1

2

[تتمة كتاب الطهارة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الباب الثالث في الغسل

و منه الواجب و المندوب، فالكلام فيه يقع في مطلبين:

المطلب الأول في الواجب

و فيه فصول:

الفصل الأول في غسل الجنابة

، و لما كان له سبب و غاية و كيفية واجبة و آداب و أحكام متفرعة عليه، فالبحث فيه يقع في مقاصد خمسة:

المقصد الأول في السبب

و هو الجنابة الحاصلة بأحد أمرين: الجماع و الانزال، فلا بد من الكلام عليهما حينئذ في مقامين:

(المقام الأول)- في الجماع

و فيه مسائل

[المسألة] (الأولى)- وجوب الغسل على الرجل و المرأة- بالجماع في القبل

حتى تغيب الحشفة و ان لم ينزل- مما انعقد عليه الإجماع نصا و فتوى:

3

فمن الأخبار الواردة بذلك

صحيحة محمد بن إسماعيل (1) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل؟

فقال: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم».

و صحيحة داود بن سرحان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا أولجه فقد وجب الغسل.».

و صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «إذا أدخله فقد وجب الغسل.».

الى غير ذلك من الاخبار.

ثم ان جمعا من الأصحاب (نور الله مراقدهم) صرحوا بان التقاء الختانين المرتب عليه وجوب الغسل في الاخبار عبارة عن تحاذيهما، قالوا: لأن الملاقاة حقيقة غير متصورة فإن مدخل الذكر أسفل الفرج و هو مخرج الولد و الحيض و موضع الختان أعلاه و بينهما ثقبة البول، و حينئذ فالمراد من الالتقاء في الاخبار التقابل كما يقال: «تلاقى الفارسان و التقيا» إذا تقابلا، لكن في

صحيحة علي بن يقطين (4) «إذا وقع الختان على الختان فقد وجب الغسل».

و هو ظاهر الدلالة على ان المراد الملاصقة، و أظهر منها

صحيحة الحلبي (5) «إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل».

و لعل توسط ثقبة البول بين الموضعين المذكورين لا يكون مانعا من المماسة و الملاصقة لانضغاطها بدخول الذكر فتحمل الاخبار كملا على ظاهرها.

ثم لا يخفى عليك ان جملة من الاخبار قد تضمنت تعليق وجوب الغسل بالجماع على التقاء الختانين، و صحيحة ابن بزيع المتقدمة قد تضمنت تفسير التقاء الختانين بغيبوبة الحشفة من قبيل حمل السبب على المسبب، و المراد انه يحصل بغيبوبة الحشفة،

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 54 من أبواب المهور.

(3) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب الجنابة.

(5) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب الجنابة.

4

و حينئذ فما ورد من الاخبار بلفظ الإدخال و الإيلاج مطلقا يجب تقييده بمقدار الحشفة لتنتظم الاخبار.

نعم

روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر عن كتاب النوادر لمحمد بن علي ابن محبوب في الصحيح عن محمد بن عذافر (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) متى يجب على الرجل و المرأة الغسل؟ فقال: يجب عليهما الغسل حين يدخله، و إذا التقى الختانان فيغسلان فرجهما».

و ظاهره ان التقاء الختانين لا يوجب الغسل بل انما يوجب غسل كل منهما فرجه. و احتمل فيه بعض مشايخنا (عطر الله تعالى مراقدهم) عطف قوله:

«و إذا التقى» على قوله: «حين يدخله» اي يجب عليهما الغسل إذا التقى الختانان، و قوله: «فيغسلان» حكم آخر. و ظني بعده، و لكن بمقتضى ما قدمنا نقله عن الأصحاب- من ان التقاء الختانين انما هو عبارة عن تحاذيهما و ان موضع دخول الذكر أسفل من ذلك- يمكن حينئذ حمل التقاء الختانين في هذا الخبر على حقيقته بان يضع ذكره على موضع الختان و لا يدخله فيما هو أسفل منه بقرينة انه جعله مقابلا لدخول الفرج.

(المسألة الثانية) [حكم الوطء في دبر المرأة و الغلام]

- اختلف الأصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) في حكم الوطء في دبر المرأة و كذا دبر الغلام:

(اما الأول)- فالمشهور وجوب الغسل بغيبوبة الحشفة فيه على الفاعل و المفعول بل نقل جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم) عن المرتضى (رضي الله عنه) انه قال:

«لا اعلم خلافا بين المسلمين في ان الوطء في الموضع المكروه من ذكر أو أنثى يجري مجرى الوطء في القبل مع الإيقاب و غيبوبة الحشفة في وجوب الغسل على الفاعل و المفعول به و ان لم يكن انزل، و لا وجدت في الكتب المصنفة لأصحابنا الإمامية إلا ذلك، و لا سمعت ممن عاصرني منهم من شيوخهم نحوا من ستين سنة يفتي إلا بذلك، فهذا إجماع من الكل، و اتصل لي في هذه الأيام عن بعض الشيعة الإمامية ان الوطء في الدبر

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الجنابة.

5

لا يوجب الغسل تعويلا على ان الأصل عدم الوجوب أو على خبر يذكر انه في منتخبات سعد أو غيره، و هذا مما لا يلتفت اليه» انتهى. و نقل عن الشيخ في الاستبصار و النهاية و سلار عدم الوجوب، و هو ظاهر الصدوق (رحمه الله) في الفقيه حيث روى فيه (1) ما يدل على عدم الوجوب و هو صحيحة الحلبي الآتية (2) و لم ينقل شيئا من اخبار الغسل، و هو ظاهر ثقة الإسلام في الكافي أيضا حيث روى فيه (3) مرفوعة البرقي الآتية (4) و لم يورد ما ينافيها.

و استدل على القول الأول بوجوه: (أحدها) قوله سبحانه: «. أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا(5) وجه الاستدلال انه جعل الملامسة سببا للتيمم مع فقد الماء، و التيمم اما عن الوضوء أو عن الغسل، لا سبيل إلى الأول إذ الإجماع منا منعقد على عدم إيجاب فرد من افراد الملامسة الوضوء فتعين الثاني، خرج منه الملامسة في غير القبل و الدبر بالإجماع و بالنقل عن أهل الذكر (عليهم السلام)

كما رواه أبو مريم الأنصاري في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (6) حيث سأله فقال: «ما تقول في الرجل يتوضأ ثم يدعو جاريته فتأخذ بيده حتى ينتهي الى المسجد فان من عندنا يزعمون أنها الملامسة؟ فقال: لا و الله ما بذلك بأس و ربما فعلته، و ما يعنى بهذا:

«أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ» إلا المواقعة في الفرج».

و الفرج شامل للقبل و الدبر لغة و شرعا (اما الأول) فلتصريح أهل اللغة بذلك. و (اما الثاني) فلقوله سبحانه: «وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ» (7) مراد به الذكر من الرجل.

____________

(1) ج 1 ص 47.

(2) ص 8.

(3) ج 1 ص 15.

(4) ص 9.

(5) سورة النساء الآية 43. و سورة المائدة. الآية 6.

(6) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء.

(7) سورة المؤمنون الآية 6 و سورة المعارج الآية 29.

6

و أنت خبير بان مرجع هذا الاستدلال الى صدق الفرج على الدبر في هذا المقام و فيه انه و ان صح إطلاقه عليه الا ان المتبادر منه فيما نحن فيه بقرينة المقام هو القبل خاصة لأنه المتعارف المتكرر و المندوب اليه و غيره منهي عنه فينصرف الإطلاق لذلك اليه، و يؤيده ما صرح به الفيومي في كتاب المصباح المنير، حيث قال: «و الفرج من الإنسان القبل و الدبر، و أكثر استعماله في العرف في القبل» انتهى. و يؤيد ذلك ايضا التعبير في جملة من الاخبار بالتقاء الختانين المختص بالقبل، و سيجيء ما فيه مزيد تحقيق لذلك ان شاء الله تعالى، و كيف كان فلا أقل من حصول الاحتمال بما ذكرنا احتمالا مساويا لما ذكروه ان منع الرجحان، و هو كاف في بطلان الاستدلال.

و (ثانيها)-

صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال:

«سألته متى يجب الغسل على الرجل و المرأة؟ فقال: إذا أدخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم».

و الإدخال صادق فيهما.

و فيه ما تقدم في الوجه الأول، و زيادة ما عرفت آنفا من تقييد هذه الرواية و أمثالها بالتقاء الختانين المفسر بغيبوبة الحشفة في صحيح ابن بزيع المؤذن بالاختصاص بالقبل.

و (ثالثها)-

صحيحة زرارة (2) الواردة في قضية المهاجرين و الأنصار و اختلافهم في من يخالط اهله و لا ينزل، حيث قالت الأنصار: الماء من الماء. و قالت المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) فيها: «أ توجبون عليه الحد و الرجم و لا توجبون عليه صاعا من ماء؟ إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل».

الدال بالاستفهام الإنكاري على ان إثبات الحد و الرجم مع عدم إيجاب الصاع من الماء الذي هو كناية عن الغسل كالجمع بين النقيضين، إذ هما معلولا علة واحدة و إثبات أحدهما مع نفي الآخر يؤدي الى إثبات العلة و رفعها في وقت واحد و هو محال، أو على ان إيجاب الصاع من الماء اولى بالإثبات من إيجاب الحد لكون الحد مبنيا

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب الجنابة.

7

على التخفيف بخلاف إيجاب الصاع، و حينئذ يقال: كلما ثبت الحد و الرجم ثبت الغسل أو كان اولى بالثبوت، و المقدم ثابت بالإجماع و الروايات فيثبت التالي، كذا قرره بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين.

و يرد عليه ان هذا الاستدلال و ان وجهه بما قال الا انه لا يخرج بذلك عن القياس و لا يبرز عن ظلمة الالتباس و ان كان على الثاني يكون من قبيل قياس الأولوية، فإنا لا نسلم ان العلة في وجوب كل من الغسل و الحد هو الإيلاج، بل العلة هي أمر الشارع بذلك عند وقوع الإيلاج، و لئن أطلق على ذلك علة فهو كما في سائر علل الشرع لما صرحوا به انها من قبيل الأسباب و المعرفات، لا انها علل حقيقية يدور المعلول معها وجودا و عدما كالعلل العقلية حتى يلزم المحال بإثبات العلة و رفعها في وقت واحد، و حينئذ فحمل الغسل على الحد و الرجم لاشتراكهما في جامع الإيلاج قبلا قياس محض، إذ ليس القياس إلا عبارة عن تعدية الحكم من جزئي إلى آخر لاشتراكهما في جامع، و هو هنا كذلك فإنه قد عدي الحكم و هو الوجوب من الحد و الرجم الى الغسل لاشتراكهما في العلة الجامعة و هو النكاح في القبل، فاثبت وجوب الغسل في كل موضع ثبت فيه الحد و الرجم، و الاخبار الدالة على بطلان القياس في الشريعة أظهر من ان يتعرض لنقلها في المقام. و اما قياس الأولوية فهو و ان سلم ثبوته هنا و ذهب بعض الأصحاب إلى القول به الا ان جملة من الأخبار تدفعه كما تقدم ذلك في المقدمة الثالثة من مقدمات الكتاب (1) و حينئذ فالأظهر في معنى الخبر المذكور ان يقال: ان كلامه (عليه السلام) انما هو على طريق الإلزام لأولئك المخالفين حيث انهم قائلون بالقياس، أو انه (عليه السلام) أنكر عليهم ذلك مع مخالفته لاعتقادهم، بمعنى انه كيف تقولون بهذا القول مع انه مخالف لمعتقدكم؟ ثم بين (عليه السلام) الحكم بقوله:

«إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل».

قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقل الخبر المذكور: «قد جادلهم (عليه

____________

(1) ج 1 ص 60.

8

السلام) بالتي هي أحسن، لأنهم كانوا أصحاب قياس و كان مثل هذا التمثيل و المقايسة أوقع في نفوسهم و أقرب لقبولهم، و حاشاه (عليه السلام) ان يقيس في الدين أو يكون طريق (عليه السلام) معرفته بالأحكام القياس» انتهى.

و (رابعها)-

رواية حفص بن سوقة عمن أخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) حيث «سأله عن الرجل يأتي المرأة من خلفها. قال: هو أحد المأتيين فيه الغسل».

و هو صريح الدلالة الا انه- مع ضعف السند- معارض بما يأتي.

و (خامسها)- الإجماع المنقول في كلام السيد (رضي الله عنه). و فيه ان الإجماع المذكور و ان كثر نقله في كلامهم و تداولوه على رؤوس أقلامهم الا انه لم تثبت حجيته عندنا، كما تقدم القول فيه مفصلا في المقدمة الثالثة (2).

و استدل على القول الثاني أيضا بوجوه: (أحدها)-

صحيحة الحلبي (3) قال:

«سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيب المرأة فيما دون الفرج أ عليها غسل ان هو انزل و لم تنزل هي؟ قال: ليس عليها غسل، و ان لم ينزل هو فليس عليه غسل».

و أجيب بأن الفرج هنا لا خصوصية له بالقبل بل هو شامل للدبر ايضا. لصدق الفرج عليه كما تقدم.

و فيه (أولا)- ان المتبادر من الفرج- كما قدمنا ذكره- هو القبل و عليه بناء الاستدلال، فان الظاهر المتبادر من لفظ الإصابة هنا هو الكناية عن الوطء و النكاح، كما غبر به و بأمثاله في غير موضع من الاخبار الإمامية و الآيات القرآنية، و ذلك لا يكون في غير الفرجين.

و (ثانيا)- ان الصدوق في الفقيه (4) روى الخبر المذكور بقوله: «فيما دون

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 12 من أبواب الجنابة.

(2) ج 1 ص 35.

(3) المروية في الوسائل في الباب 11 من أبواب الجنابة.

(4) ج 1 ص 47.

9

ذلك» عوض قوله: «فيما دون الفرج» و من الظاهر- سيما بانضمام افراد اسم الإشارة دون تثنيته- ظهوره في القبل، إذ هو المعهود و المتكرر فيختص بالإشارة، و بالجملة فتطرق احتمال الدبر على بعد- كما يدعيه الخصم- و ان سلم الا انه لا يقاوم الظاهر المتبادر من اللفظ و ما يتناقل في عباراتهم و يدور في محاوراتهم- من انه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال- فكلام شعري و خطاب جدلي، إذ لو تم لانسد باب الاستدلال، إذ لا لفظ الا و هو قابل للاحتمال و لا دليل الا و للمنازع فيه بذلك مجال و به ينسد باب إثبات الإمامة و النبوة و التوحيد، كما لا يخفى على الماهر الوحيد و من القى السمع و هو شهيد.

و (ثانيها)-

ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن البرقي رفعه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا اتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزل فلا غسل عليهما، و ان انزل فعليه الغسل و لا غسل عليها».

و أجيب بضعف الرواية بالإرسال، مع المعارضة برواية حفص المتقدمة، و باحتمال الحمل على عدم غيبوبة الحشفة.

و (ثالثها و رابعها)-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن محبوب عن بعض الكوفيين رفعه الى ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل يأتي المرأة في دبرها و هي صائمة؟ قال: لا ينقض صومها و ليس عليها غسل».

و ما رواه أيضا في الصحيح عن علي بن الحكم عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا اتى الرجل المرأة في دبرها و هي صائمة لم ينقض صومها و ليس عليها غسل».

و أنت خبير بان هذه الروايات الثلاث و ان ضعف سندها بهذا الاصطلاح المحدث الا انها لما كانت صريحة الدلالة على المطلوب- معتضدة بظاهر صحيحة الحلبي المتقدمة مع انها لا معارض لها في صراحتها بل مطلقا على ما حققناه آنفا إلا مرسلة حفص و هي لذلك تضعف عن المعارضة- كان أظهر القولين هو الثاني. الا ان الحكم بعد لا يخلو

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب الجنابة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب الجنابة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب الجنابة.

10

من شوب الاشكال، لما ذكره السيد (قدس سره) من شيوع الفتوى في عصره بما ذكره و عدم المخالف سابقا في ذلك، فهو مما يثمر الظن الغالب بكون أصحاب الطبقة المتصلة بأصحاب العصمة (سلام الله عليهم) كانوا على ذلك القول. لكن فيه ما ذكرنا من اقتصار ثقة الإسلام و الصدوق (قدس سرهما) في كتابيهما الكافي و الفقيه على الاخبار الدالة على عدم الغسل مع ما علم من حالهما في ديباجتي كتابيهما سيما الصدوق. و كيف كان فالاحتياط- بان يغتسل ثم يحدث ثم يتوضأ- سبيل النجاة، عجل الله تعالى الفرج لمن بزبل عنا أمثال هذه الرتج.

ثم العجب من شيخ الطائفة (نور الله مرقده) حيث عمل في هذا المقام على هذه الروايات و استند إليها في الحكم المذكور، و طعن في رواية حفص المعارضة لها ثم حملها على التقية (1) و في كتاب الصوم من التهذيب طعن في مرسلة علي بن الحكم بأنه خبر غير معمول عليه و هو مقطوع الاسناد و لا يعول عليه.

هذا. و صريح كلام السيد المتقدم هو وجوب الغسل بالوطء في الدبر على كل من الفاعل و المفعول، و هو ظاهر كل من قال بالوجوب، الا ان المفهوم من كلام العلامة في المنتهى انه تردد في الوجوب على المرأة، حيث قال: «و هل يجب على المرأة الموطوأة في الدبر الغسل مع عدم الانزال؟ فيه تردد» و نقل عن ظاهر كلام ابن إدريس الوجوب، و استدل له

بقوله (عليه السلام) (2): «أ توجبون عليه الحد و الرجم.

الى آخر

____________

(1) في بدائع الصنائع ج 1 ص 36 و البحر الرائق ج 1 ص 58، توارى الحشفة في القبل و الدبر يوجب الغسل و ان لم ينزل على الفاعل و المفعول به» و كذا في الأم للشافعي ج 1 ص 32 و المهذب للشيرازي ج 1 ص 28 و المغني لابن قدامة ج 1 ص 199. و في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 95 «عند المالكية يجب الغسل بإدخال الحشفة في القبل أو الدبر مع الحائل أم لا».

(2) في صحيحة زرارة المتقدمة في الصحيفة 6.

11

كلامه» و يظهر ايضا من المحدث الكاشاني في المفاتيح و الوافي حيث قال في الثاني:

«و أكثر أصحابنا على وجوب الغسل عليهما في ذلك، و لم تجد على وجوبه حديثا لا

قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أ توجبون عليه الحد.

إلخ ان أفاد ذلك» انتهى.

أقول: يمكن الاستدلال على ذلك بظاهر قوله (عليه السلام) في رواية حفص التي هي أصرح أدلة الوجوب: «هو أحد المأتيين» فإنه يظهر منه وجوب الغسل على كل منهما في هذا المأتي كما انه في الآخر كذلك. و لا يخلو من شوب الاشكال. هذا بالنسبة إلى دبر المرأة.

و اما دبر الغلام فالأكثر ايضا على وجوب الغسل على الفاعل و المفعول استنادا إلى الإجماع المركب الذي ادعاه المرتضى (رضي الله عنه) فإنه ادعى ان كل من أوجب الغسل بالغيبوبة في دبر المرأة أوجبه في دبر الذكر و كل من نفاه هناك نفاه هنا، و لما كان الأول ثابتا بالأدلة علمنا ان الامام (عليه السلام) قائل به، فيكون قائلا بالوجوب في الثاني، هكذا ذكره جملة من الأصحاب.

و فيه (أولا)- ان صريح كلام السيد- كما قدمنا ذكره- دعوى الإجماع على الوجوب في الموضعين فلا حاجة الى دعوى الإجماع المركب هنا.

و (ثانيا)- ان هذه الدعوى ممنوعة بما عرفته سابقا.

الا ان بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين- حيث انه ممن ذهب الى القول بالوجوب في المسألة الأولى و استدل بما نقلناه آنفا و أجبنا عنه- استدل هنا على الوجوب بصحيحة زرارة المتقدمة في قضية المهاجرين و الأنصار، بناء على ما قرره ثمة من دلالتها على الوجوب في دبر المرأة بما ذكره من الكلية القائلة: كلما ثبت الحد و الرجم ثبت الغسل أو كان اولى بالثبوت، و المقدم ثابت بالإجماع و الروايات فيثبت التالي، و قد ثبت الحد في وطء الغلام فيثبت الغسل. و قد عرفت ما فيه مما كشف عن باطنه و خافية، الا ان الأحوط- كما قدمنا- هو الغسل ثم الحدث بعده ثم الوضوء.

12

و يمكن ان يستدل لوجوب الغسل بظاهر

حسنة الحضرمي المروية في الكافي (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من جامع غلاما جاء جنبا يوم القيامة لا ينقيه ماء الدنيا. الحديث».

فإنه ظاهر في ثبوت الجنابة له مطلقا، و إطلاقه شامل للجماع مع الانزال و عدمه، و اما كونه لا ينقيه ماء الدنيا يعني ان غسله في الدنيا لا ينقيه من الجنابة، فهو محمول على تغليظ الحكم في المنع و الردع عن ذلك، و بذلك يظهر قوة القول بالوجوب.

هذا. و قد صرح جملة من الأصحاب بأنه لا فرق في الموضعين بين كون المفعول حيا أو ميتا، لعموم

«حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا» (2).

و فيه نظر، فإن أقصى ما يستفاد منه حصول الإثم بهتك حرمته بذلك، و اما ترتب الغسل على ذلك فظني ان الخبر لا بفي به، إذ وجوب الغسل على الفاعل لا تعلق له بحرمة الميت.

و ربما استدل على ذلك بالظواهر المتضمنة لوجوب الغسل على من أولج في الفرج و فيه ان أمثال ذلك انما يحمل على المتكرر المعهود- كما أشرنا إليه في غير موضع- دون الأفراد النادرة الوقوع، و اما وجوب الغسل على الميت لو فعل به ذلك فالظاهر عدمه، لعدم الدليل عليه و عدم توجه التكليف اليه. و كذا لا دليل على الوجوب على الولي و لا على غيره من سائر المسلمين.

(المسألة الثالثة) [حكم الإيلاج في فرج البهيمة]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الإيلاج في فرج البهيمة، فنقل عن الشيخ في الخلاف و المبسوط العدم لعدم النص، و استحسنه المحقق و جمع من المتأخرين و متأخريهم، و الظاهر انه المشهور، و خالف فيه العلامة في المختلف، و نقل عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) في تتمة كلامه المتقدم ما يدل

____________

(1) ج 2 ص 70.

(2) ورد هذا المضمون في حديث العلاء بن سيابة المروي في الوسائل في الباب 51 من أبواب الدفن، و أورد بعض الاخبار المشتملة عليه في الباب 25 من ديات الأعضاء.

13

على دعوى الإجماع عليه ايضا، و استدل عليه في المختلف بإنكار علي (عليه السلام) على الأنصار في صحيحة زرارة المتقدمة. و فيه ما عرفت سابقا، مع ان المنقول عن العلامة التعزير بوطء البهيمة دون الحد. و قال في الذكرى: «اما فرج البهيمة فلا نص فيه، و الحمل على ختان المرأة قوى، و لفحوى قضية الأنصار» انتهى. و ضعفه ظاهر.

(المسألة الرابعة) [حكم إيلاج الخنثى و الإيلاج فيه]

- لو أولج الرجل في دبر الخنثى وجب الغسل عليهما بناء على ما تقدم من الوجوب في الدبر. و لو أولج في قبله أو أولج الخنثى في فرج امرأة لم يجب الغسل، لاحتمال الزيادة في أحد هذين الفرجين و ان يكون رجلا على الأول و أنثى على الثاني، فلا يتعلق به حكم. و قال في التذكرة بالنسبة إلى الأول بعد ان نقل عن بعض علمائنا عدم الوجوب لما ذكرنا: «و لو قيل بالوجوب كان وجها،

لقوله (عليه السلام):

«إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» (1).

، و لوجوب الحد به» انتهى. و قال بالنسبة الى الثاني بعد ان افتى بالعدم لما قدمنا: «و يحتمل الوجوب للعموم» و ضعف ما ذكر من دليل الوجوب في الموضعين ظاهر. و لو أولج الرجل في قبل الخنثى و الخنثى في قبل المرأة كان الخنثى جنبا و الرجل و المرأة كواجدي المني في الثوب المشترك، و يأتي على ما ذكره العلامة من الاحتمال الحكم بجنابة الجميع. هذا كله بالنسبة إلى الخنثى المشكل و إلا فالواضح يتبع في حكمه ما يلحق به.

(المسألة الخامسة) [حكم مقطوع الحشفة]

- قد صرح الأصحاب (نور الله تعالى مراقدهم) بان مقطوع الحشفة يجب الغسل عليه بغيبوبة قدرها من الذكر، و استدل عليه في المنتهى و تبعه جمع منهم بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في المسألة الأولى الدالة على وجوب الغسل بمجرد الإدخال. و أنت خبير بان هذه الرواية و أمثالها مما دل على وجوب الغسل بمجرد الإدخال ان عمل بها على ظاهرها في ما اتفقوا عليه و وردت به جملة من الاخبار من التخصيص بإدخال الحشفة، فلا بد حينئذ من تقييدها بذلك كما قدمنا ذكره، و به تنتفي دلالة الرواية

____________

(1) في صحيحة محمد بن إسماعيل المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب الجنابة.

14

المذكورة و أمثالها على المدعى، فيقى الحكم عاريا عن الدليل و الأصل البراءة، الا ان الاحتياط يقتضي الوقوف على ما عليه الأصحاب (رضوان الله عليهم) سيما مع عدم المخالف ظاهرا.

(المقام الثاني)- في الانزال

و فيه أيضا مسائل

(الأولى) [وجوب الغسل بالإنزال في الرجل و حكم إنزال المرأة]

- لا ريب انه كما يجب على الرجل و المرأة الغسل بالجماع على الوجه المتقدم كذا يجب عليهما بإنزال الماء الأكبر يقظة و نوما على المعروف من مذهب الأصحاب بل لم ينقل فيه خلاف، الا انه يظهر من كلام الصدوق (قدس سره) في المقنع الخلاف في المرأة إذا أنزلت بالاحتلام حيث قال: «و ان احتلمت المرأة فأنزلت فليس عليها غسل، و روى ان عليها الغسل إذا أنزلت» و هو في الرجل مجمع عليه رواية، و اما في المرأة فعلى أشهرها:

فمن الأخبار الدالة عليه في الرجل

حسنة الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المفخذ عليه غسل؟ قال: نعم إذا أنزل».

و حسنة الحسين بن ابي العلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «كان علي (عليه السلام) يقول: انما الغسل من الماء الأكبر».

و رواية عنبسة بن مصعب عنه (عليه السلام) (3) قال: «كان علي (عليه السلام) لا يرى في شيء الغسل إلا في الماء الأكبر».

و الحصر في هذه الاخبار و أمثالها إضافي بالنسبة الى ما يخرج من الذكر من المذي و نحوه، فلا ينافي ما دل على الوجوب بمجرد التقاء الختانين كما تفصح عنه

رواية عنبسة عنه (عليه السلام) (4) قال: «كان علي (عليه السلام) لا يرى في المذي وضوء و لا غسلا ما أصاب الثوب منه الا في الماء الأكبر».

الى غير ذلك من الاخبار.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

15

و اما المرأة فمما يدل على وجوب الغسل عليها بذلك أيضا

صحيحة محمد بن إسماعيل عن الرضا (عليه السلام) (1) «في الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج و تنزل المرأة هل عليها غسل؟ قال: نعم».

و صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل. قال: ان أنزلت فعليها الغسل و ان لم تنزل فليس عليها الغسل».

و رواية معاوية بن حكيم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا أمنت المرأة و الأمة من شهوة- جامعها الرجل أو لم يجامعها، في نوم كان ذلك أو في يقظة- فإن عليها الغسل».

و حسنة أديم بن الحر (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل عليها غسل؟ قال: نعم و لا تحدثوهن فيتخذنه علة».

أقول: و لعل المراد باتخاذ ذلك علة يعني للزناء أو الخروج الى الحمامات.

الى غير ذلك من الاخبار كصحيحة عبد الله بن سنان (5) و صحيحة إسماعيل ابن سعد الأشعري (6) و صحيحة محمد بن إسماعيل الأخرى (7) و اخبار أخر أيضا.

و بإزاء هذه الاخبار ما يدل على عدم الوجوب

كصحيحة عمر بن يزيد (8) قال:

«اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة و لبست ثيابي و تطيبت، فمرت بي وصيفة ففخذت لها فأمذيت انا و أمنت هي فدخلني من ذلك ضيق، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك. فقال: ليس عليك وضوء و لا عليها غسل».

و رواية عبيد بن زرارة (9) قال: «قلت له: هل على المرأة غسل من جنابتها إذا لم يأتها الرجل؟ قال: لا، و أيكم يرضى ان يرى أو يصبر على ذلك ان يرى

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

(5) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

(6) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

(7) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

(8) المروية في الوسائل في الباب 12 من نواقض الوضوء و 7 من أبواب الجنابة.

(9) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

16

ابنته أو أخته أو امه أو زوجته أو أحدا من قرابته قائمة تغتسل فيقول مالك؟ فتقول احتلمت و ليس لها بعل. ثم قال: لا ليس عليهن ذلك، و قد وضع الله ذلك عليكم، قال:

«وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» (1) و لم يقل ذلك لهن».

و صحيحة محمد بن مسلم (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): كيف جعل على المرأة إذا رأت في النوم ان الرجل يجامعها في فرجها الغسل و لم يجعل عليها الغسل إذا جامعها دون الفرج في اليقظة فأمنت؟ قال: لأنها لما رأت في منامها ان الرجل يجامعها في فرجها فوجب عليها الغسل، و الآخر انما جامعها دون الفرج فلم يجب عليها الغسل لانه لم يدخله، و لو كان ادخله في اليقظة وجب عليها الغسل أمنت أو لم تمن».

و مثلها صحيحة عمر بن يزيد الأخرى (3) و صحيحة ابن أذينة (4).

و قد تأول الشيخ (رضوان الله عليه) و من تأخر عنه هذه الاخبار بتأويلات في غاية البعد، و صحتها و صراحتها في عدم الوجوب مما لا سبيل إلى إنكاره، فالأولى ردها الى العالم من آل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين) و العمل على تلك الأخبار الأولة، لاعتضادها بعمل الطائفة المحقة قديما و حديثا، و موافقتها للاحتياط في الدين الذين هما من جملة المرجحات المنصوصة.

و يقرب عندي خروج هذه الاخبار مخرج التقية (5) (أما أولا)- فلجواز وجود القائل به في تلك الأعصار و ان لم ينقل عن أحد الأربعة المشهورة الآن بينهم، فإن شهرة هذه الأربعة و حصر مذهبهم فيها انما تجدد في الأعصار المتأخرة بقرب

____________

(1) سورة المائدة الآية 9.

(2) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

(5) في نيل الأوطار للشوكانى ج 2 ص 195 بعد ان ذكر

حديث خولة بنت حكيم «سألت رسول الله (ص) عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل. قال ليس عليها غسل حتى تنزل».

قال: «يدل الحديث على وجوب الغسل على الرجل و المرأة إذا وقع الانزال، و هو إجماع إلا ما يحكى عن النخعي».

17

سنة الستمائة. و الا فمذاهبهم في أعصار الأئمة (عليهم السلام) لا تكاد تحصى كثرة و انتشارا، كما نبه عليه جملة من علمائنا و علمائهم، و أوضحناه في مواضع من رسائلنا.

و (اما ثانيا)- فلان المستفاد من الاخبار و ان كان خلاف ما اشتهر بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) الا ان فتواهم (عليهم السلام) بالتقية أحيانا لا يختص بوجود القائل بذلك من العامة، بل كثيرا ما يقصدون (عليهم السلام) الى مجرد إيقاع الاختلاف في الحكم تقية كما مر بك تحقيقه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب و اما ما يفهم من كلام المقنع- من العمل بما ورد من هذه الروايات في الاحتلام دون ما ورد في اليقظة- فلا اعرف له وجها وجيها.

و لقد أشكل الأمر في هذه الاخبار على أصحاب هذا الاصطلاح المتأخر من تقسيم هذه الاخبار الى الأقسام الأربعة، لصحتها و صراحتها فلم يستطيعوا ردها بضعف الاسناد كما هو المقرر بينهم و المعتاد. حتى قال صاحب المنتقى الذي هو من جملة من شيد أركان هذا الاصطلاح بل زاد بزعمه في الإصلاح بعد نقله هذه الاخبار: «و العجب من اضطراب هذه الاخبار مع ما لأسانيدها من الاعتبار».

فرع [خروج مني الرجل من المرأة]

ينبغي ان يعلم انه لو كان الخارج من المرأة انما هو من مني الرجل يقينا أو مشكوكا في مصاحبته منيها، فإنه لا يوجب الغسل يقينا على الأول و في الثاني على الظاهر تمسكا بالأصل سيما بعد الغسل، كما تدل عليه

صحيحة سليمان بن خالد (1) المتضمّنة للسؤال عن المرأة يخرج منها شيء من بعد الغسل فقال: «لا تعيد».

و علله بان ما يخرج من المرأة إنما هو من ماء الرجل، و مثلها صحيحة منصور (2) و يدل على الأول أيضا

رواية عبد الرحمن البصري (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تغتسل

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 13 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 13 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 13 من أبواب الجنابة.

18

من الجنابة ثم ترى نطفة الرجل بعد ذلك هل عليها غسل؟ فقال: لا».

اما لو حصل الاشتباه في غير مورد الصحيحة المتقدمة فالظاهر الرجوع الى الأوصاف المعتبرة عند الاشتباه كما سيأتي ان شاء الله تعالى، إذ هذه الأوصاف إنما توجد عند خروج منيها لا مطلق المني كما هو الظاهر.

(المسألة الثانية) [الإنزال من غير الموضع المعتاد]

- لو انزل من غير الموضع المعتاد فهل يكون موجبا للغسل مطلقا مع تيقن كونه منيا. أو يلحق بالحدث الأصغر الخارج من غير الموضع المعتاد على القول به هناك فيشترط في حدثيته الاعتياد أو انسداد الخلقي؟ قولان، و بالأول صرح العلامة في التذكرة و المنتهى، و بالثاني الشهيد في الذكرى.

و يدل على الأول إطلاق جملة من الاخبار الدالة على وجوب الغسل بخروج المني كقولهم (عليهم السلام) في جملة منها (1):

«انما الغسل من الماء الأكبر».

و قولهم في بعض منها (2):

«إذا جاءت الشهوة و أنزلت الماء وجب عليها الغسل».

و لعل مستند القول الثاني ما تقدم في الحدث الأصغر.

و تردد بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين في المسألة، نظرا إلى أصالة البراءة من الوجوب، و وجوب استصحاب حكم الطهارة حتى يعلم المزيل، و الى إطلاق الاخبار.

و أنت خبير بان الظاهر ان إطلاق الاخبار موجب للخروج عن الأصالة المذكورة و الاستصحاب المذكور، الا ان يمنع الاعتماد على الإطلاق في الدلالة و الظاهر انه لا قائل به. نعم لو كان الشك في العمل بالإطلاق من حيث احتمال تقييده بالحمل على ما هو المعهود المتعارف من الخروج من الموضع الخلقي فيحمل إطلاق الاخبار عليه لكان وجها، الا انه يحتمل ان ذكر الخروج من الفرجين في بعض الاخبار باعتبار كونه المتعارف المعتاد لا يدل

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب 9 من أبواب الجنابة.

(2) المروي في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

19

على الانحصار بوجه فلا يصلح لتقييد ما أطلق منها، و الى هذا يميل كلام المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) في مسألة خروج الحدث الأصغر من غير الموضع المعتاد، و المسألة لا تخلو من تردد.

و من هنا يعلم الحكم في الخنثى لو خرج من أحد مخرجيها لا مع الاعتباد من أحدهما كما هو أحد القولين بل الظاهر انه أشهرهما، و القول الآخر اعتباره منهما الا مع الاعتياد من أحدهما، و اليه ذهب ثاني المحققين و ثاني الشهيدين.

(المسألة الثالثة) [عدم الرجوع إلى الصفات عند اليقين بكون الخارج منيا]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)- كما نقله جملة منهم- في وجوب الغسل مع تيقن كون الخارج منيا و ان لم يكن على الصفات الآتية، و ان الرجوع إليها كلا أو بعضا انما هو مع الاشتباه، و يدل عليه الاخبار الكثيرة المتضمنة لترتب الغسل على مطلق الانزال و خروج الماء (1) و حينئذ فما ورد في بعض الاخبار- من تقييد وجوب الغسل بالقيود الثلاثة من الشهوة و الدفع و فتور الجسد و انه مع عدم ذلك فلا بأس،

كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يلعب مع المرأة و يقبلها فيخرج منه المني فما عليه؟ قال: إذا جاءت الشهوة و دفع و فتر فعليه الغسل، و ان كان انما هو شيء لم يجد له فترة و لا شهوة فلا بأس».

أو الشهوة فقط

كصحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري (3) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يلمس فرج جاريته حتى تنزل الماء من غير ان يباشر، يعبث بها بيده حتى تنزل. قال: إذا أنزلت من شهوة فعليها الغسل».

و مثلها

رواية محمد بن الفضيل (4) قال: «إذا جاءت الشهوة و أنزلت الماء وجب عليها الغسل».

- فمحمول على حال الاشتباه. قال الشيخ (قدس سره) في التهذيب بعد نقل

صحيحة علي بن جعفر المذكورة: «ان قوله (عليه السلام)-: «و ان كان انما هو شيء لم يجد له

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.

20

فترة و لا شهوة فلا يأس».

- معناه إذا لم يكن الخارج الماء الأكبر، لأن من المستبعد من العادة و الطبائع ان يخرج المني من الإنسان و لا يجد له شهوة و لا لذة. و انما أراد انه إذا اشتبه على الإنسان فاعتقد انه مني و ان لم يكن في الحقيقة منيا يعتبره بوجود الشهوة من نفسه، فإذا وجد وجب عليه الغسل و إذا لم يجد علم ان الخارج منه ليس بمني» انتهى.

و هو جيد مطابق لما يحكم به الوجدان و يحققه العيان، على انه لو أريد به ظاهره لوجب حمله على التقية لموافقته لأشهر مذاهب العامة، فإنه منقول عن أبي حنيفة و مالك و احمد (1) مع ان فيه ايضا انه دلالة بمفهوم الشرط، و هو انما يكون حجة إذا لم يظهر للشرط فائدة سوى التعليق و التقييد، و من المحتمل خروج ذلك مخرج الغالب ان لم يدع اللزوم الكلي مع عدم العارض من مرض و نحوه، و به تنتفي حجية المفهوم في نفسه فضلا ان يصلح لتقييد ظواهر الأخبار المستفيضة.

[الصفات التي يرجع إليها عند اشتباه الخارج]

ثم انه مع اشتباه الخارج فقد ذكر جمع من الأصحاب انه يعتبر في الصحيح باللذة و الدفق و فتور البدن، و في المريض باللذة و الفتور و لا يعتبر الدفق لأن قوة المريض ربما عجزت عن دفعه، و زاد الشهيد في الذكرى و الدروس علامة أخرى للاشتباه ايضا و هو قرب رائحته من رائحة الطلع و العجين إذا كان رطبا و بياض البيض جافا.

و احتجوا على اعتبار الأوصاف الثلاثة في الصحيح بأنها صفات لازمة في الأغلب فمع الاشتباه يرجع إليها. و بصحيحة علي بن جعفر المتقدمة، و في المريض بما تقدم من العجز، و

بصحيحة عبد الله بن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«قلت له: الرجل يرى في المنام و يجد الشهوة فيستيقظ و ينظر فلا يجد شيئا ثم يمكث بعد

____________

(1) في المغني ج 1 ص 199 «الموجب للغسل خروج المنى و هو الماء الغليظ الدافق الذي يخرج عند اشتداد الشهوة، فإن حرج شبيه المنى لمرض أو برد لا عن شهوة فلا غسل فيه و هو قول احمد و مالك و ابى حنيفة، و قال الشافعي يجب به الغسل لقوله (ص): «الماء من الماء» و لأنه مني خارج فأوجب الغسل كما لو خرج حال الإغماء».

(2) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الجنابة.

21

فيخرج؟ قال: ان كان مريضا فليغتسل و ان لم يكن مريضا فلا شيء عليه، قال: فقلت:

فما فرق بينهما؟ فقال: لان الرجل إذا كان صحيحا جاء الماء بدفقة و قوة و إذا كان مريضا لم يجيء إلا بعد».

أقول: و من الاخبار الواردة أيضا في المريض

صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل احتلم فلما انتبه وجد بللا قليلا فقال: ليس بشيء الا ان يكون مريضا فإنه يضعف فعليه الغسل».

و صحيحة زرارة (2) قال: «إذا كنت مريضا فأصابتك شهوة فإنه ربما كان هو الدافق لكنه يجيء ضعيفا ليست له قوة لمكان مرضك ساعة بعد ساعة قليلا قليلا فاغتسل منه».

و رواية محمد بن مسلم (3) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل رأى في منامه فوجد اللذة و الشهوة ثم قام فلم ير في ثوبه شيئا؟ فقال: ان كان مريضا فعليه الغسل و ان كان صحيحا فلا شيء عليه».

إلا ان هذه الرواية لا تخلو من اشكال لتضمنها وجوب الغسل على المريض بمجرد وجود اللذة و الشهوة مع عدم رؤية شيء بعد انتباهه. و لم يذهب اليه ذاهب من الأصحاب و لم يرد به خبر آخر في الباب، بل ربما دلت الاخبار على خلافه، و منها-

حسنة الحسين ابن ابي العلاء (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرى في المنام حتى يجد الشهوة فهو يرى انه قد احتلم فإذا استيقظ لم ير في توبة الماء و لا في جسده.

قال: ليس عليه الغسل».

و حينئذ فالواجب حمل تلك الرواية على وجود شيء و إلا فطرحها رأسا.

ثم لا يخفى ان غاية ما يستفاد من هذه الاخبار هو البناء على الظن بواسطة أحد

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب الجنابة.

22

هذه الأشياء في المريض بل الصحيح ايضا حال الشك، و من المقطوع به نصا و فتوى انه لا يعارض يقين الطهارة، لكن الظاهر من الأصحاب (رضوان الله عليهم) الاتفاق على العمل بما دلت عليه هذه الأخبار و عدم الراد لها، و لعله على الاستثناء من قاعدة عدم نقض اليقين بالشك و تخصيصها بهذه الأخبار، إذ المراد بالشك هنا ما يشمل الظن كما تقدم تحقيقه في المقدمة الحادية عشرة.

(المسألة الرابعة) [حكم من وجد بعد الانتباه منيا]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ان من نام و لم ير في منامه انه احتلم ثم وجد بعد الانتباه في ثوبه أو على بدنه منيا فإنه يجب عليه الغسل للعلم بتحقق الجنابة بذلك، و كثير من الأصحاب عبروا في هذا المقام بان واجد المني على جسده أو ثوبه المختص به يغتسل، و من الظاهر بعده عن مورد الأخبار المتعلقة بهذه المسألة:

و منها-

موثقة سماعة (1) قال: «سألته عن الرجل يرى في ثوبه المني بعد ما يصبح و لم يكن رأى في منامه انه قد احتلم. قال: فليغتسل و ليغسل ثوبه و يعيد صلاته».

و موثقته الأخرى (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينام و لم ير في نومه انه احتلم فيجد في ثوبه أو على فخذه الماء هل عليه غسل؟ قال: نعم».

و اما

ما رواه أبو بصير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيب في ثوبه منيا و لم يعلم انه احتلم. قال ليغسل ما وجد بثوبه و ليتوضأ».

فحمله الشيخ (رحمه الله) على ما إذا شاركه في الثوب غيره جمعا بين الاخبار. و لعل الأقرب في وجه الجمع حمل موثقتي سماعة على من وجد المني بعد النوم بغير فصل مدة بحيث يحصل له العلم أو الظن الغالب باستناد المني اليه لا الى غيره كما يظهر من سياقهما، و رواية أبي بصير على وجدانه في الثوب في الجملة من غير تعقبه للنوم على الوجه المتقدم.

و كيف كان فالظاهر ان مفاد الموثقتين المذكورتين لا يخرج عن مجرد الظن

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 10 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 10 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 10 من أبواب الجنابة.

23

بخروج المني منه، إذ دعوى حصول اليقين بمجرد وجوده كذلك بعيدة، و حينئذ فلا بد من تخصيص قاعدة عدم نقض اليقين بالشك بذلك أيضا الا ان يقيد بذلك و المفهوم من كلام المحدث الكاشاني في الوافي اعتبار حصول اليقين بحصول حدث الجنابة بتلك العلامة، نظرا الى ان يقين الطهارة لا يرتفع الا بيقين الحدث.

و بالجملة فالجمع بين الأخبار المذكورة لا ينحصر فيما ذكروه، حتى انهم بسبب ذلك جعلوها مسألة برأسها في البين و فرعوا عليها فروعا لا اثر لها في النصوص و لا عين إذ من الممكن حمل الموثقين المذكورتين على ما ذكرنا من انه وجد المني بعد الانتباه على وجه يحصل له العلم باستناده اليه كما يظهر من سياقهما، و حمل رواية أبي بصير على وجدانه في الثوب في الجملة، فإنه يستصحب البقاء على يقين الطهارة لعدم حصول العلم في الصورة المذكورة باستناده اليه، و غاية ما يمكن دعواه الظن و ان كان غالبا و هو لا يعارض اليقين السابق، و الى هذا يميل كلام المحدث الكاشاني في الجمع بين الاخبار المذكورة و لا ريب انه أقرب مما ذكروه، إذ لا قرينة في خبر تؤنس بالمشاركة في ذلك الثوب بل المتبادر من إضافته إلى الضمير الاختصاص بصاحبه، و الأصحاب (رضي الله عنهم)- بناء على ما صوروه من هذه المسألة التي طرحوها و جعلوها مقرا للبحث- عبروا بان واجد المني على جسده أو ثوبه المختص به يغتسل، و من الظاهر بعده عن ظاهر الموثقتين المذكورتين. إذ الظاهر منهما- كما عرفت- هو رؤية المني على وجه يوجب اليقين باستناده اليه لا مجرد وجوده، فإنه لا يوجب ذلك، و من الممكن احتماله لدفع سورة الاستبعاد انه يجوز ان يكون احتلم في الثوب و اغتسل و لم يعلم بالمني ثم رآه بعد يومين أو ثلاثة مثلا، فمجرد وجوده لا يوجب الحكم عليه بالجنابة مع ان يقين الطهارة لا يخرج عنه الا بيقين النجاسة، و هذا بحمد الله ظاهر لا سترة عليه و لا يأتيه الباطل من خلفه و لا من بين يديه.

فوائد:

(الأولى) [حكم كل من واجدي المني في الثوب المشترك في نفسه]

- لو كان الثوب الذي رأى فيه المني مشتركا بينه و بين

24

غيره- اما بان يكونا معا مجتمعين فيه دفعة كالكساء الذي يفترش أو يلتحف به، أو كان بينهما على سبيل النوبة- فأكثر الأصحاب على انه لا يجب الغسل عملا باستصحاب يقين الطهارة و عدم الخروج عنها الا بيقين النجاسة. و في حكمه المختص أيضا إذا احتمل كون المني الموجود عليه من غيره كما حملنا عليه رواية أبي بصير، و ظاهر جمع: منهم- ثاني المحققين و ثاني الشهيدين تخصيص الاشتراك الموجب لسقوط الغسل بما كان على سبيل المعية، اما المتناوب بينهما فأوجبوا الغسل فيه على صاحب النوبة و ان احتمل جواز التقدم كما صرح به في الروض و اليه يميل كلام الدروس ايضا، و لهذا فسر شيخنا الشهيد الثاني (نور الله مرقده) في الروض الثوب المختص الذي يوجب رؤية الجنابة فيه الغسل بما اختص بلبسه أو النوم عليه حين الوجدان و ان كان يلبسه أو ينام عليه هو و غيره تناوبا. و فيه ان المسألة لما كانت خالية من النص فالواجب فيها الوقوف على مقتضى القواعد المقررة التي من جملتها عدم جواز نقض اليقين بالشك كما هو المتفق عليه نصا و فتوى، فالحكم بالوجوب على صاحب النوبة مطلقا و ان احتمل جواز التقدم مدفوع بعدم جواز الخروج عن يقين الطهارة إلا بالعلم يكون المني من واجده، نعم لو علم ذو النوبة انه منه بوجه من الوجوه وجب الغسل عليه الا انه لا من حيث كونه صاحب النوبة، و كذا لو علم السبق سقط عنه قطعا و لم يجب على الأول الا مع التحقق ايضا و بالجملة فالمعتبر في الخروج عن يقين الطهارة اليقين بكون المني من واجده و الا لم يجب عليه شيء.

(الثانية) [مقدار ما يعيده واجد المني المحكوم بالغسل من الصلوات]

- الأشهر الأظهر انه لا يحكم على هذا الواجد المحكوم عليه بوجوب الغسل بإعادة شيء من الصلوات الا ما جزم بتأخره عن الجنابة، و هي المتعقبة لآخر نومة وجد عقيبها المني المذكور، عملا بأصالة عدم التقدم، و استصحابا للطهارة المتيقنة الى ان يتيقن الحدث، و حينئذ يحكم عليه بكونه محدثا و يجب عليه قضاء ما يتوقف على الطهارة من ذلك الوقت الى ان تحصل منه طهارة رافعة. خلافا للشيخ (رحمه الله) في المبسوط

25

حيث حكم- كما نقل عنه- بوجوب قضاء كل صلاة صلاها بعد آخر غسل رافع، و لعله أخذ بالاحتياط كما حمله عليه جملة من الأصحاب. الا ان فيه (أولا)- ان الاحتياط هنا ليس بدليل للوجوب. و (ثانيا)- انه لا احتياط في إعادة ما وقع من الصلوات بعد آخر الأغسال الرافعة و قبل النوم. و (ثالثا)- ان مقتضى الاحتياط ان يعيد ما صلاه قبل آخر الأغسال أيضا متى احتمل ان يكون خروج المني سابقا عليه، و حينئذ فمتى أريد سلوك جادة الاحتياط فالطريق إليها ان يعيد كل صلاة لا يعلم سبقها على المنى و لم يفصل بينها و بينه على تقدير سبقه غسل رافع هذا بالنسبة إلى الحدث.

و اما بالنسبة إلى الخبث فتبني الإعادة منه على ما سيأتي ان شاء الله في محله من الخلاف في وجوب إعادة المصلي في النجاسة جاهلا، فعلى القول بالوجوب يمكن ان يستند وجوب الإعادة هنا على تقديره الى كل من الحدث و الخبث، و الى الحدث خاصة كما لو حصل إزالة النجاسة و لو اتفاقا، و الى الخبث خاصة كما لو اتفق الغسل الرافع في البين. و نقل عن الشيخ في المبسوط هنا انه يستحب ان يعيد كل صلاة صلاها من أول نومة نامها في ذلك الثوب. و يجب ان يعيد ما صلاه من آخر نومة نامها فيه. ثم قوى عدم وجوب إعادة شيء من الصلوات الا ما لم يخرج وقتها. و الظاهر ان تقويته عدم اعادة ما خرج وقته بناء على عدم وجوب الإعادة على جاهل النجاسة بعد خروج الوقت كما هو المنقول عنه في المبسوط في المسألة المشار إليها، و بذلك يظهر ما في كلام السيد السند في المدارك في هذا الموضع من الغفلة ان ثبت ما نقل عن المبسوط في الموضعين المتقدمين فان الكتاب لا يحضرني الآن لاحقق ذلك منه، حيث قال السيد (قدس سره) في الكتاب المذكور حاكيا خلاف الشيخ في المبسوط ما لفظه: «و ذهب الشيخ في المبسوط أولا إلى إعادة كل صلاة لا يعلم سبقها على الحدث ثم قوى ما اخترناه و قوته ظاهرة» انتهى.

و أشار بما اختاره الى ما ذكره أولا من انه انما يحكم على واجد المني بالجنابة من آخر أوقات إمكانها.

26

(الثالثة) [حكم واجدي المني في الثوب المشترك من حيث انعقاد الجمعة بهما و إئتمام أحدهما بالآخر]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم المشتركين في الثوب الموجود عليه المني مع عدم تيقن اختصاصه بأحدهما بعد الاتفاق على سقوط أحكام الجنب عن كل منهما في حد ذاته من وجوب الغسل و تحريم قراءة العزائم و نحوهما من الأحكام الآتية، فيجوز لهما معا دخول المسجد دفعة و قراءة العزائم كذلك، و انما تظهر فائدة الخلاف هنا في انعقاد الجمعة بهما و ائتمام أحدهما بصاحبه، فقيل بالقطع بوجود جنب فلا يصح انعقاد الجمعة بهما لأن أحدهما جنب البتة، و لا تصح صلاة المأموم منهما لانه نفسه أو امامه جنب، و اليه ذهب المحقق في المعتبر و الشهيد في الدروس و ثاني المحققين و ثاني الشهيدين، و رجحه بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين و قيل بسقوط هذه الجنابة عن الجميع في نظر الشارع، و مال إليه العلامة في جملة من كتبه، و اختاره السيد السند في المدارك و غيرهما.

حجة الأول القطع بجنابة أحدهما البتة، و سقوط بعض أحكام الجنب انما كان لتعذر العلم بالجنب المستلزم للمحذور و هو منتف في موضع النزاع.

و أجيب بأنه ان أريد القطع بخروج المني من أحدهما فمسلم لكن خروج المني من واحد لا بعينه لا يوجب حكما، و ان أريد القطع بكون أحدهما لا بعينه جنبا لا تصح منه الأفعال التي لا تصح من الجنب و يتعلق به أحكامه فظاهر الفساد، لان عدم صحة أفعال واحد منهما لا بعينه و تعلق أحكام الجنب به مع ان كل واحد بعينه أفعاله صحيحة فلا يتعلق به حكم الجنب مما لا معنى له، و بالجملة القدر المسلم في اشتراط انعقاد الجمعة ان تكون صلاة كل من العدد صحيحة في الواقع و ههنا كذلك، و اما ما وراء ذلك فلا، و كذا يلزم في صحة صلاة المأموم عدم علمه بفساد صلاة الامام و قد تحقق هنا، و من يدعي زيادة على ذلك فعليه البيان.

حجة القول الآخر- زيادة على ما علم من الجواب المذكور- التمسك بيقين الطهارة و لم يعارضه الا الشك في الحدث و كل منهما متيقن الطهارة شاك في الحدث.

27

أقول: و المسألة لخلوها من نصوص أهل الخصوص لا تخلو من الاشكال و ان كان القول الثاني أوفق بالقواعد الشرعية و ادخل في تلك الضوابط المرعية.

(أما أولا)- فلما ذكر من التمسك بأصالة يقين الطهارة التي هي أقوى متمسك و (اما ثانيا)- فلان المفهوم من النصوص ان الشارع لم يجعل الواقع مناطا لشيء من الأحكام و انما بناها على ما يظهر للمكلف، و يعضده ان الذي دلت عليه نصوص هذا الباب هو ان الشارع قد ناط حكم الجنابة بالنسبة إلى خروج المني، إما بالعلم بخروجه كما تضمنته النصوص المستفيضة، أو بوجوده على بدن الجنب أو ثوبه المختص به كما تقدم في موثقتي سماعة، و ما عدا ذلك فلم يدل عليه دليل، و لا يخفى على من تتبع مظان الإحكام انه كثيرا ما يغلب على الظن بالقرائن الحالية أحد الأحكام الشرعية من نجاسة و حرمة و نحوهما، و الشارع بمجرد معارضة احتمال ينافي ذلك و ان بعد لا يلتفت الى ما غلب على الظن و ترجح عنده كما في موثقة عمار الواردة في الفأرة المتفسخة (1) و نحوها.

و (اما ثالثا)- فلان القول بثبوت الجنابة على واحد لا بعينه- مع اتفاقهم على صحة أفعال كل واحد منهما و سقوط أحكام الجنب عنه و ان مظهر الخلاف انما هو في الصورتين المذكورتين- لا يخلو من تدافع.

الا ان الحكم بعد لا يخلو عندي من شوب الاشكال، نظرا الى ان المفهوم من النصوص في غير موضع من الأحكام- كما تقدم بسط الكلام عليه في مسألة الإناءين- ان الشارع قد اعطى المشتبه بالنجس حكم النجس و المشتبه بالحرام حكم الحرام في الافراد المحصورة، و لم يلتفت الى أصالة الحلية و الطهارة في تلك المواضع، كما في مسألة الإناءين و اللحم المختلط ذكية بميتة، و الصلاة في كل من الثوبين المتيقن نجاسة أحدهما لا بعينه، و وجوب تطهير الثوب الذي أصاب بعض أجزائه النجاسة مع اشتباه موضع الإصابة بباقي

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 4 من أبواب الماء المطلق.

28

الثوب، الى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع، فان النصوص في جميع هذه المواضع قد أعطت المتيقن الطهارة و الحلية حكم المشتبه به، و ربما ظهر من ذلك تخصيص اخبار التمسك بيقين الطهارة و الحلية بغير مورد هذه الاخبار و هو الأشياء المعلومة بشخصها و يكون ذلك هو وجه الجمع بين اخبار الطرفين. و كيف كان فالوقوف على ساحل الاحتياط- بالغسل لكل منهما و اجتناب ما يجتنبه الجنب قبله- سبيل السلامة و النجاة، عجل الله تعالى الفرج و الظهور لمن به تحل مشكلات الأمور.

و جملة من أصحابنا بناء على اتفاقهم على سقوط وجوب الغسل في المسألة صرحوا باستحبابه، و الظاهر ان منشأه الاحتياط لعدم دليل له على الخصوص.

(المسألة الخامسة) [حكم البلل الخارج بعد الغسل]

- لو خرج منه بلل بعد الغسل فلا يخلو اما ان يعلم انه مني أو بول أو يعلم انه غيرهما أو لا يعلم شيئا من ذلك، و لا خلاف و لا إشكال انه في الصورة الاولى يكون موجبا للغسل و في الثانية للوضوء و في الثالثة لا يوجب شيئا، و اما الصورة الرابعة فلا يخلو اما أن يكون قد بال قبل الغسل و اجتهد أو لم يأت بشيء منهما أو اتى بأحدهما أما البول أو الاجتهاد، ثم انه مع الإتيان بالاجتهاد خاصة فاما ان يكون مع إمكان البول أو مع عدم إمكانه، فههنا صور خمس:

(الاولى)- ان يغتسل ثم يجد بللا مشتبها

و قد بال و اجتهد، و الظاهر انه لا خلاف في عدم وجوب شيء عليه من غسل أو وضوء، و مما يدل على ذلك عمومات الأخبار الدالة على عدم نقض اليقين بالشك (1) و خصوصا، اما بالنسبة إلى سقوط الغسل فالأخبار لدالة على انه بالبول قبل الغسل يسقط عنه الغسل،

كقول الصادق (عليه السلام) في حسنة الحلبي (2): «ان كان بال قبل ان يغتسل فلا يعيد الغسل».

و قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد (3) و هو ابن مسلم: «. الا ان يكون بال قبل أن يغتسل فإنه

____________

(1) تقدم بعضها في الجزء الأول ص 142.

(2) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

29

لا يعيد غسله».

و مثلهما أخبار كثيرة طوينا نشرها للاتفاق على الحكم المذكور فتوى و رواية، و اما بالنسبة إلى سقوط الوضوء فللأخبار الدالة على انه بالاجتهاد لا ينتقض بما يخرج كذلك،

كقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة حفص بن البختري (1):

«ينتره ثلاثا ثم ان سال حتى يبلغ الساق فلا يبالي».

و غيرها من الاخبار التي تقدمت في مسألة الاستبراء من البول.

و اما

ما رواه ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ثلاث يخرجن من الإحليل و هن المني فمنه الغسل، و الودي فمنه الوضوء لانه يخرج من دريرة البول.».

فمحمول على ما قبل الاستبراء جمعا

لصحيحة زيد الشحام و زرارة و محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ان سال من ذكرك شيء من مذي أو ودي فلا تغسله و لا تقطع له الصلاة و لا تنقض له الوضوء، انما ذلك بمنزلة النخامة. الحديث».

و اما

صحيح محمد بن عيسى (4) قال: «كتب اليه رجل هل يجب الوضوء مما خرج من الذكر بعد الاستبراء؟ قال: نعم».

فحمله في التهذيبين على الاستحباب، و زاد في الاستبصار حمله على التقية لموافقته لمذهب أكثر العامة (5).

أقول: و هو الأقرب، و يحتمل ايضا حمل ذلك على ما إذا كان الخارج بولا، لتطرق الوهم الى ان ما خرج بعد الاستبراء لا ينقض و ان كان بولا، و لعله (عليه السلام) علم ذلك، فإنهم (صلوات الله عليهم) كثيرا ما يجيبون على علمهم من حال السائل و ان لم يفصح عنه السؤال.

(الثانية)- خروج البلل مع عدم البول و الاستبراء

، و المشهور بين الأصحاب- بل ادعى ابن إدريس عليه الإجماع- وجوب الغسل، و ظاهر الفقيه و المقنع الاكتفاء بالوضوء في هذه الصورة.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء.

(4) المروية في الوسائل في الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء.

(5) راجع التعليقة (5) ج 2 ص 61.

30

و يدل على المشهور روايات: منها-

موثقة سماعة (1) قال: «سألته عن الرجل يجنب ثم يغتسل قبل ان يبول فيجد بللا بعد ما يغتسل. قال يعيد الغسل.».

و صحيحة سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل أجنب فاغتسل قبل ان يبول فخرج منه شيء. قال: يعيد الغسل».

و في الصحيح عن منصور بن حازم (3) مثله.

و صحيحة محمد بن مسلم (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج من إحليله بعد ما يغتسل شيء. قال: يغتسل و يعيد الصلاة الا ان يكون بال قبل ان يغتسل فإنه لا يعيد غسله. قال محمد: و قال أبو جعفر (عليه السلام): من اغتسل و هو جنب قبل ان يبول ثم وجد بللا فقد انتقض غسله، و ان كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا فليس ينتقض غسله و لكن عليه الوضوء، لان البول لم يدع شيئا».

و قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن ميسرة (5): «. و ان لم يبل حتى اغتسل ثم وجد البلل فليعد الغسل».

و يدل عليه ايضا مفهوم الشرط في جملة من الاخبار: منها-

حسنة الحلبي المتقدمة لقوله: «ان كان بال قبل ان يغتسل فلا يعيد الغسل».

(لا يقال): ان هذه الاخبار انما تدل على خروج البلل مع عدم البول بعد الغسل و لا تعرض فيها للاستبراء كما هو المدعى.

(لأنا نقول): تعليق الحكم فيها على عدم البول- الذي هو أعم من ان يكون مع عدم الاستبراء كما هو موضوع هذه الصورة، أو معه مع إمكان البول أو عدمه كما هو موضوع الصورة الآتية- كاف في الاستدلال، و حينئذ فالاستدلال بها من حيث الإطلاق.

الا انه قد ورد بإزاء هذه الاخبار ما يدل على عدم الوجوب في الصورة المذكورة

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 13 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

(5) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

31

و منه-

رواية جميل (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل تصيبه الجنابة فينسى أن يبول حتى يغتسل ثم يرى بعد الغسل شيئا أ يغتسل ايضا؟ قال: لا قد تعصرت و نزل من الحبائل».

و رواية أحمد بن هلال (2) قال: «سألته عن رجل اغتسل قبل ان يبول.

فكتب: ان الغسل بعد البول الا ان يكون ناسيا فلا يعيد منه الغسل».

و رواية عبد الله بن هلال (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجامع اهله ثم يغتسل قبل أن يبول ثم يخرج منه شيء بعد الغسل. فقال: لا شيء عليه ان ذلك مما وضعه الله عنه».

و رواية زيد الشحام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن رجل أجنب ثم اغتسل قبل ان يبول ثم رأى شيئا. قال لا يعيد الغسل، ليس ذلك الذي رأى شيئا».

و مما يعارضها أيضا الأخبار الدالة على عدم نقض اليقين بالشك و الشيخ جمع في بعضها بالحمل على ترك البول ناسيا و في بعض بالحمل على من اجتهد قبل الغسل و لم يتأت له البول، و أورد على الحمل الأول دليلا مضمرة أحمد بن هلال المذكورة و لم يورد للحمل الآخر مستندا.

و لا يخفى ما فيه من البعد، اما الحمل على النسيان فلان النسيان و ان وقع في رواية جميل الا انه (أولا)- في كلام الراوي فلا يصلح للتقييد، مع ضعف سند الرواية باشتماله على علي بن السندي و هو مهمل في كتب الرجال، بل ظاهر التعليل في الرواية بقوله:

«تعصرت و نزل من الحبائل» الدلالة على عدم الفرق بين حالتي النسيان و العمد.

و (ثانيا)- ان الخارج مع عدم البول متى حكم بكونه منيا فكيف يعذر الناسي فيه، إذ الأسباب لا يفرق فيها بين الناسي و العامد. و اما الحمل على من اجتهد و لم يتمكن من

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

32

البول ففيه- مع عدم الدليل عليه في الاخبار- ان عدم القدرة على البول لا يخرج الخارج عن كونه منيا ليسقط وجوب الغسل، فان مقتضى العلة المستنبطة من جملة من الاخبار بل المنصوصة في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة

عن الباقر (عليه السلام) حيث قال في آخرها: «لان البول لم يدع شيئا».

ان مع عدم البول و ان تعذر لا يقطع بزوال المني و نظافة المخرج منه.

و اما الجمع بين الاخبار- بالحمل على الاستحباب كما صار إليه جملة من متأخري المتأخرين- ففيه (أولا)- انه و ان اشتهر بينهم البناء على هذه القاعدة في الجمع بين الاخبار بحمل ما يدل على الوجوب على الاستحباب و ما يدل على التحريم على الكراهة الا انه لم يرد بها اثر من الآثار، و القواعد المقررة عن أهل العصمة (صلوات الله عليهم) في اختلاف الأخبار خالية عنها.

و (ثانيا)- انه لا ريب ان الحمل على ذلك مجاز لا يصار اليه الا مع القرينة، و وجود المعارض ليس قرينة، لجواز خروجه مخرج التقية (1) أو احتماله لمعنى آخر.

و بالجملة فالتحقيق ان الاخبار المذكورة صريحة المنافاة في الحكم المذكور، و طريق الجمع بينها و بين ما تقدمها بعيد، فالواجب النظر في الطرق المرجحة للحمل على أحد الطرفين و رمى الطرف الآخر من البين، و لا ريب انها مع اخبار الإعادة لصحتها سندا و كثرتها و صراحتها دلالة و تعددها منطوقا و مفهوما، و اعتضادها بعمل الطائفة قديما و حديثا، و موافقتها للاحتياط في الدين، و ضعف ما يعارضها، فاما رواية جميل فيما

____________

(1) في المغني ج 1 ص 301 «إذا احتلم أو جامع فأمنى ثم اغتسل ثم خرج منه منى فالمشهور عن احمد لا غسل عليه بال أو لم يبل، و في رواية ثانية عنه ان خرج بعد البول فلا غسل عليه و ان خرج قبله اغتسل و به قال أبو حنيفة، و في رواية ثالثة عليه الغسل بكل حال و هو مذهب الشافعي».

33

عرفت من اشتمال سندها على علي بن السندي، و اما رواية أحمد بن هلال فبضعف الراوي المذكور حتى ورد فيه انه كان غاليا متهما في دينه، و ورد فيه ذموم عن سيدنا ابي محمد العسكري (عليه السلام) مضافا الى إضماره، مع انه لا دلالة فيه على موضع البحث بوجه، لعدم اشتماله على خروج شيء بعد الغسل، و اما رواية عبد الله بن هلال فبعدم ذكره في كتب الرجال بمدح أو قدح، و اما رواية الشحام فباشتمالها على ابي جميلة المفضل بن صالح، و قد رمي بالكذب و وضع الحديث كما ذكره العلامة في الخلاصة. هذا.

و الأقرب عندي خروج الاخبار المشار إليها مخرج التقية، إذ هي السبب التام في اختلاف اخبارهم (عليهم السلام) و ان لم يعرف بذلك قائل من العامة كما تقدم تحقيقه في المقدمة الاولى. و اما المعارضة بأخبار عدم نقض اليقين بالشك فلا ورود لها، إذ هو عام مخصوص كما تقدم تخصيصه غير مرة.

و بذلك يظهر لك ما في كلام شيخنا المحقق صاحب كتاب رياض المسائل و حياض الدلائل في الكتاب المذكور من التوقف في الحكم لتعارض الاخبار في المسألة و جبر ضعف الأخبار الأخيرة بالاعتضاد بالأصل و باخبار عدم نقض اليقين بالشك. و فيه- زيادة على ما عرفت- ان الترجيح بالأصل لا يعرف له أصل و الا لذكر في جملة المرجحات المنصوصة عن أهل الذكر (سلام الله عليهم).

و اما ما ذهب اليه الصدوق (قدس سره)- من الاكتفاء هنا بالوضوء، حيث قال في الفقيه (1)- بعد نقل صحيحة الحلبي الآتية المتقدم عجزها في أدلة وجوب الإعادة- ما لفظه:

«و روي في حديث آخر «ان كان قد رأى بللا و لم يكن بال فليتوضأ و لا يغتسل انما ذلك من الحبائل».

قال مصنف هذا الكتاب رحمة الله عليه: اعادة الغسل أصل و الخبر الثاني رخصة» و نحوه في المقنع، و اليه يميل ظاهر المحدث الكاشاني (طاب ثراه) في الوافي، حيث قال بعد نقل كلام الفقيه: «أقول و به يجمع بين الاخبار المتقدمة و الآتية»-

____________

(1) ج 1 ص 47 و في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

34

ففيه ان الخبر المذكور مع صحته و ثبوته لا يعارض الأخبار المتقدمة لما ذكرنا آنفا و ان كان فتواه به لا يخلو من تأييد له، الا ان الخبر المذكور لا يخلو من اشكال، لأن الحكم فيه بالوضوء مع قوله في آخره:

«انما ذلك من الحبائل».

لا يخلو من تدافع، إذ ما يخرج من الحبائل لا يوجب وضوء، و لم أر من تنبه لذلك من أصحابنا (رضوان الله عليهم) و لو حمل الوضوء في الخبر المذكور على مجرد الغسل لذلك البلل لما ذكرنا لكان وجها، و به يخرج عن صلاحية الاستدلال.

و بالجملة فقوة القول المشهور مما لا ينبغي ان يرتاب فيها بوجه، لكن شيخنا الشهيد في الذكرى نقل عجز صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في صدر هذه الصورة هكذا:

«قال محمد قال أبو جعفر (عليه السلام): من اغتسل و هو جنب قبل ان يبول ثم وجد بللا فليس ينقض غسله و لكن عليه الوضوء».

و نزل رواية الفقيه التي استند إليها في الرخصة على هذه حيث قال: «و رواه الصدوق بعد رواية إعادة الغسل مع ترك البول» انتهى.

و أنت خبير بان ما نقله لم نقف عليه في شيء من كتب الاخبار بل و لا كتب الاستدلال، بل الموجود في التهذيب و الاستبصار و كذا في المنتهى هو ما قدمناه، و الذي يخطر بالبال هو وقوع السهو في النقل أو الغلط في المنقول عنه بترك ما بين «بللا» الأول إلى «بللا» الثاني. و الله أعلم.

(الثالثة)- خروج البلل بعد البول بدون الاجتهاد

، و المعروف من مذهب أكثر الأصحاب وجوب الوضوء خاصة، و يدل عليه مفهوم الأخبار الدالة على انه

«بعد الاستبراء ان سال حتى يبلغ الساق فلا يبالي» كما في صحيحة حفص،.

و

«ان خرج بعد ذلك شيء فليس من البول و لكنه من الحبائل» كما في حسنة محمد بن مسلم،.

و قد تقدمتا في مسألة الاستبراء من البول (1) و خصوص منطوق صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في صدر الصورة الثانية.

و موثقة سماعة (2) قال: «سألته عن الرجل يجنب ثم يغتسل قبل

____________

(1) ج 2 ص 54.

(2) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

35

ان يبول فيجد بللا بعد ما يغتسل. قال: يعيد الغسل، و ان كان بال قبل ان يغتسل فلا يعيد غسله و لكن يتوضأ و يستنجي».

و رواية ابن ميسرة (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في رجل رأى بعد الغسل شيئا قال: ان كان بال بعد جماعه قبل الغسل فليتوضأ و ان لم يبل حتى اغتسل ثم وجد البلل فليعد الغسل».

و إطلاق هذه الروايات و ان شمل وجوب الوضوء مع الاستبراء بعد البول حيث رتب الوضوء فيها على البول خاصة أعم من ان يكون معه استبراء أم لا. الا ان تصريح صحيحة حفص و حسنة محمد بن مسلم المشار إليهما آنفا- بنفي كون الخارج بعد الاستبراء من البول بولا و ان بلغ الساق، مضافا الى عدم القائل بالوضوء مع الاجتهاد- يوجب تقييد إطلاق الاخبار المذكورة، و بالجملة فالصورة المفروضة ترجع الى ما قدمنا في مسألة الاستبراء من البول، إذ هي فرد من إفرادها و عدد من أعدادها، و الظاهر انه لا مدخل لخصوصية الجنابة في المقام، و لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الوضوء في الحال المذكورة استنادا الى المفهوم المتقدم ذكره. و اما ما عارضه من صحيحتي ابن ابي يعفور و حريز فقد تقدم الجواب عنه ثمة (2).

الا انه ربما ظهر من كلام الشيخين (قدس سرهما) في المقنعة و التهذيب و الاستبصار عدم وجوب الوضوء في الصورة المذكورة، قال في المقنعة: «و إذا وجد المغتسل من الجنابة بللا على رأس إحليله أو أحس بخروج شيء منه بعد اغتساله، فإنه ان كان قد استبرأ بما ذكرناه قبل هذا من البول أو الاجتهاد فليس عليه وضوء و لا اعادة غسل، لان ذلك ربما كان وذيا أو مذيا و ليس ينتقض من هذين، و ان لم يكن استبرأ بما ذكرناه أعاد الغسل» و أشار بقوله: «بما ذكرناه» الى ما قدمه قبيل هذا الكلام حيث قال: «و إذا عزم الجنب على التطهير بالغسل فليستبرئ بالبول ليخرج ما بقي من المني في مجاريه، فان لم يتيسر له ذلك فليجتهد في الاستبراء: بمسح تحت الأنثيين

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

(2) ج 2 ص 59.

36

الى أصل القضيب الى آخره» و المفهوم من هذا الكلام انه بعد خروج البلل المشتبه بعد الغسل ان كان قد استبرأ أما بالبول مع إمكانه أو بالاجتهاد خاصة مع عدم إمكانه فلا وضوء عليه و لا غسل، و هو ظاهر في نفي الوضوء مع البول الخالي من الاجتهاد.

و اما الشيخ في التهذيب فإنه بعد ان أورد صحيحة محمد بن مسلم و رواية معاوية ابن ميسرة قال: «فما تضمن هذان الحديثان من ذكر اعادة الوضوء فإنما هو على طريقة الاستحباب، لأنه إذا صح بما قدمنا ذكره ان الغسل من الجنابة مجزئ عن الوضوء و لم يحدث هنا ما ينقض الوضوء فينبغي ان لا تجب عليه الطهارة و لا تعلق على ذمته الطهارة إلا بدليل قاطع، و ليس ههنا دليل يقطع العذر، و يحتمل ايضا ان يكون ما خرج منه بعد الغسل كان بولا فيجب عليه حينئذ الوضوء و ان لم يجب الغسل حسبما تضمنه الخبر» و نحوه قال في الاستبصار (1) و ظاهر هذا الكلام بل صريحه ان البلل المشتبه بعد البول بدون الاستبراء لا يوجب اعادة الوضوء مطلقا.

و لا يخفى ما فيه (اما أولا)- فلما قدمنا في مسألة الاستبراء من البول من دلالة مفهوم تلك الاخبار على ذلك، مع انه نقل الروايات المذكورة في باب وجوب الاستبراء من البول في أحكام الوضوء من الاستبصار ثم ذكر بعدها في المنافي رواية محمد بن عيسى الدالة على اعادة الوضوء بعد الاستبراء و حملها على الاستحباب، و كيف يتم الحمل على الاستحباب بعد الاستبراء مع عدم الوجوب قبله، مع انه أفتى في المبسوط بما يوافق الجماعة من انتقاض الوضوء بالبلل المشتبه إذا لم يستبرئ. و ما استند اليه من اجزاء غسل

____________

(1) فإنه قال بعد نقل خبر سماعة و محمد بن مسلم ما لفظه: «و ما يتضمن خبر سماعة و محمد ابن مسلم من ذكر اعادة الوضوء محمول على الاستحباب، و يجوز ان يكون المراد بما خرج بعد البول و الغسل ما ينقض الوضوء فحينئذ يجب عليه الوضوء، و لأجل ذلك قال (عليه السلام) «عليه الوضوء و الاستنجاء» في حديث سماعة. و ذلك لا يكون الا فيما ينقض الوضوء» انتهى.

منه (قدس سره).

37

الجنابة عن الوضوء مسلم بالنسبة الى ما قبل الغسل، فان كل ما يتجدد من الأحداث يندرج تحت الجنابة، اما بعد الغسل فلا. و منعه من إيجاب البلل المشتبه الوضوء ممنوع، لدلالة مفاهيم تلك الاخبار مع مناطيق هذه على ذلك معتضدا بالبلل المشتبه الخارج بعد الغسل مع عدم البول الموجب للغسل.

و (اما ثانيا)- فلبعد ما ذكره من التأويل بمعنييه، اما الحمل على الاستحباب فمردود بما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى من استفاضة الاخبار بعدم مشروعية الوضوء مع غسل الجنابة، و اما الحمل على كون الخارج بولا ففيه انه لو كان كذلك فكيف يتجه التفصيل في تلك الأخبار بأنه ان كان قبل البول فيجب اعادة الغسل به أو بعده فلا يجب اعادة الغسل بل الوضوء، إذ البول لا يوجب الغسل سواء بال قبل الغسل أو لم يبل.

و بذلك يظهر لك ما في كلام شيخنا المحقق صاحب كتاب رياض المسائل و حياض الدلائل في الكتاب المذكور، حيث جمد على كلام الشيخين بعد نقله، و اثبت الخلاف في المسألة بظاهر كلاميهما، و قوى القول بعدم الوضوء بخروج البلل المشتبه في شيء من الأحوال، و أوجب حمل ما دل على الإعادة مطلقا أو في بعض الأحوال منطوقا أو مفهوما على الاستحباب أو التقية أو على تخصيص الخارج بالناقض.

(الرابعة)- خروج البلل المذكور بعد الاجتهاد خاصة بدون البول مع إمكانه

و الظاهر من كلام الأكثر وجوب الغسل، و ربما ظهر من عبارتي الشرائع و النافع هنا العدم و هو ضعيف، و عموم الأخبار- الدالة على إيجاب الغسل مع عدم البول كما تقدم في الصورة الثانية- يدفعه.

(الخامسة)- الصورة المذكورة مع عدم إمكان البول

، و ظاهر الأكثر- و منهم الشيخان فيما تقدم من كلاميهما في الصورة الثالثة- عدم وجوب شيء هنا من غسل أو وضوء، و توقف في النهاية و المنتهى.

احتجوا على ذلك بالأخبار المتقدمة في الصورة الثانية الدالة على عدم الغسل مع

38

عدم البول بحملها على عدم إمكانه. و قد عرفت ما في هذا الحمل آنفا.

و احتج المحقق الثاني في شرح القواعد ايضا على ذلك بأصالة البراءة لعدم العلم بكون الخارج منيا، قال: «و إيجاب الإعادة فيما تقدم للدليل لا يقتضي الوجوب هنا».

و لا يخفى عليك ما فيه من الوهن، فإن أصالة البراءة يجب الخروج عنها بعموم الأخبار المتقدمة الموجبة للإعادة مع عدم البول مطلقا، و به يظهر ما في باقي كلامه.

و استند الشهيدان (قدس سرهما) في الذكرى و الروض الى

قوله (عليه السلام) في رواية جميل المتقدمة في الصورة الثانية: «قد تعصرت و نزل من الحبائل».

و فيه (أولا)- ان ذلك فرع الحمل على التعذر كما هو المدعى، و ليس في الخبر المذكور و لا في غيره من الأخبار قرينة تؤنس به فضلا عن الدلالة عليه. و (ثانيا)- ان مورد الخبر حال النسيان و المدعى أعم من ذلك فلا يقوم حجة. و (ثالثا)- ان التعليل المذكور لا يخلو من الإشكال، إذ حملهم له على ان المراد انه مع ترك البول نسيانا اجتهد و استبرأ لا يساعده لفظ الرواية و غيره غير ظاهر في البين.

و بالجملة فالأظهر و الأحوط هو القول بوجوب الإعادة عملا بعموم تلك الأخبار، و اليه مال جملة من فضلاء متأخري المتأخرين.

فرع

المعروف من مذهب الأكثر عدم وجوب إعادة الصلاة الواقعة بعد الغسل و قبل خروج ذلك البلل الموجب له أو للوضوء، لانه حدث جديد و الصلاة الواقعة قبله مستكملة لشرائط الصحة. و تخيل فساد الغسل ببقاء المني في مخرجه و احتباسه في الطريق باطل، لان موجب الجنابة خروجه من الفرج لا بروزه من مقره الأصلي و ان احتبس في المجرى.

و نقل عن بعض الأصحاب الميل الى بطلان الصلاة المذكورة، و هو باطل بما

39

ذكرنا. و ربما استدل له بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في صدر الصورة الثانية، و الظاهر حملها على من صلى بعد وجدان البلل و عدم الغسل منه، و رجح بعض حملها على الاستحباب و هو بعيد الا انه أحوط. و ربما احتج على ذلك أيضا بمرسلة أحمد بن هلال المتقدمة لدلالتها على ان الغسل قبل البول لا اعتداد به. و فيه مع ضعفها التقييد بحال العمد.

تذنيب

المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) بل كاد يكون إجماعا انه يجب الغسل على الكافر لان الكفار مكلفون بالفروع، و لم ينقلوا في المسألة خلافا عن أحد من الخاصة بل من العامة إلا عن أبي حنيفة، قالوا: لكن لا يصح منه حال كفره لاشتراط الصحة بالإسلام و لا يجبه الإسلام و ان جب الصلاة لخروجها بدليل خاص.

و ما ذكروه (نور الله مراقدهم و أعلى في الفردوس مقاعدهم) منظور فيه عندي من وجوه:

(الأول)- عدم الدليل على التكليف المذكور و هو دليل العدم كما هو مسلم بينهم، و ما استدلوا به مما سيأتي ذكره مدخول بما سنذكره.

(الثاني)- الاخبار الدالة على توقف التكليف على الإقرار و التصديق بالشهادتين، و منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي (1) في الصحيح عن زرارة قال:

«قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟

فقال: ان الله بعث محمدا (صلى الله عليه و آله) الى الناس أجمعين رسولا و حجة لله على خلقه في أرضه، فمن آمن بالله و بمحمد رسول الله و اتبعه و صدقه فان معرفة الإمام منا واجبة عليه، و من لم يؤمن بالله و برسوله و لم يتبعه و لم يصدقه و يعرف حقهما فكيف يجب عليه معرفة الامام و هو لا يؤمن بالله و رسوله و يعرف حقهما. الحديث».

و هو- كما ترى-

____________

(1) الأصول ج 1 ص 180.

40

صريح الدلالة على خلاف ما ذكروه، فإنه متى لم تجب معرفة الإمام قبل الإيمان بالله و رسوله فبطريق الأولى معرفة سائر الفروع التي هي متلقاة من الامام (عليه السلام) و الحديث صحيح السند باصطلاحهم صريح الدلالة، فلا وجه لرده و طرحه و العمل بخلافه إلا مع الغفلة عن الوقوف عليه.

و الى العمل بالخبر المذكور ذهب المحدث الكاشاني (قدس سره) حيث قال في كتاب الوافي بعد نقله ما صورته: «و في هذا الحديث دلالة على ان الكفار ليسوا مكلفين بشرائع الإسلام كما هو الحق خلافا لما اشتهر بين متأخري أصحابنا» انتهى.

و يظهر ذلك ايضا من المحدث الأمين الأسترآبادي (عطر الله مرقده) في كتاب الفوائد المدنية، حيث صرح فيه بأن حكمة الله تعالى اقتضت ان يكون تعلق التكاليف بالناس على التدريج، بان يكلفوا أولا بالإقرار بالشهادتين ثم بعد صدور الإقرار عنهم يكلفون بسائر ما جاء به النبي (صلى الله عليه و آله) قال: و من الأحاديث الدالة على ذلك صحيحة زرارة المذكورة في الكافي، ثم ساق الرواية بتمامها، و قال ايضا- بعد نقل جملة من اخبار الميثاق المأخوذ على العباد في عالم الذر بالتوحيد و الإمامة و نقل جملة من الاخبار الدالة على فطرة الناس على التوحيد و ان المعرفة من صنع الله- ما لفظه: «أقول:

هنا فوائد. الى ان قال: الثالثة- انه يستفاد منها ان ما زعمه الا شاعرة- من ان مجرد تصور الخطاب- من غير سبق معرفة الهامية بخالق العالم و بان له رضى و سخطا و انه لا بد من معلم من جهته ليعلم الناس ما يصلحهم و ما يفسدهم- كاف في تعلق التكليف بهم- ليس بصحيح» انتهى.

و منها-

ما رواه الثقة الجليل احمد بن ابي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث الزنديق الذي جاء اليه مستدلا بآي من القرآن قد اشتبهت عليه، حيث قال (عليه السلام): «فكان أول

____________

(1) ص 128 طبعة سنة 1302.

41

ما قيدهم به الإقرار بالوحدانية و الربوبية و الشهادة ان لا إله إلا الله، فلما أقروا بذلك تلاه بالإقرار لنبيه (صلى الله عليه و آله) بالنبوة و الشهادة بالرسالة، فلما انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة ثم الصوم ثم الحج. الحديث».

و منها-

ما رواه الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي (قدس سره) في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: «. وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ» (1) حيث قال (عليه السلام): «أ ترى ان الله عز و جل طلب من المشركين زكاة أموالهم و هم يشركون به حيث يقول: «وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ» و انما دعى الله العباد للايمان به. فإذا آمنوا بالله و رسوله افترض عليهم الفرائض».

قال المحدث الكاشاني في كتاب الصافي بعد نقل الحديث المذكور: «أقول:

هذا الحديث يدل على ما هو التحقيق عندي من ان الكفار غير مكلفين بالأحكام الشرعية ما داموا باقين على الكفر» انتهى.

و مما يدل على ذلك ايضا

ما روي عن الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله:

«. أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (2) حيث قال: «كيف يأمر بطاعتهم و يرخص في منازعتهم؟ انما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: أطيعوا الله و أطيعوا الرسول».

(الثالث)- لزوم تكليف ما لا يطاق، إذ تكليف الجاهل بما هو جاهل به تصورا و تصديقا عين تكليف ما لا يطاق، و هو مما منعته الأدلة العقلية و النقلية، لعين ما تقدم في المقدمة الخامسة في حكم معذورية الجاهل.

و الى ذلك يشير كلام الفاضل الخراساني (طاب ثراه) في الذخيرة في مسألة الصلاة مع النجاسة عامدا، حيث نقل عن بعضهم الإشكال في إلحاق الجاهل بالعامد و قال

____________

(1) سورة فصلت الآية 5 و 6.

(2) سورة النساء الآية 62.

42

بعده: «و الظاهر ان التكليف متعلق بمقدمات الفعل كالنظر و السعي و التعلم، و إلا لزم تكليف الغافل أو التكليف بما لا يطاق، و العقاب يترتب على ترك النظر، الى ان قال: و لا يخفى انه يلزم على هذا ان لا يكون الكفار مخاطبين بالأحكام و انما يكونون مخاطبين بمقدمات الأحكام، و هذا خلاف ما قرره الأصحاب، و تحقيق هذا المقام من المشكلات» انتهى.

أقول: لا اشكال- بحمد الله- فيما ذكره بعد ورود الأخبار بمعذورية الجاهل حسبما مر بك مشروحا في المقدمة الخامسة، و ورودها بخصوص الكافر كما نقلنا هنا، و لكنهم (قدس سره)م) يدورون مدار الشهرة في جميع الأحكام و ان خلت عن الدليل في المقام، سيما مع عدم الوقوف على ما يضادها من اخبار أهل الذكر (عليهم السلام).

(الرابع)- الأخبار الدالة على وجوب طلب العلم

كقولهم (عليهم السلام):

«طلب العلم فريضة على كل مسلم» (1).

فان موردها المسلم دون مجرد البالغ العاقل.

(الخامس)- انه كما لم يعلم منه (صلى الله عليه و آله) انه أمر أحدا ممن دخل في الإسلام بقضاء صلواته كذلك لم يعلم منه انه أمر أحدا منهم بالغسل من الجنابة بعد الإسلام مع انه قلما ينفك أحد منهم من الجنابة في تلك الأزمنة المتطاولة، و لو أمر بذلك لنقل و صار معلوما كغيره، و اما ما رواه في المنتهى عن قيس بن عاصم و أسيد ابن حصين- مما يدل على أمر النبي (صلى الله عليه و آله) بالغسل لمن أراد الدخول في الإسلام فخبر عامي (2) لا ينهض حجة.

(السادس)- اختصاص الخطاب القرآني ب الَّذِينَ آمَنُوا، و ورود

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب 4 من أبواب صفات القاضي.

(2) في سنن البيهقي ج 1 ص 171 عن قيس بن عاصم انه «اتى النبي (ص) فأسلم فأمره أن يغتسل بماء و سدر» و رواه أبو داود في سننه ج 1 ص 98 و البغوي في مصابيح السنة ج 1 ص 37 و في تيسير الوصول ج 3 ص 101 «أخرجه أصحاب السنن».

43

«يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ» في بعض و هو الأقل يحمل على المؤمنين حمل المطلق على المقيد و العام على الخاص كما هو القاعدة المسلمة بينهم.

احتج العلامة (قدس سره) في المنتهى على ان الكفار مخاطبون بفروع العبادات بوجوه:

(منها)- قوله سبحانه: «. وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ(1) و «يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ(2).

و (منها)- ان الكفر لا يصلح للمانعية حيث ان الكافر متمكن من الإتيان بالايمان أولا حتى يصير متمكنا من الفروع.

و (منها)- قوله تعالى: «لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ» (3) و قوله تعالى: «فَلٰا صَدَّقَ وَ لٰا صَلّٰى» (4) و قوله تعالى: «. وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ(5).

و الجواب عن الأول بما عرفته من الاخبار الدالة على عدم التكليف الا بعد معرفة المكلف و المبلغ، و بما ذكر في الوجه الثالث و السادس.

و عن الثاني انه مصادرة محضة.

و عن الثالث بعد تسليم جواز الاستدلال بظواهر الآيات القرآنية، أما الآية الأولى فبالحمل على المخالفين المقرين بالإسلام، إذ لا تصريح فيها بالكفار، و يدل عليه ما ورد في تفسير الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي (رضي الله عنه) من تفسيرها باتباع الأئمة (عليهم السلام) اي لم نك من اتباع الأئمة (عليهم السلام) و هو مروي عن الصادق (عليه السلام) و فسر (عليه السلام) المصلى في الآية بمعنى الذي يلي السابق في الحلبة، قال فذلك الذي عنى حيث قال: «لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ» اي لم نك من اتباع

____________

(1) سورة آل عمران الآية 97.

(2) سورة البقرة الآية 21.

(3) سورة المدثر الآية 44.

(4) سورة القيامة الآية 31.

(5) سورة فصلت الآية 5 و 6.

44

السابقين،

و عن الكاظم (عليه السلام) يعني انا لم نتول وصي محمد (صلى الله عليه و آله) و الأوصياء من بعده و لم نصل عليهم.

و في هذه الاخبار و أشباهها ما يؤيد ما حققناه في المقدمة الثالثة من عدم جواز المسارعة إلى الاستدلال بالظواهر بدون مراجعة التفسير عنهم (عليهم السلام) و اما الآية الثانية فبجواز حمل الصلاة فيها على ما دلت عليه الاخبار في الآية الأولى، فإن اللفظة من الألفاظ المجملة المتشابهة المحتاج في تعيين المراد منها الى التوقيف، فالاستدلال بها و الحال كذلك مردود بتصادم الاحتمالات فيها و الدخول تحت قوله: «فَيَتَّبِعُونَ مٰا تَشٰابَهَ مِنْهُ. الآية» على ان ما ذكرنا من المعنى هو الموجود في تفسير الثقة الجليل علي بن إبراهيم كما لا يخفى على مراجعة. و اما الآية الثالثة فيما عرفت في الوجه الأول من الخبر الوارد بتفسيرها.

و قد جرى بيني و بين بعض مشايخي المعاصرين من علماء بلادنا البحرين كلام في هذه المسألة، فأظهرت له صحيح زرارة المتقدم و الخبر الوارد في تفسير قوله سبحانه:

«. وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ.» و لم يحضر ببالي في ذلك الوقت سواهما، فلم يجب عنهما بمقنع، و هو لم يرجع عن القول المشهور متمسكا بالإجماع عليه و عدم المخالف، و على هذا كانت طريقتهم (رضي الله عنهم) من الجمود على المشهورات سيما مع زخرفتها بالإجماعات.

المقصد الثاني في الغاية

و المراد بها ما لا يستباح فعله الا بالغسل، و منها الواجب أصالة أو بعارض فيجب المغيا بها، و منها ما ليس كذلك فيكون شرطا في استباحته، و هي أمور:

(الأول)- الصلاة

و هي ان كانت واجبة فوجوب الغسل لها مما انعقد عليه الإجماع فتوى و دليلا آية و رواية.

لكن الوجوب هنا محتمل لمعنيين: (أحدهما)- ان المراد وجوب الغسل بمعنى أمر الشارع به امرا حتميا يترتب على مخالفته الإثم للصلاة، و هذا انما يتم بقوله:

45

«اغتسل للصلاة» و نحوه مما يؤدي هذا المعنى.

و (ثانيهما)- ان المراد شرطيته لها بمعنى انها لا تصح بدونه.

و غاية ما يستفاد من الأدلة آية و رواية هو الثاني، و هذا هو القدر الثابت بالضرورة من الدين.

اما الآية و هي قوله سبحانه: «. إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، الى قوله:

وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا(1) فدلالتها على المعنى الأول مبني على عطف قوله: «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً» على جزاء الشرط الذي هو جملة «فَاغْسِلُوا» و دخولها في حيز «إِذٰا قُمْتُمْ» الا انه يحتمل العطف على جملة «إِذٰا قُمْتُمْ» و حينئذ فلا دلالة فيها. و فيه (أولا)- ان العطف ب«ان» دون «إذا» يأبى ذلك. و (ثانيا)- ان قوله: «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ» و ما بعده الواقع بعد قوله: «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً» مندرج تحت الشرط البتة، فلو كان قوله: «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً» الذي هو متوسط بينهما معطوفا على قوله: «إِذٰا قُمْتُمْ» أو كان مستأنفا لم يتناسق المتعاطفان، و للزم ان لا يستفاد الارتباط بين الغسل و الصلاة من الآية، و المعلوم من الاخبار خلافه، و من هنا يستفاد من الآية الوجوب الغيري كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. الا انه قد تقدم في موثقة ابن بكير (2) تفسير القيام إلى الصلاة بالقيام من حدث النوم، مع الإجماع المنقول عن المفسرين على هذا المعنى، و حينئذ فوجوب الغسل للصلاة في غير الصورة المذكورة يرجع فيه الى السنة المطهرة، أو يضم الى ذلك تنقيح المناط القطعي، للجزم بعدم مدخلية النوم في ذلك الا من حيث أغلبية تأخير الغسل الواقع سببه ليلا الى الصبح، و ذلك لا مدخل له في ترتب وجوب الغسل على الصلاة.

و مما يدل من الاخبار على ذلك روايات متفرقة في جزئيات الأحكام المرتبطة

____________

(1) سورة المائدة الآية 8 و 6.

(2) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء.

46

بذلك، و (منها)-

قوله (عليه السلام) في رواية زرارة (1) في من ترك بعض ذراعه أو بعض جسده في غسل الجنابة حتى دخل في الصلاة: «. و ان رآه و به بلة مسح عليه و أعاد الصلاة.».

و (منها)-

قوله (عليه السلام) في رواية الحلبي (2) في من أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج الشهر: «عليه ان يغتسل و يقضي الصلاة و الصيام».

و (منها)-

قوله (عليه السلام) في رواية الحسن الصيقل (3) في من تيمم و قام يصلى فمر به نهر و قد صلى ركعة: «فليغتسل و ليستقبل الصلاة».

الى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع.

(الثاني)- الطواف

و سيأتي الكلام عليه بقسميه ان شاء الله تعالى في كتاب الحج

(الثالث)- مس كتابة القرآن

، و هو ان كان واجبا فالغسل له واجب و الا فهو شرط في استباحته. و كل منهما مبني على تحريم المس على المحدث حدثا أكبر، و الظاهر انه إجماعي كما نقله غير واحد من معتمدي الأصحاب، بل نقل في المعتبر و المنتهى انه إجماع علماء الإسلام، و نقل عن العلامة في النهاية انه لا خلاف هنا في تحريم المس و ان وقع الخلاف في الحدث الأصغر. و نقل الشهيد في الذكرى عن ابن الجنيد القول بالكراهة، و ذكر انه كثيرا ما يطلق الكراهة و يريد التحريم فينبغي ان يحمل كلامه عليه. و هو جيد فإن إطلاق الكراهة في كلام المتقدمين كما في الاخبار شائع. و اما نقل ذلك عن المبسوط كما في المدارك فقد رده جمع ممن تأخر عنه بأنه سهو و انه انما صرح بذلك في الحدث الأصغر و اما الأكبر فقد صرح فيه بالتحريم، و جنح في المدارك بعد نقل القول بالكراهة عن ابن الجنيد و المبسوط الى ذلك زاعما ضعف الأدلة سندا و دلالة.

و تحقيق البحث في هذه المسألة و فروعها قد تقدم مستوفى في المطلب الثاني من الباب الثاني (4)

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 41 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 39 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 21 من أبواب التيمم.

(4) ج 2 ص 122.

47

الا انه نقل هنا عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) تحريم مس هامش القرآن للجنب و الحائض، و لم نقف له على دليل، و ربما استدل له على ذلك

بحسنة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «الجنب و الحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب و يقرءان من القرآن ما شاءا إلا السجدة.».

و رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: «المصحف لا تمسه على غير طهر و لا جنبا و لا تمسه خطه و لا تعلقه.».

و لا يخفى ما فيهما من قصور الدلالة على ذلك.

(الرابع)- مس ما عليه اسم الله تعالى

من دراهم و غيرها، و قد وقع في كلام جملة من الأصحاب التعبير بمثل ما ذكرنا الا ان الظاهر ان المراد من ذلك مس نفس الاسم كما هو صريح المحقق (رحمه الله) تعالى) في المعتبر، حيث قال: «و يحرم عليه مس اسم الله سبحانه و لو كان على درهم أو دينار أو غيرهما» و المعروف من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف هو التحريم.

و استدل عليه في المعتبر

بموثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«لا يمس الجنب درهما و لا دينارا عليه اسم الله».

و طعن جملة من متأخري المتأخرين في الخبر المذكور بضعف السند و معارضته

بما رواه في المعتبر من كتاب الحسن بن محبوب عن خالد عن ابي الربيع عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) «في الجنب يمس الدراهم و فيها اسم الله و اسم رسوله؟ قال: لا بأس به ربما فعلت ذلك».

و مما يعضد موثقة عمار ظاهر القرآن من قوله سبحانه: «. وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اللّٰهِ فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» (5) الدال ظاهرا على ان عدم التعظيم صادر عن عدم التقوى

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 12 من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب 18 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 18 من أبواب الجنابة.

(5) سورة الحج الآية 31.

48

لما قيل من ان علة النقيض نقيض العلة.

و ظاهر

حسنة داود بن فرقد عنه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن التعويذ يعلق على الحائض. قال نعم لا بأس. قال و قال: تقرأه و لا تكتبه و لا تصيبه يدها».

و رواية منصور بن حازم (2) الدالة على ان جواز تعليق التعويذ على الحائض مشروط بما إذا كان في جلد أو فضة أو قصبة أو حديد لئلا يستلزم مس الكتابة.

و مما يعضد رواية أبي الربيع ايضا

ما رواه في المعتبر من جامع البزنطي عن محمد ابن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «سألته هل يمس الرجل الدرهم الأبيض و هو جنب. فقال: اي و الله اني اوتى بالدرهم فآخذه و اني لجنب. و ما سمعت أحدا يكره من ذلك شيئا الا ان عبد الله بن محمد كان يعيبهم عيبا شديدا، يقول جعلوا سورة من القرآن في الدرهم فيعطى الزانية و في الخمر و يوضع على لحم الخنزير».

و قوله:

«و ما سمعت أحدا. إلخ» يحتمل لان يكون من كلام الامام (عليه السلام) و ان يكون من كلام محمد بن مسلم، و الأول أظهر، و به يقوى الاستدلال بالخبر على الجواز.

و موثقة إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الجنب و الطامث يمسان بأيديهما الدراهم البيض. قال: لا بأس».

و يمكن الجمع بحمل موثقة عمار على مس نفس الاسم و ان عبر عنه بمس الدرهم و الدينار كما وقع في جملة من عبائر الأصحاب، و خبر ابي الربيع على مس الدرهم من غير تعد الى الاسم الذي عليه. و اما العمل بروايات الجواز لموافقتها الأصل و حمل ما دل على المنع على الكراهة فظني بعده، إذ نسبته (عليه السلام) ذلك الى نفسه في رواية أبي الربيع مما يبعد ذلك. و كيف كان فسبيل الاحتياط واضح.

و الحق جملة من الأصحاب تبعا للشيخين (قدس سرهما) باسمه سبحانه أسماء

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 37 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 37 من أبواب الحيض.

(3) المروية في الوسائل في الباب 18 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 18 من أبواب الجنابة.

49

الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) و لم نقف له على مستند و لعله مجرد التعظيم. و الله اعلم.

(الخامس)- دخول المسجدين و لو اجتيازا

، و لا خلاف فيه بين الأصحاب (نور الله تعالى مراقدهم) فيما اعلم.

و يدل عليه

حسنة جميل (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: لا و لكن يمر فيها كلها إلا المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله)».

و روايته الأخرى (2) و رواية محمد بن حمران (3) و حسنة محمد بن مسلم (4).

و نقل في الذكرى عن الصدوقين و المفيد انهم أطلقوا المنع عن دخول المساجد الا اجتيازا، و ربما أشعر ذلك بجواز الاجتياز في المسجدين، و هو ضعيف بما ذكرنا من الاخبار بقي هنا شيء لم يتنبه له لأصحاب (رضوان الله عليهم) فيما وقفت عليه من كتبهم و هو جواز دخول مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) له و للمعصومين من آله (صلوات الله عليهم) مع الجنابة بل اللبث فيه و ان ذلك من جملة خصائصهم.

فمما وقفت عليه من الاخبار في ذلك

ما رواه الصدوق في كتاب المجالس بسنده فيه عن الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) (5) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا يحل لأحد ان يجنب في هذا المسجد إلا انا و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و من كان من أهلي فإنه مني».

و ما رواه فيه ايضا

و في كتاب عيون اخبار الرضا (عليه السلام) (6) في حديث طويل عنه (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ألا ان هذا المسجد لا يحل لجنب الا لمحمد و آله».

و ما رواه في كتاب العلل (7) بسنده الى ابي رافع قال: «ان رسول الله (صلى

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.

(5) المروية في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.

(6) المروية في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.

(7) المروية في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.

50

الله عليه و آله) خطب الناس فقال: ايها الناس ان الله أمر موسى و هارون ان يبنيا لقومهما بمصر بيوتا و أمرهما ان لا يبيت في مسجدهما جنب و لا يقرب فيه النساء إلا هارون و ذريته، و ان عليا مني بمنزلة هارون من موسى، و لا يحل لأحد ان يقرب النساء في مسجدي و لا يبيت فيه جنب الا على و ذريته.».

و رواه فيه (1) ايضا بسند آخر قريبا من ذلك و قال فيه: «ثم أمر موسى ان لا يسكن مسجده و لا ينكح فيه و لا يدخله جنب إلا هارون و ذريته، و ان عليا مني بمنزلة هارون من موسى و هو أخي دون أهلي، و لا يحل لأحد ان ينكح فيه النساء الا علي و ذريته.».

و فيها زيادة على ما ذكرنا حل النكاح لهم فيه فضلا عن الدخول بالجنابة

و ما رواه في تفسير الامام (عليه السلام) (2) روى عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) في حديث سد الأبواب انه قال: «لا ينبغي لأحد يؤمن بالله و اليوم الآخر ان ببيت في هذا المسجد جنبا الا محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و المنتجبون من آلهم الطيبون من أولادهم.

(السادس)- اللبث فيما عدا المسجدين من المساجد

، و الظاهر ان الحكم موضع وفاق بين الأصحاب ما عدا سلار حيث نقل عنه القول بالكراهة.

و يدل على المشهور قوله سبحانه: «. وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ(3) المفسر

في صحيحة زرارة و محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) المروية في كتاب العلل (4) بذلك حيث قالا: «قلنا له: الحائض و الجنب يدخلان المسجد أم لا؟ فقال: الجنب و الحائض لا يدخلان المسجد الا مجتازين، ان الله تبارك و تعالى يقول: و لا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا. الحديث».

و رواه العياشي في تفسيره عن الباقر (عليه السلام) و الثقة الجليل علي بن إبراهيم

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.

(3) سورة النساء الآية 43.

(4) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.

51

القمي في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) و به يظهر لك ضعف كلام بعض فضلاء متأخري المتأخرين حيث قال: «و اما الاستدلال بالآية فمشكل، لعدم تعين هذا المعنى فيه و احتمال غير ذلك كما عرفت سابقا» انتهى. و فيه ان الاحتمالات المذكورة في كلام سائر المفسرين لا تعارض تفسير أهل البيت (عليهم السلام) سيما مع صحة سند الرواية و تعدد الناقل لها عنهم (عليهم السلام) إذ القرآن عليهم انزل و إليهم يرجع فيما أبهم منه و أجمل.

و يدل على ذلك أيضا الأخبار المستفيضة، و منها- حسنة جميل المتقدمة (1) و الروايات الأخر التي بعدها و اخبار أخر طوينا ذكرها.

و لم نقف لسلار على دليل سوى التمسك بالأصل، و لا ريب في ضعف التمسك به بعد ما عرفت.

و ربما يستدل له

بصحيحة محمد بن القاسم (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجنب ينام في المسجد؟ فقال: يتوضأ و لا بأس ان ينام في المسجد و يمر فيه».

و فيه (أولا)- انها أخص من المدعى. و (ثانيا)- انها مخالفة للآية و الرواية المستفيضة فيجب طرحها، قال في المعتبر بعد نقلها: «انها متروكة بين أصحابنا لأنها منافية لظاهر التنزيل» و احتمل بعض الأصحاب حملها على التقية لموافقتها لمذهب بعض العامة. و هو جيد فإنه منقول عن احمد بن حنبل (3) حيث قال: «إذا توضأ الجنب جاز ان يقيم في المسجد كيف شاء» بل لو لم ينقل القول بذلك عن أحد منهم فالحمل على التقية متعين كما نبهنا عليه غير مرة.

____________

(1) ص 49.

(2) المروية في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.

(3) في المغني لابن قدامة الحنبلي ج 1 ص 146 «إذا توضأ الجنب له اللبث في المسجد في قول أصحابنا و إسحاق، و قال أكثر أهل العلم لا يجوز للآية و الخبر» ثم استدل على ذلك بالإجماع المستفاد من حديث زيد بن أسلم و انه مخصص للعموم و بوجه اعتباري.

52

و اما حمل المحدث الكاشاني في الوافي- التوضؤ المأمور به على تطهير البدن بالغسل- فظني بعده.

و ظاهر الصدوق (قدس سره) في الفقيه القول بمضمون الرواية المذكورة، حيث قال: «و لا بأس ان يختضب الجنب و يجنب و هو مختضب، الى ان قال: و ينام في المسجد و يمر فيه» و مثله في المقنع، و ظاهره تخصيص الإباحة بالنوم من افراد اللبث، و لم يذكر التوضؤ الذي في الرواية.

و كيف كان فهو محجوج بالآية و الرواية المستفيضة، فروايته مطروحة لمخالفتها القرآن الذي هو المحكم في الاخبار عند تعارضها، بل مع عدم التعارض ايضا كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب، و ضعفها عن معارضة ما ذكرنا من الاخبار.

و بذلك يظهر لك ما في كلام بعض محققي متأخري المتأخرين، حيث قال- بعد نقل الرواية المذكورة و نقل كلام المعتبر و احتمال الحمل على التقية- ما صورته: «و لا يذهب عليك انه لو لم تكن الشهرة العظيمة بين الأصحاب لأمكن الجمع بين الروايات بحمل ما تقدم على الكراهة و بحمل هذه الرواية على نفي الحرمة، لكن الاولى اتباع الشهرة» انتهى.

و لا أراك في شك من ضعف هذا الكلام ان أحطت خبرا بالقواعد المقررة عن أهل الذكر (عليهم السلام) و العجب منه (قدس سره) و من أمثاله انهم يعتمدون على الشهرة بين الأصحاب و يلتجؤون إليها في جميع الأبواب، و يتركون الشهرة في الأخبار التي هي أحد المرجحات المروية في هذا المضمار، و يبنون في الجمع بين الاخبار على ارتكاب المجاز في الأمر و النهى. و فيه- مع انه لا مستند له في الشريعة- انه لا قرينة ثمة لتكون الوسيلة الى ذلك و الذريعة، و قد تقدم لك في مقدمات الكتاب ما في البناء على هذه القاعدة من الاضطراب.

بقي هنا شيء و هو ان المحرم هنا انما هو اللبث اما الاجتياز فهو جائز بالآية

53

و الرواية، لكن هل المراد بالاجتياز ان يدخل من باب و يخرج من آخر، أو يشمل الدخول و الخروج من باب واحد من غير لبث و لا تردد، أو يشمل التردد مغدا و مجيئا في نواحي المسجد؟ المقطوع به من ظاهر الآية و الرواية الواردة في تفسيرها هو الأول، و في شمولها للثاني احتمال ليس بذلك البعيد، و اما الثالث فالظاهر القطع بعدمه، و به صرح العلامة على ما نقل عنه، لكن

في رواية العلل المشار إليها آنفا (1) قال: «للجنب ان يمشي في المساجد كلها و لا يجلس فيها الا المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله)».

و الظاهر ان إطلاقها يحمل على ما افاده غيرها من التقييد.

و ألحق جملة من متأخري أصحابنا بالمساجد الضرائح المقدسة و المشاهد المشرفة، و رده جملة من متأخري المتأخرين بعدم المستند الموجب للتحريم.

أقول: و يمكن الاستدلال عليه بظاهر آية تعظيم شعائر الله (2) و بالأخبار الدالة على عدم جواز دخول الجنب بيوتهم احياء، و لا ريب ان حرمتهم أمواتا كحرمتهم احياء و من تلك الاخبار

ما رواه الصفار في كتاب بصائر الدرجات (3) في الصحيح عن بكر بن محمد قال: «خرجنا من المدينة نريد أبا عبد الله (عليه السلام) فلحقنا أبو بصير خارجا من زقاق و هو جنب و نحن لا نعلم حتى دخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام) فرفع رأسه الى ابي بصير فقال: يا أبا محمد أما تعلم انه لا ينبغي لجنب ان يدخل بيوت الأنبياء؟ قال: فرجع أبو بصير و دخلنا».

و مثله روي في كتاب قرب الاسناد.

و روى الكشي في كتاب الرجال (4) بسنده عن بكير قال: «لقيت أبا بصير فقال اين تريد؟ فقلت: أريد مولاك. قال انا أتبعك. فمضى فدخلنا عليه، واحد

____________

(1) ما ذكره انما هو نص رواية جميل المشار إليها ص 49 بقوله: و روايته الأخرى. و لعل لفظ (العلل) من غلط النساخ.

(2) سورة الحج الآية 33.

(3) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب الجنابة.

(4) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب الجنابة.

54

النظر اليه و قال: هكذا تدخل بيوت الأنبياء و أنت جنب؟ فقال أعوذ بالله من غضب الله و غضبك و قال استغفر الله و لا أعود».

و روى نحوه الشيخ المفيد في الإرشاد و رواه في كشف الغمة نقلا عن دلائل الحميري.

و ظاهر الاخبار المذكورة تحريم مجرد الدخول و ان كان لا مع اللبث، الا ان يقال ان إنكاره (عليه السلام) على ابي بصير لعلمه بإرادته اللبث، و الأول أقرب.

(السابع)- وضع شيء في المساجد دون الأخذ منها

، و هو موضع وفاق ايضا ما عدا سلار، فإنه نقل عنه القول بالكراهة، و يضعف بالأخبار الدالة على المنع:

و (منها)-

صحيحة عبد الله بن سنان (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب و الحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال: نعم و لكن لا يضعان في المسجد شيئا».

و صحيحة زرارة و محمد بن مسلم المنقولة آنفا من كتاب العلل (2) حيث قال (عليه السلام) بعد ذكر ما قدمنا نقله منها: «و يأخذان من المسجد و لا يضعان فيه شيئا قال زرارة فقلت له: فما بالهما يأخذان منه و لا يضعان فيه؟ قال: لأنهما لا يقدران على أخذ ما فيه الا منه و يقدران على وضع ما بأيديهما في غيره. الحديث».

و نقل عن بعض المتأخرين تخصيص التحريم بالوضع المستلزم للبث في سائر المساجد و الدخول في المسجدين، و نقل عنه الاستدلال بأنه قد تعارض إطلاقا تحريم الوضع و تجويز المشي و المرور فيتساقطان و يرجع الى حكم الأصل خصوصا مع أغلبية اقتران الوضع باللبث. ورد بان ظاهر النص تعليق التحريم على الوضع مطلقا و لو كان من خارج و الا لم يبق لتعلق التحريم على الوضع معنى، لان فيه أخذ ما ليس بعلة و لا مستلزم للعلة مكانها، و منه يظهر ان إطلاق تحريم الوضع لا ينافي إطلاق تجويز المرور و المشي ليتساقطا و يرجع الى حكم الأصل كما احتج به، إذ تحريم أحد المتقارنين اللذين لا تلازم بينهما

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 17 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 17 من أبواب الجنابة.

55

يجامع تجويز الآخر كما لا يخفى، و أيضا فإن الخبر المذكور الذي هو مستند الحكم في تحريم الوضع دل على اباحة التناول و تحريم الوضع، فلو خص تحريمه بما ذكر لم يظهر للفرق بينه و بين التناول وجه، إذ إباحة التناول مقيدة بما إذا لم يستلزم لبثا كما هو الظاهر فتوى و دليلا (فان قيل): ان التناول من حيث هو مباح و ان كان مقارنه محرما (قلنا): ان الوضع من حيث هو محرم و ان كان مقارنه مباحا، بل ما نحن فيه أولى، إذ مقارنة المباح للحرام ان لم توجب حرمة المباح فان لا توجب اباحة الحرام اولى، هذا كله مع قطع النظر عن ظاهر التعليل الذي في رواية العلل، و الا فمع النظر اليه لا يبقى لاعتبار القول المذكور ما يوجب النقل في السطور.

(الثامن)- قراءة إحدى العزائم الأربع

و هي سجدة «أ لم السجدة» و «حم السجدة» و «النجم» و «اقرأ» و من العجب سهو جملة من المتقدمين: منهم- الصدوق (رحمه الله) في المقنع و الفقيه و جرى عليه جملة من تأخر عنه من عد سجدة «لقمان» عوض «الم السجدة» مع ان سورة «لقمان» ليس فيها سجدة و انما السجدة في السورة التي تليها و هي «الم».

هذا، و الظاهر ان الحكم موضع وفاق كما نص عليه في المعتبر و المنتهى، الا ان جل المتأخرين ناطوا الحكم بمجموع السورة حتى البسملة إذا قصد بها احدى السور الأربع، و ظاهر الاخبار لا يساعدهم على ذلك.

فمن الأخبار الدالة على الحكم المذكور حسنة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) المتقدمة في حكم مس كتابة القرآن (1).

و موثقة زرارة و محمد بن مسلم عنه (عليه السلام) (2) قال: «الحائض و الجنب يقرءان شيئا؟ قال: نعم ما شاء الا السجدة و يذكران الله على كل حال».

و روى ذلك في المعتبر عن جامع البزنطي عن الصيقل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3).

____________

(1) ص 47.

(2) المروية في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

56

و أنت خبير بان الظاهر من هذه الاخبار هو قصر الحكم على نفس السجدة دون سورتها. و وجهه شيخنا المحقق في كتاب رياض المسائل بأن السجدة في الأصل مصدر للمرة من السجود، و ليس المراد به هنا حقيقته بل معناه المجازي و هو سبب السجدة أو محلها، و ليس شيء من أبعاض السورة المذكورة سوى موضع الأمر بالسجود سببا و لا محلا. و من ذلك يظهر ان لا مستند لعموم الحكم سوى الإجماع المدعى في المسألة.

و قد عرفت في المقدمة الثالثة ما في هذه الإجماعات المتناقلة في أمثال هذه المقامات، سيما مع معارضة الأصل له هنا و العمومات من الكتاب و السنة الدالة على استحباب قراءة القرآن، و حينئذ فالأظهر- كما استظهره جملة من متأخري المتأخرين- قصر الحكم بالتحريم على موضع ذكر السجود.

الا انه قد ورد في جملة من الاخبار- منها الصحيح و غيره- جواز ان يقرأ الجنب من القرآن ما شاء:

فمن ذلك

صحيحة الفضيل بن يسار عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال:

«لا بأس ان تتلو الحائض و الجنب القرآن».

و في صحيحة الحلبي (2) «في النفساء و الحائض و الجنب و المتغوط يقرأون القرآن؟ فقال يقرأون ما شاءوا».

و من أجل هذه الاخبار مضافا الى عموم ظاهر الكتاب لم يعتمد شيخنا المحقق صاحب كتاب رياض المسائل الا على الإجماع المدعى في المقام، مؤيدا ذلك بالطعن في دلالة تلك الاخبار على المدعى بأنه كما يحتمل الاستثناء في قوله: «نعم ما شاءا إلا السجدة» ان يكون استثناء من أصل جواز قراءة القرآن يحتمل ان يكون استثناء من استحبابها و لا يفيد الا رفع الاستحباب و لا يقتضي التحريم. و فيه ان اخبار السجدة مقيدة و تلك مطلقة و المقيد يحكم على المطلق، و عمومات الكتاب و إطلاقاته تخصص بالسنة كما وقع

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

57

في غير موضع، و قد مر تحقيق القول فيه في مقدمات الكتاب، و احتمال الاستثناء من الاستحباب بعيد من سياق الأخبار، إذ سياق ما فيها من الأحكام المشتملة عليها في غير موضع النزاع كله بالنسبة إلى الجواز و عدمه من دخول المساجد و اللبث فيها و دخول مسجدي الحرمين و الوضع في المسجد و الأخذ منه، على انه لا معنى هنا للاستثناء من الاستحباب بعد ثبوت أصل الجواز، إذ بعد ثبوت الجواز يلزم الاستحباب الذي هو عبارة عما يوجب ترتب الثواب على ذلك، إذ قراءة القرآن من جملة العبادات البتة فالمناسب هو السؤال عن أصل الجواز و عدمه.

و نقل عن الشيخ في التهذيب انه استدل على الحكم المذكور بان في هذه السور سجودا واجبا و لا يجوز السجود الا لطاهر من النجاسات بلا خلاف، مع انه قال بعيد هذا باستحباب السجود للطامث.

(التاسع)- الصوم

، و وجوب الغسل للواجب منه و شرطيته للمستحب هو المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) و نقل عن الصدوق (رضي الله عنه) القول بعدم الوجوب، و اليه مال المحقق الأردبيلي، و اختاره العلامة الفيلسوف العماد مير محمد باقر الداماد كما صرح به في رسالته الموضوعة في مسائل التنزيل. و الاخبار من الطرفين متعارضة الا أن الاخبار الدالة على القول المشهور أكثر عددا و أصرح دلالة، و سيجيء نشر الاخبار في المسألة ان شاء الله تعالى في كتاب الصوم.

و الأظهر العمل على المشهور (اما أولا)- فلاعتضاد اخباره بعمل الطائفة قديما و حديثا بذلك، و لم ينقل الخلاف في ذلك عن أحد من متقدمي الأصحاب إلا عن الصدوق و في ثبوت النقل إشكال، فإنه لم يصرح بذلك في فقيهه و لا في شيء من كتبه، و انما نسب اليه القول بذلك برواية رواها

في المقنع (1) حيث قال: «و سأل حماد بن عثمان أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل فاخر الغسل

____________

(1) رواها في الوسائل في الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

58

الى ان يطلع الفجر. فقال: قد كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يجامع نساءه من أول الليل و يؤخر الغسل الى ان يطلع الفجر، و لا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب يقضي يوما مكانه».

قالوا: و من عادته في الكتاب المذكور الإفتاء بمتون الاخبار. و في ثبوت نسبة القول المذكور له بذلك تأمل، سيما مع نقله في فقيهه جملة من الاخبار الدالة على القضاء بترك الغسل و ان كان نسيانا المؤذن بموافقة القول المشهور. و المعهود منه عدم الاختلاف في الفتوى في كتبه كما هو الطريق الذي عليه غيره من المحدثين.

و (اما ثانيا)- فلان من القواعد المقررة عن أهل العصمة (سلام الله عليهم) عرض الاخبار عند اختلافها على مذهب العامة و الأخذ بخلافه، و الاخبار المخالفة للمشهور موافقة لهم، و في بعض منها ما يؤذن بذلك كإسناد الإمام (عليه السلام) النقل إلى عائشة في رواية إسماعيل بن عيسى (1) و اشعار ظاهر رواية حماد المتقدمة بمداومته (صلى الله عليه و آله) على ذلك، و من البعيد مداومته على المكروه ان لم نقل بالتحريم و ما ربما يقال- من ان اخبار المشهور و ان ترجحت بمخالفة العامة إلا ان اخبار القول الآخر معتضدة بظاهر القرآن، و هو قوله سبحانه: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ. الآية» (2) الدال بإطلاقه على التحليل في كل جزء من اجزاء الليل التي من جملتها الجزء الأخير- فالجواب عنه- بعد تسليم جواز الاستدلال بالظواهر القرآنية بغير تفسير وارد فيها عن أهل العصمة (سلام الله عليهم)- بأنه قد تقدم في المقدمة السادسة الإشارة إلى انه لا يصح الاختلاف بين هاتين القاعدتين. بمعنى ان كل ما خالف العامة من الاخبار الخارجة عنهم (عليهم السلام) فهو موافق للقرآن العزيز و ان لم يهتدوا الى وجه الموافقة و لا يجوز ان يكون مخالفا له، و ذلك لان الأحكام الواقعية الخارجة لا على جهة التقية

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

(2) سورة البقرة الآية 187.

59

لا يجوز مخالفتها للقرآن كما تقدم بيانه ثمة، و ما عليه العامة فهو خلاف الحنيفية، لما استفاض من انهم ليسوا من الحنيفية على شيء، و انه لم يبق في أيديهم إلا استقبال القبلة و انهم ليسوا الا مثل الجدر المنصوبة، و نحو ذلك مما تقدم ذكره ثمة أيضا، و حينئذ فنقول فيما نحن فيه ان إطلاق الآية مخصوص بالأخبار الدالة على وجوب الغسل، و قد حققنا في المقدمة المشار إليها آنفا انه لا منافاة بين المطلق و المقيد و لا بين العام و الخاص حتى يتجه الترجيح بالآية في هذا المقام.

ثم ان وجوب الغسل للصوم على القول به هل يختص بما إذا بقي من الليل مقدار ما يغتسل خاصة، فعلى هذا لا يكون الصوم غاية للغسل الا مع تضيق الليل بحيث لا يبقى منه الا قدر فعله علما أو ظنا، فلو أوقعه المكلف قبل ذلك لم يكن الصوم غاية له لعدم المخاطبة به حينئذ، أو يجوز إيقاعه بنية الوجوب من أول الليل و ان قيل بوجوبه لغيره؟

قولان، و ظاهر الأكثر الأول و نقل السيد السند في المدارك عن بعض مشايخه- و الظاهر انه المولى الأردبيلي (قدس سره)- الثاني، الا انه في المدارك تأوله بالحمل على الوجوب الشرطي زاعما انتفاء الوجوب بالمعنى المصطلح عليه قطعا على هذا التقدير، و يظهر من كلام شيخنا البهائي (عطر الله مرقده) في كتاب الحبل المتين ان الوجوب هنا على تقدير القول به هو الوجوب المصطلح، حيث قال- في جواب استدلال القائلين بوجوب الغسل لنفسه بأنه لو لم يجب لنفسه لم يجب قبل الفجر للصوم لعدم وجوب المغيا قبل وجوب الغاية- ما لفظه: «و اما وجوب غسل الجنابة قبل الفجر للصوم فلوجوب توطين النفس على ادراك الفجر طاهرا و الغاية واجبة» انتهى.

أقول: و الأظهر في بيان الوجوب هنا ان يقال انه لا شك ان الغسل مما يتوقف عليه الصوم الواجب و لا يتم الا به، و قد تقرر في الأصول ان ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب، كما قالوا ان قطع المسافة واجب للحج مع انه لا يقع الا قبل الحج، و بالجملة فإنه إذا علم أو ظن وجوب الغاية في وقتها فإنه لا مانع من وجوب المقدمة و ان لم تجب

60

الغاية بعد لكن وجوبا موسعا لا يتضيق إلا بتضيق الغاية، و الى ذلك يشير كلام المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) في تعليقاته على المدارك، حيث قال- بعد نقل كلام السيد (قدس سره) و تأويله كلام بعض مشايخه- ما صورته: «قلت: مقصوده بالوجوب المعنى المصطلح عليه فإنه صالح للنزاع و الترجيح، و ان شئت تحقيق المقام فاستمع لما نتلو عليك من الكلام و الله الموفق، فنقول: مقدمات الواجب المضيق كالصوم يجب تحصيلها قبل وقته، و بعض مقدمات الواجب الموسع و هو ما لا يسعه وقته كذلك، و منه وجوب معرفة الصلاة و اجزائها قبل دخول وقتها، و الغسل كالنية من شرائط صحة الصوم و مقدماته فيجب من الليل وجوبا موسعا، لان الوجوب من باب المقدمة انما يكون بحسبه و هو لا يقتضي إلا الوجوب الموسع، و ما ثبت من انه إذا كان من عادته استمرار نومه الى طلوع الفجر لا يجوز له النوم اختيارا قبل الغسل يدل على وجوبه وجوبا موسعا، و ايضا تعلق تكليف الشارع بأمر في وقت غير منضبط غير مستقيم.

و الله أعلم بحقائق أحكامه. و بعد ما عرضت ذات ليلة في خير البلاد هذه الدقيقة على الأستاذ العلامة و الحبر الفهامة مجتهد زمانه و وحيد أو انه ميرزا محمد باقر الأسترآبادي (أطال الله بقاءه) سمعت منه انه في عنفوان الشباب تفطن لهذه الدقيقة و ذكرها للعالم الرباني مولانا أحمد الأردبيلي (رحمه الله) فلم يرض بها و طال البحث بينهما من غير فيصل، ثم رجع العالم المذكور الى قوله و ذكرها في بعض تصانيفه» انتهى كلامه زيد مقامه. و هو جيد الا انه سيأتي في مسألة وجوب الغسل لنفسه أو لغيره من ظاهر كلامهم ما يدل على الغفلة عن هذه المسألة.

و اما شرطية الغسل للصوم المستحب فهو قول الأكثر من أصحابنا (رضوان الله عليهم) و مال جملة من متأخري المتأخرين إلى العدم، و تحقيق المسألة مع ما يتعلق بها من الاخبار سيأتي في موضعه ان شاء الله تعالى.

61

تكملة [هل وجوب غسل الجنابة نفسي أو غيري؟]

تقييد وجوب الغسل بوجوب الغاية هو المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) و قيل بوجوبه في نفسه، اختاره القطب الراوندي، و ذهب إليه العلامة و نقله عن والده سديد الدين يوسف بن المطهر، و مال اليه من متأخري المتأخرين الفاضل الخراساني في الذخيرة و قبله السيد السند في المدارك، و البحث في المسألة و ان كان قليل الجدوى عندنا لانحصار فائدة الخلاف في وجوب نية الوجوب قبل الوقت و عدمه، مع انك قد عرفت مما قدمنا في مبحث نية الوضوء عدم الدليل على ذلك، إلا أنا جريا على منوالهم (قدس الله أرواحهم) و طيب مراحهم) قد قدمنا لك في البحث عن غاية الوضوء ما يفي بتحقيق الحال و ازالة الإشكال، من ذكر ما يدل على الوجوب الغيري و الجواب عما يدل على الوجوب النفسي، الا انه بقي مما يدل على الوجوب الغيري في خصوص هذه المسألة مما لم نتعرض له آنفا الآية الكريمة أعني قوله سبحانه: «. وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا(1)

و قد تقدم في أول هذا المقصد بيان دلالتها على ذلك. و اما ما أجاب به الفاضل الخراساني في الذخيرة عن ذلك- من ان غاية ما يلزم منه وجوبه لأجل الصلاة و ذلك لا ينافي وجوبه لنفسه ايضا، فيجوز ان يجتمع فيه الوجوبان، و لا يفهم منه التخصيص و لا يراد البتة، لوجوبه لغير الصلاة كالطواف و مس كتابة القرآن و غيرها بالاتفاق- فمدخول بما قدمنا تحقيقه في مبحث غاية الوضوء.

و استدل جملة من متأخري المتأخرين على ذلك أيضا بأخبار الجنب إذا فاجأها الحيض قبل الغسل:

و (منها)-

حسنة عبد الله بن يحيى الكاهلي عن الصادق (عليه السلام) (2)

____________

(1) سورة المائدة الآية 9.

(2) المروية في الوسائل في الباب 22 من أبواب الحيض.

62

«في المرأة يجامعها الرجل فتحيض و هي في المغتسل؟ قال: قد جاءها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل».

و رواية سعيد بن يسار عنه (عليه السلام) (1) «في المرأة ترى الدم و هي جنب أ تغتسل من الجنابة أم غسل الجنابة و الحيض واحد؟ فقال: قد أتاها ما هو أعظم من ذلك».

و موثقة حجاج الخشاب (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وقع على امرأته فطمثت بعد ما فرغ، أ تجعله غسلا واحدا إذا طهرت أو تغتسل مرتين؟

قال تجعله غسلا واحدا عند طهرها».

و مثلها موثقات زرارة و ابي بصير و عبد الله بن سنان (3) و (منها)-

موثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن المرأة بواقعها زوجها ثم تحيض قبل ان تغتسل؟ قال: ان شاءت ان تغتسل فعلت و ان لم تفعل ليس عليها شيء، فإذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للحيض و الجنابة».

وجه الاستدلال بها انها قد اشتركت ما عدا الأخيرة في الدلالة على تأخير غسل الجنابة الى بعد الطهر من الحيض و جعل الغسلين غسلا واحدا، و هو مؤذن لا أقل بمرجوحية المبادرة إلى الفعل حينئذ مع ان قضية الوجوب النفسي لا أقل رجحان المبادرة إلى الواجب و ان كان موسعا، سيما مع قوله (عليه السلام) في الرواية الأولى:

«قد جاءها ما يفسد الصلاة»

مفرعا عليه قوله:

«فلا تغتسل»

و قوله في الثانية:

«قد أتاها ما هو أعظم من ذلك»

المشعر بطريق الإيماء و التنبيه بأن العلة في وجوب غسل الجنابة رفع المفسد للصلاة الذي هو حدث الجنابة، فإذا حصل ما يفسدها و اتى ما هو أعظم من ذلك في الإفساد قبل الغسل انتفت العلة في وجوبه، فإنه (عليه السلام) نفى الغسل معللا بفساد الصلاة، فحاصل كلامه (عليه السلام) ان الغرض من الغسل الصلاة و لما جاء ما يفسدها فلا غسل حينئذ.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 22 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 43 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 43 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 43 من أبواب الجنابة.

63

و رد باحتمال حمل الرواية على ان المراد مجيء مفسد الصلاة مانع من الوجوب، إذ شرط تأثير المؤثر ارتفاع المانع.

و أجيب بأن حمل الكلام على هذا المعنى مما يكاد يلحقه بالمعميات و الألغاز، بل الإغراء بالجهل و الخطاب بما له ظاهر مع ارادة خلاف ظاهره من غير نصب قرينة عليه، و قد ثبت استحالته على الحكيم في الأصول. فلا يليق نسبته الى سادات الأنام و أبواب الملك العلام (عليهم أفضل الصلاة و السلام).

و التحقيق عندي هو ما افاده بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين، من ان الرواية المشار إليها لا دخل لها في البين و لا تعلق لها بشيء من القولين، و ذلك فان الغرض اللازم من الغسل هو رفع الحدث أو الاستباحة، و الرواية قد دلت على سقوط الغسل بطرو الحدث الذي لا يمكن رفعه و لا استباحة الصلاة مع وجوده، إذ التكليف به و الحال كذلك تكليف بما لا يطاق، و هو خارج عن حيز الوفاق و لا دخل للوجوب الذاتي أو الغيري فيه، و حينئذ فكما ان الرواية المذكورة ترد القول بالوجوب النفسي باعتبار عدم صحة الغسل في تلك الحال مع ان قضية الوجوب النفسي ذلك، كذلك ترد القول بالوجوب الغيري باعتبار ما اتفق عليه القائلون بذلك من صحة الغسل قبل وقت الغاية و اجزائه عن الواجب بعده، مع انه في تلك الحال غير صحيح و لا مجزئ عن الواجب، و أيضا فإنه بعد زوال المانع المذكور يرجع السبب الى مقتضاه و يعود الخلاف بحذافيره، و من ذلك يعلم الكلام في باقي الأخبار. نعم ربما أوهم قوله في موثقة عمار:

«ان شاءت ان تغتسل فعلت»

صحة الإتيان بالغسل حينئذ و ارتفاع حدث الجنابة. و فيه (أولا)- ان ما عدا هذه الرواية مما هو أكثر عددا و أصرح دلالة قد دل على تأخير الغسل و جعله مع الحيض غسلا واحدا. و (ثانيا)- ان الفريقين متفقون على عدم حصول الرفع و الاستباحة بالغسل في تلك الحال، فلا ثمرة حينئذ لهذه الصحة و لا اثر يترتب عليها في ذلك المجال، مع ان قوله فيها: «فإذا طهرت

64

اغتسلت غسلا واحدا للحيض و الجنابة» دال على ان الغسل الأول لم يكن مجزئا عن غسل الجنابة، فيتعين ان يكون المراد بالغسل المذكور مجرد رفع الأوساخ البدنية و ازالة الأدناس الحسية، و من ثم احتمل بعض انه يستنبط من الخبر المشار إليه صحة الغسل لذلك على الإطلاق أو عند تعذر قصد رفع الحدث، و أيده بشرعية غسل الاستحاضة، و كون الأغسال الواجبة و المستحبة إذا علم من الشارع ان أصل مشروعيتها لذلك كغسل الجمعة و الإحرام لا تتوقف على الطهارة من الحدث و ان كانت بحيث لو خلت منه لأفادت رفعه، كما قدمنا بيانه في بحث نية الوضوء و ينبه على ذلك ما ورد من أمر الحائض بغسل الإحرام. و اما

ما ورد في موثقة سماعة عن ابي عبد الله و ابي الحسن (عليهما السلام) (1): «في الرجل يجامع المرأة فتحيض قبل ان تغتسل من الجنابة؟

قال: غسل الجنابة عليها واجب».

فغاية ما يدل عليه ان غسل الجنابة لا يسقط عنها بعروض الحيض بل يجب عليها الغسل إذا طهرت من الحيض و أرادت عبادة و ان اتحد الغسلان كما دلت عليه الأخبار المتقدمة. و اما حملها على استحباب غسل الجنابة في تلك الحال- كما ذكره الشيخ في كتابي الأخبار مستندا إلى موثقة عمار الآنفة، فيستفاد منها حينئذ استحباب الغسل في نفسه و ان كان واجبا لغيره كما ذكره بعضهم- فتكلف لا ضرورة تلجئ اليه بعد ما ذكرنا، و كيف يتم الحمل على الاستحباب و قد صرح في الرواية بالوجوب، و أي ثمرة لهذا الاستحباب مع وجوب إعادته كما عرفت من موثقة عمار. و بالجملة ان ما ذكرناه هو المتبادر من حاق اللفظ و المراد مع سلامته من الطعن و الإيراد. نعم يبقى الكلام هنا في ان جملة من القائلين بالوجوب الغيري صرحوا باستحباب الغسل قبل اشتغال الذمة بالغاية الواجبة، حتى أورد عليهم الغسل لأجل الصوم، فأجاب بعضهم بأن الغاية انما هي توطين النفس على ادراك الفجر متطهرا كما عرفته آنفا من كلام شيخنا البهائي (عظم الله مرقده) و أجاب آخر بالتخصيص بما عدا الصوم

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 43 من أبواب الجنابة.

65

و أنت قد عرفت آنفا ان قضية توقف الواجب عليه و كونه مما لا يتم الواجب إلا به هو وجوبه متى علم وجوب الغاية في وقتها كما عرفت، و من الظاهر ان الصلاة متوقفة على الغسل فيكون واجبا لأجلها، و هو كما يحصل بعد دخول الوقت و تستباح به العبادة حينئذ يحصل ايضا قبل دخوله و تحصل به الاستباحة أيضا، فكل من الأمرين فرد للواجب، فيكون الغسل قبل الوقت واجبا و ان قلنا بأنه واجب لغيره، و حينئذ تضمحل فائدة الخلاف من البين بناء على وجوب نية الوجه و الا فقد عرفت انه لا ثمرة ايضا للبحث في المقام، و كذا لو قلنا بوجوبها و قلنا ان قصد الوجوب في المندوب غير ضائر كما اختاره الشهيد (رحمه الله) تعالى).

المقصد الثالث في الكيفية

، و هي- على ما وردت به نصوص أهل الخصوص (سلام الله عليهم)- على وجهين:

[كيفية الغسل الترتيبي]

(أحدهما)- الترتيب، و هو غسل الرأس أولا، و منه الرقبة من غير خلاف يعرف بين الأصحاب و لا اشكال يوصف في هذا الباب، الى ان انتهت النوبة إلى جملة من متأخري المتأخرين: منهم- الفاضل الخراساني في الذخيرة و شيخنا المحقق صاحب رياض المسائل في الكتاب المذكور، فاستشكلوا في الحكم لفقد صريح النص في الدخول و عدمه كما ذكره شيخنا المشار اليه، و وقع مثل ذلك لشيخنا المعاصر المحدث الشيخ عبد الله بن صالح البحراني (طيب الله تعالى مرقده) فاستشكل في المسألة و جعلها من المتشابهات، و طول زمام الكلام في ان الرقبة غير داخلة في غسل الرأس، و قال: ان المعروف من كتب اللغة و الشرع ان الرقبة ليست من الرأس، و انه لم يعرف في كلام أهل العصمة (سلام الله عليهم) نص يتضمن دخول الرقبة في الرأس و ان هذه المسألة من المسائل الاجتهادية التي افتى بها المجتهدون من غير دليل، و عين فيها الاحتياط بالجمع

66

بين غسلها مع الرأس حينئذ كما قاله الأصحاب و غسلها مع البدن كما استظهره. و قد أجاب الوالد (نور الله ضريحه و طيب ريحه) عن ذلك بما يطول به زمام الكلام، الا انه مع طوله لجودة محصوله مما يستحق ان يسطر في المقام، قال (قدس سره) بعد نقل كلام المحدث المشار إليه: «أقول: المفهوم من كلام علمائنا (قدس الله أرواحهم)- تصريحا في مواضع و تلويحا في أخرى بحيث لم يعلم خلاف منهم بل هو كالإجماع فيما بينهم- ان الواجب هو غسل الرقبة مع الرأس من غير فرق بين كون الرقبة جزء من الرأس أو خارجة، و كون إطلاق الرأس على ما يشمل الرقبة حقيقة على سبيل الاشتراك اللفظي أو مجازا على سبيل التبع، بل المراد انهما من حيث تعلق حكم الغسل بهما أمر واحد و عضو واحد بحيث يغسلان معا بلا ترتيب بينهما و يجوز مقارنة النية لكل منهما، و لذا ترى الأصحاب (رضوان الله عليهم) تارة يقولون يجب غسل الرأس مطلقا، و تارة يقولون غسل الرأس و الرقبة، و تارة غسل الرأس و منه الرقبة، و تارة يصرحون بان الرأس و الرقبة في الغسل عضو واحد، الى غير ذلك من العبارات التي غرضهم منها و قصدهم مجرد كون الرقبة تغسل مع الرأس سواء كانت جزء من الرأس أو خارجة عنه، فلا فائدة حينئذ في هذا الخلاف بعد تصريح الأصحاب بل اتفاقهم على غسلها مع الرأس. و لنعم ما قال شيخنا في بعض مؤلفاته: «و لا ثمرة في هذا الخلاف بعد الاتفاق على عدم الترتيب بينهما» انتهى و هو- كما ترى- صريح في الإجماع على غسلها مع الرأس، و يؤيد ذلك ما صرح به بعض المحققين من علمائنا المتأخرين، حيث قال: «ان الرأس عند الفقهاء (رضوان الله عليهم) يقال على معان: (الأول)- كرة الرأس التي هي منبت الشعر و هو رأس المحرم (الثاني)- انه عبارة عن ذلك مع الأذنين و هو رأس الصائم (الثالث)- انه ذلك مع الوجه و هو رأس الجناية في الشجاج (الرابع)- انه ذلك كله مع الرقبة و هو رأس المغتسل» انتهى كلامه زيدا كرامة، و هو صريح في ان الرأس في الغسل عند الفقهاء عبارة عما يشمل الرقبة، و كأنه حقيقة عرفية عندهم في ذلك. و ظاهره الإجماع على ذلك

67

كما يفهم من الجمع المحلى. و أنت خبير بان جميع تلك المعاني المذكورة للرأس مفهومة من الاخبار المروية عن العترة الاطهار، كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار و نظر بعين التأمل و الاعتبار، لا انه مجرد اجتهاد بحت و قول على الله بلا دليل، كما زعمه ذلك الفاضل الجليل نسجا منه على منوال طائفة من المتأخرين قد سموا أنفسهم بالأخباريين.

و ادعوا انهم وفقوا لتحصيل الحق و اليقين و اطلعوا على اسرار الدين التي قد خفيت على المجتهدين، كما يتبجح به مقدمهم في ذلك صاحب الفوائد محمد أمين و مما يمكن ان يستدل به من الاخبار على دخول الرقبة في حكم غسل الرأس

حسنة زرارة المذكورة آنفا (1) حيث قال (عليه السلام): «. ثم صب على رأسه ثلاث أكف ثم صب على منكبه الأيمن مرتين و على منكبه الأيسر مرتين.».

فان الخبر- كما ترى- ظاهر الدلالة بل صريح في دخول الرقبة في غسل الرأس، إذ لا تدخل في المنكبين قطعا، و لا تبقى متروكة بلا غسل قطعا، و لا تغسل عضوا واحدا بانفرادها قطعا، فتحتم دخولها في غسل الرأس و هو المطلوب، سواء كان اسم الرأس شاملا لها حقيقة أم مجازا، فلا يلتفت اذن الى ما ذكره المعاصر (سلمه الله) و استظهره من خروج الرقبة عن الرأس كما عرفته، و استناده- فيما استظهره إلى انه المعروف في كتب اللغة و الشرع- و هم ظاهر، لأن غاية ما قاله أهل اللغة ان رأس الإنسان معروف، و هو لا يفهم منه شيء، و اما في كتب الشرع فإن أراد بها كتب الفقهاء فقد عرفت دلالتها على دخول الرقبة في حكم غسل الرأس تصريحا في مواضع و تلويحا في أخرى، و ان أراد بها كتب الاخبار فلا يخفى انه ليس في شيء دلالة ظاهرة فضلا عن الصريحة على خروجها عن حكم غسل الرأس، بل فيها ما هو صريح في دخولها كحسنة زرارة المذكورة آنفا، اما ما

في صحيحة يعقوب بن يقطين (2) من عطف الوجه على الرأس لقوله (عليه السلام): «. ثم يصب الماء على

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 34 من أبواب الجنابة.

68

رأسه و على وجهه و على جسده كله.».

فالظاهر ان المراد به التنصيص على غسل الوجه من قبيل عطف الجزء على الكل، لا لكونه خارجا عن اسم الرأس و ان غسل الرأس لا يشمله لو لم يذكر حتى تكون الرقبة خارجة عن غسل الرأس بالطريق الأولى، إذ لو تم ذلك لزم الإخلال بذكر غسل الوجه في الاخبار الخالية عن التصريح بالوجه مع ورودها في معرض البيان و جواب السؤال عن كيفية الغسل، فلا مندوحة عن التزام دخوله في الرأس البتة كالتزام دخول الرقبة فيه في حسنة زرارة بل في سائر الأخبار. هذا، و العجب منه (سلمه الله) انه جعل المسألة من المتشابهات، و الظاهر انه عنى بها- كما فسره جماعة من الأخباريين- ما حصل فيه الاشتباه في نفس الحكم الشرعي بحيث لم يعلم وجهه و لذا عين فيها الاحتياط، و الحال انه استظهر خروج الرقبة عن حكم غسل الرأس كما هو صريح عبارته، فان كان هذا الاستظهار علم مأخذه من الاخبار و ظهر لديه صحته من الآثار، فالواجب عليه العمل بمقتضاه و عدم الالتفات الى ما سواه، فمن اين يجب إذ ذاك الاحتياط؟ و من اين تكون المسألة من المتشابهات التي حصل فيها الاشتباه؟ إذ مع الاستظهار للخروج لا اشتباه في الحكم الشرعي عنده، نعم الاحتياط أمر راجح للخروج عن عهدة التكليف على اليقين لكنه ليس بواجب على التعيين الا مع عدم ظهور الحكم الشرعي و اشتباهه، و ان كان منشأ هذا الاستظهار مجرد التخمين و الاعتبار من غير دليل واضح من الاخبار، فهو خلاف ما يتفوه به (سلمه الله) من عدم تعدي الآثار و الوقوف على مقتضى ما ورد عن الأئمة الأطهار، و بالجملة فالمسألة ليست من الشبهات كما ادعاه (سلمه الله) اما عندنا فلحكمنا بل جزمنا بدخول الرقبة في حكم غسل الرأس كما حققناه فيما سلف، و اما عنده فلتصريحه باستظهار خروجها عن غسل الرأس و الشبهة لا تجامع ظهور أحد الطرفين كما هو ظاهر» انتهى كلام الوالد عطر الله مرقده.

أقول: حيث كان شيخنا المحدث الصالح (قدس سره) شديد التصلب في مذهب الأخباريين اجترأ قلمه على المجتهدين، و كان الوالد (نور الله تربته) شديد

69

التعصب للمجتهدين جرى قلمه بالتعريض بالأخباريين، و قد عرفت في المقدمة الثانية عشرة من مقدمات الكتاب ما هو الأليق بالعلماء الأنجاب، من سد هذا الباب حذرا من طغيان الأقلام بمثل هذا الخطاب، و انجراره للقدح في العلماء الأطياب، و ارتكاب مخالفة السنة في ذلك و الكتاب، و قد أخبرني بعض الثقات انه بعد وقوف المحدث الصالح على كلام الوالد (قدس سرهما) رجع عما هو عليه إلى موافقة الأصحاب، و حينئذ فالظاهر ان ما ذهب اليه ناشىء عن عدم التأمل في المسألة و ملاحظة أدلتها.

و اما الفاضلان الآخران فظاهر كلاميهما يؤذن بالوقوف على الحسنة المتقدمة لكنهما يدعيان عدم صراحتها في الحكم المذكور. و فيه ما عرفت من كلام الولد (قدس سره) أقول: و مما يستأنس به لدخول الرقبة في غسل الرأس ظاهر

موثقة سماعة (1) حيث قال فيها: «. ثم ليصب على رأسه ثلاث مرات ملء كفيه ثم يضرب بكف من ماء على صدره و كف بين كتفيه ثم يفيض الماء على جسده كله. الحديث».

ثم ان وجوب الترتيب بين غسل الرأس و البدن مما انعقد عليه إجماعنا و استفاضت به أخبارنا، و ربما نقل عن الصدوقين و ابن الجنيد العدم، الا ان كلام الفقيه في صدر الباب فيما نقله عن أبيه في رسالته اليه و ان أشعر بذلك، حيث انه في بيان الكيفية عطف البدن على الرأس بالواو، الا انه في آخر الباب قال فيما نقله عن الرسالة أيضا: «فإن بدأت بغسل جسدك قبل الرأس فأعد الغسل على جسدك بعد غسل رأسك» و هذا الكلام و ما قبله مما أسنده إلى رسالة أبيه عين عبارة كتاب الفقه الرضوي، و بذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المدارك من توهم عدم اعتبار الصدوقين الترتيب هنا لعدم تعرضهما له في بيان الكيفية مع اشمال ما ذكراه على الواجب و المستحب، و لهذا ان جملة من متأخري المتأخرين إنما نقلوا خلاف الصدوقين و ابن الجنيد في نفس البدن.

و مما يدل على وجوب الترتيب هنا من الاخبار

حسنة زرارة (2) قال: «قلت كيف

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

70

يغتسل الجنب؟ فقال: ان لم يكن أصاب كفه شيء غمسها في الماء ثم بدأ بفرجه فأنقاه بثلاث غرف ثم صب على رأسه ثلاث أكف ثم صب على منكبه الأيمن مرتين و على منكبه الأيسر مرتين، فما جرى عليه الماء فقد أجزأه».

و قد رواه في المعتبر عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) و حينئذ فيخرج عن وصمة الإضمار الذي ربما طعن به في الاخبار و لعله (قدس سره) نقله عن بعض الأصول القديمة التي كانت عنده.

و صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن غسل الجنابة. فقال: تبدأ بكفيك فتغسلهما ثم تغسل فرجك، ثم تصب على رأسك ثلاثا ثم تصب على سائر جسدك مرتين، فما جرى عليه الماء فقد طهر».

و موثقة سماعة المتقدمة آنفا (2)

و حسنة زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من اغتسل من جنابة فلم يغسل رأسه ثم بدا له ان يغسل رأسه لم يجد بدا من اعادة الغسل».

و مقطوعة حريز (4) قال فيها: «و ابدأ بالرأس ثم أفض على سائر جسدك. الحديث».

و اما ما ورد بإزاء هذه الاخبار مما يدل بظاهره على عدم وجوب الترتيب مطلقا-

كصحيحة زرارة (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال: تبدأ فتغسل كفيك ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك و مرافقك ثم تمضمض و استنشق، ثم تغسل جسدك من لدن قرنك الى قدميك، ليس بعده و لا قبله وضوء، و كل شيء أمسسته الماء فقد أنقيته. الحديث».

و صحيحة أحمد بن محمد (6) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن غسل الجنابة.

فقال: تغسل يدك اليمنى، الى ان قال: ثم أفض على رأسك و جسدك، و لا وضوء فيه».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(2) ص 69.

(3) المروية في الوسائل في الباب 28 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 33 من أبواب الوضوء.

(5) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(6) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

71

و صحيحة يعقوب بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) و فيها «ثم يصب الماء على رأسه و على وجهه و على جسده كله ثم قد قضى الغسل و لا وضوء عليه».

فان ظاهرها من حيث إطلاقها و إجمالها و ورودها في مقام البيان و جواب السؤال عن الكيفية عدم وجوب الترتيب بين الرأس و الجسد- فمقتضى الجمع بينه و بين ما تقدم تقييد إطلاق هذه الاخبار بالاخبار المتقدمة كما هو مقتضى القاعدة المسلمة.

و اما

ما ورد في صحيحة هشام بن سالم (2)- قال: «كان أبو عبد الله (عليه السلام) فيما بين مكة و المدينة و معه أم إسماعيل فأصاب من جارية له فأمرها فغسلت جسدها و تركت رأسها. الحديث».

- ففيه ان هشام المذكور قد روى القصة المشار إليها

في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: «دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) فسطاطه و هو يكلم امرأة فأبطأت عليه، فقال: ادن هذه أم إسماعيل جاءت و انا أزعم ان هذا المكان الذي أحبط الله فيه حجها عام أول، كنت أردت الإحرام فقلت ضعوا لي الماء في الخباء، فذهبت الجارية بالماء فوضعته فاستخففتها فأصبت منها، فقلت اغسلي رأسك و امسحيه مسحا شديدا لا تعلم به مولاتك فإذا أردت الإحرام فاغسلي جسدك و لا تغسلي رأسك فتستريب مولاتك، فدخلت فسطاط مولاتها فذهبت تتناول شيئا فمست مولاتها رأسها فإذا لزوجة الماء فحلقت رأسها و ضربتها، فقلت لها هذا المكان الذي أحبط الله فيه حجك».

و من ثم حمل الشيخ (رحمه الله) و من تأخر عنه الخبر الأول على وهم الراوي في النقل و غلطه.

و احتمل شيخنا صاحب رياض المسائل ان يكون الغسل المأمور فيه بغسل الجسد أولا و ترك الرأس ليس غسل الجنابة بل غسل الإحرام، كما أشعرت به الرواية الثانية

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 34 من أبواب الجنابة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الجنابة.

(3) رواها في الوسائل في الباب 29 من أبواب الجنابة.

72

حيث قال فيها:

«فإذا أردت الإحرام فاغسلي جسدك و لا تغسلي رأسك»

قال:

«و هو لا يشترط فيه الترتيب عندنا لعدم الدليل عليه».

أقول: و لعله- و ان كان بعيدا- أقرب من الحمل على السهو و الغلط، لإيجابه القدح في الراوي المذكور بعدم التثبت في النقل الذي ربما قدح في العدالة، مع ان الرجل المذكور من أجلاء الرواة و معتمديهم.

و يمكن أيضا ان يقال- و لعله الأقرب- ان المأمور به منه (عليه السلام) غير مذكور، و لعل فعلها من غسل الجسد و ترك الرأس كان خطأ منها و خلاف ما أمرت به ثم انه (عليه السلام) أمرها بغسل رأسها وقت الركوب و تأخير غسل البدن الى وقت آخر و ان لم ينقله الراوي في تتمة الكلام، إذ لعل همه انما تعلق بنقل ما وقع من أم إسماعيل و ما أنكر به (عليه السلام) عليها.

و اما الترتيب في الجسد بين يمينه و يساره بتقديم الأول على الثاني فهو المشهور بين أصحابنا بل ادعى عليه الإجماع الا ان كلام الصدوق و كذا ابن الجنيد على ما نقل عنه خال منه، و المنقول ايضا عن ابن ابي عقيل عطف الأيسر على الأيمن بالواو كما في الاخبار و قد اعترض ذلك المحقق في المعتبر، حيث قال: «و اعلم ان الروايات قد دلت على وجوب تقديم الرأس على الجسد، و اما اليمين على الشمال فغير صريحة بذلك، و رواية زرارة دلت على تقديم الرأس على اليمين، و لا تدل على تقديم اليمين على الشمال، لان الواو لا تقتضي ترتيبا، فإنك لو قلت: «قام زيد ثم عمرو و خالد» دل ذلك على تقديم قيام زيد على عمرو، و اما تقديم عمرو على خالد فلا، و لكن فقهائنا اليوم بأجمعهم يفتون بتقديم اليمين على الشمال و يجعلونه شرطا في صحة الغسل، و قد افتى بذلك الثلاثة و اتباعهم» انتهى. و هو جيد و على حذوه جرى جملة من متأخري المتأخرين.

احتج شيخنا الشهيد الثاني في الروض على وجوب الترتيب هنا بان هذه الروايات و ان دلت صريحا على تقديم الرأس على غيره لعطف اليمين عليه ب«ثم» الدالة على التعقيب

73

لكن تقديم الأيمن على الأيسر استفيد من خارج ان لم نقل بإفادة الواو الترتيب كما ذهب اليه الفراء، بل على الجمع المطلق أعم من الترتيب و عدمه كما هو رأى الجمهور، إذ لا قائل بوجوب الترتيب في الرأس دون البدن و الفرق احداث قول ثالث، و لان الترتيب قد ثبت في الطهارة الصغرى على هذا الوجه و كل من قال بالترتيب فيها قال بالترتيب في غسل الجنابة، فالفرق مخالف للإجماع المركب فيهما، و ما ورد من الاخبار أعم من ذلك يحمل مطلقها على مقيدها. انتهى. و لا ريب في ضعف هذا الكلام لدخوله في باب المجازفة في أحكام الملك العلام. و استدل ايضا بوجوه أخر لا فائدة في التطويل بذكرها.

و لا بأس ببسط جملة من الاخبار الواردة في هذا المضمار زيادة على ما قدمناه ليظهر للناظر حقيقة الحال و جلية المقال:

فمن ذلك

صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن غسل الجنابة. فقال: تبدأ بكفيك فتغسلهما ثم تغسل فرجك ثم تصب على رأسك ثلاثا ثم تصب على سائر جسدك مرتين، فما جرى عليه الماء فقد طهر».

و موثقة أبي بصير أو صحيحته (2) على الخلاف فيه و ان كان الأرجح الثاني قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: تصب على يديك الماء فتغسل كفيك ثم تدخل يدك فتغسل فرجك ثم تتمضمض و تستنشق و تصب الماء على رأسك ثلاث مرات و تغسل وجهك، و تفيض على جسدك الماء».

و صحيحة حكم بن حكيم (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: أفض على كفك اليمنى من الماء فاغسلها، ثم اغسل ما أصاب جسدك من أذى ثم اغسل فرجك، و أفض على رأسك و جسدك فاغتسل، فان كنت في مكان

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

74

نظيف فلا يضرك ان لا تغسل رجليك، و ان كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك. الحديث».

الى غير ذلك من الاخبار الواردة على هذا المنوال، و كلها- كما ترى- جارية على خلاف ما ذكروه.

الا ان للوالد (نور الله تعالى تربته و أعلى رتبته) هنا تحقيقا حسنا لم أعثر عليه لا حد قبله في المقام، به يندفع الإيراد عما هو المشهور بين علمائنا الأعلام. قال- (طيب الله مرقده) بعد نقل جملة من الاخبار و شطر من كلام علمائنا الأبرار- ما صورته: «هذا و قد يستدل على وجوب الترتيب- كما هو المشهور- بالأخبار الواردة في غسل الميت الصريحة في الترتيب مضافا الى الاخبار الواردة بأن غسل الميت كغسل الجنابة، و حينئذ فيستفاد من مجموع الاخبار ان غسل الجنابة مرتب، اما الروايات بالترتيب في غسل الميت فكثيرة، كرواية يونس و رواية عبد الله الكاهلي و رواية عمار بن موسى و غيرها (1) و اما الروايات المتضمنة ان غسل الميت كغسل الجنابة فكثيرة أيضا، كرواية

محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «غسل الميت كغسل الجنابة.».

و رواية

محمد بن سليمان الديلمي عن أبيه عن ابي عبد الله (3) قال في حديث:

«ان رجلا سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن الميت لم يغسل غسل الجنابة؟ قال: إذا خرجت الروح من البدن خرجت النطفة التي خلق منها بعينها منه كائنا ما كان صغيرا كان أو كبيرا ذكرا أو أنثى، فلذلك يغسل غسل الجنابة.».

و في حديث عن الكاظم (عليه السلام) (4) و قد سئل عن الميت لم يغسل غسل الجنابة؟ فذكر حديثا يقول فيه: «إذا مات الميت سالت منه تلك النطفة بعينها- يعني التي خلق منها- فمن ثم صار يغسل غسل الجنابة».

و روى الصدوق (5) قال: «سئل الصادق (عليه السلام) لأي علة يغسل الميت؟ قال:

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

(2) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب غسل الميت.

(3) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب غسل الميت.

(4) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب غسل الميت.

(5) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب غسل الميت.

75

تخرج منه النطفة التي خلق منها، تخرج من عينيه أو من فيه. الحديث».

و في كتاب العلل (1) قال: «سألت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) عن غسل الميت لأي علة يغسل و لأي علة يغتسل الغاسل؟ قال: يغسل الميت لانه جنب. الحديث».

الى غير ذلك من الاخبار الصريحة في ان الكيفية و الترتيب الثابتين في غسل الأموات هما بعينهما الثابتان في غسل الجنابة، معللا ذلك بان الميت جنب لخروج النطفة التي خلق منها منه فأوجب ذلك تغسيله غسل الجنابة، و ذلك صريح في الدلالة على ان غسل الجنابة مرتب كما لا يخفى على ذي الذوق السليم و الذهن المستقيم، و يمكن ان يجعل ذلك من قبيل الاستدلال بالشكل الثالث، هكذا: غسل الميت غسل الجنابة، و غسل الميت مرتب، ينتج غسل الجنابة مرتب و هو المطلوب. (فان قلت): ان المعلوم الثابت من الحديث- خصوصا الأول- ان غسل الأموات كغسل الجنابة، و المشابهة لا تقتضي المساواة من كل وجه بل تحقق المشاركة في الجملة كاف (قلت): ان ذا الذوق السليم إذا تأمل مضمون هذه الاخبار و ما اشتملت عليه من التعليل لا يشك في ان الكيفية الترتيبية الثابتة في غسل الأموات مطابقة للكيفية الثابتة في غسل الجنابة، كما هو قضية الحكم بكونه غسل جنابة و قضية التعليل بخروج النطفة منه وقت خروج روحه، و لذا ورد في الخبر المذكور في العلل ان الميت جنب، و مع تمام هذا الاستدلال يؤيد بالإجماع المنقول عن الشيخ (رحمه الله) فلا يبعد تقييد إطلاق تلك الاخبار بذلك، فتأمل المقام فإنه حرى بالتأمل التام» انتهى كلامه رفعت في أوج العلاء أعلامه.

أقول: و من الاخبار الدالة على ما ذكره الوالد زيادة على ما نقله (قدس سره)

ما رواه في كتاب العلل و عيون الاخبار عن الرضا (عليه السلام) (2) في العلل التي رواها عنه محمد بن سنان في حديث قال فيه: «و علة اخرى انه يخرج منه الأذى الذي

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب غسل الميت.

76

منه خلق فيجنب فيكون غسله له. الحديث».

و ما رواه أيضا في كتاب العلل بسنده عن عباد بن صهيب عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) (1) انه «سئل ما بال الميت يغسل؟ قال النطفة التي خلق منها يرمى بها».

و ما رواه فيه ايضا بسنده الى عبد الرحمن بن حماد (2) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الميت لم يغسل غسل الجنابة؟ قال: ان الله تبارك و تعالى، و ساق الحديث الى ان قال: فإذا مات سالت منه تلك النطفة بعينها لا غيرها فمن ثم صار الميت يغسل غسل الجنابة».

و أنت خبير بان مقتضى هذه الاخبار المستفيضة- من حيث التعليل بكون الميت جنبا في بعض و بخروج النطفة في بعض- ان غسل الميت في الحقيقة غسل جنابة، و لا ينافيه التشبيه الواقع في صحيحة محمد بن مسلم لإشعاره بالمغايرة، إذ الظاهر ان المراد منه الإيماء الى ما ذكر من العلة و الا لم يكن لتخصيص التشبيه به نكتة، و لكن حيث كان اندراج غسل الميت في غسل الجنابة خفيا لخفاء علته، صح التشبيه للمغايرة بين طرفي التشبيه، إذ المعنى ان غسل الميت كغسل الجنابة المتعارف يومئذ لكونهما فردين من افراد غسل الجنابة الواقعي، و المغايرة بين افراد الماهية واضحة، و حينئذ فالظاهر ان خروج بعض الاخبار- الواردة في بيان الكيفية بالواو في عطف الأيسر على الأيمن، أو مشتملة على ذكر الجسد بعد الرأس من غير تعرض للجانبين- اعتماد على معلومية الحكم في زمانهم (صلوات الله عليهم) كما تقدم مثله في الترتيب بين الرأس و الجسد، فليحمل مطلقها على مقيدها في الموضعين. و الى القول بالترتيب كما هو المشهور يميل كلام المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (قدس سره) في كتاب الوسائل.

[كيفية الغسل الارتماسي]

و (ثانيهما)- الارتماس، و هو عند الأصحاب (رضوان الله عليهم) عبارة عن الدخول تحت الماء دفعة واحدة عرفية، قالوا: و لا ينافي الدفعة الاحتياج الى التخليل

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب غسل الميت. و لا يخفى ان حديث عبد الرحمن هو عين ما ذكره والده (قدس سرهما) عن الكاظم (ع).

(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب غسل الميت. و لا يخفى ان حديث عبد الرحمن هو عين ما ذكره والده (قدس سرهما) عن الكاظم (ع).

77

لو كان كثيف الشعر أو كان لجلده مكاسر أو نحو ذلك، لعدم إمكان التخلص عن مثل هذه الأشياء عادة، و لا خلاف بينهم في قيامه مقام الترتيب المتقدم ذكره.

و الأصل في ذلك الأخبار الواردة عن أهل الذكر (سلام الله عليهم):

و منها-

صحيحة زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال في حديثه المتقدم:

«. و لو ان رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و ان لم يدلك جسده».

و حسنة الحلبي (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله».

و رواية السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت له: الرجل يجنب فيرتمس في الماء ارتماسة واحدة و يخرج يجزئه ذلك عن غسله؟ قال: نعم».

و صحيحة الحلبي (4) قال: «حدثني من سمعه- يعني أبا عبد الله (عليه السلام)- يقول: إذا اغتمس الجنب في الماء اغتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله».

و ظاهر هذه الاخبار ان الارتماس رخصة و تخفيف و الأصل هو الترتيب، كما يومي اليه لفظ الاجزاء من غسله اي بدل غسله المعهود، ف«من» فيه مثلها في قوله سبحانه «. أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا مِنَ الْآخِرَةِ(5) اي بدلا من الآخرة، و لهذا جعل بعض محدثي متأخري المتأخرين الترتيب أفضل.

و ظاهر اشتراط الدفعة الواحدة العرفية- كما عرفت من كلام الأصحاب- انه لو حصل نوع تأن ينافي ذلك بطل الغسل، و لعلهم استندوا في اعتبار الدفعة المذكورة إلى قولهم (عليهم السلام) في الاخبار المذكورة: «ارتماسة واحدة» و الذي يظهر عند التأمل في الاخبار المشار إليها ان الظاهر ان المراد بالارتماسة الواحدة انما هو المقابلة بالارتماسات المتعددة، و بيان ذلك انه حيث كان الغسل الأصلي الذي استفاضت به

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(5) سورة المائدة الآية 38.

78

الاخبار و فعله النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) من بعده انما هو الترتيبي الذي هو عبارة عن التعدد في الغسل مرتين أو ثلاثا، و الغسل الارتماسي انما وقع رخصة كما عرفت، نبه (عليه السلام) على انه لا يحتاج في الغسل الارتماسي الى رمس كل عضو على حدة أو الى ارتماسات متعددة لأجل كل عضو، بل تكفي ارتماسة واحدة، فالوحدة هنا احتراز عن التعدد المعتبر في الغسل الأصلي لا بمعنى الدفعة، و حينئذ فلو حصل فيها تأن ينافي الدفعة العرفية لم يضر بصحة الغسل، الا ان ما ذكروه (رضوان الله عليهم) أحوط.

هل يجري الترتيب الحكمي في الغسل الارتماسي

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الظاهر انه لا ترتيب حكميا في الغسل الارتماسي كما هو اختيار الشيخ في المبسوط، و نقل فيه عن بعض الأصحاب انه يترتب حال الارتماس حكما، قال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد نقله ذلك عنه: «و ما نقله الشيخ يحتمل أمرين:

(أحدهما)- و هو الذي عقله عنه الفاضل انه يعتقد الترتيب حال الارتماس، و يظهر ذلك من المعتبر حيث قال: و قال بعض الأصحاب يرتب حكما. فذكره بصيغة الفعل المتعدي و فيه ضمير يعود الى المغتسل، ثم احتج بأن إطلاق الأمر لا يستلزم الترتيب و الأصل عدم وجوبه، فيثبت في موضع الدلالة، فالحجة تناسب ما ذكره الفاضل. (الأمر الثاني)- ان الغسل بالارتماس في حكم الغسل المرتب بغير الارتماس، و تظهر الفائدة لو وجد لمعة مغفلة فإنه يأتي بها و بما بعدها، و لو قيل بسقوط الترتيب بالمرة أعاد الغسل من رأس لعدم الوحدة المذكورة في الحديث، و فيما لو نذر الاغتسال مرتبا فإنه يبرأ بالارتماس.

لا على معنى الاعتقاد المذكور لانه ذكره بصورة اللازم المسند الى الغسل اي يترتب الغسل في نفسه حكما و ان لم يكن فعلا، و قد صرح في الاستبصار بذلك لما أورد وجوب الترتيب في الغسل و أورد إجزاء الارتماس، فقال: لا ينافي ما قدمناه من وجوب الترتيب لان المرتمس يترتب حكما و ان لم يترتب فعلا، لأنه إذا خرج من الماء حكم له أولا بطهارة رأسه ثم جانبه الأيمن ثم جانبه الأيسر، فيكون على هذا التقدير مرتبا،

79

قال: و يجوز ان يكون عند الارتماس يسقط مراعاة الترتيب كما يسقط عند غسل الجنابة فرض الوضوء. قلت: هذا محافظة على وجوب الترتيب المنصوص عليه بحيث إذا ورد ما يخالفه ظاهرا أول بما لا يخرج عن الترتيب، و لو قال الشيخ إذا ارتمس حكم له أولا بطهارة رأسه ثم الأيمن ثم الأيسر و يكون مرتبا، كان أظهر في المراد، لأنه إذا خرج من الماء لا يسمى مغتسلا، و كأنه نظر الى انه ما دام في الماء ليس الحكم بتقدم بعض على الآخر اولى من عكسه، لكن هذا يرد في الجانبين عند خروجه إذ لا يخرج جانب قبل آخر» انتهى كلام الذكرى.

أقول: و الظاهر ان أصل القول المذكور و ما وجه به من الاحتمالين و فرع عليه من الفائدتين تكلف محض في البين: (أما أولا)- فلان صريح الأخبار الواردة في المسألة الدلالة على اجزاء الارتماس دفعة واحدة و فراغ الذمة به من الغسل الواجب، و هو بيان لأحد نوعي الغسل، فإنه كما يقع ترتيبا- كما تقدم- يقع ارتماسا، فلا حاجة الى الجمع بين اخبار الطرفين كما ذكره الشيخ (قدس سره) و وجهه في الذكرى بأنه محافظة على وجوب الترتيب المنصوص، إذ لا دلالة في اخبار الترتيب على الاختصاص و الحصر فيه ليحتاج الى حمل هذه الاخبار على الترتيب الحكمي كما ذكروه. و (اما ثانيا)- فلانه لا معنى لهذا الترتيب الحكمي بكلا معنييه، اما ما ذكره الشيخ في الاستبصار فيما أورده عليه في الذكرى، و اما ما ذكره الفاضلان فلان قصد الترتيب و اعتقاده فيما لا ترتيب فيه خارجا غير معقول، و من ذلك يعلم حال التفريع على القولين.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان مورد اخبار الارتماس غسل الجنابة خاصة، و ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) تعدية الحكم الى ما عداه من الأغسال، و الظاهر انه من باب العمل بتنقيح المناط القطعي لعدم معلومية الخصوصية للجنابة في المقام، قال شيخنا الشهيد (قدس سره) في الذكرى- بعد إيراد روايتي زرارة و الحلبي المتقدمتين- ما لفظه: «و الخبران و ان وردا في غسل الجنابة و لكن لم يفرق أحد بينه و بين غيره

80

من الأغسال» انتهى. و أيده بعضهم برواية

الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «غسل الجنابة و الحيض واحد».

أقول: و يؤيده أيضا الأخبار المتظافرة بأن غسل الميت كغسل الجنابة كما تقدم بيانه.

[مسائل]

و تنقيح البحث في هذا المقصد يتم برسم مسائل

(الأولى) [الغسل تحت المجرى و المطر الغزير]

- اجرى الشيخ في المبسوط الوقوف تحت المجرى و المطر الغزير مجرى الارتماس في سقوط الترتيب، و نقل ذلك عن العلامة في جملة من كتبه، و طرد الحكم في التذكرة في الميزاب و شبهه، و نقل عن بعض الأصحاب انه أجرى الصب من الإناء الشامل للبدن مجرى ذلك ايضا، قال في الذكرى: «و هو لازم للشيخ ايضا» و منع ابن إدريس من ذلك و خص الحكم بالارتماس بالدخول تحت الماء دون هذه المذكورات، و اليه يشير كلام المحقق في المعتبر كما سيأتي و الأصل في هذه المسألة

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يجنب هل يجزيه من غسل الجنابة ان يقوم في المطر حتى يغسل رأسه و جسده و هو يقدر على ما سوى ذلك؟ فقال: ان كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ذلك».

و مرسلة محمد بن أبي حمزة عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3): «في رجل أصابته جنابة فقام في المطر حتى سال على جسده أ يجزيه ذلك من الغسل؟ قال نعم».

قال في المعتبر بعد نقل صحيحة علي: «و هذا الخبر مطلق و ينبغي ان يقيد بالترتيب في الغسل» و جعله في الذكرى أحوط، و قربه بعض فضلاء متأخري المتأخرين بناء على اعتبار ما دل على وجوب الترتيب في غسل الجنابة، لعموم دلالته الا ما خرج بالأخبار المختصة بالارتماس من كونه بالدخول تحت الماء فيكون غيره داخلا تحت العموم.

أقول: و قد تلخص من ذلك ان هنا شيئين: (أحدهما)- ان الغسل بالمطر هل يقع ترتيبا و ارتماسا أو يخص بالترتيب؟ فالشيخ و من تبعه على الأول و ابن إدريس

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 23 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

81

و من تبعه على الثاني، و أنت خبير بان ظاهر الخبرين المذكورين لا يأبى الانطباق على كلام الشيخ (رحمه الله) فان قوله في الخبر الأول-:

«ان كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه»

و تقييده الاجزاء في الثاني بالسيلان على جسده- لا يأبى ان يكون الاغتسال به ارتماسا مع كثرته و حصول الدفعة العرفية سيما على ما فسرنا به الدفعة آنفا، و ترتيبا ان لم يكن كذلك، فيجوز للمغتسل قصد الارتماس به على الأول و الترتيب على الثاني، و لعل في ذكر الشيخ الغزارة في عبارة المبسوط إشارة الى ذلك. و الى ما ذكرنا يشير كلام شيخنا البهائي و شيخنا المحقق في كتاب الحبل المتين و رياض المسائل. و ما يوهمه كلام ذلك الفاضل- من عموم أدلة الترتيب الا ما خرج بالدليل- فيه ان الأدلة المشار إليها لا عموم فيها بل بالخصوص انسب، لدلالة أكثرها على ان الغسل بالاغتراف من الأواني القليلة المياه، و ما يوهمه إطلاق بعضها في ذلك يمكن حمله على المقيد منها، فلا دلالة حينئذ على حكم الاغتسال بغير ذلك الفرد. و (ثانيهما)- انه هل يلحق بالمطر على تقدير جواز الارتماس به ما ذكر من تلك الأشياء أم لا؟ إشكال ينشأ من فقد النص عليه بخصوصه، لاختصاص الخبرين المذكورين بالمطر مع ما عرفت من المناقشة في الدلالة أيضا، و من العلة المشار إليها بالتعليق على الشرط في قوله في

صحيحة علي: «ان كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه»

و إطلاق قوله في

صحيحة زرارة (1): «الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله و كثيره فقد أجزأه».

و ما يقرب منه و يؤدي مؤداه، فإنه علق الاجزاء على جريان الماء على الجسد مطلقا، فإذا جرى دفعة بأي وجه وجب الحكم بالاجزاء و عدم الافتقار الى الترتيب. و لعله الأقرب.

(الثانية) [هل يعتبر في الغسل الارتماسي الخروج من الماء بالكلية قبله؟]

- هل يجب في الغسل ارتماسا في الماء الكثير الخروج من الماء بالكلية ثم إلقاء نفسه فيه دفعة، أم يجوز و ان كان بعضه في الماء بحيث ينوي و يدفع نفسه الى موضع آخر تحت الماء على وجه تختلف عليه سطوح الماء؟ ظاهر كلام جملة من متأخري

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الجنابة.

82

المتأخرين: منهم- الفاضل الخراساني في الكفاية و شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله ابن صالح البحراني (عطر الله مرقديهما) الأول، و المفهوم من كلام الأصحاب- كما تقدم في مسألة الماء المستعمل في الحدث الأكبر من نقل شطر من عبائرهم الدالة على النية بعد الارتماس في الماء- هو الثاني، و هو الذي سمعته من والدي (عطر الله مرقده) غير مرة، و هو الظاهر عندي: (أما أولا)- فلإطلاق الأخبار الواردة بالارتماس (1) فإنها أعم من ان يكون المرتمس خارج الماء بكله أو بعضه. و (اما ثانيا)- فلان الغسل المأمور به شرعا ليس إلا عبارة عن غسل البشرة المقارن للنية، و الغسل ليس إلا عبارة عن جرى جزء من الماء على جزءين من البشرة بنفسه أو بمعاون كما صرح به الأصحاب (رضوان الله عليهم) و لا يخفى حصول جميع ذلك في موضع البحث، فان المغتسل متى كان بعضه في الماء بل كله و قصد الغسل ثم دفع نفسه الى موضع آخر بحيث اختلفت عليه سطوح الماء الذي به يتحقق الجريان، فقد حصل الغسل المطلوب شرعا.

و لم أقف لأحد من الأصحاب (رضوان الله عليهم) على كلام في هذا المقام سوى الفاضل الشيخ علي سبط شيخنا الشهيد الثاني، فإنه قال في كتاب الدر المنظوم و المنثور بعد نقل كلام في المقام: «و ما أحدث في هذا الزمان- من كون الإنسان ينبغي ان يلقي نفسه في الماء بعد ان يكون جميع جسده خارجا عنه- ناشىء عن الوسواس المأمور بالتحرز منه، و من توهم كون الارتماس في الماء يدل على ذلك. و هذا ليس بسديد، لان الارتماس في الماء يصدق على من كان في الماء بحيث يبقى من بدنه جزء خارج و على من كان كله خارجا، بل ربما يقال انه صادق على من كان جميع بدنه في الماء و نوى الغسل بذلك مع حركة ما بل بغير حركة، و مثله ما لو كان الإنسان تحت المجرى أو المطر الغزير فإنه لا يحتاج الى ان يخرج أو يحصل له مكانا خاليا من نزول المطر أو الميزاب ثم يخرج اليه، و ينبغي على هذا ان لا يجوز غسل الترتيب في حال نزول المطر عليه و نحو ذلك.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

83

نعم لو قال (عليه السلام): «وقع في الماء دفعة واحدة» دل على ذلك، على انه لم ينقل عن أحد من علمائنا المتقدمين و المتأخرين فعل ذلك، و هو مما يتكرر فتتوفر الدواعي على نقله لغرابته فلو فعل لنقل، مع منافاته للشريعة السهلة السمحة خصوصا في أمر الطهارة، و إلقاء النفس الى ما يحتمل معه تعطل بعض الأعضاء لا ظهور له من الحديث، و كأن الشيطان (لعنه الله) يريد ان يسر بكسر أحد أعضاء بعض المؤمنين فيوسوس لهم ذلك و يحسنه.» انتهى. و هو جيد. و بما ذكرنا يظهر انه لا مانع من الغسل ترتيبا في الماء على الوجه المذكور، و يؤيده صحيحة علي بن جعفر و مرسلة محمد بن أبي حمزة السالفتان و صحيحة علي بن جعفر الواردة في الوضوء بالمطر حال تقاطره (1) و قد أشبعنا في هذه المسألة الكلام زيادة على ما في هذا المقام في أجوبة مسائل بعض الأعلام.

(الثالثة) [عدم وجوب الموالاة في الغسل]

- الظاهر انه لا خلاف في عدم وجوب الموالاة في الغسل بشيء من التفسيرين المتقدمين في الوضوء.

و يدل عليه ما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم الواردة في قضية أم إسماعيل (2).

و حسنة إبراهيم بن عمر اليماني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ان عليا (عليه السلام) لم ير بأسا ان يغسل الرجل رأسه غدوة و يغسل سائر جسده عند الصلاة».

و في صحيحة حريز المتقدمة في مسألة الموالاة في الوضوء (4) «. و ابدأ بالرأس ثم أفض على سائر جسدك. قلت: و ان كان بعض يوم؟ قال: نعم».

و ما ورد في كتاب الفقه الرضوي (5) حيث قال (عليه السلام): «و لا بأس بتبعيض الغسل: تغسل يديك و فرجك و رأسك و تؤخر غسل جسدك الى وقت الصلاة

____________

(1) ج 2 ص 358.

(2) ص 71.

(3) المروية في الوسائل في الباب 29 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 33 من أبواب الوضوء.

(5) ص 4.

84

ثم تغسل إن أردت ذلك».

إلا ان الأصحاب صرحوا باستحبابها هنا، و لم يفسروها بشيء من المعنيين المتقدمين، و لم يوردوا على ذلك ايضا دليلا في المقام، و ربما استدل على ذلك بمواظبة السلف و الخلف من العلماء و الفقهاء على مرور الأعصار بل الأئمة الأطهار (صلوات الله عليهم) الا انه لا يخلو من شوب الإشكال، إذ ربما يقال ان ذلك لما كان من الأفعال العادية التي هي أسهل و أقل كلفة في غالب الأحوال حصل المواظبة عليها لذلك. نعم ربما يمكن ان يستدل على ذلك بعموم آيات المسارعة إلى المغفرة و الاستباق الى الخير (1) و التحفظ من طريان المفسد. و المتابعة لفتوى جمع من الأصحاب بالاستحباب. و لا يخفى ما فيه ايضا.

و هل تجب متى خاف فجأة الحدث الأصغر كما في السلس و المبطلون؟ احتمال مبني على وجوب الإعادة بتخلل الحدث الأصغر كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. اما إذا خاف فجأة الحدث الأكبر فهل تجب محافظة على سلامة العمل من الابطال، أم لا لعدم استناد الابطال اليه مع وجوب الاستئناف؟ احتمالان أظهرهما الثاني لما ذكر، اما لو كان الحدث الأكبر مستمرا فالأقرب الأحوط اشتراطها في صحة الغسل، لعدم العفو عما سوى القدر الضروري كما تقدم مثله في الوضوء.

(الرابعة) [إغفال لمعة من البدن في الغسل الترتيبي و الارتماسي]

- قد عرفت ان الأظهر الأشهر وجوب الترتيب في الغسل الترتيبي بين الأعضاء الثلاثة، و حينئذ فلو أغفل المغتسل ترتيبا لمعة من بدنه فقد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه ان كان في الجانب الأيسر غسلها و ان كان في الأيمن فكذلك مع اعادة غسل الأيسر تحصيلا للترتيب.

و الذي وقفت عليه من الاخبار مما يتعلق بذلك

صحيحة أبي بصير عن ابي عبد الله

____________

(1) سورة آل عمران الآية 133 و سورة البقرة. الآية 148 و سورة المائدة.

الآية 48.

85

(عليه السلام) (1) قال: «اغتسل ابي من الجنابة فقيل له قد بقيت لمعة من ظهرك لم يصبها الماء. فقال له: ما كان عليك لو سكت؟ ثم مسح تلك اللمعة بيده».

و قد يستشكل في هذه الرواية من حيث إباء العصمة ذلك. و أجيب بأنه لعل الترك لقصد التعليم. و لا يخفى بعده. و الأقرب عندي حمل الخبر على عدم فراغه (عليه السلام) من الغسل و انصرافه عنه، فمعنى قوله (عليه السلام):

«اغتسل أبي»

اي اشتغل بالغسل فقيل له في حال الغسل، و التجوز في مثل ذلك شائع في الكلام، فلا منافاة فيه للعصمة. و ما ربما يتراءى من دلالة قول المخبر: «قد بقيت لمعة» على ذلك، فإن مرمى هذه العبارة انما يكون بالنسبة الى من فرغ من الغسل، فإنه يمكن ان يقال انه (عليه السلام) في حال الاشتغال بالغسل و تعديه إلى أسافل البدن مع بقاء تلك اللمعة في أعاليه استعجل الرائي لها باخباره بها، و الا فهو كان يرجع إليها بإمرار يده عليها مرة أخرى.

نعم قوله (عليه السلام):

«ما كان عليك لو سكت»

فيه تعليم للمخبر بعدم وجوب الاخبار بمثل ذلك.

و روى مثل ذلك

القطب الراوندي في نوادره بسنده فيه عن موسى بن إسماعيل عن أبيه عن جده موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: «قال علي (عليه السلام) اغتسل رسول الله (صلى الله عليه و آله) من جنابة فإذا لمعة من جسده لم يصبها ماء فأخذ من بلل شعره فمسح ذلك الموضع ثم صلى بالناس».

و صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) في حديث قال فيه: قال حماد و قال خريز قال زرارة: «قلت له: رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده في غسل الجنابة فقال: إذا شك ثم كانت به بلة و هو في صلاته مسح بها عليه، و ان كان استيقن رجع و أعاد الماء عليه ما لم يصب بلة، فإن دخله الشك و قد دخل في حال اخرى فليمض في

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 41 من أبواب الجنابة.

(2) رواه في البحار ج 18 ص 156.

(3) المروية في الوسائل في الباب 41 من أبواب الجنابة.

86

صلاته و لا شيء عليه، و ان استيقن رجع و أعاد عليه الماء، و ان رآه و به بلة مسح عليه و أعاد الصلاة باستيقان، و ان كان شاكا فليس عليه في شكه شيء فليمض في صلاته».

و أنت خبير بأن غاية ما يفهم من هذه الاخبار هو غسل موضع الخلل خاصة أعم من ان يكون في طرف اليمين أو اليسار، الا ان يقيد إطلاقها بما علم من الترتيب المتقدم و هو قريب في الخبرين الأولين باحتمال كون المغفل من الظهر في الأول و الجسد في الثاني داخلا في الجانب الأيسر الا انه في الثالث بعيد، أو يقال باستثناء موضع البحث و يؤيده ان إثبات وجوب الترتيب من الاخبار المتقدمة بحيث يشمل مثل هذه الصورة لا يخلو من الاشكال، و ظاهر الاخبار المذكورة أيضا الاكتفاء بمجرد مسحه بالبلة الباقية الا ان يحمل المسح على ما يحصل به الجريان و لو قليلا و الظاهر بعده، أو يقال بالاكتفاء بالمسح في مثل ذلك خاصة. و كيف كان فلا ريب ان الأحوط هو ما ذكروه (نور الله مراقدهم و أعلى مقاعدهم).

و لو كان إغفال اللمعة في الغسل الارتماسي فهل يعيد مطلقا، أو يكتفي بغسل اللمعة مطلقا، أو يغسلها و ما بعدها كالمرتب، أو يفصل بطول الزمان فالإعادة و عدمه فالاجتزاء بغسل اللمعة؟ احتمالات، و بالأول صرح الشهيد في الدروس و البيان، و قواه العلامة في المنتهى بعد ان نقله عن والده، معللا له بأن المأخوذ عليه الارتماس دفعة واحدة بحيث يصل الماء إلى سائر الجسد في تلك الدفعة،

لقول ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «إذا ارتمس ارتماسة واحدة أجزأه».

و من المعلوم عدم الاجزاء مع عدم الوصول. و بالثاني صرح العلامة في القواعد، و احتج عليه في المنتهى بعد ذكره احتمالا بان الترتيب سقط في حقه و قد غسل أكثر بدنه فأجزأه،

لقول ابي عبد الله (عليه السلام) (2): «فما جرى عليه الماء فقد أجزأه».

و اما الثالث فذكره في القواعد احتمالا مقويا له على الأول، و كأن وجهه البناء على ان الارتماس يترتب حكما أو نية و إلا فلا وجه له، و اما الرابع فاختاره المحقق

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(2) المروي في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

87

الشيخ علي في شرح القواعد و لم يذكر الوجه فيه، و الظاهر ان وجهه انه مع عدم الفصل الكثير تصدق الوحدة العرفية فيكون غسل اللمعة فقط مجزئا، و مع الفصل كذلك لا تصدق الوحدة المذكورة فتجب الإعادة.

و أنت خبير بان الحكم المذكور لخلوه من النص لا يخلو من الاشكال، لتدافع ما ذكروه من الوجوه في هذا المجال، بل ورود النقض فيها و الاختلال: (اما الأول) فلاحتمال صدق الارتماسة الواحدة عرفا و ان لم يصل الماء الى بعض يسير من جسده و لا سيما إذا كان ذلك لمانع. إذ الفرض ان جميع البدن تحت الماء، و اما الحيثية المذكورة فغير مفهومة من الارتماسة الواحدة. و (اما الثاني) فلان سقوط الترتيب في حقه لا مدخل له في عدم وجوب الإعادة، و غسل أكثر البدن لا مدخل له في العلية بل هو محض مصادرة، و الخبر الذي ذكره مورده الترتيب. و (اما الثالث) فقد عرفت انه لا وجه له الا البناء على الترتيب الحكمي و قد تقدم ما فيه. و (اما الرابع) فإنه انما يتم لو لم يخرج المغتسل من الماء، و اما إذا خرج فإنه لا يخلو اما ان يقول بدلالة الخبر الذي هو مستند الغسل الارتماسي على غسل جميع الأعضاء في الارتماسة الواحدة أم لا، فعلى الأول لا يخفى انه بعد الخروج و ان لم يقع فصل كثير لا يصدق على غسل اللمعة خارجا انه وقع في الارتماسة الواحدة، و على الثاني لا وجه للفرق بالاجزاء و عدمه بين طول الزمان و عدمه كما لا يخفى، و حينئذ فالواجب الوقوف على ساحل الاحتياط بالإعادة من رأس.

(الخامسة) [وجوب إجراء الماء في الغسل]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب اجراء الماء في الغسل تحقيقا لمسمى الغسل الوارد في الآية و الرواية، و لورود جملة من الاخبار بذلك، كقوله (عليه السلام)

في صحيحة محمد بن مسلم (1): «. فما جرى عليه الماء فقد طهر».

و قوله

في صحيحة زرارة (2): «الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله و كثيره

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الجنابة.

88

فقد أجزأه».

و غيرهما، و حينئذ فما يدل بظاهره على خلاف ذلك-

كرواية إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (1) «ان عليا (عليه السلام) قال: الغسل من الجنابة و الوضوء يجزئ منه ما أجزأ من الدهن الذي يبل الجسد».

و نحوها- محمول على أقل ما يحصل معه الجريان أو عوز الماء، و يؤيد الثاني ما

في كتاب الفقه الرضوي حيث قال (2) «و يجزئ من الغسل عند عوز الماء الكثير ما يجزئ من الدهن».

و قد تقدم في بحث الوضوء من التحقيق في المقام ما له مزيد نفع في إيضاح المرام.

(السادسة) [هل يجب في الغسل غسل شعر الجسد؟]

- المفهوم من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) تصريحا في مواضع و تلويحا في اخرى انه لا يجب غسل شعر الجسد كائنا ما كان خفيفا كان أو كثيفا، نعم يجب تخليله لا لإيصال الماء الى ما تحته، و ظاهر المعتبر و الذكرى الإجماع على الحكم المذكور، و ربما ظهر من عبارة المقنعة الخلاف في ذلك، حيث قال: «و إذا كان الشعر مشدودا حلته» الا ان الشيخ (رحمه الله) في التهذيب حملها على ما إذا لم يصل الماء إلى أصول الشعر الا بعد حله، و اما مع الوصول فلا يجب ذلك.

و استدل بعض الأصحاب على ذلك بأصالة العدم مما لم يرد الأمر بالتكليف به، إذ قصارى ما تدل عليه الاخبار الأمر بغسل الجسد: و الشعر لا يسمى جسدا،

و صحيحة الحلبي عن رجل عن ابي عبد الله عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (3) قال: «لا تنقض المرأة شعرها إذا اغتسلت من الجنابة».

و للنظر في ذلك مجال: (أما أولا)- فلمنع خروجه من الجسد و لو مجازا، كيف و هم قد حكموا بوجوب غسله في يدي الوضوء كما تقدم، معللين ذلك تارة بدخوله في محل الفرض و اخرى بأنه من توابع اليد، و حينئذ فإذا كان داخلا في اليد بأحد الوجهين المذكورين و اليد داخلة في الجسد كان داخلا في الجسد البتة، و لو سلم خروجه عن الجسد

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 52 من أبواب الوضوء.

(2) ص 3.

(3) المروية في الوسائل في الباب 38 من أبواب الجنابة.

89

فلا يخرج عن الدخول في الرأس و الجانب الأيمن و الأيسر المعبر بها في جملة من الاخبار و (اما ثانيا)- فلانه لا يلزم من عدم النقض في صحيحة الحلبي عدم وجوب الغسل، لإمكان الزيادة في الماء حتى يروى،

كما في حسنة الكاهلي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في المرأة التي في رأسها مشطة حيث قال (عليه السلام): «. فإذا أصابها الغسل بقذر مرها ان تروي رأسها من الماء و تعصره حتى يروى فإذا روى فلا بأس عليها. الحديث».

و (اما ثالثا)-

فلما روي في صحيحة حجر بن زائدة عن الصادق (عليه السلام) (2) انه قال: «من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار».

و التأويل بالحمل على ان المراد بالشعرة ما هو قدرها من الجسد لكونه مجازا شائعا كما ذكروا و ان احتمل الا انه خلاف الأصل فلا يصار اليه الا بدليل، إذ وجوب غسل الجسد كملا في الغسل و عدم صحته الا بذلك مما تكفلت به الأخبار المستفيضة، و يزيد ذلك بيانا و تأكيدا

ما روي عنه (صلى الله عليه و آله) مرسلا من قوله: «تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر و انقوا البشرة» (3).

و ما ورد في حسنة جميل (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما تصنع النساء في الشعر و القرون. فقال: لم تكن هذه المشطة إنما كن يجمعنه ثم وصف أربعة امكنة ثم قال يبالغن في الغسل».

و صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: «حدثتني سلمى خادمة رسول الله (صلى الله عليه و آله) قالت: كان اشعار نساء النبي (صلى الله عليه و آله) قرون رؤوسهن مقدم رؤوسهن فكان يكفيهن من الماء شيء قليل، فاما النساء الآن فقد ينبغي لهن ان يبالغن في الماء».

و من ثم قوى بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين وجوب غسله، قائلا

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 38 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الجنابة.

(3) كما في سنن ابن ماجة ج 1 ص 207 و المغني ج 1 ص 228، و في الأول «فاغسلوا الشعر».

(4) المروية في الوسائل في الباب 38 من أبواب الجنابة.

(5) المروية في الوسائل في الباب 38 من أبواب الجنابة.

90

بعد الطعن في أدلة المشهور: «انه ان ثبت إجماع فعليه المعتمد في الفتوى و الا فوجوب غسل الشعر كما هو الموافق للاحتياط و التقوى هو الأقوى» و الى ذلك ايضا يميل كلام شيخنا البهائي (عطر الله مرقده) في الحبل المتين.

و العجب من شيخنا الشهيد الثاني (رحمه الله) في شرح الألفية، حيث قال- بعد ان صرح بعدم وجوب غسل الشعر الا ان يتوقف عليه غسل البشرة- ما لفظه:

«و الفرق بينه و بين شعر الوضوء النص» انتهى. فانا لم نقف على نص في هذا الباب و لا نقله ناقل من الأصحاب سوى ما ذكرنا هنا من الاخبار، و هي ان لم تدل على غسل الشعر فلا أقل ان لا تدل على عدمه، و اما في الوضوء فغاية ما تمسكوا به بالنسبة إلى شعر الوجه دخوله فيما يواجه به و بالنسبة إلى اليد فبدعوى التبعية و التغليب لاسم اليد على جميع ما عليها كما عرفت. و بالجملة انه لا دليل لهم في الفرق إلا الإجماع ان تم.

(السابعة) [وجوب تخليل ما يمنع وصول الماء إلى الجسد]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب تخليل ما يمنع وصول الماء الى الجسد من شعر و غيره، و يدل عليه عموم ما علق فيه الحكم على الجسد من الاخبار. و خصوص

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المرأة عليها السوار و الدملج في بعض ذراعها لا تدري يجري الماء تحتهما أو لا، كيف تصنع إذا توضأت أو اغتسلت؟ قال: تحركه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه. الحديث».

و حينئذ فما أشعر بخلاف ذلك-

كحسنة الحسين بن ابى العلاء (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخاتم إذا اغتسلت قال: حوله من مكانه، و قال في الوضوء تديره، فان نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك ان تعيد الصلاة».

حيث دلت على اغتفاره مع النسيان و ان ذكره بعده، و هو خلاف ما عليه الأصحاب، و بمضمون هذه الرواية صرح في الفقيه (3) فقال: «فإذا كان مع

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 41 من أبواب الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب 41 من أبواب الوضوء.

(3) ج 1 ص 31 و في الوسائل في الباب 41 من أبواب الوضوء.

91

الرجل خاتم فليدره في الوضوء و يحوله عند الغسل.

و قال الصادق (عليه السلام): ان نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك ان تعيد».

و صحيحة إبراهيم بن ابى محمود (1) قال: «قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يجنب فيصيب جسده و رأسه الخلوق و الطيب و الشيء اللكد مثل علك الروم و الطرار و ما أشبهه، فيغتسل فإذا فرغ وجد شيئا قد بقي في جسده من اثر الخلوق و الطيب و غيره؟ قال: لا بأس».

- يجب ارتكاب جادة التأويل فيه بحمل الخبر الأول على الخاتم الذي لا يمنع وصول الماء و يكون الأمر بالإدارة و التحويل محمولا على الاستحباب. و الخبر الثاني بالحمل على الأثر الذي لا يمنع الوصول.

و يظهر من بعض فضلاء متأخري المتأخرين الميل الى العمل بظاهر الخبرين المذكورين من عدم الاعتداد ببقاء شيء يسير لا يخل عرفا بغسل جميع البدن اما مطلقا أو مع النسيان لو لم يكن الإجماع على خلافه، ثم قال: «لكن الاولى ان لا يجترأ عليه» انتهى. و الأقرب ارتكاب التأويل فيهما بما ذكرناه. و أظهر منهما في قبول التأويل المذكور

رواية إسماعيل بن ابى زياد عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال:

«كن نساء النبي (صلى الله عليه و آله) إذا اغتسلن من الجنابة يبقين صفرة الطيب على أجسادهن، و ذلك ان النبي (صلى الله عليه و آله) أمرهن أن يصببن الماء صبا على أجسادهن».

(الثامنة)- محل الغسل هو الظواهر من الجسد

بلا خلاف، قال في المنتهى:

«و يجب عليه إيصال الماء الى جميع الظاهر من بدنه دون الباطن منه بلا خلاف».

أقول: و يدل على ذلك

مرسلة أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابه (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الجنب يتمضمض و يستنشق؟ قال: لا انما يجنب الظاهر».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 30 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 30 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 24 من أبواب الجنابة.

92

و رواية عبد الله بن سنان (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا يجنب الأنف و الفم لأنهما سائلان».

و روى الصدوق في العلل عن أبي يحيى الواسطي عمن حدثه (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الجنب يتمضمض؟ فقال: لا انما يجنب الظاهر و لا يجنب الباطن، و الفم من الباطن».

قال: و روي في حديث آخر ان الصادق (عليه السلام) قال في غسل الجنابة: «ان شئت ان تتمضمض أو تستنشق فافعل و ليس بواجب، لان الغسل على ما ظهر لا على ما بطن».

أقول: و بهذه الاخبار يجمع بين ما دل على الأمر بالمضمضة و الاستنشاق و ما دل على نفيهما كما سيأتي ذكره ان شاء الله بحمل ما دل على النفي على نفي الوجوب و ما دل على الأمر على الاستحباب،

و في خبر زرارة أيضا (3): «. إنما عليك ان تغسل ما ظهر».

و من البواطن الثقب الذي يكون في الاذن للحلقة إذا كان بحيث لا يرى باطنه للناظر، و به صرح في المدارك و جزم به شيخه المولى الأردبيلي، و نقل عن المحقق الشيخ علي (ره) في حاشية الشرائع انه حكم بإيصال الماء الى باطنه مطلقا. و لا يخفى ما فيه. و ينبغي ان يعلم ايضا ان الظاهر وجوب غسل باطن الأذنين و هو ما يرى للناظر من سطح باطنهما عند تعمد الرؤية لدخوله في الظاهر و ان توقف على التخليل وجب، قال في التذكرة في تعداد واجبات الغسل: «و يغسل أذنيه و باطنهما و لا يدخل الماء فيما بطن من صماخه» و على ذلك يحمل ايضا ما ذكره في المقنعة حيث قال: «و يدخل إصبعيه السبابتين في أذنيه فيغسل باطنهما و يلحق ذلك بغسل ظاهرهما».

(التاسعة) [الارتماس في الماء الراكد]

- قال شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) في المقنعة: «و لا ينبغي له ان يرتمس في الماء الراكد، فإنه ان كان قليلا أفسده و ان كان كثيرا خالف السنة بالاغتسال فيه».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 24 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 24 من أبواب الجنابة.

(3) المروي في الوسائل في الباب 29 من أبواب الوضوء.

93

و استدل له الشيخ (رحمه الله) في التهذيب بالنسبة إلى الحكم الأول بأن الجنب حكمه حكم النجس الى ان يغتسل فمتى لاقى الماء الذي يصح فيه قبول النجاسة فسد، و بالنسبة الى الثاني

بصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (1) قال: «كتبت الى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء أو يستقى فيه من بئر فيستنجي فيه الإنسان من بول أو يغتسل فيه الجنب. ما حده الذي لا يجوز؟ فكتب: لا تتوضأ من مثل هذا إلا من ضرورة إليه».

ثم قال (قدس سره) قوله:

«لا تتوضأ من مثل هذا إلا من ضرورة إليه»

يدل على كراهة النزول فيه، لانه لو لم يكن مكروها لما قيد الوضوء و الغسل منه بحال الضرورة. انتهى.

و لا يخفى عليك ما في أول استدلاليه، فإنه مجرد دعوى لم يقم عليها دليل، و لم يقل بها أحد قبله و لا بعده من الأصحاب جيلا بعد جيل، و إطلاق أخبار الارتماس شامل لما لو كان الغسل بالماء القليل، و قد ادعى المحقق في المعتبر الإجماع على طهارة غسالة الجنب الخالي بدنه من النجاسة العينية، و عبارة المقنعة و ان أشعرت بذلك ظاهرا الا انه يمكن حملها على تلوث بدن الجنب بالنجاسة كما هو الغالب الذي انصبت عليه أخبار كيفية الغسل حسبما تقدم بيانه، مع ان

رواية محمد بن ميسر عن الصادق (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق و يريد ان يغتسل منه و ليس معه إناء يغرف به و يداه قذرتان؟ قال: يضع يده و يتوضأ ثم يغتسل، هذا مما قال الله تعالى: وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.» (3).

- تدل بظاهر إطلاقها على جواز الغسل و ان كان ارتماسا مع إمكانه استنادا الى نفي الحرج الدال على الامتنان المناسب للتعميم.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب الماء المطلق.

(2) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الماء المطلق.

(3) سورة الحج الآية 78.

94

و اما ما أجاب به (قدس سره) عن هذا الخبر- حيث قال بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه من الاستدلال الأول: «و ليس ينقض هذا الحديث الذي رواه محمد بن يعقوب ثم ساق الخبر و قال: لان معنى هذا الخبر ان يأخذ الماء من المستنقع بيده و لا ينزله بنفسه و يغتسل بصبه على بدنه، فاما إذا نزله فسد حسبما بيناه» انتهى- ففيه ان التخصيص بما ذكره يحتاج الى دليل، و ما ذكره من التعليل الأول قد عرفت ما فيه فلا يصلح للتخصيص نعم ربما يقال ان مبنى كلام الشيخين (نور الله تعالى مرقديهما) هنا على ما ذهبا اليه من المنع من استعمال الماء المستعمل في الحدث الأكبر، كما تقدم بيانه في محله و يشير اليه تعبيرهما بالإفساد، و حاصل مرادهما انه بعد الارتماس فيه يفسد بمعنى يمتنع استعماله في طهارة أخرى، حيث ان حكم الجنب في اغتساله من القليل و إفساده له حكم النجس في ملاقاته للقليل و تنجيسه له كما علله في التهذيب، لا ان المراد بإفساد الماء تنجيسه كما ذكرنا أولا، و هو الذي عقله عنهما جمع من فضلاء المتأخرين، ليرد عليه ما ذكرنا آنفا، بل المراد بإفساده سلب طهوريته كما هو مذهبهما (رضي الله عنهما) لكن لا بالنسبة إلى المغتسل بمعنى انه بالارتماس يصير الماء بأول ملاقاة الجنب له بقصد الاغتسال مستعملا مسلوب الطهورية، ليرد عليه ما ذكره شيخنا المحقق صاحب رياض المسائل، من انهم ان أرادوا بصيرورته مستعملا بالملاقاة المذكورة انه لا يجوز استعماله بالنسبة إلى المغتسل و الى غيره فهو واضح الفساد، و الا لزم عدم طهارة المغتسل و لو مرتبا لانه لا ينفك عن جريان الماء من جزء بدنه الى جزء آخر، و ان أرادوا بها انه لا يجوز استعماله بالنسبة إلى غيره فلا ينفعهم. انتهى ملخصا، فان فيه انه لم يصرح في المقنعة بما ينافي ذلك أو ينافره، و انما غرضه التنبيه على حكم في البين و هو ان الارتماس في الماء القليل يوجب إفساده و عدم رفع الحدث به فلا ينبغي للجنب ذلك، و هذا معنى صحيح لا غبار عليه و لا يتوجه القدح اليه، و في التعبير ب«لا ينبغي» إشعار بذلك.

و اما ثاني استدلالية فقد مر ما يتضح الحال به صحة و إبطالا في الفائدة الحادية

95

عشرة من مسألة الماء المستعمل في الطهارة الكبرى (1).

(العاشرة) [وجوب غسل الحد المشترك مع الجانبين]

- لا يخفى انه حيث لا مفصل محسوس بين الجانب الأيمن و الأيسر في أعالي البدن فالواجب في الغسل الترتيبي- بناء على المشهور من وجوب الترتيب بينهما- غسل الحد المشترك مع كل من الجانبين من باب المقدمة، و استظهر جمع من الأصحاب الاكتفاء بغسل العورة مع أحد الجانبين، و حكم بعض بغسلها مع كل من الجانبين، و يمكن توجيه الأول بأن العورة لما كانت عضوا مستقلا و ليست داخلة في الحد المشترك بين الجانبين ليجب غسلها مرتين فالواجب غسلها مرة واحدة مع اي الطرفين كان، و التكليف بالتعدد يحتاج الى دليل. و يمكن خدشه بان مقتضى ما دلت عليه الاخبار المشتملة على ذكر الجانبين غسل كل منهما، و حينئذ فلو كانت العورة عضوا زائدا لكانت متروكة الذكر في تلك الاخبار، و بذلك يظهر رجحان القول الثاني مضافا الى أوفقيته للاحتياط.

(الحادية عشرة) [وجوب المباشرة في الغسل]

- الظاهر انه لا خلاف في وجوب المباشرة إلا ما ينقل عن ظاهر ابن الجنيد من جواز تولي الغير، و ظاهر الآية و الاخبار يرده لظهورها في فعل المكلف نفسه، حتى انه لو اضطر إلى التولية فلا بد من حصول القصد منه، قال عز و جل: «. حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا(2) و قال: «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا(3) و هو ظاهر في توجه الخطاب للمكلف نفسه فلا يجزيه فعل غيره به ذلك. و نحوها الاخبار. و قول ابن الجنيد هنا جار على ما تقدم نقله عنه في الوضوء، و قد تقدم الكلام في المسألة مستوفى، و المنقول عنه هنا على ما ذكره في الذكرى انه قال: «و ان كان غيره يصب عليه الماء من إناء متصل الصب أو كان تحت أنبوب قطع ذلك ثلاث مرات يفصل بينهن بتخليل الشعر بكلتا يديه» و هو ظاهر في التولية، و فيه ما عرفت.

____________

(1) ج 1 ص 457.

(2) سورة النساء. الآية 43.

(3) سورة المائدة. الآية 6.

96

و يمكن الاستدلال على ذلك ايضا بقوله عز و جل: «فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً» (1) بالتقريب الذي ذكره مولانا الرضا (عليه السلام) في رواية

الوشاء (2) حيث استدل على تحريم التولية بالآية المذكورة و الرواية و ان كان موردها الوضوء و صب الحسن الوشاء عليه الماء انما هو للوضوء الا ان قوله (عليه السلام) في الخبر المذكور بعد الاستدلال بالآية: «و ها انا ذا أتوضأ للصلاة و هي العبادة فأكره أن يشركني فيها أحد».

يشعر بأن التولية في طهارة العبادة التي لا تستباح الا بها مطلقا نوع من أنواع الشرك، و قد تقدم بيان معنى الخبر المذكور و دلالته على التحريم و ان مورده التولية دون الاستعانة كما توهمه جملة من أصحابنا (رضي الله عنهم).

(الثانية عشرة) [هل يكفي إجراء ماء الغسل بقصد رفع الحدث لإزالة النجاسة؟]

- قد صرح الأصحاب من غير خلاف يعرف بإزالة النجاسة عن البدن أولا ثم الغسل ثانيا، الا انهم اختلفوا في ان ذلك هل هو على جهة لوجوب أو الاستحباب؟ قولان: ظاهر القواعد الأول، و نقله بعض مشايخنا عن جملة من الأصحاب أيضا، و صريح العلامة في النهاية الثاني، و به جزم ثاني المحققين في شرح القواعد، و قبله أيضا أول الشهيدين على ما نقله شيخنا المتقدم ذكره، بمعنى ان الواجب انما هو تطهير المحل النجس أولا قبل اجراء ماء الغسل عليه بحيث كلما طهر شيئا غسله تدريجا، و اما تقديم ذلك على أصل الغسل فهو الأفضل.

و ربما أيد الأول ظواهر الأخبار الواردة في كيفية الغسل (3) حيث اشتملت على عطف الغسل على الأمر بالإزالة ب«ثم» المرتبة و لعل «ثم» في هذا المقام منسلخة عن الترتيب، إذ لا يعقل لوجوب التقديم على أصل الغسل وجه، لان الغرض

____________

(1) سورة الكهف الآية 110.

(2) المروية في الوسائل في الباب 47 من أبواب الوضوء.

(3) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

97

انما هو اجراء الغسل على محل طاهر و هو يحصل بالتدريج. و يمكن ان يكون مخرج الأخبار- كما هو ظاهرها- انما هو بالنسبة إلى العورة التي هي محل النجاسة المعهودة أو نحوها من الأماكن اليسيرة كالإصبع و نحوها، و فرض المسألة في نجاسة منتشرة أو متعددة بحيث يندرج فيها كما هو محل البحث بعيد عن سياق الاخبار المشار إليها كما لا يخفى على من راجعها.

و كيف كان فمرجع القولين الى وجوب إزالة النجاسة قبل اجراء ماء الغسل، و انه لا يجزئ اجراء ماء الغسل المقصود به رفع الحدث لإزالة النجاسة الخبثية.

و هو المشهور في كلام المتأخرين خلافا للشيخ في المبسوط كما سيأتي نقل كلامه، معللين ذلك (أولا)- بأنهما سببان متغايران فيجب تغاير مسببيهما، و الأصل عدم التداخل.

و (ثانيا)- بان الماء القليل ينجس بالملاقاة فإذا ورد على المحل النجس تنجس به فلا يقوى على رفع الحدث فلا بد من طهارة المحل أولا. قال الشيخ علي في شرح القواعد بعد قول المصنف (رحمه الله): «لا يجزئ غسل النجس من البدن عن غسله من الجنابة بل يجب إزالة النجاسة أولا ثم الاغتسال ثانيا» ما صورته: «انما وجب ذلك لأنهما سببان فوجب تعدد حكمهما، لان التداخل خلاف الأصل، و لأن ماء الغسل لا بد أن يقع على محل طاهر و الا لأجزأ الغسل مع بقاء عين النجاسة، و لانفعال القليل و ماء الطهارة يشترط ان يكون طاهرا إجماعا» انتهى، و على هذا المنوال جرى كلام غيره في هذا المجال.

و فيه ان ما ذكروه- من ان تعدد السبب يقتضي تعدد المسبب و ان الأصل عدم التداخل- لم نقف له على دليل يعتد به بل ظواهر النصوص ترده كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في مسألة تداخل الأغسال، على انه قد أورد عليه ايضا انا لا نسلم ان اختلاف السبب يقتضي تعدد المسبب، لان مقتضى التكليف وجود المسبب عند حصول السبب، اما كونه مغايرا للأمر المسبب عن سبب آخر فتكليف آخر يحتاج الى دليل

98

و الأصل عدمه، فما ذكره من ان التداخل خلاف الأصل ضعيف. انتهى. و هو جيد و اما ما ذكروه من ان ماء الغسل لا بد أن يقع على محل طاهر فهو على إطلاقه ممنوع، و ما استندوا اليه من انه لو لم يكن كذلك للزم اجزاء ماء الغسل مع بقاء عين النجاسة، ان أريد به مع بقائها بحيث تمنع من وصول الماء الى البدن فبطلان الثاني مسلم لكن الملازمة ممنوعة، لجواز وقوع الغسل على المحل النجس بشرط عدم المنع، و ان أريد مع عدم بقائها أو بقائها مع عدم المنع فبطلان الثاني ممنوع لعدم الدليل عليه. و اما ما ذكروه من انفعال القليل و اشتراط طهارة الماء إجماعا، ان أريد به الإجماع على طهارته قبل الوصول فمسلم لكن لا ينفعهم، و ان أريد به الإجماع على الطهارة بعد الوصول فهو ممنوع إذ هو مصادرة على المطلوب حيث انه محل النزاع، و نظيره غسل النجاسات، فإنه لا يكون الا بماء طاهر قبل الورود. و نجاسته بعد الورود- بنجاسة المحل المغسول على تقدير القول بنجاسة القليل- لا تسلبه الطهورية، على ان مذهب العلامة انه حال الورود ايضا طاهر لانه لا ينجس عنده الا بعد الانفصال.

و مما يؤيد ما ذكرنا في هذا المقام ان ازالة النجاسة في التحقيق ترجع الى التروك و تصير من قبيلها حيث ان المطلوب ترك النجاسة دون الأفعال، فلا تقتضي فعلا يختص بها، بل يكتفى فيها بتحققها بأي وجه اتفق مع صدق مسمى الغسل المعتبر على ذلك التقدير، الا ترى انه لو وقع الثوب النجس في الماء اتفاقا أو اصابه المطر طهر البتة و اصابة ماء الغسل من هذا القبيل.

نعم ربما يستدل لهم بظواهر الأخبار الواردة في بيان كيفية غسل الجنابة (1) المشتملة على تقديم الإزالة و عطف الغسل عليها ب«ثم» المرتبة. و يضعف باشتمالها على جملة من المستحبات و عد ذلك في قرنها كغسل اليدين و المضمضة و الاستنشاق و نحوها.

الا ان يجيبوا عن ذلك بأنه قد قام الدليل على الاستحباب في تلك الأشياء، فحمل الأمر

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

99

في الاخبار المذكورة عليه لا اشكال فيه، و اما ما لم يقم فيه دليل فيجب إبقاء الأمر فيه على حقيقته من الوجوب. إلا انك قد عرفت ان جملة من القائلين بوجوب تقديم الإزالة لا يقولون به قبل الغسل و انما يوجبونه تدريجا، و على تقديره لا يمكن حمل الأوامر المذكورة في الأخبار على الوجوب، مع انه من المحتمل قريبا ان الأمر بتقديم الإزالة في الأخبار المشار إليها و عدم الاكتفاء بماء الغسل انما هو من حيث خصوص نجاسة المني الذي هو مورد تلك الأخبار و لا سيما بعد يبسه، فإنه يحتاج الى مزيد كلفة و ذلك لثخانته و لزوجته، فلذا وقع الأمر بالإزالة أولا، و احتمال غيره من النجاسات بعيد عن سياق الأخبار المشار إليها.

و ربما يستدل لهم أيضا

بصحيحة حكم بن حكيم (1) حيث قال (عليه السلام) في آخرها بعد ذكر الغسل: «فان كنت في مكان نظيف فلا يضرك ان لا تغسل رجليك، و ان كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك».

فإنه ظاهر في عدم الاكتفاء بماء الغسل لإزالة النجاسة الخبثية بل لا بد من ماء آخر لإزالتها. و يمكن تطرق القدح الى ذلك بأنه لا ظهور له في تقديم إزالة النجاسة بل غايته الدلالة على وجوب غسل آخر، و من المحتمل ان يكون ذلك بعد تمام الغسل، لعدم زوال النجاسة بماء الغسل و ان ارتفع به الحدث كما هو المفهوم من كلام الشيخ (رحمه الله) الآتي ذكره، و إذا تطرق الاحتمال لم يتم الاستدلال بها.

و قال في المبسوط: «و ان كان على بدنه نجاسة أزالها ثم اغتسل، و ان خالف و اغتسل أولا ارتفع حدث الجنابة و عليه ان يزيل النجاسة ان كانت لم تزل، و ان زالت بالاغتسال فقد أجزأ عن غسلها» انتهى. و هو- كما ترى- يدل على أحكام ثلاثة: (أحدها)- ان طهارة المحل ليست شرطا في الغسل كما ادعاه المتأخرون.

و (ثانيها)- ان الغسل الواحد يجزئ لرفع الحدث و الخبث معا، خلافا لما ذكروه أيضا

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 27 من أبواب الجنابة.

100

من وجوب تعدد المسبب بتعدد السبب. و (ثالثها)- انه لو لم تزل النجاسة الخبثية ارتفع حدثه و وجب عليه ازالة النجاسة الخبثية بعد الغسل، الا انه يجب تقييد هذا الحكم بما إذا لم يكن للنجاسة عين مانعة من وصول الماء الى البدن، و الا فلا ريب في بطلان الغسل لوجوب إيصال الماء إلى البشرة.

و جملة من المتأخرين بعد نقل كلام الشيخ المذكور اعترضوه: منهم- العلامة في المختلف حيث قال بعد نقله: «و الحق عندي ان الحدث لا يرتفع الا بعد إزالة النجاسة، لأن النجاسة إذا كانت عينية و لم تزل عن البدن و لم يحصل إيصال الماء الى جميع البدن فلا يزول حدث الجنابة، و ان كانت حكمية زالت بنية غسل الجنابة» و قال في الذكرى بعد نقله ايضا: «و يشكل بان الماء ينجس فكيف يرفع الحدث، و الاجتزاء بغسلها عن الأمرين مشكل أيضا.

أقول: اما ما ذكره العلامة (رحمه الله) فقيه أن صحة الغسل مع بقاء النجاسة لا ينحصر في بقاء عينها على البدن على وجه يمنع وصول الماء إلى البشرة حتى انه يمنع ارتفاع النجاسة، بل يمكن ذلك مع بقائها على وجه لا يمنع من وصول الماء و انتقالها من محل الى آخر، و من الظاهر البين ان الشيخ لم يرد الا ما ذكرناه كما قدمنا الإشارة إليه، إذ لا يخفى على من هو دونه وجوب إيصال الماء إلى البشرة، و حينئذ فيطهر عنده البدن من النجاسة الحدثية و ان بقيت الخبثية. بقي الكلام في قوله (رحمه الله): «و ان كانت حكمية زالت بنية غسل الجنابة» و الظاهر انه أراد بالحكمية ما لا عين له من النجاسات بقرينة وقوع التقسيم في النجاسة المفروضة في عبارة الشيخ و محل البحث هو النجاسة الخبثية، فهو حينئذ قسيم لقوله: «فان كانت عينية» و معطوف عليه، و حينئذ فمقتضاه موافقة الشيخ (رحمه الله) في الاكتفاء بماء الغسل في الطهارة عما لا عين له من النجاسات. و اما ما ذكره شيخنا الشهيد (رحمه الله) فقد عرفت جوابه.

و بالجملة فحاصل كلام الشيخ (رحمه الله) انه مأمور بتقديم إزالة النجاسة قبل

101

الاغتسال بالأخبار التي تقدمت الإشارة إليها، فإن خالف و اغتسل أولا، فإن زالت النجاسة بماء الغسل ارتفعت النجاستان الحدثية و الخبثية، و الا فالحدثية خاصة و احتاج في إزالة الخبثية إلى غسل آخر، و هذا لا ينافي ما يستفاد من الاخبار المشار إليها، فإن غايته القول بوجوب إزالة النجاسة ثم الغسل بعد ذلك، و لا يلزم ان يكون منهيا عن تقديم الغسل أو المقارنة إلا على تقدير القول باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص، و هو مما لم يقم عليه دليل، و مع تسليمه فلا يلزم من النهي هنا ايضا بطلان الغسل، لأن النهي لم يتوجه إلى العبادة و لا إلى جزئها و لا شرطها بل الى خارجها اللازم، فلم يبق للبطلان وجه الا ما ادعوه مما عرفت بطلانه آنفا.

و الى هذا القول مال جملة من متأخري المتأخرين: منهم- الفاضل الخوانساري في شرح الدروس حيث قال بعد نقل عبارة المبسوط ما ملخصه: و هذا يدل على ان طهارة المحل ليست شرطا في الغسل، و على ان الغسل الواحد يجزئ عن رفع الحدث و الخبث معا. و ما ذكره هو الظاهر: (اما الأول) فلأن الأمر بالاغتسال مطلق و التقييد بطهارة المحل خلاف الظاهر. نعم لا بد من وصول الماء إلى البشرة فيجب ان لا يكون للنجاسة عين مانع عن الوصول، اما إذا لم يكن لها عين أو كان و لم يكن مانعا فلا دليل على بطلانه، و ان لم يطهر بصب الماء للغسل كما إذا كان لها عين غير مانع و لم تزل أو لم يكن لها عين و لكن لا بد في تطهيرها من الصب مرتين. و (اما الثاني) فلمثل ذلك أيضا، لأن الأمر بالاغتسال مطلق و كذا الأمر بالتطهير، فإذا صب الماء على العضو فقد امتثل الأمرين، فلو كانت النجاسة مما يكفيه صب واحد فقد ارتفع الحدث و الخبث، و ان لم يكفها صب واحد بل لا بد فيها من مرتين كما إذا كانت بولا فيحسب هذا الصب بواحد و يجب صب آخر، و اما النجاسة الحكمية فقد ارتفعت بالصب الأول. انتهى.

أقول: و التحقيق عندي في هذا المقام ان يقال لا ريب ان ما ادعوه- من وجوب إزالة الخبثية ثم الغسل بعد ذلك و ان ماء الغسل لا يجزئ لهما متى زال عين النجاسة الخبثية

102

فلا دليل عليه، و أضعف منه ما ادعوه من تعدد المسببات بتعدد الأسباب، فيبقى ما ذكره الشيخ (رحمه الله) سالما مما ذكروه. نعم يبقى الاشكال فيما ذكره (قدس سره) من وجه آخر، و هو انهم قد أجمعوا إلا من شذ على نجاسة الماء القليل بالملاقاة، و المشهور بينهم نجاسة الغسالة من الخبث، و قد أجمعوا أيضا من غير خلاف يعرف على ان ما كان نجسا قبل التطهير لا يكون مطهرا، فبناء على هذه المقدمات الثلاث متى اغتسل المكلف و على بدنه نجاسة لم تزل عنه بالغسل و ان كانت لا تمنع من وصول الماء إلى البشرة أو زالت عينها من ذلك الموضع الى موضع آخر أو زالت عينها بالكلية و لكن تعدت غسالتها الى موضع آخر من البدن، فالقول بصحة الغسل هنا بناء على هذه المقدمات الثلاث مشكل جدا، لان الماء بملاقاة النجاسة لا ريب في تنجسته بناء على المقدمة الاولى و حينئذ فإن طهر ذلك الموضع الذي فيه النجاسة إذ لا منافاة عندنا بين نجاسته بالملاقاة و تطهيره كما تقدم تحقيقه في مسألة نجاسة الماء القليل بالملاقاة، الا انه بعد التعدي عن ذلك الموضع الى موضع آخر خال من النجاسة يكون منجسا له بمقتضى المقدمة الثانية، و الماء النجس لا يرفع حدثا، و لو بنى الحكم على طهارة الغسالة أو عدم انفعال القليل بالملاقاة زال الاشكال، و الشيخ (رحمه الله) و ان لم يقل بعدم نجاسة القليل بالملاقاة الا أنه قائل بطهارة الغسالة فيتجه كلامه هنا بناء على ذلك. و اما ما ذكره الفاضل المتقدم ذكره في توجيه كلام الشيخ فهو جيد ان وافق على ما ذكرنا، و الا فالنظر متوجه اليه حسبما شرحناه.

و صرح العلامة في النهاية بالاكتفاء بغسلة واحدة لكل من إزالة النجاسة الحدثية و الخبثية فيما إذا كان الغسل فيما لا ينفعل بالملاقاة كالكثير، و في القليل بشرط ان تكون النجاسة في آخر العضو فإن الغسلة تطهره. و هو جيد بناء على القول بنجاسة الغسالة كما هو مذهبه (رحمه الله).

و اعترضه الشيخ علي في شرح القواعد فقال بعد نقل ذلك عنه: «و التحقيق ان محل الطهارة ان لم يشترط طهارته أجزأ الغسل مع وجود عين النجاسة و بقائها في جميع

103

الصور، و لا حاجة الى التقييد بما ذكره، خصوصا على ما اختاره من ان القليل الوارد انما ينجس بعد الانفصال، و ان اشترط طهارة المحل لم تجزئ غسلة واحدة لفقد الشرط، و الشائع على السنة الفقهاء هو الاشتراط فالمصير اليه هو الوجه» انتهى.

أقول: فيه ان ما ذكره على تقدير عدم الاشتراط من اجزاء الغسل مع وجود عين النجاسة على إطلاقه ممنوع بناء على ما ذكرنا من المقدمات المتقدمة، فإنه متى حكم بنجاسة الماء القليل بالملاقاة و نجاسة الغسالة فكيف يجزئ الغسل مع تعدي الغسالة إلى سائر أجزاء البدن؟ و الكلام ليس في خصوص موضع النجاسة كما يشير اليه قوله:

«خصوصا على ما اختاره. إلخ» و من أجل ما ذكرناه التجأ في النهاية إلى قصر التطهير و صحة الغسل بغسلة واحدة على الغسل في الماء الكثير الذي لا ينفعل بالملاقاة و في القليل بالشرط الذي ذكره. نعم يأتي بناء على ما ادعوه من وجوب تعدد المسبب بتعدد السبب العدم، و لهذا ان شيخنا في الذكرى بناء على القاعدة المذكورة صرح بعدم الاكتفاء بالمرة في الكثير لازالة حدث الجنابة و النجاسة الخبثية، قال: لأنهما سببان فيتعدد حكمهما. و فيه ما عرفت. و الله العالم.

المقصد الرابع في الآداب

. و منها ما هو مقدم و منها ما هو مقارن، و هي أمور:

(الأول)- البول مع إمكانه

على المشهور بين المتأخرين، و به صرح المرتضى و ابن إدريس و العلامة و من تأخر عنه، و قيل بالوجوب، و نقله في الذكرى عن جمع من متقدمي الأصحاب: منهم- الشيخ في المبسوط و ابن حمزة و ابن زهرة و الكيدري و ابن البراج في الكامل و أبو الصلاح و ظاهر صاحب الجامع، و في من لا يحضره الفقيه:

«من ترك البول على اثر الجنابة أو شك تردد بقية الماء في بدنه فيورثه الداء الذي لا دواء له» قال في الذكرى: «و هو مروي في الجعفريات عن النبي (صلى الله

104

عليه و آله)» (1) و في عبائر جملة منهم كالشيخ المفيد و الجعفي و ابني بابويه و ابن البراج في غير الكتاب المتقدم و ابن الجنيد (رحمه الله) الأمر بذلك.

و نقل في المختلف عن الشيخ انه احتج بالأحاديث الدالة على وجوب الغسل مع وجود البلل (2) ثم أجاب بأنها غير دالة على محل النزاع فانا نسلم انه يجب عليه مع وجود البلل اعادة الغسل. و احتج في المختلف للاستحباب بالأصل، و بقوله عز و جل: «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا(3) و لم يوجب الاستبراء. و قال في الذكرى: «و لا بأس بالوجوب محافظة على الغسل من طريان مزيله، و مصيرا الى قول معظم الأصحاب، و أخذا بالاحتياط» انتهى و في البيان حكم بأن الأصح الاستحباب.

أقول: اما ما ذكره الشيخ (رحمه الله)- من الاستدلال بالأخبار المشار إليها كما صرح به في الاستبصار- ففيه ما ذكره في المختلف، فان وجوب الإعادة بدون الاستبراء لا دلالة له على أصل وجوب الاستبراء بوجه. و اما ما ذكره في الذكرى من قوله: «و لا بأس بالوجوب. إلخ» فإن كان المراد منه اختيار القول بالوجوب كما هو ظاهر كلامه فهذه الوجوه التي ذكرها لا تصلح دليلا له كما لا يخفى، و ان أراد ان الاحتياط في ذلك فلا ريب فيه.

و الأظهر الاستدلال على ذلك

بما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح أو الحسن عن احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن غسل الجنابة. قال تغسل يدك اليمنى من المرفقين إلى أصابعك، و تبول ان قدرت على البول، ثم تدخل يدك في الإناء ثم اغسل ما أصابك منه. الحديث».

و مضمرة أحمد بن هلال المتقدمة في المقصد الثاني (5) قال: «سألته عن رجل

____________

(1) ص 21.

(2) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

(3) سورة المائدة. الآية 6.

(4) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(5) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

105

اغتسل قبل ان يبول فكتب: ان الغسل بعد البول الا ان يكون ناسيا فلا يعيد منه الغسل».

و في الفقه الرضوي (1) «فإذا أردت الغسل من الجنابة فاجتهد ان تبول حتى تخرج فضلة المني التي في إحليلك، و ان جهدت و لم تقدر على البول فلا شيء عليك و تنظف موضع الأذى منك. إلخ».

و بصدر هذه العبارة عبر ابنا بابويه على ما نقل عنهما و الظاهر انه على هذه الاخبار اعتمد المتقدمون فيما صرحوا به من الوجوب أو ذكر الأمر بذلك في كلامهم، و لا سيما الشيخ علي بن بابويه في رسالته، فإنها إلا الشاذ النادر منقولة من الفقه الرضوي كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المباحث الآتية من هذا الكتاب، و الصدوق في الفقيه كثيرا ما يعبر ايضا بعبارات الكتاب من غير استناد و لا نسبة الى الرواية، و عبارة الكتاب المذكور هنا ظاهرة في الوجوب للأمر بذلك الذي هو حقيقة في الوجوب كما أوضحناه في مقدمات الكتاب، و نحوها صحيحة البزنطي و ان كان الأمر فيها بالجملة الفعلية، لما حققنا ثم ايضا من انه لا اختصاص للوجوب بمفاد صيغة الأمر بل كل ما دل على الطلب، كما هو مقتضى الآيات القرآنية و الأحاديث المعصومية حسبما تقدم تحقيقه في الموضع المشار اليه، و بذلك يندفع ما أورده بعضهم على الاستدلال بالرواية لذلك. و ما ربما يورد عليها ايضا- من ان ورود الأمر بذلك في قرن هذه المستحبات يؤذن بالاستحباب- فهو مردود بان الأمر حقيقة في الوجوب، و قيام الدليل على خلافه في بعض الأوامر لا يستلزم انسحابه الى ما لا معارض له و لا دليل على خلافه كما صرحوا به، و هل هو الا من قبيل العام المخصوص فإنه يصير حجة في الباقي، و بما ذكرناه يظهر قوة ما ذهب اليه المتقدمون (رضوان الله عنهم) و يظهر ضعف ما ذكره في المختلف من الاستناد في الاستحباب الى الأصل، فإنه يجب الخروج عنه بالدليل، و الآية مطلقة يجب تقييدها ايضا به كما وقع لهم في غير مقام.

بقي الكلام هنا في موضعين

(الموضع الأول) [هل يستحب البول قبل الغسل للمرأة]

- انه هل ينسحب الحكم الى

____________

(1) ص 3.

106

المرأة فيجب أو يستحب لها البول أيضا أم لا؟ قولان، ظاهر المقنعة و النهاية الأول، حيث قال في المقنعة: «ينبغي للمرأة ان تستبرئ نفسها قبل الغسل بالبول، فان لم يتيسر لها ذلك لم يكن عليها شيء» و قال في النهاية بعد ذكر الرجل و انه يستبرئ نفسه بالبول: «و كذلك تفعل المرأة» و ظاهر العلامة و من تأخر عنه الثاني، قال في المختلف- بعد ان نقل عن الشيخ في الجمل تخصيص الحكم بالرجل- ما صورته: «و هو الحق لأن المراد منه استخراج المتخلف من بقايا المني في الذكر، و هذا المعنى غير متحقق في طرف المرأة، لأن مخرج البول ليس هو مخرج المني فلا معنى لاستبرائها» انتهى.

و الأجود الاستناد في ذلك الى عدم الدليل الذي هو دليل على العدم، و الإلحاق بالرجل قياس مع الفارق، و لان الغرض من الاستبراء- كما يفهم من الاخبار- انما هو لعدم اعادة الغسل و مورد الأخبار المذكورة انما هو الرجل، و يعضده ان يقين الطهارة لا يرتفع بالشك، و الرجل قد خرج بالنصوص الصحيحة الصريحة فتبقى المرأة لعدم الدليل و حينئذ فما تجده المرأة من البلل المشتبه لا يترتب عليه حكم.

و أورد على ما ذكره العلامة من عدم ترتب الفائدة عليه لتغاير المخرجين بأنه يمكن ان يعصر البول بعد خروجه مخرج المني فيخرجه، مع ان الحال في الرجل ايضا كذلك لان مخرج منيه غير مخرج بوله إلا أنهما أشد تقاربا من مخرجي المرأة، و من أجل ذلك انا ضربنا صفحا عن الاعتماد عليه و ان أمكن الجواب عنه بالفرق بين مخرجي الرجل و المرأة، لاشتراك مخرجي الرجل في نفس الذكر و مخرج الجميع من مخرج واحد، بخلاف مخرجي المرأة فإنهما مفترقان الى وقت الخروج، فالحكم هنا- بعصر البول عند خروجه لمخرج المني كما ادعاه القائل المذكور- غير معلوم.

و اما ما ذكره صاحب رياض المسائل- من التوقف في هذه المسألة لإطلاق

قوله (عليه السلام) في مضمرة أحمد بن هلال (1): «ان الغسل بعد البول».

و ان خصوص

____________

(1) ص 104.

107

السؤال عن الرجل لا يخصص و من حيث خصوص أكثر الروايات المشتملة على حكمه الأمر به و هو اعادة الغسل لو وقع قبله عند خروج بلل مشتبه بعده بالرجل، مع التصريح في البعض بالفرق بينهما بالإعادة فيه دونها معللا بان ما يخرج من المرأة إنما هو من ماء الرجل- فلا يخفى ما فيه: (اما أولا)- فلان الاستناد الى هذا الإطلاق الذي ذكره و ان خصوص السؤال عن الرجل لا يخصص انما يتم لو كان الجواب مقصورا على هذه العبارة التي ذكرها، و لكن الضمائر الواقعة في الجواب بعدها لا مرجع لها الا الرجل المذكور في السؤال، و حينئذ فما ادعاه من الإطلاق غير تام بل الجواب ظاهر في خصوص الرجل المسؤول عنه، و احتمال عود الضمير الى المغتسل المفهوم من قوله: «ان الغسل» خلاف الظاهر.

و (اما ثانيا)- فلما في متن هذه الرواية من العلة زيادة على ضعف سندها بالراوي المذكور، حيث ان ظاهرها يشعر بأنه لو تعمد الغسل قبل البول فإنه يعيد الغسل فان تقدير الكلام باعتبار إضمار المستثنى منه في قوة أن يقال: الغسل بعد البول فلا يصح قبله الا ان يكون ناسيا فإنه يصح و لا يعيد الغسل منه. و هو باطل إجماعا نصا و فتوى.

و (اما ثالثا)- فلان الأصل العدم، و يعضده ما ذكره في الوجه الثاني من خصوص الروايات المشتملة على حكمه الأمر به المعتضدة بالتصريح بالفرق بين ما يخرج من الرجل و ما يخرج من المرأة، و الرواية التي ذكرها لا تبلغ قوة المعارضة لشيء من ذلك متنا و سندا بل هي ساقطة مرجوعة إلى قائلها، و بذلك يظهر قوة القول المشهور.

هذا كله فيما إذا لم يعلم ان الخارج مني، و الا فلو علم فالذي دل عليه موثق سليمان بن خالد المتقدم (1) ان الذي يخرج منها انما هو مني الرجل، و قطع ابن إدريس

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب 13 من أبواب الجنابة.

108

بوجوب الغسل عليها في الصورة المذكورة و لم يعمل بالرواية

لعموم «الماء من الماء» (1).

و لا يخفى ضعفه. فان حديثه عام أو مطلق و هذا خاص أو مقيد و مقتضى القاعدة تقديم العمل به.

(الموضع الثاني) [هل يستحب البول في الجنابة بلا إنزال]

- لو أجنب و لم ينزل فهل يستحب ايضا له الاستبراء بالبول أم لا؟

ظاهر جملة من الأصحاب (رضي الله عنهم) الثاني، قال في المنتهى: «لو جامع و لم ينزل لم يجب عليه الاستبراء، و لو رأى بللا يعلم انه مني وجب عليه الإعادة، اما المشتبه فلا لأنا إنما حكمنا هناك بكون البلل منيا بناء على الغالب من استخلاف الاجزاء بعد الانزال، و هذا المعنى غير موجود مع الجماع الخلي من الانزال» و بذلك صرح الشهيدان و المحقق الشيخ علي (رحمهم الله) قال في الذكرى: «انما يجب الاستبراء أو يستحب و يتعلق به الأحكام للمنزل، اما المولج بغير إنزال فلا لعدم سببه. هذا مع تيقن عدم الانزال، و لو جوزه أمكن استحباب الاستبراء أخذا بالاحتياط، اما وجوب الغسل بالبلل فلا. لان اليقين لا يرفع بالشك» انتهى.

و اعترضهم في الذخيرة فقال: «و يرد عليهم عموم الروايات كما ستطلع عليه من غير تفصيل، و انتفاء الفائدة ممنوع إذ عسى ان ينزل و لم يطلع عليه و احتبس شيء في المجاري لكون الجماع مظنة نزول الماء» انتهى.

أقول: لا ريب في ان الروايات في هذه المسألة و ان كانت مطلقة كما ذكره الا ان إطلاقها انما وقع من حيث معلومية الحكم و ظهوره، فإنه لا يخفى على ذي مسكة ان المستفاد من الاخبار المذكورة ان العلة في الأمر بالبول هو تنقية المخرج لئلا يخرج بعد ذلك شيء يوجب اعادة الغسل، و لا يعقل لاستحباب البول بمجرد الإيلاج سيما مع تيقن عدم الانزال وجه و ان شمله إطلاق الاخبار المذكورة. و اما قوله: «و عسى ان ينزل.»

____________

(1) هذا مضمون الروايات الدالة على ان الغسل من الماء الأكبر المروية في الوسائل في الباب 7 و 9 من أبواب الجنابة، و قد ورد هذا اللفظ في صحيحة زرارة المتقدمة ص 6 حكاية عن الأنصار.

109

ففيه أن الإنزال مقرون بعلامات موجبة للعلم به مثل الشهوة و فتور الجسد و الدفق و نحوها، و فرض ما ذكره- مع كونه من النادر الذي لا تبنى عليه الأحكام الشرعية- لا يوجب قصر الحكم عليه، فلا يكون ما ذكره من الحكم كليا و هو خلاف ظاهر كلامه. و بالجملة فإن خروج الاخبار في هذا المقام مطلقة انما هو من حيث معلومية ذلك

(الثاني)- غسل اليدين ان لم يصبهما قذر قبل إدخالهما الإناء

إذا كان الغسل منه، كما هو المعروف في الأزمنة السابقة و به وردت الاخبار، و ان استحباب ذلك ثابت إجماعا فتوى و رواية.

و يجزئ غسل الكفين من الزندين كما اشتمل عليه أكثر الاخبار و هو المشهور، و نقل في الذكرى عن الجعفي أنه يغسلهما الى المرفقين أو الى نصفهما لما فيه من المبالغة في التنظيف و الأخذ بالاحتياط:

ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن غسل الجنابة. فقال: تبدأ بكفيك فتغسلهما ثم تغسل فرجك. الحديث».

و في موثقة أبي بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة.

فقال: تصب على يديك الماء فتغسل كفيك ثم تدخل يدك فتغسل فرجك. الحديث».

و في صحيحة زرارة (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال: تبدأ فتغسل كفيك.».

و يجزئ غسل الكف الأيمن كما تضمنته

صحيحة حكم بن حكيم (4) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: أفض على كفك اليمنى من الماء فاغسلها. الحديث».

و الأفضل دون المرفق كما تضمنته

موثقة سماعة (5) عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا أصاب الرجل جنابة فأراد الغسل فليفرغ على كفيه فليغسلهما دون المرفق.».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(5) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

110

أو الى نصف الذراع كما تشعر به رواية يونس عنهم (عليهم السلام) (1) المتضمنة لغسل الميت و انه يغسل يده ثلاث مرات كما يغتسل الإنسان من الجنابة الى نصف الذراع.

و الا كمل من المرفق لما تضمنته

صحيحة يعقوب بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) «يبدأ فغسل يديه الى المرفقين قبل ان يغمسهما في الماء.».

و صحيحة أحمد ابن محمد بن ابي نصر (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال: تغسل يدك اليمنى من المرفقين إلى أصابعك و تبول. الحديث».

و قد تقدم قريبا،

و رواية قرب الاسناد عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن الرضا (عليه السلام) (4) انه قال في غسل الجنابة: «تغسل يدك اليمنى من المرفق إلى أصابعك.».

و الظاهر ان تثنية المرفق و افراد اليد في الرواية الثانية من سهو قلم الشيخ (رحمه الله) و رواية الحميري تؤيد الأول، قال في الوافي بعد نقل الخبر المذكور: «و في بعض النسخ تغسل يديك الى المرفقين و هو الصواب».

و تكفي المرة و الأفضل الثلاث

لصحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «سأل كم يفرغ الرجل على يده قبل ان يدخلها في الإناء؟ قال: واحدة من حدث البول و ثنتين من الغائط و ثلاثا من الجنابة».

و روى في الفقيه مرسلا قال قال الصادق (عليه السلام) (6): «اغسل يدك من البول مرة و من الغائط مرتين و من الجنابة ثلاثا».

و رواية حريز عن الباقر (عليه السلام) (7) قال: «يغسل الرجل يده من النوم مرة و من الغائط و البول مرتين و من الجنابة ثلاثا».

و في الفقه الرضوي (8) «و تغسل يديك الى المفصل ثلاثا قبل ان تدخلهما الإناء و تسمى بذكر الله تعالى قبل إدخال يدك

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

(2) المروية في الوسائل في الباب 34 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(5) المروية في الوسائل في الباب 27 من أبواب الوضوء.

(6) المروية في الوسائل في الباب 27 من أبواب الوضوء.

(7) المروية في الوسائل في الباب 27 من أبواب الوضوء.

(8) ص 3.

111

الإناء».

و من المحتمل قريبا تعين الثلاث. فإنه لا دليل للمرة إلا إطلاق الاخبار المتقدمة و يمكن تقييده بهذه الروايات.

و هل الحكم مختص بالغسل من الإناء الواسع الرأس القليل الماء، أو ينسحب الى الارتماس و الغسل تحت المطر أو من إناء يصب عليه و نحو ذلك؟ ظاهر الاخبار الأول، و صرح العلامة بالثاني محتجا بأنه من سنن الغسل، قال في الذخيرة بعد نقل ذلك عنه: «و هو حسن لعموم صحيحة زرارة و صحيحة محمد بن مسلم و صحيحة حكم ابن حكيم و رواية أبي بكر الحضرمي» (1) و فيه ان سياق أكثر روايات الغسل بل روايات الوضوء ايضا ظاهر في كون الطهارة انما هي من الأواني الواسعة الرأس القليلة الماء كالطشوت و نحوها، و ما أطلق و أجمل منها و هو القليل يحمل على المقيد و المبين، و القول بعموم الاستحباب- كما ذكر- يحتاج الى دليل واضح و ليس فليس. و الله العالم.

(الثالث)- المضمضة و الاستنشاق

و محلهما بعد إزالة النجاسة كما يفهم من الاخبار

ففي صحيحة زرارة عن الصادق (عليه السلام) (2) «تبدأ فتغسل كفيك ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك و مرافقك ثم تمضمض و استنشق.».

و في رواية أبي بصير عنه (عليه السلام) (3) «تصب على يديك الماء فتغسل كفيك ثم تدخل يدك فتغسل فرجك ثم تتمضمض و تستنشق.».

و حملتا على الاستحباب جمعا بينهما و بين ما تقدم في المسألة الثامنة من المقصد المتقدم (4) من الأخبار الدالة على نفيهما في الغسل بحملها على نفي الوجوب كما تقدمت الإشارة اليه.

و المشهور استحباب التثليث مقدما لثلاث الاولى على الثانية، و جملة منهم ذكروا الحكم المذكور هنا و في الوضوء و لم يوردوا له دليلا، و بعضهم اعترف بعدم الوقوف على

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 34 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(4) ص 91.

112

الدليل في الموضعين، و الذي وقفت عليه من الدليل هنا ما ذكره

في الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام): «و قد نروى أن يتمضمض يستنشق ثلاثا و يروى مرة مرة تجزيه و قال الأفضل الثلاث و ان لم يفعل فغسله تام».

و اما الوضوء فقد تقدم دليله (2).

(الرابع)- التسمية

على ما ذكره جملة من الأصحاب، و أسندها في الذكرى الى الجعفي، قال: «و قال الشيخ المفيد (رحمه الله): يسمى الله عز و جل عند اغتساله و يمجده و يسبحه. و نحوه قال ابن البراج في المهذب، و الأكثر لم يذكروها في الغسل، و الظاهر انهم اكتفوا بذكرها في الوضوء تنبيها بالأدنى على الأعلى» انتهى. أقول:

لا يخفى ما في هذا العذر من البعد، بل الظاهر ان عدم ذكرهم لها انما هو لعدم وقوفهم على دليل لذلك، و من ذكرها فلعله وقف على الدليل.

و استدل في الذكرى على ذلك بإطلاق

صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: «إذا وضعت يدك في الماء فقل بسم الله و بالله اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين. فإذا فرغت فقل الحمد لله رب العالمين».

و هذا الخبر انما أورده الأصحاب في الوضوء و لهذا ان صاحب رياض المسائل إنما استند في استحبابها الى الخبر العام، و الظاهر انه أشار به الى

قوله (عليه السلام): «كل أمر لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر» (4).

ثم قال: «و يتخير في جعلها عند غسل اليدين و عند المضمضة و الاستنشاق و عند ابتداء غسل الرأس لصدق البدأة في الكل» أقول: ما ذكره من التخيير جيد بالنسبة

____________

(1) ص 3.

(2) ج 2 ص 162.

(3) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الوضوء.

(4)

في سفينة البحار ج 1 ص 663 عن تفسير الإمام العسكري عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) عن رسول الله (ص) في حديث «كل أمر ذي بال لم يذكر فيه بسم الله فهو أبتر».

و في عمدة القارئ ج 1 ص 25 و الجامع الصغير ج 1 ص 91 عن أبي هريرة عن رسول الله (ص) «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو اقطع».

113

الى ما خرجه من الدليل، و المستفاد من كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي- كما قدمنا ذكره قريبا- هو استحباب التسمية و ان محلها قبل إدخال اليد في الإناء، و هذا مما اختص ببيان دليله الكتاب المذكور. و الله العالم.

(الخامس)- الدلك باليد

، ذكره الأصحاب (رض) و عللوه بما فيه من الاستظهار و المبالغة في إيصال ماء الغسل، و قال في المعتبر انه اختيار علماء أهل البيت (عليهم السلام) و في المنتهى انه مذهب أهل البيت، و ظاهر كلاميهما دعوى الإجماع عليه، و ظاهر كلام الجميع عدم الوقوف فيه على نص، و الحكم المذكور قد صرح به

في الفقه الرضوي (1) فقال بعد ان ذكر صفة الغسل و انه يصب على رأسه ثلاث أكف و على جانبه الأيمن مثل ذلك و على جانبه الأيسر مثل ذلك الى ان قال: «ثم تمسح سائر بدنك بيديك و تذكر الله تعالى فإنه من ذكر الله تعالى على غسله و عند وضوئه طهر بدنه كله. الحديث».

أقول: لا ريب انه متى كان غسل الأعضاء الثلاثة انما هو بالأكف الثلاثة و نحوها كما تضمنه هذا الخبر و غيره، فإنه لا يبعد وجوب الدلك ليحصل يقين إيصال الماء الى جميع البدن. و بالجملة فالحكم المذكور مما لا اشكال فيه و يشير إليه أيضا قوله في

صحيحة زرارة عن الصادق (عليه السلام) (2): «. و لو ان جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و ان لم يدلك جسده».

(السادس)- تخليل ما يصل اليه الماء بدون التخليل استظهارا

كالشعر الخفيف و معاطف الأذنين و الإبطين و السرة و عكن البطن في السمين و ما تحت ثدي المرأة و نحو ذلك، اما ما لا يصل اليه الماء بدون التخليل فإنه يجب تخليله كما تقدم، و يشير الى الحكم المذكور ما تقدم في المسألة السادسة من سابق هذا المقصد (3) من

____________

(1) ص 3.

(2) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(3) ص 89.

114

قوله (عليه السلام) في حسنة جميل: «ثم قال يبالغن في الغسل».

و في صحيحة محمد بن مسلم: «يبالغن في الماء».

و في الفقه الرضوي: «و الاستظهار فيه إذا أمكن».

و لا ينافي ذلك ما تقدم في المسألة السابعة من سابق هذا المقصد (1) في صحيحة إبراهيم بن ابي محمود و رواية إسماعيل بن ابي زياد، فإن غاية ما تدلان عليه صحة الغسل مع عدم التخليل و هو لا ينافي استحبابه، على انك قد عرفت ثمة ارتكاب التأويل فيهما. و نقل في الذكرى عن العلامة انه حكم باستحباب تخليل المعاطف و الغضون و منابت الشعر و الخاتم و السير قبل إفاضة الماء للغسل ليكون أبعد عن الإسراف و أقرب الى ظن وصول الماء قال: و قد نبه عليه قدماء الأصحاب. انتهى. و فيه ما لا يخفى.

(السابع)- الدعاء

لما رواه الشيخ (رحمه الله) عن عمار الساباطي (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا اغتسلت من جنابة فقل اللهم طهر قلبي و تقبل سعيي و اجعل ما عندك خيرا لي اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين، و إذا اغتسلت للجمعة فقل اللهم طهر قلبي من كل آفة تمحق ديني و تبطل عملي اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين».

و ما رواه عن محمد بن مروان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال:

«تقول في غسل الجمعة اللهم طهر قلبي من كل آفة تمحق ديني و تبطل عملي، و تقول في غسل الجنابة اللهم طهر قلبي و زك عملي و اجعل ما عندك خيرا لي».

و في كتاب المصباح (4) تقول عند الغسل: «اللهم طهرني و طهر قلبي و اشرح لي صدري و أجر على لساني مدحتك و الثناء عليك اللهم اجعله لي طهورا و شفاء و نورا انك على كل شيء قدير».

و قال المفيد (رحمه الله) في المقنعة: «و يسمى الله تعالى عند اغتساله و يمجده و يسبحه، فإذا فرغ من غسله فليقل اللهم طهر قلبي و زك عملي و اجعل ما عندك خيرا لي اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين» و الظاهر حصول الامتثال بالدعاء حال الاغتسال

____________

(1) ص 91.

(2) المروية في الوسائل في الباب 37 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 37 من أبواب الجنابة.

(4) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

115

و بعده و الاخبار المذكورة لا تأباه، و بذلك صرح شيخنا الشهيد في الذكرى فقال:

«و لعل استحباب الدعاء للغسل شامل حال الاغتسال و بعده».

(الثامن)- الاستبراء بالاجتهاد

على المشهور سيما بين المتأخرين، و به صرح المرتضى (رضي الله عنه) و ابن إدريس و من تأخر عنه، و نقل عن الشيخ في المبسوط و الجمل وجوبه و عبارته تدل على وجوب الاستبراء بالبول أو الاجتهاد على الرجل، و ظاهر هذا الكلام هو ان الواجب الاستبراء بالبول إن أمكن و الا فبالاجتهاد، و هو الظاهر من كلام الشيخ المفيد (رحمه الله) في المقنعة حيث قال: «و إذا عزم الجنب على التطهير بالغسل فليستبرئ بالبول ليخرج ما بقي من المني في مجاريه، فان لم يتيسر له ذلك فليجتهد في الاستبراء بمسح ما تحت الأنثيين إلى أصل القضيب و عصره الى رأس الحشفة ليخرج ما لعله باق فيه من نجاسة» و نقل مثله ايضا عن ابن البراج. و عن ظاهر الجعفي وجوب البول و الاجتهاد معا. و جملة من عبائر القائلين بالوجوب مجملة حيث صرحوا بوجوب الاستبراء و لم يفسروه بالبول أو الاجتهاد أو هما معا. و كيف كان فالظاهر هو القول المشهور و ضعف القول المذكور، لعدم الدليل عليه، و الدليل الذي أورده الشيخ على وجوب الاستبراء بالبول- و هو الروايات الدالة على وجوب اعادة الغسل بدونه (1)- لا يمكن الاستدلال به هنا سيما في صورة ما إذا بال. و بالجملة فإنا لم نقف في شيء من اخبار الغسل على الأمر للمنزل بالاستبراء بالاجتهاد و انما ورد ذلك بعد البول.

و هل يستحب الاستبراء للمرأة أيضا؟ قولان.

و اما كيفية الاستبراء بالاجتهاد فقد تقدم تحقيق القول فيه في بحث الوضوء (2)

(التاسع)- الموالاة

ذكرها جملة من متأخري الأصحاب، و عللوه بما فيه من المبادرة إلى الواجب و التحفظ من طريان المفسد للغسل، و لان المعلوم من صاحب الشرع و ذريته المعصومين (صلوات الله عليهم) فعل ذلك، و ظاهر كلامهم الاتفاق

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.

(2) ج 2 ص 56.

116

على عدم وجوبها هنا بكل من المعنيين المذكورين في الوضوء، و قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الثالثة من المسائل الملحقة بالمقصد المتقدم (1).

(العاشر)- الغسل بصاع

، و عليه إجماع علمائنا و أكثر العامة، و نسب الى ابى حنيفة القول بوجوب الصاع (2).

و يدل على الاستحباب- مضافا الى الإجماع- الروايات الدالة على الاكتفاء بمجرد الجريان و لو كالدهن، و منها-

صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «سألته عن غسل الجنابة. فقال تبدأ بكفيك فتغسلهما، الى ان قال: ثم تصب على سائر جسدك مرتين فما جرى عليه الماء فقد طهر».

و في صحيحة زرارة أو حسنته (4) قال: «قلت كيف يغتسل الجنب؟ فقال: ان لم يكن أصاب كفه شيء، الى ان قال: فما جرى عليه الماء فقد أجزأه».

و في صحيحته الأخرى (5) «. و كل شيء أمسسته الماء فقد أنقيته.».

و في موثقته ايضا (6) «أفض على رأسك ثلاث أكف و عن يمينك و عن يسارك انما يكفيك مثل الدهن».

و في حسنة هارون بن حمزة الغنوي (7) قال: «يجزيك من الغسل و الاستنجاء ما بلت يدك».

الى غير ذلك من الاخبار.

و مما يدل على استحباب الصاع هنا

ما رواه في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار (8) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان رسول الله (صلى الله

____________

(1) ص 83.

(2) في المغني لابن قدامة الحنبلي ج 1 ص 224 «حكى عن أبي حنيفة انه لا يجزئ دون الصاع في الغسل و المد في الوضوء» و في بدائع الصنائع للكاساني الحنفي ج 1 ص 35 «ذكر في ظاهر الرواية أدنى ما يكفي في الغسل من الماء صاع و في الوضوء مد، و هذا التقدير غير لازم بحيث لا يجوز النقصان عنه و الزيادة عليه بل هو لبيان ادنى الكفاية عادة حتى ان من أسبغ الوضوء و الغسل بدون ذلك أجزأه».

(3) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(5) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.

(6) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الجنابة.

(7) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الجنابة.

(8) رواه في الوسائل في الباب 32 من أبواب الجنابة.

117

عليه و آله) يغتسل بصاع و إذا كان معه بعض نسائه يغتسل بصاع و مد».

و عن زرارة في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يتوضأ بمد و يغتسل بصاع، و المدر طل و نصف و الصاع ستة أرطال».

قال الشيخ (رحمه الله): «أراد به أرطال المدينة فيكون تسعة أرطال بالعراقي»

و عن زرارة و محمد بن مسلم و ابي بصير في الصحيح عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) (2) انهما قالا: «توضأ رسول الله (صلى الله عليه و آله) بمد و اغتسل بصاع، ثم قال: اغتسل هو و زوجته بخمسة أمداد من إناء واحد. قال زرارة فقلت كيف صنع هو؟ فقال بدأ هو فضرب يده في الماء قبلها و أنقى فرجه ثم ضربت هي فأنقت فرجها ثم أفاض هو و أفاضت هي على نفسها حتى فرغا، فكان الذي اغتسل به رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثلاثة أمداد و الذي اغتسلت به مدين، و انما أجزأ عنهما لأنهما اشتركا جميعا و من انفرد بالغسل وحده فلا بد له من صاع».

أقول: قوله (عليه السلام):

«و من انفرد بالغسل وحده فلا بد له من صاع»

لا ينافي ما قدمنا من الاخبار، لانه محمول على سنة الإسباغ جمعا بينه و بين الاخبار المتقدمة، و بذلك صرح جملة من الأصحاب (رضي الله عنهم) قال شيخنا المفيد (رحمه الله):

«و الغسل بصاع من الماء و قدره تسعة أرطال بالبغدادي، و ذلك إسباغ و دون ذلك مجزئ في الطهارة» و قال الشيخ في المبسوط: «و الإسباغ بتسعة أرطال» و في النهاية «و الإسباغ يكون بتسعة أرطال من ماء» و في الخلاف «الفرض في الغسل إيصال الماء الى جميع البدن و في الوضوء إلى أعضاء الطهارة، و ليس له قدر لا يجوز أقل منه الا ان المستحب ان يكون الغسل بتسعة أرطال و الوضوء بمد».

و هذه العبارات كلها و لا سيما عبارة الخلاف مطابقة للأخبار المتقدمة متوافقة في ان المجزئ هو ما صدق عليه الغسل و ان نهاية ما يستحب من الزيادة لسنة الإسباغ هو

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 50 من أبواب الوضوء.

(2) رواه في الوسائل في الباب 32 من أبواب الجنابة.

118

الصاع، و بذلك يظهر لك ما في كلام العلامة في المنتهى و قبله المحقق في المعتبر من ان المستحب هو الصاع فما زاد، قال في المعتبر في تعداد سنن الغسل: «و الغسل بصاع فما زاد لا خلاف بين فقهائنا في استحبابه» و قال في المنتهى: «الغسل بصاع فما زاد مستحب عند علمائنا اجمع» و قال الشهيد في الذكرى: «و الشيخ و جماعة ذكروا استحباب الغسل بصاع فما زاد، و الظاهر انه مقيد بعدم أدائه إلى السرف المنهي عنه» انتهى.

أقول: لا يبعد ان ما نسبه الشهيد الى الشيخ و جماعة انما نشأ من نظره الى عبارتي المعتبر و المنتهى، حيث ادعوا ان الحكم بذلك إجماعي، و الا فعبارات الشيخ (رحمه الله) التي قدمناها خالية عما نقله عنه، و احتمال كون ذلك في موضع آخر من كتبه الظاهر بعده، فان هذه الكتب الثلاثة هي المعول عليها في نقل مذاهبه غالبا، و ايضا لو كان كذلك لم ينقل ذلك على الإطلاق. و مما يدفع ما ادعاه الفاضلان المذكوران من الإجماع (أولا)- تصريح الأصحاب المتقدم ذكرهم بعدم الزيادة بل ظاهر كلامهم ان هذا نهاية الاستحباب. و (ثانيا)- ما تقدم في بحث الوضوء من

مرسلة الفقيه (1) عنه (صلى الله عليه و آله) قال: «الوضوء مد و الغسل صاع و سيأتي أقوام من بعدي يستقلون ذلك فأولئك على خلاف سنتي و الثابت على سنتي معي في حظيرة القدس».

و ربما استفيد من اخبار كيفية الغسل دخول ماء الاستنجاء و الغسل المستحب و المضمضة و الاستنشاق في الصاع المذكور، و صحيحة الفضلاء المتقدمة ظاهرة في دخول ماء الاستنجاء. و اما تحقيق الصاع و قدره فسيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الزكاة.

المقصد الخامس في الأحكام

و فيه مسائل

[المسألة] (الأولى) [هل يجزئ غير غسل الجنابة عن الوضوء؟]

- المشهور بين الأصحاب وجوب الوضوء مع كل غسل إلا غسل الجنابة فإنه لا يجب معه إجماعا، و هل يستحب معه أم لا؟ قولان

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 50 من أبواب الوضوء.

119

المشهور العدم. فالكلام هنا يقع في مقامين:

[المقام] (الأول)- في وجوب الوضوء مع كل غسل

، و عليه جل الأصحاب، و ذهب المرتضى (رضي الله عنه) إلى انه لا يجب الوضوء مع الغسل سواء كان فرضا أو نفلا، و نقله في المختلف عن ابن الجنيد ايضا، و اليه مال جملة من أفاضل متأخري المتأخرين.

احتج الأولون بقوله عز و جل: «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. الآية» (1) فإنه شامل لمن اغتسل و غيره، خرج منه الجنب بالنص و الإجماع و بقي ما عداه.

و ما رواه في الكافي (2) في الصحيح عن ابن أبي عمير عن رجل عن الصادق (عليه السلام) قال: «كل غسل قبله وضوء الا غسل الجنابة».

قال في الكافي (3): «و روي انه ليس شيء من الغسل فيه وضوء الا غسل يوم الجمعة فان قبله وضوء» قال: «و روي اي وضوء اطهر من الغسل؟».

و ما رواه في التهذيب (4) في الصحيح عن ابن ابي عمير عن حماد بن عثمان أو غيره عن الصادق (عليه السلام) قال: «في كل غسل وضوء إلا الجنابة».

و هذه الرواية رواها في المختلف في الحسن عن حماد بن عثمان عن الصادق (عليه السلام). و فيه ان سندها في كتب الاخبار عن حماد بن عثمان أو غيره فهي لا تخرج عن الإرسال، و لهذا ردها المتأخرون بالإرسال كسابقتها بل جعلها في المدارك رواية واحدة وردها بضعف السند و شنع على من جعلهما روايتين، و اما نقل العلامة لها عن حماد عنه (عليه السلام) فالظاهر انه من سهو القلم حيث ان الموجود في كتب الاخبار انما هو ما ذكرناه.

و عن علي بن يقطين في الصحيح عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) (5)

____________

(1) سورة المائدة الآية 9.

(2) رواه في الوسائل في الباب 35 من أبواب الجنابة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 35 من أبواب الجنابة.

(4) رواه في الوسائل في الباب 35 من أبواب الجنابة.

(5) رواه في الوسائل في الباب 33 من أبواب الجنابة.

120

قال: «إذا أردت أن تغتسل للجمعة فتوضأ و اغتسل».

أقول: و يدل عليه ما ذكره (عليه السلام)

في الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام): «و الوضوء في كل غسل ما خلا غسل الجنابة، لأن غسل الجنابة فريضة تجزئه عن الفرض الثاني و لا يجزئه سائر الغسل عن الوضوء لان الغسل سنة و الوضوء فريضة و لا تجزئ سنة عن فرض، و غسل الجنابة و الوضوء فريضتان فإذا اجتمعا فأكبرهما يجزئ عن أصغرهما، و إذا اغتسلت لغير جنابة فابدأ بالوضوء ثم اغتسل و لا يجزيك الغسل عن الوضوء. فان اغتسلت و نسيت الوضوء فتوضأ و أعد الصلاة».

انتهى. و لا يخفى ما فيه من الصراحة و المبالغة في وجوب الوضوء، و بهذه العبارة بعينها عبر الصدوق في الفقيه من غير اسناد إلى الرواية، و هو قرينة ظاهرة في الاعتماد على الكتاب المذكور و الإفتاء بعبارته كما جرى عليه أبوه قبله في رسالته اليه، و سيظهر لك ذلك ان شاء الله تعالى في الأبواب الآتية ظهورا لا يعتريه الشك و الريب.

و اما ما يدل على القول الثاني و هو المختار فجملة من الاخبار: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «الغسل يجزئ عن الوضوء و اي وضوء اطهر من الغسل؟».

و في الصحيح عن حكم بن حكيم (3) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: أفض على كفك اليمنى، الى ان قال: قلت ان الناس يقولون يتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل، فضحك (عليه السلام) و قال: و اي وضوء أنقى من الغسل و أبلغ؟».

و عن عبد الله بن سليمان (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الوضوء بعد الغسل بدعة».

و عن سليمان بن خالد في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (5) قال: «الوضوء بعد الغسل بدعة».

و عن الحسن بن علي ابن إبراهيم بن محمد عن جده إبراهيم بن محمد ان محمد بن عبد الرحمن الهمداني (6)

____________

(1) ص 3.

(2) رواه في الوسائل في الباب 33 من أبواب الجنابة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 34 من أبواب الجنابة.

(4) رواه في الوسائل في الباب 33 من أبواب الجنابة.

(5) رواه في الوسائل في الباب 33 من أبواب الجنابة.

(6) رواه في الوسائل في الباب 33 من أبواب الجنابة.

121

«كتب الى ابي الحسن الثالث (عليه السلام) يسأله عن الوضوء للصلاة في غسل الجمعة.

فكتب: لا وضوء للصلاة في غسل الجمعة و لا غيره».

و عن حماد بن عثمان عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في الرجل يغتسل للجمعة أو غير ذلك أ يجزيه من الوضوء؟

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): و اي وضوء اطهر من الغسل؟».

و عن عمار الساباطي في الموثق (2) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل إذا اغتسل من جنابة أو يوم جمعة أو يوم عيد، هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده؟ فقال: لا ليس عليه قبل و لا بعد قد أجزأه الغسل، و المرأة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل و لا بعد قد أجزأها الغسل».

و عن محمد بن احمد بن يحيى مرسلا (3) «ان الوضوء بعد الغسل بدعة».

و بهذا الاسناد قال: «الوضوء قبل الغسل و بعده بدعة».

و مما يعضد هذه الاخبار و يعلى هذا المنار الأخبار الواردة في أحكام الحائض و المستحاضة و النفساء، فإنها قد اشتملت على الغسل خاصة و لا سيما في مقام التقسيم الى الغسل في بعض و الوضوء في بعض، و المقام مقام البيان فلو كان الوضوء مع الغسل واجبا لذكروه (عليهم السلام)

ففي صحيحة زرارة (4) «. و ان جاز الدم الكرسف تعصبت و اغتسلت ثم صلت الغداة بغسل و الظهر و العصر يغسل.».

و في صحيحة ابن سنان (5) «المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر و تصلى الظهر و العصر ثم تغتسل عند المغرب و تصلي المغرب و العشاء ثم تغتسل عند الصبح و تصلي الفجر.».

و في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (6) «ان كانت صفرة فلتغتسل و لتصل. الى ان قال: و ان كان دما ليس بصفرة فلتمسك عن الصلاة أيام قرئها ثم لتغتسل و لتصل».

و في صحيحة الحسين بن نعيم الصحاف (7)

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 33 من أبواب الجنابة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 33 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 33 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(5) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(6) المروية في الوسائل في الباب 5 من أبواب النفاس.

(7) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

122

«. فان انقطع الدم عنها قبل ذلك فلتغتسل و لتصل.».

و في صحيحة معاوية بن عمار (1) «. فإذا جازت أيامها و رأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر و العصر، الى قوله:

و ان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت و دخلت المسجد و صلت كل صلاة بوضوء.».

الى غير ذلك من الأخبار.

أقول: هذا ما وقفت عليه من اخبار المسألة، و الظاهر عندي هو القول الثاني لدلالة جملة هذه الأخبار عليه، و جمهور أصحابنا (رضي الله عنهم) لم يوردوا في مقام الاستدلال للقول الثاني إلا اليسير منها، و قد اختلف كلامهم في الجواب عنها:

فاما الشيخ (رحمه الله) في التهذيب فإنه بعد ان ذكر موثقة عمار و رواية حماد ابن عثمان و محمد بن عبد الرحمن الهمداني حملها على ما إذا اجتمعت هذه الأغسال مع غسل الجنابة، و لا يخفى بعده إذ لا قرينة و لا إشارة في شيء من الاخبار المذكورة تدل على ذلك و اما الشهيد في الذكرى فإنه لم يورد إلا مكاتبة الهمداني و مرسلة حماد بن عثمان ثم قال: «و هي دليل المرتضى (رضي الله عنه) و ابن الجنيد على اجزاء الغسل فرضه و نفله عن الوضوء، الى ان قال بعد كلام في البين: و الحق ان الترجيح بالشهرة بين الأصحاب و كاد يكون إجماعا. و الروايات معارضة بمثلها و بما هو أصح إسنادا منها» و لا يخفى ما فيه فان الترجيح بالشهرة في الفتوى لم يدل عليه دليل و انما الشهرة الموجبة للترجيح بين الاخبار هي الشهرة في الرواية كما اشتملت عليه مقبولة عمر بن حنظلة (2) و غيرها، و هو ثابت في جانب روايات القول الثاني. و ما ذكره من ان الروايات متعارضة فهو كذلك لكن الترجيح في جانب روايات القول الثاني لكثرتها و استفاضتها و ضعف ما يقابلها سندا و دلالة كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، و ليس الدليل منحصرا في هاتين الروايتين المذكورتين في كلامه كما يوهمه ظاهر كلامه.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

123

و اما المحقق في المعتبر فإنه بعد نقل القولين قال: «لنا ان كل واحد من الحدثين لو انفرد لا وجب حكمه و لا منافاة فيجب حكماهما لكن ترك العمل بذلك في غسل الجنابة فيبقى معمولا به هنا، و يؤكد ذلك رواية ابن ابي عمير، ثم أورد روايتيه المتقدمين، ثم قال: فان احتج المرتضى (رضي الله عنه) بما رواه محمد بن مسلم، ثم أورد الرواية الاولى، ثم قال عاطفا عليها:

و ما روى من عدة طرق عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «الوضوء بعد الغسل بدعة» (1).

فجوابه ان خبرنا يتضمن التفصيل و العمل بالمفصل اولى» انتهى.

أقول: اما ما أورده أولا- من الدليل العقلي الذي هو بزعمهم أقوى من الدليل النقلي حتى انه انما جعل الدليل النقلي مؤيدا- ففيه (أولا)- ان الأحكام الشرعية توقيفية ليس للعقول فيها مسرح كما حققناه في مقدمات الكتاب، بل المرجع فيها الى الكتاب العزيز و السنة المطهرة. و (ثانيا)- انه من الجائز الممكن انه و ان كان كل من الحدثين لو انفرد لأوجب حكمه الا انه بالاجتماع يندرج الأصغر تحت الأكبر كما في الجنابة، و كما خرجت الجنابة بالدليل- كما اعترف به- كذلك غيرها بالأدلة التي قدمناها غاية الأمر ان الجنابة قد أجمعوا عليها و هذه محل خلاف بينهم، و لكن بالنظر الى الأدلة الشرعية و الأخبار المعصومية التي هي المعتمد و عليها المدار فالاندراج حاصل و الاكتفاء بالغسل ثابت.

و اما ما أجاب به عن احتجاج المرتضى (رضي الله عنه) ففيه (أولا)- ان دليل المرتضى غير منحصر فيما نقله، فلو تم له ما ذكره في هذين الخبرين فإنه لا يتم في غيرهما من الاخبار المتقدمة المشتملة على بعض من الأغسال المعينة، مثل مكاتبة الهمداني و مرسلة حماد بن عثمان و موثقة عمار و روايات الحائض و المستحاضة.

و (ثانيا)- ان الظاهر- كما حققه جملة من متأخري المتأخرين- ان المراد من المفرد

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 33 من أبواب الجنابة.

124

المعرف باللام في أمثال هذه المواضع العموم، إذ لا يجوز ان يكون للعهد لعدم تقدم معهود و لا للعهد الذهني إذ لا فائدة فيه فتعين أن يكون للاستغراق، و يؤيده التعليل المستفاد من قوله: «و اي وضوء اطهر من الغسل؟» فإنه ظاهر في العموم، إذ لا خصوصية لغسل الجنابة بذلك، و لوروده في غسل الجمعة في مرسلة حماد بن عثمان المتقدمة، و كذا في صحيحة حكم بن حكيم و ان كان أصل السؤال فيها عن غسل الجنابة الا انه قد تقرر ان خصوص السؤال لا يخصص عموم الجواب. و ما ربما يقال- ان غسل الجنابة هو الشائع المتكرر فيكون في قوة المعهود فينصرف الإطلاق إليه- ممنوع فان غسل الحيض و الاستحاضة لا يقصران في التكرار و الشيوع عنه فالحمل عليه بعد ما عرفت تحكم محض، على ان الحق في ذلك ان يقال ان ما أوردناه من الروايات في الاستدلال للقول المذكور ما بين مفصل و مجمل فيحمل مجملها على مفصلها.

و اما العلامة في المنتهى فإنه ذكر أكثر الروايات المتقدمة ثم أجاب عن صحيحة محمد بن مسلم بان اللام لا تدل على الاستغراق فلا احتجاج فيه فيصدق بصدق أحد اجزائه و قد ثبت هذا الحكم لبعض الأغسال فيبقى الباقي على الأصل، و ايضا تحمل الالف و اللام على العهد جمعا بين الأدلة، ثم أجاب عن الروايات الباقية بضعف السند، ثم احتمل ما أجاب به الشيخ (رحمه الله) مما قدمنا ذكره، ثم قال: «و يمكن ان يقال في الجواب عن الأحاديث كلها انها تدل على كمالية الأغسال و الاكتفاء بها فيما شرعت له و نحن نقول به، و الوضوء لا نوجبه في غسل الحيض و الجمعة مثلا ليكمل الغسل عنهما و انما نوجب الوضوء للصلاة، فعند غسل الحيض يرتفع حدث الحيض و تبقى المرأة كغيرها من المكلفين إذا أرادت الصلاة يجب عليها الوضوء، و كذا باقي الأغسال» انتهى.

أقول: اما ما أجاب به عن صحيحة محمد بن مسلم فقد تقدم الكلام فيه. و اما طعنه في الأخبار الباقية بضعف السند فهو ضعيف عندنا غير معمول عليه و لا معتمد، على انه متى ألجأته الحاجة الى الاستدلال بأمثالها من الاخبار الضعيفة باصطلاحه استدل

125

بها و أغمض عن هذا الطعن كما لا يخفى على من راجع كتبه و كتب غيره من أرباب هذا الاصطلاح، و لو انهم يقفون على هذا الاصطلاح حق الوقوف و لا يخرجون عنه لما استطاعوا تصنيف هذه الكتب و لا تفريع هذه الفروع، إذ الصحيح من الأخبار باصطلاحهم لا يفي لهم بعشر معشار الأحكام التي ذكروها كما لا يخفى على من تأمل بعين الإنصاف. و اما ما ذكره من جواب الشيخ فقد تقدم ما فيه. و اما ما ذكره أخيرا في الجواب عن الاخبار كلها- من ان مشروعية الوضوء هنا ليس لتكميل الأغسال و انما هو لرفع موجبه و هو الحدث الأصغر فإذا أراد الصلاة وجب عليه الوضوء لذلك- ففيه أن مكاتبة الهمداني التي هي إحدى الروايات التي نقلها قد تضمنت انه لا وضوء للصلاة في غسل الجمعة و لا غيره. و اما ما أجاب به في المختلف من التقييد بما إذا لم يكن وقت صلاة فمع ظهور انه تعسف محض يرده قوله

في موثقة عمار: «ليس عليه قبل الغسل و لا بعد قد أجزأه الغسل».

و كذا الأخبار الدالة على انه بعد الغسل بدعة، و بذلك اعترف في الذكرى ايضا.

و بالجملة فإن الروايات المذكورة ظاهرة الدلالة على القول المذكور غاية الظهور لا يعتريها فتور و لا قصور.

نعم يبقى الكلام في الجواب عن أدلة القول المشهور، اما الآية فالجواب عنها ان إطلاقها مقيد بالأخبار المذكورة، كما هو معلوم في جملة من الأحكام من تقييد إطلاقات الكتاب العزيز و تخصيص عموماته بالسنة المطهرة، على انه قد ورد تفسير الآية في موثق ابن بكير (1) بالقيام من حدث النوم، و ادعى عليه العلامة في المنتهى و قبله الشيخ في التبيان الإجماع كما تقدم في بحث الوضوء، و حينئذ فيجب تخصيص المأمور بالوضوء بالمحدث حدثا أصغر ان ضم إليها الإجماع المركب أو المحدث بالنوم، و لا تدل على ان من كان محدثا حدثا أكبر بل غير النوم مأمور بالوضوء لا منفردا و لا مع ضميمة

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء.

126

الغسل، و بالجملة فالتحقيق ان سياق الآية الشريفة ظاهر في ان الجنب مأمور بالغسل و غيره مأمور بالوضوء، و امتثال كل منهما ما أمر به يقتضي الاجزاء، الا انه لما ورد عنهم (عليهم السلام) تفسير القيام إلى الصلاة بالقيام من حدث النوم و تأكد ذلك بدعوى الإجماع وجب تخصيص المأمور بالوضوء بالمحدث حدثا أصغر أو النوم كما قدمنا. و اما روايتا ابن ابى عمير و صحيحة علي بن يقطين فقد أجاب عنها جملة من متأخري المتأخرين بالحمل على الاستحباب جمعا بين الاخبار، و أيدوا ذلك بما ذكره المحقق (رحمه الله) في مسألة وضوء الميت، حيث قال بعد إيراد روايتي ابن ابى عمير: «لا يلزم من كون الوضوء في الغسل ان يكون واجبا بل من الجائز ان يكون غسل الجنابة لا يجوز فعل الوضوء فيه و غيره يجوز، و لا يلزم من الجواز الوجوب» و تبعه في هذه المقالة جمع ممن تأخر عنه كالعلامة في المختلف و الشهيد الثاني في الروض. و هو مما يقضى منه العجب فإنهم مع اعترافهم بذلك في مسألة وضوء الميت يستدلون بالخبرين المذكورين هنا على وجوب الوضوء في غير غسل الجنابة. و الأظهر عندي حمل الأخبار المذكورة و كذا كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي على التقية التي هي في اختلاف الأحكام الشرعية أصل كل بلية، و عليه تجتمع أخبار المسألة، و ذلك فإن العامة بالنسبة إلى الوضوء مع غسل الجنابة على قولين، فالمشهور بينهم استحباب الوضوء معه بان يكون قبله كما نقله في المنتهى حيث قال: لا يستحب الوضوء عندنا خلافا للشيخ في التهذيب، و أطبق الجمهور على استحبابه قبله (1). و نقل في صدر المسألة عن الشافعي في أحد قوليه و هو رواية عن احمد و مثل ذلك عن داود و ابي ثور الوجوب لو جامعه حدث أصغر (2) و اما سائر الأغسال

____________

(1) كما في المغني لابن قدامة ج 1 ص 217 و ص 219 و جامع الترمذي على شرحه لابن العربي ج 1 ص 155 و نيل الأوطار للشوكانى ج 1 ص 213 و شرح المنهاج لابن حجر ج 1 ص 118.

(2) كما في فتح الباري لابن حجر ج 1 ص 250 و عمدة القارئ للعيني ج 2 ص 3.

127

واجبة أو مستحبة فالظاهر انه لا خلاف بينهم في الوجوب (1) كما عليه جمهور أصحابنا (رضي الله عنهم) و حينئذ فمعنى خبري ابن ابي عمير ان كل غسل معه وضوء واجب إلا غسل الجنابة فإنه لا يجب الوضوء معه و انما يستحب.

ثم انه على القول بوجوب الوضوء مع الغسل كما هو المشهور فهل يجب تقديمه على الغسل أم يتخير و ان كان التقديم أفضل؟ المشهور الثاني، و عن الشيخ في بعض كتبه الأول، و به صرح أبو الصلاح و هو ظاهر كلام المفيد و ابني بابويه على ما نقله في المختلف و يدل عليه مرسلة ابن ابي عمير المتقدمة، و أجاب عنها في المختلف بالحمل على الاستحباب و ربما أيد هذا القول ايضا

بقولهم (عليهم السلام) (2) فيما قدمناه: «الوضوء بعد الغسل بدعة».

و ظاهر ابن إدريس دعوى الإجماع على عدم وجوب التقديم حيث قال: «و قد يوجد في بعض كتب أصحابنا في كيفية غسل الحائض مثل كيفية غسل الجنابة و يزيد بوجوب تقديم الوضوء على الغسل، و هذا غير واضح من قائله بل الزيادة على غسل الجنابة ان لا تستبيح الحائض إذا طهرت بغسل حيضها و بمجرده الصلاة كما يستبيح الجنب سواء قدمت الوضوء أو أخرت، و ان أراد انه يجب تقديم الوضوء على الغسل فغير صحيح بلا خلاف» انتهى. و كلامه و ان كان في غسل الحائض الا انه خرج مخرج التمثيل، إذ لا فرق في هذا المعنى بين غسل الحائض و الأغسال المندوبة التي أوجبوا فيها الوضوء. و كيف كان فالبحث في ذلك عندنا مفروغ عنه و ان كان على تقدير القول المذكور فالأقرب وجوب

____________

(1) في شرح الزرقانى المالكي على مختصر ابى الضياء في فقه مالك ج 1 ص 105 «و يجزئ الغسل من جنابة أو حيض أو نفاس عن الوضوء و ان تبين عدم جنابته أو حيضها أو نفاسها و ان كان خلاف الاولى» و في حاشية ابن قاسم العبادي على شرح المنهاج ج 1 ص 118 قال: «في شرح العباب ان الوضوء انما يكون سنة في الغسل الواجب و به صرح أبو زرعة و غيره تبعا للمحاملى، و لو قيل بندبه كغيره من سائر السنن التي ذكروها في الغسل المسنون لم يبعد».

(2) المروي في الوسائل في الباب 33 من أبواب الجنابة.

128

التقديم، لدلالة مرسلة ابن ابي عمير المشار إليها على ذلك، و مثلها الخبر المرسل من الكافي و ان كان مورده غسل الجمعة، و أصرح من ذلك عبارة

الفقه الرضوي (1) حيث قال:

«فابدأ بالوضوء ثم اغتسل».

و رواية أبي بكر الحضرمي الآتية،

و ما في صحيح حكم ابن حكيم (2) من قوله: «. ان الناس يقولون يتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل.».

و هذه الروايات لا معارض لها إلا إطلاق بعض الاخبار فيحمل عليها. و كيف كان فالاحتياط- بالوضوء مع هذه الأغسال و تقديمه عليها- مما لا ينبغي تركه.

(المقام الثاني)- هل يستحب الوضوء مع غسل الجنابة أم لا؟

المشهور الثاني، و ذهب الشيخ في التهذيب إلى الأول استنادا الى

ما رواه عن ابي بكر الحضرمي عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: «سألته كيف أصنع إذا أجنبت؟ قال: اغسل كفك و فرجك و توضأ وضوء الصلاة ثم اغتسل».

بحملها على الاستحباب جمعا بينها و بين ما دل من الاخبار على عدم الوضوء مع غسل الجنابة كصحيحة حكم بن حكيم و نحوها، و يدل عليه ايضا

ما رواه الكليني (4) في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم عن عبد الله بن مسكان و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه عن محمد بن ميسر و هو غير موثق في كتب الرجال قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق و يريد ان يغتسل و ليس معه إناء يغرف به و يداه قذرتان؟ قال: يضع يده و يتوضأ و يغتسل، هذا مما قال الله عز و جل: وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (5).

و الجواب عن الخبر الأول ان الأظهر في مدلوله هو الحمل على التقية، لما قدمناه من ان العامة في ذلك على قولين في الوضوء مع غسل الجنابة، فالمشهور الاستحباب و القول الآخر الوجوب و يشير الى ذلك

قوله (عليه السلام) في صحيحة حكم بن حكيم (6)

____________

(1) ص 4.

(2) المروية في الوسائل في الباب 34 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 34 من أبواب الجنابة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الماء المطلق.

(5) سورة الحج. الآية 78.

(6) المروية في الوسائل في الباب 34 من أبواب الجنابة.

129

«ان الناس يقولون يتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل».

فان المراد بالناس هم المخالفون و أظهر من ذلك

ما رواه في التهذيب عن محمد بن مسلم (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ان أهل الكوفة يروون عن علي (عليه السلام) انه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة؟ قال كذبوا على علي ما وجدوا ذلك في كتاب علي، قال الله تعالى:

«وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» (2).

و يعضده ايضا ما تقدم

من مرسلة محمد بن احمد بن يحيى (3) و قوله: «الوضوء قبل الغسل و بعده بدعة».

و كذا غيرها مما دل على كونه مع الغسل بدعة. و رد الشيخ (رحمه الله) الخبر الأول بالإرسال و احتمل في الخبرين الآخرين التخصيص بما عدا غسل الجنابة، قال: «لان المسنون في هذه الأغسال ان يكون الوضوء فيها قبلها» و لا يخفى ما فيه بعد ما عرفت من التحقيق. و اما الخبر الثاني فالظاهر ان الوضوء فيه ليس بالمعنى المعروف و انما هو بمعنى الغسل كما يدل عليه سياق الكلام، و كيف كان فإنه مع هذا الاحتمال لا يصلح للاستدلال. و بالجملة فالاستحباب كالوجوب و نحوه أحكام شرعية لا تثبت إلا بالدليل الواضح.

(المسألة الثانية) [حكم الحدث في أثناء الغسل]

- اختلف الأصحاب (رضي الله عنهم) فيما إذا اغتسل مرتبا و أحدث في أثناء الغسل على أقوال: فقيل بوجوب الإعادة من رأس، و هو مذهب الشيخ (رحمه الله) في النهاية و المبسوط و ابن بابويه، و اختاره العلامة في جملة من كتبه و الشهيد في الدروس و الذكرى. و قال ابن البراج يتم الغسل و لا شيء عليه، و هو اختيار ابن إدريس و اختاره من أفاضل متأخري المتأخرين مير محمد باقر الداماد و الخراساني في الذخيرة و شيخنا الشيخ سليمان البحراني. و قال المرتضى (رضي الله عنه) انه يتم الغسل و يتوضأ إذا أراد الدخول في الصلاة، و اختاره المحقق و الفاضل الأردبيلي و تلميذه السيد في المدارك و جده الشهيد الثاني و تلميذه الشيخ عز الدين الحسين بن عبد الصمد

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 34 من أبواب الجنابة.

(2) سورة المائدة. الآية 9.

(3) رواه في الوسائل في الباب 34 من أبواب الجنابة.

130

الحارثي و ابنه الشيخ بهاء الملة و الدين.

احتج في الذكرى للقول الأول حيث اختاره فقال بعد نقل الأقوال الثلاثة:

«و الأقرب الأول لامتناع الوضوء في غسل الجنابة عملا بالأخبار المطلقة، و امتناع خلو الحدث عن أثره مع تأثيره بعد الكمال» و احتج في المختلف لهذا القول ايضا- حيث اختاره- بان الحدث الأصغر ناقض للطهارة بكمالها فلابعاضها اولى، و إذا انتقض ما فعله وجب عليه اعادة الغسل، لانه جنب لم يرتفع حكم جنابته بغسل بعض أعضائه، و لا اثر للحدث الأصغر مع الأكبر. و مرجع الكلامين الى دليل واحد، و ينحل إلى أمرين:

(أحدهما)- الاستدلال بالأخبار الدالة على انه لا وضوء مع غسل الجنابة، و هذا جنب في هذه الحال. و (ثانيهما)- ان الحدث الأصغر مؤثر في نقض الطهارة بعد كمال الغسل بلا خلاف فلان يؤثر في نقض بعضها اولى، و حينئذ فإذا كان الوضوء لا يجامع الجنابة و لا يؤثر في الصورة المذكورة- و فيه رد على القول بإيجاب الوضوء- و الحدث الأصغر مؤثر في نقض ما اتى به من الطهارة- و فيه رد على من ذهب الى الاكتفاء بإتمام الغسل- وجب اعادة الغسل من رأس.

و أورد على هذا الدليل منع الأولوية المذكورة بل نقول القدر المسلم ان الحدث الأصغر إذا لم يجامع الأكبر فهو سبب لوجوب الوضوء و إذا جامع الأكبر فلا تأثير له أصلا، فلا بد لما ذكروه من دليل، ألا ترى انه بعد الغسل يقتضي الوضوء و في الأثناء لا يقتضيه عندكم، فلم لا يجوز ان لا يؤثر في الأثناء أصلا أو يؤثر تأثيرا يرتفع ببعض الغسل؟

و قريب مما ذكرناه ما أورده في المدارك ايضا، حيث قال: «و القول بالإعادة للشيخ (رحمه الله) في النهاية و المبسوط و ابن بابويه و جماعة، و لا وجه له من حيث الاعتبار، و ما استدل به عليه- من ان الحدث الأصغر ناقض للطهارة بتمامها فلأبعاضها اولى، و ان الحدث المتخلل قد أبطل تأثير ذلك البعض في الرفع و الباقي من الغسل غير صالح

131

للتأثير- ففساده ظاهر، لمنع كونه ناقضا و مبطلا و انما المتحقق وجوب الوضوء به خاصة ثم قال (رحمه الله) و لعل مستندهم

ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كتاب عرض المجالس عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس بتبعيض الغسل: تغسل يدك و فرجك و رأسك و تؤخر غسل جسدك الى وقت الصلاة ثم تغسل جسدك إذا أردت ذلك، فإن أحدثت حدثا من بول أو غائط أو ريح أو مني بعد ما غسلت رأسك من قبل ان تغسل جسدك فأعد الغسل من اوله».

و لو صحت هذه الرواية لما كان لنا عنها عدول لصراحتها في المطلوب الا اني لم أقف عليها مسندة، و الواجب المصير إلى الأول الى ان يتضح السند» انتهى.

أقول: اما ما ذكره- من منع كون الحدث الأصغر ناقضا و مبطلا و انما المتحقق وجوب الوضوء خاصة- فلا يخلو من اشكال، فإنه ان أراد بخصوص هذا الموضع من حيث انه لا تأثير له مع الجنابة و اندراجه تحتها فجيد لكن ينافيه قوله: «و انما المتحقق وجوب الوضوء خاصة» و ان أراد مطلقا فهو خلاف الإجماع بين الأصحاب (رضي الله عنهم) من عد هذه الأحداث نواقض و مبطلات للطهارة المتقدمة، و به سميت نواقض و أسبابا و موجبات باعتبار إيجابها الوضوء. و اما ما ذكره من الخبر- و قبله جده- فقد اعترضه جملة من الأصحاب (رضي الله عنهم) بأنهم لم يقفوا عليه في الكتاب المذكور، إذ الظاهر ان مراده بالكتاب المذكور هو كتاب الأمالي المشهور ايضا بمجالس الصدوق و قد صرح في الذكرى بذلك ايضا فقال بعد نقل القول المذكور: «و قد قيل انه مروي عن الصادق (عليه السلام) في كتاب عرض المجالس للصدوق» و لعل السيد و جده اعتمدا على هذا النقل من غير مراجعة الكتاب المشار اليه. نعم هذه الرواية مذكورة

في الفقه الرضوي (2) حيث قال (عليه السلام): «و لا بأس بتبعيض الغسل: تغسل يديك و فرجك و رأسك و تؤخر غسل جسدك الى وقت الصلاة ثم تغسل إن أردت ذلك

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 29 من أبواب الجنابة.

(2) ص 4.

132

فإن أحدثت حدثا من بول أو غائط أو ريح بعد ما غسلت رأسك من قبل ان تغسل جسدك فأعد الغسل من اوله، و إذا بدأت بغسل جسدك قبل الرأس فأعد الغسل على جسدك بعد غسل الرأس».

انتهى. و هذه العبارة بعينها نقلها الصدوق في الفقيه عن أبيه في رسالته اليه فقال: و قال ابي (رحمه الله) في رسالته الي: و لا بأس بتبعيض الغسل ثم ساق الكلام الى آخر ما نقلناه، و فيه دلالة على ما قدمناه من اعتماده على الكتاب المذكور.

و اما القول الثاني فاستدل عليه الشيخ سليمان البحراني المتقدم ذكره في بعض فوائده- و اليه يرجع في التحقيق ما ذكره في الذخيرة- بأنه ينبغي ان يعلم ان الوضوء هو الرافع للحدث الأصغر لكن في غير صورة مجامعته للجنابة، لأنه لا يكون للأصغر مع الجنابة أثر أصلا لانقهاره معها فلا يتمكن من التأثير، فيسقط حكم الوضوء ما دامت الجنابة باقية بالفعل البتة. فلا يكون للأصغر أثر في إيجاب الوضوء أصلا بالتقريب المتقدم و من الظاهر البين انه لا تأثير له في إيجاب الغسل بوجه من الوجوه، و على هذا فمتى أكمل الغسل تم السبب التام لرفع الجنابة. و بالجملة فإنه بالنظر الى ما دامت الجنابة باقية فإنه مقهور بها و مندرج تحتها، و من المعلوم انه ما لم يتم الغسل فالجنابة باقية، فلا وجه للقول بما ذهب اليه المرتضى (رضي الله عنه) و من تبعه، و يؤيده عموم الأخبار الدالة على نفي الوضوء و المنع منه مع غسل الجنابة و تحريمه و عدم مشروعيته (1).

أقول: و بهذا التقرير يظهر ضعف ما ذكره في المعتبر في رد هذا القول- كما سيأتي نقله من انه يلزم ان لو بقي من الغسل مقدار درهم من الجانب الأيسر ثم تغوط ان يكتفي عن الوضوء بغسل موضع الدرهم، و هو باطل، فإنه- مع كونه مجرد استبعاد لا يجدي في دفع الأحكام الشرعية- مردود بأنه إذا كان حدث الجنابة باقيا مع بقاء هذا المقدار و كذا ما يترتب على الجنابة من الأحكام و لا يرتفع ذلك الحدث و لا يستبيح ما يحرم على الجنب إلا بغسل هذا المقدار فأي استبعاد في ارتفاع الحدث الأصغر به

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 33 و 34 من أبواب الجنابة.

133

أيضا؟ بقي الكلام في انه بناء على هذا التقرير و ان كان هذا الدليل بحسب الظاهر لا يخلو من متانة و قرب، إلا ان لقائل أن يقول ان ما ذكروه من انقهار الحدث الأصغر تحت الجنابة و انه لا تأثير له معها انما استنبطوه من الأخبار الدالة على تحريم الوضوء مع غسل الجنابة و انه معه بدعة، إذ ليس ثمة دليل غير ذلك، و من المحتمل قريبا حمل الأخبار المذكورة على ما هو الشائع المتكرر المتكثر من وقوع الحدث قبل الغسل دون هذا الفرد النادر الذي لا يتبادر اليه الذهن عند الإطلاق، لما قرروه في غير مقام من ان الأحكام المودعة في الاخبار انما تحمل على ما هو المعهود المتكرر الشائع الذي ينساق اليه الذهن عند الإطلاق دون الفروض النادرة القليلة الدوران، و بهذا يضعف القول المذكور.

و اما القول الثالث فاحتج عليه المحقق في المعتبر بان الحدث الأصغر يوجب الوضوء و ليس موجبا للغسل و لا لبعضه، فيسقط وجوب الإعادة و لا يسقط حكم الحدث بما بقي من الغسل، ثم ألزم القائلين بسقوط الوضوء انه يلزم لو بقي من الغسل قدر الدرهم من جانبه الأيسر ثم تغوط ان يكتفي عن وضوئه بغسل موضع الدرهم، و هو باطل أقول: فيه (أولا)- منع ما ذكره من ان الحدث الأصغر يوجب الوضوء، فإنه على إطلاقه ممنوع بل القدر المعلوم هو إيجابه ما لم يجامع الجنابة و اما مع مجامعتها فإنه يندرج تحتها كما تقدم ذكره. و (ثانيا)- منع قوله: و لا يسقط حكم الحدث بما بقي من الغسل للإلزام الذي ذكره، بل هو ساقط بما بقي لانقهار الحدث الأصغر تحت الأكبر ما دام باقيا. و اما الإلزام الذي ذكره فقد عرفت ما فيه.

و استدل في المدارك لهذا القول حيث اختاره فقال: «اما وجوب الإتمام فلان الحدث الأصغر ليس موجبا للغسل و لا لبعضه قطعا فيسقط وجوب الإعادة، و اما وجوب الوضوء فلان الحدث المتخلل لا بد له من رافع و هو اما الغسل بتمامه أو الوضوء و الأول منتف لتقدم بعضه فتعين الثاني» و فيه ما عرفت من تقرير دليل القول الثاني من ان الحدث الأصغر لا اثر له مع الجنابة. و بالجملة فإن هذا القول بالنظر الى تقرير الدليل

134

المشار اليه- كما قدمناه- يظهر ضعفه، و بالنظر الى ما أوردناه من الاشكال على الدليل المذكور يظهر قوته.

و كيف كان فالمسألة لما عرفت لا تخلو من شوب الاشكال و ان كان القول الأول- بالنظر الى رواية الفقه الرضوي المعتضدة برواية المجالس و فتوى الشيخ علي ابن الحسين بن بابويه بها، و هم ممن يعدون فتاويه في عداد النصوص إذا اعوزتهم، مع أوفقيته للاحتياط- لا يخلو من قوة و ان كان الاحتياط في الإتمام ثم الوضوء ثم الإعادة.

و الله العالم.

[فوائد]

و ينبغي التنبيه على فوائد

(الأولى) [هل يتصور الحدث في أثناء الغسل الارتماسي؟]

- قال في الذكرى: «لو كان الحدث من المرتمس فان قلنا بسقوط الترتيب حكما فان وقع بعد ملاقاة الماء جميع البدن يوجب الوضوء لا غير و الا فليس له اثر، و ان قلنا بوجوب الترتيب الحكمي القصدي فهو كالمرتب، و ان قلنا بحصوله في نفسه و فسرناه بتفسير الاستبصار أمكن انسحاب البحث فيه» انتهى. و ظاهره انه مع عدم القول بالترتيب الحكمي في الغسل الارتماسي فإنه لا يتفق فيه تخلل الحدث في أثناء الغسل فيختص البحث بالغسل الترتيبي. و قال في المدارك: «الظاهر عدم الفرق في غسل الجنابة بين كونه غسل ترتيب أو ارتماس، و يتصور ذلك في غسل الارتماس بوقوع الحدث بعد النية و قبل إتمام الغسل، ثم نقل صدر كلام الذكرى و قال: و هو مشكل لإمكان وقوعه في الأثناء» و جرى على منواله في الذخيرة.

أقول: الظاهر ان مبنى كلام السيد (رحمه الله) على ان الدفعة المشترطة في الارتماس انما هي الدفعة العرفية، و حينئذ فيمكن حصول الحدث بعد النية و قبل استيلاء الماء على جميع البدن. الا ان فيه ان الظاهر ان مبنى كلام الشهيد (رحمه الله) انما هو على ان الارتماس لا يحصل الا بعد الدخول تحت الماء و استيلاء الماء على جميع اجزاء البدن، و اما الدخول شيئا فشيئا فإنما هو من مقدماته، و على هذا فلا يمكن تخلل الحدث للغسل

135

لان وصول الماء الى الجميع بعد الولوج دفعي، و على هذا المعنى الذي ذكرناه يدل ظاهر كلام أهل اللغة أيضا قال في المصباح المنير: «رمست الميت رمسا من باب قتل:

دفنته الى ان قال: و رمست الخبر: كتمته، و ارتمس في الماء: انغمس» و في القاموس «الارتماس الانغماس» و في مجمع البحرين «و أصل الرمس الستر، و رمست الميت رمسا من باب قتل: دفنته، و ارتمس في الماء مثل انغمس» انتهى. و هذه العبارات كلها ظاهرة- كما ترى- في عدم صدق الارتماس إلا بعد الدخول تحت الماء، و حينئذ فلا يظهر فرض هذا الحكم فيه. و اما ما ذكره في الذكرى- من بناء ذلك على الترتيب الحكمي ففيه ما تقدم بيانه من انه لم يقم دليل على الترتيب الحكمي بشيء من معنييه المذكورين فلا ضرورة إلى تكلف التفريع عليه في البين.

(الثانية) [حكم تخلل الحدث الغسل المكمل بالوضوء]

- قال في الذكرى ايضا: «لو تخلل الحدث الغسل المكمل بالوضوء أمكن المساواة في طرد الخلاف و أولوية الاجتزاء بالوضوء هنا لان له مدخلا في إكمال الرفع و الاستباحة، و به قطع الفاضل في النهاية مع حكمه بالإعادة في غسل الجنابة» انتهى.

أقول: لا ريب ان الظاهر انه متى قلنا بعدم وجوب الوضوء في سائر الأغسال- كما هو الحق في المسألة- فإنه يطرد الخلاف فيها كما في غسل الجنابة، و انما يبقى الكلام بناء على القول المشهور من وجوب الوضوء معها، فظاهر كلامه في الذكرى احتمال طرد الخلاف ايضا و ان كان الاولى هنا الاجتزاء بالوضوء، و الظاهر بعد ما احتمله من طرد الخلاف مع إيجاب الوضوء، بل الظاهر وجوب الإتمام و الوضوء كما اختاره في المدارك.

و لعل الوجه في إيجاب العلامة الوضوء هنا مع إيجابه الإعادة في غسل الجنابة هو سقوط الوضوء مع غسل الجنابة لعدم تأثير الحدث الأصغر ثمة بخلاف ما نحن فيه فإنه ثابت بثبوت موجبه. و ربما احتمل اعادة الغسل هنا بناء على ان كل واحد من الوضوء و الغسل مؤثر ناقص في رفع الحدث المطلق، فحصول تأثيرهما موقوف على حصولهما تامين، فإذا حصل الحدث في الأثناء لم يكف الإتمام و الوضوء و يحتاج إلى إعادة الغسل. و التحقيق

136

انا متى وقفنا على مورد الاخبار فإنه لا اشكال لا في غسل الجنابة و لا غيره إذ الواجب العمل بما دلت عليه، و اما مع عدم ذلك فالمسألة لا تخلو من الإشكال في الموضعين، فان مجال التخريجات العقلية و الاعتبارات الفكرية في هذه المسألة و غيرها واسع لا ينتهي إلى ساحل، و لذا ترى المتقدم يعلل بتعليل حسبما وصل اليه فهمه و يجعلها أدلة و يأتي من بعده و ينقضها و يأتي بأدلة اخرى حسبما ادى اليه فكره و هكذا، فالحق هو الوقوف على الاخبار ان وجدت في هذه المسألة و غيرها و الا فالوقوف على جادة الاحتياط كما أمرت به اخبارهم (عليهم السلام).

(الثالثة) [هل يكفي استئناف الغسل على القول بوجوب الإتمام و الوضوء بتخلل الحدث؟]

- نقل في المدارك عن بعض المتأخرين القائلين بوجوب الإتمام و الوضوء الاكتفاء باستئناف الغسل إذا نوى قطعه، لبطلانه بذلك فيصير الحدث متقدما على الغسل، ثم تنظر فيه بأن نية القطع انما تقتضي بطلان ما يقع بعدها من الأفعال لا ما سبق كما صرح به المصنف و غيره.

أقول: ما ذكره (رحمه الله) على إطلاقه لا يخلو من اشكال، لأنه لا يخلو اما ان تكون نية القطع بمجردها موجبة للبطلان أو ان البطلان انما يحصل مع الإتيان بشيء من أفعال العبادة بعد هذه النية، و نظره انما يتمشى على الثاني، و لعل مراد هذا القائل انما هو الأول. و قد تقدم الكلام في هذه المسألة في بعض مقامات النية في الوضوء.

(المسألة الثالثة)- هل يجب ماء الغسل عينا أو ثمنا على الزوج أم لا؟

قال في المنتهى: «فيه تفصيل: قال بعضهم لا يجب مع غنائها و مع الفقر يجب على الزوج تخليتها لتنتقل الى الماء أو ينقل الماء إليها، و قال آخرون يجب عليه كما يجب عليه ماء الشرب و الجامع ان كل واحد منهما مما لا بد منه. و الأول عندي أقرب» انتهى. و المفهوم من كلام الذكرى الثاني و هو الوجوب على الزوج مطلقا، قال (رحمه الله): «ماء الغسل على الزوج في الأقرب لأنه من جمله النفقة فعليه نقله إليها و لو بالثمن أو تمكينها من الانتقال اليه، و لو احتاج

137

الى عوض كالحمام فالأقرب وجوبه عليه ايضا مع تعذر غيره دفعا للضرر، و وجه العدم ان ذلك مؤنة التمكين الواجب عليها. و ربما فرق بين غسل الجنابة و غيره إذا كان سبب الجنابة من الزوج. و اما الأمة فالأقرب أنها كالزوجة لانه مؤنة محضة، و انتقالها الى التيمم مع وجود الماء بعيد. و حمله على دم التمتع قياس من غير جامع، و يعارض بوجوب فطرتها فكذا ماء طهارتها» انتهى. و المسألة عندي محل توقف، لعدم النص الذي هو المعتمد في الأحكام و تدافع التعليلات المذكورة، مع عدم صلاحيتها لو سلمت من ذلك لتأسيس الأحكام الشرعية.

(المسألة الرابعة) [الأمور المكروهة للجنب]

يكره للجنب أمور

(الأول)- الأكل و الشرب ما لم يتمضمض و يستنشق

على المشهور بل قال في التذكرة انه مذهب علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، و نقل عن ابن زهرة دعوى الإجماع على ذلك، و في المعتبر انه مذهب الخمسة و اتباعهم، و قال الصدوق في الفقيه: «و الجنب إذا أراد ان يأكل أو يشرب قبل الغسل لم يجز له الا ان يغسل يديه و يتمضمض و يستنشق، فإنه ان أكل أو شرب قبل ان يفعل ذلك خيف عليه من البرص» و ظاهره التحريم ثم قال:

«و روى ان الأكل على الجنابة يورث الفقر» (1).

و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله (2) قال: «قلت للصادق (عليه السلام) أ يأكل الجنب قبل ان يتوضأ؟ قال: انا لنكسل و لكن ليغسل يده و الوضوء أفضل».

قال في الوافي بعد ذكر هذا الخبر: «هكذا يوجد في النسخ و يشبه ان يكون مما صحف و كان «انا لنغتسل» لأنهم (عليه السلام) أجل من ان يكسلوا في شيء من عبادات ربهم عز و جل» انتهى. أقول: لا يخفى ان الخبر المذكور على ما رواه المحدثون و نقله الأصحاب في كتب الفروع انما هو بلفظ «نكسل» و الظاهر ان المراد به انما هو مطلق

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 20 من أبواب الجنابة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 20 من أبواب الجنابة.

138

الناس بمعنى ان الناس ليكسلون و ان عبر عن ذلك بصيغة تشمله (عليه السلام) و غيره، و نظيره

ما روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) من قوله: «اني اكره السلام على المرأة الشابة مخافة ان يعجبني صوتها».

فان الظاهر ان مراده انما هو منع الناس عن ذلك خوفا مما ذكره، لان عصمته تمنع من حمل هذا اللفظ على ظاهره فكذا ما نحن فيه.

و اما ما احتمله بعض المحققين من متأخري المتأخرين من ان قوله: «لنكسل» يعني عن الأكل و لم نتسارع اليه قبل الغسل فالظاهر بعده سيما بالنظر الى الاستدراك ب«لكن» بعد هذا الكلام.

و ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) قال:

«الجنب إذا أراد ان يأكل و يشرب غسل يده و تمضمض و غسل وجهه و أكل و شرب».

و ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبيد الله بن علي الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «إذا كان الرجل جنبا لم يأكل و لم يشرب حتى يتوضأ».

و بإسناده عن الحسين بن زيد عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) (4) في حديث المناهي المذكور في آخر كتاب الفقيه قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن الأكل على الجنابة و قال انه يورث الفقر».

و ما رواه في الكافي عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) في حديث (5) قال: «لا يذوق الجنب شيئا حتى يغسل يديه و يتمضمض فإنه يخاف منه الوضح».

أقول: الوضح البرص.

و في الفقه الرضوي (6) قال (عليه السلام): «و إذا أردت أن تأكل على جنابتك فاغسل يديك و تمضمض و استنشق ثم كل و اشرب الى ان تغتسل، فإن أكلت أو شربت قبل ذلك أخاف عليك البرص و لا تعود الى ذلك».

انتهى

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 48 من أبواب العشرة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الجنابة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الجنابة.

(4) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الجنابة.

(5) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الجنابة.

(6) ص 4.

139

و مما يدل على ان المراد بهذه الأخبار الكراهة

ما رواه في الكافي في الموثق عن ابن بكير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يأكل و يشرب و يقرأ القرآن؟ قال: نعم يأكل و يشرب و يقرأ و يذكر الله عز و جل ما شاء».

و المفهوم من هذه الاخبار بضم بعضها الى بعض هو ما ذكره الأصحاب (رضي الله عنهم) من كراهية الأكل و الشرب و انها تزول بما ذكر فيها، و قال في المدارك- بعد ان نقل صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله أولا ثم صحيحة زرارة- ما لفظه: «و مقتضى الرواية الأولى استحباب الوضوء لمريد الأكل و الشرب أو غسل اليد خاصة، و مقتضى الرواية الثانية الأمر بغسل اليد و الوجه و المضمضة، و ليس فيهما دلالة على كراهة الأكل و الشرب بدون ذلك، و لا على توقف زوال الكراهة على المضمضة و الاستنشاق أو خفتها بذلك» و جرى على منواله في الذخيرة كما هي قاعدته غالبا.

أقول: لما كان نظر السيد المذكور مقصورا على صحاح الاخبار اقتصر على هاتين الصحيحتين و هما و ان أوهما ما ذكره الا ان جملة ما عداهما مما قدمناه و لا سيما عبارة كتاب الفقه الرضوي ظاهر فيما ذكره الأصحاب، فيجب تقييد هاتين الصحيحتين بها، و العجب منه انه خفي عليه الوقوف على صحيحة الحلبي المروية في الفقيه و هي صحيحة صريحة في كراهة الأكل و الشرب بدون ذلك.

بقي الكلام في ان صحيحة زرارة قد دلت على غسل اليد و المضمضة و غسل الوجه و صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله دلت على الوضوء أو غسل اليد و ان الأول أفضل و صحيحة الحلبي دلت على الوضوء خاصة، و رواية السكوني دلت على غسل اليد و المضمضة و كتاب الفقه على غسل اليد و المضمضة، و الاستنشاق غير موجود إلا في عبارة هذا الكتاب، و الظاهر ان الصدوق في عبارته المتقدمة إنما أخذه منه و تبعه الأصحاب في عبائرهم، و الظاهر ترتب هذه الأمور في الفضل و زوال الكراهة بها بان يكون أكمل

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

140

الجميع الوضوء ثم غسل اليد و المضمضة و الاستنشاق و غسل الوجه ثم الثلاثة الأول ثم الأولين خاصة و هو ادنى المراتب، و المفهوم من كلام الأصحاب (رضي الله عنهم) انه بهذه الأمور ترتفع الكراهة و يزول المحذور المذكور في النصوص، و ظاهر عبارة الشرائع بقاء الكراهة و ان كانت تخف بهذه الأشياء، و يمكن ان يستدل له بما تقدم من الروايتين على ان الأكل على الجنابة يورث الفقر، فإنه بالوضوء و نحوه من تلك الأمور لا يخرج عن كونه جنبا، الا انه يمكن تقييد إطلاقهما بالأخبار الأخر بمعنى انه يورث الفقر ما لم يأت بالوضوء و نحوه من تلك الأشياء المذكورة في الاخبار.

و هل يكفي الإتيان بالأمور المذكورة مرة واحدة، أو لا بد ان يكون عند كل أكل مع الفصل بالمعتاد بين الاكلين، أو مع تخلل الحدث، أو مع التعدد عرفا؟ احتمالات و إطلاق الاخبار يؤيد الأول و ان كان الأخير أحوط. و الله العالم.

(الثاني)- النوم حتى يغتسل أو يتوضأ

، فأما ما يدل على جواز النوم و هو جنب بدون الوضوء و الغسل فهو

ما رواه الشيخ (رحمه الله) في الصحيح عن سعيد الأعرج (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ينام الرجل و هو جنب و تنام المرأة و هي جنب».

و اما ما يدل على الكراهة

فصحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يواقع أهله أ ينام على ذلك؟ قال ان الله تعالى يتوفى الأنفس عند منامها و لا يدري ما يطرقه من البلية، إذا فرغ فليغتسل.».

و اما ما يدل على انتفاء الكراهة مع الوضوء فهو

ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبيد الله الحلبي (3) قال «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل أ ينبغى له ان ينام و هو جنب؟ قال: يكره ذلك حتى يتوضأ».

قال و في حديث آخر «انا أنام على ذلك حتى أصبح و ذلك اني أريد أن أعود».

و مما يدل على الثلاثة

ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (4) قال: «سألته عن الجنب يجنب ثم يريد النوم. قال: ان أحب ان يتوضأ فليفعل

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب الجنابة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب الجنابة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب الجنابة.

(4) رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب الجنابة.

141

و الغسل أفضل من ذلك، فان هو نام و لم يتوضأ و لم يغتسل فليس عليه شيء ان شاء الله تعالى».

و روى الصدوق في العلل (1) بسنده عن ابي بصير عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال: «لا ينام المسلم و هو جنب و لا ينام إلا على طهور فان لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد. الحديث».

و اما ما ذكره المحقق الخوانساري في شرح الدروس- من ان صحيحة عبد الرحمن المذكورة لا دلالة لها على الكراهة و انما تدل على استحباب الغسل قبل النوم و فضله على الوضوء و اما كراهة النوم بدونه فلا- ففيه ان غايتها ان تكون مطلقة في ذلك فيجب تقييد إطلاقها بالروايات الأخر حسبما تقدم في مسألة الأكل و الشرب، فإن موثقة سماعة دلت ايضا على استحباب الوضوء له و الغسل مع انه (عليه السلام) غيابها الكراهة في صحيحة الحلبي، و رواية العلل دلت على الكراهة إلا مع الطهور بغسل كان أو وضوء أو تيمم، و بذلك يظهر ان الأمر بالغسل في تلك الصحيحة انما هو لإزالة الكراهة التي دلت عليها هذه الاخبار.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان ظاهر كلام جملة من أفاضل متأخري المتأخرين:

منهم- المحقق المشار اليه و الشيخ الحر في الوسائل ان المراد من قوله (عليه السلام) في الحديث المرسل الذي رواه الصدوق و هو قوله:

«انا أنام على ذلك حتى أصبح لأني أريد أن أعود»

انما هو العود في الجماع. و لا يخفى ما فيه. بل الظاهر ان المراد انما هو العود في الانتباه و انه لا يموت في تلك الليلة، و ذلك فان المفهوم من صحيحة عبد الرحمن ان كراهة النوم على الجنابة انما هو من حيث خوف الموت في تلك الليلة للآية المذكورة، فإنه ربما أمسك الروح و قضى عليه الموت، و حيث كان (عليه السلام) عالما بوقت موته كما دلت عليه الاخبار و انه لا يموت في تلك الليلة بل يعود سقطت الكراهة في حقه، و حينئذ فلا ينافي ما دل على الكراهة بالنسبة إلى غيرهم (عليهم السلام).

(الثالث)- قراءة ما زاد على سبع آيات

على المشهور، و عن ابن البراج

____________

(1) ص 107 و في الوسائل في الباب 25 من أبواب الجنابة.

142

انه لم يجوز الزيادة على ذلك، و عن سلار تحريم القراءة مطلقا، نقل ذلك عنهما في الدروس و الذكرى، و نقل في المنتهى و السرائر عن بعض الأصحاب تحريم ما زاد على سبعين، و قال في المختلف: «المشهور كراهة ما زاد على سبع آيات أو سبعين من غير العزائم، أما العزائم و أبعاضها فإنها محرمة حتى البسملة إذا نوى انها منها» و قال الصدوق: «لا بأس ان تقرأ القرآن كله ما خلا العزائم» و قال الشيخ في النهاية: «و يقرأ من القرآن من اي موضع شاء ما بينه و بين سبع آيات إلا أربع سور» و في المبسوط «يجوز له ان يقرأ من القرآن ما شاء الا العزائم، و الاحتياط ان لا يزيد على سبع آيات أو سبعين آية» و قال ابن إدريس: «له ان يقرأ جميع القرآن سوى العزائم الأربع من غير استثناء لسواهن على الصحيح من الأقوال، و بعض أصحابنا لا يجوز إلا ما بينه و بين سبع آيات أو سبعين آية و الزائد على ذلك محرم مثل السور الأربع، و الأظهر الأول، و الحق عندي كراهة ما زاد على السبعين لا تحريمه، و الظاهر من كلام الشيخ (رحمه الله) في كتابي الأخبار التحريم» انتهى المقصود من كلامه (رحمه الله) و ما نقله عن ظاهر كلام الشيخ في كتابي الأخبار غير ظاهر حيث ان الشيخ قصد الجمع بين الاخبار كصحيحة الحلبي الآتية الدالة على قراءة ما شاء و مقطوعتي سماعة الآتيتين ان شاء الله تعالى الدالتين إحداهما على السبع و الأخرى على السبعين، بحمل المثبتة المطلقة في القراءة على هذا العدد، ثم انه احتمل ايضا الجمع بينها بحمل الاقتصار على العدد المذكور على الاستحباب و الباقي على الجواز، و من هنا يعلم انه غير جازم بالتحريم حتى ينسب قولا اليه، و لو عدت احتمالاته في الجمع بين الاخبار أقوالا و مذاهب له لم تنحصر أقواله، و ليس في تأويله الثاني أيضا تصريح بالكراهة بل غايته انه ترك الأفضل.

و كيف كان فالواجب الرجوع الى الاخبار و نقلها و بيان ما يفهم منها:

و (منها)-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضيل بن يسار عن الباقر

143

(عليه السلام) (1) قال: «لا بأس ان تتلو الحائض و الجنب القرآن».

و في الصحيح عن عبيد الله بن علي الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته أ تقرأ النفساء و الحائض و الجنب و الرجل يتغوط القرآن؟ قال: يقرأون ما شاءوا».

و في الموثق عن ابن بكير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يأكل و يشرب و يقرأ القرآن؟ قال: نعم يأكل و يشرب و يقرأ القرآن و يذكر الله عز و جل ما شاء».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح قال قال أبو جعفر (عليه السلام) (4): «الجنب و الحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب و يقرءان من القرآن ما شاءا إلا السجدة.

الحديث».

و ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم عن زيد الشحام عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «تقرأ الحائض القرآن و النفساء و الجنب ايضا».

و ما رواه الصدوق في العلل (6) في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قالا: «قلنا له الحائض و الجنب هل يقرءان من القرآن شيئا؟ قال: نعم ما شاءا إلا السجدة و يذكران الله تعالى على كل حال».

و رواه الشيخ (رحمه الله) في الموثق مثله،

و ما رواه في الفقيه (7) عن ابي سعيد الخدري في وصية النبي (صلى الله عليه و آله)» لعلي (عليه السلام) انه قال: «يا علي من كان جنبا في الفراش مع امرأته فلا يقرأ القرآن فإني أخشى ان تنزل عليهما نار من السماء فتحرقهما».

قال الصدوق (رحمه الله): «يعنى به قراءة العزائم دون غيرها»

و ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (8) قال: «سألته عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ قال ما بينه و بين سبع آيات».

ثم قال الشيخ (رحمه الله) و في رواية زرعة عن سماعة (9) قال «سبعين آية».

و في الفقه الرضوي (10) «و لا بأس بذكر الله تعالى و قراءة القرآن و أنت جنب إلا العزائم التي تسجد فيها و هي الم تنزيل و حم السجدة و النجم و سورة اقرأ باسم ربك».

و بهذه العبارة

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

(4) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

(5) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

(6) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

(7) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

(8) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

(9) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

(10) ص 4.

144

عبر الصدوق في الفقيه بتغيير يسير،

و ما رواه الصدوق في الخصال (1) بسنده عن السكوني عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: «سبعة لا يقرأون القرآن: الراكع و الساجد و في الكنيف و في الحمام و الجنب و النفساء و الحائض».

و قال في المعتبر (2):

«يجوز للجنب و الحائض ان يقرءا ما شاءا من القرآن إلا سور العزائم الأربع و هي اقرأ باسم ربك و النجم و تنزيل السجدة و حم السجدة، روى ذلك البزنطي في جامعه عن المثنى عن الحسن الصيقل عن ابي عبد الله (عليه السلام)».

هذا ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة، و أكثرها و أصحها صريح في جواز قراءة ما شاء، نعم في بعضها تصريح باستثناء السجدة أو سورة السجدة خاصة، و الأصحاب (رضي الله عنهم) قد حملوا هذه الاخبار على الكراهة جمعا بينها و بين روايتي سماعة المذكورتين و خصوا الجواز بلا كراهة بالسبع أو السبعين، و الأظهر عندي حمل ما دل على المنع مطلقا أو ما دون سبع أو سبعين على التقية، فإن العامة قد شددوا في المنع فما بين محرم و مكره، فعن الشافعي القول بتحريم قراءة الجنب و الحائض شيئا منه، و قال أبو حنيفة يجوز قراءة ما دون الآية و تحريم الآية، و عن احمد تفصيل في بعض الآية، و عن مالك الجواز للحائض دون الجنب، و رووا كراهة قراءة القرآن للجنب عن علي (عليه السلام) و عمر و الحسن البصري و النخعي و الزهري و قتادة (3). أقول: و من هنا

____________

(1) ج 2 ص 10.

(2) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

(3) في بدائع الصنائع ج 1 ص 37 «لا يباح للجب قراءة القرآن عند عامة العلماء و قال مالك يباح له ذلك، و لا فرق بين القليل و الكثير إذا قصد التلاوة و اما إذا لم يقصد و قال «بسم الله» لافتتاح الأعمال تبركا فلا بأس به» و في المغني ج 1 ص 143 بعد الحكم بحرمة قراءة آية ذكر ان في قراءة بعض الآية إذا قصد به القرآن أو كان ما يقرأه يتميز به القرآن عن غيره روايتين: إحداهما لا يجوز و هو المروي عن علي (ع) و ذهب إليه الشافعي و ثانيهما لا يمنع و هو قول أبي حنيفة. و في نيل الأوطار ج 1 ص 197 «ذهب الى تحريم قراءة القرآن على الجنب القاسم و الهادي و الشافعي من غير فرق بين الآية و ما دونها- و ما فوقها، و ذهب أبو حنيفة إلى انه يجوز له قراءة دون الآية إذا لم يكن قرآنا» و في بداية المجتهد ج 1 ص 44 «ذهب الجمهور الى منع الجنب من قراءة القرآن و قال قوم بإباحته و قال قوم الحائض بمنزلة الجنب و فرق قوم بينهما فأجازوا للحائض قراءة القرآن القليلة استحسانا لطول مقامها حائضا و هو مذهب مالك» و في المغني ج 1 ص 143 «رويت كراهية قراءة القرآن للجنب و الحائض و النفساء عن علي و عمر و الحسن و النخعي و الزهري و قتادة و الشافعي الى ان قال: و حكى عن مالك جواز قراءة القرآن للحائض دون الجنب».

145

يظهر حمل روايتي الخدري و السكوني على التقية، و ما تكلفه شيخنا الصدوق في الرواية الأولى فمع بعده لا ضرورة تلجئ اليه و الحال كما عرفت و اما موثقتا سماعة فهما و ان لم يرو القول بمضمونهما عن العامة إلا انه لا مانع من حملهما على التقية من حيث موافقتهما لهم في الجملة و مخالفتهما للاخبار الصحاح الصراح في الجواز مطلقا، على انه لا يشترط عندنا في الحمل على التقية وجود القول بذلك من العامة كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب، و قد ردهما جملة من الأصحاب أيضا: منهم- العلامة في المنتهى و غيره بضعف السند مع معارضتهما بعموم الاذن المستفاد من الروايات الصحيحة، و بذلك يظهر ان الأقوى هو القول بالجواز مطلقا.

بقي الكلام هنا في شيء آخر و هو ان المشهور بين أصحابنا (رضي الله عنهم) هو تحريم سور العزائم بأجمعها، و اعترضهم جملة من متأخري المتأخرين بأن الروايات انما دلت على تحريم آية السجدة خاصة دون السورة، مثل صحيحتي محمد بن مسلم المتقدمتين الدالتين على ان الجنب و الحائض يقرءان ما شاءا إلا السجدة، يعني إلا الآية المشتملة على السجود، و نحن قد أسلفنا القول في ذلك، و لكن الظاهر هنا من عبارة كتاب الفقه الرضوي و عبارة المعتبر المنسوبة إلى رواية جامع البزنطي هو تحريم السورة، و عبارة كتاب الفقه و ان أمكن ارتكاب التأويل فيها إلا ان عبارة الجامع لا تقبل التأويل لأنه استثنى فيها نفس السورة، و لعل هذين الخبرين هما مستند من قال بتحريم السورة كملا،

146

و قبول صحيحتي محمد بن مسلم للتأويل بما دلا عليه غير بعيد بان المراد من السجدة سورة السجدة لا آية السجدة. و بالجملة فالاحتياط يقتضي القول بتحريم نفس السورة لما عرفت، و به يظهر قوة القول المشهور. و الله العالم.

(الرابع)- مس المصحف

و المراد ما عدا كتابة القرآن من الورق و الجلد، و هو مذهب الشيخين و أتباعهما. و نقل عن المرتضى (رضي الله عنه) القول بالمنع لرواية إبراهيم ابن عبد الحميد الآتية، و قال الصدوق في الفقيه: «و من كان جنبا أو على غير وضوء فلا يمس القرآن و جاز له ان يمس الورق» و هو مؤذن بعدم الكراهة.

و الذي وقفت عليه في هذه المسألة من الاخبار

رواية إبراهيم بن عبد الحميد المشار إليها عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «المصحف لا تمسه على غير طهر و لا جنبا و لا تمس خطه و لا تعلقه، ان الله تعالى يقول لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (2).

و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه (3): «و لا تمس القرآن إذا كنت جنبا أو على غير وضوء و مس الأوراق».

و عبارة الصدوق مأخوذة من هذه العبارة على القاعدة التي عرفت و ستعرف ان شاء الله تعالى، و بالرواية الأولى تعلق المرتضى (رضي الله عنه) قال في المدارك بعد الاستدلال بها على ما ذهب اليه الشيخان و أتباعهما من الكراهة: «و انما حمل النهي على الكراهة لضعف سند الرواية باشتماله على عدة من المجاهيل و الضعفاء فلا تبلغ حجة في إثبات التحريم» أقول: الأظهر في الجواب عنها انما هو عدم صراحتها بل و لا ظهورها في المدعى، بل الظاهر من قوله (عليه السلام):

«المصحف لا تمسه»

انما هو نفس القرآن الذي تقدم القول في تحريم مسه، و يؤيده قوله (عليه السلام):

«و لا تمس خطه»

بان يكون عطفا تفسيريا لما قبله و ان وجد في بعض النسخ «خيطه» و الظاهر انه تصحيف، و على تقدير صحته فيبقى الكلام فيه و في النهي عن التعليق،

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 12 من أبواب الوضوء.

(2) سورة الواقعة الآية 78.

(3) ص 4.

147

و ينبغي حمل ذلك على الكراهة لمناسبة التعظيم فلا تكون الرواية من محل البحث في شيء نعم فيها إشعار بكراهة مس الورق و الجلد من حيث النهي عن مس الخيط- بناء على النسخة المشار إليها- و التعليق، و حينئذ فما ذكره في المدارك- من الاستدلال بها للشيخين على الكراهة و قوله انه لولا ضعف السند لكانت دليلا للمرتضى (رضي الله عنه) على القول بالتحريم في هذه المسألة- ليس في محله، فإن الرواية لا تعلق لها بهذه المسألة بوجه، و هذه الرواية هي مستند الأصحاب في القول بتحريم مس خط المصحف على المحدث حدثا أصغر أو أكبر كما تقدم بيانه، و العجب من غفلة جملة من الأصحاب عن ذلك بإيرادها في هذه المسألة و الحال كما عرفت، و عبارة كتاب الفقه- كما عرفت- ظاهرة في الجواز و هو فتوى الصدوق، و هو الظاهر و ان كان القول بالكراهة- لما عرفت من اشعار رواية إبراهيم بن عبد الحميد بذلك- لا بأس به، و يؤيده ما تقدم في

صحيحة محمد بن مسلم (1) من قوله (عليه السلام): «الجنب و الحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب.».

و الله العالم.

(الخامس)- الخضاب

على المشهور، و هو مذهب المفيد و المرتضى و الشيخ في جملة من كتبه، و قال الصدوق في الفقيه: «و لا بأس بأن يختضب الجنب و يجنب و هو مختضب و يحتجم و يذكر الله تعالى و يتنور و يدبح و يلبس الخاتم و ينام في المسجد و يمر فيه» و هو ظاهر في عدم الكراهة.

و الذي وقفت عليه من الأخبار في هذه المسألة

ما رواه الشيخ عن ابي سعيد (2) قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): أ يختضب الرجل و هو جنب؟ قال: لا. قلت:

فيجنب و هو مختضب؟ قال: لا. ثم سكت قليلا ثم قال: يا أبا سعيد ألا ادلك على شيء تفعله؟

قلت: بلى. قال إذا اختضبت بالحناء و أخذ الحناء مأخذه و بلغ فحينئذ فجامع».

و عن كردين المسمعي (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يختضب الرجل و هو

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 19 من أبواب الجنابة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الجنابة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الجنابة.

148

جنب و لا يغتسل و هو مختضب».

و عن جعفر بن محمد بن يونس (1) «ان أباه كتب الى ابي الحسن الأول (عليه السلام) يسأله عن الجنب يختضب أو يجنب و هو مختضب؟

فكتب: لا أحب ذلك».

و عن عامر بن جذاعة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال «سمعته يقول: لا تختضب الحائض و لا الجنب و لا تجنب و عليها خضاب و لا يجنب هو و عليه خضاب و لا يختضب و هو جنب».

و روى الفضل بن الحسن الطبرسي في مكارم الأخلاق (3) من كتاب اللباس للعياشي عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال:

«يكره ان يختضب الرجل و هو جنب، و قال من اختضب و هو جنب أو أجنب في خضابه لم يؤمن عليه ان يصيبه الشيطان بسوء».

و عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4) قال:

«لا تختضب و أنت جنب و لا تجنب و أنت مختضب، و لا الطامث فان الشيطان يحضرها عند ذلك، و لا بأس به للنفساء».

و هذه كلها- كما ترى- متطابقة الدلالة على النهي، و انما حمل الأصحاب النهي فيها على الكراهة دون التحريم جمعا بينها و بين ما دل على الجواز من الاخبار، و منها-

ما رواه في الكافي (5) عن أبي جميلة عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) قال:

«لا بأس بأن يختضب الجنب و يجنب المختضب و يطلي بالنورة».

قال في الكافي (6):

«و روى ايضا ان المختضب لا يجنب حتى يأخذ الخضاب و اما في أول الخضاب فلا».

و عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «لا بأس بأن يختضب الرجل و يجنب و هو مختضب. الحديث».

و ما رواه الشيخ عن علي- و الظاهر انه ابن أبي حمزة- عن العبد الصالح (عليه السلام) (8) قال: «قلت: الرجل يختضب و هو جنب؟ قال: لا بأس. و عن المرأة تختضب و هي حائض؟ قال: ليس به بأس».

و في الموثق عن سماعة (9) قال: «سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن الجنب و الحائض يختضبان

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الجنابة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الجنابة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الجنابة.

(4) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الجنابة.

(5) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الجنابة.

(6) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الجنابة.

(7) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الجنابة.

(8) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الجنابة.

(9) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الجنابة.

149

قال: لا بأس».

و ما رواه في الكافي (1) في الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا بأس ان يختضب الرجل و هو جنب».

الا ان في بعض نسخ الكافي «يحتجم» بدل «يختضب» أقول: و يؤيد ما ذكروه من الجمع ظاهر روايتي مكارم الأخلاق و ظاهر رواية جعفر بن محمد بن يونس. و عن المفيد في المقنعة انه علل الكراهة بأن الخضاب يمنع وصول الماء الى ظاهر الجوارح التي عليها الخضاب. و أنت خبير بان مقتضى هذا التعليل هو التحريم لا الكراهة، و من أجل ذلك اعتذر عنه في المعتبر فقال: «و كأنه نظر الى ان اللون عرض و هو لا ينتقل فيلزم حصول اجزاء من الخضاب في محل اللون ليكون وجود اللون بوجودها، لكنها حقيقة لا تمنع الماء منعا تاما فكرهت لذلك» انتهى. و لا يخفى ما فيه من التكلف.

بقي هنا شيء و ان كان خارجا عن محل البحث و هو ان ظاهر عبارة الصدوق المتقدمة جواز نوم الجنب في المسجد، و هو باطل إجماعا للأخبار المستفيضة الصريحة في المنع عن اللبث في المسجد (2) و تخصيص الجواز بالمشي دون اللبث، الا انه

قد روى الشيخ عن الحسين بن سعيد عن محمد بن القاسم (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجنب ينام في المسجد؟ فقال: يتوضأ و لا بأس ان ينام في المسجد و يمر فيه».

و حينئذ فإن كان اعتماد الصدوق (رحمه الله) على هذه الرواية فهي- مع الإغماض عما فيها من مخالفة الإجماع و الروايات المستفيضة- مقيدة بالوضوء أولا و عبارته (رحمه الله) مطلقة، و أيضا فإن العمل بها في مقابلة تلك الاخبار موجب لطرح تلك الأخبار المشار إليها و هو مشكل. و بعض المحشين على الكتاب تكلف لها من الاحتمالات ما هو في البعد أظهر من ان يخفى، قال (قدس سره): «يحتمل ان يكون المراد النوم في حال الاجتياز من غير لبث و ان كان الفرض بعيدا، و يحتمل ان يكون المراد انه

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب الجنابة.

(2) رواها في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.

(3) رواها في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.

150

يجوز النوم في المسجد و ان عرض له الجنابة بعد النوم، فلا بأس بهذا النوم و ان كان معرضا للجنابة، و المراد بالجنب حينئذ من تعرض له الجنابة. و فيه بعد بحسب العبارة.

و ربما يقرأ «في المسجد» بلفظ الاسم لا الحرف اي ينام في ظل المسجد و يحذف و يوصل المفعول. و هو بعيد» انتهى. و بالجملة فظاهر كلامه غير موجه، و الرواية المذكورة محمولة على الضرورة أو التقية، و نقل بعض مشايخنا المتأخرين عن أحمد أحد الأئمة الأربعة انه إذا توضأ جاز له اللبث (1) و أيد بعض الحمل على التقية بأن الرواية عن الرضا (عليه السلام) و أكثر الأخبار المروية عنه (عليه السلام) ظاهرة في التقية، لأنه (عليه السلام) كان في خراسان و في أكثر الأوقات كان في مجلسه جماعة من رؤسائهم كما هو الشائع من الآثار. انتهى.

(المسألة الخامسة) [تداخل الأغسال]

- إذا اجتمعت أغسال واجبة أو مستحبة أجزأ عنها غسل واحد عندنا للأخبار الدالة على التداخل، و قد مر تحقيق المسألة مستوفى في المقام الحادي عشر من مقامات الركن الأول في نية الوضوء (2) فليراجع. و الله العالم.

الفصل الثاني في غسل الحيض

، و الكلام فيه يتوقف على بيان الحيض و انه عبارة عما ذا، و ما يترتب عليه من الأحكام، و أحكام الحائض و ما يجوز لها و ما لا يجوز، و حينئذ فالبحث هنا يقع في مقاصد ثلاثة:

[المقصد] (الأول)- في بيان الحيض

، و هو الدم المتصف بالصفات الآتية، الذي لا ينقص عن ثلاثة و لا يزيد على عشرة، الخارج من الجانب الأيسر أو الأيمن على الخلاف الآتي المستنقع مع اشتباهه بالعذرة، الذي تراه المرأة بعد بلوغ تسع سنين الى ان تبلغ سن اليأس و في مجامعته الحمل قولان، و تفصيل هذه الجملة يقع في مسائل:

____________

(1) راجع التعليقة 3 ص 51.

(2) ج 2 ص 196.

151

[المسألة] (الأولى) [صفات دم الحيض]

- دم الحيض في الأغلب هو الأسود الحار الخارج بحرقة و لذع، و انما قيد بالأغلب لما سيجيء ان شاء الله تعالى من ان ما تراه المرأة في أيام العادة و ان كان حمرة أو صفرة فهو حيض.

و يدل على ذلك من الأخبار روايات عديدة: منها-

ما في الكافي في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم عن حفص بن البختري (1) قال: «دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري حيض هو أو غيره؟

قال فقال لها: ان دم الحيض حار عبيط اسود له دفع و حرارة، و دم الاستحاضة اصفر بارد، فإذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة. قال: فخرجت و هي تقول: و الله لو كان امرأة ما زاد على هذا».

و عن معاوية بن عمار في الصحيح (2) قال قال أبو عبد الله (عليه السلام):

«ان دم الاستحاضة و الحيض ليسا يخرجان من مكان واحد، ان دم الاستحاضة بارد و ان دم الحيض حار».

و عن إسحاق بن جرير في الموثق (3) قال: «سألتني امرأة منا ان أدخلها على ابي عبد الله (عليه السلام) فاستأذنت لها فاذن لها فدخلت و معها مولاة لها، فقالت له يا أبا عبد الله ما تقول في المرأة تحيض فتجوز أيام حيضها؟ فقال ان كان أيام حيضها دون عشرة أيام استظهرت بيوم واحد ثم هي مستحاضة. قالت فان الدم استمر بها الشهر و الشهرين و الثلاثة كيف تصنع بالصلاة؟ قال تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين قالت ان أيام حيضها تختلف عليها و كان يتقدم الحيض اليوم و اليومين و الثلاثة و يتأخر مثل ذلك فما علمها به؟ قال دم الحيض ليس به خفاء هو دم حار تجد له حرقة، و دم الاستحاضة دم فاسد بارد. قال فالتفتت الى مولاتها فقالت أ تراه كان امرأة مرة؟».

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب الحيض.

(3) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب الحيض.

152

و المستفاد من هذه الاخبار انه حيثما وجدت هذه الأوصاف يجب الحكم بالحيض و حيث انتفت انتفى إلا ما خرج بدليل.

(الثانية)- لو اشتبه دم الحيض بدم العذرة

- بضم العين المهملة و سكون الذال المعجمة: البكارة بفتح الباء الموحدة- اعتبر بخروج القطنة بعد وضعها في الفرج على الوجه الآتي، فإن خرجت مطوقة حكم به للعذرة، و ان خرجت مستنقعة حكم به للحيض، صرح به الشيخ و من تأخر عنه من الأصحاب.

و المستند فيه

ما رواه في الكافي عن خلف بن حماد الكوفي في الصحيح (1) قال: «تزوج بعض أصحابنا جارية معصرا لم تطمث، فلما افتضها سال الدم فمكث سائلا لا ينقطع نحوا من عشرة أيام، قال: فاروها القوابل و من ظنوا بأنه يبصر ذلك من النساء فاختلفن: فقال بعض هذا من دم الحيض و قال بعض هو من دم العذرة، فسألوا عن ذلك فقهاءهم كأبي حنيفة و غيره من فقهائهم فقالوا: هذا شيء قد أشكل و الصلاة فريضة واجبة، فلتتوضأ و لتصل و ليمسك عنها زوجها حتى ترى البياض، فان كان دم الحيض لم تضرها الصلاة و ان كان دم العذرة كانت قد أدت الفريضة، ففعلت الجارية ذلك، و حججت في تلك السنة فلما صرنا بمنى بعثت الى ابى الحسن موسى (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك ان لنا مسألة قد ضقنا بها ذرعا فإن رأيت أن تأذن لي فآتيك و أسألك عنها؟ فبعث الي إذا هدأت الرجل و انقطع الطريق فاقبل ان شاء الله تعالى قال خلف فرعيت الليل حتى إذا رأيت الناس قد قل اختلافهم بمنى توجهت الى مضربه، فلما كنت قريبا إذا أنا بأسود قاعد على الطريق فقال من الرجل؟ فقلت رجل من الحاج فقال ما اسمك؟ قلت خلف بن حماد. فقال ادخل بغير اذن فقد أمرني أن اقعد ههنا فإذا أتيت أذنت لك، فدخلت فسلمت فرد السلام و هو جالس على فراشه وحده ما في الفسطاط غيره، فلما صرت بين يديه سألني و سألته عن حاله فقلت له: ان رجلا

____________

(1) روي قطعة منه في الوسائل في الباب 2 من أبواب الحيض.

153

من مواليك تزوج جارية معصرا لم تطمث فلما افتضها سال الدم فمكث سائلا لا ينقطع نحوا من عشرة أيام، و ان القوابل اختلفن في ذلك فقال بعضهن دم الحيض و قال بعضهن دم العذرة فما ينبغي لها ان تصنع؟ قال: فلتتق الله تعالى فان كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة حتى ترى الطهر و ليمسك عنها بعلها، و ان كان من العذرة فلتتق الله تعالى و لتتوضأ و لتصل و يأتيها بعلها ان أحب ذلك. فقلت: و كيف لهم ان يعلموا مما هو حتى يفعلوا ما ينبغي؟ قال فالتفت يمينا و شمالا في الفسطاط مخافة ان يسمع كلامه أحد قال ثم نهد الي فقال: يا خلف سر الله سر الله فلا تذيعوه و لا تعلموا هذا الخلق أصول دين الله بل ارضوا لهم ما رضي الله تعالى لهم من ضلال، قال ثم عقد بيده اليسرى تسعين ثم قال تستدخل القطنة ثم تدعها مليا ثم تخرجها إخراجا رفيقا فان كان الدم مطوقا في القطنة فهو من العذرة و ان كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض. قال خلف فاستخفني الفرح فبكيت فلما سكن بكائي قال ما أبكاك؟ قلت: جعلت فداك من يحسن هذا غيرك؟

قال فرفع يده الى السماء و قال: انى و الله ما أخبرك إلا عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن جبرئيل عن الله عز و جل».

و ما رواه في التهذيب عن خلف بن حماد (1) قال: «قلت لأبي الحسن الماضي: جعلت فداك ان رجلا من مواليك سألني أن أسألك عن مسألة فتأذن لي فيها؟ فقال لي هات فقلت جعلت فداك رجل تزوج جارية أو اشترى جارية طمثت أو لم تطمث أو في أول ما طمثت فلما افترعها غلب الدم فمكث أياما و ليالي، فأريت القوابل فبعض قال من الحيضة و بعض قال من العذرة؟ قال فتبسم و قال: ان كان من الحيض فليمسك عنها بعلها و لتمسك عن الصلاة و ان كان من العذرة فلتوضأ و لتصل و يأتيها بعلها ان أحب. قلت جعلت فداك و كيف لها ان تعلم من الحيض هو أو من العذرة؟ فقال: يا خلف سر الله فلا تذيعوه تستدخل قطنة ثم

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب الحيض.

154

تخرجها فان خرجت القطنة مطوقة بالدم فهو من العذرة و ان خرجت مستنقعة بالدم فهو من الطمث».

و ما رواه في الكافي و الشيخ أيضا في التهذيب في الصحيح عن زياد بن سوقة (1) قال: «سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل افتض امرأته أو أمته فرأت دما كثيرا لا ينقطع عنها يومها كيف تصنع بالصلاة؟ قال تمسك الكرسف فان خرجت القطنة مطوقة بالدم فإنه من العذرة تغتسل و تمسك معها قطنة و تصلي، فإن خرج الكرسف منغمسا بالدم فهو من الطمث تقعد عن الصلاة أيام الحيض».

و في الفقه الرضوي (2) «و ان افتضها زوجها و لم يرق دمها و لا تدري دم الحيض هو أم دم العذرة فعليها ان تدخل قطنة فان خرجت القطنة مطوقة بالدم فهو من العذرة و ان خرجت منغمسة فهو من الحيض، و اعلم ان دم العذرة لا يجوز الشفرين و دم الحيض حار يخرج بحرارة شديدة و دم الاستحاضة بارد يسيل و هي لا تعلم».

انتهى. و هذه العبارة بلفظها نقلها في الفقيه عن أبيه في رسالته اليه.

و هذه الاخبار كلها متطابقة الدلالة على الحكم المذكور. و ظاهر كلام المحقق في الشرائع و النافع و صريحه في المعتبر التوقف في الحكم بكونه حيضا مع الاستنقاع، قال في المعتبر: «لا ريب انها إذا خرجت مطوقة كان من العذرة فإن خرجت مستنقعة فهو محتمل، فإذن يقتضي انه من العذرة مع التطوق قطعا فلهذا اقتصر في الكتاب على الطرف المتيقن» و اعترضه في المدارك بان فيه نظرا من وجهين: (أحدهما)- ان المسألة في كلامه في المعتبر مفروضة فيما إذا جاء الدم بصفة دم الحيض و معه لا وجه للتوقف في كونه مع الاستنقاع حيضا، لاعتبار سند الخبرين و صراحتهما في الدلالة على الحكمين و مطابقتهما للروايات الدالة على اعتبار الأوصاف. و (ثانيهما)- انه (رحمه الله) صرح بعد ذلك بان ما تراه المرأة من الثلاثة إلى العشرة يحكم بكونه حيضا و بأنه لا عبرة

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب الحيض.

(2) ص 22.

155

بلونه ما لم يعلم انه لقرح أو لعذرة و نقل عليه الإجماع، و هو مناف لما ذكره هنا من التوقف في هذه المسألة، إذ المفروض فيها انتفاء العلم بكون الدم للعذرة بل انتفاء الظن بذلك باعتبار استنقاعه كما هو واضح. انتهى. و هو جيد و ان كان ما ذكره المحقق لا يخلو من وجه بالنظر الى الاعتبار، إلا انه لا وجه له في مقابلة الاخبار و لا سيما مع تصريحه بما نقله عنه في الموضعين. ثم انه لا يخفى ان ما ذكره المحقق هنا من تقييد الدم الذي هو محل البحث بان يكون بصفة دم الحيض تقييد للنص بغير دليل، و اي مانع من الحكم بكونه حيضا مطلقا مع عدم التطوق؟ سيما على القاعدة المقررة المعتمدة عندهم من ان ما أمكن ان يكون حيضا فهو حيض، و اليه يشير كلامه في الوجه الثاني الذي نقله عنه في المدارك.

بقي هنا شيء و هو انه قد نقل في المدارك عن الشهيد (رحمه الله) في الشرح ان طريق معرفة التطوق و عدمه ان تضع قطنة بعد ان تستلقي على ظهرها و ترفع رجليها ثم تصبر هنيئة ثم تخرج القطنة إخراجا رفيقا، و نقل عن جده أيضا في الروض ان مستند هذا الحكم روايات عن أهل البيت (عليهم السلام) لكن في بعضها الأمر باستدخال القطنة من غير تقييد بالاستلقاء و في بعضها إدخال الإصبع مع الاستلقاء، و طريق الجمع حمل المطلق على المقيد و التخيير بين الإصبع و الكرسف الا ان الكرسف أظهر في الدلالة، ثم اعترضه بان ما ذكره (رحمه الله) لم أقف عليه في شيء من الأصول و لا نقله ناقل في كتب الاستدلال. انتهى. و ما ذكره (رحمه الله) جيد وجيه، فانا لم نقف في المسألة إلا على ما قدمنا من الاخبار و ليس في شيء منها ما يدل على الاستلقاء و لا وضع الإصبع، و لا يبعد عندي ان منشأ توهم شيخنا المشار اليه هو رواية القرحة الآتية للأمر فيها بالاستلقاء و وضع الإصبع، فربما جرى على خاطره وقت الكتابة ان مورد الرواية هو افتضاض البكر و زوال العذرة فعدها في جملة روايات المسألة و جمع بينها بما ذكره من غير ان يراجعها، و جريان الأقلام على الاستعجال بأمثال هذا المقال غير عزيز في كلامهم.

156

(المسألة الثالثة)- لو اشتبه دم الحيض بدم القرحة

فقد اختلف الأصحاب في ذلك، فقيل ان كان خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض و ان كان من الجانب الأيمن فهو من القرحة، و به صرح الصدوق في كتابه و الشيخ في النهاية و اتباعه قال في الفقيه: «و ان اشتبه عليها دم الحيض و دم القرحة فربما كان في فرجها قرحة، فعليها أن تستلقي على قفاها و تدخل إصبعها فإن خرج الدم من الجانب الأيمن فهو من القرحة و ان خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض» و ظاهر هذا الكلام ان مخرج دم الحيض دائما انما هو من الجانب الأيسر، و عن ابن الجنيد انه عكس ذلك فقال: «دم الحيض اسود عبيط تعلوه حمرة يخرج من الجانب الأيمن و تحس المرأة بخروجه، و دم الاستحاضة بارد رقيق يخرج من الجانب الأيسر» و اضطرب كلام الشهيد فأفتى في البيان بالأول و في الدروس و الذكرى بالثاني، قيل: و منشأ الاختلاف هنا اختلاف متن الرواية حيث انه

قد روى في الكافي عن محمد بن يحيى رفعه عن ابان (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) فتاة منا بها قرحة في جوفها و الدم سائل لا تدري من دم الحيض أم من دم القرحة؟ فقال: مرها فلتستلق على ظهرها ثم ترفع رجليها ثم تستدخل إصبعها الوسطى، فان خرج الدم من الجانب الأيمن فهو من الحيض و ان خرج من الجانب الأيسر فهو من القرحة».

و الشيخ قد نقل الرواية المذكورة بعينها في التهذيب و ساق الحديث الى ان قال: «فان خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض و ان خرج من الجانب الأيمن فهو من القرحة».

و ربما قيل بترجيح رواية التهذيب لان الشيخ اعرف بوجوه الحديث و أضبط خصوصا مع فتواه بمضمونها في النهاية و المبسوط.

و فيه انه لا يخفى على من راجع التهذيب و تدبر اخباره ما وقع للشيخ (رحمه الله) من التحريف و التصحيف في الاخبار سندا و متنا و قلما يخلو حديث من أحاديثه من علة في سند أو متن، و اما فتواه (رحمه الله) فالكلام فيها أظهر من ان يخفى على

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب الحيض.

157

من ملوس الفن، و الترجيح بهذه القاعدة في جانب رواية الكافي أظهر، و يعضده ان في الذكرى نقل انه وجد الرواية في كثير من نسخ التهذيب كما في الكافي، و في المدارك عن ظاهر كلام ابن طاوس ان نسخ التهذيب القديمة كلها موافقة له ايضا و به يظهر ترجيحها. نعم عبارة

الفقه الرضوي صريحة في القول الأول حيث قال (عليه السلام) (1): «و ان اشتبه عليها الحيض بدم القرحة فربما كان في فرجها قرحة فعليها أن تستلقي على قفاها و تدخل إصبعها فإن خرج الدم من الجانب الأيمن فهو من القرحة و ان خرج من الجانب الأيسر فهو من الحيض».

و عبارة الصدوق المتقدمة عين هذه العبارة، و منه يعلم أنه أخذها من الكتاب المذكور و افتى بها و ان مستنده في هذا الحكم انما هو الكتاب المذكور، و الصدوق في كتابه قد ذكر بعد هذه العبارة بلا فصل عبارة كتاب الفقه المتقدمة (2) في اشتباه دم الحيض بدم العذرة و قال بعدها ذكره أبي في رسالته الي، و منه يعلم- كما عرفت و ستعرف ان شاء الله تعالى في مطاوي أبحاث هذا الكتاب- اعتماد الصدوقين على الكتاب المذكور و أخذ عبائره و الإفتاء بها، و الظاهر ان مستند من قال بالقول الأول انما هو ما في رسالة علي بن الحسين بن بابويه من العبارة المأخوذة من كتاب الفقه لا من رواية التهذيب كما قيل، لما عرفت من نقل الشيخين المتقدمين ان نسخ التهذيب القديمة موافقة للكافي، و حينئذ فالتعارض انما هو بين رواية الكافي و كتاب الفقه، و المسألة لذلك لا تخلو من اشكال، و يؤكده ان احتمال القرحة لا يختص بجانب دون جانب فلا يتم الحكم كليا بكونها في جانب اليمين كما في كتاب الفقه أو الأيسر كما في رواية الكليني. و الله العالم.

(المسألة الرابعة) [حد الحيض و الطهر قلة و كثرة]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضي الله عنهم) في ان أقل الحيض ثلاثة أيام و أكثره عشرة، و هي أقل الطهر، و اما أكثره فلا حد له على الأشهر الأظهر.

____________

(1) ص 22.

(2) ص 154.

158

فأما الأول فالأخبار به مستفيضة: (منها)-

ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام و أكثره ما يكون عشرة أيام».

و عن صفوان بن يحيى (2) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن ادنى ما يكون من الحيض؟ فقال أدناه ثلاثة و أبعده عشرة».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن يعقوب بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (3):

«ادنى الحيض ثلاثة و أقصاه عشرة».

الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.

و اما

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (4) من «ان أكثر ما يكون الحيض ثمان و ادنى ما يكون منه ثلاثة».

فقد أجاب الشيخ عنه بأنه خبر شاذ أجمعت العصابة على ترك العمل به، قال: «و لو صح لكان معناه ان المرأة إذا كان من عادتها ان لا تحيض أكثر من ثمانية أيام ثم استحاضت و استمر بها الدم و هي لا يتميز لها دم الحيض من دم الاستحاضة، فإن أكثر ما تحتسب به أيام الحيض ثمانية أيام حسبما جرت عادتها قبل استمرار الدم» انتهى. و لا يخفى بعده. و حمله في المنتقى على إرادة الأكثر بحسب العادة و الغالب في الشرع. و هو جيد فان بلوغ العشرة في العادة نادر.

و اما الثاني فيدل عليه بعد الإجماع الأخبار الكثيرة، و منها- مرسلة يونس الآتية (5) و منها

ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (6) قال: «لا يكون القرء في أقل من عشرة أيام فما زاد، أقل ما يكون عشرة من حين تطهر الى ان ترى الدم».

و هي متضمنة لحكم الأقل و انه عشرة و لحكم الأكثر و هو عشرة فما زاد من غير الانتهاء الى حد، و عن ابي الصلاح انه حد الأكثر بثلاثة أشهر، و لم نقف له على مستند، و حمله العلامة على ان مراده باعتبار الغالب. و في صحيحة محمد بن مسلم

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الحيض.

(3) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الحيض.

(4) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الحيض.

(5) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الحيض.

(6) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب الحيض.

159

الآتية (1) و نحوها

موثقته (2) «إذا رأت الدم بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة».

[هل يشترط التوالي في ثلاثة الحيض؟]

و كيف كان فكل من هذه الأحكام لا خلاف فيه، انما الخلاف في اشتراط التوالي في الثلاثة التي تكون أقل الحيض فهل يشترط تواليها أم يكفي كونها في جملة العشرة؟

المشهور الأول و به قال الشيخ (رحمه الله) في الجمل و المرتضى و ابنا بابويه، قال في الفقيه نقلا عن أبيه في رسالته إليه: «فإن رأت الدم يوما أو يومين فليس ذلك من الحيض ما لم تر الدم ثلاثة أيام متواليات، و عليها ان تقضي الصلاة التي تركتها في اليوم أو اليومين».

أقول: و هذه العبارة عين عبارة الفقه الرضوي كما سيأتي نقله في هذا المقام ان شاء الله تعالى، و هكذا ما بعدها و قال الشيخ في النهاية: «ان رأت يوما أو يومين ثم رأت قبل انقضاء العشرة ما يتم به الثلاثة فهو حيض، و ان لم تر حتى تمضي عشرة فليس من الحيض» و الى هذا القول ذهب ابن البراج، و اليه مال جملة من متأخري المتأخرين: منهم- المولى الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد و الشيخ الحر في رسالته و الشيخ عبد الله بن صالح البحراني، و نقله عن الشيخ احمد بن الشيخ محمد بن يوسف البحراني صاحب رياض المسائل، و هو الأظهر عندي.

و يدل عليه روايات: (منها)-

ما رواه الشيخ عن يونس عن بعض رجاله عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «ادنى الطهر عشرة أيام، و ذلك ان المرأة أول ما تحيض ربما كانت كثيرة الدم فيكون حيضها عشرة أيام، فلا تزال كلما كبرت نقصت حتى ترجع إلى ثلاثة أيام فإذا رجعت الى ثلاثة أيام ارتفع حيضها و لا يكون أقل من ثلاثة أيام، فإذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها تركت الصلاة، فإن استمر بها الدم ثلاثة أيام فهي حائض

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 12 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 10 من أبواب الحيض.

(3) المروية في الوسائل في الباب 12 من أبواب الحيض.

160

و ان انقطع الدم بعد ما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت و انتظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة أيام، فإن رأت في تلك العشرة أيام من يوم رأت الدم يوما أو يومين حتى يتم لها ثلاثة أيام فذلك الذي رأته في أول الأمر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة فهو من الحيض، و ان مر بها من يوم رأت الدم عشرة أيام و لم تر الدم فذلك اليوم و اليومان الذي رأته لم يكن من الحيض انما كان من علة اما قرحة في جوفها و اما من الجوف، فعليها ان تعيد الصلاة تلك اليومين التي تركته لأنها لم تكن حائضا فيجب ان تقضى ما تركت من الصلاة في اليوم و اليومين، و ان تم لها ثلاثة أيام فهو من الحيض و هو ادنى الحيض و لم يجب عليها القضاء و لا يكون الطهر أقل من عشرة أيام، و إذا حاضت المرأة و كان حيضها خمسة أيام ثم انقطع الدم اغتسلت وصلت، فإن رأت بعد ذلك الدم و لم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض تدع الصلاة، و ان رأت الدم من أول ما رأت الثاني الذي رأته تمام العشرة أيام و دام عليها عدت من أول ما رأت الدم الأول و الثاني عشرة أيام ثم هي مستحاضة تعمل ما تعمله المستحاضة، و قال كل ما رأت المرأة في أيام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض و كل ما رأته بعد أيام حيضها فليس من الحيض».

أقول: لا يخفى ما في الخبر المذكور من الصراحة و الظهور في الدلالة على القول المذكور، و ظاهره ايضا ان النقاء الذي بين أيام الدم المتفرقة طهر حيث خص الحيض بأيام الدم المتقدمة و المتأخرة (لا يقال): انه قد استفاضت الأخبار بان أقل الطهر عشرة أيام (لأنا نقول): نعم و هذا الخبر من جملتها ايضا حيث قال فيه:

«و لا يكون الطهر أقل من عشرة أيام»

و لكن وجه الجمع- بين ما دل عليه الخبر المذكور و نحوه من الحكم بكون النقاء المتخلل بين الثلاثة الأيام المذكورة هنا طهرا و بين تلك الاخبار- بحمل الطهر في تلك الأخبار على ما كان بين حيضتين مستقلتين كما في العدد و نحوها فلا ينافيه ما كان في أثناء الحيضة الواحدة، و يشير الى ذلك ما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم

161

المتقدمة التي هي مستندهم في هذا الحكم (1) من قوله (عليه السلام):

«أقل ما يكون عشرة من حين تطهر الى ان ترى الدم»

بعد قوله:

«لا يكون القرء في أقل من عشرة»

و قوله (عليه السلام)-:

«فإن رأت بعد ذلك الدم و لم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض»

- معناه انه إذا كان حيضها خمسة أيام- مثلا- ثم انقطع الدم فإنها تغتسل و تصلي، فإن عاد الدم بعد مضي عشرة أيام من انقطاعه فلا إشكال في كونه حيضة ثانية لتوسط أقل الطهر بين الدمين، و ان كان قبل تمام العشرة فإنه يكون من الحيضة الاولى و ما بينهما طهر حسبما تقدم في الثلاثة المتفرقة، نعم انما يحكم بكون الدمين حيضا ما لم يتجاوز الجميع عشرة أيام التي هي أكثر الحيض و إلا فلو تجاوز كان ما زاد على العشرة استحاضة، و الى هذا أشار (عليه السلام) بقوله في تتمة الخبر:

«و ان رأت الدم من أول ما رأت الثاني. إلخ»

بمعنى انه ان رأت هذا الدم الثاني من أول ما رأته متمما للعشرة التي مبدأها أول اليوم الأول ثم دام و تجاوز العشرة عدت أيام الدم الأول و أيام الدم الثاني و جعلت حيضها منه عشرة أيام و عملت في الباقي ما تعمله المستحاضة، و في قوله: «عدت من أول ما رأت الدم الأول و الثاني عشرة أيام» إشارة الى ان ما بين الدمين طهر لأنها انما تعد أيام الدم خاصة.

و (منها)-

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى و ان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام، و إذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى، و إذا رأته بعد عشرة أيام فهو من حيضة أخرى مستقبلة».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 11 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 11 من أبواب الحيض.

(3) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الحيض.

162

و التقريب فيهما انهما ظاهرتان في انه إذا رأت المرأة الدم بعد ما رأته أولا سواء كان الأول يوما أو أزيد، فإن كان بعد توسط عشرة أيام خالية من الدم كان الدم الثاني حيضة مستقلة، و ان كان قبل ذلك كان من الحيضة الاولى.

و اما ما ذكره في المدارك- بعد ان نقل عن الشيخ الاستدلال على هذا القول برواية يونس و صحيحة محمد بن مسلم حيث قال: «و الجواب ان الرواية الأولى ضعيفة مرسلة و الثانية غير دالة على المطلوب صريحا، إذ مقتضاها ان ما تراه في العشرة فهو من الحيضة الاولى و لا نزاع فيه لكن لا بد من تحقق الحيض أولا، قال في المعتبر بعد ان ذكر نحو ذلك: و نحن لا نسمي حيضا إلا ما كان ثلاثة فصاعدا، فمن رأت ثلاثة ثم انقطع ثم جاء في العشرة و لم يتجاوز فهو من الحيضة الأولى لا انه حيض مستأنف، لأنه لا يكون بين الحيضتين أقل من عشرة. و هو حسن» انتهى- ففيه (أولا)- ان ما طعن به على رواية يونس من الضعف لا يقوم حجة على الشيخ و نحوه من المتقدمين الذين لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم، بل اعترف جملة من محققي أصحاب هذا الاصطلاح كالمحقق الشيخ حسن في المنتقى و البهائي في مشرق الشمسين بصحة الأخبار كملا عند المتقدمين لوضوح الطرق الدالة على صحتها لديهم، و ان هؤلاء المتأخرين إنما جددوا هذا الاصطلاح لخفاء تلك القرائن التي أوجبت صحة الأخبار عند المتقدمين عليهم. و (ثانيا)- ما قدمناه في مقدمات هذا الكتاب من بطلان هذا الاصطلاح. و (ثالثا)- ان ما ذكره في صحيحة محمد بن مسلم من عدم دلالتها على المطلوب صريحا مؤذن بأنها دالة عليه ظاهرا و هو كاف في الاستدلال، فإنها و ان لم تكن في الصراحة كرواية يونس المذكورة إلا انها ظاهرة في ذلك، و ما ارتكبوه في تأويلها خلاف الظاهر بل تعسف محض كما لا يخفى على الخبير الماهر، و ذلك فان ظاهر الخبر المذكور و مثله الموثقة التي بعده ان العشرة التي وقع التفصيل فيها في الخبر بكون رؤية الدم قبل تمامها فيكون من الحيضة الأولى أو بعده فيكون حيضة مستقلة انما هي عشرة

163

واحدة و هي ما بعد رؤية الدم الأول سواء كان يوما أو يومين أو ثلاثة، و مبدأها انقطاع الدم الأول، و اللام في العشرة الثانية عهدية كما في قوله تعالى: «. أَرْسَلْنٰا إِلىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ(1) و على هذا بنى الاستدلال بالرواية المذكورة، و على ما ذكروه يلزم ان يكون مبدأ العشرة من أول الدم، و هو و ان تم لهم بالنسبة إلى أول الترديدين إلا انه لا يتم لهم بالنسبة إلى الترديد الثاني و هو قوله:

«و ان كان بعد العشرة» فإنها عبارة عن عشرة أيام الطهر البتة، و بالجملة فإن مبنى كلامهم على ان المراد بالعشرة الاولى مبدأ الدم الأول و العشرة الثانية من انقطاعه.

و لا يخفى ما فيه من التمحل بل البطلان، إذ المتبادر من الترديد المذكور هو اتحاد العشرة لا تعددها.

و مما يؤيد ما ذكرناه من ان العشرة التي وقع الترديد فيها هي عشرة الطهر

ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة إذا طلقها زوجها متى تكون أملك بنفسها؟ فقال إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فهي أملك بنفسها. قلت فان عجل الدم عليها قبل أيام قرءها؟ فقال: إذا كان الدم قبل العشرة أيام فهو أملك بها و هو من الحيضة التي طهرت منها، و ان كان الدم بعد العشرة فهو من الحيضة الثالثة فهي أملك بنفسها».

و التقريب فيها كما مر في صحيحة محمد بن مسلم الا ان هذه أظهر في كون الطهر يكون أقل من عشرة أيام، و ان ما ذكروه من حمل العشرة الاولى في تلك الرواية على مبدأ الدم الأول لا يجري في هذه الرواية، بل المراد بالعشرة فيها في الموضعين هي عشرة الطهر الخالي من الدم، و ذلك فان معناها انها إذا حاضت الحيضة الثانية و طهرت ثم أتاها الدم، فان كان قبل تمام العشرة أيام الطهر فله الرجوع فيها لأنها باقية في العدة، و ان

____________

(1) سورة المزمل. الآية 15 و 16.

(2) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب العدد.

164

كان بعد تمام العشرة فقد خرجت عن عدته لحصول الأقراء الثلاثة التي هي عبارة عن الاطهار و تقريب الاستدلال بهذه الروايات الثلاث بناء على ما ذكرناه زيادة على ما عرفت ان الحكم بكون ما تراه قبل تمام العشرة من الحيضة الأولى انما يتم على إطلاقه بناء على الحكم بكون أيام النقاء المتخللة طهرا، و الا فلو فرضنا ان حيضها الأول خمسة أيام أو ستة أيام ثم بعد الطهر و الغسل رأت الدم في اليوم السابع أو الثامن من طهرها قبل تمام العشرة فإنه (عليه السلام) في هذه الاخبار حكم بكون الدم من الحيضة الاولى، فلو حكم بكون النقاء ايضا حيضا كما يدعونه للزم زيادة الحيض على عشرة أيام، و هو باطل إجماعا نصا و فتوى، و في معنى هذه الرواية ما صرح به

في الفقه الرضوي (1) حيث قال: «و ربما تعجل الدم من الحيضة الثانية، و الحد بين الحيضتين القرء و هو عشرة أيام بيض، فإن رأت الدم بعد اغتسالها من الحيض قبل استكمال عشرة أيام بيض فهو ما بقي من الحيضة الاولى، و ان رأت الدم بعد العشرة البيض فهو ما تعجل من الحيضة الثانية».

انتهى. و هو ظاهر في ان ما تخلل من النقاء بين الدمين- متى كان في العشرة- طهر لما فرضناه من المثال المتقدم و نحوه، و في هذا الكلام ما يشير الى ما قدمناه من حمل روايات

«أقل الطهر عشرة».

على ما كان بين حيضتين لا مطلقا.

و مما حققناه في هذا المقام يظهر ان ما يأتي ان شاء الله تعالى في كلامهم- من انه متى رأت الدم ثلاثة- مثلا- و انقطع ثم رأته قبل العاشر و لم يتجاوز العشرة فإن جميع العشرة حيضة- لا وجه له، فان ظاهر هذه الاخبار ان الحيض أيام الدم خاصة كما عرفت و اما قول صاحب المعتبر فيما نقله عنه في المدارك: «و نحن لا نسمي حيضا الا ما كان ثلاثة فصاعدا. إلخ» ففيه انه أول المسألة لأن مراده بالثلاثة يعنى المتوالية، و إطلاق الحيض في الرواية على الدم المتقدم و ان كان أقل من ثلاثة كما ندعيه انما وقع من حيث رجوع الدم في العشرة الموجب لكون المتقدم بانضمام المتأخر اليه حيضا واحدا و بهذا يصح إطلاق الحيض على الدم الأول و ان كان أقل من ثلاثة، لظهور كونه حيضا

____________

(1) ص 21.

165

بانضمام الدم الأخير اليه. و بالجملة فالرواية مطلقة بالنسبة إلى الدم المتقدم، و إطلاق الحيض على ما كان أقل من ثلاثة أيام صحيح بما ذكرناه، فالعمل بها على إطلاقها لا يعتريه وصمة الإشكال.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما استدلوا به على ما ذكروه من القول المشهور أمور:

(الأول)- ان الصلاة ثابتة في الذمة بيقين فلا يسقط التكليف بها إلا مع تيقن السبب و لا تيقن بثبوته مع انتفاء التوالي.

(الثاني)- ان المتبادر من

قولهم: «ادنى الحيض ثلاثة و أقله ثلاثة» (1).

كونها متوالية، ذكر ذلك في المدارك و الأول منهما العلامة في المختلف ايضا.

(الثالث)- ان تقدير الحيض أمر شرعي غير معقول فيقف على مورد الشرع. و لم يثبت في المتفرق التقدير الشرعي، احتج به العلامة في المختلف.

(الرابع)- ان اللازم من القول بخلاف القول المشهور كون الطهر أقل من عشرة و هو خلاف الإجماع نصا و فتوى.

(الخامس)-

ما ذكره (عليه السلام) في الفقه الرضوي (2) حيث قال:

«و ان رأت يوما أو يومين فليس ذلك من الحيض ما لم تر ثلاثة أيام متواليات، و عليها ان تقضى الصلاة التي تركتها في اليوم و اليومين».

و هذه العبارة عين العبارة المتقدم نقلها عن الصدوق في رسالة أبيه اليه و كذا ما بعدها ايضا، و منه يعلم ان مستنده في هذا الحكم انما هو الكتاب المذكور كما عرفت و ستعرف ان شاء الله تعالى.

و الجواب (اما عن الأول) فإن ما ذكروه من ثبوت الصلاة في الذمة بيقين مسلم الا انه قد دلت الأخبار المتفق عليها على انها تسقط بالحيض الذي أقله ثلاثة، و هي مطلقة شاملة بإطلاقها لما لو كانت متوالية أو متفرقة في ضمن العشرة، و مدعى التقييد بالتوالي عليه الدليل و ليس فليس، بل الأدلة بصريحها و ظاهرها عاضدة لهذا الإطلاق كما عرفت.

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب 10 من أبواب الحيض.

(2) ص 21.

166

و (اما عن الثاني) فبالمنع من هذه الدعوى (اما أولا)- فلأنه لو نذر المكلف صيام ثلاثة أيام على الإطلاق فاللازم بمقتضى ما ذكره وجوب التوالي فيها و هو لا يلتزمه و (اما ثانيا)- فلانه لو تم ذلك في الثلاثة للزم مثله في العشرة لاشتراكهما في الإطلاق في اخبار هذه المسألة كما تقدم و هم لا يقولون به. و (اما ثالثا)- فلانه لو سلم ذلك فإنه يجب الخروج عنه بقيام الدليل على خلافه و هو الاخبار المتقدمة.

و (اما عن الثالث) فبما عرفت من ان غاية ما دلت عليه الاخبار ان أقله ثلاثة و هي أعم من ان تكون متوالية أو متفرقة، و مدعى التقييد بالتوالي يحتاج الى الدليل، و تخرج الأخبار التي ذكرناها شاهدة على ذلك.

و (اما عن الرابع) فيما تقدم آنفا من ان وجه الجمع بين الاخبار يقتضي حمل أخبار «أقل الطهر عشرة أيام» على الطهر الواقع بين حيضتين بمعنى انه لا يحكم بتعدد الحيض إلا مع توسط العشرة لا الواقع في حيضة.

و مما يعضد ما ذكرناه من وقوع الطهر في أقل من عشرة أيام

ما رواه الشيخ في الموثق عن يونس بن يعقوب (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال تدع الصلاة. قلت: فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة؟

قال: تصلي. قلت فإنها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال تدع الصلاة. قلت فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال تصلي. قلت فإنها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال تدع الصلاة تصنع ما بينها و بين شهر فان انقطع الدم عنها و الا فهي بمنزلة المستحاضة».

و نحوها رواية أبي بصير ايضا (2).

و (اما عن الخامس) فالظاهر ان كلامه (عليه السلام) هنا خرج مخرج البناء على الغالب لا انه حكم كلي، لأنه قد صرح قبيل هذا الكلام بما قدمنا نقله عنه قريبا مما هو ظاهر المنافاة لو حمل هذا الكلام على ظاهره، فان ظاهر الكلام هو انه قد يكون

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الحيض.

167

الطهر أقل من عشرة إذا كان في حيضة واحدة، فلا بد من حمل هذا الكلام على ما ذكرناه جمعا.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه على أمور

(الأول)

- قال في الروض: «و على هذا القول- يعني عدم اعتبار التوالي- لو رأت الأول و الخامس و العاشر فالثلاثة حيض لا غير» و اعترضه سبطه بان مقتضاه ان أيام النقاء المتخللة بين أيام رؤية الدم تكون طهرا، و هو مشكل لان الطهر لا يكون أقل من عشرة أيام إجماعا، و ايضا قد صرح المصنف في المعتبر و العلامة في المنتهى و غيرهما من الأصحاب بأنها لو رأت ثلاثة ثم رأت العاشر كانت الأيام الأربعة و ما بينهما من النقاء حيضا، و الحكم في المسألتين واحد انتهى. و فيه نظر من وجهين:

(أحدهما)- ان قوله: «ان الطهر لا يكون أقل من عشرة إجماعا» على إطلاقه ممنوع، فان ذلك انما هو فيما إذا كان بين حيضتين يعني لا يحكم بتعدد الحيض الا مع توسط العشرة، كما يشير اليه كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي حسبما نبهنا عليه آنفا، و قد عرفت دلالة الأخبار على انه لا مانع منه في الحيضة الواحدة، و هذا معظم الشبهة عندهم في اطراح هذا القول، و فيه ما عرفت. و (ثانيهما)- ان ما نقله عن المعتبر و المنتهى و غيرهما انما استندوا فيه الى صحيحة محمد بن مسلم و موثقته المتقدمتين بناء على ما توهموه من المعنى الذي زعموه، و قد أوضحنا بعده و مخالفته لظاهر الخبرين المذكورين كما يفصح عنه خبر عبد الرحمن بن ابي عبد الله و كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه، فإنهما صريحان في المدعى كما أوضحناه آنفا، و حينئذ فما ذكروه خال من الدليل بل الدليل على خلافه واضح السبيل. و بالجملة فإن الروايات المذكورة كملا قد اشتركت في الدلالة على ان ما تراه في عشرة الطهر قبل تمامها فهو من الحيضة الاولى و ان ما بين الدمين طهر، و إلا لزم المحذور الذي قدمنا ذكره من زيادة الحيض على العشرة و هو باطل، الا انها مختلفة في الظهور شدة و ضعفا، و هم انما حكموا بكون النقاء المتوسط حيضا بشبهة ان الطهر لا يكون أقل من عشرة، و قد أوضحنا فساده فلا اشكال بحمد الله المتعال.

168

(الثاني)

- اعلم ان ظاهر الأصحاب (رضي الله عنهم) ان محل الخلاف في هذه المسألة الثلاثة مطلقا أعم من ان تكون في أيام العادة أم لا، و صريح رواية يونس هو كونها في أيام العادة، و ظاهر روايتي محمد بن مسلم و ان كان الإطلاق بناء على ما ذكرناه من معناهما الا انه يمكن حمله على رواية يونس حمل المطلق على المقيد، و بذلك يجمع بين هذه الاخبار و كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه بحمله على غير أيام العادة، و لا بأس به اقتصارا في الخلاف على القدر المتيقن، الا انه صلح من غير تراضي الخصمين.

(الثالث)

- قد صرح جملة من الأصحاب: منهم- الشهيد الثاني في الروض بان المراد بالأيام الثلاثة ما يدخل فيها الليالي اما تغليبا و اما لدخول الليل في مسمى اليوم عرفا، قال: «و قد صرح بدخولها في بعض الاخبار و في عبارة بعض الأصحاب» أقول: هو ابن الجنيد على ما نقله عنه بعض أصحابنا. و الظاهر ان المراد بالثلاثة مقدارها من الزمان و لو بالتلفيق لا خصوص الثلاثة، فلو رأته من أول الظهر- مثلا- اعتبر الامتداد الى ظهر اليوم الرابع.

(الرابع)

- اختلف الأصحاب في المعنى المراد من التوالي على تقدير القول المشهور فقيل بأنه عبارة عن استمراره في الثلاثة بلياليها بحيث متى وضعت الكرسف تلوث، و هو اختيار الشيخ علي في شرح القواعد بعد ان ذكر انه لا يعرف الآن في كلام أحد من المعتبرين تعيينا له، ثم قال: «و قد يوجد في بعض الحواشي الاكتفاء بحصوله فيها في الجملة و هو رجوع الى ما ليس له مرجع» و نقل هذا القول عن الشيخ جمال الدين ابن فهد في التحرير. و قيل بالاكتفاء بوجوده في كل يوم من الثلاثة و قتاما، و نقله في المدارك عن ظاهر الأكثر عملا بالعموم، و هو اختيار الروض قال: «ظاهر النص الاكتفاء بوجوده في كل يوم من الثلاثة و ان لم يستوعبه لصدق رؤيته ثلاثة أيام لأنها ظرف له، و لا تجب المطابقة بين الظرف و المظروف، و هذا هو الظاهر من كلام المصنف» انتهى و قيل انه يعتبر ان يكون في أول الأول و آخر الآخر و في أي جزء من الوسط، فإذا

169

رأته في أول جزء من أول ليلة من الشهر فلا بد ان تراه في آخر جزء من اليوم الثالث بحيث يكون عند غروبه موجودا و في اليوم الوسط يكفي أي جزء كان، و نسب هذا القول الى الفاضل السيد حسن ابن السيد جعفر معاصر شيخنا الشهيد الثاني، و استبعده في المدارك و نفى عنه البعد في الحبل المتين، قال بعد نقله: «و هذا التفسير لبعض مشايخنا المتأخرين و هو غير بعيد، و انما اعتبر وجود الدم في أول الأول و آخر الآخر عملا بما ثبت بالنص و الإجماع من انه لا يكون أقل من ثلاثة أيام. إذ لو لم يعتبر وجوده في الطرفين المذكورين لم يكن الأقل مما جعله الشارع أقل فلا تغفل» انتهى. أقول:

و المسألة عندي لا تخلو من شوب الاشكال، لعدم النص الموضح لهذا الإجمال و التعليلات متدافعة، و ان كان القول بما عليه ظاهر الأكثر لا يخلو عن قرب. و الله العالم.

(المسألة الخامسة) [ما تراه المرأة قبل التسع و بعد اليأس]

- لا خلاف بين الأصحاب في ان ما تراه المرأة من الدم قبل إكمال التسع فليس بحيض و ما تراه بعد بلوغ سن اليأس فليس بحيض، فالكلام هنا يقع في مقامين:

(الأول)- في ما تراه قبل التسع

، و هو- كما عرفت- إجماعي حتى من العامة (1) و يدل عليه من الاخبار

صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): ثلاث يتزوجن على كل حال، و عد منها التي لم تحض و مثلها لا تحيض- قال قلت و ما حدها؟ قال: إذا اتى لها أقل من تسع سنين- و التي لم يدخل بها و التي قد يئست من المحيض و مثلها لا تحيض. قال قلت و ما حدها؟ قال: إذا كان لها خمسون سنة».

____________

(1) كما في بدائع الصنائع ج 1 ص 41 و في المغني ج 1 ص 307 و في الفروع لابن مفلح ج 1 ص 177 و في المهذب ج 1 ص 37 و في المدونة لمالك ج 1 ص 54 و في شرح الزرقانى على مختصر ابى الضياء في فقه مالك ج 1 ص 133 و في الميزان للشعرانى ج 1 ص 117.

(2) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب العدد.

170

و عن عبد الرحمن بن الحجاج أيضا في الموثق (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ثلاث يتزوجن على كل حال: التي يئست من المحيض و مثلها لا تحيض- قلت و متى تكون كذلك؟ قال إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض و مثلها لا تحيض- و التي لم تحض و مثلها لا تحيض- قلت و متى تكون كذلك؟ قال ما لم تبلغ تسع سنين فإنها لا تحيض و مثلها لا تحيض- و التي لم يدخل بها».

و ههنا اشكال مشهور و هو ان الأصحاب ذكروا من علامات بلوغ المرأة الحيض و حكموا ههنا بان ما تراه المرأة قبل التسع فليس بحيض، و هو بحسب الظاهر مدافع للأول، فما الذي يعلم به البلوغ؟

و أجيب عن ذلك بحمل ما هنا على من علم بلوغها التسع، فإنه لا يحكم على الدم الذي تراه قبل التسع بكونه حيضا، و حمل ما ذكروه من ان الحيض علامة البلوغ على من جهل سنها مع خروج الدم الجامع لصفات الحيض، فإنه يحكم بكونه حيضا و يعلم به البلوغ كما ذكره الأصحاب و نقلوا عليه الإجماع.

أقول: و يؤيده

رواية عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة و كتبت عليه السيئة و عوقب، و إذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك، و ذلك انها تحيض لتسع سنين».

و يستفاد من هذه الرواية ان الحيض لازم للتسع، و حينئذ فمتى كان سنها مجهولا و حصل لها الحيض فإنه دليل على بلوغ التسع.

و اما ما أجيب به عن الاشكال المذكور- من ان البلوغ مما اختلف فيه فقيل انه بالتسع و قيل بالعشر فلو رأت دما بعد التسع و قبل بلوغ العشر حكم بالبلوغ- فأورد عليه بان هذا انما يتم على قول من قال بالعشر و اما من قال بان بلوغها بالتسع فإنه لا يكون

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب العدد.

(2) المروية في الوسائل في الباب 44 من أبواب الوصايا.

171

الدم هنا دليلا على البلوغ عنده، بل الحق هو الأول.

(الثاني) [ما يتحقق به اليأس]

- في ما تراه بعد بلوغ سن اليأس، و قد عرفت انه لا خلاف بينهم في انه ليس بحيض، و عليه تدل الأخبار التي في المسألة.

انما الخلاف في ما به يتحقق اليأس، فقيل بأنه يتحقق ببلوغ خمسين سنة مطلقا، ذهب اليه الشيخ في النهاية و الجمل و اختاره المحقق في كتاب الطلاق من الشرائع. و قيل ببلوغ الستين مطلقا، و اختاره العلامة في بعض كتبه و المحقق في الشرائع في باب الحيض.

و قيل بالتفصيل بين القرشية و غيرها و اعتبار الستين فيها و الخمسين في غيرها، و اختاره الشيخ في أكثر كتبه، و هو ظاهر

الصدوق في الفقيه ايضا حيث قال (1): «و قال الصادق (عليه السلام): المرأة إذا بلغت خمسين سنة لم تر حمرة إلا ان تكون امرأة من قريش، و هو حد المرأة التي تيأس من الحيض».

انتهى. و هذا الكلام بعينه عين مرسلة ابن ابي عمير الآتية، و رجحه المحقق في المعتبر، و الظاهر انه المشهور. و ربما الحق بعض أصحاب هذا القول بالقرشية النبطية كالشهيد في كتبه الثلاثة.

و الذي وقفت عليه من الأخبار في هذه المسألة روايتا عبد الرحمن المتقدمتان

و صحيحة أخرى له ايضا عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «حد التي يئست من المحيض خمسون سنة».

و رواية أحمد بن محمد بن ابي نصر عن بعض أصحابنا (3) قال:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام): المرأة التي قد يئست من المحيض حدها خمسون سنة».

رواها الكليني و الشيخ في الضعيف و المحقق في المعتبر عن كتاب احمد بن محمد بن ابى نصر و على هذا فلا يضر ضعف السند بناء على الاصطلاح الغير المعتمد،

و مرسلة ابن ابي عمير عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة الا ان تكون امرأة من قريش».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الحيض.

(3) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الحيض.

(4) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الحيض.

172

حجة القول الأول رواية عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة في المقام الأول و صحيحته المنقولة هنا و رواية ابن ابي نصر.

و حجة القول الثاني موثقة عبد الرحمن الثانية من روايتيه المتقدمتين في المقام الأول،

و رواية مرسلة ذكرها في الكافي (1) بعد نقل رواية أحمد بن محمد بن ابي نصر قال: «و روى ستون سنة ايضا».

حجة القول الثالث الجمع بين الاخبار، و مستند هذا الجمع مرسلة ابن ابي عمير التي هي في عداد المسانيد عندهم، حيث دلت على الخمسين الا ان تكون امرأة من قريش و أورد على ذلك عدم صراحة الرواية في كون الحمرة التي تراها القرشية بعد الخمسين حيضا، إذ لا منافاة بين رؤيتها الحمرة و عدم اعتبار الشارع تلك الحمرة حيضا، مع انه ليس في الخبر ذكر الستين.

أقول: يمكن الجواب عن الأول بأن الظاهر ان لفظ الحمرة هنا كناية عن الحيض و الا فإنه يصير معنى الكلام مغسولا متهافتا يجل عنه كلام الإمام الذي هو امام الكلام و عن الثاني (أولا)- بأنه لما كانت الروايات عنهم (عليهم السلام) قد صرحت بالخمسين مطلقا تارة و بالستين كذلك اخرى و قد نفى الخمسين عن القرشية فإنه يعلم منه ان مراده الستون، إذ لم يخرج عنهم سوى هذين العددين و بنفي أحدهما يتعين الآخر. و (ثانيا)- انه نقل

عن المبسوط انه قال (2): «تيأس المرأة إذا بلغت خمسين سنة إلا ان تكون امرأة من قريش فإنه روى انها ترى دم الحيض الى ستين سنة».

و قال المفيد في المقنعة (3) «روى ان القرشية من النساء و النبطية تريان الدم الى ستين سنة».

و كلام الشيخين المذكورين مؤذن بوصول رواية لهما دالة على الستين في القرشية بل النبطية، و مراسيل هذين الشيخين لا تقصر عن مراسيل ابن ابي عمير و نحوه، و حينئذ فيجب تقييد إطلاق المرسلة المذكورة بهذه الرواية المرسلة في كلام الشيخين، و به يظهر قوة القول بالتفصيل، و بذلك يظهر

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب الحيض.

(3) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب الحيض.

173

ايضا لك ما في كلام جملة من متأخري المتأخرين: منهم- صاحب المدارك من الطعن على المفيد و من تبعهم بأنهم ذكروا النبطية معترفين بعدم النص عليها، و عبارة المفيد- كما سمعت- ظاهرة في وصول النص اليه بذلك.

و أنت خبير بان من يرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث يترجح عنده العمل بروايات الخمسين لصحة سند بعضها و تأيده بالباقي و ضعف ما يعارضها و لذلك مال في المدارك الى هذا القول، و اما من يرى العمل بالاخبار مطلقا فيمكن القول بالتفصيل لما ذكرناه الا انه غير خال من شوب الاشكال. و بالجملة فالمعلوم من الأخبار المذكورة عدم اليأس قبل الخمسين و تحققه بعد الستين مطلقا و انما يبقى الشك فيما بين ذلك.

و اما ما قيل- من انه لا تعارض بين روايات عبد الرحمن في المنطوق إذ التحديد بالخمسين يستدعي كون ذات الستين آيسة البتة، نعم مفهوم موثقة الستين يعطى عدم اليأس بدون بلوغ الستين فيشمل الخمسين فيكون ذلك المفهوم بعمومه منافيا لتحديد الخمسين، و المفهوم مع خصوصه لا يصلح لمعارضة المنطوق بل يجب إلغاؤه معه فكيف مع عمومه و خصوص المنطوق؟ بل يجب تخصيصه به كما هي القاعدة حتى في غيره فلا تعارض. انتهى- فظني بعده بل عدم استقامته، و ذلك لان ثبوت التعارض بين الروايتين أظهر من ان ينكر و انما هذه شبهة عرضت لهذا القائل، و بيان ذلك انه قد علم من الشارع تكليف النساء بأحكام مخصوصة من الحيض و ما يترتب عليه من الصوم و الصلاة و العدد و ما يترتب عليها و نحو ذلك، و جعل لهذه الأحكام غاية و حدّا تنقطع و ترتفع ببلوغه و هو سن اليأس، و هاتان الروايتان قد تصادمتا و تخاصمتا في بيان هذا الحد الذي تسقط عنده هذه الأحكام، فمقتضى رواية الخمسين سقوطها ببلوغ هذا الحد و مقتضى رواية الستين انها تستمر بعد الخمسين و لا تسقط إلا ببلوغ هذا الحد و بذلك حصل التعارض، فيجب بناء على الرواية الأولى العمل بتلك الأحكام و استصحابها الى حد الخمسين خاصة و يجب على الثانية إلى حد الستين، و الروايتان لم تتعارضا في أصل ثبوت

174

التكاليف و عدمه حتى يقال ان رواية الستين تدل على عدمه بالمنطوق و المفهوم يضعف عن معارضة المنطوق، فان تلك الأحكام ثابتة معلومة من الشارع واجب استصحابها و العمل بها الى وجود المانع و التعارض هنا وقع في بيان هذا الحد، فان ثبت كونه الخمسين وجب استصحاب الأحكام إليها خاصة و ان ثبت كونه الستين فكذلك، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا خفاء عليه و لا يأتيه الباطل من خلفه و لا من بين يديه، و نظير ذلك اخبار البلوغ المختلفة ببلوغ الأربعة عشرة و الخمسة عشرة و الثلاثة عشرة و العشر، الا ان اخبار البلوغ اختلفت في الحد الموجب للاحكام و هذه اختلفت في الحد الذي به تسقط تلك الأحكام. على ان ما ذكره من ضعف المفهوم و عدم معارضة المنطوق ممنوع و ان كان قد ذكره غيره من الأصوليين، فإن المفهوم هنا مفهوم شرط و قد قدمنا لك في مقدمات الكتاب الآيات و الأخبار الدالة على حجيته شرعا فهو لا يقصر في الحجية عن المنطوق، و كلام الأصوليين مبني على ما استدلوا به على الحجية من الأدلة الاقناعية و الوجوه التخريجية التي قد طال فيها التشاجر إبراما و نقضا، و اما ما دلت عليه الآيات و الروايات- كما أوضحناه في المقدمات- فليس كذلك، فإنه متى كان الدليل من الطرفين انما هو الاخبار و الآيات فالطعن بالضعف غير متجه و انما الواجب الترجيح بالمرجحات الخارجة كما هو القاعدة المعروفة.

و بالجملة فالاحتياط في المسألة لما عرفت مما لا ينبغي تركه، و هو من بعد كمال الخمسين الى كمال الستين بان تعمل ما تعمله الطاهر في وقت الدم و تقضي الصوم بعد ذلك، هذا بالنسبة إلى العبادة، و اما بالنسبة إلى العدة فتعتد بالأشهر إن طابقت الاطهار المحتملة بأن تقع الأطهار الثلاثة في ثلاثة أشهر و إلا فأكثر الأمرين بمعنى انه إذا لم تحصل المطابقة المذكورة بأن تقع الأطهار الثلاثة في أربعة أشهر أو شهرين ففي الأول تعتد بالأطهار و في الثاني بالأشهر الثلاثة لكونهما أكثر الأمرين، و لا ينبغي لزوجها ان يراجعها في هذه العدة و ان يجري عليها النفقة فيها و نحو ذلك. و الله العالم.

175

فوائد

(الأولى) [تعريف القرشية]

- اعلم ان المراد بالقرشية هي المنتسبة الى قريش و هو النضر بن كنانة جدهم، و ظاهر جملة من الأصحاب ان المراد الانتساب اليه و لو بالأم و بعضهم جعله احتمالا من حيث ان للام مدخلا في ذلك بسبب تقارب الأمزجة، و من ثم اعتبر نحو ذلك في المبتدأة كما سيأتي ان شاء الله تعالى من الرجوع الى الخالات و بناتها، إلا انه لا يخفى انه لا يعلم في مثل هذه الأزمان من هؤلاء سوى الهاشميين فالأصل يقتضي عدم القرشية و استصحاب التكليف في غير الهاشمية بناء على القول المشهور.

(الثانية) [تعريف النبطية]

- قد اختلف في معنى النبط، قال في المصباح المنير: «النبط جيل من الناس كانوا ينزلون سواد العراق ثم استعمل في أخلاط الناس و عوامهم، و الجمع أنباط مثل سبب و أسباب، الواحد نباطي بزيادة الألف و النون تضم و تفتح، قال الليث و رجل نبطي و منعه ابن الأعرابي» انتهى. و قيل انهم عرب استعجموا أو عجم استعربوا. و قيل انهم قوم من العرب دخلوا في العجم و الروم و اختلطت أنسابهم و فسدت ألسنتهم، و ذلك لمعرفتهم بإنباط الماء أي استخراجه لكثرة فلاحتهم، و نقل في الصحاح عن بعضهم ان أهل عمان عرب استنبطوا و أهل البحرين نبط استعربوا. و في النهاية الأثيرية «أنهم جيل معروف كانوا ينزلون بالبطائح بين العراقين. قال و في حديث ابن عباس نحن معاشر قريش من النبط من أهل كوثى، قيل لأن إبراهيم الخليل (عليه السلام) ولد بها و كان النبط سكانها، و منه حديث عمرو بن معدي كرب سأله عمر عن سعد ابن ابي وقاص فقال أعرابي في حبوته نبطي في جبوته، أراد انه في جباية الخراج و عمارة الأرضين كالنبط حذقا بها و مهارة فيها لأنهم كانوا سكان العراق و أربابها، و في حديث الشعبي ان رجلا قال لآخر يا نبطي فقال لا حد عليه كلنا نبط يريد الجوار و الدار دون الولادة» انتهى. و منه يستفاد سيما من هذه الاخبار التي نقلها ان النبط جيل من العرب يسكنون العراق، و كيف كان فهم

176

لا وجود لهم في أمثال هذه الأيام و انما الغرض بيان الخلاف و تحقيق المقام.

(الثالثة) [ما يمكن ان يستأنس به لتحيض النبطية إلى الستين]

- قال المحقق الشيخ علي بعد اعترافه بان الحكم في النبطية خال عن مستند قوي سوى الشهرة: «و يمكن ان يستأنس له بأن الأصل عدم اليأس فيقتصر فيه على موضع الوفاق، و في بعض الأخبار الصحيحة

عن الصادق (عليه السلام) (1) «حد التي يئست من الحيض خمسون سنة».

و في بعضها استثناء القرشية، و الأخذ بالاحتياط- في بقاء الحكم بالعدة و توابع الزوجية استصحابا لما كان لعدم القطع بالمنافي- أولى» و تنظر فيه في الذخيرة قال: «لان التمسك بأن الأصل العدم و الاستصحاب ضعيف عندي لا يصلح لتأسيس الحكم الشرعي عليه و ان اشتهر الاستناد اليه بين كثير من المتأخرين، و تمام تحقيقه في الأصول، و الاحتياط الذي ذكره معارض بمثله» انتهى.

أقول: لا يخفى ان التمسك بأصالة العدم و الاستصحاب هنا انما هو تمسك بعموم الدليل، و هذا أحد معاني الأصل و الاستصحاب كما تقدم في مقدمات الكتاب، و ذلك فإن الأخبار دلت على ان الدم الذي تراه المرأة بعد بلوغ التسع بالشروط المقررة ثمة حيض و دلت على أحكام تتعلق بكونه حيضا و على هذا اتفقت كلمة الأصحاب، و اختلفت الاخبار و كذا كلمة الأصحاب في الحد الذي يرتفع به الحيض و ترتفع به تلك الأحكام، فالمحقق المذكور ادعى العمل بعموم تلك الأدلة و الاقتصار على موضع الوفاق في النبطية إلى بلوغ الستين إذ لا خلاف بعد بلوغ الستين في حصول اليأس و انقطاع تلك الأحكام، هذا حاصل كلامه، و ليس الاستصحاب في كلامه عبارة عن الاستصحاب المختلف في حجيته كما يوهمه ظاهر كلامه، بل هذا من قبيل استصحاب عموم الدليل أو إطلاقه الى ان يثبت الرافع، و كذا الاستصحاب في قوله: «و الأخذ بالاحتياط في بقاء الحكم بالعدة و توابع الزوجية استصحابا لما كان» فإنه أيضا من قبيل الأول، فإن الأدلة مطلقة أو عامة في وجوب العدة على المطلقة و أحكام الزوجية من النفقة و الكسوة و السكنى في العدة و نحو ذلك فيجب استصحابها الى ان

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب 31 من أبواب الحيض.

177

يثبت الرافع، و من هذا الباب في الأحكام الفقهية ما لا يحصى، كما إذا وقع الخلاف في صحة الطلاق مثلا أو البيع أو نحو ذلك، فإن للقائل أن يقول الأصل صحة النكاح الى ان يثبت المزيل و الأصل بقاء الملك الى ان يثبت الناقل و نحو ذلك، و بالجملة فالظاهر ان مناقشته غير واضحة. نعم يمكن المناقشة فيه بان هذا الأصل قد انتفى بما ورد من النصوص في هذه المسألة الدال بعضها على التفصيل القاطع للشركة و بعضها على الإطلاق فلا يمكن العمل عليه و لا استصحابه، بل الواجب الرجوع الى الأخبار المذكورة و الجمع بينها و استنباط الحكم منها، و الاحتياط المذكور معارض بمثله فان الحكم بصحة الرجعة و لحوق أحكام الزوجية مع وجود الدليل الدال على نفيها يوجب التهجم على الفروج و الأموال بما لا يصلح سندا، و الاستصحاب المدعى قد انقطع بالدليل المذكور. و الله العالم.

(المسألة السادسة) [هل تحيض الحبلى؟]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الحبلى هل تحيض أم لا؟ قيل بالأول و عليه الأكثر، و منهم الصدوق و المرتضى، و قال الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار: «ما تجده المرأة الحامل في أيام عادتها يحكم بكونه حيضا و ما تراه بعد عادتها بعشرين يوما فليس بحيض» و قال في الخلاف انه حيض قبل ان يستبين الحمل لا بعده و نقل فيه الإجماع، و قال المفيد و ابن الجنيد لا يجتمع حيض مع حمل، و هو اختيار ابن إدريس، و كلام الخلاف يرجع الى هذا القول.

و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) «انه سئل عن الحلبي ترى الدم أ تترك الصلاة؟

فقال: نعم ان الحبلى ربما قذفت بالدم».

و في الصحيح عن صفوان (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحبلى ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة أيام تصلي؟ قال: تمسك عن الصلاة».

و في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «سألته عن الحبلى

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

(3) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

178

ترى الدم كما كانت ترى أيام حيضها مستقيما في كل شهر؟ قال: تمسك عن الصلاة كما كانت تصنع في حيضها فإذا طهرت صلت».

و عن حريز عمن أخبره عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) (1) «في الحبلى ترى الدم؟ قالا: تدع الصلاة فإنه ربما بقي في الرحم الدم و لم يخرج و تلك الهراقة».

و عن ابي بصير في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الحبلى ترى الدم؟ قال: نعم انه ربما قذفت المرأة الدم و هي حبلى».

و عن سماعة (3) قال: «سألته عن امرأة رأت الدم في الحبل؟ قال: تقعد أيامها التي كانت تحيض فإذا زاد الدم على الأيام التي كانت تقعد استظهرت بثلاثة أيام ثم هي مستحاضة».

و ما رواه الكليني في الحسن عن سليمان بن خالد (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك الحبلى ربما طمثت؟ فقال: نعم و ذلك ان الولد في بطن امه غذاؤه الدم فربما كثر ففضل عنه فإذا فضل دفقته فإذا دفقته حرمت عليها الصلاة».

قال و في رواية أخرى «إذا كان كذلك تأخر الولادة».

و عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح (5) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحبلى ترى الدم و هي حامل كما كانت ترى قبل ذلك في كل شهر هل تترك الصلاة؟ قال تترك الصلاة إذا دام».

و هذه الاخبار هي مستند القول المشهور و هي ظاهرة فيه تمام الظهور.

و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسين بن نعيم الصحاف (6) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان أم ولدي ترى الدم و هي حامل كيف تصنع بالصلاة؟ قال فقال لي: إذا رأت الحامل الدم بعد ما يمضي عشرون يوما من الوقت الذي كانت ترى فيه الدم من الشهر الذي كانت تقعد فيه فان ذلك ليس من الرحم و لا من الطمث فلتتوضأ

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

(3) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

(4) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

(5) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

(6) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

179

و لتحتش بكرسف و تصل، و إذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنه من الحيضة فلتمسك عن الصلاة عدد أيامها التي كانت تقعد في حيضها فان انقطع الدم عنها قبل ذلك فلتغتسل و لتصل. الحديث».

و بهذه الرواية احتج الشيخ (رحمه الله) في كتابي الاخبار على ما قدمنا نقله عنه في النهاية و في كتابي الاخبار.

و منها-

ما رواه الشيخ عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (1) قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله): ما كان الله تعالى ليجعل حيضا مع حبل يعني إذا رأت المرأة الدم و هي حامل لا تدع الصلاة الا ان ترى على رأس الولد إذا ضربها الطلق و رأت الدم تركت الصلاة».

و عن حميد بن المثنى في الصحيح (2) قال: «سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن الحبلى ترى الدفقة و الدفقتين من الدم في الأيام و في الشهر و الشهرين؟

فقال تلك الهراهة ليس تمسك هذه عن الصلاة».

و بهاتين الروايتين استدل في المختلف لابن الجنيد و من تبعه ثم زاد في الاحتجاج قال: «و لانه زمن لا يصادفها الحيض فيه غالبا فلا يكون ما رأته فيه حيضا كاليائسة، و لانه يصح طلاقها مع رؤية الدم إجماعا و لا يصح طلاق الحائض إجماعا فلا يكون الدم حيضا».

أقول و بالله التوفيق: اما ما نقل دليلا لقول المفيد و ابن الجنيد و ابن إدريس من رواية السكوني فقد حملها أصحابنا على محامل أقربها عندي الحمل على التقية، فإن هذا القول قد نقله في المنتهى عن أكثر العامة و هو المشهور بينهم (3) و اما رواية حميد بن

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

(3) في شرح الزرقانى على موطإ مالك ج 1 ص 118 «ذهب ابن المسيب و ابن شهاب و مالك في المشهور عنه و الشافعي في الجديد و غيرهم الى ان الحامل تحيض، الى أن قال:

و ذهب أبو حنيفة و أصحابه و احمد و الثوري إلى انها لا تحيض» و في الميزان للشعرانى ج 1 ص 118 «اتفق أبو حنيفة و احمد على ان الحامل لا تحيض و مالك و الشافعي في أرجح قوليهما انها تحيض» و في بدائع الصنائع في فقه الحنفية ج 1 ص 42 «دم الحامل ليس بحيض و ان كان ممتدا عندنا، و قال الشافعي هو حيض في حق ترك الصوم و الصلاة و حرمة القربان لا في حق أقراء العدة» و في المغني لابن قدامة الحنبلي ج 1 ص 306 نفى الحيض عن الحامل.

180

المثنى فلا دلالة فيها و ان ما ذكر فيها لم يستجمع شرائط الحيض. و اما ما ذكره العلامة في المختلف من التعليلات فمع قطع النظر عن انها لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، فإنه قد أجاب عن الأول بالفرق بأن اليائسة لا يصح منها الحيض لارتفاعه منها بالكلية بخلاف الحامل التي يكون لحرارة مزاجها وفور دم الحيض بحيث يفضل عن غذاء الصبي ما تقذفه المرأة من الرحم، و اما عن الثاني- و به استدل ابن إدريس حيث قال:

«أجمعنا على بطلان طلاق الحائض مع الدخول و الحضور و على صحة طلاق الحامل مطلقا و لو كانت تحيض لحصل التناقض»- فأجاب بالمنع عن كون الحائض لا يصح طلاقها و لهذا جوزنا طلاق الغائب مع الحيض. انتهى. و بالجملة فهذا القول بمكان من الضعف لا يخفى لعدم الدليل الواضح. بقي الكلام فيما ذهب اليه الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار فإن صحيحة الصحاف المذكورة ظاهرة فيه، و اما ما أجاب به عنها في المنتهى- من ان الغالب ان المرأة إذا تجاوزت عادتها وقتها لا يكون الدم حيضا- فالظاهر بعده و الذي يقرب عندي هو حمل الأخبار المتقدمة على هذه الصحيحة بأن يقال ان ما تجده الحبلى في أيام العادة كما كانت تراه قبل فإنه يجب الحكم بكونه حيضا و ما لم يكن كذلك فلا، و في بعض الاخبار المشار إليها إشارة الى ذلك مثل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و صحيحة محمد ابن مسلم، و بالجملة فأخبار المسألة ما بين مطلق في ذلك و مقيد و ان كان التقييد في بعضها أظهر من بعض، و الواجب بمقتضى القاعدة المقررة حمل مطلقها على مقيدها، و به يظهر ان ما اشتهر بينهم من القول بحيضها مطلقا ليس كذلك، قال في المدارك- بعد نقل جملة

181

من روايات القول المشهور ثم الاستدلال للشيخ بصحيحة الصحاف- ما صورته: «و هي مع صحتها صريحة الدلالة في المدعى فيتجه العمل بها و ان كان الأول لا يخلو من قوة» انتهى و فيه من الإجمال و الاشكال ما لا يخفى، فإنه لا يخفى ان اتجاه العمل بهذه الرواية لا يتم إلا بتقييد تلك الأخبار بها، و إلا للزم الترجيح من غير مرجح لصحة الأخبار التي قدمها بل الترجيح لتلك الاخبار لكثرتها، و كون الأول لا يخلو من قوة انما يتم مع طرح هذه الصحيحة الصريحة باعترافه و الا كان الواجب عليه بيان معنى لها تحمل عليه بقي هنا شيء يجب التنبيه عليه و هو ان الأصحاب قد نقلوا عن الصدوق القول بما هو المشهور من كون الحامل كالحائل في التحيض، و عبارة الفقيه لا تساعد على هذا الإطلاق حيث قال: «و الحلبي إذا رأت الدم تركت الصلاة فإن الحبلى ربما قذفت الدم و ذلك إذا رأت الدم كثيرا احمر فان كان قليلا اصفر فلتصل و ليس عليها الا الوضوء» و ظاهر هذه العبارة التحيض بخصوص ما كان بصفة دم الحيض و الرجوع الى التمييز، و يدل على ذلك ايضا ظواهر جملة من الأخبار: منها- رواية

محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن المرأة الحبلى قد استبان حبلها ترى ما ترى الحائض من الدم؟ قال تلك الهراقة من الدم ان كان دما احمر كثيرا فلا تصل و ان كان قليلا اصفر فليس عليها الا الوضوء».

و الظاهر ان عبارة الصدوق مأخوذة من هذه الرواية، و منها-

صحيحة أبي المغراء (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحبلى قد استبان ذلك منها ترى كما ترى الحائض من الدم؟ قال تلك الهراقة ان كان دما كثيرا فلا تصلين و ان كان قليلا فلتغتسل عند كل صلاتين».

و موثقة إسحاق بن عمار (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم و اليومين؟

قال ان كان دما عبيطا فلا تصل ذينك اليومين و ان كانت صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين».

و الظاهر ان المراد بالكثرة و القلة في صحيحة أبي المغراء ما هو عبارة عن

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

(3) المروية في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

182

الثخانة و الغلظة و قوة الدفع التي هي من صفات دم الحيض و ما قابلها الذي هو من صفات دم الاستحاضة.

و في الفقه الرضوي (1) قال (عليه السلام): «و الحامل إذا رأت الدم في الحمل كما كانت تراه تركت الصلاة أيام الدم فإن رأت صفرة لم تدع الصلاة».

و هذه الاخبار كلها ظاهرة في اعتبار التمييز في دمها بأنه ان كان بصفة الحيض تحيضت و الا عملت عمل المستحاضة، و لم أقف على من تنبه لهذا التفصيل من كلام الصدوق و لا من هذه الاخبار مع ظهور الجميع في ذلك. و بالجملة فإن ظاهر الأصحاب القائلين بتحيضها هو التحيض بما تراه لا سيما في أيام العادة مطلقا و عليه تدل ظواهر الأخبار المتقدمة، و هذه الاخبار صريحة في التفصيل كما ترى، و وجه الجمع بينها و بين الاخبار المتقدمة ممكن اما بحمل الأخبار الأولة على الدم في أيام العادة و هذه على ما لم يكن كذلك، و اما بإبقاء الأدلة على إطلاقها و تقييدها بهذه الاخبار و حينئذ فيعتبر التمييز فيها. و الله العالم.

(المقصد الثاني) [أقسام الحائض و أحكامها]

- في ما يترتب عليه بعد معلومية كونه حيضا، و ذلك اما ان تكون مبتدأة أو ذات عادة أو مضطربة، و يدل على هذا التقسيم مع بعض أحكام كل من الأقسام الثلاثة رواية يونس الطويلة، و انا اذكرها بطولها لعموم نفعها و جودة محصولها، و هي

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب (2) عن يونس عن غير واحد «سألوا أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحيض و السنة في وقته فقال (عليه السلام): ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) سن في الحيض ثلاث سنن بين فيها كل مشكل لمن سمعها و فهمها حتى لم يدع لأحد مقالا فيه بالرأي، أما إحدى السنن فالحائض التي لها أيام معلومة قد أحصتها بلا اختلاط عليها ثم استحاضت و استمر بها الدم و هي في ذلك تعرف أيامها و مبلغ عددها، فإن امرأة يقال لها فاطمة بنت ابى حبيش استحاضت فاتت أم سلمة فسألت رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن ذلك فقال تدع الصلاة قدر أقرائها أو قدر حيضها و قال انما هو عزف و أمرها ان تغتسل و تستثفر بثوب و تصلي، قال أبو عبد الله

____________

(1) ص 21.

(2) رواها في الوسائل بالتقطيع في الباب 3 و 5 و 7 و 8 من أبواب الحيض.

183

(عليه السلام): هذه سنة النبي (صلى الله عليه و آله) في التي تعرف أيام أقرائها لم تختلط عليها، ألا ترى انه لم يسألها كم يوم هي؟ و لم يقل إذا زادت على كذا يوما فأنت مستحاضة و انما سن لها أياما معلومة ما كانت من قليل أو كثير بعد ان تعرفها، و كذلك أفتى ابى (عليه السلام) و سئل عن المستحاضة فقال: انما ذلك عزف عامر أو ركضة من الشيطان فلتدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل و تتوضأ لكل صلاة. قيل و ان سال؟ قال:

و ان سال مثل المثعب، قال أبو عبد الله (عليه السلام): هذا تفسير حديث رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو موافق له، فهذه سنة التي تعرف أيام أقرائها لا وقت لها إلا أيامها قلت أو كثرت. و اما سنة التي قد كانت لها أيام متقدمة ثم اختلط عليها من طول الدم فزادت و نقصت حتى أغفلت عددها و موضعها من الشهر فان سنتها غير ذلك، و ذلك ان فاطمة بنت ابى حبيش أتت النبي (صلى الله عليه و آله) فقالت إني أستحاض فلا اطهر؟ فقال النبي: ليس ذلك بحيض انما هو عزف فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة و إذا أدبرت فاغسلي عنك الدم و صلي. و كانت تغتسل في كل صلاة و كانت تجلس في مركن لأختها و كانت صفرة الدم تعلو الماء، قال أبو عبد الله (عليه السلام): أما تسمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمر هذه بغير ما أمر به تلك، ألا تراه لم يقل لها دعي الصلاة أيام أقرائك و لكن قال لها إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة و إذا أدبرت فاغتسلي و صلي، فهذا يبين ان هذه امرأة قد اختلط عليها أيامها لم تعرف عددها و لا وقتها، ألا تسمعها تقول إني أستحاض فلا اطهر. و كان ابي (عليه السلام) يقول انها استحيضت بسبع سنين، ففي أقل من هذا تكون الريبة و الاختلاط فلهذا احتاجت الى ان تعرف إقبال الدم من إدباره و تغير لونه من السواد الى غيره و ذلك ان دم الحيض اسود يعرف، و لو كانت تعرف أيامها ما احتاجت إلى معرفة لون الدم لأن السنة في الحيض ان تكون الصفرة و الكدرة فما فوقها في أيام الحيض إذا عرفت حيضا كله ان كان الدم أسود أو غير ذلك، فهذا يبين لك ان قليل الدم و كثيره أيام الحيض حيض كله إذا كانت

184

الأيام معلومة، فإذا جهلت الأيام و عددها احتاجت الى النظر حينئذ إلى إقبال الدم و إدباره و تغير لونه ثم تدع الصلاة على قدر ذلك، و لا أرى النبي (صلى الله عليه و آله) قال اجلسي كذا و كذا يوما فما زادت فأنت مستحاضة كما لم يأمر الأولى بذلك و كذلك ابي (عليه السلام) أفتى في مثل هذا، و ذلك ان امرأة من أهلنا استحاضت فسألت ابي عن ذلك فقال: إذا رأيت الدم البحراني فدعي الصلاة و إذا رأيت الطهر و لو ساعة من نهار فاغتسلي و صلي. قال أبو عبد الله و ارى جواب ابي ههنا غير جوابه في المستحاضة الأولى، ألا ترى انه قال تدع الصلاة أيام أقرائها لأنه نظر الى عدد الأيام و قال ههنا إذا رأت الدم البحراني فلتدع الصلاة و أمرها ههنا ان تنظر الى الدم إذا اقبل و أدبر و تغير، و قوله البحراني شبه معنى قول النبي (صلى الله عليه و آله) ان دم الحيض اسود يعرف، و انما سماه ابى بحرانيا لكثرته و لونه، فهذه سنة النبي (صلى الله عليه و آله) في التي اختلط عليها أيامها حتى لا تعرفها و انما تعرفها بالدم ما كان من قليل الأيام و كثيرها. قال: و اما السنة الثالثة ففي التي ليس لها أيام متقدمة و لم تر الدم قط و رأت أول ما أدركت و استمر بها فإن سنة هذه غير سنة الاولى و الثانية، و ذلك ان امرأة يقال لها حمنة بنت جحش أتت رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالت اني استحضت حيضة شديدة فقال احتش كرسفا فقالت انه أشد من ذلك اني أثجه ثجا؟ فقال تلجمي و تحيضي في كل شهر في علم الله تعالى ستة أيام أو سبعة ثم اغتسلي غسلا و صومي ثلاثة و عشرين يوما أو أربعة و عشرين، و اغتسلي للفجر غسلا و اخرى الظهر و عجلي العصر و اغتسلي غسلا و اخرى المغرب و عجلي العشاء و اغتسلي غسلا. قال أبو عبد الله (عليه السلام) فأراه قد سن في هذه غير ما سن في الاولى و الثانية و ذلك لان أمرها مخالف لأمر تينك، ألا ترى ان أيامها لو كانت أقل من سبع و كانت خمسا أو أقل من ذلك ما قال لها تحيضي سبعا فيكون قد أمرها بترك الصلاة أياما و هي مستحاضة غير حائض، و كذلك لو كان حيضها أكثر من سبع و كانت أيامها عشرة أو أكثر لم يأمرها بالصلاة و هي حائض، ثم مما يزيد هذا بيانا قوله (صلى الله عليه و آله) لها: «تحيضي» و ليس يكون التحيض

185

إلا للمرأة التي تريد ان تكلف ما تعمل الحائض، إلا تراه لم يقل لها أياما معلومة تحيضي أيام حيضك، و مما يبين هذا قوله لها: «في علم الله تعالى» لانه قد كان لها و ان كانت الأشياء كلها في علم الله و هذا بين واضح ان هذه لم يكن لها أيام قبل ذلك قط، و هذه سنة التي استمر بها الدم أول ما تراه أقصى وقتها سبع و أقصى طهرها ثلاث و عشرون حتى تصير لها أيام معلومة فتنتقل إليها. فجميع حالات المستحاضة تدور على هذه السنن الثلاث لا تكاد ابدا تخلو من واحدة منهن، ان كانت لها أيام معلومة من قليل أو كثير فهي على أيامها و خلقها الذي جرت عليه ليس فيه عدد معلوم موقت غير أيامها، و ان اختلطت الأيام عليها و تقدمت و تأخرت و تغير عليها الدم ألوانا فسنتها إقبال الدم و إدباره و تغير حالاته و ان لم يكن لها أيام قبل ذلك و استحاضت أول ما رأت فوقتها سبع و طهرها ثلاث و عشرون فان استمر بها الدم أشهرا فعلت في كل شهر كما قال لها، فان انقطع الدم في أقل من سبع أو أكثر من سبع فإنها تغتسل ساعة ترى الطهر و تصلي فلا تزال كذلك حتى تنظر ما يكون في الشهر الثاني، فإن انقطع الدم لوقته من الشهر الأول سواء حتى توالى عليها حيضتان أو ثلاث فقد علم الآن ان ذلك قد صار لها وقتا و خلقا معروفا تعمل عليه و تدع ما سواه و تكون سنتها فيما يستقبل ان استحاضت قد صارت سنة الى ان تجلس أقراءها و انما جعل الوقت ان توالى عليها حيضتان أو ثلاث لقول رسول الله (صلى الله عليه و آله) للتي تعرف أيامها: «دعي الصلاة أيام أقرائك» فعلمنا انه لم يجعل القرء الواحد سنة لها فيقول دعي الصلاة أيام قرءك و لكن سن لها الأقراء و أدناه حيضتان فصاعدا، و ان اختلط عليها أيامها و زادت و نقصت حتى لا تقف منها على حد و لا من الدم على لون عملت بإقبال الدم و إدباره و ليس لها سنة غير هذا لقول رسول الله (صلى الله عليه و آله): «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة و إذا أدبرت فاغتسلي» و لقوله: «ان دم الحيض اسود يعرف» كقول أبي «إذا رأيت الدم البحراني» فان لم يكن الأمر كذلك و لكن الدم أطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارة و كان الدم على لون واحد

186

و حالة واحدة فسنتها السبع و الثلاث و العشرون لأن قصتها كقصة حمنة حين قالت:

إني أثجه ثجا».

أقول: و يستفاد من هذه الرواية أحكام عديدة يطول الكلام بنقلها الا ان (منها)- ان سنة المضطربة التحيض بما كان بصفة دم الحيض مطلقا و انه لا تقييد بما قيدوه به من الشروط الآتية، و هذا ايضا هو المفهوم من إطلاق موثقة إسحاق بن جرير و كذا إطلاق حسنة حفص بن البختري المتقدمتين في المسألة الاولى من المقصد الأول (1) فإن موردهما و كذا مورد هذا الخبر هو الدم المستمر، و قد أمر (عليه السلام) في كل من الاخبار الثلاثة بالتحيض بما كان بصفة دم الحيض قليلا كان أو كثيرا فيمكن ان يخص هذا الحكم بهذا الموضع، و يؤيد ذلك موثقة يونس بن يعقوب و موثقة أبي بصير المتقدمتان في المسألة الرابعة (2) و تحمل الأخبار الدالة على ان أقل الحيض ثلاثة و أكثره عشرة على غير هذا الموضع، و يشير الى ذلك ايضا انه في آخر هذه الرواية جعل العدول الى التحيض بالسبعة للمضطربة تفريعا على كون الدم على لون واحد و حالة واحدة يعني لم يحصل فيه اختلاف بالكلية، و مفهومه انه مع الاختلاف كيف كان تتحيض به، و الأصحاب قد حكموا عليها بالرجوع الى الروايات و ان اختلف الدم إذا فقدت الشرائط المعتبرة عندهم و هو خلاف ظاهر الخبر كما ترى. و (منها)- ان ظاهر الخبر انه مع عدم التمييز بان يكون دمها لونا واحدا فإنه يجب عليها التحيض بسبعة أيام لا غير، و الأصحاب قد أوجبوا عليها الرجوع الى الروايات التي هي موثقة سماعة و موثقتا ابن بكير الآتيات (3) بأي عدد كان من ايها، و مورد الروايات المذكورة انما هو المبتدأة كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى و ليس في شيء من الاخبار ما يدل على رجوع المضطربة إلى الأيام بعد فقد التمييز الا هذه الرواية الدالة على السبع كما عرفت. و (منها)- ان حكم المبتدأة الرجوع من أول الأمر إلى الأيام كما في موثقتي ابن بكير الآتيتين (4) ان شاء الله تعالى، الا ان موثقة

____________

(1) ص 151.

(2) ص 166.

(3) ص 188.

(4) ص 189.

187

سماعة دلت على رجوعها أولا إلى نسائها ثم مع تعذر ذلك الى الأيام و حينئذ يقيد بها إطلاق ما عداها، و الأصحاب قد ذكروا أولا رجوعها الى التمييز ثم مع فقده الى الروايات و الروايات الدالة على التمييز كما تحتمل تقييد روايات المبتدأة بها كذلك تحتمل العكس و قصر التمييز على المضطربة كما هو ظاهر هذا الخبر و رواية إسحاق بن جرير المشار إليها آنفا إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذا المقصد يستدعي بسطه في مطالب ثلاثة

[المطلب] (الأول)- في المبتدأة

بكسر الدال أو فتحها اسم فاعل أو اسم مفعول و هي التي ابتدأت الحيض أو ابتدأها الحيض، و فسرها المحقق في المعتبر بأنها التي رأت الدم أول مرة، و ربما قيل بأنها من لم تستقر لها عادة و الظاهر ضعفه، و الذي دلت عليه الاخبار انما هو الأول كما عرفت من رواية يونس المذكورة، و مثلها ما سيأتي ان شاء الله تعالى في المقام من موثقتي سماعة و ابن بكير.

و البحث في هذا المطلب يقع في مقامين

[المقام] (الأول) [مبدأ تحيض المبتدأة]

- هل تتحيض المبتدأة بمجرد رؤية الدم أو بعد مضي ثلاثة أيام تستظهر فيها بالعبادة؟ قولان: أولهما للشيخ و العلامة في المنتهى و المختلف و غيرهما، و ثانيهما للمرتضى و ابن الجنيد و ابي الصلاح و ابن إدريس و المحقق و العلامة في بعض كتبه، و في المدارك ان موضع الخلاف ما إذا كان الدم المرئي بصفة الحيض كما صرح به في المختلف و غيره. و فيه ان ما نقله عن العلامة و غيره ليس كذلك بل ظاهر كلام الجميع هو عموم مجل الخلاف لا تخصيصه بما ذكر، قال في المختلف «قال الشيخ: المبتدأة تترك الصلاة و الصوم إذا رأت الدم يوما أو يومين كذات العادة و قال المرتضى: لا تترك الصلاة و الصوم حتى يمضي لها ثلاثة أيام و هو اختيار ابي الصلاح و ابن إدريس، و الوجه عندي الأول و هو الذي اخترناه في كتاب منتهى المطلب، و اخترنا في التحرير الثاني» انتهى. و هو ظاهر- كما ترى- في العموم، و يؤكده ما يشير اليه كلام الشيخ حيث شبه المبتدأة هنا بذات العادة التي لا خلاف في تحيضها بمجرد رؤية الدم أعم من ان يكون بصفة دم الحيض أم لا، نعم ان العلامة قد استدل

188

على ما اختاره من التحيض برؤية الدم ببعض اخبار التمييز، و مجرد هذا الاستدلال لا يوجب تخصيص محل الخلاف و لهذا اعترضه في الذكرى بان الدليل أخص من المدعى. و قال في الروض: «و اعلم انه مع رؤية المعتادة الدم قبل العادة كما هو المفروض هنا هل تترك العبادة بمجرد رؤيته أم يجب الصبر الى مضى ثلاثة أو الى وصول العادة؟ يبنى على إيجاب الاحتياط بالثلاثة على المبتدأة و المضطربة و عدمه، فان لم نوجبه عليهما كما هو اختيار المصنف في المختلف لم يجب عليها بطريق اولى، و ان أوجبناه كما اختاره المرتضى و ابن الجنيد و المحقق في المعتبر احتمل إلحاقها بهما. الى آخره» و لا أراك في شك من ظهور العبارة المذكورة في العموم غاية الظهور، و نحو ذلك كلام المعتبر و الذكرى الا ان المحقق رجح مذهب السيد و الشهيد رجح مذهب الشيخ، و اما في الدروس و البيان فرجح مذهب المرتضى على تفصيل في الثاني منهما، فقال فيه: «و في المبتدأة قولان أقواهما قول المرتضى بمضي ثلاثة أيام بالنسبة إلى الأفعال و اما التروك فالأحوط تعلقها برؤية الدم المحتمل» انتهى.

و الظاهر انه أشار بالمحتمل الى ما كان بصفة الحيض و حينئذ يصير هذا قولا ثالثا في المسألة، و إذا أضيف الى ذلك ما اختاره في المدارك من التحيض بما إذا كان بصفة دم الحيض صار قولا رابعا أيضا.

أقول: و الظاهر عندي من هذه الأقوال هو مذهب الشيخ، و عليه تدل من الاخبار

موثقة سماعة (1) قال: «سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض تقعد في الشهر يومين و في الشهر ثلاثة أيام يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدة أيام سواء؟ قال فلها ان تجلس و تدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة فإذا اتفق شهران عدة أيام سواء فتلك أيامها».

و لا يخفى ظهور دلالتها في المراد على وجه لا يتطرق إليه الإيراد.

و موثقة ابن بكير عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «المرأة إذا رأت الدم

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الحيض.

189

في أول حيضها فاستمر الدم تركت الصلاة عشرة أيام. الحديث».

و موثقته الأخرى (1) قال: «في الجارية أول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة إنها تنتظر بالصلاة فلا تصلي حتى يمضي أكثر ما يكون من الحيض، فإذا مضى ذلك و هو عشرة أيام فعلت ما تفعل المستحاضة.».

و المناقشة في ذلك- بأنه لا يصدق أول حيضها كما في الاولى و أول ما تحيض كما في الثانية إلا بعد ثلاثة أيام، إذ بذلك يعلم كونه حيضا كما ذكره في الذخيرة- مردودة بأن باب المجاز واسع و إطلاق الحيض على أول الدم انما هو باعتبار ما يؤول اليه، و الرواية الثانية ظاهرة فيما ذكرناه تمام الظهور، فان قوله فيها:

«انها تنتظر بالصلاة فلا تصلي حتى يمضي أكثر ما يكون من الحيض فإذا مضى ذلك و هو عشرة أيام فعلت ما تفعل المستحاضة»

ظاهر في كون مبدإ العشرة التي تركت الصلاة فيها هو أول الدم كما لا يخفى.

و يؤيد هذه الاخبار ايضا إطلاق جملة من الروايات

كصحيحة منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «اي ساعة رأت الدم فهي تفطر الصائمة.».

و موثقة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (3) و قد سأله عن المرأة التي ترى الدم غدوة أو ارتفاع النهار أو عند الزوال قال: «تفطر.».

و موثقة ثانية له ايضا عن الباقر (عليه السلام) (4) «في المرأة تطهر في أول النهار في رمضان، الى ان قال و في المرأة ترى الدم من أول النهار في شهر رمضان أ تفطر أم تصوم؟ قال تفطر انما فطرها من الدم».

و رواية أبي الورد (5) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرأة التي تكون في صلاة الظهر و قد صلت ركعتين ثم ترى الدم؟ قال تقوم من مسجدها و لا

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 50 من أبواب الحيض.

(3) المروية في الوسائل في الباب 50 من أبواب الحيض.

(4) المروية في الوسائل في الباب 50 من أبواب الحيض.

(5) المروية في الوسائل في الباب 48 من أبواب الحيض.

190

تقضي الركعتين. الحديث».

و نحو ذلك موثقة عمار (1) و موثقة الفضل بن يونس (2) و في المعتبر قد نقل بعض هذه الاخبار حجة للشيخ ثم أجاب عنها بان الحكم بالإفطار عند رؤية الدم غير مراد فينصرف الى المعهود و هو دم الحيض و لا يحكم بكونه حيضا إلا إذا كان في العادة فيحمل على ذلك. و فيه ان دعوى المعهودية ممنوعة و الاخبار بعمومها أو إطلاقها شاملة لموضع النزاع، و لو فرض خروج بعض الأفراد فإنها تبقى حجة في الباقي، على انه يمكن ان يقال ان كون الدم حيضا اما ان يكتفى فيه بصلاحيته لان يكون حيضا أو يعتبر فيه وجود ما يعلم به كونه حيضا، و على الثاني يلزم ان ما تراه ذات العادة من أول الدم لا يتحقق كونه حيضا لجواز ان ينقطع قبل الثلاثة، مع انه قائل بوجوب تحيضها به و ليس الا للصلاحية المذكورة و هي مشتركة بين ذات العادة و ما نحن فيه.

هذا. و ما ذكره الأصحاب من الاحتياط بالثلاثة في أول الحيض لم أقف له على دليل من الأخبار في شيء من أقسام الحائض بالكلية معتادة كانت أم مبتدأة أم مضطربة و انما الموجود الاستظهار في آخر الدم كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى، و غاية ما استدل به في المعتبر على هذا القول الذي اختاره ان مقتضى الدليل لزوم العبادة حتى يتيقن المسقط و لا يتيقن قبل استمراره ثلاثة. و فيه ان المسقط الأخبار التي قدمناها لدلالتها على التحيض بمجرد رؤية الدم خصوصا و عموما، ثم مع قطع النظر عن الاخبار المذكورة فدعوى التيقن ممنوعة بل يكفي الظهور و الظن و الا لم يتم الحكم بوجوب التحيض بمجرد الرؤية لذات العادة لجواز انقطاعه قبل بلوغ الثلاثة كما ذكرنا، بل لا يتم الحكم بكون الثلاثة بعد كمالها حيضا يقينا لجواز ان يكون الحيض انما هو ما بعدها، ثم قال موردا على نفسه و مجيبا: «و لو قيل لو لزم ما ذكرته قبل الثلاثة لزم بعدها لجواز ان ترى ما هو أسود

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 50 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 48 و 49 من أبواب الحيض.

191

و يتجاوز فيكون هو حيضها لا الثلاثة. قلنا الفرق ان اليوم و اليومين ليس حيضا حتى يستكمل ثلاثة و الأصل عدم التتمة حتى يتحقق، و اما إذا استمر ثلاثا فقد كمل ما يصلح ان يكون حيضا و لا يبطل هذا الا مع التجاوز و الأصل عدمه ما لم يتحقق» انتهى.

و اعترضه في المدارك بأن أصالة العدم لا تكفي في حصول اليقين الذي قد اعتبره سابقا.

أقول: و توضيح جوابه في بيان الفرق المذكور ان الدم في اليوم و اليومين و ان صلح لان يكون حيضا الا ان الأصل عدم بلوغ الثلاثة لجواز انقطاعه قبلها فلا يكون حيضا حتى تتم الثلاثة و يتحقق الحيض، و اما إذا كملت الثلاثة فقد كمل ما يصلح ان يكون حيضا و لا يبطل هذا الحكم الا مع تجاوزه عنه الى الدم الذي بعد الثلاثة و الأصل عدمه. و وجه ما أورده عليه في المدارك انه قد حكم سابقا بوجوب العبادة حتى يتيقن المسقط و ما التجأ إليه هنا من ان الأصل عدم سقوط هذا الحكم عن الثلاثة لا يوجب التيقن بوجود المسقط، لأن أصالة العدم لا تفيد يقين العدم فيبقى وجوب التكليف بالعبادة في الثلاثة ثابتا حتى يتحقق المسقط، إذ غاية ما يفيده الأصل المذكور رجحان العدم و ظنه لا يقينه. و بالجملة فباب المناقشات في التعليلات العقلية واسع و من ثم ذكرنا في غير موضع انها لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية.

(المقام الثاني) [وجوب الاستبراء إذا انقطع الدم لدون العشرة]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في أن المبتدأة إذا انقطع دمها لدون العشرة و كذا المعتادة إذا انقطع دمها على العادة فعليها الاستبراء بالقطنة فإن خرجت نقية اغتسلت و ان خرجت ملطخة صبرت حتى تنقى أو تمضي لها عشرة أيام.

اما الحكم الأول و هو وجوب الاستبراء فيدل عليه جملة من الاخبار:

منها-

صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «إذا أرادت الحائض ان تغتسل فلتستدخل قطنة فان خرج فيها شيء من الدم فلا تغتسل و ان لم تر شيئا فلتغتسل و ان رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضأ و لتصل».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 17 من أبواب الحيض.

192

و رواية يونس عمن حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سئل عن امرأة انقطع عنها الدم فلا تدري أ طهرت أم لا؟ قال تقوم قائما و تلزق بطنها بحائط و تستدخل قطنة بيضاء و ترفع رجلها اليمنى فان خرج على القطنة مثل رأس الذباب دم عبيط لم تطهر و ان لم يخرج فقد طهرت تغتسل و تصلي».

و موثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له المرأة ترى الطهر و ترى الصفرة أو الشيء فلا تدري طهرت أم لا؟ قال: فإذا كان كذلك فلتقم فلتلصق بطنها إلى حائط و ترفع رجلها على حائط كما رأيت الكلب يصنع إذا أراد ان يبول ثم تستدخل الكرسف فإذا كان ثمة من الدم مثل رأس الذباب خرج، فان خرج دم فلم تطهر و ان لم يخرج فقد طهرت».

و رواية شرحبيل الكندي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت له كيف تعرف الطامث طهرها؟ قال تعمد برجلها اليسرى على الحائط و تستدخل الكرسف بيدها اليمنى فان كان ثم مثل رأس الذباب خرج على الكرسف».

و في الفقه الرضوي (4) «و إذا رأت الصفرة أو شيئا من الدم فعليها ان تلصق بطنها بالحائط و ترفع رجلها اليسرى كما ترى الكلب إذا بال و تدخل قطنة فان خرج فيها دم فهي حائض و ان لم يخرج فليست بحائض».

و هذه العبارة مع ما بعدها نقلها الصدوق في الفقيه من رسالة أبيه اليه.

و هل يكفي وضع القطنة كيف اتفق عملا بإطلاق صحيحة محمد بن مسلم و حملا للروايات المذكورة بعدها على الاستحباب، أو يجب الرفع على الكيفية التي تضمنتها هذه الاخبار و يحمل إطلاق صحيحة محمد بن مسلم عليها؟ وجهان اختار أولهما في المدارك و الذخيرة، و الظاهر الثاني كما يدل عليه لفظة «عليها» في عبارة الفقه الرضوي، و الظاهر فتوى الصدوقين بذلك، و يؤيده أنه الأحوط. بقي ان رواية يونس دلت على الأمر

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 17 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 17 من أبواب الحيض.

(3) المروية في الوسائل في الباب 17 من أبواب الحيض.

(4) ص 22.

193

برفع الرجل اليمنى و رواية شرحبيل و كذا عبارة صاحب الفقه على الرجل اليسرى و الظاهر حصوله بأيهما اتفق.

و اما ما يدل على الثاني و هو الصبر حتى تنقى أو تمضي عشرة أيام زيادة على الإجماع المدعى في المقام

فقوله (عليه السلام) في موثقة سماعة المتقدمة (1): «فلها ان تجلس و تدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة.».

و نحوها في الدلالة على الانتهاء إلى العشرة- موثقتا ابن بكير (2).

و لو استمر دمها بعد العشرة فقد امتزج حيضها بطهرها، و المذكور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) انها ترجع الى التمييز و اعتبار الدم فما شابه الحيض تجعله حيضا و ما شابه دم الاستحاضة تجعله طهرا بشرط ان يكون دم الحيض لا ينقص عن ثلاثة أيام و لا يزيد على عشرة، فان لم يحصل لها شرائط التمييز رجعت الى عادة نسائها إن اتفقن. و قيل أو عادة ذوي أسنانها من بلدها، فان اختلفن رجعت الى الروايات الآتية و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع

[الموضع] (الأول) [رجوع المبتدأة إلى التمييز]

- في حكمهم (رضوان الله عليهم) مع الاستمرار بأنها ترجع الى التمييز بالشروط المتقدمة. و هذا مجمع عليه بينهم كما يظهر من المعتبر و المنتهى حيث أسنداه إلى علمائنا مؤذنين بدعوى الإجماع عليه، و استدلوا عليه بالروايات المشتملة على أوصاف الحيض و قد تقدمت في المسألة الاولى من المقصد الأول (3) و اشترطوا في العمل بالتمييز أمورا: (أحدها)- ان لا يقصر ما شابه دم الحيض عن أقله و لا يتجاوز أكثره. و (ثانيها)- توالي الثلاثة بناء على المشهور من اشتراط التوالي فيها كما تقدم. و (ثالثها)- بلوغ الضعيف مع أيام النقاء أقل الطهر، و قيل هنا بالعدم للعموم، قال في المدارك: «و ضعفه ظاهر» ثم ان المشابهة تحصل باللون فالأسود قوي الأحمر و هو قوي الأشقر و هو قوي الأصفر، و القوام فالثخين قوى الرقيق، و الرائحة فالنتن قوي بالنسبة إلى غيره، و متى اجتمع في دم خصلة و في آخر اثنتان فهو

____________

(1) ص 188.

(2) ص 188 و 189.

(3) ص 151.

194

أقوى، و لو استوى العدد كما لو كان في أحدهما الثخانة و في الأخر الرائحة فلا تمييز، هذا ملخص كلامهم هنا.

و عندي فيه اشكال من وجوه: (الأول)- ان الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمبتدأة و بيان ما يجب عليها مع استمرار الدم لم يشتمل شيء منه على ما يدل على الأخذ بصفات الدم و التمييز فيه بالكلية فضلا عن اعتبار الشروط المتفرعة عليه، و انما دلت على الأخذ بالأيام، و منها رواية يونس المتقدمة (1) فإنها قد دلت على ذلك على أبلغ وجه حيث صرح فيها بذلك مع ما في صدرها من «انه سن في الحيض ثلاث سنن بين فيها كل مشكل لمن سمعها و فهمها حتى لم يدع لأحد مقالا فيه بالرأي» و جعل التمييز سنة المضطربة خاصة و سنة المبتدأة انما هو الرجوع الى الأيام و كرر ذلك في الرواية، و مثلها- و ان لم يكن بهذا التأكيد-

موثقة ابن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها فاستمر تركت الصلاة عشرة أيام ثم تصلي عشرين يوما فان استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيام وصلت سبعة و عشرين يوما».

قال الحسن: و قال ابن بكير: و هذا مما لا يجدون منه بدا.

و ما رواه الشيخ في الموثق عن ابن بكير ايضا (3) قال:

«في الجارية أول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة إنها تنتظر بالصلاة فلا تصلي حتى يمضي أكثر ما يكون من الحيض، فإذا مضى ذلك و هو عشرة أيام فعلت ما تفعله المستحاضة ثم صلت فمكثت تصلي بقية شهرها، ثم تترك الصلاة في المرة الثانية أقل ما تترك امرأة الصلاة و تجلس أقل ما يكون من الطمث و هو ثلاثة أيام، فإن دام عليها الحيض صلت في وقت الصلاة التي صلت و جعلت وقت طهرها أكثر ما يكون من الطهر و تركها الصلاة أقل ما يكون من الحيض».

و موثقة سماعة (4) قال: «سألته عن جارية حاضت أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر و هي لا تعرف أيام أقرائها؟ قال أقراؤها مثل أقراء نسائها فإن كانت نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيام و أقله ثلاثة أيام».

و هي- كما ترى- ظاهرة فيما قلناه، فلو كان الرجوع

____________

(1) ص 182.

(2) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الحيض.

(3) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الحيض.

(4) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الحيض.

195

الى التمييز فيها واجبا كما ذكروه لذكر و لو في بعضها لان المقام فيها مقام البيان، و بالجملة فإني لا اعرف لهم مستندا في الحكم المذكور سوى ما يدعونه من الإجماع، و كأنهم خصصوا هذه الاخبار بروايات التمييز لأنها أظهر في الحكم بالتحيض متى حصلت شرائط التمييز، الا ان فيه (أولا)- ما قدمنا ذكره ذيل رواية يونس من انه يمكن العكس و هو تخصيص روايات التمييز بهذه الاخبار. و (ثانيا)- ان هذا التخصيص في رواية يونس بعيد، حيث جعل التمييز فيها سنة المضطربة خاصة و انها بعد اختلال شرائط التمييز ترجع إلى الأيام، فلو كانت المبتدأة كذلك لشركها معها في الحكم المذكور.

(الثاني)- ان ما اشترطوه هنا من انه لا يقصر ما شابه دم الحيض عن أقله و هو الثلاثة و لا يتجاوز أكثره لا تساعده الروايات الواردة في هذه المسألة، فإنها مطلقة في التحيض بما شابه دم الحيض قليلا كان أو كثيرا كما أشرنا إليه آنفا ذيل رواية يونس.

(الثالث)- ان ما اشترطوه من بلوغ الضعيف مع أيام النقاء أقل الطهر لا دليل عليه هنا بل ظاهر الاخبار يرده، و منها-

موثقة أبي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الدم خمسة أيام و الطهر خمسة أيام و ترى الدم أربعة أيام و ترى الطهر ستة أيام؟ فقال: ان رأت الدم لم تصل و ان رأت الطهر صلت ما بينها و بين ثلاثين يوما، فإذا تمت ثلاثون يوما فرأت دما صبيبا اغتسلت و استثفرت و احتشت بالكرسف في وقت كل صلاة فإذا رأت صفرة توضأت».

و موثقة يونس بن يعقوب (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة؟

قال تدع الصلاة. قلت فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال تصلي. قلت: فإنها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال تدع الصلاة. قلت فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال تصلي قلت فإنها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال تدع الصلاة تصنع ما بينها و بين شهر فان انقطع عنها الدم و الا فهي بمنزلة المستحاضة».

و حملها في الاستبصار على مضطربة اختلط حيضها

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب الحيض.

196

أو مستحاضة استمر بها الدم و اشتبهت عادتها قال: «ففرضها ان تجعل ما يشبه دم الحيض حيضا و الآخر طهرا صفرة كانت أو نقاء ليتبين حالها» و فيه- كما ترى- دلالة ظاهرة على انه لا يشترط في مقام استمرار الدم كون الدم الضعيف أقل الطهر و هو العشرة، و نحوه ما ذكره في المبسوط حيث صرح بأنه إن اختلط عليها أيامها فلا تستقر على وجه واحد تركت العبادة كلما رأت الدم و صلت كلما رأت الطهر الى ان تستقر عادتها، و هو جار على ظاهر الخبرين المذكورين، و بنحو ذلك صرح في الفقيه ايضا فقال: «و إذا رأت الدم خمسة أيام و الطهر خمسة أيام أو رأت الدم أربعة أيام و الطهر ستة أيام فإذا رأت الدم لم تصل و إذا رأت الطهر صلت، تفعل ذلك ما بينها و بين ثلاثين يوما. الى آخره» و كذا الشيخ في النهاية، و بالجملة فظاهر أكثر من تعرض لهذه المسألة هو القول بمضمون الخبرين و ان اختلفوا في تنزيلهما على المبتدأة أو ذات العادة التي اضطربت عادتها، و قال المحقق بعد نقل تأويل كلام الشيخ: «و هذا تأويل لا بأس به، و لا يقال: الطهر لا يكون أقل من عشرة، لأنا نقول: هذا حق لكن ليس هذا طهرا على اليقين و لا حيضا بل دم مشتبه تعمل فيه بالاحتياط» و فيه ما قدمنا ذكره في مسألة اشتراط توالي الأيام الثلاثة التي هي أقل الحيض و عدمه من ان اشتراط كون أقل الطهر عشرة على إطلاقه ممنوع، و مما ذكرنا يعلم ان اشتراط هذا الشرط هنا لا وجه له و ان الأظهر هو القول الآخر للعموم كما عرفت. و ظاهر الذكرى يميل الى ذلك حيث قال بعد نقل خبر يونس المذكور و تأويل الشيخ له بما ذكرناه: «و هو تصريح بعدم اشتراط كون الضعيف أقل الطهر» و اما في البيان و الدروس فلم يذكر هذا الشرط في شروط التمييز بالكلية و هو مؤذن بعدم اشتراطه، و الى ما ذكرنا ايضا يميل كلام الذخيرة، و هو الأظهر كما عرفت.

(الرابع)- انهم ذكروا تفريعا على الخلاف في اشتراط هذا الشرط انها لو رأت خمسة أسود ثم أربعة اصفر ثم عاد الأسود عشرة فعلى الأول لا تمييز لها و على الثاني حيضها خمسة، كذا صرح في المدارك و مثله الشهيد في الذكرى تفريعا على الخلاف

197

المذكور، حيث قال: «فلو رأت خمسة أسود ثم تسعة اصفر و عاد الأسود ثلاثة فصاعدا فعلى الأول لا تمييز لها و هو ظاهر المعتبر و على الثاني حيضها خمسة» ثم نقل عن ظاهر المبسوط تخصيص الحيض بالدم العائد بعد الدم الأصفر ان لم يتجاوز العشرة قال:

«لأن الصفرة لما خرجت عن الحيض خرج ما قبلها» انتهى. أقول: و عبارة المبسوط على ما في الذخيرة هكذا: «فإن رأت ثلاثة أيام مثلا دم الحيض ثم رأت ثلاثة أيام دم الاستحاضة ثم رأت إلى تمام العشرة دم الحيض، الى ان قال: و ان جاوز العشرة الأيام ما هو بصفة الحيض فبلغ ستة عشر يوما كانت العشرة الأيام كلها حيضا و قضت الصوم و الصلاة في الستة الأولى» انتهى. أقول: ان كلامهم في هذا المقام لا يخلو عندي من الإشكال، فإن تخصيص الحيض بالدم المتقدم كما هو ظاهر عبارتي المدارك و الذكرى أو المتأخر كما هو ظاهر عبارة المبسوط لا اعرف له وجها، إذ لا يخفى ان قضية الرجوع الى التمييز مع إلغاء هذا الشرط كما هو المفروض هو التحيض بالدم المتقدم و المتأخر في الأمثلة المذكورة في كلامهم، لأنهم قرروا في التمييز مع اختلاط الدم هو انه متى رأت المرأة الدم بصفة الحيض و لم ينقص عن ثلاثة أيام و لم يزد على العشرة فإنها تتحيض به و الدم الأخر المخالف له تتعبد فيه و ان كان أقل من عشرة بناء على إلغاء هذا الشرط، و مما يعضد ذلك موثقتا ابى بصير و يونس بن يعقوب المتقدمتان، و بذلك اعترف أيضا في الذكرى حيث قال بعد نقل خبر يونس و عبارة المبسوط على أثره: «و هو مطابق لظاهر الخبر» و مراده المطابقة له في عدم اعتبار مضي الأقل بين الدمين اللذين هما بصفة دم الحيض، و كل هذا ظاهر في التحيض بما كان بصفة دم الحيض متقدما و متأخرا كما ذكرناه و التعبد فيما خالف ذلك الدم في صفاته.

(الموضع الثاني) [رجوع المبتدأة إلى نسائها]

- في الحكم بالرجوع إلى نسائها ثم ذوي أقرانها، و المراد بنسائها على ما صرحوا به هم الأقارب من الأبوين أو أحدهما، قيل و لا تعتبر العصبة هنا لأن المعتبر الطبيعة و هي جارية من الطرفين، صرح بذلك جملة من الأصحاب،

198

و اعترضهم بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين قال: «أقول: في إخراج العصبة نظر لصدق إطلاق نسائها عليها عرفا» أقول: الظاهر ان مرادهم من هذه العبارة انما هو نفي تخصيص العصبة كما صرح به في الذكرى فقال: «و لا اختصاص للعصبة هنا لان المعتبر الطبيعة و هي جارية من الطرفين» لا إخراج العصبة بالكلية كما توهمه، و قد صرحوا بان المراد الأقارب من الأبوين أو أحدهما.

و الحكم بالرجوع إلى نسائها بعد فقد التمييز مما لا خلاف فيه عندهم، و عزاه في المعتبر إلى الخمسة و اتباعهم، و احتج عليه بان الحيض يعمل فيه بالعادة و بالأمارة كما يرجع الى صفات الدم و مع اتفاقهن يغلب أنها كإحداهن إذ من النادر ان تشذ واحدة عن جميع الأهل، قال: و يؤكد ذلك

ما رواه محمد بن يعقوب عن احمد بن محمد رفعه عن زرعة عن سماعة (1) قال: «سألته عن جارية حاضت أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر و هي لا تعرف أيام أقرائها؟ قال أقراؤها مثل أقراء نسائها، فإن كان نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيام و أقله ثلاثة».

و عن زرارة و محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «يجب للمستحاضة أن تنظر بعض نسائها فتقتدي بأقرائها ثم تستظهر على ذلك بيوم».

ثم قال: «و اعلم ان الروايتين ضعيفتان، أما الأولى فمقطوعة السند و المسؤول فيها مجهول، و الثانية في طريقها علي بن فضال و هو فطحي و مع ذلك تتضمن الرجوع الى بعض نسائها و هو خلاف الفتوى، و لان الاقتراح في الرجوع الى واحدة من النساء مع إمكان مخالفة الباقيات معارض للرواية الأولى، لكن الوجه في ذلك اتفاق الأعيان من فضلائنا على الفتوى بذلك، و قوة الظن بأنها كإحداهن مع اتفاقهن كلهن على تردد عندي» و تبعه في المدارك على الطعن بضعف السند في الخبرين المذكورين فقال:

«ان في الروايتين قصورا من حيث السند، أما الأولى فبالإرسال و الإضمار و اشتمال سندها على عدة من الواقفية، و اما الثانية فلان في طريقها علي بن الحسن بن فضال و هو

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الحيض.

199

فطحي، و أيضا فإنها تتضمن الرجوع الى بعض نسائها و هو خلاف الفتوى، لكن الشيخ في الخلاف نقل على صحة الرواية إجماع الفرقة فإن تم فهو الحجة و الا أمكن التوقف في هذا الحكم لضعف مستنده» انتهى.

أقول: اما ما ذكره في المعتبر من التعليل العقلي فهو تعليل عليل لا يهدي الى سبيل فلا اعتماد عليه و لا تعويل، و الحجة في الحقيقة هي الروايتان المذكورتان، و اما طعنه في سند الخبرين المذكورين فهو مناف لما صرح به في صدر كتابه حيث قال: «أفرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا الى كل خبر و ما فطنوا الى ما تحته من التناقض، فان من جملة الأخبار

قول النبي (صلى الله عليه و آله): «ستكثر بعدي القالة علي».

و قول الصادق (عليه السلام): «ان لكل رجل منا رجلا يكذب عليه».

و اقتصر بعض عن هذا الإفراط فقال كل سليم السند يعمل به، و ما علم ان الكاذب قد يصدق، و ما تنبه ان ذلك طعن في علماء الشيعة و قدح في المذهب، إذ لا مصنف الا و هو يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر العدل، و أفرط آخرون في طرف رد الخبر حتى أحال استعماله عقلا و نقلا، و اقتصر آخرون فلم يروا العقل مانعا لكن الشرع لم يأذن به، و كل هذه الأقوال منحرفة عن السنن و التوسط أصوب، فما قبله الأصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به، و ما أعرض الأصحاب عنه أو شذ وجب إطراحه» ثم استدل على ذلك بأدلة تركنا التعرض لها اختصارا، و المناقضة بين الكلامين ظاهرة. و اما ما ذكره في المدارك فهو من المناقشات الواهية (أما أولا)- فلما ذكرنا في غير موضع ان الطعن بضعف سند الاخبار لا يصلح حجة على المتقدمين الذين لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم بل الأخبار عندهم كلها صحيحة، و الصحة و البطلان انما هو باعتبار متون الاخبار و ما اشتملت عليه لا باعتبار الأسانيد، و قد اعترف بذلك جملة من أرباب هذا الاصطلاح:

منهم- صاحب المنتقى فيه و البهائي في مشرق الشمسين و غيرهما، حيث ذكروا ان الاخبار كلها صحيحة عند المتقدمين لوفور القرائن الدالة على صحتها و قرب العهد، و ان المتأخرين

200

إنما عدلوا عنه الى هذا الاصطلاح المحدث لما بعدت المدة و خفيت القرائن كما تقدم ذكره منقحا في مقدمات الكتاب. و (اما ثانيا)- فلتصريحه في غير موضع في شرحه بان الإضمار في الاخبار غير مضر، فكيف يطعن هنا في موثقة سماعة بذلك و هو قد قبلها و نحوها في غير موضع من الأحكام؟ و (اما ثالثا)- فلأن الحكم متفق عليه كما ذكره هو نفسه في صدر البحث. فقال: «و هذا اعنى رجوع المبتدأة مع فقد التمييز إلى عادة نسائها هو المعروف من مذهب الأصحاب» و هو قد وافق الأصحاب في أمثال ذلك مع ضعف دليلهم بزعمه في غير موضع من شرحه، و قد أوضحنا جملة من ذلك في شرحنا على الكتاب.

نعم يبقى الإشكال في الجمع بين الخبرين المذكورين حيث ان ظاهر موثقة سماعة اشتراط اتفاق نسائها في الرجوع إليهن فلو اختلفن فلا رجوع، و به صرح العلامة في النهاية فقال: «حتى لو كن عشرا فاتفق فيهن تسع رجعت الى الأقران» و ظاهر موثقة زرارة و محمد بن مسلم الاكتفاء بالبعض الا انه لا قائل به من الأصحاب. و يمكن حملها على تعذر الرجوع الى جميع نسائها لتفرقهن في البلد فيكتفى بالرجوع الى البعض الا اني لم أعلم قائلا به، و كيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال، قال في المدارك:

«و رجح الشهيد اعتبار الأغلب مع الاختلاف و هو ضعيف جدا، لأنه ان استند في الحكم إلى مقطوعة سماعة وجب القطع بالانتقال عن نسائها لمجرد الاختلاف كما هو منطوق الرواية، و ان استند إلى رواية زرارة و محمد بن مسلم وجب القول برجوعها الى بعض نسائها مطلقا و لا قائل به» انتهى.

ثم ان ظاهر موثقة زرارة و محمد بن مسلم (1) الاستظهار بيوم بعد الاقتداء بأقرائها، و بذلك صرح في الذكرى و أوجب على المبتدأة الاستظهار بيوم بعد الرجوع الى نسائها

____________

(1) ص 198.

201

للرواية المذكورة، و أنت خبير بان بحث الأصحاب عن هذه الرواية في حكم المبتدأة- في جميع ما ذكرناه و نقلناه عنهم مع انها لم تشتمل على ذكر المبتدأة و انما المذكور فيها المستحاضة بقول مطلق- لا يخلو من اشكال، و كلهم فهموا ذلك من الأمر بالرجوع الى بعض نسائها حيث انه لم يقع الأمر بالرجوع الى النساء إلا في المبتدأة.

بقي الكلام فيما ذكروه من الرجوع الى الأقران فإني لم أقف فيه على خبر يدل عليه، و هذا الحكم ذكره الشيخ و تبعه عليه جملة من الأصحاب، و رده في المعتبر فقال بعد نقله عنه: «و نحن نطالب بدليله فإنه لم يثبت. و لو قيل كما يغلب في الظن انها كنسائها مع اتفاقهن يغلب في الأقران، منعنا ذلك فان ذوات القرابة بينها مشابهة في الطباع و الجنسية و الأصل فقوى الظن مع اتفاقهن بمساواتها لهن، و لا كذا الأقران إذ لا مناسبة تقتضيه لأنا قد نرى النسب يعطي شبها و لا نرى المقارنة لها أثر فيه» انتهى. و أجاب عنه في الذكرى فقال بعد نقل ذلك عنه: «و لك ان تقول لفظ «نسائها» دال عليه فان الإضافة تصدق بأدنى ملابسة و ما لابستها في السن و البلد صدق عليهن النساء، و اما المشاكلة فمع السن و اتحاد البلد تحصل غالبا، و حينئذ ليس في كلام الأصحاب منع منه و ان لم يكن تصريح به، نعم الظاهر اعتبار اتحاد البلد في الجميع لان للبلد أثرا ظاهرا في تخالف الأمزجة» و أورد عليه ان الملابسة المذكورة لو كانت كافية في صحة المراجعة لم يستقم اشتراط اتحاد البلد و السن بل يلزم صحة الاكتفاء بأحدهما لصدق الملابسة معه، بل لا تنحصر الملابسة في أحدهما لتكثر وجوه الملابسات و ذلك يؤدي الى ما هو منفي بالإجماع، و توقف تمامية المشاكلة و مقارنة الطبيعة على اجتماع الأمرين لا يصلح مخصصا لعموم النص.

أقول: و التحقيق هو ما أشرنا إليه في غير موضع من ان بناء الأحكام الشرعية على هذه التخريجات العقلية و التقريبات الظنية لا يخلو من مجازفة في الأحكام الشرعية، و النص المذكور ظاهر في الأقارب خاصة إذ هو المتبادر من حاق هذا اللفظ، و التعدي عنه يحتاج الى دليل واضح و الا لدخل في القول على الله عز و جل بغير علم كما لا يخفى على المنصف

202

و حينئذ فالظاهر اطراح هذا القول من البين. و الله العالم.

(الموضع الثالث) [رجوع المبتدأة إلى الروايات]

- في الرجوع الى الروايات بعد تعذر الرجوع الى المراتب المتقدمة، و قد اختلف كلام الأصحاب في ذلك على أقوال عديدة: منها- انها تتخير بين التحيض في الشهر الأول ثلاثة أيام و في الشهر الثاني عشرة و بين التحيض في كل شهر سبعة، و هذا قول الشيخ في الجمل و موضع من المبسوط. و منها- انها تجعل عشرة أيام حيضا و عشرة أيام طهرا و عشرة أيام حيضا و هكذا، و هو قول الشيخ في موضع من المبسوط. و منها- التخيير بين التحيض في كل شهر بسبعة أيام و بين التحيض في الشهر الأول عشرة و في الشهر الثاني ثلاثة، و هو ظاهره في النهاية، هكذا نقله عنه في الذخيرة، و الذي في النهاية انها تترك الصلاة و الصوم في كل شهر سبعة أيام و تصلي و تصوم ما بقي ثم لا تزال هذا دأبها الى ان تعلم حالها و تستقر على حال، و قد روى انها تترك الصلاة و الصوم في الشهر الأول عشرة أيام و تصلي عشرين يوما و هي أكثر أيام الحيض، و في الشهر الثاني ثلاثة أيام و تصلي سبعة و عشرين يوما و هي أقل الحيض، و هو ظاهر في ان مذهبه فيه انما هو التحيض بالسبعة دائما و اما العشرة و الثلاثة فإنما نسبها إلى الرواية، فما ذكره من نسبة التخيير بين الأمرين المذكورين اليه ليس في محله كما لا يخفى و منها- التخيير بين الثلاثة من الأول و العشرة من الثاني و بين الستة و بين السبعة، و هو قوله في الخلاف، كذا نقله عنه في الذخيرة أيضا، و الذي نقله عنه في المختلف انما هو التحيض بالثلاثة من الأول و العشرة من الثاني، ثم قال: و قد روى انها تترك الصلاة في كل شهر ستة أيام أو سبعة، و نسبته إلى الرواية بعد إفتائه بالأول يؤذن بأن مذهبه هو الأول و انما حكى هذا رواية، فنسبة القول له بالتخيير كما ذكره (قدس سره) ليس في محله، و حينئذ فمذهبه هنا يرجع الى ما نقل عن ابن البراج. و منها- التخيير بين الثلاثة من شهر و عشرة من آخر و بين الستة و بين السبعة، و هو مختار العلامة و جمع من الأصحاب.

و منها- التحيض في الشهر الأول بثلاثة و في الشهر الثاني بعشرة، و هو قول ابن البراج

203

و منها- عكس ذلك، نقله ابن إدريس عن بعض الأصحاب. و منها- التحيض في كل شهر بعشرة أيام، نقله في المعتبر عن بعض فقهائنا. و منها- ان تجلس بين ثلاثة إلى عشرة و هو قول المرتضى (رضي الله عنه) و هو ظاهر ابن بابويه حيث قال: «أكثر جلوسها عشرة أيام في كل شهر» و منها- انها تترك الصلاة في كل شهر ثلاثة أيام و تصلي سبعة و عشرين يوما، و هو قول ابن الجنيد و اختاره في المعتبر.

و اختلاف أكثر هذه الأقوال انما نشأ من اختلاف أخبار المسألة المتقدمة في الموضع الأول (1) و منها- رواية يونس الطويلة (2) و فيها التخيير بين الستة و السبعة، و بهذه الرواية استدل الشيخ و من تبعه على التحيض بالسبعة كما هو مذهبه في النهاية على ما أوضحناه و فيه ان ظاهر الرواية التخيير بين الستة و السبعة فهي غير منطبقة على المدعى و منها- موثقتا ابن بكير (3) و بهما استدلوا على التحيض بالعشرة من الأول و بالثلاثة من الثاني و هكذا، و ظاه رهما انما هو التحيض بالعشرة في الدور الأول و الثلاثة بعد ذلك دائما لا ان العشرة و الثلاثة دائما في كل دور كما ذكروه، و أيضا فإن الشيخ في الجمل و المبسوط جعل الثلاثة في الدور الأول و العشرة في الثاني مع ان الموثقتين صريحتان في عكس ذلك، و منها- موثقة سماعة (4) و ظاهرها يدل على مذهب المرتضى و ابن بابويه و منه يعلم عدم انطباق الأخبار المذكورة على أكثر الأقوال المتقدمة، فإن هذه أخبار المسألة الموجودة في كتب الأخبار و كلام الأصحاب. و طعن جملة من متأخري المتأخرين في هذه الاخبار بضعف الأسانيد و تقدمهم في ذلك المحقق في المعتبر، فقال بعد نقل رواية يونس (5) و موثقة ابن بكير الاولى (6): «و اعلم ان الروايتين ضعيفتان (أما الأولى) فلما ذكره ابن بابويه عن ابن الوليد انه لا يعمل بما تفرد به محمد بن عيسى عن يونس.

و (اما الثانية) فرواية عبد الله بن بكير و هو فطحي لا اعمل بما ينفرد به لكن لما كان الغالب في عادة النساء الستة و السبعة قضينا بالغالب. و الوجه عندي ان تتحيض

____________

(1) ص 193.

(2) ص 182.

(3) ص 194.

(4) ص 194.

(5) ص 182.

(6) ص 194.

204

كل واحدة منهما ثلاثة أيام لأنه اليقين في الحيض و تصلي و تصوم بقية الشهر استظهارا و عملا بالأصل في لزوم العبادة» انتهى. قال في المدارك بعد نقل ذلك: «هذا كلامه و لا يخلو من قوة، و تؤيده الروايتان المتقدمتان و الإجماع، فإن الخلاف واقع في الزائد عن الثلاثة».

أقول: لا يخفى ما في هذا الكلام من الضعف و الوهن الظاهر لمن أعطى التأمل حقه في المقام (اما أولا)- فإن ما طعن به في سند الروايتين بما ذكره فيه ان هذا مناف لما صرح به في صدر كتابه كما قدمنا نقله عنه قريبا.

و (اما ثانيا)- فإنه قال في باب غسل النفاس بعد نقل موثقة عمار الساباطي ما لفظه: «و هذه و ان كان سندها فطحية لكنهم ثقات في النقل» و قال بعد نقل رواية السكوني: «و السكوني عامي لكنه ثقة» و أنت خبير بان ما ورد في حق عبد الله بن بكير من المدح حتى عد في جملة من أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه لا يكاد يوجد في أحد من هؤلاء الذين قد حكم هنا بتوثيقهم. و قد أجاب في الذكرى عن ذلك فقال- و نعم ما قال- ان الشهرة في النقل و الإفتاء بمضمونه حتى عد إجماعا يدفعهما، قال:

«و يؤيده ان حكمة الباري أجل من ان يدع امرا مبهما يعم به البلوى في كل زمان و مكان و لم يبينه على لسان صاحب الشرع مع لزوم العسر و الحرج فيما قالوه، و هما منفيان بالآي و الاخبار و غير مناسبين للشريعة السمحة».

و (اما ثالثا)- فلانه لا يخفى ان إثبات الأحكام الشرعية التوقيفية على الوقف من الشارع بهذه التخريجات لا يخلو من المجازفة سيما مع وجود الأخبار في المسألة (فإن قيل): ان كلامه هذا مبني على الاحتياط الذي صرحتم في غير موضع بأنه يجب الأخذ به مع عدم وجود النصوص، و الفرض هنا كذلك حيث ان هذه النصوص عندهم غير ثابتة، فالوقوف على الاحتياط لا بأس به (قلنا): لا يخفى انه مع الإغماض عن المناقشة في طرح النصوص المذكورة فإن هذا الاحتياط للعبادة فيما زاد على الأيام الثلاثة المحتملة

205

لكونها حيضا معارض بمخالفة الاحتياط في تحليل ما حرم الله تعالى على الحائض من نكاحها و جلوسها في المساجد و أمثال ذلك من المحرمات و المكروهات، و حينئذ فالاحتياط المدعى غير تام بجميع موارده.

و (اما رابعا)- فلان الظاهر من اخبار

«ان أقل الحيض ثلاثة» (1).

انما هو بالنسبة الى من انقطع عنها الدم لدون ثلاثة، فإنه لا يحكم بكونه حيضا و بها يستدل في هذا المقام، و اما من دام دمها بعد الثلاثة و استمر و حكم بكونه حيضا قطعا و لكن وقع التردد في مقداره كمحل البحث فإنه لا مجال للاستدلال بالأخبار المذكورة، لأن الشارع قد جعل ما تراه من الدم الى تمام العشرة صالحا لان يكون حيضا و عادات النساء قد جرت على ذلك، فكل فرد فرد من افراد هذه الاعداد صالح لان يكون فردا و ترجيح بعضها على بعض يحتاج الى مرجح شرعي، و يشير الى ذلك ما في موثقة سماعة (2) من التخيير بين الثلاثة إلى تمام العشرة، حيث ان هذا المقدار هو الذي علم من الشارع جعله حيضا، و بذلك يظهر ان قوله: «لانه اليقين في الحيض» على إطلاقه ممنوع بل انما يتعين بالنسبة الى ما نقص عن هذا العدد، و اما ما زاد عليه إلى العشرة و هو حد الأكثر من الحيض فالحكم باليقينية ممنوع، نعم العشرة يقين بالنسبة الى ما زاد عليها كما لا يخفى.

و (اما خامسا)- فلان قوله: «الأصل لزوم العبادة» مدفوع بأنه يجب الخروج عن هذا الأصل بتحقق الحيض، و الحيض هنا متحقق و انما وقع الشك في أيامه زيادة و نقيصة، و ترجيح بعضها على بعض من غير مرجح ممتنع، و الاستناد الى اخبار

«أقل الحيض ثلاثة» (3).

غير مجد هنا لما عرفت، على ان هذا الأصل معارض بأصالة تحريم ما حرم الله تعالى على الحائض من المحرمات المشار إليها آنفا، و هذه حائض بالاتفاق و بالجملة فما ذكراه هنا و في المضطربة كما سيأتي ان شاء الله تعالى- من التحيض بالثلاثة خاصة استضعافا للاخبار- ضعيف.

____________

(1) ص 158.

(2) ص 194.

(3) ص 158.

206

و (اما سادسا)- فان المستفاد من الأخبار على وجه لا يعتريه الشك و الإنكار هو انه متى تعذر الوقوف على الدليل في الحكم الشرعي فالواجب الوقوف عن الفتوى و العمل بالاحتياط متى احتيج الى العمل، و من ذلك

صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن الكاظم (عليه السلام) الواردة في جزاء الصيد (1) قال فيها: «قلت ان بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه؟ فقال (عليه السلام): إذا أصبتم بمثل ذلك فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا».

و في رواية زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) «ما حق الله تعالى على العباد؟ فقال: ان يقولوا ما يعلمون و يقفوا عند ما لا يعلمون».

و مثلها موثقة هشام بن سالم (3) الى غير ذلك من الاخبار.

إذا عرفت ذلك فالظاهر عندي هو التخيير بين ما دلت عليه هذه الروايات، إذ لا اعرف طريقا الى الجمع بينها بعد صحتها و صراحتها فيما دلت عليه غير ذلك.

فوائد

(الأولى)

- هل المراد بقوله (عليه السلام) في

رواية يونس (4): «ستة أو سبعة».

التخيير أو العمل بما يؤدي إليه اجتهادها و ظنها بأنه الحيض؟ قيل بالثاني، و عن العلامة في النهاية قال: «لانه لو لا ذلك لزم التخيير بين فعل الواجب و تركه» و نقض بأيام الاستظهار. و نقل عن المحقق (رحمه الله) الأول تمسكا بظاهر اللفظ قال: «و قد يقع التخيير في الواجب كما يتخير المسافر بين القصر و الإتمام في بعض المواضع» و هو جيد

(الثانية)

- قد صرح الشهيد الثاني- بعد ان ذكر أنها مخيرة في أخذ عشرة من شهر و ثلاثة من آخر أو سبعة من كل شهر أو الستة- ان الأفضل اختيار

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 12 من أبواب صفات القاضي.

(2) المروية في الوسائل في الباب 12 من أبواب صفات القاضي.

(3) المروية في الوسائل في الباب 12 من أبواب صفات القاضي، و فيما عثرنا عليه من النسخ المطبوعة و المخطوطة (هشام بن الحكم) و الرواية لهشام بن سالم كما في الكافي و الوافي و الوسائل.

(4) ص 182.

207

ما يوافق مزاجها، فتأخذ ذات المزاج الحار السبعة و البارد الستة و المتوسط الثلاثة و العشرة و فيه انه تقييد للنص من غير دليل و اجتهاد في مقابلة النص فلا عمل عليه.

(الثالثة)

- قال في الذكرى: معنى

قوله (عليه السلام) (1): «في علم الله»

اختصاص علمه بالله إذ لا حيض لها معلوم عندها، أو فيما علمك الله من عادات النساء فإنه القدر الغالب عليهن، ثم حمل خبري الرجوع الى نسائها (2) على المعنى الثاني، قال: «فيكون قوله ستة أو سبعة للتنويع اي ان كن يحضن ستة فتتحيض ستة و ان كن يحضن سبعة فتتحيض سبعة فإن زدن عن السبع أو نقصن عن الست فالمعتبر عادتهن، لأن الأمر بالستة أو السبعة بناء على الغالب، و يمكن أخذ الستة ان نقصن و السبعة ان زدن عملا بالأقرب الى عادتهن في الموضعين» أقول: لا يخفى ما في حمل الخبر المذكور على المعنى الذي ذكره و فرع عليه ما بعده من البعد، بل الظاهر انما هو المعنى الأول كما يدل عليه سياق الخبر من قوله (عليه السلام) بعد ما ذكر ان أمر هذه مخالف للأوليين و انه ليس لها أيام سابقه:

«و مما يبين هذا قوله لها: «في علم الله» لانه قد كان لها و ان كانت الأشياء كلها في علم الله» قال في الوافي: «قوله: «لانه قد كان لها» لعل المراد به قد كان لها في علم الله ستة أو سبعة و ذلك لانه ليس لها قبل ذلك أيام معلومة».

(الرابعة)

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه متى اختارت عددا كان لها وضعه متى شاءت من الشهر و ان كان الأول أولى، و مقتضى موثقتي ابن بكير (3) أخذ الثلاثة بعد العشرة ثم أخذها بعد السبعة و العشرين دائما، قال في المدارك:

«و لا ريب انه الأولى».

(المطلب الثاني)- في ذات العادة

و فيه مسائل

(الأولى) [ما تتحقق به العادة في الحيض]

- لا يخفى ان العادة مشتقة من العود فما لم يعد مرة أخرى لم يصدق اسم العادة، و هو اتفاق بين

____________

(1) في مرسلة يونس المتقدمة ص 182.

(2) ص 198.

(3) ص 194.

208

أصحابنا و أكثر العامة، و قال بعض العامة تثبت بالمرة الواجدة (1) و هو باطل لما ذكرنا و تصير ذات عادة بأن ترى الدم مستكملا لصفات الحيض دفعة ثم ينقطع أقل الطهر فصاعدا ثم تراه ثانيا مثل ذلك العدد الأول، و يدل على ثبوتها بالمرتين مضافا الى الاتفاق على ذلك

قول ابي عبد الله (عليه السلام) في رواية يونس الطويلة المتقدمة في صدر المقصد (2): «. فان انقطع الدم لوقته في الشهر الأول سواء حتى توالت عليها حيضتان أو ثلاث فقد علم الآن ان ذلك قد صار لها وقتا و خلقا معروفا تعمل عليه و تدع ما سواه و تكون سنتها فيما تستقبل ان استحاضت قد صارت سنة الى ان تجلس أقراءها، و انما جعل الوقت ان توالى عليها حيضتان أو ثلاث لقول رسول الله (صلى الله عليه و آله) للتي تعرف أيامها:

دعي الصلاة أيام أقرائك، فعلمنا انه لم يجعل القرء الواحد سنة لها فيقول دعي الصلاة أيام قرءك و لكن سن لها الأقراء و أدناه حيضتان.».

و قوله (عليه السلام) في موثقة سماعة (3):

«. إذا اتفق شهران عدة أيام سواء فتلك عادتها».

ثم ان ذات العادة اما ان تكون متفقة عددا و وقتا أو عددا خاصة أو وقتا خاصة فههنا أقسام ثلاثة: (الأول)- ان يتفق عددا و وقتا و هذه أنفع العادات تتحيض بمجرد رؤية الدم و ترجع اليه بعد التجاوز عند الأصحاب، كأن تراه سبعة في أول الشهر ثم تراه في أول الثاني أيضا سبعة.

(الثاني)- ان يتفق في العدد دون الوقت كما إذا رأت في أول الشهر سبعة ثم رأت بعد مضي أقل الطهر سبعة فقد استقر عددها و لكن تكون بالنسبة إلى الوقت كالمضطربة عند الأصحاب، فإذا رأت دما ثالثا و تجاوز العشرة رجعت الى العدد عندهم، و هذه تستظهر عندهم في أول الدم لعدم استقرار الوقت بناء على القول باستظهار المضطربة و المبتدأة.

(الثالث)- ان يتفق في الوقت خاصة كما لو رأت سبعة في أول الشهر و ثمانية

____________

(1) في المغني ج 1 ص 316 «لم يختلف المذهب ان العادة لا تثبت بمرة و ظاهر مذهب الشافعي انها تثبت بمرة.

(2) ص 182.

(3) ص 188.

209

في أول الآخر فتستقر بحسب الوقت فإذا رأت الدم الثالث في الوقت تركت العبادة، و هل تكون مضطربة بحسب العدد فتستظهر بتحيض ثلاثة أو يثبت لها أقل العددين لتكرره؟ وجهان، نقل أولهما عن المحقق الشيخ علي و استجوده الشهيد الثاني، قال:

«لعدم صدق الاستواء و الاستقامة» و ثانيهما عن العلامة في النهاية و الشهيد في الذكرى.

و هل يشترط في استقرار العادة عددا و وقتا استقرار عادة الطهر و هو تكرر طهرين متساويين وقتا أم لا؟ قولان، أولهما للشهيد في الذكرى فاشترط تكرر الطهرين متساويين وقتا، و لو تساويا عددا و اختلفا وقتا استقر العدد لا غير فحينئذ تستظهر برؤية الدم الثالث ثلاثة على تقدير القول بوجوب الاستظهار على المبتدأة و المضطربة، و ثانيهما للعلامة و اختاره في الروض، فعلى هذا لو رأت سبعة في أول الشهر و سبعة في أول الثاني فقد ثبتت العادة وقتا و عددا على القول الثاني، و على القول الأول لا تثبت الوقتية حتى تعود الى الطهر مرة ثانية في الوقت المتقدم فلو تقدم عليه لم تثبت الوقتية و انما يثبت العدد خاصة، قال في الذكرى بعد نقل القول الثاني عن العلامة: «و تظهر الفائدة لو تغاير في الوقت الثالث فان لم نعتبر استقرار الطهر جلست لرؤية الدم و ان اعتبرناه فبعد الثلاثة أو حضور الوقت، هذا ان تقدم على الوقت و لو تأخر أمكن ذلك استظهارا و يمكن القطع بالحيض هنا».

أقول: لا يخفى ان ظاهر الخبرين المتقدمين انه بمجرد رؤية الدم بعد استقرار العادة بمضي شهرين عدة أيام سواء فإنها تتحيض به، فعلى هذا لو رأت سبعة من أول الشهر الأول ثم سبعة من أول الثاني فقد تحققت العادة الموجبة للتحيض بمجرد رؤية الدم بعد مضي أقل الطهر، فلو رأت الدم الثالث بعد عشرة من الشهر الثاني تحيضت بمجرد رؤيته، و ما ذكره (قدس سره) من الشرط المذكور لا اعرف له وجها وجيها.

و هل المراد بالشهر في تحقق العادة هو الهلالي كما هو الشائع في الاستعمال المتبادر إلى الأفهام الغالب وقوع الحيض فيه للنساء، أم ما يمكن ان يفرض فيه حيض و طهر

210

صحيحان المعبر عنه بشهر الحيض؟ قولان، صرح بأولهما جملة من الأصحاب: منهم- الشيخ علي لما ذكرناه، و ثانيهما صرح به العلامة في النهاية حيث قال بعد قوله: و تثبت العادة بتوالي شهرين ترى فيهما الدم أياما سواء: «و المراد بشهرها المدة التي لها فيها حيض و طهر و أقله عندنا ثلاثة عشر يوما» و بذلك صرح ابنه فخر المحققين و كتبه الشهيد على قواعده ناقلا له عنه، و عبارات الأصحاب في المقام مجملة قابلة لاحتمال كل منهما و ان كان المفهوم من إطلاق الأخبار انما هو الهلالي، و قال في الذكرى: «لا يشترط في العادة تعدد الشهر و ما ذكر في الخبر من الشهرين بناء على الغالب، فلو تساوى الحيضان في شهر واحد كفى في العددية، صرح به في المبسوط و الخلاف، و كذا لو تساويا في زيادة على شهرين» قال في الروض: «و يرجح اعتبار الهلالي ايضا ان اتفاق الوقت بدمين فيما دونه لا يتفق إلا مع تكرر الطهر و هو خروج عن المسألة، لكن قبل تكرر الطهر تثبت العادة بالعدد خاصة فيرجع في الثالث اليه مع عبوره العشرة بعد احتياطها بالطهر ثلاثة في أوله» أقول: ثبوت الاتفاق في الوقت بتكرر الطهر كما ذكره لا يخلو من غموض و اشكال و لا سيما بالنظر الى ظاهر النصوص الدالة على الشهر الهلالي، و ان المتبادر من الوقت هو الزمان المعين مثلا أول الشهر أو وسطه أو آخره و نحو ذلك لا ما كان بعد أيام معينة و عدد مخصوص، قال الشيخ علي تفريعا على ما اختاره من الشهر الهلالي: «ان العادة الوقتية لا تحصل الا بالشهرين الهلاليين لان الشهر في كلام النبي و الأئمة (صلوات الله و سلامه عليهم) انما يحمل على الهلالي نظرا إلى أنه الأغلب في عادات النساء و في الاستعمال، فلو رأت ثلاثة ثم انقطع عشرة ثم رأت ثلاثة ثم انقطع عشرة ثم رأته و عبر العشرة فلا وقت لها لعدم تماثل الوقت باعتبار الشهر» و اعترضه في الروض بان فيما ذكره نظرا لان تكرر الطهر يحصل الوقت كما قلناه، و قد صرح بذلك في المعتبر و الذكرى و حكاه فيه عن المبسوط و الخلاف ناقلا عبارتهما في ذلك، و احتجاجه بان الشهر في كلامهم (عليهم السلام) يحمل على الهلالي انما يتم لو كان في النصوص المقيدة الدالة على العادة

211

ذكر الشهر، و قد بينا في أول المسألة حكايتها خالية من ذكر الشهر فيما عدا الحديثين الأخيرين، و في الاحتجاج بهما اشكال لضعف أولهما بالإرسال و ثانيهما بجرح سماعة و انقطاع خبره. انتهى.

أقول: لا يخفى انه ليس عندهم دليل على تفسير العادة بالمعنى المعروف بينهم سوى هذين الخبرين كما لا يخفى على من راجع كلامهم و راجع الاخبار، و قوله: «انه قد بين في أول المسألة الأخبار خالية من ذكر الشهر فيما عدا الحديثين» عجيب فإنه لم يذكر سواهما و كذا غيره إذ ليس في الباب سواهما، و حينئذ فإن عمل بهما ففي الموضعين و إلا فلا، على ان حديث يونس (1) مما استدلوا به في أحكام عديدة حتى قال هو نفسه بعد الاستدلال بجملة منه على أحكام في كتابه المشار اليه: «و هو حديث شريف يدل على أمور مهمة في هذا الباب» و بذلك يظهر لك قوة ما ذكره المحقق الشيخ علي و من وافقه على القول المذكور و ضعف ما اعترض به هنا، و منه يظهر ضعف القول الآخر أيضا.

(المسألة الثانية) [ذات العادة تتحيض برؤية الدم]

- اعلم ان الأصحاب (رضوان الله عليهم) قد صرحوا بان ذات العادة تتحيض بمجرد رؤية الدم، قال في المعتبر: «تترك ذات العادة الصلاة و الصوم برؤية الدم في أيامها و هو مذهب أهل العلم، لان المعتاد كالمتيقن،

و لما رواه يونس عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «. إذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها تركت الصلاة».

أقول: و يدل على ذلك أيضا

صحيحة محمد بن مسلم (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة في أيامها؟ فقال لا تصلي حتى تنقضي أيامها فإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت».

و في رواية يونس عن بعض رجاله عنه (عليه السلام) (4) «. كل ما رأت المرأة في أيام حيضها فهو حيض و إذا رأت بعدها فليس من الحيض».

الى غير ذلك من الاخبار. و بالجملة فإن الحكم لا اشكال فيه

____________

(1) ص 182.

(2) ص 159.

(3) المروية في الوسائل في الباب 4 من أبواب الحيض.

(4) ص 159.

212

نعم يبقى الكلام في الحمل على معاني المعتادة المتقدمة، و الظاهر انه لا إشكال في الحمل على المعتادة بالمعنى الأول و انها تتحيض بمجرد الرؤية. و كذا بالمعنى الثالث إذا وقعت الرؤية في أيام العادة، كما لا اشكال و لا خلاف بينهم في عدم الحمل على المعتادة بالمعنى الثاني، فإنها عندهم لا تتحيض بمجرد الرؤية بل حكمها عندهم كرؤية المبتدأة و المضطربة في إيجاب الاستظهار عليها بالثلاثة، و تفصيل هذه الجملة بالنسبة إلى المعنى الأول و الثالث انه لا يخلو اما ان تكون رؤية الدم في وقت العادة و أيامها أو قبل ذلك أو بعده، فأما الأول فإنه لا إشكال في التحيض بمجرد الرؤية للأخبار المتقدمة. و اما قبل العادة فظاهر كلام جملة من الأصحاب الحكم بكونه حيضا لأن الحيضة ربما تقدمت و تأخرت، قال في المبسوط: «إذا استقرت العادة ثم تقدمها أو تأخر عنها الدم بيوم أو يومين إلى العشرة حكم بأنه حيض و ان زاد على العشرة فلا» و ظاهر كلام الشهيد الثاني في المسالك الاستظهار كالمبتدأة و المضطربة حيث قال بعد حكمه بالتحيض برؤية الدم في القسم الأول من أقسام المعتادة و القسم الثالث بشرط ان تراه في أيام العادة: «و اما القسم المتوسط و ما تراه متقدما عنها فهو كرؤية المبتدأة و المضطربة» و اعترضه سبطه في المدارك فقال بعد نقل ذلك:

«هذا كلامه و هو يقتضي ثبوت الاحتياط لذات العادة في أغلب الأحوال بناء على وجوبه في المبتدأة لندرة الاتفاق في الوقت، و هو مع ما فيه من الحرج مخالف لظاهر الأخبار المستفيضة كما ستقف عليه ان شاء الله تعالى» ثم نقل عن المصنف في كتبه الثلاثة ان الذي يلوح منه عدم وجوب الاحتياط لذات العادة مطلقا، ثم انه (قدس سره) استظهر ان ما تجده المعتادة في أيام العادة يحكم بكونه حيضا مطلقا و كذا المتقدم و المتأخر مع كونه بصفة الحيض، و تبعه على ذلك جملة من أفاضل متأخري المتأخرين كالفاضل الخراساني في الذخيرة و غيره، و حينئذ يصير هذا قولا ثالثا في المسألة، و قال في الروض: و اعلم انه مع رؤية المعتادة الدم قبل العادة كما هو المفروض هنا هل تترك العبادة بمجرد رؤيته أو يجب الصبر الى مضي ثلاثة أو وصول العادة؟ يبنى على إيجاب الاحتياط بالثلاثة على

213

المبتدأة و المضطربة و عدمه، فان لم نوجبه عليهما كما هو اختيار المصنف في المختلف لم يجب عليها بطريق اولى، و ان أوجبناه كما اختاره المرتضى و ابن الجنيد و المحقق في المعتبر احتمل إلحاقها بهما، لان تقدمه على العادة الملحقة بالأمور الجبلية يوجب الشك في كونه حيضا فتكون فيما سبق على أيام العادة كمعتادة العدد المضطربة الوقت، و لظاهر

قول ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «. إذا رأت المرأة الدم أيام حيضها تركت الصلاة.».

إذ الظاهر ان المراد بأيام حيضها العادة، و مثله

قوله (عليه السلام) (2): «المرأة ترى الصفرة أيام حيضها لا تصلي».

و يحتمل قويا عدمه لصدق الاعتياد عليها، و لأن العادة تتقدم و تتأخر و عموم

رواية منصور بن حازم عنه (عليه السلام) (3) «اي ساعة رأت الصائمة الدم تفطر.».

و مثله خبر

محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (4) «تفطر انما فطرها من الدم».

أقول: الأظهر الاستدلال للقول الأول و هو التحيض برؤية الدم بما ورد من الاخبار دالا على تقدم العادة و انها تتحيض برؤية الدم قبل العادة و ان كان بغير صفة دم الحيض، مثل

موثقة سماعة (5) قال: «سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها؟ قال فلتدع الصلاة فإنه ربما تعجل بها الوقت».

و موثقة أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) «في المرأة ترى الصفرة؟ فقال ان كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض و ان كان بعد الحيض فليس من الحيض».

و رواية علي بن محمد (7) قال: «سئل

____________

(1) في مرسل يونس ص 159.

(2) في صحيحة محمد بن مسلم ص 211.

(3) المروية في الوسائل في الباب 50 من أبواب الحيض.

(4) المروية في الوسائل في الباب 50 من أبواب الحيض.

(5) المروية في الوسائل في الباب 15 من أبواب الحيض.

(6) المروية في الوسائل في الباب 4 من أبواب الحيض.

(7) هذه الرواية مروية في الكافي عن (على بن أبي حمزة) كما في التهذيب و ليس في سندها من اسمه «على بن محمد» نعم في الكافي يرويها بسنده عن محمد بن خالد عن القاسم ابن محمد عن على بن أبي حمزة، و في التهذيب عن محمد بن خالد عن على بن أبي حمزة. و قد رواها في الوسائل عن الكافي و التهذيب في الباب 4 من أبواب الحيض.

214

أبو عبد الله (عليه السلام) و انا حاضر عن المرأة ترى الصفرة؟ قال ما كان قبل الحيض فهو من الحيض و ما كان بعد الحيض فليس منه».

و رواه الشيخ عن علي بن أبي حمزة (1) قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) و ذكر مثله،.

و

موثقة معاوية بن حكيم (2) قال:

قال: «الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من الحيض و بعد أيام الحيض ليس من الحيض و هي في أيام الحيض حيض».

و في الفقه الرضوي (3) «و الصفرة قبل الحيض حيض و بعد أيام الحيض ليست من الحيض».

و يؤيده أيضا

صحيحة العيص بن القاسم (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة ذهب طمثها سنين ثم عاد إليها شيء قال تترك الصلاة حتى تطهر».

و أيده بعضهم بلزوم الحرج و العسر في الاستظهار، و ان تقدم العادة كثيرا غالب. و اما ما ذكره (رحمه الله) من بناء الحكم في هذه المسألة على ما ذكره من الخلاف في المبتدأة و المضطربة ففيه (أولا)- انك قد عرفت انه لا دليل على ما ذكروه من وجوب الاستظهار عليها. و (ثانيا)- انه مع وجود الدليل فيهما فإلحاق المعتادة بهما قياس لا يوافق قواعد مذهبنا لتغاير الفردين و تقابل القسمين. و بالجملة فالأظهر هو القول بالتحيض بمجرد الرؤية من غير استظهار للأخبار التي ذكرناها، و يؤيدها إطلاق الأخبار المذكورة في كلام شيخنا المذكور.

و اما ما ذكره في المدارك من تقييد ذلك باتصافه بصفات دم الحيض مستدلا على ذلك بعموم

قوله (عليه السلام) في حسنة حفص بن البختري (5): «. إذا كان للدم دفع و حرارة و سواد فلتدع الصلاة».

ففيه (أولا)- ان إطلاقها مقيد بالروايات التي ذكرناها

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 4 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 4 من أبواب الحيض.

(3) ص 21.

(4) المروية في الوسائل في الباب 32 من أبواب الحيض.

(5) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب الحيض.

215

و (ثانيا)- ان دلالتها انما هو بالمفهوم و ما ذكرناه من الاخبار بالمنطوق و هو أقوى دلالة فيجب تقديم العمل به.

و اما رؤية الدم بعد العادة فالذي دلت عليه الأخبار- كما سيأتي ان شاء الله تعالى نقلها في محلها- هو ان الدم متى تجاوز العادة وجب عليها الاستظهار بترك العبادة يومين أو ثلاثة ثم تعمل عمل المستحاضة ان استمر الدم، و حينئذ فما دلت عليه الاخبار المتقدمة من ان الصفرة قبل الحيض حيض و بعده ليست بحيض ينبغي حملها على البعدية عن أيام الاستظهار لدخول أيام الاستظهار في الحيض كما عرفت، فيصدق انه بعد الحيض اي ما حكم الشارع بكونه حيضا لا ما كان حيضا من حيث العادة. و العجب من الفاضل الخراساني في الذخيرة فإنه قال بعد ان اختار مذهب المدارك. من تخصيص دم القبلية و البعدية بالمتصف بصفات التمييز و استدل بدليله قال: و اما ما رواه الكليني و الشيخ، ثم أورد رواية أبي بصير، و رواية علي بن أبي حمزة التي قدمنا نقلها عن علي بن محمد، و موثقة معاوية بن حكيم ثم قال: «فلا ينافي ما ذكرناه لان

قوله (عليه السلام): «ما كان بعد الحيض فليس من الحيض»

المراد به ما إذا رأت الدم في أيام العادة و انقضت فما كان بعد ذلك بيومين ليس من الحيض، بل لا يبعد ان يقال تلك الأخبار مؤيدة لما ذكرناه في الجملة» انتهى.

أقول: وجه المدافعة في هذه الاخبار لما اختاروه انما هو من حيث انهم قيدوا الدم المتقدم على العادة بالاتصاف بصفات دم الحيض، و هو مؤذن بان ما لم يتصف بصفات دم الحيض فلا يحكم بكونه حيضا، و على هذا فالصفرة قبل العادة ليست بحيض مع ان الاخبار المذكورة دلت على كونها حيضا و كان الواجب عليه الجواب عن ذلك، على ان في كلامهم أيضا مناقشة أخرى و هو انهم قيدوا الدم المتأخر عن العادة بذلك ايضا، و مقتضاه ان ما لم يكن كذلك لا يحكم بكونه حيضا، و المستفاد من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف- كما سيأتي ذكره في موضعه ان شاء

216

الله تعالى- ان الدم متى تجاوز العادة فإنها تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة و بعد أيام الاستظهار تعمل ما تعمله المستحاضة من غير تفصيل في الدم باتصافه بصفات دم الاستحاضة و عدمه، و الاخبار و ان اختلفت في الاستظهار و عدمه الا انه لا تفصيل في شيء منها بين الاتصاف بذلك و عدمه فما ذكروه من هذا التفصيل في الدم الأخير لا مستند له من الاخبار و لا من كلام الأصحاب، و به يظهر سقوط هذا القول بالكلية و الله العالم.

(المسألة الثالثة) [استظهار ذات العادة]

- المفهوم من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف انه مع تجاوز الدم أيام العادة فإنها تستظهر إذا كانت عادتها أقل من عشرة ثم تعمل أعمال المستحاضة فإن انقطع الدم بعد الاستظهار أو على العاشر فالجميع حيض فتقضي الصيام ان عملته استظهارا إلى العشرة، و ان تجاوز العشرة تحيضت بأيام عادتها خاصة و قضت ما أخلت به أيام الاستظهار، و لو اجتمع لها مع العادة تمييز فهل تعمل على العادة أو التمييز أو تتخير؟

أقوال: و بيان ما اشتملت عليه يقع في مواضع:

(الأول) [إجماع الأصحاب على ثبوت الاستظهار]

- أجمع الأصحاب على ثبوت الاستظهار لذات العادة مع تجاوز دمها العادة إذا كانت عادتها دون عشرة كما قدمناه، و المراد بالاستظهار طلب ظهور الحال باستصحاب ما كانت عليه سابقا من التحيض بعد العادة ثم الغسل بعد ذلك، و هل هو على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ قولان، نقل أولهما عن الشيخ في النهاية و الجمل و المرتضى في المصباح، و الثاني نقله في المدارك عن عامة المتأخرين، و قال في المعتبر بعد نقل القولين المذكورين: «و الأقرب عندي انه على الجواز أو ما يغلب عند المرأة في حيضها» و يظهر من كلامه ان هذا قول ثالث في المسألة، و قد نقل في الذخيرة القول بالجواز ايضا قولا ثالثا و لعله استند فيه الى عبارة المعتبر، و الظاهر ان صاحب المعتبر انما أراد بالعبارة بذلك الاستحباب كما فهمه صاحب المدارك، حيث نقل القول بالاستحباب عنه و عمن تأخر عنه.

217

و الأصل في هذا الاختلاف اختلاف الأخبار الواردة في المسألة، و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (1): «في الحائض إذا رأت دما بعد أيامها التي كانت ترى الدم فيها فلتقعد عن الصلاة يوما أو يومين ثم تمسك قطنة فان صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع بين كل صلاتين بغسل».

و في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن الرضا (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن الحائض كم تستظهر؟ فقال: تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة».

و في الصحيح عن محمد بن عمرو بن سعيد عن الرضا (عليه السلام) (3) قال:

«سألته عن الطامث كم حد جلوسها؟ قال تنتظر عدة ما كانت تحيض ثم تستظهر بثلاثة أيام ثم هي مستحاضة».

و عن زرارة في الصحيح (4) قال: «قلت له النفساء متى تصلي؟ قال تقعد قدر حيضها و تستظهر بيومين فان انقطع الدم و الا اغتسلت، الى ان قال: قلت فالحائض؟ قال مثل ذلك سواء فان انقطع عنها الدم و إلا فهي مستحاضة تصنع مثل النفساء سواء ثم تصلي.».

و عن سعيد بن يسار في الموثق (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تحيض ثم تطهر فربما رأت بعد ذلك الشيء من الدم الرقيق بعد اغتسالها من طهرها؟ قال تستظهر بعد أيامها بيومين أو ثلاثة ثم تصلي».

و عن زرارة في الموثق بابن بكير عن الباقر (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن الطامث

____________

(1) لم نعثر على هذه الرواية من الشيخ «قده» في مظانها، نعم رواها صاحب الوسائل عن المحقق في المعتبر في الباب 13 من أبواب الحيض و (1) من أبواب الاستحاضة، كما سيأتي من المصنف «قده» روايتها عن المحقق ايضا ص 218.

(2) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب الحيض.

(3) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب الحيض.

(4) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(5) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب الحيض.

(6) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب الحيض.

218

تقعد بعدد أيامها كيف تصنع؟ قال تستظهر بيوم أو يومين ثم هي مستحاضة. الحديث».

و عن سماعة في الموثق (1) قال: «سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها؟

قال فلتدع الصلاة فإنه ربما تعجل بها الوقت، فإذا كان أكثر من أيامها التي كانت تحيض فيهن فلتتربص ثلاثة أيام بعد ما تمضي أيامها، فإذا تربصت ثلاثة أيام فلم ينقطع الدم عنها فلتصنع كما تصنع المستحاضة».

و عن عبد الله بن المغيرة عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2): «في المرأة ترى الدم؟ فقال ان كان قرؤها دون العشرة انتظرت العشرة و ان كانت أيامها عشرة لم تستظهر».

و عن داود مولى ابي المغراء عمن أخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«سألته عن المرأة تحيض ثم يمضي وقت طهرها و هي ترى الدم؟ قال فقال تستظهر بيوم ان كان حيضها دون العشرة أيام فإن استمر الدم فهي مستحاضة و ان انقطع الدم اغتسلت وصلت».

و عن زرارة في الموثق عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: «المستحاضة تستظهر بيوم أو يومين».

و روى المحقق في المعتبر عن الحسن بن محبوب في كتاب المشيخة عن أبي أيوب الثقة عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (5) «في الحائض إذا رأت دما بعد أيامها التي كانت ترى الدم فيها فلتقعد عن الصلاة يوما أو يومين ثم تمسك قطنة فان صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع بين كل صلاتين بغسل و يصيب منها زوجها ان أحب و حلت لها الصلاة».

أقول: و هذه الاخبار كلها- كما ترى- ظاهرة الدلالة في القول بالوجوب لورود الأمر فيها بذلك، و هو حقيقة في الوجوب كما تقرر في محله.

و منها-

ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب الحيض.

(3) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب الحيض.

(4) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب الحيض.

(5) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب الحيض.

219

(عليه السلام) (1) قال: «المستحاضة تنظر أيامها فلا تصلي فيها و لا يقربها بعلها فإذا جازت أيامها و رأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر و العصر. الحديث».

و عن عبد الله بن سنان في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «سمعته يقول: المرأة المستحاضة التي لا تطهر قال تغتسل عند صلاة الظهر فتصلي، الى ان قال لا بأس بأن يأتيها بعلها متى شاء إلا أيام قرئها.».

و عن سماعة في الموثق (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المستحاضة؟ قال فقال: تصوم شهر رمضان إلا الأيام التي كانت تحيض فيها.».

و عن ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «المستحاضة إذا مضت أيام أقرائها اغتسلت و احتشت. الحديث».

و في رواية يونس الطويلة المتقدمة (5) نقلا عنه (صلى الله عليه و آله) «تحيضي أيام أقرائك».

و بهذه الأخبار أخذ القائل بالاستحباب جمعا بينها و بين الاخبار المتقدمة كما هي قاعدتهم المطردة عندهم في الجمع بين الاخبار.

و فيه نظر (أما أولا)- فإنه لا دليل عليه من سنة و لا كتاب و ان اشتهر بين الأصحاب. و (اما ثانيا)- فان الاستحباب من جملة الأحكام الشرعية المتوقف ثبوتها على الدليل كالوجوب و التحريم و نحوهما، و مجرد اختلاف الاخبار ليس دليلا من الأدلة المقررة لإثبات الأحكام. و (اما ثالثا)- فلان حمل ما ظاهره الوجوب على الاستحباب لا يصار اليه إلا مع القرينة، و وجود المعارض ليس من قرائن المجاز. قال في المدارك بعد ان نقل القول بالاستحباب عن المعتبر و من تأخر عنه جمعا بين الاخبار: «و يمكن الجمع بينها بحمل اخبار الاستظهار على ما إذا كان الدم بصفة دم الحيض و الاخبار المتضمنة للعدم على ما إذا لم يكن كذلك، قال و احتمله المصنف في المعتبر» انتهى. و اعترضه في الذخيرة

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب الاستحاضة.

(4) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(5) ص 182.

220

بان هذا التفصيل غير مستفاد من نص دال عليه و القول به بدون ذلك تحكم، ورد الحمل على الاستحباب أيضا بأن استحباب ترك العبادة لا وجه له، و التزام وجوب العبادة أو استحبابها على تقدير الغسل بعيد جدا، و اختار فيها حمل اخبار الاستظهار على الجواز، و الظاهر انه يرجع الى التخيير بين الاستظهار و عدمه و إلا فالعبادة لا تتصف بالجواز، إلا ان جواز الاستظهار و عدمه يرجع الى جواز العبادة و عدمه و هو باطل. و كيف كان فلا ريب في بعده. هذا. و اما ما اعترض به كلام السيد في المدارك- من انه تحكم إذ لا يستفاد من النصوص- ففيه انه لا يخفى ان الظاهر ان السيد (رحمه الله) انما قيد اخبار الاستظهار مع إطلاقها بالاتصاف بصفة دم الحيض بناء على ما تقدم نقله عنه في سابق هذه المسألة من ان المتقدم على العادة و المتأخر عنها يحكم بكونه حيضا بشرط اتصافه بصفة دم الحيض، و هو قد وافق السيد على هذه المقالة كما قدمنا نقله عنه، و لا ريب ان ما نحن فيه أحد جزئيات تلك المسألة فكيف يعترضه بما ذكره مع لزوم ذلك له؟

و الذي يقرب عندي في الجمع بين الاخبار المذكورة أحد وجهين: إما حمل الأخبار الأخيرة على التقية، و يعضده اتفاق الأصحاب على العمل بالأخبار الأولة و ان اختلفوا في كونه وجوبا أو استحبابا، و منشأ الاستحباب عندهم هو الجمع بين الاخبار كما عرفت، و العمل بالأخبار الأولة متفق عليه في الجملة، و القول بالاقتصار على العادة من دون استظهار مذهب الجمهور إلا مالكا على ما ذكره في المنتهى، قال- بعد ان نقل عن مالك الاستظهار بثلاثة أيام: «و خالف باقي الجمهور في الاستظهار و اقتصروا على العادة خاصة» (1)

____________

(1) في المدونة ج 1 ص 54 «قال ابن القاسم: كل امرأة كانت أيامها أقل من خمسة عشر يوما فإنها تستظهر بثلاثة ما بينها و بين خمسة عشر، مثلا- التي أيامها اثنا عشر تستظهر بثلاث و التي أيامها ثلاثة عشر تستظهر بيومين و التي أيامها أربعة عشر تستظهر بيوم و التي أيامها خمسة عشر لا تستظهر بشيء و تغتسل و تصلى و يأتيها زوجها، و لا تقيم امرأة في حيض أكثر من خمسة عشر باستظهار كان أو غيره» و في ص 55 «قال ابن القاسم قال مالك إذا رأت المرأة الدم يوما ثم انقطع عنها يومين ثم رأته يوما و انقطع يوما أو يومين ثم رأته- بعد ذلك يوما أو يومين قال إذا اختلط هكذا حسبت أيام الدم و ألغت ما بين ذلك من الأيام التي لم تر فيها الدم فإذا استكملت من أيام الدم قدر أيامها التي كانت تحيضها استظهرت بثلاثة أيام» و يظهر من فقه المذاهب الأخر عدم العبرة بالاستظهار و ان عليها الغسل إذا انتهى حيضها المعتاد أو أكثر أيام الحيض و هي عند بعض عشرة و عند الأخر خمسة عشر.

221

و إما تخصيص إطلاق أخبار الاستظهار بغير مستقيمة الحيض و تقييد الأخبار الأخيرة بمن كانت مستقيمة الحيض لا زيادة فيها و لا نقصان و لا تقدم و لا تأخر كالوقتية العددية التي لا يتقدم دمها و لا يتأخر و العددية كذلك، و حيث ان وجود الحيض بهذا التقييد نادر جدا- و الأغلب مع الاعتياد هو التقدم و التأخر و الزيادة و النقصان- تكاثرت الاخبار بالاستظهار لها لأجل ذلك، و المستند في هذا الجمع

صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المستحاضة أ يطأها زوجها و هل تطوف بالبيت؟ قال تقعد قرءها الذي كانت تحيض فيه فان كان قرؤها مستقيما فلتأخذ به و ان كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين و لتغتسل. الحديث».

و يشير الى ذلك ايضا

قول الباقر (عليه السلام) في رواية مالك بن أعين (2) و قد سأله عن المستحاضة كيف يغشاها زوجها؟ قال: «ينظر الأيام التي كانت تحيض فيها و حيضتها مستقيمة فلا يقربها في عدة تلك الأيام من ذلك الشهر و يغشاها فيما سوى ذلك من الأيام، و لا يغشاها حتى يأمرها فتغتسل ثم يغشاها ان أراد».

ثم لا يخفى انه على تقدير القول باستحباب الاستظهار- كما هو المشهور بين المتأخرين- فقد أورد عليه انه متى كان الاستظهار مستحبا فإنه يجوز تركه و اختيار العبادة و حينئذ يلزم الإشكال في اتصاف العبادة بالوجوب، إذ يجوز تركها و اختيار العبادة، و حينئذ يلزم الإشكال في اتصاف العبادة بالوجوب، إذ يجوز تركها لا الى بدل و لا شيء من الواجب كذلك. و أجيب بأن العبادة واجبة مع اختيارها عدم الاستظهار

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 24 من أبواب الحيض و (3) من الاستحاضة.

222

لا مطلقا، بمعنى ان التخيير انما وقع في الاستظهار نفسه فلها ان تستظهر نفسه و لها ان تترك الاستظهار لكنها متى اختارت ترك الاستظهار وجبت عليها الصلاة، فوجوب الصلاة عليها منوط باختيارها عدم الاستظهار فقط لا ان التخيير بين الفعل و الترك يتعلق بالصلاة نفسها فحينئذ لا يخرج الواجب عن الوجوب. أقول: لا يخفى ما فيه فان التخيير في الاستظهار يوجب التخيير في العبادة فإن اختارت الاستظهار فلا عبادة و ان اختارت عدم الاستظهار وجبت العبادة، غاية الأمر ان التخيير في العبادة هنا و ان لم يكن أولا و بالذات لكنه ثانيا و بالعرض، فالتخيير لازم البتة و ان كان متفرعا على التخيير في الاستظهار، فهي مخيرة حينئذ بين العبادة ان اختارت عدم الاستظهار و بين تركها ان اختارت الاستظهار، فقول شيخنا البهائي في الحبل المتين بعد نقل الاستحباب عن متأخري الأصحاب: «و لا استبعاد في وجوب العبادة عليها باختيارها عدم الاستظهار و لا يلزم جواز ترك الواجب لا الى بدل كما لا يخفى» لا اعرف له وجها وجيها، و الظاهر انه قصد بهذا الكلام الرد على صاحب المدارك حيث قال في هذه المسألة: «ثم ان قلنا بالاستحباب و اختارت فعل العبادة ففي وصفها بالوجوب نظر من حيث جواز تركها لا الى بدل و لا شيء من الواجب كذلك اللهم الا ان يلتزم وجوب العبادة بمجرد الاغتسال. و فيه ما فيه» انتهى. و هو جيد، و بذلك يظهر ترجيح القول بالوجوب كما اخترناه زيادة على ما تقدم.

(الثاني) [قدر الاستظهار]

- اختلف الأصحاب في قدر الاستظهار واجبا كان أو مستحبا، فقال الشيخ في النهاية تستظهر بعد العادة بيوم أو يومين، و هو مذهب ابن بابويه و المفيد و قال الشيخ في الجمل ان خرجت ملوثة بالدم فهي بعد حائض تصبر حتى تنقى. و قال المرتضى تستظهر عند استمرار الدم إلى عشرة أيام فإن استمر عملت ما تعمله المستحاضة و نقل ذلك عن ابن الجنيد ايضا، و قواه في الذكرى مطلقا و في البيان مقيدا بظنها بقاء الحيض، قال في الروض: «و كأنه يريد به ظن الانقطاع على العشرة و إلا فمع التجاوز ترجع ذات العادة إليها و ان ظنت غيرها» و اختار في المدارك التخيير بين اليوم و اليومين

223

و الثلاثة، و هو المفهوم من الاخبار المتقدمة. و اما ما في المنتهى- من عدم جواز الحمل على التخيير لعدم جواز التخيير في الواجب، ثم قال: «بل التفصيل اعتمادا على اجتهاد المرأة في قوة المزاج و ضعفه الموجبين لزيادة الحيض و قلته»- فالظاهر ضعفه، و كيف و التخيير في الواجب واقع في جملة من الأحكام، مثل تخيير المسافر في المواضع الأربعة و التخيير في ذكر الأخيرتين و التخيير في ذكري الركوع و السجود و أمثال ذلك، و اما حمل الأخبار المذكورة على مزاج المرأة فبعده أظهر من ان يخفى. و اما ما نقل عن المرتضى فيدل عليه مرسلة عبد الله بن المغيرة المتقدمة (1)

و موثقة يونس بن يعقوب (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) امرأة رأت الدم في حيضها حتى جاوز وقتها متى ينبغي لها ان تصلي؟ قال تنتظر عدتها التي كانت تجلس ثم تستظهر بعشرة أيام فإن رأت الدم دما صبيبا فلتغتسل في وقت كل صلاة».

قال الشيخ (رحمه الله): «معنى قوله بعشرة أيام إلى عشرة أيام و حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض» و طعن فيهما في المدارك بضعف السند. و فيه ما عرفت في غير موضع. و كيف كان فالعمل بكل ما دلت عليه الأخبار المذكورة وجه الجمع بينها. و الله العالم.

(الثالث) [انقطاع الدم على العاشر أو تجاوزه العشرة]

- قد صرح الأصحاب انه ان انقطع دمها على العاشر كان ذلك كاشفا عن كون العشرة حيضا فتقضي صوم العشرة و ان كانت قد صامت بعضها، و ان تجاوز العشرة كان ذلك كاشفا عن كون الزائد على العادة طهرا و ان صومها و صلاتها بعد أيام الاستظهار كانا صحيحين و وجب عليها قضاء ما أخلت به منهما أيام الاستظهار.

و لم نقف لهم في هذا التفصيل على دليل بل ظواهر الأخبار ترده، و كأنهم بنوا الحكم بكون العشرة كملا حيضا لو انقطع الدم عليها على القاعدة المشهورة بينهم بان كل ما أمكن كونه حيضا فهو حيض. و هي محل البحث كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في محله، مع ان الأخبار المتقدمة ظاهرة في انه متى زاد الدم على أيام العادة فان الواجب عليها الاستظهار بالأيام المذكورة

____________

(1) ص 218.

(2) المروية في الوسائل في الباب 13 من أبواب الحيض.

224

ثمة، ثم انها بعد الاستظهار تعمل عمل المستحاضة و تصلي و تصوم من غير فرق بين تجاوز الدم العشرة و انقطاعه عليها أو دونها، و ما ذكروه- من التكليف المتفرع على الانقطاع على العشرة و كذا التكليف المتفرع على تجاوز العشرة- لا مستند له، و يعضدها الأخبار الأخيرة الدالة على انها تعمل ما تعمل المستحاضة بعد مضي أيام العادة من غير استظهار، و لو كان لما ذكروه من هذا التفصيل أصل لوقعت الإشارة اليه و لو في خبر من هذه الأخبار على كثرتها و تعددها و ليس فليس، و مما يدل على ذلك زيادة على الأخبار المتقدمة

صحيحة الحسين بن نعيم الصحاف (1) و فيها «. و إذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنه من الحيضة فلتمسك عن الصلاة عدد أيامها التي كانت تقعد في حيضها، فان انقطع الدم عنها قبل ذلك فلتغتسل و لتصل، و ان لم ينقطع الدم عنها إلا بعد ما تمضي الأيام التي كانت ترى فيها الدم بيوم أو يومين فلتغتسل ثم تحتش و تستذفر و تصل الظهر و العصر. الحديث».

ثم ذكر أعمال المستحاضة الى ان قال:

«و كذلك تفعل المستحاضة فإنها إذا فعلت ذلك اذهب الله تعالى بالدم عنها».

و موثقة سماعة (2) قال: «سألته عن امرأة رأت الدم في الحبل؟ قال تقعد أيامها التي كانت تحيض فإذا زاد الدم على الأيام التي كانت تقعد استظهرت بثلاثة أيام ثم هي مستحاضة».

قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين- بعد اعترافه بان الدليل على القول المشار اليه غير صريح- ما صورته: «قلت: قد يستفاد من رواية يونس عن غير واحد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) الرجوع الى العادة مع التجاوز و مع الرجوع الى العادة يثبت ما ذكروه من الأحكام، و هو و ان كان غير صحيح الا ان الأصحاب قد أجمعوا على العمل بمضمونه، و اما الرجوع الى العشرة مع عدم التجاوز فلما

روي عنهم (عليهم

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 13 من أبواب الحيض.

(3) المتقدمة ص 182.

225

السلام) من «ان الدم في أيام الحيض حيض» (1).

و فسره الشيخ و جماعة بما يمكن ان يكون حيضا، و مع عدم التجاوز الإمكان ثابت، و بالجملة هذه الأحكام تستنبط من الروايات و ان لم يكن عليها بصراحتها رواية، فتأمل» انتهى.

أقول: لا يخفى ما فيه، اما ما استند اليه من رواية يونس ففيه ان مورد الرواية من أولها إلى آخرها و ما اشتملت عليه من السنن الثلاث انما هو فيما إذا استمر الدم و دام عليها أشهرا عديدة بل سنين عديدة، فإن سنة ذات العادة ان تتحيض بأيام عادتها، و سنة المضطربة التمييز ان أمكن و الا فالرجوع الى العدد المذكور فيها، و سنة المبتدأة العمل بالستة أو السبعة، و محل البحث هنا- كما هو مورد الأخبار المتقدمة و صريح كلام الأصحاب- انما هو بالنسبة إلى أول الدم إذا تجاوز العادة، و لهذا يفصلون بين انقطاعه على العشرة و تجاوزه لها و ان لكل منهما حكما غير الآخر، و بذلك يظهر لك ان ما استند اليه ليس من محل البحث في شيء. و اما ما استند اليه من قولهم: «ان الدم في أيام الحيض حيض» فالمراد بأيام الدم أيام العادة لا ما يمكن ان يكون حيضا، فان تفسيره بذلك تعسف محض سواء وقع من الشيخ أو غيره، و يؤيد ما قلناه ما تقدم من الاخبار و مثله في كلام الأصحاب

«ان الصفرة في أيام الحيض حيض» (2).

فان المراد انما هي أيام العادة كما عليه اتفاق كلمة الأصحاب، و بالجملة فإن كلامه في البطلان أظهر من ان يحتاج الى مزيد بيان.

(الرابع) [اجتماع العادة و التمييز]

- لو اجتمع لها مع العادة تمييز فلا يخلو اما ان يتفقا وقتا و عددا و حينئذ فلا اشكال، و اما ان يختلفا و حينئذ فان مضى بينهما أقل الطهر فالذي صرح به جملة من الأصحاب انها تتحيض بهما معا لتوسط أقل الطهر بينهما، و استشكل فيه بعض فضلاء متأخري المتأخرين نظرا الى النصوص، فان مقتضاها ان المستحاضة تجعل أيامها حيضا و الباقي استحاضة، قال: «و الظاهر الرجوع الى العادة» و هو جيد. و يظهر من

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب الحيض.

226

العلامة في النهاية التردد بين جعلهما حيضا و بين التعويل على التمييز و بين التعويل على العادة و الظاهر ضعفه لما عرفت من ان ظاهر الأخبار التعويل على العادة مطلقا، و من أظهر الأخبار زيادة على ما قدمنا

موثقة إسحاق بن جرير (1) قال: «سألتني امرأة منا ان أدخلها على ابي عبد الله (عليه السلام) فاستأذنت لها فاذن لها فدخلت و معها مولاة لها، فقالت له: يا أبا عبد الله ما تقول في المرأة تحيض فتجوز أيام حيضها؟ قال: ان كان أيام حيضها دون عشرة أيام استظهرت بيوم واحد ثم هي مستحاضة. قالت: فان الدم يستمر بها الشهر و الشهرين و الثلاثة فكيف تصنع بالصلاة؟ قال تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين. قالت له: ان أيام حيضها تختلف عليها و كان يتقدم الحيض اليوم و اليومين و الثلاثة و يتأخر مثل ذلك فما علمها به؟ قال دم الحيض ليس به خفاء هو دم حار تجد له حرقة و دم الاستحاضة دم فاسد بارد.».

ألا ترى كيف شدد عليها الرجوع الى العادة كلما راجعته في الكلام و لم يأمرها بالرجوع الى التمييز إلا حيث أخبرته باختلاف العادة و اضطرابها، و بالجملة فإن ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال يدل على العموم في المقال كما قرروه في غير موضع. و ان لم يمض بينهما أقل الطهر فإن أمكن الجمع بينهما بان لا يتجاوز المجموع العشرة فالمنقول عن غير واحد من المتأخرين انه يجمع بينهما، و عن الشيخ فيه قولان أحدهما ترجيح التمييز و الآخر ترجيح العادة و لعله الأقرب الى الأخبار. و ان لم يمكن الجمع بينهما كما إذا رأت في أيام العادة صفرة و قبلها أو بعدها بصفة دم الحيض و تجاوز الجميع العشرة فالمشهور بين الأصحاب- و منهم الشيخ في الجمل و المبسوط و ابن الجنيد و المرتضى- الرجوع الى العادة، و قال الشيخ في النهاية بالرجوع الى التمييز، و حكى في الشرائع قولا بالتخيير و لم ينقل هذا القول في المعتبر و لا نقله ناقل من الأصحاب كما اعترف به في المدارك، و كيف كان فالمعتمد هو القول الأول للأخبار الكثيرة المتقدمة (2) و نقل في المدارك عن الشيخ انه احتج لما ذهب إليه في النهاية بصحيحة حفص بن البختري

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب الحيض.

(2) ص 213.

227

المتقدمة (1) و نحوها من الأخبار الدالة على صفات دم الحيض، ثم أجاب بأن صفة الدم يسقط اعتبارها مع العادة لأن العادة أقوى في الدلالة،

و لما رواه محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة و الكدرة في أيامها؟ قال لا تصل حتى تنقضي أيامها فإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت».

أقول: قد سبقه الى ما ذكره هنا جده (قدس سره) في الروض، و الظاهر ان وجه استدلالهما بصحيحة محمد بن مسلم المذكورة هو انه لما كانت الصفرة و الكدرة ليستا من صفات الحيض بل من صفات الطهر فلو رجح العمل بالتمييز لحكم بالطهر بوجودهما في أيام العادة مع ان الأمر بالعكس في الخبر، فهو يدل على انه إذا تعارضت العادة و التمييز قدمت العادة فيجب تقديمها في محل البحث. و هو جيد. اما ما ذكره من التعليل الأول فإنه محض مصادرة لانه عين الدعوى، نعم يصلح ان يكون وجها للنص المذكور و بيانا لوجه الحكمة فيما اشتمل عليه من الحكم. و الأظهر هو الاستدلال على ذلك بموثقة إسحاق بن جرير المذكورة، حيث انه (عليه السلام) أمرها أولا مع استمرار الدم بالجلوس أيام الحيض حصل لها تمييز أم لم يحصل ثم بعد ان أخبرته باضطراب عادتها بالتقدم و التأخر و الزيادة و النقصان أمرها بالرجوع الى التمييز، و على هذا ينبغي ان تحمل حسنة حفص (3) و نحوها. و في المختلف بعد ان أورد حسنة حفص المذكورة حجة للشيخ أجاب بان ما دلت عليه حكم المضطربة و المبتدأة، اما ذات العادة المستقرة فممنوع. و بالجملة فروايات التمييز مطلقة و هذه الروايات مختصة بذات العادة فيجب تخصيص اخبار التمييز بهذه الاخبار.

و المراد بالعادة التي يجب الأخذ بها هنا ما هو أعم من العادة الحاصلة بالأخذ و الانقطاع بالنسبة إلى ذات العادة و العادة الحاصلة من التمييز بالنسبة الى ما عداها من المبتدأة و المضطربة عند الأصحاب و المضطربة خاصة عندنا إذ لم نجد للتمييز في المبتدأة مستندا

____________

(1) ص 151.

(2) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب الحيض.

(3) ص 151.

228

و عن المحقق الشيخ علي انه رجح تقديم العادة المستفادة من الأخذ و الانقطاع دون المستفادة من التمييز حذرا من لزوم زيادة الفرع على أصله، قال في المدارك: «و هو ضعيف» و هو كذلك. و الله العالم.

(المسألة الرابعة) [العادة تحصل بالتمييز]

- قد صرح الأصحاب بأن العادة كما تحصل بالأخذ و الانقطاع كذا تحصل بالتمييز، فلو مر بها شهران قد رأت الدم فيهما بصفات دم الحيض متفقا في الوقت ثم اختلف الدم في باقي الأشهر فإنها ترجع الى عادتها في الشهرين و تتحيض بها و لا تعتبر باختلاف الدم لأن الأول صار عادة، قال في المنتهى: «العادة تثبت بالتمييز فإن رأت في الشهرين الأولين خمسة أيام دما اسود و ما بينهما دما احمر ثم رأت في الثالث و ما بينهما تحيضت بالخمسة. لنا ان المبتدأة ترجع الى التمييز لما يأتي فتتحيض به فإذا عاودها صار عادة فوجب الرجوع في الثالث اليه و لا نعرف فيه خلافا» انتهى.

و ما ذكره من رجوع المبتدأة إلى التمييز قد عرفت انه لا دليل عليه و انما هو في المضطربة كما سيأتي ان شاء الله تعالى بيانه، و حينئذ فالعادة الحاصلة من التمييز انما هو بالنسبة إليها حيث انها هي التي ورد في حقها العمل بالتمييز، و الوجه في حصول العادة بذلك هو ان الشارع قد جعل التمييز- متى حصل- قرء لها تتحيض به فمتى تكرر في الشهر الثاني وقتا و عددا فقد حصلت العادة بتقريب ما تقدم في العادة الحاصلة من الأخذ و الانقطاع، و تدخل حينئذ تحت إطلاق تلك الأخبار مثل قوله (عليه السلام) في

موثقة سماعة المتقدمة (1): «إذا اتفق شهران عدة أيام سواء فتلك عادتها».

و قوله (صلى الله عليه و آله) في حديث يونس (2): «تحيضي أيام أقرائك».

و أدناه حيضتان بالتقريب الذي ذكره الصادق (عليه السلام) في الخبر المشار اليه. و بالجملة فالظاهر ان الحكم لا اشكال فيه بالنسبة الى من ورد في حقها العمل بالتمييز. و اما ما ذكره الأصحاب من التمييز في المبتدأة فقد عرفت انه لا مستند له. و ما ذكروه في ذات العادة إذا استمر بها الدم ففيه ايضا ما عرفت

____________

(1) ص 188.

(2) ص 182.

229

في سابق هذه المسألة من انه لا دليل عليه و انما حكمها الرجوع الى العادة اعني الأيام التي اعتادتها بالأخذ و الانقطاع.

[فوائد]

و ينبغي التنبيه على فوائد

(الأولى) [قاعدة الإمكان في الحيض]

- قد صرح الأصحاب بان ما تراه المرأة من الثلاثة إلى العشرة مما يمكن ان يكون حيضا فهو حيض تجانس أو اختلف، قال في المعتبر:

«و هو إجماع» و قال الشهيد الثاني: «و المراد بالإمكان هنا معناه العام و هو سلب الضرورة عن الجانب المخالف للحكم، فيدخل فيه ما تحقق كونه حيضا لاجتماع شرائطه و لارتفاع موانعه كرؤية ما زاد على الثلاثة في زمن العادة الزائدة عنها بصفة دم الحيض و انقطاعه عليها، و ما احتمله كرؤيته بعد انقطاعه على العادة و مضى أقل الطهر متقدما على العادة فإنه يحكم بكونه حيضا لإمكانه، و يتحقق عدم الإمكان بقصور السن عن التسع سنين و زيادته على الخمسين أو الستين و بسبق حيض محقق لم يتخلل بينهما أقل الطهر أو نفاس كذلك و كونها حاملا على مذهب المصنف و غير ذلك» انتهى. و ظاهر المدارك التوقف في أصل الحكم المذكور حيث قال بعد نقل ذلك عنهم: و هو مشكل جدا من حيث ترك المعلوم ثبوته في الذمة تعويلا على مجرد الإمكان، ثم قال: و الأظهر انه انما يحكم بكونه حيضا إذا كان بصفة دم الحيض لعموم

قوله (عليه السلام) (1): «إذا كان للدم دفع و حرارة و سواد فلتدع الصلاة».

أو كان في العادة

لصحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة في أيامها. الحديث».

و قد تقدمت قريبا (2).

أقول: يمكن الاستدلال لما ذكره الأصحاب من انه بعد تحقق الحيض فكل ما رأته المرأة في العشرة التي مبدأها الدم الأول فهو حيض برواية يونس الدالة على عدم اعتبار التوالي في الأيام الثلاثة التي هي أقل الحيض، و قد تقدمت في المسألة المشار إليها (3) و نحوها صحيحة محمد بن مسلم و موثقته المتقدمتان ثمة (4) الدالتان على انه إذا رأت

____________

(1) في صحيحة حفص المتقدمة ص 151.

(2) ص 227.

(3) ص 159.

(4) ص 161.

230

الدم قبل إتمام العشرة فهو من الحيضة الاولى، و نحو ذلك

كلامه (عليه السلام) (1) في الفقه الرضوي حيث قال: «فإن رأت الدم بعد اغتسالها من الحيض قبل استكمال عشرة أيام بيض فهو ما بقي من الحيضة الاولى، و ان رأت الدم بعد العشرة البيض فهو ما تعجل من الحيضة الثانية».

انتهى. و كان الاولى في الاستدلال لما ذكروه هو هذه الاخبار لا التعليل بمجرد الإمكان الذي جعلوه كالقاعدة الكلية في غير مكان فإنه عليل لا يصلح لتأسيس الأحكام الشرعية حسبما أورده عليهم في المدارك. نعم يبقى الإشكال في انه قد دلت الأخبار المتقدمة على ان ما تراه المرأة بعد أيام العادة و الاستظهار أو العادة خاصة كما في الاخبار الأخر فهو استحاضة أعم من ان ينقطع على العشرة أو يتجاوز، و يمكن الجمع بتخصيص عموم الاخبار المشار إليها بهذه الاخبار بان يستثني منها حكم ذات العادة و يقال ان كل دم رأته المرأة في العشرة فهو حيض ما عدا مورد هذه الاخبار المتعلقة بذات العادة. هذا. و اما ما استظهره في المدارك من الحكم بكونه حيضا مع الإنصاف بضفة دم الحيض فلا يتم كليا لان من فروع هذه القاعدة عندهم من زاد دمها على العادة ثم استمر حتى انقطع على العاشر فإنهم حكموا بكون الجميع حيضا، اما دم العادة فظاهر و اما ما زاد فبهذه القاعدة و هو انه يمكن ان يكون حيضا فيجب ان يكون حيضا، و المستفاد- كما عرفت آنفا- من اخبار المسألة ان ما زاد على أيام العادة أو مع أيام الاستظهار فهو استحاضة مطلقا انقطع على العاشر أم لا بصفة الحيض كان أم لا، و بذلك صرح هو نفسه في الموضع الخامس من شرح قول المصنف (رحمه الله): «الثالثة- إذا انقطع الدم لدون العشرة فعليها الاستبراء» حيث قال:

«و المستفاد من الاخبار ان ما بعد أيام الاستظهار استحاضة. إلخ» و اما على ما ذكرنا من الاستناد الى ما نقلناه من الأخبار و الجمع بينها بما ذكرناه فلا إشكال في المقام بتوفيق الملك العلام.

____________

(1) ص 21.

231

(الثانية) [رؤية الدم ثلاثة أيام و عوده قبل العاشر بعد انقطاعه]

- قد صرحوا بأنه لو رأت الدم ثلاثة ثم انقطع و رأته قبل العاشر كان الجميع من الدمين و ما بينهما من النقاء حيضا، اما الدم الأول فلا يخلو اما ان يكون دم عادة فلا إشكال أولا فيكون مما يمكن ان يكون حيضا، و اما الثاني فهو مما يمكن ان يكون حيضا فيجب الحكم بكونه حيضا، و اما النقاء فلكونه أقل من عشرة فلا يمكن الحكم بكونه طهرا. و لو تأخر بمقدار عشرة أيام ثم رأته كان الأول حيضا منفردا و الثاني يمكن ان يكون حيضا مستأنفا لمضي أقل الطهر بينهما، قال في المدارك: «فان ثبتت الكلية المدعاة في كلامهم تحيضت برؤيته- يعني الدم الثاني الذي بعد العشرة- و إلا وجب مراعاة الصفات على ما تقدم من التفصيل».

أقول: اما ما ذكروه من الحكم بكون النقاء المتوسط بين الدمين حيضا متى كان أقل من عشرة فقد تقدم الكلام فيه، لان كلامهم هذا مبني على قاعدة أقل الطهر عشرة مطلقا، و هو ممنوع لما قدمناه من انه مخصوص بالطهر المتوسط بين حيضتين، بمعنى انه لا يحكم بتعدد الحيض إلا بتوسط العشرة اما إذا كان في حيضة واحدة فلا مانع منه، و عليه تدل الأخبار المتقدمة في مسألة اشتراط توالي الثلاثة و عدمه كما أوضحناه ثمة (1) و المستفاد منها انه متى رأت الدم المحكوم بكونه حيضا ثم انقطع فان مضت عشرة أيام خالية من الدم ثم عاد فإنه يحكم بكونه حيضا ثانيا مع بلوغه الثلاثة و ان لم تمض العشرة فإنه من الحيضة الاولى، و هو صريح في إبطال كلامهم في هذه المسألة، لان من جملة فروض المسألة ما لو تحيضت أولا بخمسة أيام ثم انقطع الدم ثمانية أيام مثلا ثم عاد خمسة، فمقتضى قواعدهم من البناء على قاعدة الإمكان بتقدير إجرائه في هذا المكان لانه لا يمكن الحكم بالتحيض على ما عدا الدم الأول فالدم الثاني عندهم استحاضة، و لا يمكن الحكم بكونه حيضا مستقلا لعدم توسط أقل الطهر عندهم، و لا بانضمامه الى الدم الأول مع النقاء المتوسط للزوم الزيادة على العشرة التي هي أكثر

____________

(1) ص 159.

232

الحيض، و المفهوم من الاخبار المشار إليها ان الدم الثاني من الحيضة الأولى، و منه يلزم ان النقاء المتوسط طهر و إلا لزم المحذور المذكور، و من أظهر الروايات الدالة على ذلك رواية الفقه الرضوي المتقدمة قريبا، و رواية عبد الرحمن بن ابي عبد الله المتقدمة في مسألة توالي الأيام الثلاثة (1) و نحوهما روايتا محمد بن مسلم (2) و اما ما ذكره في المدارك- من ان التحيض بالدم الثاني الذي بعد العشرة مبني على الكلية المدعاة فإن ثبتت و الا وجب مراعاة الصفات- ففيه ان الحكم المذكور ثابت بالنصوص التي أشرنا إليها، و لعلها مستند الأصحاب في هذه الكلية، الا انه لا عموم فيها على الوجه الذي يدعونه بحيث يكون حكما كليا بل يجب الاقتصار فيها على مواردها. و الله العالم.

(الثالثة) [ما تراه المرأة في أيام الحيض حيض و في أيام الطهر طهر]

- قد صرح الأصحاب بان ما تراه المرأة في أيام الحيض من الصفرة و الكدرة حيض و ما تراه في أيام الطهر طهر، و فسر في الروض أيام الحيض بما يمكن ان يكون حيضا، قال: «و المراد بأيام الحيض ما يحكم على الدم الواقع فيها بأنه حيض سواء كانت أيام العادة أم غيرها فتدخل المبتدأة و من تعقب عادتها دم بعد أقل الطهر، و ضابطه ما أمكن كونه حيضا، و ربما فسرت بأيام العادة و النصوص دالة بعمومها على الأول» قال في المدارك بعد ان نقل عن جده ذلك: «هذا كلامه (رحمه الله) و أقول ان هذا التفسير أولى، إذ الظاهر اعتبار الأوصاف في غير المعتادة مطلقا كما بيناه» أقول: أشار بقوله «هذا التفسير» الى التفسير الأخير و هو التفسير بأيام العادة. و هو الظاهر فإنه المتبادر من النصوص بالخصوص لا العموم كما ادعاه، و منها-

صحيحة محمد بن مسلم (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة في أيامها؟ فقال لا تصل حتى تنقضي أيامها و ان رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت».

و موثقة معاوية بن حكيم (4) قال قال: «الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من

____________

(1) ص 163.

(2) ص 161.

(3) المروية في الوسائل في الباب 4 من أبواب الحيض.

(4) المروية في الوسائل في الباب 4 من أبواب الحيض.

233

الحيض و بعد أيام الحيض ليس من الحيض و في أيام الحيض حيض».

و في مرسلة يونس عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «كل ما رأت المرأة في أيام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض، و كل ما رأته بعد أيام حيضها فليس من الحيض».

و رواية إسماعيل الجعفي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا رأت المرأة الصفرة قبل انقضاء أيام عادتها لم تصل و ان كانت صفرة بعد انقضاء أيام قرئها صلت».

الى غير ذلك من الاخبار الظاهرة في المراد، فان التعبير بأيامها في الخبر الأول انما ينصرف الى المعهود من أيام عادتها لا ما يمكن كونه حيضا، و قرينة التقسيم في الثانية ظاهرة في العادة، و كذا في الثالثة و الرابعة، و بالجملة فإن تبادر ذلك من الاخبار أظهر من ان ينكر.

و اما ما ذكره في المدارك من ان الظاهر اعتبار الأوصاف في غير المعتادة مطلقا فهو على إطلاقه ممنوع بل الأظهر الوقوف على الأخبار ان وجدت و إلا فالرجوع إلى الأوصاف كما ذكره، و قد قدمنا جملة من الاخبار الدالة على التحيض بما يتفق في العشرة و نحوها الأخبار الدالة على التحيض بالدم الثاني بعد توسط أقل الطهر، و مثل ذلك أخبار المبتدأة فإنه قد تقدم ما يدل على تحيضها برؤية الدم مطلقا، و هذه كلها خارجة عن أيام العادة مع دلالة الاخبار على التحيض فيها برؤية الدم وافق دم الحيض أو خالفه. و الله العالم.

(المطلب الثالث)- في المضطربة

و فيه مسائل

(الأولى) [تعريف المضطربة]

- قد اضطرب كلامهم في تفسير المضطربة، ففسرها في المعتبر بأنها التي لم تستقر لها عادة و جعل الناسية للعادة قسيما لها، و الذي صرح به العلامة و من تأخر عنه انها من استقرت لها عادة ثم اضطرب عليها الدم و نسيتها. أقول: و هذا المعنى الثاني هو الذي صرحت به

رواية يونس الطويلة المتقدمة (3) حيث قال (عليه السلام): «و اما سنة التي قد كانت لها أيام متقدمة ثم اختلط عليها من طول الدم فزادت و نقصت حتى أغفلت عددها و موضعها من الشهر. الحديث».

و ظاهره ان المضطربة هي ناسية الوقت و العدد، و تعرف هذه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 4 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 4 من أبواب الحيض.

(3) ص 182.

234

عند الفقهاء بالمتحيرة لتحيرها في نفسها و المحيرة للفقيه في أمرها، و ظاهر الأصحاب رجوع المضطربة بتفسيريها الى التمييز، و علله في المدارك بعموم الأدلة الدالة على ذلك ثم نقل عن بعض المحققين انه قال: و قد تقدم ان المضطربة من نسيت عادتها اما عددا أو وقتا أو عددا و وقتا، و الحكم برجوعها الى التمييز مطلقا لا يستقر لأن ذاكرة العدد الناسية للوقت لو عارض تمييزها عدد أيام العادة لم ترجع الى التمييز بناء على ترجيح العادة على التمييز، و كذا القول في ذاكرة الوقت ناسية العدد، و يمكن الاعتذار عنه بان المراد برجوعها الى التمييز ما إذا طابق تمييزها العادة بدليل ما ذكره من ترجيح العادة على التمييز. هذا كلامه (رحمه الله) ثم قال: «و لا يخفى انه على هذا الاعتذار لا يظهر لاعتبار التمييز فائدة، و يمكن ان يقال باعتبار التمييز في الطرف المنسي خاصة أو تخصيص المضطربة بالناسية للوقت و العدد» انتهى.

أقول: لا يخفى انه لم يرد في الاخبار ما يدل على معنى المضطربة و حكمها من الرجوع الى التمييز إلا رواية يونس المشار إليها (1) و قد عرفت ان الذي تضمنته انما هو ناسية الوقت و العدد خاصة، و اما من لم تستقر لها عادة- كما فسرها به في المعتبر أو ناسية العدد خاصة كما ذكره المحقق المشار اليه- فلا اعرف له مستندا، و منه يظهر عدم ورود ما أورده من الإشكال الذي تكلف الجواب عنه. و يمكن استفادة المضطربة بالمعنى الذي ذكره المحقق المشار اليه و هي الناسية للعدد خاصة أو الوقت خاصة بما ورد

في رواية إسحاق بن جرير (2) حيث قال فيها: «قالت فان الدم يستمر بها الشهر و الشهرين و الثلاثة فكيف تصنع بالصلاة؟ قال تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين. قالت له ان أيام حيضها تختلف عليها و كان يتقدم الحيض اليوم و اليومين و الثلاثة و يتأخر مثل ذلك فما علمها به؟ قال: دم الحيض ليس به خفاء هو دم حار تجد له حرقة و دم الاستحاضة

____________

(1) المتقدمة ص 182.

(2) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب الحيض.

235

دم فاسد بارد. الحديث».

و التقريب فيه انه إذا كان الاضطراب يحصل بالتقدم و التأخر على الوجه المذكور فلان يحصل بنسيان العدد أو الوقت بطريق اولى. و فيه ما فيه، على انه يحتمل ان يكون المعنى في الخبر المذكور انه تنظر الى هذا الدم الذي يأتيها في أيام العادة مع ما هي عليه من التقدم و التأخر على الوجه المذكور فتجعل ما تجده بصفة الحيض حيضا و ما كان بصفة الاستحاضة استحاضة، و بذلك يظهر انه لا يكون حكما كليا كما هو المدعى. و التحقيق انه ان عارض التمييز العادة فالترجيح للعادة لما عرفت فيما تقدم، و إلا فإن وجد في الأخبار ما يدل على التحيض بذلك الدم مطلقا فالواجب الأخذ به و الا فالعمل على التمييز، إذ الظاهر من اخبار التمييز هو الرجوع إليه في مقام اشتباه الدم،

ففي صحيحة حفص بن البختري (1) قال: «دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري حيض هو أو غيره؟ قال فقال لها: ان دم الحيض حار عبيط اسود له دفع و حرارة و دم الاستحاضة اصفر بارد فإذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة.».

و حينئذ فيجب الرجوع الى التمييز في جميع أقسام المضطربة ما لم تعارضه ثمة عادة، هذا بالنسبة إلى العادة العددية الوقتية، اما العددية خاصة فلو عارضها التمييز كان تكون عادتها خمسة مثلا و رأت الدم بصفات دم الحيض أقل أو أكثر منها فظاهر إطلاق كلام الأصحاب هو الرجوع الى التمييز حيث انهم أطلقوا رجوع المضطربة بجميع أقسامها إلى التمييز، و احتمال الرجوع الى العادة قوى، و الأحوط هنا الجمع بينهما بجعل الجميع حيضا و قضاء عبادات ما زاد أو نقص عن أيام العادة، و اما الوقتية فمتى عارضها التمييز فالظاهر رجحان العادة، فلو رأت في ذلك الوقت ما هو بصفة دم الاستحاضة و في غيره ما هو بصفة دم الحيض فالأقرب تحيضها بما رأته في الوقت المذكور لقوة دلالة الوقت و عموم الأخبار الدالة على ان الصفرة و الكدرة في وقت

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب الحيض.

236

الحيض حيض (1). و الله العالم.

(المسألة الثانية) [وقت تحيض المضطربة]

- قد تقدم ان ظاهر كلام الأصحاب انه يجب الاستظهار على المبتدأة و المضطربة بان تتعبد في أول الدم ثلاثة أيام ليتحقق كونه حيضا، و قد عرفت انه في المبتدأة لا دليل عليه بل الدليل واضح في خلافه، و كذا هنا، قال في المدارك- بعد ان نقل عن المصنف وجوب الاحتياط على المضطربة بأقسامها الثلاثة المتقدمة- ما لفظه:

«و الحكم بوجوب الاحتياط عليها انما يتم في ناسية الوقت اما ذاكرته فإنها تتحيض برؤية الدم قطعا، و قد تقدم ان الأظهر تحيض الجميع برؤية الدم إذا كان بصفة دم الحيض» أقول: اما ما ذكره- من تحيض ذاكرة الوقت بمجرد رؤية الدم- فلا اشكال فيه، و اما ما ذكره- من ان الأظهر كما تقدم تحيض الجميع برؤية الدم إذا كان بصفة دم الحيض إشارة الى ما قدمه في المبتدأة- فقد عرفت ما فيه ثمة، الا ان الحكم في المضطربة لما كان هو الرجوع الى التمييز الذي هو الأخذ بصفات دم الحيض فإنه يختص التحيض بما إذا كان الدم بصفة دم الحيض البتة، و اما ما ذكره الأصحاب من الاحتياط بان لا تترك العبادة ثلاثة أيام فإن أرادوا به الاحتياط في صورة كون الدم بصفة دم الحيض فهو خلاف النص الذي هو رواية يونس المتقدمة (2) فإنه قد تكرر فيها الأمر بالتحيض بصفات الدم

كقوله (صلى الله عليه و آله): «فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة و إذا أدبرت فاغسلي عنك الدم و صلي».

و قول الباقر (عليه السلام): «إذا رأيت الدم البحراني فدعي الصلاة و إذا رأيت الطهر و لو ساعة من نهار فاغتسلي».

و ان أرادوا به الاحتياط في غير الصورة المذكورة فهو ليس باحتياط بل هو الحكم الشرعي في ذلك، فإنها مع عدم اتصاف الدم بصفات دم الحيض فالحكم الشرعي فيها وجوب العبادة عليها كما عرفت من

قوله (صلى الله عليه و آله): «و إذا أدبرت فاغسلي عنك الدم و صلي»

و المراد بإقبال الدم و إدباره هو الاتصاف بصفات دم الحيض و عدمه، و نحوه

قول الباقر

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 4 من أبواب الحيض.

(2) ص 182.

237

(عليه السلام): «و إذا رأيت الطهر ساعة»

يعني ما ليس بصفة دم الحيض، و بالجملة فإني لا اعرف لهذا الاحتياط هنا محلا و لا دليلا.

(المسألة الثالثة) [حكم ناسية الوقت و العدد]

- قد صرح الأصحاب بأن المضطربة متى فقدت التمييز فلا يخلو اما ان تكون ناسية الوقت و العدد معا أو ناسية للوقت خاصة ذاكرة للعدد أو بالعكس فههنا صور ثلاث:

(الأولى)- ناسية الوقت و العدد

و هي المشهورة بالمتحيرة كما تقدم، قيل بأنها ترجع الى الروايات بان تتحيض في كل شهر بستة أيام أو سبعة أو عشرة من شهر و ثلاثة من آخر، و متى اختارت عددا جاز لها وضعه في أي موضع شاءت لعدم الترجيح في حقها و لا اعتراض للزوج، و هل يجب في الشهر الثاني و ما بعده المطابقة في الوقت لما عليه في الأول أو يكون التخيير باقيا و كذا التخيير في الأعداد؟ احتمالان، و هذا هو المشهور عندهم بل نقل عليه الشيخ في الخلاف الإجماع، مع انه في المبسوط افتى بوجوب الاحتياط عليها بان تعمل في الزمان كله ما تعمله المستحاضة، و تغتسل للحيض في كل وقت يحتمل انقطاع الدم فيه و هو بعد الثلاثة لكل صلاة، لاحتمال انقطاع الدم عنها إذ ما من زمان بعد الثلاثة الا و يحتمل الحيض و الطهر و الانقطاع، و تقضي صوم عادتها و أوجب عليها اجتناب ما تجنبه الحائض، و جعل العلامة في القواعد هذا القول أحوط.

و قال الشيخ في الجمل ترجع الى التمييز فان فقدته تركت الصلاة في كل شهر سبعة أيام.

و قال في النهاية: «فإن كانت المرأة لها عادة الا انه اختلطت عليها العادة و اضطربت و تغيرت عن أوقاتها و أزمانها فكلما رأت الدم تركت الصوم و الصلاة و كلما طهرت صلت و صامت الى ان ترجع الى حال الصحة. و قد روى انها تفعل ذلك ما بينها و بين شهر ثم تفعل ما تفعله المستحاضة» و قريب منه كلام الصدوق في الفقيه، و قال أبو الصلاح انها ترجع إلى عادة نسائها فان لم يكن لها نساء تعرف عادتهن اعتبرت صفة الدم، فان كان الدم بصفة واحدة تحيضت في كل شهر سبعة أيام، قال في المختلف: «و هذا القول مخالف للمشهور في

238

أمرين: (الأول)- انه جعل للمضطربة رجوعا إلى نسائها و المشهور ان ذلك للمبتدأة خاصة (الثاني)- انه جعل التمييز مرجوعا اليه بعد فقد النساء» و قال ابن إدريس:

إذا فقدت التمييز كان فيها الأقوال الثلاثة المذكورة في المبتدأة، و كان قد ذكر في المبتدأة ستة أقوال: (الأول)- انها تتحيض في الشهر الأول بثلاثة أيام و في الثاني بعشرة.

(الثاني)- عكسه (الثالث)- سبعة أيام (الرابع)- ستة أيام (الخامس)- ثلاثة أيام في كل شهر (السادس)- عشرة في كل شهر. و رجح المحقق في المعتبر انها تتحيض بثلاثة أيام و تصلي و تصوم بقية الشهر استظهارا و عملا بالأصل في لزوم العبادة. قال في المدارك بعد نقله عنه: «و هو متجه» هذا ما وقفت عليه من أقوالهم في هذه المسألة.

و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة رواية يونس المتقدمة (1) و قد تضمنت انها مع فقد التمييز تتحيض بسبعة أيام حيث قال (عليه السلام) في آخر الرواية بعد الأمر بالعمل بالتمييز و الأخذ بإقبال الدم و إدباره:

«فان لم يكن الأمر كذلك و لكن الدم أطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارة و كان الدم على لون واحد و حالة واحدة فسنتها السبع و الثلاث و العشرون. الحديث».

و من ذلك يظهر قوة ما ذهب إليه في الجمل لدلالة هذا الخبر عليه. و اما القول المشهور فهو مبني على الاستدلال بموثقتي ابن بكير و موثقة سماعة المتقدمات في بحث المبتدأة (2) و موردها انما هو المبتدأة كما عرفت فالاستدلال بها هنا لا اعرف له وجها، و العجب من غفلة الجميع عن ذلك و لا سيما متأخري المتأخرين الذين عادتهم المناقشة في الأدلة كصاحب المدارك و نحوه. و اما قول الشيخ في النهاية و نحوه الصدوق فمستنده موثقتا يونس بن يعقوب و ابي بصير المتقدمتان في الموضع الأول من المقام الثاني من المطلب الأول في المبتدأة من المقصد الثاني (3) بحمل الروايتين على من اختلط دمها كما عبر به في النهاية و نحوه في الاستبصار كما تقدم ثمة.

و فيه ان الظاهر ان الحكم المذكور كلي في جميع أفراد المضطربة و الخبران لا يساعدان

____________

(1) ص 182.

(2) ص 194.

(3) ص 195.

239

عليه لتخصيصهما ذلك بالشهر أو الثلاثين يوما ثم تعمل عمل المستحاضة، و بالجملة فالظاهر هو القول بهما و الوقوف على موردهما كما يشعر به كلام الصدوق و ان كان ظاهر عبارة الفقيه كونه حكما كليا حيث أوجب عليها ذلك الى ان ترجع الى حال الصحة، فإنه لا دليل عليه في المقام سوى الخبرين المذكورين و هما قاصران عن الدلالة على ما ادعاه.

و اما ما ذهب إليه أبو الصلاح من التحيض بسبعة بعد فقد التمييز فهو جيد لما عرفت من الدليل و ان كان ما ادعاه من الرجوع الى نسائها أولا لا دليل عليه. و اما ما ذكره ابن إدريس فقد عرفت ما فيه مما أوردناه على القول المشهور. و اما ما ذكره المحقق فقد تقدم الكلام فيه و أوضحنا ما يكشف عن ضعف باطنه و خافية في بحث المبتدأة في الموضع الثالث من المقام الثاني من المطلب الأول في المبتدأة من المقصد الثاني. و اما ما ذكره الشيخ من الاحتياط المذكور فقد رده جملة من الأصحاب باستلزامه الحرج المنفي في الآية و الاخبار، قال في الذكرى: «و القول بالاحتياط عسر منفي بالآية و الرواية» و قال في البيان: «الاحتياط هنا بالرد الى أسوأ الاحتمالات ليس مذهبا لنا» و فيه إشارة إلى كونه قولا للعامة، و هو كذلك فإنه نقله في المنتهى عن الشافعي، و بالجملة فهو قول لا دليل عليه بل الدليل ظاهر في خلافه كما عرفت. و بالجملة فالظاهر عندي في المسألة هو ما ذهب اليه الشيخ في الجمل لما عرفت. و الله العالم.

(الثانية)- ناسية الوقت ذاكرة العدد

، و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انها تعمل على العدد المذكور و تتخير في وضعه في أي موضع أرادت من الشهر، و عن المبسوط انها تعمل بالاحتياط المتقدم، و اختاره العلامة في الإرشاد و نسبه في الشرائع إلى القيل و اقتصر عليه، و مثله في المعتبر حيث نقل ذلك عن الشيخ و اقتصر عليه، و هو مؤذن باختياره، و قال في الروض: «و يتفرع على هذا القول فروع جليلة و مسائل مشكلة» ثم انه ينبغي ان يعلم ان موضع الخلاف هنا ما إذا لم يحصل لها وقت معلوم في الجملة بحيث يتحقق فيه الحيض كما لو لم تعرف قدر الدور و ابتداءه فإنها لا تخرج

240

عن المتحيرة إلا في نقصان العدد التي حفظته أو زيادته عما في الروايات، كما لو قالت كان حيضي سبعة لكن لا أعلم في كم أضللتها، أو قالت مع ذلك دوري ثلاثون و لكن لا اعلم ابتداءه، أو قالت دوري يبتدئ يوم كذا و لكن لا اعرف قدره، ففي هذه الصور ترجع الى الروايات على المشهور لاحتمال الحيض و الطهر و الانقطاع في كل وقت، أو تعمل بالاحتياط في كل الزمان عند من ذهب اليه، و ان حفظت قدر الدور و ابتداءه مع العدد كما لو قالت حيضي سبعة في كل شهر هلالي فقدر العدد من اوله لا يحتمل الانقطاع و انما يحتمل الحيض و الطهر و بعده يحتمل الثلاثة إلى آخر الدوران كان الإضلال فيه اجمع، و ان تيقنت سلامة بعضه كالعشرة الأخيرة من الشهر- مثلا- حكمت بكونه طهرا، و الحكم حينئذ في العشرين الباقية انها تتحيض بالعدد المذكور و تتخير في وضعه بين الأيام التي أضلت فيها و تجعل الدور استحاضة، أو تعمل بالاحتياط عند من ذهب إليه في جميع أوقات الإضلال، و هو ان تغتسل للحيض في كل وقت يحتمل الانقطاع و هو ما زاد على العدد من أول الدور لعدم إمكان الانقطاع قبل انقضائه و هكذا ما بعده من الأوقات التي يحتمل فيها الانقطاع، تغتسل لكل عبادة مشروطة به، و تترك تروك الحائض، و لزمها مع ذلك تكليف المنقطعة من العبادات و الأغسال أو الوضوءات، و تقضي صوم عادتها خاصة و هو العدد الذي حفظته ان علمت عدم الكسر و الا لزمها قضاء يوم آخر، و بالجملة فإن الاحتياط على القول به و عدم تحقق الحيض انما يكون فيما إذا لم يحصل لها وقت معلوم في الجملة بأن تضل العدد في وقت يزيد نصفه عن ذلك العدد أو يساويه، كما لو أضلت خمسة أو أربعة في عشرة فإنها لا حيض لها متيقن لمساواة العدد لنصف الزمان و نقصانه، اما لو زاد العدد على نصف الزمان كما إذا أضلت سبعة في عشرة فإنه يتعين كون الزائد و ضعفه حيضا بيقين و هو السادس و الخامس لاندراجهما بتقدير تقدم الحيض و تأخره و توسطه و يتعلق احتمال الانقطاع بالسادس الى تمام العشرة، فعلى العمل بالمشهور تضم الى هذين اليومين بقية العدد المذكور متقدما

241

أو متأخرا أو بالتفريق، و على العمل بالاحتياط تجمع في الأربعة الأولى بين أفعال المستحاضة و تروك الحائض و في الأربعة الأخيرة تزيد على ذلك غسل الانقطاع عند كل صلاة، و لو أضلت خمسة في التسعة الأولى فالخامس خاصة حيض لان العدد يزيد عن نصف الوقت الذي وقع فيه الضلال بنصف يوم فهو مع ضعفه يوم كامل حيض، و لو أضلت سبعة في العشرة فالمتحقق حيضا أربعة و هو الرابع و السابع و ما بينهما، و الحكم في ذلك بناء على القولين ما تقدم في مسألة إضلال الستة في العشرة، و من هنا يعلم أحكام مسائل المزج المشهورة في كلامهم و أمثلتها كثيرة، و لنذكر منها مثالين للتدرب بهما في تحصيل نظائرهما (فمنها)- ما لو قالت حيضي ستة و كنت أمزج أحد نصفي الشهر بالآخر بيوم، فهذه أضلت ستة في العشرة الأواسط فلها يومان حيض متيقن و هما الخامس عشر و السادس عشر و العشرة الأولى من الشهر طهر بيقين و يتعلق احتمال الانقطاع بالسادس عشر الى العشرين، و العمل في الأربعة المتقدمة و المتأخرة كما تقدم. و (منها)- ما لو قالت حيضي عشرة و كنت أمزج أحد نصفي الشهر بالآخر بيوم فقد اضلتها في ثمانية عشر، فالزائد من العشرة عن نصفها و هو يوم و ضعفه حيض في وسط وقت الضلال و هو ما بين السادس و الخامس و العشرين، و الخامس عشر و السادس عشر حيض متيقن كما ان الستة الاولى من الشهر و الستة الأخيرة طهر متيقن، و يتعلق احتمال الانقطاع بالسادس عشر الى الرابع و العشرين، فعلى الاحتياط تغتسل عليها للحيض و تجمع في الثمانية السابقة على اليومين و الثمانية اللاحقة بين أفعال المستحاضة و تروك الحائض، و على المشهور تضم اي الثمانيتين شاءت الى اليومين، و على ذلك فقس.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان المسألة المذكورة لما كانت عارية من النصوص على العموم و الخصوص فالواجب فيها الرجوع الى الاحتياط كما أمروا به (عليهم السلام) في مقام اشتباه الأحكام، اما لعدم الدليل أو لاشتباهه و عدم ظهور المعنى المراد منه، و بذلك يظهر قوة ما ذهب اليه الشيخ (رحمه الله) هنا، و ما رده به بعض الأصحاب من لزوم

242

العسر و الحرج غير مسموع في مقابلة النصوص الدالة على وجوبه في مثل ذلك، و لو لا ان الدليل في الصورة الأولى موجود لما كان عن القول بالاحتياط فيها ايضا معدل.

(الثالثة)- ذاكرة الوقت ناسية العدد

، و هذه لا تخلو اما ان تذكر أول الوقت أو آخره أو وسطه أو شيئا منه في الجملة، فههنا ايضا صور أربع:

(الاولى)- ان تذكر اوله

و حينئذ فيجب أن تكمله بيومين لتبين كون الجميع حيضا و يبقى الزائد عنها الى تمام العشرة محل شك و اشكال لاحتمال الطهر و الحيض فيها، فيحتمل ان تجعل طهرا بناء على ان تلك الثلاثة هي وظيفة الشهر و الحيض المتيقن، و اختاره الشهيد في البيان، و نقله في المدارك عن المعتبر و استحسنه جريا على ما قدمنا نقله عنه سابقا.

و فيه ما عرفت ثمة. و قيل- و هو المشهور- ترجع الى الروايات بان تجعل حيضها عشرة أو ستة أو سبعة فتضم إلى الثلاثة ما تكمل بما تختاره منها، لصدق النسيان الموجب للحكم في حديث السنن (1) و تجعل الباقي استحاضة، و نقله في الروض عن الشهيد ايضا. و فيه ان ظاهر مورد حديث السنن انما هو ناسية الوقت و العدد معا كما قدمنا ذكره لا ناسية أحدهما، حيث قال فيه: «و اما سنة التي قد كانت لها أيام متقدمة ثم اختلط عليها من طول الدم فزادت و نقصت حتى أغفلت عددها و موضعها من الشهر، ثم قال (عليه السلام) بعد كلام في البين: فهذا يبين ان هذه امرأة قد اختلط عليها أيامها لم تعرف عددها و لا وقتها. الحديث» و حينئذ فلا دلالة في الخبر على هذه الصورة كما لا دلالة فيه على سابقتها. و قيل بالعمل بالاحتياط كما ذكره الشيخ و من تبعه بالجمع بين التكاليف الثلاثة: الحيض و الاستحاضة و الانقطاع، فتغتسل للانقطاع بعد الثلاثة و عند كل صلاة أو غاية مشروطة بالطهارة، و حينئذ ان قلنا بالتداخل بين الأغسال- كما هو الحق في المسألة- يجب عليها للصلوات الخمس خمسة أغسال، و ان قلنا بعدم التداخل يجب عليها للصلوات الخمس ثمانية أغسال مع كثرة الدم، خمسة للانقطاع و ثلاثة للاستحاضة.

____________

(1) و هو مرسل يونس المتقدم ص 182.

243

(الثانية)- ان تذكر آخره

فيكون نهاية الثلاثة فتجعلها حيضا بيقين، و الكلام في السبعة المتقدمة حسبما تقدم، الا انه لا مجال هنا لإمكان الانقطاع فتقتصر على أفعال المستحاضة و تروك الحائض، و غسل الانقطاع انما يكون بعد الثلاثة المتيقنة.

(الثالثة)- ان تذكر وسطه خاصة

بالمعنى المعروف لغة و هو ما بين الطرفين و مرجعه الى ان تعرف كونه في أثناء الحيض، فان ذكرت يوما واحدا حفته بيومين حيضا محققا و ضمت إلى الثلاثة ما يكمل باختيارها من الروايات- على القول بالرجوع الى الروايات- قبل المتيقن أو بعده أو بالتفريق، و ان ذكرت يومين حفتهما بيومين آخرين فيتحقق لها أربعة أيام حيضا محققا و تضم إليها تمام الرواية التي تختارها، و على القول بالاحتياط تكمل ما تحققته عشرة قبله أو بعده أو بالتفريق و تعمل في الزائد على ما تحققته بالتكاليف الثلاثة متى كان متأخرا عما تحققته و الا بما عدا الانقطاع لو كان متقدما، و لو ذكرت الوسط بالمعنى الحقيقي أعني المحفوف بمتساويين، فان كان يوما فالحكم فيه ما تقدم في اليوم من الوسط بالمعنى الأول، الا انها هنا على تقدير العمل بالروايات لا تختار من الروايات زوجا كالستة لعدم تحقق الحافتين بل اما تأخذ سبعة أو ثلاثة، و على تقدير القول بالاحتياط تضم إلى الثلاثة المتيقنة ثلاثة أخرى قبلها و ثلاثة أخرى بعدها و تكتفي بالتسعة للعلم بانتفاء العاشر حينئذ.

(الرابعة)- ان تذكر شيئا منه في الجملة

فهو الحيض المتيقن، فعلى القول بالرجوع الى الروايات ان ساوى إحداها أو زاد اقتصرت عليه حسبما يتصور و ان قصر عنها أكملته بإحداها قبله أو بعده أو بالتفريق، و على القول بالاحتياط تكمله عشرة أو تجعله نهاية عشرة. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الواجب في هذه الصورة بمقتضى ما قدمناه من عدم وجود النص و وجوب العمل بالاحتياط في أمثال ذلك هو العمل بالاحتياط الذي ذكره الشيخ فيما زاد على المتيقن من الفروض المذكورة. و الله العالم.

244

(المقصد الثالث)- في الأحكام

و فيه أيضا مسائل

[المسألة] (الأولى) [هل يجوز وطء الحائض بعد انقطاع الدم قبل الغسل؟]

- المشهور بين الأصحاب جواز وطء الحائض بعد انقطاع الدم قبل الغسل على كراهية، و نقلوا عن الصدوق في الفقيه القول بالتحريم، و اعترضهم جملة من متأخري المتأخرين: منهم- بل ربما كان أولهم- صاحب المدارك و تبعه من تبعه بان كلامه في الفقيه غير ظاهر في التحريم لتصريحه بجواز مجامعتها لو كان الزوج شبقا. أقول و عبارة الفقيه هكذا: «و لا يجوز مجامعة المرأة في حيضها لان الله عز و جل نهى عن ذلك فقال: «. وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ(1) يعني بذلك الغسل من الحيض، فان كان الرجل شبقا و قد طهرت المرأة و أراد ان يجامعها قبل الغسل أمرها ان تغسل فرجها ثم يجامعها» انتهى. و من نقل عنه القول بالتحريم استند الى صدر عبارته الدال على ان الله سبحانه نهى عن ذلك حتى تغتسل، و لا ريب ان هذا الكلام صريح فيما ذكروه و نسبوه اليه من القول بالتحريم، و من نقل عنه القول بالجواز استند الى قوله: «فان كان الرجل شبقا. إلخ» و أنت خبير بان المفهوم من هذه العبارة انه يرى التحريم كما هو صريح صدر عبارته و لكنه يستثني هذا الفرد للأخبار الدالة عليه (2) فكأنه يخصص عموم الآية بالأخبار المذكورة و لو لا ذلك لكان التدافع في كلامه أظهر ظاهر، فان صدر كلامه ظاهر في التحريم حتى تغتسل عملا بظاهر الآية التي استند إليها و هي قراءة «يطهرن» بالتشديد، إذ المراد بالطهارة الغسل البتة، و بالجملة فالظاهر عندي هو صحة ما نسبوه اليه من القول بالتحريم و ان استثنى منه هذا الفرد بخصوصه.

و الواجب أولا تحقيق الكلام في معنى الآية ثم العطف على الأخبار الواردة في المسألة، فنقول: قد استدل على القول المشهور بقراءة السبعة: «وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ» (3) بالتخفيف اي يخرجن من الحيض، يقال طهرت المرأة إذا انقطع حيضها، فجعل سبحانه

____________

(1) سورة البقرة. الآية 221.

(2) المروية في الوسائل في الباب 27 من أبواب الحيض.

(3) سورة البقرة. الآية 221.

245

غاية التحريم انقطاع الدم فيثبت الحل بعده عملا بمفهوم الغاية، لأن الحق انه حجة بل صرح الأصوليون بأنه أقوى من مفهوم الشرط، قالوا: و لا ينافي ذلك قراءة التشديد (أما أولا)- فلان «تفعل» قد جاء في كلامهم بمعنى «فعل» كقولهم تبين و تبسم و تطعم بمعنى بان و بسم و طعم، قيل و من هذا الباب المتكبر في أسماء الله تعالى بمعنى الكبير، و إذا ثبت إطلاق هذه البنية على هذا المعنى كان الحمل عليه اولى صونا للقراءتين عن التنافي. و (اما ثانيا)- فلا مكان حمل النهي في هذه القراءة على الكراهة توفيقا بين القراءتين و كون النهي عن المباشرة بعد انقطاع الدم لسبق العلم بتحريمها حالة الحيض من صدر الآية أعني قوله تعالى: «. فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ(1) هكذا قرره في المدارك. و فيه (أولا)- ان مدار الاستدلال على حجية مفهوم الغاية كما ذكره، و هو و ان سجل على حجيته بما ذكره الا انه غير ظاهر عندي لما قدمناه في مقدمات الكتاب من انه لم يقم دليل شرعي على حجية شيء من المفاهيم المذكورة سوى مفهوم الشرط كما تقدم، و التعويل على مجرد ما يذكر في الأصول من الدعاوي التي يزعمونها أدلة غير ثابت عندي، بل المدار عندي في الاستدلال انما هو على الكتاب و السنة و هما الثقلان اللذان أمر (صلى الله عليه و آله) بالتمسك بهما بعده. و (ثانيا)- فان ما ادعاه- من ان «يطهرن» بالتخفيف اي يخرجن من الحيض- مبني على تفسير الطهارة بالمعنى اللغوي، و لم لا يجوز الحمل على المعنى الشرعي؟ سيما مع القول بالحقائق الشرعية لا بد لنفيه من دليل. و (ثالثا)- ان ما ذكره من حمل صيغة «تَطَهَّرْنَ» بالتشديد على «طهرن» مجاز لا يصار اليه مع إمكان الحمل على الحقيقة، و ما ادعاه- من ان الحمل عليه اولى لصون القراءتين عن التنافي- مردود بأنه يمكن دفع التنافي بحمل الطهارة في قراءة التخفيف على المعنى الشرعي فتجتمع مع قراءة التشديد الصريحة في المعنى الشرعي.

و (رابعا)- ان التعارض انما وقع بين مفهوم الغاية على تقدير قراءة التخفيف و بين

____________

(1) سورة البقرة. الآية 221.

246

منطوق قراءة التشديد، و مع تسليم حجية المفهوم المذكور في حد ذاته فترجيحه على المنطوق ممنوع بل حجية المنطوق أقوى، و يؤيده أيضا مفهوم الشرط في قوله سبحانه: «. فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ(1) فإن الأمر للإباحة و مفهومه ان قبل التطهر غير مباح إتيانهن و كذا قوله في آخر الآية: «. إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» فان هذه المحبة إنما تترتب على من فعل الطهارة و اتى بها التي هي عبارة عن الغسل لا على من حصلت له قهرا بانقطاع الدم.

و كيف كان فالاستناد الى الآية المذكورة مما لا يخلو من شوب الاشكال لما عرفت من تعدد الاحتمال فلم يبق الا الرجوع الى الاخبار:

و منها-

ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (2): «في المرأة ينقطع عنها دم الحيض في آخر أيامها؟ قال إذا أصاب زوجها شبق فليأمرها فلتغسل فرجها ثم يمسها ان شاء قبل ان تغتسل».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن علي بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الحائض ترى الطهر أ يقع عليها زوجها قبل ان تغتسل؟ قال لا بأس و بعد الغسل أحب الي».

و في الموثق عن عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«إذا انقطع الدم و لم تغتسل فليأتها زوجها ان شاء».

و عن عبد الله بن المغيرة عمن سمعه عن العبد الصالح (عليه السلام) (5) «في المرأة إذا طهرت من الحيض و لم تمس الماء فلا يقع عليها زوجها حتى تغتسل و ان فعل فلا بأس به، و قال تمس الماء أحب الي».

أقول: و بهذه الأخبار أخذ من قال بالقول المشهور.

و منها-

ما رواه الشيخ في الموثق عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6)

____________

(1) سورة البقرة. الآية 221.

(2) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الحيض.

(3) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الحيض.

(4) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الحيض.

(5) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الحيض.

(6) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الحيض.

247

قال: «سألته عن امرأة كانت طامثا فرأت الطهر أ يقع عليها زوجها قبل ان تغتسل؟ قال:

لا حتى تغتسل. قال: و سألته عن امرأة حاضت في السفر ثم طهرت فلم تجد ماء يوما أو اثنين أ يحل لزوجها ان يجامعها قبل ان تغتسل؟ قال: لا يصلح حتى تغتسل».

و في الموثق عن ابان بن عثمان عن عبد الرحمن (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة حاضت ثم طهرت في سفر فلم تجد الماء يومين أو ثلاثة هل لزوجها ان يقع عليها؟ قال لا يصلح لزوجها ان يقع عليها حتى تغتسل».

و عن سعيد بن يسار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له المرأة تحرم عليها الصلاة ثم تطهر فتتوضأ من غير ان تغتسل أ فلزوجها أن يأتيها قبل ان تغتسل؟ قال: لا حتى تغتسل».

و هذه الاخبار مما دل بظاهرها على التحريم قبل الغسل و الأصحاب قد حملوها على الكراهة جمعا بين الاخبار. أقول: لا إشكال في الحكم بالكراهة لدلالة الأخبار المتقدمة عليها، و الأظهر عندي في هذه الاخبار الحمل على التقية فإن جل العامة على التحريم في هذه المسألة (3) و نقله في المنتهى عن الشافعي و الزهري و ربيعة و مالك و الليث و الثوري و احمد و إسحاق و ابي ثور، و نقل عن أبي حنيفة انه ان انقطع الدم لأكثر الحيض حل وطؤها و ان انقطع لدون ذلك لم يبح حتى تغتسل أو تتيمم أو يمضي عليها وقت الصلاة (4).

أقول: و من اخبار المسألة

ما رواه في الكافي (5) عن ابي عبيدة قال: «سألت

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الحيض.

(3) كما في المغني لابن قدامة الحنبلي ج 1 ص 338 و البداية لابن رشد المالكي ج 1 ص 52.

(4) كما في المغني ج 1 ص 338 و البداية ج 1 ص 52 و البحر الرائق ج 1 ص 202.

(5) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب الحيض.

248

أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة الحائض ترى الطهر في السفر و ليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها و قد حضرت الصلاة؟ فقال: إذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ثم تتيمم و تصلي. قلت: فيأتيها زوجها في تلك الحال؟ قال: نعم إذا غسلت فرجها و تيممت فلا بأس».

و عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المرأة إذا تيممت من الحيض هل تحل لزوجها؟ قال: نعم».

و ربما يفهم من هذين الخبرين توقف الحل متى تعذر الغسل على التيمم بل و غسل الفرج، و في المعتبر ان ظاهر بعض عباراتهم وجوب غسل الفرج. أقول: لا يبعد حمل توقف الحل على التيمم في هذين الخبرين على التقية لموافقته لمذهب أبي حنيفة كما قدمنا نقله (2) و الله العالم.

(المسألة الثانية) [حكم فريضة الوقت عند عروض الحيض و انقطاعه]

- المشهور بين الأصحاب انه متى حاضت و قد مضى من الوقت ما يسع الطهارة و الصلاتين معا و لم تصلهما وجب عليها قضاؤهما بعد الطهر و لو لم يسع إلا الاولى و لم تصلها وجب قضاؤها خاصة، و كذا المشهور- بل ادعى عليه الإجماع- انها متى طهرت من حيضها و قد بقي من الوقت ما يسع الطهارة و الصلاتين وجب عليها الأداء و مع التفريط القضاء حتى لو لم تدرك إلا بقدر الطهارة و ركعة وجب عليها الإتيان بما أدركت وقته و الا فالقضاء، فههنا مقامان:

[المقام] (الأول) [حكم فريضة الوقت عند عروض الحيض]

- فيما لو حاضت و قد مضى من الوقت ما يسع الطهارة و الصلاة، فإنه يجب عليها الأداء و مع التفريط القضاء، و لو لم يمض القدر المذكور فإنه لا يجب عليها القضاء، و يدل على الحكم الأول

موثقة يونس بن يعقوب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «في امرأة دخل عليها وقت الصلاة و هي طاهر فأخرت الصلاة حتى

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب الحيض.

(2) ص 247.

(3) المروية في الوسائل في الباب 48 من أبواب الحيض.

249

حاضت؟ قال: تقضي إذا طهرت».

و رواية عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألته عن المرأة تطمث بعد ما تزول الشمس و لم تصل الظهر هل عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال:

نعم».

و يؤيده عموم ما دل على وجوب قضاء الفوائت و اما الحكم الثاني فاستدل عليه العلامة في المنتهى بان وجوب الأداء ساقط لاستحالة التكليف بما لا يطاق و وجوب القضاء تابع لوجوب الأداء. و فيه انه منقوض بوجوب الصلاة على الساهي و النائم و قضاء الصوم على الحائض. و التحقيق ان يقال ان الأصل براءة الذمة مما لم يقم دليل على التكليف به، و ان القضاء لا ترتب له على الأداء بل انما يجب بأمر جديد كما عليه جملة من المحققين، و يدل على ذلك

موثقة سماعة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة صلت من الظهر ركعتين ثم انها طمثت و هي جالسة؟ فقال: تقوم من مكانها و لا تقضي الركعتين».

بحملها على كون صلاتها في أول الوقت. و نقل هنا عن المرتضى و الصدوق (رضي الله عنهما) الاكتفاء في وجوب القضاء بخلو الوقت عن الحيض بمقدار أكثر الصلاة. و رده الأصحاب بعدم الوقوف على مأخذه. أقول: يمكن ان يكون مأخذه

رواية أبي الورد المروية في الكافي و التهذيب (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرأة التي تكون في صلاة الظهر و قد صلت ركعتين ثم ترى الدم؟ قال: تقوم من مسجدها و لا تقضي الركعتين، قال: فإن رأت الدم و هي في صلاة المغرب و قد صلت ركعتين فلتقم من مسجدها فإذا تطهرت فلتقض الركعة التي فاتتها من المغرب».

و بهذه الرواية عبر الصدوق في الفقيه فقال: «فان صلت المرأة من الظهر ركعتين ثم رأت الدم قامت من مجلسها و ليس عليها ان طهرت قضاء الركعتين، فان كانت في صلاة المغرب و قد صلت منها ركعتين قامت من مجلسها فإذا طهرت قضت الركعة» و التقريب في الرواية المذكورة بالحمل على الصلاة في أول الوقت، حيث فرق فيها بين الظهر و المغرب فأوجب قضاء الباقي من المغرب دون الباقي من الظهر، لمضي أكثر الصلاة بالنسبة إلى المغرب دون الظهر.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 48 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 48 من أبواب الحيض.

(3) المروية في الوسائل في الباب 48 من أبواب الحيض.

250

و ظاهر الرواية المذكورة انما هو قضاء الباقي من الصلاة، و المعروف من كلام الأصحاب- و هو الموافق للأدلة- انما هو قضاء الصلاة كملا لو مضى من الوقت مقدارها مع الطهارة ثم طرأ الحدث لا البناء على ما مضى و الإتمام لها، و ان كان هذا مما ينطبق على مذهب الصدوق في من نسي ركعة أو ركعتين ثم ذكر فإنه يقضي ما بقي و لو بلغ الصين، و بالجملة فهذا القول ضعيف مرغوب عنه و روايته ضعيفة متهافتة و هي مردودة إلى قائلها و هو اعلم بها. و اما ما أجاب به العلامة في المختلف- من حملها على انها فرطت في المغرب دون الظهر، قال: «و انما يتم قضاء الركعة بقضاء الباقي و يكون إطلاق الركعة على الصلاة مجازا» انتهى- فلا يخفى بعده.

(المقام الثاني) [حكم فريضة الوقت عند انقطاع الحيض]

- فيما لو طهرت من حيضها و قد بقي من الوقت ما يسع الطهارة و الصلاتين أو إحداهما، فإنه يجب عليها الأداء و مع التفريط القضاء.

و يدل عليه جملة من الاخبار: منها-

صحيحة عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال قال: «أيما امرأة رأت الطهر و هي قادرة على ان تغتسل في وقت صلاة ففرطت فيها حتى يدخل وقت صلاة اخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها، و ان رأت الطهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك فجاز وقت الصلاة و دخل عليها وقت صلاة أخرى فليس عليها قضاء و تصلي الصلاة التي دخل وقتها».

و منها-

صحيحة ابي عبيدة الحذاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«إذا رأت المرأة الطهر و هي في وقت الصلاة ثم أخرت الغسل حتى يدخل وقت صلاة اخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها، و إذا طهرت في وقت فأخرت الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى ثم رأت دما كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها».

و رواية منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا طهرت

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 49 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 48 و 49 من أبواب الحيض بالتقطيع.

(3) المروية في الوسائل في الباب 49 من أبواب الحيض.

251

الحائض قبل العصر صلت الظهر و العصر فان طهرت في آخر وقت العصر صلت العصر».

و رواية أبي الصباح الكناني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب و العشاء و ان طهرت قبل ان تغيب الشمس صلت الظهر و العصر».

و صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر و العصر و ان طهرت من آخر الليل فلتصل المغرب و العشاء».

و نحوها رواية داود الزجاجي (3) و رواية عمر بن حنظلة (4) فإنهما مشتملتان على هذا التفصيل بالنسبة إلى الظهرين و العشاءين حسبما في سابقتيهما.

و بإزاء هذه الأخبار ما هو ظاهر المنافاة، و منه-

صحيحة معمر بن يحيى (5) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الحائض تطهر عند العصر تصلي الاولى؟

قال: لا انما تصلي الصلاة التي تطهر عندها».

و بهذا المضمون عبر في الفقيه فقال: «و المرأة التي تطهر من حيضها عند العصر فليس عليها ان تصلي الظهر انما تصلي الصلاة التي تطهر عندها» و الرواية المذكورة محمولة على الوقت المختص جمعا بينها و بين ما تقدم، و حينئذ فإن أراد الصدوق ذلك و الا كان ما ذكره مخالفا للمشهور بين الأصحاب.

و منه-

موثقة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (6) قال: «قلت المرأة ترى الطهر عند الظهر فتشتغل في شأنها حتى يدخل وقت العصر؟ قال تصلى العصر وحدها فان ضيعت فعليها صلاتان».

و يجب حملها ايضا على الوقت المختص.

و المراد باشتغالها في شأنها يعني السعي في تحصيل أسباب الغسل.

و رواية أبي همام عن ابي الحسن (عليه السلام) (7) «في الحائض إذا اغتسلت

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 49 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 49 من أبواب الحيض.

(3) المروية في الوسائل في الباب 49 من أبواب الحيض.

(4) المروية في الوسائل في الباب 49 من أبواب الحيض.

(5) المروية في الوسائل في الباب 49 من أبواب الحيض.

(6) المروية في الوسائل في الباب 49 من أبواب الحيض.

(7) المروية في الوسائل في الباب 49 من أبواب الحيض.

252

في وقت العصر تصلي العصر ثم تصلي الظهر».

و يجب حملها على ما إذا طهرت في وقت يسع الظهر و العصر ثم توانت بالغسل الى الوقت المختص.

و من ذلك-

موثقة الفضل بن يونس (1) قال: «سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) قلت: المرأة ترى الطهر قبل غروب الشمس كيف تصنع بالصلاة؟ قال: إذا رأت الطهر بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلا تصلي إلا العصر، لان وقت الظهر دخل عليها و هي في الدم و خرج عنها الوقت و هي في الدم فلم يجب عليها ان تصلى الظهر، و ما طرح الله تعالى عنها من الصلاة و هي في الدم أكثر، قال: و إذا رأت المرأة الدم بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلتمسك عن الصلاة فإذا طهرت من الدم فلتقض صلاة الظهر، لان وقت الظهر دخل عليها و هي طاهر و خرج عنها وقت الظهر و هي طاهر فضيعت صلاة الظهر فوجب عليها قضاؤها».

و ظاهر الشيخ في التهذيب الجمع بين الاخبار المتقدمة بهذا الخبر حيث قال: «ان المرأة إذا طهرت بعد زوال الشمس الى ان يمضي منه أربعة أقدام فإنه يجب عليها قضاء الظهر و العصر معا. و إذا طهرت بعد أن يمضي أربعة أقدام فإنه يجب عليها قضاء العصر لا غير و يستحب لها قضاء الظهر إذا كان طهرها الى مغيب الشمس».

و الى هذا القول مال في الذخيرة فقال بعد نقل كلام الشيخ: «و بهذا الوجه جمع بين الاخبار المختلفة الواردة في هذا الباب، و نحوه قال في النهاية و المبسوط، و ما ذكره الشيخ طريقة حسنة في الجمع بين الاخبار» ثم نقل جملة من روايات الطرفين و قال بعدها: «و يمكن الجمع بين هذه الأخبار بوجهين: (الأول) حمل خبر الفضل على التقية. و (الثاني) حمل خبر ابن سنان و ما في معناه على الاستحباب، و الثاني أقرب لعدم ظهور كون مدلول خبر الفضل معمولا به بين العامة بل المشتهر بينهم خلافه (2)

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 48 و 49 من أبواب الحيض بالتقطيع.

(2) في المغني لابن قدامة ج 1 ص 396 «قال الخرقي إذا طهرت الحائض و أسلم- الكافر و بلغ الصبي قبل ان تغرب الشمس صلوا الظهر فالعصر، و ان بلغ الصبي و أسلم الكافر و طهرت الحائض قبل ان يطلع الفجر صلوا المغرب و العشاء الآخرة. و روى هذا القول في الحائض تطهر عن عبد الرحمن بن عوف و ابن عباس و مجاهد و النخعي و الزهري و ربيعة و مالك و الليث و الشافعي و إسحاق و ابى ثور، و قال الإمام احمد: عامة التابعين يقولون بهذا القول الا الحسن وحده قال لا تجب إلا الصلاة التي طهرت في وقتها وحدها و هو قول الثوري و أصحاب الرأي لأن وقت الاولى خرج في حال عذرها فلم تجب كما لو لم تدرك من وقت الثانية شيئا. و حكى عن مالك انه إذا أدرك خمس ركعات من وقت الثانية وجبت الأولى لأن قدر الاولى من الخمس وقت للصلاة الاولى في حال العذر فوجبت بإدراكه كما لو أدرك ذلك من وقتها المختار بخلاف ما لو أدرك دون ذلك» و في المحلى لابن حزم ج 2 ص 176 «إذا طهرت الحائض في آخر وقت الصلاة بمقدار ما لا يمكنها الغسل و الوضوء حتى يخرج الوقت فلا تلزمها و لا قضاؤها، و هو قول الأوزاعي و أصحابنا و قال الشافعي و احمد عليها ان تصلى».

253

فتعين الثاني، فظهر ان قول الشيخ قوي متجه» انتهى.

أقول: فيه (أولا)- ما عرفت من ان ما عدا رواية الفضل فإنه محمول على وجه يمكن انطباقه على الأخبار الأولة و به يرتفع التنافي بينهما فيجب المصير اليه جمعا بين الاخبار المذكورة، و الحمل على الاستحباب- كما ذهب اليه الشيخ و من تبعه من الأصحاب في جملة الأبواب- قد عرفت انه لا دليل عليه من سنة و لا كتاب، مع انه مجاز لا يصار اليه إلا بقرينة في الباب، و اختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز كما لا يخفى على ذوي الألباب.

و (ثانيا)- ان ما ذكره الشيخ من حمل الأخبار الثانية على ما دلت عليه موثقة الفضل بن يونس موجب للحكم بكون آخر وقت الظهر هو مضى أربعة أقدام، و هو و ان كان منقولا عنه في باب الأوقات إلا انه مردود بالآية و الروايات التي ربما بلغت التواتر المعنوي من امتداد وقت الظهرين الى الغروب إلا بمقدار صلاة العصر

254

و اتفاق الأصحاب سلفا و خلفا على ذلك، و ليس المخالفة منحصرة في اخبار هذه المسألة كما ظنه فزعم قوة ما ذهب اليه الشيخ هنا للجمع بينها، بل المخالفة في تلك الاخبار المشار إليها المتفق عليها أظهر و أشنع، و حينئذ فما جنح اليه من موافقة الشيخ على هذا الحمل مما لا ينبغي ان يلتفت اليه.

و (ثالثا)- ان الحمل على التقية لا يختص بوجود القائل من العامة كما حققناه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب، على ان مذاهب العامة في الصدر الأول لا انحصار لها في عدد بل لهم في كل عصر مذهب، و الانحصار في هذه الأربعة انما وقع أخيرا في سنة ستمائة تقريبا كما صرح به علماؤنا و علماؤهم، و بالجملة فإن الخبر المذكور ظاهر المخالفة للقرآن العزيز و السنة المستفيضة بل المتواترة معنى و ما عليه كافة العلماء سلفا و خلفا و منهم هذا القائل، فيجب طرحه في مقابلتها و يتعين حمله على ما ذكرنا. و الله العالم

(المسألة الثالثة) [الأمور المحرمة على الحائض]

- يحرم عليها أمور

(الأول)- كل ما يشترط فيه الطهارة

كالصلاة و الطواف و مس كتابة القرآن إجماعا في الأولين و على المشهور في الثالث، و عن ابن الجنيد انه مكروه، و حمله على التحريم غير بعيد فإن عبائر المتقدمين تجري على الاخبار التي قد كثر فيها إطلاق الكراهة على التحريم.

و من الاخبار في المسألة زيادة على الاتفاق

ما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «إذا كانت المرأة طامثا فلا تحل لها الصلاة.».

و ما رواه في العلل و العيون عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (2) قال:

«إذا حاضت المرأة فلا تصوم و لا تصلي، لأنها في حد نجاسة فأحب الله تعالى ان لا يعبد إلا طاهرا، و لانه لا صوم لمن لا صلاة له. الحديث».

و ما في كتاب نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) قال: «معاشر الناس ان النساء نواقص الايمان نواقص العقول نواقص الحظوظ، فاما نقصان ايمانهن فقعودهن عن الصلاة و الصيام في أيام حيضهن،

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 39 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 39 من أبواب الحيض.

(3) رواه في الوسائل في الباب 39 من أبواب الحيض.

255

و اما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد، و اما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الإنصاف من مواريث الرجال».

و اما الطواف فستأتي الأخبار الدالة عليه في كتاب الحج ان شاء الله تعالى، و اما مس كتابة القرآن فقد مر ما يدل عليه في مبحث الوضوء (1) و في غسل الجنابة (2)

(الثاني)- الصوم

الا انه يجب قضاؤه عليها دون الصلاة، و يدل على ذلك زيادة على ما تقدم في الاخبار السابقة

ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (3) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المستحاضة؟ فقال تصوم شهر رمضان إلا الأيام التي كانت تحيض فيها ثم تقضيها بعد».

و في قضاء المنذور و شبهه الذي وافق الحيض وجهان أقربهما عند العلامة عدم الوجوب، و اختار الشهيد الوجوب و هو الأحوط. و اما عدم قضاء الصلاة فإجماعي نصا و فتوى، و في جملة من الأخبار تعليل قضاء الصوم دون الصلاة بأنه محض تعبد، و في بعضها بأنه دليل على بطلان القياس،

ففي رواية الحسن بن راشد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) لما سأله عن وجه الفرق بينهما قال: «ان أول من قاس إبليس».

و في بعضها بان الصوم انما هو في السنة مرة و الصلاة في كل يوم و ليلة، و أكثر الاخبار على الثاني. ثم انه لا يخفى ان ظاهر النصوص الاختصاص بالصلوات اليومية، و هل يلحق بها غيرها من الصلوات الواجبة عند عروض أسبابها في وقت الحيض كالكسوف و الخسوف؟ وجهان أحوطهما العدم. و اما الزلزلة فالظاهر ان وقتها العمر كما سيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى. و هل تتوقف صحة صومها على الغسل أم لا؟

قولان يأتي الكلام فيهما ان شاء الله في كتاب الصوم.

(الثالث)- اللبث في المساجد و الاجتياز في المسجدين الحرمين

، قال في

____________

(1) ج 2 ص 122.

(2) ج 2 ص 46.

(3) رواه في الوسائل في الباب 39 من أبواب الحيض.

(4) المروية في الوسائل في الباب 41 من أبواب الحيض.

256

المدارك بعد ذكر الحكم الأول: «هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب بل قال في المنتهى انه مذهب عامة أهل العلم» أقول: لا يخفى ان دعوى الإجماع هنا لا تخلو من غفلة عن خلاف سلار في المسألة حيث قال في التحرير في أحكام الحائض: «يحرم عليها اللبث في المساجد إجماعا إلا من سلار» و قال في الروض: «و عد سلار اللبث في المساجد للجنب و الحائض و وضع شيء فيها مما يستحب تركه و لم يفرق بين المسجدين و غيرهما» و الحق انه متحقق اللهم إلا ان يقال الإجماع انعقد بعده أو ان مخالفة معلوم النسب غير قادح في الإجماع.

و يدل على الحكم المذكور

ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن على المشهور عن محمد بن مسلم (1) قال قال أبو جعفر (عليه السلام): «الجنب و الحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب و يقرءان من القرآن ما شاءا إلا السجدة و يدخلان المسجد مجتازين و لا يقعدان فيه و لا يقربان المسجدين الحرمين».

و ما رواه الصدوق في العلل في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (2) قالا: «قلنا له الحائض و الجنب يدخلان المسجد أم لا؟ فقال:

الحائض و الجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين. الحديث».

و لم نقف لسلار على دليل معتد به إلا التمسك بالأصل و لا ريب في وجوب الخروج عنه بما ذكرناه من الدليل.

(الرابع)- وضع شيء في المساجد

، و لا خلاف فيه إلا من سلار فإنه نقل عنه الكراهة، و يدل على المشهور

صحيحة عبد الله بن سنان (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب و الحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال: نعم

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 15 و 19 من أبواب الجنابة بالتقطيع.

(2) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 17 من أبواب الجنابة.

257

و لكن لا يضعان في المسجد شيئا».

و

صحيحة زرارة و ابن مسلم المتقدم نقلها من العلل حيث قال فيها: «و يأخذ ان من المسجد و لا يضعان فيه. قال زرارة فقلت له فما بالهما يأخذان منه و لا يضعان فيه؟ قال: لأنهما لا يقدران على أخذ ما فيه إلا منه و يقدران على وضع ما بيدهما في غيره. الحديث».

و ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «سألته كيف صارت الحائض تأخذ ما في المسجد و لا تضع فيه؟ فقال: لأن الحائض تستطيع ان تضع ما في يدها في غيره و لا تستطيع أن تأخذ ما فيه إلا منه».

(الخامس)- قراءة سور العزائم

، و قصر جملة من متأخري المتأخرين التحريم على آية العزيمة هنا و في الجنب، و قد تقدم تحقيق القول في ذلك في المسألة الرابعة من المقصد الخامس من مقاصد غسل الجنابة (2) و اما ما يدل على ذلك و يتعلق به من البحث فقد تقدم في المقصد الثاني من فصل غسل الجنابة (3).

بقي الكلام هنا في موضعين

(الأول)- لو تلت السجدة أو سمعتها هل يجب عليها السجود أم لا؟

ظاهر الأكثر ذلك، و عن الشيخ انه حرم عليها السجود مستندا إلى انه يشترط في السجود الطهارة من النجاسات مدعيا على ذلك الاتفاق، و الأظهر هو القول المشهور

لما رواه الكليني في الصحيح و الشيخ في الموثق عن ابي عبيدة الحذاء (4) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الطامث تسمع السجدة؟ قال: ان كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها».

و في الموثق عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «ان صليت مع قوم فقرأ الامام «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.» الى ان قال و الحائض تسجد إذا سمعت السجدة».

و عن ابي بصير ايضا (6) قال قال: «إذا

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 35 من أبواب الحيض.

(2) ص 141.

(3) ص 55.

(4) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب الحيض.

(5) رواه في الوسائل في الباب 38 من أبواب الحيض.

(6) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب الحيض.

258

قرئ شيء من العزائم الأربع فسمعتها فاسجد و ان كنت على غير وضوء و ان كنت جنبا و ان كانت المرأة لا تصلي، و سائر القرآن أنت فيه بالخيار ان شئت سجدت و ان شئت لم تسجد».

و اما ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1)- قال: «سألته عن الحائض هل تقرأ القرآن و تسجد سجدة إذا سمعت السجدة؟ قال تقرأ و لا تسجد».

قال في الوافي: و في بعض النسخ «لا تقرأ و لا تسجد» و حمله في الاستبصار على جواز الترك، و مثله

ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين عن محمد بن يحيى الخزاز عن غياث عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (2) قال:

«لا تقضى الحائض الصلاة و لا تسجد إذا سمعت السجدة».

- فسيأتي الجواب عنهما.

و من العجيب ان الشيخ (رحمه الله) في التهذيب حمل خبر ابي عبيدة و خبر ابي بصير الثاني على الاستحباب مع انه حكم بتحريم السجود و انه لا يجوز إلا لطاهر من النجاسات استنادا إلى صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله المذكورة.

و أجاب في المختلف عن صحيحة عبد الرحمن المذكورة بالحمل على المنع من قراءة العزائم، قال «و كأنه (عليه السلام) قال «تقرأ القرآن و لا تسجد» اي و لا تقرأ العزيمة التي تسجد فيها و إطلاق المسبب على السبب مجازا جائزا» و لا يخفى ما فيه من البعد. و أجاب عنها المتأخرون بالحمل على السجدات المستحبة بدليل قوله «تقرأ» و حينئذ فالدلالة منتفية. و في المدارك انه يمكن حملها على السماع الذي لا يكون معه الاستماع، قال فإن: صحيحة أبي عبيدة إنما تضمنت وجوب السجود عليها مع الاستماع.

أقول: و الكل تكلف مستغنى عنه، و الأظهر حمل الخبر المذكور و كذا خبر غياث على التقية فإن جمهور الجمهور على المنع من السجود، و نقله في المنتهى عن أبي حنيفة

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب الحيض.

259

و الشافعي و احمد، و نقل عن بعض أنها تومئ برأسها (1) و اما على ما نقله في الوافي من نسخة «لا تقرأ و لا تسجد» فلا منافاة في الخبر المذكور، و بذلك يظهر ما في كلام صاحب الذخيرة تبعا لبعض نسخ المدارك من التوقف في المسألة و انها موضع إشكال ينشأ من الاحتمالات السابقة في حمل الصحيحة المشار إليها، و على ما ذكرناه فلا اشكال، و لكنهم حيث ضربوا صفحا عن الترجيح بين الاخبار بهذه القاعدة مع استفاضة النصوص بها وقعوا في ما وقعوا فيه. و الله العالم.

(الثاني) [هل موجب سجود التلاوة هو السماع أو الاستماع]

- اختلف الأصحاب في موجب سجود التلاوة في هذا الموضع و غيره هل هو مجرد السماع و ان كان من غير قصد أو الاستماع الذي هو عبارة عن الإصغاء و القصد الى ذلك؟ قولان يأتي تحقيق الكلام فيهما في بحث السجود من كتاب الصلاة ان شاء الله تعالى.

(المسألة الرابعة)

- لا خلاف بين الأصحاب في انه لا يصح طلاقها بعد الدخول و حضور الزوج أو ما في حكمه و هو قربه منها بحيث يمكنه استعلام حالها كالمحبوس و نحوه، فغير المدخول بها يصح طلاقها و ان كانت حائضا و كذا مع غيبة الزوج، الا انه قد وقع الخلاف في حد الغيبة المجوزة، فقيل انه ثلاثة أشهر، و قيل شهر، و قيل المعتبر ان يعلم انتقالها من الطهر الذي واقعها فيه الى آخر بحسب عادتها و هو المشهور بين المتأخرين، و سيأتي تحرير الكلام في المسألة في محلها ان شاء الله تعالى من كتاب الطلاق.

____________

(1) في بدائع الصنائع ج 1 ص 186 و مجمع الانهر ج 1 ص 157 «لا تجب سجدة التلاوة على الحائض و النفساء دون الجنب» و في البحر الرائق ج 2 ص 121 «لا يجب السجود على الحائض بتلاوتها كما لا يجب بسماعها» و في المغني ج 1 ص 620 «لا نعلم خلافا في اشتراط السجود للتلاوة بالطهارتين من الحدث و الخبث و ستر العورة و استقبال القبلة و النية إلا ما روى عن عثمان بن عفان في الحائض تسمع السجدة تومئ برأسها و به قال سعيد بن المسيب».

260

(المسألة الخامسة) [حرمة وطء الحائض]

- لا خلاف بين الأصحاب في تحريم وطء الحائض في القبل بل نقل عن جمع منهم التصريح بكفر مستحله حيث انه من ضروريات الدين، إلا ان يدعى في ذلك شبهة ممكنة كقرب عهده بالإسلام أو نشوه في بادية بعيدة عن العلم بمعالم الدين و تحقيق البحث في المقام يقع في مواضع

(الأول) [التعزير في وطء الحائض]

- قال في المدارك: «و لا ريب في فسق الواطئ بذلك و وجوب تعزيره بما يراه الحاكم مع علمه بالحيض و حكمه، و يحكى عن ابى علي ولد الشيخ تقديره بثمن حد الزاني و لم نقف على مأخذه» و تبعه في هذه المقالة الفاضل الخراساني في الذخيرة و غيره، و تقدمه فيها جده في الروض و غيره، و العجب منهم (رضوان الله عليهم) في عدم وقوفهم على حد التعزير في الصورة المذكورة حتى أرجعوه إلى الحاكم مع تكاثر الاخبار بذلك، و منها-

ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي (1) قال: «سألت أبا الحسن عن رجل أتى اهله و هي حائض؟ قال يستغفر الله و لا يعود. قلت فعليه أدب؟ قال: نعم خمسة و عشرون سوطا ربع حد الزاني و هو صاغر لانه اتى سفاحا».

و روى الشيخان المذكوران ايضا عن محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يأتي المرأة و هي حائض؟ قال: يجب عليه في استقبال الحيض دينار و في استدباره نصف دينار. قلت جعلت فداك يجب عليه شيء من الحد؟ قال: نعم خمسة و عشرون سوطا ربع حد الزاني لانه اتى سفاحا».

و روى الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال: «من اتى امرأته في الفرج في أول أيام حيضها فعليه ان يتصدق بدينار و عليه ربع حد الزاني خمسة و عشرون جلدة، و ان أتاها في آخر أيام حيضها فعليه ان يتصدق بنصف دينار و يضرب اثنتي عشرة جلدة و نصفا».

و ظاهر الخبرين الأولين التعزير بالخمسة و العشرين مطلقا في أول الحيض أو آخره و ظاهر الخبر الثالث التخصيص بأوله، و يمكن الجمع بتقييد إطلاق الخبرين الأولين بالخبر

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب التعزيرات.

(2) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب التعزيرات.

(3) المروية في الوسائل في الباب 28 من أبواب الحيض.

261

الثالث، و يمكن ترجيح الخبرين الأولين برواية الشيخين المشار إليهما لما ذكراه مسندا و إرسال هذه الرواية. و لو جهل الحيض أو نسيه أو جهل الحكم أو نسيه فالظاهر انه لا شيء عليه لعدم توجه الخطاب في هذه الحالات اليه، و بذلك صرح جملة منهم (رضوان الله عليهم).

(الثاني) [حكم وطء الحائض لو اشتبه الحال]

- قال في المدارك: «و لو اشتبه الحال فان كان لتحيرها فسيأتي حكمه و ان كان لغيره كما في الزائد على العادة فالأصل الإباحة، و أوجب عليه في المنتهى الامتناع، قال لان الاجتناب حالة الحيض واجب و الوطء حالة الطهر مباح فيحتاط بتغليب الحرام لان الباب باب الفروج. و هو حسن إلا انه لا يبلغ حد الوجوب» انتهى أقول: لا يخفى ان هذا الكلام انما يتمشى على ما هو المشهور في كلامهم من ان ما زاد على العادة يراعى بالانقطاع قبل العشرة أو تجاوزها، فان انقطع حكم بكون الجميع حيضا و ان تجاوز علم ان ما زاد على العادة استحاضة، فعلى هذا يكون الدم بعد العادة و قبل وصول العشرة محتملا للحيض و الطهر، و به يتجه ما قاله هنا من ان الأصل الإباحة و كذا ما نقله عن العلامة، و اما على ما هو المفهوم من الاخبار- كما نبهنا عليه فيما تقدم من انه بعد تجاوز الدم عن أيام العادة فإنها تستظهر بيومين أو ثلاثة ثم بعد ذلك تعمل عمل المستحاضة انقطع الدم على العشرة أو تجاوز- فلا وجه لهذا الكلام بل التحقيق فيه ان الدم في أيام الاستظهار- حيث الحقه الشارع بالحيض- في حكم الحيض بالنسبة إلى ترك العبادة و جماع الزوج و نحو ذلك من أحكام الحائض، و ما بعد أيام الاستظهار فالواجب عليها العمل بما تعمله المستحاضة و تكون بذلك طاهرة يجوز لزوجها إتيانها، و حينئذ فلا يكون ما بعد أيام العادة محل احتمال و لا شك لا في أيام الاستظهار و لا فيما بعدها. و العجب منه انه ناقش الأصحاب فيما تقدم في هذا الحكم الذي ذكرناه و صرحوا بان الروايات لا تساعده و مع هذا تبعهم في هذا المقام و حذا حذوهم بهذا الكلام.

(الثالث) [قبول قول الزوجة في إخبارها بالحيض]

- الظاهر انه لا اشكال و لا خلاف في قبول قولها لو أخبرت بالحيض ما لم تكن متهمة بتضييع حق الزوج، لظاهر قوله تعالى: «. وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ

262

يَكْتُمْنَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِي أَرْحٰامِهِنَّ(1) و لولا وجوب القبول لما حرم الكتمان، و يدل عليه من الاخبار ايضا

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) انه قال: «العدة و الحيض الى النساء».

و ما رواه الكليني في الحسن عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (3) انه قال: «العدة و الحيض الى النساء إذا ادعت صدقت».

و اما ما يشير الى عدم القبول مع التهمة فهو

ما رواه الشيخ عن إسماعيل بن ابى زياد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (4) «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في امرأة ادعت انها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض فقال كلفوا نسوة من بطانتها ان حيضها كان فيما مضى على ما ادعت فان شهدن صدقت و إلا فهي كاذبة».

و رواه الصدوق مرسلا (5) و حمل الشيخ هذا الخبر على صورة تكون المرأة متهمة، قال بعض الأصحاب:

«و مفاد الخبر على تقدير العمل به أخص مما ذكره الشيخ، إذ الدعوى فيه مخالفة للعادة الجارية قليلة الوقوع» و هو جيد إلا انه غير خال من الاشعار بذلك. و لو ظن الزوج كذبها قيل: لا يجب القبول و اليه مال الشهيد الثاني، و قيل يجب و هو اختيار العلامة في النهاية و الشهيد في الذكرى، و هو الأقوى عملا بظاهر الخبرين المتقدمين.

(الرابع) [الاستمتاع بالحائض فيما عدا القبل]

- المشهور بين الأصحاب تخصيص التحريم بالجماع في القبل و انه يجوز له الاستمتاع بما عدا ذلك، و عن المرتضى في شرح الرسالة انه قال: «لا يحل الاستمتاع منها إلا بما فوق المئزر و منه الوطي في الدبر».

احتج المجوزون بقوله عز و جل: «وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ» (6) و هو ظاهر في عدم اللوم على الاستمتاع كيف كان، خرج منه موضع الدم بالنص و بقي الباقي على أصل الجواز، و بالأخبار الكثيرة

____________

(1) سورة البقرة. الآية 227.

(2) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الحيض.

(3) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الحيض.

(4) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الحيض.

(5) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الحيض.

(6) سورة المؤمنون. الآية 5 و 6.

263

و منها-

موثقة عبد الله بن بكير عن بعض بأصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتقى موضع الدم».

و رواية عبد الملك بن عمرو (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما لصاحب المرأة الحائض منها؟ قال كل شيء ما عدا القبل بعينه».

و صحيحة عمر بن يزيد (3) قال «قلت:

لأبي عبد الله (عليه السلام) ما للرجل من الحائض؟ قال ما بين أليتيها و لا يوقب».

و رواية معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الحائض ما يحل لزوجها منها؟ قال: ما دون الفرج».

و رواية عبد الله بن سنان (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما يحل للرجل من امرأته و هي حائض؟ قال: ما دون الفرج».

و موثقة هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) «في الرجل يأتي المرأة فيما دون الفرج و هي حائض؟ قال: لا بأس إذا اجتنب ذلك الموضع».

و نحوها روايات أخر أعرضنا عن التطويل بذكرها.

احتج المرتضى بقوله عز و جل: «. وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ(7) و قوله تعالى: «. فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ(8) أي في وقت الحيض،

و صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (9) «في الحائض ما يحل لزوجها منها؟ قال: تتزر بإزار إلى الركبتين و تخرج سرتها ثم له ما فوق الإزار.».

أقول: و يدل عليه أيضا

موثقة أبي بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (10) قال: «سئل عن الحائض ما يحل لزوجها منها؟ قال:

تتزر بإزار إلى الركبتين و تخرج ساقيها و له ما فوق الإزار».

و يؤيد ذلك أيضا

رواية حجاج الخشاب (11) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض و النفساء ما يحل لزوجها منها؟ قال: تلبس درعا ثم تضطجع معه».

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 25 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 25 من أبواب الحيض.

(3) المروية في الوسائل في الباب 25 من أبواب الحيض.

(4) المروية في الوسائل في الباب 25 من أبواب الحيض.

(5) المروية في الوسائل في الباب 25 من أبواب الحيض.

(6) المروية في الوسائل في الباب 25 من أبواب الحيض.

(7) سورة البقرة. الآية 221.

(8) سورة البقرة. الآية 221.

(9) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الحيض.

(10) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الحيض.

(11) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الحيض.

264

و الظاهر هو القول المشهور المؤيد بالأدلة المذكورة، و اما ما يدل على مذهب المرتضى (رضي الله عنه) فقد أجاب في المختلف عن الآية الأولى بأن حقيقة القرب ليست مرادة بالإجماع فيحمل على المجاز المتعارف و هو الجماع في القبل لان غيره نادر، و عن الثانية بأنه يحتمل ارادة موضع الحيض بل هو المراد قطعا فان اعتزال النساء مطلقا ليس مرادا بل اعتزال الوطء في القبل. أقول: اما ما أجاب به عن الاولى فهو جيد، لما عرفت في غير موضع من ان الإطلاق انما ينصرف الى الافراد الشائعة المتكررة و بعد تعذر الحمل على الحقيقة فالفرد المتكرر انما هو الجماع في القبل، و يؤيده ما ذكره المفسرون في سبب النزول من ان اليهود كانوا يعتزلون النساء فلا يواكلوهن و لا يباشروهن مدة الحيض فسئل النبي (صلى الله عليه و آله) عن ذلك فنزلت هذه الآية فقال النبي: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (1) و اما ما أجاب به عن الثانية فتوضيحه ان الظاهر ان المحيض هنا اسم مكان بمعنى موضع الحيض كالمبيت و المقيل و احتمال كونه مصدرا أو اسم زمان يوجب الإضمار و التخصيص للإجماع على عدم وجوب اعتزالهن بالكلية. و أيده بعضهم بان الحكم بالاعتزال على تقدير ان يكون اسم زمان أو مصدرا لا يشمل ما بعد زمان الحيض بوجه فكان منتهاه معلوما فتقل الفائدة في قوله تعالى: «حَتّٰى يَطْهُرْنَ».

و اما الأخبار فالجواب عنها من وجوه: (أحدها)- انها معارضة بما هو أكثر عددا و أصرح دلالة فيجب الجمع بينهما بحمل هذه الروايات على كراهة ما تحت الإزار و (ثانيها)- ان قصارى ما دلت عليه هذه الاخبار ان له الاستمتاع بما فوق المئزر و نحن نقول به، و دلالتها على تحريم ما عداه انما هو بمفهوم اللقب و هو ضعيف كما قرروه في الأصول. و (ثالثها)- ان المراد بما يحل هو المعنى المتعارف عند الفقهاء و الأصوليين و هو ما يتساوى طرفاه المرادف للمباح، و لا ريب ان نفيه لا يستلزم الحرمة لجواز إرادة الكراهة، و نحن لا نخالف فيها جمعا بين الأدلة لان من حام حول الحمى

____________

(1) رواه البغوي في مصابيح السنة ج 1 ص 38 و غيره.

265

أو شك ان يقع فيه و (رابعها)- و هو المعتمد- حمل هذه الاخبار على التقية، لموافقتها لمذهب العامة كما ذكره الشيخ، لأن العامة ما بين محرم و مكره، فنقل في المنتهى التحريم عن أبي حنيفة و الشافعي و مالك و ابي يوسف (1) و الكراهة عن عكرمة و عطاء و الشعبي و الثوري و إسحاق و الأوزاعي و ابي ثور و داود و محمد بن الحسن و النخعي و ابي إسحاق المروزي و ابن المنذر (2) و بذلك يظهر ان ما دلت عليه هذه الاخبار- من عدم حل ما تحت الإزار تحريما أو كراهة- فهو محمول على التقية، و به يظهر ضعف حمل الأخبار المذكورة على الكراهة كما هو المشهور. و الله العالم.

(المسألة السادسة) [هل تجب الكفارة بوطء الحائض؟]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب الكفارة بالوطء في الحيض و استحبابها، و المشهور بين المتقدمين الأول و به قال الشيخ في الجمل و المبسوط و المفيد و المرتضى و ابنا بابويه و ابن البراج و ابن حمزة و ابن إدريس، و المشهور بين المتأخرين الثاني و به قال الشيخ في النهاية، و اما الاخبار الواردة في المسألة فأكثرها- و ان ضعف سند جملة منها بالاصطلاح المحدث- يدل على الوجوب:

(منها)-

ما رواه الشيخ عن داود بن فرقد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «في كفارة الطمث انه يتصدق إذا كان في أوله بدينار و في أوسطه بنصف دينار و في آخره بربع دينار. قلت: فان لم يكن عنده ما يكفر؟ قال: فليتصدق على مسكين واحد و إلا استغفر الله تعالى و لا يعود، فان الاستغفار توبة و كفارة لمن لم يجد السبيل إلى شيء من الكفارة».

____________

(1) كما في المحلى لابن حزم ج 1 ص 176 و البحر الرائق لابن نجيم ج 1 ص 197 و نيل الأوطار للشوكانى ج 1 ص 241.

(2) كما في نيل الأوطار للشوكانى ج 1 ص 241 و المهذب للشيرازي ج 1 ص 37 و البحر الرائق ج 1 ص 197.

(3) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الحيض.

266

و عن عبد الملك بن عمرو (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اتى جاريته و هي طامث؟ قال: يستغفر الله ربه. قال عبد الملك: فان الناس يقولون عليه نصف دينار أو دينار؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فليتصدق على عشرة مساكين».

و عن محمد بن مسلم (2) قال: «سألته عن من اتى امرأته و هي طامث؟ فقال يتصدق بدينار و يستغفر الله تعالى».

و عن ابي بصير في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من اتى حائضا فعليه نصف دينار يتصدق به».

و عن عبيد الله بن علي الحلبي في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) «في الرجل يقع على امرأته و هي حائض ما عليه؟ قال يتصدق على مسكين بقدر شبعه».

و قد حمل الأصحاب إطلاق ما بعد الرواية الأولى على ما تضمنته من التفصيل في افراد الكفارة، و هو جيد،

و قال في المقنع (5): «روى ان من جامعها في أول الحيض فعليه ان يتصدق بدينار و ان كان في نصفه فنصف دينار و ان كان في آخره فربع دينار».

أقول: و قد تقدم في الموضع الأول (6) رواية محمد بن مسلم الدالة على انه يجب عليه في استقبال الدم دينار و في استدباره نصف دينار، و نحوها رواية تفسير علي بن إبراهيم.

و اما ما يدل على القول الثاني

فما رواه الشيخ في الصحيح عن عيص بن القاسم (7) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل واقع امرأته و هي طامث؟ قال:

لا يلتمس فعل ذلك و قد نهى الله تعالى ان يقربها. قلت فان فعل أ عليه كفارة؟ قال:

لا اعلم فيه شيئا يستغفر الله تعالى».

و عن زرارة في الموثق عن أحدهما (عليهما السلام) (8) قال: «سألته عن الحائض

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الحيض.

(3) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الحيض.

(4) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الحيض.

(5) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الحيض.

(6) ص 260.

(7) رواه في الوسائل في الباب 29 من أبواب الحيض.

(8) رواه في الوسائل في الباب 29 من أبواب الحيض.

267

يأتيها زوجها؟ قال: ليس عليه شيء يستغفر الله تعالى و لا يعود».

و عن ليث المرادي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقوع الرجل على امرأته و هي طامث خطأ؟ قال: ليس عليه شيء و قد عصى ربه».

و حمل المتأخرون الأخبار الأولة لضعف أسانيدها على الاستحباب و أيدوا ذلك باختلافها في تقدير الكفارة. و فيه ما عرفت فيما تقدم في غير مقام.

و في المدارك عن المحقق في المعتبر انه قال بعد طعنه في الاخبار بضعف الأسانيد:

«و لا يمنعنا ضعف طريقها عن تنزيلها على الاستحباب لاتفاق الأصحاب على اختصاصها بالمصلحة الراجحة اما وجوبا أو استحبابا، فنحن بالتحقيق عاملون بالإجماع لا بالرواية» ثم قال في المدارك: و هو حسن.

أقول: بل هو عن الحسن بمعزل (أما أولا)- فلمنافاة هذا الكلام لما قدمه في صدر كتابه مما هو كالقاعدة في أمثال المقام من قوله: «أفرط الحشوية في العمل بخبر الواحد. إلخ» و قد تقدم نقله في الموضع الثاني من المقام الثاني من المطلب الأول في المبتدأة من المقصد الثاني (2) و ملخصه عدم الطعن في الاخبار بضعف السند و انما المرجع الى قبول الأصحاب للخبر أو دلالة القرائن على صحته، و الأمران المذكوران حاصلان في جانب هذه الاخبار، اما قبول الأصحاب لها فظاهر لما عرفت من ان القول بها هو المشهور بين المتقدمين، و لهذا ان الشهيد في الذكرى استند الى جبرها بالشهرة، و اما دلالة القرائن فلتدوينها في الأصول المعتمدة التي عليها المدار.

و (اما ثانيا)- فلان مرجع هذا الإجماع الذي استند اليه في الاستحباب انما هو الاخبار المذكورة، حيث انهم أجمعوا على العمل بها وجوبا عند بعض و استحبابا عند آخرين، و كيف كان فحملها على الاستحباب مع دلالتها بظاهرها على الوجوب لا يخرج عن طرحها، إذ مقتضى الوجوب هو تحتم الفعل مع ثبوت العقوبة على تركه، و مقتضى

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 29 من أبواب الحيض.

(2) ص 199.

268

الاستحباب جواز الترك و عدم العقوبة، و القول بالاستحباب ظاهر في طرحها و عدم العمل بما دلت عليه من الوجوب الذي إنما خرجوا عنه لضعف السند و إلا فلو صحت أسانيدها لحكموا بالوجوب.

و (اما ثالثا)- فان ظاهر كلامهم انهم انما حملوا هذه الاخبار على الاستحباب من حيث ضعف أسانيدها تفاديا من طرحها و الا فلو صحت أسانيدها لقالوا بالوجوب كما هو ظاهرها، و أنت خبير بان الحمل على الاستحباب حينئذ مجاز لا يصار اليه الا مع القرينة الظاهرة، و ضعف الأسانيد ليس من جملة قرائن المجاز، و لا وجود المخالف من الاخبار في ذلك الحكم، و يرجح القول بالوجوب أنه الأوفق بالاحتياط و هو أحد المرجحات الشرعية، و بالجملة فإن حمل الأخبار المشار إليها على الاستحباب بعيد عن جادة الصواب. و حمل الشيخ (رحمه الله) الأخبار الأخيرة على الجاهل بالحيض. و لا يخفى بعده في الخبر الأول.

و الأقرب عندي حمل الأخبار الأخيرة على التقية التي هي في اختلاف الاخبار و الأحكام الشرعية أصل كل بلية، فإن ذلك مذهب جمهور المخالفين، قال في المنتهى بعد نقل القول بالوجوب: «و هو احدى الروايتين عن احمد و أحد قولي الشافعي» و قال بعد نقل القول بالاستحباب: «و هو قول مالك و ابى حنيفة و أكثر أهل العلم» و اما ما طعنوا به من اختلاف المقادير في الكفارة فقد عرفت انه محمول على ما صرحت به الرواية الاولى من المراتب في الصدقة و مع تعذرها فالاستغفار. و بالجملة فإنك قد عرفت في غير مقام ما في الجمع بين الأخبار بالاستحباب، فإن القاعدة المروية عنهم (عليهم السلام) هو العرض على مذهب العامة في مقام اختلاف الأخبار و الأخذ بما يخالفه و هو هنا في روايات القول بالوجوب، و به يظهر ان القول بالوجوب هو الأقوى. قال في الذكرى:

«و اما التفصيل بالمضطر و غيره و الشاب و غيره- كما قاله الراوندي- فلا عبرة به» و الله العالم

[فوائد]

و ههنا فوائد

(الأولى) [مقدار كفارة الوطء في الحيض]

- المشهور انه على تقدير القول بالكفارة وجوبا

269

أو استحبابا فهي دينار في اوله و نصف دينار في وسطه و ربع دينار في آخره كما دلت عليه رواية داود المتقدمة، و المراد بأوله الثلث الأول منه و بوسطه الثلث الثاني و بآخره الثلث الثالث، فالأول لذات الثلاثة اليوم الأول و لذات الأربعة هو مع ثلث الثاني و لذات الخمسة هو مع ثلثيه و لذات الستة اليومان الأولان و على هذا القياس، و مثله في الوسط و الأخير، و عن سلار ان الوسط ما بين الخمسة إلى السبعة، و اعتبر الراوندي العشرة دون العادة، و يلزم على قوليهما خلو بعض العادات عن الوسط و الأخير، و الظاهر ان مرجع قولي سلار و الراوندي إلى جعل محل هذا التقدير هو العشرة خاصة دون العادة، لكن سلار يعتبر الوسط منها ما بين الخمسة إلى السبعة فما تحت الخمسة و هو الأربعة يجعله أولا و ما فوق السبعة و هي الثلاثة يجعله أخيرا فالوسط على هذا ثلاثة، و الراوندي يثلث العشرة كما يقوله الأصحاب في ذات العشرة، فخلافه للأصحاب في تخصيص ذلك بالعشرة دون العادة، و خلاف سلار في ذلك في عدم التثليث في العشرة، و على هذا فإذا كانت العادة سبعة- مثلا- فلا آخر لها عندهما و لو كانت ثلاثة- مثلا- فلا آخر و لا وسط لها عندهما ايضا. و يدفعهما- زيادة على ندورهما- رجوع الضمير في

قوله (عليه السلام) (1): «يتصدق إذا كان في أوله بدينار».

الى الحيض من غير تفصيل و عن الصدوق في المقنع انه قال: «يتصدق على كل مسكين بقدر شبعه» و نسب دليل القول المشهور إلى الرواية مع انه في الفقيه وافق الأصحاب، و الظاهر انه استند الى حسنة الحلبي المتقدمة (2) و هي محمولة على ما عرفت من عدم إمكان ما زاد على ذلك.

(الثانية) [المراد بالدينار]

- قد ذكر الأصحاب ان المراد بالدينار هو المثقال من الذهب المضروب الخالص و كانت قيمته في زمانه (عليه السلام) عشرة دراهم، فلا تجزئ القيمة كباقي الكفارات و لا التبر لعدم تناول النص لهما، و قد قطع العلامة في جملة من كتبه بعدم اجزاء القيمة، و هو كذلك كما عرفت. قال في الذكرى: «قدر الشيخان

____________

(1) في رواية داود بن فرقد المتقدمة ص 265.

(2) ص 266.

270

الدينار بعشرة دراهم و الخبر خال منه، فان لم نقل به ففي جواز إخراج القيمة نظر التفاتا الى عدم اجزاء القيم في الكفارات، و على قولهما لا يجزئ دينار قيمته أقل من عشرة، و الظاهر ان المراد به المضروب فلا يجزئ التبر لانه المفهوم من الدينار» انتهى. و قال في المنتهى: «لا افرق في الإخراج بين المضروب و التبر لتناول الاسم لهما. و يشترط ان يكون صافيا من الغش، و في إخراج القيمة نظر أقربه عدم الاجزاء لأنه كفارة فاختص ببعض أنواع المال كسائر الكفارات» و نحوه في التحرير، و ظاهره اجزاء التبر و هو غير المضروب، و في تناول الاسم له- كما ادعاه- إشكال، إذ المتبادر منه انما هو المضروب بسكة المعاملة كما عرفت من كلام الذكرى.

(الثالثة) [مصرف كفارة الوطء في الحيض]

- قد صرح الأصحاب من غير خلاف يعرف بان مصرف هذه الكفارة الفقراء و المساكين من أهل الايمان، و يكفي الواحد و لا يجب التعدد عملا بإطلاق الخبر، و هو كذلك.

و ظاهرهم ايضا انه لا فرق في الزوجة بين الدائمة و المنقطعة الحرة و الأمة للإطلاق، و هو كذلك ايضا.

قيل: و هل يلحق بها الأجنبية المشتبهة أو المزني بها؟ وجهان منشأهما استلزام ثبوت الحكم في الأدنى ثبوته في الأعلى، و من حيث عدم النص سيما مع احتمال كون الكفارة مسقطة للذنب، فلا يتعدى الى الأقوى لأنه بتفاحشه قد لا يقبل التكفير و انما يناسبه الانتقام كما في كفارة الصيد ثانيا.

أقول: و الأظهر هو الأول، لا لما ذكروه بل لما تقدم (1)

في رواية أبي بصير من قوله (عليه السلام): «من اتى حائضا.».

فإنه شامل بإطلاقه للزوجة و الأجنبية، و نقل القول بذلك عن العلامة و الشهيد استنادا إلى الرواية المذكورة. أقول: و نحوها ايضا قوله

في رواية محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يأتي

____________

(1) ص 266.

(2) ص 260.

271

المرأة و هي حائض؟ قال: يجب عليه في استقبال الحيض دينار. الحديث».

و قد تقدم.

و لو كانت الحائض الموطوءة امة قال الشيخ في النهاية و الصدوق انه يتصدق بثلاثة أمداد من طعام، و به قال العلامة أيضا في المنتهى الا انه حمل التصدق على الاستحباب، قال في المقنع: «و ان جامعت أمتك و هي حائض تصدقت بثلاثة أمداد من طعام» و نقل الأصحاب في كتب الاستدلال ان بذلك رواية و ان ردوها بضعف السند، و لم أقف عليها، مع انه قد تقدم في رواية عبد الملك بن عمرو (1) ما يدل على التصدق على عشرة مساكين على من اتى جاريته، قال في الروض: «و لا فرق حينئذ بين أول الحيض و أوسطه و آخره لإطلاق الرواية و الفتوى، و لا بين الأمة القنة و المدبرة و أم الولد و المزوجة و ان حرم الوطء».

(الرابعة) [هل تتكرر الكفارة بتكرر الوطء]

- اختلف الأصحاب فيما لو تكرر الوطء فهل تتكرر الكفارة مطلقا أولا مطلقا أو تتكرر مع اختلاف الزمان كما إذا كان بعضه في أول الحيض و بعضه في وسطه مثلا أو سبق التكفير و عدمه بدونهما؟ أقوال: اختار أولها الشهيد الثاني في الروض و الأول في البيان و ثانيها ابن إدريس على ما نقله في المختلف، قال: «و قال ابن إدريس إذا كرر الوطء فالأظهر ان عليه تكرار الكفارة، لأن عموم الأخبار يقتضي ان عليه بكل دفعة كفارة، ثم قال: و الأقوى عندي و الأصح ان لا تكرار في الكفارة، لأن الأصل براءة الذمة و شغلها بواجب أو ندب يحتاج إلى دلالة شرعية، و اما العموم فلا يصح التعلق به في أمثال هذه المواضع لأن هذه أسماء الأجناس و المصادر، ألا ترى ان من أكل في نهار رمضان متعمدا و كرر الأكل لا يجب عليه تكرار الكفارة بلا خلاف» و هذا القول ظاهر الشيخ ايضا حيث قال في المبسوط: «انه لا نص لأصحابنا في ذلك و عموم الأخبار يقتضي ان يكون عليه بكل دفعة كفارة، ثم قال: و ان قلنا انه لا يتكرر لانه لا دليل عليه و الأصل براءة الذمة كان قويا» و ثالثها لجملة من الأصحاب: منهم- العلامة في المختلف

____________

(1) ص 266.

272

و المنتهى و الشهيد في الذكرى و غيرهما من الأصحاب و اختاره في المدارك.

حجة القول الأول- كما قرره في الروض- ان كل وطء سبب في الوجوب و الأصل عدم التداخل بل اختلاف الأسباب يوجب اختلاف المسببات، قال: «و على هذا يصدق تكرر الوطء بالإدخال بعد النزع في وقت واحد و يتحقق الإدخال بغيبوبة الحشفة لأنه مناط الوطء شرعا» حجة القول الثاني ما سمعت من كلام ابن إدريس. حجة القول الثالث كما ذكره في المختلف فقال: «لنا على التكرر مع تغاير الوقت انهما فعلان مختلفان في الحكم فلا يتداخلان كغيرهما من العقوبات المختلفة على الأفعال المختلفة، و على التكرر مع تخلل التكفيران الكفارة انما تجب أو تستحب بعد موجب العقوبة فلا تؤثر المتقدمة في إسقاط ما يتعلق بالفعل المتأخر، و على عدم التكرر مع عدم أحد الأمرين ان الكفارة معلقة على الوطء من حيث هو هو و كما يصدق في الواحد يصدق في المتعدد فيكون الجزاء واحدا فيهما».

أقول: و يرد على الحجة الاولى ان ما ادعوه- من ان اختلاف الأسباب يقتضي اختلاف المسببات- مما لم يقم عليه دليل، بل الدليل على خلافه واضح السبيل لما قدمنا في أبحاث النية في الوضوء (1) من دلالة الأخبار على تداخل الأغسال بما لا يداخله شك و لا اشكال، و غاية ما يلزم من وجوب السبب الذي هو الوطء هنا- و ان تكرر- وجوب الكفارة و اما كونها كفارة مغايرة لما يلزم بسبب آخر فلا، و هذا غاية ما يفهم من إطلاق الأدلة، فمن ادعى تخصيص كل سبب بفرد من الكفارة غير الآخر فعليه البيان، و به يظهر ضعف قولهم بأن الأصل عدم التداخل. و يرد على الحجة الثانية ما قرروه في الحجة الثالثة. و على الحجة الثالثة ان ما ذكروه في الاستدلال على عدم التكرر مع عدم الأمرين من ان الكفارة معلقة على الوطء من حيث هو هو لو تم للزم مثله مع تغاير الوقت، لان حاصله ان وجوب الكفارة معلق على الوطء من حيث هو هو بحيث لا مدخل

____________

(1) ج 2 ص 200.

273

للافراد فلا يؤثر في ذلك تغاير الوقت على وجه يقتضي التعدد.

و كيف كان فالمسألة لخلوها عن النص لا تخلو من الاشكال، و الركون الى هذه التعليلات مع سلامتها من الإيرادات لا يخلو من المجازفة في الأحكام الشرعية التي أوجب فيها الشارع الرجوع الى الأدلة القطعية من آية قرآنية أو سنة نبوية.

(المسألة السابعة) [وظيفة الحائض في وقت كل صلاة]

- المشهور بين الأصحاب انه يستحب للحائض أن تتوضأ في وقت كل صلاة و تجلس في مصلاها فتذكر الله تعالى بمقدار صلاتها، و في المختلف عن علي بن بابويه القول بالوجوب، و نقل ذلك جملة من الأصحاب عن ابنه ايضا، و قال في الفقيه: «و قال ابي في رسالته الي: اعلم ان أقل الحيض ثلاثة أيام، الى ان قال:

و يجب عليها عند حضور كل صلاة ان تتوضأ وضوء الصلاة و تجلس مستقبلة القبلة و تذكر الله بمقدار صلاتها كل يوم» و الأصحاب قد استدلوا على الاستحباب

بحسنة زيد الشحام (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ينبغي للحائض أن تتوضأ عند وقت كل صلاة ثم تستقبل القبلة فتذكر الله تعالى مقدار ما كانت تصلي».

قال في المدارك: «و لفظ ينبغي ظاهر في الاستحباب» ثم نقل عن ابن بابويه القول بالوجوب

لحسنة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «إذا كانت المرأة طامثا فلا تحل لها الصلاة و عليها ان تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر الله عز و جل و تسبحه و تهلله و تحمده بمقدار صلاتها ثم تفرغ لحاجتها».

قال: «و هو مع صراحته في الوجوب محمول على الاستحباب جمعا بين الأدلة» أقول: اما الاستناد في الاستحباب الى لفظ «ينبغي» في الرواية الأولى ففيه ما عرفت في غير موضع من ان لفظ «ينبغي و لا ينبغي» و ان اشتهر في العرف انه بمعنى الاولى و عدم الأولى إلا أنه في الاخبار ربما استعمل في الاستحباب و الكراهة و ربما استعمل في الوجوب و التحريم بل هو الغالب في الاخبار كما لا يخفى على من له بها مزيد انس، و حينئذ فينبغي ان يكون

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 40 من أبواب الحيض.

(2) المروية في الوسائل في الباب 40 من أبواب الحيض.

274

التأويل في جانب هذه الرواية لصراحة الأخيرة- كما اعترف به- في الوجوب و إجمال هذه فينبغي ان يحمل لفظ «ينبغي» هنا على الوجوب جمعا. و اما ما استدل به لابن بابويه من حسنة زرارة فليس في محله، بل الظاهر ان دليل ابن بابويه انما هو الفقه الرضوي فإن عبارة أبيه في الرسالة التي قدمنا نقلها عن الفقيه عين عبارة

كتاب الفقه الرضوي، حيث قال (عليه السلام) (1): «و يجب عليها عند حضور كل صلاة ان تتوضأ وضوء الصلاة و تجلس مستقبلة القبلة و تذكر الله تعالى بمقدار صلاتها كل يوم».

و كذا ما بعد هذه العبارة مما نقله في الفقيه عين عبارة الكتاب المذكور، و منه يعلم ان مستنده انما هو الكتاب المذكور و ان كانت الرواية المشار إليها دالة على ذلك، و لكن أصحابنا حيث لم يقفوا على ذلك استدلوا له بهذه الرواية. ثم انه لا يخفى ان ظاهر صاحب الكافي أيضا القول بالوجوب حيث عنون به الباب فقال: «باب ما يجب على الحائض في أوقات الصلاة» (2) ثم ذكر الأخبار الواردة في المسألة المشتملة على الحكم المذكور، و من ذلك يظهر ان القول بالوجوب أرجح، و قد تقدم مزيد بحث في المسألة و نقل جملة من رواياتها في المقصد الثاني في الغاية المستحبة من المطلب الثاني من الباب الثاني في الوضوء (3).

(المسألة الثامنة) [الأمور المكروهة للحائض]

- قد صرح الأصحاب بأنه يكره لها أشياء: (منها)-

الخضاب

و يدل عليه

ما رواه الشيخ عن عامر بن جذاعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«سمعته يقول: لا تختضب الحائض و لا الجنب. الحديث».

و عن ابي بصير في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) «هل تختضب الحائض؟ قال: لا، يخاف عليها الشيطان عند ذلك».

و رواه الصدوق في العلل عن ابي بكر الحضرمي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) مثله إلا انه قال: «لا لانه يخاف عليها الشيطان».

و روى الحميري في قرب الاسناد عن محمد بن عبد الحميد عن أبي جميلة عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (7) قال:

____________

(1) ص 21.

(2) ج 1 ص 29.

(3) ج 2 ص 142.

(4) رواه في الوسائل في الباب 42 من أبواب الحيض.

(5) رواه في الوسائل في الباب 42 من أبواب الحيض.

(6) رواه في الوسائل في الباب 42 من أبواب الحيض.

(7) رواه في الوسائل في الباب 42 من أبواب الحيض.

275

«لا تختضب الحائض».

و حمل الأصحاب هذه الاخبار على الكراهة لما ورد من نفي البأس عنه في عدة اخبار: منها-

ما رواه الكليني عن محمد بن سهل بن اليسع عن أبيه (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المرأة تختضب و هي حائض؟ قال: لا بأس به».

و عن علي بن أبي حمزة (2) قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) تختضب المرأة و هي طامث؟

قال: نعم».

و ما رواه الشيخ عن ابي المغراء عن العبد الصالح (عليه السلام) (3) في حديث قال: «قلت: المرأة تختضب و هي حائض؟ قال: ليس به بأس».

و نحو ذلك

موثقة سماعة (4) «الجنب و الحائض يختضبان؟ قال: لا بأس».

و (منها)-

مس ورق المصحف غير الكتابة و حمله

، و قد تقدم الكلام فيه مستوفى في بحث غسل الجنابة (5).

و (منها)-

قراءة ما عدا العزائم الأربع من القرآن

من غير استثناء للسبع أو السبعين المجوز للجنب قراءتها، قال في المسالك- بعد قول المصنف: «لا يجوز لها قراءة شيء من العزائم، و يكره لها ما عدا ذلك- ما لفظه: «مقتضاه كراهة السبع المستثناة للجنب، و هو حسن لانتفاء النص المقتضى للتخصيص» انتهى. و اعترضه سبطه في المدارك بأنه غير جيد قال: «بل المتجه عدم كراهة قراءة ما عدا العزائم بالنسبة إليها مطلقا، لانتفاء ما يدل على الكراهة بطريق الإطلاق أو التعميم حتى يحتاج استثناء السبع الى المخصص، و رواية سماعة التي هي الأصل في كراهة قراءة ما زاد على السبع مختصة بالجنب فتبقى الأخبار الصحيحة المتضمنة لإباحة قراءة الحائض ما شاءت سالمة عن المعارض» انتهى. أقول: قد تقدم في باب الجنب

رواية الصدوق في الخصال (6) عن السكوني عن الصادق عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: «سبعة لا يقرأون القرآن.».

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 42 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 42 من أبواب الحيض.

(3) رواه في الوسائل في الباب 42 من أبواب الحيض.

(4) رواه في الوسائل في الباب 42 من أبواب الحيض.

(5) ص 146.

(6) ج 2 ص 10.

276

و عد منهم الجنب و النفساء و الحائض، قال الصدوق في الكتاب المذكور بعد نقل الخبر:

«هذا على الكراهة لا على النهي و ذلك ان الجنب و الحائض مطلق لهم قراءة القرآن إلا العزائم الأربع» و الخبر المذكور ظاهر في إطلاق المنع للحائض من قراءة القرآن، مضافا ذلك الى ما ادعوه من الإجماع في المسألة كما يشعر به كلامه في الروض، و الظاهر ان السيد لم يقف على الرواية بل الظاهر انه لو وقف عليها لردها بضعف السند بناء على الاصطلاح الغير المعتمد، و مما ذكرنا يظهر وجه القول المشهور من كراهة ما عدا العزائم، إلا انه قد قدمنا في بحث الجنابة ان الأظهر حمل ما دل على المنع من قراءة الجنب و الحائض القرآن على التقية (1) و الله العالم.

و (منها)-

الجواز في المسجد

، ذكره في الخلاف و تبعه الأصحاب، و قال في المنتهى انه لم يقف فيه على حجة ثم احتمل كون سبب الكراهة اما جعل المسجد طريقا و اما إدخال النجاسة اليه. و أورد على الأول بأنه لا وجه لتخصيص الكراهة بالحائض بل يعم كل مجتاز، و على الثاني ان ذلك محرم عنده فكيف يكون سببا في الكراهة؟

و عللها في الروض بالتعظيم و لا بأس به. و الحق جماعة من الأصحاب بالمساجد المشاهد، قال في الروض: «و هو حسن بل الأمر في المشاهد أعظم لتأديتها فائدة المسجد و تزيد بشرف المدفون بها» و الله العالم.

الفصل الثالث في غسل الاستحاضة

، قيل و هي في الأصل استفعال من الحيض يقال استحيضت المرأة بالبناء للمفعول فهي تستحاض لا تستحيض إذا استمر بها الدم بعد أيامها فهي مستحاضة، ذكره الجوهري و هو يعطي ان بناء المعلوم غير مسموع، ثم استعمل في دم فاسد يخرج من عرق في أدنى الرحم يسمى العاذل، و تعريفه يعلم مما قدمناه في تعريف

____________

(1) ص 144.

277

الحيض، فهو في الأغلب دم اصفر بارد رقيق يخرج بفتور، و انما قيدناه بالأغلب لأنه قد يكون بهذه الصفات حيضا و قد يكون بصفة الحيض استحاضة، و منه ايضا ما نقص عن الثلاثة التي هي أقل الحيض ما لم يكن دم قرح و لا عذرة و ما زاد على العادة بعد الاستظهار و الأصحاب عبروا هنا بما زاد عن أيام العادة مع تجاوز العشرة، و قد تقدم ما فيه، و منه ما تراه قبل بلوغ التسع و ان لم يوجب الأحكام في الحال لكن عند البلوغ يجب عليها الغسل و الوضوء كما تقدم في بحث الوضوء من انه قد يتخلف المسبب عن السبب لفقد شرطه، و منه ما يكون بعد بلوغ سن اليأس.

و كيف كان فالبحث هنا يقع في مقامات

[المقام] (الأول) [أقسام المستحاضة]

- لا يخفى ان المستحاضة اما ان يثقب دمها الكرسف أولا و على الأول فاما ان يسيل أو لا، فان لم يثقب الكرسف فهي قليلة و ان ثقب و لم يسل عنه فهي متوسطة و ان سال فهي كثيرة، فههنا أقسام ثلاثة:

(الأول) [الاستحاضة القليلة]

ما لم يثقب الكرسف، و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجب عليها عند كل صلاة تغيير القطنة و الوضوء، و عن ابن ابي عقيل انه لا غسل عليها و لا وضوء، و عن ابن الجنيد ان عليها في اليوم و الليلة غسلا واحدا، قال ابن ابي عقيل على ما نقله في المختلف: «يجب عليها الغسل عند ظهور دمها على الكرسف لكل صلاتين غسل، تجمع بين الظهر و العصر بغسل و بين المغرب و العشاء بغسل و تفرد الصبح بغسل، و اما ان لم يظهر الدم على الكرسف فلا غسل عليها و لا وضوء» و قال ابن الجنيد: «المستحاضة التي يثقب دمها الكرسف تغتسل لكل صلاتين آخر وقت الاولى و أول وقت الثانية منهما و تصليهما، و تفعل للفجر مفردا كذلك، و التي لا يثقب دمها الكرسف تغتسل في اليوم و الليلة مرة واحدة ما لم يثقب» و ظاهر هاتين العبارتين ان المستحاضة منحصر في فردين خاصة فادرجا المتوسطة في الكبرى، و اما الصغرى فابن ابي عقيل نفى عنها الغسل و الوضوء و ابن الجنيد أوجب عليها غسلا واحدا في اليوم و الليلة.

حجة المشهور فيما ذكروه، اما بالنسبة إلى تغيير القطنة فعلل بعدم العفو عن هذا

278

الدم في الصلاة قليله و كثيره، قال في المنتهى: «و لا خلاف عندنا في وجوب الأبدال» و هو مؤذن بدعوى الإجماع عليه و لعله الحجة عندهم و إلا فعدم العفو عن هذا الدم قليله و كثيره كما ادعوه لم يقم عليه دليل و انما هو إلحاق من الشيخ بدم الحيض كما سيأتي بيانه في موضعه ان شاء الله تعالى، مع انه قد ورد العفو عما لا تتم الصلاة فيه و به قال الأصحاب و هذا من جملته، و اما بالنسبة إلى الوضوء لكل صلاة

فما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الطامث تقعد بعدد أيامها كيف تصنع؟ قال: تستظهر بيوم أو يومين ثم هي مستحاضة فلتغتسل و تستوثق من نفسها و تصلى كل صلاة بوضوء ما لم يثقب الدم. الحديث».

و وصف هذه الرواية في المدارك بالصحة و هو سهو فإن الراوي عن زرارة فيها ابن بكير و هو ربما رد حديثه في غير موضع من شرحه.

و في صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «. و ان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت و دخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء.».

و في صحيحة الصحاف (3) «. و ان كان الدم فيما بينها و بين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ و لتصل عند وقت كل صلاة.».

و في الفقه الرضوي (4) «فان لم يثقب الدم القطن صلت صلاتها كل صلاة بوضوء. الحديث».

و سيأتي تمامه ان شاء الله تعالى.

و عن ابن أبي عقيل انه احتج بصحيحة ابن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر و تصلي الظهر و العصر ثم تغتسل عند المغرب فتصلي المغرب و العشاء ثم تغتسل عند الصبح فتصلي الفجر.».

قال: و ترك الوضوء يدل على عدم الوجوب و هذه الرواية قد احتج بها له في المختلف، و الظاهر انه تكلفها له حيث لم يقف له على دليل و إلا فإن هذه الرواية لا تعلق لها بالمسألة أصلا، إذ غاية ما تدل

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(4) ص 22.

(5) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

279

عليه عدم وجوب الوضوء مع الأغسال الثلاثة الواجبة في الكبرى و هو بمعزل عما نحن فيه

و عن ابن الجنيد انه احتج بموثقة سماعة (1) قال قال: «المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين غسلا و للفجر غسلا، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة و الوضوء لكل صلاة.».

و أجاب عنه في المختلف بأنه محمول على نفوذ الدم الكرسف و اليه أشار بقوله:

«و ان لم يجز الدم الكرسف»

يعني إذا نفذ الى ظاهره و لم يتجاوز. و هو جيد و سيأتي مزيد تحقيق له ان شاء الله تعالى.

و اما ما ذكره في الذخيرة من حمل الخبر المذكور على الاستحباب فهو بعيد عن جادة الصواب كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في الباب، و اما ما ادعى انه مؤيد للاستحباب حيث قال-: و مما يؤيد ذلك

ما رواه الشيخ عن إسماعيل الجعفي في القوى عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «المستحاضة تقعد أيام قرئها ثم تحتاط بيوم أو يومين فإن هي رأت طهرا اغتسلت، و ان هي لم تر طهرا اغتسلت و احتشت فلا تزال تصلي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف فإذا ظهر أعادت الغسل و أعادت الكرسف».

- ففيه ان الرواية المذكورة و ان كانت مجملة بالنسبة إلى الوضوء لكل صلاة لكنها يجب حملها على الاخبار المتقدمة و الغسل المذكور في صدرها

«إن رأت الطهر أو لم تره»

انما هو غسل الحيض لانقطاعه بعد الاستظهار وجد الدم أو انقطع فكأنه قال تغتسل للانقطاع على كلا التقديرين، و لعل منشأ توهمه من قوله (عليه السلام):

«فلا تزال تصلى بذلك الغسل»

و باب المجاز أوسع من ان ينكر. و ربما أشعرت هذه الرواية بما هو المشهور من تغيير القطنة إلا انك قد عرفت قيام الدليل الصحيح الصريح على العفو عن نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه، و استثناء دم الاستحاضة مما لم يقم عليه دليل فينبغي حمل هذه الرواية و نحوها على الاستحباب

(القسم الثاني) [الاستحاضة المتوسطة]

- أن يثقبه و لا يسيل عنه، و المشهور انه يجب عليها مع ذلك تغيير الخرقة و الغسل لصلاة الغداة، أما تغيير الخرقة فلما تقدم في تغيير القطنة و قد

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

280

عرفت ما فيه، و اما الغسل لصلاة الغداة فهو المشهور. و قد تقدم عن ابن ابي عقيل و ابن الجنيد انهما ساويا بين هذا القسم و القسم الثالث في وجوب الأغسال الثلاثة، و به جزم في المعتبر فقال: «و الذي ظهر لي انه ان ظهر الدم على الكرسف وجب ثلاثة أغسال و ان لم يظهر لم يكن عليها غسل و كان عليها الوضوء لكل صلاة» و تبعه العلامة في المنتهى كما هي عادته غالبا حيث انه في الأكثر يحذو حذو المعتبر و ان زاد عليه في البحث و الاستدلال و الى هذا القول ايضا مال في المدارك، و نقله عن شيخه المعاصر و المراد به المحقق الأردبيلي (رحمه الله) كما أشار إليه بذلك في غير موضع، و تبعهم في ذلك الفاضل الخراساني في الذخيرة و المحقق الشيخ حسن و الشيخ البهائي و غيرهم.

قال في المدارك في الاستدلال على ذلك: «لنا ما رواه الشيخ في الصحيح، ثم نقل صحيحة معاوية بن عمار و صحيحة عبد الله بن سنان و صحيحة صفوان بن يحيى الآتيات في القسم الثالث، قال: و هي مطلقة في وجوب الأغسال الثلاثة خرج منها من لم يثقب دمها الكرسف بالنصوص المتقدمة فيبقى الباقي مندرجا في الإطلاق، ثم قال: احتج المفصلون

بصحيحة الحسين بن نعيم الصحاف عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) حيث قال فيها: «ثم لتنظر فان كان الدم فيما بينها و بين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ و لتصل عند وقت كل صلاة ما لم تطرح الكرسف، فان طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل، و ان طرحت الكرسف و لم يسل الدم فلتتوضأ و لتصل و لا غسل عليها، قال و ان كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقأ فإن عليها ان تغتسل في كل يوم و ليلة ثلاث مرات».

و صحيحة زرارة (2) قال: «قلت له النفساء متى تصلي؟ قال تقعد قدر حيضها و تستظهر بيومين فان انقطع الدم و الا اغتسلت و احتشت و استثفرت و صلت، فان جاز الدم الكرسف تعصبت و اغتسلت ثم صلت الغداة بغسل و الظهر و العصر بغسل و المغرب و العشاء بغسل،

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

281

و ان لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد.».

و الجواب عن الرواية الاولى ان موضع الدلالة فيها

قوله (عليه السلام): «فان طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل»

و هو غير محل النزاع فان موضع الخلاف ما إذا لم يحصل السيلان، مع انه لا إشعار في الخبر بكون الغسل للفجر فحمله على ذلك تحكم، و لا يبعد حمله على الجنس و يكون تتمة الخبر كالمبين له. و عن الرواية الثانية انها قاصرة من حيث السند بالإضمار، و من حيث المتن فإنها لا تدل على ما ذكروه نصا، فان الغسل لا يتعين كونه لصلاة الفجر بل و لا للاستحاضة لجواز ان يكون المراد به غسل النفاس، فيمكن الاستدلال بها على المساواة بين القسمين» انتهى كلامه.

أقول: لا يخفى ان صحيحة الصحاف التي ذكرها لا تخلو من الإجمال في هذا المجال، و غاية ما يستفاد منها انه مع وضع الكرسف فان كان الدم لا يسيل من خلف الكرسف فعليها الوضوء خاصة و ان سال من خلفه فان عليها اغسالا ثلاثة، و هذا التفصيل بحسب الظاهر لا ينطبق على شيء من القولين، لأن المتوسطة عندهم هي التي يظهر دمها على الكرسف و لا يسيل عنه، فهي لا تدخل في ذات الأغسال الثلاثة لأنها مخصوصة بمن يسيل دمها عن الكرسف صبيبا، و لا في الاولى- و ان احتملها لفظ العبارة- لأنه جعل حكمها الوضوء خاصة و الفتوى في المتوسطة على وجوب الغسل متحدا أو متعددا على القولين المذكورين. فاما التفصيل الآخر في الرواية بالسيلان و عدمه بعد طرح الكرسف عنها فلا يصلح للاستدلال و لا يدخل في هذا المجال، لان التقسيم إلى الأقسام الثلاثة مرتب على وضع الكرسف و انه هل يثقبه الدم أم لا و مع ثقبه هل يسيل عنه أم لا؟ فسيلان الدم مع عدم وضع الكرسف خارج عن موضع المسألة، و كما يحتمل في هذا الغسل هنا الاتحاد كما ادعاه من استدل بالرواية على ما ذكره السيد (رحمه الله) هنا يحتمل الجنس ايضا فيكون المراد به الأغسال الثلاثة و يكون الكلام في آخر الرواية من قبيل التفصيل بعد الإجمال. و اما طعنه في صحيحة زرارة بالإضمار فهو مناف لما صرح به في غير موضع من شرحه هذا بأن الإضمار

282

غير مناف و لا مضر بصحة الرواية و لا سيما إذا كان المضمر مثل زرارة ممن لا يعتمد في أحكام دينه على غير الامام (عليه السلام) و لكنه (قدس سره) كما أشرنا إليه في غير موضع ليس له قاعدة يقف عليها فان احتاج الى العمل بالرواية اعتذر عن جميع ما ربما يتطرق إليها من القدح و ان لم توافق ما ذهب اليه قدح فيها بما منع القدح به في غير ذلك المقام. و اما طعنه في متنها بأنه لا يدل على ما ذكروه نصا ففيه إشعار بأنه يدل عليه ظاهرا و هو كاف في الاستدلال، إذ لا يشترط في الدلالة خصوص النص بل يكفي ما هو الظاهر المتبادر الى الفهم. و اما ما ذكره- من ان الغسل لا يتعين كونه لصلاة الفجر و لا للاستحاضة لجواز ان يكون المراد به غسل النفاس- فإنه مردود بأن الأول منهما و ان كان متجها بالنظر الى ظاهر اللفظ إلا انه سيظهر لك الجواب عنه في المقام. و اما الثاني فإنه بعيد غاية البعد بل ربما يقطع بفساده، و الظاهر ان أول من أجاب بهذا الجواب السيد السند و تبعه جمع من محققي متأخري المتأخرين كالمحقق الشيخ حسن في المنتقى و الشيخ البهائي في الحبل المتين و الفاضل الخراساني في الذخيرة و غيرهم، و بيان بعده بل فساده ان سياق الخبر يدل بظاهره على انه مع عدم انقطاع الدم بعد قعودها بقدر حيضها و استظهارها بيومين فإنها تعمل عمل المستحاضة، ثم فصل الكلام في الاستحاضة بين تجاوز الدم الكرسف فتغتسل الأغسال الثلاثة و عدم التجاوز فتغتسل غسلا واحدا، غاية الأمر انه ربما يقال ان عدم تجاوز الدم الكرسف شامل لصورتي القليلة و المتوسطة، و الجواب عنه انه قد قام الدليل في القليلة انه لا غسل عليها فيختص بالمتوسطة.

بقي الكلام في عدم تعين ذلك الغسل للصبح، و الجواب عنه انه و ان أجمل هذا الحكم في هذه الرواية و نحوها مما سيأتي في المقام إلا انه قد وقع التصريح به في الفقه الرضوي، و منه أخذ الشيخ علي بن الحسين بن بابويه ذلك في رسالته الى ابنه كما نقله في الفقيه، و قد أشرنا في غير موضع الى ان جملة من الأحكام التي ذهب إليها المتقدمون و لم تصل أدلتها إلى المتأخرين حتى اعترضوا عليهم بعدم وجود الدليل قد وحدت أدلتها

283

في هذا الكتاب، و هو دليل على شهرته سابقا بينهم و لا سيما الشيخ علي بن الحسين بن بابويه المذكور، فان رسالته المذكورة كلها أو جلها إلا القليل عين عبارة الكتاب المشار اليه كما ستقف عليه ان شاء الله تعالى في المباحث الآتية،

حيث قال (عليه السلام) (1) في الكتاب المذكور: «و ان رأت الدم أكثر من عشرة أيام فلتقعد عن الصلاة عشرة ثم تغتسل يوم حادي عشر و تحتشي، فان لم يثقب الدم القطن صلت صلاتها كل صلاة بوضوء، و ان ثقب الدم الكرسف و لم يسل صلت صلاة الليل و الغداة بغسل واحد و سائر الصلوات بوضوء، و ان ثقب الدم الكرسف و سال صلت صلاة الليل و الغداة بغسل و الظهر و العصر بغسل و تؤخر الظهر قليلا و تعجل العصر و تصلي المغرب و العشاء الآخرة بغسل واحد و تؤخر المغرب قليلا و تعجل العشاء الآخرة».

ثم انه مما يؤيد صحيحة زرارة المذكورة في الدلالة على الأقسام الثلاثة المشهورة

ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (2) قال قال: «المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين و للفجر غسلا، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة و الوضوء لكل صلاة، و ان أراد زوجها ان يأتيها فحين تغتسل، هذا ان كان دمها عبيطا و ان كانت صفرة فعليها الوضوء».

و المعنى فيها انه ان ثقب الدم الكرسف اي سال عنه بقرينة الأمر بالأغسال الثلاثة،

و قوله: «و ان لم يجز الدم الكرسف»

بمعنى أنه ثقبه و لم يسل عنه بقرينة المقابلة،

و قوله: «و ان كانت صفرة»

كناية عن عدم ثقب الدم و هي القليلة، و كنى عنها بالصفرة لقلتها و ضعف الدم و عدم نفوذه، فتكون الرواية منطبقة على الأقسام الثلاثة.

و نحوه

ما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة أيضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «غسل الجنابة واجب و غسل الحائض إذا طهرت واجب و غسل المستحاضة واجب،

____________

(1) ص 21.

(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الجنابة.

284

إذا احتشت الكرسف فجاز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين و للفجر غسل، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة و الوضوء لكل صلاة. الحديث».

و التقريب فيه انه قد اشتمل على قسمي المستحاضة الكبرى و المتوسطة و لم يذكر الصغرى.

بقي الكلام في عدم اشتمالها على كون هذا الغسل للصبح فيجب تقييدهما بكلامه في الفقه الرضوي المعتضد بعمل أولئك الفضلاء المتقدمين الذين هم أساطين الدين بعد الأئمة الطاهرين، و بذلك يتجه الجواب- عما احتج به السيد السند لذلك القول من إطلاق تلك الصحاح المشار إليها- بأنه يمكن تقييد إطلاقها بهذه الاخبار كما اعترف بتقييد بعضها باخبار الصغرى، لان هذه الاخبار بمعونة ما ذكرناه قد اشتملت على التفصيل بين السيلان عن الكرسف و مجرد الظهور عليه من غير سيلان، و انه في الصورة الأولى تجب الأغسال الثلاثة و في الثانية يجب غسل واحد، فيجب تقييد اخبارهم بهذه الاخبار و تكون اخبارهم مخصوصة بالكبرى. و الله العالم.

(القسم الثالث) [الاستحاضة الكثيرة]

- ان يثقبه و يسيل عنه، و الظاهر انه لا خلاف هنا في وجوب الأغسال الثلاثة، قال في المنتهى: «و هو مذهب علمائنا اجمع» إنما الخلاف في انه هل يجب الوضوء مع هذه الأغسال و يتعدد بتعدد الصلاة أم لا يجب بالكلية أم يجب وضوء واحد مع الغسل؟ أقوال: فذهب جمع من متقدمي الأصحاب: منهم- الشيخ في النهاية و المبسوط و المرتضى و ابنا بابويه و ابن الجنيد الى الثاني، و عن ابن إدريس الأول و اليه ذهب عامة المتأخرين على ما نقله في المدارك، و عن المفيد الثالث، و هو انها تصلي بوضوئها و غسلها الظهر و العصر على الاجتماع ثم تفعل ذلك في المغرب و العشاء و تفعل مثل ذلك لصلاة الليل و الغداة، و اختاره المحقق في المعتبر.

و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا القسم روايات: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «المستحاضة تنظر أيامها فلا تصلي

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

285

فيها و لا يقربها بعلها فإذا جازت أيامها و رأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر و العصر تؤخر هذه و تعجل هذه و للمغرب و العشاء غسلا تؤخر هذه و تعجل هذه و تغتسل للصبح و تحتشي و تستثفر، الى ان قال: و ان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت و دخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء و هذه يأتيها بعلها إلا في أيام حيضها».

و هذه الرواية و ان كان ظاهرها ترتب الأغسال الثلاثة على مجرد ثقب الدم الكرسف الذي هو أعم من السيلان و عدمه إلا انها مخصوصة بما قدمناه من الروايات الظاهرة في انه مع عدم السيلان فليس إلا غسل واحد، و حينئذ فتحمل هذه الرواية على السيلان كما لا يخفى

و ما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر فتصلي الظهر و العصر ثم تغتسل عند المغرب فتصلي المغرب و العشاء ثم تغتسل عند الصبح فتصلي الفجر، و لا بأس ان يأتيها بعلها إذا شاء إلا أيام حيضها فيعتزلها بعلها، قال و قال: لم تفعله امرأة قط احتسابا إلا عوفيت من ذلك».

و هذه الرواية و ان كانت مطلقة شاملة بإطلاقها لأقسام المستحاضة الثلاثة إلا انه يجب تقييدها باخبار القسمين المتقدمين.

و منها-

ما رواه في الكافي أيضا في الصحيح عن صفوان بن يحيى عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: «قلت له: جعلت فداك إذا مكثت المرأة عشرة أيام ترى الدم ثم طهرت فمكثت ثلاثة أيام ظاهرة ثم رأت الدم بعد ذلك أ تمسك عن الصلاة؟ قال لا هذه مستحاضة تغتسل و تستدخل قطنة بعد قطنة و تجمع بين صلاتين بغسل و يأتيها زوجها ان أراد».

و هي أيضا مطلقة يجب تقييد إطلاقها بما ذكرناه في سابقتها.

و ما رواه الشيخ في الموثق عن فضيل و زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «المستحاضة تكف عن الصلاة أيام أقرائها و تحتاط بيوم أو اثنين ثم تغتسل كل يوم و ليلة ثلاث مرات و تحتشي لصلاة الغداة و تغتسل و تجمع بين الظهر و العصر بغسل

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

286

و تجمع بين المغرب و العشاء بغسل فإذا حلت لها الصلاة حل لزوجها ان يغشاها».

و منها- صحيحة الصحاف و قد تقدمت في القسم الثاني (1) و كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي و قد تقدم (2) و هو أصرح الاخبار في بيان الأقسام الثلاثة و حكم كل منها فينبغي ان يحمل عليه إطلاق ما عداه من اخبار الأقسام الثلاثة و إجماله.

و منها- صحيحة أبي المغراء و موثقة إسحاق بن عمار و قد تقدمتا في مسألة اجتماع الحيض مع الحبل (3) و رواية يونس الطويلة المتقدمة (4) المشهورة برواية السنن، الى غير ذلك من الاخبار.

و كلها- كما ترى- ظاهرة في عدم الوضوء متحدا أو متعددا، إذ المقام مقام البيان فلو كان واجبا لوقع ذكره و لو في بعضها ليحمل عليه الباقي و ليس فليس. و غاية ما احتج به من قال بوجوبه لكل صلاة عموم قوله تعالى: «. إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا. الآية» (5) و فيه (أولا)- ما عرفت آنفا (6) من دلالة النص المعتضد بدعوى الإجماع من الشيخ و العلامة على التخصيص بالقيام من حدث النوم. و (ثانيا)- انه من المعلوم تقييد ذلك بالمحدثين و لم يثبت كون الدم الخارج بعد الغسل على هذا الوجه حدثا لأن الأحكام الشرعية مبنية على التوقيف. و قد بالغ المحقق في المعتبر في رد هذا القول و التشنيع على قائله فقال: «و ظن غالط من المتأخرين انه يجب على هذه مع الأغسال وضوء مع كل صلاة، و لم يذهب الى ذلك أحد من طائفتنا، و يمكن ان يكون غلطه لما ذكره الشيخ في المبسوط و الخلاف ان المستحاضة لا تجمع بين فرضين بوضوء فظن انسحابه على مواضعها و ليس على ما ظن بل ذلك مختص بالموضع الذي يقتصر فيه على الوضوء» و اما ما ذكره المفيد و المحقق فالظاهر ان مرجعه الى وجوب الوضوء مع الغسل حيثما كان إلا غسل الجنابة، و بذلك صرح في المعتبر بعد ان اختار فيه مذهب المفيد و الزم به الشيخ أبا جعفر

____________

(1) ص 280.

(2) ص 283.

(3) ص 181.

(4) ص 182.

(5) سورة المائدة. الآية 7.

(6) ص 125.

287

هنا حيث ان عنده ان كل غسل لا بد فيه من الوضوء إلا غسل الجنابة، قال: «و إذا كان المراد بغسل الاستحاضة الطهارة لم يحصل المراد به إلا مع الوضوء، اما علم الهدى فلا يلزمه ذلك لان الغسل عنده يكفي عن الوضوء» أقول: يمكن الجواب عما الزم به الشيخ بتخصيص خبر ابن ابي عمير (1) الذي هو معتمدهم في إيجاب الوضوء مع كل غسل عدا غسل الجنابة بهذه الأخبار الظاهرة في عدم الوضوء في هذه الصورة، و قد تقدم تحقيق البحث في ذلك مستوفى في غسل الجنابة (2) و ان الحق عدم وجوب الوضوء مع الأغسال كائنة ما كانت.

[فوائد]

إذا عرفت ذلك فاعلم أن تنقيح البحث في المقام يتوقف على بيان أمور:

(الأول)

- صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض- و نحوه غيره- بان وجوب الأغسال الثلاثة في هذه الحالة انما هو مع استمرار الدم سائلا إلى وقت العشاءين فلو طرأت القلة بعد الصبح فغسل واحد أو بعد الظهرين فغسلان خاصة. و هو حسن فإنه الظاهر من الاخبار و ان كان في فهمه من بعضها نوع غموض، و أصرح الروايات في بيان أحكام الاستحاضة بأقسامها الثلاثة عبارة الفقه الرضوي (3) و الظاهر من التقسيم فيها إلى الأقسام الثلاثة من عدم ثقب الدم أو ثقبه و لم يسل أو ثقبه و سيلانه هو كون استمرار كل من هذه الحالات في الأوقات الثلاثة كما لا يخفى، و عليها يحمل غيرها.

(الثاني)

- انه قد صرح غير واحد منهم بان اعتبار الجمع بين الصلاتين انما هو لأجل الاكتفاء بغسل واحد و إلا فلو فرقت و أفردت كل صلاة بغسل جاز بل استحب كما نقله في المدارك عن المنتهى، قيل: و في بعض الروايات الموثقة أنها تغتسل عند وقت كل صلاة، و هو مؤيد لذلك بان يحمل على عدم الجمع، و يمكن حمله على الأوقات الثلاثة، و الأول أقرب،

و في رواية يونس الطويلة (4) «ان فاطمة بنت ابى حبيش كانت تغتسل في كل صلاة».

انتهى. أقول: لا يخفى ان الأمر بالاغتسال وقت كل صلاة لا يستلزم

____________

(1) ص 119.

(2) ص 120.

(3) ص 283.

(4) ص 182.

288

الإتيان بصلاة واحدة خاصة، و قد أوضح هذا الإجمال

في صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر فتصلي الظهر و العصر ثم تغتسل عند المغرب فتصلي المغرب و العشاء».

(الثالث)

قد صرح جملة من الأصحاب بأنه يشترط معاقبة الصلاة للغسل بان تقع بعده بلا فصل، قالوا: و لا يقدح في ذلك الاشتغال بعده بالستر و تحصيل القبلة و الأذان و الإقامة لأنها مقدمات للصلاة، و استثنى العلامة في النهاية و الشهيد في الدروس انتظار الجماعة، و ربما منع ذلك لعدم الضرورة. أقول: لا ريب انه الأحوط و ان كان في فهمه من الاخبار نظر.

و اختلفوا في اعتبار معاقبة الصلاة للوضوء في الصغرى على قولين، قال في المختلف:

«قال الشيخ إذا توضأت المستحاضة في أول الوقت ثم صلت آخر الوقت لم تجزها تلك الصلاة. و هو اختيار ابن إدريس. و عندي فيه نظر أقربه الجواز، لنا- العموم الدال على تجويز فعل الطهارة في أول الوقت و العموم الدال على توسعة الوقت» ثم نقل عن الشيخ انه احتج بأن الأخبار تدل على انه يجب عليها تجديد الوضوء عند كل صلاة و ذلك يقتضي أن يتعقبه فعل الصلاة، و لأنها مع مقارنة الصلاة تخرج عن العهدة بيقين و مع التأخير لا تخرج عن العهدة إلا بالدليل و هو منتف. ثم أجاب عن الأول بالمنع من دلالة الاخبار على ما ادعاه فان بعضها و رد

بقوله: «فلتتوضأ و لتصل عند وقت كل صلاة».

و لا دلالة في ذلك على ما ادعاه، و في بعضها

«و صلت كل صلاة بوضوء».

و لا دلالة فيه ايضا، و في بعضها

«الوضوء لكل صلاة».

و لا شيء من هذه الاخبار دال على ما ذكره الشيخ. و عن الثاني ان الدليل على خروجها عن العهدة قائم و هو الامتثال. انتهى. أقول: اما ما أجاب به عن الأول فحسن فإن الأخبار المذكورة لا دلالة فيها على ما ادعاه الشيخ. و اما ما أجاب به عن الثاني فهو لا يخرج عن المصادرة، فإن مقتضى كلام الشيخ انه لا يحصل الامتثال

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

289

الموجب للخروج عن العهدة إلا بالمقارنة فكيف يدعي ان الدليل على الخروج عن العهدة الامتثال؟ و ربما أيد مذهب الشيخ هنا بان العفو عن حدثها المستمر الواقع في الصلاة أو بينها و بين الطهارة انما وقع للضرورة فيقتصر فيها على ما تقتضيه مما لا يمكن الانفكاك عنه، و اعتبار الجمع بين الفرضين بغسل ايضا يدل عليه. و بالجملة فالمسألة لفقد النص لا تخلو من الاشكال، و الاحتياط فيها بما ذكره الشيخ مطلوب على كل حال.

(الرابع)

- هل الاعتبار في كمية الدم و قلته و كثرته بوقت الصلاة لأنه وقت الخطاب بالطهارة فلا اثر لما قبله، أو انه كغيره من الأحداث متى حصل كفى في وجوب موجبه لأنه حدث فيمنع سواء كان حصوله في وقت الصلاة أم في غيره؟ قولان، اختار أولهما في الدروس و ثانيهما في البيان و رجحه في الروض و نقله عن ظاهر العلامة، و في الذكرى نسب القول الأول إلى لفظ «قيل» بعد ان ذكر فيها ان ظاهر خبر الصحاف يشعر به، و استدل على القول الثاني بإطلاق الروايات المتضمنة لكون الاستحاضة موجبة للوضوء أو الغسل،

و بقوله (عليه السلام) في خبر الصحاف (1): «فلتغتسل و تصلي الظهرين ثم لتنظر فان كان الدم لا يسيل فيما بينها و بين المغرب فلتتوضأ و لا غسل عليها و ان كان إذا أمسكت يسيل من خلفه صبيبا فعليها الغسل».

و استند في الدروس ايضا الى خبر الصحاف كما في الذكرى فقال: «و الاعتبار في كميته بأوقات الصلاة في ظاهر خبر الصحاف» و فيه ما عرفت من ظهور دلالة الخبر المذكور في القول الآخر.

و اما ما استندوا اليه- من ان وقت الصلاة هو وقت الخطاب بالطهارة فلا اثر لما قبله- ففيه ان الحدث مانع سواء كان في الوقت أم لا و الا لم تجب الطهارة من غيره من الأحداث إذا طرأ قبل الوقت، و من ذلك يظهر قوة القول الثاني. و يتفرع على الخلاف المذكور ما لو كثر قبل الوقت ثم طرأت القلة، فعلى القول الأول لا غسل عليها ما لم توجد في الوقت متصلة أو طارئة، و على الثاني يجب الغسل للكثرة المتقدمة. و لو طرأت الكثرة

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

290

بعد صلاة الظهرين فلا غسل لهما، و اما بالنسبة إلى العشاءين فيراعى استمرار الكثرة إلى وقتهما على الأول و على الثاني يجب الغسل لهما و ان لم يستمر. و هل يتوقف صوم اليوم الحاضر على هذا الغسل الطارئ سببه بعد الظهرين؟ الظاهر العدم على كل من القولين اما على الأول فلانه لا يوجب الغسل إلا بعد وجوده في وقت العشاءين و قد انقضى الصوم، و اما على الثاني فلانه و ان حكم بكونه حدثا في الجملة لكنهم حكموا بصحة الصوم مع إتيانها بالأغسال، و الغسل لهذا الحدث انما هو في الليلة المستقبلة فلا يتوقف عليه صحة صوم اليوم الماضي، و اختار في الذكرى وجوبه هنا للصوم في سياق التفريع على ان الاعتبار في كميته بأوقات الصلاة، و توقف العلامة في التذكرة.

(الخامس)

- ظاهر الاخبار المتقدمة ان المدار في ثبوت الكثرة الموجبة للأغسال الثلاثة هو ثقب الدم الكرسف و خروجه منه أعم من ان يكون يخرج من الخرقة التي يشد بها الكرسف أم لا، و هو ايضا ظاهر كلام أكثر الأصحاب، و ظاهر عبارة المفيد في المقنعة انه لا بد من خروجه من الخرقة و سيلانه منها، و جعل المتوسطة هي التي يثقب دمها الكرسف و يرشح على الخرق و لكن لا يسيل منها، و هذه هي الكثيرة عند الأصحاب، و لم أر في الاخبار ما يدل عليه، إذ الذي جعل فيها مناطا للكثيرة و المتوسطة هو ثقب الكرسف و عدمه من غير تعرض للخرقة، و نقل شيخنا المجلسي في بعض حواشيه عن المحقق الشيخ علي في بعض حواشيه انه ذهب الى ما ذكره الشيخ المفيد (رحمه الله) و فيه ما عرفت.

(السادس)

- صرح غير واحد من الأصحاب بأنه لو أرادت ذات الدم المتوسط أو الكثير التهجد في الليل قدمت الغسل على الفجر و اكتفت به، قال في الذخيرة بعد نقل الحكم المذكور: «و لا اعلم فيه خلافا بينهم و لم اطلع على نص دال عليه» أقول: قد عرفت ان كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) دال عليه و لكنه لم

____________

(1) ص 283.

291

يصل اليه، و الظاهر انه هو المستند لمن ذكر هذا الحكم من المتقدمين و لا سيما الصدوقين كما عرفت و ستعرف ان شاء الله تعالى. قال في الروض: «و ينبغي الاقتصار في التقديم على ما يحصل به الغرض ليلا فلو زادت على ذلك هل يجب إعادته؟ يحتمل لما مر في الجمع بين الصلاتين به، و عدمه للإذن في التقديم من غير تقييد» أقول: لا يخفى ضعف الوجه الثاني من وجهي الاحتمال المذكور، و ذلك (أولا)- لما تقدم من تصريحهم بوجوب معاقبة الصلاة للغسل و هو المشار إليه في كلامه «لما مر. إلخ» و (ثانيا)- انه ليس في الخبر الذي هو المستند في الحكم المذكور لفظ التقديم حتى يمكن الاستناد إلى إطلاقه و انما وقع هذا اللفظ في عبارات الأصحاب. و الذي

في كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) انما هو «ان ثقب الدم الكرسف و لم يسل صلت صلاة الليل و الغداة بغسل».

و بنحو ذلك عبر في ذات الأغسال الثلاثة كما تقدم نقل كلامه (عليه السلام) و ظاهره انما هو معاقبة الصلاة للغسل كما تقدم.

(المقام الثاني) [هل يجوز وطء المستحاضة قبل الإتيان بوظيفتها]

- صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنها إذا فعلت ما هو الواجب عليها في الأقسام الثلاثة فإنها تكون بحكم الطاهر و تستبيح ما تستبيحه الطاهر من الأمور المشروطة بالطهارة، فتصح صلاتها و صومها و دخولها المساجد و مس القرآن و نحو ذلك، الا انه قد وقع الخلاف في جواز إتيانها قبل الغسل و نحوه. فقيل بالجواز على كراهية، و اختاره المحقق في المعتبر، و تبعه جملة من المتأخرين: منهم- السيد في المدارك و الفاضل الخراساني في الذخيرة و غيرهما، و قيل بتوقف ذلك على الغسل خاصة، و قيل بتوقفه على الوضوء ايضا، و قيل بتوقفه على جميع ما تتوقف عليه الصلاة، و نسبه في الذكرى الى ظاهر الأصحاب، و نقل عن المفيد القول بتوقفه ايضا على نزع الخرق و غسل الفرج، و الظاهر عندي هو القول المشهور من توقفه على ما تتوقف عليه الصلاة و انه تابع لها فمتى حلت لها الصلاة حل لزوجها ان يأتيها و إلا فلا، و حيث ان أول من تصدى لنصرة مذهب المحقق في هذه

____________

(1) ص 22.

292

المسألة السيد في المدارك فلا بأس بنقل كلامه و بيان ما في نقضه و إبرامه، قال- بعد ذكر اشتراط إتيانها بما يجب عليها من الغسل و الوضوء و تغيير القطنة و الخرقة في كونها بحكم الطاهر- ما صورته: «و في جواز إتيانها قبله أقوال، أظهرها الجواز مطلقا و هو خيرة المصنف في المعتبر، لعموم قوله تعالى: «فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ» (1)

و قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان (2): «و لا بأس ان يأتيها بعلها متى شاء إلا في أيام حيضها».

و في صحيحة صفوان بن يحيى (3): «و يأتيها زوجها إذا أراد».

و قيل بتوقفه على الغسل خاصة،

لقوله (عليه السلام) في رواية عبد الملك بن أعين في المستحاضة (4): «و لا يغشاها حتى يأمرها بالغسل».

و في السند ضعف و في المتن إجمال لاحتمال ان يكون الغسل المأمور به غسل الحيض. و قيل باشتراط الوضوء ايضا

لقوله (عليه السلام) في رواية زرارة و فضيل (5): «فإذا حلت لها الصلاة حل لزوجها ان يغشاها».

و هي مع ضعف سندها و خلوها من ذكر الوضوء لا تدل على المطلوب، بل ربما دلت على نقيضه إذ الظاهر ان المراد من حل الصلاة الخروج من الحيض كما يقال لا تحل الصلاة في الدار المغصوبة فإذا خرج حلت، فان معناه زوال المانع الغصبي و ان افتقر بعد الخروج منها إلى الطهارة و غيرها من الشرائط» انتهى. و اقتفاه في هذا التقرير جملة ممن تأخر عنه: منهم- الفاضل الخراساني في الذخيرة و غيره.

أقول: و الظاهر من الاخبار لمن تأمل فيها بعين الفكر و الاعتبار هو تبعية حل الوطء لحل الصلاة كما دلت عليه رواية زرارة و فضيل المذكورة و غيرها، و ها أنا أوضح لك الحال بتوفيق الملك المتعال بما تنقطع به مادة الإشكال.

فأقول: أما

رواية زرارة و فضيل المشار إليها فهي ما روياه عن أحدهما (عليهما

____________

(1) سورة البقرة. الآية 221.

(2) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(4) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب الاستحاضة.

(5) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

293

السلام) (1) قال: «المستحاضة تكف عن الصلاة أيام أقرائها و تحتاط بيوم أو اثنين ثم تغتسل كل يوم و ليلة ثلاث مرات و تحتشي لصلاة الغداة و تغتسل و تجمع بين الظهر و العصر بغسل و تجمع بين المغرب و العشاء بغسل، فإذا حلت لها الصلاة حل لزوجها ان يغشاها».

و ما طعن به عليها من ضعف السند فهو غير مسموع عندنا و لا معتمد لما عرفت في مقدمات الكتاب، و كذا عند غيرنا من قدماء الأصحاب الذين لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم، على ان الدلالة على ما ندعيه غير منحصرة في هذه الرواية بل هو مدلول أخبار عديدة. و اما طعنه في متنها من حملها على ما ذكره من ان المراد من حل الصلاة يعني الخروج من الحيض فهو مبني على رجوع قوله في آخر الرواية: «فإذا حلت لها الصلاة. إلخ» الى ما ذكره في صدر الرواية من قوله: «تكف عن الصلاة أيام أقرائها» و هو تعسف ظاهر كما لا يخفى على الخبير الماهر، فان هذا الكلام انما هو مرتبط بحكم المستحاضة المذكور بعد حكم الحائض كما سيظهر لك من الاخبار الآتية ان شاء الله تعالى، و التقريب فيها انه بعد ذكر الحيض و أيام الاستظهار بين انها تحتاج في الإتيان بالصلاة الى هذه الأغسال و ان الصلاة تتوقف عليها ثم بين انه متى حلت لها الصلاة بذلك حل لزوجها ان يغشاها.

و أظهر منها في إفادة هذا المعنى

صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المستحاضة أ يطأها زوجها و هل تطوف بالبيت؟

قال تقعد قرءها الذي كانت تحيض فيه فان كان قرؤها مستقيما فلتأخذ به و ان كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين و لتغتسل و تستدخل كرسفا فان ظهر على الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلي فإذا كان الدم سائلا فلتؤخر الصلاة الى الصلاة ثم تصلي صلاتين بغسل واحد، و كل شيء استحلت به الصلاة فليأتها زوجها و لتطف بالبيت».

و هي مع صحة سندها صريحة في المراد عارية عن وصمة الإيراد، و هي

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

294

- كما ترى- مثل الرواية الأولى قد اشتملت أولا على حكم الحيض ثم الاستظهار ثم حكم المستحاضة و انها تصلي بعد الإتيان بالأغسال الثلاثة، ثم ذكر ان كل شيء استحلت به الصلاة و كان مبيحا لها فهو مبيح لإتيان زوجها و طوافها.

و من الأخبار في المسألة أيضا

ما رواه المحقق في المعتبر من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب في الصحيح (1) قال: روى الحسن بن محبوب في كتاب المشيخة عن أبي أيوب عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) «في الحائض إذا رأت دما بعد أيامها التي كانت ترى الدم فيها فلتقعد عن الصلاة يوما أو يومين ثم تمسك قطنة فان صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع بين كل صلاتين بغسل و يصيب منها زوجها ان أحب و حلت لها الصلاة».

و ما رواه في قرب الاسناد عن محمد بن خالد الطيالسي عن إسماعيل بن عبد الخالق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المستحاضة كيف تصنع؟

قال إذا مضى وقت طهرها الذي كانت تطهر فيه فلتؤخر الظهر الى آخر وقتها ثم تغتسل ثم تصلي الظهر و العصر فان كان المغرب فلتؤخرها إلى آخر وقتها ثم تغتسل ثم تصلي المغرب و العشاء فإذا كان صلاة الفجر فلتغتسل بعد طلوع الفجر ثم تصلي ركعتين قبل الغداة ثم تصلي الغداة. قلت يواقعها زوجها؟ قال إذا طال بها ذلك فلتغتسل و لتتوضأ ثم يواقعها ان أراد».

و الظاهر ان المراد بالوضوء المعنى اللغوي و هو غسل الفرج.

و منها-

ما رواه سماعة في الموثق (3) قال: «المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين و للفجر غسلا، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة و الوضوء لكل صلاة، و ان أراد زوجها ان يأتيها فحين تغتسل. الحديث».

و قد تقدم بيان معناه.

و منها-

ما رواه صفوان بن يحيى في الصحيح عن ابي الحسن (عليه السلام) (4)

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(4) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

295

قال: «قلت له جعلت فداك إذا مكثت المرأة عشرة أيام ترى الدم ثم طهرت فمكثت ثلاثة أيام طاهرة ثم رأت الدم بعد ذلك أ تمسك عن الصلاة؟ قال لا هذه مستحاضة تغتسل و تستدخل قطنة و تجمع بين صلاتين بغسل و يأتيها زوجها ان أراد».

و منها-

ما في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (1) بعد ذكر المستحاضة:

«و الوقت الذي يجوز فيه نكاح المستحاضة وقت الغسل و بعد ان تغتسل و تتنظف لان غسلها يقوم مقام الطهر للحائض».

فهذه جملة من الاخبار واضحة الدلالة ظاهرة المقالة في ان جماع المستحاضة انما هو بعد الغسل و انه تابع لحل الصلاة، و حينئذ فما استندوا اليه من إطلاق الآية و الاخبار المتقدمة فهو مخصص بما ذكرنا من الاخبار الواضحة عملا بالقاعدة المقررة المسلمة بينهم، و العمل بإطلاق الآية و الأخبار موجب لطرح هذه الأخبار، و اما الجمع بحملها على الاستحباب- كما هو قاعدتهم في غير باب- فقد عرفت ما فيه في غير موضع من الكتاب من أنه (أولا)- لا دليل عليه. و (ثانيا)- بأنه مجاز موقوف على القرينة و اختلاف الأخبار ليس من قرائن المجاز، و يؤيد ما ذهبنا إليه أنه الأوفق بالاحتياط الذي هو أحد المرجحات الشرعية في مقام اختلاف الأخبار كما صرحت به رواية زرارة الواردة في طرق الترجيح و الله العالم.

(المقام الثالث) [حكم المستحاضة لو أخلت بما يجب عليها من الوضوء أو الغسل]

- للظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في ان المستحاضة متى أخلت بشيء من الأفعال الواجبة عليها من وضوء أو غسل كما تضمنته الأخبار المتقدمة فإنه لا تصح صلاتها و لا يباح لها ما يباح للطاهر، و لو أخلت بالأغسال في المتوسطة أو الكبرى فإنه لا يصح صومها، و قد تقدم في الاخبار المتقدمة ما يدل على الحكم الأول و اما الحكم الثاني فاستدلوا عليه

بما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار (2) قال:

«كتبت إليه: امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ثم استحاضت

____________

(1) ص 21.

(2) رواه في الوسائل في الباب 41 من أبواب الحيض.

296

فصلت و صامت شهر رمضان كله من غير ان تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، فهل يجوز صومها و صلاتها أم لا؟ فكتب تقضي صومها و لا تقضي صلاتها لان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يأمر فاطمة و المؤمنات من نسائه بذلك».

و رواه الكليني في الصحيح ايضا نحوه (1) و رواه الصدوق في الفقيه بطرق ثلاث فيها الصحيح مثله (2).

و هذا الخبر من مشكلات الاخبار و معضلات الآثار و ذلك من وجهين:

(أحدهما)- ما يشعر به من ان فاطمة (عليها السلام) كانت ترى الدم مع ما تكاثرت به الاخبار من انها لم تر حمرة قط لا حيضا و لا استحاضة (3). و (ثانيهما)- ما اشتمل عليه من الحكم بعدم قضاء الصلاة مع الحكم بقضاء الصوم مع ان العكس كان أقرب و بالانطباق على الأصول انسب، إذ الصلاة مشروطة بالطهارة بخلاف الصوم فإنه ربما اتفق مع الحدث

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 41 من أبواب الحيض.

(2) رواه في الوسائل في الباب 41 من أبواب الحيض.

(3)

في الفقيه ج 1 ص 50 «و قال النبي (صلى الله عليه و آله): ان فاطمة (ع) ليست كأحد منكن انها لا ترى دما في حيض و لا نفاس كالحورية».

و في أصول الكافي ج 1 ص 458 بسنده عن ابى الحسن (ع) «ان فاطمة (ع) صديقة شهيدة و ان بنات الأنبياء لا يطمئن».

و في كشف الغمة للاربلى ص 139 عن على عن رسول الله (ص) قال:

«مريم بتول و فاطمة بتول و البتول التي لم تر حمرة قط اى لم تحض فان الحيض مكروه في بنات الأنبياء».

و نحوه في العلل ص 71،

و في كنز العمال ج 6 ص 219 عن ابن عباس «قال رسول الله (ص): ابنتي فاطمة (ع) حوراء آدمية لم تحض و لم تطمث».

و في مجمع الزوائد للهيثمى ج 9 ص 202 «قال رسول الله (ص) لعائشة يا حميراء فاطمة ليست كنساء الآدميين و لا تعتل كما يعتلون».

و في اللئالي المصنوعة للسيوطي ج 1 ص 205 عن أم سليم زوجة أبي طلحة الأنصاري قالت: «لم تر فاطمة بنت رسول الله (ص) دما قط في حيض و لا نفاس».

و في ص 208 منه عن ابن عباس عنه (ص) «فاطمة حوراء آدمية لم تحض و لم تطمث».

و لم يتعقبه السيوطي.

و في الذخائر العقبى للمحب الطبري ص 26 عن ابن عباس مثله و في تاريخ القرمانى ص 87 «لم تحض فاطمة بنت رسول الله (ص) لأنها خلقت من تفاحة الجنة» ..

297

في الجملة، و يظهر من الشيخ في المبسوط التوقف في هذا الحكم حيث أسنده إلى رواية الأصحاب، و هو في محله لما عرفت و جل الأصحاب (رضوان الله عليهم) قد عملوا بالخبر في الحكم الأول و تركوا الحكم الثاني، و ربما ظهر من رواية الصدوق له في الفقيه من غير تعرض للطعن في متنه العمل بمضمونه، و كذا الشيخ كما يفهم من تأويله الآتي.

و الاشكال الأول انما يتوجه على رواية الشيخ و الكليني للخبر المذكور كما قدمناه و اما الصدوق في الفقيه فإنه رواه هكذا:

«لان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يأمر المؤمنات من نسائه بذلك».

و كذلك في العلل رواه كما في الفقيه. و ربما أجيب- على تقدير صحة هذه الزيادة- بأنه كان يأمر فاطمة ان تأمر المؤمنات بذلك، و يعضده ما في

صحيحة زرارة (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قضاء الحائض الصلاة ثم تقضي الصوم؟ فقال ليس عليها ان تقضي الصلاة و عليها ان تقضي صوم شهر رمضان. ثم اقبل علي فقال ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يأمر بذلك فاطمة و كانت تأمر بذلك المؤمنات».

و احتمل بعضهم ان المراد بفاطمة هنا بنت ابي حبيش المتقدمة في حديث السنن (2) فإنها كانت مشهورة بكثرة الاستحاضة و السؤال عن مسائلها في ذلك الزمان كما يفهم من الحديث المشار اليه و يكون ذكر الصلاة و السلام بعد لفظ فاطمة في الخبر المذكور ناشئا من توهم بعض الرواة و نقلة الخبر انها فاطمة الزهراء (عليها السلام).

و اما الإشكال الثاني فقد أجيب عنه بوجوه: (الأول)- ما ذكره الشيخ في التهذيب حيث قال: «لم يأمرها بقضاء الصلاة إذا لم تعلم ان عليها لكل صلاتين غسلا و لا تعلم ما يلزم المستحاضة، فاما مع العلم بذلك و الترك له على العمد يلزمها القضاء» و اعترضه في المدارك بأنه ان بقي الفرق بين الصوم و الصلاة فالإشكال بحاله و ان حكم بالمساواة بينهما و نزل قضاء الصوم على حالة العلم و عدم قضاء الصلاة على حالة الجهل فتعسف ظاهر.

(الثاني)- ما أجاب به المولى الأردبيلي من ان المراد لا يجب عليها قضاء

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 41 من أبواب الحيض.

(2) ص 182.

298

جميع الصلوات لان منها ما كان واقعا في الحيض. و رده في الحبل المتين بأنه مع بعده محل كلام فإن الصلاة في قول السائل: «هل يجوز صومها و صلاتها» المراد بها الصلاة التي أتت بها في شهر رمضان و هو الزمان الذي استحاضت فيه كما يدل عليه قوله: «طهرت من حيضها أو نفاسها من أول شهر رمضان» و ليس الكلام في الصلاة التي قعدت عنها أيام حيضها قبل دخول شهر رمضان، و اما تعليق الجار في قوله: «من أول شهر رمضان» بالحيض أو النفاس فمع انه بعيد عن ظاهر الكلام بمراحل لا يجدي نفعا. انتهى. و هو جيد (الثالث)- ما ذكره في المنتقى قال: «و الذي يختلج في خاطري ان الجواب الواقع في الحديث غير متعلق بالسؤال المذكور و الانتقال الى ذلك من وجهين:

(أحدهما)- قوله فيه:

«ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يأمر فاطمة. إلخ»

فإن هذه العبارة إنما تستعمل فيما يكثر وقوعه و يتكرر، و كيف يعقل كون تركهن ما تعمله المستحاضة في شهر رمضان جهلا كما ذكره الشيخ أو مطلقا مما يكثر وقوعه؟

و (ثانيهما)- ان هذه العبارة بعينها مضت في حديث من اخبار الحيض في كتاب الطهارة مرادا بها قضاء الحائض للصوم دون الصلاة و بينا وجه تأويلها على ما يروى في أخبارنا من ان فاطمة (عليها السلام) لم تكن تطمث، و لا يخفى أن للعبارة بذلك الحكم مناسبة ظاهرة تشهد بذلك السليقة لكثرة وقوع الحيض و تكرره و الرجوع إليه في حكمه، و بالجملة فارتباطها بذلك الحكم و منافرتها لقضية الاستحاضة مما لا يرتاب فيه أهل الذوق السليم، و ليس بالمستبعد ان يبلغ الوهم الى وضع الجواب مع غير سؤاله، فإن من شأن الكتابة في الغالب ان تجمع الأسئلة المتعددة فإذا لم ينعم الناقل نظره فيها يقع له نحو هذا الوهم» و هو جيد إلا ان فتح هذا الباب في الاخبار مشكل.

(الرابع)- ما أفاده الأمين الأسترآبادي حيث قال: «السائل سأل عن حكم المستحاضة التي صامت و صلت في شهر رمضان و لم تعمل أعمال المستحاضة و الامام ذكر حكم الحائض و عدل عن جواب السؤال من باب التقية، لأن الاستحاضة من باب الحدث

299

الأصغر عند العامة فلا توجب غسلا عندهم (1) و اما ما افاده الشيخ فلم يظهر له وجه، بل أقول: لو كان الجهل عذرا لكان عذرا في الصوم ايضا، مع ان سياق كلامهم (عليهم السلام) الوارد في حكم الأحداث يقتضي ان لا يكون فرق بين الجاهل بحكمها و لا بين العالم به» انتهى. و هو لا يخلو من قرب.

(الخامس)- ما نقل عن بعض الأفاضل حيث قال: «خطر لي احتمال لعله قريب لمن تأمله بنظر صائب، و هو انه لما كان السؤال مكاتبة وقع (عليه السلام) تحت قول السائل «فصلت» «تقضي صلاتها» و تحت قوله «صامت» «تقضي صومها

____________

(1) في فتح الباري شرح البخاري لابن حجر الشافعي ج 1 ص 281 «ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث فتتوضأ لكل صلاة لكنها لا تصلى بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقتضية لظاهر

قوله (ص): «ثم تتوضأ لكل صلاة».

و بهذا قال الجمهور، الى ان قال: و عند المالكية يستحب لها الوضوء لكل صلاة و لا يجب الا بحدث آخر، و قال احمد و إسحاق ان اغتسلت لكل فرض فهو أحوط»

و في نيل الأوطار للشوكانى ج 1 ص 210 باب غسل المستحاضة لكل صلاة «بعد ان استحاضت زينب بنت جحش قال لها النبي (ص) «اغتسلي لكل صلاة».

ذهب الإمامية إلى وجوب الاغتسال عليها لكل صلاة، و روى عن ابن عمر و ابن الزبير و عطاء بن ابى رباح و روى عن على (ع) و ابن عباس، و عن عائشة انها قالت تغتسل كل يوم غسلا واحدا، و عن ابن المسيب و الحسن قالا تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر، و ذهب الجمهور إلى انه لا يجب عليها الاغتسال لشيء من الصلوات و لا لوقت من الأوقات إلا مرة واحدة وقت انقطاع حيضها، قال النووي و بهذا قال جمهور العلماء من السلف و الخلف» و في المغني لابن قدامة ج 1 ص 366 «اختلف أهل العلم في المستحاضة فقال بعضهم يجب عليها الغسل لكل صلاة، الى ان قال و قال بعضهم تغتسل كل يوم غسلا، و قال بعضهم تجمع بين كل صلاتي جمع بغسل واحد و تغتسل للصبح، و قال بعضهم تغتسل مرة لانقضاء حيضها و تتوضأ لكل صلاة و انه يجزئها ذلك و به قال عطاء و النخعي و أكثر أهل العلم و يروى عن عروة و به قال الشافعي و أصحاب الرأي، و قال عكرمة و ربيعة و مالك انما عليها الغسل عند انقضاء حيضها و ليس عليها للاستحاضة وضوء».

300

ولاء» اي متواليا، و القول بالتوالي و لو على وجه الاستحباب (1) و دليله كذلك فهذا من جملته، و ذلك كما هو متعارف في التوقيع من الكتابة تحت كل مسألة ما يكون جوابا لها حتى انه قد يكتفى بنحو «لا» و «نعم» بين السطور، أو انه (عليه السلام) كتب ذلك تحت قوله: «هل يجوز صومها و صلاتها» و هذا أنسب بكتابة التوقيع و بالترتيب من غير تقديم و تأخير، و الراوي نقل ما كتبه (عليه السلام) و لم يكن فيه واو يعطف «تقضي صلاتها» أو انه كان «تقضي صومها و لا و تقضي صلاتها» بواو العطف من غير إثبات همزة فتوهمت زيادة الهمزة التي التبست الواو بها، أو انه «و لا تقضي صلاتها» على معنى النهي فتركت الواو لذلك، و إذا كان التوقيع تحت كل مسألة كان ترك الهمزة أو المد في خطه (عليه السلام) وجهه ظاهرا لو كان، فان قوله: «تقضي صومها ولاء» مع انفصاله لا يحتاج فيه الى ذلك، فليفهم، و وجه توجيه الواو احتمال ان يكون (عليه السلام) جمع في التوقيع بالعطف أو ان الراوي ذكر كلامه و عطف الثاني على الأول» انتهى.

أقول: لا يخفى ان ما ذكره هذا الفاضل لا يخلو من قرب لو اقتصر في الجواب على ما ذكره من هذين اللفظين، و اما بالنظر الى التعليل المذكور في الخبر فلا يخلو من بعد لانه من تتمة الجواب، و إردافه باللفظين المذكورين بين السطور بعيد و فصله عنهما أبعد.

(السادس)- ما ذكره بعضهم من الحمل على الاستفهام الإنكاري. و لا يخفى بعده سيما في المكاتبة، مضافا الى التعليل المذكور في الخبر.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الظاهر من كلام جملة من الأصحاب فساد الصوم بالإخلال بشيء من الأغسال، و قيد ذلك جمع من المتأخرين بالأغسال النهارية و حكموا بعدم توقف صحة الصوم على غسل الليلة المستقبلة لسبق تمامه، و ترددوا في التوقف على غسل الليلة الماضية، قال في الروض: «و هل يشترط في اليوم الحاضر غسل ليلته الماضية؟

وجهان، و الحق انها ان قدمت غسل الفجر ليلا أجزأ عن غسل العشاءين بالنسبة إلى الصوم

____________

(1) هكذا وردت العبارة فيما عثرنا عليه من النسخ و الظاهر سقوط خبر المبتدأ.

301

و ان أخرته الى الفجر بطل الصوم هنا و ان لم نبطله لو لم يكن غيره» انتهى. و ظاهره التفصيل بالاشتراط إن أخرت غسل الفجر الى طلوع الفجر و عدمه ان قدمته على طلوع الفجر فإنه يجزئ عنه لوقوعه ليلا، و لو لم يكن عليها إلا غسل الفجر خاصة دون غسل العشاءين فإنه لا يبطل صومها و ان أخرته إلى طلوع الفجر. و في استفادة هذه التفاصيل من النص اشكال، و المستفاد من النصوص المتقدمة هو ان هذه الأغسال انما هي للصلاة ليلا كانت أو نهارا و مقتضى ذلك وجوبها في أوقات تلك الصلوات، غاية الأمر ان صحيحة ابن مهزيار دلت على انه بالإخلال بها كملا يجب عليها قضاء الصوم، و حينئذ فكما ان المعتبر منها للصلاة ما كان بعد الوقت فليكن للصوم ايضا كذلك، و منه يظهر ان الأظهر عدم وجوب تقديم غسل الفجر عليه للصوم، و احتمل في الروض وجوب تقديمه هنا، قال:

«لانه حدث مانع من الصوم فيجب تقديم غسله عليه كالجنابة و الحيض المنقطع، و لان جعل الصوم غاية لوجوب غسل الاستحاضة مع الغمس يدل عليه» و في كل من الأمرين المذكورين منع ظاهر، إذ لم يقم دليل على كونه حدثا مانعا من الصوم كما ادعاه بل هو أول المسألة، و لم يرد ما يدل على ان الصوم غاية لوجوب غسل الاستحاضة مع الغمس كما ادعاه و ان وقع في كلامهم، إذ ليس في وجوب توقف الصوم على الأغسال المذكورة غير صحيحة ابن مهزيار المتقدمة (1) و هي خالية من ذلك. ثم نقل في الروض عن الشهيد هنا وجوب التقديم و عن العلامة في النهاية التوقف في المسألة، و هما ضعيفان بما ذكرنا.

[مسائل]

و تنقيح البحث في المقام يتوقف على رسم مسائل

(الأولى)

- نقل جملة من الأصحاب عن الشيخ في المبسوط انه حكم بان انقطاع دم الاستحاضة موجب للوضوء، و ظاهره انه أعم من ان يكون انقطاعه للبرء أو لا، و نقل عن بعض الأصحاب انه قيده بالانقطاع للبرء، و بذلك صرح العلامة في التحرير، و قال في الذكرى: «و الأصل فيه ان انقطاع الدم يظهر معه حكم الحدث أو ان الصلاة أبيحت مع الدم للضرورة و قد زالت،

____________

(1) ص 295.

302

و على التقديرين تنتقض الطهارة الاولى» و يرد عليه ان دم الاستحاضة يوجب الغسل تارة و الوضوء أخرى فإيجاب الوضوء خاصة تحكم، و الأظهر على هذا ان يقال ان الانقطاع للبرء يوجب ما أوجبه الدم قبل الانقطاع من الوضوء أو الغسل لا الوضوء خاصة كما قالوه و توضيحه ان الموجب في الحقيقة هو الدم السابق على الانقطاع لا نفس الانقطاع لانه ليس بحدث و دم الاستحاضة في حد ذاته حدث يوجب الغسل أو الوضوء، فمع الانقطاع للبرء بعد الطهارة سابقا يظهر حكم الحدث إذ الموجب هو خروج الدم و قد حصل بعد الطهارة فيترتب عليه حكمه، و الطهارة السابقة أباحت الصلاة بالنسبة الى ما سبق قبلها من الدم، و لا يلزم من صحة الصلاة مع الدم بعد الطهارة الاولى عدم تأثيره في الحدث، و ظاهر المدارك الميل الى ما ذكرنا حيث انه بعد نقل قول الشيخ قال: «و قيده بعض الأصحاب بكونه انقطع للبرء اي الشفاء، و هو حسن لكن لا يخفى ان الموجب له في الحقيقة هو الدم السابق على الانقطاع لا نفس الانقطاع، و ان دم الاستحاضة يوجب الوضوء تارة و الغسل أخرى، فإسناد الإيجاب إلى الانقطاع و الاقتصار على الوضوء خاصة لا يستقيم» انتهى. و ظاهر المعتبر الميل الى عدم بطلان الطهارة الأولى بالانقطاع فان الانقطاع ليس بحدث. و لو قيل: النصوص مختصة بصورة الاستمرار قلنا فحينئذ إثبات كون الدم المنقطع يوجب الوضوء يحتاج الى دليل يدل على كونه حدثا و ليس هنا ما يصلح لذلك. و جوابه يعرف بما قدمناه فان ظاهر النصوص يدل على كونه حدثا، و اغتفار حدثيته بعد الطهارة و قبل الصلاة من حيث الضرورة لا يستلزم الانسحاب فيما لا ضرورة تلجئ اليه و هو حال الانقطاع للبرء. و بالجملة فالمسألة لخلوها من النصوص لا تخلو من شوب الاشكال، قال في الذكرى: «و هذه المسألة لم نظفر فيها بنص من قبل أهل البيت (عليهم السلام) و لكن ما افتى به الشيخ هو قول العامة بناء منهم على ان حدث الاستحاضة يوجب الوضوء لا غير فإذا انقطع بقي على ما كان عليه، و لما كان الأصحاب يوجبون به الغسل فليكن مستمرا» انتهى.

و مرجعه الى ان دم الاستحاضة حدث كغيره من الأحداث فيجب ان يترتب عليه

303

مسببه غسلا كان أو وضوء، و الخلاف المتقدم في اعتبار الكثرة بأوقات الصلاة أو مطلقا جار هنا أيضا.

(الثانية)

- قال في المبسوط: «إذا توضأت المستحاضة و قامت إلى الصلاة فانقطع الدم قبل الدخول وجب عليها الوضوء ثانيا، لان دم الاستحاضة حدث فإذا انقطع وجب منه الوضوء، فإذا انقطع بعد تكبيرة الإحرام و دخولها في الصلاة مضت في صلاتها و لم يجب عليها استئناف الصلاة لأنه لا دليل عليه» و اعترضه ابن إدريس بأنه ان كان انقطاع دمها حدثا وجب عليها قطع الصلاة و استئناف الوضوء، قال: «و انما هذا كلام الشافعي أورده الشيخ لأن الشافعي يستصحب الحال، و عندنا ان استصحاب الحال غير صحيح، و ما استصحب فيه الحال فبدليل و هو الإجماع على المتيمم إذا دخل في الصلاة و وجد الماء فانا لا نوجب عليه الاستئناف بالإجماع لا بالاستصحاب» انتهى. و مال في المختلف الى مذهب الشيخ قال: «و الحق ما قاله الشيخ، اما وجوب الاستئناف قبل الدخول فلان طهارتها غير رافعة للحدث على ما قلناه و انما تفيد استباحة الدخول مع وجود الحدث، فإذا انقطع الدم وجب عليها نية رفع الحدث لأن الطهارة الأولى كانت ناقصة فلذا أوجبنا عليها اعادة الوضوء. و اما عدمه مع الدخول فلأنها دخلت في صلاة مشروعة فيجب عليها إكمالها، لقوله تعالى: و لا تبطلوا أعمالكم (1)» انتهى.

أقول: لا يخفى ان ما علل به الشيخ وجوب الوضوء ثانيا في الصورة الأولى غير ما علل به العلامة ذلك، و كلام ابن إدريس متجه بناء على تعليل الشيخ فان مرجع كلام الشيخ الى ان انقطاع الدم موجب للوضوء، و حينئذ فيرد عليه ان الفرق بين الدخول في الصلاة و عدمه غير جيد إذ الوجه المقتضى لوجوب الاستئناف في الصورة الأولى موجود في الصورة الثانية، و الحدث كما يمنع من ابتداء الدخول في الصلاة يمنع من استدامتها، و التمسك بالاستصحاب ضعيف كما تقدم بيانه في مقدمات الكتاب، و اما على تقدير كلام العلامة فإن مرجعه

____________

(1) سورة محمد الآية 34.

304

إلى الفرق بين الرفع و الاستباحة و عدمه و المشهور الأول، فإنهم قد فرقوا بينهما بأن نية الاستباحة عبارة عن رفع المنع و نية رفع الحدث عبارة عن رفع المانع، و حينئذ فدائم الحدث كالمستحاضة و السلس و المبطون و المتيمم يقتصر على نية الاستباحة لأن حدثه دائم غير ان الشارع قد أباح له الدخول في الصلاة بالطهارة و لا ينوي رفع الحدث لاستمراره منه، و عليه يتجه كلامه في الصورة الأولى، الا ان التحقيق العدم لان الحدث عندنا عبارة عن الحالة المانعة من الدخول في العبادة المشروطة بالطهارة، و حينئذ فمتى سوغ الشارع للمكلف الدخول فيها بأحد أنواع الطهارة فقد علم زوال تلك الحالة و هو معنى الرفع، غاية الأمر ان زوالها قد يكون إلى غاية كما في المتيمم و دائم الحدث و قد يكون مطلقا كما في غيرهما، و لهذا لا يوجب تخصيص كل قسم باسم بحيث لا ينصرف الى غيره، و بذلك يظهر ضعف ما بنى عليه في المختلف في كل من الصورتين و ان الأظهر عدم الفرق بين الصورتين المذكورتين، و يرجع الكلام هنا الى ما تقدم في المسألة الأولى فكل من قال بالبطلان ثم قال به هنا و من قال بالصحة قال بها هنا. و اما ما ذهب اليه الشيخ من الفرق و التفصيل فقد عرفت ضعفه.

و يظهر من المعتبر هنا الميل الى عدم وجوب الاستئناف مطلقا لان خروج دمها بعد الطهارة معفو عنه فلم يكن مؤثرا في نقضها و الانقطاع ليس بحدث، قال في المدارك بعد نقل كلامه: «و هو متجه» و الشهيد في الذكرى بعد ان نقل كلام المحقق قال: «قلت لا أظن ان أحدا قال بالعفو عن هذا الدم الخارج بعد الطهارة مع تعقب الانقطاع، انما العفو عنه مع قيد الاستمرار فلا يتم الاعتراض» و اعترضه في المدارك بأنه مدفوع بعموم الاذن لها في الصلاة بعد الوضوء المقتضى للعفو عما يخرج منها من الدم بعد ذلك مطلقا. أقول: لا يخفى ان اختياره هنا لما ذهب اليه المحقق مناف لما قدمنا نقله عنه في المسألة الاولى من استحسانه لما نقله عن ذلك البعض الذي قيد الانقطاع بالبرء كما لا يخفى على من راجعه، على ان

305

ما ادعاه هنا من عموم الاذن لها في الصلاة لا يخلو من المناقشة بل ربما كان الظاهر من سياق الاخبار المشار إليها عدمه.

(الثالثة)

- الظاهر من كلام غير واحد من الأصحاب- و منهم الشهيد في الذكرى- انه لو كان انقطاع الدم بعد الطهارة انقطاع فترة لا برء- اما لاعتيادها ذلك أو لاخبار خبير عارف فإنه لا يؤثر في نقض الطهارة لأنه بعوده كالمستمر الموجود دائما، و إطلاق كلام الشيخ المتقدم كما أشرنا إليه آنفا يقتضي حصول النقض به مطلقا و عن العلامة انه اعتبر قصور زمان الفترة عن الطهارة و الصلاة فلو طالت بقدرهما وجبت الإعادة لتمكنها من طهارة كاملة، فلو لم تعدها و صلت فاتفق عوده قبل الفراغ على خلاف العادة وجب عليها إعادة الصلاة لدخولها فيها مع الشك في الطهارة. قال في الروض:

«و مثله ما لو شكت في الانقطاع هل هو للبرء أم لا أو هل يطول زمانه بمقدار الطهارة و الصلاة أم لا؟ فيجب إعادة الطهارة لأصالة عدم العود، لكن لو عاد قبل إمكان فعل طهارة و الصلاة فالوضوء بحاله لعدم وجود الانقطاع المانع من الصلاة مع الحدث».

(الرابعة)

- صرح الأصحاب بأنه يجب على المستحاضة الاستظهار في منع الدم من التعدي بقدر الإمكان، و عليه تدل جملة من الاخبار: منها-

قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (1): «. و تحتشي و تستثفر و تحشى (2) و تضم فخذيها في

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(2) قال في الوافي بعد ذكر الرواية: «بيان: تحشى مضبوط في بعض النسخ المعتمد عليها بالحاء المهملة و الشين المعجمة المشددة و فسر بربط خرقة محشوة بالقطن- يقال لها المحشي- على عجيزتها للتحفظ من تعدى الدم حال القعود، و في الصحاح المحشي العظامة تعظم بها المرأة عجيزتها. و في بعض النسخ تحتبى بالتاء المثناة من فوق و الباء الموحدة من الاحتباء و هو جمع الساقين و الفخذين الى الظهر بعمامة و نحوها ليكون ذلك موجبا لزيادة تحفظها من تعدى الدم. و في بعض النسخ و لا تحني بزيادة «لا» و بالنون و حذف حرف المضارعة أي لا تختضب بالحناء. و نقل عن العلامة الحلي أنها بالياءين التحتانيتين أولاهما مشددة- أي لا تصلى تحية المسجد. و الأول أقرب الى الصواب و الواو في قوله (عليه السلام):

«و سائر جسدها خارج» و أو الحال يعنى انها لا تدخل المسجد و لكنها تجلس قريبا من المسجد بحيث يكون سجودها فيه ضامة فخذيها حين تدخل رأسها للسجود، الى ان قال:

و كأن المراد بالمسجد محل صلاتها الذي كانت تصلى فيه و انما لا تدخله احتراما له» أقول:

و في بعض التعاليق على الكافي احتمال ان يكون «و لا تحني» أي لا تحني ظهرها كثيرا مخافة ان يسيل الدم.

306

المسجد و سائر جسدها خارج.».

و قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (1): «. ثم تغتسل و تستدخل قطنة و تستذفر بثوب ثم تصلي حتى يخرج الدم من وراء الثوب.».

و في موثقة زرارة (2): «. ثم هي مستحاضة فلتغتسل و تستوثق من نفسها و تصلي كل صلاة بوضوء. الحديث».

و في حديث يونس (3) المشتمل على السنن الثلاث «و أمرها ان تغتسل و تستثفر بثوب و تصلي».

و في موضع آخر منه «و تلجمي».

الى غير ذلك من الاخبار. و الاستثفار بالسين المهملة ثم التاء المثناة من فوق ثم الثاء المثلثة و في آخره راء مصدر قولك: استثفر الرجل بثوبه إذا رد طرفيه بين رجليه الى حجزته بضم الحاء و الجيم الساكنة، أو من استثفر الكلب بذنبه: جعله بين فخذيه، أو من ثفر الدابة بالثاء المثلثة الذي يجعل تحت ذنبها، و منه الحديث «الاستثفار ان تجعل مثل ثفر الدابة (4) و في المغرب «استثفر المصارع إزاره و بإزاره إذا اتزر به ثم رد طرفيه بين رجليه فغرزهما في حجزته» و قد ذكر في الروض ان المراد به هنا التلجم بان تشد على وسطها خرقة كالتكة و تأخذ خرقة أخرى و تعقد أحد طرفيها بالأولى من قدام و تدخلها بين فخذيها و تعقد الطرف

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(3) ص 182.

(4) هذه الجملة وردت في ذيل صحيحة الحلبي المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة و قبلها تفسير الاستذفار. و قال المحدث الكاشاني: «و كأن تفسير اللفظتين من كلام صاحب الكافي» الا ان في مجمع البحرين بعد بيان معنى الاستثفار قال: «و منه الحديث و الاستثفار.».

307

الآخر من خلفها بالأولى، كل ذلك بعد غسل الفرج و حشوه قطنا قبل الوضوء، و بنحو منه فسر ابن الأثير الاستثفار الواقع في حديث المستحاضة.

و كذا يجب الاستظهار على السلس و المبطون

لرواية حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا كان الرجل يقطر منه البول و الدم إذا كان حين الصلاة اتخذ كيسا و جعل فيه قطنا ثم علقه عليه و ادخل ذكره فيه ثم صلى: يجمع بين الصلاتين الظهر و العصر بأذان و إقامتين. الحديث».

و علل ايضا باشتراك الجميع في النجاسة فيجب الاحتراز منها بقدر الإمكان، قال في الروض: «فلو خرج الدم أو البول بعد الاستظهار و الطهارة أعيدت بعد الاستظهار ان كان لتقصير منه و إلا فلا للحرج، و يمتد الاستظهار الى فراغ الصلاة، قال: و لو كانت صائمة فالظاهر وجوبه جميع النهار، لأن تأثير الخارج في الغسل و توقف الصوم عليه يشعر بوجوب التحفظ كذلك و به قطع المصنف» أقول: اما ما ذكره من الحكم الأول فجيد، و اما الثاني فمحل اشكال و ان كان هو الأحوط.

أما الجرح السائل فلا يجب شده بل تجوز الصلاة و ان كان سائلا كما دلت عليه الاخبار الكثيرة (2) مضافا الى اتفاق الأصحاب، قالوا: و يفرق السلس و المبطون و المستحاضة بعدم وجوب تغيير الشداد في الأولين و وجوبه في الثالث لاختصاص الاستحاضة بالنقل و التعدي قياس. و قد تقدم ما فيه، و لعله وصل إليهم من الاخبار ما يدل على التغيير لكل صلاة و إلا فالأخبار الواصلة إلينا خالية من ذلك، مضافا الى ما دل على العفو عن نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه (3) كما تقدم بيانه. و الله العالم.

الفصل الرابع في غسل النفاس

و فيه مسائل

[المسألة] (الأولى) [تعريف النفاس]

- النفاس بكسر النون يقال: نفست

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء.

(2) المروية في الوسائل في الباب 22 من أبواب النجاسات.

(3) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب النجاسات.

308

المرأة كفرح و نفست بالبناء للمجهول و في الحيض بفتح النون لا غير، و الولد منفوس،

و منه الحديث: «لا يرث المنفوس حتى يستهل صائحا» (1).

و المرأة نفساء بضم النون و فتح الفاء و الجمع نفاس مثل عشراء و عشار، قال الجوهري: «ليس في كلام العرب فعلاء يجمع على فعال غير نفساء و عشراء» و يجمع ايضا على نفساوات كعشراوات.

و هو اما مأخوذ من النفس بمعنى الدم كما يقال ذو نفس سائلة إذا كان يخرج دمه بعد الذبح بقوة، و انما سمي الدم بذلك لان النفس التي هي اسم لجملة الحيوان قوامها بالدم، أو من خروج النفس يعني الولد، أو من تنفس الرحم بالدم، و الأشهر في كلام اللغويين المعنى الأول.

و كيف كان فقد نقله الفقهاء عن معناه اللغوي إلى آخر و هو الدم الخارج في الولادة في الجملة. و قد اتفق الأصحاب على ان الخارج قبل الولادة ليس بنفاس و الخارج بعد الولادة نفاس، و اما المصاحب لخروج الولد فظاهر كلامهم الخلاف فيه، و قد نص الشيخ في المبسوط و الخلاف و مثله سلار على انه الخارج عقيب الولادة أو معها، و قال المرتضى في المصباح: «النفاس هو الدم الذي تراه المرأة عقيب الولادة» و نحوه كلام الشيخ في الجمل و ابي الصلاح، و مقتضاه ان الخارج مع الولد ليس بنفاس، قال في المعتبر بعد إيراد القولين: «و التحقيق ان ما تراه مع الطلق ليس بنفاس و كذا ما تراه عند الولادة قبل خروج الولد، اما ما يخرج بعد ظهور شيء من الولد فهو نفاس» و كأنه أراد بذلك الجمع بين القولين المذكورين بحمل قول المرتضى عقيب الولادة على ما هو أعم من خروج الولد أو شيء منه، و قال في المختلف بعد نقل القولين ايضا: «و الظاهر انه لا منافاة بينهما فان كلام الشيخ في الجمل محمول على الغالب لا ان النفاس يجب ان يكون عقيب الولادة» و علل كونه نفاسا بحصول المعنى المشتق منه و خروجه بسبب الولادة فيشمله عموم الأدلة. و فيهما ما لا يخفى.

و يمكن الاستدلال لما ذهب اليه المرتضى و من تبعه

بما رواه ثقة الإسلام في الكافي

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه.

309

في الموثق عن عمار بن موسى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في المرأة يصيبها الطلق أياما أو يوما أو يومين فترى الصفرة أو دما؟ قال: تصلي ما لم تلد فان غلبها الوجع ففاتتها صلاة لم تقدر ان تصليها من الوجع فعليها قضاء تلك الصلاة بعد ما تطهر».

و ما رواه الصدوق بإسناده عن عمار بن موسى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن امرأة أصابها الطلق اليوم و اليومين و أكثر من ذلك ترى صفرة أو دما كيف تصنع بالصلاة؟ قال: تصلي ما لم تلد فان غلبها الوجع صلت إذا برأت».

و التقريب فيهما انه (عليه السلام) أوجب عليها الصلاة حتى تلد، و المتبادر من الولادة خروج الولد كملا و حينئذ فإيجاب الصلاة عليها قبل خروج الولد كملا يوجب الحكم بكون دمها قبل خروجه دم استحاضة لا دم نفاس. نعم

روى الشيخ في المجالس بسنده عن زريق بن الزبير الخرقاني (3) قال: «سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة حامل رأت الدم؟ فقال: تدع الصلاة. قال فإنها رأت الدم و قد أصابها الطلق فرأته و هي تمخض؟

قال: تصلي حتى يخرج رأس الصبي فإذا خرج رأسه لم تجب عليها الصلاة، و كل ما تركته من الصلاة في تلك الحال لوجع أو لما هي فيه من الشدة و الجهد قضته إذا خرجت من نفاسها. قال قلت جعلت فداك ما الفرق بين دم الحامل و دم المخاض؟ قال: ان الحامل قذفت بدم الحيض و هذه قذفت بدم المخاض الى ان يخرج بعض الولد فعند ذلك يصير دم النفاس فيجب ان تدع في النفاس و الحيض، فاما ما لم يكن حيضا أو نفاسا فإنما ذلك من فتق في الرحم».

و هي صريحة في القول الأول، و حينئذ فيجب حمل الخبرين المتقدمين على ما يرجعان به الى هذا الخبر جمعا، من حمل قوله «ما لم تلد» على خروج بعض من الولد. و قريب من هذه الرواية

ما رواه الشيخ عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (4) قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله): ما كان الله تعالى ليجعل

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب النفاس.

(2) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب النفاس.

(3) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

(4) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الحيض.

310

حيضا مع حبل يعني إذا رأت المرأة الدم و هي حامل لا تدع الصلاة إلا ان ترى على رأس الولد إذا ضربها الطلق و رأت الدم تركت الصلاة».

و الظاهر ان قوله: «يعني» من كلامه (عليه السلام) بعد نقله الحديث النبوي.

ثم انه لا يخفى ان رواية المجالس لا تخلو من اشكال، و ذلك فإنها قد تضمنت ان الحامل إذا رأت الدم تدع الصلاة و هو ظاهر في اجتماع الحمل مع الحيض كما هو أصح القولين و أشهرهما، و تضمنت انها إذا رأت الدم و قد أصابها الطلق و هي تمخض تصلي حتى يخرج رأس الصبي، و هو ظاهر في كون هذا الدم دم استحاضة، و القائلون باجتماع الحمل مع الحيض لا يفرقون بين الدمين المذكورين بل الجميع حيض عندهم مع استكمال شرائط الحيض، و هو ايضا ظاهر الأخبار الدالة على الاجتماع. نعم اختلف القائلون بالاجتماع في انه هل يعتبر تخلل أقل الطهر بينه و بين النفاس اما بنقاء أو بما يحكم بكونه استحاضة كالخارج بعد العادة متجاوزا لأكثره على المشهور أو أعم على ما اخترناه سابقا أم لا؟ قولان، للأول انهم حكموا بان النفاس كالحيض بل هو حيض محتبس و اليه يشير بعض الأخبار، و للثاني عدم كونه حيضا حقيقيا و المشابهة لا تستلزم اتحاد الحقيقة و عموم الأحكام بل يكفي فيها الاتحاد في بعض المواد. و استقرب العلامة في النهاية الأول و هو ظاهر الذكرى، و في المنتهى و التذكرة الثاني، و اختاره جملة ممن تأخر عنه و منهم السيد في المدارك و الفاضل الخراساني في الذخيرة، و يدل على الأول روايتا عمار المتقدمتان (1) و ظاهر الروض الميل إليه أيضا، و حينئذ فلو رأت الدم ثلاثة أيام مثلا ثم ولدت قبل مضى أقل الطهر فهو استحاضة على القول الأول لفقد شرط ما بين الحيضتين و فصل الولادة لم يثبت انه كاف عن الطهر، و حيض على الثاني لعدم اشتراط فصل أقل الطهر في هذا الموضع، و قد عرفت قوة الأول بدلالة الخبرين المذكورين.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه يشترط عندهم في صدق الولادة الموجبة للحكم بكون

____________

(1) ص 309.

311

الدم المصاحب لها و المتأخر عنها نفاسا خروج جزء مما يسمى آدميا أو مبدأ نشو آدمي و لو كان مضغة، و قيدها بعضهم مع اليقين بكونها مبدأ نشو ادمي، اما العلقة و هي القطعة من الدم الغليظ فلا لعدم اليقين. قال في المعتبر: «و لو وضعت مضغة كان كما لو وضعت جنينا لانه دم جاء عقيب حمل، اما العلقة و النطفة فلا يتيقن معهما الحمل فيكون حكمه حكم الدم السائل» و نحوه في المنتهى. و الحق العلامة في النهاية العلقة بالمضغة مع شهادة القوابل، و قال في الذكرى انه لو فرض العلم بكونها مبدأ نشو انسان بقول اربع من القوابل كان نفاسا. و توقف فيه بعض المحققين لانتفاء التسمية، و اعترضه في الروض بأنه لا وجه للتوقف بعد فرض العلم، قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: «و فيه ان منشأ التوقف عدم صدق الولادة عرفا و ان علم انه علقة فالتوقف في محله» أقول: لا يخفى ان ما اعترضه على جده هنا مندفع بما ذكره عقيب هذه العبارة حيث قال بعد نقل كلام الذكرى «و توقف فيه بعض المحققين لانتفاء التسمية و لا وجه له بعد فرض العلم، و لأنا ان اعتبرنا مبدأ النشو فلا فرق بينها و بين المضغة مع العلم. نعم قد يناقش في إمكان العلم بذلك و هو خارج عن الفرض» انتهى. و مرجعه إلى انه متى اعتبر مبدأ النشو و قد حصل ذلك في العلقة بشهادة القوابل فإنه تصدق الولادة بعين ما اتفقوا عليه في المضغة. و هو جيد لا يرد عليه شيء مما ذكره سبطه.

بقي الكلام في ترتب صدق الولادة و الحكم بالنفاس على ما ذكروه من مبدأ النشو مضغة كانت أو علقة، فإن غاية ما يفهم من الأخبار ترتب النفاس على الولادة و المتبادر من هذا اللفظ باعتبار ما هو الشائع المتكرر المتكثر هو خروج الولد الآدمي، لما عرفت في غير مقام من تصريحهم بأن الإطلاقات في الأخبار انما تحمل على الأفراد الشائعة المتكثرة دون الفروض النادرة، و يؤيده التصريح بلفظ الولد في جملة من الأخبار، و الحكم بترك العبادة المفروضة المعلومة بالأدلة القطعية يحتاج الى دليل واضح، و ليس في الأخبار ما يدل هنا على ما ذكروه من صدق الولادة و حصول النفاس بخروج ما كان

312

مبدأ نشو آدمي، و الظاهر ان أول من ذكر ذلك المحقق في المعتبر و العلامة و تبعهما من تأخر عنهما، و كلام المتقدمين خال من ذلك كما لا يخفى على من راجعه، و بالجملة فالحكم بذلك عندي موضع توقف لما عرفت. ثم انه قد ذكر في الروض انه تصدق المعية بخروج الجزء و ان كان منفصلا و لو لحقه الثاني كان كولادة التوأمين فابتداء النفاس من الأول و غايته من الأخير. انتهى. و للتأمل فيه مجال. و الله العالم.

(المسألة الثانية) [حد النفاس قلة و كثرة]

- لا خلاف بين الأصحاب في انه لأحد لقليل النفاس فيجوز ان يكون لحظة بل يجوز ان لا ترى دما مطلقا، كل ذلك لأصالة العدم و توقف التكاليف الشرعية على الأدلة القطعية، و يدل على ذلك

ما رواه الشيخ عن ليث المرادي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن النفساء كم حد نفاسها حتى يجب عليها الصلاة و كيف تصنع؟ قال: ليس لها حد».

و الشيخ حمله على انه ليس له حد شرعي لا يزيد و لا ينقص بل ترجع الى عادتها، و الأظهر ان المراد السؤال عن حده في جانب القلة، حيث ان الاخبار قد تضمنت حده في جانب الكثرة فسأل عن حده في جانب القلة كما في الحيض من وجود الحد بذلك فأجاب (عليه السلام) بأنه لا حد له.

و عن علي بن يقطين في الصحيح عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) «انه سأله عن النفساء فقال: تدع الصلاة ما دامت ترى الدم العبيط.».

و نقل المحقق في المعتبر قال: «و قد حكى ان امرأة و أدت على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلم تر دما فسميت الجفوف» (3) انما الخلاف في حد أكثره فقيل بأنه عشرة و نقله في المختلف عن علي بن بابويه و الشيخ قال: و به افتى أبو الصلاح و ابن البراج و ابن إدريس. أقول و نسبه في المبسوط الى أكثر

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب النفاس.

(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(3) في المغني لابن قدامة ج 1 ص 347 و المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 45 «روى ان امرأة ولدت على عهد رسول الله (ص) فلم تر دما فسميت ذات الجفوف».

313

الأصحاب و هو مؤذن بشهرته بين المتقدمين، و هو اختيار المحقق في كتبه الثلاثة. و قيل انه ثمانية عشر، و نقله في المختلف عن المرتضى و المفيد و ابن بابويه و ابن الجنيد و سلار إلا ان المفيد قال: «و قد جاءت أخبار معتمدة في أن أقصى مدة النفاس مدة الحيض عشرة أيام و عليه اعمل لوضوحه» (1) و قيل بالتفصيل بأنها ان كانت مبتدأة أو ذات عادة غير مستقرة فعشرة أيام و ان كانت ذات عادة فعادتها. و الظاهر انه هو المشهور بين المتأخرين. و قيل بأنها ان كانت ذات عادة فعادتها و ان كانت مبتدأة فثمانية عشر يوما، و هو اختياره في المختلف حيث قال فيه بعد نقل القولين الأولين: «و الذي اخترناه نحن في أكثر كتبنا ان المرأة ان كانت مبتدأة في الحيض تنفست بعشرة أيام فإن تجاوز الدم فعلت ما تفعله المستحاضة بعد العشرة، و ان لم تكن مبتدأة و كانت ذات عادة مستقرة تنفست بأيام الحيض، و ان كانت عادتها غير مستقرة فكالمبتدأة، و الذي نختاره هنا انها ترجع الى عادتها في الحيض ان كانت ذات عادة، و ان كانت مبتدأة صبرت ثمانية عشر يوما» انتهى.

و السبب في اختلاف هذه الأقوال هو اختلاف الأخبار و اختلاف الأفكار في الجمع بينها، و ها انا انقل أولا أخبار المسألة كملا و اذيلها- ان شاء الله تعالى- بما يتضح به الحال مما ظهر لي منها بتوفيق ذي الجلال:

فمنها-

ما رواه الشيخ عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال:

«النفساء تكف عن الصلاة أيامها التي كانت تمكث فيها ثم تغتسل و تعمل كما تعمل المستحاضة».

و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الفضيل بن يسار و زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «النفساء تكف عن الصلاة أيام أقرائها التي كانت

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(3) ج 1 ص 28 و في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

314

تمكث فيها ثم تغتسل و تعمل كما تعمل المستحاضة».

و رواه الشيخ بإسناد آخر في القوى (1)

و عن زرارة في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له النفساء متى تصلي؟ قال: تقعد قدر حيضها و تستظهر بيومين فان انقطع الدم و إلا اغتسلت و احتشت و استثفرت. الحديث».

و عن يونس بن يعقوب في الموثق (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: النفساء تجلس أيام حيضها التي كانت تحيض ثم تستظهر و تغتسل و تصلي».

و عن زرارة في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «تقعد النفساء أيامها التي كانت تقعد في الحيض و تستظهر بيومين».

و عن يونس في الموثق (5)- و الظاهر انه ابن يعقوب- قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة ولدت فرأت الدم أكثر مما كانت ترى؟ قال: فلتقعد أيام قرئها التي كانت تجلس ثم تستظهر بعشرة أيام فإن رأت دما صبيبا فلتغتسل عند وقت كل صلاة.».

و المراد بقوله: «عشرة أيام» يعني إلى عشرة كما ذكره الشيخ.

و عن مالك بن أعين في القوى (6) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن النفساء يغشاها زوجها و هي في نفاسها من الدم؟ قال نعم إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيام عدة حيضها ثم تستظهر بيوم فلا بأس بعد ان يغشاها زوجها، يأمرها فتغتسل ثم يغشاها ان أحب».

و عن عبد الرحمن بن أعين (7) قال: «قلت له ان امرأة عبد الملك ولدت فعد لها أيام حيضها ثم أمرها فاغتسلت و احتشت و أمرها ان تلبس ثوبين نظيفين و أمرها بالصلاة فقالت له لا تطيب نفسي ان ادخل المسجد فدعني أقوم خارجا عنه و اسجد فيه. فقال قد أمر به رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: فانقطع الدم عن المرأة و رأت الطهر،

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(3) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(4) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(5) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(6) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(7) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

315

و أمر علي (عليه السلام) بهذا قبلكم فانقطع الدم عن المرأة و رأت الطهر، فما فعلت صاحبتكم؟ قلت: ما ادري».

و عن ابي بصير في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «النفساء إذا ابتليت بأيام كثيرة مكثت مثل أيامها التي كانت تجلس قبل ذلك و استظهرت بمثل ثلثي أيامها ثم تغتسل و تحتشي و تصنع كما تصنع المستحاضة، و ان كانت لا تعرف أيام نفاسها فابتليت جلست بمثل أيام أمها أو أختها أو خالتها و استظهرت بثلثي ذلك ثم صنعت كما تصنع المستحاضة تحتشي و تغتسل».

و حمل بعض الأصحاب الاستظهار بمثل ثلثي ذلك على ما إذا كانت العادة ستة فما نقص لئلا يزيد أيام العادة و الاستظهار عن العشرة.

و هذه الاخبار كلها- كما ترى- تدل على التنفس بأيام العادة في الحيض.

و منها-

ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن النفساء كم تقعد؟ قال: ان أسماء بنت عميس نفست فأمرها رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان تغتسل لثمان عشرة، و لا بأس ان تستظهر بيوم أو بيومين».

و عن زرارة في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (3) «ان أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن ابي بكر فأمرها رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين أرادت الإحرام بذي الحليفة أن تحتشي بالكرسف و الخرق و تهل بالحج، فلما قدموا و نسكوا المناسك فاتت لها ثمانية عشرة ليلة فأمرها رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان تطوف بالبيت و تصلي و لم ينقطع عنها الدم ففعلت ذلك».

و في الموثق عن زرارة و محمد بن مسلم و الفضيل عن الباقر (عليه السلام) (4) «ان أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن ابي بكر فأمرها رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين أرادت الإحرام من ذي الحليفة أن تغتسل و تحتشي بالكرسف و تهل بالحج، فلما

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(3) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(4) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

316

قدموا و نسكوا المناسك سألت النبي عن الطواف بالبيت و الصلاة فقال لها منذ كم ولدت؟

فقالت منذ ثمانية عشر يوما، فأمرها رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان تغتسل و تطوف بالبيت و تصلي و لم ينقطع عنها الدم ففعلت ذلك».

و ما رواه في الكافي عن علي عن أبيه رفعه (1) قال: «سألت امرأة أبا عبد الله (عليه السلام) فقالت اني كنت اقعد في نفاسي عشرين يوما حتى أفتوني بثمانية عشر يوما؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): و لم أفتوك بثمانية عشر يوما؟ فقال رجل:

للحديث الذي روي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) انه قال لأسماء بنت عميس حين نفست بمحمد بن ابي بكر. فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ان أسماء سألت رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قد اتى لها ثمانية عشر يوما و لو سألته قبل ذلك لأمرها أن تغتسل و تفعل ما تفعل المستحاضة».

و ما رواه في المنتقى عن كتاب الأغسال لأحمد بن محمد بن عياش الجوهري عن احمد بن محمد بن يحيى عن سعد بن عبد الله عن إبراهيم بن هاشم عن عثمان بن عيسى عن عمر بن أذينة عن حمران بن أعين (2) قال: «قالت امرأة محمد بن مسلم و كانت ولودا اقرأ أبا جعفر السلام و قل له انى كنت اقعد في نفاسي أربعين يوما و ان أصحابنا ضيقوا علي فجعلوها ثمانية عشر يوما؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) من أفتاها بثمانية عشر يوما؟ قال فقلت: للرواية التي رووها في أسماء بنت عميس انها نفست بمحمد بن ابي بكر بذي الحليفة فقالت يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) كيف اصنع؟ فقال لها: اغتسلي و احتشي و أهلي بالحج فاغتسلت و احتشت و دخلت مكة و لم تطف و لم تسع حتى تقضى الحج، فرجعت الى مكة فاتت رسول الله فقالت يا رسول الله أحرمت و لم أطف و لم اسع؟ فقال لها رسول الله و كم لك اليوم؟ فقالت ثمانية عشر يوما. فقال اما الآن فاخرجي الساعة فاغتسلي و احتشي و طوفي و اسعي. فاغتسلت و طافت و سعت و أحلت. فقال

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

317

أبو جعفر (عليه السلام): انها لو سألت رسول الله (صلى الله عليه و آله) قبل ذلك و أخبرته لأمرها بما أمرها به. قلت فما حد النفساء؟ قال تقعد أيامها التي كانت تطمث فيهن أيام قرئها فإن هي طهرت و إلا استظهرت بيومين أو ثلاثة أيام ثم اغتسلت و احتشت فان كان انقطع الدم فقد طهرت و ان لم ينقطع الدم فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل لكل صلاتين و تصلي».

و روى الصدوق في العلل عن حنان بن سدير (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) لأي علة أعطيت النفساء ثمانية عشر يوما و لم تعط أقل منها و لا أكثر؟ قال:

لان الحيض أقله ثلاثة أيام و أوسطه خمسة و أكثره عشرة فأعطيت أقله و أوسطه و أكثره».

و روى في العيون عن الرضا (عليه السلام) فيما كتبه للمأمون (2) قال:

«و النفساء لا تقعد عن الصلاة أكثر من ثمانية عشر يوما فان طهرت قبل ذلك صلت و ان لم تطهر قبل العشرين حتى تجاوز ثمانية عشر يوما اغتسلت و صلت. الحديث».

و في الخصال بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد (عليه السلام) (3) في حديث شرائع الدين قال: «و النفساء لا تقعد أكثر من عشرين يوما إلا ان تطهر قبل ذلك فان لم تطهر قبل العشرين اغتسلت و احتشت و عملت عمل المستحاضة».

و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: تقعد النفساء سبع عشرة ليلة فإن رأت دما صنعت كما تصنع المستحاضة».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

كم تقعد النفساء حتى تصلي؟ قال ثماني عشرة سبع عشرة ثم تغتسل و تحتشي و تصلي».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «تقعد النفساء إذا لم ينقطع عنها الدم ثلاثين أو أربعين يوما الى الخمسين».

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(3) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(4) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(5) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(6) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

318

و عن علي بن يقطين في الصحيح (1) قال: «سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) عن النفساء و كم يجب عليها ترك الصلاة؟ قال تدع الصلاة ما دامت ترى الدم العبيط الى ثلاثين يوما فإذا رق و كانت صفرة اغتسلت و صلت ان شاء الله تعالى».

و عن حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (2) قال:

«النفساء تقعد أربعين يوما فان طهرت و إلا اغتسلت وصلت و يأتيها زوجها و كانت بمنزلة المستحاضة تصوم و تصلي».

و عن محمد بن يحيى الخثعمي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النفساء؟ فقال كما كانت تكون مع ما مضى من أولادها و ما جربت. قلت فلم تلد فيما مضى؟ قال: بين الأربعين إلى الخمسين».

و روى في كتاب نوادر الراوندي بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: «أكثر الحيض عشرة أيام و أكثر النفاس أربعون يوما».

و في الفقه الرضوي (4) قال (عليه السلام): «و النفساء تدع الصلاة أكثره مثل أيام حيضها و هي عشرة أيام و تستظهر بثلاثة أيام ثم تغتسل فإذا رأت الدم عملت كما تعمل المستحاضة، و قد روى ثمانية عشر يوما، و روى ثلاثة و عشرون يوما، و بأي هذه الاخبار من باب التسليم أخذ جاز».

هذا ما وقفت عليه من روايات المسألة، و لا يخفى ما هي عليه من التصادم و الاختلاف إلا ان ظاهر الأصحاب الاعراض عن الروايات الأخيرة المتضمنة لما زاد على الثمانية عشرة، قال الصدوق في الفقيه- بعد ان افتى بأنها تقعد عن الصلاة ثمانية عشر يوما مستدلا بحديث أسماء- ما صورته: «و الأخبار التي رويت في قعودها أربعين يوما و ما زاد الى ان تطهر معلولة كلها وردت للتقية لا يفتي بها إلا أهل الخلاف».

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(3) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

(4) ص 21.

319

بقي الكلام في ان جملة من الأصحاب- كما عرفت- ذهبوا الى ان أكثره عشرة و الشيخ في التهذيب انما استدل على هذا القول باخبار العادة المتقدمة التي تضمنت انها تكف عن الصلاة أيام أقرائها التي كانت تمكث فيها. و لا يخفى ما فيه فان أيام الأقراء تختلف باختلاف عادات النساء فإطلاق القول بأن العشرة أكثر النفاس إذا رأت عشرة ليس بصحيح، نعم قال المفيد في المقنعة (1): «و قد جاءت أخبار معتمدة في أن أقصى مدة النفاس مدة الحيض عشرة أيام و عليه اعمل لوضوحه» أقول: و لم يصل إلينا من هذه الاخبار إلا ما قدمناه في كتاب الفقه و نقل الشيخ محمد بن إدريس في أوائل السرائر قال: «و ذكر الشيخ محمد بن محمد بن النعمان في جواب سائل سأله فقال كم قدر ما تقعد النفساء عن الصلاة و كم تبلغ أيام ذلك؟ فقد رأيت في كتابك أحكام النساء أحد عشر يوما و في الرسالة المقنعة ثمانية عشر يوما و في كتاب الإعلام أحد و عشرين يوما فعلى ايها العمل دون صاحبه؟ فأجابه بأن قال الواجب على النفساء ان تقعد عشرة أيام و انما ذكرت في كتبي ما روى من قعودها ثمانية عشر يوما و ما روى في النوادر استظهارا بأحد و عشرين يوما، و عملي في ذلك على عشرة أيام لقول الصادق (عليه السلام) لا يكون دم نفاس زمانه أكثر من زمان الحيض» انتهى.

إذا عرفت ذلك فالذي يظهر عندي من التأمل في اخبار المسألة هو ان ذات العادة في الحيض ترجع الى عادتها للأخبار المتقدمة الصحيحة الصريحة في ذلك، و انما يبقى الإشكال في غيرها فهل تعمل على روايات الثمانية عشر كما ذهب إليه العلامة في المختلف و جعله وجه جمع بين أخبار المسألة، أو على روايات العشرة كما هو المشهور بين المتأخرين؟ إشكال ينشأ من ان روايات الثمانية عشر لا تخلو من الاضطراب، فان صريح مرفوعة على بن إبراهيم و رواية الجوهري المنقولة من كتاب المنتقى هو ان امره (صلى الله عليه و آله) لأسماء بعد الثمانية عشر بالغسل و الطواف انما هو لتأخر سؤالها

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب النفاس.

320

و إلا فلو سألته قبل ذلك لأمرها بذلك، و على هذا المعنى حمل الشيخ أخبار المسألة مستندا إلى مرفوعة علي بن إبراهيم المشار إليها. و الحمل على هذا المعنى قريب في بعضها كموثقة محمد بن مسلم و فضيل و زرارة، و محتمل على بعد في صحيحة محمد بن مسلم و صحيحة زرارة المذكورة بعدها، و ممتنع في باقي روايات الثمانية عشر الغير المتعلقة بقصة أسماء مثل رواية حنان بن سدير المنقولة من العلل و ما بعدها من الاخبار، و حينئذ فأخبار الثمانية عشر في حد ذاتها تحتاج الى وجه تجتمع عليه حتى يمكن الاستدلال بها. هذا وجه الإشكال في روايات الثمانية عشر. و اما روايات العشر فقد عرفت انه لم يرد شيء منها مسندا في كتب الاخبار الا ما عرفت من عبارة كتاب الفقه الرضوي و نقل المفيد وصول الاخبار بذلك اليه، و يمكن ترجيحه (أولا)- بأن نقله (رحمه الله) لا يقصر عن مراسيل ابن ابي عمير و نحوه من أجلاء الأصحاب التي قد تلقاها العلماء سلفا و خلفا بالقبول. و (ثانيا)- بدلالة كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي على ذلك، و قد عرفت ان الكتاب معتمد لاعتماد الصدوقين عليه و افتائهما بعبائره كما عرفت و ستعرف ان شاء الله تعالى في المباحث الآتية من هذا الكتاب و كتاب الصلاة و كتاب الزكاة و الصوم و الحج. و (ثالثا)- بإمكان التأويل في اخبار الثمانية عشر على وجه لا تصلح به للاستدلال في هذا المجال بان يحمل المطلق من اخبار أسماء على ما دلت عليه مرفوعة علي بن إبراهيم و رواية الجوهري حمل المطلق على المقيد و ما لم يقبل ذلك فيحمل على التقية و ان تضمن العلة في ذلك، و الى ذلك أشار الشيخ و رجحه المحقق الشيخ حسن في المنتقى الا انه حمل أخبار أسماء و غيرها من اخبار الثمانية عشر على التقية، قال بعد ان اختار حمل أخبار أسماء على التقية: «انه يمكن ان يكون القدر الذي يستبعد فيه ذلك منسوخا لانه متقدم و الحكم بالرجوع إلى العادة متأخر، و إذا تعذر الجمع تعين النسخ و يكون تقرير الحكم بعد نسخه محمولا على التقية لما قلناه من ان في ذلك تقليلا للمخالفة، و مع تأدي التقية بالأدنى لا يتخطأ إلى الأعلى» انتهى. و ظني ان ما ذكرناه

321

في اخبار أسماء أقرب. و (رابعا)- ان الحكم بالرجوع إلى العادة في الاخبار المتقدمة يدل على ارتباط النفاس بالحيض و اختلاف عادات النساء لا يقتضي أكثر من احتمال كون مدة حيض المبتدأة أقصى العادات و هي لا تزيد على العشرة، فالقدر المذكور في اخبار الثمانية عشر من التفاوت بين المبتدأة و ذات العادة لا يساعد عليه الاعتبار الذي هو للجمع ميزان و معيار. و (خامسا)- ان الظاهر من إنكار الإمامين (عليهما السلام) في مرفوعة إبراهيم بن هاشم و خبر الجوهري لخبر الثمانية عشران أخبار الثمانية عشر كملا انما خرجت بالنسبة إلى ذات العادة و غيرها مطلقا كما قال به من قدمنا نقله عنه، و لهذا انه لما رجع له السائل في الخبر الثاني بعد إنكاره (عليه السلام) خبر الثمانية عشر فسأله ما حد النفساء؟ اجابه بالرجوع إلى العادة، و لو كان الثمانية عشر انما يعمل عليها في بعض الافراد كما ذهب إليه في المختلف لم ينكرها (عليه السلام) مطلقا بل يخبره بأنها مخصوصة بالفرد الفلاني دون غيره. و (سادسا)- ما ذكره جملة من متأخري المتأخرين من ان أسماء تزوجت بابي بكر بعد موت جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) و كانت قد ولدت منه عدة أولاد، و يبعد جدا ان لا يكون لها في تلك المدة كلها عادة في الحيض، و اخبار العشرة و ان كانت مطلقة إلا انه يجب حملها على ما ذكرناه من التفصيل جمعا بينها و بين أخبار العادة.

و بالجملة فالأظهر عندي و الأقرب هو ان المعتادة ترجع الى عادتها بلا اشكال كما عرفت من الاخبار المتقدمة، و اما غيرها فالأمر فيها دائر بين الثمانية عشر و العشرة و اخبار الثمانية عشر قد عرفت ما فيها من التعارض و انه لا يمكن الجمع بينها إلا بوجه تخرج به عن صحة الاستدلال بها مع تأيد القول بالعشرة بما ذكرناه من الوجوه فعليه العمل و به الفتوى.

هذا، و لا يخفى انه على تقدير القول بالثمانية عشر مطلقا يلزم طرح اخبار العادة المتقدمة مع ما هي عليه من الكثرة و الصحة و الصراحة و كذا على تقدير القول بالعشرة

322

مطلقا، قال في الذكرى: «تنبيه: الأخبار الصحيحة المشهورة تشهد برجوعها الى عادتها في الحيض و الأصحاب يفتون بالعشرة و بينهما تناف ظاهر، و لعلهم ظفروا باخبار غيرها و في التهذيب قال: جاءت أخبار معتمدة في أن أقصى مدة النفاس عشرة و عليها اعمل لوضوحها عندي. ثم ذكر الأخبار الاولى و نحوها حتى ان في بعضها عن الصادق (عليه السلام): «فلتقعد أيام قرئها التي كانت تجلس ثم تستظهر بعشرة أيام» قال الشيخ:

يعني إلى عشرة أيام إقامة لبعض الحروف مقام بعض. و هذا تصريح بأن أيامها أيام عادتها لا العشرة، و حينئذ فالرجوع الى عادتها كقول الجعفي في الفاخر و ابن طاوس و الفاضل اولى و كذا الاستظهار كما مر هناك، نعم قال الشيخ: لا خلاف بين المسلمين في ان عشرة أيام إذا رأت المرأة الدم من النفاس، و الذمة مرتهنة بالعبادة قبل نفاسها فلا يخرج عنها إلا بدلالة و الزائد على العشرة مختلف فيه، فان صح الإجماع فهو الحجة و لكن فيه طرح للأخبار الصحيحة أو تأويلها بالبعيد» انتهى. و التحقيق في المسألة ما قدمناه.

و الله العالم بحقائق أحكامه.

(المسألة الثالثة) [حكم ذات التوأمين]

- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان ذات التوأمين فصاعدا يتعدد نفاسها عملا بالعلة لانفصال كل من الولادتين عن الأخرى فلكل نفاس حكم نفسه، فان وضعت الثاني لدون عشرة أيام أمكن اتصال النفاسين، و لو تراخت ولادة الثاني بحيث يمكن فرض استحاضة بين النفاسين حكم به، بل يمكن فرض حيض ايضا و ان بعد، و ربما ظهر من بعض العبارات كونه نفاسا واحدا حيث صرحوا بأنه لو تراخت ولادة التوأمين فعدد أيامها من التوأم الثاني و ابتداؤه من الأول، و حمل على الغالب من تعاقب ولادتهما فيتحد النفاس بحسب الصورة و إلا ففي التحقيق لكل واحد نفاس مستقل لما عرفت آنفا، و يتفرع على كونهما نفاسين ما لو ولدت الثاني لدون عشرة من ولادة الأول و لم تر بعد ولادة الأول إلا يوما واحدا مثلا و انقطع في باقي الأيام المتخللة بينهما فإنه يحكم بكونه طهرا و ان رأت بعد ولادة الثاني في العشرة و انقطع عليها بخلاف

323

ما لو حكم بكونها نفاسا واحدا كما يقتضيه ظاهر العبارة المتقدمة فإنه يلزم كون الدمين و النقاء المتخلل بينهما نفاسا. و تردد المحقق في المعتبر في كون الدم الحاصل قبل ولادة الثاني نفاسا بناء على مذهبه من عدم اجتماع الحيض و الحبل، ثم اختار كونه نفاسا لحصول مسمى النفاس فيه و هو تنفس الرحم به بعد الولادة فيكون لها نفاسان.

بقي الكلام في الولد الواحد لو تقطع و تعدد خروجه فهل يحكم بتعدد النفاس على ذلك التقدير أم لا؟ اشكال، قال في الذكرى: «لو سقط عضو من الولد و تخلف الباقي فالدم نفاس على الأقرب، و لو وضعت الباقي بعد العشرة أمكن جعله نفاسا آخر كالتوأمين، و على هذا لو تقطع بفترات تعدد النفاس، و لم أقف فيه على كلام سابق» انتهى أقول: و لم أقف في الاخبار على ما يتعلق بهذه المسألة الا ان ما ذكروه من تعدد النفاس بتعدد الولادة ربما يمكن الاستناد فيه الى العمومات المتقدمة. و الله العالم.

(المسألة الرابعة) [حكم من لم تر دما ثم رأت في العاشر]

- صرح جملة من المتأخرين بأنه لو لم تر دما ثم رأت في العاشر كان ذلك نفاسا، و هو بناء على القول بأن أكثر النفاس عشرة مطلقا ظاهر، و اما على القول بتخصيص المعتادة بأيام عادتها و جعل العشرة لغيرها فيجب تقييد الحكم المذكور في شموله للمعتادة بما إذا كانت عادتها عشرة أو دونها و انقطع على العاشر كما صرحوا به و الحكم هنا في المعتادة- لو كانت عادتها أقل من عشرة و رأت الدم في العادة ثم انقطع على العشرة فإنه يحكم بكون الجميع نفاسا- مبني على ما تقدم نقله عنهم في الحيض من انه إذا تجاوز العادة و انقطع على العاشر حكم بكون الجميع حيضا. و قد عرفت ما فيه ثمة.

و لو رأت في العاشر و تجاوز فعلى مذهب من يرى العشرة مطلقا فإنه يحكم باليوم العاشر خاصة. و على القول بالتفصيل بين ذات العادة فعادتها و غيرها فالعشرة فكذلك أيضا في غير ذات العادة و في ذات العادة إذا كانت عادتها عشرة، اما لو كانت عادتها دون العشرة فإنه لا نفاس لها إلا ما رأته في شيء من أيام العادة، و بالجملة فالحكم عندهم هنا تابع للحيض فكما انه مع تجاوز العشرة عندهم يرجع الى العادة خاصة كذلك هنا

324

يرجع الى العشرة التي هي بمنزلة العادة ثمة.

و ظاهر المدارك الاستشكال في الحكم الأول أعني الحكم بالنفاس على الدم الذي تراه اليوم العاشر خاصة، قال بعد ذكر المسألة: «و اعلم ان هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، و هو محل اشكال لعدم العلم باستناد هذا الدم إلى الولادة و عدم ثبوت الإضافة إليها عرفا».

أقول: هذا الاشكال لو تم لا خصوصية له بهذه المادة بل يجري فيما تراه في العادة، فإنها لو كانت ذات عادة و حكمنا بتنفسها بأيام عادتها و ولدت ثم لم تر دما إلا في اليوم الثالث أو الرابع مثلا فإنه لا يعلم ايضا استناده إلى الولادة لانفصاله عنها و عدم ثبوت الإضافة إليها عرفا، فعلى هذا يختص النفاس بما يصاحب خروج الولد أو يكون بعده بلا فصل و هو بعيد غاية البعد عن ظواهر الأخبار المتقدمة، فإن ظاهر الحكم بالتنفس أيام العادة أعم من ان يكون أول الدم من الولادة أم بعد ذلك من أيام العادة، و قضية إلحاق النفاس بالحيض- و انه حيض في المعنى يترتب أحكام الحيض عليه- هو الحكم بالنفاس على الدم الحاصل بعد الولادة في أي وقت من أيام العادة ان كانت ذات عادة أو العشرة بناء على ما حققناه آنفا لغير ذات العادة من العمل على العشرة، و يؤيده

قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): «ان الحائض مثل النفساء سواء».

و حينئذ فكل دم رأته في ضمن هذه المدة أولا أو آخرا أو وسطا فإنه يحكم عليه بكونه نفاسا، و قد تقدم منه ما يشير الى ذلك ايضا عند قول المصنف: «و لو ولدت و لم تر دما. إلخ» حيث قال: «المراد انها لم تر دما في الأيام المحكوم بكون الدم الموجود فيها نفاسا» و بالجملة فإنه يحكم على هذا الدم بالنفاس في الصورة المذكورة على قياس الحيض كما لو رأت في أيام العادة، غاية الأمر أنه لا بد في الحكم بكونه حيضا من بلوغ الثلاثة التي هي أول الحيض ليحكم بكونه حيضا و اما النفاس فلا حد لأقله كما عرفت، و بذلك يظهر ان ما ذكره

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

325

الأصحاب و قطعوا به هو الموافق لمقتضى القاعدة المقررة إلا ان المسألة حيث كانت عارية عن النصوص بالخصوص فلا ينبغي إهمال الاحتياط فيها.

و قد صرحوا أيضا بأنه لو رأت الأول و العاشر خاصة كان الدمان و ما بينهما من النقاء نفاسا، و هو مبني على ما صرحوا به في الحيض من انها لو رأت ثلاثة فانقطع ثم رأت العاشر فانقطع فإن العشرة حيض، قال في الذخيرة بعد نقل الحكم المذكور:

«و ان لم يثبت إجماع على الكلية المذكورة كان للتأمل في الحكم المذكور مجال لفقد النص الدال عليه» أقول: و فيه زيادة على ما ذكره ما تقدم تحقيقه في هذه المسألة في باب الحيض من ان الحكم على النقاء المتخلل بين الدمين بكونه حيضا محل بحث، و به يظهر ما في التفريع عليه و إلحاق النفاس به في ذلك.

و لو فرض تجاوزه العشرة في الصورة المذكورة فالحكم فيه عندهم كما تقدم من انها ان كانت مبتدأة أو مضطربة أو عادتها عشرة فالعشرة نفاس و الا فنفاسها الدم الأول خاصة إلا ان يصادف الثاني جزء من العادة فيكون جميع العادة نفاسا لوجود الدم في طرفيها و ما بينهما أقل من عشرة فيكون الجميع نفاسا على قياس الحيض. و فيه ما عرفت. و الله العالم.

(المسألة الخامسة) [الفروق بين الحائض و النفساء]

- صرحوا بان حكم النفساء كالحائض في كل الأحكام الواجبة و المندوبة و المحرمة و المكروهة لأنه في الحقيقة حيض احتبس، و نفى في المنتهى الخلاف فيه بين أهل العلم مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، و في المعتبر انه مذهب أهل العلم لا اعلم فيه خلافا.

و قد استثنوا من ذلك أشياء: (الأول)- الأقل للإجماع على ان أقل الحيض ثلاثة و لأحد في جانب القلة للنفاس كما تقدم. و هو كذلك.

(الثاني)- الأكثر للخلاف في أكثر النفاس كما تقدم بخلاف الحيض فإن أكثره عشرة اتفاقا نصا و فتوى.

326

(الثالث)- ان الحيض دليل على سبق البلوغ بخلاف النفاس، فإن الدلالة حصلت بالحمل لأنه أسبق من النفاس فدل على سبق البلوغ على الوضع لستة أشهر فما زاد، قال في الروض: «و هذا الوجه ذكره المصنف في النهاية و تبعه عليه في الذكرى، و فيه نظر لأن دلالة الحمل عليه لا تمنع من دلالة النفاس أيضا لإمكان اجتماع دلالات كثيرة. لأن هذه الأمور معرفات شرعية لا علل عقلية فلا يمتنع اجتماعها، كما ان الحيض غالبا لا يوجد إلا بعد سبق البلوغ بغيره» أقول: الظاهر ان كلام شيخنا المشار اليه هنا لا يخلو من نظر، فان الظاهر من كلام الأصحاب ان المراد بالدلالة على البلوغ انما هو باعتبار ترتب الأحكام من العبادات و الحدود و نحو ذلك على العلم بالبلوغ، فبأي شيء يعرف ما يترتب عليه هذه الأحكام؟ لا ان المراد الدلالة في الجملة، و لا ريب انه متى حصل الحمل للمرأة فقد علم به البلوغ و ترتب الأحكام المذكورة عليه فلا ثمرة في دلالة النفاس حينئذ و لا اثر لهذه الدلالة لمعلومية البلوغ قبله. و اما ما ذكره- من ان الحيض غالبا لا يوجد إلا مع سبق البلوغ بغيره- ففيه انا لا نقول بكون الحيض مطلقا دليلا على البلوغ أو على سبق البلوغ و انما نقول بذلك فيمن جهل سنها، و اما من علم بلوغها التسع فان الحيض بعده لا اثر له في الدلالة كما أشرنا إليه فيما تقدم في المسألة الخامسة من المقصد الأول من الفصل الثاني في غسل الحيض (1) و بذلك صرح الأصحاب أيضا.

(الرابع)- ان العدة تنقضي بالحيض دون النفاس، و ذلك لان انقضاء العدة انما يحصل بوضع الولد و ان لم تر دما بالكلية فلو وضعت من غير نفاس خرجت من العدة فلا دخل للنفاس في انقضائها بخلاف الحيض، نعم هذا الحكم جار على الغالب و وجه التقييد بالغالب انه ربما اتفق انقضاء العدة بالنفاس نادرا كما في الحامل من الزنا إذا طلقها زوجها، فإنه لو تقدمها قرءان سابقان على الوضع بناء على مجامعة الحيض للحمل ثم رأت بعد الوضع نفاسا عد في الأقراء و انقضت به العدة و لو لم يتقدمه قرءان عد في الأقراء.

____________

(1) ص 170.

327

(الخامس)- ان الحائض ترجع الى عادتها في الحيض عند تجاوز العشرة بخلاف النفساء فإنها لا ترجع إلى عادة النفاس و انما ترجع إلى عادة الحيض. أقول:

لا يخفى ان النفاس ليس له أثر عادة يبنى عليها في مادة من المواد لما عرفت آنفا من ان ذات العادة تبني على عادتها و غيرها على العشرة و هكذا بالنسبة إلى سائر الأقوال المتقدمة، و من ذلك يعلم انه ليس في النفاس عادة.

(السادس)- ان الحائض ترجع إلى عادة نسائها على بعض الوجوه بخلاف النفساء فإنها لا ترجع الى ذلك عند الأصحاب، و قد تقدم في موثقة أبي بصير (1) الدلالة على الرجوع في النفاس إلى نسائها، و نسبها في الروض و قبله العلامة في المنتهى الى الشذوذ. قال في المنتهى: «و هل ترجع إلى عادة أمها و أختها في النفاس؟ لا نعرف فتوى لأحد ممن تقدمنا في ذلك» ثم نقل موثقة أبي بصير و ردها بالشذوذ و ضعف السند، ثم قال: «و الأقوى الرجوع الى أيام الحيض» أقول: و هو جيد لما تقدم من ان ذات العادة تتنفس بعادتها في الحيض و غيرها بالعشرة أو الثمانية عشر على الخلاف.

الفصل الخامس في غسل المس

و فيه مسائل

(الأولى) [وجوب الغسل بمس الميت]

- المشهور رواية و فتوى وجوب الغسل على من مس ميتا بعد برده و قبل تطهيره بالغسل، و عن المرتضى في شرح الرسالة و المصباح القول بالاستحباب، و ظاهر كلام الشيخ في الخلاف وجود قائل بذلك قبل المرتضى حيث قال: «و عند بعضهم انه يستحب و هو اختيار المرتضى» و نسبه سلار إلى إحدى الروايتين مع انا لم نقف على رواية ظاهرة في الاستحباب كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى.

و الأظهر الأول، لنا الأخبار الكثيرة، و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن

____________

(1) ص 315.

328

محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «قلت الرجل يغمض عين الميت أ عليه غسل؟ فقال: إذا مسه بحرارته فلا و لكن إذا مسه بعد ما يبرد فليغتسل. قلت فالذي يغسله يغتسل؟ قال: نعم. الحديث».

و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن على المشهور عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «من غسل ميتا فليغتسل. قلت فان مسه ما دام حارا؟

قال فلا غسل عليه و إذا برد ثم مسه فليغتسل. قلت فمن ادخله القبر؟ قال لا غسل عليه انما يمس الثياب».

و عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «يغتسل الذي غسل الميت، و ان قبل الميت انسان بعد موته و هو حار فليس عليه غسل و لكن إذا مسه و قبله و قد برد فعليه الغسل، و لا بأس ان يمسه بعد الغسل و يقبله».

و عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قلت له أ يغتسل من غسل الميت؟ قال نعم. قلت: من ادخله القبر؟ قال: لا انما يمس الثياب».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عاصم بن حميد (5) قال: «سألته عن الميت إذا مسه انسان أ فيه غسل؟ قال فقال إذا مسست جسده حين يبرد فاغتسل».

و عن إسماعيل بن جابر في الصحيح (6) قال: «دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) حين مات ابنه إسماعيل الأكبر فجعل يقبله و هو ميت، فقلت جعلت فداك أ ليس لا ينبغي ان يمس الميت بعد ما يموت و من مسه فعليه الغسل؟ فقال اما بحرارته فلا بأس انما ذلك إذا برد».

و عن معاوية بن عمار في الصحيح (7) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الذي يغسل الميت عليه غسل؟ قال: نعم. قلت فإذا مسه و هو سخن؟ قال: لا غسل

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب غسل المس.

(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب غسل المس.

(3) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب غسل المس.

(4) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب غسل المس.

(5) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب غسل المس.

(6) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب غسل المس.

(7) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب غسل المس.

329

عليه فإذا برد فعليه الغسل قلت: و البهائم و الطير إذا مسها عليه غسل؟ قال: لا ليس هذا كالإنسان».

و عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من غسل ميتا و كفنه اغتسل غسل الجنابة».

و عن محمد بن الحسن الصفار في الصحيح (2) قال: «كتبت اليه: رجل أصابت يده أو بدنه ثوب الميت الذي يلي جلده قبل أن يغسل هل يجب عليه غسل يده أو بدنه؟

فوقع (عليه السلام): إذا أصاب يدك جسد الميت قبل ان يغسل فقد يجب عليك الغسل».

و عن الحلبي في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «عن الرجل يمس الميتة أ ينبغي أن يغتسل منها؟ قال: لا انما ذلك من الإنسان».

و اما

ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4)- قال: «يغتسل الذي غسل الميت و كل من مس ميتا فعليه الغسل و ان كان الميت قد غسل».

- فحمله في التهذيبين على الاستحباب و فيه بعد، و الاولى طرح الخبر المذكور و الرد إلى قائله و لا سيما مع كونه مخالفا لإجماع المسلمين و من روايات عمار المتفرد بنقل الغرائب.

و اما

ما رواه عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) (5)- قال: «الغسل من سبعة: من الجنابة و هو واجب، و من غسل الميت و ان تطهرت أجزأك، و ذكر غير ذلك».

و ظاهره ان الوضوء يجزئ عن غسل مس الميت و ان كان الغسل أفضل- فقد حمله الشيخ على التقية، قال: «لأنا بينا وجوب الغسل على من غسل ميتا و هذا موافق للعامة لا يعمل به» انتهى. و هو جيد، و يعضده ان رواة

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب غسل المس.

(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب غسل المس.

(3) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب غسل المس.

(4) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب غسل المس.

(5) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب غسل المس.

330

الخبر من العامة و الزيدية. و اما ما ذكره في الوافي- بعد نقل ذلك عن الشيخ حيث قال: «و لا يخفى ان الوجوب بالمعنى الذي اراده غير ثابت»- فلا اعرف له معنى مع تصريحه هو و غيره بوجوب غسل المس.

و روى الطبرسي أبو منصور احمد بن ابي طالب في الاحتجاج (1) قال: مما خرج عن صاحب الزمان (عليه السلام) الى محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري حيث كتب اليه: «روي لنا عن العالم انه سئل عن امام صلى بقوم بعض صلاتهم و حدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه؟ فقال: يؤخر و يتقدم بعضهم و يتم صلاتهم و يغتسل من مسه؟

التوقيع: ليس على من مسه إلا غسل اليد و إذا لم تحدث حادثة تقطع الصلاة تمم الصلاة مع القوم. قال: و كتب اليه و روى عن العالم ان من مس ميتا بحرارته غسل يده و من مسه و قد برد فعليه الغسل، و هذا الميت في هذه الحالة لا يكون إلا بحرارته فالعمل في ذلك على ما هو؟ و لعله ينحيه بثيابه و لا يمسه فكيف يجب عليه الغسل؟ التوقيع: ان مسه في هذه الحال لم يكن عليه الا غسل يده».

و اما ما ذكره في الذخيرة- حيث قال بعد نقل جملة من اخبار المسألة: «و لا يخفى ان الأمر و ما في معناه في أخبارنا غير واضح الدلالة على الوجوب فالاستناد الى هذه الاخبار في إثبات الوجوب لا يخلو من اشكال»- فهو من جملة تشكيكاته الواهية و فيه خروج من الدين من حيث لا يشعر قائله (أما أولا)- فلما حققناه في مقدمات الكتاب من دلالة الأمر على الوجوب بالآيات القرآنية و الأخبار النبوية.

و (اما ثانيا)- فلانه متى كان الأوامر الواردة في الأخبار في جميع الأحكام لا تدل على الوجوب و النواهي الواردة كذلك لا تدل على التحريم كما كرره في غير موضع من كتابه هذا فلم يبق إلا الإباحة، و بذلك يلزم تحليل المحرمات و ترك الواجبات إذ لا تكليف الا بعد البيان و لا مؤاخذة إلا بعد اقامة البرهان، و الفرض بناء على ما ذكره

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب غسل المس.

331

انه لا دليل على وجوب و لا تحريم، و اللازم حينئذ سقوط التكليف و ان إرسال الرسل و إنزال الشرائع عبث و هو كفر محض كما لا يخفى.

و لم نقف للمرتضى هنا على دليل في حمل الاخبار على الاستحباب إلا التمسك بأصالة البراءة

و ما رواه الشيخ عن سعد بن ابي خلف (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «الغسل في أربعة عشر موطنا، واحد فريضة و الباقي سنة».

و ما رواه عن القاسم الصيقل (2) قال: «كتبت اليه: جعلت فداك هل اغتسل أمير المؤمنين حين غسل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عند موته؟ فأجاب (عليه السلام) ان النبي طاهر مطهر و لكن أمير المؤمنين فعل و جرت به السنة».

و لا يخفى أن الأصالة المذكورة يجب الخروج عنها بالدليل و قد تقدم. و اما الروايتان المذكورتان فقاصرتان سندا و دلالة، و اللازم من العمل بمضمون الاولى من حمل السنة فيها على المستحب عدم وجوب غسل الحيض و أخويه من الاستحاضة و النفاس و عدم وجوب غسل الميت، و هو باطل قطعا، و يحتمل في الثانية جعل مفعول «فعل» غسل الميت لا غسل المس و حينئذ فالضمير في قوله: «و جرت به السنة» عائد إليه لا الى غسل المس، على ان استعمال السنة في الأخبار فيما وجب بالسنة أو الأعم شائع كثير.

[هل يجب الغسل بمس الميت الكافر؟]

ثم انه صرح جملة من الأصحاب بأنه لا فرق في وجوب الغسل بالمس بين كون الميت مسلما أو كافرا عملا بإطلاق الاخبار في وجوب الغسل بمس الميت بعد برده الشامل للمسلم و الكافر. و احتمل في المنتهى عدم الوجوب بناء على ان إيجاب الغسل بالمس قبل التطهير بالغسل انما يتحقق في من يقبل التطهير اما ما لا يقبل كالبهيمة و نحوها فلا، و الكافر لا يقبل التطهير فيكون جاريا مجراها. و رد بما تقدم من شمول الأخبار بإطلاقها للمسلم و الكافر. و فيه ان ظاهر الاخبار المشار إليها- باعتبار ما دل عليه بعضها من انه قبل

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الجنابة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب غسل المس.

332

الغسل يجب الغسل بمسه و بعد الغسل لا يجب و حمل مطلقها في ذلك على مقيدها و مجملها على مفصلها- هو اختصاص موردها بالمسلم، لانه لا خلاف و لا إشكال في ان غسل الكافر لا يفيده طهارة و حينئذ فلا يكون داخلا تحت الاخبار المشار إليها، و بذلك يظهر قرب الاحتمال الذي ذكره في المنتهى و ان كان الاحتياط في وجوب الغسل بمسه غسل أو لم يغسل.

[هل يجب الغسل بمس الميت الميمم؟]

و اما الميمم و لو عن بعض الغسلات فالظاهر وجوب الغسل بمسه، لعدم دخوله تحت الأخبار المذكورة، لأن التيمم غير الغسل و بدليته عنه لا تقتضي المساواة من جميع الوجوه.

(الثانية) [هل يجب الغسل بمس من تقدم غسله على موته]

- لو تقدم غسله على موته كالمرجوم أو غسل مع فقد الخليطين فهل يجب الغسل بمسه أم لا؟ اشكال، قال في المدارك بعد الكلام في المسألة و نقل بعض اخبارها: «و يندرج في من غسل من تقدم غسله على موته و من غسل غسلا صحيحا و لو مع فقد الخليطين».

أقول: لا يخفى تطرق المناقشة الى كل من الصورتين المذكورتين، اما من تقدم غسله كالمرجوم ففيه (أولا)- ان هذا الحكم و ان دلت عليه

رواية مسمع كردين عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «المرجوم و المرجومة يغسلان و يحنطان و يلبسان الكفن قبل ذلك ثم يرجمان و يصلى عليهما، و المقتص منه بمنزلة ذلك يغسل و يحنط و يلبس الكفن و يصلى عليه».

الا انها مع ضعف سندها معارضة بالأخبار المستفيضة بل المتواترة معنى الدالة على نجاسة الميت بالموت و لا سيما الأخبار الكثيرة الدالة على ان العلة في وجوب غسل الميت انما هو خروج النطفة التي خلق منها بالموت و ان الميت لذلك كالجنب يغسل غسل الجنابة كما قدمنا جملة منها في باب غسل الجنابة (2) و تخصيص تلك الاخبار بما هي عليه من الكثرة و الصراحة بهذا الخبر الضعيف مشكل، على انه لا يعقل

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 17 من أبواب غسل الميت.

(2) ص 74.

333

سبق التطهير على وقوع النجاسة و حصولها كما لا يخفى، و لو لا اتفاق الطائفة على هذا الحكم سلفا و خلفا لكان الأظهر الوقوف على تلك الأخبار، و كيف كان فالأجود عندي إعادة غسله. و (اما ثانيا)- فلانه مع تسليم العمل بالرواية المذكورة و الحكم بصحة هذا الغسل و الاكتفاء به عن تغسيله ثانيا فانسحاب أحكام الغسل الصحيح المتعارف الى هذا الغسل ممنوع، و ذلك فإن إطلاق الأخبار المتقدمة الدالة على وجوب الغسل بمس الميت بعد برده و قبل غسله و جواز المس بعد الغسل انما ينصرف الى الغسل المتكرر المتعارف الشائع الوقوع و هو الغسل بعد الموت، لما صرح به غير واحد من محققي الأصحاب من ان الأحكام المودعة في الأخبار انما تنصرف الى الافراد الشائعة المتعارفة فإنها هي التي ينصرف إليها الإطلاق و تتبادر الى الذهن دون الفروض الشاذة النادرة، و بالجملة فإن غاية ما دلت عليه رواية مسمع بعد تسليمها مع مخالفتها لمقتضى القواعد هو سقوط الغسل بعد الموت و اما ما عداه فلا، و دعوى كون هذه الأمور مترتبة على الغسل مطلقا ممنوعة لما عرفت، و قد وافقنا في هذا المقام صاحب الذخيرة مع اقتفائه أثر صاحب المدارك غالبا فقال: «و في وجوب الغسل بمسه بعد الموت تردد» و تنظر العلامة في المنتهى في المسألة أيضا، و عن ابن إدريس انه أوجب الغسل بمسه.

و اما من غسل مع فقد الخليطين فلعدم الدليل على صحة هذا الغسل لعدم النص كما يأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في محله و انما عللوا ذلك بأمور اعتبارية لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية.

(الثالثة) [هل يجب الغسل بمس الشهيد؟]

- قال في المنتهى: «الأقرب في الشهيد انه لا يجب الغسل بمسه لأن الرواية تدل بمفهومها على ان الغسل انما يجب في الصورة التي يجب فيها تغسيل الميت قبل غسله» و ظاهره في المعتبر القطع بالحكم المذكور، و قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه:

«و هو كذلك لان ظاهر الروايات ان الغسل انما يجب بمس الميت الذي يجب تغسيله

334

قبل ان يغسل، و يعضده أصالة البراءة و انتفاء العموم في الأخبار الموجبة بحيث يتناول كل ميت».

أقول: لا يخفى ان أكثر الروايات المتقدمة مطلقة في وجوب الغسل على من مس ميتا، مثل صحيحة حريز أو حسنته و رواية عبد الله بن سنان الاولى و صحيحة عاصم بن حميد و صحيحة إسماعيل بن جابر و صحيحة معاوية بن عمار (1) و صحيحة الحلبي (2) و صحيحة محمد بن مسلم (3) فإنها كلها مطلقة في وجوب الغسل بالمس بعد البرد شاملة بإطلاقها للشهيد و غيره. و اما ما دلت عليه

صحيحة الصفار (4) من قوله (عليه السلام): «إذا أصاب يدك جسد الميت قبل ان يغسل فقد يجب عليك الغسل».

و هي التي تشعر بما ذكروه- فيمكن الجواب عنها بان هذا القيد خرج بناء على ما هو الغالب المتكرر فلا يدل على تقييد إطلاق تلك الأخبار الكثيرة، و بذلك يظهر لك ما في دعوى صاحب المدارك (أولا)- ان ظاهر الروايات ان الغسل انما يجب بمس الميت الذي يجب تغسيله قبل ان يغسل، فإن أكثر الروايات- كما عرفت- مطلق لا اشعار فيه بما ذكره و انما ذلك في صحيحة الصفار خاصة. و (ثانيا)- دعواه انتفاء العموم في الاخبار الموجبة بحيث يتناول كل ميت، فإنه ليس في محله لما عرفت من شمول الأخبار المذكورة بإطلاقها للشهيد و غيره من الأموات. و وقوع السؤال في بعضها عمن غسل ميتا لا اشعار فيه بما ادعوه، لان هذا أحد أفراد المس الذي يترتب عليه الغسل، و اي ظهور في العموم أظهر من

صحيحة عاصم بن حميد (5) و قوله: «سألته عن الميت إذا مسه الإنسان فيه غسل؟ فقال: إذا مسست جسده حين يبرد فاغتسل»؟.

و نحوها صحيحة إسماعيل بن جابر (6) و بالجملة فظواهر الأخبار المذكورة العموم. نعم يمكن ان يقال ان الظاهر من الروايات الدالة على نجاسة الميت بالموت و طهره بالغسل و الروايات الدالة على ان الشهيد لا يغسل هو طهارة الشهيد و عدم نجاسته بالموت، و حينئذ فيكون حكمه حكم غيره

____________

(1) ص 328.

(2) ص 329.

(3) ص 327.

(4) ص 329.

(5) ص 328.

(6) ص 328.

335

من الأموات بعد الغسل.

(الرابعة) [هل يجب غسل ما باشر الميت؟]

- لا خلاف بين الأصحاب في انه لو مسه قبل البرد فلا غسل، و قد تقدم في الأخبار المتقدمة ما يدل عليه و انما الخلاف في ثبوت النجاسة بذلك و وجوب غسل ما باشره. فقيل بذلك و هو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في الروض و نقله عن العلامة أيضا، و قيل بطهارته و عدم وجوب غسل ما باشره و هو اختيار الذكرى و الدروس و المنتهى، و اليه مال في المدارك و قبله المولى الأردبيلي في شرح الإرشاد.

و احتج الأولون بصدق الموت الموجب للحكم بالنجاسة. و أجاب عنه في الذكرى بأنا إنما نقطع بالموت بعد البرد. و اعترضه في الروض بمنع عدم القطع قبله و إلا لما جاز دفنه قبل البرد، و لم يقل به أحد خصوصا صاحب الطاعون، قال: «و قد أطلقوا القول باستحباب التعجيل مع ظهور علامات الموت و هي لا تتوقف على البرد، مع ان الموت لو توقف القطع به على البرد لما كان لقيد البرد فائدة بعد ذكر الموت».

و احتج الآخرون بأصالة البراءة فيجب التمسك بها الى ان يقوم دليل على خلافها و عدم القطع بنجاسته قبل البرد، و زاد في الذكرى بان نجاسته و وجوب الغسل متلازمان إذ الغسل بمس النجس.

و اعترضه في الروض- زيادة على ما تقدم- بمنع الملازمة هنا ايضا، قال: لأن النجاسة علقها الشارع على الموت و الغسل على البرد، و كل حديث دل على التفصيل بالبرد و عدمه دل على صدق الموت قبل البرد،

كخبر معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «إذا مسه و هو سخن فلا غسل عليه فإذا برد فعليه الغسل».

فان ضمير «مسه» يعود الى الميت،

و عن عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام) (2) «يغتسل الذي غسل الميت.».

ثم ساق الرواية و هي الاولى من روايتيه المتقدمتين الا انه قال فيها:

«و ان غسل الميت انسان بعد موته. الى آخر الخبر» ثم قال بعد هذا: «و هذا الحديث

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب غسل المس.

(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب غسل المس.

336

كما يدل على صدق الموت قبل البرد كذلك يدل على جواز تغسيله قبله أيضا» أقول:

الموجود فيما حضرني من كتب الأخبار- و هو الذي نقله في الوافي و كذلك في الوسائل- انما هو «قبل الميت إنسان. الى آخره» لا «غسل» كما نقله. و استدل به ايضا على النجاسة بالموت الشامل بإطلاقه لما قبل البرد، و بعده

بصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت؟ قال يغسل ما أصاب الثوب».

و رواية إبراهيم بن ميمون (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على جسد الميت؟ قال ان كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه و ان كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه».

و هما دالان على نجاسة الميت بالموت مطلقا و مدعى التقييد بالبرد عليه الدليل.

و بالجملة فهذا القول لما عرفت لا يخلو من قوة، إلا ان ظاهر نفي البأس عن مسه بحرارته و تقبيله في تلك الحال- كما في جملة من الاخبار المتقدمة- هو الطهارة و لا سيما فعل الصادق (عليه السلام) بابنه إسماعيل كما تضمنته صحيحة إسماعيل بن جابر (3) و حينئذ فيمكن تقييد إطلاق الميت في الاخبار المتقدمة بالبرد جمعا بين الاخبار. و بذلك يظهر ما في كلام شيخنا الشهيد الثاني و قوله: «ان النجاسة علقها الشارع على الموت و الغسل على البرد» من ان الموت بمجرده لا يستلزم النجاسة بل لا بد من تقييده بالبرد ليتم نفي البأس عن تقبيله و مسه بحرارته كما تضمنته الاخبار المشار إليها. و اما اعتراضه على كلام الشهيد (رحمه الله) حيث ادعى انه انما يقطع بموته بعد البرد بالمنع من ذلك مستندا إلى انه لم يصرح أحد بعدم جواز دفنه قبل البرد ففيه انه لم يصرح أحد أيضا بجواز ذلك قبل البرد. و اما إطلاقهم القول باستحباب التعجيل مع ظهور علامات الموت و هي- لا تتوقف على البرد- ففيه ان برد بدن الميت بعد الموت لا يتوقف على زمان يحصل به المنافاة لاستحباب التعجيل. و اما قوله-: انه لو توقف القطع بالموت على البرد لما كان لقيد البرد فائدة- ففيه انا لا نمنع الموت حال

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 34 من أبواب النجاسات.

(2) رواه في الوسائل في الباب 34 من أبواب النجاسات.

(3) ص 328.

337

الحرارة و انما نمنع انفصال الروح بكليتها في تلك الحال، و ذلك فان الروح بعد خروجها من الدن يبقى لها اتصال به كاتصال شعاع الشمس بعد غروبها بما أشرقت عليه، و آثار ذلك الاتصال باقية ما دامت الحرارة موجودة، و بعد البرد ينقطع ذلك و يقطع بخروجها بجميع متعلقاتها و آثارها فلا منافاة حينئذ. نعم يبقى الكلام فيما تضمنه التوقيع الخارج من الناحية المقدسة (1) فإنه ظاهر بل صريح في النجاسة قبل البرد و انه يجب غسل ما مسه به، و بذلك يظهر ان المسألة لا تخلو من شوب الاشكال و الاحتياط فيها مطلوب على كل حال. و الله العالم.

(الخامسة) [هل يجب الغسل بمس العضو الذي كمل غسله]

لو مس عضوا كمل غسله فهل يجب الغسل بمسه أم لا؟ اشكال، فقيل بالأول لإطلاق الأمر بالغسل بمس الميت بعد برده، خرج منه من غسل بالنص و الإجماع و بقي ما عداه، و لصدق الميت الذي لم يغسل عليه في هذه الصورة، و بذلك صرح جملة من الأصحاب: منهم- العلامة في بعض كتبه و السيد السند في المدارك و الفاضل الخراساني في الذخيرة. و قيل بالثاني و اليه ذهب العلامة أيضا و الشهيد في الذكرى و الدروس لان الظاهر ان وجوب الغسل تابع لمسه نجسا للدوران و قد حكم بطهارة العضو المفروض.

و الحق في المقام ان يقال: ان الكلام في هذه المسألة يتوقف على الكلام في نجاسة الميت، فان قلنا بأنها عينية محضة- كما هو اختيار المحقق في المعتبر محتجا عليه بان الملاقي لبدن الميت ينجس بملاقاته و ليس ذلك إلا لكونه نجسا- فلا إشكال في عدم الوجوب و ذلك لان النجاسة العينية لا يشترط في طهارة بعض اجزاء محلها طهارة الباقي، إذ طهارة المحل تحصل بمجرد غسله و انفصال لغسالة عنه من غير توقف على أمر آخر، و ان قلنا بأنها حكمية محضة- كما ذهب اليه المرتضى و جعله كالجنب و فرع عليه عدم وجوب غسل المس، أو قلنا بأنها حكمية من وجه و عينية من آخر كما هو ظاهر الأكثر و هو الأقرب

____________

(1) ص 230.

338

الأظهر، اما جهة كونها حكمية فللأخبار الكثيرة الدالة على تعليل وجوب غسل الميت بخروج النطفة منه، و قد تقدمت في باب غسل الجنابة في مسألة وجوب الترتيب (1) و اما جهة كونها عينية فللأخبار الدالة على وجوب غسل الملاقي لجسد الميت بعد برده و قبل تطهيره بالغسل، و هي صحيحة الحلبي و رواية إبراهيم بن ميمون المتقدمتان (2)- فإشكال ينشأ من ان الأصل كون هذا الغسل كغيره من الأغسال الرافعة للحدث في كونه بتمامه سببا تاما في رفع النجاسة الحكمية و لهذا وجبت فيه النية كغيره من الأغسال و حينئذ فوجوب الغسل بالمس ثابت الى ان يحصل كمال الغسل لعدم صدق اسمه عليه قبل إكماله، و من صدق كمال الغسل بالنسبة الى ذلك العضو، و لانه لو كان منفصلا لما وجب الغسل بمسه قطعا فكذا مع الاتصال، لعدم تعقل الفرق و لأصالة البراءة من وجوب الغسل. و الظاهر ضعفه. فالأقرب حينئذ هو الوجوب. نعم ينقدح هنا اشكال آخر و هو ان مقتضى القواعد الفقهية أن طهارة المحل من الخبث تحصل بانفصال الغسالة عن المغسول و لا يتوقف بعدها على تطهير جزء آخر كما عرفت، فعلى هذا إذا أكمل غسل عضو وجب الحكم بطهارته من الخبث بحيث لا يجب غسل اللامس له، و لو توقف طهارة ذلك العضو من الخبث على طهارة المجموع لزم مخالفة القاعدة المشار إليها، و حينئذ يبعد الحكم بوجوب الغسل بمسه دون غسل العضو اللامس، إذ لم يعهد انفكاك الغسل عن الغسل الا على ما يأتي ان شاء الله تعالى من مذهب الشهيد في إيجابه الغسل بمس العظم المجرد مع انه قد يكون طاهرا من الخبث لانه مما لا تحله الحياة، و سيأتي بيان ضعفه ان شاء الله تعالى و التحقيق في المقام هو الوقوف على ظواهر الأخبار المتقدمة، و قد دلت على ان مس الميت بعد برده و قبل غسله موجب للغسل و المتبادر منه كمال الغسل، و حينئذ فما لم يكمل غسله لا يحصل مصداق الأخبار المذكورة، و استبعاد انفكاك الغسل عن الغسل غير مسموع في مقابلة الأخبار المذكورة، و حينئذ فالأظهر هو وجوب الغسل بمس العضو

____________

(1) ص 74.

(2) ص 336.

339

المذكور و ان لم يوجب غسل ما لاقاه.

(السادسة) [هل أن مس الميت ناقض للطهارة؟]

- الظاهر من كلام جملة من الأصحاب ان مس الميت على الوجه المتقدم من جملة الأحداث الموجبة لنقض الطهارة المتوقف ارتفاعها على الغسل اما خاصة كما اخترناه سابقا أو مع الوضوء على المشهور، و بذلك صرح الشهيد في الألفية حيث عده من النواقض و الشيخ في النهاية حيث قال: «و من جملة ما ينقض الوضوء ما يوجب الغسل و هو خمسة أشياء: الجنابة و الحيض و الاستحاضة و النفاس و مس الأموات» و هو ايضا ظاهره في الذكرى و الدروس، و الظاهر انه لا خلاف فيه بينهم، و ظاهر المدارك التوقف في ذلك حيث قال: «و اما غسل المس فلم أقف على ما يقتضي اشتراطه في شيء من العبادات. و لا مانع من ان يكون واجبا لنفسه كغسل الجمعة و الإحرام عند من أوجبهما نعم ان ثبت كون المس ناقضا للوضوء اتجه وجوبه للأمور الثلاثة المتقدمة إلا انه غير واضح» ثم نقل الاستدلال عليه بعموم

قوله (عليه السلام) (1): «كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة».

و رده بأنه مع عدم صحة سنده غير صريح في الوجوب كما اعترف به جماعة من الأصحاب.

أقول: لم أقف في شيء من الاخبار بعد التتبع التام على ما يقتضي كون المس ناقضا مشروطا رفعه بالغسل الا على ما

في الفقه الرضوي، حيث قال في باب غسل الميت و تكفينه بعد ذكر غسل المس (2): «و ان نسيت الغسل فذكرت بعد ما صليت فاغتسل و أعد صلاتك».

قال بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين: «و مثل هذه الرواية لا تفيد حكما لعدم ثبوت هذا الكتاب عنه (عليه السلام) و القرائن تدل على عدمه، و مع ذلك فالإعادة غير نص في المدعى لاحتمال الاستحباب» انتهى. أقول: لا يخفى على من اعطى التأمل حقه فيما نقلناه في هذا الكتاب و ما سننقله ان شاء الله تعالى في المباحث الآتية- من اعتماد الصدوقين على هذا الكتاب و الإفتاء بعبائره و ترجيحها على النصوص

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب 35 من أبواب الجنابة.

(2) ص 18.

340

الصحيحة المستفيضة في مواضع عديدة، حتى ان الأصحاب نسبوا كثيرا من فتاوى علي ابن الحسين بن بابويه الى الشذوذ لمخالفتها صحاح الاخبار و هي مأخوذة من هذا الكتاب كما ستنبه عليه ان شاء الله تعالى في المقامات الآتية مضافا الى ما تقدم- ان الكتاب المذكور من الأصول المعتمدة التي لا تقصر عن نسبة غيره من الأصول إلى مصنفيها، و يؤيده ما ذكره شيخنا المجلسي (طاب ثراه) في مقدمات كتاب البحار حيث قال:

«كتاب فقه الرضا أخبرني به السيد الفاضل المحدث القاضي أمير حسين (طاب ثراه) بعد ما ورد أصفهان، قال: قد اتفق في بعض سني مجاورتي بيت الله الحرام ان أتاني جماعة من أهل قم حاجين و كان معهم كتاب قديم يوافق تأريخه عصر الرضا (عليه السلام) و سمعت الوالد انه قال: سمعت السيد يقول كان عليه خطه (عليه السلام) و كان عليه إجازات جماعة كثيرة من الفضلاء، و قال السيد حصل لي العلم بتلك القرائن أنه تأليف الامام فأخذت الكتاب و كتبته و صححته. فأخذ والدي هذا الكتاب من السيد و استنسخه و صححه، و أكثر عباراته موافق لما يذكره الصدوق أبو جعفر ابن بابويه في الفقيه من غير سند و ما يذكره والده في رسالته اليه، و كثير من الأحكام التي ذكرها أصحابنا و لا يعلم مستندها مذكورة فيه كما ستعرف في أبواب العبادات» انتهى كلامه.

و نحوه وجدت بخط والده المذكور ايضا، و بذلك يظهر لك ما في كلام البعض المشار إليه فإنه ناشىء عن قصور التتبع و عدم اشتهار الكتاب المذكور. و ان الأظهر هو العمل بما دل عليه كلامه (عليه السلام) كما عليه من عرفت من أصحابنا، مضافا الى أوفقيته للاحتياط المطلوب في الدين.

و قال في الذكرى: «و هذا الغسل يجامعه الوضوء وجوبا، لما سلف، و لو أحدث بعد الوضوء المقدم اعاده، و بعد الغسل المقدم الوضوء لا غير، و في أثناء الغسل الأقرب حكمه حكم المحدث في أثناء غسل الجنابة، و قطع في التذكرة بأنه لو أحدث في أثناء غسله أتم و توضأ تقدم أو تأخر، و لعله يرى ان الحدث الأكبر يرفعه الغسل و الأصغر يرفعه

341

الوضوء بالتوزيع. و فيه بعد لظهور ان الوضوء و الغسل علة لرفع الحدث مطلقا و هذا ينسحب في جميع الأغسال سوى الجنابة» انتهى. و سياق هذا الكلام و ما اشتمل عليه من الخلاف ظاهر في ان غسل المس رافع عندهم و هو موجب لكون المس عندهم من جملة النواقض كما سلف ذكره عن جملة منهم و اما الحدث في أثناء هذا الغسل فقد تقدم الكلام في نظيره.

و قال في الدروس: «و لا يمنع هذا الحدث من الصوم و لا من دخول المساجد في الأقرب نعم لو لم يغسل العضو اللامس و خيف سريان النجاسة الى المسجد حرم الدخول و إلا فلا» انتهى. أقول: ظاهر هذا الكلام هو ان حدثية المس الموجبة للغسل كالحدث الأصغر فيجب لما يجب له الوضوء من الصلاة و الطواف و نحوهما و لا يجب للصوم و لا لدخول المساجد للأصل و عدم الدليل المخرج عنه، نعم يأتي في دخول المساجد لو لم يغسل العضو اللامس ما يأتي في سائر النجاسات من تحريم الدخول مطلقا أو بشرط خوف التعدي الى المسجد أو شيء من الآية.

(السابعة) [حكم مس القطعة المبانة من حي أو ميت]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب الغسل بمس القطعة المبانة ذات العظم من حي أو ميت، و ادعى في الخلاف الإجماع عليه، و استدلوا على ذلك

برواية أيوب بن نوح عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة فإذا مسه انسان فكل ما فيه عظم فقد وجب على كل من يمسه الغسل، و ان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه».

و هذه الرواية شاملة بإطلاقها المبانة من حي أو ميت. أقول: و يدل عليه ايضا

قوله (عليه السلام) (2) في الفقه الرضوي: «و ان مسست شيئا من جسد اكلة السبع فعليك الغسل ان كان فيما مسست عظم، و ما لم يكن فيه عظم فلا غسل عليك في مسه».

و بهذه العبارة عبر في الفقيه بأدنى تغيير فقال: «و من مس قطعة من جسد أكيل السبع فعليه الغسل ان كان

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل المس.

(2) ص 17.

342

فيما مس عظم و ما لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه في مسه» انتهى. و مورد العبارة المذكورة و ان كان بالنسبة إلى القطعة المبانة من الميت إلا انه لا دلالة فيها على الاختصاص و لم أقف على من خالف في الحكم المذكور إلا المحقق في المعتبر و تبعه في المدارك قال في المعتبر بعد ان نقل عن الشيخ دعوى الإجماع على ذلك و الاستدلال بالرواية المتقدمة: «و الذي أراه التوقف في ذلك، فإن الرواية مقطوعة و العمل بها قليل و دعوى الشيخ في الخلاف الإجماع لم يثبت فاذن الأصل عدم الوجوب، و ان قلنا بالاستحباب كان تفصيا من اطراح قول الشيخ و الرواية» انتهى. قال في المدارك بعد نقل كلامه:

«هذا كلامه و هو في محله».

أقول: فيه (أولا)- ما قدمنا نقله عنه في أوائل المعتبر من وجوب العمل بالخبر و ان ضعف سنده متى قبله الأصحاب، و الأمر هنا كذلك فإنه لا راد له سواه و من تبعه، و كل من تأخر عنه من أصحاب هذا الاصطلاح ما عدا صاحب المدارك فإنهم ردوا كلامه بان ضعف الخبر مجبور بشهرة العمل به و ان الإجماع المنقول بخبر الواحد حجة كما حقق في الأصول، و اما المتقدمون فقد عرفت في غير موضع مما تقدم انه لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم و من ذكر المسألة منهم فإنما حكم فيها بما تقدم و من لم يتعرض لها فإنه لا يدل على إنكارها و عدم القول بها، فقوله: «و العمل بها قليل» لا وجه له. و (ثانيا)- ان ما ادعاه- من ان في القول بالاستحباب تفصيا عن اطراح قول الشيخ و الرواية- ليس في محله، لانه متى كان قول الشيخ و كذا ظاهر الرواية انما هو الوجوب الموجب مخالفته للمؤاخذة بالعقاب و القول بالاستحباب موجب لجواز الترك و عدم المؤاخذة، فكيف يكون فيه تفص عن مخالفة الشيخ و الرواية؟ و بذلك يظهر ان القول المشهور هو المؤيد المنصور.

[حكم مس العظم المجرد]

و هل يجب الغسل بمس العظم المجرد متصلا أو منفصلا؟ قولان أشهرهما العدم، و ذهب في الذكرى و الدروس الى الوجوب لدوران الغسل معه وجودا و عدما. ورد

343

بمنع حجية الدوران و جواز كون العلة هي المجموع المركب منه و من اللحم، و لان العظم طاهر في نفسه حيث انه مما لا تحله الحياة فلا يوجب نجاسة غيره، و لو فرضت نجاسته فهي عرضية خبثية تزول بتطهيره كباقي المتنجسات بالخبث، هذا مع انفصاله و اما مع الاتصال فالظاهر وجوب الغسل بمسه لا من حيث هو هو بل من حيث وجوب الغسل بمس الميت الصادق بمس اي جزء منه. و نحوه ايضا مس الشعر و الظفر على اشكال ينشأ مما ذكرناه من ان مس الشعر و الظفر لا يسمى مسا للميت عرفا سيما إذا طالا بخلاف العظم و الضرس لان الظاهر صدق مس الميت بمسهما، و الاحتياط يقتضي الغسل بمس كل من هذه الأشياء المذكورة حال الاتصال.

و يتفرع على وجوب الغسل بمس العظم ما لو وجد العظم في مقبرة، فإن كانت مقبرة المسلمين فلا غسل لان الظاهر انه دفن بعد الغسل حملا لأفعال المسلمين على الصحة و ان كانت مقبرة الكفار وجب الغسل إذ لا عبرة بغسل الكافر كما تقدم، و لو تناوب عليها الفريقان فإشكال لتعارض أصالة عدم الغسل لجواز كونه كافرا، و الشك في حصول الحدث فلا يرفع يقين الطهارة التي عليها الماس، إلا ان في عدم رفع يقين الطهارة بمثل هذا الشك بحثا تقدم الكلام فيه في المقدمة الحادية عشرة من مقدمات الكتاب، و رجح في الدروس هنا سقوط الغسل. و ان جهلت فلم يعلم كونها مقبرة المسلمين أو الكفار تبعت الدار فيلحق بأهلها.

قال في الروض: «و اعلم ان كل ما حكم في مسه بوجوب الغسل مشروط بمس ما تحله الحياة من اللامس لما تحله الحياة من الملموس فلو انتفى أحد الأمرين لم يجب الغسل، فان كان تخلف الحكم لانتفاء الأول خاصة وجب غسل اللامس خاصة، و ان كان لانتفاء الثاني خاصة فلا غسل و لا غسل مع اليبوسة، و كذا ان كان لانتفاء الأمرين معا، هذا كله في غير العظم المجرد كالشعر و الظفر و نحوهما، اما العظم فقد تقدم الاشكال فيه، و هو في السن أقوى، و يمكن جريان الإشكال في الظفر ايضا لمساواته العظم في ذلك، و لا فرق

344

في الاشكال بين كون العظم و الظفر من اللامس أو الملموس» انتهى.

الفصل السادس في غسل الأموات و ما يستتبعه من أحكام الاحتضار و الدفن و نحوهما

، و الكلام فيه يقع في مقاصد

[المقصد] (الأول)- في الاحتضار

، و لا بأس بتقديم بعض الأخبار المناسبة للمقام و المتعلقة بهذه الأحكام:

[الأخبار المناسبة لحال الاحتضار]

فعن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) رفع رأسه الى السماء فتبسم فسئل عن ذلك فقال: نعم عجبت لملكين هبطا من السماء إلى الأرض يلتمسان عبدا مؤمنا صالحا في مصلى كان يصلى فيه ليكتبا له عمله في يومه و ليلته فلم يجداه في مصلاه، فعرجا الى السماء فقالا ربنا عبدك فلان المؤمن التمسناه في مصلاه لنكتب له عمله ليومه و ليلته فلم نصبه فوجدناه في حبالك، فقال الله (عز و جل) اكتبا لعبدي مثل ما كان يعمل في صحته من الخير في يومه و ليلته ما دام في حبالي فان علي ان اكتب له أجر ما كان يعمله إذا حبسته عنه».

و عن الباقر (عليه السلام) (2) قال:

«قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان المؤمن إذا غلبه ضعف الكبر أمر الله تعالى الملك ان يكتب له في حاله تلك مثل ما كان يعمل و هو شاب نشيط صحيح، و مثل ذلك إذا مرض و كل الله تعالى به ملكا يكتب له في سقمه ما كان يعمله من الخير في صحته حتى يرفعه الله و يقبضه، و كذلك الكافر إذا اشتغل بسقم في جسده كتب الله له ما كان يعمل من الشر في صحته».

أقول: لعل الوجه في ذلك ان المؤمن لما كان من نيته المداومة على تلك الأعمال

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الكافي ج 1 ص 32 و روى في الوسائل قطعة منه في الباب 1 من أبواب الاحتضار.

345

الصالحة فمتى حيل بينه و بينها بالمرض أو الكبر فان الله سبحانه يكتب له ثواب ذلك من حيث نيته، و الكافر ايضا لما كان في نيته المداومة على تلك الأعمال القبيحة كتب له، و هو السر في الحديث الوارد بان كلا من أهل الجنة و النار انما خلدوا فيها بالنيات.

و عن الباقر (عليه السلام) (1): «سهر ليلة من مرض أفضل من عبادة سنة».

و عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «الحمى رائد الموت و هو سجن الله تعالى في الأرض و هو حظ المؤمن من النار».

و بهذا المضمون جملة من الأخبار.

و عن الباقر (عليه السلام) (3): «حمى ليلة تعدل عبادة سنة و حمى ليلتين تعدل عبادة سنتين و حمى ثلاث ليال تعدل عبادة سبعين سنة. قال قلت: فان لم يبلغ سبعين سنة؟ قال فلأبيه و امه. قال قلت: فان لم يبلغا؟ قال: فلقرابته. قال قلت: فان لم يبلغ قرابته؟ قال:

فلجيرانه».

و عن الرضا (عليه السلام) (4) قال: «المرض للمؤمن تطهير و رحمة و للكافر تعذيب و نقمة، و ان المرض لا يزال بالمؤمن حتى ما يكون عليه ذنب».

و عن جعفر بن محمد عن آبائه في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) (5) قال:

«يا علي أنين المؤمن تسبيح و صياحه تهليل و نومه على فراشه عبادة و تقلبه من جنب الى جنب جهاد في سبيل الله تعالى، فإن عوفي مشى في الناس و ما عليه ذنب».

و عن الباقر (عليه السلام) (6) قال: «إذا أحب الله تعالى عبدا نظر اليه فإذا نظر إليه أتحفه بواحدة من ثلاث: اما صداع و اما حمى و اما رمد».

و عن علي بن الحسين (عليهما السلام) (7) قال:

«حمى ليلة كفارة سنة و ذلك لان ألمها يبقى في الجسد سنة».

و عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) (8) «انه تبسم فقيل له تبسمت يا رسول الله؟ فقال عجبت للمؤمن و جزعه من السقم و لو يعلم ما له في السقم من الثواب لأحب ان لا يزال سقيما حتى يلقى ربه عز و جل».

و عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (9) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله)

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاحتضار.

(4) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاحتضار.

(5) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاحتضار.

(6) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاحتضار.

(7) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاحتضار.

(8) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاحتضار.

(9) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاحتضار.

346

للمريض اربع خصال: يرفع عنه القلم و يأمر الله تعالى الملك فيكتب له كل فضل كان يعمله في صحته و يتبع مرضه كل عضو في جسده فيستخرج ذنوبه منه فان مات مات مغفورا له و ان عاش عاش مغفورا له».

و عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (1) «انه عاد سلمان الفارسي فقال له: يا سلمان ما من أحد من شيعتنا يصيبه وجع إلا بذنب قد سبق منه و ذلك الوجع تطهير له. فقال له سلمان: فليس لنا في شيء من ذلك أجر خلا التطهير؟ قال علي (عليه السلام): يا سلمان لكم الأجر بالصبر عليه و التضرع الى الله تعالى و الدعاء له بهما تكتب لكم الحسنات و ترفع لكم الدرجات، فاما الوجع خاصة فهو تطهير و كفارة».

و عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «كان الناس يعتبطون اعتباطا فلما كان زمان إبراهيم (عليه السلام) قال: يا رب اجعل للموت علة يؤجر بها الميت و يسلي بها عن المصاب، قال: فانزل الله تعالى الموم و هو البرسام ثم انزل بعده الداء».

أقول: الاعتباط بالمهملتين أولا و آخرا: نزول الموت بغير علة. و الموم بضم الميم و البرسام: علة معروفة يهذى فيها، يقال: برسم الرجل فهو مبرسم، و الداء سائر أنواع المرض

و عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «أكثر من يموت من موالينا بالبطن الذريع».

أقول: البطن محركة: داء البطن، يقال بطن الرجل على صيغة المجهول:

اشتكى بطنه، و الذريع: السريع الكثير، و هو عبارة عن كثرة الإسهال و سرعته بسبب انطلاق البطن.

و عن الصادق (عليه السلام) «ان أعداءنا يموتون بالطاعون و أنتم تموتون بعلة البطون ألا انها علامة فيكم يا معشر الشيعة».

و عن الصادق (عليه السلام) «ما من داء إلا و هو شارع الى الجسد ينتظر متى يؤمر به فيأخذه».

قال في الكافي و في رواية أخرى «إلا الحمى فإنها ترد ورودا».

و عن الصادق (عليه السلام) قال:

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الكافي ج 1 ص 31.

(3) رواه في الكافي ج 1 ص 31 عن الرضا «(عليه السلام)».

347

«قال موسى يا رب من اين الداء؟ قال: منى. قال فالشفاء؟ قال مني. قال: فما يصنع عبادك بالمعالج؟ قال: تطيب أنفسهم فيومئذ سمي المعالج بالطبيب».

أقول: لا يخفى ما في هذا الحديث من الإشكال، إذ لا يظهر هنا وجه مناسبة بين المشتق و المشتق منه، فإن أحدهما من «طيب» بالياء المثناة و الآخر من «طبب» بالبائين الموحدتين، و لعل قوله (عليه السلام):

«تطيب أنفسهم»

انما هو بالبائين لا بالياء، فان الطب كما يكون للبدن يكون للنفس ايضا كما قال في القاموس: «الطب مثلث الطاء: علاج الجسم و النفس» فالاشتقاق متجه، و ما في النسخ من الكتابة بالياء المثناة من تحت في اللفظ المشار اليه فالظاهر انه غلط من النساخ.

و عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «قال الله تعالى: أيما عبد ابتليته ببلية فكتم ذلك عواده ثلاثا أبدلته لحما خيرا من لحمه و دما خيرا من دمه و بشرا خيرا من بشره، فإن أبقيته أبقيته و لا ذنب له و ان مات مات إلى رحمتي».

و زاد في خبر آخر مثله «قال قلت: جعلت فداك و كيف يبدله؟ قال يبدله لحما و دما و شعرا و بشرا لم يذنب فيها».

و عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «من مرض ليله فقبلها بقبولها كتب الله له عبادة ستين سنة. قلت ما معنى قبولها؟ قال لا يشكو ما اصابه فيها الى أحد».

و عن الصادق (عليه السلام) (3) و قد سئل عن حد الشكاية للمريض قال: «ان الرجل يقول حممت اليوم و سهرت البارحة و قد صدق و ليس هذا شكاية، و انما الشكوى ان يقول لقد ابتليت بما لم يبتل به أحد و يقول لقد أصابني ما لم يصب أحدا، و ليس الشكوى ان يقول سهرت البارحة و حممت اليوم و نحو هذا».

و عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «ينبغي للمريض منكم أن يؤذن

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب الاحتضار.

(4) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب الاحتضار.

348

إخوانه بمرضه فيعودونه فيؤجر فيهم و يؤجرون فيه قال فقيل له نعم هم يؤجرون فيه بممشاهم اليه فكيف يؤجر هو فيهم؟ قال فقال باكتسابه لهم الحسنات فيؤجر فيهم، فيكتب له بذلك عشر حسنات و يرفع له عشر درجات و يمحى بها عنه عشر سيئات».

و عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «إذا مرض أحدكم فليأذن للناس يدخلون عليه فإنه ليس من أحد إلا و له دعوة مستجابة».

و عن الصادق (عليه السلام) (2) «ما من أحد يحضره الموت إلا و كل به إبليس من شياطينه من يأمره بالكفر و يشككه في دينه حتى تخرج نفسه فمن كان مؤمنا لم يقدر عليه، فإذا حضرتم موتاكم فلقنوهم شهادة ان لا إله إلا الله و ان محمدا رسول الله حتى يموتوا».

و عنه (عليه السلام) في حديث (3) «ان ملك الموت يتصفح الناس في كل يوم خمس مرات عند مواقيت الصلاة فإن كان ممن يواظب عليها عند مواقيتها لقنه شهادة ان لا إله إلا الله و ان محمدا رسول الله و نحى عنه ملك الموت إبليس».

و عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «لا عيادة في وجع العين و لا تكون عيادة في أقل من ثلاثة أيام فإذا وجبت فيوم و يوم لا فإذا طالت العلة ترك المريض و عياله».

و عن بعض موالي جعفر بن محمد (عليه السلام) (5) قال: «مرض بعض مواليه فخرجنا اليه نعوده و نحن عدة من موالي جعفر فاستقبلنا جعفر (عليه السلام) في بعض الطريق فقال لنا اين تريدون؟ فقلنا نريد فلانا نعوده. فقال لنا: قفوا فوقفنا فقال:

مع أحدكم تفاحة أو سفر جلة أو أترجة أو لعقة من طيب أو قطعة من عود بخور؟ فقلنا ما معنا شيء من هذا. فقال أ ما تعلمون ان المريض يستريح الى كل ما ادخل عليه؟».

و عن الصادق

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب الاحتضار.

(4) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب الاحتضار.

(5) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب الاحتضار.

349

(عليه السلام) (1) قال: «تمام العيادة للمريض ان تضع يدك على ذراعه و تعجل القيام من عنده فإن عيادة النوكى أشد على المريض من وجعه».

أقول: النوك بالضم: الحمق، و رجل أنوك و الجمع نوكى كقتلى.

و عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال. ان من أعظم العواد اجرا عند الله لمن إذا عاد أخاه خفف الجلوس إلا ان يكون المريض يحب ذلك و يريده و يسأله ذلك.».

و عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «إذا أدخل أحدكم على أخيه عائدا له فليسأله يدعو له فان دعاءه مثل دعاء الملائكة».

و عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: «من عاد مريضا في الله لم يسأل المريض للعائد شيئا إلا استجاب الله له».

و عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «عودوا مرضاكم و سلوهم الدعاء فإنه يعدل دعاء الملائكة».

و عن الباقر (عليه السلام) (6) قال: «أيما مؤمن عاد مؤمنا خاض الرحمة خوضا، فإذا جلس غمرته الرحمة. فإذا انصرف و كل الله تعالى به سبعين الف ملك يستغفرون له و يسترحمون عليه و يقولون طبت و طابت لك الجنة إلى تلك الساعة من غد، و كان له يا أبا حمزة خريف في الجنة. قلت ما الخريف جعلت فداك؟

قال زاوية في الجنة يسير الراكب فيها أربعين عاما».

و الأحاديث في استحباب العيادة و زيادة فضلها أكثر من ان يأتي عليها هذا المقام.

و عن ابي عبيدة الحذاء (7) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): حدثني بما انتفع به فقال: يا أبا عبيدة أكثر ذكر الموت فإنه لم يكثر انسان ذكر الموت إلا زهد في الدنيا».

و عن ابي بصير (8) قال: «شكوت الى ابي عبد الله (عليه السلام) الوسواس فقال: يا أبا محمد اذكر تقطع أوصالك في قبرك و رجوع أحبائك عنك إذا دفنوك في

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب الاحتضار.

(4) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب الاحتضار.

(5) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب الاحتضار.

(6) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الاحتضار.

(7) رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب الاحتضار.

(8) رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب الاحتضار.

350

حفرتك و خروج بنات الماء من منخريك و أكل الدود لحمك فان ذلك يسلي عنك ما أنت فيه. قال أبو بصير فوالله ما ذكرته إلا سلى عني ما انا فيه من هم الدنيا».

و عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): الموت الموت ألا و لا بد من الموت، الى ان قال و قال: إذا استحقت ولاية الله و السعادة جاء الأجل بين العينين و ذهب الأمل وراء الظهر، و إذا استحقت ولاية الشيطان و الشقاوة جاء الأمل بين العينين و ذهب الأجل وراء الظهر. قال و سئل رسول الله (صلى الله عليه و آله) أي المؤمنين أكيس؟ فقال أكثرهم ذكرا للموت و أشدهم له استعدادا».

و عن أبي حمزة عن بعض الأئمة (عليهم السلام) (2) قال: «ان الله تبارك و تعالى يقول يا ابن آدم تطولت عليك بثلاث: سترت عليك ما لو يعلم به أهلك ما و أروك، و أوسعت عليك فاستقرضت منك فلم تقدم خيرا، و جعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدم خيرا».

و عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) (3) قال: «قال علي (عليه السلام): من اوصى فلم يجحف و لم يضار كان كمن تصدق به في حياته.

قال و قال (عليه السلام): ستة يلحقن المؤمن بعد وفاته: ولد يستغفر له و مصحف يخلفه و غرس يغرسه و بئر يحفرها و صدقة يجريها و سنة يؤخذ بها من بعده».

و عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) (4) «ان النبي سئل عن رجل يدعى الى وليمة و الى جنازة فأيهما أفضل و أيهما يجيب؟ قال يجيب الجنازة فإنها تذكر الآخرة، و ليدع الوليمة فإنها تذكر الدنيا».

و عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «الوصية حق على كل مسلم».

و عن زيد الشحام (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوصية فقال هي حق على كل مسلم».

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الاحتضار.

(4) رواه في الوسائل في الباب 34 من أبواب الاحتضار.

(5) رواه في الوسائل في الباب 1 من كتاب الوصايا.

(6) رواه في الوسائل في الباب 1 من كتاب الوصايا.

351

[الوصية حق على كل مسلم]

قال بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم): قوله: «الوصية حق» اي لازم وجوبا إذا كانت ذمته مشغولة و لم يظن الوصول الى صاحب الحق إلا بها، و استحبابا مؤكدا في غيره من الخيرات و المبرات.

و قال بعض مشايخنا المحدثين: «الوصية العهد، يقال أوصاه و وصاه توصية: عهد اليه، و الوصية التي هي حق على كل مسلم ان يعهد الى أحد إخوانه أن يتصرف في بعض ماله بعد موته تصرفا ينفعه في آخرته، فان كان عليه حق لله سبحانه أو لبعض عباده قضاه منه، و ان كان له أولاد صغار قام عليهم و حفظ عليهم أموالهم، أو كان في ورثته مجنون أو معتوه أو سفيه فكذلك نظرا لهم و صيانة لأموالهم و تخفيفا على المؤمنين مؤنتهم و ان يفرض شيئا من ماله لأصدقائه و أقرباؤه ممن لا يرث ان فضل عن غنى الورثة و كان ذلك الصديق أو القريب به أحرى الى غير ذلك مما يجري هذا المجرى، و ان يشهد جماعة من المؤمنين على ايمانه و تفصيل عقائده الحقة و يعهد إليهم ان يشهدوا له بها عند ربه يوم يلقاه، و لا يشترط في الوصية ان تكون عند حضور الموت بل ورد انه لا ينبغي ان لا يبيت الإنسان إلا و وصيته تحت رأسه» انتهى كلامه زيد إكرامه.

و عن الصادق (عليه السلام) (1) «قال له رجل اني خرجت إلى مكة فصحبني رجل و كان زميلي فلما ان كان في بعض الطريق مرض و ثقل ثقلا شديدا فكنت أقوم عليه ثم أفاق حتى لم يكن عندي به بأس فلما ان كان في اليوم الذي مات فيه أفاق فمات في ذلك اليوم. فقال الصادق (عليه السلام) ما من ميت تحضره الوفاة إلا رد الله تعالى عليه من سمعه و بصره و عقله للوصية أخذ الوصية أو ترك و هي الراحة التي يقال لها راحة الموت، فهي حق على كل مسلم».

و عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول الله (ص) من لم يحسن وصيته

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 4 من كتاب الوصايا.

(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من كتاب الوصايا.

352

عند الموت كان نقصا في مروته و عقله. قيل يا رسول الله و كيف يوصي الميت؟ قال إذا حضرته الوفاة و اجتمع الناس اليه قال اللّٰهُمَّ فٰاطِرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ عٰالِمَ الْغَيْبِ وَ الشَّهٰادَةِ الرحمن الرحيم، اللهم إني أعهد إليك في دار الدنيا اني اشهد ان لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك و ان محمدا عبدك و رسولك و ان الجنة حق و النار حق و ان البعث حق و الحساب حق و القدر حق و الميزان حق و ان الدين كما وصفت و ان الإسلام كما شرعت و ان القول كما حدثت و ان القرآن كما أنزلت و انك أنت الله الحق المبين، جزى الله محمدا عنا خير الجزاء و حيا الله محمدا و آله بالسلم، اللهم يا عدتي عند كربتي و يا صاحبي عند شدتي و يا وليي عند نعمتي، إلهي و إله آبائي لا تكلني الى نفسي طرفة عين أبدا فإنك إن تكلني الى نفسي طرفة عين كنت أقرب من الشر و أبعد من الخير، و آنس في القبر وحشتي و اجعل لي عهدا يوم ألقاك منشورا. ثم يوصي بحاجته، و تصديق هذه الوصية في القرآن في السورة التي يذكر فيها مريم في قوله تعالى: «لٰا يَمْلِكُونَ الشَّفٰاعَةَ إِلّٰا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمٰنِ عَهْداً» (1) فهذا عهد الميت، و الوصية حق على كل مسلم و حق عليه ان يحفظ هذه الوصية و يعلمها، و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) علمنيها رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قال رسول الله علمنيها جبرئيل».

إذا عرفت ذلك فالكلام في هذا المقصد يقع في مواضع

[الموضع] (الأول) [وجوب توجيه المحتضر إلى القبلة]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجب حال الاحتضار- و هو وقت نزع الروح من البدن، و سمى به لأن الملائكة تحضره أو لحضور اهله عنده أو لحضور المؤمنين لتجهيزه- توجيهه إلى القبلة بأن يلقى على ظهره و يجعل باطن قدميه إلى القبلة بحيث لو جلس كان مستقبلا، و عن الخلاف القول بالاستحباب، قال في المعتبر: «و هو مذهب الجمهور خلا سعيد بن المسيب فإنه أنكره» و الى هذا القول ذهب المحقق في المعتبر و صاحب المدارك و صاحب الذخيرة، قال شيخنا الشهيد الثاني بعد ذكر الحكم المذكور: «و مستنده من الاخبار

____________

(1) سورة مريم. الآية 87.

353

السليمة سندا و متنا

ما رواه محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن ابي عمير عن هشام بن سالم عن سليمان بن خالد (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

إذا مات لأحدكم ميت فسجوه تجاه القبلة، و كذلك إذا غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة فيكون مستقبلا بباطن قدميه و وجهه إلى القبلة».

و اما غيره من الاخبار التي استدل بها على الوجوب فلا يخلو من شيء اما في السند أو في الدلالة» و اعترضه سبطه في المدارك فقال بعد نقل ذلك: «هذا كلامه، و يمكن المناقشة في هذه الرواية من حيث السند بإبراهيم بن هاشم حيث لم ينص علماؤنا على توثيقه و بان راويها و هو سليمان بن خالد في توثيقه كلام، و من حيث المتن بان المتبادر منها ان التسجية تجاه القبلة انما يكون بعد الموت لا قبله، و من ثم ذهب جمع من الأصحاب: منهم- المصنف في المعتبر الى الاستحباب استضعافا لأدلة الوجوب و هو متجه» انتهى.

أقول: لا يخفى ان هذه المناقشة من المناقشات الواهية و ان كان قد تقدمه فيها شيخه المحقق الأردبيلي:

(اما أولا)- فمن حيث طعنه في إبراهيم بن هاشم بعدم التوثيق و كذا طعنه في سليمان بن خالد و رده الرواية بذلك، فإنه قد قبل رواية إبراهيم في غير موضع من شرحه و عدها من قسم الحسن مصرحا بأنها لا تقصر عن الصحيح، بل نظمها في الصحيح أيضا في مواضع و ان طعن فيها أيضا في مواضع أخر مثل هذا الموضع، كل ذلك يدور مدار احتياجه لها تارة و عدمه اخرى، و هذا من جملة المواضع التي اضطرب فيها كلامه، و من ذلك ما ذكره في كتاب الصوم في مسألة رؤية الهلال قبل الزوال حيث قال:

«و المسألة قوية الإشكال لأن الروايتين المتضمنتين لاعتبار ذلك معتبرتا الاسناد، و الاولى منهما لا تقصر عن مرتبة الصحيح لان دخولها في مرتبة الحسن بإبراهيم بن هاشم» انتهى على ان حديث إبراهيم بن هاشم مما عده في الصحيح جملة من محققي متأخري المتأخرين

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 35 من أبواب الاحتضار.

354

كالشيخ البهائي و والده و المولى محمد باقر المجلسي و والده و غيرهم، و هو الحق الحقيق بالاتباع، إذ لا يخفى ان ما ذكره علماء الرجال في حقه من انه أول من نشر حديث الكوفيين بقم من أعلى مراتب التوثيق، لما علم من تصلب أهل قم في قبول الروايات و الطعن بمجرد الشبهة في جملة من الثقات و زيادة احتياطهم في ذلك، فأخذهم عن هذا الفاضل و سماعهم عنه الحديث و اعتمادهم عليه لا يقصر عن قولهم ثقة بقول مطلق ان لم يزد على ذلك، و بالجملة فأهل هذا الاصطلاح مجمعون على قبول روايته و لا راد لها بالكلية إلا من مثل السيد (رحمه الله) في مقام حب المناقشة، و بالجملة فإنه ليس له في هذا الباب ضابطة و لا يقف على رابطة. و اما سليمان بن خالد فإنه قد نظم حديثه في الصحيح في مواضع عديدة من كتابه: منها- في بحث غسل الجنابة في مسألة خروج البلل المشتبه بعد الغسل، و منها- في بحث القنوت في قنوت الجمعة، و منها- في نوافل يوم الجمعة و في مبحث الوقت في آخر وقت صلاة الليل و انه الفجر الثاني و في مواضع من الجلد الثاني في مواضع تنيف على عشرين موضعا، و لا أعلم أحدا من أصحاب هذا الاصطلاح ينقل حديثه إلا و يعده في الصحيح.

و (اما ثانيا)- فما ناقش به في متن الرواية المذكورة بما ذكره فهو و ان كان بحسب ما يترائى إلا انه قد وقع تجوز في العبارة، و هو مجاز شائع كما في قوله سبحانه «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ(1) أي إذا أردتم «فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ» (2) و نحو ذلك، و المراد هنا من قوله (عليه السلام):

«إذا مات لأحدكم ميت»

يعني إذا أشرف على الموت و احتضر لا وقوع الموت بالفعل، و إلا للزم وجوب توجيه الميت إلى القبلة حيث ما وضع ما لم يدفن و لا أظنه يلتزمه، و كذا القول في قوله في الخبر المذكور «إذا غسل» أي إذا أريد غسله نظير الآيتين المذكورتين، و بما ذكرنا صرح ايضا شيخنا البهائي في الحبل المتين فقال: «و أنت خبير بأن إطلاق الميت على المشرف على الموت شائع في الاستعمال كثير في الاخبار كما في الحديث الثاني و الثامن و التاسع و العاشر» انتهى.

____________

(1) سورة المائدة الآية 8.

(2) سورة النحل الآية 10.

355

و (اما ثالثا)- فإنه إذا كانت الرواية باعتبار المعنى الذي صار اليه لا دلالة فيها على وجوب توجيه المحتضر إلى القبلة كما هو القول المشهور لان موردها انما هو بعد الموت، و غيرها من الروايات الواردة في المقام كما ستمر بك ان شاء الله تعالى كلها من هذا القبيل، فالاستحباب الذي صاروا إليه بأي دليل اعتمدوا فيه عليه؟ إذ لا ريب ان الاستحباب حكم شرعي يتوقف على الدليل، و على هذا فينعكس الاشكال فيما ذهبوا اليه لقولهم باستحباب توجيه المحتضر إلى القبلة من غير دليل، إذ ليس إلا هذه الروايات و معناها- كما زعمه- انما هو التوجيه بعد الموت، فأي دليل دل على استحباب التوجيه حال الاحتضار؟ ما هذه إلا مجازفات واهية، و صاحب الذخيرة هنا انما التجأ في الحمل على الاستحباب الى قاعدته التي قدمنا الكلام فيها من عدم دلالة الأوامر في أخبارنا على الوجوب، فالتجأ إلى الاستحباب تفاديا من طرح الاخبار، و قد عرفت ما فيه.

ثم ان من روايات المسألة

ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا و في العلل مسندا عن الصادق عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) (1) قال: «دخل رسول الله (صلى الله عليه و آله) على رجل من ولد عبد المطلب و هو في السوق و قد وجه الى غير القبلة، فقال وجهوه إلى القبلة فإنكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة. الحديث».

و هو صريح- كما ترى- في كون التوجيه إلى القبلة في حال الاحتضار. و طعن فيه في المعتبر بأنه قضية في واقعة معينة فلا تدل على العموم، و ان التعليل في الرواية كالقرينة الدالة على الفضيلة. و أنت خبير بما فيه من الوهن و القصور إذ لو قام مثل هذا الكلام لانسد به باب الاستدلال في جميع الأحكام، إذ لا حكم وارد في خبر من الأخبار إلا و مورده قضية مخصوصة فلو قصر الحكم على مورده لانسد باب الاستدلال، فإنه إذا سأل سائل الامام اني صليت و في ثوبي نجاسة نسيتها فقال أعد صلاتك، فلقائل أن يقول في هذا الخبر كما ذكره هنا مع انه لا خلاف بين الأصحاب في الاستدلال به على جزئيات الأحكام

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 35 من أبواب الاحتضار.

356

و النجاسات مما هو نظير هذه الواقعة، و أضعف من ذلك استناده إلى دلالة التعليل على الاستحباب. و اما طعنه في المعتبر في اخبار المسألة أيضا بضعف الاسناد فقد تقدم الكلام فيه و بيان منافاته لما قرره في صدر كتابه. و بالجملة فإن مناقشاتهم في هذه المسألة مما لا يلتفت إليها و لا يعول عليها.

و منها-

ما رواه في الكافي في الحسن بإبراهيم بن هاشم على المشهور و الصحيح عندي إلى إبراهيم الشعيري و غير واحد عن الصادق (عليه السلام) (1): «في توجيه الميت؟ قال: تستقبل بوجهه القبلة و تجعل قدميه مما يلي القبلة».

و عن معاوية بن عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الميت فقال: استقبل بباطن قدميه القبلة».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ذريح المحاربي عن الصادق (عليه السلام) (3) في حديث قال: «إذا وجهت الميت للقبلة فاستقبل بوجهه القبلة لا تجعله معترضا كما يجعل الناس، فإني رأيت أصحابنا يفعلون ذلك و قد كان أبو بصير يأمر بالاعتراض.».

و الظاهر ان قوله: «و قد كان أبو بصير» من كلام الراوي، و يحتمل ان يكون من كلام الامام (عليه السلام) و لعل أمر أبي بصير بذلك انما كان من حيث التقية (4).

و هل يبقى لمتأمل منصف بعد الوقوف على هذه الأخبار السالمة عن المعارض

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 35 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الوسائل في الباب 35 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 35 من أبواب الاحتضار.

(4) في البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ج 2 ص 170 «و بوجه إلى القبلة على يمينه للسنة المنقولة و اختار مشايخنا بما وراء النهر الاستلقاء على ظهره و قدماه إلى القبلة لأنه أيسر لخروج الروح» و في المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 126 «يستحب ان يضجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة» و في نيل الأوطار للشوكانى ج 4 ص 18 «و اختلف في صفة التوجيه إلى القبلة فقال الهادي و الناصر و الشافعي في أحد قوليه انه يوجه مستلقيا ليستقبلها بكل وجه، و قال المؤيد و أبو حنيفة و الامام يحيى و الشافعي في أحد قوليه انه يوجه على جنبه الأيمن».

357

توقف في الحكم بالوجوب.

[فوائد]

و في المقام فوائد

(الأولى) [هل يسقط وجوب الاستقبال عند اشتباه القبلة؟]

- لا يخفى انه على تقدير القول بالوجوب فهل يسقط بالموت أم يجب دوام الاستقبال بالميت مهما أمكن؟ اشكال، قال في الذكرى:

«ظاهر الأخبار سقوط الاستقبال بموته و ان الواجب ان يموت إلى القبلة، و في بعضها احتمال دوام الاستقبال، و نبه عليه ذكره حال الغسل و وجوبه حال الصلاة و الدفن و ان اختلفت الهيئة عندنا» و قال المحقق الأردبيلي: «و الظاهر إبقاؤه على تلك الحالة حتى ينقل الى المغتسل و يراعى هناك ايضا كذلك لا انه يكون حين خروج الروح فقط لان ظاهر الاخبار بعد الموت».

أقول: مبنى كلام الشهيد على ما قدمناه من حمل الميت في الأخبار على المشرف على الموت، حيث انه قائل بوجوب الاستقبال بالميت حال الاحتضار، و بذلك يظهر ما في كلام صاحب المدارك حيث قال بعد نقل ذلك عنه: «و لم أقف على ما ذكره من الاخبار المتضمنة للسقوط» انتهى. و فيه ما عرفت من انه متى حملت الأخبار على المشرف على الموت و خصت به فظاهرها السقوط بعد الموت، و مبنى كلام المحقق المذكور على حمل الأخبار المذكورة على ظاهرها من كون الاستقبال بعد الموت حيث انه ممن اختار عدم الوجوب، و شيخنا المشار اليه انما صار الى احتمال الدوام من حيث اخبار الغسل و الصلاة و الدفن كما ذكره. و الأقرب بناء على تأويل تلك الاخبار بما ذكرناه هو اختصاص الوجوب بحال الاحتضار، إذ هو مقتضى الدليل خاصة و التعدي عنه يحتاج الى الدليل، و ورود الاستقبال في اخبار الغسل و الصلاة و الدفن لا يقتضي الحكم به فيما بينها و ما قبلها.

(الثانية) [هل يختص وجوب الاستقبال بمن يعتقد وجوبه؟]

- لو اشتبهت القبلة فالظاهر سقوط وجوب الاستقبال لعدم إمكان توجيهه في حالة واحدة إلى الجهات الأربع، و احتمل في الذكرى ذلك. أقول: هذا الكلام مبني على القول المشهور من ان فاقد القبلة يصلى الى أربع جهات، و اما على ما هو

358

المختار في المسألة من انه يصلي الى اي جهة شاء فيكون هنا كذلك ايضا. و اما ما احتمله في الذكرى بناء على المشهور فالظاهر بعده.

(الثالثة) [عدم الفرق بين الصغير و الكبير]

- الظاهر انه لا فرق في هذا الحكم بين الصغير و الكبير للعموم، قالوا: و الظاهر اختصاص الحكم بوجوب الاستقبال بمن يعتقد وجوبه، فلا يجب توجيه المخالف إلزاما له بمذهبه كما يغسل غسله و يقتصر في الصلاة عليه على اربع تكبيرات. أقول:

هذا التفريع انما يتجه على تقدير الحكم بإسلام المخالف و وجوب تغسيله و الصلاة عليه و دفنه كما هو المشهور بين متأخري أصحابنا، و اما على ما هو الحق من كفره و عدم جواز تغسيله و لا الصلاة عليه و لا دفنه كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المباحث الآتية فلا وجه له. و الله العالم.

(الموضع الثاني) [أحكام الميت كفائية أو أنها متوجهة إلى الولي؟]

- المشهور بين الأصحاب بل ادعى عليه الإجماع جمع منهم ان جميع أحكام الميت من توجيهه إلى القبلة و تكفينه و تغسيله و تحنيطه و حفر قبره واجبة كفائية على من علم بموته من المسلمين، قالوا: و المراد من الواجب الكفائي هنا مخاطبة كل من علم بموته من المكلفين ممن يمكنه مباشرة ذلك الفعل به استقلالا أو منضما الى غيره حتى يعلم تلبس من فيه الكفاية به فيسقط حينئذ عنه سقوطا مراعى باستمرار الفاعل عليه حتى يفرغ.

و هل يبقى الوجوب على من علم الى ان يعلم وقوع الفعل شرعا أو يكتفى بظن قيام الغير به؟ قولان: صرح بالثاني العلامة و جماعة، قالوا لان العلم بان الغير يفعل كذا في المستقبل ممتنع و لا تكليف به و الممكن تحصيل الظن، و لاستبعاد وجوب حضور أهل البلد الكبير عند الميت حتى يدفن، و فرعوا عليه انه لو ظن قوم قيام غيرهم به سقط عنهم و لو ظنوا عدمه وجب عليهم. و بالأول صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض و سبطه في المدارك و أجاب في الروض عن الدليل المتقدم بأنه يشكل بان الظن انما يقوم مقام العلم مع النص عليه بخصوصه أو دليل قاطع، و ما ذكره لا تتم به الدلالة لأن تحصيل العلم بفعل الغير في المستقبل

359

ممكن بالمشاهدة و نحوها من الأمور المثمرة له و الاستبعاد غير مسموع، و باستلزامه سقوط الواجب عند عدم العلم بقيام الغير به، و بان الوجوب معلوم و المسقط مظنون و المعلوم لا يسقط بالمظنون.

أقول: و الظاهر بناء على ثبوت ما ذكروه من الوجوب كفاية هو القول الأول لما ذكره شيخنا المشار إليه فإنه الأوفق بالقواعد الشرعية، إلا اني لا اعرف لهذا القول- و ان اشتهر بينهم بل ادعي عليه الإجماع- دليلا يعتمد عليه و لا حديثا يرجع فيه اليه، و لم يصرح أحد منهم بدليل في المقام حتى من متأخري المتأخرين الذين عادتهم المناقشة في الأحكام و طلب الأدلة فيها عنهم (عليهم السلام) و كأن الحكم مسلم الثبوت بينهم. مع ان الذي يظهر لي من الاخبار ان توجه الخطاب بجميع هذه الأحكام و نحوها من التلقين و نحوها كما ستقف عليها ان شاء الله تعالى في مواضعها، و اخبار توجيه الميت إلى القبلة و ان لم يصرح فيها بالولي إلا ان الخطاب فيها توجه الى أهل الميت دون كافة المسلمين فيمكن حمل إطلاقها على ما دلت عليه تلك الاخبار. و لا أعرف للأصحاب مستندا فيما صاروا اليه من الوجوب الكفائي إلا ما يظهر من دعوى الاتفاق حيث لم ينقل فيه خلاف و لم يناقش فيه مناقش، و مما يؤكد ما ذكرنا ما صرح به في الروض في مسألة ما يستحب ان يعمل بالميت حال الاحتضار حيث قال: «و اعلم ان الاستحباب في هذا الموضع كفائي فلا يختص بالولي و ان كان الأمر فيه آكد، و في بعض الاخبار و روايات الأصحاب ما يدل على اختصاصه بذلك» ثم نقل في حاشية الكتاب عن العلامة في النهاية انه قال:

و الأقوى انه إذا تيقن الولي نزول الموت بالمريض ان يوجهه إلى القبلة. الى آخره، ثم حكى حديثا يظهر منه ذلك. انتهى. و لا يخفى ما في الخروج عن مقتضى الأخبار الدالة على الاختصاص- كما اعترف به- من غير دليل من المجازفة، و لا ريب ان الواجب هو العمل بمقتضى الدليل من الاخبار المشار إليها. نعم لو أخل الولي بذلك و لم يكن ثمة

360

حاكم شرعي يجبره على القيام بذلك أو لم يكن ثمة للميت و لي انتقل الحكم الى المسلمين بالأدلة العامة، كما تشير اليه اخبار العراة الذين رأوا ميتا قد قذفه البحر عريانا و لم يكن عندهم ما يكفنونه به و انهم أمروا بدفنه و الصلاة عليه (1).

و ربما يقال ان الوجوب كفاية شامل للولي و غيره و ان كان الولي أو من يأمره اولى بذلك فتكون هذه الأولوية أولوية استحباب و فضل، كما يفهم من عبارة المحقق في الشرائع في مسألة التغسيل و قوله: انه فرض على الكفاية و اولى الناس به أولاهم بميراثه. و به صرح في المنتهى حيث قال: «و يستحب ان يتولى تغسيله اولى الناس به. الى آخره» إلا ان فيه (أولا)- ان ذلك فرع ثبوت الوجوب الكفائي و قد عرفت انه لا مستند له من الأخبار بل ظاهرها خلافه. و (ثانيا)- ان ظاهر كلامهم في مسألة الصلاة على الميت اناطة الحكم بالولي أو من يأمره و لا يجوز التقدم في الصلاة بغير اذنه، و من الظاهر انه لا فرق بين الصلاة و غيرها بالنسبة الى ما يفهم من الأخبار، إذا الخطابات فيها في جميع هذه المواضع على نهج واحد و ان كان الأصحاب انما ذكروا ذلك في مسألة الصلاة. و الله العالم.

(الموضع الثالث)- في آداب الاحتضار

، و منها- تلقينه الشهادتين و الإقرار بالأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) و كلمات الفرج.

و يدل على ذلك جملة من الأخبار: منها-

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «إذا حضرت الميت قبل ان يموت فلقنه شهادة ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له و ان محمدا عبده و رسوله».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح أو الحسن عن الباقر (عليه السلام) عند الموت و حفص بن البختري عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «انكم تلقنون موتاكم لا إله إلا الله

____________

(1) رواها في الوسائل في الباب 36 من أبواب صلاة الجنازة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب الاحتضار.

361

و نحن نلقن موتانا محمد رسول الله».

و منها-

ما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «إذا أدركت الرجل عند النزع فلقنه كلمات الفرج: لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع و ما فيهن و ما بينهن و رب العرش العظيم و الحمد لله رب العالمين. قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام):

لو أدركت عكرمة عند الموت لنفعته، فقيل لأبي عبد الله (عليه السلام) بما ذا كان ينفعه؟

قال يلقنه ما أنتم عليه».

و عن ابي بصير عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «كنا عنده و عنده حمران إذ دخل عليه مولى له فقال له: جعلت فداك هذا عكرمة في الموت، و كان يرى رأي الخوارج و كان منقطعا الى ابي جعفر (عليه السلام) فقال لنا أبو جعفر انظروني حتى أرجع إليكم فقلنا نعم، فما لبث ان رجع فقال اما إني لو أدركت عكرمة قبل ان تقع النفس موقعها لعلمته كلمات ينتفع بها و لكني أدركته و قد وقعت النفس موقعها. قلت: جعلت فداك و ما ذاك الكلام؟ قال: هو و الله ما أنتم عليه فلقنوا موتاكم عند الموت: شهادة ان لا إله إلا الله و الولاية».

و عن ابي خديجة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «ما من أحد يحضره الموت إلا و كل به إبليس من شياطينه من يأمره بالكفر و يشككه في دينه حتى تخرج نفسه، فمن كان مؤمنا لم يقدر عليه فإذا حضرتم موتاكم فلقنوهم شهادة ان لا إله إلا الله و ان محمدا رسول الله حتى يموتوا».

قال في الكافي و في رواية أخرى (4) قال: «فلقنه كلمات الفرج و الشهادتين

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 38 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الوسائل في الباب 37 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب الاحتضار.

(4) رواه في الوسائل في الباب 37 من أبواب الاحتضار.

362

و تسمى له الإقرار بالأئمة (عليهم السلام) واحدا بعد واحد حتى ينقطع عنه الكلام».

و عن ابي بكر الحضرمي (1) قال: «مرض رجل من أهل بيتي فأتيته عائدا له فقلت له يا ابن أخي ان لك عندي نصيحة أتقبلها؟ فقال نعم. فقلت له قل اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فشهد بذلك، فقلت له قل و ان محمدا رسول الله، فشهد بذلك، فقلت ان هذا لا تنتفع به إلا ان يكون منك على يقين، فذكر انه منه على يقين فقلت له قل اشهد ان عليا وصيه و هو الخليفة من بعده و الامام المفترض الطاعة من بعده فشهد بذلك، فقلت له انك لا تنتفع به حتى يكون منك على يقين، فذكر انه منه على يقين، ثم سميت له الأئمة (عليهم السلام) واحدا بعد واحد فأقر بذلك و ذكر انه على يقين، فلم يلبث الرجل ان توفي فجزع عليه اهله جزعا شديدا. قال فغبت عنهم ثم أتيتهم بعد ذلك فرأيت عزاء حسنا فقلت كيف تجدونكم كيف عزاؤك أيتها المرأة؟ قالت و الله لقد أصبنا بمصيبة عظيمة بوفاة فلان (رحمه الله) و كان مما سخا بنفسي لرؤيا رأيتها الليلة فقلت و ما تلك الرؤيا؟ قالت: رأيت فلانا- تعني الميت- حيا سليما فقلت فلان قال: نعم فقلت أما كنت ميتا؟ فقال بلى و لكن نجوت بكلمات لقننيها أبو بكر و لو لا ذلك لكدت أهلك».

و عن ابي بكر الحضرمي (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لو ان عابد وثن وصف ما يصفونه عند خروج نفسه ما طعمت النار من جسده شيئا أبدا».

و عن القداح عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا حضر أحدا من أهل بيته الموت قال له: قل لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع و ما بينهما و رب العرش العظيم و الحمد لله رب العالمين. فإذا قالها المريض قال اذهب فليس عليك بأس».

____________

(1) رواه في التهذيب ج 1 ص 81 و الكافي ج 1 ص 34.

(2) رواه في الوسائل في الباب 37 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 38 من أبواب الاحتضار.

363

و عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن الصادق (عليه السلام) (1) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) دخل على رجل من بني هاشم و هو يقضي فقال له:

رسول الله قل لا إله إلا الله العلي العظيم لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع و ما بينهن و رب العرش العظيم و الحمد لله رب العالمين.

فقالها فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) الحمد لله الذي استنقذه من النار».

و رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال الصادق (عليه السلام) ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) دخل على رجل من بني هاشم و هو في النزع فقال له: قل لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع و ما فيهن و ما بينهن و رب العرش العظيم و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين.

فقالها. الى أخر ما تقدم في رواية الكافي».

ثم قال الصدوق: «و هذه هي كلمات الفرج».

و عن أبي سلمة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «حضر رجلا الموت فقيل يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان فلانا قد حضره الموت فنهض رسول الله و معه أناس من أصحابه حتى أتاه و هو مغمى عليه قال فقال يا ملك الموت كف عن الرجل حتى اسأله، فأفاق الرجل فقال له النبي (صلى الله عليه و آله) ما رأيت؟ قال رأيت بياضا كثيرا و سوادا كثيرا. قال فأيهما كان أقرب إليك؟ فقال السواد. فقال النبي (صلى الله عليه و آله) قل: اللهم اغفر لي الكثير من معاصيك و اقبل مني اليسير من طاعتك، فقاله ثم أغمي عليه، فقال يا ملك الموت خفف عنه حتى اسأله، فأفاق الرجل فقال ما رأيت؟ قال رأيت بياضا كثيرا و سوادا كثيرا. قال: فأيهما كان أقرب إليك؟ فقال البياض، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) غفر الله لصاحبكم. قال فقال أبو عبد الله: إذا

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 38 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الوسائل في الباب 38 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 39 من أبواب الاحتضار.

364

حضرتم ميتا فقولوا له هذا الكلام ليقوله».

[فوائد]

أقول: و يستفاد من مجموع هذه الاخبار فوائد

(الاولى)

- ان من جملة ما يستحب عند الاحتضار زيادة على ما قدمناه تلقين هذا الدعاء المذكور في الخبر الأخير و الظاهر ان المراد بالبياض و السواد في الخبر المشار إليه هي الأعمال الصالحة و الأعمال السيئة، و ان قرب السواد اليه كناية عن إرادة مؤاخذته بتلك الأعمال السيئة و حيلولتها بينه و بين ذلك البياض الذي هو كناية عن الأعمال الصالحة و من يقول ذلك الدعاء غفر له و قرب منه البياض الذي هو اعماله الصالحة و تباعد عنه ذلك السواد.

و في خبر آخر رواه في الكافي (1) أيضا عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) زيادة على هذا الدعاء و نقصان منه، و صورته: «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال له: قل لا إله إلا الله فقال لا إله إلا الله. فقال قل: يا من يقبل اليسير و يعفو عن الكثير اقبل مني اليسير و اعف عني الكثير انك أنت العفو الغفور فقالها فقال له: ما ذا ترى؟ فقال: أرى أسودين قد دخلا علي فقال أعدها فأعادها فقال ما ترى؟ قال قد تباعدا عني و دخل أبيضان و خرج الأسودان فما أراهما و دنا الأبيضان مني الآن يأخذان بنفسي فمات من ساعته».

و التقريب فيه قريب مما تقدم، فان جميع ما يراه في تلك النشأة من حسن و قبيح فإنه من ثمرة أعماله الحسنة و القبيحة و ربما كان متجسما من كل منهما.

(الثانية)

- اختلفت الأخبار في كلمات الفرج زيادة و نقصانا و تقديما و تأخيرا و منها هنا صحيحة زرارة المتقدمة (2) و رواية القداح و مرسلة الفقيه (3) و لا يخفى ما بينها من الاختلاف، و منها أيضا

رواية أبي بصير الواردة في قنوت يوم الجمعة عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «القنوت يوم الجمعة في الركعة الأولى بعد القراءة تقول في القنوت:

لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم لا إله إلا الله رب السماوات السبع

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 39 من أبواب الاحتضار عن الفقيه.

(2) ص 361.

(3) ص 362 و 363.

(4) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب القنوت.

365

و رب الأرضين السبع و ما فيهن و ما بينهن و ما تحتهن و رب العرش العظيم و الحمد لله رب العالمين. الحديث».

قال في المدارك: «و ذكر المفيد و جمع من الأصحاب انه يقول قبل التحميد: «وَ سَلٰامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ» و سئل عنه المصنف في الفتاوى فجوزه لانه بلفظ القرآن، و لا ريب في الجواز لكن جعله في أثناء كلمات الفرج مع خروجه عنها ليس بجيد» انتهى. أقول: فيه ان

ما رواه في الفقيه مرسلا (1) عن الصادق (عليه السلام) مع قوله بعد ذكر الرواية: «و هذه هي كلمات الفرج».

ظاهر في دخول «وَ سَلٰامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ» كما هو المنقول عن المفيد و من تبعه، و مثله ايضا ما ذكره

في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) في هذا المقام (2): «و يستحب تلقين كلمات الفرج و هي لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع و ما فيهن و ما بينهن و رب العرش العظيم و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين».

و اما جواب المحقق كما نقله فهو ايضا ناشىء عن عدم الوقوف على الرواية. لكن العجب هنا من صاحبي الوافي و الوسائل انهما في نقلهما حديث الفقيه لم يذكرا فيه هذه الزيادة، و لعل ما عندهما من نسخ الكتاب كان عاريا عن ذلك إلا انها موجودة فيما عندنا من نسخ الكتاب، و على ذلك ايضا نبه الشيخ محمد ابن الشيخ حسن في شرحه على الكتاب. و هو يدل على وجودها في كتابه حتى انه رجح ثبوتها بعد ان نقل صحيحة زرارة خالية منها فقال: «و لعل الصدوق أثبت في النقل و أبعد من السهو» و الى ذلك ايضا يشير كلام المولى محمد تقي المجلسي في شرحه على الكتاب. و كيف كان فلا يخفى ان الأخبار المذكورة مختلفة في تأدية هذه الكلمات التي هي كلمات الفرج و لا وجه للجمع بينها الا العمل بكل منها و يرجع الى التخيير في ذلك.

(الثالثة)

- ان ما تضمنته

صحيحة محمد بن مسلم و حفص بن البختري (3) من قولهما (عليهما السلام): «انكم تلقنون موتاكم. إلخ».

لا يخلو من اشكال و تعدد وجوه الاحتمال

____________

(1) ص 363.

(2) ص 17.

(3) ص 360.

366

قيل: و لعل خطابهما (عليهما السلام) مع أهل مكة و نحوهم الذين يكتفون بتلقين كلمة التوحيد، و في الوافي بعد نقل الخبر المذكور: «و ذلك لأنهم مستغنون عن تلقين التوحيد لانه خمر بطينتهم لا ينفكون عنه» انتهى أقول: فيه ان ظاهر كلامه تخصيص ذلك بالأئمة بمعنى ان المراد بموتانا يعني من الأئمة و هو بعيد غاية البعد فإنهم (عليهم السلام) حال موتهم لا يحتاجون الى تلقين كلمة التوحيد و لا غيرها، و لهذا لم يرد في شيء من اخبار موت النبي (صلى الله عليه و آله) و لا أحد من الأئمة (عليهم السلام) تعرض لتلقينهم، و خطاب الأمر بالتلقين انما توجه لغيرهم بان يلقن بأسمائهم مضافا الى كلمتي الشهادة، و أيضا فإن الأمر بالتلقين انما هو لدفع و ساوس الشياطين الذين يعرضون لابن آدم عند الموت كما تقدم في الاخبار و الشياطين لا تسلط لهم عليهم، و ايضا كما ان طينتهم معجونة بالتوحيد فهي بالرسالة أشد لأنهم من مواليد عنصرها و أغصان شجرها.

و ان أراد ما عداهم من بني هاشم ففيه ان ظاهر خبري القداح و الحلبي (1) الدالين على تلقين رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) لمن حضراه من بني هاشم كلمات الفرج يرد ما ذكره. و بالجملة فإن كلامه عندي غير موجه و ان تبعه فيه غيره ايضا. و الأظهر عندي في معنى الخبر المذكور ان معنى قوله: «تلقنون موتاكم كلمة التوحيد» يعني خاصة من غير إردافها بكلمة الرسالة، و كأنه إشارة الى ما يقوله العامة يومئذ من الاقتصار على تلك الكلمة، و مراده ان ذلك هو المعمول في بلادكم و اما نحن يعني معشر الأئمة (عليهم السلام) فإنا نأمر شيعتنا و موالينا و نفعل بمن حضرناه منهم تلقين الرسالة زيادة على كلمة التوحيد لا ان المراد تلقين الرسالة خاصة، و يحتمل ان يكون خطابهما (عليهما السلام) انما هو لبعض المخالفين لا الراويين المتقدمين و ان نقلا ذلك مجملا، و أمثال ذلك غير عزيز في الاخبار.

(الرابعة)

- ظاهر الاخبار المذكورة متابعة المريض للملقن فيما يقول و هو

____________

(1) ص 362 و 363.

367

الغرض المترتب على التلقين. و لو كان المريض قد اعتقل لسانه عن النطق فالظاهر بقاء الاستحباب لانه و ان لم يتيسر له النطق الا انه يفهم الكلام فيجريه على باله و ينتفع به في دفع ما يصوره له الشيطان في تلك الحال من الموعودات الكاذبة و الإضلال عن دين الإسلام.

(الخامسة)

- يستفاد من بعض الاخبار المتقدمة استحباب تكرار ذلك عليه حتى يموت، و هو الأحوط و الاولى و ان كان يكفي الإتيان بذلك مرة واحدة كما يدل عليه بعضها ايضا.

و (منها)- ان تغمض عيناه و يطبق فوه و تمد يداه الى جنبيه، ذكر ذلك الأصحاب، اما الأول و الثاني فعلل بان لا يقبح منظره، و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة (1) قال: «ثقل ابن لجعفر و أبو جعفر جالس في ناحية فكان إذا دنا منه انسان قال لا تمسه فإنه إنما يزداد ضعفا و أضعف ما يكون في هذه الحال و من مسه في هذه الحال أعان عليه، فلما قضى الغلام أمر به فغمض و شد لحياه. الحديث».

و عن ابي كهمس (2) قال: «حضرت موت إسماعيل و أبو عبد الله جالس عنده فلما حضره الموت شد لحييه و غمضه و غطى عليه الملحفة».

و اما الثالث فعلل بأنه أطوع للغسل و أسهل للادراج في أكفانه، قال في المعتبر: «و لا اعرف فيه نقلا عن أئمتنا (عليهم السلام)» ثم علله بما تقدم. و يستفاد من خبر ابي كهمس استحباب تغطيته بعد الموت بثوب، و به صرح بعض الأصحاب أيضا.

و (منها)- متى اشتد به النزع النقل الى مصلاه الذي كان يصلي عليه أو فيه

لما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «إذا عسر على الميت موته و نزعه قرب الى مصلاه الذي كان يصلي فيه أو عليه».

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 44 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الوسائل في الباب 44 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 40 من أبواب الاحتضار. و ليس في الكافي و التهذيب (أو عليه).

368

و عن زرارة في الصحيح أو الحسن (1) قال: «إذا اشتد النزع عليه فضعه في مصلاه الذي كان يصلي فيه أو عليه».

و عن ذريح (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول قال علي بن الحسين (عليهما السلام) ان أبا سعيد الخدري كان من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) و كان مستقيما فنزع ثلاثة أيام فغسله اهله ثم حمل الى مصلاه فمات فيه».

و عن ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «ان أبا سعيد الخدري قد رزقه الله تعالى هذا الرأي و انه اشتد نزعه فقال احملوني إلى مصلاي فحملوه فلم يلبث ان هلك».

أقول: المراد بقوله «مستقيما» في سابق هذا الخبر هو ما أشير إليه في هذا الخبر من ان الله تعالى رزقه هذا الرأي و هو القول بإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) و انه لم يكن مع الصحابة الذين ارتدوا على أدبارهم، و لعل المراد بتغسيله في الخبر المذكور هو تنظيفه و تطهيره من النجاسات.

و في الفقه الرضوي (4) «و إذا اشتد عليه نزع روحه فحوله الى المصلى الذي كان يصلي فيه أو عليه و إياك ان تمسه، و ان وجدته يحرك يديه أو رجليه أو رأسه فلا تمنعه من ذلك كما يفعله جهال الناس».

و روى الحسين بن بسطام و اخوه عبد الله في كتاب طب الأئمة بسند معتبر عن حريز (5) قال: «كنا عند ابي عبد الله (عليه السلام) فقال له رجل ان أخي منذ ثلاثة أيام في النزع و قد اشتد عليه الأمر فادع له. فقال: اللهم سهل عليه سكرات الموت ثم امره و قال حولوا فراشه الى مصلاه الذي كان يصلي فيه فإنه يخفف عليه ان كان في أجله تأخير، و ان كانت منيته قد حضرت فإنه يسهل عليه ان شاء الله تعالى».

و ظاهر الخبرين الأولين (6) مع عبارة الفقه التخيير بين المكان الذي يصلي فيه و المصلى الذي كان يصلي عليه، و ظاهر الأكثر التعبير بالمكان الذي يصلي فيه خاصة، و عن ابن حمزة انه جمع بينهما، و ظاهر الأكثر أيضا استحباب ذلك مطلقا، و الاخبار مقيدة بما إذا اشتد عليه النزع.

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 40 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الوسائل في الباب 40 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 40 من أبواب الاحتضار.

(4) ص 17.

(5) رواه في الوسائل في الباب 40 من أبواب الاحتضار.

(6) راجع التعليقة 3 ص 367.

369

و (منها)- قراءة «الصافات» و يدل عليه

ما رواه في الكافي عن سليمان الجعفري (1) قال: «رأيت أبا الحسن الأول (عليه السلام) يقول لابنه القاسم قم يا بني فاقرأ عند رأس أخيك «وَ الصَّافّٰاتِ صَفًّا» حتى تستتمها فقرأ فلما بلغ «أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنٰا» (2) قضى الفتى، فلما سجي و خرجوا اقبل عليه يعقوب بن جعفر فقال له كنا نعهد الميت إذا نزل به الموت يقرأ عنده «يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ» فصرت تأمرنا ب«الصافات» فقال يا بني لم تقرأ عند مكروب من موت قط إلا عجل الله تعالى راحته».

و ذكر في الوسائل استحباب قراءة «يس و الصافات» و أورد هذا الخبر، و في دلالته على ما ادعاه نظر فإن غاية ما يدل عليه اخبار الرجل بأنهم كانوا يقرأون سورة «يس» و الامام (عليه السلام) لم يقرره على ذلك، و انما ذكر التعليل المذكور لسورة «الصافات» و ليس فيه انه (عليه السلام) كان يأمر بسورة «يس» حتى يكون حجة فيما ادعاه.

و في الفقه الرضوي (3) «إذا حضر أحدكم الوفاة فاحضروا عنده القرآن و ذكر الله تعالى و الصلاة على رسول الله (صلى الله عليه و آله)».

و ظاهره استحباب قراءة القرآن عنده قبل خروج الروح و بعده، و بذلك صرح جملة من الأصحاب، قال في الذكرى:

«و يستحب قراءة القرآن بعد خروج روحه كما يستحب قبله استدفاعا عنه».

و (منها)- كراهة مسه، و قد تقدم في موثقة زرارة عن الباقر (عليه السلام) و في عبارة الفقه الرضوي (4) ما يدل على ذلك ايضا.

و (منها)- انه يستحب للميت ان يحسن ظنه بالله سبحانه و لا يقنط من رحمته،

روى الصدوق في العيون عن الحسن بن علي العسكري عن آبائه (عليهم السلام) (5) قال: «سأل أبو عبد الله (عليه السلام) عن بعض أهل مجلسه فقيل عليل فقصده عائدا و جلس عند رأسه

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 41 من أبواب الاحتضار.

(2) سورة الصافات. الآية 11.

(3) ص 20.

(4) ص 367 و 368.

(5) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب الاحتضار.

370

فوجده دنفا فقال له أحسن ظنك بالله. فقال اما ظني بالله فحسن. الحديث».

و روى الشيخ في المجالس بسنده عن انس (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا يموتن أحدكم حتى يحسن ظنه بالله عز و جل فان حسن الظن بالله ثمن الجنة».

و قال في كتاب عدة الداعي (2) «روى عنهم: (عليهم السلام) انه ينبغي في حالة المرض خصوصا مرض الموت ان يزيد الرجاء على الخوف».

قال شيخنا الشهيد في الذكرى:

«و يستحب حسن الظن بالله في كل وقت و آكده عند الموت، و يستحب لمن حضره امره بحسن الظن و طمعه في رحمة الله تعالى».

و (منها)- انه يكره حضور الجنب و الحائض عنده،

لما رواه في الكافي عن علي بن أبي حمزة (3) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) المرأة تقعد عند رأس المريض في حد الموت و هي حائض؟ فقال لا بأس ان تمرضه فإذا خافوا عليه و قرب ذلك فلتنح عنه و عن قربه فإن الملائكة تتأذى بذلك».

و عن يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «لا تحضر الحائض الميت و لا الجنب عند التلقين و لا بأس ان يليا غسله».

و الظاهر ان المراد بالتلقين حال الاحتضار فهو كناية عن الاحتضار، و يحتمل العموم

و روى في الخصال (5) بسنده عن جابر الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «لا يجوز للمرأة الحائض و الجنب الحضور عند تلقين الميت لأن الملائكة تتأذى بهما و لا يجوز لهما إدخال الميت قبره».

أقول: ما دل عليه هذا الخبر من كراهية إدخال الجنب و الحائض الميت قبره مما لم أقف عليه في كلام الأصحاب بل ظاهر كلامهم الجواز من غير كراهة، و مثله أيضا

في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (6): «و لا تحضر الحائض و لا الجنب عند التلقين فإن الملائكة تتأذى بهذا و لا بأس بأن يليا غسله

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 22 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 43 من أبواب الاحتضار.

(4) رواه في الوسائل في الباب 43 من أبواب الاحتضار.

(5) ج 2 ص 143.

(6) ص 17.

371

و يصليا عليه و لا ينزلا قبره فان حضرا و لم يجدا من ذلك بدا فليخرجا إذا قرب خروج نفسه».

و الحكم بكراهة حضورهما وقت الاحتضار مما لا خلاف فيه بين الأصحاب كما يفهم من كلام المعتبر، و الظاهر اختصاص الكراهة بحال الاحتضار الى ان يتحقق الموت، و هل تزول الكراهة بانقطاع الدم قبل الغسل أو بالتيمم بدل الغسل؟ اشكال و (منها)- ان لا يترك وحده،

لما رواه في الكافي عن ابي خديجة عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «ليس من ميت يموت و يترك وحده إلا لعب الشيطان في جوفه».

و روى الصدوق مرسلا (2) قال: «قال الصادق (عليه السلام):

و لا تدعن ميتك وحده فان الشيطان يعبث في جوفه».

و قال في كتاب العلل:

«قال ابي في رسالته الي لا يترك الميت وحده فان الشيطان يعبث في جوفه» أقول:

و هذه العبارة في الفقه الرضوي أيضا (3) قال في البحار: «لا يبعد ان يكون المراد به حال الاحتضار فالمراد بعبث الشيطان وسوسته و إضلاله و الأصحاب حملوه على ظاهره» أقول:

لا بعد في حمله على ظاهره كما نقل عن بعض الأموات انه ترك وحده ليلا الى الصباح فوجدوه قد خسف بعض أعضائه.

و (منها)- ما ذكره الشيخان و جملة من الأصحاب من استحباب الإسراج عنده ان مات ليلا، و استدل عليه الشيخ

بما رواه الكليني عن عثمان بن عيسى عن عدة من أصحابنا (4) قال: «لما قبض أبو جعفر (عليه السلام) أمر أبو عبد الله (عليه السلام) بالسراج في البيت الذي كان يسكنه حتى قبض أبو عبد الله ثم أمر أبو الحسن (عليه السلام) بمثل ذلك في بيت ابي عبد الله حتى اخرج به الى العراق ثم لا ادري ما كان».

و رواه الصدوق مرسلا مثله (5).

و اعترضه المحقق الشيخ علي بان ما دل عليه الحديث غير المدعى، ثم قال:

«الا ان اشتهار الحكم بينهم كاف في ثبوته للتسامح في أدلة السنن» قال في المدارك بعد

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 42 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الوسائل في الباب 42 من أبواب الاحتضار.

(3) ص 17.

(4) رواه في الوسائل في الباب 45 من أبواب الاحتضار.

(5) رواه في الوسائل في الباب 45 من أبواب الاحتضار.

372

نقله: «و قد يقال ان ما تضمنه الحديث يندرج فيه المدعى أو يقال ان استحباب ذلك يقتضي استحباب الإسراج عند الميت بطريق أولى فالدلالة واضحة، لكن السند ضعيف جدا» انتهى.

أقول: أنت خبير بان كلا من الكلامين لا يخلو من نظر، اما كلام المحقق المذكور و ما ذكره بعد الطعن في دلالة الخبر من ان اشتهار الحكم كاف في ثبوته للتسامح في أدلة السنن فهو لا يخلو من المجازفة و الخروج عن نهج السنن، و ذلك فان الاستحباب حكم شرعي يتوقف ثبوته على الدليل الواضح الشرعي و إلا كان قولا على الله سبحانه بغير علم كما دلت عليه الآيات القرآنية و عضدتها السنة النبوية، و بلوغ التسامح الى هذا المقدار أمر خارج عن النهج الواضح المنار. و اما كلام السيد المذكور ففيه ان ظاهر الخبر ان الإسراج الذي أمر به الصادق (عليه السلام) انما هو في البيت الذي كان يسكنه الباقر (عليه السلام) و ليس فيه دلالة على انه الذي مات فيه فلعله مات في خارجه، و بالجملة فإنه أعم من موضع الموت و العام لا دلالة له على الخاص، و الظاهر ان هذا هو الذي أراده المحقق المشار اليه، و حينئذ فما ذكره في المدارك- من قوله: «ان ما تضمنه الحديث يندرج فيه المدعى» بناء على ان مراد المحقق المذكور انما هو دلالة النص على دوام الإسراج و المدعى الإسراج عند الميت بعد الموت ليلا- ليس محله فإنه لو كان الأمر كما توهمه لصح ما اعترض به عليه و اتجه ما فرعه على ذلك من الأولوية و ان الدلالة واضحة و لكن الأمر ليس كما توهمه كما عرفت، و بذلك يظهر سقوط ما ذكره و صحة ما ذكره المحقق المشار اليه. و يمكن ان يكون ذكر من تقدم للإسراج عنده انما هو من حيث استحباب قراءة القرآن عنده بعد الموت كما يشير اليه بعض الأخبار. و بالجملة فالحكم المذكور لا اعرف له مستندا واضحا. و الله العالم.

و (منها)- ما نقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) من انه يكره ان يجعل على بطنه حديد، قال الشيخ في التهذيب: «سمعناه مذاكرة من الشيوخ» و في الخلاف

373

احتج عليه بالإجماع الفرقة. و ذكر العلامة و جمع ممن تأخر عنه أيضا كراهية وضع شيء على بطنه غير الحديد. و عن ابن الجنيد خلافه و هو ان يوضع على بطنه شيء. و رده في الروض بأن الإجماع على خلافه.

(الموضع الرابع) [استحباب تعجيل تجهيز الميت إلا مع الاشتباه.]

- الظاهر انه لا خلاف نصا و فتوى في استحباب تعجيل تجهيزه إلا مع الاشتباه.

فاما ما يدل على الحكم الأول مضافا الى الاتفاق فجملة من الأخبار: منها-

ما رواه في الكافي عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) يا معشر الناس لا ألفين رجلا مات له ميت ليلا فانتظر به الصبح و لا رجلا مات له ميت نهارا فانتظر به الليل، لا تنتظروا بموتاكم طلوع الشمس و لا غروبها عجلوا بهم الى مضاجعهم يرحمكم الله تعالى. قال الناس و أنت يا رسول الله يرحمك الله».

رواه الصدوق مرسلا (2) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله). مثله.

و عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا مات الميت أول النهار فلا يقيل إلا في قبره».

و ما رواه الشيخ عن جابر (4) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) إذا حضرت الصلاة على الجنازة في وقت مكتوبة فبأيهما ابدأ؟ فقال عجل بالميت الى قبره إلا ان تخاف فوت وقت الفريضة. و لا تنتظر بالصلاة على الجنازة طلوع الشمس و لا غروبها».

و عن عيص عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (5) انه قال: «إذا مات الميت فخذ في جهازه و عجله. الحديث».

و روى الصدوق مرسلا (6) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) كرامة الميت تعجيله».

و اما الحكم الثاني فإنه ينتظر به حتى يتحقق موته فان في دفنه قبل ذلك اعانة على قتله، كما يدل عليه

ما رواه في الكافي عن علي بن أبي حمزة (7) قال: «أصاب بمكة سنة

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الاحتضار.

(4) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الاحتضار.

(5) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الاحتضار.

(6) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الاحتضار.

(7) رواه في الوسائل في الباب 48 من أبواب الاحتضار.

374

من السنين صواعق كثيرة مات من ذلك خلق كثير فدخلت على ابي إبراهيم (عليه السلام) فقال مبتدئا من غير ان أسأله: ينبغي للغريق و المصعوق ان يتربص به ثلاثة أيام لا يدفن إلا ان يجيء منه ريح تدل على موته. قلت جعلت فداك كأنك تخبرني انه قد دفن ناس كثير احياء؟ فقال نعم يا علي قد دفن ناس كثير احياء ما ماتوا إلا في قبورهم».

و قال العلامة في النهاية: «شاهدت واحدا في لسانه وقفة فسألته عن سببها فقال مرضت مرضا شديدا و اشتبه الموت فغسلت و دفنت في أزج، و لنا عادة إذا مات شخص فتح عنه باب الأزج بعد ثلاثة أيام أو ليلتين اما زوجته أو امه أو أخته أو ابنته فتنوح عنده ساعة ثم تطبق عليه هكذا يومين أو ثلاثة، ففتح علي فعطست فجاءت أمي بأصحابي و أخذوني من الأزج و ذلك منذ سبعة عشرة سنة».

و مما يدل على وجوب التأخير حتى يتحقق الموت

ما رواه في الكافي في الصحيح عن هشام بن الحكم عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) «في المصعوق و الغريق؟ قال ينتظر به ثلاثة أيام إلا ان يتغير قبل ذلك».

و عن إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الغريق أ يغسل؟ قال نعم و يستبرأ. قلت و كيف يستبرأ؟ قال يترك ثلاثة أيام من قبل ان يدفن إلا ان يتغير قبل فيغسل و يدفن، و كذلك ايضا صاحب الصاعقة فإنه ربما ظنوا انه مات و لم يمت».

و عن عمار الساباطي في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «الغريق يحبس حتى يتغير و يعلم انه قد مات ثم يغسل و يكفن قال: و سئل عن المصعوق فقال إذا صعق حبس يومين ثم يغسل و يكفن».

و عن إسماعيل ابن عبد الخالق ابن أخي شهاب بن عبد ربه قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) (4) خمسة ينتظر بهم إلا ان يتغيروا: الغريق و الصعيق و المبطون و المهدوم و المدخن» و رواه في الفقيه مرسلا مقطوعا و زاد «ثلاثة أيام» بعد قوله: «ينتظر بهم».

و ظاهر هذه الاخبار جعل غاية التأخير ثلاثة أيام أو يومين إلا ان يتغير قبل

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 48 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الوسائل في الباب 48 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 48 من أبواب الاحتضار.

(4) رواه في الوسائل في الباب 48 من أبواب الاحتضار.

375

ذلك، و الأصحاب قد جعلوا نهاية التأخير حصول العلم بالموت بالأمارات التي ذكروها من انخساف صدغيه و ميل انفه و امتداد جلدة وجهه و انخلاع كفه من ذراعه و استرخاء قدميه و تقلص أنثييه إلى فوق مع تدلي الجلدة، قيل: و منه زوال النور عن بياض العين و سوادها و ذهاب النفس و زوال النبض. و من الظاهر حصول المنافاة بين ما ذكروه و ما دلت عليه الأخبار المذكورة لأنه متى علم الموت بهذه الأمور المذكورة فلا معنى للتأخير ثلاثة أيام إلا ان يتغير قبل ذلك، اللهم إلا ان يكون ما ذكره الأصحاب ليس كليا فيجوز تخلفه في بعض الأموات فلا بد من التأخير المدة المذكورة أو حصول التغير قبلها أو يراد بالتغير في الاخبار التغير عن حالة الحياة بحصول هذه الأسباب كلا أو بعضا لا التغير باعتبار حدوث الرائحة و لعله الأقرب في الجمع بين كلامهم و بين الأخبار المذكورة. و لم اطلع على من تعرض لوجه الاشكال فيما ذكرناه فضلا عن الجواب عنه. و نقل في الذكرى عن جالينوس ان أسباب الاشتباه الإغماء أو وجع القلب أو إفراط الرعب أو الغم أو الفرح أو الأدوية المخدرة فيستبرأ بنبض عروق بين الأنثيين أو عرق يلي الجالب و الذكر بعد الغمز الشديد أو عرق في باطن الألية أو تحت اللسان أو في بطن المنخر و منع الدفن قبل يوم و ليلة إلى ثلاث أقول: و ظاهر كلام هذا الحكيم ايضا لا يخلو من منافاة لما ذكره الأصحاب من العلامات لو كانت كلية و إلا لذكرها أو شيئا منها و انما ذكر لاستعلام الموت حال الاشتباه أشياء أخر كما عرفت. و الله العالم.

نكت

قال الصدوق في المقنع (1): «إذا قضى فقل إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ اللهم اكتبه عندك في المحسنين و ارفع درجته في أعلى عليين و اخلف على عقبه في الغابرين و نحتسبه عندك يا رب العالمين».

و قال في الفقيه (2): «و إذا قضى نحبه يجب ان يقول

____________

(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 39 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 39 من أبواب الاحتضار.

376

إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ».

و قال ابن الجنيد: «يقرأ عنده من غير ان يرفع صوته بالقراءة، و قال عقيب تلقينه: و لا يكثر عليه عند أحوال الغشي لئلا يشتغل بذلك عن حال يحتاج الى معاينتها» و ضم أبو حمزة إلى نقله الى مصلاه بسط ما كان يصلي عليه تحته، و قد تقدمت الإشارة اليه. و قال صاحب الفاخر: ضعه في مصلاه الذي كان يصلي فيه أو عليه، و قال:

لا يحضر عنده مضمخ بورس أو زعفران و أمر بجعل الحديد على بطنه و قراءة آية الكرسي و السخرة عند احتضاره و قول اللهم أخرجها منه الى رضى منك و رضوان.

و في كتاب دعوات الراوندي (1) كان زين العابدين (عليه السلام) يقول عند الموت: اللهم ارحمني فإنك كريم اللهم ارحمني فإنك رحيم فلم يزل يرددها حتى توفي (عليه السلام)،.

و كان عند رسول الله (صلى الله عليه و آله) قدح فيه ماء و هو في الموت و يدخل يده في القدح و يمسح وجهه بالماء و يقول: اللهم اعني على سكرات الموت،.

و روى انه يقرأ عند المريض و الميت آية الكرسي و يقول اللهم أخرجه إلى رضى منك و رضوان اللهم اغفر له ذنبه جل ثناء وجهك ثم يقرأ آية السخرة (2): إِنَّ رَبَّكُمُ اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ إلى آخرها ثم يقرأ ثلاث آيات من آخر البقرة: لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ. ثم يقرأ سورة الأحزاب.

(المقصد الثاني)- في الغسل

و البحث فيه يقع في الغاسل و المغسول و الغسل، فههنا مقامات ثلاثة:

[المقام] (الأول)- في الغاسل

و فيه مسائل

[المسألة] (الأولى) [أولى الناس بالميت أولاهم بميراثه]

- قد صرح جمع من الأصحاب بأن الغسل واجب كفائي و ان اولى الناس به أولاهم بميراثه، اما الأول فقد تقدم الكلام فيه في المقصد الأول، إلا ان بعض الأصحاب ربما صرحوا بأن أولى الناس به في جميع أحكامه أولاهم بميراثه، قال في الذكرى: الأول في الغاسل و اولى الناس به أولاهم بإرثه و كذا باقي الأحكام لعموم «وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ» (3)

و لقول علي

____________

(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 29 و 39 من أبواب الاحتضار.

(2) سورة الأعراف. الآية 54.

(3) سورة الأنفال الآية 76.

377

(عليه السلام) (1): «يغسل الميت اولى الناس به».

و قول الصادق (عليه السلام) في خبر إسحاق بن عمار (2): «الزوج أحق بامرأته حتى يضعها في قبرها».

انتهى.

و ربما أشعر هذا الكلام بعدم الوجوب على الكافة كما هو المشهور و انما الوجوب على الولي خاصة كما قدمنا ذكره في المقصد الأول و بينا انه هو المفهوم من الاخبار الواردة في أحكام الميت، و يؤيده قوله على اثر هذا الكلام «فرع: و لو لم يكن ولي فالإمام وليه مع حضوره و مع غيبته فالحاكم و مع عدمه فالمسلمون، و لو امتنع الولي ففي إجباره نظر من الشك في ان الولاية هل هي نظر له أو للميت؟» انتهى. و هذا الكلام- كما ترى- كالصريح في تعلق الوجوب به خاصة دون المسلمين المعبر عنه بالوجوب الكفائي.

بقي الكلام فيما قدمنا نقله أولا من القول بالوجوب على المسلمين كفاية و ان اولى الناس به أولاهم بميراثه فإنه لا يخلو من تدافع، إلا ان تحمل الأولوية على الاستحباب و الأفضلية بمعنى ان الوجوب عام لجميع المسلمين من الولي و غيره إلا ان الأفضل هو تقديم الولي في ذلك، و قد تقدم ما فيه آنفا. و بالجملة فالظاهر من الاخبار هو تعلق الخطاب في ذلك بالولي خاصة في جميع الأحكام و ان ما ادعوه من الوجوب الكفائي لا اعرف له دليلا واضحا.

و اما الثاني و هو ان اولى الناس به أولاهم بميراثه فهو مما لا خلاف فيه نصا و فتوى،

فروى الشيخ في الصحيح الى غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (3) انه قال: «يغسل الميت اولى الناس به».

و روى في الفقيه مرسلا (4) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) يغسل الميت اولى الناس به أو من يأمره الولي بذلك».

و في الفقه الرضوي (5) «و يغسله اولى الناس به أو من يأمره الولي بذلك».

و المراد بأولى الناس به في هذه الاخبار هو الاولى بميراثه كما ذكره الأصحاب،

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب الغسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب الغسل الميت.

(4) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب الغسل الميت.

(5) ص 17.

378

و يدل على ذلك

صحيحة حفص بن البختري عن الصادق (عليه السلام) (1) «في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام؟ قال يقضى عنه اولى الناس بميراثه. قلت ان كان اولى الناس به امرأة؟ قال لا إلا الرجال».

و لا ريب ان الولي الذي جعل إليه أحكام الميت هو الذي أوجب عليه الشارع قضاء ما فات الميت من صيام و صلاة، و تؤيده

مرسلة ابن ابي عمير عن رجاله عن الصادق (عليه السلام) (2) «في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام؟ قال يقضيه اولى الناس به».

و اما ما توهمه صاحب المدارك في هذا المقام- و ان تبعه عليه جملة من الاعلام حيث قال بعد ذكر رواية غياث المذكورة: «و هي مع ضعف سندها غير دالة على ان المراد بالأولوية الأولوية في الميراث، و لا يبعد ان المراد بالأولى بالميت هنا أشد الناس به علاقة لأنه المتبادر، و المسألة محل توقف» انتهى- ففيه ان كلامه هذا مبني على ان المراد بقولهم في تلك الأخبار: «أولى الناس به» معنى التفضيل فتوهم ان المتبادر من الأولوية على هذا التقدير الأولوية بالقرب و شدة العلاقة، و ليس كذلك بل المراد بهذا اللفظ انما هو الكناية عن الولي المالك للتصرف، و التعبير عنه بذلك قد وقع في جملة من اخبار الغدير من

قوله (صلى الله عليه و آله) «أ لست اولى بكم من أنفسكم؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال من كنت مولاه فعلي مولاه».

اي أ لست المالك للتصرف فيكم دون أنفسكم. و يزيد ذلك بيانا ما نقله الفاضل الشيخ علي ابن الشيخ محمد ابن الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الدر المنظوم و المنثور عن العلامة الفيلسوف الشيخ ميثم بن علي بن ميثم البحراني (عطر الله مرقده) في كتاب النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة من ان لفظ «الأولى» انما يطلق لغة على من يملك التدبير في الأمر و التصرف فيه، قال: «و أهل اللغة لا يطلقون لفظ «الأولى» إلا في من ملك تدبير الأمر و التصرف فيه» و بذلك يظهر ان «الأولى» في

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(2) المروية في الوسائل في الباب 12 من أبواب قضاء الصلاة.

379

جملة أخبار الميت من اخبار الغسل و اخبار الصلاة و غيرهما انما هو بمعنى المالك للتصرف و تدبير الأمر و هو معنى الولي كما في ولي الطفل و ولى البكر و نحو ذلك،

ففي حسنة ابن ابي عمير بإبراهيم بن هاشم عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «يصلى على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب».

و نحوها مرسلة أحمد بن محمد بن ابي نصر (2) و لا ريب ان المراد بأولى الناس في هذه الاخبار انما هو الولي الذي دلت الأخبار المتقدمة على ان عليه قضاء ما فات الميت من صلاة و صيام، و قد عرفت في صحيحة حفص انه هو الاولى بميراثه، و بذلك يظهر ما في كلام السيد المشار اليه- و ان تبعه فيه من تبعه- من الغفلة و عدم إعطاء التأمل حقه في اخبار المسألة، فإنه مبني على ملاحظة معني التفضيل من الصيغة المذكورة و ان المراد بقوله: «اولى الناس به» بمعنى اولى الناس بميراثه، و ليس كذلك إذ الأولوية بالميراث انما وقعت في كلام الأصحاب تعريفا للولي و محمولة عليه لا انها تفسير له و ان معناهما واحد و يصير من قبيل الحذف و الإيصال، ألا ترى ان عبارة الشرائع في هذا المقام حيث قال: «و اولى الناس به أولاهم بميراثه» ظاهرة في ان المراد انما هو ان الولي للميت القائم بأحكامه هو كل من كان أحق بميراثه.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه على أمور

(الأول)

- لا يخفى ان المراد بتقديم الأول في الميراث هو انه حيث كانت مراتب الإرث متعددة مترتبة فلا ترث أصحاب المرتبة الثانية إلا مع فقد أهل المرتبة الاولى و هكذا، فالولي للميت هو من يرث من هذه المراتب دون من لا يرث، و اما تفصيل الكلام في أصحاب مرتبة الإرث لو تعددوا و من الاولى منهم فسيأتي الكلام فيه في بحث الصلاة على الميت من كتاب الصلاة ان شاء الله تعالى.

(الثاني)

- قال في الذكرى: «إذا كان التقديم تابعا للإرث انتفى مع عدمه و ان كان أقرب كالقاتل ظلما و الرق و الكافر، و لو سلم الاولى الى غيره جاز إلا في تسليم الرجال الى النساء في الرجل و بالعكس في المرأة» انتهى. أقول: لقائل أن يقول

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة.

380

ان المراد من الخبر الدال على ان الولي هو الاولى بالميراث انما هو الكناية عن القرب الى الميت المستلزم للإرث لو لم يمنع منه مانع لا ان المراد الإرث بالفعل، فالتقديم انما هو تابع للقرب الى الميت لان مراتب الإرث مترتبة بترتب القرب فكل مرتبة أقرب تقدم على ما بعدها، و على هذا فالقرب الى الميت موجب للإرث و موجب للولاية عليه بعد موته و منع القتل ظلما- مثلا- من الإرث لا يوجب المنع من الأولوية. و بالجملة فإن ما ذكرناه من الاحتمال أقرب قريب في المقام.

(الثالث)

- لو كان الأولياء رجالا و نساء فظاهر الأصحاب ان الرجال اولى لكن هل يفرق في ذلك بين ما إذا كان الميت ذكرا أو أنثى فتخص أولوية الرجال بالأول دون الثاني فتكون النساء اولى بغسل بعضهن بعضا، أم لا فرق فلو كان الميت امرأة و لا يمكن الولي مباشرة غسلها اذن للنساء فلا يصح الغسل بدون اذنه؟ قولان:

و بالأول صرح المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، و بالثاني جزم أكثر المتأخرين و منهم- الشهيد الثاني في الروض، قال بعد نقل القول الثاني عن المصنف و غيره: «و ربما قيل ان ذلك مخصوص بالرجال اما النساء فالنساء اولى بغسلهن و لم يثبت، و امتناع المباشرة لا يستلزم انتفاء الولاية» و اعترضه سبطه في المدارك بأنه قد يقال ان الرواية المتقدمة التي هي الأصل في هذا الحكم انما تتناول من يمكن وقوع الغسل منه و متى انتفت دلالتها على العموم وجب الرجوع في غير ما تضمنته الى الأصل و العمومات. انتهى. و أشار بالرواية إلى رواية غياث بن إبراهيم المتقدمة (1). أقول: ما ذكره و ان احتمل في الرواية المذكورة حيث انها تشعر بمباشرة الولي للغسل إلا انه لا يتم في الروايتين اللتين بعدها مما قدمناه (2) لتضمنهما الولي أو من يأمره و هو أعم من مباشرة الولي ان أمكن المباشرة أو الأمر لغيره ان تعذرت المباشرة، على ان الرواية التي تعلق بها لا بد من تقدير هذا المعنى فيها ايضا و إلا لزم انه لو تعذرت المباشرة على الولي لمرض و نحوه انتفى الغسل

____________

(1) ص 377.

(2) ص 377.

381

بالكلية و هو مما يقطع بفساده، و حينئذ فإذا جاز الاذن في صورة التعذر بمرض و نحوه جاز في صورة عدم إمكان المباشرة بكون الميت امرأة، و بالجملة فالرواية لا اختصاص لها بمن يمكن وقوع الغسل منه حتى انه يصير هذا الفرد خارجا عنها كما زعمه، بل المراد من قوله: «يغسل الميت اولى الناس به» يعني تكون ولاية الغسل لاولى الناس به لا التغسيل بالفعل، و إلا لجري ذلك في اخبار الصلاة على الميت

لقولهم (عليهم السلام) (1):

«يصلي على الميت اولى الناس به».

مع انه لا خلاف في جواز اذنه لغيره و لا سيما إذا لم يكن أهلا للإمامة، هذا مع قطع النظر عن الخبرين الآخرين و إلا فدلالتهما على ما ذكرنا أظهر من ان ينكر. هذا كله مع ثبوت ما ذكروه من انه متى اجتمع الرجال و النساء في مرتبة الولاية فالرجال أولى إلا اني لم أقف على ما يدل عليه في هذه المسألة. و الله العالم.

(المسألة الثانية) [جواز تغسيل كل من الزوجين الآخر]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في ان الزوج اولى بزوجته في جميع الأحكام، و يدل عليه

ما رواه الكليني و الشيخ عن إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «الزوج أحق بامرأته حتى يضعها في قبرها».

قال في المعتبر بعد ذكر هذا الخبر: «و مضمون الرواية متفق عليه» قال في المدارك:

«قلت ان كانت المسألة إجماعية فلا بحث و إلا أمكن المناقشة فيها لضعف السند، و لانه معارض

بما رواه الشيخ في الصحيح عن حفص بن البختري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «في المرأة تموت و معها أخوها و زوجها أيهما يصلي عليها؟ فقال: أخوها أحق بالصلاة عليها».

و أجاب الشيخ عن هذه الرواية بالحمل على التقية (4) و هو انما يتم

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب صلاة الجنازة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب صلاة الجنازة.

(4) في المغني لابن قدامة ج 2 ص 483 «إذا اجتمع زوج المرأة و عصبتها فظاهر كلام الخرقي تقديم العصبات و هو أكثر الروايات عن احمد و قول سعيد بن المسيب و الزهري و بكير بن الأشج و مذهب أبي حنيفة و مالك و الشافعي الا أن أبا حنيفة يقدم زوج المرأة على ابنها منه، و روى عن احمد تقديم الزوج على العصبات لابن أبا بكرة صلى على زوجته و لم يستأذن إخوتها، و روى ذلك عن ابن عباس و الشعبي و عطاء و عمر بن عبد العزيز و إسحاق».

382

مع التكافؤ في السند كما لا يخفى». انتهى. أقول: و مما يعضد

صحيحة حفص المذكورة أيضا ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة على المرأة الزوج أحق بها أو الأخ؟ قال: الأخ».

و مما يعضد الرواية الأولى اتفاق الأصحاب على العمل بمضمونها كما ذكره في المعتبر و مثله العلامة في المنتهى،

و ما رواه الكليني في الكافي و الصدوق في الفقيه عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «قلت له المرأة تموت من أحق بالصلاة عليها؟

قال زوجها. قلت الزوج أحق من الأب و الولد و الأخ؟ قال: نعم و يغسلها».

و روى في الكافي عن ابي بصير مثله (3) بدون قوله: «و يغسلها» و عموم الأخبار الدالة على ان الاولى بالميت هو الاولى بميراثه، و لا ريب ان الزوج اولى من الأخ بأي معنى اعتبرت الأولوية من أصل الإرث أو كثرته، و حينئذ فالظاهر هو القول المشهور و يتعين حمل الخبرين المذكورين على ما ذكره الشيخ من التقية، و بالجملة فإنه لا اشكال و لا خلاف في الحكم المذكور.

انما الخلاف في جواز تغسيل كل من الزوجين الآخر في حال الاختيار فعن المرتضى (رضي الله عنه) في شرح الرسالة و الشيخ في الخلاف و ابن الجنيد و الجعفي انه يجوز لكل منهما تغسيل الآخر مجردا مع وجود المحارم و عدمهم، و قال الشيخ في النهاية بالجواز أيضا إلا انه اعتبر فيه كونه من وراء الثياب. و نقل ذلك عن ابن زهرة و اختاره جملة من المتأخرين، و قال في كتابي الاخبار ان ذلك مختص بحال الاضطرار دون الاختيار و تبعه على ذلك جماعة من الأصحاب، و استظهر في المدارك

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب صلاة الجنازة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب صلاة الجنازة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب صلاة الجنازة.

383

جواز تغسيل كل منهما الآخر مجردا و ان كان الأفضل كونه من وراء القميص كما في مطلق التغسيل.

و تحقيق الكلام في المقام يحتاج الى بسط الأخبار الواردة في المسألة ثم الكلام فيها بما يخطر بالبال العليل و منه سبحانه الهداية إلى سواء السبيل: فمنها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل أ يصلح له ان ينظر إلى امرأته حين تموت أو يغسلها ان لم يكن عنده من يغسلها؟

و عن المرأة هل تنظر الى مثل ذلك من زوجها حين يموت؟ فقال لا بأس بذلك انما يفعل ذلك أهل المرأة كراهة ان ينظر زوجها إلى شيء يكرهونه».

و عن منصور في الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج في السفر و معه امرأته أ يغسلها؟ قال نعم و امه و أخته و نحو هذا يلقي على عورتها خرقة».

و في الحسن عن محمد بن مسلم (3) قال: «سألته عن الرجل يغسل امرأته؟ قال نعم انما يمنعها أهلها تعصبا».

و بهذه الروايات استدل في المدارك على جواز تغسيل كل منهما الآخر مجردا و موردها- كما ترى- انما هو تغسيل الرجل زوجته خاصة دون العكس، ثم قال: و يدل على ان الأفضل كونه من وراء الثياب روايات كثيرة: منها-

صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (4) «انه سئل عن الرجل يموت و ليس عنده من يغسله إلا النساء؟ قال تغسله امرأته أو ذو قرابته ان كانت له و تصب النساء عليه الماء صبا. و في المرأة إذا ماتت يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها».

و صحيحة محمد بن مسلم (5) قال: «سألته عن الرجل يغسل امرأته؟ قال نعم من وراء الثياب».

و صحيحة أبي الصباح الكناني عن الصادق (عليه السلام) (6) «في الرجل يموت في السفر في أرض ليس معه إلا النساء؟

قال يدفن و لا يغسل، و المرأة تكون مع الرجال بتلك المنزلة تدفن و لا تغسل الا ان

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 20 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

(4) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

(5) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

(6) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

384

يكون زوجها معها، فان كان زوجها معها غسلها من فوق الدرع.».

ثم قال في المدارك بعد إيراد هذه الاخبار: «و الجمع بين الاخبار و ان أمكن بتقييد الأخبار المطلقة بهذه الأحاديث إلا ان حمل هذه الأحاديث على الاستحباب اولى لظهور تلك الاخبار في الجواز مطلقا و ثبوت استحباب ذلك في مطلق التغسيل على ما سنبينه» انتهى.

أقول: و من اخبار المسألة

صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال:

«سئل عن الرجل يغسل امرأته؟ قال نعم من وراء الثوب لا ينظر الى شعرها و لا إلى شيء منها، و المرأة تغسل زوجها لأنه إذا مات كانت في عدة منه و إذا ماتت هي فقد انقضت عدتها».

و صحيحة زرارة عن الصادق (عليه السلام) (2) «في الرجل يموت و ليس معه إلا نساء؟ قال تغسله امرأته لأنها منه في عدة و إذا ماتت لم يغسلها لانه ليس منها في عدة».

و ظاهر هاتين الصحيحتين تحريم تغسيل الرجل امرأته مجردة للعلة المذكورة و ظاهر صحيحة زرارة و ان كان عدم جواز تغسيله لها مطلقا لكن يجب حملها على ما إذا كانت مجردة جمعا بينها و بين غيرها مما دل على الجواز من وراء الثياب، و بما قلنا صرح الشيخ في التهذيب فقال بعد ذكر صحيحة زرارة: «أي لا يغسلها مجردة و انما يغسلها من وراء الثوب، قال: و على هذا دل أكثر الروايات و يكون الفرق بين المرأة و الرجل في ذلك ان المرأة يجوز لها ان تغسل الرجل مجردا و ان كان الأفضل و الاولى ان تستره ثم تغسله و ليس كذلك الرجل لانه لا يجوز ان يغسلها إلا من وراء الثياب، قال: و المطلق من الاخبار يحمل على المقيد» انتهى. و منها-

موثقة عبد الرحمن بن ابي عبد الله (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يموت و ليس عنده من يغسله إلا النساء هل تغسله النساء؟ فقال تغسله امرأته أو ذات محرمه و تصب عليه النساء الماء صبا من فوق الثياب».

و موثقة سماعة (4) قال: «سألته عن المرأة إذا ماتت؟ فقال

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

(2) المروية في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

(3) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب غسل الميت.

(4) المروية في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

385

يدخل زوجها يده تحت قميصها الى المرافق فيغسلها».

و بمضمونها رواية الحلبي (1)

و رواية داود بن سرحان عن الصادق (عليه السلام) (2) «في الرجل يموت في السفر أو في أرض ليس معه فيها إلا النساء؟ قال يدفن و لا يغسل، و قال في المرأة تكون مع الرجال بتلك المنزلة إلا ان يكون معها زوجها، فان كان معها زوجها فليغسلها من فوق الدرع و يسكب عليها الماء سكبا و لتغسله امرأته إذا مات، و المرأة ليست مثل الرجل المرأة أسوأ منظرا حين تموت».

أقول: و الكلام في هذه الاخبار يقع في مقامين

(الأول)- في تغسيل الرجل زوجته

، و لا يخفى ان بعضا من اخبار المسألة مطلق مثل صحيحة عبد الله بن سنان (3) و حسنة محمد بن مسلم (4) و جملة منها ما بين صريح و ظاهر في التقييد بكونه من وراء الثياب، و الجمع بينهما بتقييد إطلاق الأولى بالثانية. و اما الجمع بحمل روايات التقييد على الاستحباب و العمل بإطلاق تلك الاخبار و حملها على الجواز فهو و ان أمكن بالنظر الى دلالة صحيحة منصور (5) على جواز تغسيلها عارية و انما يلقى على عورتها خرقة، إلا انه يشكل بدلالة ظاهر صحيحتي زرارة و الحلبي (6) على عدم الجواز كما عرفت، و به صرح الشيخ كما سمعت من كلامه، و يعضده- مع كونه أوفق بالاحتياط- الأخبار الدالة على التقييد بكونه من وراء الثياب، و لا يعارضها إطلاق الروايتين المشار إليهما و يجب تقييده كما عرفت، و أظهر من ذلك تأييدا لما ذكرنا الأخبار الواردة بتغسيل علي (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام) و التعليل فيها بكونها صديقة لا يغسلها الا صديق، فإن قضية التعليل تخصيص جواز ذلك بها و إلا لو كان ذلك جائزا مطلقا كما هو المشهور لم يكن لهذا التعليل مزيد فائدة و منها-

ما رواه الصدوق في العلل عن مفضل بن عمر (7) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) من غسل فاطمة؟ قال ذاك أمير المؤمنين (عليه السلام) فكأنما

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

(3) ص 383.

(4) ص 383.

(5) ص 383.

(6) ص 384.

(7) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

386

استفظعت ذلك فقال كأنك ضقت مما أخبرتك؟ قلت قد كان ذلك جعلت فداك. فقال لا تضيقن فإنها صديقة لم يكن يغسلها إلا صديق. الحديث».

و رواه الكليني و الشيخ ايضا، و يشير الى ما ذكرنا

ما نقله في البحار قال: «وجدت بخط الشيخ محمد بن علي الجبعي نقلا من خط الشهيد قال: لما غسل علي (عليه السلام) فاطمة قال له ابن عباس: أ غسلت فاطمة؟

قال أما سمعت قول النبي (صلى الله عليه و آله): هي زوجتك في الدنيا و الآخرة؟ قال الشهيد: هذا التعليل يدل على انقطاع العصمة بالموت فلا يجوز للزوج التغسيل».

انتهى.

و يمكن ان يقال- و لعله الأقرب في هذا المجال- بان صحيحتي الحلبي و زرارة (1) إنما خرجتا مخرج التقية فإن القول بالمنع من تغسيل الزوج زوجته مذهب أبي حنيفة و الثوري و الأوزاعي كما نقله في المنتهى، و نقل الجواز عن الشافعي و مالك و إسحاق و داود، و عن احمد روايتين (2) و لا ريب ان مذهب أبي حنيفة في وقته كان هو المشهور و المعتمد بين خلفاء الجور، و غيره من المذاهب الأربعة إنما اشتهر و حصل الاجتماع عليه في الأعصار المتأخرة مما يقرب من سنة ستمائة، و حينئذ فلا يبعد حمل الروايتين المذكورتين على التقية و نقل في المنتهى الاحتجاج عن القائلين بالتحريم بان هذه الفرقة تبيح نكاح الأخت فوجب ان يحرم النظر إليها كما لو طلقها قبل الدخول. و اما ما نقله في البحار من حديث ابن عباس فهو و ان أشعر بما ذكره إلا انه لا يبلغ قوة المعارضة لما قدمناه من الاخبار الدالة على الجواز مع انه غير مروي من طرقنا و لعله من طرق أخبار العامة، و مع تسليم صحته و ثبوته و دلالته فلا بد في حمله على التقية أيضا، مع ان المفهوم من بعض الاخبار الذي لا يحضرني الآن موضعها ان كل امرأة لم تتزوج إلا رجلا واحدا فإنها

____________

(1) ص 384.

(2) في المغني لابن قدامة ج 2 ص 523 «المشهور عن احمد ان للزوج ان يغسل زوجته و هو قول علقمة و عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود و جابر بن زيد و سليمان بن يسار و ابى سلمة بن عبد الرحمن و قتادة و حماد و مالك و الأوزاعي و الشافعي و إسحاق، و عن أحمد رواية ثانية ليس للزوج غسلها و هو قول أبي حنيفة و الثوري».

387

يوم القيامة تكون زوجته، و من أخذت أزواجا عديدة فإنها تخير يوم القيامة و تختار أحسنهم خلقا معها في الدنيا. و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال فلا ينبغي ترك الاحتياط فيها على كل حال. و الله العالم.

(الثاني)- في تغسيل المرأة لزوجها

، و الاخبار هنا ما بين مطلق و مقيد بكونه من وراء الثياب، و الجمع بينها اما بحمل مطلقها على مقيدها أو بحمل مطلقها على الجواز و مقيدها على الاستحباب، و الظاهر الثاني لقضية التعليل في صحيحتي الحلبي و زرارة المتقدمين (1) و الاحتياط لا يخفى، و بذلك يظهر لك ان حكم تغسيل المرأة زوجها غير حكم العكس و ان كان الأصحاب قد أطلقوا القول فيهما و جعلوا الحكم واحدا، لظهور مخالفة حكم الزوج للزوجة من الاخبار كما شرحناه و أوضحناه. و اما ما ذهب اليه الشيخ في كتابي الاخبار- من ان جواز تغسيل كل من الزوجين الآخر مخصوص بحال الاضطرار دون الاختيار- فلا اعرف له مستندا ظاهرا و الاخبار المتقدمة- كما عرفت- صريحة في رده و يظهر منه انه استند في ذلك الى روايات وقع التقييد بذلك فيها في كلام السائل مثل صحيحة عبد الله بن سنان المذكورة صدر الروايات المتقدمة (2) و صحيحة الحلبي الاولى (3) و رواية عبد الرحمن بن ابي عبد الله المتقدمة أيضا (4)

و رواية الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (5) «في المرأة إذا ماتت و ليس معها امرأة تغسلها؟ قال يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها الى المرافق».

الى غير ذلك مما ورد كذلك، و اعتضد في ذلك

برواية أبي حمزة عن الباقر (عليه السلام) (6) قال: «لا يغسل الرجل المرأة إلا ان لا توجد امرأة».

و حمل في الاستبصار ما روى عن أمير المؤمنين من تغسيل فاطمة على اختصاص ذلك بهم (عليهم السلام) و في الكل نظر ظاهر، اما الروايات الأولى فإن التقييد فيها

____________

(1) ص 384.

(2) ص 383.

(3) ص 383.

(4) ص 384.

(5) المروية في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

(6) المروية في الوسائل في الباب 22 من أبواب غسل الميت.

388

انما وقع في كلام السائل و هو لا يوجب تقييدا في تلك الأخبار الكثيرة مما ذكرناه و ما لم نذكره، فإن السؤال إذا وقع عن بعض الافراد لا يجب تخصيص الحكم بذلك في غيره كما هو ظاهر. و اما رواية أبي حمزة فأجاب عنها في المختلف، قال بعد نقل الاستدلال عنه «و الجواب المنع من صحة السند ثم لو سلم لكان محمولا على الاستحباب أو على الرجل الأجنبي و يكون الاستثناء إشارة الى ما روي انه يغسل من الأجنبية وجهها و كفيها» و اما حديث تغسيل فاطمة فقد تقدم الكلام فيه. و لكن العمدة في الاستدلال انما هو ما قدمناه من الأخبار الصريحة الدالة. و الله العالم.

تنبيهات

(الأول) [هل يقدح انقضاء العدة في جواز التغسيل؟]

- قال في المدارك: «قال بعض المحققين و لا يقدح انقضاء عدة الزوجة في جواز التغسيل بل يجوز و ان تزوجت. و فيه نظر لصيرورتها و الحال هذه أجنبية. قال في الذكرى: و لا عبرة بانقضاء عدة المرأة عندنا بل لو نكحت جاز لها تغسيله و ان كان الفرض بعيدا. و هو كذلك أخذا بالإطلاق» انتهى. أقول: لا يخفى ان ما ذكره في الذكرى هو عين ما نقله عن بعض المحققين فلا معنى لتنظره في الأول و اختياره ما في الذكرى، إلا ان يحمل ما نقله عن بعض المحققين على عدة الطلاق و كلام الذكرى على عدة الوفاة حيث ان ظاهر كلامهم الفرق بين العدتين. ثم ان ما ذكره في الذكرى من الحكم المذكور قد صرح به الشهيد الثاني في الروض ايضا، و ظاهر كلامهم- حيث صرحوا في المطلقة بائنا بأنها ليست زوجة فلا يجوز لها تغسيله و صرحوا هنا بجواز تغسيلها له بعد انقضاء عدة الوفاة- الفرق بين العدتين و انها في هذه الصورة بعد العدة بل بعد التزويج يصدق عليها انها زوجة فيجوز لها تغسيله، كما يشير اليه قوله في المدارك: «أخذا بالإطلاق» بخلاف المطلقة بائنا فإنها قد بانت منه حال الحياة. و عندي فيه نظر (أما أولا) فلمنع صدق الزوجة عليها في الحال المفروضة بل هي أجنبية،

389

و لا سيما بالنظر الى التعليل المذكور في صحيحتي الحلبي و زرارة (1) الدال على انها انما تغسله بعد الموت لأنها منه في عدة، و مفهومه انه بعد انقضاء العدة لا تغسله و (اما ثانيا) فلما أشرنا إليه مرارا و ذكره غير واحد من المحققين من ان الأحكام المودعة في الاخبار انما تنصرف الى الافراد الشائعة المتكثرة دون الفروض النادرة، و كأنهم بنوا في ذلك على ان الزوجية الثابتة في حال الحياة لكل منهما لا تنقطع بالموت و إلا لامتنع جواز تغسيل كل منهما للآخر بعد الموت و الأخبار بخلافه و لم يعرض هنا شيء يقتضي رفع هذا الحكم و ان طال الزمان، و هو و ان كان كذلك لكن المتبادر من الأخبار المتقدمة انما هو ما ذكرناه من كون التغسيل بعد الموت، و دخول هذا الفرض المذكور فيها بمجرد صدق الزوجة ممنوع و لا سيما بعد التزويج فإنها تكون أجنبية و صدق الزوجة في هذه الحال في غاية البعد. و كيف كان فالاحتياط أوضح سبيل سيما مع غموض الدليل و هو فيما ذكرناه كما لا يخفى. و الله العالم.

(الثاني) [ما يجوز كشفه في تغسيل كل من الزوجين الآخر]

- قال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد- بعد ان اختار القول بجواز تغسيل كل من الزوجين الآخر من وراء الثياب كما صرح به جمع من الأصحاب- ما صورته: «و لم أقف في كلام على تعيين ما يعتبر في التغسيل من الثياب و الظاهر ان المراد ما يشمل جميع البدن، و حمل الثياب على المعهود يقتضي استثناء الوجه و الكفين و القدمين فيجوز ان تكون مكشوفة» انتهى. أقول: لا يخفى ان اخبار المسألة ما بين مقيد بالقميص و ما بين مطلق بالثياب و قضية الجمع حمل مطلقها على مقيدها،

ففي صحيحة الحلبي الاولى من الأخبار المتقدمة (2): «و في المرأة إذا ماتت يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها».

و في روايته المذكورة أخيرا (3) قال: «يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها الى المرافق».

و في صحيحة أبي الصباح المتقدمة (4) «و ان كان زوجها معها غسلها من فوق

____________

(2) 383.

(4) 383.

(1) ص 384.

(3) ص 387.

390

الدرع».

و في موثقة عمار (1) «. غير انه يكون عليها درع فيصب الماء من فوق الدرع.».

و مثل ذلك في رواية داود بن سرحان المتقدمة (2) و الدرع: القميص.

و في موثقة سماعة المتقدمة (3) «يدخل زوجها يده تحت قميصها الى المرافق فيغسلها».

و في رواية زيد الشحام (4) «. و ان كان له فيهن امرأة فيغسل في قميص من غير ان تنظر الى عورته».

بل قد ورد في جملة من الاخبار الصحيحة اعتبار التغسيل في القميص مطلقا كما

في صحيحة يعقوب بن يقطين (5) «و لا يغسل إلا في قميص».

و مثلها صحيحة ابن مسكان (6) و حسنة سليمان بن خالد (7) و اما ما ورد بلفظ الثوب فمنه-

صحيحة محمد بن مسلم (8) قال: «سألته عن الرجل يغسل امرأته؟ قال: نعم من وراء الثوب».

و رواية عبد الرحمن بن ابي عبد الله المتقدمة (9) و صحيحة الحلبي الثانية (10) من صحيحتيه المتقدمتين. و الواجب في مقام الجمع حمل ما تضمن الثوب على القميص حمل المطلق على المقيد، و بذلك يظهر انه لا وجه لما استظهره من ان المراد ما يشمل جميع البدن، و على هذا فينبغي استثناء الوجه و الكفين و القدمين فيجوز ان تكون مكشوفة، و الأخبار المذكورة و ان كانت عارية عن ذكر الرأس و ربما أوهم ذلك جواز كونه مكشوفا أيضا إلا ان الظاهر الحاقه بالبدن و ان ذكر القميص فيها انما خرج مخرج الأغلب باعتبار معظم البدن لا على جهة التخصيص، و يدل على ذلك قوله

في صحيحة الحلبي الثانية (11) قال: «نعم من وراء الثوب لا ينظر الى شعرها.».

(الثالث) [هل يطهر الثوب الذي يغسل فيه الميت بمجرد الصب]

- هل يطهر الثوب بصب الماء من غير عصر قال في الروض:

«مقتضى المذهب عدمه» و هو منقول عن المحقق في المعتبر صرح به في تغسيل الميت في قميصه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب غسل الميت.

(2) ص 385 و 384.

(3) ص 385 و 384.

(4) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب غسل الميت.

(5) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

(6) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

(7) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

(8) المروية في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

(9) ص 384.

(10) ص 384.

(11) ص 384.

391

من مماثله، و منع الشهيد في الذكرى من عدم طهارته بالصب لإطلاق الرواية قال:

«و جاز ان يجري مجرى ما لا يمكن عصره» أقول: و الظاهر هو ما اختاره في الذكرى (أما أولا)- فلان ظواهر الأخبار هو انه بعد التغسيل في قميصه ينقل إلى الأكفان و لو توقف طهارة القميص على العصر كما يدعونه للزم نجاسة الميت بها بعد تمام الغسل و قبل نزعها و وجب تطهيره زيادة على الغسل الموظف و ظواهر النصوص المذكورة ترده و ما ذاك إلا من حيث طهرها بمجرد الصب في الغسلة الثالثة. و (اما ثانيا)- فلان ما ادعوه من وجوب العصر في الثوب و انه لا يطهر بعد اجراء الماء إلا بعد العصر و ان اشتهر بينهم كما يشير اليه قوله في الروض «مقتضى المذهب» إلا انه محل بحث كما سيأتي ان شاء الله تعالى التنبيه عليه في بحث النجاسات و ان أدلتهم في المسألة قاصرة عن إفادة المدعى.

(الرابع) [هل يجوز تغسيل الأمة سيدها؟]

- الظاهر- كما ذكره جملة من الأصحاب- انه لا فرق في الزوجة بين الحرة و الأمة و لا بين الدائم و المنقطع، و المطلقة رجعية في العدة زوجة بخلاف البائن، كل ذلك لإطلاق النصوص، و المشهور انه يجوز للسيد تغسيل أمته الغير المزوجة و المعتدة و مدبرته و أم ولده، و الظاهر ان المستند فيه استصحاب الحكم فيه من حال الحياة و عدم ما يوجب زواله و انهن في حكم الزوجة، و لم أقف فيه على نص، و في جواز تغسيلها له أقوال: (أحدها)- الجواز مطلقا لاستصحاب حكم الملك و لأنها في معنى الزوجة في إباحة اللمس و النظر فتباح و هو اختيار العلامة. و (ثانيها)- المنع لانتقالها إلى الورثة و (ثالثها)- تخصيص الجواز بأم الولد و هو اختيار جمع من الأصحاب: منهم- المحقق في المعتبر، و استدل عليه بخبر

إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (1) «ان علي بن الحسين (عليهما السلام) اوصى ان تغسله أم ولد له إذا مات فغسلته».

قال في المعتبر: و لا يمنع العتق من ذلك لان جواز الاطلاع في زمن الحياة قد يستصحب بعد الوفاة كما في الزوجة تغسل و ان انقطعت العصمة. أقول: لا يخفى ان الرواية

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب 25 من أبواب غسل الميت.

392

المذكورة لا تخلو من الاشكال لما تحقق عندنا من ان الامام لا يغسله إلا إمام مثله فلا بد من تأويل الخبر المذكور اما بحمله على ان الوصية بذلك للتقية و دفع الضرر عن الامام الباقر (عليه السلام) كما ذكره بعض مشايخنا أو بحملها على المعاونة كما يدل عليه ما

في الفقه الرضوي حيث قال (1): «و نروى ان علي بن الحسين (عليه السلام) لما مات قال أبو جعفر (عليه السلام) لقد كنت أكره ان انظر الى عورتك في حياتك فما انا بالذي انظر إليها بعد موتك، فادخل يده و غسل جسده ثم دعا أم ولد له فأدخلت يدها فغسلت مرافقه و كذلك فعلت أنا بابي».

و اما قوله: «و لا يمنع العتق من ذلك. إلخ» فضعفه أظهر من ان يذكر لضعف الاستصحاب عندنا و الإلحاق بالزوجة قياس لا يوافق أصول مذهبنا، و صاحب المدارك هنا انما رد القول بضعف سند الرواية و غفل عما في متنها من الاشكال. و ربما علل جواز تغسيل أم الولد لسيدها ايضا ببقاء علاقة الملك من وجوب الكفن و المؤنة و العدة. و فيه نظر فان بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات لا يخلو من مجازفة، و مثل ذلك ما علل به الجواز مطلقا كما هو المنقول عن العلامة. و بالجملة فإن أم الولد قد انعتقت بعد الموت و صارت حرة أجنبية و غيرها قد انتقلت الى الوارث و صارت أيضا أجنبية فالقول بجواز تغسيلهن له يحتاج الى نص واضح. و الله العالم.

(المسألة الثالثة) [اشتراط المماثلة بين الغاسل و المغسول]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في اشتراط المماثلة في الذكورة و الأنوثة بين الغاسل و المغسول مع الاختيار لتحريم النظر، و قد استثني من ذلك ما تقدم من مسألة الزوجين و ما يتبعها من الإماء، و مما استثنى ايضا من القاعدة المذكورة وجود المحرمية، و المراد بها- على ما ذكره جملة من الأصحاب هنا و في كتاب النكاح- من يحرم نكاحه مؤبدا بنسب أو رضاع أو مصاهرة، و احترزوا بقيد التأبيد عن أخت الزوجة و بنت غير المدخول بها فإنهما ليستا من المحارم لعدم التحريم المؤبد بل هما بحكم الأجانب،

____________

(1) ص 21.

393

و توقف حل نكاحهما على مفارقة الأخت و الام لا يقتضي حل النظر و دخولهما في اسم المحارم و إلا لزم كون نساء العالم محارم للمتزوج أربعا لتوقف نكاح واحدة منهن على فراق واحدة. كذا افاده شيخنا الشهيد الثاني في الروض. و استدرك عليه في الحبل المتين في قوله: «ان توقف حل نكاحهما على مفارقة الأخت و الام لو اقتضى دخولهما في المحارم للزم كون نساء العالم محارم للمتزوج أربعا» بأن فيه مناقشة لطيفة لعدم تحريم النكاح المنقطع على ذي الأربع، و لو قال للزم ان تكون ذوات الأزواج محارم للأجانب لكان اولى. انتهى. أقول: يمكن ان يقال ان المسألة في تحريم ما زاد على الأربع مطلقا خلافية فلعل شيخنا المشار اليه ممن يذهب الى التحريم مطلقا دائما كان أو منقطعا بل نقل عنه بعض الأصحاب انه صرح بذلك في بعض المواضع، فلعل كلامه هنا مبني عليه فلا ترد عليه هذه المناقشة. و اما ما ذكره من العبارة ففيه ان الكلام في ان توقف حل النكاح على المفارقة لو اقتضى المحرمية للزم كون نساء العالم محارم إذ حل النكاح فيهن موقوف على مفارقة إحدى زوجاته الأربع، و ظاهر ان ذوات الأزواج الأجانب ليس ممن يحل نكاحهن بعد المفارقة.

و كيف كان فالظاهر انه لا خلاف في أصل الحكم المذكور اعني جواز التغسيل مع المحرمية، و المعروف من كلامهم انه من وراء الثياب بل ذكر شيخنا البهائي بأنهم قطعوا بكونه من وراء الثياب إلا انه سيأتي عن صاحب المدارك ما يؤذن بخلافه في ذلك و انما اختلفوا في انه هل يشترط في ذلك فقد المماثل أو يجوز و ان وجد؟ قولان، و المشهور الأول و الى الثاني ذهب ابن إدريس و العلامة في المنتهى.

و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة روايات: منها- موثقة عبد الرحمن بن ابي عبد الله البصري و قد تقدمت في سابق هذه المسألة (1) و هي متضمنة لكون الغسل من فوق الثياب، و ظاهره في الذكرى ذلك مع عدم وجود المماثل، و صحيحة (2)

____________

(1) ص 384.

(2) ص 383.

394

الحلبي المتقدمة و هي الاولى من صحيحتيه، و هي مطلقة بالنسبة إلى الثياب و ظاهرة في عدم وجود المماثل، و منها-

موثقة عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) «انه سئل عن الرجل المسلم يموت في السفر و ليس معه رجل مسلم و معه رجال نصارى و معه عمته و خالته مسلمتان كيف يصنع في غسله؟ قال تغسله عمته و خالته في قميصه و لا يقربه النصارى.

و عن المرأة تموت في السفر و ليس معها امرأة مسلمة و معها نساء نصارى و عمها و خالها مسلمان؟ قال يغسلانها و لا تقربها النصرانية كما كانت المسلمة تغسلها غير انه يكون عليها درع فيصب الماء من فوق الدرع.».

و هي- كما ترى- ظاهرة في عدم وجود المماثل و كون ذلك من فوق الثياب. و منها-

موثقة سماعة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات و ليس عنده إلا نساء؟ قال: تغسله امرأة ذات محرم منه و تصب النساء عليه الماء و لا تخلع ثوبه، و ان كانت امرأة ماتت مع رجال و ليس معها امرأة و لا محرم لها فلتدفن كما هي في ثيابها، و ان كان معها ذو محرم لها غسلها من فوق ثيابها».

و هي- كما ترى- كسابقتها ظاهرة في عدم المماثل و كون ذلك من فوق الثياب.

و منها-

حسنة عبد الله بن سنان (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا مات الرجل مع النساء غسلته امرأته فان لم تكن امرأته معه غسلته أولاهن به و تلف على يديها خرقة».

و هذه الرواية ظاهرة في عدم وجود المماثل و مطلقة بالنسبة إلى الثياب.

و منها-

رواية زيد الشحام (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة ماتت و هي في موضع ليس معهم امرأة غيرها؟ قال ان لم يكن فيهم لها زوج و لا ذو رحم دفنوها بثيابها و لا يغسلونها، و ان كان معهم زوجها أو ذو رحم لها فليغسلها من غير ان ينظر الى عورتها. قال و سألته عن رجل مات في السفر مع نساء ليس معهن رجل؟ فقال ان لم يكن له فيهن امرأة فليدفن بثيابه و لا يغسل، و ان كان له فيهن امرأة فليغسل في قميص من غير ان تنظر الى عورته».

و هي ظاهرة في عدم وجود المماثل و صدرها مطلق بالنسبة إلى الثياب

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب غسل الميت.

(2) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب غسل الميت.

(3) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب غسل الميت.

(4) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب غسل الميت.

395

و عجزها ظاهر في اشتراط الثياب. و منها-

رواية عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (1) في حديث قال: «إذا مات الرجل في السفر، الى ان قال: و إذا كان معه نساء ذوات محرم يؤزرنه و يصبن عليه الماء صبا و يمسسن جسده و لا يمسسن فرجه».

و منها- صحيحة منصور المتقدمة (2) و هي دالة على جواز تغسيل المرأة مجردة و مطلقة في عدم المماثل.

و أنت خبير بان هذه الروايات المذكورة ما عدا صحيحة منصور المشار إليها و رواية عمرو بن خالد ما بين مطلق في وجود المماثل و عدمه و بين مقيد بعدم وجود المماثل و مطلق بالنسبة إلى الثياب و عدمها أو مقيد بكونه من وراء الثياب، و قضية الجمع المتكررة في كلامهم حمل مطلقها في كل من الأمرين على مقيدها. و به يظهر قوة القول المشهور و انه المؤيد المنصور نعم يبقى الكلام في صحيحة منصور و لم أجد بها قائلا سوى ما يظهر من صاحب المدارك حيث قال بعد نقل القولين المتقدمين: «و الأظهر الجواز مطلقا تمسكا بمقتضى الأصل و صحيحة منصور» ثم ساق الرواية المذكورة. و أنت خبير بان هذه الرواية و ان صح سندها و لأجله عمل بها في المدارك حيث انه يدور مدار الأسانيد المتصلة في العمل بهذا الاصطلاح إلا انها- كما عرفت في المسألة السابقة- معارضة بأخبار تغسيل الرجل امرأته، فإن جملة منها قد اشتملت على كون ذلك من وراء الثياب و به قيد مطلقها و جملة أخبار هذه المسألة على تعددها و منها الصحيح و الحسن و الموثق و هي مجتمعة- بناء على حمل مطلقها على مقيدها- على كون ذلك من وراء الثياب بشرط عدم وجود المماثل و القول بمضمون هذه الرواية مناف لجملة روايات المسألتين، و ترجيحها على جملة هذه الروايات بعيد غاية البعد، فالأظهر هو القول المشهور سيما مع أوفقيته بالاحتياط في الدين ورد هذه الرواية إلى قائلها.

(المسألة الرابعة) [تغسيل الرجل بنت ثلاث سنين و المرأة ابن ثلاث سنين]

- مما استثني من القاعدة المتقدمة أيضا عند جمهور الأصحاب

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب غسل الميت.

(2) ص 383.

396

تغسيل الرجل بنت ثلاث سنين مجردة و المرأة ابن ثلاث سنين مجردا إلا ان الشيخ في النهاية قيد ذلك بعدم وجود المماثل، و قال في المبسوط: «الصبي إذا مات و له ثلاث سنين فصاعدا فحكمه حكم الرجال سواء و ان كان دونه جاز للاجنبيات غسله مجردا من ثيابه و ان كانت صبية لها ثلاث سنين فصاعدا فحكمها حكم النساء البالغات و ان كانت دون ثلاث جاز للرجال تغسيلها عند عدم النساء» و قال المفيد: «إذا كان الصبي ابن خمس سنين غسله بعض النساء الأجنبيات مجردا من ثيابه و ان كان ابن أكثر من خمس سنين غسلنه من فوق ثيابه و صببن عليه الماء صبا و لم يكشفن له عورة و دفنه بثيابه بعد تحنيطه، و ان ماتت صبية بين رجال ليس لها فيهم محرم و كانت بنت أقل من ثلاث سنين جردوها من ثيابها و غسلوها و ان كانت أكثر من ثلاث سنين غسلوها في ثيابها و صبوا عليها الماء صبا و حنطوها بعد الغسل و دفنوها في ثيابها» و به قال سلار، و جوز الصدوق تغسيل بنت أقل من خمس سنين مجردة، و منع المحقق في المعتبر من تغسيل الرجل الصبية مطلقا و جوز للمرأة تغسيل ابن الثلاث اختيارا و اضطرارا نظرا الى ان الشارع اذن في اطلاع النساء على الصبي لافتقاره إليهن في التربية بخلاف الصبية و الأصل حرمة النظر.

و الذي وقفت عليه من الأخبار في هذه المسألة منه-

ما رواه المشايخ الثلاثة عن ابي النمير مولى الحارث بن المغيرة (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) حدثني عن الصبي إلى كم تغسله النساء؟ قال الى ثلاث سنين».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (2) «انه سئل عن الصبي تغسله امرأة؟ فقال انما تغسل الصبيان النساء، و عن الصبية و لا تصاب امرأة تغسلها؟ قال يغسلها رجل اولى الناس بها».

و ما رواه في التهذيب عن محمد بن احمد مرسلا (3) قال: «روى في الجارية تموت مع الرجل فقال إذا كانت بنت أقل من خمس سنين أو ست دفنت و لم تغسل».

و حكم المحقق في المعتبر و الشهيد في الذكرى بان هذا الحديث مضطرب الاسناد و المتن. أقول: نقل

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 23 من أبواب غسل الميت.

(2) المروية في الوسائل في الباب 23 من أبواب غسل الميت.

(3) المروية في الوسائل في الباب 23 من أبواب غسل الميت.

397

عن ابن طاوس انه قال «لفظ أقل هنا وهم» و هو جيد، و يؤيده ما ذكره في الذكرى قال:

«و في جامع محمد بن الحسن إذا كانت ابنة أكثر من خمس سنين أو ست سنين دفنت و لم تغسل و ان كانت ابنة أقل من خمس سنين غسلت، قال و أسند الصدوق في كتاب المدينة ما في الجامع إلى الحلبي عن الصادق (عليه السلام)» و نقل الصدوق في الفقيه عن الجامع كما في الذكرى قال و ذكر عن الحلبي حديثا في معناه عن الصادق (عليه السلام).

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الظاهر انه لا إشكال في تغسيل النساء ابن ثلاث سنين لاتفاق خبري أبي النمير و عمار عليه بحمل إطلاق خبر عمار على مقيد خبر ابي النمير مضافا الى اتفاق الأصحاب كما عرفت من نقل الأقوال المتقدمة، و اما تغسيل الرجل بنت ثلاث سنين أو أزيد فالمعتمد فيه على الرواية المشار إليها في الجامع و ان كانت مرسلة و كذا في كتاب مدينة العلم كما صرح به في الذكرى، و يعضدها ايضا ان الظاهر ان جواز الغسل تابع لحل النظر و اللمس و لا ريب في جوازهما الى الصغير و الصغيرة في حال الحياة فيكون كذلك في حال الموت بعين ما تقدم من كلامهم في الزوجين، و بذلك يظهر ما في دعوى صاحب المعتبر من استناده في تحريم تغسيل الرجل الصبية مطلقا الى ان الأصل حرمة النظر فان هذا الأصل ممنوع لعدم الخلاف نصا و فتوى في جواز النظر في حال الحياة و تحريمه هنا يحتاج الى دليل و إلا فالأصل بقاء الجواز، و بالجملة فالظاهر هو القول بما دلت عليه الأخبار المذكورة بعد تقييد مطلقها بمقيدها.

و اعلم ان المتبادر من تحديد السن هنا و في الصلاة انما هو بالنسبة إلى الموت بان يموت على نهاية الثلاث مثلا فلا اعتبار بما بعده و ان طال، فيمكن على هذا حصول الموت على نهاية الثالثة و وقوع الغسل بعد ذلك، فلا يشترط في صحة الحكم وقوع الغسل قبل تمام الثالثة، و به يندفع ما ذكره المحقق الشيخ علي (رحمه الله) من ان ثلاث سنين إذا كان نهاية الجواز فلا بد من كون الغسل واقعا قبل تمامها فإطلاق ابن ثلاث سنين يحتاج

398

الى التنقيح، ثم قال: الا ان يصدق على من شرع في الثالثة انه ابن ثلاث سنين انتهى فإنه مبني على ان نهاية تحديد السن بذلك الغسل و ليس كذلك بل الموت كما ذكرنا.

(المسألة الخامسة) [هل يسقط الغسل عند فقد المماثل و المحرم؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)- بل ادعى عليه في المعتبر- الإجماع انه لا يغسل الرجل من ليس له بمحرم و لا المرأة من ليس لها بمحرم عدا ما تقدم في مسألة الصبي و الصبية، و عن الشيخ انه صرح في النهاية و المبسوط و الخلاف بسقوط التيمم و الحال هذه، و به قطع في المعتبر، قال: «لان المانع من الغسل مانع من التيمم و ان كان الاطلاع مع التيمم أقل لكن النظر محرم قليله و كثيره» و عن المفيد (عطر الله مرقده) وجوب التغسيل من وراء الثياب و كذا عن ابن زهرة و ابي الصلاح إلا أنهما أوجبا تغميض العينين.

و الاخبار في هذه المسألة في غاية الاختلاف إلا ان أكثرها و أصحها يدل على القول المشهور:

و منها-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن علي الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) «انه سأله عن المرأة تموت في السفر و ليس معها ذو محرم و لا نساء قال: تدفن كما هي بثيابها. و عن الرجل يموت و ليس معه إلا النساء ليس معهن رجال؟

قال: يدفن كما هو بثيابه».

و عن عبد الله بن ابي يعفور في الصحيح (2) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يموت في السفر مع النساء ليس معهن رجل كيف يصنعن به؟ قال يلففنه لفا في ثيابه و يدفنه و لا يغسلنه».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله البصري (3) قال:

«سألته عن امرأة ماتت مع رجال؟ قال تلف و تدفن و لا تغسل».

و منها- صحيحة أبي الصباح الكناني و رواية داود بن سرحان و قد تقدمتا

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب غسل الميت.

399

في المسألة الثانية (1)، و منها- موثقة سماعة و رواية زيد الشحام و قد تقدمتا في المسألة الثالثة (2).

و هذه الروايات كلها ظاهرة المقالة متعاضدة الدلالة في عدم الغسل و الأمر بالدفن بثيابه.

و منها-

ما رواه في التهذيب عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (3) «في رجل مات و معه نسوة و ليس معهن رجل؟ قال: يصببن الماء من خلف الثوب و يلففنه في أكفانه من تحت الستر و يصلين عليه صفا و يدخلنه قبره. و المرأة تموت مع الرجال ليس معهم امرأة؟ قال: يصبون الماء من خلف الثوب و يلفونها في أكفانها و يصلون و يدفنون».

و عن ابي بصير (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة ماتت في سفر و ليس معها نساء و لا ذو محرم؟ فقال: يغسل منها موضع الوضوء و يصلى عليها و تدفن».

و عن جابر عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «سئل عن المرأة تموت و ليس معها محرم؟ قال يغسل كفيها».

و عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (6) قال:

«اتى رسول الله (صلى الله عليه و آله) نفر فقالوا ان امرأة توفيت معنا و ليس معها ذو محرم؟ فقال كيف صنعتم بها؟ فقالوا صببنا الماء عليها صبا. فقال اما وجدتم امرأة من أهل الكتاب تغسلها؟ فقالوا لا فقال أفلا يممتموها؟».

و عن المفضل بن عمر (7) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك ما تقول في المرأة تكون في السفر مع رجال ليس فيهم لها ذو محرم و لا معهم امرأة فتموت المرأة ما يصنع بها؟ قال: يغسل منها ما أوجب الله تعالى عليه التيمم و لا تمس و لا

____________

(1) ص 384 و 385.

(2) ص 394.

(3) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب غسل الميت.

(4) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب غسل الميت.

(5) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب غسل الميت.

(6) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب غسل الميت.

(7) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب غسل الميت.

400

يكشف شيء من محاسنها التي أمر الله تعالى بسترها. فقلت فكيف يصنع بها؟ قال يغسل بطن كفيها ثم يغسل وجهها ثم يغسل ظهر كفيها».

و عن داود بن فرقد (1) قال: «مضى صاحب لنا يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تموت مع رجال ليس فيهم ذو محرم هل يغسلونها و عليها ثيابها؟

فقال اذن يدخل ذلك عليهم و لكن يغسلون كفيها».

و عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: «إذا مات الرجل في السفر مع النساء ليس فيهن امرأته و لا ذو محرم من نسائه؟

قال يؤزرنه إلى الركبتين و يصببن عليه الماء صبا و لا ينظرن الى عورته و لا يلمسنه بأيديهن. الحديث».

و قد تقدم تمامه في سابق هذه المسألة (3).

و عن أبي حمزة عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: «لا يغسل الرجل المرأة إلا ان لا توجد امرأة».

و عن عبد الله بن سنان (5) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: المرأة إذا ماتت مع الرجال فلم يجدوا امرأة تغسلها غسلها بعض الرجال من وراء الثوب و يستحب ان يلف على يديه خرقة».

و عن ابي سعيد (6) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا ماتت المرأة مع قوم ليس لها فيهم ذو محرم يصبون عليها الماء صبا، و رجل مات مع نسوة ليس فيهن له محرم فقال أبو حنيفة يصببن الماء عليه صبا فقال أبو عبد الله (عليه السلام): بل يحل لهن ان يمسسن منه ما كان يحل لهن ان ينظرن منه اليه و هو حي فإذا بلغن الموضع الذي لا يحل لهن النظر اليه و لا مسه و هو حي صببن الماء عليه صبا».

أقول: هذا ما وقفت عليه من اخبار المسألة، و الشيخ و جملة ممن تبعه قد حملوا

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب غسل الميت.

(3) ص 395.

(4) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب غسل الميت.

(5) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب غسل الميت.

(6) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب غسل الميت.

401

هذه الاخبار الأخيرة على الاستحباب كما هي قاعدتهم المطردة في جميع الأبواب. و أنت خبير بما هي عليه من الاختلاف و الاضطراب و منافاة بعضها بعضا، ففي بعض التغسيل من وراء الثياب و في آخر يغسل منها موضع الوضوء و في ثالث يغسل كفيها و في رابع الأمر بالتيمم و في خامس يغسل منها ما أوجب الله تعالى عليه التيمم و في سادس المنع من التغسيل من وراء الثوب الذي دل عليه بعضها و الأمر بغسل الكفين خاصة و في سابع يؤزرنه إلى الركبتين و يصببن عليه الماء صبا، و من الظاهر البين ان العمل بهذه الاخبار يتوقف أولا على الجمع بينها على وجه يندفع به التنافي، و انى به سيما مع ما تدل عليه من جواز النظر و المباشرة الذين لا ريب في تحريمهما خصوصا الرواية الأخيرة الدالة على جواز مس النساء للرجل ما كان يحل لهن النظر اليه منه في حال حياته. و بالجملة فالإعراض عنها و ردها إلى قائلها هو الأظهر و العمل على هذه المسألة على ما هو الأشهر. و اما خبر أبي حمزة و خبر عبد الله بن سنان المذكور بعده فالظاهر حملهما على المحارم فلا يكونان من اخبار هذه المسألة، و يدل على ذلك قوله في الثاني منهما: «و يستحب ان يلف على يديه خرقة» المشعر بجواز المس. و الله العالم.

(المسألة السادسة) [هل يغسل الكافر المسلم عند فقد المماثل المسلم و المحرم؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه مع تعذر المسلم و المحرم يجوز ان يغسل الكافر المسلم و هكذا المرأة المسلمة تغسلها الكافرة إذا لم تكن مسلمة و لا محرم و يكون ذلك بعد اغتسال الكافر و الكافرة، و استدلوا على ذلك

بما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الموثق عن عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) في حديث قد تقدم صدره و فيه قال: «قلت فان مات رجل مسلم و ليس معه رجل مسلم و لا امرأة مسلمة من ذوي قرابته و معه رجال نصارى و نساء مسلمات ليس بينه و بينهن قرابة؟

قال يغتسل النصارى ثم يغسلونه فقد اضطر. و عن المرأة المسلمة تموت و ليس معها امرأة مسلمة و لا رجل مسلم من ذوي قرابتها و معها نصرانية و رجال مسلمون ليس بينها و بينهم

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب غسل الميت و قد تقدم صدره ص 394.

402

قرابة؟ قال تغتسل النصرانية ثم تغسلها. الحديث».

و رواية عمرو بن خالد عن زيد ابن علي المتقدمة في سابق هذه المسألة (1) أقول: و يدل عليه ايضا ما ذكر

في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (2): «و ان مات ميت بين رجال نصارى و نسوة مسلمات غسله الرجال النصارى بعد ما يغتسلون، و ان كان الميت امرأة مسلمة بين رجال مسلمين و نسوة نصرانية اغتسلت نصرانية و غسلتها».

قال المحقق في المعتبر بعد نقل الخبرين الأولين: «و عندي في هذا توقف و الأقرب دفنها من غير غسل لان غسل الميت يفتقر إلى النية و الكافر لا تصح منه نية القربة ثم طعن في الحديث الأول بأن السند كله فطحية و هو مناف للأصل و الحديث الثاني بأن رجاله زيدية و حديثهم مطرح بين الأصحاب. و فيه ما عرفت فيما تقدم في غير موضع من منافاة هذا الكلام لما قرره في صدر كتابه مما ملخصه ان ضعف الخبر لا يوجب الطعن مع عمل الأصحاب به و اتفاقهم على القول بمضمونه، و الأمر هنا كذلك فإنه لم يظهر لهذا الحكم مخالف قبله و ان تبعه فيه بعده من تبعه، و متى ثبت قبول الخبرين فلا وجه لما ذكره من الكلام في أمر النية فإنه متى دل الدليل على الجواز دل على صحة نية الكافر و صار الطعن بما ذكره اجتهادا في مقابلة النص.

قال شيخنا الشهيد (رحمه الله) في الذكرى بعد ذكر الحكم المذكور: «و لا اعلم مخالفا لهذا من الأصحاب سوى المحقق في المعتبر محتجا بتعذر النية من الكافر مع ضعف السند. و جوابه منع النية هنا أو الاكتفاء بنية الكافر كالعتق و الضعف منجبر بالعمل، فان الشيخين نصا عليه و ابنا بابويه و ابن الجنيد و سلار و الصهر شتى و ابن حمزة و المحقق في غير المعتبر و ابن عمه نجيب الدين يحيى بن سعيد. نعم لم يذكره ابن ابي عقيل و لا الجعفي و لا ابن البراج في كتابيه و لا ابن زهرة و لا ابن إدريس و لا الشيخ

____________

(1) ص 399.

(2) ص 18.

403

في الخلاف، و للتوقف فيه مجال لنجاسة الكافر في المشهور فكيف يفيد غيره الطهارة؟» انتهى و هو جيد.

أقول: لا يخفى ان الاخبار مختلفة في طهارة أهل الكتاب و نجاستهم و هذه الاخبار من جملة ما يدل على الطهارة، فمن ترجح عنده القول بالطهارة فلا اشكال عنده في هذه المسألة من هذه الجهة، و من ترجح عنده القول بالنجاسة- كما هو الأظهر- فللتوقف في هذا الحكم عنده مجال و ان كان ظاهر الكل ممن قال بالطهارة أو النجاسة قد حكموا بصحة هذا الحكم هنا، و هو مشكل كما ذكره شيخنا المشار اليه.

فرع [زوال الاضطرار بعد الغسل الاضطراري]

قال في الذكرى: «لو وجد بعد الغسل الاضطراري فاعل الاختياري فلا اعادة في غير من غسله كافر للامتثال، و الأقرب الإعادة في الكافر لعدم الطهارة الحقيقية» انتهى أقول: هذه الأقربية انما تتم على القول بنجاسة أهل الكتاب كما أشرنا إليه آنفا و اما على القول بطهارتهم فيصير الحكم فيه كسائر الافراد الاضطرارية من عدم وجوب الإعادة بل لا يبعد القول بتعين الإعادة على القول بالنجاسة، و بالجملة فإن من حكم بالأخبار المذكورة و أوجب الغسل في الصورة المشار إليها من غير توقف عنده و لا اشكال فلا وجه للقول بالإعادة عنده، لأن المأمور به في تلك الحال هو الغسل على هذه الكيفية و امتثال الأمر يقتضي الاجزاء، و اما من توقف في العمل بالاخبار و حصل له الاشكال بما ذكرناه في هذا المجال فلا ريب في تحتم الإعادة عنده لعدم حصول يقين البراءة عنده بذلك الغسل، و به يظهر ما في كلام صاحب الذخيرة في هذا المقام حيث انه بعد ان ذكر المسألة و ما ورد فيها من الخبرين المتقدمين و نقل عن المحقق استضعاف الخبرين و ان الكافر لا تصح منه القربة اعترضه فقال: «و فيه منع، ثم قال: و الظاهر عدم العدول عن الخبرين لما أشرنا إليه آنفا من ان الظاهر جواز العمل بالأخبار الموثقة خصوصا مع

404

اعتضادها بغيرها و بالشهرة بين الأصحاب و سلامتها من المعارض و تأيدها بالعمومات، ثم قال: و هل تجب اعادة الغسل لو وجد من يجوز له تغسيله من المسلمين؟ فيه قولان أقربهما نعم لأن المأمور به لم يوجد للتعذر فإذا ارتفع العذر لم يكن هنا معدل عن وجوبه» و فيه ان مقتضى الكلام الأول صحة العمل بالخبرين المذكورين و قبولهما من غير اشكال لما ذكره من المؤيدات و مقتضى ذلك عدم وجوب الإعادة، و قوله في الكلام الثاني: «لأن المأمور به لم يوجد» ان أراد المأمور به من ان يغسله مسلم فهو غير مسلم لأن المأمور به في الحال المذكورة انما هو غسل الكافر لتعذر المسلم فالمسلم غير مأمور به لتعذره و إلا للزم تكليف ما لا يطاق إذ الفرض تعذره فكيف يؤمر به و الحال كذلك؟ و متى ثبت ان المأمور به في تلك الحال انما هو الكافر للخبرين المذكورين المؤيدين عنده بما ذكر من وجوه التأييدات ثبت عدم الإعادة لأن امتثال الأمر يقتضي الاجزاء و الإعادة تحتاج الى دليل و ليس فليس، و هذا بحمد الله سبحانه واضح لا شبهة فيه. و الله العالم.

[فوائد]

و في المقام فوائد

(الأولى)- هل يصح الغسل من المميز أم لا؟

قولان، و تفصيل الكلام في المقام ان يقال ان غسل الميت ان كان انما هو لتطهيره من نجاسة الموت من غير ان تعتبر فيه النية- كما هو أحد القولين في المسألة- فلا كلام في وقوعه من المميز فإنه كغسل الثوب من النجاسة، و ان اعتبرنا فيه النية بناء على انه عبادة- كما هو المشهور و المؤيد المنصور- فاحتمالان: أحدهما صحة ذلك لان المميز يصح منه نية القربة و لأنه مأمور بالعبادة و هو يستلزم صحة نية القربة منه و إلا لامتنع الأمر له بذلك و اختار ذلك العلامة في بعض كتبه و المحقق في المعتبر، و الثاني العدم لعدم وقوع النية منه على الوجه المعتبر شرعا لانه تمرين، و به قال الشهيد في الدروس، و قال في الذكرى:

«المميز صالح لتغسيل الميت لصحة طهارته و امره بالعبادة، و يمكن المنع لان فعله تمرين و النية معتبرة» انتهى. و هو مؤذن بنوع توقف في ذلك. و الظاهر عندي هو الأول للأخبار الكثيرة الواردة في جواز عتق ابن عشر سنين و وصيته و صدقته و نحو ذلك،

405

و سيأتي في المباحث الآتية ان شاء الله تعالى ما فيه مزيد تحقيق للمقام.

(الثانية) [تغسيل الجنب و الحائض الميت]

- منع صاحب الفاخر من تغسيل الجنب و الحائض الميت، فإن أراد التحريم فهو مردود برواية

يونس بن يعقوب المتقدمة عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «لا تحضر الحائض الميت و لا الجنب عند التلقين و لا بأس ان يليا غسله».

و به صرح ابن بابويه، و قد تقدم نقل ذلك ايضا عن الفقه الرضوي (2).

(الثالثة) [أولوية الأب أو الجد عند فقد المماثل]

- إذا فقد الزوج و النساء في المرأة و وجد الأب و الجد فالمشهور ان الأب أولى لكونه هو الاولى بالميراث، و نقل عن ابن الجنيد ان الجد اولى لصلاحيته لولاية الأب و لتقديمه في النكاح. و رد بأنه معارض بالقرب و تقدمه في الحضانة. و الله العالم

(المقام الثاني)- في المغسول

و هو المسلم الغير الشهيد و يلحق به صدره منضما أو منفردا إجماعا نصا و فتوى، و تفصيل هذه الجملة يقع في مسائل:

[المسألة] (الأولى) [هل يغسل من لا يعتقد الحق؟]

- المشهور بين المتأخرين ان كل مظهر للشهادتين و ان لم يكن معتقدا للحق يجوز تغسيله عدا الخوارج و الغلاة فيغسله غسل المخالفين، و لو تعذر معرفته غسله غسل الإمامية. و قال المفيد (عطر الله مرقده) في المقنعة: «و لا يجوز لأحد من أهل الايمان ان يغسل مخالفا للحق في الولاية و لا يصلي عليه إلا ان تدعو ضرورة الى ذلك من جهة التقية» و استدل له الشيخ في التهذيب بان المخالف لأهل الحق كافر فيجب ان يكون حكمه حكم الكفار إلا ما خرج بدليل و إذا كان غسل الكافر لا يجوز فيجب ان يكون غسل المخالفين ايضا غير جائز، ثم قال: و الذي يدل على ان غسل الكافر لا يجوز إجماع الإمامية لأنه لا خلاف بينهم في ان ذلك محظور في الشريعة. أقول: و هذا القول عندي هو الحق الحقيق بالاتباع لاستفاضة الأخبار بكفر المخالفين و شركهم و نصبهم و نجاستهم كما أوضحناه بما لا مزيد عليه في الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب و ما يترتب عليه من المطالب. و ممن اختار هذا القول ابن البراج ايضا على ما نقل عنه،

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 43 من أبواب الاحتضار.

(2) الفقه ص 17.

406

و هو لازم للمرتضى و ابن إدريس لقولهما بكفر المخالف الا اني لم أقف على نقل مذهبهما في هذه المسألة، لكن ابن إدريس صرح بذلك في السرائر في مسألة الصلاة بعد ان اختار مذهب المفيد في عدم جواز الصلاة على المخالف، فقال ما هذا لفظه: «و هو أظهر و يعضده القرآن و هو قوله تعالى: «وَ لٰا تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً(1) يعني الكفار، و المخالف لأهل الحق كافر بلا خلاف بيننا» و بذلك صرح جملة من متأخري المتأخرين: منهم- الفاضل المولى محمد صالح المازندراني في شرح أصول الكافي، حيث قال: «و من أنكرها يعني الولاية فهو كافر حيث أنكر أعظم ما جاء به الرسول و أصلا من أصوله» و منهم- الفاضل المحقق المولى أبو الحسن الشريف المجاور بالمشهد الغروي على مشرفه أفضل الصلاة و السلام على ما وجدته في شرحه على الكفاية و هو من أفضل تلامذة شيخنا المجلسي، حيث ان صاحب الكتاب المذكور ممن يحكم بإسلام المخالفين تبعا للمشهور بين المتأخرين حيث قال في مطاوي كلام له: «و ليت شعري أي فرق بين من كفر بالله و رسوله و من كفر بالأئمة؟ مع ان كل ذلك من أصول الدين الى ان قال: و لعل أصل الشبهة عندهم زعمهم كون المخالف مسلما حقيقة، و هو توهم فاسد مخالف للاخبار المتواترة، و الحق ما قاله علم الهدى من كونهم كفارا مخلدين في النار، ثم نقل بعض الاخبار الدالة على ذلك ثم قال: ان الاخبار أكثر من ان تحصى و ليس هذا موضع ذكرها و قد تعدت عن حد التواتر، و عندي ان كفر هؤلاء من أوضح الواضحات في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)» انتهى كلامه. و اما ما استدل به في الذكرى- ان محل الغسل المسلم من

قول الصادق (عليه السلام): «اغسل كل الموتى إلا من قتل بين الصفين» (2).

- ففيه انه على عمومه غير معمول عليه لتصريحهم باستثناء بعض الموتى كما قدمنا نقله عنهم في صدر المسألة فكما استثنى من ذكروه بالأدلة الدالة على الكفر فكذا ما ندعيه للأدلة الصحيحة الصريحة الدالة على كفر هؤلاء المذكورين، و ليس هذا موضع ذكرها و من أحب الوقوف

____________

(1) سورة التوبة. الآية 85.

(2) الوسائل الباب 14 من غسل الميت.

407

عليها فليرجع الى كتابنا المذكور آنفا. و قال صاحب المدارك هنا بعد ان نقل كلام الشيخين المذكورين ما لفظه: «و المسألة قوية الاشكال و ان كان الأظهر عدم وجوب تغسيل غير المؤمن» و اقتفاه في الذخيرة أيضا فقال: «و لم اطلع على دليل يدل على وجوب الغسل لكل مسلم و لا إجماع ههنا و الأصل يقتضي عدم وجوب تغسيل غير المؤمن» انتهى. و لا يخفى ما فيه بعد الإحاطة بما أسلفناه، فإنه مع ثبوت الحكم بالإسلام فالواجب اجراء جميع أحكامه و لو بالأدلة العامة ان لم توجد الخاصة بذلك الجزئي، و العمومات الدالة على غسل الميت موجودة و مع الحكم بإسلام المخالف فلا وجه للعدول عنها. و بالجملة فإن الأصحاب في هذه المسألة بين قائلين اما بالإسلام فيجب الغسل البتة أو بالكفر فلا يجب بل لا يجوز، و احداث هذا القول في البين مما لا وجه له.

تنبيهات:

(الأول) [وجوب تغسيل السقط إذا تم له أربعة أشهر]

- لا خلاف نصا و فتوى في ان المتولد من المسلم في حكم المسلم طفلا كان أو مجنونا أو سقطا لأربعة أشهر فصاعدا، و قد تقدم في المسألة الرابعة من المقام المتقدم (1) جملة من اخبار غسل الصبي و الصبية. و اما ما يدل على حكم السقط فجملة من من الاخبار ايضا، و منها-

ما رواه في الكافي عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «السقط إذا تم له أربعة أشهر غسل».

و عن سماعة في الموثق عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن السقط إذا استوت خلقته يجب عليه الغسل و اللحد و الكفن؟ فقال كل ذلك يجب عليه».

و رواه الشيخ في الموثق ايضا مثله بأدنى تفاوت (4)

و ما رواه الشيخ عن احمد بن محمد عمن ذكره (5) قال: «إذا تم للسقط أربعة أشهر غسل. الحديث».

و في الفقه الرضوي (6) «و إذا أسقطت المرأة و كان السقط تاما غسل و حنط و كفن و دفن، و ان لم يكن تاما فلا يغسل و يدفن بدمه، و حد تمامه إذا اتى عليه أربعة أشهر».

و بهذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه، و قال في المدارك بعد ذكر

____________

(1) ص 396.

(2) الوسائل الباب 12 من غسل الميت.

(3) الوسائل الباب 12 من غسل الميت.

(4) الوسائل الباب 12 من غسل الميت.

(5) الوسائل الباب 12 من غسل الميت.

(6) ص 19.

408

مرفوعة محمد بن احمد ثم موثقة سماعة ما لفظه: «ثم لا يخفى ان الحكم في الرواية الثانية وقع معلقا على استواء الخلقة لا على بلوغ الأربعة اللهم الا ان يدعى التلازم بين الأمرين و إثباته مشكل» انتهى. أقول: لا اشكال بحمد الملك المتعال بعد ورود ذلك في اخبار الآل (عليهم صلوات ذي الجلال)، و منها-

ما رواه في الكافي (1) في الموثق عن الحسن ابن الجهم قال: «سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: قال أبو جعفر (عليه السلام) ان النطفة تكون في الرحم أربعين يوما ثم تصير علقة أربعين يوما ثم تصير مضغة أربعين يوما فإذا كمل أربعة أشهر بعث الله تعالى ملكين خلاقين فيقولان يا رب ما نخلق ذكرا أو أنثى؟ فيؤمران. الحديث».

و عن محمد بن إسماعيل أو غيره (2) قال:

«قلت لأبي جعفر (عليه السلام) جعلت فداك ندعو للحبلى ان يجعل الله تعالى ما في بطنها ذكرا سويا؟ قال تدعوا ما بينه و بين أربعة أشهر فإنه أربعين ليلة نطفة و أربعين ليلة علقة و أربعين ليلة مضغة فذلك تمام أربعة أشهر ثم يبعث الله تعالى ملكين خلاقين. الحديث».

و نحو ذلك أيضا صحيحة زرارة (3).

و هذه الاخبار- كما ترى- صريحة في انه بتمام الأربعة تمت خلقته، و بذلك صرح (عليه السلام) في الفقه الرضوي كما سمعت و اما

ما رواه الشيخ عن محمد بن الفضيل (4) قال: «كتبت الى ابي جعفر (عليه السلام) اسأله عن السقط كيف يصنع به؟ قال السقط يدفن بدمه في موضعه».

فحملها الشيخ و من تبعه على من نقص عن الأربعة، و هو جيد بقي الكلام في انه بعد غسله هل يجب تكفينه أو يلف بخرقة و يدفن؟ قولان و بالأول صرح الشهيد في الذكرى و جمع من الأصحاب و بالثاني المحقق، و الظاهر الأول لما عرفت من دلالة موثقة سماعة على ذلك و كذا عبارة كتاب الفقه، و الظاهر ان المراد منه التكفين بالقطع الثلاث لانه المتبادر من اللفظ.

____________

(1) ج 2 ص 85.

(2) ج 2 ص 85.

(3) ج 2 ص 85.

(4) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب غسل الميت.

409

و لو نقص السقط عن الأربعة سقط غسله، و ذكر الأصحاب انه يجب لفه في خرقة و لم أقف على مستنده. و المفهوم من عبارة كتاب الفقه هو انه يدفن بدمه من غير تعرض للفه، و كذا رواية محمد بن الفضيل المتقدمة المحمولة على ما قبل الأربعة.

(الثاني) [هل يلحق المسبي و اللقيط و المتخلق من الزنا بالمسلم في الحكم المذكور]

- قيل و يلحق بالمسلم أيضا في الحكم المذكور مسبيه و لقيط دار الإسلام أو دار الكفر و فيها مسلم صالح للاستيلاد بحيث يمكن الحاقه به و الطفل المتخلق من الزنا، و استشكل الشهيد الثاني في كون الطفل المسبي إذا كان السابي مسلما و الطفل المتخلق من ماء الزاني بحكم المسلم فيجب تغسيلهما، نظرا الى الشك في تبعية المسبي في جميع الأحكام و انما المعلوم تبعيته في الطهارة و عدم لحوق الثاني بالزاني شرعا، و الى إطلاق الحكم بالتبعية و كون الثاني ولدا لغة فيتبعه في الإسلام كما يحرم نكاحه. انتهى. و هو جيد و اما ابن الزنا البالغ المظهر للإسلام فلا خلاف في وجوب تغسيله كما ادعاه في المنتهى إلا من قتادة كما ذكره.

(الثالث) [حكم المشهور بكراهة تغسيل المخالف]

- المفهوم من عبائر كثير من الأصحاب في غسل المخالف هو الجواز على كراهية حيث انهم صرحوا بأنه يجوز غسله و صرحوا في المكروهات بأنه يكره، و الظاهر ان المراد من الجواز هنا هو معناه الأعم فيدخل فيه الواجب، قال شيخنا صاحب رياض المسائل: «و في وجوب تغسيل المخالف غير المحكوم بكفره كالناصب و نحوه خلاف و الأكثر على الوجوب، و ما يظهر من عبارات كثير من الأصحاب من الحكم بالجواز فالمراد به الجواز بالمعنى الأعم الشامل للواجب، و ما في بعضها من الحكم بجوازه على كراهية ربما ظهر منه عدم الوجوب في بادي الرأي و ليس كذلك بل الكراهة في متعلقة اي التعرض لتغسيله مع وجود الغير من المخالفين أو بمعنى نقص الثواب اي ان تغسيله ليس كتغسيله المؤمن في الأجر» انتهى. و قال في المدارك- بعد قول المصنف في تعداد المكروهات: و ان يغسل مخالفا فان اضطر غسله غسل أهل الخلاف- ما لفظه: «المراد بالكراهة هنا معناها المتعارف في العبادات ان ثبت وجوب تغسيل

410

المخالف و إلا كان تغسيله مكروها بالمعنى المصطلح أو محرما و قد تقدم الكلام فيه، و اما تغسيله غسل أهل الخلاف فربما كان مستنده ما اشتهر من

قولهم (عليهم السلام) (1):

«ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم».

و لا بأس به انتهى.

أقول: لا يخفى ما في هذه الكلمات كملا من الاختلال و الاضطراب و الخروج عن جادة الحق و الصواب، و ذلك انه متى ثبت بالأدلة المروية وجوب تغسيل المسلمين و ان الخطاب متوجه إلى كافة المكلفين و ان الغسل الشرعي الذي أمر به الشارع هو ان يكون على هذه الكيفية المشهورة بين الإمامية فالواجب على من توجه اليه الخطاب من المسلمين الموجودين ان يغسل هذا الميت المسلم بهذه الكيفية المنصوصة مخالفا كان أو مؤالفا فما ذكروه من هذه الكراهة و من التعبير بالجواز و من التخصيص بحال الاضطرار فكله مما لا يعرف له وجه وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه، فإنهم كما أوجبوا إجراء أحكام الإسلام على المخالف في حال الحياة من الحكم بطهارته و مناكحته و حقن ماله و دمه و موارثته و نحو ذلك فكذا بعد الموت، و اي دليل دل على الفرق بين الحالين حتى يتم ما ذكروه من هذه التخريجات؟ فان الجميع مرتب على الإسلام، و القائلون بمنع تغسيله انما صاروا اليه من حيث حكمهم بالكفر و هو ظاهر، و اما مع الحكم بالإسلام فكما انه لا فرق بينه و بين المؤمن في حال الحياة في تلك الأحكام فكذلك بعد الممات إلا ان يدل دليل على الفرق و ليس فليس، و أيضا فإن الكراهة حكم شرعي يتوقف على الدليل و اي دليل على كراهة غسل المخالف مع الحكم بإسلامه؟ فإن كان لمجرد كونه مخالفا فلأي شيء لم يثبتوا هذه الكراهة في الأحكام المترتبة على الحياة بل جعلوه مثل المؤمن مطلقا؟ على ان الكراهة في العبادات انما هو باعتبار وقوع العبادة على أنواع بعضها أكثر ثوابا و بعضها أقل ثوابا بالنسبة إلى أصل العبادة الخالية مما يوجب الراجحية أو المرجوحية كما تقدم تحقيقه، و هذا

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب 29 من مقدمات الطلاق و شرائطه و الباب 4 من ميراث الاخوة و الأجداد.

411

مما لا مجال له في هذا المقام، لان غسل المسلمين كملا واجب و هذا أحدهم و لم يرد هنا ما يدل على أفضلية غسل نوع من أنواع المسلمين و أكثرية ثوابه و اقلية آخر، و لو أريد باعتبار نقصان قدر المخالف و انحطاط درجته و ان كان مسلما جرى ذلك في الجاهل من المسلمين و المستضعفين بالنسبة إلى العالم الفاضل الورع مع انهم لم يصرحوا هنا بالكراهة، و أيضا فإنه على تقدير عدم الوجوب كما ذهب إليه في المدارك فإنه لا معنى لهذه الكراهة التي ذكرها بالمعنى المصطلح لان محلها الأمور الراجحة الترك الجائزة و الغسل عندهم من العبادات الشرعية كما صرحوا به، و حينئذ فإن تم الدليل على وجوبه كان واجبا و ان لم يثبت كان محرما و لا وجه للقول بالجواز فيه حتى يمكن إجراء الكراهة بالمعنى المصطلح فيه. و اما كون غسل المخالفين مخالفا لغسل الإمامية فهو ايضا لا يسوغ لهم العدول عن الغسل الشرعي عندهم المأمورين به إذ الخطاب المتعلق بهم و الوجوب الذي لزمهم باعترافهم انما هو بهذا الغسل المعمول عليه عندهم فالإتيان بغيره غير مبرئ للذمة، و اما ما ذكره المحقق من الضرورة فإنه لا معنى له على القول بالإسلام و وجوب تغسيلهم كما هو مذهبه، بل الضرورة إنما تتجه على مذهب من قال بتحريم غسلهم كما تقدم في عبارة المفيد القائل بتحريم غسلهم لكفرهم، فإنه قد تلجئه التقية من المخالفين الى مداخلتهم و مساعدتهم في مثل هذا و غيره فيغسله غسلهم، و اما من يوجب غسله كغيره من المؤمنين فإنه لا يجد بدا من القيام به لوجوبه عليه كفاية أو عينا ان انحصر الأمر فيه و لا يتوقف تغسيله له على الضرورة، نعم ربما تكون الضرورة بالتقية ملجئة إلى الانتقال من غسله غسل أهل الحق إلى تغسيله غسل المخالفين، فالضرورة ليست متعلقة بأصل الغسل و انما هي بالانتقال من أحد الفردين الى الآخر، و بذلك يظهر ما في استدلاله في المدارك بالخبر المذكور على ذلك فإنه لا معنى له و انما المستند التقية. و بالجملة فإني لا اعرف لهذه الكلمات الملفقة في هذا المقام وجها يبتنى عليه الكلام و ينتسق به النظام بل هو أظهر في البطلان من ان يحتاج بعد ما ذكرناه الى مزيد بيان و الله العالم.

412

(الرابع) [الكافر لا يجهز]

- الظاهر انه لا خلاف في انه لا يجوز للمسلم تغسيل الكافر و ان كان ذميا و لا تكفينه و لا دفنه و لو كان من قرابته أبا أو اما أو نحوهما، و نقل في الذكرى الإجماع عليه و استدل بالآية و هي قوله سبحانه:. وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ(1) قال و أولادهم يتبعونهم. أقول: و يدل على ذلك من الأخبار

ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار ابن موسى عن الصادق (عليه السلام) (2): «انه سئل عن النصراني يكون في السفر و هو مع المسلمين فيموت؟ قال لا يغسله مسلم و لا كرامة و لا يدفنه و لا يقوم على قبره و ان كان أباه».

و رواه الصدوق بإسناده عن عمار مثله،

و رواه الكليني مثله الى قوله: «و لا يقوم على قبره» (3).

و نقل المحقق في المعتبر عن شرح الرسالة للمرتضى انه روى فيه

عن يحيى بن عمار عن الصادق (عليه السلام) النهي عن تغسيل المسلم قرابته الذمي و المشرك و ان يكفنه و يصلي عليه و يلوذ به (4).

و روى احمد بن ابي طالب الطبرسي في الاحتجاج عن صالح بن كيسان (5): «ان معاوية قال للحسين (عليه السلام) هل بلغك ما صنعنا بحجر بن عدي و أصحابه شيعة أبيك؟ فقال (عليه السلام) و ما صنعت بهم؟ قال قتلناهم و كفناهم و صلينا عليهم. فضحك الحسين (عليه السلام) فقال خصمك القوم يا معاوية لكنا لو قتلنا شيعتك ما كفناهم و لا غسلناهم و لا صلينا عليهم و لا دفناهم».

و عن المرتضى في شرح الرسالة انه قال: «فان لم يك له من يواريه جاز مواراته لئلا ينتفخ» قال في الذكرى- بعد نقل ذلك عن المرتضى و الاحتجاج بقوله تعالى: «. وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً(6) و بتغسيل علي (عليه السلام) أباه و بجواز تغسيله حيا- يرد بأن ما بعد الموت من الآخرة لا من الدنيا، و نمنع كون ذلك معروفا لانه لم يعلم التجهيز إلا من الشرع فيقف على دلالة الشرع، و أبو علي (عليه السلام) قد قامت الأدلة القطعية على انه مات

____________

(1) سورة المائدة. الآية 51.

(2) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب غسل الميت.

(4) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب غسل الميت.

(5) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب غسل الميت.

(6) سورة لقمان. الآية 14.

413

مسلما و هذا من جملتها، و الغسل حيا للتنظيف لا للتطهير بخلاف غسل الميت. انتهى.

و هو جيد. و الله العالم.

(المسألة الثانية) [الشهيد لا يغسل و لا يكفن]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ان الشهيد و هو الذي قتل بين يدي الإمام (عليه السلام) و مات في معركة الحرب- لا يغسل و لا يكفن و انما يصلى عليه و يدفن، قال في المعتبر: انه إجماع أهل العلم خلا سعيد بن المسيب و الحسن فإنهما أوجبا غسله لان الميت لا يموت حتى يجنب، قال: و لا عبرة بكلامهما. و بنحو ذلك صرح العلامة في المنتهى.

و الأصل في هذه المسألة عدة من الأخبار: منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن ابان بن تغلب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يقتل في سبيل الله تعالى أ يغسل و يكفن و يحنط؟ قال يدفن كما هو في ثيابه إلا ان يكون به رمق ثم مات فإنه يغسل و يكفن و يحنط و يصلى عليه، ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى على حمزة و كفنه لانه كان قد جرد».

و رواه في الفقيه بطريقه الى ابان مثله.

و عن زرارة و إسماعيل بن جابر في الصحيح عن الباقر (2) قال: «قلت له كيف رأيت الشهيد يدفن بدمائه؟ قال نعم في ثيابه بدمائه و لا يحنط و لا يغسل و يدفن كما هو، ثم قال دفن رسول الله (صلى الله عليه و آله) عمه حمزة في ثيابه بدمائه التي أصيب فيها و رداه النبي بردائه فقصر عن رجليه فدعا له بإذخر فطرحه عليه و صلى عليه سبعين صلاة و كبر عليه سبعين تكبيرة».

و عن ابي مريم (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الشهيد إذا كان به رمق غسل و كفن و حنط و صلي عليه و ان لم يكن به رمق دفن في أثوابه».

و رواه في الفقيه بسنده الى ابي مريم مثله.

و عن ابان بن تغلب في الصحيح أو الحسن (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب غسل الميت.

(4) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب غسل الميت.

414

السلام) يقول: الذي يقتل في سبيل الله تعالى يدفن في ثيابه و لا يغسل الا ان يدركه المسلمون و به رمق ثم يموت بعد فإنه يغسل و يكفن و يحنط، ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كفن حمزة في ثيابه و لم يغسله و لكنه صلى عليه».

و عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ينزع عن الشهيد الفرو و الخف و القلنسوة و العمامة و المنطقة و السراويل إلا ان يكون اصابه دم فإن أصابه دم ترك و لا يترك عليه شيء معقود إلا حل».

و ما رواه في الكافي و التهذيب عن ابي خالد (2) قال: «اغسل كل شيء من الموتى الغريق و أكيل السبع و كل شيء إلا ما قتل بين الصفين فان كان به رمق غسل و إلا فلا».

و عن عمرو بن خالد عن زيد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إذا مات الشهيد من يومه أو من الغد فواروه في ثيابه و ان بقي أياما حتى تتغير جراحته غسل».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (4) «ان عليا (عليه السلام) لم يغسل عمار بن ياسر و لا هاشم بن عتبة المرقال و دفنهما في ثيابهما و لم يصل عليهما».

و رواه الصدوق مرسلا (5) ثم قال: «هكذا روي لكن الأصل ان لا يترك أحد من الأمة إذا مات بغير صلاة».

و قال في الفقه الرضوي (6): «و ان كان الميت قتيل المعركة في طاعة الله لم يغسل و دفن في ثيابه التي قتل فيها بدمائه و لا ينزع منه من ثيابه شيء إلا انه لا يترك عليه شيء معقود مثل الخف و تحل تكته و مثل المنطقة و الفروة، و ان اصابه شيء من دمه لم ينزع عنه شيء إلا انه يحل المعقود، و لم يغسل إلا ان يكون به رمق ثم يموت بعد ذلك فان

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب غسل الميت.

(4) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب غسل الميت.

(5) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب غسل الميت.

(6) ص 18.

415

مات بعد ذلك غسل كما يغسل الميت و كفن كما يكفن الميت و لا يترك عليه شيء من ثيابه، و ان كان قتل في معصية الله تعالى غسل كما يغسل الميت و ضم رأسه الى عنقه و يغسل مع البدن كما وصفناه في باب الغسل فإذا فرغ من غسله جعل على عنقه قطنا و ضم إليه الرأس و شده مع العنق شدا شديدا».

انتهى.

أقول: و الكلام في هذه الأخبار العلية المنار يقع في مواضع

(الأول) [هل الحكم مختص بالشهيد الذي يكون مع الإمام أو نائبه؟]

- المفهوم من جملة من اخبار المسألة ان من قتل في معركة الجهاد السائغ و لو مع غيبة الإمام (عليه السلام) كما إذا دهم المسلمين عدو يخاف منه على بيضة الإسلام فهو شهيد يجب ان يعمل به ما تضمنته هذه الاخبار، و نقل عن الشيخين (نور الله مرقديهما) تقييد ذلك بما إذا كان مع الإمام أو نائبه و تبعهما على ذلك أكثر الأصحاب. و أنت خبير بأن جملة هذه الأخبار خالية من هذا التقييد و انما المذكور فيها قتله في سبيل الله كما في صحيحتي ابان أو بين الصفين كما في رواية أبي خالد أو في المعركة كما في الفقه الرضوي، و بما ذكرناه صرح المحقق في المعتبر حيث قال بعد اختياره ما اخترناه و نقل قول الشيخين و إيراد بعض أخبار المسألة- ما لفظه: «فاشتراط ما ذكره الشيخان زيادة لم تعلم من النص» و هو حسن و بنحو ذلك صرح الشهيدان ايضا، و لا خلاف في انه لا يشمل غير هؤلاء ممن أطلقت الشهادة عليه.

(الثاني) [الحكم المذكور لا يشمل كل من أطلقت الشهادة عليه في الأخبار]

- انه قد ذكر جملة من الأصحاب بأنه قد أطلقت الشهادة في الأخبار على المقتول دون اهله و ماله و على المبطون و الغريق و غيرهم و المراد به هنا ما هو أخص من ذلك. أقول: الظاهر ان هذا التنبيه هنا مما لا حاجة إليه لأن مورد هذه الأخبار القتيل في سبيل الله و القتيل بين الصفين و في المعركة و نحو ذلك مما يختص بالفردين المتقدمين اعني ما ذكره الشيخان و من تبعهما من المقتول في معركة الإمام أو نائبه و ما ذكره في المعتبر من المجاهدين لمن دهم بلاد الإسلام، و التعبير بالشهيد و ان وقع في بعض الأخبار إلا ان قرينة سياق باقي الخبر ظاهرة في كونه في الحرب كالأمر بنزع تلك الأشياء عنه إلا ان يصيبها

416

الدم و نحو ذلك. نعم هذا التنبيه يصلح بالنسبة إلى عبائر الأصحاب حيث انهم انما يعبرون في هذه المسألة بالشهيد.

(الثالث) [ما يناط به الفرق بين وجوب التغسيل و عدمه في الشهيد]

- المفهوم من كلام الأصحاب إناطة الفرق في الشهيد بين وجوب تغسيله و عدمه بالموت في المعركة و عدمه فان مات في المعركة فلا غسل و ان مات خارج المعركة غسل كغيره، و المفهوم من الروايات المذكورة اناطة الفرق بإدراكه و به رمق و عدمه فإن أدرك و به رمق غسل و إلا فلا و هو أعم من ان يكون في معركة الحرب أم خارجها، و على هذا فلو أدرك في المعركة و به رمق ثم مات بعد ذلك فمقتضى الاخبار انه يغسل لصدق إدراكه و به رمق و على كلام الأصحاب لا يغسل لصدق موته في المعركة و الجمع بين الأخبار و كلامهم (رضوان الله عليهم) لا يخلو من اشكال.

(الرابع) [ما يدفن مع الشهيد]

- اختلف الأصحاب فيما يدفن مع الشهيد المذكور من لباسه، فقال الشيخ يدفن معه جميع ما عليه الا الخفين، و قد روى انه إذا أصابهما الدم دفنا معه و قال في الخلاف يدفن بثيابه و لا ينزع منه إلا الجلود. و قال الشيخ المفيد يدفن بثيابه التي قتل فيها و ينزع عنه من جملتها السراويل إلا ان يكون اصابه دم فلا ينزع عنه و يدفن معه و كذلك ينزع عنه الفرو و القلنسوة و ان أصابهما دم دفنا معه و ينزع عنه الخف على كل حال. و قال ابن بابويه في رسالته لا ينزع عنه شيء من ثيابه إلا الخف و الفرو و المنطقة و القلنسوة و العمامة و السراويل و ان أصاب شيئا من ثيابه دم لم ينزع عنه شيء. و قال ابن الجنيد ينزع عنه الجلود و الحديد و الفرو و المنسوج مع غيره و يخلع عنه السراويل إلا ان يكون فيه دم. و قال سلار لا ينزع عنه إلا سراويله و خفه و قلنسوته ما لم يصب شيئا منها دم فإن أصابها دم دفنت معه و لم تنزع. و قال ابن إدريس يدفن معه ما يطلق عليه اسم الثياب سواء أصابها دم أو لم يصبها، فاما غير الثياب فان كان سلاحا لم يدفن و ان اصابه الدم و ان كان غيره و هو الفرو و القلنسوة و الخف فإن أصاب شيئا من ذلك دمه فقد اختلف قول أصحابنا فيه فبعض ينزعه و ان كان قد اصابه دمه و بعض لا ينزعه إلا ان

417

يكون ما اصابه دمه فاما ان كان اصابه دمه فلا ينزعه. قال و هذا الذي يقوى عندي.

و المشهور بين المتأخرين هو دفنه بثيابه مطلقا أصابها الدم أو لم يصبها. و اما الجلود و نحوها من السلاح فإنها تنزع أصابها الدم أو لم يصبها لعدم صدق الثياب عليها فلا تدخل في النصوص الدالة على انه يدفن بثيابه و يكون دفنها معه تضييعا. و دعوى إطلاق الثوب على الجلود ممنوعة بأن المعهود عرفا هو المنسوج فينصرف إليه الإطلاق. أقول: لا يخفى ان صحيحتي أبان (1) قد دلتا على انه يدفن بثيابه و نحوهما صحيحة زرارة و إسماعيل بن جابر (2) و رواية أبي مريم (3) و موثقة عمار (4) و عبارة الفقه الرضوي (5) و هي مطلقة في اصابة الدم و عدمه و شاملة للسراويل و غيرها، و استثناء السراويل منها إلا إذا اصابه الدم- كما ذكره شيخنا المفيد و الشيخ علي بن بابويه و سلار- لا اعرف عليه دليلا إلا رواية عمرو بن خالد الاولى (6) و قد اشتملت ايضا على الجلود و انها تنزع إلا ان يكون أصابها الدم، و المتأخرون حيث قصروا الحكم على الثياب ردوا هذه الرواية بضعف السند و لم يعملوا بها، و مثلها في ذلك كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي، و الظاهر انه هو مستند الشيخ علي بن بابويه إلا ان عبارة كتاب الفقه خالية من استثناء السراويل و لعله سقط من نسخة الكتاب الذي عندي فإنها كثيرة الغلط لما عرفت و ستعرف من ان رسالة الشيخ علي بن بابويه إنما أخذ جلها من الكتاب المذكور، و بالجملة فالقول بمضمون الخبرين المذكورين في الجلود غير بعيد حيث لا معارض لهما، و اما بالنسبة إلى السراويل كما دلت عليه رواية عمرو بن خالد فالظاهر العمل في ذلك بالأخبار الكثيرة الدالة على الدفن بثيابه أصابها الدم أو لم يصبها الشامل ذلك للسراويل و غيرها، بل ظاهر كلامه في كتاب الفقه الدفن في السراويل لقوله (عليه السلام) بعد ان صرح أولا انه لا يترك عليه شيء معقود: «و تحل تكته» و التكة انما هي في السراويل فهو ظاهر في الدفن فيها بعد حل التكة.

(الخامس) [لا فرق في سقوط الغسل عن الشهيد بين الجنب و غيره]

- المشهور بين الأصحاب انه لا فرق في سقوط الغسل عن الشهيد

____________

(1) ص 413.

(2) ص 413.

(3) ص 413.

(4) ص 414.

(5) ص 414.

(6) ص 414.

418

بين كونه جنبا أو غيره لإطلاق الأخبار المتقدمة أو عمومها، و عن ابن الجنيد انه يغسل و نسب هذا القول الى السيد المرتضى (رضي الله عنه) في شرح الرسالة محتجا بإخبار النبي (صلى الله عليه و آله) بغسل الملائكة حنظلة بن الراهب لمكان خروجه جنبا.

و أجيب عنه بان تكليف الملائكة بذلك لا يدل على تكليفنا. و ربما استدل له ايضا بخبر

العيص عن الصادق (عليه السلام) (1): «في الجنب يموت يغسل من الجنابة ثم يغسل بعد غسل الميت».

و أجيب عنه بأنه لا دلالة فيه على محل النزاع فلا يعارض به إطلاق الأخبار المتقدمة أو عمومها مع انه معارض بجملة من الأخبار الدالة على التداخل في الأغسال كما سيأتي ان شاء الله تعالى في محلها، و منها- صحيحة

زرارة (2) قال: «قلت له ميت مات و هو جنب كيف يغسل و ما يجزيه من الماء؟ قال يغسل غسلا واحدا يجزي ذلك عنه لجنابته و لغسل الميت لأنهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة».

و سيأتي بيان القول في خبر العيص ان شاء الله تعالى في الموضع المشار اليه.

(السادس) [عدم الفرق بين أفراد الشهيد في الحكم]

- إطلاق الاخبار المتقدمة يقتضي عدم الفرق في الشهيد الذي لا يغسل و لا يكفن بين الصغير و الكبير و لا الرجل و المرأة و لا الحر و العبد و لا المقتول بالحديد أو الخشب أو الصدم أو اللطم و لا بين من عاد سلاحه عليه فقتله و غيره، كل ذلك عملا بالإطلاق المذكور، قيل انه كان في قتلي بدر و أحد أطفال كحارثة بن النعمان و عمرو بن ابي وقاص و قتل في الطف مع الحسين (عليه السلام) ولده المرضع و لم ينقل في ذلك كله غسل،

و روى (3): «ان رجلا أصاب نفسه بالسيف فلفه رسول الله (صلى الله عليه و آله) بثيابه و دمائه و صلى عليه فقالوا يا رسول الله أ شهيد هو؟ قال نعم و انا له شهيد».

و بالجملة كل موجود في المعركة ميتا و فيه اثر القتل، و انما وقع الخلاف في من وجد كذلك خاليا من اثر القتل فحكم العلامة و جماعة- و قبلهم الشيخ و جمع ممن تبعه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب غسل الميت.

(2) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه أبو داود في سننه ج 3 ص 21 رقم 2539.

419

بل الظاهر انه هو المشهور- بكونه شهيدا ايضا عملا بالظاهر و لان القتل لا يستلزم ظهور الأثر، و قيل ليس بشهيد للشك في الشرط و أصالة وجوب الغسل، و نسب الى ابن الجنيد و ظاهر الشهيدين في الذكرى و الروض التوقف حيث اقتصرا على نقل الخلاف، و هو جيد لعدم النص في المسألة إلا ان مذهب ابن الجنيد هو الأوفق بالقواعد الشرعية.

(السابع) [هل يعتبر في سقوط التكفين بقاء ثيابه عليه]

- صرح جملة من الأصحاب بان عدم تكفين الشهيد كما ورد مشروط ببقاء ثيابه عليه كما تدل عليه الاخبار من قولهم: «يدفن بثيابه» و إلا فلو جرد وجب تكفينه و استدل على ذلك بصحيحة أبان بن تغلب الأولى (1) الدالة على ان النبي (صلى الله عليه و آله) كفن عمه حمزة لأنه كان قد جرد. و ما ذكروه جيد إلا ان الرواية المذكورة لا تخلو من الإشكال لدلالة ما عداها من اخبار حمزة على انه دفن بثيابه كما في صحيحة زرارة و إسماعيل بن جابر (2) و ان تضمنت ان النبي (صلى الله عليه و آله) رداه بردائه و نحوها رواية أبي مريم، و لعل وجه الجمع بين الجميع حمل صحيحة أبان على انه جرد من بعض أثوابه فجعل (صلى الله عليه و آله) الرداء الذي تضمنه الحديث الآخر قائما مقام ما جرد منه و تممه بالإذخر كما في الخبر.

(الثامن) [توجيه الحديث المتضمن عدم الصلاة على عمار و هاشم]

- ما تضمنه حديث عمار (3)- من ان أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يصل على عمار و لا على هاشم المرقال- قد رده الأصحاب لمخالفته للإجماع من وجوب الصلاة على الشهيد و الاخبار الدالة على ذلك و قد تقدم كلام الصدوق في ذلك، و حمله الشيخ (رحمه الله) على وهم الراوي أولا ثم قال: و يجوز ان يكون الوجه فيه ان العامة تروي ذلك عن علي (عليه السلام) فخرج هذا موافقا لهم و جزم في موضع آخر بحمله على التقية (4) و هو جيد.

و قد روى في قرب الاسناد عن أبي البختري وهب بن وهب

____________

(1) ص 413.

(2) ص 413.

(3) ص 414.

(4) في المبسوط للسرخسى ج 2 ص 49 «إذا قتل الشهيد في المعركة لا يغسل و لا يصلى عليه عند الشافعي» و في المغني ج 2 ص 528 «إذا مات في المعترك لا يغسل رواية واحدة و هو قول أكثر أهل العلم و لا نعلم فيه خلافا إلا عن الحسن و سعيد بن المسيب و اما الصلاة عليه فالصحيح لا يصلى عليه و هو قول مالك و الشافعي و إسحاق و عن أحمد رواية انه يصلى عليه اختارها الخلال و هو قول الثوري و ابى حنيفة و في هذه الرواية إشارة إلى أن الصلاة مستحبة لا واجبة».

420

عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (1) «ان عليا (عليه السلام) لم يغسل عمار بن ياسر و لا عتبة يوم صفين و دفنهما في ثيابهما و صلى عليهما».

(التاسع)

- ما تضمنه خبر عمرو بن خالد الثاني (2)- من انه إذا مات الشهيد من يومه أو من الغد فواروه في ثيابه. إلخ- ظاهر المخالفة لجملة أخبار المسألة و لاتفاق الأصحاب من ان الدفن بثيابه من غير غسل انما هو لمن لم يدرك و به رمق و إلا فلو أدرك و به رمق وجب تغسيله كغيره و حمله الأصحاب على التقية لموافقته للعامة (3) و هو جيد.

(العاشر)

- ما تضمنه خبر عمرو بن خالد الأول (4) و كذا كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه (5)- من الأمر بحل ما كان معقودا عليه من اللباس الذي عليه كالسراويل و الخف على تقدير القول بدفنه فيه و نحوهما- مما لم يتعرض له الأصحاب في هذا المقام فيما اعلم، و يجب العمل بذلك لدلالة الخبرين المذكورين من غير معارض في البين.

(الحادي عشر) [حكم من قتل في المعصية]

- ما تضمنه كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه من

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب غسل الميت.

(2) ص 414.

(3) في المغني ج 2 ص 532 «ان حمل و به رمق اى حياة مستقرة فيغسل و يصلى عليه و ان كان شهيدا فان سعد بن معاذ غسل و صلى عليه، و قال مالك ان أكل أو شرب أو بقي يومين أو ثلاثة غسل و صلى عليه، و قال احمد ان تكلم أو أكل أو شرب صلى عليه، و قال إذا بقي المجروح في المعركة يوما الى الليل و مات يصلى عليه، و قال أصحاب الشافعي ان مات حال الحرب لم يغسل و لم يصل عليه و الا فلا» و في المبسوط للسرخسى ج 2 ص 51 «فان حمل من المعركة حيا ثم مات في بيته أو على أيدي الرجال غسل لانه صار مرتثا و قد ورد الأثر بغسل المرتث».

(4) ص 414.

(5) ص 414.

421

حكم من قتل في معصية من انه يغسل و يضم رأسه الى عنقه. الى آخره قد ورد ايضا

فيما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن العلاء بن سيابة (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) و انا حاضر عن رجل قتل فقطع رأسه في معصية الله تعالى أ يغسل أم يفعل به ما يفعل بالشهيد؟ فقال إذا قتل في معصية الله يغسل أولا منه الدم ثم يصب عليه الماء صبا و لا يدلك جسده و يبدأ باليدين و الدبر، و تربط جراحاته بالقطن و الخيوط، فإذا وضع عليه القطن عصب و كذلك موضع الرأس يعني الرقبة و يجعل له من القطن شيء كثير و يذر عليه الحنوط ثم يوضع القطن فوق الرقبة و ان استطعت ان تعصبه فافعل قلت فان كان الرأس قد بان من الجسد و هو معه كيف يغسل؟ فقال يغسل الرأس إذا غسل اليدين و السفلة بدأ بالرأس ثم بالجسد ثم يوضع القطن فوق الرقبة و يضم إليه الرأس و يجعل في الكفن، و كذلك إذا صرت الى القبر تناولته مع الجسد و أدخلته اللحد و وجهته للقبلة».

فروع:

(الأول) [حكم المقتولين من البغاة و المقتولين بأيديهم]

- من قتله البغاة من أهل العدل لا يغسل و لا يكفن لما تقدم من عدم تغسيل علي (عليه السلام) عمار بن ياسر و عتبة، و من قتله أهل العدل من البغاة فإنه لا يغسل ايضا و لا يكفن لانه عندنا كافر، صرح بذلك الشيخ في المبسوط و الخلاف، و عن الشيخ في السير من الخلاف فإنه يغسل و يصلى عليه، و هو ضعيف.

(الثاني)- قطاع الطريق

يغسلون و يصلى عليهم لان الفسق لا يمنع هذه الأحكام، صرح بذلك في المعتبر.

(الثالث)- لو اشتبه موتى المسلمين بالكفار في غير الشهداء

قال في الذكرى:

الوجه وجوب تغسيل الجميع لتوقف الواجب عليه، قال: و لو تميز بأمارة قوية عمل عليها و حينئذ لو مس أحدهم بعد غسله وجب الغسل بمسه لجواز كونه كافرا، و يمكن عدمه للشك في الحدث فلا يرفع يقين الطهارة، اما لو مس الجميع فلا إشكال في الوجوب.

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب غسل الميت.

422

(الرابع) [الترديد في إسلام الميت]

- قال في المعتبر: «لوجد ميت فلم يعلم أ مسلم هو أم كافر فان كان في دار الإسلام غسل و كفن و صلى عليه و ان كان في دار الكفر فهو بحكم الكافر لان الظاهر انه من أهلها و لو كان فيه علامات المسلمين لانه لا علامة إلا و يشارك فيها بعض أهل الكفر».

(المسألة الثالثة) [لو وجد بعض الميت]

- المشهور بين الأصحاب- بل الظاهر انه لا خلاف فيه- انه لو وجد بعض الميت فان كان فيه الصدر أو كان الصدر وحده وجب تغسيله و تكفينه و الصلاة عليه و دفنه، و ان لم يكن و كان فيه عظم غسل و لف في خرقة و دفن. و أطلق العلامة (رحمه الله) في جملة من كتبه ان صدر الميت كالميت في جميع أحكامه، و قال في المنتهى: و لو وجد بعض الميت فان كان فيه عظم وجب تغسيله بغير خلاف بين علمائنا و يكفن و ان كان صدره صلى عليه، ثم استدل بصحيحة علي بن جعفر الآتية، الى ان قال: أما لو لم يكن فيها عظم فإنه لا يجب غسلها و كان حكمها حكم السقط قبل أربعة أشهر و كذا البحث لو أبينت القطعة من حي. انتهى ملخصا. و قال في المعتبر: إذا وجد بعض الميت و فيه الصدر فهو كما لو وجد كله و هو مذهب المفيد في المقنعة، ثم ساق البحث الى ان قال: و الذي يظهر لي انه لا تجب الصلاة إلا ان يوجد ما فيه القلب أو الصدر و اليدان أو عظام الميت ثم استدل بصحيحة علي بن جعفر الآتية ثم ذكر رواية البزنطي و رواية الفضل بن عثمان الأعور. و قال الشهيد في الذكرى: و ما فيه الصدر يغسل لمرفوعة رواها البزنطي، ثم ساق متن الرواية و قال: و هو يستلزم أولوية الغسل، ثم نقل رواية الفضل بن عثمان. و قال بعدها: و لشرف القلب لمحلية العلم و الاعتقاد الموجب للنجاة، ثم قال: و كذا عظام الميت تغسل لخبر علي بن جعفر عن أخيه، ثم قال: و كذا تغسل قطعة فيها عظم، ذكره الشيخان و احتج عليه في الخلاف بإجماعنا و بتغسيل أهل مكة و اليمامة يد عبد الرحمن بن عتات ألقاها طائر من وقعة الجمل عرفت بنقش خاتمه و كان قاطعها الأشتر ثم قتله فحمل يده عقاب أو نسر. و قال في المختلف: «إذا وجد بعض الميت

423

فان كان الصدر فحكمه حكم الميت يغسل و يكفن و يحنط و يصلى عليه و يدفن، و ان كان غيره فان كان فيه عظم غسل و كفن من غير صلاة و ان لم يكن فيه عظم لف في خرقة و دفن من غير غسل و لا صلاة هذا هو المشهور بين علمائنا. و قال ابن الجنيد: و لا يصلى على عضو الميت و القتيل إلا ان يكون عضوا تاما بعظامه أو يكون عظما مفردا و يغسل ما كان من ذلك لغير الشهيد كما يغسل بدنه و لم يفصل بين الصدر و غيره. و قال علي ابن بابويه: فان كان الميت أكيل السبع فاغسل ما بقي منه و ان لم يبق منه إلا عظام جمعتها و غسلتها و صليت عليها و دفنتها».

أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة: منها-

ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن الرجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به؟ قال يغسل و يكفن و يصلى عليه و يدفن».

و زاد في الكافي و التهذيب «و إذا كان الميت نصفين صلى على النصف الذي فيه القلب».

و ما رواه في الفقيه عن الفضل بن عثمان الأعور عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (2) في الرجل يقتل فيوجد رأسه في قبيلة و وسطه و صدره و يداه في قبيلة و الباقي منه في قبيلة؟

قال ديته على من وجد في قبيله صدره و يداه و الصلاة عليه».

و روى المحقق في المعتبر عن البزنطي في جامعه عن احمد بن محمد بن عيسى عن بعض أصحابنا (3) يرفعه قال: «المقتول إذا قطع أعضاؤه يصلى على العضو الذي فيه القلب».

و الروايات باعتبار الصلاة في هذه المسألة كثيرة لكنها على غاية من الاختلاف و الاضطراب كما سيأتي البحث فيها ان شاء الله تعالى في كتاب الصلاة، و الأصحاب أوردوا منها ههنا هذه الروايات الثلاث، و تقريب الاستدلال عندهم فيما عدا صدر

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 38 من أبواب صلاة الجنازة.

(2) رواه في الوسائل في الباب 38 من أبواب صلاة الجنازة.

(3) رواه في الوسائل في الباب 38 من أبواب صلاة الجنازة.

424

صحيحة علي بن جعفر من هذه الاخبار انها دلت على وجوب الصلاة على الصدر و العضو الذي فيه القلب، و وجوب الصلاة مستلزم لوجوب الغسل بطريق اولى كما يفهم من عبارة الذكرى المتقدمة. و لا يخلو من الاشكال سيما بناء على ما يفهم من ظاهر صحيحة علي بن جعفر على رواية الشيخين المشار إليهما آنفا، من دلالة صدرها على وجوب الغسل و التكفين و الصلاة و الدفن بالنسبة إلى عظام الميت الخالية من اللحم من حيث انها مجموع بدن الميت كما تفيده اضافة الجمع، و دلالة عجزها بالنسبة إلى النصف الذي فيه القلب على الصلاة خاصة و لم يتعرض لذكر الغسل و لا التكفين، و الدفن و ان لم يذكر إلا انه يفهم من أدلة أخر، و الى ما ذكرناه أشار في المدارك ايضا فقال بعد نقل رواية الفضل بن عثمان و مرفوعة أحمد بن محمد بن عيسى: «و هاتان الروايتان مع ضعف سندهما إنما تدلان على وجوب الصلاة على الصدر و اليدين و العضو الذي فيه القلب خاصة و استلزام ذلك وجوب الغسل و التكفين ممنوع» انتهى. نعم وجوب الصلاة خاصة من غير غسل و لا تكفين لا يخلو من استبعاد بالنسبة إلى القواعد الشرعية. و بالجملة فإني لم أقف في الاخبار على ما يتضمن الأمر بالغسل في هذه المسألة إلا على صحيحة علي بن جعفر المتقدمة و نحوها

في كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (1): «و ان كان الميت اكله السبع فاغسل ما بقي منه و ان لم يبق منه إلا عظام جمعتها و غسلتها و صليت عليها و دفنتها».

و ما تقدم نقله عن علي بن بابويه عين عبارة كتاب الفقه و هو مصداق ما ذكرناه في غير موضع من اعتماد الصدوقين على هذا الكتاب و أخذ عبائره و الإفتاء بها، و ظاهر صدر هذه العبارة هو غسل ما يبقى منه بعد أكل السبع كائنا ما كان و ظاهر عجزها الصلاة على عظامه كما في صحيحة علي بن جعفر، و يحمل على العظام كملا كما يستفاد من تلك الصحيحة بحمل قوله: «و ان لم يبق منه الا عظام» على إرادة أكل اللحم خاصة و بقاء العظام، فيكون متفقا مع تلك الصحيحة على وجوب تلك

____________

(1) ص 18.

425

الأحكام في عظام الميت كملا، و هذا أقصى ما يمكن الحكم به من الأحكام المذكورة مضافا الى اتفاق الأصحاب في هذه الصورة و ما ذكر من حكم الصدر أو القلب، فلا ريب ان كلام الأصحاب هو الأوفق بالاحتياط و ان كان في استنباطه من الاخبار المذكورة نوع غموض و خفاء سيما مع اختلافها فيما يصلى عليه من الميت. و لو جعل الغسل تابعا للصلاة و حاصلا من الأمر بها بطريق الأولوية كما ذكره شيخنا الشهيد لا شكل عليهم ذلك في العظم المجرد كما دلت عليه

صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا قتل قتيل فلم يوجد إلا لحم بلا عظم لم يصل عليه و ان وجد عظم بلا لحم صلى عليه».

فان ظاهرها الصلاة على العظم المجرد و يلزم منه وجوب غسله مع انه لا قائل بشيء منهما فيه، إلا انه يمكن تأويل هذه الرواية بإرجاعها الى ما دلت عليه صحيحة علي بن جعفر من العظام كملا بان يكون المعنى انه ان كان الموجود من هذا القتيل بعد قتله جميع لحمه إلا انه لا عظم فيه فإنه لا يصلى عليه و ان وجدت عظامه خالية من اللحم صلي عليها، و لا بعد فيه إلا من حيث إطلاق العظم و ارادة المجموع و مثله في باب المجاز أوسع من ان ينكر، و سيجيء تحقيق الكلام في هذه الروايات ان شاء الله تعالى في محله من كتاب الصلاة، قال في الذكرى: «و يلوح ما ذكره الشيخان من خبر علي ابن جعفر لصدق العظام على التامة و الناقصة» و رد بان ظاهر الرواية ان الباقي جميع عظام الميت لأن إضافة الجمع يفيد العموم، على انه لو سلم تناولها للناقصة لم يتم الاستدلال بها على ما ذكره الشيخان لتضمنها وجوب الصلاة مع تصريحهما بنفيها.

بقي ان ما ذكره العلامة (قدس سره) من ان الصدر كالميت في جميع أحكامه مع الإغماض عن المناقشة التي قدمنا ذكرها، فإنه يشكل في وجوب الحنوط:

(أولا) من حيث عدم الدلالة على هذه الكلية و التصريح بذلك انما وقع في كلامهم لا في النصوص كما عرفت و هي انما اشتملت هنا على الأمر بالصلاة و لكنهم ألحقوا بها

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 38 من أبواب صلاة الجنازة.

426

الغسل لزوما بطريق الأولوية و كذلك التكفين. و (ثانيا)- بعدم وجود محله، و من ثم قال الشهيد (رحمه الله) في بعض تحقيقاته على ما نقل عنه على الإشكال في التحنيط:

«ان كانت محال الحنوط موجودة فلا إشكال في الوجوب و ان لم تكن موجودة فلا إشكال في العدم» و هو جيد.

هذا كله بالنسبة الى ما عدا القطعة ذات العظم من حي أو ميت و اما بالنسبة إليها كما ذكروه من إيجاب الغسل فيها فإنه قد رده جملة من متأخري المتأخرين بعدم الدليل عليه من الأخبار، قال في المدارك بعد نقل القول بذلك عن الشيخين و أتباعهما: «و احتج عليه في الخلاف بإجماع الفرقة و اعترف جمع من الأصحاب بعدم الوقوف في ذلك على نص لكن قال جدي ان نقل الإجماع من الشيخ كاف في ثبوت الحكم بل ربما كان أقوى من النص، و هو مناف لما صرح به في عدة مواضع من التشنيع على مثل هذا الإجماع و المبالغة، و قد تقدم منا البحث في ذلك مرارا. انتهى» أقول: فيه ايضا ان ما اعترض به على جده وارد عليه حيث انه في غير موضع وافق الأصحاب على هذا الإجماع و ان نازعهم في مواضع أخر. و بالجملة فالظاهر انه لا دليل لهم على ذلك إلا الإجماع. و ربما استدل على ذلك بكونها بعضا من جملة يجب تغسيلها حين الاتصال فيجب بعده عملا بالاستصحاب. و فيه- مع كونه لا يجري في القطعة المبانة من الحي و المدعى أعم منه- انه لو تم ذلك للزم منه وجوب تغسيل غير ذات العظم بل العظم المجرد و لا قائل به، و قد تقدم في فصل غسل (1) المس ما يتعلق بهذه المسألة من حيث إيجاب الغسل بمس القطعة المبانة من حي أو ميت.

و قد خطر هنا الآن شيء بالبال مما يمكن الاحتجاج به و الاستدلال في المسألتين المذكورتين، و ذلك بان يقال انه

قد روى المشايخ الثلاثة عن أيوب بن نوح في الصحيح عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «إذا قطع من الرجل قطعة

____________

(1) ص 341.

(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل مس الميت.

427

فهي ميتة فإذا مسه انسان فكل ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه».

و التقريب فيه ان يقال ان المراد بالميتة هنا ميتة الإنسان لا مطلق الميتة ليتم تفريع قوله: «فإذا مسه انسان فكل ما كان فيه عظم. الى آخر الخبر» و إذا ثبت إطلاق اسم ميتة الإنسان على القطعة المذكورة شرعا ثبت لها الأحكام المتعلقة بميت الإنسان من التغسيل و التحنيط و التكفين و الدفن و غير ذلك إلا ما أخرجه الدليل و الاقتصار هنا على تفريع وجوب غسل المس لا يوجب نفى ما سواه من الأحكام، و لعل تخصيصه بالذكر لأنه أخفى في الحكم و فرع في الوجوب على وجوب غسل الميت لانه ورد في الأخبار معلقا على من مس أو غسل ميتا من الناس بالشرطين المشهورين، فهو مشروط بتحقق الميت من الناس و عند تحققه يجب تغسيله فيجب الغسل على مغسله، و مرجع ذلك الى دعوى لزوم وجوب غسل المس لوجوب غسل الميت و كونه فرعا في الوجود عليه كما هو ظاهر الاخبار و كلام الأصحاب فكلما وجب الغسل بالموت وجب الغسل بالمس، فإيجاب غسل المس في الرواية للقطعة ذات العظم كاشف عن كونها مما يجب تغسيلها تحقيقا للملازمة، و منه يظهر وجوب التغسيل في الصدر و نحوه. و بالجملة فالاحتياط في أمثال هذه المقامات جيد و سبيله واضح.

و ظاهر الأكثر انه لا فرق في القطعة المبانة ذات العظم بين كونها من حي أو ميت، و قطع في المعتبر بدفن المبانة من حي من غير غسل مستندا إلى انها من جملة لا تغسل و لا يصلى عليها. و أجاب عن ذلك في الذكرى بأن الجملة لم يحصل فيها الموت بخلاف القطعة. أقول: أنت خبير بأن رواية أيوب بن نوح المذكورة مطلقة في القطعة المذكورة التي يجب بمسها الغسل المترتب ذلك على وجوب غسلها كما عرفت، و منه يظهر قوة القول المشهور.

و لو خلت القطعة من العظم فلا غسل و لا كفن و لا صلاة اتفاقا، و أوجب سلار لفها في خرقة و دفنها و لم يذكره الشيخان، و صرح في المعتبر بعدم وجوب اللف للأصل.

428

(المسألة الرابعة) [حكم من وجب عليه القتل]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في ان من وجب عليه القتل يؤمر بالاغتسال و التحنيط و التكفين ثم يقام عليه الحد و لا يغسل بعد ذلك، قال في الذكرى: «و لا نعلم فيه مخالفا من الأصحاب».

أقول: و يدل عليه

ما رواه في الكافي عن مسمع كردين عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «المرجوم و المرجومة يغتسلان و يتحنطان و يلبسان الكفن قبل ذلك ثم يرجمان و يصلى عليهما، و المقتص منه بمنزلة ذلك يغتسل و يتحنط و يلبس الكفن ثم يقاد و يصلى عليه».

و رواه الصدوق عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مرسلا.

و قال (عليه السلام) في الفقه الرضوي (2): «و ان كان الميت مرجوما بدئ بغسله و نحنيطه و تكفينه ثم يرجم بعد ذلك و كذلك القاتل إذا أريد قتله قودا».

أقول: قد قدمنا في فصل غسل المس (3) ما في هذه المسألة من الاشكال و لو لا اتفاق الأصحاب قديما و حديثا على الحكم المذكور لأمكن المناقشة فيه لخروجه عن مقتضى القواعد الشرعية و الأصول المرعية كما تقدم التنبيه عليه.

تنبيهات:

(الأول)

- هل يختص الحكم المذكور بزنا أو قود كما هو مورد الخبرين أو يشمل كل من وجب قتله؟ ظاهر الأصحاب الثاني و به صرح في الذكرى للمشاركة في السبب. و الأظهر الأول قصرا للحكم المخالف للأصول- كما عرفت- على مورده.

(الثاني)

- قد عبر الأصحاب في هذه المسألة بأنه يؤمر من وجب عليه الحد بالاغتسال و التحنيط و التكفين، قالوا: و الآمر هو الإمام أو نائبه. و أنت خبير بان الخبر الذي هو مستند الحكم عندهم خال من ذلك و كذا الخبر الذي نقلناه و انما ظاهرهما وجوب ذلك على المرجوم و المقتص منه، نعم يمكن تخصيص الأمر بما إذا كان جاهلا بذلك فيؤمر به و إلا فانا لا نعلم لهم مستندا لهذا الإطلاق.

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب غسل الميت.

(2) ص 19.

(3) ص 332.

429

(الثالث)

- قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض «و في تحتمه عليه أو التخيير بينه و بين غسله بعد الموت لقيامه مقامه نظر، هذا بالنسبة إلى الآمر اما المأمور فيجب عليه امتثال الأمر ان وجد» أقول: قد عرفت ان النص خال من الأمر و ان وجد ذلك في كلامهم. بقي الكلام في دلالة الخبر على تقديمه الغسل هل هو عزيمة أو رخصة؟ وجهان أقربهما الثاني و لعله أحوطهما أيضا لما عرفت آنفا.

(الرابع)

- الظاهر من الخبرين المتقدمين هو كون هذا الغسل الذي يقدمه مشتملا على الغسلات الثلاث و انه غسل الأموات قد أمر بتقديمه و ان كان حيا بدليل التحنيط و التكفين بعده، و احتمل في الروض الاكتفاء بغسل واحد. لكونه حيا و ذلك الغسل مخصوص بالأموات و لأن الأمر لا يقتضي التكرار و انما لم يغسل بعد ذلك للامتثال. و الظاهر بعده.

(الخامس)

- هل يدخل تحت هذا الغسل مع تقديمه شيء من الأغسال و يحصل به التداخل كما في سائر الأغسال الواجبة أم لا؟ جزم في الروض بالثاني قال: «اما عدم دخولها تحته فلعدم نية الرفع أو الاستباحة فيه و اما عدم دخوله تحتها فللمغايرة كيفية و حكما» و تردد الشهيد في الذكرى لظاهر الأخبار الدالة على الاجتزاء بغسل واحد

كخبر زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1): «في الميت جنبا يغسل غسلا واحدا يجزئ ذلك للجنابة و لغسل الميت و لأنهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة.».

و قيل عليه ان الظاهر ان الخبر ليس من هذا في شيء و يمنع اجتماع الحرمتين لأصالة عدم تداخل المسببات مع اختلاف الأسباب، و تداخلها في بعض المواضع لنص خاص. أقول: و المسألة محل توقف لاشتباه الحكم فيها.

(السادس)

- لو سبق موته قتله أو قتل بسبب آخر لم يسقط الغسل قطعا سواء بقي السبب الأول كالقصاص مع ثبوت الرجم أم لا كما لو عفى عن القود لانه سبب

____________

(1) الوسائل الباب 3 من غسل الميت و التعليل من الخبر كما في الذكرى و كتب الحديث.

430

جديد، وقوفا على ظاهر النص لان الحكم- كما عرفت- خارج عن مقتضى الأصول فيقتصر فيه على مورد النص.

(السابع)

- قالوا: و لا يجب الغسل بعد موته لقيام الغسل المتقدم مقام الغسل المتأخر عن الموت لاعتبار ما يعتبر فيه، و لا يرد لزوم سبق التطهير على النجاسة لأن المعتبر أمر الشارع بالغسل و حكمه بالطهر بعده و قد وجد الأمران، و ليست نجاسة الميت بسبب الموت عينية محضة و إلا لم يطهر، فعلم من ذلك ان تقديم الغسل يمنع من الحكم بنجاسته بعد الموت لسقوط غسله بعده و ما ذاك إلا لعدم النجاسة. أقول: لا ريب في صحة هذا الكلام بعد ثبوت النص و القول بما دل عليه، إلا انه مشكل لما قدمنا سابقا في بحث غسل المس من ان هذه الرواية معارضة بجملة من الأخبار الصحيحة الصريحة في مواضع عديدة فلا تبلغ قوة في تخصيصها و لكن إجماعهم على الحكم المذكور قديما و حديثا سد النزاع فيه، إلا انه

روى في الكافي (1) عن البرقي رفعه الى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «أتاه رجل بالكوفة فقال يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني.»

ثم ساق الخبر في حكاية رجمه و انه رجمه أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام) فمات الرجل قال: «فأخرجه أمير المؤمنين و أمر فحفر له و صلى عليه فدفنه فقيل يا أمير المؤمنين ألا تغسله؟ فقال قد اغتسل بما هو طاهر الى يوم القيامة و لقد صبر على أمر عظيم».

فإنه ظاهر في عدم وجوب الغسل بعد الرجم، إلا ان الخبر غير خال من الاشكال حيث ان ظاهره ان الرجل لم يغتسل قبل الرجم و مع هذا دفنه (عليه السلام) بغير غسل، قال شيخنا المجلسي في تعليقاته على الكافي على هذا الخبر: «المشهور بين الأصحاب وجوب تغسيل المرجوم ان لم يغتسل قبل الرجم و لعله (عليه السلام) امره بالغسل قبل الرجم و ان كان ظاهر التعليل عدمه، و الله يعلم» و بالجملة فالخبر المذكور خارج عن مقتضى الأصول مضافا الى ضعف سنده فلا اعتماد عليه، و المرجع انما هو

____________

(1) ج 2 ص 289.

431

ما أشرنا إليه من اتفاقهم على الحكم قديما و حديثا و يخرج الخبران المتقدمان شاهدين على ذلك. و الله العالم.

(المسألة الخامسة) [حكم الميت المحرم]

- المشهور بين الأصحاب ان المحرم إذا مات كالمحل إلا انه لا يقرب بالكافور، صرح به الشيخان و أتباعهما، و عن ابن ابي عقيل و المرتضى في شرح الرسالة انه لا يغطى رأسه و لا يقرب بالكافور.

و يدل على المشهور روايات: منها-

ما رواه في الكافي عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يموت كيف يصنع به؟ قال ان عبد الرحمن بن الحسن مات بالأبواء مع الحسين (عليه السلام) و هو محرم و مع الحسين عبد الله بن العباس و عبد الله بن جعفر و صنع به كما يصنع بالميت و غطى وجهه و لم يمسه طيبا قال و ذلك كان في كتاب علي (عليه السلام)».

و ما رواه الشيخ عن سماعة في الموثق (2) قال: «سألته عن المحرم يموت؟

فقال يغسل و يكفن بالثياب كلها و يغطى وجهه و يصنع به كما يصنع بالمحل غير انه لا يمس الطيب» و رواه الكليني مثله إلا انه أسقط «و يغطى وجهه».

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الله بن سنان في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يموت كيف يصنع به؟ فحدثني ان عبد الرحمن بن الحسن مات بالأبواء مع الحسين بن علي (عليهما السلام) و هو محرم و مع الحسين عبد الله ابن العباس و عبد الله بن جعفر فصنع به كما يصنع بالميت و غطى وجهه و لم يمسه طيبا، قال و ذلك في كتاب علي (عليه السلام)».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن المحرم إذا مات كيف يصنع به؟ قال يغطى وجهه و يصنع به كما يصنع بالحلال غير انه لا يقربه طيبا».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) مثله (5).

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب غسل الميت.

(4) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب غسل الميت.

(5) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب غسل الميت.

432

و ما رواه في الكافي عن ابي مريم في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «توفي عبد الرحمن بن الحسن بن علي بالأبواء و هو محرم و معه الحسن و الحسين و عبد الله بن جعفر و عبد الله و عبيد الله ابنا العباس فكفنوه و خمروا وجهه و رأسه و لم يحنطوه، و قال هكذا في كتاب علي (عليه السلام)».

و عن ابن أبي حمزة عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) «في المحرم يموت؟ قال يغسل و يكفن و يغطى وجهه و لا يحنط و لا يمس شيئا من الطيب».

و هذه الأخبار كلها- كما ترى- ظاهرة الدلالة على القول المشهور،

و نقل المحقق في المعتبر عن المرتضى انه احتج بما روى عن ابن عباس (3) «ان محرما و قصت به ناقته فذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه و آله) قال اغسلوه بماء و سدر و كفنوه و لا تمسوه طيبا و لا تخمروا رأسه فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا».

و في المختلف عن ابن ابي عقيل انه احتج بأن تغطية الرأس و الوجه مع تحريم الطيب مما لا يجتمعان و الثاني ثابت فالأول منتف، ثم أطال في بيان هذه المقدمة. و لا يخفى ما في هذين التعليلين العليلين من الضعف سيما في مقابلة النصوص المذكورة، و ليت شعري كأنهما لم يقفا على هذه النصوص و لم يراجعاها و إلا فالخروج عنها الى هذه الحجج الواهية لا يلتزمه محصل.

[فوائد]

و في المقام فوائد

(الاولى)

- لا فرق في هذا الحكم بين إحرام الحج و العمرة مفردة كانت أو متمتعا بها الى الحج، كل ذلك للعموم و لا بين كون موته قبل الحلق و التقصير أو بعده قبل طواف الزيارة لأن تحريم الطيب انما يزول به. اما لو وقع الموت بعد الطواف ففي تحريمه عليه اشكال من صدق إطلاق المحرم عليه و من حل الطيب له حيا فهنا اولى، و بالثاني صرح العلامة في النهاية. و المسألة محل توقف و ان كان

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه البخاري في كتاب الجنائز باب الكفن في ثوبين و باب الحنوط و باب كيف يكفن المحرم؟ و رواه مسلم في صحيحة ج 1 ص 457. و في الجميع الأمر بالتكفين في ثوبين.

433

ما اختاره في النهاية لا يخلو من قرب.

(الثانية)

- لا يلحق بالمحرم في هذا الحكم المعتدة عدة الوفاة و لا المعتكف من حيث تحريم الطيب عليهما حيين، لعدم الدليل على ذلك و بطلان القياس عندنا.

(الثالثة)

- الظاهر ان حكم الأعضاء التي يجب تغسيلها من الصدر و القلب و نحوهما حكم جميع البدن فيما ذكر. و عن الشيخ في النهاية و المبسوط انه قطع بتحنيط ما فيه عظم، قال و ان كان موضع الصدر صلى عليه ايضا.

(المقام الثالث)- في الغسل

[فضل تغسيل الميت]

و فيه فضل عظيم،

فعن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «أيما مؤمن غسل مؤمنا فقال إذا قلبه: «اللهم ان هذا بدن عبدك المؤمن قد أخرجت روحه منه و فرقت بينهما فعفوك عفوك» إلا غفر الله له ذنوب سنة إلا الكبائر».

و عنه (عليه السلام) (2) قال: «من غسل ميتا مؤمنا فأدى فيه الامانة غفر الله له. قيل و كيف يؤدي فيه الامانة؟ قال لا يخبر بما يرى، وحده الى ان يدفن الميت» هكذا رواه في الفقيه.

و احتمل بعض المحدثين ان قوله: «وحده الى ان يدفن الميت» من كلام الصدوق و المراد منه إخفاء ما يراه الى ان يدفن.

و عن الصادق (عليه السلام) (3) قال:

«ما من مؤمن يغسل مؤمنا و يقول و هو يغسله: «رب عفوك عفوك» إلا عفا الله تعالى عنه».

و عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: «كان فيما ناجى الله تعالى به موسى قال يا رب ما لمن غسل الموتى؟ فقال اغسله من ذنوبه كما ولدته امه».

و عن الصادق (عليه السلام) (5): «من غسل ميتا فستر و كتم خرج من الذنوب كيوم ولدته امه».

و عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) في خطبة طويلة (6) «من غسل ميتا فادى فيه الامانة كان له بكل شعرة منه عتق رقبة و رفع له مائة درجة. قيل يا رسول الله و كيف يؤدي فيه الامانة؟ قال يستر عورته و يستر شينه و ان لم يستر عورته و يستر شينه حبط اجره و كشفت

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب غسل الميت.

(4) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب غسل الميت.

(5) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب غسل الميت.

(6) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب غسل الميت.

434

عورته في الدنيا و الآخرة».

و البحث في هذا المقام يقع في موضعين

[الموضع] (الأول) [إزالة النجاسة عن بدن الميت قبل الغسل]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يجب امام الغسل إزالة النجاسة عن بدنه، قال في المنتهى انه لا خلاف فيه بين العلماء. قال في المعتبر في الاستدلال على ذلك: لان المراد تطهيره و إذا وجب إزالة الحكمية عنه فوجوب ازالة العينية أولى، و لئلا ينجس ماء الغسل بملاقاتها،

و لما رواه يونس عنهم (عليهم السلام) (1): «امسح بطنه مسحا رفيقا فان خرج منه شيء فأنقه».

و قال في المدارك- بعد قول المصنف: «و يجب إزالة النجاسة أولا» و بعد ان نقل عن العلامة انه لا خلاف فيه بين العلماء- ما لفظه: «و يدل عليه روايات: منها- قوله (عليه السلام)

في رواية الكاهلي (2): «ثم ابدأ بفرجه بماء السدر و الحرض فاغسله ثلاث غسلات».

و في رواية يونس (3): «و اغسل فرجه و انقه ثم اغسل رأسه بالرغوة».

و قد يناقش في هذا الحكم بان اللازم منه طهارة المحل الواحد من نجاسة دون نجاسة و هو غير معقول. و يجاب بعدم الالتفات الى هذا الاستبعاد بعد ثبوت الحكم بالنص و الإجماع، أو يقال ان النجاسة العارضة إنما تطهر بما يطهر غيرها من النجاسات بخلاف نجاسة الموت فإنها تزول بالغسل و ان لم يكن مطهرا لغيرها من النجاسات فاعتبر إزالتها أولا ليطهر الميت بالغسل. و في بعض نسخ الكتاب: ان هذه الأسباب من قبيل المعرفات و لا بعد في رفع نجاسة الموت بالغسل و توقف غيرها على ما يطهر به سائر النجاسات فيجب إزالتها أولا ليطهر الميت بالغسل».

أقول: فيه (أولا)- انه لا يخفى على من راجع الأخبار الواردة في كيفية غسل الميت و نظر فيها بعين التأمل انه لا اثر لهذا الذي ذكره الأصحاب فيها من انه يجب إزالة النجاسة أولا و ان اشتهر ذلك في كلامهم، و استدلال السيد السند (قدس سره)

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

(2) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

(3) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

435

على ذلك هنا بهاتين الروايتين عجيب منه (اما أولا)- فإن الماء المذكور فيهما مضاف و هو لا يزيل النجاسة الخبثية و لا يطهرها بلا ريب و لا إشكال لأن هذا الماء في الخبرين ماء الغسلة الاولى من الغسلات الثلاث. فان قيل: انهم اشترطوا في الخليطين ان لا يخرج بهما الماء عن الإطلاق. قلنا: نعم ذلك هو المشهور و لكن الذي اختاره السيد المذكور في المسألة- و هو الظاهر من الأخبار- عدم الاشتراط المذكور. و (اما ثانيا)- فان سياق الخبرين المذكورين- و به صرح جملة من الأصحاب- هو انه يستحب غسل الفرج في كل غسلة من الغسلات الثلاث بذلك الماء الذي يغسل به بدنه،

حيث قال (عليه السلام) في رواية الكاهلي المذكورة (1): «ثم ابدأ بفرجه بماء السدر و الحرض فاغسله ثلاث غسلات و أكثر من الماء و امسح بطنه مسحا رفيقا ثم تحول الى رأسه فابدأ بشقه الأيمن، الى ان قال بعد تمام الغسل بالسدر و الحرض: ثم رده الى قفاه و ابدأ بفرجه بماء الكافور و اصنع كما صنعت أول مرة، ثم ساق الكلام الى ان قال في الغسل بالماء القراح: ثم اغسله بماء قراح كما صنعت أولا: تبدأ بالفرج ثم تحول إلى الرأس. الحديث».

و اما

رواية يونس (2) فقال (عليه السلام) فيها: «و اعمد الى السدر فصيره في طست و صب عليه الماء و اضربه بيدك حتى ترتفع رغوته و اعزل الرغوة في شيء و صب الآخر في الإجانة التي فيها الماء ثم اغسل يديه ثلاث مرات كما يغتسل الإنسان من الجنابة الى نصف الذراع ثم اغسل فرجه و نقه ثم اغسل رأسه بالرغوة، و ساق الكلام في ذلك الى ان قال في الغسلة الثانية بالكافور: ثم صب الماء في الآنية و ألق فيها حبات كافور و افعل به كما فعلت في المرة الأولى ابدأ بيديه ثم بفرجه، ثم ساق الكلام الى ان قال في الغسلة الثالثة:

و اغسله بماء قراح كما غسلته في المرتين الأولتين. الحديث».

و من الأخبار في ذلك ايضا و ان كان مجملا

صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (3) و فيها «تبدأ بكفيه و رأسه ثلاث مرات بالسدر ثم سائر جسده و ابدأ بشقه الأيمن فإذا أردت أن تغسل

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

(2) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

(3) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

436

فرجه فخذ خرقة نظيفة فلفها على يدك اليسرى ثم ادخل يدك من تحت الثوب الذي على فرج الميت فاغسله من غير ان ترى عورته فإذا فرغت من غسله بالسدر. الحديث».

و في رواية عبد الله بن عبيد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الميت قال تطرح عليه خرقة ثم يغسل فرجه و يوضأ وضوء الصلاة. الحديث».

و رواية حريز (2) قال: «أخبرني أبو عبد الله (عليه السلام) قال: الميت يبدأ بفرجه ثم يوضأ وضوء الصلاة و ذكر الحديث».

و بالجملة فالمفهوم من هذه الأخبار و نحوها ان غسل الفرج فيها انما هو من حيث انه من مستحبات الغسل لا من حيث النجاسة.

و (ثانيا)- ان ما ذكره في جواب المناقشة المذكورة- من عدم الالتفات الى هذا الاستبعاد بعد ثبوت الحكم بالنص و الإجماع- فإن فيه ان النص لا وجود له كما عرفت و اما الإجماع ففيه ما قدمه قريبا في شرح قول المصنف: «و ان لم يكن و كان فيه عظم غسل و لف في خرقة» حيث نقل ثمة اعتراف جمع من الأصحاب بعدم النص على ذلك و نقل عن جده ان الشيخ قد نقل الإجماع على ذلك و هو كاف في ثبوت الحكم، ثم اعترضه بأنه مناف لما صرح به في عدة مواضع من التشنيع على مثل هذا الإجماع و المبالغة في إنكاره، ثم قال (قدس سره): «و قد تقدم منا البحث في ذلك مرارا» فكيف يتم له الاستناد إليه في هذا الحكم أو غيره؟ نعم الجواب الحق عن ذلك ما أجاب به ثانيا من قوله: «أو يقال ان النجاسة العارضة إنما تطهر بما يطهر غيرها.» و توضيحه انه لا شك ان الأحكام الشرعية من طهارة و نجاسة و حل و حرمة و نحوها موقوفة على التوقيف من الشارع، و المعلوم من الأخبار ان أفراد المطهرات متعددة بتعدد النجاسات فربما اشتركت جملة من النجاسات في مطهر واحد كالبول و الغائط و الدم و نحوها فإنما يطهرها الماء و في الاستنجاء من الغائط ربما طهره الأحجار و ربما اختص بعضها بمطهر مخصوص كالشمس و الأرض و النار و نحوها، و المعلوم من الأخبار ان المطهر لنجاسة الميت الحكمية

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب غسل الميت.

(2) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب غسل الميت.

437

و العينية انما هو الغسل بالمياه الثلاثة خاصة، فعلى هذا إذا أصاب بدنه غائط أو دم أو بول أو نحوها فإنه يجب إزالته أولا بمطهره الذي هو الماء خاصة و ان كانت نجاسة الموت بعينها باقية حتى يحصل مطهرها المذكور، إذ لو لم تزل هذه النجاسة أولا لتنجس بها ماء الغسل، و لا ضرورة هنا الى دعوى إجماع و لا إلى شيء من الأخبار كما لا يخفى على من نظر بعين التدبر و الاعتبار.

و اما ما ذكره في المعتبر- من قوله (عليه السلام)

في رواية يونس (1): «فان خرج منه شيء فأنقه».

- فليس فيه دلالة على ما ادعوه من وجوب الإزالة قبل الغسل لان هذا الكلام انما هو في الغسلة الثانية بماء الكافور، نعم فيه دلالة علي وجوب إزالة النجاسة عنه مطلقا و هو مما لا اشكال فيه كما يدل عليه ايضا ما ورد من وجوب الإزالة بعد الغسل. و بالجملة فالإشكال المذكور ضعيف لا وجه له بعد ما عرفت.

و قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: «و الاولى الاستناد الى النص و جعله تعبدا ان حكمنا بنجاسة بدن الميت كما هو المشهور و إلا لزم طهارة المحل الواحد من نجاسة دون نجاسة، و اما على قول المرتضى فلا إشكال لأنه ذهب الى كون بدن الميت ليس بنجس بل الموت عنده من قبيل الأحداث كالجنابة، فحينئذ يجب إزالة النجاسة الملاقية لبدن الميت كما إذا لاقت بدن الجنب» انتهى. و فيه ما عرفت من انه لا اثر لهذا النص المدعى بل ليس إلا الإجماع ان تم، و طهارة المحل الواحد من نجاسة دون اخرى متى اختلفت النجاستان و اختلف المطهران مما لا اشكال فيه، فان نجاسة الموت العينية أمر سار في جميع البدن لا يرتفع إلا بغسلة بالمياه الثلاثة، و نجاسة البول و الغائط و نحوهما الواقع في بدن الميت مخصوصة بمحل الملاقاة و مطهرها هو الماء المطلق خاصة، و لا بعد في طهارة البدن من هذه النجاسة العارضية مع بقاء تلك النجاسة السارية في جميع اجزاء البدن حتى يحصل مطهرها. و اما ما ذكره- من انه على قول المرتضى لا إشكال

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

438

لانه ذهب الى كون بدن الميت ليس بنجس. إلخ- فقد اعترضه فيه سبطه في المدارك بان المنقول عن المرتضى عدم وجوب غسل المس لا عدم نجاسة الميت، قال: بل حكى المصنف عنه في المعتبر في شرح الرسالة التصريح بنجاسته، و عن الشيخ في الخلاف انه نقل إجماع الفرقة على ذلك.

(الموضع الثاني)- في كيفية الغسل

، و هي مشتملة على الواجب و المندوب و المكروه، و لننقل جملة من اخبار المسألة ثم نذيلها ان شاء الله تعالى ببيان ما اشتملت عليه من الأحكام و ما ينكشف به عن الأقسام الثلاثة المشار إليها نقاب الإبهام.

فمنها-

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «إذا أردت غسل الميت فاجعل بينك و بينه ثوبا يستر عنك عورته اما قميص و اما غيره ثم تبدأ بكفيه و رأسه ثلاث مرات بالسدر ثم سائر جسده و ابدأ بشقه الأيمن، فإذا أردت أن تغسل فرجه فخذ خرقة نظيفة فلفها على يدك اليسرى ثم ادخل يدك من تحت الثوب الذي على فرج الميت فاغسله من غير ان ترى عورته، فإذا فرغت من غسله بالسدر فاغسله مرة أخرى بماء و كافور و بشيء من حنوطه ثم اغسله بماء بحت غسلة اخرى حتى إذا فرغت من ثلاث غسلات جعلته في ثوب ثم جففته».

و عن الكاهلي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الميت فقال استقبل بباطن قدميه القبلة حتى يكون وجهه مستقبل القبلة ثم تلين مفاصله فان امتنعت عليك فدعها، ثم ابدأ بفرجه بماء السدر و الحرض فاغسله ثلاث غسلات و أكثر من الماء و امسح بطنه مسحا رفيقا، ثم تحول الى رأسه فابدأ بشقه الأيمن من لحيته و رأسه ثم تثنى بشقه الأيسر من رأسه و لحيته و وجهه فاغسله برفق و إياك و العنف و اغسله غسلا ناعما ثم أضجعه على شقه الأيسر ليبدو لك الأيمن ثم اغسله من قرنه الى قدمه و امسح يدك على ظهره و بطنه بثلاث غسلات، ثم رده على جنبه الأيمن حتى يبدو لك الأيسر فاغسله

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

439

بماء من قرنه الى قدمه و امسح يدك على ظهره و بطنه بثلاث غسلات، ثم رده على قفاه فابدأ بفرجه بماء الكافور فاصنع كما صنعت أول مرة: اغسله بثلاث غسلات بماء الكافور و الحرض و امسح يدك على بطنه مسحا رفيقا، ثم تحول الى رأسه فاصنع كما صنعت أولا بلحيته من جانبيه كليهما و رأسه و وجهه بماء الكافور ثلاث غسلات، و أدخل يدك تحت منكبيه و ذراعيه و يكون الذراع و الكف مع جنبيه ظاهرة كلما غسلت منه شيئا أدخلت يدك تحت منكبيه و في باطن ذراعيه، ثم رده على ظهره ثم اغسله بماء قراح كما صنعت أولا: تبدأ بالفرج ثم تحول إلى الرأس و اللحية و الوجه حتى تصنع كما صنعت أولا بماء قراح. ثم أذفره بالخرقة و يكون تحتها القطن تذفره به إذفارا قطنا كثيرا ثم تشد فخذيه على القطن بالخرقة شدا شديدا حتى لا يخاف ان يظهر شيء، و إياك ان تقعده أو تغمز بطنه و إياك ان تحشو في مسامعه شيئا، فإن خفت ان يظهر من المنخر شيء فلا عليك ان تصير ثم قطنا فان لم تخف فلا تجعل فيه شيئا، و لا تخلل أظفاره. و كذلك غسل المرأة».

و عن يونس عنهم (عليهم السلام) (1) قال: «إذا أردت غسل الميت فضعه على المغتسل مستقبل القبلة، فإن كان عليه قميص فاخرج يده من القميص و اجمع قميصه على عورته و ارفعه من رجليه الى فوق الركبة و ان لم يكن عليه قميص فالق على عورته خرقة، و اعمد الى السدر فصيره في طست و صب عليه الماء و اضربه بيدك حتى ترتفع رغوته و اعزل الرغوة في شيء و صب الآخر في الإجانة التي فيها الماء، ثم اغسل يديه ثلاث مرات كما يغتسل الإنسان من الجنابة الى نصف الذراع ثم اغسل فرجه و نقه ثم اغسل رأسه بالرغوة و بالغ في ذلك و اجتهد ان لا يدخل الماء منخريه و مسامعه، ثم أضجعه على جانبه الأيسر و صب الماء من نصف رأسه الى قدمه ثلاث مرات و ادلك بدنه دلكا رفيقا و كذلك ظهره و بطنه، ثم أضجعه على جانبه الأيمن و افعل به مثل ذلك، ثم صب

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

440

ذلك الماء من الإجانة و اغسل الإجانة بماء قراح و اغسل يديك الى المرفقين، ثم صب الماء في الآنية و ألق فيها حبات كافور و افعل به كما فعلت في المرة الأولى: ابدأ بيديه ثم بفرجه و امسح بطنه مسحا رفيقا فان خرج شيء فأنقه ثم اغسل رأسه ثم أضجعه على جنبه الأيسر و اغسل جنبه الأيمن و ظهره و بطنه ثم أضجعه على جنبه الأيمن و اغسل جنبه الأيسر كما فعلت أول مرة ثم اغسل يديك الى المرفقين و الآنية و صب فيها الماء القراح و اغسله بالماء القراح كما غسلت في المرتين الأولتين، ثم نشفه بثوب طاهر و اعمد الى قطن فذر عليه شيئا من حنوط وضعه على فرجه قبلا و دبرا و احش القطن في دبره لئلا يخرج منه شيء، و حذ خرقة طويلة عرضها شبر فشدها من حقويه و ضم فخذيه ضما شديدا و لفها في فخذيه ثم اخرج رأسها من تحت رجليه الى الجانب الأيمن و أغرزها في الموضع الذي لففت فيه الخرقة و تكون الخرقة طويلة تلف فخذيه من حقويه الى ركبتيه لفا شديدا».

و منها-

ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (1):

«انه سئل عن غسل الميت؟ قال تبدأ فتطرح على سوأته خرقة ثم تنضح على صدره و ركبتيه من الماء ثم تبدأ فتغسل الرأس و اللحية بسدر حتى تنقيه ثم تبدأ بشقه الأيمن ثم بشقه الأيسر و ان غسلت رأسه و لحيته بالخطمي فلا بأس، و تمر يدك على ظهره و بطنه بجرة من ماء حتى تفرغ منهما ثم بجرة من كافور تجعل في الجرة من الكافور نصف حبة ثم تغسل رأسه و لحيته ثم شقه الأيمن ثم شقه الأيسر و تمر يدك على جسده كله و تنضب رأسه و لحيته شيئا ثم تمر يدك على بطنه فتعصره شيئا حتى يخرج من مخرجه ما خرج و يكون على يديك خرقة تنقى بها دبره، ثم ميل برأسه شيئا فتنفضه حتى يخرج من منخره ما خرج، ثم تغسله بجرة من ماء قراح فذلك ثلاث جرار فان زدت فلا بأس و تدخل في مقعدته من القطن ما دخل ثم تجففه بثوب نظيف. و قال: الجرة الأولى التي يغسل بها الميت بماء السدر و الجرة الثانية بماء الكافور تفت فيها فتا قدر نصف حبة و الجرة الثالثة بماء قراح».

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

441

و عن يعقوب بن يقطين في الصحيح (1) قال: «سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن غسل الميت أ فيه وضوء الصلاة أم لا؟ فقال: غسل الميت يبدأ بمرافقه فيغسل بالحرض ثم يغسل وجهه و رأسه بالسدر ثم يفاض عليه الماء ثلاث مرات، و لا يغسل إلا في قميص يدخل رجل يده و يصب عليه من فوقه، و يجعل في الماء شيئا من سدر و شيئا من كافور، و لا يعصر بطنه إلا ان يخاف شيئا قريبا فيمسح مسحا رفيقا من غير ان يعصر، ثم يغسل الذي غسله يده قبل ان يكفنه الى المنكبين ثلاث مرات، ثم إذا كفنه اغتسل».

و عن عبد الله بن عبيد (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الميت؟ قال تطرح عليه خرقة ثم يغسل فرجه و يوضأ وضوء الصلاة ثم يغسل رأسه بالسدر و الأشنان ثم بالماء و الكافور ثم بالماء القراح يطرح فيه سبع ورقات صحاح في الماء».

و عن سليمان بن خالد في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الميت كيف يغسل؟ قال: بماء و سدر و اغسل جسده كله و اغسله اخرى بماء و كافور ثم اغسله اخرى بماء. قلت ثلاث مرات؟ قال نعم. قلت فما يكون عليه حين يغسله؟

قال ان استطعت ان يكون عليه قميص فيغسل من تحت القميص».

و منها-

ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن مسكان عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن غسل الميت؟ فقال اغسله بماء و سدر ثم اغسله على اثر ذلك غسلة اخرى بماء و كافور و ذريرة ان كانت و اغسله الثالثة بماء قراح. قلت ثلاث غسلات لجسده كله؟ قال نعم قلت يكون عليه ثوب إذا غسل؟ قال ان استطعت ان يكون عليه قميص فغسله من تحته، و قال أحب لمن غسل الميت ان يلف على يده الخرقة حين يغسله».

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

(4) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

442

و عن علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن الميت هل يغسل في الفضاء؟ قال لا بأس و ان ستر بستر فهو أحب الي».

و عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) و سئل عن الرجل يحترق بالنار فأمرهم أن يصبوا عليه الماء صبا و ان يصلى عليه».

و ما رواه الشيخ عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) (3) قال: «ان قوما أتوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالوا يا رسول الله مات صاحب لنا و هو مجدور فان غسلناه انسلخ؟ فقال يمموه».

و قال (عليه السلام) في الفقه الرضوي (4): «و غسل الميت مثل غسل الحي من الجنابة إلا ان غسل الحي مرة واحدة بتلك الصفات و غسل الميت ثلاث مرات على تلك الصفات: تبتدئ بغسل اليدين الى نصف المرفقين ثلاثا ثلاثا ثم الفرج ثلاثا ثم الرأس ثلاثا ثم الجانب الأيمن ثلاثا ثم الجانب الأيسر ثلاثا بالماء و السدر ثم تغسله مرة أخرى بالماء و الكافور على هذه الصفة ثم بالماء القراح مرة ثالثة. فيكون الغسل ثلاث مرات كل مرة خمسة عشرة صبة و لا يقطع الماء إذا ابتدأت بالجانبين من الرأس إلى القدمين، فان كان الإناء يكبر عن ذلك و كان الماء قليلا صببت في الأول مرة واحدة على اليدين و مرة على الفرج و مرة على الرأس و مرة على الجنب الأيمن و مرة على الجنب الأيسر بإفاضة لا تقطع الماء من أول الجانبين الى القدمين، ثم عملت ذلك في سائر الغسل فيكون غسل كل عضو مرة واحدة على ما وصفناه، و يكون الغاسل على يديه خرقة و يغسل الميت من وراء الثوب أو يستر عورته بخرقة».

و قال (عليه السلام) في موضع آخر من الكتاب ايضا (5): «ثم ضعه على مغتسله من قبل ان تنزع قميصه أو تضع على فرجه خرقة و لين

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب غسل الميت.

(4) ص 20.

(5) ص 17.

443

مفاصله ثم تقعده فتغمز بطنه غمزا رفيقا، و تقول و أنت تمسحه: «اللهم اني سلكت حب محمد في بطنه فاسلك به سبيل رحمتك و يكون مستقبل القبلة، و يغسله اولى الناس به أو من يأمره الولي بذلك، و يجعل باطن رجليه إلى القبلة و هو على المغتسل، و تنزع قميصه من تحته أو تتركه عليه الى ان تفرغ من غسله لتستر به عورته و ان لم يكن عليه قميص ألقيت على عورته شيئا مما تستر به عورته، و تلين أصابعه و مفاصله ما قدرت بالرفق و ان كان يصعب عليك فدعه، و تبدأ بغسل كفيه ثم تطهر ما خرج من بطنه، و يلف غاسله على يده خرقة و يصب غيره الماء من فوق يديه ثم تضجعه و يكون غسله من وراء ثوبه ان استطعت ذلك و تدخل يدك تحت الثوب، و تغسل قبله و دبره بثلاث حميديات و لا تقطع الماء عنه، ثم تغسل رأسه و لحيته برغوة السدر و تتبعه بثلاث حميديات و لا تقعده ان صعب عليك، ثم أقبله الى جنبه الأيسر ليبدو لك الأيمن و مد يدك اليمنى الى جنبه الأيمن الى حيث تبلغ ثم اغسله بثلاث حميديات من قرنه الى قدمه فإذا بلغت وركه فأكثر من صب الماء و إياك ان تتركه، ثم اقلبه الى جنبه الأيمن ليبدو لك الأيسر وضع بيدك اليسرى على جنبه الأيسر و اغسله بثلاث حميديات من قرنه الى قدمه و لا تقطع الماء عنه، ثم اقلبه على ظهره و امسح بطنه مسحا رفيقا، و اغسله مرة أخرى بماء و شيء من الكافور و اطرح فيه شيئا من الحنوط مثل الغسلة الأولى، ثم خضخض الأواني التي فيها الماء و اغسله الثالثة بماء قراح و لا تمسح بطنه في الثالثة، و قل و أنت تغسله: «عفوك عفوك» فإنه من قالها عفا الله تعالى عنه، و عليك بأداء الأمانة فإنه روى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «انه من غسل ميتا مؤمنا فأدى فيه الامانة غفر له. قيل كيف يؤدي الأمانة؟ قال لا يخبر بما يرى» فإذا فرغت من الغسلة الثالثة فاغسل يديك من المرفقين إلى أطراف أصابعك و ألق عليه ثوبا تنشف به الماء عنه، و لا يجوز ان يدخل الماء الذي ينصب عن الميت من غسله في كنيف و لكن يجوز ان يدخل في بلاليع لا يبال فيها أو في حفيرة، و لا

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب غسل الميت.

444

يقلمن أظافيره و لا يقص شاربه و لا شيئا من شعره فان سقط منه شيء من جلده فاجعله معه في أكفانه، و لا تسخن له ماء إلا ان يكون ماء باردا جدا فتوقي الميت مما توقي منه نفسك، و لا يكون الماء حارا شديدا و ليكن فاترا» انتهى كلامه (عليه السلام).

أقول: فهذه جملة وافرة من الأخبار الجارية في هذا المضمار و بيان ما اشتملت عليه من الأحكام يقع في مسائل:

(الأولى) [وجوب تغسيل الميت بالمياه الثلاثة على الترتيب المذكور في الأخبار]

- ما اشتملت عليه هذه الاخبار- من التغسيل بالمياه الثلاثة على الترتيب المذكور فيها بماء السدر ثم بماء الكافور ثم بالماء القراح- مذهب الأصحاب (رضوان الله عليهم) لا اعلم فيه مخالفا إلا ما نقل عن سلار من الاكتفاء بغسل واحد و عن ظاهر ابن حمزة من عدم وجوب الترتيب بينها، و هما ضعيفان مردودان بما عرفت من الأخبار. و نقل عن سلار الاحتجاج على ما نقل عنه بالأصل و بقوله (عليه السلام)

في رواية علي عن أبي إبراهيم (1) قال: «سألته عن الميت يموت و هو جنب؟ قال غسل واحد».

و هاتان الحجتان بمكان من الضعف لأن الأصل يجب الخروج عنه بالدليل و قد تقدم، و الغسل الواحد في الرواية المذكورة انما أريد به الاكتفاء بغسل الميت عن غسل الجنابة كما دل على ذلك جملة من الأخبار فمعنى كونه واحدا يعني لا يتعدد بتعدد السبب فهو من جملة أخبار تداخل الأغسال المستفيض في الأخبار و غسل الميت عندنا واحد و ان اشتمل على ثلاث غسلات. و نقل على الترتيب في المعتبر اتفاق فقهاء أهل البيت (عليهم السلام).

(الثانية) [هل يوضأ الميت قبل الغسل]

- ما دل عليه خبر عبد الله بن عبيد (2) من الأمر بوضوء الميت امام غسله مما يدل بظاهره على مذهب ابي الصلاح من القول بوجوبه، و المفيد ذكر الوضوء في صفة غسل الميت إلا انه لم يصرح بوجوبه، و نحوه ابن البراج، و قال الشيخ في النهاية:

«و قد رويت أحاديث انه ينبغي ان يوضأ الميت قبل غسله فمن عمل بها كان أحوط»

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب غسل الميت.

(2) ص 441.

445

و قال في الخلاف: «غسل الميت كغسل الحي ليس فيه وضوء و في أصحابنا من قال يستحب فيه الوضوء قبله غير انه لا خلاف بينهم انه لا يجوز المضمضة و الاستنشاق فيه» و قال في المبسوط: «قد روى انه يوضأ الميت قبل غسله فمن عمل به كان جائزا غير ان عمل الطائفة على ترك العمل بذلك لان غسل الميت كغسل الجنابة و لا وضوء في غسل الجنابة» و قال سلار: «و في أصحابنا من يوضئ الميت و ما كان شيخنا (رضي الله عنه) يرى ذلك» و قال ابن إدريس: «و قد روى انه يوضأ وضوء الصلاة و هو شاذ و الصحيح خلافه، قال: و إذا كان الشيخ قال في المبسوط ان عمل الطائفة على ترك العمل بذلك لم يجز العمل بالرواية لأن العامل بها يكون مخالفا للطائفة».

أقول: الظاهر ان المشهور بين المتأخرين هو الاستحباب كما صرح به المحقق في المعتبر و العلامة في المختلف و المنتهى و الشهيد في الذكرى و غيرهم في غيرها.

و الذي يدل على الأمر به من الأخبار زيادة على الخبر المذكور

ما رواه الشيخ عن حريز في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «الميت يبدأ بفرجه ثم يوضأ وضوء الصلاة و ذكر الحديث».

و عن أبي خيثمة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «ان ابي أمرني أن اغسله إذا توفي و قال لي اكتب يا بني ثم قال إنهم يأمرونك بخلاف ما تصنع فقل لهم هذا كتاب ابى و لست أعدو قوله، ثم قال تبدأ فتغسل يديه ثم توضئه وضوء الصلاة ثم تأخذ ماء و سدرا. الحديث».

و عن معاوية بن عمار (3) قال: «أمرني أبو عبد الله (عليه السلام) ان أعصر بطنه ثم أوضيه ثم اغسله بالأشنان ثم اغسل رأسه بالسدر و لحيته ثم أفيض على جسده منه ثم ادلك به جسده ثم أفيض عليه ثلاثا ثم اغسله بالماء القراح ثم أفيض عليه الماء بالكافور

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

446

و بالماء القراح و اطرح فيه سبع ورقات سدر».

قال في الذكرى بعد ذكر هذا الخبر: «و في هذا الخبر غرائب» أقول: لعل ذلك من حيث دلالته بظاهره على انه تولى تغسيل الامام (عليه السلام) مع ما علم من الاخبار انه لا يغسله إلا إمام مثله، و من حيث دلالته على عصر بطنه مع النهي عنه في الاخبار، و من حيث دلالته على عدم الترتيب بين المياه الثلاثة و الاخبار و الإجماع- كما عرفت- على خلافه.

الا انه يمكن الجواب عن الأول بأن الضمير في «بطنه» يعود الى الميت المفهوم من قرائن المقام أو المتقدم في سابق هذا الكلام، إذ الظاهر ان هذا كلام مقتطع من حديث قبله.

و من العجب ان الأصحاب انما استدلوا لأبي الصلاح أو نقلوا الاستدلال عنه برواية

ابن ابي عمير عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «في كل غسل وضوء إلا غسل الجنابة».

مع ان هذه الأخبار التي ذكرناها واضحة الدلالة صريحة المقالة في مذهبه. و أعجب من ذلك ان المحقق في المعتبر أجاب عن هذه الرواية بعدم الصراحة في الوجوب و انها كما تحتمل الوجوب تحتمل الاستحباب، و تبعه في هذا الجواب جملة من المتأخرين كالشهيدين و غيرهما، مع انهم في غير موضع يستدلون بهذه الرواية على وجوب الوضوء مع الغسل كما تقدم البحث فيه في باب الجنابة.

و استدل على نفي الوضوء هنا بالأخبار الكثيرة الدالة على بيان الكيفية مع خلوها من التعرض لذكره و المقام مقام البيان. أقول: لقائل أن يقول ان غاية هذه الأخبار ان تكون مطلقة و القاعدة تقتضي تقييدها بالأخبار الدالة على وجوب الوضوء فلا منافاة. نعم صحيحة يعقوب بن يقطين المتقدمة (2) ظاهرة في نفيه حيث ان أصل السؤال انما وقع عن الوضوء في غسل الميت يعني وجوبه فخرج الجواب ببيان الكيفية عاريا عن التعرض له بنفي أو إثبات، و لا ريب أن إضراب الإمام (عليه السلام) عن ذلك انما يكون لعلة.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 35 من أبواب غسل الجنابة.

(2) ص 441.

447

و لو لا اتفاق العامة على الوضوء في غسل الميت كما نقله في المنتهى (1) لكان العمل باخبار الوجوب في غاية القوة، و ظاهر إضراب الإمام (عليه السلام) عن الجواب في صحيحة يعقوب المذكورة مشعر بالتقية. و اما القول بالاستحباب كما هو المشهور بين المتأخرين فلا وجه له لان تلك الاخبار ظاهرة في الوجوب لا معارض لها إلا إطلاق غيرها من الاخبار المتقدمة و قضية القاعدة المشهورة حمل مطلقها على مقيدها. (فان قيل) الحمل على التقية انما يكون عند وجود المعارض لها (قلنا) قد تكاثرت الاخبار بعرض الخبر على مذهب العامة و الأخذ بخلافه و ان كان لا معارض له ثمة حتى ورد انه إذا احتاج الى معرفة حكم من الأحكام و ليس في البلد من يستفتيه من علماء الإمامية يسأل فقهاء العامة و يأخذ بخلافهم (2) و قد ورد أيضا «إذا رأيت الناس مقبلين على شيء فدعه» و يؤيد ذلك ما تقدم عن الشيخ من ان عمل الطائفة على ترك العمل بذلك و ما يشعر به صحيح يعقوب بن يقطين. و بالجملة فالظاهر اما القول بالوجوب كما هو ظاهر الأخبار المذكورة أو طرحها و حملها على التقية كما ذكرنا و القول بالتحريم. و لعله الأقرب.

(الثالثة) [هل الأفضل تغسيل الميت عريانا أو في قميص؟]

- اختلف الأصحاب في انه هل الأفضل تغسيل الميت عريانا مستور العورة أو في قميص يدخل الغاسل يده تحته؟ قال في المختلف: «المشهور انه ينبغي ان ينزع القميص عن الميت ثم يترك على عورته ما يسترها واجبا ثم يغسله الغاسل. و قال ابن

____________

(1) في المغني ج 2 ص 457 «إذا أنجاه و أزال عنه النجاسة بدأ بعد ذلك فوضأه وضوء الصلاة.» و في عمدة القارئ شرح البخاري ج 4 ص 41 «وضوء الميت سنة كما في الاغتسال حال الحياة غير انه لا يمضمض و لا يستنشق عندنا» و في الأم للشافعي ج 1 ص 234 في مقام بيان صفة الغسل «ثم يوضئه وضوء الصلاة» و في بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 211 «قال أبو حنيفة لا يوضأ الميت و قال الشافعي يوضأ و قال مالك ان وضئ فحسن».

(2) كما في حديث على بن أسباط عن الرضا (عليه السلام) المروي في الباب 9 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

448

ابي عقيل السنة في غسل الميت ان يغسل في قميص نظيف، و قد تواترت الأخبار

عنهم (عليهم السلام) ان عليا (عليه السلام) غسل رسول الله (صلى الله عليه و آله) في قميصه ثلاث غسلات.

و قال الشيخ في الخلاف: يستحب ان يغسل الميت عريانا مستور العورة اما بان يترك قميصه على عورته أو ينزع القميص و يترك على عورته خرقة، الى ان قال دليلنا إجماع الفرقة و عملهم على انه مخير بين الأمرين. و قال أبو جعفر بن بابويه: و ينزع القميص عنه من فوق الى سرته و يتركه الى ان يفرغ من غسله ليستر به عورته فان لم يكن عليه قميص القى على عورته ما يسترها. و يدل على ما اختاره ابن ابي عقيل

ما رواه ابن مسكان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت يكون عليه ثوب إذا غسل؟ قال: ان استطعت ان يكون عليه قميص فغسله من تحته».

انتهى ما ذكره في المختلف. و قد ظهر من كلامه ان المشهور هو استحباب غسله مكشوف البدن ما عدا العورة، و كلام ابن ابي عقيل ظاهر في استحباب التغسيل في قميص و هو ظاهر من الاخبار كصحيحة ابن مسكان المذكورة و صحيحة يعقوب بن يقطين المتقدمة (2) و صحيحة سليمان ابن خالد المتقدمة (3) أيضا بل ظاهر صحيحة يعقوب الوجوب، و يعضدها أيضا الأخبار المتقدمة في تغسيل الزوجين المتكاثرة بكونه من وراء الثياب و بالجملة فقول ابن ابي عقيل هو الأظهر في المسألة، و ظاهر العلامة في كلامه المذكور الميل اليه حيث استدل لابن ابي عقيل بالصحيحة المذكورة و لم يستدل لغيره بشيء.

و ظاهر هذه الاخبار الدالة على أفضلية تغسيله في قميصه هو طهارة القميص بطهارة الميت من غير عصر إذا كان خاليا من نجاسة خبثية و الا وجب إزالتها أولا قبل الشروع في الغسل كما تقدم الكلام فيه، و كذا طهارة الخرقة التي يضعها على فرجه إذا جرده و الخرقة التي يلفها على يده، و بذلك صرح في الحبل المتين حيث قال: «و الظاهر عدم احتياج طهارة القميص الى العصر كما في الخرقة التي يستر بها عورة الميت. أقول: و قد

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

(2) ص 441.

(3) ص 441.

449

تقدم في صدر المقام الأول في التنبيهات الملحقة بالمسألة الثانية (1) ذكر الخلاف بين أصحابنا في طهر القميص و عدمه بدون العصر.

ثم انه مع استحباب تغسيله عاريا كما هو المشهور فإنهم صرحوا بأنه يفتق جيبه و ينزع ثوبه من تحته، ذكر ذلك الشيخان في النهاية و المبسوط و المقنعة و بالغ في المقنعة فقال: «يفتق جيبه أو يخرقه ليتسع عليه» قال في المدارك: «و لا خفاء في ان ذلك مشروط بإذن الورثة فلو تعذر لصغر أو غيبة لم يجز» أقول:

قد روى المحقق في المعتبر (2) عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: «ثم يخرق القميص إذا فرغ من غسله و ينزع من رجليه».

و هو- كما ترى- مطلق فلا يتقيد بما ذكره.

ثم ان ظاهر خبر يونس (3) انه يجمع القميص على موضع العورة بأن يخرج يده من القميص و يجذبه منحدرا الى سرته و يجرد ساقيه الى فوق الركبة، و ظاهر عبارة كتاب الفقه (4) انه يتخير بين نزع قميصه من تحته و بين ان يتركه عليه الى ان يفرغ من غسله

(الرابعة) [هل يجب استقبال القبلة بالميت حال الغسل؟]

- المشهور بين الأصحاب استحباب الاستقبال بالميت حال الغسل مثل حال الاحتضار، و في المختلف عن المبسوط القول بالوجوب حيث قال: «معرفة القبلة واجبة للتوجه إليها في الصلوات و استقبالها عند الذبيحة و احتضار الأموات و غسلهم» و قال في المدارك- بعد عد المصنف الاستقبال في حال الغسل من سنن الغسل- ما صورته «هذا قول الشيخ و أكثر الأصحاب بل قال في المعتبر انه اتفاق أهل العلم للأمر به في عدة روايات، و انما حمل على الندب جمعا بينها و بين

ما رواه يعقوب بن يقطين في الصحيح (5) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الميت كيف يوضع على المغتسل موجها وجهه نحو القبلة أو يوضع على يمينه و وجهه نحو القبلة؟ قال: يوضع كيف تيسر».

و نقل عن ظاهر الشيخ في المبسوط وجوب الاستقبال و رجحه المحقق الشيخ علي

____________

(1) ص 390.

(2) ص 72.

(3) ص 439.

(4) ص 443.

(5) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب غسل الميت.

450

محتجا بورود الأمر به ثم قال: و لا ينافيه ما سبق- يعني خبر يعقوب بن يقطين- لان ما تعسر لا يجب. و هو غير جيد لان مقتضى الرواية أجزاء أي جهة اتفقت فالمنافاة واضحة و حمل الأمر على الاستحباب متعين» انتهى كلامه. و بنحو ذلك صرح جده.

أقول: الظاهر عندي هو القول بالوجوب، و هو ظاهر العلامة في المنتهى حيث انه- بعد ذكر

صحيحة سليمان بن خالد و هي ما رواه في الصحيح (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا مات لأحدكم ميت فسجوه تجاه القبلة و كذلك إذا غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة فيكون مستقبل باطن قدميه و وجهه إلى القبلة».

- قال:

«و هذه أوامر تدل على الوجوب» انتهى. و مما يدل على ذلك ايضا خبر

الكاهلي المتقدم (2) و قوله فيه: «استقبل بباطن قدميه القبلة حتى يكون وجهه مستقبل القبلة».

و خبر يونس (3) و قوله فيه: «إذا أردت غسل الميت فضعه على المغتسل مستقبل القبلة».

و قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه (4): «و يكون مستقبل القبلة».

و اما ما توهموه- من منافاة صحيحة يعقوب بن يقطين المتقدمة لهذه الأخبار بناء على ما فهموه من ان المراد انه يوضع على اي كيفية كانت- ففيه ما ذكره شيخنا البهائي في الحبل المتين حيث قال- بعد الكلام في المسألة و نقله عن الشهيد الثاني انه استضعف كلام الشيخ علي و رده بما ذكره سبطه- ما صورته: «و أنت خبير بأن لقائل أن يقول ان الظاهر من قوله (عليه السلام): «يوضع كيف تيسر» التخيير بين الوضعين اللذين ذكرهما السائل اعني توجيهه إلى القبلة على هيئة المحتضر أو على هيئة الملحود فأجابه (عليه السلام) باجزاء ما تيسر من الأمرين، ففي الحديث دلالة على انه إذا تعسر توجيهه على هيئة المحتضر و تيسر التوجيه على هيئة الملحود فلا عدول عنه لأنه أحد توجيهي الميت فتأمل. و الظاهر ان هذا مراد شيخنا الشيخ علي أعلى الله قدره. و الأصح وجوب الاستقبال. و الله سبحانه

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 35 من أبواب الاحتضار.

(2) ص 438.

(3) ص 439.

(4) ص 443.

451

اعلم» انتهى كلامه. أقول: و بما ذكره يظهر ان الاخبار المتقدمة لا معارض لها فيجب العمل بها، و ما ذكره ان لم يكن أرجح- سيما مع ما عرفت غير مرة مما في الحمل على الاستحباب و ان اشتهر العمل عليه بين الأصحاب- فلا أقل ان يكون مساويا لما ذكروه، و به يسقط الاستدلال بالخبر المذكور على ما ذكروه من جواز الوضع كيف اتفق و يحتمل ايضا حمل خبر يعقوب بن يقطين على عدم إمكان الاستقبال المذكور في الاخبار فيوضع كيف اتفق، و به يحصل الجمع ايضا بين الاخبار المذكورة. و قد نقل في الحبل المتين القول بالوجوب ايضا عن الشهيدين في المسالك و الدروس، و هو الأقوى كما عرفت.

(الخامسة) [وجوب ستر عورة الميت حين الغسل]

- ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من وجوب ستر عورته بقميصه أو بخرقة مما وقع عليه الإجماع و لما علم من الشرع من تحريم النظر إلى العورة، نعم لو كان الغاسل ممن لا يبصر أو انه يثق من نفسه بكف البصر عن العورة بحيث يتيقن السلامة من الوقوع في ذلك المحذور فلا بأس، لأن وجوب الستر انما هو لمنع الأبصار فإذا أمكن من دون الستر لم يجب، إلا ان الأحوط ان لا يترك الستر استظهارا في المنع و قد استثني من ذلك الزوجان على تقدير جواز تغسيل كل منهما الآخر أو أحدهما الآخر مجردا. و قد تقدم تحقيق البحث في المسألة. و هل يجب ستر عورة الصبي الذي يجوز للنساء تغسيله مجردا أم لا؟ قرب في المعتبر عدم الوجوب بناء على جواز نظر المرأة إليه، قال: «و هو يدل على جواز نظر الرجل» و اعترضه في الذكرى قال: «فإن أراد إلى العورة أمكن توجه المنع إلا ان يعلل بعدم الشهوة فلا حاجة الى الحمل على النساء»

(السادسة) [هل يكفي غمس الميت مرة واحدة في كل من المياه الثلاثة]

- ما دل عليه جملة من الاخبار المتقدمة- من وجوب الترتيب في غسله بأن يبدأ بالرأس أولا ثم بالجانب الأيمن ثانيا ثم الأيسر- مما وقع الاتفاق عليه و قد ذكر جمع من المتأخرين انه يسقط الترتيب بغمس الميت بالماء غمسة واحدة بأن يغمس في كل ماء من المياه الثلاثة غمسة واحدة استنادا إلى رواية

محمد بن مسلم عن الباقر

452

(عليه السلام) (1) قال: «غسل الميت مثل غسل الجنب.».

و استشكله جمع من متأخري المتأخرين لما فيه من الخروج عن صرائح تلك الروايات المتكاثرة بهذه الرواية المجملة، إذ المماثلة لا تقتضي أن تكون من كل وجه فلعله باعتبار الترتيب أو عدم الوضوء أو نحو ذلك.

ثم انه هل الغاسل حقيقة هو الصاب أو المقلب؟ المشهور الأول، قالوا و تظهر الفائدة في النية فأيهما ثبت انه الغاسل تعلقت به النية، و مستندهم في ذلك هو ان الغسل شرعا جريان الماء على المحل و الصاب هو الذي حصل بفعله الجريان. و ربما علل الثاني بأن الصاب انما هو بمنزلة الآلة. أقول: لا يخفى ما في البناء على مثل هذه التعليلات العليلة، و الذي يظهر لي من الاخبار هو الثاني، و منها-

موثقة سماعة (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات و ليس عنده إلا نساء؟ قال تغسله امرأة ذات محرم و تصب النساء عليه الماء.».

و موثقة عبد الرحمن ابن ابي عبد الله البصري عن الصادق (عليه السلام) (3) و فيها «تغسله امرأته أو ذات محرمة و تصب عليه النساء الماء صبا.».

و حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (4) و فيها «تغسله امرأته أو ذو قرابته ان كانت له و تصب النساء عليه الماء صبا».

و هي- كما ترى- ظاهرة في ان الغسل انما هو للمباشر بيده لبدن الميت لا الصاب. و في عبارة كتاب الفقه المتقدمة (5) «و يلف غاسله على يده خرقة و يصب غيره الماء من فوق بدنه» و يدل على ذلك أيضا الأخبار المتقدمة الدالة على المماثلة و انه مع عدم المماثل لا بد من اشتراط المحرمية أو الزوجية بين الغاسل و الميت، فإنها إنما تنطبق على المباشر لبدن الميت لا الصاب عليه. فان الصب في هذه الاخبار و نحوها جائز من الأجانب الذين ليس بينهم و بين الميت محرمية و لا زوجية ثم انهم بناء على ما قدمنا نقله عنهم اختلفوا في انه هل تجب النية في كل غسلة من

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب غسل الميت.

(2) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب غسل الميت.

(3) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب غسل الميت.

(4) المروية في الوسائل في الباب 24 من أبواب غسل الميت.

(5) ص 443.

453

الغسلات الثلاث أم تكفي الواحدة؟ ظاهر الذكرى الاكتفاء بالواحدة بناء على ان هذا غسل واحد و ان تعده باعتبار كيفيته، و قيل بتعدد النية بتعدد الغسلات لتعدد الأغسال اسما و صورة و معنى، و هو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في الروض، و عن المحقق الشيخ علي في شرح القواعد التخيير بين نية واحدة و نية ثلاث عند أول كل غسل لأنه في المعنى عبادة واحدة و غسل واحد مركب من غسلات ثلاث و في الصورة ثلاث فيجوز مراعاة الوجهين، و تردد في المعتبر في وجوب النية في هذا الغسل مطلقا لانه تطهير للميت من نجاسة الموت فهو إزالة نجاسة كغسل الثوب ثم احتاط بوجوبها، و فرع في الذكرى على الخلاف في النية و عدمها جواز الغسل في المكان المغصوب و بالماء المغصوب و عدمه. أقول: و الوجه في ذلك انه على الأول يكون عبادة فلا يصح في المكان المغصوب و لا بالماء المغصوب كما صرحوا به في الوضوء و الغسل من الجنابة و نحوهما، و على الثاني يكون من قبيل ازالة النجاسات و هي غير مشترطة بشيء من ذلك.

ثم ان الغاسل ان اتحد وجب عليه النية و ان اشترك جماعة في غسله فان اجتمعوا في الصب اعتبرت النية من الجميع لاستناده الى الجميع فلا أولوية، و لو كان بعضهم يصب و الآخر يقلب وجبت على الصاب لانه الغاسل حقيقة و استحبت من المقلب. أقول:

و هذا البحث بجميع ما ذكر فيه من الشقوق و الأقسام مفروغ عنه عندنا لما أسلفنا لك تحقيقه في نية الوضوء، و كلامهم هذا مبني على النية المشهورة بينهم التي هي عبارة عن التصوير الفكري و الحديث النفسي الذي يترجمه قول القائل: افعل كذا لوجوبه أو ندبه قربة الى الله تعالى. و هذه ليست هي النية الحقيقية كما سلف تحقيقه.

(السابعة) [مقدار السدر الذي يضاف إلى الماء]

- أكثر الروايات المتقدمة مطلقة في السدر الذي يضاف الى الماء، و في رواية عبد الله بن عبيد (1) سبع ورقات، و كلام الأصحاب هنا مختلف، فاعتبر فيه بعضهم مسماه و الظاهر انه المشهور، و بعض ما يصدق به الاسم بمعنى ما يصدق عليه انه

____________

(1) ص 441.

454

ماء سدر و ماء كافور فلو كان السدر و رقا غير مطحون و لا ممروس لم يجز و كذا لو كان قليلا على وجه لا يصدق على ذلك الماء انه ماء سدر، و عن المفيد تقديره برطل و ابن البراج برطل و نصف، و اعتبر بعضهم سبع ورقات كما دل عليه الخبر المشار اليه.

و الظاهر من هذه الأقوال هو اعتبار ما يصدق به الاسم عملا بالأخبار الكثيرة المصرحة بماء السدر.

ثم انهم اختلفوا أيضا في انه لو خرج بذلك عن الإطلاق فهل يجوز التغسيل به أم لا؟

قولان اختار ثانيهما العلامة و غيره و الظاهر انه هو المشهور، و الى الأول مال في المدارك قال: «و إطلاق الاخبار و اتفاق الأصحاب على ترغية السدر كما نقله في الذكرى يقتضيان الجواز» و ظاهره في الذكرى التوقف في المسألة حيث انه اقتصر على نقل الأقوال في المسألة، فنقل عن الفاضل انه يشترط كون السدر و الكافور لا يخرجان الماء إلى الإضافة لانه مطهر و المضاف غير مطهر. ثم نقل قولي المفيد و ابن البراج، و قال: اتفق الأصحاب على ترغيته و هما يوهمان الإضافة و يكون المطهر هو القراح و الغرض بالأولين التنظيف و حفظ البدن من الهوام بالكافور لان رائحته تطردها. انتهى. و من هذا الكلام الأخير يعلم الجواب عما احتجوا به على المنع من انه مطهر و المضاف غير مطهر.

و بالجملة فالظاهر من الاخبار المتقدمة هو القول الأول، و استند الشهيد الثاني- بعد اختياره للقول المشهور و استدلاله عليه بما تقدم في كلام العلامة- إلى قوله (عليه السلام):

في صحيحة سليمان بن خالد و مثلها في صحيحة

عبد الله بن مسكان (1): «بماء و سدر».

فإنه ظاهر في اشتراط بقاء ماء السدر على الإطلاق. أقول: و مثل ذلك في عبارة كتاب الفقه الأولى (2) إلا ان ظاهر كلامه في الثانية (3) هو الغسل برغوة السدر، و ظاهر خبر يونس (4) مما يؤيد القول الأول و كذا ظاهر رواية الكاهلي (5). و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال لتصادم ظواهر الأدلة و تقابلها في ذلك. و اما ما ذكره في المدارك

____________

(1) ص 441.

(2) ص 442.

(3) ص 442.

(4) ص 439.

(5) ص 438.

455

من الاحتجاج بإطلاق الاخبار على الجواز ففيه ان الاخبار مختلفة في تأدية هذا المعنى كما عرفت فان ما عبر به في بعضها من قوله: «ماء و سدر» ظاهر في الدلالة على القول بعدم الجواز كما استدل به جده (قدس سره) في الروض على ذلك، و ما عبر به من قوله: «ماء السدر» فهو محتمل للحمل على كل من القولين، نعم ما ذكره من الاستناد الى الترغية جيد باعتبار دلالة رواية يونس و عبارة كتاب الفقه على انه يغسل بها الرأس، و ظاهرهما انه الغسل الواجب و لهذا ذكرا بعده غسل الجانب الأيمن من البدن. و اما ما ذكره في الذكرى- من انه يكون المطهر هو القراح و الغرض من الأولين التنظيف. إلخ- فهو غير صالح لتأسيس حكم شرعي لأنه مجرد ظن و استنباط لا دليل عليه، و لم لا يجوز ان يكون لكل من الغسل بماء السدر و ماء الكافور مدخل في التطهير؟ و كيف لا و قد اتفقوا على وجوب الترتيب بين الأعضاء الثلاثة فيهما كما في الأغسال الشرعية و اتفقوا على طهارتهما من النجاسة لتحصيل التطهير بهما و نحو ذلك من شروط الأغسال الشرعية، و لو كان الغرض منهما ما ذكره لم يتوقف ذلك على أمر آخر وراءه و الحال بخلاف ذلك و المسألة لا تخلو من نوع توقف و ان كان القول الأول لا يخلو من قرب. و ظاهر جملة من الأصحاب التوقف في ذلك ايضا كشيخنا الشهيد في الذكرى و الشيخ البهائي في الحبل المتين حيث اقتصروا على نقل كلام الأصحاب في المسألة. و الله العالم.

(الثامنة) [هل يجب غسل واحد أو ثلاثة أغسال عند عدم الخليطين؟]

- ظاهر الأصحاب الاتفاق على وجوب التغسيل بالماء القراح فيما إذا عدم الخليطان و انما الخلاف في وجوب غسلة واحدة به أو ثلاث غسلات؟ قولان، و بالأول جزم المحقق في المعتبر و السيد السند في المدارك و بالثاني ابن إدريس و العلامة في الإرشاد و الشهيد الثاني في الروض، و توقف في المنتهى و المختلف و هو ظاهر الشهيد في الذكرى.

و علل القول الأول- كما ذكره في المعتبر- بالأصل و بان المراد بالسدر الاستعانة على ازالة الدرن و بالكافور تطييب الميت و حفظه بخاصية الكافور من إسراع التغير

456

و تعرض الهوام و مع عدمها فلا فائدة في تكرار الماء مع حصول النقاء. أقول: و في التعليل الثاني ما عرفت آنفا من ان هذه العلة لا تخرج من ان تكون مستنبطة، إذ لا دلالة في شيء من الأخبار عليها و مع تسليم وجودها في الاخبار فاستلزامها لما ذكروه مردود بان علل الشرع انما هي من قبيل المعرفات لا انها علل حقيقية يدور المعلول مدارها وجودا و عدما، ألا ترى انه قد ورد في تعليل وجوب العدة على النساء ان العلة في ذلك استبراء الرحم مع وجوبها على من لم يدخل بها زوجها في الوفاة و على من طلقها أو مات عنها في بلاد بعيدة بعد مدة مديدة، و نحو ذلك ما ورد في علة غسل الجمعة من انه كانت الأنصار تعمل في نواضحها فإذا حضروا الجمعة تأذى الناس بروائحهم فأمر (صلى الله عليه و آله) بغسل الجمعة لذلك (1) مع ثبوت استحبابه أو وجوبه على القول به مطلقا بل ورد تقديمه على يوم الجمعة و قضاؤه بعده، و حينئذ فمع ورود هذه العلة التي ذكرها لا يجب اطرادها و دوران المعلول مدارها وجودا و عدما حتى انه مع فقد الخليطين يسقط الغسل عملا بالعلة المذكورة.

و علل القول الثاني- كما ذكره في الذكرى- بإمكان الجزء فلا يسقط بفوات الآخر لأصالة عدم اشتراط أحدهما بصاحبه. و قال في المنتهى: «لو لم يوجد السدر و الكافور وجب ان يغسل بالماء القراح، و في عدد غسله حينئذ إشكال ينشأ من سقوط الغسل بعدم ما يضاف إليه لأنه المأمور به و لم يوجد فيسقط الأمر، و من كون الواجب الغسل بماء الكافور أو السدر فهما واجبان في الحقيقة و لا يلزم من سقوط أحد الواجبين للعذر سقوط الآخر» و زاد في الروض الاستدلال على ما ذهب اليه من وجوب الثلاث

بقوله (عليه السلام) (2): «الميسور لا يسقط بالمعسور».

كما ورد في الخبر

و قوله

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.

(2) رواه النراقي في العوائد ص 81 و مير فتاح في العناوين ص 146 عن عوالي اللئالي عن أمير المؤمنين «(عليه السلام)».

457

(صلى الله عليه و آله): «إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم» (1).

و على هذا النحو كلماتهم في هذا المقام و هي مما لا تسمن و لا تغني من جوع كما لا يخفى على من له إلى الإنصاف ادنى رجوع، و المسألة غير منصوصة، و بناء الأحكام على هذه التعليلات العلية سيما مع تعارضها و تصادمها لا يخلو من المجازفة في أحكامه سبحانه، إلا انه ربما لاح من بعض الأخبار سقوط الغسل بالكلية في هذه الصورة مثل

موثقة عمار (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في قوم كانوا في سفر لهم يمشون على ساحل البحر فإذا هم برجل ميت عريان قد لفظه البحر و هم عراة ليس عليهم إلا إزار، كيف يصلون عليه و هو عريان و ليس معهم فضل ثوب يكفنونه به؟ فقال يحفر له و يوضع في لحده و يوضع اللبن على عورته لتستر عورته باللبن ثم يصلى عليه و يدفن.».

و نحوه خبر

محمد بن مسلم عن رجل من أهل الجزيرة (3) قال: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) قوم كسر بهم مركب في بحر فخرجوا يمشون على الشط فإذا هم برجل ميت عريان و القوم ليس عليهم إلا مناديل متزرين بها و ليس عليهم فضل ثوب يوارون به الرجل كيف يصلون عليه و هو عريان؟ فقال: إذا لم يقدروا على ثوب يوارون به عورته فليحفروا له قبره و يضعوه في لحده يوارون عورته بلبن أو حجارة أو تراب ثم يصلون عليه ثم يوارونه في قبره. الحديث».

و التقريب فيهما انه (عليه السلام) لم يتعرض لذكر الغسل في المقام بل أمر ان يحفر له و يوضع في حفرته و لم يتعرض لذكر غسله، و الظاهر انه لا وجه لسقوطه إلا فقد الخليطين فان ظاهر تلك الحال يشهد بتعذر وجوده و إلا فمجرد كونه عريانا لا يمنع من وجوب غسله و هم على ساحل البحر، و يعضد ذلك ان التكليف الشرعي انما تعلق بهذه المياه الثلاثة على الترتيب المخصوص و الكيفية المخصوصة في

____________

(1) رواه مسلم في صحيحة ج 1 ص 513 و النسائي ج 2 ص 1 و ابن حزم في المحلى ج 1 ص 64 رقم 100 بإسناد متصل الى ابى هريرة.

(2) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب صلاة الجنازة.

(3) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب صلاة الجنازة.

458

الاخبار و إيجاب غيرها بأي نحو كان بعد تعذرها يتوقف على الدليل الشرعي و النص الواضح الجلي و الركون الى هذه التعليلات العقلية- و ان زعموها أدلة شرعية بل قدموها على الأدلة السمعية سيما مع تصادمها كما عرفت- لا يخلو من المجازفة في أحكامه التي قد دلت الآيات و الروايات على النهي عن القول فيها بغير علم منه عز و جل أو من نوابه (عليهم السلام) و حملة كتابه (لا يقال): ان الواجب مع تعذر الغسل التيمم و هذان الخبران خاليان من التعرض له أيضا (لأنا نقول): غايتهما في ذلك ان يكونا مطلقين في هذا الحكم فيجب تقييدهما بما دل على الحكم المذكور من الأخبار كما سيأتي في المسألة بخلاف الغسل فإنه ليس هنا ما يوجب تقييد إطلاقها إذ لا رواية في المسألة كما عرفت، و روايات الغسل المتكاثرة إنما وردت بالخليطين و هما غير موجودين كما هو المفروض في المسألة.

و بذلك يظهر لك الكلام فيما فرعوا على هذه المسألة من مس الميت بعد غسله كذلك و قد تقدم الكلام في ذلك في فصل غسل المس (1) و كذا فيما لو وجد الخليطان بعد الغسل كذلك فهل يجب اعادة الغسل أم لا؟ و استظهر في المدارك هنا عدم وجوب الإعادة، قال: «لتحقق الامتثال المقتضي للإجزاء» أقول: لا يخفى ان هذه العبارة إنما يرمى بها في مقام وجود النص الشرعي و يكون المراد بالامتثال يعني امتثال أمر الشارع و هو الذي يقتضي الاجزاء لا في مثل هذا المقام المبني على هذه التخرصات و التخريجات العقلية. و أنت خبير بان للخصم ان يقول ان التكليف بالغسل بالخليطين ثابت بالنصوص التي لا ريب فيها، سقط التكليف به فيما إذا تعذر حتى دفن الميت، و ما لم يدفن فالخطاب الى من تعلق به الخطاب أولا متوجه و التكليف باق و هذا الغسل الذي وقع لم يقم عليه نص و لا دليل يعتمد عليه حتى يمكن حصول الامتثال به و رفع تعلق الخطاب. و بالجملة فإن البناء إذا كان على غير أساس تطرق اليه الهدم و الانطماس.

(التاسعة) [مستحبات غسل الميت]

- من المستحبات في هذا الغسل غسل اليدين الى نصف الذراع

____________

(1) ص 333.

459

و الفرجين في كل غسلة بمائها كما

في رواية يونس (1) «ثم اغسل يديه ثلاث مرات كما يغتسل الإنسان من الجنابة الى نصف الذراع ثم اغسل فرجه و نقه».

و في رواية الكاهلي (2) «ثم ابدأ بفرجه بماء السدر و الحرض فاغسله ثلاث غسلات».

و نحو ذلك في عبارة كتاب الفقه (3).

و قد ذكر جمع من الأصحاب انه يستحب أمام الغسلة الاولى ان يغسل رأسه برغوة السدر و لم أقف له على مستند في الأخبار، و غسل الرأس المذكور فيها برغوة السدر- كما تضمنه خبر يونس و عبارة كتاب الفقه أو بماء السدر كما في غيرهما- انما هو الغسل الواجب و لهذا ثنى (عليه السلام) في تلك الأخبار بعده بغسل الجانب الأيمن.

و لم يتعرض في الذكرى لهذا الحكم، و كذلك في المنتهى جعل غسل الرأس بالرغوة من اجزاء الغسل الواجب.

و ظاهر حديث الكاهلي استحباب البدأة في غسل الرأس بالشق الأيمن ثم بالشق الأيسر و به صرح جملة من الأصحاب: منهم- الشهيد في النفلية إلا انه جعل ذلك مما يستحب امام الغسل كما قدمنا ذكره و باقي الأخبار مطلقة في ذلك، و حينئذ فيمكن حمل إطلاق الأخبار على هذه الرواية.

و منها- استحباب التثليث في كل غسلة في غسل اليدين و الفرجين كما سمعت من هذه الاخبار، و كذا غسل الرأس و الجانب الأيمن و الجانب الأيسر كما صرح بذلك في عبارة كتاب الفقه الاولى و نحوها رواية الكاهلي و بذلك صرح الأصحاب أيضا، قال في الذكرى: «يستحب تقديم غسل يديه و فرجيه مع كل غسلة كما في الخبر و فتوى الأصحاب، و تثليث غسل أعضائه كلها من اليدين و الفرجين و الرأس و الجنبين بالإجماع، و حصرها الجعفي في كل غسلة خمس عشرة صبة لا تنقطع» أقول: ما نقله عن الجعفي من الخمس عشرة صبة قد صرح به (عليه السلام) في عبارة كتاب الفقه الاولى (4) و الوجه فيه

____________

(1) ص 439.

(2) ص 438.

(3) ص 442.

(4) ص 442.

460

ان الأعضاء المغسولة وجوبا و استحبابا خمسة و بتثليث كل منها يصير المجموع خمسة عشرة صبة، قال في الذكرى: «و الصدوق ذكر ثلاث حميديات و كأنه إناء كبير و لهذا مثل ابن البراج الإناء الكبير بالإبريق الحميدي» انتهى أقول: ما ذكره الصدوق في هذا المقام مأخوذ من عبارة كتاب الفقه الثانية (1) و هو في العبارة الاولى من عبارتيه المتقدمتين عبر عن التثليث الذي يستحب في كل عضو من الأعضاء الخمسة بالغسل ثلاثا ثلاثا و في العبارة الثانية عبر عنه بثلاث حميديات، و الظاهر من ذلك ان كل حميدية تقوم بغسلة من الغسلات الثلاث، فيصير مرجع العبارتين إلى أمر واحد.

و منها- ان لا يقطع الماء في كل غسلة من هذه الغسلات واجبة أو مستحبة حتى يتم غسل ذلك العضو، و بذلك صرح الأصحاب أيضا كما تقدم في نقل الذكرى عن الجعفي، و نقل فيها عن ابن الجنيد و الشيخ انهما قالا بعدم الانقطاع ايضا حتى يستوفى العضو، و قال في المنتهى: «يستحب لمن يصب الماء ان لا يقطعه بل يصب متواليا فإذا بلغ حقويه أكثر من الماء لان الاستظهار هناك أتم» و على هذا الحكم يدل كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه كما تقدم في كل من العبارتين و لم أقف على هذا الحكم في الاخبار إلا في هذا الكتاب.

و منها- اغتسال الغاسل قبل التغسيل ذكره بعض الأصحاب، قال في البحار:

«و قيل باستحباب الغسل لتغسيل الميت و تكفينه قبلهما و ان لم يمسه» و لم أعثر على من تعرض لنقل هذا القول سواه و كفى به، و يدل على هذا القول قوله (عليه السلام) في الفقه الرضوي (2) «تتوضأ إذا أدخلت القبر الميت و اغتسل إذا غسلته و لا تغتسل إذا حملته» و سيأتي ان شاء الله تعالى في باب الأغسال المستحبة ما يؤيد ذلك.

و منها- ان يجعل مع الكافور في الغسلة الثانية ذريرة كما تقدم في صحيحة عبد الله بن مسكان (3) و الذريرة- على ما ذكره الشيخ (رحمه الله) في التبيان- فتات

____________

(1) ص 442.

(2) ص 20.

(3) ص 441.

461

قصب الطيب و هو قصب يجاء به من الهند كأنه النشاب، و قال في المبسوط و النهاية يعرف بالقمحة بضم القاف و بفتح الميم المشددة و الحاء المهملة أو بفتح القاف و إسكان الميم، و قال ابن إدريس هي نبات طيب غير الطيب المعهود تسمى القمحان بالضم و التشديد، و قال المحقق في المعتبر انها الطيب المسحوق.

و منها ان يكثر الماء إذا بلغ حقويه حال الغسل، و يدل عليه

قوله (عليه السلام) في عبارة كتاب الفقه الثانية (1): «فإذا بلغت وركه فأكثر من صب الماء».

و به صرح في المنتهى كما تقدم في عبارته، و هذا الحكم مما انفرد به هذا الكتاب ايضا فيما اعلم.

و منها- تليين أصابعه و مفاصله فان امتنعت عليه تركها كما يدل عليه

قوله (عليه السلام) في رواية الكاهلي (2): «ثم تلين مفاصله فان امتنعت عليك فدعها».

و في عبارة كتاب الفقه الثانية «ثم لين مفاصله، الى ان قال و تلين أصابعه و مفاصله ما قدرت بالرفق و ان كان يصعب عليك فدعها».

قال في المعتبر: ثم تلين أصابعه برفق فان تعسر ذلك تركها و هو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) و في بعض أحاديثهم «تلين مفاصله» و قال في الذكرى: «يستحب تليين أصابعه برفق فان تعسر تركها و بعد الغسل لا تليين لعدم فائدته» ثم نقل عن ابن ابي عقيل انه نفاه مطلقا

لخبر طلحة بن زيد عن الصادق (عليه السلام) (3) «و لا يغمز له مفصل».

و حمله الشيخ على ما بعد الغسل، قال في المدارك بعد نقل حمل الشيخ المذكور: «و هو حسن» أقول:

قد روى الشيخ في الحسن عن حمران بن أعين (4) قال قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا غسلتم الميت منكم فارفقوا به و لا تعصروه و لا تغمزوا له مفصلا. الحديث».

و هو ظاهر في كون ذلك

____________

(1) ص 442.

(2) ص 438.

(3) المروي في الوسائل في الباب 11 من أبواب غسل الميت.

(4) رواه في الوسائل في الباب 9 و 11 من أبواب غسل الميت.

462

وقت الغسل لا بعده فلا يقبل تأويل الشيخ المذكور. و يمكن الجمع بين هذين الخبرين و ما تقدمهما بحمل هذين الخبرين على ما ينافي الرفق المأمور به في صدر الخبر مع ما دل عليه الخبران الأولان من الأمر بالتليين برفق فان امتنعت فدعها.

و منها- الرفق به حال الغسل كما تدل عليه حسنة حمران المذكورة،

و ما رواه الشيخ في الصحيح الى عثمان النوا (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) اني اغسل الموتى. قال أ و تحسن؟ قلت اني اغسل. قال إذا غسلت ميتا فارفق به و لا تعصره و لا تقربن شيئا من مسامعه بكافور».

و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه و لا نزع من شيء إلا شانه».

و منها- وضع الخرقة على يده حال الغسل كما تضمنته صحيحة عبد الله بن مسكان و نحوها عبارة كتاب الفقه الثانية (3) و ان كان في بعضها التخصيص بغسل العورة كما في صحيحة الحلبي أو حسنته و موثقة عمار (4) قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: و لا خلاف في رجحان وضع الغاسل خرقة على يده عند غسل فرج الميت، قال في الذكرى: و هل يجب؟ يحتمل ذلك لان المس كالنظر بل أقوى و من ثم ينشر حرمة المصاهرة دون النظر، اما باقي بدنه فلا يجب فيه الخرقة قطعا و هل يستحب؟ كلام الصادق (عليه السلام) يشعر به. انتهى. أقول: الظاهر انه لا وجه لنسبة الوجوب هنا الى الاحتمال كما ذكره مع ما علم من تحريم مس العورة نصا و فتوى في حال الحياة و الحكم في الموت كذلك مؤيدا بما ذكره و بالجملة فالظاهر ان وضع الخرقة لغسل العورة واجب و لسائر البدن مستحب و منها- كون الغسل تحت سقف لا في الفضاء و عليه تدل صحيحة علي بن جعفر

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب غسل الميت.

(3) ص 441 و 442.

(4) ص 438 و 440.

463

المتقدمة (1) و مثلها رواية

طلحة بن زيد عن الصادق (عليه السلام) (2) «ان أباه (عليه السلام) كان يستحب ان يجعل بين الميت و بين السماء ستر يعني إذا غسل».

و قوله: «يعني إذا غسل» الظاهر انه من كلام الراوي أو من كلام الصادق (عليه السلام)، و نقل في الذكرى ان عليه اتفاق علمائنا. قال في المعتبر: «و لعل الحكمة كراهة ان يقابل السماء بعورته».

و منها- كثرة الماء ففي

رواية الكاهلي (3) «و أكثر من الماء».

و في موثقة عمار (4) «لكل من المياه الثلاثة جرة جرة».

و في صحيحة حفص بن البختري عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) يا علي إذا أنا متّ فاغسلني بسبع قرب من بئر غرس» و في آخر «ست قرب».

أقول: و غرس بالغين المعجمة و سكون الراء بئر بالمدينة، و يؤيده أخبار التثليث المتقدمة، قال في الذكرى: «و لا حد في ماء الغسل غير التطهير كما مر، و ظاهر المفيد صاع لغسل الرأس و اللحية بالسدر ثم صاع لغسل البدن بالسدر، و في المعتبر عن بعض الأصحاب ان لكل غسلة صاعا و هو مختار الفاضل في النهاية» و ربما ظهر من هذه الأقوال عدم اجزاء ما دون ذلك، قال في المعتبر: قيل يغسل الميت بتسعة أرطال في كل غسلة كالجنب

لما روى عنهم (عليهم السلام) (6) «ان غسل الميت كغسل الجنابة».

و الوجه انقاؤه بكل غسلة من غير تقدير، ثم استدل

بما رواه محمد بن الحسن الصفار (7) قال:

«كتبت الى ابي محمد (عليه السلام) كم حد الماء الذي يغسل به الميت كما رووا ان

____________

(1) ص 442.

(2) المروية في الوسائل في الباب 30 من أبواب غسل الميت.

(3) ص 438.

(4) ص 440.

(5) المروية في الوسائل في الباب 28 من أبواب غسل الميت.

(6) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب غسل الميت.

(7) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب غسل الميت.

464

الحائض تغتسل بتسعة أرطال فهل للميت حد؟ فوقع: حده يغسل حتى يطهر ان شاء الله تعالى».

أقول: قال الصدوق في الفقيه بعد نقل الخبر المذكور: «هذا التوقيع في جملة توقيعاته الى محمد بن الحسن الصفار عندي بخطه (عليه السلام) في صحيفته» و منها- الدعاء في حال الغسل،

ففي رواية سعد الإسكاف عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «أيما مؤمن غسل مؤمنا فقال إذا قلبه: «اللهم ان هذا بدن عبدك المؤمن قد أخرجت روحه منه و فرقت بينهما فعفوك عفوك» إلا غفر الله تعالى له ذنوب سنة إلا الكبائر».

و في صحيحة إبراهيم بن عمرو عن الصادق (عليه السلام) (2) قال:

«ما من مؤمن يغسل مؤمنا و يقول و هو يغسله: «يا رب عفوك عفوك» إلا عفا الله تعالى عنه».

و منها- ان يوضع على ساجة و هو خشب مخصوص ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) قالوا و المراد هنا مطلق الخشب، قال في المبسوط: يجعل على ساجة أو سرير و قال في المدارك: «و ينبغي كونه على مرتفع و ان يكون مكان الرجلين اخفض حذرا من اجتماع الماء تحته» و علل بما فيه من صيانة الميت عن التلطخ. و لم أقف في شيء من الاخبار على ما فيه تعرض لذلك سوى

رواية يونس (3) و قوله: «فضعه على المغتسل مستقبل القبلة».

و كتاب الفقه و قوله (عليه السلام) فيه (4): «ثم ضعه على مغتسله».

و قوله:

«و تجعل باطن رجليه إلى القبلة و هو على المغتسل».

و الظاهر ان الإجمال فيه لاستمرار السلف عليه و معلوميته من غير ان يعتبر فيه نوع مخصوص و لا شيء معين، قال ابن الجنيد «يقدم اللوح الذي يغسل عليه الى الميت و لا يحمل الميت الى اللوح».

و منها- ان يحفر للماء حفيرة أو يكون في بالوعة و لا يجعل في كنيف، و يدل عليه

صحيحة محمد بن الحسن الصفار (5) «انه كتب الى ابي محمد (عليه السلام) هل

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب غسل الميت.

(2) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب غسل الميت.

(3) ص 439.

(4) ص 442.

(5) المروية في الوسائل في الباب 29 من أبواب غسل الميت.

465

يجوز ان يغسل الميت و ماؤه الذي يصب عليه يدخل إلى بئر كنيف؟ فوقع (عليه السلام) يكون ذلك في بلاليع».

و يدل على الحفيرة

قوله (عليه السلام) في حسنة سليمان بن خالد (1) «و كذلك إذا غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة فيكون مستقبلا بباطن قدميه و وجهه إلى القبلة».

و في كتاب الفقه (2) «و لا يجوز ان يدخل ما ينصب عن الميت من غسله في كنيف و لكن يجوز ان يدخل في بلاليع لا يبال فيها أو في حفيرة».

و ظاهره التحريم كما ترى.

و منها- ان يجعل في دبره شيء من القطن قال في الخلاف: يستحب ان يدخل في سفل الميت شيء من القطن لئلا يخرج منه شيء. و نحوه قال ابن الجنيد و زاد القبل من المرأة و أضاف إلى القطن الذريرة و ان يحشى كل منهما بمقدار ما يؤمن معه نزول شيء من الجوف. و قال سلار و يضع القطن على دبره. و قال ابن إدريس يحشو القطن على حلقة الدبر، و بعض أصحابنا يقول في كتاب له و يحشو القطن في دبره. و الأول أظهر. أقول: مما دل على هذا الحكم

قوله (عليه السلام) في رواية يونس (3) «و احش القطن في دبره لئلا يخرج منه شيء».

و قوله (عليه السلام) في رواية عمار (4) «و تدخل في مقعدته من القطن ما دخل».

و هما دالان على ما ذكره الشيخ من استدخال ذلك في الدبر لا وضعه عليه من خارج كما ذكره ابن إدريس.

و في كتاب الفقه (5) «و قبل ان تلبسه قميصه تأخذ شيئا من القطن و تجعل عليه حنوطا و تحشو به دبره».

و نقل في المختلف الاحتجاج لسلار و ابن إدريس بأن للميت حرمة تمنع من حشو القطن في دبره كالحي،

و بما رواه عمار عن الصادق (عليه السلام) (6): «و تجعل على مقعدته شيئا من القطن».

ثم أجاب عن الأول بأن حرمة الميت تقتضي ما ذكرناه. و عن الثاني بأنه لا يمنع من المدعى.

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 35 من أبواب الاحتضار.

(2) ص 17.

(3) ص 439.

(4) ص 440.

(5) ص 17.

(6) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

466

أقول: و لم أقف على هذه الرواية التي ذكرها إلا في رواية عمار التي اشتملت على ما ذكرناه فإنه ذكر فيها في كيفية الغسل ما قدمناه و ذكر في كيفية التكفين كما سيأتي نقله من الرواية المذكورة ما نقله العلامة هنا، و لا يخلو من تدافع، و القول باستحباب الأمرين كما يعطيه ظاهر هذه الرواية لم أقف عليه في كلام أحد من الأصحاب، و لا يبعد ان يكون هذا من الهفوات التي تكون في رواية عمار غالبا.

و منها- استحباب وقوف الغاسل عن يمينه ذكره جملة من الأصحاب

، لقول الصادق (عليه السلام) في رواية عمار (1) عنه (عليه السلام): «لا يجعله بين رجليه في غسله بل يقف من جانبه».

كذا استدل به العلامة في النهاية. و هو أعم من المدعى.

و منها- مسح بطنه في الغسلتين الأوليين و عليه تدل رواية الكاهلي (2) و يونس (3) و أصرح منهما عبارة كتاب الفقه الثانية لقوله بعد ذكر المسح في الغسلتين الأوليين: «و لا تمسح بطنه في الثالثة» قال في المعتبر: «و يمسح بطنه امام الغسلتين الأوليين إلا الحامل، و المقصود من المسح خروج ما لعله بقي مع الميت فان مع مسح بطنه يخرج ذلك لاسترخاء أعضائه و خلوها من القوة الماسكة، و انما قصد ذلك لئلا يخرج بعد الغسل ما يؤذي الكفن و لا يمسح في الثالثة و هو إجماع فقهائنا» انتهى. أقول:

دعوى المحقق الإجماع هنا اما غفلة عن خلاف ابن إدريس أو لعدم الاعتداد بخلافه فإن المنقول عنه كما ذكره في الذكرى انه بعد ان جوزه في أول الباب أنكره لما ثبت من مساواة الميت للحي في الحرمة، و ما ذكرناه مبني على رجوع دعوى الإجماع إلى أصل المسألة اما لو خص بعدم المسح في الثالثة فلا.

بقي الكلام فيما إذا خرجت منه نجاسة بعد المسح في الأثناء أو بعد تمام الغسل، فالمشهور بين الأصحاب هو صحة الغسل و عدم انتقاضه و انما يجب إزالة النجاسة

____________

(1) رواها المحقق في المعتبر ص 74.

(2) ص 438.

(3) ص 439.

467

خاصة، للامتثال، و لما تقدم في

خبر يونس (1) من قوله (عليه السلام): «فان خرج منه شيء فأنقه».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن روح بن عبد الرحيم عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «ان بدا من الميت شيء بعد غسله فاغسل الذي بدا منه و لا تعد الغسل».

و عن عبد الله الكاهلي و الحسين بن المختار عن الصادق (عليه السلام) (3) قالا:

«سألناه عن الميت يخرج منه الشيء بعد ما يفرغ من غسله؟ قال يغسل ذلك و لا يعاد عليه الغسل».

و نحوهما ما رواه في الكافي عن سهل عن بعض أصحابه رفعه (4) و عن ابن ابي عقيل وجوب اعادة الغسل فإنه قال: «إذا انتقض منه شيء استقبل به الغسل استقبالا».

و منها- ان ينشف بثوب بعد الغسل

لقوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي أو حسنته (5): «إذا فرغت من ثلاث غسلات جعلته في ثوب نظيف ثم جففته».

و نحوها رواية يونس و موثقة عمار و عبارة كتاب الفقه الثانية (6).

(العاشرة) [مكروهات غسل الميت]

- من المكروهات في هذا الغسل إقعاد الميت على المشهور بين الأصحاب ذكره الشيخ و كثير ممن تأخر عنه و ادعى في الخلاف إجماع الفرقة، قال:

«و خالف جميع الفقهاء في ذلك» و أنكره المحقق في المعتبر فقال بعد ذكر رواية أبي العباس الآتية: «قال الشيخ في الاستبصار هذا موافق للعامة و لسنا نعمل به. و انا أقول ليس العمل بهذه الاخبار بعيدا و لا معنى لحملها على التقية لكن لا بأس ان يعمل بما ذكره الشيخ من تجنب ذلك و الاقتصار على ما اتفق على جوازه» و يدل على النهي عن الإقعاد

قوله (عليه السلام) في رواية الكاهلي (7): «و إياك ان تقعده أو تغمز بطنه».

و جملة من أصحابنا إنما استندوا في ذلك الى حسنة حمران و رواية عثمان النوا المتقدمتين في الرفق بالميت (8) حيث ان الإقعاد له خلاف الرفق به. و اما ما يدل على الإقعاد فهو

ما رواه

____________

(1) ص 439.

(2) رواه في الوسائل في الباب 32 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 32 من أبواب غسل الميت.

(4) رواه في الوسائل في الباب 32 من أبواب غسل الميت.

(5) ص 438.

(6) ص 439 و 440 و 442.

(7) ص 438.

(8) ص 461 و 462.

468

الشيخ في الصحيح عن ابي العباس و هو الفضل بن عبد الملك البقباق عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الميت فقال أقعده و اغمز بطنه غمزا رفيقا ثم طهره من غمز البطن. الحديث».

و لم أقف في كتب الأخبار المشهورة بينهم على أزيد من هذه الرواية و لم ينقل ناقل في المسألة سواها، فما ذكره في المدارك- من انه قد ورد في الأمر بالإقعاد عدة روايات- لا اعرف له وجها، نعم وقع ذلك في عبارة كتاب الفقه الثانية. و كيف كان فما ذكره الشيخ من حمل هذه الرواية و نحوها على التقية جيد حيث ان العامة متفقون على استحباب إقعاده حال الغسل (2) و كلام صاحب المعتبر عليه لا وجه له لما علم من اخبار أهل البيت (عليهم السلام) من الحث الشديد و التأكيد الأكيد على مجانبتهم خذ لهم الله تعالى و عرض الاخبار على مذهبهم و الأخذ بخلافه و ان لم يكن في مقام التعارض و انهم ليسوا من الحنيفية على شيء و انه ليس في يدهم إلا استقبال القبلة و انهم ليسوا إلا مثل الجدر المنصوبة و نحو ذلك مما بسطنا الكلام عليه في محل أليق، فكيف و قد دلت رواية الكاهلي على النهي المذكور.

و منها- حلق رأسه و عانته و تسريح لحيته و قلم أظفاره على المشهور، و حكم ابن حمزة بالتحريم، و نقل الشيخ الإجماع على انه لا يجوز قص الأظفار و لا تنظيفها من الوسخ بالخلال و لا تسريح اللحية، و هو مقتضى ظاهر النهي في الأخبار الواردة بذلك و منها-

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابه

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.

(2) في المغني لابن قدامة ج 2 ص 457 «يبدأ الغاسل فيحنى الميت حنيا رفيقا لا يبلغ به قريبا من الجلوس لأن في الجلوس أذية له» و في المهذب للشيرازي ج 1 ص 128 «المستحب ان يجلسه اجلاسا رفيقا و يمسح بطنه مسحا بليغا» و في المنهاج للنووي ص 23 «و يجلسه الغاسل على المغتسل مائلا إلى ورائه ثم يمسح بطنه» و في الفروع للشيبانى الحنبلي ج 1 ص 629 «يرفع رأسه الى قريب من جلوسه فيعصر بطنه برفق» و في البحر الرائق ج 2 ص 172 و المبسوط للسرخسى ج 2 ص 59 «و يقعده فيمسح بطنه مسحا رفيقا».

469

عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «لا يمس من الميت شعر و لا ظفر و ان سقط منه شيء فاجعله في كفنه».

و عن غياث عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «كره أمير المؤمنين (عليه السلام) ان يحلق عانة الميت إذا غسل أو يقلم له ظفر أو يجز له شعر».

و عن عبد الرحمن ابن ابي عبد الله (3) قال «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الميت يكون عليه الشعر فيحلق عنه أو يقلم ظفره؟ قال لا يمس منه شيء اغسله و ادفنه».

و عن طلحة ابن زيد عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «كره ان يقص من الميت ظفر أو يقص له شعر أو يحلق له عانة أو يغمز له مفصل».

و ما رواه الصدوق عن ابي الجارود (5) «انه سأل الباقر (عليه السلام) عن الرجل يتوفى أ تقلم أظافيره و ينتف إبطه و تحلق عانته ان طالت به من المرض؟ فقال لا».

و لفظ الكراهة في هذين الخبرين لا ينافي التحريم فإنه قد شاع استعماله في التحريم في الاخبار، و بالجملة فالتحريم قريب لعدم المعارض لهذه الأخبار الدالة بظاهرها على ذلك و لا سيما مع استحباب هذه الأشياء عند العامة و اتفاقهم على ذلك (6) و نقل في الذكرى عن العلامة انه يخرج الوسخ من أظفاره بعود عليه قطن مبالغة في التنظيف، ثم رده بأنه مدفوع بنقل الإجماع مع النهي عنه في خبر الكاهلي السابق (7) و اما ما ذكروه من انه لو قص شيئا من هذه الأشياء وجب جعله

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب غسل الميت.

(4) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب غسل الميت.

(5) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب غسل الميت.

(6) في الفروع فقه الحنابلة ج 1 ص 631 «يجز شاربه و يقلم أظفاره و يؤخذ شعر إبطه و عانته» و في المنهاج للنووي ص 23 «في الجديد لا يكره في غير المحرم أخذ ظفره و شعر إبطه و عانته و شاربه. و في الوجيز للغزالي ص 45 غير المحرم هل يقلم ظفره و يحلق شعره الذي يستحب في الحياة حلقه؟ فيه قولان» و في البداية لابن رشد المالكي ج 1 ص 212 «اختلفوا في تقليم أظفار الميت و الأخذ من شعره فقيل تقلم أظفاره و يؤخذ من شعره و قيل لا و ليس فيه اثر» و في المهذب للشيرازي ج 1 ص 129 «في تقليم أظفاره و حف شاربه و حلق عانته قولان أحدهما يفعل به ذلك لانه تنظيف كإزالة الوسخ و الثاني يكره و هو قول المزني لأنه قطع جزء منه» و في المبسوط للسرخسى ج 2 ص 59 المنع من ذلك كله.

(7) ص 438.

470

مع الميت في كفنه فيدل عليه مرسلة ابن ابي عمير المذكورة.

و منها- غسله بالماء المسخن بالنار، و حكى في المنتهى الإجماع على كراهته، و قال الشيخ لو خشي الغاسل من البرد انتفت الكراهة، و قيده المفيد (رحمه الله) بالقلة فقال يسخن قليلا، و تبعهما في الاستثناء جمع من الأصحاب، و الصدوقان ايضا استثنيا حال شدة البرد، و الظاهر من كلامهما ان ذلك لرعاية حال الميت لا حال الغاسل.

و الذي وقفت عليه من الأخبار في ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) لا يسخن الماء للميت».

و في الصحيح عن عبد الله بن المغيرة عن رجل عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) (2): «قالا لا يقرب الميت ماء حميما».

و ما رواه في الكافي عن يعقوب بن يزيد عن عدة من أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «لا يسخن للميت الماء لا تعجل له النار و لا يحنط بمسك».

و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (4) قال قال الباقر (عليه السلام): «لا يسخن الماء للميت».

و روى في حديث آخر: «إلا ان يكون شتاء باردا فتوقي الميت مما توقي منه نفسك».

أقول: الظاهر ان الصدوق أشار بهذه الرواية الى ما تقدم

في كتاب الفقه الرضوي (5) حيث قال: «و لا تسخن له ماء إلا ان يكون باردا جدا فتوقي الميت مما توقي منه نفسك و لا يكون الماء حارا شديدا و ليكن فاترا».

انتهى. و من هذه العبارة أخذ الصدوقان، و الظاهر ان المراد بقوله: «فتوقي الميت مما توقي منه نفسك» ما ذكره بعض مشايخنا يعني توقي نفسك و توقي الميت بتبعية توقي نفسك لان الميت يتضرر بذلك و توقيه منه.

و منها- جعل الميت حال الغسل بين رجليه لما تقدم

من رواية عمار (6) و قوله (عليه السلام): «لا يجعل الميت بين رجليه في غسله بل يقف من جانبه».

و اما

ما رواه الشيخ

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب غسل الميت.

(4) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب غسل الميت.

(5) ص 17.

(6) رواها المحقق في المعتبر ص 74.

471

عن العلاء بن سيابة عن الصادق (عليه السلام) (1)- قال: «لا بأس ان تجعل الميت بين رجليك و ان تقوم من فوقه فتغسله إذا قلبته يمينا و شمالا تضبطه برجليك لكيلا يسقط لوجهه».

- فقد حمله في التهذيبين على الجواز و ان كان الأفضل ان لا يركب الغاسل الميت، و الأظهر تخصيصه بحال الضرورة و عدم التمكن من الغسل إلا بذلك كما هو ظاهر سياق الخبر المذكور فلا تنافي.

و منها- الدخنة على المشهور، قال في المعتبر: و لا يعرف أصحابنا استحباب الدخنة بالعود و لا بغيره عند الغسل و استحبه الفقهاء، لنا- ان الاستحباب يتوقف ثبوته على دلالة الشرع و التقدير عدمها (لا يقال) ذلك لدفع الرائحة الكريهة (لأنا نقول) ليست الرائحة دائمة مع كل ميت و لان ذلك قد يندفع بغيره و كما سقط اعتبار غير العود من الأطياب فكذا التجمير، و يؤيده

رواية محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تجمروا الأكفان و لا تمسوا موتاكم بالطيب إلا بالكافور فان الميت بمنزلة المحرم».

انتهى. أقول: لم أقف في الأخبار على ما يدل على حكم الدخنة حال الغسل لا نفيا و لا إثباتا لكن لا يبعد من حيث اتفاق العامة على استحباب ذلك و اشتهاره بينهم (3) ان يقال بالكراهة للأخبار الدالة على الأخذ بخلافهم مطلقا.

(الحادية عشرة) [حكم المجدور و من يخاف تناثر جلده بالتغسيل]

- ما تضمنته رواية عمرو بن خالد المتقدمة (4)- من الأمر بتيمم المجدور و كذا مثله ممن يخاف من تغسيله تناثر جلده كالمحترق- مما لا خلاف فيه

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 33 من أبواب غسل الميت.

(2) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.

(3) في شرح الزرقانى على مختصر ابى الضياء في فقه مالك ج 2 ص 106 «يستحب تجمير الدار بالبخور عند خروج روحه و غسله» و في البحر الرائق ج 2 ص 177 «يجمر الميت في ثلاثة مواضع: عند خروج روحه و عند غسله و عند تكفينه» و في مجمع الانهر ج 1 ص 179 «يوضع حول سريره الذي يغسل عليه مجمر».

(4) ص 442.

472

بين الأصحاب بل قال في التهذيب ان به قال جميع الفقهاء إلا الأوزاعي، و المستند في الحكم المذكور هو الرواية المذكورة، و قال الصدوق في الفقيه: «و المجدور إذا مات يصب عليه الماء صبا إذا خيف ان يسقط من جلده شيء عند المس و كذلك الكسير و المحترق و الذي به القروح» و ظاهر هذا الكلام ان الحكم في المجدور و نحوه انما هو الصب دون التيمم كما هو المشهور. و يدل عليه رواية عمرو بن خالد الأخرى المتقدمة أيضا (1)

و رواية ضريس عن علي بن الحسين (عليهما السلام) أو الباقر (عليه السلام) (2) قال:

«المجدور و الكسير و الذي به القروح يصب عليه الماء صبا».

و ما في الفقه الرضوي (3) حيث قال (عليه السلام): «و ان كان الميت مجدورا أو محترقا فخشيت ان مسسته سقط من جلوده شيء فلا تمسه و لكن صب عليه الماء صبا فان سقط منه شيء فاجعله في أكفانه».

انتهى و ظاهر ما بين الكلامين من التدافع، إلا ان يقال ان الواجب في المجدور و نحوه هو الصب أولا دون المس باليد فان خيف بالصب تناثر لحمه فالحكم التيمم و هو ظاهر المحقق في المعتبر و قد جعله وجه جمع بين رواية ضريس و رواية عمرو بن خالد الدالة على التيمم، فقال: «يستحب إمرار اليد على جسد الميت فان خيف من ذلك لكونه مجدورا أو محترقا اقتصر الغاسل على صب الماء من غير إمرار، و لو خيف من الصب لم يغسل و يمم، ذكر ذلك الشيخان في النهاية و المبسوط و المقنعة و ابن الجنيد. أما الاولى فلان الإمرار مستحب و تقطيع جلد الميت محظور فيتعين العدول الى ما يؤمن معه تناثر الجسد، و يؤيد هذا الاعتبار ما رواه، ثم ساق رواية ضريس ثم قال: و اما الثانية فلان التيمم طهارة لمن تعذر عليه استعمال الماء، قال الشيخ في الخلاف: و به قال جميع الفقهاء إلا الأوزاعي. و على قول الشيخ تكون المسألة إجماعية لأن خلاف الأوزاعي منقرض، و يؤيد ذلك ما رواه عمرو بن خالد» ثم ساق روايته المتضمنة للتيمم و حاصل كلامه انه

____________

(1) ص 442.

(2) المروية في الوسائل في الباب 16 من أبواب غسل الميت.

(3) ص 18.

473

متى علم تناثر جسده بالمس اكتفى بالصب إذا لم يتناثر جسده بالصب و متى علم تناثر جسده بالصب اكتفي بالتيمم. و هو جمع حسن بين الروايتين المذكورتين، الا ان في قبول عبارة الصدوق و عبارة كتاب الفقه التي منها أخذت عبارة الصدوق و ان كان بالمعنى اشكالا، حيث ان ظاهر الاولى و صريح الثانية انه مع خوف التناثر بالمس ينتقل الى الصب و ان حصل به التناثر، و لهذا أمر (عليه السلام) بجعل ما يسقط منه مع الصب في أكفانه و لم يأمر بالتيمم، و المراد بالصب هنا هو ما يعبر عنه بالنضح تارة و الرش اخرى و هو مقابل للغسل الذي يحصل به الجريان. و كيف كان فالظاهر ان الأحوط بل الأقوى ما هو المشهور من التفصيل الذي ذكره في المعتبر.

بقي هنا شيء و هو ان السيد السند قال في المدارك بعد الطعن في رواية عمرو ابن خالد التي هي مستند الحكم بالتيمم في المسألة بضعف السند باشتماله على جماعة من الزيدية: فإن كانت المسألة إجماعية على وجه لا يجوز مخالفته فلا بحث و إلا أمكن التوقف في ذلك، لان إيجاب التيمم زيادة تكليف و الأصل عدمه خصوصا ان قلنا ان الغسل إزالة النجاسة كما يقوله المرتضى، و ربما ظهر من بعض الروايات عدم الوجوب أيضا

كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) في الجنب و المحدث و الميت إذا حضرت الصلاة و لم يكن معهم من الماء إلا بقدر ما يكفي أحدهم، قال:

«يغتسل الجنب و يدفن الميت و يتيمم الذي هو على غير وضوء لان الغسل من الجنابة فريضة و غسل الميت سنة و التيمم للآخر جائز».

انتهى. أقول: لا يخفى ان الراوي لهذه الرواية في كتب الأخبار انما هو عبد الرحمن بن ابي نجران لا عبد الرحمن بن الحجاج كما ذكره هنا، و هو ايضا قد ذكر هذه الرواية في بحث التيمم في مسألة اجتماع الجنب و الميت و المحدث و نقلها عن عبد الرحمن بن ابي نجران. و اما ما وصفها به من صحة السند فان كان نقله لها من التهذيب فهي ليست بصحيحة لأن في طريقها في الكتاب المذكور محمد بن عيسى

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 18 من أبواب التيمم.

474

و هو مشترك و فيه عبد الرحمن عمن حدثه، و ان كان من الفقيه فهي صحيحة لأنه رواها فيه عن عبد الرحمن بن ابي نجران و طريقه اليه صحيح في المشيخة، إلا ان متنها فيه ليس كما ذكره بل الذي فيه «و يدفن الميت بتيمم و يتيمم الذي هو على غير وضوء.

الى آخره» و هي صريحة في تيمم الميت خلافا لما يدعيه، و بالجملة فإن كان نقله لها من التهذيب فمتنها فيه على ما ذكره إلا ان السند غير صحيح و ان كان من الفقيه فالسند صحيح كما وصفه إلا ان متنها ليس كما ذكره. إلا ان صاحب الوافي و الوسائل قد نقلا ايضا هذه الرواية من التهذيب بهذا المتن الذي ذكره ثم نقلاها عن الفقيه و أحالا المتن على ما نقلاه عن التهذيب و لم ينبها على الزيادة التي ذكرناها. و هو محتمل لاتحاد هذا المتن في الكتابين كما ذكره السيد و محتمل لوقوع السهو منهما عن التنبيه على ذلك فإنه قد جرى لهما مثل ذلك في مواضع عديدة، و بالجملة فإني قد تتبعت نسخا عديدة مضبوطة من الفقيه فوجدت الرواية فيها كما ذكرته من الزيادة المذكورة. و الله العالم.

(الثانية عشرة) [غسل الميت يجزئ عن غيره]

- إذا مات الجنب أو الحائض أو النفساء كفى غسل الميت على المعروف من مذهب الأصحاب و لا يجب غسلان بل و لا يستحب، قال في المعتبر:

و هو مذهب أكثر أهل العلم. أقول و يدل على ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ميت مات و هو جنب كيف يغسل و ما يجزئه من الماء؟ قال يغسل غسلا واحدا يجزئ ذلك للجنابة و لغسل الميت لأنهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة».

و رواه الكليني في الصحيح أو الحسن مثله.

و عن عمار في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (2) «انه سئل عن المرأة إذا ماتت في نفاسها كيف تغسل؟ قال مثل غسل الطاهر و كذلك الحائض و كذلك الجنب انما يغسل غسلا واحدا فقط».

و رواه الصدوق بإسناده عن عمار مثله.

و عن علي بن أبي إبراهيم (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الميت يموت و هو جنب؟ قال غسل واحد».

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب غسل الميت.

(3) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب غسل الميت.

475

و عن ابي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «في الجنب إذا مات؟ قال ليس عليه إلا غسلة واحدة».

و اما

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عيص عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل مات و هو جنب؟ قال يغسل غسلة واحدة بماء ثم يغسل بعد ذلك».

و عن عيص عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «إذا مات الميت فخذ في جهازه و عجله و إذا مات الميت و هو جنب غسل غسلا واحدا ثم يغسل بعد ذلك».

و عن عيص بن القاسم في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «إذا مات الميت و هو جنب غسل غسلا واحدا ثم اغتسل بعد ذلك».

فقد أجاب الشيخ (قدس سره) بحملها على الاستحباب بعد ان طعن فيها بأن الأصل فيها كلها عيص و هو واحد لا يعارض به جماعة كثيرة ثم وجهها بتوجيه الغسل الأخير إلى الغاسل كما هو ظاهر الخبر الأخير و يكون ذلك غلطا من الراوي أو الناسخ في البواقي يعني في جعل «يغسل» مكان «يغتسل» أقول: قد تقدم البحث في تداخل الأغسال في نية الوضوء (5) و بسطنا الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه و بينا صحة القول بالتداخل، و هذه الاخبار الثلاثة لا تقوم بمعارضة جملة أخبار المسألة فيتعين حملها على ما ذكره الشيخ و ان بعد و إلا فطرحها و إرجاعها إلى قائلها، و حملها على التقية غير بعيد و ان كان القائل بها من العامة غير معلوم فإنه متى كان علماء الطائفة سلفا و خلفا على القول بالاكتفاء بغسل واحد كما دلت عليه الأخبار الكثيرة فمن الظاهر حمل ما خالف ذلك على التقية (6) و ان لم يكن به قائل كما

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب غسل الميت.

(2) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب غسل الميت.

(3) روى صدره في الوسائل في الباب 47 من أبواب الاحتضار و ذيله في الباب 31 من أبواب غسل الميت.

(4) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب غسل الميت.

(5) ج 2 ص 196.

(6) في المغني لابن قدامة ج 2 ص 463 «الحائض و الجنب إذا ماتا كغيرهما في الغسل، قال ابن المنذر هذا قول من نحفظ عنه من علماء الأمصار، و قيل عن الحسن يغسل الجنب للجنابة و الحائض ثم يغسلون للموت».

476

عرفت في مقدمات الكتاب، و ايضا

فقد ورد في مقبولة عمر بن حنظلة (1) «خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذ النادر».

و لا ريب ان الرواية بالتداخل أشهر لتعدد نقلتها و كثرتهم و شذوذ هذه الروايات لانحصار رواتها في رجل واحد. و الله العالم.

تتمة

تشتمل على فائدتين

[الفائدة] (الأولى) [حكم الحامل إذا ماتت]

- قد صرح الأصحاب بأن الحامل إذا ماتت و الولد حي في بطنها فإنه يشق بطنها من الجانب الأيسر و يخرج الولد و يخاط الموضع ثم تغسل و تكفن بعد ذلك. و يدل على ذلك جملة من الاخبار: منها-

ما رواه في الكافي في الموثق عن علي ابن يقطين (2) قال: «سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن المرأة تموت و ولدها في بطنها؟ قال يشق بطنها و يخرج ولدها».

و عن علي بن أبي حمزة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن المرأة تموت و يتحرك الولد في بطنها أ يشق بطنها و يستخرج ولدها؟ قال: نعم».

و رواها في الكافي أيضا في الحسن أو الصحيح عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (4) مثله و زاد «و يخاط بطنها».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (5) قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن المرأة تموت و ولدها في بطنها يتحرك؟ قال يشق عن الولد».

قال في المدارك: «و إطلاق الروايات يقتضي عدم الفرق في الجانب بين الأيمن و الأيسر، و قيده الشيخان في المقنعة و النهاية و ابن بابويه بالأيسر و لا اعرف وجهه» أقول: وجهه

قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (6) حيث قال: «و إذا ماتت المرأة و هي حاملة و ولدها يتحرك في بطنها شق بطنها من الجانب الأيسر و اخرج الولد».

و بهذه العبارة بعينها عبر الصدوق في الفقيه

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

(2) رواه في الوسائل في الباب 46 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 46 من أبواب الاحتضار.

(4) رواه في الوسائل في الباب 46 من أبواب الاحتضار.

(5) رواه في الوسائل في الباب 46 من أبواب الاحتضار.

(6) ص 19.

477

جريا على ما عرفت في غير موضع، و كذا ما بعد العبارة المذكورة، و الظاهر ان من تأخر عن الصدوق قد تبعه في ذلك أو أخذه من الكتاب المذكور. و المفيد ايضا كثير الرواية منه و قال في المدارك ايضا: «و اما خياطة المحل بعد القطع فقد نص عليه المفيد في المقنعة و الشيخ في المبسوط و أتباعهما و هو رواية ابن ابي عمير عن ابن أذينة (1) و ردها المصنف في المعتبر بالقطع و بأنه لا ضرورة الى ذلك فان المصير الى البلا. و هو حسن لكن الخياطة أولى لما فيها من ستر الميت و حفظه عن التبدد و هو اولى من وضع القطن على الدبر» انتهى أقول: ما ذكره في المعتبر من رد الرواية غير معتبر و ما استحسنه السيد من ذلك غير حسن، فان الدليل غير منحصر فيما ذكره من مقطوعة ابن أذينة و هي

ما رواه الشيخ عن ابن ابى عمير بطريقه اليه عن عمر بن أذينة (2) قال: «يخرج الولد و يخاط بطنها».

بل قد روى ذلك في الكافي أيضا- كما عرفت- عن الصادق (عليه السلام) و الحديث صحيح أو حسن ليس فيه ما ربما يطعن عليه، و لكن الظاهر انهما لم يقفا على رواية ابن ابي عمير المذكورة و الا لما خصوا الاستدلال بالمقطوعة المشار إليها و طعنوا فيها بذلك و اما لو مات الولد في بطنها و هي حية أدخلت القابلة أو غيرها ممن يحسن ذلك يدها في فرج المرأة و قطعت الولد و أخرجته قطعة قطعة، قال في الخلاف بعد ذكر الحكم المذكور: «و لم اعرف فيه للفقهاء نصا» و استدل بإجماع الفرقة و كأنه قد غاب عن خاطره الرواية الآتية. و قال في المعتبر: «و يتولى ذلك النساء فالرجال المحارم فان تعذر جاز ان يتولاه غيرهم» و يدل عليه

ما رواه في الكافي عن وهب بن وهب عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا ماتت المرأة و في بطنها ولد يتحرك يشق بطنها و يخرج الولد، و قال في المرأة يموت في بطنها الولد فيتخوف عليها؟ قال لا بأس ان يدخل الرجل يده فيقطعه و يخرجه» و رواه في موضع آخر و زاد في آخرها «إذا لم ترفق به النساء».

و قال في الفقه الرضوي (4) في

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 46 من أبواب الاحتضار.

(2) رواه في الوسائل في الباب 46 من أبواب الاحتضار.

(3) رواه في الوسائل في الباب 46 من أبواب الاحتضار.

(4) ص 19.

478

تتمة العبارة المتقدمة: «و ان مات الولد في جوفها و لم يخرج ادخل انسان يده في فرجها و قطع الولد بيده و أخرجه، و روى انها تدفن مع ولدها إذا مات في بطنها».

أقول:

الظاهر تعلق هذه الرواية بصدر كلامه (عليه السلام) فيما إذا ماتت الأم بأن يقال الحكم في الولد ان كان حيا الشق كما تقدم و ان كان ميتا دفن معها.

فروع

(الأول)

- قال في المنتهى: «لو ماتت و مات الولد بعد خروج بعضه أخرج الباقي و غسل و كفن و دفن، و ان لم يمكن إخراجه إلا بالشق ترك على تلك الحال و غسل مع امه لان الشق هتك حرمة الميت من غير ضرورة» أقول: ما ذكره و ان لم يرد بخصوصه نص إلا انه مطابق لمقتضى الأصول و النصوص العامة، و علل الحكم الثاني و هو التغسيل مع أمه بأن الخارج له حكم من مات بعد خروجه في وجوب التغسيل و ما بطن له حكم من مات في بطن امه.

(الثاني)

- قال أيضا في الكتاب المذكور: «لو بلع الميت مالا فان كان له لم يشق بطنه لأنه أتلفه في حياته و لا يستعقب الغرم على نفسه، و يحتمل ان يقال ان كان كثيرا ساغ الشق و إخراجه لأن فيه حفظا للمال عن الضياع و عونا للورثة، و ان كان لغيره فان كان باذنه فهو كماله و ان كان بغير اذنه كان كالغاصب، فيمكن ان يقال لا يشق بطنه و يؤخذ من تركته احتراما للميت و تركا للمثلة به، و يمكن ان يقال بالشق لان فيه حفظا للمال و نفعا لصاحبه».

(الثالث)

- قال (قدس سره) ايضا: «لو كان في إصبع الميت أو اذنه أو يده شيء من الحلي وجب أخذه فان لم يمكن ذلك برد و أخذ من غير تمثيل بالميت».

(الفائدة الثانية)

- قال الصدوق في الفقيه: «و من كان جنبا و أراد ان يغسل الميت فليتوضأ وضوء الصلاة ثم يغسله، و من أراد الجماع بعد غسله للميت فليتوضأ ثم

479

ليجامع» انتهى. و هذا الحكم مما ذكره جملة من الأصحاب في هذا المقام. و المستند فيه

حسنة شهاب بن عبد ربه (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب أ يغسل الميت أو من غسل ميتا إله أن يأتي أهله ثم يغتسل؟ فقال: هما سواء لا بأس بذلك، إذا كان جنبا غسل يديه و توضأ و غسل الميت و هو جنب، و ان غسل ميتا توضأ ثم اتى اهله و يجزئه غسل واحد لهما».

و كذلك يدل عليه

ما في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (2): «و إذا أردت أن تغسل ميتا و أنت جنب فتوضأ وضوء الصلاة ثم اغسله و إذا أردت الجماع بعد غسلك الميت من قبل ان تغتسل من غسله فتوضأ ثم جامع».

انتهى.

و عبارة الصدوق مأخوذة من هذه العبارة بتغيير ما، و ظاهر الخبرين المذكورين استحباب الوضوء لمريد تغسيل الميت إذا كان جنبا و لمريد الجماع إذا غسل ميتا و لما يغتسل غسل المس و ان لم يكن جنبا، و به يظهر ما في كلام السيد السند في المدارك حيث قال في ضمن تعداد افراد الوضوء المستحب: «و جماع غاسل الميت و لما يغتسل إذا كان الغاسل جنبا» فقيد استحباب الوضوء لغاسل الميت إذا أراد الجماع بما إذا كان جنبا في حالة غسله للميت، و تبعه على هذا جمع ممن تأخر عنه كما هي عادتهم غالبا، و الروايتان المذكورتان تناديان بخلافه، و الله العالم.

تم الجزء الثالث من كتاب الحدائق الناضرة في الأغسال و يتلوه الجزء الرابع من تكفين الميت. و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

____________

(1) المروي في الوسائل في الباب 34 من أبواب غسل الميت.

(2) ص 18.

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة


الجزء الثالث


تأليف

الشيخ يوسف بن احمد البحراني


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org