1

2

[تتمة كتاب الطهارة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الباب الثاني في الوضوء

و البحث في أسبابه و غايته و كيفيته و أحكامه يقع في مطالب أربعة:

المطلب الأول في الأسباب

، و حيث جرت عادة الفقهاء (رضوان اللّٰه عليهم) بالبحث عن أحكام الخلوة امام الوضوء، كان الأنسب تقديمها هنا، لترتب غالب الأسباب عليها، و ليكون تقديمها ذكرا على نحو تقدمها خارجا، و حينئذ فالكلام في هذا المطلب يقع في فصلين:

الفصل الأول في آداب الخلوة

، و منها- الواجب و المحرم و المستحب و المكروه، و البحث فيها يقع في موارد أربعة:

المورد الأول في الآداب الواجبة

، [وجوب ستر العورة]

و منها- ستر العورة على المتخلي حال جلوسه عن ناظر محترم إجماعا فتوى و رواية. و وجوب ستر العورة و ان كان لا اختصاص له بالمتخلي لكن لما كان انكشاف العورة من لوازم الخلاء ذكروا هذا الحكم فيه بخصوصه.

3

و مما يدل على وجوب سترها

ما رواه في الفقيه (1) مرسلا عن الصادق (عليه السلام) انه «سئل عن قوله تعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكىٰ لَهُمْ (2) فقال: كل ما كان في كتاب اللّٰه من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنا إلا في هذا الموضع، فإنه للحفظ من ان ينظر اليه».

و ما رواه فيه في باب ذكر جمل من مناهي النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (3) قال: «إذا اغتسل أحدكم في فضاء من الأرض فليحاذر على عورته».

و الأخبار في ذلك كثيرة مذكورة في باب دخول الحمام.

و لا ينافي ذلك

صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن «عورة المؤمن على المؤمن حرام» فقال: نعم. قلت: يعنى سفلية؟

فقال: ليس حيث تذهب، إنما هو إذاعة سره».

و رواية حذيفة بن منصور (5) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام):

شيء يقوله الناس: عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ فقال: ليس حيث يذهبون، إنما عنى عورة المؤمن ان يزل زلة أو يتكلم بشيء يعاب عليه فيحفظ عليه ليعيره به يوما ما».

و مثلهما رواية زيد الشحام (6).

(أما أولا)- فلوجود ما يدل على التحريم مما ذكرناه، و غاية ما يلزم من ذلك إطلاق العورة على معنيين، قد ذكر في تلك الأخبار حكم أحدهما و في هذه الأخبار حكم الثاني. و إطلاق العورة على هذا المعنى في الاخبار غير عزيز.

و (اما ثانيا)- فبان يقال ان كلامهم (عليهم السلام) له باطن و ظاهر

____________

(1) في الصحيفة 63، و في الوسائل في الباب- 1- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) سورة النور. الآية 31.

(3) في أول الجزء الرابع، و في الوسائل في الباب- 1- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب آداب الحمام.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب آداب الحمام.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب آداب الحمام.

4

كما ورد في الأخبار،

و قولهم: «عورة المؤمن على المؤمن حرام».

جائز الحمل على كل من المعنيين، و تخصيصه في هذه الأخبار بهذا المعنى-

بقوله (عليه السلام): «ليس حيث تذهب إنما هو. إلخ»

مما يدل بظاهره على الانحصار في هذا المعنى- محمول على نفي الاختصاص بذلك المعنى المشهور، و تأكد التحريم في هذا المعنى و المبالغة فيه حيث انه في الواقع أضر على المؤمن، فتحريمه حينئذ أشد، فكأنه هو المراد من اللفظ خاصة. و مثله في باب المبالغة غير عزيز

في كلامهم (عليهم السلام) كقولهم:

«المسلم من سلم الناس من يده و لسانه» (1).

و يدل على ذلك

موثقة حنان (2) قال: «دخلت انا و أبي و جدي و عمي حماما بالمدينة، فإذا رجل في بيت المسلخ، فقال لنا: ممن القوم؟ فقلنا: من أهل العراق. فقال: و اي العراق؟ قلنا: كوفيون. فقال: مرحبا بكم يا أهل الكوفة أنتم الشعار دون الدثار. ثم قال: ما يمنعكم من الأزر؟ فإن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام. الى ان قال: فسألنا عن الرجل، فإذا هو علي بن الحسين (عليهما السلام)».

و بذلك يظهر لك ما في كلام بعض فضلاء متأخري المتأخرين، حيث دخل عليه الاشكال بورود هذه الأخبار في هذا المجال، فقال: «و لو لم يكن مخافة خلاف

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في الباب- 152- من أبواب أحكام العشرة في حديث

عن الكليني بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام) عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) هكذا:

«. و المسلم من سلم المسلمون من يده و لسانه.».

و رواه بهذا النص السيوطي في الجامع الصغير ج 2 ص 185 إلا انه بتقديم اللسان على اليد، و كذا مسلم في صحيحة ج 1 ص 36 و البخاري في صحيحة ج 1 ص 7. نعم رواه النسائي في سننه ج 2 ص 267 هكذا:

«المسلم من سلم الناس من لسانه و يده».

(2) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب آداب الحمام.

5

الإجماع لأمكن القول بكراهة النظر دون التحريم، كما يشير اليه

ما رواه في الفقيه (1) عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «إنما كره النظر إلى عورة المسلم، فاما النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار».

فيسهل الجمع بين الروايات حينئذ كما لا يخفى وجهه» انتهى.

و فيه- زيادة على ما عرفت- ان استعمال الكراهة فيما ذهب اليه عرف طارئ من الأصوليين لا يتحتم حمل أخبارهم (عليهم السلام) عليه، و أكثر إطلاق الكراهة في كلامهم إنما هو على التحريم كما لا يخفى على المتتبع.

و من هذه الرواية المنقولة عن الفقيه يظهر اختصاص تحريم النظر بعورة المسلم.

و مثلها

حسنة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار».

و بذلك جزم المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في كتاب البداية.

و شيخنا الشهيد في الذكرى صرح بالتحريم فيها كعورة المسلم، ثم قال: «و فيه خبر بالجواز عن الصادق (عليه السلام)».

و لعل الجواز في الخبرين المذكورين مقيد بعدم اللذة و الفتنة كما يشير اليه التمثيل بعورة الحمار.

و المراد بالعورة هي القبل و الدبر و البيضتان،

لمرسلة أبي يحيى الواسطي عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) (3) انه قال: «العورة عورتان: القبل و الدبر. و الدبر مستور بالأليتين، فإذا سترت القضيب و البيضتين فقد سترت العورة».

____________

(1) في الصحيفة 63، و في الوسائل في الباب- 6- من أبواب آداب الحمام.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب آداب الحمام.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 4- من أبواب آداب الحمام.

6

و نقل عن ابن البراج انها من السرة إلى الركبة. و عن أبي الصلاح انها من السرة إلى نصف الساق.

و لم أقف لهما على دليل، بل ظاهر الأخبار يدفعهما، كالرواية المذكورة،

و رواية الميثمي عن محمد بن حكيم (1) قال: «لا أعلمه إلا قال: رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) أو من رآه متجردا و على عورته ثوب، فقال: ان الفخذ ليست من العورة».

الى غير ذلك من الأخبار.

نعم ربما يدل على ما ذكره ابن البراج

رواية بشير النبال (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الحمام، فقال: تريد الحمام؟ قلت: نعم. فأمر بإسخان الحمام، ثم دخل فاتزر بإزار و غطى ركبتيه و سرته، ثم أمر صاحب الحمام فطلى ما كان خارجا من الإزار، ثم قال اخرج عني، ثم طلى هو ما تحته بيده ثم قال:

هكذا فافعل».

و قضية الجمع بين الأخبار تقتضي حمل هذا الخبر على الاستحباب. إلا انه قد

روى في الفقيه (3) مثل هذه الحكاية عنه (عليه السلام) و انه كان يطلي عانته و ما يليها، ثم يلف إزاره على طرف إحليله و يدعو قيم الحمام فيطلي سائر بدنه.

و المراد بالناظر المحترم من يحرم نظره، فلا يجب الستر عن الزوجة و الطفل و الجارية التي يباح وطؤها.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 4- من أبواب آداب الحمام. و المذكور في كتب الحديث هكذا: قال الميثمي: لا أعلمه. الحديث. و الضمير في «أعلمه» و «قال» راجع إلى محمد بن حكيم.

(2) المروية في الوسائل بنحو التقطيع في الباب- 5 و 27 و 31- من أبواب آداب الحمام.

(3) في الصحيفة 65.

7

[وجوب الاستنجاء من البول بالماء]

و (منها)- الاستنجاء من البول بالماء خاصة إجماعا فتوى و رواية، فلا يجزي المسح بحائط أو تراب أو يد أو غير ذلك و لو حال الاضطرار، بل غايته منع التعدي للملاقي كما دلت عليه

موثقة ابن بكير عن الصادق (عليه السلام) (1) «في الرجل يبول و لا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط؟ فقال: كل شيء يابس ذكي».

و يدل على أصل الحكم

قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2):

«و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) اما البول فإنه لا بد من غسله».

و قوله (عليه السلام) أيضا في رواية بريد بن معاوية (3): «و لا يجزى من البول إلا الماء».

و يدل عليه أيضا الأخبار الدالة على وجوب غسل الذكر على من صلى قبل غسل ذكره من غير استفصال.

و منها-

صحيحة عمرو بن أبي نصر (4) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أبول و أتوضأ و انسى استنجائي ثم اذكر بعد ما صليت؟ قال: اغسل ذكرك و أعد صلاتك و لا تعد وضوءك».

و صحيحة ابن أذينة (5) قال: «ذكر أبو مريم الأنصاري: ان الحكم ابن عتيبة (6) بال يوما و لم يغسل ذكره متعمدا، فذكرت ذلك لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام)

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 9 و 30- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 18- من أبواب نواقض الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 18- من أبواب نواقض الوضوء.

(6) قال في الوافي ج 4 ص 25: «بيان- ابن عتيبة بالمثناة من فوق بعد المهملة ثم المثناة من تحت ثم الموحدة. إلخ» و في بعض حواشي التهذيب ص 14 هكذا: «في نسخة التهذيب و الاستبصار عيينة باليائين أولا قبل النون. و في كتب الرجال بالتاء قبل الياء و الباء بعدها».

8

فقال: بأس ما صنع، عليه أن يغسل ذكره و يعيد صلاته، و لا يعيد وضوءه».

و بمضمونها أخبار أخر سيأتي ذكرها ان شاء اللّٰه تعالى.

و اما

رواية سماعة (1) قال: «قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): اني أبول ثم أتمسح بالأحجار فيجيء مني البلل ما يفسد سراويلي؟ قال: ليس به بأس».

و موثقة حنان (2) قال: «سمعت رجلا سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال:

اني ربما بلت فلا أقدر على الماء و يشتد ذلك علي؟ فقال: إذا بلت و تمسحت فامسح ذكرك بريقك، فان وجدت شيئا فقل هذا من ذاك».

فإنهما بحسب ظاهرهما منافيان لما قدمنا من الاخبار، لدلالة ظاهر الاولى على الاكتفاء بالتمسح بالأحجار، بقرينة نفي البأس عما يفسد سراويله من البلل بعد التمسح، و الثانية على الاكتفاء بالتمسح بقرينة مسح الذكر.

و الجواب عنهما- بعد الإغماض عن المناقشة في السند بعدم المقاومة لما تقدم من الاخبار الصحاح- بالطعن في الدلالة.

(اما الأولى) فيما أجاب الشيخ (قدس سره) في الاستبصار (3) من انه ليس في الخبر انه قال: يجوز له استباحة الصلاة بذلك و ان لم يغسله، و إنما قال: ليس به بأس، يعني بذلك البلل الذي يخرج منه بعد الاستبراء، و ذلك صحيح، لأنه المذي، و هو طاهر.

و أجاب بعض محققي مشايخنا من متأخري المتأخرين- و تبعه والدي (قدس سره) في بعض فوائده لكن نسبه إلى البعد- بان وجدان ما يفسد سراويله من البلل لكثرته- مع عدم القطع بخروجه من مخرج البول الباقي على النجاسة- لا بأس به، لأصالة الطهارة و احتمال كونه من غير المخرج و غير متصل به.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب نواقض الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) في الصحيفة 56.

9

أقول: و يحتمل ان يكون مورد الخبر بالنسبة إلى من كان فاقدا للماء و تيمم بعد الاستبراء و التجفيف بالأحجار، فإنه لا بأس بالخارج بعد ذلك بمعنى انه لا يكون ناقضا للتيمم و ان كان نجسا باعتبار ملاقاة المحل النجس إلا انه غير واجد للماء، و ربما يستأنس لذلك بالتمسح بالأحجار. و ظني ان هذا الجواب أقرب مما ذكره شيخنا المتقدم.

و (اما الثانية) فالظاهر منها ان السائل شكى إليه انه ربما بال و ليس معه ماء، و يشتد ذلك عليه بسبب عرق ذكره بعد ذلك أو بلل يخرج منه، فيلاقي مخرج البول فينجس به ثوبه و بدنه، فعلمه (عليه السلام) حيلة شرعية يتخلص بها من ذلك، و هو ان يمسح غير المخرج من الذكر اعني المواضع الطاهرة منه من بلل ريقه بعد ما ينشف المخرج بشيء، حتى لو وجد بللا بعد ذلك لقدر في نفسه انه يجوز ان يكون من بلل ريقه الذي وضعه و ليس من العرق و لا من المخرج، فلا يتيقن النجاسة من ذلك البلل حينئذ. و بالجملة الحكمة في الأمر بمسح الذكر بالريق فعل أمر يجوز العقل استناد ما يجده من البلل اليه، ليحصل عنده الاشتباه و عدم القطع بحصوله من المخرج أو ملاقاته، و مع الاشتباه يبنى على أصالة الطهارة.

ف كل شيء طاهر حتى يعلم انه قذر (1).

و الناس في سعة ما لم يعلموا (2).

____________

(1) هذا مضمون موثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و نصها- كما في التهذيب ج 1 ص 81 و الوسائل في الباب- 37- من أبواب النجاسات- هكذا:

«كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر، فإذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم فليس عليك»

و سيتعرض لها في التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة الثانية من البحث الأول من أحكام النجاسات.

(2) لم نقف على حديث بهذا النص بعد الفحص عنه في مظانه، و الذي وجدناه بهذا المضمون خبر السكوني عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) المروي في الكافي في الباب- 48- من كتاب الأطعمة، و في الوسائل في الباب- 50- من أبواب النجاسات. و في الباب- 38- من أبواب الذبائح و في الباب- 23- من كتاب اللقطة.

10

و ما أبالي أ بول أصابني أو ماء إذا لم أعلم (1).

و هذه حكمة ربانية لدفع الوساوس الشيطانية، و مثلها في الأخبار غير عزيز.

و أجاب في المدارك عن هذه الرواية- بعد الطعن في السند- بالحمل على التقية، أو على ان المراد نفي كون البلل الذي يظهر على المحل ناقضا.

و فيه ان الظاهر بعد الحمل على التقية، لأن المسح بالتراب مطهر عند العامة (2) و اما الجواب الثاني فسيظهر ما فيه.

تنبيهات

(الأول) [تنجيس المتنجس]

- تفرد المحدث الكاشاني (قدس سره) بمسألة ذهب إليها و استند الى هذين الخبرين في الدلالة عليها، و هي ان المتنجس بعد ازالة عين النجاسة عنه بالتمسح لا تتعدى نجاسته إلى ما يلاقيه برطوبة. و قد أشبعنا الكلام معه في جملة

____________

(1) هذا حديث حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن على (عليهما السلام) كما في الوسائل في الباب- 37- من أبواب النجاسات.

(2) عند الحنفية كصاحب بدائع الصنائع ج 1 ص 18 و البحر الرائق ج 1 ص 241 و مجمع الانهر ج 1 ص 65 «يسن الاستنجاء عما يخرج من السبيلين من البول و الغائط و الدم و المنى و الوذي و الودي بالحجر و التراب و المدر و الطين اليابس، و لا يسن فيه عدد» و في البحر الرائق «غسله بالماء أحب، و يجب بالماء ان جاوز النجس المخرج، و لا يسن للريح الخارج» و قال الشافعي في الأم ج 1 ص 18: «من تخلى أو بال لم يجز إلا ان يتمسح بثلاثة أحجار ثلاث مرات أو آجرات أو ما كان طاهرا نظيفا مما ينقى نقاء الحجارة إذا كان مثل التراب و الحشيش و الخزف و غيرها» و قال الشيرازي في المهذب ج 1 ص 26:

«يجب الاستنجاء من البول و الغائط بثلاثة أحجار، و الماء أفضل و الأفضل الجمع بينهما» و عند الحنابلة كابن قدامة في المغني ج 1 ص 150 «يجب الاستنجاء عما يخرج من السبيلين معتادا كالبول و الغائط أو نادرا كالحصى و الدود و الشعر، و يخير بين الماء و الأحجار، و الماء أبلغ في التنظيف، و يجزي الاقتصار على الحجر بغير خلاف بين أهل العلم».

11

من فوائدنا، و لا سيما في رسالتنا قاطعة القال و القيل في نجاسة الماء القليل، فانا قد أحطنا فيها بأطراف الكلام بإبرام النقض و نقض الإبرام، و لنشر هنا إلى نبذة من ذلك كافلة بتحقيق ما هنالك.

فنقول: قال الفاضل المذكور في كتاب الوافي- بعد نقل موثقة حنان المذكورة (1) و ذكر المعنى الذي حملنا عليه الخبر أولا- ما صورته: «و يحتمل الحديث معنى آخر، و هو ان تكون شكايته من انتقاض وضوئه بالبلل الذي يجده بعد التمسح لاحتمال كونه بولا كما يستفاد من اخبار الاستبراء. و ذكر العجز عن الماء على هذا التقدير يكون لتعذر ازالة البلل عن ثوبه و سائر بدنه حينئذ، فإنه قد تعدى من المخرج إليهما و هذا كما ذكر العجز في حديث محمد السابق في الاستبراء (2). و على هذا لا يحتاج الى تكلف تخصيص التمسح بالريق بالمواضع الطاهرة، و لا إلى تكلف تعدي النجاسة من المتنجس، بل يصير الحديث دليلا على عدم التعدي منه، فان التمسح بالريق مما يزيدها تعديا. و هذا المعنى أوفق بالأخبار الأخر. و هذان الأمران- أعني عدم الحكم بالنجاسة إلا بعد التيقن و عدم تعدي النجاسة من المتنجس- بابان من رحمة اللّٰه الواسعة فتحهما لعباده رأفة بهم و نعمة لهم و لكن أكثرهم لا يشكرون. ثم نقل خبر سماعة المتقدم (3)، و قال بعده: لا يخفى على من فك رقبته من ربقة التقليد ان هذه الأخبار و ما يجري مجراها صريحة في عدم تعدي النجاسة من المتنجس إلى شيء قبل تطهيره و ان كان رطبا إذا أزيل عنه عين النجاسة بالتمسح و نحوه، و انما المنجس للشيء عين النجاسة لا غير. على انا لا نحتاج إلى دليل في ذلك. فان عدم الدليل على وجوب

____________

(1) في الصحيفة 8.

(2) و هو حسن محمد بن مسلم الآتي في الاستبراء و المروي في الوسائل في الباب- 11- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) في الصحيفة 8.

12

الغسل دليل على عدم الوجوب، إذ لا تكليف إلا بعد البيان» و نحوه ذكر في كتاب المفاتيح.

أقول: ما ذكره (قدس سره) في هذا المقام غير تام، لتوجه البحث اليه من وجوه:

(أحدها)- انه لا دلالة في خبر حنان (1) على هذا الوصف الذي بنى عليه هذه المباني المتعسفة، و ارتكب فيه هذه الاحتمالات المتكلفة.

و (ثانيها)- انه لو كانت شكاية السائل إنما هي من حيث خوف انتقاض وضوئه بالبلل الخارج من جهة احتمال كونه بولا، لكان جوابه بالأمر بالاستبراء بعد البول، فان حكمة الاستبراء هو البناء على طهارة ما يخرج بعده و عدم نقضه.

و (ثالثها)- انه لو كان وجه الحكمة في الأمر بوضع الريق على مخرج البول هو عدم انتقاض الطهارة- بمعنى ان ينسب ذلك البلل الذي يجده إلى الريق ليكون غير ناقض، و لا ينسبه إلى الخروج من الذكر فيكون ناقضا- فأي فرق في ذلك بين الحكم بتعدي النجاسة من المخرج بعد مسحها و عدم تعديها؟ فان وجه الحكمة يحصل على كلا التقديرين، فانا لو قلنا بالتعدي و مسح المخرج بريقه لقصد هذه الحكمة و كون الخارج غير ناقض أمكن و ان كان نجسا. و بالجملة فإنه لا منافاة بين حصول هذه الحكمة و بين القول بتعدي النجاسة.

و (رابعها)- ان ما ادعاه- من أوفقية هذا المعنى بالاخبار- غير ظاهر، فان من جملة تلك الأخبار

رواية حكم بن حكيم الصيرفي (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أبول فلا أصيب الماء، و قد أصاب يدي شيء من البول فأمسحه بالحائط

____________

(1) المتقدم في الصحيفة 8.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب النجاسات.

13

أو التراب، ثم تعرق يدي فامسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي؟ قال:

لا بأس به».

و عجز

صحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) حيث قال فيها: «و سألته عمن مسح ذكره بيده ثم عرقت يده فأصاب ثوبه يغسل ثوبه؟

قال: لا».

و لا دلالة فيهما على كون اصابة الثوب و مسح الوجه أو بعض الجسد بذلك الموضع النجس، و لا على كون النجاسة شاملة لليد كملا، حتى تستلزم الإصابة ببعض منها ذلك، بل هما أعم من ذلك. و نفي البأس فيهما إنما وقع لذلك، لانه ما لم يعلم وصول النجاسة إلى شيء و مباشرتها له برطوبة فلا يحكم بالنجاسة. و هذا بحمد اللّٰه ظاهر لا سترة عليه.

و الحمل على ما ذكرنا نظيره في الأخبار غير عزيز. فان كثيرا من الأخبار ما يوهم بظاهره ما أوهمه هذان الخبران مما هو مخالف لما عليه الفرقة الناجية (أنار اللّٰه برهانها) و يحتاج في تطبيقه إلى نوع تأويل.

مثل

صحيحة زرارة (2) قال: «سألته عن الرجل يجنب في ثوبه، أ يتجفف فيه من غسله؟ فقال: نعم لا بأس به إلا ان تكون النطفة فيه رطبة، فإن كانت جافة فلا بأس».

قال الشيخ (قدس سره): «ان التجفيف المذكور في هذا الخبر محمول على عدم اصابة محل المني» انتهى.

و ربما أشكل ذلك بأنه لا وجه حينئذ لاستثنائه النطفة الرطبة دون الجافة، لاشتراكهما في حصول البأس مع الإصابة لهما و انتفائه مع عدم أصابتهما. و يمكن ان يقال ان الرطوبة مظنة التعدي في الجملة.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب النجاسات.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 27- من أبواب النجاسات.

14

و صحيحة أبي أسامة (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): تصيبني السماء و على ثوب فتبله و أنا جنب، فيصيب بعض ما أصاب جسدي من المني، أ فأصلي فيه؟ قال: نعم».

و يمكن تأويله بأن البلل جاز ان لا يعم الثوب بأسره و تكون اصابة الثوب ببعض منه ليس فيه بلل، و يجوز ان يكون البلل قليلا بحيث لا تتعدى معه النجاسة و ان كان شاملا للثوب باصرة، كذا افاده والدي (قدس سره) في بعض فوائده. و مثل ذلك في الأخبار كثير يقف عليه المتتبع. و الغرض التنبيه على قبول ما استدل به للتأويل كما في نظائره الواردة من هذا القبيل، فلا يحتج به إذا على خلاف النهج الواضح السبيل الذي عليه عامة العلماء جيلا بعد جيل.

و (خامسها)- ان صدر

صحيحة العيص (2) المتقدم نقل عجزها- حيث قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر و قد عرق ذكره و فخذاه. قال: يغسل ذكره و فخذيه. الحديث»-.

واضح الدلالة في إبطال هذه المقالة، فإن ظاهر جملة «و قد عرق ذكره. إلخ» انها معطوفة على ما تقدمها، و حينئذ فتدل الرواية على ان العرق إنما وقع بعد البول و مسح الذكر، و قد أمر (عليه السلام) بغسل الذكر و الفخذين لذلك العرق المتعدي من مخرج البول بعد مسحه، و هو دليل على تعدي النجاسة بعد المسح.

و اما ما توهمه بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين- من ان الرواية المذكورة بطرفيها مما يمكن ان يستدل به على ما ذهب اليه المحدث الكاشاني، بأن يقال: الفرق بين الذكر و الفخذ عند عرقهما قبل التطهير الشرعي و بين الثوب عند

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 27- من أبواب النجاسات.

(2) المروي في الوسائل في الباب- 31- من أبواب أحكام الخلوة، و في الباب- 26- من أبواب النجاسات.

15

اصابته بعرق اليد الماسحة للذكر قبله- بالأمر بغسلهما دونه- لا وجه له ظاهرا سوى الفرق بين ما يلاقي المتنجس و ما يلاقي عين النجاسة، فإن غسلهما إنما هو لملاقاتهما بالرطوبة للمحل النجس قبل زوال عين النجاسة بالمسح بالحجر، كما ترشد اليه و أو الحال و ذلك يقتضي تعديها من المحل إلى ما يجاوره و يلاصقه من بقية اجزاء الذكر و الفخذ، بخلاف الثوب، فان ملاقاته إنما وقعت بالمتنجس و هي اليد الماسحة بعد زوال عين النجاسة من الماسح و الممسوح- فهو ظاهر السقوط، فان مفاد عطف مسح الذكر على البول بالفاء التي مقتضاها الترتيب بغير مهلة هو كون المسح وقع عقيب البول بلا فصل، و لا يعقل على هذه الحال حصول العرق للذكر و الفخذ على وجه يتعدى من الذكر اليه قبل المسح، حتى يتم ما ذكره من ان غسلهما إنما هو لملاقاتهما بالرطوبة للمحل النجس قبل زوال عين النجاسة بالمسح بالحجر. إلخ، و كذا لا يعقل انه تركه بغير مسح حتى يتردد في المغدى و المجيء على وجه يعرق ذكره و فخذاه و عين البول باقية ضمن تلك المدة، حتى انه بسبب العرق تتعدى نجاسة البول إلى فخذيه مثلا، بل من المعلوم انه بمجرد المغدى و المجيء تتعدى النجاسة مع وجود عينها من غير حصول عرق إلى سائر بدنه و ثيابه، بل الوجه الظاهر البين الظهور- ان تنزلنا عن دعوى القطع الذي ليس بمستبعد و لا منكور- ان المراد من الخبر إنما هو السؤال عن انه متى بال و لم يكن معه ماء فمسح ما بقي على طرف ذكره من البول لئلا يتعدى إلى ثوبه أو بدنه فينجسه، ثم انه بعد ذلك حصل عرق في ذكره و فخذيه بحيث علم تعدي العرق من المحل المتنجس إلى الفخذ و ملاقاة أحدهما للآخر برطوبة، فأجاب (عليه السلام) بوجوب غسل ذكره و فخذيه لتعدي النجاسة على ما ذكرنا، و حينئذ فجملة «و قد عرق» معطوفة كما ذكرنا لا حالية كما ذكره (قدس سره) و اما قوله: «بخلاف الثوب فان ملاقاته إنما وقع بالمتنجس» ففيه ما عرفت آنفا.

16

و (سادسها)- ان ما ذكره- من ان عدم الدليل دليل على العدم- مسلم لو لم يكن ثمة دليل. و الأدلة على ما ندعيه- بحمد اللّٰه- واضحة و أعلامها لائحة.

فمن ذلك- صحيح العيص المذكور (1) على ما أوضحناه من الوجه النير الظهور و من ذلك- استفاضة الأخبار بغسل الأواني و الفرش و البسط و نحوها متى تنجس شيء منها، فان من المعلوم ان الأمر بغسلها ليس إلا لمنع تعدي نجاستها إلى ما يلاقيها برطوبة مما يشترط فيه الطهارة. و لو كان مجرد زوال العين كافيا في جواز استعمال تلك الأشياء لما كان للأمر بالغسل فائدة، بل ربما كان محض عبث، لان تلك الأشياء بنفسها لا تستعمل فيما يشترط فيه الطهارة كالصلاة فيها و نحوه حتى يقال ان الأمر بغسلها لذلك، فلا يظهر وجه حسن هذا التكلف. هذا مع بناء الشريعة على السهولة و التخفيف.

و من ذلك- أخبار نجاسة الدهن و الدبس المائعين و نحوهما بموت القارة و نحوها (2) و ربما خص بعضهم موضع خلافه في هذه المسألة بالأجسام الصلبة بعد ازالة عين النجاسة عنها بالتمسح و نحوه، كما هو مورد الموثقة التي استند إليها و عول في المقام عليها (3).

و ربما أيد أيضا بقوله فيما قدمنا نقله عنه: «إذا أزيل عنه عين النجاسة بالتمسح و نحوه. و فيه ان قوله في تتمة العبارة المذكورة-: «و انما المنجس للشيء عين النجاسة لا غير»- صريح في العموم.

و يدل أيضا عليه بأوضح دلالة ما صرح به في كتاب المفاتيح في مفاتيح النجاسات حيث قال بعد ذكر النجاسات العشر في مفاتيح متعددة- ما صورته: «مفتاح-

____________

(1) في الصحيفة 14.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب الماء المضاف.

(3) و هي موثقة حنان المتقدمة في الصحيفة 8.

17

كل شيء غير ما ذكر فهو طاهر ما لم يلاق شيئا من النجاسات برطوبة، للأصل السالم من المعارض،

و للموثق: «كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر.» (1).

» فان تخصيصه الاستثناء بما يلاقي شيئا من النجاسات خاصة يدل على ان ما لاقى المتنجس صلبا كان أو مائعا بعد ازالة عين النجاسة فهو داخل في كلية الطهارة بلا اشكال. و انما أطلنا الكلام و ان كان خارجا عن المقام لسريان الشبهة في أذهان جملة من الاعلام.

(الثاني) [أقل ما يجزئ من الماء في الاستنجاء من البول]

- اختلف الأصحاب في أقل ما يجزئ من الماء في الاستنجاء من البول، فنقل عن الشيخين- في المبسوط و النهاية و المقنعة- ان أقل ما يجزئ مثلا ما على رأس الحشفة، و نقله في المختلف عن الصدوقين أيضا، و اليه ذهب المحقق في المعتبر و الشرائع، و العلامة في القواعد و التذكرة، بل صرح بعض مشايخنا بأنه قول الأكثر. و نقل عن أبي الصلاح ان أقل ما يجزئ ما أزال العين عن رأس الفرج.

و قال ابن إدريس في السرائر أقل ما يجزئ من الماء لغسله ما يكون جاريا و يسمى غسلا. و الظاهر اتحاد كلامي أبي الصلاح و ابن إدريس، كما فهمه العلامة في المختلف و مال اليه فيه أيضا و في المنتهى، و نقله عن ظاهر ابن البراج أيضا.

و يدل على القول الأول

رواية نشيط بن صالح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «سألته كم يجرئ من الماء في الاستنجاء من البول؟ فقال: مثلا ما على الحشفة من البلل».

و الرواية مع ضعف السند معارضة

بما رواه أيضا في هذا الباب عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) «قال يجزئ من البول ان يغسله بمثله».

و ما رواه في الكافي (4) مرسلا مضمرا انه «يجزئ ان يغسل بمثله من الماء

____________

(1) و هو موثق عمار المروي في الوسائل في الباب- 37- من أبواب النجاسات.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 26- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 26- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) ج 1 ص 7 و في الوسائل في الباب- 26- من أبواب أحكام الخلوة. و في الباب- 1- من أبواب النجاسات.

18

إذا كان على رأس الحشفة و غيره».

و ما رواه ابن المغيرة في الحسن عن أبي الحسن (عليه السلام) (1) قال:

«قلت له: للاستنجاء حد؟ قال: لا حتى ينقى ما ثمة».

و بإطلاق الأمر بغسله في جملة من الاخبار الحاصل امتثاله بما يحصل به النقاء و لو بالمثل، و الأصل عدم التقييد. و المقيد مع ضعف سنده معارض بما عرفت، بل يمكن الطعن في دلالته بأن الاجزاء في المثلين لا يقتضي سلب الاجزاء عما دونه و المراد اجزاء الفرد الأكمل. و بذلك يظهر قوة القول الثاني.

إلا انه يمكن ان يقال: ان إطلاق الأخبار- بالغسل في بعض و الصب في آخر و التحديد بالنقاء في ثالث- لا ينافي عند التأمل خبر المثلين، فان الظاهر ان الغسل لا يصدق إلا بما يقهر النجاسة و يغلب عليها، و لا يحصل ذلك بأقل من المثلين، و مثله الصب بطريق اولى، و أظهر من ذلك النقاء المستلزم للغلبة البتة. نعم يبقى خبرا المثل مناقضين لذلك، و هما لا يبلغان قوة المعارضة، سيما مع تأيد هذه الأخبار بموافقة الاحتياط.

و اما ما أجاب به الشيخ (رحمه اللّٰه) في كتابيه عن خبر المثل- حيث اعتمد على خبر المثلين، و اقتفاه المحدث الحر العاملي (قدس سره) في كتاب الوسائل، من احتمال رجوع ضمير «مثله» الى البول الخارج كلا- ففيه ان ضميري «يغسله» و «بمثله» لا مرجع لهما إلا لفظ البول المتقدم، و تعلق الغسل بالبول الخارج كلا لا معنى له، بل المغسول إنما هو المتخلف على المخرج، و حينئذ فالوجه حمل البول في الرواية على المتخلف، و المعنى انه يجزئ من ازالة البول أو من غسل البول ان يغسله بمثله.

و لو قيل: انه يمكن تصحيح ما ذهب اليه الشيخ بنوع من الاستخدام، بجعل

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في الباب- 13 و 35- من أبواب أحكام الخلوة.

و في الباب- 25- من أبواب النجاسات.

19

ضمير «يغسله» للبول المتخلف، و ضمير «مثله» لمجموع الخارج.

ففيه (أولا)- انه لا قرينة تدل عليه، و لا ضرورة توجب المصير اليه.

و (ثانيا)- ان القول بوجوب المثلين دون الأقل منه إنما نشأ من لفظ الاجزاء في الرواية المستدل بها على ذلك الذي هو عبارة عن الاكتفاء بأقل المراتب، و حينئذ يلزم- بناء على ما ذكره من التأويل في الرواية الثانية- انه لا يكفي أقل من مثل البول الخارج كملا، و هو بعيد جدا. و الاعتذار بحمل الزائد على المثلين على الاستحباب- مع منافاة لفظ الاجزاء له و كون الزيادة إلى ذلك المقدار ربما تبلغ حد الإسراف- أبعد. على ان ذلك لا يكون حينئذ ضابطا و لا حكما منضبطا، لزيادة البول الخارج تارة و نقصانه اخرى. فالظاهر حينئذ هو ما ذكرناه.

(الثالث) [المراد بالمثلين الغسلة الواحدة أو الغسلتان]

- هل المراد بالمثلين في الخبر مجرد الكناية عن الغسلة الواحدة، لاشتراط الغلبة في المطهر و هي لا تحصل بالمثل كما قدمنا ذكره، أو المراد به بيان التعدد و وجوب غسل مخرج البول مرتين، و التعبير بالمثلين هنا لبيان أقل ما يجزئ فيه؟ قولان:

أظهرهما الأول، و يعضده (أولا)- ان الرواية لا ظهور لها في كون المثلين دفعة أو دفعتين.

و (ثانيا)- ما قدمنا (1) من حسنة ابن المغيرة، و إطلاق الاخبار بالغسل و الصب المقتضى ذلك للغلبة و الزيادة في الغسلة.

و (ثالثا)- ان جعل المثل غسلة- مع اعتبار أغلبية ماء الغسلة على النجاسة و استيلائه عليها كما عرفت- مما لا يرتكبه محصل.

نعم يبقى هنا شيء و هو انه قد استفاضت الأخبار بوجوب المرتين في إزالة نجاسة

____________

(1) في الصحيفة 18.

20

البول عن الثوب و البدن مع ان ما نحن فيه داخل تحت المسألة، و الاخبار هنا قد دلت على الاكتفاء بالمرة كما حققناه، و حينئذ فاما ان يخصص عموم تلك الأخبار بأخبار الاستنجاء، فيقال بوجوب المرتين في ما عدا الاستنجاء، أو يقيد إطلاق هذه الاخبار بتلك فتجب المرتان هنا، و لعل الترجيح للأول. و نمنع شمول أخبار المرتين لموضع النزاع بل ظهورها فيما عداه، و لأن تقييد المطلق مجاز و الأصل عدمه.

(الرابع) [هل يعتبر الانفصال الحقيقي على تقدير التعدد؟]

- هل الواجب على تقدير التعدد الانفصال الحقيقي ليحصل التعدد عرفا، أو يكفي الانفصال التقديري؟ قولان:

اختار أو لهما شيخنا الشهيد في الذكرى، مع انه اكتفى في تحقق المرتين في غير الاستنجاء بالانفصال التقديري، و اعتذر عنه المحقق الشيخ علي (رحمه اللّٰه) في شرح القواعد فقال: «و ما اعتبره في الذكرى- من اشتراط تخلل الفصل بين المثلين ليتحقق تعدد الغسل- حق، لا لأن التعدد لا يتحقق إلا بذلك، بل لأن التعدد المطلوب بالمثلين لا يوجد بدون ذلك، لان ورود المثلين دفعة واحدة غسلة واحدة» انتهى.

و توضيحه ان التعدد التقديري لا بد في العلم بتحققه من زيادة على الغسلتين، و هي غير متحققة في المثلين إذا وقعا دفعة، بل إنما يعدان كذلك غسلا واحدا. و على كل حال فالأحوط اعتبار الغسل مرتين بل ثلاث مرات،

لما في صحيح زرارة المقطوع (1) «كان يستنجي من البول ثلاث مرات».

و الأحوط مع ذلك أيضا الفصل الحقيقي بين الغسلات.

(الخامس) [هل يجب التمسح بالحجر عند عدم الماء للتطهير من البول؟]

- صرح جمع- منهم: المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى- انه لو لم يجد الماء لغسل البول أو تعذر استعماله لجرح و نحوه وجب التمسح بالحجر و نحوه، لان الواجب ازالة العين و الأثر، فلما تعذرت إزالتهما معا لم تسقط ازالة العين.

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 26 و 35- من أبواب أحكام الخلوة.

21

و نقل عن بعض المتأخرين انه فهم من هذا الكلام انهم يرون وجوب تجفيف مطلق النجاسة عند تعذر إزالتها، و ان ذلك بدل اضطراري للطهارة من النجاسات كبدلية التيمم للطهارة من الأحداث، و صرح بالموافقة لهم عليه.

و فيه (أولا)- ان ما ذكروه من وجوب المسح بالحجر و نحوه في هذا المقام لا دليل عليه. و ما استندوا إليه في الدلالة مجرد اعتبار لا دلالة عليه في الاخبار، إذ غاية ما يستفاد منها وجوب التطهير بالغسل و صب الماء، فعند تعذر الماء يسقط التكليف رأسا. و كون الغسل مثلا مشتملا على الأمرين المذكورين لا يستلزم التكليف بأحدهما عند فقده. و لا ريب ان ما ذكروه طريق احتياط لمنع تعدي النجاسة الى الثوب و البدن.

و (ثانيا)- ان هذا القائل ان أراد- بما فهمه من كلامهم من البدلية- ثبوت التطهير بالحجر في حال الضرورة، كما يفهم من ظاهر كلامه و تمثيله ببدلية التيمم، فهو مخالف لما عرفت آنفا من الإجماع- نصا و فتوى- على عدم التطهير في الاستنجاء من البول إلا بالماء أعم من ان يكون حال ضرورة أو سعة، و عبائر هؤلاء الجماعة الذين قلدهم فيما فهم من كلامهم ناطقة بذلك، و ان أراد مجرد تجفيف النجاسة حذرا من التعدي، فقد عرفت انه لا دليل عليه و ان كان الاولى فعله.

(السادس) [هل يجب الدلك في الاستنجاء من البول؟]

- الظاهر انه لا يجب الدلك،

لما روى «انه ليس بوسخ فيحتاج ان يدلك» (1).

و لما في الاخبار من الأمر بالصب خاصة،

و في بعضها (2) بعد الأمر بالصب «فإنما هو ماء».

هذا إذا كان رطبا. فلو كان جافا مترا كما فلا يبعد الوجوب. لعدم تيقن

____________

(1) كما في مرسل الكافي ج 1 ص 7 و في الوسائل في الباب- 26- من أبواب أحكام الخلوة و في الباب- 1- من أبواب النجاسات.

(2) و هو خبر البزنطي المروي في الوسائل عن السرائر في الباب- 26- من أبواب أحكام الخلوة، و في الباب- 1- من أبواب النجاسات.

22

الإزالة إلا به، مع احتمال العدم وقوفا على ظاهر إطلاق الاخبار، منضما إلى أصالة البراءة. و الاحتياط يقتضي الأول البتة.

(السابع)- هل يجب على الأغلف في الاستنجاء من البول كشف البشرة

و تطهير محل النجاسة، أو يكتفي بغسل ما ظهر؟ قولان مبنيان على ان ما تحت الغلفة هل هو من الظواهر أو البواطن؟

و بالأول جزم المحقق الشيخ علي (قدس سره) في شرح القواعد، و نقل الثاني فيه عن المنتهى و الذكرى، معللين له بإلحاقه بالبواطن فيغسل ما ظهر، ثم قال:

«و للنظر فيه مجال».

أقول: و الذي وقفت عليه في الكتابين المذكورين لا يطابق ما نقل (قدس سره) عنهما، فإنه صرح في الذكرى بأنه يجب كشف البشرة على الأغلف ان أمكن، و لو كان مرتتقا سقط. و مثله في المنتهى فيما إذا كشفها وقت البول، اما لو لم يكشفها حال البول فهل يجب كشفها لغسل المخرج؟ فإنه استقرب الوجوب هنا ايضا. و مثله في المعتبر أيضا، فإنه تردد في هذه الصورة في الوجوب، ثم اختاره و جعله الأشبه، معللا له بأنه يجري مجرى الظاهر. و جزم في التذكرة و التحرير بالحكم في هذه الصورة من غير تردد. و بالجملة فإني لم أقف فيما حضرني من كتب الفقهاء علي خلاف في وجوب غسل البشرة في الصورة المذكورة إلا على ما نقله المحقق الشيخ على. و قد عرفت ما فيه.

نعم ظاهر المنتهى و المعتبر التردد في ذلك إلا أنهما اختارا الوجوب كما عرفت. و من ذلك يعلم انه لا ينبغي الركون إلى مجرد النقل و الاعتماد عليه بل ينبغي مراجعة المنقول عنه حيث كان و على اي نحو كان.

(الثامن) [من صلى ناسيا للاستنجاء]

- اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) فيمن صلى ناسيا للاستنجاء، فالمشهور وجوب الإعادة وقتا و خارجا. و عن ابن الجنيد تخصيص وجوب

23

الإعادة بالوقت و اختيار الاستحباب خارجه. و عن الصدوق في الفقيه وجوب الإعادة في البول دون الغائط فلا يعيد، و زاد في البول اعادة الوضوء ايضا. و عن ابن أبي عقيل ان الاولى إعادة الوضوء و لم يقيد ببول و لا غائط. و روايات المسألة مختلفة جدا.

فمما يدل على المشهور

صحيحة زرارة (1) قال: «توضأت يوما و لم اغسل ذكري ثم صليت، فسألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن ذلك، فقال اغسل ذكرك و أعد صلاتك».

و إنما حملنا الرواية على ترك الغسل نسيانا لبعد التعمد من مثل زرارة في الصلاة بغير استنجاء.

و صحيحة عمرو بن أبي نصر المتقدمة في أول المسألة (2).

و موثقة ابن بكير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) «في الرجل يبول و ينسى ان يغسل ذكره حتى يتوضأ و يصلي؟ قال: يغسل ذكره و يعيد الصلاة و لا يعيد الوضوء».

و مورد الجميع نسيان الاستنجاء من البول.

و موثقة سماعة (4) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): إذا دخلت الغائط فقضيت الحاجة فلم تهرق الماء، ثم توضأت و نسيت أن تستنجي، فذكرت بعد ما صليت، فعليك الإعادة، و ان كنت أهرقت الماء فنسيت ان تغسل ذكرك حتى صليت فعليك اعادة الوضوء و الصلاة و غسل ذكرك، لان البول مثل البراز».

و إطلاق هذه الاخبار يدل على الإعادة وقتا و خارجا.

و بإزائها ما يدل على عدم الإعادة،

كرواية هشام بن سالم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) «في الرجل يتوضأ و ينسى ان يغسل ذكره و قد بال؟ فقال: يغسل ذكره و لا يعيد الصلاة».

و رواية عمرو بن أبي نصر (6) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه: اني صليت

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 18- من أبواب نواقض الوضوء.

(2) في الصحيفة 7.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 18- من أبواب نواقض الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب أحكام الخلوة.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب أحكام الخلوة.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 18- من أبواب نواقض الوضوء.

24

فذكرت اني لم اغسل ذكري بعد ما صليت، أ فأعيد؟ قال: لا».

و مورد الروايتين نسيان البول.

و موثقة عمار بن موسى (1) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول:

لو ان رجلا نسي ان يستنجى من الغائط حتى يصلي لم يعد الصلاة».

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل ذكر و هو في صلاته انه لم يستنج من الخلاء. قال: ينصرف و يستنجي من الخلاء و يعيد الصلاة، و ان ذكر و قد فرغ من صلاته أجزأه ذلك و لا اعادة عليه».

و من هذه الأخبار تعلم أدلة القولين الآخرين:

و جمع الشيخ بين هذه الأخبار بما لا يخلو من البعد.

و ظاهر الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) جعل هذه المسألة خارجة عن مسألة من صلى في النجاسة ناسيا، حيث لم ينقل الخلاف هنا في وجوب الإعادة وقتا و خارجا، إلا عن ظاهر ابن الجنيد حيث خصص الوجوب بالوقت، و عن الصدوق حيث نفى الإعادة في الغائط. و اما هناك فأكثر المتقدمين على الإعادة مطلقا و عن الشيخ في بعض أقواله العدم مطلقا، و في كتاب الاستبصار- و تبعه عليه رجل المتأخرين- الإعادة في الوقت دون خارجه.

و صريح عبارة السيد السند في المدارك ان هذه المسألة من جزئيات تلك، فإن أراد أنها كذلك عند الأصحاب، ففيه ما عرفت. و ان أراد ان مقتضى الدليل كونها كذلك، فهو كذلك، إلا ان اخبار تلك المسألة ايضا على غاية من الاختلاف. و سيأتي بسط الكلام عليها في محلها ان شاء اللّٰه تعالى.

نعم يبقى الكلام هنا في الجمع بين اخبار هذه المسألة، و لعل الترجيح لأخبار

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب أحكام الخلوة.

25

العدم، لتأيدها بالأصل، و يحمل ما يقابلها على الاستحباب جمعا.

و احتمل بعض المتأخرين حمل أخبار الإعادة على انتقاض الوضوء السابق بخروج بلل مع عدم الاستبراء. و فيه انه لا قرينة في شيء من تلك الأخبار تؤنس به.

الا انه ربما يجوز ابتناء ذلك على قرينة حالية و ان خفيت علينا الآن، و له نظائر في الاخبار. و لو تم ما استندوا إليه- في الجمع بين أخبار الصلاة في النجاسة نسيانا بالإعادة وقتا لا خارجا- لأمكن الحمل عليه هنا أيضا. الا انه- كما سيأتي تحقيقه ان شاء اللّٰه تعالى- غير تام. و المسألة لا تخلو عن الاشكال، لتصادم اخبارها مع صحة الجميع و صراحته. و الجمع بما ذكرناه من الوجوه لا يخلو عن بعد. فالاحتياط فيها لازم.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الصدوق (رحمه اللّٰه) تعالى) ذهب إلى وجوب اعادة الوضوء في نسيان الاستنجاء من البول خاصة كما قدمنا ذكره.

و عليه تدل موثقة سماعة المتقدمة (1)

و صحيحة سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) «في الرجل يتوضأ فينسى غسل ذكره؟ قال: يغسل ذكره ثم يعيد الوضوء».

و مثلها موثقة أبي بصير (3).

و بإزائها من الأخبار في ذلك

صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الرجل يبول فلا يغسل ذكره حتى يتوضأ وضوء الصلاة. فقال يغسل ذكره و لا يعيد وضوءه».

و صحيحة عمرو بن أبي نصر المتقدمة (5)

و صحيحة أخرى له ايضا (6) قال:

____________

(1) في الصحيفة 23.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 18- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 18- من أبواب نواقض الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 18- من أبواب نواقض الوضوء.

(5) في الصحيفة 7.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 18- من أبواب نواقض الوضوء.

26

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يبول فينسى ان يغسل ذكره و يتوضأ قال يغسل ذكره و لا يعيد وضوءه».

و موثقة ابن بكير المتقدمة (1) و حسنة ابن أذينة المتقدمة في صدر المسألة (2) و جمع الشيخ (رضى اللّٰه عنه) بينها بحمل اعادة الوضوء على ما إذا لم يتوضأ سابقا و فيه ان لفظ الإعادة في بعضها ينافيه، مع ذكر الوضوء سابقا في بعض آخر. و جمع آخرون بحمل الإعادة على الاستحباب. و لا بأس به. إلا ان الأقرب حمل ذلك على التقية، إذ هي الأصل التام في اختلاف الاخبار كما تقدم بيانه (3).

و كيف كان فالأحوط إعادة الوضوء في الاستنجاء من البول كما هو مورد تلك الأخبار.

و (منها)-

الاستنجاء من الغائط

. و تحقيق الكلام فيه يقع في مواضع:

(الأول) [تعين الماء في غسل مخرج الغائط مع التعدي]

- الظاهر انه لا خلاف في انه مع التعدي يتعين فيه الماء و مع عدمه يتخير بينه و بين الأحجار و شبهها.

لكن بيان معنى التعدي هنا لا يخلو من إجمال و اشكال، حيث ان ما صرح به الأصحاب- من انه عبارة عن تجاوز الغائط المخرج و هو حواشي الدبر و ان لم يبلغ الأليتين- لا دليل عليه في اخبار الاستنجاء بالأحجار الواردة من طرقنا بل هي مطلقة نعم

روي من طرق العامة عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) «يكفي أحدكم ثلاثة أحجار إذا لم يتجاوز محل العادة» (4).

____________

(1) في الصحيفة 23.

(2) في الصحيفة 7، و قد وصفها هناك بالصحة.

(3) في المقدمة الأولى في الصحيفة 4 من الجزء الأول.

(4)

المروي من طرق العامة هو قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «يكفى أحدكم ثلاثة أحجار».

و لم نقف على تذييله بالجملة الشرطية المذكورة بعد التتبع في مظانه. و الذي يؤيد عدم ورود هذا الذيل من طرقهم هو ما ذكره ابن قدامة الحنبلي في المغني ج 1 ص 159 حيث قال: «ما عدا المخرج لا يجزئ فيه إلا الماء، و به قال الشافعي و إسحاق و ابن المنذر، لان الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في غسله، لتكرر النجاسة فيه، فما لا تتكرر فيه للنجاسة لا يجزئ فيه إلا الغسل كساقه و فخذه.

و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «يكفى أحدكم ثلاثة أحجار».

أراد به ما لم يتجاوز محل العادة» فإن ذكره بنحو التفسير لكلامه (صلى اللّٰه عليه و آله) يدل على عدم وروده و إلا لاستدل به على مدعاه و لم يكن لتنزيل إطلاق الحديث عليه وجه بعد ورود المقيد المتصل، فالجملة الشرطية المذكورة ليست جزء من الحديث و إنما هي من تفسير الفقهاء.

27

و الظاهر ان مستند أصحابنا في ذلك إنما هو الإجماع كما صرح به جماعة منهم، و من ثم توقف فيه جملة من متأخري متأخريهم.

بل جزم البعض- كالسيد السند في المدارك- بأنه ينبغي أن يراد بالتعدي وصول النجاسة إلى محل لا يعتاد وصولها اليه، و لا يصدق على إزالتها اسم الاستنجاء.

و الظاهر انه الأقرب (اما أولا)- فلعموم الأدلة و عدم المحصص.

و (اما ثانيا)- فلبناء الأحكام الشرعية على ما هو المتعارف المعتاد المتكرر دون النادر القليل الوقوع، كما لا يخفى على من تتبع مظانها. و لا يخفى ان المتكرر هو التجاوز مع عدم التفاحش.

و (اما ثالثا)- فلما صرحوا به في ماء الاستنجاء من الحكم بطهارته ما لم يتفاحش الخارج على وجه لا يصدق على إزالته اسم الاستنجاء، و حينئذ فكما بنوا الحكم هناك في طهارة الماء على ما يزال به المعتاد المتكرر الذي يصدق على إزالته اسم الاستنجاء، فلو تفاحش و خرج عن ذلك المصداق لم يحكم بطهارة غسالته، فكذا يجب البناء عليه ههنا.

و (اما رابعا)- فلانه المناسب لبناء شرعية الأحجار من رفع الحرج و الضيق في الشرعية. هذا. و الاحتياط لا يخفى.

28

(الثاني) [وجوب غسل الجميع بالماء مع التعدي]

- انه مع التعدي هل يجب غسل الجميع بالماء فلا يطهر بغيره، أو الواجب غسل ما زاد على القدر الذي يجزئ فيه الأحجار، فلو غسله كفى استعمال الأحجار في الباقي؟ لم أقف على صريح كلام لهم في ذلك إلا ان ظاهر عبارتهم الأول.

(الثالث) [عدم وجوب غسل باطن المخرج]

- الواجب في الغسل غسل ظاهر المخرج دون باطنه بلا خلاف.

و عليه تدل

صحيحة إبراهيم بن أبي محمود عن الرضا (عليه السلام) (1) «قال في الاستنجاء: يغسل ما ظهر منه على الشرج و لا يدخل فيه الأنملة».

و موثقة عمار (2) «إنما عليه ان يغسل ما ظهر منها- يعني المقعدة- و ليس عليه ان يغسل باطنها».

(الرابع) [هل يجب إزالة الأثر في غسل مخرج الغائط]

- قد صرح جمع من الأصحاب بأنه يجب في الغسل هنا ازالة العين و الأثر. و غاية ما يستفاد من الأخبار الإنقاء كما في حسنة ابن المغيرة المتقدمة (3) و هو عبارة عن ازالة العين ازالة تامة و ان بقيت الريح، لقوله في تتمة الرواية المذكورة:

«قلت: فإنه ينقى ما ثمة و تبقى الريح؟ قال: الريح لا ينظر إليها».

و إذهاب الغائط

كما في موثقة يونس بن يعقوب (4) «يغسل ذكره و يذهب الغائط.».

و الغسل كما في ثالث. نعم يستحب المبالغة،

ف إنها مطهرة للحواشي و مذهبة للبواسير، كما في صحيحة مسعدة بن زياد أو موثقته (5)..

و اما ما ذكروا بعد العين من الأثر فلم نقف له في الأخبار على عين و لا أثر، مع اضطراب كلامهم في تفسيره.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 29- من أبواب أحكام الخلوة، و في الباب- 24- من أبواب النجاسات.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 29- من أبواب أحكام الخلوة، و في الباب- 24- من أبواب النجاسات.

(3) في الصحيفة 18.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب أحكام الخلوة.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب أحكام الخلوة.

29

فقيل بأنه ما يتخلف على المحل بعد مسح النجاسة و تنشيفها، و انه غير الرطوبة لأنها من العين.

و اعترض عليه بان هذا المعنى غير متحقق و لا واضح، و على تقدير تحققه فوجوب إزالته إنما يتم مع عدم صدق النقاء و الإذهاب و الغسل، و إلا فلو صدق شيء من ذلك قبله لزم الاكتفاء به حسبما دلت عليه تلك الأخبار.

و أجاب بعض محدثي متأخري المتأخرين عن أصل الاعتراض بان المحل يكتسب ملوسة من مجاورة الخارج، و هذه الملوسة تدرك بالملامسة عند صب الماء، فلعل مراده هذه، فإنها غير الرطوبة المذكورة. و فيه من التمحل ما لا يخفى.

و قيل انه اللون، لانه عرض لا يقوم بنفسه، فلا بد له من محل جوهري يقوم به، و الانتقال على الاعراض محال، فوجوده حينئذ دليل على وجود العين.

و فيه (أولا)- النقض بالرائحة، فإنها تحصل بالمجاورة. و مما يؤيد عدم الاستلزام ايضا حدوث الحرارة في الماء بالنار و الشمس.

و (ثانيا)- تصريح الأصحاب و الاخبار بالعفو عن اللون.

و (ثالثا)- منع وجوب الإزالة بعد حصول الإنقاء و الإذهاب و الغسل كما عرفت، إذ هو غاية ما يستفاد وجوبه من الأخبار.

(الخامس) [تحديد آلة الاستنجاء]

- المشهور- بل ادعي عليه الإجماع- انه يكفي في الاستنجاء مع عدم التعدي كل جسم طاهر جاف قالع للنجاسة. و نقل عن سلار انه لا يجزئ في الاستجمار إلا ما كان أصله الأرض. و عن ابن الجنيد انه قال: «ان لم تحضر الأحجار تمسح بالكرسف أو ما قام مقامه. ثم قال: و لا اختار الاستطابة بالآجر و الخزف إلا ما ألبسه طين أو تراب يابس» و عن المرتضى انه قال: «يجوز الاستنجاء بالأحجار أو ما قام مقامها من المدر و الخزف».

30

أقول: و الموجود في النصوص من ذلك- الأحجار كما في جملة من الأخبار:

(منها)-

صحيحة زرارة (1) «و يجزئك من الاستنجاء ثلاثة أحجار.».

و الكرسف و هو القطن، كما في

صحيحة زرارة (2) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان الحسين (عليه السلام) يتمسح من الغائط بالكرسف و لا يغسل».

و المدر و الخرق و الخزف كما في

صحيحة زرارة المضمرة (3) قال: «كان يستنجى من الغائط بالمدر و الخرق و الخزف».

و ربما وجد في بعض نسخ التهذيب بعد المدر «الخزف» بالزاي و الفاء خاصة.

و يدل على التعميم- كما هو القول المشهور-

حسنة ابن المغيرة (4) حيث سأله هل للاستنجاء حد؟ فأجاب (عليه السلام): «لا حتى ينقى ما ثمة».

وجه الدلالة انه (عليه السلام) نفى الحد و ناط ذلك بالنقاء، و اشتراط الإزالة بشيء خاص نوع من التحديد زائد على الإنقاء المطلق المتحقق بأي مزيل كان إلا ما قام الدليل على استثنائه.

و موثقة يونس بن يعقوب المتقدمة (5) المتضمنة لاذهاب الغائط، فإن ظاهرها الاكتفاء بزوال العين بأي مزيل إلا ما استثنى.

و يعضد ذلك الإجماع المدعى في المقام. و للمناقشة في الجميع مجال.

و ظاهر شيخنا صاحب كتاب رياض المسائل و حياض الدلائل التوقف في الحكم

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 35- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 26 و 35- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 13 و 35- من أبواب أحكام الخلوة، و في الباب- 25- من أبواب النجاسات.

(5) في الصحيفة 28.

31

المذكور، لعدم الدليل الواضح على العموم. و هو في محله، لأن الطهارة حكم شرعي يتوقف على ما جعله الشارع مطهرا. و إطلاق الروايتين المذكورتين يمكن تقييده بخصوص الأفراد التي وردت بها النصوص. و الإجماع لا يخفى ما فيه. و كيف كان فطريق الاحتياط الاقتصار على ما وردت به الأخبار.

(السادس) [شروط آلة الاستنجاء]

- قد اشترطوا- بناء على القول بالتعميم- في آلة الاستنجاء شروطا:

منها- الطهارة، و هو المشهور بل ادعى في المنتهى عليه الإجماع، و استدل عليه

بقوله (عليه السلام) في مرسلة أحمد بن محمد بن عيسى (1): «جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار و يتبع بالماء».

و بأنه إزالة نجاسة فلا يحصل بالنجاسة كالغسل. و لاشتماله على نقض الغرض الحاصل من زيادة النجاسة بتعدد نوعها أو شخصها المنافي للحكمة.

و أنت خبير بان جميع ما ذكروه من التعليلات في المقام إنما ينطبق على ما إذا تعدت نجاسة الحجر مثلا إلى المحل، و المدعى أعم من ذلك. و اما الخبر فهو على إطلاقه غير معمول عليه عندهم، لجواز الاستنجاء بالأحجار المستعملة بعد تطهيرها، كما لا خلاف فيه بينهم، فليحمل على الاستحباب في ذلك. كما هو محمول عليه بالنسبة إلى الأتباع بالماء، و يبقى جواز الاستنجاء بالحجر النجس إذا لم تتعد نجاسته إلى المحل داخلا تحت إطلاق الأخبار و سالما من المانع، و هم لا يقولون به.

ثم انه بناء على ما ذهبوا اليه من المنع. لو استعمله فهل تبقى الرخصة، أو يتحتم الماء، أو يفرق بين ما نجاسته كنجاسة المحل و غيرها؟ أوجه بل أقوال، و لعل الأوسط أوسط كما انه أحوط.

و منها- الجفاف، صرح به الأكثر، فلا يجزئ الرطب عندهم، اما انه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 30- من أبواب أحكام الخلوة.

32

لا ينشف المحل كما ذكره العلامة في التذكرة، أو ان البلل الذي عليه ينجس بإصابة النجاسة و تعود نجاستها على الحجر فتحصل عليه نجاسة أجنبية فيكون قد استعمل الحجر النجس، أو ان الرطب لا يزيل النجاسة بل يزيد التلويث و الانتشار كما ذكره (قدس سره) في النهاية.

و في الجميع نظر (اما الأول) فلان تنشيف المحل من النجاسة سيما في المسحة الثالثة لا ينافي رطوبته بالحجر حال الاستعمال، لجريان ذلك في الماء أيضا، فإنه يكون مطهرا و قالعا للنجاسة مع رطوبة المحل به.

و (اما الثاني) فلان نجاسة البلة التي تعود على الحجر انما هي بنجاسة المحل، و هي غير ضارة، و إلا لأدى إلى عدم التطهير بالماء أيضا، إلا ان يكون مما لا ينفعل بالملاقاة، أو يقال بعدم انفعال قليله بها.

و بالجملة فالأخبار بالنسبة إلى هذين الشرطين مطلقة، و الأدلة التي ذكروها لا تنهض- كما عرفت- بالدلالة و ان كان الاحتياط يقتضي المصير إلى ما ذكروه.

و منها- كونه قالعا للنجاسة، بمعنى ان لا يكون صقيلا يزلق عن النجاسة كالزجاج و نحوه، و لا لزجا و لا رخوا كالفحم، لعدم قلع النجاسة. و لا ريب في ذلك مع عدم قلع النجاسة، اما لو فرض قلعه النجاسة فالظاهر- كما صرح به البعض- حصول التطهير به، لصدق الامتثال بناء على ثبوت الكلية التي أدعوها خلافا لجمع: منهم- العلامة في النهاية.

(السابع) [إجزاء الأحجار و نحوها في غسل مخرج الغائط مع عدم التعدي]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في اجزاء الأحجار و نحوها مع عدم التعدي، و الأخبار به متظافرة، بل ربما يدعى ضروريته من الدين.

ففي صحيح زرارة (1) «و يجزئك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله).».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب أحكام الخلوة.

33

و في صحيحة المضمر (1) «كان يستنجي من البول ثلاث مرات: و من الغائط بالمدر و الخرق و الخزف».

و في صحيحته الثالثة (2) «كان الحسين بن علي (عليهما السلام) يتمسح من الغائط بالكرسف و لا يغسل».

و في صحيحة رابعة له أيضا (3) «جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان و لا يغسله.».

إلى غير ذلك من الأخبار.

و حينئذ فما ورد مما يدل بظاهره على خلاف ذلك يجب ارتكاب التأويل فيه.

كموثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) «في الرجل ينسى ان يغسل دبره بالماء حتى صلى إلا انه قد تمسح بثلاثة أحجار؟ قال: ان كان في وقت تلك الصلاة فليعد الوضوء و ليعد الصلاة. و ان كان قد مضى وقت تلك الصلاة التي صلى فقد جازت صلاته، و ليتوضأ لما يستقبل من الصلاة».

و حملها الشيخ على الاستحباب، و يمكن الحمل أيضا على حالة التعدي، و لعله (عليه السلام) علم ذلك فأجاب بالإعادة، و مثله في الأخبار غير عزيز.

و كيف كان فهي قاصرة عما قدمنا من الأخبار، مع ما في روايات عمار من التهافت، و في تتمة هذه الرواية ما يؤيد ما قلنا من نقض الوضوء بمس باطن الدبر و باطن الإحليل. و العجب من الصدوق (قدس سره) حيث افتى بمضمون صدر هذه الرواية في المقنع، كما افتى بعجزها في الفقيه، كما سيأتي ذكره ان شاء اللّٰه تعالى، مع مخالفتها في الموضعين للأخبار المستفيضة.

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 26 و 35- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 35- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 30- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب أحكام الخلوة.

34

و رواية عيسى بن عبد اللّٰه عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء».

و ضمير بها يعود إلى أداة الاستنجاء المدلول عليها بقوله: «إذا استنجى» و مفهومه عدم اجزاء الاستنجاء بالأحجار و نحوها مع وجود الماء.

و الأظهر حملها على الاستحباب و أفضلية الماء، و على ذلك أيضا تحمل

مرسلة أحمد المرفوعة إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار و يتبع بالماء».

و احتمل بعض الحمل على التعدي في الخبرين المذكورين.

(الثامن) [وجوب الزيادة على الثلاثة مع عدم النقاء بها]

- الظاهر انه لا خلاف في وجوب الزيادة على الثلاثة مع عدم النقاء بها كما نقله غير واحد، و انما اختلفوا في وجوب التثليث مع حصول النقاء بالأقل، فظاهر المشهور ذلك و قيل بالعدم، و هو المنقول عن المفيد (رحمه اللّٰه) و اختاره في المختلف.

و يدل على المشهور ما قدمنا (3) من صحاح زرارة: الاولى و الثانية و الرابعة:

أما الاولى و الرابعة فلتضمنهما للتثليث صريحا، و اما الثانية فباعتبار صيغة الجمع في المدر و ما بعده الذي أقله ثلاثة.

و قوله (عليه السلام) في رواية العجلي (4): «يجزئ من الغائط المسح بالأحجار.».

و في مرسلة أحمد المتقدمة (5) «جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار.».

و أصالة بقاء المحل على النجاسة حتى يعلم المزيل.

و يدل على الثاني ما تقدم من حسنة ابن المغيرة (6) المتضمنة للإنقاء، و موثقة

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 30- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) في الصحيفة 32 و 33.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 9 و 30- من أبواب أحكام الخلوة.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 30- من أبواب أحكام الخلوة.

(6) المتقدمة في الصحيفة 18.

35

يونس بن يعقوب (1) المتضمنة لاذهاب الغائط. و بهما تزول أصالة البقاء المذكورة.

و عدم دلالة اجزاء عدد خاص أو ما يدل عليه على عدم اجزاء ما دونه. و حكاية الفعل في صحيحة زرارة المضمرة (2) لا يقتضي الوجوب. و السنة في صحيحة زرارة الاولى و مرسلة أحمد (3) أعم من الوجوب. و المسألة محل توقف و ان كان القول المشهور لا يخلو من رجحان، لأن الطهارة- كما عرفت- حكم شرعي يتوقف على ثبوت سببه، و المتكرر في الاخبار التثليث و إطلاق روايتي ابن المغيرة (4) و يونس (5) يمكن تقييده بتلك الأخبار، مع ان مورد رواية يونس الاستنجاء بالماء و الأخرى لا تأبى الحمل عليه أيضا. و الاحتياط لا يخفى.

(التاسع) [هل يجزئ ذو الجهات الثلاث]

- اختلف الأصحاب- بناء على وجوب التثليث- في ذي الجهات الثلاث، هل يجزئ عن الثلاثة أم لا؟ قولان.

اختار أولهما العلامة في جملة من كتبه، و نقله في المختلف عن ابن البراج، و هو منقول أيضا عن الشيخ المفيد، و اختاره الشهيد و المحقق الشيخ علي.

و إلى الثاني ذهب المحقق و جماعة من المتأخرين: منهم- الشهيد الثاني. و كلام الشيخ في هذا المقام لا يخلو من إجمال و إبهام.

احتج العلامة في المختلف على الاجزاء، قال: «لنا ان المراد ثلاث مسحات بحجر كما لو قيل اضربه عشرة أسواط، فإن المراد عشر ضربات بسوط. و لأن المقصود إزالة النجاسة و قد حصل. و لأنها لو انفصلت لا جزأت فكذا مع الاتصال، و اي عاقل يفرق بين الحجر متصلا بغيره و منفصلا؟ و لأن الثلاثة لو استجمروا بهذا الحجر لا جزأ كل واحد عن حجر واحد» انتهى.

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 28.

(2) المتقدمة في الصحيفة 33.

(3) المتقدمتين في الصحيفة 32 و 34.

(4) المتقدمة في الصحيفة 18.

(5) المتقدمة في الصحيفة 28.

36

و زاد آخرون الاستدلال

بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «إذا جلس أحدكم لحاجته فليمسح ثلاث مسحات» (1).

و أجيب عن الأول بأن إرادة المسحات من قولنا: «امسحه بثلاثة أحجار» مجاز البتة، و هو موقوف على القرينة، و التشبيه بما ذكره مردود بالفرق بين قولنا:

«اضربه عشرة أسواط» و «اضربه بعشرة أسواط» فإن قرينة التجوز في الأول بإرادة عشر ضربات ظاهرة بخلافها في الثاني، فالتشبيه غير موافق.

و عن الثاني بأنه مصادرة محضة، فإن المقصود إزالة النجاسة على الوجه المعتبر شرعا، لان كلا من النجاسة و الطهارة حكم شرعي يجب الوقوف فيه على ما رسمه الشارع و عينه مطهرا و منجسا.

و عن الثالث بأنه قياس مع وجود الفارق و هو النص، فإنه دل على الجواز حال الانفصال دونه حال الاتصال، و الغالب- كما قيل- في أبواب العبادات رعاية جانب التعبد.

و عن الرابع بان الفرق- بين استجمار كل واحد بواحد و بين استجمار الواحد بكل واحد- واضح، لحصول الامتثال في الأول دون الثاني. على ان في الاستجمار بالحجر الواحد لواحد أو أكثر لزوم محذور ما تقدم من اشتراط الطهارة في أحجار الاستجمار.

و عن الخامس بان الخبر عامي ضعيف لا يقوم حجة. على انه مطلق و الخبر

____________

(1) سيأتي منه (قده) ان هذا الخبر عامي، و لم نقف على هذا النص من طرق العامة بعد الفحص في مظانه، و الذي وقفنا عليه من طرقهم بهذا المضمون ما في مجمع الزوائد للهيثمى ج 1 ص 211 و هو

قوله (ص): «إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات».

و قوله (ص):

«إذا تغوط أحدكم فليمسح بثلاثة أحجار، فإن ذلك كافيه».

و قوله (ص): «إذا دخل أحدكم الخلاء فليمسح بثلاثة أحجار».

و روى الأول و الثالث في كنز العمال ج 5 ص 84 و 85.

37

المتضمن للأحجار مقيد، و المقيد يحكم على المطلق.

و استند بعض فضلاء متأخري المتأخرين في الاستدلال لهذا القول أيضا بحسنة ابن المغيرة و موثقة يونس (1).

و لا يخفى ما فيه، فان الكلام في هذه المسألة مبني على وجوب التثليث كما أشرنا إليه آنفا، و الخبران المذكوران ظاهران في عدمه كما عرفت سابقا، فالقائل به لا بد له من ارتكاب التأويل في ذينك الخبرين على وجه يؤولان به إلى اخبار التثليث كما وجهناه سابقا، فلا يتم الاستدلال بهما هنا. هذا. و القول بعدم الاجزاء هنا فرع ثبوت التثليث من تلك الأخبار، و قد عرفت ما فيه. إلا ان المشهور ثمة كان لا يخلو من رجحان فهنا كذلك، و إلى ذلك مال جملة من متأخري المتأخرين.

ثم انه هل ينسحب الحكم إلى غير الحجر؟ ظاهر المحقق في المعتبر ذلك و استظهر في المدارك القطع بعدمه تمسكا بالعموم. و لعله الأقرب قصرا للاشتراط- ان تم- على مورده.

(العاشر)- هل يجب إمرار كل حجر على موضع النجاسة، أم يجزئ التوزيع

، بمعنى ان يمسح ببعض أدوات الاستنجاء بعض محل النجاسة و ببعض آخر بعضا آخر و هكذا مع حصول النقاء بذلك؟ قولان: اختار أولهما المحقق في الشرائع، و ثانيهما في المعتبر، و اليه مال السيد في المدارك، قائلا: «إذ لا دليل على وجوب استيعاب المحل كله بجميع المسحات» انتهى.

و هذا مبني على قاعدة أصولية اشتهر البناء عليها في أمثال ذلك، و هو انه إذا تعلق الطلب بماهية كلية كفى في الامتثال الإتيان بأي فرد منها، كما ذكروه في مواضع من أبواب الفقه، منها- غسل الوجه و اليدين في الوضوء و غيره. و هو- كما حققه

____________

(1) المتقدمتين في الصحيفة 18 و 28.

38

بعض محدثي متأخري المتأخرين- محل نظر، قال: «فان بعض الماهيات الكلية تحته افراد تصلح عند العقلاء لأن يتعلق غرض الشارع ببعضها دون بعض، كحج البيت و غسل الوجه في الوضوء و مسح المخرج بثلاثة أحجار، و يستهجن عندهم الاقدام على فرد مشكوك فيه من إفرادها من غير سؤال و ينسبون فاعله إلى السفه، و هذا نوع من الإجمال منشأه نفس المعنى لا اللفظ» انتهى كلامه زيد مقامه. و هو وجيه.

المورد الثاني في المحرمات

و (منها)-

استقبال القبلة و استدبارها بالبول و الغائط

على المشهور، و لكن هل يحرم مطلقا أو في الصحراء خاصة و اما في الدور فالأفضل الاجتناب؟ قولان:

المشهور الأول، و نقل الثاني عن ظاهر سلار.

و اما مذهب الشيخ المفيد في هذه المسألة فقد اختلف كلام الأصحاب في نقله، فحكى عنه في المعتبر التحريم في الصحاري و الكراهة في البنيان، و حكى عنه- في المنتهى و التذكرة و الدروس- التحريم في الصحاري و لم يذكروا الكراهة. و قال في المختلف بعد نقل عبارة المقنعة: «و هذا الكلام يعطي الكراهة في الصحاري و الإباحة في البنيان» انتهى. و لعل هذا الاختلاف نشأ من اختلاف الأفهام في فهم عبارة المقنعة حيث قال: «ثم ليجلس و لا يستقبل القبلة بوجهه و لا يستدبرها، و لكن يجلس على استقبال المشرق ان شاء أو المغرب، إلى ان قال بعد كلام خارج في البين: فان دخل الإنسان دارا قد بني فيها مقعد للغائط على استقبال القبلة أو استدبارها لم يضره الجلوس، و إنما يكره ذلك في الصحاري و المواضع التي يتمكن فيها من الانحراف عن القبلة» انتهى. و حيث كان صدر عبارته محتملا للحمل على التحريم و الكراهة- و لفظ الكراهة أيضا في عجز عبارته محتمل لهما، فإنه كثيرا ما يعبر بالكراهة في مقام

39

التحريم كما هو شائع في الاخبار- وقع هذا الاختلاف في نقل مذهبه، مع ان في انطباق النقول المذكورة مع ذلك نوع اشكال.

و نقل عن ابن الجنيد استحباب ترك الاستقبال في الصحراء و لم يذكر الاستدبار و لا الحكم في البنيان.

و ذهب جملة من متأخري المتأخرين: منهم- السيد في المدارك إلى الكراهة مطلقا.

و الذي وقفت عليه من الاخبار في المسألة

رواية عيسى بن عبد اللّٰه الهاشمي عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام) (1) قال: «قال لي النبي (صلى اللّٰه عليه و آله):

إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة و لا تستدبرها، و لكن شرقوا أو غربوا».

و مرفوعة محمد في الكافي (2) قال: «سئل أبو الحسن (عليه السلام) ما حد الغائط؟ قال: لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و لا تستقبل الريح و لا تستدبرها».

و مرفوعة عبد الحميد بن أبي العلاء أو غيره رفعه (3) قال: «سئل الحسن ابن علي (عليهما السلام) ما حد الغائط؟ قال: لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها، و لا تستقبل الريح و لا تستدبرها».

و روى في الفقيه (4) مرسلا قال: «نهى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) عن استقبال القبلة ببول أو غائط».

و روى في الكافي (5) عن علي مرفوعا قال: «خرج أبو حنيفة من عند ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) و أبو الحسن (عليه السلام) قائم و هو غلام، فقال له أبو حنيفة:

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) ج 1 ص 6 و في الوسائل في الباب- 2- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) ج 1 ص 180 و في الوسائل في الباب- 2- من أبواب أحكام الخلوة.

(5) ج 1 ص 6 و في الوسائل في الباب- 2 و 15- من أبواب أحكام الخلوة.

40

يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم؟ فقال: اجتنب أفنية المساجد، و شطوط الأنهار، و مساقط الثمار، و منازل النزال، و لا تستقبل القبلة بغائط و لا بول، و ارفع ثوبك وضع حيث شئت.».

و روى محمد بن إسماعيل قال: «دخلت على الرضا (عليه السلام) و في منزله كنيف مستقبل القبلة.» (1).

و أنت خبير بان ما عدا الرواية الأخيرة ظاهرة الدلالة على التحريم كما هو القول الأول الذي عليه المعمول.

و طعن جملة من متأخري المتأخرين في هذه الاخبار- بعد التمسك بأصالة الجواز- بضعف السند، فحملوها على الاستحباب لذلك، و زاد بعض منهم الطعن أيضا بضعف الدلالة، لاقتران ما ورد من النهي عن الاستقبال و الاستدبار بجملة من النواهي المراد بها الكراهة، و زاد آخر أيضا- بعد الاستدلال على عدم التحريم برواية محمد ابن إسماعيل المذكورة- انه مع قطع النظر عن ذلك فدلالة الأوامر الواردة في أخبارنا على الوجوب و النواهي علي التحريم ممنوع و ان قلنا ان الأمر و النهي حقيقة في الوجوب و التحريم، لشيوع استعمال الأول في الاستحباب و الثاني في الكراهة على وجه لا يمكن دفعه.

و يرد على الأول انه لا دليل على التمسك بهذا الأصل من كتاب و لا سنة، كما بسطنا لك الكلام عليه في المطلب الأول من المقام الثالث من المقدمة الثالثة (2).

و يرد على الثاني ان ضعف السند ليس من القرائن الموجبة لصرف اللفظ عن ظاهره.

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في الباب- 2- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) في الصحيفة 41 من الجزء الأول.

41

و على الثالث ان الاقتران بما هو محمول على الكراهة لو سلم كونه قرينة فإنما يتم فيما لو انحصر الدليل فيما هو كذلك، و هنا قد ورد النهي عن ذلك من غير اقتران بشيء في رواية الهاشمي (1) و كذا رواية الفقيه (2) و لا يخفى على المتتبع كثرة ورود الأحكام الواجبة من هذا القبيل.

و على الرابع ان وجود الكنيف في المنزل كذلك لا يستلزم ان يكون فعله (عليه السلام) لجواز كون البيت ليس له سابقا، و لا يستلزم أيضا جلوسه عليه، و مع تجويز جلوسه فيمكن الانحراف.

و على الخامس انه بمكان من الضعف الشديد، و المخالفة لآيات الكتاب المجيد كما أوضحناه في المقدمة السابعة (3) بأتم بيان، و شددنا منه الجوانب و الأركان.

فوائد

(الأولى) [تعلق حكم الاستقبال و الاستدبار بالبدن أو العورة]

- الظاهر- كما استظهره جملة من الأصحاب- تعلق حكم الاستقبال و الاستدبار بالبدن كملا كما هو المتعارف، دون مجرد العورة حتى لو حرفها زال المنع خلافا للبعض.

(الثانية) [لحوق حال الاستنجاء بحال التخلي في الحكم]

- الظاهر إلحاق حال الاستنجاء بذلك،

لرواية عمار الساباطي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «قلت له: الرجل يريد ان يستنجي كيف يقعد؟ قال: كما يقعد للغائط.».

(الثالثة) [التشريق و التغريب بالبول و الغائط]

- انه على تقدير القول بالتحريم فهل الأمر بالتشريق و التغريب في رواية عيسى بن عبد اللّٰه الهاشمي (5) على الوجوب أو الاستحباب؟ وجهان يلتفتان

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 39.

(2) المتقدمة في الصحيفة 39.

(3) في الصحيفة 115 من الجزء الأول.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 37- من أبواب أحكام الخلوة.

(5) المتقدمة في الصحيفة 39.

42

إلى ان المراد بالقبلة هنا هي ما يجب التوجه عند العلم و لو في أثناء الصلاة إليها، أو ما لا تجب إعادتها بعد التوجه إليها بناء على ظن كونها قبلة.

و بالثاني صرح بعض المحققين، و يخدشه ان الحديث الذي اعتمده دليلا على ذلك- و هو

قوله (عليه السلام) (1): «ما بين المشرق و المغرب قبلة».

- محمول على الناسي، كما يفصح عنه صحيح معاوية بن عمار،

و ما ورد أيضا (2) ان «من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها إجلالا للقبلة.

الحديث» فان ظاهره يشعر بالاكتفاء بانحراف ما يخرج به عن محاذاتها، و حينئذ فيمكن ان يقال: المراد بالتشريق و التغريب الميل عن القبلة ذات اليمين أو ذات اليسار لا التوجه إلى جهة المشرق و المغرب الاعتداليين.

(الرابعة) [اشتباه القبلة]

- انه على تقدير القول بالتحريم، لو اشتبهت القبلة قيل: وجب الاجتهاد في تحصيلها من باب المقدمة، فإن حصل شيئا من الأمارات بنى عليه و إلا انتفى التحريم أو الكراهة. و استقرب السيد في المدارك احتمال انتفائهما مطلقا، للشك في المقتضى و الظاهر ان وجه قربه ان مقتضى

صحيحة ابن سنان (3)- الدالة على ان «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه».

و نظائرها- ذلك.

[ما يحرم الاستنجاء به]

و (منها)- الاستنجاء بالروث و العظم و المطعوم و المحترم، و منه- التربة الحسينية على مشرفها أفضل التحية، و القرآن، و ما كتب فيه شيء من علوم الدين، كالحديث و الفقه، و ههنا مقامان:

____________

(1) في صحيحي زرارة و معاوية بن عمار المرويين في الوسائل في الباب- 1- من أبواب القبلة، و في الأول اضافة «كله».

(2) في رواية محمد بن إسماعيل المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 4- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة و في باب «حكم السمن و الجبن و غيرهما إذا علم انه خلطه حرام» من أبواب الأطعمة المحرمة.

43

[علة التحريم]

(أحدهما)- تحريم الاستنجاء بهذه الأشياء، أما الثلاثة الأول منها فظاهر العلامة في المنتهى دعوى الإجماع على حرمة الاستنجاء بها، لكنه في التذكرة احتمل الكراهة في الأولين منها، و بذلك صرح المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في كتاب الوسائل، حيث قال: «باب كراهة الاستنجاء بالعظم و الروث» (1) و في المعتبر صرح بالإجماع على التحريم فيهما.

و يدل على التحريم فيهما

رواية ليث المرادي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن استنجاء الرجل بالعظم أو البعر أو العود. فقال: اما العظم و الروث فطعام الجن، و ذلك مما اشترطوا على رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال: لا يصلح بشيء من ذلك».

و قال في الفقيه (3): «لا يجوز الاستنجاء بالروث و العظم، لان

وفد الجان جاؤوا إلى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقالوا: يا رسول اللّٰه متعنا، فأعطاهم الروث و العظم، فلذلك لا ينبغي ان يستنجى بهما».

و اما الثالث فالذي ورد منه في الأخبار الخبز، كما روي في عدة من كتب الاخبار: منها-

الكافي، و روى فيه (4) عن عمرو بن شمر قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في حديث: ان قوما أفرعت عليهم النعمة و هم أهل الثرثار (5) فعمدوا إلى مخ الحنطة فجعلوه خبزا هجأ، و جعلوا ينجون به صبيانهم،

____________

(1) و هو الباب- 35- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 35- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) ج 1 ص 20 و في الوسائل في الباب- 35- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) ج 2 ص 165 و في الوسائل في الباب- 40- من أبواب أحكام الخلوة، و في الباب- 78- من أبواب آداب المائدة.

(5) قال في بيان الوافي: «الثرثار اسم نهر، و هجأ من هحأ كمنع إذا سكن جوعه و ذهب، و ينجون اى يستنجون، و الأسف السخط، قال اللّٰه تعالى: «فَلَمّٰا آسَفُونٰا انْتَقَمْنٰا مِنْهُمْ» و الأضعاف هو جعل الشيء ضعيفا أو مضاعفا، و لعل الأول أظهر إلا ان الثاني انسب بكلام المرأة و قوله (عليه السلام): «لهم» دون «عليهم» و ذلك لأنهم لما اعتمدوا على النهر ضاعف اللّٰه لهم النهر، و حبس عنهم القطر و الزرع ليعلموا ان النهر لا يغنيهم عن اللّٰه تعالى و ان الاعتماد على اللّٰه» انتهى (منه (رحمه اللّٰه).

44

حتى اجتمع من ذلك جبل عظيم، قال: فمر بهم رجل صالح و إذا امرأة و هي تفعل ذلك بصبي لها، فقال: و يحكم اتقوا اللّٰه و لا تغيروا ما بكم من نعمة، فقالت له: كأنك تخوفنا بالجوع، اما ما دام ثرثارنا يجري فإنا لا نخاف الجوع. قال فأسف اللّٰه و أضعف لهم الثرثار و حبس عنهم قطر السماء و نبت الأرض، فاحتاجوا إلى ذلك الجبل، و انه كان ليقسم بينهم بالميزان».

و يدل على ذلك الأخبار المستفيضة بإكرام الخبز و النهي عن إهانته.

و اما ما عداه من المطعوم فاستدل عليه بان طعام الجن منهي عنه، فطعام أهل الصلاح بطريق اولى. و لا يخفى ما فيه.

و ظاهر بعض محدثي متأخري المتأخرين تخصيص التحريم هنا بالخبز خاصة.

نعم يدل على ذلك

ما رواه في كتاب دعائم الإسلام (1) قال: «نهوا (عليهم السلام) عن الاستنجاء بالعظام و البعر و كل طعام.».

إلا ان الكتاب المذكور لم يثبت الاعتماد على مصنفه و ان كان قد ذكره شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار و نقل عنه ما تضمنه من الاخبار، إلا انه قال- بعد ذكر مصنفه و بيان بعض أحواله- ما صورته: «و اخباره تصلح للتأييد و التأكيد» انتهى.

و اما المحترم كالتربة المشرفة فلا ريب في وجوب إكرامها و تحريم إهانتها من حيث كونها تربته (عليه السلام) بل لا يبعد- كما ذكره بعض أصحابنا- الحكم بكفر المستعمل لها من تلك الحيثية.

____________

(1) ج 1 ص 128.

45

[وجوب إكرام التربة المشرفة و حرمة إهانتها]

و مما يؤيد هذا المقام- و يدخل في سلك هذا النظام و ان طال به زمام الكلام، إلا ان فيه- زيادة على ما ذكرنا- نشر فضيلة من فضائله (عليه السلام)-

ما رواه جملة من مشايخنا عطر اللّٰه مراقدهم عن الشيخ (قدس سره) في كتاب الأمالي (1) بسنده فيه عن أبي موسى بن عبد العزيز، قال: «لقيني يوحنا بن سراقيون النصراني المتطبب في شارع أبي أحمد، فاستوقفني و قال لي: بحق نبيك و دينك من هذا الذي يزور قبره قوم منكم بناحية قصر ابن هبيرة؟ من هو من أصحاب نبيكم؟ قلت: ليس هو من أصحابه، هو ابن بنته، فما دعاك إلى المسألة عنه؟ فقال: له عندي حديث طريف. فقلت: حدثني به. فقال: وجه إلي سابور الكبير الخادم الرشيدي في الليل فصرت اليه، فقال لي: تعال معي، فمضى و انا معه حتى دخلنا على موسى بن عيسى الهاشمي، فوجدناه زائل العقل منكبا على و سادة، و إذا بين يديه طشت فيه حشو جوفه، و كان الرشيد استحضره من الكوفة، فاقبل سابور على خادم كان من خاصة موسى، فقال له: ويحك ما خبره؟ فقال: أخبرك انه كان من ساعة جالسا و حوله ندماؤه و هو من أصح الناس جسما و أطيبهم نفسا، إذ جرى ذكر الحسين ابن علي (عليهما السلام) قال يوحنا: هذا الذي سألتك عنه. فقال موسى: ان الرافضة لتغلوا فيه حتى انهم- فيما عرفت- يجعلون تربته دواء يتداوون به. فقال له رجل من بني هاشم كان حاضرا: قد كانت بي علة غليظة فتعالجت لها بكل علاج فما نفعني حتى وصف لي ان آخذ من هذه التربة، فأخذتها فنفعني اللّٰه بها و زال عني ما كنت أجده. قال: فبقي عندك منها شيء؟ قال: نعم. فوجه فجاء بقطعة منها فناولها موسى بن عيسى، فأخذها موسى فاستدخلها دبره استهزاء بمن يتداوى بها، و احتقارا و تصغيرا لهذا الرجل الذي هذه تربته، يعني الحسين (عليه السلام) فما هو إلا ان استدخلها دبره حتى صاح: النار النار، الطشت الطشت، فجئناه بالطشت فاخرج فيه

____________

(1) في الصحيفة 202.

46

ما ترى، فانصرف الندماء و صار المجلس مأتما، فاقبل علي سابور فقال: انظر هل لك فيه حيلة؟ فدعوت بشمعة فنظرت فإذا كبده و طحاله و رئته و فؤاده خرج منه في الطشت، فنظرت إلى أمر عظيم، فقلت: لا أجد إلى هذا صنعا إلا أن يكون عيسى الذي كان يحيى الموتى. فقال لي سابور: صدقت و لكن كن ههنا في الدار إلى ان يتبين ما يكون من امره، فبت عندهم و هو بتلك الحال ما رفع رأسه، فمات في وقت السحر. قال محمد بن موسى: قال لي موسى بن سريع: كان يوحنا يزور قبر الحسين (عليه السلام) و هو على دينه، ثم أسلم بعد هذا و حسن إسلامه».

و اما القرآن العزيز و ما كتب عليه شيء من أسمائه تعالى، فلما مر من وجوب صونهما عمن ليس بطاهر، فعن ملاقاة النجاسة بطريق اولى. و لظاهر قوله تعالى:

«فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ» (1) و قوله: «يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً(2).

و ما كتب عليه شيء من علوم الدين فلدخوله في الشعائر المأمور بتعظيمها في قوله تعالى: «وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اللّٰهِ(3) و ان لا تحل، لقوله: «لٰا تُحِلُّوا شَعٰائِرَ اللّٰهِ(4) و تردد فيه بعض محققي متأخري المتأخرين و جعل التحريم احتمالا قويا.

[هل يطهر المحل بالاستنجاء بما يحرم الاستنجاء به؟]

و (ثانيهما)- انه مع الاستنجاء بما ثبت تحريم الاستنجاء به هل يطهر المحل و ان أثم بالاستعمال، أو لا يطهر؟ قولان، و إلى الأول ذهب العلامة في المنتهى و المختلف و التذكرة و القواعد، و إلى الثاني ذهب الشيخ و ابن إدريس و المحقق.

و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض التفصيل في ذلك بين ما يوجب استعماله الحكم بكفر فاعله، كاستعمال التربة الحسينية و المكتوب عليه شيء من أسماء اللّٰه تعالى، أو العلم كالحديث و الفقه عالما و عامدا، فلا يتصور الطهارة به حينئذ، و بين ما لا يوجب إلا مجرد الإثم كالمطعوم و العظم و الروث، أو لا يوجب شيئا كاستعمال التربة و ما عليه

____________

(1) سورة عبس الآية 14 و 15.

(2) سورة البينة الآية 3.

(3) سورة الحج الآية 32.

(4) سورة المائدة الآية 2.

47

شيء من أسماء اللّٰه تعالى جهلا، فيطهر و ان اثم في الأول.

احتج الشيخ (رحمه اللّٰه) بأن النهي يدل على الفساد. و زاد المحقق التمسك باستصحاب المنع حتى يثبت رفعه بدليل شرعي.

ورد الأول بأنه- على تقدير تسليمه- مخصوص بالعبادات. و الثاني بأن الاستصحاب مرتفع بعموم ما دل على الاكتفاء بالإنقاء.

و المسألة محل توقف، ينشأ من ان الطهارة حكم شرعي يتوقف على استعمال ما جعله الشارع مطهرا، و هذه الأشياء مما قد نهى الشارع عن الطهارة بها، و ظاهر ذلك عدم وقوع التطهير بها. و حديث الإنقاء (1) لا عموم فيه على وجه يشمل محل النزاع، لاحتمال بل ظهور ان يكون معنى قول السائل: «هل للاستنجاء حد؟» انه هل يتقدر بعدد مخصوص أو كيفية مخصوصة؟ فقال (عليه السلام): «لا بل حده النقاء» بمعنى انه لا يتقدر بشيء من ذلك، و انما الحد نقاء المحل من النجاسة بأي عدد اتفق و على اي كيفية، و اما بيان المطهر فلا تعرض له فيه بوجه، فيرجع إلى ما ثبت كونه مطهرا.

و لقوله (عليه السلام) في رواية ليث المتقدمة (2): «لا يصلح بشيء من ذلك».

و من احتمال بل ظهور كون النهي عن استعمال هذه الأشياء إنما هو من حيث الاحترام لا من حيث عدم الصلاحية للتطهير. و حينئذ فلا ينافي حصول التطهير بها و ان أثم بالاستعمال.

و تحقيقه ان النهي في غير العبادات ان توجه لشيء من حيث عدم صلاحية المنهي عنه لترتب الحكم عليه، كالنهي عن بيع الخمر- مثلا- و نجس العين، و النهي عن نكاح المحارم و نحو ذلك، كان موجبا للفساد و البطلان، و ان توجه من حيث أمر خارج عن ترتب الحكم على المنهي عنه مفارق من زمان مخصوص أو حال مخصوصة

____________

(1) و هو حسن ابن المغيرة المتقدم في الصحيفة 18.

(2) في الصحيفة 43.

48

أو نحو ذلك، كالنهي عن البيع وقت النداء، فلا وجه للإبطال بل غاية النهي التأثيم خاصة. و من الظاهر ان توجه النهي هنا إنما هو من جهة الاحترام الذي هو أمر خارج و صفة مفارقة للاستنجاء بتلك الأشياء، كما يأتي مثله في الاستنجاء بل إزالة النجاسة مطلقا بالماء المغصوب، فإنه لا ريب في طهارة المحل به و ان اثم من حيث التصرف، و ما ذاك إلا من حيث كون صفة الغصب أمرا خارجا، بخلاف الاستنجاء بالنجس و إزالة النجاسة بالماء النجس، فإنه من حيث عدم صلاحية تلك الأشياء من حيث هي للإزالة فلا يطهر المحل بها. و هذا الوجه لا يخلو من قوة لو كان الوارد في النص مجرد النهي. لكن قوله

في رواية ليث (1): «لا يصلح بشيء من ذلك».

ظاهر في عدم الاجزاء. و الرواية و ان كانت ضعيفة السند إلا انها مجبورة بعمل الأصحاب، و الأمران اصطلاحيان، و لا ترجيح لأحدهما على الآخر. و اما عندنا فالأمر أهون من ذلك.

(فرع) [هل يحرم تنجيس العظم و الروث؟]

لا ريب ان تحريم الاستنجاء بتلك الأشياء المحترمة إنما هو من حيث إهانتها بالإيقاع في النجاسة، و حينئذ فيحرم تنجيسها مطلقا، و مثل ذلك القول في الخبز لحديث أهل الثرثار، فيحرم تنجيسه أيضا بغير الاستنجاء. و لا يبعد انسحاب ذلك في باقي المطعومات، لاستلزام ذلك كفر النعمة و عدم شكرها، و لفحوى أحاديث استحباب أكل المتساقط من الخوان، و اخبار استحباب لعق الأصابع بعد الأكل.

لكن يبقى الكلام في مثل العظم و الروث على القول بتحريم الاستنجاء بهما، هل يحرم تنجيسهما أم لا؟ لم أقف في ذلك لأحد من أصحابنا في الكتب الاستدلالية على كلام إلا لشيخنا البهائي (قدس سره) في أجوبة مسائل الشيخ صالح الجزائري، حيث قال- بعد قول السائل: مسألة- الفقهاء (رضوان اللّٰه عليهم) قالوا: لا تستجمر بالعظم و الروث، فهل يحرم أصابتهما بغير استجمار أم لا؟- ما صورته: «الجواب-

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 43.

49

و الثقة باللّٰه وحده- النهي عن الاستجمار بهما معلل بكونهما طعام الجن (1) و في خبر آخر عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) التعليل بأنهما لا يطهران (2) و قد يتراءى من التعليل الأول تحريم تنجيسهما و لو بغير الاستنجاء، لكن احتمال كون تحريم الاستنجاء بهما لتحقيرهما التام- بإمرارهما على المخرج مع التنجيس لا لأحدهما فقط- يعطي جواز التنجيس بغير الاستنجاء، سيما مع انضمام أصالة براءة الذمة من المؤاخذة عليه. و أيضا فلعل النهي عن استعمالهما إنما هو لمجرد كون طعام الجن غير مطهر لا للاحترام كما يظن، و إلى هذا يشير التعليل الثاني، و هو يعطي جواز التنجيس بغير الاستنجاء و ان النهي عن استعمالهما لعدم إفادتهما التطهير، إلى ان قال: و قد يستفاد عدم كونهما مطهرين من رواية ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) (3) الناطقة بعدم صلاحيتهما للاستنجاء و كيف كان فالأظهر عدم التوقف في جواز تنجيسهما بغير الاستنجاء كما ان الأظهر أن الاستنجاء بهما لا يفيد طهارة المحل كما هو مذهب السيد و الشيخ و المحقق و ان قال مشايخنا المتأخرون بطهارة المحل بهما. و لتحقيق الكلام محل آخر» انتهى كلامه (قدس سره).

و أقول: ما نقله (قدس سره) من الخبر عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) بأنهما لا يطهران لم أقف عليه بعد التتبع للاخبار. نعم نقله العلامة في التذكرة، و لا يبعد ان يكون من طرق المخالفين (4) كما نبه عليه بعض متأخري المتأخرين.

____________

(1) في رواية ليث المرادي و مرسلة الفقيه المتقدمتين في الصحيفة 43.

(2) رواه الدارقطني عن أبي هريرة عنه (ص) كما في منتقى الاخبار لابن تيمية على هامش نيل الأوطار ج 1 ص 85، و لم يرد هذا التعليل بن طرقنا.

(3) المتقدمة في الصحيفة 43.

(4) رواه الدارقطني عن أبي هريرة عنه (ص) كما في منتقى الاخبار لابن تيمية على هامش نيل الأوطار ج 1 ص 85، و لم يرد هذا التعليل بن طرقنا.

50

المورد الثالث في المستحبات

و (منها)-

ستر البدن كملا في الغائط

بان يبعد المذهب أو يدخل بيتا أو يلج حفيرة، تأسيا بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فإنه لم ير على غائط قط،

و قال (عليه السلام): «من اتى الغائط فليستتر».

روى ذلك شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية (1)

و روى البرقي في المحاسن (2) عن حماد بن عثمان أو ابن عيسى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «قال لقمان لابنه: إذا سافرت مع قوم، إلى ان قال: و إذا أردت قضاء حاجتك فابعد المذهب في الأرض».

و (منها)-

ارتياد موضع مناسب للبول لمزيد الاحتياط في التوقي عنه

بالجلوس في مكان مرتفع أو ذي تراب كثير، فإنه من فقه الرجل،

ففي رواية عبد اللّٰه ابن مسكان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أشد الناس توقيا للبول، حتى انه كان إذا أراد البول عمد إلى مكان مرتفع من الأرض أو مكان يكون فيه التراب الكثير كراهية ان ينتضح عليه».

و في رواية السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): من فقه الرجل ان يرتاد موضعا لبوله».

و مثل ذلك في رواية الجعفري عن الرضا (عليه السلام) (5).

و (منها)-

التسمية و الدعاء

عند دخول المخرج و الخروج منه بالمأثور، و الدعاء حال النظر إلى ما يخرج منه، و حال الغسل.

____________

(1) ص 17 و في الوسائل في الباب- 4- من أبواب أحكام الخلوة. و قوله: «ذلك» إشارة إلى الفعل و القول.

(2) في الصحيفة 375 و في الوسائل في الباب- 4- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 22- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 22- من أبواب أحكام الخلوة.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 22- من أبواب أحكام الخلوة.

51

و يدل على ذلك

رواية معاوية بن عمار (1) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: إذا دخلت المخرج فقل: بسم اللّٰه و باللّٰه، اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم. فإذا خرجت فقل: بسم اللّٰه و الحمد للّٰه الذي عافاني من الخبيث المخبث و أماط عني الأذى. و إذا توضأت فقل:

اشهد ان لا إله إلا اللّٰه، اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين، و الحمد للّٰه رب العالمين».

و رواية أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «إذا دخلت الغائط فقل: أعوذ باللّٰه من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم. و إذا فرغت فقل: الحمد للّٰه الذي عافاني من البلاء و أماط عني الأذى».

و صحيحة القداح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (3) «انه كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد للّٰه الذي رزقني لذته و أبقى قوته في جسدي و اخرج عني أذاه، يا لها نعمة: ثلاثا».

و ما رواه في الفقيه مرسلا (4) قال: «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا أراد دخول المتوضأ قال: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، اللهم أمط عني الأذى و أعذني من الشيطان الرجيم. و إذا استوى جالسا للوضوء قال: اللهم أذهب عني القذى و الأذى و اجعلني من المتطهرين. و إذا تزحر قال: اللهم كما أطعمتنيه طيبا في عافية فأخرجه مني خبيثا في عافية.

و كان علي (عليه السلام) يقول: ما من عبد إلا و به ملك موكل يلوي عنقه حتى ينظر

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) ج 1 ص 16 و في الوسائل في الباب- 5- من أبواب أحكام الخلوة، ما عدا قوله: و كان على (عليه السلام) يقول، إلى قوله: و جنبني الحرام، فإنه رواه في الباب- 18- من تلك الأبواب.

52

إلى حدثه، ثم يقول له الملك: يا ابن آدم هذا رزقك فانظر من أين أخذته و إلى ما صار فينبغي للعبد عند ذلك ان يقول: اللهم ارزقني الحلال و جنبني الحرام، إلى ان قال:

و كان (عليه السلام) إذا دخل الخلاء يقول: الحمد للّٰه الحافظ المؤدي. فإذا خرج مسح بطنه و قال: الحمد للّٰه الذي اخرج عني أذاه و أبقى في قوته، فيا لها من نعمة لا يقدر القادرون قدرها».

و في رواية عبد الرحمن بن كثير في حكاية وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) قال: «ثم استنجى فقال: اللهم حصن فرجي و أعفه و استر عورتي و حرمني على النار».

و (منها)-

التقنع

، لما

في مرسلة البرقي عن ابن أسباط أو رجل عنه عمن رواه عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «انه كان إذا دخل الكنيف يقنع رأسه و يقول سرا في نفسه: بسم اللّٰه و باللّٰه. الحديث».

الى آخر ما تقدم في رواية معاوية بن عمار.

و روى في الفقيه مرسلا (3) قال: «و كان الصادق (عليه السلام) إذا دخل الخلاء يقنع رأسه و يقول في نفسه: بسم اللّٰه و باللّٰه و لا إله إلا اللّٰه، رب اخرج عنى الأذى سرحا بغير حساب، و اجعلني لك من الشاكرين فيما تصرفه عني من الأذى و الغم الذي لو حبسته عني هلكت، لك الحمد، اعصمني من شر ما في هذه البقعة و أخرجني منها سالما، و حل بيني و بين طاعة الشيطان الرجيم».

و في كتاب مجالس الشيخ (4) و في كتاب المكارم (5) في وصية النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لأبي ذر (رضي اللّٰه عنه) قال: «يا أبا ذر استحي من اللّٰه، فاني- و الذي

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 16- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) ج 1 ص 17 و في الوسائل في الباب- 5- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) في الصحيفة 338 و في الوسائل في الباب- 3- من أبواب أحكام الخلوة.

(5) في الصحيفة 260.

53

نفسي بيده- لا ظل حين اذهب إلى الغائط متقنعا بثوبي استحياء من الملكين الذين معي».

و (منها)-

تغطية الرأس

، و لم أقف فيه على خصوص خبر سوي اخبار التقنع، و من الظاهر مغايرته له. نعم قال الشيخ المفيد: «و ليغط رأسه ان كان مكشوفا ليأمن بذلك من عبث الشيطان و من وصول الرائحة الخبيثة إلى دماغه، و هو سنة من سنن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و فيه إظهار الحياء من اللّٰه لكثرة نعمه على العبد و قلة الشكر منه» و فيه دلالة على ورود النص به، و ليس ببعيد ان المراد به التقنع، لمناسبة التعليل الأخير له، دون مجرد التغطية. و قال الصدوق في الفقيه (1): «ينبغي للرجل إذا دخل الخلاء ان يغطى رأسه إقرارا بأنه غير مبرئ نفسه من العيوب» انتهى و فيه أيضا ما احتملناه في سابقه.

و (منها)-

تقديم الرجل اليسرى في الدخول و اليمنى في الخروج

عكس المسجد. و لم أقف فيه على نص لكن الصدوق ذكره في الفقيه، و الظاهر ان مثله من أرباب النصوص لا يذكر ذلك إلا عن نص بلغه فيه. و ربما ظهر من بعض الأصحاب اختصاص الحكم بالبنيان، نظرا إلى ان مسمى الدخول و الخروج لا يصدق في غيره لكن صرح العلامة بأن الأقرب عدم الاختصاص، فيقدم اليسرى إذا بلغ موضع جلوسه في الصحراء و إذا فرغ قدم اليمنى. و وافقه الشهيد الثاني، فقال: «ان الأصح عدم الاختصاص بالبنيان» قال في المعالم بعد نقل ذلك عنهما: «و التحقيق ان الترجيح هنا موقوف على اعتبار المأخذ، فإن كان هو التوجيه الذي حكيناه فلا بأس بعدم الاختصاص» انتهى. و هو كذلك.

و (منها)-

مسح البطن بعد الخروج

، كما تقدمت الدلالة عليه في كلام

____________

(1) ج 1 ص 17.

54

الفقيه نقلا عن الأمير (صلوات اللّٰه عليه) (1).

و (منها)-

التسمية عند التكشف للبول

، لما رواه في الفقيه (2) مرسلا عن الباقر (عليه السلام) و في ثواب الأعمال (3) مسندا عن الصادق عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: «إذا انكشف أحدكم لبول أو لغير ذلك فليقل: بسم اللّٰه، فان الشيطان يغض بصره عنه حتى يفرغ».

و (منها)-

ان لا يقطع في الاستجمار [إلا على وتر]

بالأحجار و شبهها و ان نقي المحل إلا على وتر،

لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) في رواية عيسى بن عبد اللّٰه الهاشمي المتقدمة: «إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء» (4).

قال في المعتبر: «و الرواية من المشاهير» انتهى.

و (منها)-

الاستبراء

على المشهور، خلافا لظاهر الشيخ في الاستبصار، مستندا إلى

صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) «في الرجل يبول؟ قال ينتره ثلاثا، ثم ان سال حتى يبلغ الساق فلا يبالي».

و حسنة محمد بن مسلم (6) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل بال و لم يكن معه ماء؟ قال:

يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات و ينتر طرفه، فان خرج بعد ذلك شيء فليس من البول و لكنه من الحبائل».

و أجيب بمنع الدلالة على الوجوب، لعدم ظهور الجملة الخبرية فيه.

____________

(1) في الصحيفة 52.

(2) ج 1 ص 18 و في الوسائل في الباب- 5- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) في الصحيفة 9.

(4) رواه صاحب الوسائل في الباب- 9- من أبواب أحكام الخلوة.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب نواقض الوضوء.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 11- من أبواب أحكام الخلوة.

55

و فيه نظر، فان المستفاد من الآيات و الأخبار التي قدمناها في المقدمة السابعة (1) انه لا خصوصية في ذلك بصيغة (افعل) بل كل ما دل على الطلب و ارادة الفعل- سواء كان بالصيغة المشار إليها أم لا- فإنه للوجوب إلا مع قيام القرينة على خلافه.

و قال شيخنا البهائي (رحمه اللّٰه) في كتاب الحبل المتين بعد نقل صحيحة حفص:

«و قوله (عليه السلام) في الحديث التاسع: ينتره ثلاثا. مما استدل به الشيخ في الاستبصار على وجوب الاستبراء، و الذي يظهر من آخر الحديث ان غرضه (عليه السلام) عدم انتقاض الوضوء بما يخرج من البلل بعد الاستبراء لا بيان كون الاستبراء واجبا» انتهى. لكنه (رحمه اللّٰه) كتب- في حاشية الكتاب على قوله:

مما استدل به الشيخ- ما صورته: «و هو يتوقف على كون المضارع المطلوب به الفعل كالأمر في الوجوب، و الظاهر انه كذلك» انتهى.

و ظاهر المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم المناقشة في اسناد الوجوب إلى الشيخ مستندا إلى استعمال الشيخ لفظ الوجوب- في غير موضع- فيما هو أعم من الواجب و المندوب، ثم قال: «و كيف كان فالوجوب لا وجه له».

و أورد عليه ان هذا الاستعمال غير متعارف، و لعله كان في تلك المواضع مع القرينة، و لا قرينة هنا.

و مما يدل بظاهره على عدم الوجوب

صحيحة جميل عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «إذا انقطعت درة البول فصب الماء».

قيل: و أقله اباحة تعقيب الصب للانقطاع بغير مهلة.

و فيه ان افادة التعقيب بغير مهلة إنما هو للفاء العاطفة، و اما الفاء الجزائية فالأكثر على عدم إفادتها ذلك، لصحة قولنا: ان يسلم زيد فهو يدخل الجنة.

____________

(1) في الصحيفة 112 من الجزء الأول.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب أحكام الخلوة.

56

و حينئذ فلا دلالة في الرواية على التعقيب بغير مهلة.

و رواية داود الصرمي (1) قال: «رأيت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) يبول غير مرة و يتناول كوزا صغيرا و يصب عليه الماء من ساعته».

و يمكن ان يقال: انه لا دلالة فيه على الفورية على وجه ينافي الاستبراء، إذ لا مدة له ينافيها، بل الظاهر ان مراد الراوي هو الاخبار عنه (عليه السلام) بأنه كان يبادر الى الاستنجاء من البول من ساعته، و لا يتركه إلى وقت آخر كسائر الناس في تلك الأوقات، فإنهم كانوا ينشفون المخرج بتراب و نحوه إلى وقت الصلاة، كما يستفاد من الأسئلة المتكاثرة في الأخبار عن نسيان الاستنجاء، كما تقدم شطر منها. نعم يظهر ذلك من

رواية روح بن عبد الرحيم (2) قال: «بال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) و انا قائم على رأسه و معي اداوة أو قال كوز، فلما انقطع شخب البول قال بيده هكذا الي فناولته الماء فتوضأ مكانه».

ثم انه قد اختلفت عبارات القوم في بيان كيفيته، فقال الشيخ المفيد في المقنعة «انه يمسح بإصبعه الوسطى تحت أنثييه إلى أصل القضيب مرتين أو ثلاثا، ثم يضع مسبحته تحت القضيب و إبهامه فوقه و يمرهما عليه باعتماد قوي من أصله إلى رأس الحشفة مرتين أو ثلاثا، ليخرج ما فيه من بقية البول».

و قال الشيخ في النهاية: «انه يمسح بإصبعه من عند مخرج النجو إلى أصل القضيب ثلاث مرات، ثم يمر إصبعه على القضيب و ينتره ثلاث مرات».

و قال في المبسوط- على ما نقله عنه في المعتبر-: «انه يمسح من عند المقعدة إلى تحت الأنثيين ثلاثا، و يمسح القضيب و ينتره ثلاثا».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 26- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب أحكام الخلوة.

57

و عن السيد المرتضى «انه ينتر الذكر من أصله إلى طرفه ثلاث مرات» و هو المنقول عن ابن الجنيد.

و قال الصدوق في الفقيه (1): «و من أراد الاستنجاء فليمسح بإصبعه من عند المقعدة إلى الأنثيين ثلاث مرات، ثم ينتر ذكره ثلاث مرات» و هو المنقول عن أبيه في الرسالة.

و اقتصر المحقق في المعتبر على نقل قولي الشيخين و السيد، و قال: «ان كلام الشيخ أبلغ في الاستظهار» و قال في الشرائع: «و كيفيته ان يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا، و منه إلى رأس الحشفة ثلاثا، و ينتره ثلاثا» و نسب السيد في المدارك هذه الكيفية إلى كلام الشيخ في المبسوط، و في فهمها منه تأمل.

و قال العلامة في المنتهى: «انه يمسح بيده من عند المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا ثم يمسح القضيب ثلاثا، ثم ينتره ثلاثا» و مثله في التذكرة إلا انه زاد فيه التنحنح.

و قال الشهيد في الدروس «يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثم إلى رأسه ثم عصر الحشفة ثلاثا و التنحنح ثلاثا».

و الذي وقعت عليه من الأخبار المتعلقة بذلك- زيادة على ما قدمنا نقله-

رواية عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «في الرجل يبول ثم يستنجي ثم يجد بعد ذلك بللا؟ قال: إذا بال فخرط ما بين المقعدة و الأنثيين ثلاث مرات و غمز ما بينهما ثم استنجى، فان سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي».

و أنت خبير بأن صحيحة حفص (3) إنما تنطبق على مذهب السيد و ابن الجنيد

____________

(1) ج 1 ص 21.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) المتقدمة في الصحيفة 54.

58

خاصة، و اما حسنة محمد بن مسلم (1) فليس في شيء من الأقوال ما ينطبق عليها، لأنها قد تضمنت العصر من أصل الذكر إلى طرفه ثلاثا ثم النتر و لو مرة، و ليس في هذه الأقوال ما يطابق ذلك. و كذلك هذه الرواية الثالثة. و لعل من قال بالمسحات الست مع نتر طرف الذكر استند إلى العمل بمضمون الأخبار الثلاثة جميعا، لكن تثليث النتر- كما ذكروا- ليس في شيء منها.

و اما التنحنح الذي ذكره العلامة و الشهيد فلم نقف أيضا فيه على خبر، بل و لا في كلام القدماء على اثر، و العجب من اضطراب عبائرهم في ذلك مع خلو المأخذ مما هنالك.

قيل: و كيف كان فالزيادات التي ذكروها لا حرج فيها، لما فيها من مزيد الاستظهار في إخراج ما ربما يبقى في المخرج و فيه إشكال، إذ استعمال ذلك باعتقاد انه سنة شرعية لا يخلو من تشريع. و الاستناد إلى التساهل في أدلة السنن تساهل خارج عن السنن.

تنبيهات

(الأول) [هل يختص الاستبراء بالرجل؟]

- الظاهر من كلام أكثر الأصحاب اختصاص الاستبراء بالرجل بل صرح بذلك جملة منهم، و قيل بثبوته للأنثى و انها تستبرئ عرضا، و اختاره العلامة في المنتهى، و قال: «الرجل و المرأة سواء» و مورد الأخبار المتقدمة- كما عرفت- إنما هو الرجل، فالقول بالتعدية مع عدم الدليل مشكل. و نقل عن ابن الجنيد في مختصره انه قال: «إذا بالت المرأة تنحنحت بعد بولها» انتهى.

(الثاني) [البلل المشتبه]

- قد صرح غير واحد من المتأخرين و متأخريهم بأنه لا يعرف خلافا بين علمائنا في ان البلل المتجدد بعد الاستبراء لا حكم له. و ان الخارج مع عدم

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 54.

59

الاستبراء بحكم البول في وجوب غسله و نقضه للطهارة، و نقل عن ابن إدريس دعوى الإجماع على كل من الحكمين.

و يدل على ما ذكروه من الحكم الأول الأخبار الثلاثة المتقدمة (1).

و اما الحكم الثاني فاستدلوا عليه بمفهومات الأخبار المتقدمة، فإن تقييد عدم المبالاة و نفي كونه من البول بل انه من الحبائل بالاستبراء يدل على حصول المبالاة و كونه من البول مع عدمه.

و قد يعارض بإطلاق ما دل من الاخبار على عدم النقض بالخارج بعد البول مطلقا:

كصحيحة عبد اللّٰه بن أبي يعفور (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل بال ثم توضأ و قام إلى الصلاة فوجد بللا. قال: لا يتوضأ، إنما ذلك من الحبائل».

و صحيحة حريز (3) قال: «حدثني زيد الشحام و زرارة و محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) انه قال: ان سال من ذكرك شيء من مذي أو ودي فلا تغسله و لا تقطع له الصلاة و لا تنقض له الوضوء، إنما ذلك بمنزلة النخامة، و كل شيء خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل».

و الظاهر تقييد إطلاق هذين الخبرين بتلك الأخبار جمعا، و لتصريحهما بكون الخارج بعد الوضوء مطلقا من الحبائل مع تقييد حسنة محمد بن مسلم (4) الحكم بكونه من الحبائل بكونه بعد الاستبراء، و المقيد يحكم على المطلق. و لدلالة جملة من الأخبار

____________

(1) و هي صحيحة حفص و حسنة محمد بن مسلم و رواية عبد الملك المتقدمات في الصحيفة 54 و 57.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(4) المتقدمة في الصحيفة 54.

60

الواردة في الجنب بالإنزال إذا بال و لم يستبرئ على الأمر بالوضوء:

كقوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (1): «و ان كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا فليس ينقض غسله و لكن عليه الوضوء.».

و قوله (عليه السلام) في موثقة سماعة (2): «و ان كان بال قبل ان يغتسل فلا يعيد غسله و لكن يتوضأ و يستنجي».

و مثلهما رواية معاوية بن ميسرة (3) و مقتضى الجمع حملها على عدم الاستبراء.

و يدل عليه أيضا قوله (عليه السلام)- في صحيحة ابن سنان (4) الآتية ان شاء اللّٰه في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا المطلب-:

«و الودي فمنه الوضوء، لانه يخرج من دريرة البول».

بحمله على الخروج قبل الاستبراء، كما هو ظاهر الخبر، و للإجماع- نصا و فتوى- على عدم سببية الودي للوضوء كما يأتي بيانه ان شاء اللّٰه تعالى.

و يظهر من بعض فضلاء متأخري المتأخرين الميل- لو لا الإجماع المدعى في المقام- الى العمل بإطلاق الخبرين المذكورين (5)، و حمل ما عارضهما من مفهوم روايات الاستبراء على الاستحباب، استضعافا لدلالة المفهوم و عدم ظهورها في الوجوب، و هكذا صحيحة ابن سنان أيضا حملها على الاستحباب. و لا يخفى وهنه.

و التحقيق انه قد تعارض إطلاق صحيحتي عبد اللّٰه بن أبي يعفور و حريز (6) بعدم الوضوء بذلك البلل أعم من أن يكون مع الاستبراء و عدمه، و إطلاق صحيحة ابن مسلم و روايتي سماعة و معاوية بوجوب الوضوء بذلك البلل مطلقا أيضا.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب نواقض الوضوء. و في الباب- 36- من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب نواقض الوضوء. و في الباب- 36- من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 36- من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(5) في الصحيفة 59.

(6) في الصحيفة 59.

61

و وجه الجمع تقييد الإطلاق الأول بحاله الاستبراء، كما هو مدلول منطوق اخبار الاستبراء، و تقييد الإطلاق الثاني بحالة عدم الاستبراء، كما هو مفهوم تلك الاخبار، و على ذلك تجتمع الأخبار.

و اما إبقاء الإطلاق الأول بحاله- و حمل الوضوء في الإطلاق الثاني على الاستحباب و كذلك في المفهوم استضعافا لدلالته- ففيه (أولا)- ان قوله في صحيحة محمد بن مسلم (1):

«عليه الوضوء»

ظاهر في الوجوب، و كذا قوله في خبر معاوية بن ميسرة (2):

«فليتوضأ»

. و (ثانيا)- ان المفهوم هنا مفهوم شرط، و هو- مع ذهاب الأكثر إلى حجيته- معضود بدلالة الأخبار عليه أيضا، كما تقدم في المقدمة الثالثة (3) فلا ضعف في دلالته.

و (ثالثا)- ان ضعف الدليل ليس من قرائن الاستحباب كما تقدمت الإشارة اليه.

و اما ما ورد

في رواية يونس (4)- قال: «كتب اليه رجل: هل يجب الوضوء مما خرج من الذكر بعد الاستبراء؟ فكتب: نعم».

- فيتعين حمله على التقية، لموافقته لمذهب أكثر العامة (5) كما ذكره الشيخ في الاستبصار، و مخالفته لما عليه كافة علماء الفرقة الناجية و لاخبارهم.

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 60.

(2) المتقدمة في الصحيفة 60.

(3) في الصحيفة 57 من الجزء الأول.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب نواقض الوضوء و الرواية في كتب الحديث تنتهي إلى (محمد بن عيسى) و لم يذكر في سندها (يونس).

(5) لم نعثر على من حرر من العامة هذه المسألة أعني حكم الخارج بعد الاستبراء.

الا انهم عدوا الودي و المذي مما يستنجى منه فلعل الشيخ أراد ذلك من الموافقة لمذهب العامة، قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 19: «الاستنجاء مسنون من كل نجس يخرج من السبيلين له عين مرئية، كالغائط و البول و المنى و الودي و المذي و الدم» و قال في الوجيز ج 1 ص 9: «و في النجاسات النادرة قول انه يتعين الماء، و قيل: المذي نادر» و قال ابن قدامة الحنبلي في المغني ج 1 ص 171: «المذي ما يخرج بشهوة فروي انه يوجب الوضوء و غسل الذكر و الأنثيين، و روى انه لا يجب أكثر من الاستنجاء و الوضوء، و الأمر بالنضح و غسل الذكر و الأنثيين محمول على الاستحباب، و الودي ما يخرج بعد البول ليس فيه إلا الوضوء» و فيه أيضا «قال حنبل سألت احمد، قلت:

أتوضأ و استبرئ واجد في نفسي انى قد أحدثت بعده؟ قال: إذا توضأت فاستبرئ ثم خذ كفا من ماء فرشه على فرجك و لا تلتفت إليه، فإنه يذهب ان شاء اللّٰه».

62

هذا. و اعلم ان الظاهر- كما عرفت من كلامهم- انه كما لا خلاف في نقض هذا البلل المشتبه للوضوء، كذلك لا خلاف في وجوب غسله، و هو يشعر بحكمهم بنجاسته. و يشكل عليهم بمقتضى ما قرروه في مسألة الإناءين- كما تقدم ذكره (1)- بأن أقصى ما يستفاد من الأدلة المذكورة النقض خاصة، مع اندراج هذا البلل في «

كلية: كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر (2).

و ما أبالي أ بول أصابني أم ماء إذا لم اعلم.

» (3) مع عدم المخصص. و حصول النقض به لا يستلزم النجاسة. إلا ان المفهوم من الأخبار- كما عرفت في مسألة الإناءين (4)- ان الشارع قد اعطى المشتبه بالنجس إذا كان محصورا و المشتبه بالحرام كذلك حكمهما في وجوب الاجتناب و تحريم الاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة و تعدى حكمه إلى ما يلاقيه، كما تقدم تحقيق ذلك في مسألة الإناءين، فالحكم هنا موافق لما حققناه ثمة، لكنه مناف لما ذكروه (رضوان اللّٰه عليهم) في تلك المسألة، فإن المسألتين من باب واحد.

(الثالث) [هل يستحب الصبر هنيئة قبل الاستبراء؟]

- ذكر العلامة في التذكرة و الشهيد في الذكرى انه يستحب الصبر هنيئة قبل الاستبراء، و مستنده غير واضح. قيل: و ربما كان ظاهر الأخبار

____________

(1) في الصحيفة 502 من الجزء الأول.

(2) تقدم الكلام في هذا الحديث في التعليقة 1 ص 42 ج 1 و في التعليقة 4 ص 149 ج 1.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 37- من أبواب النجاسات.

(4) في الصحيفة 502 من الجزء الأول.

63

خلافه، كما في صحيحة جميل و رواية داود الصرمي المتقدمتين (1) و في الدلالة ما عرفت آنفا، و أظهر منهما رواية روح المتقدمة (2).

(الرابع) [كلام المجلسي في حسنة محمد بن مسلم]

- روى شيخنا المجلسي (عطر اللّٰه مرقده) في كتاب البحار (3) مضمون

حسنة محمد بن مسلم (4) عن كتاب السرائر نقلا من كتاب حريز قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل بال. الحديث».

بأدنى تفاوت لا يخل بالمقصود، ثم قال (قدس سره) في الكتاب المذكور: «و الخبر يحتمل وجوها:

(الأول)- ان يكون المراد بالطرف في الموضعين الذكر،

و في الحديث «نقي الطرفين» (5).

و فسر بالذكر و اللسان، و قال الجوهري: «قال ابن الأعرابي قولهم:

«لا يدري أي طرفيه أطول، طرفاه: لسانه و ذكره» (6) فيكون إشارة إلى عصرين:

العصر من المقعدة إلى الذكر و نتر أصل الذكر، لكن لا يدل على تثليث الأخير، و لا يبعد ان يكون التثليث على الفضل و الاستحباب (الثاني)- ان يكون المراد بالطرف في الموضعين الجانب و يكون الضميران راجعين إلى الذكر، اي يعصر من المقعدة إلى رأس الذكر، فيكون العصران داخلين فيه، و المراد بالأخير عصر رأس الذكر، فيدل على العصرات الثلاث التي ذكرها الأصحاب (الثالث)-

____________

(1) في الصحيفة 55 و 56.

(2) في الصحيفة 56.

(3) ج 18 ص 49 من كتاب الطهارة.

(4) المتقدمة في الصحيفة 54.

(5)

رواه صاحب الوسائل في الباب- 6- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد في حديث عن الكليني بسنده عن جابر بن عبد اللّٰه قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)»: ألا أخبركم بخير رجالكم؟ قلنا: بلى يا رسول اللّٰه قال: ان خير رجالكم التقي النقي السمح الكفين النقي الطرفين. الحديث» ..

(6) و في مقاييس اللغة لابن فارس ج 3 ص 447 «لا يدرى أي الطرفين أطول، يراد به نسب الام و الأب. و قولهم: كريم الطرفين، يراد به هذا».

64

ان يكون المراد بالأول عصر الذكر و بالثاني عصر رأس الذكر. و يضعف الأخيرين ان النتر هو الجذب بقوة لا مطلق العصر، و هو لا يناسب عصر رأس الذكر، مع انه لا يظهر من سائر الأخبار هذا العصر، قال في النهاية: «فيه إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث نترات (1). النتر جذب فيه قوة و جفوة» انتهى (2).

ثم اعلم ان الشيخ روى هذا الخبر نقلا من الكافي، و فيه «يعصر أصل ذكره إلى ذكره» و يروى عن بعض مشايخنا (رحمهم اللّٰه) انه قرأ «ذكره» بضم الذال و سكون الكاف و فسره بطرف الذكر، لينطبق على الوجه الثاني من الوجوه المذكورة.

و يخدشه ان اللغويين قالوا: «ذكرة السيف: حدته و صرامته» و الظاهر منه ان المراد به المعنى المصدري لا الناتي من طرفيه.

و بقي هنا اشكال آخر و هو انه ما الفائدة في التقييد بعدم وجدان الماء؟ و الجواب انه مجرب انه مع عدم الاستنجاء بالماء يتوهم خروج البلل ساعة بعد ساعة، بل يكون خروج دريرة البول أكثر، كما ذكر العلامة في المنتهى ان الاستنجاء بالماء يقطع دريرة البول، ففائدة الاستبراء هنا انه ان خرج بعده شيء أو توهم خروجه لا يضره ذلك اما من حيث النجاسة فلأنه غير واجد للماء، و اما من حيث الحدث فلانه لا يحتاج الى تجديد التيمم و لا قطع الصلاة» انتهى كلامه علا في الفردوس مقامه.

و (منها)-

تعجيل الاستنجاء

و لو في المبرز خصوصا من البول، لصحيحة جميل و رواية الصرمي و رواية روح، و قد تقدم جميع ذلك (3).

____________

(1) رواه في كنز العمال ج 5 ص 83 و قال ابن قدامة في المغني ج 1 ص 155:

«و قد روى يزداد اليماني قال قال رسول اللّٰه (ص): إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث نترات» ..

(2) كلام صاحب النهاية.

(3) في الصحيفة 55 و 56.

65

و (منها)-

أن يكفي على يده قبل إدخالها الإناء

ان كان الاستنجاء متوقفا على إدخالها، و يتبع ذلك بالتسمية و الدعاء.

لخبر عبد الرحمن بن كثير في حكاية وضوء أمير المؤمنين (صلوات اللّٰه عليه) (1) حيث قال فيه: «يا محمد ائتني بإناء من ماء أتوضأ للصلاة، فأتاه محمد بالماء فأكفأ بيده اليسرى على يده اليمنى، ثم قال: بسم اللّٰه و الحمد للّٰه الذي جعل الماء طهورا و لم يجعله نجسا. قال ثم استنجى فقال. الحديث».

و ان يكون ذلك مرة من حدث البول و مرتين من الغائط،

لحسنة الحلبي برواية الكافي و صحيحته برواية التهذيب عن الصادق (عليه السلام) (2) قال:

«سئل كم يفرغ الرجل على يده قبل ان يدخلها في الإناء؟ قال: واحدة من حدث البول و ثنتين من الغائط.».

و ستأتي تتمة الكلام في ذلك ان شاء اللّٰه تعالى.

و (منها)-

البدأة في الاستنجاء بالمقعدة قبل الإحليل

، لموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل إذا أراد ان يستنجي بأيما يبدأ: بالمقعدة أو بالإحليل؟ فقال: بالمقعدة ثم بالإحليل».

و علله بعضهم (4) بأنه لئلا تنجس اليد بالغائط عند الاستبراء.

و (منها)-

اختيار الماء حيث تجزئ الأحجار

، و يدل عليه

صحيحة جميل ابن دراج أو حسنته عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5): «قال في قول اللّٰه عز و جل:

ان اللّٰه يحب التوابين و يحب المتطهرين (6). قال: كان الناس يستنجون بالكرسف

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 16- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 27- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) هو العلامة (قدس سره) في المنتهى كما نقله الشيخ البهائي (عطر اللّٰه مرقده) في مفتاح الفلاح (منه (رحمه اللّٰه).

(5) المروية في الوسائل في الباب- 34- من أبواب أحكام الخلوة.

(6) سورة البقرة الآية 223.

66

و الأحجار، ثم أحدث الوضوء و هو خلق كريم، فأمر به رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و صنعه، فأنزل اللّٰه تعالى في كتابه إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ».

و صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): يا معشر الأنصار ان اللّٰه قد أحسن عليكم الثناء فما ذا تصنعون؟ قالوا نستنجي بالماء».

و صحيحة مسعدة بن زياد عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال لبعض نسائه: مري نساء المؤمنين ان يستنجين بالماء و يبالغن، فإنه مطهرة للحواشي و مذهبة للبواسير».

و الجمع بين المطهرين أكمل،

لمرفوعة احمد المتقدمة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار و يتبع بالماء».

و إطلاق الرواية يدل على استحباب الجمع فيما يتعين فيه الماء كما في صورة التعدي و فيما تجزئ فيه الأحجار، و بذلك صرح في المعتبر، قال: «لانه جمع بين مطهرين بتقدير أن لا يتعدى، و إكمال في الاستظهار بتقدير التعدي» و ظاهر الشهيد في الذكرى التخصيص بالتعدي.

و كيف كان فالظاهر تقديم الأحجار، للتصريح به في الرواية، و لما فيه من تنزيه اليد عن مباشرة النجاسة.

و أورد السيد في المدارك على أصل الحكم اشكالا، قال (قدس سره):

«و أورد على هذا الحكم ان الإزالة واجبة اما بالماء أو بالأحجار وجوبا تخييريا، فكيف يكون أحدهما أفضل من الآخر، بل قد صرحوا في مثل ذلك باستحباب

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 34- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 30- من أبواب أحكام الخلوة.

67

ذلك الفرد الأفضل، و منافاة المستحب المواجب واضحة. و أجيب عنه بان الوجوب التخييري لا ينافي الاستحباب العيني، لأن متعلق الوجوب في التخييري ليس امرا معينا بل الأمر الكلي. فتعلق الاستحباب بواحد منهما لا محذور فيه. و فيه نظر، فإنه ان أريد بالاستحباب هنا المعنى العرفي- و هو الراجح الذي يجوز تركه لا إلى بدل- لم يمكن تعلقه بشيء من افراد الواجب التخييري، و ان أريد به كون أحد الفردين الواجبين أكثر ثوابا من الآخر فلا امتناع فيه كما هو ظاهر» انتهى كلامه زيد مقامه.

أقول: ما ذكره (قدس سره) من النظر يمكن الجواب عنه بالتزام الشق الأول من الترديد، قوله: انه هو الراجح الذي يجوز تركه لا إلى بدل، و ما هنا إنما يجوز تركه مع الإتيان بمبدله، قلنا: الاستحباب هنا إنما تعلق بالفرد الكامل من افراد ذلك الواجب المخير، و هو من حيث اتصافه بصفة الكمال يجوز تركه لا إلى بدل، إذ لا يقوم مقامه في الكمال غيره من تلك الافراد، و اتصاف تلك الأفراد الباقية بالبدلية عنه إنما هو من حيث أصل الوجوب، بمعنى ان كلا منها بدل عنه في الوجوب لا في الاستحباب و الكمال، غاية الأمر ان ذلك الفرد الكامل متصف بالوجوب و الاستحباب باعتبارين، فإنه باعتبار كونه أحد أفراد الواجب المخير و لا يجوز تركه لا إلى بدل يكون متصفا بالوجوب، و باعتبار الخصوصية الكمالية التي لا توجد إلا فيه فيجوز تركه لا إلى بدل يكون مستحبا.

و يمكن الجواب أيضا باختيار الشق الثاني و ان كان فيه خروج عن المعنى المصطلح إلا انه لا محذور فيه، فقد صرح به جملة من أجلاء الأصحاب: منهم- جده (قدس سره) في روض الجنان.

و أجاب بعض فضلاء متأخري المتأخرين بأن الوجوب هنا إنما هو صفة الطبيعة، و كون خصوص فرد منها مستحبا لا خفاء في صحته، قال: «و ما عرض له من الشبهة- من انه لا يجوز تركه لا إلى بدل فكيف يكون مستحبا؟- فمندفع بان التحقيق ان

68

الواجب ما يكون تركه سببا لاستحقاق العقاب لا تركه لا إلى بدل، لان ما يكون له بدل ليس بواجب في الحقيقة بل الواجب أحدهما، فزيادة هذا القيد في تعريف الواجب اما بناء على ما هو المتراءى في أول الوهلة، أو غفلة عما هو الحق، أو يكون المراد منه ما هو المراد بقولهم بوجه ما في تعريف الواجب لتدخل الواجبات المشروطة.

و على هذا لا يكون الفرد واجبا بل الواجب هو الطبيعة، لأن ترك الفرد ليس سببا لاستحقاق العقاب، بل السبب إنما هو ترك الطبيعة، فيمكن استحبابه».

و يشكل بان الفرد متحد بالطبيعة خارجا فيكون واجبا بوجوبها فكيف يكون مستحبا؟ بل التحقيق في الجواب هو ما قدمنا.

و (منها)-

الاعتماد على اليسرى

، ذكره جملة من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) و لم أقف فيه على نص، و أسنده في الذكرى إلى رواية عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1). و قال العلامة في النهاية: «لأنه (عليه السلام) علم أصحابه الاتكاء على اليسار» و هما اعلم بما قالا.

و (منها)-

إعداد الأحجار

، و لم أقف فيه على نص سوى ما نقل في الذكرى

انه روي عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ» (2).

و الظاهر ان الروايتين في هذا الموضع و الذي قبله من طريق الجمهور، فاني بعد التتبع لكتب الأخبار- و لا سيما البحار الجامع لما شذ عن الكتب

____________

(1) في مجمع الزوائد للهيثمى ج 1 ص 206

عن الطبراني في الكبير عن رجل من بنى مدلج عن أبيه قال: «جاء سرافة بن مالك بن جعشم من عند النبي (ص) فقال: علمنا رسول اللّٰه كذا و كذا. فقال رجل كالمستهزئ: اما علمكم كيف تخرؤون؟ فقال:

بلى و الذي بعثه بالحق لقد أمرنا أن نتوكأ على اليسرى و ان ننصب اليمنى» ..

(2)

في سنن البيهقي ج 1 ص 103 عن عروة عن عائشة ان رسول اللّٰه (ص) قال:

«إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار ليستطيب بهن فإنها تجزئ عنه» ..

69

الأربعة من الأخبار- لم أقف عليهما، و كان أصحابنا- لما اشتهر بينهم من التساهل في أدلة السنن- يعتمدون على أمثال ذلك. و هو تساهل خارج عن السنن.

المورد الرابع في المكروهات

و (منها)

[المواضع التي يكره التخلي فيها]

- التخلي في أحد هذه الأماكن: شطوط الأنهار، و مساقط الثمار، و الطرق النافذة، و مواضع اللعن، و منازل النزال، و أفنية المساجد.

ففي صحيح عاصم بن حميد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) المروي في الكافي (1) قال: «قال رجل لعلي بن الحسين (عليهما السلام): أين يتوضأ الغرباء؟ قال:

تتقي شطوط الأنهار، و الطرق النافذة، و تحت الأشجار المثمرة، و مواضع اللعن.

فقيل له: و اين مواضع اللعن؟ قال: أبواب الدور».

و في مرفوعة علي المتقدمة (2)- في مسألة الاستقبال و الاستدبار بالتخلي- الأمر باجتناب أفنية المساجد و شطوط الأنهار و مساقط الثمار و منازل النزال.

و في رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (3): «قال نهى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يتغوط على شفير بئر ماء يستعذب منها، أو نهر يستعذب، أو تحت شجرة فيها ثمرتها».

و في رواية الكرخي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ثلاثة ملعون من فعلهن: المتغوط في ظل النزال،

____________

(1) ج 1 ص 6 و في الوسائل في الباب- 15- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) في الصحيفة 39.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب أحكام الخلوة.

70

و المانع الماء المنتاب (1) و الساد الطريق المسلوك».

و روى الصدوق في الخصال (2) بسند معتبر عن الصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في جملة حديث: «لا تبل على المحجة و لا تتغوط عليها».

و ظاهر الأصحاب سيما المتأخرين الحكم بالكراهة في الجميع، إلا ان الشيخ المفيد في المقنعة عبر في هذه المواضع بعدم الجواز، و ابن بابويه في الفقيه عبر بذلك في فيء النزال و تحت الأشجار المثمرة، قال شيخنا صاحب كتاب رياض المسائل- بعد نقل ذلك عنهما- ما لفظه: «و الجزم بالجواز- مع ورود النهي و الأمر و اللعن في البعض مع عدم المعارض سوى أصالة البراءة- مشكل» انتهى. و هو جيد إلا انه كثيرا ما قد تكرر منهم (صلوات اللّٰه عليهم) في المحافظة على الوظائف المسنونة من ضروب التأكيدات في الأوامر و النواهي ما يكاد يلحقها بالواجبات و المحرمات، كما لا يخفى على من تتبع الأخبار و جاس خلال تلك الديار. على ان اللعن هو البعد من رحمة اللّٰه و هو كما يحصل بفعل المحرم يحصل بفعل المكروه و لو في الجملة.

و تقييد الطرق بالنافذة احتراز عن المرفوعة، فإنها ملك لأربابها، فيحرم التخلي فيها قطعا. و ربما كان في ذلك إشعار بالكراهة.

و في بعض عبائر الأصحاب- كالشهيد في الدروس- ذكر الأفنية من غير تقييد بالمساجد، و لم نقف له على دليل وراء ما ذكرنا.

و احتمل بعض المتأخرين في معنى مواضع اللعن انه هو كل موضع يلعن المتغوط بالجلوس فيه، و حمل تفسيره (عليه السلام) على التمثيل ببعض الافراد.

[كلام حول الأشجار المثمرة]

و فسر جماعة من المتأخرين الأشجار المثمرة في هذا المقام بما من شأنها ذلك و ان لم تكن مثمرة بالفعل بل و ان لم تثمر في وقت ما، استنادا إلى صدق الاسم بناء على انه

____________

(1) يعنى بالمنتاب المباح الذي يعتوره المارة على النوبة. بيان الوافي (منه (رحمه اللّٰه).

(2) ص 170 و في الوسائل في الباب- 15- من أبواب أحكام الخلوة.

71

لا يشترط في صدق المشتق بقاء مأخذ الاشتقاق.

و فيه (أولا)- ان صدق هذا المشتق إنما يقتضي جواز إطلاق المثمرة على ما أثمرت في وقت ما و ان لم تكن مثمرة في الحال، لا إطلاقها على ما من شأنها ذلك لانه لا خلاف في ان إطلاق المشتق على ما سيتصف بمبدإ الاشتقاق مجاز البتة.

و (ثانيا)- ان المسألة المذكورة و ان كان مما طال فيها الجدال و انتشرت فيها الأقوال حتى في تحرير محل النزاع، كما فصلنا ذلك في المقدمة التاسعة- إلا ان التحقيق انه ان جعل موضع النزاع ما هو أعم من المشتق أو ما جرى مجراه مع طرو الضد الوجودي و عدمه، فالحق هو القول بالاشتراط، كما هو قول جملة من علماء الأصول، و اختاره المحدث الأمين الأسترآبادي في تعليقاته على شرح المدارك. حيث قال: الحق عندي أنه لا بد- في بقاء صدق المعنى الحقيقي اللغوي للمشتق على ذات- من بقاء الحالة التي هي مناط حدوث صدقه، سواء كانت الحالة المذكورة قيام مبدأ الاشتقاق أو ما يحذو حذوه، و دليلي على ذلك (أولا)- انه من الأمور البينة اشتراط ذلك في كثير من الصور، كالبارد و الحار و الهابط و الصاعد و المتحرك و الأبيض و الأحمر و المملوك و الموجود. و من القواعد الظاهرة ان قاعدة الوضع اللغوي في كل صنف من أصناف المشتقات واحدة، و لو لا البناء على القواعد الظاهرية لبطلت قواعد كثيرة من فنون العربية. و (ثانيا)- مقتضى النظر الدقيق و مذهب المحققين ان معنى المشتقات كالعالم أمر بسيط، و مقتضى ظاهر النظر ما اشتهر بين اللغويين من ان معناه شيء قام به العلم، و الوجدان حاكم بأنه ليس هنا بسيط يصلح سوى لا بشرط مأخذ الاشتقاق، فلا بد في بقاء معناه من بقائه. ثم اعلم انه قد يصير بعض الألفاظ المشتقة حقيقة عرفية عامة أو خاصة أو مجازا مشهورا عند جماعة أو عاما فيما يعم معناه اللغوي و ما في حكمه عرفا أو شرعا، و منه: المؤمن و الكافر و أشباههما. و من الأمور العجيبة انه طال التشاجر بينهم في هذه المسألة من غير فصل

72

يقطع دابر المنازعة. ثم انه ذكر ان الذي يظهر لي من تتبع رواياتهم (صلوات اللّٰه عليهم) ان المتبادر من الحائض و النفساء في كلامهم ذات حدث الحيض و ذات حدث النفاس لا ذات الدم، و هذا من باب ارادة ما يعم المعنى اللغوي و ما في حكمه شرعا.

ثم استدل بجملة من الأخبار على ذلك.

و ان جعل محل النزاع ما هو أخص- كما صرح به المحقق التفتازاني و اقتفاه جماعة فيه- فما نحن فيه ليس من موضع النزاع في شيء، فان المراد بالمشتق في القاعدة المذكورة هو ما جرى على ما اشتق منه في إرادة الحدوث و التجدد لا ما خرج عنه بإرادة معنى الدوام أو ذي كذا أو غير ذلك من المعاني، ألا ترى ان الصفة المشبهة بالفعل و افعل التفضيل و اسم الزمان و المكان حيث لم تجر عليه في ذلك لم تصدق إلا على من هو متصف به حالة الإطلاق، و إلا لزم إطلاق حسن الوجه على قبيحة و بالعكس- باعتبار ما كان- إطلاقا على جهة الحقيقة، و كذلك ما كان من صيغ اسم الفاعل مسلوكا به مسلك الصفة المشبهة و نحوها في عدم ارادة الحدوث، سواء أريد منه الدوام و الاستمرار كالخالق و الرازق من أسمائه، أو ذي كدا مجردا كالرضيع. و المؤمن و الكافر و الحائض أو مع الكثرة كاللابن و التامر. و الظاهر ان لفظ (المثمرة) بمعنى ذات الثمرة، من أثمرت النخلة إذا صار فيها الثمر، كاتمرت إذا صار فيها التمر، و أطعمت أي صار فيها ما يطعم. و يرشد إلى ما قلنا تعليق عدم الاشتراط على صفة الاشتقاق في قولهم:

المشتق لا يشترط في صدقه بقاء مأخذ الاشتقاق. و التعليق على الوصف يشعر بالعلية و المعنى ان المشتق من حيث كونه مشتقا لا يشترط. إلخ، و ما نحن فيه لم يبق على حيثية الاشتقاق بل سلك به مسلك الجوامد و لم يجر مجرى ما اشتق منه.

و (ثالثا)- استفاضة الأخبار عنهم (صلوات اللّٰه عليهم) بان مورد النهي في هذا المقام الشجرة المثمرة بالفعل.

73

و من ذلك ما رواه في الفقيه (1) مرسلا

و في كتاب العلل (2) مسندا عن الباقر (عليه السلام) قال: «ان للّٰه عز و جل ملائكة و كلهم بنبات الأرض من الشجر و النخل، فليس من شجرة و لا نخلة إلا و معها من اللّٰه عز و جل ملك يحفظها و ما كان منها. و لو لا ان معها من يمنعها لأكلتها السباع و هو أم الأرض إذا كان فيها ثمرتها، قال: و إنما نهى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يضرب أحد من المسلمين خلاء تحت شجرة أو نخلة قد أثمرت لمكان الملائكة الموكلين بها. قال: و لذلك يكون الشجر و النخل أنسا إذا كان فيه حمله، لأن الملائكة تحضره».

و (رابعا)- و هو الحق- عدم بناء الأحكام على مثل هذه القواعد المختلة النظام المنحلة الزمام، كما تقدمت الإشارة إليه في المقدمة التاسعة (3).

و (منها)-

استقبال جرم الشمس و القمر

، لرواية الكاهلي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لا يبولن أحدكم و فرجه باد للقمر يستقبل به».

و رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (5) قال: «نهى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يستقبل الرجل الشمس و القمر بفرجه و هو يبول».

و ما رواه في الفقيه في باب ذكر جمل من مناهي النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (6) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) و فيه انه «نهى ان يبول الرجل و فرجه باد للشمس أو القمر».

____________

(1) ج 1 ص 21، و في الوسائل من قوله: إنما نهى. إلخ في الباب- 15- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) في الصحيفة 102.

(3) في الصحيفة 124 من الجزء الأول.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 25- من أبواب أحكام الخلوة.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 25- من أبواب أحكام الخلوة.

(6) في أول الجزء الرابع، و في الوسائل في الباب- 25- من أبواب أحكام الخلوة.

74

و ظاهر هذه الاخبار التحريم لظاهر النهي فيها إلا ان المشهور بين الأصحاب الحكم بالكراهة. و ظاهر المفيد- حيث عبر في المقنعة بعدم الجواز- التحريم. و يمكن حمل النهي المذكور على الكراهة بقرينة خلو مرفوعة علي بن إبراهيم المتقدمة (1) في النهي عن استقبال القبلة و استدبارها عن ذلك، مع قوله في آخرها:

«و ضع حيث شئت».

و كذلك مرفوعة عبد الحميد و مرفوعة محمد المتقدمتان ثمة (2) حيث تضمنتا السؤال عن حد الغائط و لم يذكرا استقبال الجرمين فيه، فظاهرهما الخروج من الحد المذكور و أقله عدم التحريم ثم ان ظاهر الاخبار المذكورة اختصاص الحكم المذكور بالبول دون الغائط، و ظاهر الأكثر التعميم، و به صرح الشهيد في الدروس و الذكرى، و العلامة في القواعد و المفيد في المقنعة. و احتمل بعض محققي متأخري المتأخرين كون الاقتصار على البول في الأخبار لكونه أعم من الغائط وجودا، لعدم انفكاكه عنه غالبا و وجوده بدون الغائط كثيرا، أو للتنبيه بالأضعف على الأقوى. و فيهما ما لا يخفى.

و كذا ظاهر الأخبار اختصاص ذلك بالاستقبال دون الاستدبار، و لذلك خصه بعض الفقهاء بذلك، بل نقل عن العلامة في النهاية انه صرح بعدم كراهية الاستدبار، و استظهره في المدارك.

لكن

روى الكليني (3) مرفوعا مضمرا: «لا تستقبل الشمس و لا القمر».

و ابن بابويه في الفقيه (4) كذلك: «لا تستقبل الهلال و لا تستدبره».

فيمكن فهم حكم الغائط من الأولى، لأن الظاهر انها متعلقة بحد الغائط، و يفهم من الثانية عدم اختصاص الحكم بالقمر، كما هو المصرح به في كلامهم، لعدم تناوله للهلال، إذ هو مخصوص بما قبل الاستدارة و القمر بما بعدها. و استند بعض

____________

(1) في الصحيفة 39.

(2) في الصحيفة 39.

(3) ج 1 ص 6 و في الوسائل في الباب- 25- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) ج 1 ص 18 و في الوسائل في الباب- 25- من أبواب أحكام الخلوة.

75

فضلاء متأخري المتأخرين إلى استفادة حكم الاستدبار من هذه الرواية، و عضدها بقوله سبحانه: «وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اللّٰهِ(1) و فيه ما لا يخفى.

و (منها)-

استقبال الريح و استدبارها

، لقوله (عليه السلام) في مرفوعة عبد الحميد المتقدمة (2) بعد السؤال عن حد الغائط: «و لا تستقبل الريح و لا تستدبرها».

و مثلها مرفوعة محمد (3) أيضا. و مورد الخبرين و ان كان هو الغائط إلا انه يمكن فهم حكم البول منه بناء على ان المراد منه المعنى اللغوي بالتقريب الذي ذكروه في دلالة قوله تعالى:

«أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ(4) و حينئذ فالتعميم ظاهر، بل الظاهر ان المفسدة في استقبال الريح و استدبارها بالبول أشد، فيندرج من باب مفهوم الموافقة على القول به و العجب من جماعة حيث خصوا الكراهة بالبول معللين له بخوف الرد، و الرواية- كما ترى- إنما وردت في الغائط خالية من التعليل. و خصوا الحكم بالاستقبال أيضا نظرا إلى التعليل، مع تصريح الرواية بالاستدبار. و التقريب في الكراهة ما تقدم في مرفوعة علي بن إبراهيم (5).

و (منها)-

السواك

، لما رواه الشيخ في التهذيب (6) مضمرا

و في الفقيه (7) مرسلا عن الكاظم (عليه السلام) قال: «السواك في الخلاء يورث البخر».

و (منها)-

طول الجلوس على الخلاء

، لرواية محمد بن مسلم (8) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «قال لقمان لابنه: طول الجلوس على الخلاء يورث الناسور، قال: فكتب هذا على باب الحش».

و الناسور بالنون و السين المهملة و الراء أخيرا: علة في حوالي المقعدة. و في بعض النسخ بالباء الموحدة و جمعه بواسير، و هو معروف

____________

(1) سورة الحج. الآية 34.

(2) في الصحيفة 39.

(3) في الصحيفة 39.

(4) سورة النساء و المائدة. الآية 47 و 10.

(5) في الصحيفة 39.

(6) ج 1 ص 10.

(7) ج 1 ص 32، و في الوسائل في الباب- 21- من أبواب أحكام الخلوة.

(8) المروية في الوسائل في الباب- 20- من أبواب أحكام الخلوة.

76

و (منها)-

استصحاب خاتم فيه اسم اللّٰه تعالى أو شيء من القرآن.

و يدل عليه

رواية أبي أيوب (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام):

ادخل الخلاء و في يدي خاتم فيه اسم من أسماء اللّٰه؟ قال: لا و لا تجامع فيه».

و رواية أبي القاسم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «قلت له: الرجل يريد الخلاء و عليه خاتم فيه اسم اللّٰه تعالى؟ فقال: ما أحب ذلك. قال: فيكون اسم محمد؟ قال: لا بأس».

و موثقة عمار الساباطي الآتية (3) حيث قال فيها: «و لا يستنجي و عليه خاتم فيه اسم اللّٰه، و لا يجامع و هو عليه، و لا يدخل المخرج و هو عليه».

و رواية علي بن جعفر المروية في كتاب قرب الاسناد (4) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يجامع و يدخل الكنيف و عليه الخاتم فيه ذكر اللّٰه أو شيء من القرآن، أ يصلح ذلك؟ قال: لا».

و بعض الأصحاب عبر في هذا المقام بكراهة استصحاب ما عليه اسم اللّٰه، و هذه الروايات كلها مختصة بالخاتم، و لم نقف على غيرها في المسألة.

و قال في الفقيه (5): «و لا يجوز للرجل ان يدخل الخلاء و معه خاتم عليه اسم اللّٰه أو مصحف فيه القرآن، فان دخل و عليه خاتم عليه اسم اللّٰه فليحوله عن يده اليسرى إذا أراد الاستنجاء» و ظاهر كلامه مؤذن بالتحريم كما ترى.

و (منها)-

استصحاب دراهم بيض غير مصرورة

، لرواية غياث عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (6) انه «كره ان يدخل الخلاء و معه درهم أبيض إلا ان يكون مصرورا».

و قيده بعض الأصحاب بما يكون عليه اسم اللّٰه تعالى. و هو حسن.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) في الصحيفة 121 و في الوسائل في الباب- 17- من أبواب أحكام الخلوة.

(5) ج 1 ص 20.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب أحكام الخلوة.

77

و (منها)-

الكلام

- على المشهور- إلا ما استثنى مما سيأتي تفصيله. و قال في الفقيه (1): «لا يجوز الكلام على الخلاء، لنهي النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) عن ذلك» و يدل على النهي عن ذلك

رواية صفوان عن الرضا (عليه السلام) (2) قال:

«نهى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يجيب الرجل آخر و هو على الغائط أو يكلمه حتى يفرغ».

و روى الصدوق في الفقيه (3) مرسلا

و في العلل مسندا عن أبي بصير قال:

«قال لي أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): لا تتكلم على الخلاء، فان من تكلم على الخلاء لم تقض له حاجة».

و استثني من ذلك ذكر اللّٰه تعالى و تحميده و قراءة آية الكرسي و حكاية الأذان.

و يدل على الأول

صحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال:

«مكتوب في التوراة التي لم تغير ان موسى (عليه السلام) سأل ربه فقال: الهي انه يأتي علي مجالس أعزك و أجلك أن أذكرك فيها. فقال: يا موسى ان ذكري حسن على كل حال».

و بمضمونها أخبار أخر أيضا.

و على الثاني

ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد (5) عن مسعدة بن صدقة عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: «كان أبي يقول: إذا عطس أحدكم و هو على الخلاء فليحمد اللّٰه في نفسه».

____________

(1) ج 1 ص 21.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) ج 1 ص 21 و في العلل ص 104 و في الوسائل في الباب- 6- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب أحكام الخلوة و في الباب- 1- من أبواب الذكر.

(5) في الصحيفة 36 و في الوسائل في الباب- 7- من أبواب أحكام الخلوة.

78

و على الثالث

صحيحة عمر بن يزيد (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن التسبيح في المخرج و قراءة القرآن. فقال: لم يرخص في الكنيف أكثر من آية الكرسي و يحمد اللّٰه أو آية الحمد للّٰه رب العالمين» (2).

و الظاهر حمل عدم الرخصة فيما زاد على ذلك على تأكد الكراهة،

لصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سألته أ تقرأ النفساء- و الحائض و الجنب و الرجل يتغوط- القرآن؟ قال: يقرؤون ما شاءوا».

و لاخبار الذكر المتقدمة.

و على الرابع

صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) انه قال:

«يا ابن مسلم لا تدعن ذكر اللّٰه على كل حال، و لو سمعت المنادي ينادي بالأذان و أنت على الخلاء فاذكر اللّٰه عز و جل و قل كما يقول المؤذن».

رواه الصدوق في الفقيه و العلل (5) و روى في العلل (6) أيضا مثله عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام). و روى فيه (7) أيضا عن سليمان بن مقبل عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) كذلك، و ذكر فيه ان ذلك مستحب، و ان العلة فيه انه يزيد في الرزق.

و بذلك يظهر لك ما في كلام جملة من المتأخرين: منهم- شيخنا الشهيد الثاني (رحمه اللّٰه) حيث لم يقفوا على النصوص المذكورة، إذ كان نظرهم غالبا مقصورا على مراجعة التهذيب، و هو خال عن ذلك، فأنكروا وجود النص في المسألة، و نسبه الشهيد الثاني في الروضة إلى المشهور إيذانا بذلك، و استشكل في الاستدلال عليه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) سورة الفاتحة. الآية 1.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب أحكام الخلوة و في الباب- 45- من أبواب الأذان.

(5) رواه في الفقيه ج 1 ص 187 و في العلل ص 104.

(6) في الصحيفة 104 و في الوسائل في الباب- 8- من أبواب أحكام الخلوة.

(7) في الصحيفة 104 و في الوسائل في الباب- 8- من أبواب أحكام الخلوة.

79

بأحاديث الذكر، لعدم شمولها الحيعلات إلا ان تبدل بالحولقة، كما صرح به في الروض.

و ظاهر الرواية المتقدمة (1)- و كذا رواية أبي بصير المشار إليها آنفا (2) حيث قال فيها:

«فقل مثل ما يقول المؤذن، و لا تدع ذكر اللّٰه عز و جل في تلك الحال، لان ذكر اللّٰه حسن على كل حال».

- كون مجموع فصول الأذان داخلا في الذكر من الحيعلات و غيرها، و لعل دخولها تغليبا أو يحمل الذكر على ما يشملها.

و ما اعتذر به عنه بعض فضلاء متأخري المتأخرين- من ان مراده من عدم النص في عبارة الروض يعني بالنسبة إلى الحيعلات- فتكلف بعيد.

و زاد الأصحاب الكلام لحاجة ضرورية استنادا إلى رفع الحرج، ورد السلام، و الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الحمد بعد العطاس. و وجه الجميع ظاهر. و كأنهم لم يقفوا على خصوص ما ورد في الأخير مما قدمنا نقله فرجعوا فيه الى الأدلة المطلقة.

و (منها)-

الاستنجاء باليمين

، لنهي النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) الوارد في مرسلة يونس عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) و في رواية السكوني (4) أيضا معللا فيها بكونه من الجفاء، و كذا رواه الصدوق (5) مرسلا،

ثم قال: «و قد روى انه لا بأس إذا كانت اليسار معتلة».

و (منها)-

الاستنجاء باليسار و فيها خاتم عليه اسم اللّٰه

، و يدل على ذلك

موثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) قال: «لا يمس الجنب درهما و لا دينارا عليه اسم اللّٰه، و لا يستنجي و عليه خاتم فيه اسم اللّٰه. الحديث».

____________

(1) في الصحيفة 78.

(2) في الصحيفة 78.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب أحكام الخلوة.

(5) في الفقيه ج 1 ص 19 و في الوسائل في الباب- 12- من أبواب أحكام الخلوة.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب أحكام الخلوة.

80

و رواية الحسين بن خالد عن أبي الحسن الثاني (عليه السلام) (1) قال: «قلت له: انا روينا في الحديث ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يستنجي و خاتمه في إصبعه، و كذلك كان يفعل أمير المؤمنين (عليه السلام) و كان نقش خاتم رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) (محمد رسول اللّٰه). قال: صدقوا. قلت: ينبغي لنا ان نفعل ذلك؟ فقال: ان أولئك كانوا يتختمون في اليد اليمنى و أنتم تتختمون في اليد اليسرى».

و مثلها روايته الأخرى المروية في العيون و المجالس (2)

و في آخرها «فاتقوا اللّٰه و انظروا لأنفسكم.».

و رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من نقش على خاتمه اسم اللّٰه فليحوله عن اليد التي يستنجي بها في المتوضإ».

و اما رواية وهب بن وهب عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «كان نقش خاتم أبي (العزة للّٰه جميعا) و كان في يساره يستنجي بها، و كان نقش خاتم أمير المؤمنين (عليه السلام) (الملك للّٰه) و كان في يده اليسرى يستنجى بها».

- فالظاهر ردها، لدلالة روايتي الحسين بن خالد (5) على نفي ذلك و ان تختمهم (عليهم السلام) إنما هو في اليمين. مضافا إلى استفاضة الأخبار باستحباب التختم باليمين (6). و راوي الرواية المذكورة عامي خبيث بل من أكذب البرية على جعفر بن محمد (عليهما السلام) كما

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) رواها في العيون في الصحيفة 217 و في المجالس في الصحيفة 273 و في الوسائل في الباب- 17- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب أحكام الخلوة.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب أحكام الخلوة.

(6) رواها صاحب الوسائل في الباب- 49- من أبواب أحكام الملابس.

81

صرح به علماء الرجال (1). و مع التنزل عن ذلك فهي محمولة على التقية (2).

____________

(1) في فهرست الشيخ الطوسي ص 173 و رجال النجاشي ص 303 و رجال الكشي ص 199 و إخلاصه ص 129 و غيرها من كتب الرجال «ان رواياته عن أبي عبد اللّٰه جعفر بن محمد (عليهما السلام) كلها لا يوثق بها لانه كذاب و ان أحاديثه مع الرشيد كذب»

و روى الكشي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) انه كذب على اللّٰه تعالى و ملائكته و رسله.

و عن الفضل بن شاذان انه من أكذب البرية.

و في فهرست ابن النديم ص 146 كان ضعيفا في الحديث. و في مقاتل الطالبيين لأبي الفرج ص 164 طبعة إيران «تحالف هو مع مصعب بن عبد اللّٰه الزبيري و رجل من بنى مخزوم و آخر من بنى زهرة على السعاية عند الرشيد بيحيى بن عبد اللّٰه بن الحسن المثنى. فجلبه الرشيد و حبسه عند مسرور في سرداب» و في لسان العرب في مادة (لوط) «و في حديث أبي البختري ما أزعم ان عليا أفضل من أبي بكر و عمر و لكن أجد له من اللوط ما لا أجد لا حد بعد النبي (ص). يقال لاط حبه بقلبي اى لصق به» و في ميزان الاعتدال للذهبى ج 3 ص 278 «وهب بن وهب بن كثير بن عبد اللّٰه بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، أبو البختري روى عن هشام بن عروة و جعفر بن محمد و عنه المسيب بن واضح و الربيع بن ثعلب و جماعة. سكن بغداد و ولى قضاء عسكر المهدى ثم قضاء المدينة ثم ولى حريمها و صلانها، و كان متهما في الحديث، قال يحيى بن معين: كان عدواته كذابا.

و قال احمد: كان يضع الحديث. و قال البخاري سكتوا عنه» و في تاريخ بغداد للخطيب ج 13 ص 452 «أراد الرشيد ان يصعد منبر رسول اللّٰه (ص) في قباء اسود و منطقة، و عظم عليه هذا، فحدثه أبو البختري عن جعفر بن محمد ان جبرئيل هبط على النبي (ص) بقباء اسود و منطقة و خنجر، فكذبه ابن معين لما سمع بذلك. و كان الرشيد يطير الحمام فروى له أبو البختري عن عائشة ان النبي (ص) كان يطير الحمام، فزبره و طرده، و كان النسائي يقول انه متروك الحديث. و قال احمد بن حنبل انه كذاب و هو واضع الحديث:

لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح» و ذكر ابن حجر في لسان الميزان ج 6 ص 231 كلمات العلماء في كذبه و انه يروى المنكرات. أقول: روى في الفقيه ج 1 ص 163 حديث هبوط جبرئيل مرسلا مع زيادة.

(2) في مقتل الحسين للعلامة المقرم ص 443 من الطبعة الثانية عن المدخل لابن الحاج ج 1 ص 46 «ان السنة وردت كل مستقذر يتناول بالشمال، و كل طاهر يتناول باليمين، و لأجل هذا المعنى كان المستحب التختم بالشمال، فإنه يأخذ الخاتم بيمينه و يجعله في شماله» و في الفتاوى الفقهية لابن حجر الهيثمي ج 1 ص 264 «كان مالك يكره التختم باليمين، و بالغ الباجى بترجيح ما عليه مالك من التختم باليسار» و في روح البيان للشيخ إسماعيل البروسوي ج 4 ص 142 نقلا عن عقد الدرر «ان السنة في الأصل التختم باليمين، و لما كان ذلك شعار أهل البدعة و الظلمة صارت السنة ان يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا».

82

و اما المناقشة في عدم صراحة الخبر في كون الخاتم في اليسرى حالة الاستنجاء- كما ذكره في رياض المسائل- فظني انه بعيد. و أبعد منه حمل الرواية على الجواز بعد ما عرفت.

و العجب هنا من المولى الأردبيلي (قدس سره) حيث قال- بعد ان استدل على الجواز بهذه الرواية-: «و يمكن استفادة استحباب التختم باليسار، و عدم تحريم التنجيس أيضا، إلا ان يكون ذلك ثابتا بالإجماع و نحوه، أو يحمل على عدم وصول النجاسة إليه» انتهى. و لا أراك في ريبة من ضعف هذا الكلام بعد التأمل في المقام.

و الحق جملة من الأصحاب باسمه تعالى هنا أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) و الظاهر ان المستند في ذلك التعظيم. و لا بأس به. لكن رواية أبي القاسم للتقدمة (1) في حكم استصحاب الخاتم الذي عليه اسم اللّٰه في الخلاء صرحت بنفي البأس في استصحاب خاتم عليه اسم النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و حينئذ فما عداه بطريق اولى، فالقول بالإلحاق هنا دون هناك- مع الاشتراك في العلة المذكورة- مما لا وجه له، مع ان الصدوق (رحمه اللّٰه) في المقنع صرح بنفي البأس عن عدم نزع الخاتم فيه اسم محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) حال الاستنجاء بعد ان نهى عن الاستنجاء و عليه خاتم عليه اسم اللّٰه حتى يحوله.

و قد ذكر الأصحاب أيضا أن الكراهة إنما هو عند عدم التلوث بالنجاسة،

____________

(1) في الصحيفة 76.

83

و إلا فيحرم بل يكفر فاعله لو فعله بقصد الإهانة. و هو جيد.

و (منها)-

الاستنجاء باليسار و فيها خاتم فصه من حجر زمزم

، و يدل عليه

رواية علي بن الحسين (1)- و هو ابن عبد ربه على الظاهر و قد صرح به في الكافي- قال: «قلت له: ما تقول في الفص يتخذ من حجارة زمزم؟ قال: لا بأس به، و لكن إذا أراد الاستنجاء نزعه».

و ربما وجد في بعض نسخ الكافي و التهذيب «زمرد» مكان «زمزم» بل نسبه المحدث الكاشاني في الوافي إلى كثير من النسخ، ثم قال: «و كأنه الصواب، إذ لا تعرف حجارة يؤتى بها من زمزم» انتهى. و قال الشهيد في الذكرى بعد نقل هذه النسخة: «و سمعناه مذاكرة» و قال شيخنا المحقق في كتاب رياض المسائل بعد نقل مضمون كلام الوافي: «و الظاهر ان الصواب ما عليه أكثر نسخ الكتاب و ان النسخة مما أخطأت به الكتاب، لا سيما و قد أورده كذلك في كتبهم أعاظم السلف و أكابر الخلف. و عدم معروفية فصوص تؤخذ من حجر زمزم لا يوجب الخروج عما عليه المعظم» انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و (منها)-

التخلي على القبور و بينها

، لصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «من تخلى على قبر أو بال قائما أو بال في ماء، إلى ان قال: فأصابه شيء من الشيطان لم يدعه إلا ان يشاء اللّٰه. و أسرع ما يكون الشيطان إلى الإنسان و هو على بعض هذه الحالات.».

و رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) (3) قال:

«ثلاثة يتخوف منها الجنون، و عد منها التغوط بين القبور».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 36- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 16- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 16- من أبواب أحكام الخلوة.

84

و مثله رواه في الخصال (1) في وصية النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلي (عليه السلام)

و (منها)-

مس الذكر باليمين وقت البول

، رواه الصدوق (قدس سره) في الفقيه (2) مرسلا قال: «و قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا بال الرجل فلا يمس ذكره بيمينه».

و (منها)-

البول قائما

، لما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم (3) و غيرها أيضا، و في بعضها (4) انه من الجفاء.

و (منها)-

البول مطمحا به

، لرواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «نهى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يطمح الرجل ببوله من السطح أو من الشيء المرتفع في الهواء».

و مثلها رواية مسمع عنه (عليه السلام) (6).

و لا ينافي ذلك ما تقدم في استحباب ارتياد مكان للبول كان يكون على مكان مرتفع من الأرض، إذ الارتفاع المعتبر هناك هو بقدر ما يؤمن معه من الترشح.

و (منها)-

البول في الماء جاريا و راكدا

، و ان كان الأول أخف كراهة.

و ظاهر المفيد في المقنعة التحريم. و نقل عن ظاهر علي بن بابويه نفيها في الأول.

و من الاخبار الواردة في ذلك صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (7)

و صحيحة الفضيل (8) «لا بأس بأن يبول الرجل في الماء الجاري، و كره ان يبول في الماء الراكد».

____________

(1) في الصحيفة 60 في الوسائل في الباب- 16- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) ج 1 ص 19 و في الوسائل في الباب- 12- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) في الصحيفة 83.

(4) و هو مرسل الفقيه ج 1 ص 19 و في الوسائل في الباب- 33- من أبواب أحكام الخلوة.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 33- من أبواب أحكام الخلوة.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 33- من أبواب أحكام الخلوة.

(7) في الصحيفة 83.

(8) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب الماء المطلق.

85

و في مرسلة الفقيه (1) «ان البول في الماء الراكد يورث النسيان».

و مرسلة مسمع (2) انه «نهى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة، و قال: ان للماء أهلا».

و رواية أبي بصير و محمد بن مسلم المروية في كتاب الخصال (3) عن الصادق عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «لا يبولن الرجل من سطح في الهواء، و لا يبولن في ماء جار، فان فعل ذلك فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه، فان للماء أهلا و للهواء أهلا».

و في رواية عنبسة بن مصعب (4) قال:

«لا بأس به إذا كان الماء جاريا».

و كذا في موثقة ابن بكير (5) و علل هاتين الروايتين مع صحيحة الفضيل المتقدمة مستند علي بن بابويه فيما نقل عنه، الا ان رواية مسمع و رواية أبي بصير و محمد بن مسلم قد صرحتا بالنهي. و الجمع بما ذكرنا من كونه أخف كراهة و مورد الروايات كلها البول خاصة و الحق الأصحاب به الغائط بالطريق الاولى و فيه ما لا يخفى.

و (منها)-

الأكل

لفحوى

مرسلة ابن بابويه في الفقيه (6) عن الباقر (عليه السلام): «دخل أبو جعفر (عليه السلام) الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر، فأخذها و غسلها و دفعها إلى مملوك معه، فقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت، فلما خرج (عليه السلام) قال للمملوك: أين اللقمة؟ فقال: أكلتها يا بن رسول اللّٰه فقال: انها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة، فأنت حر، فإني أكره أن استخدم رجلا من أهل الجنة».

و روى القصة المذكورة في كتاب عيون اخبار الرضا (7)

____________

(1) ج 1 ص 16 و في الوسائل في الباب- 24- من أبواب أحكام الخلوة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) في الصحيفة 157 و في الوسائل في الباب- 33- من أبواب أحكام الخلوة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب الماء المطلق.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب الماء المطلق.

(6) ج 1 ص 18. و في الوسائل في الباب- 39- من أبواب أحكام الخلوة.

(7) في الصحيفة 208 و في الوسائل في الباب- 39- من أبواب أحكام الخلوة.

86

بأسانيد ثلاثة عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن الحسين بن علي (عليهم السلام) و لا تنافي، لإمكان اتفاق ذلك لكل منهما (عليهما السلام) و التقريب ان تأخيرهما (عليهما السلام) أكل اللقمة إلى بعد الخروج- مع علمهما بأنها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة و عتقهما المملوك لذلك- اشعار بمرجوحية الأكل في الموضع المذكور. و الحق الأصحاب الشرب. و لم أقف له على دليل.

و (منها)-

مباشرة الحرة ذلك من زوجها

، لموثقة يونس بن يعقوب (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): المرأة تغسل فرج زوجها؟ فقال: و لم من سقم؟ قلت: لا. قال: ما أحب للحرة ان تفعل، فأما الأمة فلا يضره».

الفصل الثاني في الأسباب

و هي البول و الغائط و الريح و النوم الغالب على الحاستين و بعض أقسام الاستحاضة، و تحقيق الكلام فيها يقتضي بسطه في أبحاث.

(الأول) [انتقاض الوضوء بالبول و الغائط و الريح]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في سببية الثلاثة الأول مع الخروج من الموضع الطبيعي و ان لم يحصل الاعتياد، بل الخروج أول مرة يكون موجبا للوضوء و ان تخلف أثره لفقد شرط كالصغر، و كذا لو اتفق المخرج من غير الموضع المعتاد خلقة كما ادعى عليه في المنتهى الإجماع، و كذا لو انسد الطبيعي و انفتح غيره كما ذكره في المنتهى مدعيا عليه الإجماع أيضا، و ظاهرهم ان في الجميع لا يشترط الاعتياد. اما لو لم ينسد الطبيعي و انفتح غيره فأقوال:

أحدها- المشهور و هو عدم النقض إلا مع الاعتياد.

و ثانيها- ما نقل عن الشيخ في المبسوط و الخلاف من النقض بما يخرج من تحت المعدة دون ما فوقها.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 38- من أبواب أحكام الخلوة.

87

و ثالثها- النقض بخروج هذه الأشياء مطلقا من فوق المعدة أو تحتها مع الاعتياد و عدمه، و اليه ذهب ابن إدريس.

و رابعها- عدم النقض مطلقا، و إلى هذا القول صار بعض فضلاء متأخري المتأخرين (1) و يدل على أصل المسألة الأخبار المستفيضة،

كصحيحة زرارة (2) قال: «قلت لأبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام): ما ينقض الوضوء؟ فقالا: ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الدبر و الذكر: غائط أو بول أو مني أو ريح و النوم حتى بذهب العقل».

و صحيحة سالم أبي الفضل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «ليس ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الأسفلين الذين أنعم اللّٰه عليك بهما».

و صحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك أو النوم».

و صحيحته أيضا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «لا يوجب الوضوء إلا غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها أو فسوة تجد ريحها».

و رواية زكريا بن آدم (6) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الناسور أ ينقض الوضوء؟ فقال: إنما ينقض الوضوء ثلاث: البول و الغائط و الريح».

الى غير ذلك من الاخبار و الظاهر ان الحصر في هذه الاخبار إضافي بالنظر إلى ما يخرج من الأسفلين غير هذه الأشياء كالمذي و أشباهه، و إلى ما لا يخرج منهما كالرعاف و القيء و نحوهما مما ذهب العامة إلى النقض به (7) و لعل ذلك في مقام الرد عليهم، و الى ذلك تشير رواية زكريا

____________

(1) هو الفاضل ملا محمد باقر الخراساني صاحب الذخيرة و الكفاية (منه (قدس سره).

(2) المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب نواقض الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 2 و 3- من أبواب نواقض الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 1- من نواقض الوضوء.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب نواقض الوضوء.

(7) سيأتي الكلام فيما ذهب العامة إلى انتقاض الوضوء به مما ليس بناقض عند الخاصة عند تعرض المصنف (قده) لذلك.

88

ابن آدم المتقدمة

و موثقة أبي بصير المرادي المروية في كتاب الخصال (1) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن الحجامة و القيء و كل دم سائل. فقال: ليس فيه وضوء، إنما الوضوء مما خرج من طرفيك الذين أنعم اللّٰه بهما عليك».

و اما حمل الحصر على معنى ان الأصل في النقض ينحصر في الخارج من السبيلين- و اما غيره من النوم و مزيل العقل فإنما هو لكونه مظنة لخروج شيء من تلك النواقض- فظني بعده، إذ الظاهر- كما سيأتي ان شاء اللّٰه- حدثية النوم بنفسه لا لكونه كذلك.

حجة القول الأول- على ما ذكره الشهيد في الذكرى- انه مع العادة يشمله عموم الآية،

و قول الصادق (عليه السلام) (2): «ليس ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الذين أنعم اللّٰه بهما عليك».

لتحقق النعمة بها. و اما مع الندور، فللأصل و الخبر، إذ ليس من الطرفين.

و الظاهر ان مراده بالآية قوله تعالى: «أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ(3)

و مورد الآية و ان كان التيمم إلا ان ظاهرها يدل على وجوب التطهير بالماء مع وجوده و ان الانتقال إلى التيمم إنما هو لعدمه.

و أورد عليه بالمنع من شمول الآية لهذا الفرد ظاهرا، بل هي إما ظاهرة في المتعارف المعتاد لأكثر الناس و هو التغوط من الموضع المعتاد، أو مجملة بالنسبة اليه و إلى الأعم منه و من المعتاد لبعض، و على التقديرين لا يثبت المدعى. و اما شمول الرواية فغير ظاهر

____________

(1) في الصحيفة 17 و في الوسائل في الباب- 2- من أبواب نواقض الوضوء.

و رواها أيضا بطريق آخر عن التهذيب في الباب- 2 و 7- من أبواب نواقض الوضوء و لكن بإبدال القيء بالرعاف.

(2) في صحيحة سالم أبي الفضل المتقدمة في الصحيفة 87 و قد وصف الطرفان فيها بالأسفلين.

(3) سورة النساء و المائدة الآية 43 و 60.

89

لأن الأصل في الإضافة العهد و كذا الموصول، و حينئذ فالظاهر ان يكونا إشارة إلى الطرفين المتعارفين المعهودين. و أيضا الظاهر ان الأنعام إنما يتحقق في الطرفين الطبيعيين و اما غيرهما فليس من باب النعمة بل النقمة.

و حجة الثاني- على ما نقل عن الشيخ في المبسوط- عموم قوله: «أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ(1) و ما يروى من الأخبار- ان الغائط ينقض الوضوء- يتناول ذلك، و لا يلزم ما فوق المعدة، لأن ذلك لا يسمى غائطا.

و جوابه يعلم مما سبق. و اما قوله: «ان ما فوق المعدة لا يسمى غائطا» فأورد عليه المحقق في المعتبر انه ضعيف قال: «لأن الغائط اسم للمطمئن من الأرض نقل الى الفضلة المخصوصة، فعند هضم المعدة الطعام و انتزاع الاجزاء الغذائية منه يبقى الثقل، فكيف خرج يتناوله الاسم و لا اعتبار بالمخرج في تسميته».

و أجاب عنه شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين بان غرض الشيخ (رحمه اللّٰه) انه إنما يسمى غائطا بعد انحداره من المعدة إلى الأمعاء و خلعه الصورة النوعية الكيلوسية التي كان عليها في المعدة، اما قبل الانحدار عن المعدة فليس بغائط إنما هو من قبيل القيء، و ليس مراده وقوع المخرج فيما سفل عن المعدة أو فيما علاها، إذ لا عبرة بتحتية نفس المخرج و فوقيته، بل بخروج الخارج بعد انحداره عن المعدة و صيرورته تحتها أو قبل ذلك، غايته انه- (رحمه اللّٰه)- عبر عما يخرج قبل الانحدار عنها بما يخرج من فوقها و عما يخرج بعده بما يخرج من تحتها، و الأمر فيه سهل. و لا يخفى بعده من كلام الشيخ.

و أنت خبير بأنه على هذا التوجيه الذي ذكره (قدس سره) يرتفع الخلاف بين الشيخ و بين ابن إدريس و يصير القولان قولا واحدا.

و حجة القول الثالث- على ما نقل عن قائله- عموم الآية و الاخبار، و لعله أشار بالأخبار إلى ما ورد منها مطلقا بنقض الثلاثة من غير تقييد بالمخرج الطبيعي،

____________

(1) سورة النساء و المائدة. الآية 43 و 60.

90

كصحيحة زرارة الأخيرة و رواية زكريا بن آدم (1).

و في الآية ما تقدم. و اما الاخبار فمن الظاهر البين ان الحكم فيها ليس معلقا على ذات الخارج حتى يكون الحكم دائرا مدارها، بل على صفة متعلقة بها و هي الخروج فينصرف إلى المعهود الغالب، كما يقال بظهور «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ(2) في تحريم الأكل.

و حجة القول الرابع يعلم من القدح في أدلة الأقوال المتقدمة.

قال شيخنا صاحب رياض المسائل (رحمه اللّٰه) تعالى) (3)- بعد نقل الأقوال الثلاثة المتقدمة و نفي الوقوف على دليل يشهد للشيخ- ما لفظه: «اما قول ابن إدريس فغير بعيد عن الصواب عند صدق هذه الأسماء على الخارج عرفا، لموافقة ظاهر الكتاب «أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ(4) و لا قائل بالفرق، و ما ورد في بعض الاخبار- من التقييد بالطرفين الأسفلين و نحو ذلك- غير صالح لتقييد إطلاق الكتاب، لكونه خرج مخرج الغالب» انتهى.

أقول: و تحقيق المقام- بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر عليهم الصلاة و السلام- ان الاستدلال بالآية هنا- بعد تسليم صحة الاستدلال بظواهر القرآن بغير ورود نص في تفسيرها- لا يخلو من خفاء، إذ ما ذكر في توجيه الاستدلال بها نوع تخريج و تخمين لا يمكن الاعتماد عليه في تأسيس حكم شرعي، و اما الروايات فهي دائرة بين مطلق ناقضية الثلاثة في الجملة و بين حاصر للنقض فيما خرج من الأسفلين، فيحتمل حينئذ حمل مطلقها على مقيدها، فلا دلالة فيها حينئذ على ما ذهبوا اليه من النقض.

إلا انه يقدح فيه قوة احتمال حمل الحصر على الإضافي- كما قدمنا- ردا على العامة و يحتمل- و هو الأظهر- حملها على ما تقدم من التعبير بالفرد الغالب، فإنه لا يخفى- على

____________

(1) في الصحيفة 87.

(2) سورة المائدة. الآية 4.

(3) و هو الشيخ احمد ابن الشيخ محمد الخطى البحراني.

(4) سورة المائدة و النساء. الآية 43 و 6.

91

المتتبع لموارد الأخبار و المتصفح لمضامين الآثار- ان الأحكام المودعة فيها إنما هي مقصورة على ما هو الشائع المتعارف لا على الفروض النادرة، و مع عدم أظهرية هذا الاحتمال فلا أقل من الإجمال الموجب لعدم جواز الاعتماد عليها في الاستدلال و بقاء المسألة في قالب الشك و الاشكال، و حينئذ فالواجب التمسك بيقين الطهارة،

لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): «حتى يجيء من ذلك أمر بين، و إلا فإنه على يقين من وضوئه، و لا ينقض اليقين ابدا بالشك، و لكن ينقضه بيقين آخر».

و ما أجاب به بعض فضلاء متأخري المتأخرين- من عدم دلالة الحديث المذكور على مثل هذه الصورة، قال: «الذي أفهم من الخبر المذكور عدم حصول الانتقاض بالشك في وجود ما ثبت كونه حدثا، و لا يدخل فيه الشك في حدثية ما يتيقن وجوده» و قال في موضع آخر: «ان المقطوع به من الخبر هو ما ثبت كونه ناقضا لو شك في وجوده و عدمه، فإنه لا يرفع يقين الطهارة قبله. و اما الشك في فردية بعض الأشياء لما هو ناقض فلا دلالة في الخبر عليه»- فيه ما تقدم في المقدمة الحادية عشرة (2).

و بما ذكرنا يظهر لك توجه المناقشة في الفردين الآخرين المدعى عليهما الإجماع أعني ما لو اتفق المخرج من غير الموضع المعتاد خلقة أو بعد انسداد المعتاد، فإنه مع إلغاء الإجماع- كما هو الحق الحقيق بالاتباع- و الرجوع إلى الاخبار مع كون المراد منها ما ذكرنا من الحمل على الفرد الغالب المتعارف- يبقى حكم الفردين المذكورين مغفلا.

قال السيد السند (قدس سره) في المدارك- بعد قول المصنف: «و لو اتفق المخرج في غير الموضع المعتاد نقض»- ما هذا لفظه: «هذا الحكم موضع وفاق، و في الاخبار بإطلاقها ما يدل عليه، و في حكمه ما لو انسد المعتاد و انفتح غيره» انتهى.

و فيه انه قبل هذا الكلام- بعد ان نقل كلامي الشيخ و ابن إدريس و استدلالهما

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب نواقض الوضوء.

(2) في الصحيفة 145.

92

بالآية- قال: و هما ضعيفان، لأن الإطلاق إنما ينصرف إلى المعتاد، و لما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة، و ساق الرواية الأولى مما أسلفناه من رواياته (1) ثم أردفها برواية سالم أبي الفضل (2) و حينئذ فإذا كان إطلاق الآية إنما ينصرف إلى المعتاد فإطلاق الروايات كذلك ان لم يكن اولى، لما ذكره من الروايات المصرحة بالفرد المعتاد. نعم صرح المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) انه يمكن إثبات ذلك من باب تنقيح المناط، قال: «فإن أحد فرديه مقبول عندنا و هو ما يفيد اليقين، فان مقتضاه هنا ان الفضلة المعينة إذا اندفعت نقضت سواء دفعتها الطبيعة من الموضع الطبيعي أو من غيره» و حينئذ فيتجه على هذا التقدير قولا الشيخ و ابن إدريس، إلا ان ما ادعاه (قدس سره) من الاستدلال بهذا الدليل و افادته اليقين لا يخلو من اشكال. و الاحتياط بالعمل بما ذهب اليه ابن إدريس مما لا ينبغي تركه.

تنبيهات:

(الأول)

- ما ذكر من البحث هنا هل يأتي في الدماء الثلاثة و المني؟ اما الأول فلم نقف فيه على كلام لأحد من الأصحاب و اما الثاني فقد صرحوا فيه بما يأتي ذكره في موضعه ان شاء اللّٰه تعالى.

(الثاني)

- هل يتمشى الخلاف في خبثية هذا الخارج كما في حدثيته أم لا؟

لم أقف لأحد من أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) على كلام في المقام سوى شيخنا المحقق صاحب رياض المسائل (عطر اللّٰه مرقده) فإنه قرب فيه الحكم بالخبثية و ان لم نقل بالحدثية، قال: «لعدم وجود ما يعارض عمومات الأخبار الكثيرة الدالة على وجوب ازالة ما يسمى بولا و غائطا بالمطهرات من غير تقييد بالخروج من الطرفين» انتهى

(الثالث)

- وقع في جملة من الأخبار الواردة بنقض الريح التقييد بسماع صوتها

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 87.

(2) المتقدمة في الصحيفة 87.

93

أو وجدان ريحها (1) و علل في بعضها (2) بأن إبليس يجلس بين أليتي الرجل فيشككه.

و مقتضاها عدم النقض بدون أحد الوصفين.

و الظاهر حملها على موضع الشك دون ما إذا تيقن الخروج، فإنه ينتقض طهره و ان لم يجد شيئا من ذلك.

و يدل عليه

ما رواه علي بن جعفر عن أخيه في كتاب المسائل (3) قال: «سألته عن رجل يكون في صلاته فيعلم ان ريحا قد خرجت و لا يجد ريحها و لا يسمع صوتها.

قال: يعيد الوضوء و الصلاة، و لا يعتد بشيء مما صلى إذا علم ذلك يقينا».

و ما رواه في كتاب فقه الرضا (4) قال (عليه السلام): «فان شككت في ريح انها خرجت منك أو لم تخرج فلا تنقض من أجلها الوضوء إلا ان تسمع صوتها أو تجد ريحها، و ان استيقنت انها خرجت منك فأعد الوضوء سمعت وقعها أو لم تسمع و شممت ريحها أو لم تشم».

(الرابع)

- الاعتياد الذي يتحقق به النقض على القول المشهور هل هو عبارة عن التكرر مرتين فينقض في الثالثة. أو عن التكرر ثلاث مرات فينقض في الرابعة، أو يرجع فيه إلى العرف؟ أقوال.

اختار ثالثها المحقق الثاني في شرح القواعد، و به جزم في المدارك. و بالأول صرح الشهيد الثاني في الروض. و بالثاني صرح بعض أفاضل المتأخرين.

و نقل المحدث الأمين الأسترآبادي عن الفاضل الشيخ إبراهيم القطيفي في حاشية الإرشاد انه قال: «و هل ينضبط صدق اسم العادة عرفا في عدد؟ وجهان أقربهما ذلك

____________

(1) رواها صاحب الوسائل في الباب- 1- من أبواب نواقض الوضوء.

(2) و هو خبر عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه عن الصادق (عليه السلام) المروي في الوسائل في الباب- 1- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) رواه في قرب الاسناد ص 92 و في الوسائل في الباب- 1- من أبواب قواطع الصلاة.

(4) في الصحيفة 1.

94

و ما هو الأقرب النقض بالرابعة مع عدم تطاول الفصل زمانا في الخروج، و في النقض بالثالثة احتمال قوي، لصدق العود بالثانية» ثم قال بعد نقله: «قلت: الظاهر ان تحقق العادة ملزوم للنقض فلا يتوقف النقض على زيادة» انتهى.

(الخامس)

- المفهوم من كلام جملة من الأصحاب- منهم: العلامة في التحرير- جريان ما تقدم من البحث في الريح من الموافقة للحدثين الآخرين في المواضع المجمع عليها و شرط الاعتياد في محل الخلاف، و من كلام آخرين- منهم: العلامة ف التذكرة و المختلف- تخصيص البحث بالحدثين الآخرين، حيث ذكروا الفروض المذكورة فيهما و لم يتعرضوا للريح بالكلية، و جملة من الأصحاب قد صرحوا بنقضها بالخروج من قبل الرجل و المرأة من غير تقييد بالاعتياد مع التقييد به في الحدثين الآخرين، و بعض خصه بقبل المرأة، و علله بان له منفذا إلى الجوف فيمكن الخروج من المعدة اليه، و من عمم في القبلين كأنه لحظ إطلاق الاخبار بالانتقاض من الخروج من الطرفين الأسفلين. و بعض منع من النقض بها من غير الدبر. و المنقول من خلاف الشيخ في المبسوط و ابن إدريس في السرائر إنما هو في الحدثين الآخرين، بل نقل بعض أفاضل متأخري المتأخرين عن ظاهر ابن إدريس في السرائر عدم النقض بالريح الخارج من غير الدبر. و أنت خبير- بعد الإحاطة بما قدمناه- بالحكم في ذلك.

(البحث الثاني) [انتقاض الوضوء بالنوم]

- المشهور بين الأصحاب وجوب الوضوء بالنوم الغالب على حاستي السمع و البصر على اي حال كان: مضطجعا أو قاعدا، منفرجا أو متلاصقا و ربما ظهر من كلام علي بن بابويه في الرسالة و ابنه في المقنع عدم النقض به مطلقا، لحصرهما ما يجب اعادة الوضوء به و ما ينقضه في البول و المني و الغائط و الريح. و هو بعيد من المذهب إلا ان يحمل كلامهما على الناقض مما يخرج من الإنسان، كما يشعر به قوله في المقنع بعد حصر النقض في الأربعة المذكورة: «و ما سوى ذلك- من القيء و القلس و القبلة و الحجامة و الرعاف و المذي و الودي- فليس فيه اعادة وضوء».

95

و يدل على الحكم المذكور الأخبار المستفيضة،

كقول الصادقين (عليهما السلام) في صحيحة زرارة (1) حيث سألهما عما ينقض الوضوء فقالا: «ما يخرج من طرفيك الأسفلين: من الدبر و الذكر: غائط أو بول أو مني أو ريح، و النوم حتى يذهب العقل».

و قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الحميد بن عواض (2): «من نام و هو راكع أو ساجد أو ماش على اي الحالات فعليه الوضوء».

و قول الرضا (عليه السلام) في صحيحة ابن المغيرة (3) حين سئل عن الرجل ينام على دابته فقال: «إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء».

و قول الصادق (عليه السلام) في حسنة إسحاق بن عبد اللّٰه الأشعري (4):

«لا ينقض الوضوء إلا حدث، و النوم حدث».

و قوله (عليه السلام) في رواية الكناني (5) حين سأل عن الرجل يخفق و هو في الصلاة فقال: «ان كان لا يحفظ حدثا منه- ان كان- فعليه الوضوء و اعادة الصلاة و ان كان يستيقن انه لم يحدث فليس عليه وضوء و لا اعادة».

و قول أحدهما (عليهما السلام) في صحيحة زرارة المضمرة (6) حين قال له:

«الرجل ينام و هو على وضوء، أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذن، فإذا نامت العين و الاذن و القلب وجب الوضوء قلت: فان حرك إلى جنبه شيء و لم يعلم به؟ قال: لا حتى يستيقن انه قد نام، حتى يجيء من ذلك أمر بين، و إلا فإنه على يقين من وضوئه، و لا ينقض اليقين ابدا بالشك، و لكن ينقضه بيقين آخر».

الى غير ذلك من الأخبار.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب نواقض الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب نواقض الوضوء، و قد أسندها إلى الباقر (عليه السلام) في الصحيفة 143 من الجزء الأول.

96

و اما ما يدل بظاهره على خلاف ذلك-

كموثقة سماعة المضمرة في الفقيه (1) حيث «سأله عن الرجل يخفق رأسه و هو في الصلاة قائما أو راكعا قال: ليس عليه وضوء».

و ما رواه فيه أيضا (2) مرسلا قال: «سئل موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يرقد و هو قاعد، هل عليه وضوء؟ فقال: لا وضوء عليه ما دام قاعدا ما لم ينفرج».

و رواية عمران بن حمران (3) انه سمع عبدا صالحا (عليه السلام) يقول: «من نام و هو جالس لم يتعمد النوم فلا وضوء عليه».

و رواية بكر بن أبي بكر الحضرمي (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) هل ينام الرجل و هو جالس؟ فقال: كان أبي (عليه السلام) يقول: إذا نام الرجل و هو جالس مجتمع فليس عليه وضوء، و إذا نام مضطجعا فعليه الوضوء»-.

فالجواب عنه (أولا)- بأن الأخبار السابقة أصح سندا، و أكثر عددا و أصرح دلالة، و أشهر عملا، و أظهر لمذهب الجمهور مخالفة (5) و للقرآن العزيز موافقة،

____________

(1) ج 1 ص 38 و في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

(2) ج 1 ص 38 و في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

(5) قال ابن قدامة الحنبلي في المغني ج 1 ص 173: «و النوم على ثلاثة أقسام:

(الأول)- نوم المضطجع، ناقض قليله و كثيرة (الثاني)- نوم القاعد، ان كان كثيرا نقض رواية واحدة، و ان كان يسيرا لا ينقض، و به قال حماد و الحكم و مالك و الثوري و أصحاب الرأي، و قال الشافعي لا ينقض و ان كان كثيرا (الثالث)- نوم القائم و الراكع و الساجد فعن احمد روايتان: إحداهما ينقض، و به قال الشافعي و ثانيتهما لا ينقض إلا إذا كثر.

و ذهب أبو حنيفة إلى ان النوم لا ينقض مطلقا، و اختلفت الرواية عن أحمد في القاعد المستند و المحتبى، و ان الاتكاء الشديد ينقض، و لا حد للكثرة فإنها على ما جرت به العادة» و قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 31: «لا خلاف بين الفقهاء ان النوم مضطجعا في الصلاة و غيرها يكون ناقضا، فإنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله، و كذا إذا نام على أحد و ركيه، لأن مقعده يكون متجافيا عن الأرض فكان في معنى النوم مضطجعا لوجود سبب الحدث بواسطة استرخاء المفاصل و زوال مسكة اليقظة، و في غير هاتين الحالتين لا يكون النوم حدثا سواء غلبه النوم أو تعمده كان في الصلاة أو غيرها،

و قد روي عنه (ص) «إذا نامت العينان استطلق الوكاء».

أشار إلى كون النوم حدثا، حيث جعله علة لاستطلاق الوكاء» ثم فرع على هذا مسألة النوم في الصلاة قائما أو راكعا أو ساجدا فإنه لا يكون فيه استطلاق الوكاء. و كذا إذا كان خارج الصلاة فنام قائما أو راكعا أو جالسا على الأرض غير مستند إلى شيء أو كان مستندا إلى جدار أو سارية أو رجل أو متكئا على يديه إذا كانت أليته مستوثقة من الأرض فإنه لا وضوء عليه. انتهى. و قال ابن حزم في المحلى ج 1 ص 222: «النوم في ذاته حدث ينقض الوضوء، سواء قل أو كثر، قاعدا أو قائما في صلاة أو غيرها أو راكعا أو ساجدا أو متكئا أو مضطجعا. أيقن من حواليه انه لم يحدث أو لم يوقنوا. و ذهب الأوزاعي إلى ان النوم لا ينقض الوضوء كيف كان. و قال مالك و احمد ابن حنبل: من نام نوما يسيرا و هو قاعد أو راكب لم ينتقض وضوؤه، و ما عدا هذه الأحوال فالقليل و الكثير من النوم ينقض الوضوء. و قال الشافعي: جميع النوم بنقض الوضوء قليله و كثيرة إلا من نام جالسا غير زائل عن مستوي الجلوس فلا ينتقض وضوؤه.

و قال أبو حنيفة: النوم لا ينقض الوضوء إلا ان يضطجع أو يتكىء على إحدى أليتيه أو احدى و ركيه فقط، و لا ينقضه ساجدا أو قائما أو قاعدا أو راكعا. طال ذلك أو قصر».

97

لما رواه ابن بكير في الموثق (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): قوله تعالى:

«إذا قمتم إلى الصلاة.» ما يعني بذلك إذا قمتم إلى الصلاة؟ قال: إذا قمتم من النوم قلت: ينقض النوم الوضوء؟ فقال: نعم إذا كان يغلب على السمع و لا يسمع الصوت».

بل نقل العلامة في المنتهى و الشيخ في التبيان إجماع المفسرين على ذلك، و حينئذ فيحمل ما ظهر في المخالفة على التقية، و لعل في نسبته (عليه السلام) في الخبر الأخير ذلك إلى أبيه نوع اشعار بذلك، أو على ما إذا لم يبلغ إلى ما يوجب ذهاب العقل كما حمله الشيخ

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

98

عليه في التهذيبين، و ذلك هو ظاهر الرواية الأولى. فإن مجرد خفق الرأس سيما في حال الاشتغال بالصلاة لا يعبر به عن النوم المزيل للعقل بل من السنة المتقدمة له، كما تشعر به صحيحة زرارة المتقدمة (1) و يدل عليه ما في الصحاح، حيث قال: «خفق:

حرك رأسه و هو ناعس».

و اما ما نقل عن الصدوق في الفقيه- من عدم النقض بالنوم إلا حالة الانفراج، بناء على ما رواه فيه من خبري سماعة و ما أرسله عن الكاظم (عليه السلام) (2)- ففيه انه (قدس سره) قد صدر الباب بصحيحة زرارة المذكورة هنا (3) في صدر الروايات الدالة على النقض بالنوم من حيث كونه مذهبا للعقل، لتعليق الحكم على الوصف المشعر بالعلية، و احتمال عمله بالروايات الأخيرة مخصصة بصحيحة زرارة- كما فهمه عنه من نقل عنه القول بذلك في الكتاب المذكور- ليس اولى من عمله بالصحيحة المذكورة، حيث صدر بها الباب. و حمل ما عداها من رواية سماعة على ما هو الظاهر منها من النعاس دون النوم كما ذكرنا، و من المرسلة الثانية على التقية. و لا ينافيه ما ذكره في أول كتابه من كونه إنما قصد إيراد ما يفتي به و يحكم بصحته، إذ من المحتمل قريبا ان مراده بما يفتي به يعني يجزم بصحته و وروده عن المعصوم و ان كان له نوع تخريج و تأويل، فيصير عطف الجملة الثانية في كلامه للتفسير. و حمل مجرد روايته لبعض الأخبار الظاهرة المخالفة للمذهب كهذه الرواية و رواية الوضوء بماء الورد (4) و نحوهما على كون ذلك مذهبا له- سيما مع إيراد المعارض كما هنا- بعيد جدا.

و كيف كان فالقول بذلك مردود و قائله أعلم به.

و مما يدل على النقض في خصوص هذا الموضع- زيادة على ما تقدم-

____________

(1) في الصحيفة 95.

(2) المتقدمين في الصحيفة 96.

(3) في الصحيفة 95.

(4) و هي رواية محمد بن عيسى المتقدمة في الصحيفة 394 من الجزء الأول.

99

صحيحة معمر بن خلاد (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع و الوضوء يشتد عليه و هو قاعد مستند بالوسائد، فربما أغفى و هو قاعد على تلك الحال. قال: يتوضأ. قلت له: ان الوضوء يشتد عليه لحال علته؟ فقال:

إذا خفي عليه الصوت فقد وجب الوضوء عليه.».

و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الخفقة و الخفقتين. فقال: ما ادري ما الخفقة و الخفقتان؟ ان اللّٰه تعالى يقول:

«بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» (3) ان عليا (عليه السلام) كان يقول: من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء».

فوائد:

(الأولى)

- ظاهر الاخبار المتقدمة ان سببية النوم للوضوء إنما هي من حيث كونه حدثا موجبا لذلك، و به جزم بعض أفاضل متأخري المتأخرين، و نقل ان الظاهر انه هو المشهور بين الأصحاب، لا باعتبار احتمال الحدث حالته كما ربما يفهمه بعض عبائر الأصحاب، و هذا هو المعنى المراد من حسنة إسحاق بن عبد اللّٰه الأشعري المتقدمة (4) إذ الظاهر ان غرضه (عليه السلام) بيان ان ناقضية النوم من حيث انه حدث لا من جهة أنه مظنة للحدث كما زعمته العامة (5) فيكون الغرض من الخبر الرد عليهم في ذلك. و ظني ان ما توهمه جملة من متأخري أصحابنا و متأخريهم (رضوان اللّٰه عليهم) في معنى الخبر- من الاختلال و لزوم الإشكال في ترتيب الاشكال التي

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 4- من أبواب نواقض الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) سورة القيامة. الآية 15.

(4) في الصحيفة 95.

(5) تقدم فيما نقلناه عن بدائع الصنائع في التعليقة 5 ص 96 ما يؤيد ذلك و ان كان قول ابن حزم في المحلى فيما نقلناه عنه في التعليقة المذكورة: «النوم في ذاته حدث» ينافي ذلك.

100

يبتني عليها الاستدلال حتى أوسعوا في المخرج عن ذلك دائرة الاحتمال- ليس بذلك المراد في المقام و لا المقصود لهم (عليهم السلام) إذ لا يخفى على المتتبع لجملة اخبارهم و المتطلع في أحكامهم و آثارهم ان غرضهم من إلقاء الكلام إنما هو إفادة الأحكام الشرعية و بيان المعارف الدينية دون التنبيه على الدقائق اللغوية و ما لا نفع له في الدين و الدنيا بالكلية و ان أباه من توفرت رغبته في العلوم العقلية، و حينئذ فما ربما يشعر به ظاهر رواية الكناني المتقدمة (1)- من ترتب الوضوء على عدم حفظ الحدث منه الموهم بان نقض النوم إنما هو لاحتمال الحدث حالته- مما يجب ارتكاب التأويل فيه جمعا، بان يجعل عدم حفظ الحدث منه- ان كان- دليلا على غلبة النوم على العقل كعدم سماع الصوت مثلا.

لكن

روى الصدوق (قدس سره) في العلل و العيون (2) بسند معتبر عن الفضل بن شاذان في العلل التي رواها عن الرضا (عليه السلام) قال: «فان قال قائل: فلم وجب الوضوء مما خرج من الطرفين خاصة و من النوم دون سائر الأشياء؟ قيل: لان الطرفين هما طريق النجاسة، إلى ان قال: و اما النوم فإن النائم إذا غلب عليه النوم يفتح كل شيء منه و استرخى، فكان أغلب الأشياء فيما يخرج منه الريح، فوجب عليه الوضوء لهذه العلة. الحديث».

و هو- كما ترى- صريح في الدلالة على ان نقض النوم انما هو لاحتمال خروج الحدث، و هو مشكل، لان قصارى ما يفيده احتمال خروج الناقض بالنوم، و هو لا ينقض يقين الطهارة، لما ثبت بالأخبار المستفيضة من عدم نقض اليقين بالشك، و لا سيما موثقة ابن بكير (3) الدالة على المنع من الوضوء حتى يستيقن الحدث.

و لا ريب ان الترجيح لهذه الأخبار لصحتها سندا، و صراحتها دلالة،

____________

(1) في الصحيفة 95.

(2) رواه في العلل في الصحيفة 96، و في العيون في الصحيفة 290، و في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) الآتية في الصحيفة 101.

101

و اعتضادها بعمل الفرقة الناجية بها سلفا و خلفا في مواضع عديدة.

و الظاهر في الخبر المذكور ان ذكر احتمال خروج الحدث ليس على جهة العلية في النقض بل لبيان الحكمة في نقض النوم، كما في سائر العلل التي نقلها، فإن أكثر العلل الواردة في الاخبار اما لتقريب الافهام القاصرة بالنكت البينة الظاهرة، أو لبيان الداعي إلى الفعل، أو لبيان وجه المصلحة، أو نحو ذلك، و حينئذ فلا يلزم استناد النقض إلى احتمال الحدث ليترتب عليه الاشكال المذكور.

(الثانية)

- قال في التذكرة: «لو شك في النوم لم تنتقض طهارته، و كذا لو تخايل له شيء و لم يعلم انه منام أو حديث النفس، و لو تحقق أنه رؤيا نقض» انتهى.

و قال في المدارك بعد نقله: «و هو كذلك» انتهى.

أقول: فينبغي ان يراد بالشك الذي لا يعارض به اليقين ما هو أعم منه و من الظن، لانه المستفاد من الاخبار:

و منها- صحيحة زرارة المتقدمة (1) آخر الروايات الاولى.

و موثقة عبد اللّٰه بن بكير (2) قال: «إذا استيقنت أنك أحدثت فتوضأ، و إياك ان تحدث وضوء ابدا حتى تستيقن انك قد أحدثت».

و صحيحة زرارة الطويلة (3) و فيها «قلت: فان ظننت أنه أصابه و لم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فرأيت فيه؟ قال: تغسله و لا تعيد الصلاة، قلت: لم ذلك

____________

(1) في الصحيفة 95.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب نواقض الوضوء، و في الباب- 44- من أبواب الوضوء. و الرواية- كما في كتب الحديث- يرويها عبد اللّٰه بن بكير عن أبيه عن الصادق (عليه السلام).

(3) المروية في الوسائل بنحو التقطيع في الباب- 7 و 37 و 41 و 42 و 44- من أبواب النجاسات.

102

قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت، فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا. الحديث».

و حينئذ فما يظهر من كلام بعض من إلحاق الظن باليقين ليس بجيد.

ثم ان في قوله: «و لو تحقق أنه رؤيا نقض» نظرا نبه عليه بعض محققي متأخري المتأخرين، قال: «إذ يمكن ان تتحقق الرؤيا مع عدم إبطال السمع و العقل إذا قوي الخيال كما تشهد به التجربة، و حينئذ فالحكم بالنقض مشكل» انتهى. و هو جيد.

(الثالثة)

-

روى الشيخ في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) «في الرجل هل ينقض وضوؤه إذا نام و هو جالس؟ قال: ان كان يوم الجمعة و هو في المسجد فلا وضوء عليه، و ذلك انه في حال ضرورة».

و ظاهر الخبر- كما ترى- لا يخلو من الاشكال، و حمله الشيخ (رحمه اللّٰه) على عدم التمكن من الوضوء و ان عليه التيمم، قال: «لان ما ينقض الوضوء لا يختص بيوم الجمعة، و الوجه فيه انه يتيمم و يصلي فإذا انفض الجمع توضأ و أعاد الصلاة، لأنه ربما لا يقدر على الخروج من الزحمة».

و اعترضه المحقق الشيخ حسن صاحب المنتقى في الكتاب المذكور بان فيما ذكره (رحمه اللّٰه) بعدا قال: «و لعل الوجه في ذلك مراعاة التقية بترك الخروج للوضوء في تلك الحال، أو عدم تحقق القدر الناقض من النوم مع رجحان احتماله بحيث لو كان في غير الموضع المفروض لحسن الاحتياط بالإعادة، و حيث انه في حال ضرورة فالاحتياط ليس بمطلوب منه» انتهى.

و اعترضه أخوه لأمه الفاضل السيد نور الدين في شرحه على المختصر، فقال بعد نقل هذا الكلام: «و لا يخفى ان ما استبعده من حمل الشيخ ليس بأبعد من هذا الحمل على كلا توجيهيه (اما الأول) فلان تحقق التقية في مثله في غاية الندور، لانه

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

103

موقوف على انحصار سبب الوضوء في ذلك عند من يتقى منه، و متى يحصل هذا الحصر مع تجويز خلافه من الحدث الذي قد لا يدركه غير صاحبه؟ و لا شك ان الدخول في الصلاة بغير طهارة كيف كان لم يعهد جوازه في الشرع و لو مع الضرورة، كما يدل عليه

ما رواه الصدوق (رحمه اللّٰه) عن مسعدة بن صدقة (1) ان قائلا قال لجعفر بن محمد (عليهما السلام): «جعلت فداك إني أمر بقوم ناصبية و قد أقيمت لهم الصلاة و انا على غير وضوء، فان لم أدخل معهم في الصلاة قالوا ما شاءوا ان يقولوا، أ فأصلي معهم ثم أتوضأ و أصلي إذا انصرفت؟ فقال جعفر (عليه السلام): سبحان اللّٰه اما يخاف من يصلي على غير وضوء ان تأخذه الأرض خسفا؟».

على انه لو تم ذلك فلا يلائم عدم وجوب الإعادة مطلقا، للاتفاق على بطلان الصلاة مع فقد الطهارة، و ربما كانت تلك الصلاة واجبة كما هو الظاهر. و (اما الثاني)- فلان حمله على عدم تيقن النقض لا يوافق تقييده بالضرورة، لأنه على هذا التقدير لا شبهة في عدم وجوب الوضوء مطلقا، بل لا يسوغ الاحتياط بفعله، للنهي عن نقض اليقين بالشك و انه لا ينقض إلا بيقين آخر، كما دلت عليه (رواية زرارة المتقدمة (2)

و موثقة بكير بن أعين (3) صريحة في ذلك، حيث قال في آخرها: إياك ان تحدث وضوء ابدا حتى تستيقن انك قد أحدثت».

انتهى كلامه زيد مقامه.

و فيه (أولا)- ان ما ذكره- في التوجيه الأول من معنى التقية- الظاهر انه ليس بمراد ذلك القائل، بل الظاهر ان مراده إنما هو الخوف الناشئ من التهمة بترك الصلاة لخروجه من المسجد في أثناء الصلاة، سيما مع استلزامه التخطي بين الصفوف

____________

(1) ج 1 ص 251، و في الوسائل في الباب- 2- من أبواب الوضوء.

(2) و قد تقدمت في الصحيفة 95.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب نواقض الوضوء، و في الباب- 44- من أبواب الوضوء، و قد تقدمت في الصحيفة 101.

104

المحظور عندهم، و لعل في قوله: «في تلك الحال» إشارة إلى هذا المعنى الذي ذكرناه لا التقية بالنقض بالنوم من حيث انه ليس بناقض عندهم كما توهمه. نعم ينقدح عليه ما ذكره من لزوم الدخول في الصلاة بغير وضوء مع ورود الخبر المذكور بالمنع منه و ان كان تقية. إلا ان الخبر المشار اليه لا يخلو أيضا من الاشكال الموجب لضعف الاستدلال و (ثانيا)- ان ما طعن به على التوجيه الثاني غير موجه، و ذلك فان الظاهر ان مراد ذلك القائل ان التقييد بالضرورة إنما هو للاحتياط بالوضوء و عدمه كما هو صريح آخر كلامه، فقول المعترض:- «لانه على هذا التقدير. إلخ»- ليس في محله.

قوله-: «بل لا يسوغ الاحتياط بفعله. إلخ»- مردود (أولا)- بعموم اخبار الاحتياط الشاملة لما نحن فيه.

و (ثانيا)- بان ما استند اليه من الأخبار محمول على الوضوء بقصد الوجوب، فإنه المستلزم لنقض اليقين لا مطلقا، و إلا لانتقض بالوضوء المجدد مع ثبوته إجماعا نصا و فتوى

(الرابعة)

- المشهور- بل ادعى عليه غير واحد من متأخري أصحابنا الإجماع- على عد مزيل العقل من إغماء و سكر و جنون و نحوها من جملة الأسباب الموجبة للوضوء، و المذكور في كلام الشيخين في المقنعة و التهذيب- و هو الذي ادعى عليه في التهذيب الإجماع- المرض المانع من الذكر، كالمرة التي ينغمر بها العقل و الإغماء، و المراد بالمانع من الذكر- كما استظهره بعض الفضلاء من كلامه- ان لا يكون الإنسان معه ضابطا لما يكون منه من حدث.

و اما ذكر الجنون و السكر- و الاستدلال عليهما بصحيحة معمر بن خلاد (1) التي استدل بها في التهذيب على ما ذكره- فهو من زيادات العلامة و الشهيد (رحمهما اللّٰه تعالى) قال في التهذيب بعد نقل الرواية المذكورة:

قوله (عليه السلام): «إذا خفي عنه

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 99.

105

الصوت فقد وجب الوضوء عليه».

يدل على ما ذكره من اعادة الوضوء من الإغماء و المرة و كل ما يمنع من الذكر. انتهى.

و أورد عليه ان الإغماء لغة بمعنى النوم.

فقوله (عليه السلام): «إذا خفي عنه الصوت فقد وجب الوضوء عليه»

في قوة قوله: «إذا خفي عنه الصوت في حال اغفائه فقد وجب عليه الوضوء».

و أجيب بأن كلامه (عليه السلام) مطلق فلا يتقيد بالمقدمة الخاصة.

ورد بان المحدث عنه هو ذلك الرجل الذي غفي و هو قاعد. فلا يكون مطلقا بل مقيدا بالنوم. و حينئذ فلا دلالة للخبر على المدعى.

و تمحل بعض متأخري المتأخرين في لفظ الإغفاء، فاستظهر حمله في الرواية على الإغماء مستندا إلى دلالة «ربما» على التكثير، قال: «بل هو الغالب فيها كما صرح به في مغني اللبيب، بل ذكر الشيخ الرضي (رحمه اللّٰه) ان التكثير صار لها كالمعنى الحقيقي و التقليل كالمعنى المجازي المحتاج إلى القرينة، و الذي يكثر في حال المرض هو الإغماء دون النوم» انتهى. و لا يخفى ما فيه.

و كيف كان فالخبر المذكور أخص من المدعى، لاختصاصه بما خفي فيه الصوت، فلا يتناول مثل الجنون و السكر و نحوهما مع عدم خفاء الصوت.

و ربما استدل أيضا بتعليق نقض النوم بذهاب العقل فيما تقدم من الأخبار،

كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة عن الصادقين (عليهما السلام) (1): «و النوم حتى يذهب العقل.».

و في صحيحة ابن المغبرة (2): «إذا ذهب النوم بالعقل.».

ورد بأن غاية ما تدل عليه تلك الأخبار هو نقض النوم عند ذهاب العقل و عدم نقضه قبله، و بمجرد هذا الدوران لا تثبت العلية، لجواز أن لا يكون له دخل في العلية

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب نواقض الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

106

أصلا، أو تكون خصوصية النوم شرطا في النقض أيضا، فلا تثبت العلية له مجردا.

و صار بعض إلى الاستدلال على ذلك بما دل على حكم النوم من باب التنبيه و الأولوية، قال: «فإنه إذا وجب الوضوء بالنوم الذي يجوز معه الحدث كما تدل عليه إناطته بإزالة العقل وجب بالإغماء و السكر بطريق أولى» انتهى.

و فيه انك قد عرفت مما سبق ان ظاهر الأخبار كون النوم من حيث هو ناقضا لا من حيث احتمال طرو الحدث حالته، و ان ما دل على خلاف ذلك فإنه- مع عدم الصراحة- معارض بما هو أقوى منه. و الأولوية التي ادعاها انما تثبت لو ثبت ان العلة في نقض النوم ما ادعاه.

و ظاهر المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) الاستدلال على ذلك بصحيحة معمر بن خلاد (1) و تعدية الحكم إلى ما خفي فيه الصوت من سكر و نحوه- لا في الجنون و لا في كل افراد السكر- بطريق تنقيح المناط كما قدمنا الإشارة اليه.

و فيه ما عرفت من جواز مدخلية خصوص النوم في العلية، و إلغاؤها- ليثبت الحكم كليا كما هو معنى تنقيح المناط- يحتاج إلى دليل. و العجب منه (رحمه اللّٰه) في ادعائه فيما تقدم من كلامه قطعية أحد فردي تنقيح المناط وعده ما هنا و هناك من قبيل ذلك من غير إيراد برهان واضح على ما ادعاه من القطعية، بل و لا الإشارة إلى ذلك بالكلية، مع كونه لا يعتمد على الظن و ان كان مستفادا من الدليل، بل يمنع من سلوك تلك السبيل و ينسب من سلكه إلى الضلال و التضليل، كما أطال به في الفوائد المدنية التشنيع و التسجيل.

و التحقيق في المقام ان يقال: انك إذا رجعت إلى الروايات المتقدمة في المسألة و ضممت بعضها إلى بعض وجدتها متفقة على النقض بالنوم، لكن ربما حصل الاشكال

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 99.

107

فيما به يتحقق ذلك، و من ثم كثر السؤال عنه في الأخبار، كما يدل عليه أخبار الخفقة و الخفقتين و نحوها، فجعلوا (عليهم السلام) له مناطا يعلم به و حدّا يرجع اليه، و هو غلبته على العقل تارة و عدم السماع اخرى، و ربما جمعوا بينهما، و حينئذ فهذه الأشياء لا تصلح لعلية النقض مطلقا، لان الشارع إنما جعلها مناطا لاستعلام الناقض، فتعدية النقض إليها- و إلغاء خصوصية النوم من البين- أمر لا أثر له في الأخبار و لا عين.

و بعض فضلاء متأخري المتأخرين- حيث ضاق عليه المجال في المقام بما وقع فيه من النقض و الإبرام- تشبث بذيل الإجماع. و أنت خبير بما فيه من المناقشة و النزاع نعم

روى في كتاب دعائم الإسلام (1) عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام):

«ان الوضوء لا يجب إلا من حدث، و ان المرء إذا توضأ صلى بوضوئه ذلك ما شاء من الصلوات ما لم يحدث أو ينم أو يجامع أو يغم عليه أو يكون منه ما يجب منه اعادة الوضوء».

إلا ان الكتاب المذكور قد عرفت ما في الاعتماد عليه فيما سبق (2).

هذا ما يقتضيه النظر في أدلة المسألة، و الاحتياط مما لا تهمل المحافظة عليه.

و اما بعض أقسام المستحاضة الذي هو أحد أسباب الوضوء فسيأتي تحقيقه في محله

(البحث الثالث) [الموارد التي يشك في أنها تنقض الوضوء]

- الأشهر الأظهر انه لا يوجب الوضوء غير ما قدمنا ذكره و ههنا أشياء قد اختلفت فيها الأخبار، و بذلك وقع الاختلاف فيها بين علمائنا الأبرار.

(فمنها)-

المذي

، و المشهور عدم إيجابه الوضوء، و ذهب ابن الجنيد إلى انه متى كان من شهوة أوجب الوضوء، و ربما أشعر كلام الشيخ في التهذيب بموافقته له فيما إذا كان كثيرا خارجا عن المعتاد، لكن الظاهر انه لا يثبت بمجرد ذلك كونه مذهبا له، فإنه ذكره في مقام الاحتمال للجمع بين الأخبار، و مثله لو عد مذهبا له لم تنحصر مذاهبه.

و الأخبار الدالة على القول المشهور متكاثرة:

____________

(1) ج 1 ص 123.

(2) ص 44.

108

و (منها)- الأخبار الدالة على الحصر في الأسباب المتقدمة حسبما قدمنا (1) و (منها)-

حسنة زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «ان سال من ذكرك شيء من مذي أو ودي و أنت في الصلاة، فلا تغسله و لا تقطع له الصلاة و لا تنقض له الوضوء و ان بلغ عقبيك، فإنما ذلك بمنزلة النخامة. الحديث».

و على هذا المنوال صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (3) و حسنة بريد بن معاوية (4) و حسنة محمد بن مسلم (5) و صحيحة زيد الشحام و زرارة و محمد بن مسلم (6) و صحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا (7) و فيها تصريح بكون المذي من الشهوة، و موثقة إسحاق بن عمار (8) و رواية عمر بن حنظلة (9) و رواية عنبسة بن مصعب (10) و مرسلة ابن رباط (11) و ظاهرها تخصيص المذي بما يخرج من الشهوة.

و يدل على ما ذكره ابن الجنيد روايات: (منها)-

صحيحة محمد بن إسماعيل ابن بزيع (12) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن المذي فأمرني بالوضوء منه، ثم أعدت عليه في سنة أخرى فأمرني بالوضوء منه. و قال: ان علي ابن ابى طالب (عليه السلام) أمر المقداد بن الأسود ان يسأل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و استحيي أن يسأله، فقال: فيه الوضوء».

و يرد على الاستدلال بهذه الرواية (أولا)-

ان موثقة إسحاق بن عمار المشار إليها آنفا عن الصادق (عليه السلام) «تضمنت ان عليا (عليه السلام) كان رجلا مذاء

____________

(1) في الصحيفة 87.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(7) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب نواقض الوضوء.

(8) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(9) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(10) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء، و في الباب- 4 و 7- من أبواب الجنابة.

(11) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(12) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

109

و استحيي أن يسأل رسول اللّٰه «(صلى اللّٰه عليه و آله)» لمكان فاطمة، فأمر المقداد أن يسأله و هو جالس، فسأله فقال: ليس بشيء».

و الترجيح لهذه الرواية لاعتضادها بالأخبار المستفيضة المتقدمة.

و (ثانيا)- ان الراوي المشار اليه بعينه

روى في الصحيح عن أبي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المذي فأمرني بالوضوء منه، ثم أعدت عليه سنة أخرى، فأمرني بالوضوء منه، و قال: ان عليا (عليه السلام) أمر المقداد أن يسأل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و استحيي أن يسأله، فقال: فيه الوضوء. قلت:

فان لم أتوضأ؟ قال لا بأس».

و من القواعد المقررة عندهم انه إذا روي الخبر تارة مع زيادة و اخرى بدونها عمل على تلك الزيادة ما لم تكن مغيرة، و هذا الخبر مما يدل على ان الأمر بالوضوء فيما تضمنه من تلك الأخبار على الاستحباب.

ثم ان الظاهر ان هذه الرواية لا تصلح مستندا لما ذهب اليه ابن الجنيد لتخصيصه الناقض من المذي بما يخرج بشهوة، و هذه الرواية مطلقة، و حملها على الخارج بشهوة ليس أولى من الحمل على الاستحباب لما علمت.

و مما يدل أيضا على ما ذهب إليه

صحيحة علي بن يقطين (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المذي أ ينقض الوضوء؟ قال: ان كان من شهوة نقض».

و رواية أبي بصير (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): المذي يخرج من الرجل؟ قال: أحد لك فيه حدا؟ قال: قلت: نعم جعلت فداك. قال: ان خرج منك على شهوة فتوضأ، و ان خرج منك على غير ذلك فليس عليك فيه وضوء».

و نحوهما رواية الكاهلي (4).

و الاستدلال بهذه الروايات أيضا لا يخلو من الإشكال:

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

110

(اما أولا)- فلان ظاهر

مرسلة ابن رباط المتقدمة (1)- حيث قال فيها:

«و اما المذي فإنه يخرج من الشهوة».

- اختصاص المذي بالخارج عن شهوة،

و يؤيده ما ذكره في الفقيه (2) حيث قال: «و المذي ما يخرج قبل المني».

و كلام أهل اللغة أيضا، حيث خصوه بذلك أيضا، و لذلك عرفه شيخنا الشهيد الثاني بأنه ماء رقيق لزج يخرج عقيب الشهوة، و نظم ذلك بعض متأخري علمائنا فقال:

المذي ماء رقيق اصفر لزج * * * خروجه بعد تفخيذ و تقبيل

و حينئذ فما اشتملت عليه هذه الأخبار- من وجود فرد له ليس عن شهوة- مشكل و (ثانيا)-

انه قد روى يعقوب بن يقطين في الصحيح (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يمذي و هو في الصلاة من شهوة أو من غير شهوة.

قال: المذي منه الوضوء».

فإنها دالة على ثبوت الوضوء منه و ان لم يكن عن شهوة. و حمل الشيخ (رحمه اللّٰه)- الخبر المذكور على التعجب و الاستفهام الإنكاري- لا يخلو من بعد.

و ظاهر جماعة من متأخري متأخرينا (رضوان اللّٰه عليهم) حمل هذه الأخبار كلا على الاستحباب جمعا، و أيدوه بصحيحة ابن بزيع الثانية (4) و هو و ان احتمل إلا ان الظاهر ان الأقرب الحمل على التقية:

(أما أولا)- فلأنها- كما ذكرنا سابقا- هي الأصل في اختلاف الأخبار، و العامة كلهم إلا الشاذ منهم على النقض به (5).

____________

(1) تقدمت الإشارة إليها في الصحيفة 108.

(2) ج 1 ص 39.

(3) رواه صاحب الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(4) المتقدمة في الصحيفة 109.

(5) كما في بدائع الصنائع للكاساني الحنفي ج 1 ص 25، و المغني لابن قدامة الحنبلي ج 1 ص 170، و الام للشافعي ج 1 ص 14. و في شرح النووي على صحيح مسلم على هامش إرشاد الساري ج 2 ص 344 حكى عن أبي حنيفة و الشافعي و احمد و الجماهير انه يوجب الوضوء. و في كتاب رحمة الأمة في اختلاف الأئمة على هامش الميزان للشعرانى ج 1 ص 12 «و المذي ينقض الوضوء إلا عند مالك» و في عمدة القارئ للعيني شرح البخاري ج 2 ص 26 «لا خلاف في وجوب الوضوء منه و لا خلاف في عدم وجوب الغسل» ثم نقل عن القاضي عياض المالكي «أن المذي المتعارف- و هو الخارج عند ملاعبة الرجل اهله لما يجري من اللذة أو لطول العزوبة- لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه و إيجاب غسله لنجاسته» و في بداية المجتهد لابن رشد المالكي ج 1 ص 30 دعوى الاتفاق على ناقضيته إذا كان خروجه على وجه الصحة لا المرض. و يظهر الاتفاق على ذلك من (الفقه على المذاهب الأربعة) ج 1 ص 77 حيث ذكرت ناقضيته و لم يذكر خلاف المذاهب فيها.

111

(لا يقال): انهم لا يخصون النقض بالخارج عن الشهوة كما هو ظاهر الأخبار.

(لأنا نقول): قد عرفت مما حققناه سابقا انه لا يشترط في الحمل على التقية وجود القائل بذلك، مع ان بعض هذه الأخبار المخالفة قد تضمنت النقض بكلا الفردين كما عرفت، و بعضا به مطلقا.

و (اما ثانيا)- فلأنها أحد طرق الترجيح عند تعارض الأخبار دون الحمل على الاستحباب و الكراهة و ان اشتهر بين أصحابنا الجمع بين الأخبار بذلك و إلغاء تلك و اما الرواية أعني صحيحة محمد بن إسماعيل فيمكن حملها على ان نفي البأس عن عدم الوضوء بسببه مع عدم التقية، و هو لا ينافي الأمر به تقية، فتحمل أوامره (عليه السلام) بالوضوء أولا مع النقل المذكور على التقية، و نفي البأس عن عدم الوضوء منه على عدمها.

و لعل قرائن الحال في وقت السؤال كانت دالة على ذلك و ان خفي علينا الآن العلم بذلك و مثله في الأخبار غير عزيز.

و ربما احتمل بعض فضلاء متأخري المتأخرين (رضوان اللّٰه عليهم) حمل مطلق الأخبار الواردة في المسألة على مقيدها، فيجب الوضوء مما خرج بشهوة.

و فيه ان تقييد المطلق ارتكاب لما هو خلاف الظاهر فيه البتة، فلو أمكن التأويل في المقيد و لم يكن في ارتكابه خلاف الظاهر أو كان أقل مرتبة من الخلاف الذي في جانب المطلق، تعين التأويل في جانب المقيد و لم يرتكب حمل المطلق عليه. و ما نحن فيه

112

من قيل الثاني، لأن المذي ان لم نقل بأنه مخصوص بما يخرج عقيب الشهوة كما أسلفنا، و حينئذ فلا يكون من قبيل تعارض المطلق و المقيد، فلا أقل من ان يكون الغالب منه هو ما يكون عقيب الشهوة. و حينئذ فحمل تلك الأخبار المستفيضة المتكاثرة على ما هو الفرد النادر الغير المتعارف أشد خلافا للظاهر البتة من حمل تلك الروايات المخالفة على التقية كما اخترناه، أو الاستحباب كما نقلناه.

و (اما ثالثا)- فلأن صحيحة ابن أبي عمير (1) دلت على نفي الوضوء في المذي من الشهوة. و إرسالها غير ضائر، لما تقرر عندهم من عد مراسيله في جملة المسانيد، فلا ينافي إرسالها الصحة سيما مع كونه رواها عن غير واحد من أصحابنا مما يؤذن باستفاضة الحكم بذلك. هذا ما اقتضاه النظر. و الاحتياط في كل مقام من أعظم المهام.

و (منها)- التقبيل، و مس الفرجين ظاهرا أو باطنا من محلل أو محرم، و القهقهة و لو في الصلاة، و الحقنة و الدم الخارج من السبيلين المشكوك في مصاحبة الناقض له خلافا لابن الجنيد في الأول مقيدا بكونه عن شهوة و كونه لمحرم، و في الثاني مقيدا له بالباطن في فرجيه و بالباطن في فرج الغير بشرط الشهوة من المحلل و المحرم، و للصدوق أيضا في الثاني بالنسبة إلى الإنسان نفسه في باطن دبره و إحليله، و لابن الجنيد في الثالث مقيدا له بكونه في الصلاة متعمدا لنظر أو سماع ما أضحكه، و في الرابع و الخامس، مع انه سلم ان الدم الخارج من السبيلين إذا علم خلوه من النجاسة لا يعد ناقضا.

و احتج على الأول برواية

أبي بصير عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال:

«إذا قبل الرجل المرأة من شهوة أو مس فرجها أعاد الوضوء».

و على الثاني بالرواية المذكورة،

و بموثقة عمار (3) قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره. قال: نقض وضوءه. و ان مس باطن

____________

(1) تقدمت الإشارة إليها في الصحيفة 108.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب نواقض الوضوء.

113

إحليله فعليه ان يعيد الوضوء، و ان كان في الصلاة قطع الصلاة و يتوضأ و يعيد الصلاة، و ان فتح إحليله أعاد الوضوء و أعاد الصلاة».

و بمضمون هذه الرواية عبر في الفقيه (1) فقال: «و إذا مس الرجل باطن دبره أو باطن إحليله فعليه ان يعيد الوضوء، و ان كان في الصلاة قطع الصلاة و توضأ و أعاد الصلاة، و ان فتح إحليله أعاد الوضوء و الصلاة» انتهى.

و على الثالث

برواية سماعة (2) قال: «سألته عما ينقض الوضوء. قال: الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه، و القرقرة في البطن إلا شيء تصبر عليه، و الضحك في الصلاة، و القيء».

و اما الرابع فلم نقف له على دليل، و العلامة في المختلف مع تكلفه نقل الأدلة لما ينقله فيه من الأقوال نقله و لم يذكر له دليلا، و يمكن استناده فيه إلى إطلاق بعض الأخبار الدالة على نقض ما يخرج من السبيلين.

و اما الخامس فنقل في المختلف عنه الاستدلال بأنه بعد خروج الدم المشكوك في ممازجته للنجاسة شاك في الطهارة. فلا يجوز له الدخول في الصلاة، لأن المأمور به الدخول بطهارة يقينية.

و الجواب عن ذلك (أولا)- بالمعارضة بالأخبار (3) الدالة على حصر الأسباب الموجبة فيما قدمناه مما أسلفنا ذكره و أوسعنا نشره.

و (ثانيا)- اما عن الأول فبالمعارضة

بصحيحة الحلبي (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القبلة تنقض الوضوء؟ قال: لا بأس».

____________

(1) ج 1 ص 39.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) المتقدمة في الصحيفة 87.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب نواقض الوضوء.

114

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «ليس في القبلة و لا في المباشرة و لا مس الفرج وضوء».

و مثلها صحيحة زرارة الأخرى (2) و رواية عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّٰه (3).

و اما عن الثاني فبالمعارضة بصحيحة زرارة المذكورة

و موثقة سماعة (4) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يمس ذكره أو فرجه أو أسفل من ذلك و هو قائم يصلي، أ يعيد وضوءه؟ فقال: لا بأس بذلك، إنما هو من جسده».

و صحيحة معاوية بن عمار (5) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يعبث بذكره في الصلاة المكتوبة. قال: لا بأس».

و مثلها رواية عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّٰه و صحيحة زرارة.

و اما عن الرابع فبعدم الدليل، و ضعف الاستناد إلى ما احتملناه له ظاهرا.

و اما عن الخامس فيما ذكره العلامة في المختلف، و حاصله ان ذلك يرجع إلى الشك في الحدث مع تيقن الطهارة.

و التحقيق حمل ما تمسكوا به من الأخبار على التقية، حيث ان كثيرا من العامة بل الأكثر- كما يفهم من التذكرة- قائلون بمضمون ذلك (6) و اما الحمل على الاستحباب

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب نواقض الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب نواقض الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب نواقض الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب نواقض الوضوء و الباب- 26- من قواطع الصلاة.

(6) اما التقبيل ففي المغني لابن قدامة الحنبلي ج 1 ص 192 «المشهور من مذهب احمد ان لمس النساء بشهوة ينقض الوضوء و لا ينقضه لغير شهوة، و هذا قول علقمة و ابى عبيدة و النخعي و الحكم و حماد و مالك و الثوري و إسحاق و الشعبي، فإنهم قالوا: يجب الوضوء على من قبل لشهوة و لا يجب على من قبل لرحمة. و ممن أوجب الوضوء في القبلة ابن مسعود و ابن عمر و الزهري و زيد بن أسلم و مكحول و يحيى الأنصاري و ربيعة و الأوزاعي و سعيد بن عبد العزيز و الشافعي» و في المدونة لمالك ج 1 ص 13 ما يوافق ذلك.

و اما مس الفرجين ففي المحلى لابن حزم ج 1 ص 235 ذكر في مقام بيان نواقض الوضوء: مس الرجل ذكر نفسه عمدا بأي شيء كان سوى مسه بالفخذ و الساق و الرجل من نفسه، و مس المرأة فرجها عمدا كذلك، و مس الرجل ذكر غيره صغيرا كان أو كبيرا حيا أو ميتا، بأي عضو مسه عمدا من جميع جسده، من ذي رحم محرمة أو من غيره، و مس المرأة فرج غيرها عمدا كذلك، و انه لا دخل للذة في شيء من ذلك، و في ص 227 منه نسب الحكم بناقضية مس الفرج إلى سعد ابن ابى وقاص و ابن عمر و عطاء و عروة و سعيد بن المسيب و جابر بن زيد و ابان بن عثمان و ابن جريح و الأوزاعي و الليث و الشافعي و داود و احمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه و غيرهم، و ذكر ان الشافعي و الأوزاعي خصا الوضوء من المس بباطن الكف دون ظاهرها، و ان عطاء ابن ابى رباح لا يرى انتقاض الوضوء بمس الفرج بالفخذ و الساق و يحكم بانتقاضه بالمس بالذراع.

و اما القهقهة ففي البدائع للكاساني الحنفي ج 1 ص 22 انها ناقضة للوضوء إذا كانت في الصلاة التي لها ركوع و سجود، فلا تكون حدثا خارج الصلاة و لا في صلاة الجنازة و سجدة التلاوة، و ان التبسم ليس بحدث. و في المغني ج 1 ص 177 نسب إلى أصحاب الرأي انه يجب الوضوء من القهقهة داخل الصلاة دون خارجها، و قال: «و روى ذلك عن الحسن و النخعي و الثوري».

و اما الحقنة ففي كتاب الأم للشافعي ج 1 ص 14 «ان جميع ما خرج من ذكر أو دبر أو حقنة ذكر أو دبر فخرج على وجهه أو يخلطه شيء غيره ففيه كله الوضوء، لانه خارج من سبيل الحدث» و في المغني ج 1 ص 170 «ان كان المحتقن قد أدخل رأس الزراقة ثم أخرجه نقض الوضوء، و كذلك لو ادخل فيه ميلا أو غيره ثم خرج نقض الوضوء، لانه خارج من السبيل فنقض كسائر الخارج. و لو احتقن في دبره فرجعت اجزاء خرجت من الفرج نقض الوضوء».

و اما الدم الخارج من السبيلين ففي المغني ج 1 ص 169 نسبة الحكم بانتقاض الوضوء به إلى الثوري و الشافعي و إسحاق و أصحاب الرأي. و يقتضي ذلك عموم عبارة الام المتقدمة في الحقنة. و في شرح المنهاج لابن حجر ج 1 ص 58 الحكم بناقضية كل خارج.

و في بدائع الصنائع ج 1 ص 25 علل ناقضية البول و الغائط و المذي و الودي و المنى و دم الحيض و النفاس و دم الاستحاضة بأنها كلها أنجاس و قد انتقلت من الباطن إلى الظاهر فوجد خروج النجس من الآدمي الحي فيكون حدثا.

115

فظني بعده و ان صرح به جملة من الأصحاب و اعتمدوه جمعا بين الأخبار في جملة الأبواب بل صرح بعضهم بترجيح الجمع به بين الأخبار و ان أطبق العامة على القول المخالف، و هو اجتهاد بحت في مقابلة النصوص، و تخريج صرف، بل خروج عن الطريق المنصوص

116

و (منها)- القيء و لو عمدا، و الرعاف، و الحجامة، و الشيء الخارج من غير السبيلين أو منهما غير مختلط بناقض، و إنشاد الشعر و ان كان باطلا أو فوق الأربعة أبيات، و غيبة المسلم، و الأخذ من الشعر أو الظفر و لو بحديد، و مصافحة الكافر، و مس الكلب، و شرب ألبان الإبل و البقر و أكل لحومهما، و الودي الخارج بعد البول.

و ما ورد في بعضها محمول على التقية، لقول العامة بالنقض بذلك (1).

____________

(1) اما القيء ففي بدائع الصنائع ج 1 ص 25 «القيء ان كان ملء الفم يكون حدثا و ان كان أقل من ملء الفم لا يكون حدثا. و عند زفر يكون حدثا قل أو كثر» ثم ذكر انه لا فرق بين أقسام القيء، و ان الصحيح في تفسير ملء الفم ان يكون عاجزا عن إمساكه ورده. و في المغني ج 1 ص 186 «و القلس كالدم ينقض الوضوء منه ما فحش، و حكى عن احمد الوضوء إذا ملأ الفم» و القلس- كما في مقاييس اللغة لابن فارس- القيء. و في الصحاح ما يخرج من الحلق ملء الفم أو دونه و ليس بقيء و ان عاد فهو قيء. و في شرح الزرقانى على مختصر ابى الضياء في الفقه المالكي ج 1 ص 91 نسبة ناقضية القيء و القلس إلى ابى حنيفة.

و اما الرعاف فيقتضي ناقضيته التعليل المتقدم عن بدائع الصنائع في التعليقة 6 ص 114 في الدم الخارج من السبيلين، و إطلاق كلام ابن قدامة في المغني ج 1 ص 184، حيث ذكر ناقضية الخارج من البدن من غير السبيل إذا كان نجسا و ان ذلك مروي عن ابن عباس و ابن عمر و سعيد بن المسيب و علقمة و عطاء و قتادة و الثوري و إسحاق و أصحاب الرأي، و نسب إلى ابى حنيفة ناقضية الدم إذا سال. و في ص 186 ذكر ان القيح و الصديد كالدم.

و اما الحجامة فقد نسبت ناقضيتها في الحاجم و المحتجم إلى ابى حنيفة في شرح الزرقانى على مختصر ابى الضياء ج 1 ص 91.

و اما الشيء الخارج من غير السبيلين فيظهر الحال فيه بما ذكرناه في الرعاف و اما ما يخرج منهما غير مختلط بناقض فيظهر الحال فيه بمراجعة ما ذكرناه في الحقنة و في الدم الخارج من السبيلين في التعليقة 6 ص 114 و اما إنشاد الشعر ففي شرح الزرقانى على مختصر ابى الضياء ج 1 ص 91 نسبة ناقضيته إلى قوم.

و اما الأخذ من الشعر و الظفر فقد نسب في بدائع الصنائع ج 1 ص 33 الحكم بانتقاض الوضوء بقلم الظفر و جز الشعر و قص الشارب إلى إبراهيم النخعي و اما مصافحة الكافر ففي الميزان للشعرانى ج 1 ص 102 نسبة ناقضية مس الكافر إلى بعض العلماء.

و اما شرب ألبان الإبل ففي المغني ج 1 ص 190 «و في شرب لبن الإبل روايتان إحداهما انه ينقض الوضوء و الأخرى لا ينقضه» و اما أكل لحوم الإبل ففي المغني ج 1 ص 187 «و أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال نيا و مطبوخا عالما أو جاهلا، و به قال جابر بن سمرة و محمد بن إسحاق و إسحاق و أبو خيثمة و يحيى بن يحيى و ابن المنذر و هو أحد قولي الشافعي قال الخطابي: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث» و في شرح الزرقانى ج 1 ص 91 نسبة ذلك إلى أحمد.

و اما الودي فقد نص على ناقضيته في بدائع الصنائع ج 1 ص 25 و في بداية المجتهد لابن رشد المالكي ج 1 ص 30 و في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 77 مع عدم ذكر خلاف المذاهب فيه، و في الأم للشافعي ج 1 ص 14 و في شرح المنهاج لابن حجر ج 1 ص 58، الا انه في الأخيرين ذكر بنحو العموم.

117

تذنيب [أقسام البلل الخارج من الإحليل]

الخارج من الإحليل خمسة: البول، و المني كظبي و صبي، و المذي على المثالين المذكورين، و زيد فيه أيضا الكسر مع التخفيف، قيل: و أشهرها الاولى ثم الثانية، و قد عرفت معناه، و الوذي بالمعجمة على المثالين الأولين: ما يخرج بعد إنزال المني، كما صرح به جملة من الأصحاب، و منهم- صاحب كتاب مجمع البحرين فيه. قال:

«و ذكر الوذي مفقود في كثير من كتب اللغة» و الودي بالمهملة على المثالين المتقدمين أيضا، و قيل ان ثانيهما أصح و أفصح: البلل اللزج الذي يخرج من الإحليل بعد البول.

118

فاما البول و المذي فقد عرفت حكمهما، و اما المني فسيأتي ان شاء اللّٰه تعالى حكمه في بابه، و اما الاثنان الباقيان فطهارتهما و عدم انتقاض الوضوء بهما متفق عليه فتوى، و هو الأشهر نصا.

و من الأخبار المشتملة على تفصيل ذلك

مرسلة ابن رباط المشار إليها آنفا عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «يخرج من الإحليل المني و المذي و الوذي و الودي فأما المني فهو الذي تسترخي له العظام و يفتر منه الجسد، و فيه الغسل، و اما المذي فإنه يخرج من الشهوة و لا شيء فيه، و اما الودي فهو الذي يخرج بعد البول، و اما الوذي فهو الذي يخرج من الأدواء، و لا شيء فيه» قوله (عليه السلام): «يخرج من الأدواء».

جمع داء و هو المرض، و لعل المعنى انه يخرج بسبب الأمراض، و نقل بعض مشايخنا عن بعض نسخ الاستبصار: «الأوداج» بدل «الأدواء» قال: «و كأنه أريد بها العروق مطلقا و ان كان الودج في الأصل عرق العنق» انتهى.

و قال الصدوق في الفقيه (2): «و هي أربعة أشياء: المني و المذي و الوذي و الودي إلى ان قال: و المذي ما يخرج قبل المني، و الوذي ما يخرج بعد المني على أثره، و الودي ما يخرج على اثر البول. إلخ».

و إبهام حكم الودي في الخبر المذكور- و عدم التعرض لحكمه- غير ضائر بعد إجماع الفرقة المحقة على طهارته و عدم نقضه، كما هو صريح كلام شيخنا الصدوق هنا و غيره، و دلالة ما قدمنا (3) من الأخبار الحاصرة الدالة على عدم النقض بأمثاله، لكن

روى الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «ثلاث يخرجن من الإحليل، و هن: المني و منه الغسل، و الودي و منه الوضوء، لانه يخرج من دريرة البول، قال: و المذي ليس فيه وضوء، إنما هو بمنزلة ما يخرج من الأنف».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(2) ج 1 ص 39.

(3) في الصحيفة 87.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

119

و حمله الشيخ على ما إذا لم يكن قد استبرأ من البول، مستدلا بالتعليل بخروجه من دريرة البول اى محل سيلانه، و ذلك لانه لا يخرج إلا و معه شيء من البول. و هو جيد.

فذلكة [الفرق بين السبب و الموجب و الناقض]

ما ذكرنا من الأحداث المتقدمة قد يعبر عنها بالأسباب تارة باعتبار استلزامها لذاتها الطهارة وجوبا أو ندبا. فلا يرد حدث الصبي و المجنون و الحائض، فإن حدثهم بحسب ذاته مستلزم للطهارة و إنما تخلف لعارض، و هو فقد الشرط في الأولين و وجود المانع في الثالث، و تخلف الحكم لفقد شرط أو وجود مانع لا يقدح في السببية، و قد يعبر عنها بالموجبات باعتبار إيجابها الطهارة عند المخاطبة بواجب مشروط بالطهارة فيما يجب لغيره على المشهور، و عند وجود السبب على القول بالوجوب النفسي، و قد يعبر عنها بالنواقض باعتبار نقضها لما تعقبه من الطهارة. و المشهور ان السبب أعم مطلقا، اما من الناقض فلاجتماعهما في حدث تعقب طهارة و تخلف السبب فيما عدا ذلك. و اما من الموجب فلاجتماعهما في حال اشتغال الذمة بمشروط بالطهارة، و انفراد السبب بحال براءة الذمة من ذلك. و النسبة بين الناقض و الموجب العموم من وجه، لصدق الناقض بدون الموجب في حدث تعقب طهارة صحيحة مع خلو الذمة من مشروط بها، و صدق الموجب بدون الناقض في الحدث الحاصل عقيب التكليف بصلاة واجبة من غير سبق طهارة و اعترض بعض المتأخرين على ذلك بان الجنابة ناقضة للوضوء و ليست سببا له، و كذا وجود الماء بالنسبة إلى التيمم، فلا يكون بين الناقض و السبب عموم مطلق بل من وجه.

و أجيب بأن الكلام إنما هو في أسباب الطهارات و موجباتها و نواقضها، كما هو المصرح به في بعض عباراتهم، فالنقض بالجنابة غير جيد، لأنها سبب في الطهارة، و يمكن التزام ذلك في وجود الماء أيضا، لأنه معرف لوجوبها.

120

ثم انه يرد أيضا ان النقض بالأمرين غير مستقيم، فان البحث ان كان في أسباب الوضوء و نواقضه و موجباته فلا يرد الثاني، و ان كان في الأعم فلا يرد الأول.

و استظهر السيد السند في المدارك ان النسبة بين الثلاثة الترادف، قال: «فان وجه التسمية لا يجب اطراده» انتهى. و هو مبني على ان الظاهر من الأسباب ما من شأنه أن يتسبب للوجوب، و كذلك الظاهر من الناقض ما من شأنه النقض، و كذلك الموجب، و ظاهر ما تقدم من كلامهم اعتبار ذلك في السبب خاصة دون الآخرين، و هو تحكم

المطلب الثاني في الغاية

، و هي قد تكون واجبة تارة فيجب الوضوء لها، و قد تكون مندوبة أخرى فيكون الوضوء لها مندوبا، فالكلام يقع في هذا المطلب في مقصدين:

المقصد الأول في الغاية الواجبة

، و فيه مسائل:

(المسألة الأولى) [وجوب الوضوء للصلاة الواجبة]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في وجوب الوضوء للصلاة الواجبة، بل ربما كان من ضروريات الدين.

و استدل عليه أيضا بقوله تعالى: «. إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ.

الآية» (1) فإن صيغة الأمر للوجوب، و سياق الكلام دال على انه للصلاة، لأنه إذا قيل: «إذا لقيت العدو فخذ سلاحك» و «إذا أردت الأمير فالبس ثيابك» يفهم منه عرفا ان أخذ السلاح و لبس الثياب لأجل لقاء العدو و الأمير، فقد دل على المدعى بتمامه و يرد عليه ان المروي في تفسير الآية ان المراد بالقيام فيها القيام من حدث النوم،

كما رواه الشيخ عن ابن بكير في الموثق (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام)

____________

(1) سورة المائدة، الآية 6.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء. الحدائق 15.

121

قوله تعالى: إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ، ما يعنى بذلك: إذا قمتم إلى الصلاة؟ قال: إذا قمتم من النوم. الحديث».

و نقل العلامة في المنتهى و قبله الشيخ في التبيان إجماع المفسرين على ذلك، و حينئذ فلا يتم الاستدلال بها مطلقا، إلا ان يضم إلى ذلك عدم القول بالفرق بين الأحداث، فيتم الاستدلال. و فيه ما فيه.

و يدل عليه أيضا من الأخبار ما هو متفرق في جملة من موارد الأحكام:

و منها- الأخبار الواردة في المستحاضة (1)

«إذا جاز دمها الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين و الفجر، و الوضوء لكل صلاة».

و منها- الأخبار الواردة في المتيمم (2)

«إذا وجد الماء بعد ما صلى في آخر الوقت فليتوضأ لما يستقبل».

و منها- الأخبار الدالة على إعادة الصلاة و الوضوء بنسيان شيء من اجزاء الوضوء (3) إلى غير ذلك من الأخبار التي لا حاجة إلى التطويل بنقلها بعد ثبوت الاتفاق بل الضرورة.

و لا يرد النقض بصلاة الجنازة، إذ اسم الصلاة حقيقة إنما يقع على ذات الركوع و السجود، و يدل عليه صريحا

ما رواه الصدوق في كتاب العلل (4) عن الفضل بن شاذان

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب الاستحاضة و لا يخفى انه لم يرد في شيء من اخبار الاستحاضة الجمع بين الأغسال الثلاثة للظهرين و العشاءين و الفجر و بين الوضوء لكل صلاة في مورد واحد كما هو مفاد عبارته (قده) بل ظاهرها إغناء الأغسال في مورد وجوبها عن الوضوء و ان وجوب الوضوء لكل صلاة في غير مورد وجوب الأغسال كما سيأتي اختيار ذلك منه (قده) في محله.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب التيمم.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب الوضوء.

(4) في الصحيفة 96 و 99 و في الوسائل في الباب- 1- من أبواب الوضوء، و في الباب- 21- من أبواب صلاة الجنازة.

122

عن الرضا (عليه السلام) انه قال: «إنما جوزنا الصلاة على الميت بغير وضوء لانه ليس فيها ركوع و لا سجود، و إنما يجب الوضوء في الصلاة التي فيها ركوع و سجود. الحديث».

(المسألة الثانية) [وجوب الوضوء للطواف الواجب]

- الظاهر انه لا خلاف- كما ادعاه جمع من الأصحاب- في وجوب الوضوء للطواف الواجب، و عليه تدل

صحيحة محمد بن مسلم (1) قال:

«سألت أحدهما (عليهما السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير طهور.

قال: يتوضأ و يعيد طوافه.».

(المسألة الثالثة) [حرمة مس المصحف على المحدث]

لو وجب مس خط المصحف على المكلف- اما بسبب من قبله كالنذر و شبهه أولا من قبله كإصلاح فيه و نحوه على القول بوجوب ذلك، فهل يجب الوضوء لذلك أم لا؟ قولان مبنيان على تحريم المس على المحدث و عدمه.

و المشهور الأول، و نقل القول بالكراهة عن الشيخ في المبسوط و ابن البراج و ابن إدريس، و اليه مال جملة من متأخري المتأخرين.

و الظاهر الأول، و يدل عليه قوله تعالى: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (2) المفسر

في رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) (3) قال: «المصحف لا تمسه على غير طهر و لا جنبا، و لا تمس خطه و لا تعلقه ان اللّٰه تعالى يقول لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ».

و في بعض نسخ الحديث «خيطه» مكان «خطه» و روى مثله مرسلا في كتاب مجمع البيان (4) عن الباقر (عليه السلام) حيث قال- بعد ذكر احتمال تفسير المطهرين بالملائكة أو المراد المطهرين من الشرك- ما لفظه:

«و قيل المطهرون من الأحداث و الجنابات، و قالوا: لا يجوز للجنب و الحائض و المحدث مس المصحف

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 38- من أبواب الطواف.

(2) سورة الواقعة. الآية 76 و 77 و 78.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب الوضوء.

(4) ج 9 ص 226، و في الوسائل في الباب- 12- من أبواب الوضوء.

123

عن محمد بن علي الباقر (عليهما السلام)».

انتهى. و على هذا فيكون ضمير «يمسه» راجعا إلى القرآن و ان بعد في السياق دون «الكتاب» و ان قرب، بل ظاهره في المجمع كون ذلك مجمعا عليه، حيث قال: «و عندنا ان الضمير يعود إلى القرآن فلا يجوز لغير الطاهر مس كتابة القرآن» و مثله نقل عن الشيخ في التبيان.

و حينئذ فلا يلتفت إلى تفسير صاحب الكشاف و لا غيره ممن حرم فيوض الألطاف، المعتمدين في تفاسيرهم على مجرد الآراء، بل المعولين في جميع أحكامهم على الأهواء، و لا إلى ما أطال به بعض متأخري الاعلام من الاحتمالات في المقام، إظهارا لفضيلة ملكة النقض و الإبرام، فإن أصحاب البيت أدرى بما فيه، و اعرف بباطنه و خافية، و التمييز بين كدره و صافية، و الكتاب عليهم انزل، و إليهم يرجع فيما فصل منه و أجمل، فمن مشكاة علومهم تقتبس أنواره. و من خزائن فيوضاتهم تدرك إسراره.

و مما يدل أيضا على الحكم المذكور

موثقة أبي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عمن قرأ القرآن و هو على غير وضوء. قال: لا بأس، و لا يمس الكتاب».

و مرسلة حريز عمن أخبره عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «كان إسماعيل بن أبي عبد اللّٰه عنده، فقال يا بني اقرأ المصحف. فقال: اني لست على وضوء فقال: لا تمس الكتابة و مس الورق و اقرأه».

و يؤيده أيضا

رواية علي بن جعفر بل صحيحته على الظاهر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) انه «سأله عن الرجل أ يحل له ان يكتب القرآن في الألواح و الصحيفة و هو على غير وضوء؟ قال: لا».

و انما جعلنا هذا الخبر مؤيدا دون ان يكون دليلا لاحتماله بحسب الظاهر لتحريم الكتابة على المحدث، و لم أقف على قائل بمضمونه سوى المحدث الكاشاني، و معارضته

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 12- من أبواب الوضوء.

124

بحسنة داود بن فرقد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن التعويذ يعلق على الحائض. قال: نعم لا بأس. قال و قال: تقرأه و تكتبه و لا تصيبه يدها».

و من الظاهر ان التعويذ لا ينفك عن الآيات القرآنية بقرينة النهي عن اصابة اليد، فان الظاهر انه إنما وقع لذلك، و حينئذ فيجب الجمع بينهما، اما بحمل رواية علي بن جعفر على الكتابة على وجه يستلزم المس و الثانية على ما ليس كذلك، أو بحملها على الكراهة كما هو ظاهر الأكثر.

هذا. و لم أقف للقائلين بالجواز على دليل سوى التمسك بالأصل، و الطعن في الآية بعدم الدلالة، تشبثا بذيل الاحتمالات وردا بضعف السند لما ورد في تفسيرها من الروايات، و كذلك جملة ما قدمناه من الاخبار، لكونه ضعيفا بهذا الاصطلاح الذي عليه المدار، مع ان من جملة القواعد المقررة و الضوابط المتكررة جبر الضعيف بالشهرة.

و قد تقدم الكلام في المقدمة الثالثة (2) في ضعف الاعتماد على هذا الأصل فليراجع.

فروع:

(الأول)

- الظاهر انه لا خلاف هنا في جواز مس الهامش و الورق الخالي من الكتابة، لمرسلة حريز المتقدمة (3) و كذا حمله و تعليقه- كما نقله العلامة في المنتهى- على كراهية، لما تقدم من النهي في رواية إبراهيم بن عبد الحميد (4).

(الثاني)

- الظاهر اختصاص حرمة المس بالملاقاة بجزء من الجسد، فلا يتعدى الى الملاقاة بطرف الثوب و نحوه، و على تقدير الأول فهل يختص بالكف بناء على انه الذي يلمس به غالبا، أو يشمل سائر الجسد؟ قولان، أظهرهما الثاني، للصدق لغة

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 37- من أبواب الحيض.

(2) في الصحيفة 44 من الجزء الأول.

(3) في الصحيفة 123.

(4) في الصحيفة 122.

125

و عرفا، و هل يختص بما تحله الحياة من البدن أم يشمل ما لا تحله كالشعر و الظفر و السن؟

وجهان بل قولان، و الظاهر ان منشأ الخلاف من صدق المس عرفا على المس بالظفر و نحوه و عدمه. و ربما جعل منشأ ذلك من جهة حلول الحياة و عدمه. و حيث انه كما لا تتعدى إليه نجاسة موت صاحبه كذلك لا يتعدى اليه حدثه. و فيه انه ان صدق المس بمس الظفر و الشعر و نحوهما دخل في إطلاق الرواية لكونها اجزاء من الجسد البتة، و إلا فلا

(الثالث)

- لو وضأ بعض أعضائه فقبل الإكمال هل يجوز المس بذلك العضو الذي وضأه أم لا؟ الظاهر الثاني، و به صرح في التحرير، لان الحدث المشروط زواله بالطهارة ليس مقسما على الأعضاء، و انما هو أمر معنوي قائم بالشخص من حيث هو لا يرتفع إلا بإكمال الطهارة.

(الرابع)

- هل يختص الحكم بالقرآن من حيث الهيئة الاجتماعية المتعلق بها هذا الاسم، أم يتعدى إلى الآيات المكتوبة في الكتب و على الدراهم و نحو ذلك؟

وجهان أرجحهما الثاني، لما يفهم من حسنة داود بن فرقد (1) و تشعر به صحيحة علي ابن جعفر (2) و لأن الظاهر ان الهيئة الاجتماعية لا مدخل لها في التحريم، ضرورة ان المس إنما يقع على البعض و لا يقع على الكل دفعة، و انضمام غيرها إليها لا يخرجها عن كونها قرآنا.

(الخامس)

- الظاهر شمول التحريم لما نسخ حكمه دون تلاوته، لبقاء الحرمة من جهة التلاوة، و صدق المصحف و القرآن و الكتاب عليه، بخلاف ما نسخت تلاوته و ان بقي حكمه، فإنه لا يحرم مسه، لعدم الصدق. و لا اعرف خلافا في ذلك.

(السادس)

- الظاهر عدم ثبوت التحريم بالنسبة إلى الصبي و نحوه. لعدم التكليف الموجب لتعلق الخطاب به، و هل يجب على الولي منعه؟ الظاهر العدم، لعدم الدليل، و نقل عن المعتبر وجوبه على الولي، و هو ظاهر التحرير، و لا يخلو من قوة،

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 124.

(2) المتقدمة في الصحيفة 123.

126

نظرا إلى عموم الأدلة الدالة على التحريم. و عدم توجه الخطاب فيها إلى الطفل لما ذكرناه لا ينافيه التوجيه إلى وليه.

(السابع)

- هل يدخل في الكتابة التشديد و المد و الهمزة و الاعراب؟

احتمالات: ثالثها دخول ما عدا الأخير، و منشأ ذلك الشك في صدق مس الكتاب بمسها و عدمه.

و رجح بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين العدم مطلقا، قال:

«لإطلاق اسم الكتاب عليه قبل ضبطه بالثلاثة المتقدمة، كقوله تعالى: «. كِتٰابٌ أَنْزَلْنٰاهُ مُبٰارَكٌ(1) «الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلىٰ عَبْدِهِ الْكِتٰابَ(2) «حم وَ الْكِتٰابِ الْمُبِينِ» (3) و نحوها، و حمله على المجاز باعتبار ما يؤول إليه خلاف الأصل، و لأن تحريم المس خلاف الأصل، فيقتصر منه على موضع اليقين» و هو جيد.

(المسألة الرابعة) [وجوب الوضوء غيري لا نفسي]

- تقييد وجوب الوضوء بالغايات المذكورة- بمعنى انه لا يكون واجبا لنفسه- هو المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بل كاد ان يكون إجماعا، بل ادعى الإجماع عليه جمع منهم.

و نقل السيد السند في المدارك عن الشهيد في الذكرى القول بالوجوب النفسي في جميع الطهارات وجوبا موسعا لا يتضيق إلا بظن الوفاة، أو تضيق وقت العبادة المشروطة بها، و اختاره (قدس سره) و استدل عليه:

قال: «و اعلم ان المعروف من مذهب الأصحاب ان الوضوء إنما يجب بالأصل عند اشتغال الذمة بمشروط به، فقبله لا يكون إلا مندوبا، تمسكا بمفهوم قوله تعالى:

«. إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا. الآية» (4) و ليس المراد نفس القيام، و إلا لزم تأخير الوضوء عن الصلاة. و هو باطل بالإجماع، بل المراد- و اللّٰه أعلم- إذا أردتم القيام إلى الصلاة

____________

(1) سورة ص. الآية 28.

(2) سورة الكهف. الآية 1.

(3) سورة الزخرف و الدخان. الآية 2.

(4) سورة المائدة. الآية 6.

127

إطلاقا لاسم المسبب على السبب، فإنه مجاز مستفيض،

و قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): «إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة.».

و المشروط عدم عند عدم الشرط و يتوجه على الأول ان أقصى ما تدل عليه الآية الشريفة ترتب الأمر بالغسل و المسح على ارادة القيام إلى الصلاة، و الإرادة تتحقق قبل دخول الوقت و بعده، إذ لا يعتبر فيها المقارنة للقيام، و إلا لما كان الوضوء في أول الوقت واجبا بالنسبة إلى من أراد الصلاة في آخره. و على الثاني ان المشروط وجوب الطهور و الصلاة معا، و انتفاء المجموع يتحقق بانتفاء أحد جزءيه، فلا يتعين انتفاؤهما معا. و حكى الشهيد في الذكرى قولا بوجوب الطهارات اجمع بحصول أسبابها وجوبا موسعا لا يتضيق إلا بظن الوفاة، أو تضيق وقت العبادة المشروطة بها، و يشهد له إطلاق الآية و كثير من الاخبار

كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول: من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء».

و صحيحة زرارة (3) حيث قال فيها: «. فإذا نامت العين و الاذن و القلب فقد وجب الوضوء.».

و موثقة بكير بن أعين عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) انه قال: «إذا استيقنت أنك أحدثت فتوضأ.».

و صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه (5) انه «سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يواقع أهله أ ينام على ذلك؟ فقال (عليه السلام):

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 4- من أبواب الوضوء. و في الباب- 14- من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب نواقض الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب نواقض الوضوء، و الباب- 44- من أبواب الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 25- من أبواب الجنابة.

128

إذا فرغ فليغتسل».

و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال:

«إذا أرادت الحائض ان تغتسل فلتستدخل قطنة، فان خرج فيها شيء من الدم فلا تغتسل، و ان لم تر شيئا فلتغتسل».

و يؤيده خلو الأخبار بأسرها من هذا التفصيل مع عموم البلوى به و شدة الحاجة اليه، و لو قلنا بعدم اشتراط نية الوجه- كما هو الوجه- زال الاشكال من أصله. و عندي ان هذا هو السر في خلو الاخبار من ذلك، فتأمل» انتهى كلامه رفع مقامه.

و نسج على منواله- كما هو الغالب عليه في كثير من أقواله- الفاضل المتأخر ملا محمد باقر الخراساني في الذخيرة، بل شيد ما أسسه و ذب عنه و حرسه.

و فيه نظر من وجوه: (الأول)- ان عبارة الذكرى و ان أوهمت ما نقله لكن كلام شيخنا الشهيد في قواعده كالصريح في كون القول المذكور للعامة، حيث قال:

«قاعدة- لا ريب ان الطهارة و الاستقبال و النية و الستر معدودة من الواجبات في الصلاة مع الاتفاق على جواز فعلها قبل الوقت، و الاتفاق في الأصول على ان غير الواجب لا يجزئ عن الواجب، فاتجه هنا سؤال و هو ان يقال: أحد الأمرين لازم، و هو اما ان يقال بوجوب هذه الأمور على الإطلاق، و لم يقل به أحد، أو يقال باجزاء غير الواجب عن الواجب، و هو باطل، لان الفعل إنما يجزئ عن غيره مع تساويهما في المصلحة المطلقة، و محال تساوي الواجب و غير الواجب في المصلحة. و جوابه انا فد بينا، ثم أطال في الجواب إلى ان قال: و هذا الاشكال اليسير هو الذي ألجأ بعض العلماء إلى اعتقاد وجوب الوضوء و غيره من الطهارات لنفسه، غير انه يجب وجوبا موسعا قبل الوقت و في الوقت وجوبا مضيقا عند آخر الوقت، ذهب إليه القاضي أبو بكر العنبري، و حكاه الرازي في التفسير عن جماعة. و صار بعض الأصحاب إلى وجوب الغسل بهذه المثابة» انتهى و ظهوره- في ان الخلاف في المسألة المذكورة انما هو لبعض

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الحيض.

129

المخالفين، و خلاف بعض أصحابنا إنما هو في الغسل خاصة- مما لا يخفى على ذي مسكة و أيضا من تأمل في عبارة الذكرى لا يذهب عليه ان المخالف من العامة، و في التعليل إيناس بذلك.

و بالجملة فالظاهر من عبارات الأصحاب (قدس سره)م)- قديما و حديثا، تصريحا في مواضع و تلويحا في اخرى- انه لا قائل بالوجوب النفسي على الإطلاق، و هذان الفاضلان قد اغترا بظاهر عبارة الذكرى، فنقلا القول به في المسألة و شيداه بما ذكرناه.

(الثاني)- ان الآية المذكورة غير مدافعة في الدلالة على الوجوب الغيري، و ذلك من وجهين:

(أحدهما)- ان المفهوم من الآية عرفا ان الوضوء لأجل الصلاة، كما يقال:

«إذا لقيت العدو فخذ سلاحك» أي لأجل العدو.

و أجاب الفاضل الخراساني بأنه لا منافاة بين الوجوب لأجل الصلاة و بين وجوبه في نفسه. فيجوز ان يجتمع الوجوبان.

و يرد عليه (أولا)- ان المدار في الاستدلال على المعاني المتبادرة إلى الذهن في بادئ النظر، و المنساقة إليه بمجرد الالتفات إلى ظاهر اللفظ، و من ثم تراهم يصرحون- سيما في الأصول في غير موضع- بان التبادر امارة الحقيقة، و لا شك ان المتبادر من ظاهر الآية و من المثال المذكور ان الوضوء و أخذ السلاح لأجل الصلاة و الحرب، و مقتضى تعليق الوجوب على غاية مخصوصة انتفاؤه بانتفائها فتثبت المنافاة بين الوجوب الغيري و الوجوب النفسي البتة.

و (ثانيا)- انه متى ثبت الوجوب الذاتي لشيء ثبت له مع كل أمر مجامع له بوجوب واحد، و التغاير فيه اعتبار محض لا يترتب عليه أثر بالكلية، إذ لا يعقل لهذا الوجوب الغيري بعد ثبوت الوجوب النفسي معنى بالكلية كما لا يخفى على المتأمل، و حينئذ فليس هنا وجوبان كما زعمه (قدس سره).

130

و (ثانيهما)- ان الآية تدل- بمفهوم الشرط الذي هو حجة صريحة، أما عندهم فلما استدلوا به عليه في الأصول، و اما عندنا فلما دلت عليه الاخبار من حجيته- على عدم وجوب الوضوء عند عدم ارادة القيام، فلا يكون واجبا لنفسه.

أجاب الفاضل المتقدم ذكره بان فيه ان المسلم حجية مفهوم الشرط إذا لم يكن للتعليق بالشرط فائدة أخرى سوى التخصيص، و ههنا ليس كذلك، إذ يجوز ان تكون الفائدة ههنا بيان ان الوضوء واجب لأجل الصلاة و ان كان واجبا في نفسه، فيكون الغرض متعلقا بالوجوب العارض له حين ارادة الصلاة باعتبار التوصل به إليها و كونه من مصالحها.

و يرد عليه ما تقدم، فان مبنى كلامه على تجويز اجتماع الوجوبين، و قد عرفت ما فيه، و من المعلوم ان الواجب لنفسه لا يحسن بل لا يجوز تعليقه على غيره، إذ قضية التعليق هو الوجوب الغيري، فإنا لا نعني به إلا ترتب وجوب شيء على آخر، و لو كان واجبا في نفسه لم يحسن هذا الترتب البتة. و بالجملة انه قد سلم الوجوب الغيري، و هو يقتضي التعليق المذكور، و ما يدعيه من الوجوب النفسي الثابت معه فنحن نمنعه، و المانع مستظهر.

(الثالث)- ان ما أورده (قدس سره) على الآية- بقوله: «ان أقصى ما تدل عليه الآية. إلخ»- فالجواب عنه من وجوه:

(أحدها)- انه يكفينا- في الاستدلال على ما ادعينا من الوجوب الغيري و نفي الوجوب النفسي- ما ذكرنا من التقرير المتقدم، و لزوم الوجوب بالإرادة و لو قبل الوقت- مع كونه لا مدخل له في صحة ما اعتمدناه من الاستدلال- يكفينا في نفيه الإجماع على عدمه من الطرفين، فالتقريب في الآية يتم بضم الإجماع.

و (ثانيها)- ما افاده بعض الاعلام من أن التعبير عن الإرادة بالقيام يعطي المقارنة كما فهمه بعض المفسرين، و إذا قام الدليل على عدم اعتبارها حمل على الأقرب

131

الممكن و هو ما في الوقت. انتهى. و هو جيد يساعده ما تكرر مثل ذلك في الآيات القرآنية و الاخبار المعصومية، و منه- قوله تعالى: «فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ(1)

و لو لم يحمل على ذلك لزم الخلل في معنى ذلك الكلام المتعالي عنه كلام الملك العلام و أهل الذكر (عليهم السلام).

و (ثالثها)-

انه قد روى ابن بكير في الموثق (2) بل الصحيح على قول قوى لكونه ممن نقل فيه إجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنه، قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة ما يعني بذلك: إذا قمتم إلى الصلاة؟

قال: إذا قمتم من النوم.».

و يؤيده أيضا نقل العلامة في المنتهى و الشيخ في التبيان إجماع المفسرين على ذلك، و حينئذ فلا حاجة إلى ما ارتكب من تقدير الإرادة في الآية، و معنى الآية حينئذ: إذا قمتم من حدث النوم قاصدين إلى الصلاة فتوضؤوا. فقد وقع الأمر بالوضوء معلقا على القصد للصلاة بالنسبة إلى من كان محدثا بحدث النوم، و هو نص في الوجوب الغيري في هذا المورد، و هو كاف في صحة الاستدلال. و ان ضم إلى ذلك عدم القول بالفصل بين حدث النوم و غيره من الأحداث تم الاستدلال بالآية بمعونة المقدمة المذكورة على الوجوب الغيري في جميع الأحداث.

(الرابع)- ما ذكره من الإيراد على الخبر بقوله: «و على الثاني ان المشروط وجوب الطهور و الصلاة.»:

فإن فيه (أولا)- انه متى كان المشروط بالدخول وجوب مجموع الأمرين من الطهور و الصلاة من حيث المجموع كما هو ظاهر كلامه، يلزم ان لا يثبت الوجوب بعد دخول الوقت لشيء من ماهية الطهور و الصلاة من حيث الانفراد، و هو ظاهر البطلان و (ثانيا)- انه متى كان انتفاء هذا المجموع لأجل انتفاء الشرط يتحقق

____________

(1) سورة النحل. الآية 98.

(2) رواه في الوسائل في الباب- 3- من أبواب نواقض الوضوء.

132

بانتفاء أحد جزءيه الذي هو الصلاة كما هو مراده و مطرح نظره، يلزم ان المعلق إنما هو أحد الجزأين خاصة و هو الذي انتفى بانتفاء الشرط، و حينئذ فلا معنى لتعليق الآخر، كما لا معنى لقولنا: «إذا دخل الوقت وجب الحج و الصلاة».

قال الفاضل المتقدم ذكره- بعد نقل إيراد السيد على الخبر كما ذكرنا- ما لفظه:

«و لعل غرضه ان المشروط وجوب المجموع على سبيل الاستغراق الأفرادي، فكأنه قيل:

«إذا دخل الوقت وجب كل واحد من الأمرين» و اللازم من ذلك- على تقدير حجية مفهوم الشرط- رفع الإيجاب الكلي عند انتفاء الشرط، لا ان المشروط مجموع الأمرين من حيث هو مجموع، إذ ذلك بعيد جدا» انتهى.

و أنت خبير بان اعتذاره هذا قصاراه الإتيان على الوجه الأول مما ذكر دون الثاني (الخامس)- ان ما استند اليه من الاخبار التي نقلها فالجواب عنها من وجوه:

(أحدها)- ما أجاب به شيخنا الشهيد في الذكرى من ان صحة إطلاق الوجوب أو الأمر في الصورة المذكورة إنما نشأت من معلومية الاشتراط، حتى انه غلب في الاستعمال فصار حقيقة عرفية.

و (ثانيها)- النقض الإجمالي بورود الاخبار بغسل الثوب و البدن من النجاسات و هي أكثر من ان يأتي المقام عليها، مع مساعدة الخصم فيها على الوجوب الغيري.

و (ثالثها)- انه لا نزاع في كون هذه الأسباب التي تضمنتها الاخبار موجبات للوضوء كما عبر به عنها في محله، بمعنى ان الوضوء بسببها يكون واجبا، لكن النزاع في ان هذا الوجوب الناشئ عنها هل هو نفسي ثابت للوضوء في نفسه أو غيري؟ فههنا شيئان: ما به الوجوب و هي الأسباب من بول و نحوه، و ما له الوجوب من صلاة و نحوها من الغايات المترتبة على الوضوء، و الاخبار التي أوردها المستدل إنما تدل على ما به الوجوب، بمعنى ان هذه الأشياء يحصل بسببها وجوب الوضوء، و هذا ليس من محل النزاع في شيء، و اما كون هذا الوجوب ثابتا للوضوء في نفسه أو لغيره فلا.

133

و (رابعها)- الجواب عنها تفصيلا: اما عن صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) فالمتبادر منها من لفظ «وجب» معنى لزم و ثبت، و هو أعم من الوجوب بالمعنى المصطلح، و كذلك صحيحة زرارة (2) و إلا لزم فيها تعلق التكليف بالنائم، لأن المتعارف في كلامهم (عليهم السلام) إطلاق الفريضة على الواجب بالمعنى المصطلح، و إطلاق الواجب على المعنى العرفي أي اللازم الثابت، و لا شك في ثبوت الوضوء- مثلا- في الذمة بمجرد الإتيان بالسبب، بمعنى جواز فعله بل استحبابه مع عدم وجود مانع من حين حصول السبب، و جواز الدخول به في المشروط به. و اما موثقة بكير بن أعين (3) ففيها إجمال لاحتمال ورودها على ما هو الغالب من ارادة الوضوء عند ارادة ما هو مشروط به.

و اما صحيحة عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّٰه (4) فليس المراد بها الوجوب، و إلا لزم وجوب الفورية. و اما صحيحة محمد بن مسلم (5) ففيها تعليق الأمر بالاغتسال على الإرادة، فلا دلالة فيها على الوجوب بالمعنى المصطلح.

و مما يرشد إلى ما ذكرناه ورود هذه الاخبار اما في مقام بيان الناقض، أو بيان آداب الاغتسال، أو كراهة النوم على الجنابة، أو نحو ذلك، لا بيان وقت تعلق التكليف و (خامسها)- المعارضة بالأخبار الكثيرة أيضا:

و منها- صحيحة زرارة المذكورة في كلامه (قدس سره) (6) و ما أورده عليها فقد عرفت ما فيه. و أنت خبير بأنها أوضح دلالة و أخص مدلولا مما أورده من الاخبار فيتعين تقييدها بها جمعا.

و منها-

ما رواه في الفقيه (7) من العلل التي كتبها الرضا (عليه السلام) الى محمد بن سنان: «ان علة الوضوء التي من أجلها صار على العبد غسل الوجه و الذراعين

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 127.

(2) المتقدمة في الصحيفة 127.

(3) المتقدمة في الصحيفة 127.

(4) المتقدمة في الصحيفة 127.

(5) المتقدمة في الصحيفة 128.

(6) المتقدمة في الصحيفة 127.

(7) ج 1 ص 35، و في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

134

و مسح الرأس و القدمين، فلقيامه بين يدي اللّٰه. الحديث».

و روايات الفقيه و ان ضعف سندها لإرسال أو غيره فهي متلقاة عندهم بالقبول كما صرح به جملة من الفحول.

و منها-

ما رواه في كتاب العيون (1) و العلل من علل الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: «إنما أمر بالوضوء و بدئ به لأن يكون العبد طاهرا إذا قام بين يدي الجبار. الحديث».

و لا يخفى ما فيهما من ظهور الدلالة على الوجوب الغيري و منها-

ما رواه في الكافي (2) في باب ان الأرض للإمام (عليه السلام) عن ابي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «ان الامام- يا أبا محمد- لا يبيت ليلة و للّٰه في عنقه حق يسأله عنه».

مع

ما رواه الصدوق في الفقيه (3) عن الصادق (عليه السلام):

«أنا أنام على ذلك- يعني حدث الجنابة- حتى أصبح، و ذلك اني أريد أن أعود».

و منها-

صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) «في الصائم يتوضأ فيدخل الماء حلقه؟ قال: ان كان وضوؤه لصلاة فريضة فليس عليه قضاء، و ان كان وضوؤه لصلاة نافلة فعليه القضاء».

و منها-

ما رواه الكليني (5) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث طويل قال: «ان اللّٰه فرض على اليدين ان لا يبطش بهما إلى ما حرم اللّٰه و ان يبطش بهما إلى ما أمر اللّٰه عز و جل، و فرض عليهما من الصدقة، و صلة الرحم، و الجهاد في سبيل اللّٰه و الطهور للصلوات. الحديث».

____________

(1) ص 252، و في العلل ص 96. و في الوسائل في الباب- 1- من أبواب الوضوء.

(2) في الصحيفة 408 من الجزء الأول من الأصول.

(3) ج 1 ص 47 و في الوسائل في الباب- 25- من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 23- من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

(5) في الصحيفة 33 من الجزء الثاني من الأصول، و في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الجنابة و في الباب- 2- من أبواب جهاد النفس.

135

و منها- الأخبار الواردة في من عليها غسل الجنابة و فجاءها الحيض قبل ان تغتسل

من قوله (عليه السلام) في بعضها (1): «قد جاءها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل».

و في آخر (2) «قد أتاها ما هو أعظم من ذلك».

و في جملة منها (3)

«تجعله غسلا واحدا بعد طهرها».

و في بعض (4) «ان شاءت ان تغتسل فعلت، و ان لم تفعل فليس عليها شيء».

و لا يخفى أن جميع ذلك إنما يتمشى و ينطبق على الوجوب الغيري دون الوجوب النفسي إلا بتكلفات بعيدة و تمحلات غير سديدة.

هذا. و قد عرفت سابقا (5) دلالة الآية على ذلك أيضا، فتكون منطبقة على هذه الأخبار، مرجحة لها لو ثبتت المعارضة في هذا المضمار.

المقصد الثاني في الغاية المستحبة

(فمنها)-

الصلاة المستحبة

، و ربما سبق إلى بعض الأوهام- كما نقله بعض الاعلام هنا- وجوب الوضوء لصلاة النافلة، بناء على ترتب الإثم على فعل النافلة بدون وضوء. و هو خطأ محض، فإن الإثم إنما يتوجه إلى الفعل المذكور لأن فعل النافلة من غير وضوء تشريع محرم، فالإثم إنما ترتب على ذلك لا على الترك، و أحدهما غير الآخر.

____________

(1) و هي حسنة الكاهلي المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الجنابة، و في الباب- 22- من أبواب الحيض.

(2) و هي رواية سعيد بن يسار المروية في الوسائل في الباب- 22- من أبواب الحيض.

(3) و هي موثقات حجاج الخشاب و زرارة و أبي بصير و عبد اللّٰه بن سنان المروية في الوسائل في الباب- 43- من أبواب الجنابة.

(4) و هي موثقة عمار المروية في الوسائل في الباب- 43- من أبواب الجنابة، و في الباب- 22- من أبواب الحيض.

(5) في الصحيفة 129.

136

و ربما أطلق على هذا النوع من الندب اسم الواجب تجوزا، لمشابهة الواجب في الشرطية و عدم صحة الفعل إلا به و ان كان في حد ذاته مندوبا، و يعبر عنه بالوجوب الشرطي إشارة إلى علاقة التجوز، و لعله من ذلك سرى الوهم.

و الاخبار الدالة على الوضوء لصلاة النافلة متفرقة في جملة من الصلوات لكن ليس فيها تصريح بالاستحباب، و لعل المتمسك في ذلك البناء على ان شرط المستحب مستحب كما ان شرط الواجب واجب، و الإجماع كما نقله جملة من الأصحاب.

و يدل على الاشتراط في الجميع عموم

قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1):

«لا صلاة إلا بطهور.».

و قوله (عليه السلام) في حسنة الحلبي (2): «الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور و ثلث ركوع و ثلث سجود».

و (منها)-

الطواف المستحب

، و هل الوضوء هنا شرط لصحته كصلاة النافلة أو لوقوعه على الوجه الأكمل، فيصح بدونه؟ خلاف سيأتي الكلام عليه ان شاء اللّٰه تعالى في موضعه.

و (منها)-

دخول المساجد

، لرواية مرازم بن حكيم المروية في كتاب مجالس الصدوق (3) عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «عليكم بإتيان المساجد فإنها بيوت اللّٰه في الأرض، و من أتاها متطهرا طهره اللّٰه من ذنوبه، و كتب من زواره».

و روى الصدوق في الفقيه (4) مرسلا: «ان في التوراة مكتوبا ان بيوتي في الأرض

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب أحكام الخلوة، و في الباب- 1 و 4- من أبواب الوضوء، و في الباب- 14- من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الركوع. و في الباب- 28- من أبواب السجود.

(3) في الصحيفة 216 و في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الوضوء.

(4) ج 1 ص 154 و في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الوضوء، و في الباب- 39- من أحكام المساجد.

137

المساجد، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي. الحديث».

و لاستحباب صلاة التحية بعد دخولها الموقوفة على الطهارة.

و يتأكد مع ارادة الجلوس فيها،

لمرسلة العلاء بن الفضيل عمن رواه عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا دخلت المسجد و أنت تريد ان تجلس فلا تدخله إلا طاهرا.».

و (منها)-

قراءة القرآن

، لرواية محمد بن الفضيل المروية في كتاب قرب الاسناد (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام): اقرأ المصحف ثم يأخذني البول فأقوم فأبول و استنجي و اغسل يدي، و أعود إلى المصحف فاقرأ فيه؟ قال: لا حتى تتوضأ للصلاة».

و في كتاب الخصال (3) في حديث الأربعمائة «قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

لا يقرأ العبد القرآن إذا كان على غير طهور حتى يتطهر».

و بعض المتأخرين لما لم يقف على المستند في الحكم المذكور علله بالشهرة و التعظيم.

و (منها)-

مسه و حمله

، لموثقة إبراهيم بن عبد الحميد المتقدمة في أدلة تحريم مس خط المصحف على المحدث (4).

و (منها)-

النوم

. لرواية محمد بن كردوس عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «من تطهر ثم آوى إلى فراشه بات و فراشه كمسجده.».

و رواه البرقي في كتاب المحاسن (6) عن حفص بن غياث عنه (عليه السلام)،

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الوضوء، و في الباب- 39- من أحكام المساجد.

(2) في الصحيفة 175 و في الوسائل في الباب- 13- من أبواب قراءة القرآن.

(3) ج 2 ص 165 و في الوسائل في الباب- 13- من أبواب قراءة القرآن.

(4) في الصحيفة 122.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الوضوء.

(6) في الصحيفة 47، و في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الوضوء.

138

و زاد في آخره «فان ذكر انه ليس على وضوء فتيمم من دثاره كائنا ما كان لم يزل في صلاة ما ذكر اللّٰه تعالى».

و (منها)-

نوم الجنب

، لصحيحة الحلبي (1) قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل أ ينبغي له ان ينام و هو جنب؟ قال: يكره ذلك حتى يتوضأ».

و (منها)-

صلاة الجنازة

، لرواية عبد الحميد بن سعيد (2) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): الجنازة يخرج بها و لست على وضوء، فان ذهبت أتوضأ فاتتني الصلاة. أ يجزيني أن أصلي عليها و انا على غير وضوء؟ قال: تكون على طهر أحب الي».

و (منها)-

السعي في حاجة

، لصحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سمعته يقول: من طلب حاجة و هو على غير وضوء فلم تقض فلا يلومن إلا نفسه».

و طعن بعض فضلاء متأخري المتأخرين في الدلالة، معللا بان مفاده ان الحاجة بدون الوضوء لا تقضى، فينبغي ان يطلب الحاجة فيما إذا توضأ بالوضوء الذي رخص فيه من الشارع، لأنه عبادة موقوفة على الاذن، و ليس فيه دلالة على الاذن و الرخصة للوضوء في وقت طلب الحاجة، كما تشهد به الفطرة السليمة. انتهى.

و فيه نظر، فان الظاهر من العبارة كون ذلك كناية عن الحث على الوضوء لأجل ذلك، كما ورد نظيره في استحباب التحنك و الحث عليه بعد التعمم و عند الخروج في السفر.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 11- من أبواب الوضوء، و في الباب- 25- من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 21- من أبواب صلاة الجنازة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب الوضوء.

139

كقوله (عليه السلام) (1): «من تعمم و لم يتحنك فاصابه داء لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه».

و في أخرى (2) «من اعتم و لم يدر العمامة تحت حنكه فاصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه».

و في موثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) «من خرج في سفر و لم يدر العمامة تحت حنكه فاصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه».

فان المتبادر من ذلك هو استحباب التحنك لأجل الأمرين المذكورين.

و (منها)-

الجنب إذا أراد ان يغسل ميتا و لما يغتسل

. و (منها)-

غاسل الميت إذا أراد ان يأتي أهله قبل الغسل.

و يدل عليهما

حسنة شهاب بن عبد ربه (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الجنب يغسل الميت، أو من غسل ميتا، أ يأتي أهله ثم يغتسل؟ فقال: هما سواء لا بأس بذلك، إذا كان جنبا غسل يديه و توضأ و غسل الميت و هو جنب، و ان غسل ميتا ثم إني أهله توضأ ثم أتى اهله و يجزيه غسل واحد لهما».

و (منها)-

المجامع إذا أراد الجماع مرة أخرى و لما يغتسل

، و هذا الموضع غير مذكور في كتب الأصحاب.

و يدل عليه رواية الوشاء،

رواها الإربلي في كتاب كشف الغمة (5) من كتاب

____________

(1) في حسنة ابن أبي عمير المروية في الوسائل في الباب- 26- من أبواب لباس المصلى.

(2) و هي رواية عيسى بن حمزة المروية في الوسائل في الباب- 26- من أبواب لباس المصلي.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 26- من أبواب لباس المصلي.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 43- من أبواب الجنابة، و في الباب- 34- من أبواب غسل الميت.

(5) في الصحيفة 269، و في الوسائل في الباب- 13- من أبواب الوضوء.

140

دلائل الحميري عن الوشاء قال: «قال فلان بن محرز بلغنا ان أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) كان إذا أراد ان يعاود أهله الجماع توضأ وضوء الصلاة، فأحب أن تسأل أبا الحسن الثاني (عليه السلام) عن ذلك. قال الوشاء: فدخلت عليه فابتدأني من غير ان أسأله فقال: كان أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا جامع و أراد ان يعاود توضأ للصلاة و إذا أراد أيضا توضأ للصلاة».

و (منها)-

التأهب لصلاة الفريضة

، لما رواه الشهيد في الذكرى (1) من قولهم (عليهم السلام): «ما وقر الصلاة من أخر الطهارة حتى يدخل الوقت».

و يدل عليه أيضا ما ورد في الأخبار (2) من الأمر بصلاة الفريضة حين يدخل الوقت.

و (منها)-

جماع الحامل

، لما في وصيته (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلي (عليه السلام) قال: «يا علي إذا حملت امرأتك فلا تجامعها إلا و أنت على وضوء، فإنه ان قضى بينكما ولد يكون أعمى القلب بخيل اليد» رواه الصدوق في كتاب المجالس و العلل (3).

و (منها)-

ما لا يشترط فيه الطهارة من مناسك الحج

، لما سيأتي في بابه ان شاء اللّٰه تعالى.

و (منها)-

الدخول من سفر

، لما رواه الصدوق في المقنع (4) قال: «و روى عن الصادق (عليه السلام) قال من قدم من سفر فدخل على اهله و هو على غير وضوء و رأى ما يكره فلا يلومن إلا نفسه».

____________

(1) في التنبيه الثالث من المواقيت، و في الوسائل في الباب- 4- من أبواب الوضوء.

(2) المروية على الاختلاف في الباب- 3 و 5 و 6 و 18 و 28- من أبواب المواقيت.

(3) رواه في المجالس ص 339 و في العلل ص 175، و في الوسائل في الباب- 13- من أبواب الوضوء، و في الباب- 154- من مقدمات النكاح و آدابه.

(4) لم نعثر على هذه الرواية في المقنع بعد الفحص عنها في مظانها.

141

و (منها)-

لمن أراد ان يدخل الميت قبره

، لرواية محمد بن مسلم و الحلبي عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) في حديث قال: «توضأ إذا أدخلت الميت القبر».

و (منها)-

الكون على الطهارة

، لما رواه الديلمي في الإرشاد (2) عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: «قال اللّٰه تعالى: من أحدث و لم يتوضأ فقد جفاني. الحديث».

و ما رواه الراوندي في نوادره عن الكاظم عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (3) قال: «كان أصحاب رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا بالوا توضؤوا أو تيمموا مخافة ان تدركهم الساعة».

و (منها)-

التجديد

، لرواية أبي بصير و محمد بن مسلم المروية في الخصال (4) عن الصادق عن آبائه عن أمير المؤمنين علي (عليهم السلام) قال: «الوضوء بعد الطهور عشر حسنات فتطهروا».

و رواه في كتاب المحاسن (5) مثله.

و مرسلة سعدان عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) قال:

«الطهر على الطهر عشر حسنات».

و الاخبار بذلك مستفيضة.

و يتأكد لصلاة المغرب و الغداة،

لرواية سماعة عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) (7) قال: «من توضأ للمغرب كان وضوؤه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلا الكبائر، و من توضأ للصبح كان وضوؤه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكبائر».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 31- و في الباب- 53- من أبواب الدفن.

(2) ص 58 طبع النجف 1374 و في الوسائل في الباب- 11- من أبواب الوضوء.

(3) رواه صاحب المستدرك في الباب- 11- من أبواب الوضوء.

(4) ص 161 في حديث الأربعمائة، و في الوسائل في الباب- 1- من أبواب نواقض الوضوء، و في الباب- 8- من أبواب الوضوء.

(5) ص 47.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الوضوء.

(7) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الوضوء.

142

و لصلاة العشاء،

لرواية أبي قتادة عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «تجديد الوضوء لصلاة العشاء يمحو لا و اللّٰه و بلى و اللّٰه».

و (منها)-

ارادة وطء جارية بعد وطء اخرى و لما يغتسل

، لمرسل ابن أبي نجران عمن رواه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «إذا اتى الرجل جاريته ثم أراد ان يأتي أخرى توضأ».

و (منها)-

ذكر الحائض

على المشهور، و نقل في المختلف عن علي بن بابويه القول بالوجوب، و هو ظاهر ابنه الصدوق في الفقيه، حيث نقل ذلك (3) عن أبيه في رسالته اليه بما لفظه: «و قال أبي في رسالته الي: اعلم الى ان قال: يجب عليها عند حضور كل صلاة ان تتوضأ وضوء الصلاة و تجلس مستقبلة القبلة» فإن نقله ذلك و جموده عليه يدل على اختياره.

و الذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك

صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) و فيها «و عليها ان تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر اللّٰه. الحديث».

و حسنة زيد الشحام عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) و فيها «ينبغي للحائض أن تتوضأ عند وقت كل صلاة. الحديث».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 154- من مقدمات النكاح و آدابه. و لا يخفى ان هذه المرسلة- كما في المتن و في التهذيب ج 2 ص 242 و في الوافي ج 12 ص 107- هي مرسلة عبد الرحمن ابن أبي نجران التميمي، و لكن في الوسائل ذكر عثمان بن عيسى بدل ابن أبي نجران.

(3) ج 1 ص 50.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الوضوء. و في الباب- 40- من أبواب الحيض.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 40- من أبواب الحيض.

143

و رواية معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «تتوضأ المرأة الحائض إذا أرادت أن تأكل، و إذا كان وقت الصلاة توضأت و استقبلت القبلة. الحديث».

و حسنة محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الحائض تطهر يوم الجمعة و تذكر اللّٰه؟ قال: اما الطهر فلا، و لكنها تتوضأ في وقت الصلاة ثم تستقبل القبلة. الحديث».

و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «و كن نساء النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لا يقضين الصلاة إذا حضن، و لكن يحتشين حين يدخل وقت الصلاة و يتوضأن. الحديث».

و في كتاب الفقه الرضوي (4) قال (عليه السلام): «و يجب عليها عند حضور كل صلاة ان تتوضأ وضوء الصلاة و تجلس. الحديث».

و الظاهر ان عبارة الفقيه مأخوذة من الكتاب المذكور كما قدمنا الإشارة إليه آنفا، لاتفاق لفظي العبارة و الحديث.

و في كتاب دعائم الإسلام (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) انه قال: «انا نأمر نساءنا الحيض ان يتوضأن عند وقت كل صلاة، فيسبغن الوضوء و يحتشين بخرق، ثم يستقبلن القبلة من غير ان يفرضن صلاة، إلى ان قال: فقيل لأبي جعفر (عليه السلام):

فإن المغيرة زعم انك قلت يقضين الصلاة فقال: كذب المغيرة، ما صلت امرأة من نساء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا من نسائنا و هي حائض، و إنما يؤمرن بذكر اللّٰه- كما وصفنا- ترغيبا في الفضل و استحبابا له».

هذا ما وقفت عليه من أخبار المسألة. و ظاهر لفظ «عليها» في الرواية الأولى

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 40- من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 40- من أبواب الحيض.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 40- من أبواب الحيض.

(4) في الصحيفة 21.

(5) ج 1 ص 155.

144

الوجوب، قيل: و ظاهر لفظ «ينبغي» في الثانية الاستحباب. و فيه تأمل، فإنه و ان اشتهر كونه كذلك في عرف الناس- و ربما وجد في الاخبار بهذا المعنى أيضا- الا ان أكثر استعمال «ينبغي» و «لا ينبغي» في الاخبار بمعنى الوجوب و التحريم، و قد حضرني من الاخبار ما يشتمل على خمسة عشر موضعا يتضمن ما ذكرناه. و اما الثالثة فقيل: ان الأمر بالوضوء في صدرها قرينة على استحباب الوضوء للذكر المذكور بعده.

و فيه نظر، لعدم الملازمة بينهما المقتضية لذلك، و اشتمال الرواية على الأوامر الوجوبية و الندبية غير عزيز في الاخبار. و اما الرابعة فلا ظهور لها في الاستحباب زيادة على الوجوب، و كذلك الخامسة. و اما السادسة فهي ظاهرة في الوجوب. و اما السابعة فظاهرة في الاستحباب.

و أنت خبير بأنه لو لم يرجح الوجوب منها على الاستحباب فلا يرجح العكس، و المسألة محل توقف، و الشهرة غير مرجحة إلا ان تكون في الصدر الأول. و هي غير معلومة سيما مع مخالفة هذين العمدتين. و توقف شيخنا صاحب رياض المسائل و حياض الدلائل، و نفى بعد القول الثاني عن الصواب، و هو كذلك لما عرفت.

و (منها)-

وضوء الميت مضافا إلى غسله

على المشهور، و سيجيء تحقيقه في محله ان شاء اللّٰه تعالى.

و (منها)-

كتابة القرآن

، لصحيحة علي بن جعفر المتقدمة (1) في مسألة حكم مس القرآن للمحدث بناء على أحد احتماليها.

و زاد بعض الأصحاب استحباب الوضوء للجنب إذا أراد ان يأكل،

لصحيحة الحلبي (2) المتضمنة «انه إذا كان الرجل جنبا لم يأكل و لم يشرب حتى يتوضأ».

و صحيحة عبد الرحمن (3) قال: «قلت أ يأكل الجنب قبل ان يتوضأ؟ قال:

انا لنكسل، و لكن يغسل يده، و الوضوء أفضل».

____________

(1) في الصحيفة 123.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 20- من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 20- من أبواب الجنابة.

145

و استظهر بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين حمل الوضوء هنا على غسل اليد،

كما ورد في حسنة زرارة (1) «الجنب إذا أراد أن يأكل و يشرب غسل يده و تمضمض و غسل وجهه.».

و مثلها رواية السكوني (2) و هو أقرب، لأن إطلاق الوضوء في الاخبار على ذلك منتشر، و المفصل يحكم على المجمل، و يؤيده ان الغسل هو المنسوب إلى الأكل و الشرب.

و المشهور أيضا عد زيارة المقابر، و لم أقف بعد الفحص على مستنده.

و عد جماع المحتلم أيضا، و لم أقف أيضا على دليله، و ما استدلوا به عليه

من قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (3): «يكره ان يغشى الرجل المرأة و قد احتلم حتى يغتسل من احتلامه. الخبر».

فلا تعرض فيه للوضوء- كما ترى- بوجه.

و زاد بعضهم ما روى فيه الوضوء من الأسباب الزائدة مما قدمنا ذكره، كالمذي و الرعاف، و القيء، و قراءة الشعر الباطل زيادة على أربعة أبيات، و نحو ذلك. و الأظهر- كما قدمنا ذكره- حمل تلك الأخبار على التقية (4).

و زاد بعضهم أيضا استحباب الوضوء للحاكم إذا جلس للقضاء بين الناس. و لم أقف على دليله.

و زاد بعض آخر استحباب الوضوء لمن غسل ميتا إذا أراد تكفينه قبل الغسل.

فإن أراد به الوضوء المجامع لغسل المس- كما صرح به شيخنا الشهيد الثاني في الروضة- فلا وجه لعده في هذا المقام، مع انه لا نص على استحبابه هنا أيضا، و ان أراد ان منشأ الاستحباب هو تلك الغاية المذكورة، ففيه انه لا دليل عليه كما اعترف به غير واحد

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 20- من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 20- من أبواب الجنابة.

(3) المروي في الوسائل في الباب- 70- من أبواب مقدمات النكاح و آدابه.

(4) تقدم في التعليقة 5 ص 110 و التعليقة 6 ص 114 و التعليقة 1 ص 116 ما يتعلق بذلك.

146

فائدتان:

(الأولى) [تجديد الوضوء بلا فصل بصلاة]

- قد عرفت في جملة ما تقدم (1) استحباب الوضوء للتجديد، و لا ريب- كما هو ظاهر المذهب- في شرعيته و ان ترامى مع الفصل بصلاة و لو نافلة، لإطلاق الآية (2) و الرواية عموما و خصوصا. اما بدونه فهل يشرع مطلقا، أو لا مطلقا، أو مع الفصل بمجدد له في الجملة و بدونه فلا؟ احتمالات:

و إطلاق الاخبار-

كقولهم (عليهم السلام) (3): «الوضوء على الوضوء نور على نور».

و قولهم (4) «من جدد وضوءه من غير حدث جدد اللّٰه توبته من غير استغفار».

و قولهم (5):

«الطهر على الطهر عشر حسنات».

- يدل على الأول، و به قطع في التذكرة، و توقف في الذكرى في استحبابه لمن لم يصل بالأول، و رجح فيها عدم استحبابه لصلاة واحدة أكثر من مرة، و هو ظاهر الصدوق في الفقيه في مسألة تثنية الغسل في الوضوء كما سيأتي، حيث حمل أخبار التثنية على التجديد.

و احتمل بعض المتأخرين تفصيلا بأنه يمكن ان يقال مع الفصل الكثير الذي يحتمل طرو الحدث بعده و عدم تذكره، يتحقق التجديد عرفا، مع ان فيه نوعا من الاحتياط ثم ان ظاهر الأصحاب اختصاص التجديد بطهارة الوضوء بمعنى الوضوء بعد الوضوء، و اما الوضوء بعد الغسل، و الغسل بعد الغسل و لو مع الفصل بصلاة، فلم يتعرضوا له، و ربما أيد المنع ورود الاخبار ببدعية الوضوء مع غسل الجنابة.

و استظهر شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار استحباب التجديد في الصورة الأولى إذا صلى بينهما،

لرواية أبي بصير و محمد بن مسلم المتقدمة (6) نقلا عن

____________

(1) في الصحيفة 141.

(2) و هي قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا. الآية».

(3) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الوضوء.

(6) في الصحيفة 141.

147

كتاب الخصال الدالة على ان «الوضوء بعد الطهور عشر حسنات».

قال: و «المتبادر من اخبار كونه بدعة إذا وقع بلا فاصلة. ثم قال: و لعل الاحتياط في الترك» انتهى.

و نفى بعض البعد عن استحباب تجديد الغسل لمرسلة سعدان المتقدمة (1).

(الثانية)

- قد انتشر الخلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في استباحة الصلاة بالوضوء لأحد الغايات المذكورة، و سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى تفصيل الكلام في المسألة في مبحث النية.

المطلب الثالث في الكيفية

، و هي تشتمل على المندوب و الواجب، فبسط القول في هذا المطلب يقتضي جعله في فصلين:

الفصل الأول في المندوب

، و هو أمور:

(منها)-

وضع الإناء الذي يتوضأ منه على اليمين

، ذكره الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) و لم نقف له على مستند في أخبارنا. و بذلك أيضا صرح جمع من أصحابنا و استدل على ذلك ببعض الأمور الاعتبارية، و الروايات العامية (2) و فيه ما لا يخفى و لا سيما

و قد ورد في بعض صحاح زرارة الواردة في حكاية الوضوء البياني (3) قال:

«فدعى بقعب فيه شيء من ماء ثم وضعه بين يديه.».

هذا إذا كان الإناء واسع الرأس، اما إذا كان ضيق الرأس يحتاج إلى الصب

____________

(1) في الصحيفة 141.

(2)

في صحيح البخاري (باب التيمن في الوضوء) عن عائشة «كان النبي (ص) يعجبه التيمن في تنعله و ترجله و طهوره و في شأنه كله».

(3) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

148

منه، فقد ذكر جمع من الأصحاب وضعه على اليسار ليصب منه في اليمين، و لا ريب في كونه أيسر إلا اني لم أقف فيه على نص.

و (منها)-

غسل اليدين- قبل إدخالهما الإناء

ان لم يكن غسلهما سابقا حال الاستنجاء أو غيره- مرة من حدث البول، و مرتين من الغائط، و من النوم مرة، و ظاهر المعتبر الإجماع على ذلك:

و يدل على الأولين صحيحة الحلبي المتقدمة (1) و على الثالث

موثقة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) الى ان قال: فإنه استيقظ من نومه و لم يبل، أ يدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها؟ قال: لا لانه لا يدري حيث باتت يده فيغسلها».

و مثلها رواية أخرى له أيضا (3).

و مما يدل على ان الأمر بذلك للاستحباب

صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «سألته عن الرجل يبول و لم يمس يده شيء، أ يغمسها في الماء؟

قال: نعم و ان كان جنبا».

و الرواية و ان كانت مختصة بالبول إلا انه لا قائل بالفرق.

و يدل على ذلك أيضا

قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة الواردة في الوضوء البياني (5) حين غمس كفه في الماء من غير غسل: «هذا إذا كانت الكف طاهرة».

____________

(1) في الصحيفة 65.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 27- من أبواب الوضوء.

(3) أشار إليها صاحب الوسائل في الباب- 27- من أبواب الوضوء بقوله بعد ذكر روايته المتقدمة: «و رواه الكليني. إلخ» و هي عن الشيخ، و المراد به في اصطلاح أهل الحديث الكاظم (ع).

(4) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب الأسآر، و في الباب- 28- من أبواب الوضوء، و في الباب- 45- من أبواب الجنابة.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

149

و هو عام، مضافا إلى أصالة عدم الوجوب (1).

و نقل بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين ان من الأصحاب من استحب المرتين في البول، نظرا إلى ظاهر

رواية حريز عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال:

«يغسل الرجل يده من النوم مرة، و من الغائط و البول مرتين، و من الجنابة ثلاثا».

و الظاهر رجحان ما هو المشهور، لصحة مستنده، و يؤيد برواية المشايخ الثلاثة له و تفرد الشيخ بهذه الرواية، مع احتمال التأويل فيها باستحباب المرتين من مجموع البول و الغائط بناء على التداخل و اندراج الأقل تحت الأكثر مع الاجتماع، كما صرح به الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) لا من كل على الانفراد. الا ان الغائط استفيد استحباب المرتين فيه من الإجماع و من رواية الحلبي (3) فتبقى رواية المرة في البول بلا معارض.

و حد الأصحاب اليد المغسولة هنا من الزند.

هذا. و الظاهر من كلام الأصحاب استحباب غسل اليدين معا، و فهم ذلك من الاخبار لا يخلو من نوع خفاء، سيما و قد صرحت رواية عبد الرحمن بن كثير (4) الواردة في حكاية وضوء الأمير (صلوات اللّٰه عليه) انه اكفأ بيده اليسرى على يده اليمنى، و هو ظاهر في ان المغسولة إنما هي اليمنى خاصة. و أيضا فإنها هي التي تحتاج إلى وضعها في الإناء للاغتراف.

ثم ان الظاهر من كلام البعض تخصيص الاستحباب بما إذا كان الوضوء من الإناء

____________

(1) أقول: كلام ابن بابويه في الفقيه يدل على ان من كان وضوؤه من حدث النوم و نسي فأدخل يده في الماء قبل غسلها فعليه ان يصب ذلك الماء و لا يستعمله، و ان أدخلها في الماء من حدث البول و الغائط قبل ان يغسلها ناسيا فلا بأس. انتهى. و هو غريب (منه (رحمه اللّٰه).

(2) المروية في الوسائل في الباب- 27- من أبواب الوضوء.

(3) ص 65.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 16- من أبواب الوضوء.

150

الواسع الرأس دون الضيق الرأس و الكثير و الجاري، بناء على التعليل بالنجاسة الوهمية في موثقة عبد الكريم المتقدمة (1) و الظاهر- كما صرح به آخرون- التعميم، نظرا إلى إطلاق رواية حريز (2) و ان الأمر بذلك محض تعبد لا للنجاسة، مع انحصار مورد التوهم في حدث النوم خاصة.

و الظاهر- كما استظهره شيخنا البهائي (عطر اللّٰه مرقده) في كتاب الحبل المتين- عدم اختصاص الحكم المذكور بالرجل و ان اختص مورد الاخبار به، إذ الظاهر عدم الخصوصية، بل المراد به مطلق الشخص فيدخل في الحكم النساء.

و (منها)-

التسمية و الدعاء عند وضع اليد في الماء

، لما

في صحيحة زرارة (3) قال: «إذا وضعت يدك في الماء فقل: بسم اللّٰه و باللّٰه، اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين.».

و عند الصب عليها، لما في رواية عبد الرحمن بن كثير المتقدمة (4) بما فيها من الدعاء.

و روى الصدوق في الخصال (5) بسند معتبر عن أبي بصير و محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا يتوضأ الرجل حتى يسمى، يقول قبل ان يمس الماء: بسم اللّٰه و باللّٰه اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين. فإذا فرغ من طهوره قال: اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله. فعندها يستحق المغفرة».

و ربما يظهر- من ألفاظ الدعاء في الصحيحة المذكورة و الرواية الثالثة- كون ذلك في وضع اليد في الماء للاستنجاء، لتضمنه طلب الجعل من التوابين و الجعل من المتطهرين أو طلب التوبة و التطهير المومى إلى الآية النازلة في شأن المستنجي بالماء:

____________

(1) ص 148.

(2) ص 149.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 26- من أبواب الوضوء.

(4) ص 65.

(5) ج 2 ص 166 و في الوسائل في الباب- 26- من أبواب الوضوء.

151

«إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» (1) كما تقدم في الاخبار. و اما رواية عبد الرحمن فإنها صريحة في كون ذلك للاستنجاء كما تقدم ذكره (2) و حينئذ يبقى الوضع أو الصب لغير الاستنجاء خاليا من الدعاء. نعم يمكن ان يحمل

ما رواه في الفقيه مرسلا (3): «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) كان إذا توضأ قال: بسم اللّٰه و باللّٰه و خير الأسماء للّٰه و أكبر الأسماء للّٰه و قاهر لمن في السموات و قاهر لمن في الأرض، الحمد للّٰه الذي جعل من الماء كل شيء حي و أحيى قلبي بالإيمان، اللهم تب علي و طهرني و اقض لي بالحسنى و أرني كل الذي أحب، و افتح لي بالخيرات من عندك يا سميع الدعاء».

على ان ذلك عند الصب أو الوضع في الوضوء بحمل قوله: «إذا توضأ» على إرادته و الشروع فيه كما هو مجاز شائع.

و (منها)-

التسمية على الوضوء

، ففي صحيحة ان أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «إذا سميت في الوضوء طهر جسدك كله، و إذا لم تسم لم يطهر من جسدك إلا ما مر عليه الماء».

و مثلها رواية أبي بصير (5).

و في صحيحة العيص بن القاسم عنه (عليه السلام) (6) «من ذكر اسم اللّٰه على وضوئه فكأنما اغتسل».

إلى غير ذلك من الاخبار.

و الظاهر من الأخبار صدق التسمية بالإتيان بها عند ارادة الاستنجاء كما تقدم في حديث عبد الرحمن (7) و هكذا فيما بعد ذلك من مستحبات الوضوء.

و في حسنة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (8) في حكاية الوضوء البياني قال:

____________

(1) سورة البقرة. الآية 222.

(2) في الصحيفة 65.

(3) ج 1 ص 27. و في الوسائل في الباب- 26- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 26- من أبواب الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 26- من أبواب الوضوء.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 26- من أبواب الوضوء.

(7) في الصحيفة 65.

(8) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

152

«ثم غرف ملأها ماء فوضعها على جبينه ثم قال: بسم اللّٰه و سد له. الحديث».

و بالجملة فالظاهر امتداد وقتها من حين الوضع أو الصب للاستنجاء إلى الشروع في غسل الوجه.

و قد صرح الأصحاب بأنه لو تركها نسيانا جاز تداركها في أثناء الوضوء، و لو كان عمدا احتمل ذلك أيضا، و لو تركها إلى آخر الوضوء فالظاهر صحة الوضوء، و هو مجمع عليه فتوى و الأشهر نصا.

و روى الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «ان رجلا توضأ و صلى. فقال له رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أعد صلاتك و وضوءك، ففعل فتوضأ و صلى، فقال له النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): أعد وضوءك و صلاتك، ففعل فتوضأ و صلى، فقال له النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أعد وضوءك و صلاتك، فأتى أمير المؤمنين (عليه السلام) و شكى ذلك اليه، فقال: هل سميت حين توضأت؟ فقال: لا. قال: فسم على وضوئك فسمى و صلى، فاتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فلم يأمره أن يعيد».

و الظاهر- كما صرح به بعض فضلاء متأخري المتأخرين- كون ذلك على جهة التأديب و الإرشاد، فإن لصاحب الشريعة- كما تقدمت الإشارة إليه- السياسة بمثل ذلك و أعظم منه لئلا يتهاون الناس بالسنن.

و من ظاهر الخبر المذكور استظهر بعض المتأخرين إعادة الوضوء و الصلاة لمن ترك التسمية على وضوئه، بل ربما يستفاد منه استحباب إعادة العبادة مطلقا بترك بعض سننها، و في الاخبار ما يعضده.

و حمل الشيخ (قدس سره) التسمية في الخبر على النية، قال: لأن الألفاظ

____________

(1) ج 1 ص 102 و في الوسائل في الباب- 26- من أبواب الوضوء.

153

ليست بفريضة حتى يعاد من تركها الوضوء، و إلا لم يطهر مواضع الوضوء بتركها، لانه لا يكون قد تطهر تاركها.

و رماه بالبعد جملة من تأخر عنه. و هو كذلك، فإن إطلاق التسمية اللفظية على النية القلبية غير معروف، و عروض النسيان لأصل النية- التي هي عبارة عن مطلق القصد إلى الفعل الذي لا يخلو عنه عاقل في فعل من أفعاله كما سيأتي إيضاحه- بعيد جدا نعم يحتمل- كما ذكره بعض محدثي متأخري المتأخرين- ان يراد بالنية إخطار أن هذا العمل للّٰه بالبال لئلا يصدر عنه على الغفلة، و لا يبعد ان يصدق عليه التسمية، لتضمنه اسم اللّٰه سبحانه. لكن فيه انه و ان أمكن احتماله في أول مرة لكن الظاهر في الدفعة الثانية بعد أمر الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) بالإعادة عدم إمكانه، فإنه لم يقصد فيها سوى امتثال امره (صلى اللّٰه عليه و آله) حيث ان امره أمر اللّٰه تعالى و طاعته طاعته.

و احتمل شيخنا صاحب رياض المسائل و حياض الدلائل تأويل كلام الشيخ ان مراده- بقوله: «ان التسمية المنسية هي النية الواجبة. إلخ»- أن التسمية لها فردان: (أحدهما)- مجرد اللفظ الذي لا يكون وسيلة إلى تحصيل القصد إلى الامتثال المسمى بالنية، و لا ارتباط له بها، كما هو الحاصل لمن له أدنى مسكة بعروة العقل.

و (ثانيها)- اللفظ الذي يكون وسيلة إلى تحصيله بحيث لا يمكنه أحكام النية إلا به، كما نجده عيانا في بعض من ابتلى بالوسوسة في النية، و لعل صدر الإسلام لما كان قريب العهد بالجاهلية، بعيد الطبع عن قبول الأحكام الشرعية و تعقل الأمور الذهنية، خصوصا الاعراب منهم، حلي لهم اللابس بحلية الملبوس، و جلي لهم مرآة المعقول بصورة المحسوس فأمروا بالتسمية اللفظية الدالة على قصد كون الفعل المشروع فيه باسمه، ليحصل لهم الانتقال منها إلى المعنى التي هي النية القلبية، لوجوب فهم المعنى من اللفظ لمن علم بالوضع انتهى. و هو معنى لطيف إلا ان ملاحظة الشيخ له في غاية البعد.

154

و (منها)-

الاغتراف باليمين لجميع الأعضاء المغسولة

. و هو بالنسبة إلى ما عدا غسلها نفسها متجه و متفقة عليه الاخبار.

أما بالنسبة إليها نفسها فهل يغترف لها باليسرى و يغسلها بها، أو يغترف بها ثم يديره في اليسرى و يغسل؟

المشهور الثاني و عليه تدل صحيحة محمد بن مسلم أو ضعيفته، بناء على تضمن سندها

رواية العبيدي عن يونس عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) في حكاية الوضوء البياني، حيث قال فيها: «. ثم أخذ كفا آخر بيمينه فصبه على يساره ثم غسل به ذراعه الأيمن.».

و مثلها

موثقة الأخوين بعثمان بن عيسى (2) على رواية التهذيب. حيث قال فيها:

«. ثم غمس كفه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى.» و اما الكافي ففيه «اليسرى».

بدل «اليمنى» أخيرا.

و على الأول تدل صحاح الأخبار

كصحيحة زرارة (3) حيث قال فيها: «. ثم أعاد يده اليسرى في الإناء فاسد لها على يده اليمنى ثم مسح جوانبها.».

و مثلها صحيحته الأخرى (4) و حسنة بكير (5) و صحيحتاهما (6) و منه يظهر قوة القول الأول.

و قضية الجمع جواز الأمرين دون أفضلية الاغتراف باليمين لغسلها، و بذلك يظهر لك ما في كلام ثاني الشهيدين في الروض، حيث قال- بعد ان صرح باستحباب الاغتراف باليمين مطلقا-:

«و في حديث عن الباقر (عليه السلام) انه أخذ باليسرى فعسل اليمنى. و هو لبيان الجواز».

انتهى.

و (منها)-

السواك

، و الظاهر انه لا خلاف بين أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) في استحبابه مطلقا و خصوصا للوضوء و الصلاة، لاستفاضة الأخبار بذلك.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

155

و مما يدل على الأول

موثقة إسحاق بن عمار (1) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): من أخلاق الأنبياء السواك».

و روايته أيضا عنه (عليه السلام) (2) قال: «السواك من سنن المرسلين».

و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): ما زال جبرئيل (عليه السلام) يوصيني بالسواك حتى خفت أن أحفي أو أدرد».

و احفى بالحاء المهملة و ادرد بدالين مهملتين عبارة عن إذهاب الأسنان. الى غير ذلك من الاخبار.

و مما يدل على الثاني

قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) في صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (4): «و عليك بالسواك عند كل وضوء».

و قول الصادق (عليه السلام) في رواية المعلى بن خنيس (5) حين سأله عن الاستياك بعد الوضوء قال: «الاستياك قبل ان يتوضأ. قال: قلت: أ رأيت ان نسي حتى يتوضأ؟ قال: يستاك ثم يتمضمض ثلاث مرات».

و في رواية الكسونى (6) «التسوك بالإبهام و المسبحة عند الوضوء سواك».

و في رواية محمد بن مروان عن أبي جعفر (عليه السلام) (7) في وصية النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلي صلوات اللّٰه عليه «عليك بالسواك لكل صلاة».

و عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) في رواية القداح (8) «لو لا ان أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة».

أي امرا إيجابيا و إلا فقد أمر (صلى اللّٰه عليه و آله) لكن استحبابا. الى غير ذلك من الاخبار.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب السواك.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب السواك.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب السواك.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب السواك.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 4- من أبواب السواك.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب السواك.

(7) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب السواك.

(8) المروية في الوسائل في الباب- 5- من أبواب السواك.

156

و ذهب البعض- من حيث ورود الأمر به مطلقا- إلى انه ليس من مستحبات الوضوء، و لأمر الحائض و النفساء به.

و فيه ان استحبابه مطلقا و لو لمثل الحائض و النفساء لا ينافي استحبابه للوضوء و الصلاة زيادة على ذلك، فيكون فيهما مؤكدا، فإن الأخبار الدالة على الأمر به في خصوص الموضعين- سيما حديث خوف المشقة على الأمة،

و قوله (عليه السلام) فيما رواه في الفقيه (1) مرسلا: «السواك شطر الوضوء».

- مما يدل على ما قلناه بأوضح دلالة

و (منها)-

المضمضة و الاستنشاق

على المشهور فتوى و الأظهر نصا، و نقل في المختلف عن ابن أبي عقيل انه قال: «انهما ليسا عند آل الرسول (عليهم السلام) بفرض و لا سنة».

و الاخبار في ذلك مختلفة على وجه يعسر جمعها.

ففي رواية عبد الرحمن بن كثير المروية بطرق المشايخ الثلاثة (2) (نور اللّٰه تعالى مضاجعهم) مسندة في الكافي و التهذيب و مرسلة في الفقيه في حكاية وضوء الأمير (صلوات اللّٰه عليه): «. ثم تمضمض فقال، و ذكر الدعاء، ثم استنشق فقال. الحديث».

و في رواية عبد اللّٰه بن سنان (3) قال: «المضمضة و الاستنشاق مما سن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و في موثقة أبي بصير (4) حيث سأله عنهما فقال: «هما من الوضوء، فان نسيتهما فلا تعد».

____________

(1) ج 1 ص 32، و في الوسائل في الباب- 3- من أبواب السواك.

(2) رواها صاحب الوسائل في الباب- 16- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 29- من أبواب الوضوء، و الباب- 24- من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 29- من أبواب الوضوء.

157

و في حديث عهد الأمير (صلوات اللّٰه عليه) الذي كتبه إلى محمد بن أبي بكر لما ولاه مصر على ما رواه الشيخ أبو علي في مجالسه (1) «. و انظر إلى الوضوء فإنه من تمام الصلاة، تمضمض ثلاث مرات، و استنشق ثلاثا. الحديث، إلى ان قال: فإني رأيت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يصنع ذلك، و اعلم ان الوضوء نصف الايمان».

و رواية عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: «جلست أتوضأ، فأقبل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال لي:

تمضمض و استنشق و استن. الحديث».

و في رواية حكم بن حكيم (3) بعد السؤال عن المضمضة و الاستنشاق من الوضوء هما، قال: «لا».

و في حسنة زرارة (4) قال: «المضمضة و الاستنشاق ليسا من الوضوء».

و رواية أبي بصير (5) حيث سأله عنهما قال: «ليس هما من الوضوء، هما من الجوف».

و رواية الحضرمي (6) قال: «ليس عليك مضمضة و لا استنشاق، لأنهما من الجوف».

و موثقة سماعة (7) حيث سأل عنهما فقال: «هما من السنة، فان نسيتهما لم يكن عليك اعادة».

و رواية زرارة (8) قال: «ليس المضمضة و الاستنشاق فريضة و لا سنة، إنما عليك ان تغسل ما ظهر».

____________

(1) ص 19 و في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 25- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 29- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 29- من أبواب الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 29- من أبواب الوضوء.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 29- من أبواب الوضوء.

(7) المروية في الوسائل في الباب- 29- من أبواب الوضوء.

(8) المروية في الوسائل في الباب- 29- من أبواب الوضوء.

158

و رواية علي بن جعفر في كتاب قرب الاسناد (1) حيث سأل أخاه (عليه السلام) عن المضمضة و الاستنشاق قال: «ليس بواجب و ان تركهما لم يعد لهما صلاة».

و في كتاب الخصال (2) في حديث الأربعمائة قال: «و المضمضة و الاستنشاق سنة، و طهور للفم و الأنف».

هذا ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك، و هي- كما ترى- على غاية من التدافع و التنافي، و الجمع بينها ممكن بأحد وجهين:

(الأول)- حمل ما دل على نفي كونهما من الوضوء على معنى انهما ليسا من واجباته و ان كانا من سننه، و بهذا جمع الشيخ (عطر اللّٰه مرقده) بين الاخبار، و عليه أكثر أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) و يؤيده نفي الوجوب في رواية قرب الاسناد و ظاهر لفظ «ليس عليك» المشعر بنفي الوجوب في رواية الحضرمي.

و يدل على كونهما من سننه رواية عبد الرحمن بن كثير و حديث العهد و رواية عمرو بن خالد، و حينئذ فيحمل ما دل على كونهما سنة بقول مطلق على انهما من سنن الوضوء و مستحباته.

و لا ينافي ذلك نفي كونهما فريضة أو سنة في رواية زرارة، إذ الظاهر ان المراد بالفريضة فيها ما كان وجوبه بالكتاب، و السنة ما كان وجوبه بالسنة النبوية، فهي نفي للوجوب بطريقيه، و يؤيده قوله بعد ذلك: «انما عليك. إلخ» الدال بمفهومه على انه ليس عليه مضمضة و لا استنشاق المشعر- كما عرفت- بنفي الوجوب.

و لعل المبالغة في نفي وجوبهما على وجه يوهم الناظر نفيهما مطلقا هو الرد على العامة، من حيث مواظبتهم عليهما بل قول جملة منهم بوجوبهما، كما نقله في المنتهى عن احمد و إسحاق و ابن أبي ليلى، و بعض منهم خص الوجوب بالاستنشاق، و بعض خص

____________

(1) في الصحيفة 83 و في الوسائل في الباب- 29- من أبواب الوضوء.

(2) ج 2 ص 157 و في الوسائل في الباب- 29- من أبواب الوضوء.

159

وجوبهما بالطهارة الكبرى (1).

(الثاني)- حمل النفي في تلك الاخبار على نفي كونهما من الوضوء مطلقا، يعني لا من واجباته و لا من مستحباته، و حمل ما عدا ذلك مما دل على كونهما سنة على ثبوت استحبابهما في حد ذاتهما لا لأجل الوضوء.

و إلى هذا جنح شيخنا المحقق صاحب رياض المسائل و حياض الدلائل و بالغ في نصرته، فقال بعد ذكر كلام في المقام: «و التحقيق ان نقول يجب الجزم بأنهما ليسا من سنن الوضوء المنسوبة إليه المرتبطة به، بحيث علم من الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و أهل بيته (صلوات اللّٰه عليهم) قولا أو فعلا أو تقريرا للواظبة عليهما غالبا عند ارادة الوضوء، و توظيفهما في ذلك الوقت من حيث الخصوص كما هو شأن السنة، ثم استند إلى خلو الأخبار البيانية عنهما، ثم طعن في رواية عبد الرحمن بن كثير بضعف السند، و في موثقتي سماعة و أبي بصير الدالة أولاهما على انهما من السنة، بأنه أعم من المدعى،

____________

(1) في بدائع الصنائع ج 1 ص 21 «عند احمد بن حنبل هما فرضان في الوضوء و الغسل جميعا» و كذا في تفسير ابن كثير ج 2 ص 23. و في الميزان للشعرانى ج 1 ص 106 «اتفق الأئمة الثلاثة على استحباب المضمضة و الاستنشاق في الوضوء، و في أشهر الروايتين عن احمد وجوبهما في الحدث الأكبر و الأصغر» و في المحلى ج 2 ص 48 ما ملخصه «المضمضة ليست فرضا فتركها عمدا أو نسيانا لا يخل بالوضوء و الصلاة. و اما الاستنشاق بنفسه ثم النثر بأصابعه فلا بد منه مرة لا يجزئ الوضوء و لا الصلاة دونهما لا عمدا و لا نسيانا. و في ص 50 قال مالك و الشافعي: ليس الاستنشاق و الاستنثار فرضا لا في الوضوء و لا في الغسل من الجنابة.

و قال أبو حنيفة: هما فرض في غسل الجنابة لا الوضوء. و قال احمد و داود: هما فرضان في الوضوء لا في غسل الجنابة، و ليست المضمضة فرضا لا في الوضوء و لا في غسل الجنابة» و في تفسير ابن كثير ج 2 ص 23 نسب إلى أبي حنيفة وجوب للمضمضة و الاستنشاق في الغسل دون الوضوء، و ذكر أيضا انه روى عنه وجوب الاستنشاق دون المضمضة. و في شرح النووي على صحيح مسلم بهامش إرشاد الساري ج 2 ص 314 نسب إلى ابن أبي ليلى و إسحاق بن راهويه الموافقة لأحمد بن حنبل في الوجوب فيهما.

160

و أخراهما على انهما من الوضوء، بالمعارضة

بصحيحة زرارة (1) «انهما ليسا من الوضوء».

مع قبولها للتأويل بكونهما من الوضوء اللغوي، لأنهما طهور للفم و الأنف، ثم طعن في رواية عمرو بن خالد بضعف السند لاشتماله على رجال من العامة، و انها تنادي بالتقية لاشتمالها على الأمر بغسل الرجلين و تخليل أصابعهما، ثم قال: فكيف يتجرأ على الفتيا بكون شيء سنة موظفة في شيء مع عدم ورود ما يصلح لإثبات ذلك، إلى ان قال:

و اما كونهما سنة في الجملة فالظاهر ذلك، لما ذكرنا من موثقة سماعة (2) ثم ذكر جملة من الأخبار الدالة بظاهرها على الاستحباب مطلقا.

أقول: و فيه (أولا)- ان خلو اخبار الوضوء البياني عن ذلك لا يدل على نفي الاستحباب في الوضوء، لاحتمال تخصيص البيان بما هو الواجب كما صرح به البعض و لخلوها كملا عن الأدعية الموظفة في الوضوء و عن السواك، مع ثبوت استحبابهما إجماعا نصا و فتوى، و خلو كثير منها عن التسمية.

و (ثانيا)- ان رواية عبد الرحمن و ان ضعف سندها بناء على هذا الاصطلاح المحدث الذي لم يقم على اعتباره دليل، مع ما في جملة من أحكامه من القال و القيل، كما شرحنا بعض ذلك في المقدمة الثانية (3) إلا انها صحيحة بالدستور القديم و النهج القويم الذي عليه كافة علمائنا المتقدمين من المحدثين و المجتهدين، سيما الثلاثة المحمدين الذين هم أساطين الدين و نخبة المعتمدين، و قد رووها كملا في مسانيدهم، مع تصريحهم في أوائل كتبهم بان جميع ما يروونه صحيح مقطوع على صحته، و قد اعتمد أصحاب هذا الاصطلاح على كثير من مراسيل الفقيه بناء على ما صرح به في أول كتابه، كما لا يخفى على من نظر في الكتب الاستدلالية، على انهم قد قرروا في جملة اصطلاحاتهم جبر الضعف بالشهرة، و شهرة الرواية المذكورة- بين أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) سلفا و خلفا

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 157 و قد وصفها هناك بأنها حسنة.

(2) المتقدمة في الصحيفة 157.

(3) في الصحيفة 14 من الجزء الأول.

161

و العمل بما اشتملت عليه- مما لا يتجشم إنكاره، و قد رواها البرقي في المحاسن (1) أيضا و هو مؤيد لما قلنا.

و (ثالثا)- ان ما ذكره- من انه لم يعلم من الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا من أهل بيته (عليهم السلام) توظيفهما في الوضوء- معارض بأنه لم يعلم منهم أيضا الإتيان بهما في غير حال الوضوء، فإن التجأ إلى إطلاق الاخبار بأنهما من السنة، قلنا: العام لا دلالة له على الخاص. و ان قيل: الفرض نفي استحبابهما في الوضوء، قلنا:

الاستحباب قد ثبت بجملة من الاخبار المذكورة آنفا كرواية عبد الرحمن المذكورة (2) و رواية العهد (3) و رواية عمرو بن خالد (4) و اشتمال آخر الأخيرة على ما يشعر بالتقية لا يقتضي بطلان الاستدلال بها على ما عدا موضع التقية، إذ سبيلها فيما لا معارض له سبيل العام المخصوص في غير موضع التخصيص، سيما مع الاعتضاد بما ذكرنا من الاخبار، و هي موثقة أبي بصير و ظاهر موثقة سماعة، فإن قوله فيها: «هما من السنة» و ان كان أعم من كونه في الوضوء أم لا إلا ان قوله: «فان نسيتهما. إلخ» يعين ما قلناه، إذ لا ارتباط بين استحبابهما مطلقا و بين توهم الإعادة لهما.

و حينئذ فما عدا ما ذكرنا من الأخبار مما كان مطلقا فسبيله الحمل على المقيد رعاية للقاعدة المقررة، و ما كان متضمنا للنفي فوجهه الحمل على نفي الوجوب كما قدمنا. و على ذلك تنتظم الاخبار و يزول عنها غبار الغيار.

و ما نقله في المختلف عن ابن أبي عقيل هو بعينه مضمون رواية زرارة المتقدمة (5) لأن من شأنه (قدس سره) في كتابه- بل جملة المتقدمين- التعبير بمتون الاخبار، و حينئذ فيحمل كلامه على ما تحمل عليه الرواية، و بذلك يتبدل الاختلاف بالائتلاف كما لا يخفى على من نظر بعين الإنصاف.

____________

(1) في الصحيفة 45.

(2) و الآتية في الصحيفة 167.

(3) في الصحيفة 157.

(4) في الصحيفة 157.

(5) في الصحيفة 157.

162

فائدة

قد صرح جمع من المتأخرين باستحباب المضمضة و الاستنشاق بثلاثة أكف، و انه مع إعواز الماء يكفي الكف الواحد، و انه يشترط تقديم المضمضة أولا، و جوز العلامة في النهاية ان يتمضمض مرة و يستنشق مرة و هكذا ثلاثا، سواء كان الجميع بغرفة أو غرفتين أو أزيد.

و اعترضهم جمع من متأخريهم بعدم وجود المستند في شيء من هذه التفاصيل سوى رواية عبد الرحمن بن كثير (1) فإنها دلت على تقديم المضمضة و عطف الاستنشاق عليه ب«ثم».

أقول: و قد دلت رواية العهد المتقدمة على التثليث أيضا، لكن أعم من ان يكون بثلاثة أكف في كل منهما أو أقل و ان كان الظاهر الأول، فيحصل من كلتا الروايتين استحباب تقديم المضمضة على الاستنشاق و تثليثهما.

و (منها)-

الدعاء حالة المضمضة و الاستنشاق

بما ورد عن الأمير (صلوات اللّٰه عليه) في رواية عبد الرحمن بن كثير (2) حيث قال: «. ثم تمضمض فقال: اللهم لقني حجتي يوم ألقاك، و أطلق لساني بذكرك، ثم استنشق فقال: اللهم لا تحرم علي ريح الجنة و اجعلني ممن يشم ريحها و روحها و طيبها.».

و (منها)-

كون الوضوء بمد

إجماعا نصا و فتوى، و من الاخبار في ذلك

صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يتوضأ بمد من ماء و يغتسل بصاع».

و مثله في صحيحة زرارة (4) و زاد فيها «و المد رطل و نصف، و الصاع ستة أرطال».

____________

(1) الآتية في الصحيفة 167.

(2) الآتية في الصحيفة 167.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 50- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 50- من أبواب الوضوء.

163

و رواية أبي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الوضوء.

فقال: كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يتوضأ بمد و يغتسل بصاع».

و ما رواه في الفقيه (2) مرسلا قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله):

الوضوء مد و الغسل صاع، و سيأتي أقوام من بعدي يستقلون ذلك، فأولئك على خلاف سنتي، و الثابت على سنتي معي في حظيرة القدس».

الى غير ذلك من الاخبار.

و مما يدل على ان ذلك على جهة الاستحباب دون الوجوب إجماع الفرقة الناجية على ذلك أولا، و استفاضة الأخبار بإجزاء مثل الدهن ثانيا، كما سيأتي في موضعه ان شاء اللّٰه تعالى.

و هل ماء الاستنجاء داخل في المذكور؟ ظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى ذلك حيث قال: «المد لا يكاد يبلغه الوضوء، فيمكن ان يدخل فيه ماء الاستنجاء، كما تضمنته رواية ابن كثير عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3)».

و استحسنه في المدارك، قال: «و ربما كان

في صحيحة أبي عبيدة الحذاء (4) اشعار بذلك أيضا، فإنه قال: «وضأت أبا جعفر (عليه السلام) بجمع و قد بال، فناولته ماء فاستنجى، ثم صببت عليه كفا فغسل به وجهه. الحديث».

و يؤيده دخول ماء الاستنجاء في صاع الغسل على ما سيجيء بيانه» انتهى.

و اعترض في كتاب الحبل المتين على كلام الذكرى، فقال: «و ظني ان كلامه هنا إنما يتمشى على القول بعدم استحباب الغسلة الثانية، و عدم كون المضمضة و الاستنشاق من أفعال الوضوء الكامل، و اما على القول بذلك- كما هو مختاره (قدس سره)-

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 50- من أبواب الوضوء.

(2) ج 1 ص 23، و في الوسائل في الباب- 50- من أبواب الوضوء.

(3) الآتية في الصحيفة 167.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

164

فلا، فان المد على ما اعتبرناه لا يزيد على ربع المن التبريزي المتعارف في زماننا هذا بشيء يعتد به، و هذا المقدار إنما يفي بأصل الوضوء المسبغ و لا يفضل منه شيء للاستنجاء فان ماء غسل اليدين كف أو كفان، و ماء كل من المضمضة و الاستنشاق و الغسلات الواجبة و المندوبة ثلاث أكف، فهذه ثلاث عشرة أو أربع عشرة كفا، و هذا ان اكتفى في غسل كل عضو بكف واحدة، و إلا زادت على ذلك، فأين ما يفضل للاستنجاء؟ و أيضا ففي كلامه (طاب ثراه) بحث آخر، و هو انه ان أراد بماء الاستنجاء الذي حسبه من ماء الوضوء ماء الاستنجاء من البول وحده، فهو شيء قليل حتى قدر بمثلي ما على الحشفة، و هو لا يؤثر في الزيادة و النقصان أثرا محسوسا، و ان أراد ماء الاستنجاء من الغائط أو منهما معا لم يتم استدلاله بالروايتين المذكورتين، إذ ليس في شيء منهما دلالة على ذلك، بل في رواية الحذاء (1) ما يشعر بان الاستنجاء كان من البول وحده، فلا تغفل» انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و اما تحقيق قدر المد فسيأتي ان شاء اللّٰه تعالى منقحا في باب غسل الجنابة.

و (منها)-

ان يبدأ الرجل في غسل ذراعيه في الوضوء بظاهرهما و المرأة بباطنهما

، لما رواه المشايخ الثلاثة عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «فرض اللّٰه على النساء في الوضوء ان يبدأن بباطن أذرعهن و في الرجال بظاهر الذراع».

و مثله

روى الصدوق في الخصال (3) بسنده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «المرأة تبدأ في الوضوء بباطن الذراع و الرجل بظاهره. الحديث».

و المشهور بين متأخري الأصحاب التفصيل في ذلك بين الغسلة الاولى و الثانية،

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 163.

(2) رواها صاحب الوسائل في الباب- 40- من أبواب الوضوء.

(3) ج 2 ص 142.

165

بأن يبدأ الرجل في الغسلة الأولى بظاهر ذراعيه و في الثانية بباطنهما و المرأة بالعكس.

و لم أقف له على مستند.

و (منها)-

فتح العينين عند الوضوء

، رواه الصدوق (قدس سره) في الفقيه (1) مرسلا و في كتابي العلل و ثواب الأعمال مسندا عن ابن عباس قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلها لا ترى نار جهنم».

و روى الراوندي في نوادره بإسناده عن الكاظم عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): اشربوا عيونكم للماء، لعلها لا ترى نارا حامية».

و في كتاب دعائم الإسلام مثله.

و عده الشهيد في الدروس من مستحبات الوضوء ناقلا له عن الصدوق، و نقل عن الشيخ في الخلاف دعوى الإجماع منا على عدم وجوبه و استحبابه.

و الظاهر- كما استظهره جملة من مشايخنا (قدس اللّٰه تعالى أرواحهم)- ان المراد باستحباب ذلك مجرد فتحهما استظهارا لغسل نواحيهما. دون غسلهما، لما فيه من المشقة و المضرة، حتى انه روى ان ابن عمر كان يفعله فعمي لذلك.

و احتمل بعض مشايخنا حمل الخبرين على التقية لما في سند الأول من جملة من رجال العامة، حيث ان الصدوق في الكتابين المتقدمين رواه بسنده إلى السكوني عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس، و الثاني ضعيف السند أيضا قال: «و القول بالاستحباب

____________

(1) ج 1 ص 31 و في العلل ص 103 و في ثواب الأعمال ص 10 و في الوسائل في الباب- 53- من أبواب الوضوء.

(2) رواه صاحب البحار عن النوادر للراوندي و عن دعائم الإسلام ج 18 ص 80 من كتاب الطهارة، و رواه صاحب المستدرك عن دعائم الإسلام في الباب- 45- من أبواب الوضوء.

166

منسوب للشافعي (1)» و لا يخلو من قرب.

و (منها)-

صفق الوجه بالماء

، نقله جماعة من متأخري أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) عن علي بن بابويه في رسالته.

و روى ابنه في الفقيه (2) مرسلا و في كتاب العلل مسندا في الموثق عن عبد اللّٰه ابن المغيرة عن رجل، و مثله في التهذيب عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا توضأ الرجل فليصفق وجهه بالماء، فإنه ان كان ناعسا فزع و استيقظ، و ان كان البرد فزع فلم يجد البرد».

و هو يشعر بموافقته لأبيه (طاب ثراهما).

لكن

روى الكليني (3) و الشيخ عن السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): لا تضربوا وجوهكم بالماء إذا توضأتم، و لكن شنوا الماء شنا».

و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد (4) بسند صحيح عن أبي جرير الرقاشي

____________

(1) في تذكرة العلامة (قده) انه أحد قولي الشافعي، و في خلاف الشيخ الطوسي (قده) ص 6 قال أصحاب الشافعي انه مستحب، و في المهذب لأبي إسحاق الشيرازي الشافعي ج 1 ص 15 «و لا يغسل العينين. و من أصحابنا من قال يستحب غسلهما لأن ابن عمر كان يغسل عينه حتى عمى، و الأول أصح لأنه لم ينقل ذلك عن رسول اللّٰه (ص) قولا و لا فعلا فدل على انه ليس بمسنون» و في الأم للشافعي ج 1 ص 21 «و انما أكدت المضمضة و الاستنشاق دون غسل العينين للسنة، و ان الفم يتغير و كذلك الأنف و ان الماء يقطع من تغيرهما و ليست كذلك العينان».

(2) ج 1 ص 31 و في العلل ص 103 و في التهذيب ج 1 ص 102 و في الوسائل في الباب- 30- من أبواب الوضوء.

(3) رواه الكليني ج 1 ص 9 و الشيخ ج 1 ص 12 و في الوسائل في الباب- 30- من أبواب الوضوء.

(4) في الصحيفة 129 و في الوسائل في الباب- 15 و 30- من أبواب الوضوء.

167

قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): كيف أتوضأ للصلاة؟ قال: فقال: لا تعمق في الوضوء، و لا تلطم وجهك بالماء لطما، و لكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله. الحديث».

و يمكن الجمع بينهما بحمل الأول على الناعس و البردان كما هو مورد الخبر، و الأخيرين على ما عداهما، أو الأول على الجواز و الأخيرين على الكراهة.

و احتمل بعض الأصحاب انه يجوز ان لا يكون الصفق في الخبر الأول مرادا به غسل الوجه الذي هو جزء من الوضوء، بل يكون فعلا آخر سابقا على الوضوء للغرض المذكور في الرواية. و ليس بذلك البعيد.

و (منها)-

الدعاء على كل من أفعال الوضوء

، و قد جمعته

رواية عبد الرحمن ابن كثير المشار إليها آنفا عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم جالس مع محمد بن الحنفية إذ قال: يا محمد ائتني بإناء من ماء أتوضأ للصلاة، فأتاه محمد بالماء، فأكفأ بيده اليمنى على يده اليسرى، ثم قال: بسم اللّٰه و الحمد للّٰه الذي جعل الماء طهورا و لم يجعله نجسا، قال: ثم استنجى فقال: اللهم حصن فرجي و أعفه و استر عورتي و حرمني على النار، قال: ثم تمضمض فقال: اللهم لقني حجتي يوم ألقاك و أطلق لساني بذكرك، ثم استنشق فقال: اللهم لا تحرم علي ريح الجنة و اجعلني ممن يشم ريحها و روحها و طيبها، قال: ثم غسل وجهه فقال: اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه، و لا تسود وجهي يوم تبيض فيه الوجوه، ثم غسل يده اليمنى فقال: اللهم أعطني كتابي بيميني و الخلد في الجنان بيساري و حاسبني حسابا يسيرا، ثم غسل يده اليسرى فقال: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي و لا تجعلها مغلولة إلى عنقي، و أعوذ بك من مقطعات النيران، ثم مسح رأسه فقال: اللهم غشني برحمتك و بركاتك، ثم مسح رجليه فقال: اللهم ثبتني على الصراط يوم تزل فيه الاقدام، و اجعل سعيي فيما

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 16- من أبواب الوضوء.

168

يرضيك عني، ثم رفع رأسه فنظر إلى محمد فقال: يا محمد من توضأ مثل وضوئي و قال مثل قولي خلق اللّٰه له من كل قطرة ملكا يقدسه و يسبحه و يكبره فيكتب اللّٰه له ثواب ذلك إلى يوم القيامة».

أقول: لا يخفى ان كتب الاخبار قد اختلفت في جملة من مواضع هذا الخبر

(منها)- في تقديم المضمضة على الاستنشاق، فان الموجود في الفقيه (1) و التهذيب (2) كما هنا، و الموجود في الكافي (3)- و هو الذي اعتمده صاحب الوافي- تقديم الاستنشاق.

و (منها)- قوله:

«فأكفأ بيده اليمنى على يده اليسرى»

فان الموجود في الفقيه و الكافي كما هنا،

و في التهذيب الموجود بأيدينا «فأكفأ بيده اليسرى على يده اليمنى».

و هو الذي نقله بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين عن التهذيب أيضا، الا ان شيخنا البهائي (عطر اللّٰه تعالى مرقده) في كتاب الأربعين نقل الحديث كما هنا، و ذكر انه نقله من التهذيب من نسخة معتمدة بخط والده (طاب ثراه) و هي التي قرأها عليه، و والده قرأها على شيخنا الشهيد الثاني (قدس اللّٰه تعالى أرواحهم جميعا) و (منها)-

قوله في دعاء الاستنجاء: «و حرمني على النار».

ففي الفقيه و التهذيب كما هنا،

و في الكافي «و حرمهما».

بضمير التثنية، و على ذلك يحتمل عوده الى الفرج و العورة، نظرا إلى اختلاف اللفظين. و ان قرئ «عورتي» بالتشديد على صيغة التثنية فلا اشكال.

و (منها)- في دعاء المضمضة، ففي الفقيه و التهذيب كما ذكرنا،

و في الكافي «اللهم أنطق لساني بذكرك، و اجعلني ممن ترضى عنه».

و (منها)- في دعاء الاستنشاق، ففي الفقيه و التهذيب كما هنا،

و في الكافي «اللهم لا تحرم علي ريح الجنة و اجعلني ممن يشم ريحها و طيبها و ريحانها».

و في بعض كتب

____________

(1) ج 1 ص 26.

(2) ج 1 ص 15.

(3) ج 1 ص 21.

169

الاخبار- كما نقله في كتاب الأربعين- «اللهم لا تحرمني طيبات الجنان و اجعلني. إلخ».

و في أخره «ريحانها» بدل «طيبها»، إلى غير ذلك من المواضع المعدودة في كتاب الأربعين و البحار.

و نحن قد اعتمدنا هنا في نقل الخبر المذكور على كلام شيخنا البهائي (رحمه اللّٰه) في أربعينه، فنقلناه من الكتاب المذكور من نسخة معتمدة مقابلة على شيخنا العلامة أبي الحسن الشيخ سليمان بن عبد اللّٰه البحراني (طيب اللّٰه تعالى مضجعه).

تتمة

روى شيخنا المجلسي في كتاب البحار (1) من كتاب الفقه الرضوي قال: «قال (عليه السلام): أيما مؤمن قرأ في وضوئه «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.» خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه».

و روى شيخنا المشار إليه- في الكتاب المذكور أيضا (2) عن كتاب اختيار السيد ابن الباقي و كتاب البلد الأمين- ان «من قرأ بعد إسباغ الوضوء «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.» و قال: اللهم إني أسألك تمام الوضوء و تمام الصلاة و تمام رضوانك و تمام مغفرتك، لم تمر بذنب قد أذنبه إلا محته».

و روى فيه (3) أيضا عن كتاب الاختيار قال: «قال الباقر (عليه السلام): من قرأ على أثر وضوئه آية الكرسي مرة، أعطاه اللّٰه تعالى ثواب أربعين عاما، و رفع له أربعين درجة، و زوجه اللّٰه أربعين حوراء.

و قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): يا علي إذا توضأت فقل: بسم اللّٰه اللهم إني أسألك تمام الوضوء و تمام الصلاة و تمام رضوانك و تمام مغفرتك، فهذا زكاة الوضوء».

____________

(1) ج 18 ص 75 من كتاب الطهارة.

(2) ج 18 ص 78 من كتاب الطهارة.

(3) ج 18 ص 76. و الرواية في البحار عن جامع الاخبار.

170

أقول: قال في الفقيه (1) «زكاة الوضوء ان يقول المتوضئ: اللهم إني أسألك تمام الوضوء و تمام الصلاة و تمام رضوانك و الجنة، فهذا زكاة الوضوء».

و يحتمل أن يكون إطلاق الزكاة عليه اما باعتبار نمو التطهير فزيادته و كماله بسببه أو باعتبار انه سبب لقبول الوضوء كما ان الزكاة سبب لقبول الصلاة و الصوم.

الفصل الثاني في كيفية الوضوء الواجبة

، و هي تعتمد أركانا خمسة:

الركن الأول- النية

و لا ريب ان النية- في جملة أفعال العقلاء العارية عن السهو و النسيان- مما يجزم بتصورها بديهة الوجدان، لارتكازها في الأذهان، فهي في التحقيق غنية عن البيان، فعدم التعرض لها أحرى بالدخول في حيز القبول، و من ثم خلا عن التعرض لها كلام متقدمي علمائنا الفحول، و طوي البحث عنها في اخبار آل الرسول، إلا انه لما انتشر الكلام فيها بين جملة من متأخري الأصحاب، و كان بعضه لا يخلو من اشكال و اضطراب، أحببنا الولوج معهم في هذا الباب، و تنقيح ما هو الحق عندنا و الصواب جريا على وتيرتهم (رضوان اللّٰه عليهم) فيما قعدوا فيه و قاموا، و أسامة لسرح اللحظ حيث اساموا. و قد أحببنا أن نأتي على جملة ما يتعلق بالنية من الأحكام بل كل ما له ارتباط بها في المقام و نحو ذلك مما يدخل في سلك هذا النظام على وجه لم يسبق اليه سابق من علمائنا الاعلام و فضلائنا العظام، فنقول: البحث فيها يقع في مقامات:

(المقام الأول) [وجوب النية]

- لا ريب في وجوب النية في الوضوء بل في جملة العبادات، و الوجه فيه انه لما كان الفعل من حيث هو ممكن الوقوع على أنحاء شتى- و لا يعقل انصرافه إلى شيء منها إلا بالقصد إلى ذلك الشيء بخصوصه، و لا يترتب عليه أثره

____________

(1) ج 1 ص 32.

171

إلا بذلك، مثلا- الدخول تحت الماء من حيث هو صالح لأن يقصد به التبرد أو التسخن تارة، و ازالة الوسخ اخرى و الغسل مثلا، و إخراج شيء من الماء و نحو ذلك، فلا ينصرف إلى واحد من هذه الأشياء أو أزيد إلا بنيته و قصده. و مثل ذلك لطمة اليتيم تأديبا و ظلما و هكذا جميع أفعال العقلاء من عبادات و غيرها لا يمكن تجردها و خلوها من النية و القصد بالكلية، و إلى ذلك يشير ما صرح به بعض فضلائنا و استحسنه آخرون، من انه لو كلفنا اللّٰه العمل بلا نية لكان تكليفا بما لا يطاق- فالعبادة لا تكون عبادة يترتب عليها أثرها و يمتاز بعض أصنافها عن بعض إلا بالقصود و النيات ففي العبادة الواجبة تكون النية واجبة شرطا أو شطرا، لعدم تعينها- كما عرفت- و تشخصها إلا بها، و في المندوبة تكون من شروط صحتها جزء كانت أو خارجة، كغيرها من الأفعال التي لا تصح إلا بها. و عدم الاتصاف بالوجوب فيها- و لا في غيرها مما هو واجب في الفريضة و شرط في صحتها- انما هو من حيث انه لا يعقل وجوب الشرط أو الجزء مع ندبية المشروط أو الكل، و ربما عبروا عن مثل ذلك بالوجوب الشرطي.

و يدل على أصل ما قلناه

ما رواه في التهذيب (1) مرسلا عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) من قوله: «إنما الأعمال بالنيات».

و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «انما لكل امرئ ما نوى».

و قول علي بن الحسين (عليهما السلام) في حسنة الثمالي: «لا عمل إلا بنية» (2).

فإن الظاهر ان المراد بالنية هنا المعنى اللغوي. لأصالة عدم النقل، بمعنى

____________

(1) ج 1 ص 63، و في الوسائل في الباب- 5- من أبواب مقدمة العبادات.

(2) و من الأخبار في ذلك

صحيحة علي بن جعفر المروية في الفقيه و التهذيب عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الأضحية يخطئ الذي يذبحها فيسمى غير صاحبها اتجزئ عن صاحب الأضحية؟ فقال: نعم، انما له ما نوى».

و الظاهر ان المراد منه انما للذابح ما نواه أولا دون ما سماه حال الذبح غلطا. و يحتمل انما لصاحب الذبيحة ما نواه الذابح سمى أو لم يسم.

و صحيحة أخرى له أيضا عن أخيه (عليه السلام) «عن الرجل يحلف و ينسى ما قال؟ قال: هو على ما نوى».

(منه (رحمه اللّٰه).

172

إنما الأعمال حاصلة بالقصود و النيات، و انما لكل امرئ ما قصده، و انه لا عمل حاصل إلا متلبسا بقصد و نية. فالأول و الثالث صريحا الدلالة في عدم حصول العمل بالاختيار من النفس إلا بقصدها إلى إصداره، و الثاني صريح في ان المرء لا يستحق من جزاء عمله الاجزاء ما قصده، كما يدل عليه السبب فيه، و ينادي به تتمته

من قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «فمن كانت هجرته إلى اللّٰه و رسوله فهجرته إلى اللّٰه و رسوله، و من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر اليه» (1).

و من هنا يعلم ان مدار الأعمال- وجودا و عدما و اتحادا و تعددا و جزاءها ثوابا و عقابا- على القصود و النيات.

و بما ذكرنا ثبت ما ادعيناه من ضرورية النية في جميع الأعمال، و عدم احتياجها الى تكلف و احتمال، و وجوبها في جميع العبادات المترتب صحتها عليها، فإن الأعمال كالاشباح و القصود لها كالارواح.

هذا و جملة من أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) لما حكموا بوجوب النية في جميع العبادات و فسروها بالمعنى الشرعي، أشكل عليهم الاستدلال على الوجوب:

فاستدل بعض- منهم: السيد السند في المدارك- على ذلك بما قدمنا من الاخبار، و اعترضه آخرون بمنع ذلك، قالوا: لان الظاهر من الحصر في حديثي

«إنما الأعمال بالنيات».

و «لا عمل إلا بنية» (2).

انتفاء حقيقة العمل عند انتفاء النية، و هو باطل، فلما تعذر الحمل على الحقيقة فلا بد من المصير إلى أقرب المجازات. و التجوز بالحمل على نفي الصحة- كما يدعيه المستدل- ليس اولى من الحمل على نفي الثواب. و لو قيل:

____________

(1) رواه في الوافي ج 3 ص 71 و في المستدرك ج 1 ص 8.

(2) المرويين في الوسائل في الباب- 5- من أبواب مقدمة العبادات.

173

ان الأول أقرب إلى الحقيقة، عورض بان حملهما عليه يستلزم التخصيص في الأعمال، فإنها أعم من العبادات التي هي محل الاستدلال، فيخرج كثير من الأعمال حينئذ من الحكم.

و اما الحديث الثالث (1) فلا انطباق له على مدعاهم بالكلية، لما أوضحناه سابقا مؤيدا بتتمته و علته (2).

نعم ربما يستدل لهم

بما رواه الشيخ (رحمه اللّٰه) في كتاب الأمالي (3) بسنده فيه عن أبي الصلت عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: «لا قول إلا بعمل، و لا قول و عمل إلا بنية، و لا قول و عمل و نية إلا بإصابة السنة».

و ما رواه في كتاب بصائر الدرجات (4) بسنده فيه عن علي (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): لا قول الا بعمل، و لا عمل إلا بنية، و لا عمل و نية إلا بإصابة السنة».

فان الظاهر من سياق الخبرين ان المراد بالعمل فيهما العبادة، و حينئذ فالنية عبارة عن المعنى الشرعي المشترط في صحة العبادة.

(المقام الثاني) [محل النية]

- قد عرف جملة من أصحابنا النية شرعا بأنها القصد المقارن للفعل، قالوا: فلو تقدمت و لم تقارن سمى ذلك عزما لا نية. و أصل هذا التعريف للمتكلمين، فإنهم- على ما نقل عنهم- عرفوها بأنها الإرادة من الفاعل للفعل بالمقارنة له و للأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في بيان المقارنة في نية الصلاة اختلاف فاحش:

قال العلامة (رحمه اللّٰه) في التذكرة: «الواجب اقتران النية بالتكبير، بان

____________

(1) و هو قوله (ع): «انما لكل امرئ ما نوى» المتقدم في الصحيفة 171.

(2) المتقدمة في الصحيفة 172.

(3) في الصحيفة 215، و في الوسائل عن غير الأمالي في الباب- 5- من أبواب مقدمة العادات.

(4) في الصحيفة 3، و في الوسائل في الباب- 5- من أبواب مقدمة العبادات.

174

يأتي بكمال النية قبله ثم يبتدئ بالتكبير بلا فصل، و هذا تصح صلاته إجماعا» قال:

«و لو ابتدأ بالنية بالقلب حال ابتداء التكبير باللسان ثم فرغ منهما دفعة واحدة، فالوجه الصحة».

و نقل الشهيد (رحمه اللّٰه) عن بعض الأصحاب انه أوجب إيقاع النية بأسرها بين الألف و الراء، قال: «و هو- مع العسر- مقتض لحصول أول التكبير بلا نية» و نقل السيد السند في المدارك عن العلامة و الشهيد انهما أوجبا استحضار النية إلى انتهاء التكبير، لان الدخول في الصلاة إنما يتحقق بتمام التكبير.

و رده بلزوم العسر، و ان الأصل براءة الذمة عن هذا التكليف، و ان الدخول في الصلاة يتحقق بالشروع في التكبير، لانه جزء من الصلاة بإجماعنا، فإذا قارنت النية أوله فقد قارنت أول الصلاة، لأن جزء الجزء جزء، و لا ينافي ذلك توقف التحريم على انتهائه. انتهى.

و في البال اني وقفت منذ مدة على كلام للعلامة (رضي اللّٰه عنه) الظاهر انه في أجوبة مسائل السيد مهنا بن سنان المدني في المقارنة، قال (رحمه اللّٰه) حكاية عن نفسه:

«انى أتصور الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها ثم اقصد إليها، فاقارن بها النية» و الكتاب لا يحضرني الآن لا حكي صورة عبارته و لكن في البال ان حاصله ذلك.

أقول: لا يخفى عليك- بعد تأمل معنى النية و معرفة حقيقتها- ان جملة هذه الأقوال بعيدة عن جادة الاعتدال، فإنها مبنية على ان النية عبارة عن هذا الحديث النفسي و التصوير الفكري، و هو ما يترجمه قول المصلي- مثلا-: «أصلي فرض الظهر أداء لوجوبه قربة إلى اللّٰه» و المقارنة بها بان يحضر المكلف عند ارادة الدخول في الصلاة ذلك بباله و ينظر اليه بفكره و خياله، ثم يأتي- بعد الفراغ من تصويره بلا فصل- بالتكبير كما هو المجمع على صحته عندهم، أو يبسط ذلك على التلفظ بالتكبير و يمده بامتداده كما هو القول الآخر، أو يجعله بين الالف و الراء كما هو القول الثالث. و كل

175

ذلك محض تكلف و شطط، و غفلة عن معنى النية أوقع في الغلط، فإنه لا يخفى على المتأمل انه ليست النية بالنسبة إلى الصلاة إلا كغيرها من سائر أفعال المكلف من قيامه و قعوده و اكله و شربه و ضربه و مغداه و مجيئه و نحو ذلك. و لا ريب ان كل عاقل غير غافل و لا ذاهل لا يصدر عنه فعل من هذه الأفعال إلا مع قصد و نية سابقة عليه ناشئة من تصور ما يترتب عليه من الأغراض الباعثة و الأسباب الحاملة له على ذلك الفعل، بل هو أمر طبيعي و خلق جبلي لو أراد الانفكاك عنه لم يتيسر له إلا بتحويل النفس عن تلك الدواعي الموجبة و الأسباب الحاملة، و لهذا قال بعض من عقل هذا المعنى من الأفاضل- كما قدمنا نقله عنه-: «لو كلفنا العمل بغير نية لكان تكليفا بما لا يطلق» و مع هذا لا نرى المكلف في حال ارادة فعل من هذه الأفعال يحصل له عسر في النية و لا اشكال و لا وسوسة و لا فكر و لا ملاحظة مقارنة و لا غير ذلك مما اعتبروه في ذلك المجال، مع ان فعله واقع بنية و قصد مقارن البتة، فإذا شرع في شيء من العبادات اضطرب في أمرها و حار في فكرها، و ربما اعتراه في تلك الحال الجنون مع كونه في سائر أفعاله على غاية من الرزانة و السكون، و هل فرق بين العبادة و غيرها إلا بقصد القربة و الإخلاص فيها لذي الجلال؟ و هو غير محل البحث عندهم في ذلك المجال، مع انه أيضا لا يوجب تشويشا في البال و لا اضطرابا في الخيال.

و ان أردت مزيد إيضاح لما قلناه فانظر إلى نفسك، إذا كنت جالسا في مجلسك و دخل عليك رجل عزيز حقيق بالقيام له و التواضع، ففي حال دخوله قمت له إجلالا و إعظاما كما هو الجاري في رسم العادة، فهل يجب عليك أن تتصور في بالك «أقوم تواضعا لفلان لاستحقاقه ذلك قربة إلى اللّٰه»؟ و إلا لكان قيامك له من غير هذا التصور خاليا من النية، فلا يسمى تواضعا و لا يترتب عليه ثواب و لا مدح، أم يكفي مجرد قيامك خاليا من هذا التصور، و انه واقع بنية و قصد على جهة الإجلال و الإعظام

176

الموجب للمدح و الثواب، و من المقطوع به انك لو تكلفت تخيل ذلك بجنانك و ذكرته على لسانك لكنت سخرية لكل سامع و مضحكة في المجامع، و هذا شأن النية في الصلاة أيضا، فإن المكلف إذا دخل عليه وقت الظهر مثلا و هو عالم بوجوب ذلك الفرض سابقا و عالم بكيفيته و كميته. و كان الغرض الحامل له على الإتيان به الامتثال لأمر اللّٰه سبحانه مثلا، ثم قام عن مكانه و سارع إلى الوضوء، ثم توجه إلى مسجده و وقف في مصلاه مستقبلا، و أذن و أقام ثم كبر و استمر في صلاته، فان صلاته صحيحة شرعية مشتملة على النية و القربة.

و ان أردت مزيد إيضاح لمعنى النية فاعلم ان النية المعتبرة مطلقا إنما هي عبارة عن انبعاث النفس و ميلها و توجهها إلى ما فيه غرضها و مطلبها عاجلا أو آجلا، و هذا الانبعاث و الميل إذا لم يكن حاصلا لها قبل فلا يمكنها اختراعه و اكتسابه بمجرد النطق باللسان أو تصوير تلك المعاني بالجنان هيهات هيهات، بل ذلك من جملة الهذيان، مثلا- إذا غلب على قلب المدرس أو المصلي حب الشهرة و حسن الصيت و استمالة القلوب اليه لكونه صاحب فضيلة أو كونه ملازم العبادة، و كان ذلك هو الحامل له على تدريسه أو عبادته، فإنه لا يتمكن من التدريس أو الصلاة بنية القربة أصلا و ان قال بلسانه أو تصور بجنانه «أصلي أو أدرس قربة الى اللّٰه» و ما دام لم يتحول عن تلك الأسباب الأولة و ينتقل عن تلك الدواعي السابقة إلى غيرها مما يقتضي الإخلاص له تعالى، فلا يتمكن من نية القربة بالكلية، و حينئذ فإذا كانت النية إنما هي عبارة عن هذا القصد البسيط الذي لا تركيب فيه بوجه، و لا يمكن مفارقته لصاحبه بعد تصور تلك الأسباب الحاملة على الفعل إلا بعد الدخول في الفعل، فكيف يتم ما ذكروه من معاني المقارنة المقتضية للتركيب و حصول الابتداء فيه و الانتهاء، بامتداده بامتداد التكبير و انحصاره بين حاصرين من الهمزة و الراء؟

الى غير ذلك من التخريجات العرية عن الدليل، و التمحلات الخارجة عن نهج السبيل، الموقعة للناس في تيه الحيرة و الالتباس و الوقوع في شباك الوسواس الخناس.

177

(المقام الثالث) [اعتبار الخلوص في النية]

- لما كانت النية- كما أشرنا آنفا- هي المعينة و المشخصة لخصوصية الفعل- كما دلت عليه تلك الأخبار، و ان مدار الأعمال- وجودا و عدما و اتحادا و تعددا و مدار جزأيها ثوابا و عقابا- على القصود كما بيناه آنفا، و انها للأعمال كالارواح للاشباح لا قوام لها بدونها إلا قواما صوريا، و ان المرء لا يستحق من جزاء عمله الاجزاء ما قصد، فلا يستحق جزاء ما لم يتعلق به قصد و لا جزاء عمل قصد سواه- وجب تصحيح القصود في الأعمال على وجه يترتب عليه الثواب و النجاة من العقاب، و هو لا يحصل في العبادات إلا بقصد الفعل خالصا له سبحانه، لقوله عز شأنه: «وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ(1) و قوله: «و اعبدوا اللّٰه مخلصين له الدين» (2) و قوله: «قُلِ اللّٰهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي» (3) الى غير ذلك من الآيات، و يتلوها نحوها في ذلك من الروايات.

و هو يتحقق بأحد أمور: (منها)- قصد طاعة اللّٰه تعالى و التقرب اليه.

و (منها)- قصد رضاه تعالى. و (منها)- قصد تحصيل الثواب و دفع العقاب أو أحدهما.

و لا خلاف- فيما أعلم- في صحة العبادة بهذه القصود إلا في الأخير، فإن ظاهر المشهور بين الأصحاب- بل ادعى عليه الإجماع- بطلان العبادة به.

و الذي اختاره جماعة من متأخري المتأخرين هو الصحة، و هو المؤيد بالآيات و الروايات:

كقوله سبحانه: «. يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً(4) و قوله تعالى:

«. وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً(5).

____________

(1) سورة البينة الآية 5.

(2) لم نعثر عليه بعد التتبع في المرشد.

(3) سورة الزمر الآية 14.

(4) سورة السجدة الآية 17.

(5) سورة الأنبياء الآية 91.

178

و ما روى في الحسن عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «العباد ثلاثة: قوم عبدوا اللّٰه عز و جل خوفا، فتلك عبادة العبيد. و قوم عبدوا اللّٰه تبارك و تعالى طلب الثواب، فتلك عبادة الاجراء و قوم عبدوا اللّٰه عز و جل حبا له، فتلك عبادة الأحرار و هي أفضل العبادة».

فإن قضية أفعل التفضيل ان العبادة على الوجهين الأولين لا تخلو من فضل أيضا و ان نقصت مرتبته.

و ما روى عنهم (عليهم السلام) بطرق عديدة (2): «من بلغه شيء من الثواب على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أو تيه و ان لم يكن الحديث كما بلغه».

فإنه يعطى ان ذلك العمل الحامل على فعله قصد تحصيل الثواب صحيح مثاب عليه.

و ما ورد عنهم (عليهم السلام) من العبادات و الأعمال المأمور بها للحاجة أو تحصيل الولد أو المال أو النكاح أو الشفاء أو الاستخارة أو نحو ذلك من المقاصد الدنيوية. الى غير ذلك من الوجوه التي يطول بنشرها الكلام.

و اما ما ذكروه من ان قصد الثواب و الخلاص من العقاب ينافي الإخلاص له سبحانه، لأن قاصد ذلك إنما قصد جلب النفع إلى نفسه و دفع الضرر.

ففيه (أولا) ان الإخلاص بذلك المعنى الخاص لا يحصل إلا من خواص الخواص، و هو درجة من قال:

«ما عبدتك خوفا من نارك و لا طمعا في جنتك، و لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك» (3).

و طلب هذه المرتبة من غيرهم (عليهم السلام) قريب من التكليف بالمحال بل هو محال بلا اشكال.

قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: «و مدعى هذه المرتبة إنما يصدق

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 9- من أبواب مقدمة العبادات.

(2) المروي في الوسائل في الباب- 18- من أبواب مقدمة العبادات.

(3) رواه صاحب الوافي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في الجزء الثالث في باب نية العبادة ص 70.

179

في دعواه إذا علم من نفسه انه لو أيقن ان اللّٰه يدخله بطاعته النار و بمعصيته الجنة يختار الطاعة و يترك المعصية تقربا اليه تعالى، و اين عامة الخلق من هذه الدرجة القصوى و المنزلة العليا؟» انتهى.

و (ثانيا)- ان العبادة الواقعة على ذلك النحو بأمره تعالى، لما عرفت من الآيات و الروايات، و طالبها طالب لرضاه و هارب من سخطه، فهو المقصود بها عند التحقيق.

و (ثالثا)- انه سبحانه قد ندب في غير موضع إلى التجارة عليه و وعد بالجزيل من ثوابه لمن قصد بذلك اليه.

فقال جل شأنه: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضٰاعِفَهُ لَهُ أَضْعٰافاً كَثِيرَةً» (1) «وَ مٰا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّٰهِ هُوَ خَيْراً وَ أَعْظَمَ أَجْراً» (2).

«. لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ» (3).

و في جملة من الاخبار (4) ان اللّٰه تعالى قال: «ان من عبادي من يتصدق بشق تمرة فأربيها له كما يربي أحدكم فلوه و فصيله، فيأتي يوم القيامة و هو مثل جبل أحد و أعظم من أحد».

الى غير ذلك من الآيات و الروايات الدالة على وعده سبحانه بالثواب في مقابلة تلك الأعمال ترغيبا لهم.

و من سرح بريد النظر في الكتاب و السنة وجدهما مملوءين من الترغيب في مقام الطاعات بالجنان المزخرفة بالحور الحسان و الولدان، و الترهيب في مقام المخالفة و العصيان بأهوال الحساب و شدائد يوم المآب و عذاب النيران، و سر ذلك انما هو كونهما باعثين على الفعل وجودا أو عدما، و متى كان كذلك كان قصدهما صحيحا

____________

(1) سورة البقرة الآية 246.

(2) سورة المزمل الآية 20.

(3) سورة إبراهيم الآية 8.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 7- من أبواب الصدقة.

180

البتة،

و في بعض الاخبار (1) «ان العمل الخالص هو الذي لا تريد ان يحمدك عليه أحد سوى اللّٰه عز و جل».

و هو مؤيد لما قلناه و موضح لما ادعيناه.

(المقام الرابع) [بطلان العبادة بقصد الرياء و السمعة]

- لا ريب و لا إشكال في الإبطال بقصد الرياء و السمعة في نية العبادة، و الوجه فيه انه لا ريب في ان قصد ذلك لما كان منافيا للإخلاص الذي هو مدار الصحة و البطلان في العبادة كما عرفت، وجب الحكم ببطلانها باشتمالها عليه.

و قد استفاضت الروايات بالنهي عن ذلك،

كقول الصادق (عليه السلام) لعباد البصري (2): «ويلك يا عباد إياك و الرياء، فإنه من عمل لغير اللّٰه و كله اللّٰه الى من عمل له».

و قول الرضا (عليه السلام) لمحمد بن عرفة (3): «ويحك يا ابن عرفة اعملوا لغير رياء و لا سمعة، فإنه من عمل لغير اللّٰه و كله اللّٰه إلى ما عمل.».

بل دلت الآيات على ان ذلك شرك، كقوله سبحانه: «. وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً» (4).

و في بعض الاخبار في تفسير هذه الآية «و من صلى مراءاة الناس فهو مشرك» (5).

و في آخر أيضا (6) «الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه اللّٰه إنما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربه.».

و نقل جملة من أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) عن المرتضى (رضي اللّٰه عنه) في الانتصار انه لو نوى الرياء بصلاته لم تجب إعادتها و ان سقط الثواب عليها. و لا يخفى ان هذا الكلام يجري في جميع العبادات بل في غيرها بطريق أولى.

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 8- من أبواب مقدمة العبادات.

(2) المروي في الوسائل في الباب- 11- من أبواب مقدمة العبادات.

(3) المروي في الوسائل في الباب- 11- من أبواب مقدمة العبادات.

(4) سورة الكهف الآية 110.

(5) المروي في الوسائل في الباب- 11- من أبواب مقدمة العبادات.

(6) رواه صاحب الوسائل في الباب- 12- من أبواب مقدمة العبادات.

181

و لعل مستنده في ذلك ان غاية ما يستفاد من الآية و الاخبار الواردة في المقام عدم القبول الموجب لعدم استحقاق الثواب، و هو غير مناف للصحة بمعنى عدم وجوب الإعادة.

و ربما أيد ذلك بكثير من ظواهر الكتاب و السنة كقوله تعالى: «. إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» (1) «. و لٰا تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ(2).

و كما ورد في الاخبار الصحيحة (3): «ان صلاة شارب الخمر إذا سكر لا تقبل أربعين صباحا أو أربعين يوما أو ليلة».

مع عدم القول بفساد شيء من ذلك و وجوب إعادته من تلك الجهة.

و أنت خبير بان الكلام هنا يرجع إلى بيان معنى الصحة في العبادات، هل هي عبارة عن موافقة الأمر و حصول ما يستلزم الثواب، أو انها عبارة عما يوجب سقوط العقاب و ان لم يستلزم الثواب، و إنما يستلزمه القبول و هو أمر زائد على الاجزاء و الصحة و مرجع ذلك إلى كونها عبارة عما يسقط القضاء خاصة؟ المشهور الأول و المرتضى على الثاني و الظاهر هو المشهور من ان الصحة إنما هي عبارة عن موافقة الأمر و امتثاله، و ان ذلك موجب للقبول و ترتب الثواب:

(أما أولا)- فلانه لا خلاف بين كافة العقلاء في ان السيد إذا أمر عبده أمرا إيجابيا بفعل و وعده الأجر عليه، فاتى العبد بالفعل حسبما أمر به السيد، ثم ان السيد رده عليه و لم يقبله منه و منعه الأجر الذي وعده، مع انه لم يخالف شيئا مما امره به فان العقلاء لا يختلفون في لوم السيد و نسبته إلى خلاف العدل، سيما إذا كان السيد ممن يصف نفسه بالعدل و يتمدح بالفضل و الكرم.

و (اما ثانيا)- فلان تفسير الصحة بأنها عبارة عما أسقط القضاء مستلزم للقول

____________

(1) سورة المائدة الآية 27.

(2) سورة البقرة الآية 264.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الأشربة المحرمة.

182

بترتب القضاء على الأداء، و هو خلاف ما عليه محققو الأصحاب، و خلاف ما يستفاد من الأدلة من ان القضاء موقوف على أمر جديد و لا ترتب له على الأداء.

و لو قيل: ان الاخبار قد صرحت بأن الصلاة لا يقبل منها إلا ما اقبل عليه و ربما قبل نصفها و ربما قبل ثلثها و هكذا، مع انها صحيحة إجماعا، فالصحة حينئذ غير القبول.

قلنا: فيه- بعد ما عرفت- ان الأمر بالإقبال في العبادة انما هو أمر استحبابي و هو ما يوجب امتثاله مزيد الفضل و الأجر، لا أمر إيجابي ليكون تركه موجبا لترك الأجر بالكلية و عدم القبول بالمرة، و حينئذ فتحمل هذه الاخبار على القبول الكامل كما لا يخفى.

على ان ثبوت الصحة فيما نحن فيه من عبادة الرياء على القول الآخر ممنوع:

(أما أولا)- فلان سقوط ما وجب في الذمة بيقين فرع وجود المسقط يقينا و المسقط هنا غير معلوم حينئذ، إذ لا تسقط العبادة بغير جنسها و ان تحلى بجنس صورتها و لا تتأدى الطاعة بجعلها لباسا و قالبا لضرتها.

و يرشد إلى ذلك

ما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن حد العبادة التي إذا فعلها فاعلها كان مؤديا. قال: حسن النية بالطاعة».

و مع هذا فكيف يمكن ان يقال ان العبادة الواقعة على وجه الرياء صحيحة بمعنى مسقطة للقضاء؟

و (اما ثانيا)- فلأنك قد عرفت- مما تقدم من الآيات و الاخبار الدالة على جعل مناط الصحة هو الإخلاص و ان الرياء شرك- ما هو صريح في البطلان و لزوم العقاب بالمخالفة، فكيف يتم القول بالصحة الموجبة لسقوط العقاب؟

و اما ما ذكر من الظواهر فالظاهر ان المراد بعدم القبول فيها يعنى القبول الكامل، بمعنى عدم ترتب الثواب المضاعف الموعود به. على انه قد ورد في تفسير الآية الأولى عن أهل

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في الباب- 6- من أبواب مقدمة العبادات.

183

العصمة (عليهم السلام) ان المراد بالمتقين الشيعة.

(المقام الخامس) [عدم اعتبار أزيد من تعيين الفعل و قصد القربة في النية]

- صرح جملة من أصحابنا بوجوب اشتمال النية- سيما في الطهارة و الصلاة- على جملة من القيود، و اختلفوا فيها كمية و كيفية، و استدلوا على ذلك بوجوه عقلية و اعتبارات غير مرضية لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، قد نقلها جماعة من متأخري المتأخرين في كتبهم الاستدلالية و أجابوا عنها، و لا حاجة بنا إلى الإطالة بنقلها و نقل أجوبتها، فإنا قد التزمنا في هذا الكتاب ان لا نطول البحث غالبا إلا فيما أغفلوا تحقيقه و لم يلجوا مضيقة.

و قصارى ما يستفاد من الأدلة الشرعية مما يتعلق بأمر النية هو قصد القربة كما تقدم تحقيقه، و لولاه لكان الأولى الاعراض عن البحث في ذلك من باب

«اسكتوا عما سكت اللّٰه عنه».

«و أبهموا ما أبهم اللّٰه» (1).

نعم لو كان الفعل المقصود غير متعين في الواقع فلا بد في تعلق قصد المكلف به الى إصداره من قيد يشخصه لينصرف القصد اليه، لما عرفت سابقا من انه لا تميز بين افراد الماهية عند القصد إلى إيجاد بعضها إلا بقصده، كما لو اشتغلت ذمة المكلف بفائت الظهر مثلا، فبعد دخول وقت الظهر- بناء على القول بالمواسعة المحضة في القضاء- لا يتعين ما يأتي به منها إلا بالقصد اليه بخصوصه، فلا بد في هذه الصورة من تعيين الأداء ان قصده و القضاء كذلك.

و ما عدا ذلك فلا يجب فيه التعيين، لتعينه واقعا و ان لم يتعين في نظر المكلف أيضا، كما لو قصد إيقاع غسل الجمعة مع تعارض الاخبار عنده في الوجوب و الاستحباب و عدم طريق إلى العلم بذلك، فإنه لا يتعين عليه قصد أحدهما، للزوم التكليف بما لا يطاق، بل و لو امكنه العلم بذلك أيضا لعدم الدليل عليه و أصالة عدمه، بل متى علم

____________

(1) تقدم في التعليقة 2 من الصحيفة 60، و في الصحيفة 156 من الجزء الأول ما يتعلق بذلك.

184

رجحان الفعل شرعا و قصد إلى إيقاعه لوجه اللّٰه سبحانه، كفى من غير تعرض فيه لقصد وجوب أو استحباب.

(المقام السادس) [هل يجوز تقديم النية؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) جواز تقديم النية في الوضوء و الغسل عند غسل اليدين المستحب، بل حكم العلامة في المنتهى بالاستحباب، و جوزه ابن إدريس في الغسل دون الوضوء، فخص الجواز فيه بالمضمضة و الاستنشاق، و منع صاحب البشرى من ذلك مطلقا، و أوجب التأخير إلى أول الأفعال الواجبة، نظرا إلى عدم دخول ما تقدم في مسمى الوضوء أو الغسل حقيقة، و أيده بعضهم بأنه كيف ينوي الوجوب و يقارن به ما ليس بواجب و يجعله داخلا فيه؟ و لهذا لم يجوزوا تقديمها و مقارنتها لسائر المندوبات مثل السواك و التسمية إجماعا.

أقول: و يؤيده أيضا انه لو ساغ ذلك لجاز مثله في الصلاة أيضا، فيقدم النية في أول الإقامة رخصة مع انهم لا يجوزونه، و الفرق بين الموضعين غير ظاهر.

و بالجملة فحيث كانت المسألة خالية من النص فالواجب الوقوف فيها على ساحل الاحتياط. و خبر-

«إنما الأعمال بالنيات».

و

«لا عمل إلا بنية» (1).

مع تسليم حمل النية فيه على المعنى الشرعي، باعتبار احتمال الباء فيه للمصاحبة فيمتنع التقديم، أو الملابسة المطلقة فيجوز، أو السببية التي هي أعم من الناقصة و التامة فيحتملهما- فيه- كما ترى- من الإجمال و الاحتمال ما يخرج به عن حيز الاستدلال.

و أنت خبير بان الظاهر ان الأمر في هذه المسألة بناء على ما حققناه من معنى النية هين، فان القصد إلى إيقاع الفعل لما كان مما لا يمكن الانفكاك عنه و لا الإصدار بدونه، و ان المقارنة التي أدعوها لا دليل عليها، فمن المعلوم ان المكلف متى جلس للوضوء عالما بكيفيته شرعا و الغرض منه، فلا يكون البتة إلا عن قصد إلى إيقاع هذه الكيفية متقربا بها، و حينئذ فلا معنى لتقديم النية و تأخيرها، أو افراد كل من مستحباته

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 5- من أبواب مقدمة العبادات.

185

و واجباته بنية على حياله. نعم ذلك إنما يتمشى على مذاق القوم من جعل النية عبارة عن ذلك الحديث النفسي، و وجوب المقارنة به لأول الأفعال كما ذكروا. و قد عرفت ما فيه

(المقام السابع) [وجوب استدامة النية إلى الفراغ]

- قد صرح غير واحد من أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) بان من جملة واجبات النية استدامتها حكما إلى الفراغ، و وجهه انه لما كانت النية عبارة عن القصد إلى إيقاع الفعل بعد تصوره و تصور غايته الباعثة على الإتيان به، و انه بعد التلبس بالفعل على الوجه المذكور كثيرا ما تحصل الغفلة و يحصل السهو و النسيان الذي هو كالطبيعة الثانية للإنسان عن ذلك القصد و التصور المذكورين مع الاستمرار على الفعل لكن يكون بحيث لو رجع إلى نفسه لاستشعر ما قصده و تصوره أولا، اقتضت الحكمة الربانية و الشريعة السمحة المحمدية الجري على مقتضى النية السابقة ما لم يعرض هناك قصد أخر ناشىء عن غاية أخرى باعثة عليه مرتبا للفعل عليها، فان الفعل حينئذ يخرج بذلك عما هو عليه أولا، لما عرفت من دوران المغايرة بين الأفعال مدار القصود و النيات.

و لك ان تقول- كما حققه بعض المحققين من متأخري المتأخرين- انه لما كانت النية عبارة عن القصد إلى الفعل بعد تصور الداعي له و الحامل عليه، و الضرورة قاضية- كما نجده في سائر أفعالنا- بأنه قد يعرض لنا مع الاشتغال بالفعل الغفلة عن ذلك القصد و الداعي في أثناء الفعل، بحيث انا لو رجعنا إلى وجداننا لرأينا النفس باقية على ذلك القصد الأول، و مع ذلك لا نحكم على أنفسنا و لا يحكم علينا غيرنا بان ما فعلناه وقت الذهول و الغفلة بغير قصد و نية، بل من المعلوم أنه أثر ذلك القصد و الداعي السابقين، كان الحكم في العبادة كذلك، إذ ليست العبادة إلا كغيرها من الأفعال الاختيارية للمكلف، و النية ليست إلا عبارة عما ذكرنا.

ثم قال (قدس سره): «انه كما يجوز صدور الفعل بالإرادة لغرض مع الذهول في أثنائه عن تصور الفعل و الغرض مفصلا، فكذلك يمكن صدوره بالإرادة لغرض مع الذهول عنها مفصلا في ابتداء الفعل أيضا، إذا تصور الفعل و الغرض في زمان سابق

186

عليه، و كان ذلك باعثا على صدور الفعل في هذا الزمان، و الضرورة حاكمة أيضا بوقوع هذا الفرض عند ملاحظة حال الأفعال، فحينئذ يجوز ان يصدر الوضوء لغرض الامتثال و القربة باعتبار تصوره و تصور ذلك الغرض في الزمان السابق، فيلزم أن يكون ذلك الوضوء صحيحا أيضا، لما عرفت من عدم لزوم شيء على المكلف زائدا على هذا المعنى، فبطل القول بمقارنة النية لأول الأفعال» انتهى.

و هو جيد رشيق، و فيه تأكيد اكيد لما قدمناه في المقام الثاني من التحقيق.

و بالجملة فتجدد الذهول- بعد قصد الفعل أولا و تصور داعيه الباعث عليه- لا يخرج تلك الأفعال الواقعة حال الذهول عن كونها بذلك القصد السابق. نعم لو كان أصل الدخول في الفعل بغير قصد بالكلية سهوا و غفلة فهذا هو الذي لا يعتد به اتفاقا، لما عرفت غير مرة من ان الفعل من حيث هو لا ينصرف إلى مادة و لا يحمل على فرد إلا بالقصد اليه.

هذا. و أنت إذا حققت النظر في المقام و سرحت بريد الفكر فيما ذكره الأقوام وجدت ان البحث في هذه المسألة ليس مما له مزيد فائدة سيما في الوضوء، و ذلك لأن مجرد النية الثانية لا يترتب عليها أثر في الإبطال عندهم.

و حينئذ فلا يخلو اما ان يأتي بشيء من تلك الأفعال بالنية الثانية أولا، و على الثاني فاما ان يرجع إلى مقتضى النية السابقة قبل فوات الموالاة أولا.

فعلى الأول يكون بطلان الفعل بما فعله بالنية الثانية، و يدخل في مسألة من أبطل عمله بأحد المبطلات، و لا خصوصية له بهذه المسألة.

و على الثالث يبطل الوضوء لفوات بعض واجباته التي هي الموالاة، و يرجع ذلك الى مسألة الموالاة.

و على الثاني فإنه لا إشكال في الصحة عندهم، لعدم ثبوت كون مثل ذلك قادحا فيها، مع انها الأصل.

187

نعم لو اتفق ذلك في نية الصلاة بأن نوى الخروج أو فعل المنافي و لم يفعل، فهل يبطل ذلك الصلاة أم لا؟ قولان:

المشهور الثاني استنادا إلى أصالة الصحة، فالإبطال يتوقف على الدليل، و ليس فليس.

و قيل بالأول استنادا إلى ان الاستمرار على حكم النية السابقة واجب إجماعا، و مع نية الخروج أو التردد أو نية فعل المنافي يرتفع الاستمرار.

و أورد عليه ان وجوب الاستدامة أمر خارج عن حقيقة الصلاة، فلا يكون فواته مقتضيا لبطلانها، إذ المعتبر وقوع الصلاة بأسرها مع النية كيف حصلت، و قد اعترف الأصحاب بعدم بطلان ما مضى من الوضوء بنية القطع إذا جدد النية قبل فوات الموالاة، و الحكم في المسألتين واحد. و الفرق بينهما- بأن الصلاة عبادة واحدة لا يصح تفريق النية على اجزائها بخلاف الوضوء- ضعيف، فإنه دعوى مجردة عن الدليل. و المتجه تساويهما في الصحة مع تجديد النية لما بقي من الأفعال، لكن يعتبر في الصلاة عدم الإتيان بشيء من أفعالها الواجبة قبل تجديد النية، لعدم الاعتداد به، و استلزام إعادته الزيادة في الصلاة. هكذا حققه السيد السند (قدس سره) في المدارك.

و أنت خبير بأن المصلي متى كبر للإحرام و دخل في الصلاة فلا يخرج منها إلا بالتسليم أو التشهد، فجميع حالاته- من قيامه و قعوده و ركوعه و سجوده و تشهده و ما بينها حال الانتقال من أحدها إلى الآخر- كله من اجزاء الصلاة، فمع نية القطع و الخروج أو نية فعل المنافي يلزم- البتة- وقوع جزء من اجزاء الصلاة بغير نية، و يلزم الخروج عن مقتضى النية السابقة. و تجديد النية الأولى- بعد مضي شطر من اجزاء الصلاة خاليا منها بل على نية تنافيها- لا يوجب نفعا في المقام و لا دفعا لذلك الإلزام.

و من ذلك ظهر الفرق بين الصلاة و الوضوء، و به يظهر رجحان القول الأول.

إلا أن لقائل أن يقول: ان المفهوم من الاخبار جواز إيقاع بعض الأفعال

188

الخارجة عن حقيقة الصلاة فيها و ان استلزمت التقدم أو التأخر بما لا يستلزم الاستدبار كغسل دم الرعاف، و قتل الحية، و إرضاع الصبي، و نحوها، مع القطع بكونها ليست من أفعال الصلاة، مع انها لا تبطل الصلاة بها، فبالأولى ان يكون مجرد ترك النية- و ان استلزم ان يكون الحال الذي نوى فيه القطع خاليا عن النية السابقة- غير موجب للبطلان و حينئذ يتوجه المنع إلى ان جميع حالاته من بعد التكبير إلى حين التسليم من اجزاء الصلاة. الا ان الحكم بعد لا يخلو من شوب الاشكال. و حيث كانت المسألة خالية من النص فالواجب الوقوف فيها على ساحل الاحتياط.

(المقام الثامن) [حكم الضميمة في النية]

- اختلف الأصحاب في حكم نية الضمائم اللازمة في النية.

فقيل بالصحة مطلقا، و الظاهر انه المشهور.

و قيل بالبطلان مطلقا، و هو ظاهر جماعة: منهم- أول الشهيدين في بيانه، و ثانيهما في روضته، و المولى الأردبيلي في شرح الإرشاد، و غيرهم.

و قيل بالتفصيل بين ما إذا كانت راجحة فتصح و إلا فتبطل، و اختاره جماعة:

منهم- السيد السند في المدارك، و ادعى انه مع الرجحان لا خلاف في الصحة، و تبعه على هذه الدعوى بعض ممن تأخر عنه.

و فيه ان جملة من عبارات من قدمنا نقل القول بالإبطال عنهم ظاهرة في الحكم بذلك من غير تفصيل بالرجحان و عدمه، و لا سيما كلام المولى الأردبيلي (رحمه اللّٰه)، حيث قصر الحكم بالصحة على مجرد كون الفعل للّٰه، و حكم بان كل ما يضم اليه من لازم و غيره فهو مناف لذلك.

و قيل بتخصيص الصحة بما إذا كانت الضميمة راجحة و لا حظ المكلف رجحانها، و هو الذي اختاره شيخنا أبو الحسن (قدس سره) في رسالة الصلاة، و جزم به والدي (قدس سره).

و قيل بالتفصيل بأنه ان كان الباعث الأصلي هو القربة ثم طرأ قصد التبرد مثلا

189

عند الابتداء في الفعل لم يضر، و ان كان العكس أو كان الباعث مجموع الأمرين، لم يجزئ، و هذا القول ذكره في الذكرى احتمالا، و اليه ذهب بعض متأخري المتأخرين.

و الظاهر ان مراد مشترط رجحان الضميمة هو ملاحظة رجحانها أيضا و قصده، نظرا إلى ان التعليق على الوصف مشعر بالعلية، فان مجرد رجحانها في الواقع من غير ملاحظة المكلف له لا يخرج الضميمة عن كونها مرجوحة أو متساوية الطرفين، فإن العبادة إنما تصير عبادة يترتب عليها أثرها بنيتها و قصدها، و حينئذ فيرجع القول الثالث و الرابع الى واحد.

احتج من ذهب إلى الأول بعدم منافاة الضميمة لنية القربة، و انه كنية الغازي للقربة و الغنيمة، و انها لكونها لازمة فنيتها لا تزيد على أصل حصولها.

و فيه ان ما ادعوه من عدم المنافاة فهو أول البحث. و التمثيل بالغازي لا ينهض حجة، لمنع ذلك فيه أيضا. و قوله-: «ان نيتها لا تزيد على أصل حصولها»- ممنوع، إذ لا يلزم من حصولها ضرورة جواز نية حصولها، و هل الكلام إلا فيه؟ مع انه منتقض بالرياء و ان رؤية الناس أيضا لازم، فيجب ان يكون قصده غير مضر بالعبادة، و الخصم لا يقول به.

و احتج من ذهب إلى الثاني بمنافاة الضميمة للإخلاص له سبحانه.

و فيه انه مع عدم رجحان الضميمة مسلم و مع الرجحان ممنوع، كما سيأتي بيانه.

احتج من ذهب إلى الثالث بما ورد في الاخبار من قصد الإمام بإظهار تكبيرة الإحرام الاعلام، و ضم الصائم إلى نية الصوم قصد الحمية، و مخرج الزكاة علانية- بل سائر أفعال الخير- اقتداء الناس به، و نحو ذلك.

و من هذه الأدلة يعلم ان قصد المكلف هذه الضمائم إلى ما ضمت اليه إنما تعلق بها لرجحانها، و إلا فلربما تطرق إليها احتمال الإبطال في بعضها من حيث دخوله في الرياء، كالاعلان بالزكاة و نحوه.

190

و هذا القول هو الأقوى عندي، لعدم الدليل على ما سواه كما عرفت، و اعتضاده بما عرفت من الأدلة (1) الا ان الظاهر انه لا اختصاص له بالضميمة اللازمة بل يجري في الخارجة أيضا، فإن ما ذكر- من مثال مخرج الزكاة علانية لاقتداء الغير به- إنما هو من قبيل الضميمة الخارجة دون اللازمة، إذ لا ملازمة بين إخراج الزكاة و اقتداء الغير. و مثل ذلك أيضا ما ورد من استحباب إطالة الإمام ذكر الركوع لانتظار الداخل، و إطالته القيام في صلاة الخوف لانتظار إتمام الفرقة الاولى و دخول الثانية، و جهر المصلي بصلاة الليل في منزله ليوقظ جاره للصلاة ان كان ممن يعتادها، و نحو ذلك.

(المقام التاسع) [قصد الندب بواجبات العبادة و بالعكس]

- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بأنه لو نوى ببعض واجبات العبادة الندب عمدا أو جهلا بطلت، و لو نوى ببعض مندوباتها الوجوب، فان اتصف بالكثرة بطلت أيضا و إلا فلا، و هو مبني على أمور:

(أحدها)- وجوب قصد الوجه من وجوب أو ندب في أصل العبادة، و فيما يأتي به من الأفعال الواجبة أو المندوبة.

و (ثانيها)- عدم تداخل الواجب و الندب، فلا يجزئ أحدهما عن الثاني، لتغاير الجهتين فيهما، و حينئذ فلو خالف بان نوى بالواجب الندب عمدا أو جهلا بطلت الصلاة، للإخلال بالواجب على ذلك الوجه اللازم منه عدم الإتيان بالمأمور به على وجهه، فلم يطابق فعله ما في ذمته، لاختلاف الوجه، و يمتنع إعادته، للزوم زيادة أفعال الصلاة عمدا، فلم يبق إلا البطلان. و لو نوى بالمندوب الوجوب فان كان ذكرا بطلت أيضا، للنهي المقتضي للفساد، و لانه كلام في الصلاة ليس منها و لا مما استثنى منها، و ان

____________

(1) أقول: و من ذلك أيضا حديث حماد بن عيسى الدال على ان الصادق (عليه السلام) صلى تلك الركعتين اللتين صلاهما تعليما لرعيته، و مثله الحديث الدال على العلة في استحباب التكبيرات الافتتاحية و ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كبرها لأجل أن يتابعه الحسين (عليه السلام) فيها حين ابطأ عن الكلام. و أمثال ذلك كثير يقف عليه المتتبع لموارد الأخبار (منه (رحمه اللّٰه).

191

كان فعلا كالطمأنينة مثلا، اعتبر في الحكم بإبطاله الكثرة التي تعتبر في الفعل الخارج عن الصلاة. و استقرب الشهيد في البيان الصحة في هذا القسم مطلقا، لأن نية الوجوب إنما أفادت تأكيد الندب.

و (ثالثها)- وجوب العلم بواجبات الصلاة و مندوباتها ليقصد الوجه في كل منهما، و عدم معذورية الجاهل في ذلك، بل الواجب عليه العلم بذلك اجتهادا أو تقليدا و بدونه يبطل ما يأتي به من العبادة، و انه لا معذورية للجاهل إلا في الموضعين المشهورين هكذا قرروا (رضوان اللّٰه عليهم).

و هو منظور فيه من وجوه: (أحدها)- ما أشرنا إليه آنفا- و به صرح جملة من متأخري أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم)- من انه لم يقم لنا دليل يوجب المصير الى ما ذكروه من وجوب قصد الوجه في العبادة و استحبابه، و الأحكام الشرعية توقيفية لا يجوز الحكم فيها إلا بما قام الدليل الشرعي عليه، و إلا كان من باب

«اسكتوا عما سكت اللّٰه عنه».

و

«أبهموا ما أبهمه اللّٰه» كما ورد عنهم (عليهم السلام) (1).

و ما ذكروه في مقام الاستدلال على ذلك مجرد اعتبارات عقلية و وجوه تخريجية لا تصلح للاعتماد عليها في الأحكام الشرعية.

و بذلك يظهر ان ما ذكروه من البطلان بنية الواجب ندبا ممنوع. قوله: للإخلال بالواجب- مردود بعدم قيام الدليل على وجوب ما أوجبه، و كذلك قوله: لعدم مطابقة فعله ما في ذمته، لعدم قيام الدليل على المطابقة المزبورة على الوجه الذي ذكره.

و (ثانيها) ان ما ذكر- من كون أحدهما لا يجزئ عن الآخر- مردود بوقوع ذلك في جملة من الموارد:

____________

(1) تقدم في التعليقة (2) من الصحيفة (60) و في الصحيفة 156 من الجزء الأول ما يتعلق بذلك.

192

منها- صلاة الاحتياط المقصودة بنية الوجوب، فإنها بعد ظهور الاستغناء عنها تكون نافلة اتفاقا نصا و فتوى.

و منها- ما لو صام يوما قضاء عن شهر رمضان ثم تبين انه اتى به سابقا، فان الظاهر ترتب الثواب على ما اتى به.

و منها- ما لو شرع في نافلة ثم سهى في أثنائها فاتى ببعض الأفعال بقصد الوجوب ظنا منه انه في فريضة.

هذا في اجزاء الواجب عن الندب. و اما بالعكس:

فمنه- ما لو صام يوم الشك بنية الندب فظهر انه من شهر رمضان.

و منه- ما لو دخل في الفريضة فسهى في أثنائها و اتى ببعض أفعالها على انها نافلة و منه- ما لو توضأ للتجديد فظهر كونه محدثا.

و منه- ما لو جلس للاستراحة فلما قام ظهر أنه نسي سجدة، فإنه يسجد و يقوم الى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع.

فان قيل: ان هذا كله خارج عن صورة العمد. قلنا: المدعى عندهم أعم و به يلزم المطلوب.

و (ثالثها)- ان ما ذكره- من انه يمتنع إعادته للزوم زيادة أفعال الصلاة- مردود بان ما اتى به إنما قصد به الندب، و العبادة- كما عرفت- تابعة للقصد، و حينئذ فليس ما اتى به من أفعال الصلاة على هذا التقدير، فيكون الواجب باقيا في ذمته، فإنه لو قرأ الفاتحة- مثلا- بقصد الندب و انها قرآن، و هو مستثنى عندهم في الصلاة اتفاقا، أو اتى بأحد الأذكار الواجبة أيضا بقصد الندب، مع استثناء ذلك أيضا عندهم في الصلاة اتفاقا، ثم اتى بالواجب في الموضعين بقصد الوجوب، فأي موجب للبطلان هنا؟

و (رابعها)- ان ما ذكره- من بطلان الصلاة بنية المندوب واجبا إذا كان

193

ذكرا ممنوع، لأن النهي على تقدير تسليمه لم يتعلق بعين الصلاة و لا يجزئها، فلا يلزم البطلان.

قوله: «و لانه كلام في الصلاة. إلخ» فيه ان المعلوم كونه مبطلا من الكلام هو ما لم يكن ذكرا و لا دعاء، و ما نحن فيه ليس كذلك.

ثم حكمه أيضا- بالإبطال في الفعل مع الكثرة- فيه انه متى كان الفعل ذكرا ممنوع، إذ الظاهر من الدليل هو ما عداه.

و (خامسها)- ان ما ذكره- من وجوب العلم بواجبات الصلاة و مندوباتها عن اجتهاد أو تقليد، و انه لا يعذر الجاهل بذلك- فيه انه ليس على إطلاقه.

و التحقيق- كما هو اختيار جمع من المحققين من متأخري المتأخرين- ان نقول: انه لا إشكال في وجوب التعلم على الجاهل، و انه بالإخلال به يأثم، لكن لو أوقع العبادة و الحال كذلك، و اتفق مطابقتها للواقع حسبما أمر به الشارع و ان لم يكن له معرفة بواجباتها و لا مندوباتها، فلا نسلم بطلانها و وجوب قضائها كما ذهبوا إليه، إذ لم يثبت من الشارع في التكليف بأمثال ذلك أمر وراء الإتيان بما أمر به، من الكيفية المخصوصة و قصد التقرب به اليه، و الفرض ان المكلف قد أوقعه كذلك، و لا ينافي ذلك ما تردد من أفعالها بين الوجوب و الاستحباب باعتبار الخلاف فيه، لان قصد القربة به لرجحانه شرعا آت عليه. نعم لو كان الفعل مما تردد بين الوجوب و التحريم مثلا، فان قصد القربة لا يأتي عليه، فلا بد من العلم حينئذ بأحد الأمرين اجتهادا أو تقليدا، و إلا فيجب الوقوف حينئذ على صراط الاحتياط، و المفهوم من الأخبار- كما أوضحناه في درة الجاهل بالأحكام الشرعية من كتاب الدرر النجفية- ان الاحتياط في مثل ذلك بالترك.

و اما عدم معذورية الجاهل بالأحكام الشرعية مطلقا كما ذكروه. فقد عرفت

194

ما فيه في المقدمة الخامسة (1).

(المقام العاشر) [الوضوء الذي يصح الدخول به في الفريضة]

- لو نوى بوضوئه صلاة نافلة، فالظاهر انه لا خلاف في الدخول به في الفريضة، و اما إذا قصد به غير الصلاة، فإن كان مما لا يستباح إلا به، كمس خط المصحف على المشهور، و الطواف المندوب على القول به، فالمشهور انه كذلك و نقل عن الشيخ في المبسوط المنع، و هو ظاهر ابن إدريس أيضا، و ان كان مما يستباح بدونها، كسائر ما يستحب له الوضوء مما لا يجامعه حدث أكبر، فهل يصح الوضوء مطلقا و يرتفع به الحدث و يجوز الدخول به في الفريضة، أو لا يرتفع به الحدث مطلقا، أو يكون كالأول إلا فيما إذا نوى وضوء مطلقا، أو التفصيل بين نية ما يستحب له الطهارة لأجل الحدث كقراءة القرآن و نية ما يستحب له لا لأجل الحدث كالتجديد، فيرتفع الحدث به و يجوز الدخول به في الفريضة على الأول دون الثاني، أو التفصيل بين ما يستحب له الطهارة لأجل الحدث و يقصد به الكمال فيصح، أو لا يستحب له الطهارة أو يستحب و لكن لا مع قصد الكمال فيبطل، أو الصحة ان قصد ما الطهارة مكملة له على الوجه الأكمل، و كذا ان قصد به الكون على طهارة، و عدم الصحة في غير هاتين الصورتين؟ أقوال: أظهرها- كما استظهره جماعة من متأخري أصحابنا- الأول.

و لنا عليه وجوه: (الأول)- ان الأخبار الواردة مستندا لتلك الوضوءات المعدودة كلها- إلا ما شد- بلفظ الطهر أو الطهور أو الطهارة، و من الظاهر البين اعتبار معنى الزوال و الإزالة في لازم هذه المادة و متعديها لغة و شرعا، فلا معنى لكون الوضوء مطهرا أو طهورا أو نحوهما إلا كونه مزيلا للحدث الموجود قبله، و إلا فلا معنى لهذه التسمية بالكلية، و من ثم صرحوا بأن الطهارة لغة: النظافة، و شرعا حقيقة في رافع

____________

(1) في الصحيفة 82 من الجزء الأول.

195

الحدث. و اما الوضوء المجامع للحدث الأكبر فقرينة التجوز فيه ظاهرة، كإطلاق الصلاة على صلاة الجنازة.

(الثاني)- ان المفهوم من الأخبار الواردة في بيان علة الوضوء ان أصل مشروعيته انما هو للصلاة خاصة، و قضية ذلك انه حيثما أمر به الشارع لا يكون إلا رافعا- إلا ما خرج بدليل- تحقيقا للجري على أصل المشروعية، و يحقق ذلك و يوضحه ان الغاية الكلية للوضوء من حيث هو إنما هي الرفع، و هذه الغايات إنما تترتب عليه، إذ لا يخفى ان المتوضئ لأحد هذه الغايات لو لم يرتفع حدثه، للزم اجتماع الطهارة و الحدث في حالة واحدة، مع انهما متقابلان، على انه لو قصد في الوضوء لدخول المسجد مثلا عدم رفع الحدث، لم نسلم صحته، و لا ترتب أثره الذي قصد عليه.

و ما قيل- من انه يجوز أن يكون الغرض من الوضوء وقوع تلك الغاية المترتبة عليه عقيبه و ان لم يقع رافعا كما في الأغسال المندوبة عند الأكثر (1)- فيه (أولا)- ما قد عرفت في الوجه الأول و الثاني.

و (ثانيا)- ان الإيراد بالأغسال إنما يتم لو اقتضى الدليل كونها كذلك، و مجرد ذهاب الأكثر اليه- مع كونه خاليا من الدليل بل الدليل قائم على خلافه- لا يثمر نقضا كما لا يخفى.

(الثالث)- انا لا نعرف من الوضوء شرعا إلا هذه الأفعال المعهودة، فمتى اتى بها المكلف متقربا صح وضوؤه، و متى صح وضوؤه جاز له الدخول به في الصلاة، إذ الشرط فيها طهارة صحيحة و قد حصلت، و مدعى الزيادة عليه إثباتها. و هذا كله- بحمد اللّٰه سبحانه- ظاهر لمن شرب من كأس الأخبار و جاس خلال تلك الديار.

و اما ما استجوده السيد السند في المدارك- من الاستدلال بعموم ما دل على ان

____________

(1) فيه إشارة إلى الرد بذلك على صاحب المدارك حيث انه القائل بذلك (منه (قدس سره).

196

الوضوء لا ينقض إلا بالحدث- فقد أورد عليه بان عدم الانتقاض لا يقتضي ترتب جميع ما يترتب على كل وضوء، بل يقتضي استصحاب ما ثبت ترتبه على ذلك الوضوء و هو متجه.

(المقام الحادي عشر) [تداخل الأغسال]

- اختلف الأصحاب (قدس اللّٰه أرواحهم) في تداخل الأغسال في النية على أقوال سيأتي تفصيلها ان شاء اللّٰه تعالى، الا أنا قبل الشروع في ذلك نقدم من مجمل التحقيق ما يكون طريقا إلى الخروج من ذلك المضيق.

فنقول: الظاهر ان الحدث- الذي هو عبارة عن الحالة المسببة عن أحد الموجبات الممتنع الدخول معها في الصلاة- أمر كلي و ان تعددت أسبابه من البول و الغائط و نحوهما و الجنابة و الحيض و نحوهما، و لا يتعدد بتعددها، و المقصود من الطهارة بأنواعها رفع هذه الحالة، و ملاحظة خصوصية السبب كلا أو بعضا لا مدخل له في ذلك بصحة و لا إبطال فذكره كتركه، و ان الطهارة- وضوء كانت أو غسلا- لغاية من الغايات متى كانت خالية من المبطل، صح ترتب ما عدا تلك الغاية من سائر الغايات المشاركة لها على تلك الطهارة و ان لم تكن مقصودة حال الفعل، و هذا في الوضوء واضح كما أسلفنا بيانه في سابق هذا المقام، و اما في الغسل فمبني على أصح القولين- و ان لم يكن بأشهرهما- من رفع ما عدا غسل الجنابة من الأغسال واجبا كان أو مستحبا و عدم احتياجه إلى الوضوء كما ذهب اليه علم الهدى من المتقدمين، و نهج على منواله طائفة من متأخري المتأخرين، و عليه دلت أخبار أهل الذكر (سلام اللّٰه عليهم) و اما على المشهور فيشكل الحكم، لعدم الرفع، و لهذا يوجب المانعون نية الأسباب في تداخل الأغسال المستحبة، لعدم اشتراكها في موجب الرفع، فلا تداخل بدونه، و أشكل على بعضهم اندراج غسل الجنابة تحت ما عداه من الأغسال الواجبة، لعدم رفعه إلا مع الوضوء، لو نوى ما عدا الجنابة خاصة، و أشكل على جملة منهم الحكم بالتداخل في الواجب و المستحب للتضاد بين وجهي الوجوب و الاستحباب.

197

و المفهوم من اخبار التداخل- كما ستمر بك ان شاء اللّٰه تعالى- هو التداخل مطلقا، واجباتها بعضها في بعض، و مستحباتها كذلك، و واجباتها و مستحباتها كل في الآخر، أعم من ان يقصد شيئا من الأسباب الحاملة و الغايات الباعثة أم لا، بل الظاهر منها انه بملاحظة بعض تلك الأسباب و الغايات يستباح به ما عداه مما لم تلحظ غايته، و انه لا فرق في هذا المقام بين الوضوء و الغسل.

و تفصيل هذه الجملة- على وجه يحيط بما ذكره الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في المقام، و التنبيه على ما زلت به اقدام أقلام بعض الاعلام- هو ان يقال: الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في عدم الافتقار إلى نية الحدث المتطهر منه في الوضوء، أعم من ان يكون متحدا أو متعددا، اما على تقدير الاكتفاء بمجرد القربة فظاهر، و اما على تقدير وجوب نية الرفع فالواجب هو قصد رفعه من حيث هو، لكن لو قصد رفع حدث بعينه مع تعدد الأسباب، فقد قطع أكثر الأصحاب بارتفاع الجميع أيضا، لأن الحدث أمر كلي و ان تعددت أسبابه، فمن أجل ذلك ثبت لها التداخل باشتراكها في ذلك الأمر الكلي، فبارتفاع أحدها يرتفع الجميع، فمتى نوى أحدها وجب حصوله، و حصوله يستلزم حصول الجميع لما عرفت.

و بذلك يظهر الجواب عما يقال: ان الأحداث لا تتجزأ و ليس ثمة إلا أمر واحد كلي، فمع عدم نيته لا يرتفع، و نية خصوصية فرد منه لا تستلزم نيته.

و يمكن أيضا الجواب بالصحة و ان وقع الخطأ في النية، لصدق الامتثال بذلك و وقوع القيد لغوا.

و اعترض آخر أيضا بمنع تداخل الأحداث عند تعدد أسبابها، فقال: لم لا يجوز ان يحصل من كل منها حدث على حدة لا بد لنفيه من دليل؟

أقول: و كأنه لهذا احتمل العلامة في النهاية رفع ما نواه خاصة، بناء

198

على انها أسباب متعددة، قال: «فإن توضأ ثانيا لرفع آخر صح، و هكذا إلى آخر الأحداث» انتهى.

و فيه- مع ما تقدم- ان المفهوم من الأخبار الواردة في تداخل الأغسال هو الاكتفاء بغسل واحد مع تعدد أسبابه كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى. و هو دليل على عدم تعدد الأحداث و ان تعددت الأسباب، و إلا وجب لكل منها غسل، و الدليل على خلافه. و الفرق بين حدثي الوضوء و الغسل في ذلك غير معقول، مع انه لا قائل به.

و كيف كان فالخطب عندنا بعد عدم ثبوت نية الرفع سهل. هذا في الوضوء.

و اما الغسل فقد اختلف فيه على أقوال: (أحدها)- التداخل مطلقا و (ثانيها)- عدمه مطلقا. و (ثالثها)- التداخل مع انضمام الواجب لا بدونه و (رابعها)- التداخل لا مع انضمامه، هكذا نقل عنهم بعض متأخري المتأخرين من مشايخنا المحققين، إلا ان الظاهر من تتبع كلامهم في هذا المجال هو التفصيل في هذه الأقوال كما سنوضحه- ان شاء اللّٰه تعالى- على وجه يرفع الاشكال.

فنقول: انه مع اجتماع الأسباب المذكورة فلا يخلو اما ان يكون كلها واجبة أو كلها مستحبة أو مجتمعة منهما، فههنا صور ثلاث

[الصورة] (الاولى)- ان تكون كلها واجبة

، و الأظهر الأشهر الاكتفاء بغسل واحد مطلقا، داخلها الجنابة أم لا، عين الأسباب كلا أو بعضا أم لا، اقتصر على نية القربة كما هو الأظهر غير الأشهر أو زاد عليها الرفع و الاستباحة.

و ذهب العلامة في جملة من كتبه إلى انه مع انضمام الجنابة إلى غيرها، فان نوى الجنابة أجزأ عنها و عن غيرها، و ان نوى غيرها فظاهر كلامه في النهاية صحة الغسل و رفعه للحدث الذي نواه خاصة دون حدث الجنابة، معللا بان رفع الأدون لا يستلزم رفع الأعلى، هذا مع عدم اقترانه بالوضوء، و معه احتمل الرفع و عدمه. و ظاهر كلامه في التذكرة الاستشكال في صحة الغسل من أصله، من جهة عدم ارتفاع ما عدا الجنابة مع بقائها لعدم نيتها و عدم اندراجها تحت ما عداها، و من أنها طهارة قرنت بها

199

الاستباحة، فإن صحت قرن بها الوضوء، و حينئذ فالأقرب رفع حدث الجنابة بها.

و لا يخفى عليك ما في هذه التعليلات العليلة سيما في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة.

(الصورة الثانية)- ان يكون بعضها واجبا و بعضها مستحبا

، و الأظهر أيضا- كما استظهره جملة من أصحابنا (قدس اللّٰه أرواحهم)- هو الاكتفاء فيها بغسل واحد مطلقا حسبما قدمنا من التفصيل في الإطلاق.

و ذهب الشيخ في خلافه و مبسوطه- و الظاهر انه هو المشهور بينهم كما صرح به بعض المتأخرين- إلى انه ان نوى الجميع أو الجنابة أجزأ غسل واحد، و ان نوى غسل الجمعة مثلا لم يجزه، لا عن غسل الجنابة، لعدم نيته، و لا عن الجمعة، لأن المراد به التنظيف و هو لا يحصل مع بقاء الحدث.

و اعترضه المحقق في الثاني بأنه يشكل باشتراط نية السبب في الغسل المستحب، و في الثالث بأنه يجزئ عن الجمعة خاصة، إذ ليس المراد من المندوب رفع الحدث، فيصح ان يجامعه الحدث كما يصح غسل الإحرام من الحائض.

و ذهب العلامة في التذكرة إلى انه مع نيتهما معا يبطل الغسل، و مع نية الجنابة خاصة يصح بالنسبة إليها خاصة، و ان نوى الجمعة صح عنها خاصة مع بقاء حدث الجنابة، و لو اغتسل و لم ينو شيئا بطل. و ههنا إشكال سيأتي التنبيه عليه ان شاء اللّٰه تعالى.

(الصورة الثالثة)- ان تكون كلها مستحبة

، و الأظهر أيضا الصحة حسبما قدمنا و ذهب المحقق في المعتبر إلى الصحة ان نوى الجميع، و اما إذا نوى بعضها اختص بما نواه، قال: «لأنا قد بينا ان نية السبب في المندوب مطلوبة، إذ لا يراد به رفع الحدث، بخلاف الأغسال الواجبة، لأن المراد بها الطهارة فتكفي نيتها و ان لم ينو السبب» انتهى. و هو صريح العلامة في التذكرة و ظاهر الشهيد في الذكرى.

و في المنتهى قرب الاكتفاء بغسل واحد و لم يفصل، و في التحرير و القواعد و الإرشاد حكم بعدم التداخل و لم يفصل، و هو ظاهر الدروس، حيث نسب القول

200

بالتداخل إلى قول مروي.

و نقل عن المحقق الشيخ علي في شرح القواعد انه رجح عدم التداخل في هذه الصورة و لو مع نية الأسباب، متمسكا بعدم الدليل على التداخل.

هذا. و الذي يدل على ما اخترناه و يؤيد ما رجحناه روايات مستفيضة:

(منها)-

حسنة زرارة (1) قال: «إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الجمعة و عرفة و النحر و الحلق و الذبح و الزيارة، و إذا اجتمعت للّٰه عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد، ثم قال: و كذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها و إحرامها و جمعتها و غسلها من حيضها و عيدها».

و هذه الرواية و ان كانت مضمرة في الكافي إلا ان الإضمار الواقع في أخبارنا، سيما إذا كان المضمر من أجلاء الرواة و أعيانهم- كما حققناه في موضع آخر، و صرح به جملة من أصحابنا المتأخرين- غير مضر، مع ان هذه الرواية مسندة في التهذيب عن أحدهما (عليهما السلام) و ان كان في طريقها علي بن السندي و هو مجهول، و قد رواها ابن إدريس (رحمه اللّٰه) في مستطرفات السرائر، و نقل انه مما انتزعه من كتاب حريز، فرواها عنه عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) و كتاب حريز أصل معتمد و كيف كان فالرواية صحيحة، و هي صريحة في المطلوب.

و (منها)-

مرسلة جميل عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأه ذلك الغسل من كل غسل يلزمه في ذلك اليوم».

و في جملة من الاخبار ما يدل على التداخل في خصوص بعض الأغسال:

كصحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3): قال:

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 43- من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 43- من أبواب الجنابة. و الرواية- كما في الكافي ج 1 ص 14 و سائر كتب الحديث- عن أحدهما (عليهما السلام).

(3) المروية في الوسائل في الباب- 43- من أبواب الجنابة.

201

«سألته عن المرأة تحيض و هي جنب هل عليها غسل الجنابة؟ قال: غسل الجنابة و الحيض واحد».

و في رواية الخشاب (1) في مثل هذه الصورة «تجعله غسلا واحدا عند طهرها».

و مثلها رواية أبي بصير (2) و غيرها.

و في صحيحة زرارة (3) فيمن مات و هو جنب «يغسل غسلا واحدا يجزئ ذلك للجنابة و لغسل الميت، لأنهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة».

الى غير ذلك من الأخبار التي يطول بنقلها المقام.

و أنت خبير بان ظواهرها تعطي ان حكم الغسل كالوضوء في رفع الأحداث المتعددة و استباحة العبادات المتعددة، و هي بإطلاقها دالة على الصحة مع نية الأسباب كلا أو بعضا أو عدم نية شيء منها مع قصد القربة.

و كما تدل على تداخل الواجبات الصرفة و المجتمعة مع المندوبة صريحا كذلك تدل على تداخل المستحبات الصرفة، إذ من الظاهر البين أن تعداده (عليه السلام) لجملة تلك الأغسال في حسنة زرارة (4) إنما هو من قبيل التمثيل و بيان للاجتزاء بغسل واحد لأسباب متعددة، و حينئذ فذكر الجنابة معها ليس إلا كذكر غيره من سائرها، و يؤيد ذلك و يحققه

قوله (عليه السلام): «و إذا اجتمعت للّٰه عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد».

فان المراد بالحقوق هي الثابتة في الشريعة و لو على وجه الاستحباب، و انه بملاحظة بعض الغايات الحاصلة يجزئ عن جملة من الغايات الأخر السابقة على الفعل و ان لم تلحظ حال الفعل.

بل ربما يقال و عن الغايات المتجددة بعد الفعل، كما رجحه بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين حسبما قررنا في الوضوء.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 43- من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 43- من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب غسل الميت.

(4) ص 200.

202

كما هو ظاهر مرسلة جميل المتقدمة (1) و مثلها رواية عثمان بن يزيد- و استظهر بعض مشايخنا المتأخرين انه تصحيف عمر بن يزيد بقرينة رواية ابن عذافر عنه، فتكون الرواية صحيحة-

عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله إلى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل، و من اغتسل ليلا كفاه غسله الى طلوع الفجر».

فان ظاهرهما الدلالة على الاجتزاء بالغسل الواقع أول النهار عن كل غسل نهاري، و هو أعم من ان تكون غايته حاصلة قبل الفعل أو متجددة بعده. و الظاهر ان المراد بالوجوب و اللزوم فيهما مجرد الثبوت، إذ يبعد الجزم بإرادة المعنى المصطلح عليه بين المتفقهة من كلامهم (عليهم السلام) سيما مع وجود القرينة الدالة على ما قلنا من عده (عليه السلام) في حسنة زرارة في جملة ما يجزئ الغسل عنه بعد الفجر جملة من الأغسال المستحبة، بل هي الأكثر، إذ لم يعد في صدر الرواية من الواجبات سوى غسل الجنابة مع انك قد عرفت ان الظاهر ان ذلك انما خرج مخرج التمثيل، على ان احتمال الواجبة بناء على ما قلنا- غير ممكن، لأن الأغسال الواجبة كغسل الجنابة و نحوه مسببة عن إحداث خاصة، و لا يعقل تقدم المسبب على سببه، و حينئذ فتكون الروايتان المذكورتان مخصوصتين بالأغسال المستحبة إذا تجددت غاياتها بعد الفعل، و لفظ «يجب» و «يلزم» في الروايتين ظاهر في التجدد.

و اما ما ظنه بعض مشايخنا المتأخرين- من

قوله (عليه السلام): «إذا اجتمعت للّٰه عليك حقوق. الحديث».

حيث انه دال بمفهوم شرطه على عدم اجزاء الغسل الواحد قبل اجتماع الحقوق عنها، فيكون منافيا لظاهر الخبرين الأولين- ففيه (أولا)- ان دلالة الخبرين الأولين على ما ذكرناه- بناء على ما حققناه-

____________

(1) في الصحيفة 200.

(2) رواها صاحب الوسائل في الباب- 9- من أبواب الإحرام من كتاب الحج.

203

بالمنطوق نظرا إلى العموم المستفاد منهما، و دلالة الخبر المشار اليه بالمفهوم، و لا شك في رجحان الأول على الثاني.

و (ثانيا)- انه لا ينحصر المعنى المراد من ترتب الاجزاء على اجتماع الحقوق في انتفائه بانتفائها، بل يجوز أن يكون المراد- كما هو الظاهر- هو اجزاء غسل واحد مع اجتماع الحقوق لا تعدد الغسل لكل واحد واحد من الحقوق، ردا على من زعم التعدد. و مفهوم الشرط إنما يكون حجة ما لم يظهر للترتب معنى آخر غير انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط كما هو مسلم في الأصول.

و بما ذكرنا يظهر دلالة الخبرين- كما هو الظاهر من غيرهما من أخبار المسألة أيضا- على عدم وجوب تعيين الوجه و السبب في الغسل، بل يكفي إيقاع غسل له صلاحية الانصباب على الأغسال الواقعة في ذلك اليوم و ان لم يلحظ تقدم سببها أو تأخره كالغسل الواقع بعد الفجر، فإنه لوقوعه بعده يصلح للانصباب على جميع الأغسال المتعلقة بذلك اليوم، و كذلك الواقع بعد الغروب بالنسبة إلى الأغسال الليلية.

و مما يدل على عدم وجوب تعيين الوجه و السبب في الغسل كما قلنا- بل يكفي غسل له صلاحية ما ذكرنا-

ما رواه الصدوق في الفقيه (1) مرسلا و تلقاه الأصحاب بالقبول: «ان من جامع في شهر رمضان و نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان ان عليه ان يغتسل و يقضي صلاته و صومه إلا أن يكون قد اغتسل للجمعة، فإنه يقضي صلاته و صومه إلى ذلك اليوم».

و بما ذكرنا يظهر ان تداخل هذه الأغسال- كما دلت عليه الاخبار فرع اجتماعها في أمر كلي مشترك بينها و هو الرفع، و منه يظهر قوة القول بكون الغسل و ان كان مندوبا فإنه يكون رافعا، و من اخبار تلك المسألة يظهر قوة ما ذكرنا أيضا، إذ لو لم تكن مشتركة فيما ذكرنا- مع وجوب كون الأفعال تابعة للقصود و الغايات المترتبة عليها كما

____________

(1) في باب ما يجب على من أفطر أو جامع في شهر رمضان متعمدا أو ناسيا.

204

حققناه سابقا، بل انه لا تحقق لها إلا بها حسبما دلت عليه تلك الأخبار التي قدمناها في المقام الأول- لم يظهر للتداخل وجه بالكلية، فإنه كما لا تداخل بين الوضوء و الغسل لتغاير الغرضين المترتبين على كل منهما، فلا تداخل بين الغسلين المختلفي الغايتين بل يجب لكل منهما غسل على حدة، و لهذا ذهب البعض- كما تقدم نقله- الى عدم التداخل مطلقا، نظرا إلى اختلاف الأسباب فيجب اختلاف المسببات.

و ان كان جملة من أصحابنا من المتأخرين المانعين من رفع الغسل المستحب، لما وردت عليهم الأخبار الدالة على التداخل في الأغسال المستحبة و رأوا انه لا مندوحة عن العمل بها، تكلفوا للتفصي عن ذلك بوجوب تعيين الأسباب فيها، و صرحوا بأنه لو نوى البعض خاصة اختص صحة الغسل بما نواه. إلا ان الأخبار- كما عرفت- لا دلالة لها على ذلك بل هي دالة على عدمه.

و لهذا ان بعضهم- بعد ان اعترف بدلالة الأخبار على ما ذكرناه- استشكل فيما لو قصد معينا، فكيف يجزئ عما لم يعينه؟ ثم أجاب انه ليس بعيدا من كرم اللّٰه تعالى إيصال الثواب بهذا الفعل الخاص في هذا الوقت المشتمل على شرعية هذه الأغسال مع فعله متقربا، كما قيل في حصول ثواب الجماعة للإمام مع عدم شعوره بأن أحدا يصلي وراءه و غير ذلك. انتهى.

و أيضا فإنه لما وردت عليهم اخبار تداخل الأغسال الواجبة و المستحبة، أشكل عليهم المخرج منها باعتبار تضاد وجهي الوجوب و الاستحباب، و اعتبار نية السبب، بل لزوم اتصاف شيء واحد بمتضادين، و هو كون غسل واحد واجبا و ندبا، و هو بديهي البطلان و أجابوا تارة بعدم وجوب نية الوجه اما مطلقا أو فيما نحن فيه للاخبار، و تارة باختيار نية الوجوب و دخول المندوب فيه و سقوط اعتبار السبب هنا بمعنى تأدي إحدى الوظيفتين بفعل الأخرى، كما تتأدى صلاة التحية بقضاء الفريضة، و صيام أيام البيض بصيام الواجب فيها. و بالجملة فالواقع هو الغسل الواجب خاصة لكن الوظيفة المسنونة تتأدى به

205

و أنت خبير بان ما ذكروه من الجواب و ان اندفع به الإشكال بالنسبة إلى النية لكن الاشكال باعتبار لزوم كون شيء واحد في نفس الأمر واجبا و ندبا باق على حاله و الاشكال المذكور على هذا لا اختصاص له بنية الجميع كما ذكروا بل نية أحدهما أيضا بأن يقال لو كان الغسل الواحد مجزئا عن الجميع لكان واجبا و مندوبا، و هو محال لتضادهما.

و ما ذكروه من تأدي الوظيفة المستحبة بفعل الواجبة لا يحسم مادة الإشكال، لأن تأدي وظيفة المستحب- بمعنى استحقاق ما يترتب عليه من الثواب بفعل الواجب- تقتضي كون ذلك الغسل مستحبا، لان ما يكون امتثالا للأمر المذكور يلزم أن يكون ندبا قطعا. و بالجملة فلما كان الوجوب و الندب صفتين متضادتين فكما لا يتأدى الواجب بالإتيان بالمندوب فكذا العكس.

و اما ما ذكر- من مثال صلاة التحية و صيام أيام البيض- فيمكن الجواب بان مقصود الشارع ثمة هو إيقاع العبادة في هذا المكان و الزمان المخصوصين من حيث هي أعم من ان يكون بوجه الوجوب أو الندب، لا خصوصية المندوب، بخلاف ما نحن فيه بناء على ما يدعونه من عدم رفع المندوب، فإن خصوصية كل واحد ملحوظة على حدة، لعدم الاشتراك في أمر كلي يجمعهما حتى يجعل ذلك الأمر الكلي موجبا لاجزاء أحد الفردين عن الآخر و اندراجه تحته.

و أجاب بعض فضلاء متأخري المتأخرين عن الاشكال المذكور- بعد الاعتراف بلزوم ما ذكرنا- بالتزام ذلك و منع استحالته لاختلاف الجهة، قال: «فان هذا الغسل الواحد من حيث انه فرد لغسل الجمعة و امتثال للأمر به مستحب، و من حيث انه فرد لغسل الجنابة و امتثال للأمر به واجب».

و لا يخفى ما فيه أيضا، فإن الطبيعة انما تكون متعلقة للتكاليف باعتبار اتحادها

206

مع أفرادها في الخارج، فمتى تعلق التكليف الاستحبابي كان معناه في الحقيقة يرجع الى ان ما تصدق عليه هذه الطبيعة يستحب فعله و يجوز تركه، فلو كان بعض إفرادها ما لا يجوز تركه لم يكن القدر المشترك بين تلك الأفراد جائز الترك، فلا يتعلق به التكليف الاستحبابي، هذا خلف، فإذا لا يجوز ان يكون الأمر الذي لا يجوز تركه فردا للطبيعة المستحبة. نعم يمكن ان يكون أمر واحد فردا للطبيعة المستحبة و فردا للطبيعة الواجبة فردا يجوز تركه بأن يأتي بفرد آخر لا مطلقا، و هو خارج عن محل البحث و أنت خبير بأنه إذا رجعت إلى ما قررناه آنفا- من ان الاخبار إنما وردت بالتداخل في جميع أقسام الغسل كما اخترناه، من حيث اشتراكها في ذلك الأمر الكلي- اندفع الاشكال من المقام بحذافيره، كما انه لا مجال لهذا الاشكال عندهم في تداخل الأغسال الواجبة بعضها في بعض، لاشتراكها في الرفع.

و العجب من جملة من أصحابنا المرجحين لما اخترناه في مسألتي التداخل و رفع الغسل المندوب، ضاق عليهم الخناق في التفصي عن هذا الاشكال، و أكثروا من الترديد في دفعه و الاحتمال.

و سيأتي- ان شاء اللّٰه تعالى في بيان المسألة الثانية- ما يزيد هذا المقام إيضاحا و يتسع له الصدر انشراحا.

هذا ما اقتضاه النظر القاصر باعتبار ما هو مقتضى الدليل، و استفادة الفكر الفاتر من كلام تراجمة الوحي و التنزيل. و الاحتياط مما لا ينبغي تركه في جميع الأبواب و لا سيما هنا، بقصد الغايات المتعددة و الأسباب.

(المقام الثاني عشر) [مواضع العدول]

- قد صرح جملة من الأصحاب (نور اللّٰه تعالى مراقدهم) بنقل النية في مواضع:

(الأول)- ما إذا اشتغل بلاحقة ثم ذكر سابقة، سواء كانتا مؤداتين

207

أو مقضيتين، أو المعدول عنها حاضرة و المعدول إليها فائتة أو بالعكس بشرط ضيق الوقت عن الحاضرة.

(الثاني)- العدول من القصر إلى الإتمام و بالعكس. (الثالث)- من الائتمام الى الانفراد و بالعكس. (الرابع)- من الائتمام إلى الإمامة، و من الائتمام بإمام الى الائتمام بآخر. (الخامس)- من الفرض إلى النفل. (السادس)- من النفل الى النفل.

إذا عرفت هذا فنقول: (اما

الموضع الأول [إذا اشتغل بلاحقة ثم ذكر سابقة]

) فقد اشتمل على اربع صور، و المعلوم صحة ما عدا الرابعة، لاعتضاده بالأخبار بل و عدم الخلاف كما سيأتي تحقيقه في موضعه ان شاء اللّٰه تعالى و اما الرابعة فمحل اشكال، لعدم الوقوف فيها على نص، و جزم الشهيد في البيان بالعدول من القضاء إلى الأداء، و كذا من السابقة إلى اللاحقة مع تضيق الوقت، و بالأولى منهما صرح في المفاتيح أيضا.

(الموضع الثاني) [العدول من القصر إلى الإتمام و بالعكس]

- و القول فيه انه لا يخفى ان جواز العدول من أحد هذين الفرضين إلى الآخر انما يكون في موضع يباح فيه كل منهما، كالمسافر المريد لنية الإقامة و من حصل في أحد المواطن الأربعة، فإنه لو صلى بقصد أحد الفرضين مع كون الآخر مباحا له، فإنه يجوز له العدول إلى الثاني:

و تفصيل القول في ذلك اما بالنسبة إلى العدول من القصر إلى الإتمام،

فقد ورد في صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل خرج في سفر ثم تبدو له الإقامة و هو في صلاته. قال: يتم إذا بدت له الإقامة».

و مثلها رواية محمد بن سهل عن أبيه عن أبي الحسن (عليه السلام) (2) و الحكم هنا مما لا خلاف فيه.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 20- من أبواب صلاة المسافر.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 20- من أبواب صلاة المسافر.

208

و الظاهر ان الحكم مثله في المصلى في أحد الأماكن الأربعة لو عدل في أثناء صلاة القصر إلى التمام و بالعكس أيضا، عملا بعموم الدليل الدال على التخيير بالنسبة إليه في هذه الأماكن، و انه بمجرد دخوله في أحد الفرضين لا يزول حكم التخيير عنه.

و بالتخيير هنا صرح المحقق في المعتبر و استحسنه جماعة ممن تأخر عنه: منهم- السيد السند في المدارك و شيخنا المجلسي في البحار و غيرهما في غيرهما.

و ينبغي تقييده بما إذا لم يتجاوز محل العدول فيما إذا عدل من التمام إلى القصر، و ما لم يسلم على الركعتين في العكس، و إلا لأشكل ذلك فيما لو دخل بنية الإتمام ثم سلم على الركعتين ساهيا، أو دخل بنية القصر ثم صلى الركعتين الأخيرتين ساهيا، فان الحكم بالصحة- بناء على انه مخير في الإتيان بأيهما و قد اتى بأحدهما- مشكل، لان الظاهر ان المكلف و ان كان مخيرا بين الفردين لكن باختياره أحدهما و قصده الامتثال به من غير عدول عنه يتعين في حقه و يترتب عليه أحكامه من الابطال بزيادة ما زيادته مبطلة و نقصان ما نقصانه مبطل، و إلا للزم الحكم بالصحة بناء على استحباب التسليم فيما لو صلى بنية التمام ثلاث ركعات ثم سلم على الثالثة ساهيا، فإنه قد أوجد الصلاة المقصورة في ضمن هذه الثلاث ركعات و ان كانت غير مقصودة، فتكون مجزئة، بل و لو سلم عامدا أو أحدث و الحال هذه في أثناء الركعتين الأخيرتين أو فعل ما يبطلها، فإنه تكون صلاته صحيحة باعتبار اشتمالها على الصلاة المقصورة في الجملة. و الحكم بالصحة في أمثال ذلك خارج عن مقتضى الأصول المقررة و القواعد المعتبرة.

و بذلك يظهر لك ما في كلام الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد، حيث قال: «الظاهر انه لو نوى القصر ثم تممها نسيانا أو عمدا مع النقل تصح الصلاة و بالعكس» انتهى.

و اما بالنسبة إلى العدول من الإتمام إلى القصر فقد عرفت الكلام فيه بالنسبة

209

إلى المواضع الأربعة. و اما في قاصد الإقامة فهو إنما يتم بالنسبة إلى أول فريضة يريد إيقاعها بنية التمام، إذ بعدها لا مجال للعدول. لوجوب الإتمام حينئذ حتى يقصد المسافة.

و قد اختلف كلام الأصحاب في هذا المقام، فالمنقول عن الشيخ في المبسوط و ابن الجنيد و أبي الصلاح وجوب المضي على التمام في تلك الفريضة حتى يخرج مسافرا.

و تردد المحقق في المعتبر و الشرائع، نظرا إلى افتتاح الصلاة على التمام و هي على ما افتتحت عليه، و إلى عدم الإتيان بالشرط و هو الصلاة على التمام. و فصل في التذكرة و المختلف و القواعد بتجاوز محل القصر فلا يرجع، و بعدم تجاوزه فيرجع، لانه مع التجاوز يلزم من جواز الرجوع إبطال العمل المنهي عنه، و مع عدم تجاوزه يصدق انه لم يصل فريضة على التمام، و اليه ذهب في البيان و الدروس. و أطلق في المنتهى العود إلى التقصير، لعدم حصول الشرط، و اختاره السيد السند في المدارك و شيخنا المجلسي في كتاب البحار.

و المسألة غير منصوصة على الخصوص، الا انه لما كان فرض المسافر التقصير و انتقال فرضه إلى آخر يحتاج إلى دليل- و غاية ما يستفاد من صحيحة أبي ولاد (1) التي هي مستند هذا الحكم هو صلاة فريضة على التمام بنية الإقامة. و بالعدول في أثنائها و ان تجاوز محل القصر لا يصدق حصول فريضة على التمام، فينتفي الشرط و بانتفائه ينتفي المشروط- كان الأظهر هو القول الأخير. و حينئذ فمتى كان العدول بعد تحقق الزيادة المبطلة يتعين الإعادة، لفوات شرط التمام، و بطلان المقصورة بما اشتملت عليه من الزيادة، و إلا صحت صلاته قصرا.

(الموضع الثالث)- و هو العدول من الائتمام إلى الانفراد و بالعكس

، و يشتمل على صورتين:

(إحداهما)-

العدول من الائتمام إلى الانفراد

، و استدلوا عليه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 18- من أبواب صلاة المسافر.

210

بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يكون خلف امام فيطول في التشهد، فيأخذه البول أو يخاف على شيء ان يفوت أو يعرض له وجع، كيف يصنع؟ قال: يسلم و ينصرف و يدع الامام».

و عندي في الاستدلال بهذه الرواية إشكال، و ذلك لأنها و ان دلت على جواز الانصراف مع العذر لكنها قد دلت على كون محله التشهد، و انه بسبب تطويل الإمام في التشهد، و الظاهر ان المراد بتطويله عبارة عن الإتيان بما اشتمل عليه من الأذكار المستحبة في التشهد و هو التشهد المستحب، و حينئذ فمن المحتمل قريبا ان الأمر بالانصراف انما هو في ضمن تلك الأذكار المستحبة بعد الإتيان بالصيغة الواجبة، و على هذا فلا دلالة في هذا الخبر على المدعى، لأنهم قد صرحوا بجواز تسليم المأموم قبل الامام و ان كان لا لعذر، و جعلوها مسألة مستقلة غير ما نحن فيه، و استدلوا عليها

بصحيحة أبي المغراء عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «في الرجل يصلي خلف الامام فيسلم قبل الامام؟ قال: ليس عليه بذلك بأس».

و استدلوا أيضا بالرواية السابقة في تلك المسألة، و كأنه لفهمهم منها الأولوية لهذه الصورة.

و الظاهر عندي- لما عرفت- هو الاختصاص بهذه الصورة، على ان الرواية المذكورة- بناء على ما ذكروا- معارضة

بصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد. قال: يسلم و يمضي لحاجته ان أحب».

فإنها دالة على جواز الانفراد لا لعذر مع تعين محل المفارقة فيها كتلك الرواية. و على ما ذكرنا من تخصيص ذلك بما بعد التشهد يزول الاشكال عن الجميع مع ان العذر المذكور في صحيحة علي بن جعفر انما وقع في كلام السائل. هذا مع العذر.

و اما مع عدمه فالمشهور أيضا جواز العدول مع نية الانفراد، و ذهب الشيخ في المبسوط إلى العدم.

و أدلة كل من الطرفين لا تخلو من دخل، إلا ان يقين البراءة من التكليف

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 64- من أبواب الجماعة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 64- من أبواب الجماعة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 64- من أبواب الجماعة.

211

الثابت يقينا يعضد ما ذهب إليه في المبسوط.

و يؤيده أيضا

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) انه «سأله عن إمام أحدث فانصرف و لم يقدم أحدا، ما حال القوم؟ قال: لا صلاة لهم إلا بإمام.».

و من مواضع العدول في الصورة المذكورة ما لو تبين للمأموم في أثناء الصلاة بطلان صلاة الإمام، فإنه يعدل إلى الانفراد،

لصحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «سألته عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم أخبرهم انه ليس على وضوء. قال: يتم القوم صلاتهم، فإنه ليس على الامام ضمان».

(الصورة الثانية)- العدول من الانفراد إلى الائتمام

و هو قول الشيخ في الخلاف مدعيا عليه الإجماع، و نفى عنه البأس العلامة في التذكرة، و اختاره السيد العلامة المحدث نعمة اللّٰه الجزائري (قدس سره) في رسالة التحفة، و نقل من حجة المنع من ذلك التعويل على

ما روى (3): «ان الشارع في فريضة ينقلها إلى النفل و يجعلها ركعتين إذا أحرم إمام الجماعة».

فلو ساغ العدول لم يكن ذلك. ثم أجاب بأن القطع و النقل انما شرعا تحصيلا لصلاة الجماعة من أول الصلاة. انتهى.

و الأظهر- كما استظهره جمع من متأخري المتأخرين- العدم، لعدم ثبوت التعبد بمثله، مؤيدا بما ذكره السيد المشار اليه. و ما أجاب به (قدس سره) عن ذلك منظور فيه، بأنه لو كان العلة ما ذكره لكان الأنسب بذلك هو العدول دون النقل، إذ لا يخفى انه متى كان الغرض إدراك الصلاة من أولها مع الامام و المسارعة إلى ذلك، فان العدول أقرب إلى تحصيله، إذ ربما كان في النقل إلى النفل ما يفوت به الغرض المذكور

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 72- من أبواب الجماعة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 36- من أبواب الجماعة.

(3) رواه صاحب الوسائل في الباب- 56- من أبواب الجماعة.

212

سيما إذا كان المصلي المنفرد لم يأت بشيء من صلاته سوى تكبيرة الإحرام، و بناء صلاة الجماعة على التخفيف فربما يفوته بالنقل الإدراك للركعة الأولى كما لا يخفى، و لا سيما إذا جعلنا الموضع الذي يكلف المنفرد بالنقل فيه ما إذا اشتغل الإمام بشيء من واجبات الصلاة دون ما يقدم من المندوبات، كما هو أحد القولين في المسألة. و بالجملة فما ذكره (رحمه اللّٰه) في الجواب ليس بذلك المستجاب في هذا الباب.

(الموضع الرابع)- و هو العدول من الائتمام إلى الإمامة، و من الائتمام بإمام الى الائتمام بآخر

، و هو منصوص في مواضع ثلاثة:

(أحدها)- ما إذا أحدث الإمام في أثناء الصلاة، فإنه يستخلف بعض المأمومين يتم بهم الصلاة.

و يدل عليه روايات عديدة: منها-

صحيحة معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يأتي المسجد و هم في الصلاة و قد سبقه الإمام بركعة أو أكثر. فيعتل الإمام فيأخذ بيده و يكون ادنى القوم اليه فيقدمه. فقال: يتم صلاة القوم ثم يجلس. الحديث».

و ما رواه في الفقيه (2) مرسلا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و فيه:

«. ثم لينصرف و ليأخذ بيد رجل فليصل مكانه. الحديث».

و (ثانيها)- ما إذا حدث بالإمام حدث من موت أو إغماء، فان المأمومين يستخلفون بعضهم ليتم بهم، و عليه تدل

صحيحة الحلبي (3) «في رجل أم قوما فصلى بهم ركعة ثم مات؟ قال: يقدمون رجلا آخر و يعتدون بالركعة. الحديث».

و (ثالثها)- ما لو ائتم المتمم بالمقصر، فإنه بعد تمام صلاة الإمام يتم بهم بعضهم

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 40- من أبواب الجماعة.

(2) ج 1 ص 261 و في الوسائل في الباب- 72- من أبواب الجماعة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 43- من أبواب الجماعة.

213

و عليه تدل

صحيحة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «لا يؤم الحضري المسافر و لا المسافر الحضري. فإذا ابتلى بشيء من ذلك فأم قوما حاضرين، فإذا أتم الركعتين سلم ثم أخذ بيد بعضهم فقدمه فأمهم. الحديث».

و لا اعلم خلافا في هذه المواضع الثلاثة.

بقي هنا صور ينبغي التنبيه عليها:

(إحداها)- هل يجوز العدول من الائتمام بإمام في أثناء الصلاة إلى الائتمام بآخر لو حضرت جماعة أخرى في ذلك المكان؟ قولان، اختار أولهما العلامة في التذكرة و تبعه المحدث الكاشاني في المفاتيح. ورد بعدم ثبوت التعبد به. و هو كذلك.

و (ثانيها)- لو صلى الإنسان مأموما و كان مسبوقا، فبعد فراغ الامام و انفراده بما بقي عليه هل يجوز الاقتداء به من المأمومين المشاركين له في المسبوقية و غيرهم أو لا؟ الظاهر العدم، لأن العبادة توقيفية، و النص انما ورد في تلك المواضع الثلاثة، و مجرد الإلحاق بها قياس.

و استشكل العلامة في التحرير، حيث قال: «و لو سبق الامام اثنين ففي ائتمام أحدهما بصاحبه بعد تسليم الإمام إشكال» انتهى.

و كأن وجه الاشكال، من جهة المساواة للموضع الثالث من المواضع المتقدمة فيصح الائتمام، و من حيث عدم النص القاطع على ذلك، و العبادة توقيفية. و الإلحاق لمجرد المساواة قياس.

و (ثالثها)- لو صلى مأموما ثم عدل في أثناء الصلاة إلى نية الإمامة ببعض المأمومين أو غيرهم بعد نقل نيته إلى الانفراد أو عدمه.

و (رابعها)- ان ينقل الامام نيته في أثناء الصلاة إلى الائتمام ببعض المأمومين و المأموم نيته إلى الإمامة.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 18- من أبواب صلاة الجماعة.

214

و لم أقف لأحد من الأصحاب على تصريح في هاتين الصورتين. و مقتضى ما قلنا سابقا عدم الجواز، لما عرفت.

(الموضع الخامس)- العدول من الفرض إلى النفل

و قد ورد النص به في مواضع:

(أحدها)- لو دخل الإنسان في الصلاة منفردا فأقيمت الجماعة، فإنه يعدل بنيته من الفرض إلى النفل و يتم صلاته ركعتين ثم يلحق بالإمام.

و يدل عليه روايات: منها-

صحيحة سليمان بن خالد (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة، فبينما هو قائم يصلي إذ أذن المؤذن و اقام الصلاة. قال: فليصل ركعتين ثم ليستأنف الصلاة مع الامام، و لتكن الركعتان تطوعا».

و ظاهر الرواية ان تعلق الحكم بالمصلي- من نقل صلاته إلى النافلة- متى أقيمت الصلاة، و هو أحد القولين في المسألة. و قيل انه لا يتعلق به إلا بعد اشتغال الإمام بشيء من واجبات الصلاة.

و (ثانيها)- لو نسي قراءة الجمعة و المنافقين في ظهر الجمعة و قرأ غيرهما حتى تجاوز النصف، فإنه ينقل الفريضة إلى النافلة و يتمها ركعتين ثم يستأنف الظهر، كذا نقل عن الصدوق (رحمه اللّٰه).

و الخبر الذي وقفت عليه في هذه المسألة إنما تضمن صلاة الجمعة، و هو

صحيحة صباح بن صبيح (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل أراد ان يصلي الجمعة فقرأ بقل هو اللّٰه أحد؟ قال: يتمها ركعتين ثم يستأنف».

و لم أقف بعد التتبع على خبر سواه في المسألة.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 56- من أبواب الجماعة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 72- من أبواب القراءة في الصلاة.

215

و خص الحكم في البيان بصلاة الجمعة. و نقل عن ابن إدريس انه أنكر النقل الى النفل هنا.

وعد في المفاتيح في هذا الموضع أيضا ناسي الأذان و الإقامة، مستندا إلى جواز القطع له و العدول اولى. و هو عجيب منه (قدس سره).

ثم انه بعد ذلك استظهر جواز العدول لمطلق طلب الفضيلة، قال: «لاشتراك العلة الواردة في النصوص عليه» و هو منه أعجب، فإن ما استند اليه من الاشتراك في العلة غير خال من العلة، إذ الفضيلة التي ظنها مجوزة للعدول بزعمه اما ان يريد بها في المعدول اليه أو في الفعل المستأنف في الموضع الذي يكون كذلك، كما في هذا الموضع.

و على الأول فبطلانه أوضح من ان يبين، حيث ان اخبار الموضع الأول إنما تضمنت العدول إلى السابقة لتقدم اشتغال الذمة بها مع وجوب مراعاة الترتيب. و اما اخبار الموضع الثاني فإنما هو لإباحة كل من الأمرين له، و اما اخبار الموضع الثالث فإنما هو للرخصة بل المعدول إليها مفضولة، و أما اخبار الموضع الرابع فإنما هو في فريضة واحدة لإتمامها، و اما اخبار هذا الموضع فإنما المعدول إليه نافلة و هي مفضولة. و اما على الثاني فيما ذكرنا انما يتمشى له في اخبار هذا الموضع، و لم نقف في شيء منها على علة منصوصة فيها حتى يتم له البناء عليها و ان أمكن استفادة ذلك منها بحسب المقام، الا انه غير مجوز لان يبنى عليه شيء من الأحكام، بل هو محض القياس المنهي عنه في اخبار أهل الذكر (عليهم السلام).

(الموضع السادس)- النقل من النفل إلى النفل

، و قد نقل السيد السند (قدس سره) في المدارك عن الأصحاب التصريح بالجواز إذا شرع في نافلة لاحقة ثم ذكر السابقة. و لم أقف في ذلك على نص يوجب المصير اليه.

(المقام الثالث عشر) [الشك في النية]

- لو شك في نية الصلاة و قد كبر فالظاهر انه لا خلاف في الصحة و المضي في صلاته، للأخبار المستفيضة الدالة على انه بالدخول في غير المشكوك

216

فيه يمضي في صلاته (1).

و لو سهى عن النية حتى كبر، فمقتضى كلام الأصحاب- القائلين بوجوب المقارنة في النية. و انها عبارة عن ذلك الحديث النفسي و التصوير الفكري- البطلان.

و مقتضى ما قدمنا من التحقيق في معنى النية انه ان كان السهو انما عرض له حال التكبير مع استصحابه لها حال القيام للصلاة و الشروع في مستحباته المتقدمة، فلا وجه للبطلان.

و لو نوى الفريضة و دخل فيها ثم نوى النافلة سهوا و اتى ببعض الركعات أو بالعكس، فان كان قد علم حال نفسه عند القيام للصلاة بأنه في الصورة الأولى إنما قام للفريضة و في الثانية انما قام للنافلة، بنى على ما قام له و جدد النية لما بقي و صح ما مضى من صلاته، و ان لم يعلم حاله ثمة بطلت صلاته. و هكذا لو ذكر القيام للفريضة و انها ظهر مثلا، ثم سهى في الأثناء و اتى ببعض أفعالها على انها العصر ثم ذكر، فإنه يجدد النية لما بقي و يمضي.

و يدل على ذلك روايات: منها-

ما رواه في الكافي (2) و التهذيب في الحسن عن عبد اللّٰه بن المغيرة قال: «في كتاب حريز انه قال: اني نسيت انى في صلاة فريضة حتى ركعت و انا أنويها تطوعا؟ قال: فقال: هي التي قمت فيها: ان كنت قمت و أنت تنوي فريضة ثم دخلك الشك فأنت في الفريضة، و ان كنت دخلت في نافلة فنويتها فريضة فأنت في النافلة.».

و رواية عبد اللّٰه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل قام في صلاة فريضة فصلى ركعة و هو ينوي أنها نافلة؟ قال: هي التي قمت

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 23- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(2) ج 1 ص 101 و في التهذيب ج 1 ص 233 و في الوسائل في الباب- 2- من أبواب النية من كتاب الصلاة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب النية من كتاب الصلاة.

217

فيها و لها، و قال: إذا قمت و أنت تنوي الفريضة فدخلك الشك بعد، فأنت في الفريضة على الذي قمت له، و ان كنت دخلت فيها و أنت تنوي نافلة ثم انك تنويها بعد فريضة فأنت في النافلة، و انما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته».

و رواية معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فسهى فظن أنها نافلة، أو قام في النافلة فظن أنها مكتوبة.

قال: هي على ما افتتح الصلاة عليه».

و الظاهر أيضا ثبوت الحكم المذكور و ان لم يذكر إلا بعد الفراغ، كما هو ظاهر إطلاق الرواية الأخيرة.

و هل المراد بالوقت الذي عليه المدار في البناء، هو حال النهوض و القيام للصلاة من التوجه لها بالأذان و الإقامة و نحوها من الأفعال المتقدمة، أو حال النية و تكبيرة الإحرام؟

الظاهر من ظاهر الأخبار الأول، و يؤيده ما صرح به جماعة من الأصحاب من انه لو لم يعلم ما نواه فإن الصلاة تبطل، إلا إذا علم ما قام له فإنه يبني عليه، عملا بالظاهر من انه نوى ما في نفسه ان يفعله.

و استدل عليه بعضهم بهذه الأخبار المنقولة هنا.

ورد بأنها لا دلالة لها على ذلك، إذ مدلولها انما هو ما لو نوى شيئا ثم قصد خلافه سهوا. فإنه يبنى على ما نوى أولا و لا يضره ما فعله بقصد غيره.

و فيه أن الظاهر من قوله (عليه السلام): «هي التي قمت فيها و لها» انه يبنى على ما قصده حين قيامه و توجهه للصلاة. أعم من أن يكون نسي ما نواه أولا و لم يعلمه على اليقين، أو شك فيه، أو ذكره و لكن عرض له السهو بان نوى غيره، إذ خصوص السؤال عن ذلك الفرد لا يخصص كما قرر في محله، مع أن هذا المورد صرح بأنه لو علم ما تعين عليه و قام له ثم عرضه الشك في نيته، لا يبعد البناء عليه.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 2- من أبواب النية من كتاب الصلاة.

218

(المقام الرابع عشر) [حكم الوضوء مع عدم نية فعل الصلاة بعده]

- نقل عن بعض متأخري المتأخرين ان من لم يكن من نيته فعل الصلاة بعد الوضوء لا يجوز له الوضوء و لو فعله كان باطلا، بل لو كان من نيته فعل الصلاة و لم يفعلها تبين بطلانه.

و نقل عن فخر المحققين (رحمه اللّٰه) تعالى) ان من كان بالعراق و نوى بوضوئه استباحة الطواف صح وضوؤه، و مثله نقل عن الشهيد في البيان.

و استشكله المحقق الشيخ علي (قدس سره) بأنه نوى امرا ممتنعا فكيف يحصل له؟

و أجيب بأن المنوي ليس وقوع الطواف بالفعل بل استباحته، فالمنوى غير ممتنع و الممتنع غير منوي.

و توضيحه- على ما حققه شيخنا البهائي (قدس سره) في بعض فوائده- انه لا ريب ان كون المكلف على حالة يتمكن معها من الدخول في عبادة مشروطة بالطهارة- كالصلاة و الطواف مثلا- أمر راجح في نظر الشارع، فلو توضأ المكلف بقصد صيرورة الصلاة مباحة له- اعني حصول تلك الحالة- فينبغي ان تحصل له، و كونه يأتي بعد ذلك بالصلاة أو لا يأتي أمر خارج عن القصد المذكور، فان حصول تلك الحالة أمر مغاير لفعل الصلاة بغير مرية. نعم لو نوى بالوضوء فعل الصلاة مجردا عن استباحتها و لم يكن من قصده فعلها، لكان متلاعبا بنيته. فلا بعد في القول بفساد طهارته حينئذ.

أقول: لا يخفى ما في كلام البعض المذكور من الضعف و القصور:

(أما أولا)- فلعدم الدليل على ما ذكره، بل الدليل على خلافه واضح السبيل و (اما ثانيا)- فلما فيه من الإجمال بل الاختلال، فإنه ان أراد بذلك ما لو كان في الوقت، فإنه لا يخفى ان الواجب عليه هو الوضوء و الصلاة، و الإتيان بأحد الواجبين و ان لم يأت بالآخر بعده غير مضر بصحته. فمن اين له انه لا يجوز له الوضوء و هو مخاطب به و واجب عليه؟ غايته انه تجب عليه الصلاة معه و لكن وجوب الصلاة موسع عليه، و حينئذ فلو توضأ في أول الوقت لأجل ان يصلي في آخره فلا مانع

219

من صحته، و مدعى الابطال عليه الدليل، و ليس فليس. و ان أراد في غير الوقت، فإنه لا يخفى ان للوضوء غايات متعددة، و ان قصد ايها كان موجب لصحة الوضوء و ان لم يقصد الصلاة، و مع ذلك فإنه يجوز له الدخول به في الصلاة.

و الحق هو ما ذكره شيخنا المذكور (قدس سره) لما تقدم تحقيقه في المقام العاشر مما حاصله ان من نوى بوضوئه إحدى الغايات المتقدمة، فلا ريب في صحة وضوئه و جواز دخوله به في الصلاة و غيرها مما هو مشروط بالطهارة، و ان التحقيق ان الغاية الحقيقة للوضوء إنما هو قصد الرفع و ان تلك الغايات إنما تترتب عليه.

الا ان قول شيخنا المشار إليه في آخر كلامه: «نعم لو نوى بالوضوء فعل الصلاة. إلخ» لا يخلو من مناقشة، فإنه لا يخفى انه متى كان المكلف عالما بأنه لا يجوز له الدخول في الصلاة بغير وضوء و قد قصد بوضوئه هذا الإتيان بالصلاة بعده، فهذا هو معنى الاستباحة شرعا و ان لم يتصور هذا العنوان بخصوصه و لم يخطر بباله، إذ لا معنى لاستباحة الصلاة إلا اعتقاد كونها مباحة له بعد الوضوء و انها لا تباح له قبله، فقصد الدخول فيها و الإتيان بها بهذا الوضوء هو عين قصد الاستباحة. و لعل مبنى كلامه (قدس سره) على ما هو المشهور من تصور هذا العنوان بخصوصه و إخطاره بباله، حيث ان النية عندهم عبارة عن هذا الحديث النفسي و التصوير الفكري، و إلا فإن مرجع هذه النية التي فرضها و زعم بطلان الطهارة بها إلى ما ذكره أولا. و اللّٰه العالم.

(المقام الخامس عشر) [الفارق بين رفع الحدث و إزالة الخبث في وجوب النية و عدمه]

- قال السيد السند (قدس سره) في المدارك- بعد ان استدل على وجوب النية في الوضوء بآية «وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ(1) و بالأخبار المتقدمة في المقام الأول (2)- ما صورته: «و اعلم ان الفرق- بين ما تجب فيه النية من الطهارة و نحوها، و ما لا تجب من إزالة النجاسة و ما شابهها- ملتبس جدا، لخلو الاخبار من هذا البيان. و ما قيل- من ان النية انما تجب في الأفعال

____________

(1) سورة البينة الآية 5.

(2) في الصحيفة 171.

220

دون التروك- منقوض بالصوم و الإحرام. و الجواب بان الترك فيهما كالفعل تحكم.

و لعل ذلك من أقوى الأدلة على سهولة الخطب في النية و ان المعتبر فيها تخيل المنوي بأدنى توجه. و هذا القدر أمر لا ينفك عنه أحد من العقلاء كما يشهد به الوجدان، و من هنا قال بعض الفضلاء: لو كلفنا اللّٰه الصلاة و غيرها من العبادات بغير نية كان تكليف ما لا يطاق. و هو كلام متين لمن تدبره». انتهى.

أقول: الظاهر ان وجه الإشكال الذي أشار إليه (قدس سره) في ذلك هو ان كلا من الطهارة و نحوها من العبادات و ازالة النجاسة و ما شابهها مما قد وقع التكليف به من الشارع، مع انهم قد أوجبوا النية في القسم الأول دون الثاني، و وجه الفرق غير واضح.

و أنت خبير بأنه اما ان يراد بالنية هنا المعنى اللغوي الذي هو عبارة عن مجرد القصد إلى الفعل، كما يشعر به آخر كلامه من قوله: «و ان المعتبر فيها تخيل المنوي. إلخ» أو المعنى الشرعي الذي هو القصد المخصوص المقرون بالقربة، كما يشعر به صدر كلامه من الاستدلال بالآية و الأخبار المشار إليها. و على الأول يكون الإشكال في إزالة النجاسة من جهة انه لا يجب في إزالتها القصد إلى ذلك، بل لو زالت بوقوع الثوب في الماء أو اصابة المطر له اتفاقا أو نحو ذلك كفى في الحكم بالطهارة. و على الثاني أيضا انه متى كان الأمر كذلك فبالطريق الاولى ان لا يشترط في الإزالة القربة و لا نية الندب و لا غيرهما من قيود النية الشرعية.

و جملة من الأصحاب قد أجابوا عن الاشكال المذكور بالفرق بين المقامين، و ان النية إنما تجب في الأفعال من حيث وقوعها على أنحاء متعددة، كما تقدم منا بيانه في المقام الأول (1) فلا بد من النية في تميز بعضها عن بعض، و اما التروك فباعتبار كونها مرادة للشارع لكن لا على وجه مخصوص بل بأي وجه تحققت، فليس هناك وجوه متعددة

____________

(1) في الصحيفة 170.

221

لمتعلق التكليف يتوقف الامتثال على تعيين فرد منها بالنية، بل يكفي في حصول المطلوب شرعا مجرد الترك و ان كان لا عن قصد، و في حكمها الأفعال المطلوب بها ترك شيء آخر كمحل البحث، فإن إزالة النجاسة لما كان المطلوب بها ترك النجاسة كانت ملحقة بالتروك و أورد عليهم الانتقاض بالصوم و الإحرام، فان كلا منهما مفسر بترك الأشياء المعينة.

أجابوا بأن الترك هنا كالفعل في وجوب النية، قالوا: ان متعلق التكليف اما فعل محض أو ترك كالفعل، و كل منهما مما تجب فيه النية، أو ترك محض أو فعل كالترك، و هما مما لا تجب فيه النية.

و لا يخفى ما في الجواب المذكور من القصور، كما أشار إليه السيد السند (قدس سره) و التحقيق في هذا المقام ما افاده المحدث الأمين الأسترآبادي في تعليقاته على المدارك، حيث قال- بعد نقل عبارة الكتاب- «قلت: تحقيق المقام ان المطلوب من العبد قد يكون إيجاد أثر في الخارج، كالقراءة و الركوع و السجود، و قد يكون إيجاد أثر في الذهن، كعزمه ان لا يتعمد شيئا من المفطرات من طلوع الفجر إلى المغرب بشرط ان لا يقع منه ما ينافيه. و حقيقة الصوم هو هذا العزم المقيد بالشرط المذكور، و لذا لو نوى و أخذه النوم إلى المغرب صح صومه، و لو لم ينو و اجتنب المفطرات لم يصح صومه كما تقرر. فان كانت حقيقة الإحرام عزمه على ان لا يتعمد شيئا من الأمور المعينة من حين التلبية إلى وقت الحلق و التقصير بشرط الإتيان بالتلبية، فهو من الباب الثاني و ان كانت حقيقته الحالة المترتبة على نية الحج و العمرة و الإتيان بأول جزء منه و هو التلبية- كما هو الظاهر عندي من الروايات- فليس من الباب الثاني، بل هو من الأحكام المترتبة على مجموع النية و الإتيان بجزء من المنوي، نظير حرمة منافيات الصلاة على المصلي بسبب نية الصلاة و تكبيرة الإحرام. و قد يكون وجود حالة كطهارة ثوبه حال صلاته،

222

ففي الصورة الأولى تتميز العبادة عن غيرها كاللعب بالنية. و في الصورة الثانية العبادة المطلوبة نفس العزم المقيد بقيد، فلا حاجة لها إلى عزم و ارادة أخرى، و هو واضح.

و اما الصورة الثالثة فليس المطلوب فيها إيجاد أثر، و لذا لو كانت طهارة الثوب حالة اصلية مستصحبة أو حاصلة بفعل الغير أو بغير فعل أحد كأن يقع في النهر أو يصيبه السيل، لكفت. و في الصورة الأولى لما كان المطلوب إيجاد اثر لم يجز ان يغسله غيره أو يوضئه، و مع الاضطرار لا يصح ذلك أيضا إلا بإرادته كما قرر في موضعه» انتهى كلامه. و هو جيد متين.

الركن الثاني- غسل الوجه

و فيه مسائل

[المسألة] (الأولى) [حقيقة الغسل]

- هل الواجب في الغسل ما يجري فيه جزء من الماء على جزءين من البشرة بنفسه أو معاون، أو يرجع فيه إلى العرف، أو يكفي الدهن؟

و على الثالث فهل يخص بالضرورة، أو مطلقا؟ أقوال: المشهور الأول، و بالثاني قال جماعة من متأخري المتأخرين، و التخصيص بالضرورة في الثالث نقله في الذكرى عن الشيخين.

و يدل على اعتبار الجريان في الغسل- بأي من المعنيين الأولين- انه المتبادر من معنى الغسل لغة و عرفا.

و من الأخبار

قوله (عليه السلام) في حسنة زرارة (1): «الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله و كثيره فقد أجزأه».

و لا قائل بالفرق بين الغسل و الوضوء.

و قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2): «كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد ان يغسلوه و لا يبحثوا عنه، و لكن يجري عليه الماء».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 46- من أبواب الوضوء.

223

و قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مروان (1): «يأتي على الرجل ستون سنة أو سبعون سنة ما قبل اللّٰه منه صلاة. قلت: و كيف ذلك؟ قال: لانه يغسل ما أمر اللّٰه بمسحه».

و قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2): «لو أنك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم أضمرت ان ذلك هو المفترض، لم يكن ذلك بوضوء.».

و التقريب في هذين الخبرين الأخيرين انه لو لا اعتبار الجريان في مسمى الغسل لما حصل الفرق بينه و بين المسح المقابل له بظاهر الآية.

و يؤيده أيضا ما اشتملت عليه اخبار الوضوء البياني من الصب و الإفاضة و الإسدال و الغرفة لكل عضو.

و يدل على الثالث مطلقا اخبار عديدة: منها-

قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة و محمد بن مسلم (3): «انما الوضوء حد من حدود اللّٰه ليعلم اللّٰه من يطيعه و من يعصيه، و ان المؤمن لا ينجسه شيء. إنما يكفيه مثل الدهن».

و قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم (4): «يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملأ بها جسده، و الماء أوسع من ذلك».

و قوله في صحيحة زرارة (5): «. إذا مس جلدك الماء فحسبك.».

و قوله في الغسل (6): «و كل شيء أمسسته الماء فقد أنقيته».

و قوله في الغسل و الوضوء (7): «يجزي منه ما أجزأ من الدهن الذي يبل الجسد».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 25- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 25- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 52- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 52- من أبواب الوضوء.

(6) المروي في الوسائل في الباب- 26- من أبواب الجنابة.

(7) المروية في الوسائل في الباب- 52- من أبواب الوضوء.

224

و قوله (عليه السلام) (1): «يجزئك في الغسل و الاستنجاء ما بلت يدك».

و الدهن كما يحتمل انه من الأدهان اي الإطلاء من الدهن كما هو صريح بعضها، يحتمل أيضا انه من دهن المطر الأرض إذا بلها بلا يسيرا، و على التقديرين فلا جريان فيه قطعا على الأول و ظاهرا على الثاني.

و ربما تحمل الأخبار كملا على المعنى الأول و يقيد مطلقها بمقيدها.

و الأكثر حملوا هذه الأخبار على المبالغة في أقل الجريان، و ظواهرها- كما ترى- لا تقبله.

و أنت خبير بان ما اشتمل من الأخبار المتقدمة على الجريان صريحا أو مفهوما لا دلالة فيه على الانحصار في هذا الفرد و عدم اجزاء ما عداه، و لا في شيء من الأخبار الأخيرة على الانحصار فيه و عدم جواز ما زاد عليه، حتى تثبت المنافاة بين اخبار الطرفين و يرتكب الحمل في أحد الجانبين، بل ربما دل لفظ الاجزاء في بعض الأخبار الأخيرة على انه أقل المجزي المستلزم لثبوت مرتبة فوقه.

فلم يبق حينئذ إلا دعوى اعتبار الجريان في مسمى الغسل.

و فيه ان المفهوم من كلام شيخنا الشهيد الثاني في بعض تحقيقاته ان ذلك غير مفهوم من كلام أهل اللغة، قال: «لعدم تصريحهم باشتراط جريان الماء في تحققه، و ان العرف دال على ما هو أعم منه، الا انه المعروف من الفقهاء سيما المتأخرين، و المصرح به في عباراتهم» انتهى.

و يؤيده ما صرح به السيد السند في المدارك، حيث قال- بعد ان نقل القول باشتراط الجريان في مسمى الغسل- ما لفظه: «و في دلالة العرف على ذلك نظر» ثم قال- بعد ان نقل عن الشارح حمل اخبار الدهن على المبالغة- ما صورته: «و قد

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 13- من أحكام الخلوة، و في الباب- 31- من أبواب الجنابة.

225

يقال: لا مانع من كونه على سبيل الحقيقة لوروده في الأخبار المعتمدة» ثم ساق جملة من الأخبار المتقدمة.

و حينئذ فمجرد شهرة ذلك بينهم- من غير دلالة نص عليه من آية أو رواية، بل وجود الروايات المستفيضة- كما تري- بخلافه- لا يوجب المصير اليه. و بالجملة فالمسألة لذلك محل اشكال.

و صار بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين- بعد ان صرح بأن المسألة محل تأمل، ينشأ من تعارض الظاهرين، و قبول التأويل من الطرفين- إلى تخصيص ذلك بالضرورة و تقديمه على التراب، كعوز الماء و انجماده على وجه لا يمكن إذابته، كما هو المنقول آنفا عن الشيخين (رحمهما اللّٰه) استنادا إلى بعض الأخبار المصرحة بجواز ذلك ضرورة،

كقول الكاظم (عليه السلام) في صحيحة أخيه علي (1) حيث «سأله عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع، أ يغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة إذا كان لا يجد غيره، و الماء لا يبلغ صاعا للجنابة و لا مدا للوضوء و هو متفرق؟

فكيف يصنع؟ فقال: إذا كانت يده نظيفة، إلى ان قال: فإن خشي ان لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات ثم مسح جلده بيده، و ان كان الوضوء غسل وجهه و مسح يده على ذراعيه و رأسه و رجليه.».

و قوله (عليه السلام) في صحيحة أخيه الثانية (2) حين «سأله عن الرجل الجنب أو على غير وضوء لا يكون معه ماء و هو يصيب ثلجا و صعيدا، أيهما أفضل: أ يتيمم أم يتمسح بالثلج؟ قال: الثلج إذا بل رأسه و جسده أفضل، فان لم يقدر على ان يغتسل به فليتيمم».

و نحوها رواية معاوية بن شريح (3).

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب التيمم.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب التيمم.

226

و ما رواه في الكافي (1) مرسلا مضمرا: «في رجل كان معه من الماء مقدار كف و حضرت الصلاة؟ قال: فقال: يقسمه أثلاثا: ثلث للوجه و ثلث لليد اليمنى و ثلث لليسرى، و يمسح بالبلة رأسه و رجليه».

وعد من ذلك أيضا

قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (2): «أسبغ الوضوء ان وجدت ماء، و إلا فإنه يكفيك اليسير».

و ظني انها ليست منه، لان مقابلة اليسير بما يحصل به الإسباغ قرينة على وجود ما يحصل به الجريان و لو في الجملة.

و حينئذ فالأظهر حمل روايات الدهن على هذه الأخبار دون الحمل على المبالغة.

إلا انه بعد لا يخلو من شوب نظر.

(المسألة الثانية) [ما يجب غسله من الوجه]

- الظاهر انه لا خلاف في أن الوجه الواجب غسله في الوضوء هو ما كان من قصاص الشعر- مثلث القاف و الضم أعلى، كما ذكره الجوهري، و هو حيث ينتهي نبت الشعر من مقدم الرأس و مؤخره، و المراد هنا المقدم- الى طرف الذقن بالتحريك، و هو مجمع اللحيين الذين تنبت عليهما الأسنان السفلى، طولا، و ما دارت عليه الإبهام و الوسطى من مستوي الخلقة عرضا،

لما في صحيح زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) حيث قال: «أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يوضأ، الذي قال اللّٰه تعالى. فقال: الوجه الذي أمر اللّٰه بغسله- الذي لا ينبغي لأحد ان يزيد عليه و لا ينقص منه، ان زاد عليه لم يؤجر و ان نقص منه اثم- ما دارت عليه الوسطى و الإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن و ما جرت عليه الإصبعان من الوجه مستديرا فهو من الوجه، و ما سوى ذلك فليس من الوجه. قلت: الصدغ من الوجه؟ قال: لا».

____________

(1) ج 1 ص 9 و في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 52- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 17- من أبواب الوضوء.

227

و أنت خبير بان تطبيق الرواية المذكورة على مدعى الأصحاب لا يخلو من عسر و ما وجهه بعضهم- من ان

قوله (عليه السلام): «ما دارت عليه الوسطى و الإبهام»

بيان لعرض الوجه،

و قوله: «من قصاص شعر الرأس إلى الذقن»

لطوله،

و قوله:

«ما جرت عليه الإصبعان»

كأنه تأكيد لبيان العرض- فلا يخفى ما فيه من التكلف و عدم الارتباط.

و أورد شيخنا البهائي (عطر اللّٰه مرقده) على الأصحاب- في استنباط ما ذهبوا اليه من الخبر المذكور- انه متى جعل الحد الطولى من القصاص الذي هو عبارة عن منابت الشعر من المقدم- و الحال ان منتهى منابت الشعر يأخذ من كل جانب من الناصية و يرتفع عن النزعة ثم ينحدر إلى مواضع التحذيف و يمر فوق الصدغ حتى يتصل بالعذار- لزم دخول النزعتين و الصدغين في التحديد المذكور مع انهم لا يقولون به، و خروج العذارين مع ان بعضهم ادخله، و كيف يصدر مثل هذا التحديد الظاهر القصور الموجب لهذا الاختلاف عنهم (عليهم السلام)؟

ثم وجه للرواية معنى آخر، و هو ان كلا من طول الوجه و عرضه هو ما اشتمل عليه الإبهام و الوسطى، بمعنى ان الخط الواصل من القصاص إلى طرف الذقن و هو مقدار ما بين الإصبعين غالبا، إذا فرض إثبات وسطه و أدير على نفسه ليحصل شبه دائرة، فذلك القدر هو الوجه الذي يجب غسله، و ذلك لأن الجار و المجرور في

قوله (عليه السلام): «من قصاص شعر الرأس»

اما متعلق بقوله: «دارت» أو صفة مصدر محذوف، و المعنى ان الدوران يبتدئ من القصاص منتهيا إلى الذقن، و اما حال من الموصول الواقع خبرا عن الوجه و هو لفظ «ما» ان جوزنا الحال عن الخبر، و المعنى ان الوجه هو القدر الذي دارت عليه الإصبعان حال كونه من القصاص إلى الذقن، إلى ان قال: «و بهذا يظهر ان كلا من طول الوجه و عرضه قطر من أقطار تلك الدائرة من غير تفاوت، و يتضح خروج النزعتين و الصدغين عن الوجه و عدم دخولهما في التحديد

228

فإن أغلب الناس إذا طبق انفراج الإصبعين على ما بين قصاص الناصية إلى طرف ذقنه و ادارهما على ما قلناه ليحصل شبه دائرة وقعت النزعتان و الصدغان خارجة عنهما، و كذلك يقع العذران و مواضع التحذيف، كما يشهد به الاستقراء و التتبع. و اما العارضان فيقع بعضهما داخلا و البعض خارجا، فيغسل ما دخل و يترك ما خرج على ما يستفاد من الرواية» انتهى كلامه زيد مقامه.

و هو بمحل من القبول، و قد تلقاه بالتسليم جملة ممن تأخر عنه من الفحول.

الا انه يمكن الجواب عما أورده على القول المشهور و نسبه اليه من القصور:

اما عن دخول النزعتين فبأنهما و ان دخلا في التحديد بالقصاص على ما هو معناه لغة، إلا أنهما لما كانتا محاذيتين للناصية التي هي من الرأس قطعا دون الوجه، و خارجتين عن التسطيح الذي ينفصل به الوجه عن الرأس، و داخلتين في التدوير المختص، وجب حمل القصاص في الخبر على منتهى الناصية و ما يحاذيه من جانبيه كما عليه الأصحاب، و ما هو إلا من قبيل العام المخصوص أو المطلق المقيد، و كم مثله في الأخبار.

و اما عن الصدغين فإنهما و ان فسرا في كلام أهل اللغة بما بين العين و الاذن تارة، و بالشعر المتدلي على هذا الموضع اخرى، كما في عبارة القاموس و نقل أيضا عن الصحاح و النهاية، الا أن العلامة في المنتهى فسره بالشعر الذي بعد انتهاء العذار المحاذي لرأس الاذن و ينزل عن رأسها قليلا، و في الذكرى ما حاذى العذار فوقه، و حينئذ فيمكن حمل الصدغ في الخبر على هذا المعنى الثاني، و هو أحد معنييه لغة أيضا كما عرفت، و لا يشمل شيئا منه الإصبعان، على انه متى حمل على المعنى الأول فلا ريب انه يدخل بعضه في الإدارة التي اعتبرها (قدس سره) و ما ذكره (قدس سره) من خروجه كملا مما تمنعه المشاهدة.

و اما العذاران فالمشهور عندهم خروجه، فلا يرد الاشكال به إلا عند من أدخله إذا عرفت هذا فاعلم أن ههنا مواضع قد وقع الخلاف فيها في البين:

229

(أحدها)- الصدغ، و قد تقدم معناه. فادخله الراوندي في الوجه، و المشهور خروجه كما تدل عليه الرواية (1) و يمكن حمل كلام الراوندي على البعض الذي لا شعر فيه كما عرفت من كلام أهل اللغة، و حمل الرواية على ما ذكرناه آنفا، فترتفع المنافاة.

و (ثانيها)- العذار، و هو الشعر النابت على العظم الذي على سمعت الصماخ، يتصل أعلاه بالصدغ و أسفله بالعارض، و المشهور بين الأصحاب خروجه، لعدم شمول الإصبعين له غالبا، و لاتصاله بالصدغين. و نقل عن ظاهر كلام الشيخ في المبسوط و الخلاف و ابن الجنيد دخوله، و به صرح ثاني المحققين و ثاني الشهيدين. و جمع بعض المحققين بين القولين بما يكون به النزاع لفظيا في البين، فقال: «انه لا نزاع في الحقيقة بل القائلون بالدخول إنما يريدون به دخول بعضه مما يشمله الإصبعان، و القائلون بالخروج يريدون خروج البعض الآخر كما يشعر به تتبع كلماتهم» انتهى.

و (ثالثها)- مواضع التحذيف بالذال المعجمة، و هي ما بين الصدغ و النزعة، و فسرها بعضهم بما بين منتهى العذار و النزعة. و أنت خبير بما فيه، فان العذار أعلاه يتصل بالصدغ كما تقدم، فالصدغ فوقه. و قد قطع العلامة في المنتهى و التذكرة بخروجها و جملة من الأصحاب حكموا بدخولها احتياطا.

و (رابعها)- العارض، و هو الشعر المنحط عن محاذاة الأذن، يتصل أسفله بما يقرب من الذقن و أعلاه بالعذار. و قد قطع العلامة في المنتهى بخروجه و الشهيدان بدخوله، بل ادعى ثانيهما الإجماع على ذلك. و فصل في النهاية بين ما خرج عن حد الإصبعين فيخرج، و دخل فيهما فيدخل. و هو الأقرب، لما دلت عليه الرواية (2).

و ما أورده السيد السند في المدارك- من ان الاستدلال على الوجوب ببلوغ الإبهام و الوسطى ضعيف، فان ذلك إنما يعتبر في وسط التدوير من الوجه خاصة، و إلا لوجب غسل ما نالته الإبهام و الوسطى و ان تجاوز العارض، و هو باطل إجماعا-

____________

(1) و هي صحيحة زرارة المتقدمة في الصحيفة 226.

(2) و هي صحيحة زرارة المتقدمة في الصحيفة 226.

230

مردود (أولا)- بأن التخصيص بما ذكره لا دليل عليه.

و (ثانيا)- بان خروج بعض الافراد بدليل خاص لا يقدح في الدلالة على ما لا معارض له، فان ما تجاوز العارض خارج عن الوجه بالإجماع.

(المسألة الثالثة) [وجوب الابتداء بالأعلى في غسل الوجه]

- اختلف الأصحاب (نور اللّٰه مراقدهم) في وجوب الابتداء بالأعلى في غسل الوجه، فالمشهور الوجوب، و ذهب المرتضى و ابن إدريس إلى جواز النكس، و اختاره جمع من المتأخرين و متأخريهم.

و يدل على المشهور

صحيحة زرارة (1) قال: «حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فدعى بقدح من ماء فادخل يده اليمنى فأخذ كفا من ماء فأسدله على وجهه من أعلى الوجه. الحديث».

و فعله إذا كان بيانا للمجمل وجب اتباعه فيه.

و أجيب بأنه من الجائز ان يكون ابتداؤه (عليه السلام) بالأعلى لكونه أحد جزئيات مطلق الغسل المأمور به لا لوجوبه بخصوصه، فان امتثال الأمر الكلي إنما يتحقق بفعل جزئي من جزئياته. و قوله-: «ان فعله إذا وقع بيانا للمجمل وجب اتباعه فيه»- مسلم، الا انه لا إجمال في غسل الوجه حتى يحتاج إلى البيان، مع ان أكثر الأخبار الواردة في وصف وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) خالية من ذلك، هكذا ذكره السيد السند في مداركه، و تبعه فيه جمع ممن تأخر عنه.

و فيه نظر من وجوه: (الأول)- ان الأوامر و الأحكام القرآنية كلها إلا ما شذ لا تخلو من إطلاق أو عموم أو إجمال أو نسخ أو نحو ذلك، و قد استفاضت الأخبار عن أهل الذكر (صلوات اللّٰه عليهم) بالرجوع إليهم في ذلك و النهي عن القول فيه بغير توقيف منهم، و قد نقلنا شطرا وافرا من تلك الأخبار في كتاب الدرر النجفية، و أظهرنا ما في المسألة من الكنوز الخفية، و قد تقدمت الإشارة إلى شطر

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

231

منها في المقدمة الثالثة (1) و حينئذ فإذا بينوا لنا شيئا من ذلك فالواجب قبوله و العمل عليه.

و مما يؤيد ذلك

صحيحة زرارة و محمد بن مسلم (2) قالا: «قلنا لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي و كم هي؟ فقال: ان اللّٰه عز و جل يقول وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ (3). فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر. قالا: قلنا له انما قال اللّٰه عز و جل:

فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ، و لم يقل: افعلوا، فكيف أوجب ذلك؟ فقال (عليه السلام): أو ليس قد قال اللّٰه عز و جل في الصفا و المروة فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا (4). ألا ترون ان الطواف بهما واجب مفروض لأن اللّٰه عز و جل ذكره في كتابه و صنعه نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله)؟ و كذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و ذكره اللّٰه في كتابه. الحديث».

فإنه- كما ترى- صريح الدلالة في ان فعله (صلى اللّٰه عليه و آله) لما ذكره اللّٰه تعالى في كتابه و ان كان غير صريح في الوجوب كنفي الجناح في الآيتين، صار موجبا لذلك، و ما نحن فيه كذلك.

و بالجملة فإنا لو خلينا و ظاهر الآية و لم يرد لنا عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) كيفية بيان لذلك، لكان الأمر كما ذهبوا اليه، و اما بعد ورود كيفية البيان فيجب الوقوف عليها و الأخذ بها.

و اعترض شيخنا البهائي (قدس سره) في حبله و أربعينه بأنه لو اقتضى البيان وجوب الابتداء بالأعلى للزم مثله في إمرار اليد، لوروده كذلك في مقام البيان.

و فيه ان صحيحة علي بن جعفر- (5) الدالة على الوضوء بالمطر بمجرد تساقطه

____________

(1) ج 1 ص 27.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 22- من أبواب صلاة المسافر.

(3) سورة النساء. الآية 102.

(4) سورة البقرة. الآية 158.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 36- من أبواب الوضوء.

232

و غسله الأعضاء- دليل على عدم وجوب إمرار اليد.

و لو قيل بان ما ذكرتموه يضعف باشتمال الوضوء البياني على جملة من المستحبات أيضا قلنا: خروج ما قام الدليل على استحبابه لا يوجب خروج ما لا دليل عليه.

(الثاني)- ان منعه الإجمال في غسل الوجه ممنوع بما ذكره المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) في حاشيته على المدارك، من ان الإجمال قد ينشأ من نفس المعنى، و ذلك لأن بعض الماهيات الكلية تحته افراد تصلح عرفا لتعلق غرض الشارع ببعضها دون بعض، كحج البيت و غسل الوجه في الوضوء، و يقبح عند العقلاء اقدام مريد الامتثال على فرد مشكوك فيه من إفرادها من غير دلالة على ان المقصود بالذات هو الماهية الكلية من حيث هي. انتهى كلامه (زيد مقامه).

و مما يدل على وقوع الإجمال في الغسل هنا وقوع السؤال عن كيفية غسل اليدين في رواية صفوان (1) و رواية الهيثم (2) الآتيتين في بيان وجوب الابتداء بالمرفق.

(الثالث)- ان خلو أكثر الأخبار الواردة في وصف وضوئه (صلى اللّٰه عليه و آله) عن الابتداء بالأعلى لا يستلزم حمل هذه على الاستحباب، بل الطريقة الشائعة في مثله حمل المطلق على المقيد و العام على الخاص، على ان بعض الأخبار ظاهر الدلالة في مطابقة هذه الصحيحة:

كصحيحة زرارة الأخرى عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) في حكاية الوضوء أيضا قال: «ثم غرف فملأها ماء فوضعها على جبينه، ثم قال: بسم اللّٰه، و سدله على أطراف لحيته، ثم أمر يده على وجهه. الحديث».

____________

(1) المروية في مستدرك الوسائل في الباب- 18- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 19- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

233

و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد (1) عن احمد بن محمد عن ابن محبوب عن أبي جرير الرقاشي قال: «قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): كيف أتوضأ للصلاة؟ الى ان قال: و لا تلطم وجهك بالماء لطما و لكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحا. الحديث».

و الكتاب المذكور من الأصول المعتبرة المشهورة فلا يضر ضعف الراوي، و هو صريح في المطلوب، للأمر فيه بالغسل من الأعلى، و هو حقيقة في الوجوب عندهم.

و روى العياشي في تفسيره عن زرارة و بكير ابني أعين (2) قالا: «سألنا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فدعا بطشت أو تور فيه ماء فغمس كفه اليمنى فغرف بها غرفة فصبها على جبهته فغسل وجهه بها. الحديث».

(الرابع)- ان الوضوء على غير هذا الوجه لا أقل ان يكون مشكوكا في صحته، لوقوعه على خلاف ما بينه صاحب الشرع، و الشك في صحته يقتضي الشك في رفعه، و يقين الحدث لا يرتفع إلا بيقين الطهارة، للحديث الصحيح المتفق على العمل بمضمونه (3):

«ليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا».

و ما افاده بعض المحققين من متأخري المتأخرين- من ان القدر المعلوم من هذا الخبر إنما هو عدم النقض بالشك في وجود الناقض، دون الشك في فردية بعض الافراد للناقض، بمعنى ان تيقن الحدث فيما نحن فيه لا يزول بالشك في وجود الرافع، و اما كونه لا يزول بوجود بعض الافراد المشكوك في فرديتها للرافع فلا دلالة للحديث عليه- ففيه ما قدمنا ذكره في المقدمة الحادية عشرة (4) و حينئذ فالواجب تحصيل يقين البراءة

____________

(1) في الصحيفة 129 و في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(2) رواها في مستدرك الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(3) و هو صحيح زرارة المروي في الوسائل في الباب- 37 و 41 و 44- من أبواب النجاسات.

(4) في الصحيفة 145 من الجزء الأول.

234

من التكليف الثابت بيقين، و هو لا يتم الا بالغسل من الأعلى.

و ما ذكره البعض- من ان تحصيل يقين البراءة إنما هو من الاحتياط المستحب و ليس بواجب- فليس على إطلاقه، و ذلك فان تحصيل يقين البراءة اما ان يكون بعد ثبوت الحكم شرعا بإرادة المطابقة لما هو الحكم واقعا و الخروج من جميع الاحتمالات المنافية للمطابقة، و هذا هو المستحب، كالتنزه عن جوائز الظالم و نحوه، و نكاح من علم ارتضاعها معه لكن لم يعلم حصول القدر المحرم و لا عدمه، و نحو ذلك، و اما ان يكون مع عدم ثبوت الحكم شرعا، فيكون الغرض من الاحتياط تحصيله، و هذا هو الواجب، و لا يخفى ان ما نحن فيه من قبيل الثاني دون الأول، فإن عدم ثبوت الحكم و معلوميته أعم من ان يكون لعدم الدليل بالكلية، أو لتعارض الأدلة، أو لاشتباه الحكم منها، أو نحو ذلك، و ما نحن فيه من قبيل الثاني، لتعارض ظاهر الآية و الأخبار. و الجمع الذي ذكروه بينهما لا يتعين المصير اليه، لاحتمال غيره بل رجحانه عليه، فيبقى الحكم في قالب الاشتباه.

و توهم استحباب الاحتياط في مثل ذلك مردود بالأخبار المستفيضة الدالة على الأمر بالوقوف على جادة الاحتياط مع الشك و الاشتباه، كما تقدم لك بيانه في المقدمة الرابعة.

و من ذلك

ما ورد عن الصادق (عليه السلام) في جملة من الأخبار في كلامه مع بعض الزنادقة المنكرين للصانع (1) حيث قال (عليه السلام): «ان يكن الأمر كما نقول- و هو كما نقول- فقد نجونا و هلكتم، و ان يكن الأمر كما تقولون- و ليس كما تقولون- فنحن و أنتم سواء، و لن يضرنا ما صلينا و صمنا. الحديث».

و فيه دلالة على وجوب سلوك ما فيه النجاة و دفع الضرر عند الاشتباه، و هو بعينه ما ذكروه من الدليل العقلي على وجوب معرفة الصانع، من انها لدفع الضرر، و هو واجب. و كما يجب دفع الضر المحقق فكذا دفع الضرر المشتبه، فان من عرض

____________

(1) المروية في الكافي في باب (حدوث العالم و إثبات المحدث) من كتاب التوحيد.

235

عليه طعام محتمل لأن يكون غذاء نافعا و لأن يكون سما قاتلا، فان المخاطر بنفسه في أكله خارج عن ربقة العقلاء، فان كان هذا في الأمور الدنيوية ففي الدينية بطريق أولى، لشدة خطرها و زيادة ضررها، فالاحتياط فيها أوجب، و حينئذ فالحديث المذكور دليل نقلي عقلي.

و هذا الدليل و ما قبله مما تلجئ إليه الحاجة في جملة من الأحكام، فاحتفظ بهما فإنهما أقوى دليل في مقام الخصام.

(الخامس)- ما افاده المحدث الأمين (قدس سره) في حاشية المدارك أيضا، من ان الأمر بالوضوء و بالطهور ورد في اخبار كثيرة، و اللفظان من المجملات، فلا تبرأ الذمة إلا برعاية الاحتياط، و هو الإتيان بفرد لم يشك في اجزائه. لا يقال:

الآية الشريفة بيان لهما. لأنا نقول: الآية الشريفة إنما تدل على وجوب كذا و كذا و لا تدل على كفاية ذلك القدر في الصلاة. لا يقال: لو وجب قيد زائد لذكره سبحانه و تعالى. لأنا نقول: هذا منقوض بصور كثيرة. و أيضا إنما تتجه تلك المقدمة لو لم يكن البيان مرجوعا اليه و إلى أهل بيته (صلى اللّٰه عليه و آله).

(السادس)- ما أفاده أيضا (قدس سره) من انا إذا لاحظنا

ما روى عن الصادق (عليه السلام): «الوضوء غسلتان و مسحتان» (1).

و سائر الروايات المتضمنة لمضمونها، مع

صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا».

تبادر إلى ذهننا بمعونة قرينة المقام وجود البأس في غسل الوضوء مدبرا.

ثم اعلم ان شيخنا البهائي (قدس سره) في حبله و أربعينه- بعد ان طعن في دليل المشهور بما قدمنا نقله عن المدارك- قال: «و ظني انه لو استدل على هذا المطلب بان المطلق ينصرف إلى الفرد الشائع المتعارف، و الشائع المتعارف في غسل الوجه غسله

____________

(1) لم نقف على حديث بهذا النص عن الصادق (عليه السلام) و لعل نظره إلى ما يفيد هذا المضمون.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 20- من أبواب الوضوء.

236

من فوق إلى أسفل، فينصرف في قوله تعالى: «. فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ(1) اليه لم يكن بعيدا» انتهى.

و فيه (أولا)- انه لو تم لزم عدم اجزاء غمس الوجه و اليد في الماء، و هو لا يقول به، و كذا عدم وجوب غسل الإصبع الزائدة، مع انهم اتفقوا على الوجوب.

و (ثانيا)- ما حققه بعض المحققين (طيب اللّٰه مرقده) من ان المتبادر بحسب التصور و التخيل غير ملزوم للمتبادر بحسب التصديق بأنه مراد، كما في إطلاق اللفظ المشترك من غير قرينة. و تحقق الثاني هنا على وجه بين واضح محل التردد، و التمسك به مشكل. انتهى.

و اما الاستدلال

بما رواه في الفقيه (2) مرسلا- من قوله: «هذا وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلا به».

- ففيه من الإجمال- مضافا إلى ما هو عليه من الإرسال، و بسط جملة من متأخري أصحابنا في رده لسان المقال- ما يوجب الاعراض عنه في هذا المجال، مع ان الأدلة- بحمد اللّٰه تعالى- على ما اخترناه واضحة المنار ساطعة الأنوار، كما تلوناه عليك و أوضحناه لديك.

فائدة [كلام صاحب المدارك في المقام]

قال السيد السند في المدارك: «و اعلم ان أقصى ما يستفاد من الأخبار و كلام الأصحاب وجوب البدأة بالأعلى، بمعنى صب الماء على أعلى الوجه ثم اتباعه بغسل الباقي و اما ما تخيله بعض القاصرين- من عدم جواز غسل شيء من الأسفل قبل غسل الأعلى و ان لم يكن في سمته- فهو من الخرافات الباردة و الأوهام الفاسدة» انتهى. و نسج على منواله في هذه المقالة جملة ممن تأخر عنه.

____________

(1) سورة المائدة. الآية 6.

(2) ج 1 ص 25، و في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

237

و نسبة السيد السند (قدس سره) ذلك إلى خيال بعض القاصرين- مع ان جده من جملة القائلين- غفلة منه، فإنه صرح في شرح الرسالة بأن المعتبر في غسل الوجه الأعلى فالأعلى، لكن لا حقيقة لتعسره أو تعذره بل عرفا، فلا تعتبر المخالفة اليسيرة التي لا يخرج بها في العرف عن كونه غسل الأعلى فالأعلى. ثم قال: «و في الاكتفاء- بكون كل جزء من العضو لا يغسل قبل ما فوقه على خطه و ان غسل ذلك الجزء قبل الأعلى من غير جهته- وجه وجيه» انتهى.

بل هو ظاهر العلامة في مسألة ما لو أغفل لمعة من غسل أعضاء وضوئه، حيث قال- بعد ان نقل عن ابن الجنيد التفصيل بأنها ان كانت دون سعة الدرهم بلها و صلى- ما صورته: «و لا أوجب غسل جميع ذلك العضو، بل من الموضع المتروك إلى آخره ان أوجبنا الابتداء من موضع بعينه، و الموضع خاصة ان سوغنا النكس» انتهى.

و أنت خبير بان هذا هو الظاهر من الأخبار المشتملة على الوضوء البياني و غيرها

ففي صحيحة زرارة (1) «ثم غرف فملأها ماء فوضعها على جبينه، ثم قال بسم اللّٰه و سدله على أطراف لحيته، ثم أمر يده على وجهه و ظاهر جبينه مرة واحدة، ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها، ثم وضعه على مرفقه اليمنى و أمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ثم ذكر في غسل اليسرى مثله».

و في حسنة زرارة و بكير (2) «فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى، فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق، ثم ذكر مثله في غسل اليسرى».

و مثله أيضا في رواية أخرى لهما أيضا (3) صرح بأنه غسل اليدين من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق.

و في صحيحة صفوان المروية في تفسير العياشي (4) «ثم يفضه على المرفق ثم يمسح إلى الكف.».

و أمثال ذلك.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في مستدرك الوسائل في الباب- 19- من أبواب الوضوء.

238

و ظاهر ذلك- كما ترى- انه- بعد الابتداء في الوجه بالأعلى و في اليدين بالمرفقين- يستمر في إجراء الماء المغسول به إلى آخر العضو، و هو صريح في الترتيب في نفس العضو على الوجه المذكور في كلام شيخنا الشهيد الثاني. و لزوم الحرج في ذلك- كما أورده شيخنا الشهيد الأول في الذكرى على العلامة بعد نقله عنه ما نقلناه هنا- غير واضح. و ليس في شيء من الأخبار ما يدل على ما ذكروه من وقوع غسل بعض الأجزاء السافلة قبل العالية سواء كانت في سمتها أم لا، بل غاية بعضها ان يكون مطلقا و البعض الآخر كما عرفت من الظهور في الترتيب، و القاعدة تقتضي حمل المطلق على المقيد. و بذلك يظهر ضعف ما ذهب اليه السيد السند (قدس سره) و من تبعه.

(المسألة الرابعة) [هل يجب تخليل اللحية الخفيفة]

- قد اشتهر في كلام جملة من الأصحاب- منهم: العلامة في بعض كتبه، بل ربما كان هو أولهم، و تبعه عليه جمع ممن تأخر عنه- إثبات الخلاف في وجوب تخليل اللحية الخفيفة و عدمه، فنقلوا عن الشيخ في المبسوط و المحقق في المعتبر و جماعة ممن تبعهما عدم الوجوب، و عن المرتضى و ابن الجنيد وجوب ذلك. و اختار العلامة في المنتهى و الإرشاد الأول و في المختلف و التذكرة الثاني.

و التحقيق عند التأمل في كلام هؤلاء المنقول عنهم انه لا خلاف في البين و لا نزاع بين الفريقين، فان كلام ابن الجنيد ينادي بصريحه على عدم وجوب غسل ما ستره الشعر من البشرة و وجوب غسل ما لم تستره، حيث قال: «إذا خرجت اللحية فلم تكثر فتوارى بنباتها البشرة من الوجه، فعلى المتوضئ غسل الوجه كما كان قبل ان ينبت الشعر حتى يستيقن وصول الماء إلى بشرته التي يقع عليها حس البصر اما بالتخليل أو غيره، لان الشعر إذا ستر البشرة قام مقامها، و إذا لم يسترها كان على المتوضئ إيصال الماء إليها» و لا أراك في شك مما ذكرنا بعد ما تلونا عليك من عبارته، و نحوها عبارة السيد المرتضى في المسائل الناصرية، و كذا في مسائل الخلاف. و قال الشيخ في المبسوط: «لا يجب تخليل شعر اللحية سواء كانت خفيفة أو كثيفة، أو بعضها

239

كثيفة و بعضها خفيفة» و قال المحقق في المعتبر: لا يلزم تخليل شعر اللحية كثيفا كان الشعر أو خفيفا، بل لا يستحب، و أطبق الجمهور على الاستحباب (1) ثم نقل خبرا من طريق الجمهور، و قال بعده: و لأن الوجه اسم لما ظهر فلا يتبع المغابن، ثم استدل بصحيحة زرارة (2) الدالة على نفي وجوب طلب ما أحاط به الشعر. انتهى.

و أنت خبير بأن عبارة الشيخ و ان أوهمت ما ادعوه إلا ان عبارة المحقق- بمعونة التعليلين المذكورين- ظاهرة في وجوب غسل ما ظهر و عدم وجوب غسل ما ستره الشعر، لتخصيص الوجه بما ظهر و دخول ما ستر الشعر في المغابن، و لنفي وجوب طلب ما أحاط به الشعر.

و بالجملة فمن لاحظ معنى التخليل- و انه عبارة عن إيصال الماء إلى البشرة المستورة، إذ الظاهر ان إيصاله إلى الظاهرة لا يسمى تخليلا، فمعنى عدم وجوب التخليل هو بعينه ما صرحت به صحيحة زرارة (3) من نفي وجوب الطلب و البحث عما أحاط به الشعر، و صحيحة محمد بن مسلم (4) من نفي وجوب التبطين- لا يرتاب في اشتراك القولين في الدلالة على عدم وجوب إيصال الماء إلى البشرة المستورة بالشعر من كل اللحية كانت أو من بعضها. و به يظهر ان ما ذكره البعض- من ان مطرح النزاع وجوب غسل ما ستره الشعر من اللحية الخفيفة و عدمه- ليس في محله، كذلك لا يرتاب أيضا في اشتراكهما في وجوب إيصاله إلى البشرة الظاهرة التي يقع عليها حس البصر في مجلس التخاطب. و به يظهر أيضا ضعف قول من عكس فجعل محل النزاع وجوب غسل البشرة الظاهرة دون المستورة، مدعيا الاتفاق على عدم غسل المستورة.

____________

(1) كما في المهذب للشيرازي ج 1 ص 18 و الوجيز للغزالي ج 1 ص 8 و المغني لابن قدامة ج 1 ص 105 ورد المحتار لابن عابدين ج 1 ص 86.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 46- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 46- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 46- من أبواب الوضوء.

240

الركن الثالث- غسل اليدين

و الكلام فيه يقع في مواضع

(الأول) [وجوب الابتداء بالمرفق]

- اختلف الأصحاب (نور اللّٰه تعالى مراقدهم) في وجوب الابتداء بالمرفق كمنبر و مجلس: المفصل، و هو عبارة عن رأس عظمي الذراع و العضد كما هو المشهور، أو مجمع عظمي الذراع و العضد، فعلى هذا شيء منه داخل في العضد و شيء منه في الذراع:

فالمشهور وجوبه، و ذهب المرتضى و ابن إدريس إلى الاستحباب و جواز النكس على كراهية، تمسكا بإطلاق الآية (1) و إلى هذا القول مال أولئك الفضلاء المشار إليهم في المسألة الثالثة من الركن المتقدم.

و الأظهر هو القول المشهور، لما عرفت من الأدلة السابقة و انهم (صلوات اللّٰه عليهم) قد غسلوا كذلك، فيقين البراءة لا يحصل إلا بمتابعتهم و العمل بما عملوه، و خلاف ذلك ان لم يكن مرجوح الصحة فلا أقل من ان يكون مشكوكا فيها و موجبا لاحتمال البقاء تحت العهدة. و الأخبار هنا قد اشتملت- الا النادر منها- على الابتداء بالمرفق:

و (منها)-

صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) في حكاية الوضوء البياني، قال فيها: «ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها ثم وضعه على مرفقه اليمنى، و أمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ثم غرف بيمينه ملأها فوضعه على مرفقه اليسرى و أمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه.».

و (منها)-

ما رواه العياشي في تفسيره عن صفوان (3) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قول اللّٰه:

____________

(1) سورة المائدة. الآية 6.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في مستدرك الوسائل في الباب- 19- من أبواب الوضوء.

241

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (1) فقال: قد سأل رجل أبا الحسن عن ذلك فقال: ستكفيك- أو كفتك- سورة المائدة، إلى ان قال: قلت: فإنه قال اغسلوا أيديكم إلى المرافق، فكيف الغسل؟ قال: هكذا ان يأخذ الماء بيده اليمنى فيصبه في اليسرى ثم يفضه على المرفق ثم يمسح إلى الكف. قلت له: مرة واحدة؟ فقال: كان يفعل ذلك مرتين. قلت له: يرد الشعر؟ قال: إذا كان عنده آخر فعل و إلا فلا».

و حسنة زرارة و بكير (2) و روايتهما أيضا (3).

و رواية الهيثم بن عروة التميمي عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن قول اللّٰه عز و جل فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ (5) فقلت: هكذا، و مسحت من ظهر كفي إلى المرفق؟ فقال: ليس هكذا تنزيلها. انما هي فاغسلوا وجوهكم و أيديكم من المرافق، ثم أمر يده من مرفقه إلى أصابعه».

و أنت خبير بان ظاهر هذه الرواية كون التحديد للغسل دون المغسول، لأن السائل لما توهم كون «الى» في الآية لانتهاء الغسل فمسح من ظفر كفه إلى المرفق، لم يرد عليه الامام (عليه السلام) إلا بأنه ليس هكذا تنزيلها، و ظاهره تقريره على ما ذهب اليه من معنى الآية، بأنه لو كان تنزيلها كما ذكرت لكان كذلك لكن تنزيلها إنما هو من المرافق بمن الابتدائية المقتضية لابتداء الغسل من المرفق، ثم أمر يده (عليه السلام) تعليما له و تأكيدا لما قرره بقوله. هذا هو ظاهر الرواية المشار إليها و ان حصل المخالفة فيها من جهة أخرى.

و كيف كان فهو ظاهر في الوجوب البتة. و كذلك سؤال صفوان في رواية العياشي عن كيفية الغسل، و بيانه (عليه السلام) على ذلك الوجه، و قوله في آخر

____________

(1) سورة المائدة. الآية 6.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 19- من أبواب الوضوء.

(5) سورة المائدة. الآية 6.

242

الرواية: «قلت: يرد. إلخ» فإن الظاهر ان رد الشعر عبارة عن الغسل منكوسا، و قوله: «إذا كان عنده آخر» الظاهر ان المراد ممن يتقيه، فظاهر الخبر انه لا يغسل منكوسا إلا في مقام التقية. و كذلك حكاية غسله (عليه السلام) في حسنة زرارة و بكير (1) و روايتهما الأخرى (2)- من كونه ابتدأ في غسله من المرفق لا يردها اليه- صريح في الوجوب.

و ما يتناقل في أمثال هذه المقامات- من انه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال- فكلام شعري جدلي لا يعتمد عليه عند التحقيق، فان مدار الاستدلال في جميع الموارد مع عدم النص على الظواهر. نعم ربما يخرج عنه إلى التأويل لضرورة الجمع بين الأدلة متى تعارضت على وجه لا يمكن تطبيقها إلا بارتكاب جادة التأويل.

و اما إطلاق الآية هنا فهو مخصوص بهذه الأخبار، كما هو القضية الجارية في جميع إطلاقات الكتاب و عموماته و مجملاته، على انه لو ورد ما يخالف هذه الأخبار لوجب حمله على التقية، لأن عمل المخالفين على الابتداء من الأصابع (3).

(الثاني) [هل المرفق داخل في الحد]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (نور اللّٰه تعالى مضاجعهم) في وجوب غسل المرفق هنا، انما الخلاف في كونه أصالة أو من باب المقدمة، و تظهر الفائدة في وجوب غسل جزء من العضد لو قطعت اليد من المرفق، كما سيأتي بيانه ان شاء اللّٰه تعالى.

و أنت خبير بان الظاهر انه لا دلالة في الآية هنا على شيء من الدخول و عدمه، لوقوع الخلاف في الغاية دخولا و خروجا و تفصيلا.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(3) في تفسير مفاتيح الغيب للرازى ج 3 ص 370 جعل من السنة الابتداء من الأصابع و نسبه إلى جمهور الفقهاء، و كذا في (الفقه على المذاهب الأربعة) ج 1 ص 67 و في بدائع الصنائع ج 1 ص 22.

243

و التحقيق- كما حققه بعض الفضلاء- ان كلا من الغاية الابتدائية و الانتهائية قد تكون داخلة تارة، كما في قوله سبحانه: «. من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.» (1)

و قولك: «حفظت القرآن من أوله إلى آخره» و قد تكون خارجة، كقوله سبحانه:

«. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ(2) و قوله: «. فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ(3).

و ما ذكره الشيخ (رحمه اللّٰه)- من ان «الى» في الآية بمعنى مع، مدعيا في الخلاف ثبوت ذلك عن الأئمة (عليهم السلام)- ففيه ان المفهوم من

حسنة زرارة و بكير (4) المشار إليها آنفا، حيث قال (عليه السلام) فيها: «و أمر بغسل اليدين إلى المرفقين، فليس له ان يدع شيئا من يديه إلى المرفقين إلا غسله، لان اللّٰه تعالى يقول فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ (5). الحديث».

فان قوله (عليه السلام): «فليس له ان يدع» صريح في ان «إلى» في الآية غاية للمغسول، فان التحديد له، لأن «الى» في كلامه (عليه السلام) غاية لليد بلا اشكال و إيراده الآية مستدلا بها على ذلك يقتضي كون «الى» فيها مثلها في كلامه.

و يؤيده أيضا ان اليد لما كانت تطلق بإطلاقات متعددة- فإنها لغة و عرفا من الكتف إلى أطراف الأصابع، و في التيمم إلى الزند، و في قطع السرقة إلى أصول الأصابع، و في الوضوء إلى المرفق- كان الأهم في المقام و الاولى لدفع الإيهام الحمل على التحديد و بيان الغاية.

و ممن نص على عدم دلالة الآية على الدخول الشيخ الطبرسي (قدس سره) في جامع الجوامع، حيث قال: «لا دليل في الآية على دخول المرافق في الوضوء، إلا أن أكثر الفقهاء ذهبوا إلى وجوب غسلها، و هو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) انتهى

____________

(1) سورة بني إسرائيل. الآية 2.

(2) سورة البقرة. الآية 187.

(3) سورة البقرة. الآية 280.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(5) سورة المائدة. الآية 6.

244

و بما حققناه يظهر ان من استدل من أصحابنا- على وجوب غسل المرفق بظاهر الأخبار التي قدمناها في الوضوء البياني و استند إلى ان ذلك أصالة- يرد عليه ما أورده على وجوب الابتداء بالأعلى في غسل الوجه، فلا يتم له ذلك.

(الثالث) [حكم مقطوع اليد]

- مقطوع اليد اما ان يكون من تحت المرفق أو من فوقه أو منه.

فعلى الأول الظاهر انه لا خلاف في وجوب غسل الباقي، و لعله الحجة و إلا فالأخبار المستدل بها في المقام لا تخلو من إجمال و إبهام.

فمما استدل به على ذلك

صحيحة رفاعة برواية الشيخ عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الأقطع اليد و الرجل كيف يتوضأ؟ قال: يغسل ذلك المكان الذي قطع منه».

و حسنته برواية الكليني (2) قال «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الأقطع قال: يغسل ما قطع منه».

و احتمل بعض المحققين من متأخري المتأخرين أنهما واحد و ان التغيير نشأ من النقل بالمعنى.

و صريح الاولى- كما ترى- غسل محل القطع خاصة، مع عدم تعيين ذلك المحل فيها بأنه من المرفق أو من تحته أو فوقه، و الموصول في الثانية يحتمل وقوعه على المكان فتصير كالأولى، و حينئذ ف«قطع» خال عن الضمير و نائب الفاعل هو الجار و المجرور و يحتمل وقوعه على العضو، فيكون المعنى يغسل العضو الذي وقع القطع منه. و كيف كان فمحل القطع أيضا غير معلوم. و لعل الاستدلال بهما بناء على ان الأمر بالغسل ملزوم لكون القطع من تحت المرفق، لعدم وجوب غسل ما فوقه. لكن يبقى فيه احتمال كونه من المرفق، فإنه- كما سيأتي- يجب غسل الباقي.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 49- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 49- من أبواب الوضوء.

245

و مما استدل به أيضا ان غسل الجميع واجب فقطع بعضه لا يسقط وجوب غسل الباقي.

و فيه ان هذا راجع إلى استصحاب الحكم السابق على القطع، و هو ممنوع فيما نحن فيه، فإنه انما يكون حجة عند القائل به فيما إذا لم تتجدد هناك حالة أخرى مغايرة لحالة تعلق الحكم، كما صرحوا به في محله. و لا يخفى ان الأوامر الواردة بغسل اليد انما تعلقت بالمجموع من حيث هو مجموع لا باعتبار كل جزء جزء منها، فبزوال الأمر المجموعي بالقطع يحتاج في غسل الجزء الباقي إلى دليل على حدة.

و على الثاني فالظاهر هو سقوط غسل الباقي وجوبا و استحبابا، خلافا لجمع من الأصحاب: منهم- العلامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى، حيث صرحوا باستحباب غسله. و ما استندوا إليه في الاستحباب- من صحيحة علي بن جعفر الآتية- فليس في محله كما سيأتي تحقيقه ان شاء اللّٰه تعالى. نعم ربما يمكن الاستدلال لهم بصحيحة رفاعة و حسنته السابقتين (1) لشمول إطلاقهما لهذه الصورة.

و نقل عن الشيخ في المبسوط و العلامة في التذكرة استحباب مسح الباقي. و لم أقف لهما على مستند ان أريد بالمسح معناه حقيقة، و ان أريد به الغسل مجازا فيمكن الاستدلال عليه بما عرفت من روايتي رفاعة.

و على الثالث فالظاهر وجوب غسل الباقي من المرفق،

لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل قطعت يده من المرفق.

قال يغسل ما بقي من عضده».

بجعل الموصول للعهد أي الباقي من موضع الفرض، و «من عضده» اما ظرف مستقر على انه حال مؤكدة، أو لغو متعلق ب«يغسل» و من ابتدائية أو تبعيضية.

و بما ذكرنا يظهر كون وجوب غسل المرفق أصالة لا من باب المقدمة. و يظهر

____________

(1) ص 244.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 49- من أبواب الوضوء.

246

انه لا حاجة إلى ما تكلفه شيخنا الشهيد الثاني في الروض- بعد حمله الرواية على القطع من نفس المرفق و حكمه بوجوب غسل الباقي- من التجوز بإطلاق العضد على رأس العضد و انه لا ضرورة أيضا إلى الحمل على الندب و استحباب غسل العضد كملا، بحمل الرواية على القطع من أعلى المرفق، كما هو صريح الذكرى، حتى انه لذلك ذهب إلى ان في الرواية إشارة إلى استحباب غسل العضد مع اليد، ثم قال: «و به استدلوا على مسح المقطوع باقي العضد» كما ذهب اليه جمع: منهم- السيد السند في المدارك و العلامة في المنتهى، بحمل الموصول في كلا الفرضين على الاستغراق و «من» على البيانية، فإنه لا ضرورة تلجئ اليه، مع كون ما ذكرناه معنى صحيحا لا غبار عليه.

هذا. و عبارات الأصحاب في هذا المقام مختلفة النظام بعيدة الالتئام، فعن الشيخ في المبسوط انه يغسل ما بقي، و المحقق في المعتبر «سقط عنه غسلهما و يستحب مسح موضع القطع بالماء» و في الشرائع ذكر سقوط فرض الغسل و لم يذكر استحباب المسح، و ابن الجنيد «غسل ما بقي من عضده» و العلامة في المنتهى «سقط غسلها لفوات محل الغسل» و في التذكرة «فقد بقي من محل الفرض بقية و هو طرف عظم العضد، لانه من جملة المرفق، فان المرفق مجمع عظم العضد و عظم الذراع» و هذه العبارات المنقولة كلها جمل جزائية لشرط القطع من المرفق. و العلامة في المنتهى بعد ان ذكر ما نقلناه عنه نقل عن أصح وجهي الشافعي الوجوب، لان غسل العظمين المتلاقيين من العضد و المرفق واجب، فإذا زال أحدهما غسل الآخر. ثم رده بأنا إنما نوجب غسل طرف العضد توصلا إلى غسل المرفق، و مع سقوط الأصل انتفى الوجوب. و هذا الكلام يشعر بان وجوب غسل المرفق عنده انما هو من باب المقدمة، و هو خلاف ما عرفت من كلامه في التذكرة، فإنه صريح في كون غسل المرفق عنده أصالة. ثم اعترض على نفسه في المنتهى بصحيحة علي بن جعفر المذكورة (1) وردها بأنها مخالفة للإجماع، فان

____________

(1) في الصحيفة 245.

247

أحدا لم يوجب غسل العضد، فتحمل على الاستحباب. و تبعه على ذلك السيد السند.

و منشأ الوهم حمل الموصول على الاستغراق و «من» على انها بيانية كما تقدم. و لا يخفى ان عبارة ابن الجنيد مطابقة لعبارة الرواية، فتحمل على ما حملنا عليه الرواية، فلا يكون من مخالفة الإجماع المشار إليه في المنتهى في شيء.

(الرابع) [حكم ما تحت المرفق و ما فوق المرفق]

- الظاهر انه لا خلاف في وجوب غسل ما تحت المرفق مما زاد على أصل الخلقة من يد و لحم زائد و جلد متدل و إصبع زائدة، نظرا إلى كونها اجزاء من اليد المأمور بغسلها كما علله البعض، أو كالأجزاء كما في كلام آخر، أو داخلة في محل الفرض فتكون تابعة له كما في كلام ثالث.

و كذا ما فوقه من يد غير متميزة عن الأصلية، لدخولها في مفهوم اليد و صدق اليد عليهما بالسوية، فتخصيص إحداهما بالغسل ترجيح من غير مرجح، فوجب غسل الكل أصالة في إحداهما و من باب المقدمة في الأخرى تحصيلا للامتثال.

و للمناقشة في الأول منهما مجال، لمنع كون ما زاد على أصل الخلقة اجزاء حقيقية تنصرف إليها الأحكام الشرعية، و اولى بالمنع تعليلها بكونها كالأجزاء، إذ ترتب الأحكام الشرعية لا يكفي فيه مجرد المشابهة لما ثبت تعلق الحكم به، و أشد أولوية بالمنع التعليل الثالث. و بالجملة فظاهر الآية كون الإضافة في قوله سبحانه: «وَ أَيْدِيَكُمْ» عهدية فيتعلق الحكم باليد المعهودة و ما اشتملت عليه من الاجزاء المعهودة.

و حينئذ فالمعتمد في الاستدلال هو الوقوف على جادة الاحتياط و تحصيل اليقين في مقام الشك، مؤيدا ذلك بالاتفاق المنقول.

اما اليد المتميزة فوق المرفق فقيل بوجوب غسلها، لصدق اليد عليها، و قيل بالعدم للأصل و عدم دليل مخرج عنه، و يؤيده ما أشرنا إليه سابقا من ان الظاهر ان اضافة «وَ أَيْدِيَكُمْ» عهدية، فيتعلق الحكم بالمعهودة. و لو حملت الإضافة على العموم اندفع ما أوردناه سابقا و وجب غسل اليد المذكورة.

248

قال بعض المحققين: «و لو لم يكن لليد الزائدة مرفق لم يجب غسلها قطعا» و هو جيد. إلا ان ظاهر عبارته بان ذلك محل وفاق و ان محل الخلاف ما لو كان لها مرفق، و الظاهر من فرض الأصحاب اليد الزائدة فيما فوق المرفق المشعر باتحاد المرفق ان تميزها مع عدم وجود المرفق لها، إذ لو كان لها مرفق لكانت دونه و وجب غسلها البتة، إما لدخولها في حكم اليد فيما دون المرفق، أو عدم امتيازها حينئذ عن الأصلية.

و بالجملة فالتحقيق في ذلك ان يقال: ان هذه اليد المفروضة اما ان تكون ذات مرفق أم لا، و على الأول فاما ان تكون كالاصلية على وجه لا امتياز لها عنها أم لا.

و الظاهر انه لا ريب في وجوب الغسل في الصورة الأولى، لكونها يدا ذات مرفق مشتبهة باليد الأصلية. و في الصورة الثانية توقف، لان مجرد كون لها مرفق- مع تميزها عن الأصلية، لضعف البطش بها مثلا، أو نقص أصابعها، و نحو ذلك- لا يوجب غسلها، سيما مع اعتبار العهدية في الإضافة. و في الصورة الثالثة الظاهر عدم وجوب الغسل، حيث ان الشارع أمر بغسل اليد إلى المرفق، و هذه لا مرفق لها. الا انه بموجب ذلك يلزم انه لو لم يكن له إلا يد واحدة لا مرفق لها فلا يجب غسلها حينئذ، الا ان يتمسك بالإجماع هنا على وجوب الغسل.

(الخامس) [وجوب تحريك ما يمنع وصول الماء إلى المغسول]

- الظاهر انه لا خلاف في انه يجب تحريك ما يمنع وصول الماء إلى المغسول من دملج و سوار و خاتم و نحوها، أو نزعه.

و يدل عليه

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) حيث «سأله عن المرأة يكون عليها السوار و الدملج في بعض ذراعها، لا تدري يجري الماء تحته أم لا، كيف تصنع إذا توضأت أو اغتسلت؟ قال: تحركه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه.».

و حسنة ابن أبي العلاء عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الخاتم

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 41- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 41- من أبواب الوضوء.

249

إذا اغتسلت. قال: حوله من مكانه، و قال في الوضوء تديره.».

و صرح جملة من الأصحاب بأنه يجب تخليل الشعر النابت في اليد و ان كثف لغسل ما تحته، نظرا إلى أن المأمور به غسل اليد التي هي عبارة عن العضو المخصوص، بخلاف النابت في الوجه، لدخوله في مسماه، فان الوجه اسم لما يواجه به، و المواجهة تحصل بالشعر، فيكفي غسله عما تحته.

و ربما يناقش في الحكم المذكور

بقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1):

«كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد ان يطلبوه و لا يبحثوا عنه، و لكن يجري عليه الماء».

فإنه بعمومه شامل لما نحن فيه.

و ربما يجاب بحمل الف و لام «الشعر» على العهد إشارة إلى شعر الوجه، لتقدمه في صدر الرواية، كما رواه في الفقيه (2).

و فيه ان الظاهر انها رواية مستقلة مصدرة بقوله: «أ رأيت ما أحاط به الشعر. إلخ» كما ذكره الشيخ في التهذيب (3) و ذكر صاحب الفقيه لها- على أثر صحيحة زرارة الواردة في تحديد الوجه، كما هي عادته في سبك الأخبار، بل جعل كلامه تارة بينها حتى يظن انه من جملة الخبر- لا يدل على انها من جملتها، و لهذا انه في الوافي (4) نقلها عن الفقيه منفصلة. و تخصيصها بالإجماع و الأخبار على وجوب غسل البشرة في الغسل يوجب الاقتصار على ما خرج بالدليل، و كيف كان فالعمل على ما عليه ظاهر الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم).

ثم ان ظاهر المشهور وجوب غسل الشعر هنا، لدخوله في محل الفرض كما علله البعض، أو انه من توابع اليد كما علله آخر. و قد عرفت ما فيه، و من ثم استظهر بعض

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 46- من أبواب الوضوء.

(2) ج 1 ص 28.

(3) ج 1 في الوسائل في الباب- 46- من أبواب الوضوء 104.

(4) ج 4 ص 45.

250

محققي متأخري المتأخرين العدم هنا للأصل ان لم يكن إجماع. الا ان الحكم هنا ربما كان أقرب، لعدم انفكاك اليد غالبا عن الشعر، فيدخل في خطاب الحكم المتعلق بها، بخلاف ذلك لندوره، فلا ينصرف إليه الإطلاق. نعم لو قيل بعدم وجوب إيصال الماء إلى ما تحته انتقل حكم الوجوب اليه.

(السادس) [هل يجب إزالة ما تحت الأظفار من الوسخ]

- الظاهر انه لا خلاف في وجوب غسل الأظفار ما لم تخرج عن حد اليد. و اما معه فقيل بالوجوب أيضا، لجزئيتها من اليد عرفا، و بالعدم كمسترسل اللحية، للأصل و عدم دليل صالح للخروج عنه.

و كيف كان فالمشهور وجوب نزع ما تحتها من الوسخ متى كان مانعا من وصول الماء، لكونه في حد الظاهر. و احتمل في المنتهى عدم الوجوب، لكونه ساترا عادة و أيده المحدث الثقة الأمين الأسترآبادي (نور اللّٰه رمسه) بالروايات المتضمنة استحباب إطالة المرأة أظفار يديها، قال: «فان فيها دلالة على عدم إخلال وسخها بالوضوء و الغسل وجه الدلالة ان الإطالة مظنة اجتماع الوسخ و كان ما تحتها من البواطن. و أيضا اجتماع الوسخ عادي و مع ذلك لم يرد بإزالته قول أو فعل، و هذا قرينة على عدم وجوب إزالته. و اللّٰه أعلم» انتهى. و ما ذكره (قدس سره) لا يخلو من قرب إلا ان الاحتياط في الإزالة.

و أيده بعض أيضا بصدق غسل اليد بدونه، و عدم ثبوت أمر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أعراب البادية و أمثالهم بذلك، مع ان الظاهر عدم انفكاكهم عن ذلك.

و قيده بعض آخر بالوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة الظاهرة، قال:

«اما المانع من بشرة مستورة تحت الظفر بحيث لا تظهر للحس لو لا الوسخ، فالظاهر عدم الوجوب».

هذا. و المفهوم من عبائر الأصحاب (رحمهم اللّٰه) في المقام- حيث صرحوا بوجوب إزالة الوسخ المذكور متى كان مانعا من وصول الماء، فلو لم يمنع استحب إزالته

251

- ان مجرد وصول الماء إلى ما تحت الوسخ كاف في صحة الغسل، و هو مناف لما فسروا به الغسل من اشتراط الجريان في تحققه، لان ما تحت الوسخ من جملة ما يجب غسله الذي لا يتحقق إلا بإجراء الماء عليه.

نعم يظهر من شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في بعض تحقيقاته الاكتفاء بذلك في تطهير ما تحت الوسخ من النجاسة الخبيثة، بل ظاهره نقل الاتفاق على ذلك، حيث أسنده إلى ظاهر النصوص و الفتاوى، قال (قدس سره)- بعد تقرير المسألة بأن دخول الماء في الوسخ الكائن تحت الظفر هل يكفي في طهارته إذا كان نجسا؟ من حيث انه لم يدخل فيه بقوة و جريان بل على وجه الترشح و السريان- ما لفظه: «الظاهر من النصوص و الفتاوى طهارة ما أصابه الماء من ذلك و أمثاله و ان لم يصل إليه بقوة، بل يكفي مطلق وصوله اليه و نفوذ الماء في الاجزاء النجسة، و عموم الأوامر بالغسل و إطلاقها يشمله، و الإجماع واقع على طهارة الثوب و الجلد و الحشايا التي تدخل النجاسة إلى أجزائها الداخلة بوصول الماء إليها، مع عصر ما يمكن عصره كالثوب، و دق الحشايا و تغميزها لإخراج الغسالة الداخلة في أعماقها. و لا شبهة في ان دخول الماء إلى هذه الأشياء انما هو على وجه الترشح و النفوذ اللطيف» ثم أطال في الاستدلال على ذلك بذكر النظائر لما ذكره، ثم اعترض على الأصحاب فيما أطلقوه مما قدمنا نقله عن ظاهر كلامهم، و قال بعد نقل شطر من عبائرهم في ذلك: «و ظاهر هذه العبارات- كما ترى- الاكتفاء بمطلق وصول الماء إلى البشرة، لكن لما عهد من الشارع في غسل الوضوء و الغسل اعتبار الجريان، فليكن هناك كذلك، إلى ان قال: و لو فرض انهم يكتفون بمطلق وصول الماء فالأظهر عندنا انه لا يكفي ذلك، لعدم الدليل على سقوط ما وجب فيه. ثم قال:

و على هذا يحصل الفرق بين طهارة ما تحت الوسخ من الخبث و من الحدث، إذ المعتبر في طهارة الخبث مجرد وصول الماء إلى ما ذكر مع انفصال ما يمكن انفصاله عنه، و في الحدث الجريان على نفس البشرة» انتهى كلامه زيد إكرامه.

252

و ما ذكره (قدس سره)- من الاكتفاء في طهارة الوسخ المذكور بمجرد وصول الماء إلى اجزاء الوسخ و لو على جهة الترشح و السريان- لا يخلو من قوة، لما ذكره من الأدلة. إلا ان ما ذكره أخيرا- من الفرق في طهارة ما تحته من الخبث و الحدث بالاكتفاء بمجرد وصول الماء في الأول، و اعتبار الجريان في الثاني- ليس بموجه، فان الغسل متى اعتبر بالنسبة إلى البدن و نحوه من الأجسام الصلبة، كان عبارة عندهم عما يدخل الجريان في مسماه و لا يتحقق بدونه، سواء كان لازالة خبث أو حدث، و متى اعتبر بالنسبة إلى الثوب و الحشايا و نحوها من الأجسام المنطبعة، كان عبارة عن استيعاب المحل النجس مع انفصاله عنه، و لهذا قابلوه في الأول بالمسح الذي لا يشترط فيه الجريان عندهم، و في الثاني بالرش و الصب الذي لا يشترط فيه الكثرة و لا الانفصال، و حينئذ فالغسل متى اعتبر في البدن لارالة حدث أو خبث، فلا بد في تحققه و صدق اسمه عليه من الجريان عندهم، إذ الواجب الغسل، و هو شرعا بالنسبة إلى البدن و نحوه عبارة عن جري جزء من الماء على جزئين من البشرة بنفسه أو بمعاون، و اعتبار الاكتفاء بمجرد الوصول إلى اجزاء المتنجس- و لو على جهة الترشح و النفوذ- انما قام بالنسبة إلى غير البدن من الأجسام المنطبعة، كما عرفت مما حققه هو و غيره في محله، و حينئذ فحق الكلام بالنسبة إلى تطهير الوسخ تحت الظفر- بمقتضى قواعدهم و تحقيقاتهم- هو طهارة الوسخ بمجرد نفوذ الماء فيه، و توقف تطهير ما تحته على الجريان المعتبر في حقيقة الغسل عندهم متى تعلق بالبدن و نحوه. و انما أطلنا الكلام في هذا المقام لقلة دوران المسألة في كلام علمائنا الأعلام.

الركن الرابع- مسح الرأس

و تحقيق الحكم فيه يتوقف على أمور:

(الأول)- اختصاص المسح بمقدم الرأس

- بشرة أو شعرا مختصا به- مما

253

انعقد عليه الإجماع فتوى، و هو الأشهر رواية:

فمن الأخبار في ذلك

قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (1): «مسح الرأس على مقدمه».

و قوله في حسنته بل صحيحته أيضا (2): «امسح على مقدم رأسك.».

و قوله في صحيح زرارة (3): «. و تمسح ببلة يمناك ناصيتك.».

الى غير ذلك من الأخبار.

و ظاهر الآية و أكثر الأخبار و ان تضمن مسح الرأس بقول مطلق إلا ان الواجب تقييده بالمقدم، لما ذكرنا من الإجماع و الأخبار، حملا للمطلق على المقيد.

و ما دل على خلاف ذلك من الأخبار- كحسنتي الحسين بن أبي العلاء (4) و رواية أبي بصير (5) حيث تضمنت مسح المقدم و المؤخر- فخارج مخرج التقية (6). و ما ذكره بعض من الاحتياط بمسح المؤخر ضعيف.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 22- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 25- من أبواب الوضوء.

(3) المروي في الوسائل في الباب- 15 و 31- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 22- من أبواب الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 23- من أبواب الوضوء.

(6) في شرح صحيح الترمذي لابن العربي المالكي ج 1 ص 51 «ان المشهور من أقوال مالك وجوب مسح جميع الرأس: يبدأ بيديه بالمقدم إلى القفا» و في بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 10 «ذهب مالك إلى ان الواجب مسح الرأس كله، و الشافعي و أبو حنيفة و بعض أصحاب مالك إلى ان الفرض مسح بعضه، وحده أبو حنيفة بالربع و بعض أصحاب مالك بالثلث و بعضهم بالثلثين، و الشافعي لم يحد الماسح و لا الممسوح» و في المغني لابن قدامة ج 1 ص 125 «روى عن احمد وجوب مسح جميعه في كل أحد، و روى عنه اجزاء مسح بعضه، الا ان الظاهر عنه وجوب الاستيعاب في حق الرجل و يجزئ المرأة مسح مقدم رأسها، لأن عائشة كانت تمسحه» و في الهداية لشيخ الإسلام الحنفي ج 1 ص 4 «المفروض في مسح الرأس مقدار الناصية و هو ربع الرأس».

254

ثم انه قد ذكر جملة من الأصحاب انه يشترط في شعر المقدم الذي يمسح عليه ان لا يخرج بمده عن حد المقدم، فلو خرج عن الحد المذكور لم يجز المسح على الزائد، لخروجه عن محل الفرض، بل يمسح على أصوله و ما زاد ما لم يخرج عن الحد المذكور.

بقي هنا شيء أغفل الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) تحقيقه و لم يلجوا مضيقة، و هو ان المقدم الوارد في هذه الأخبار هل هو عبارة عما هو المتبادر من ظاهر اللفظ، و هو ما كان من قبة الرأس إلى القصاص مما يلي الجبهة، الذي هو كذلك إلى القصاص من خلف، فبأي جزء من هذه المسافة مسح تأدى به الواجب، أو هو عبارة عن الناصية و هي ما بين النزعتين كما فسرها به جماعة من الأصحاب: منهم- العلامة في التذكرة و غيره في غيره، و حينئذ فيكون المقدم عبارة عما ارتفع من القصاص إلى ان يساوي أعلى النزعتين؟

لم أقف بعد التتبع على من كشف عن ذلك نقاب الإبهام بكلام صريح في المقام إلا ان عباراتهم عند التأمل في مضامينها ترجع إلى الأول.

و قد وقفت على رسالة لشيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد اللّٰه بن صالح البحراني (نور اللّٰه تعالى ضريحه بأنوار جوده السبحاني) نقل فيها المعنى الأول عن بعض معاصريه من الفضلاء العظام. و الظاهر انه الوالد (قدس اللّٰه نفسه و نور رمسه) و نقل عنه دعوى إجماع الطائفة عليه و عدم الخلاف، ثم نسبه في دعوى ذلك إلى الوهم، و قال: انه لم يصرح بهذه الدعوى الغريبة غير شيخنا الشهيد الثاني في الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، و هو ظاهر كلامه في غيرها، و ربما يستفاد من إطلاق فحاوي كلام غيرهما أيضا، لكن أكثر عبارات الأصحاب و الأخبار و أهل اللغة ظاهرة بل صريحة في ان المقدم هو قصاص الشعر و الناصية، و المستفاد منها ان ذلك هو محل الفرض، و يكفي مسماه، و أفضله مقدار ثلاث أصابع مضمومة من قصاص الشعر إلى ما بلغت لا أزيد، و انه لو مسح ما فوق ذلك

255

بدون مسح الناصية لم يكفه و كان الوضوء باطلا، لعدم الدليل الثابت على جواز التعبد به.

ثم أورد (قدس سره) مقامات ثلاثة تتضمن الاستدلال على ما ذهب اليه:

ذكر في أولها الأخبار الواردة في المسألة، و في ثانيها كلام أهل اللغة في ذلك. و في ثالثها عبارات الأصحاب الدالة على ما ذكره.

و حيث ان المسألة غير مكشوف عنها نقاب الإبهام في كلام علمائنا الاعلام مع كونها من المهام العظام، فلا بد من إرخاء عنان القلم في تنقيحها و تمييز باطلها من صحيحها و بيان ما هو المستفاد من كلام الأصحاب في المقام و اخبار أهل الذكر (عليهم السلام):

فنقول: الظاهر ان ما ذكره شيخنا المشار اليه- و ادعى انه المفهوم من كلام أكثر علمائنا الأبرار، و أخبار الأئمة الأطهار، و كلام أهل اللغة الذي عليه المدار- ليس بذلك المقدار، و منشأ الشبهة عنده هي حسنة زرارة (1) الدالة على المسح على الناصية خاصة و ها نحن نتكلم على المقامات الثلاثة بما يقشع غمام الإبهام و نشير إلى ما أورده (قدس سره) على الخصوص في كل مقام، ليتبين للناظر ما هو الأوفق باخبار أهل الذكر (عليهم السلام) و الاربط بكلام علمائنا الأعلام:

فنقول: اما الأخبار الواردة في هذه المسألة فقد تضمن شطر منها- و هو أكثرها- المسح على الرأس، و جلها في الوضوء البياني، و شطر منها تضمن المسح على مقدم الرأس و شطر تضمن المسح على الناصية، و هو صحيحة زرارة المتقدمة خاصة (2).

و الكلام في المعنى المراد من الأخبار انما يتضح بعد الوقوف على كلام الأصحاب و ما ذكره أهل اللغة في هذا الباب:

فاما كلام الأصحاب فمنه- ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في شرح الألفية بعد قول المصنف: «الرابع- مسح مقدم شعر الرأس» حيث قال في ضبطه: «المقدم بضم الميم و تشديد الدال المفتوحة نقيض المؤخر بالتشديد» انتهى. و صراحة العبارة

____________

(1) الآتية في الصحيفة 256.

(2) ص 253.

256

في المراد أظهر من ان يعتريها الإيراد.

و قال في الروض بعد قول المصنف: «و يجب مسح مقدم بشرة الرأس» ما لفظه: «دون وسطه أو خلفه أو أحد جانبيه».

و قريب منها عبارة الفاضل الخراساني في الذخيرة، حيث قال بعد عبارة المصنف: «دون سائر جوانبه».

و قال المحقق الخوانساري في شرح الدروس بعد تقسيم ذكره سابقا: «و ثانيها- اختصاصه بالمقدم، فلو مسح المؤخر أو الوسط أو أحد جانبيه لم يجز».

و أنت خبير بان مقابلة الاختصاص بالمقدم في هذه العبائر و نحوها بهذه المواضع الثلاثة- من مؤخر الرأس و وسطه و جانبيه- تعطى انحصار المقدم فيما بين القصاص إلى الوسط، و إلا لبقي فرد آخر مغفل في الكلام، فلا يدل التفريع على الانحصار، إذ لا يخفى ان الغرض من المقابلة- في أمثال هذه المقامات بعد إثبات الحكم لبعض الافراد بنفيه عن الافراد الأخر- إنما هو الحصر في ذلك الفرد، كما لا يخفى على الفطن اللبيب العارف بالأساليب.

و قال المولى المحقق الأردبيلي (رحمه اللّٰه): «ان ظاهر الآية و بعض الأخبار يدل على اجزاء مسح اي جزء كان من الرأس. و لعل الإجماع- مؤيدا بالوضوء البياني،

و بصحيحة محمد بن مسلم (1) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): امسح الرأس على مقدمه».

و بحسنة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) «و تمسح ببلة يمناك ناصيتك».

- دال على ان المراد جزء من مقدم الرأس لا اي جزء كان، و لعل المراد بالناصية في الخبر هو مقدم الرأس، لأنه أقرب إلى الناصية المشهورة أو اسم له حقيقة» انتهى.

و حاصل كلامه ان ظاهر الآية و بعض الأخبار دل على اجزاء مسح اي جزء

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 22- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 15 و 31- من أبواب الوضوء.

257

من الرأس، و لما عارضه الإجماع و الأخبار الدالة على خصوص مسح المقدم دل على تخصيص الرأس بالمقدم، لكن لما كان من تلك الأخبار المخصصة حسنة زرارة الدالة على الناصية التي هي أخص من المقدم، أراد الجمع بينها و بين اخبار المقدم بحمل الناصية على المقدم، مجازا لقرينة المجاورة، أو حقيقة شرعية.

ثم ان أكثر عبائر الأصحاب في هذا المقام قد اشتملت على التعبير بالمقدم مفردا أو مضافا إلى الرأس، و من الظاهر البين ان كل أحد لا يفهم من لفظ المقدم المضاف إلى الرأس أو غيره متى أطلق إلا ما قابل المؤخر، و سيأتي لك أيضا ما يعضده من كلام أهل اللغة. و بذلك يعلم أيضا انه لا يطلق مجردا عن القرينة الأعلى ذلك المعنى.

و بذلك أيضا اعترف شيخنا المذكور في آخر رسالته حيث قال: «لا يقال:

ان إطلاق الدليل من الآية يقتضي جواز المسح على الرأس، و حيث قد جاءت السنة مخصصة له بالمقدم و هو يطلق على ضد المؤخر، كانت مقيدة لإطلاق الكتاب، فيبقى ما صدق عليه المقدم سالما من التقييد، فيكون كله صالحا للمسح. لأنا نقول: الأمر كما ذكرتم لكن نحن لا نسلم إطلاق المقدم هنا على ما ادعيتموه بعد تفسير أهل اللغة له بالناصية و ورود الحديث الصحيح بكون الباء للتبعيض، فهو و ان سلمنا ما هو أعم منها فلا أقل ان يكون من باب حمل المطلق على المقيد» انتهى.

و سيظهر لك الجواب عما أورده هنا. و بذلك يظهر لك ما في استدلاله بعبارات جملة من الأصحاب، فإن جلها من هذا الباب:

فمما نقله (قدس سره) كلام الصدوق (رحمه اللّٰه) في الفقيه حيث قال: «و حد مسح الرأس ان تمسح بثلاث أصابع مضمومة من مقدم الرأس» و مثله عبارته في الهداية إلا انه قال: «أربع أصابع».

و أنت لا يخفى عليك بعد الإحاطة بما حررناه انه لا دلالة فيها على شيء مما ادعاه لانه حكم بوجوب مسح هذا المقدار المعين من المقدم، و قد عرفت المعنى المتبادر من المقدم

258

و سيأتي أيضا ما يؤكده، فيكون معناه وجوب مسح هذا المقدار من اي جزء من اجزاء هذه المسافة، و اي دليل له في ذلك؟ بل هو بالدلالة على خلاف مدعاه- بتقريب ما حققناه- أشبه.

ثم نقل عن الشيخ المفيد في المقنعة انه قال: «يمسح من مقدم رأسه مقدار ثلاث أصابع مضمومة من ناصيته إلى قصاص شعره مرة واحدة» و عبارة الشيخ في النهاية «ثم يمسح بباقي نداوة يده من قصاص شعر رأسه مقدار ثلاث أصابع مضمومة» و هاتان العبارتان و ان دلتا على كون المسح في هذا المكان الذي يدعيه. لكن لا دلالة لهما على الانحصار فيه و عدم اجزاء ما سواه كما هو المدعى. و صدر عبارة الشيخ المفيد ظاهر الدلالة على ان مقدم الرأس عبارة عما ادعيناه.

ثم نقل كلام السيد المرتضى في المسائل الناصرية، فقال: «قال الناصر في المسائل الناصرية: فرض المسح متيقن بمقدم الرأس و العامة إلى الناصية. فكتب السيد المرتضى (رضي اللّٰه عنه) في جوابه: هذا صحيح و هو مذهبنا، و بعض الفقهاء يخالفون في ذلك و يجوزون المسح على اي بعض كان من الرأس. و الدليل على صحة مذهبنا الإجماع المتقدم ذكره. و أيضا فلا خلاف بين الفقهاء في ان من مسح على مقدم الرأس فقد ادى الفرض، و ليس كذلك من مسح مؤخر الرأس، فما عليه الإجماع أولى» انتهى و العجب منه (قدس سره) في إيراد هذه العبارة و استناده إليها و هي- كما ترى- صريحة الدلالة في خلاف مدعاه، اما في كلام الناصر فظاهر، و اما في كلام السيد (رحمه اللّٰه) فلجوابه بأنه مذهبنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، و كأنه (قدس سره) أوردها بطريق الاستعجال أو مع تشويش في البال.

ثم أورد عبارة المرتضى (رضي اللّٰه عنه) في الانتصار، و هو قوله: «و مما انفردت به الإمامية القول بان الفرض مسح مقدم الرأس دون سائر أبعاضه، و الفقهاء

259

كلهم مخالفون في هذه الكيفية و لا يوجبونها، و لا شبهة في ان الفرض عند الإمامية متعلق بمقدم الرأس دون سائر أبعاضه» انتهى.

ثم نقل شطرا من عبائر المتأخرين المشتلمة على التعبير بمقدم الرأس.

و أنت خبير بعد الإحاطة بما أسلفناه انه لا اشعار فيها بما ذكره و لا إيناس، بل هي في الدلالة على خلاف ما يدعيه عارية عن الإبهام و الالتباس، و حينئذ فما ذكره (رحمه اللّٰه) بعد ذلك- من قوله: «فان كان مراد هؤلاء المتأخرين بالمقدم الناصية، و بالناصية قصاص الشعر و ما فوقه بيسير و هو ما بين النزعتين فلا كلام، و ان كان المراد ما هو أعم فالبحث أيضا جار معهم، لانه خلاف فتوى المتقدمين من الأصحاب و النصوص و اللغة» انتهى- فهو تطويل بغير طائل. و اعادة الكلام عليه بعد تحقيق ما أسلفناه تحصيل الحاصل.

و اما كلام أهل اللغة فمما استند اليه و أورده كلام القاموس، حيث قال: «. و مقدمة الجيش- و عن ثعلب فتح دالة- متقدموه، و كذا قادمته و قداماه، و من الإبل أول ما ينتج و يلقح، و من كل شيء اوله، و الناصية، و الجبهة» ثم قال (قدس سره) بعده «و هو صريح في كون المقدم هو الناصية» انتهى.

و أنت خبير بان الظاهر من هذه العبارة بالنسبة إلى ما نحن فيه إطلاق المقدم على ثلاثة معان: (أحدها)- أول الشيء، فإذا أضيف المقدم إلى الرأس يكون بمعنى اوله. و (الثاني)- الناصية. و (الثالث)- الجبهة.

و الأول منها هو الذي اتفقت عليه كلمة أهل العرف، و عليه أيضا اتفقت كلمة أهل اللغة:

فمنها- ما ذكره هنا، فان المراد من الأول في عبارته ما قابل الآخر، كما ذكره في مادة (أخر) حيث قال: «و الآخر خلاف الأول» و من المعلوم ان الأول بالنسبة إلى الرأس هو المقدم كما ان الآخر هو المؤخر.

260

و من ذلك- ما صرح به في كتاب مجمع البحرين حيث قال: «و المقدم بفتح الدال و التشديد نقيض المؤخر، و منه مسح مقدم رأسه» انتهى. و فيه دلالة واضحة على انه المراد شرعا.

و قال في الصحاح: «و مؤخر الشيء نقيض مقدمه».

و قال في المصباح: «و مؤخر كل شيء بالتثقيل و الفتح خلاف مقدمه».

و اما المعنى الثاني و هو إطلاقه على الناصية فلا دليل فيه على ما ادعاه (طاب ثراه) فإن الناصية عند أهل اللغة إنما هي عبارة عن القصاص الذي هو لغة و شرعا آخر منابت شعر الرأس، قال في القاموس: «الناصية قصاص الشعر» و مثله في المصباح.

و في مجمع البحرين: «الناصية قصاص الشعر فوق الجبهة» و الناصية عند الفقهاء- كما تقدم في كلام العلامة في التذكرة، و هو الذي يدعيه شيخنا المزبور و يخص موضع المسح به- هو ما ارتفع عن القصاص حتى يسامت أعلى النزعتين، و حينئذ فإطلاق المقدم على الناصية في عبارة القاموس- مع ما عرفت من معناها لغة- لا دليل فيه على ما ادعاه. و مع تسليم ان المراد بها ما ادعاه، ففيه انه قد أطلق فيه أيضا على ما ادعيناه، و هو المعنى الأول فالتخصيص بما ادعاه ترجيح من غير مرجح، بل المرجح في جانب المعنى الذي ادعيناه حيث انه مما اتفقت عليه كلمة العرف و اللغة كما عرفت، فحمل الأخبار عليه أظهر البتة.

على ان هذا المعنى الذي ذكره لم نجده في شيء من كتب اللغة بعد الفحص سوى القاموس.

و كيف كان فلا ريب في رجحان مقابله.

و مما نقله أيضا في رسالته عبارة المصباح المنير، حيث قال فيه: «الناصية قصاص الشعر و جمعها النواصي. و نصوت فلانا نصوا من باب قتل: قبضت على ناصيته. و قول أهل اللغة-: النزعتان هما البياضان اللذان يكتنفان الناصية، و القفا مؤخر الرأس و الجانبان ما بين النزعتين و القفا، و الوسط ما أحاط به ذلك. و تسميتهم كل موضع باسم يخصه- كالصريح في ان الناصية مقدم الرأس، فكيف يستقيم على هذا تقدير الناصية بربع

261

الرأس؟ و كيف يصح إثباته بالاستدلال؟ و الأمور النقلية إنما نثبت بالسماع لا بالاستدلال و من كلامهم «جز ناصيته» «و أخذ بناصيته» و معلوم انه لا يتقدر، لأنهم قالوا:

الطرة هي الناصية. و اما الحديث «و مسح بناصيته» فهو دال على هيئة، و لا يلزم نفي ما سواها. و ان قلنا: الباء للتبعيض ارتفع النزاع» انتهى. ثم قال (رحمه اللّٰه) بعدها:

«و هو نص على ما امليناه و شاهد صدق على ما ادعيناه» انتهى.

أقول: و الذي يلوح للفكر القاصر ان مراد صاحب المصباح من سوق هذا الكلام- حيث انه شافعي المذهب- الرد على أبي حنيفة فيما ذهب اليه من وجوب المسح على ربع الرأس مدعيا أنه الناصية، مستندا إلى

رواية المغيرة بن شعبة عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بأنه مسح على ناصيته، قال: «و الناصية تقرب من ربع الرأس» (1).

فقال صاحب الكتاب بعد تفسير الناصية بما فسيرها به غيره من أهل اللغة بقصاص الشعر: ان تخصيص أهل اللغة كلا من هذه المواضع من اجزاء الرأس باسم على حدة- و لم يعينوا اسما للمسافة التي من القصاص مما يلي الوجه إلى قمة الرأس- يعطي أن الناصية في كلامهم اسم لمقدم الرأس الذي هو عبارة عن هذه المسافة، و حينئذ فاما ان تكون الناصية عبارة عن القصاص كما هو المشهور في كلامهم، أو عن مجموع المقدم كما هو المستفاد من هذا التقسيم، فالقول بكونها عبارة عن ربع الرأس لا مجال له. ثم اعترض عليه بأنه كيف يثبت بالاستدلال، إشارة إلى الاستدلال بالرواية المذكورة، و ساق الكلام في الرد على أبي حنيفة و تأويل الحديث الذي استند اليه. هذا ما يفهم من العبارة المذكورة. و قوله-: «كالصريح في ان الناصية مقدم الرأس» بحمل المقدم على الناصية دون العكس- يرشد إلى ما ادعيناه، و حينئذ فالعبارة في الدلالة على ما ندعيه أظهر.

____________

(1) في الهداية لشيخ الإسلام الحنفي ج 1 ص 4 «المفروض في مسح الرأس مقدار الناصية و هو ربع الرأس،

لما روى المغيرة بن شعبة: «ان النبي (ص) توضأ و مسح بناصيته و خفيه، و الكتاب مجمل فالتحق بيانا به».

و في التعليقة 6 في الصحيفة 253 ما يتعلق بالمقام.

262

إذا عرفت ذلك فاعلم ان جل الأخبار قد اشتمل على وجوب المسح على الرأس و جملة منها قد اشتمل على وجوب مسح مقدمه، فيجب حمل مطلقها على مقيدها كما هو القاعدة المطردة.

بقي في المقام صحيحة زرارة المشتملة على مسح الناصية (1) و يمكن الجمع بينها و بين اخبار المقدم بوجوه:

(أحدها)- بما تقدم في كلام المحقق المولى الأردبيلي (رحمه اللّٰه) من حمل الناصية على المقدم، مجازا لقرينة القرب و المجاورة، أو حقيقة شرعية. و يؤيده ما صرح به الشيخ الطبرسي (رحمه اللّٰه) في كتاب مجمع البيان في تفسير قوله سبحانه: «. فَيُؤْخَذُ بِالنَّوٰاصِي وَ الْأَقْدٰامِ» (2) حيث قال: «و الناصية شعر مقدم الرأس».

و (ثانيها)- كون الأمر بالمسح بالناصية لكونها أحد أجزاء الموضع الممسوح و لا دلالة فيه على الاختصاص و نفى ما سوى هذا الموضع و انه لا يجزئ المسح عليه، كما ورد في جملة من الأخبار المسح بإصبع، فإنه لا دلالة فيه على تعيين هذا القدر لا في الماسح و لا في الممسوح، و يؤيد ذلك ما ورد في الأخبار- كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى- من ان المرأة لا تمسح بالرأس كما تمسح الرجال، إنما المرأة إذا أصبحت مسحت رأسها و تضع الخمار عنها، و إذا كان الظهر و العصر و المغرب و العشاء تمسح بناصيتها، فان ظاهره- كما ترى- ان مسح رأسها في الصبح بعد وضع الخمار عنها في غير موضع الناصية أو زيادة عليها، بخلاف باقي الصلوات مع بقاء الخمار عليها فإنها تدخل يدها تحته و تمسح على الناصية خاصة.

و (ثالثها)- حمل المسح ببلة اليمنى على الدخول في حيز الاجزاء، بعطف قوله: «و تمسح» بإضمار «ان» على قوله: «ثلاث غرفات» كما سيأتي تحقيقه،

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 253.

(2) سورة الرحمن. الآية 41.

263

فيصير مسح الناصية داخلا تحت الأجزاء الذي هو أقل مراتب الواجب، فيسقط الاستدلال بها رأسا.

و ذيل الكلام في المقام واسع الأطراف إلا أنا اقتصرنا على ما فيه كفاية للمتأمل بعين الإنصاف.

و بما حققناه في المقام و كشفنا عنه نقاب الإبهام، ظهر لك ان ما نقله شيخنا المشار إليه في رسالته عن الوالد الماجد (نور اللّٰه تعالى تربتهما) من الإجماع صحيح لا غبار عليه، و لا يأتيه الباطل من خلفه و لا من بين يديه و ليته كان حيا فاهدى هذا التحقيق اليه، و يتبين أيضا ان هذا القول ليس مخصوصا بشيخنا الشهيد الثاني في الروضة أو غيرها من كتبه، و ان الوالد قلده في ذلك فأغرب بدعوى الإجماع على ما هنالك، كما بسط به ذلك الفاضل لسان التشنيع و سجل به من القول الفظيع.

(الثاني) [المقدار الواجب من مسح الرأس]

- اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في قدر واجب المسح من الرأس:

فالمشهور- كما نقله جمع: منهم- السيد السند في المدارك- الاكتفاء بالمسمى، و لو بجزء من إصبع ممرا له على الممسوح، و لا يجزئ مجرد الوضع، لعدم صدق المسح بذلك.

و نقل الشهيد في الذكرى عن القطب الراوندي في أحكام القرآن انه لا يجزئ أقل من إصبع.

و ظاهر المفيد في المقنعة ذلك، قال: «و يجزئ الإنسان في مسح رأسه أن يمسح من مقدمه مقدار إصبع يضعها عليه عرضا من الشعر إلى قصاصه، و ان مسح منه مقدار ثلاث أصابع مضمومة بالعرض كان قد أسبغ» انتهى. فان المتبادر من لفظ الاجزاء ان يراد به أقل الواجب.

264

و هو الظاهر أيضا من كلام الشيخ في التهذيب حيث قال بعد نقل العبارة المذكورة: «يدل على ذلك قوله تعالى: «. وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ(1)

و من مسح رأسه و رجليه بإصبع واحدة فقد دخل تحت الاسم و يسمى ماسحا، و لا يلزم على ذلك ما دون الإصبع، لأنا لو خلينا و الظاهر لقلنا بجواز ذلك لكن السنة منعت منه» انتهى.

و يظهر من العلامة في المختلف اختيار ذلك أيضا، بل نسبه فيه إلى المشهور و لم ينقل القول بالمسمى فيه أصلا، حيث قال: «المشهور بين علمائنا الاكتفاء في مسح الرأس و الرجلين بإصبع واحدة» ثم نقله عن الشيخ في أكثر كتبه و ابن أبي عقيل و ابن الجنيد و سلار و أبي الصلاح و ابن البراج و ابن إدريس، ثم نقل جملة من عبائر الأصحاب المشتملة على المسح بثلاث أصابع.

و بذلك أيضا صرح الشهيد في الدروس حيث قال: «ثم مسح مقدم الرأس بمسماه و لا يحصل بأقل من إصبع» و قال بعد ذلك: «و الزائد عن إصبع من الثلاث مستحب» و هو ظاهره في البيان، حيث قال: «و الواجب مسماه و لو بإصبع» ثم نقل الثلاث عن النهاية و حمله على الاستحباب.

بل هو ظاهره في الذكرى حيث قال: «الثانية- الواجب في المقدم مسمى المسح، لإطلاق الأمر بالمسح الكلي، فلا يتقيد بجزئي بعينه. ثم قال: الثالثة- لا يجزئ أقل من إصبع، قاله الراوندي في أحكام القرآن» ثم نقل عن المختلف ان المشهور الاكتفاء به، ثم نقل العبارات المتعلقة بالثلاث.

فان ظاهر هذا الكلام بمعونة صريح الدروس و ظاهر البيان هو القول بالمسمى و حمله على الإصبع، و لا ينافي ذلك نقله له عن الراوندي.

و هو ظاهره أيضا في الرسالة، حيث قال: «الرابع- مسح مقدم الرأس

____________

(1) سورة المائدة. الآية 6.

265

حقيقة أو حكما ببقية البلل و لو بإصبع» نظرا إلى جعله الإصبع المرتبة الدنيا للاجزاء مبالغة.

و شيخنا الشهيد الثاني في شرحها تمحل في صرفها عن ظاهرها، فقال بعد ذكر العبارة: «يعني الاكتفاء بكون الإصبع آلة للمسح بحيث يحصل بها مسماه لا كونه بقدر الإصبع عرضا» انتهى. بل تمحل ذلك في شرح الإرشاد بإجراء هذا التأويل في جملة العبارات المشتملة على التحديد بالإصبع.

و أنت خبير بعدم انطباق هذا التأويل على عبارة الدروس، فإنها صريحة في ان المراد وجوب مقدار الإصبع. و أصرح منها كلام الشيخ في التهذيب. و تكلفه فيما عداهما على غاية من البعد.

و قال الصدوق في الفقيه: «و حد مسح الرأس أن تمسح بثلاث أصابع مضمومة من مقدم الرأس».

و به صرح الشيخ في النهاية لكن خصه بحال الاختيار، فقال: «لا يجوز أقل من ثلاث أصابع مضمومة مع الاختيار، فان خاف البرد من كشف الرأس أجزأه مقدار إصبع واحدة».

و نسب ذلك أيضا إلى المرتضى في مسائل الخلاف، و إلى هذا القول يميل كلام المحدث الأمين الأسترآبادي، و هو ظاهر المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر في كتاب الوسائل، حيث قال: «باب أقل ما يجزئ من المسح» (1) ثم أورد روايات الإصبع و روايات الثلاث أصابع.

و يدل على الأول ظاهر الآية (2) لإطلاق الأمر فيها بالمسح فلا يتقيد بجزئي بعينه، و الباء فيها للتبعيض بدلالة النص الصحيح (3).

____________

(1) و هو الباب- 24- من أبواب الوضوء.

(2) سورة المائدة. الآية 6.

(3) و هو صحيح زرارة المروي في الوسائل في الباب- 23- من أبواب الوضوء.

266

و قوله (عليه السلام) في صحيحة الأخوين (1): «. و إذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك.».

و في صحيحة أخرى لهما أيضا (2) «. فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من رجليه.».

و يدل على الثاني

صحيحة حماد عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) (3) «في الرجل يتوضأ و عليه العمامة؟ قال: يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه. فيمسح على مقدم رأسه».

و رواية الحسين بن عبد اللّٰه (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يمسح رأسه من خلفه- و عليه عمامة- بإصبعه، أ يجزيه ذلك؟ فقال: نعم».

و يدل على القول الثالث

صحيحة زرارة (5) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) المرأة يجزيها من مسح الرأس ان تمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع و لا تلقى عنها خمارها».

فان لفظ الاجزاء إنما يستعمل في أقل الواجب.

و ما رواه الكشي في رجاله عن محمد بن نصير عن محمد بن عيسى عن يونس (6) قال: «قلت لحريز يوما: يا أبا عبد اللّٰه كم يجزيك ان تمسح من شعر رأسك في وضوئك للصلاة؟ قال: بقدر ثلاث أصابع، و أومأ بالسبابة و الوسطى و الثالثة، و كان يونس يذكر عنه فقها كثيرا».

و ظاهره ان حريز كان يرى المسح بقدر ثلاث.

و رواية معمر بن عمر عن أبي جعفر (عليه السلام) (7) قال: «يجزئ من المسح

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 23- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 22- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 22- من أبواب الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الوضوء.

(6) في الصحيفة 244 و في مستدرك الوسائل في الباب- 22- من أبواب الوضوء.

(7) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الوضوء.

267

على الرأس موضع ثلاث أصابع، و كذلك الرجل».

و نقل في الذكرى عن ابن الجنيد تخصيص اعتبار الثلاث بالمرأة دون الرجل، و تخصيص الرجل بالإصبع الواحدة، حيث قال: «يجزئ الرجل في المقدم إصبع و المرأة ثلاث أصابع» و لعله استند إلى صحيحة زرارة المتقدمة، و لعل من استند إليها مطلقا بنى على عدم وجود القائل بالفرق و لم يعتبر بخلاف ابن الجنيد، مؤيدا ذلك برواية معمر بن عمر.

ثم انه لا يخفى عليك ان أقصى ما يستفاد من أدلة القول الأول وجوب مسح بعض من الرأس بمقتضى الآية و شيء منه بمقتضى الأخبار، و من الظاهر المتفق عليه انه ليس المراد بعضا ما من الأبعاض و لا شيئا ما من الأشياء، بل بعضا معينا من أبعاض الرأس و شيئا معينا من اجزائه. فلا بد من الرجوع إلى دليل معين لذلك البعض المراد، و ليس إلا هذه الأخبار الدالة على الإصبع أو الثلاث، فكما انه بالنسبة إلى تعيين محل المسح من إطلاق الآية و الأخبار المطلقة، أوجبوا الرجوع إلى أخبار المقدم فخصوا إطلاقها به، و لم يجوزوا المسح على غير المقدم من اجزاء الرأس، فكذلك يجب ان يكون بالنسبة إلى مقدار المسح، فيجب الرجوع إلى ما دل عليه من الأخبار، و تخصيص الآية و جملة الأخبار الموافقة لها في الإطلاق به.

و بالجملة فالروايات في هذه المسألة ما بين مطلق و مقيد أو مجمل و مفصل، و المقيد يحكم على المطلق و المفصل على المجمل، فالعمل بالمفصل و المقيد متعين ما لم يظهر خلافه.

و رجح السيد السند في المدارك حمل الأخبار المقيدة على الاستحباب كما هو المشهور، بعد ان احتمل ما ذكرناه من تقييد مطلق أخبار المسألة بمقيدها.

و أنت خبير بما فيه بعد ما ذكرناه، فإنها عند التحقيق غير دالة على ما ذكروه من المسمى كما عرفت.

268

نعم يبقى الكلام في التوفيق بين روايات الإصبع و الثلاث، و يمكن ذلك بأحد وجوه:

(منها)- حمل روايات الإصبع- حيث انها قد اتفقت على المسح بها تحت العمامة- على الضرورة،

لما في رواية حماد عن الحسين (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل توضأ و هو معتم فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد؟ فقال ليدخل إصبعه».

و هذا هو ظاهر الشيخ في النهاية كما سلف في عبارته.

و (منها)- حمل الإصبع على أقل الواجب و الثلاث على الاستحباب، كما هو ظاهر المقنعة، و صريح الدروس، و ظاهر غيره أيضا كما مر.

و (منها)- حمل روايات الثلاث على مسح هذا المقدار في عرض الرأس و الإصبع الواحدة على كونه في الطول، فان ظاهر روايات الثلاث اعتبار مسح هذا المقدار لا وجوب كونه بثلاث أصابع، و ان كان ظاهر عبارة الصدوق تعين كونه بثلاث أصابع، الا انه خلاف ظاهر الأخبار، فيجب تأويله ورده إليها.

و أكثر الأصحاب حملوا روايات الإصبع و الثلاث على هذا الوجه، لكن القائلين منهم بالاكتفاء بالمسمى و لو بجزء من إصبع يجعلون ذلك على جهة الاستحباب، قال شيخنا المحقق الثاني في شرح القواعد: «اعلم ان المراد بمقدار ثلاث أصابع في عرض الرأس، اما في طوله فمقداره ما يسمى ماسحا، و يتأدى الفضل بمسح المقدار المذكور و لو بإصبع» انتهى.

و اما ما احتمله بعض متأخري المتأخرين من جواز ان يكون الأمر بإدخال الإصبع في تلك الأخبار لأن يكون آلة للمسح- بناء على ما قدمناه من كلام شيخنا الشهيد الثاني- فبعيد جدا.

و ما ذكره بعض مشايخنا المحققين- من ان استناد الشيخ في وجوب مسح

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الوضوء.

269

مقدار الثلاث إلى صحيحة زرارة و رواية معمر المتقدمتين (1) ضعيف، إذ لا يلزم من اجزاء قدر عدم اجزاء ما دونه إلا بالمفهوم الضعيف، و لو سلم دلالته عرفا فلا يعارض ظاهر الكتاب و منطوق الخبر الصحيح- ففيه ان الاستدلال بهما ليس باعتبار دلالة مفهوم اللقب الضعيف، و انما هو باعتبار الدلالة العرفية المسلمة بينهم في غير موضع كما ذكره هو و غيره، و اما ما ذكره من معارضة الكتاب و النص الصحيح فليس بشيء بعد ما عرفت، لعدم المعارضة بين المطلق و المقيد و المجمل و المبين، إذ يجب بمقتضى القاعدة المسلمة فيما بينهم في غير موضع حمل الأول منهما على الثاني.

ثم اعلم ان الروايات بمسح قدر الثلاث و المسح بإصبع ليس في شيء منها تقييد بكونه في جهة العرض أو الطول. لكن جملة من الأصحاب- كما عرفت- قيدوا روايات الثلاث بكون ذلك المقدار في جهة العرض كما تقدم في كلام ثاني المحققين، و مثله أيضا كلام ثاني الشهيدين في شرح الشرائع، حيث قال- بعد قول المصنف: «و المندوب مقدار ثلاث أصابع عرضا»- ما لفظه: «عرضا حال من الأصابع أو بنزع الخافض، و المراد مرور الماسح على الرأس بهذا المقدار و ان كان بإصبع لا كون آلة المسح ثلاث أصابع» انتهى.

و المفهوم من عبارة الشيخ المفيد المتقدمة ان أقل الواجب مقدار إصبع يضعها عليه عرضا. فان كان مستنده (رحمه اللّٰه) حمل روايات الإصبع على مقدارها عرضا و إلا فهو خال من المستند مع كون حمل تلك الروايات على ذلك في غاية البعد من حاق لفظها فإنها ظاهرة الصراحة في كون المسح بالإصبع، فهو في التحقيق خال عن المستند. اللهم الا ان تحمل اخبار قدر الثلاث على كونه طولا، و هي تقرب من الواحدة عرضا، و إلى هذا الحمل مال المحقق المحدث الأسترآبادي (قدس سره) حيث قال- بعد نقل كلام ثاني

____________

(1) في الصحيفة 266.

270

المحققين و ثاني الشهيدين المتقدم الدال على حمل روايات قدر الثلاث على كونه في جهة العرض- ما هذا لفظه: «الظاهر من الروايات ان يكون الممسوح من عرض الرأس بقدر طول إصبع و من طوله بقدر ثلاث أصابع مضمومة. و من الروايات المشار إليها صحيحة زرارة (1) المشتملة على

قوله (عليه السلام): «و تمسح ببلة يمناك ناصيتك».

لان المتبادر منها مسح كلها،

و صحيحته الأخرى (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): المرأة يجزيها من مسح الرأس ان تمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع و لا تلقى عنها خمارها».

و رواية معمر عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «يجزئ من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع، و كذلك الرجل».

و الناصية في غالب الناس عرضها قدر طول إصبع و طولها قدر ثلاث أصابع مضمومة» انتهى.

و قال صاحب رياض المسائل و حياض الدلائل بعد كلام في المقام: «و الحاصل انا لم نظفر بما تضمن المسح بالثلاث، بل المسح بالإصبع، أو مسح موضع الثلاث و مقدارها، من غير تقييد المسح بكونه في طول الرأس أو عرضه، و لا لموضع الثلاث بكونه مأخوذا من أحدهما أو كليهما حالة وضع الثلاث على الرأس، منطبقا كل من خطيها الطولي و العرضي على مثله من خطئه أو على مقابله، فالإعراض عنه- من باب

«اسكتوا عما سكت اللّٰه عنه» (4).

اولى» انتهى.

و فيه ان الظاهر من الأخبار- بعد ضم بعضها إلى بعض- هو ما ذكره المحدث الأمين (قدس سره).

(الثالث) [المقدار المشروع من الزائد على الواجب]

- المفهوم من كلام القائلين بالمسمى أو الإصبع ان غاية ما يستحب الزيادة عليه بلوغ قدر ثلاث أصابع مضمومة، و اما ما زاد على ذلك المقدار، فهل يكون

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 15 و 31- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الوضوء.

(4) تقدم الكلام فيه في الصحيفة 156 من الجزء الأول.

271

محرما أو جائزا، أو يفرق فيه بين استيعاب الرأس و عدمه؟ أقوال:

قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة: «و غاية المؤكد ثلاث أصابع، و يجوز الزيادة عليها ما لم يستوعب جميع الرأس، فيكره على الأصح، الا ان يعتقد شرعيته فيأثم خاصة. و قيل يبطل المسح. و قد أغرب الشارح المحقق (رحمة اللّٰه) حيث جعل الزائد على الثلاث أصابع غير مشروع» انتهى.

و ممن صرح بكراهة الاستيعاب الشهيد في الذكرى و الدروس، معللا له في الذكرى بأنه تكلف ما لا يحتاج اليه. و فيه ضعف.

و نقل عن ابن حمزة تحريمه. لانه مخالف للمشروع. و ظاهره عدم الفرق بين اعتقاد المشروعية و عدمه.

و في الخلاف ادعى الإجماع على بدعيته فيجب نفيه.

و ابن الجنيد حرمه مع اعتقاد المشروعية، و أبطل به الوضوء. ورده جملة من المحققين باشتمال مسح الرأس على الواجب فلا يؤثر الاعتقاد في الزائد. نعم يأثم بذلك.

و أبو الصلاح أبطل الوضوء لو تدين بالزيادة في الغسل أو المسح. و رد بما رد به سابقه.

أقول: و الذي يقرب عندي انه متى مسح أو غسل ما زاد على القدر الموظف شرعا، فان كان مع عدم اعتقاد المشروعية فالظاهر انه لا تحريم و لا كراهة، لعدم الدليل على ذلك، و ان كان مع اعتقاد المشروعية فالظاهر بطلان الوضوء لوجوه:

(أما أولا)- فلان العبادات تابعة للقصود و النيات صحة و إبطالا، بل وجودا و عدما كما تقدم تحقيقه، و مجرد حصول المأمور به شرعا- مع عدم كونه مقصودا بخصوصه كما أمر به الشارع- لا يعتد به، لأنه في الحقيقة واقع بغير نية، و إلا لصحت صلاة من أتم عالما عامدا في السفر بناء على استحباب التسليم، فإنها قد اشتملت على الواجب واقعا، مع ان الإجماع نصا و فتوى على خلافه. و اولى منه صحة صلاة التمام

272

في مواضع التخيير ثم أحدث عمدا أو قطع الصلاة بأحد القواطع في أثناء الركعتين الأخيرتين، بناء على استحباب التسليم، و عدم قصد العدول إلى المقصورة، فإنه لا يجب عليه الإعادة، لاشتمال صلاته هذه على الصلاة المقصورة التي هي أحد الفردين في هذا المقام و (اما ثانيا)- فلانه تشريع و إدخال في العبادة ما ليس منها فيكون مبطلا.

و (اما ثالثا)- فلان جملة من المحققين صرحوا في مسألة الفرق بين الغسل و المسح بأن النسبة بينهما العموم من وجه و جوزوا المسح بما اشتمل على الجريان بشرط قصد المسح به، و هو دال- كما هو الواقع- على ان القصد مما له مدخل في الصحة و الابطال، و إلا فلو اجرى المكلف الماء بيده على رجله كلها و رأسه كملا مع اعتقاده الغسل به، لزم صحة وضوئه، لاشتماله على المسح شرعا بناء على ذلك القول و ان كان غير مقصود له، و عدم الضرر باعتقاده كون ذلك غسلا، و زيادته على ما هو الواجب واقعا. و الآية و النصوص ترده.

و (اما رابعا)- فلأنهم صرحوا- الا الشاذ منهم- بتحريم الغسلة الثالثة في الوضوء. و اما الإبطال بها فهو مذهب أبي الصلاح و ظاهر الكليني و الصدوق، و هو أحد الأقوال في المسألة، و هو أظهرها دليلا:

لقول الصادق (عليه السلام) في حديث داود الرقي المروي في كتاب رجال الكشي (1) «. و من توضأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة له».

و قوله (عليه السلام) في الحديث المذكور (2) لداود بن زربي: «توضأ مثنى مثنى و لا تزدن عليه، فإنك ان زدت عليه، فلا صلاة لك».

و ما رواه في الفقيه (3) مرسلا في باب صفة وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: «قال (عليه السلام): من تعدى في وضوئه كان كناقضه».

و سيأتي تحقيق ذلك في محله.

____________

(1) في الصحيفة 200 و في الوسائل في الباب- 32- من أبواب الوضوء.

(2) في الصحيفة 200 و في الوسائل في الباب- 32- من أبواب الوضوء.

(3) ج 1 ص 25. و في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

273

(الرابع) [كيفية مسح المرأة من حيث وضع الخمار و عدمه]

- المفهوم من ظاهر كلام الصدوق في الفقيه، و الشيخين في المقنعة و المبسوط و النهاية، انه يجب على المرأة وضع القناع في الصبح و المغرب لأجل المسح.

و صرح في المقنعة بأنها تمسح هنا بثلاث أصابع من رأسها حتى تكون مسبغة، و انه يرخص لها في باقي الصلوات المسح تحت الخمار، بان تكتفي بإدخال إصبع تحت خمارها، قال في المقنعة: «و تدخل إصبعها تحت قناعها فتمسح على شعرها و لو كان ذلك مقدار أنملة».

و صرح المحقق و العلامة و جملة من المحققين باستحباب وضع الخمار مطلقا، و تأكده في صلاة الغداة و المغرب.

و بعضهم اقتصر على الغداة خاصة، لعدم وقوفه على نص يتضمن اضافة المغرب إليها في ذلك.

و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة

رواية الحسين بن زيد بن علي ابن الحسين (عليهما السلام) عن أبيه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «لا تمسح المرأة بالرأس كما يمسح الرجال، إنما المرأة إذا أصبحت مسحت رأسها و تضع الخمار عنها، فإذا كان الظهر و العصر و المغرب و العشاء تمسح بناصيتها».

و ما رواه الصدوق في الخصال (2) بسنده فيه عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «المرأة لا تمسح كما يمسح الرجال، بل عليها ان تلقي الخمار عن موضع مسح رأسها في صلاة الغداة و المغرب و تمسح عليه، و في سائر الصلوات تدخل إصبعها فتمسح على رأسها من غير ان تلقي عنها خمارها».

و طعن بعض متأخري المتأخرين بعد ذكر الرواية الأولى فيها بضعف السند و الدلالة.

و فيه ان ضعف سندها باصطلاح متأخري أصحابنا لا يقوم حجة على من لم يقل

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 23- من أبواب الوضوء.

(2) ج 2 ص 142 و في مستدرك الوسائل في الباب- 22- من أبواب الوضوء.

274

بذلك الاصطلاح سيما المتقدمين. و الاولى من الروايتين دالة على وجوب وضع الخمار بالجملة الخبرية الظاهرة في الوجوب كالأمر، و ان كان جملة من متأخري متأخرينا يمنعونه في الأمر فضلا عنها. و الرواية الثانية دالة على ذلك بقوله: «عليها ان تلقي» الدال بظاهره على وجوب الإلقاء و تحتمه.

و الرواية الثانية قد تضمنت اضافة المغرب إلى الصبح في وضع الخمار، فما اعترض به جملة من متأخري المتأخرين على المشايخ المتقدمين في إضافة المغرب في عبائرهم ناشىء عن قصور التتبع. و كم وقع لهم مثله في غير موضع.

ثم ان ظاهر هذه الرخصة للمرأة في المسح تحت القناع- بإدخال الإصبع و مسح ما نالته من رأسها و لو بقدر الأنملة، كما في كلام الشيخ المفيد، و انها ليست كالرجال في ذلك- اختصاص هذا الحكم بها في ذلك الوقت المخصوص، و عدم اجزائه لها في غيره و عدم اجزائه للرجال أيضا، و هو مما يبطل القول بالمسمى كما هو المشهور، و يؤيد ما ذهب اليه المشايخ الثلاثة (نور اللّٰه تعالى مضاجعهم) من وجوب المقدار الذي تقدم تحقيقه في هذا البحث. لكن قد تقدم

في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: «المرأة يجزيها من مسح الرأس ان تمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع و لا تلقى عنها خمارها».

و هو مناف لما دلت عليه هاتان الروايتان، من تخصيص المسح بقدر ثلاث أصابع ببعض الصلوات و الأوقات، و من وجوب إلقاء الخمار أو استحبابه في موضع المسح لان ظاهر قوله: «و لا تلقى عنها خمارها» اما نهى على بعض اللغات، أو خبر في معنى النهي. و يمكن الجواب عن الأول بأن إطلاقها مخصوص بذينك الخبرين. و عن الثاني بأن قوله: «و لا تلقى» بالنصب عطف على «تمسح» و حاصل المعنى حينئذ انه يجزيها المسح بمقدار ثلاث أصابع، و عدم إلقاء الخمار في ذلك الوقت الذي يجب أو يستحب فيه الإلقاء، و هو رخصة لها، إذ الظاهر ان حكمة إلقاء الخمار في موضع الأمر به في تلك

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الوضوء.

275

الأخبار إنما هو لأجل الاستظهار في المسح بذلك المقدار، فهي مكلفة في ذلك الوقت بشيئين: المسح بقدر الثلاث، و الإلقاء، و هذه الرواية دلت على اجزاء أحدهما، و هو الأهم و المقصود بالذات الذي هو المسح بالثلاث دون الإلقاء. و يمكن أن يستنبط منه بمعونة ما ذكرنا ان ما يستحب أو يجب مسحه من موضع المسح ثلاث أصابع ليس في عرض الرأس بعرض الأصابع، لعدم توقف ذلك على إلقاء الخمار.

(الخامس) [هل يتصف الزائد على القدر المجزئ من الفرد الأكمل بالوجوب؟]

- لا ريب انه إذا اقتصر المكلف على الفرد الأنقص من المسح فقد تأدى الواجب به، و لو اتى بالفرد الأكمل فقد صرحوا بان ما زاد منه على القدر المجزئ مستحب عينا اتفاقا، لكن هل يوصف مع ذلك بالوجوب أم لا؟ قولان:

اختار أولهما المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، قال: «و لا يضر ترك الزائد، لأن الواجب هو الكلي، و أفراده مختلفة بالشدة و الضعف، فأي فرد اتى به تحقق الامتثال به، لان الواجب يتحقق به» انتهى.

و اختار ثانيهما العلامة، نظرا إلى انه يجوز تركه لا إلى بدل و لا شيء من الواجب كذلك، فلا شيء من الزائد واجب. و بان الكلي قد وجد فخرج به المكلف عن العهدة و لم يبق شيء مطلوب منه حتى يوصف بالوجوب.

و فيه ان جواز تركه هنا انما هو إلى بدل، و هو الفرد الناقص الذي اتى به في ضمن هذا المسح، و حينئذ فيكون من قبيل افراد الواجبات الكلية كأفراد الواجب المخير، بمعنى ان مقولية الواجب هنا على هذا الفرد الزائد و الناقص كمقولية الكلي على أفراده المختلفة قوة و ضعفا، و حصول البراءة بالفرد الناقص لا من حيث هو جزء الزائد، بل من حيث انه أحد أفراد الكلي و ان كان ناقصا.

هذا كله مع وقوع المسح دفعة واحدة، اما إذا وقع تدريجا فقد صرح الشهيدان في الذكرى و الروض بأن الزائد مستحب قطعا، قال في الروض بعد نقل كلام

276

الذكرى المتضمن للتفصيل بين الدفعة و التدريج: «و هذا التفصيل حسن، لانه مع التدريج يتأدى الواجب بمسح جزء فيحتاج إيجاب الباقي إلى دليل، و الأصل يقتضي عدم الوجوب، بخلاف ما لو مسحه دفعة، إذ لم يتحقق فعل الفرد الواجب إلا بالجميع» انتهى و السيد السند في المدارك جعل مطرح الخلاف في المسألة هو المسح تدريجا.

و لا يخفى- على المتأمل بعين التحقيق و الناظر بالفكر الصائب الدقيق- ان كلام الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في هذه المسألة و نظائرها على غاية من الإجمال.

و تحقيق المقام- بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر (عليهم السلام)- ان يقال: لا ريب ان منشأ التخيير في هذا المقام هو إطلاق الأمر بالمسح الصادق بجزء من إصبع- مثلا- الى بلوغ قدر ثلاث أصابع مضمومة التي هي أعلى المراتب، فالواجب الكلي هو المسح المطلق و أفراده هي كل مسحة قصدها المكلف و أوقعها، قليلة كانت أو كثيرة، فكل فرد منها اتى به تأدى به الواجب، و كل فرد ناقص منها فهو مفضول بالنسبة إلى ما هو أزيد منه، و كل واحد من الافراد المشتملة على الزيادة يوصف في حد ذاته بالوجوب لكونه أحد أفراد الواجب الكلي، و بالاستحباب لكونه أكمل مما دونه، و هذا معنى قولهم في الفرد الأكمل من افراد الواجب التخييري: انه مستحب ذاتي واجب تخييري، و حينئذ فمتى مسح المكلف القدر الأكمل دفعة أو تدريجا، بمعنى انه قطع على جزء في أثناء مسحه ثم تجاوزه، فان كان قصده و نيته الامتثال بذلك القدر الأكمل، فمن الظاهر ان الزائد على القدر المجزئ- و هو المسمى، أو القدر الذي قطع عليه أولا- واجب. إذ الواجب هو مجموع ما قصده، و ما اتى به من القدر المجزئ ضمن هذا المسح أو قطع عليه لا يخرج به عن العهدة، لعدم قصد الامتثال به خاصة بل به و ما زاد، إلا ان يعدل إلى قصده، و لو أجزأ من غير قصد يتعلق به للزم إجزاء عبادة من غير نية، و قد عرفت غير مرة ان الأفعال عبادة و غيرها لا تميز لها وجودا و عدما- و لا اثر يترتب عليها صحة و بطلانا و ثوابا و عقابا- إلا بالقصود و النيات،

277

فكما ان الركعتين في صورة التخيير غير مجزئة ما دام القصد متعلقا بالإتمام فيجب ضم الأخيرتين، كذلك هنا لا يجزئ ذلك القدر الأقل ما لم يقصد الامتثال به. و ان كان قصده الامتثال بالقدر الذي قطع عليه في صورة التدريج أو أقل ما يحصل به المسمى، فالظاهر ان الزائد عليه لا يتصف بوجوب و لا باستحباب، اما عدم الوجوب فلان الواجب الكلي قد حصل في ضمن هذا الفرد الذي تعلق به القصد، و اما عدم الاستحباب فلعدم الدليل عليه، و لأن الاستحباب الملحوظ في هذا المقام انما هو باعتبار أفضلية أحد أفراد الواجب التخييري على غيره من سائر الافراد، و هو غير حاصل هنا. و أيضا فهو ملازم لوصف الوجوب كما عرفت، فبانتفاء الوجوب عنه ينتفي الاستحباب، و لا دليل على الاستحباب بغير هذا المعنى، بل الظاهر دخوله حينئذ في التكرار المنهي عنه في المسح نعم لو أريد بالزائد في كلامهم يعنى فردا أكمل من هذا الفرد الذي تعلق به قصد المكلف لا بمعنى الباقي الذي هو ظاهر مطرح الكلام، فإنه يتصف بالوجوب و الاستحباب في حد ذاته كما قدمنا بيانه، فان اختيار المكلف فردا ناقصا من افراد الواجب التخييري لا ينفي وصف الوجوب و الاستحباب عن الفرد الأكمل منها في حد ذاته. و اما ان الباقي من المسافة الممسوحة بعد قصد الامتثال بجزء منها خاصة يتصف مسحه بالاستحباب و يترتب ثواب المستحب عليه كما هو أحد القولين، أو الوجوب كما هو القول الآخر كما هو ظاهر كلامهم، فلا اعرف له وجها. فإنه كما ان المكلف لو قصد الصلاة المقصورة في موضع التخيير ثم صلى و الحال كذلك أربعا. فإن الركعتين الأخيرتين ان لم تكن مبطلة للصلاة لا أقل ان تكون باطلة، و لا يصح وصفها بالاستحباب فضلا عن الوجوب و قاصد التسبيح بأربع تسبيحات في الركعتين الأخيرتين ثم تجاوزها إلى بعض الصور الزائدة من غير عدول إليها. فإنه لا يتصف بالاستحباب من حيث التوظيف في هذا المقام و ان احتمل الاستحباب من حيث كونه ذكرا. فكذلك فيما نحن فيه، على انه يلزم هنا خلو ذلك الزائد من النية و القصد، فكيف يتصف بوجوب أو استحباب مع كونه خاليا

278

من النية و القصد بالكلية؟ فإن المكلف إنما قصد أداء الواجب بذلك الجزء الذي ذكرناه و بالجملة فالاستحباب الذاتي اللازم للوجوب التخييري في هذا المقام انما يتعلق بمجموع الصورة الكاملة لا بهذا الجزء الزائد، و كلام الأصحاب في جميع صور هذه المسألة في غاية الإجمال كما ذكرنا، و ذلك فإنهم في جميع صور هذه المسألة يجعلون محل الخلاف ما زاد على الفرد الناقص بعد تأدى الواجب بذلك الفرد الناقص، و انه هل يصف بالوجوب أو الاستحباب؟ و هو ظاهر في كون المراد به ما بين الفرد الذي قصده و تأدى به الواجب إلى نهاية ما اقتصر عليه من الفرد الكامل، ثم انهم في مقام الاستدلال على وجوبه و دفع القول بالاستحباب يقولون انه أحد أفراد الواجب الكلي و انها قابلة للشدة و الضعف، فهذا الزائد مستحب لكونه أكمل الافراد، و هو واجب لكونه أحد أفراد الواجب الكلى. و جواز تركه انما جاز إلى بدل و هو الفرد الأنقص و أنت خبير بان هذه التعليلات انما تنطبق على نفس الفرد الأكمل لا على ذلك البعض الذي عرفته. و أيضا فإنهم- على تقدير القول بالوجوب في ذلك الزائد الذي جعلوه مطرح النزاع- أوردوا إشكالا في انه يلزم اتصاف شيء واحد بالوجوب و الاستحباب، ثم أجابوا عنه بأن إطلاق الاستحباب على الفرد الزائد محمول على استحبابه عينا، بمعنى انه أفضل الفردين الواجبين، و ذلك لا ينافي وجوبه تخييرا من جهة تأدي الواجب به و حصول الامتثال، كذا قرره في الروض في مسألة التسبيح في الأخيرتين. و هذا الجواب- كما ترى- لا ينطبق الأعلى نفس الفرد الأكمل، كما هو صريح العبارة حيث أطلق عليه الفرد الزائد، لا على نفس الزيادة خاصة كما هو مورد الاشكال. و ربما كان مبنى كلام القوم على اعتبار الأمر الكلي من حيث هو من غير ملاحظة شيء من الخصوصيتين فيكون من قبيل الماهية لا بشرط شيء، فإنه يتجه حينئذ صدق أداء الواجب بالمسمى و يصح وصف الزائد- من حيث كونه جزء من هذا المجموع- بكل من وصفي الوجوب و الاستحباب، لاتصاف المجموع بهما حسبما قررنا آنفا، لكن يبقى الإشكال في صورة

279

القطع، لصدق أداء الواجب بما قطع عليه و انتفاء المجموعية الموجبة للوصف بالوجوب و الاستحباب للزائد. و الاستحباب بغير المعنى المذكور آنفا لا مجال له في هذا المقام.

و اللّٰه العالم.

(السادس) [هل يجوز النكس في مسح الرأس؟]

- الظاهر- كما هو المشهور- جواز النكس هنا، لإطلاق الآية و خصوص

صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا».

خلافا للمرتضى و الشيخ في النهاية و الخلاف و ظاهر ابن بابويه، محتجا عليه في الخلاف- و مثله في الانتصار- بان مسح الرأس من غير استقبال رافع للحدث إجماعا بخلاف مسح الرأس مستقبلا، فيجب فعل المتيقن. و نقل أيضا عن الشيخ في كتابي الأخبار ذلك، نظرا إلى تخصيص الصحيحة المشار إليها بفحوى

قول أبي الحسن (عليه السلام) في رواية يونس (2): «الأمر في مسح الرجلين موسع.».

و لا يخفى ما في هذه الأدلة من الوهن.

و العجب من السيد (رحمه اللّٰه) في تجويزه النكس في الوجه و اليدين لإطلاق الآية، و منعه هنا، مع جريان دليله فيه، و اعتضاده بالرواية.

و ذكر جماعة من الأصحاب كراهية النكس هنا، و علله في المعتبر بالتفصي من الخلاف.

ورد بأن المقتضي للكراهة ينبغي أن يكون دليل المخالف لا نفس الخلاف و هو كذلك.

(السابع) [وجوب كون المسح بنداوة الوضوء]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (نور اللّٰه تعالى مضاجعهم) في وجوب المسح بنداوة الوضوء ما وجد بللها في اليد، و المشهور انه مع جفاف اليد يأخذ من شعر لحيته أو حاجبيه، و مع جفاف الجميع، فان كان لضرورة إفراط الحر

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 20- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 20- من أبواب الوضوء.

280

أو قلة الماء جاز الاستئناف و إلا أعاد الوضوء.

و ظاهر الشيخ في الخلاف- حيث نسب وجوب المسح بنداوة الوضوء إلى الأكثر- وجود المخالف في المسألة، و لعله ابن الجنيد على ما نقله عنه العلامة في المختلف، فإنه قال: «إذا كان بيد المتطهر نداوة يستبقيها من غسل يديه، مسح بيمينه رأسه و رجله اليمنى و بنداوة اليسرى رجله اليسرى، و ان لم يستبق ذلك أخذ ماء جديدا لرأسه و رجليه» و هو بإطلاقه شامل لما لو كان عدم الاستبقاء لعدم إمكانه أو لتفريط من المكلف، و لما لو فقد النداوة من الوجه و عدمه (1) و بذلك يظهر لك ما في كلام بعض الأصحاب، حيث خص خلافه بجفاف جميع الأعضاء و قال: ان لفظ اليد في كلامه انما هو على سبيل التمثيل، فيكون موافقا للمشهور و يرتفع الخلاف. فإنه على غاية من البعد عن سوق العبارة المذكورة.

و مما يدل على المشهور روايات الوضوء البياني، فإنها قد اشتملت جميعا على المسح بالبلة. و ما ذكره جملة من متأخري المتأخرين- من المناقشة فيها مما تقدم ذكره في وجوب الابتداء بأعلى الوجه و الابتداء بالمرفقين- فقد مر ما فيه مما يكشف عن ضعف باطنه و خافية، سيما

حسنة الأخوين (2) المتضمنة انه «مسح رأسه و قدميه ببل كفه لم يحدث لهما ماء جديدا».

و صحيحة زرارة (3) «. ثم مسح بما بقي في يديه رأسه و رجليه و لم يعدهما في الإناء».

و يدل عليه أيضا الأخبار المستفيضة بأنه من ذكر انه لم يمسح حتى انصرف

____________

(1) الذي يظهر من كلام جملة من أصحابنا ان خلاف ابن الجنيد في هذه المسألة شامل لما لو كان في يد المتوضئ بلة من ماء الوضوء، فإنه يجوز الاستئناف أيضا، و عبارة ابن الجنيد المنقولة- كما ترى- بخلافه، فإنه جوز الاستئناف مع فقد البلة و ان كان بتفريط (منه (قدس سره).

(2) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

281

من وضوئه يأخذ من بلل وجهه، و في بعضها انه مع تعذر البلل في وجهه يعيد وضوءه.

فمن ذلك

رواية مالك بن أعين عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «من نسي مسح رأسه ثم ذكر انه لم يمسح رأسه، فإن كان في لحيته بلل فليأخذ منه و ليمسح رأسه، و ان لم يكن في لحيته بلل فلينصرف و ليعد الوضوء».

و رواية خلف بن حماد عمن أخبره عنه (عليه السلام) (2) قال: «قلت له الرجل ينسى مسح رأسه و هو في الصلاة؟ قال: ان كان في لحيته بلل فليمسح به.

قلت: فان لم يكن له لحية؟ قال: يمسح من حاجبيه أو من أشفار عينيه».

و ما رواه ابن بابويه في الفقيه (3) عن أبي بصير عنه (عليه السلام) «في رجل نسي مسح رأسه؟ قال: فليمسح. قال: لم يذكره حتى دخل في الصلاة؟ قال فليمسح رأسه من بلل لحيته».

و روى فيه (4) أيضا مرسلا عنه (عليه السلام) قال: «ان نسيت مسح رأسك فامسح عليه و على رجليك من بلة وضوئك، فان لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شيء فخذ ما بقي منه في لحيتك و امسح به رأسك و رجليك، و ان لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك و أشفار عينيك و امسح به رأسك و رجليك، و ان لم يبق من بلة وضوئك شيء أعدت الوضوء».

و مثلها رواية زرارة (5).

و هذه الروايات و ان اشتركت في ضعف السند بناء على هذا الاصطلاح المحدث بين متأخري أصحابنا، إلا انها معتضدة بالشهرة بينهم، و هي من المرجحات عندهم، مع ان فيها ما هو من مرويات الفقيه المضمون صحة ما تضمنه من مصنفه، كما اعتمدوا عليها لذلك في غير موضع من كلامهم، بل ورد مثل ذلك

في حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 21- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 21- من أبواب الوضوء.

(3) ج 1 ص 36. و في الوسائل في الباب- 21- من أبواب الوضوء.

(4) ج 1 ص 36. و في الوسائل في الباب- 21- من أبواب الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 21- من أبواب الوضوء.

282

(عليه السلام) (1) قال: «إذا ذكرت و أنت في صلاتك انك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض عليك، فانصرف و أتم الذي نسيته من وضوئك و أعد صلاتك، و يكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به مقدم رأسك».

و مورد الأسئلة في هذه الأخبار و ان كان النسيان، إلا انه لا قائل بالفرق، مع ان خصوص السؤال لا يخصص الجواب كما هو مقرر عندهم.

و كيف كان فلا يخفى على المتأمل المصنف انه إذا كان جملة الأخبار البيانية الواردة في مقام التعليم على تعددها انما اشتملت على المسح بالبلة، و اخبار النسيان كذلك و زيادة انه مع فقدها يعيد الوضوء، فكيف يبقى مع هذا قوة للتمسك بإطلاق الآية؟ على انه لو ورد خبر بلفظ الأمر بالمسح بالبلة أو بلفظ النهي عن التجديد، لسارعوا إلى حمله على الاستحباب و الكراهة، محتجين بعدم الجزم بدلالة الأمر على الوجوب و النهي على التحريم، لشيوعهما في خلاف ذلك، و هو اجتهاد محض و تخريج صرف.

و العجب من جملة من مشايخنا المحققين و علمائنا المدققين من متأخري المتأخرين، حيث انهم جعلوا مذهب ابن الجنيد بمجرد دلالة إطلاق الآية عليه في غاية القوة و الجزالة و أخذوا في المناقشات فيما ذكرنا من الروايات، و ارتكاب جادة التأويلات البعيدة و التمحلات الغير السديدة، مما لا يصح النظر اليه و لا العروج عليه، فبعض منهم إنما اعتمد على انعقاد الإجماع بعد ابن الجنيد، و بعض منهم بعد الاستشكال إنما التجأ إلى الاحتياط.

على انه لو تم إبطال الاستدلال بمجرد الاحتمال في المقام. لانسد هذا الباب في جملة الأحكام، إذ لا دليل إلا و هو قابل للاحتمال، و لا قول إلا و للقائل فيه مجال. هذا.

و مما استدل به على المشهور أيضا

قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2):

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 21- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 15 و 31- من أبواب الوضوء.

283

«. فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه و اثنتان للذراعين، و تمسح ببلة يمناك ناصيتك، و ما بقي من بلة يمناك تمسح به ظهر قدمك اليمنى، و تمسح ببلة يسراك ظهر قدمك اليسرى».

فإن الجملة الخبرية بمعنى الأمر الذي هو حقيقة في الوجوب.

ورد بأنه يجوز ان يكون قوله (عليه السلام): و «تمسح» معطوفا على قوله:

«ثلاث غرفات» بتقدير «ان» فيكون داخلا في حيز الاجزاء لا جملة مستقلة مرادا بها الأمر.

و قد يناقش في ذلك بان المرتضى قد نقل في كتاب (الغرر و الدرر) عن ابن الأنباري انه يشترط في إضمار «أن» كذلك كون المعطوف عليه مصدرا لا اسما جامدا و الجواب ان المعطوف عليه في الحقيقة مصدر للمرات، مع إمكان المناقشة فيما ذكره ابن الأنباري، لعدم الدليل عليه.

و استدل في المختلف لابن الجنيد

بموثقة أبي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن مسح الرأس، قلت: امسح بما في يدي من الندى رأسي؟ قال:

لا بل تضع يدك في الماء ثم تمسح».

و صحيحة معمر بن خلاد (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) أ يجزئ الرجل ان يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال برأسه؟: لا. فقلت أ بماء جديد؟ فقال برأسه: نعم».

أقول: و مثلهما أيضا

رواية أبي عمارة الحارثي (3) قال: «سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) امسح رأسي ببلل يدي؟ قال: خذ لرأسك ماء جديدا».

و أنت خبير بان مدلول هذه الروايات هو وجوب الاستئناف مع وجود البلة، و هذا لا ينطبق على مذهب ابن الجنيد، لتخصيصه ذلك بفقد البلة من اليد كما عرفت من عبارته.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 21- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 21- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 21- من أبواب الوضوء.

284

و كيف كان فهذه الأخبار محمولة على التقية (1) كما صرح به جملة من أصحابنا.

و استشكل السيد في المدارك هذا الحمل في صحيحة معمر بأنها لا تنطبق عليه، لأنها متضمنة لمسح الرجلين و هم لا يقولون به.

ثم أجاب بأنهم يعترفون بصحة إطلاق اسم المسح على الغسل بزعمهم الفاسد، و هو كاف في تأدي التقية.

و اعترض هذا الجواب شيخنا البهائي (قدس سره) في الحبل المتين بان ما تضمنه الحديث من المسح بفضل الرأس يأبى عنه هذا التنزيل، ثم قال (قدس سره): «فلو نزل على مسح الخفين كان اولى» ثم رجح (قدس سره) ان إيماءه (عليه السلام) برأسه نهى لمعمر عن السؤال لئلا يسمعه المخالفون، فظن معمر انه (عليه السلام) انما نهاه عن المسح ببقية البلل، فقال: «أ بماء جديد؟» فسمعه الحاضرون، فقال (عليه السلام): «نعم».

أقول: و يمكن الجواب- عما اعترض به من إباء المسح بفضل الرأس هذا

____________

(1) في المغني لابن قدامة ج 1 ص 130 «و يمسح رأسه بماء جديد غير ما فصل عن ذراعيه، و هو قول أبي حنيفة و الشافعي، و العمل عليه عند أكثر أهل العلم، قاله الترمذي، و جوزه الحسن و عروة و الأوزاعي، ثم قال: و لنا

ما روى عبد اللّٰه بن زيد قال: «مسح النبي (ص) رأسه بماء غير فضل يديه».

و لأن البلل الباقي في يده مستعمل فلا يجزئ المسح به كما لو فصله في إناء ثم استعمله» و في بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 11 «أكثر العلماء أوجب تجديد الماء لمسح الرأس قياسا على سائر الأعضاء»

و في جامع الترمذي ج 1 ص 53 من شرحه لابن العربي بعد ان ذكر رواية عبد اللّٰه بن زيد و غيره ان النبي (ص) أخذ لرأسه ماء جديدا قال: «و العمل على هذا عند أكثر أهل العلم رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديدا».

و في أحكام القرآن للشافعي ج 1 ص 50 «أخذ رسول اللّٰه (ص) لكل عضو ماء جديدا».

و قال في الأم ج 1 ص 22: «و الاختيار له ان يأخذ الماء بيديه فيمسح بهما رأسه معا: يبدأ بمقدم رأسه إلى قفاه و يردهما إلى المكان الذي بدا منه».

285

التنزيل- بأنه من المحتمل انه بعد ان سأله عن المسح بفضل رأسه فقال: «لا» سأله ثانيا أ يمسح بماء جديد؟ كناية عن الغسل و انه يقدر الغسل دون المسح، بمعنى «أ يغسل بماء جديد؟» فاجازه (عليه السلام) تقية.

هذا. و الظاهر انه لا ورود لأصل الإشكال فلا يحتاج إلى ما تمحله كل من هذين العلمين من الاحتمال، و ذلك فان المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى نقلا القول بجواز المسح عن الحسن البصري و ابن جرير الطبري و أبي علي الجبائي، و تعين المسح فقط عن الشعبي و أبي العالية و عكرمة و انس بن مالك، و نقله الشيخ في الاستبصار عن بعض الفقهاء من غير تعيين. و نقل والدي (قدس سره) في بعض حواشيه الجواز أيضا عن احمد و الأوزاعي و الثوري، و ان الإنسان عندهم مخير بين الغسل و المسح، و حينئذ فيتم الحمل على التقية من غير اشكال، و على تقديره فالمراد مسح الرجل كلها بطنا و ظهرا كما هو المنقول عنهم.

و مما يمكن ان يستدل به لابن الجنيد

حسنة منصور (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عمن نسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصلاة قال: ينصرف و يمسح رأسه و رجليه».

و رواية الكناني (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل توضأ فنسي أن يمسح على رأسه حتى قام في الصلاة؟ قال: فلينصرف فليمسح على رأسه و ليعد الصلاة».

و رواية أبي بصير عنه (عليه السلام) (3) «في رجل نسي أن يمسح رأسه فذكر و هو في الصلاة؟ فقال: ان كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه و على رجليه و استقبل الصلاة، و ان شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته ان كانت مبتلة و ليمسح على رأسه، و ان كان امامه ماء فليتناول منه فليمسح به رأسه».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 35- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 42- من أبواب الوضوء.

286

و هذه الأخبار قد اشتركت بحسب ظاهرها في الدلالة على الأمر بالاستيناف متى ذكر نسيان المسح في صلاته.

و الجواب عنها (أولا)- انها أخص من المدعى فلا تنهض حجة.

و (ثانيا)- انه يحتمل حمل الأمر بالمسح بعد الانصراف- بمعنى قطع الصلاة- على المسح من بلة شعره بناء على ان ثمة بلة حسبما تضمنته الروايات المتقدمة، و هذا الاحتمال في رواية أبي بصير أقرب منه في غيرها. و اما الأمر بالمسح فيها من بلل لحيته مع الشك فمحمول على الاستحباب استظهارا. و اما الأمر بتناول الماء ان كان امامه في صورة الشك فلعله مخصوص بهذه الصورة.

و (ثالثا)- بحمل

قوله (عليه السلام): «يمسح رأسه و رجليه»

على انه كناية عن اعادة الوضوء بسبب فوات الموالاة، فإن التعبير بمثله مجاز شائع في الأخبار، و منه ما تقدم

في حسنة الحلبي (1) حيث قال: «إذا ذكرت و أنت في صلاتك انك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض، فانصرف و أتم الذي نسيته.».

فإنه لا يستقيم على إطلاقه إلا بحمل الإتمام على اعادة الوضوء، إذ لو جف السابق على العضو المنسي المقتضي لفوات الموالاة، لم يكف الإتمام البتة بل تجب الإعادة.

و (رابعا)- بأن بإزائها من الأخبار المتقدمة ما هو صريح في ان الحكم في هذه الصورة هو الأخذ من بلة ما في الوجه و إلا فإعادة الوضوء، و يدل أيضا على الإعادة- زيادة على ما تقدم-

موثقة سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «من نسي مسح رأسه أو قدميه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره اللّٰه في القرآن، كان عليه اعادة الوضوء و الصلاة».

و حينئذ فلا بد من النظر في الترجيح، و لا ريب انه في الروايات المتقدمة لموافقتها للمجمع عليه كما هو أحد المرجحات المنصوصة، و لمخالفة ما عليه العامة الذي هو

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 3 و 42- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 3 و 35- من أبواب الوضوء.

287

كذلك، و الاحتياط الذي هو معدود منها أيضا، و اعتضادها باخبار الوضوء البياني، فيتعين حمل هذه الأخبار على أحد المحامل المذكورة آنفا، أو الحمل على التقية (1).

فائدة [هل يختص أخذ البلة من الوجه بجفاف اليد]

اعلم ان جملة من محققي متأخري المتأخرين صرحوا بأن الأخذ من بلة الوجه لا يتقيد بفقد البلة من اليد، بل يجوز و ان كان فيها بلة تجزئ للمسح، قالوا: و التعليق في عبارات الأصحاب انما خرج مخرج الغالب، و انه لا يختص الأخذ من هذه المواضع بل يجوز من جميع محال الوضوء، و تخصيص الشعر لكونه مظنة البلل.

و لا يخفى ان الحكم الأول لا يخلو من شوب الاشكال، لعدم الدليل على ذلك إذ المستفاد من اخبار الأخذ من بلة الوجه تقييد ذلك بحال النسيان و الدخول في الصلاة التي هي مظنة جفاف اليد كما لا يخفى، و اخبار الوضوء البياني- على تعددها و كثرتها- انما اشتملت على المسح بنداوة اليد و لم يتضمن شيء منها الأخذ من بلة الوجه، فمن المحتمل قريبا ان يكون الأخذ من بلة الوجه انما هو لضرورة جفاف اليد حينئذ و بدونه فلا يجوز، و الاحتياط تركه إلا مع الجفاف.

(الثامن) [ما يمسح به وجوبا و استحبابا]

- قد ذكر جملة من أصحابنا انه لا يجوز المسح بغير اليد اتفاقا، و ان الظاهر تعينه بالباطن لانه المتيقن، الا ان يتعذر فيجوز بالظاهر، و ان الاولى كونه في الناصية باليد اليمنى، و انه يمسح الرجل اليمنى باليد اليمنى و الرجل اليسرى باليسرى.

و لا يخفى عليك ان المسح باليمنى في الموضعين الأولين و اليسرى في الأخير و ان كان مما ظاهرهم الاتفاق على استحبابه. الا انه لا يخلو من شوب الاشكال، لما عرفت في مسألة الابتداء بالأعلى، الا ان يحمل «و تمسح» على الدخول في حيز الاجزاء بعطف «و تمسح» على «ثلاث غرفات» كما عرفت، فيضعف الاشكال على ما ذكرنا

____________

(1) راجع التعليقة 1 في الصحيفة 284.

288

و كذلك الاستحباب على ما ذكروا.

و ذكروا أيضا ان الواجب كونه بالأصابع. و لو تعذر المسح بالكف فقد صرح في الذكرى بالمسح بالذراع. و فيه اشكال.

و هل يشترط تأثير المسح في الممسوح؟ قولان، أظهرهما و أحوطهما الأول وفاقا للعلامة في التذكرة و السيد السند في المدارك.

الركن الخامس- مسح الرجلين

و الكلام فيه يقع في موارد:

(الأول)- وجوب مسح الرجلين دون غسلهما

مما انعقد عليه إجماع الإمامية (أنار اللّٰه برهانهم) فتوى و دليلا كتابا و سنة، و وافقنا عليه بعض متقدمي العامة، و آخرون خيروا بينه و بين الغسل، و بعض جمعوا بينهما، و استقر فتوى الفقهاء الأربعة على وجوب الغسل خاصة (1).

____________

(1) في عمدة القارئ ج 1 ص 657 «المذاهب في وظيفة الرجلين أربعة: (الأول)- مذهب الأئمة الأربعة من أهل السنة ان وظيفتها الغسل. (الثاني)- مذهب الإمامية من الشيعة الفرض مسحهما. (الثالث)- مذهب الحسن البصري و محمد بن جرير الطبري و أبي على الجبائي التخيير بين الغسل و المسح. (الرابع)- مذهب أهل الظاهر و هو رواية عن الحسن الجمع بين الغسل و المسح» ثم ذكر الأخبار المصرحة بغسل النبي (ص) رجليه و بعدها ذكر الأحاديث المصرحة بمسح النبي (ص) رجليه كحديث جابر الأنصاري و عمر و أوس ابن أوس و ابن عباس و عثمان و رجل من قيس. ثم ذكر

حديث رفاعة بن رافع قال: «غسل النبي (ص) وجهه و يديه إلى المرفقين و مسح برأسه و رجليه إلى الكعبين».

قال: «و حديث رفاعة حسنه أبو على الطوسي و الترمذي و أبو بكر البزاز و صححه الحافظ ابن حبان و ابن حزم» و في اختلاف الحديث على هامش الام ج 7 ص 60 و أحكام القرآن ج 1 ص 50 كلاهما للشافعي «غسل الرجلين كمال و المسح رخصة و كمال و أيهما شاء فعل»

و في تفسير الطبري ج 10 ص 59 من الطبعة تحقيق محمود محمد شاكر و احمد محمد شاكر «عن جابر عن أبي جعفر قال: امسح على رأسك و قدميك.

و عن الشعبي نزل جبريل بالمسح، أ لا ترى التيمم يمسح ما كان غسلا و يلغى ما كان مسحا.

و عن عامر نزل جبريل بالمسح.

ثم قال ابن جرير: الصواب عندنا ان اللّٰه تعالى أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم، و إذا فعل ذلك المتوضئ فهو ماسح غاسل لأن غسلهما إمرار الماء عليهما أو أصابتهما بالماء و مسحهما إمرار اليد أو ما قام مقامها عليهما» و بذلك كله يظهر لك ان قول ابن كثير في تفسيره ج 2 ص 26: «و من أوجب من الشيعة مسحهما فقد ضل و أضل» جرأة لا تغفر و عثرة لا تقال.

289

و الكلام في دلالة الآية (1) على وجوب المسح و نفى الغسل مما تكفل به مطولات أصحابنا (جزاهم اللّٰه تعالى عنا خير الجزاء).

لكن

روى الشيخ (رحمه اللّٰه) في التهذيب (2) عن غالب بن الهذيل قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّٰه عز و جل وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (3) على الخفض هي أم على النصب؟ قال: بل هي على الخفض».

و لا يخفى انه على تقدير النصب يدل على المسح أيضا بالعطف على محل الرؤوس، كما تقول:

مررت بزيد و عمرا. الا انه ربما يفهم من هذه الرواية ان قراءة أهل البيت (عليهم السلام) انما هي على الخفض و ان كان النصب مما يقرأون به في ذلك الوقت، كما هو أحد القراءات السبع المشهورة الآن، فانا قد حققنا في كتاب المسائل- و سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في هذا الكتاب التنبيه عليه في محله- ان هذه القراءات السبع فضلا عن العشر و ان ادعى بعض علمائنا (رضوان اللّٰه عليهم) تواترها عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) إلا ان الثابت في أخبارنا- و عليه جملة من أصحابنا- خلافه و ان صرحت أخبارنا بالرخصة لنا في القراءة بها حتى صاحب الأمر (عجل اللّٰه تعالى فرجه).

و ليس بالبعيد ان هذه القراءة كغيرها من المحدثات في القرآن العزيز، لثبوت

____________

(1) سورة المائدة. الآية 2.

(2) ج 1 ص 20، و في الوسائل في الباب- 25- من أبواب الوضوء.

(3) سورة المائدة. الآية 2.

290

التغيير و التبديل فيه عندنا زيادة و نقصانا. و ان كان بعض أصحابنا ادعى الإجماع على نفي الأول، إلا ان في أخبارنا ما يرده، كما انهم تصرفوا في قوله تعالى في آية الغار لدفع العار عن شيخ الفجار، حيث ان الوارد في أخبارنا أنها نزلت: «. فانزل اللّٰه سكينته على رسوله و أيده بجنود لم تروها.» (1) فخذفوا لفظ «رسوله» و جعلوا محله الضمير.

و يقرب بالبال- كما ذكره أيضا بعض علمائنا الأبدال- إن توسيط آية «. إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ. الآية» (2) في خطاب الأزواج من ذلك القبيل.

هذا، و ما يدل على وجوب المسح و نفى الغسل من أخبارنا فمستفيض، بل الظاهر انه من ضروريات مذهبنا.

و اما ما

في موثقة عمار- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) «في الرجل يتوضأ الوضوء كله إلا رجليه ثم يخوض بهما الماء خوضا؟ قال: أجزأه ذلك».

- فمحمول على التقية

و صحيحة أيوب بن نوح- (4) قال: «كتبت إلى ابي الحسن (عليه السلام) اسأله عن المسح على القدمين. فقال: الوضوء بالمسح و لا يجب فيه إلا ذلك، و من غسل فلا بأس».

- فيحتمل الحمل على التقية أيضا، فإن منهم من قال بالتخيير كما تقدم (5) و الحمل على التنظيف كما احتمله

الشيخ في التهذيب مستدلا عليه بصحيحة أبي همام عن أبي الحسن (عليه السلام) (6) «في وضوء الفريضة في كتاب اللّٰه المسح، و الغسل في الوضوء للتنظيف».

و روى زرارة مضمرا في الصحيح (7) قال قال لي: «لو أنك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم أضمرت ان ذلك هو المفترض لم يكن ذلك بوضوء، ثم قال: ابدأ بالمسح على الرجلين، فان بدا لك غسل فغسلت فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفترض».

____________

(1) سورة التوبة. الآية 40.

(2) سورة الأحزاب. الآية 33.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 25- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 25- من أبواب الوضوء.

(5) راجع التعليقة 1 في الصحيفة 288.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 25- من أبواب الوضوء.

(7) المروية في الوسائل في الباب- 25- من أبواب الوضوء.

291

قال المحدث الكاشاني في الوافي (1) بعد ذكر هذه الرواية: «لعل المراد بالحديث انه ان كنت في موضع تقية فابدأ أولا بالمسح ليتم وضوؤك ثم اغسل رجليك، فان بدا لك أولا في الغسل فغسلت و لم يتيسر لك المسح، فامسح بعد الغسل حتى تكون قد أتيت بالفرض في آخر أمرك» انتهى.

و قال شيخنا الشهيد في الذكرى: «و لو أراد التنظيف قدم غسل الرجلين على الوضوء، و لو غسلهما بعد الوضوء لنجاسة مسح بعد ذلك، و كذا لو غسلهما للتنظيف، و في خبر زرارة قال: ان بدا لك فغسلت فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفترض» انتهى.

(الثاني) [هل يجب الاستيعاب طولا في مسح الرجلين؟]

- المشهور- بل ادعى عليه في الانتصار الإجماع، و هو ظاهر العلامة في المنتهى حيث نسبه إلى علمائنا اجمع، و في التذكرة حيث قال: انه إجماع فقهاء أهل البيت (عليهم السلام)- وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين طولا و لو بمسماه عرضا، استنادا إلى ظاهر الكتاب بجعل «إلى» غاية للمسح، و جملة من الأخبار البيانية المشتملة على كون مسحهم (عليهم السلام) الى الكعبين.

و يدل عليه أيضا

صحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم. الحديث».

و تردد المحقق في المعتبر ثم رجح وجوب الاستيعاب لظاهر الآية. و احتمل في الذكرى عدم الوجوب، و به جزم المحدث الكاشاني في المفاتيح، و نفى عنه البعد صاحب رياض المسائل و حياض الدلائل.

و لا يخفى انه لو ثبت جعل «الى» هنا غاية للمسح كما ذكروه، لقوي الاعتماد على المشهور، لكن ثبوت جواز النكس- كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى- مما يمنع ذلك

____________

(1) ج 4 ص 46.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الوضوء.

292

فالأظهر جعلها غاية للممسوح، و يؤيد ذلك أيضا قرينة السياق، فإنها في المرفقين غاية للمغسول اتفاقا.

و اما الاستناد إلى بعض اخبار الوضوء البياني في الوجوب فمحل اشكال، لعدم الصراحة في ذلك، لاشتمال بعضها على مسح الرجلين و بعض على ظهر القدمين الصادق عرفا بمسح البعض، كاشتمالها على مسح الرأس في بعض و المقدم في آخر مع الاتفاق على عدم الاستيعاب فيه، فكذا فيهما.

و مما يدل على هذا القول أيضا الأخبار الدالة على عدم استبطان الشراكين حال المسح كما

في حسنة الأخوين عن الباقر (عليه السلام) (1) حيث قال (عليه السلام):

«. و لا يدخل أصابعه تحت الشراك.».

و حسنة زرارة عنه (عليه السلام) (2): «ان عليا (عليه السلام) مسح على النعلين و لم يستبطن الشراكين».

و ضعيفته أيضا (3): «ان عليا (عليه السلام) توضأ ثم مسح على نعليه و لم يدخل يده تحت الشراك».

و رواية جعفر بن سليمان (4) قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك يكون خف الرجل مخرقا فيدخل يده فيمسح ظهر قدمه، أ يجزيه ذلك؟ قال: نعم».

و يؤيده أيضا

قوله (عليه السلام) في صحيحة الأخوين (5): «قال اللّٰه تعالى:

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 24 و 38- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 23- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 23- من أبواب الوضوء. و سند الرواية في الكافي ج 1 ص 10 و الوافي ج 4 ص 44 عنه هكذا: عن جعفر بن سليمان عن عمه قال. إلخ، و في التهذيب عن الكافي ج 1 ص 18 و الوسائل و جامع الرواة ج 1 ص 152 عنه أيضا هكذا:

عن جعفر بن سليمان عمه قال. إلخ.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

293

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ. (1) فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من رجليه قدميه ما بين الكعبين إلى آخر أطراف الأصابع فقد أجزأه.».

و قال في حسنتهما (2) أيضا: «ثم قال وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه.».

و في صحيحتهما الأخرى (3) «انه قال في المسح: تمسح على النعلين و لا تدخل يدك تحت الشراك، و إذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك».

و هي ظاهرة- كما ترى- في كون التحديد في الآية للممسوح لا للمسح، حيث ان «إلى» في كلامه (عليه السلام) قرنت بالأصابع دون الكعبين عقيب الاستدلال بالآية في الروايتين الأولتين، فهو كالتفريع عليها و التفسير لها، قال شيخنا صاحب رياض المسائل (رحمه اللّٰه): و «ما» في «ما بين الكعبين» كما تحتمل الموصولية المفيدة للعموم و الأبدال من «شيء» فيفيد بمفهوم الشرط توقف الاجزاء على مسح مجموع المسافة الكائنة بينهما و هو يستلزم الوجوب، فكذا تحتمل الموصوفية مع الأبدال منه، و كلاهما مع كون «ما» واقعة على المكان منتصبة انتصاب الظرف، و العامل فيه ما عمل في الجار و المجرور الواقع صفة ل«شيء» من الكون، أو بدلا من قدميه أو من رجليه المبدل منه قدميه بدلا بعد بدل أو بدلا من البدل، فيفيد بالمنطوق دون المفهوم الاجتزاء بمسح جزء من المسافة المذكورة. و الاحتمالات الأخيرة- مع تعددها و انحصار مخالفها في فرد

____________

(1) سورة المائدة. الآية 6.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء. و لا يخفى ان الفرق بين الصحيحة و الحسنة انما هو في الطريق، فإن الأولى هي رواية الشيخ و الثانية رواية الكليني و قد رواها في الوسائل عن الكليني ثم قال: و رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد. إلخ.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 23- من أبواب الوضوء.

294

و أظهريتها أقل تخصيصا و أوفق بالأصل، فوجب المصير إلى ما اشتركت في الدلالة عليه إلا أن يثبت الإجماع على خلافه. انتهى. و هو جيد وجيه.

و بالجملة فإنه لا ظهور في شيء من الآية و الروايات المتعلقة بالمسألة في الدلالة على القول المشهور سوى صحيحة البزنطي المتقدمة (1) مع معارضتها بما ذكرنا من الأخبار المذكورة، الا ان الاحتياط في الوقوف على المشهور، و حينئذ فتحمل صحيحة البزنطي المتقدمة على الاستحباب.

هذا بالنسبة إلى الاستيعاب الطولى. و اما العرضي فقد نقلوا الإجماع على عدمه و منهم العلامة في التذكرة و المنتهى، الا انه في التذكرة- بعد ان ذكر ما قدمنا نقله عنه آنفا بأسطر يسيرة- قال: «و يستحب أن يكون بثلاث أصابع مضمومة، و قال بعض علمائنا يجب» انتهى. و في المختلف نسبه إلى المشهور مؤذنا بالخلاف فيه.

و يدل على المشهور ما تقدم (2) من صحيحتي الأخوين و حسنتهما و روايات عدم استبطان الشراكين في المسح مع اعتضادها بالأصل.

و على الثاني ظاهر الآية

و صحيحة البزنطي المتقدمة (3) حيث قال الراوي بعد نقل ما تقدم منها: «قلت: جعلت فداك لو ان رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا؟

فقال: لا إلا بكفه كلها».

و لا يخفى ما فيها من المبالغة في الاستيعاب، حيث انه مفهوم أولا من قوله: «فمسحها» ثم من النهي الصريح.

و يؤيده

قوية عبد الأعلى (4) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟ فقال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّٰه تعالى وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. امسح عليه».

____________

(1) في الصحيفة 291.

(2) في الصحيفة 292 و 293.

(3) في الصحيفة 291.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 39- من أبواب الوضوء.

295

و رواية معمر بن عمر عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «يجزئ من المسح على الرأس ثلاث أصابع، و كذلك الرجل».

و المسألة لا تخلو من اشكال، و لو لا اخبار المسح و عدم استبطان الشراكين، لكان القول بمضمون هذه الروايات في غاية القوة، فإن ما عداها قابل للتأويل و التقييد بهذه الأخبار. و حمل هذه الأخبار على الاستحباب- كما هو المشهور- ليس اولى مما قلناه، فإن صراحة صحيحة البزنطي فيما دلت عليه- كما قدمنا الإشارة اليه، مع الاعتضاد بظاهر الآية و الروايتين المذكورتين. و إجمال الشيء في روايات الأخوين- مما يرشد اليه و يحمل عليه. و اعتضاد تلك بدعوى الإجماع- كما قيل- ممنوع بعد وجود الخلاف كما عرفت، مع ما في الإجماع المدعى في أمثال هذه المقامات من المناقشة الظاهرة، و لهذا قال السيد السند في المدارك- بعد نقل الإجماع على الاكتفاء بالمسمى و لو بإصبع واحدة عن المعتبر و التذكرة، و الاستدلال بصحيحة زرارة (2)- ما لفظه:

«و لولا ذلك لأمكن القول بوجوب المسح بالكف كلها. لصحيحة أحمد بن محمد بن ابي نصر (3)» ثم ساق الرواية و قال: «فان المقيد يحكم على المطلق. و مع ذلك فالاحتياط هنا مما لا ينبغي تركه، لصحة الخبر و صراحته و إجمال ما ينافيه» انتهى و هو جيد ثم انه على تقدير وجوب الاستيعاب طولا فهل يجب إدخال الكعبين في المسح أم لا؟ وجهان بل قولان مبنيان على ما سبق في المرفقين. الا ان ظاهر صحيحتي الأخوين و اخبار عدم استبطان الشراكين (4) العدم هنا. و الاحتياط في أمثال هذه المقامات مما ينبغي المحافظة عليه.

(الثالث) [تعريف الكعب]

- هل الكعبان هما قبتا القدمين ما بين المفصل و المشط، كما هو

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الوضوء.

(2) المتقدمة في الصحيفة 292.

(3) المتقدمة في الصحيفة 294.

(4) المتقدمة في الصحيفة 292 و 293.

296

المشهور بين الأصحاب بل ادعى عليه جمع منهم الإجماع. أو ملتقى الساق و القدم المعبر عنه بالمفصل بين الساق و القدم، كما عليه العلامة و جمع ممن تأخر عنه، كالشهيد الأول في الرسالة و ان بالغ في التشنيع عليه في الذكرى، و صاحب الكنز، و شيخنا البهائي، و المحدث الكاشاني، و المحدث الحر العاملي، و جمع من متأخري المتأخرين؟ إشكال ينشأ من تعارض كلام أهل اللغة في هذا المقام، و تدافع اخبار أهل الذكر (عليهم السلام) مع دخول التأويل في اخبار كل من الطرفين و قبول الانطباق على كل من الجانبين و تفصيل هذه الجملة على وجه الاختصار انه قد نقل أول الشهيدين في الذكرى و ثاني المحققين في شرح القواعد، ان لغوية العامة مختلفون في ذلك، و اما لغوية الخاصة فهم متفقون على انه بمعنى المشهور.

و نقل شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين ان الكعب يطلق على معان أربعة:

(الأول)- العظم المرتفع في ظهر القدم الواقع بين المفصل و المشط. (الثاني)- المفصل بين الساق و القدم (الثالث)- عظم مائل إلى الاستدارة واقع في ملتقى الساق و القدم له زائدتان في أعلاه يدخلان في حفرتي قصبة الساق و زائدتان في أسفله يدخلان في حفرتي العقب، و هو نأت في وسط ظهر القدم اعني وسطه العرضي و لكن نتوه غير ظاهر لحس البصر لارتكاز أعلاه في حفرتي الساق، و قد يعبر عنه بالمفصل، لمجاورته له أو من قبيل تسمية الحال باسم المحل. (الرابع)- أحد الناتيين عن يمين القدم و شماله.

و أقول: المعنى الأول هو الذي عليه جمهور الأصحاب، و الثالث هو الذي نسبه (قدس سره) للعلامة و ان عبر عنه بالمفصل مجازا كما ذكره، و على هذا فالثاني يرجع إلى الثالث، و الرابع هو الذي عليه العامة.

ثم نقل (قدس سره) جملة من كلام العامة كالفخر الرازي في تفسيره الكبير، فإنه قال: «قالت الإمامية و كل من ذهب إلى وجوب المسح: ان الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب الغنم و البقر موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل

297

الساق و القدم، و هو قول محمد بن الحسن، و كان الأصمعي يختار هذا القول، ثم قال:

حجة الإمامية ان اسم الكعب يطلق على العظم المخصوص الموجود في ارجل جميع الحيوانات، فوجب ان يكون في حق الإنسان كذلك» و مثله كلام صاحب الكشف و كلام النيشابوري، ثم نقل جملة من كلام علماء التشريح.

و عورض بان ابن الأثير قال- بعد ذكر الكعب بالمعنى الذي عليه العامة- ما لفظه: «و ذهب قوم إلى أنهما العظمان اللذان في ظهر القدم، و هو مذهب الشيعة، و منه قول يحيى بن الحرث: رأيت القتلى يوم زيد بن علي فرأيت الكعاب في وسط القدم» و مثل ذلك نقل عن صاحب لباب التأويل، و نقل الشهيد في الذكرى عن العلامة اللغوي عميد الرؤساء انه صنف كتابا في تحقيق معنى الكعب و أكثر فيه من الشواهد على ان الكعب هو الناشز في ظهر القدم امام الساق حيث يقع معقد الشراك من النعل، و يظهر من الصحاح ان ذلك قول أكثر الناس، حيث قال: «و أنكر الأصمعي قول الناس انه في ظهر القدم» و قال في الذكرى أيضا: «و من أحسن ما ورد في ذلك ما ذكره أبو عمرو الزاهد في كتاب فائت الجمهرة، قال: اختلف الناس في الكعب، فأخبرني أبو نصر عن الأصمعي انه الناتي في أسفل الساق عن يمين و شمال، و أخبرني سلمة عن الفراء قال هو في مشط الرجل و قال هكذا برجله، قال أبو العباس فهذا الذي يسميه الأصمعي الكعب هو عند العرب المنجم، قال:

و أخبرني سلمة عن الفراء عن الكسائي قال قعد محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) في مجلس كان له و قال: ههنا الكعبان قال فقالوا هكذا فقال: ليس هو هكذا و لكنه هكذا و أشار إلى مشط رجله، فقالوا له: ان الناس يقولون هكذا فقال: لا، هذا قول الخاصة و ذاك قول العامة».

انتهى.

و أنت خبير بان المعنى الثالث- من المعاني التي ذكرها شيخنا البهائي و هو الذي ادعى انه مراد العلامة- لم يذكر في كلام أحد من أهل اللغة و ان ذكره جملة من علماء العامة و نسبوه إلى الشيعة كما نقله، و ذكره علماء التشريح أيضا. و ما توهمه من عبارة

298

القاموس- حيث قال- بعد تفسيره بالمفصل و العظم الناشز فوق القدم و الناشزين من جانبي القدم- ما لفظه: «و الذي يلعب به كالكعبة»- فغير صريح في المعنى الذي أراده، لاحتمال حمله على كعب النرد كما ذكره في النهاية، حيث قال: «الكعاب فصوص النرد واحدها كعب و كعبة، و اللعب بها حرام» انتهى، بل هذا المعنى أظهر. هذا ما يتعلق بذلك من كلام أهل اللغة.

و اما كلام علمائنا (رضوان اللّٰه عليهم) في هذا المقام فأكثر عباراتهم- تصريحا في بعض و تلويحا في آخر- انما ينصب على القول المشهور سيما عبارة الشيخ المفيد، فإنها في ذلك على غاية من الظهور حيث قال: «الكعبان هما قبتا القدمين امام الساقين ما بين المفصل و المشط» و ظاهر الشيخ في التهذيب- بعد نقل العبارة المذكورة- القول بذلك بل دعوى الإجماع على ان الكعب هو ذلك، حيث قال: «و يدل عليه إجماع الأمة، فإنهم بين قائل بوجوب المسح دون غيره و يقطع على ان المراد بالكعبين ما ذكرنا، و قائل بوجوب الغسل عينا أو تخييرا بينه و بين المسح و يقول الكعبان هما العظمان الناتيان خلف الساق، و لا قول ثالث، فإذا ثبت بالدليل الذي قدمنا ذكره وجوب مسح الرجلين و انه لا يجوز غيره ثبت ما قلناه من ماهية الكعبين» انتهى. و لا يخفى عليك ما فيه من الصراحة في المعنى المشهور.

و جملة من عبارات الأصحاب- كابن أبي عقيل و السيد المرتضى و أبي الصلاح و الشيخ في أكثر كتبه و ابن إدريس و المحقق- قد اشتركت في وصف الكعبين بأوصاف متلازمة، من وصفه بالنتو في ظهر القدم عند معقد الشراك في بعض، و كونه في ظهر القدم في أخرى، و كونه معقد الشراك في ثالثة. و النتو في وسط القدم في رابعة، و كونهما في ظهر القدم عند معقد الشراك في خامسة، و انهما معقدا الشراك في سادسة، و كونهما قبتي القدم في سابعة.

299

و العلامة (رحمه اللّٰه) قد ادعى انصباب هذه العبارات على ما ذهب اليه و ادعى اشتباهها على غير المحصل، و شيخنا البهائي (طاب ثراه) أوضح هذه الدعوى بان هذه العبارات لا تأبى الانطباق على ما ذهب إليه العلامة من المعنى الثالث من معاني الكعب المتقدمة، لأن غاية ما يتوهم منه المنافاة وصفه بالنتو في وسط القدم، و العلامة قد فسره في التذكرة و المنتهى بذلك لكنه يقول ليس هو العظم الواقع امام الساق بين المفصل و المشط بل هو العظم الواقع في ملتقى الساق و القدم، و هو الذي ذكره المشرحون، و هو- كما تقدم- نأت في وسط ظهر القدم اعني وسطه العرضي و لكن نتوه غير ظاهر لحس البصر لارتكاز أعلاه في حفرتي الساق، و ربما عبر عنه في بعض كتبه بحد المفصل و في بعضها بمجمع الساق و القدم و في بعضها بالناتي في وسط القدم و في بعضها بالمفصل. انتهى أقول: و أنت إذا أعطيت التأمل حقه من الإنصاف وجدت ان تنزيل عبائر الأصحاب على ما ذكره (رحمه اللّٰه) في غاية الاعتساف، فان المتبادر من الوسط هو ما كان في الطول و العرض و من الارتفاع و النتو هو ما كان محسوسا مشاهدا، و لو كان المراد بالكعب هذا المعنى الذي لا يفهمه إلا علماء التشريح دون سائر العلماء فضلا عن المتعلمين لا وضحوه بعبارات جلية و بينوه بكلمات واضحة غير خفية، و لما اقتصروا في وصفه على مجرد النتو و الارتفاع الغير المحسوس الذي هو من قبيل تعريف المجهول بما هو أخفى نعم في عبارة ابن الجنيد ما يوهم ذلك، حيث قال: «الكعب في ظهر القدم دون عظم الساق، و هو المفصل الذي هو قدام العرقوب» و يحتمل رجوع ضمير «هو» الى عظم الساق و يكون المراد انه عند عظم الساق، بقرينة سابق كلامه من قوله: «الكعب في ظهر القدم» هذا خلاصة ما يتعلق بكلام الأصحاب.

و اما الأخبار الواردة في هذا المضمار (فمنها)-

صحيحة الأخوين (1) حيث قال فيها: «فقلنا اين الكعبان؟ قال: ههنا يعني المفصل دون عظم الساق. فقلنا: هذا

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

300

ما هو؟ قال: هذا عظم الساق و الكعب أسفل من ذلك» و قوله: «و الكعب أسفل من ذلك».

في رواية الكافي دون التهذيب.

و هذا الحديث هو عمدة أدلة العلامة و من تابعه، و هو ظاهر فيما ادعوه، إلا ان للمجيب ان يقول- بناء على ظهور غيره من الأخبار في المعنى المشهور و ظهور عبارات الأصحاب في خلافه- كما عرفت- غاية الظهور-:

(أولا)- بأنه و ان ظهر ذلك بالنسبة إلى رواية التهذيب إلا انه بالنظر إلى الزيادة التي في الكافي من قوله: «و الكعب أسفل من ذلك» لا يخلو من اشكال، فإنه اما أن يكون المشار إليه- في قوله: «هذا من عظم الساق» على ما في الكافي أو «هذا عظم الساق» على ما في التهذيب- المنجم أو منتهى عظم الساق، فان كان الأول فهو عند المفصل كما قال في النهاية: «الكعبان: العظمان الناتيان عند مفصل الساق و القدم من الجنبين» و حينئذ فحكمه (عليه السلام) بان الكعب أسفل من ذلك ظاهر في انه المعنى المعروف عند القوم، و ان كان الثاني فالأمر أوضح، فعلى هذا يجب حمل قوله:

«ههنا يعنى المفصل» على انه قريب إلى المفصل لئلا يلزم التناقض.

فان قيل: انه يمكن حمل قوله: «أسفل من ذلك» على التحتية كما يدعيه شيخنا البهائي (قدس سره) فلا يلزم التناقض.

قلنا: ان لم يكن ما ذكرنا من حمل الاسفلية على الكعب المشهور أظهر لظهور ذلك لكل ناظر و تبادره لكل سامع، فلا أقل من المساواة، و به ينتفي ظهور الرواية في المدعى فضلا عن أظهريتها.

و (ثانيا)- بأنها معارضة بما سيأتي من الأخبار فيجب ارتكاب التجوز فيها جمعا و من تلك الأخبار

صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الوضوء.

301

فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم.».

و هذا مما استدل به العلامة أيضا على ما ذهب اليه، و جملة من الأصحاب نقلوا الخبر بلفظ «ظهر» بدل «ظاهر» و على أيهما كان فقوله «الى ظاهر» أو «ظهر» بدل من قوله: «الى الكعبين» و هو محتمل للمعنى المشهور بناء على ان الظاهر يقال لغة لما ارتفع، قال في القاموس: «و الظواهر أشراف الأرض» و قال في مادة شرف:

«الشرف محركة: العلو، و المكان العالي» انتهى و الظهر أيضا يقال لما ارتفع و غلظ من الأرض كما في القاموس أيضا، و على كل من النسختين فانطباقه على المشهور ظاهر و يحتمل حمل الظهر و الظاهر على ما قابل البطن و الباطن كما استدل به للقول الآخر، و لكن لا بد من تتميمه بحمل الظهر أو الظاهر على الاستيعاب طولا لعدم قرينة البعضية، فيكون المراد به نهايته المتصلة بالساق. و يمكن الجواب بالحمل على الاستحباب بقرينة ان ما اشتملت عليه الرواية سوى أصل المسح- من الاستيعاب الطولي بناء على ما أسلفنا تحقيقه، و العرضي كما أوضحناه أيضا، و الابتداء بالأصابع- كله مستحب.

و (منها)-

حسنة ميسر عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «الوضوء واحد، و وصف الكعب في ظهر القدم».

و أورد في التهذيب هذه الرواية في موضع بهذه الكيفية و في موضع آخر بهذا السند و المتن لكن بلفظ «واحدة» بدل «واحد» و لفظ «ميسرة» بدل «ميسر» كما هو في الكافي كذلك.

و روايته الأخرى أيضا عنه (عليه السلام) (2) في حكاية الوضوء البياني، قال فيها:

«ثم مسح رأسه و قدميه ثم وضع يده على ظهر القدم ثم قال: هذا هو الكعب، قال و أومأ بيده إلى أسفل العرقوب ثم قال: ان هذا هو الظنبوب».

و هاتان الروايتان مما استدل به القائلون بالقول المشهور من حيث تضمنهما ان

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

302

الكعب في ظهر القدم، و المتبادر من ذلك- كما عرفت- هو ما ظهر في وسطه الطولى المعبر عنه فيما تقدم من كلامهم بالناتي في وسط القدم و الناتي في ظهر القدم أي ما كان نتوه ظاهرا محسوسا.

و اما القائلون بالقول الآخر فتأولوا كونه في الظهر بمعنى كونه واقعا فيه و ان كان في منتهاه و خفي على الحس.

قال في الوافي- بعد نقل أول هذين الخبرين- ما لفظه: «و وصف الكعب في ظهر القدم لا ينافي كونه المفصل، لأنه في ظهرها و منتهاها. و انما قال ذلك ردا على المخالفين حيث جعلوهما في طرفي القدم و جانبيها» انتهى.

و قال شيخنا البهائي: «على ان قول ميسر- في الحديث الثالث: ان الباقر وصف الكعب في ظهر القدم- يعطي ان الامام (عليه السلام) ذكر للكعب أوصافا ليعرفه الراوي بها، و لو كان الكعب هذا الارتفاع المحسوس المشاهد لم يحتج إلى الوصف بل كان ينبغي أن يقول: هو ذا، و قس عليه قوله (عليه السلام) في الحديث الأول:

«ههنا» بالإشارة إلى مكانه دون الإشارة إليه» انتهى.

أقول: قد قال في رواية ميسر الثانية «هو هذا» فان كان ذلك يكفي في الدلالة على المعنى المشهور فينبغي ان يوافق عليه شيخنا المذكور.

و بالجملة فإنه لما كان الكعب يطلق على كل من المعنيين المذكورين فحمل الروايات جملة على أحدهما دون الآخر يحتاج إلى دلالة بينة واضحة و قرينة مفصحة راجحة، و قد عرفت ان الاحتمالات قائمة من الطرفين و متصادمة من الجانبين و ان ادعى كل من القائلين رجحان ما ذهب اليه و قوة ما اعتمد عليه، إلا ان الحق ان ذلك مما يدخل تلك الأخبار في حيز المشتبهات و يوجب العمل بالاحتياط في المسألة.

و يقوى عندي ما ذهب اليه بعض الفضلاء من متأخري المتأخرين في هذا المقام و ان كان خلاف ما عليه جملة من متأخري علمائنا الاعلام، حيث قال بعد نقل جملة من كلام القوم

303

على العلامة و ما أوقعوه به من الشناعة و الملامة: «هذا ملخص ما شنعوا به عليه، و عند إمعان النظر في كلام العلامة و ملاحظة ما أورده في غير المختلف يعلم انه لمن يخرج بقوله عن المشهور بل هو عينه إلا انه بسبب قصده لتطبيق النص عليه خرج في بعض عباراته عن المعهود من كلامهم، و بيان ذلك انه (رحمه اللّٰه) قال في التذكرة: «و محل المسح ظهر القدمين من رؤوس الأصابع إلى الكعبين، و هما العظمان الناتيان في وسط القدم، و هما معقد الشراك اعني مجمع الساق و القدم، ذهب إليه علماؤنا اجمع، و به قال محمد بن الحسن الشيباني لأنه مأخوذ من «كعب ثدي المرأة إذا ارتفع»

«و لقول الباقر (عليه السلام) و قد سئل فأين الكعبان؟: ههنا يعني المفصل دون عظم الساق».

و قال في المنتهى: «ذهب علماؤنا إلى ان الكعبين هما العظمان الناتيان في وسط القدم، و هما معقدا الشراك، و به قال محمد بن الحسن من الجمهور، و خالف الباقون فيه و قالوا ان الكعبين هما الناتيان في جانبي الساق، و هما المسميان بالظنابيب» ثم أخذ في الاستدلال و أورد صحيحة زرارة و بكير ابني أعين المذكورة (1) و روايتي ميسر المتقدمتين (2) إلى أن قال:

فروع (الأول)- قد تشتبه عبارة علمائنا على بعض من لا مزيد تحصيل له في معنى الكعب. و الضابط فيه ما رواه زرارة، و أورد الرواية، في القواعد عرف الكعبين بأنهما حد المفصل بين الساق و القدم، و في الإرشاد أنهما مجمع القدم و أصل الساق. و المفهوم من خلال هذه العبارات انه أطلق المفصل على العظمين الناتيين تارة و أطلق عليهما الحد و المجمع تارة أخرى، و كلامه في التذكرة صريح في ذلك، حيث فسر العظمين الناتيين بأنهما معقدا الشراك و فسر معقد الشراك بأنه مجمع الساق و القدم، و في المنتهى قريب منه و لما كان مدلول رواية زرارة و أخيه يقتضي ان الكعبين هما المفصل حيث فسر الامام (عليه السلام) فيهما الكعبين بأنهما المفصل دون عظم الساق و رأى علماءنا أطبقوا على انهما العظمان الناتيان، أراد الجمع بين الكلامين فحمل المفصل على ذلك باعتبار كون

____________

(1) في الصحيفة 299.

(2) في الصحيفة 301.

304

طرفي ذينك العظمين مما يلي الساق حد المفصل و الساق لأن عظم الساق متصل بهما، فأطلق عليهما المفصل من جهة كونهما حدا له و بداية لحصوله، فيكون تعريفهما بالمفصل باعتبار نهايتهما، و غاية الأمر ان ذلك على طريق التجوز لعلاقة المجاورة، و ليس في كلامه ما ينفي إرادة المعنى المشهور بوجه من الوجوه، بل مقتضى نقله اتفاق علمائنا اجمع عليه انه لا يحتمل ارادة غيره، و بسبب انه مخالف لظاهر الرواية كما ذكرنا نبه عليه بأنه اشتباه على غير المحصل و ان المحصل يعرف ان المراد بالكعبين هو المفصل باعتبار كونه حدا و نهاية لهما و لذلك أطلق عليهما، و ربما كانت الحكمة في هذا الإطلاق من الامام (عليه السلام) ارادة إيصال المسح إلى نهاية الكعب، و لا يليق حمل كلام العلامة على ما فهموه منه، لانه يلزم من ذلك مناقضة أول كلامه لآخره و الخروج عن نقل الإجماع عليه و عدم فهمه المعنى الظاهر من عبارات الأصحاب، و ذلك لا ينسب لا دون الناس و ابلدهم فضلا عن مثل جلالة قدر العلامة (رحمه اللّٰه) و مما يؤكد ذلك ان المحقق في المعتبر استدل على كون الكعبين هما العظمان الناتيان بهذه الرواية، فلو لا ان المراد بالمفصل ما أشرنا اليه لم يتجه له الاستدلال بها على ذلك» انتهى كلامه زيد مقامه. و انما نقلناه بطوله ليظهر لك حسنه و جودة محصوله.

و أقول: ربما يتسارع الناظر- لالفة ذهنه بما زعمه القوم في هذه المسألة من التحقيق- إلى إنكار ما ذكره هذا الفاضل من التلفيق، و عند التأمل الصادق يجده أقرب مما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) فإنه (طاب ثراه) و ان دقق النظر في المقام و أيده بكلام أولئك الأقوام، كما هو مقتضى فهمه الثاقب و نظره الصائب في استجلاء أبكار الأحكام، الا ان حمل هذه العبارات من العلامة و غيره من الأصحاب على ما ذكره من هذا المعنى الخفي- كحمل النتو على النتو في بطن الظهر و ان لم يظهر للحس، و التوسط على التوسط العرضي في آخر القدم. و حمل معقد الشراك على كونه في المفصل مع ان كل أحد يعلم انه قدام المفصل، مع عدم الإشارة إلى شيء من ذلك في تلك

305

العبارات سيما عبارات العلامة (عطر اللّٰه مرقده) الذي هو مخترع هذا القول على تعددها فإن غاية ما يخرج به عن كلام القوم التعبير بالمفصل دون هذا العظم الخفي الذي ذكره- يكاد يقطع العقل ببعده.

و عمدة ما يدور عليه كلامه (قدس سره)- في الاستدلال على هذا القول و يشجعه على انه مراد العلامة- شيئان:

(أحدهما)- نسبة الفخر الرازي و من تبعه ذلك إلى الشيعة و فيه ان الفخر الرازي قد نقل ذلك أيضا عن الأصمعي كما قدمنا نقله عنه، مع انك قد عرفت- مما نقله شيخنا الشهيد في الذكرى عن أبي عمرو الزاهد- ان مذهب الأصمعي في الكعب انما هو مذهب العامة، و بذلك أيضا صرح احمد بن محمد الفيومي في المصباح المنير، و حينئذ فإذا احتمل تطرق الاختلال إلى نقله عن علماء مذهبه فبالطريق الاولى إلى مذهب الشيعة، و يؤيده ما قدمنا نقله عن ابن الأثير من ان مذهب الشيعة انهما العظمان اللذان في ظهر القدم، و ما صرح به في المصباح المنير أيضا، حيث قال: «و ذهبت الشيعة إلى ان الكعب في ظهر القدم و أنكره أئمة اللغة كالاصمعي و غيره».

و (ثانيهما)- صحيح زرارة و أخيه المتقدم ذكره (1) و هو- بعد ما عرفت من ظهور هذا المعنى من كلام الأصحاب سيما كلام الشيخين في المقنعة و التهذيب و ظهوره أيضا من تلك الأخبار المتقدمة- يجب إرجاعه إلى ما عليه الأصحاب سيما مع عدم الصراحة لما عرفت من تطرق الاحتمال إلى المعنى الذي اعتمدوه منه، و جملة المتقدمين من الأصحاب لم يفهموا منه المخالفة لما قرروه في عبائرهم من معنى الكعب المشهور، و لهذا ان الشيخ في التهذيب- بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه مما هو صريح في المعنى المشهور- نظم هذه الرواية في سلك الأدلة على ذلك و لم يجعلها في قالب المخالف، و المحقق في المعتبر كذلك بعد ما عرف الكعب بأنه قبة القدم، و ما ذاك كله إلا لفهمهم منها الانطباق على المعنى

____________

(1) في الصحيفة 299.

306

المشهور و ان احتيج إلى ارتكاب نوع من المجاز.

و بالجملة فتأويل كلام العلامة (رضوان اللّٰه عليه) بما يرجع إلى المشهور- و ان اعتراه في بعض عبائره نوع من القصور- أهون و أقرب مما تكلفه (قدس سره) و حينئذ فينحصر الخلاف في شيخنا البهائي (رحمه اللّٰه) و من تبعه على تلك المقالة. و الاحتياط بإيصال المسح إلى المفصل بل إلى عظم الساق مما ينبغي المحافظة عليه. و اللّٰه الهادي.

(الرابع) [هل يجوز النكس في مسح الرجلين؟]

- الظاهر جواز النكس هنا كالرأس. وفاقا للمشهور و خلافا لظاهري المرتضى و ابن بابويه و ابن إدريس فيما قطع به، بل نقل عنه في المختلف كراهية الاستقبال لما تقدم من الأدلة.

و يزيده تأكيدا هنا

رواية يونس (1) قال: «أخبرني من رأى أبا الحسن (عليه السلام) بمنى يمسح ظهر قدميه من أعلى القدم إلى الكعب و من الكعب إلى أعلى القدم و يقول: الأمر في مسح الرجلين موسع: من شاء مسح مقبلا و من شاء مسح مدبرا، فإنه من الأمر الموسع ان شاء اللّٰه».

و صحيحة حماد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس بمسح القدمين مقبلا و مدبرا».

و استدل للقول الآخر بالآية بناء على أن «الى» فيها لانتهاء المسح. و فيه انها محتملة لكل من غاية المسح و الممسوح فالحمل على أحدهما دون الآخر ترجيح بغير مرجح بل ظاهر الأخبار المتقدمة في المورد الأول من هذا البحث كونها غاية للممسوح كما تقدمت الإشارة إليه ثمة.

و بالوضوء البياني. و فيه انه محمول على الاستحباب جمعا بين الأخبار.

و بصحيحة البزنطي (3) حيث قال فيها: «. فوضع كفه على الأصابع فمسحها

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 20- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 20- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 24- من أبواب الوضوء.

307

إلى الكعبين.».

و فيه أيضا ما في سابقه.

و بيقين البراءة. و فيه انه يرجع إلى الاحتياط، و هو هنا مستحب لا واجب كما تقدمت الإشارة إليه.

(الخامس) [تتمة البحث في وجوب المسح بالبلة]

- قد تقدم في سابق هذا البحث الكلام في وجوب المسح بالبلة و عدم جواز استئناف ماء جديد للمسح. لكن بقي الكلام هنا في موضعين:

(أحدهما)- انه لو كانت البلة الباقية مشتملة على ما يتحقق به الجريان لو مسح فهل يمسح بها و الحال كذلك، أو يجب التجفيف حذرا من وقوع الغسل المقابل للمسح المنهي عنه في الأخبار فلا يحصل الامتثال؟ وجهان بل قولان يلتفتان إلى ان النسبة بين الغسل و المسح التباين أو العموم من وجه، فيجتمعان في إمرار اليد مع الجريان و ينفرد الأول بالثاني خاصة و الثاني بالأول، و الأول ظاهر المشهور، و إلى الثاني مال جملة من محققي متأخري المتأخرين، و لعله الأظهر، و سيأتي مزيد تحقيق للمسألة.

و (ثانيهما)- انه مع وجود بلة على الممسوح خارجة عن ماء الوضوء، فهل يجوز المسح و الحال كذلك، أم يجب التجفيف حذرا من لزوم المسح بماء جديد؟ قولان و بالثاني صرح العلامة في المختلف و نقله فيه و في المنتهى عن والده أيضا.

و على الأول فهل يجوز مع وجود الرطوبة مطلقا، أو يشترط غلبة ماء الوضوء عليها؟

قولان، و بالثاني صرح الشهيد في الدروس، و بالأول صرح المحقق و ابن إدريس و ابن الجنيد، قال ابن الجنيد: «من تطهر إلا رجليه فدهمه أمر يحتاج معه إلى ان يخوض بهما نهرا مسح عليهما يده و هو في النهر ان تطاول خوضه و خاف جفاف ما وضأ من أعضائه، و ان لم يخف كان مسحه بعد خروجه أحب الي و أحوط» و قال ابن إدريس:

«إذا كان قائما في الماء و توضأ ثم اخرج رجليه من الماء و مسح عليهما من غير ان يدخل يده في الماء فلا حرج عليه، لانه ماسح إجماعا، و الظاهر من الآيات و الأخبار متناول له» و قال في المعتبر: «لو كان في ماء و غسل وجهه و يديه و مسح برأسه و رجليه جاز، لان

308

يديه لا تنفك من ماء الوضوء و لم يضره ما كان على القدمين من الماء» و ظاهره جواز المسح في الماء كما في كلام ابن الجنيد، مع احتمال الحمل على خروج الرجل كما في كلام ابن إدريس.

احتج العلامة في المختلف على ما ذهب اليه والده و رجحه هو فيه- بان المسح يجب بنداوة الوضوء و يحرم التجديد. و مع رطوبة الرجلين يحصل المسح بماء جديد.

و الأظهر- كما استظهره جملة من المحققين- القول بالجواز مطلقا، لأصالة الجواز و صدق الامتثال، و تناول إطلاق الآية و الأخبار لذلك، و عدم الدليل على المنع، و منع صدق التجديد لو حصل الجريان باجتماع البلتين بل و لو ببلة الممسوح منفردة عند عدم القصد إلى الغسل و ان صدق اسم الغسل، و يؤيده

صحيحة زرارة (1): «لو أنك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم أضمرت ان ذلك هو المفترض لم يكن ذلك بوضوء.».

الدالة على جواز غسل الممسوح لا بذلك القصد، و بذلك يظهر أظهرية ما استظهرناه في المسألة السابقة.

إلا انه يمكن ان يقال ان ظاهر عبارات المجوزين ان البلة الباقية في اليد من ماء الوضوء و ان قلت لا تزول بملاقاتها للماء الذي على الرجل الممسوحة و ان كثر، فالمسح يحصل بها و ان شاركها غيرها، و الاستناد إلى ظواهر الأدلة انما هو من هذه الجهة، بمعنى انه يصدق المسح المأمور به شرعا و الحال كذلك، و هو عندي محل اشكال و خفاء و لا سيما في المسح داخل الماء كما ذكره ابن الجنيد، فإنه لا ريب ان غلبة الماء الذي على الممسوح على البلة الباقية في اليد على وجه تضمحل به في جنبه توجب حصول التجديد في المسح، كما انه لو كان على هذه اليد الماسحة- مثلا- بول فإنه بوضعها في الماء يجب الحكم بطهارتها، لزوال نجاسة البول منها بغلبة الماء، فبالطريق الاولى هنا، أو كان عليها ماء مضاف فإنه يجب الحكم بزواله عنها في الصورة المذكورة، و هكذا يجري بالنسبة إلى ما لو لم يكن

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 25- من أبواب الوضوء.

309

في الماء و لكن أخرجها من الماء- كما ذكره ابن إدريس- و عليها ماء كثير و البلة التي على اليد قليلة جدا، فإنها تضمحل في جانب ذلك الماء و يحكم عرفا بل شرعا بزوالها بملاقاة ذلك الماء لاضمحلالها في جنبه، و من الظاهر ان بناء قاعدة التطهير من نحو البول باستنجاء أو غيره على غلبة المطهر انما هو من حيث ان النجاسة تزول و تضمحل في جنبه، و لو كانت باقية لما حصل التطهير، فكذا ما نحن فيه، و حينئذ فمتى كانت الرطوبة التي على ظهر الرجل مما تغلب على البلة و تضمحل البلة في جنبها فإنه يحصل المسح بالماء الجديد.

و بالجملة فالمسألة عندي محل توقف لعدم النص، و ما ادعوه من الدخول تحت العمومات ليس بمطرد في جميع ما ذكروه، فالواجب عندي هو الوقوف على جادة الاحتياط، و ان يراعى عدم غلبة الماء الذي على ظاهر العضو الممسوح على البلة الباقية و الاحتياط- بتجفيف الرجل و نفض اليدين من البلة المستلزمة للجريان- مما ينبغي المحافظة عليه.

(السادس) [عدم جواز المسح في الرأس و الرجلين على الحائل]

- لا يجوز المسح في كل من الرأس و الرجلين على حائل اختيارا إجماعا منا فتوى و رواية، و من الحائل الشعر في الرجل على المعروف من مذهب الأصحاب فمن الأخبار الواردة بذلك

صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «انه سئل عن المسح على الخفين و على العمامة. فقال: لا تمسح عليهما».

و مرفوعة محمد بن يحيى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «في الذي يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء؟ قال: لا يجوز حتى يصيب بشرة رأسه بالماء».

و ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن المرأة هل يصلح لها ان تمسح على الخمار؟ قال: لا يصلح حتى تمسح على رأسها».

إلى غير ذلك من الأخبار.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 38- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 37- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 37- من أبواب الوضوء.

310

اما مع الضرورة كالتقية و البرد الشديد و نحوهما فظاهر كلمة الأصحاب الاتفاق على الجواز.

و يدل عليه بالنسبة إلى الرجلين

رواية أبي الورد (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ان أبا ظبيان حدثني انه رأى عليا (عليه السلام) أراق الماء ثم مسح على الخفين؟ فقال: كذب أبو ظبيان، أما بلغكم قول علي (عليه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفين؟ قلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: لا، إلا من عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك».

و الرواية و ان كانت ضعيفة السند باصطلاح متأخري أصحابنا إلا انها مجبورة بعمل الأصحاب و اتفاقهم على الحكم المذكور، على ان أبا الورد و ان كان غير مذكور في كتب الرجال بمدح و لا قدح إلا انه قد روى في الكافي ما يشعر بمدحه، و لهذا عده شيخنا المجلسي في وجيزته في الممدوحين، و شيخنا أبو الحسن في بلغته قال روى مدحه مع ان الراوي عنه هنا بواسطة حماد بن عثمان، و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، و الرواية بناء على ظاهر هذه العبارة صحيحة، و كيف كان فهي- باعتبار مجموع ما ذكرنا من المرجحات مضافا إلى الاتفاق على الحكم- مما يقوى الاعتماد عليها و اما

ما رواه في الكافي (2) عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عمر الأعجمي قال: «قال لي أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): يا أبا عمر ان تسعة أعشار الدين في التقية، و لا دين لمن لا تقية له، و التقية في كل شيء إلا في النبيذ و المسح على الخفين».

فالظاهر حمله عليهم (صلوات اللّٰه عليهم) دون غيرهم، كما يشير اليه

ما رواه حريز عن زرارة في الصحيح (3) قال: «قلت له: هل في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 38- من أبواب الوضوء.

(2) الأصول ج 2 ص 217 و في الوسائل بالتقطيع في الباب- 24 و 25- من الأمر بالمعروف.

(3) رواه صاحب الوسائل في الباب- 38- من أبواب الوضوء، و في الباب- 25- من الأمر بالمعروف و في الباب- 22- من الأشربة المحرمة.

311

لا اتقي فيهن أحدا: شرب المسكر و مسح الخفين و متعة الحج. قال زرارة: و لم يقل الواجب عليكم ان لا تتقوا فيهن أحدا».

و قد حمله الشيخ في التهذيبين على اختصاص نفي التقية بنفسه كما اوله زرارة. و بالجملة فإن أخبار وجوب التقية عامه و منها الخبر المذكور المتضمن لهذا الإطلاق الظاهر في المنافاة، فالواجب حمله على ما ذكرناه جمعا بين الأخبار. و مثل خبر زرارة المذكور أيضا ما رواه في الكافي أيضا في الصحيح (1)

عن زرارة عن غير واحد قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): في المسح على الخفين تقية؟ قال: لا يتقى في ثلاث. قلت: و ما هن؟ قال شرب الخمر أو قال شرب المسكر و المسح على الخفين و متعة الحج».

و التقريب فيه ما تقدم.

و رواية عبد الأعلى مولى آل سام (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام):

عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّٰه تعالى: قال اللّٰه تعالى: وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.

امسح عليه».

و يدل عليه بالنسبة إلى الرأس

صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) «في الرجل يحلق رأسه ثم يطليه بالحناء ثم يتوضأ للصلاة؟ فقال: لا بأس بأن يمسح رأسه و الحناء عليه».

فان الظاهر حملها على ضرورة التداوي كما ذكره في المنتقى نعم ربما احتمل على بعد الحمل على عدم استيعاب الحناء لموضع المسح. و اما حمله على المسح على لون الحناء فلا ينطبق عليه لفظ الطلاء كما لا يخفى.

و صحيحة عمر بن يزيد عنه (عليه السلام) (4) «عن الرجل يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء؟ قال: يمسح فوق الحناء».

و التقريب ما تقدم. و يمكن حمل هذه

____________

(1) الفروع ج 2 ص 195.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 39- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 37- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 37- من أبواب الوضوء.

312

الرواية على بعد على الخضاب بماء الحناء فيكون المسح على لونه، و يؤيد ذلك أيضا إطلاق جملة من اخبار الجبائر، لدلالتها على المسح على الجبيرة متى تضرر بنزعها أعم من ان يكون في موضع الغسل أو المسح،

مثل حسنة كليب الأسدي (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة؟

قال: ان كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره و ليصل».

و قوله (عليه السلام) في حسنة الحلبي (2) بعد ان سأله عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بخرقة و يتوضأ: «ان كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة.».

و يؤيده أيضا أدلة نفي الحرج في الدين.

و بذلك يظهر لك ما في مناقشة جمع من متأخري أصحابنا: منهم- السيد السند في المدارك في هذا الحكم حيث اقتصروا في الاستدلال عليه على رواية أبي الورد و ردوها بضعف السند، و احتملوا الانتقال إلى التيمم لتعذر الوضوء بتعذر جزئه. و أنت خبير بعد الإحاطة بجميع ما ذكرنا ان الظاهر انه لا مجال للتردد في الحكم المذكور، و أيضا فإن التيمم معلوم الاشتراط بشرط غير معلوم التحقق هنا، و الشك في وجود الشرط يستلزم الشك في وجود المشروط، فلا يتم الانتقال إلى التيمم.

ثم ان ظاهر كلمة الأصحاب الاتفاق على ان من الحائل الذي لا يجوز المسح عليه اختيارا الشعر على الرجل، حيث صرحوا في الرأس بالمسح على البشرة أو الشعر المختص و في الرجل بالبشرة.

قال بعض المحققين من متأخري المتأخرين بعد نقل ذلك عنهم: «و هذا الحكم مما لم أقف فيه على تصريح في كلام القوم غير انهم اقحموا لفظ البشرة في هذا الموضع و يمكن أن يكون مرادهم الاحتراز عن الخف و نحوه لا الشعر كما هو الظاهر بحسب النظر لان المسح على الرجلين انما يصدق عرفا على المسح على شعرها» انتهى.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 39- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 39- من أبواب الوضوء.

313

أقول: بل الظاهر ان الوجه في ذلك عندهم ما نبه عليه شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة، حيث قال- بعد نقل عبارة المصنف المتضمنة للمسح على بشرة الرجلين- ما لفظه: «و يستفاد- من حصره المسح في بشرة الرجلين مع تخييره في الرأس بين مسح مقدم شعره و بشرته- انه لا يجزئ المسح على الشعر في الرجلين و ان اختص بالظهر بل يتحتم البشرة. و الأمر فيه كذلك، و الفارق النص الدال بإطلاقه على وجوب مسح الرجلين، إذ الشعر لا يسمى رجلا و لا جزء منها، مع التصريح في بعض الأخبار بجواز المسح على شعر الرأس، و انما لم يصرح الأصحاب بالمنع من المسح على الشعر في الرجلين لندور الشعر الحائل فيهما القاطع لخط المسح، فاكتفوا باستفادته من لفظ البشرة، فإنها كالصريح ان لم تكنه» انتهى.

و يرد عليه (أولا)- انه قد صرح هو (قدس سره) و جملة من الأصحاب بوجوب غسل الشعر النابت على اليد كما تقدم، معللين له تارة بأنه في محل الفرض و اخرى بأنه من توابع اليد. و الفرق بينه و بين ما هنا غير ظاهر، بل تلك التعليلات ان صحت فهي جارية هنا و إلا فلا في الموضعين.

و (ثانيا)- ان الظاهر من خلو الأخبار عن ذكره مع عدم انفكاك الرجل عنه غالبا جواز المسح عليه.

(السابع) [حكم الوضوء الضروري بعد زوال الضرورة]

- اختلف الأصحاب في استمرار رفع الوضوء الضروري- بمسح على الخفين أو الجبائر أو غسل أو نحو ذلك- بعد زوال الضرورة و عدم النقض بأحد الأسباب المعدودة، فظاهر المشهور بقاء الإباحة و جواز الدخول به في العبادة. و نقل عن الشيخ في المبسوط- و به صرح المحقق في المعتبر- تقدير الإباحة بحال الضرورة، و قربه العلامة في التذكرة، و عللوه بأنها طهارة مشروطة بالضرورة فتزول بزوالها و تتقدر بقدرها.

و اعترض عليه بأنه ان أريد بتقدير الطهارة بقدر الضرورة عدم جواز الطهارة كذلك بعد زوال الضرورة فحق و لكنه غير ما نحن فيه، و ان أريد عدم إباحتها فهو محل النزاع.

314

و أنت خبير بأن المسألة خالية من النص الدال على ذلك نفيا و إثباتا، إلا انه يمكن الاستدلال على القول المشهور بأنه لا ريب ان الوضوء المذكور رافع للحدث. و من حكم الوضوء الرافع أن لا يزول رفعه إلا بأحد النواقض، و زوال الضرورة ليس من جملتها، فيجب استصحاب الحكم إلى ان يحصل أحد النواقض المقررة. و فيه ان الاستصحاب المقطوع بحجيته- كما تقدم تحقيقه- هو ما إذا دل الدليل على ثبوت الحكم مطلقا، بمعنى عدم الاختصاص بوقت مخصوص أو حالة مخصوصة، فإنه يجب البقاء على مقتضى ما دل عليه حتى يثبت الرافع، كالحكم باستمرار الطهارة و النجاسة فيما علما فيه و صحة البيوع و الأنكحة و نحو ذلك بعد وقوع العقد الصحيح حتى يثبت الرافع، اما إذا كانت دلالته مخصوصة بحالة معينة أو زمان مخصوص فاجراؤها في الحالة الثانية و الزمان الآخر يتوقف على الدليل. و أنت خبير بان ما نحن فيه انما هو من قبيل الثاني، فإن الدليل الدال على صحة هذا الوضوء و رفعه انما دل باعتبار حال الضرورة و عدم التمكن من المسح الواجب أو الغسل الواجب مثلا كما هو المفروض، فعند زوال تلك الحال و تجدد حال أخرى مغايرة لها يحتاج في إجراء الحكم في الحالة الأخرى إلى دليل و ليس فليس. و لعل في تشبيه الشيخ له بالتيمم- حيث نقل عنه انه علل ذلك بأنها طهارة ضرورية فتتقدر بقدر الضرورة كالتيمم- إشارة إلى ذلك، فان وجه المشابهة ظاهر، فان الماسح على حائل من خف أو جبيرة و المتيمم شريكان في ترك العضو الممسوح و كون الترك فيهما لعذر شرعي، فتزول الرخصة فيهما بزواله، و حينئذ فكما ان المتيمم ينتقض تيممه و لو في الصلاة بزوال الحالة الموجبة له لعدم اقتضاء دليله الاستمرار في جميع الأحوال على الأصح، كذلك هذا المتوضئ ينتقض وضوؤه بزوال الحالة الموجبة له لعين ما ذكر.

قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: «و يتفرع على ذلك انه لو زال العذر في المسح على الحائل قبل كمال الوضوء أو بعده و قبل الجفاف و الدخول في

315

الصلاة، فهل يجب عليه نزع الحائل و المسح بالبلة قبل الدخول فيها أم يباح له الدخول فيها به؟ لم أقف لأحد من أصحابنا فيه على صريح كلام، و لعل الأول أقرب، لبقاء وقت الخطاب بالطهارة المأمور فيها بغسل المغسول و مسح الممسوح- و هو وقت ارادة القيام إلى الصلاة- الى وقت زوال العذر و هو متمكن من إيقاعها فيه فيجب، و العدول عن المأمور به لوجود مانع لا يمنع العود اليه بعد زواله، بل يجب العود اليه لوجود السبب و منشأ الخطأ عدم الفرق بين انتفاء الحكم لفقد السبب أو لوجود المانع» انتهى. و بذلك يظهر قوة القول بالنقض.

(الثامن) [تعين الغسل لو تأدت التقية به عوضا عن المسح على الخفين]

- صرح جملة من الأصحاب بأنه لو تأدت التقية بالغسل عوضا عن المسح على الخفين تعين و لم يجز غيره، و كذا لو تأدت بغسل موضع المسح في الرجل لم يجب الاستيعاب، و انه لو مسح في موضع الغسل تقية بطل وضوؤه للنهي المقتضي للفساد في العبادة، و علل الأول بأن الغسل أقرب إلى المفروض بالأصل، للإلصاق بالبشرة و كونه مشتملا على المسح مع زيادة، بخلاف المسح على الخفين، لعدم الإلصاق. و هو لا يخلو من شوب النظر. و في التذكرة جعله اولى و لم يجزم بتعينه، و لعله الاولى.

و احتمل بعضهم في الثاني الصحة لأن النهي لوصف خارج عن العبادة.

(التاسع) [هل يعتبر عدم المندوحة في العمل بالتقية؟]

- هل يشترط في العمل بالتقية في هذا الموضع و غيره عدم المندوحة أم لا؟ قولان، اختار ثانيهما ثاني الشهيدين في روض الجنان، و به صرح أولهما أيضا في مسألة مسح الرجلين من البيان و ثاني المحققين من شرح القواعد. و اختار الأول السيد في المدارك معللا له بانتفاء الضرر مع وجود المندوحة فيزول المقتضي.

أقول: و يؤيده أيضا ان المكلف لا يخرج عن عهدة التكليف يقينا إلا بالإتيان بما كلف به شرعا، خرج ما إذا استلزم فعله ضرر التقية و نحوها، فيجوز له الخروج عن الأول إلى ما يندفع به الضرر، و إلى هذا مال بعض أفاضل متأخري المتأخرين.

الا ان المفهوم من الأخبار الواردة في استحباب الجماعة مع المخالفين- و الحث

316

العظيم عليها، و الثواب الموعود عليها، حتى ان من صلى معهم كان كمن صلى مع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) مع استلزام ذلك ترك بعض الواجبات أحيانا- مما يؤيد القول بالجواز مع المندوحة كما هو خيرة الشهيدين.

و قد صرح المحقق الشيخ علي (رحمه اللّٰه) في بعض فوائده بالتفصيل بين ما إذا كان المأمور به في التقية بطريق الخصوص فيصح و ان كان ثمة مندوحة، أو بطريق العموم فلا يجزى إلا مع عدم المندوحة، و ظاهر كلامه (قدس سره) يعطي ان وجه الفرق حيث ان الشارع في الأول بسبب نصه على ذلك الحكم بخصوصه اقامه مقام المأمور به حين التقية بخلاف الثاني.

(العاشر) [هل تجب إعادة العبادة الموافقة للتقية؟]

- إذا فعل المكلف فعلا على وجه التقية من العبادات أو المعاملات فهو صحيح مجز بلا خلاف، لكن الخلاف في انه لو تمكن في العبادة قبل خروج وقتها من الإتيان بها على وجهها هل تجب الإعادة أم لا؟

صرح المحقق الشيخ علي (رحمه اللّٰه) بتفريع ذلك على ما قدمنا نقله عنه من التفصيل بأنه ان كان متعلق التقية مأذونا فيه بخصوصه كغسل الرجلين في الوضوء و التكتف في الصلاة، فإنه إذا فعل على الوجه المأذون فيه كان صحيحا مجزئا و ان كان للمكلف مندوحة من فعله، التفاتا إلى ان الشارع اقام ذلك الفعل مقام المأمور به حين التقية كما تقدمت الإشارة إليه، فكان الإتيان به امتثالا فيقتضي الإجزاء، قال:

«و على هذا فلا تجب الإعادة و لو تمكن منها على غير وجه التقية قبل خروج الوقت، و لا أعلم في ذلك خلافا من الأصحاب» و بملخص هذا الكلام صرح في شرح القواعد ثم قال: «و اما إذا كان متعلقها لم يرد فيه نص على الخصوص كفعل الصلاة إلى غير القبلة، و الوضوء بالنبيذ، و مع الإخلال بالموالاة فيجف أعضاء الوضوء كما يراه بعض العامة فإن المكلف يجب عليه إذا اقتضت الضرورة موافقة أهل الخلاف فيه إظهار الموافقة لهم ثم ان أمكن الإعادة في الوقت بعد الإتيان به لوفق التقية وجبت، و لو خرج الوقت نظر

317

في دليل يدل على وجوب القضاء، فان حصل الظفر به أوجبناه و إلا فلا، لان القضاء انما يجب بأمر جديد. و نقل عن بعض أصحابنا القول بعدم الإعادة مطلقا، نظرا إلى كون المأتي به شرعيا فيكون مجزئا على كل تقدير. ورد بأن الاذن في التقية من جهة الإطلاق لا يقتضي أزيد من إظهار الموافقة مع الحاجة» انتهى. و أنت خبير بأنه ان اشترط في جواز العمل بالتقية عدم المندوحة، يلزم على قوله انه مع المندوحة تجب الإعادة وقتا و خارجا.

ثم لا يخفى عليك ان المسألة لخلوها عن النص الصريح لا تخلو عن الاشكال و ما ذكره من التعليل في المقام عليل. إلا ان الذي يقرب إلى الفهم العليل و الذهن الكليل- من اخبار حفظة التنزيل الدالة على الأمر بمخالطة العامة و معاشرتهم و عيادة مرضاهم و تشييع جنائزهم. حتى ورد

«ان استطعتم ان تكونوا الأئمة و المؤذنين فافعلوا» (1).

و التأكيد على الصلاة معهم و نحو ذلك مع استلزام ذلك المخالفة في بعض الأفعال البتة- هو صحة ما أوجبته التقية مطلقا، سواء كان مأمورا به بطريق الخصوص أو العموم، له مندوحة عن الإتيان به تقية أم لا، فان المفهوم من تلك الأخبار ان الغرض من ذلك هو تأليف القلوب و اجتماعها لدفع الضرر و الطعن على المذهب و اهله كما يشعر به

قول الصادق (عليه السلام) (2) بعد الأمر بما قدمنا ذكره: «فإنكم إذا فعلتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية رحم اللّٰه جعفرا ما كان أحسن ما يؤدب أصحابه، و إذا تركتم ذلك قالوا فعل اللّٰه بجعفر ما كان اسوأ ما يؤدب أصحابه».

لا ان الغرض إظهار الموافقة لهم في ذلك الجزئي الخاص لدفع الضرر المترتب عليه خاصة، على انه في صورة ما إذا كان مستند التقية الأخبار المطلقة، فمتى اقتضت ضرورة التقية الموافقة لهم و كان ذلك هو الواجب عليه شرعا فاتى به- و امتثال الأمر يقتضي الإجزاء- فالإعادة وقتا و خارجا يحتاج إلى دليل من غير فرق بين المقامين، لان هذه المسألة في التحقيق فرد من افراد مسألة

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب- 75- من أبواب الجماعة.

(2) رواه في الوسائل في الباب- 75- من أبواب الجماعة.

318

ذوي الأعذار، الأظهر و الأشهر فيها عدم الإعادة. و تعليل وجوب الإعادة في الوقت دون الخارج- بأن إطلاق الإذن في التقية لا يقتضي أزيد من إظهار الموافقة مع الحاجة- فيه انه ان كان ما فعله إظهارا للموافقة هو فرضه في تلك الحال شرعا فقد مضى بعد فعله على الصحة فاعادته مع عدم الدليل لا وجه لها، و إلا فالواجب الإعادة في المقامين وقتا و خارجا و هو لا يقول به.

(الحادي عشر) [التكرار في المسح]

- المشهور بين الأصحاب كراهة التكرار في المسح، و عن ظاهر الخلاف و المبسوط التحريم، و هو ظاهر المقنعة، و عن ابن حمزة انه عده من التروك المحرمة، و عن ابن إدريس انه جعله بدعة، و احتمل في الذكرى ان يكون مرادهم التكرار مع اعتقاد شرعيته.

و يدل على الوحدة في المسح اخبار الوضوء البياني (1)

و مرفوعة أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «مسح الرأس واحدة.».

و عدم الدليل على الزائد لأنه حكم شرعي و إثباته يحتاج إلى دليل، و ربما ظهر من الانتصار دعوى الإجماع على ذلك.

لكن نقل شيخنا الشهيد في الذكرى عن ابن الجنيد انه قال في بيان كيفية الوضوء: «و في مسح الرجلين يبسط كفه اليمنى على قدمه الأيمن و يجذبها من أصابع رجله إلى الكعب و من الكعب إلى أطراف أصابعه، فمهما اصابه المسح من ذلك أجزأه و ان لم يقع على جميعه، ثم يفعل ذلك بيده اليسرى على رجله اليسرى» انتهى.

و ما ربما يتوهم- من تناول ظواهر أخبار التثنية (3)

كقولهم: «الوضوء مثنى مثنى».

لذلك- مردود بما سيجيء تحقيقه ان شاء اللّٰه تعالى،

و رواية يونس (4) قال:

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 23- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 20- من أبواب الوضوء.

319

«أخبرني من رأى أبا الحسن (عليه السلام) بمنى يمسح ظهر قدميه من أعلى القدم إلى الكعب و من الكعب إلى أعلى القدم».

- مردود بما في تتمتها من قول الراوي:

«و يقول: الأمر في مسح الرجلين موسع: من شاء مسح مقبلا و من شاء مسح مدبرا فإنه من الأمر الموسع ان شاء اللّٰه» لان الظاهر ان قوله (عليه السلام) ذلك تعليل لما فعله من الإقبال تارة و الأدبار اخرى. و ربما كان مستند ابن الجنيد فيما قدمنا نقله عنه إلى صدر هذه الرواية اما بقطعها عن عجزها أو بحمل العجز على عدم الارتباط بالصدر.

المطلب الرابع في الأحكام

و تفصيل القول فيها يقع في مسائل

[المسألة] (الأولى) [التثنية في الغسل]

- المشهور بين الأصحاب استحباب التثنية في الغسل، و تحقيق البحث في هذه المسألة يقع في مواضع:

(الأول) [الأقوال في المسألة]

- اعلم انه قد اختلف الأصحاب (نور اللّٰه تعالى مضاجعهم)- بعد الاتفاق على عدم تقدير الوجوب بعدد معين، بمعنى انه لو لم يكف الكف الأول للغسل الواجب وجب الثاني و الثالث و هكذا حتى يتأدى الواجب كما نقله في المختلف- في الغسلة الثانية:

فالمشهور بين الأصحاب الاستحباب، بل نقل عن ابن إدريس دعوى الإجماع عليه، و كأنه لعدم الاعتداد بخلاف معلوم النسب كما صرح به، حيث قال بعد دعوى الإجماع: «و لا يعتد بخلاف من خالف من الأصحاب بأنه لا يجوز الثانية، لمعروفية نسبه» و ظاهره وجود القائل بالتحريم أيضا، و هو صريح الشيخ في الخلاف، حيث قال: «مسألة- الفرض في غسل الأعضاء مرة واحدة و الثانية سنة و الثالثة بدعة، و في أصحابنا من قال: الثانية بدعة. و ليس بمعول عليه، و منهم من قال: ان الثانية تكلف و لم يقل بأنها بدعة. و الصحيح الأول» انتهى. و منه يفهم أيضا قول ثالث

320

في المسألة و هو الجواز، و لكنه غير ظاهر الجواز.

و نقل جمع من الأصحاب (رضي اللّٰه عنهم)-

عن الصدوق في الفقيه، حيث قال (1): «الوضوء مرة مرة و من توضأ مرتين لم يؤجر و من توضأ ثلاثا فقد أبدع».

و عن البزنطي حيث نقل عنه في مستطرفات السرائر انه قال (2): «و اعلم ان الفضل في واحدة واحدة و من زاد على اثنتين لم يؤجر».

- عدم استحباب الثانية.

الا ان الذي يقرب عندي من هذا الكلام هو التحريم:

(اما أولا)- فإنه متى انتفى الأجر عليها لزم زيادتها و عدم كونها من الوضوء فتكون محرمة لعدم تصور المباح في العبادة، و بذلك صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض.

و (اما ثانيا)- فلان هذا هو الذي يدور عليه كلام الصدوق في غير هذا الموضع من الفقيه، حيث قال في موضع آخر- بعد ان

روى (3) عن الصادق (عليه السلام): «و اللّٰه ما كان وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إلا مرة مرة».

- ما هذا لفظه: فأما الأخبار التي رويت في ان الوضوء مرتين مرتين فأحدها بإسناد منقطع يرويه أبو جعفر الأحول ذكره

عمن رواه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «فرض اللّٰه الوضوء واحدة واحدة، و وضع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) للناس اثنتين اثنتين».

و هذا على جهة الإنكار لا على جهة الأخبار، كأنه (عليه السلام) يقول: حد اللّٰه حدا فتجاوزه رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و تعداه؟ و قد قال اللّٰه عز و جل: «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» (5)

و قد روي «ان الوضوء حد من حدود اللّٰه ليعلم اللّٰه من يطيعه و من يعصيه و ان المؤمن لا ينجسه شيء و انما يكفيه مثل الدهن» (6).

و قال الصادق (عليه السلام)

____________

(1) ج 1 ص 29.

(2) رواه في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(3) ج 1 ص 25 و في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(4) رواه صاحب الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(5) سورة الطلاق الآية 2.

(6) رواه صاحب الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

321

«من تعدى في وضوئه كان كناقضه» (1).

ثم ذكر حديث ابن أبي المقدام الآتي (2) و تأوله بحمل «اثنتين اثنتين» فيه على التجديد، ثم حمل أيضا

حديث «من زاد على مرتين لم يؤجر» (3).

و كذلك ما روى (4) في المرتين «أنه إسباغ» على التجديد أيضا، إلى أن قال: و قد فوض اللّٰه (عز و جل) الى نبيه (عليه السلام) أمر دينه، و لم يفوض اليه تعدي حدوده.

و قول الصادق (عليه السلام): «من توضأ مرتين لم يؤجر» (5).

يعني به انه اتى بغير الذي أمر به و وعد الأجر عليه فلا يستحق الأجر، و كذلك كل أجير إذا فعل غير الذي استؤجر عليه لم تكن له اجرة. انتهى.

و هذا الكلام- كما ترى- صريح في إنكاره الثانية و قوله ببدعيتها، حيث انه جعل الحد المفروض من اللّٰه تعالى في الوضوء واحدة واحدة، و ان ما زاد تعد للحد، و ان من يتعد حدود اللّٰه فقد ظلم نفسه، و فسر عدم الأجر في

قوله (عليه السلام):

«من توضأ مرتين لم يؤجر» (6).

بأنه اتى بغير الذي أمر به و وعد الأجر عليه فلا يستحق الأجر، و ملخصه أن التثنية تعد للحد و انه لا يستحق المثنى- على أصل وضوئه لكونه مخالفا متعديا للحد فضلا عن التثنية- أجرا كما لا يستحق الأجير- إذا فعل غير ما استؤجر عليه- اجرا.

و نقل أيضا القول بعدم الاستحباب عن ثقة الإسلام في الكافي، و الذي يظهر لي من عبارته أيضا هو القول بالتحريم، حيث قال (7)- بعد نقل حديث عبد الكريم الآتي (8) الدال على انه ما كان وضوء علي (عليه السلام) إلا مرة مرة- ما لفظه «هذا دليل على ان الوضوء انما هو مرة مرة، لأنه (عليه السلام) كان إذا ورد عليه أمران كلاهما للّٰه طاعة أخذ بأحوطهما و أشدهما على بدنه، و ان الذي

جاء عنهم (عليهم السلام) انه قال: «الوضوء مرتان»

إنما هو لمن لم تقنعه مرة فاستزاده فقال مرتان

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(2) المروي في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(3) المروي في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(4) المروي في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(5) المروي في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(6) المروي في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(7) ج 1 ص 9.

(8) المروي في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

322

ثم قال:

«و من زاد على مرتين لم يؤجر»

و هو أقصى غاية الحد في الوضوء الذي من تجاوزه اثم و لم يكن له وضوء، و كان كمن صلى الظهر خمس ركعات، و لو لم يطلق (عليه السلام) في المرتين لكان سبيلهما سبيل الثلاث» انتهى.

و المفهوم من هذا الكلام ان مراده الجمع بين أخبار المرة و المرتين و الثلاث، بحمل أخبار المرة على انه الوضوء الشرعي المأمور به، و اخبار المرتين على من أراد سنة الإسباغ و لم تقنعه المرة لذلك، و إلا فاجزاء المرة- للقدر الواجب الذي كالدهن حقيقة أو مجازا- مما لا ريب فيه، فيغسل حينئذ بالمرتين، و هو أقصى الحد في الوضوء و منتهى الرخصة في الزيادة فيه، و اخبار الثلاث الدالة على عدم الأجر بعد تجاوز الثنتين على من تجاوز هذا الحد إلى الغسل بثالثة، فإنه يأثم و ليس له وضوء. و يمكن توجيهه بأن الثالثة- بعد غسل العضو غسلا مسبغا بالثنتين- لا مدخل لها في أداء الواجب بل هي زائدة من تلك الجهة، كزيادة الركعة الخامسة بعد الإتيان بالواجب التي هي الأربع، و لا دليل هنا على استحباب التكرار بعد أداء الواجب المتصف بكمال سنة الإسباغ، و الضمير في قوله: «و هو أقصى غاية الحد» راجع إلى ما تقدم من الوضوء مرتين، و محصل الكلام ان الوضوء الشرعي انما هو مرة مرة، و اخبار المرتين انما هي لمن لم تقنعه المرة في أداء الواجب كاملا، و هذا غاية الحد في الوضوء، فمن زاد على ذلك اثم و بطل وضوؤه، و هو المراد من عدم الأجر كما أشرنا إليه آنفا، و لعل منشأ ما ذكروه توهم عود الضمير المذكور إلى قوله:

«و من زاد على مرتين»

بمعنى ان الزيادة على المرتين أقصى غاية الحد، و هو توهم ظاهر البطلان، لان جعل الزيادة على المرتين الذي هو عبارة عن التثنية أقصى غاية الوضوء يدل على دخول تلك الزيادة في الوضوء الشرعي و انها جزء منه، فتكون الثانية بعد تمام الغسل بالمرتين من جملة الوضوء و اجزائه، و ان الإثم و عدم الوضوء انما ينصرف حينئذ إلى من تجاوزها، و يصير حديث التمثيل بمن صلى الظهر خمس ركعات انما هو لمن زاد عليها، فكيف يصح حينئذ نفي الأجر عنها بقوله:

323

«و من زاد على مرتين لم يؤجر»

و الغرض ان المرتين- كما عرفت- انما هي عبارة عن غسلة واحدة، ما هذا إلا تناقض ظاهر لا يصدر عن مثل هذا العالم الماهر. و يؤكد ما قلناه قوله أخيرا: «و لو لم يطلق. إلخ» فإن معناه انه لو لم يرخص لمن استزاده في المرتين لكان سبيلهما في الإثم و بطلان الوضوء سبيل الثلاث في الإثم و بطلان الوضوء بها كما ذكره، و هو دليل على ما قلناه من أن غاية الحد المرخص فيه هي المرتان المشتركتان في أداء الواجب، و ان الزيادة المنفي عنها الأجر في كلامه هي المشار إليها هنا بالثلاث، و هي التي تكون موجبة للإثم و مبطلة للوضوء عنده.

و أنت إذا تأملت فيما تلوناه ظهر لك ان هذا عين ما ذكره الصدوق (قدس سره) من تعدى الحد بالتثنية، و عدم استحقاق الأجر على أصل الوضوء المشعر ببطلانه فضلا عن التثنية كما عرفته مما تقدم، و العجب من أولئك الفضلاء المحققين في عدم إمعان النظر في كلام الشيخين المذكورين، حيث نقلوا عنهما في الكتابين المذكورين القول بعدم استحباب الثانية، بل صرح البعض منهم بصراحة كلام الكافي في عدم الحرمة و البدعية و قال انه ظاهر الصدوق، و نحن إنما أطلنا البحث بنقل العبارتين و بيان ما هو المفهوم منهما ليظهر لك جلية الحال مما ذكره أولئك الأبدال، و بذلك يظهر ان الظاهر ان نقل القول بالتحريم في كلام الشيخ و ابن إدريس إشارة إلى ما حررناه من كلام هذين الشيخين

(الثاني) [الأخبار الواردة في المسألة]

- اعلم ان الأخبار الواردة عن العترة الأطهار (صلوات اللّٰه عليهم) أكثرها دال على الوحدة:

فمنها- اخبار الوضوء البياني (1) فإنها على تعددها إنما تضمنت الغسل بكف كف لكل من الأعضاء المغسولة.

و منها-

قول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2): «ان اللّٰه وتر يحب

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 15 و 31- من أبواب الوضوء.

324

الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه و اثنتان للذراعين.».

و قوله (عليه السلام) في حديث ميسرة (1): «الوضوء واحدة واحدة.».

و قول الصادق (عليه السلام) في جواب يونس بن عمار (2) حيث سأله عن الوضوء للصلاة فقال: «مرة مرة».

و قول الباقر (عليه السلام) للأخوين في صحيحتهما عنه (3) بعد ان حكى لهما وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و بعد أن قالا له: أصلحك اللّٰه فالغرفة الواحدة تجزئ للوجه و غرفة للذراع؟ فقال: «نعم إذا بالغت فيها، و الثنتان تأتيان على ذلك كله».

و قول الصادق (عليه السلام) في موثقة عبد الكريم (4): «ما كان وضوء علي (عليه السلام) الا مرة مرة».

و قوله (عليه السلام) فيما رواه في الفقيه (5) مرسلا مضمرا «من توضأ مرتين لم يؤجر».

و قول الصادق (عليه السلام) فيما أرسله عنه في الفقيه (6): «و اللّٰه ما كان وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إلا مرة مرة، و توضأ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) مرة مرة فقال: هذا وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلا به».

و قوله: «و توضأ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) الى آخره».

يحتمل أن يكون من مقول قول الصادق (عليه السلام) و ان يكون من كلام صاحب الفقيه، فيكون خبرا مقطوعا، و هو الظاهر الذي فهمه جملة من الأصحاب.

و اما ما يعارضها ظاهرا من الأخبار فمنه-

قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(2) المروي في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(4) المروي في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(5) ج 1 ص 26 و في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء، و الحديث في الفقيه و الوسائل مروي عن الصادق (ع) كما تقدم منه ص 321.

(6) ج 1 ص 25 و في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

325

معاوية بن وهب (1): «الوضوء مثنى مثنى».

و قوله (عليه السلام) في صحيحة صفوان (2): «الوضوء مثنى مثنى».

و قوله في رواية زرارة (3): «الوضوء مثنى مثنى من زاد لم يؤجر عليه».

و قوله في موثقة يونس (4): «يغسل ذكره و يذهب الغائط ثم يتوضأ مرتين مرتين».

و قول الرضا (عليه السلام) فيما رواه في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي (5):

«ان الفضل في واحدة و من زاد على اثنتين لم يؤجر».

و قول الصادق (عليه السلام) في مرسلة مؤمن الطاق (6): «فرض اللّٰه الوضوء واحدة واحدة و وضع رسول اللّٰه للناس اثنتين اثنتين».

و قوله (عليه السلام) في مرسلة عمرو بن أبي المقدام (7): «إني لأعجب ممن يرغب أن يتوضأ اثنتين اثنتين و قد توضأ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) اثنتين اثنتين».

و ما رواه في الفقيه مضمرا مرسلا (8) «روى في المرتين أنه إسباغ».

و قول الصادق (عليه السلام) في مرسلة ابن أبي عمير (9): «الوضوء واحدة فرض و اثنتان لا يؤجر و الثالثة بدعة».

و قوله (عليه السلام) في رواية ابن بكير (10): «من لم يستيقن أن الواحدة من الوضوء تجزيه لم يؤجر على الثنتين».

و قوله (عليه السلام) في حسنة داود بن زربي (11): «توضأ ثلاثا ثلاثا، قال

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب أحكام الخلوة.

(5) هذا الحديث- في السرائر و الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء- مروي عن نوادر البزنطي عن الصادق (ع).

(6) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(7) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(8) ج 1 ص 26 و في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(9) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(10) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(11) المروية في الوسائل في الباب- 32- من أبواب الوضوء.

326

ثم قال لي: أ ليس تشهد بغداد و عساكرهم؟ قلت بلى.».

و روى الصفار في كتاب بصائر الدرجات بسنده فيه عن عثمان بن زياد (1) «انه دخل على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال له رجل: إني سألت أباك عن الوضوء فقال مرة مرة فما تقول أنت؟ فقال: انك لم تسألني عن هذه المسألة إلا و أنت ترى أني أخالف أبي، توضأ ثلاثا ثلاثا و خلل أصابعك».

و روى في كتاب عيون اخبار الرضا (2) بسنده فيه إلى الفضل بن شاذان مما كتبه الرضا (عليه السلام) للمأمون من محض الإسلام قال فيه: «ثم الوضوء كما أمر اللّٰه في كتابه: غسل الوجه و اليدين إلى المرفقين و مسح الرأس و الرجلين مرة واحدة».

و رواه في موضع آخر (3) مثله إلا انه قال: «ان الوضوء مرة فريضة و اثنتان إسباغ».

و روى محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي في كتاب الرجال (4) بسنده فيه عن داود الرقي قال: «دخلت على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك كم عدة الطهارة؟ فقال: اما ما أوجبه اللّٰه فواحدة، و أضاف إليها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) واحدة لضعف الناس، و من توضأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة له، انا معه في ذا حتى جاء داود بن زربي فسأله عن عدة الطهارة فقال له: ثلاثا ثلاثا من نقص عنه فلا صلاة له. قال: فارتعدت فرائصي و كاد ان يدخلني الشيطان فأبصر أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إلي و قد تغير لوني فقال: اسكن يا داود هذا هو الكفر أو ضرب الأعناق. قال: فخرجنا من عنده و كان ابن زربي إلى جوار بستان أبي جعفر المنصور و كان قد ألقي إلى أبي جعفر أمر داود بن زربي و انه رافضي يختلف إلى جعفر بن محمد، فقال أبو جعفر المنصور اني مطلع إلى طهارته فان هو توضأ وضوء جعفر بن محمد- فإني لأعرف طهارته- حققت عليه القول و قتلته، فاطلع و داود يتهيأ

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في الباب- 32- من أبواب الوضوء.

(2) ص 266 و في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(3) ص 269 و في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(4) ص 200 و في الوسائل في الباب- 32- من أبواب الوضوء.

327

للصلاة من حيث لا يراه فأسبغ داود بن زربي الوضوء ثلاثا ثلاثا كما أمره أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) فما تم وضوؤه حتى بعث إليه أبو جعفر المنصور فدعاه، قال: فقال داود: فلما ان دخلت عليه رحب بي و قال: يا داود قد قيل فيك شيء باطل و ما أنت كذلك، قد اطلعت على طهارتك و ليس طهارتك طهارة الرافضة فاجعلني في حل، و أمر له بمائة ألف درهم، قال: فقال داود الرقي: التقيت انا و داود بن زربي عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال له داود بن زربي: جعلت فداك حقنت دماءنا في دار الدنيا و نرجو ان ندخل بيمنك و بركتك الجنة. فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): فعل اللّٰه ذلك بك و بإخوانك من جميع المؤمنين. فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) لداود بن زربي: حدث داود الرقي بما مر عليك حتى تسكن روعته. قال فحدثه بالأمر كله، فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام):

لذا أفتيته لأنه كان أشرف على القتل من يد هذا العدو، ثم قال يا داود بن زربي: توضأ مثنى مثنى و لا تزدن عليه و انك ان زدت عليه فلا صلاة لك».

و روى الشيخ المفيد في الإرشاد (1) بسنده إلى علي بن يقطين: «انه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الوضوء، فكتب إليه أبو الحسن (عليه السلام) فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، و الذي آمرك به في ذلك ان تتمضمض ثلاثا و تستنشق ثلاثا و تغسل وجهك ثلاثا و تخلل شعر لحيتك و تغسل يديك من أصابعك إلى المرفقين ثلاثا و تمسح رأسك كله و تمسح ظاهر أذنيك و باطنهما و تغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا، و لا تخالف ذلك إلى غيره. فلما وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجب مما رسم فيه مما جميع العصابة على خلافه، ثم قال: مولاي أعلم بما قال و انا امتثل امره، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحد و يخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالا لأمر أبي الحسن (عليه السلام) و سعي بعلي بن يقطين إلى الرشيد و قيل له انه رافضي، فامتحنه الرشيد من حيث لا يشعر فلما نظر إلى وضوئه ناداه كذب يا علي بن يقطين من زعم انك من الرافضة

____________

(1) ص 315 و في الوسائل في الباب- 32- من أبواب الوضوء.

328

و صلحت حاله عنده، و ورد عليه كتاب أبي الحسن: ابتداء من الآن يا علي بن يقطين توضأ كما أمر اللّٰه: اغسل وجهك مرة فريضة و اخرى إسباغا، و اغسل يديك من المرفقين كذلك، و امسح بمقدم رأسك و ظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنا نخاف منه عليك، و السلام».

[وجوه الجمع بين الأخبار المذكورة]

هذه جملة ما وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالمسألة، و أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) في مطولاتهم الاستدلالية لم يذكروا منها إلا اليسير، و قد اختلفت كلمتهم (طيب اللّٰه تعالى مراقدهم) في الجمع بينها على أقوال:

(أحدها)

- ما هو المشهور من حمل أخبار التثنية و المرتين على التثنية في الغسل و حمل الثانية على الاستحباب بعد الغسل كاملا بالأولى، و حمل نفي الأمر في الثانية على ما إذا اعتقد وجوبها.

و فيه ان الأخبار الكثيرة المستفيضة بالوضوء البياني خالية منه بل كلها مشتملة على الوحدة في الغسل، و يبعد غاية البعد الاستحباب على الوجه المذكور مع عدم اشتمال شيء منها عليه.

و ربما أجيب عن ذلك بان تلك الأحاديث إنما وردت في مقام بيان الواجب من الوضوء خاصة.

و يرد عليه (أولا)- انها دعوى خالية من الدليل، بل المتبادر منه ما كان يفعله (صلى اللّٰه عليه و آله) في وضوئه غالبا، و هو مشتمل على الواجب و المستحب لا المفترض خاصة، و إلا لكان الأنسب في السؤال أو الحكاية ابتداء أن يسأل عن المفترض أو يقال: إلا أحكي لكم ما افترضه اللّٰه من الوضوء.

و (ثانيا)- ان جملة من اخبار حكاية وضوئهم (عليهم السلام) كخبر عبد الرحمن بن كثير الهاشمي (1) الوارد في صفة وضوء مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب- 16- من أبواب الوضوء.

329

مع اشتماله على جملة المستحبات، فإنه ليس فيه تصريح بشيء من ذلك، بل هو ظاهر الدلالة على العدم، و صحيحتي أبي عبيدة الحذاء (1) و حماد بن عثمان (2) في وصف وضوء الباقر و الصادق (عليهما السلام) سيما مع أردف بعض أخبار الوحدة بالقسم كما تقدم.

(و ثالثا)- انه

قد روى زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال قال:

«الوضوء مثنى مثنى من زاد لم يؤجر عليه، و حكى لنا وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): فغسل وجهه مرة واحدة و ذراعيه مرة واحدة و مسح رأسه بفضل وضوئه و رجليه».

و أنت خبير بأنه مع حمل التثنية في الخبر على ما هو المشهور من استحباب غرفة ثانية و الغسل مرة ثانية ينافي ما حكاه عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من المرة الواحدة، فيحصل التدافع بين صدر الخبر و عجزه.

(الثاني)

- ما ذهب اليه الصدوق (طاب ثراه) في الفقيه من حمل المرتين في تلك الأخبار على التجديد تارة و على الغسلتين اخرى كما قدمنا من كلامه، ففي مثل حديث مؤمن الطاق (4) حمل «اثنتين اثنتين» فيه على غسلتين غسلتين و لكن تأوله بالحمل على الإنكار دون الأخبار، مستندا إلى ما عرفته ثمة من أن «الوضوء حد من حدود اللّٰه و انه لا يجوز ان يحد اللّٰه حدا و يتجاوزه رسوله، و أنه تعالى فوض إلى نبيه أمر دينه و لم يفوض اليه تعدي حدوده» و كذا فيما رواه من

قول الصادق (عليه السلام) (5) «من توضأ مرتين لم يؤجر».

حمله على الغسلتين و أوضح نفى الأجر فيه بما تقدم في كلامه، و حمل حديث ابن أبي المقدام (6) على التجديد، و على ذلك أيضا حمل

ما رواه مرسلا (7) من «أن المرتين إسباغ».

قال:

«و الخبر الذي روى «أن من زاد على مرتين لم يؤجر،.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(2) المروي في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(3) المروي في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(4) المروي في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(5) ج 1 ص 26 و في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(6) المتقدم في الصحيفة 325.

(7) ج 1 ص 26 و في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

330

يؤكد ما ذكرته، و معناه أن تجديده بعد التجديد لا أجر له كالأذان، من صلى الظهر و العصر بأذان و إقامتين أجزأه، و من أذن للعصر كان أفضل، و الأذان الثالث بدعة لا أجر له» انتهى.

و لا يخفى عليك ما فيه من التكلف الظاهر و النظر الغير الخفي على الماهر:

(أما أولا)- فلأن ما تأول به رواية مؤمن الطاق من الحمل على الإنكار دون الأخبار مدخول بان صدر رواية الكشي المتقدمة (1) قد تضمن أن الثانية اضافة من رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) على وجه لا يقبل التأويل.

و (أما ثانيا)- فلأن ما استند اليه من أن «الوضوء حد من حدود اللّٰه. إلخ» مهدوم بما رواه هو و غيره من الأخبار الدالة على أن الذي فرضه اللّٰه تعالى من الصلاة إنما هو ركعتان فأضاف رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إلى الثلاثية منها ركعة و إلى الرباعية اثنتين (2) و في بعض الأخبار «و فوض اللّٰه إلى محمد فزاد و هي سنة» و (أما ثالثا)- فلأن التجديد لا ينحصر في دفعتين خاصة حتى يمكن حمل حديث «مثنى مثنى» و «مرتين مرتين» أو نحوهما عليه، كما توهمه (قدس سره) و تبعه جمع من الفضلاء عليه، إذ الظاهر من الأدلة و كلام الأصحاب في هذا الباب هو استحباب التجديد و ان ترامى مع الفصل و لو بنافلة، و عموم الأدلة- مثل

قولهم (عليهم السلام): «الوضوء على الوضوء نور على نور» (3).

و قولهم: «من جدد وضوءه من غير حدث جدد اللّٰه توبته من غير استغفار» (4).

و قولهم: «الطهر على الطهر عشر حسنات» (5).

و غير ذلك- شاهد على ما ذكرنا من الزيادة على الدفعتين و الثلاث و الأزيد.

و أما ما تكلفه (ره)- في معنى

«من زاد على مرتين لم يؤجر».

من قوله: «و معناه

____________

(1) في الصحيفة 326.

(2) روى صاحب الوسائل هذه الأخبار في الباب- 13- من أعداد الفرائض من كتاب الصلاة.

(3) المروي في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الوضوء.

(4) المروي في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الوضوء.

(5) المروي في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الوضوء.

331

أن تجديده بعد التجديد لا أجر له. إلخ»- ففيه انه إن أراد التجديد من غير تخلل زمان أو صلاة أو نحوهما فالتجديد الأول أيضا لا أجر له، بل هو ليس بتجديد لأن الوضوء جديد، و إن أراد به التجديد مع التخلل كما في مثال الأذان الذي أورده فقوله: «لا أجر له» ممنوع، كيف و هو نفسه روى في هذا المقام

عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): «انه كان يجدد الوضوء لكل فريضة و لكل صلاة» (1).

و (أما رابعا)- فلأن حمل الإسباغ على التجديد

فيما رواه (2) من «أن المرتين إسباغ».

مما لا يكاد يشم له رائحة من الأخبار و لا من كلام أحد من الأصحاب، إذ الظاهر المتبادر من الإسباغ هو الإكثار من ماء الوضوء لا تكراره، و العجب من جمع من محققي متأخري المتأخرين حيث تبعوه في هذا التأويل و جعلوا عليه المدار و التعويل من غير إعطاء التأمل حقه في ذلك و لا إمعان النظر فيما هنالك.

(الثالث)

- ما ذهب اليه الشيخ حسن في المنتقى قال (قدس سره)- بعد نقل الخبر الدال على قوله: «مثنى مثنى»-: «و المتجه حمله على التقية، لأن العامة تنكر الوحدة و تروي في أخبارهم التثنية» (3) انتهى.

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في الباب- 8- من أبواب الوضوء.

(2) ج 1 ص 26 و في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(3) في البحر الرائق لابن نجيم ج 1 ص 23 «الاولى فرض و الثنتان سنة. و ذكروا لدليل السنة ان رسول اللّٰه (ص) توضأ مرة و توضأ مرتين و توضأ ثلاثا» و هذه الروايات التي أشار إليها رواها البخاري في صحيحة أول باب الوضوء و في بداية المجتهد لابن رشد المالكي ج 1 ص 11 «أنفق لعلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة المرة إذا أسبغ و ان الاثنتين و الثلاث مندوب إليهما» و في المهذب لأبي إسحاق الشيرازي الشافعي ج 1 ص 17 «يستحب أن يتوضأ ثلاثا و إن اقتصر على مرة و أسبغ أجزأه و ان خالف بين الأعضاء فغسل بعضها مرة و بعضها مرتين و بعضها ثلاثا جاز» و في المغني لابن قدامة ج 1 ص 139 «الوضوء مرة مرة و الثلاث أفضل في قول أكثر أهل العلم، و لم يوقت- مالك المرة أو الثلاث، و عند الأوزاعي الوضوء ثلاثا إلا غسل الرجلين فإنه ينقيهما و يجوز غسل بعضها مرة و بعضها أكثر» و في فتح الباري لابن حجر ج 1 ص 166 «من الغريب ما عن بعض العلماء من عدم جواز النقص عن الثلاث لمخالفته الإجماع، و قول مالك في المدونة-:

لا أحب الواحدة- ليس فيه إيجاب الزيادة عليها» و في شرح النووي على صحيح مسلم بهامش إرشاد الساري ج 2 ص 213 «اجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة و على أن الثلاث سنة، و جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة و ثلاثا و بعضها مرة و بعضها مرتين و بعضها ثلاثا، و اختلافها دليل الجواز و ان الثلاث كمال و الواحدة تجزؤ، و على هذا يحمل اختلاف الأحاديث».

332

أقول: و قد نقل القول بذلك في المعتبر عن الشافعي و أبي حنيفة و أحمد، و نقل من رواياتهم في ذلك

ما رواه عن ابن عمر (1) انه قال: «توضأ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) مرة مرة و قال: هذا وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين و قال: من ضاعف وضوءه ضاعف اللّٰه له الأجر، ثم توضأ ثالثة و قال: هذا وضوئي و وضوء الأنبياء من قبلي».

ثم لا يخفى عليك أن ما ذكره من الحمل و إن كان لا بأس به بحسب الظاهر، إلا أنه مما لا تجتمع عليه روايات المسألة كملا، لما عرفت في قصتي داود بن زربي و علي بن يقطين و رواية بصائر الدرجات (2) من أن التقية انما كانت في الغسلات الثلاث و انهم (عليهم السلام) أمروا داود و علي بن يقطين بعد زوال المحذور بالتثنية، و قد تضمن صدر رواية داود تعليل الأمر بإضافة الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) الثانية بأنها لضعف

____________

(1) في سنن البيهقي ج 1 ص 80 عن معاوية بن قرة عن ابن عمر قال: «دعا النبي (ص) بماء فتوضأ واحدة واحدة فقال: هذا وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلا به، ثم دعا بماء فتوضأ مرتين مرتين و قال: هذا وضوء من يؤتى أجره مرتين، ثم دعا بماء فتوضأ ثلاثا ثلاثا و قال: هذا وضوئي و وضوء الأنبياء قبلي».

(2) في الصحيفة 326 و 327.

333

الناس، و تضمنت رواية علي بن يقطين تعليلها بالإسباغ، و عاضدها في ذلك أيضا ما عرفت من بعض الأخبار.

و قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين بعد نقل كلام المنتقى ما صورته: «و هو بعيد، لأن معظم العامة و رواياتهم المعتمدة على التثليث (1) فلا تتأدى التقية بالمرتين» انتهى.

و شيخنا البهائي (طاب ثراه) في كتاب الحبل المتين بعد أن نقل حسنة داود ابن زربي (2) احتمل فيها أن المراد بالتثليث فيها تثليث الأعضاء المغسولة بمعنى زيادة إدخال الرجلين في الغسل، ثم قال: «و يكون الأمر بالتقية في غسل الرجلين كما ورد مثله من أمر الكاظم (عليه السلام) علي بن يقطين بغسل الرجلين تقية للرشيد، و القصة مشهورة أوردها المفيد في الإرشاد و غيره، و يؤيد هذا الحمل ان هذا هو الفعل الذي اشتهر بين العامة انه الفصل المميز بينهم و بين الخاصة، و أما قولنا بوحدة الغسلات أو تثنيتها و كون الزائد على ذلك بدعة عندنا، فالظاهر انه لم يشتهر بينهم و لم يصل إلى حد يكون دليلا على مذهب فاعله حتى يحتاج إلى التقية فيه، على أن الغسلة الثالثة ليست عندهم واجبة و ربما تركوها» انتهى كلامه زيد مقامه.

و هو قوي بالنظر إلى إجمال تلك الرواية التي نقلها، أما بالنظر إلى ما اشتملت عليه روايتا الكشي و المفيد (3) من قصتي داود و علي بن يقطين فغير تام، فإنهما صريحان في كون التثليث إنما هو في الغسلات كما لا يخفى، و ما ذكره (طاب ثراه)- من أن غسل الرجلين هو الذي اشتهر كونه فصلا مميزا بين الخاصة و العامة دون التثليث- جيد إلا أن المفهوم من تتبع الأخبار و مطالعة السير ان مذاهب العامة خذلهم اللّٰه ليس لها حد

____________

(1) تقدم في التعليقة 3 في الصحيفة 331 ماله دخل في المقام.

(2) المتقدمة في الصحيفة 326.

(3) المتقدمتان في الصحيفة 326 و 327.

334

و لا انضباط في الصدر الأول، فربما اشتهر القول بينهم في عصر من الأعصار على وجه لا يتمكن أحد من العمل بخلافه و ندر في عصر آخر، لأن المدار في شيوع تلك المذاهب على ما اعتنت به سلاطين الجور و ائمة الضلال من نصب قضاة من جهتهم و حمل الناس على العمل بما يفتون به، و لا ريب ان عمل كل من قضاتهم و فقهائهم إنما هو على ما تستحسنه عقولهم و تقتضيه قياساتهم، فلا قاعدة لهم مربوطة و لا سنة لهم مضبوطة، و اشتهار هذه المذاهب الأربعة إنما وقع أخيرا كما صرح به جملة من علمائنا و علمائهم، و حينئذ فمن الجائز اشتهار التثليث في الغسل في ذلك الوقت و إن ندر في وقت آخر، و من ذلك يعلم أيضا قرب احتمال التقية في أخبار التثنية كما احتمله في المنتقى، على أن الذي رأيته فيما حضرني من كتبهم الفروعية ذكر التثليث في مستحبات الوضوء مصرحين بأن الأولى فرض و الثانية سنة و الثالثة كمال السنة، و لعل اشتهار التثليث عندهم- و ملازمتهم عليه على وجه يتهمون من تركه بكونه رافضيا، كما سمعته من قصتي داود و علي بن يقطين- أن الشيعة لما أنكرته تمام الإنكار بل أبطلوا به الوضوء كما دلت عليه نصوصهم ردا على العامة، شدد العامة الأمر فيه أيضا ردا على الشيعة و لازموا عليه تمام الملازمة عنادا لهم، و يؤيده انهم قد تركوا كثيرا من السنن مع اعترافهم بكونها كذلك عنادا للشيعة لملازمتهم عليها، كما أوضحنا جملة من ذلك في بعض رسائلنا، فجعلوا كل من لم يعمل بالتثليث رافضيا.

و العجب من شيخنا البهائي (طاب ثراه) حيث استند إلى قصة علي بن يقطين في دلالتها على الأمر بغسل الرجلين تقية و حمل التثليث على ضم غسل الرجلين إلى غسل العضوين الآخرين، و غفل عما دلت عليه صريحا من الأمر بغسل كل من تلك الأعضاء ثلاثا ثلاثا، و لعله (قدس سره) لم يلاحظ الرواية وقت التصنيف.

(الرابع)

- ما ذهب اليه شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين من حمل التثنية على الغسل و المسح، قال في الكتاب المذكور: «و لا يخفى احتمال تلك الأخبار لمعنى آخر طالما يختلج بالبال، و هو أن يكون (عليه السلام) أراد

بقوله: «الوضوء مثنى

335

مثنى».

ان الوضوء الذي فرضه اللّٰه إنما هو غسلتان و مسحتان لا كما يزعمه المخالفون من أنه ثلاث غسلات و مسحة واحدة، و قد اشتهر عن ابن عباس انه كان يقول: «الوضوء غسلتان و مسحتان (1) نقله الشيخ في التهذيب و غيره، و مما يؤيد هذا الحمل ما تضمنه الحديث العاشر أعني

حديث يونس بن يعقوب (2) من قول الصادق (عليه السلام) في جواب السؤال عن الوضوء الذي افترضه اللّٰه على العباد: «يتوضأ مرتين مرتين».

فان المراد بالمرتين فيه الغسلتان و المسحتان لا تثنية الغسلات، فإنها ليست مما افترضه اللّٰه على العباد» انتهى.

و ما ذكره (رحمه اللّٰه) و إن أمكن احتماله بالنسبة إلى صحيحتي معاوية بن وهب و

صفوان (3) الدالتين على أن «الوضوء مثنى مثنى».

لإجمالهما و كذا حديث يونس بن يعقوب إلا أنه لا يجري في غيرهما مما يدل على التثنية من الأخبار المتقدمة، فلا يحسم مادة الإشكال.

(الخامس)

- ما ذهب اليه بعض من الأصحاب من حمل تلك الأخبار على بيان نهاية الجواز، و إلى هذا يميل كلام السيد السند في المدارك، حيث قال- بعد نقل كلام المشايخ الثلاثة المتقدم- ما لفظه: «و مقتضى كلام المشايخ الثلاثة (رضوان اللّٰه عليهم) أفضلية المرة الواحدة، و هو الظاهر من النصوص، و على هذا فيمكن حمل الأخبار المتضمنة للمرتين على أن المراد بها بيان نهاية الجواز، ثم استشهد بقوله (عليه السلام)

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في الباب- 25- من أبواب الوضوء، و في التهذيب ص 18 و رواه عن ابن عباس الطبري في تفسيره ج 10 ص 58 الطبعة الثانية و ابن كثير في تفسيره ج 2 ص 25 و ابن العربي في أحكام القرآن ج 1 ص 239 و العيني في عمدة القارئ ج 1 ص 657.

(2) المروي في الوسائل في الباب- 9- من أبواب أحكام الخلوة.

(3) المتقدمتين في الصحيفة 325.

336

في صحيحة الأخوين المتقدمة (1) «و الثنتان تأتيان على ذلك كله».

ثم قال: و أعلم أن المستفاد من كلام الأصحاب أن المستحب هو الغسل الثاني الواقع بعد إكمال الغسل الواجب، و انه لو وقع الغسل الواحد بغرفات متعددة لم يوصف باستحباب و لا تحريم، و الأخبار إنما تدل- بعد التسليم- على أن المستحب كون الغسل الواجب بغرفتين، و الفرق بين الأمرين ظاهر» انتهى.

و الظاهر أنه جنح هنا إلى القول الثالث الذي قدمنا نقله عن الشيخ في الخلاف و حمل عليه كلام المشايخ الثلاثة، متمسكا بنفي الأجر على الثانية. و فيه ما قد عرفته سابقا في ذيل كلام ذينك الشيخين الأعظمين، و هو (قدس سره) لم ينقل من كلام الصدوق إلا ما قدمنا نقله عنه أولا (2) من قوله: «الوضوء مرة مرة، و من توضأ مرتين مرتين لم يؤجر، و من توضأ ثلاثا فقد أبدع» دون الكلام الأخير الذي هو ظاهر الدلالة بل صريحها فيما ادعيناه، ثم ان قوله (طاب ثراه): «و اعلم أن المستفاد. إلخ» ظاهر الدلالة في الرجوع عما ذكره أولا، إذ ظاهر الكلام الأول ان الثانية التي هي نهاية الجواز إنما هي بعد تمام الغسل الواجب، و كلامه الأخير ظاهر المخالفة لذلك، و لعل في قوله أولا: «و على هذا فيمكن. إلخ» إشارة إلى ذلك. ثم إنه مع الإغماض عما ذكرنا فهذا الحمل لا تنطبق عليه أخبار المسألة كملا على وجه يحسم مادة النزاع. لعدم جريانه في الأخبار الدالة على أن الثانية إسباغ كما هو ظاهر.

(السادس)

- ما ذكره المحدث الكاشاني (قدس سره) في الوافي من حمل أحاديث الوحدة على الغسلة و أحاديث التثنية على الغرفة، قال: «و بهذا تكاد تتوافق جميع الأخبار و ينكشف عنها الغبار، كما يطهر بعد التأمل في كل كل، و إن كان أيضا لا يخلو من تكلف إلا أنه أقل تكلفا مما ذكروه، فيصير معنى حديث مؤمن الطاق (3)

____________

(1) في الصحيفة 324.

(2) في الصحيفة 320.

(3) المتقدم في الصحيفة 325.

337

«ان الفرض في الوضوء إنما هو غسلة واحدة، و وضع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) للناس غرفتين لتلك الغسلة» فهو تحديد منه لما لم يرد له من اللّٰه تحديد ليس بتعد من حد، و أما الثنتان في قوله: «و اثنتان لا يؤجر» (1) فالمراد بهما الغسلتان، و المراد بالواحدة و الثنتين في قوله (2): «من لم يستيقن أن الواحدة من الوضوء تجزيه لم يؤجر على الثنتين» الغرفة و الغرفتان، و الدليل على هذا التأويل ما مضى

في حديث زرارة و بكير (3):

«فقلنا أصلحك اللّٰه فالغرفة الواحدة تجزئ للوجه و غرفة الذراع؟ فقال: نعم إذا بالغت فيها و الثنتان تأتيان على ذلك كله».

انتهى.

و ظني أن هذا الاحتمال أقرب من تلك الاحتمالات إلى الروايات، لكن لا على ما يفهم من كلامه (رحمه اللّٰه) من حمل لفظ الواحدة و المرة على الغسلة كائنا ما كان، بل على ما تقتضيه القرائن الحالية و تساعده المقامات المقالية، و من أن الغسلة المفروضة يستحب ان تكون بغرفتين دائما، كما ذكره في توجيه رواية مؤمن الطاق (4) من حمل الوحدة على الغسلة و التثنية على الغرفة، و ان ذلك تحديد منه (صلى اللّٰه عليه و آله) لما فرضه اللّٰه تعالى، فإنه خلاف ما استفاض عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) في حكاية وضوئه و عن أبنائه (عليهم السلام) في الحكاية عنهم من أن الوضوء غرفة غرفة، إذ لو كان قد وضع الغرفتين حدا لتلك الغسلة بمعنى أنه سن ان تكون الغسلة بغرفتين، لكان هو (صلى اللّٰه عليه و آله) أولى من لازم عليه كما ندب اليه، و أبناؤه (عليهم السلام) اولى من أحيى سنته و نهج طريقته، بل الظاهر أن المراد منها أن الفرض الذي أوجبه اللّٰه تعالى في الوضوء الغسل و لو كالدهن، و هو يحصل بالغرفة المتعارفة الغير المبالغ فيها،

____________

(1) في مرسل ابن أبي عمير المتقدم في الصحيفة 325.

(2) في رواية ابن بكير المتقدمة في الصحيفة 325.

(3) المروي في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(4) المتقدمة في الصحيفة 325.

338

و زاد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) غرفة أخرى ليحصل بالجميع سنة الإسباغ، و على هذا ينطبق كل من هذه الرواية و رواية الكشي (1).

(السابع)

- ما خطر بالبال العليل و الفكر الكليل، و بيانه أن الواجب من الغسل هو ما يحصل به مسمى الجريان اتفاقا، و هو يحصل بالغرفة اليسيرة إن حملنا أخبار الدهن على المبالغة، و إلا فقد عرفت مما سبق أن العمل بها على ظاهرها لا يخلو من قوة و رجحان، و حينئذ نقول هنا: ان بعضا من تلك الأخبار المتقدمة تضمنت أن التثنية من الإسباغ المستحب في الوضوء كما استفاض في جملة من الأخبار، و معنى الإسباغ هو الغسل الواجب بماء كثير يتيقن استيعابه للعضو، و لا يستلزم تعدد الغرفات بل قد يكون بغرفة واحدة مملوءة، فالإسباغ حينئذ يحصل إما بملء الكف من الماء مرة واحدة، كما حكاه

حماد بن عثمان في صحيحته عن الصادق (عليه السلام) (2) في حكاية وضوئه (عليه السلام) حيث قال: «فدعا بماء فملأ به كفه فعم به وجهه، ثم ملأ كفه فعم به يده اليمنى، ثم ملأ كفه فعم به يده اليسرى. الحديث».

و كما حكاه زرارة في صحيحته عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) في حكايته وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فان ذلك مبني على سنة الإسباغ، إذ الغسل الواجب يحصل بما هو كالدهن، و هو يحصل بالغرفة اليسيرة كما لا يخفى، أو بالمرتين الغير المملوءتين، كما هو الظاهر من أحاديث التثنية بقرينة ما دل منها على ان الثانية إسباغ حملا لمطلقها على مقيدها، و قد استفيد كلا الفردين من

صحيحة الأخوين (4) حيث قالا له:

«فالغرفة الواحدة تجزئ للوجه و غرفة للذراع؟ فقال: نعم إذا بالغت فيها و الثنتان تأتيان على ذلك كله».

فان ذلك كله مبني على سنة الإسباغ البتة، و بعين ذلك يقال

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 326.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

339

في رواية مؤمن الطاق (1) و ما في معناها مما دل على ان الفريضة واحدة و زاد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) الثانية لسنة الإسباغ فيغسل بمجموعهما العضو لأجل الإسباغ، و الظاهر ان معنى قوله

في رواية داود الرقي المنقولة عن الكشي (2): «و أضاف إليها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) الثانية لضعف الناس».

اي ضعف عقولهم بسبب عدم مقاومة الوساوس الشيطانية بالشك في وصول الماء إلى جميع العضو عند الاكتفاء بغرفة، فسن (صلى اللّٰه عليه و آله) الثانية ليحصل الجزم و الاطمئنان باستيعاب العضو بالغسل.

(لا يقال): ان زيادة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) الغرفة الثانية لسنة الإسباغ ينافيه الحصر في المرة في

قوله (عليه السلام) في موثقة عبد الكريم (3):

«ما كان وضوء علي (عليه السلام) إلا مرة مرة».

و القسم

في قوله (عليه السلام) في مرسلة الصدوق (4): «و اللّٰه ما كان وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إلا مرة مرة».

(لأنا نقول): قد عرفت ان الإسباغ يحصل بأحد فردين: اما بالغرفة المبالغ فيها كما عرفت من ذينك الحديثين المتقدمين (5) أو الثنتين الغير المبالغ فيهما، و هذان الخبران محمولان على الأول.

و بالجملة فإن بعض الأخبار تضمن أن الغرفة الثانية لسنة الإسباغ، و بعض الأخبار تضمن الغرفة المملوءة و المبالغ فيها، و من الظاهر البين أن المبالغة فيها و ملأ الكف بها انما هو لتحصيل سنة الإسباغ كما عرفت، و بعض الأخبار جمعهما معا، و بعض تضمن الغرفة أو المرة من غير ذكر المبالغة و الملأ مع كونه مما يجب حمله على الوجه الأكمل، و بعضها تضمن الثنتين من غير ذكر الإسباغ، فالواجب حمل ما تضمن من الأخبار المرة أو الغرفة عاريا عن القيد على مقيدها ليكون واقعا على الوجه الأكمل، و ما تضمن التثنية

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 325.

(2) المتقدمة في الصحيفة 326.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(5) و هما صحيحا حماد و زرارة المتقدمان في الصحيفة 338.

340

عاريا عن ذلك القيد أيضا على مقيدها بذلك القيد، و عليه تجتمع الأخبار، على أنه يمكن أيضا أن يقال: انه يجوز أن تكون التثنية مخصوصة بغيرهم (صلوات اللّٰه عليهم) ممن بضعف عقله عن الاكتفاء بالواحدة، كما يستفاد من ظاهر حديث الكشي المتقدم (1) و يؤيده ما تقدم من كلام ثقة الإسلام: «ان الذي

جاء عنهم (عليهم السلام) انه قال:

«الوضوء مرتان».

إنما هو لمن لم تقنعه المرة و استزاده» ثم إنه حيث كالت سنة الإسباغ- كما عرفت- تحصل بالغرفة الثانية متى أضيفت إلى الأولى و غسل العضو بمجموعهما، فالغرفة الثالثة حينئذ تكون بعد تمام الغسل فتوصف بالبدعة و عدم الأجر، و هذا معنى

ما رواه في مستطرفات السرائر عن الرضا (عليه السلام) (2) من «ان الفضل في واحدة واحدة و من زاد على اثنتين لا يؤجر».

اي الفضل في واحدة واحدة مملوءة لأن فيه سنة الإسباغ الذي فيه الفضل أو اثنتين غير مملوءتين كما هو المستفاد مما قدمناه، و هو مطوي هنا في الكلام و مثله كثير، و من زاد على اثنتين لم يؤجر. و هذا هو الذي صرح به ثقة الإسلام و الصدوق (قدس سرهما) فيما قدمنا في تحقيق كلامهما.

و أما قوله

في مرسلة ابن أبي المقدام (3): «إني لأعجب ممن يرغب أن يتوضأ اثنتين اثنتين و قد توضأ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) اثنتين اثنتين».

مع استفاضة الأخبار البيانية بان وضوءه (صلى اللّٰه عليه و آله) ما كان إلا بغرفة غرفة، فلعل المعنى فيه- و اللّٰه سبحانه و قائله أعلم- انه كما واظب على الغرفة المملوءة في الأكثر كذلك توضأ في بعض الأوقات بغرفتين خفيفتين، كما أمر به فيما نقله عنه أبناؤه (سلام اللّٰه عليهم) من انه زاد الثانية لسنة الإسباغ، و الامام (عليه السلام) هنا تعجب ممن رغب عن هذه السنة التي سنها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و الحال انه قد اتى بها في بعض وضوءاته

____________

(1) ص 326.

(2) رواه صاحب الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء. و قد تقدم في التعليقة 5 ص 325 ان الحديث عن الصادق (عليه السلام).

(3) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

341

و أما ما تضمنته

رواية ابن بكير (1) من ان «من لم يستيقن أن الواحدة تجزيه لم يؤجر على الثنتين».

فلعل معناه انه لما كانت الواحدة هي الفرض من اللّٰه سبحانه و ان الواجب المفروض يتأدى بمثل الدهن كما استفاضت به الأخبار، فمن لم يعتقد اجزاءها بل اعتقد فرض الثنتين كان مبدعا مشرعا في وضوئه، لاعتقاده وجوب ما ليس بواجب و هو الثانية فلا يؤجر على وضوئه، و هو عين ما ذكره الصدوق مما قدمنا نقله عنه.

و اما ما تضمنته

مرسلة ابن أبي عمير (2)- و هي مضمون عبارة الصدوق المتقدمة أولا من أن «الوضوء واحدة فرض و اثنتان لا يؤجر و الثالثة بدعة».

- فيحتمل بمعونة ما ذكرناه في رواية ابن بكير أن الواحدة و الاثنتين بمعنى الغرفة و ان عدم الأجر على الثنتين مع عدم اعتقاد اجزاء الواحدة التي هي الفرض، و أما الثالثة فهي بدعة لأنها زيادة على ما جاءت به السنة، بخلاف الثانية، فإنها سنة للاسباغ بها كما عرفت، و لعل في التعبير بعدم الأجر إشارة إلى ذلك. و يحتمل حمل الواحدة و الاثنتين على الغسلة و الغسلتين، و معناه حينئذ أن الغسلة الواحدة فرض و الغسلتان لا يؤجر. و قد عرفت ان معنى هذا اللفظ الكناية عن البدعية و التحريم، و حينئذ فيكون المراد بلفظ البدعة في الثالثة بمعنى المبتدع المخترع لا ما قابل السنة، و إلا فقد عرفت ان الثانية بدعة بذلك المعنى، فمرجع عدم الأجر في الثانية و البدعية في الثالثة إلى أمر واحد.

و أما ما ذكره جملة من محققي متأخري متأخرينا- من عدم تحريم الغسلة الثانية بل عدم الكراهة، مستندين إلى عدم الدليل على ذلك و ان لفظ «لا يؤجر» في الأخبار غاية ما يفهم منه عدم الأولوية- ففيه ما عرفت في تحقيق كلام الشيخين المتقدمين، و يزيده هنا انها مع زيادتها و عدم كونها جزء من العبادة- كما يعترفون به- فاما ان يعتقد المكلف في حال استعماله لها شرعيتها و استحبابها، و هذا مما لا يستراب في تحريمه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

342

و تشريعه بناء على ما اعترفوا به كما قدمنا الإشارة اليه، و اما ان لا يعتقد ذلك بل يكون عابثا لاعبا، و هذا لا اختصاص له بهذا المقام ليخص بالذكر في أخبارهم (عليهم السلام) بل يجري مثله في الثالثة، مع انهم لا يخالفون في بدعيتها و تحريمها، و ان هذا اللفظ قد ورد في رواية زرارة المتقدمة (1) في تعداد الروايات المعارضة بعد قوله: «مثنى مثنى» و من الظاهر بل المعلوم ان المراد به التحريم اتفاقا أعم من ان تجعل التثنية في الغسل كما هو المشهور أو في الغرفة كما ذكرنا، لأن الزيادة هنا بمعنى التثليث، و هو مما لا اشكال عندهم في تحريمه. و مما يدل أيضا على ان اللفظ إنما خرج كناية عن التحريم

قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة داود بن فرقد المروية في الكافي (2): «إن أبي كان يقول ان للوضوء حدا من تعداه لم يؤجر.».

مع

قول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة و محمد بن مسلم (3): «إنما الوضوء حد من حدود اللّٰه ليعلم اللّٰه من يطيعه و من يعصيه.».

فان نفي الأجر في الأول عبارة عن كونه معصية كما في الثاني كما لا يخفى.

(الثالث) [هل يجري الخلاف في الغسلة الثانية؟]

- قال في كتاب رياض المسائل و حياض الدلائل- بعد البحث في المسألة، و الجمع بين الأخبار بحمل بعضها على التجديد و بعضها على التقية و بعض على الغسلتين و المسحتين- ما لفظه: «بقي هنا شيء، و هو أنه لا خلاف في أنه إذا لم تكف الغرفة الأولى في غسل العضو وجبت الثانية و هكذا، لعدم الخروج عن العهدة، كما صرح به العلامة في المختلف و غيره، كما انه لا خلاف في وقوع الخلاف في الثانية إذا كمل غسل العضو بالأولى. و أما لو لم يكمل غسل العضو بالأولى مع إمكان شمولها إياه و اختار غسل العضو بغرفتين موزعتين عليه، فهل يجري في الثانية الخلاف السابق أم لا؟ لم أقف للأصحاب فيه على صريح كلام، و كلامهم فيه قابل للأمرين، الى أن

____________

(1) في الصحيفة- 325.

(2) ج 1 ص 7 و في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 52- من أبواب الوضوء.

343

قال: و الظاهر من الأخبار بعد التأمل فيها و مراجعة ما حررناه إن استئناف الغرفة الثانية غير مأجور عليه، و ان الاقتصار على الغرفة مع إمكان شمولها العضو و لو بالمبالغة فيها كما أو كيفا هو الأولى، و انها ليست بمحرمة بل هي غاية الحد في الوضوء الذي لا يجوز تعديه، من زاد عليه فقد أبدع» انتهى كلامه زيد مقامه.

و عندي فيه تأمل من وجوه: (أحدها)- ان الظاهر- من الأخبار الدالة على إجزاء ما يحصل به مسمى الغسل و لو كالدهن، و به قال الأصحاب أيضا- الاكتفاء في غسل العضو بالغرفة اليسيرة جدا، و حينئذ فالظاهر من قول العلامة في المختلف- أنه مع عدم كفاية الكف الأول في غسل العضو يجب الثاني و لو لم يكفيا وجب الثالث و هكذا- انما هو من قبيل الفرض في المسألة لا أنه كذلك حقيقة، حتى يصح جعل ما لو اختار غسل العضو بغرفتين موزعتين مع إمكان شمول الأولى له مطرحا لخلاف آخر في المسألة أيضا.

(ثانيها)- انك قد عرفت ان جملة من الأخبار دلت على كون الثانية إسباغا، و أنه (صلى اللّٰه عليه و آله) قد سنها لذلك، و لا مجال لحملها على الغسلة، لما فيه من المنافاة لأخبار الوحدة، كما عرفت و حققه هو أيضا (قدس سره) في أول كلامه، فتحمل على الغرفة، و من الظاهر حينئذ انها أعم من أن تكون الأولى تأتي على العضو كملا و لم يغسل بها أم لا، و بذلك يظهر لك ما في دعواه (قدس سره) في آخر كلامه:

أن الظاهر من الأخبار بعد التأمل فيها ان استئناف الغرفة الثانية غير مأجور عليه، فإنه غفلة زائدة عن ملاحظة هذه الأخبار و لا سيما روايتي الكشي و علي بن يقطين (1) إلا أن عذره فيهما ظاهر، حيث لم يتعرض لنقلهما في الكتاب المذكور، و لعله (طاب ثراه) لم يطلع عليهما أو لم يخطرا بباله حال التصنيف.

____________

(1) المتقدمين في الصحيفة 326 و 327.

344

(ثالثها)- ان صحيحة الأخوين (1)- كما عرفت- دلت على أن الثنتين تأتيان على ذلك كله بعد حكمه فيها بأن الغرفة المبالغ فيها مجزئة لذلك أيضا، و قد عرفت شرح القول في معناها، و هو أعم من إتيان الأولى على مجموع العضو و عدمه.

و أما ما احتمله (طاب ثراه) في ضمن كلامه أولا في الرواية المذكورة- من كون لام الثنتين عهدية إشارة إلى الغرفتين المذكورتين أولا للوجه و اليدين، بمعنى أن الغرفة الواحدة للوجه و الغرفة الواحدة للذراع مع المبالغة فيهما تأتيان على الوجه و الذراع بحيث لا يحتاج إلى تثنية الغسلات- ففيه من التكلف بل البعد عن ساحة الإمكان ما لا يحتاج إلى الإيضاح و البيان.

(رابعها)- ان الظاهر أنه لا معنى لوصف الغرفة بالوجوب أو الاستحباب أو البدعية إلا باعتبار الغسل بها، فالوصف انما يرجع إلى الغسل بها لا إليها نفسها، فلا يتحقق كل من الأوصاف الثلاثة إلا بعد الغسل، فإذا غسل بالأولى- و إن كانت تأتي على مجموع العضو- بعضه خاصة، فإنه لا خلاف و لا إشكال في وجوب غسل بقية العضو و لو بغرفة يمكن إتيانها عليه كملا، و حينئذ فكيف يصح اجراء الخلاف فيها بعد الغسل بها؟ و كيف يصح مع هذا ان استئناف الغرفة الثانية غير مأجور عليه؟

نعم ربما احتمل اجراء كلامه في الثالثة، حيث ان الثنتين المخففتين و ان كان كل منهما يقوم بالغسل الواجب الذي هو و لو كالدهن، إلا أنه لتحصيل سنة الإسباغ يستحب الغسل بهما معا، فمع تفريقه لهما على شطر العضو و عدم غسله بهما معا مع إتيانهما عليه و أخذه ثالثة، ربما تطرق إليها احتمال الدخول تحت أخبار بدعية الثالثة بحملها على ما هو أعم من ان يغسل بها بعد كمال الغسل بالثنتين أو قبله مع حصول الإسباغ بالثنتين و تقصيره في الغسل بهما، الا أنه بعد لا يخلو من شوب الاشكال.

(خامسها)- قوله أخيرا في الغرفة الثانية: انها ليست بمحرمة، و هو

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 337.

345

بناء منه (قدس سره) على ما فهمه من أخبار عدم الأجر على الثانية بحمل الثانية على الغرفة و عدم الأجر على الجواز و عدم الاستحباب، كما قدمنا نقله عن جملة من الأصحاب.

و قد حققنا لك ما فيه و كشفنا عن باطنه و خافية.

(الرابع) [الغسلة الثالثة]

- المشهور بين الأصحاب تحريم الغسلة الثالثة، و قد صرح جملة من الأصحاب: منهم- الصدوق و الشيخ في الخلاف فيما تقدم من عبارتيهما ببدعيتها، و نقل عن المبسوط و النهاية أيضا. و نقل عن ابن الجنيد و ابن أبي عقيل القول بعدم التحريم، لكن الذي في المختلف عن ابن أبي عقيل التعبير عن ذلك بنفي الأجر، كما هو مضمون رواية زرارة المتقدمة (1) و قد عرفت ما في هذا اللفظ. و الشيخ المفيد (رحمه اللّٰه) في المقنعة اثبت التحريم فيما زاد على الثلاث و جعل الثالثة كلفة.

و الأظهر المشهور، و يدل عليه التصريح بالبدعية في مرسلة ابن أبي عمير المتقدمة (2) و نفي الأجر الذي هو ظاهر في التحريم أيضا كما أشرنا إليه آنفا، و لأنها عبادة و الإتيان بها بدون الاذن تشريع محرم.

و ما يقال- من انه مع اعتقاد المشروعية فلا ريب في ذلك و لكن مجرد الإتيان بها لا يستلزمه، وهب انه يستلزمه و انه اعتقد الاستحباب فغاية ما يلزم منه تحريم اعتقاد ندبيتها لافعلها بدون ذلك الاعتقاد بل مع ذلك الاعتقاد أيضا، و الكلام انما هو في حرمة الفعل لا الاعتقاد كما هو الظاهر. ثم ان حرمة ذلك الاعتقاد أيضا ممنوعة، لأن الاعتقاد لو كان ناشئا من الاجتهاد أو التقليد فلا وجه لحرمته. غاية الأمر أن يكون خطأ و لا اثم على الخطأ كما تقرر عندهم، كذا قرره بعض محققي متأخري المتأخرين- ففيه نظر من وجوه: (أحدها)- ان ظاهر ما دل على البدعية و التحريم من الأخبار و كلام الأصحاب كون ذلك ناشئا عن اعتقاد المشروعية، ردا على المخالفين القائلين باستحبابها و المؤكدين على المواظبة عليها، حتى خرجت الأخبار بالأمر للشيعة بذلك تقية

____________

(1) في الصحيفة 325.

(2) في الصحيفة 325.

346

منهم كما عرفت سابقا، و المناقشة بجواز الإتيان بها لا بهذا الاعتقاد أمر خارج عن محل البحث و لا خصوصية له بهذا المقام بل هي مسألة على حيالها، فان إدخال الأفعال الأجنبية في العبادة لا بقصد كونها منها بل لغرض آخر أو خالية من الغرض ان توجه له المنع من جهة أخرى غير جهة فعله امتنع من تلك الجهة و إلا فلا، الا ترى ان الصلاة التي هي عبادة متصلة قد جوز الشارع اشتمالها على بعض الأفعال الأجنبية لأغراض خاصة و حرم بعضا آخر لمنافاته لها، فالوضوء الذي هو عبادة منفصل بعضها عن بعض أجدر بالجواز، الا انه ينقدح الاشكال فيما نحن فيه من وجه آخر، و هو وجوب المسح ببلة الوضوء على الأشهر الأظهر، و الحال ان بلة الثالثة ليست منه اتفاقا من المحرمين و المجوزين، لا من مجرد الإتيان بها، و الا فلو تمضمض أربعا أو زاد في غسل الوجه و اليدين على الحدود المقررة شرعا لا بقصد العبادة في شيء من ذلك، فإنه لا ضرر فيه، لما عرفت آنفا من ان الأفعال تابعة للقصود و النيات في تميز بعضها عن بعض و ترتب آثارها عليها.

(ثانيها)- ما ذكره- من انه مع اعتقاد استحبابها فغاية ما يلزم منه تحريم الاعتقاد لا الفعل- ظاهر البطلان، كيف و الأفعال- كما عرفت- تابعة للقصود و النيات صحة و بطلانا و ثوابا و عقابا، و مما لا ريب فيه ان هذا الفعل منهي عنه عموما لدخوله في البدع المحرمة في الدين، و خصوصا لما في مرسلة ابن أبي عمير و رواية زرارة السالفتين (1) و لا معنى للمحرم إلا ما نهى الشارع عنه نهيا توجب مخالفته الإثم، و هو هنا كذلك.

(ثالثها)- انه لو تم ما رتبه من الغاية المذكورة لجرى فيما لو زاد ركعة في صلاته عامدا معتقدا وجوبها فضلا عن استحبابها، فإن غاية الأمر تحريم اعتقاد وجوبها و لا يلزم منه تحريمها، بل يلزم في كل مبدع في الدين ان يكون ما يأتي به من البدع جائزا غير محرم و ان حرم قصده و اعتقاده جواز ذلك فيأثم على مجرد هذا القصد و الاعتقاد،

____________

(1) في الصحيفة 325.

347

ما هذه إلا سفسطة ظاهرة و كلمات متنافرة.

(رابعها)- ان ما ذكره- من منع حرمة ذلك الاعتقاد لو كان ناشئا عن اجتهاد أو تقليد- على إطلاقه ممنوع، بل الوجه فيه انه إذا كان هذا الاجتهاد مقتضى ما ادى اليه فهمه من أدلة الكتاب و السنة بعد الفحص و التتبع للأدلة حسب الجهد و الطاقة فهو كذلك، و من المعلوم ان ما نحن فيه ليس منه، و إلا فهو مخطئ آثم في اعتقاده و محتمل لإثم من قلده في ذلك، كما هو مقتضى الآيات القرآنية و السنة المحمدية، و ان أباه جملة من الأصحاب تبعا لما قرره العامة في هذا الباب كما حققناه في محل آخر.

(الخامس) [حكم الوضوء على تقدير حرمة الغسلة الثالثة]

- انه على تقدير تحريم الثالثة و بدعيتها فهل يبطل الوضوء بمجرد فعلها، أو لا يبطل، أو يبطل ان مسح بمائها مطلقا، أو بخصوص ما إذا كانت الغسلة في اليد اليسرى؟ أقوال: أولها لأبي الصلاح، و ثانيها للمحقق في المعتبر، و ثالثها ظاهر الدروس و الذكرى، بل الظاهر انه المشهور بين المتأخرين، و رابعها للعلامة في النهاية.

و الأظهر عندي من هذه الأقوال الأول، و هو مقتضى كلام الشيخين الأقدمين (الصدوق و ثقة الإسلام) كما قدمنا بيانه و شيدنا بنيانه.

و يدل عليه من الأخبار

رواية الكشي (1) حيث قال في أولها: «و من توضأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة له» و في آخرها: «توضأ مثنى مثنى و لا تزدن عليه، و انك ان زدت عليه فلا صلاة لك».

و ما رواه في الفقيه (2) مرسلا و في كتاب العلل مسندا عن الصادق (عليه السلام) قال: «من تعدى في وضوئه كان كناقضه».

و يؤيده

ما رواه في الكافي (3) و التهذيب في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم

____________

(1) المتقدمة في الصحيفة 326.

(2) ج 1 ص 25 و في العلل ص 103 و في الوسائل في الباب- 31- من أبواب الوضوء.

(3) ج 1 ص 7 و في التهذيب ج 1 ص 38 و في الوسائل في الباب- 52- من أبواب الوضوء.

348

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «انما الوضوء حد من حدود اللّٰه ليعلم اللّٰه من يطيعه و من يعصيه.».

فإنه صريح- كما ترى- في عصيان من زاد على الوضوء المحدود، و من الظاهر ان العصيان انما نشأ هنا من مخالفة الأمر في العبادة المستلزمة للإبطال.

ثم لا يخفى انه لو أمكن المناقشة في بعض هذه الأدلة أو في كل منها إلا انه بالنظر إلى مجموعها- مع عدم المنافي لها من الأخبار، مع ان بعضها من مرويات الفقيه الذي ضمن مصنفه فيه صحة ما يرويه، كما اعتمدوا على ذلك في غير موضع من كلامهم، مضافا إلى قول الشيخين المعتمدين بذلك- لا يبقى لتطرق الشك في الحكم المذكور وجه، و قد مر أيضا ما يؤكده و يزيده تأييدا.

(المسألة الثانية) [معنى الموالاة في الوضوء و حكمها]

- الظاهر انه لا خلاف بين أصحابنا (نور اللّٰه تعالى مراقدهم) في وجوب الموالاة كما ادعاه جماعة، إنما الخلاف في معناها، فقيل إنها مراعاة الجفاف بمعنى انه لا يؤخر بعض الأعضاء عن بعض بمقدار ما يجف ما تقدمه، و قيل انها عبارة عن المتابعة اختيارا و مراعاة الجفاف اضطرارا.

و هل الإخلال بالمتابعة المذكورة هنا موجب للإثم خاصة أو للبطلان أيضا؟ قولان لأصحاب هذا القول، و المشهور عندهم الأول، و به صرح العلامة في جملة من كتبه و المحقق في المعتبر، و ظاهر المبسوط الثاني، و حينئذ ففي المسألة أقوال ثلاثة.

و ظاهر المحقق الشيخ علي في شرح القواعد إنكار القول الثالث، فإنه بعد ان نقل القولين و نقل عن بعض حواشي الشهيد قولا ثالثا جامعا بين التفسيرين قال:

«و عندي ان هذا هو القول الأول، لأن القائل به لا يحكم بالبطلان بمجرد الإخلال بالمتابعة ما لم يجف البلل، فلم يبق لوجوب المتابعة معنى إلا ترتب الإثم على فواتها، و لا يعقل تأثيم المكلف بفواتها إلا إذا كان مختارا، لامتناع التكليف بغير المقدور» انتهى و يظهر ذلك أيضا من المختلف حيث لم ينقل فيه إلا القول بمراعاة الجفاف و القول بالمتابعة من غير تعرض لكلام المبسوط. و أنت خبير بأن عبارة الشيخ في المبسوط

349

- حيث قال: «الموالاة واجبة في الوضوء، و هو ان يتابع بين الأعضاء مع الاختيار و ان خالف لم يجزه»- ظاهرة الدلالة على الابطال مع المخالفة اختيارا كما نسبه اليه جمع من المتأخرين.

و نقل الصدوق في الفقيه (1) عن أبيه في رسالته إليه انه قال: «ان فرغت من بعض وضوئك و انقطع بك الماء من قبل ان تتمه فأتيت بالماء، فتمم وضوءك ان كان ما غسلته رطبا، و ان كان قد جف فأعد وضوءك، فان جف بعض وضوئك قبل أن تتم الوضوء من غير ان ينقطع عنك الماء، فاغسل ما بقي جف وضوؤك أو لم يجف» انتهى. و يظهر منه ان اي الفردين من مراعاة الجفاف و التتابع خصل فهو كاف في صحة الوضوء، فلو تابع بين أعضاء الوضوء و اتفق الجفاف لضرورة كان أم لا صح وضوؤه، و لو لم يتابع بل فرق بين الأعضاء لعذر كان أم لا روعي الجفاف و عدمه، فان حصل بطل وضوؤه و إلا فلا.

و إلى هذا القول مال جملة من أفاضل متأخري المتأخرين: منهم- المحدث الشيخ محمد ابن الحسن الحر العاملي في كتاب البداية و كتاب الوسائل، حيث خص الابطال بجفاف السابق بصورة التراخي و التفريق (2) و بذلك يصير المسألة قول رابع.

ثم ان ظاهر القول بكون الموالاة أحد واجبات الوضوء ترتب الإثم على تركها، و بذلك صرح أصحاب القولين المذكورين، و ان القائلين بمراعاة الجفاف صرحوا بأنه مع التفريق بين الأعضاء حتى يجف السابق يأثم و يبطل الوضوء، بل صرح الشهيد منهم في الدروس و البيان بأنه يأثم مع التفريق إذا أفرط في التأخير عن المعتاد و ان لم يبطل الا مع الجفاف، و القائلون بالمتابعة صرحوا بالإثم مع الإخلال بها و عدم البطلان الا بالجفاف، و بعضهم- كما تقدم- قال بالإثم و الابطال مع الإخلال بها. و في ثبوت الإثم المذكور من الأدلة إشكال، لعدم ما يدل عليه و لو في الجملة، و من ثم ذهب بعض من محققي متأخري المتأخرين إلى شرطية الموالاة في الوضوء بمعنى توقف صحته عليها، فغاية

____________

(1) ج 1 ص 35.

(2) في الباب- 33- من أبواب الوضوء.

350

ما يلزم من فواتها بطلانه دون الوجوب المستلزم لاستحقاق الذم بالمخالفة، اللهم إلا ان يثبت إجماع على الوجوب أو على حرمة إبطال العمل، و ربما كان الظاهر من كلام علي بن بابويه ذلك، و منه ربما ينتج بلوغ الخلاف في المسألة إلى أقوال خمسة.

و يدل على القول بمراعاة الجفاف من الأخبار

صحيحة معاوية بن عمار (1) قال:

«قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): ربما توضأت فنفد الماء فدعوت الجارية فأبطأت علي بالماء فيجف وضوئي؟ فقال: أعد».

و موثقة أبي بصير (2) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): إذا توضأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى تنشف وضوؤك فأعد وضوءك. فان الوضوء لا يبعض».

و استدل بعض الأصحاب على ذلك أيضا برواية مالك بن أعين و مرسلة الصدوق المتقدمتين في الأمر السابع من البحث الثالث في مسح الرأس (3) لدلالتهما على اعادة الوضوء لمن نسي مسح رأسه و فقد البلة من أعضاء وضوئه.

و عندي في الدلالة نظر، إذ من الجائز أن يكون استناد وجوب الإعادة المستلزم لبطلان الوضوء السابق انما هو للإخلال ببعض اجزاء الوضوء الذي هو المسح، لعدم جوازه إلا ببلة الوضوء، مع تعذرها كما هو المفروض، دون الجفاف.

و أنت خبير بأن غاية ما يفهم من الروايتين الأولتين اللتين هما مستند القول المذكور الأمر بالإعادة الدال على بطلان ما فعله سابقا و لا دلالة فيه على الذم و الإثم بوجه، بل ربما كان في سكوته (عليه السلام) عن الذم و الإنكار بالتأخير حتى يجف الوضوء نوع إيماء إلى العدم، و بذلك يظهر قوة القول بالشرطية خاصة. و ما ربما يتوهم- من

قوله في موثقة أبي بصير: «فان الوضوء لا يبعض».

بناء على ان الجملة الخبرية هنا في معنى الإنشاء و ان المعنى حينئذ انه لا يجوز تبعيضه- فمردود بأنه يجوز ان يكون

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 33- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 33- من أبواب الوضوء.

(3) في الصحيفة 281.

351

المراد ان الوضوء الشرعي ليس بقابل للتبعيض، بل تبعيضه يوجب الإتيان بوضوء غير مبعض، لعدم الخروج عن العهدة، فهو خبر أريد به خبر آخر هو لازمه و هو عدم صحة المبعض، و وجوب إعادته من قبيل الكناية، أو أريد به الإنشاء و هو الأمر بالإعادة. و شيء منهما لا يدل على الإثم، و يرشد إلى هذا انه وقع تعليلا للأمر بالإعادة مع الجفاف في مادة عروض الحاجة إلى الماء.

ثم ان مضمون الروايتين المشار إليهما أيضا حصول الابطال بالجفاف الناشي عن التفريق، اما لو اتفق الجفاف لا مع التفريق فلا دلالة للخبرين المذكورين على الابطال، و ليس غيرهما في الباب.

و به يظهر قوة ما ذهب اليه الصدوقان و من تبعهما من انه لو تابع بين أعضاء الوضوء صح وضوؤه و ان اتفق الجفاف، لعذر كان من حرارة و نحوها أم لا، و ضعف ما ذكره شيخنا الشهيد في الذكرى و الدروس من انه لو والى و جف بطل وضوؤه إلا مع إفراط الحر و شبهه، و قال في الذكرى: «ظاهر ابني بابويه ان الجفاف لا يضر مع الولاء و الأخبار الكثيرة بخلافه، مع إمكان حمله على الضرورة» انتهى. و ما ذكره من الأخبار الكثيرة الدالة على الابطال مع الجفاف في الصورة المذكورة لم نعثر منها في هذا الباب على غير ما قدمناه.

و يدل أيضا على ما ذكرناه ما ذكره

في كتاب فقه الرضا (1) حيث قال (عليه السلام): «إياك ان تبعض الوضوء، و تابع بينه كما قال اللّٰه تعالى: ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم بالمسح على الرأس و القدمين، فان فرغت من بعض وضوئك و انقطع بك الماء من قبل ان تتمه ثم أوتيت بالماء، فاتمم وضوءك إذا كان ما غسلته رطبا، فان كان قد جف فأعد الوضوء، و ان جف بعض وضوئك قبل ان تتم الوضوء من غير ان ينقطع عنك الماء، فامض على ما بقي جف وضوؤك أم لم يجف».

و قوله: و ان فرغت

____________

(1) في الصحيفة 1.

352

إلى آخره هو عين ما نقله الصدوق عن والده (قدس سرهما) و هو مؤيد لما صرحنا به في تتمة المقدمة الثانية من مقدمات الكتاب من اعتماد الصدوقين على الأخذ من الكتاب المذكور و نقلهما عبائره بعينها، و يزيده تأييدا ان صدر عبارة الكتاب المذكور إلى قوله «فان فرغت» و ان لم ينقله في الفقيه لكن نقله في الذكرى عن علي بن بابويه متصلا بما نقله في الفقيه، و بذلك يظهر لك ان ما ذكره في الذكرى بعد نقل كلام علي بن بابويه المتقدم- من انه لعله عول على ما رواه حريز عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) كما أسنده ولده في كتاب مدينة العلم،

و في التهذيب وقفه على حريز، قال: «قلت: ان جف الأول من الوضوء قبل ان اغسل الذي يليه؟ قال: جف أو لم يجف اغسل ما بقي.».

- ليس على ما ظنه (قدس سره) بل انما عول على ما قدمنا ذكره، و هذه الرواية حملها في التهذيب على الجفاف بالريح الشديدة و الحر العظيم أو التقية، و الأخير أقرب كما ذكره في البحار، لأن في تمام الخبر «قلت: و كذلك غسل الجنابة؟ قال: هو بتلك المنزلة، و ابدأ بالرأس ثم أفض على سائر جسدك. قلت: و ان كان بعض يوم؟ قال: نعم» إذ ظاهره هنا المساواة بين الوضوء و الغسل، فكما ان الغسل لا يعتبر فيه الريح الشديدة و الحر كذلك الوضوء.

و استدل القائلون بالقول الثاني بوجوه نذكر ما هو أمتنها دلالة عندهم:

(فمنها)-

قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة (2): «تابع بين الوضوء كما قال اللّٰه تعالى: ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس و الرجلين.».

و قوله في رواية حكم ابن حكيم (3): «ان الوضوء يتبع بعضه بعضا».

و قوله (عليه السلام) في حسنة الحلبي (4): «. اتبع وضوءك بعضه بعضا».

____________

(1) رواه صاحب الوسائل في الباب- 23- من أبواب الوضوء، و في الباب 29 و 41 من أبواب الجنابة.

(2) المروي في الوسائل في الباب- 34- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 33- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 33 و 35- من أبواب الوضوء.

353

و الجواب ان ظاهر الأخبار المذكورة ان المراد بالمتابعة فيها هو الترتيب بين الأعضاء بتقديم ما حقه التقديم و تأخير ما حقه التأخير، فالمراد من المتابعة فيها من باب تبع فلان فلانا إذا مشى خلفه لا المتابعة بمعنى اللحوق و القرب و الدنو كما هو المدعى، بقرينة قوله في الرواية الأولى: «كما قال اللّٰه تعالى: ابدأ بالوجه. إلخ» على وجه التفسير و الأبدال و التعليل، و قوله في الثالثة قبل هذا الكلام: «إذا نسي الرجل ان يغسل يمينه فغسل شماله و مسح رأسه و رجليه و ذكر بعد ذلك، غسل يمينه و شماله و مسح رأسه و رجليه، و ان كان انما نسي شماله فليغسل الشمال و لا يعتد على ما كان توضأ، و قال:

اتبع. إلخ» و قوله في الثانية بعد ان سأله الراوي عن رجل نسي من الوضوء الذراع و الرأس قال: «يعيد الوضوء، ان الوضوء. إلخ» على انه لو تم ما ادعوه منها لوجب الحكم بالبطلان دون مجرد الإثم بالمخالفة، لعدم الإتيان بالفعل على الوجه المأمور به شرعا و أكثرهم لا يقول به كما عرفت و ما ذكرناه في معاني الأخبار المذكورة ان لم يكن متعينا لما ذكرنا من قرائن سياقها فلا أقل ان يكون هو الأظهر، و بذلك يبطل الاستناد إليها فيما ذكروا، و منه يعلم ضعف الاعتماد عليها في ثبوت الإثم لمن أخل بالمتابعة كما يدعونه، فضلا عن حصول الابطال معه كما ادعاه في المبسوط.

و (منها)- اخبار الوضوء البياني (1) فإنها مبينة للأمر المجمل في الوضوء.

و الجواب انه و ان كان كذلك كما حققناه آنفا، الا انه انما يحتج به مع عدم دليل من خارج يقتضي تقييد مطلقه و تبيين مجمله، و الأخبار الدالة على تخصيص الابطال بالجفاف في صورة التفريق مخصصة، على انه يمكن منع دلالة الوضوء البياني هنا على الوجوب بالحمل على ان ذلك مقتضى العادة في مثله. و جريان مثل ذلك في أعلى الوجه و مرفقي اليدين ممنوع، و الغسل في كل منهما مجمل و الوضوء البياني مبين له.

و (منها)-

موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «ان

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 15- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 35- من أبواب الوضوء.

354

نسيت فغسلت ذراعك قبل وجهك فأعد غسل وجهك ثم اغسل ذراعك بعد الوجه.».

وجه الاستدلال بها انه أمر بإعادة غسل الوجه الدال على فعله أولا، و ليس ذلك إلا لبطلان الوضوء بفوات المتابعة بين أعضاء الطهارة، لا لفوات الترتيب، لأنه يحصل بإعادة غسل الذراع خاصة.

و الجواب انه لو كان الأمر كذلك لحصل المنافاة بين صدر هذه الرواية و عجزها حيث قال بعد ما قدمنا ذكره منها:

«فإن بدأت بذراعك الأيسر قبل الأيمن فأعد غسل الأيمن ثم اغسل اليسار، و ان نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك»

فإنه لو كان الأمر بإعادة غسل الوجه في صدرها انما هو لترك المتابعة، لكان ينبغي الأمر بإعادة غسل الوجه في الفرضين الأخيرين، مع انه اقتصر فيهما على اعادة ما أخر تقديمه نسيانا ثم اعادة ما قدمه عليه ليحصل الترتيب بين اجزاء الوضوء. نعم يرد الاشكال فيها من جهة أخرى و هو ان تحصيل الترتيب ممكن بدون اعادة غسل ما أخره نسيانا، بان يعيد غسل ما قدمه عليه خاصة ثم ما بعده، و هذه مسألة على حيالها قد تعارضت فيها الأخبار، و سيجيء تحقيقها ان شاء اللّٰه تعالى، على ان ظاهر الرواية- بناء على ما يدعيه المستدل- الابطال بترك الموالاة و لو نسيانا، و هم لا يقولون به، بل غاية ما يدعونه حصول الإثم مع العمد دون النسيان، و الشيخ في المبسوط و ان قال بالإبطال إلا ان الظاهر انه يخصه بصورة العمد أيضا، و حينئذ فلا انطباق للرواية على ما يدعونه منها.

و (منها)- قوله

في موثقة أبي بصير المتقدمة (1): «فإن الوضوء لا يبعض».

و هو صادق مع الجفاف و عدمه.

و الجواب انك قد عرفت آنفا من معنى هذا اللفظ ان المراد به حيث وقع تعليلا للإعادة مع الجفاف بطلان المبعض و عدم صحته، و حينئذ فلو أريد بالتبعيض فيه مجرد

____________

(1) في الصحيفة 350.

355

التفريق كما يدعيه المستدل، للزم القول ببطلان الوضوء بمجرد التفريق و ان لم يحصل الجفاف، و هو لا يقول به، فالظاهر ان المراد بالتعليل ان الوضوء لا يبعض بان يصير بعضه رطبا و بعضه يابسا بالتفريق، بمعنى انه لا يفرق على وجه يلزم منه يبس السابق.

و (منها)- رواية حكم بن حكيم المتقدمة (1) وجه الاستدلال بها ان المتابعة لو لم تكن واجبة لما حكم (عليه السلام) بإعادة الوضوء، مؤيدا ذلك بالتعليل:

«ان الوضوء يتبع بعضه بعضا».

فإنه يدل على ان المراد بالمتابعة عدم الفصل لا الترتيب، لان حصول الترتيب لا يتوقف على اعادة الوضوء بل يكفي فيه الإتيان على العضو المنسي و ما بعده.

و الجواب ان روايات نسيان بعض اجزاء الوضوء (2) قد اتفقت على ان الحكم في ذلك الإتيان بالجزء المنسي و ما بعده ما لم يحصل الجفاف دون الابطال، و هي مستفيضة و لا سيما الروايات الدالة على المسح بالبلة الباقية في أعضاء الوضوء لمن نسي مسح رأسه أو رجليه (3) المتضمن جملة منها لعدم ذكر ان ذلك الا بعد الدخول في الصلاة، على انهم- كما عرفت آنفا- لا يقولون بالإعادة إلا في حال الجفاف، و انما غاية ما يدعونه حصول الإثم مع التخصيص بصورة العمد، و إلا لوردت عليهم الأخبار المذكورة، و حينئذ فالواجب حمل هذه الرواية على اعادة الوضوء بالجفاف الموجب لفوات الموالاة و يحتمل أيضا حمل اعادة الوضوء على الإتيان بما نسي منه و ما بعده و هو الأنسب بالتعليل و اما على تقدير المعنى الأول فالأظهر في معنى التعليل المذكور حمله على ما تقدم في معنى قوله: «فان الوضوء لا يبعض» و المعنى حينئذ انه يعيد الوضوء لبطلان السابق بالجفاف، فان الوضوء يتبع بعضه بعضا و لا يفرق على وجه يجف السابق، و عليه

____________

(1) في الصحيفة 352.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 35- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 21- من أبواب الوضوء.

356

فتكون الرواية ثالثة لموثقة أبي بصير و صحيحة معاوية بن عمار المتقدمتين في الدلالة على البطلان مع الجفاف بالتفريق.

و أنت خبير بان ملخص ما ظهر- من مطاوي هذا البحث بعد استقصاء النظر في أدلته- أن الموالاة التي هي عبارة عن مراعاة الجفاف شرط في صحة الوضوء مع التفريق و اما مع المتابعة فلا يضر جفاف ما سبق لعذر كان من حرارة هواء و نحوها أم لا كما لا يخفى، و الاحتياط بالمتابعة مما لا ينبغي تركه.

تنبيهات:

(الأول) [ما هو المبطل على القول بمراعاة الجفاف]

- هل المبطل على تقدير القول بمراعاة الجفاف هو جفاف جميع الأعضاء المتقدمة. أو جفاف عضو في الجملة، أو العضو السابق على ما هو فيه؟

أقوال ثلاثة: أولها ظاهر المشهور، و ثانيها صريح ابن الجنيد على ما نقل عنه من اشتراط بقاء البلل في جميع ما تقدم إلا لضرورة، و ثالثها ظاهر السيد المرتضى و ابن إدريس.

و الظاهر هو القول المشهور، لأصالة صحة الوضوء فيقتصر في بطلانه على القدر المتيقن و هو جفاف الجميع، و لأن الروايتين الدالتين على الابطال مع الجفاف ان لم تكونا ظاهرتين في ترتب الابطال على جفاف الجميع فلا ظهور لهما في جفاف البعض.

و مما استدل به على ذلك أيضا الأخبار الدالة على الأخذ من بلة الوضوء لمن نسي مسح رأسه أو رجليه (1) و يضعف باحتمال اختصاص الحكم بالناسي كما هو مورد تلك الأخبار أو الضرورة كما يقوله ابن الجنيد.

(الثاني) [المعتبر هو الجفاف الفعلي أو التقديري]

- وقع في عبائر كثير من الأصحاب التقييد في الجفاف بالهواء المعتدل، و ظاهره ان تعجيل الجفاف في الهواء الشديد الحرارة و تأخيره في الهواء الشديد الرطوبة لا اعتبار به بل الاعتبار بحكم الهواء المتوسط بينهما فيحمل عليه كل من الطرفين، الا ان شيخنا الشهيد في الذكرى قال: «لو كان الهواء رطبا جدا بحيث لو اعتدل جف البلل لم يضر لوجود البلل حسا، و تقييد الأصحاب بالهواء المعتدل

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 21- من أبواب الوضوء.

357

ليخرج طرف الإفراط في الحرارة» انتهى. و هو جيد، لأن الإعادة إنما علقت في الخبرين المتقدمين على الجفاف، و هو غير صادق هنا لا لغة و لا عرفا، و الجفاف التقديري لا دليل عليه، لكن يبقى الإشكال أيضا في طرف الإفراط بالجفاف بالحرارة الشديدة من حيث ان الحكم معلق في الأخبار على الجفاف و قد تحقق كما هو المفروض و التقدير أيضا لا وجه له، و تقييد النص بحال الاعتدال من غير دليل محل إشكال إلا ان يتمسك بالضرورة. و فيه انه يندفع بالتيمم أو الاستئناف.

(الثالث) [الوظيفة عند تعذر الموالاة]

- صرح جمع من الأصحاب بأنه لو تعذرت الموالاة فلم تبق بلة على اليد للمسح جاز الاستئناف للمسح، للضرورة، و صدق الامتثال، و اختصاص المسح بالبلة بحال الإمكان. و يحتمل الانتقال إلى التيمم. و لم أقف على نص في ذلك، و الاحتياط يقتضي التعجيل في الوضوء، فان لم تبق بلة جمع بين الاستئناف و التيمم.

(المسألة الثالثة) [وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء فيما عدا الرجلين إحداهما على الأخرى، و وجوب الإعادة على ما يحصل معه مع مخالفته عمدا أو نسيانا قبل الجفاف، و شرح الكلام في هذه المسألة ينتظم في فوائد:

(الأولى) [انعقاد الإجماع على وجوب الترتيب]

- القول بوجوب الترتيب- بأن يبدأ بالوجه ثم باليد اليمنى ثم باليسرى ثم بالرأس ثم بالرجلين- مما انعقد عليه إجماعنا فتوى و رواية:

فمن الأخبار الواردة بذلك

صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال:

«تابع بين الوضوء كما قال اللّٰه عز و جل: ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس و الرجلين. و لا تقدمن شيئا بين يدي شيء تخالف ما أمرت به، فان غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه و أعد على الذراع، و ان مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثم أعد على الرجل، ابدأ بما بدأ اللّٰه عز و جل به».

و هي صريحة

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 34 من أبواب الوضوء.

358

في تقديم الوجه على مجموع اليدين، و هما على مجموع الرأس و الرجلين، و تقديم مسح الرأس على الرجلين.

و صحيحة منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام) (1) «في الرجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين؟ قال يغسل اليمين و يعيد اليسار».

و هي دالة على الترتيب بين اليدين.

و موثقة أبي بصير عنه (عليه السلام) (2) قال: «ان نسيت فغسلت ذراعك قبل وجهك فأعد غسل وجهك ثم اغسل ذراعك بعد الوجه، فإن بدأت بذراعك الأيسر قبل الأيمن فأعد غسل الأيمن ثم اغسل اليسار، و ان نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك».

و هذه الرواية قد استجمعت الترتيب بين الأعضاء ما عدا الرجلين، إلى غير ذلك من الأخبار.

بقي الكلام فيما لو توضأ بالمطر المتقاطر عليه،

كما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل لا يكون على وضوء فيصيبه المطر حتى يبتل رأسه و لحيته و جسده و يداه و رجلاه، هل يجزيه ذلك من الوضوء؟ قال: ان غسله فان ذلك يجزيه».

أو في الماء، فالظاهر ان المرجع في وجوب تقديم ما يجب تقديمه و تأخير ما يجب تأخيره إلى القصد، فلا عبرة بحصول الغسل في شيء من تلك الأعضاء من غير اقترانه بالقصد المذكور، و حينئذ فلو قدم في قصده عمدا أو سهوا بعض ما يجب تأخيره أبطل و وجبت الإعادة على ما يحصل به الترتيب.

(الثانية) [هل يجب الترتيب بين الرجلين؟]

- اختلف الأصحاب في وجوب الترتيب بين الرجلين و عدمه على أقوال ثلاثة: (أحدها)- الوجوب بتقديم اليمنى على اليسرى، نقله في المختلف عن الصدوقين و ابن الجنيد و سلار، و اختاره جملة من المتأخرين. و (ثانيها)- ما هو

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 35 من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب 35 من أبواب الوضوء.

(3) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب الوضوء.

359

المشهور من سقوط الوجوب فيجوز مسحهما دفعة واحدة بالكفين و تقديم اليمنى على اليسرى و بالعكس. و (ثالثها)- التخيير بين المقارنة و تقديم اليمنى دون العكس، نقله في الذكرى عن بعضهم، و هو ظاهر المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر في البداية و الوسائل و اختاره بعض فضلاء متأخري المتأخرين.

و الظاهر منها هو الأول، و يدل عليه

حسنة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «امسح على القدمين و ابدأ بالشق الأيمن».

و ما رواه النجاشي في كتاب الرجال (2) بإسناده عن عبد اللّٰه بن أبي رافع و كان كاتب أمير المؤمنين (عليه السلام) انه كان يقول: «إذا توضأ أحدكم للصلاة فليبدأ باليمين قبل الشمال من جسده».

و ما استند اليه أصحاب القول المشهور- من إطلاق الأوامر و صدق الامتثال الذي هو غاية ما اعتمدوا عليه- ففيه انه يجب تقييد مطلق تلك الأوامر بما ذكرنا من الأخبار، و صدق الامتثال مع ما ذكرنا ممنوع.

و الجواب- بحمل الأخبار على الاستحباب و ان كان الأمر من حيث هو حقيقة في الوجوب كما برهن عليه في الأصول، معللا بكثرة الأوامر في الشريعة للندب، فلا وثوق في الاحتجاج بها على الوجوب الموجب لاشتغال الذمة، كما اعتمد عليه جملة من فضلاء متأخري المتأخرين وردوا لأجله الأوامر في جملة من الأحكام- مردود بأنه تخريص في الدين و جرأة على سيد المرسلين، فإنه كما ان الأصل براءة الذمة كما تعلقوا به وردوا لأجله تلك الأوامر فلا يثبت اشتغالها إلا بدليل، كذلك الأصل في الأمر الوجوب كما هو المسلم فلا يخرج عنه إلا بدليل، و كثرة ورود الأخبار للندب- معتضدا أكثرها بالقرائن الحالية و المقالية على ذلك- لا يقتضي حمل ما ليس كذلك عليه،

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 34 من أبواب الوضوء.

(2) في ص 5 و فيه (أبو محمد) بدل (أبي عبد اللّٰه) و في الوسائل في الباب 34 من أبواب الوضوء.

360

و التحرز عن الوقوع في اشتغال الذمة ليس اولى من التحرز عن الوقوع في مخالفة الأمر الموجبة للإثم، و التمسك بأصالة البراءة انما يتم قبل ورود الأمر أو بعده مع ظهور الدلالة على عدم الوجوب، و التفصي عن المخالفة بالحمل على الاستحباب لا يسمن و لا يغني من جوع في هذا الباب، إذ متى كان الحكم واجبا شرعا و قد أمر به حافظ الشريعة لذلك فحمل امره على الاستحباب المؤذن بجواز الترك تخرصا عين المخالفة لمقتضى امره و الرد لنافذ حكمه. هذا، و قد تقدم الجواب عن ذلك مستوفى في المقدمة السابعة (1) و يدل على القول الثالث

ما رواه الطبرسي (قدس سره) في كتاب الاحتجاج (2) من التوقيع الخارج من الناحية المحروسة في جملة أجوبة مسائل الحميري، حيث سأل عن المسح على الرجلين: يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعا؟ فخرج التوقيع «يمسح عليهما جميعا معا، فان بدأ بإحداهما قبل الأخرى فلا يبدأ إلا باليمين».

و أنكر جملة من محققي متأخري المتأخرين وجود دليل لهذا القول لعدم الوقوف على الرواية المذكورة حتى تكلف بعضهم الاستدلال عليه بما لا يخلو من شيء.

(الثالثة) [الوظيفة عند مخالفة الترتيب]

- لو خالف مقتضى الترتيب المذكور عمدا أو نسيانا، فإنه تجب عليه الإعادة على ما يحصل به الترتيب مع عدم الجفاف و معه فتجب الإعادة من رأس، و ظاهر العلامة في التحرير الإعادة مع العمد من رأس و ان لم يجف، و في التذكرة عكسه و هو الإعادة مع النسيان من رأس و ان لم يجف، و التفصيل بالجفاف و عدمه مع العمد، و هو غريب.

ثم انه هل يكفي في الإعادة مع عدم الجفاف اعادة ما قدم مما حقه التأخير دون ما أخر مما حقه التقديم لصحته، إذ لا مانع من صحته إلا تقديم ما حقه التأخير عليه، و هو غير صالح للمانعية لفساده، أو يجب اعادة الجميع، نظرا إلى انه كما بطل الأول لتقديمه في غير موضعه كذلك بطل الثاني لترتيبه عليه و وضعه أيضا في غير موضعه؟

____________

(1) ج 1 ص 115.

(2) ص 255 و في الوسائل في الباب 34 من أبواب الوضوء.

361

وجهان، صرح بأولهما المحقق في المعتبر و جماعة ممن تأخر عنه.

و الأخبار في ذلك مختلفة. فمما يدل على الأول

ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب نوادر البزنطي عنه عن عبد الكريم بن عمرو عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا بدأت بيسارك قبل يمينك و مسحت رأسك و رجليك ثم استيقنت بعد أنك بدأت بها غسلت يسارك ثم مسحت رأسك و رجليك».

و على الثاني موثقة أبي بصير المتقدمة (2)

و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) في حديث تقديم السعي على الطواف، قال: «ألا ترى انك إذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك ان تعيد على يمينك».

و قال الصدوق في الفقيه (4): «روي في من بدأ بغسل يساره قبل يمينه انه يعيد على يمينه ثم يعيد على يساره. و قد روي انه يعيد على يساره».

انتهى. و الرواية الأولى منهما مما ينتظم في أدلة القول الثاني و الثانية في أدلة القول الأول.

و اما

قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة (5): «. فإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه و أعد على الذراع، و ان مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثم أعد على الرجل، ابدأ بما بدأ اللّٰه عز و جل به».

فالظاهر منها بقرينة اختصاص لفظ الإعادة بالذراع و الرجل وقوع التذكر قبل غسل الوجه في الأول و قبل مسح الرأس. فأمره بالبدأة بغسل الوجه ثم الإعادة على الذراع و البدأة بمسح الرأس ثم الإعادة على الرجل، و مثلها صحيحة منصور بن حارم المتقدمة في صدر المقالة (6) و على ذلك فلا دلالة في شيء منهما على ما نحن فيه.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 35 من أبواب الوضوء.

(2) ص 358.

(3) المروية في الوسائل في الباب 35 من أبواب الوضوء.

(4) ج 1 ص 29 و في الوسائل في الباب 35 من أبواب الوضوء.

(5) في الصحيفة 357.

(6) ص 358.

362

و يمكن الجمع بين الأخبار المذكورة بحمل موثقة أبي بصير و صحيحة منصور و نحوهما على ما دلت عليه صحيحة زرارة و صحيحة منصور الأخرى من التذكر قبل غسل العضو الأخير أو مسحه، و حينئذ فيحمل لفظ الإعادة فيها على أصل الغسل مشاكلة لما بعده، و يحتمل أيضا- كما ذكره بعض- حمل الموثقة المذكورة و أمثالها على ما إذا كان قد غسل العضو الأخير بقصد انه مأمور به على هذا الوجه. فإنه تجب الإعادة عليه لكون ذلك تشريعا محرما، و الروايات الأخر على ما إذا غسله لا من هذه الحيثية بل من حيث انه جزء من الوضوء و ان كان بالقصد الحكمي المستمر كما في سائر الأجزاء، و لا يخفى ما فيه من البعد. و الجمع بين الأخبار بالتخيير لا يخلو من قرب، و ربما كان ذلك هو الظاهر من كلام الفقيه حيث نقل الخبرين المذكورين مع ظهورهما في التنافي و لم يجمع بينهما و قد ذكر بعض مشايخنا المتأخرين ان هذا دأبه فيما إذا لم يجمع بين الخبرين المتنافيين.

(المسألة الرابعة)- وجوب المباشرة مع الإمكان

- و عدم جواز التولية في كل من الطهارات الثلاث- هو المشهور بين الأصحاب، بل ادعى عليه في الانتصار الإجماع و نقل عن ابن الجنيد انه قال: «يستحب ان لا يشرك الإنسان في وضوئه غيره بان يوضئه أو يعينه عليه» و لا ريب في ضعفه، لان المتبادر من الأوامر الدالة على الغسل و المسح كتابا و سنة مباشرة المتوضئ ذلك، لان إسناد الفعل إلى فاعله هو الحقيقة و غيره مجاز لا يحمل عليه إلا مع الصارف عن الأول.

و يدل على ذلك

رواية الوشاء (1) قال: «دخلت على الرضا (عليه السلام) و بين يديه إبريق يريد أن يتهيأ منه للصلاة، فدنوت لأصب عليه فأبى ذلك و قال:

مه يا حسن، فقلت له: لم تنهاني أن أصب عليك، تكره ان أوجر؟ قال: تؤجر أنت و أوزر أنا. فقلت له و كيف ذلك؟ فقال: أما سمعت اللّٰه يقول:

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 47 من أبواب الوضوء.

363

«فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً» (1) و ها انا ذا أتوضأ للصلاة و هي العبادة فأكره أن يشركني فيها أحد».

وجه الاستدلال بها وقوع النهي عن الصب الذي هو حقيقة في التحريم، مردفا له بما يزيده تأكيدا من ان قبول ذلك موجب للوزر و الإثم الذي لا يكون إلا على ارتكاب محرم، معللا لذلك بدخوله تحت النهي عن الشرك بعبادة ربه و كونه جزئيا من جزئيات ما نهى عنه سبحانه في هذه الآية التي لا مجال لإنكار كون النهي فيها للتحريم، فيستلزم تحريم قبول الصب عليه، و لما فيه من الجمع بينه و بين

صحيحة أبي عبيدة الحذاء (2) قال: «وضأت أبا جعفر (عليه السلام) بجمع و قد بال فناولته ماء فاستنجى ثم صببت عليه كفا فغسل به وجهه و كفا غسل به ذراعه الأيمن و كفا غسل به ذراعه الأيسر. الحديث».

و رواه الشيخ أيضا في موضع آخر بلفظ: «ثم أخذ كفا فغسل به وجهه. إلخ» بدل قوله: «ثم صببت» الا ان قول الراوي: «وضأت» إنما يلائم الأول كما لا يخفى، و بذلك يظهر لك صحة الاستدلال بالرواية على تحريم التولية، بحمل الصب فيها على الصب على أعضاء الطهارة، دون الحمل على الاستعانة كما عليه الجمهور من أصحابنا، و جعلها دليلا على كراهتها، حملا للصب المنهي عنه على الصب في اليد و حمل الوزر على الكراهة بقرينة قوله في آخر الخبر:

«فأكره» و تكلف الجمع بينها و بين صحيحة الحذاء المتقدمة بحمل الصحيحة المذكورة على الضرورة أو بيان الجواز. و فيه- زيادة على ما عرفت- ان استعمال الكراهة في المعنى المذكور اصطلاح أصولي طارئ و المفهوم من الأخبار استعمالها في التحريم كثيرا فلا يتقيد به النهي المتأصل في التحريم المؤكد المعلل بما أوضحنا بيانه و شيدنا أركانه.

و مثل رواية الوشاء فيما ذكرناه

ما رواه الصدوق (رحمه اللّٰه) تعالى) في الفقيه (3)

____________

(1) سورة الكهف الآية 110.

(2) المروية في الوسائل في الباب 15 من أبواب الوضوء.

(3) رواه في الفقيه ج 1 ص 27 و في العلل ص 103 و في الوسائل في الباب 47 من أبواب الوضوء.

364

مرسلا و في كتاب العلل مسندا عن الصادق (عليه السلام) «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) كان لا يدعهم يصبون الماء عليه و يقول لا أحب ان أشرك في صلاتي أحدا».

و الطعن بكون «لا أحب» ظاهرا في الكراهة مردود بما في الأخبار من كثرة ورودها في مقام التحريم، كما لا يخفى على من خاض في تيار عبابها و ذاق صافي لبابها.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان المراد بالتولية المحرمة هي ان يتولى الغير غسل أعضائه أو مشاركته فيها، و اما مجرد صب الماء في اليد فليس منها بل هو من الاستعانة كما ذكره الأصحاب، و اما طلب إحضار الماء للطهارة فقد ذكر جمع من الأصحاب: منهم- السيد السند انه من الاستعانة المكروهة. و عندي في أصل الحكم بكراهة الاستعانة- و ان كان مشهورا بين الأصحاب- إشكال، لعدم الدليل عليه بل قيام الدليل على العدم، و ذلك فإنهم إنما استدلوا على الحكم المذكور برواية الوشاء و مرسلة الفقيه المتقدمتين، و قد عرفت الحال فيهما، فيبقى الحكم بناء على ما ذكرناه عاريا عن الدليل و صحيحة الحذاء- كما عرفت- قد دلت على الصب في يده (عليه السلام) و لا معارض لها بناء على ما اخترناه، فتأويلها- بالحمل على الضرورة أو بيان الجواز من غير معارض- مشكل، و طلب إحضار الماء للطهارة قد وقع في عدة من اخبار الوضوء البياني و غيرها

كحسنة زرارة (1) قال: «حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فدعا بقدح من ماء.».

و في أخرى «فدعا بقعب من ماء».

و في ثالثة «فدعا بطشت أو تور».

و حديث وضوء علي (عليه السلام) (2)

و قول علي (عليه السلام) لابنه محمد بن الحنفية «ائتني بإناء من ماء أتوضأ للصلاة».

الى غير ذلك. و ارتكاب الحمل في الجميع من غير معارض سفسطة ظاهرة. و بالجملة فإني لم أقف على دليل على ذلك زائدا على مجرد الشهرة.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 15 من أبواب الوضوء.

(2) المروي في الوسائل في الباب 16 من أبواب الوضوء.

365

ثم ان ما ذكرناه من تحريم التولية مخصوص بحال الاختيار، فلو اضطر إلى ذلك لمرض أو تقية أو غيرهما جاز اتفاقا، و لنفي الحرج في الدين و سعة الحنيفية، و على ذلك ينبغي حمل

ما رواه الصدوق في كتاب المجالس (1) بسنده فيه عن عبد الرزاق قال:

«جعلت جارية لعلي بن الحسين (عليه السلام) تسكب الماء عليه و هو يتوضأ فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجه. الحديث».

فإنه ظاهر في التولية و غسل الأعضاء، فالواجب حمله على الضرورة لمرض و نحوه، و لو حمل على صب الماء في اليد- و ان بعد عن ظاهره- فسبيله سبيل الأخبار المتقدمة الدالة على جواز الاستعانة من غير معارض، و لا ضرورة إلى حمله حينئذ على الضرورة، لعدم الدليل على الكراهة كما عرفت.

(المسألة الخامسة) لا يجوز الغسل مكان المسح و لا العكس

، و هذا الحكم ثابت عندنا إجماعا فتوى و دليلا، آية و رواية، إذ مقتضى الآية الشريفة الواردة في الوضوء (2) غسل بعض و مسح بعض، فالواجب الإتيان بكل منهما فيما عين فيه، و إلا لبقي تحت العهدة، لعدم الإتيان بالمأمور به، و بذلك استفاضت الأخبار:

ففي صحيح زرارة المضمر (3) قال: «لو أنك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم أضمرت ان ذلك هو المفترض لم يكن ذلك بوضوء».

و في رواية محمد بن مروان (4): «يأتي على الرجل ستون أو سبعون سنة ما قبل اللّٰه منه صلاة. قال: قلت: و كيف ذلك؟ قال: لأنه يغسل ما أمر اللّٰه بمسحه».

و ربما يبني القول بذلك على تباين حقيقتي الغسل و المسح باشتراط الجريان في الأول و مجرد إمرار اليد في الثاني كما هو أحد القولين، الا ان الظاهر- كما

____________

(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 41 من أبواب الوضوء.

(2) سورة المائدة الآية 8.

(3) المروية في الوسائل في الباب 25 من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب 25 من أبواب الوضوء.

366

استظهره جملة من محققي أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم)- ان النسبة بينهما العموم من وجه فيجتمعان في المسح باليد مع الجريان، فعلى هذا لو مسح في الوضوء بنداوة زائدة يحصل بها الجريان مع قصده المسح دون الغسل، فالظاهر الخروج من العهدة، و صدق الغسل عليه- باعتبار الجريان و ان لم يكن مقصودا- غير مضر، لحصول الامتثال بما ذكرنا، و لأن المتوضئ سيما المسبغ في وضوئه لا تخلو يده بعد الفراغ من بلة زائدة يحصل بها الجريان و لو أقله كما نشاهده في أنفسنا، مع انه لم يرد عنهم (عليهم السلام) نفض أيديهم بعد الغسل لأجل المسح و لا الأمر بذلك، فالتكيف بالنفض و التجفيف حينئذ يحتاج إلى دليل، و ليس فليس. و ربما يستأنس لذلك بصحيح زرارة المتقدم الدال بمفهومه على ان حصول الغسل مع عدم نيته و قصده لا يبطل الوضوء، و حينئذ فالظاهر تخصيص الأخبار المانعة من الغسل و الإجماع المدعى في المقام بالغسل المشتمل على الجريان من غير إمرار اليد أو معه بقصد كونه غسلا لا مسحا، فان الظاهر خروج تلك الأخبار في مقام التعريض بالعامة الموجبين للغسل بأحد الفردين.

و ما يقال- من ان وقوع المقابلة بين الغسل و المسح في الآية يقتضي مخالفة حقيقة أحدهما لحقيقة الآخر و إلا فلا معنى للتقابل- ففيه انه ان أريد بالمخالفة التباين الكلي فالتقابل بهذا المعنى ممنوع، و ان أريد ما هو أعم فمسلم، و هي متحققة في العموم من وجه، إذ يصدق الغسل بدون المسح على مجرد الصب و نحوه من غير إمرار اليد، و العكس على الإمرار بدون الجريان، و هذا كاف في صحة التقابل و ان اجتمعا في إمرار اليد مع الجريان. و لك ان تقول بمعونة صحيحة زرارة المتقدمة ان الغسل حقيقة فيما يحصل معه الجريان لا مع إمرار اليد أو معه بقصد كونه غسلا، و يقابله المسح بإمرار اليد لا مع الجريان أو معه بقصد كونه مسحا، و حينئذ فالنسبة بينهما التباين، و عدم جواز كل منهما مكان الآخر ظاهر لما بينهما من التباين، و إمرار اليد بما يستلزم الجريان في موضع المسح مع قصد كونه مسحا كما انه كذلك مع قصد كونه غسلا لا ينافي التباين حينئذ، فإن كان

367

مراد المعترض و غيره ممن عبر بعدم جواز الغسل مكان المسح و بالعكس ما ذكرناه من الغسل المجرد عن إمرار اليد أو معه مع قصد كونه غسلا فمرحبا بالوفاق، و إلا فهو محل نظر لما عرفت.

(المسألة السادسة) [حكم الإخلال بالترتيب]

- الظاهر انه لا خلاف في ان من أخل بالترتيب بترك بعض الأعضاء نسيانا، أعاد متى ذكر على ما يحصل به الترتيب ان ذكر قبل جفاف السابق، و إلا فمن رأس، و لو كان في الصلاة قطعها و أعادها بعد الوضوء مرتبا، و الأخبار به مستفيضة:

ففي حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) «إذا ذكرت و أنت في صلاتك انك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض عليك، فانصرف و أتم الذي نسيته من وضوئك و أعد صلاتك».

و الإتمام هنا اما محمول على عدم فوات الموالاة أو انه كناية عن اعادة الوضوء.

و حسنته الأخرى عنه (عليه السلام) (2) قال: «إذا نسي الرجل ان يغسل يمينه فغسل شماله و مسح رأسه و رجليه و ذكر بعد ذلك، غسل يمينه و شماله و مسح رأسه و رجليه، و ان كان انما نسي شماله فليغسل الشمال و لا يعيد على ما كان توضأ».

و المراد من قوله: «و لا يعيد على ما كان توضأ» أي غسل، و الوضوء هنا بمعنى الغسل، يعني لا يعيد ما غسله سابقا، فلا ينافي وجوب مسح الرجل بعد غسل الشمال، و على ذلك أيضا تحمل

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل توضأ و نسي غسل يساره. فقال: يغسل يساره وحدها و لا يعيد وضوء شيء غيرها».

و حمله الشيخ (رحمه اللّٰه) على معنى لا يعيد وضوء شيء غيرها مما تقدم دون ما تأخر و لا ضرورة إليه، فإن الوضوء هنا- كما عرفت- بمعنى الغسل، فينصرف إلى ما تقدم

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 3 و 42 من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب 35 من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب 35 من أبواب الوضوء.

368

من غير تكلف الحمل على ذلك.

و رواية زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) «في الرجل ينسى مسح رأسه حتى يدخل في الصلاة؟ قال: ان كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه و رجليه فليفعل ذلك و ليصل. قال: و ان نسي شيئا من الوضوء المفروض فعليه أن يبدأ بما نسي و يعيد ما بقي لتمام الوضوء».

و رواية أبي بصير عنه (عليه السلام) (2) «في رجل نسي أن يمسح على رأسه فذكر و هو في الصلاة؟ فقال: ان كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه و رجليه و استقبل الصلاة».

و اما ما ورد في بعض الأخبار- في من نسي مسح رأسه مما ظاهره الاقتصار عليه،

كرواية الكناني (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل توضأ فنسي أن يمسح على رأسه حتى قام في الصلاة. قال: فلينصرف فليمسح على رأسه و ليعد الصلاة».

و نحوها رواية المفضل بن صالح وزيد الشحام (4)- فمحمول على ما تقدم من الروايات الدالة على انه يأتي بالمنسي و ما بعده تحقيقا للترتيب.

و لا فرق في ظاهر الأصحاب بين كون المنسي عضوا كاملا أو بعضا منه و لو لمعة. فإنه يجب غسله و ترتيب ما تأخر عليه، الا انه نقل في المختلف عن ابن الجنيد انه إذا كان المنسي لمعة دون سعة الدرهم، فإنه يكفي بلها من غير اعادة على ما بعد ذلك العضو، و لم نقف له دليل إلا انه نقل فيه أيضا عن ابن الجنيد انه قال: «و قد روى توقيت الدرهم ابن سعيد عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) و ابن منصور عن زيد ابن علي، و منه حديث أبي أمامة عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)» انتهى. و هو أعرف

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 35 من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب 42 من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب الوضوء.

369

بما نقل. لكن

روى الصدوق (رضي اللّٰه عنه) في الفقيه (1) مرسلا عن الكاظم (عليه السلام) و في كتاب عيون الأخبار مسندا عن الرضا (عليه السلام) انه «سئل عن الرجل يبقى من وجهه إذا توضأ موضع لم يصبه الماء. فقال يجزئه ان يبله من جسده».

و هو و ان لم يكن واضح الدلالة على ما ذكره ابن الجنيد إلا انه مناف بظاهره لما عليه الأصحاب، و الحمل على الإتيان بما بعده و ان كان بعيدا عن ظاهر اللفظ إلا انه لا مندوحة عن المصير اليه.

و ربما ظهر من الصدوق العمل بظاهر الرواية المذكورة، حيث نقلها و لم يتعرض لتأويلها و لا ردها، و هو ظاهر المحدث الشيخ محمد الحر في كتاب البداية. و جرى عليه أيضا في كتاب الوسائل، حيث قال: «باب من نسي بعض العضو أجزأه ان يبله من بعض جسده» ثم نقل الرواية المذكورة بطريقي الفقيه و العيون.

و أنت خبير بأن إثبات الحكم المذكور- مع مخالفته لظواهر الأخبار المتعددة و القواعد الممهدة بمجرد هذه الرواية مع ضعف سندها و قبولها للتأويل- مشكل. و ربما حملت أيضا على ما إذا لم يتيقن عدم اصابة الماء بل وجده جافا.

هذا. و مقتضى ما هو المعروف من كلام الأصحاب انه بعد غسل اللمعة المذكورة يرتب عليها ما تأخر عن ذلك العضو من الأعضاء، و اما انه يرتب أولا ما تأخر عن تلك اللمعة من العضو الذي هي فيه عليها أيضا فالمفهوم من كلام العلامة في المختلف بعد نقل كلام ابن الجنيد المتقدم تفريع ذلك على وجوب الابتداء من موضع بعينه و عدمه حيث قال: «و لا أوجب غسل جميع العضو بل من الموضع المتروك إلى آخره ان أوجبنا الابتداء من موضع بعينه، و الموضع خاصة ان سوغنا العكس» انتهى. و تحقيق الكلام في ذلك قد تقدم.

____________

(1) ج 1 ص 36 و في العيون ص 192 و في الوسائل في الباب 43 من أبواب الوضوء.

370

(المسألة السابعة) [الوضوء بالماء النجس]

- الظاهر انه لا خلاف في تحريم الوضوء بالماء النجس، و يدل عليه أيضا

ما رواه الشيخ محمد الحر في كتاب الوسائل (1) عن المرتضى (رضي اللّٰه عنه) في رسالة المحكم و المتشابه نقلا من تفسير النعماني بإسناده عن علي (عليه السلام) قال: «و اما الرخصة التي هي الإطلاق بعد النهي، فان اللّٰه تعالى فرض الوضوء على عباده بالماء الطاهر، و كذلك الغسل من الجنابة. الحديث».

و يدل عليه أيضا جملة من الأخبار الواردة بالنهي عن الوضوء بالماء النجس (2).

و انما الخلاف في المعنى المراد من التحريم في هذا المقام، فقيل المراد به المعنى المتعارف و هو ما يترتب الإثم على فعله مع بطلانه، و قيل انه عبارة عن مجرد البطلان و الأول اختيار جماعة: منهم- المحقق الثاني في شرح القواعد، و الشهيد الثاني في الروض، و سبطه السيد السند في المدارك، و عللوه بان استعماله فيما يسمى طهارة في نظر الشارع يتضمن إدخال ما ليس من الشرع فيه فيكون حراما، إذ المراد التحريم على تقدير استعماله و الاعتداد به في الصلاة. و القول الثاني اختاره العلامة في النهاية. و الأول أقرب لأن اعتقاد الطهارة بما نهى الشارع عن الطهارة به تشريع البتة، فيترتب عليه الإثم بلا اشكال.

ثم ان الابطال- و وجوب الإعادة وقتا و خارجا إذا كان عن عمد- مما لا خلاف و لا اشكال فيه، و الظاهر من كلامهم ان الطهارة به نسيانا في حكم العمد أيضا من حيث وجوب التحفظ عليه، و اما الطهارة به جهلا بالنجاسة فظاهر المشهور بين المتأخرين انه كذلك أيضا، و المفهوم من كلام الشيخ في المبسوط وجوب الإعادة في الوقت دون الخارج، و بذلك صرح ابن البراج. و هو ظاهر كلام ابن الجنيد، و عبائر جل متقدمي علمائنا (رضوان اللّٰه عليهم) مطلقة في وجوب الإعادة من غير تفصيل بين الأفراد المذكورة.

____________

(1) في الباب 51 من أبواب الوضوء.

(2) ذكر هذه الأخبار في الفصل الثالث من باب المياه في حكم القليل الراكد.

371

و قال العلامة في المختلف بعد نقل جملة من عبارات الأصحاب الواردة في هذا الباب: «و الوجه عندي إعادة الصلاة و الوضوء و الغسل ان وقعا بالماء النجس، سواء كان الوقت باقيا أولا، سبقه العلم أو لا» و على منواله حذا جملة من المتأخرين، و استدل على ما ذهب إليه في المختلف بورود الأخبار بالنهي عن الوضوء بالماء النجس، مثل

صحيحة حريز (1) الدالة على انه «إذا تغير الماء و تغير الطعم فلا تتوضأ منه».

و صحيحة البقباق (2) الدالة على السؤال عن أشياء حتى انتهى إلى الكلب فقال (عليه السلام): «رحس نجس لا تتوضأ بفضله.».

قال: «و النهي يدل على الفساد، فيبقى في عهدة التكليف. لعدم الإتيان بالمأمور به» ثم قال: «لا يقال: هذا لا يدل على المطلوب لاختصاصه بالعالم، فإن النهي مختص به. لأنا نقول: لا نسلم الاختصاص، فإنه إذا كان نجسا لم يكن مطهرا لغيره» ثم استدل أيضا

بما رواه معاوية في الصحيح عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سمعته يقول لا يغسل الثوب و لا تعاد الصلاة مما وقع في البئر إلا ان ينتن. فإن أنتن غسل الثوب و أعاد الصلاة».

قال: «و هذا مطلق سواء سبقه العلم أو لا».

و قال الشهيد في الذكرى: «يحرم استعمال الماء النجس و المشتبه في الطهارة مطلقا، لعدم التقرب بالنجاسة، فيعيدها مطلقا و ما صلاه و لو خرج الوقت، لبقاء الحدث، و عموم «من فاتته صلاة فليقضها» (4) يقتضي وجوب القضاء» انتهى.

و للنظر فيما ذكراه (قدس سرهما) مجال: اما ما ذكره العلامة (رحمه اللّٰه) من الاستدلال بالأخبار الدالة على النهي عن الوضوء بالماء النجس، من حيث ان النهى

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب الماء المطلق.

(2) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الأسآر و 11 من أبواب النجاسات.

(3) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الماء المطلق.

(4) الظاهر انه مضمون مستفاد من الأخبار الواردة في قضاء الصلوات.

372

يدل على الفساد فيبقى في عهدة التكليف، فمسلم بالنسبة إلى العامد و الناسي، و اما بالنسبة إلى الجاهل فممنوع لعدم توجه النهي إليه كما ذكروا في غير موضع، معللين له بقبح تكليف الغافل، كما صرحوا به في مسألة الصلاة في الثوب المغصوب جاهلا و المكان المغصوب، فإنه لا خلاف بينهم في الصحة، و حجتهم على ذلك ما أشرنا إليه من عدم توجه النهي إلى الجاهل لقبح تكليف الغافل، على ان الأظهر- كما هو المستفاد من الأخبار، و عليه جملة من محققي علمائنا الأبرار- هو معذورية جاهل الحكم فضلا عن جاهل الأصل إلا ما خرج بدليل، كما تقدم تحقيقه في المقدمة الخامسة. و ما ذكره أخيرا- من منع اختصاص النهي بالعالم معللا بأنه إذا كان نجسا لم يكن مطهرا لغيره- ففيه انه ان كان المراد به ما كان نجسا في نظر المكلف فمسلم و لكنه ليس محل البحث، و ان أراد به ما كان كذلك واقعا و ان لم يكن معلوما للمكلف حال الاستعمال فهو أول المسألة و كذلك ما ذكره في الذكرى من تعليله عدم ارتفاع الحدث به بأنه نجس و لا تحصل به الطهارة إلى آخر ما ذكره، و توضيحه ان التكاليف الواردة من الشارع انما جعلت منوطة بالظاهر في نظر المكلف دون الواقع، و الشارع لم يلتفت في ذلك إلى نفس الأمر و لم يكلف بالنظر اليه، للزوم تكليف ما لا يطاق، و لا نقول ان التكليف انما هو بالنظر إلى الواقع و ان سقط الإثم بالمخالفة دفعا للحرج المذكور، فلا بد في الصحة من مطابقته كما هو ظاهر الجماعة،

لقولهم (عليهم السلام): «كل ماء طاهر حتى تعلم انه قذر» (1).

و «كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر.» (2).

فإنه- كما ترى- ظاهر الدلالة على الحكم على كل ماء و كل شيء بالطهارة و النظافة إلى وقت العلم بالقذارة، و بعد العلم بالقذارة يحكم بأنه قذر، فصفة النجاسة لا تثبت له شرعا إلا بعد

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب 1 من أبواب الماء المطلق.

(2) المروي في الوسائل في الباب 37 من أبواب النجاسات.

373

العلم، و يؤيده

قوله: «الناس في سعة ما لم يعلموا» (1).

و قوله: «لا أبالي أ بول أصابني أم ماء إذا لم اعلم» (2).

الى غير ذلك من الأخبار، و حينئذ فالمكلف إذا توضأ بهذا الماء الطاهر في اعتقاده و ان لاقته نجاسة واقعا، فطهارته شرعية مجزئة، و صلاته بتلك الطهارة شرعية مجزئة إجماعا. فبعد ثبوت النجاسة في ماء وضوئه و انكشاف الأمر لديه فوجوب قضاء تلك العبادة التي مضت على الصحة من وضوء و صلاة و إعادتها يحتاج إلى دليل، و ليس فليس. و صدق الفوات على مثل هذه العبادة- كما ادعاه في الذكرى- ممنوع، كيف و قد فعل المأمور به شرعا، و امتثال الأمر يقتضي الاجزاء و الصحة كما حقق في محله.

و التحقيق في هذا المقام- و ان استدعى مزيد بسط في الكلام، فإن المسألة مما لم يحم حول حريم تحقيقها أحد من الأقوام مع كونها كالأصل لابتناء جملة من الأحكام- ان يقال: الخلاف في هذه المسألة مبني على مسألتين أخريين: إحداهما- معذورية الجاهل و عدمها، و ثانيتهما- ان النجس شرعا هل هو عبارة عما لاقته النجاسة واقعا خاصة أو عما علم المكلف بملاقاة النجاسة له، و المشهور بين الأصحاب في المسألة الاولى هو عدم معذورية الجاهل إلا في مواضع مخصوصة، و المشهور من الأخبار- كما أسلفنا بيانه في المقدمة المشار إليها آنفا- هو المعذورية إلا في مواضع خاصة، و المستفاد من كلامهم في المسألة الثانية ان النجس شرعا هو ما لاقته النجاسة و ان لم يعلم به المكلف، غاية الأمر انه مع عدم العلم ترتفع عنه المؤاخذة، فعلى هذا لو صلى في النجاسة أو توضأ بماء متنجس كان كل من صلاته و وضوئه باطلا في الواقع و ان ارتفع الإثم عنه في ظاهر الأمر، نقل ذلك عنهم شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة في الفصل الثالث في المنافيات

____________

(1) تقدم في التعليقة 2 ص 43 ج 1 ان الأصل في هذا الحديث هو قوله (ع): «هم في سعة حتى يعلموا» في رواية السفرة المروية في الوسائل في الباب 50 من النجاسات و 38 من الذبائح و 23 من اللقطة.

(2) المروي في الوسائل في الباب 37 من النجاسات.

374

للصلاة، حيث قال المصنف: «الأول- نواقض الطهارة مطلقا و مبطلاتها كالطهارة بالماء النجس» قال الشارح: «سواء علم بالنجاسة أم لا حتى لو استمر الجهل به حتى مات، فإن الصلاة باطلة غايته عدم المؤاخذة عليها، لامتناع تكليف الغافل، هذا هو الذي يقتضيه إطلاق العبارة و كلام الجماعة» انتهى. و حينئذ فيتجه القول بالبطلان. و المستفاد من الأخبار ان النجس ليس عبارة عما ذكروا بل هو عبارة عما علم المكلف بملاقاة النجاسة له، كما ان الطاهر ليس عبارة عما لم تلاقه النجاسة بل عما لم يعلم ملاقاتها له، و قد تقدم تحقيق المسألة في المقدمة الحادية عشرة (1) و يزيده هنا ما عرفت من الخبرين المتقدمين الدالين على ان «كل ماء طاهر، و كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر» فإنهما كما دلا على ان الماء و غيره من الأشياء على أصل الطهارة من حيث عدم العلم بملاقاة النجاسة له و ان حصل ذلك واقعا كذلك دلا على ان النجس الذي هو مقابل له بالمباينة هو ما علم ملاقاة النجاسة له تحقيقا للمباينة. و بذلك يظهر لك ما في كلامهم (رضوان اللّٰه عليهم) من الغفلة و المسامحة في الأصل المذكور و ما يبتني عليه. هذا مقتضى ما ادى اليه الدليل بالنظر إلى هذا الفكر الكليل و الذهن العليل و الاحتياط يقتضي الوقوف على كلام الأصحاب (نور اللّٰه مراقدهم).

و لم أر من تنبه لما ذكرناه و اختار ما حققناه سوى العلامة المحدث السيد نعمة اللّٰه الجزائري في رسالته التحفة، و الشيخ جواد الكاظمي في شرح الرسالة الجعفرية، اما الأول منهما فإنه صرح بان الطاهر و النجس ما حكم الشارع بطهارته و نجاسته، فالطاهر ليس هو الواقع في نفس الأمر بل ما حكم الشارع بطهارته و كذا النجس، و ليس له واقع سوى حكم الشارع بطهارة المسلمين فصاروا طاهرين، صرح بذلك (قدس سره) في جواب شبهة بعض معاصريه من علماء العراق ممن اعتقد وجوب عزل السؤر عن الناس بزعم انهم نجسون قطعا أو ظنا. و اما الثاني فإنه في الكتاب

____________

(1) ج 1 ص 136.

375

المذكور- بعد ان نقل ما قدمنا من عبارة الذكرى- قال: «و فيه نظر، فانا لا نسلم بقاء حدثه، قولك: النجس لا تحصل به الطهارة قلنا النجس في نفس الأمر أو النجس في علم المكلف، الأول ممنوع، و الثاني مسلم، و يؤيده انا مكلفون مع عدم العلم بالنجاسة لا مع العلم بعدمها، لاستلزام ذلك الحرج المنفي بالآي و الأخبار، و على هذا فكون صلاته فاسدة ممنوع، و صدق الفوات بالنسبة إليه غير ظاهر، كيف و هو قد فعل المأمور به شرعا و امتثال الأمر يوجب الاجزاء و الصحة، اما الأول فلأنه مأمور بالطهارة بماء محكوم بطهارته شرعا اي ما كان طاهرا في الظاهر لا في نفس الأمر، لأن الشارع لم يلتفت إلى نفس الأمر لتعذره، و اما الثاني فلما ثبت في الأصول» انتهى.

و هذه المسألة من جملة ما أشبعنا الكلام في تحقيقها في كتاب المسائل، إلا انا بعد لم نقف على كلام هذين الفاضلين. و بعض المعاصرين استبعد ما ذهبنا اليه لمخالفته ما هو المشهور، حيث ان طبيعة الناس جبلت على متابعة المشهورات و ان أنكروا بظاهرهم تقليد الأموات، و قد وفق اللّٰه سبحانه للوقوف على كلام الفاضلين المذكورين فأثبتناه هنا لا للاستعانة على قوة ما ذهبنا اليه بل لكسر سورة نزاع من ذكرناه من المعاصرين، لعدم قبولهم إلا لكلام المتقدمين.

(المسألة الثامنة) [الوضوء بالماء المغصوب]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في بطلان الطهارة بالماء المغصوب عالما عامدا، و هو لا اشكال فيه. اما مع الجهل فظاهرهم هنا الاتفاق على عدم التحريم و الابطال، لعدم توجه النهي اليه. و اما نسيان الغصب فهل يكون حكمه حكم العمد كما ذكروا في ناسي النجاسة. فيتوجه إليه النهي، لأن النسيان انما عرض له بقلة التكرار الموجب للتذكار، أو حكم الجاهل لامتناع تكليف الغافل؟

قولان: اختار أولهما العلامة في القواعد، و ثانيهما أول الشهيدين في الرسالة، و ثانيهما في شرحها، و ثاني المحققين في شرح الرسالة المذكورة و في رسالته الجعفرية، و شارحاها في شرحيهما، و هو الأظهر لما حققناه آنفا.

376

ثم ان الفرق بين جاهل الغصب و النجاسة كما ذكروا- معللين له بان مانع النجاسة ذاتي فلا يضره الجهل، بخلاف الغصب، فإنه عرضي بسبب النهي عن التصرف في مال الغير، و مع الجهل و النسيان لا يتحقق النهي لعدم التكليف، فينتفي المانع- محل نظر يظهر مما حققناه آنفا. هذا في جاهل الغصب و ناسية.

اما جاهل حكم الغصب و ناسية فهو عندهم في حكم العمد، لوجوب التعلم عليهما و ضمهما الجهل إلى التقصير فلا يعد تقصيرهما عذرا. و أنت خبير بما فيه من الوهن و الضعف. لما أشرنا إليه آنفا من قيام دليلي العقل و النقل على معذورية الجاهل، أعم من ان يكون جاهلا بالأصل أو الحكم، و تقصيره في التعلم غاية ما يوجبه حصول الإثم لإخلاله بذلك على ما ذكرناه في كتاب الدرر النجفية، حيث حققنا هناك المقام بمزيد بسط في الكلام لا يحوم حوله نقض و لا إبرام.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الغصب- على ما عرفوه- عبارة عن إثبات اليد على حق الغير عدوانا و ظلما. و احترزوا بقيد العدوان عن إثبات الوكيل يده على مال الموكل، و نحوه المرتهن و الولي و المستأجر و المستعير، و ظاهرهم عدم الاكتفاء بشاهد الحال اعني ظن رضا المالك في الخروج عن الغصب، و بذلك ينقدح الاشكال و يقع الداء العضال في مثل هذه المسألة، فإنه متى سافر الإنسان من بلد إلى أخرى مسيرة شهر أو أزيد أو انقص، يجب عليه حينئذ حمل ماء مملوك معه إلى ان يتمكن من تحصيل ماء مباح أو مأذون أو مشتري، و لا يجوز له الأخذ من المياه التي يمر بها في الطرق لدخولها في باب الغصب، و فيه من المشقة و الحرج و العسر المنفي بالآية و الرواية (1) ما لا يخفى، و لعله لذلك صرح جمع: منهم- الشهيدان بجواز الشرب و الوضوء و الغسل من نحو القناة المملوكة و الدالية و الدولاب مطلقا عملا بشاهد الحال إلا ان يغلب على الظن الكراهة، و نفى عنه البعد في الكفاية، و هو جيد، و حينئذ لا فرق بين كون ذلك الماء مملوكا

____________

(1) راجع الصحيفة 151 من الجزء الأول.

377

أو مغصوبا، لان شاهد الحال حاصل على التقديرين على حد ما يأتي بيانه ان شاء اللّٰه تعالى في المكان.

(المسألة التاسعة) [هل يكفي ماء واحد لإزالة الخبث و الحدث في أعضاء الوضوء؟]

- هل يشترط طهارة أعضاء الوضوء أولا من النجاسة لو كان ثمة نجاسة ثم اجراء ماء الوضوء عليها. أو يكفي ماء واحد لازالة الخبث و الحدث؟ قولان:

المشهور الأول، و سيأتي تحقيق المقام في فصل غسل الجنابة ان شاء اللّٰه تعالى.

(المسألة العاشرة) [هل تعتبر الإباحة في مكان الوضوء؟]

- المشهور بين متأخري أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) اشتراط الإباحة في مكان الطهارة، فلو توضأ في مكان مغصوب عالما عامدا بطلت طهارته للنهي عن الكون الذي هو من ضروريات الفعل، و قطع المحقق في المعتبر بالعدم مع اختياره الاشتراط في الصلاة، و اليه جنح السيد في المدارك، و تحقيق المسألة حسبما يقتضيه النظر سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في مبحث المكان من كتاب الصلاة.

(المسألة الحادية عشرة) [حكم ذي الجبيرة]

- ظاهر كلام فقهائنا (رضوان اللّٰه عليهم) الاتفاق على ان من كان على أعضاء طهارته جبائر- و هي في الأصل تقال للعيدان و الخرقة التي تشد على العظام المكسورة، و الظاهر من كلام الفقهاء إطلاقها على ما يشد على القروح و الجروح أيضا، لاشتراك الجميع في الحكم الوارد في الروايات التي هي المستند في هذا الباب- فإنه يجب عليه مع الإمكان نزع الجبائر أولا، أو تكرار الماء عليها على وجه يصل إلى البشرة و يحصل منه الغسل المعتبر شرعا، و ظاهرهم التخيير في ذلك مع الإمكان بعدم التضرر بالنزع و عدم التضرر بتطهير ما تحت الجبيرة لو كان نجسا، و لو تعذر النزع و أمكن إيصال الماء إلى ما تحت الجبيرة وجب أيضا، و إلا فيجب المسح عليها، و احتمل العلامة في النهاية وجوب أقل ما يسمى غسلا، و هو بعيد. و لو كانت الجبيرة نجسة و لم يكن تطهيرها ثم المسح عليها قالوا يضع عليها خرقة طاهرة ثم يمسح عليها، و احتمل في الذكرى الاكتفاء بغسل ما حولها. و صرح بعضهم بان القرح و الجرح لو كان خاليا من الجبيرة مسح عليه ان أمكن و إلا وضع عليه شيئا طاهرا و مسح عليه.

378

هذا إذا كانت الجبيرة في موضع الغسل، اما إذا كانت في موضع المسح، فان لم تستوعب محل المسح بحيث يبقى ما يتأدى به الفرض فلا اشكال، و ان استوعبت فإن أمكن نزعها و المسح على البشرة مع طهارتها أو أمكن تطهيرها وجب ذلك، و إلا مسح على الجبيرة مع طهارتها، و لا يكفي هنا تكرار الماء عليها بحيث يصل إلى البشرة، لأن المسح انما يتحقق بإيصال اليد إلى البشرة فيجب مع الإمكان و لا يكفي إمرار الماء، و مع نجاسة الجبيرة يضع عليها خرقة طاهرة و يمسح. هذا ما يستفاد من متفرقات كلماتهم في بحث الوضوء. ثم انهم في بحث التيمم جعلوا من جملة موجباته الخوف من استعمال الماء بسبب القروح و الجروح من غير تقييد بتعذر وضع شيء عليها و المسح عليه، و كلامهم في هذا المقام لا يخلو من إجمال يحصل به الاشكال.

و ها نحن نسوق جملة ما وفقنا اللّٰه تعالى للوقوف عليه من الأخبار، و نتكلم بعدها بما رزقنا سبحانه فهمه من تلك الآثار، معتصمين بحبل توفيقه من العثار:

فمن ذلك صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الكسير تكون عليه الجبائر أو تكون به الجراحة كيف يصنع بالوضوء أو عند غسل الجنابة و عند غسل الجمعة؟ قال يغسل ما وصل اليه الغسل مما ظهر مما ليس عليه الجبائر، و يدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله، و لا ينزع الجبائر و لا يعبث بجراحته» و رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان مثله إلا انه أسقط قوله: «أو تكون به الجراحة» (2).

و روى العياشي في تفسيره عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) (3) قال:

«سألت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) عن الجبائر تكون على الكسير كيف يتوضأ

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 39 من أبواب الوضوء.

(2) و لكن التعبير عنه (ع) ب(أبي إبراهيم) انما هو في التهذيب و في الكافي عبر ب(أبي الحسن).

(3) المروية في الوسائل في الباب 39 من أبواب الوضوء.

379

صاحبها، و كيف يغتسل إذا أجنب؟ قال: يجزيه المسح عليها في الجنابة و الوضوء. قلت:

فان كان في برد يخاف على نفسه إذا أفرغ الماء على جسده؟ فقرأ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): وَ لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ بِكُمْ رَحِيماً» (1).

و رواية عبد اللّٰه بن سنان أو صحيحته عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن الجرح كيف يصنع به صاحبه؟ قال: يغسل ما حوله».

و قال في الفقيه (3): «و قد روي في الجبائر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) انه قال: يغسل ما حولها».

و حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) انه «سأل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك من موضع الوضوء، فيعصبها بالخرقة و يتوضأ و يمسح عليها إذا توضأ. فقال: ان كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة، و ان كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثم ليغسلها قال: و سألته عن الجرح كيف اصنع به في غسله؟

قال: اغسل ما حوله».

و رواية عبد الأعلى (5) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟ فقال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّٰه تعالى: قال اللّٰه تعالى: «وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (6) امسح عليه».

و رواية كليب الأسدي (7) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل

____________

(1) سورة النساء الآية 33.

(2) المروية في الوسائل في الباب 39 من أبواب الوضوء.

(3) ج 1 ص 29 و في الوسائل في الباب 39 من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب 39 من أبواب الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب 39 من أبواب الوضوء.

(6) سورة الحج الآية 78.

(7) المروية في الوسائل في الباب 39 من أبواب الوضوء.

380

إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة؟ قال: ان كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره و ليصل».

و حسنة الوشاء (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الدواء إذا كان على يدي الرجل أ يجزيه ان يمسح على طلي الدواء؟ قال: نعم يجزيه ان يمسح عليه».

و رواية جعفر بن إبراهيم الجعفري عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال:

«ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ذكر له ان رجلا أصابته جنابة على جرح كان به فأمر بالغسل فاغتسل فكز فمات. فقال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): قتلوه قتلهم اللّٰه. الحديث».

و صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) «في الرجل تصيبه الجنابة و به قروح أو جروح أو يخاف على نفسه من البرد؟ فقال: لا يغتسل و يتيمم».

و حسنة محمد بن مسكين و غيره عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «قيل له:

ان فلانا أصابته جنابة و هو مجدور فغسلوه فمات؟ فقال: قتلوه، ألا سألوا ألا يمموه، ان شفاء العي السؤال».

و قال في الكافي (5) عقيب نقل هذه الرواية: «و روى ذلك ذلك في الكسير و المبطون يتيمم و لا يغتسل».

و حسنة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن مجدور أصابته جنابة فغسلوه فمات. فقال: قتلوه، ألا سألوا فإن دواء العي السؤال».

و صحيحة محمد بن مسلم (7) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون به القرح و الجراحة يجنب. قال: لا بأس بان لا يغتسل، يتيمم».

و رواه في الفقيه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 39 من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.

(3) المروية في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.

(4) المروية في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.

(5) ج 1 ص 20 و في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.

(6) المروية في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.

(7) المروية في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.

381

بلفظ القروح و الجراحات (1).

و موثقة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) «في الرجل تكون به القروح في جسده فتصيبه الجنابة؟ قال: يتيمم».

و صحيحة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «ييمم المجدور و الكسير إذا أصابتهما الجنابة».

و موثقة عمار (4) قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل ينقطع ظفره هل يجوز ان يجعل عليه علكا؟ قال: لا و لا يجعل عليه إلا ما يقدر على أخذه عنه عند الوضوء، و لا يجعل عليه ما لا يصل اليه الماء».

و موثقته الأخرى (5) «في الرجل ينكسر ساعده أو موضع من مواضع الوضوء فلا يقدر ان يمسح عليه لحال الجبر إذا جبر، كيف يصنع؟ قال: إذا أراد ان يتوضأ فليضع إناء فيه ماء و يضع موضع الجبر في الماء حتى يصل الماء إلى جلده. و قد أجزأه ذلك من غير ان يحله».

و رواه الشيخ في موضع آخر عن إسحاق بن عمار مثله.

هذا ما وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالمسألة، و الكلام فيها يقع في مواضع:

(الأول) [هل يجب المسح على الجبيرة عند تعذر إيصال الماء إلى ما تحتها]

- ان ما دلت عليه حسنة الحلبي- من المسح على الخرقة إذا كان يؤذيه الماء، و رواية عبد الأعلى من المسح على المرارة لاستلزام رفعها المشقة و الحرج و رواية كليب من الأمر بالمسح على الجبائر مقيدا بالخوف على نفسه- هو مستند الأصحاب فيما ذكروه من وجوب المسح على الجبيرة متى تعذر إيصال الماء إلى ما تحتها، و إطلاق بعض الأخبار- الدالة على اجزاء المسح على الجبيرة من غير تعرض لتعذر إيصال الماء إلى ما تحتها كرواية العياشي و حسنة الوشاء- مقيد بهذه الأخبار.

____________

(1) ج 1 ص 58 و في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.

(2) المروية في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.

(3) المروية في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.

(4) المروية في الوسائل في الباب 39 من أبواب الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب 39 من أبواب الوضوء.

382

و ناقش جملة من المتأخرين: منهم- السيد في المدارك في وجوب المسح على الجبيرة قائلا بأنه لو لا الإجماع على وجوب مسح الجبيرة لأمكن القول بالاستحباب و الاكتفاء بغسل ما حولها، و احتج على ذلك بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج.

و أنت خبير بان المراد من قوله (عليه السلام) في الصحيحة المشار إليها:

«و يدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله».

يعني يدع غسل ما لا يستطيع غسله من الجبائر، كما يدل عليه أيضا قوله أخيرا:

«و لا ينزع الجبائر و لا يعبث بجراحته».

و ليس فيها نفي أو نهي عن المسح بل هي مطلقة بالنسبة اليه، و لا ضرر فيه، لاستفادة الحكم من تلك الأخبار المذكورة مؤيدا بدعوى الإجماع في المسألة، فيكون إطلاق هذه الرواية مقيدا بتلك الروايات فلا منافاة، و اما ما عدا هذه الرواية مما دل على غسل ما حول الجرح فالظاهر منه ان الجرح خال من الجبيرة، كما هو ظاهر الشهيد في الدروس، فإنه بعد ان ذكر التفصيل في الجبائر و ما في حكمها قال: «و المجروح يغسل ما حوله» و صريحه في الذكرى. و بالجملة فالرواية التي استند إليها فيما ذكره لا تنهض حجة في ذلك. نعم ربما كان الظاهر من كلام الصدوق في الفقيه هنا التخيير بين المسح على الجبيرة و الاكتفاء بغسل ما حولها، حيث قال (1): «و من كان به في المواضع التي يجب عليها الوضوء قرحة أو جراحة أو دماميل و لم يؤذه حلها فليحلها و ليغسلها، و ان أضربه حلها فليمسح يده على الجبائر و القروح و لا يحلها و لا يعبث بجراحته،

و قد روى في الجبائر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) انه قال: يغسل ما حولها».

انتهى، و هذا بعينه

ما ذكره في كتاب فقه الرضا حيث قال (عليه السلام) (2): «ان كان بك في المواضع التي يجب عليها الوضوء قرحة أو دماميل و لم تؤذك فحلها و اغسلها، و ان اضرك حلها فامسح يدك على الجبائر و القروح و لا تحلها و لا تعبث بجراحك،.

و قد نروي في الجبائر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: يغسل ما حولها».

____________

(1) ج 1 ص 29.

(2) ص 2.

383

(الثاني) [حكم القروح و الجروح الخالية من الجبيرة]

- المستفاد من ظاهر رواية عبد اللّٰه بن سنان و حسنة الحلبي ان القروح و الجروح الخالية من الجبيرة إذا تضررت بالغسل يكتفى بغسل ما حولها، و اما ما ذكره الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم)- من انه مع تعذر الغسل يمسح عليها و مع تعذر المسح يضع عليها ما يمسح عليه فوقها- فلم أقف له على دليل في الأخبار، و قد اعترف أيضا بذلك بعض متأخري علمائنا الأبرار، و ما علل به- من ان فيه تحصيلا لشبه الغسل عند تعذر حقيقته إذا كان الجرح في محل الغسل، أو انه وسيلة إلى المسح الواجب في موضع المسح- فلا محصل له، مع عدم الدليل الشرعي على ذلك، و كذلك ما ذكروه من وضع خرقة على الجبيرة لو كانت نجسة و تعذر غسلها، فإنه لا اشعار به في تلك الروايات بوجه، و الجبيرة إنما رخص في المسح عليها عند تعذر إيصال الماء إلى ما تحتها، لصيرورتها بسبب ضرورة التداوي بها و لصوقها بالجسد كأنها منه، و هذا بخلاف وضع الخرقة على هذا الوجه الذي ذكروه، و لا بأس بالعمل بما ذهبوا إليه، إذ لعلهم اطلعوا على ما لم نطلع عليه.

(الثالث) [هل يجب التخليل في المسح على الجبيرة الكائنة في موضع المسح؟]

- ما دلت عليه رواية عبد الأعلى من المسح على المرارة التي على ظفره دليل ما ذكره الأصحاب من المسح على الجبيرة و ان كانت في موضع المسح أيضا، و عليه يدل أيضا إطلاق رواية كليب الأسدي و ظاهر حسنة الحلبي. و هل يجب التخليل مع إمكانه و عدم إمكان النزع للتوصل إلى إيصال الماء للبشرة هنا، كما لو كانت الجبيرة في موضع الغسل، أو الواجب المسح على الجبيرة خاصة؟ ظاهر الأصحاب الثاني لما قدمنا نقله، و المفهوم من كلام شيخنا صاحب رياض المسائل فيه الأول حيث قال:

«و يجب التخليل مع إمكانه و لو في موضع المسح و ان حصل الجريان عليه على الظاهر، اما على تقدير عدم صدق الغسل المنهي عنه عرفا عليه فظاهر، و اما بتقدير الصدق فلانه ليس باعتقاد انه المفروض دون المسح بل باعتقاد أنه مقدمة ما أستطيع الإتيان به من المسح المأمور به و هو إيصال الماء إلى البشرة مع تعذره إلا مع الجريان و عدم المماسة

384

و لتصريح جمع من الأصحاب- كما هو الأقوى- بتعين الغسل على الرجلين لو تأدت التقية به و بالمسح على الخفين، لكونه أقرب للامتثال، و تعلقه بأعضاء الطهارة لا بأمر خارج عنها بل عن المتطهر، كما يدل عليه فحوى

ما رواه ابن بابويه في الفقيه (1) عن عائشة انه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: «أشد الناس حسرة يوم القيامة من رأى وضوءه على جلد غيره».

و لظاهر إطلاق

رواية إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) في الرجل ينكسر ساعده.

الحديث كما تقدم (2). انتهى كلامه (قدس سره) و هو قوي و ان أمكن المناقشة في بعض ما ذكره.

(الرابع) [تحقيق حول موثقة عمار الواردة في من انقطع ظفره]

- ان ما دلت عليه موثقة عمار الاولى في من انقطع ظفره- من انه لا يجعل عليه إلا ما يمكن أخذه عنه عند الوضوء، و لا يجعل عليه ما لا يصل اليه الماء- مما ينافي بظاهره الأدلة العقلية و النقلية. من وجوب دفع الضرر، و رفع الحرج، و سعة الحنيفية، و خصوص جملة مما تلوناه من اخبار الجبيرة الدالة على جواز استعمالها و انه يمسح عليها مع تعذر إيصال الماء، و لا سيما رواية عبد الأعلى الدالة على خصوص الظفر.

و يمكن حملها على عدم انحصار العلاج بذلك حتى ان بعض محققي متأخري المتأخرين جعل من مستحبات الوضوء ان لا يضع على أعضاء طهارته عند الحاجة إلى العلاج ما لا يقدر على أخذه عند الوضوء أو ما لا يصل اليه الماء إلا مع انحصار العلاج فيه، ثم قال: «و في حرمته تأمل، ينشأ من عموم الرخصة، و من خصوص الموثقة المذكورة».

و فيه ما لا يخفى، فان العمل بظاهر الرواية المذكورة ممنوع بما ذكرنا لك من الأدلة، فطرحها رأسا لما ذكرنا ليس بذلك البعيد، لا سيما و الراوي عمار المتفرد برواية الغرائب، كما طعن به عليه المحدث الكاشاني في مواضع من كتاب الوافي.

و حملها الشيخ في التهذيب على انه لا يجوز ذلك مع الاختيار، فاما مع الضرورة

____________

(1) ج 1 ص 30 و في الوسائل في الباب 38 من أبواب الوضوء.

(2) تقدم في الصحيفة 381.

385

فلا بأس به، قيل: «و هو مجمل محتمل لأن يراد بالاختيار المقابل بالضرورة ارتفاع الضرورة و الحاجة مطلقا، و ارتفاع الضرورة الخاصة الداعية إلى العلاج الخاص مما لا يمكن نزعه عند الوضوء و ما لا يصل اليه الماء، و ربما كان المتبادر من كلامه الأول» انتهى و بالجملة فإن أمكن حملها على وجه تنتظم به مع تلك الأخبار و إلا فطرحها متعين، فما وقع فيه بعض متأخري متأخرينا بسببها من الاشكال ليس بذلك القريب الاحتمال.

(الخامس) [كلام في مفاد موثقة عمار الواردة في من انكسر ساعده]

- ان ما دلت عليه موثقة عمار المروية في موضع آخر عن إسحاق ابن عمار (1)- في من انكسر ساعده أو موضع من مواضع الوضوء فلا يقدر ان يمسح على موضع الكسر لمحل الجبر، من انه يضع إناء فيه ماء و يضع موضع الجبيرة فيه على وجه يصل إلى البشرة- لعله مستند الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) فيما قدمنا نقله عنهم من انه لو تعذر النزع و أمكن إيصال الماء إلى ما تحت الجبيرة وجب مقدما على المسح على الجبيرة. و الشيخ (رضوان اللّٰه عليه) حمل الرواية المذكورة على الاستحباب. قائلا انه مع الإمكان و عدم التضرر يستحب له ذلك. و فيه انه انما صير إلى المسح لتعذر الغسل فمع إمكانه على الوجه المذكور يكون واجبا لا مستحبا، و حينئذ فالخبر محمول على إمكان إيصال الماء و ان كان مطلقا في ذلك، للإجماع ظاهرا، و لزوم الحرج و المشقة المنفيين عقلا و نقلا، و الروايات المتقدمة.

(السادس) [هل يجب الاستيعاب في المسح على الجبيرة؟]

- ظاهر الروايات الدالة على المسح على الجبيرة استيعاب الجبيرة بالمسح، و هو ظاهر المشهور، و جعله الشيخ في المبسوط أحوط، و حسنه في الذكرى مستشكلا في وجوب الاستيعاب بصدق المسح عليها بالمسح على جزء منها كصدق المسح على الرجلين و الخفين عند الضرورة. و لقائل أن يقول ان تبعيض المسح في الرجلين انما هو لمكان الباء في المعطوف عليه و في الخفين لتبعيته حينئذ لهما. و استدل أيضا في المعتبر على وجوب الاستيعاب بان المسح بدل من الغسل فكما يجب الاستيعاب في الغسل يجب في بدله. و صريح الأخبار

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 39- من أبواب الوضوء.

386

المذكورة عدم وجوب اجراء الماء على الجبيرة و ان أمكن فلا يجب حينئذ لعدم ورود الأمر به، و احتمل العلامة في النهاية وجوب أقل ما يسمى غسلا. و هو بعيد.

(السابع) [الجمع بين الأخبار الآمرة بالتيمم و الآمرة بالمسح على الجبيرة]

- ان ما دل عليه جملة من تلك الأخبار من الأمر بالتيمم لذي القروح و الجروح مناف لما دل عليه الجملة الأخرى من المسح على الجبيرة و غسل ما حول الخالي عنها، و قد اختلف كلام الأصحاب في وجه الجمع بينها على وجوه لا يخلو أكثرها من الإيراد و البعد عن المراد، و الذي يقوى في البال حمل روايات التيمم على التخصيص بالبدلية من الغسل، سيما فيما إذا كانت القروح و الجروح كثيرة متعددة في البدن، وقوفا على ظواهر ألفاظها، فإنها إنما وردت بالنسبة إلى الغسل خاصة، و وقوع السؤال فيها عن القروح و الجروح بلفظ الجمع، و من الغالب لزوم الحميات لذلك، و بكشف البدن لأجل الغسل ربما أضر به ملاقاة الهواء لذلك، كما تدل عليه رواية جعفر بن إبراهيم الجعفري، فإنها تضمنت انه بعد الغسل كز فمات، و الكزاز كغراب داء يتولد من شدة البرد. و هو قرينة ما قلناه من لزوم الحميات للقروح و الجروح و تضرر البدن لذلك بكشفه في الهواء، و مثلها ظاهر روايتي محمد بن مسكين و ابن أبي عمير و ظاهر رواية العياشي، فإنها صرحت أولا بأنه يجزيه المسح على الجبائر في الوضوء و الغسل حيث لا يخاف على نفسه، و مع الخوف على نفسه بإفراغ الماء على جسده فإنه ينتقل إلى التيمم، لان قراءته (صلى اللّٰه عليه و آله) الآية المذكورة يريد المنع من الغسل و الانتقال إلى بدله من التيمم.

و بالجملة فروايات التيمم مشعرة بكون السبب في العدول اليه هو التضرر بكشف البدن للغسل من أجل ما فيه من القروح و الجروح، بخلاف روايات المسح على الجبيرة و الغسل لما حول الجرح، فإنها اما صريحة في الوضوء بخصوصه كحسنة الحلبي و رواية عبد الأعلى و حسنة الوشاء و اما فيه و في الغسل لكن لا على الوجه الذي أشرنا إليه كصحيحة عبد الرحمن و صدر رواية العياشي و اما عامة لهما كرواية عبد اللّٰه بن سنان

387

و رواية كليب الأسدي، و حينئذ فالتيمم في هذه المسألة مخصوص بالبدلية عن الغسل على ذلك الوجه، و المسح على الجبيرة و الغسل لما حول الجرح و القرح مخصوص بالوضوء و الغسل على غير ذلك الوجه و على ذلك تنتظم الأخبار على وجه واضح المنار، و الاحتياط لا يخفى.

(المسألة الثانية عشرة) [حكم سلس البول و المبطون]

- قد صرح أكثر الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بان صاحب السلس- و هو الذي لا يمسك بوله- يتوضأ لكل صلاة و يغتفر حدثه بعده، نظرا إلى أنه بتجدد البول يصير محدثا فتجب عليه الطهارة و يمنع من المشروط بها إلا ان ذلك لما امتنع اعتباره مطلقا لتعذره وجب عليه الوضوء لكل صلاة مراعاة لمقتضى الحدث حسب الإمكان.

و نقل عن الشيخ في المبسوط جواز الجمع بين صلوات كثيرة بوضوء واحد، محتجا بأنه لا دليل على تجديد الوضوء و حمله على الاستحاضة قياس لا نقول به. و هذا الكلام محتمل لوجهين: (أحدهما)- عدم جعل البول بالنسبة إليه حدثا و حصر احداثه فيما عداه. و (ثانيهما)- عدم جعل ما يخرج بالتقاطر حدثا و اما الذي يخرج بالطريق المعهود فيكون حدثا.

و ذهب العلامة في المنتهى إلى جواز الجمع بين كل من الظهرين و العشاءين بوضوء واحد و اختصاص الصبح بوضوء واحد و اما ما عداها فيجب الوضوء لكل صلاة، و احتج على ذلك

بصحيحة حريز عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) انه قال: «إذا كان الرجل يقطر منه البول و الدم، إذا كان حين الصلاة اتخذ كيسا و جعل فيه قطنا، ثم علقه عليه و ادخل ذكره فيه، ثم صلى: يجمع بين الصلاتين الظهر و العصر يؤخر الظهر و يعجل العصر بأذان و إقامتين، و يؤخر المغرب و يعجل العشاء بأذان و إقامتين، و يفعل ذلك في الصبح».

و اما وجوب الوضوء لكل صلاة فيما عدا ما ذكر فوجهه ما تقدم من

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 19- من نواقض الوضوء.

388

دليل القول الأول كما صرح به في المنتهى.

و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالمسألة صحيحة حريز المتقدمة.

و حسنة منصور بن حازم (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل يعتريه البول و لا يقدر على حبسه؟ قال: فقال لي: إذا لم يقدر على حبسه فاللّٰه اولى بالعذر يجعل خريطة».

و رواية الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «سئل عن تقطير البول. قال يجعل خريطة إذا صلى».

و موثقة سماعة (3) قال: «سألته عن رجل أخذه تقطير من فرجه اما دم و اما غيره قال فليصنع خريطة و ليتوضأ و ليصل، فان ذلك بلاء ابتلى به فلا يعيدن إلا من الحدث الذي يتوضأ منه».

و أنت خبير بان ما عدا صحيحة حريز من الروايات المذكورة لا تعرض فيها للوضوء بكونه لكل صلاة و لا لكل صلاتين بل هي مطلقة في ذلك، و قصارى ما تدل عليه جواز الدخول في الصلاة في تلك الحال مع وجوب التحفظ من النجاسة بحسب الإمكان دفعا للحرج و المشقة المفهومين من أولوية اللّٰه سبحانه بالعذر و انه بلاء ابتلى به، و ان الخريطة بالنسبة إليه كجزء من بدنه لا ينقض من النجاسة إلا ما خرج منها دون ما بقي فيها، و مقتضى القاعدة حمل مطلق الأخبار على مقيدها، و به يظهر قوة ما ذهب إليه في المنتهى و رجحه السيد في المدارك أيضا. و اما ما عدا الفرائض اليومية فيشكل الوجه فيه لعدم الدليل الناص على حكمه. و الاحتياط في المقام بوضع الخريطة المحشوة بالقطن و الوضوء لكل صلاة في اليومية و غيرها.

و قوله (عليه السلام) في آخر موثقة سماعة:

«فلا يعيدن إلا من الحدث الذي يتوضأ منه».

محتمل للمعنيين المتقدمين في كلام الشيخ

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 19- من نواقض الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 19- من نواقض الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 7- من نواقض الوضوء.

389

في المبسوط، و كيف كان فهي ظاهرة في كون التقطير ليس حدثا بالنسبة إليه.

ثم انهم صرحوا بأنه متى كان للسلس فترة ينقطع فيها التقطير تسع الطهارة و الصلاة وجب انتظارها، لزوال الضرورة التي هي مناط التخفيف. و لا ريب في أولويته و رجحانه. و ذكر البعض أيضا وجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الوضوء، و هو كذلك.

و اما المبطون و هو من به داء البطن بخروج غائط أو ريح لا يتمكن من حبسه، فقد ذكر جمع من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) أنه يتوضأ لكل صلاة.

و العلامة في المنتهى مع تصريحه بجمع ذي السلس بين الصلاتين صرح هنا بوجوب الوضوء لكل صلاة و منع من الجمع، معللا بان الغائط حدث فلا يستباح معه الصلاة إلا مع الضرورة و هي متحققة في الواحدة دون غيرها. و لا يخفى ان ما ذكره جار في السلس أيضا لكن كأنه قال بجواز الجمع هناك للصحيحة المتقدمة المختصة به.

و صرح الأكثر بأنه متى تطهر و دخل في الصلاة ثم فاجأه الحدث فيها تطهر و بنى.

و ذهب العلامة في المختلف إلى وجوب استئناف الطهارة و الصلاة مع إمكان التحفظ بقدر زمانهما و إلا بنى بغير طهارة، لأن الحدث المذكور لو نقض الطهارة لا بطل الصلاة، لان من شروط الصلاة استمرار الطهارة ورد بان ما ذكره من التعليل مصادرة على المطلوب. و أجيب بمنع المصادرة بل هو احتجاج على هذه المقدمة بالإجماع. و فيه ما لا يخفى لمنع الاتفاق على الشرطية بالمعنى المدعى في موضع النزاع.

و ذكر جمع من المتأخرين في ذلك تفصيلا و هو انه لا يخلو اما ان يكون له فترة تسع الطهارة و الصلاة أم لا، و على الثاني فلا يخلو اما ان يستمر حدثه بحيث لا يتمكن من الدخول في الصلاة على طهارة أم لا، فعلى الأول يجب عليه انتظار حصول الفترة، و على الأول من الثاني يتوضأ لكل صلاة و يغتفر حدثه الواقع بعد الوضوء و لو في أثناء الصلاة دفعا للحرج، و على الثاني فالمشهور انه متى فاجأه في الصلاة فإنه يتوضأ و يبنى، و قيل بالتفصيل الذي تقدم عن المختلف. و محل الخلاف في المسألة غير منقح في كلامهم.

390

و الذي وقفت عليه من الأخبار في المسألة

موثقة محمد بن مسلم (1) قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المبطون. فقال: يبنى على صلاته».

و موثقته الأخرى عنه (عليه السلام) (2) قال: «صاحب البطن يتوضأ ثم يرجع في صلاته فيتم ما بقي».

و صحيحته المروية في الفقيه عنه (عليه السلام) (3) قال: «صاحب البطن الغالب يتوضأ و يبنى على صلاته».

و هذه الروايات- كما ترى- مطلقة لا دلالة فيها على خصوص فرد من تلك الأفراد المفصلة، و المفهوم من كلام بعضهم حملها على ما إذا كان ثمة فترة تسع الصلاة أو بعضها فتوضأ و دخل في الصلاة ثم فاجأه الحدث، و من كلام بعض آخر على ما إذا دخل في الصلاة متطهرا مطلقا أعم من ان تكون فترة تسع الصلاة كلا أو بعضا أو بمقدار الطهارة خاصة كما هو المفهوم من التفصيل المتقدم.

و التحقيق في المقام ان الروايات المذكورة مطلقة إلا انه ان كان الحدث المذكور متكررا بحيث يؤدي إعادة الوضوء بعد الدخول في الصلاة إلى العسر و الحرج و يلزم منه الكثرة الموجبة لبطلان الصلاة، فالظاهر وجوب الاستمرار في الصلاة و عدم إيجابه الوضوء عملا باخبار سهولة الحنيفية و سعة الشريعة و رفع الحرج في الدين، و إلا فالظاهر دخوله تحت الأخبار و وجوب الوضوء و البناء. و يحتمل قريبا ان معنى الرواية الاولى و الثالثة ان المبطون يبني على صلاته يعني لا يقطعها بالحدث الواقع في أثنائها، و قوله في الأخيرة يتوضأ يعني قبل الدخول في الصلاة. إذ ليس فيها دلالة بل و لا إشارة إلى دخوله في الصلاة خاليا من الحدث، بل ربما أشعر قوله في الأخيرة: «صاحب البطن الغالب.» باستمرار خروج الحدث، و حينئذ فتكون الروايتان دليلا لما ذكرناه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 19- من نواقض الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 19- من نواقض الوضوء. و في التهذيب و الوافي و الوسائل تقييد البطن فيها بالغالب.

(3) ج 1 ص 237.

391

في الشق الأول، و اما الرواية الوسطى فهي صريحة في كون الوضوء في أثناء الصلاة للفظ الرجوع و إتمام ما بقي فتجعل دليلا لما ذكرناه في الشق الثاني، قال في الذكرى:

«و الظاهر انه لو كان في السلس فترات و البطن تواتر، أمكن نقل حكم كل منهما إلى الآخر» انتهى.

ثم لا يخفى ان الروايات الواردة في السلس تضمنت انه بعد وضع الخريطة يصلي و ان كان قد دخل في الصلاة بطهارة من الحدث و الخبث، فاجأه الحدث في أثنائها أم لا و روايات المبطون تضمنت اعادة الوضوء و البناء، و لعل الوجه فيه ما أشرنا إليه آنفا من ان الخريطة المذكورة تكون كالجزء من بدنه، و الاحتياط في المقام بل و في كل مقام من أعظم المهام.

(المسألة الثالثة عشرة) [الشك في أفعال الوضوء]

- ذكر الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) انه لو شك في شيء من أفعال الوضوء فان كان على حاله اتى به و بما بعده ما لم يجف السابق و إلا أعاد، و ان انتقل إلى حال اخرى مضى و لم يلتفت.

و تحقيق هذا القول يقع في موارد

(الأول) [وجوب الإتيان بالمشكوك فيه إذا كان المكلف على حال الوضوء]

- الظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في وجوب الإتيان بالمشكوك فيه متى كان على حال الوضوء اي مشتغلا بأفعاله و ان كان في آخره و قد شك في شيء من اوله.

لما رواه زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا كنت قاعدا على وضوئك و لم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا؟ فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه انك لم تغسله أو تمسحه مما سمى اللّٰه ما دمت في حال الوضوء. فإذا قمت من الوضوء و فرغت و قد صرت إلى حال أخرى في صلاة أو غير صلاة و شككت في بعض ما سمى اللّٰه مما أوجب اللّٰه عليك فيه وضوء فلا شيء عليك، و ان شككت في مسح رأسك و أصبت في لحيتك بلة فامسح بها عليه و على ظهر قدميك، و ان لم تصب بلة فلا تنقض الوضوء بالشك و امض في صلاتك، و ان تيقنت انك لم تتم

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب- 42- من أبواب الوضوء.

392

وضوءك فأعد على ما تركت يقينا حتى تأتي على الوضوء».

و هو- كما ترى- ظاهر الدلالة على انه ما لم يفرغ من وضوئه فإنه يتلافى ما شك فيه.

و روى عبد اللّٰه بن أبي يعفور في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«إذا شككت في شيء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشيء إنما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه».

و ضمير غيره كما يحتمل رجوعه إلى الوضوء فيكون الحديث المذكور دالا على ما دلت عليه الصحيحة المذكورة كذلك يحتمل رجوعه إلى شيء، و الظاهر انه الأقرب بحسب السياق، و فيه حينئذ دلالة على عدم الرجوع إلى فعل مع الشك فيه بعد الدخول فيما يليه، و لا نعلم به قائلا من الأصحاب في هذا المقام، و على ذلك فيكون منافيا للصحيحة المتقدمة. و أظهر منه في المنافاة بذلك

قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2): «إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس شيء».

و قوله (عليه السلام) في موثقة محمد بن مسلم (3): «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو».

و قوله في رواية أبي بصير (4): «كل شيء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه».

لصدق الشيئية على كل فعل من أفعال الوضوء و صدق الغيرية على كل منها بالنسبة إلى ما سواه، و قصر معنى الشيء في جميع هذه الأخبار على الوضوء مما لا يرام تجشمه، و بذلك يظهر المنافاة بين جملة هذه الأخبار و بين الصحيحة المتقدمة.

و ربما يجاب بقصر الأخبار الثلاثة الأخيرة على موردها و هو الصلاة كما تضمنه صدر كل منها من تعداد السؤال عن جملة من أفعال الصلاة، أو عمومها و تخصيصها بالصحيحة المتقدمة، و لعله أظهر لاستنادهم إلى العمل بالكلية المنصوصة فيها في مواضع عديدة غير الصلاة، و اما موثقة ابن أبي يعفور فيتعين حملها على المعنى الأول،

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب- 42- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 23- من أبواب الخلل في الصلاة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 23- من أبواب الخلل في الصلاة.

(4) المروية في الوافي في باب (الشك في اجزاء الصلاة).

393

و لا مندوحة عن ارتكاب التأويل في الروايات المذكورة و حمل الموثقة على ما ذكرنا لإطباق الأصحاب على ان محل الرجوع مدة كونه على وضوئه كما هو مقتضى الصحيحة المذكورة.

(الثاني) [المراد بالحال التي يتلافى المشكوك فيه فيها]

- هل الحال الذي يتلافى المشكوك فيها عبارة عن حالة الاشتغال بالوضوء فلو فرغ منه و ان بقي في محله لا يلتفت حينئذ و ان التقييد بالقيام و الصيرورة إلى حال اخرى- كما اشتملت عليه صحيحة زرارة المتقدمة- إنما خرج مخرج الغالب من ان المتوضئ إذا فرغ من وضوئه فالغالب انه يقوم من محله أو يتشاغل بحالة أخرى، أو انه عبارة عن البقاء في موضع وضوئه إلى ان يقوم أو يتشاغل بأمر آخر ما لم يطل القعود حملا لتلك الألفاظ المذكورة على ظاهرها؟ قولان: ظاهر الذكرى و الدروس الثاني، و بالأول صرح جمع من المتأخرين: منهم- ثاني المحققين و ثاني الشهيدين في شرح القواعد و الروض و شرح الرسالة و السيد السند في المدارك، بل الظاهر انه المشهور في كلام المتأخرين، و استظهره في كتاب رياض المسائل و حمل الصحيحة المتقدمة و ما أشبهها من عبائر متقدمي الأصحاب على الخروج مخرج الغالب. و ظاهر المولى الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد التوقف في ذلك بعد نسبته ذلك إلى ظاهر الأصحاب، حيث قال بعد كلام في المسألة: «و لكن هنا خفاء في ان المراد بعدم الالتفات بعد الانصراف ما هو؟ ظاهر الأصحاب ان مجرد الفراغ يوجب ذلك، و في بعض الأخبار قيد بقوله:

إذا فرغ و انتقل و دخل في شيء آخر مثل الصلاة و غيره، فهو محل تأمل و ان كان ظاهر بعض الأدلة ما ذكره الأصحاب» انتهى. و لعله أشار بظاهر بعض الأدلة الدال على ما ذكره الأصحاب إلى

حسنة بكير (1) قال: «قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ؟ قال هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك».

فإنها صريحة في عدم الالتفات إلى الشك بعد إكمال الوضوء و ان لم يحصل الانتقال إلى حالة اخرى،

و موثقة ابن أبي يعفور المتقدمة حيث قال

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 42- من أبواب الوضوء.

394

في آخرها: «انما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه».

يعني إنما الشك الموجب للعمل بمقتضاه من الانيان بالمشكوك فيه إذا كنت في شيء لم تخرج عنه و لم تجزه، و حينئذ فالمراد بقوله في صدرها: «و قد دخلت في غيره» كناية عن مجرد الفراغ، و الترجيح في المقام لا يخلو عن اشكال و ان كان القول المشهور لا يخلو من قوة.

لكن يبقى في المقام إشكال أشار إليه السيد السند في المدارك فيما إذا تعلق الشك بالعضو الأخير، لعدم تحقق الإكمال الموجب لإلغاء الشك. و ربما يدفع بان الظاهر تحقق الإكمال و الفراغ بمجرد ان يجد نفسه غير مشتغل بأفعال الوضوء بعد تيقن التلبس به فحينئذ لو طرأ الشك لم يعتد به.

و كيف كان فالأحوط بناء على هذا القول التدارك ما لم يحصل القيام أو ما في حكمه، و بعض الأصحاب صار إلى القول الأول احتياطا، و لا ريب انه أحوط.

(الثالث) [اعتبار عدم الجفاف فيما تقدم في الاكتفاء بالإتيان بالمشكوك فيه و ما بعده]

- قد عرفت مما أشرنا إليه آنفا اشتراط الأصحاب في الاكتفاء بالإتيان بالمشكوك و ما بعده عدم جفاف ما تقدم، و إلا فالواجب عندهم الإعادة تحصيلا للموالاة الواجبة. و أنت خبير بان الظاهر من الرواية المتقدمة (1) التي هي مستند هذا الحكم الإعادة على العضو المشكوك مطلقا بدون تقييد بعدم الجفاف. و ما تقدم من الروايات الدالة على تفسير الموالاة بمراعاة الجفاف لا عموم فيه على وجه يشمل ما نحن فيه حتى يخصص به هذا الإطلاق، إذ ليس إلا صحيحة معاوية بن عمار و موثقة أبي بصير كما حققناه سابقا (2) و موردهما خاص بنفاد الماء و عروض الحاجة، و لعله إلى هذا يشير كلام المحدث الحر (قدس سره) في كتاب الوسائل حيث قال: «باب ان من شك في شيء من أفعال الوضوء قبل الانصراف وجب ان يأتي بما شك فيه و بما بعده، و من شك بعد الانصراف لم يجب عليه شيء.» فإنه ظاهر في مراعاة الترتيب بالإتيان بما شك فيه و ما بعده أعم من ان يجف ما قبله أم لا، مع تخصيصه في كتاب البداية فيما تقدم

____________

(1) و هي صحيحة زرارة المتقدمة في الصحيفة 391.

(2) ص 350.

395

الابطال بالجفاف بالتراخي و التفريق كما أوضحناه هناك، و الحق ان الكلام معهم (رضوان اللّٰه عليهم) يرجع إلى أصل المسألة. فإنهم حيث ذهبوا في تفسير الموالاة التي هي أحد واجبات الوضوء عندهم إلى مراعاة الجفاف مطلقا أو في صورة خاصة، بناء على الخلاف المتقدم، اتجه لهم تمشية ذلك في جملة فروع المسألة، و اما على ما حققناه آنفا من التخصيص فلا، فالكلام هنا يتفرع على ذلك. و كيف كان فالأحوط هو الوقوف على ما قرروه شكر اللّٰه تعالى اجتهادهم و أجزل اسعادهم.

(الرابع) [حكم كثير الشك]

- صرح جمع: منهم- الشهيد في الذكرى بأنه لو كثر شكه فالأقرب إلحاقه بحكم كثير الشك في الصلاة دفعا للعسر و الحرج، و أيده السيد السند في المدارك بقوله (عليه السلام)

في صحيحة زرارة و أبي بصير (1) الواردة في من كثر شكه في الصلاة بعد ان أمر بالمضي في الشك: «لا تعودوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطيعوه، فان الشيطان خبيث معتاد لما عود».

قال: «فان ذلك بمنزلة التعليل لوجوب المضي في الصلاة فيتعدى إلى غير المسؤول عنه» انتهى.

أقول: و يؤيده أيضا ظاهر

صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «قلت له رجل مبتلى بالوضوء و الصلاة و قلت هو رجل عاقل؟ فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): و اي عقل له و هو يطيع الشيطان؟ فقلت له و كيف يطيع الشيطان؟

فقال: سله هذا الذي يأتيه من أي شيء هو، فإنه يقول لك من عمل الشيطان».

فان الظاهر ان ابتلاءه بذلك باعتبار كثرة الشك في أفعالهما. و اما حمله على ما يشمل الوسواس في النية- كما ذكره الشارح المازندراني في شرح أصول الكافي- فظني انه بعيد غاية البعد، لأن النية في الصدر السابق ليست على ما يتراءى الآن من صعوبة الإتيان بها و لهذا لم يجر لها ذكر في كلام السلف و لا في الأخبار كما أوضحناه سابقا على وجه واضح

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 16- من أبواب الخلل في الصلاة.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 10- من أبواب مقدمة العبادات.

396

المنار ساطع الأنوار، و الوسواس فيها انما حدث بما أحدثه متأخر و أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) من البحث فيها و في قيودها و المقارنة بها و نحو ذلك.

(الخامس) [عدم الالتفات إلى ما شك فيه في مورده رخصة أو عزيمة؟]

- الظاهر- كما صرح به بعض محققي المتأخرين- ان عدم الالتفات إلى ما شك فيه و تركه رخصة لا انه يحرم فعله، و كذا في صورة تيقن الطهارة و الشك في الحدث، لعموم الاحتياط الموجب المشي على الصراط الذي هو عبارة عن الإتيان بما يتيقن به الخروج عن العهدة على جميع الاحتمالات. و يحتمل الثاني لعموم

قوله (عليه السلام) في موثقة بكير (1): «إذا استيقنت أنك أحدثت فتوضأ، و إياك ان تحدث وضوء ابدا حتى تستيقن انك قد أحدثت».

و الظاهر حمل الخبر المذكور على المنع عن احداث الوضوء على سبيل الوجوب و الحتم، لعدم العمل به على ظاهره إجماعا نصا و فتوى.

(المسألة الرابعة عشرة) [الشك في الطهارة مع يقين الحدث و عكسه]

- لو شك في الطهارة مع تيقن الحدث أو تيقنها مع الشك فيه، بنى على يقينه في الموضعين إجماعا نصا و فتوى.

و من الأخبار الواردة في ذلك موثقة بكير المتقدمة،

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) في حديث قال فيه: «قلت: فان حرك إلى جنبه شيء و لم يعلم به؟

قال: لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجيء من ذلك أمر بين، و إلا فإنه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين ابدا بالشك و لكن ينقضه بيقين آخر».

إذا عرفت ذلك ففي المقام فوائد ثلاث

(الاولى) [من خرج منه بلل مشتبه قبل الاستبراء]

- المفهوم من كلام أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) استثناء صورة واحدة من هذه القاعدة، و هو ما إذا بال و لم يستبرئ ثم خرج بلل مشتبه، فإنهم صرحوا بوجوب الوضوء في الصورة المذكورة بلا خلاف، بل عن ابن إدريس دعوى الإجماع عليه، و يدل عليه مفهوم

قول الصادق (عليه السلام)

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب نواقض الوضوء، و 44 من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 1- من أبواب نواقض الوضوء.

397

في صحيحة ابن البختري (1): «ينتره ثلاثا ثم ان سال حتى يبلغ الساق فلا يبال».

و قول الباقر (عليه السلام) في حسنة محمد بن مسلم (2): «يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات و ينتر طرفه، فان خرج بعد ذلك شيء فليس من البول و لكنه من الحبائل».

و صريح

صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (3) الواردة في غسل الجنابة حيث قال فيها: «و ان كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا فليس ينقض غسله و لكن عليه الوضوء».

و مضمرة سماعة (4): «و ان كان بال قبل ان يغتسل فلا يعيد غسله و لكن يتوضأ و يستنجى».

و هاتان الروايتان و ان أطلقتا الوضوء بخروج البلل و ان كان مع الاستبراء إلا أنهما مقيدتان بالأخبار المتقدمة مضافة إلى الإجماع على عدم الوضوء مع الاستبراء، و بذلك يظهر لك ما في كلام شيخنا الأوحد في كتاب رياض المسائل، حيث قال بعد نفل الاحتجاج على الحكم المذكور بمفهوم الروايتين المتقدمتين: «و هو ان لم يكن إجماعا محل تأمل» انتهى.

(الثانية) [الإشكال في إمكان اجتماع اليقين و الشك و جوابه]

- قد أورد في المقام اشكال، و هو ان الشك المتعلق بأحد النقيضين متى كان عبارة عن تساوي اعتقادي الوجود و العدم نافى اليقين المتعلق بالنقيض الآخر البتة، لاقتضاء اليقين بوجود أحد النقيضين نفي النقيض الآخر، فكيف يمكن اجتماع الشك في الحدث مع تيقن الطهارة و بالعكس؟

و أجاب شيخنا الشهيد في الذكرى بان قولنا: اليقين لا يرفعه الشك لا نعني به اجتماع اليقين و الشك في الزمان الواحد لامتناع ذلك، ضرورة ان الشك في أحد النقيضين يرفع يقين الآخر، بل المعنى به ان اليقين الذي كان في الزمن الأول لا يخرج عن حكمه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب نواقض الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 11- من أحكام الخلوة.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب نواقض الوضوء و 36 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 13- من أبواب نواقض الوضوء و 36 من أبواب الجنابة.

398

بالشك في الزمن الثاني لأصالة بقاء ما كان، فيؤول إلى اجتماع الظن و الشك في الزمن الواحد فيرجح الظن عليه كما هو مطرد في العبارات. انتهى، و حاصل كلامه (قدس سره) تغاير زماني الشك و اليقين، كأن يتيقن في الماضي كونه متطهرا ثم يشك في المستقبل في كونه محدثا، فهذا الشك لا يرفع حكم اليقين السابق بل يستصحب ذلك الحكم السابق و يظن بقاءه إلى ان يتحقق الناقل.

و هو جيد إلا ان قوله: فيؤول إلى اجتماع الظن و الشك. إلخ» محل بحث، إذ عند ملاحظة ذلك الاستصحاب ينقلب أحد طرفي الشك ظنا و الطرف الآخر و هما، فلم يجتمع الظن و الشك في الزمان الواحد، كيف و الشك في أحد النقيضين يرفع ظن الآخر كما يرفع يقينه، كذا أورده بعض محققي المتأخرين عليه.

و أجيب بأن المراد بالشك في هذا المقام ما قابل اليقين، كما تفهمه جملة الاستدراك في قوله في صحيحة زرارة المتقدمة: «و لكن ينقضه بيقين آخر» بل هذا المعنى هو الموافق لنص أهل اللغة، و اما إطلاقه على تساوي الاعتقادين فهو اصطلاح بعض أهل المعقول و حينئذ فالشك بالمعنى المذكور- و هو مطلق التجويز لكل من طرفي النسبة- لا انقلاب فيه عند ملاحظة ذلك الاستصحاب و لا يرفع يقينه، ألا ترى انه قال: «فيؤول إلى اجتماع الظن و الشك» أي إلى اجتماع ظن طرفي النسبة و تجويز مخالفه، و لم يعبر بلفظ الانقلاب المؤدي إلى الانقلاب كما وقع في كلام المعترض. و هو جيد متين إلا ان فيه مناقشة من جهة أخرى سيأتي بيانها ان شاء اللّٰه تعالى.

و أجاب السيد السند في المدارك بحمل الحدث هنا على ما تترتب عليه الطهارة أعني نفس السبب لا الأثر الحاصل من ذلك، قال: «و تيقن حصوله بهذا المعنى لا ينافي الشك في وقوع الطهارة بعده و ان اتحد وقتهما» انتهى. و أنت خبير بان مجرد الحمل على نفس السبب لا يحسم مادة الإشكال ما لم يعتبر تعدد زماني الشك و اليقين أو تعدد زمان متعلقيهما.

399

و الأظهر في وجه الجواب ان يقال بجواز التزام اجتماع الشك و اليقين في زمان واحد مع تعدد زمان متعلقيهما، كأن يتيقن الآن حصول الحدث في زمان ماض أعم من ان يراد بالحدث نفس السبب أو الأثر المترتب عليه ثم يشك أيضا في ذلك الآن في وقوع طهارة سابقة متأخرة عن ذلك الحدث، سواء أريد بالطهارة نفس الوضوء أو أثره المترتب عليه، و لا شك ان اجتماع اليقين و الشك هنا في زمن واحد مما لا شك فيه و لا خلل يعتريه، لعدم تناقض متعلقيهما لاختلاف زمانيهما كمن تيقن عند الظهر وقوع التطهر صبحا و هو شاك في انقطاعه، و حينئذ لا يحتاج إلى تكلف التخصيص بالسبب مع ما عرفت فيه. و لا حمل اليقين على الظن.

(الثالثة) [هل الظن المقابل لليقين في حكم الشك؟]

- هل الظن المقابل لليقين حكمه حكم الشك في وجوب إطراحه بمعارضة اليقين أم لا؟ المشهور ذلك. و ظاهر شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين المخالفة في ذلك، حيث قال- بعد ان صرح أولا بان ما ذكروه من ان اليقين لا يرتفع بالشك يرجع إلى استصحاب الحال إلى ان يعلم الزوال، فان العاقل إذا التفت إلى ما حصل بيقين و لم يعلم و لم يظن طرو ما بزيله حصل له الظن ببقائه- ما صورته: «ثم لا يخفى ان الظن الحاصل بالاستصحاب في من تيقن الطهارة و شك في الحدث لا يبقى على نهج واحد، بل يضعف بطول المدة شيئا فشيئا بل قد يزول الرجحان و يتساوى الطرفان بل ربما يصير الطرف الراجح مرجوحا، كما إذا توضأ عند الصبح- مثلا- و ذهل عن التحفظ ثم شك عند الغروب في صدور الحدث منه و لم يكن من عادته البقاء على الطهارة إلى ذلك الوقت، و الحاصل ان المدار على الظن، فما دام باقيا فالعمل عليه و ان ضعف» ثم نقل عن العلامة في المنتهى ان من ظن الحدث و تيقن الطهارة لا يلتفت، لان الظن انما يعتبر مع اعتبار الشارع له، و لأن في ذلك رجوعا عن المتيقن إلى المظنون، و قال بعده: «انتهى و فيه نظر لا يخفى على المتأمل فيما تلوناه» هذا كلامه (قدس سره).

و بعض محققي متأخري المتأخرين بعد ان جزم بموافقة المشهور في صورة الشك

400

في الحدث مع يقين الطهارة لدلالة ما قدمنا من الأخبار على ذلك استشكل في صورة العكس لعدم الدليل، قائلا في توجيه الإشكال: «لأن صحيحة زرارة المتقدمة كما يمكن ان يستدل بها على عدم اعتبار الظن نظرا الى مفهوم «و لكن ينقضه بيقين آخر» كذلك يمكن ان يستدل بها على اعتباره بمفهوم «لا ينقض اليقين بالشك» مع ان الأصل براءة الذمة» انتهى.

أقول: و فيه ان ظاهر قضية الاستدراك يوجب عدم اعتبار الظن بل مساوقته للشك ثم، و هو المفهوم من جملة الأخبار الواردة في عدم معارضة الشك باليقين و منها

صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قلت أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره الى قوله: فان ظننت أنه اصابه و لم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فيه فرأيت؟ قال: تغسله و لا تعيد الصلاة. قلت و لم ذلك؟ قال لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا».

و من المعلوم ان المراد بالشك هنا ما يشمل الظن، و مثله في الأخبار غير عزيز يقف عليه المتتبع.

ثم أقول: أنت خبير بأن الأصحاب (نور اللّٰه تعالى مضاجعهم) لما بنوا الأحكام الشرعية على ما في الواقع و نفس الأمر و حملوا العلم و اليقين في الأخبار المتعلقة بتلك الأحكام على ما هو المطابق للواقع، أشكل عليهم المخرج في موارد كثيرة تقف عليها في أثناء مباحث هذا الكتاب ان شاء اللّٰه تعالى، و أنت إذا تأملت بعين التحقيق و الإنصاف علمت ان اللّٰه سبحانه لم يجعل شيئا من الأحكام الشرعية منوطا بالواقع و نفس الأمر دفعا للحرج و لزوم تكليف ما لا يطاق، فان يقين الطهارة من النجاسة الذي أوجب الشارع البناء عليه و دفع الشك به في لباس المصلي و بدنه و ماء طهارته و نحوها

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 7 و 37 و 41 و 42 و 44- من أبواب النجاسات بنحو التقطيع.

401

ليس إلا عبارة عن عدم العلم بملاقاة النجاسة لا العلم بالعدم، فكذلك أيضا يقين الطهارة للصلاة من وضوء و غسل و تيمم ليس إلا عبارة عن فعلها مع عدم العلم بناقض لها لا مع العلم بالعدم، و حينئذ فالمراد بهذا اليقين المذكور في الأخبار ما هو أعم من اليقين الواقعي أعني العلم بالعدم و الظن باصطلاحهم، و ليس له فرد يقابله إلا الشك خاصة الذي هو عبارة عن تجويز المخالفة و احتمالها، و الحمل على الشك الذي هو عبارة عن المعنى المشهور بينهم اصطلاح متأخر مخالف لكلام أهل اللغة، حيث نص في القاموس و الصحاح على ان الشك خلاف اليقين، مع انهم قد قرروا في غير موضع وجوب حمل الألفاظ الواردة في كلام حافظ الشريعة مع عدم الحقيقة الشرعية أو العرفية الخاصة على المعنى اللغوي، و حينئذ فالشك في الحدث مع تيقن الطهارة- مثلا- ليس إلا عبارة عن تيقن فعل الطهارة مع عدم العلم بالناقض لها ثم يحصل له بسبب عروض بعض الأشياء شك في انتقاض طهارته يعني احتمال و تجويز انتقاضها، أعم من ان يكون ذلك الاحتمال و التجويز قويا كما ربما عبر عنه في الأخبار بالظن أو ضعيفا يعبر عنه بالوهم أو الشك، و اما لو توضأ صبحا ثم انه شك في آخر النهار بسبب طول المدة في انه هل أحدث أم لا و ان كان من عادته في سائر الأيام الحدث في أثناء النهار و عدم الوضوء فهذا لا يخرج عما ذكرنا أيضا، فالعمل على هذا الشك خيال نفساني بل وسواس شيطاني و ان قوى حتى يبلغ مرتبة الظن، بل هذا بمقتضى ما ذكرنا من الأخبار متطهر يقينا يعمل على يقين طهارته و بذلك يظهر لك ما في كلام هؤلاء الفضلاء (نور اللّٰه تعالى تربتهم و أعلى رتبتهم) و لا سيما كلام شيخنا البهائي. هذا هو التحقيق في المقام و اللّٰه سبحانه الهادي إلى سواء الطريق في جملة الأحكام.

(المسألة الخامسة عشرة) [اليقين بالطهارة و الحدث و الشك في المتأخر منهما]

- لو تيقن الطهارة و الحدث معا و شك في المتأخر فقد أطلق الأكثر سيما المتقدمين وجوب الوضوء، لعموم الأوامر الدالة على وجوب الوضوء عند إرادة الصلاة من الكتاب و السنة، خرج منه متيقن الطهارة، و يدل عليه

402

خصوص ما ذكره

في كتاب فقه الرضا (1) قال (عليه السلام): «و ان كنت على يقين من الوضوء و الحدث و لا تدري أيهما سبق فتوضأ».

و بهذه العبارة صرح في الفقيه من غير اسناد إلى امام كما هي عادته غالبا من كون ما ينقله فيه عاريا عن النسبة مأخوذا من هذا الكتاب كما أشرنا إليه آنفا، و لانه من المعلوم المقطوع إيجاب الشارع الدخول في الصلاة بطهارة يقينية و المنع من الدخول بالحدث، و هذان اليقينان هنا قد تصادما، و لم يعلم من الشارع ترجيح لأحدهما، فالعمل على أحدهما ترجيح من غير مرجح، فيجب إلغاؤهما معا و الرجوع إلى حكم الأصل من البقاء على الحدث الذي لا ينفك الإنسان عنه في سائر أحواله. و مع المناقشة فيما ذكرنا لا أقل ان يكون ذلك من قبيل الشبهات المأمور فيها بالاحتياط كما استفاض عن أهل العصمة (سلام اللّٰه عليهم) و لا ريب ان الاحتياط في الطهارة (لا يقال): ان الاحتياط ليس بدليل شرعي كما يتداوله جملة من المتأخرين و متأخريهم (لأنا نقول): قد قدمنا لك في المقدمة الرابعة ما يدل على كونه في مثل هذا المقام دليلا شرعيا.

و في المسألة قولان آخران: (أحدهما)- لثاني المحققين صريحا و أولهما ظاهرا، و هو انه ينظر إلى حاله قبل الطهارة و الحدث المفروضين فان جهلها تطهر و ان علمها أخذ بضد ما علمه، و احتج عليه في المعتبر بأنه ان كان سابقا محدثا فقد تيقن رفع ذلك الحدث بالطهارة المتيقنة مع الحدث الآخر، لأنها ان كانت بعد الحدثين أو بينهما فقد ارتفعت الأحداث السابقة بها، و انتقاضها بالحدث الآخر غير معلوم للشك في تأخره، فيكون متيقنا للطهارة شاكا في الحدث، و ان كان متطهرا فقد تيقن انه نقض تلك الطهارة بالحدث المتيقن مع الطهارة، و رفعه بالطهارة الأخرى غير معلوم لجواز تقدمها عليه تجديدا للطهارة السابقة أو مع الذهول عنها، فيكون متيقنا للحدث شاكا في الطهارة. و ضعفه ظاهر، لأن الأحداث السابقة في الصورة الاولى و ان ارتفعت بالطهارة المجامعة

____________

(1) في الصحيفة 2.

403

للحدث الأخير، و كذلك الطهارة السابقة في الصورة الثانية و ان ارتفعت بالحدث المجامع لتلك الطهارة الأخيرة، لكن يبقى الشك في رفع ذلك الحدث الأخير بالطهارة المجامعة له و نقضها له من حيث الشك في تقدم أيهما على الآخر، و غاية ما يفيده كلامه رفع الحالة السابقة من طهارة أو حدث و اما محل الاشكال فهو باق على الاشتباه و الاحتمال.

و (ثانيهما)- ما نقل عن المختلف، حيث قال- بعد ان نقل عن الأصحاب إطلاق القول بإعادة الطهارة في المسألة- ما صورته: «و نحن فصلنا ذلك في أكثر كتبنا و قلنا ان كان في الزمن السابق على زمان تصادم الاحتمالين محدثا وجب عليه الطهارة، و ان كان متطهرا لم يجب، و مثاله انه إذا تيقن عند الزوال انه نقض طهارة و توضأ عن حدث و شك في السابق فإنه يستصحب الحال السابق على الزوال، فان كان في تلك الحال متطهرا فهو على طهارته، لانه تيقن انه نقض تلك الطهارة و توضأ و لا يمكن ان يتوضأ عن حدث مع بقاء تلك الطهارة، و نقض الطهارة الثانية مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك، و ان كان قبل الزوال محدثا فهو الآن محدث، لانه تيقن انه انتقل عنه إلى طهارة ثم نقضها و الطهارة بعد نقضها مشكوك فيها» انتهى. و فيه ان ما ذكره يشعر بان طهارته لا تقع إلا رافعة و حدثه لا يكون إلا ناقضا، و الظاهر ان هذا بعينه ما ذكره في القواعد من قوله: «و لو تيقنهما متحدين متعاقبين و شك في المتأخر فان لم يعلم حاله قبل زمانهما تطهر و إلا استصحب» و مراده بالاتحاد تساوي اعداد الطهارات و الأحداث و بالتعاقب وقوع الطهارة بعد الحدث و بالعكس، و مثله في التذكرة أيضا، و بذلك تخرج المسألة عن باب الشك إلا ان يحمل على انه باعتبار أول الأمر و في عبارته في المختلف مناقشات رأينا الإغماض عن التطويل بالتعرض لها أولى.

(المسألة السادسة عشرة) [من صلى بعد وضوءين ثم ذكر الإخلال بعضو من أحدهما]

- من تيقن بعد الصلاة بطهارتين ترك عضو من إحداهما أو وقوع حدث بعد إحداهما ففيه صور:

[الصورة] (الاولى)

- من توضأ ثم أحدث وضوء آخر ثم صلى ثم ذكر الإخلال بعضو

404

من احدى الطهارتين، فهذان الوضوء ان اما ان يكونا معا واجبين أو مندوبين أو الأول واجبا و الثاني مندوبا أو بالعكس، و على التقادير الأربعة اما ان تعتبر القربة خاصة أو يضم إليها الوجه فقط أو يضم إلى ذلك أحد الأمرين من الرفع و الاستباحة، و حيث انه لا دليل عندنا على زيادة شيء وراء القربة فالصلاة المذكورة صحيحة، لأن الإخلال ان كان من الأولى فالثانية صحيحة عندنا، و ان كان من الثانية فالأولى صحيحة اتفاقا، فلا حاجة إلى إعادتها و لا إعادة الطهارة، و اما على تقدير ضم شيء آخر إلى القربة ففيه تفاصيل يلزم في بعضها اعادة كل من الوضوء و الصلاة، و لا ثمرة مهمة عندنا في تطويل الكلام بالبحث عن تلك الشقوق، مع ضرورة صرف الوقت فيما هو أهم من ذلك، و من أحب الوقوف عليها فليرجع إلى مطولات أصحابنا (شكر اللّٰه تعالى سعيهم) و أيضا فإنا قررنا في هذا الكتاب ان لا نطول البحث إلا في موضع أغفلوا تحقيقه، الا ان الشهيد في البيان نقل عن السيد جمال الدين ابن طاوس (قدس سره) عدم الالتفات إلى هذا الشك مطلقا لاندراجه تحت الشك في الوضوء بعد الفراغ، و استوجهه أيضا، و قواه العلامة في المنتهى، قال في المدارك بعد نقل ذلك تبعا لما لخصه في الذكرى:

«و يمكن الفرق بين الصورتين بان اليقين هنا حاصل بالترك و انما حصل الشك في موضعه بخلاف الشك بعد الفراغ، فإنه لا يقين فيه بوجه، و المتبادر من الأخبار المتضمنة لعدم الالتفات إلى الشك في الوضوء بعد الفراغ الوضوء المتحد الذي حصل الشك فيه بعد الفراغ منه» انتهى. و فيه ان يقين حصول الترك انما حصل بالنظر إلى الوضوءين معا اما بالنظر إلى كل واحد على حدة فإنه غير متيقن الترك بل مشكوكة، لأصالة الصحة و احتمال كون الترك من الآخر، نظير ما قرره (قدس سره) في مسألة الإناءين المتيقن وقوع النجاسة في أحدهما من ان كل واحد متيقن الطهارة مشكوك النجاسة.

(الصورة الثانية)

- و هي الأولى بعينها و لكنه صلى بالوضوء الأول فرضا و بالثاني فرضا آخر من غير تخلل حدث، و قد صرح الشيخ في المبسوط بوجوب إعادة

405

الصلاة المتوسطة بين الطهارتين لاحتمال ان يكون الخلل واقعا من الطهارة الاولى، و اما الفريضة الأخيرة فصحيحة. و هذا واضح مع الحكم بصحة الوضوء الثاني كما اخترناه، فإن الأخيرة حينئذ واقعة بوضوء صحيح اما الأول أو الثاني، و اما على تقدير العدم فيعيدهما معا، و به صرح ابن إدريس بناء على ان الوضوء الثاني عندهم لم يحصل به رفع و لا استباحة، و اختاره في المختلف لاشتراطه ذلك في النية أيضا. و يأتي على ما ذهب اليه جمال الدين و العلامة في المنتهى و اختاره بعض محققي متأخري المتأخرين أيضا عدم إعادة شيء من الصلاتين. ثم انه يأتي على القول الأول و الثالث عدم اعادة الوضوء لحصول طهارة صحيحة عنده على الأول و صحتهما لعدم تأثير الشك في شيء منهما على الثالث، و على الثاني تجب الإعادة لعدم صحة شيء منهما، اما الأولى فباعتبار احتمال ترك العضو منها، و الثانية غير رافعة و لا مبيحة.

و استشكل بعض مشايخنا المحققين في وجوب إعادة الصلاة المتخللة كما هو قول المبسوط أو كلتا الصلاتين كما هو القول الآخر، قائلا بأنه انما تجب إعادة الصلاة بعد الفراغ منها على تقدير تعين فسادها، و هو انما يحصل على تقدير حصول كل احتمال ممكن الوقوع، و ما نحن فيه ليس كذلك، فإن أحد الاحتمالين الممكنين هنا كون الإخلال من الثانية فتصح الصلاتان على القولين، فوجوب إعادتهما يستلزم نقض اليقين بالشك المنهي عنه عموما، و الخروج عن القاعدة المجمع عليها المندرج ما نحن فيه تحتها عموما من ان الشك بعد الفراغ لا يلتفت اليه، و ليس عدم تعين الصحة كافيا في الوجوب، و ادعاء ان الشك في الصحة كالشك في أصل الإيقاع- و الأصل بقاء شغل الذمة بها حتى يعلم المزيل- دعوى عارية عن الدليل، و ان تمت فإنما تتم مع بقاء الوقت، لان الشك في الإيقاع بعد الفوت لا يوجب القضاء، لعدم كون وجوب الأداء كافيا في سببية وجوبه إذ هو بأمر جديد، و الأمر الجديد ب«من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته» (1)

____________

(1) هذا المضمون مستفاد من الأخبار الدالة على وجوب قضاء الصلوات الفائتة المروية في الوسائل في الباب 1 من قضاء الصلوات، و منها صحيحة زرارة المروية في الباب 6 منه.

406

لا يتناوله، لعدم حصول ما علق عليه،

و لقول الصادق (عليه السلام) في حسنة زرارة و الفضيل (1): «و متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة انك لم تصلها أو في وقت فوتها انك لم تصلها صليتها، و ان شككت بعد ما خرج وقت الفوت فقد دخل حائل فلا اعادة عليك من شك حتى تستيقن.».

و ليس فساد احدى الطهارتين بمقتض ليقين فساد احدى الصلاتين، لجواز كون الفاسدة واقعا هي الثانية و فسادها لا يقتضي فساد إحداهما بل يقتضي صحتهما، فظهر ان وجوب إعادة الطهارة- لما يستقبل من الصلاة على تقدير القول به كما هو مقتضى كلام الفاضلين- لا يقتضي وجوب إعادة شيء من الصلاتين، لان وجه وجوب إعادتهما عند يقين حدث سابق على الطهارتين الاندراج في حكم الشك في الطهارتين مع يقين الحدث، باعتبار ان الشك في حصول الطهارة المبيحة أو الرافعة شك في أصلها و هو لا يعارض يقين الحدث، و ذلك لا يوجب إعادة الصلاة، لأن الشك في الطهارة مع يقين الحدث انما يبطل من الصلوات ما وقع بعده بلا طهارة لا ما سبقه لمضيه على الصحة. و لم أقف لأحد من أصحابنا في هذا المقام على إيماء لما أشرنا اليه إلا ان الأدلة تدل عليه، انتهى كلامه زيد في الخلد مقامه.

و قد تلخص مما ذكرنا في هذه الصورة أقوال أربعة: (أحدها)- وجوب إعادة الصلاة المتوسطة و عدم اعادة الوضوء كما هو مقتضى كلام المبسوط. و (ثانيها)- وجوب اعادة الوضوء و الصلاتين معا كما هو قول ابن إدريس و المختلف. و (ثالثها)- عدم إعادة شيء من الوضوء و الصلاة كما هو مقتضى كلام السيد جمال الدين (قدس سره) و (رابعها)- صحة الصلاتين و اعادة الوضوء كما يشعر به آخر هذا الكلام الأخير، الا ان يحمل آخر كلامه على التنزل و المجاراة دون الاختيار لذلك، و إلا فيرد عليه ان

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 60- من مواقيت الصلاة.

407

جل ما ذكره من التعليلات في عدم إعادة الصلاة يجري في الوضوء أيضا كما لا يخفى.

(الصورة الثالثة)

- هي الثانية بعينها و لكن مع تخلل الحدث بعد الصلاة المتوسطة، و الظاهر انه لا ريب في إعادة الوضوء حينئذ، لأنه- بالحدث السابق على الطهارة الاولى و الحدث المتوسط مع احتمال كون العضو المتروك من كل من الطهارتين- يكون متيقنا للحدث شاكا في الطهارة، و لا ريب أيضا في بطلان احدى الصلاتين لبطلان احدى الطهارتين، لكن هل يجب حينئذ اعادة الفرضين معا لتوقف الخروج من العهدة يقينا عليه، أم يخص ذلك بما إذا اختلفا عددا و إلا فيكفي الإتيان بفريضة واحدة مرددة في نيتها؟

الأكثر على الثاني، و إلى الأول ذهب الشيخ في المبسوط بل أوجب أيضا بناء على ذلك قضاء الخمس لو صلاها بخمس طهارات ثم ذكر الإخلال المذكور في إحدى الطهارات مع تخلل الحدث بين كل طهارة و صلاة منها، و تبعه أبو الصلاح و ابن زهرة، و ربما لزم على تقدير ما ذهب اليه السيد جمال الدين عدم وجوب إعادة شيء من الوضوء و الصلاتين، لصدق انه شك بعد الفراغ، و الظاهر انه لا يلتزمه.

و يدل على قول الأكثر ورود النص في من فاتته صلاة من الخمس مشتبهة انه يكتفي باثنتين و ثلاث و اربع مرددة (1) إما لكون العلة في الجميع واحدة، أو لكون المتنازع فيه داخلا في موضوع الخبر، بان يقال ان بطلان الصلاة ببطلان شرطها المتوقف صحتها عليه فوت يدخل في عموم «من فاتته. الخبر» و يؤيد ذلك أيضا

قول ابي جعفر (عليه السلام) في حسنة زرارة (2): «. و ان نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها و أنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر، فإنما هي أربع مكان اربع.».

لكن يشكل من حيث اختلاف هيئتي الجهرية و الإخفاتية جهرا و إخفاتا

____________

(1) و هو مرسل على بن أسباط و مرفوع الحسين بن سعيد المرويان في الوسائل في الباب 11 من قضاء الصلوات.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 63- من مواقيت الصلاة.

408

و ان ذكروا انه مخير بين الجهر و الإخفات في صورة اجتماعهما في الفرض المردد. و أورد عليه أيضا وجوب الجزم في النية مع الإمكان فلا تجزئ النية المرددة، و هذا لازم على المورد في صورة مورد الخبر المتقدم.

(الصورة الرابعة)

- ان يتوضأ وضوءين و يصلي بكل منهما فرضا ثم يذكر الحدث عقيب واحد منهما غير معين، فان قلنا بالاكتفاء بالقربة فالطهارتان صحيحتان و انما يقع الشك في فريضة واحدة باعتبار احتمال كون الحدث عقيب الطهارة الأولى فتبطل الصلاة الأولى خاصة و احتمال كونه عقيب الثانية فتبطل الصلاة الثانية خاصة، فيرجع الكلام حينئذ إلى ما تقدم من وجوب إعادتهما معا ان اختلفتا عددا تحصيلا ليقين البراءة، و إلا فذلك العدد مرددا في النية، و مقتضى ما نقل عن الشيخ آنفا اعادة الجميع مطلقا، لكن لم أر من تصدى لنقل مذهبه هنا، و ان لم نقل بالاكتفاء بالقربة- حسبما تقدم في الصورة الاولى من التفصيل- وجب اعادة الجميع، لاحتمال كون الحدث عقيب الاولى فتبطل الصلاة الواقعة بعدها، و الوضوء الثاني انما وقع بنية التجديد و هو غير مبيح و لا رافع فتبطل الصلاة الواقعة بعده، و على كل تقدير فيجب إعادة الطهارة هنا لاحتمال وقوع الحدث بعد الطهارة الثانية فيلزم بطلانها مع سابقتها بخلاف صورة الإخلال فإنه إنما تبطل الطهارة التي وقع فيها خاصة فتسلم له الأخرى.

(المسألة السابعة عشرة) [المياه التي يكره الوضوء بها]

- يكره الوضوء بجملة من المياه: منها- الماء المشمس في الآنية على المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بل نقل الشيخ في الخلاف الإجماع عليه لكنه اشترط في الحكم القصد إلى ذلك، و صرح في المبسوط بالتعميم و أطلق في النهاية، و هو الذي عليه جمهور الأصحاب.

و الأصل في هذه المسألة

رواية السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): الماء الذي تسخنه الشمس لا تتوضؤوا به

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب الماء المضاف.

409

و لا تغتسلوا به و لا تعجنوا به، فإنه يورث البرص».

و ما رواه الصدوق (رضي اللّٰه عنه) في كتاب العلل (1) بسنده إلى ابن عباس قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): خمس تورث البرص. و عد منها التوضؤ و الاغتسال بالماء الذي تسخنه الشمس».

و موثقة إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) (2) قال: «دخل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) على عائشة و قد وضعت قمقمتها في الشمس، فقال يا حميراء ما هذا؟ قالت: اغسل رأسي و جسدي. قال: لا تعودي فإنه يورث البرص».

و حمل النهي على الكراهة

لمرسلة محمد بن سنان عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس بأن يتوضأ بالماء الذي يوضع في الشمس».

و ربما علل الحمل على الكراهة بضعف سند الروايات المذكورة كما هو طريقة جملة من المتأخرين و متأخريهم. و فيه ما تقدم في مقدمات الكتاب من ان ضعف السند ليس من جملة قرائن المجاز الصارفة عن الحمل على الحقيقة، و لو علل بذكر وجه الحكمة في الخبر لكان أقرب.

تنبيهات:

(الأول)

- ظاهر الخبر الأول و الثاني ثبوت الكراهة، سواء كان في آنية أو غيرها من حوض و ساقية، و سواء كانت الآنية منطبعة أم لا، و سواء قصد إلى تسخينه أو تسخن من قبل نفسه، و سواء كانت البلاد حارة أو معتدلة، و بهذا الإطلاق حكم جملة من الأصحاب، الا ان ظاهرهم نفى الكراهة في غير الآنية، بل نقل عن العلامة في النهاية و التذكرة الإجماع عليه، و ظاهر العلامة في النهاية اشتراط كونه في الأواني المنطبعة غير الذهب و الفضة، قال: «لان الشمس إذا أثرت فيها استخرجت

____________

(1) رواه في الخصال ج 1 ص 128.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب الماء المضاف.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 6- من أبواب الماء المضاف.

410

منها زهومة تعلو الماء و منها يتولد المحذور» و فيه ان العلة المذكورة لبيان وجه الحكمة فلا يجب اطرادها، و علل الشرع- كما صرحوا به- معرفات لا علل حقيقة يدور المعلول مدارها وجودا و عدما.

(الثاني)

- الحق جماعة من الأصحاب بالطهارة سائر وجوه الاستعمالات، و اقتصر جماعة: منهم- الشهيد في الذكرى على العجين وفاقا للصدوق و وقوفا على ظاهر النص

(الثالث)

- هل يشترط القلة في الماء؟ قولان.

(الرابع)

- الظاهر ترتب الأثر المذكور على المداومة دون مجرد المرة أو المرتين و لعل في قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) في موثقة إبراهيم بن عبد الحميد-: «لا تعودي» من الاعتياد أو تعودي من العود- إيماء إلى ذلك.

(الخامس)

- هل تبقى الكراهة و ان زال التشميس أم لا؟ قولان، قطع بأولهما الشهيد في الذكرى و تبعه جمع من المتأخرين، تمسكا بالاستصحاب، و بقاء التعليل و صدق الاسم بناء على ان المشتق لا يشترط في صدقه بقاء مأخذ الاشتقاق. و يرد على الأول عدم ثبوت حجية الاستصحاب في مثل هذا المقام، إذ الاستصحاب الذي يستفاد من الأخبار جواز الاعتماد عليه هو ما إذا دل الدليل على حكم من غير تقييد بزمان و لا كيفية و لا حالة مخصوصة، فإنه يستصحب الحكم المذكور في جميع الأزمان و الحالات عملا بعموم الدليل كما تقدم تحقيقه في المقدمة الثالثة (1) الا انه ربما يقال هنا ان مقتضى الدليل الدال على كراهة الوضوء بالمتسخن بالشمس عموم ذلك لما بعد زوال السخونة، و قد مر نظيره في المسألة الرابعة من الفصل الثاني من الباب الأول (2) و تكلمنا في ذلك بما اقتضاه المقام. و على الثاني ما تقدم هنا. و على الثالث (أولا)- عدم الدليل على صحة الاعتماد على هذه القاعدة كما تقدم تحقيقه في المقدمة التاسعة. و (ثانيا)- منع صدق الاسم، فان صدق المشتق مع عدم بقاء مأخذ الاشتقاق لو سلم فهو مخصوص بما إذا لم يطرأ على المحل

____________

(1) في الصحيفة 51.

(2) ج 1 ص 246.

411

وصف وجودي يضاده، و هنا ليس كذلك لطرو وصف البرودة المضاد لوصف السخونة و ما أجاب به في المعالم و تبعه بعض أفاضل متأخري المتأخرين- من ان الاشتقاق هنا من التسخين لا من السخونة، و حينئذ و لو طرأ الوصف الوجودي لكنه لا يضاد الأول لاشتراط وحدة الفاعل في التضاد- ففيه ان الحكم منوط بالتسخن كما هو المشهور لا بالتسخين و ان ذهب اليه الشيخ كما تقدم ذكره، و حينئذ فالتضاد حاصل كما حققنا ذلك في كتاب الدرر النجفية.

(السادس)

- صرح جملة من الأصحاب بأن الحكم بالكراهة مخصوص بما إذا وجد ماء غيره للطهارة، إذ مع عدم وجدان غيره يتعين استعماله عينا و هو مناف لتعلق النهي به. و اعترض عليه بأنه لا منافاة بين الوجوب عينا و الكراهة في الصلاة و نحوها على بعض الوجوه، و اللازم من ذلك عدم زوال الكراهة بفقد غيره، لبقاء العلة و عدم منافاة وجوب الاستعمال لها.

أقول: و التحقيق انه ان فسرت الكراهة بالمعنى المصطلح الأصولي و هو ما يترجح تركه على فعله فالمنافاة حاصلة سواء وجد ماء غيره أو لم يوجد، فإنه كما لا ريب في منافاة تعلق الأمر الإيجابي العيني بشيء مع النهي التنزيهي، كذلك يأتي مثله في الأمر الإيجابي التخييري مع النهي التنزيهي، إذ كما يكون الأمر بالشيء امرا إيجابيا عينيا مانعا من تعلق النهي به المقتضى لمرجوحيته، كذلك الأمر به امرا تخييريا المقتضى لرجحانه يمنع من تعلق النهي المقتضي لمرجوحيته، و سيأتي تحقيق المسألة ان شاء اللّٰه تعالى.

و (منها)- الماء الآجن،

لحسنة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) «في الماء الآجن؟ يتوضأ منه إلا ان يجد غيره فيتنزه عنه».

و (منها)- الماء الذي مات فيه عقرب،

لموثقة سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 3- من أبواب الماء المطلق.

412

السلام) (1) و فيها «و ان كان عقربا فارق الماء و توضأ من ماء غيره».

و مثلها موثقة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) (2).

و (منها)- سؤر الحائض،

لموثقة الحسين (3)- و الظاهر انه ابن أبي العلاء الخفاف- قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الحائض يشرب من سؤرها قال: نعم، و لا يتوضأ منه».

و قيدها جملة من المتأخرين بالمتهمة، و يدل على التقييد المذكور موثقة علي بن يقطين (4) و ربما ظهر من التهذيب و الاستبصار التحريم لظاهر النهي. و تحقيق المسألة قد تقدم في بحث الأسآر.

(المسألة الثامنة عشرة) [الوضوء في المسجد]

- قد صرح جملة من الأصحاب بكراهة الوضوء في المسجد من حدث البول و الغائط،

لصحيحة رفاعة (5) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الوضوء في المسجد فكرهه من البول و الغائط».

و قال الشيخ في النهاية و تبعه ابن إدريس: «لا يجوز التوضؤ من الغائط و البول في المساجد و لا بأس بالوضوء فيها من غير ذلك» و سوى ابن إدريس بين المنع من الوضوء من الغائط و المنع من إزالة النجاسة فيها، و في المبسوط «لا يجوز إزالة النجاسة في المساجد و لا الاستنجاء من البول و الغائط فيها، و غسل الأعضاء في الوضوء لا بأس به فيها» و يحتمل قريبا- بل لعله الأقرب- حمل كلام الشيخ في النهاية على الاستنجاء و حمل الرواية المتقدمة أيضا على ذلك، فان استعمال الوضوء بمعنى الاستنجاء- بل بمعنى مطلق الغسل، و الكراهة بمعنى التحريم- شائع في الأخبار و كلام المتقدمين.

و روى بكير في الحسن عن أحدهما (عليهما السلام) (6) قال: «إذا كان الحدث في المسجد فلا بأس بالوضوء في المسجد».

و لعل المراد بالحدث في المسجد مثل النوم

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الأسآر.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 9- من أبواب الأسآر.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الأسآر.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 8- من أبواب الأسآر.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 57- من أبواب الوضوء.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 57- من أبواب الوضوء.

413

و الريح مثلا، و مفهوم الرواية على ما ذكرنا انه لو كان النوم في غير المسجد كره الوضوء له في المسجد، و لا ينافي ذلك مفهوم الرواية الأولى بناء على حمل الوضوء فيها على الرافع للحدث، لان ذلك مفهوم لقب.

ثم انه لو اتفق حصول البول أو الغائط في المسجد اختيارا أو اضطرارا فهل يتصف الوضوء له في المسجد بالكراهة أم لا؟ ظاهر الرواية الأولى- بناء على كون الوضوء فيها بمعنى الرافع- ذلك، و لكن ينافيه ظاهر الرواية الثانية، الا ان تخص بما ذكرنا أو تحمل على ان وقوع حدث البول و الغائط في المسجد لما كان نادرا أطلق الحكم بعدم البأس في المسجد من الحدث الواقع فيه. و يحتمل عدم الكراهة عملا بإطلاق الرواية الثانية و عمومها، و حمل الاولى على ان البول و الغائط لما كان حدوثهما في المسجد نادرا فلذا أطلق عليهما كراهة الوضوء لهما في المسجد، و يعضده أصالة البراءة من الكراهة. و اللّٰه العالم.

(المسألة التاسعة عشرة) [التمندل بعد الوضوء]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) كراهة التمندل بعد الوضوء، و قيل بعدم الكراهة، و نقله في المدارك عن ظاهر المرتضى في شرح الرسالة و أحد قولي الشيخ.

و يدل على الكراهة ما روي بعدة طرق

في الكافي و ثواب الأعمال و المحاسن (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «من توضأ و تمندل كتبت له حسنة، و من توضأ و لم يتمندل حتى يجف وضوؤه كتبت له ثلاثون حسنة».

و يدل على الجواز روايات كثيرة: منها-

صحيحة محمد بن مسلم (2): «قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن التمسح بالمنديل قبل ان يجف. قال لا بأس به».

و رواية الحضرمي عنه (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس بمسح الرجل وجهه بالثوب إذا توضأ إذا كان الثوب نظيفا».

و موثقة إسماعيل بن الفضل (4) قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) توضأ

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 45- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 45- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 45- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 45- من أبواب الوضوء.

414

للصلاة ثم مسح وجهه بأسفل قميصه، ثم قال: يا إسماعيل افعل هكذا فاني هكذا افعل.

و صحيحة منصور بن حازم (1) قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و قد توضأ و هو محرم ثم أخذ منديلا فمسح به وجهه».

و صحيحته المروية في المحاسن (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يمسح وجهه بالمنديل. قال: لا بأس به».

و مرسلة عبد اللّٰه بن سنان المروية فيه أيضا (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن التمندل بعد الوضوء. فقال: كان لعلي (عليه السلام) خرقة في المسجد ليس الا للوجه يتمندل بها».

و روى مثله مسندا في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان (4).

و بذلك الإسناد أيضا (5) قال: «كانت لعلي (عليه السلام) خرقة يعلقها في مسجد بيته لوجهه إذا توضأ تمندل بها».

و روى فيه أيضا عن محمد بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) قال:

«كانت لأمير المؤمنين (عليه السلام) خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ للصلاة ثم يعلقها على وتد و لا يمسها غيره».

و أنت خبير بانا لو خلينا و ظاهر هذه الأخبار لكان المستفاد منها استحباب ذلك لظاهر حديث إسماعيل بن الفضل الدال بظاهره على مداومته (عليه السلام) على ذلك و كذلك اخبار المحاسن عن علي (عليه السلام) كما لا يخفى على المتأمل فيها، فإنها ظاهرة في مداومته (عليه السلام) على ذلك، و من البعيد مداومته على ذلك الأمر المكروه، و الحديث الأول يضعف عن معارضتها لوحدته و تعددها. و الجمع بين الأخبار بما ذكره المحدث الكاشاني في الوافي- بحمل الخبر الأول على الأفضل و الاولى و حمل خبر الحضرمي و صحيحة محمد بن مسلم على الرخصة و الجواز و حمل خبر إسماعيل بن الفضل على الضرورة من برد و خوف شين و شقاق- و ان احتمل بالنسبة إلى الأخبار التي ذكرها إلا ان اخبار فعل علي (عليه السلام) الدالة بظاهرها على المداومة على ذلك لا تقبل الحمل على

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب- 45- من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب- 45- من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب- 45- من أبواب الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب- 45- من أبواب الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب- 45- من أبواب الوضوء.

(6) المروية في الوسائل في الباب- 45- من أبواب الوضوء.

415

الضرورة و لا على مجرد الجواز كما لا يخفى و لعل الأقرب الحمل على التقية (1) الا ان

____________

(1) اختلف فقهاء المذاهب في التمندل بعد الوضوء، ففي المدونة لمالك ج 1 ص 17 «لا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء» و تبعه الزرقانى في شرح مختصر أبي الضياء ج 1 ص 47 قال: «لا يندب ترك مسح الأعضاء بخرقة بل يجوز» و في المغني لابن قدامة الحنبلي ج 1 ص 141 «لا بأس بتنشيف أعضائه بالمنديل من بلل الوضوء و الغسل» قال: «و ممن روى عنه أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان و الحسن بن على و انس و كثير من أهل العلم، و نهى عنه جابر بن عبد اللّٰه، و كرهه عبد الرحمن بن مهدي و جماعة من أهل العلم» و في المنهاج للنووي الشافعي ص 4 «من سنن الوضوء ترك التنشيف في الأصح» و في الوجيز للغزالي «لا ينشف الأعضاء فهي سنة على أظهر الوجهين» و في شرح المنهاج لابن حجر ج 1 ص 101 «ان النووي في شرح مسلم اختار اباحة التنشيف مطلقا» و في شرح الدر المختار للحصفكي الحنفي ج 1 ص 25 «من آداب الوضوء التمسح بمنديل».

و لا يفوت القارئ الكريم الوقوف على شيء طالما طعن أهل السنة به على الشيعة الإمامية و هو العمل بالتقية التي جوزها الكتاب المجيد حيث يقول في آل عمران 28:

«لٰا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّٰهِ فِي شَيْءٍ إِلّٰا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً» و يقول في النحل 106: «إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ» و لم يتباعد عن العمل بالتقية علماء أهل السنة، ففي تفسير الالوسى ج 3 ص 121 في الآية الاولى «ان فيها دلالة على مشروعية التقية، و عرفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء سواء كان العداء لأجل اختلاف الدين أو للأغراض الدنيوية» ثم قال:

«وعد قوم من باب التقية مداراة الكفار و الظلمة و الفسقة بالتبسم في وجوههم و الانبساط معهم» و قال ابن العربي في (أحكام القرآن) ج 2 ص 223 في الحجرات 2 «لٰا تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ»: جوز الشافعي و نظراؤه الائتمام في الجماعة خلف الفاسق و من لا يؤتمن على حبة من مال، و أصله ان الولاة الذين يصلون بالناس جماعة لما فسدت أديانهم و لم يمكن ترك الصلاة معهم و لا يستطاع إزالتهم صلى معهم وراءهم، و من الناس من إذا صلى معهم تقية أعادها و منهم من يكتفى بها، و انا أقول بوجوب إعادتها سرا و لكن لا ينبغي ترك الصلاة معهم» و قال الالوسى المفسر في رسالته (الأجوبة العراقية) ص 225:

«المسألة 22- كنت أصلي الظهر في البيت بعد صلاة الجمعة و أنكر في قلبي على من يصليها في الجامع جماعة و انه ليضيق صدري و لا ينطلق لساني» و في الفروع لابن مفلح الحنبلي ج 1 ص 482 «لا تصح امامة الفاسق مطلقا و إذا لم تصح صلى معه دفعا للأذى و يعيد، و قرأ المروزي على احمد بن حنبل ان انس بن مالك كان يصلى المكتوبة في منزله و يصلى الجمعة خلف الحجاج فلم ينكر ذلك احمد» و في مناقب أبي حنيفة للخوارزمي ج 1 ص 171 حيدر اباد «ان أبا حنيفة كان يقول امام ابن هبيرة: «عمر أفضل من على تقية» و فيه ص 171 و في مناقبه للبزار في ذيل مناقبه للخوارزمي ص 172 «كان المشايخ في زمان بنى أمية لا يذكرون عليا (ع) باسمه خوفا منهم و العلامة بينهم إذا رووا عن على ان يقولوا قال الشيخ كذا، و كان الحسن البصري يتقي في الرواية عن على بن أبي طالب فيقول روى (أبو زينب) كناية عنه خوفا من بنى مروان» و روى ابن قدامة في المغني ج 2 ص 186 عن أبي الحارث «انه لا يصلى خلف مرجىء و لا رافضي و لا فاسق إلا ان يخافهم فيصلي و يعيد» و لم يتعقب هذه الرواية. و في تاريخ بغداد للخطيب ج 13 ص 380 «كان أبو حنيفة يعمل بالتقية خوفا» و في تفسير المنار ج 3 ص 281 و (اقتضاء الصراط المستقيم) لابن تيمية ص 176 و (التبصير في الدين الإسلامي) للاسفرائينى ص 164 و (الروض الباسم) للوزير اليماني ج 2 ص 41 و النجوم الزاهرة لابن تغربردى الحنفي ج 2 ص 219 ما يؤيد ذلك.

416

فيه أيضا ما لا يخفى، قال شيخنا المجلسي (عطر اللّٰه مرقده) في كتاب البحار بعد نقل جملة من هذه الأخبار: «و الذي يظهر لي انه لما اشتهر بين بعض العامة كأبي حنيفة و جماعة منهم نجاسة غسالة الوضوء و كانوا يعدون لذلك منديلا يجففون به أعضاء الوضوء و يغسلون المنديل، فلذا نهوا عن ذلك و كانوا يتمسحون بأثوابهم ردا عليهم،

كما روى عن مروان بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: توضأ.

ثم نقل حديث إسماعيل بن الفضل إلى ان قال: فيمكن حمل تلك الأخبار على التقية أو انه لم يكن بقصد الاجتناب عن الغسالة أو انه كان لبيان الجواز» انتهى. و لا يخفى ما فيه. و الحكم لا يخلو من شوب الاشكال.

ثم انه هل يختص الحكم بالمسح بالمنديل فلا يلحق به غيره، أو يشمل الذيل

417

و الكم و نحوهما، أو المنديل و الذيل خاصة، أو يلحق به التجفيف بالنار و الشمس أيضا؟

أقوال، و لعل الأظهر منها الاقتصار على المنديل وقوفا فيما خالف الأصل على موضع الوفاق، و لاشتمال أكثر الأخبار المتقدمة عليه خاصة.

فائدة [الكراهة في العبادة]

لا يخفى ان المكروه في اصطلاح الأصوليين و الفقهاء عبارة عما يكون عدمه راجحا على وجوده، و هذا المعنى لما لم يتم إجراؤه في العبادات في المواضع التي ورد النهي عنها لرجحان الإتيان بها على عدمه، فسروا الكراهة فيها بمعنى آخر و هو باعتبار اقلية الثواب فيها بالنسبة إلى عبادة أخرى.

و أورد عليه بان ذلك منتقض بكثير من المستحبات و الواجبات التي بعض أفرادها أقل ثوابا من الآخر مع ان الأقل ثوابا منها بالنسبة إلى الأكثر لا يطلق عليه الكراهة.

و ربما أجيب بأن المراد أقل ثوابا من مثله اي فرد أخر من نوعه.

و فيه أيضا ما تقدم، فإن الصلاة في أحد المساجد أقل ثوابا بالنسبة إلى الصلاة في المسجد الحرام بل بعض المساجد بالنسبة إلى آخر مع انه لا يوسم الأقل منها بالنسبة إلى الأكثر بالكراهة، و أيضا فإن صوم عرفة لمن يضعفه عن الدعاء ليس أقل ثوابا من صوم آخر مع انه مكروه.

قيل: «و الحق ان يقال المراد ان ضده أفضل منه، مثلا- الدعاء يوم عرفة أفضل من الصوم المضعف عنه فمكروه العبادة انما يكون في صورة تكون فيها عبادتان متضادتان» انتهى أقول: أنت خبير بان مكروه العبادة- على ما عرفت- هو ما تعلق به النهي التنزيهي أعم من ان يكون معه عبادة أخرى مضادة أم لا، فإن الصلاة في الحمام و نحوه- من الأماكن المنهي عنها في الأخبار و الوضوء في المسجد و بالماء المشمس و نحوها- ليس لها عبادة أخرى مضادة لها.

418

و التحقيق في الجواب ان المراد بمكروه العبادة ما كان أقل ثوابا منها نفسها لو لم تكن كذلك بل كانت متصفة بأصل الإباحة، و يدل على ذلك ما تقدم من حديث

«من توضأ و تمندل كتبت له حسنة و من توضأ و لم يتمندل كتبت له ثلاثون حسنة».

و توضيح ذلك ان يقال: ان العبادة قد تكون بحيث لا يتعلق بها أمر و لا نهي غير الأمر الذي تعلق بأصل فعلها، و بهذا المعنى تتصف بالإباحة كالصلاة في البيت البعيد عن المسجد أو حال المطر، و قد يتعلق بها أمر زائد على الأول باعتبار اتصافها أو اشتمالها على أمر راجح به كالصلاة في المسجد مثلا إلا مع عذر مسقط، و ربما انتهى إلى حد الوجوب كما إذا نذر إيقاعها فيه، و قد يتعلق بها نهي بالاعتبار المذكور مع المرجوحية كالصلاة في الحمام، و ربما انتهى إلى حد التحريم كصلاة الحائض و الصلاة في الدار المغصوبة على أشهر القولين، و حينئذ فمكروه العبادة هو ما كان أقل ثوابا بالاعتبار المذكور آنفا منها نفسها لو لم تكن كذلك بل كانت متصفة بصفة الإباحة المذكورة، فالصلاة في الحمام مكروهة بمعنى أنها أقل ثوابا منها في البيت مثلا لا في المسجد، فلا يرد حينئذ ما أورد سابقا من ان الكراهة بمعنى اقلية الثواب توجب كون الصلاة في جميع المساجد مكروهة لكونها أقل ثوابا من الصلاة في المسجد الحرام، فان المعتبر- كما عرفت- في المفضل عليه بالأقلية هو المتصف بأصل الإباحة، و هكذا بالنسبة إلى ما لم يوجد فيه أمر زائد على الأول. و اللّٰه العالم.

تم الجزء الثاني من كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة و يتلوه الجزء الثالث في الغسل. و الحمد للّٰه رب العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و عترته الطيبين الطاهرين، و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين.

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة


الجزء الثاني


تأليف

الشيخ يوسف بن احمد البحراني


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org