحسن ابن علي (عليهما السلام) في امرأة مات عنها زوجها، و هي في عدة منه، و هي محتاجة لا تجد من ينفق عليها، و هي تعمل للناس، هل يجوز لها أن تخرج و تعمل و تبيت عن منزلها في عدتها قال: فوقع (عليه السلام): لا بأس بذلك إن شاء الله».
و ما رواه
في الفقيه و التهذيب (3) عن عمار الساباطي في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن المرأة يموت زوجها، هل يحل لها أن تخرج من منزلها في عدتها؟ قال: نعم و تختضب و تدهن و تكتحل و تمتشط و تصبغ و تلبس المصبغ و تصنع ما شاءت بغير زينة لزوج».
و ما رواه
في الكافي (4) عن ابن بكير في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 6 ص 117 ح 10، الوسائل ج 15 ص 461 ب 34 ح 3.
(2) الفقيه ج 3 ص 328 ح 12 و فيه اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 461 ب 34 ح 1.
(3) الفقيه ج 3 ص 328 ح 13، التهذيب ج 8 ص 83 ذيل ح 199، الوسائل ج 15 ص 458 ب 33 ح 1 مع اختلاف يسير في الأخيرين.
(4) الكافي ج 6 ص 118 ح 14، الفقيه ج 3 ص 328 ح 14، الوسائل ج 15 ص 459 ب 33 ح 3.
470
عن التي توفي عنها زوجها أ تحج؟ قال: نعم و تخرج و تنتقل من منزل».
و رواه في الفقيه مرسلا مقطوعا.
و ما رواه
في الكافي (1) عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المتوفى عنها زوجها أ تخرج من بيت زوجها؟ قال: تخرج من بيت زوجها و تحج و تنتقل من منزل إلى منزل».
أقول: و المفهوم من هذه الأخبار أن الحداد هو ترك كل ما يعد زينة في البدن أو اللباس و إن اختلف ذلك باختلاف العادات في البلدان، فيحكم على كل بلد بما هو المعتاد فيها، فلا يحرم عليها دخول الحمام و لا تنظيف البدن و لا تسريح الشعر و لا تقليم الأظفار و لا السواك و لا السكنى في المساكن العالية و لا التدثر بالفرش الفاخرة، لأن ذلك لا يعد من الزينة عرفا.
و ظاهر صحيحة ابن أبي يعفور المتقدمة و رواية أبي العباس جواز الكحل للضرورة و عدم قصد الزينة به، و فيها إشارة إلى أن ما كان زينة و ألجأت إليه الضرورة فإنه لا بأس به. و يؤيده ما ورد من أن الضرورات تبيح المحظورات، و إن لم يرد بهذا اللفظ، إلا أن هذا المعنى مستفاد من عدة من الأخبار تقدمت الإشارة إليها في غير موضع.
و في المسالك أنه مع الضرورة إلى الاكتحال فتكتحل ليلا و تمسحه نهارا و فيه أن إطلاق الخبرين المتقدمين تدفعه، فإنه متى كان الاكتحال لغير الزينة فلا بأس ببقائه نهارا، و النفع المترتب عليه لا يختص بالليل و إن كان آكد و الاحتياط يقتضي الوقوف على ما ذكره إذا لم تلجأ الضرورة إليه نهارا.
و أما ما يظهر من موثقة عمار من أنها تختضب و تدهن و تصبغ و تصنع ما شاءت، فلا يخلو من مدافعة لما تقدمها من الأخبار، و من ثم قال في الوافي ذيل الموثقة المذكورة: ينبغي حمل هذا الخبر على الشذوذ.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 116 ح 7، الوسائل ج 15 ص 459 ب 33 ح 5.
471
أقول: أما ما اشتمل عليه الخبر المذكور من التدهن و الامتشاط فالظاهر أنه غير داخل في الزينة لما عرفت، و أما الخضاب و الصبغ و أن تصنع ما تشاء فالظاهر حمله على الضرورة، و إليه يشير قوله «لغير زينة من زوج» أي يجوز فعل هذه الأشياء لا لقصد التزين للأزواج و ليس بعد ذلك إلا لغرض ألجأت إليه الضرورة.
بقي الكلام في اختلاف هذه الأخبار في جواز الخروج من بيتها و البيات في غيره، فإن أكثر الأخبار قد دل على المنع بآكد وجه إلا مع الضرورة، فتخرج بعد نصف الليل و تعود عشاء، و جملة منها قد دل على الجواز مطلقا، و هي الأخبار الأخيرة، و الظاهر الجمع بينهما بما تضمنته صحيحة الصفار المتقدمة من إلجاء الحاجة إلى ذلك و الضرورة فتخرج نهارا، و تبيت في غيره ليلا.
و الشيخ في كتابي الأخبار جمع بينها بحمل أخبار النهي عن البيتوتة عن بيتها على الاستحباب كما هو قاعدته غالبا في جميع الأبواب، و ظاهر الأخبار المانعة بآكد منع لا يساعده.
و من أخبار المسألة زيادة على ما قدمنا ما رواه
أبو منصور أحمد بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج و الشيخ في كتاب الغيبة (1) عن صاحب الزمان (عليه السلام) مما كتب في أجوبة مسائل محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري حيث سأله عن المرأة يموت زوجها، هل يجوز لها أن تخرج في جنازته أم لا؟ التوقيع: تخرج في جنازته، و هل يجوز لها و هي في عدتها أن تزور قبر زوجها؟ التوقيع: تزور قبر زوجها و لا تبيت عن بيتها، و هل يجوز لها أن تخرج في قضاء حق يلزمها أم لا تخرج من بيتها في عدتها؟ التوقيع: إذا كان حق خرجت فيه و قضته، و إن كان لها حاجة و لم يكن لها من ينظر فيها خرجت لها حتى تقضيها، و لا تبيت إلا في منزلها.
أقول: و هذا الخبر قد اشتمل على ما فصلناه في تلك الأخبار بعد حمل مطلقها على مقيدها و ملخصه أنه مع الضرورة إلى الخروج فلا إشكال في جواز الخروج
____________
(1) الاحتجاج ص 269، الغيبة ص 246، الوسائل ج 15 ص 460 ب 33 ح 8.
472
و إن استلزم البيات في غير بيتها، و مع عدم الضرورة فإنه يرخص لها الخروج لقضاء الحقوق التي يلزمها من عيادة مريض أو حضور تعزية و نحو ذلك من الحقوق التي يقوم بها النساء بعضهن لبعض و نحو ذلك من الأمور المستحبة، لكن لا تبيت إلا في بيتها، و لا ينافي ذلك الأخبار الدالة على جواز الانتقال من منزل إلى آخر.
و منها زيادة على ما قدمناه ما رواه
في الكافي (1) عن معاوية بن عمار في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المرأة المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها أو حيث شاءت؟ قال: بل حيث شاءت، إن عليا (عليه السلام) لما توفي عمر أتى أم كلثوم فانطلق بها إلى بيته».
و عن سليمان بن خالد (2) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة توفي عنها زوجها، أين تعتد في بيت زوجها تعتد أو حيث شاءت؟ قال: بل حيث شاءت، ثم قال: إن عليا (عليه السلام) لما مات عمر أتى أم كلثوم فأخذ بيدها فانطلق بها إلى بيته».
و عن عبد الله بن سليمان (3) «قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتوفى عنها زوجها أ تخرج إلى بيت أبيها و أمها من بيتها إن شاءت فتعتد؟ فقال: إن شاءت أن تعتد في بيت زوجها اعتدت، و إن شاءت اعتدت في أهلها، و لا تكتحل و لا تلبس حليا».
و عن يونس (4) عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المتوفى عنها زوجها أ تعتد في بيت تمكث فيه شهرا أو أقل من شهر أو أكثر ثم تتحول منه إلى غيره فتمكث في المنزل الذي تحولت إليه مثل ما مكثت في المنزل الذي تحولت
____________
(1) الكافي ج 6 ص 115 ح 1، الوسائل ج 15 ص 458 ب 32 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 115 ح 2، التهذيب ج 8 ص 161 ح 157، الوسائل ج 15 ص 457 ب 32 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 116 ح 3، الوسائل ج 15 ص 458 ب 32 ح 4.
(4) الكافي ج 6 ص 116 ح 9، التهذيب ج 8 ص 160 ح 153، الوسائل ج 15 ص 461 ب 34 ح 2.
473
منه، كذا صنعتها حتى تنقضي عدتها؟ قال: يجوز ذلك لها و لا بأس».
و الشيخ و من تبعه قد عملوا بهذه الأخبار، فقالوا بجواز ترك البيات في المنزل و جواز الخروج حيث شاءت، و حملوا أخبار النهي على الكراهة.
و الأقرب أن جواز الانتقال من منزل إلى آخر لا ينافي وجوب الاستقرار في ذلك المنزل الذي استقرت فيه، فلا يجوز لها الخروج و الرجوع إليه إلا في الصورة التي قدمنا ذكرها من الضرورة و قضاء الحقوق، فلا منافاة.
[فوائد]
و في المقام فوائد يجب التنبيه عليها:
الاولى [اختصاص الحكم بالزوجة]
ما ذكرنا من الحكم المذكور مختص بالزوجة، فلا يتعدى إلى غيرها من أقارب الميت و بناته و لا إلى إمائه و لو كن موطوءات أو أمهات أولاد، للأصل، و تعليق الحكم في الأخبار على الزوجة المشار إليها بالمتوفى عنها زوجها نعم قد ورد في بعض الأخبار الأمر بالاعتداد لهن ثلاثا.
فروى الشيخ في التهذيب (1) عن محمد بن مسلم قال: «ليس لأحد أن يحد أكثر من ثلاثة إلا المرأة على زوجها حتى تنقضي عدتها».
و عن أبي يحيى الواسطي (2) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يحد الحميم على حميمه ثلاثا، و المرأة على زوجها أربعة أشهر و عشرا».
و الظاهر أنه على الاستحباب.
الثانية [عدم الفرق في الزوجية بين الصغير و الكبير]
قد صرح في المسالك بأنه لا فرق في الزوجية بين الصغير و الكبير و لا المسلمة و الكافرة، و لا بين المدخول بها و غيرها، لإطلاق الأدلة المتقدمة، و على هذا فالتكليف في الصغيرة متعلق بالولي، فعليه أن يجنبها ما تتجنبه الكبيرة من الأمور المعتبرة في الحداد و نحوها المجنونة، انتهى.
و ظاهره أن الحكم المذكور اتفاقي، حيث لم يشر إلى خلاف فيه، مع أن المنقول عن ابن إدريس منع ذلك في الصغيرة فإنه لا حداد عليها، و إليه مال
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 160 ح 155، الوسائل ج 15 ص 450 ب 29 ح 5.
(2) التهذيب ج 8 ص 160 ح 158، الوسائل ج 15 ص 450 ب 29 ح 6.
474
العلامة في المختلف أيضا، حيث نقل ذلك عن ابن إدريس فقال في الكتاب المذكور- بعد أن نقل عن الشيخ (1) في الخلاف و المبسوط القول بوجوب العدة عليها- ما لفظه:
و قال ابن إدريس: و لي في الصغيرة نظر، لأن لزوم الحداد حكم شرعي و تكليف سمعي، و التكاليف لا تتوجه إلا إلى العقلاء، و إنما ذهب شيخنا في مسائل خلافه إلى أن الصغيرة يلزمها الحداد، و لم يدل بإجماع الفرقة و لا بالأخبار، و هذه المسألة لا نص لأصحابنا عليها و لا إجماع.
ثم قال في المختلف: و قول ابن إدريس لا بأس به، لأن الحداد هو ترك ما يحصل به الجمال و الزينة، و لبس الثياب المزعفرات و الملونات التي تدعو النفس إليها و تميل الطباع نحوها، و هو إنما يؤثر في البالغ دون الصبية غالبا، انتهى.
أقول: ما استدل به ابن إدريس- من اختصاص الخطابات بهذه التكاليف في الأخبار المتقدمة بالبالغة العاقلة، و الأصل براءة ذمة الولي- جيد وجيه، كما لا يخفى على الفطن النبيه.
الثالثة: هل يفرق في الزوجة بين الحرة و الأمة؟
قولان.
فذهب الشيخ في النهاية إلى الفرق بينهما، و اختاره ابن البراج في كتابيه و نقله في المختلف عن ابن الجنيد و شيخنا المفيد و ابن أبي عقيل من المتقدمين، و هو اختيار العلامة في المختلف و شيخنا في المسالك و سبطه في شرح النافع.
و ذهب الشيخ في المبسوط إلى عدم الفرق بينهما فيجب عليهما الحداد معا،
____________
(1) و صورة ما نقله عن الشيخ أنه قال: المتوفى عنها زوجها إذا كانت صغيرة عليها الحداد بلا خلاف، و ينبغي لوليها أن يجنبها ما يجب على الكبيرة اجتنابه من الإحداد بلا خلاف، و استدل بعموم الخبر و طريقة الاحتياط، و ما روى أن امرأة أتت النبي (صلى الله عليه و آله) فقالت: يا رسول الله ان ابنتي توفي عنها زوجها و قد اشتكت عينها، أ فأكحلها؟ قال:
لا، و لم يسأل هل هي كبيرة أو صغيرة، فدل على أن الحكم لا يختلف، و تبعه ابن البراج، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
475
و اختاره ابن إدريس، و هو ظاهر أبي الصلاح و سلار و ابن حمزة، حيث أوجبوا الحداد على المعتدة و لم يفصلوا.
و الأظهر الأول، لما رواه
ثقة الإسلام في الصحيح عن زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن الأمة و الحرة كلتيهما إذا مات عنهما زوجهما سواء في العدة، إلا أن الحرة تحد و الأمة لا تحد».
احتج الشيخ على ما ذهب إليه في المبسوط و ابن إدريس على ما نقله العلامة في المختلف بقوله (عليه السلام) «لا تحل لامرأة تؤمن بالله و اليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر و عشرا» و لم يفرق.
قال في المختلف: و الجواب: إن هذه الرواية لم تصل إلينا مسندة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، و إنما رواها الشيخ مرسلة و لا حجة فيها، انتهى.
أقول فيه: إن هذه الرواية بعينها و إن لم ترد من طرقنا، إلا أن نظيرها مما قدمناه في الفائدة الاولى، و هو رواية محمد بن مسلم و رواية الواسطي قد ورد من طرقنا، و هو و إن دل على ما دل عليه الخبر المذكور لكن الجواب من ذلك ظاهر بأن إطلاق الخبرين المذكورين مقيدة بالصحيحة المذكورة، و من القاعدة المسلمة تقديم العمل بالمقيد و تقييد المطلق به.
ثم إن العلامة في المختلف قال و نعم ما قال: و العجب أن ابن إدريس ترك مقتضى العقل و النقل و هو أصالة البراءة من التكليف بالحداد و ما تضمنته الرواية الصحيحة التي قدمناها و عول على هذا الخبر المقطوع السند، مع ادعائه أن الخبر الواحد المتصل لا يعمل به، فكيف المرسل، و هذا يدل على قصور قريحته و عدم تفطنه بوجوه الاستدلال، انتهى و هو جيد.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 170 ح 1، التهذيب ج 8 ص 153 ب 128، الوسائل ج 15 ص 472 ب 42 ح 2.
476
الرابعة [عدم الحداد على المطلقة]
الظاهر أنه لا خلاف في أن المطلقة لا حداد عليها رجعية كانت أو بائنة.
أما الرجعية فلبقاء أحكام الزوجية و توقع الرجعة، بل ظاهر جملة من الأخبار استحباب التزين لها كما ستقف عليه.
و أما البائن فعلله في المسالك بأنها مجفوة بالطلاق، فلا يلائم التكليف بما يقتضي التفجع على الزوج و الحزن بخلاف المتوفى عنها زوجها.
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالمقام ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المطلقة تكتحل و تختضب و تلبس ما شاءت من الثياب لأن الله عز و جل يقول «لَعَلَّ اللّٰهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذٰلِكَ أَمْراً» (2) لعلها أن تقع في نفسه فيراجعها.
و عن محمد بن قيس (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «المطلقة تشوق لزوجها ما كان له عليها رجعة و لا يستأذن عليها».
و عن أبي بصير (4) عن أحدهما (عليهما السلام) «في المطلقة تعتد في بيتها و تظهر له زينتها لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا».
و هذه الأخبار كما ترى ظاهرة في نفي الحداد في المطلقة الرجعية، و أنه يستحب لها الزينة كما قدمنا ذكره.
و ما رواه
في الفقيه (5) عن عمار الساباطي في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه
____________
(1) الكافي ج 6 ص 92 ح 14، التهذيب ج 8 ص 158 ح 148، الوسائل ج 15 ص 437 ب 21 ح 2 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) سورة الطلاق- آية 1.
(3) الكافي ج 6 ص 91 ح 7 و فيه «تشوفت»، الوسائل ج 15 ص 437 ب 21 ح 4.
(4) الكافي ج 6 ص 91 ح 10، التهذيب ج 8 ص 131 ح 5، الوسائل ج 15 ص 437 ب 21 ح 1.
(5) الفقيه ج 3 ص 328 ح 13، التهذيب ج 8 ص 82 ضمن ح 199، الوسائل ج 15 ص 451 ب 29 ح 7 و ما في المصادر اختلاف يسير.
477
سئل عن المرأة إذا اعتدت، هل يحل لها أن تختضب في العدة؟ قال: لها أن تكتحل و تدهن و تمتشط و تصبغ و تلبس الصبغ و تختضب بالحناء و تصنع ما شاءت لغير زينة من زوج».
و ما رواه
في الكافي (1) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «عدة المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين لأن عليها أن تحد أربعة أشهر و عشرا و ليس عليها في الطلاق أن تحد».
و هذان الخبران ظاهران في نفي الحداد عن المطلقة بائنة كانت أو رجعية.
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) عن محمد بن يعقوب بسنده إلى مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) قال: «المطلقة تحد كما تحد المتوفى عنها زوجها و لا تكتحل و لا تطيب و لا تختضب و لا تمتشط».
قال في الوافي بعد نقل هذا الخبر كما نقلناه: هذا الحديث لم نجده في الكافي و الذي يظهر من كلام صاحب الوسائل أنه موجود فيه، حيث إنه نقل ذلك عن العدة عن سهل عن أبي شمعون عن عبد الله بن عبد الرحمن عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله (عليه السلام). إلى آخر الخبر، ثم قال: و رواه الشيخ بإسناده عن محمد ابن يعقوب إلا أنه يحتمل أنه اعتمد على كلام الشيخ و روايته عن محمد بن يعقوب بهذه الاسناد فأسنده عن محمد بن يعقوب ثم أسنده إلى الشيخ.
و بالجملة فإنه لا يحضرني الآن كتاب الكافي فليراجع.
و كيف كان فهذه الرواية كما ترى ظاهرة المخالفة لما قدمناه من الأخبار، و الشيخ- رحمة الله عليه- حملها على البائن، و أنه يستحب لها الحداد، قال: لأن استعمال الزينة إنما يستحب لها في الطلاق الرجعي ليراها الرجل فربما يراجعها و لا بأس به في مقام الجمع و إن كان لا يخلو من نوع بعد، إذ ليس بعد ذلك إلا
____________
(1) الكافي ج 6 ص 114 ح 4، الوسائل ج 15 ص 437 ب 21 ح 3.
(2) التهذيب ج 8 ص 160 ح 154، الوسائل ج 15 ص 438 ب 21 ح 5.
478
طرحه من البين.
و ما رواه
في كتاب قرب الاسناد (1) عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن المطلقة لها أن تكتحل و تختضب و تلبس ثوبا مصبوغا؟ قال: لا بأس إذا فعلته من غير سوء».
و هذا الخبر نظير ما تقدم
في خبر عمار من قوله (عليه السلام) «تصنع ما شاءت لغير ريبة من زوج».
و مرجعها إلى أنها يجوز لها الزينة ما لم يكن التزين لغير زوجها الذي طلقها من الأجانب.
و من هنا يمكن حمل خبر مسمع و ما تضمنه من النهي عن تلك الأشياء المذكورة فيه على ما إذا لم يكن لغير الزوج من الأجانب، كما يشير إليه هذان الخبران، و إن سماها حدادا، و هو محمل قريب كما لا يخفى على الأريب.
الخامسة: لو أخلت بما وجبت عليها من الحداد
فلا إشكال في أنها تكون عاصية لإخلالها بالواجب، و هل تنقضي عدتها؟ أم لا بل يجب عليها استئناف ما أخلت به بأن تحد في قدر ما مضى من تلك الأيام؟ قولان.
أشهرهما على ما نقله في المسالك الأول، قال: للأصل، و عدم المنافاة بين المعصية له تعالى و انقضاء العدة، فتدخل في عموم الأدلة الدالة على انقضاء العدة بما بعد المدة المضروبة لعموم قوله تعالى «فَإِذٰا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (2) ثم نقل عن أبي الصلاح و السيد الناصر شارح الرسالة أنه لا يحسب من العدة ما لا يحصل فيه الحداد من الزمان للإخلال لمراد الشارع، فلم يحصل الامتثال و يجب الاستئناف، ثم رده بأنه نادر، و الأظهر هو قول المشهور.
السادسة: لو وطئت المرأة بعقد الشبهة ثم مات الواطئ
فإن العدة الواجبة عليها عدة الطلاق لا عدة الوفاة، لأن أخبار عدة الوفاة موردها الزوجة و لا زوجية
____________
(1) قرب الاسناد ص 110، الوسائل ج 15 ص 438 ب 21 ح 6.
(2) سورة البقرة- آية 234.
479
هنا و إن عوملت معاملة الزوجة في بعض الأحكام لدليل خاص.
و بالجملة فالحكم في الأخبار متعلق بالزوجة و هي المنكوحة بالعقد الصحيح و العدة هنا إنما ترتبت على الوطء لا على العقد حتى أنه لو وطأها شبهة عن غير عقد بالكلية كأن يطأها بظن أنها زوجته مثلا فإنه يجب عليها عدة الطلاق، فهذه العدة واجبة عليها لذلك حيا كان أو ميتا، فلا يتعلق بها حكم عدة الوفاة و لا ما يترتب عليها من الحداد.
المقام السادس: في حكم المفقود زوجها
، و تفصيل الكلام في المقام حسب ما ذكره علماؤنا الأعلام أن يقال: لا إشكال و لا خلاف في أن الغائب إن علمت حياته فهو كالحاضر، و إن علم موته اعتدت منه و جاز تزويجها، و لو علمت الوفاة هي خاصة جاز لها التزويج و إن لم يحكم بها الحاكم، لكن لا يجوز لمن علم بالزوجية و لم يثبت عنده موت الزوج تزويجها، نعم لو كان جاهلا بحالها و عول على إخبارها بعدم الزوج أو وفاته فإنه يجوز له تزويجها لأنها مصدقة في إخبارها كما دلت عليه الأخبار.
إنما الإشكال فيما لو انقطع خبره و لم يثبت موته و لا حياته، فإن الذي تقتضيه الأصول و استصحاب حكم الزوجية هو وجوب الصبر إلى أن يثبت موته شرعا، لكن قد وردت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بخلاف ذلك في الباب، إلا أنها أيضا لا يخلو بعضها مع بعض من التدافع و الاضطراب.
و قد اتفقت كلمة الأصحاب كما هو ظاهر الأخبار الآتية أيضا على أنه يجب الصبر عليها ما أنفق عليها في مال المفقود أو الولي أو غيرهما، و أما مع عدم من ينفق فإنه يجب الصبر عليها أربع سنين ليطلب فيها، و أن النفقة في ضمن الأربع إما من مال المفقود إن كان له مال، و إلا فمن بيت المال، و بعد الأربع مع حصول الفحص فيها أو بعدها يجري عليها الحكم المذكور.
[الأخبار الواردة في المقام]
و الواجب أولا نقل ما وصل إلينا من أخبار المسألة ثم الكلام فيها بما وفق
480
الله تعالى فهمه منها ببركة أهل الذكر (عليهم السلام).
و منها ما رواه
في الكافي (1) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن المفقود، فقال: المفقود إذا مضى له أربع سنين بعث الوالي أو يكتب إلى الناحية التي هو غائب فيها فإن لم يوجد له أثر أمر الوالي وليه أن ينفق عليها فما أنفق عليها فهي امرأته، قال: قلت: فإنها تقول: فإني أريد ما تريد النساء، قال: ليس ذلك لها و لا كرامة، فإن لم ينفق عليها وليه أو وكيله أمره أن يطلقها فكان ذلك عليها طلاقا واجبا».
و ما رواه
المشايخ الثلاثة (2) عن بريد بن معاوية قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المفقود كيف يصنع بامرأته؟ قال: ما سكتت عنه و صبرت يخلي عنها، فإن هي رفعت أمرها إلى الوالي أجلها أربع سنين، ثم يكتب إلى الصقع الذي فقد فيه يسأل عنه، فإن خبر عنه بحياة صبرت، و إن لم يخبر عنه بشيء حتى تمضي الأربع سنين دعي ولي الزوج المفقود فقيل له: هل للمفقود مال؟ فإن كان له مال أنفق عليها حتى يعلم حياته من موته، و إن لم يكن له مال قيل للولي: أنفق عليها، فإن فعل فلا سبيل لها إلى أن تتزوج ما أنفق عليها، و إن أبى أن ينفق عليها أجبره الوالي على أن يطلق تطليقة في استقبال العدة و هي طاهرة، فيصير طلاق الولي طلاق الزوج، فإن جاء زوجها قبل أن تنقضي عدتها من يوم طلقها الوالي فبدا له أن يراجعها فهي امرأته و هي عنده على تطليقتين، و إن انقضت العدة قبل أن يجيء و يراجع فقد حلت للأزواج، و لا سبيل للأول عليها».
قال في الفقيه: و في رواية اخرى (3) «أنه إن لم يكن للزوج ولي طلقها الوالي
____________
(1) الكافي ج 6 ص 147 ح 1، الوسائل ج 15 ص 389 ب 23 ح 4.
(2) الكافي ج 6 ص 147 ح 2، الفقيه ج 3 ص 354 ح 1، التهذيب ج 7 ص 479 ح 130، الوسائل ج 15 ص 389 ب 23 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(3) الفقيه ج 3 ص 354 ح 1، الوسائل ج 15 ص 390 ب 23 ح 2.
481
و يشهد شاهدين عدلين، فيكون طلاق الوالي طلاق الزوج، و تعتد أربعة أشهر و عشرا ثم تتزوج إن شاءت».
و ما رواه
في الكافي (1) عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في امرأة غاب عنها زوجها أربع سنين و لم ينفق عليها، و لم تدر أ حي هو أم ميت، أ يجبر وليه على أن يطلقها؟ قال: نعم، و إن لم يكن له ولي طلقها السلطان، قلت: فإن قال الولي: أنا أنفق عليها، قال: فلا يجبر على طلاقها، قال: قلت: أ رأيت إن قالت: أنا أريد ما تريد النساء و لا أصبر و لا أقعد كما أنا؟ قال: ليس لها و لا كرامة إذا أنفق عليها».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) في الموثق عن سماعة قال: «سألته عن المفقود، قال: إن علمت أنه في أرض فهي تنتظر له أبدا حتى يأتيها موته أو يأتيها طلاقه، و إن لم تعلم أين هو من الأرض كلها و لم يأتها منه كتاب و لا خبر فإنها تأتي الإمام فيأمرها أن تنتظر أربع سنين فيطلب في الأرض، فإن لم يوجد له أثر حتى تمضي الأربع سنين أمرها أن تعتد أربعة أشهر و عشرا، ثم تحل للرجال، فإن قدم زوجها بعد ما تنقضي عدتها، فليس له عليها رجعة، و إن قدم و هي في عدتها أربعة أشهر و عشرا فهو أملك برجعتها».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (3) عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام) قال في المفقود: لا تتزوج امرأته حتى يبلغها موته أو طلاق أو لحوق بأهل الشرك».
هذا ما وقفت عليه من أخبار المسألة
، إذا عرفت ذلك فاعلم أن تحقيق
____________
(1) الكافي ج 6 ص 148 ح 3، الوسائل ج 15 ص 390 ب 23 ح 5 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 148 ح 4، التهذيب ج 7 ص 479 ح 131، الوسائل ج 14 ص 390 ب 44 ح 2 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(3) التهذيب ج 7 ص 478 ح 129، الوسائل ج 15 ص 390 ب 23 ح 3.
482
الكلام في المقام يتوقف على بسطه في مسائل:
الأولى [تكليف الزوجة بعد الطلب أربع سنين]
اختلف الأصحاب لاختلاف هذه الأخبار في أنه بعد الطلب أربع سنين و لم يعرف له خبر فهل يكفي أمر الحاكم لها بالاعتداد عدة الوفاة؟ أم لا بد من الطلاق أولا من الولي أو الحاكم مع عدمه؟ و على تقدير الثاني، فهل العدة عدة الطلاق أو عدة الوفاة؟ أقوال:
فذهب الشيخان إلى الأول، و به قال ابن البراج و ابن إدريس، و هو الذي صرح به العلامة في القواعد و الإرشاد و المحقق في كتابيه، و على هذا القول تدل موثقة سماعة.
و قيل بالثاني و أن العدة عدة الوفاة، و هو مذهب الصدوق في المقنع و ابن حمزة.
قال في المقنع: إذا امتنع الولي أن يطلق أجبره الوالي على أن يطلقها، فيصير طلاق الولي طلاق الزوج، فإن لم يكن له ولي طلقها السلطان، و اعتدت أربعة أشهر و عشرة أيام. و نحوه كلام ابن حمزة (1) و اختاره العلامة في المختلف.
و يدل على طلاق الولي أكثر الأخبار المذكورة و على طلاق الوالي رواية أبي الصباح و المرسلة المنقولة عن الفقيه، و على كون العدة في هذه الصورة عدة الوفاة المرسلة المذكورة.
و قيل: بأن العدة في هذه الصورة إنما هي عدة الطلاق، و هو ظاهر أكثر الأخبار المذكورة، و إليه يميل كلام السيد السند في شرح النافع و قبله جده- رحمة الله عليه- في المسالك.
و يظهر من هذه الأخبار أن العدة عدة الطلاق، إلا أن القائلين بالطلاق صرحوا بأن العدة عدة الوفاة، و لا يخلو من إشكال، و رواية سماعة الدالة عليها
____________
(1) حيث قال: و ان لم تجد له خبر موت و لا حياة أمر الحاكم بعد انقضاء أربع سنين ولي الغائب بتطليقها، فان لم يكن له ولى طلقها الحاكم، فان طلقها اعتدت منه عدة الوفاة، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
483
موقوفة ضعيفة السند، انتهى.
و قال ابن الجنيد: و إن لم يأت خبره بعد أربع سنين و كان له ولي أحضره السلطان و أمره بالنفقة عليها من مال المفقود أو من مال وليه، فإن أنفق و إلا أمر السلطان بأن يطلق، فإن طلقها وقع طلاقه موقع طلاق زوجها، و إن لم يطلق أمرها والي المسلمين أن تعتد، فإذا خرجت من العدة حلت للأزواج.
و ظاهر هذه العبارة أنه مع تعذر الطلاق من الولي فإن الوالي يأمرها بالاعتداد من غير طلاق، و إن العدة حينئذ عدة الوفاة، و أما في صورة طلاق الولي فإنها مجملة بالنسبة إلى العدة، و حينئذ يكون هذا قولا رابعا في المسألة. (1)
و أنت خبير بأن القول الأول و إن دلت عليه موثقة سماعة إلا أنها معارضة بما هو أكثر عددا و أصح سندا مما يدل على الطلاق من الولي ثم مع تعذره من الحاكم الشرعي، و الجمع بين أخبار المسألة فيما ذكرناه لا يخلو من الاشكال.
قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين (2) يمكن الجمع بين الأخبار بتخير الإمام أو الحاكم بين أمرها بعدة الوفاة بدون طلاق و بين أمر الولي بالطلاق فتعتد عدة الطلاق، أو حمل أخبار الطلاق على ما إذا كان له ولي، و أخبار عدة الوفاة مع عدمه، انتهى.
أقول: ينافي الحمل الثاني ما دلت عليه رواية أبي الصباح الكناني و مرسلة الفقيه لدلالتهما على أنه مع عدم الولي يطلقها الولي أو السلطان، لا أنها تعتد عدة
____________
(1) لان القول الأول انما هو أمر الحاكم بالاعتداد من أول الأمر، و القول الثاني انما هو طلاق الولي أولا، و مع تعذره فطلاق الحاكم ثم الاعتداد، و هذا القول تضمن أنه مع تعذر طلاق الولي فإنه يأمر الحاكم بالاعتداد من غير طلاق، و مغايرته لهما ظاهرة.
(منه- (قدس سره)-).
(2) هو شيخنا المجلسي المولى محمد باقر- (قدس سره)- في حواشيه على كتب الاخبار.
(منه- رحمة الله-).
484
الوفاة كما ذكره.
و يمكن أن يقال- و الله سبحانه و قائل هذه الأخبار أعلم بحقيقة الحال-:
إن المستفاد من هذه الأخبار بعد ضم مطلقها إلى مقيدها و مجملها إلى مبينها أنه يطلقها الولي، و مع عدمه فالحاكم، و تعتد عدة الوفاة.
و توضيحه أن غاية ما تدل عليه موثقة سماعة أنه بعد تحقق انقطاع خبره يأتي الإمام فيأمرها بالاعتداد عدة الوفاة، و هي بالنسبة إلى الطلاق و عدمه مطلقة، فيجب حملها على ما دلت عليه موثقة سماعة من عدة الوفاة. (1) و سند ما ذكرنا مرسلة الصدوق حيث تضمنت عدة الوفاة بعد الطلاق من الولي أو الوالي، و لا ينافي ذلك جواز المراجعة في العدة لو قدم و هي في العدة، لأن هذه العدة عدة طلاق من جهة، و عدة وفاة من جهة.
و أما رواية السكوني- فضعفها و معارضتها بما ذكرناه من أخبار المسألة بمنع القول بها، مؤيدا ذلك بعمل الطائفة على خلاف ما دلت عليه- فهي مردودة إلى قائلها (عليه السلام)، و لا يحضرني الآن مذهب العامة، و حملها على التقية غير بعيد.
الثانية [في أنه لا يقع الطلاق أو الأمر بالاعتداد إلا بعد الفحص عنه]
ظاهر كلام الأصحاب الاتفاق على أنه لا يقع الطلاق أو الأمر بالاعتداد إلا بعد الفحص عنه، بأن ترفع أمرها إلى الحاكم فيؤجلها أربع سنين من حين رفع أمرها إليه، و يفحص عنه في تلك الأربع سنين، فإن لم يعرف خبره أمر الولي بالطلاق أو أمرها بالاعتداد.
____________
(1) و لا منافاة بين الطلاق و الاعتداد بعدة الوفاة في هذا المقام لقيام احتمال الموت فالواجب طلاقها، و العدة من الطلاق تندرج تحت عدة الوفاة، فيكون الاحتياط في الاعتداد بعدة الوفاة.
قال في المختلف بعد ذكر موثقة سماعة: و لا حجة فيها، فإن الأمر بالاعتداد لا ينافي الطلاق، و عدة الوفاة جعلت احتياطا للظن بالموت و لا منافاة حينئذ، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
485
قال في القواعد «و لو لم ترفع خبرها إلى الحاكم فلا عدة حتى يضرب لها المدة ثم تعتد و لو صبرت مائة سنة، و ابتداء المدة من رفع القصة إلى الحاكم و ثبوت الحال عنده لا من وقت انقطاع الخبر» و في انطباق الأخبار على ما ذكروه إشكال فإن المفهوم منها بعد ضم بعضها إلى بعض أن الأربع سنين المضروبة أعم من أن يكون من حين الفقد و انقطاع الخبر، أو رفع الأمر إلى الحاكم، و أن الفحص أعم من أن يكون في الأربع أو قبلها أو بعدها من الولي أو الوالي أو غيرهما.
أما صحيحة الحلبي أو حسنته فإنها دلت على أنه «إذا مضى له أربع سنين بعث الوالي أو يكتب» و هي ظاهرة في كون الأربع من حين الفقد، و أنه لم يقع الفحص في الأربع، و إنما وقع بعدها، و هي بحسب ظاهرها لا تنطبق على كلامهم، و طريق الجمع بينها و بين ما بعدها من الأخبار أن يكون مبدأ الأربع من حين الفقد، إلا أنه لما لم يقع الفحص فيها وجب أن يكون بعدها.
و أما صحيحة بريد فإنها ظاهرة فيما ذكروه و كذا موثقة سماعة، فإنهما قد تضمنتا رفع الأمر الحاكم، و أنه يأمرها بالتربص أربع سنين ثم يطلب فيها، و أن مبدأ الأربع هو الرفع إلى الحاكم، إلا أن باب الاحتمال غير مغلق.
و أما رواية أبي الصباح الكناني فإنها ظاهرة فيما دلت عليه صحيحة الحلبي من أن الأربع مبدؤها من حين الفقد، و أن الرفع إلى الحاكم إنما وقع بعد الأربع، و هي خالية من ذكر الفحص عنه، فيجب تقييدها بذلك حسبما تضمنته صحيحة الحلبي بأن يفحص عنه بعد الأربع أو في أثنائها، ثم مع عدم معرفة خبره يجبر الولي على أن يطلقها ثم السلطان مع عدمه.
و الظاهر أن الوجه في الجمع بين هذه الأخبار هو أنه إن لم ترفع أمرها إلى الحاكم إلا بعد مضي الأربع من حين الفقد فإنه يفحص عنه حتى يعلم أمره و أنه مع ظهور فقده و عدم العلم بحياته يجري عليه الحكم المذكور من غير تقييد بمدة، و إن رفعت أمرها من أول الأمر قبل مضي الأربع من حين الفقد
486
أو في أثنائها فإنه يجب عليها التربص مدة الأربع أو تمامها و الفحص في تلك المدة ثم إجراء الحكم المذكور.
الثالثة [في ما لو تعذر البحث من الحاكم إما لعدمه أو لقصور يده]
قال في المسالك: لو تعذر البحث من الحاكم إما لعدمه أو لقصور يده تعين عليها الصبر إلى أن يحكم بموته شرعا أو يظهر حاله بوجه من الوجوه لأصالة بقاء الزوجية، و عليه يحمل ما روي
عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) «امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها يقين موته أو طلاقه».
و عن علي (عليه السلام) (2) «أنه قال: هذه امرأة ابتليت فلتصبر».
و من العامة من أوجب ذلك مطلقا عملا بهاتين الروايتين.
أقول: لا يخفى ما فيه من الاشكال و الداء العضال و الضرر المنفي بالآية و الرواية الواردتين في أمثال هذا المجال، و بهما استدلوا في غير حكم من الأحكام، و خصصوا بهما ما كان ثمة من دليل مطلق و عام، و لا ريب أن كلامه- رحمة الله عليه- هذا مبني على ظاهر ما اتفقت عليه كلمتهم من توقف الطلاق أو الاعتداد على رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي، كما سمعت من عبارة العلامة في القواعد من أنه لو مضت مائة سنة و لم ترفع أمرها إلى الحاكم فلا طلاق و لا عدة بل تبقى على حكم الزوجية و أن الفحص ضمن الأربع سنين لا بد أن يكون من الحاكم، و في الحكم بتعينه من الأخبار المذكورة نظر لما عرفت آنفا من أن بعضها و إن دل على الرفع إلى الحاكم إلا أن البعض الآخر خال من ذلك، و أن الفحص المأمور به لا يتعين كونه من الحاكم بل يكفي لو كان من الولي أو غيره.
و يؤيد ما فهمناه من هذه الأخبار ما صرح به المحدث الكاشاني في الوافي حيث قال- بعد نقل أخبار المسألة المذكورة حسبما نقلناه- و إن أردت أن يتضح لك ما تضمنته هذه الأخبار بحيث تتلاءم و تتطابق فاستمع لما يتلى عليك، فنقول و بالله التوفيق: إذا فقد الرجل بحيث لم يوجد له خبر أصلا، فإن مضى عليه من حين
____________
(1) سنن البيهقي ج 7 ص 445 مع اختلاف يسير.
(2) سنن البيهقي ج 7 ص 445 مع اختلاف يسير.
487
فقد خبره أربع سنين و لم يوجد من أنفق على امرأته بعد ذلك و لم تصبر هي على ذلك اجبر وليه على طلاقها بعد تحقق الفحص عنه، سواء وقع الفحص قبل مضي الأربع أو بعده، و سواء وقع من الولي أو الوالي أو غيرهما، و عدتها عدة الوفاة.
إلى آخر كلامه- رحمة الله عليه.
و هو كما ترى ظاهر في ترتب الحكم على حصول هذه الأمور من الحاكم أو غيره، و محصله أنه مع مضي أربع سنين من حين الفقد و حصول الفحص من كل من كان قبل مضي الأربع أو بعده، فإنه بعد مضي المدة المذكورة يجب على الولي طلاقها أو الحاكم، و إن لم ترفع أمرها إلى الحاكم بالكلية.
و بالجملة فإنه لا ظهور في هذه الأخبار على توقف الطلاق على رفع الأمر إلى الحاكم، و أن مبدأ الأربع التي يجب عليها التربص فيها من مبدأ الرفع، و أن الفحص إنما هو من الحاكم، كما هو ظاهر كلامهم، بل الذي يظهر منها إنما هو وجوب التربص أربع سنين، رفعت أمرها إليه قبل الأربع أم لم ترفع، و أن مبدأ الأربع من حين الفقد، و لا ينافيه قوله في صحيح بريد «أجلها أربع سنين» و كذا موثقة سماعة لإمكان حملهما على أن ذلك كان مبدأ الفقد، أو أن المراد تمام الأربع لو علم الفقد سابقا قبل الرفع، جمعا بينهما و بين صحيحة الحلبي الظاهرة في أن مبدأ الأربع من حين الفقد، و كذا رواية أبي الصباح، و أنه يجب الفحص عنه من كل من كان في الأربع أو بعدها، فإنه بعد تحقق الفقد يجب على الولي أو الوالي مع عدم الولي طلاقها، و ذكر الرفع في صحيحة بريد و موثقة سماعة إنما خرج مخرج التمثيل لا الحصر، و أصل الحكم إنما يدور و يبنى على مضي الأربع سنين مع حصول الفحص كيف كان.
هذا ما أدى إليه الفهم القاصر من هذه الأخبار، و إن كان الاحتياط فيما صاروا إليه، و متى ثبت أن الحكم لا اختصاص له بالحاكم كما ذكرناه، فلا إشكال في أنه مع فقده أو قصور يده فإنه لا ينتفي الحكم المذكور، بل يجب على عدول
488
المؤمنين القائمين مقامه في تولي بعض الأمور الحسبية القيام بذلك، و تخرج الآيات و الأخبار الدالة على نفي الضرر و الحرج و الضيق في هذا الدين شاهدا على ذلك.
و كيف كان فإن ما ذكرناه إن لم يكن أرجح فلا أقل أن يكون مساويا لما ذكروه في الاحتمال من الأخبار.
و أما الخبران اللذان ذكرهما فالظاهر أنهما من أخبار العامة لعدم وجودهما في أخبارنا، و بهما يظهر قرب ما احتملناه في رواية السكوني من حملها على التقية مضافا إلى نقل القول عنهم.
الرابعة [في حكم من اتفق فقده في جوف البلد و غيره]
قال في المسالك أيضا: لا فرق في المفقود بين من أنفق فقده في جوف البلد أو في السفر و في القتال، و ما إذا انكسرت سفينة و لم يعلم حاله، لشمول النص لذلك كله و حصول المعنى، و لا يكفي دلالة القرائن على موته بدون البحث، إلا أن تنضم إليها أخبار من يتاخم قوله العلم بوفاته، فيحكم بها حينئذ من غير أن تتربص به المدة المذكورة، و لا فرق حينئذ بين أن يحكم الحاكم بموته و عدمه، بل إذا ثبت ذلك عندها جاز لها التزويج و لم يجز لغيرها أن يتزوجها إلا أن يثبت عنده ذلك أيضا، و لو حكم الحاكم بها كفي في حق الزوج بغير إشكال.
أقول: في فهم ما ذكره من الإطلاق في الفقد و شموله لهذه الأفراد المعدودة من النصوص نظر، فإن ظاهر الأخبار المتقدمة تخصيص الحكم بالسفر إلى قطر من الأقطار، أو مطلقا من غير معلومية أرض مخصوصة، و أنه يكتب أو يرسل في الفحص عنه إلى ذلك القطر أو في الجوانب الأربعة أو بعضها مما يعلم أو يظن السفر إليه، و أما الفقد في البلد أو في معركة القتال أو السفينة التي انكسرت في البحر فلا يكاد يشم له رائحة من هذه الأخبار، بل ربما كانت ظاهرة في خلافه، إذ لا يتحقق الفحص في شيء من هذه المواضع المعدودة، و أيضا فإنه بالنسبة إلى هذه الأفراد المعدودة فلتدل القرائن الموجبة للعلم العادي على الموت، بخلاف مجرد السفر إلى بلد و فقد خبره، و الفرق بين الأمرين ظاهرين غاية الظهور لمن
489
أعطى التأمل حقه في هذه السطور. (1)
و من هنا كان بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين يحكم بخروج هذه الأفراد عن حكم المفقود المذكور في هذه الأخبار.
قال- (رحمه الله)- و نعم ما قال: إن من حصل العلم العادي بعدم حياته فإنه يجوز نكاح زوجته و إن لم ترفع أمرها إلى الحاكم، و مثله يأتي أيضا في قسمة الميراث، لأن المفقود في مثل البحر مع كثرة المترددين من السواحل المحيطة بموضع الغرق يحصل العلم من مجاري العادة بهلاكهم كما هو واضح، و هو أقوى من العلم بالشاهدين. و كذا المفقود في المفاوز (2) في شدة الحر و البرد مع إحاطة الأودان بالأطراف و لم يخبر عنه منها مع كثرة المترددين. و كذا المفقود في المعارك العظام لا يحتاج فيه إلى التأجيل أربع سنوات ليفحص فيها عن حاله في الأطراف لأن ذلك إنما هو في المفقود لا كذلك، و أما هنا فيكفي في مثله حصول المترددين في الأطراف التي يظن بجاري العادة أنه لو كان حيا لكان فيها و أتى بخبره المترددون، و حيث لم يأت له خبره علم هلاكه، انتهى.
و إلى هذا أيضا كان الآخند المولى محمد جعفر الأصفهاني المشهور بالكرباسي صاحب الحواشي على الكفاية و هو من فضلائنا المعاصرين، و قد زوج جملة من النساء اللاتي فقدت أزواجهن في معركة قتال الأفغان مع عسكر شاه سلطان
____________
(1) أقول: قد اتفق في زماننا من القضايا ما تحقيق هذا المقام و يكشف عنه نقاب الاشكال كما وقع في طريق الهند في غرق مراكب فارس، فان هذه منذ أربعين سنة أو خمسين قد مضت الى يومنا هذا و لا يظهر لأحد منهم أثر بالكلية. و في طريق مكة في نهب الحجاج و قد مضت لذلك ما يقرب من خمسين سنة أو أزيد و لم يظهر لأحد منهم أثر. و في واقعة البحرين و فتح الخوارج لها قد فقد يوم أخذ قلعة البحرين جمع من أهل البلاد و قد مضت خمسون سنة و لم يظهر لأحد منهم أثر بالمرة، و هو أظهر ظاهر في قتلهم أو موتهم كما لا يخفى. (منه- (قدس سره)-).
(2) المفازة: واحدة المفاوز، و سميت بذلك لأنها مهلكة. (لسان العرب).
490
حسين في مفازة قرب كرمان.
و بالجملة فإن مورد الأخبار المتقدمة السفر، و أن الفقد حصل فيه فيرسل إلى الفحص عنه في تلك الجهة أو الجهات، و ما ذكره ليس كذلك، و الاشتراك في مجرد الفقد لا يوجب الإلحاق فإنه قياس محض، و أيضا فإن الفحص المأمور به في الأخبار لا يتحقق في هذه الأفراد، فإذا كان الفقد في مفازة كطريق الحج مثلا إذا قطع على قفل الحاج جملة من المتغلبين و قتلوهم و أخذوا أموالهم فإلى من يرسل و ممن يفحص، و هكذا في معركة القتال.
و بذلك يظهر لك ما في دعواه شمول النص لهذه الأفراد فإنه كيف تكون شاملة لها و موردها الفقد في السفر إلى البلدان المعمورة بالناس لتمكن الفحص منهم و السؤال و تحقيق الأحوال. نعم الجميع مشتركون في المعنى و هو الفقد و عدم العلم بالحياة و الموت، و لكن مجرد ذلك لا يكفي في ترتب الأحكام المذكورة.
الخامسة [في أن الحكم مختص بالزوجة فلا يتعدى إلى ميراثه و لا عتق أم ولده]
قال في المسالك أيضا: الحكم مختص بالزوجة فلا يتعدى إلى ميراثه و لا عتق أم ولده، وقوفا فيما خالف الأصل على مورده، فيتوقف ميراثه و ما يترتب على موته من عتق أم الولد و المدبر و الوصية و غيرها إلى أن يمضي مدة لا يعيش مثله إليها عادة، و سيأتي البحث فيه، و الفرق بين الزوجة و غيرها مع ما اشتهر من أن الفروج مبنية على الاحتياط وراء النص الدال على الاختصاص دفع الضرر الحاصل على المرأة بالصبر دون غيرها من الوارث و نحوهم، و أن للمرأة الخروج من النكاح بالجب و العنة لفوات الاستمتاع، و بالإعسار بالنفقة على قول لفوات المال، فلأن يخرج هنا- و قد اجتمع الضرران- أولى، و يدل على عدم الحكم بموته أنها لو صبرت بقيت الزوجية، فزوالها على تقدير عدمه لدفع الضرر خاصة فيقيد بمورده، انتهى.
أقول: لا يخفى مقتضى الأصل و استصحاب حكم الزوجية و أصالة الحياة بعد
491
ثبوتها هو توقف جميع هذه الأمور من خروج الزوجة عن الزوجية و قسمة الميراث و انعتاق أم الولد و نحو ذلك مما ذكره على العلم بالموت، إلا أنه قد قام الدليل كما عرفت من الروايات المتقدمة على خروج الزوجة من هذا الأصل بمجرد فقد الزوج، و إن لم يتحقق موته حسب ما عرفت من الكلام في ذلك.
و كما خرجت الزوجة بالأخبار المذكورة خرج الميراث أيضا
بموثقة سماعة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المفقود يحبس ماله على الورثة قدر ما يطلب في الأرض أربع سنين، فإن لم يقدر عليه قسم ماله بين الورثة».
و موثقة إسحاق بن عمار (2) قال: «قال لي أبو الحسن (عليه السلام): المفقود يتربص بماله أربع سنين ثم يقسم».
و هذه الرواية و إن كانت مطلقة بالنسبة إلى طلبه مدة الأربع، إلا أنه يجب حمل إطلاقها على ما تضمنه الخبر الأول من الطلب تلك المدة، و إلى هذا القول مال جملة من الأصحاب منهم الصدوق و المرتضى و أبو الصلاح.
و استوجهه في المسالك أيضا، إلا أنه اختار فيه القول المشهور، و هو أنه ينتظر به مدة لا يعيش إليها عادة، مع أنه لا دليل عليه إلا ما ذكرنا من الأصل الذي يجب الخروج عنه بالدليل، و هو هنا موجود كما عرفت، و تؤيده أخبار الزوجة المذكورة لأنه متى جاز ذلك في الزوجة- مع أن عصمة الفروج أشد و أهم في نظر الشارع- فليجز في قسمة المال بطريق أولى. و أما ما ذكره في الفرق بين الزوجة و المال فإن فيه:
(أولا) أن النص كما دل على حكم الزوجة فخرجت به عن حريم الأصل المذكور كذلك المال قد خرج بالموثقتين المذكورتين، إلا أن له أن يقول برد الموثقتين المذكورتين لضعفهما عنده، و عده الموثق في قسم الضعيف و ترجيح الأصل
____________
(1) الكافي ج 7 ص 155 ح 9، الوسائل ج 17 ص 585 ب 6 ح 9.
(2) الكافي ج 7 ص 154 ح 5، الوسائل ج 17 ص 583 ب 6 ح 5.
492
عليهما، بناء على تصلبه في هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد أقرب من الصلاح، و هو عندنا غير مسموع كما لا يخفى على من له إلى الإنصاف أدنى رجوع.
(و ثانيا) أنه كما تكون الحكمة في الاعتداد بعد المدة دفع الضرر من الزوجة فيجوز أن تكون الحكمة أيضا في قسمة الميراث دفع الضرر عن الوارث بعين ما قاله في إعسار الزوج بالنفقة، و إن كان أحد الضررين و أشد، أشدية الضرر عليها دون الوارث مقابل بمطلوبية العصمة في الفروج للشارع زيادة على الأموال.
و بالجملة فالأصل في ذلك هو النص، و هذه التوجيهات تصلح لأن تكون بيانا لوجه الحكمة فيه، لا عللا مؤسسة للحكم، و حيث كان النص فيما تدعيه موجودا صح البناء عليه، و يبقى ما عدا مورد النص في هذين الموضعين على حكم حريم الأصل كما ذكروه.
السادسة [لو أنفق عليها الولي أو الحاكم من ماله ثم تبين تقدم موته]
قال في المسالك: لو أنفق عليها الولي أو الحاكم من ماله ثم تبين تقدم موته على الإنفاق فلا ضمان عليها و لا على المنفق للأمر به شرعا، و لأنها محبوسة لأجله، و قد كانت زوجته ظاهرا و الحكم مبني على الظاهر.
و قال سبطه في شرح النافع: بل نقل ذلك عنه هذا كلامه- رحمة الله عليه- و هو مشكل لظهور أن هذا التصرف وقع في مال الغير بغير إذنه فينبغي أن يترتب على التصرف الضمان، و إن لم يأثم بذلك كما لو تصرف الوكيل بعد موت الموكل و لما يعلم بموته، و المسألة قوية الاشكال و إن كان المصير إلى ما ذكره- رحمة الله عليه- غير بعيد، و الله أعلم.
أقول: الظاهر- و الله أعلم بحقائق أحكامه و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه- ضعف ما ذكره من الإشكال.
أما (أولا) فلأن الأحكام الشرعية لا تناط بالواقع و نفس الأمر للزوم الحرج و الشارع إنما كلف بالظاهر ظهر خلافه أم لم يظهر، و إذا كان الإنفاق مأمورا به شرعا و واجبا بحسب ظاهر الشرع فكيف يترتب عليه الضمان بعد ظهور
493
خلافه، و من المعلوم أن امتثال الأمر الواجب بحسب ظاهر الشرع لا يتعقبه إثم و لا غرم، و إلا للزم من ذلك أنه يوجب عليه الإنفاق ثم يوجب عليه الضمان و هو لا يصدر عن الحكيم جل شأنه.
و أما (ثانيا) فإن ما اعتضد به من تصرف الوكيل بعد موت الموكل و لما يعلم موته و أنه يضمن في هذه الحال، فإنهم و إن ذكروا ذلك إلا أنهم لم يستندوا فيه إلى دليل صريح و لا نص صحيح، و إنما استندوا فيه إلى ما يتعاطونه من الأدلة الاعتبارية كما لا يخفى على من راجع كلامهم، فلا يفيد التعلق به مزيد فائدة، إلا أنه قد أطلعنا على بعض النصوص الدالة عليه كما تقدم في كتاب الوكالة، و على تقديره فالحمل عليه قياس لا يوافق أصول المذهب، و بالجملة فالظاهر هو ما ذكره جده- رحمة الله عليه.
السابعة [في لو قدم الزوج و قد خرجت من العدة و تزوجت]
لا خلاف و لا إشكال في أنه لو قدم الزوج و قد خرجت من العدة و تزوجت فإنه لا سبيل له عليها، و لو جاء و هي في العدة كان أملك بها، و إنما الخلاف فيما لو جاء و قد خرجت من العدة و لم تتزوج فالأكثر على أنه كالأول، و به قال الصدوق في المقنع و ابن إدريس و ابن حمزة و ابن الجنيد و الشيخ في المبسوط.
و نقل في المختلف عن الشيخين أنه إن جاء و هي في العدة أو قد قضتها و لم تتزوج كان أملك بها من غير نكاح يستأنفه، بل بالعقد الأول. و تبعهما ابن البراج و هذا القول للشيخ في الخلاف و النهاية.
و نقل في شرح النافع و قبله جده في المسالك عن الشيخ أنه ادعى أن بهذا القول رواية، و بذلك صرح المحقق في النافع فقال: فيه روايتان أشهرهما أنه لا سبيل له عليها، و هذه الرواية لم نقف عليها، و قد اعترف في المسالك و سبطه في شرح النافع أيضا بذلك، بل نقل في المسالك عن جماعة ممن سبقه أنهم اعترفوا بذلك، و نقل عن فخر المحققين أنه قوى هذا القول أيضا.
و للعلامة في المختلف قول ثالث، تفصل بأن العدة إن كانت من طلاق الولي
494
فلا سبيل للزوج عليها، و إن كانت بأمر الحاكم لها بالاعتداد من غير طلاق كان أملك بها.
أقول: و الظاهر هو القول المشهور، و عليه تدل الأخبار المتقدمة
لقوله (عليه السلام) في صحيحة بريد (1) «فإن انقضت العدة قبل أن يجيء أو يراجع فقد حلت للأزواج، و لا سبيل له عليها».
و قوله (عليه السلام) في موثقة سماعة (2) «فإن قدم زوجها بعد ما تنقضي عدتها فليس له عليها رجعة».
و أما ما فصله العلامة في المختلف ففيه أن موثقة سماعة المشتملة على أمر الإمام لها بالاعتداد أربعة أشهر و عشرا قد تضمنت أنه متى قدم بعد انقضاء العدة فليس له عليها رجعة، و كيف يدعي أنه إذا كانت العدة بأمر الحاكم كان أملك بها؟ ما هي إلا غفلة واضحة.
الثامنة [في أنه لا يعود حكم الزوجية إلا بالرجعة في الطلاق]
الظاهر من صحيحة بريد و موثقة سماعة هو أنه لو جاء و هي في العدة فإنه لا يعود حكم الزوجية إلا بالرجعة في الطلاق لقوله (عليه السلام) في الاولى «و إن جاء زوجها من قبل أن تنقضي عدتها فبدا له أن يراجعها فهي امرأته، و هي عنده على تطليقتين» و في الثانية «و إن قدم هي في عدتها أربعة أشهر و عشرا فهو أملك برجعتها» و هو مؤكد للحكم بصحة الطلاق.
و الذي يظهر من عبارات الأصحاب هو عود الزوجية قهرا بمجيئه لقول المحقق في كتابيه «فإن جاء في العدة فهو أملك بها» و ربما كان التفاتهم إلى أنه بمجيئه في العدة تبين بطلان الطلاق و الاعتداد لظهور حياته، فلم يصادف ذلك محلا.
و فيه أن الأحكام الشرعية إنما تبتني على الظاهر، ظهر خلافه أم لم يظهر
____________
(1) الكافي ج 6 ص 147 ح 2، الوسائل ج 15 ص 389 ب 23 ح 1 و فيهما «و لا سبيل للأول عليها».
(2) الكافي ج 6 ص 148 ح 4، الوسائل ج 14 ص 390 ب 44 ح 2.
495
كما تقدمت الإشارة إليه، و الشارع قد أمر بالطلاق و التزويج بعد الخروج من العدة بناء على حكمه بالوفاة، و ظهور حياته لا ينقض ما حكم به أولا.
نعم عباراتهم المذكورة ليست نصا فيما ذكرناه بل يحتمل حملها على ما يدل عليه الخبران المذكوران.
التاسعة [لو نكحت بعد العدة ثم بان موت الزوج]
قالوا: لو نكحت بعد العدة ثم بان موت الزوج كان العقد الثاني صحيحا و لا عدة سواء كان موته قبل العدة أو معها أو بعدها، لأن عقد الأول سقط اعتباره في نظر الشارع فلا حكم لموته كما لا حكم لحياته، و الوجه فيما قالوه إن حكم الشارع لها بالاعتداد و البينونة قاطع للنكاح السابق، ألا ترى أنه لو ظهرت حياته و جاء و هي في العدة توقف عود الزوجية على الرجوع في الطلاق كما عرفت.
و أما بعد انقضاء العدة و إن لم تتزوج فإنه لا رجوع له عليها بالمرة، و حينئذ فما حكم به من انقطاع الحكم السابق بالبينونة لا فرق فيه بين ظهور موت الزوج أو حياته، و لا بين تبين موته قبل العدة أو بعدها.
و للشافعية قول ببطلان العدة لو ظهر موته فيها أو بعدها قبل التزويج، بناء على أنه لو ظهر حينئذ كان أحق، لأن الحكم بالعدة و البينونة كان مبنيا على الظاهر و مستند حكم الحاكم الاجتهاد، و قد تبين خطأه. فعليها تجديد عدة الوفاة بعد بلوغها الخبر لغيرها، بل يحتمل وجوب العدة ثانيا و إن نكحت لما ذكر، و سقوط حق الأول منها لو حضر و قد تزوجت لا ينفي الاعتداد منه لو مات.
و ضعفه ظاهر مما قدمناه في سابق هذه المسألة، مؤيدا بأصالة العدم حتى يقوم دليل شرعي على ما ذكروه، و ثبوته بهذه التخريجات العليلة ممنوع، فإنها لا تصلح عندنا لتأسيس الأحكام كما عرفته في غير مقام.
العاشرة [في أنه لا نفقة على الغائب في زمان العدة]
ظاهر أكثر الأصحاب أنه لا نفقة على الغائب في زمان العدة و لو حضر قبل انقضائها. و تردد فيه المحقق في الشرائع، و علل القول بعدم النفقة
496
بأن العدة عدة وفاة و هي لا تستتبع النفقة، و ربما علل بالنظر إلى حكم الحاكم بالفرقة.
و رد بأن حكمه بالفرقة لا يوجب سقوط النفقة، لأن حكمه بها يحصل بالطلاق الرجعي مع بقائها.
أقول: الظاهر أن هذا التعليل إنما خرج بناء على ما هو المشهور في كلامهم من أمر الحاكم بالاعتداد أربعة أشهر و عشرا، و أنها عدة وفاة، لا أن الحكم فيها طلاق الولي أو الوالي كما هو أحد القولين في تلك المسألة، و حينئذ فيرجع هذا التعليل إلى التعليل الأول.
و وجه التردد المذكور ما ذكروا من أنها في حكم الزوجة ما دامت في العدة، فتجب لها النفقة لو حضر قبل انقضائها، فلو لا أنها زوجته لما صح له ذلك إلا بعقد جديد، و خصوصا على القول بأن الولي يطلقها، لأن الظاهر أن الطلاق رجعي لما ظهر من الروايات أنه يراجعها إذا حضر، و الطلاق الرجعي لا يسقط النفقة.
أقول: يمكن أن يقال بأن القول بسقوط النفقة كما عليه الأكثر مبني على ما هو المشهور من أن الحكم في المفقود هو أمر الحاكم امرأته بالاعتداد عدة الوفاة، و حينئذ فيكون حكمها حكم الزوجة المتوفى عنها زوجها، ليس لها نفقة، و دعوى أنها في حكم الزوجية على إطلاقه ممنوع، و الحكم بجواز رجوع الزوج لها لو جاء و هي في العدة مستثنى بالنص، لأن التحقيق كما تقدمت الإشارة إليه أن هذه العدة عدة وفاة من جهة و عدة طلاق من جهة، و إن قلنا بالقول الآخر و هو أن الحكم فيها طلاق الولي أو الوالي فإن العدة كما قدمنا ذكره أربعة أشهر و عشرا، لا عدة طلاق كما ذكروه، فإنه هو الذي تجتمع عليه الأخبار.
و بالجملة فإن المسألة و إن كانت لا تخلو من الاشكال لخلوها من النص القاطع لمادة القيل و القال، إلا أن الأنسب بما قدمنا تحقيقه هو ما عليه الأكثر من سقوط النفقة.
497
الحادية عشر [في ما لو مات أحد الزوجين بعد العدة و التزويج بزوج آخر]
لا إشكال و لا خلاف في أنه لو مات أحد الزوجين بعد العدة و التزويج بزوج آخر فإنه لا توارث بينهما لانقطاع العصمة بينهما، و ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من أنه لو حضر و قد تزوجت فلا سبيل له عليها، و مثله ما لو وقع الموت بعد العدة و قبل التزويج على الأشهر الأظهر، لما عرفت آنفا من أنه كالأول في انقطاع السبيل و العصمة بينهما.
و أما على القول الآخر من أنه لو حضر بعد انقضاء العدة كان أملك بها فقد عرفت ضعفه لعدم دليل يدل عليه، و الرواية التي ادعى و وردها بذلك لم نقف عليها.
و إنما الاشكال و الخلاف فيما لو مات أحدهما و هي في العدة، ففي ثبوت التوارث قولان: (أحدهما) العدة لأن العدة عدة وفاة و هي تقتضي نفي الإرث.
(و ثانيهما) ثبوته، و اختاره المحقق في الشرائع، و جعله في المسالك هو الأقوى، قال: لبقاء حكم الزوجية بما قد علم، و لأن العدة في حكم الرجعية- كما عرفت، و هي لا تقطع التوارث بين الزوجين، و جعلها عدة وفاة- مبني على الظاهر و على وجه الاحتياط و إلا لم تجامع الطلاق، فإذا تبين خلاف الظاهر رجع حكم الطلاق الرجعي و الزوجية من رأس.
أقول: و المسألة كسابقتها لا تخلو من الإشكال أيضا لعدم النص، و إلا أن الأوفق بما قدمنا تحقيقه هو القول بالعدم، قوله «لبقاء حكم الزوجية و أن العدة في حكم العدة الرجعية التي لا تقطع التوارث» ممنوع، لأن المستفاد من كونها عدة وفاة ترتب أحكام عدة الوفاة عليها من عدم النفقة في العدة و عدم التوارث فيها.
نعم خرج من ذلك جواز الرجوع لو جاء قبل الخروج من العدة بالنص، فبقي ما عداه من أحكام عدة الوفاة، و لا ينافي ذلك مجامعتها للطلاق، لأن الطلاق هنا إنما وقع احتياطا لاحتمال الحياة.
و بالجملة فإن ما ذكرناه إن لم يكن هو الأقرب في المسألة فلا أقل أن يكون مساويا لما ذكروه من الاحتمال.
498
الثانية عشر [لو تزوجت بعد العدة و الفحص و أتت بولد يمكن إلحاقه بالثاني]
إذا تزوجت بعد العدة و هي أربعة أشهر و عشر و الفحص و هو أربع سنين و أتت بولد يمكن إلحاقه بالثاني الحق به على الأشهر الأظهر، فلو حضر الزوج الأول و ادعاه لم يلتفت إلى دعواه لأن الولد لا يبقى في الرحم هذه المدة المذكورة ليمكن إلحاقه به، و لو ادعى أنه قدم عليها في خلال هذه المدة و جامعها، و كان ما يدعيه ممكنا.
قال الشيخ: إنه يقرع بينهما، لأنها صارت فراشا لهما معا، و إن كان فراش الأول قد زال، كما لو طلقها و تزوجت ثم أتت بولد يمكن إلحاقه فإنه يقرع بينهما. كما اختاره في تلك المسألة حسبما تقدم نقله ثمة، و المشهور أنه للثاني خاصة لأنها فراش له الآن حقيقة، و الولد له و فراش الأول قد زال، و مثله الكلام في المسألة التي نظر بها كما تقدم ذكره.
المقام السابع: في عدة الإماء و الاستبراء
، و قد تقدم في الاستبراء مستوفى في كتاب البيع في فصل بيع الحيوان، و ربما بقي من مسائله ما لم يسبق له ذكر و سيأتي ذكره إن شاء الله في جملة مسائل هذا المقام. إلا أنه يجب التنبيه هنا على أمر، و إن كان قد سبقت الإشارة إليه في الموضع المذكور، و هو أن السيد السند- رحمة الله عليه- قال في كتاب الطلاق من شرح النافع في تعداد من يسقط استبراؤها من الإماء ما صورته: و ثالثها أن تكون صغيرة، و قد ورد بعدم وجوب استبرائها روايات منها ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في رجل ابتاع جارية لم تطمث قال: إن كانت صغيرة لا يتخوف عليها الحمل فليس عليها عدة و ليطأها إن شاء، و إن كانت قد بلغت و لم تطمث فإن عليها العدة» الحديث.
و في الحسن عن ابن أبي يعفور (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال في الجارية التي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 473 ح 6، التهذيب ج 8 ص 171 ح 19، الوسائل ج 14 ص 498 ب 3 ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 171 ح 21، الوسائل ج 14 ص 498 ب 3 ح 3.
499
لم تطمث و لم تبلغ الحبل إذا اشتراها الرجل، قال: ليس عليها عدة يقع عليها».
و مقتضى هاتين الروايتين و ما في معناهما أنه لا يجب استبراء الصغيرة التي لم تحمل مثلها و إن تجاوز سنها التسع، و لا يمكن حملها على ما دون التسع، للتصريح في الروايتين بجواز وطئها من غير استبراء، و من نقص سنها عن التسع لا يجوز وطؤها إجماعا.
و بما ذكرنا صرح جدي- (رحمه الله عليه)- في المسالك، فإنه قال بعد أن أورد هذه الروايات: و في هذه الروايات المعتبرة دلالة على أن الأمة التي بلغت التسع و لم تحض لا استبراء عليها، و ليس فيها ما ينافي ذلك، و هي أيضا موافقة لحكمة الاستبراء، لأن بنت العشر سنين و ما قاربها لا تحمل عادة، فلا مقتضي لاستبرائها كاليائسة، انتهى.
أقول: لا يخفى أن ما ذكره من الحمل المذكور لا يجري في صحيحة الحلبي المذكورة لقوله (عليه السلام) فيها «و إن كانت قد بلغت و لم تطمث» المقابل لقوله «إن كانت صغيرة» و هو ظاهر في أن المراد بالصغيرة من لم تبلغ التسع فكيف يمكن حمل الصغيرة على من بلغت التسع إذا كان لم تحمل مثلها كما ادعاه.
و قد اعترف بذلك جده في المسالك في هذا الموضع الذي نقل بعضه، و كلام جده و هو الذي نقله إنما هو بالنسبة إلى غير الصحيحة المذكورة كما هو صريح عبارته و إلا فإنه اعترف بعدم قبول الصحيحة المذكورة لهذا الاحتمال. بل هي عنده باقية في زاوية الاشكال. و ها أنا أذكر لك صورة كلام جده في المقام و إن طال به زمام الكلام ليتضح لك ما في كلامه- (رحمه الله)- من الغفلة الظاهرة لجملة الأنام.
قال في كتاب الطلاق- في عد من يسقط استبرائهن من الإماء بعد ذكر اليائسة حيث ذكرها المصنف و لم يذكر الصغيرة- ما لفظه: و ما في معناها الصغيرة التي لم تبلغ المحيض و لم يذكرها معها، و ذكرها في باب البيع، و يمكن أن
500
يكون وجه تركها أن المراد منها عند الإطلاق من سنها دون تسع سنين و متى كانت كذلك فوطؤها حرام مطلقا، و غيره لا يحرم في زمن الاستبراء لكنها مذكورة في روايات كثيرة، و فيها تصريح بجواز وطئها حينئذ بغير استبراء، فمنها صحيحة الحلبي- ثم ساق الرواية كما قدمناه ثم قال:- و لا يمكن تنزيلها على من تجاوز سنها التسع و لم تحض بناء على ما هو الغالب من عدم حيضهن بعد التسع أيضا ليجمع بين جواز وطئها و عدم بلوغها الحيض، لأن هذا الحمل ينافي قوله «و إن كانت قد بلغت و لم تطمث فإن عليها العدة» لأن بلوغها عند الأصحاب يحصل بالتسع. و في صحيحة عبد الله بن أبي يعفور- ثم ساقها كما تقدم ثم قال:- و قريب منها
صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا قعدت عن المحيض أو لم تحض فلا عدة عليها».
و في هذه الروايات المعتبرة دلالة على أن الأمة التي بلغت التسع و لم تحض لا استبراء عليها، و ليس فيها ما ينافي ذلك بخلاف رواية الحلبي، و هي أيضا موافقة لحكمة الاستبراء. إلى آخر ما تقدم في نقل سبطه المذكور عنه، و هو صريح كما ترى في أن هذا الاحتمال إنما يجري فيما عدا صحيحة الحلبي، و العجب أنه نقل العبارة المذكورة و حذف من وسطها قوله «بخلاف رواية الحلبي» و يمكن قد سقط ذلك من نسخة الكتاب الذي نقل عنه هذه العبارة.
و كيف كان فإن ظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي «و إن كانت بلغت و لم تطمث فإن عليها العدة ظاهر بل صريح في رد الحمل الذي تكلفوه، لدلالته على أنها بعد التسع مع عدم الطمث، فإنه يجب عليها الاستبراء المعبر عنه بالعدة، و الرواية صحيحة باصطلاحهم، فكيف يمكن هذا مع القول بعدم وجوب الاستبراء على الصغيرة التي لم تحمل مثلها، و إن تجاوز سنها التسع كما ذكروه.
و تمام تحقيق الكلام في هذا المقام و ما يتعلق بدفع هذا الاشكال قد تقدم في
501
الموضع المشار إليه آنفا. إذا عرفت ذلك فاعلم أن البحث في هذا المقام يقع في مسائل:
[المسألة] الأولى [في أن عدة الأمة قرءان]
لا خلاف بين الأصحاب في أن عدة الأمة قرءان، و إنما الخلاف كما تقدم ذكره في أن القرء عبارة عن الطهر أو الحيض، و قد عرفت أن الأشهر الأظهر هو الأول، و أن الأخبار الدالة على الثاني محمولة على التقية، لكن ذلك بالنسبة إلى الأخبار المختلفة في عدة الزوجة الحرة.
و أما الأمة فإن الذي حضرني من الأخبار المتعلقة بها ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «عدة الأمة حيضتان، و قال:
إذا لم تكن تحيض فنصف عدة الحرة».
و عن سليمان بن خالد (2) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأمة إذا طلقت ما عدتها؟ قال: حيضتان أو شهران» الحديث. (3).
و عن زرارة (4) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن حر تحته أمة أو عبد تحته حرة كم طلاقها؟ و كم عدتها؟ قال: السنة في النساء في الطلاق، فإن كانت حرة فطلاقها ثلاثا و عدتها ثلاثة أقراء، و إن كان حر تحته أمة فطلاقها تطليقتان و عدتها قرءان».
و عن محمد بن قيس (5) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سمعته يقول:
طلاق العبد للأمة تطليقتان و أجلها حيضتان إن كانت تحض، و إن كانت لا تحيض
____________
(1) الكافي ج 6 ص 170 ح 4، الوسائل ج 15 ص 470 ب 40 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 170 ح 2، التهذيب ج 8 ص 153 ح 129، الوسائل ج 15 ص 470 ب 40 ح 4.
(3) أقول تمام هذه الرواية سيأتي في مسألة عدة الذمية (منه- (قدس سره)-).
(4) الكافي ج 6 ص 167 ح 1، التهذيب ج 8 ص 134 ح 65، الوسائل ج 15 ص 469 ب 40 ح 1.
(5) الكافي ج 6 ص 169 ح 1، التهذيب ج 8 ص 154 ح 136، الوسائل ج 15 ص 469 ب 40 ح 2.
502
فأجلها شهر و نصف».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في رواية تتضمن عدة الذمية قال: «عدتها عدة الأمة حيضتان».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «طلاق الأمة تطليقتان و عدتها حيضتان فإن كانت قد قعدت عن المحيض فعدتها شهر و نصف».
و أنت خبير بأن هذه الأخبار كلها متفقة الدلالة على أن عدتها حيضتان و ليس الباب ما ينافيها.
و الأصحاب بناء على ما ذكروه في عدة الحرة من اختيار تفسير القرء بالطهر جروا عليه في هذا المكان، مع أن الفرق ظاهر لأن الأخبار بما ذكروه في عدة الحرة متضافرة متكاثرة، مستفيضة صريحة، و ما عارضها يقصر عن معارضتها مع ظهور حمله على التقية.
و أما أخبار عدة الأمة فهي التي نقلناها كما عرفت و هي متفقة على الحيضتين و من ثم مال إلى العمل بهذه الأخبار السيد السند في شرح النافع فقال- بعد أن ذكر أنه قد تقدم أن القرء هو الطهر، و أن ذلك هو الأظهر للأخبار الدالة عليه- ما لفظه: لكن ورد في الأمة أخبار معتبرة الإسناد دالة على أنه الحيض هنا، ثم نقل صحيحة محمد بن مسلم و صحيحة محمد بن قيس، ثم قال: و ليس لهذه الروايات معارض فيتجه العمل بها. انتهى، و تبعه في ذلك في الكفاية.
و المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في كتاب الوسائل تأول هذه
____________
(1) الكافي ج 6 ص 174 ضمن ح 1، التهذيب ج 7 ص 478 ح 126 و فيه «فما عدتها ان أراد المسلم أن يتزوجها؟ قال: ان أسلمت بعد ما طلقها كانت عدتها عدة المسلمة»، الوسائل ج 15 ص 477 ب 45 ضمن ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 135 ح 66، الوسائل ج 15 ص 470 ب 40 ح 5.
503
الأخبار بناء على ما هو المشهور من أن القرء بمعنى الطهر مطلقا في عدة الحرة أو الأمة فقال: أقول: المراد من الحيضتين أنه لا بد من دخول الحيضة الثانية ليتم الطهران و إن لم يتم الحيض الثاني لما مر، أو محمول على التقية أو الاستحباب أو على عدم جواز تمكين الزوج الثاني في الحيض الثاني.
و فيه أن ارتكاب التأويل الذي هو خلاف الظاهر فرع وجود المعارض و لا معارض هنا، و وجوده في عدة الحرة لا يستلزم حمل أخبار الأمة عليه، و ما المانع من اختلاف العدتين في ذلك إذا اقتضته الأدلة. و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال، و الاحتياط فيها يقتضي العمل بأخبار الحيضتين.
[فوائد]
إذا تقرر ذلك فاعلم أن في المقام فوائد يحسن التنبيه عليها:
الاولى [في أن كل عدد يؤثر فيه الرق نقصانا يكون الرقيق فيه على النصف مما عليه الحر]
من القواعد المستفادة من النصوص و المقررة في كلام الأصحاب أن كل عدد يؤثر فيه الرق نقصانا يكون الرقيق فيه على النصف مما عليه الحر كالحدود و عدد المنكوحات و القسم بين الزوجات و العدة بالأشهر من الطلاق، أو الوفاة في إحدى الروايتين، و إنما خرجت العدة بالأقراء عن هذا الضابط و كذلك الطلاق، فإن الأمة تعتد بقرءين مع أن الحرة تعتد بثلاثة أقراء و تحرم بتطليقتين و تحرم الحرة بالثلاث لأن القرء كالطلاق لا يتبعض ليمكن أخذ نصفه، فوجب الإكمال فيهما ببلوغ الاثنين.
أما الطلاق فظاهر، و أما القرء فلأنه عبارة عن الطهر، و الطهر بين الدمين إنما يظهر نصفه إذا ظهر كله بعود الدم، فلا بد من الانتظار بعود الدم، و الاعتماد في ذلك كله على ما دلت عليه النصوص، و هذه الوجوه صالحة لبيان الحكم فيها.
الثانية: لا فرق في هذه العدة بين القن و المدبرة و المكاتبة و أم الولد
إذا زوجها مولاها فطلقها الزوج، كل ذلك لإطلاق النصوص. و كذا لا فرق بين كونها تحت حر أو عبد كما يستفاد من صحيحة زرارة المتقدمة، و في معناها روايات أخر تقدمت، و لو وطئت بشبهة كالنكاح الفاسد و نحوه اعتدت بقرءين كما في الطلاق عن النكاح الصحيح، و لو كانت الأمة المطلقة حاملا فعدتها وضع الحمل إجماعا.
504
قال في التحرير: و يدل عليه عموم «وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» (1) قيل (2) و لو ادعت الحمل فالأظهر وجوب التربص بها سنة كالحرة، لأن الحمل لا يتفاوت فيه الحال بين الحرة و الأمة، و في الروايات بإطلاقها دلالة عليه، و هو جيد.
قال في المسالك: و المبعضة كالحرة عندنا تغليبا لجانب الحرية، و ظاهره دعوى الإجماع عليه، و لم أقف فيه على نص.
الثالثة [أقل أزمان تنقضي به العدة]
قيل: بناء على أن القرء بمعنى الطهر إن أقل أزمان تنقضي به العدة ثلاثة عشر يوما و لحظتان، و ذلك بأن يأتيها الدم بعد طلاقها بلحظة ثم تحيض ثلاثا ثم تطهر عشرة ثم ترى الدم الثاني لحظة، و هذه اللحظة دالة على انقضاء العدة ثم تطهر، و هذه اللحظة الأخيرة في الحقيقة إنما هي دليل على انقضاء العدة، فالعدة حقيقة إنما هي ثلاثة عشر يوما و لحظة حسبما تقدم في عدة الحرة.
قيل: و يمكن انقضاؤها بأقل من ذلك كما إذا طلقها بعد الوضع و قبل رؤية دم النفاس بلحظة، ثم رأت دم النفاس لحظة و انقطع، ثم مضت عشرة و هي طاهرة، و جاءها دم الحيض، و برؤيته تنقضي عدتها، و حينئذ فالعدة عشرة أيام و لحظتان.
الرابعة: لو لم تحض بالكلية أو كانت مسترابة
فعدتها شهر و نصف كما تقدم في رواية محمد بن الفضيل، و في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة أيضا إذا لم تحض فنصف عدة الحرة.
و روى في التهذيب (3) عن أبي بصير قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن طلاق الأمة فقال: تطليقتان- إلى أن قال:- و عدة الأمة المطلقة شهر و نصف».
و عن سماعة (4) في الموثق قال: «سألته عن عدة الأمة المتوفى عنها زوجها
____________
(1) سورة الطلاق- آية 4.
(2) القائل هو السيد السند- (قدس سره)- في شرح النافع. (منه- (رحمه الله)-).
(3) التهذيب ج 8 ص 154 ح 132، الوسائل ج 15 ص 473 ب 42 ح 6.
(4) التهذيب ج 8 ص 154 ح 133، الوسائل ج 15 ص 473 ب 42 ح 7.
505
فقال: عدتها شهران و خمسة أيام. و قال: عدة الأمة التي لا تحيض خمسة و أربعون يوما».
و ما رواه
في الفقيه (1) بطريقه إلى سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عدة الأمة التي لا تحيض خمسة و أربعون ليلة، يعني إذا طلقت».
و ما رواه
في التهذيب (2) عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عدة الأمة إذا توفي عنها زوجها شهران و خمسة أيام، و عدة المطلقة التي لا تحيض شهر و نصف».
و الحكم مما لا خلاف فيه، و هذه الأخبار مثل عبارات الأصحاب قد تضمن بعضها التعبير شهر و نصف و البعض الآخر بخمسة و أربعين يوما مطلقا.
و فصل في المسالك تفصيلا حسنا بأنه إن قارن الطلاق الهلال اكتفي بالشهر الهلالي تم أم نقص ثم أكملته بخمسة عشر يوما، و إن طلقها في أثناء الشهر فالعدة خمسة و أربعون يوما، و قد تقدم الكلام في المقارنة في عدة الحرة.
المسألة الثانية: إذا أعتقت الأمة ثم طلقت
فإنه يلزمها الاعتداد بعدة الحرة و لو أعتقت بعد الطلاق في العدة فإن كان الطلاق رجعيا فكالأول، و إن كانت بائنا أتمت عدة الأمة.
أما (الأول) فظاهر لأنها بالعتق قد صارت حرة فيتعلق بها ما يتعلق بالحرة من الأحكام التي من جملتها ما نحن فيه، و مما يستأنس به لذلك الأخبار المتكاثرة الدالة على أن عدتها من عتق سيدها لها متى أرادت التزويج بغير السيد عدة الحرة من الطلاق.
و منها ما رواه
في التهذيب (3) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 351 ح 9، الوسائل ج 15 ص 471 ب 40 ح 7.
(2) التهذيب ج 8 ص 154 ح 134، الوسائل ج 15 ص 473 ب 42 ح 8 و فيهما اختلاف يسير.
(3) التهذيب ج 8 ص 214 ح 70، الوسائل ج 14 ص 512 ب 13 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
506
أعتق رجل جارية ثم أراد أن يتزوجها مكانه فلا بأس و لا تعتد من مائه، و إن أرادت أن تتزوج من غيره فلها مثل عدة الحرة».
و ما رواه
في الكافي (1) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل أعتق وليدته و هو حر، و قد كان يطؤها، فقال: عدتها مثل عدة الحرة المطلقة ثلاثة قروء».
و عن الحلبي (2) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل تكون تحته السرية فيعتقها، فقال: لا يصلح لها أن تنكح حتى تنقضي عدتها ثلاثة أشهر».
إلى غير ذلك من الأخبار، و التقريب فيها أنه متى وجب عليها العدة لعتق السيد الموجب لحريتها فطلاق الأجنبي لها في هذه الحال أولى. و بالجملة فالحكم مما لا خلاف فيه و لا إشكال يعتريه.
و أما (الثاني) فوجهه الجمع بين ما دل على وجوب عدة الطلاق في هذه الصورة و هو ما رواه
في الفقيه (3) في الصحيح عن ابن أبي عمير عن جميل و هشام بن سالم جميعا عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في أمة طلقت ثم أعتقت قبل أن تنقضي عدتها، قال: تعتد بثلاث حيض، فإن مات زوجها ثم أعتقت قبل أن تنقضي عدتها فإن عدتها أربعة أشهر و عشرا».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (4) في الصحيح عن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في أمة كانت تحت رجل فطلقها ثم أعتقت، قال: تعتد عدة الحرة».
و بين ما دل على وجوب عدة الأمة، و هو ما رواه
في الفقيه و التهذيب (5)
____________
(1) الكافي ج 6 ص 172 ح 7، الوسائل ج 15 ص 475 ب 43 ح 6 و فيهما «و هو حي» مع اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 171 ح 3، الوسائل ج 15 ص 474 ب 43 ح 1.
(3) الفقيه ج 3 ص 352 ح 14 و فيه «عن جميل عن هشام»، الوسائل ج 15 ص 482 ب 50 ح 1 و فيهما «فان مات عنها زوجها».
(4) التهذيب ج 8 ص 135 ح 68 و فيه «في الأمة»، الوسائل ج 15 ص 483 ب 50 ح 3.
(5) الفقيه ج 3 ص 351 ح 8، التهذيب ج 8 ص 135 ح 69. الوسائل ج 15 ص 483 ب 50 ح 4 و ما في المصادر اختلاف يسير.
507
في الصحيح عن القاسم بن بريد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا طلق الحر المملوكة فاعتدت بعض عدتها عنه ثم أعتقت فإنها تعتد عدة المملوكة».
و سند هذا الجمع المذكور ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن أبي أيوب الخزاز عن مهزم و هو مجهول عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في أمة تحت حر- طلقها على طهر بغير جماع تطليقة، ثم أعتقت بعد ما طلقها بثلاثين يوما، فقال: إذا أعتقت قبل أن تنقضي عدتها اعتدت عدة الحرة من اليوم الذي طلقها، و له عليها الرجعة قبل انقضاء العدة، فإن طلقها تطليقتين واحدة بعد واحدة ثم أعتقت قبل عدتها فلا رجعة له عليها، و عدتها عدة الأمة».
المسألة الثالثة [في أن عدة الذمية كالحرة في الطلاق و الوفاة]
المشهور بين الأصحاب بل قيل إنه موضع وفاق أن عدة الذمية كالحرة في الطلاق و الوفاة، و في الشرائع نسب الحكم بكونها عدة الأمة إلى رواية شاذة. و نقل في المسالك عن العلامة أنه نقل عن بعض الأصحاب القول بما دلت عليه هذه الرواية، قال: و لم يعلم قائله.
و الذي حضرني من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه
ثقة الإسلام الكافي و الشيخ في التهذيب (2) في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن نصرانية كانت تحت نصراني فطلقها، هل عليها عدة منه مثل عدة المسلمة؟ فقال:
لا، لأن أهل الكتاب مماليك الإمام، ألا ترى أنهم يؤدون الجزية كما يؤدي العبد الضريبة إلى مواليه، قال: و من أسلم منهم فهو حر تطرح عنه الجزية، قلت: فما عدتها إن أراد المسلم أن يتزوجها؟ قال: عدتها عدة الأمة حيضتان أو خمسة و أربعون يوما قبل أن تسلم، قال: قلت له: فإن أسلمت بعد ما طلقها؟ قال:
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 135 ح 70، الوسائل ج 15 ص 482 ب 50 ح 2 و فيهما «و لم تنقض عدتها، فقال: إذا أعتقت قبل.».
(2) الكافي ج 6 ص 174 ح 1، التهذيب ج 7 ص 478 ح 126، الوسائل ج 15 ص 477 ب 45 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
508
إذا أسلمت بعد ما طلقها فإن عدتها عدة المسلمة، قلت: فإن مات عنها و هي نصرانية و هو نصراني فأراد رجل من المسلمين أن يتزوجها؟ قال: لا يتزوجها المسلم حتى تعتد من النصراني أربعة أشهر و عشرا عدة المسلمة المتوفى عنها زوجها، قلت له: كيف جعلت عدتها إذا طلقها عدة الأمة، و جعلت عدتها إذا مات عنها عدة الحرة المسلمة، و أنت تذكر أنهم مماليك الامام؟ فقال: ليس عدتها في الطلاق مثل عدتها إذا توفي عنها زوجها- و زاد في الكافي- ثم قال: إن الأمة و الحرة كلتاهما إذا مات عنهما زوجهما سواء في العدة، إلا أن الحرة تحد و الأمة لا تحد».
و عن يعقوب السراج (1) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن نصرانية مات عنها زوجها و هو نصراني، ما عدتها؟ قال: عدة الحرة المسلمة أربعة أشهر و عشرا».
و أنت خبير بأن الروايتين قد اشتركتا في الدلالة على عدة الوفاة، و أنها عدة الحرة المسلمة، و أما عدة الطلاق فلم يتعرض في الرواية الثانية بالمرة.
و الرواية الأولى قد دلت صريحا على أنها عدة الأمة، و هذه الرواية هي التي نسبها في الشرائع إلى الشذوذ، مع أنه لا معارض لها إلا. عموم الأدلة من الكتاب و السنة المتضمنة لاعتداد المطلقة بثلاثة قروء، أعم من أن تكون مسلمة أو ذمية، و تخصيص هذه العمومات بالصحيحة المذكورة غير عزيز مثله في الأحكام كما نبهنا عليه في غير موضع مما تقدم في الكتاب (2) و قد جروا على هذه القاعدة في أحكام عديدة، و حينئذ لم يبق ما يتراءى من ظاهر اتفاقهم على الحكم المذكور كما عرفت، و هو مما لا يلتفت إليه في مقابلة الأدلة و طرح الرواية
____________
(1) الكافي ج 6 ص 175 ح 3، الوسائل ج 15 ص 478 ب 45 ح 2.
(2) منها في كتاب النكاح في الفصل الأول في العقد في مسألة التمتع بالأمة إذا كانت لامرأته بدون اذنها [الحدائق ج 23 ص 277 المسألة الثانية عشر]، و نبهنا في كتاب الوصايا في المطلب الثاني في الموصى [الحدائق ج 22 ص 407 المقصد الثاني في الموصى].
(منه- (قدس سره)-).
509
المذكورة و صحتها و صراحتها، و إمكان تخصيص عموم تلك الأدلة بها غير معقول و لا مقبول.
و بالجملة فالمسألة لما عرفت غير خالية من شوب الاشكال، و بذلك صرح أيضا السيد السند في شرح النافع فقال: و المسألة محل تردد، و لا ريب أن اعتدادها عدة المسلمة طريق الاحتياط، و هو جيد.
قال في المسالك: و حملت الرواية على أنها مملوكة إذ لم ينص على أنها حرة.
أقول فيه: إن ظاهر قوله (عليه السلام) في تعليل نفي عدة المسلمة عنها «لأن أهل الكتاب مماليك الامام» هو كونها حرة كما لا يخفى على ذي الذوق السليم و الفهم القويم. و إن الظاهر أن مراده (عليه السلام) أن وجوب عدة الأمة عليها و إن كانت حرة و عدة الحرة ثلاثة قروء أن أهل الكتاب كملا لما كانوا مماليك الامام لحقها عدة المملوكة من هذه الجهة، و لو كانت مملوكة بالمعنى الذي ذكره لم يظهر لهذا التعليل وجه بالكلية، بل كان الأنسب التعليل بكونها مملوكة كما ادعاه، و بالجملة فإنه حمل بعيد بل غير سديد.
ثم إنه قال في المسالك: و اعلم أن فائدة إلحاقها بالأمة في الطلاق واضحة، و أما في الوفاة فلا تظهر إلا على تقدير كون عدة الأمة فيها على نصف عدة الحرة، و سيأتي الخلاف فيه، انتهى.
المسألة الرابعة [في عدة الأمة المتوفى عنها زوجها]
اختلف الأصحاب لاختلاف الأخبار في عدة الأمة المتوفى عنها زوجها بأن زوجها المولى رجلا فمات عنها، مع اتفاقهم على أنها في الطلاق على نصف عدة الحرة.
فقيل بأنها على النصف من عدة الحرة شهران و خمسة أيام، و هو قول الشيخ المفيد و تلميذه سلار و أبي الصلاح و ابن أبي عقيل من المتقدمين، و قد صرحوا بأنه لا فرق في كونها صغيرة أو كبيرة مدخولا بها أم لا، و ظاهرهم أيضا أنها أعم
510
من أن تكون أم ولد أم لا.
و قيل بأنها عدة الحرة أربعة أشهر و عشرة أيام، و هو قول الصدوق في المقنع و ابن إدريس. قال في المقنع: عدة الأمة إذا توفي عنها زوجها أربعة أشهر و عشرة أيام، و روي أن عدتها شهران و خمسة أيام. و ظاهر كلامه إطلاق الحكم المذكور و أنه لا فرق بين الأفراد المتقدم. و قال ابن إدريس: يجب عليها بوفاة زوجها أربعة أشهر و عشرة أيام سواء كانت أم ولد لمولاها أم لا. و قد رجع شيخنا في التبيان كما قاله في النهاية.
و قيل بالتفصيل بين أم الولد و غيرها، و هو قول الشيخ في النهاية و أتباعه، و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين و منهم المحقق و العلامة و شيخنا في المسالك و سبطه في شرح النافع. قال في النهاية: إن كانت أم ولد لمولاها فعدتها مثل عدة الحرة أربعة أشهر و عشرة أيام، و إن كانت مملوكة ليست أم ولد فعدتها شهران و خمسة أيام، و هو قول ابن البراج.
و الواجب أولا نقل ما وصل إلينا من أخبار المسألة كما هي قاعدتنا في الكتاب، ثم الكلام فيها بما فتحه الله الكريم الوهاب.
فمنها ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن أبي بصير قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن طلاق الأمة فقال: تطليقتان. و قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): عدة الأمة التي يتوفى عنها زوجها شهران و خمسة أيام، و عدة المطلقة شهر و نصف».
و عن سماعة (2) في الموثق قال: «سألته عن الأمة يتوفى عنها زوجها فقال:
عدتها شهران و خمسة أيام. و قال: عدة الأمة التي لا تحيض خمسة و أربعون يوما».
و عن الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عدة الأمة إذا توفي عنها زوجها شهران و خمسة أيام، و عدة المطلقة التي لا تحيض شهر و نصف».
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 154 ح 132، الوسائل ج 15 ص 473 ب 42 ح 6.
(2) التهذيب ج 8 ص 154 ح 133، الوسائل ج 15 ص 473 ب 42 ح 7.
(3) التهذيب ج 8 ص 154 ح 135، الوسائل ج 15 ص 473 ب 42 ح 8.
511
و عن محمد بن مسلم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الأمة إذا توفي عنها زوجها فعدتها شهران و خمسة أيام».
و عن محمد بن القيس (2) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) «في حديث قال فيه:
و إن مات عنها زوجها فأجلها نصف أجل الحرة شهران و خمسة أيام».
أقول: و بهذه الأخبار أخذ القائلون بالقول الأول و هي كما ترى مطلقة كما أطلقوه شاملة بإطلاقها لجملة الأفراد التي تقدم ذكرها.
و منها ما تقدم في سابق هذه المسألة من قوله (عليه السلام)
في آخر صحيحة زرارة برواية الكناني (3) ثم قال: إن الأمة و الحرة كلتاهما إذا مات عنهما زوجهما سواء في العدة، إلا أن الحرة تحد و الأمة لا تحد».
و منها قوله (عليه السلام)
في صحيحة زرارة (4) و قد تقدمت، و فيها «يا زرارة كل النكاح إذا مات الزوج فعلى المرأة حرة كانت أو أمة أو على أي وجه كان النكاح منه متعة أو تزويجا أو ملك يمين فالعدة أربعة أشهر و عشرا».
و ما رواه
في الكافي (5) عن وهب بن عبد ربه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل كانت له أم ولد، فزوجها من رجل فأولدها غلاما، ثم إن الرجل مات فرجعت إلى سيدها، إله أن يطأها؟ قال: تعتد من الزوج الميت أربعة أشهر و عشرة أيام ثم يطؤها بالملك من غير نكاح» الحديث.
و ما رواه
في الفقيه (6) في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن وهب بن عبد ربه
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 154 ح 135، الوسائل ج 15 ص 473 ب 42 ح 9.
(2) التهذيب ج 8 ص 154 ح 136، الوسائل ج 15 ص 473 ب 42 ح 10.
(3) الكافي ج 6 ص 174 ح 1، التهذيب ج 7 ص 478 ح 126، الوسائل ج 15 ص 477 ب 45 ح 1 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(4) التهذيب ج 8 ص 157 ح 144، الوسائل ج 15 ص 484 ب 52 ح 2.
(5) الكافي ج 6 ص 172 ح 10، الوسائل ج 15 ص 472 ب 42 ح 3 و فيهما اختلاف يسير.
(6) لم نعثر عليه بهذا السند في الفقيه.
512
عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال سألته عن رجل كانت له أم ولد فمات ولدها منه، فزوجها من رجل فأولدها غلاما، ثم إن الرجل مات فرجعت إلى سيدها، إله أن يطأها قبل أن يتزوج بها؟ قال: لا يطأها حتى تعتد من الزوج الميت أربعة أشهر و عشرة أيام ثم يطؤها بالملك من غير نكاح» الحديث.
و ما رواه
في التهذيب (1) عن سليمان بن خالد في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عدة المملوكة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر و عشرا».
أقول: و بهذه الأخبار و ما هي عليه من الإطلاق أخذ القائلون بالقول الثاني و هي كما ترى ظاهرة فيه سيما صحيحتي زرارة الأولتين.
و منها ما رواه
في الكافي (2) في الصحيح عن سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأمة إذا طلقت، ما عدتها؟ فقال: حيضتان أو شهران حتى تحيض، قلت: فإن توفي عنها زوجها؟ فقال: إن عليا (عليه السلام) قال في أمهات الأولاد:
لا يتزوجن حتى يعتددن أربعة أشهر و عشرا و هن إماء».
أقول: و على هذه الرواية اعتمد القائلون بالقول الثالث، فحملوا الأخبار الأولة على غير ذات الولد، و الأخبار الثانية على ذات الولد، و جعلوا هذه الصحيحة سندا للجمع المذكور.
و زاد في المسالك و كذا سبطه في شرح النافع على هذه الصحيحة رواية وهب بن عبد ربه المنقولة من الكافي (3) بعد وصفها بأنها صحيحة.
و فيه (أولا) أن الرواية المذكورة رواها في الكافي عن ابن محبوب عن وهب ابن عبد ربه كما نقله في الوافي و في الوسائل عن أحمد عن ابن محبوب، و على أي منهما فإن طريق الكليني إلى كل منهما غير معلوم الصحة.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 153 ح 131، الوسائل ج 15 ص 473 ب 42 ح 5.
(2) الكافي ج 6 ص 170 ح 2، الوسائل ج 15 ص 472 ب 42 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 172 ح 10، الوسائل ج 15 ص 472 ب 42 ح 3.
513
(و ثانيا) أنها معارضة برواية صاحب الفقيه (1) و هي صحيحة، و قد تضمنت أن التزويج إنما وقع بعد موت الولد، مع أنه (عليه السلام) حكم بأن العدة أربعة أشهر و عشرا. و من هذه الصحيحة يعلم بطلان ما ذكروه من الحمل، فإنهم إنما حملوا روايات الأربعة أشهر و عشرا على أم الولد من حيث إطلاقها، و هذه الرواية كما ترى صريحة في أن الأمة ليست ذات ولد لأن التزويج إنما وقع بعد موت الولد مع أنه (عليه السلام) حكم بعدة الحرة فيها.
و على هذا فيمكن أن يقال: إن ما نقل عن علي (عليه السلام) في صحيحة سليمان ابن خالد من أن حكم أمهات الأولاد ذلك لا يستلزم نفيه عن غيرهن، و غاية ما في الباب أنه سئل عن الأمة التي توفي عنها زوجها فأجاب بأن حكم أمهات الأولاد منهن الاعتداد بما ذكروه، و دلالته على نفي ذلك عما عداهن إنما هو بمفهوم اللقب، و هو غير معمول عليه عندهم، و بهذا يجاب أيضا عن رواية وهب ابن عبد ربه التي استدلوا بها زيادة على ما عرفت، فيكون هذا وجها ثالثا للوجهين المتقدمين.
و بالجملة فإن القول المذكور لا يخلو في نظري القاصر من القصور، و لعل الأظهر إنما هو حمل أخبار أحد الطرفين على التقية، و قد نقل في الوسائل احتمال حمل أخبار الشهرين و خمسة أيام على التقية، قال: لأنه مذهب جمع من العامة، فليتأمل ذلك حق التأمل، فإن المسألة محل إشكال. و الحق تصادم الأخبار المذكورة، و عدم قبولها لهذا الجمع الذي ذكروه، فإنه ناش عن عدم إعطاء التأمل حقه في المقام.
هذا كله إذا لم تكن حاملا، و إلا اعتدت بأبعد الأجلين من وضع الحمل و العدة المعتبرة، قال في المسالك: و هو موضع وفاق.
____________
(1) لم نعثر عليها في الفقيه.
514
تنبيه
مما يتفرع على الخلاف المذكور أنهم قالوا- بناء على القول بالتفصيل من أن أم الولد تعتد مع موت الزوج عدة الحرة، و غيرها عدة الأمة-: لو مات الزوج عن أم الولد في أثناء عدتها الرجعية استأنفت عدة الحرة في الوفاة لأنها بمنزلة زوجة الحرة لو مات عنها زوجها في العدة الرجعية، و لو لم تكن ذات ولد و قد مات و هي في عدته الرجعية استأنفت عدة الوفاة المقررة على الأمة كما لو مات و هي في عصمته، هذا إذا كانت العدة رجعية، و لو كان الطلاق بائنا أتمت عدة الطلاق خاصة كالحرة إذا مات زوجها و هي في العدة البائنة، فإنه لا يجب عليها الاستئناف كالأولى لانقطاع العصمة بينهما، و هو ظاهر.
المسألة الخامسة [حكم الأمة المزوجة و الموطوءة للمولى]
إذا مات المولى و أمته مزوجة فلا عدة عليها من موته إجماعا كما نقله في المسالك، و أما إذا لم تكن مزوجة فهل تعتد من موت مولاها عدة الحرة أربعة أشهر و عشرا؟ أم لا عدة عليها، بل يكفي استبراؤها لمن انتقلت إليه إذا أراد وطؤها؟ قولان، المشهور: الأول.
قال في المسالك: و هو قول جماعة منهم الشيخ و أبو الصلاح و ابن حمزة و العلامة في موضع من التحرير و الشهيد في اللمعة.
أقول: ظاهره في المسالك أنه لا فرق هنا بين أم الولد و غيرها، مع أنه قال في المختلف: قال أبو الصلاح: عدة أم الولد لو مات سيدها أربعة أشهر و عشرة أيام. و هو ظاهر كلام ابن حمزة، و هو كما ترى ظاهر في تخصيص الحكم بأم الولد لا مطلقا، و هو ظاهر كلامه. و أما الشهيد في اللمعة فإنه قال: و تعتد أم الولد من وفاة زوجها أو سيدها عدة الحرة. و هو أيضا كما ترى ظاهر في التخصيص بأم الولد، و المراد أنها تعتد من وفاة الزوج إن كانت مزوجة و من السيد إذا مات إن لم تكن مزوجة.
و ذهب ابن إدريس إلى القول الثاني، قال: لا عدة عليها من موت مولاها،
515
لأنه لا دليل عليه من كتاب و لا سنة مقطوع بها و لا إجماع، و الأصل براءة الذمة، و هذه ليست زوجة بل باقية على الملك و العبودية إلى حين وفاته. قال في المختلف:
و لا بأس بقول ابن إدريس.
ثم إن العلامة احتج بما رواه
إسحاق بن عمار (1) في الموثق قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الأمة يموت سيدها، قال: تعتد عدة المتوفى عنها زوجها».
ثم قال: و الجواب الحمل على ما إذا أعتقها للروايات.
و الظاهر أن استدلال العلامة بهذه الموثقة إنما هو بالنظر إلى إطلاقها، و إلا فإنه لا تصريح فيها بأم الولد.
ثم إنه في المسالك بعد ذكر هذه المسألة كما ذكرناه قال: و لو كانت الأمة موطوءة للمولى ثم مات عنها فظاهر الأكثر هنا أنه لا عدة عليها، بل تستبرئ بحيضة كغيرها من الإماء المتقدمة من مالك إلى آخر. و ذهب الشيخ في كتابي الأخبار إلى أنها تعتد من موت المولى كالحرة سواء كانت أم ولد أم لا. و استدل عليه
برواية زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الأمة إذا غشيها سيدها ثم أعتقها فإن عدتها ثلاث حيض، فإن مات عنها زوجها فأربعة أشهر و عشرة أيام».
و بموثقة إسحاق بن عمار السالفة (3)
و حسنة الحلبي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له:
يكون الرجل تحته السرية فيعتقها، فقال: لا يصلح لها أن تنكح حتى تنقضي ثلاثة أشهر، و إن توفي عنها مولاها فعدتها أربعة أشهر و عشرا».
ثم قال: و العجب مع كثرة هذه الأخبار و جودة أسنادها أنه لم يوافق الشيخ
____________
(1) الكافي ج 6 ص 171 ح 2، الوسائل ج 15 ص 472 ب 42 ح 4.
(2) التهذيب ج 8 ص 155 ح 137، الوسائل ج 15 ص 475 ب 43 ح 5 و فيهما اختلاف يسير.
(3) التهذيب ج 8 ص 155 ح 138، الوسائل ج 15 ص 472 ب 42 ح 4.
(4) التهذيب ج 8 ص 156 ح 139، الوسائل ج 15 ص 474 ب 43 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
516
على مضمونها أحد، و خصوا أم الولد بالحكم مع أنه لا دليل عليها بخصوصها.
و أعجب منه تخصيصه في المختلف الاستدلال على حكم أم الولد بموثقة إسحاق، مع أنها تدل على أن حكم الأمة الموطوءة مطلقا كذلك، و مع ذلك فغيرها من الأخبار التي ذكرناها يوافقها في الدلالة، مع أن فيها ما هو أجود سندا، انتهى.
و أما سبطه في شرح النافع فإنه قال- بعد تحقيق الكلام في مسألة الأمة المتوفى عنها زوجها حسبما أوضحناه في سابق هذه المسألة- ما ملخصه: و لم يذكر المصنف حكم الأمة الموطوءة إذا مات مولاها، و قد اختلف الأصحاب في حكمها، فقال ابن إدريس: لا عدة عليها من موت مولاها- إلى أن قال:- و نفى عنه البأس في المختلف- ثم قال:- و قال الشيخ في كتابي الأخبار أنها تعتد من موت المولى كالحرة سواء كانت أم ولد أم لا. و استدل بما رواه في الحسن عن الحلبي ثم أورد الروايات الثلاث التي تقدمت في كلام جده ثم قال بعدها: و هذه الروايات معتبرة الاسناد و ليس لها معارض صريحا فيتجه العمل بها، انتهى.
و أنت خبير بما وقع لهم من الاضطراب في هذا المقام و إن تبعهم من تأخر عنهم من الأعلام.
أما كلامه في المسالك فإنه فرض فيه مسألتين: (أولهما) في الأمة التي مات سيدها و ليست مزوجة، و نقل عن الأكثر وجوب عدة الحرة عليها، و عن ابن إدريس و العلامة في المختلف عدم العدة، و ظاهره أن المراد بالأمة فيها ما هي أعم من ذات الولد و غيرها و الموطوءة و غيرها مع ما عرفت مما ذكرناه أن من وقفنا على كلامه قد خصها بذات الولد.
(و المسألة الثانية) و هي موطوءة المالك إذا مات عنها، و هي أخص من المسألة الاولى، و نقل عنها عن الأكثر عدم وجوب العدة، و عن الشيخ في كتابي الأخبار الوجوب، و ظاهر سبطه في شرح النافع أن خلاف ابن إدريس و العلامة في المختلف إنما هو في هذه المسألة، و ظاهره أن الأكثر و منهم الشيخ في كتابي الأخبار
517
على وجوب العدة، حيث خص الخلاف بابن إدريس- (رحمه الله)- و العلامة- (قدس سره)- خاصة.
هذا مع ما عرفت مما أسلفناه من عبارة المختلف أن محل المسألة إنما هي أم الولد، و الخلاف الذي نقل عن ابن إدريس على عقب نقله عن أبي الصلاح إنما هو في أم الولد، فانظر إلى هذا الاضطراب في كلامهم، و عدم تعين محل النزاع، بل كل منهم يفرضه في مادة.
و أما الروايات التي نقل في المسالك استدلال الشيخ- (رحمه الله)- بها على وجوب العدة على الموطوءة، و وافقه عليها و شنع على من خالفة في ذلك و نحوه سبطه أيضا.
ففيه أن محل البحث هي الأمة الموطوءة التي مات عنها سيدها و ظاهرها أنه مات سيدها و هي أمة، و هذه الروايات ما عدا موثقة إسحاق بن عمار قد تضمنت أنه قد أعتقها سيدها، فالموت إنما وقع بعد عتقها، و لا ريب أنها بالعتق قد خرجت عن موضوع المسألة التي هي محل البحث، و كيف يستدلون بها على هذا القول و يشنعون على من خالفهم فيه؟ و مسألة وجوب العدة على من أعتقها في حياته أو بعد موته مسألة أخرى سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى على أثر هذه المسألة.
و كيف كان فمع قطع النظر عما فرضوه من كون محل الخلاف مجرد الأمة التي مات عنها سيدها و هي غير مزوجة أو أنه الأمة الموطوءة إذا مات عنها و الرجوع إلى الأخبار، فإني لم أقف في هذا المقام إلا على
موثقة إسحاق بن عمار (1) المذكورة، و موردها هو «الأمة يموت سيدها، قال: تعتد عدة المتوفى عنها زوجها».
و إطلاق الأمة فيها شامل للموطوءة، و غير الموطوءة، أم ولد كانت أو غيرها، و قد عرفت مما قدمنا نقله عن العلامة- (قدس سره)- في المختلف أنه قيد هذه الروايات بما إذا أعتقت قبل الموت حملا على الروايات الدالة على ذلك.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 155 ح 138، الوسائل ج 15 ص 482 ب 42 ح 4.
518
و فيه أن الحمل على خلاف الظاهر فرع وجود المعارض، و هو هنا غير موجود، و ظاهر إطلاق الموثقة المذكورة أنه بمجرد الملك و إن لم تطأ يجب عليها عدة الوفاة عن سيدها مثل الزوجة الغير المدخول بها. و لم أقف على مصرح به منهم إلا أنه المفهوم من عموم المسألة الأولى التي فرضها في المسالك، لأنه فرضها فيمن مات عنها سيدها و هي غير مزوجة.
و أنت خبير بأن أصحاب المتون لم يتعرضوا لهذه المسألة كالمحقق في الشرائع و مختصره و العلامة في القواعد و الإرشاد و غيرهما في غيرهما، و إنما أشار إليها أصحاب المطولات مع ما عرفت من الاضطراب فيه.
المسألة السادسة [حكم الأمة إذا أعتقها سيدها في حياته و كان يطؤها]
المشهور بين الأصحاب أن الأمة إذا أعتقها سيدها في حياته و كان يطؤها فإنه لا يجوز لها التزويج بغيره إلا بعد العدة بثلاثة أقراء، و إذا توفي عنها اعتدت عدة الوفاة كالحرة، و كذا لو دبرها فإنها تعتد بعد موته عدة الوفاة.
ذكر ذلك الشيخ في النهاية و غيره، و خالف في ذلك ابن إدريس فقال: قد ورد حديث بما ذكره الشيخ فإن كان مجمعا عليه فالإجماع هو الحجة، و إن لم يكن مجمعا عليه فلا دلالة على ذلك، و الأصل براءة ذمتها من العدة لأن إحداهما غير متوفى عنها زوجها- أعني من جعل عتقها بعد موتها فلا يلزمها عدة الوفاة- و الأخرى غير مطلقة- أعني من أعتقها في حياته فلا يلزمها عدة المطلقة- و لزوم العدة حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، و لا دلالة على ذلك من كتاب و لا سنة مقطوع بها و لا إجماع منعقد، و الأصل براءة الذمة. انتهى و هو جيد على أصله الغير الأصيل، و قاعدته التي خالف فيها العلماء جيلا بعد جيل.
و من الأخبار الدالة على ما هو المشهور و هو المؤيد المنصور ما تقدم في سابق هذه المسألة من رواية زرارة (1) و حسنة الحلبي (2) و موردهما «من غشيها سيدها ثم أعتقها
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 155 ح 137، الوسائل ج 15 ص 474 ب 43 ح 5.
(2) التهذيب ج 8 ص 155 ح 139، الوسائل ج 15 ص 474 ب 43 ح 1.
519
فإنها تعتد عدة المطلقة، و إن مات قبل العدة اعتدت عدة الوفاة».
و ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال في رجل كانت له أمة فوطأها ثم أعتقها، و قد حاضت عنده حيضة بعد ما وطأها، قال: تعتد بحيضتين».
قال ابن أبي عمير في حديث آخر: تعتد بثلاث حيض.
قال السيد السند في شرح النافع: و مقتضى هذه الرواية احتساب الحيضة الواقعة بعد الوطء و قبل العتق من العدة، و لا أعلم بمضمونها قائلا.
و في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يعتق سريته، أ يصلح له أن يتزوجها بغير عدة؟ قال: نعم، قلت: فغيره؟ قال:
لا، حتى تعتد ثلاثة أشهر» الحديث. (3).
و رواه
الشيخ في التهذيب (4) في الصحيح عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله إلى قوله: ثلاثة أشهر.
و من هذا الخبر و سابقه يستفاد أنها لو لم تكن من ذوات الأقراء فإنها تعتد بالأشهر كما سيأتي التصريح به في صحيحة داود الرقي.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 171 ح 4، الوسائل ج 15 ص 475 ب 43 ح 2 و 3.
(2) الكافي ج 6 ص 172 ح 5، الوسائل ج 15 ص 475 ب 43 ح 4.
(3) أقول: و من صحيحة الحلبي المذكورة و موثقة أبي بصير التي بعدها يظهر بطلان الحيلة التي أدعوها في إسقاط العدة حيث انهم قالوا: انه في مثل هذه المسألة لو أعتقها ثم تزوجها في العدة حيث لا عدة عليها من مائه ثم طلقها فإنه يجوز لها أن تنكح غيره بغير عدة، لأنها غير مدخول بها و لا عدة عليها من هذا الطلاق.
و فيه كما تقدم تحقيقه أن الساقط انما هو عدة هذا الطلاق، و أما العدة السابقة التي نشأت من العتق فهي على ما هي، حيث ان سقوطها انما ثبت للزوج خاصة إذ لا يجب عليها الاستبراء من مائه كما ذكره في خبر أبى بصير، و أما غير فلا دليل على سقوطها، و مجرد تزويج السيد بها و طلاقه لها لا يصلح لان يكون سببا في إسقاطها، لأن هذا مختص به خاصة، و الله العالم. (منه- (قدس سره)-).
(4) التهذيب ج 8 ص 175 ح 35، الوسائل ج 14 ص 511 ب 13 ح 1.
520
و ما رواه
في التهذيب (1) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن أعتق رجل جاريته ثم أراد أن يتزوجها مكانه فلا بأس، و لا تعتد من مائه، و إن أرادت أن تتزوج من غيره فلها مثل عدة الحرة».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن داود الرقي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المدبرة إذا مات عنها مولاها أن عدتها أربعة أشهر و عشرا من يوم يموت سيدها إذا كان سيدها يطؤها، قيل له: فالرجل يعتق مملوكته قبل موته بساعة أو بيوم، قال: فقال: هذه تعتد بثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء من يوم أعتقها سيدها».
و أما ما رواه
في الكافي (3) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل أعتق وليدته عند الموت، فقال: عدتها عدة الحرة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر و عشرا. قال: و سألته عن رجل أعتق وليدته و هو حي و قد كان يطؤها، فقال:
عدتها عدة الحرة المطلقة ثلاثة قروء».
فظاهر صدرها الدلالة على أن المعتقة تعتد عدة المتوفى عنها زوجها إذا كان قبل الموت، مع استفاضة هذه الأخبار بأن عدتها عدة المطلقة سواء كان صحيحا (حيا خ ل) أو في مرض الموت، و لهذا أن الشيخ حمل صدرها على المدبرة الموصي بعتقها، كما تدل عليه رواية داود الرقي لا أنه أعتقها بالفعل.
و ما رواه
في الكافي (4) عن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل تكون عنده السرية له و قد ولدت منه و مات ولدها ثم يعتقها، قال: لا يحل لها أن تتزوج حتى تنقضي عدتها ثلاثة أشهر».
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 214 ح 70، الوسائل ج 14 ص 512 ب 13 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 172 ح 8، التهذيب ج 8 ص 156 ح 141، الوسائل ج 15 ص 275 ب 43 ح 7 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 6 ص 172 ح 7، الوسائل ج 15 ص 475 ب 43 ح 6.
(4) الكافي ج 6 ص 172 ح 9، الوسائل ج 15 ص 475 ب 43 ح 8.
521
هذه جملة ما وقفت عليه من أخبار المسألة، و كلها متفقة الدلالة واضحة المقالة على وجوب عدة الحرة من الطلاق على الأمة إذا أعتقها سيدها، و قد جعلوا (عليهم السلام) العتق في هذه الحال مثل طلاق الحرة في وجوب العدة المذكورة.
و أما المدبرة فيدل عليها صحيح داود البرقي صريحا و صدر رواية أبي بصير حملا.
إلحاق [في ما لو مات زوج الأمة ثم أعتقت]
المشهور من غير خلاف يعرف أنه لو مات زوج الأمة ثم أعتقت أتمت عدة الحرة تغليبا لجانب الحرية، ذكره الشيخ و من تأخر عنه.
قال في المسالك: و توجيهه أنها بعد العتق مأمورة بإكمال عدة الوفاة، و قد صارت حرة فلا تكون مخاطبة بحكم الأمة فيجب عليها إكمال عدة الحرة نظرا إلى حالها حين الخطاب، و لا تنظر إلى ابتداء الخطاب بالعدة فإنها كل يوم مخاطبة بحكمها، و هو معنى قوله «تغليبا لجانب الحرية»، انتهى.
أقول: قد عرفت في غير موضع مما قدمنا أن مثل هذه التعليلات العقلية لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، و الأظهر الاستدلال على ذلك بما رواه
الصدوق (1) في الصحيح عن جميل و هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في أمة طلقت ثم أعتقت قبل أن تنقضي عدتها، قال: تعتد بثلاث حيض، فإن مات عنها زوجها ثم أعتقت قبل أن تنقضي فإن عدتها أربعة أشهر و عشرا».
و حينئذ فما ذكره من التوجيه يصلح لأن يكون وجها للنص المذكور و بيان الحكمة فيه، و يعضده ما دل عليه صدر الخبر و تقدم أيضا في غيره في المسألة الثانية من أنه لو أعتقت و هي في عدة الطلاق لحقها حكم الحرة و الاعتداد بعدتها، و بذلك يظهر صحة الحكم المذكور و أنه لا إشكال فيه.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 352 ح 14، الوسائل ج 15 ص 482 ب 50 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
522
المسألة السابعة: في جملة من المواضع التي ذكر الأصحاب فيها سقوط الاستبراء
زيادة على ما قدمناه في كتاب البيع و كتاب النكاح.
(منها)
لو كاتب جارية
فإنه يحرم عليه وطؤها، لأن الكتابة تقتضي نقلها عن ملكه و إن كان متزلزلا، سواء قيل بأن الكتابة بيع للمملوك من نفسه أم عتق بشرط، و حينئذ فلو فسخت الكتابة لعجزها لم يلزمها الاستبراء لما تقرر من أن الغرض من الاستبراء الفرق بين الماءين المحترمين محافظة على الأنساب، و الماءان هنا من واحد. و قد تقدم في كتاب النكاح له نظائر وردت بها النصوص، و لأنه لا يحل لها التزويج بغيره زمن الكتابة كما سيأتي إن شاء الله في محله.
(و منها)
ما لو حرمت على السيد بارتداده أو ارتدادها ثم أسلمت أو أسلم هو
فإنه لا يجب الاستبراء لما عرفت من عدم تعدد الماء، و هو الموجب للاستبراء، و لا بد من تقييد ارتداده بكونه عن ملة ليمكن عود ملكها إليه بعوده إلى الإسلام و المرتد الفطري يجب قتله عندنا، و تبين منه زوجته، و تقسم أمواله و إن قلنا بقبول توبته فيما بينه و بين الله سبحانه إلا أنها لا يوجب سقوط هذه الحقوق المذكورة فلا يمكن عودها إليه، و هو ظاهر.
(و منها)
ما لو زوج المولى أمته ثم طلقها الزوج بعد الدخول
فإنها لا تحل للمولى إلا بعد الاعتداد من الزوج كما صرحت به الأخبار عموما و خصوصا، إلا أنه تكفي العدة هنا عن الاستبراء فيدخل الأقل تحت الأكثر. أما لو طلقها الزوج قبل الدخول فإنه لا عدة و لا استبراء لعدم حصول الموجب سواء كان المولى أو غيره.
(و منها)
ما لو اشترى مشركة أو مرتدة فمرت بها حيضة [ثم أسلمت]
في تلك الحال التي هي عليها ثم أسلمت فإنه لا يجب استبراء ثان، و اعتد بما وقع حال الكفر لحصول الغرض المقصود منه، و كذا لو استبرأها و هي محرمة عليه بسبب الإحرام فأحل، و الوجه في ذلك أنه لا يشترط في صحة الاستبراء كون الأمة محللة للمولى لو لا الاستبراء، بل يكتفي به و إن كانت محرمة عليه بسبب آخر لحصول الغرض منه
523
و هو عدم اختلاف الماءين، و حينئذ فإذا زال ذلك السبب المحرم الموجود حال الاستبراء حلت للمولى بالاستبراء السابق.
المقام التاسع (1) في اللواحق
، و فيه مسائل:
[المسألة] الأولى [في أنه لا يجوز لمن طلق رجعيا أن يخرج الزوجة من بيته]
قد صرح الأصحاب بأنه لا يجوز لمن طلق رجعيا أن يخرج الزوجة من بيته إلا أن تأتي بفاحشة، و هي أن تفعل ما يجب به الحد فيخرج لإقامته، و أدنى ما تخرج له أن تؤذي أهله، و يحرم عليها الخروج ما لم تضطر، و لو اضطرت إلى الخروج خرجت بعد انتصاف الليل و عادت قبل الفجر.
أقول: تحقيق الحال في تفصيل هذا الإجمال أن يقال: الظاهر أنه لا خلاف نصا و فتوى في وجوب السكنى للمطلقة الرجعية كما تجب لها النفقة، و الأصل في ذلك قوله عز و جل «لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لٰا يَخْرُجْنَ إِلّٰا أَنْ يَأْتِينَ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ»، (2) و الأخبار المتكاثرة و منها:
ما رواه
في الكافي (3) في الصحيح عن سعد بن أبي خلف قال: «سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن شيء من الطلاق فقال: إذا طلق الرجل امرأته طلاقا لا يملك فيه الرجعة فقد بانت منه ساعة طلقها و ملكت نفسها و لا سبيل له عليها و تعتد حيث شاءت و لا نفقة لها، قال: فقلت: أ ليس الله عز و جل يقول لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لٰا يَخْرُجْنَ؟ قال: فقال: إنما عنى بذلك التي تطلق تطليقة بعد تطليقة، فتلك التي لا تخرج، و لا تخرج حتى تطلق الثالثة، فإذا طلقت الثالثة فقد بانت منه و لا نفقة لها، و المرأة التي يطلقها الرجل تطليقة ثم يدعها حتى يخلو أجلها فهذه أيضا تعتد في منزل زوجها و لها النفقة و السكنى حتى تنقضي عدتها».
____________
(1) و الصحيح هو المقام الثامن.
(2) سورة الطلاق- آية 1.
(3) الكافي ج 6 ص 90 ح 5، الوسائل ج 15 ص 436 ب 20 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
524
و عن إسحاق بن عمار (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن المطلقة أين تعتد؟ قال: في بيت زوجها.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) «في المطلقة أين تعتد؟ فقال: في بيتها إذا كان طلاقا له عليها رجعة ليس له أن يخرجها، و لا لها أن تخرج حتى تنقضي عدتها».
و ما رواه
في الكافي (3) عن سماعة في الموثق قال: «سألته عن المطلقة أين تعتد؟
قال: في بيتها لا تخرج، و إن أرادت زيارة خرجت بعد نصف الليل و لا تخرج نهارا، و ليس لها أن تحج حتى تنقضي عدتها» الحديث.
و عن محمد بن قيس (4) في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال المطلقة تعتد في بيتها و لا ينبغي لها أن تخرج حتى تنقضي عدتها، و عدتها ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر إلا أن تكون تحيض».
و عن الحلبي (5) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا ينبغي للمطلقة أن تخرج إلا بإذن زوجها حتى تنقضي عدتها ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر إن لم تحض».
و عن أبي الصباح الكناني (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «تعتد المطلقة في بيتها و لا ينبغي لزوجها إخراجها و لا تخرج هي».
أقول: إضافة البيت في هذه الأخبار إليها وقع تبعا للآية، و المراد به بيت الزوج أضيف إليها للملابسة بالسكنى قبل الطلاق. و قد اتفق الأصحاب أيضا على أنه يحرم عليه إخراجها إلا أن تأتي بفاحشة كما صرحت به الآية، و أنه كما
____________
(1) الكافي ج 6 ص 91 ح 8، الوسائل ج 15 ص 434 ب 18 ح 4.
(2) الكافي ج 6 ص 91 ح 9، الوسائل ج 15 ص 434 ب 18 ح 6.
(3) الكافي ج 6 ص 90 ح 3، الوسائل ج 15 ص 435 ب 19 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 90 ح 4، الوسائل ج 15 ص 422 ب 12 ح 2.
(5) الكافي ج 6 ص 89 ح 1، الوسائل ج 15 ص 434 ب 18 ح 1.
(6) الكافي ج 6 ص 91 ح 6، الوسائل ج 15 ص 434 ب 18 ح 5.
525
يحرم عليه إخراجها يحرم عليها هي الخروج أيضا، لكن اختلفوا في أن تحريم الخروج عليها هل هو مطلقا و إن اتفقا عليه بأن أرادت الخروج و رضي الزوج بذلك؟
أو يختص بعدم رضا الزوج، فلو أجاز و أذن لها جاز؟ ظاهر المشهور الأول لإطلاق الآية و الأخبار، و دلالتهما على تحريم الفردين المذكورين.
قال في المسالك تفريعا على ذلك: فلو اتفقا على الخروج منعهما الحاكم الشرعي لأن فيه حقا لله تعالى كما أن في العدة حقا له تعالى، بخلاف السكنى المستحقة بالنكاح، فإن حقها مختص بالزوجين.
و قيل بتقييد التحريم بعدم الاتفاق، فلو أذن لها في الخروج فخرجت جاز، نقله في المسالك عن جماعة من الأصحاب منهم أبو الصلاح و العلامة في التحرير.
و يدل عليه ما تقدم في صحيحة الحلبي أو حسنته، فإنها ظاهرة في جواز الخروج مع إذنه. و على هذا فيخص بها إطلاق الآية و الأخبار المذكورة، قال في المسالك:
و الأجود التحريم مطلقا عملا بظاهر الآية.
و فيه أن الرواية المذكورة معتبرة الإسناد عندهم إذ حسنها على تقدير عدها من الحسن إنما هو بإبراهيم بن هاشم الذي لا راد لروايته، منهم كما صرح به غير واحد، فالواجب تخصيص إطلاق الآية بها، و هم قد جروا على هذه القاعدة في غير موضع، و لهذا مال سبطه في شرح النافع إلى ما ذكرناه فقال: و العمل بهذه الرواية متجه و إن كان المنع مطلقا أحوط، و هو جيد.
[في معنى الفاحشة المذكورة في الآية]
و أما الفاحشة المذكورة في الآية الموجبة لإخراجها فقد اختلف فيها (فقيل) هي الزنا، و المعنى إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن. (و قيل) مطلق الذنب و أدناه أن تؤذي أهله. (و قيل) المعنى أن خروج المرأة قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه أي لا يطلق في الخروج الذي هو فاحشة، و قد علمنا أنه لا يطلق لهن في الفاحشة فيكون ذلك منعا لهن عن الخروج عن أبلغ وجه.
526
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بذلك ما رواه
في الكافي (1) عن محمد بن علي بن جعفر قال: «سأل المأمون الرضا (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لٰا يَخْرُجْنَ إِلّٰا أَنْ يَأْتِينَ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» قال: يعني بالفاحشة المبينة أن تؤذي أهل زوجها، فإذا فعلت ذلك فإن شاء أن يخرجها من قبل أن تنقضي عدتها فعل».
و عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن بعض أصحابه (2) عن الرضا (عليه السلام) «في قوله عز و جل «لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لٰا يَخْرُجْنَ إِلّٰا أَنْ يَأْتِينَ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» قال: أذاها لأهل الرجل و سوء خلقها».
و ما رواه
في الفقيه (3) مرسلا قال: «سئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ اتَّقُوا اللّٰهَ رَبَّكُمْ لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لٰا يَخْرُجْنَ إِلّٰا أَنْ يَأْتِينَ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» قال: إلا أن تزني فتخرج و يقام عليها الحد».
و في كتاب مجمع البيان للطبرسي (4) قيل: هو البذاء على أهلها فيحل لهم إخراجها، و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام).
و روى علي بن أسباط (5) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «الفاحشة أن تؤذي أهل زوجها و تسبهم».
و ما رواه
في كتاب إكمال الدين و إتمام النعمة (6) بسنده فيه عن سعد بن عبد الله القمي قال: «قلت لصاحب الزمان (صلوات الله و سلامه عليه): أخبرني عن الفاحشة المبينة التي إذا أتت المرأة بها في أيام عدتها حل للزوج أن يخرجها من بيته، فقال (عليه السلام): الفاحشة المبينة هي السحق دون الزنا، فإن المرأة إذا زنت و أقيم عليها
____________
(1) الكافي ج 6 ص 97 ح 2، الوسائل ج 15 ص 439 ب 23 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 97 ح 1، الوسائل ج 15 ص 439 ب 23 ح 1.
(3) الفقيه ج 3 ص 322 ح 10، الوسائل ج 15 ص 440 ب 23 ح 3.
(4) مجمع البيان ج 10 ص 304، الوسائل ج 15 ص 440 ب 23 ح 5.
(5) مجمع البيان ج 10 ص 304، الوسائل ج 15 ص 440 ب 23 ح 6.
(6) إكمال الدين ص 254، الوسائل ج 15 ص 440 ب 23 ح 4.
527
الحد ليس لمن أرادها أن يمتنع بعد ذلك من التزويج بها لأجل الحد، و إذا سحقت وجب عليها الرجم، و الرجم أخزى، و من قد أمر الله برجمه فقد أبعده، و من أبعده فليس لأحد أن يقربه».
و أكثر هذه الأخبار على تفسير الفاحشة بالأذى لأهل زوجها، و مرسلة الفقيه فسرتها بالزنا، و رواية إكمال الدين بالسحق، و بذلك يظهر أن ما ذكره الأصحاب من التفسير بمطلق الذنب و أن أدناه أن تؤذي أهله لا أعرف له وجها لأن الروايات صريحة في التخصيص بأذى أهله، و ليس في شيء منها إشارة إلى مطلق الذنب، و كذلك ما ذكره بعضهم من التفسير بمطلق ما يوجب الحد و جعل من جملته الزنا فإنه لا وجه له لاختصاص المرسلة التي هي مستند ذلك بالزنا، فالتعدية إلى مطلق ما يوجب الحد على هذا القول و كذا التعدية إلى مطلق الذنب على القول الآخر لا معنى له.
بقي الإشكال في رواية سعد بن عبد الله المروية عن صاحب الزمان (صلوات الله و سلامه عليه)، فإنها قد تضمنت تفسيرها بالسحق دون الزنا، و حملها في الوسائل على أن السحق أعظم أفراد الفاحشة المبينة جمعا بينه و بين ما مضى و يأتي.
أقول: كيف يتم هذا الحمل مع نفيه الزنا بمعنى أن الفاحشة في الآية لم يرد بها الزنا لقوله «السحق دون الزنا» و القدر المحكوم به في هذه الروايات هو التفسير بأذى أهله، و فيما عداه من الزنا و السحق إشكال لتصادم الروايتين المذكورتين.
و الظاهر أنه لو لم ينفق عليها جاز لها الخروج لاكتساب المعيشة، و يدل عليه ما رواه
في الفقيه (1) قال: «كتب الصفار إلى أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) في امرأة طلقها زوجها و لم يجر عليها النفقة للعدة و هي محتاجة، هل يجوز لها أن تخرج و تبيت عن منزلها للعمل و الحاجة؟ فوقع (عليه السلام): لا بأس بذلك إذا علم الله
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 328 ح 12، الوسائل ج 15 ص 461 ب 34 ح 1 و نقله المصنف- (رحمه الله)- بالمعنى.
528
الصحة منها».
قال في المسالك: و تحريم إخراجها و خروجها مشروط بحالة الاختيار، فلو اضطرت إلى الخروج جاز، و وجب كونه بعد انتصاف الليل و تعود قبل الفجر على ما ذكره المصنف و جماعة، و هو في موقوفة سماعة- ثم ساق الرواية المذكورة كما قدمنا ذكره ثم قال:- و إنما يعتبر ذلك حيث تتأدى الضرورة به، و إلا جاز الخروج مقدار ما تتأدى الضرورة به من غير تقييد بالليل، انتهى و هو جيد.
و يدل على الحكم الآخر ما ذكرناه من صحيحة الصفار، و الظاهر أنه لم يقف عليها، و إلا لنقلها دليلا لما ذكره.
قالوا: و لا يلزم ذلك في البائن و المتوفى عنها زوجها بل تبيت كل منهما حيث شاءت.
أقول: و يدل على البائن صحيحة سعد بن أبي خلف (1) المتقدمة، و أما المتوفى عنها زوجها فاستدل السيد السند في شرح النافع عليها بروايتي معاوية ابن عمار و سليمان بن خالد (2) الدالتين على إخراج أمير المؤمنين (عليه السلام) أم كلثوم من منزل عمر لما مات، و قد تقدمتا في عدة الوفاة، قال: و قد ورد في بعض الروايات أن المتوفى عنها زوجها لا تبيت في غير بيتها و يجب حملها على الكراهة جمعا بين الأدلة.
و فيه أنا قد بينا في عدة الوفاة أنه لا منافة بين الوجوب البينونة في المنزل و جواز الخروج من منزل إلى منزل بمعنى أنه لا يجب على مرأة الاعتداد في منزل الزوج خاصة كالمطلقة بل لها أن تخرج إلى منزل أهلها فتعتد فيه أو منزل آخر و لو تعددت المنازل، لكن متى جلست و استقرت في ذلك المنزل لزمها حكم الاعتداد، و من جملته عدم الخروج إلا للضرورة أو قضاء الحقوق كما دلت عليه الروايات
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 436 ب 20 ح 1.
(2) الوسائل ج 15 ص 458 و 457 ب 32 ح 3 و 1.
529
المتقدمة ثمة، فلا منافاة و لا ضرورة إلى حمل تلك الأخبار على الكراهة، فإن ظاهر جملة منها مزيد التأكيد في ذلك الدال على التحريم كأخبار إنكار الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) على النساء، و أنهن كن في الجاهلية يلتزمن ذلك.
و بالجملة فإن الظاهر من الأخبار أن هذا من أحكام الحداد الذي لا خلاف في وجوبه عليها، و حينئذ فيحرم عليها المبيت في غير بيتها كما يحرم عليها الزينة، و الله العالم.
المسألة الثانية [في ما تستحق المطلقة الرجعية زمن العدة]
لا خلاف في أن المطلقة الرجعية زمن العدة تستحق النفقة و الكسوة و المسكن لأنها زوجته مسلمة كانت أو ذمية.
قالوا: أما الأمة فإن أرسلها مولاها ليلا و نهارا فلها النفقة و السكنى لوجود التمكين التام، و لو منعها ليلا أو نهارا فلا نفقة لعدم التمكين و أنه لا نفقة للبائن و لا سكنى إلا أن تكون حاملا، فلها ذلك حتى تضع.
أقول: و من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة صحيحة سعد بن أبي خلف المتقدمة في سابق هذه المسألة.
و ما رواه
في الكافي و الفقيه (1) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن المطلقة ثلاثا ليس لها نفقة و لا سكنى على زوجها إنما ذلك للتي لزوجها عليها رجعة».
أقول: قوله «و لا سكنى» ليس في الكافي بل في الفقيه خاصة.
و ما رواه
في الكافي (2) عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المطلقة ثلاثا على السنة هل لها سكنى و نفقة؟ قال: لا».
و عن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن المطلقة ثلاثا إلها سكنى
____________
(1) الكافي ج 6 ص 104 ح 4، الفقيه ج 3 ص 324 ح 5، الوسائل ج 15 ص 232 ب 8 ح 2 و ما في الوسائل و الكافي هكذا «المطلقة ثلاثا ليس لها نفقة على زوجها».
(2) الكافي ج 6 ص 104 ح 2، الوسائل ج 15 ص 233 ب 8 ح 5 و فيهما «أو نفقة».
(3) الكافي ج 6 ص 104 ح 3، الوسائل ج 15 ص 233 ب 8 ح 6 و فيهما «و نفقة».
530
أو نفقة؟ قال: حبلى هي؟ قلت: لا، قال: لا».
و عن سماعة (1) في الموثق قال: «قلت: المطلقة لها سكنى و نفقة؟ فقال:
حبلى هي؟ قلت: لا، قال: ليس لها سكنى و لا نفقة».
و ما رواه
في التهذيب (2) عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن المطلقة ثلاثا إلها النفقة و السكنى؟ قال: أ حبلى هي؟ قلت: لا، قال: لا».
و عن ابن سنان (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المطلقة ثلاثا على العدة إلها سكنى أو نفقة؟ قال: نعم».
و هذا الخبر حمله الشيخ على الاستحباب قال: و يحتمل أن يكون المراد به إذا كانت المرأة حاملا.
و ما رواه
في الكافي (4) عن محمد بن قيس في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الحامل أجلها أن تضع حملها، و عليه نفقتها بالمعروف حتى تضع حملها».
و رواية عبد الله بن سنان (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يطلق امرأته و هي حبلى، قال: أجلها أن تضع حملها و عليه نفقتها حتى تضع».
و رواية أبي الصباح الكناني (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل المرأة و هي حبلى أنفق عليها حتى تضع حملها» الحديث.
و صحيحة الحلبي أو حسنته (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الحبلى المطلقة ينفق عليها زوجها حتى تضع حملها» الحديث.
و الرواية الاولى من هذه الروايات و نحوها صحيحة سعد بن أبي خلف قد
____________
(1) الكافي ج 6 ص 104 ح 5، الوسائل ج 15 ص 232 ب 8 ح 3 و فيهما «المطلقة ثلاثا».
(2) التهذيب ج 8 ص 133 ح 61، الوسائل ج 15 ص 233 ب 8 ح 7.
(3) التهذيب ج 8 ص 133 ح 60، الوسائل ج 15 ص 233 ب 8 ح 8.
(4) الكافي ج 6 ص 103 ح 1، الوسائل ج 15 ص 230 ب 7 ح 3.
(5) الكافي ج 6 ص 103 ح 4، الوسائل ج 15 ص 230 ب 7 ح 1.
(6) الكافي ج 6 ص 103 ح 2، الوسائل ج 15 ص 230 ب 7 ح 2.
(7) الكافي ج 6 ص 103 ح 3، الوسائل ج 15 ص 231 ب 7 ح 4 و كلمة «زوجها» غير موجودة فيهما.
531
تضمنت حكم المطلقة الرجعية الحامل، و أن لها السكنى و النفقة ما دامت في العدة. و الروايات الأخيرة و هي صحيحة محمد بن قيس و ما بعدها قد تضمنت حكم المطلقة الرجعية الحامل و أن لها النفقة و السكنى حتى تضع حملها. و باقي الروايات تضمنت حكم المطلقة البائن حاملا كانت أو حائلا، و أن الحائل لا نفقة لها و لا سكنى، و أما الحامل فلها النفقة و السكنى، و قد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام بما لا يحوم حوله نقض و لا إبرام في المسألة الثانية من المقصد الخامس في النفقات من الفصل الخامس فيما يلحق بالنكاح و هو آخر كتاب النكاح. (1)
قالوا: و شرط وجوب النفقة و السكنى للمطلقة رجعيا اجتماع الشرائط المعتبرة فيها حال الزوجية من الصلاحية للاستمتاع و تسليم نفسها و غيره، لأن المطلقة رجعيا تبقى بحكم الزوجة، فيعتبر فيما يجب لها ما يعتبر في الزوجة، فلو كانت صغيرة لا تتحمل الجماع لم تستحق النفقة في العدة كما لا تستحقها في النكاح، و كذا لو طلقها و هي ناشزة لم تستحق السكنى و النفقة في العدة كما لا تستحقها في صلب النكاح، و كذا لو نشزت في العدة و لو بالخروج عن مسكنها بغير إذنه تسقط نفقتها و سكناها، و لو عادت إلى الطاعة عاد الاستحقاق.
أقول: و ما ذكروه و إن لم يرد به نص بالخصوص إلا أنه الأوفق بالقواعد الشرعية لترتب ذلك على بقاء الزوجية، إلا أن عد الصغيرة منها لا يخلو من شيء فإنها لا عدة عليها بعد الطلاق لعدم الدخول بها.
[في أنه هل تثبت النفقة للحامل بوطء الشبهة]
بقي هنا شيء لم يتقدم ذكره، و هو أنه لا ريب أن العدة تجب مع وطء الشبهة إجماعا نصا و فتوى، و هل تثبت النفقة لها لو كانت حاملا؟ وجهان، بل قولان مبنيان على أن النفقة على الحامل هل هي لها أو للحمل؟ فقال الشيخ:
هي للحمل و حينئذ فتجب، و إن كانت الحامل غير مطلقة إذا كان الولد ملحقا بالواطئ كما هو محل البحث، فإن نفقة ولده واجبة عليه، و إن لم تكن امه زوجته.
____________
(1) راجع ص 108 من هذا الجزء.
532
و أما على القول بأنها للحامل فلا، لأن الموطوءة بالشبهة ليست زوجة يجب الإنفاق عليها، كذا قيل.
و فيه أن القائل بكونها للحامل يقول بأنها لأجل الحمل، لا أنها لها مطلقا حتى يعلل نفيها بأنها ليست زوجة على أنه قد تقدم في الموضع المشار إليه أن المسألة موضع إشكال، لعدم النص الواضح في هذا المجال.
و ظاهر المحقق في الشرائع الاستشكال في هذه المسألة- أعني مسألة وجوب النفقة للموطوءة بالشبهة بناء على كونها للحمل من وجه آخر- و منشأ الاشكال مما تقدم من أنها بناء على القول المذكور لولده الواجب النفقة عليه، و من إمكان أن يقال: إن وجوب نفقة البائن على خلاف الأصل فيقتصر فيها على مورد النص، و هو المطلقة الحامل فلا يتعدى إلى غيرها.
و بالجملة فالتمسك بأصالة العدم أقوى مستمسك حتى يقوم دليل على الوجوب و التمسك في ذلك بما ذكر مع كون تلك المسألة كما عرفت غير خالية من الاشكال مما لا يمكن الاعتماد عليه في هذه الحال.
و قد علم مما تقدم- و هو المشهور في كلام الأصحاب و عليه دل ما تقدم من الأخبار- أن نفقة المعتدة. مختصة بالرجعية و البائن إذا كانت حاملا.
و أما المتوفى عنها زوجها، فإن كانت حائلا فلا نفقة لها إجماعا، و إن كانت حاملا فلا نفقة لها أيضا في مال المتوفى عنها إجماعا، و إنما الخلاف في أنه يجب لها النفقة في نصيب الولد أم لا؟ فظاهر المشهور بين المتقدمين الأول، و المشهور بين المتأخرين الثاني، و قد تقدم تحقيق الكلام في المسألة منقحا في الموضع المتقدم ذكره.
المسألة الثالثة [في ما لو تزوجت في العدة]
قد صرح الأصحاب بأنه لو تزوجت في العدة لم يصح و لم تنقطع عدة الأول، فإن لم يدخل فهي في عدة الأول، و إن وطأها الثاني عالما بالتحريم فالحكم كذلك، حملت أو لم تحمل، و لو كان جاهلا و لم تحمل أتمت عدة الأول لأنها أسبق، و استأنفت أخرى للثاني على أشهر الروايتين.
533
أقول: أما عدم صحة العقد عليها في العدة بائنة كانت أو رجعية فهو مما لا خلاف فيه نصا و فتوى، علم بالحكم أو لم يعلم، و قد تقدمت الأخبار المتضافرة بذلك في كتاب النكاح.
و أما عدم انقطاع عدة الأول فظاهر لعدم القاطع لها، و مجرد العقد عليها لا أثر له في ذلك لفساده و كونه في حكم العدم.
و أما أنه إذا وطأها الثاني و دخل بها بعد العقد عالما بالتحريم فالحكم كذلك.
يعني أنه لا عدة، فعلل بأنه زان و لا حرمة لمائه، فتكفي بإكمال العدة الأولى سواء كانت عدة طلاق أم عدة وفاة أم غيرهما، و هو مبني على ما هو المشهور بينهم، بل ربما ادعي عليه الإجماع من أنه لا عدة على الزانية لا من ماء الزاني و لا غيره، مع أنا قد قدمنا في غير موضع (1) ورود الأخبار بالعدة في هذا الموضع و هو مذهب ابن الجنيد أيضا، و حينئذ فالأظهر عدم الاكتفاء بإكمال العدة الأولى كما ذكروه.
و أما أنه لو كان جاهلا و لم تحمل فإنها تتم عدة الأول ثم تستأنف أخرى للثاني فالوجه في ذلك أن الدخول بها جاهلا يصير النكاح وطء شبهة، و هو نكاح صحيح موجب للعدة.
و أما عدم تداخل العدتين فعلل بأنه الأصل، و أنهما حقان مقصودان كالدين، و أسنده هنا إلى أشهر الروايتين، و أراد بهما الجنس لتعدد الروايات من الطرفين.
فمما يدل على التعدد كما هو المشهور
صحيحة الحلبي أو حسنته (2) بإبراهيم
____________
(1) منها ما في هذا الكتاب [راجع ص 397 من هذا الجزء] في أول الفصل الثالث في العدد و قبله في كتاب النكاح [الحدائق ج 23 ص 491] في الإلحاق المشتمل على جملة من أحكام الزنا من المقام الثاني في الزنا من المطلب الثالث فيما يحرم بالمصاهرة.
(منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 5 ص 427 ح 4، التهذيب ج 7 ص 306 ح 31، الوسائل ج 14 ص 346 ب 17 ح 6.
534
ابن هاشم عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المرأة الحبلى يموت زوجها فتضع و تزوج قيل أن تمضي لها أربعة أشهر و عشرا. فقال: إن كان دخل بها فرق بينهما ثم لم تحل له أبدا و اعتدت بما بقي عليها للأول و استقبلت عدة اخرى من الآخر ثلاثة قروء، و إن لم يكن دخل بها فرق بينهما و اعتدت بما بقي عليها من الأول و هو خاطب من الخطاب».
و موثقة محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها، قال: إن كان دخل بها فرق بينهما و لم تحل له أبدا و اعتدت بما بقي عليها من الأول و استقبلت عدة اخرى من الآخر، و إن لم يكن دخل بها فرق بينهما و أتمت عدتها من الأول و كان خاطبا من الخطاب».
و رواية علي بن بشير النبال (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) و فيها «و إن فعلت ذلك بجهالة منها ثم قذفها بالزنا ضرب قاذفها الحد و فرق بينهما، و تعتد بما بقي من عدتها للأولى، و تعتد بعد ذلك عدة كاملة».
و مما يدل على الاتحاد
صحيحة زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في امرأة تزوجت قبل أن تنقضي عدتها، قال: يفرق بينهما و تعتد عدة واحدة منهما جميعا».
و عن أبي العباس (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المرأة تزوج في عدتها، قال:
يفرق بينهما و تعتد عدة واحدة منهما جميعا».
و عن جميل عن بعض أصحابه (5) عن أحدهما (عليهما السلام) «في المرأة تزوج في عدتها، قال: يفرق بينهما و تعتد عدة واحدة منهما جميعا» الخبر.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 427 ح 5، التهذيب ج 7 ص 307 ح 35، الوسائل ج 14 ص 344 ب 17 ح 2 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) التهذيب ج 7 ص 309 ح 42، الوسائل ج 14 ص 349 ب 17 ح 18 و فيهما اختلاف يسير.
(3) التهذيب ج 7 ص 308 ح 36، الوسائل ج 14 ص 347 ب 17 ح 11.
(4) التهذيب ج 7 ص 308 ح 38، الوسائل ج 14 ص 347 ب 17 ح 12.
(5) التهذيب ج 7 ص 308 ح 41، الوسائل ج 14 ص 347 ب 17 ح 14.
535
و
رواية زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في امرأة فقدت زوجها أو نعي إليها فتزوجت ثم قدم زوجها بعد ذلك فطلقها، قال: تعتد منهما جميعا ثلاثة أشهر عدة واحدة و ليس للآخر أن يتزوجها أبدا».
و الظاهر من نسبة الرواية إلى الشهرة أن المراد بها الشهرة في الفتوى، فإن المشهور هو التعدد كما عرفت، و إلا فالشهرة في الرواية إنما هي في جانب الروايات الدالة على الاتحاد.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الشيخ في كتابي الأخبار أجاب عن روايتي زرارة و أبي العباس الدالتين على الاتحاد بالحمل على ما إذا لم يكن الثاني دخل بها، و هو كما ترى غفلة عجيبة، فإنهما قد صرحتا بأنها تعتد منهما جميعا عدة واحدة، و كيف تعتد و هي غير مدخول بها.
و جملة من المتأخرين كالسيد السند في شرح النافع حملوا أخبار التعدد على الاستحباب، و الأظهر عندي حملها على التقية التي في اختلاف الأحكام أصل كل بلية.
و تدل على ذلك
رواية زرارة (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن امرأة نعي إليها زوجها فاعتدت و تزوجت، فجاء زوجها الأول ففارقها و فارقها الآخر، كم تعتد للناس؟ فقال: ثلاثة قروء، إنما يستبرء رحمها بثلاثة قروء و تحل للناس كلهم. قال زرارة: و ذلك أن أناسا قالوا تعتد عدتين من كل واحد عدة، فأبى ذلك أبو جعفر (عليه السلام) و قال: تعتد ثلاثة قروء و تحل للرجال».
و رواية يونس عن بعض أصحابه (3) «في امرأة نعي إليها زوجها فتزوجت ثم
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 308 ح 37، الوسائل ج 14 ص 341 ب 16 ح 2 و فيهما اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 150 ح 1، الوسائل ج 15 ص 468 ب 38 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 6 ص 151 ح 2، الوسائل ج 15 ص 468 ب 38 ح 2 و فيهما «ثم قدم زوجها الأول».
536
قدم الزوج الأول فطلقها و طلقها الآخر، قال: فقال إبراهيم النخعي: عليها أن تعتد عدتين. فحملها زرارة إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقال: عليها عدة واحدة».
و من هذين الخبرين يعلم أن الاتحاد مذهب العامة فيجب حمل أخباره على التقية بلا إشكال. و قد تقدم هذا التحقيق في كتاب النكاح أيضا و نحوه في موضع آخر بعده أيضا.
هذا فيما لو كان جاهلا و لم تحمل، و أما لو حملت فيأتي- بناء على وجوب تعدد العدة و عدم التداخل- التفصيل بأنه إن كان ثمة ما يدل على أنه للأول بأن وطئت للشبهة بعد الحمل اعتدت للأول أولا بوضعه، ثم تعتد للثاني بالأقراء، و إلا بالأشهر و إن كان الحمل للثاني و يعلم بوضعه لما زاد عن أكثر الحمل من وطء الأول (1) و لما بينه و بين الأول من وطء الثاني اعتدت بوضعه للثاني و أكملت عدة الأول بعد ذلك، فإن كانت رجعية كان له الرجوع في زمن الإكمال دون زمان الحمل على الأشهر.
و ربما قيل بجواز الرجوع في زمن الحمل أيضا لأنها لم تخرج بعد من عدته الرجعية، لكن لا يجوز الوطء إلى أن تخرج من عدة الشبهة، و لو فرض انتفاء الحمل عنهما بأن ولدته لأكثر من عدة الحمل من وطء الأول و لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني لم يعتبر زمان الحمل من العدة، و أكملت الأولى بعد الوضع بالأقراء أو الأشهر على حسبها، ثم اعتدت بعدها للأخير كذلك.
و لو احتمل أن يكون منهما كما لو ولدته فيما بين أقل الحمل و أقصاه بالنسبة إليهما انقضت إحدى العدتين بوضعه على كل حال و اعتدت بعد ذلك للآخر، ثم إن الحق بالأول استأنفت عدة كاملة للثاني بعد الوضع، و إن الحق بالثاني أكملت عدة الأول، كما لو كان الحمل للثاني ابتداء.
____________
(1) بأن تضعه لعشرة مثلا من وطء الأول، و الحال أن أقصى الحمل تسعة أشهر كما هو الأشهر الأظهر، فإنه لا يمكن حينئذ إلحاق الولد بالأول، أو تضعه لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني، بمعنى أنه إذا اعتبر بوطء الثاني كان لستة أشهر من وطئه، و ان اعتبر بوطء الأول لأقل من ستة أشهر من وطئه فإنه يجب الحكم به للثاني إذ لا يكون الولد حيا لأقل من ستة أشهر. (منه- (قدس سره)-).
537
بقي الكلام في أنه في هذه الصورة التي يحتمل كونه منهما بمن يلحق منهما؟ قولان:
(أحدهما) للشيخ و هو أنه يقرع بينهما لأنها صارت فراشا لكل منهما في وقت إمكان حمله فأشكل أمره، و القرعة لكل أمر مشكل، و لا فرق في ذلك بين أن يتداعياه أم لا.
(و ثانيهما) و عليه الأكثر أنه يلحق بالثاني لأنها فراش له بالفعل و فراش الأول قد انقضى، و صاحب الفراش الثابت بالفعل حال الحمل أولى لقوله (عليه السلام) «الولد للفراش» و قد تقدم تحقيق القول في هذا الحكم و ذكر الروايات الدالة على القول المشهور في كتاب النكاح. (1)
المسألة الرابعة [مبدأ العدة في زوجة الحاضر و الغائب من الطلاق و الوفاة]
لا إشكال و لا خلاف في أن زوجة الحاضر تعتد من الطلاق من حين وقوعه، و من الوفاة من حين وقوعها، و أما لو كان الزوج غائبا فالأشهر الأظهر أنها تعتد من الطلاق من حينه، و من الوفاة من يوم بلوغ الخبر، و على ذلك تدل الأخبار المتكاثرة.
و منها بالنسبة إلى الطلاق ما رواه
ثقة الإسلام (2) في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: «قال لي أبو جعفر (عليه السلام): إذا طلق الرجل و هو غائب فليشهد على ذلك، فإذا مضى ثلاثة أقراء من ذلك اليوم فقد انقضت عدتها».
و عن الحلبي (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يطلق امرأته و هو غائب عنها، من أي يوم تعتد؟ فقال: إن قامت لها بينة عدل أنها طلقت في يوم معلوم و تيقنت فلتعتد من يوم طلقت، و إن لم تحفظ في أي يوم و في أي شهر فلتعتد من يوم يبلغها».
و عن زرارة و محمد بن مسلم و بريد بن معاوية (4) كلهم عن أبي جعفر (عليه السلام) في الصحيح أو الحسن «أنه قال في الغائب إذا طلق امرأته فإنها تعتد من اليوم
____________
(1) تقدم ذلك في المقصد الرابع في أحكام أولاد من الفصل الخامس فيما يلحق بالنكاح. (منه- (قدس سره)-). راجع ص 13 من هذا الجزء.
(2) الكافي ج 6 ص 111 ح 5، الوسائل ج 15 ص 443 ب 26 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 110 ح 1، الوسائل ج 15 ص 444 ب 26 ح 2.
(4) الكافي ج 6 ص 110 ح 2، الوسائل ج 15 ص 444 ب 26 ح 3.
538
الذي طلقها».
و على هذا النهج رواية زرارة (1) و رواية أخرى له (2) أيضا و رواية أبي الصباح الكناني (3).
و ما رواه
في كتاب قرب الاسناد (4) عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام) في الصحيح قال: «سأله صفوان بن يحيى و أنا حاضر عن رجل طلق امرأته و هو غائب فمضت أشهر، فقال: إذا قامت البينة أنه طلقها منذ كذا و كذا و كانت عدتها قد انقضت فقد حلت للأزواج، قال: فالمتوفى عنها زوجها؟ قال: هذه ليست مثل تلك، هذه تعتد من يوم يبلغها الخبر، لأن عليها أن تحد».
و تدل على ذلك الأخبار الدالة على أنها إذا لم تعلم بالطلاق إلا بعد انقضاء العدة فلا عدة عليها، و منها رواية قرب الاسناد المذكورة.
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (5) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل المرأة و هو غائب و لم تعلم إلا بعد ذلك بسنة أو أكثر أو أقل فإذا علمت تزوجت و لم تعتد» الحديث.
و ما رواه
الكليني (6) في الصحيح أو الحسن عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) «قال في المطلقة إذا قامت البينة أنه قد طلقها منذ كذا و كذا فكانت عدتها قد انقضت فقد بانت».
و عن أبي بصير (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه عن سئل عن المطلقة يطلقها زوجها فلا
____________
(1) الكافي ج 6 ص 111 ح 3، الوسائل ج 15 ص 444 ب 26 ح 4.
(2) الكافي ج 6 ص 111 ح 7، الوسائل ج 15 ص 444 ب 26 ح 5.
(3) الكافي ج 6 ص 111 ح 8، الوسائل ج 15 ص 444 ب 26 ح 6.
(4) قرب الاسناد ص 159، الوسائل ج 15 ص 445 ب 26 ح 7.
(5) التهذيب ج 8 ص 164 ح 68، الوسائل ج 15 ص 445 ب 27 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
(6) الكافي ج 6 ص 111 ح 6، الوسائل ج 15 ص 445 ب 27 ح 2.
(7) الكافي ج 6 ص 111 ح 4، الوسائل ج 15 ص 446 ب 27 ح 3.
539
تعلم إلا بعد سنة، فقال: إن جاء شاهد اعدل فلا تعتد، و إلا فلتعتد من يوم يبلغها».
و أما بالنسبة إلى الوفاة فيدل على ذلك ما تقدم في صحيحة البزنطي المروية في قرب الاسناد.
و ما رواه
ثقة الإسلام (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يموت و تحته امرأة و هو غائب، قال: تعتد من يوم يبلغها وفاته».
و عن أبي الصباح الكناني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «التي يموت عنها زوجها و هو غائب فعدتها من يوم يبلغها إن قامت لها البينة أو لم».
و عن زرارة و محمد بن مسلم و بريد بن معاوية (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال في الغائب عنها زوجها إذا توفي، قال: المتوفى عنها زوجها تعتد من يوم يأتيها الخبر لأنها تحد عليه».
و عن ابن أبي نصر (4) في الصحيح أو الحسن عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «المتوفى عنها زوجها تعتد من يوم يبلغها لأنها تريد أن تحد عليه».
و عن الحسن بن زياد (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «في المرأة إذا بلغها نعي زوجها تعتد من يوم يبلغها، إنما تريد أن تحد له».
و عن رفاعة (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتوفى عنها زوجها و هو غائب متى تعتد؟ قال: يوم يبلغها» الخبر.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 112 ح 1، الوسائل ج 15 ص 446 ب 28 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 112 ح 2، الوسائل ج 15 ص 446 ب 28 ح 2 و فيهما «ان قامت البينة أو لم تقم».
(3) الكافي ج 6 ص 112 ح 3، الوسائل ج 15 ص 446 ب 28 ح 3.
(4) الكافي ج 6 ص 113 ح 7، التهذيب ج 8 ص 163 ح 164 و فيهما «تعتد حين يبلغها»، الوسائل ج 15 ص 447 ب 28 ح 4.
(5) الكافي ج 6 ص 112 ح 4، الوسائل ج 15 ص 447 ب 28 ح 5.
(6) الكافي ج 6 ص 112 ح 5، الوسائل ج 15 ص 447 ب 28 ح 6.
540
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) «في حديث قال: المتوفى عنها زوجها و هو غائب تعتد من يوم يبلغها و إن كان قد مات قبل ذلك بسنة أو سنتين».
و عن محمد بن مسلم (2) أيضا في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا طلق الرجل امرأته و هو غائب عنها فليشهد على ذلك، و إذا مضى ثلاثة أشهر فقد انقضت عدتها، و المتوفى عنها تعتد إذا بلغها».
و ما رواه
الصدوق في الفقيه (3) بإسناده في قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) «في حديث قال: و المطلقة تعتد من يوم طلقها زوجها و المتوفى عنها تعتد من يوم يبلغها الخبر، إن هذه تحد و هذه لا تحد».
و ما رواه
في العلل (4) عن أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) «في المطلقة إن قامت البينة أنه طلقها منذ كذا و كذا، و كانت عدتها قد انقضت فقد بانت منه، و المتوفى عنها زوجها تعتد حين يبلغها الخبر لأنها تريد أن تحد له».
قال في المسالك بعد إيراد بعض الأخبار المذكورة المتضمنة للتعليل بالحداد ما لفظه: و فيه إشارة إلى الفرق بينهما، فإن المتوفى عنها عليها الحداد، و هو لا يحصل قبل بلوغ الخبر، بخلاف المطلقة المقصود منها براءة الرحم، و هو يحصل بمضي المدة علمت بالحال أم لم تعلم. و يشكل الحكم على هذا التعليل في الأمة حيث لا يوجب عليها الحداد، و أن مقتضاه مساواتها للمطلقة لعدم المقتضي لجعل
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 164 ح 168، الوسائل ج 15 ص 448 ب 28 ح 8 و فيهما «و لو كان قد مات».
(2) التهذيب ج 8 ص 61 ح 118، الوسائل ج 15 ص 448 ب 28 ح 11 و فيهما اختلاف يسير.
(3) الفقيه ج 3 ص 328 ح 11، الوسائل ج 15 ص 449 ب 28 ح 13 و فيهما اختلاف يسير.
(4) علل الشرائع ص 509 ط النجف الأشرف، الوسائل ج 15 ص 449 ب 28 ح 14.
541
عدتها من حين بلوغ الخبر، و يمكن القول بمساواتها للحرة هنا نظرا إلى إطلاق كثير من الأخبار اعتداد المتوفى عنها زوجها من حين بلوغ الخبر الشامل لها و التعليل في الأحكام الشرعية ضبطا للقواعد الكلية لا يعتبر فيه وجوده في جميع أفرادها الجزئية كحكمة العدة و غيرها من الأحكام، و قد نبهنا على هذا البحث غير مرة. انتهى و هو جيد، و قد تقدم منا في هذا الكتاب ما يساعده و يؤيده.
إذا تقرر ذلك فاعلم أن في المسألة أقوالا زائدة على ما ذكرناه منها قول ابن الجنيد (1) بالتسوية بينهما في الاعتداد من حين الموت و الطلاق إن علمت الوقت و إلا حين يبلغها فيهما.
و يدل على هذا القول ما رواه
الشيخ (2) في الصحيح عن عبيد الله الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: امرأة بلغها نعي زوجها بعد سنة أو نحو ذلك، قال: فقال: إن كانت حبلى فأجلها أن تضع حملها، و إن كانت ليست بحبلى فقد مضت عدتها البينة إذا قامت لها أنه مات في يوم كذا و كذا، و إن لم تكن لها بينة فلتعتد من يوم سمعت».
و عن الحسن بن زياد (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المطلقة يطلقها زوجها و لا تعلم إلا بعد سنة، و المتوفى عنها زوجها و لا تعلم بموته إلا بعد سنة، قال: إن جاء
____________
(1) قال على ما نقله عنه في المختلف: و التي يطلقها زوجها أو يموت و هو غائب عنها ان علمت الوقت، و الا حين بلغها، فان كان قد خرج وقت العدة عنها فلا عدة عليها ان كان مسيرة ما بين البلاد ما كان يمكن علمها بذلك قبل الوقت الذي علمت، و ان كانت المسافة لا تحتمل أن تعلم الحال في الوقت الذي علمت به اعتدت من يوم يبلغها طلاق و وفاة زوجها و هي معه في البلد، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
(2) التهذيب ج 8 ص 164 ح 170 و فيه «عن عبد الله عن الحلبي»، الوسائل ج 15 ص 448 ب 28 ح 10 و فيه «عبيد الله عن الحلبي».
(3) التهذيب ج 8 ص 164 ح 169 و فيه «الحسين بن زياد»، الوسائل ج 15 ص 448 ب 28 ح 9 و فيهما «ان جاء شاهدان عدلان».
542
شاهدان عدل فلا تعتدان، و إلا تعتدان».
و هذان الخبران حملهما الشيخ في التهذيبين على الشذوذ لمخالفة سائر الأخبار فلم يجوز العدول عنها إليهما، ثم احتمل و هم الراوي و اشتباهه المطلقة بالمتوفى عنها زوجها.
أقول: أما الشذوذ فنعم، لما عرفت من استفاضة الأخبار بخلافها، و أما الحمل على وهم الراوي بأن يكون سمع ذلك في المطلقة ثم اشتبه عليه و ظن المتوفى عنها زوجها فبعيد غاية البعد، فإنه (عليه السلام) قد جمع بينهما معا في الحكم و صرح بكل واحدة منهما على حالها.
و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك (1)- نظرا إلى ورود صحيحة الحلبي دالة على هذا القول، و هو أمثاله من أرباب هذا الاصطلاح يدورون مدار ذلك- جمع بين الأخبار بحمل الأخبار السابقة على الاستحباب كما هي قاعدتهم المتعارفة في هذه الأبواب.
و قد عرفت ما فيه (2) مما قدمناه في غير موضع من هذا الكتاب، و الأظهر عندي حمل هذين الخبرين على التقية، فإن المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي نقل في الوسائل أن القول بما دل عليه مذهب جميع العامة.
____________
(1) قال في المسالك- بعد ذكر جملة من الأخبار الدالة على هذه الأقوال الثلاثة- ما صورته: و اختلاف هذه الاخبار المعتبرة الاسناد يؤذن بجواز العمل بكل منها، و ذلك فيما يقتضي التحديد على وجه الاستحباب و الاحتياط. انتهى، و فيه ما عرفت في الأصل، و أن الأظهر حمل الأخبار المخالفة على التقية و ان كانت هذه القاعدة عندهم مهجورة كما أشرنا في غير موضع مما تقدم في الكتاب. (منه- (قدس سره)-).
(2) و هو أن الاستحباب حكم شرعي يتوقف على الدليل الواضح كالوجوب و التحريم و اختلاف الاخبار ليس من أدلة ذلك، و أيضا أن الحمل على الاستحباب مع ظهور الاخبار في الوجوب مجاز لا يصار اليه الا بالقرينة، و اختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز، هذا مع إمكان الحمل على وجوه أخر من تقية و نحوها. (منه- (قدس سره)-).
543
و نحو هذين الخبرين ما رواه
الشيخ في التهذيب (1) عن وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام) سئل عن المتوفى عنها زوجها إذا بلغها ذلك و قد انقضت عدتها، فالحداد يجب عليها؟ فقال علي (عليه السلام): إذا لم يبلغها حتى تنقضي عدتها فقد ذهب ذلك كله و تنكح من أحبت».
و مما يؤكد القول المشهور و رود التعليل بالحداد، و أنه واجب عليها كما تقدم، و أنه إنما كانت عدتها من يوم بلوغ الخبر لذلك و الخبر المعلل باصطلاحهم مقدم في العمل به، فالقول بسقوط الحداد الثابت إجماعا بين كافة أهل العلم نصا و فتوى بهذه الأخبار الثلاثة مع المعارضة بما تقدم مما هو أكثر عددا و أصح سندا مشكل غاية الإشكال مع تأيد تلك الأخبار بالاحتياط الذي هو أحد المرجحات الشرعية في مقام تعارض الأخبار، كما دلت عليه مرفوعة زرارة.
و منها ما ذهب إليه الشيخ في التهذيب، و هو أن المتوفى عنها تعتد من يوم وفاة الزوج و إن كانت قريبة كيوم أو يومين أو ثلاثة، و إلا فمن يوم بلغها الخبر.
و استدل عليه بما رواه في الصحيح
عن منصور (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في المرأة يموت زوجها أو يطلقها و هو غائب، قال: إن كانت مسيرة أيام فمن يوم يموت زوجها تعتد، و إن كان من بعد فمن يوم يأتيها الخبر لأنها لا بد أن تحد له».
و الأظهر عندي ارتكاب التأويل في هذا الخبر و إن بعد بحمل مسيرة الأيام على الأيام القليلة التي يمكن فيها وصول الخبر عاجلا، و تصير حينئذ في حكم التي في البلد المعتدة من يوم الوفاة. لأنه لا فرق بينهما إلا تأخر وصول الخبر فيما دلت عليه الرواية يوما أو يومين عن يوم الوفاة، و هذا في حكم الوفاة في البلد كما
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 469 ح 87، الوسائل ج 15 ص 447 ب 28 ح 7.
(2) التهذيب ج 8 ص 165 ح 171، الوسائل ج 15 ص 449 ب 28 ح 12.
544
لو كانت البلد متسعة جدا مشتملة على محلات عديدة بحيث يمكن تأخر وصول الخبر من محلة إلى أخرى يوما أو يومين، أو رستاق فيه قرى عديدة كذلك، و حينئذ فيجتمع هذا الخبر مع الأخبار المتقدمة و لا يصير بينه و بينها كثير تناف.
و منها ما ذهب إليه الشيخ أبو الصلاح (1) و هو أنها تعتد من حين بلوغ الخبر مطلقا محتجا بأن العدة من عبادات النساء، و افتقار العدة إلى نية تتعلق بابتدائها، و ضعفه أظهر من أن يخفى على ناظر، فإن فيه طرحا للأخبار المتقدمة في المطلقة مع ما هي عليه من الكثرة و الصحة و الصراحة مع ما في تعليله العليل، لمنع كون العدة من العبادات المتوقفة على النية بل من العبادات مطلقا.
تنبيهات
الأول [عدم خصوصية المخبر بالوفاة في جواز الاعتداد لها]:
ظاهر الأخبار المتعلقة بعدة الوفاة و أنها تعتد من يوم يبلغها الخبر أو يوم يأتيها الخبر، و نحو ذلك من هذه العبارات أنه لا فرق في جواز الاعتداد لها بين كون المخبر ثقة يفيد قوله ظن الموت أم لا، صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا كان أو أنثى، كل ذلك للإطلاق، إلا أنها و إن اعتدت و حدت بمجرد ذلك لكن لا يجوز لها التزويج إلا بعد الثبوت الشرعي بالبينة أو الشياع و إن طالت المدة المتوسطة، و أما خبر الطلاق فلا بد أن يكون ثابتا معلوما كونه في أي وقت كما أشارت إليها الأخبار المتقدمة.
و منها قوله (عليه السلام)
في صحيحة الحلبي أو حسنته (2) «إن قامت لها بينة عدل
____________
(1) قال على ما نقله في المختلف: إذا طلق الغائب أو مات فعليها أن تعتد لكل منهما من يوم يبلغها الطلاق و الوفاة لكون العدة من عبادات النساء، و افتقار العبادة إلى نية تتعلق بابتدائها، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
(2) الكافي ج 6 ص 110 ح 1، الوسائل ج 15 ص 444 ب 26 ح 2.
545
أنها طلقت في يوم معلوم و تيقنت فلتعتد من يوم طلقت».
و في صحيحة البزنطي المنقولة من كتاب قرب الاسناد (1) «إذا قامت البينة أنه طلقها منذ كذا و كذا.
و نحوها صحيحته الأخرى المنقولة من الكافي (2) و ما أطلق من الأخبار يحمل على هذه الأخبار المفصلة المبينة.
ثم إنه متى ثبت عندها خبر الطلاق و وقته فإن كان قد مضى من الزمان ما تنقضي به العدة فقد انقضت عدتها و لتتزوج إن شاءت و إلا انتظرت تمام المدة.
الثاني: لو بادرت فتزوجت بعد أن اعتدت بذلك الخبر الغير الثابت شرعا
فإن التزويج يقع باطلا بحسب الظاهر، لأنا و إن جوزنا لها الاعتداد بمجرد ذلك الخبر إلا أنه لا يجوز لها التزويج إلا بعد الثبوت الشرعي، و الحال أنه لم يثبت.
نعم لو ظهر أن التزويج كان قد وقع بعد الموت و الخروج من العدة كان صحيحا لمطابقة ما وقع ظاهرا للواقع، و إن أثم بالمبادرة إلى ذلك قبل الثبوت الشرعي لو كان عالما بتحريم الفعل في تلك الحال.
و بذلك صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك (3) ثم قال: و لو فرض دخول الزوج الثاني قبل العلم بالحال و الحكم بالتحريم ظاهرا ثم انكشف وقوعه بعد الموت و الطلاق و تمام العدة لم تحرم عليه بذلك، و إن كان قد سبق الحكم به ظاهرا لتبين فساد السبب المقتضي للتحريم، انتهى و هو جيد.
و مرجع ذلك إلى الاكتفاء في الصحة بمطابقة الواقع (4) و إن كان في ظاهر
____________
(1) قرب الاسناد ص 159، الوسائل ج 15 ص 445 ب 26 ح 7.
(2) الكافي ج 6 ص 111 ح 3، الوسائل ج 15 ص 444 ب 26 ح 4.
(3) قال- (قدس سره)-: لو بادرت فنكحت قبل ثبوته وقع العقد باطلا ظاهرا.
ثم ان تبين بعد ذلك بموته قبل العقد و تمام العدة قبله ظهر صحته في نفس الأمر و لم يفتقر الى تجديده، و لا فرق مع ظهور وقوعه بعد العدة بين كونه عالما بتحريم العقد قبله و عدمه و ان أثم في الأول، و لو فرض. الى آخر ما في الأصل. (منه- (قدس سره)-).
(4) و قد تقدم أن من القائلين بالصحة في هذه المسألة المحقق الأردبيلي و تلميذه صاحب المدارك- (قدس سرهما)- و هو الحق في المسألة. (منه- (قدس سره)-).
546
الأمر على خلاف المشروع، و هو على خلاف ما بنوا عليه في غير موضع من الأحكام حيث إن من جملة ما خرجوا فيه عن هذه القاعدة صلاة الجاهل بالأحكام الشرعية فحكموا فيمن صلى لا عن اجتهاد و لا تقليد ببطلان صلاته و إن طابقت المشروع واقعا، و قد تقدم الكلام في هذه المسألة في غير موضع من الكتب المتقدمة.
الثالث [حكم الاعتداد ببلوغ الخبر في مقام يجهل وقت الطلاق]
قد دلت صحيحة الحلبي أو حسنته و هي أول الروايات المتقدمة على التفصيل بين ما إذا قامت البينة على طلاقها في يوم معلوم فإنها تعتد من ذلك اليوم. و إن لم تحفظ في أي يوم و لا أي شهر فلتعتد من يوم بلوغ الخبر.
و ظاهرها أن الاعتداد ببلوغ الخبر في مقام يجهل وقت الطلاق على تقدير الجهل به بكل وجه بحيث يحتمل وقوعه قبل الخبر بغير فصل، و الاعتداد من يوم الطلاق إنما هو في صورة العلم بذلك اليوم الذي وقع فيه الطلاق، مع أن هنا فردا آخر خارج عن هذين الفردين، و هو ما لو فرض العلم بتقدم الطلاق مدة كما لو كان الزوج في بلاد بعيدة يتوقف بلوغ الخبر على قطع المسافة بينها و بينه فإنه يحكم بتقدمه في أقل زمان يمكن مجيء الخبر فيه، و يختلف باختلاف مسافات البعد و سرعة حركة المخبر و بطئها، و حينئذ فكل وقت يعلم تقدم الطلاق عليه يحسب من العدة و إن كان ذلك قبل بلوغ الخبر فتضيف بعد بلوغ الخبر إلى ما تقدم ما تتم به العدة.
و بالجملة فإن من كان زوجها بعيدا عنها بمسافة يعلم تقدم الطلاق عن بعض الأيام و الشهور و إن جهلت يوم وقوعه و شهره فإنها تعتد بما تقدم مما علم تأخره عن الطلاق، و تضيف إليه بعد بلوغ الخبر ما يكمل به العدة، و الرواية محمولة على عدم العلم بذلك بالكلية، فلا منافاة بين ما ذكرنا و بين ما دلت عليه الرواية المذكورة.
المسألة الخامسة [فيما لو طلقها طلاقا رجعيا ثم راجعها]:
قالوا: إذا طلقها طلاقا رجعيا ثم راجعها انقضت العدة بالرجعة و عادت إلى النكاح الأول المجامع للدخول، و صارت كأنها لم تطلق بالنسبة إلى كونها الآن منكوحة و مدخولا بها، و إن بقي للطلاق السابق أثر ما من
547
حيث عده في الطلقات الثلاث المحرمة، فإذا طلقها بعد هذه الرجعة قبل المسيس لزمها استئناف العدة لأنها بالرجعة عادت إلى النكاح الذي مسها فيه، فالطلاق الثاني طلاق في نكاح وجد فيه المسيس سواء، كان الثاني بائنا أم رجعيا لاشتراكهما المقتضي للعدة، و هو كونه طلاقا عن نكاح وجد فيه الوطء، و في معنى الطلاق البائن الخلع.
و في هذا الأخير قول للشيخ في المبسوط بعدم العدة للخلع بناء على أن الطلاق بطل إيجابه العدة بالرجعة، و لم يمسها في النكاح المستحدث، و الحل المستحدث و هو ما بعد الرجعة، فأشبه ما إذا أبانها ثم جدد نكاحها و طلقها.
و رد بأن الرجعة إنما أبطلت العدة المسببة عن الطلاق بسبب عود الفراش السابق، و هو مقتض لصيرورتها مدخولا بها، و خلع المدخول بها يوجب العدة، و لم يتجدد نكاح آخر لم يمسها فيه، و إنما عاد النكاح الممسوس فيه، بخلاف ما إذا أبانها ثم جدد نكاحها لارتفاع حكم النكاح الأول بالبينونة، و النكاح بعده غير الأول، و إذا طلقها بعده فقد وقع بغير مدخول بها في ذلك النكاح.
هذا كله إذا كان الطلاق الأول رجعيا، أما لو كان بائنا كما إذا خالع زوجته المدخول بها ثم تزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول فإنه لا يلزمها منه العدة لأن العقد الثاني لم يعد الفراش الأول، و إنما أحدث فراشا آخر، و العدة الأولى بطلت بالفراش المتجدد و لم يحصل فيه دخول، فإذا طلقها حينئذ فقد صدق أنها مطلقة عن نكاح غير مدخول بها فيه، فيدخل تحت عموم قوله تعالى «ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمٰا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهٰا». (1)
و قيل: يلزم العدة، و هو منقول عن القاضي ابن البراج في المهذب محتجا بأنها لم تكمل العدة الاولى و قد انقطعت بالفراش الثاني فتجب العود إليها بعد الطلاق. قالوا: و ضعفه واضح مما بيناه. هذا خلاصة ما ذكروه في هذا المقام،
____________
(1) سورة الأحزاب- آية 49.
548
و هو ينحل إلى مسائل ثلاث:
الاولى: ما إذا طلقها طلاقا رجعيا ثم راجعها ثم طلقها قبل الدخول
، و قد عرفت مما ذكروه أنه بالرجعة قد رجع النكاح الأول، فالطلاق الثاني الواقع بعد الرجعة إنما وقع لزوجة مدخول بها فيجب العدة البتة، إلا أنه لا يخلو من شوب الاشكال من حيث إن ما ذكروه غير منصوص و إنما هو تعليل اعتباري.
و قد عرفت ما في بناء الأحكام على هذه التعليلات الاعتبارية، فإنه من الجائز أن يكون الطلاق الأول قد رفع حكم النكاح، فقوله «إنها بعد الرجعة كأنها لم تطلق، و أنها الآن منكوحة مدخولا بها» ممنوع لأن الطلاق قطع حكم النكاح الأول و منع من استيجابه، و إن ثبت كونها زوجة بعد الرجعة إلا أنه ليس ثبوت الزوجية من جميع الجهات ليترتب عليها ما ذكروه.
و بالجملة فالمانع مستظهر حتى يقوم الدليل الشرعي على ما ذكروه و ليس فليس. و استئناف العدة بعد الطلاق الثاني لا يستلزم ما ذكروه، بل يجوز أن يكون مستنده أنه حيث إن الطلاق الثاني لما كان بغير مدخول بها فلا عدة عليها منه، و عدة الطلاق الأول إنما انقطعت بالنسبة إلى الزوج كما يأتي مثله في المسألة الثالثة.
و أما بالنسبة إلى غيره فلا فيجب حينئذ بعد الطلاق الثاني استئناف عدة الطلاق الأول إذا أرادت التزويج بغير الزوج، لا بد لنفي ما ذكرناه من دليل.
الثانية: إذا كان الثاني بائنا
، و هذا هو الذي خالف فيه الشيخ فقال بسقوط العدة كما تقدم من ذكر دليله و ما أورد عليه، و فيه ما في سابقته من البحث المذكور فإن المسألتين من باب واحد.
الثالثة: ما إذا كان الطلاق الأول بائنا
من خلع و نحوه، و هذا هو محل الخلاف مع القاضي ابن البراج.
549
قال الشيخ في الخلاف على ما نقله في المختلف: إذا تزوج امرأة ثم خلعها ثم تزوجها و طلقها قبل الدخول بها لا عدة عليها. و قال ابن البراج في المهذب:
فإن خالعها ثم تزوجها ثم طلقها استأنف أيضا العدة و لم يجز لها أن تبني على ما تقدم- ثم قال في المختلف:- و الوجه ما قاله الشيخ في الخلاف. انتهى، و عليه جملة من وقفنا على كلامه من الأصحاب، و لم ينقل فيه الخلاف إلا عن القاضي المذكور.
و الظاهر أن ما ذكروه من الفرق بين المسألتين الأولتين و بين الثالثة إنما ألجأهم إليه الحكم في الثالثة بسقوط العدة في الطلاق الثاني استنادا إلى ما ذكروه من ظاهر الآية، و على هذا بنوا الحيلة في إسقاط العدة في هذه الصورة فجوزوا لغير الزوج أن يعقد عليها بعد هذا الطلاق الأخير لكونها مطلقة غير مدخول بها، و قد تقدم الكلام معهم في هذه المسألة في الإلحاق المذكور بعد الفصل الثاني في الرجعة من المقصد الثالث في جملة من الأحكام، و إلى ما اخترناه في هذه المسألة من من استئناف العدة كما ذكره القاضي مال جملة من متأخري المتأخرين قد تقدم ذكرهم في الموضع المشار إليه.
و على ما ذكرناه يتجه أن يقال: إن سقوط العدة الأولى بتزويجها في العدة و هو المشار إليه بالفراش المتجدد إنما تثبت بالنسبة إلى الزوج لحل ذلك له خاصة حيث إنه لا يجب الاستبراء من مائه الذي هو العلة في وجوب العدة، و أما غيره فإنه لا يجوز له العقد عليها في هذه الحال مع العلم إجماعا نصا و فتوى لكونها في العدة و حينئذ فإذا طلقها بعد هذا العقد فإنه لا عدة عليها من هذا الطلاق الثاني بلا إشكال لدلالة الآية المذكورة المعتضدة بالأخبار على عدم وجوب العدة على المطلقة الغير المدخول بها، و نحن أنما نوجب عليها العدة من الخلع الأول الذي قد تقدم فإن عدته إنما سقطت سابقا بالنسبة إلى الزوج خاصة كما عرفت.
و حينئذ فقولهم «فقد صدق أنها مطلقة عن نكاح غير مدخول بها فيه» مغالطة
550
ظاهرة، فإن هذا الصدق المدعى إنما يتم بالنسبة إلى الطلاق الثاني، و هو ليس محل البحث، و إنما محله الخلع الذي تقدم، فإن الأدلة الدالة على وجوب العدة منه دالة بإطلاقها على هذا الفرد الذي هو محل البحث، غاية الأمر أنه قام الدليل على سقوطها بالنسبة إلى الزوج خاصة، فهو باق تحت إطلاق الأدلة المشار إليها، و تخرج رواية ابن أبي عمير المتقدمة في الموضع المشار إليه شاهدا على ما ذكرناه.
المسألة السادسة [في ما لو طلقها بائنا ثم وطأها للشبهة فهل تتداخل العدتان]
قد صرحوا: بأن الشبهة في الوطء إن وقعت من الطرفين فالولد يلحق بهما و عليها العدة و لها مهر المثل إذا كانت حرة، و إن اختصت بأحدهما لحق به النسب و وجبت العدة عليها سواء كانت هي المختصة بالشبهة أو هو مراعاة لحق الوطء الصحيح من طرف المشتبه عليه، و يختص الحد بالعالم منهما، ثم إن كانت هي العالمة فلا مهر لها، و إلا ثبت، و لو كانت الموطوءة أمة و كانا معا جاهلين لحق به الولد و عليه قيمته لمولاها يوم يسقط حيا لأنه عوض منفعتها الفائتة بالحمل و عقر الأمة، و إن كانت عالمة دونه فكذلك، إلا أن في ثبوت المهر لمولاها هنا خلافا من حيث إنها بغي و لا مهر لبغي و كونه لمولاها وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ*، و إن كان هو العالم دونها فعليه الحد و الولد رق لمولاها، و عليه القصر، و حيث يثبت لها المهر فهل هو المثل لأنه عوض البضع شرعا حيث لا مقدر؟ أم هو عشر قيمتها إن كانت بكرا و نصفه إن كانت ثيبا؟ قولان، و المنصوص منهما صحيحا هو الثاني.
أقول: و هذه الأحكام قد مرت متفرقة في الأبحاث المتقدمة، و تقدمت النصوص المتعلقة بها، و لكنهم ذكروها هنا إجمالا من حيث مناسبة المقام و تتميما لما ذكر هنا من الأحكام.
ثم إنهم قالوا أيضا: إنه إذا طلقها بائنا ثم وطأها للشبهة فهل تتداخل العدتان لأنهما لواحد، و تؤيده الروايات الدالة على التداخل مع التعدد، فمع
551
الاتحاد بطريق أولى؟ أم لا تتداخل بل تأتي بكل منهما على الكمال لأنهما حقان مختلفان؟ قولان، و الثاني منهما للشيخ و ابن إدريس، و الأول هو المشهور.
أقول: قد عرفت مما قدمناه (1) قريبا أن الأظهر هو الاتحاد مع التعدد و أن ما دل على التعدد من الأخبار إنما خرج مخرج التقية. و حينئذ فالقول بذلك مع كونهما لواحد أظهر ظاهر.
و المراد من التداخل هو أنه يدخل الأقل منهما تحت الأكثر، فلو كانت بالأقراء أو الأشهر استأنفت العدة من حين الوطء، فيدخل باقي العدة الأولى تحت الثانية، و على تقدير كون الأولى رجعية يجوز له الرجعة في تلك البقية لا بعدها لأن تلك البقية من عدته، و ما بعدها من عدة الشبهة، و قد خرجت من عدته فلا رجوع له عليه و قد خرجت من عدته.
قالوا: و يجوز تجديد النكاح في تلك البقية و بعدها إذا لم يكن عدد الطلاق مستوفى، يعني استيفاء الطلقات المحرمة بأن حصلت، فإنه لا يجوز العقد إما مطلقا أو إلا بمحلل.
و لو اجتمعت العدتان من شخصين و كانت إحداهما عدة طلاق و الأخرى عدة وطء الشبهة سواء كان المتقدم عدة الطلاق أو وطء الشبهة فلا تداخل على المشهور و أما على ما اخترناه فيتداخلان.
ثم إنه على المشهور إن لم يكن هناك حمل أكملت عدة الطلاق بالأقراء أو الأشهر إن كانت هي المتقدمة لتقدمها و قوتها ثم اعتدت للثاني بعد الفراغ منها.
و إن حصل هنا حمل، فإن كان من الأول فكالأول، و إن كان من الثاني قدمت عدته لأنها لا تقبل التأخير و أكملت عدة الأول بعد الوضع، فإن كانت بالأقراء اعتبرت النفاس حيضا و أكملتها بعدها إن بقي منها شيء، و لا فرق في ذلك بين العدة الرجعية و البائنة إلا أن الرجعية يجوز للزوج الرجوع فيها سواء تقدمت أم تأخرت لأن
____________
(1) قد تقدم ذلك في المسألة الثالثة. (منه- (قدس سره)-).
552
ذلك من مقتضاها شرعا، ثم إن كانت متقدمة على عدة الشبهة فرجع فيها اعتدت عدة الشبهة بعد الرجوع، و لا يجوز له الوطء إلى أن تنقضي العدة الثانية، و إن كان المتقدم هو عدة الشبهة كما إذا ظهر منه حمل فللزوج الرجوع في بقية عدته بعد الوضع دون زمان الحمل لأنها حينئذ غير معتدة منه.
و ربما قيل بجواز الرجوع في زمن الحمل أيضا لأنها لم تخرج بعد من العدة الرجعية، لكن لا يجوز الوطء إلى أن تخرج عدة الشبهة، و الأصح الأول و لو كانت عدة الطلاق بائنة، فالكلام في جواز تزويجها في العدة كالقول في جواز الرجوع، كذا أفاده شيخنا في المسالك سلك الله تعالى به أفضل المسالك، و الله سبحانه العالم بحقائق أحكامه و نوابه العالمون بمعالم حلاله و حرامه.
هذا آخر الكلام في كتاب الطلاق و يتلوه إن شاء الله تعالى الكلام في كتاب الخلع و المبارأة و الحمد لله وحده و صلى الله عليه محمد و آله الطاهرين
553
كتاب الخلع و المبارأة
[في معنى الخلع و المبارأة]
قال في القاموس (1): الخلع- كالمنع-: النزع إلا أن في الخلع مهلة- إلى أن قال:- و بالضم طلاق المرأة ببذل منها أو من غيرها كالمخالعة و التخالع.
و نحوه قال الجوهري في الصحاح. (2)
و قال الفيومي في المصباح المنير (3): خلعت النعل و غيره خلعا نزعته، و خالعت المرأة زوجها مخالعة إذا افتدت منه و طلقها على الفدية، فخلعها هو خلعا و الاسم الخلع بالضم، و هو استعارة من خلع اللباس لأن كل واحد منهما خالع الآخر، فإذا فعلا ذلك فكأن كل واحد نزع لباسه عنه.
و مقتضى كلامهم أنه يطلق لغة على المعنى الشرعي.
قال في شرح النافع: و الظاهر أن هذا المعنى كان معروفا قبل ورود
____________
(1) القاموس المحيط ج 3 ص 18.
(2) الصحاح ج 3 ص 1205.
(3) المصباح المنير ص 243 و فيه «لان كل واحد منهما لباس للآخر».
554
الشرع، و مقتضى كلام الفيومي في المصباح أن الخلع بالمعنى الشرعي مأخوذ من الخلع بالفتح بمعنى النزع من حيث إن كلا منهما لباس للآخر كما أشار إليه الآية «هُنَّ لِبٰاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبٰاسٌ لَهُنَّ» (1) و كأنه بمفارقة أحدهما الآخر على هذه الكيفية نزع لباسه.
و المبارأة بالهمزة و قد تخفف ألفا: المفارقة. قال في القاموس (2): بارأه:
فارقه، و المرأة صالحها على الفراق.
و قال الجوهري (3): تقول: بارأت شريكي إذا فارقته، و بارأ الرجل امرأته و المراد هنا إبانتها بعوض مقصود لازم للزوج، و يفترقان باختصاص الخلع بكراهتها له خاصة، و المبارأة باشتراكهما في الكراهة و في أمور أخر يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
قال في المسالك: و اعلم أن الفرقة الحاصلة على العوض تارة تكون بلفظ الخلع و المبارأة فيلحقها حكمهما، و تارة تكون بلفظ الطلاق، فيكون طلاقا بعوض ليس بخلع، لكن جرت العادة بالبحث عنه في كتاب الخلع، لمناسبة له في كونه إبانة بعوض، لكنه يخالفه في بعض الأحكام، فإنه طلاق محض يلحقه أحكام الطلاق بأسرها، و يزيد عليه العوض، و له أحكام تخصه زيادة على أصل الطلاق سيأتي إن شاء الله تعالى بيانها، انتهى.
ثم إن الظاهر من كلام جل الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- أن الخلع ليس بواجب، و ظاهر الشيخ في النهاية وجوبه متى قالت تلك الأقوال، قال في الكتاب المذكور: إنما يجب الخلع إذا قالت المرأة لزوجها: إني لا أطيع لك
____________
(1) سورة البقرة- آية 187.
(2) القاموس المحيط ج 1 ص 8.
(3) الصحاح ج 1 ص 36.
555
أمرا و لا أقيم لك حدا و لا أغتسل لك من جنابة و لأوطئن فراشك من تكرهه إن لم تطلقني، فمتى سمع منها هذا القول و علم من حالها عصيانه في شيء من ذلك لم تنطق به وجب عليه خلعها. و تبعه أبو الصلاح و ابن البراج في الكامل و ابن زهرة.
كذا نقله عنهم في المختلف- ثم قال:- لنا الأصل براءة الذمة من وجوب الخلع- ثم قال:- احتج بأن النهي عن المنكر واجب، و إنما يتم بهذا الخلع فيجب- ثم قال:- و الجواب المنع من المقدمة الثانية، و الظاهر أن مراد الشيخ بذلك شدة الاستحباب.
أقول: بل الظاهر أن مراد الشيخ بالوجوب هنا إنما هو المعنى اللغوي، أعني الثبوت بمعنى أن ثبوت الخلع و مشروعيته متوقفة على ذلك، و روايات المسألة على كثرتها إنما تضمنت أنه لا يحل له خلعها حتى تقول ذلك، بمعنى أنه لا يشرع و لا يثبت إلا بعد هذه الأقوال. و ليس في شيء منها ما يدل على الوجوب كما توهموه، و الجميع ظاهر فيما قلناه من الحمل المذكور.
و كيف كان فالكلام هنا يقع في مقصدين:
[المقصد] الأول: في الخلع
و الأصل فيه الآية الشريفة و هي قوله عز و جل «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ». (1)
و روى شيخنا الشهيد الثاني في المسالك (2) في سبب نزل هذه الآية أنها نزلت في بنت عبد الله بن ابي، و كانت زوجة ثابت بن قيس، و كان يحبها و هي تبغضه، فأتت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالت: يا رسول الله لا أنا و لا ثابت، و لا يجمع رأسي و لا رأسه شيء، و الله ما أعيب عليه في دين و لا خلق و لكن أكره الكفر بعد الإسلام ما أطيعه بغضا، إني رفعت جانب الخبإ فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادا
____________
(1) سورة البقرة- آية 229.
(2) مسالك الافهام ج 2 ص 58 و قد نقله المصنف بالمعنى. و راجع سنن البيهقي ح 7 ص 313.
556
و أحقرهم قامة و أقبحهم وجها، فنزلت الآية «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ» الآية، و كان قد أصدقها حديقة، فقال ثابت: يا رسول الله تريد الحديقة؟ فقال رسول (صلى الله عليه و آله و سلم): ما تقولين؟ قالت: نعم و أزيده، فقال: لا، حديقته فقط، فاختلعت منه.
و رواه الطبرسي في كتاب مجمع البيان (1) ملخصا.
و الظاهر أن الخبر المذكور من طريق العامة فإني لم أقف عليه في كتب أخبارنا، و هو مروي في كتبهم بطرق متعددة و متون مختلفة.
إذا تقرر ذلك فاعلم أن البحث في الخلع و تحقيق الكلام فيه يقع في الصيغة و الفدية و الشرائط و الأحكام، فهنا مقامات أربعة:
[المقام] الأول في الصيغة:
و الكلام يقع فيها في مواضع
أحدها [لفظ الصيغة]
لا يخفى أنه حيث كان الخلع من العقود المفيدة لابانة الزوجية بعوض مخصوص فلا بد له من صيغة دالة عليه كغيره من نظائره، و قد ذكروا أنه يقع ذلك بلفظ «خلعتك و خالعتك على كذا، و أنت أو فلانة مختلعة على كذا» مع أنه قد تقدم في الطلاق أن بعضهم يمنع من وقوعه بلفظ «أنت مطلقة» معللا بأنه بعيد عن شبه الإنشاء، و حكموا بانعقاد بعضها بالجملة الاسمية كانعقاد الضمان بقوله «أنا ضامن» و الهبة بقوله «هذا لك» قاصدا به الهبة.
قال السيد السند في شرح النافع- بعد نقل ذلك عنهم، و نعم ما قال-:
و ليس في هذه الأحكام أصل يتعين الرجوع إليه و لا مستند صالح يعول عليه.
أقول: و قد تقدمه في هذا الكلام جده- (قدس سره)- في المسالك حيث قال:
و اللفظ الصريح فيه قوله «خلعتك و خالعتك على كذا أو أنت أو فلانة مختلعة
____________
(1) مجمع البيان ج 2 ص 329.
557
على كذا».
أما الأولان فواقعان بصيغة الماضي التي هي صريحة في الإنشاء على ما تقرر و تكرر.
و أما الأخيران فلأنهما و إن لم يكونا باللفظ الماضي لكنهما يفيدان الإنشاء بل هما أصرح فيه من الماضي المفتقر في دلالته على الإنشاء إلى النقل إليه.
و لكن مثل هذا لم يلتزمه الأصحاب في جميع العقود اللازمة، بل أمرهم فيه مضطرب من غير قاعدة يرجع إليها، و لا دلالة عليه من النصوص توجبها، و قد تقدم في النكاح و الطلاق ما يخالف هذا، و أنه لا يقع بقوله «أنت مطلقة» و نحوه، و اعتمدوا في التزامه على خبر لا يوجب ذلك الحصر كما بيناه، و لو جوزوا في جميع الأبواب الألفاظ المفيدة للمطلوب صريحا من غير حصر كان أولى، انتهى و هو جيد، و إن خالفه فيما مضى من الأبواب السابقة، و وافق الجماعة فيما ذهبوا إليه من هذه المواضع التي اعترضها هنا كما يخفى على من راجع الكتاب المذكور.
و به يظهر قوة ما ذهبنا إليه في كتاب البيع و غيره من الكتب السابقة من عدم الانحصار في لفظ خاص و لا صيغة خاصة، بل كل ما أفاد المطلوب فإنه كاف في هذا المقام، و سيأتي إن شاء الله تعالى ما يزيده تأييدا و يوضحه تأكيدا، في حديث جميل من حكاية خلع ذلك الرجل لابنته من زوجها.
و على هذا فكما يقع الخلع بالألفاظ المتقدمة كذا يقع بقوله «أنت طالق على كذا».
و قد صرح بذلك جملة من الأصحاب أيضا، منهم الشيخ في المبسوط حيث قال على ما نقل عنه: فأما إذا كان الخلع بصريح الطلاق كان طلاقا بلا خلاف و منهم العلامة حيث قال في الإرشاد: الصيغة و هي: خلعتك على كذا أو أنت أو فلانة مختلعة على كذا أو أنت طالق على كذا. و نحوه قال في القواعد و التحرير.
و فيه دلالة على أن الطلاق بعوض من أقسام الخلع تترتب عليه أحكامه،
558
و سيأتي تحقيق المسألة في محلها.
و حيث قد عرفت مما تقدم في صدر الكلام أن الخلع من قبيل المعاوضات فلا بد فيه من القبول من المرأة إن لم يسبق سؤالها ذلك، و يعتبر تعاقبهما بحيث يكون أحدهما جوابا عن الآخر، فإن تقدم التماسها بقولها: طلقني بألف مثلا اعتبر كونه جوابا على الفور بحيث لا يتخلله زمان يوجب عدم ارتباط الجواب بالسؤال، و إن تقدم لفظه فقال: خالعتك على كذا اعتبر قبولها عقيب كلامه كذلك، و لو قال: خلعتك على كذا و لم يتعقبه قبولها على الفور فقد صرحوا بأن الأظهر بطلان الطلاق، لأن الطلاق بالعوض لم يقع لانتفاء شرطه، و الطلاق المجرد غير مقصود بل و لا مدلول عليه باللفظ، لأن الكلام لا يتم إلا بآخره، كذا أفاده السيد السند- (قدس سره)- في شرح النافع.
و الظاهر أنه على هذا النهج كلام غيره من الأصحاب، و لم أقف في النصوص على ما يدل عليه، و لا يهدي بوجه من الوجوه إليه، و غاية ما يستفاد منها أنه إذا قالت المرأة تلك الأقوال الدالة على البغض و الكراهة لزوجها حل له أن يخلعها.
نعم في بعضها ما ربما يشير إلى ما ذكره من سؤالها ذلك. و أما وجوب القبول منها بعد تقدم كلامه و قوله: خلعتك على كذا و كون ذلك على الفور و إلا بطل، فلم أقف فيه على نص.
و ما ذكرنا من البغض الذي يشير إلى سؤالها هو ما رواه
في الكافي (1) عن محمد بن مسلم في الحسن أو الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المختلعة التي تقول لزوجها: اخلعني و أنا أعطيك ما أخذت منك، فقال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئا حتى تقول: و الله لا أبر لك قسما و لا أطيع لك أمرا و لآذنن في بيتك بغير إذنك و لأوطئن فراشك غيرك، فإذا فعلت ذلك من غير أن يعلمها حل له ما أخذ منها» الحديث.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 140 ح 3، الوسائل ج 15 ص 488 ب 1 ح 4 و فيه اختلاف يسير.
559
و عن أبي الصباح الكناني (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا خلع الرجل امرأته فهي واحدة بائن و هو خاطب من الخطاب، و لا يحل له أن يخلعها حتى تكون هي التي تطلب ذلك منه من غير أن يضربها، و حتى تقول: لا أبر لك قسما و لا أغتسل لك عن جنابة و لأدخلن بيتك من تكره و لأوطئن فراشك و لا أقيم حدود الله فيك، فإذا كان هذا منها فقد طاب له ما أخذ منها».
و الرواية الأولى غير ظاهرة الدلالة، لأن الظاهر أن الكلام الأول إنما هو من السائل، و كلام الامام (عليه السلام) خال من ذلك.
نعم الرواية الثالثة ظاهرة في طلبها ذلك منه، لكن لا دلالة فيها على أزيد من توقف المنع على طلبها ذلك مع قولها لتلك الأقوال القبيحة، و لا دلالة فيها على وقوع الخلع على أثر هذا القول، بحيث لا يفصل بينهما بزمان، بل الظاهر إنما هو خلاف ذلك، بمعنى أن صحة الخلع متوقف على طلبها ذلك و قولها تلك الأقوال، و حينئذ فيحل خلعها سواء كان في ذلك المجلس أو غيره و في ذلك اليوم أو بعده، هذا ظاهر الخبر المذكور.
و كذا ظاهر الخبر الأول لو فرضنا ذلك الكلام الأول من كلامه (عليه السلام) فإنه يرجع إلى هذا الخبر، و لم أقف على غيرهما مما يتعلق بهذا الكلام الذي ذكره و ظاهر كلامه أنهم بنوا الأمر فيما ذكروه على ما صرحوا به من أن الخلع من قبيل المعاوضات. إلى آخر ما تقدم، و هو من التعليلات الاعتبارية التي لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية.
الثاني [في أنه هل تكفي صيغة الخلع وحدها أم لا؟]
اختلف الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- في صيغة الخلع إذا وقعت بلفظ الخلع من الصيغ المتقدمة و نحوها هل يجب اتباعها بلفظ الطلاق، أم تكفي وحدها؟
قولان.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 140 ح 4، الوسائل ج 15 ص 488 ب 1 ح 6 و فيه اختلاف يسير.
560
و إلى الثاني ذهب المرتضى- رضي الله عنه- في المسائل الناصرية فقال:
إن الخلع إذا تجرد عن لفظ الطلاق بانت به المرأة و جرى مجرى الطلاق، و نحوه قال ابن الجنيد، حيث صرح بأنه ليس عليه أن يقول: قد طلقتك إذا قال: قد خالعتك. و إلى هذا القول مال العلامة في المختلف و التحرير و الشهيد في شرح الإرشاد، و نقله في المختلف عن ظاهر الشيخ المفيد و الصدوق و ابن أبي عقيل و سلار و ابن حمزة، و اعتمده السيد السند في شرح النافع و قبله جده، و الظاهر أنه المشهور، و إلى الأول ذهب الشيخ في كتابي الأخبار، و تبعه ابن البراج في المهذب و ابن إدريس، و هو الظاهر من كلام أبي الصلاح، و اختاره الشهيد في اللمعة.
و ظاهر المحقق في كتابيه التوقف في المسألة، حيث إنه قال في الشرائع و هل تقع مجردة؟ المروي نعم، و قال الشيخ: لا تقع حتى تتبع بالطلاق. و نحوه في المختصر حيث قال: و هل يقع بمجرده، قال علم الهدى: نعم، و قال الشيخ: لا، حتى يتبع بالطلاق، انتهى.
و أنت خبير بأن اقتصاره على مجرد نقل القولين كما في المختصر أو نسبة أحدهما إلى الرواية كما في الشرائع ظاهر فيما قلناه.
و الأصل في هذا الاختلاف اختلاف الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) في هذا المقام فالواجب أولا نقل ما وصل إلينا من أخبار المسألة، ثم الكلام فيها بما وفق الله سبحانه لفهمه منها ببركة أهل الذكر عليهم الصلاة و السلام.
فمن الأخبار الدالة على القول الثاني ما رواه
الصدوق (1) في الصحيح عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عدة المختلعة عدة المطلقة، و خلعها طلاقها، و هي تجزي من غير أن يسمى طلاقا». (2).
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 338 ح 2، الوسائل ج 15 ص 491 ب 3 ح 4.
(2) أقول: ما دلت عليه هذه الرواية من اشتراط كون الخلع عند السلطان مذهب ابن الجنيد، و المشهور بين أصحابنا خلافه، و الرواية المذكورة حملها العلامة- (رحمه الله عليه)- في المختلف على الاستحباب، و هو جيد (منه- (رحمه الله)-).
561
و ما رواه
الشيخ (1) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا يكون الخلع حتى تقول: لا أطبع لك أمرا و لا أبر لك قسما و لا أقيم لك حدا فخذ مني و طلقني فإذا قالت ذلك فقد حل له أن يخلعها بما تراضيا به من قليل أو كثير، و لا يكون ذلك إلا عند سلطان، فإذا فعلت ذلك فهي أملك بنفسها من غير أن يسمى طلاقا».
و عن سليمان بن خالد (2) في الصحيح قال: «قلت: أ رأيت إن هو طلقها بعد ما خلعها، أ يجوز عليها؟ قال: قال: و لم يطلقها و قد كفاه الخلع؟ و لو كان الأمر إلينا لم نجز طلاقها».
و عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (3) في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة تباري زوجها أو تختلع منه بشهادة شاهدين على طهر من غير جماع هل تبين منه بذلك؟ أو هي امرأته ما لم يتبعها بالطلاق؟ فقال: تبين منه، و إن شاءت أن يرد إليها ما أخذ منها و تكون امرأته فعلت، فقلت: إنه قد روي أنه لا تبين منه حتى يتبعها بطلاق، قال: ليس ذلك إذا خلعا، فقلت: تبين منه؟
قال: نعم».
و ما رواه
في الكافي (4) عن محمد بن إسماعيل بن بزيع في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة تباري زوجها أو تختلع منه بشاهدين على طهر من غير جماع، هل تبين منه؟ فقال: أما إذا كان على ما ذكرت فنعم، قال:
قلت: قد روي لنا أنها من لا تبين منه يتبعها بالطلاق، قال: فليس تلك إذا خلعا فقلت: تبين منه؟ قال: نعم».
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 98 ح 10، الوسائل ج 15 ص 493 ب 3 ح 10 و ص 495 ب 4 ح 5 و فيهما «تراضيا عليه».
(2) التهذيب ج 8 ص 99 ح 12، الوسائل ج 15 ص 492 ب 3 ح 8 و فيهما «قال يطلقها» و «لم نجز طلاقا».
(3) التهذيب ج 8 ص 98 ح 11، الوسائل ج 15 ص 492 ب 3 ح 9 و فيهما اختلاف يسير.
(4) الكافي ج 6 ص 143 ح 7، الوسائل ج 15 ص 492 ب 3 ح 9 و فيهما اختلاف يسير.
562
و أما ما يدل على القول الأول فمنها ما رواه
في الكافي (1) عن موسى بن بكر عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: «قال علي (عليه السلام): المختلعة يتبعها بالطلاق ما دامت في العدة».
قيل (2) المراد بالعدة هنا عدة الطهر، أي لو حاضت بعد الخلع قبل الطلاق لم يجز بل ينتظر الطهر.
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (3) عن موسى بن بكر عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: «المختلعة يتبعها الطلاق ما دامت في عدتها».
هذا ما حضرني من أخبار المسألة المذكورة.
قال ثقة الإسلام في الكافي (4): حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة عن جعفر بن سماعة أن جميلا شهد بعض أصحابنا و قد أراد أن يخلع ابنته من بعض أصحابنا، فقال جميل: ما تقول؟ رضيت بهذا الذي أخذت و تركتها؟ فقال: نعم، فقال لهم جميل: قوموا، فقالوا: يا أبا علي ليس تريد يتبعها بالطلاق؟ فقال: لا، قال: و كان جعفر بن سماعة يقول: يتبعها الطلاق ما دامت في العدة، و يحتج برواية موسى بن بكر عن العبد الصالح.
نقل الرواية كما قدمناه.
و قال الشيخ في التهذيبين (5): الذي أعتمده في هذا الباب و افتي به أن المختلعة لا بد فيها من أن تتبع بالطلاق، و هو مذهب جعفر بن سماعة و الحسن بن سماعة و علي
____________
(1) الكافي ج 6 ص 141 ذيل ح 9، الوسائل ج 15 ص 490 ب 3 ح 1 و فيهما «يتبعها الطلاق».
(2) القائل هو صاحب الوسائل- (رحمه الله).
(3) التهذيب ج 8 ص 97 ح 8، الوسائل ج 15 ص 492 ب 3 ح 5 و فيه «ما دامت في عدة».
(4) الكافي ج 6 ص 141 ح 9 و فيه اختلاف يسير.
(5) التهذيب ج 8 ص 97.
563
ابن رباط و ابن حذيفة من المتقدمين، و مذهب علي بن الحسين من المتأخرين (1)- إلى أن قال:- و استدل من ذهب إليه من أصحابنا المتقدمين بقول أبي عبد الله (عليه السلام): لو كان الأمر إلينا لم نجز إلا طلاق السنة.
و استدل الحسن بن سماعة و غيره بأن قالوا: أنه قد تقرر أنه لا يقع الطلاق بشرط، و الخلع من شرطه، و أن يقول الرجل: إن رجعت فيما بذلت فأنا أملك ببضعك، و هذا شرط، فينبغي أن لا يقع به فرقة.
و استدل أيضا
ابن سماعة بما رواه عن الحسن بن أيوب عن ابن بكير عن عبيد بن زرارة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما سمعت مني يشبه قول الناس فيه التقية، و ما سمعت منى لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه».
ثم حمل ما خالف ذلك مما يدل على أنه لا يحتاج إلى أن يتبع بطلاق على التقية لموافقتها لمذاهب العامة.
قال السيد السند- (قدس سره)- في شرح النافع بعد أن نقل عن الشيخ العمل برواية موسى بن بكر المتقدمة، و أنه أجاب عن الأخبار المتقدمة بالحمل على التقية لأنها موافقة لمذهب العامة ما لفظه: و هذا الحمل إنما يتم مع تعارض الروايات و تكافئها من حيث السند، و الأمر هنا ليس كذلك، فإن الأخبار المتقدمة مع صحتها و سلامة أسانيدها مستفيضة جدا، و ما احتج به الشيخ رواية واحدة و رواها موسى بن بكر، و هو واقفي غير موثق، فكيف يعمل بروايته و يتركها الأخبار الصحيحة الدالة على خلافه؟
____________
(1) و قال بعد قوله من المتأخرين: و أما الباقون من فقهاء أصحابنا المتقدمين فلست أعرف لهم فتيا في العمل به، و لم ينقل عنهم أكثر من الروايات التي ذكرناها و أمثالها، و يجوز أن يكونوا رووها على الوجه الذي نذكر فيما بعد، و ان كان فتياهم و عملهم على ما قلناه، انتهى (منه- (قدس سره)-).
(2) التهذيب ج 8 ص 98 ح 9، الوسائل ج 15 ص 492 ب 3 ح 7 و فيه «ما سمعته منى».
564
ما هذا إلا عجب من الشيخ (1)، و مع ذلك فهذه الرواية متروكة الظاهر لتضمنها أن المختلعة يتبعها بالطلاق ما دامت في العدة، و الشيخ لا يقول بذلك، بل يعتبر وقوع الطلاق بعد تلك الصيغة بغير فصل، فما تدل عليه الرواية لا يقول به، و ما يقول به لا تدل عليه الرواية، انتهى.
أقول: أما ما اعترض به من الوجه الأول فهو غير موجه كما أسلفنا لك تحقيقه في غير موضع مما تقدم من الشيخ و أمثاله من المتقدمين الذين لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم، و أن جميع الأخبار المروية في الأصول المعتمدة كلها صحيحة إلا ما استثني مما نبهوا عليه، و صحة الأخبار عندهم ليست بالأسانيد كما عليه اصطلاح المتأخرين، و إنما هو بالمتون، و ما دلت عليه الأخبار بموافقته للكتاب و السنة و روايته في الأصول المعتمدة و نحو ذلك، و لا ريب أنه على هذا التقدير من الحكم بصحة جميع هذه الروايات، فإنه مع اختلافها يجب الجمع بينها، و من القواعد المقررة عن أصحاب العصمة (عليهم السلام) و إن ألغوها و ضربوا عنها صحفا في جميع المواضع عرض الأخبار عند الاختلاف على مذهب العامة، و الأخذ بخلافه، و قد استفاضت بذلك الأخبار، و يؤكدها الحديث المنقول هنا في كلام الشيخ، و هو خبر عبيد ابن زرارة، و تلك الأخبار الكثيرة الموافقة لمذهب العامة، و حينئذ فيجب حملها على التقية، عملا بالقاعدة المذكورة، و كثرتها و صحة أسانيدها لا ينافي حملها على التقية إن لم يؤكد.
و بالجملة فإن كلام هذا الفاضل إنما يتمشى و يتم بناء على هذا الاصطلاح المحدث الذي بنوا عليه، و أما على مذهب المتقدمين فلا، كما هو ظاهر لكل ناظر، و بذلك يظهر لك أن تعجبه من الشيخ- رحمة الله عليه- مقلوب عليه.
نعم ما ذكره من الوجه الثاني متجه، إلا أن الظاهر من كلام صاحب
____________
(1) أقول: و أعجب من ذلك ما يوجب ذلك و هل هو الا رد لاخبارهم (عليهم السلام) المستفيضة بذلك، نعوذ بالله من زلات الاقدام و هفوات الأقلام. (منه- (قدس سره)-).
565
الكافي و نقله ذلك أيضا عن جعفر بن سماعة أن الطلاق الذي يوجبونه بعد الخلع لا يشترطون فيه ما ذكره الشيخ و أتباعه من إلحاقه بالصيغة، بل يكتفي بوقوعه في العدة أي وقت كان، و هذا إشكال آخر في المسألة أيضا، و ظاهر كلام الشيخين المتقدمين أن هذا الاختلاف الذي دلت عليه هذه الأخبار كان موجودا بين أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، و أن بعضهم مثل جميل كان يقول بعدم وجوبه. و الاكتفاء بمجرد صيغة الخلع، و تلك الجماعة الذين ذكرهم الشيخ يقولون بوجوب ذلك.
و بالجملة فالظاهر أنه إن ثبت أن مذهب العامة الاقتصار على صيغة الخلع كما ادعاه الشيخ و ابن سماعة فحمل تلك الأخبار على التقية غير بعيد، إلا أن الظاهر من
صحيحة سليمان بن خالد (1) المتقدمة إنما هو العكس، فإنه (عليه السلام) بعد أن أفتى بالاكتفاء بمجرد الخلع و أنه لا ضرورة إلى الأتباع بالطلاق قال «و لو كان الأمر إلينا لم نجز طلاقها».
فإنه ظاهر كما ترى في أن الاتباع بالطلاق إنما أجازوه تقية، و لو كان الأمر رجع إليهم لم يجيزوا الطلاق هنا، بل اكتفوا بالخلع، و كيف كان فالمسألة عندي لا تخلو من شوب الاشكال، و للتوقف فيها مجال، و الله العالم بحقيقة الحال.
ثم إنه لا يخفى أن ما اشتملت عليه حديث [رواية] جميل المتقدمة نقله عن الكافي من الاكتفاء في وقوع الخلع بالسؤال من الزوج بقوله «رضيت بهذا الذي أخذت و تركتها؟ فقال: نعم» أظهر ظاهر في دفع ما ذكره أصحابنا- (رضوان الله عليهم)- في هذا المقام من الشروط في الصيغة، و وجوب سؤال المرأة أولا الخلع أو قبولها بعده، و نحو ذلك، و أن دائرة الأمر في هذا العقد و غيره أوسع من ذلك مضافا إلى إطلاق الأخبار الواردة في المسألة حيث لا إشعار في شيء منها بما
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 99 ح 12، الوسائل ج 15 ص 492 ب 3 ح 8.
566
ذكروه. (1)
و بذلك يظهر لك ما في قولهم إن حقيقة الخلع هو قول الزوج ذلك مع سؤال المرأة أو قبولها، لأن السبب لا يتم إلا بهما فيكون مركبا منهما.
قالوا: و يمكن أن يكون سؤالها شرطا في صحته، فإن فيه أن غاية ما يفهم من أخبار المسألة أنه لا بد من تحقق ذلك من المرأة، و أما أنه يجب حال الصيغة و قول الزوج خلعتك على كذا مقدما أو مؤخرا بحيث تكون الصيغة الموجبة للخلع مركبة منهما أو أنه شرط في الصحة فلا دليل عليه بوجه كما أسلفنا ذكره في الموضع الأول.
الثالث [في الأخبار الدالة على أن الاكتفاء بالخلع طلاقا]
أنه على تقدير الاجتزاء بلفظ الخلع من غير اتباع له بالطلاق هل يكون ذلك فسخا أو طلاقا؟ المرتضى- رحمة الله عليه- و الأكثر على الثاني، و الشيخ على الأول.
و الأظهر ما ذهب إليه الأكثر للنصوص الصريحة فيه كقوله (عليه السلام)
في صحيحة الحلبي (2) المتقدمة «و خلعها طلاقها».
و قول أبي عبد الله (عليه السلام) في
صحيحة الحلبي أو.
____________
(1) بل الظاهر منها انما هو حصول ذلك مجردا من مثل هذا الكلام، مثل
صحيحة الحلبي أو حسنته عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «المختلعة لا يحل خلعها حتى تقول لزوجها:
و الله لا أبر لك قسما و لا أطيع لك أمرا- الى أن قال:- فإذا قالت المرأة ذلك حل له ما أخذ منها، فكانت هذه على تطليقتين باقيتين، و كان الخلع تطليقة، و قد يكون الكلام من عندها».
و ظاهرها أنه بمجرد هذا القول الموجب للكراهة و بذل ما اتفق عليه يحل ذلك له، و يحصل الخلع بمجرد ذلك من غير صيغة في البين أزيد مما وقع، و على هذا النهج ما في أمثال هذه الرواية من روايات المسألة كما لا يخفى على المتأمل فيها، و لا ينافي ذلك قوله في صدر الرواية «المختلعة لا يحل خلعها حتى تقول. إلخ» إذ لا اشعار فيه بالصيغة الخاصة، بل المراد منه الحكم انما هو أن المرأة التي تريد فراقها بائنا و هي المسماة شرعا بالمختلعة لا يحل فراقها على هذا النحو المخصوص الا بعد القول المذكور.
(منه- (قدس سره)-).
(2) الوسائل ج 15 ص 491 ب 3 ح 4.
567
حسنته (1) «فإذا قالت المرأة ذلك لزوجها حل له ما أخذ منها، و كانت عنده على تطليقتين باقيتين، و كان الخلع تطليقة».
و قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم أو حسنته (2) «فإذا فعلت ذلك من غير أن يعلمها حل له ما أخذ منها و كانت تطليقة بغير طلاق يتبعها، و كانت بائنا بذلك» الخبر.
و في خبر أبي الصباح الكناني (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إذا خلع الرجل امرأته فهي واحدة بائن، و هو خاطب من الخطاب».
و في رواية أبي بصير (4) عنه (عليه السلام) «فإذا قالت المرأة لزوجها ذلك حل خلعها و حل لزوجها ما أخذ منها، و كانت عنده على تطليقتين باقيتين، و كان الخلع تطليقة».
إلى غير ذلك من الأخبار، و هي كما ترى صريحة في المراد عارية عن و صمة الإيراد.
احتج في المختلف للشيخ و أتباعه بأنها فرقة عريت عن صريح الطلاق و نيته فكانت فسخا كسائر الفسوخ، ثم أجاب عنه بأن لا استبعاد في مساواته للطلاق، و قد دل الحديث عليه فيجب المصير إليه، انتهى.
و بالجملة فإنه لا ريب في ضعف القول المذكور بعد ما عرفت من تكاثر الأخبار بالقول الآخر، و يتفرع على القولين عد الخلع في الطلقات المحرمة و عدمه، فعلى القول بأنه فسخ لا يعد منها أو يجوز تجديد النكاح و الخلع من غير حصر و لا احتياج إلى محلل في الثلاث، و على القول بأنه طلاق تترتب عليه أحكام الطلاق، و هذا هو المستفاد من الأخبار المتقدمة الدالة على كونها عنده بعد الخلع على تطليقتين باقيتين، و أن الخلع تطليقة.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 139 ح 1 و فيه اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 491 ب 3 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 140 ح 3، الوسائل ج 15 ص 491 ب 3 ح 3 و فيهما اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 6 ص 140 ح 4، الوسائل ج 15 ص 488 ب 1 ح 6 و فيهما اختلاف يسير.
(4) الكافي ج 6 ص 141 ح 5، التهذيب ج 8 ص 96 ح 5، الوسائل ج 15 ص 489 ب 1 ح 7.
568
الرابع [طلاق الفدية و الطلاق بعوض]
اعلم أنه قد تكرر في كلام الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- ذكر طلاق الفدية و الطلاق بعوض، و أنه تقع به البينونة كما تقع بالخلع، و لم أقف في الأخبار على أثر لهذا الفرد، و الموجود فيها إنما هو الخلع و المبارأة.
إلا أن ظاهر الأصحاب من غير خلاف يعرف إلا من شيخنا الشهيد الثاني أنه هذا الفرد الذي ذكروه لا يخرج عن الخلع أو المبارأة، فهو أمر كلي شامل لكل منهما، فهو أعم من كل منهما، و ليس بخارج عنهما، بل هو منحصر فيهما لا وجود له في مادة غيرهما لاشتراطه بالكراهة المشترطة فيهما، فإن كانت من الزوجة خاصة فهو خلع، و إن كانت منهما معا فهو مباراة، و لما كان أعم من كل منهما فهو لا ينصرف إلى واحد منهما إلا بالنية و القصد و اجتماع شرائط ذلك المقصود، فحيث يطلق فإن قصد به الخلع و اجتمعت شرائطه وقع خلعا، و إن قصد به المبارأة و اجتمعت شرائطها وقع مباراة، و مع الإطلاق يقع البينونة به و يجوز انصرافه إلى ما اجتمع شرائطه منهما، و لو انتفت شروط كل منهما كما لو انتفت الكراهة بالكلية فهل يقع باطلا من أصله أو صحيحا رجعيا؟ قولان، يأتي الكلام فيهما إن شاء الله تعالى.
و لم نقف على خلاف لما ذكرناه في كلام الأصحاب إلا لشيخنا المتقدم ذكره، فإنه ذهب إلى أن الطلاق بعوض- و هو طلاق الفدية- خارج عن الخلع و المبارأة لاشتراطهما بالكراهة و عدم اشتراطه بها، فعنده تحصل البينونة و إن لم يكن ثمة كراهة. و لم يسبق إليه غيره سابق و لا لحقه فيه لاحق من أصحابنا- (رضوان الله عليهم)- و ادعى دلالة الأخبار عليه، مع أنها في الدلالة على خلافه أوضح، و يأتي على قوله المذكور أن الطلاق بعوض من غير كراهة بالكلية تقع به البينونة و قد صرح بما ذكرناه عنه في غير موضع من شرحه المسالك.
و في شرح اللمعة قال- (قدس سره)- في شرح قول المصنف في الشرائع «و يقع الطلاق من الفدية بائنا و إن انفرد عن لفظة الخلع» ما صورته: إذا وقع
569
الطلاق مع الفدية به سواء كان بلفظ الخلع و قلنا إنه طلاق أن أتبع به أو بلفظ الطلاق و جعله بعوض فإنه يقع بائنا لا رجعيا للنصوص الدالة عليه، و قد تقدم بعضها- إلى أن قال:- و اعلم أنه مع اشتراك الخلع و الطلاق بعوض في هذا الحكم يفترقان بأن الخلع مختص بحال كراهة الزوجة له خاصة كما انفردت المبارأة بكون الكراهة منهما، و اشتراط كون العوض بقدر ما وصل إليها، بخلاف الطلاق بالعوض فإنه لا يشترط فيه شيء من ذلك، و قال أيضا في شرح قول المصنف في الشرائع «فلو خالعها و الأخلاق ملتئمة لم يصح الخلع و لا يملك الفدية به. و لو طلقها و الحال هذه بعوض لم يملك العوض و صح الطلاق و له الرجعة» ما لفظه:
أما بطلان الخلع فلما تقدم من اشتراط صحته بكراهتها له، فبدون الكراهة يقع باطلا لفقد شرطه. و أما الطلاق بعوض فمقتضى كلام المصنف و الجماعة كونه كذلك لاشتراكهما في المعنى- إلى أن قال:- و هذا إن كان إجماعا فهو الحجة، و إلا فلا يخلو من إشكال، لأن النصوص إنما دلت على توقف الخلع على الكراهة، فظاهر حال الطلاق بعوض أنه مغاير له و إن شاركه في بعض الأحكام، انتهى.
و قال في مبحث المبارأة في شرح قول المصنف «و لو اقتصر على قوله أنت طالق بكذا صح و كان مباراة، إذ هي عبارة عن الطلاق بعوض مع منافاة بين الزوجين» فقال- (قدس سره)- بعد كلام في المقام: و ظاهر كلامهم انحصاره يعني الطلاق بعوض فيهما يعني الخلع و المبارأة، و اعتبار مراعاة الحال فيه، و عندي فيه نظر، و قد تقدم الكلام على مثله في الخلع، و لو قيل بصحته مطلقا حيث لا يقصد به أحدهما كان وجها لعموم الأدلة على جواز الطلاق مطلقا و عدم وجود ما ينافي ذلك في خصوص البائن، انتهى.
و قال في الروضة: و لو أتى بالطلاق مع العوض فقال أنت طالق على كذا مع سؤالها أو قبولها بعده كذلك أغنى عن لفظ الخلع و أفاد فائدته و لم يفتقر إلى ما يفتقر إليه الخلع من كراهتها له خاصة، لأنه طلاق بعوض لا خلع، انتهى.
570
أقول- و بالله تعالى التفهم لنيل كل مقصود و مأمول-: إن ما ذكره- (قدس سره)- في هذا المقام منظور فيه من وجوه:
الأول: قوله عز و جل «وَ لٰا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّٰا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلّٰا أَنْ يَخٰافٰا أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ». (1)
و التقريب في الآية المذكورة أنها صريحة الدلالة واضحة المقالة في عدم حل أخذه الفدية من المرأة إلا مع خوف عدم إقامة حدود الله سبحانه، بأن يظهر لزوجها ما يدل على البغض و الكراهة و النفرة منه، و أنه إن لم يطلقها ارتكبت في حقه تلك الأفعال المحرمة كما سيأتي ذكرها في الأخبار الآتية إن شاء الله تعالى، و قضية ذلك أنه لا يجوز للزوج أخذ الفدية في الطلاق بعوض كالخلع إلا مع الكراهة، و مع عدمها فلا يحل شيء من ذلك، و لا يقع الطلاق بائنا كما سيأتي التصريح به في النصوص أيضا.
و لو قيل بأن الآية مفسرة في الأخبار بالخلع و أنه السبب في نزولها فلا تتناول الطلاق بعوض.
قلنا: قد عرفت فيما تقدم أن الرواية الدالة على سبب النزول إنما هي من طريق العامة، فلا تقوم حجة، و مع تسليم ورودها من طرقنا لا تدل على الاختصاص إذ العبرة بعموم اللفظ، و إن كان الخلع أحد من أفرادها، و لا ريب في دخول المبارأة تحت الآية المذكورة، بل ظهور الآية فيها أقوى لما تضمنه من إسناد عدم إقامة الحدود إليهما معا، و ذلك إنما هو من شروط المبارأة، و من ثم حملها المحقق الأردبيلي في آيات الأحكام على المبارأة خاصة، و هو و إن كان له وجه إلا أن كلام جملة المفسرين و تؤيده الأخبار على العدم.
و بالجملة فالنظر في الآية إلى عموم اللفظ، و الاستدلال إنما وقع من هذه
____________
(1) سورة البقرة- آية 229.
571
الجهة و هي مما لا ريب فيه و لا إشكال يعتريه، و التخصيص يحتاج إلى دليل و ليس فليس.
الثاني: الأخبار الدالة على أنه لا يحل للزوج أن يأخذ من الزوجة شيئا إلا أن تتعدى عليه بذلك الكلام القبيح الدال على كراهتها له، و أنها لا تبين منه إلا إذا كان أخذ الفدية على هذا الوجه.
و منها
صحيحة محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا قالت المرأة لزوجها جملة «لا أطيع لك أمرا» مفسرة أو غير مفسرة حل له ما أخذ منها، و ليس له عليها رجعة».
دلت الرواية بمفهوم الشرط الذي هو حجة عند المحققين، و عليه دلت الأخبار على أنه مع عدم القول المذكور الدال على الكراهة لا يحل له أخذ شيء منها، و له الرجعة عليها، و هو المطلوب.
الثالث: عدم الدليل على ما ذكره، و هو دليل العدم كما تقرر في كلامهم لأن الأصل في الطلاق أن يكون رجعيا إلا ما قام الدليل فيه على البينونة به، و لا دليل هنا على ثبوت البينونة بهذا الطلاق المجرد عن الكراهة و إن بذلت له مالا بل إما أن يقع باطلا من أصله كما هو أحد القولين أو رجعيا كما هو القول الآخر، و الأخبار الدالة على البينونة في هذا المقام منحصرة في الخلع و المبارأة و لم يصرح في شيء منها بطلاق الفدية و لا طلاق العوض الذي هو محل البحث كما توهمه من دلالة الأخبار على هذا الفرد، فإنه لا وجود لهذه التسمية في الأخبار بالكلية.
نعم لما كان المعتبر في الخلع و المبارأة بعد اجتماع شرائط كل منهما ما يدل من الألفاظ على المعنى الذي يدل عليه أحد ذينك اللفظين من غير اختصاص بهما جوزنا لفظ الطلاق في كل منهما، فكما يقع الخلع بقوله خلعتك على كذا كذلك بقوله طلقتك على كذا، و هكذا في المبارأة، و قد مر إلى ذلك الإشارة بما
____________
(1) الكافي ج 6 ص 141 ح 6، الفقيه ج 3 ص 339 ح 4، التهذيب ج 8 ص 97 ح 7، الوسائل ج 15 ص 487 ب 1 ح 1.
572
قدمناه من أن طلاق الفدية أعم من كل منهما لا أنه فرد برأسه خارج عنهما كما توهمه- (قدس سره).
الرابع: عبارات الأصحاب في هذا الباب، فإنها متفقة النظام واضحة الانسجام على تخصيص البينونة (1) و حل الفدية بالكراهة، و أنه مع عدمها فلا تحل الفدية و لا تبين منه.
و منها عبارة المحقق في الشرائع المتقدمة قريبا، و نحوها عبارة العلامة في القواعد حيث قال: و لو خالعها و الأخلاق ملتئمة لم يصح الخلع و لم يملك الفدية و لو طلقها حينئذ بعوض لم يملكه، و وقع رجعيا. و نحوه في التحرير و الإرشاد و التلخيص.
و قال في كتاب نهج الحق و كشف الصدق: ذهبت الإمامية إلى أنه إذا كانت الأخلاق ملتئمة بين الزوجين و الحال عامرة، فبذلت له شيئا على طلاقها لم يحل له أخذه، و خالف أبو حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد، و قد خالفوا قول الله تعالى «وَ لٰا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّٰا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلّٰا أَنْ يَخٰافٰا أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ» و قد قال تعالى «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» انتهى.
و قد صرح ابن إدريس في تفسيره المنتخب من تفسير الشيخ- طاب ثراهما- بعدم جواز أخذ الفدية بدون خوف عدم إقامة الحدود مطلقا.
و قال في كتاب الحاوي: و اعلم أن المدار في جواز الفراق بالفدية على كراهة الزوجة منفردة أو مجامعة، فإن انفردت بها جازت الزيادة على المهر، و صح- على قول- تجرد صيغة الخلع عن الطلاق، و سمي خلعا و إن يتلفظ به،
____________
(1) بمعنى أن الطلاق من حيث هو لا يوجب البينونة إلا بانضمام أمر من خارج، و الا فإنه متى طلق فله الرجوع ما لم تخرج من العدة لأنها تلك المدة باقية على حكم الزوجية، و هذه قاعدة مسلمة متفق عليها نصا و فتوى. (منه- (قدس سره)-).
573
و إن كانت من الزوجين لم يجز الزيادة و تعينت صيغة المبارأة، و سمي مباراة و إن لم يتلفظ بها أو طلق بزائد على المهر وقعت البينونة و لم تلزم الزيادة، فإن انفرد بها الزوج أو كانت الأخلاق ملتئمة حرمت الفدية و كان الطلاق رجعيا، انتهى.
و قال الشيخ جمال الدين الشيخ أحمد بن عبد الله بن المتوج البحراني- عطر الله مرقده (1)- في كتاب آيات أحكام القرآن: و أما الطلاق بفدية و هو أن تقول الزوجة للزوج: طلقني على كذا، فيقول هو على الفور: فلانة على كذا طالق، و هذا إن وقع في حال الكراهة منها فلفظة لفظ طلاق الفدية و معناه خلع يحل له أخذ ما بذلته من غير حد، و إن وقع في حال يكون الكراهة منهما فلفظة لفظ طلاق الفدية معناه المبارأة، فلا يحل له أن يتجاوز في الفدية قدر ما وصل إليها، انتهى. و هذه العبارة كما ترى صريحة فيما قدمناه من أن طلاق الفدية لا تخرج عن الخلع و المبارأة بل هو أعم من كل منهما، و لا وجود له في غيرهما.
و قال الشهيد في شرح اللمعة: و لا يصلح إلا مع كراهتها، و لو لم تكره بطل البذل و وقع الطلاق رجعيا، انتهى.
و بالجملة فإن كل من تعرض للمسألة فإنه لم يذكره إلا على هذا الوجه الذي ذكرناه.
الخامس: اتفاق الأصحاب ظاهرا على أن الطلاق بعوض تتعلق به أحكام الخلع، و قد اعترف- (قدس سره)- بذلك فيما قدمناه من عبارته المذكورة في مبحث المبارأة من قوله «و ظاهر كلامهم انحصاره يعني الطلاق بعوض فيهما يعني الخلع و المبارأة، و اعتبار مراعاة الحال فيه».
و حينئذ فإما أن يكون لدليل أو نص يدل على مساواة الطلاق بعوض الخلع في جميع أحكامه و لكونه فردا من أفراده مندرجا إعداده، فيكون خلعا بعينه،
____________
(1) و كان هذا الشيخ- (قدس سره)- من أفاضل تلامذة فخر المحققين ابن العلامة، و قبره الان موجود في جزيرة البحرين. (منه- (قدس سره)-).
574
و الأول منتف، فإنا بعد التتبع التام للأخبار لم نقف فيها على الطلاق بعوض و طلاق الفدية و التسمية بهذا الاسم بالكلية فضلا عن الدلالة على أن حكمه حكم الخلع أو أنه أمر خارج عنه مشارك له، و إنما وقعت هذه التسمية في كلام الأصحاب خاصة، و حينئذ فيتعين الثاني، و وقوع هذه التسمية من الأصحاب وقعت تفريعا على أنه لا يتعين في الخلع الاقتصار على هذه المادة، بل كلما أفاد مفادها من لفظ الطلاق و غيره يقع الخلع به بعد استجماع شرائطه كما تقدم تحقيقه.
السادس: تصريح جملة من الأصحاب بعد طلاق الفدية من الخلع كالشيخ في المبسوط، حيث قسم الخلع إلى واقع بصريح الطلاق و إلى واقع بغيره، و جعل الأول طلاقا و خلعا، و جعل الخلاف في الثاني هل هو طلاق أم فسخ؟ قال: و أما إذا كان الخلع بصريح الطلاق كان طلاقا بلا خلاف.
و قال العلامة في الإرشاد: و الصيغة و هي: خلعتك على كذا و أنت أو فلانة مختلعة على كذا و أنت طالق على كذا، و نحوه في القواعد و التحرير.
و قال سبطه السيد السند في شرح النافع: إن الطلاق بعوض من أقسام الخلع كما صرح به المتقدمون و المتأخرون من الأصحاب- ثم قال و لنعم ما قال:- و ما ذكره جدي في الروضة و المسالك من أن الطلاق بعوض لا يعتبر فيه كراهة الزوجة بخلاف الخلع- غير جيد لأنه مخالف لمقتضى الأدلة و فتوى الأصحاب، فإنا لا نعلم له في ذلك موافقا، انتهى.
السابع: ما ذكره في المسالك في شرح قول المصنف «و يقع الطلاق مع الفدية بائنا. إلخ» من قوله «فإنه يقع بائنا لا رجعيا للنصوص الدالة عليه».
فإن فيه أنه إن أراد بالنصوص هي نصوص الخلع كما يشير إليه قوله «و قد تقدم بعضها» فهو جيد، و لا دلالة فيه على ما يدعيه، فإن دخول الطلاق بالفدية تحت الخلع و إجزاء أحكام الخلع عليه مع استجماع شرائطه إنما هو لكونه خلعا لا لكونه طلاقا بالفدية، فإنا لا نشترط في الخلع الإتيان بهذه الصيغة بخصوصها بل كلما
575
جرى مجراها، و من جملته لفظ الطلاق.
و إن أراد بالنصوص المذكورة ما صرح به في بحث المبارأة من قوله «لعموم الأدلة على جواز الطلاق مطلقا» فهو محل بحث و نظر، إذ لا يخفى على الحاذق اللبيب و الموفق المصيب أن غاية ما تدل عليه أخبار الطلاق هو جوازه و صحته في الجملة.
و أما أنه كالخلع و المبارأة في كونه بائنا و يملك الزوج فيه الفدية فلا دلالة لها بوجه إن لم تكن بالدلالة على خلافه أنسب و إلى ما ذكرناه أقرب، لأن الطلاق من حيث هو لا يقتضي البينونة بمجرده، بل مقتضاه هو جواز الرجوع ما لم تخرج من العدة، لامتداد حكم الزوجية و بقائه إلى ذلك الوقت، و البينونة و نحوها إنما عرض له بأسباب زائدة على مجرد الطلاق.
و بالجملة فإن كلامه- (قدس سره)- في هذا المقام من أفحش الأوهام، و العجب من جملة ممن عاصرناهم من علماء العراق حيث اعترفوا بما ذكره- (قدس سره)- في هذه المسألة فجروا على منواله و حكموا بصحة أقواله، و طلقوا النساء و أبانوهن من أزواجهن، و حللوا الفدية من غير كراهة في البين، و الله الهادي لمن يشاء.
بقي الكلام في أنه لو خلا- الطلاق بعوض- عن الكراهة، فعلى المشهور من عدم حصول البينونة به كما ادعاه شيخنا المتقدم ذكره، فهل يكون صحيحا رجعيا أو باطلا من أصله؟ قولان، الظاهر أن المشهور الأول، و به صرح جملة ممن قدمنا كلامه كالمحقق و العلامة في جملة من كتبه، و الشيخ منتجب الدين في كتاب الحاوي.
و بالثاني صرح السيد السند في شرح النافع و علله بأن الطلاق الرجعي غير مقصود و لا مدلول عليه باللفظ، إنما المقصود من لفظ الطلاق البائن، لأن الكلام إنما يتم بآخره، و الغرض إنما تعلق بذلك الطلاق الخاص، و لم يتم، فلا يتجه
576
صحة طلاق آخر. و بالجملة فما وقع غير مقصود، و ما قصد غير صحيح و لا واقع و العقود بالقصود. و تبعه في هذا القول جملة ممن تأخر عنه، منهم صاحب الكفاية و شيخنا الشيخ سليمان البحراني و تلميذه الوالد- (قدس الله روحهما).
و المسألة عندي موضع توقف و إشكال لعدم النص الذي به يتضح الحال، و ما احتج به السيد المذكور من الدليل، و تبعه عليه هؤلاء الأجلاء، فهو و إن كان مما يتسارع إلى الفهم قبوله، إلا أنك قد عرفت في غير موضع مما تقدم ما في بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العقلية، و لا سيما و قد ورد في جملة من النصوص ما يهدم هذه القاعدة، و يزلزل ما يترتب عليها من الفائدة، فإن السيد- (قدس سره)- و جده قبله و تبعهما جماعة ممن تأخر عنهما قد صرحوا بأن العقد المشتمل على شرط فاسد باطل من أصله، و عللوه بهذا التعليل من أن أصل العقد العاري عن الشرط غير مقصود، و القصد إنما توجه للمجموع، و هو غير صحيح، فما كان مقصودا غير صحيح، و ما كان صحيحا غير مقصود، و العقود بالقصود فيلزم بطلان العقد مع أنا رأينا جملة من النصوص الصحيحة الصريحة قد صرحت بصحة العقد و بطلان الشرط، فكيف يمكن اتخاذ ما ذكروه قاعدة كلية و الحال كما ترى، و الله العالم.
تذنيب [في تحقيق معنى الإكراه على الفدية]
هل يجب في الكراهة المشترطة في صحة الخلع أن تكون ذاتية؟ أم يصح و إن كانت عارضية؟ المفهوم من كلام الأصحاب كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى الثاني، و المستفاد من كلام من عاصرناه من مشايخنا في بلاد البحرين هو الأول، و قد حظرناه في غير موضع، و قد كانوا لا يوقعون الخلع إلا بعد تحقيق الحال و مزيد الفحص و السؤال في ثبوت الكراهة الذاتية و عدم الكراهة العارضية، و السعي في قطع الأسباب الموجبة لكراهة التي تدعيها المرأة ليعلم كونها ذاتية غير عارضية
577
فإذا تحققوا ذلك و علموا أنه لا يمكن رفعها بوجه من الوجوه أوقعوا الخلع بها، و من الظاهر أنهم إنما أخذوا ذلك من مشايخهم و أساتيدهم لحضورهم مجالسهم و حلق درسهم و سماعهم ذلك منهم مدة ملازمتهم لهم و تلمذهم عليهم.
و الذي وقفت عليه بعد الفحص و التتبع لكلام الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- خلاف ذلك، فإن كلامهم ظاهر في كونها أعم من العارضية و الذاتية، و لكنهم لم يصرحوا بذلك في باب و إن أشار إليه بعضهم إشارة، إلا أنهم أوضحوا ذلك في باب الشقاق بين الزوجين في تحقيق معنى الإكراه على الفدية. و ها أنا أسوق لك ما حضرني من عبائرهم و كلامهم في هذا المقام ليظهر لك صحة المناقضة لما نقلناه عن أولئك الأعلام.
قال المحقق- (رحمه الله)- في كتابه الشرائع: و لو منعها شيئا من حقوقها أو أغارها فبذلت له بدلا لخلعها صح، و ليس ذلك إكراها.
قال شيخنا في المسالك- بعد نقل هذه العبارة- ما لفظه: المراد بالحق الذي منعها إياه فبذلت له الفدية لأجله الحق الواجب لها من القسمة و النفقة و نحوهما، و إنما لم يكن ذلك إكراها و إن كان محرما لأنه أمر منفك عن طلب الخلع و لا يستلزمه، بل قد يجامع إرادة المقام معها، و إنما الباعث على تركه حقها ضعف دينه و حرصه و ميله إلى غيرها و نحو ذلك مما لا يستلزم إرادة فراقها و لا يدل عليه بوجه، و نبه بقوله «أغارها» أي تزوج عليها، على أنه لا فرق في ذلك بين ترك الحقوق الواجبة و غيرها، لأن إغارتها غير محرمة، و ترك شيء من حقوقها الواجبة محرم، و كلاهما لا يقتضيان الإكراه.
أما غير الحق الواجب كالتزويج عليها و ترك بعض المستحبات كالجماع في غير الوقت الواجب و التسوية بينها و بين ضراتها في الإنفاق و نحوه فظاهر، حتى لو قصد بذلك فراقها لتفتدي لنفسها لم يكن إكراها عليه لأن ذلك أمر سائغ.
و اقترانه بإرادة فراقها لا يقتضي الإكراه.
578
و أما تركه الحق الواجب فلما ذكرناه من أنه بمجرده لا يدل على الإكراه بوجه، و كذا لو قصد بترك حقها ذلك و لم يظهره لها، أما لو أظهر لها أن تركه لأجل البذل كان ذلك إكراها، و أظهر منه ما لو أكرهها على نفس البذل.
و ما ذكره المصنف قول الشيخ في المبسوط: و وافقها عليه العلامة في الإرشاد، و في التحرير نسب القول إلى الشيخ ساكتا عليه مؤذنا بتردده فيه أو ضعفه، و في القواعد قيد حقوقها بالمستحبة، و مفهومه أنه لو منع الواجبة كان إكراها- و هذا القول نقله الشيخ في المبسوط أولا عن بعض العامة، ثم قال:- الذي يقتضيه مذهبنا أنه ليس بإكراه و هو المعتمد. انتهى كلام شيخنا المذكور و هو كما ترى مع كلام المصنف صريح الدلالة في أنه يكفي في صحة الخلع الكراهة الحاصلة من مضارة الزوج بمنع النفقة أو القسمة أو حصول التزويج عليها أو نحو ذلك من موجبات النفور و الكراهة العارضة.
و ظاهره في المسالك أنه لا نزاع و لا خلاف في صحة الخلع في هذا المقام و إنما الإشكال من جهة أن ذلك يستلزم الإكراه على الفدية أم لا؟ و الذي اختاره- (قدس سره)- و اعتمده أنه ما لم يظهر أن ترك الحقوق لأجل الفدية فليس ذلك إكراها، و حينئذ فيصح الخلع كما هو صريح عبارة المصنف.
و قال أيضا في المسالك- في باب الخلع عند قول المصنف «و لو أكرهها على الفدية فعل حراما»- ما صورته: و لا يتحقق الإكراه بتفسيره في حقوقها الواجبة لها من القسم و النفقة، فافتدت منه لذلك على الأقوى، إلا أن يظهر أن ذلك طلبا لبذلها، فيكون إكراها لصدق تعريفه عليه. ثم أحال ذلك على ما تقدم في باب الشقاق، و هو ما قدمنا نقله عنه، و أشار بقوله «على الأقوى» إلى الرد على ما يفهم من ظاهر عبارة القواعد، و هو الذي نقله الشيخ في المبسوط عن بعض العامة.
و قال في شرح اللمعة في بحث النشوز: و ليس له منع بعض حقوقها لتبذل له مالا ليخلعها، فإن فعل فبذلت أثم و صح قبوله، و لم يكن إكراها.
579
و قال العلامة في التحرير: و لو منعها بعض حقوقها أو أغارها فبذلت له مالا صح و ليس إكراها. قاله الشيخ.
و قال في القواعد: و لو منعها شيئا من حقوقها المستحبة أو أغارها فبذلت له مالا للخلع صح، و لم يكن إكراها، و مفهومه كما صرح به في المسالك أنه إذا منع الواجبة كان إكراها مبطلا للخلع.
و قال الشيخ أمين الإسلام الطبرسي- (رحمه الله)- في كتاب مجمع البيان (1):
و الخلع بالفدية على ثلاثة أوجه:
(أحدها) أن تكون المرأة عجوزا أو ذميمة فيضار بها الزوج لتفتدي نفسها منه، فهذا لا يحل له الفداء لقوله تعالى «وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدٰالَ زَوْجٍ مَكٰانَ زَوْجٍ وَ آتَيْتُمْ إِحْدٰاهُنَّ قِنْطٰاراً» (2) الآية.
(الثاني) أن يرى الرجل امرأته على فاحشة، فيضار بها لتفتدي فهذا جائز و هو معنى قوله تعالى «وَ لٰا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مٰا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلّٰا أَنْ يَأْتِينَ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ». (3)
(الثالث) أن يخافا ألا يقيما حدود الله، لسوء خلق أو قلة نفقة من غير ظلم أو نحو ذلك فيجوز لهما جميعا الفدية على ما مر تفصيله، انتهى.
و الوجه الأول في كلامه هو الإكراه على الفدية و هو المحرم، و الثاني ما استثني من قاعدة الخلع و هو جواز الإكراه على الفدية، و الثالث هو موضوع المسألة.
و ظاهر قوله «أو قلة نفقة من غير ظلم» يعطي أنه لو كان قلة النفقة بقصد الإضرار بها و الظلم لها كان الخلع باطلا، و كان ذلك من قبيل الإكراه على الفدية و هو مطابق لظاهر عبارة القواعد كما عرفت، و سوء الخلق المانع من إقامة الحدود كما يحتمل أن يكون من المرأة كذلك يحتمل أن يكون من الرجل
____________
(1) مجمع البيان ج 2 ص 330.
(2) سورة النساء- آية 20.
(3) سورة النساء- آية 19.
580
بقرينة عطف قلة النفقة عليه، و هو أظهر، و معناه أن الكراهة الحاصلة لها لسوء خلق الزوج أو لفقد النفقة أو نحو ذلك.
و قال العلامة في الإرشاد: و لو أغارها أو منعها بعض حقوقها فبذلت مالا للخلع حل و ليس بإكراه.
هذا ما حضرني من عبائر الأصحاب في المقام، و كلها متفقة النظام على صحة الخلع الناشئ عن الكراهة العارضة من غير نقل خلاف و لا توقف من أحد في المسألة و هو مؤذن بالاتفاق على الحكم المذكور، و كونه مسلما بينهم غير منكور.
و أما الآية الواردة في الخلع و هي قوله «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» (1) و كذا الأخبار الواردة في الباب، فغاية ما يستفاد منها أنه لا بد من بلوغ الكراهة إلى حد يخاف فيه عدم إقامة حدود الله تعالى في حقه بأن تسمعه تلك الألفاظ المذكورة في الأخبار، و هذا لا يترتب على الكراهة الذاتية بخصوصها كما ربما توهمه من خص الكراهة بها بل يجوز ترتبه على الكراهة العارضة لبعض الأسباب أو بالنسبة إلى بعض الأشخاص، و لا سيما في مقام الإغارة بالتزويج، فإنه ربما حمل ذلك المرأة على قتل زوجها فضلا عن أن تقصده بأنواع الأذى كما نقل عن كثير من النساء، على أنه لم يشترط أحد فيما أعلم ممن تقدم أو تأخر البلوغ إلى هذا الحد المستفاد من هذه الأخبار و توقف الخلع على كلامها بشيء من هذه العبارات كما عرفت من كلامهم الذي أسلفنا نقله عن جماعة منهم.
و بالجملة فحيث كان ظاهر كلمة الأصحاب على الاكتفاء بالكراهة العارضة و ظواهر الأخبار لا تنافيه إن لم تكن مؤيدة له لدلالتها بإطلاقها على ذلك، فالقول بخلاف ذلك قول بغير دليل، و مشي على غير سبيل.
____________
(1) سورة البقرة- آية 229.
581
نعم قد تقدم في الحديث العامي المروي في سبب النزول ما ربما يوهم ذلك إلا أنه لا دلالة فيه على الاختصاص بذلك الفرد و أنه لا يصح في غيره، و الله سبحانه العالم.
فروع
الأول [في ما لو طلبت منه طلاقا بعوض فخلعها مجردا عن لفظ الطلاق]
قالوا: لو طلبت منه طلاقا بعوض فخلعها مجردا عن لفظ الطلاق لم يقع على القولين، و لو طلبت خلعا بعوض فطلق به لم يلزم البذل على القول بوقوع الخلع بمجرده فسخا و يلزم على القول بأنه طلاق أو أنه يفتقر إلى الطلاق.
و علل الأول بأن لم يأت بما طلبت فلا يستحق ما بذلت لأجله لأنها طلبت الطلاق، و هو أمر يقع به البينونة و ترفع به الزوجية إجماعا و يقع به نقصان الطلاق فيكون جزء من المحرم، بخلاف الخلع لما قد عرفت من الخلاف فيه، فإنا إذا قلنا إنه فسخ فكونه خلاف ما طلبته واضح، و إن جعلناه طلاقا فهو طلاق مختلف فيه، و ما طلبته لا خلاف فيه، فظهر أنه خلاف مطلوبها على القولين.
و علل الثاني و هو ما لو طلبت منه خلعا بعوض فطلق به، بأنا إن جعلنا الخلع فسخا فطلق لم يلزم البذل لأنه لم يأت بما طلبت و يقع الطلاق رجعيا إذ لا مانع من صحته كذلك فإنه غير مشروط بالعوض و لا بالتماسها أو رضاها، و إن جعلنا الخلع طلاقا أو مفتقرا إلى الطلاق و أتبعه به لزم البذل لإتيانه بما التمسته و زيادة كما علم من السابقة.
أقول: حيث إن ما ذكروه غير منصوص و لا مبرهن عليه بالأدلة الواضحة فللمناقشة فيه مجال واسع، إذ لا يخفى على من أعطى التأمل حقه في الأحكام الشرعية الدائرة مدار الأدلة القطعية أنه لما كان المفهوم من نصوص هذا الباب هو أن مرجع الفراق مع البذل المشترط بالكراهة إلى وقوع صيغته بلفظ الخلع خاصة أو لفظ الطلاق خاصة أو هما معا، و أنه مع الوقوع بأحد هذه الصيغ
582
يقع بائنا و يملك الزوج الفدية إلى غير ذلك من أحكام الخلع، و إنما ذهب إليه الشيخ من كونه متى وقع بلفظ الخلع خاصة فهو فسخ قول مطرح بالنصوص، فهو في حكم العدم، فللقائل أن يقول إنه إذا كان الحكم الشرعي تساوي الصيغ الثلاث في الأحكام و انتظامها في ذلك على أحسن نظام فلا فرق حينئذ بين أن يطلب منه طلاقا بعوض فيخلعها أو خلعا فيطلقها بالعوض، لأن مرجع الجميع شرعا إلى أمر واحد، و ليس بينهما فرق إلا باختلاف الألفاظ، و إلا فالمرجع شرعا إلى أمر واحد كما عرفت، و اختلاف الألفاظ لا يترتب عليه أثر شرعا.
و بالجملة فإنه قد أتى بما طلبته، في كل من الصورتين، لأن المراد هو الفراق البائن الذي به تحل الفدية و هو الذي طلبته و إن عبرت بتلك العبارة و هو قد أتى به، و إن عبر بعبارة أخرى ترجع إلى تلك العبارة شرعا.
و أما الخلاف و الوفاق في تلك الألفاظ فلا دخل له بعد ثبوت الحكم شرعا للجميع و ترتب الحكم الشرعي على كل منهما كما هو المعتمد عندهم، و عليه دلت نصوص المسألة، و إن لم يكن ما ذكرناه هو المتعين لما عرفت فلا أقل أن يكون مساويا في الاحتمال لما ذكروه، و به لا يتم ما اعتمدوه، و الله العالم.
الثاني [في ما لو ابتدأ بالطلاق مصرحا بذكر العوض]
قالوا: لو ابتدأ فقال أنت طالق بألف أو عليك ألف صح الطلاق رجعيا و لم يلزمها الألف و لو تبرعت بعد ذلك بضمانها لأنه ضمان ما لم يجب، و لو دفعتها إليه كانت هبة مستأنفة، و لا تصير المطلقة بدفعها بائنة.
قال في المسالك بعد نقل ذلك: يعتبر في صيغة الخلع وقوعها على وجه المعاوضة بينه و بين الزوجة و يتحقق ذلك بأحد أمرين: تقدم سؤالها ذلك بعوض معين كقولها طلقني بألف أو اخلعني بألف فيجيبها على ذلك، و يكفي في ظهور المعاوضة حينئذ إتيانه بالطلاق أو الخلع مقرونا بذلك العوض، و مجردا عنه مع نيته، كقوله أنت طالق بألف أو عليها أو على العوض المذكور أو خلعتك عليها أو بها، أو أنت طالقة أو مختلعة مجردا ناويا به كونه بذلك العوض لظهور
583
المعاوضة فيه مع تقدم ذكره من جانب الزوجة كما لو قال بعني كذا بكذا فقال بعتك.
و الثاني: ابتداؤه به مصرحا بذكر العوض كقوله أنت طالق بألف أو خلعتك بألف أو عليها و نحو ذلك مع قبولها بعد بغير فصل يعتد به كغيره من المعاوضات، فلو تخلف الأمران معا بأن ابتدأت السؤال بغير عوض كقولها طلقني فأجابها كذلك، أو أجابها بعوض و لم تجدد القبول في محله، أو ابتدأ بذكر العوض صريحا و لم يحصل منها القبول كذلك، أو أتى بلفظ لا يدل على العوض مع عدم تقدم سؤالها به، و إن قبلت لم يلزم العوض، بل إن كان قد أتى بلفظ الطلاق وقع رجعيا، و إن أتى بالخلع بطل، ثم أطال الكلام في المقام.
أقول: لا يخفى على من تأمل أخبار هذا الباب بالتأمل الصائب و نظر فيها بالذهن الثاقب أنه لا دلالة فيها على ما ادعوه من هذا التقرير الذي قرره، و غاية ما يستفاد منها هو أنه متى حصلت المنازعة و المجادلة بين الزوجين و إظهار النفور منها و التراضي على بذل معين بأي نحو كانت تلك الألفاظ الجارية بينهما من لفظ الخلع أو الطلاق أو غيرهما فإنه بعد تراضيهما على فدية مخصوصة تنخلع منه بمجرد تلك الألفاظ الجارية بينهما، و يكون ذلك بحضور العدلين، و كونها طاهرا، و نحو ذلك مما يشترط في الصحة.
و أما وجوب سؤالها أولا أو قبولها ثانيا و كون ذلك فوريا و نحو ذلك مما ذكروه فلا دليل عليه إلا مجرد دعواهم ذلك في المعاوضات و أن الخلع من جملتها، مع أنا لا نسلم لهم هذه الدعوى، فإنك قد عرفت في كتاب البيع أنه لا يشترط في صحته و وقوعه أزيد من تراضي البائع و المشتري على نحو مخصوص بما يتعلق بكل من المبيع و الثمن، فإنه يلزم البيع بمجرد ذلك، و ما اشترطوه من الإيجاب و القبول على الوجوه التي قرروها و الاعتبارات التي اعتبروها فإنه لا دليل على شيء منها، و حديث جميل المتقدم أظهر ظاهر فيما ذكرناه في الخلع، و عليه تنتظم
584
أخبار الباب كملا، و لا سيما الأخبار الكثيرة الدالة على أنه إذا قالت تلك الأقوال المحرمة حل له ما أخذ منها و كانت عنده على تطليقتين باقيتين، فإن ظاهرها أنه بمجرد هذه الأقوال الموجبة للكراهة و أخذ ما بذلته له تنخلع منه بالشروط الأخر المعلومة من الأخبار الأخر من حضور الشاهدين و نحوه، و ليس هنا صيغة و لا عقد أزيد من هذه الألفاظ الجارية بينهما التي استقر رضاهما عليها و نحو ذلك في البيع و غيره من المعاوضات كما تقدم تحقيقه في محله.
و من أوضح الأخبار الدالة على ما قلناه ما رواه
الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره (1) عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن سنان- يعني عبد الله- عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الخلع لا يكون إلا أن تقول- إلى أن قال:- فإذا قالت ذلك فقد حل له أن يأخذ منها جميع ما أعطاها و كل ما قدر عليه مما تعطيه من مالها، فإن تراضيا على ذلك على طهر بشهود فقد بانت منه بواحدة و هو خاطب من الخطاب فإن شاءت زوجته نفسها» الحديث.
و هو صريح كما ترى في ترتب ذلك على مجرد حصول التراضي بينهما على ما وقع، و أنها تختلع منه بمجرد ذلك، و لا لفظ هنا و لا صيغة في البين أزيد مما استقر عليه رضاهما من الفدية بعد تحقق الكراهة بتلك الأقوال، و لا ينافي ذلك ما في بعض أخبار المسألة من قوله (عليه السلام) «و لا يحل له أن يخلعها حتى تكون هي التي تطلب ذلك منه من غير أن يضر بها، و حتى تقول ما أبر لك قسما و لا أغتسل لك من جنابة. إلخ» فإنه لا دلالة في هذا الخبر على أزيد من اشتراط طلبها الخلع و أن تكون هي المريدة له و أن تقول مع ذلك تلك الأقوال المحرمة، بمعنى أن الخلع لا يقع حتى يكون الداعي إليه من جهتها، و أما أنه يشترط ذلك في صيغة الخلع و لا تصح إلا به متقدما أو متأخرا فلا دلالة عليه، و سبيله سبيل
____________
(1) تفسير القمي ج 1 ص 75، الوسائل ج 15 ص 499 ب 7 ح 4.
585
الأقوال المذكورة في اشتراطها في صحة الخلع، إذ ليس المراد إلا توقف صحة الخلع على صدور هذه الأقوال في الجملة و إن لم يكن في مجلس الخلع، و بذلك يظهر أن جميع ما أطال به- (قدس سره)- هنا و كذا غيره من الأصحاب مما لا يرجع إلى طائل و لا يعود إلى حاصل، و الله العالم.
الثالث [في ما لو قالت طلقني بألف هل يكون الجواب على الفور أم لا؟]
قال المحقق في الشرائع: إذا قالت طلقني بألف كان الجواب على الفور، فإن تأخر لم يستحق عوضا بل كان رجعيا.
و قال الشارح في المسالك: قد تقرر أن الخلع يشبه عقود المعاوضات أو هو من جملتها لاشتماله على افتداء البضع بعوض مخصوص و هو يقتضي لفظا دالا على إرادتها بذل ما تجعله عوضا، و لفظا منه يدل على إبانتها بذلك، و كان ذلك كالإيجاب و القبول في العقود اللازمة و لو من طرف واحد، فإن ذلك لازم من طرفه الى أن ترجع في البذل، فلا بد من وقوعهما متعاقبين بحيث يدل على أن أحدهما جواب للآخر و التزامه به، فإن تقدم التماسها فقالت طلقني بألف مثلا اعتبر كون جوابه لها على الفور بحيث لا يتخللهما زمان طويل، و لا كلام أجنبي يوجب رفع ارتباط أحدهما بالآخر، فإن تقدم لفظه فقال خالعتك على ألف مثلا اعتبر التزامها بالألف و قبولها لها عقيب كلامه كذلك، و متى حصل التراخي بينهما طويلا على الوجه الذي بيناه لم يستحق عوضا و وقع الطلاق رجعيا يعني كونه صحيحا خاليا عن العوض. إلى آخر كلامه زيد في إكرامه، و على هذا النهج كلام غيره في المقام.
و قد عرفت ما فيه (1) مما يكشف عن ضعف باطنه و خافية، و إنما ذكرناها
____________
(1) أقول: و بيان ذلك أنه قد علل الحكم المذكور بأن الخلع يشبه عقود المعاوضات ففيه أن تشبيه شيء بشيء لا يقتضي أن يكون من جميع الجهات كما هو ظاهر قوله «و هي تقتضي لفظا دالا على إرادتها. إلخ» و مع تسليمه لا يدل على وجوب كونهما متعاقبين كما ذكره بل يكفي في الجملة، فلا بد في إثبات وجوب التعاقب على الوجه المذكور من دليل، و ليس فليس. (منه- (قدس سره)-).
586
بطوله لتطلع على العلة فيما ذكروه، و أن منشأ الحكم بما ذكروه إنما هو هذه الوجوه الاعتبارية و التخريجات الفكرية التي لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، سيما مع ظهور الأدلة في خلافها، فإن إطلاق أخبار الباب أظهر ظاهر في استحقاق الفدية و البينونة بعد حصول الكراهة، و بذل المرأة لما بذلته، سواء قالت اخلعني أو طلقني على كذا أو لم تقل، و سواء قال هو خلعتك على كذا أو طلقتك على كذا أو نحو ذلك من الألفاظ الدالة على هذا المعنى، بل و لو لم يقل شيئا كما سمعته
من كلام جميل في حديثه (1)، و قوله للزوج «ما تقول رضيت بهذا الذي أخذت و تركتها؟ فقال: نعم، فقال لهم جميل: قوموا».
فإنه جعل جواب الرجل عما سأله و قبوله لما ذكره هو الخلع كما هو ظاهر، و الرجل المذكور من أجلاء فقهاء الأصحاب المعاصرين للأئمة الأطياب، و هو ظاهر في أنه لم يفهم من الأئمة (صلوات الله عليهم) في هذه المسألة أزيد من هذا، فلو كان لهذه الشروط التي قرروها و الاعتبارات التي اعتبروها أصل في الحكم لما أهملها و حكم بخلافها، و لهذا لما سئل عن الاتباع بالطلاق الذي هو أحد القولين في المسألة و عليه دل بعض الأخبار نفاه عملا بتلك الأخبار الدالة على نفيه.
و بالجملة فإن جميع ما ذكروه في هذه الفروع إنما جروا فيه على هذه التعليلات الاعتبارية التي لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية سيما مع ظهور الأخبار في عدمها كما أوضحناه، و الله العالم بحقائق أحكامه و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه.
المقام الثاني في الفدية:
و منه مسائل
الأولى [كلما يصح أن يكون مهرا يصح أن يكون فدية]
قد صرح الأصحاب بأن كلما يصح أن يكون مهرا يصح أن يكون فدية في الخلع، و أنه لا تقدير له في جانب الكثرة، و قد تقدم في بحث المهر أن كلما يملكه المسلم من عين أو دين أو منفعة يصح كونه مهرا إذا
____________
(1) الكافي ج 6 ص 141 ح 9، الوسائل ج 15 ص 490 ب 3 ح 1.
587
كان متمولا، و حينئذ فيصح أن يكون فدية في الخلع و لا تتقدر الفدية في جانب الكثرة بما وصل إليها من المهر و غيره، بخلاف عوض المبارأة فإنه لا يجوز أن يتجاوز به ما وصل إليها.
أقول: الظاهر أن المراد من قولهم «كلما صح أن يكون مهرا صح أن يكون فدية» إنما هو بيان أنه يجب أن يكون شيئا متمولا في الجملة عينا كان أو دينا أو منفعة، قليلا كان أو كثيرا، و أنه لا حد له بوجه من الوجوه و لا تقييد فيه بمادة من المواد بخلاف عوض المبارأة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
و من الأخبار المتعلقة بهذا المقام قوله (عليه السلام)
في موثقة سماعة (1) «فإذا هي اختلعت فهي بائن، و له أن يأخذ من مالها ما قدر عليه، و ليس له أن يأخذ من المبارأة كل الذي أعطاه».
دلت هذه الرواية على الفرق بين المختلعة و المبارأة بما قدمنا ذكره، و أنه لا يتقدر ما أخذه من فدية الخلع بقدر، و لا يحد بحد.
و في رواية زرارة (2) «فإذا قالت ذلك فقد حل له أن يخلعها بما تراضيا عليه من قليل أو كثير».
و روى زرارة (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «المبارأة يؤخذ منها دون الصداق و المختلعة يؤخذ منها ما شاء أو ما تراضيا عليه من صداق أو أكثر، و إنما صارت المبارأة يؤخذ منها دون المهر و المختلعة يؤخذ منها ما شاء لأن المختلعة تعتدي في الكلام و تتكلم بما لا يحل لها» و في جملة من أخبار الباب «حل له ما أخذ منها»،.
و بالجملة فإن الحكم مما لا إشكال فيه بعد ما عرفت.
الثانية [لا بد في الفدية من العلم به]
قالوا: لا بد في الفدية من العلم به بالمشاهدة أو الوصف الرافع
____________
(1) الكافي ج 6 ص 140 ح 2، التهذيب ج 8 ص 95 ح 2، الوسائل ج 15 ص 494 ب 4 ح 4.
(2) التهذيب ج 8 ص 98 ح 10، الوسائل ج 15 ص 495 ب 4 ح 5.
(3) الكافي ج 6 ص 142 ح 2، التهذيب ج 8 ص 101 ح 19، الوسائل ج 15 ص 493 ب 4 ح 1.
588
للجهالة، و ظاهرهم أنه يكفي العلم الجهلي بذلك بحيث يرتفع معظم الغرر و لا يجب الاستقصاء، فإن كان حاضرا فلا بد من التعيين بالإشارة كهذا الثوب و هذا العبد و هذه الصبرة من الحنطة أو الوصف و القدر الذي يحصل به التعيين، سواء كان عينا شخصية أو كلية.
و إن كان غائبا قال في الشرائع «لا بد من ذكر جنسه و وصفه و قدره» مع أنه اكتفى في الحاضر بالمشاهدة و إن لم يعلم مقداره أو وزنه أو كليه أو زرعه فقال بعد الكلام المذكور «و يكفي في الحاضر المشاهدة» و هذا هو المطابق لما تقدم ذكره في المهر، و هم قد خرجوا على مجرى ما تقدم في باب المهر، و على هذا فلو بذلت له ما في ذمته من المهر جاز و إن لم تعلم قدره، لأن ذلك متعين في نفسه و إن لم يكن معلوما لها، و يأتي على ما ذكره المحقق في الشرائع من أن الغائب لا بد من ذكر جنسه و وصفه و قدره عدم الصحة، لأن هذا من قبيل الغائب الذي لا يصح الخلع إلا بعد معرفة مقداره، و بهذا صرح في المسالك، و بالأول صرح سبطه في شرح النافع، و يتفرع على أصل المسألة و اعتبار هذا الشرط ما لو خلعها على ألف و أطلق و لم يذكر المراد من تلك الألف جنسا و لا وصفا و لا قصدا و لا نية فإنه لا يصح الخلع لعدم التعيين المانع من حملها على بعض دون بعض- و الجهالة.
و لو اتفقا على قصد معين بأن قصدت ألف درهم و قصد هو كذلك قال في المسالك: صح و لزمهما ما قصداه، و إن لم يجز ذلك في غيره من المعاوضات كالبيع لأن المقصود أن يكون العوض معلوما عند المتعاقدين، فإذا توافقا على شيء بالنية كان كما لو توافقا بالنطق.
هذا هو الذي اختاره المصنف و العلامة، و قبلهما الشيخ في المبسوط و هو الذي يقتضيه قوله «و لا قصد فسد الخلع» لأن مفهومه صحته مع قصده، و سيأتي في مسائل النزاع ما ينبه عليه أيضا.
ثم قال: و يحتمل فساد الخلع بإهمال ذكر الجنس الوصف و إن كان قصداه
589
كما لا يصح ذلك في غيره من عقود المعاوضات، و على المشهور فلو قالت بذلت مالي في ذمتك أو ما عندي أو ما أعطيتني من الأسباب و نحو ذلك مع علمها بقدره و وصفه صح، و لو وقع البيع على مثل ذلك لم يصح، بل لا بد فيه من التلفظ بما يعتبر تعيينه من الجنس و الوصف و القدر، و هذا من الأمور المحتملة في هذا الباب من الغرر دون غيره من المعاوضات المحضة، انتهى.
و اعترضه سبطه هنا في شرح النافع فقال: و ما ذكره من عدم صحة البيع على مثل ذلك غير واضح، و المتجه الصحة في الموضعين.
أقول: لا يخفى أن روايات هذا الباب و منها ما تقدم قريبا في سابق هذه المسألة مطلقة بالنسبة إلى الفدية لا تعرض في شيء منها بتصريح و لا إشارة إلى ما ذكروه من اشتراط ما يشترط في البيع و المعاوضات في الخلع، و غاية ما يفهم منها أن كلما تراضيا عليه من المال و نحوه صح به الخلع معلوما كان في نفسه أو مجهولا. نعم لا بد من أن يكون متفقا عليه بينهما معلوما لكل منهما ليقع الرضا به و أن لا يكون مما يتعقبه الخلاف و النزاع، ففي بعض أخبار المسألة زيادة على ما تقدم «حل له أن يأخذ منها ما وجد» و في آخر «فقد طاب له ما أخذ منها» و في ثالث «حل له أن يأخذ منها جميع ما أعطاها، و كلما قدر عليه مما تعطيه من مالها» الحديث.
و الجميع كما ترى ظاهر فيما قلناه واضح فيما ادعيناه، فعلى هذا لا إشكال في صحة الخلع على الأشياء المشاهدة المشار إليها كهذا العبد و هذا الثوب و هذه الصبرة من الحنطة أو الشعير و نحو ذلك مما لم يعلم قدره بالجملة، و كذا يجوز على ما في الذمة من مهر و غيره إذا تراضيا به معلوما كان مقداره أو مجهولا.
إلحاق
لو بذلت له مائة درهم أو مائة دينار و لم تكن حاضرة مشارا إليها انصرف ذلك إلى الرائج من نقد تلك البلد في ذلك الوقت إن اتحد، و إن تعدد فإن كان
590
ثمة نقد غالب حمل عليه، لأن المعاملات تنزل على النقد الغالب، و الخلع مما يرجع إلى المال كسائر المعاملات، و لا فرق في الغالب بين كونه ناقص الوزن عن الدراهم الشرعية أو زائدة، و لا بين كونه مغشوشا أو خالصا، و لو تعدد و لم يكن فيها غالب وجب التعيين و بطل الإطلاق كغيره من المعاوضات لاستحالة الترجيح من غير مرجح، و لو كان هناك نقد غالب أو نقد متحد فعينا غيره و تراضيا عليه صح، لأن المرجع في ذلك إليهما كما لو بذلت غير النقد، كذا صرح به في المسالك، و هو جيد لأن المرجع في البذل إلى ما تراضيا عليه، و أن يكون معلوما على وجه لا يتطرق إليه النزاع بعد ذلك، و لا يتحقق فيه الاختلاف بينهما.
الثالثة: لو وقع الخلع على ما لا يملكه المسلم
كالخمر و الخنزير و علم الزوج بذلك فالظاهر أنه لا خلاف في بطلان الخلع، لأن من شرط الفدية أن يكون مالا مملوكا للمرأة، قالوا: لأنه عوض عن حق البضع فلا بد من صلاحيته للمعاوضة و الأظهر الاستدلال بما تقدم في الأخبار من كونه من مالها كما تكاثرت الدلالة عليه، و ما عللوه به يكون وجها للنص.
إنما الخلاف في وقوعه طلاقا رجعيا و به قال الشيخ في المبسوط لاشتماله على أمرين الطلاق و العوض، فإذا بطل أحدهما بقي الآخر كما لو لو اختل أحد الشرائط.
و فصل المحقق (1) فقال: إن ما ذكره الشيخ حق إن اتبع بالطلاق، و إلا كان البطلان أحق، انتهى.
و توضيحه على ما ذكره في المسالك: إنه مع الاقتصار على الخلع و عدمه الاتباع بالطلاق لا يتحقق صحة الطلاق مع فساد العوض لأن الخلع الذي يقوم
____________
(1) أقول: و بما ذكره المحقق- (قدس سره)- هنا من التفصيل صرح العلامة- (قدس سره)- في القواعد، و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين. (منه- (قدس سره)-).
591
مقام الطلاق أو هو الطلاق ليس إلا اللفظ الدال على الإبانة بالعوض، فبدونه لا يكون خلعا، فلا يتحقق رفع الزوجية بائنا و لا رجعيا، و إنما يتم إذا أتبعه بالطلاق ليكونا أمرين متغايرين لا يلزم من فساد أحدهما فساد الآخر، فيفسد حينئذ الخلع لفوات العوض و يبقى الطلاق المتعقب له رجعيا لبطلان العوض الموجب لكونه بائنا، قال: و هذا أقوى.
أقول: و فيه أن ما اختاره هنا من صحة الطلاق رجعيا ينافي ما صرح به في غير موضع مما تقدم من أن العقد المشتمل على شرط فاسد يجب أن يكون باطلا، لأن الواقع غير مقصود، و العقود بالقصود، و ما قصد غير واقع، فإنه آت في هذا المقام، إذ القصد هنا إنما توجه إلى الخلع بهذا البذل و البينونة به و لم يتعلق بمجرد الطلاق الرجعي، فالطلاق الرجعي غير مقصود، و المقصود و هو البائن غير صحيح و لا واقع لعدم البذل، فإن وجوده هنا كعدمه. و من هنا ينقدح قول ثالث و هو البطلان مطلقا. هذا إذا كان عالما كما تقدمت الإشارة إليه.
أما لو كان جاهلا بعدم ماليته كما لو ظنه خلا فبان خمرا، أو ظنه عبدا فظهر حرا، فظاهر الأصحاب كما صرح به المحقق في الشرائع و العلامة في القواعد هو صحة الخلع و كان له بقدر الخمر خلا كما لو أمهرها ذلك فظهر كونه كذلك.
و علله في المسالك قال: لأن تراضيهما على المقدار من الجزئي المعين الذي يظنان كونه متمولا يقتضي الرضا بالكلي المنطبق عليه، لأن الجزئي مستلزم له فالرضا به يستلزم الرضا بالكلي، فإذا فات الجزئي لمانع عدم صلاحيته للملك بقي الكلي و لأنه أقرب إلى المعقود عليه.
ثم قال: و لم ينقلوا هنا قولا في فساده و لا في وجوب قيمته عند مستحليه كما ذكروه في المهر مع أن الاحتمال قائم فيه.
أما (الأول) فلفقد شرط صحته و هو كونه مملوكا و الجهل به لا يقتضي الصحة، كما لو تبين فقد شرط في بعض أركان العقد.
592
و أما (الثاني) فلأن قيمة الشيء أقرب إليه عند تعذره، و لأن المقصود من العين ماليته، فمع تعذرها يصار إلى القيمة لأنه لا مثل له في شرع الإسلام، فكان كتعذر المثل في المثلي حيث يجب، فإنه ينتقل إلى قيمته، و لو ظهر مستحقا لغيره فالحكم فيه مع العلم و الجهل كما فصل، انتهى.
أقول: و المسألة من أصلها غير خالية من شوب الاشكال لعدم النص الواضح في هذا المجال، و بناء الأحكام الشرعية على هذه التعليلات العقلية و إن اشتهر بينهم، إلا أنه محض مجازفة في أحكامه سبحانه التي استفاضت الآيات و الروايات بالعلم فيها من الكتاب العزيز أو السنة المطهرة سيما مع تعارض التعليلات المذكورة و قد تقدم في بحث المهور نقل الخلاف في صحة العقد على هذه الأشياء و بطلانه و أنه على تقدير القول بالصحة فما الواجب عوض هذه الأشياء؟ على أقوال ثلاثة و ليس لهم في هذه المقالة إلا مجرد العلل الاعتبارية، فكل من ذهب منهم إلى قول علله بوجه اعتباري كما هنا، و الحكم عندي في الجميع مرجوع إلى صاحب الأمر (صلوات الله عليه و على آبائه الطاهرين)، و إنما نقلت مثل ذلك هنا و في غير هذه المواضع للوقوف على مذاهب الأصحاب و احتجاجاتهم في هذه الأبواب.
الرابعة [في حكم بذل الفدية من الضامن المتبرع]
لا خلاف في صحة بذل الفدية من المرأة فإنه مورد الآية و الأخبار و مثلها و كيلها الباذل لذلك من مالها لرجوع ذلك بالأخرة إليها، و لدخوله تحت الآية، أعني قوله «فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» (1) و بذل وكيلها من مالها بإذنها في معنى بذلها.
و ألحق في المسالك بالوكيل الضامن له بإذنها من ماله ليرجع به عليها، قال بعد ذكر الوكيل: و كذا بذله ممن يضمن في ذمته بإذنها، فيقول للزوج طلق زوجتك على مائة و علي ضمانها، و الفرق بينه و بين الوكيل أن الوكيل يبذله من مالها بإذنها، و هذا يبذل من ماله بإذنها ليرجع عليها بما يبذله بعد ذلك، فهو في
____________
(1) سورة البقرة- آية 228.
593
معنى الوكيل الذي يدفع العوض عن الموكل من ماله ليرجع إليه، فدفعه له بمنزلة إقراضه لها، و إن كان بصورة الضمان، انتهى.
أقول: و يعتريني في هذه الصورة المذكورة إشكال من استفاضة الأخبار بكون البذل من مالها، ففي موثقة سماعة المتقدمة «و يأخذ من مالها ما قدر عليه»
و في صحيحة عبد الله بن سنان المنقولة في تفسير الثقة الجليل علي بن إبراهيم «فقد حل له أن يأخذ منها جميع ما أعطاها، و كلما قدر عليه مما تعطيه من مالها» الحديث.
و في جملة من الأخبار «حل له ما أخذ منها» و نحو ذلك مما يدل صريحا على أن المأخوذ من مال الزوجة، و القول بذلك في الوكيل إنما هو من حيث كون المدفوع من مالها بإذنها و إن اختلف الدافع.
أما في صورة الدفع من ماله و إن كان بقصد الرجوع عليها فإنه لا يدخل تحت هذه الأخبار إلا بنوع تكلف و اعتبار، و الأصل بقاء الزوجية و العصمة فيها و من الجائز أن يكون لمالها خصوصية في ذلك دون مال غيرها و إن رجع به عليها.
و بالجملة فالقول بذلك غير خال من وصمة الاشكال لخروجه عما صرحت به نصوص المسألة، و كيف كان فالصورتان الأولتان مما لا خلاف فيهما و لا إشكال.
إنما الخلاف في صحته من المتبرع بالبذل من ماله، بأن يقول للزوج:
طلق امرأتك بمائه من مالي بحيث يكون عوضا للخلع، و الأشهر الأظهر العدم، لأن الأصل بقاء النكاح حتى يعلم المزيل شرعا و ليس فليس.
و أنت خبير بأنه لا فرق بين هذه الصورة و الصورة الملحقة سابقا إلا في الرجوع بعد الدفع كما في الاولى و عدمه كما في الثانية، و إلا فالبذل في كلتا الصورتين إنما هو من مال الباذل.
و رد هذه الصورة- بأصالة بقاء النكاح حتى يعلم المزيل و لم يعلم كون الدفع من مال الباذل مع عدم الرجوع به مزيلا للنكاح، لعدم وجود ذلك في أدلة المسألة- جار أيضا في الصورة الملحقة، فإن أصالة النكاح ثابتة، و الدفع من مال
594
أجنبي غير رافع للنكاح و إن كان بنية الرجوع، لما عرفت من اختصاص النصوص بكون المدفوع من مالها.
و مما يؤيد ما ذكرناه من عدم صحة هاتين الصورتين الأخبار الدالة على جواز رجوعها فيما بذلته، و أن للزوج الرجوع فيها، فإن ظاهرها اختصاص الرجوع بما بذلته، و هي في هاتين الصورتين لم تبذل شيئا، و إنما بذله ذلك الأجنبي، غاية الأمر أن في إحداهما على وجه الرجوع و أنه يكون قرضا عليها، و هذا لا يصدق به الرجوع فيما بذلته إلا بنوع من التأويل و التكلف البعيد.
و يؤيد ما ذكرناه أيضا ظاهر الآية- أعني قوله «فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ»- و هي في هاتين الصورتين لم تفتد بشيء، و إنما فداها الأجنبي و بموجب ظاهر الآية لا تحل الفدية للزوج لبقائه تحت الجناح بحيث إنها لم تفتد، و الجناح إنما ارتفعت عما افتدت به دون ما فداها الغير إلا بارتكاب التأويلات البعيدة و التكلفات الغير السديدة.
و بالجملة فالحكم المذكور غير خال عندي من الاشكال، و ذكر جملة من الأصحاب أن المخالف في هذه المسألة من أصحابنا غير معلوم على التعيين، إلا أنه مذهب جمهور الجمهور، و ربما علل بأن البذل افتداء، و هو جائز من الأجنبي كما تقع الجعالة منه على الفعل لغيره و إن كان طلاقا.
ورد بأن البذل المتنازع في صحة ما اقتضى جعل الطلاق معه خلعا لتترتب عليه أحكامه المخصوصة لا مجرد بذل المال في مقابلة الفعل على وجه الجعالة، كأن يقول: طلق زوجتك و علي ألف من مالي مثلا، فإن الفرض هنا صحة وقوع الطلاق، و لا مانع من صحته و لا من صحة الجعالة عليه، لكن لا يشترط هنا في إجابته المقارنة لسؤاله و لا الفورية، و يكون الطلاق رجعيا من هذه الجهة، انتهى و هو جيد. و كيف كان فضعف القول المذكور أظهر من أن يخفى.
قيل: و لو قلنا بصحة الخلع الواقع مع بذل الأجنبي فهل للأجنبي أن يرجع
595
بالبذل ما دامت في العدة؟ يحتمل ذلك كما في بذل الزوجة، و يحتمل قويا عدم جواز الرجوع هنا مطلقا، اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع اليقين و هو رجوع الزوجة فيما بذلته خاصة.
أقول: و حيث علم أن أصل القول المذكور لا وجه له و لا دليل عليه، فالتفريع عليه مما لا وجه له و لا سبيل إليه.
و في هذا المقام جملة من الفروع ذكرها الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- أعرضنا عن ذكرها لعدم النصوص الدالة عليها و عدم الاعتماد عندنا على هذه التعليلات الاعتبارية، فذكرها مجرد تطويل بغير طائل فليرجع إليها من أحب الوقوف عليها في مطولات الأصحاب، و الله العالم (1).
المقام الثالث في الشرائط:
و هي إما أن تتعلق بالخالع أو المختلعة أو تكون خارجة عنهما، فهنا مواضع ثلاثة:
الأول: ما يتعلق بالخالع
، و يشترط فيه البلوغ و كما العقل و الاختيار و القصد، و الوجه في ذلك أن الخلع طلاق كما تقدمت الإشارة إليه، فيشترط في الخالع ما يشترط في المطلق، و قد تقدم تحقيق القول في هذه الشروط في كتاب الطلاق فلا وجه لإعادة الكلام فيها.
قالوا: و لو خالع ولي الطفل، فإن جعلنا الخلع طلاقا أو مفتقرا إلى أن يتبع بالطلاق لم يصح مطلقا لما تقدم من أنه ليس للولي أن يطلق عن الصبي و إن وجد مصلحة، و إن جعلناه فسخا كما هو القول الآخر صح، و روعي في صحته المصلحة، لأنه حينئذ بمنزلة المعاوضة عنه و هي جائزة مع المصلحة، فلا فرق حينئذ بين خلعه بمهر المثل أو أقل، لأن المصلحة هي المسوغة للفعل.
الثاني: ما يتعلق بالمختلعة
، و يشترط فيها مع الدخول بها أن تكون في
____________
(1) الكافي ج 6 ص 143 ح 10، الوسائل ج 15 ص 497 ب 6 ح 3.
596
طهر لم يقربها فيه إذا كان زوجها حاضرا و كان مثلها تحيض، و أن تكون الكراهة منها خاصة.
أما (الأول) فلما تقدم تحقيقه في كتاب الطلاق، لأن الخلع طلاق كما عرفت، و قد تقدم اشتراط ذلك فيه موضحا فيشترط هنا أيضا، و يرجع في توضيحه إلى ما تقدم، قالوا: و يشترط فيه ذلك و إن قلنا بكونه فسخا لدلالة الأخبار على أنه لا يكون خلع إلا على طهر.
أقول: و التحقيق أن ذكر هذا القول- أعني القول بكون الخلع فسخا- لا وجه له في هذه المواضع و لا التفريع عليه لما تقدم من بيان ضعفه، و ظهور الأخبار الصحاح الصراح في رده و تصريح الأخبار هنا باشتراط كون الخلع على طهر إنما خرج بناء على تلك الأخبار الدالة على كونه طلاقا لا فسخا.
و من الأخبار الدالة على اشتراط كونه على طهر ما رواه
الكليني (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا طلاق و لا خلع و لا مباراة و لا خيار إلا على طهر من غير جماع».
و ما رواه
الكليني (2) أيضا في الصحيح عن محمد بن إسماعيل قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة تبارئ زوجها أو تختلع منه بشاهدين على طهر من غير جماع، هل تبين منه؟ فقال: إذا كان ذلك على ما ذكرت فنعم».
و ما رواه
في التهذيب (3) عن محمد بن إسماعيل بن بزيع في الصحيح قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة تبارئ زوجها أو تختلع منه بشهادة شاهدين على طهر من غير جماع، هل تبين منه بذلك؟ أو هي امرأته ما لم يتبعها بالطلاق.
فقال: تبين منه» الحديث.
و قد تقدم في الأخبار الدالة على أن الخلع لا يتبع بالطلاق و ما رواه
في الكافي (4) عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال: «سألت
____________
(1) الكافي ج 6 ص 143 ح 10، الوسائل ج 15 ص 497 ب 6 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 143 ح 7.
(3) التهذيب ج 8 ص 98 ح 11، الوسائل ج 15 ص 492 ب 3 ح 9.
(4) الكافي ج 6 ص 143 ح 8، الوسائل ج 15 ص 496 ب 6 ح 1.
597
أبا عبد الله (عليه السلام): هل يكون خلع أو مباراة إلا بطهر؟ فقال: لا يكون إلا بطهر».
و ما رواه
في التهذيب (1) عن محمد بن مسلم و أبي بصير في الموثق «قالا: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا اختلاع إلا على طهر من غير جماع».
و عن زرارة و محمد بن مسلم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الخلع تطليقة بائنة و ليس فيه رجعة، قال زرارة: لا يكون إلا على مثل موضع الطلاق، إما طاهرا و إما حاملا بشهود».
و عن ابن رئاب (3) قال: «سمعت حمران يروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
لا يكون خلع و لا تخيير و لا مباراة إلا على طهر من المرأة من غير جماع» الحديث،.
و سيأتي تمامه قريبا إن شاء الله تعالى.
و أما (الثاني) و هو كون الكراهة منها خاصة فلما استفاض في الأخبار من أنها لا تختلع حتى تقول تلك الأقوال المحرمة الدالة على كمال كراهتها و نفرتها من زوجها.
و منها زيادة على ما تقدم ما رواه
في الكافي و الفقيه (4) في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المختلعة لا يحل خلعها حتى تقول لزوجها: و الله لا أبر لك قسما و لا أطيع لك أمرا و لا أغتسل لك من جنابة، و لأوطئن فراشك من تكرهه و لآذنن عليك بغير إذنك، و قد كان الناس يرخصون فيما دون هذا، فإذا قالت المرأة ذلك لزوجها حل له ما أخذ منها، و كانت عنده على تطليقتين باقيتين، و كان الخلع تطليقة، و قال: يكون الكلام من عندها».
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 100 ح 15، الوسائل ج 15 ص 497 ب 6 ح 5.
(2) التهذيب ج 8 ص 100 ح 17، الوسائل ج 15 ص 497 ب 6 ح 6.
(3) التهذيب ج 8 ص 100 ح 13، الوسائل ج 15 ص 497 ب 6 ح 4.
(4) الكافي ج 6 ص 139 ح 1، الفقيه ج 3 ص 338 ح 2، التهذيب ج 8 ص 95 ح 1، الوسائل ج 15 ص 487 ب 1 ح 3 و ما في الفقيه و الوسائل اختلاف يسير.
598
و ما رواه
في الكافي (1) عن سماعة في الموثق قال: «سألته عن المختلعة فقال:
لا يحل لزوجها أن يختلعها حتى تقول: لا أبر لك قسما و لا أقيم حدود الله فيك و لا أغتسل لك من جنابة و لأوطئن فراشك و لأدخلن بيتك من تكره من غير أن تعلم هذا و لا يتكلمونهم، و تكون هي التي تقول ذلك، فإذا هي اختلعت فهي بائن و له أن يأخذ من مالها ما قدر عليه» الحديث.
و ما رواه
في الكافي (2) عن محمد بن مسلم في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المختلعة التي تقول زوجها: اخلعني و أنا أعطيك ما أخذت منك، فقال:
لا يحل له أن يأخذ منها شيئا حتى تقول: و الله لا أبر لك قسما و لا أطيع لك أمرا و لآذنن في بيتك بغير إذنك و لأوطئن فراشك غيرك، فإذا فعلت ذلك من غير أن يعلمها حل له ما أخذ منها، و كانت تطليقة بغير طلاق يتبعها، و كانت بائنا بذلك، و كان خاطبا من الخطاب».
إلى غير ذلك من الأخبار الجارية على هذا المنوال في اشتراط مشروعية الخلع بأمثال هذه الأقوال، و هو في غاية الاشكال و الإعضال.
و بظاهر هذه الأخبار و ما دلت عليه من هذا الاشتراط أفتى الشيخ و غيره من المتقدمين حتى قال ابن إدريس في كتابه: إن إجماع أصحابنا منعقد على أنه لا يجوز الخلع إلا بعد أن يسمع منها ما لا يحل ذكره من قولها: لا أغتسل لك من جنابة و لا أقيم لك حدودا و لأوطئن فراشك من تكرهه، و يعلم ذلك فعلا، انتهى.
و يشكل ذلك بما لو لم تنته الكراهة إلى هذا المقدار، فإنه بموجب هذه
____________
(1) الكافي ج 6 ص 140 ح 2، التهذيب ج 8 ص 95 ح 2، الوسائل ج 15 ص 488 ب 1 ح 5.
(2) الكافي ج 6 ص 140 ح 3، التهذيب ج 8 ص 95 ح 3، و فيه اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 488 ب 1 ح 4.
599
الأخبار لا يجوز خلعها، بل أن الذي شاهدناه من مشايخنا (1) بل هو ظاهر متأخري أصحابنا هو الاكتفاء بما هو دون هذه المرتبة. (2)
و يشكل أيضا بما لو لم تقل أمثال هذه الأقوال، فإن النصوص على كثرتها متفقة على أنه لا يحل أخذ شيء منها، و لا يصلح خلعها حتى تقول ذلك، حتى أنها دلت على أنه لا بد أن تكون تلك الأقوال منها دون أن يعلمها غيرها، و المفهوم من كلام متأخري الأصحاب عدم اشتراط ذلك لأنهم جعلوا مناط الخلع حصول الكراهة منها، و لم يشترط أحد منهم الإتيان بهذه الأقوال بالفعل، بل كلما دل على الكراهة من لفظ أو فعل أو نحو ذلك فهو كاف في صحة الخلع و ترتيب أحكامه عليه.
و لم أقف على من تنبيه لهذين الإشكالين في المقام إلا السيد السند في شرح النافع، فإنه تنبه للإشكال الأول منهما، فقال بعد نقل كلام ابن إدريس المذكور:
و على هذا فيشكل وقوع الخلع في كثير الموارد إذا لم يعلم وصول الكراهة من الزوجة إلى هذا الحد. انتهى، و قد غفل عن الإشكال الثاني مع أنه أشد و أعضل، فإن كثيرا من النساء و إن كرهن كراهة تامة إلا أنهن لا يهتدين إلى هذه الأقوال و لا أمثالها، و النصوص كما ترى ظاهرة في اشتراطها و كذا ظاهر كلام ابن إدريس.
____________
(1) حيث انهم قد صرحوا بأنه لو منعها شيئا من حقوقها الواجبة كالقسمة و النفقة فبذلت له مالا ليخلع صح خلعها، و ان فعل محرما الا أنه منفك عن الخلع، و كذا لو أغارها و تزوج عليها فبذلت له مالا للخلع منه فإنه يصح خلعها، و من المعلوم أن الكراهة الحاصلة بهذه الأمور لا تبلغ الى تلك المرتبة المذكورة في الاخبار كما هو ظاهر. (منه- (قدس سره)-).
(2) قال بعض مشايخنا- (رضوان الله عليهم)-: أى كان عمل فقهاء الصحابة و التابعين الرخصة في الخلع أو في الأخذ منها زائدا على ما أعطيت بأقل من هذا النشوز و هذه الأقوال، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
600
و بالجملة فالمسألة عندي غير خالية من شوب الاشكال، و حيث قد عرفت أن الخلع طلاق كما دلت عليه النصوص المتقدمة و إن لم يتبع بالطلاق، فاللازم من ذلك هو لحوق أحكام الطلاق له، و قد تقدم في كتاب الطلاق جواز طلاق الحامل في الدم إن قلنا بأنها تحيض، و كذا طلاق التي لم يدخل بها و إن كانت في الحيض و كذا اليائسة و إن وطأها في طهر المخلعة، و حينئذ يصح خلع هؤلاء الثلاث في المواضع الثلاثة كما يصح طلاقهن، و نقل عن بعض أصحابنا أنه حكم بعدم جواز خلع الحامل إن قلنا إنها تحيض إلا في طهر آخر غير طهر المواقعة بخلاف الطلاق.
قال في شرح النافع بعد نقل هذا القول: و هو مجهول القائل و المأخذ، أقول:
و ضعفه ظاهر مما قدمناه.
الثالث: ما هو خارج عن الأولين
، و منه الاشهاد، فيتبعه في صحة الخلع حضور شاهدين عدلين، و قد تقدم في الأخبار قريبا ما يدل عليه.
و يدل عليه أيضا ما رواه
الشيخ (1) عن علي بن رئاب قال: «سمعت حمران يروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا يكون خلع و لا تخيير و لا مباراة إلا على طهر من غير جماع و بشاهدين يعرفان الرجل و يريان المرأة و يحضران التخيير و إقرار المرأة على أنها على طهر من غير جماع يوم خيرها، قال: فقال محمد بن مسلم: أصلحك الله ما إقرار المرأة ها هنا؟ قال: قال: يشهد الشاهدان عليها بذلك للرجل حذرا أن تأتي بعد فتدعي أنه خيرها، و هي طامث فيشهدان عليها بما سمعا منها و إنما يقع عليها الطلاق إذا اختارت نفسها قبل أن تقوم. و أما الخلع و المبارأة فإنه يلزمها إذا أشهدت على نفسها بالرضا فيما بينها و بين زوجها بما يفترقان عليه في ذلك المجلس، فإذا افترقا على شيء و رضيا به كان ذلك جائزا عليهما، و كانت تطليقة بائنة لا رجعة له عليها سمي طلاقا أو لم يسم، و لا ميراث بينهما في
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 99 ح 13، الوسائل ج 15 ص 497 ب 6 ح 4 و فيه اختلاف يسير.
601
العدة، قال: و الطلاق و التخيير من قبل الرجل، و الخلع و المبارأة يكون من قبل المرأة».
أقول: ما دل عليه هذا الخبر من اشتراط معرفة الشاهدين للرجل و المرأة بمعنى العلم بهما لم أقف على من صرح به إلا السيد السند في شرح النافع، و قد تقدم الكلام معه في هذه المسألة في الركن الرابع في الاشهاد من كتاب الطلاق، و ظاهر الخبر المذكور مؤيد لما قدمنا ذكره من عدم اشتراط صيغة خاصة للخلع أو المبارأة، بل كلما دل على الرضا بهما من الألفاظ الجارية بينهما فهو كاف في صحة الخلع و ترتب أحكامه عليه، فإنه ينادي بظاهره أنهما إذا تراضيا على شيء و افترقا عليه من ذلك المجلس و كان ذلك التراضي بحضور الشاهدين مع استكمال باقي الشرائط فإنه يكون خلعا، و هذا نحو ما وقع في خبر جميل المتقدم ذكره.
و منه ما ذكروه من أنه يشترط تجريده من الشرط، و المراد الشرط الذي لا يقتضيه العقد، أما لو اقتضاه كما لو اشترط الرجوع إن رجعت في البذل فإنه لا بأس به، بل اشتراطه في التحقيق كلا اشتراط. فإن هذا الحكم ثابت له اشتراط أو لم يشترط.
أما ما لا يقتضيه العقد فظاهر السيد السند في شرح النافع (1) نقل الاتفاق على عدم جواز اشتراطه، قال: و يدل عليه أصالة عدم البينونة مع الخلع المعلق على الشرط السالمة عما يخرج عنه.
أقول: لا يخفى ما في هذا التعليل العليل من الوهن سيما مع معارضته بعموم ما دل على مشروعية الخلع الشامل لما كان مشروطا أو غير مشروط، و الكلام في هذه المسألة يجري على ما تقدم في كتاب الطلاق من أنه يشترط تجريد الطلاق
____________
(1) قال- (قدس سره)-: و أما أنه يعتبر فيه تجرده من الشرط الذي لا يقتضيه العقد فمقطوع به في كلام الأصحاب، و ظاهرهم أنه موضع وفاق، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
602
من الشرط، و ظاهرهم الاتفاق على الحكم المذكور في الموضعين، و هو الحجة عندهم، و إلا فما ذكر من التعليلات في كل من الموضعين عليلة لا يصلح لتأسيس حكم شرعي.
و ظاهر جملة من الأصحاب و منهم شيخنا في المسالك التوقف في الحكم المذكور في الطلاق، و قد تقدم البحث فيه مستوفى، و هو الظاهر منه أيضا في هذه المسألة حيث قال: الكلام في اشتراط تجريده عن الشرط كالكلام في الطلاق من أنه مذهب الأصحاب، و دليله غير صالح، و عموم الأدلة الدالة على مشروعيته يتناول المشروط و ورود النص بجواز تعليق الظهار على الشرط يؤنس بكونه غير مناف للصحة في الجملة، إلا أن الخلاف هنا غير متحقق، فإن تم فهو الدليل، انتهى.
أقول: و يؤيد الصحة مع الشرط عموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالشرط (1)
«و أن المؤمنين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو حلل حراما».
و بالجملة فالمسألة محل توقف، و الاحتياط يقتضي الوقوف على القول المشهور، و الله العالم.
و من الشروط المقتضية لبطلان العقد عند الأصحاب و هي التي ليست من مقتضيات العقد ما لو قال: خالعتك إن شئت، فإنه لا يصح و إن شاءت لأنه شرط ليس من مقتضى العقد، و كذا لو قال: إن ضمنت لي ألفا أو إن أعطيتني أو نحو ذلك، و كذا: متى أو مهما أو أي وقت أو أي حين، قالوا: و ضابطه أن يكون أمرا متوقعا بعد الصيغة علقت عليه يمكن وجوده و عدمه، و الله العالم.
المقام الرابع في الأحكام:
و فيه مسائل
الاولى [لو أكرهها على الفدية]
قالوا: لو أكرهها على الفدية فعل حراما، و لو طلق به صح الطلاق و لم تسلم له الفدية و كان له الرجعة.
أقول: هذا الكلام يتضمن حكمين: (أولهما) أنه بإكراهه لها على الفدية
____________
(1) التهذيب ج 7 ص 467 ح 80، الوسائل ج 12 ص 353 ب 6 ح 5 و فيهما اختلاف يسير.
603
فعل محرما و لا يملك الفدية، و الوجه فيه ظاهر لقيام الأدلة العقلية و النقلية بأنه
«لا يحل مال امرئ إلا بإذنه».
و يتحقق الإكراه عليها بتوعده إياها بما لا تحتمله أو لا يليق بحالها من ضرب و شتم و نحوهما، لا بالتقصير في حقوقها الواجبة من النفقة و القسم فتعتدي منه لذلك فإنه لا يعد إكراها، لأنه ربما يكون الحامل عليه ضعف دينه و حرصه على المال. نعم لو ظهر لها أنه إنما فعل ذلك لتفتدي منه فهو إكراه لصدق تعريفه عليه، و قد تقدم في بحث الشقاق من كتاب النكاح ما يشير إليه.
و (ثانيهما) أنه حيث يتحقق الإكراه على البذل فإن كان الواقع طلاقا كما ذكروه و يكون من قبيل الطلاق بعوض صح الطلاق خاصة و فسد البذل لعدم صحة كونه عوضا و كان له الرجعة كما في سائر أفراد الطلاق، و يحتمل بطلان الطلاق لعدم توجه القصد إليه إلا بالفدية و هي باطلة، فما قصد غير صحيح، و ما هو صحيح لم يتوجه إليه قصد، و قد تقرر أن العقود بالقصود.
و إن كان الواقع خلعا و إن لم يتعرض له في العبارة المتقدمة كان باطلا، و إن قلنا إنه طلاق فلا يكون رجعيا لأن ماهيته لا تتحقق بدون صحة البذل عند الأصحاب.
الثانية [في ما لو خلعها و الأخلاق ملتئمة]
قد صرحوا- (رضوان الله عليهم)- بأنه لو خلعها و الأخلاق ملتئمة لم يصح الخلع و لم يملك الفدية، و لو طلقها و الحال هذه بعوض صح الطلاق، و لا يملك العوض و له الرجعة.
أقول: أما عدم صحة الخلع في هذه الحال فظاهر، لأن من شروطها وقوع الكراهة، و الفرض أنه لا كراهة كما هو المراد من التئام الأخلاق، و إذا لم يصح الخلع لم يملك الفدية، ثم إنه لا يخفى أن التعبير بالتئام الأخلاق هنا عن عدم الكراهة الموجبة لصحة الخلع إنما خرج مخرج الغالب، و ذلك فإن الكراهة أمر نفسي يمكن مجامعتها لالتئام الأخلاق، فيمكن أن تكرهه و تحسن السلوك
604
معه امتثالا للأوامر الشرعية، و القيام بما هو الواجب عليها من حقوقه، و لكن لما كان ذلك على خلاف الغالب و الطريقة الجارية بين الناس لم يلتفت إليه الأصحاب و بنوا الأمر على الغالب، و في كلام العقلاء و الظاهر أنه في بعض الأخبار
«ما أضمر أحدكم شيئا إلا أظهره الله تعالى على صفحات وجهه و فلتأت لسانه».
و في المقام حكاية يناسب ذكرها و هو أن رجلا مرض مرضا شديدا، و كان له زوجة تقوم عليه و تخدمه خدمة فائقة لم ير مثلها في الأزواج، فلما من الله عليه بالصحة قال لزوجته: إن لك علي حقا من أعظم الحقوق أحب أن أكافيك به و اجازيك عليه، و هو أنك قد خدمتني سيما في هذا المرض خدمة زائدة، فاطلبي ما تريدين، فإنه لا بد لي من مكافاتك، فقالت له: إله عن هذا، فإني لا أطلب شيئا، فألح عليها و أكد تمام التأكيد بحيث إنها لم تجد دفعا له، فقالت إن كان و لا بد فإني أطلب الطلاق منك، فتعجب الرجل غاية العجب، و قال:
إنك بهذه المحبة التي تظهر منك بهذه الخدمة العظيمة في الصحة و المرض كيف تطلبين الطلاق؟ فقالت: اعلم إني منذ تزوجت بك فإني كارهة لك تمام الكراهة و إنما كانت هذه الخدمة مني امتثالا لأمر الله سبحانه في القيام بما أوجبه علي من حقوقك، و الظاهر أن الرجل أجابها إلى الطلاق بعد ذلك.
ثم إن ما ذكروه من قولهم «و لو طلق صح الطلاق. إلخ» فالمراد أنه لو لم يقع بلفظ الخلع و إنما وقع بلفظ الطلاق بعوض فإن الطلاق يكون صحيحا، و لكنه يصير رجعيا لا بائنا، و لم تسلم له الفدية لما عرفت من الأخبار المتكاثرة المتقدمة من أن الفدية لا تحل إلا بتلك الأقوال المنكرة التي هي كناية عن مزيد الكراهة، و المفروض هنا أن الأخلاق ملتئمة، هذا هو المشهور، و قيل:
بالبطلان، و قد تقدم الكلام في ذلك في آخر الموضع الرابع من المقام الأول في الصيغة، و يأتي على ما ذهب إليه شيخنا الشهيد الثاني كما قدمنا البحث فيه معه في الموضع المذكور أنه يقع الطلاق هنا موقع الخلع و يترتب عليه ما يترتب على
605
البينونة و استحقاق البذل و نحو ذلك، و قد عرفت ما فيه.
الثالثة [في حكم عضلها إذا أتت بفاحشة مبينة لتفتدي نفسها]
قد صرحوا- (رضوان الله عليهم)- بأنه يجوز عضلها إذا أتت بالفاحشة لتفتدي نفسها، و قيل: بأنه منسوخ و الأكثر على العدم.
أقول: الأصل في هذا الحكم قوله عز و جل «وَ لٰا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مٰا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلّٰا أَنْ يَأْتِينَ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» (1) و العضل لغة المنع و التضييق، و المراد هنا التضييق بالمنع من التزويج و سوء العشرة معها لتفتدى منه.
قال في المسالك: و اختلف في الفاحشة المستثناة بسببها، فقيل: هو الزنا، و قيل: ما يوجب الحد مطلقا، و قيل: كل معصية، و كون الحكم على خلاف الأصل ينبغي معه الاقتصار على محل الوفاق، و هو الأول لأنه ثابت على جميع الأقوال، انتهى.
أقول: أما الفاحشة الموجبة لإخراج الزوجة المذكورة في قوله عز و جل «لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لٰا يَخْرُجْنَ إِلّٰا أَنْ يَأْتِينَ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» (2) فقد تقدم (3) ذكر الخلاف فيها، و الأخبار المتعلقة بها و أكثر الأخبار على أن المراد منها إيذاء أهلها و سوء خلقها معهم، و في رواية الزنا، و في ثالثة أنها السحق لا الزنا و أما الفاحشة في هذه الآية فلم أقف على اختلاف الأقوال فيها إلا فيما ذكره هنا و من المحتمل قريبا أنه بنى على تلك الأقوال التي تقدمت في تلك الآية.
و أما ما يتعلق بهذه الآية من الأخبار فلم أقف فيه إلا على ما ذكره أمين الإسلام الطبرسي- طيب الله مرقده- في كتاب مجمع البيان (4) حيث قال:
____________
(1) سورة النساء- آية 19.
(2) سورة الطلاق- آية 1.
(3) تقدم ذلك في المسألة الاولى من المقام الثاني في اللواحق و هو آخر كتاب الطلاق. (منه- (قدس سره)-). و الصحيح هو المقام الثامن راجع ص 523 من هذا الجزء.
(4) مجمع البيان ج 3 ص 24.
606
«إِلّٰا أَنْ يَأْتِينَ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» أي ظاهرة: و قيل: فيه قولان (أحدهما) يعني إلا أن يزنين، عن الحسن و أبي قلابة و السندي و قالوا: إذا اطلع منها على زينة فله أخذ الفدية. (و الآخر) أن الفاحشة النشوز، عن ابن عباس، و الأولى حمل الآية على كل معصية، و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و اختاره الطبري، انتهى.
و ليس في المقام غير هذه الرواية فيتعين الحمل عليها، إلا أنه من المحتمل قريبا تفسير الفاحشة هنا أيضا بما دلت عليه تلك الأخبار المتقدمة من تلك الأقوال القبيحة التي إذا قالتها المرأة حل له ما أخذه منها و حل له خلعها، و لكن هذا في الحقيقة يرجع إلى ما دل عليه الخبر المتقدم من أنها كل معصية، فإنه أحد أفراد المعاصي فلا يكون خارجا عنه.
و بما ذكرنا يظهر لك ما في كلامه- (قدس سره)- من الإشكال، فإن العمل في تفسير الآية و بناء الأحكام الشرعية على ذلك إنما هو على الأدلة الشرعية و الحجج الواضحة الجلية، لا على مجرد الأقوال، ليرجح منها ما هو المتفق عليه من تلك الأقوال و إن عرت عن الاستدلال.
و أما ما ذكر من القول بأنها منسوخة فهو قول ذكره الشيخ في المبسوط و تبعه فيه بعض من تأخر عنه، و الظاهر أنه من أقوال العامة كما نبه عليه شيخنا في المسالك. (1)
قالوا: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى «الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ» (2) و إنه كان قبل نزول الحدود للرجل أن يعضل الزانية لتفتدي
____________
(1) قال- (قدس سره)- و نعم ما قال: و اعلم أن القول الذي حكاه المصنف من كون الاية منسوخة تبع فيه الشيخ في المبسوط، و هو قول بعض العامة، و أما أصحابنا فلا يعرف ذلك لهم و لم ينقله أحد من الأصحاب عنهم، و لكن الشيخ في المبسوط يحكى أقوالهم و يختار منها ما ترجح عنده، و قد نقل القول بكونها منسوخة بقوله: و قيل و هو ضعيف المستند.
انتهى. (منه- (قدس سره)-).
(2) سورة النور- آية 2.
607
نفسها، فلما نزلت الحدود حرم أخذ المال بالإكراه.
و أنت خبير بأنه لا وجود لهذه الأخبار المبني عليها هذا القول في شيء من أصولنا، و الموجود في أخبارنا في تفسير هذه الآية أن الفاحشة فيها إنما هي بمعنى كل معصية كما عرفت لا بخصوص الزنا، و بالجملة فالقول المذكور غير ملتفت إليه و لا معول عليه.
الرابعة [في أنه متى صح الخلع و اجتمعت شرائطه كانت فرقة بائنة و حكم الرجوع في البذل]
لا ريب في أنه متى صح الخلع و اجتمعت شرائطه كانت فرقة بائنة لا رجعة للزوج فيها إلا أن ترجع هي فيما بذلت إذا كان رجوعها في العدة، فإنه مع رجوعها يكون الطلاق حينئذ رجعيا، فإن شاء الرجل أن يرجع رجع.
فأما ما يدل على البينونة بذلك على الوجه المذكور فجملة من الأخبار، منها قوله (عليه السلام)
في صحيحة محمد بن مسلم (1) «المختلعة التي تقول لزوجها: اخلعني- إلى أن قال (عليه السلام):- فإذا فعلت ذلك من غير أن يعلمها حل له ما أخذ منها و كانت تطليقة بغير طلاق يتبعها، و كانت بائنة بذلك، و كان خطابا من الخطاب».
و في رواية أبي الصباح الكناني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا خلع الرجل امرأته فهي واحدة بائنة، و هو خاطب من الخطاب».
و في صحيحة محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «حل له ما أخذ منها و ليس له عليها رجعة».
و أما ما يدل على كونه رجعيا متى رجعت هي في العدة فمنه
صحيحة محمد ابن إسماعيل (4) بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) قال فيها «تختلع منها بشهادة شاهدين
____________
(1) الكافي ج 6 ص 140 ح 3، التهذيب ج 8 ص 95 ح 3، الوسائل ج 15 ص 488 ب 1 ح 4.
(2) الكافي ج 6 ص 140 ح 4، التهذيب ج 8 ص 95 ح 4، الوسائل ج 15 ص 488 ب 1 ح 6.
(3) الكافي ج 6 ص 141 ح 8، التهذيب ج 8 ص 97 ح 7، الفقيه ج 3 ص 339 ح 4، الوسائل ج 15 ص 496 ب 5 ح 3.
(4) التهذيب ج 8 ص 98 ح 11، الوسائل ج 15 ص 492 ب 3 ضمن ح 9 و فيهما اختلاف يسير.
608
على طهر من غير جماع، و هل تبين منه بذلك أو هي امرأته ما لم يتبعها بالطلاق؟
فقال: تبين منه، و إن شاءت أن يرد إليها ما أخذ منها و تكون امرأته فعلت» الحديث.
و موثقة الفضل أبي العباس (1) عن أبي عبد الله، (عليه السلام) قال: «المختلعة إن رجعت في شيء من الصلح يقول: لأرجعن في بضعك».
و في صحيحة عبد الله بن سنان (2) المروية في تفسير الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي. (رحمه الله)- عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قد تقدم صدرها (3) قال فيها «و إن تراضيا على ذلك على طهر بشهود فقد بانت منه بواحدة و هو خاطب من الخطاب، فإن شاءت زوجته نفسها، و إن شاءت لم تفعل، فإن تزوجها فهي عنده على ثنتين باقيتين، و ينبغي له أن يشترط عليها كما يشترط صاحب المبارأة:
إن ارتجعت في شيء مما أعطيتني فأنا أملك ببضعك، و قال: لا خلع و لا مباراة و لا تخيير إلا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين، و المختلعة إذا تزوجت زوجا آخر ثم طلقها يحل للأول أن يتزوجها، و لا رجعة للزوج على المختلعة، و لا على المبادلة إلا أن يبدو للمرأة فيرد عليها ما أخذ منها».
و في هذه الرواية الأخيرة و كذا صحيحة ابن بزيع ما يدل على الأمرين على البينونة بالخلع و كونه رجعيا بعد رجوعها.
إذا تقرر ذلك فاعلم أن المشهور أن للمرأة الرجوع ما دامت في العدة فإذا رجعت كان للزوج الرجوع في نكاحها إن شاء، صرح به الشيخ و غيره.
قال في النهاية: و تكون تطليقة بائنة لا يملك رجعتها، اللهم إلا أن ترجع المرأة فيما بذلته من مالها، فإن رجعت في شيء من ذلك كان له الرجوع أيضا في
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 100 ح 16، الوسائل ج 15 ص 499 ب 7 ح 3.
(2) تفسير القمي ج 1 ص 75، الوسائل ج 15 ص 499 ب 7 ح 4.
(3) أقول: تقدم ذلك في الفرع الثاني من الفروع الملحقة بالمقام الأول في الصيغة. (منه- (قدس سره)-). راجع ص 584 من هذا الجزء.
609
بضعها ما لم تخرج من العدة، فإن خرجت من العدة ثم رجعت في شيء مما بذلته لم يلتفت إليها و لم يكن له عليها أيضا رجعة، و إن أراد مراجعتها قبل انقضاء عدتها إذا لم ترجع هي فيما بذلت أو بعد انقضائها كان ذلك بعقد مستأنف و مهر جديد.
و هذا الكلام دال بإطلاقه على جواز رجوعها في البذل سواء اشترطت ذلك في العقد أم لا، و سواء اختار الرجل ذلك أم لا، و ظاهر ابن حمزة أنه مع الإطلاق و عدم اشتراط رجوعها و رجوعه فلا بد من تراضيهما معا بالرجوع و اتفاقهما عليه، فلو لم يرض الزوج بالرجوع لم يكن لها الرجوع، بناء على أن الخلع عقد معاوضة، فيعتبر في صحته تراضيهما، و مع التقييد فالحكم كما ذكره الشيخ إذا كان في العدة.
قال ابن حمزة على ما نقله عنه في المختلف: يجوز أن يطلقا الخلع و أن تقيد المرأة بالرجوع فيما افتدت به، و الرجل الرجوع في بضعها، فإن أطلقا لم يكن لأحدهما الرجوع بحال إلا برضا الآخر، و إن قيدا لم يخل إما لزمتها العدة أو لم تلزم، فإن لزمتها جاز الرجوع ما لم تخرج من العدة، فإن خرجت منها أو لم تلزم العدة لم يكن لهما الرجوع بحال إلا بعقد جديد و مهر مستأنف.
و اختار هذا القول السيد السند في شرح النافع، و قبله جده في المسالك و مراده بمن لم تلزمها العدة ما لو كانت صغيرة أو يائسة أو غير مدخول بها و من تمت عدتها، و في معناها العدة البائنة كعدة المطلقة الثالثة، و ظاهره أنه مع التقييد، فجواز رجوعها لازم لجواز رجوعه، فلو لم يمكنه الرجوع لكون العدة بائنة كأن تكون الطلقة ثالثة أو كانت غير مدخول بها و نحوهما مما تقدم فإنه لا يجوز لها الرجوع، و ظاهر الأخبار المتقدمة، فإنها ظاهرة كالصريحة في إمكان رجوعه لقوله في صحيحة ابن بزيع «و تكون امرأته» و قوله في موثقة الفضل «لأرجعن في بضعك» و نحوهما الرواية الثالثة إذ لا يصدق شيء من ذلك فيما إذا كانت العدة بائنة، كما أنه لا يصدق بعد خروج العدة، إلا أنه لا إشعار في شيء منها
610
بصورة التقييد كما ذكروه، بل ظاهرها أعم من ذلك كما هو ظاهر عبارة الشيخ في النهاية.
و كيف كان فالظاهر من الأخبار المتقدمة هو اتفاقهما و تراضيهما على الرجوع شرط أحدهما أم لم يشترط، و إن كان الأولى الاشتراط كما دل عليه الخبر الثالث.
و يظهر الخلاف من كلامي الشيخ و ابن حمزة في أنه مع الإطلاق لو رجعت المرأة في بذلها و لم يرض الرجل بذلك فإنه لا يصح رجوعها على قول ابن حمزة المتقدم، لأنه اشترط في جواز رجوعها تراضيهما معا عليه، بناء على أنه عقد معاوضة، فيعتبر في فسخه رضاهما. و أما على قول الشيخ، فإنه يصح لأن غاية ما دلت عليه الأخبار هو جواز رجوعه بعد رجوعها، فالشرط إمكان رجوعه في صحة رجوعها، و إن لم يعتبر رضاه.
و بالجملة فالأولى الوقوف على ظاهر الأخبار المذكورة كما أشرنا إليه.
[تنبيهات]
بقي الكلام هنا في مواضع
الأول [برجوعها في البذل هل تترتب عليها أحكام الرجعة مطلقا]
أنك قد عرفت أنه برجوع المرأة في البذل تصير العدة رجعية بعد أن كانت بائنة قبل ذلك، و حينئذ فهل تترتب عليها أحكام العدة الرجعية مطلقا كوجوب النفقة و السكنى و تحديد عدة الوفاة لو مات في هذه العدة و نحو ذلك أم لا؟ إشكال ينشأ من أن كونها عدة رجعية يقتضي ذلك إذ لا معنى للعدة الرجعية إلا ما يجوز للزوج الرجوع فيها، و هو يقتضي بقاء الزوجية الموجبة للأحكام المذكورة، و من أنها ابتدأت على البينونة و سقوط هذه الأحكام، فعودها بعد ذلك يحتاج إلى دليل، و الأصل يقتضي استصحاب الحكم السابق، و لا يلزم من جواز رجوعه على هذا الوجه كونها رجعية مطلقا لجواز أن يراد بالرجعية ما يجوز للزوج الرجوع فيها مطلقا كما هو الظاهر، و أما قبل رجوعها فلا شبهة في انتفاء أحكام الرجعية عنها.
أقول: لا ريب أن الأنسب بالقواعد الشرعية و الضوابط المرعية- و إن لم يوجد نص في خصوص هذه المسألة بالكلية- هو الوجه الأول من الاحتمالين
611
المذكورين، فتجب هذه الأشياء المعدودة و نحوها و منه ما لو مات الرجل و المرأة في تلك الحال، و الظاهر أنه لا خلاف في ثبوت التوارث من الطرفين.
و مما يؤيد ذلك قوله (عليه السلام)
في صحيحة ابن بزيع المتقدمة (1) «و إن شاءت أن يرد عليها ما أخذ منها و تكون امرأته. إلخ».
فإنه ظاهر في أنها برجوعها في البذل تكون امرأته، بمعنى ملك رجعتها، كما أن المطلقة في العدة الرجعية كذلك (2) و قضية ذلك ترتب الأحكام المذكورة على رجوعها، و جميع ما علل به الوجه الثاني معلول.
أما قوله «إنها ابتدأت على البينونة. إلخ» ففيه أن العدة و إن كانت ابتداؤها على البينونة و سقوط تلك الأحكام إلا أنه برجوعها في البذل قد تغير الحكم من البينونة إلى الرجعية، فبتبدل الحكم المذكور تبدلت الأحكام المترتبة على كل منهما، و بذلك يظهر ما في قوله الأصل يقتضي استصحاب الحكم السابق و أي أصل هنا مع تبدل الحكم الأول إلى نقيضه لأنها أولا كانت عدة بائنة و الآن صارت عدة رجعية، و مقتضي الأصل استصحاب أحكام العدة الرجعية. (3)
قوله «و لا يلزم من جواز رجوعه على هذا الوجه. إلخ» مردود، بأنه أي مانع يمنع من أن الشارع يحكم بالبينونة و ما يترتب عليها قبل رجوع المرأة في البذل، ثم يحكم بالرجعة و ما يترتب عليها بعد الرجوع فيه، و جواز أن يراد
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 98 ح 11، الوسائل ج 15 ص 492 ب 3 ضمن ح 9.
(2) لا بمعنى أنها تصير امرأته حقيقة، لأنها لا تكون كذلك الا بعد رجوعه فيها إذا رجعت في البذل. (منه- (قدس سره)-).
(3) أقول: و من الاخبار الظاهرة فيما قلناه
قول أبى جعفر (عليه السلام) في موثقة زرارة لما سأله عن الرجل يطلق المرأة هل يتوارثان؟ فقال: «ترثه و يرثها ما دام له عليها رجعة».
و نحوها غيرها، و هي ظاهرة بل صريحة في دوران الإرث مدار ثبوت الرجعة كما لا يخفى.
(منه- (قدس سره)-).
612
بالرجعية ما يجوز للزوج الرجوع فيها مطلقا بمعنى رجعت أو لم ترجع خلاف للظاهر لأنك قد عرفت أن هذه العدة قد اتصفت بالبينونة و الرجعية باعتبارين، فبالنظر إلى عدم رجوع الزوجة بالبذل فهي بائنة لا يجوز للزوج الرجوع فيها كما صرحت به الأخبار، و باعتبار رجوعها فيه قد انقلب الحكم و تغير إلى نقيضه من الرجعية، و يترتب على كل منهما أحكامه الشرعية، و ظاهره في المسالك الميل إلى الوجه الثاني، و فيه ما عرفت.
الثاني: هل يجوز للرجل أن يتزوج أخت الزوجة التي خلعتها؟
و كذا هل يجوز أن يتزوج برابعة أم لا؟ وجهان بل قولان، أظهرهما الأول لتحقق البينونة التي من فروعها ذلك.
و عليه يدل بالنسبة إلى تزويج الأخت ما رواه
ثقة الإسلام (1) في الصحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل اختلعت منه امرأته أ يحل له أن يخطب أختها من قبل أن تنقضي عدة المختلعة؟ قال: نعم قد برئت عصمتها، و ليس له عليها رجعة».
و علل القول بالمنع بأنه عقد متزلزل في حكم الرجعي، و لأنه على تقدير تقدم ذلك ثم رجوعها يصير جامعا بين الأختين و أزيد من العدد الشرعي.
و ضعف التعليل الأول أظهر من أن يخفى إذ لا تزلزل مع ثبوت البينونة به و كونه يصير رجعيا بعد رجوعها لا يوجب منع إجراء أحكام البينونة عليه قبل الرجوع، و لا يوصف بالتزلزل في تلك الحال الاولى.
و أما الثاني فهو مبني على تجويز الرجوع لها، و سيأتي ما فيه، ثم إنه على تقدير ما اخترناه من جواز التزويج فهل للزوجة الرجوع في البذل بعد تزويجه بأختها أو أخذ الرابعة، أم لا؟ وجهان، أقربهما الثاني لما تقدم من أن
____________
(1) الكافي ج 6 ص 144 ح 9، الوسائل ج 15 ص 504 ب 12 ح 1.
613
رجوعها مشروط بإمكان رجوعه، و هو في هذه الحال لا يمكنه الرجوع إليها.
و ما قيل من أنه يمكن إزالته بتطليق الأخت و الرابعة بائنة فله الرجوع حينئذ لزوال المانع مردود، بأن ظاهر الأخبار الدالة على الانقلاب رجعيا بعد رجوعها أنها بمجرد رجوعها في البذل صارت امرأته من غير توقف على أمر آخر و هذا لا تصير امرأته بمجرد ذلك، كما لا تصير ذات الطلقة الثالثة و الغير المدخول بها امرأته بمجرد الرجعة، فإذا لم تصر امرأته بمجرد رجوعها في البذل امتنع رجوعه، و قد عرفت أنه متى امتنع رجوعه فيها امتنع رجوعها في البذل.
الثالث: هل يجوز لها الرجوع في بعض ما بذلته؟
وجهان، اختار ثانيهما السيد السند في شرح النافع حيث قال: و الأظهر أنه ليس للمرأة الرجوع في بعض ما بذلته.
و قال في المسالك: لو رجعت في البعض خاصة هل يصح الرجوع و يترتب عليه صحة رجوعه؟ لم أقف فيه على شيء يعتد به، و فيه أوجه كل منها محتمل:
(أحدها) جواز الرجوع، و يترتب عليه رجوعه. أما الأول فلما اتفق عليه الأصحاب من أن البذل غير لازم من جهتها، فكما يصح لها الرجوع في الجميع يصح في البعض لأن الحق لها، فلها إسقاط الجميع فإن عدم الرجوع في قوة الإسقاط، إذ لا يلزم منه رجوع العوض الآخر بل جوازه، و أما الثاني فلأنه مترتب على رجوعها، و قد حصل.
و في رواية أبي العباس (1) ما يرشد إليهما، لأنه قال «المختلعة إن رجعت في شيء من الصلح يقول: لأرجعن في بضعك».
و هو صريح في الاكتفاء بالبعض و ترتب رجوعه عليه.
و (الثاني) المنع فيهما. أما الأول فلأن جوازه يقتضي صيرورة الطلاق رجعيا
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 100 ح 16، الوسائل ج 15 ص 499 ب 7 ح 3.
614
و إنما تصير رجعيا إذا لم يشتمل على عوض، و العوض باق في الجملة، إذ لا فرق فيه بين القليل و الكثير، و من ثم لو جعل ابتداء ذلك القدر الباقي بل أقل منه كفي في البينونة، فالجمع بين كون الطلاق رجعيا و بقاء العوض في مقابله متنافيان.
و في صحيحة ابن بزيع (1) ما يرشد إليه، لأنه قال «و إن شاءت أن يرد إليها ما أخذ منها و تكون امرأته فعلت».
و هي العمدة في الباب لصحتها، و ظاهرها اعتبار رد الجميع لأن ما من صيغ العموم فلا يترتب عليه الحكم بالعوض.
و (ثالثها) جواز رجوعها دونه. أما الأول فلما تقرر من أن البذل من جهتها جائز فيتخير في الرجوع. و أما الثاني فلأن بقاء شيء من العوض مانع من رجوعه و هو حاصل هنا، و أضعفها الأخير لما يظهر من تلازم الأمرين حيث لا يكون المانع من قبله و هو هنا ليس كذلك، و لأن هذا لو صح لزم الإضرار به بأن ترجع في أكثر البذل، و تبقى شيئا يسيرا لتمنعه من الرجوع، و هو منفي، و لا وسيلة له إلى إسقاطه بخلاف ما تقدم، و الوسط لا يخلو من قوة، انتهى.
أقول: لا يخفى أن المسألة المذكورة محل توقف و إشكال. أما بالنظر إلى التعليلات العقلية فلما عرفت من تصادمها و تقابلهما مع ما عرفت من أنها و إن خلت من ذلك لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية.
و أما بالنظر إلى الروايات فلتعارضها أيضا بحسب الظاهر، فإن ظاهر صحيحة ابن بزيع كما ذكره تخصيص الحكم بالرجوع في الجميع فلا يكفي الرجوع في البعض، و مثلها قوله (عليه السلام) في آخر صحيحة
عبد الله بن سنان (2) المتقدم نقلها عن تفسير الثقة الجليل علي بن إبراهيم «إلا أن يبدو للمرأة فيرد عليها ما أخذ منها».
و ظاهر رواية أبي العباس كما ذكره صحة الرجوع منها و منه برجوعها في البعض لقوله «إن رجعت في شيء من الصلح- يعني البذل- يقول: لأرجعن» و الظاهر
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 98 ح 11، الوسائل ج 15 ص 492 ب 3 ضمن ح 9.
(2) تفسير القمي ج 1 ص 75، الوسائل ج 15 ص 499 ب 7 ح 4.
615
أن شيخنا المذكور و سبطه إنما اختارا ما دلت عليه صحيحة ابن بزيع من حيث صحة الرواية المذكورة و ضعف الأخرى.
و فيه أن ما دلت عليه رواية أبي العباس قد ورد في صحيحة عبد الله بن سنان المذكورة لقوله (عليه السلام) فيها «و ينبغي له أن يشترط عليها كما يشترطه صاحب المبارأة: و إن ارتجعت في شيء مما أعطيتني فأنا أملك ببعضك» و مثل هذه العبارة في كثير من أخبار المبارأة، و منها الصحيح و غيره، و سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى، و بذلك يظهر لك الاشكال.
و يمكن الجمع بين هذه الأخبار بحمل «من» في هذه الأخبار على البيانية دون التبعيضية، و الظاهر أنه هو الذي فهمه الأصحاب من هذه الأخبار حيث إن جميع ما دل على رجوع المرأة في البذل في باب المبارأة إنما عبر عنه بهذه العبارة، مع اتفاقهم على تخصيص الحكم بالرجوع في الكل، و لم يذكر أحد منهم- لا في الخلع و لا في المبارأة- الرجوع في البعض، و إنما وقع الكلام فيه من شيخنا المذكور و من تأخر عنه كما أشار إليه بقوله «لم أقف فيه على شيء يعتد به» و يبعد أشد البعد اتفاقهم على الحكم المذكور مع كون ظاهر الأخبار كلها على خلافه لو حملت «من» على التبعيضية إلا أنه يحتمل أن يقال إن ما دل على الرجوع في الجميع لا دلالة فيه على الحصر في هذا الفرد، بل من الجائز كونه أحد الفردين و ما دلت عليه الأخبار الأخر من الجواز بالرجوع في البعض هو الفرد الآخر، إلا أن فيه ما عرفت، و الله العالم.
فوائد
الأولى: إذا أراد الرجل إعادة الزوجة و لم ترجع في البذل
، فإنه لا يكون إلا بعقد جديد و مهر مستأنف لأنها بالخلع صارت بائنة أجنبية و بطريق أولى لو خرجت من العدة.
616
الثانية [حكم التوارث لو رجعت هي فقط]
لا إشكال في أنه لا توارث بين المختلعين لما عرفت من البينونة بالخلع، و الخروج عن الزوجية بالكلية، و انقطاع العصمة بينهما، و يدل عليه قوله في
رواية ابن رئاب المتقدمة (1) «و لا ميراث بينهما في العدة».
و لا ريب في ثبوت التوارث بعد رجوعها و رجوعه، لأنه برجوعه فيها بعد رجوعها صارت زوجة.
و إنما محل الاشكال فيما لو رجعت هي و لم يرجع هو، و يأتي على ما قدمنا ذكره في الموضع الأول من المقام الرابع ثبوت التوارث و نحوه من تلك الأحكام المذكورة ثمة، لأنها برجوعها في العدة تصير العدة رجعية، يملك الزوج الرجوع فيها، و من شأن العدة الرجعية ترتب تلك الأحكام عليها.
الثالثة: لو خالعها و شرط الرجوع
لم يصح، لأن مقتضى الخلع البينونة، فيكون هذا الشرط منافيا لمقتضى العقد، فيبطل و يترتب عليه بطلان الخلع، و الظاهر أن ترتب بطلان الخلع عليه مبني على القاعدة المشهورة من أنه إذا فسد الشرط الذي تضمنه ذلك العقد لزم منه بطلان تلك العقد، حيث إنه لم يتوجه القصد إلى ذلك العقد إلا بهذا الشرط و الحال أنه فاسد، فما تعلق به القصد غير صحيح، و ما هو صحيح- و هو العقد بدون الشرط المذكور- لم يتعلق به القصد.
و قد عرفت ما في هذه القاعدة من المناقشة في غير موضع مما تقدم، و قضية ذلك صحة الخلع و إن بطل الشرط المذكور، و نحو ذلك يأتي في الطلاق بعوض، فإنه كالخلع يكون بائنا، و الشرط المذكور مناف لمقتضاه.
الرابعة: لو اتفقا على قدر البذل كمائة مثلا و اختلفا في الجنس
. فادعت الزوجة أنه مائة درهم و ادعى الزوج أنه مائة دينار. و المشهور و به صرح الشيخ و غيره أن القول قول المرأة لأنها منكرة لما يدعيه، و الأصل عدم استحقاقه إياه، قالوا: نعم، لو أخذه على وجه المقاصة اتجه جوازه.
____________
(1) قد تقدمت في الموضع الثالث من المقام الثالث في الشرائط. (منه- (قدس سره)-).
راجع التهذيب ج 8 ص 99 ح 13، الوسائل ج 15 ص 497 ب 6 ح 4.
617
و اعترضهم في المسالك فقال: و يشكل هذا القول من رأس، لأن كلا منهما مدع و مدعى عليه، و الآخر ينكر ما يدعيه، و هذه قاعدة التخالف في نظائره من عوض البيع و الإجارة و غيرهما، و إنما يتجه تقديم قول أحدهما إذا اتفق قولهما على قدر و ادعى الآخر الزيادة عليه و أنكرها الآخر، فيكون منكر الزيادة منكرا لكل وجه، و مدعيها مدعيا، بخلاف صورة النزاع لأن دعوى الذهب لا يجامع دعوى الفضة، و الإنكار من كل منهما لما يدعيه الآخر متحقق، فلو قيل بأنهما يتحالفان و يسقط ما يدعيانه بالفسخ أو الانفساخ فيثبت مهر المثل إلا أن يزيد عما يدعيه الزوج كان حسنا، و لا يتجه هنا بطلان الخلع لاتفاقهما على صحته، أو إنما يرجع اختلافهما إلى ما يثبت من العوض، و يحتمل أن يثبت مع تحالفهما مهر المثل مطلقا لتساقط الدعويين بالتحالف، انتهى.
أقول: ما ذكره- (قدس سره)- من رجوع حكم المسألة إلى التحالف جيد، و إنما يبقى الكلام في أنه بعد التحالف، و سقوط كل مما يدعيانه، فإن الظاهر هو بطلان الخلع بالمرة لخلو الخلع من العوض لأنه منحصر في أحد هذين المذكورين، و قد تساقطا معا بالتحالف، و مهر المثل غير مذكور في صيغة الخلع و لا مقصود و لا مراد بالكلية، فبأي وجه يثبت هنا؟ و تقديره و الرجوع إليه بعد التحالف لا معنى له، لأنه ليس من قبيل المهر الذي يجب تقديره مع خلو عقد النكاح عنه، و إنما هو عوض يجب ذكره في عقد الخلع، و يكون ركنا من أركانه، و هو هنا منحصر في أحد هذين المذكورين، لأنه لا بد بحسب الواقع أن يكون أحدهما صادقا و الآخر كاذبا، لكن لما اشتبه ذلك و كان اللازم شرعا هو التحالف الموجب لسقوطهما معا لزم منه خلو الخلع من العوض، و هو موجب لبطلانه ظاهرا و إن كان صحيحا في الواقع تتعلق به أحكامه بالنسبة إليهما المعلومية ذلك عندهما كما في نظائره من العقود الصحيحة في الواقع الفاسدة بحسب الظاهر، و يؤيده ما تقدم في كتاب البيع من أنه بالتحالف يبطل البيع و نحوه من العقود التي يكون
618
الحكم فيها ذلك.
و أما قوله «و لا يتجه هنا بطلان الخلع لاتفاقهما على صحته» ففيه أن البيع كذلك أيضا، مع أنهم صرحوا بالبطلان بعد التحالف، و ذلك أنه إذا قال البائع بعتك بهذا العبد أو بهذا الدينار، و قال المشتري بل بهذه الجارية أو بهذه الدراهم، فإنهما قد اتفقا على وقوع البيع، مع أنه بعد التحالف الذي هو الحكم في هذه الصورة يحكم ببطلان البيع، و إن اختلفوا في أن البطلان هل هو من الأصل فينزل البيع بمنزلة العدم؟ أو من حين التحالف أو الفسخ كما نقله شيخنا في المسالك في كتاب البيع (1)؟
و بالجملة فإن العقد الذي يجري فيه التحالف لا إشكال في صحته بحسب الواقع و نفس الأمر لاشتماله على شرائط الصحة، لكن باعتبار هذا الاختلاف بين المتعاقدين الموجب للتحالف الذي يتساقط به الدعويان و يلزم منه الخلو من العوض يجب الحكم بالبطلان في ظاهر الأمر، و إلا لزم الترجيح بغير مرجح. و بالجملة فإني لا أعرف لما ذكره وجه صحة يعتمد عليه لما عرفت، و الله العالم.
الخامسة [في ما لو خالع المريض]
قال في المختلف: لو خالع المريض لم ترثه الزوجة في العدة،
____________
(1) قال في المسالك في كتاب البيع: إذا وقع الفسخ بالتحالف فهل يبطل العقد من أصله، و ينزل البيع بمنزلة المعدوم؟ أم من حين التحالف و الفسخ؟ وجهان، اختار أولهما العلامة في التذكرة، محتجا عليه بأن اليمين قد أسقطت الدعوى من رأس، فكأنه لم يبع، كما لو ادعى على الغير يبيع أو شراء فأنكر و حلف فان الدعوى تسقط و يكون الملك باقيا على حاله و لم يحكم بثبوت عقد حتى يحكم بانفساخه، و يشكل باتفاقهما على وقوع عقد ناقل للملك، أما في الثمن الموصوف فظاهر، و أما في العين الذي أوجب التحالف لاختلافه فالمبيع أيضا متفق على انتقاله من البائع إلى المشترى، و انما الاختلاف في انتقال الثمن المعين، فيمكن أن يتوجه ذلك في الثمن دون الثمن في الموضعين.
و اختار ثانيهما في القواعد، و تبعه في الدروس، و التحقيق ما أشرنا إليه من أن البيع لا يبطل الا من حينه، و أما الثمن فيبقى على حكم الملك بالحلف كما مثل به في التذكرة، فالإطلاق في الموضعين غير جيد، انتهى. و هو ظاهر فيما قلناه (منه- (قدس سره)-).
619
سواء قلنا إنه طلاق أو مفتقر إليه لانتفاء التهمة.
قال ابن إدريس: و إلى هذا القول ذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره قال «و لنا في ذلك نظر» و هو يدل على تردده، لنا ما تقدم من انتفاء سبب التوارث و هي التهمة.
و ما رواه
محمد بن القاسم الهاشمي (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «سمعته يقول:
لا ترث المختلعة و المبارأة و المستأمرة في طلاقها من الزوج شيئا إذا كان ذلك منهن في مرض الزوج و إن مات في مرضه لأن العصمة قد انقطعت منهن و منه».
انتهى.
أقول: ما ذكره العلامة- (قدس سره)- من نفي التوارث لانتفاء سببه و هو التهمة جار على مذهبه في المسألة كما تقدم ذكره، و هو المختار كما تقدم ذكره.
و أما على القول المشهور من أن مطلقه المريض ترثه في مرضه و إن خرجت من العدة بالمرة ما لم تتزوج أو يبرأ أو تمضي سنة، سواء كان السبب الداعي إلى الطلاق من جهته أو من جهتها، فإنها ترثه في هذه الصورة، و هو مردود بالأخبار المتقدمة التي من جملتها هذا الخبر، و من هنا تنظر ابن إدريس هنا.
السادسة [في أنه لا سكنى لها و لا نفقة]
نقل في المختلف عن الصدوق في المقنع أنه قال في المختلعة: و لا تخرج من بيتها حتى تنقضي عدتها، و إذا طلقها فليس لها متعة و لا نفقة و لا سكنى.
ثم اعترضه فقال: و الجمع بين الكلامين مشكل، و الوجه أن لها الخروج لأنه طلاق بائن، انتهى.
و مما يدل أنه لا سكنى لها و لا نفقة ما رواه
في من لا يحضره الفقيه (2) عن رفاعة بن موسى في الصحيح «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المختلعة، إلها سكنى و نفقة؟ فقال: لا سكنى لها و لا نفقة».
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 100 ح 14، الوسائل ج 17 ص 535 ب 15 ح 1.
(2) الفقيه ج 3 ص 339 ح 3، الوسائل ج 15 ص 504 ب 13 ح 1.
620
و ما رواه
في الكافي (1) عن رفاعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المختلعة لا سكنى لها و لا نفقة».
و إذا ثبت أن لا سكنى لها على الزوج بل لها أن تسكن حيث شاءت، فكيف يوجب عليها أن لا تخرج من بيتها الذي هو عبارة عن بيت زوجها كما تقدم؟
إلا أنه قد ورد ما ينافي هذه الأخبار مما يدل على كلام الصدوق- رحمة الله عليه.
و منه ما رواه
في الكافي (2) عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في المختلعة قال: «عدتها عدة المطلقة، و تعتد في بيتها، و المختلعة، بمنزلة المبارأة».
و عن زرارة (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن عدة المختلعة، قال: عدة المختلعة عدة المطلقة و لتعتد في بيتها، و المبارأة بمنزلة المختلعة».
و ما رواه
الشيخ (4) في الصحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عدة المبارأة و المختلعة و المخيرة عدة المطلقة، و يعتددن في بيوت أزواجهن».
و هي كما ترى صريحة فيما ذكره الصدوق، إلا أن الجمع بين الأمرين كما عرفت لا يخلو من الاشكال، و الروايات الأول أوفق بأصول المذهب، لأنها بائن بالاتفاق نصا و فتوى، فلا سكنى لها و لا نفقة لها.
و احتمل شيخنا المجلسي- (رحمه الله عليه)- في حواشيه على كتب الأخبار حمل الروايات الأخيرة على الاستحباب، قال: و إن كان القول بظاهرها لا يخلو من قوة.
و فيه ما عرفت من أن هذه الأخبار مع معارضتها بالأخبار الأول مخالفة لأصول المذهب.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 144 ح 7، الوسائل ج 15 ص 505 ب 13 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 144 ح 6، التهذيب ج 8 ص 136 ح 72، الوسائل ج 15 ص 502 ب 10 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 144 ح 4، التهذيب ج 8 ص 136 ح 71، الوسائل ج 15 ص 503 ب 10 ح 4 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(4) التهذيب ج 8 ص 136 ح 74، الوسائل ج 15 ص 503 ب 10 ح 5.
621
و ظاهر المحدث الكاشاني الميل إلى حمل هذه الأخبار الأخيرة على التقية بقرينة الخبر الأخير، و عدة المخيرة فيه، مع أنه لا تخيير عندنا، و هو و إن كان لا يخلو من قرب إلا أن الاشكال باق في المقام، و لا يحضرني الآن مذهب العامة، فلعله كما دلت عليه هذه الأخبار، و الله العالم.
المقصد الثاني في المبارأة
و أصلها المفارقة، و هي هنا عبارة عن الطلاق بعوض مع كراهة كل من الزوجين الآخر، و لها أحكام تخصها، و أحكام تشارك الخلع فيها،
[الأخبار الواردة في المقام]
و أنا أذكر أولا ما وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بها ثم أردفها إن شاء الله بما يتعلق بها من الأبحاث في المقام.
الأول: ما رواه
ثقة الإسلام (1) في الموثق عن سماعة قال: «سألته عن المبارأة كيف هي؟ فقال: تكون للمرأة شيء على زوجها من صداق أو من غيره و يكون قد أعطاها بعضه فيكره كلا منهما صاحبه، فتقول المرأة لزوجها ما أخذت منك فهو لي و ما بقي عليك فهو لك، و أبارئك، فيقول الرجل لها: فإن رجعت في شيء مما تركت فأنا أحق ببضعك».
و رواه الشيخ في التهذيب عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) و أبي الحسن (عليه السلام) مثله.
الثاني:
عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة قالت لزوجها: لك كذا و كذا و خل سبيلي، فقال. هذه المبارأة».
الثالث:
عن أبي بصير (3) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المبارأة تقول
____________
(1) الكافي ج 6 ص 142 ح 1، التهذيب ج 8 ص 101 ح 21، الوسائل ج 15 ص 500 ب 8 ح 3.
(2) الكافي ج 6 ص 142 ح 4، الوسائل ج 15 ص 494 ب 4 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 143 ح 5، التهذيب ج 8 ص 100 ح 18، الوسائل ج 15 ص 500 ب 8 ح 4.
622
المرأة لزوجها: لك ما عليك و اتركني أو تجعل له من قبلها شيئا فيتركها، إلا أنه يقول: فإن ارتجعت في شيء فأنا أملك، و لا يحل لزوجها أن يأخذ منها إلا المهر فما دونه».
الرابع:
عن عبد الله بن سنان (1) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المبارأة تقول لزوجها: لك ما عليك و بارئني فيتركها، قال: قلت: فيقول لها: إن ارتجعت في شيء فأنا أملك ببضعك؟ قال: نعم».
الخامس: ما رواه
في من لا يحضره الفقيه (2) في الصحيح عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المبارأة أن تقول لزوجها: لك ما عليك و اتركني فيتركها، إلا أنه يقول: إن ارتجعت في شيء منه فأنا أملك ببضعك».
ثم قال في الفقيه «و روي أنه لا ينبغي له أن يأخذ منها أكثر من مهرها، بل يأخذ منها دون مهرها».
السادس: و ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) عن أبي الصباح الكناني قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن بارأت امرأة زوجها فهي واحدة و هو خاطب من الخطاب».
السابع، ما رواه
في التهذيب (4) عن إسماعيل الجعفي عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «المبارأة تطليقة بائن و ليس فيها رجعة».
الثامن:
عن زرارة و محمد بن مسلم (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المبارأة تطليقة بائن و ليس في شيء من ذلك رجعة».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 143 ح 6، الوسائل ج 15 ص 501 ب 8 ح 5.
(2) الفقيه ج 3 ص 336 ح 1 و 2، الوسائل ج 15 ص 500 ب 8 ح 1 و 2 و فيهما اختلاف يسير.
(3) الكافي ج 6 ص 142 ح 3، التهذيب ج 8 ص 101 ح 2، الوسائل ج 15 ص 501 ب 9 ح 1.
(4) التهذيب ج 8 ص 102 ح 22، الوسائل ج 15 ص 501 ب 9 ح 2.
(5) التهذيب ج 8 ص 102 ح 23، الوسائل ج 15 ص 498 ب 6 ح 6.
623
التاسع:
عن زرارة و محمد بن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا مباراة إلا على طهر من غير جماع بشهود».
العاشر:
عن حمران (2) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يحدث يقول: المبارأة تبين من ساعتها من غير طلاق و لا ميراث بينهما، لأن العصمة منهما قد بانت ساعة كان ذلك منها و من الزوج».
الحادي عشر:
عن جميل بن دراج (3) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المبارأة تكون من غير أن يتبعها الطلاق».
الثاني عشر: ما رواه
في الكافي (4) عن زرارة في الصحيح أن الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «المبارأة يؤخذ منها دون الصداق و المختلعة يؤخذ منها ما شاءت أو ما تراضيا عليه من صداق أو أكثر، و إنما صارت المبارأة يؤخذ منها دون الصداق، و المختلعة يؤخذ منها ما شاء، لأن المختلعة تعتدي في الكلام و تتكلم بما لا يحل لها».
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام هنا يقع في مواضع:
الأول [في أن المبارأة مشروطة بكراهة كل من الزوجين الآخر]
لا خلاف في أن المبارأة مشروطة بكراهة كل من الزوجين الآخر، و هذا الشرط مقطوع به في كلامهم، و عليه يدل الخبر الأول، و كذا ظاهر الآية- أعني قوله عز و جل «وَ لٰا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّٰا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلّٰا أَنْ يَخٰافٰا أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ» (5)- فإن مورد الآية الخلع و المبارأة، و قد أسند خوف
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 102 ح 26، الوسائل ج 15 ص 498 ب 6 ح 7.
(2) التهذيب ج 8 ص 102 ح 24، الوسائل ج 15 ص 501 ب 9 ح 3 و فيهما «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يتحدث قال:».
(3) التهذيب ج 8 ص 102 ح 25، الوسائل ج 15 ص 501 ب 9 ح 4.
(4) الكافي ج 6 ص 142 ح 2، التهذيب ج 8 ص 101 ح 19، الوسائل ج 15 ص 493 ب 4 ح 1.
(5) سورة البقرة- آية 229.
624
عدم إقامة الحدود الذي هو كناية عن الكراهة إلى كل منهما في حق الآخر.
و هذا من جملة المواضع التي يفارق فيها المبارأة الخلع، حيث إنه يشترط هنا الكراهة من الطرفين و في الخلع من طرف المرأة خاصة.
الثاني [في وجوب اتباع المبارأة بلفظ الطلاق و عدمه]
المشهور بل ادعي عليه الإجماع كما صرح به المحقق في الشرائع و العلامة في جملة من كتبه وجوب اتباع المبارأة بلفظ الطلاق، و أنه لا يعتد بها بدونه، مع أن المحقق في النافع و هو متأخر عن الشرائع نسب القول بذلك إلى الأكثر، و فيه إيذان بعدم تحقق الإجماع المدعى، و أنه لا دليل على ذلك إلا مجرد الشهرة.
و الشيخ- رحمة الله عليه- قال في التهذيب بعد أن أورد الروايات الدالة على عدم الاتباع بالطلاق و منها الخبر العاشر و الحادي عشر قال: قال محمد بن الحسن:
الذي أعمل عليه في المبارأة ما قدمنا ذكره في المختلعة، و هو أنه لا يقع بها فرقة ما لم يتبعها بطلاق، و هو مذهب جميع أصحابنا المحققين من تقدم منهم و من تأخر، و ليس ذلك منافيا لهذا الخبر الذي ذكرناه- و عنى به
رواية جميل- لأن قوله «المبارأة تكون من غير أن يتبعها بالطلاق».
لا يفيد أنه تقع الفرقة بينهما بذلك- إلى أن قال:- و لو كان صريحا بالفرقة لكنا نحمله على ضرب من التقية كما قدمنا في باب الخلع.
و قال في الاستبصار: و هذه الأخبار أوردناها على ما رويت، و ليس العمل على ظاهرها لأن المبارأة ليس يقع بها فرقة من غير طلاق، و إنما تؤثر في ضرب من الطلاق في أن يقع بائنا لا يملك معه الرجعة، و هو مذهب جميع فقهاء أصحابنا المتقدمين منهم و المتأخرين لا نعلم خلافا بينهم في ذلك، و الوجه فيها أن نحملها على التقية لأنها موافقة لمذهب العامة، و لسنا نعمل به، انتهى.
و يشكل أولا بعدم الدليل على ما ذكره من الأخبار المذكورة، و هي أخبار المسألة كملا، بل هي في خلافه ما بين صريح الدلالة و ظاهرها، فمن الأول الخبر العاشر و الحادي عشر، و من الثاني الخبر الأول و الثاني و الثالث و الرابع و الخامس،
625
فإنما اشتملت عليه من أنها تقول كذا، و يقول الزوج كذا هو صيغة المبارأة التي يترتب عليها حكمها مع استكمال باقي الشرائط من الطهارة و الاشهاد، و كونها في طهر لم يقربها فيه و هم- (رضوان الله عليهم)- قد صرحوا بأن صيغة المبارأة بأن يقول: بارأتك على كذا فأنت طالق.
و قال السيد السند في شرح النافع- بعد نقل هذه الصيغة في كلام المصنف- ما لفظه: الكلام في صيغة المبارأة كما في الخلع من افتقارها إلى اللفظ الدال عليه من قبل الزوج، و الاستدعاء أو القبول من جهة المرأة.
مع أن ظاهر هذه الأخبار كما ترى أن هذه صيغة المبارأة التي يترتب عليها أحكامها، لأن هذا الأخبار قد تضمنت أن المبارأة التي تترتب عليها الأحكام عبارة عن هذا القول منها و منه، و ليس في شيء منها تعرض للفظ الطلاق و لا لاستدعاء المرأة أو قبولها، كما ذكره السيد السند و غيره، و على هذا النحو باقي أخبار المسألة من قولهم (عليهم السلام) «المبارأة تطليقة بائن ليس فيها رجعة» و نحو ذلك فإنه قد رتب الحكم فيها على المبارأة الصادقة لما ذكرناه من الأقوال التي اشتملت عليها تلك الأخبار و نحوها.
و بالجملة فإنه لا يشم لهذا الطلاق رائحة من أخبار المسألة فضلا عن الدلالة عليه، بل هي في عدمه أظهر من أن ينكر.
و ثانيا ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك من أن المبارأة لا يستعملها العامة، و لا يعتبرون فيها ما يعتبره أصحابنا بل يجعلونها من جملة كنايات الخلع أو الطلاق، و حينئذ فكيف يتم حمل ما ورد من أحكامها على التقية، و أنت قد عرفت فيما تقدم من أخبار الخلع أن بعضها دال على الاتباع بالطلاق كما يدعونه، إلا أن الأكثر الأصح منها على العدم، و أما في هذا الباب فلا دلالة في شيء من أخباره كما عرفت على ما ذكروه.
و بالجملة فإنه لم يبق في معارضة هذه إلا ما يدعونه من الإجماع و قد عرفت
626
ما فيه من الجدال و النزاع، و يظهر من شيخنا الشهيد الثاني المناقشة في هذا الإجماع (1) و عدم تسليمه في أمثال هذه المقامات و هو كذلك، و هذا الموضع أيضا أحد مظاهر الفرق بين الخلع و المبارأة بالنظر إلى أنه في الخلع قد وقع الخلاف في وجوب الاتباع بالطلاق و عدمه، و في المبارأة قد وقع الإجماع على وجوب الاتباع، و كل من قال في الخلع بالعدم أوجبه في المبارأة، و فيه ما عرفت مما أوضحنا تحقيقه.
الثالث [الخلاف فيما يؤخذ من فدية المبارأة]
اختلف الأصحاب فيما يؤخذ من فدية المبارأة بعد الاتفاق على أنه لا يجوز له الزيادة على ما أعطاها، فالمشهور أنه يجوز له المهر فما دونه.
و ذهب جمع من الأصحاب إلى أنه لا يؤخذ إلا دون ما دفع إليهما، و نقله في المختلف عن الشيخ علي بن بابويه في الرسالة، قال: قال الشيخ علي بن بابويه في رسالته في المبارأة: و له أن يأخذ منها دون الصداق الذي أعطاها، و ليس له أن يأخذ الكل.
و ممن صرح بجواز أخذ المهر كملا الشيخ المفيد و ابن إدريس، و هو المشهور بين المتأخرين.
و قال الصدوق في المقنع: و لا ينبغي له أن يأخذ منها أكثر من مهرها بل يأخذ منها دون مهرها. و هو الظاهر من كلام الشيخ في النهاية و ابن أبي عقيل و ابن حمزة، و هذا القول إنما تعرض فيه للأكثر و الأقل خاصة، و أما جميع ما أعطاه من غير زيادة و لا نقصان فهو مجمل فيه.
و الذي يدل على القول المشهور الخبر الثالث، و هو صحيح صريح في ذلك، و ما ذكره السيد السند في شرح النافع- من أنه ضعيف لاشتراك أبي بصير- مردود
____________
(1) حيث قال- بعد نقله عن المصنف في النافع و العلامة في كتبه دعوى الإجماع و أنه في المختصر نسبه الى قول مشهور- ما صورته: و هو المناسب لتحقيق المصنف فإنه لا يعتد بالإجماع بمثل هذه الشهرة كما نبه عليه في المعتبر و نهى عن الاغترار بذلك انتهى. (منه- (قدس سره)-).
627
بأن الراوي عن أبي بصير هنا عبد الله بن مسكان و هو من قرائن ليث المرادي الثقة الجليل.
و يدل على ما ذهب اليه الشيخ علي بن بابويه الخبر الثاني عشر و هو صحيح أو كالصحيح، لأن حسنه إنما هو بإبراهيم بن هاشم، و ما قدح به في الخبر المذكور في المسالك- من أنه مقطوع- مردود بأنه و إن كان كذلك في التهذيب و منه نقل، إلا أنه في الكافي كما نقلناه متصل لا قطع فيه.
و من هنا يظهر لك أن ما رجحه في المسالك من العمل بصحيحة أبي بصير بناء على رد هذه الرواية بالقطع ليس في محله، و ما رجحه سبطه من العمل بهذه الرواية بناء على نقله لها من الكافي، و هي حسنة عنده كالصحيح بناء على طعنه في صحيحة أبي بصير باشتراك الراوي ليس في محله أيضا، لما ذكرناه من القرينة على أنه ليث المرادي الثقة الجليل، و لهذا وصفها في المسالك بالصحة، و بذلك يظهر لك تصادم الخبرين المذكورين مع صحتهما معا في البين، و أنه لا وجه لترجيح أحدهما على الآخر من حيث السند.
و يمكن الجمع بينهما بحمل رواية الأقل من المهر على الأفضل، و إن جاز له أخذ الجميع، و هذا الموضع أحد مظاهر الفرق بين الخلع و المبارأة كالموضع الأول.
الرابع [في أن الفرقة الحاصلة بالخلع و المبارأة لا تنحصر في لفظهما]
قال المحقق في الشرائع- بعد ذكر الصيغة و أنها عبارة عن أن يقول بارأتك على كذا فأنت طالق-: و لو اقتصر على قوله أنت طالق بكذا صح، و كان مباراة، إذ هي عبارة عن الطلاق بعوض مع منافرة بين الزوجين.
أقول: قد عرفت مما قدمنا في كتاب الخلع أن الفرقة الحاصلة بالخلع أو المبارأة لا تنحصر في لفظ الخلع أو المبارأة، بل كلما أفاد هذا المعنى من الألفاظ متى استكمل باقي الشروط فإنه يترتب عليه حكم تلك الفرقة الخاصة، و من ذلك قوله أنت طالق بكذا فإن استكمل شرائط الخلع كان خلعا، و إن استكمل شرائط المبارأة كان مباراة.
و بالجملة فإن الطلاق بعوض و إن لم يرد بخصوصه في الأخبار إلا أنه
628
لا يخرج عن أحدهما حسبما قدمنا تحقيقه في الموضع الرابع من المقام الأول في صيغة الخلع.
و ما ذكره في المسالك هنا بناء على ما ذهب إليه من وجوده في مادة غيرهما حيث قال: و لو قيل بصحته مطلقا حيث لا يقصد به أحدهما كان وجها لعموم الأدلة قد قدمنا ما فيه مما يكشف عن بطلان باطنه و خافية.
الخامس [اعتبار جميع الشروط المعتبرة في صحة الطلاق في المبارأة أيضا]
الظاهر أنه لا خلاف في أن جميع ما ذكر من الشروط المعتبرة في صحة الطلاق فإنها تعتبر في المبارأة أيضا، و كذا ما يترتب على الخلع من البينونة بعد استكمال الشرائط فإنها تترتب على المبارأة كذلك، و كذا ما تقدم من أنه ليس للزوج الرجوع إلا أن ترجع هي في البذل.
و مما يدل على البينونة بذلك الخبر السابع و الثامن و العاشر، و على الاشتراط بشروط الطلاق قول زرارة في الخبر الثامن و قوله (عليه السلام) في الخبر التاسع، و على رجوعه برجوعها الاشتراط المذكور في جملة منها.
بقي أن ظاهر هذه الأخبار إنما هو الرجوع في شيء مما أعطاها، و هو ظاهر في الترتب على الرجوع في البعض، و قد تقدم الكلام فيه، و بينا أن الظاهر حمل «من» هنا على البيانية لا التبعيضية، و لم أقف على من تعرض للكلام في ذلك إلا شيخنا في المسالك، فقال هنا- زيادة على ما تقدم في الخلع-: و في هذه الأخبار التي ذكرناها سابقا في المبارأة ما يدل على جواز رجوعه في الطلاق متى رجعت في شيء من البذل و إن لم يكن جميعه، و قد تقدم ما فيه في الخلع، انتهى.
أقول: مقتضى الوقوف على ظاهره هذه الأخبار المتفقة على هذه العبارات هو تخصيص الرجوع برجوعها في البعض خاصة، إذ ليس سواها في الباب، و لا قائل به، بل ظاهرهم التخصيص بالجميع، و لا مخرج عن هذا الإشكال إلا بما ذكرنا من حمل «من» على البيانية، و الظاهر أنه هو الذي فهمه الأصحاب- رحمة الله عليهم- من هذه العبارة، و الله العالم بحقائق أحكامه.
629
كتاب الظهار
[تعريفه و الآيات و الروايات المرتبطة به]
قال في كتاب المصباح المنير (1): ظاهر من امرأته ظهارا مثل قاتل قتالا، و تظهر: إذا قال لها: أنت علي كظهر أمي، إنما خص ذلك بالظهر لأن الظهر من الدابة موضع الركوب، و المرأة مركوبة وقت الغشيان، فركوب الام مستعار من ركوب الدابة، ثم شبه ركوب الزوجة بركوب الام الذي هو ممتنع، و هو استعارة لطيفة، فكأنه قال: ركوبك للنكاح حرام علي، و كان الظهار طلاقا في الجاهلية، فنهوا عن الطلاق بلفظ الجاهلية و أوجب عليهم الكفارة تغليظا في النهي، انتهى.
و في المسالك أيضا: إنه كان طلاقا في الجاهلية كالإيلاء، فغير الشرع حكمه إلى تحريمها لذلك و لزوم الكفارة بالعود كما سيأتي، انتهى.
و قيل في تعريفه: إنه تشبيه الزوج المكلف زوجته و لو مطلقة رجعية في العدة بظهر امه، و قيل و بمحرمة نسبا أو رضاعا على ما سيأتي ذكره من الخلاف، و لا خلاف بين العلماء في تحريمه.
و الأصل في قوله عز و جل «الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسٰائِهِمْ مٰا هُنَّ أُمَّهٰاتِهِمْ إِنْ أُمَّهٰاتُهُمْ إِلَّا اللّٰائِي وَلَدْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً» (2) و قد
____________
(1) المصباح المنير ص 530.
(2) سورة المجادلة- آية 3.
630
دلت الآية على أنه منكر و زور، و لا ريب في تحريم كل منهما، و نقل في الشرائع قولا بأنه محرم، و لكن يعفي عن فاعله يعني في الآخرة، فلا يعاقب عليه استنادا إلى قوله تعالى في آخر الآية «وَ إِنَّ اللّٰهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ».
قال في المسالك: و هذا القول ذكره بعض المفسرين و لم يثبت عن الأصحاب ثم تنظر فيه بأنه لا يلزم من وصفه تعالى بالعفو و الغفران فعليتهما بهذا النوع من المعصية، و ذكره بعده لا يدل عليه. نعم لا يخلو من باعث على الرجاء و الطمع في عفو الله تعالى، إلا أنه لا يلزم منه وقوعه به بالفعل، و نظائره في القرآن كثيرة مثل قوله تعالى «وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ فِيمٰا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَ لٰكِنْ مٰا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَ كٰانَ اللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً» (1) مع أنه لم يقل أحد بوجوب عفوه عن هذا الذنب المذكور قبله- إلى أن قال:- و الحق أنه كغيره من الذنوب أمر عقابها راجع إلى مشية الله تعالى، انتهى.
و السبب في نزول هذه الآية ما رواه
الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره (2) بسنده المذكور فيه عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن امرأة من المسلمات أتت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالت: يا رسول الله إن فلانا زوجي و قد نثرت له بطني و أعنته على دنياه و آخرته، لم ير مني مكروها، أشكوه إليك، قال: فيم تشكونيه؟
قالت: إنه قال: أنت علي حرام كظهر أمي، و قد أخرجني من منزلي فانظر في أمري، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ما أنزل الله تبارك و تعالى كتابا أقضي فيه بينك و بين زوجك، و أنا أكره أن أكون من المتكلفين، فجعلت تبكي و تشتكي ما بها إلى الله عز و جل و إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و انصرفت، قال: فسمع الله تبارك و تعالى
____________
(1) سورة الأحزاب- آية 5.
(2) تفسير القمي ج 2 ص 353 ط النجف الأشرف و فيه اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 506 ب 1 ح 2 لحد قوله «هذا حد الظهار» مع اختلاف يسير و أما بقية الحديث فمذكور في ص 509 ب 2 ح 1.
631
مجادلتها لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في زوجها و ما شكت إليه، و أنزل الله عز و جل في ذلك قرآنا «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللّٰهُ قَوْلَ الَّتِي تُجٰادِلُكَ فِي زَوْجِهٰا وَ تَشْتَكِي إِلَى اللّٰهِ وَ اللّٰهُ يَسْمَعُ تَحٰاوُرَكُمٰا- إلى قوله- وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً وَ إِنَّ اللّٰهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ» قال: فبعث رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى المرأة، فأتته فقال لها: جيئني بزوجك، فأتت به، فقال له: أ قلت لامرأتك هذه أنت على حرام كظهر أمي؟ فقال: قد قلت لها ذلك، فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): قد أنزل الله فيك و في امرأتك قرآنا و قرأ: «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللّٰهُ قَوْلَ الَّتِي تُجٰادِلُكَ فِي زَوْجِهٰا وَ تَشْتَكِي إِلَى اللّٰهِ وَ اللّٰهُ يَسْمَعُ تَحٰاوُرَكُمٰا إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسٰائِهِمْ مٰا هُنَّ أُمَّهٰاتِهِمْ إِنْ أُمَّهٰاتُهُمْ إِلَّا اللّٰائِي وَلَدْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً وَ إِنَّ اللّٰهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ» فضم إليك امرأتك، فإنك قد قلت منكرا من القول و زورا، و قد عفا الله عنك و غفر لك و لا تعد، قال: فانصرف الرجل و هو نادم على ما قال لامرأته.
و كره الله عز و جل ذلك للمؤمنين بعد و أنزل الله «الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا» يعني ما قال الرجل الأول لامرأته أنت علي حرام كظهر أمي، قال: فمن قالها بعد ما عفا الله و غفر للرجل الأول، فإن عليه «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا» يعني مجامعتها «ذٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً» قال: فجعل عقوبة من ظاهر بعد النهي هذا، ثم قال «ذٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ» قال: هذا حد الظهار.
و قال حمران (1) قال أبو جعفر (عليه السلام): و لا يكون ظهار في يمين، و لا في إضرار، و لا في غضب، و لا يكون ظهار إلا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين».
و رواه ثقة الإسلام في الكافي (2) في الحسن عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله.
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 509 ب 2 ح 1 و فيه اختلاف يسير.
(2) الكافي ج 6 ص 152 ح 1 و فيه اختلاف يسير.
632
و أنت خبير بأن المفهوم من هذا الخبر أن ذكر العفو و المغفرة في آخر هذه الآية إنما هو بالنسبة إلى ذلك الرجل الأول الذي كان هو السبب في نزول الآية لا بالنسبة إلى كل من ظاهر، فإن هذا الرجل المشار إليه كان جاهلا بتحريم ذلك، و من ثم عفا الله عنه، و أما من علم بعد ذلك فإنه لا يدخل تحت الآية، بل تجب عليه الكفارة عقوبة لما ارتكبه من ذلك الفعل المحرم كما صرح به (عليه السلام)، في الخبر المذكور.
و بما ذكرناه من التفصيل يظهر لك ما في كلام شيخنا المتقدم ذكره من الإجمال، و أن الفاعل لذلك مطلقا تحت المشية، فإنه لا معنى له، إذ الأول كما عرفت معفو عنه لجهله، و الثاني حيث كان عالما بتحريم ما ارتكبه فإنه يجب عليه الكفارة عقوبة لما ارتكبه، فلا معنى لقياس هذا الفرد على غيره من الذنوب الداخلة تحت المشية، بل الحكم فيه بمقتضى الخبر المذكور هو ما عرفت.
و روى الصدوق في من لا يحضره الفقيه (1) بطريقه إلى ابن أبي عمير عن أبان و غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان رجل على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقال له أوس ابن الصامت، و كانت تحته امرأة يقال لها خولة بنت المنذر، فقال لها ذات يوم: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم و قال لها: أيتها المرأة ما أظنك إلا و قد حرمت علي فجاءت إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالت: يا رسول الله إن زوجي قال لي: أنت علي كظهر أمي، و كان هذا القول فيما مضى يحرم المرأة على زوجها، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):
ما أظنك إلا و قد حرمت، فرفعت المرأة يدها إلى السماء فقالت: أشكو إلى الله فراق زوجي، فأنزل الله عز و جل يا محمد «قَدْ سَمِعَ اللّٰهُ قَوْلَ الَّتِي تُجٰادِلُكَ فِي زَوْجِهٰا» الآيتين، ثم أنزل الله عز و جل الكفارة في ذلك فقال «وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ» الآيتين.
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 340 ح 4 و فيه اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 506 ب 1 ح 1.
633
أقول: يمكن حمل إجمال الخبر الأول على هذا الخبر المذكور فيه اسم الرجل و المرأة فتكون القصة واحدة، و إن فصلت أحكامها في الرواية الاولى و أجملت في الثانية، و إلا فيشكل الجمع بينهما لو تعددت القصة.
و روى المرتضى علي بن الحسين في رسالة المحكم و المتشابه (1) نقلا من تفسير النعماني بإسناده إلى علي (عليه السلام) قال: «و أما المظاهرة في كتاب الله عز و جل فإن العرب كانت إذا ظاهر رجل منهم من امرأته حرمت عليه إلى آخر الأبد، فلما هاجر رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) كان بالمدينة رجل من الأنصار يقال له أوس بن الصامت، و كان أول رجل ظاهر في الإسلام فجرى بينه و بين امرأته كلام، فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم إنه ندم على ما كان منه، فقال: ويحك إنا كنا في الجاهلية تحرم علينا الأزواج في مثل هذا قبل الإسلام، فلو أتيت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فسألته عن ذلك، فجاءت المرأة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فأخبرته، فقال: ما أظنك إلا و قد حرمت عليه إلى آخر الأبد، فجزعت و بكت، و قالت: أشكو إلى الله فراق زوجي، فأنزل الله عز و جل «قَدْ سَمِعَ اللّٰهُ قَوْلَ الَّتِي تُجٰادِلُكَ فِي زَوْجِهٰا- إلى قوله- وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ» الآية، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): قولي لأوس زوجك يعتق نسمة فقالت: و أنى له نسمة، و الله ما له خادم غيري، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: إنه شيخ كبير لا يقدر على الصيام، قال: فمريه فليتصدق على ستين مسكينا فقالت: و أنى له الصدقة، فوالله ما بين لابتيها أحوج منا، قال: فقولي له: فليمض إلى أم المنذر فليأخذ منها شطر وسق تمر فليتصدق على ستين مسكينا» الحديث.
أقول: هذا الخبر لا يخلو من الإشكال، فإن ما تضمنه من وجوب الكفارة يرده ظاهر الآية بالتقريب الذي قدمنا ذكره، و ما صرح به في الخبر الأول من العفو و المغفرة عن الأول، و أن الكفارة إنما على من علم بالتحريم بعد هذه القصة ثم ظاهر لقوله (عليه السلام) «فمن قالها بعد ما عفا الله و غفر للرجل الأول فإن عليه تحرير
____________
(1) الوسائل ج 15 ص 508 ب 1 ح 4 و فيه «تسأليه» بدل «فسألته».
634
رقبة- إلى أن قال:- فجعل عقوبة من ظاهر بعد النهى هذا» الحديث، و أيضا فإن الظاهر أن الظهار هنا لم يستجمع شرائط الظهار الموجبة للتكفير، سيما الشاهدين فإنه لم يتقرر بعد، و إنما تقرر و رتبت عليه الأحكام بعد هذه القضية.
إذا تقرر ذلك فاعلم أن البحث في هذا الكتاب يقع في الصيغة و المظاهر و المظاهرة، و ما يترتب على ذلك من الأحكام، فها هنا مطالب أربعة:
[المطلب] الأول في الصيغة:
لا خلاف و لا إشكال في انعقاد الظهار بقوله أنت علي كظهر أمي، قيل و في معنى علي غيرها من الألفاظ كمني و عندي ولدي و معي، و كذا يقوم مقام أنت ما شابهها من الألفاظ الدالة على تميزها من غيرها كهذه أو فلانة.
و لو قال: أنت كظهر أمي بحذف حرف الصلة فالأكثر على أنه ظهار، و استشكله العلامة في التحرير، و وجهه في المسالك بأنه مع ترك حرف الصلة يحتمل أنه أراد كونها محرمة على غيره حرمة ظهر امه عليه.
و فيه أن الاحتمال لا ينافي الظهور، و الظاهر المتبادر من هذا اللفظ إنما هو إرادة التحريم على نفسه الذي به يصدق الظهار، و العمل إنما هو على الظاهر في جميع الموارد.
بقي هنا مواضع وقع الخلاف فيها: ما لو شبهها بظهر غير الام من المحارم نسبا أو رضاعا.
فقيل بأنه لا يقع، و هو اختيار الشيخ في الخلاف و ابن إدريس في السرائر، محتجا عليه بأن الظهار حكم شرعي، و قد ثبت وقوعه إذا علق بالظهر و أضيف إلى الأم، و لم يثبت ذلك في باقي الأرحام و لا المحرمات.
و استدل له بعض الأصحاب بما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن سيف التمار
____________
(1) الكافي ج 6 ص 157 ح 18، التهذيب ج 8 ص 10 ح 5، الوسائل ج 15 ص 511 ب 4 ح 3.
635
قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يقول لامرأته أنت علي كظهر أختي أو عمتي أو خالتي؟ قال: فقال: إنما ذكر الله الأمهات، و أن هذا الحرام».
و رد ذلك جملة من المتأخرين منهم السيد السند في شرح النافع و قبله جده في المسالك و من تأخر عنهما بأن الرواية غير دالة على ذلك بل هي بالدلالة على نقيضه أشبه، فإن الظاهر من قوله «و أن هذا الحرام» في هذه الرواية إنه ظهار محرم و إن لم يكن ذكره الله في كتابه.
أقول: و من المحتمل قريبا إن لم يكن هو الأقرب أن الإشارة في الخبر إنما توجهت إلى الذي ذكره في كتابه لا إلى الأخت و ما بعدها، و يؤيده أنه الأقرب و المعنى أن الذي ذكره في كتابه و رتب عليه الظهار إنما هو الام و هو الحرام الذي أشار إليه عز و جل بقوله «وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً» لا الأخت و نحوها، هذا هو الظاهر من الخبر، و عليه بني الاستدلال. و أما ما ذكروه فإنه و إن احتمل إلا أن الظاهر بعده، و على هذا يكون الخبر دليلا للقول المذكور لا يعتريه فتور و لا قصور، إلا أنه معارض بغيره كما ستقف عليه.
و قيل بأنه يقع بالتشبيه بالمحرمات النسبية المؤيد تحريمهن، و هو قول ابن البراج.
قال في المهذب: فإن شبهها بامرأة محرمة عليه على التأييد غير الأمهات كالبنات و بنات الأولاد و الأخوات و بناتهن و العمات و الخالات، فعندنا أنهن يجرين مجرى الأمهات، و أما النساء المحرمات عليه بالرضاع و المصاهرة فالظاهر أنه لا يكون بهن مظاهر، انتهى.
و يدل على هذا القول صريحا ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الظهار فقال: هو من كل ذي محرم أم أو أخت
____________
(1) الكافي ج 6 ص 153 ح 3، التهذيب ج 8 ص 9 ح 1، الفقيه ج 3 ص 340 ح 3، الوسائل ج 15 ص 511 ب 4 ح 1.
636
أو عمة أو خالة، و لا يكون الظهار في يمين، قلت: و كيف يكون؟ قال: يقول الرجل لامرأته و هي طاهر في غير جماع أنت علي حرام مثل ظهر أمي أو أختي، و هو يريد بذلك الظهار».
و ما رواه
في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن جميل بن دراج قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يقول لامرأته أنت علي كظهر عمته أو خالته، قال: هو الظهار».
و عن يونس عن بعض رجاله (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في حديث يأتي ذكره قريبا قال: «و كذلك إذا هو قال: كبعض المحارم فقد لزمته الكفارة».
و قيل: بإضافة المحرمات الرضاعية إلى المحرمات النسبية، و هو قول الأكثر على ما ذكره في المسالك، و مثله سبطه في شرح النافع.
أقول: ممن ذكر هذا القول صريحا الشيخ في المبسوط حيث قال: إذا شبهها بامرأة تحرم لا على التأبيد كالمطلقة ثلاثا أو أخت امرأته أو عمتها أو خالتها لم يكن مظاهرا بلا خلاف و إن شبهها بمحرمة على التأبيد غير الأمهات و الجدات كالبنات و بنات الأولاد و الأخوات و بناتهن و العمات و الخالات، فروى أصحابنا أنهن يجرين مجرى الأمهات. و أما النساء و المحرمات عليه بالرضاع أو المصاهرة فالذي يقتضيه مذهبنا أن من يحرم عليه بالرضاع حكمه حكم من يحرم بالنسب
لقوله (عليه السلام) «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
و أما من يحرم عليه عليه بالمصاهرة فينبغي أن لا يكون مظاهرا لأنه لا دليل عليه، و نحوه ابن حمزة (3) و ابن الجنيد
____________
(1) الكافي ج 6 ص 155 ح 10، التهذيب ج 8 ص 9 ح 3، الوسائل ج 15 ص 511 ب 4 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 161 ح 36، الوسائل ج 15 ص 512 ب 4 ح 4.
(3) قال ابن حمزة: لو شبهها بواحدة من المحرمات نسبا أو رضاعا وقع، و قال ابن الجنيد: و الظهار بكل من حرم الله عليه و وطؤها بالنسب و الرضاع واقع، كقول الرجل أنت على كظهر أمي أو ابنتي أو مرضعتي أو ابنتها، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
637
فإنهما صرحا بذلك.
و أما باقي الأصحاب ممن نسب إليه هذا القول كالشيخ في النهاية و الشيخ المفيد و الصدوق فإنما هو من حيث الإطلاق، و نحوهم غيرهم كابن أبي عقيل و ابن البراج في الكامل و سلار و أبي الصلاح و ابن زهرة، و يمكن أن يستدل على هذا القول زيادة على ما ذكره في المبسوط من حديث «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» بإطلاق مرسلة يونس المذكورة، و كذا إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة «هو من كل ذي محرم» و لا ينافيه تخصيص العد بالأم و الأخت و من معهما، لأن الظاهر أن ذلك إنما خرج مخرج التمثيل لا الحصر، و لا للزوم الحصر في هذه الأفراد المذكورة في الرواية، و النص و الإجماع على خلافه.
و قيل: بإضافة محرمات المصاهرة، و هو اختيار العلامة في المختلف، حيث قال بعد نقل أقوال المسألة: و الوجه عندي الوقوع إذا شبهها بالمحرمات على التأبيد، سواء النسب و الرضاع و المصاهرة للاشتراك في العلة. و الظاهر أنه أراد بها تأبيد التحريم، فإنه مشترك بين النسب و الرضاع و المصاهرة.
و أورد عليه بأن هذه العلة مستنبطة فلا عبرة بها. نعم يمكن الاستدلال عليه بإطلاق صحيحة زرارة و رواية يونس المذكورتين، لصدق كل ذي محرم على المحرمات بالمصاهرة، و التمثيل بذي المحرم النسبي لا يفيد الحصر فيه، و ظاهر السيد السند الميل إلى هذا القول (1) لإطلاق الصحيحة المذكورة و هو غير بعيد، بل لا يخلو من قرب.
و منها: أنه هل يقع بغير لفظ الظهر كأن يقول كبطن أمي أو يدها أو رجلها أو شعرها أم لا؟ قولان:
(أولهما) للشيخ- (رحمه الله)- في الخلاف و جماعة مدعيا عليه في الخلاف إجماع
____________
(1) و اليه يميل كلام جده في المسالك، حيث قال بعد الاستدلال عليه بصحيحة زرارة بالتقريب المذكور: و في هذا القول قوة. (منه- (قدس سره)-).
638
الفرقة، و أنه إذا قال ذلك و فعل ما يجب على المظاهر كان أحوط في استباحة الوطء و إذا لم يفعل كان مفرطا.
و (ثانيهما) للسيد المرتضى- رضي الله عنه- في الانتصار مدعيا عليه الإجماع، و تبعه ابن إدريس و ابن زهرة و جمع من الأصحاب و عليه المتأخرون.
و الذي وقفت عليه من الأخبار هنا ما رواه
في الكافي (1) عن يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل قال لامرأته أنت علي كظهر أمي أو كيدها أو كبطنها أو كفرجها أو كنفسها أو ككعبها، أ يكون ذلك الظهار؟
و هل يلزمه فيه ما يلزم المظاهر؟ فقال: المظاهر إذا ظاهر من امرأته فقال هي عليه كظهر امه أو كيدها أو كرجلها أو كشعرها أو كشيء منها ينوي بذلك التحريم فقد لزمته الكفارة في كل قليل منها أو كثير، و كذلك إذا هو قال كبعض ذوات المحارم فقد لزمته الكفارة».
و ما رواه
الشيخ في التهذيب (2) عن سدير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له:
الرجل يقول لامرأته أنت علي كشعر أمي أو ككفها أو كبطنها أو كرجلها، قال: ما عنى؟ إن أراد أنه الظهار فهو الظهار».
و هذان الخبران كما ترى ظاهران فيما ذهب إليه الشيخ و من تبعه من وقوع الظهار بهذه الصيغة.
و جملة من المتأخرين كصاحب المسالك و سبطه ذكروا الرواية الثانية دليلا للشيخ و ردوها بضعف السند.
و أنت خبير بأن من لا يعمل بهذا الاصطلاح كالشيخ و أمثاله من المتقدمين و جملة من متأخري المتأخرين فإنه لا مناص له من العمل بالخبرين المذكورين لعدم المعارض في البين، و غاية ما استدل به لقول السيد المرتضى بأن الأصل
____________
(1) الكافي ج 6 ص 161 ح 36، الوسائل ج 15 ص 517 ب 9 ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 10 ح 4، الوسائل ج 15 ص 517 ب 9 ح 2.
639
الإباحة إلا ما خرج عنها بدليل أو إجماع، و هو الظهر، فيبقى الباقي على الأصل و لأن الظهار مشتق من الظهر، فإذا علق بغيره بطل الاسم المشتق منه، و هذه التعليلات عند من يعمل بالخبرين المذكورين غير مسموعة، لأنها مجرد اجتهاد في مقابلة النصوص، و الأصل الذي اعتمدوه يجب الخروج عنه بالنص المذكور.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنهم في هذا الموضع قد ذكروا صورا عديدة تفريعا على التشبيه، و النسبة فيه من كونه بين الجملة و الجملة أو الأجزاء و الأجزاء أو الجملة و الأجزاء، ذلك مما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.
الاولى: أن يقع التشبيه بين جملة الزوجة و ظهر الام، و هو أن يقول: أنت علي كظهر أمي، و هذا هو المتفق عليه إجماعا نصا و فتوى، و قد تقدم ما الحق به مما هو في معناه من تبديل حرف الصلة و تبديل اللفظ الدال على التعيين.
الثانية: أن يقع بين جملة الزوجة و جزء آخر من الام غير الظهر، سواء كان مما لا يتم حياتها إلا به كوجهها و رأسها و بطنها أو يتم كيدها و رجلها، و سواء حلته الحياة أم لا، و هذه الصورة هي محل البحث المتقدم، و قد عرفت الخلاف فيه و ما يتعلق به من الأخبار.
الثالثة: أن يشبه بالجملة بالجملة بأن يقول أنت علي كأمي، أو بدنك أو جسمك علي كبدن أمي أو جسمها، و في وقوع الظهار به قولان مبنيان على ما سبق، و الشيخ حيث قد حكم فيما سبق بالوقوع حكم به هنا، قال: لأن صحته مع تشبيهه بتلك الأجزاء تستلزم صحته مع التشبيه بنفسها بطريق أولى لاشتمالها على تلك الأجزاء و زيادة، و لاشتمال جملتها على ظهرها الذي هو مورد النص، فيدل عليه تضمنا.
و أجيب عنه بمنع الأصل و الأولوية، فإن الأسباب الشرعية لا تقاس، و نمنع من دخول الظهر في قوله أنت، و جاز أن يكون لتخصيصه فائدة باعثة على الحكم، و الأكثر كما ذكره في المسالك على عدم الوقوع بذلك لفوت الشرط و هو التشبيه بالظهر كما قد علم من السابق.
640
أقول: و نحن و إن اخترنا مذهب الشيخ ثمة لما عرفت من دلالة الخبرين المذكورين عليه إلا أن حمل هذه الصورة عليه كما ذكره لا يخرج عن ظلمة الالتباس المحتملة للوقوع في القياس.
الرابعة: أن يشبه بعض أجزاء الزوجة بجملة الأم كأن يقول يدك أو رأسك أو رجلك علي كأمي، و فيه القولان السابقان. فالشيخ قال بصحته لأنه مركب من أمرين صحيحين، و فيه منع ظاهر مما تقدم.
الخامسة: أن يشبه جزء الزوجة بظهر الأم بأن يقول بذلك و فرجك كظهر أمي، و صححه الشيخ أيضا بطريق أولى، و الأشهر الأظهر العدم لما عرفت.
السادسة: أن يشبه الجزء بالجزء كأن يقول يدك علي كيد أمي، و صححه الشيخ مع قصد الظهار، و دليله مركب مما سبق، و الأشهر الأظهر العدم كما تقدم.
السابعة: أن يقع التشبيه بين الزوجة بصورها الست المذكورة و غير الام من المحارم، فإن وقع بين الجملة من الزوجة و بين الظهر من تلك المشبه بها فقد عرفت صحته مما تقدم.
و إن وقع بين الجملة من الزوجة و الجزء من المحارم غير الظهر فالظاهر بطلانه، و يظهر من المحقق ادعاء عدم الخلاف في ذلك.
و في المختلف (1) إن بعض علمائنا قال بوقوعه و آخرون بعدمه، و نقل الخلاف في ذلك عن ابن إدريس.
و إن وقع بين الجملة و الجملة بغير لفظ الظهر فالقولان، و بالجملة فالظاهر الوقوف على موارد النصوص، و إن ضعف سندها بهذا الاصطلاح المحدث، و الله العالم.
____________
(1) قال في المختلف: لو شبهها بإحدى المحرمات غير الام بغير لفظ الظهر كقوله أنت على كيد أختي أو ابنتي قال بعض علمائنا: لا يقع، و قال آخرون بالوقوع، و نقلهما ابن إدريس، انتهى. (منه- (قدس سره)-).
641
تنبيهات
الأول [عدم وقوع الظهار بما عدا من حرم بالنسب أو الرضاع أو المصاهرة]
لا خلاف في أن ما عدا من حرم بالنسب أو الرضاع أو المصاهرة من المحرمات الغير المؤبدة فإنه لا يقع بهن ظهار، و قد تقدم في عبارة الشيخ في المبسوط ما يدل على أنه لا خلاف فيه.
و قال في المسالك: أما من لا يحرم مؤبدا كأخت الزوجة و بنت غير المدخول بها مما يحرم جمعا خاصة فحكمهما حكم الأجنبية في جميع الأحكام لأن تحريمهما يزول بفراق الام و الأخت كما يحرم جميع نساء العالم على المتزوج أربعا، و يحل له كل واحدة ممن ليست محرمة بغير ذلك على وجه التخيير بفراق واحدة من الأربع، و الأولى بعدم الوقوع تشبيها بعمة الزوجة و خالتها، لأن تحريمهما ليس مؤبدا عينا و لا جمعا مطلقا بل على وجه مخصوص كما لا يخفى، انتهى.
و أنت خبير بأن ظاهر كلامهم يدور في صحة المظاهرة و عدمها على كون المشبه بها مؤبدة التحريم و عدمه، فإن كان تحريمها مؤبدا صح أن يشبه بها في الظهار، و يكون ظهارا صحيحا، و إلا فلا.
و فيه أن هنا جملة من الأفراد التي تحريمها مؤبدا كما تقدم في كتاب النكاح مثل المطلقة تسعا، و أم من لاط به و بنته و أخته، و من زنى بها و هي ذات بعل أو في عدة رجعية، و نحو ذلك مما تقدم. فإن التحريم في الجميع مؤبد و هي خارج عن الأفراد الثلاثة المتقدمة، مع أن الظاهر أنه لا يقع الظهار بالتشبيه بإحداهن اتفاقا.
و بالجملة فإني لا أعرف للتقييد بالتأبيد هنا وجها وجيها، بل ينبغي أن يجعل الحكم منوطا بكل من خرج عن الأفراد الثلاثة سواء كان تحريمه مؤبدا أم لا، فإنه لا يقع الظهار به.
الثاني [تحريم التشبيه بالجدة]
ظاهر الأصحاب أنه لا ريب في تحريم التشبيه بالجدة لأب كانت أو
642
أم على تقدير القول بوقوع الظهار بالتشبيه بالمحرمات النسبية، و إنما الكلام على تقدير الاختصاص بالأم فهل يتعدى إلى الجدة مطلقا؟ وجهان:
(أحدهما) نعم، لصدق الام عليها في قوله «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ» (1) فإن المراد بالأمهات من ولدته بلا واسطة أو بواسطة و إن علت و الأصل في الاستعمال الحقيقة، و يؤيده أنهن يشاركن الأم في سقوط القصاص و وجوب النفقة.
(و ثانيهما) لا، لجواز سلبها عنها فيقال: ليست أمي بل أم أبي أو أم أمي، و لقوله عز و جل «إِنْ أُمَّهٰاتُهُمْ إِلَّا اللّٰائِي وَلَدْنَهُمْ» (2) و هي مفيدة للحصر.
و أنت خبير بما في الثاني من القصور لضعف مستنده المذكور.
أما أول دليله فإنه إن أراد بقوله «ليست أمي» إن أراد على الإطلاق منعنا السلب، و هو أول المسألة، فالاستدلال به مصادرة محضة، و إن أراد به يعني بلا واسطة بل هي أمي بالواسطة فلا ضير فيه.
و أما ثاني دليله فلصدق ولادتها له بولادة أحد أبويه، و المراد ولدتا بواسطة أو غير واسطة، مع أن الحصر في ظاهر الآية إنما هو إضافي بالنسبة إلى المظاهر من امرأته بكونها كأمه في التحريم عليه فلا تعلق لها بما نحن فيه، و بذلك يظهر لك قوة الوجه الأول من الوجهين المذكورين.
الثالث [في اشتراط سماع الشاهدين لنطق المظاهر]
لا خلاف في أنه يشترط في صحة الظهار و ترتب أحكامه عليه سماع الشاهدين لنطق المظاهر و أن يكون ظاهرها في طهر لم يقربها فيه.
و من الأخبار الدالة على ما قلناه ما تقدم
في صحيحة زرارة (3) من قوله (عليه السلام) «يقول الرجل لامرأته و هي طاهر في غير جماع: أنت علي حرام مثل ظهر أمي، و هو يريد بذلك الظهار».
____________
(1) سورة النساء- آية 23.
(2) سورة المجادلة- آية 3.
(3) الكافي ج 6 ص 153 ذيل ح 3، التهذيب ج 8 ص 9 ح 1، الفقيه ج 3 ص 340 ح 3 و ما في المصادر زيادة «أو أختي»، الوسائل ج 15 ص 509 ب 2 ح 2.
643
و ما رواه
في الكافي (1) في الحسن عن حمران في حديث قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): لا يكون ظهار في يمين و لا في إضرار و لا في غضب، و لا يكون ظهار إلا في طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين».
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (2) عن ابن فضال عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يكون الظهار إلا على مثل موضع الطلاق».
و رواه
الصدوق (3) بإسناده عن ابن فضال و عن حمزة بن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام)، في حديث قال: «لا يكون ظهار الا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين».
و رواه الصدوق (4) بإسناده عن الحسن بن محبوب عن أبي ولاد عن حمزة بن حمران مثله.
و ما دل عليه ظاهر هذين الخبرين من الاكتفاء بإسلام الشاهدين يجب حمله على التقية لما دلت عليه الآية و جملة من الأخبار الصحيحة من اشتراط العدالة التي هي أمر زائد على الإسلام، و قد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام بما لا يحوم حوله نقض و لا إبرام في بحث صلاة الجمعة من الجلد الثاني من كتاب الصلاة. (5)
الرابع [في وقوع الظهار بالتشبيه بمحارم الرجال]
لا خلاف بين الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- في أنه لا ينعقد الظهار
____________
(1) الكافي ج 6 ص 152 ح 1، التهذيب ج 8 ص 10 ح 8، الفقيه ج 3 ص 345 ح 20، الوسائل ج 15 ص 509 ب 2 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 154 ح 5، التهذيب ج 8 ص 13 ح 19، الفقيه ج 3 ص 340 ح 2 رواه مرسلا و فيه «الا على موضع الطلاق»، الوسائل ج 15 ص 509 ب 2 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 153 ذيل ح 1، الفقيه ج 3 ص 345 ذيل ح 20 مع اختلاف يسير، التهذيب ج 8 ص 10 ذيل ح 8، الوسائل ج 15 ص 510 ب 2 ح 4 و ما في المصادر «عن حمران» و ليس فيها «ابن فضال».
(4) الفقيه ج 3 ص 345 ح 20، الوسائل ج 15 ص 510 ب 4 ح 2 و فيهما «عن حمران».
(5) الحدائق ج 10 ص 12.
644
بقول الزوج كظهر أبي و أخي و عمي، و قد ذكر الأصحاب ذلك هنا تنبيها على خلاف بعض العامة، حيث حكم بوقوع الظهار بالتشبيه بمحارم الرجال.
و فيه (أولا) أنه لا دليل عليه و أصالة الإباحة ثابتة حتى يقوم دليل على خلافها.
(و ثانيا) أن الرجل ليس محل الاستمتاع و لا في معرض الاستحلال، و هكذا لو قالت الزوجة أنت علي كظهر أبي أو أمي فإنه لا يفيد التحريم إجماعا، لأن الظهار كالطلاق مختص بالرجال.
و على ذلك يدل أيضا ما رواه
ثقة الإسلام و الصدوق في كتابيهما (1) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا قالت المرأة زوجي علي حرام كظهر أبي فلا كفارة عليها».
الخامس [في تعليق الظهار على الشرط]
اختلف الأصحاب في تعليق الظهار على الشرط كأن يقول إن دخلت الدار أو فعلت كذا فأنت علي كظهر أمي مريدا به التعليق، فهل يقع الظهار متى وجد الشرط أم لا؟ قولان.
اختار أولهما الشيخ في النهاية و الخلاف و المبسوط و الصدوق في المقنع و به قال ابن حمزة و العلامة و المحقق في النافع، و نقله في المسالك عن أكثر المتأخرين قال: إنه الأقوى، و كذا اختاره سبطه في شرح النافع.
و اختار ثانيهما المرتضى- رحمة الله عليه- في الانتصار و الشيخ المفيد- (رحمه الله)- و ابن البراج في كتابيه الكامل و المهذب و سلار و أبو الصلاح و ابن زهرة، و هو ظاهر ابن الجنيد، و به صرح ابن إدريس فقال: و هو الأظهر بين أصحابنا الذي يقتضيه أصول المذهب، لأنه لا خلاف بينهم أن حكمه حكم الطلاق، و لا خلاف بينهم أن الطلاق لا يقع إذا كان مشروطا، و هو اختيار السيد المرتضى و شيخنا
____________
(1) الكافي ج 6 ص 159 ح 27، الفقيه ج 3 ص 346 ح 22، الوسائل ج 15 ص 534 ب 21 ح 1.
645
المفيد و عليه جملة أصحابنا و هو اختيار المحقق في الشرائع و ظاهره أنه قول الأكثر و أن القول الآخر نادر، مع أنه في النافع و هو متأخر عن الشرائع جعل القول بالصحة مع الشرط أشهر الروايتين.
و الأصل في الخلاف اختلاف أخبار المسألة المذكورة، فالواجب ذكر ما وصل إلينا من أخبارها ثم الكلام فيها بما رزق الله تعالى فهمه منها ببركة أهل الذكر (عليهم السلام).
و منها ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب (1) عن عبد الرحمن ابن الحجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الظهار ضربان أحدهما فيه الكفارة قبل المواقعة، و الآخر بعدها، فالذي يكفر قبل المواقعة الذي يقول أنت علي كظهر أمي و لا يقول: إن فعلت بك كذا و كذا. و الذي يكفر بعد المواقعة هو الذي يقول: أنت علي كظهر أمي إن قربتك».
و ما رواه
الشيخ عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) «قال الظهار على ضربين في أحدهما الكفارة إذا قال أنت علي كظهر أمي و لا يقول أنت علي كظهر أمي إن قربتك».
و عن حريز (3) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الظهار ظهاران فأحدهما أن يقول أنت علي كظهر أمي ثم سكت، فكذلك الذي يكفر قبل أن يواقع، فإذا قال أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا و كذا ففعل فعليه الكفارة حين يحنث».
و هذه الروايات ظاهرة الدلالة على القول الأول، و يؤيدها عموم الآيات الدالة على وقوع الظهار المتناولة لموضع النزاع، و عموم (4) «المؤمنين عند شروطهم».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 160 ح 32، التهذيب ج 8 ص 12 ح 15، الوسائل ج 15 ص 529 ب 16 ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 13 ح 16، الوسائل ج 15 ص 531 ب 16 ح 8.
(3) التهذيب ج 8 ص 12 ح 14، الوسائل ج 15 ص 530 ب 16 ح 7 و ليس فيه «قبل أن يواقع» مع اختلاف يسير فيهما.
(4) الكافي ج 5 ص 404 ح 8 و 9.
646
و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب (1) عن القاسم بن محمد الزيات قال: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إني ظاهرت من امرأتي، فقال: كيف قلت؟ قال: قلت:
أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا و كذا، فقال: لا شيء عليك فلا تعد».
و ما رواه
في الكافي (2) في الموثق عن ابن بكير عن رجل من أصحابنا قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إني قلت لامرأتي أنت علي كظهر أمي إن خرجت من باب الحجرة فخرجت، فقال: ليس عليك شيء، قلت: إني قوي على أن اكفره؟
فقال: ليس عليك شيء، إني قوي على أن أكفر رقبة و رقبتين، قال: ليس عليك شيء قويت أو لم تقو».
و التقريب فيهما أن «شيئا» في الخبرين نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب (3) عن ابن فضال عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يكون الظهار إلا على مثل موضع الطلاق».
و التقريب فيه أن الطلاق لا يقع معلقا على الشرط، و حينئذ فيجب أن يكون الظهار كذلك، لأنه كالطلاق بمقتضى الخبر المذكور.
و أجاب في المسالك و مثله سبطه في شرح النافع و قبلهما العلامة في المختلف عن الروايات بضعف السند، فلا تنهض حجة في مقابلة تلك الأخبار الصحاح، و الأخير لا يدل على محل النزاع، إذ الظاهر أنه إنما يريد بموضع الطلاق الشرائط المعتبرة فيه من الشاهدين و طهارتها من الحيض و انتقالها إلى غير طهر المواقعة، و نحو ذلك.
أقول: ما ذكره- (قدس سره)- من عدم ظهور الخبر الثالث في الدلالة لاحتماله لما ذكره جيد، و عليه يدل ما قدمناه من الأخبار في التنبيه الثالث.
و أما الجواب عن الأخبار بضعف السند فهو جيد على تقدير العمل بهذا
____________
(1) الكافي ج 6 ص 158 ح 24، التهذيب ج 8 ص 13 ح 17، الوسائل ج 15 ص 530 ب 16 ح 4.
(2) الكافي ج 6 ص 154 ح 4، التهذيب ج 8 ص 13 ح 18، الوسائل ج 15 ص 529 ب 16 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 154 ح 5، التهذيب ج 8 ص 13 ح 19، الوسائل ج 15 ص 532 ب 16 ح 13.
647
الاصطلاح المحدث، و أما من لا يعمل به فلا بد له مع العمل بها من تأويلها بما تجتمع به مع الأخبار الأخر، و الشيخ- (رحمه الله)- في التهذيب بعد أن طعن في الخبرين الأولين بضعف الاسناد بتأولهما بتأويلات بعيدة.
و ما رواه
الشيخ (1) عن عبد الرحمن بن أبي نجران قال: «سأل صفوان بن يحيى عبد الرحمن بن الحجاج و أنا حاضر عن الظهار، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا قال الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي لزمه الظهار، قال لها دخلت أو لم تدخلي خرجت أو لم تخرجي أو لم يقل شيئا فقد لزمه الظهار».
أقول: الظاهر أن المراد من الخبر هي أن الظهار لازم بهذه الصيغة، علقه على شيء من الدخول أو عدمه أو الخروج أو عدمه أو لم يعلق، و حينئذ فيكون من أدلة القول الثاني.
و بالجملة فإنه على تقدير العمل بجملة هذه الأخبار كما هو المختار فإن المسألة محل إشكال و إعضال، لعدم حضور وجه وجيه يجتمع عليه في هذا المجال هذا مع إمكان أن يقال إنهم قد صرحوا- كما سيأتي ذكره بعد تمام الكلام في هذه المسألة- بأن الظهار لا يصح مع قصد الحلف به و إن جعل يمينا كما هو عند العامة، و هو في الصورة يشارك التعليق على الشرط الذي هو محل البحث، و إنما يفارقه بالنية و القصد، فإذا قال أنت علي كظهر أمي إن كلمت فلانا و إن تركت الصلاة فإن قصد به الزجر عن الفعل أو البعث عليه فهو يمين، و إن قصد به مجرد التعليق كان ظهارا، و الأخبار و كذا كلام الأصحاب قد منعت من الحلف بالظهار لأن الحلف لا يكون إلا بالله عز و جل، و المخالفون على صحته و صحة الحلف به.
و على هذا فمن المحتمل قريبا حمل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و صحيحة
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 14 ح 22، الوسائل ج 15 ص 531 ب 16 ح 12 و فيه «عن عبد الرحمن بن أبى نجران عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سمعت أبا عبد الله».
648
حريز على التقية، بمعنى أن هذا الفرد المعلق على الشرط فيهما إنما هو من قبيل اليمين، و قد قصد به الزجر أو البعث على الفعل لا مجرد التعليق، و إن الحكم بصحته و وجوب الكفارة به في الخبرين المذكورين إنما هو على جهة التقية لأن العامة يحكمون بصحة الحلف به، و يوجبون الكفارة بالحنث به، و بذلك يتعاظم الإشكال في هذا المجال.
و إلى ما ذكرنا يميل كلام المحدث الكاشاني- رحمة الله عليه- في الوافي حيث استوجه حمل هذه الأخبار على التقية كما ذكرنا.
و روى في الكافي (1) عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن معاوية بن حكيم عن صفوان عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا حلف الرجل بالظهار فحنث فعلية الكفارة قبل أن يواقع، فإن كان منه الظهار في غير يمين فإنما عليه الكفارة بعد ما يوافق».
قال في الكافي بعد نقل هذا الخبر: قال معاوية: و ليس يصح هذا على جهة النظر و الأثر في غير هذا الأثر أن يكون الظهار لأن أصحابنا رووا أن الايمان لا يكون إلا بالله، و كذلك نزل بها القرآن، انتهى.
و قال في الوافي بعد نقل هذا الكلام عن الكافي: أقول: هذا هو الحق و قد مر الاخبار في ذلك، فالخبر محمول على تقدير صحته على التقية لموافقته لمذاهب العامة، انتهى.
أقول: و أكثر أخبار هذا الباب غير خال من الاشكال لما فيه من الاحتمال، و عسى أن نشير إلى جملة منها إن شاء الله تعالى بعد تمام الكلام في هذا المطلب.
بقي هنا شيء ينبغي التنبيه عليه، و هو أن المحقق في الشرائع قال: و لا يقع إلا منجزا فلو علقه بانقضاء الشهر و دخول الجملة لم يقع على القول الأظهر و قيل: إنه يقع و هو نادر.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 160 ح 33، الوسائل ج 15 ص 514 ب 6 ح 6.
649
و أنت خبير بأن المشهور في كلام الأصحاب، و هو الذي دلت عليه الأخبار أن محل الخلاف في هذا الموضع إنما هو التعليق على الشرط دون الصفة، و ظاهر عبارته هنا أن محل الخلاف التعليق على الصفة، فإن ما ذكره من المثالين إنما هو من باب الصفة، و هو الأمر الذي لا بد من وقوعه عادة من غير احتمال تقدم و لا تأخر كالمثالين المذكورين، و أما الشرط فهو عبارة عما يجوز وقوعه عند التعليق و عدمه كقولك إن دخلت الدار و إن فعلت كذا و كذا لنفسه أو المخاطب.
و يمكن أن يقال إن الحكم من أصله مترتب على التعليق سواء كان المعلق عليه صفة أو شرطا، و أن الظاهر من الأخبار صحة و بطلانا إنما هو بالنسبة إلى التعليق، و أنه هل يشترط كونه منجزا لا يعلق على شيء بالكلية أم لا؟ و يؤيده أن هذا القسم فيما علق عليه من هذين الفردين المعبر عن أحدهما بالشرط و عن الآخر بالصفة إنما هو أمر اصطلاحي من كلام الأصحاب لا أثر له في النصوص.
و ربما قيل: إن الخلاف مختص بالشرط عملا بمدلول الأحاديث المذكورة في المسألة، فإن متعلقها الشرط فتبقى الصفة على أصل المنع.
و فيه أن ما ذكر في الأخبار من ذكر الشرط إنما خرج مخرج التمثيل للتعليق فلا يقتضي الحصر فيه، و الظاهر منها أن مرجع الخلاف إلى التخيير و عدمه.
و إلى ما ذكرنا يميل كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك إلا أن المسألة بعد لا تخلو من شوب الاشكال.
السادس [في أنه لا يقع الظهار في يمين و لا إضرار و لا غضب و لا سكر]
قد صرح الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- من غير خلاف يعرف بأنه لا يقع الظهار في يمين و لا في إضرار و لا في غضب و لا في سكر. و تفصيل هذا الإجماع بما يتضح به الحال.
أما بالنسبة إلى كونه لا يقع يمينا فالمراد أنه لا يجعل جزاء على فعل أو ترك لقصد البعث على الفعل أو الزجر عن الترك، و لو علق لا بقصد شيء من هذين
650
الأمرين، فهو محل البحث الذي تقدم الكلام فيه صحة و بطلانا و ليس من اليمين في شيء، و الفارق بين الأمرين هو القصد كما عرفت.
و يدل على عدم صحة قصد اليمين به أولا: ما دل من الآيات و الروايات على عدم الحلف إلا بالله عز و جل.
و ثانيا: ما رواه
في الكافي (1) في الحسن أو الموثق عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا طلاق إلا ما أريد به الطلاق، و لا ظهار إلا ما أريد به الظهار».
و حاصله أنه لا يكون الطلاق طلاقا و لا الظهار ظهارا يترتب على كل منهما أحكامه إلا بالإرادة، و القصد إلى الغرض من كل منهما، و هو الفرقة الخاصة، فلو أراد بالظهار ما تقدم من الزجر أو البعث فقال إن كان كذا أو إن فعلت كذا فامرأته طالق أو كانت كظهر امه عليه فإنه لا يكون طلاقا و لا ظهارا.
و في معنى هذه الرواية
موثقة عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الظهار الواجب، قال: الذي يريد به الرجل الظهار بعينه».
و المراد بالوجوب هنا المعنى اللغوي أي الثابت الذي يترتب عليه أحكامه. و قوله «بعينه» احترازا عما ذكرناه من إرادة معنى آخر غير مجرد المفارقة، و قد تقدم نحو هذا اللفظ في آخر صحيحة زرارة (3) المتقدمة في صدر هذا المطلب
و حسنة حمران (4) المتقدمة في التنبيه
____________
(1) الكافي ج 6 ص 153 ح 2، التهذيب ج 8 ص 9 ح 2 و فيه «عن ابن بكير عن زرارة»، الوسائل ج 15 ص 510 ب 3 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 158 ح 26، التهذيب ج 8 ص 11 ح 9، الفقيه ج 3 ص 345 ح 21، الوسائل ج 15 ص 510 ب 3 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 153 ح 3، التهذيب ج 8 ص 9 ح 1، الفقيه ج 3 ص 340 ح 3، الوسائل ج 15 ص 511 ب 4 ح 1.
(4) الكافي ج 6 ص 153 ذيل ح 1، التهذيب ج 8 ص 10 ح 8، الفقيه ج 3 ص 345 ح 20، الوسائل ج 15 ص 516 ب 7 ح 2.
651
الثالث و فيهما «لا يكون ظهار في يمين و لا في إضرار و لا في غضب».
و روى في الكافي (1) في الصحيح عن صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يصلي الصلاة أو يتوضأ، فيشك فيها بعد ذلك، فيقول: إن أعدت الصلاة أو أعدت الوضوء فامرأته عليه كظهر امه، و يحلف على ذلك بالطلاق، فقال:
هذا من خطوات الشيطان، ليس عليه شيء».
و هذا الخبر مفسر للخبر الأول، فإن الطلاق و الظهار في هذا الخبر لم يقصد معناهما الحقيقي المتبادر منهما، فلذا جعله (عليه السلام) لغوا من القول، و العامة يجعلونه حلفا صحيحا يترتب عليه أثره. (2)
و أما بالنسبة إلى الإضرار فلما تقدم في حسنة حمران (3)، و نقل عن فخر المحققين أنه حكى قولا بوقوع الظهار بالإضرار، لعموم الآية.
قال في شرح النافع: و هو جيد لو لم يعمل بهذه الرواية، و كذا بالنسبة إلى الغضب.
و يدل على عدم الظهار في حال الغضب زيادة على حسنة حمران المذكورة
____________
(1) الكافي ج 6 ص 155 ح 8، الوسائل ج 15 ص 513 ب 6 ح 4.
(2) أقول: و من الاخبار الدالة على بطلان اليمين بالطلاق و الظهار خلافا للعامة ما رواه
عبد الله ابن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن الحسين عن محمد بن سنان قال: «كتب معي عطية المدائني الى أبى الحسن الأول (عليه السلام) يسأله قال: قلت: امرأتي طالق على السنة ان أعدت الصلاة، فأعدت الصلاة، ثم قلت: امرأتي طالق على الكتاب و السنة ان أعدت الصلاة، فأعدت، ثم قلت: امرأتي طالق على الكتاب و السنة ان أعدت الصلاة، فأعدت، فلما رأيت استخفافي بذلك، قلت: امرأتي على كظهر أمي إن أعدت الصلاة، فأعدت، ثم قلت: امرأتي على كظهر أمي إن أعدت الصلاة، فأعدت، ثم قلت: امرأتي على كظهر أمي إن أعدت الصلاة، فأعدت، و قد اعتزلت أهلي منذ سنين، قال: فقال أبو الحسن (عليه السلام):
الأهل أهله و لا شيء عليه، انما هذا و شبهه من خطوات الشيطان».
(منه- (قدس سره)-). قرب الاسناد ص 125 و فيه اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 514 ب 6 ح 7.
(3) التهذيب ج 8 ص 11 ح 8، الوسائل ج 15 ص 516 ب 7 ح 2.
652
أيضا ما رواه
في الكافي (1) عن أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) قال: «الظهار لا يقع على الغضب».
و إطلاق الخبرين المذكورين شامل لمطلق الغضب، ارتفع معه القصد أو لم يرتفع.
و أما بالنسبة إلى السكر فالأمر فيه أظهر، فإن السكران لا شعور له.
و ينبغي أن يضاف إلى هذه الأفراد ما لو أراد أن يرضي بذلك امرأته، و الوجه فيه ظاهر لعدم القصد إلى الظهار بالمعنى المراد به، و لما رواه
في التهذيب (2) عن حمزة بن حمران قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل قال لامرأته أنت علي كظهر أمي، يريد أن يرضي بذلك امرأته؟ قال: يأتيها ليس عليه شيء».
و رواه
في الفقيه (3) عن ابن بكير عن حمران مثله، و في آخره «ليس عليها و لا عليه شيء».
و من الأخبار الدالة على عدم صحته مع قصد الحلف أيضا ما رواه
في الكافي و التهذيب (4) في الموثق عن ابن بكير قال: «تزوج حمزة بن حمران ابنة بكير فلما أراد أن يدخل بها قال له النساء: لسنا ندخلها عليك حتى تحلف لنا و لسنا نرضى أن تحلف لنا بالعتق لأنك لا تراه شيئا، و لكن احلف لنا بالظهار و ظاهر من أمهات أولادك و جواريك فظاهر منهن، ثم ذكر ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال:
ليس عليك شيء، ارجع إليهن».
و هذا الحلف كان على عدم طلاقها كما يفصح به خبر آخر في معناه، و فيه
____________
(1) الكافي ج 6 ص 158 ح 25، الوسائل ج 15 ص 515 ب 7 ح 1.
(2) التهذيب ج 8 ص 10 ح 7، الوسائل ج 15 ص 515 ب 6 ح 9.
(3) الفقيه ج 3 ص 345 ح 15.
(4) الكافي ج 6 ص 154 ح 7، التهذيب ج 8 ص 11 ح 11، الوسائل ج 15 ص 513 ب 6 ح 3 و ما في الكافي و الوسائل «عن عبد الله بن المغيرة».
653
أنهم قالوا له «أنت مطلاق فنخاف أن تطلقها فلا ندخلها عليك حتى تقول إن أمهات أولادك عليك كظهر أمك أن طلقتها» الحديث.
السابع: لو قيد الظهار بمدة معينة
كيوم أو شهر كأن يقول أنت علي كظهر أمي يوما أو شهرا أو سنة، أو إلى شهر أو إلى سنة، فقد اختلف الأصحاب في ذلك على أقوال:
(أحدها) أنه لا يكون ظهارا، اختاره الشيخ في المبسوط حيث قال: إذا ظاهر من زوجته مدة مثل أن يقول أنت علي كظهر أمي يوما أو شهرا أو سنة لم يكن ظهارا، و تبعه ابن البراج و ابن إدريس.
(و ثانيها) أنه يقع، و هو اختيار ابن الجنيد، و إليه يميل كلام المحقق في الشرائع.
(و ثالثها) التفصيل، فإن زادت المدة عن مدة التربص على تقدير المرافعة وقع، و إلا فلا، و إليه يميل كلام شيخنا في المسالك، قال: لأن الظهار يلزمه التربص مدة ثلاثة أشهر من حين الترافع، و عدم الطلاق، و هو يدل بالاقتضاء على أن مدته تزيد عن ذلك، و إلا لانتفى اللازم الدال على انتفاء الملزوم، و إلى هذا التفصيل ذهب في المختلف و لا بأس به، و الرواية الصحيحة لا تنافيه و إن كان القول بالجواز مطلقا لا يخلو من قوة، انتهى.
و نقل العلامة في المختلف و مثله شيخنا في المسالك الاستدلال للشيخ فيما ذهب إليه من عدم صحة الظهار
بصحيحة سعيد الأعرج (1) عن موسى بن جعفر (عليه السلام) «في رجل ظاهر من امرأته يوما، قال: ليس عليه شيء». (2).
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 14 ح 20، الوسائل ج 15 ص 531 ب 16 ح 10.
(2) و قال الفاضل الخراساني في الكفاية- بعد نقل صحيحة سعيد الأعرج المذكورة كما في المسالك و المختلف- ما لفظه: هكذا نقل الحديث في المسالك، و الذي رأيته في التهذيب «فوقى» بدل «يوما» و هو ظاهر في أنه لم يقف الا على هذه النسخة خاصة، و بالجملة فإنه يشكل الاعتماد على الخبر المذكور لما ذكرنا. (منه- (قدس سره)-).
654
و المحدث الكاشاني في الوافي نقل هذه الرواية هكذا «ظاهر من امرأته فوقى- عوض قوله «يوما»- قال: ليس عليه شيء» ثم قال: بيان: أي لم يقاربها ثم قال: و في بعض النسخ «يوما» مكان «فوفى»، و إنما لم يجب عليه شيء لأن الظهار بمجرده لا يوجب شيئا، ثم إن فاء كفر أو طلق خلص، و إن صبر «يوما» على النسخة الثانية فلا شيء عليه، انتهى.
و اختلاف النسخ في ذلك مؤذن بوهن الاعتماد على الخبر في الاستدلال سيما أن ظاهره في الوافي الاعتماد على نسخة «فوفى» حيث إنها هي التي نقلها في متن الخبر، و الثانية و هي نسخة «يوما» إنما ذكرها في البيان مسندا لها إلى بعض النسخ المشعر بقلة ذلك البعض، و ظاهر الشيخين المذكورين حيث استدلا بالخبر بهذا النحو الذي ذكراه، و لم يشيرا إلى نسخة اخرى بالكلية هو الاعتماد عليه.
و أما ما نقل عن ابن الجنيد من القول بوقوع الظهار بهذا القول فاحتجوا له بعموم الآية و أنه منكر من القول و زور كالظهار المطلق.
و استدل له في المسالك بما روي عن سملة بن صخر الصحابي (1) و أنه كان قد ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان ثم وطأها في المدة، فأمره النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بتحرير رقبة، ثم إنه- (قدس سره)- بعد ذكر صورة الرواية تفصيلا قال: و جملة الرواية
عن سلمة بن صخر قال: «كنت امرء قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان خوفا من أن أصيب في ليلتي شيئا فاتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار و لا أقدر على أن أنزل، فبينما هي تخدمني من الليل إذ انكشف لي منها شيء فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري و قلت لهم انطلقوا معي إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فأخبروه بخبري، فقالوا: و الله ما نفعل، نتخوف أن ينزل فينا قرآن، و يقول فينا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) مقالة يبقي علينا عارها، لكن اذهب أنت و اصنع ما بدا
____________
(1) سنن البيهقي ج 7 ص 382 و نقل ملخصا.
655
لك، فخرجت حتى أتيت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فأخبرته بخبري فقال: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذلك، فقال: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذلك، فقال: أنت بذاك؟ فقلت: نعم، ها أنا ذا فامض في حكم الله عز و جل فأنا صابر له، فقال: أعتق رقبة، فضربت صفحة عنقي بيدي و قلت: لا و الذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، قال: فصم شهرين متتابعين، فقال: فقلت: يا رسول الله و هل أصابني ما أصابني إلا في الصوم، قال:
قال: فتصدق، قال: قلت: و الذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا و ما لنا عشاء، قال:
اذهب إلى صاحب صدقة بني رزين قل له، فليدفعها إليك فأطعم عنك و سقا من تمر، فادفعه إلى ستين مسكينا، ثم استعن سائره عليك و على عيالك، قال:
فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق و سوء الرأي، و وجدت عند رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) السعة و البركة، و قد أمرني بصدقتكم فادفعوها إلي، قال: فدفعوها إلى».
و في رواية اخرى «أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أعطاه مكتلا فيه خمسة عشر صاعا فقال:
تطعمه ستين مسكينا لكل مسكين مد».
و إنما أتينا على الرواية مع طولها لما تشتمل عليه من الفوائد و النكت، انتهى.
أقول: و التحقيق أن المسألة لا تخلو من شوب الاشكال الموجب للبقاء في قالب الاحتمال.
و أما ما استدل به للقول الأول من الصحيحة المذكورة فإن فيه زيادة على ما عرفت من اختلاف النسخ الموجب لخروج الخبر عن موضع الاستدلال بناء على تلك النسخة الأخرى أن الخبر المذكور على تقدير النسخة التي ذكروها غير صريح الدلالة و لا واضحها فيما ادعى منه، لاحتمال أن يقال: إن المراد بيان أن الظهار بمجرده لا يوجب شيئا، و إنما تجب الكفارة بإرادة العود قبل انقضاء المدة و لما كانت مدة اليوم قصيرة، فإذا صبر حتى يمضي فليس عليه شيء، و حينئذ فقوله «ليس عليه شيء» لا يستلزم أنه ليس ظهارا كما هو المدعى، بل هو أعم من ذلك كما عرفت، و متى قام الاحتمال بذلك بطل الاستدلال، هذا بناء على
656
النسخة التي أوردوها، و إلا فالخبر لا تعلق له بما نحن فيه بناء على النسخة الأخرى، و ترجيح إحدى النسختين على الأخرى يحتاج إلى مرجح، و هذه علة أخرى.
و أما ما استدل به لابن الجنيد من إطلاق الآية ففيه أنك قد عرفت في غير مقام مما تقدم أن الإطلاق إنما يحمل على الأفراد الشائعة المتكررة، فإنها هي التي ينصرف إليها الإطلاق دون الفروض النادرة التي ربما لا تقع بالكلية، و إنما تفرض فرضا، و لا ريب أن التقييد بمدة في الظهار شاذ نادر، و كونه محرما و منكرا من القول و زورا لا يستلزم كونه ظهارا تترتب عليه أحكام الظهار فإن كثيرا من الأقوال محرمة و منهي عنها أشد النهي، مع أنها لا يقع بها ظهار و إن اشتملت على لفظ الظهر.
و أما الرواية التي سجل بها و نقلها بطولها و نوه بشأنها من أنه إنما نقلها بطولها لما اشتملت عليه من الفوائد و النكت فالظاهر أنها عامية، إذ لا وجود لها في كتب أخبارنا بالمرة، و العجب منهم في استسلامهم هذه الأخبار العامية في أمثال هذه المقامات، و ردهم للأخبار الإمامية المنقولة في الأصول الصحيحة بمجرد العمل بهذا الاصطلاح المحدث.
و أما القول بالتفصيل كما جنح إليه فهو يتوقف على الدليل، و ليس إلا مجرد هذه التعليلات العقلية التي يتداولونها، و قد عرفت ما فيه.
و أما ما ادعاه- (قدس سره)- من أن العلامة ذهب في المختلف إلى هذا التفصيل فهو عجيب، فإن العلامة إنما ذكره احتمالا مؤذنا بأنه لا قائل به، حيث إنه بعد أن نقل قولي الشيخ و ابن الجنيد، و نقل دليلهما، قال: و يحتمل القول بالصحة إن زاد عن مدة التربص، و إلا فلا، انتهى. و أين هذه العبارة عما نقله عنه، بل ظاهره إنما هو التوقف في المسألة كما ذكرناه، فإنه بعد أن نقل القولين الأولين أردفهما بهذا الاحتمال و لم يرجح شيئا في البين.
الثامن [وقوع الخلاف في صيغتين]
قد وقع الخلاف هنا في صيغتين
(إحداهما) ما لو قال أنت طالق كظهر أمي
657
فقال الشيخ في المبسوط: إذا قال أنت طالق كظهر أمي و قصد إيقاع الطلاق بقوله «أنت» و الظهار بقوله «كظهر أمي» طلقت بقوله «أنت طالق» و يصير مظاهرا منها بقوله «كظهر أمي» إن كان الطلاق رجعيا، و يكون تقديره أنت طالق، و أنت كظهر أمي.
و قال ابن البراج: لا يقع بذلك ظهار، نوى ذلك أو لم ينو.
قال في المختلف: و هو الأقوى، لنا إنه لم يأت بالصيغة، و لا يقع الظهار بمجرد القصد الخالي منها، و قوله «كظهر أمي» لغو، لأنه لم يقل أنت مني و لا معي و لا عندي، فصار كما لو قال ابتداء كظهر أمي.
و قال المحقق في الشرائع بعد أن نقل قول الشيخ: و فيه تردد، لأن النية لا تستقل بوقوع الظهار ما لم يكن اللفظ الصريح الذي لا احتمال فيه، و الظاهر أنه على هذا المنوال كلام من تأخر عنهما، و هو الظاهر من القواعد المقررة في هذه الأبواب بين الأصحاب- لأنه بناء على ما ذكره الشيخ من قصد إيقاع الطلاق بقوله أنت طالق، و الظهار بقوله كظهر أمي- وقوع الطلاق، لحصول صيغته و القصد إليه، و أما الظهار فإنه لم تحصل صيغته الشرعية، إذ لم يبق من الكلام بعد صيغة الطلاق إلا قوله كظهر أمي، مع أن الاتفاق قائم على أنه بمجرد قول الرجل كظهر أمي لا يكون مظاهرا.
و أما قوله «إنه بتقدير أنت كظهر أمي» بمعنى أنه و إن صرفت كلمة الخطاب السابقة أولا إلى الطلاق، إلا أنها تعود إلى الظهار أيضا مع النية و يصير كأنه قال أنت طالق، و أنت كظهر أمي.
ففيه ما عرفت من أن اللفظ بانقطاعه عما تقدمه ليس صريحا في الظهار، و النية غير كافية عندنا في وقوع ما ليس بصريح، و إنما يتوجه هذا عند من يعتد بالكنايات اعتمادا على النية، بل صرح بعض من يعتد بالكنايات هنا برد هذا أيضا بناء على ما عرفت من أنه إذا استعملنا قوله أنت طالق في إيقاع
658
الطلاق لم يبق إلا كظهر أمي، و هو لا يصلح كناية إذ لا خطاب فيه لأحد، و أيضا فالأصل في هذا التركيب أن تكون الجملة الواقعة بعد النكرة وصفا لها، فيكون «كظهر أمي» وصفا لقوله «طالق» فالعدول بها عن ظاهر التركيب الذي تقتضيه القواعد من غير موجب خلاف الظاهر. نعم لو عكس فقال: أنت كظهر أمي طالق مع قصدهما معا صح الظهار لوجود صيغته و قصده.
و يبقى الكلام في الطلاق فيجري فيه الوجهان، و الشيخ على أصله هنا أيضا من صحتهما معا بالتقريب الذي ذكره ثمة.
(و ثانيهما) ما لو قال أنت علي حرام كظهر أمي
، فقال الشيخ في المبسوط و تبعه ابن البراج: لو قال أنت علي حرام كظهر أمي لم يكن مظاهرا سواء نواه أو لا. و تبعه أيضا المحقق في الشرائع.
و رده العلامة في المختلف و الشهيد الثاني في المسالك و غيرهما بأنه مخالف لمذهبه في المسألة السابقة، و توضيحه أنهم احتجوا هنا على ما ذهبوا إليه من عدم وقوع الظهار بهذه الصيغة بأن الخطاب بقوله «أنت» انصرف إلى الكلمة الاولى، و هي قوله «حرام» و تم الكلام بحصول المسند و المسند إليه فيلغو لأن هذه العبارة لا تقتضي الظهار.
و أما قلة بعد ذلك «كظهر أمي» و أنه وقع خاليا من المسند إليه لفظا، و النية غير كافية في تقديره، مع أنه في المسألة السابقة ادعى تقدير المسند إليه فقال: تقديره أنت طالق و أنت كظهر أمي.
و كيف كان فإن وقوع الظهار بهذه الصيغة يدل عليه ما في
صحيح زرارة المتقدم (1) عن الباقر (عليه السلام) و فيه لما سأله عن الظهار كيف يكون؟ «قال (عليه السلام): يقول الرجل لامرأته و هي طاهر في جماع أنت علي حرام كظهر أمي».
و هي صريحة
____________
(1) قد تقدم في صدر هذا المطلب. (منه- (قدس سره)-). الكافي ج 6 ص 153 ح 3.
659
في المطلوب و قوله فيها «حرام» تأكيد لغرضه من الظهار، فلا ينافيه.
و العجب من الشيخ- رحمة الله عليه- في تجويز الظهار بالكنايات، و ما هو أبعد من هذه مع الخلو عن النصوص في الجميع، و منعه هذه الصيغة مع ورود النص الصحيح بها. (1)
المطلب الثاني في المظاهر:
لا خلاف في أنه يعتبر في المظاهر ما يعتبر في المطلق من البلوغ و كمال العقل و الاختيار و القصد، و تحقيق هذه الشروط قد مضى في كتاب الطلاق، فليطلب من هناك، فلا يصح ظهار الطفل و لا المجنون و لا المكره و لا فاقد القصد، بسكر كان أو إغماء أو غضب يبلغ به إلى ذلك، و هو مما لا إشكال و لا خلاف فيه بقي الكلام هنا في مواضع
الأول: أنه هل يصح ظهار الخصي و المجبوب أم لا؟
و تفصيل القول في ذلك أنه إن بقي لهما ما يمكن به الجماع المتحقق بإدخال
____________
(1) بقي هنا في المسألة صور اخرى: (منها) أن يقول هذا القول و لا ينوي شيئا بالكلية، و الذي صرحوا به أنه يقع الطلاق هنا لإتيانه بلفظه الصريح، و أما الظهار فإنه لا يقع، لان قوله «كظهر أمي» لا استقلال له حيث انه قد انقطع عن قوله «أنت».
(منها) أن يقصد بمجموع الكلام الطلاق خاصة، بجعل قوله «كظهر أمي» تأكيدا لتحريم الطلاق بمعنى أنها طالق طلاقا كظهر امه، و لا إشكال في أنه يقع الطلاق هنا دون الظهار، قالوا: و لا خلاف في هذين الفردين.
(و منها) أن يقصد بالجميع الظهار خاصة، قالوا: يحصل الطلاق دون الظهار أيضا، أما الأول فلفظة الصريح فيه، و اللفظ الصريح لا يعقل صرفه الى غيره، حتى لو قال لزوجته أنت طالق، ثم قال أردت به طالق من وثاق غيري أو نحو ذلك لم يسمع منه و حكم به عليه. و أما الثاني فلان الطلاق لا ينصرف الى الظهار، و الباقي بعد صيغة الطلاق ليس بصريح في الظهار كما عرفت، و مع أنه لم ينو به الظهار و انما نواه بالجميع.
(و منها) أن يقصد بمجموع كلامه الطلاق و الظهار معا، و حكمه أنه يحصل الطلاق دون الظهار أيضا بالتقريب المذكور في سابق هذه الصورة.
(و منها) أن يقصد الطلاق بقوله أنت طالق، و الظهار بقوله كظهر أمي، و هذه مسألة الكنايات المذكورة في الأصل و هي محل الخلاف. (منه- (قدس سره)-).
660
الحشفة أو قدرها من مقطوعها فلا إشكال في صحة ظهارهما لأنهما في حكم الصحيح و إن لم يمكنهما الإيلاج بنى صحة ظهارهما و عدمها.
(أولا) على أن فائدة الظهار هل يختص بالوطء بمعنى تحريم الوطء عليه خاصة، و يحل له ما سوى ذلك؟ أو يشمل ما عداه من الاستمتاعات، فيحرم عليه الجميع؟ و سيأتي تحقيق الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى، فإن قلنا بالثاني صح ظهارهما، و إلا فلا، لعدم ظهور فائدته.
(و ثانيا) على أنه هل يشترط في صحة الظهار الدخول أولا بالمظاهرة أم لا؟ فإن قلنا بالأول فلا ظهار هنا حيث إنه لم يتحقق منهما الدخول و لم يوجد شرطه فلا وجود له، و إن قلنا بالثاني صح ظهارهما، و سيأتي الكلام في المسألة إن شاء الله تعالى.
الثاني: هل يصح الظهار من الكافر أم لا؟
فذهب الشيخ في المبسوط و الخلاف إلى الثاني، و نحوه يظهر من ابن الجنيد أيضا.
قال الشيخ في الكتابين المذكورين: لا يصح الظهار من الكافر و لا التكفير.
و قال ابن الجنيد: و كل مسلم من الأحرار و غيرهم إذا كان بالغا مملكا للفرج ممنوعا من نكاح غيره بملكه إياه إذا ظاهر من زوجته في حال صحة عقله لزمه الكفارة. و القيد بالمسلم في كلام مشعر باختياره لهذا القول، و من ثم نسباه إلى ظاهره.
و إلى الأول ذهب ابن إدريس فقال: الذي يقوى في نفسي أن الظهار يصح من الكافر.
و بذلك قال المحقق و العلامة: و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين.
و احتجوا عليه بعموم الآية، و هي قوله عز و جل «وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ» و غير ذلك من العمومات.
661
احتج الشيخ بأن من يصح ظهاره تصح الكفارة منه لقوله عز و جل «وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» (1) و الكافر لا يصح منه الكفارة لأنها عبادة تفتقر إلى النية (2) كسائر العبادات، و إذا لم يصح منه التكفير الرافع للتحريم لم يصح التحريم في حقه.
و أجيب بمنع عدم صحتها منه مطلقا، بلا غاية توقفها على شرط، و هو قادر عليه بالإسلام كتكليف المسلم بالصلاة المتوقفة على شرط الطهارة و هو غير متطهر لكنه قادر على تحصيله.
و أورد على ذلك أن الذمي مقر على دينه متى قام بشرائط الذمة، فحمله على الإسلام لذلك بعيد، و أن الخطاب بالعبادة البدنية لا يتوجه على الكافر الأصلي.
و أجيب بأنا لا نحمل الذمي على الإسلام، و لا نخاطبه بالصوم، و لكن نقول:
لا يمكن من الوطء إلا هكذا، فإما أن يتركه أو يسلك طريق الحمل.
أقول: ما ذكروه في هذا المقام من النقض و الإبرام ظاهر بناء على ما هو المشهور بينهم بل ربما ادعي عليه الإجماع من كافة العلماء ما عدا أبي حنيفة من أن الكافر مخاطب بالفروع و مكلف بها، إلا أنها لا تقبل منه إلا بالإسلام.
و أما على ما ذهب إليه بعض المحدثين من متأخري المتأخرين، و هو الظاهر من أخبارهم (عليهم السلام) كما تقدم تحقيق البحث فيه في كتاب الطهارة في باب غسل الجنابة (3) من أن الكافر غير مكلف و لا مخاطب بالأحكام الشرعية إلا بعد الإسلام فإنه يتجه أن يقال بصحة ما ذهب إليه الشيخ هنا من عدم صحة الكفارة من صوم أو عتق أو إطعام من الكافر لأنه غير مكلف بالعبادات حال كفره و الصحة عبارة عن امتثال الأمر، و هو كما عرفت غير مأمور إلا بعد الايمان بالله و رسوله،
____________
(1) سورة المجادلة- آية 3.
(2) أقول: المراد بالنية هنا في كلامهم هي القربة تجوزا. (منه- (رحمه الله)-).
(3) الحدائق ج 3 ص 39.
662
فعدم صحة عباداته من حيث كفره، و متى ثبت عدم صحة الكفارة ثبت عدم صحة ظهاره و عدم حصول التحريم به. لأن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، و يؤكده أن توبته بدونها خارج عن القانون الشرعي و الدين المحمدي (صلى الله عليه و آله و سلم).
و أما قوله بمنع عدم صحتها من الكافر مطلقا، و إنما غايته توقفه على شرط بمعنى أن البطلان إنما هو من حيث فقد شرط مقدور.
ففيه أن البطلان- بناء على ما ذكرناه- إنما هو من حيث عدم التكليف بذلك و عدم توجه الأمر إلى الكافر حال كفره، لأن الصحة عبارة عن موافقة الأمر كما عرفت.
الثالث [في وقوع الظهار من العبد]
أنه لا خلاف في وقوع الظهار من العبد، بل قال في المسالك: إنه مذهب علمائنا أجمع، و إنما خالف فيه بعض العامة نظرا إلى أن لازم الظهار إيجاب تحرير رقبة، و العبد لا يملكها.
و أجيب بأن وجوبها في الآية مشروط بوجدانها، و قد قال تعالى «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا» (1) و العبد غير واحد فيلزمه الصوم.
أقول: و يدل على ذلك ما رواه
المشايخ الثلاثة (2)- رضي الله عنهم- في الصحيح في بعضها عن محمد بن حمران و هو مجهول قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المملوك أ عليه ظهار؟ فقال: عليه نصف ما على الحر صوم شهر، و ليس عليه كفارة من صدقة و لا عتق».
و ما رواه
في الكافي (3) عن جميل بن دراج في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث في الظهار قال: «إن الحر و المملوك سواء، غير أن على المملوك نصف ما على الحر من الكفارة، و ليس عليه عتق رقبة و لا صدقة، إنما هو عليه صيام
____________
(1) سورة المجادلة- آية 4.
(2) الكافي ج 6 ص 156 ح 13، التهذيب ج 8 ص 24 ح 54، الفقيه ج 3 ص 343 ح 10، الوسائل ج 15 ص 522 ب 12 ح 1.
(3) الكافي ج 6 ص 155 ح 10، التهذيب ج 8 ص 9 ح 3، الفقيه ج 3 ص 346 ح 24، الوسائل ج 15 ص 522 ب 12 ح 2.
663
شهر».
و رواه الصدوق عن جميل مثله إلى قوله من الكفارة.
و عن أبي حمزة الثمالي (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن المملوك أ عليه ظهار؟ فقال: نصف ما على الحر من الصوم، و ليس عليه كفارة صدقة و لا عتق رقبة».
و ربما أشعرت هذه الأخبار بعدم ملك العبد لأن تخصيص الكفارة بالصوم دون الفردين الآخرين إنما هو من حيث كونهما متوقفين على المال و أن العبد لا يملك، و إلا فلو قلنا بملكه- كما هو ظاهر جملة من الأخبار و هو المختار في المسألة و إن توقف تصرفه على إذن سيده- فإنه لا يظهر لهذا التخصيص وجه بل ينبغي أن يجعل كالحر في أنه إن وجد تصدق أو أعتق رقبة و إن لم يجد انتقل إلى الصيام.
المطلب الثالث في المظاهرة:
و الكلام فيه يقع في مواضع
الأول [في أنه يشترط أن تكون منكوحة بالعقد]
قال في الشرائع: و يشترط أن تكون منكوحة بالعقد، فلا يقع بالأجنبية، و لو علقه على النكاح، قال الشارح في المسالك: هذا عندنا موضع وفاق، و الأصل فيه أن الله تعالى علق الظهار على الأزواج، فقال «وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ» فيبقى غيرهن على الأصل، و خالف فيه بعض العامة، فصححه بالأجنبية إذا علقه بنكاحها كما صححه كذلك في الطلاق.
أقول: الظاهر من إيراد هذه المقالة إنما هو الرد على هذا البعض من العامة في تجويزه الظهار بالأجنبية إن علق على نكاحها، إلا أن تقييد النكاح بالعقد في كلام المصنف- و كذا استدلاله في المسالك بالآية الدالة على أنه لا يقع إلا بالأزواج- ظاهر في أنه لا يقع بملك اليمين، مع أنه سيأتي إن شاء الله تعالى أن الأشهر الأظهر وقوع الظهار بها كما دلت عليه جملة من الأخبار، و العجب من غفلة الشارح- (قدس سره)- عن التنبه لذلك و التنبيه عليه.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 156 ح 15، الوسائل ج 15 ص 522 ب 12 ح 3.
664
الثاني: أنه يشترط في المظاهرة أن تكون طاهرا طهرا لم يقربها فيه
إذا كان زوجها حاضرا و كان مثلها تحيض، و لو كان غائبا صح، و كذا لو كان حاضرا و هي يائسة أو لم تبلغ، و هذه الأحكام قد تقدم تحقيق الكلام فيها في كتاب الطلاق، و الظهار يجرى مجراه في جميع ما ذكر، و قد تقدم في جملة من الأخبار ما يدل على هذه الأحكام منها.
في صحيحة زرارة (1) «أنه سأله عن الظهار فقال: إنه يقول الرجل لامرأته و هي طاهر في جماع أنت علي كظهر أمي أو أختي، و هو يريد بذلك الظهار».
و في رواية الفضيل بن يسار (2) «و لا يكون الظهار إلا على موضع الطلاق».
و هذه الرواية دالة على اعتبار هذه الشروط إجمالا.
و في رواية حمران (3) «لا يكون ظهار إلا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين».
إلى غير ذلك من الأخبار التي تقدمت.
الثالث [في الأخبار الدالة على اشتراط الدخول في صحة الظهار]
قد اختلف الأصحاب- رحمة الله عليهم- في اشتراط الدخول بالمظاهرة و عدمه بالنسبة إلى صحة الظهار و عدمها، فذهب جمع منهم الشيخ المفيد و السيد المرتضى و ابن إدريس و سلار و ابن زهرة و غيرهم إلى العدم فجوزوا الظهار من الزوجة قبل الدخول بها، و ذهب جمع منهم الشيخ و الصدوق إلى اشتراط صحة الظهار بذلك، و هو الظاهر من ابن الجنيد و ابن البراج في كتابيه، و عليه أكثر المتأخرين.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 153 ح 3، التهذيب ج 8 ص 9 ح 1 و فيه اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 509 ب 2 ح 2.
(2) الكافي ج 6 ص 154 ح 5، التهذيب ج 8 ص 13 ح 19 و فيهما «ابن فضال عمن أخبره»، الفقيه ج 3 ص 340 ح 2 مرسلا، الوسائل ج 15 ص 509 ب 2 ح 3.
(3) الكافي ج 6 ص 143 ذيل ح 1، التهذيب ج 8 ص 10 ذيل ح 8، الفقيه ج 3 ص 345 ذيل ح 20، الوسائل ج 15 ص 509 ب 2 ذيل ح 1.
665
و يدل على هذا القول من الأخبار ما رواه
في الكافي (1) عن الفضيل بن يسار في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مملك ظاهر امرأته، فقال لي:
لا يكون ظهار و لا إيلاء حتى يدخل بها».
و رواه الصدوق (2) بإسناده عن الحسن بن محبوب في الصحيح مثله، و لا ملاك للتزويج من غير دخول.
و ما رواه
الشيخ (3) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) «قال في المرأة التي لم يدخل بها زوجها، قال: لا يقع بها إيلاء و لا ظهار».
و ما رواه
في التهذيب (4) في الصحيح عن الفضيل بن يسار قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مملك ظاهر امرأته، قال: لا يلزم- ثم قال:- و قال لي:
لا يكون ظهار و لا إيلاء حتى يدخل بها»،.
و قد تقدم معنى قوله مملك.
احتج من قال بالأول بالعمومات، و فيه أن العمل بالخاص مقدم على العام كما هي القاعدة، الا أن هذا إنما يتم على ما هو المشهور من العمل بخبر الآحاد و أما على مذهب السيد و ابن إدريس من عدم العمل بأخبار الآحاد فتبقى العمومات سالمة عن المعارض، فيتجه القول بذلك على أصلهما الغير الأصيل و مذهبهما الخارج عن نهج السبيل، و بذلك يظهر لك أن العمل إنما هو على القول الثاني.
الرابع [في وقوع الظهار بالمستمتع بها]
المشهور بين الأصحاب- رحمة الله عليهم- وقوع الظهار بالمستمتع بها كالزوجة الدائمة، و هذا مذهب السيد المرتضى و ابن أبي عقيل و أبي الصلاح
____________
(1) الكافي ج 6 ص 158 ح 21، الوسائل ج 15 ص 516 ب 8 ح 1.
(2) الفقيه ج 3 ص 340 ح 1.
(3) التهذيب ج 8 ص 21 ح 40، الوسائل ج 15 ص 516 ب 8 ح 2 و فيهما «لا يقع عليها».
(4) التهذيب ج 8 ص 21 ح 41 و فيه «جميل بن دراج»، الوسائل ج 15 ص 516 ب 8 ح 1 و فيهما اختلاف يسير.
666
و ابن زهرة.
و ظاهر الصدوق و ابن الجنيد العدم حيث قالا: و لا يقع الظهار إلا موقع الطلاق، و اختاره ابن إدريس.
احتج الأولون بالعمومات من الكتاب و السنة، و احتج في المختلف للقول الثاني بأن الظهار حكم شرعي يقف على مورده و لم يثبت في نكاح المتعة حكمه مع أصالة الإباحة، ثم أجاب عنه بالمنع من عدم الثبوت، قال: و قد بينا العمومات.
و احتج في المسالك لهذا القول بانتفاء لازم الظهار، فإن منه المرافعة المترتبة على الإخلال بالواجب بالوطء، و إلزامه أحد الأمرين الفدية أو الطلاق، و هو ممتنع في المتعة، و إقامة هبة المدة مقامه قياس، و انتفاء اللوازم يدل على انتفاء الملزومات.
ثم إنه أجاب عنه بأن هذه اللوازم مشروطة بزوجة يمكن في حقها ذلك فلا يلزم من انتفائها انتفاء جميع الأحكام التي أهمها تحريم الاستمتاع من دون المرافعة، و قد تقدم البحث في ذلك في بابها من النكاح، انتهى و هو جيد.
الخامس [في أنه هل يقع الظهار بالأمة الموطوءة بملك اليمين؟]
اختلف الأصحاب في الأمة الموطوءة بملك اليمين و لو مدبرة أو أم ولد فقيل: إنه يقع بها الظهار و هو قول الشيخ، قال: إنه يقع سواء كانت أمة مملوكة أو مدبرة أو أم ولد.
و قال في المبسوط: و روى أصحابنا أن الظهار يقع بالأمة و المدبرة و أم الولد و هو اختيار ابن أبي عقيل و ابن حمزة. و قيل: إنه لا يقع بها، و هو قول الشيخ المفيد و أبي الصلاح و سلار و ابن البراج في كتابيه و ابن إدريس و غيرهم (1) و الأول
____________
(1) و قد بالغ ابن أبى عقيل في إنكار هذا القول أشد المبالغة فقال: و زعم قوم من العامة أن الظهار لا يقع على الأمة، و قد جعل الله تعالى أمة الرجل من نسائه فقال في آية التحريم «وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ» و أم أمته كأم امرأته انها من أمهات النساء، كما حرم الله أم الحرة حرم أم الأمة المنكوحة، و قد قال تعالى «وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ» فلم كان إحداهن أولى بحكم الظهار من الأخرى؟ لو لا التحكم في دين الله عز و جل و الخروج عن حكم كتابه، قال: و قد اعتل قوم منهم فزعموا أن الظهار كان طلاق العرب في الجاهلية، و الطلاق يقع على المرأة الحرة دون الأمة، فلذلك يقع الظهار على الحرة دون الأمة ثم أجاب عنه بأن الذين أوجبوا حكم الظهار في الأمة كما أوجبوا في الحرة هم سادات العرب و فصحاؤهم، و هم أعلم الناس بطلاق الجاهلية و الإسلام و شرائع الدين و لفظ القرآن و حظره و إباحته و محكمه و متشابهه و ناسخه و منسوخه و ندبه و فرضه، إلا أن تزعموا أن عليا (ع) و أولاده (عليهم السلام) من العجم، و لو قلتم ذلك لم يكن أكثر من بعضكم لهم و تكفير كم لشيعتهم. انتهى كلامه زيد مقامه و علت في الخلد أقدامه. و في آخره دلالة واضحة على نصب المخالفين و بغضهم لأهل البيت (عليهم السلام) كما هو مذهب غيره من المتقدمين أيضا خلافا لمتأخرى أصحابنا- (رضوان الله عليهم). (منه- (قدس سره)-).
667
أظهر، و الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين.
و يدل عليه من الأخبار التي هي المعتمد في الإيراد و الإصدار ما رواه
المشايخ الثلاثة (1)- عطر الله مراقدهم- عن إسحاق بن عمار في الموثق قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يظاهر من جاريته، فقال: الحرة و الأمة في ذلك سواء».
و ما رواه
في الكافي (2) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «و سألته عن الظهار على الحرة و الأمة؟ قال: نعم».
و عن حفص بن البختري (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله و أبي الحسن (عليهما السلام) «في
____________
(1) الكافي ج 6 ص 156 ح 11، التهذيب ج 8 ص 24 ح 51، الفقيه ج 3 ص 346 ح 23، الوسائل ج 15 ص 520 ب 11 ح 1.
(2) الكافي ج 6 ص 156 ح 12، التهذيب ج 8 ص 17 ح 28 و فيهما «و سألته»، الوسائل ج 15 ص 520 ب 11 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 157 ح 16، التهذيب ج 8 ص 21 ح 42، الوسائل ج 15 ص 521 ب 11 ح 3.
668
رجل كان له عشر جوار فظاهر منهن كلهن جميعا بكلام واحد، فقال: عليه عشر كفارات».
و ما رواه
الشيخ (1) عن ابن أبي يعفور قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ظاهر من جاريته، قال: هي مثل ظهار الحرة».
و عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الظهار من الحرة و الأمة؟ قال: نعم».
و ما رواه
في قرب الاسناد (3) عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يظاهر من أمته؟ فقال: كان جعفر يقول: يقع على الحرة و الأمة الظهار».
و يدل على القول الثاني ما رواه
الشيخ (4) عن حمزة بن حمران قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل جعل جاريته عليه كظهر امه، قال: يأتيها و ليس عليه شيء».
و رده في المسالك و مثله سبطه في شرح النافع بضعف السند فلا يعارض ما تقدم من الأخبار التي فيها الصحيح و غيره.
و أجاب عنها الشيخ بالحمل على ما إذا أخل بشرائط الظهار، قال في الاستبصار: لأن حمزة بن حمران روى هذه الرواية في كتاب البزوفري أنه يقول ذلك لجاريته و يريد إرضاء زوجته، و هذا يدل على أنه لم يقصد به الظهار الحقيقي و إذا لم يقصد ذلك لم يقع ظهاره صحيحا، و لا يحصل على وجه تتعلق به الكفارة، انتهى.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 24 ح 52، الوسائل ج 15 ص 521 ب 11 ح 4.
(2) الكافي ج 6 ص 156 ح 12، التهذيب ج 8 ص 17 ح 28، الوسائل ج 15 ص 520 ب 11 ح 2.
(3) قرب الاسناد ص 160، الوسائل ج 15 ص 521 ب 11 ح 7.
(4) التهذيب ج 8 ص 24 ح 53، الوسائل ج 15 ص 521 ب 11 ح 6.
669
و أشار بالرواية المذكورة إلى ما قدمناه من رواية حمزة المذكورة في آخر التنبيه السادس من المطلب الأول، و هو و إن كان لا يخلو من بعد لاحتمال كون هذه الرواية غير تلك إلا أنه في مقام الجمع بين الأخبار غير بعيد.
و يحتمل حمل الرواية المذكورة على التقية، فإن القول بمضمونها مذهب جمع من العامة كما ذكره ابن أبي عقيل- (رحمه الله)- في عبارته و بحثه في ذلك معهم.
و نقل في المسالك الاستدلال لهذا القول أيضا بقوله (عليه السلام)
في مرسلة ابن فضال (1) «لا يكون ظهار إلا على مثل موضع الطلاق».
و الطلاق لا يقع بملك اليمين.
و فيه أنا قد قدمنا سابقا الجواب عن مثل هذا الاستدلال بهذا الخبر بأن الظاهر أن المراد إنما هو بالنسبة إلى الشرائط المعتبرة في الطلاق من الشاهدين و كونها في طهر لم يقربها إلى الشرائط المعتبرة و كونها طاهرا من الحيض نحو ذلك، بمعنى أنه لا بد في الظهار من استكماله لهذه الشروط المشترطة في الطلاق هذا هو الظاهر من الخبر، لا ما ذكروه هنا، و كذا في مسألة تعليق الظهار الشرط كما تقدم من الاستدلال بهذا الخبر على نفي ذلك، فإن الظاهر بعده.
و بذلك يظهر لك أن الأظهر هو القول الأول، و أنه هو الذي عليه المعول و المحقق في الشرائع قد تردد في هذه المسألة، و نسب الوقوع إلى الرواية، و الظاهر ضعفه، فإنه ليس لهذا القول بعد الروايتين اللتين ذكرناهما إلا مجرد علل عليلة لا تصلح في حد ذاتها للاستدلال، فضلا عن أن يكون في مقابلة تلك الأخبار و الروايتان المذكورتان قد عرفت ما فيها، و الله العالم.
السادس [هل إطلاق الدخول يشمل الدبر؟ و هل إطلاق الحكم يتناول الصغيرة؟]
و قالوا: و مع الدخول يقع و لو كان الوطء دبرا، صغيرة كانت أو كبيرة، مجنونة أو عاقلة.
قيل في بيان وجهه: إن إطلاق الدخول يشمل الدبر كما تحقق في
____________
(1) الكافي ج 6 ص 154 ح 5، التهذيب ج 8 ص 13 ح 19، الفقيه ج 3 ص 340 ح 2 مرسلا مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 509 ب 2 ح 3.
670
باب المهر و غيره، و إطلاق الحكم يتناول الصغيرة و إن حرم الدخول بها و الكبيرة المجنونة و العاقلة.
أقول: قدمنا في غير موضع أن إطلاق الدخول في الأخبار إنما ينصرف إلى الفرد المتعارف الشائع المتكرر دون الفروض النادرة. و لا ريب أن الفرد الشائع المتكرر المندوب إليه إنما هو الوطء في القبل خاصة.
و بالجملة فإن بناء الأحكام عليه و إن اشتهر في كلامهم إلا أنه غير خال من الاشكال كما تقدم تحقيقه بوجه أبسط، و الله العالم.
المطلب الرابع في الأحكام:
و فيه مسائل:
الاولى [في أن الكفارة لا تجب بمجرد الظهار و إنما تجب بالعود]:
قد صرح الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- بأن الكفارة لا تجب بمجرد الظهار، و إنما تجب بالعود و إرادة الوطء و أنه لا استقرار لها.
أقول: تفصيل هذا الإجمال يقع في مواضع ثلاثة:
الأول [عدم الخلاف في ذلك]
أنه لا خلاف بين كافة أهل العلم في أن الكفارة لا تجب بمجرد الظهار و إنما تجب بالعود، قال الله تعالى و عز و جل «وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» (1) الآية، فإنه سبحانه رتب التحرير على العود، و المراد إرادة العود لا العود بالفعل، نظيره قوله عز و جل «فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ» (2) «و إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ» (3) أي إذا أردت القراءة و إذا أردتم القيام، و المراد بما قالوا تحريم الوطء الذي حرموه على أنفسهم بالظهار، و المعنى أنهم إذا أرادوا استباحة الوطء الذي حرموه على أنفسهم بالظهار فلا بد أولا من تحرير رقبة.
____________
(1) سورة المجادلة- آية 3.
(2) سورة النحل- آية 98.
(3) سورة المائدة- آية 6.
671
و يدل على ما ذكرنا من الأخبار ما رواه
الشيخ (1) في الصحيح عن جميل ابن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سأله عن الظهار متى يقع على صاحبه فيه الكفارة؟ فقال: إذا أراد أن يواقع امرأته، قلت: فإن طلقها قبل أن يواقعها، أ عليه كفارة؟ قال: لا، سقطت الكفارة عنه».
و ما رواه
في الصحيح عن الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يظاهر من امرأته ثم يريد أن يتم على طلاقها، قال: ليس عليه كفارة، قلت:
إن أراد أن يمسها؟ قال: لا يمسها حتى يكفر، قلت: فإن فعل فعليه شيء؟ قال:
إي و الله إنه لآثم ظالم، قلت: عليه كفارة غير الاولى؟ قال: نعم».
و ما رواه
في الكافي (3) عن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): متى تجب الكفارة على المظاهر؟ قال: إذا أراد أن يواقع، قال: قلت: فإن واقع قبل أن يكفر؟ قال: فقال: عليه كفارة أخرى».
أقول: ظاهر هذا الخبر و الخبر الأول أن الحنث الموجب للكفارة لا يقع بمجرد الإرادة للمواقعة، بل بالمواقعة بالفعل، و سيأتي ما ظاهره المنافاة.
و ما رواه
في الكافي (4) عن علي بن مهزيار قال: «كتب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك إن بعض مواليك يزعم أن الرجل إذا تكلم بالظهار وجبت عليه الكفارة حنث أو لم يحنث، و يقول: حنثه كلامه بالظهار، و إنما
____________
(1) الكافي ج 6 ص 155 ح 10، التهذيب ج 8 ص 9 ح 3، الوسائل ج 15 ص 518 ب 10 ح 4 و ما في المصادر اختلاف يسير.
(2) التهذيب ج 8 ص 18 ح 31، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 4 و فيهما «نعم يعتق أيضا رقبة».
(3) لم نعثر عليها في الكافي، التهذيب ج 8 ص 20 ح 39، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 6.
(4) الكافي ج 6 ص 157 ح 19، التهذيب ج 8 ص 12 ح 13 و فيه «عبد الله بن محمد قال: قلت له»، الوسائل ج 15 ص 513 ب 6 ح 5.
672
جعلت عليه الكفارة عقوبة لكلامه، و بعضهم يزعم أن الكفارة لا تلزمه حتى يحنث في الشيء الذي حلف عليه، فإن حنث وجبت عليه الكفارة، و إلا فلا كفارة عليه، فوقع (عليه السلام) بخطه: لا تجب الكفارة حتى يجب الحنث».
أقول: أراد (عليه السلام) بالوجوب في قوله «حتى يجب الحنث» معناه اللغوي، أي حتى يحصل الحنث و يثبت منه، و قد عرفت أن الحنث يحصل بإرادة المواقعة، و الشيخ حمل هذا الخبر على الظهار المشروط، و جعل حنثه هو تحقق الشرط الذي علق عليه الظهار، و الظاهر أنه نظر إلى قوله «حتى يحنث في الشيء الذي حلف عليه» فإنه ظاهر في أن السؤال إنما كان عن الظهار المشروط المقصود به اليمين، إلا أنك قد عرفت أنه لا يصح على أصولنا و إنما يصح على أصول العامة، أو لعله (عليه السلام) أجمل في الجواب لذلك.
و بذلك يظهر أنه لا وجه لما حمل عليه الشيخ الخبر من الظهار المشروط، و أنه متى لم يحصل الشرط لم تجب عليه الكفارة، لأن ظاهر الخبر المذكور بالنظر إلى قوله «يحنث في الشيء الذي حلف عليه» لا يلائم ما ذكره بناء على التقريب الذي ذكرناه، و مع قطع النظر عن ذكر الحلف أو تأويله بوجه على خلاف ظاهره، فإن الخبر ظاهر فيما دلت عليه الأخبار السابقة من تحقق الحنث بمجرد إرادة المواقعة، فلا ضرورة إلى الحمل إلى الظهار المشروط.
بقي هنا شيء و هو أنه
قد روى في الكافي (1) عن زرارة قال: «قلت: لأبي جعفر (عليه السلام): إني ظاهرت من أم ولدي ثم وقعت عليها ثم كفرت، فقال: هكذا يصنع الرجل الفقيه إذا واقع كفر».
____________
(1) الكافي ج 6 ص 159 ح 29 و فيه «من أم ولد لي ثم واقعت»، الوسائل ج 15 ص 529 ب 16 ح 2.
673
و روى في الكافي و التهذيب (1) في الصحيح أو الحسن عن زرارة قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل ظاهر ثم واقع قبل أن يكفر، فقال لي: أو ليس هكذا يفعل الفقيه».
و هذان الخبران بحسب الظاهر مخالفان لظاهر الكتاب و السنة الدال على وجوب الكفارة بإرادة المواقعة، و أنه لا يجوز المواقعة بدون الكفارة، و الظاهر حملها على الظهار المشروط بالمواقعة، كقوله «أنت علي كظهر أمي إن واقعتك» قاصدا به الظهار دون الحلف للزجر مثلا، فإن الكفارة في هذه الصورة لا تجب إلا بعد المواقعة، لأن الحنث إنما يقع بعد المواقعة.
الثاني [في أن المراد من العود الموجب للكفارة هو إرادة المواقعة]
الأشهر الأظهر أن المراد من العود الموجب للكفارة هو إرادة المواقعة كما قدمنا ذكره، و به صرح جملة من المتقدمين أيضا.
قال الشيخ في كتابي المبسوط و الخلاف: لا يجب الكفارة إلا إذا ظاهر ثم أراد الوطء إن كان الظهار مطلقا، و بعد حصول الشرط و إرادة الوطء إن كان مشروطا.
و بذلك صرح ابن أبي عقيل و السيد المرتضى بعد أن ذكر أنه ليس لأصحابنا نص صريح في تفسيره، و خالف في ذلك ابن الجنيد فجعل العود عبارة عن إمساكها في النكاح بقدر ما يمكنه مفارقتها فيه. قال على ما نقله عنه في المختلف: و المظاهر إذا أقام على إمساك زوجته بعد الظهار بالعقد الأول زمانا، فإن قل فقد عاد- إلى أن قال:- و لم يجز له أن يطأ حتى يكفر.
و نقل عنه في المسالك الاحتجاج على ذلك بأن العود للقول عبارة عن مخالفته، يقال: قال فلان قولا ثم عاد فيه، و عاد له أي خالفه و نقضه، و هو قريب من قولهم: عاد في هبته- ثم قال في المسالك:- و هذان القولان للعامة أيضا، و لهم قول ثالث إنه الوطء نفسه، و الأصح الأول.
____________
(1) الكافي ج 6 ص 159 ح 30، التهذيب ج 8 ص 20 ح 38، الوسائل ج 15 ص 530 ب 16 ح 5.
674
ثم إنه أجاب عن الثاني و هو ما ذهب إليه ابن الجنيد، قال: و جواب الثاني أن حقيقة الظهار كما اعترفوا به تحريم المرأة عليه، و ذلك لا ينافي بقاؤها في عصمته، فلا يكون إبقاؤها بذلك عودا فيه، و إنما يظهر العود في قوله بإرادة فعل ما ينافيه، و ذلك بإرادة الاستمتاع أو به نفسه، لكن الثاني غير مراد هنا لقوله «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا» فجعل الكفارة مترتبة على العود، و جعلها من قبل أن يتماسا، فدل على أن العود يتحقق قبل الوطء، و بهذا يضعف القول الثالث، انتهى.
و أجاب في المختلف و مثله في المسالك أيضا عما ذهب إليه ابن الجنيد بأن قوله عز و جل «ثُمَّ يَعُودُونَ» يقتضي التراخي بين الظهار و العود لدلالة «ثم» عليه و على قولهم بالقول الثاني لا يتحقق التراخي على هذا الوجه.
أقول: لا يخفى أن المستفاد من الآية و الأخبار المتقدمة متى ضم بعضها إلى بعض إنما هو عبارة عن إرادة المواقعة، لا مجرد إمساكها، لأن الآية دلت على ترتب الكفارة على العود، بمعنى إرادة العود بالتقريب المتقدم، و الأخبار صرحت بأن وقت الكفارة إرادة المواقعة، و منه علم أن العود الموجب للكفارة عبارة عن إرادة المواقعة، فلو أمسكها ما أمسكها و لم يرد المواقعة لم يتحقق العود بذلك.
الثالث [هل يكون وجوب الكفارة مستقرا بإرادة العود؟]
قد عرفت مما تقدم أنه لا إشكال في لزوم الكفارة بإرادة العود، لكن الكلام في أنه متى وجبت بذلك هل يكون وجوبها مستقرا بذلك حتى أنه لو طلقها بعد إرادة العود و قبل الوطء تبقى الكفارة لازمة له؟ أو أنه لا استقرار لوجوبها إلا بالوطء بالفعل، فمعنى الوجوب إنما هو عبارة عن كونها شرطا في حل الوطء لتحريم العود بدونها؟ قولان، أشهرهما الثاني، و هو الذي صرح به المحقق في كتابيه.
قال في الشرائع: و لا استقرار لها، بل معنى الوجوب تحريم الوطء حتى يكفر، و على هذا فتكون الكفارة شرطا في حل الوطء، كما أن الطهارة شرط
675
في صحة صلاة النافلة، و الإحرام شرط في دخول الحرم، و لا يصدق على شيء من هذه الشروط اسم الواجب بالمعنى المتعارف منه، و هو ما يذم تاركه أو يعاقب على تركه، فإن تارك الكفارة لو لم يطأ لا إثم عليه، و لو وطأ أثم على وقوع الوطء على هذا الوجه لا على ترك الكفارة. كما أن من صلى النافلة من غير طهارة يعاقب على إيقاع الصلاة كذلك لا على ترك الطهارة، و هذا الوجوب بهذا المعنى يسمى عندهم بالوجوب الشرطي، لأنه لا يترتب على تركه ما يترتب على ترك الواجب، و إنما وجوبه عبارة عن شرطيته في صحة ما جعل شرطا له، و على هذا القول يدل ظاهر الآية، فإن قوله عز و جل «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا» غاية ما يدل عليه توقف إباحة التماس على تحرير الرقبة، لا وجوب التحرير بمجرد إرادة التماس.
و بالجملة فإن مجرد إرادة العود مع عدم وقوع الوطء منه و لا التكفير لا يوجب حصول العصيان، و الموجود في الآية تحرير الرقبة قبل التماس، و هذا لم يحصل منه مماسة بالكلية.
و على ذلك يدل أيضا ظاهر صحيحة الحلبي (1) المتقدمة قريبا فيمن يظاهر امرأته، ثم يريد أن يتم على طلاقها «قال: ليس عليه كفارة، قلت: إنه أراد أن يمسها، قال: لا يمسها حتى يكفر» فإن غاية ما تدل عليه أن جواز المس متوقف على التكفير، فمتى لم يمس لا يستقر عليه و إن أراد، و مرجعه إلى أن التكفير شرط في جواز المس، و هو المراد من الوجوب الشرطي الذي ذكرناه، لا الوجوب المستقر بالمعنى المتعارف. و نحوها أيضا صحيحة جميل (2) و رواية أبي بصير (3) المتقدمتان بالتقريب المذكور.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 18 ح 31، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 4.
(2) الكافي ج 6 ص 155 ح 9.
(3) الكافي ج 6 ص 155 ح 10.
676
و نقل عن العلامة في التحرير أنه استقرب أن الوجوب يستقر بإرادة الوطء و إن لم يفعل، محتجا بالآية، قال: لأن الله تعالى رتب وجوبها على العود بقوله «ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» أي فعليهم ذلك، و الأصل بقاء هذا الوجوب المترتب.
و أجيب بمنع الدلالة على الوجوب مطلقا، بل غاية ما تدل الآية عليه هو توقف التماس على الكفارة، و هذا ما ندعيه، و لو سلم الوجوب فالمراد به المقيد بقبلية التماس، و القبلية من الأمور الإضافية لا تتحقق بدون المتضايفين فما لم يحصل التماس لا يثبت الوجوب، و هذا هو المراد من الوجوب الغير المستمر و بالجملة فالقول المذكور ضعيف لا يلتفت إليه لما عرفت، و الله العالم.
الثانية [في أنه لو وطأ قبل الكفارة لزمته كفارة أخرى]
المشهور بين المتقدمين و عليه كافة المتأخرين أنه لو وطأ قبل الكفارة لزمته كفارة أخرى، و لو كرر الوطء تكررت الكفارة.
و يدل على ذلك
صحيحة الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يظاهر من امرأته ثم يريد أن يتم على طلاقها، قال: ليس عليه كفارة، قلت: فإن أراد أن يمسها؟ قال: لا يمسها حتى يكفر، قلت: فإن فعل فعليه شيء؟
فقال: إي و الله إنه لآثم ظالم، قلت: عليه كفارة غير الاولى؟ قال: نعم».
و ما رواه
في الكافي (2) عن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): متى تجب الكفارة على المظاهر؟ قال: إذا أراد أن يواقع، قال: قلت، قال: فإن واقع قبل أن يكفر؟ قال: فقال: عليه كفارة أخرى».
و هذه الرواية وصفها في المسالك بالصحة، و لا أعرف له وجها، فإن طريقها في الكافي عن علي الميثمي عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن أبى بصير، و طريق الكليني إلى علي الميثمي غير معلوم و علي المذكور مجهول، و أبو بصير مشترك.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 18 ح 31، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 4.
(2) لم نعثر عليها في الكافي، التهذيب ج 8 ص 20 ح 39، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 6.
677
و ما رواه
الشيخ (1) عن الحسن الصيقل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له:
رجل ظاهر من امرأته فلم يف، قال: عليه الكفارة من قبل أن يتماسا، قلت:
فإنه أتاها قبل أن يكفر، قال: بئس ما صنع، قلت: عليه شيء؟ قال: أساء و ظلم قلت: فيلزمه شيء؟ قال: رقبة أيضا».
و ما رواه
في الكافي (2) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال: إذا واقع المرة الثانية قبل أن يكفر فعليه كفارة أخرى، ليس في هذا اختلاف».
أقول: الظاهر أن قوله «ليس في هذا اختلاف» من كلام أحد الرواة، بمعنى أنه بتكرر الوطء تتكرر الكفارة، فلكل وطء كفارة من غير خلاف بين الخاصة و العامة في ذلك، إنما الخلاف في لزوم كفارة أخرى للوطء الأول كما هو محل البحث.
و نقل عن ابن الجنيد أنه حكم بالتعدد، و كذلك إذا كان فرض المظاهر التكفير بالعتق أو الصيام. و أما إذا انتقل فرضه إلى الصيام فلا.
قال على ما نقل عنه في المختلف و المسالك: و المظاهر إذا قام على إمساك زوجته بعد الظهار بالعقد الأول زمانا، و إن قل فقد عاد لما قال، و لم يستحب (3) له أن يطأ حتى يكفر، فإن وطأ لم يعاود الوطء ثانيا حتى يكفر، فإن فعل وجب عليه بكل وطء كفارة، إلا أن يكون ممن لا يجد العتق و لا يقدر على الصيام فكفارته هي الإطعام فإنه إن عاود إلى جماع ثان قبل الإطعام فالنفقة لا يوجب عليه كفارة، لأن الله شرط في العتق و الصيام أن يكون قبل العود و لم يشترط ذلك في الإطعام و الاختيار أن لا يعاود إلى جماع ثان حتى يتصدق.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 14 ح 21، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 5.
(2) الكافي ج 6 ص 157 ح 17، التهذيب ج 8 ص 18 ح 33، الوسائل ج 15 ص 526 ب 15 ح 1.
(3) في المختلف «و لم يجز».
678
و احتج له الأصحاب بصحيحة زرارة (1) المتقدمة في الموضع الأول من سابق هذه المسألة الدالة على أن من واقع بعد الظهار قبل أن يكفر فهو فقير.
و حسنة الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل ظاهر من امرأته ثلاث مرات، قال: يكفر ثلاث مرات، قلت: فإن واقع قبل أن يكفر؟ قال:
يستغفر الله، و يمسك حتى يكفر».
و رواية زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن الرجل إذا ظاهر من امرأته ثم يمسها قبل أن يكفر فإنما عليه كفارة واحدة، و يكف عنها زوجها حتى يكفر».
و أنت خبير بأن ظاهر كلام ابن الجنيد بل صريحه موافقة الأصحاب فيما إذا كان التكفير بالعتق أو الصيام، فأوجب التعدد بالوطء بعد الظهار قبل الكفارة، و تعددها بتعدد الوطء، و إنما يخالفهم في صورة ما إذا كان التكفير بالإطعام، فإنه لا يوجب أزيد من كفارة واحدة، محتجا بظاهر الآية، و هي قوله عز و جل «وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا- إلى أن قال:- فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً». (4)
و التقريب فيها أنه اشترط في كفارة العتق و الصيام أنه لا يجوز له المواقعة إلا بعد تلك الكفارة، سواء واقعها مرة أو مرات، فإنه يكرر الكفارة بذلك
____________
(1) الكافي ج 6 ص 159 ح 30، التهذيب ج 8 ص 20 ح 38، الوسائل ج 15 ص 530 ب 16 ح 5.
(2) الكافي ج 6 ص 156 ح 14، الفقيه ج 3 ص 343 ح 8، التهذيب ج 8 ص 18 ح 34، الوسائل ج 15 ص 526 ب 15 ح 2.
(3) التهذيب ج 8 ص 20 ح 37، الوسائل ج 15 ص 528 ب 15 ح 9 و فيهما «ثم غشيها» و «يكف عنها حتى».
(4) سورة المجادلة- آية 3 و 4.
679
لمنعه من المماسة قبل الكفارة، فهو ممنوع في المس الأول و الثاني، و هكذا، فكل منهما وجب الكفارة.
و أما الإطعام فأطلقه و لم يشترط فيه ذلك قبل المماسة، بل ظاهره أنه متى كان كفارته الإطعام فإنه يكفر بعد الظهار تماسا أو لم يتماسا فإنما عليه كفارة واحدة، لأنه لم يعلق الكفارة على التماس كما في الأولين، بل قال:
فإن لم يستطع التكفير بتلك الكفارتين على الوجه المذكور فكفارته إطعام ستين مسكينا مرة واحدة و إن تماسا و تكرر التماس، لأنه لم يرتب الكفارة على التماس ليلزم تكررها بتكرره، بل الموجب لها إنما هو الظهار، و الواجب فيه كفارة واحدة، و التعدد غير مستفاد من الآية في هذه الكفارة.
و أما الأخبار التي أوردوها دليلا لابن الجنيد فلا دلالة في شيء منها على هذا التفصيل الذي ادعى ابن الجنيد من تخصيص محل خلافه مع الأصحاب بكفارة الإطعام، بل هي مطلقة كإطلاق الأخبار الدالة على القول المشهور، و لا فرق في شيء منها بين الكفارات، إلا أن تلك دلت على التعدد مطلقا و هذه دلت على وحدة الكفارة مطلقا عتقا كانت الكفارة أو صياما أو إطعاما، فهي غير موافقة لابن الجنيد لأنه يخص ذلك بما إذا كان الكفارة إطعاما، و هذه الأخبار مطلقة، و حملها على خصوص الإطعام كما يقوله ابن الجنيد تعسف محض و تكلف صرف لا يساعد عليه شيء من عبائرها و ألفاظها.
نعم الواجب الكلام في الجمع بين هذه الأخبار، و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حمل الأخبار الأول على الاستحباب، ثم إنه استشكل ذلك باعتبار صحة روايتي الحلبي و أبي بصير بناء على ما قدمنا نقله عنه من حكمه بصحتها، و التأويل فرع المعارضة و إلا فالعمل على الترجيح بالصحة.
و الشيخ- رحمة الله عليه- قد حمل الأخبار الأخيرة الدالة على عدم تكرار
680
الكفارة على من فعل ذلك جاهلا، و استدل عليه
بصحيحة محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الظهار لا يقع إلا على الحنث، فإذا حنث فليس له أن يواقعها حتى يكفر، فإن جهل و فعل كان عليه كفارة واحدة».
أقول: و التحقيق أن الرواية الاولى من الروايات الأخيرة و هي صحيحة زرارة (2) ليست مما ذكروه في شيء. و إنما المعنى فيها ما قدمنا ذكره من الحمل على ما إذا كان الظهار مشروطا بالمواقعة، بأن قال: أنت علي كظهر أمي إن واقعتك، فإنه لا تجب عليه الكفارة إلا بعد المواقعة، و لا يحصل الحنث الموجب لها إلا بذلك.
و أما حسنة الحلبي (3) فليس فيها إلا أنه إذا واقع قبل أن يكفر فليستغفر الله و ليمسك حتى يكفر. و لا دلالة فيه على أنه يكفر كفارة واحدة، بل هي أعم من الواحدة و الاثنتين، و حينئذ فيحمل على الكفارتين جمعا بين الأخبار المفصلة، و على هذا فتنحصر في رواية زرارة، و هي لا تبلغ قوة في معارضة تلك الأخبار، فيجب حملها على ما ذكره الشيخ من الجاهل الناسي و بذلك يظهر قوة القول المشهور.
و أما ما ذكره في المسالك بعد استبعاده ما ذكرناه من المحامل، فقال:
و قول ابن الجنيد لا يخلو من قوة، و فيه جمع بين الأخبار، إلا أن الأشهر خلافه ففيه ما عرفت آنفا من أن قول ابن الجنيد لا تعلق له بهذه الروايات الأخيرة، لأنه يفصل في الكفارة بين العتق و الصوم و بين الإطعام، فيوجب التعدد كما ذكره الأصحاب في الأولين و يوجب الواحدة في الثالث، و هذه الأخبار ليس فيها إشارة
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 11 ح 12، الوسائل ج 15 ص 528 ب 15 ح 8.
(2) الكافي ج 6 ص 159 ح 29، الوسائل ج 15 ص 529 ب 16 ح 2.
(3) الكافي ج 6 ص 156 ح 14، الفقيه ج 3 ص 343 ح 8، التهذيب ج 8 ص 18 ح 34، الوسائل ج 15 ص 526 ب 15 ح 2.
681
إلى هذا التفصيل بالكلية، و إنما هي مطلقة في اتحاد الكفارة، عتقا كانت أو صوما أو إطعاما، و حمل هذه الأخبار الأخيرة على خصوص كفارة الإطعام، مع أنه لا إشارة إليه، فضلا عن الدلالة عليه في شيء منها تعسف ظاهر، و تحكم مجاهر.
و كيف كان فإنه على تقدير القول المشهور من وجوب التعدد فإنه يجب تقييده بالعالم العامد دون الجاهل و الناسي كما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم (1) و إن كان موردها إنما هو الجاهل، إلا أن الناسي يشاركه عند الأصحاب كما صرح به في المسالك و غيره.
الثالثة [في حكم الظهار لو طلقها بائنا أو رجعيا. ثم تزوجها بعد العدة]
لا خلاف بين الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- في أن المظاهر إذا طلق طلاقا رجعيا ثم راجع في العدة فإن حكم الظهار باق فلا تحل له حتى يكفر.
و إنما الخلاف في أنها إذا طلقها بائنا أو رجعيا و لكن تركها حتى خرجت من العدة ثم تزوجها بعقد جديد فهل يكون حكم الظهار باقيا كالصورة الأولى أم لا؟ قولان، أشهرهما و أظهرهما الثاني.
و يدل على الحكمين المذكورين ما رواه
الصدوق في من لا يحضره الفقيه (2) في الصحيح عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب الخزاز عن بريد بن معاوية قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ظاهر من امرأته ثم طلقها تطليقة، فقال: إذا هو طلقها تطليقة فقد بطل الظهار و هدم الطلاق الظهار، قيل له: فله أن يراجعها؟ قال: نعم هي امرأته، فإن راجعها وجب عليه ما يجب على المظاهر من قبل أن يتماسا، قلت: فإن تركها حتى يحل أجلها و تملك نفسها، ثم تزوجها بعد ذلك، هل يلزمه الظهار من قبل أن يمسها؟ قال: لا، قد بانت منه و ملكت نفسها».
إلا أن صاحب الكافي (3) قد روى هذه الرواية بعينها عن يزيد الكناسي عن
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 11 ح 12، الوسائل ج 15 ص 528 ب 15 ح 8.
(2) الفقيه ج 3 ص 342 ح 6.
(3) الكافي ج 6 ص 161 ح 34، التهذيب ج 8 ص 16 ح 26، الوسائل ج 15 ص 518 ب 10 ح 2 و ما في المصادر اختلاف يسير.
682
أبي جعفر (عليه السلام)، الخبر كما هو في من لا يحضره الفقيه، و يزيد المذكور بالياء المثناة من تحت ثم الزاي، أو بريد بالباء الموحدة ثم الراء المهملة مجهول في الرجال فيكون الحديث ضعيفا بهذا الاصطلاح المحدث، لكنه من الجائز رواية كل منهما له في ذلك المجلس. و كيف كان فهو ظاهر الدلالة على الحكمين المذكورين.
و ذهب سلار و أبو الصلاح إلى عود حكم الظهار بعد تزويجها و لو بعد العدة البائنة لعموم الآية و خصوص
حسنة علي بن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) «أنه سأله عن رجل ظاهر من امرأته ثم طلقها بعد ذلك بشهر أو شهرين فتزوجت ثم طلقها زوجها الذي تزوجها، ثم راجعها الأول، هل عليه فيها الكفارة للظهار الأول؟
قال: نعم، عتق رقبة أو صوم أو صدقة».
و أجاب الشيخ عن هذه الرواية بالحمل على التقية لموافقتها لمذهب جمع من العامة، و اعترضه في المسالك بأن العامة مختلفون في ذلك كالخاصة، فلا وجه للتقية في أحد القولين.
و فيه أنه لا منافاة في ذلك، إذ من الجائز شيوع هذا القول بين العامة في ذلك الوقت، فأفتى (عليه السلام) بما يوافق قولهم يومئذ تقية، و قد ورد في الأخبار أنه مع اختلافهم في الحكم يؤخذ بخلاف ما إليه قضاتهم و حكامهم أميل.
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 17 ح 27، الوسائل ج 15 ص 519 ب 10 ح 9 و فيهما اختلاف يسير.
683
في هذه الرياض و العراص أصاب سهم القدر لمؤلفه الذي لا سعة عنه و لا مناص، و لا محيد دون عموم و اختصاص، فيا له من كرب لا يفيث منه حي، و يا لها من ثلمة لا يسدها شيء، و به تم الجزء الخامس و العشرون- حسب تجزئتنا- بحمد الله و منه.
و سيليه- إن شاء الله- تتمة لكتاب الظهار نهض بعبء تأليفه ابن أخيه و تلميذه العلامة النحرير آية الله المحدث الشيخ حسين بن محمد آل عصفور متبعا خطى جده و طريقة بحثه و اسما له ب:
«عيون الحقائق الناظرة في تتمة الحدائق الناضرة» فخرج كاملا متسقا، مسديا في ذلك خدمة جليلة لرواد العلم و الفضيلة، فلله درة و على الله أجره و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة
الجزء الخامس و العشرون
تأليف
الشيخ يوسف بن احمد البحراني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

