1
2
[تتمة كتاب الطهارة]
[تتمة الباب الثالث في الغسل]
[تتمة المطلب الأول في الواجب]
[تتمة الفصل السادس في غسل الأموات]
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
المقصد الثالث- في التكفين
و لا خلاف فيه نصا و فتوى من كافة المسلمين، و فيه فضل جزيل،
فروى في الكافي في الصحيح عن سعد بن ظريف عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «من كفن مؤمنا كان كمن ضمن كسوته الى يوم القيامة».
و رواه الشيخ و الصدوق مثله. و يستحب إعداد الإنسان كفنه
لما رواه في الكافي عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «إذا أعد الرجل كفنه فهو مأجور كلما نظر اليه».
و عن محمد بن سنان عمن أخبره عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «من كان كفنه معه في بيته لم يكتب من الغافلين و كان مأجورا كلما نظر اليه».
و روى الصدوق في الأمالي عن إسماعيل بن مسلم عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إذا أعد الرجل كفنه كان مأجورا كلما نظر اليه».
و في هذا المقصد مسائل
(المسألة الأولى) [أجزاء الكفن]
- المشهور بين الأصحاب ان الكفن المفروض ثلاثة أثواب: مئزر و قميص و إزار. و المراد بالمئزر عندهم- و هو بكسر الميم ثم الهمزة الساكنة- ما يستر ما بين السرة و الركبة و يجوز كونه الى القدم بإذن الورثة أو
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب التكفين.
(4) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب التكفين.
3
وصية الميت النافذة، قالوا و يحتمل الاكتفاء فيه بما يستر العورة لأنه موضع ابتداء سترها و يستحب ان يكون يستر ما بين صدره و قدمه. و المراد عندهم بالقميص ما يصل الى نصف الساق لانه المتعارف و يجوز الى القدم بمراعاة ما تقدم، و يحتمل جوازه مطلقا. و المراد بالإزار بكسر الهمزة ثوب شامل لجميع البدن، قالوا و لا بد من زيادته على ذلك بحيث يمكن شده من قبل رأسه و رجليه، و الواجب فيه عرضا ان يشمل البدن و لو بالخياطة، و ينبغي زيادته بحيث يمكن جعل أحد جانبيه على الآخر كما تشهد به الأخبار. و نقل عن سلار الاكتفاء بثوب واحد اختيارا.
و أنت خبير بان ما ذكره الأصحاب من هذه الأثواب الثلاثة المعينة لم يوجد له مستند ظاهر من الاخبار الواردة في المسألة و انما الموجود ثوبان و قميص أو ثلاثة أثواب و المتبادر منها كونها شاملة للبدن كملا، و لهذا صرح جملة من متأخري المتأخرين ان الكفن المفروض انما هو هذا و ان ما ذهب إليه الأصحاب من المئزر الذي يربط من السرة أو الصدر إلى الركبة أو الى القدم لا مستند له في الأخبار، قال في المدارك بعد البحث في المسألة: «و اما المئزر فقد ذكره الشيخان و أتباعهما و جعلوه أحد الأثواب الثلاثة المفروضة و لم أقف في الروايات على ما يقتضي ذلك بل المستفاد منها اعتبار القميص و الثوبين الشاملين للجسد أو الثواب الثلاثة» و على هذه المقالة تبعه من تأخر عنه من محققي متأخري المتأخرين.
و عندي فيه نظر يحتاج بيانه الى تقديم كلام في المقام لينجلي به غياهب الإبهام، و هو ان الظاهر ان الإزار شرعا و لغة انما هو عبارة عما يشد في وسط الإنسان و ان المئزر بمعناه و ربما أطلق في اللغة على الشامل للبدن، قال في مجمع البحرين: و قد تكرر في الحديث ذكر الإزار بالكسر و هو معروف يذكر و يؤنث، و معقد الإزار من الحقوين.
و في كلام البعض من أهل اللغة الإزار بالكسر ثوب شامل لجميع البدن. و في الصحاح و غيره المئزر و الإزار يلتحف به، و في كتب الفقه يذكرون المئزر مقابل الإزار و يريدون به غيره، و حينئذ لا بعد في الاشتراك و يعرف المراد بالقرينة، و في الخبر «أزره المؤمن الى نصف
4
الساق و لا جناح عليه فيما بينه و بين الكعبين» الازرة بالكسر الحالة و الهيئة الاتزار كالركبة و الجلسة انتهى ملخصا. و اما الاخبار الدالة على ان الإزار شرعا عبارة عما ذكرناه فهي كثيرة و أكثرها في باب الحمام و ما ورد من الأمر بالإزار متى دخله، و منها-
ما رواه في الكافي مسندا الى الصادق (عليه السلام) (1) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) و في الفقيه مرسلا قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر».
و روى في الكافي عن علي بن الحكم عن رجل من بني هاشم ثم ساق الخبر عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) الى ان قال: «قلت ما تقول في الحمام؟ قال لا تدخل الحمام إلا بمئزر. الحديث».
و عن حمزة بن احمد عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) (3) قال: «سألته أو سأله غيري عن الحمام؟ قال ادخله بمئزر.».
و روى في التهذيب عن مسمع عن الصادق عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) (4): «أنه نهى ان يدخل الرجل الماء إلا بمئزر».
و عن حماد ابن عيسى عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (5) قال: «قيل له ان سعيد بن عبد الملك يدخل مع جواريه الحمام؟ قال و ما بأس إذا كان عليه و عليهن الأزر لا يكونون عراة كالحمير. الحديث».
و في التهذيب و الفقيه عن سعدان بن مسلم (6) قال:
«كنت في الحمام في البيت الأوسط فدخل علي أبو الحسن (عليه السلام) و عليه النورة و عليه إزار فوق النورة. الحديث».
و روى في الكافي في الموثق عن حنان بن سدير عن أبيه (7) قال: «دخلت انا و ابي و جدي و عمي حماما بالمدينة فإذا رجل في بيت المسلخ فقال لنا ممن القوم؟ فقلنا من أهل العراق. فقال و اي العراق؟ فقلنا كوفيون.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من آداب الحمام.
(2) رواه في الوسائل في الباب 9 من آداب الحمام.
(3) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب الماء المضاف.
(4) رواه في الوسائل في الباب 10 من آداب الحمام.
(5) رواه في الوسائل في الباب 1 من آداب الحمام.
(6) رواه في الوسائل في الباب 9 من آداب الحمام.
(7) رواه في الوسائل في الباب 9 من آداب الحمام.
5
فقال مرحبا بكم يا أهل الكوفة أنتم الشعار دون الدثار، ثم قال ما يمنعكم من الأزر؟
فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام. قال فبعث الى أبي كرباسة فشقها بأربعة ثم أخذ كل واحد منا واحدا، ثم ساق الخبر الى ان قال: سألنا عن الرجل فإذا هو علي بن الحسين و معه ابنه محمد بن علي (صلوات الله عليهما)».
الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة التي يقف عليها المتتبع. و بالجملة فالمستفاد من الأخبار على وجه لا يزاحمه الشك و لا الريب اتحاد الإزار و المئزر و ان المراد من كل منهما هو ما ذكرناه لا ما شمل البدن، و حينئذ فما اشتهر في كلام متأخري أصحابنا- من الفرق بين المئزر و الإزار و ان الأول عبارة عما يشد في الوسط و الثاني ما يكون شاملا لجميع البدن- لا اعرف له وجها لا من الاخبار و لا من كلام أهل اللغة كما عرفت.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الواجب بمقتضى ما قلناه انه حيثما وجد المئزر و الإزار في شيء من اخبار الكفن أو كلام متقدمي الأصحاب حمله على ما ذكرناه الا مع قرينة صارفة عن معناه الحقيقي، و اما ما لم يشتمل على لفظ الإزار و المئزر و انما اشتمل على الثوب فهو ظاهر في الإجمال القابل للاحتمال على ما ذكروه من الشمول للبدن و ما ذكرناه من معنى الإزار، و بالجملة فهو مجمل و قضية الحمل على الروايات المفصلة تساعد ما ذكرناه، و ها أنا أسوق لك ما وقفت عليه من اخبار المسألة مذيلا كلا منها بالبيان الساطع البرهان و الله الموفق الهادي لمن يشاء.
فمنها-
ما رواه الكليني و الشيخ عن معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «يكفن الميت في خمسة أثواب: قميص لا يزر عليه و إزار و خرقة يعصب بها وسطه و برد يلف فيه و عمامة يعمم بها و يلقى فضلها على صدره».
أقول: هذا الخبر- كما ترى- واضح الظهور في القول المشهور لا يعتريه نقص و لا قصور و قد اشتمل على واجب الكفن و مستحبه، فالواجب القميص و الإزار الذي
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
6
يشد في وسطه كما عرفت من الاخبار و كلام أهل اللغة و عليه العرف العام و البرد الذي يلفه و الباقي مستحب.
و منها-
موثقة سماعة (1) قال: «سألته عما يكفن به الميت؟ قال ثلاثة أثواب و انما كفن رسول الله (صلى الله عليه و آله) في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين و ثوب حبرة- و الصحارية تكون باليمامة- و كفن أبو جعفر (عليه السلام) في ثلاثة أثواب».
و عن يونس عن بعض رجاله عن الصادق و الباقر (عليهما السلام) (2) قالا:
«الكفن فريضته للرجال ثلاثة أثواب، و العمامة و الخرقة سنة. الحديث».
و عن زرارة في الموثق عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: «كفن رسول الله (صلى الله عليه و آله) في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين و ثوب يمنة عبري أو أظفار».
و عن محمد بن سهل عن أبيه (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الثياب التي يصلي فيها الرجل و يصوم أ يكفن فيها؟ قال أحب ذلك الكفن يعني قميصا.
قلت يدرج في ثلاثة أثواب؟ قال لا بأس به و القميص أحب الي».
و روى في الفقيه (5) قال: «سئل موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يموت أ يكفن في ثلاثة أثواب بغير قميص؟ قال لا بأس بذلك و القميص أحب الي».
الى غير ذلك من الأحاديث المشتملة على لفظ الأثواب الثلاثة أو ثوبين و قميص و أنت خبير بأنه لا منافاة في حمل الثوب الذي هو أحد هذه الأثواب على الإزار بالمعنى الذي ذكرناه، و دعوى كون الثوب انما يطلق على ما يشمل البدن ممنوعة لصدق الثوب على السراويل و ثوبي الإحرام اللذين أحدهما الإزار، و لا ينافي ذلك لفظ الإدراج في بعضها لصدقه في الإزار أيضا بالمعنى المذكور.
و منها-
ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان (6) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) كيف اصنع بالكفن؟ قال تأخذ خرقة فتشد على مقعدته و رجليه. قلت
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
(4) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
(5) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
(6) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
7
فالإزار؟ قال انها لا تعد شيئا إنما تصنع لتضم ما هناك لئلا يخرج منه شيء و ما يصنع من القطن أفضل منها ثم يخرق القميص إذا غسل و ينزع من رجليه، قال ثم الكفن قميص غير مزرور و لا مكفوف و عمامة يعصب بها رأسه و يرد فضلها على رجليه».
أقول: الظاهر ان لفظ «رجليه» هنا وقع سهوا عن «صدره» و هذا الخبر ظاهر فيما دل عليه الخبر الأول إلا انه لم يذكر فيه الثوب الثالث و هو الذي يلف فيه و انما اشتمل على الإزار و القميص و كأنه لظهوره استغنى عن ذكره، و قد عرفت معنى الإزار. بقي الكلام في قوله:
«قلت فالإزار؟ قال انها لا تعد شيئا»
و المعنى فيه ان الظاهر انه لما أمر (عليه السلام) بالخرقة المذكورة توهم الراوي انها تغني عن الإزار لحصول ستر العورة بها فأجابه (عليه السلام) بأنها لا تعد من اجزاء الكفن الواجب و انما تصنع لهذه الفائدة و الإزار من اجزاء الكفن الواجب لا بد منه فلا تغني هذه عنه.
و منها-
ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «يكفن الرجل في ثلاثة أثواب و المرأة إذا كانت عظيمة في خمسة:
درع و منطق و خمار و لفافتين».
أقول: و هذه الرواية ايضا ظاهرة الدلالة على القول المشهور لأنها و ان أجملت في كفن الرجل ثلاثة أثواب إلا انها فصلت في كفن المرأة في الأثواب الخمسة، و لا ريب في تساوي المرأة و الرجل في الواجب، و الواجب هنا من هذه الخمسة القميص المعبر عنه بالدرع، و الإزار المعبر عنه بالمنطق فإنه بكسر الميم الإزار، و لفافة، و الخمار و اللفافة الأخرى مما انفردت به المرأة.
و منها-
ما رواه في الكافي أيضا عن يونس عنهم (عليهم السلام) (2) في تحنيط الميت و تكفينه قال: «ابسط الحبرة بسطا ثم ابسط عليها الإزار ثم ابسط القميص
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب التكفين.
8
عليه و ترد مقدم القميص عليه، ثم اعمد الى كافور مسحوق فضعه على جبهته موضع سجوده، و امسح بالكافور على جميع مفاصله من قرنه الى قدمه، و في رأسه و عنقه و منكبه و مرافقه و في كل مفصل من مفاصله من اليدين و الرجلين و في وسط راحتيه، ثم يحمل فيوضع على قميصه و يرد مقدم القميص عليه و يكون القميص غير مكفوف و لا مزور، و تجعل له قطعتين من جريد النخل رطبا قدر ذراع، تجعل له واحدة بين ركبتيه نصفا مما يلي الساق و نصفا مما يلي الفخذ و تجعل الأخرى تحت إبطه الأيمن، و لا تجعل في منخريه و لا في بصره و لا مسامعه و لا على وجهه قطنا و لا كافورا، ثم يعمم فيؤخذ وسط العمامة فيثنى على رأسه بالتدوير ثم يلقى فضل الشق الأيمن على الأيسر و الأيسر على الأيمن ثم يمد على صدره».
و هذه الأجزاء الثلاثة هي المذكورة في كلام الأصحاب و ان غيروا العبارة فإنه متى حمل الإزار على المعنى الذي عرفته من كلام أهل اللغة و الأخبار فإنه منطبق على القول المشهور بما هو أوضح واضح في الظهور، و مقتضى ما ذكره أولئك الأفاضل من المناقشة حمل الإزار في هذه الأخبار المشتملة عليه على الشامل للبدن، و قد عرفت انه لا مستند له من الأخبار بل الأخبار كلها متفقة على المعنى الذي ذكرناه، و بعض أهل اللغة و ان ذكره الا ان المشهور في كلامهم انما هو المعنى الذي ذكرناه و العرف العام مؤيد لما قلناه، و يؤيده تأييدا ما ورد دالا على استحباب التكفين بما أحرم فيه
كما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «كان ثوبا رسول الله (صلى الله عليه و آله) اللذان أحرم فيهما يمانيين عبري و أظفار و فيهما كفن».
و رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار مثله.
و روى في الكافي عن يونس بن يعقوب عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) (2) قال: «سمعته يقول اني كفنت أبي في ثوبين مطويين كان يحرم فيهما و في قميص من قمصه. الحديث».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب التكفين.
9
أقول: من الظاهر البين الظهور أن ثوبي الإحرام- كما سيأتيك بيانه ان شاء الله تعالى في كتاب الحج- إزار يتزر به و رداء يتردى به، و من اخبار الإحرام
قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الله بن سنان: «و التجرد في إزار و رداء أو عمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء».
و بذلك يثبت ان أحد أجزاء كفنه (صلى الله عليه و آله) الإزار، و على هذا الخبر يحمل إجمال اخبار تكفينه (صلى الله عليه و آله) في ثلاثة أثواب بأن يقال ان من جملتها الإزار، و منه يعلم انه لا يشترط في الثوب الشمول للبدن كما توهموه.
و منها-
ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) في تكفين الميت و تحنيطه بعد ذكر ما تقدم منها في التغسيل قال: «ثم تغسل يديك الى المرافق و رجليك الى الركبتين ثم تكفنه: تبدأ و تجعل على مقعدته شيئا من القطن و ذريرة و تضم فخديه ضما شديدا و جمر ثيابه بثلاثة أعواد ثم تبدأ فتبسط اللفافة طولا ثم تذر عليها شيئا من الذريرة ثم الإزار طولا حتى يغطى الصدر و الرجلين ثم الخرقة عرضها قدر شبر و نصف ثم القميص تشد الخرقة على القميص بحيال العورة و الفرج حتى لا يظهر منه شيء، و اجعل الكافور في مسامعه و اثر سجوده منه و فيه و أقل من الكافور و اجعل على عينيه قطنا و فيه و أذنيه شيئا قليلا ثم عممه و الق على وجهه ذريرة و ليكن طرف العمامة متدليا على جانبه الأيسر قدر شبر ترمي بها على وجهه، و ليغتسل الذي غسله. و كل من مس ميتا فعليه الغسل و ان كان الميت قد غسل، و الكفن يكون بردا و ان لم يكن بردا فاجعله كله قطنا فان لم تجد عمامة قطن فاجعل العمامة سابريا، و قال: تحتاج المرأة من القطن لقبلها قدر نصف من، و قال: التكفين ان تبدأ بالقميص ثم بالخرقة فوق القميص على ألييه و فخذيه و عورته و تجعل طول الخرقة ثلاثة أذرع و نصفا و عرضها شبرا و نصفا ثم تشد
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب التكفين.
10
الإزار أربعة أذرع ثم اللفافة ثم العمامة و تطرح فضل العمامة على وجهه و تجعل على كل ثوب شيئا من الكافور و تطرح على كفنه ذريرة.».
أقول: و هذا الخبر قد تضمن ما تضمنته الأخبار المتقدمة من ان اجزاء الكفن الواجب هي الإزار و القميص و اللفافة إلا ان ظاهر كلامه في الإزار لا يخلو من خلل في المقام نسبته إلى الراوي المذكور اولى من نسبته الى الامام (عليه السلام) حيث ان المعهود من الإزار شرعا و لغة و عرفا هو ما عرفت و هو ما يشد من تحت السرة و منتهاه الى نصف الساق الى القدم، و هذا الخبر قد اشتمل صدره على ان الإزار يبسط طولا حتى يغطى الصدر و الرجلين مع ان المعروف من شد الإزار انما هو بالعرض لا بالطول و في آخره ان الإزار أربعة أذرع و هذا مما ينافي الكلام الأول لأنه متى كان طوله أربعة أذرع و بسط طولا فإنه يتجاوز الصدر الى ما فوق الرأس، و هذا التهافت في المقام مما يجعل عنه كلام الإمام الذي هو امام الكلام، و قد وقع للراوي المذكور مثله في الخبر و هو قوله: «و كل من مس ميتا فعليه الغسل و ان كان الميت قد غسل» فإنه مخالف للإجماع و اتفاق الأمة فضلا عن هذه الفرقة الناجية. و بالجملة فإني لا اعرف لما اشتمل عليه هذا الخبر في هذا المقام وجه استقامة يبنى عليه الكلام.
و منها-
ما ذكره مولانا الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (1) من قوله:
«ثم يكفن بثلاث قطع و خمس و سبع، فاما الثلاث فمئزر و عمامة و لفافة، و الخمس مئزر و قميص و عمامة و لفافتان، الى ان قال: و روي انه لا يقرب الميت من الطيب شيئا و لا البخور، و ساق (عليه السلام) جملة من الأحكام بطريق الرواية الى ان قال: و قال يأخذ خرقة فيشدها على مقعدته و رجليه. قلت الإزار؟ قال انها لا تعد شيئا و انما أمر بها لكي لا يظهر منه شيء، و ذكر ان ما جعل من القطن أفضل و قال: و يكفن بثلاثة أثواب لفافة و قميص و إزار. إلى آخر كلامه».
و ظاهر صدر هذا الكلام يشعر بإفتائه
____________
(1) ص 20.
11
بالثلاث أو الخمس أو السبع، و لا يخفى ما فيه من الإجمال، إلا ان ما نقله أخيرا بطريق الرواية واضح فيما ادعيناه، و الظاهر ان هذه الرواية التي ذكرها عن الصادق (عليه السلام) بقرينة حديث الخرقة التي ذكر انها لا تعد شيئا فإنه قد تقدم بهذه الصورة في صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1).
و منها-
ما رواه في الكافي عن الحلبي (2) قال أبو عبد الله (عليه السلام) في حديث: «ان ابي كتب في وصيته ان أكفنه في ثلاثة أثواب أحدها رداء له حبرة.
و ثوب آخر و قميص. الحديث».
و التقريب فيه حمل الثوب الآخر على الإزار لذكره في تلك الأخبار المتقدمة فيحمل إطلاق هذا الخبر على تلك الأخبار.
نعم ربما دل على ما ذكروه
ما رواه الشيخ في الحسن على الظاهر عن حمران بن أعين عن الصادق (عليه السلام) (3) في حديث قال فيه: «قلت فالكفن؟ قال يأخذ خرقة فيشد بها سفلية و يضم فخذيه بها ليضم ما هناك و ما يصنع من القطن أفضل ثم يكفن بقميص و لفافة و برد يجمع فيه الكفن».
فان ظاهر لفظ اللفافة الاختصاص بما يشمل البدن و البرد من حيث انه يجمع الكفن كما ذكره يجب ان يكون شاملا. و الجواب عنه انه إذا ثبت بما قدمناه من الأخبار كون الإزار أحد أجزاء الكفن و ان الإزار شرعا و لغة و عرفا انما يطلق على ما يشد في الوسط فالواجب تأويل هذه الرواية بما ترجع به الى تلك الاخبار و هو بحمل اللفافة على الإزار فإنه يلف ما يقع عليه من أسافل البدن و مثله في تأويل الأخبار غير عزيز.
أقول: و بما ذكرناه مما أشارت إليه هذه الاخبار صرحت عبائر جملة من متقدمي علمائنا الأبرار الذين عليهم المعتمد في الإيراد و الإصدار: منهم- شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) في المقنعة حيث قال: «و يعد الكفن و هو قميص و مئزر و خرقة يشد بها
____________
(1) ص 6.
(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب التكفين.
12
سفله الى وركيه و لفافة و حبرة و عمامة، الى ان قال في صفة التكفين: و صار الى الأكفان التي كان أعدها له فبسطها على شيء طاهر يضع الحبرة أو اللفافة التي تكون بدلا منها و هي الظاهرة و ينشرها و ينثر عليها شيئا من الذريرة التي كان أعدها ثم يضع اللفافة الأخرى عليها و ينثر عليها شيئا من الذريرة ثم يضع الإزار و يضع القميص على الإزار و ينثر عليه شيئا من الذريرة و يكثر منه ثم يرجع الى الميت فينقله من الموضع الذي غسله فيه حتى يضعه في قميصه و يأخذ شيئا من القطن فيضع عليه شيئا من الذريرة و يجعله على مخرج النجو و يضع شيئا من القطن و عليه الذريرة على قبله و يشده بالخرقة التي ذكرناها شدا وثيقا الى وركيه لئلا يخرج منه شيء و يأخذ الخرقة التي سميناها مئزرا فيلفها عليه من سرته الى حيث تبلغ من ساقيه كما يأتزر الحي فتكون فوق الخرقة التي شدها على القطن» و على هذا النهج كلام الشيخ في النهاية. و قال ابن ابي عقيل: «الفرض إزار و قميص و لفافة، و السنة ثوبان عمامة و خرقة و جعل الإزار فوق القميص، و قال: السنة في اللفافة ان تكون حبرة يمانية فإن أعوزهم فثوب بياض» و قال علي بن بابويه في رسالته: «ثم اقطع كفنه تبدأ بالنمط و تبسطه و تبسط عليه الحبرة و تبسط الإزار على الحبرة و تبسط القميص و تكتب على قميصه و إزاره و حبرته» و قال الجعفي: «الخمسة لفافتان و قميص و عمامة و مئزر، و قال و قد روى سبع: مئزر و عمامة و قميصان و لفافتان و يمنية، و ليس تعد الخرقة التي تجعل على مخرجه من الكفن، قال و روي ليس العمامة من الكفن المفروض» و قال أبو الصلاح: «يكفنه في درع و مئزر و لفافة و نمط و يعممه، قال: و الأفضل ان تكون الملاف ثلاثا إحداهن حبرة يمنية و تجزيء واحدة» و قال الصدوق في الفقيه: «و غاسل الميت يبدأ بكفنه فيقطعه يبدأ بالنمط فيبسطه و يبسط عليه الحبرة و ينثر عليه شيئا من الذريرة و يبسط الإزار على الحبرة و ينثر عليه شيئا من الذريرة و يبسط القميص على الإزار و ينثر عليه شيئا من الذريرة، ثم ساق الكلام الى ان قال في صفة التكفين ما ملخصه: ثم يضع الميت في أكفانه، ثم ذكر موضع الجريدتين و قال: ثم يلفه في إزاره و حبرته، الى ان قال: و قبل ان يلبسه قميصه يأخذ شيئا من القطن و ينثر عليه ذريرة و يحشو به دبره و يجعل من القطن
13
شيئا على قبله و يضم رجليه جميعا و يشد فخذيه الى وركيه بالمئزر شدا جيدا لئلا يخرج منه شيء فإذا فرغ من تكفينه حنطة، الى ان قال بعد ذكر جملة من الأحكام: و الكفن المفروض ثلاثة: قميص و إزار و لفافة سوى العمامة و الخرقة فلا يعدان من الكفن» انتهى أقول: و هذا الكلام كله ما ذكرناه و ما حذفناه مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي.
فهذه جملة من عبائر المتقدمين متفقة الدلالة على ان الكفن المفروض هو القميص و اللفافة و الإزار، و ربما عبر بعضهم بالمئزر و هو المطابق لما قدمناه من الأخبار. ثم انه بالتأمل فيما نقلناه عن الصدوق هنا يظهر لك بطلان ما توهمه جملة من الاعلام الذاهبين الى ما ذهب اليه السيد في هذا المقام من الاستناد الى كلام الصدوق في الفقيه في التأييد لما ذهبوا اليه من ان المئزر الذي ذكره الأصحاب من جملة أجزاء الكفن الواجب الذي لا وجود له في الأخبار، و ان الصدوق قد فسره في الفقيه بالخرقة التي يشد بها الفخذان قال الأمين الأسترآبادي- و هو من جملة تلامذة السيد صاحب المدارك في تعليقاته على الفقيه- ما صورته: «أقول: و قد وقع من جمع من المتأخرين سهو عظيم حيث زعموا ان من جملة الكفن الواجب المئزر و فسروه بثوب يكون من السرة إلى الركبة مع انه لا دلالة في الأحاديث على ذلك. و كلام المصنف في هذا الباب صريح بخلاف قولهم و صريح بان المراد بالمئزر ما يشد به فخذاه، و هو الحق» انتهى. أقول: بل السهو العظيم انما وقع منه و ممن حذا حذوه في هذا المقام كما لا يخفى على من تأمل ما تلوناه و ما سنذكره في المقام، و نسبة ما زعمه من السهو لجمع من المتأخرين مع انه من كلام المتقدمين- كما عرفت و ستعرف- سهو آخر منه، و بيان ذلك انك قد عرفت مما قدمناه ترادف لفظ المئزر و الإزار لغة و شرعا و ان المراد منه ما يشد من الوسط كما عرفته من عبارة الشيخ المفيد المتقدمة و تعبيره عن ذلك تارة بالإزار و تارة بالمئزر، و كلام الصدوق هنا في صدره صريح بأن أجزاء الكفن الواجب هو الحبرة و الإزار و القميص، اما النمط فالظاهر انه ذكره استحبابا كما سيأتي بيان القول فيه ان شاء الله تعالى، و كذا قوله: «يلفه في إزاره
14
و حبرته» فإنه صريح في كون الإزار من اجزاء الكفن، و كلامه الأخير أصرح صريح في ذلك ايضا كما لا يخفى، و إذا ثبت ان أحد أجزاء الكفن الإزار و الإزار- كما عرفت لغة و شرعا- انما هو عبارة عما يربط من الوسط فقد ثبت المطلوب، غاية الأمر ان الأصحاب عبروا عن الإزار الذي ذكره الصدوق هنا بالمئزر و قد عرفت ترادفهما فأي فساد يلزم من ذلك؟ و كلام الصدوق هنا و ان سمى الخرقة التي يشد بها المقعدة مئزرا فإنه لا دلالة فيه على انه المئزر الذي ذكره الأصحاب في اجزاء الكفن، و غاية الشبهة نشأت هنا من شيئين: (أحدهما)- تعبير الأصحاب بالمئزر. و (ثانيهما)- تعبير الصدوق عن الخرقة المستحبة لشد المقعدة بالمئزر، و أنت إذا تأملت ما ذكرناه ظهر لك ان المطلوب و المدعى من كون الكفن عبارة عن اللفافة و الإزار و القميص ظاهر من كلام الصدوق في الفقيه، و بتقريب ما قدمناه- من ان الإزار لغة و شرعا هو ما يشد من الوسط- يظهر انطباق كلام الصدوق و المفيد و نحوهما على كلام متأخري الأصحاب و ان عبروا عن الإزار الذي ذكره هؤلاء بالمئزر فإنهما مترادفان فلا حرج.
بقي الكلام في تعبير الأصحاب عن اللفافة الشاملة لجميع البدن بالإزار و قد عرفت ما فيه و كان الاولى تعبيرهم بما عبر به متقدموهم كالشيخين المشار إليهما و نحوهما من الحبرة أو اللفافة أو نحوهما، و كذا بقي الكلام في تعبير الصدوق عن هذه الخرقة بالمئزر فإنه و ان كان غريبا إلا انك قد عرفت ان عبارته هذه و ما قبلها و ما بعدها إنما أخذت من الفقه الرضوي، و مع كونها من عنده فإنه لا مشاحة في العبارة بعد ظهور المراد، فعليك بالتأمل التام فيما حققناه في المقام.
[بيان أمور]
و تمام القول في المقام يتوقف على بيان أمور
(الأول) [لو لم يوجد إلا ثوب واحد]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في انه لو تعذرت الأثواب الثلاثة و لم يوجد إلا ثوب واحد فإنه يكفن فيه، قالوا لأن الضرورة تبيح دفنه بغير كفن فببعضه أولى. أقول: غاية ما يستفاد من هذا الكلام الجواز و لا ريب فيه، و اما الوجوب فمحل إشكال لأن الواجب انما
15
هو الثلاثة المتقدمة و مع فقد بعضها فهل يجب ما أمكن من الباقي أم لا؟ وجهان، للأول مفهوم جملة من
الأخبار الدالة على ان حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا (1).
و نحوها من الأدلة العامة، و للثاني عدم وجود نص في المسألة و الاحتياط ظاهر.
و اما مع وجود الجميع فقد عرفت انه لا مخالف في المسألة إلا سلار حيث اكتفى بثوب واحد اختيارا مستندا- كما نقل عنه- الى الأصل
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة و محمد بن مسلم (2) قالا: «قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) العمامة للميت من الكفن؟ قال لا انما الكفن المفروض ثلاثة أثواب و ثوب تام لا أقل منه يواري جسده كله. فما زاد فهو سنة الى ان يبلغ خمسة أثواب. فما زاد فهو مبتدع، و العمامة سنة.».
أقول: هذا الخبر
رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح، و فيه «انما الكفن المفروض ثلاثة أثواب تام لا أقل منه.
الى آخر الخبر» و ذكر جملة من الأصحاب: منهم- شيخنا البهائي في الحبل المتين ان في بعض نسخ التهذيب كما في الكافي، و ظاهر الخبر على رواية الكليني يعطي أن الكفن أربعة أثواب و لا قائل به، و يحتمل التخيير- بجعل الواو بمعني «أو»- بين الثلاثة و الثوب الواحد و به يصلح الاستدلال به للقول المذكور. و احتمل جملة من الأصحاب: منهم- الشهيدان في الذكرى و الروض كونه بيانا لأحد الأثواب الثلاثة فيكون من باب عطف الخاص على العام و ان المراد بذلك الواحد الإزار بناء على ما فسروه به من انه الساتر لجميع البدن. و احتمل في الذكرى حمل الخبر المذكور على التقية فإن معظمهم على الاجتزاء بالثوب الواحد (3) و هذا كله على تقدير رواية الكافي
____________
(1) رواها في الوسائل في الباب 50 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
(3) في المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 129 «و أقل ما يجزئ من الكفن ما يستر العورة كالحي، و من أصحابنا من قال أقله ثوب يعم البدن لان ما دونه لا يسمى كفنا و الأول أصح» و في الوجيز للغزالي ج 1 ص 45 «و أقله ثوب واحد ساتر لجميع البدن و الثاني و الثالث حق الميت في التركة تنفذ وصيته بإسقاطهما» و في المنهاج للنووي ص 13 «يكفن بماله لبسه حيا و أقله ثبوب» و في بداية المجتهد ج 1 ص 213 «قال مالك لأحد في الكفن و انه يجزئ ثوب واحد في المرأة و الرجل الا انه يستحب الوتر» و في المغني ج 2 ص 464 و 467 «يكفن في ثلاثة أثواب و يجوز التكفين في ثوبين و قال الأوزاعي أقل ما يجزئ ثوب واحد يستر جميعه».
16
و اما على تقدير رواية التهذيب فلا حجة فيها إلا ان الأظهر هو سقوط لفظة الثوب من قلم الشيخ كما لا يخفى على من له انس بما وقع له من التحريف و السهو و الزيادة و النقصان في متون الاخبار و أسانيدها. و بالجملة فالأظهر عندي هو طرح هذه الرواية من البين لما هي عليه من الاحتمالات و بذلك تصير من المتشابهات التي يجب الوقوف فيها. و كيف كان فالقول المذكور ضعيف لا يلتفت إليه في مقابلة الأخبار المتكاثرة و بها يجب الخروج عن الأصل الذي استند اليه. و ما ذكره بعض متأخري المتأخرين من ضعف الاخبار المشار إليها و ان المسألة محل اشكال فهو مما لا يلتفت إليه، فإنها مع الإغماض عن المناقشة في هذا الاصطلاح قد تلقاها أصحابه بالقبول و اتفقوا على العمل بها و هو جابر عندهم لضعفها.
(الثاني) [هل يتعين القميص أو يتخير بينه و بين لفافة ثانية؟]
- المشهور بين الأصحاب تعين القميص و ضمها إلى الإزار و اللفافة، و قيل بالتخيير بينها و بين لفافة ثانية مع أفضلية القميص، و هو مذهب ابن الجنيد و مال اليه المحقق في المعتبر و جملة من متأخري المتأخرين، و هو الظاهر، و يدل عليه ما تقدم في رواية محمد بن سهل عن أبيه و مرسلة الفقيه (1) قال المحقق الشيخ علي «و يراعى في جنس هذه الأثواب التوسط باعتبار اللائق بحال الميت عرفا فلا يجب الاقتصار على أدون المراتب و ان ماكس الورثة أو كانوا صغارا حملا لإطلاق اللفظ على المتعارف» و استحسنه في الروض بعد نقله عنه قال: «لان العرف هو المحكم في أمثال ذلك مما لم يرد له تقدير شرعي» انتهى. و هو جيد لان الخطابات الشرعية انما تتعلق بالمكلفين باعتبار أحوالهم
____________
(1) و إطلاق الأثواب الثلاثة في جملة من الاخبار- ص 6.
17
التي هم عليها من قوة و ضعف و عسر و يسر و نحو ذلك فلكل تكليف باعتبار حاله، ألا ترى ان استطاعة الحج تتفاوت بتفاوت الأحوال و الصلاة كيفية و كمية تتفاوت بتفاوتها ايضا سفرا و حضرا و صحة و مرضا و نحو ذلك.
(الثالث) [هل يعتبر الستر في كل ثوب أو يكفي مواراة البدن بالثلاثة؟]
- قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: «و المفهوم من خبر زرارة المتقدم الاكتفاء بمواراة البدن بالثلاثة فلو كان بعضها رقيقا بحيث لا يستر العورة و يحكى البدن لم يضر مع حصول الستر بالمجموع، و الأحوط اعتبار الستر في كل ثوب لانه المتبادر و ليس في كلامهم ما يدل عليه نفيا و لا إثباتا» انتهى. أقول: الظاهر ان مراده بخبر زرارة المذكور هو ما تقدم في الأمر الأول (1) و قد عرفت اختلاف روايتي الكافي و التهذيب له و الظاهر عندي من قوله: «يوارى جسده» انما هو باعتبار شمول الثوب البدن و إتيانه عليه بحيث لا يبقى شيء من البدن عاريا لا مواراة البشرة بمعنى ان لا يكون رقيقا حاكيا للبشرة، و يؤيده التأكيد بقوله «كله» و حينئذ فيكون قوله «يواري جسده» مؤكدا لقوله «تام لا أقل منه» و ان لم يكن ما ذكرناه أظهر لا أقل ان يكون مساويا لما ذكره و به لا يتم الاستدلال، و حينئذ تبقى المسألة عارية عن النص، و أصالة العدم ترجح الجواز مطلقا و بالجملة فالظاهر ان ما ذكره شيخنا المذكور لا يخلو من البعد، و لو كانت الرواية المذكورة دالة على الحكم المذكور لما خفي على محدثي أصحابنا المتأخرين و لا سيما بعد الوقوف على كلامه و لنبهوا على ذلك في تصانيفهم سيما شيخنا البهائي في الحبل المتين و أمثاله ممن عادتهم تتبع هذه الدقائق و التنبيه عليها. و الله العالم.
(الرابع) [ما لا يجوز التكفين به]
- الظاهر انه لا خلاف في عدم جواز التكفين بالحرير المحض، قال في المعتبر: و هذا الحكم ثابت بإجماعنا و يدل عليه
ما رواه في الكافي عن الحسن بن راشد (2) قال: «سألته عن ثياب تعمل بالبصرة على عمل العصب اليماني من قز و قطن هل يصلح ان يكفن فيها الموتى؟ قال: إذا كان القطن أكثر من القز فلا بأس».
____________
(1) ص 15.
(2) رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب التكفين.
18
و رواه في الفقيه مرسلا (1) قال: «سئل أبو الحسن الثالث (عليه السلام) عن ثياب تعمل بالبصرة. الحديث».
أقول: و يشير الى ذلك جملة من الأخبار الدالة على النهي عن التكفين بكسوة الكعبة فإن الظاهر انه ليس إلا من حيث كونها حريرا محضا كما استظهره شيخنا الشهيد في الذكرى و إلا كان الأنسب الاستحباب للتبرك، و من تلك الأخبار
ما رواه في التهذيب عن الحسين بن عمارة عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل اشترى من كسوة البيت شيئا هل يكفن به الميت؟ قال: لا».
و نحوها رواية عبد الملك بن عتبة الهاشمي (3)
و قال في الفقه الرضوي (4): «لا تكفنه في كتان و لا ثوب إبريسم و إذا كان ثوب معلم فاقطع علمه و لكن كفنه في ثوب قطن و لا بأس في ثوب صوف».
انتهى. و قال في الفقيه: «و لا يجوز ان يكفن الميت في كتان و لا إبريسم و لكن في القطن» و الظاهر انه مأخوذ من هذه العبارة كما عرفت في غير مقام.
و الشيخ قد روى عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (5) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): نعم الكفن الحلة و نعم الأضحية الكبش الأقرن».
ثم حمله على التقية لموافقته لمذهب العامة (6) قال: لان الكفن لا يجوز ان يكون من
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب التكفين. (4) ص 18.
(3) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب التكفين. (4) ص 18.
(4) ص 18.
(5) رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب التكفين.
(6) في المحلى لابن حزم ج 5 ص 123 «لا يحل تكفين الرجل بما لا يحل لباسه من حرير أو مذهب أو معصفر و جائز تكفين المرأة في كل ذلك» و في المنهاج للنووي على هامش شرحه تحفة المحتاج ج 1 ص 531 «يكفن الميت بعد غسله بما له لبسه حيا فلا يجوز الحرير و المزعفر للرجل و الخنثى» و في شرح النووي على صحيح مسلم بهامش إرشاد الساري ج 4 ص 266 «قال أصحابنا يحرم تكفين الرجل بالحرير و يجوز للمرأة فيه مع الكراهة و كره مالك و عامة العلماء التكفين في الحرير مطلقا، قال ابن المنذر لا احفظ خلافه» و في البحر الرائق ج 2 ص 176 «لا يكفن بما لا يجوز لبسه حال الحياة كالحرير للرجال» و في مجمع الانهر فقه الحنفية ج 1 ص 181 «لا يكفن إلا فيما يجوز له لبسه حال الحياة فلا يجوز الحرير و نحوه و يجوز للنساء الحرير» و في نيل المآرب لعبد القادر الشيباني الحنبلي ج 1 ص 54 «يحرم التكفين بحرير و مذهب الذكر و الأنثى و الخنثى و يجوز الحرير عند عدم ثوب واحد يستر جميعه».
19
الإبريسم. و قيل عليه انه لا يعتبر في الحلة أن تكون من الإبريسم فإنها ربما تطلق على البرد و غيره ايضا و ان لم يكن إبريسما، قال في القاموس: «الحلة إزار و رداء برد أو غيره و لا يكون إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة» فينبغي ان تحمل الحلة على البرد الذي لا يكون إبريسما. و قيد الحرير بالمحض احترازا عن الممتزج بغيره على وجه لا يستهلكه الحرير فإنه يجوز التكفين فيه كما يجوز الصلاة فيه. و الظاهر انه لا فرق بين الرجل و المرأة في الحكم المذكور. و قال في الذكرى و عليه اتفاقنا، و نقل عن العلامة في النهاية انه احتمل كراهته للمرأة للإباحة لها في حال الحياة. و الظاهر ضعفه.
و في جوازه بالجلود تردد لأصالة الجواز و عدم صدق الثوب عليها عرفا فان المتبادر منه انما هو المنسوج، و به صرح جملة من الأصحاب، و أيدوا ذلك بوجوب نزعه عن الشهيد قالوا فهنا أولى.
أما المتخذ من الشعر و الوبر فالظاهر المشهور الجواز لصدق الثوب عليه و انتفاء المانع كما صرح به في المعتبر، و نقل عن ابن الجنيد المنع منه، و قد تقدم في عبارة كتاب الفقه نفى البأس عن ثوب الصوف، و جعل في المدارك اجتنابه اولى.
و لا يجوز التكفين بالنجس إجماعا كما في الذكرى و لوجوب إزالة النجاسة العارضة من الكفن. و كذا لا يجوز التكفين في المغصوب أيضا إجماعا كما نقله في الكتاب المشار اليه و للنهي عن إتلاف مال الغير.
هذا كله مع الاختيار اما مع الضرورة فظاهر هم الاتفاق على عدم الجواز بالمغصوب و اما غيره من الحرير و الجلد و النجس فأوجه ثلاثة: المنع لإطلاق النهي، و الجواز لئلا يدفن عاريا مع وجوب ستره و لو بالحجر، و وجوب ستر العورة لا غير حالة الصلاة ثم ينزع
20
(الخامس) [كيفية التكفين]
- المفهوم من كلام أكثر الأصحاب في كيفية التكفين انه يبدأ بخرقة الفخذين فيشدها بعد وضع القطن في دبر الميت و قبل المرأة ثم يؤزره عليها كما يؤزر الحي ثم يلبسه القميص ثم يلفه في اللفافة ثم الحبرة التي هي مستحبة عندهم، فمن ذلك عبارة المفيد المتقدمة (1) و منها عبارة الشيخ في النهاية حيث قال ما هذا ملخصه: فإذا فرغ منه- يعنى من الغسل- عمد الى القطن، ثم ذكر شد القطن بالخرقة الى ان قال: فيأخذ الإزار فيؤزره، ثم ساق الكلام في صفة الإزار و وضع الحنوط الى ان قال: ثم يرد القميص عليه، ثم ساق الكلام في العمامة الى ان قال: ثم يلفه في اللفافة. و نحوه عبارته في المبسوط و بذلك صرح ابن إدريس في السرائر فقال ما ملخصه: فيأخذ الخرقة التي هي الخامسة، ثم ذكر شد فخذيه بها الى ان قال: ثم يؤزره و يلبسه القميص و فوق القميص الإزار و فوق الإزار الحبرة. و مراده بالإزار الذي فوق القميص هو اللفافة و هي الثوب الثالث من الكفن الواجب، فإنك قد عرفت ان الفقهاء يطلقون على هذا الثوب الإزار، و مراده بالحبرة هي المستحبة عندهم. و هكذا عبارة العلامة في المنتهى حيث قال ما ملخصه في كيفية التكفين من انه يحشو دبره بالقطن ثم يشده بخرقة الفخذين ثم يؤزره بالمئزر ثم يلبسه القميص ثم يضعه في الإزار ثم في الحبرة. و على هذا النهج عبارة الذكرى و الدروس و البيان إلا انه في البيان لم يتعرض لذكر الخرقة هنا و انما ذكرها سابقا قبل ذلك. و بالجملة فالذي حضرني من عبائرهم كلها على هذه الكيفية إلا عبارة الصدوق فإنه لا تخلو من الإجمال، و عبارة ابن ابي عقيل المتقدمة فإن ظاهرها البدأة بالقميص و ان يكون الإزار فوقها. و كيف كان ففي فهم ما ذكره الأصحاب و اشتهر بينهم من الأخبار خفاء و غموض. و الذي وقفت عليه من الأخبار المتضمنة لذلك رواية يونس و موثقة عمار و عبارة كتاب الفقه الرضوي و قد تقدم الجميع (2) فإما رواية يونس فان ظاهرها انه يلبسه القميص أولا ثم يؤزره بالإزار المذكور فيها ثم يلفه بالحبرة المذكورة. و لم يذكر الخرقة هنا و انما ذكرها في موضع آخر.
____________
(1) ص 11.
(2) ص 7 و 9 و 10.
21
و قد عرفت مما حققناه آنفا ان المراد بالإزار في الأخبار هو الذي يشد على الوسط و ظاهرها انه يشد فوق القميص، و مخالفتها لما ذكروه ظاهرة، نعم هي موافقة لظاهر عبارة ابن ابي عقيل. و اما موثقة عمار فإنها قد اشتملت على شد الخرقة فوق القميص ثم الإزار فوق الخرقة ثم اللفافة، و المخالفة فيها هنا في موضعين: (أحدهما)- شد الخرقة فوق القميص. و (الثاني)- جعل الإزار فوق القميص و الخرقة، مضافا الى ما عرفت آنفا من المناقضات الأخر، قال في الذكرى: «و في خبر عمار عن الصادق (عليه السلام) «و تبدأ بالقميص ثم بالخرقة فوق القميص ثم تشد المئزر ثم اللفافة ثم العمامة» و هو مخالف للمشهور من جعل الخرقة تحت المئزر و القميص فوقه، قال الأصحاب و نقل الشيخ فيه الإجماع» انتهى. و اما عبارة كتاب الفقه فالذي تقدم منها لا دلالة فيه على ما نحن فيه إلا انه قال في موضع آخر ما لفظه: «و قبل ان يلبسه القميص يأخذ شيئا من القطن و يجعل عليه حنوطا يحشو به دبره، الى ان قال: و يضم رجليه و يشد فخذيه الى وركيه بالمئزر شدا جيدا لئلا يخرج منه شيء» و ظاهر هذه العبارة هو انه يلبسه القميص بعد شد الخرقة، و لم يتعرض هنا لباقي اجزاء الكفن و ان ذكرها في موضع آخر كما تقدم من ان اجزاء الكفن ثلاثة: لفافة و قميص و إزار، إلا انها لا يستفاد منها في هذا المقام أزيد مما قلناه. و الجميع- كما ترى- ظاهر المنافاة لما ذكره الأصحاب مما عرفت من عباراتهم المتقدمة حيث ان ظاهر الجميع البدأة بالقميص. و لم أقف على خبر يدل على ما ذكروه من هذه الكيفية و لا على كلام لأحد من الأصحاب في هذا الباب يدفع هذا الاشكال و الارتياب. و الله العالم.
(المسألة الثانية)- في التحنيط
و الكلام هنا في مقامين
[المقام] (الأول) [مواضع التحنيط]
- في بيان المواضع التي يوضع الكافور عليها، فالمشهور بين الأصحاب انه يوضع على المساجد السبعة و عن الشيخ في الخلاف دعوى إجماع الفرقة عليه، و أضاف الشيخ المفيد طرف الأنف الذي يرغم في السجود، و أضاف الصدوق السمع و البصر و الفم و المغابن، واحدها مغبن كمسجد و هي الآباط و أصول الأفخاذ، قال في الفقيه: «و يجعل الكافور على بصره
22
و انفه و في مسامعه و فيه و يديه و ركبتيه و مفاصله كلها و على اثر السجود منه فإن بقي منه شيء جعل على صدره» و مال في المختلف الى هذا القول.
و الأخبار في المسألة مختلفة، و منها-
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن على المشهور عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «إذا أردت أن تحنط الميت فاعمد الى الكافور فامسح به آثار السجود منه و مفاصله كلها و رأسه و لحيته و على صدره من الحنوط، و قال: حنوط الرجل و المرأة سواء، و قال: أكره أن يتبع بمجمرة».
و ما في رواية يونس المتقدمة (2) من قوله: «ثم اعمد الى كافور مسحوق فضعه على جبهته موضع سجوده و امسح بالكافور على جميع مفاصله من قرنه الى قدمه و في رأسه و عنقه و منكبه و مرافقه و في كل مفصل من مفاصله من اليدين و الرجلين و في وسط راحتيه، الى ان قال: و لا تجعل في منخريه و لا في بصره و لا مسامعه و لا على وجهه قطنا و لا كافورا».
و في موثقة سماعة (3) «و تجعل شيئا من الحنوط على مسامعه و مساجده و شيئا على ظهر الكفين».
و في موثقة عبد الرحمن بن ابي عبد الله (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحنوط للميت؟ فقال اجعله في مساجده».
و في رواية عثمان النوا المتقدمة (5) «و لا تمس مسامعه بكافور».
و في حسنة حمران ابن أعين المتقدمة (6) «قلت فالحنوط كيف اصنع به؟ قال: يوضع في منخره و في موضع سجوده و مفاصله».
و في موثقة عمار المتقدمة (7) «و اجعل الكافور في مسامعه و اثر سجوده منه و فيه و أقل من الكافور».
و في رواية الحسين بن المختار عن الصادق (عليه السلام) (8) قال: «يوضع الكافور من الميت على موضع المساجد و على اللبة و باطن
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب التكفين.
(2) ص 7.
(3) المروية في الوسائل في الباب 15 من أبواب التكفين.
(4) المروية في الوسائل في الباب 16 من أبواب التكفين.
(5) المروية في الوسائل في الباب 16 من أبواب التكفين.
(6) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التكفين.
(7) ص 9.
(8) المروية في الوسائل في الباب 16 من أبواب التكفين.
23
القدمين و موضع الشراك من القدمين و على الركبتين و الراحتين و الجبهة و اللبة».
و في صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله البصري عن الصادق (عليه السلام) (1) قال:
«لا تجعل في مسامع الميت حنوطا».
و في صحيحة عبد الله بن سنان (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) كيف اصنع بالحنوط؟ قال: تضع في فمه و مسامعه و آثار السجود من وجهه و يديه و ركبتيه».
و في رواية زرارة عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) (3) قال:
«إذا جففت الميت عمدت الى الكافور فمسحت به آثار السجود و مفاصله كلها و اجعل في فيه و مسامعه و رأسه و لحيته من الحنوط و على صدره و فرجه، و قال: حنوط الرجل و المرأة سواء».
و في الفقه الرضوي (4) «فإذا فرغت من كفنه حنطته بوزن ثلاثة عشر درهما و ثلث من الكافور، و تبدأ بجبهته و تمسح مفاصله كلها به و تلقي ما بقي منه على صدره و في وسط راحتيه، و لا تجعل في فمه و لا منخره و لا في عينيه و لا في مسامعه و لا على وجهه قطنا و لا كافورا، فان لم تقدر على هذا المقدار فأربعة دراهم، فان لم تقدر فمثقال لا أقل من ذلك لمن وجده».
أقول: المشهور بين الأصحاب هو الجمع بين هذه الروايات فيما اختلفت فيه بحمل أخبار النهي على الكراهة، و الشيخ جمع بينها بحمل «في» الدالة على الوضع في سمعه و بصره و فيه على معنى «على» كما في قوله تعالى: «وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» (5) و مرجعه الى حمل أخبار النهي على النهي من إدخاله فيها و حمل اخبار الجواز على جعله فوقها. و الأظهر- كما صرح به جملة من متأخري أصحابنا- هو حمل الروايات الدالة على استحبابه في هذه المواضع على التقية لشهرة الاستحباب عند العامة.
بقي الكلام في بعض المواضع الزائد على المساجد السبعة مما لم يدل على النهي عنه دليل مثل مفاصله و وسط راحتيه و رأسه و لحيته و صدره و عنقه و اللبة و هي النحر و موضع
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 16 من أبواب التكفين.
(2) المروية في الوسائل في الباب 16 من أبواب التكفين.
(3) المروية في الوسائل في الباب 16 من أبواب التكفين.
(4) ص 17.
(5) سورة طه الآية 74.
24
القلادة، و الظاهر دخولها تحت الصدر في الرواية الأخرى، و باطن القدمين و نحوها مما اشتملت عليه الأخبار مما لا معارض له، و الظاهر استحبابه لدلالة الأخبار عليه مع عدم المعارض.
و هل يجب استيعاب كل المسجد بالمسح أو يكفي المسمى؟ وجهان جزم بأولهما الشهيد الأول في الذكرى و بالثاني الثاني في الروض.
(المقام الثاني)- في مقدار الكافور
، قال في المعتبر: «أقل المستحب من الكافور للحنوط درهم و أفضل منه أربعة دراهم و أكمل منه ثلاثة عشر درهما و ثلث، كذا ذكره الخمسة و اتباعهم ثم لا أعلم للأصحاب فيه خلافا» و قال الصدوق في الفقيه (1) «و الكافور السائغ للميت وزن ثلاثة عشر درهما و ثلث، و العلة في ذلك ان جبرئيل (عليه السلام) اتى النبي (صلى الله عليه و آله) بأوقية كافور من الجنة- و الأوقية أربعون درهما- فجعلها النبي ثلاثة أثلاث: ثلثا له و ثلثا لعلي (عليه السلام) و ثلثا لفاطمة، و من لم يقدر على وزن ثلاثة عشر درهما و ثلث كافورا حنط الميت بأربعة مثاقيل، فان لم يقدر فمثقالا لا أقل منه لمن وجده» و أكثر الأصحاب- و منهم الشهيد في كتبه- نقلوا عن الشيخين ان الأقل مثقال و أوسطه أربعة دراهم، و في الذكرى عن الجعفي ان أقله مثقال و ثلث قال:
و يخلط بتربة الحسين (عليه السلام) و نقل شيخنا المجلسي (رحمه الله) عن ابن الجنيد ان أقله مثقال و أوسطه أربعة مثاقيل، و عن ابن البراج انه قدر الأكثر بثلاثة عشر درهما و نصف.
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك
ما رواه في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه رفعه (2) قال: «السنة في الحنوط ثلاثة عشر درهما و ثلث، و قال: ان جبرئيل نزل على رسول الله (صلى الله عليه و آله) بحنوط و كان وزنه أربعين درهما فقسمها
____________
(1) ج 1 ص 91 و في الوسائل في الباب 3 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب التكفين.
25
رسول الله ثلاثة أجزاء: جزء له و جزء لعلي و جزء لفاطمة (عليهما السلام)».
و عن ابن ابي نجران عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «أقل ما يجزئ من الكافور للميت مثقال».
قال في الكافي بعد نقل هذا الخبر: و في رواية الكاهلي و حسين بن المختار عن الصادق (عليه السلام) قال: «القصد من ذلك أربعة مثاقيل».
و المراد بالقصد يعني الحد الوسط بين الأقل و الأكثر، و الاقتصاد في الأمور سلوك سبيل الوسط.
و روى الشيخ في الحسن عن عبد الله بن يحيى الكاهلي و الحسين بن المختار عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «القصد من الكافور أربعة مثاقيل».
و عن عبد الرحمن بن ابي نجران عن بعض رجاله عن الصادق (عليه السلام) (3) قال قال: «أقل ما يجزئ من الكافور للميت مثقال و نصف».
و قد تقدم في عبارة كتاب الفقه التحنيط بوزن ثلاثة عشر درهما و ثلث و ان لم يقدر على هذا المقدار فأربعة دراهم و ان لم يقدر فمثقال لا أقل من ذلك لمن وجده. إلا انه قال في موضع آخر من الكتاب أيضا (4): «إذا فرغت من غسله حنطته بثلاثة عشر درهما و ثلث درهم كافورا تجعل في المفاصل و لا تقرب السمع و البصر و تجعل في موضع سجوده و ادنى ما يجزئ من الكافور مثقال و نصف».
[تنبيهات]
إذا عرفت ذلك فالكلام هنا يقع في مواضع
(الأول) [هل التقديرات الواردة على جهة الوجوب؟]
- ظاهر هذه الروايات ان هذه التقديرات قلة و كثرة و وسطا على جهة الوجوب و انه لا يصار إلى المرتبة الوسطى إلا مع تعذر العليا و لا إلى الأقل إلا مع تعذر الوسط. و المفهوم من كلام الأصحاب هو الحمل على الأفضلية، و الظاهر من كلام المحقق في المعتبر ان الحامل لهم على الخروج عن ظاهر هذه الروايات انما هو ضعف إسنادها، قال في الكتاب المذكور بعد ذكر رواية ابن ابي نجران المشتملة على المثقال و رواية الحسين بن المختار و مرفوعة علي بن إبراهيم: «و في الروايات كلها ضعف لان سهلا ضعيف و الحسين بن المختار واقفي و رواية علي بن إبراهيم مقطوعة فاذن الواجب الاقتصار على ما يحصل به الامتثال و يحمل ما ذكر على الفضيلة» و قد تبعه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب التكفين.
(4) ص 20.
26
من تأخر عنه في هذه المقالة، و هو مشكل سيما و رواية الحسين بن المختار مروية عنه و عن عبد الله بن يحيى الكاهلي الذي لا خلاف بينهم في عد حديثه في الحسن و ان كان هو انما نسبها الى الحسين بن المختار خاصة، و رد الاخبار مع ظهورها في الوجوب و عدم المعارض لها فيه بمجرد ضعف السند خال عندنا من الدليل و المستند المعتمد. و بالجملة فإن المشهور عندهم الاكتفاء بالمسمى لما ذكر، و العمل بالاخبار سبيل النجاة كما لا يخفى.
(الثاني) [الحد الأوسط و الأقل في الكافور للحنوط]
- لا يخفى ان الحد الأوسط في هذه التقديرات اما أربعة مثاقيل كما وقع في عبارة ابن بابويه و عليه تدل حسنة الكاهلي و الحسين بن المختار أو أربعة دراهم كما يدل عليه كتاب الفقه، و به يندفع ما أورده بعض أفاضل متأخري المتأخرين على الشيخين و أتباعهما من انه لم يعرف للتحديد بالأربعة دراهم دليل، نعم ما ذكره في المعتبر في الأقل من انه درهم لم أقف له على دليل، و الذي في الاخبار انما هو مثقال كما في عبارة كتاب الفقه و مرسلة ابن ابي نجران الأولى، أو مثقال و نصف كما في مرسلته الثانية و عبارة كتاب الفقه الثانية، و بالمثقال في جانب الأقل عبر الصدوق كما تقدم، و اما ما نقل عن الجعفي من المثقال و ثلث فلم أقف على دليله، و قول ابن الجنيد في الأقل و الوسط موافق لكلام الصدوق و قد عرفت مستنده، و اما قول ابن البراج في تحديد الأكثر بثلاثة عشر درهما و نصف فخال ايضا من المستند.
(الثالث) [المراد بالمثاقيل الواقعة في الروايات]
- نقل عن ابن إدريس انه فسر المثاقيل الواقعة في الروايات بالدراهم نظرا الى قول الأصحاب، و هو ضعيف، و لهذا نقل ان ابن طاوس طالبه بالمستند، و هو كذلك فان المتبادر من المثقال حيث يطلق في كلام الشارع انما هو المثقال الشرعي الذي هو عبارة عن الدينار و هو ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي فالصيرفي مثقال و ثلث من الشرعي.
(الرابع) [هل يدخل كافور الغسل في المقدار الذي ورد للحنوط؟]
- المشهور بين الأصحاب ان كافور الغسل خارج عن هذا المقدار الذي ورد للحنوط، و قيل انه داخل فيه و اليه مال في الوافي، و ظني بعده فان ظواهر
27
الأخبار المذكورة انما تساعد على القول المشهور، فان
قوله (عليه السلام) (1): «السنة في الحنوط ثلاثة عشر درهما و ثلث».
يقتضي تخصيص هذا المقدار بالحنوط، و باقي الأخبار و ان كانت مطلقة إلا انه يجب حمل إطلاقها على هذا الخبر المقيد، و أصرح منه
قوله (عليه السلام) في عبارة كتاب الفقه الرضوي الثانية (2): «إذا فرغت من غسله حنطته بثلاثة عشر درهما و ثلث درهم كافورا».
و ترجيح هذا القول بالاحتياط ظاهر، و الخلاف المذكور في المسألة لم يستند الى معين و انما نقلوا عن ابن إدريس انه حكى عن بعض الأصحاب المشاركة و قال ان الأظهر عنهم خلافه.
(الخامس) [تقدير القدر الأعلى للحنوط]
- ينبغي ان يعلم ان ثلاثة عشر درهما و ثلثا الذي هو القدر الأعلى من الحنوط يكون بالمثاقيل الشرعية التي هي عبارة عن الدنانير الرائجة التي لم تتغير في جاهلية و لا إسلام تسعة مثاقيل و ثلث و بالمثاقيل الصيرفية المعروفة بين الناس سبعة مثاقيل، لما تقدم تحقيقه من ان المثقال الشرعي درهم و ثلاثة أسباع درهم و الدرهم نصف المثقال الشرعي و خمسه، فيكون مقدار عشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعية و بموجب ذلك تصير الثلاثة عشر درهما و ثلث تسعة مثاقيل و ثلثا بإضافة الثلث من كل منهما الى الأصل و اما كونها بالمثاقيل الصيرفية سبعة فلما عرفت من ان المثقال الصيرفي مثقال و ثلث من الشرعي و المثقال الشرعي ثلاثة أرباع الصيرفي و لا ريب ان سبعة أربعة أثلاث تسعة و ثلث.
(السادس) [تعارض الروايات]
- قد تعارضت الروايات في جانب الأقل من المثقال و مثقال و نصف و في الوسط بين أربعة مثاقيل و أربعة دراهم، و الجمع بالحمل على التخيير في كل من الموضعين.
(السابع) [تعريف الكافور]
- قال في الوافي: «و الحنوط يقال لكل طيب يحنط به الميت إلا ان السنة جرت ان يحنط بالكافور كما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) و هو طيب
____________
(1) المروي في الوسائل في الباب 3 من أبواب التكفين.
(2) ص 20.
28
معروف يكون في أجواف شجر بجبال الهند خشبه أبيض هش يظل خلقا كثيرا و هي أنواع و لونها احمر و انما تبيض بالتصعيد، كذا في القاموس. و قال بعض فقهائنا:
الكافور صمغ يقع من شجر فكلما كان جلالا و هو الكبار من قطعه لا حاجة له الى النار و يقال له الكافور الخام و ما يقع من صغار ذلك الصمغ من الشجر في التراب يؤخذ بترابه و يطرح في قدر فيها ماء يغلي و يميز من التراب فذلك لا يجزئ في الحنوط. انتهى كلامه. و ما قاله من عدم اجزاء المطبوخ غير واضح بل الظاهر من إطلاق الأخبار و كلام الأصحاب اجزاؤه. و ما يقال ان مطبوخه يطبخ بلبن الخنزير ليشتد بياضه لم يثبت، و كذا ما قيل انه لبن دويبة كالسنور تسمى بالزباد» انتهى كلام المحدث المشار إليه.
(المسألة الثالثة) [أجزاء الكفن المستحبة]
- قد عرفت مما تقدم اجزاء الكفن الواجبة و اما المستحبة
فمنها- [الحبرة]
ما ذكره جمع من المتأخرين من انه يستحب ان يزاد الرجل حبرة و مع تعذرها ثوب آخر يقوم مقامها في لف الكفن، و الحبرة كعتبة برد يماني، و زاد بعضهم في وصفه عبرية بكسر العين نسبة الى بلد في اليمن أو جانب واد، و قال في المختلف: «و يستحب ان يزاد في أكفان الرجل حبرة بكسر الحاء و فتح الباء و لفافة غيرها و تزاد المرأة لفافة أخرى و نمطا، قاله الشيخ الطوسي، و قال المفيد يستحب ان تزاد المرأة في الكفن ثوبين و هما لفافتان أو لفافة و نمط، و قال سلار تزاد لفافتان، و قال ابن إدريس تزاد لفافة أخرى لشد ثدييها و روى نمط، و الصحيح الأول و هو مذهب الشيخ في الاقتصاد، لان النمط هو الحبرة و قد زيدت على أكفانها لان الحبرة مشتقة من التزيين و التحسين، و كذلك النمط و هو الطريقة و حقيقته الأكسية و الفرش ذات الطرائق و منه سوق الأنماط، ثم استدل
الشيخ في التهذيب على ما قاله المفيد بما رواه عن سهل بن زياد عن بعض أصحابنا رفعه (1) قال: «سألته كيف تكفن المرأة؟ فقال كما يكفن الرجل غير انه يشد على ثدييها خرقة تضم الثدي إلى الصدر و تشد الى ظهرها.».
و عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
29
السلام) (1) قال: «يكفن الرجل في ثلاثة أثواب و المرأة إذا كانت عظيمة في خمسة أثواب:
درع و خمار و منطق و لفافتين».
و عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «تكفن المرأة في خمسة أثواب أحدها الخمار».
و ليس فيه دلالة على مطلوب الشيخ هنا. و قول ابن إدريس ان النمط هو الحبرة فيه نظر لان علي بن بابويه قال في أعداد الكفن للميت في رسالته: «ثم اقطع كفنه تبدأ بالنمط فتبسطه و تبسط عليه الحبرة و تنثر عليها شيئا من الذريرة و تبسط الإزار على الحبرة و تنثر عليه شيئا من الذريرة و تبسط القميص على الإزار» انتهى كلامه في المختلف. و قال الصدوق في الفقيه: «و الكفن المفروض ثلاثة: قميص و إزار و لفافة سوى العمامة و الخرقة فلا يعدان من الكفن فمن أحب ان يزيد ثوبين حتى يبلغ العدد خمسة أثواب فلا بأس» انتهى. و قد تقدم نقل عبارة الجعفي و ابي الصلاح الدالتين على زيادة لفافتين ايضا. و بالجملة فالظاهر ان المشهور بين متقدمي الأصحاب استحباب لفافتين زائدتين على الأثواب الثلاثة المفروضة، و الشيخ المفيد خصهما بكفن المرأة و اما الرجل فلفافة واحدة كما قدمناه آنفا من عبارته.
و لم نقف في الاخبار التي وصلت إلينا على ما يدل على ما ذكروه من زيادة لفافتين على الكفن المشهور سوى عبارة كتاب الفقه.
و جملة من متأخري المتأخرين قد استدلوا لمن ذكر استحباب زيادة الرجل حبرة أو مع المرأة بالأخبار المشتملة على عد الحبرة من جملة أجزاء الكفن الواجب ثم ردوها بذلك، إذ غاية ما يفهم من الأخبار كون الحبرة أحد الثواب الثلاثة لا مستحبة زائدة عليها.
أقول:
قد روى الشيخان الكليني و الطوسي بسنديهما عن يونس بن يعقوب عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) (3) قال: «سمعته يقول: اني كفنت أبي في ثوبين شطويين كان يحرم فيهما و في قميص من قمصه و عمامة كانت لعلي بن الحسين (عليهما السلام) و في
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
30
برد اشتريته بأربعين دينارا لو كان اليوم لساوى أربعمائة دينار».
و ظاهر هذا الخبر- كما ترى- الدلالة على ما ذكره متأخر و الأصحاب من زيادة الحبرة التي أشار إليها هنا بالبرد على الأثواب الثلاثة الواجبة. إلا ان ظاهر
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1)- قال: «كتب أبي في وصيته ان أكفنه في ثلاثة أثواب أحدها رداء له حبرة كان يصلي فيه يوم الجمعة و ثوب آخر و قميص، فقلت لأبي و لم تكتب هذا؟ فقال أخاف ان يغلبك الناس فان قالوا كفنه في أربعة أو خمسة فلا تفعل و عممني بعمامة و ليس تعد العمامة من الكفن انما يعد ما يلف به الجسد».
و نحو هذه الرواية نقل في الفقه الرضوي عن العالم و الظاهر ان مراده الصادق (عليه السلام) كما أشرنا إليه آنفا، قال في الكتاب المذكور (2): «و قال العالم: و كتب أبي في وصيته ان أكفنه في ثلاثة أثواب أحدها رداء له حبرة و كان يصلي فيه يوم الجمعة و ثوب آخر و قميص فقلت لأبي لم تكتب هذا؟ فقال انى أخاف ان يغلبك الناس يقولون كفنه بأربعة أثواب أو خمسة فلا تقبل قولهم. و عصبته بعد بعمامة، و ليس تعد العمامة من الكفن انما يعد ما يلف به الجسد، و شققنا له القبر شقا من أجل انه كان رجلا بدينار و أمرني أن أجعل ارتفاع قبره أربع أصابع مفرجات» انتهى- هو ان ما زاد على الثلاثة من الأثواب الشاملة للبدن انما خرج مخرج التقية فيجب حمل الخبر المذكور على ذلك (3) و يؤيده
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
(2) ص 20.
(3) في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 470 «عند الشافعية الكفن للذكر و الأنثى ثلاثة أثواب يستر كل واحد منها جميع بدن الميت إلا رأس المحرم و وجه المحرمة و تجوز الزيادة على ذلك ان لم يكن في الورثة قاصر أو محجور عليه و إلا حرمت الزيادة، و عند الحنفية كفن السنة قميص و إزار و لفافة و يزاد للمرأة خمار يستر وجهها و خرقة تربط ثدييها. و عند المالكية الأفضل ان يكفن الرجل في خمسة أشياء: قميص له أكمام و إزار و عمامة لها عذبة قدر ذراع تطرح على وجهه و لفافتان، و تكفن المرأة في سبعة: إزار و قميص و خمار و أربعة لفائف. و عند الحنابلة الواجب ثوب يستر جميع البدن للذكر و الأنثى و المسنون للرجل ثلاث لفائف و يكره الزيادة عليها كما تركه العمامة، و الأنثى و الخنثى يكفنان في خمسة أثواب بيض: إزار و خمار و قميص و لفافتان».
31
ما تقدم
في صحيحة زرارة و محمد بن مسلم أو حسنتهما (1) من قوله (عليه السلام) بعد ذكر الثلاثة المفروضة: «و ما زاد فهو سنة الى ان يبلغ خمسة أثواب فما زاد فهو مبتدع و العمامة سنة».
و اما احتمال ان يراد ان ما زاد على الثلاثة المفروضة من اللفائف فهو سنة الى ان يبلغ خمسة و ان المراد بالخمسة ما عدا العمامة و خرقة الفخذين فالظاهر بعده بل المراد بالخمسة انما هو الثلاثة المفروضة مع العمامة و الخرقة و لذا اشتهر تسمية الخرقة بالخامسة، و مقتضى كلام الصدوق- و هو قوله: «و من أحب ان يزيد ثوبين حتى يبلغ العدد خمسة أثواب فلا بأس»- إمكان حمل الخبر المذكور عليه، و نحوه عبارة الجعفي المتقدمة أيضا و عبارة ابن البراج في الكامل حيث قال: «تسن لفافتان زيادة على الثلاثة المفروضة إحداها حبرة يمنية فإن كان الميت امرأة كانت احدى اللفافتين نمطا، فهذه الخمس هي الكفن و لا يجوز الزيادة عليها، و يتبع ذلك و ان لم يكن من الكفن خرقة و عمامة و للمرأة خرقة الثديين» و نحوه قال في التهذيب، و يشير الى ذلك ما تقدم
في عبارة كتاب الفقه من قوله (عليه السلام) (2): «و يكفن بثلاث قطع و خمس و سبع».
فان الظاهر ان السبع انما هو بإضافة اللفافتين إلى الخمسة الحاصلة من الواجب و المستحب، و بالجملة فإن إطلاق لفظ الخمس على غير العمامة و خرقة الفخذين شائع في كلام كثير منهم. و لا يخفى انه مع الحمل على ما دلت عليه هذه العبارات يكون معارضا بما تقدم من صحيحة الحلبي و رواية كتاب الفقه الرضوي الدالتين على وصية الباقر (عليه السلام) بعدم الزيادة على الثلاثة المفروضة من تلك الأثواب، و ان مذهب العامة يومئذ زيادتها الى ان تكون أربعة أو خمسة. و بالجملة فإنه بالنظر الى اشتهار هذا الحكم بين المتقدمين كما عرفت ربما أمكن حمل الخبر المذكور عليه، فإنه من البعيد كل البعد انهم يذهبون الى ذلك من غير
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
(2) ص 20.
32
دليل يصل إليهم و لا سيما مثل الشيخ الصدوق الذي هو من أرباب النصوص و أبوه من بينهم بالخصوص. و المسألة لا تخلو من شوب الاشكال.
ثم انه على تقدير الخمس المذكورة قد اختلفت عبائرهم في اشتراك المرأة و الرجل فيها كما يظهر من إطلاق جملة من عبائرهم أو اختصاص المرأة بها دون الرجل أو زيادة المرأة عليها.
و منها- النمط للمرأة
صرح به جمع من الأصحاب، قالوا: و تزاد المرأة نمطا و هو لغة ضرب من البسط أو ثوب فيه خطط مأخوذ من الأنماط و هي الطريق، و فسره ابن إدريس بالحبرة لدلالة الاسمين على الزينة، و قد تقدم في كلام المختلف رده، و المشهور مغايرة النمط للحبرة، و استدلوا على استحبابه للمرأة
بقول الباقر (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (1): «يكفن الرجل في ثلاثة أثواب و المرأة إذا كانت عظيمة في خمسة: درع و منطق و خمار و لفافتين».
قال في المدارك: «و ليس فيها دلالة على المطلوب بوجه فان المراد بالدرع القميص و المنطق بكسر الميم ما يشد به الوسط و لعل المراد به هنا ما يشد به الثديان و الخمار القناع لانه يخمر به الرأس، و ليس فيها ذكر للنمط بل و لا دلالة على استحباب زيادة المرأة لفافة عن كفن الرجل، لما بيناه فيما سبق من ان مفاد الاخبار اعتبار الدرع و اللفافتين أو الثلاث لفائف في مطلق الكفن» انتهى. أقول: اما ما ذكره- من عدم دلالة الرواية على ما ادعوه- ففيه ان مبنى الاستدلال بالرواية انما هو على ان الكفن الواجب قميص و إزار و لفافة كما هو المشهور بين المتقدمين و المتأخرين و لا مخالف فيه إلا هو و من تبعه، و قد عبر في الرواية عن القميص بالدرع و عن الإزار بالمنطق كما أوضحناه فيما تقدم، و به صرح شيخنا الشهيد في الذكرى و الشيخ البهائي في الحبل المتين فإنهما فسرا المنطق في الرواية- بعد ذكرهما معناه لغة و عدم مناسبة المعنى اللغوي للمقام- بالإزار، و هو الحق، و احدى اللفافتين هي أحد أجزاء الكفن الواجب و اللفافة الأخرى هي
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
33
أحد أجزاء الكفن الواجب و اللفافة الأخرى هي النمط و ان لم يعبر عنها بالنمط أو انها لفافة أخرى عوض النمط، فإنهم صرحوا بالنسبة إلى الحبرة المستحبة في الكفن بأنه لو لم يجدها جعل عوضها لفافة فكذا النمط، و به يتم الاستدلال بالرواية المذكورة.
و اما ما ذكره من حمل المنطق على خرقة الثديين فبعيد غاية البعد كما لا يخفى، قال في الحبل المتين: «و المنطق كمنبر شقة تلبسها المرأة و تشد وسطها ثم ترسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة و الأسفل ينجر على الأرض، قاله صاحب القاموس. و لعل المراد به هنا المئزر كما قاله شيخنا في الذكرى. و قال بعض الأصحاب لعل المراد ما يشد به الثديان. و هو كما ترى» انتهى كلام شيخنا المذكور. و لا يخفى ان هذا البعض الذي أشار إليه هو صاحب المدارك كما نقلناه عنه، و الظاهر ان السيد السند لا يخفى عليه بعد هذا المعنى و لكنه انما ارتكبه فرارا عما أنكره من وجود الإزار و المئزر في الأخبار مع انا قد بينا وجوده في غير هذا الخبر ايضا كما قدمنا بيانه.
بقي الكلام في ان كلام الأصحاب مضطرب في اختصاص زيادة هذا الثوب بالمرأة أو مشاركة الرجل لها. و اما وجود هذا الثوب للمرأة بلفظ النمط فلم يصل إلينا في الأخبار و ان ذكره شيخنا المفيد و نحوه كما قدمنا ذكره، إلا انك قد عرفت من صحيحة الحلبي أو حسنته و من رواية كتاب الفقه ان ما زاد على الثلاثة المفروضة فهو من سنن العامة و بموجبه يجب حمل كل ما تضمن الزيادة على التقية. و بالجملة فالاحتياط في ترك الزيادة على الثلاثة المفروضة من الأثواب التي يلف فيها البدن. و الله العالم.
و منها- الخرقة التي يشد بها الفخذان
و تسمى عند الأصحاب بالخامسة كما ذكره في الذكرى، و هي للرجال و النساء كما يفهم من الأخبار و ما ذكر فيها من التعليل بعدم خروج شيء منه مع التصريح في بعضها بالقبل، و استحبابها ثابت بالروايات المستفيضة كما
في رواية عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «الميت يكفن في ثلاثة
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
34
أثواب سوى العمامة و الخرقة يشد بها وركيه كيلا يبدو منه شيء».
و قد تقدم
في رواية عمار (1) و قال «تحتاج المرأة من القطن لقبلها قدر نصف من، و قال: التكفين ان تبدأ بالقميص ثم بالخرقة فوق القميص على ألييه و فخذيه و عورته و تجعل طول الخرقة ثلاثة أذرع و نصفا و عرضها شبرا و نصفا ثم يشد الإزار. الحديث».
و في رواية يونس المتقدمة (2) في كيفية الغسل «و خذ خرقة طويلة عرضها شبر فشدها من حقويه و ضم فخذيه ضما شديدا و لفها في فخذيه ثم اخرج رأسها من تحت رجليه الى الجانب الأيمن و أغرزها في الموضع الذي لففت فيه الخرقة و تكون الخرقة طويلة تلف فخذيه من حقويه الى ركبتيه لفا شديدا».
و في رواية الكاهلي المتقدمة (3) نحوه، و لا منافاة في تقدير العرض بين روايتي عمار و يونس، إذ الظاهر ان المراد انما هو التقريب في ذلك لا ان يكون حدا شرعيا. قال في المدارك بعد ذكر جملة من هذه الأخبار: «و هذه الروايات و ان كانت ما بين ضعيف و مرسل إلا انها مؤيدة بعمل الأصحاب فلا تقصر عن إثبات حكم مستحب» أقول: لا يخفى ما فيه من الوهن و المجازفة و ذلك فان الاستحباب حكم شرعي و القول به بغير دليل واضح قول على الله بغير علم كما في الوجوب و لا فرق بينهما في وجوب الدليل، و حينئذ فإن صلح العمل بالخبر الضعيف المؤيد بعمل الأصحاب فيجب ان يقف عليه في جميع الأبواب مع ان كلامه في ذلك مضطرب غاية الاضطراب، على انا نقول ايضا انه لا وجه للعمل بالخبر الضعيف المؤيد بعمل الأصحاب كما يكررونه و يتسترون به عن إلزامهم بالخروج عن اصطلاحهم المشار إليه. فإنه ان كان الخبر الضعيف دليلا شرعيا وجب العمل عليه مطلقا و إلا وجب رميه و إلغاؤه مطلقا، فيرجع العمل فيما ذكروه إلى متابعة الأصحاب من غير دليل في المقام إذ المفروض رمي الضعيف من البين و عدم الاعتداد به بالكلية، و لا أراه يلتزمه و لا يقول به: ثم قال (قدس سره):
«و قد يظهر من مجموعها ان صورة وضع هذه الخرقة ان تربط أحد طرفيها في وسط الميت اما بان يشق رأسها أو يجعل فيها خيط و نحوه ثم تدخل الخرقة من بين فخذيه و تضم بها
____________
(1) ص 9.
(2) ج 3 ص 439.
(3) ج 3 ص 438.
35
عورته ضما شديدا و تخرجها من تحت الشداد الذي على وسطه ثم تلف حقويه و فخذيه بما بقي لفا شديدا فإذا انتهت ادخل طرفها تحت الجزء الذي انتهت عنده منها» انتهى.
و هو جيد.
و منها- العمامة للرجل و تحنيكه بها
. و الحكمان مجمع عليهما و الاخبار بهما كثيرة قد تقدم بعضها و انما يبقى الكلام في كيفية ذلك،
ففي رواية معاوية بن وهب المتقدمة (1) «و عمامة يعمم بها و يلقى فضلها على صدره».
و في رواية يونس عنهم (عليهم السلام) (2) «ثم يعمم يؤخذ وسط العمامة فيثنى على رأسه بالتدوير ثم يلقى فضل الشق الأيمن على الأيسر و الأيسر على الأيمن ثم يمد على صدره».
و في رواية عثمان النوا عن الصادق (عليه السلام) (3) «و إذا عممته فلا تعممه عمة الأعرابي. قلت كيف اصنع؟ قال خذ العمامة من وسطها و انشرها على رأسه ثم ردها الى خلفه و اطرح طرفيها على صدره».
و في بعض النسخ «على ظهره»
و في حسنة حمران بن أعين (4) «ثم خذوا عمامة و انشروها مثنية على رأسه و اطرح طرفيها من خلفه و ابرز جبهته».
و في صحيحة ابن ابي عمير أو حسنته عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (5) «في العمامة للميت قال حنكه».
و في صحيحة عبد الله بن سنان (6) «و عمامة تعصب بها رأسه و ترد فضلها على رجليه».
هكذا في التهذيب و الظاهر انه تحريف
و في الكافي (7) «و يرد فضلها على وجهه».
و في موثقة عمار (8) «و ليكن طرف العمامة متدليا على جانبه الأيسر قدر شبر ترمى بها على وجهه».
و في الفقه الرضوي (9)
____________
(1) ص 5.
(2) ص 7.
(3) المروية في الوسائل في الباب 16 من أبواب التكفين.
(4) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التكفين.
(5) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التكفين.
(6) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
(7) الموجود في الكافي ج 1 ص 41 «على رجليه» و رواه في الوسائل عنه كذلك و قال «أقول: هذا تصحيف و الصحيح يرد فضلها على وجهه».
(8) ص 9.
(9) ص 17.
36
«ثم تعممه و تحنكه فتثني على رأسه بالتدوير و تلقي فضل الشق الأيمن على الأيسر و الأيسر على الأيمن ثم تمد على صدره ثم تلفه باللفافة، و إياك ان تعممه عمة الأعرابي و تلقي طرفي العمامة على صدره».
و هذه الرواية عين ما في رواية يونس و هي الصورة المشهورة في كلام الأصحاب. و اما عمة الأعرابي المنهي عنها فالظاهر انها غير مشتملة على التحنيك و انما هي ان يلف وسط العمامة على رأسه و يلقى طرفها الأيمن على جانب الصدر الأيمن و الأيسر على الأيسر من غير ان يمد كل منهما إلى الجهة الثانية كما في الخبرين المذكورين، قال في المبسوط: «عمة الأعرابي بغير حنك» و يمكن حمل رواية معاوية بن وهب على ما دلت عليه الروايتان المذكورتان. و لا تقدير لطول العمامة شرعا فيعتبر فيها ما يؤدي هذه الهيئة و في العرض ما يطلق معه عليها اسم العمامة كما صرح به الأصحاب.
و منها- الخمار للمرأة عوض العمامة للرجل
، ذكره الأصحاب، و يدل عليه
صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1) و قوله (عليه السلام) فيها: «و تكفن المرأة إذا كانت عظيمة في خمسة: درع و منطق و خمار. الخبر».
و سمي به لانه يخمر الرأس اي يستره.
و منها- خرقة الثديين
و يدل عليها
ما رواه في الكافي عن سهل بن زياد عن بعض أصحابه رفعه (2) قال: «سألته كيف تكفن المرأة؟ فقال كما يكفن الرجل غير انها تشد على ثدييها خرقة تضم الثدي إلى الصدر و تشد الى ظهرها و يوضع لها القطن أكثر مما يوضع للرجال و يحشى القبل و الدبر بالقطن و الحنوط ثم تشد عليها الخرقة شدا شديدا».
(المسألة الرابعة) [سائر المستحبات]
-
[نشفه بثوب طاهر]
من المستحبات في هذا المقام زيادة على ما تقدم انه بعد الفراغ من غسله ينشفه بثوب طاهر و كأنه صونا للكفن عن البلل،
ففي خبر يونس المتقدم (3) «ثم نشفه بثوب طاهر».
و في خبر عمار (4) «ثم تجففه بثوب نظيف».
و في
____________
(1) ص 7.
(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
(3) ج 3 ص 439.
(4) ج 3 ص 440.
37
خبر الحلبي (1) «إذا فرغت من غسله جعلته في ثوب نظيف جففته».
و في كتاب الفقه (2) «فإذا فرغت من الغسلة الثالثة فاغسل يديك من المرفقين إلى أطراف أصابعك و الق عليه ثوبا تنشف به عنه الماء».
[اغتسال الغاسل قبل تكفينه]
و منها- ما ذكره الأصحاب من انه يستحب اغتسال الغاسل قبل تكفينه أو الوضوء، و ممن ذكر ذلك الصدوق في الفقيه فقال بعد ذكر الغسل و التنشيف: «ثم يغتسل الغاسل يبدأ بالوضوء ثم يغتسل ثم يضع الميت في أكفانه» و اعترضهم جملة من متأخري المتأخرين بعدم المستند في هذا الحكم بل ربما كان الظاهر من الروايات خلافه، و هو كذلك فان
في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «قلت له:
الذي يغمض الميت، الى ان قال: فالذي يغسله يغتسل؟ قال: نعم. قلت فيغسله ثم يلبسه أكفانه قبل ان يغتسل؟ قال يغسله ثم يغسل يديه من العاتق ثم يلبسه أكفانه ثم يغتسل».
و في صحيحة يعقوب بن يقطين المتقدمة (4) «ثم يغسل الذي غسله يده قبل ان يكفنه الى المنكبين ثلاث مرات ثم إذا كفنه اغتسل».
و في حديث عمار عن الصادق (عليه السلام) (5) «ثم تغسل يديك الى المرافق و رجليك الى الركبتين ثم تكفنه».
و قد تقدم في عبارة كتاب الفقه نحو ذلك ايضا و هي كالصريحة في استحباب تقديم التكفين على الغسل و انما المأمور به غسل اليدين من العاتق كما اشتمل عليه بعضها أو من المرفق كما اشتمل عليه الآخر، و الأحوط الأول، و كذلك الأحوط ان يكون ثلاثا كما دل عليه صحيح يعقوب، و ظاهر شيخنا في الذكرى حمل هذه الأخبار على خوف تضرر الميت بالتأخير، قال (قدس سره) بعد ذكر كيفية التكفين: «و ليكن ذلك بعد غسل الغاسل من المس أو بعد وضوئه الذي يجامع الغسل، فان خيف على الميت فليغسل الغاسل يديه الى المنكبين كما رواه
____________
(1) ج 3 ص 438.
(2) ص 17.
(3) المروية في الوسائل في الباب 35 من أبواب التكفين.
(4) المروية في الوسائل في الباب 35 من أبواب التكفين.
(5) ص 9.
38
يعقوب بن يقطين عن العبد الصالح (عليه السلام)، ثم ذكر خبر محمد بن مسلم و قال بعده:
و يمكن حمله على الضرورة» و ليت شعري أي معارض لهذه الاخبار في المقام يوجب تأويلها بما ذكره؟ مع انهم لم ينقلوا مستندا لما ذكروه و انما علله العلامة في التذكرة بأن الغسل من المس واجب فاستحب الفورية به. و لا يخفى ما فيه.
و منها- وضع جريدتين خضراوين
، و هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، و الجريدة هي العود الذي يجرد عنه الخوص و ما دام الخوص فيه فإنه يسمى سعفا، قال شيخنا المفيد في المقنعة (1): «و الأصل في وضع الجريدة مع الميت ان الله تعالى لما اهبط آدم من الجنة إلى الأرض استوحش في الأرض فسأل الله تعالى ان ينزل إليه شيئا من أشجار الجنة يأنس به فأنزلت عليه النخلة فلما رآها عرفها و انس بها و أوى إليها. فلما جمع الله بينه و بين زوجته حواء و اقام معها ما شاء الله تعالى ان يقيم و أولدها ثم حضرته الوفاة جمع ولده و قال: يا بني اني كنت قد استوحشت عند نزولي هذه الأرض فآنسني الله تعالى بهذه النخلة المباركة و انا أرجو الأنس بها في قبري فإذا قضيت نحبي فخذوا منها جريدة فشقوها باثنين وضعوها معي في أكفاني، ففعل ذلك ولده بعد موته و فعلته الأنبياء بعده ثم اندرس أثره في الجاهلية فأحياه النبي (صلى الله عليه و آله) و شرعه و وصى أهل بيته باستعماله فهو سنة الى ان تقوم الساعة» انتهى. و قال في التهذيب (2): «سمعت ذلك مرسلا من الشيوخ و مذاكرة و لم يحضرني الآن إسناده و جملته ان آدم (عليه السلام) لما أهبطه الله تعالى من الجنة، و ساق الكلام المذكور ثم قال:
و قد روي ان الله عز و جل خلق النخلة من فضله الطينة التي خلق منها آدم (عليه السلام) فلأجل ذلك تسمى النخلة عمة الإنسان».
انتهى.
أقول: و الأخبار بفضل الجريدتين في هذا المقام مستفيضة من طرق الخاصة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب التكفين.
(2) ج 1 ص 93.
39
و العامة،
قال الشيخ في التهذيب: «و قد روي من طريق العامة في أصل التخضير شيء كثير» (1).
إلا ان العامة لمزيد تعصبهم على الشيعة و السعي في خلافهم قد عدلوا عن كثير من السنن مراغمة للشيعة حيث انهم يواظبون عليها و يؤكدون العمل بها، و منها هذا الموضع كما سيظهر لك من الأخبار، و منها تسطيح القبور عدلوا عنه الى التسنيم مع اعترافهم بأن السنة انما هو التسطيح و انما صاروا الى التسنيم مراغمة للشيعة، و منها التختم باليمين، و منها ترك الصلاة على الأئمة المعصومين، و نحو ذلك مما أوضحنا الكلام فيه في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد.
و من الاخبار الواردة في فضلهما و فيما يتعلق بهما في هذا المقام
ما رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أ رأيت الميت إذا مات لم تجعل معه الجريدة؟ فقال يتجافى عنه العذاب و الحساب ما دام العود رطبا، انما العذاب و الحساب كله في يوم واحد في ساعة واحدة قدر ما يدخل القبر و يرجع القوم، و انما جعلت السعفتان لذلك فلا يصيبه عذاب و لا حساب بعد جفوفها ان شاء الله تعالى».
و رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن يعقوب مثله. و بإسناده عن الحسن بن زياد (3) «انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الجريدة التي تكون مع الميت فقال تنفع المؤمن و الكافر».
____________
(1) في صحيح البخاري باب الجريدتين على القبر و صحيح مسلم باب الدليل على نجاسة البول و وجوب الاستبراء منه و سنن ابى داود باب الاستبراء من البول و سنن النسائي باب التنزه عن البول و سنن البيهقي باب التوقي عن البول «عن الأعمش سمعت مجاهدا يحدث عن طاوس
عن ابن عباس مر النبي (ص) على قبرين فقال انهما يعذبان و ما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة و اما الآخر فكان لا يستنزه عن البول فدعا بعسيب رطب فشقه نصفين ثم غرس على هذا واحدا و على هذا واحدا و قال لعله ان يخفف عنهما العذاب ما لم يبسا».
و نحوه في مجمع الزوائد ج 3 ص 56 عن امامة و عن ابن عمر و عن أبي هريرة. و في عمدة القارئ ج 4 ص 203 «رواية الأكثرين اوصى بريدة الأسلمي بوضع الجريدة في قبره و رواية المستملي على قبره».
(2) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب التكفين.
40
و عن يحيى بن عبادة المكي (1) انه قال: «سمعت سفيان الثوري يسأل أبا جعفر (عليه السلام) عن التخضير فقال ان رجلا من الأنصار هلك فأوذن رسول الله (صلى الله عليه و آله) بموته فقال لمن يليه من قرابته خضروا صاحبكم فما أقل المخضرين يوم القيامة. قال و ما التخضير؟ قال جريدة خضراء توضع من أصل اليدين إلى أصل الترقوة».
قال: «و سئل الصادق (عليه السلام) عن علة الجريدة فقال يتجافى عنه العذاب ما دامت رطبة» (2).
قال في الوافي: «انما كان المخضرون قلائل يوم القيامة لأن المخالفين للشيعة لا يخضرون موتاهم و هم الأكثرون مع انهم رووا في فضله أخبارا كثيرة كما قاله في التهذيب»
و روى في الكافي عن رجل عن يحيى بن عبادة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «تؤخذ جريدة رطبة قدر ذراع و توضع- و أشار بيده من عند ترقوته الى يده- تلف مع ثيابه».
و روى الصدوق في معاني الأخبار هذا الخبر في الصحيح بزيادة في أوله عن يحيى بن عبادة عن الصادق (عليه السلام) (4) قال:
«سمعته يقول ان رجلا مات من الأنصار فشهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال خضروه فما أقل المخضرين يوم القيامة. فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام) و أي شيء التخضير؟ قال تؤخذ جريدة رطبة قدر ذراع فتوضع- و أشار بيده الى عند ترقوته- تلف مع ثيابه».
قال الصدوق بعد إيراده الخبر: «جاء هذا الخبر هكذا و الذي يجب استعماله ان يوضع للميت جريدتان من النخل خضراوان رطبتان طول كل واحدة قدر عظم الذراع تجعل إحداهما من عند الترقوة تلصق بجلده و عليه القميص و الأخرى عند وركه ما بين القميص و الإزار فان لم يقدر على جريدة من النخل فلا بأس ان يكون من غيره من بعد ان يكون رطبا» انتهى.
و روى في الكافي في الصحيح الى الحسن بن زياد الصيقل عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «توضع للميت جريدتان واحدة في اليمين
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب التكفين.
(4) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب التكفين.
(5) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب التكفين.
41
و الأخرى في الأيسر، قال و قال: الجريدة تنفع المؤمن و الكافر».
الى غير ذلك من الاخبار الآتية ان شاء الله تعالى في المقام.
و مما يدل على اشتراط كونهما خضراوين زيادة على ما تقدم فلا تجزئ اليابسة
ما رواه في التهذيب عن محمد بن علي بن عيسى (1) قال: «سألت أبا الحسن الأول عن السعفة اليابسة إذا قطعها بيده هل يجوز للميت توضع معه في حفرته؟ فقال لا يجوز اليابس».
و تمام البحث هنا يقع في مواضع
[الموضع] (الأول) [استحباب كون الجريدتين من النخل]
- الظاهر انه لا خلاف في استحباب كون الجريدتين من النخل، انما الخلاف في بدلهما لو تعذرتا، فقيل كل شجر رطب و نقل عن ابن بابويه و الجعفي و الشيخ في الخلاف و ابن إدريس و استجوده في الذكرى، و قيل من الخلاف و إلا فمن السدر و إلا فمن شجر رطب و نسب الى الشيخ المفيد و سلار، و قيل بتقديم السدر على الخلاف ذكره المحقق في الشرائع و هو مذهب الشيخ في النهاية و المبسوط و قال في المدارك و هو المشهور، و زاد الشهيد في الدروس و البيان الرمان بعد الخلاف، و قيل الشجر الرطب.
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بذلك
ما رواه في الكافي عن العدة عن سهل عن غير واحد من أصحابنا (2) قالوا: «قلنا له جعلنا فداك ان لم نقدر على الجريدة؟
فقال عود السدر. قيل فان لم نقدر على السدر؟ فقال عود الخلاف».
و ظاهر هذه الرواية الدلالة على القول الثالث الذي هو المشهور
و روى في الفقيه (3) قال: «كتب علي بن بلال الى ابي الحسن الثالث (عليه السلام): الرجل يموت في بلاد ليس فيها نخل فهل يجوز مكان الجريدة شيء من الشجر غير النخل؟ فإنه قد روي عن آبائكم (عليهم السلام) انه يتجافى عنه العذاب ما دامت الجريدتان رطبتين و انهما تنفع المؤمن و الكافر.
فأجاب (عليه السلام) يجوز من شجر آخر رطب».
و هذه الرواية ظاهرة في الدلالة على القول
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب التكفين.
42
الأول، و نحوها
روي في الكافي عن علي بن بلال (1): «انه كتب إليه يسأله عن الجريدة إذا لم نجد نجعل بدلها غيرها في موضع لا يمكن النخل؟ فكتب: يجوز إذا أعوزت الجريدة و الجريدة أفضل و به جاءت الرواية».
أقول: و مراده (عليه السلام) بالرواية يعني عن الرسول (صلى الله عليه و آله) قال في الكافي بعد هذه الرواية:
و روى علي بن إبراهيم في رواية أخرى قال: «يجعل بدلها عود الرمان» (2).
و ظاهر هذا الخبر الأخير انه مع فقدها من النخل تبدل بشجر الرمان من غير ترتيب. و الظاهر ان ما ذهب اليه الشهيد في الدروس و البيان ناشىء من الجمع بين هذه الروايات بتقديم الخلاف على الرمان و تقييد إطلاق روايتي علي بن بلال برواية الرمان فيكون الرمان مقدما على الشجر الرطب،
و في كتاب الفقه الرضوي (3) «فان لم تقدر على جريدة من النخل فلا بأس بأن يكون من غيره بعد ان يكون رطبا».
و هي في معنى رواية علي بن بلال. و الجمع بين الاخبار المذكورة بالتخيير جيد.
[الموضع] (الثاني) [مقدار الجريدة التي توضع مع الميت]
- اختلف الأصحاب في مقدار الجريدة، فالمشهور- و هو مذهب الشيخين و من تبعهما و علي بن بابويه- انه قدر عظم الذراع، و قال الصدوق في الفقيه:
«طول كل واحدة قدر عظم الذراع و ان كانت قدر ذراع فلا بأس أو شبر فلا بأس» و قال ابن ابي عقيل: «مقدار كل واحدة أربع أصابع إلى ما فوقها».
و منشأ اختلاف هذه الأقوال اختلاف الرواية بذلك، ففي روايتي يحيى بن عبادة المتقدمتين (4) انها قدر ذراع،
و في الكافي في الصحيح أو الحسن عن جميل بن دراج (5) قال قال: «ان الجريدة قدر شبر توضع واحدة من عند الترقوة الى ما بلغت مما يلي الجلد و الأخرى في الأيسر من عند الترقوة الى ما بلغت من فوق القميص».
و قد تقدم
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب التكفين.
(3) ص 17.
(4) ص 40.
(5) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب التكفين.
43
في رواية يونس (1) الواردة في كيفية التكفين انها قدر ذراع،
و في الفقه الرضوي (2) «روي ان الجريدتين كل واحدة بقدر عظم الذراع».
أقول: ان هذه الرواية هي مستند المشهور فانا لم نقف في الاخبار المشهورة بين الأصحاب على ما يدل على هذا القول مع شهرته، و الظاهر ان الجماعة تبعوا فيه علي بن الحسين بن بابويه حيث انه ذكر ذلك في رسالته كما نقلوه عنه، و قد عرفت و ستعرف ان عباراته و جل رسائله مأخوذة من هذا الكتاب، و الصدوق في الفقيه جمع بين الروايات الثلاث بالتخيير كما قدمنا في عبارته، و العجب ان المتأخرين تلقوا هذا القول بالقبول مع عدم إتيانهم عليه بدليل حتى قال الشهيد في الذكرى و تبعه من تأخر عنه فيه: «و المشهور قد عظم الذراع و في خبر يونس قدر ذراع و روى الصدوق قدر الذراع أو الشبر و في خبر جميل بن دراج قدر شبر و ابن ابي عقيل قدر أربع أصابع فما فوقها، و الكل جائز لثبوت الشرعية مع عدم القاطع على قدر معين» و فيه انه لا ريب و ان كان الشرعية حاصلة بوضع الجريدة بأي قدر كان لان الغرض تعلق بدفعها العذاب عنه ما دامت خضراء إلا ان السنة المطهرة قدر حددتها بحد و ان اختلفت الرواية في ذلك الحد، و مقتضى ما تلوناه من اخبار المسألة ان ذلك دائر بين الشبر و الذراع، و الواجب- كما هو قضية الاختلاف بين الأخبار- اما الترجيح بين الخبرين أو التخيير جمعا، و من ذلك يظهر سقوط القول بعظم الذراع و القول بأربع أصابع. و قوله: «مع عدم القاطع على قدر معين» لا معنى له بعد وصول الخبرين المذكورين فان الحد المعين دائر بين هذين الحدين المذكورين. و مقتضى قواعدهم و اصطلاحهم في الاخبار هو ترجيح رواية جميل لأنها حسنة عندهم و حسنها انما هو بإبراهيم بن هاشم الذي لا يقصر حديثه عندهم عن الصحيح بل عده في الصحيح جمع منهم و الأخبار الباقية ضعيفة باصطلاحهم. هذا ان عملوا بمقتضى هذا الاصطلاح و إلا فالواجب الجمع بالتخيير بين الروايتين و به يظهر سقوط القولين الآخرين، فقوله: «و الكل
____________
(1) ص 7.
(2) ص 17.
44
جائز إلا وجه له كما عرفت، و لو تم هذا الكلام في هذا المقام لانجر الى غيره من الأحكام و هم لا يقولون بذلك بل يدورون مدار الأدلة و الاخبار و لا سيما متأخري المتأخرين.
و بالجملة فكلامهم هنا لا يخلو من مسامحة. و كيف كان فبما أوضحناه من رواية عظم الذراع فالوجه هو التخيير بين الروايات الثلاث كما صرح به في الفقيه و رد القول بالأربع أصابع لعدم الوقوف على مستنده، و تعليل شيخنا المشار إليه في قبوله عليل كما عرفت.
(الثالث) [محل وضع الجريدتين]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في محلهما فالمشهور انه يجعل إحداهما من الجانب الأيمن من ترقوتة يلصقها بجلده و الأخرى من الجانب الأيسر كذلك بين القميص و الإزار، ذهب اليه الصدوق في المقنع و الشيخان و جمهور المتأخرين و ذهب علي بن بابويه و الصدوق في غير المقنع الى جعل اليمنى مع ترقوته يلصقها بجلده و يمد عليه قميصه و اليسرى عند وركه بين القميص و الإزار، و عن الجعفي ان إحداهما تحت الإبط الأيمن و الأخرى نصف مما يلي الساق و نصف مما يلي الفخذ، و عن ابن ابي عقيل انها واحدة تحت إبطه الأيمن.
و الروايات في ذلك لا تخلو من الاختلاف، ففي صحيحة جميل أو حسنته المتقدمة قريبا (1) ما يدل على القول المشهور،
و في رواية يونس المتقدمة (2) «تجعل له واحدة بين ركبتيه نصفا مما يلي الساق و نصفا مما يلي الفخذ و تجعل الأخرى تحت إبطه الأيمن».
و هذه الرواية دالة على ما ذهب إليه الجعفي، و في روايتي
يحيى بن عبادة المتقدمتين (3) قريبا «تؤخذ جريدة رطبة قدر ذراع- و أشار بيده من عند ترقوته- تلف مع ثيابه».
و ظاهرهما ان الموضوع جريدة واحدة، و قد تقدم كلام الصدوق في معاني الأخبار (4) الدال على إنكار ذلك، و نحو هاتين الروايتين
رواية يحيى بن عبادة المكي المتقدمة أيضا (5) و فيها «جريدة خضراء توضع من أصل اليدين إلى أصل الترقوة».
و في رواية الحسن بن زياد الصيقل المتقدمة أيضا (6) «واحدة في اليمين و الأخرى في الأيسر».
و هي مجملة قابلة للانطباق
____________
(1) ص 42.
(2) ص 7.
(3) ص 40.
(4) ص 40.
(5) ص 40.
(6) ص 40.
45
على كل من القولين، و نحوها
رواية الفضيل بن يسار عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «توضع للميت جريدتان واحدة في الأيمن و الأخرى في الأيسر».
و في صحيحة جميل أو حسنته بإبراهيم بن هاشم (2) قال: «سألته عن الجريدة توضع من دون الثياب أو من فوقها؟ قال فوق القميص و دون الخاصرة. فسألته من اي جانب؟ قال من الجانب الأيمن».
و هذه الرواية المعتبرة الاسناد قد دلت ايضا على ما دلت عليه الروايات الثلاث المتقدمة من كون الجريدة واحدة، و قد عين موضعها في هذه الرواية بأنه قرب الخاصرة فوق القميص من الجانب الأيمن، و في الروايات المشار إليها آنفا توضع عند الترقوة، و قد تقدم ان مذهب ابن ابي عقيل ان الموظف هنا جريدة واحدة، فهذه الروايات مما تشهد له و ان أنكره الصدوق فيما تقدم من كلامه إلا ان المنقول عنه انه جعل موضعها تحت إبطه و هذه الروايات قد عينت موضعا آخر و اختلفت فيه. و أنت خبير بأنه لم ينقل أحد منهم دليلا على ما ذهب اليه الصدوقان بل اعترف في المدارك بأنه لم يقف على مأخذهما، و في المختلف تكلف الاستدلال على ذلك برواية يونس (3) و لا يخفى ما فيه من عدم الانطباق بل الرواية المذكورة انما تنطبق على مذهب الجعفي، و الظاهر ان
مستنده انما هو الفقه الرضوي على الطريقة التي عرفت و ستعرف، حيث قال في الكتاب المذكور (4): «ثم تضعه في أكفانه و اجعل معه جريدتين إحداهما عند ترقوته تلصقها بجلده ثم تمد عليه قميصه و الأخرى عند وركه، و روى ان الجريدتين كل واحدة بقدر عظم ذراع تضع واحدة عند ركبتيه تلصق الى الساق و الى الفخذين و الأخرى تحت إبطه الأيمن ما بين القميص و الإزار».
انتهى. أقول: و بصدر هذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه بتغيير ما و منه يعلم ان مستند هما انما هو الكتاب المذكور، و اما الكيفية التي نقلها (عليه السلام) و أسندها إلى الرواية فهي مطابقة لما دلت عليه رواية يونس
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 10 من أبواب التكفين.
(2) المروية في الوسائل في الباب 10 من أبواب التكفين.
(3) ص 7.
(4) ص 17.
46
فيكون ايضا مستندا للجعفي فيما قدمنا نقله عنه، قال في المعتبر- بعد ذكر الخلاف في المسألة و نقل رواية جميل الاولى و رواية يحيى بن عبادة المرسلة (1)- ما لفظه: «و الروايتان ضعيفتان لأن القائل في الأولى مجهول و الثانية مقطوعة السند، و مع اختلاف الأقوال و الروايات يجب الجزم بالقدر المشترك بينها و هو استحباب وضعها مع الميت في كفنه أو في قبره بأي هذه الصور شئت» انتهى. و استحسنه في المدارك. أقول: اما ما ذكره من الجزم بالقدر المشترك الى آخره فمرجعه الى التخيير بين ما دلت عليه هذه الاخبار و هو وجه حسن في الجمع بينها. و لقد كان يغنيه التعبير بذلك عن الطعن فيها، فان من جملة الأخبار المذكورة- كما عرفت- صحيحتي جميل أو حسنتيه (2) اللتين لا يقصر وصفهما بالحسن عن الإلحاق بالصحيح و ليس فيهما إلا الإضمار الذي قد صرح هو و غيره من المحققين بأنه غير مضر و لا موجب للطعن. و بالجملة فالوجه في الجمع بينها هو التخيير. و الله العالم.
(الرابع) [لا فرق في استحباب الجريدة بين أفراد الميت]
- إطلاق الأخبار و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في استحباب وضعهما مع الميت بين كونه صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا اقامة للشعار و ان كان ظاهر التعليل يوهم خلاف ذلك إلا ان علل الشرع- كما أوضحناه في غير مقام- ليست عللا حقيقية يدور المعلول مدارها وجودا و عدما و انما هي معرفات. ألا ترى انه ورد تعليل وجوب العدة على المطلقة بالاستبراء من الحمل مع انه لا يطرد ذلك في كل مطلقة و لا متوفي عنها، و ورد في تعليل استحباب غسل الجمعة بأن الأنصار كانت تعمل في نواضحها فإذا حضروا الصلاة يوم الجمعة تأذى الناس بريح آباطهم فشكوا ذلك اليه (صلى الله عليه و آله) فأمر بالغسل للجمعة (3) و نحو ذلك، و ممن صرح بجواز وضع الجريدتين مع الصغير و المجنون الشهيد في البيان، و هو جيد.
____________
(1) ص 40.
(2) ص 42 و 45.
(3) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
47
(الخامس) [وضع الجريدة في حال التقية حيث يمكن]
- قد صرح الأصحاب بأنه لو كانت الحال حال تقية وضعها حيث يمكن، و يدل عليه
مرفوعة سهل بن زياد (1) قال: «قيل له جعلت فداك ربما حضرني من أخافه فلا يمكن وضع الجريدة على ما رويتنا؟ فقال أدخلها حيث ما أمكن».
قال الشيخ في التهذيب: و روى هذا الحديث محمد بن احمد مرسلا (2) و زاد فيه قال:
«فان وضعت في القبر فقد أجزأه».
و في مكاتبة أحمد بن القاسم (3) «و اما الجريدة فليستخف بها و لا يرونه و ليجهد في ذلك جهده».
و في الفقه الرضوي (4) «و ان حضرك قوم مخالفون فاجهد ان تغسله غسل المؤمن و أخف عنهم الجريدة».
أقول: و يعضده
ما رواه في الكافي في الموثق عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن الجريدة توضع في القبر؟ قال: لا بأس».
قال في الفقيه بعد نقل الخبر المذكور مرسلا: «يعنى ان لم توجد إلا بعد حمل الميت الى قبره أو يحضره من يتقيه فلا يمكنه وضعها على ما روي فيجعلها معه حيث أمكن» و لو نسيها فذكرها بعد الدفن وضعها على القبر. و يؤيده
ما رواه الصدوق مرسلا (6) قال: «مر رسول الله (صلى الله عليه و آله) على قبر يعذب صاحبه فدعا بجريدة فشقها نصفين فجعل واحدة عند رأسه و الأخرى عند رجليه. قال: و روي ان صاحب القبر كان قيس بن فهد الأنصاري و روى قيس بن نمير، و انه قيل له لم وضعتهما؟ فقال انه يخفف عنه العذاب ما كانتا خضراوين».
(السادس) [هل يستحب شق الجريدة؟]
- إطلاق الأخبار عدا الحديث النبوي المتقدم و كذا إطلاق كلام أكثر الأصحاب يقتضي أن تكون الجريدة غير مشقوقة، و صرح بعض باستحباب الشق للحديث النبوي، و الأظهر الأول، و استظهره في المدارك ايضا نظرا الى التعليل و استضعافا لرواية الشق.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب التكفين.
(3) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب التكفين.
(4) ص 17.
(5) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب التكفين.
(6) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب التكفين.
48
ثم انه قد ذكر بعض الأصحاب أيضا استحباب وضع القطن على الجريدتين.
و لم أقف فيه على نص، و لعله الاستبقاء الرطوبة، و فيه ان الخبر المتقدم يدل على ان العذاب و الحساب انما هو ساعة رجوع المشيعين للميت و جفا هما في هذا الوقت بعيد جدا.
و منها- ان يطوي جانب اللفافة الأيسر على الأيمن و الأيمن على الأيسر
، قال في الفقيه في كيفية التكفين: «ثم يلفه في إزاره و حبرته و يبدأ بالشق الأيسر فيمده على الأيمن ثم يمد الأيمن على الأيسر و ان شاء لم يجعل الحبرة معه حتى يدخله قبره فيلقيه عليه» و هذه الكيفية مشهورة بين الأصحاب و اعترف كثير منهم بعدم النص عليها، قال في المدارك: «و لعل وجهه التيمن و التبرك» أقول: لا ريب ان الصدوق إنما أخذ هذا الحكم من الفقه الرضوي على ما عرفت و ستعرف ان شاء الله تعالى. و ربما كان أيضا في رسالة أبيه إليه إلا انه لا يحضرني الآن نقل ذلك عن الرسالة، و الظاهر ان الأصحاب تبعوا الصدوق في ذلك كما ذكرنا مثله في غير موضع،
قال (عليه السلام) في كتاب الفقه (1): «و تلفه في إزاره و حبرته و تبدأ بالشق الأيسر و تمد على الأيمن ثم تمد الأيمن على الأيسر و ان شئت لم تجعل الحبرة معه حتى تدخله القبر فتلقيه عليه».
و عبارة الصدوق عين هذه العبارة كما ترى. و اما ما ذكره (عليه السلام) هنا- من التخيير في تأخير الحبرة عن التكفين فيها و ان تجعل معه بعد إدخاله القبر فتلقى عليه- فقد ورد مثله
في صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «البرد لا يلف به و لكن يطرح عليه طرحا فإذا أدخل القبر وضع تحت خده و تحت جنبه».
إلا ان هذه الصحيحة دلت على انه يوضع تحت جنبه، قال في الذكرى: «و ذهب بعض الأصحاب الى ان البرد لا يلف و لكن يطرح عليه طرحا و إذا أدخل القبر وضع تحت خده و تحت جنبه و هو رواية ابن سنان» انتهى. قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين و لا يبعد القول بالتخيير.
____________
(1) ص 17.
(2) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التكفين.
49
[الكتابة على الكفن]
و منها-
ما رواه أبو كهمس (1): «ان الصادق (عليه السلام) كتب في حاشية الكفن: إسماعيل يشهد ان لا إله إلا الله».
و الأصحاب ذكروا استحباب ذلك على الحبرة و اللفافة و القميص و العمامة و الجريدتين، و زاد ابن الجنيد «و ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله)» و زاد الشيخ في النهاية و المبسوط و الخلاف و ابن البراج أسماء النبي و الأئمة (صلوات الله عليهم) و ظاهره في الخلاف دعوى الإجماع عليه. و ذكروا ان الكتابة بتربة الحسين (عليه السلام) و مع عدمها بطين و ماء و مع عدمه بالإصبع، و في المسائل الغرية للشيخ المفيد (قدس سره) بالتربة أو غيرها من الطين، و ابن الجنيد بالطين و الماء، و لم يعين ابن بابويه ما يكتب به. و اشترط جملة من الأصحاب التأثير في الكتابة لأنه المعهود. أقول: و ما ذكروه من زيادة ما يكتب و ما يكتب به و ما يكتب عليه و ان كان خاليا من النص على الخصوص إلا ان التيمن و التبرك بأسمائهم كاف في أمثال ذلك. و مما يستأنس به للكتابة بالتربة الحسينية
ما رواه الطبرسي في الاحتجاج في التوقيعات الخارجة من الناحية المقدسة في أجوبة مسائل الحميري (2) «انه سأله عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره هل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب (عليه السلام) يوضع مع الميت في قبره و يخلط بحنوطه ان شاء الله تعالى.
و سأل فقال روي لنا عن الصادق (عليه السلام) انه كتب على إزار إسماعيل ابنه: إسماعيل يشهد ان لا إله إلا الله. فهل يجوز لنا ان نكتب مثل ذلك بطين القبر أو غيره؟ فأجاب يجوز و الحمد لله».
أقول: و مما يستحب ان يكتب على الكفن و ان لم اطلع على من قال به من الأصحاب دعاء الجوشن الكبير كما نقله الكفعمي في كتاب جنة الأمان رواه عن السجاد (عليه السلام) (3) و القرآن بتمامه إن أمكن و إلا فيما تيسر منه
لما رواه الصدوق في العيون
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 29 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 12 و 29 من أبواب التكفين.
(3) و هو
ما رواه في الكتاب المذكور عن السجاد زين العابدين عن أبيه عن جده عن النبي «(صلى الله عليه و آله)» قال: نزل جبرئيل على النبي «(صلى الله عليه و آله)» في بعض غزواته و عليه جوشن ثقيل إله ثقله فقال يا محمد ربك يقرئك السلام و يقول لك اخلع هذا الجوشن و اقرأ هذا الدعاء فهو أمان لك و لأمتك، و ساق الحديث الى ان قال:
و من كتبه على كفنه استحى الله ان يعذبه بالنار، و ساق الحديث الى ان قال: قال الحسين «(عليه السلام)» أوصاني ابى «(عليه السلام)» بحفظ هذا الدعاء و تعظيمه و ان اكتبه على كفنه ثم ذكر دعاء الجوشن الكبير»
منه «(قدس سره)».
50
بسنده عن الحسن بن عبد الله الصيرفي عن أبيه (1) في حديث «ان موسى بن جعفر (عليه السلام) كفن بكفن فيه حبرة استعملت له بمبلغ ألفين و خمسمائة دينار و كان عليها القرآن كله».
و منها- ان يكون الكفن قطنا
و ان يكون أبيض إلا الحبرة، أما استحباب كونه قطنا ففي المعتبر انه مذهب العلماء كافة، و يدل عليه
ما رواه في الكافي عن ابي خديجة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «الكتان كان لبني إسرائيل يكفنون به و القطن لامة محمد (صلى الله عليه و آله)».
و رواه الصدوق مرسلا و اما ما يدل على كونه أبيض فأخبار عديدة: منها-
ما رواه في الكافي في الموثق عن ابن القداح عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) البسوا البياض فإنه أطيب و اطهر و كفنوا فيه موتاكم».
و عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله) ليس من لباسكم شيء أحسن من البياض فالبسوه و كفنوا فيه موتاكم».
و اما ما يدل على الحبرة و انها ليست ببياض فروايات عديدة قد تقدم بعضها، و منها-
ما رواه أبو مريم الأنصاري في الصحيح (5) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كفن رسول الله (صلى الله عليه و آله) في ثلاثة أثواب:
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 20 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب التكفين.
(4) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب التكفين.
(5) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التكفين.
51
برد أحمر حبرة و ثوبين أبيضين صحاريين، ثم قال: و قال ان الحسن بن علي (عليهما السلام) كفن أسامة بن زيد في برد أحمر حبرة و ان عليا (عليه السلام) كفن سهل بن حنيف في برد أحمر حبرة» (1).
و منها- ان يخاط الكفن بخيوط منه
، قاله الشيخ في المبسوط و الأصحاب على ما نقله في الذكرى، و قال في المدارك: «ذكره الشيخ و اتباعه و لا اعرف مستنده» انتهى. و هو كذلك.
و منها- ان يسحق الكافور بيده و يجعل ما يفضل من مساجده على صدره
كذا ذكره الأصحاب، اما الحكم الأول فقال في المعتبر بعد نقله عن الشيخين:
و لم أتحقق مستنده، قال: و اما وضع ما يفضل من المساجد على صدره فقد ذكره جماعة من الأصحاب. قال في المدارك: «و يمكن ان يستدل عليه
بحسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «إذا أردت أن تحنط الميت فاعمد الى الكافور فامسح به آثار السجود منه و مفاصله كلها و رأسه و لحيته و على صدره من الحنوط».
ثم قال: لكن لا يخفى ان هذه الرواية إنما تضمنت الأمر بوضع شيء من الكافور على الصدر لا اختصاصه بالفاضل» أقول: و مثل حسنة الحلبي المذكورة
رواية زرارة المتقدم ذكرها (3) في مسألة وضع الحنوط حيث قال فيها: «و اجعل في فيه و مسامعه و رأسه و لحيته من الحنوط و على صدره و فرجه».
الا ان الظاهر ان من قال بهذا الحكم انما تبع فيه الصدوق في الفقيه حيث ذكر ذلك، و قد قدمنا عبارته في صدر المسألة الثانية، و الصدوق
____________
(1) أقول: ما اشتمل عليه هذا الخبر من ان الحسن «(عليه السلام)» كفن أسامة ابن زيد لا يخلو من اشكال لما ذكره الذهبي في تأريخه و كذا ابن حجر و غيرهما من أرباب السير أن أسامة بن زيد مات سنة أربع و خمسين و الحسن «(عليه السلام)» توفي سنة خمسين أو سبع و أربعين، و على هذا فلعل المكفن انما هو الحسين «(عليه السلام)» و يكون الحسن «(عليه السلام)» دفع الحبرة الى أسامة قبل موته ليجعلها في كفنه منه «(قدس سره)».
(2) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التكفين.
(3) ص 23.
52
انما أخذه من الفقه الرضوي حيث ذكر (عليه السلام) ذلك و قد تقدمت عبارته في صدر المسألة المشار إليها (1) و منه يعلم وجود المستند كما في جملة من الأحكام التي اختص هذا الكتاب بمستنداتها.
و منها- ان ينثر على الحبرة و اللفافة و القميص ذريرة
. قال في المعتبر: «و قد اتفق العلماء كافة على استحباب تطييب الكفن بالذريرة» أقول: و يدل على ذلك من الأخبار
ما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال:
«إذا كفنت الميت فذر على كل ثوب شيئا من ذريرة و كافور».
و قد تقدم
في موثقة عمار (3) «و يطرح على كفنه ذريرة».
و اما الذريرة فقد تقدم الكلام في بيان معناها في مستحبات الغسل.
و منها- تجويد الكفن
لما روي (4) من انهم يتباهون يوم القيامة بأكفانهم،.
قال في المنتهى: و يستحب اتخاذ الكفن من أفخر الثياب و أحسنها ثم قال في مسألة أخرى: و يستحب ان يكون بالجديد بلا خلاف.
أقول: و من الأخبار الدالة على ذلك
ما رواه الشيخ في الموثق عن يونس بن يعقوب (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان ابي أوصاني عند الموت يا جعفر كفني في ثوب كذا و كذا و اشتر لي بردا واحدا و عمامة و أجدهما فإن الموتى يتباهون بأكفانهم».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابى عمير عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: «أجيدوا أكفان موتاكم فإنها زينتهم».
و عن ابي خديجة عن الصادق (عليه السلام) (7) قال: «تنوقوا في الأكفان فإنكم تبعثون بها».
و قد تقدم
في حديث يونس بن يعقوب عن ابي الحسن الأول (8) «انه سمعه يقول كفنت أبي في برد اشتريته بأربعين دينارا لو كان اليوم لساوى أربعمائة
____________
(1) ص 23.
(2) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب التكفين.
(3) ص 9.
(4) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التكفين.
(5) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التكفين.
(6) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التكفين.
(7) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التكفين.
(8) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التكفين.
53
دينار».
و في العلل بسنده عن احمد بن محمد عن بعض أصحابنا يرفعه الى الصادق (عليه السلام) (1) قال: «أجيدوا أكفان موتاكم فإنها زينتهم».
و في كتاب العلل بسنده عن يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «أوصاني أبي بكفنه فقال لي يا جعفر اشتر لي بردا وجوده فان الموتى يتباهون بأكفانهم».
و يؤيد ذلك ما تقدم (3) من الخبر الدال على ان موسى بن جعفر (عليه السلام) كفن في حبرة استعملت بمبلغ ألفين و خمسمائة دينار و عليها القرآن كله.
و منها- وضع التربة الحسينية [في حنوط الميت]
على مشرفها أفضل الصلاة و السلام و التحية في حنوط الميت،
لما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري (4) قال: «كتبت الى الفقيه اسأله عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره هل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب (عليه السلام) و قرأت التوقيع و منه نسخت: يوضع مع الميت في قبره و يخلط بحنوطه ان شاء اللّٰه تعالى».
و رواه الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن عبد اللّٰه بن جعفر الحميري عن أبيه عن صاحب الزمان (عليه السلام). و المراد بالطين هو طين قبر الحسين (عليه السلام) كما يأتي بيانه ان شاء اللّٰه تعالى في باب الدفن.
(المسألة الخامسة) [مكروهات التكفين]
[التكفين بالسواد]
من المكروهات في هذا المقام ان يكفن بالسواد، قال في المنتهى: «لا نعرف فيه خلافا» و يدل على ذلك
ما رواه الشيخ عن الحسين بن المختار عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «لا يكفن الميت في السواد».
و عن الحسين ابن المختار (6) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) يحرم الرجل في ثوب اسود؟ قال لا يحرم في الثوب الأسود و لا يكفن به».
و ربما عدي الحكم إلى كل صبغ كما يفهم من الذكرى حيث قال: و يكره في السواد بل و كل صبغ على الأصح، قال: و عليه تحمل
رواية الحسين بن المختار (7) «لا يكفن الميت في السواد».
و ظاهره حمل السواد
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التكفين.
(3) ص 50.
(4) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب التكفين.
(5) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب التكفين.
(6) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب التكفين.
(7) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب التكفين.
54
هنا على ما يعم كل صبغ، و الظاهر بعده. ثم انه (قدس سره) نقل عن ابن البراج انه منع من المصبوغ و نقل الكراهة في الأسود و كذا منع الممتزج بالحرير و بما فيه اوله طراز من حرير و من القميص المبدأ للكفن إذا خيط، ثم قال: و الأقرب الكراهية للأصل و لصحة الصلاة و لخبر الحسين بن راشد. انتهى. و أشار بخبر الحسين بن راشد الى ما قدمناه عنه (1) من سؤاله عن الثياب التي تعمل بالبصرة على عمل العصب اليماني من قز و قطن هل يصلح ان يكفن فيها الموتى؟ قال: «إذا كان القطن أكثر من القز فلا بأس».
و من ذلك- الكتان
ايضا
لما رواه الشيخ في الصحيح عن يعقوب بن يزيد عن عدة من أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «لا يكفن الميت في كتان».
و منها- الطيب
، و المشهور بين الأصحاب كراهته مسكا كان أو غيره و ظاهر الصدوق جوازه بل استحبابه، قال في الفقيه (3) بعد ذكر حديث تكفين النبي (صلى اللّٰه عليه و آله):
«و روي انه حنط بمثقال من مسك سوى الكافور».
و روى في خبر آخر (4) قال:
«سئل أبو الحسن الثالث (عليه السلام) هل يقرب الى الميت المسك و البخور؟ قال نعم».
أقول: و الأخبار في المقام مختلفة كما سيظهر لك و لكن لما كان استحباب الطيب للميت مشهورا عند العامة (5) فإنه يجب حمل ما دل على ذلك على التقية، فمما يدل على ما ذكره الصدوق ما نقله من الروايتين المذكورتين،
و ما رواه في التهذيب عن مغيرة مؤذن بني عدي عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: «غسل علي بن ابي طالب (عليه
____________
(1) ص 17.
(2) رواه في الوسائل في الباب 20 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(4) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(5) كما في المغني ج 2 ص 468 و البحر الرائق ج 2 ص 173 و البداية لابن رشد المالكي ج 1 ص 213.
(6) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب غسل الميت.
55
السلام) رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) بدأ بالسدر و الثانية بثلاثة مثاقيل من كافور و مثقال من مسك و دعا بالثالثة قربة مشدودة الرأس فأفاضها عليه ثم أدرجه».
و مما يدل على القول المشهور
ما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تجمروا الأكفان و لا تمسحوا موتاكم بالطيب إلا بالكافور فان الميت بمنزلة المحرم».
و رواه الصدوق في العلل و الخصال عن ابي بصير و محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) مثله.
و ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن محمد بن عبد اللّٰه الجعفري (2) قال: «رأيت جعفر بن محمد (عليهما السلام) ينفض بكمه المسك على الكفن و يقول ليس هذا من الحنوط في شيء».
و ما رواه في الكافي عن يعقوب بن يزيد عن عدة من أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «لا يسخن للميت الماء لا يعجل له النار و لا يحنط بمسك».
و مما يؤيد ما ذكرناه من حمل الأخبار الأولة على التقية
ما رواه في الكافي عن داود بن سرحان (4) قال: «مات أبو عبيدة الحذاء و انا بالمدينة فأرسل الي أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) بدينار و قال اشتر بهذا حنوطا و اعلم ان الحنوط هو الكافور و لكن اصنع كما يصنع الناس. قال فلما مضيت اتبعني بدينار و قال اشتر بهذا كافورا».
أقول: الظاهر ان الدينار الأول للحنوط الذي يحنط به الناس و هو ما يتخذه العامة من الكافور المخلوط بأنواع الطيب و الدينار الثاني للكافور خاصة ليكون جامعا بين السنة و التقية. و يؤكد ذلك
ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن داود بن سرحان (5) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) في كفن ابي عبيدة الحذاء انما الحنوط الكافور و لكن اذهب فاصنع كما يصنع الناس».
و قال في الفقه الرضوي (6): «و روي انه لا يقرب الميت من الطيب شيئا و لا البخور إلا الكافور فان سبيله سبيل المحرم. و روي إطلاق المسك فوق الكفن و على الجنازة لأن في ذلك
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(4) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(5) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(6) ص 20.
56
مكرمة الملائكة فما من مؤمن يقبض روحه إلا تحضر عنده الملائكة.
و روي ان الكافور يجعل في فيه و في مسامعه و بصره و رأسه و لحيته و كذلك المسك و على صدره و فرجه».
أقول: لا يبعد ان يكون اقتصاره (عليه السلام) على نقل الروايات في المقام من غير ان يفتي بشيء منها خرج ايضا مخرج التقية. قال في الذكرى: و اما المسك ففي خبرين أرسلهما الصدوق: أحدهما ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) حنط بمثقال من مسك سوى الكافور، و الآخر عن الهادي (عليه السلام) انه سوغ تقريب المسك و البخور الى الميت، و يعارضهما مسند محمد بن مسلم ثم ساق الرواية المتقدمة ثم قال:
و خبر غياث ابن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام) (1) «ان أباه كان يجمر الميت بالعود».
ضعيف السند. انتهى. أقول: لا حاجة الى الطعن بضعف السند بل و لو كان صحيح السند فان سبيله التقية التي هي في الأحكام الشرعية أصل كل بلية، و يؤيد ما ذكرنا تأكيدا
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن عبد اللّٰه بن المغيرة عن غير واحد عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «الكافور هو الحنوط».
و بالجملة الظاهر عندي هو القول المشهور للأخبار المذكورة و نحوها، و ما عارضها هنا محمول على التقية. و اللّٰه العالم.
و منها- التجمير
و أصحابنا جميعا عدا الصدوق على الكراهة، قال في المنتهى:
«ذهب أكثر علمائنا إلى كراهية تجمير الأكفان، و قال ابن بابويه يجمر الكفن، و هو قول الجمهور» أقول: و الأخبار هنا أيضا مختلفة و لكن سبيل هذه المسألة سبيل سابقتها في حمل ما دل على جواز ذلك على التقية (3) فمن الأخبار الدالة على الجواز
ما رواه الشيخ عن غياث بن إبراهيم عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (4) «انه كان يجمر الميت بالعود فيه المسك و ربما جعل على النعش الحنوط و ربما لم يجعله و كان يكره ان يتبع الميت بالمجمرة».
و عن عبد اللّٰه بن سنان في الحسن عن الصادق (عليه السلام) (5)
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(3) كما في البحر الرائق ج 2 ص 177 و المهذب ج 1 ص 130 و المغني ج 2 ص 464.
(4) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(5) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
57
قال: «لا بأس بدخنة كفن الميت و ينبغي للمرء المسلم ان يدخن ثيابه إذا كان يقدر».
و مما يدل على النهي عنه
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «لا يجمر الكفن».
و ما تقدم في سابق هذه المسألة من رواية محمد بن مسلم (2)
و عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (3) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) نهى ان تتبع جنازة بمجمرة».
و بهذا الاسناد عن الصادق (عليه السلام) (4) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) نهى ان يوضع على النعش الحنوط».
و في الصحيح عن أبي حمزة (5) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام):
لا تقربوا موتاكم النار يعني الدخنة».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: «إذا أردت أن تحنط الميت، الى ان قال: و قال أكره أن يتبع بمجمرة».
و منها- اتخاذ الأكمام للقميص المبتدأ
فاما إذا كان لبيسا فلا بأس، و يدل على ذلك
ما رواه الشيخ عن محمد بن سنان عمن أخبره عن الصادق (عليه السلام) (7) قال: «قلت له الرجل يكون له القميص ا يكفن فيه؟ فقال اقطع أزراره. قلت و كمه؟
قال انما ذاك إذا قطع له و هو جديد لم يجعل له كما فاما إذا كان ثوبا لبيسا فلا تقطع منه إلا الأزرار».
و رواه في الفقيه مرسلا.
و روى في التهذيب في الصحيح عن محمد بن إسماعيل ابن بزيع (8) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) ان يأمر لي بقميص أعده لكفني فبعث به الي فقلت كيف اصنع؟ قال انزع أزراره».
و روى الصدوق مرسلا (9) قال:
«قال الصادق (عليه السلام) ينبغي ان يكون القميص للميت غير مكفوف و لا مزرور».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(2) ص 55.
(3) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(4) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب التكفين.
(5) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(6) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(7) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب التكفين.
(8) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب التكفين.
(9) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب التكفين.
58
و روى الصدوق في العلل بسنده عن عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) في حديث قال: «ان فاطمة بنت أسد أوصت الى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقبل وصيتها فلما ماتت نزع قميصه و قال كفنوها فيه».
و روى في الكتاب المذكور بسنده فيه عن عيسى بن عبد اللّٰه عن أبيه عن جده (2) في حديث: «ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) دفن فاطمة بنت أسد و كفنها في قميصه و نزل في قبرها و تمرغ في لحدها».
و روى في المجالس بسنده عن عباية بن ربعي عن عبد اللّٰه بن عباس في حديث وفاة فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) قال: «قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلي خذ عمامتي هذه و خذ ثوبي هذين فكفنها فيهما و مر النساء فليحسن غسلها».
و ربما دلت هذه الاخبار الثلاثة بإطلاقها على جواز الكفن في القميص الملبوس بأزراره حيث لم يتعرض فيها لذكر قطع الأزرار، و لا يبعد ان يكون لخصوصية من الطرفين، إلا انه يمكن ان يقال ان الغرض من سياقها انما هو بيان تشريفه (صلى اللّٰه عليه و آله) لها (رضي اللّٰه عنها) بتكفينها في قميصه لا بيان جواز التكفين في القميص حتى يكون الإخلال بذكر ذلك موجبا لعدمه من حيث ان المقام مقام البيان، و حينئذ فيكون إطلاقها مقيدا بما مر من تلك الأخبار.
[كراهة جعل الحنوط في سمع الميت و بصره]
و منها- ما ذكره الأصحاب من انه يكره جعل الحنوط في سمعه و بصره للأخبار المتقدمة الدالة على النهي عن ذلك، حيث انهم (رضوان اللّٰه عليهم)- كما قدمنا نقله عنهم- قد جمعوا بين الاخبار الدالة على جواز وضع الحنوط في هذه المواضع و الاخبار الدالة على النهي بالجواز على كراهة، و اما على ما قدمنا ذكره من ان الأظهر حمل اخبار الجواز على التقية فإنه تبقى أخبار النهي سالمة عن المعارض و النهي حقيقة في التحريم و لا موجب لإخراجه عن حقيقته. قال في المدارك- بعد قول المصنف: و ان يجعل في سمعه و بصره شيء من الكافور- ما ملخصه: هذا قول الأكثر و يدل عليه
قوله (عليه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب التكفين.
59
السلام) في رواية يونس: «و لا تجعل في منخريه.».
ثم ذكر تمام الرواية و قد تقدمت (1) ثم قال
و صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد اللّٰه (2) قال: «لا تجعل في مسامع الميت حنوطا».
ثم قال و في الرواية الأولى إرسال و في الثانية قطع، ثم نقل كلام الصدوق في الفقيه و قال: و لعل مستنده صحيحة عبد اللّٰه بن سنان ثم ساق الرواية كما قدمنا (3) ثم نقل موضع الاستدلال من موثقة سماعة المتقدمة و خبر عمار (4) الدالين على مذهب الصدوق ثم قال: و حمل المصنف هذه الروايات في المعتبر على الجواز و تلك على الكراهة و هو بعيد لأن الأمر ظاهر في الوجوب أو الاستحباب. انتهى. أقول: فيه (أولا) ان ما طعن به في صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد اللّٰه- من انها مقطوعة حيث نقلها في كتابه عارية الإسناد الى الامام (عليه السلام)- عجيب فإنها في كتب الأخبار مسندة إلى الصادق (عليه السلام) كما قدمنا ذكره. و (ثانيا)- ان مقتضى القاعدة المنصوصة في مقام اختلاف الأخبار هو العرض على مذهب العامة و الأخذ بخلافه و العامة هنا متفقون على استحباب وضع الحنوط في هذه المواضع التي اختلفت فيها الأخبار (5) فكيف يمكن التمسك بالأمر فيها في الدلالة على وجوب أو استحباب؟ و لكنه (قدس سره) انما يدور مدار السند فمتى صح سند الرواية جمد عليه و لا ينظر الى ما في ذلك من العلل الأخر و لا ما يترتب عليه من الضرر من مخالفة القواعد المأثورة أو علة أخرى في متن ذلك الخبر.
[كراهة الكتابة على الكفن بالسواد]
و منها- ما ذكره جمع من الأصحاب من انه يكره ان يكتب على الكفن بالسواد، قال في المعتبر: «ذكر ذلك الشيخ في المبسوط و النهاية و هو حسن لأن في ذلك نوع استبشاع و ان وظائف الميت متلقاة من الشارع فتقف على الدلالة».
و منها- بل الخيوط التي يخاط بها الكفن بالريق
، قال في المعتبر: «ذكره
____________
(1) ص 7.
(2) المروية في الوسائل في الباب 16 من أبواب الحنوط.
(3) ص 23.
(4) ص 22.
(5) كما في المغني ج 1 ص 466 و المهذب ج 1 ص 130.
60
الشيخ و رأيت الأصحاب يجتنبونه و لا بأس بمتابعتهم لازالة الاحتمال و وقوفا على موضع الوفاق» قال في الذكرى: «اما بلها بغير الريق فالظاهر عدم الكراهة للأصل و لإشعار التخصيص بالريق اباحة غيره» أقول: لا يخفى ما في هذا الكلام من المجازفة الظاهرة، فإن الاستحباب حكم شرعي يتوقف الحكم به و الفتوى على الدليل الواضح، مع انهما (قدس سرهما) و لا سيما المحقق كثيرا ما يخرجون عما عليه الأصحاب مع وجود الأدلة لكلام الأصحاب بزعم ان الرواية التي هي مستند الأصحاب ضعيفة فكيف يوافقونهم هنا مع اعترافهم بعدم الدليل بالمرة؟ و حينئذ فإن أراد المحقق المذكور بقوله: «و لا بأس بمتابعتهم» يعني في العمل بذلك بان لا يبل الخيوط بالريق فلا بأس به و ان أراد في الحكم بالكراهة و الفتوى بها فهو محل الاشكال لما عرفت. و اما قوله في الذكرى:
«و لإشعار التخصيص بالريق اباحة غيره» فان فيه ان هذا الإشعار انما يكون حجة لو كان الدليل المشعر بذلك دليلا شرعيا و الأمر هنا ليس كذلك، و قضية الأصل الذي يتمسكون به في غير مقام هو الإباحة مطلقا الى ان يقوم الدليل على المنع.
[قطع الكفن بالحديد]
و منها- ما ذكروه من قطع الكفن بالحديد، ذكر ذلك الشيخان في النهاية و المبسوط و المقنعة و الرسالة الغرية، و قال في التهذيب: «سمعنا ذلك مذاكرة من الشيوخ و كان عملهم عليه» قال في المعتبر بعد نقل ذلك: «قلت و يستحب متابعتهم تخلصا من الوقوع فيما يكره» أقول: و الكلام في هذه المسألة كما في سابقتها، ثم أقول و نحن في الموضعين نعمل على مقالتهم و نجري على منوالهم و ان لم نحكم بما حكموا به من الكراهة و خطابنا غير خطابهم.
خاتمة تشتمل على مسائل:
[المسألة] (الاولى)- لو خرج من الميت نجاسة بعد الغسل
فههنا صور
(الاولى)- ان تلاقي جسده خاصة
، و المشهور انه يجب إزالتها خاصة و لا يجب اعادة الغسل، و ذهب ابن
61
ابي عقيل الى وجوب اعادة الغسل، و هو ضعيف مردود بالأخبار، و قد تقدم القول في ذلك في آخر المسألة التاسعة في مستحبات الغسل (1).
(الثانية)- ان تلاقي مع ذلك كفنه قبل وضعه في القبر
، و المنقول عن الصدوقين و أكثر الأصحاب وجوب غسلها ما لم يطرح في القبر و قرضها بعده، و المنقول عن الشيخ وجوب قرضها مطلقا، و يدل عليه
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «إذا خرج من الميت شيء بعد ما يكفن فأصاب الكفن قرض منه».
و ما رواه الشيخ في الحسن عن الكاهلي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «إذا خرج من منخر الميت الدم أو الشيء بعد ما يغسل فأصاب العمامة أو الكفن قرض منه».
و رواه الكليني عن الكاهلي أيضا مثله (4)
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابي عمير و احمد بن محمد عن غير واحد من أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «إذا خرج من الميت شيء بعد ما يكفن فأصاب الكفن قرض من الكفن».
و الأصحاب انما استدلوا هنا للقول المشهور- كما في المدارك و الذخيرة- بان في القرض إتلافا للمال و هو منهي عنه فيقتصر في ذلك على محل الاتفاق، قال في المدارك بعد نقل القول بالتفصيل: «و هو حسن لأن في القرض. الى آخر ما ذكرناه» و اعترضه في الذخيرة (6) بجواز
____________
(1) ج 3 ص 466.
(2) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب التكفين.
(4) أقول خبر الكاهلي قد نقله الشيخ بطريق صحيح عن الكاهلي و هو احمد بن محمد ابن عيسى عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن الكاهلي، و نقله ايضا بطريق آخر عن على بن محمد عن احمد بن محمد بن ابي نصر، و علي بن محمد هنا مشترك، و المنقول في الأصل هو السند الصحيح إلى الكاهلي و هو ممدوح. منه «(قدس سره)».
(5) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب التكفين.
(6) حيث قال: «احتج الأولون بان في القرض إتلاف المال و هو منهي عنه فيقتصر في ذلك على محل الاتفاق. و فيه ان عموم الأخبار الآتية دال على القرض فيخصص بها ما دل على تحريم إتلاف المال، ثم ذكر اخبار القرض» منه «(قدس سره)».
62
تخصيص ما دل على تحريم إتلاف المال بعموم الأخبار الدالة على القرض، قال في الذخيرة بعد ذكر اخبار الغسل في الرد على ابن ابي عقيل في الصورة الاولى و اخبار القرض التي في هذه الصورة: «و لا يخفى ان الجمع بين هذه الأخبار و الأخبار السابقة الدالة على الغسل ممكن بوجهين: (أحدهما)- تخصيص الأخبار السابقة بصورة لم تصب النجاسة الكفن حملا للمطلق على المقيد. و (ثانيهما)- الحمل على التخيير. و اما التفصيل بما قبل الدفن و ما بعده فغير مستفاد من الأدلة» أقول: لا يخفى ان المستند فيما ذهب اليه الصدوق في هذا المقام انما هو
الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) فيه (1): «فان خرج منه شيء بعد الغسل فلا تعد غسله و لكن اغسل ما أصاب من الكفن الى ان تضعه في لحده فإن خرج منه شيء في لحده لم تغسل كفنه و لكن قرضت من كفنه ما أصاب من الذي خرج منه و مددت أحد الثوبين على الآخر».
و بهذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه بتغيير ما. و نقل في المعتبر عن علي بن بابويه القول بذلك في الرسالة إلا انه لا يحضرني الآن عبارته (2) و الأصحاب قد اقتفوا أثرهما كما عرفت في غير موضع مما نبهنا عليه، و بذلك يزول الاشكال و يجمع بين اخبار الغسل و اخبار القرض و يظهر ما في كلام صاحب الذخيرة، إلا ان عذره ظاهر حيث لم يقف على دليل التفصيل. و اللّٰه الهادي إلى سواء السبيل.
(الثالثة)- ان تلاقي كفنه بعد وضعه في قبره
، و قد عرفت الاتفاق هنا
____________
(1) ص 17.
(2) قال (قدس سره): «فان خرج منه شيء بعد الغسل فلا يعاد غسله و لكن يغسل ما أصاب الكفن الى ان يوضع في اللحد فان خرج منه شيء في اللحد لم يغسل كفنه و لكن يقرض من كفنه ما أصاب الشيء الذي خرج منه و يمد أحد الثوبين على الآخر» انتهى العبارة بتغيير يسير منه «(قدس سره)».
63
على القرض من الكفن. بقي الكلام في نجاسة الجسد، و الظاهر من كلامهم اغتفارها في هذه الصورة فإنه من الظاهر ان النجاسة لا تتعدى الى الكفن حتى ينجس بها الجسد مع انهم لم يتعرضوا للكلام فيها، و كذا عبارة الفقه الرضوي التي هي المستند في التفصيل انما دلت على قرض الكفن خاصة و اما تطهير جسد الميت في قبره أو إخراجه منه و تطهيره فلا تعرض فيها له، و الروايات الدالة على الغسل كأنها محمولة عندهم على ما قبل الوضع في القبر كما هو ظاهر سياقها. و بما حققناه في المقام يظهر ما في كلام صاحب المدارك في هذا المقام من المجازفة التي لا تخفى على ذوي الأفهام، حيث قال بعد نقل حسنة الكاهلي و ردها بعدم توثيق الكاهلي و نقل صحيحة ابن ابي عمير و احمد بن محمد و طعنه فيها بالإرسال: «و لو لا تخيل الإجماع على هذا الحكم لأمكن القول بعدم وجوب القرض و الغسل مطلقا تمسكا بمقتضى الأصل و استضعافا للرواية الواردة بذلك» انتهى.
أقول: لا يخفى انه قد رد الإجماع في غير موضع مع التصريح به فكيف يستند هنا الى مجرد تخيله على ان الروايات المذكورة من أقوى الأدلة و أمتنها، أما رواية الكاهلي فهي معدودة في الحسن عند أصحاب هذا الاصطلاح و القسم الحسن معمول عليه بينهم و اما رواية ابن ابي عمير فهي صحيحة و إرساله لها غير مناف للصحة عند أرباب هذا الاصطلاح، و مثلها مرسلته بمشاركة أحمد بن محمد بن ابي نصر الذي قد عد ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، مع ان هذه العبارة و هو قولهما «عن غير واحد» مما ينادي باستفاضة النقل المذكور و شهرته، و هذه العبارة أقوى دلالة على الصحة من التعبير برجل ثقة، و لهذا ان صاحب الذخيرة الذي من عادته اقتفاء أثره تنظر في كلامه هنا. و اللّٰه العالم.
(المسألة الثانية) [كفن المرأة على زوجها]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في ان كفن المرأة على زوجها بل ادعى عليه الشيخ في الخلاف الإجماع، و علله العلامة في التذكرة بثبوت الزوجية إلى حين الوفاة و بان من وجبت نفقته و كسوته حال الحياة وجب تكفينه كالمملوك فكذا الزوجة.
64
و علله المحقق في المعتبر بأن الزوجية باقية الى حين الوفاة و من ثم حل تغسيلها و رؤيتها و جاز ميراثها فتجب مؤنتها لأنها من أحكام الزوجية و الكفن من جملة ذلك. و لا يخفى ما في هذه التعليلات العليلة من عدم الصلاح لتأسيس الأحكام الشرعية و ان أدعوها أدلة عقلية و قدموها على السمعية. و يرد على ما ذكروه هنا من ثبوت الزوجية إلى حين الوفاة من عدم دلالة ما قبل الوفاة على ما بعدها، أما المطابقة و التضمن فظاهر، و اما الالتزام فلعدم الملازمة فيما ذكر لاستلزام الموت عدم كثير من أحكام الزوجية و لهذا جاز له تزويج أختها و الخامسة. و ما ذكره في التذكرة- من ان من وجبت نفقته و كسوته حال الحياة وجب تكفينه- منقوض بواجب النفقة من الأقارب فإنه لا يجب تكفينهم على القريب و ان وجبت نفقتهم حال الحياة، على انه لو تم لاقتضى اختصاص الحكم بالزوجة الدائمة الممكنة فلا يجب للمتمتع بها و لا الناشز مع ان ظاهرهم خلافه، فالواجب الرجوع الى الاخبار:
و يدل عليه منها
ما رواه الشيخ عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (1) «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: على الزوج كفن امرأته إذا ماتت».
و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال (عليه السلام): كفن المرأة على زوجها إذا ماتت».
و صاحب المدارك لما أورد رواية السكوني تنظر فيها من حيث ضعف السند، ثم قال: و الأجود الاستدلال على ذلك
بما رواه الصدوق في الصحيح عن الحسن ابن محبوب عن عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «ثمن الكفن من جميع المال، و قال كفن المرأة على زوجها إذا ماتت».
و الظاهر ان قوله «و قال (عليه السلام)» انما هو رواية مرسلة لا تعلق لها بالصحيحة المذكورة كما هي قاعدته في الكتاب المذكور، و يؤيده أن الكليني رواها في الكافي عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 32 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 32 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب التكفين.
65
عن الحسن بن محبوب الى آخر السند خالية من هذه الزيادة، و الشيخ رواها في التهذيب تارة عن أحمد إلى آخر السند و تارة أخرى عن الحسن بن محبوب الى آخر السند خالية من ذلك ايضا، و العجب هنا انه قد سرى هذا الوهم إلى جملة من المتأخرين كشيخنا البهائي في الحبل المتين و صاحب الوسائل اغترارا بكلام صاحب المدارك، و لا يخفى على من عرف عادة الصدوق في الكتاب المذكور انه ان لم يكن ما ذكرناه أقرب فلا أقل ان يكون مساويا في الاحتمال و به لا يتم الاستدلال، و لم أر من تفطن لما ذكرناه إلا الفاضل الخراساني في الذخيرة مع اقتفائه غالبا اثر صاحب المدارك.
فروع
(الأول)- قد صرح جمع من الأصحاب بوجوب مؤنة التجهيز ايضا على الزوج
كالحنوط و السدر و الكافور و ماء الغسل و غيره من الواجب، قال في المبسوط:
«يلزم زوجها كفنها و تجهيزها و لا يلزم ذلك في مالها» و به صرح ابن إدريس و العلامة في النهاية و غيرهم، و توقف في هذا الحكم في المدارك، و هو في محله.
(الثاني)- إطلاق الخبر و كلام الأصحاب يقتضي انه لا فرق في الزوجة بين الدائم و المستمتع بها
و لا بين المطيعة و الناشز و لا بين الحرة و الأمة، و احتمل في المدارك اختصاصه بالدائم لأنها التي ينصرف إليها الذهن عند الإطلاق، و قال في الذكرى:
«لا فرق بين الحرة و الأمة في ذلك و كذا المطلقة الرجعية، اما الناشز فالتعليل بالإنفاق ينفي وجوب الكفن و إطلاق الخبر يشمله و كذا المستمتع بها».
(الثالث)- قالوا و لا يلحق بالزوجة غيرها من واجبي النفقة إلا المملوك
فان كفنه على مولاه للإجماع عليه و ان كان مدبرا أو مكاتبا مشروطا أو مطلقا لم يتحرر منه شيء أو أم ولد، و لو تحرر منه شيء فبالنسبة.
(الرابع)- ما ذكر من وجوب الكفن أو المؤنة كملا على الزوج مشروط
66
بيساره و لو بإرثه من تركتها فلو أعسر بان لا يفضل ماله عن قوت يوم و ليلة و ما يستثني في الدين كفنت من تركتها ان كان لها مال، صرح به العلامة و غيره، و لو أعسر عن البعض أكمل من تركتها، كل ذلك مع عدم وصيتها به، اما لو أوصت بالكفن الواجب كانت الوصية من ثلثها و سقط عنه ان نفذت.
(الخامس)- قال في المنتهى: «لو أخذ السيل الميت أو أكله السبع و بقي الكفن
كان للورثة دون غيرهم إلا ان يكون قد تبرع به رجل فإنه يعود اليه» انتهى.
و هو جيد. و انما الإشكال فيما لو كفن الرجل زوجته ثم ذهبت و بقي الكفن فهل يعود الى الزوج أو يكون ميراثا لورثتها؟ إشكال ينشأ من ثبوت استحقاقها له فيرجع الى ورثتها و من عدم الجزم بخروجه عن ملك الزوج فيكون له.
(المسألة الثالثة) [كفن الرجل يؤخذ من أصل تركته و لو لم يكن له مال]
- قد صرح الأصحاب بأن كفن الرجل يؤخذ من أصل تركته مقدما على الدين و الوصايا، و المستند فيه روايات عديدة: منها- ما تقدم من صحيحة عبد اللّٰه ابن سنان (1)
و ما رواه المشايخ الثلاثة عن زرارة في الصحيح (2) قال: «سألته عن رجل مات و عليه دين بقدر ثمن كفنه؟ قال يجعل ما ترك في ثمن كفنه الا ان يتجر عليه بعض الناس فيكفنونه و يقضى ما عليه مما ترك».
و عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «أول شيء يبدأ به من المال الكفن ثم الدين ثم الوصية ثم الميراث».
و لو لم يكن له مال دفن عاريا و لا يجب على المسلمين بذل الكفن له و ان استحب كما تقدمت الأخبار الدالة عليه في صدر المقصد، و يجوز تكفينه من الزكاة كما نص عليه جمع من الأصحاب. و يدل عليه
ما رواه الشيخ عن الفضل بن يونس الكاتب في الموثق (4) قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) فقلت له ما ترى في رجل
____________
(1) ص 64.
(2) رواه في الوسائل في الباب 27 من كتاب الوصايا.
(3) رواه في الوسائل في الباب 28 من كتاب الوصايا.
(4) رواه في الوسائل في الباب 33 من أبواب التكفين.
67
من أصحابنا يموت و لم يترك ما يكفن به اشترى له كفنه من الزكاة؟ فقال أعط عياله من الزكاة قدر ما يجهزونه فيكونون هم الذين يجهزونه. قلت فان لم يكن له ولد و لا أحد يقوم بأمره فأجهزه انا من الزكاة؟ فقال كان ابي يقول ان حرمة بدن المؤمن ميتا كحرمته حيا فوار بدنه و عورته و جهزه و كفنه و حنطه و احتسب بذلك من الزكاة و شيع جنازته.
قلت فان اتجر عليه بعض إخوانه بكفن آخر و كان عليه دين ا يكفن بواحد و يقضى دينه بالآخر؟ قال لا ليس هذا ميراثا تركه انما هذا شيء صار اليه بعد وفاته فليكفنوه بالذي اتجر عليه و يكون الآخر لهم يصلحون به شأنهم».
و يستحب ان يكون الكفن من خالص الأموال و طهورها
لما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا و في العيون مسندا (1) «ان السندي بن شاهك قال لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) أحب ان تدعني ان أكفنك؟ فقال انا أهل بيت حج صرورتنا و مهور نسائنا و أكفاننا من طهور أموالنا».
و رواه المفيد في إرشاده (2) و زاد فيه «و عندي كفني».
(المقصد الرابع) في الدفن
، قال في المنتهى: «و هو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن البعض الآخر و ان لم يقم به أحد لحق جميع من علم به الإثم و الذم بلا خلاف بين العلماء في ذلك» انتهى. و الفرض منه مواراته في الأرض على وجه تكتم رائحته عن السماع و جثته عن السباع على جنبه الأيمن موجها إلى القبلة، قال في المعتبر: «و عليه إجماع المسلمين و لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أمر بذلك و وقف على القبور و فعله، و الكيفية المذكورة ذكرها الشيخ في النهاية و المبسوط و المفيد في الرسالة الغرية و ابنا
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 34 من أبواب التكفين.
(2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 26 من أبواب التكفين.
68
بابويه و لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) دفن كذلك و هو عمل الصحابة و التابعين».
أقول: اما وجوب الدفن على الوجه الذي ذكرناه فهو مستفيض في الأخبار كما سيمر بك ان شاء اللّٰه تعالى كثير منها، و لأن فائدة الدفن انما تتم بالوصفين المذكورين و الوصفان متلازمان غالبا، و لو فرض وجود أحدهما دون الآخر وجب مراعاة الآخر كما صرح به الأصحاب أيضا. و ظاهر الأصحاب تعين الحفر اختيارا فلا يجزئ التابوت و الأزج الكائنان على وجه الأرض تحصيلا للبراءة اليقينية من التكليف الثابت، و به قطع في الذكرى لأنه مخالف لما أمر به النبي من الحفر و لانه (صلى اللّٰه عليه و آله) دفن و دفن كذلك و هو عمل الصحابة و التابعين. انتهى. و هو جيد. و لو تعذر الحفر لصلابة الأرض أو أكثرية الثلج أو نحو ذلك جاز مواراته بحسب الإمكان مراعيا للوصفين المتقدمين مهما أمكن، قال في الذكرى: «لو تعذر الحفر لصلابة الأرض أو تحجرها و أمكن نقله الى ما يمكن حفره وجب، و ان تعذر أجزأ البناء عليه بما يحصل به الوصفان المذكوران لأنه في معنى الدفن، و لو فعل ذلك اختيارا فالأقرب المنع لانه مخالف لما أمر به النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) من الحفر» انتهى. و هو جيد. و لو دفن بالتابوت في الأرض جاز إلا ان الشيخ نقل الإجماع في الخلاف على كراهته.
و اما الكيفية المذكورة فلم ينقل فيها خلاف إلا عن ابن حمزة حيث ذهب الى الاستحباب لأصالة البراءة.
حجة المشهور- على ما ذكره جمع من المتأخرين و متأخريهم- التأسي بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام)
و ما رواه معاوية بن عمار في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «كان البراء بن معرور التميمي الأنصاري بالمدينة و كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) بمكة و انه حضره الموت و كان رسول اللّٰه و المسلمون يصلون الى بيت المقدس فاوصى البراء إذا دفن ان يجعل وجهه الى رسول اللّٰه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 61 من أبواب الدفن.
69
(صلى اللّٰه عليه و آله) إلى القبلة فجرت به السنة. و انه اوصى بثلث ماله فنزل به الكتاب و جرت به السنة».
قال في الذخيرة بعد ان نقل ذلك: «و في الحجتين تأمل».
أقول: الظاهر ان الحجة في ذلك انما هو
كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) فيه (1): «ثم ضعه في لحده على يمينه مستقبل القبلة».
و الصدوقان قد ذكرا ذلك أخذا من الكتاب المذكور، و من تأخر عنهما فقد تبعهما في ذلك كما أشرنا إليه في غير موضع مما هو من هذا القبيل، و يعضده
ما رواه في دعائم الإسلام (2) عن علي (عليه السلام) «انه شهد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) جنازة رجل من بني عبد المطلب فلما أنزلوه في قبره قال أضجعوه في لحده على جنبه الأيمن مستقبل القبلة و لا تكبوه لوجهه و لا تلقوه لظهره.».
و حيث قد عرفت وجوب الاستقبال بالميت في حال الدفن فإنه يستثني من ذلك مواضع: (منها)- ما لو التبست القبلة. و (منها)- ما لو تعذر ذلك كما لو مات في بئر و نحوه و تعذر إخراجه و صرفه إلى القبلة. و (منها)- ان يكون امرأة غير مسلمة حاملة من مسلم فيستدبر بها ليكون وجه الولد إلى القبلة بناء على ما قيل ان وجه الولد الى ظهر امه، و المقصود بالذات دفنه و هي كالتابوت له و لذا دفنت في مقبرة المسلمين إكراما له، و هذا الحكم مجمع عليه بينهم كما في التذكرة، و الأصل فيه الشيخان و أتباعهما، و استدل عليه
في التهذيب بما رواه احمد بن أشيم عن يونس (3) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل تكون له الجارية اليهودية و النصرانية فيواقعها فتحمل ثم يدعوها الى ان تسلم فتأبى عليه فدنا ولادتها فماتت و هي تطلق و الولد في بطنها و مات الولد أ يدفن معها على النصرانية أو يخرج منها و يدفن على فطرة الإسلام؟ فكتب يدفن معها».
قال في المعتبر: «و لست أرى في هذا حجة (أما أولا)- فلان ابن أشيم ضعيف
____________
(1) ص 18.
(2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 51 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 39 من أبواب الدفن.
70
جدا على ما ذكره النجاشي في كتاب المصنفين و الشيخ. و (اما ثانيا)- فلان دفنه معها لا يتضمن دفنها في مقبرة المسلمين بل ظاهر اللفظ يدل على دفن الولد معها حيث تدفن هي و لا إشعار في الرواية بموضع دفنها، و الوجه ان الولد لما كان محكوما له بأحكام المسلمين لم يجز دفنه في مقابر أهل الذمة و إخراجه مع موتهما غير جائز فتعين دفنه معها كما قلناه» انتهى. و المسألة لا تخلو من شوب الاشكال حيث انه لا مستند للحكم المذكور سوى ما يدعى من الإجماع، و ما ذكره في المعتبر من التعليل و ان كان لا يخلو من قرب إلا انه لا يصلح لتأسيس حكم شرعي نعم يصلح ان يكون وجها للنص لو وجد و (منها)- راكب البحر إذا مات، فقد قطع الشيخ و أكثر الأصحاب بأنه يغسل و يحنط و يكفن و يصلى عليه و ينقل الى البر ان أمكن، و ان تعذر لم يتربص به بل يوضع في خابية و نحوها و يشد رأسها و يلقى في البحر أو يثقل ليرسب في الماء ثم يلقى فيه، قيل و ظاهر المفيد في المقنعة و المحقق في المعتبر جواز ذلك و ان لم يتعذر البر، و الظاهر ان وجه هذه الظاهرية هو انهما ذكرا الحكم المذكور مطلقا فإنه قال في المعتبر: «إذا مات في السفينة في البحر غسل و كفن و صلى عليه و ثقل ليرسب في الماء أو جعل في خابية و شد رأسها و ألقي في البحر» و نحوها عبارة المقنعة. أقول: و الأخبار قد وردت بالأمرين المذكورين، فمما يدل على الوضع في الخابية
ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن أيوب بن الحر (1) قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل مات و هو في السفينة في البحر كيف يصنع به؟ قال يوضع في خابية و يوكأ رأسها و يطرح في الماء».
و ذكره الصدوق مرسلا مقطوعا، و اما ما يدل على التثقيل فهو
ما رواه في الكافي عن ابان عن رجل عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «في الرجل يموت مع القوم في البحر؟ فقال يغسل و يكفن و يصلى عليه و يثقل و يرمى به في البحر».
و عن سهل رفعه عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «إذا مات الرجل في السفينة و لم يقدر على الشط؟ قال
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 40 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 40 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 40 من أبواب الدفن.
71
يكفن و يحنط في ثوب و يلقى في الماء».
و روى الشيخ في التهذيب عن أبي البختري وهب ابن وهب القرشي عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا مات الميت في البحر غسل و كفن و حنط ثم يوثق في رجليه حجر و يرمى به في الماء».
و في الفقه الرضوي (2) «و ان مات في سفينة فاغسله و كفنه و ثقل رجليه و ألقه في البحر».
و الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) قد جمعوا بين روايات المسألة بالتخيير، و هو جيد. و إطلاق أكثر الأخبار بالنسبة إلى تقديم البر ان أمكن مقيد بما دلت عليه مرسلة سهل من ذلك و الحكم حينئذ مما لا يعتريه الاشكال. و قد ذكر جملة من الأصحاب انه ينبغي استقبال القبلة به حال الإلقاء، و أوجبه ابن الجنيد و الشهيدان لانه دفن حيث يحصل به مقصود الدفن، و هو تقييد لإطلاق النص من غير دليل و التعليل المذكور عليل.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن للدفن آدابا و سننا متقدمة و مقارنة و متأخرة، و تحقيق الكلام في المقام يتوقف على بسطه في مطالب ثلاثة:
[المطلب] (الأول)- في الآداب المتقدمة
و هي أمور
(الأول)- التشييع
، و قد ورد في استحبابه أجر عظيم و ثواب جسيم،
فروي في الكافي عن ابي بصير (3) قال:
«سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول من مشى مع جنازة حتى يصلى عليها ثم رجع كان له قيراط من الأجر فإذا مشى معها حتى تدفن كان له قيراطان، و القيراط مثل جبل أحد».
و عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: «من شيع ميتا حتى يصلى عليه كان له قيراط من الأجر و من بلغ معه الى قبره حتى يدفن كان له قيراطان من الأجر، و القيراط مثل جبل أحد».
و عن الأصبغ بن نباتة (5) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من تبع جنازة كتب اللّٰه له أربعة قراريط: قيراط باتباعه إياها و قيراط بالصلاة عليها و قيراط
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 40 من أبواب الدفن.
(2) ص 18.
(3) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب الدفن.
72
بالانتظار حتى يفرغ من دفنها و قيراط بالتعزية».
و عن ابي الجارود عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «كان فيما ناجى به موسى (عليه السلام) ربه ان قال يا رب ما لمن شيع جنازة؟ قال أوكل به ملائكة من ملائكتي معهم رايات يشيعونهم من قبورهم الى محشرهم».
و عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «إذا أدخل المؤمن قبره نودي ألا ان أول حبائك الجنة ألا و أول حباء من تبعك المغفرة».
و عن إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «أول ما يتحف به المؤمن في قبره ان يغفر لمن تبع جنازته».
و عن داود الرقي عن رجل من أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (4) قال:
«من شيع جنازة مؤمن حتى يدفن في قبره وكل اللّٰه به سبعين ملكا من المشيعين يشيعونه و يستغفرون له إذا خرج من قبره الى الموقف».
و عن ميسر (5) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول من تبع جنازة مسلم اعطي يوم القيامة أربع شفاعات و لم يقل شيئا إلا قال الملك و لك مثل ذلك».
و في الفقه الرضوي (6): «و قد روى ابي عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) ان المؤمن إذا أدخل قبره ينادي الا ان أول حبائك الجنة و أول حباء من تبعك المغفرة، الى ان قال و لا تترك تشييع جنازة المؤمن فإن فيه فضلا كثيرا».
و المعروف من مذهب الأصحاب- كما صرح به جمع منهم- ان سنة التشييع هو المشي وراء الجنازة أو الى أحد جانبيها، و نص المحقق في المعتبر على ان تقدمها ليس بمكروه بل هو مباح، و حكى الشهيد في الذكرى كراهة المشي أمامها من كثير من الأصحاب، و قال ابن ابي عقيل: يجب التأخر خلف المعادي لذي القربى
لما ورد من استقبال ملائكة العذاب إياه (7).
و قال ابن الجنيد: يمشي صاحب الجنازة بين يديها
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب الدفن.
(6) ص 18.
(7) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب الدفن.
73
و الباقون وراءها
لما روي من «ان الصادق (عليه السلام) تقدم سرير ابنه إسماعيل بلا حذاء و لا رداء» (1).
أقول: و الذي وقفت عليه في المسألة من الأخبار
ما رواه في الكافي في الموثق عن إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «المشي خلف الجنازة أفضل من المشي بين يديها».
و رواه في التهذيب عن محمد بن يعقوب و زاد فيه «و لا بأس بأن يمشي بين يديها».
و رواه في الفقيه مرسلا كذلك.
و عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: «مشى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) خلف جنازة فقيل يا رسول اللّٰه ما لك تمشي خلفها؟ فقال ان الملائكة رأيتهم يمشون امامها و نحن تبع لهم».
و عن سدير عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: «من أحب ان يمشي مشي الكرام الكاتبين فليمش جنبي السرير،.
و روى الشيخ عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (5) قال: «سمعت النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) يقول اتبعوا الجنازة و لا تتبعكم خالفوا أهل الكتاب».
و روى في الكافي و الفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (6) قال: «سألته عن المشي مع الجنازة فقال بين يديها و عن يمينها و عن شمالها و خلفها».
و عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (7) قال: «امش بين يدي الجنازة و خلفها».
و عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (8) قال:
«سئل كيف أصنع إذا خرجت مع الجنازة أمشي أمامها أو خلفها أو عن يمينها أو عن شمالها؟ فقال: ان كان مخالفا فلا تمش امامه فان ملائكة العذاب يستقبلونه بألوان العذاب».
و روى الشيخ في التهذيب عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (9) مثله.
و روى في الكافي عن يونس بن ظبيان عن الصادق (عليه السلام) (10) قال:
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الاحتضار.
(2) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب الدفن.
(7) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب الدفن.
(8) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب الدفن.
(9) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب الدفن.
(10) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب الدفن.
74
«امش أمام جنازة المسلم العارف و لا تمش أمام جنازة الجاحد فإن أمام جنازة المسلم ملائكة يسرعون به الى الجنة و ان امام جنازة الكافر ملائكة يسرعون به الى النار».
و في الفقه الرضوي (1) «و إذا حضرت جنازة فامش خلفها و لا تمش امامها و انما يؤجر من تبعها لا من تبعته، و قد روى ابي عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) ان المؤمن. الحديث».
و قد تقدم (2)
ثم قال و قال (عليه السلام): «اتبعوا الجنازة و لا تتبعكم فإنه من عمل المجوس (3) و أفضل المشي في اتباع الجنائز ما بين جنبي الجنازة و هو مشي الكرام الكاتبين».
انتهى.
أقول: و المفهوم من هذه الاخبار بعد ضم بعضها إلى بعض ان الأفضل في التشييع هو المشي خلف الجنازة أو الى أحد جنبيها مع زيادة الأول في الفضل، و اما المشي امامها فان كان مؤمنا فلا بأس به و لا كراهة فيه و ان كان ليس فيه ثواب الفردين الأولين و ان كان مخالفا فهو مكروه للعلة المذكورة في الاخبار. و جمع بعض بحمل أخبار النهي عن التقدم بالحمل على ما إذا كان مخالفا. و فيه ان خبر السكوني و رواية كتاب الفقه الدالان على تعليل النهي بكونه عمل أهل الكتاب و المجوس يدلان على أعم من المؤمن و المخالف. و اما حديث تقدم الصادق (عليه السلام) جنازة ابنه إسماعيل فاحتمال الحمل على التقية فيه قريب فان المشهور بينهم أفضلية المشي أمامها و قد نسبوا القول بأفضلية المشي خلفها الى أهل البيت (عليهم السلام) قال بعض شراح صحاح مسلم على ما نقله شيخنا
____________
(1) ص 18.
(2) أقول: قال الصدوق في المقنع: إذا حضرت جنازة فامش خلفها و لا تمش امامها فإنما يؤجر من يتبعها لا من تتبعه فإنه
روي «اتبعوا الجنازة و لا تتبعكم فإنه من عمل المجوس».
و روي «إذا كان الميت مؤمنا فلا بأس ان يمشى قدام جنازته فإن الرحمة تستقبله و الكافر لا يتقدم جنازته فإن اللعنة تستقبله».
انتهى. و صدر هذا الكلام عين ما في كتاب الفقه المذكور في الأصل. منه «(قدس سره)».
(3) أقول: هذا مضمون رواية السكوني أيضا منه «(قدس سره)».
75
المجلسي (عطر اللّٰه مرقده) في البحار: كون المشي وراء الجنازة أفضل من المشي أمامها قول علي بن ابي طالب (عليه السلام) و مذهب الأوزاعي و ابي حنيفة، و قال جمهور الصحابة و التابعين و مالك و الشافعي و جماهير العلماء المشي قدامها أفضل، و قال الثوري و طائفة هما سواء (1).
[فوائد]
و في المقام فوائد
(الأولى)- ينبغي للمشيع ان يحضر قلبه ذكر الموت و التفكر في مآله
و ما يصير إليه عاقبة حاله و يكره له الضحك و اللهو،
ففي الكافي عن عجلان ابي صالح (2) قال: «قال لي أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) يا أبا صالح إذا أنت حملت جنازة فكن كأنك أنت المحمول و كأنك سألت ربك الرجوع الى الدنيا ففعل فانظر ما ذا تستأنف، قال ثم قال عجب لقوم حبس أولهم عن آخرهم ثم نودي فيهم الرحيل و هم يلعبون».
قال في الذكرى:
و يكره له الضحك و اللهو لما
روي «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أو عليا (عليه السلام) شيع جنازة فسمع رجلا يضحك فقال كأن الموت فيها على غيرنا كتب. الحديث».
____________
(1) في المغني لابن قدامة ج 2 ص 474 ما ملخصه «أكثر أهل العلم يرون الفضيلة في المشي امام الجنازة، و قال الأوزاعي و أصحاب الرأي المشي خلفها أفضل» و في عمدة القارئ للعيني الحنفي ج 4 ص 8 «المشي خلف الجنازة عندنا أفضل و مشهور مذهب المالكية كمذهبنا و به قال أبو حنيفة و أبو يوسف و محمد و إسحاق و أهل الظاهر و إبراهيم النخعي و سفيان الثوري و الأوزاعي و سويد بن غفلة و مسروق و أبو قلابة و يروى ذلك عن على ابن ابى طالب (ع) و عبد اللّٰه بن مسعود و ابى الدرداء و ابى امامة و عمرو بن العاص، و استشهد له بتسع روايات عن النبي (ص) و ان عليا (ع) يحلف باللّٰه انه سمعه من رسول اللّٰه (ص) و ان أبا بكر و عمر سمعاه ايضا و لكنهما أرادا أن يسهلا على الناس فمشيا امام الجنازة. و قال أحمد المشي أمامها أفضل» و في نيل الأوطار ج 4 ص 62 «عند الزهري و مالك و احمد و الجمهور و جماعة من الصحابة ان المشي أمامها أفضل، و عند أبي حنيفة و أصحابه و سفيان الثوري و إسحاق- و حكاه في البحر عن العترة (ع)- ان المشي خلفها أفضل».
(2) رواه في الوسائل في الباب 59 من أبواب الدفن.
76
أقول: هذا الكلام قد ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام)
كما نقله السيد الرضي في كتاب نهج البلاغة (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) و قد تبع جنازة فسمع رجلا يضحك فقال كأن الموت فيها على غيرنا كتب و كأن الحق فيها على غيرنا وجب.».
و ساق الكلام ثم قال السيد: و من الناس من ينسب هذا الكلام الى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أقول: و رواه الكراجكي في كنز الفوائد عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2).
(الثانية) [النهي عن بعض أقوال المشيع]
- قال في المعتبر: «قال علي بن بابويه في الرسالة: و إياك ان تقول ارفقوا به أو ترحموا عليه أو تضرب يدك على فخذك فيحبط أجرك. و بذلك رواية عن أهل البيت (عليهم السلام) نادرة لكن لا بأس بمتابعته تفصيا من الوقوع في المكروه» انتهى. أقول: لا ريب ان ما ذكره علي بن بابويه (قدس سره) هنا مأخوذ من
كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (3): «و إياك ان تقول ارفقوا به و ترحموا عليه أو تضرب يدك على فخذك فإنه يحبط أجرك عند المصيبة».
و الظاهر ان اختلاف آخر العبارة نشأ من غلط في أحد الطرفين. و اما ما أشار إليه المحقق من الرواية النادرة فالظاهر انها
ما رواه السكوني عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال:
«قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ثلاثة ما أدري أيهم أعظم جرما: الذي يمشي مع الجنازة بغير رداء أو الذي يقول قفوا أو الذي يقول استغفروا له غفر اللّٰه لكم».
و روى في الخصال بسنده فيه عن عبد اللّٰه بن الفضل الهاشمي عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «ثلاثة لا ادري أيهم أعظم جرما: الذي يمشي خلف جنازة في مصيبة غيره بغير رداء و الذي يضرب يده على فخذه عند المصيبة و الذي يقول ارفقوا به و ترحموا عليه رحمكم اللّٰه تعالى».
أقول: ما دلت عليه هذه الاخبار من النهي عن القول بما تضمنته من الأمر
____________
(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 53 من أبواب الدفن.
(2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 53 من أبواب الدفن.
(3) ص 17.
(4) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الاحتضار.
(5) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الاحتضار.
77
بالرفق أو الأمر بالاستغفار لا يحضرني الآن له وجه وجيه و لا وقفت فيه على كلام لأحد من أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) إلا ما ذكره شيخنا المجلسي في البحار، حيث قال بعد ذكر خبري عبد اللّٰه بن الفضل أولا و السكوني ثانيا: «قوله مع الجنازة أي مع عدم كونه صاحب المصيبة كما مر في الخبر الأول و هو اما مكروه أو حرام كما سيأتي، و اما قوله «ارفقوا به» فلتضمنه تحقير الميت و إهانته، و في التهذيب «أو الذي يقول قفوا» و لعله تصحيف و على تقديره الذم لمنافاته لتعجيل التجهيز أو يكون الوقوف لإنشاد المراثي و ذكر أحوال الميت كما هو الشائع و هو مناف للتعزي و الصبر، و الفقرة الثالثة أيضا لاشعارها بكونه مذنبا و ينبغي ان يذكر الموتى بخير. و يمكن ان تحمل الفقرتان على ما إذا كان غرض القائل التحقير و الاشعار بالذنب. و يحتمل ان يكون الضميران في الأخيرتين راجعين إلى الذي يمشى بغير رداء اي هو بسبب هذا التصنع لا يستحق أن يأمر بالرفق به و لا الاستغفار له. و قال العلامة في المنتهى: و كره ان يقول قفوا و استغفروا له غفر اللّٰه تعالى لكم لانه خلاف المنقول بل ينبغي ان يقال ما نقل عن أهل البيت (عليهم السلام)» انتهى كلام شيخنا المشار إليه.
(الثالثة) [هل يكره جلوس المشيع حتى يوضع الميت في قبره؟]
- قد ذكر جمع من الأصحاب: منهم- المحقق و العلامة و ابن ابي عقيل و ابن حمزة انه يكره للمشيع الجلوس حتى يوضع الميت في قبره
لما رواه عبد اللّٰه بن سنان في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «ينبغي لمن شيع جنازة ان لا يجلس حتى يوضع في لحده فإذا وضع في لحده فلا بأس بالجلوس».
و ظاهر الشيخ و ابن الجنيد انتفاء الكراهة، قال في المدارك: بعد ذكر الصحيحة المذكورة «و هو ضعيف» و قال في الذكرى: «اختلف الأصحاب في كراهة جلوس المشيع قبل الوضع في اللحد فجوزه في الخلاف و نفي عنه البأس ابن الجنيد للأصل
و لرواية عبادة بن الصامت (2) «كان
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 45 من أبواب الدفن.
(2) كما في سنن البيهقي ج 4 ص 28.
78
رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا كان في جنازة لم يجلس حتى يوضع في اللحد فقال يهودي إنا لنفعل ذلك فجلس و قال خالفوهم».
و كراهة ابن ابي عقيل و ابن حمزة و الفاضلان و هو الأقرب لصحيح ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) ثم ساق الخبر، ثم قال:
و الحديث حجة لنا لان «كان» تدل على الدوام و الجلوس لمجرد إظهار المخالفة، و لان الفعل لا عموم له فجاز وقوع الجلوس تلك المرة خاصة، و لان القول أقوى من الفعل عند التعارض، و الأصل مخالف للدليل» انتهى كلامه و أجاب شيخنا البهائي عنه بعد نقل ملخص هذا الكلام بان لابن الجنيد ان يقول ان احتجاجي ليس بمجرد الفعل بل بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) خالفوهم. انتهى. أقول: يمكن ان يحتج لابن الجنيد أيضا
بحسنة داود ابن النعمان (1) قال: «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يقول ما شاء اللّٰه لا ما شاء الناس فلما انتهى الى القبر تنحى فجلس فلما ادخل الميت لحده قام فحثا عليه التراب ثلاث مرات بيده».
(الرابعة) [كراهة الإسراع بالجنازة]
- قال في الذكرى: نقل الشيخ الإجماع على كراهية الإسراع بالجنازة
لقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2): «عليكم بالقصد في جنائزكم».
لما رأى ان جنازة تمخض مخضا، و قال ابن عباس في جنازة ميمونة «ارفقوا بها فإنها أمكم» (3) و لو خيف على الميت فالاسراع اولى، قال المحقق: أراد الشيخ كراهة ما زاد على المعتاد و قال الجعفي السعي بها أفضل، و قال ابن الجنيد يمشي بها جنبا. قلت: السعي العدو و الجنب ضرب منه، فهما دالان على السرعة،
و روى الصدوق عن الصادق (عليه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 29 من أبواب الدفن.
(2) كما في سنن البيهقي ج 4 ص 22 و النص هكذا:
«عليكم بالقصد في المشي بجنائزكم».
. (3) في سنن البيهقي ج 4 ص 22
«عن عطاء قال حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة زوج النبي (ص) (بسرف) فقال ابن عباس: هذه ميمونة إذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوه و لا تزلزلوه و ارفقوا».
.
79
السلام) «ان الميت إذا كان من أهل الجنة نادى عجلوا بي و ان كان من أهل النار نادى ردوني».
انتهى. أقول ما أشار إليه في كلام الشيخ من الحديث النبوي هو
ما رواه ابنه (قدس سره) في المجالس عن أبيه بسنده فيه عن ليث بن ابي بردة عن أبيه (1) قال: «مروا بجنازة تمخض كما يمخض الزق فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) عليكم بالسكينة عليكم بالقصد في المشي بجنائزكم».
(الخامسة) [كراهة ركوب المشيع حال التشييع]
- يكره ان يركب المشيع دابة حال تشييعه و لا بأس بذلك بعد الرجوع، و يدل عليه ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي عبد اللّٰه البصري عن الصادق (عليه السلام) (2)
و رواه في الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) قال: «مات رجل من الأنصار من أصحاب رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فخرج رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) الى جنازته يمشي فقال له بعض أصحابه أ لا تركب يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال اني لأكره أن أركب و الملائكة يمشون».
و زاد في الكافي «و ابى ان يركب»
و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «رأى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قوما خلف جنازة ركبانا فقال ما استحى هؤلاء ان يتبعوا صاحبهم ركبانا و قد أسلموه على هذه الحالة».
و روى في التهذيب عن غياث بن إبراهيم عن الصادق عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (4) «انه كره ان يركب الرجل مع الجنازة في بداية الا من عذر، و قال يركب إذا رجع».
قوله: «في بداية» أي حال الذهاب حين يبدأ بالمشي.
(السادسة)- و يستحب الدعاء بالمأثور عند رؤية الجنازة و حملها
فروى في
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 64 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الدفن.
80
الكافي عن عنبسة بن مصعب عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من استقبل جنازة أو رآها فقال: «اللّٰه أكبر هذا ما وعدنا اللّٰه و رسوله و صدق اللّٰه و رسوله اللهم زدنا ايمانا و تسليما الحمد للّٰه الذي تعزز بالقدرة و قهر العباد بالموت» لم يبق في السماء ملك إلا بكى رحمة لصوته».
و روى الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الجنازة إذا حملت كيف يقول الذي يحملها؟ قال يقول: بسم اللّٰه و باللّٰه و صلى اللّٰه على محمد و آل محمد اللهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات».
و عن ابي الحسن النهدي رفعه (3) قال: «كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا رأي جنازة قال: الحمد للّٰه الذي لم يجعلني من السواد المخترم».
و قد ذكر غير واحد من الأصحاب انه يستحب لمن شاهد الجنازة ان يقول: «الحمد للّٰه الذي لم يجعلني من السواد المخترم» و المستند فيه ما ذكرناه من
رواية النهدي و حسنة أبي حمزة (4) قال:
«كان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا رأى جنازة قد أقبلت قال: الحمد للّٰه الذي لم يجعلني من السواد المخترم».
قيل و السواد يطلق تارة على الشخص و اخرى على عامة الناس، و زاد بعض إطلاق السواد على القرية، و المخترم الهالك و المستأصل، و الظاهر هو المعنى الثاني، و المعنى الشكر للّٰه سبحانه انه لم يجعله من الهالكين فيكون شكرا لنعمة الحياة. و لا ينافي ذلك حب لقاء اللّٰه تعالى فان معناه حب الموت و عدم الامتناع منه على تقدير رضاء اللّٰه تعالى به فلا ينافي لزوم شكر نعمة الحياة و الرضاء بقضاء اللّٰه في ذلك، و قيل ان حب لقاء اللّٰه سبحانه انما يكون عند معاينة منزلته في الجنة كما ورد في الخبر، أو المراد الهلاك على غير بصيرة فيكون الشكر للّٰه سبحانه على انه لم يجعله من عامة الناس الهالكين على غير بصيرة في الدين و لا استعداد للموت، و حينئذ فالشكر يرجع الى التوفيق في المعرفة و الهداية في الدين، قال في الذكرى بعد نقل حديث علي بن الحسين (عليه السلام): «قلت السواد الشخص و المخترم الهالك أو المستأصل و المراد به هنا
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب الدفن.
81
الجنس، و منه قولهم السواد الأعظم أي لم يجعلني من هذا القبيل، و لا ينافي هذا حب لقاء اللّٰه تعالى لانه غير مقيد بوقت فيحمل على حال الاحتضار و معاينة ما يجب كما
رويناه عن الصادق (عليه السلام) (1) و رووه في الصحاح عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) انه قال: «من أحب لقاء اللّٰه تعالى أحب اللّٰه لقاءه و من كره لقاء اللّٰه سبحانه كره اللّٰه لقاءه.
فقيل له انا لنكره الموت؟ فقال ليس ذلك و لكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان اللّٰه و كرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء اللّٰه تعالى واجب اللّٰه لقاءه، و ان الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب اللّٰه تعالى فليس شيء أكره إليه مما امامه فكره لقاء اللّٰه و كره اللّٰه لقاءه».
الى ان قال: و يجوز ان يكنى بالمخترم عن الكافر لانه الهالك على الإطلاق بخلاف المؤمن، أو المراد بالمخترم من مات دون أربعين سنة» انتهى كلامه.
(السابعة) [كراهة رجوع المشيع قبل الدفن إلا بإذن الولي]
-
روى في الكافي عن البرقي رفعه عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أميران و ليسا بأميرين: ليس لمن تبع جنازة ان يرجع حتى يدفن أو يؤذن له، و رجل يحج مع امرأة فليس له ان ينفر حتى تقضي نسكها».
و رواه الصدوق في الخصال و المقنع. أقول: ظاهر الخبر انه ليس لمن شيع الجنازة الرجوع قبل الدفن إلا بإذن الولي، و بذلك صرح ابن الجنيد على ما نقله عنه في الذكرى فقال: من صلى على جنازة لم يبرح حتى يدفن أو يأذن اهله بالانصراف إلا من ضرورة لرواية الكليني، ثم ساق الرواية المذكورة. ثم انه مع فرض اذن الولي في الرجوع فإنه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الاحتضار.
(2) رواه النسائي في السنن ج 1 ص 260 طبع مصر عن أبي هريرة و عبادة بن الصامت و عائشة عن رسول اللّٰه (ص) و ابن ماجة في سننه ج 2 ص 566 الطبعة الاولى بالمطبعة التازية بمصر عن عائشة، و الترمذي في سننه ج 9 ص 189 على هامش شرحه لابن العربي عمن تقدم في رواية النسائي، و ابن حجر في مجمع الزوائد ج 2 ص 320 عن احمد و البزار و ابي يعلى عن انس، و السيوطي في الجامع الصغير ج 2 ص 159 عن عائشة و عبادة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب الدفن.
82
لا يدل على عدم استحباب إتمام التشييع بعد الاذن بل الاستحباب باق، و يدل على ذلك
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة (1) قال: «حضر أبو جعفر (عليه السلام) جنازة رجل من قريش و انا معه و كان فيها عطاء فصرخت صارخة فقال عطاء لتسكتن أو لنرجعن قال فلم تسكت فرجع عطاء فقلت لأبي جعفر (عليه السلام) ان عطاء قد رجع، قال و لم؟ قلت صرخت هذه الصارخة فقال لها لتسكتن أو لنرجعن فلم تسكت فرجع، فقال امض بنا فلو انا إذا رأينا شيئا من الباطل مع الحق تركنا له الحق لم نقض حق مسلم، قال: فلما صلى على الجنازة قال وليها لأبي جعفر (عليه السلام) ارجع مأجورا رحمك اللّٰه تعالى فإنك لا تقوى على المشي فأبى ان يرجع، قال فقلت له: قد اذن لك في الرجوع و لي حاجة أريد أن أسألك عنها فقال امض فليس بإذنه جئنا و لا باذنه نرجع و انما هو فضل و أجر طلبناه فبقدر ما يتبع الجنازة الرجل يؤجر على ذلك».
(الثامنة) [النهي عن حمل ميتين على سرير]
- المشهور- و به صرح الشيخ و جمع من الأصحاب- انه يكره حمل ميتين على سرير رجلين كانا أم امرأتين أو رجلا و امرأة، و قال في النهاية لا يجوز و هو بدعة، و كذا ابن إدريس في سرائره فإنه قال: و لا يجوز حمل ميتين على جنازة واحدة مع الاختيار لان ذلك بدعة. و ممن صرح بالكراهة أيضا ابن حمزة. و قال الجعفي لا يحمل ميتان على نعش واحد. و هو محتمل لكل من القولين.
و الذي وقفت عليه من الأخبار هنا
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار (2) قال: «كتبت الى ابي محمد (عليه السلام) أ يجوز ان يجعل الميتين على جنازة واحدة في موضع الحاجة و قلة الناس، و ان كان الميتان رجلا و امرأة يحملان على سرير واحد و يصلى عليهما؟ فوقع (عليه السلام) لا يحمل الرجل و المرأة على سرير واحد».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 40 من أبواب صلاة الجنازة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 42 من أبواب الدفن.
83
و استدل بهذه الرواية للحكم المذكور، و رده جمع من المتأخرين بأنها أخص من المدعي.
و ظاهر الخبر المذكور عدم الجواز و لو مع الحاجة.
و ما ذكره (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) حيث قال: «و لا تجعل ميتين على جنازة واحدة».
و هذه العبارة أوردها الصدوق في الفقيه نقلا عن أبيه في رسالته اليه، و منه يعلم ان مستند الأصحاب في هذا الحكم انما هو كلام الصدوقين و مستند الصدوقين انما هو كتاب الفقه المذكور كما عرفت في غير مقام مما تقدم و ستعرف ان شاء اللّٰه تعالى. بقي الكلام في العبارة المذكورة مترددا بين التحريم و الكراهة و قضية النهي حقيقة الأول. و اللّٰه العالم.
(التاسعة) [كراهة اتباع الجنازة بنار]
- قال في الذكرى: يكره الاتباع بنار إجماعا و هو مروي عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2)
و عن الصادق (عليه السلام) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) نهى ان يتبع بمجمرة» رواه السكوني (3).
و رواه الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (4) و لو كان ليلا جاز المصباح-
لقول الصادق (عليه السلام) (5) «ان ابنة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أخرجت ليلا و معها مصابيح».
أقول:
قد تقدم
في صحيحة الحلبي أو حسنته عن الصادق (عليه السلام) (6) «و اكره أن يتبع بمجمرة».
و روى الشيخ عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (7) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) نهى ان تتبع جنازة بمجمرة».
و عن غياث بن إبراهيم عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (8) «انه كان يكره ان يتبع الميت بالمجمرة».
و الرواية التي أشار إليها في إخراج فاطمة (عليها السلام) ليلا بالمصابيح
قد رواها الصدوق في الفقيه مرسلة (9) قال: «سئل الصادق (عليه السلام) عن الجنازة يخرج معها بالنار؟ فقال ان ابنة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله). الحديث».
و روى في العلل عن الصادق (عليه
____________
(1) ص 19.
(2) كما في المغني لابن قدامة ج 2 ص 477.
(3) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(4) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(5) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(7) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(8) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التكفين.
(9) ج 1 ص 100.
84
السلام) (1) في حديث طويل يتضمن مرض فاطمة (عليها السلام) و وفاتها الى ان قال: «فلما قضت نحبها و هم في جوف الليل أخذ علي (عليه السلام) في جهازها من ساعته و أشعل النار في جريد النخل و مشى مع الجنازة بالنار حتى صلى عليها و دفنها ليلا.».
و حينئذ فيكون الموت ليلا مستثنى من الكراهة. و يفهم من هذين الخبرين ان قبرها (عليها السلام) ليس في البيت كما هو أحد الأقوال بل ربما أشعرت بكونه في البقيع كما قيل أيضا
(العاشرة) [هل يكره اتباع النساء الجنازة؟]
- قال في الذكرى: يكره اتباع النساء الجنازة
لقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): «ارجعن مأزورات غير مأجورات».
و لقول أم عطية: «نهينا عن اتباع الجنازة» و لانه تبرج. انتهى. أقول: اما الحديث النبوي المشار اليه فهو
ما رواه الشيخ في المجالس عن عباد بن صهيب عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) عن ابن الحنفية عن علي (عليه السلام) (2) «ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) خرج فرأى نسوة قعودا فقال ما أقعدكن ههنا؟ قلن لجنازة: قال أ فتحملن مع من يحمل؟ قلن لا. قال:
أ فتغسلن مع من يغسل؟ قلن لا. قال أ فتدلين في من يدلي؟ قلن لا. قال فارجعن مأزورات غير مأجورات».
و اما حديث أم عطية فالظاهر انه من روايات العامة كما يشعر به كلام العلامة في المنتهى فاني لم أقف بعد التتبع عليه في شيء من أصولنا. و في المنتهى: و يكره للنساء اتباع الجنائز ذكره الجمهور لأنهن أمرن بترك التبرج و الحبس في البيوت،
و روت أم عطية فقالت: «نهينا عن اتباع الجنائز و لم يعزم علينا» (3).
و من طريق الخاصة ما رواه الشيخ عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (4) انه قال: «ليس ينبغي للمرأة الشابة ان تخرج إلى الجنازة و تصلي عليها إلا ان تكون امرأة دخلت في
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 69 من أبواب الدفن.
(3) كما في المغني ج 2 ص 477.
(4) رواه في الوسائل في الباب 39 من أبواب صلاة الجنازة.
85
السن».
و في رواية غياث بن إبراهيم عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (1) «قال لا صلاة على جنازة معها امرأة».
قال الشيخ: المراد بذلك نفي الفضيلة لأنه يجوز لهن ان يخرجن و يصلين، فإنه
روى يزيد بن خليفة عن الصادق (عليه السلام) (2) «ان زينب بنت النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) توفيت و ان فاطمة (عليها السلام) خرجت في نسائها فصلت على أختها».
انتهى. أقول: و مثل حديث يزيد بن خليفة المذكور حديثه الآخر و هو
ما رواه الكليني في الصحيح عن يزيد بن خليفة (3)- و هو ممدوح فيكون حديثه حسنا- قال: «سأل عيسى بن عبد اللّٰه أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و انا حاضر فقال تخرج النساء إلى الجنازة؟ فقال ان الفاسق آوى عمه المغيرة بن ابي العاص، ثم ذكر حديث وفاة زوجة عثمان بطوله الى ان قال: و خرجت فاطمة (عليها السلام) و نساء المؤمنين و المهاجرين فصلين على الجنازة».
أقول: و يفهم من خبري يزيد بن خليفة أن خروجها (عليها السلام) مع النساء كان مرتين مرة في موت أختها زينب زوجة أبي العاص الأموي و مرة أخرى في زوجة عثمان. و كيف كان فهذان الخبران ظاهران في الجواز بغير كراهة، و أخلق بهذا القول ان يكون أصله من العامة و تبعهم فيه أصحابنا لرواية الشيخ التي أشار إليها في الذكرى، و راويها- كما عرفت- عباد بن صهيب و هو بتري عامي لا يبلغ قوة في معارضة هذه الاخبار، و رواية أم عطية قد عرفت انها ليست من طرقنا بل الظاهر انها من طرقهم، و يشير الى ما ذكرناه صدر عبارة المنتهى، و اما خبر ابي بصير فليس فيه أزيد من استثناء الشابة و لعله لخصوص مادة، و اما خبر غياث بن إبراهيم فيحمل على التقية لكون راويه عاميا بتريا. و بالجملة فعموم اخبار التشييع مضافا الى خصوص هذه الاخبار أوضح واضح في الجواز من غير كراهة.
(الحادية عشرة) [تميز صاحب المصيبة عن غيره]
- قال في المنتهى: يكره ان يمشي مع الجنازة بغير رداء
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 40 من أبواب صلاة الجنازة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 39 من أبواب صلاة الجنازة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 39 من أبواب صلاة الجنازة.
86
لرواية السكوني (1) أما صاحب المصيبة فإنه ينبغي له ان يضع رداءه ليتميز عن غيره فيقصده الناس للتعزية.
روى الشيخ عن الحسين بن عثمان (2) قال: «لما مات إسماعيل ابن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) خرج أبو عبد اللّٰه بغير رداء و لا حذاء».
أقول: قال الشيخ في المبسوط يجوز لصاحب المصيبة أن يتميز عن غيره بإرسال طرف العمامة و أخذ مئزر فوقها على الأب و الأخ فاما على غير هما فلا يجوز على حال. و قال ابن إدريس: لم يذهب الى هذا سواه و الذي تقتضيه أصولنا انه لا يجوز اعتقاد ذلك و فعله سواء كان على الأب أو الأخ أو غيرهما، لان ذلك حكم شرعي يحتاج الى دليل شرعي و لا دليل عليه، فيجب طرحه لئلا يكون الفاعل له مبدعا لانه اعتقاد جهل. و رده الفاضلان بأحاديث الامتياز الآتية في المقام ان شاء اللّٰه تعالى. و فيه ان الأحاديث المشار إليها لا دلالة فيها على ما ذكره الشيخ هنا من هذه الكيفية و لا الاختصاص بالأب و الأخ.
نعم ظاهر ابن الجنيد القول بما قاله الشيخ حيث ذكر التميز بطرح بعض زيه بإرسال طرف العمامة أو أخذ مئزر من فوقها على الأب و الأخ و لا يجوز على غيرهما، فقول ابن إدريس- انه لم يذهب الى هذا سواه- ليس في محله. و ابن حمزة منع هنا مع تجويزه الامتياز فكأنه يخص التميز في غير الأب و الأخ بهذا النوع من الامتياز. و عن ابي الصلاح انه يحتفي و يحل أزراره في جنازة أبيه وجده خاصة.
أقول: و الذي وقفت عليه من اخبار المسألة زيادة على رواية الحسين بن عثمان المتقدمة
ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «ينبغي لصاحب المصيبة أن يضع رداءه حتى يعلم الناس انه صاحب المصيبة».
و المراد بوضع الرداء نزعه ان كان ملبوسا و عدم لبسه ان كان منزوعا، و هذا مبني على ما هو المتعارف قديما من المداومة على الرداء كالعباءة و نحوها في زماننا هذا، و حينئذ فلا يبعد ان يستنبط من التعليل تغيير الهيئة في
____________
(1) ص 76.
(2) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الاحتضار.
(3) رواه في الوسائل في الباب 39 من أبواب صلاة الجنازة.
87
مثل هذه البلدان التي لا يتعارف فيها الرداء بتغيير ما هو قائم مقامه من عباءة و نحوها مما ليس فوق الثياب.
و ما رواه في الكافي مسندا و الفقيه معلقا عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «ينبغي لصاحب المصيبة ان لا يلبس رداء و ان يكون في قميص حتى يعرف».
و روى في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال الصادق (عليه السلام) ملعون ملعون من وضع رداءه في مصيبة غيره».
و قد تقدم قريبا في الفائدة الثانية (3)
قوله (عليه السلام) في رواية السكوني: «ثلاثة لا ادري أيهم أعظم جرما.».
و عد منهم الذي يمشي مع الجنازة بغير رداء.
و في المحاسن (4) عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «ينبغي لصاحب الجنازة ان يلقي رداءه حتى يعرف و ينبغي لجيرانه ان يطعموا عنه ثلاثة أيام».
و هذه الاخبار كلها- كما ترى- انما دلت على التميز بلبس المشيع للجنازة الرداء و خلع صاحب المصيبة له، و بذلك يظهر ما في الأقوال الخارجة عن مضمون هذه الاخبار. و اما
ما ورد عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (5)- «انه مشى في جنازة سعد بن معاذ بلا حذاء و لا رداء فسئل عن ذلك فقال اني رأيت الملائكة يمشون بلا حذاء و لا رداء».
- فالظاهر انه مخصوص بمورده للخصوصية الظاهرة فيه فلا يتأسى به
(الثانية عشرة) [عدم استحباب القيام لمن مرت به جنازة]
- قد صرح جملة من أصحابنا بأنه لا يستحب القيام لمن مرت به الجنازة إلا ان يكون مبادرا الى حملها و تشييعها، و يدل عليه
ما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة (6) قال: «كنت عند ابى جعفر (عليه السلام) و عنده رجل من الأنصار فمرت به جنازة فقال الأنصاري و لم يقم أبو جعفر (عليه السلام) فقعدت معه و لم يزل الأنصاري قائما حتى مضوا بها ثم جلس فقال له أبو جعفر (عليه السلام) ما أقامك؟ قال رأيت الحسين بن علي (عليهما السلام) يفعل ذلك. فقال أبو جعفر
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الاحتضار.
(2) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الاحتضار.
(3) ص 76.
(4) ص 419 و في الوسائل في الباب 27 من الاحتضار و 67 من الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الاحتضار.
(6) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب الدفن.
88
(عليه السلام) و اللّٰه ما فعله الحسين (عليه السلام) و لا قام لها أحد منا أهل البيت قط. فقال الأنصاري شككتني أصلحك اللّٰه تعالى قد كنت أظن انى رأيت».
و عن مثنى الخياط عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «كان الحسين بن علي (عليهما السلام) جالسا فمرت به جنازة فقام الناس حين طلعت الجنازة فقال الحسين (عليه السلام) مرت جنازة يهودي و كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) على طريقها جالسا فكره ان تعلو رأسه جنازة يهودي فقام لذلك».
و روي في قرب الاسناد (2) هذا الخبر عن مولانا الحسن (عليه السلام) بما هو واضح دلالة، قال فيه: «ان الحسن بن علي (عليهما السلام) كان جالسا و معه أصحاب له فمر بجنازة فقام بعض القوم و لم يقم الحسن فلما مضوا بها قال بعضهم ألا قمت عافاك اللّٰه تعالى؟ فقد كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يقوم للجنازة إذا مروا بها عليه. فقال الحسن (عليه السلام) انما قام رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) مرة واحدة و ذلك انه مر بجنازة يهودي و كان المكان ضيقا فقام رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و كره ان تعلو رأسه».
و ربما يفهم من الخبرين المذكورين استحباب القيام لمرور جنازة الكافر بل المخالف الذي هو عندنا من افراده، و احتمال الاختصاص به (صلى اللّٰه عليه و آله) لمزيد شرفه- و نحوه الأئمة المعصومون (عليهم السلام)- ممكن إلا ان الاحتياط في القيام بالشرط المذكور في رواية الحميري من كون الطريق ضيقا فيلزم بالقعود أشرافها على الرأس، و للعامة هنا اختلاف في ذلك وجوبا أو استحبابا أو لإذا و لإذا (3) و اخبارهم فيه مختلفة أيضا.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب الدفن.
(3) في فتح الباري ج 3 ص 117 باب من قام لجنازة يهودي «اختلف أهل العلم فيه فذهب الشافعي إلى انه غير واجب، و ذهب جماعة من الشافعية منهم سليم الرازي إلى كراهته و اختار النووي الاستحباب» و في المحلى لابن حزم ج 5 ص 153 «تستحب القيام للجنازة و لو كان كافرا فان لم يقم فلا حرج» و في المغني ج 2 ص 479 «قال احمد ان قام لم اعبه و ان قعد فلا بأس» و في البحر الرائق ج 2 ص 191 «المختار عدم القيام للجنازة إذا مرت عليه».
89
(الثالثة عشرة) [استحباب النعش للميت]
- صرح جملة من الأصحاب بأنه يستحب النعش، و هو لغة سرير الميت إذا كان عليه سمي بذلك لارتفاعه فإذا لم يكن عليه ميت فهو سرير، و يتأكد للنساء لسترهم، و الأصل فيه الأخبار المروية في عمله لفاطمة (عليها السلام) و منها-
ما رواه في الكافي في الصحيح عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن أول من جعل له النعش؟ فقال فاطمة (عليها السلام)».
و روى في التهذيب عن سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام)
و في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن أول من جعل له النعش؟ قال فاطمة بنت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)».
و عن ابي عبد الرحمن الحذاء عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «أول نعش أحدث في الإسلام نعش فاطمة (عليها السلام) انها اشتكت شكوتها التي قبضت فيها و قالت لأسماء إني نحلت و ذهب لحمي أ لا تجعلين لي شيئا يسترني؟ قالت أسماء إني إذ كنت بأرض الحبشة رأيتهم يصنعون شيئا أ فلا اصنع لك فإن أعجبك صنعت لك؟ قالت نعم. فدعت بسرير فأكبته لوجهه ثم دعت بجرائد فشدته على قوائمه ثم جللته ثوبا فقالت هكذا رأيتهم يصنعون. فقالت اصنعي لي مثله استريني سترك اللّٰه تعالى من النار».
و حديث أسماء مروي أيضا من طرق العامة بروايات عديدة (4) إلا انه
روى الصدوق في العلل عن عمرو بن ابي المقدام و زياد بن عبيد اللّٰه (5) قالا: «اتى رجل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال يرحمك اللّٰه تعالى هل تشيع الجنازة بنار و يمشى معها بمجمرة أو قنديل أو غير ذلك مما يضاء به؟ قال:
فتغير لون ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) من ذلك. ثم ساق الحديث- و هو طويل- فيما جرى بين فاطمة و بين الظالمين الملعونين الى ان قال: فلما نعي إلى فاطمة نفسها أرسلت إلى أم أيمن- و كانت أوثق نسائها عندها و في نفسها- فقالت يا أم أيمن إن نفسي نعيت
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 52 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 52 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 52 من أبواب الدفن.
(4) رواه في المغني ج 2 ص 543 و الاستيعاب ترجمة فاطمة «(عليها السلام)».
(5) ص 73 و في الوسائل في الباب 10 من أبواب الدفن.
90
الي فادعي لي عليا. فدعته لها فلما دخل عليها قالت له يا ابن العم أريد أن أوصيك بأشياء فاحفظها علي. فقال لها قولي ما أحببت قالت له تزوج امامة تكون لولدي بعدي مثلي و اعمل نعشي رأيت الملائكة قد صورته لي. فقال لها: اريني كيف صورته؟ فأرته ذلك كما وصف لها و كما أمرت به. ثم قالت فإذا أنا قضيت نحبي فأخرجني من ساعتك أي ساعة كانت من ليل أو نهار و لا يحضرن من أعداء اللّٰه تعالى و أعداء رسوله للصلاة علي قال علي (عليه السلام) افعل. فلما قضت نحبها (صلى اللّٰه عليها) و هم في جوف الليل أخذ علي في جهازها من ساعته كما أوصته. فلما فرغ من جهازها اخرج علي (عليه السلام) الجنازة و أشعل النار في جريد النخل و مشى مع الجنازة بالنار حتى صلى عليها و دفنها ليلا. الحديث».
و يمكن حمل الخبر الأول على التقية لاشتهار حديث أسماء بين العامة أو ان الملائكة صورت لها ذلك وفق ما ذكرته أسماء. و لم أقف في الاخبار على ما يتعلق بذكر النعش غير هذه الاخبار الدالة على أمر فاطمة (عليها السلام) به لنفسها، و الأصحاب قد فهموا منها العموم للرجال و النساء، و بعضهم خصه بالنساء. قال ابن الجنيد بعد ذكر النعش للنساء: و لا بأس بحمل الصبي على أيدي الرجال و الجنازة على ظهر الدواب. إلا ان الاخبار قد تكاثرت بذكره و انه هو المعمول عليه و المحمول عليه كما ستمر بك ان شاء اللّٰه تعالى.
(الرابعة عشرة) [تقديم الجنازة على الوليمة]
- لو دعي إلى جنازة و وليمة قدم الجنازة ذكره الأصحاب، و عليه تدل
رواية إسماعيل بن ابي زياد عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (1) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) سئل عن رجل يدعى الى وليمة و الى جنازة فأيهما أفضل و أيهما يجيب؟ قال: يجيب الجنازة فإنها تذكر الآخرة و ليدع الوليمة فإنها تذكر الدنيا».
(الخامسة عشرة) [إعلام المؤمنين بموت المؤمن]
- يستحب إعلام المؤمنين بذلك
لما في الكافي في الصحيح
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 34 من أبواب الاحتضار.
91
أو الحسن عن عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «ينبغي لأولياء الميت منكم ان يؤذنوا إخوان الميت بموته فيشهدون جنازته و يصلون عليه و يستغفرون له فيكتب لهم الأجر و يكتب للميت الاستغفار و يكتسب هو الأجر فيهم و فيما اكتسب لميتهم من الاستغفار».
و عن ذريح عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الجنازة يؤذن بها الناس؟ قال نعم».
و عن القاسم بن محمد عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «ان الجنازة يؤذن بها الناس».
أقول: و في ذلك من الفوائد الجليلة: ما يترتب من الثواب الجزيل على السنن الموظفة في التشييع من الحمل و التربيع و الصلاة و التعزية. و ما في ذلك من الاتعاظ و التذكرة لأمور الآخرة و تنبيه القلب القاسي و زجر النفس الامارة، و نحو ذلك، قال الشيخ في الخلاف: لا نص في النداء. و في المعتبر و التذكرة لا بأس به. و قال الجعفي: يكره النعي إلا ان يرسل صاحب المصيبة الى من يختص به. أقول: الظاهر من اخبار المسألة هو استحباب الإعلام بأي وجه اتفق لكن لم يعهد فيما مضى عليه السلف من أصحابنا من الصدر الأول النداء بذلك و لو وقع لنقل و لو كان المراد من هذه الأخبار ذلك لعملوا به، و الظاهر حينئذ انما هو الإرسال إليهم و اعلام الناس بعضهم بعضا بذلك. و اللّٰه العالم.
(الأمر الثاني)- التربيع
، و الواجب الحمل كيف اتفق و أفضله ان يكون في نعش كما تقدم، و حمل النعش جائز كيف اتفق و ليس فيه دنو و لا سقوط مروة كما ربما يتوهم فقد حمل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) جنازة سعد بن معاذ كما رواه الأصحاب و معظم الصحابة و التابعون من غير تناكر لما فيه من البر و الكرامة للميت، و هو وظيفة الرجال لا النساء و ان كان الميت امرأة إلا لضرورة، و أفضله التربيع و هو الحمل بأربعة رجال من جوانبه الأربعة، و أكمله دوران الحامل على الجوانب الأربعة، و فيه فضل
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب صلاة الجنازة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب صلاة الجنازة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب صلاة الجنازة.
92
عظيم و ثواب جسيم،
فروى في الكافي في الصحيح عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «من حمل جنازة من اربع جوانبها غفر اللّٰه له أربعين كبيرة».
و روى في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) من حمل أخاه الميت بجوانب السرير الأربعة محا اللّٰه تعالى عنه أربعين كبيرة من الكبائر».
و روى في الكافي مسندا عن سليمان ابن خالد عن رجل عن الصادق (عليه السلام) و في الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «من أخذ بقائمة السرير غفر اللّٰه تعالى له خمسا و عشرين كبيرة و إذا ربع خرج من الذنوب».
و روى في الفقيه مرسلا (4) قال: قال (عليه السلام) لإسحاق بن عمار: «إذا حملت جوانب السرير سرير الميت خرجت من الذنوب كما ولدتك أمك».
و روى في الكافي عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (5) قال: «السنة ان يحمل السرير من جوانبه الأربع و ما كان بعد ذلك من حمل فهو تطوع».
بقي الكلام في الكيفية التي هي أفضل صور التربيع، و قد اختلف الأصحاب في ذلك. فقيل: السنة ان يبدأ بمقدم السرير الأيمن ثم يمر عليه إلى مؤخره ثم بمؤخر السرير الأيسر و يمر عليه الى مقدمه دور الرحى، ذكر ذلك الشيخ في النهاية و المبسوط و ادعى عليه الإجماع و هو المشهور بين الأصحاب على ما ذكره جملة من المتأخرين، و قال في الخلاف: يحمل بميامنه مقدم السرير الأيسر ثم يدور حوله حتى يرجع الى المقدم.
و أنت خبير بان المراد بميامن السرير و مياسره انما هو بالنسبة إلى المشيع و الماشي خلفه فعلى هذا يكون يمين السرير مما يلي يسار الميت و يساره مما يلي يمين الميت، فعلى القول المشهور ينبغي ان يبدأ أولا و يضع مقدم السرير الأيمن الذي يلي يسار الميت على كتفه الأيسر ثم يدور عليه من خلفه الى ان يأخذ مقدمه الأيسر الذي عليه يمين الميت على كتفه الأيمن، و على تقدير قول الشيخ في الخلاف بعكس ذلك فيبدأ بمقدم السرير الأيسر الذي عليه يمين الميت فيأخذه على كتفه الأيمن ثم يدور من خلفه الى مقدمه الأيمن
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب الدفن.
93
و عبارات الأصحاب لا تخلو هنا من إجمال و اضطراب، قال العلامة (قدس سره) في المنتهى: «التربيع المستحب عندنا ان يبدأ الحامل بمقدم السرير الأيمن ثم يمر معه و يدور من خلفه الى الجانب الأيسر فيأخذ رجله اليسرى و يمر معه الى ان يرجع الى المقدم كذلك دور الرحى، و حاصل ما ذكرناه ان يبدأ فيضع قائمة السرير التي تلي اليد اليمنى للميت فيضعها على كتفه الأيسر ثم ينتقل فيضع القائمة التي تلي رجله اليمنى على كتفه الأيسر ثم ينتقل فيضع القائمة التي تلي رجله اليسرى على كتفه الأيمن ثم ينتقل فيضع القائمة التي تلي يده اليسرى على كتفه الأيمن» و صدر عبارته (قدس سره) و ان كان مجملا إلا ان تفصيله ظاهر في مذهب الشيخ في الخلاف و لكن مقتضاه ان يكون الحامل داخلا بين يدي السرير و رجليه لا بارزا عنه، و هو خلاف المفهوم من كلام الأصحاب، و العجب ان شيخنا الشهيد الثاني في الروض جعل مذهب العلامة في المنتهى موافقا للقول المشهور و الأمر كما ترى. و قال الشهيد في الدروس: «و أفضله التربيع فيحمل اليد اليمنى بالكتف اليمنى ثم الرجل اليمنى كذلك ثم الرجل اليسرى بالكتف اليسرى ثم اليد اليسرى كذلك» انتهى. و هو- كما ترى- ظاهر في مذهب الشيخ في الخلاف، و العجب أن شارحه الفاضل الشيخ الجواد الكاظمي ادعى ان هذا القول هو المشهور و انه قول الشيخ في النهاية و المبسوط الذي ادعى عليه الإجماع، قال (قدس سره): اما استحبابه على الوجه الذي ذكره المصنف فهو المشهور بين الأصحاب و ادعى الشيخ عليه الإجماع في النهاية و المبسوط. و ظاهر الذخيرة اختيار هذا القول و دعوى انه هو المشهور كما ذكره الفاضل المشار اليه بزعم ان كلام الشيخ في النهاية و المبسوط و كذا من تبعه غير ظاهر فيما فهموه فان اعتبار اليمنة و اليسرة للسرير كما يمكن باعتبار المشيعين يمكن باعتبار الميت فينبغي ان يحمل عليه حتى يوافق الروايات و يوافق كلامه في الخلاف.
و كيف كان فالواجب الرجوع إلى النصوص و بيان ما هو المفهوم منها بالعموم
94
أو الخصوص، فمنها-
ما رواه الكليني و الشيخ في الموثق عن الفضل بن يونس (1) قال:
«سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن تربيع الجنازة؟ قال: إذا كنت في موضع تقية فابدأ باليد اليمنى ثم بالرجل اليمنى ثم ارجع من مكانك الى ميامن الميت لا تمر خلف رجليه البتة حتى تستقبل الجنازة فتأخذ يده اليسرى ثم رجله اليسرى ثم ارجع من مكانك لا تمر خلف الجنازة البتة حتى تستقبلها تفعل كما فعلت أولا، و ان لم تكن تتقي فيه فان تربيع الجنازة الذي جرت به السنة ان تبدأ باليد اليمنى ثم بالرجل اليمنى ثم بالرجل اليسرى ثم باليد اليسرى حتى تدور حولها».
و ما رواه في الكافي عن العلاء بن سيابة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «تبدأ في حمل السرير من جانبه الأيمن ثم تمر عليه من خلفه الى الجانب الآخر ثم تمر حتى ترجع الى المقدم كذلك دوران الرحى عليه».
و ما رواه الكليني و الشيخ عن علي ابن يقطين عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (3) قال: «سمعته يقول: السنة في حمل الجنازة ان تستقبل جانب السرير بشقك الأيمن فتلزم الأيسر بكفك الأيمن ثم تمر عليه الى الجانب الآخر و تدور من خلفه الى الجانب الثالث من السرير ثم تمر عليه الى الجانب الرابع مما يلي يسارك».
و ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا عن جامع البزنطي عن ابن ابي يعفور عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «السنة ان تستقبل الجنازة من جانبها الأيمن و هو مما يلي يسارك ثم تصير الى مؤخره و تدور عليه حتى ترجع الى مقدمه».
و ما في الفقه الرضوي (5) حيث قال (عليه السلام): «و ربع الجنازة فإن من ربع جنازة مؤمن حط اللّٰه تعالى عنه خمسا و عشرين كبيرة، فإذا أردت أن تربعها فابدأ بالشق الأيمن فخذه بيمينك ثم تدور إلى المؤخر فتأخذه بيمينك ثم تدور إلى المؤخر الثاني فتأخذه بيسارك ثم تدور الى المقدم الأيسر فتأخذه بيسارك ثم تدور على الجنازة كدور كفى الرحى».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب الدفن.
(5) ص 18.
95
هذا ما وقفت عليه من روايات المسألة، و الكلام فيها اما في رواية الفضل بن يونس فإن الأصحاب قد استدلوا بها على المذهب المشهور، و الذي يظهر عندي انها تدل على قول الشيخ في الخلاف، و ذلك فان الظاهر من اليد اليمنى و اليد اليسرى و الرجل اليمنى و الرجل اليسرى انما هو يد الميت و رجلاه لان ظاهر الخبر ان الابتداء في حال التقية و عدم التقية واحد، و هو ان يبدأ بيد الميت اليمنى التي تلي يسار السرير بالتقريب الذي قدمناه، و لا فرق بينهما الا انه بعد حمل ما يلي يد الميت اليمنى ثم رجله اليمنى فان كان مقام تقية رجع الى ميامن الميت و مر من وجه الجنازة و لا يدور من خلفها حتى يأخذ يد الميت اليسرى التي تلي يمين السرير بيده اليسرى أو على كتفه الأيسر ثم الى الرجل اليسرى و ان لم تكن تقية فإنه يمر خلف الميت. و الظاهر ان الإشارة بدور الرحى في الرواية انما هو للرد على العامة فيما ذكره (عليه السلام) عنهم في هذا الخبر و حينئذ فلا تأييد فيه للقول المشهور كما ذكره جمع من الأصحاب من ان الرحى انما تدور من اليمين إلى اليسار لا بالعكس، فان الظاهر ان الغرض من التشبيه انما هو مجرد الدوران و عدم الرجوع في الأثناء كما تفعله العامة مما نقله (عليه السلام) في الخبر المذكور، و مما يؤكد كون فعل العامة كما نقله (عليه السلام) ما ذكره في كتاب شرح السنة (1) و هو من كتب العامة المشهورة، قال: «حمل الجنازة من الجوانب الأربع فيبدأ بياسرة السرير المتقدمة فيضعها على عاتقه الأيمن ثم بياسرته المؤخرة ثم بيامنته المتقدمة فيضعها على عاتقه
____________
(1) في المغني لابن قدامة ج 2 ص 478 «السنة في حمل الجنازة الأخذ بجوانب السرير الأربع. و صفته أن يبدأ بقائمة السرير اليسرى على يده اليمنى من عند رأس الميت ثم القائمة اليسرى من عند الرجل على الكتف اليمنى ثم يعود إلى القائمة اليمنى من عند رأس الميت فيضعها على كتفه اليسرى ثم ينتقل الى اليمنى من عند رجليه، و بهذا قال أبو حنيفة و الشافعي، و عن احمد انه يدور عليها فيأخذ بعد يأسره المؤخرة يأمنه المؤخرة ثم المقدمة و هو مذهب إسحاق، و روي عن ابن مسعود و ابن عمر و سعيد بن جبير و أيوب».
96
الأيسر ثم بيامنته المؤخرة» انتهى. و هو عين ما ذكره (عليه السلام) و بذلك يظهر صحة ما ذكرنا من ان الخبر من أدلة قول الشيخ في الخلاف لا القول المشهور كما هو مما ذكرناه واضح الظهور. و اما رواية العلاء بن سيابة فهي لا تخلو من إجمال فإن الضمير في «جانبه» يحتمل رجوعه الى «السرير» كما هو الظاهر فيكون الخبر ظاهرا في القول المشهور سيما مع قراءة الأفعال الأربعة على صيغة الخطاب، و يحتمل رجوعه الى الميت فيكون موافقا لقول الشيخ في الخلاف إلا ان الظاهر هو الأول. و اما رواية علي بن يقطين فهي ظاهرة في مذهب الشيخ في الخلاف و حملها على خلافه تعصب و اعتساف.
و اما رواية السرائر فهي ظاهرة في القول المشهور لان جانب الجنازة الأيمن هو الذي يلي يسار الميت. و قوله: «مما يلي يسارك» يعني في حال الحمل لان يمين الجنازة يلي يسار الحامل، و الحديث صحيح باصطلاح المتأخرين لأن الكتاب المأخوذ منه من الأصول المشهورة المأثورة. و صاحبه و كذا المروي عنه و هو ابن ابي يعفور ثقتان جليلان، و بذلك يظهر ما في كلام السيد السند (قدس سره) في المدارك حيث قال بعد ذكر الروايات الثلاث الأولة: و الروايات كلها قاصرة من حيث السند، مع
ان ابن بابويه روى في الصحيح عن الحسين بن سعيد (1): «انه كتب الى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله عن سرير الميت يحمل أ له جانب يبدأ به في الحمل من جوانبه الأربع أو ما خف على الرجل من اي الجوانب شاء؟ فكتب من ايها شاء».
و روى جابر عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «السنة ان يحمل السرير من جوانبه الأربع و ما كان بعد ذلك من حمل فهو تطوع».
انتهى. و فيه زيادة على ما عرفت- و ان كان العذر له ظاهرا في عدم وقوفه على الخبر المذكور- انه لا منافاة بين ما دلت عليه هذه الاخبار و ما دلت عليه الصحيحة المذكورة حتى انه يتمسك بهذه الصحيحة في رد تلك الاخبار لضعفها بزعمه،
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب الدفن.
97
فان الظاهر ان السؤال في الصحيحة المذكورة عن جانب يتعين العمل به و لا يجوز العدول الى غيره فأجابه (عليه السلام) بأنه ليس كذلك بل تتأدى السنة أي سنة التربيع بالابتداء بأي جانب، و لا ينافيه كون الأفضل ان يكون على الكيفية التي تضمنتها هذه الاخبار و ان اختلفت فيها، و يدل على ما ذكرناه قوله (عليه السلام) في الخبر الثاني الذي أورده:
«السنة ان يحمل السرير من جوانبه الأربع و ما كان بعد ذلك من حمل فهو تطوع».
أي زيادة فضل و استحباب و اما رواية كتاب الفقه فهي ظاهرة ايضا في مذهب الشيخ في الخلاف بان يراد بالشق الأيمن يعني يمين الميت و هو يسار السرير كما ينادي به الحمل بيمينه، فان الحمل باليمين مع خروج الحامل عن السرير انما يكون مما يلي يمين الميت و يسار السرير. و كيف كان فالظاهر التخيير بين الصورتين جمعا بين الأخبار المذكورة.
و اما ما تكلفه في الذكرى و مثله في الروض- من إرجاع كلام الشيخ في الخلاف الى ما في النهاية و المبسوط حيث انه ادعى الإجماع على ما ذهب إليه في الكتابين المذكورين، قال في الذكرى- بعد الاستدلال على القول المشهور بروايتي العلاء بن سيابة و الفضل بن يونس- ما صورته: و الشيخ في الخلاف عمل على خبر علي بن يقطين، ثم ساق الخبر ثم قال: و يمكن حمله على التربيع المشهور لان الشيخ ادعى عليه الإجماع و هو في المبسوط و النهاية و باقي الأصحاب على التفسير الأول فكيف يخالف دعواه؟ و لانه قال في الخلاف يدور دور الرحى كما في الرواية و هو لا يتصور إلا على البدأة بمقدم السرير الأيمن و الختم بمقدمه الأيسر و الإضافة هنا قد تتعاكس، و الراوندي حكى كلام النهاية و الخلاف و قال معناهما لا يتغير. انتهى. فلا يخفى ما فيه (اما أولا)- فلما أوضحناه من معنى الأخبار المذكورة و بينا دلالة أكثر روايات المسألة على مذهب الشيخ في الخلاف، و تطبيق أحد القولين على الآخر اعتساف ظاهر و اي اعتساف. و (اما ثانيا)- فان كلام العلامة في المنتهى كما قدمناه و كلامه هو (قدس سره) في الدروس صريحان في مذهب الشيخ
98
في الخلاف. و (اما ثالثا)- فان الاستناد الى دوران الرحى في الرواية لا وجه له بعد ما أوضحناه. و (اما رابعا)- فان استبعاد مخالفة الشيخ لنفسه سيما فيما يدعي عليه الإجماع مما يقضى منه العجب من مثل هذين الفاضلين المحققين، و أي مسألة من مسائل الفقه من أوله الى آخره لم تختلف أقواله فيها و لا فتاواه حتى يستغرب في هذا المقام؟ و كيف لا و هذا القائل اعني شيخنا الشهيد الثاني قد صنف رسالة جمع فيها المسائل التي ادعى فيها الشيخ الإجماع في موضع و ادعى الإجماع على عكسه في موضع آخر و هي تبلغ سبعين مسألة، و كانت الرسالة المذكورة عندي فتلفت في بعض الوقائع التي مرت علي، و بالجملة فما ذكرناه أشهر من ان ينكر.
(الثالث)- ان يحفر له القبر قدر قامة أو الى الترقوة
، صرح به الشيخان و الصدوق في كتابه و جملة من تأخر عنهم من الأصحاب، و الذي وقفت عليه من الاخبار في المقام
ما رواه في الكافي عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (1) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) نهى ان يعمق القبر فوق ثلاثة أذرع».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال:
«حد القبر إلى الترقوة و قال بعضهم إلى الثدي و قال بعضهم قامة الرجل حتى يمد الثوب على رأس من في القبر، و اما اللحد فبقدر ما يمكن فيه الجلوس، قال و لما حضر علي بن الحسين (عليه السلام) الوفاة أغمي عليه فبقي ساعة ثم رفع عنه الثوب ثم قال: الحمد للّٰه الذي أورثنا الجنة نتبوأ منها حيث نشأ فنعم أجر العاملين. ثم قال احفروا لي حتى تبلغوا الرشح قال ثم مد الثوب عليه فمات (عليه السلام)».
و رواه في الكافي عن سهل (3) قال روى أصحابنا: «ان حد القبر إلى الترقوة. الحديث».
و روى في الفقيه مرسلا (4) قال: «قال الصادق (عليه السلام) حد القبر إلى الترقوة و قال بعضهم الى الثديين و قال بعضهم قامة الرجل حتى يمد الثوب على رأس من في القبر، و اما اللحد فيوسع
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الدفن.
99
بقدر ما يمكن الجلوس فيه».
قال في الذكرى بعد نقل مرسلة ابن ابي عمير: «و الظاهر ان هذا من محكي ابن ابي عمير لأن الإمام لا يحكي قول أحد» أقول: يمكن ان يكون قول الامام و يكون حكاية لأقوال العامة و إلا فحمل هذين البعضين القائلين على الشيعة بعيد جدا فإن الشيعة لا يقولون إلا عن الأئمة (عليهم السلام) لأنهم لا يتخذون مذهبا غير مذهب أئمتهم (عليهم السلام) ثم قال في معنى قول زين العابدين (عليه السلام):
«احفروا لي حتى تبلغوا الرشح»
: «يمكن حمله على الثلاثة لأنها قد تبلغ الرشح في البقيع» أقول: و الرشح الندى في أسفل الأرض. أقول: لا يخفى ان النهي عن ان يعمق القبر فوق ثلاثة أذرع لا يجامع استحباب القامة الذي ذكروه، فإن الثلاثة اذرع انما تصل إلى الترقوة فيكون مرجع حديثي الثلاثة و الترقوة إلى أمر واحد، و اما القامة فإنما وردت في حكاية ابن ابي عمير على ما أشار إليه في الذكرى أو النقل عن العامة كما احتملناه، فالأولى الاقتصار على الثلاث كما لا يخفى.
ثم انه قد ذكر جملة من الأصحاب: منهم- المحقق في المعتبر و الشهيد في الذكرى ان اللحد أفضل من الشق في غير الأرض الرخوة، قال في المعتبر: «و يستحب ان يجعل له لحد و معناه ان الحافر إذا انتهى الى أرض القبر حفر مما يلي القبلة حفرا واسعا قدر ما يجلس فيه الجالس، كذا ذكره الشيخان في النهاية و المبسوط و المقنعة و ابن بابويه في كتابه» و قال في الذكرى: اللحد أفضل من الشق عندنا في غير الأرض الرخوة
لما روي عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1): «اللحد لنا و الشق لغيرنا».
و احتج به أيضا في المعتبر، ثم قال: و من طريق الأصحاب ما رواه الحلبي ثم ذكر
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) «ان النبي
____________
(1) رواه الترمذي في سننه على هامش شرحه لابن العربي ج 4 ص 266 و النسائي في سننه ج 1 ص 283 و أبو داود في سننه ج 3 ص 213.
(2) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب الدفن.
100
(صلى اللّٰه عليه و آله) لحد له أبو طلحة الأنصاري».
و هذه الرواية هي دليل الأصحاب على الأفضلية، و اما الرواية الأولى فالظاهر انها عامية كما يشير اليه كلام المعتبر إلا انه
قد ورد أيضا في رواية إسماعيل بن همام عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (1) قال:
«قال أبو جعفر (عليه السلام) حين احتضر إذا أنا مت فاحفروا لي و شقوا لي شقا فان قيل لكم ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لحد له فقد صدقوا».
و في حديث الحلبي (2) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ان ابي كتب في وصيته، الى ان قال و شققنا له الأرض من أجل انه كان بادنا».
و قد تقدم (3) في رواية فقه الرضا نحوه حكاية عنه (عليه السلام)
و في العيون في الصحيح أو الحسن عن ابي الصلت الهروي عن الرضا (عليه السلام) (4) في حديث انه قال: «سيحفر لي في هذا الموضع فتأمرهم أن يحفروا لي سبع مراقي إلى أسفل و ان يشق لي ضريحة فإن أبوا إلا ان يلحدوا فتأمرهم أن يجعلوا اللحد ذراعين و شبرا فان اللّٰه تعالى سيوسعه ما شاء. الحديث».
و رواه في الأمالي. و ظاهر هذه الأخبار انما هو أرجحية الشق على اللحد، و حديث التلحيد لرسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ظهور فيه في الأفضلية لأنه لا يدل على امره (صلى اللّٰه عليه و آله) بذلك و لا أمر أمير المؤمنين (عليه السلام)، و لعل فعله انما هو من حيث كونه أحد الفردين المخير بينهما، و بالجملة فعدول الإمامين (عليهما السلام) عن ذلك و وصيتهما بالشق و جوابهما عن الاحتجاج عليهما فيما اختاراه من الشق بتلحيد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ظاهر المنافاة، و ظاهر حديث الرضا (عليه السلام) يشير الى ان اللحد انما هو من سنن هؤلاء، إلا ان العدول عما عليه اتفاق ظاهر كلام الأصحاب مشكل، قال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل حديث تعليل الشق للباقر (عليه السلام) بكونه بدينا: «انما كان يمنع من اللحد لعدم إمكان توسيع اللحد
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب الدفن.
(3) ص 30.
(4) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب الدفن.
101
بحيث يسع جثته (عليه السلام) لرخاوة أرض المدينة» أقول: لا يخفى ما فيه فإنه لو كان كذلك كيف يلحد لرسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و ليس بين قبر الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و بين البقيع ما يقتضي اختلاف الأرض شدة و رخاوة. و عندي ان هذا التعليل انما خرج مسامحة و مجاراة و إلا فالأصل انما هو أفضلية الشق، ثم قال (قدس سره) في الكتاب المذكور بعد نقل حديث وصية الرضا (عليه السلام): «لعل اختيار الشق هنا لأمر يخصه (عليه السلام) أو يخص ذلك المكان كما ان الحفر سبع مراقي كذلك و يدل على استحباب توسيع اللحد» و اما حديث إسماعيل بن همام فرده في المنتهى بضعف السند. و صرح المحقق في المعتبر بناء على ما اختاره من أفضلية اللحد بأنه لو كانت الأرض رخوة لا تحمل اللحد يعمل له شبه اللحد من بناء تحصيلا للافضلية.
(الرابع) [وضع الجنازة عند الوصول إلى القبر]
- ان يضع الجنازة على الأرض إذا وصل الى القبر مما يلي رجليه و المرأة مما يلي القبلة و أن ينقله في ثلاث دفعات، كذا صرح به الأصحاب.
أقول: اما الحكم الأول فقد نقله في المعتبر عن الشيخ في النهاية و المبسوط و ابن بابويه في كتابه، و قال في المدارك انه لم يقف فيه على نص، قال: و انما علل ذلك بأنه أيسر في فعل ما هو الاولى من إرسال الرجل سابقا برأسه و المرأة عرضا، و اختيار جهة القبلة لشرفها. أقول: ما ذكره من عدم وجود النص في المسألة مسلم بالنسبة إلى المرأة حيث اني بعد التتبع التام لم أقف على ما يدل على ما ذكروه من وضعها مما يلي القبلة بل ظاهر النصوص وضع الجنازة رجلا كان أو امرأة مما يلي الرجلين و من ذلك خبر محمد بن عجلان الأول و مرسلة محمد بن عطية (1) فإن المراد فيهما بأسفل القبر ما يلي الرجلين، و أوضح منهما دلالة ما ورد في عدة اخبار (2)
«ان لكل بيت بابا و ان باب القبر من قبل الرجلين».
و منها-
موثقة عمار (3) و فيها «لكل شيء باب و باب القبر مما يلي الرجلين إذا وضعت الجنازة فضعها مما يلي الرجلين. الخبر».
و هذه الأخبار- كما ترى-
____________
(1) ص 103.
(2) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الدفن.
102
شاملة بإطلاقها للرجل و المرأة، و بذلك يظهر ان ما ذكره في المدارك- من انه لم يقف على نص في وضع الرجل مما يلي الرجلين- ليس في محله بل النصوص- كما ترى- ظاهرة فيه، و يمكن ان يستفاد ما ذكره الأصحاب بالنسبة إلى المرأة أيضا و الفرق بينها و بين الرجل من عبارة
الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (1): «و ان كانت امرأة فخذها بالعرض من قبل اللحد و تأخذ الرجل من قبل رجليه تسله سلا».
فان ظاهر العبارة ان جنازة المرأة توضع من قبل اللحد و اللحد انما يكون في القبلة كما تقدم في عبارة المعتبر و جنازة الرجل تؤخذ من قبل رجلي القبر، و قضية الأخذ من ذلك المكان كون هذا المكان المأخوذ منه هو الذي وضعت فيه الجنازة لما وصلت الى القبر، و بهذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه ايضا، و حينئذ فيجب تخصيص تلك الاخبار بالرجل و به يدفع الإيراد على الأصحاب بعدم وجود المستند لما ذكروه من التفصيل، و قد عرفت نظير ذلك في غير موضع، و مثل عبارة كتاب الفقه المذكورة رواية الأعمش الآتية (2) قريبا ان شاء اللّٰه تعالى، و التقريب فيهما معا واحد.
و اما الحكم الثاني فقد ذكره الصدوق في الفقيه (3) فقال: «و إذا حمل الميت الى قبره فلا يفاجأ به القبر لان للقبر أهوالا عظيمة، و يتعوذ حامله باللّٰه من هول المطلع و يضعه قرب شفير القبر و يصبر عليه هنيئة ثم يقدمه قليلا و يصبر عليه هنيئة ليأخذ أهبته ثم يقدمه الى شفير القبر و يدخله القبر من يأمره ولي الميت ان شاء شفعا و ان شاء وترا، و يقال عند النظر الى القبر: اللهم اجعله روضة من رياض الجنة و لا تجعله حفرة من حفر النار» انتهى. قال في المدارك بعد نقل الثلاث دفعات عن الصدوق في الفقيه و الشيخ في المبسوط و المحقق في المعتبر: و الذي وقفت عليه في هذه المسألة من الروايات
صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «ينبغي ان يوضع الميت دون
____________
(1) ص 18.
(2) ص 105.
(3) ج 1 ص 107.
(4) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب الدفن.
103
القبر هنيئة ثم واره».
و مرسلة محمد بن عطية (1) قال: «إذا أتيت بأخيك إلى القبر فلا تفدحه به ضعه أسفل من القبر بذراعين أو ثلاثة حتى يأخذ أهبته ثم ضعه في لحده.».
و رواية محمد بن عجلان (2) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) لا تفدح ميتك بالقبر لكن ضعه أسفل منه بذراعين أو ثلاثة و دعه حتى يأخذ أهبته».
و لا يخفى انتفاء دلالة هذه الروايات على ما ذكره الأصحاب بل انما تدل على استحباب وضعه دون القبر هنيئة ثم دفنه. و بمضمونها افتى ابن الجنيد و المصنف في المعتبر في آخر كلامه، و هو المعتمد. انتهى.
أقول: و من روايات المسألة مما هو من هذا القبيل
ما رواه ثقة الإسلام عن يونس (3) قال: «حديث سمعته عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) ما ذكرته و انا في بيت إلا ضاق علي، يقول إذا أتيت بالميت الى شفير القبر فأمهله ساعة فإنه يأخذ أهبته للسؤال».
و ما رواه الشيخ عن محمد بن عجلان (4) قال: «سمعت صادقا يصدق على اللّٰه تعالى- يعني أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)- قال: إذا جئت بالميت الى قبره فلا تفدحه بقبره و لكن ضعه دون قبره بذراعين أو ثلاثة أذرع و دعه حتى يتأهب للقبر و لا تفدحه به. الحديث».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما ذكره الصدوق مما قدمنا نقله عنه فإنما أخذه من الفقه الرضوي على النهج الذي عرفت سابقا و ستعرف مثله ان شاء اللّٰه تعالى،
قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (5): «و إذا حملت الميت الى قبره فلا تفاجئ به القبر فان للقبر أهوالا عظيمة و نعوذ باللّٰه من هول المطلع و لكن ضعه دون شفير القبر و اصبر عليه هنيئة ثم قدمه قليلا و اصبر عليه ليأخذ أهبته ثم قدمه الى شفير القبر، و يدخله القبر من يأمره ولي الميت ان شاء شفعا و ان شاء وترا، و قل إذا نظرت الى القبر: اللهم اجعله روضة من رياض الجنة و لا تجعله حفرة من حفر النار».
انتهى. و منه يعلم ان مستند الصدوق في هذا الحكم انما هو الكتاب المذكور و من تأخر عنه أخذ ذلك منه أو من
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب الدفن.
(5) ص 18.
104
الكتاب المذكور، و منه يعلم مستند القول المشهور و ان خفي على الأكثر من أصحابنا المتأخرين و الجمهور لعدم وصول الكتاب إليهم. و قال الصدوق في العلل (1) بعد نقل رواية محمد بن عجلان المتقدمة:
«و روى في حديث آخر: إذا أتيت بالميت القبر فلا تفدح به القبر فان للقبر أهوالا عظيمة و نعوذ باللّٰه من هول المطلع و لكنه ضعه قرب شفير القبر و اصبر عليه هنيئة ثم قدمه قليلا و اصبر عليه ليأخذ أهبته ثم قدمه الى شفير القبر».
انتهى. و الظاهر ان هذه الرواية المرسلة مأخوذة من الكتاب المذكور كما ترى فإن العبارة واحدة. بقي الكلام في الجمع بين هذه الروايات و بين ما ذكره (عليه السلام) في الفقه الرضوي، و الظاهر حمل كلامه (عليه السلام) على مزيد الفضل و الاستحباب فإنه أبلغ في الأهبة و الاستعداد و ان تأدى أصل الحكم بما في تلك الأخبار، قوله (عليه السلام):
«فلا تفجأ به القبر»
قال في المصباح المنير: «فجأت الرجل افجأه مهموز من باب تعب و في لغة بفتحتين: جئته بغتة» و حينئذ يكون المعنى هنا لا تأت بميتك القبر بغتة، و اما على رواية «تفدح به القبر» فقال في القاموس: «فدحه الدين كمنعه: أثقله» و لعل المراد لا تجعل القبر و دخوله ثقيلا على ميتك بإدخاله فيه بغتة، و اما هول المطلع فقال في النهاية: «هول المطلع يريد به الموقف يوم القيامة أو ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت فشبهه بالمطلع الذي يشرف عليه من موضع عال» انتهى قوله:
«و يدخله القبر. الى آخره» فيه دلالة على عدم تعين عدد مخصوص و به قال الأصحاب، قال في المنتهى: «لا توقيت في عدة من ينزل القبر و به قال احمد، و قال الشافعي يستحب ان يكون وترا (2)» و في الخبر المذكور دلالة على ان الاختيار في ذلك للولي، و هو كذلك من غير خلاف يعرف. و اللّٰه العالم.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب الدفن.
(2) كما في المغني ج 2 ص 503 و البحر الرائق ج 2 ص 193 و المهذب ج 1 ص 131.
105
(المطلب الثاني)- في الآداب المقارنة
و هي أمور
(منها)- ان يرسل الميت الى القبر سابقا برأسه ان كان رجلا و المرأة عرضا
، و يدل على ذلك
ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الصمد بن هارون (1) رفع الحديث قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام):
إذا أدخلت الميت القبر ان كان رجلا يسل سلا و المرأة تؤخذ عرضا فإنه أستر».
و عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: «يسل الرجل سلا و تستقبل المرأة استقبالا و يكون اولى الناس بالمرأة في مؤخرها».
و ما رواه الصدوق في الخصال بسنده عن الأعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) في حديث شرائع الدين قال: «و الميت يسل من قبل رجليه سلا و المرأة تؤخذ بالعرض من قبل اللحد و القبور تربع و لا تسم».
و ما ذكره (عليه السلام) في الفقه الرضوي (4) حيث قال:
«و ان كانت امرأة فخذها بالعرض من قبل اللحد و تأخذ الرجل من قبل رجليه تسله سلا».
هذا، و جملة من الاخبار قد تضمنت السل مطلقا: منها-
صحيحة الحلبي أو حسنته عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «إذا أتيت بالميت القبر فسله من قبل رجليه فإذا وضعته في القبر فاقرأ آية الكرسي. الحديث».
و رواية محمد بن مسلم (6) قال: «سألت أحدهما (عليهما السلام) عن الميت؟ فقال تسله من قبل الرجلين و تلزق القبر بالأرض إلا قدر أربع أصابع مفرجات و تربع قبره».
و نحوهما غيرهما ايضا من الاخبار الآتية، و قد ظهر من هذه الاخبار مضافا الى ما قدمناه قريبا ان السنة في الرجل هو وضع جنازته من جهة رجلي القبر و انه ينقل في دفعات ثلاث و انه يسل سلا و يبدأ برأسه، و اما المرأة فإن موضع جنازتها مما يلي القبلة و تؤخذ عرضا و توضع دفعة، و بذلك صرح الأصحاب أيضا كما عرفت، و طريق الجمع حمل إطلاق هذه الاخبار على الاخبار السابقة حمل المطلق على المقيد فلا منافاة.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 38 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 38 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الدفن.
(4) ص 18.
(5) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الدفن.
106
[الأخبار المشتملة على آداب المقارنة]
و منها- ما اشتملت عليه هذه الاخبار التي انا ذاكرها ثم افصل ما اشتملت عليه ذيلها ان شاء اللّٰه تعالى: منها-
ما رواه في الكافي عن ابن ابي يعفور عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «لا ينبغي لأحد ان يدخل القبر في نعلين و لا خفين و لا عمامة و لا رداء و لا قلنسوة».
و عن علي بن يقطين في الصحيح أو الحسن (2) قال: «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول لا تنزل في القبر و عليك العمامة و القلنسوة و لا الحذاء و لا الطيلسان و حل أزرارك و بذلك سنة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) جرت، و ليتعوذ باللّٰه من الشيطان الرجيم و ليقرأ فاتحة الكتاب و المعوذتين و قل هو اللّٰه أحد و آية الكرسي، و ان قدر ان يحسر عن خده و يلصقه بالأرض فليفعل و ليشهد و ليذكر ما يعلم حتى ينتهي الى صاحبه».
و عن ابي بكر الحضرمي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «لا تنزل القبر و عليك العمامة و لا القلنسوة و لا رداء و لا حذاء و حل أزرارك.
قال: قلت و الخف؟ قال لا بأس بالخف في وقت الضرورة و التقية».
و رواه في التهذيب (4) و زاد «و ليجهد في ذلك جهده».
و ما رواه في التهذيب عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (5) قال: «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) دخل القبر و لم يحل أزراره».
و عن سيف بن عميرة عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: «لا تدخل القبر و عليك نعل و لا قلنسوة و لا رداء و لا عمامة. قلت فالخف؟ قال: لا بأس بالخف فان في خلع الخف شناعة».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (7) قال: «إذا أتيت بالميت القبر فسله من قبل رجليه فإذا وضعته في القبر فاقرأ آية الكرسي و قل:
بسم اللّٰه و باللّٰه و في سبيل اللّٰه و على ملة رسول اللّٰه اللهم افسح له في قبره و الحقه بنبيه (صلى اللّٰه عليه و آله) و قل كما قلت في الصلاة عليه مرة واحدة من عند «اللهم ان كان محسنا فزد في إحسانه و ان كان مسيئا فاغفر له و ارحمه و تجاوز عنه» و استغفر له ما استطعت
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب الدفن.
(7) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب الدفن.
107
قال و كان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا أدخل الميت القبر قال: اللهم جاف الأرض عن جنبيه و صاعد عمله و لقه منك رضوانا».
و عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «إذا سللت الميت فقل: بسم اللّٰه و باللّٰه و على ملة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) اللهم الى رحمتك لا الى عذابك. فإذا وضعته في اللحد فضع يدك على اذنه و قل: اللّٰه ربك و الإسلام دينك و محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) نبيك و القرآن كتابك و علي (عليه السلام) امامك».
و رواه في التهذيب ايضا (2) و فيه «فضع فمك على اذنه».
كما في الاخبار الآتية.
و عن محمد بن عجلان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «سله سلا رفيقا فإذا وضعته في لحده فليكن اولى الناس مما يلي رأسه، و ليذكر اسم اللّٰه تعالى و يصل على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و يتعوذ من الشيطان، و ليقرأ فاتحة الكتاب و المعوذتين و قل هو اللّٰه أحد و آية الكرسي، و ان قدر ان يحسر عن خذه و يلزقه بالأرض فعل، و ليشهد و يذكر ما يعلم حتى ينتهي الى صاحبه».
و ما رواه في التهذيب عن محمد بن عجلان (4) قال: «سمعت صادقا يصدق على اللّٰه- يعني أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)- قال إذا أدخلته إلى قبره فليكن اولى الناس به عند رأسه و ليحسر عن خده و ليلصق خده بالأرض. و ليذكر اسم اللّٰه تعالى و ليتعوذ من الشيطان و ليقرأ فاتحة الكتاب و قل هو اللّٰه أحد و المعوذتين و آية الكرسي ثم ليقل ما يعلم، و يسمعه تلقينه: شهادة ان لا إله إلا اللّٰه و ان محمدا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و يذكر له ما يعلم واحدا واحدا».
و عن محفوظ الإسكاف عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «إذا أردت بأن تدفن الميت فليكن اعقل من ينزل في قبره عند رأسه و ليكشف عن خده الأيمن حتى يفضي به الى الأرض و يدنى فمه الى سمعه و يقول اسمع و افهم (ثلاث مرات) اللّٰه ربك و محمد نبيك (صلى اللّٰه عليه و آله) و الإسلام دينك و فلان إمامك اسمع و افهم، و أعدها عليه ثلاث مرات هذا التلقين».
و رواه في الكافي.
و ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح في الأول و الموثق في
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 20 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 20 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 20 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 20 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 20 من أبواب الدفن.
108
الثاني عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «إذا وضع الميت في لحده فقل: بسم اللّٰه و في سبيل اللّٰه و على ملة رسول اللّٰه عبدك و ابن عبدك نزل بك و أنت خير منزول به اللهم افسح له في قبره و الحقه بنبيه اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا و أنت اعلم به منا. فإذا وضعت عليه اللبن فقل: اللهم صل وحدته و آنس وحشته و اسكن إليه من رحمتك رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك. فإذا خرجت من قبره فقل: انا للّٰه و انا إليه راجعون و الحمد للّٰه رب العالمين اللهم ارفع درجته في أعلى عليين و اخلف على عقبه في الغابرين و عندك نحتسبه يا رب العالمين».
و ما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ما أقول إذا دخلت الميت منا قبره؟ قال قل: اللهم هذا عبدك فلان و ابن عبدك قد نزل بك و أنت خير منزول به و قد احتاج الى رحمتك اللهم و لا نعلم منه إلا خيرا و أنت اعلم بسريرته و نحن الشهداء بعلانيته اللهم فجاف الأرض عن جنبيه و لقنه حجته و اجعل هذا اليوم خير يوم اتى عليه و اجعل هذا القبر خير بيت نزل فيه و صيره الى خير مما كان فيه و وسع له في مدخله و آنس وحشته و اغفر ذنبه و لا تحرمنا اجره و لا تضلنا بعده».
و ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح و الموثق عن ابن ابي عمير عن غير واحد من أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «يشق الكفن من عند رأس الميت إذا أدخل قبره».
و عن أبي حمزة (4) قال: «قلت لأحدهما (عليهما السلام) يحل كفن الميت؟ قال: نعم و يبرز وجهه».
و عن ابي بصير (5) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن عقد كفن الميت؟ قال إذا أدخلته القبر فحلها».
و عن إسحاق بن عمار (6) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول إذا نزلت في قبر فقل بسم اللّٰه و باللّٰه و على ملة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم تسل الميت سلا، فإذا وضعته في قبره فحل عقدته و قل: اللهم يا رب
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب الدفن.
109
عبدك ابن عبدك نزل بك و أنت خير منزول به اللهم ان كان محسنا فزد في إحسانه و ان كان مسيئا فتجاوز عنه و ألحقه بنبيه محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و صالح شيعته و اهدنا و إياه إلى صراط مستقيم اللهم عفوك عفوك. ثم تضع يدك اليسرى على عضده الأيسر و تحركه تحريكا شديدا ثم تقول: يا فلان بن فلان إذا سئلت فقل اللّٰه ربي و محمد نبيي و الإسلام ديني و القرآن كتابي و علي امامي حتى تستوفي الأئمة (عليهم السلام) ثم تعيد عليه القول ثم تقول أ فهمت يا فلان؟ قال فإنه يجيب و يقول نعم، ثم تقول ثبتك اللّٰه بالقول الثابت هداك اللّٰه الى صراط مستقيم عرف اللّٰه بينك و بين أوليائك في مستقر من رحمته ثم تقول: اللهم جاف الأرض عن جنبيه و اصعد بروحه إليك و لقه منك برهانا اللهم عفوك عفوك. ثم تضع الطين و اللبن فما دمت تضع اللبن و الطين تقول: اللهم صل وحدته و آنس وحشته و آمن روعته و اسكن إليه من رحمتك رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك فإنما رحمتك للظالمين. ثم تخرج من القبر و تقول: انا للّٰه و انا إليه راجعون اللهم ارفع درجته في أعلى عليين و اخلف على عقبه في الغابرين و عندك نحتسبه يا رب العالمين».
و روى في الكافي عن زرارة (1) «انه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القبر كم يدخله؟ قال ذلك الى الولي ان شاء ادخل وترا و ان شاء شفعا».
و في الفقه الرضوي (2) قال (عليه السلام) «و قل إذا نظرت الى القبر: اللهم اجعلها روضة من رياض الجنة و لا تجعلها حفرة من حفر النيران. فإذا دخلت القبر فاقرأ أم الكتاب و المعوذتين و آية الكرسي، فإذا توسطت المقبرة فاقرأ اللهم التكاثر و اقرأ: «مِنْهٰا خَلَقْنٰاكُمْ وَ فِيهٰا نُعِيدُكُمْ وَ مِنْهٰا نُخْرِجُكُمْ تٰارَةً أُخْرىٰ» (3) و إذا تناولت الميت فقل بسم اللّٰه و باللّٰه و في سبيل اللّٰه و على ملة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم ضعه في لحده على يمينه مستقبل القبلة و حل عقد كفنه وضع خده على التراب و قل: اللهم جاف الأرض عن جنبيه و صعد إليك روحه و لقه منك رضوانا.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب الدفن.
(2) ص 18.
(3) سورة طه الآية 56.
110
ثم تدخل يدك اليمنى تحت منكبه الأيمن و تضع يدك اليسرى على منكبه الأيسر و تحركه تحريكا شديدا و تقول: يا فلان بن فلان اللّٰه ربك و محمد نبيك و الإسلام دينك و علي وليك و امامك، و تسمي الأئمة واحدا واحدا الى آخرهم (عليهم السلام) ثم تعيد عليه التلقين مرة أخرى، فإذا وضعت عليه اللبن فقل: اللهم آنس وحشته وصل وحدته برحمتك اللهم عبدك ابن عبدك ابن أمتك نزل بساحتك و أنت خير منزول به اللهم ان كان محسنا فزد في إحسانه و ان كان مسيئا فتجاوز عنه و اغفر له انك أنت الغفور الرحيم».
و هذه العبارة نقلها في الفقيه متفرقة فبعض منها نقله عن أبيه في رسالته اليه و بعض منها ذكره هو مفتيا به كما عرفت من عادته و عادة أبيه في غير موضع.
أقول: يستفاد من هذه الاخبار عدة أحكام
[ما يستحب في الملحد من الهيئة]
(منها)- انه يستحب للملحد و هو الولي أو من يأذن له شفعا أو وترا- كما تقدم الدليل عليه- ان يكون مكشوف الرأس محلول الأزرار حافيا إلا لضرورة أو تقية، و ابن الجنيد أطلق نفي البأس عن الخفين، و الأظهر تقييده كما دلت عليه هذه الاخبار، داعيا هو و غيره من المشيعين عند معاينة القبر
بقوله: اللهم اجعلها روضة من رياض الجنة كما تقدم من كتاب الفقه،.
و عند تناول الميت: بسم اللّٰه و باللّٰه الى آخر ما في رواية أبي بصير.
المتقدمة (1)
أو بسم اللّٰه و في سبيل اللّٰه و على ملة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كما في كتاب الفقه (2).
، و عند وضعه في اللحد: بسم اللّٰه و باللّٰه الى آخر ما في رواية الحلبي.
أو ما تضمنته رواية محمد بن مسلم أو موثقة سماعة (3) قارئا بعد وضعه في اللحد السور المذكورة في الاخبار و آية الكرسي، كاشفا عن وجهه مفضيا بخده الأيمن إلى الأرض، و الاولى حل عقد الكفن كما اشتملت عليه روايات أبي حمزة و ابي بصير و إسحاق بن عمار و عبارة كتاب الفقه (4) دون شقه كما اشتملت عليه مرسلة ابن ابي عمير المتقدمة (5) و مثلها
ما رواه
____________
(1) ص 107.
(2) ص 109.
(3) ص 106 و 108.
(4) ص 108 و 109.
(5) ص 108.
111
في التهذيب في الصحيح عن حفص بن البختري عن الصادق (عليه السلام) (1) قال:
«يشق الكفن إذا أدخل الميت في قبره من عند رأسه».
قال في المعتبر بعد ذكر هذه الرواية: «و هذه الرواية مخالفة لما عليه الأصحاب و لان ذلك إفساد للمال على وجه غير مشروع، الى ان قال: و الصواب الاقتصار على حل عقده» قال في الذكرى بعد نقل كلام المعتبر: «قلت: يمكن ان يراد بالشق الفتح ليبدو وجهه فان الكفن كان منضما فلا مخالفة و لا إفساد» انتهى. و هو في مقام الجمع غير بعيد. ملقنا له الشهادتين و أسماء الأئمة (عليهم السلام) الى ان يبلغ الى صاحب العصر (عليه السلام).
و ما ذكره في كتاب الفقه الرضوي- من انه يدخل يده اليمنى تحت منكب الميت الأيمن.
إلخ- غريب لم يوجد في غيره، نعم ذكره في الفقيه و الظاهر انه مأخوذ من الكتاب المذكور إلا انه ذكره في كلام طويل في ذيل رواية سالم بن مكرم الآتية، و قد توهم جمع انه من الرواية المذكورة و الظاهر بعده. و هذا التلقين هو التلقين الثاني و بعضهم جعله ثالثا باعتبار استحباب التلقين عند التكفين. و لم أقف على مستنده.
و منها- ان يجعل له وسادة من تراب و يجعل خلف ظهره مدرة
و شبهها لئلا يستلقي
رواه الصدوق في الفقيه (2) عن سالم بن مكرم عن الصادق (عليه السلام) قال: «يجعل له وسادة من تراب و يجعل خلف ظهره مدرة لئلا يستلقي».
و للصدوق في الفقيه بعد هذه الرواية كلام طويل أكثره مأخوذ من الفقه الرضوي، و صاحب الوافي و كذا صاحب الوسائل أضافاه إلى الرواية المذكورة، و الظاهر عدمه كما استظهره ايضا شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار.
و منها- وضع التربة الحسينية [معه]
على مشرفها أفضل الصلاة و السلام و التحية معه، و هذا الحكم مشهور في كلام المتقدمين و لكن مستنده خفي على المتأخرين و متأخريهم، قال في المدارك و قبله الشهيد في الذكرى و العلامة و غيرهما: «ذكر ذلك الشيخان و لم نقف لهما على مأخذ
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الدفن.
112
سوى التبرك بها و لعله كاف في ذلك، و اختلف قولهما في موضع جعلها فقال المفيد في المقنعة توضع تحت خده. و قال الشيخ تلقاء وجهه، و قيل في كفنه، قال في المختلف:
و الكل عندي جائز لأن التبرك موجود في الجميع،
و نقل «ان امرأة قذفها القبر مرارا لأنها كانت تزني و تحرق أولادها و ان أمها أخبرت الصادق (عليه السلام) بذلك فقال انها كانت تعذب خلق اللّٰه بعذاب اللّٰه تعالى اجعلوا معها شيئا من تربة الحسين (عليه السلام) فاستقرت» (1).
قال الشيخ نجيب الدين في درسه: يصلح ان يكون هذا متمسكا.
حكاه في الذكرى و لا يخفى ما فيه» انتهى ما ذكره في المدارك، و بنحوه صرح من تقدمه.
أقول: العجب من استمرار الغفلة عن دليل هذه المسألة من المتأخرين حتى من مثل السيد المشار اليه و انما استندوا في ذلك الى هذه الحكاية أو الى قضية التبرك مع انه قد
روى الشيخ في أبواب المزار من التهذيب في الصحيح عن محمد بن عبد اللّٰه بن جعفر الحميري (2) قال: «كتبت الى الفقيه اسأله عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره هل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب و قرأت التوقيع و منه نسخت: يوضع مع الميت في قبره و يخلط بحنوطه ان شاء اللّٰه تعالى» و رواه في الاحتجاج عن محمد بن عبد اللّٰه عن أبيه عن صاحب الزمان (عليه السلام).
و روى الشيخ في المصباح عن جعفر بن عيسى (3) «انه سمع أبا الحسن (عليه السلام) يقول ما على أحدكم إذا دفن الميت و وسده التراب ان يضع مقابل وجهه لبنة من الطين؟ و لا يضعها تحت رأسه».
و المراد بالطين في الخبرين هو تربة الحسين (عليه السلام) و لعل اختيار هذه العبارة المجملة لنوع من التقية أو لشيوع هذا الإطلاق يومئذ و معلومية المراد منه، و الشيخ قد فهم من الرواية الأخيرة ذلك فنظمها في جملة أخبار تربة الحسين (عليه السلام) التي ذكرها في الكتاب المشار اليه.
و في الفقه الرضوي (4) «و يجعل معه في أكفانه شيء من طين القبر و تربة الحسين (عليه السلام)».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب التكفين.
(2) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب التكفين.
(3) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب التكفين.
(4) ص 20.
113
و العطف فيها تفسيري كما لا يخفى. و أنت خبير بأن رواية المصباح قد تضمنت تعيين موضع التربة بأنه مقابل وجهه و هو دليل ما تقدم نقله عن الشيخ، و الأفضل مع ذلك ان تخلط بحنوطه كما دلت عليه الرواية الاولى و ان تجعل في أكفانه كما في كتاب الفقه، و بذلك يصدق الوضع معه في قبره كما دلت عليه الرواية الاولى.
[من ينزل مع الميت في القبر]
و منها- انه ان كان الميت امرأة فالأفضل نزول الزوج في قبرها أو المحارم و ان كان رجلا فالأفضل الأجانب، ذكر ذلك شيخنا الشهيد في الذكرى.
اما الحكم الأول فيدل عليه
ما رواه في الكافي عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) مضت السنة من رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان المرأة لا يدخل قبرها إلا من كان يراها في حياتها».
و عن إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «الزوج أحق بامرأته حتى يضعها في قبرها».
و قال في الفقه الرضوي (3): «فإذا أدخلت المرأة القبر وقف زوجها من موضع ينال وركها».
و في حديث زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) قال: «يكون اولى الناس بالمرأة في مؤخرها».
قال في الذكرى: الزوج اولى من المحرم بالمرأة لما تقدم في الصلاة و لو تعذر فامرأة صالحة ثم أجنبي صالح و ان كان شيخا فهو اولى، قاله في التذكرة.
و اما الحكم الثاني فالروايات لا تساعد عليه على إطلاقه، و الذي وقفت عليه من الأخبار في المسألة
ما رواه في الكافي عن عبد اللّٰه بن راشد عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «الرجل ينزل في قبر والده و لا ينزل الوالد في قبر ولده».
و في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البختري و غيره عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: «يكره للرجل ان ينزل في قبر ولده».
و ما رواه في التهذيب
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب الدفن.
(3) ص 18.
(4) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب الدفن.
114
عن عبد اللّٰه بن محمد بن خالد عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «الوالد لا ينزل في قبر ولده و الولد ينزل في قبر والده».
و نحو ذلك في خبرين آخرين عن عبد اللّٰه بن راشد (2) و مورد هذه الاخبار كلها انما هو كراهة نزول الأب في قبر ابنه دون العكس، و لعل السر فيه انه لا يؤمن على الأب ان يجزع على ابنه حين يكشف عن وجهه و يوضع خده على التراب بخلاف الابن فإنه ليس بهذه المثابة، و حينئذ فتعدية الحكم الى غير الأب مشكل. نعم قد ورد في الدفن و إهالة التراب عليه- كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى- ما يدل على الكراهية من ذي الرحم مطلقا و هو مشعر بالكراهة فيما نحن فيه، إلا ان ظاهر الأصحاب الاتفاق على الحكم المذكور، و تأولوا الروايات المذكورة بزيادة الكراهة في جانب الأب في دخول قبر ابنه و ان كان العكس ايضا مكروها.
و منها- تغطية قبر المرأة حال الدفن
، و قيل بذلك في الرجل ايضا، و بالأول صرح المفيد و ابن الجنيد و اليه مال في المعتبر، و بالثاني قال الشيخ في الخلاف و جمع ممن تأخر عنه بل الظاهر انه المشهور، قال في المختلف: «قال الشيخ في الخلاف إذا نزل الميت القبر يستحب ان يغطى القبر بثوب، و استدل بالإجماع على جوازه و بالاحتياط على استعماله.
و قال ابن إدريس ما وقفت لأحد من أصحابنا في هذه المسألة على مسطور فأحكيه عنه، و الأصل براءة الذمة من واجب أو ندب، و هذا مذهب الشافعي و لا حاجة بنا الى موافقته على ما لا دليل عليه، قال و قد يوجد في بعض نسخ أحكام النساء للشيخ المفيد ان المرأة يجلل قبرها عند دفنها بثوب و الرجل لا يمد عليه ثوب فان كان ورد ذلك فلا نعديه الى قبر الرجل فليلحظ ذلك. و قال ابن الجنيد و ان كانت امرأة مد على القبر ثوبا و لم يرفعه الى ان يغيبها باللبن. و كل من القولين عندي جائز و ان كان الستر في قبر المرأة أولى لما فيه من الستر لها
و لما رواه جعفر بن سويد من بني جعفر بن كلاب (3) قال:
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 50 من أبواب الدفن.
115
«سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول يغشى قبر المرأة بثوب و لا يغشى قبر الرجل، و قد مد على قبر سعد بن معاذ ثوب و النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) شاهد و لم ينكر ذلك».
فإنكار ابن إدريس لا معنى له، و لانه يخشى حدوث أمر من الميت من تغير بعض أعضائه أو أمر منكر فاستحب الستر لقبره عند دفنه طلبا لاخفاء حاله» انتهى.
أقول: قوله
«و قد مد على قبر سعد بن معاذ ثوب.
الى آخر الخبر» يحتمل ان يكون من أصل الخبر كما نقله المحدثان في الوافي و الوسائل، و لا يبعد أن يكون ذلك من كلام الشيخ في التهذيب فإضافة المحدثان المذكوران إلى أصل الخبر فان هذه العبارة بكلام الشيخ انسب. و نقل في الذكرى الاحتجاج على ما ذهب اليه المفيد و ابن الجنيد قال:
و لما روي (1) «ان عليا (عليه السلام) مر بقوم دفنوا ميتا و بسطوا على قبره الثوب فجذبه و قال انما يصنع هذا بالنساء».
و لم أقف عليه فيما حضرني من كتب الأخبار و كيف كان فالظاهر الاقتصار في هذا الحكم على النساء للخبرين المذكورين.
و منها- الوضوء للملحد
، قال في الذكرى: «قال الفاضلان يستحب ان يكون متطهرا
لقول الصادق (عليه السلام): «توضأ إذا أدخلت الميت القبر».
أقول هذه الرواية قد رواها
الشيخ في الموثق عن عبيد اللّٰه الحلبي و محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (2) في حديث قال: «توضأ إذا أدخلت الميت القبر».
و في الفقه الرضوي (3) قال: «تتوضأ إذا أدخلت الميت القبر».
إلا انه
روى في الكافي في الصحيح عن محمد ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «قلت: الرجل يغمض عين الميت عليه غسل؟ قال إذا مسه بحرارته فلا و لكن إذا مسه بعد ما يبرد فليغتسل، و ساق الحديث
____________
(1) رواه في كنز العمال ج 8 ص 119 رقم الحديث 2212 و استشهد به ابن قدامة في المغني ج 2 ص 501.
(2) رواه في الوسائل في الباب 53 من أبواب الدفن.
(3) ص 20.
(4) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب غسل مس الميت.
116
الى ان قال: قلت له فمن حمله عليه غسل؟ قال: لا. قلت فمن ادخله القبر عليه وضوء؟
قال: لا إلا ان يتوضأ من تراب القبر ان شاء».
قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار في شرح حديث الفقه الرضوي: قوله (عليه السلام): «يتوضأ» لعل المراد بالتوضؤ غسل اليد كما روي الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم ثم ذكر الرواية كما ذكرناه، ثم قال: فان الظاهر منه ايضا ان المراد انه يغسل يده مما أصابها من تراب القبر و اما الحمل على التيمم بتراب القبر فلا يخلو من بعد إذ إطلاق الوضوء على التيمم غير مأنوس، و ايضا فلا ثمرة للتخصيص بتراب القبر.
أقول: هنا شيئان: (أحدهما) الوضوء لأجل إدخال الميت قبره بمعنى انه يستحب ان يكون الملحد على طهارة كما نقل عن الفاضلين المذكورين، و حينئذ فالمراد
بقوله (عليه السلام) في موثقة الحلبي و محمد بن مسلم: «توضأ إذا أدخلت الميت القبر».
أي إذا أردت إدخاله، و كذا قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه، و هذا التجوز في التعبير شائع في الكتاب العزيز و السنة النبوية كقوله عز و جل: «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا. الآية» (1) و قوله: «فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ مِنَ الشَّيْطٰانِ.» (2)
و (ثانيهما) الوضوء بمعنى الغسل عما يلاقيه من بدن الميت أو ثيابه أو نحو ذلك، و هذا هو المسؤول عنه في صحيحة محمد بن مسلم على الظاهر فإن السؤالات المذكورة فيها عن الغسل في تلك المواضع المذكورة فيها مبنية على توهم تعدى نجاسة الميت في تلك الصورة فنفي (عليه السلام) فيها ما نفي و اثبت ما اثبت و من جملتها السؤال عمن ادخله القبر هل عليه الوضوء- يعني غسل يده بسبب إدخاله القبر- أم لا؟ فأجاب (عليه السلام) بأنه لا يوجب وضوء يعني غسلا إلا ان يريد ان يغسل يده من تراب القبر للتنظيف ان شاء.
و بذلك يظهر ان تأويل شيخنا المشار إليه لرواية كتاب الفقه بالحمل على الغسل استنادا الى ما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم- و كذلك جمع صاحب الوسائل بين موثقة الحلبي
____________
(1) سورة المائدة. الآية 8.
(2) سورة النحل. الآية 99.
117
و محمد بن مسلم و بين صحيحة محمد بن مسلم بحمل الوضوء في الموثقة المذكورة على الاستحباب و نفيه في الصحيحة المشار إليها على نفي الوجوب بقرينة قوله «عليه» و هو لا ينافي الاستحباب- ليس في محله، فان مورد إحداهما غير مورد الأخرى كما أوضحناه و العجب من شيخنا المشار إليه في ارتكابه التأويل في عبارة كتاب الفقه مع وجود القائل باستحباب الوضوء و وجود الرواية الدالة عليه كما عرفت، و كأنه لم يخطر بباله ذلك يومئذ. و اللّٰه العالم.
و منها- فرش القبر بالساج مع الضرورة و الكراهة مع عدمها
، و يدل عليه
ما رواه في الكافي عن علي بن محمد القاساني (1) قال: «كتب علي بن بلال الى ابي الحسن (عليه السلام): انه ربما مات الميت عندنا و تكون الأرض ندية فيفرش القبر بالساج أو يطبق عليه فهل يجوز ذلك؟ فكتب: ذلك جائز».
و روى في الفقيه مرسلا (2) قال: «و قد روى عن ابي الحسن الثالث (عليه السلام) إطلاق في ان يفرش القبر بالساج و يطبق على الميت الساج».
و الشيخ قد روى الحديث (3) مضمرا و لم يصرح بابي الحسن (عليه السلام) و من ثم قال في الذكرى بعد نقل الرواية من طريق الشيخ: «و الظاهر ان المسؤول الامام مع الاعتضاد بفتوى الأصحاب» و كأنه غفل عن الرواية بطريق الشيخين الآخرين فإنهما صرحا- كما ترى- به. قيل: و تطبيق الساج عليه جعله حواليه كأنه وضع في تابوت. أقول: و الساج خشب معروف و الطيلسان الأخضر كما في الصحاح و غيره و المراد هنا الأول، قال في الوافي بعد نقل رواية الصدوق:
و أريد بالإطلاق الجواز فلا ينافي تقييد الحديث بالأرض الندية مع ان هذا القيد ليس إلا في السؤال. قال في الذكرى: اما وضع الفرش عليه و المخدة فلا نص فيه، نعم روى ابن عباس من طريقهم (4) انه جعل في قبر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قطيفة حمراء،
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الدفن.
(4) كما في صحيح مسلم ج 1 ص 356 و سنن البيهقي ج 3 ص 408.
118
و الترك أولى لأنه إتلاف للمال فيتوقف على اذن الشارع و لم يثبت، ثم نقل عن ابن الجنيد انه لا بأس بالوطاء في القبر و اطباق اللحد بالساج. أقول اما رواية وضع القطيفة في قبره (صلى اللّٰه عليه و آله) فقد ذكرها
في الكافي و رواها بسنده عن يحيى بن ابي العلاء عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «القى شقران مولى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) في قبره القطيفة».
و بذلك يظهر انها غير مختصة برواياتهم كما ذكره، و قد تقدم أيضا
في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «البرد لا يلف به و لكن يطرح عليه طرحا فإذا أدخل القبر وضع تحت خده و تحت جنبه».
و هو مؤيد لحديث القطيفة، و الحمل على ضرورة نداوة الأرض و نحوها بعيد، على ان قيد كون الأرض ندية في مكاتبة علي بن بلال انما هو في كلام السائل و هو لا يوجب تقييد عموم الجواب، و كيف كان فالظاهر حمل ذلك على الجواز و ان كان الأفضل الإفضاء به الى الأرض لأنه أبلغ في التذلل و الخضوع و رجاء الرحمة و المغفرة في تلك الحال الضيقة المجال، إلا ان
صاحب دعائم الإسلام روى عن علي (عليه السلام) (3) «انه فرش في لحد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قطيفة لأن الموضع كان نديا سبخا».
و فيه تأييد لمن قيد ذلك بالنداوة.
و منها- الخروج من قبل رجلي القبر
، فروى في الكافي عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «من دخل القبر فلا يخرج إلا من قبل الرجلين».
و عن سهل رفعه (5) قال: قال «يدخل الرجل القبر من حيث شاء و لا يخرج إلا من قبل رجليه».
قال في الكافي: و في رواية أخرى (6) «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب التكفين.
(3) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 27 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الدفن.
119
ان لكل بيت بابا و ان باب القبر من قبل الرجلين».
و روى في التهذيب عن جبير بن نقير الحضرمي (1) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان لكل بيت بابا و باب القبر من قبل الرجلين».
و عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «لكل شيء باب و باب القبر مما يلي الرجلين فإذا وضعت الجنازة فضعها مما يلي الرجلين و يخرج الميت مما يلي الرجلين.».
و فرق ابن الجنيد بين الرجل و المرأة فوافق في الرجل و قال في المرأة يخرج من عند رأسها لإنزالها عرضا و للبعد عن العورة. و الاخبار- كما ترى- مطلقة. أقول: ظاهر هذه الأخبار باعتبار ضم بعضها الى بعض ان الداخل للقبر يدخل من أي جهة شاء و ان الخروج لا يكون إلا من قبل الرجلين، و ظاهر العلامة في المنتهى استحباب الدخول ايضا من قبل الرجلين حيث قال: يستحب له ان يخرج من قبل الرجلين لانه قد استحب الدخول منه فكذا الخروج، و لقوله (عليه السلام) (3):
«باب القبر من جهة الرجلين».
و لم أقف على ذلك في كلام غيره، و لعله لم يطلع على خبر السكوني و مرفوعة سهل المتقدمين أو غفل عنهما يومئذ و إلا فالثاني منهما صريح و الأول ظاهر في ان الدخول من أي جهة شاء.
و منها- تشريج اللحد باللبن و الطين
و هو بناؤه و تنضيده على وجه يمنع دخول التراب اليه، و الدعاء في تلك الحال،
روى الصدوق في العلل بسنده عن عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «اتى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقيل له ان سعد بن معاذ قد مات فقام رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و قام أصحابه معه فأمر بغسل سعد و هو قائم على عضادة الباب فلما ان حنط و كفن و حمل على سريره تبعه رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) بلا حذاء و لا رداء ثم كان يأخذ يمنة السرير مرة و يسرة السرير مرة حتى انتهى به الى القبر فنزل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) حتى
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 60 من أبواب الدفن.
120
لحده و سوى اللبن عليه و جعل يقول ناولني حجرا ناولني ترابا رطبا، يسد به ما بين اللبن فلما ان فرغ و حثا التراب عليه و سوى قبره قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) اني لا علم انه سيبلى و يصل اليه البلى و لكن اللّٰه عز و جل يحب عبدا إذا عمل عملا فأحكمه. الحديث».
و في الكافي في الصحيح عن ابان بن تغلب (1) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول جعل علي (عليه السلام) على قبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) طينا فقلت أ رأيت ان جعل الرجل عليه آجرا هل يضر الميت؟ قال: لا».
و قد تقدم
في رواية إسحاق بن عمار (2) «ثم تضع الطين و اللبن فما دمت تضع اللبن و الطين تقول اللهم صل وحدته. الدعاء».
و قد تقدم في عبارة
كتاب الفقه «فإذا وضعت عليه اللبن فقل: اللهم آنس وحشته. الدعاء».
و قد تقدم (3) قال في المنتهى: «إذا وضعه في اللحد شرج عليه اللبن لئلا يصل التراب اليه و لا نعلم فيه خلافا، و يقوم مقام اللبن مساوية في المنع من تعدى التراب اليه كالحجر و القصب و الخشب إلا ان اللبن اولى من ذلك كله لانه المنقول عن السلف و المعروف في الاستعمال، و ينبغي ان يسد الخلل بالطين لأنه أبلغ في المنع و روى ما يقاربه الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار» (4) انتهى.
و منها- ان يهال عليه التراب و يطم القبر
إذا فرغ من تشريج اللبن و لا يطرح فيه من تراب غيره داعيا بالمأثور،
روى في الكافي في الصحيح عن داود بن النعمان (5) قال: «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: «ما شاء اللّٰه لا ما شاء الناس» فلما انتهى الى القبر تنحى فجلس فلما ادخل الميت لحده قام فحثا عليه التراب ثلاث مرات بيده».
و عن عمر بن أذينة في الصحيح (6) قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب الدفن.
(3) ص 110.
(4) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 29 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 29 من أبواب الدفن.
121
يطرح التراب على الميت فيمسكه ساعة في يده ثم يطرحه و لا يزيد على ثلاثة أكف، قال فسألته عن ذلك فقال يا عمر كنت أقول: «إيمانا بك و تصديقا ببعثك هذا ما وعدنا اللّٰه و رسوله. الى قوله و تسليما» هكذا كان يفعل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و به جرت السنة».
و عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (1) قال:
«إذا حثوت التراب على الميت فقل «ايمانا بك و تصديقا ببعثك هذا ما وعدنا اللّٰه و رسوله» قال و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) سمعت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يقول من حثا على ميت و قال هذا القول أعطاه اللّٰه تعالى بكل ذرة حسنة».
و عن محمد بن مسلم (2) قال: «كنت مع ابي جعفر (عليه السلام) في جنازة رجل من أصحابنا فلما ان دفنوه قام الى قبره فحثا عليه مما يلي رأسه ثلاثا بكفه ثم بسط كفه على القبر ثم قال:
اللهم جاف الأرض عن جنبيه و اصعد إليك روحه و لقه منك رضوانا و اسكن قبره من رحمتك ما تغنيه به عن رحمة من سواك. ثم مضى».
و روى الشيخ عن محمد بن الأصبغ عن بعض أصحابنا (3) قال: «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) و هو في جنازة فحثا التراب على القبر بظهر كفيه».
و في الفقه الرضوي (4) «ثم احث التراب عليه بظهر كفيك ثلاث مرات و قل: «اللهم ايمانا بك و تصديقا بكتابك هٰذٰا مٰا وَعَدَنَا اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ» فإنه من فعل ذلك و قال هذه الكلمة كتب اللّٰه له بكل ذرة حسنة».
و يستفاد من الخبرين الأخيرين كون الإهالة بظهر الكفين و به صرح جملة من الأصحاب أيضا، و ظاهر الاخبار الأخر كونها ببطن الكفين و لا سيما صحيحة عمر بن أذينة المتضمنة لأنه (عليه السلام) كان يمسكه في يده ساعة، و الظاهر التخيير جمعا. ثم ان ظاهر الاخبار المذكورة ان الثلاث أقل المراتب المستحبة.
و اما ما يدل على كراهية الدفن بغير تراب القبر فهو
ما رواه في الفقيه مرسلا (5)
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 29 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 29 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 29 من أبواب الدفن.
(4) ص 18.
(5) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب الدفن.
122
قال: «قال الصادق (عليه السلام) كل ما جعل على القبر من غير تراب القبر فهو ثقل على الميت».
و عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (1) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) نهى ان يزاد على القبر تراب لم يخرج منه».
و عن ابن الجنيد لا يزاد من غير ترابه وقت الدفن و لا بأس بذلك بعد الدفن.
و يكره إهالة ذي الرحم
لما في الكافي في الموثق عن عبيد بن زرارة (2) قال:
«مات لبعض أصحاب ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) ولد فحضر أبو عبد اللّٰه فلما الحد تقدم أبوه فطرح عليه التراب فأخذ أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) بكفيه و قال لا تطرح عليه التراب و من كان منه ذا رحم فلا يطرح عليه التراب فان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) نهى ان يطرح الوالد أو ذو رحم على ميته التراب، فقلنا يا ابن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أ تنهانا عن هذا وحده؟ فقال انها كم من ان تطرحوا التراب على ذوي أرحامكم فإن ذلك يورث القسوة في القلب و من قسا قلبه بعد من ربه».
قال في الوافي: «عن هذا وحده اي عن هذا الميت وحده ان نطرح عليه التراب أو عن طرح التراب وحده دون سائر ما يتعلق بالتجهيز فأجاب (عليه السلام) بالتعميم في الأول و التخصيص في الثاني فصار جوابا لكلا السؤالين أراد السائل ما أراد» انتهى.
(المطلب الثالث)- في الآداب المتأخرة
، و منها- ان يكون القبر مربعا مسطحا [و أن يرشه بالماء]
، و ان يرفع عن الأرض قدر أربع أصابع مفرجات كما في بعض الأخبار أو مضمومات كما في آخر، و في بعضها قدر شبر و هو يؤيد الأول، و من ذلك اختلفت كلمة الأصحاب أيضا فالمفيد (قدس سره) أربع أصابع مفرجات لا أزيد من ذلك، و ابن ابي عقيل مضمومات، و ابن زهرة و ابن البراج خيرا بين أربع أصابع مفرجات و بين شبر، و ان يرشه بالماء.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الدفن.
123
و مما يدل على استحباب التربيع
ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم (1) قال:
«سألت أحدهما (عليهما السلام) عن الميت؟ فقال يسل من قبل الرجلين و يلزق القبر بالأرض إلا قدر أربع أصابع مفرجات و يربع قبره».
إلا ان في الكافي روى هذه الرواية (2) و فيها بعد قوله «مفرجات» «ترفع قبره»
و ما تقدم في خبر الأعمش (3) من قوله (عليه السلام): «. و القبور تربع و لا تسنم».
و ما رواه في العلل عن الحسين بن الوليد عمن ذكره عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «قلت لأي علة يربع القبر؟
قال لعلة البيت لانه نزل مربعا».
و أما التسطيح فقال في الذكرى: «و ليكن مسطحا بإجماعنا نقله الشيخ، لان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) سطح قبر ابنه إبراهيم (5)
و قال القاسم بن محمد:
«رأيت قبر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و القبرين عنده مسطحة لا مشرفة و لا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء» (6).
و لان التربيع يدل على التسطيح، و لان قبور المهاجرين و الأنصار بالمدينة مسطحة (7) و هو يدل على انه أمر متعارف، و احتج الشيخ أيضا في الخلاف
بما رواه أبو الهياج (8) قال: «قال علي (عليه السلام) أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ترى قبرا مشرفا إلا سويته و لا تمثالا إلا طمسته».
و فيه أيضا دلالة على عدم رفعه كثيرا، و في خبر زرارة و جابر عن الباقر (عليه السلام) (9) «و سوى قبره» «و سوى عليه» دليل على التسطيح» انتهى. أقول: الظاهر ان
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب الدفن.
(5) كما في الأم للشافعي ج 1 ص 242.
(6) كما في سنن ابى داود ج 3 ص 215.
(7) كما في الأم للشافعي ج 1 ص 242.
(8) كما في صحيح مسلم ج 1 ص 357 و سنن ابى داود ج 3 ص 215 رقم 3218.
(9) الأول جملة من خبر زرارة و الثاني من خبر جابر، و قد روى الأول في الوسائل في الباب 33 و الثاني في الباب 35 من أبواب الدفن.
124
التسطيح لما كان مجمعا عليه بين الإمامية (نور اللّٰه تعالى مراقدهم) حتى ان جمعا من العامة صرحوا بنسبته إليهم و عدلوا عنه مراغمة لهم كما في المنتهى (1) و أوضحناه بما لا مزيد عليه في سلاسل الحديد، و الشيخ و من تبعه لم يقفوا عليه في نصوص أهل البيت (عليهم السلام) تكلفوا له بهذه الأدلة التي لفقها شيخنا المشار اليه هنا، و الأصل فيها بعد الإجماع المذكور انما هو ما ذكره (عليه السلام)
في الفقه الرضوي حيث قال «و السنة ان القبر يرفع أربع أصابع مفرجة من الأرض و ان كان أكثر فلا بأس و يكون مسطحا لا مسنما».
انتهى. و الظاهر ان علي بن بابويه ذكر ذلك في الرسالة على الطريقة المعهودة آنفا و تبعه الجماعة في ذلك كما عرفت في غير موضع مما تقدم و يأتي ان شاء اللّٰه تعالى، و الظاهر ان المراد من قوله (عليه السلام): «و ان كان أكثر» أي إلى شبر كما ورد مما سيأتي ذكره في المقام ان شاء اللّٰه تعالى.
و اما رفعه عن الأرض بالقدر المذكور من الاختلاف فيه فالذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بذلك ما
في رواية محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «. و يرفع القبر فوق الأرض أربع أصابع».
و موثقة سماعة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال:
____________
(1) في الوجيز للغزالى ج 1 ص 47 «التسنيم أفضل من التسطيح مخالفة لشعار الروافض» و في كتاب رحمة الأمة على هامش الميزان للشعرانى ج 1 ص 88 «ان السنة تسطيح القبور و لما صار شعار الرافضة كان الاولى مخالفتهم الى التسنيم» و في المهذب للشيرازي ج 1 ص 27 «قال أبو على الطبري في زماننا يسنم القبر لان التسطيح من شعار الرافضة. و لا يصح لأن السنة قد صحت فيه فلا يعتبر بموافقة الرافضة» و في المنهاج للنووي ص 25 «الصحيح ان تسطيح القبر اولى من تسنيمه» و في الأم للشافعي ج 1 ص 242 «و يسطح القبر فإن النبي (ص) سطح قبر ابنه إبراهيم و كانت مقبرة المهاجرين و الأنصار مسطحا قبورها و وضع الحصباء عليها و لا تثبت الحصباء الا على قبر مسطح» و في مسند الشافعي على هامش الام ج 6 ص 266 و شرح المنهاج لابن حجر ج 1 ص 560 مثله.
(2) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الدفن.
(3) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الدفن.
125
«. و يرفع قبره من الأرض أربع أصابع مضمومة و ينضح عليه الماء و يخلى عنه».
و رواية إبراهيم بن علي عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (1) «ان قبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) رفع شبرا من الأرض و ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أمر برش القبور».
و رواية محمد بن مسلم المتقدمة و فيها «أربع أصابع مفرجات».
و رواية عقبة بن بشير عن مولانا الباقر (عليه السلام) (2) قال: «قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلي: يا علي ادفني في هذا المكان و ارفع قبري من الأرض أربع أصابع و رش عليه الماء».
و صحيحة حماد ابن عثمان أو حسنته عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «ان ابي قال لي ذات يوم في مرضه إذا أنا مت فغسلني و كفني و ارفع قبري أربع أصابع و رشه بالماء.».
و رواية الحلبي (4) في حديث قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ان ابي أمرني ان ارفع القبر من الأرض أربع أصابع مفرجات و ذكر ان رش القبر بالماء حسن».
و صحيحة الحلبي و محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «أمرني ابي ان أجعل ارتفاع قبره أربع أصابع مفرجات و ذكر ان الرش بالماء حسن. الحديث».
و قد تقدمت عبارة كتاب الفقه و فيها «أربع أصابع مفرجة» و حمل في الذكرى اختلاف الاخبار على التخيير، و هو جيد، ثم قال و لما كان المقصود من رفع القبر ان يعرف ليزار و يحترم كان مسمى الرفع كافيا.
و اما الرش فقد عرفته مما دلت عليه الاخبار المذكورة، بقي الكلام في كيفيته و الأفضل فيها
ما ورد في رواية موسى بن أكيل- بضم الهمزة و فتح الكاف- النميري عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: «السنة في رش الماء على القبر ان يستقبل القبلة و يبدأ من عند الرأس إلى عند الرجل ثم يدور على القبر من الجانب الآخر ثم يرش على وسط القبر فكذلك السنة».
و قال مولانا الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (7) «فإذا استوى قبره فصب عليه ماء و تجعل القبر امامك و أنت مستقبل القبلة و تبدأ
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الدفن.
(2) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الدفن.
(3) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الدفن.
(4) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الدفن.
(5) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الدفن.
(6) المروية في الوسائل في الباب 32 من أبواب الدفن.
(7) ص 18.
126
بصب الماء من عند رأسه و تدور به على القبر من اربع جوانب القبر حتى ترجع إلى الرأس من غير ان تقطع الماء فان فضل من الماء شيء فصبه على وسط القبر».
و بهذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه من غير اسناد الى أحد.
و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (1) «في رش الماء على القبر؟ قال يتجافى عنه العذاب ما دام الندى في التراب».
و منها- ان يضع يده على القبر بعد ذلك مستقبل القبلة داعيا بالمأثور
، روى في الكافي في الصحيح عن زرارة (2) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا فرغت من القبر فانضحه ثم ضع يدك عند رأسه و تغمز كفك عليه بعد النضح».
و قد تقدم
في رواية محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: «ثم بسط كفه على القبر ثم قال: اللهم جاف الأرض عن جنبيه. الى آخر الدعاء».
و في كتاب الفقه الرضوي (4) على اثر العبارة المتقدمة في الرش «ثم ضع يدك على القبر و أنت مستقبل القبلة و قل:
اللهم ارحم غربته و صل وحدته و آنس وحشته و آمن روعته و أفض عليه من رحمتك و اسكن إليه من برد عفوك و سعة غفرانك و رحمتك رحمة يستغني بها عن رحمة من سواك و احشره مع من كان يتولاه. و متى ما زرت قبره فادع له بهذا الدعاء و أنت مستقبل القبلة و يداك على القبر».
و روى في التهذيب عن إسحاق بن عمار (5) قال: «قلت لأبي الحسن الأول (عليه السلام) ان أصحابنا يصنعون شيئا: إذا حضروا الجنازة و دفن الميت لم يرجعوا حتى يمسحوا أيديهم على القبر أ فسنة ذلك أم بدعة؟ فقال ذلك واجب على من لم يحضر الصلاة عليه».
و عن محمد بن إسحاق (6) قال: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) شيء يصنعه الناس عندنا: يضعون أيديهم على القبر إذا دفن الميت؟
قال انما ذلك لمن لم يدرك الصلاة عليه فاما من أدرك الصلاة عليه فلا».
و في الكافي
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 32 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 32 من أبواب الدفن.
(3) ص 121.
(4) ص 18.
(5) رواه في الوسائل في الباب 33 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 33 من أبواب الدفن.
127
في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يصنع بمن مات من بني هاشم خاصة شيئا لا يصنعه بأحد من المسلمين كان إذا صلى على الهاشمي و نضح قبره بالماء وضع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كفه على القبر حتى ترى أصابعه في الطين فكان الغريب يقدم أو المسافر من أهل المدينة فيرى القبر الجديد عليه اثر كف رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فيقول من مات من آل محمد؟».
و عن عبد الرحمن بن ابي عبد اللّٰه (2) قال: «سألته عن وضع الرجل يده على القبر ما هو و لم يصنع؟ فقال صنعه رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) على ابنه بعد النضح. قال و سألته كيف أضع يدي على قبور المسلمين. فأشار بيده الى الأرض و وضعها عليها ثم رفعها و هو مقابل القبلة».
قال شيخنا في الذكرى بعد إيراد خبر زرارة الثاني و محمد بن إسحاق: «و ليس في هاتين مخالفة للأول لأن الوجوب على من لم يحضر الصلاة لا ينافي الاستحباب لغيره، و المراد به انه يستحب مؤكدا لغير الحاضر للصلاة عليه و لهذا لم يذكر الوجوب في الخبر الآخر فهو و ان كان مستحبا للحاضر لكنه غير مؤكد. و اخبار الراوي عن عمل الأصحاب حجة في نفسه و تقرير الامام (عليه السلام) يؤكده، و فعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) حجة فليتأس به و تخصيص بني هاشم لكرامتهم عليه» انتهى. و هو جيد. إلا انه
نقل شيخنا المجلسي في البحار عن العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم قال: «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان إذا مات رجل من أهل بيته يرش قبره و يضع يده على قبره ليعرف انه قبر العلوية و بني هاشم من آل محمد فصارت بدعة في الناس كلهم و لا يجوز ذلك».
و هو غريب، و العجب ان شيخنا المشار اليه نقله و لم ينبه على ما فيه، و الظاهر ان حكمه بالبدعية لما يفعله الناس و عدم جواز ذلك ناشىء عن فهمه من الخبر الاختصاص و غفل عن ملاحظة باقي أخبار المسألة الدالة على العموم كما لا يخفى.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 33 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 33 من أبواب الدفن.
128
أقول: و المستفاد من هذه الاخبار ان السنة تتأدى بمجرد وضع اليد على القبر و ان الدعاء مع ذلك أبلغ في الفضل و كذلك استقبال القبلة، و سنن الوضع المذكور لم تجتمع في خبر من هذه الأخبار إلا خبر كتاب الفقه، و الظاهر انه هو مستند المتقدمين فيما ذكروه من هذه السنن الثلاث حسبما ذكرنا في أمثال هذا المقام.
و منها- التلقين
و هو التلقين الثالث و لا خلاف فيه بين أصحابنا، و أنكره الفقهاء الأربعة مع وروده في رواياتهم (1) و الأصل فيه عندنا
ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّٰه مراقدهم) عن يحيى بن عبد اللّٰه (2) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول ما على أهل الميت منكم ان يدرأوا عن ميتهم لقاء منكر و نكير؟ قلت كيف يصنع؟ قال إذا أفرد الميت فليتخلف عنده اولى الناس به فيضع فمه عند رأسه ثم ينادي بأعلى صوته: يا فلان بن فلان أو يا فلانة بنت فلان هل أنت على العهد الذي فارقتنا عليه من شهادة ان لا إله إلا اللّٰه و حده لا شريك له و ان محمدا عبده و رسوله سيد النبيين و ان عليا أمير المؤمنين و سيد الوصيين و ان ما جاء به محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) حق و ان الموت حق و ان البعث حق و ان اللّٰه يبعث من في القبور؟ قال فيقول منكر لنكير انصرف بنا عن هذا فقد لقن حجته».
و روى في التهذيب عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: «ما على أحدكم إذا دفن ميته و سوى عليه و انصرف عن قبره ان يتخلف عند قبره ثم يقول: يا فلان بن فلان أنت على العهد الذي عهدناك به من شهادة ان لا إله إلا اللّٰه و ان محمدا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و ان عليا أمير المؤمنين (عليه السلام) امامك و فلان و فلان حتى يأتي على آخرهم (عليهم السلام)؟ فإنه إذا فعل ذلك قال أحد الملكين لصاحبه قد كفينا الوصول اليه و مسألتنا إياه فإنه قد
____________
(1) كما في كنز العمال ج 8 ص 120 رقم 2231 و مجمع الزوائد لابن حجر ج 3 ص 45 و منتقى الاخبار متن نيل الأوطار ج 3 ص 77 و المغني لابن قدامة ج 2 ص 506.
(2) رواه في الوسائل في الباب 35 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 35 من أبواب الدفن.
129
لقن حجته فينصرفان عنه و لا يدخلان عليه».
و في الفقه الرضوي (1) «و يستحب ان يتخلف عند رأسه أولى الناس به بعد انصراف الناس عنه و يقبض على التراب بكفيه و يلقنه برفيع صوته فإنه إذا فعل ذلك كفى المسألة في قبره».
و قد روى هذه العبارة بأدنى تغيير الصدوق في العلل بسنده عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه رفعه الى الصادق (عليه السلام) (2) قال: «ينبغي ان يتخلف عند قبر الميت اولى الناس به بعد انصراف الناس عنه و يقبض على التراب بكفيه و يلقنه و يرفع صوته فإذا فعل ذلك كفى الميت المسألة في قبره».
فوائد:
(الأولى)
- قال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل هذا الخبر الأخير:
«لا يبعد ان يكون اشتراط انصراف الناس و وضع الفم عند الرأس- كما ورد في اخبار أخر- للتقية، و الأولى مراعاة ذلك كله».
(الثانية)
- ظاهر الاخبار المذكورة اختصاص التلقين بالولي، و قد عرفت معناه فيما تقدم من انه اولى الناس بميراثه كما هو المشهور، و ظاهر كلام الأصحاب انه الولي أو من يأذن له الولي، و حينئذ فتجوز الاستنابة فيه، و ادعى في الذكرى الإجماع عليه و هل يعتبر اذن الولي في ذلك؟ ظاهر العلامة في المنتهى العدم، و كأنه يحمل التخصيص في الاخبار على الأولوية، و الظاهر بعده كما تقدمت الإشارة اليه. و قال ابن البراج انه مع التقية يقول ذلك سرا. و هو جيد.
(الثالثة)
- لم يتعرض الشيخان و لا الفاضلان لكيفية وقوف الملقن، و قال ابن إدريس انه يستقبل القبلة و القبر، و قال أبو الصلاح و ابن البراج و الشيخ يحيى بن سعيد يستدبر القبلة و القبر امامه. و لم أقف فيما وصل إلينا من الأخبار على ما يقتضي شيئا مما ذكره هؤلاء الفضلاء من الأمرين المذكورين، و قال في الذكرى: «و كلاهما جائز لإطلاق الخبر الشامل لذلك و لمطلق النداء عند الرأس على اي وضع كان المنادي» و هو جيد.
____________
(1) ص 18.
(2) رواه في الوسائل في الباب 35 من أبواب الدفن.
130
(الرابعة)
- هل يستحب تلقين الأطفال و نحوهم؟ ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض ذلك حيث قال: «و لا فرق في هذا الحكم بين الصغير و الكبير كما في الجريدتين لإطلاق الخبر، و لا ينافيه التعليل بدفع العذاب كما في عموم كراهة المشمس و ان كان ضرره انما يتولد على وجه مخصوص، و اقامة لشعائر الإيمان» انتهى.
أقول: مرجع كلامه (قدس سره) الى ان علل الشرع ليست عللا حقيقة يدور المعلول مدارها وجودا و عدما و انما هي أسباب معرفات أو لبيان وجه المصلحة و الحكمة فلا يجب اطرادها. و هو جيد كما أوضحناه في غير موضع مما تقدم. و قال في الذكرى:
«و اما الطفل فالتعليل يشعر بعدم تلقينه، و يمكن ان يقال يلقن اقامة للشعار و خصوصا المميز كما في الجريدتين».
في تجصيص القبور و البناء عليها
و منها- انه قد صرح جملة من الأصحاب بكراهة تجصيص القبور و البناء عليها بل ظاهر التذكرة دعوى الإجماع عليه، قال الشيخ في النهاية: يكره تجصيص القبور و تظليلها. و في المبسوط تجصيص القبر و البناء عليه في المواضع المباحة مكروه إجماعا. و قال ابن الجنيد: و لا أحب ان يقصص و لا يجصص لان ذلك زينة و لا بأس بالبناء عليه و ضرب الفسطاط لصونه و من يزوره. و ظاهره تخصيص الكراهة بالتجصيص دون البناء، و الأصل في هذا الحكم
ما رواه في التهذيب في الموثق عن علي بن جعفر (1) قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن البناء على القبر و الجلوس عليه هل يصلح؟ قال لا يصلح البناء عليه و لا الجلوس و لا تجصيصه و لا تطيينه».
و عن جراح المدائني عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «لا تبنوا على القبور و لا تصوروا سقوف البيوت فان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كره ذلك».
و عن يونس بن ظبيان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «نهى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يصلى على قبر أو يقعد عليه أو يبنى عليه».
و رواه الصدوق في المقنع مرسلا. و في حديث
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 44 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 44 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 44 من أبواب الدفن.
131
المناهي المذكور في آخر كتاب الفقيه (1)
«و نهى ان تجصص القبور».
و روى في معاني الأخبار بسند رفعه في آخره إلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) «انه نهى عن تقصيص القبور».
قال و هو التجصيص. و ما دلت عليه هذه الاخبار من النهي عن البناء و التجصيص ظاهر في رد ما ذكره ابن الجنيد من تخصيص الكراهة بالتجصيص و ان البناء عليه لا بأس به.
و هل كراهة التجصيص مخصوص بما بعد الاندراس أو ما هو أعم من الابتداء و بعد الاندراس؟ قال في المدارك: و إطلاق النص و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في كراهة التجصيص بين وقوعه ابتداء أو بعد الاندراس، و قال الشيخ لا بأس بالتجصيص ابتداء و انما المكروه إعادتها بعد اندراسها
لما روى (3) من «ان الكاظم (عليه السلام) أمر بعض مواليه بتجصيص قبر ابنة له ماتت يفيد و هو قاصد إلى المدينة و كتابة اسمها على لوح و جعله في القبر».
أقول: ما ذكره من الجمع بين الاخبار- من الجواز ابتداء عملا بهذه الرواية و حمل الأخبار المتقدمة على ما بعد الاندراس- ليس ببعيد في مقام الجمع. و احتمل بعض مشايخنا من متأخري المتأخرين حمل تلك الاخبار على تجصيص بطن القبر و هذه على ظاهره. و جمع في المعتبر بين الاخبار بحمل الرواية المذكورة على الجواز و الروايات الأخر على الكراهة مطلقا. و في المنتهى حمل رواية الكاظم (عليه السلام) على التطيين دون التجصيص بناء على جواز التطيين التفاتا إلى إشعار
رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «لا تطينوا القبر من غير طينه».
فان فيه إشعارا بالرخصة في التطيين. و يمكن ان يقال باختصاصهم (عليهم السلام) و أولادهم بجواز التجصيص
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 44 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 44 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 37 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب الدفن.
132
و البناء على القبور كما قال في المدارك.
و المراد بالبناء على القبر المنهي عنه في هذه الاخبار هو ان يتخذ عليه بيت أو قبة كما ذكره في المنتهى، قال لأن في ذلك تضييقا على الناس و منعا لهم عن الدفن، ثم قال: و هذا مختص بالمواضع المباحة المسبلة أما الأملاك فلا.
و كيف كان فيستثنى من ذلك قبور الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) لإطباق الناس على البناء على قبورهم (عليهم السلام) من غير نكير و استفاضة الروايات بالترغيب في ذلك بل لا يبعد استثناء قبور العلماء و الصلحاء ايضا استضعافا لخبر المنع و التفاتا الى ان في ذلك تعظيما لشعائر الإسلام و تحصيلا لكثير من المصالح الدينية كما لا يخفى، صرح بذلك السيد في المدارك، و هو جيد.
تنبيه [حول حديث من جدد قبرا]
روى الشيخ في التهذيب بسنده عن الأصبغ بن نباتة (1) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) و في الفقيه مرسلا قال: «قال أمير المؤمنين من جدد قبرا أو مثل مثلا فقد خرج من الإسلام».
قال في الفقيه: «اختلف مشايخنا في هذا الحديث فقال محمد بن الحسن الصفار هو «جدد» بالجيم لا غير. و كان شيخنا محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد (رضي اللّٰه عنه) يحكى عنه انه قال لا يجوز تجديد القبر و تطيين جميعه بعد مرور الأيام عليه و بعد ما طين في الأول و لكن إذا مات ميت و طين قبره فجائز أن يرم سائر القبور من غير ان تجدد. و ذكر عن سعد بن عبد اللّٰه (رحمه اللّٰه) انه كان يقول انما هو «من حدد قبرا» بالحاء المهملة غير المعجمة يعني به من سنم قبرا. و ذكر عن احمد بن ابي عبد اللّٰه البرقي انه قال انما هو «من جدث قبرا» و تفسير الحدث القبر فلا يدرى ما عني به. و الذي اذهب اليه أنه «جدد» بالجيم و معناه نبش قبرا لان من نبش قبرا فقد
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 43 من أبواب الدفن.
133
جدده و أحوج إلى تجديده و قد جعله جدثا محفورا، و أقول ان التجديد على المعنى الذي ذهب اليه محمد بن الحسن الصفار و التحديد بالحاء غير المعجمة الذي ذهب اليه سعد بن عبد اللّٰه و الذي قاله البرقي من انه جدث كله داخل في معنى الحديث و ان من خالف الإمام في التجديد و التسنيم و النبش و استحل شيئا من ذلك فقد خرج من الإسلام.
و الذي أقوله في قوله (عليه السلام):
«من مثل مثالا»
انه يعني به من أبدع بدعة و دعا إليها أو وضع دينا فقد خرج من الإسلام، و قولي في ذلك «قول أئمتي (عليهم السلام) فإن أصبت فمن اللّٰه على ألسنتهم و ان أخطأت فمن عند نفسي» انتهى كلامه.
و قال الشيخ (رحمه اللّٰه) في التهذيب بعد ذكر هذا الاختلاف في معنى قول البرقي: «و يمكن ان يكون المعنى في هذه الرواية- يعني رواية «الحدث»- ان يجعل القبر دفعة اخرى قبرا لإنسان آخر لان الحدث هو القبر فيجوز ان يكون الفعل مأخوذا منه قال و كان شيخنا محمد بن محمد بن النعمان (رحمه اللّٰه) يقول ان الخبر بالخاء و الدالين و ذلك مأخوذ من قوله تعالى «قُتِلَ أَصْحٰابُ الْأُخْدُودِ» (1) و الخد هو الشق يقال خددت الأرض خدا اي شققتها شقا، و على هذه الرواية يكون النهي يتناول شق القبر اما ليدفن فيه أو على جهة النبش على ما ذهب اليه محمد بن علي يعني الصدوق، قال و كل ما ذكرناه من الروايات و المعاني محتمل و اللّٰه اعلم بالمراد و الذي صدر عنه الخبر».
قال في المدارك بعد نقل ملخص كلام الصدوق: هذا كلامه (رحمه اللّٰه) و فيه نظر من وجوه، و لقد أحسن المصنف في المعتبر حيث قال: «و هذا الخبر قد رواه محمد بن سنان عن ابي الجارود عن الأصبغ عن نباتة عن علي (عليه السلام) و محمد بن سنان ضعيف و كذا أبو الجارود فاذن الرواية ساقطة فلا ضرورة إلى التشاغل بتحقيق متنها» انتهى ما ذكره في المعتبر.
و قد اعترضه في الذكرى بان اشتغال هؤلاء الأفاضل بتحقيق هذه اللفظة مؤذن
____________
(1) سورة البروج. الآية 4.
134
بصحة الحديث عندهم و ان كان طريقة ضعيفا كما في أحاديث كثيرة اشتهرت و علم موردها و ان ضعف سندها، فلا يرد ما ذكره في المعتبر من ضعف محمد بن سنان و ابي الجارود، على انه ورد نحوه من طريق ابي الهياج و قد نقله الشيخ في الخلاف و هو من صحاح العامة، و هو يعطي صحة الرواية بالحاء المهملة لدلالة الاشراف و التسوية عليه، و يعطي ان المثال هنا هو التمثال هناك، و قد ورد في النهي عن التصوير و ازالة التصاوير أخبار مشهورة، اما الخروج من الإسلام بهذين فاما على طريقة المبالغة زجرا عن الاقتحام على ذلك و اما لانه فعل ذلك مخالفة للإمام (عليه السلام) انتهى.
و قال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل كلام الذكرى: «و لا يخفى ان مجرد بحث هؤلاء العلماء عن تحقيق لفظ الخبر لا يدل على قبولهم إياه و تصحيحهم له لجواز ان كل واحد منهم يذكر ما وصل اليه من الطريق الذي ينسب اليه و ان كان في الطريق خلل، نعم فيه اشعار ما بذلك لكن مجرد ذلك لا يكفي في صحة الاستدلال به» انتهى.
و فيه نظر، و ذلك (اما أولا) فإن تضعيف الحديث بهذا الاصطلاح المحدث في تنويع الاخبار الى الأربعة المشهورة انما حدث من عصر المحقق و من تأخر عنه و إلا فالأخبار عند المتقدمين كلها محكوم عليها بالصحة إلا ما نبهوا عليه و ظهر لهم ضعفه من جهة أخرى. و (اما ثانيا) فان ما ذكره من ان اشتغالهم بتحقيق هذا اللفظ لا يدل على قبول الخبر ضعيف، لانه لو لم يكن كذلك كان جاريا مجرى العبث الذي لا فائدة فيه بالمرة و ينجر الأمر إلى أمثال ذلك مما بحثوا فيه من الاخبار و اختلفوا فيه من الآثار و هو مما لا يلتزمه محصل، و بالجملة فكلام شيخنا الشهيد هو الأقرب.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور بين الأصحاب- كما عرفت- كراهة التجديد بعد الاندراس و قد استدلوا بهذا الخبر على ذلك و هو غير بعيد و ان أشعر ظاهره بالتحريم فإنه لا يخفى على من له أنس بالاخبار انهم (عليهم السلام) كثيرا ما يردفون المكروهات
135
بما يكاد يلحقها بالمحرمات تأكيدا في الزجر عنها و المستحبات بما يكاد يدخلها في حيز الواجبات حثا على القيام بها، و الظاهر ان الحامل للصدوق بعد اختياره رواية التجديد بالجيم على تفسيره بالنبش هو ترتب الخروج من الإسلام على ذلك مع عدم حرمة التجديد بالمعنى المتبادر فلا يصح ترتب الخروج من الإسلام عليه. و فيه ما عرفت.
ثم لا يخفى ان كلامه (قدس سره) في هذا المقام لا يخلو من نظر من وجوه:
(منها)- ان تفسيره التجديد بالنبش بعيد غاية البعد من ظاهر اللفظ و لا قرينة تؤذن بالحمل عليه في المقام فإرادته من هذا اللفظ انما هو من قبيل المعميات و الألغاز.
و (منها)- ان استلزام النبش للتجديد لا يتم كليا بل قد يكون للتخريب. و (منها)- ان كلامه هذا مبني على تحريم النبش و هو محل كلام كما سيأتي بيانه ان شاء اللّٰه تعالى قريبا.
و (منها)- ان حكمه بالخروج من الإسلام في مخالفة الإمام في التجديد و النبش و التسنيم غير مستقيم، فإنه (عليه السلام) انما رتب الخروج من الإسلام على أمر واحد لكن هؤلاء الأجلاء قد اختلفوا فيه باعتبار اختلافهم في رواية الخبر، فالمرتب عليه أمر واحد لكنه باعتبار هذا الاختلاف غير معلوم على التعيين بل هو دائر بين هذه الأفراد المذكورة فكيف يصح ترتبه على الجميع؟ اللهم إلا ان يريد باعتبار ثبوت تحريم هذه الأشياء بأدلة من خارج. و فيه مع الإغماض عن المناقشة في هذه الدعوى انه لا خصوصية لهذه الأشياء المعدودة تستوجب الافراد بالذكر، إذ كل من فعل فعلا غير مشروع و اعتقد استحلاله فإنه مشروع مبدع. و كيف كان فاختلاف هؤلاء الأجلاء في هذه اللفظة مما يضعف الاعتماد على الخبر بأي معنى اعتبر. و (منها)- قوله في
«من مثل مثالا»
بعد تفسيره له بما ذكره:
ان أصبت فمن اللّٰه و ان أخطأت فمن نفسي.
فإن فيه انه قد روى في معاني الأخبار عنهم (عليهم السلام) تفسير هذا اللفظ في حديث آخر بما ذكره هنا
حيث انه روى في الكتاب المذكور بسنده فيه عن النهيكي بإسناد رفعه الى
136
الصادق (عليه السلام) (1) قال: «من مثل مثالا أو اقتنى كلبا فقد خرج من الإسلام فقلت هلك إذا كثير من الناس؟ فقال انما عنيت بقولي من مثل مثالا من نصب دينا غير دين اللّٰه تعالى و دعا الناس اليه، و بقولي من اقتنى كلبا مبغضا لأهل البيت (عليهم السلام) اقتناه فأطعمه و أسقاه، من فعل ذلك فقد خرج عن الإسلام».
و حينئذ فلا وجه لهذا الترديد هنا بين كون تفسيره صوابا أو خطأ. اللهم إلا ان يكون مراده بالنسبة الى هذا الحديث، و فيه ما فيه فإنه متى ورد تفسير هذا اللفظ عنهم (عليهم السلام) بمعنى من المعاني فإنه يجب الحمل على ذلك حيثما وجد ذلك اللفظ متى كان المقام لا يأباه كما هو القاعدة الجارية في سائر الألفاظ، نعم يمكن حمله على الغفلة عن الخبر المذكور.
و لم أقف لمن تعرض للكلام على كلامه (قدس سره) في المقام سوى ما أشار إليه السيد في المدارك من قوله: «و فيه نظر من وجوه» و لم يبين شيئا من تلك الوجوه.
بقي هنا شيء ينبغي التنبيه عليه و هو ان الظاهر ان مراده بقوله: «قولي في ذلك قول أئمتي. إلخ» اني لا أقول بالرأي في ذلك و انما قولي فيه قول أئمتي (عليهم السلام) بناء على ما فهمته من كلامهم و ادى اليه نظري، فإن طابق فهمي ما هو مرادهم- و هو الحكم الواقعي الذي هو الحق و الصواب- فهو من توفيق اللّٰه عز و جل لي بواسطتهم حيث اني ناقل عنهم و تابع لهم، و ان أخطأت و لم يطابق فهمي مرادهم فالخطأ مني لا منهم (عليهم السلام) فإنهم قالوا ما هو الحق و لكن لم يصل فهمي اليه فالخطأ من عند نفسي.
و ما ذكره في هذا المقام مشترك بينه و بين جملة العلماء الاعلام في استنباط الأحكام من اخبارهم (عليهم السلام) لا كما زعمه بعض المحققين من كون هذا فرقا بين المجتهدين و الأخباريين اشارة منه الى ان المجتهدين انما يقولون بالرأي، فإنه مما لا ينبغي ان يلتفت اليه و لا يعول في مقام التحقيق عليه لاستلزامه الطعن في أجله العلماء الاعلام بل تفسيقهم كما لا يخفى على ذوي الأفهام. نعم يبقى الكلام في انه هل يعاقب على مثل هذا الخطأ أم لا؟
____________
(1) ص 56 باب 159.
137
ظاهر كلامه (قدس سره)- و هو الذي حققناه في جملة من زبرنا و لا سيما كتاب الدرر النجفية- هو العدم، و ربما يفهم من بعضهم العقاب كما هو ظاهر المحدث الأسترآبادي في الفوائد المدنية أو استحقاقه و لكن يتجاوز اللّٰه تعالى عنه لاضطراره، و الأظهر هو ما ذكرناه و ذلك فان الفقيه الجامع للشرائط إذا بذل وسعه في استنباط الحكم الشرعي بعد تحصيل جميع أدلته و الاطلاع على جميع ما يتعلق به من الكتاب و السنة و ادى فهمه الى حكم فهو الواجب عليه في حقه و حق مقلده و ان فرضناه خطأ، لأنه أقصى تكليفه، و السر في ذلك ان العقول و الافهام المفاضة من الملك العلام متفاوتة زيادة و نقصانا كما هو مشاهد بالوجدان بين العلماء الأعيان، فمنهم من فهمه و أدركه كالبرق الخاطف و منهم كالماء الراكد الواقف و بينهما مراتب لا تخفي على الفطن العارف، و يؤكده
ما ورد في الاخبار «بان اللّٰه سبحانه انما يداق العباد على حسب ما أفاض عليهم من العقول» (1).
و من أراد تحقيق الحال زيادة على ما ذكرناه فليرجع الى الدرر النجفية.
و منها- انه يستحب وضع الحصباء [على القبر]
و هي صغار الحصى على القبر و واحدها حصبة كقصبة،
و قد روى في الكافي عن ابان عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «قبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) محصب حصباء حمراء».
و نقل في الذكرى انه روى «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فعله بقبر إبراهيم ولده» (3).
و نقل في المنتهى من طريق الجمهور في حديث القاسم بن محمد (4) «ان قبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و صاحبيه مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء».
____________
(1) هذا مضمون حديث ابى الجارود عن ابى جعفر «(عليه السلام)» المروي في أصول الكافي ج 1 ص 11.
(2) رواه في الوسائل في الباب 37 من أبواب الدفن.
(3) كما في الأم للشافعي ج 1 ص 242.
(4) كما في سنن ابى داود ج 3 ص 215.
138
[استحباب وضع لبنة أو لوح عند رأسه]
و منها- ما ذكره الأصحاب من انه يستحب ان يوضع عند رأسه لبنة أو لوح يعلم به. و استدلوا على ذلك
بما رواه الشيخ عن يونس بن يعقوب (1) قال: «لما رجع أبو الحسن موسى (عليه السلام) من بغداد و مضى إلى المدينة ماتت ابنة له يفيد فدفنها و أمر بعض مواليه ان يجصص قبرها و يكتب على لوح اسمها و يجعله في القبر».
أقول:
و يعضده
ما رواه الصدوق في كتاب إكمال الدين بإسناده عن ابي علي الخيراني عن جارية لأبي محمد (عليه السلام) (2) «ان أم المهدي ماتت في حياة أبي محمد (عليه السلام) و على قبرها لوح مكتوب عليه هذا قبر أم محمد (عليه السلام)».
و روى في المنتهى من طريق الجمهور عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (3): «لما دفن عثمان بن مضعون أمر رجلا ان يأتيه بصخرة فلم يستطع حملها فقام إليها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و حسر عن ذراعيه ثم حملها فوضعها عند رأسه و قال اعلم بها أخي و ادفن اليه من مات من أهلي».
قال في الذكرى: يستحب ان يوضع عند رأسه حجر أو خشبة علامة ليزار و يترحم عليه كما فعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) حيث أمر رجلا بحمل صخرة ليعلم بها قبر عثمان بن مضعون ثم ساق تمام الحديث. أقول: هذا الحديث قد نقله
في دعائم الإسلام عن علي (عليه السلام) (4) قال: «ان رسول (صلى اللّٰه عليه و آله) لما دفن عثمان بن مظعون دعا بحجر فوضعه عند رأس القبر و قال يكون علما ليدفن اليه قرابتي».
و الكتاب و ان لم يصلح للاعتماد و الاستدلال إلا انه يصلح للتأييد في أمثال هذا المجال.
[ما يكره بعد الدفن]
و منها- ما صرح به جملة من الأصحاب من كراهة الجلوس على القبر و المشي عليه و الصلاة عليه و اليه و الاستناد اليه، اما الجلوس عليه فادعى عليه في الخلاف الإجماع
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 37 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 37 من أبواب الدفن.
(3) رواه أبو داود في سننه ج 3 ص 212.
(4) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 35 من أبواب الدفن.
139
و استدل
بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1): «لان يجلس أحدكم على جمر فيحرق ثيابه فتصل النار الى بدنه أحب الي من ان يجلس على قبر».
و بقول الكاظم (عليه السلام) فيما قدمناه من موثقة علي بن جعفر (2): «لا يصلح البناء على القبر و لا الجلوس».
أقول: ان الرواية الأولى عامية كما نبه عليه ايضا بعض متأخري أصحابنا و لكن الثانية ظاهرة الدلالة على ذلك و نحوها رواية يونس بن ظبيان المتقدمة (3) حيث تضمنت النهي عن القعود عليه، إلا انه
قد روى الصدوق في الفقيه عن الكاظم (عليه السلام) (4) «إذا دخلت المقابر فطأ القبور فمن كان مؤمنا استروح الى ذلك و من كان منافقا وجد ألمه».
و يمكن حمله على القاصد زيارتهم بحيث لا يتوصل الى قبر إلا بالمشي على آخر كما ذكره في الذكرى أو يقال تختص الكراهة بالقعود لما فيه من اللبث المنافي للتعظيم، و لعله الأقرب. و اما الاستناد اليه و المشي عليه فقد صرح الشيخ بكراهتهما مدعيا في الخلاف الإجماع على ذلك في الأول، و لم أقف في الأخبار على ما يدل على ما ذكره بل دلت مرسلة الفقيه على عدم كراهة المشي و ان تأولها في الذكرى بما قدمناه ذكره، و اما الصلاة عليه فقد تقدم في رواية يونس بن ظبيان (5) ما يدل على ذلك، و اما الصلاة إليه فلما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في بحث المكان من كتاب الصلاة.
تتمة مهمة تشتمل على مسائل:
(الأولى) [بناء المساجد عند القبور]
- قال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد ذكر جملة من الاخبار الدالة على ان البناء على القبور و القعود عليها و التجصيص و الصلاة عليها مكروه:
و روى الصدوق عن سماعة (6) «انه سأله عن زيارة القبور و بناء المساجد فيها فقال زيارة القبور لا بأس بها و لا يبنى عندها مساجد».
قال الصدوق: «و قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): لا تتخذوا
____________
(1) رواه أبو داود في سننه ج 3 ص 217 و ابن ماجة في سننه ج 1 ص 474.
(2) ص 130.
(3) ص 130.
(4) رواه في الوسائل في الباب 62 من أبواب الدفن.
(5) ص 130.
(6) رواه في الوسائل في الباب 65 من أبواب الدفن.
140
قبري قبلة و لا مسجدا فان اللّٰه تعالى لعن اليهود لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (1).
قلت: هذه الاخبار رواها الشيخان و الصدوقان و جماعة المتأخرين في كتبهم و لم يستثنوا قبرا، و لا ريب ان الإمامية مطبقة على مخالفة قضيتين من هذه إحداهما البناء و الأخرى الصلاة في المشاهد المقدسة، فيمكن القدح في هذه الاخبار بأنها آحاد و بعضها ضعيف الاسناد و قد عارضها أخبار أخر أشهر منها، و قال ابن الجنيد لا بأس بالبناء عليه و ضرب الفسطاط لصونه و من يزوره، أو تخصص هذه العمومات بإجماعهم في عهود كانت الأئمة (عليهم السلام) ظاهرة فيهم و بعدهم من غير نكير و بالأخبار الدالة على تعظيم قبورهم و عمارتها و أفضلية الصلاة عندها و هي كثيرة، ثم ساق بعض الاخبار الدالة على ذلك.
أقول: و الحق ان أكثر هذه الاخبار المذكورة فيها هذه الأحكام لا ظهور لها في التعلق بهم (عليهم السلام) و انما ذكر ذلك في القليل منها و هو الذي يحتاج إلى تأويل لمعارضته بما هو أشهر و أظهر مثل خبر الصدوق عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) بالنهي عن اتخاذ قبره قبله و مسجدا، فاما الأحاديث الأولة التي اجملنا النقل فيها فقد عرفت الكلام فيها في الدلالة على ما استدل بها عليه، و اما حديث سماعة المتضمن للنهي عن بناء المساجد في المقابر فالوجه فيه انه لا خلاف بين الأصحاب في أن الأراضي المحبوسة على المنافع العامة كالشوارع و المشارع و المساجد و المقابر و الرباطات و المدارس و الأسواق لا يجوز لأحد التصرف فيها على وجه يمنع الانتفاع بها فيما هي متخذة له و بذلك صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حيث قال: بقاع الأرض اما مملوكة أو محبوسة على الحقوق العامة كالشوارع و المساجد و المقابر و الرباطات أو منفكة عن الحقوق الخاصة و العامة و هي الموات.
الى آخر كلامه، ثم ساق الكلام في المحبوسة على المنافع العامة و بين عدم جواز الانتفاع بها و التصرف فيها على وجه يمنع من تحصيل الغرض المطلوب منها، و هذا الخبر صريح في ذلك باعتبار بعض هذه الأراضي و هي المقابر حيث منع من بناء المساجد
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 65 من أبواب الدفن.
141
فيها، إذ من المعلوم منع ذلك من الدفن الذي هو الغرض المترتب عليها كما صرح به الأصحاب في نظائرها و حينئذ فيكون النهي للتحريم، و اما مجرد الصلاة في المقابر فحيث انها لا توجب منعا من التصرف فهي صحيحة و ان كانت مكروهة من حيثية أخرى.
ثم لا يخفى ان المراد بهذه الأراضي المذكورة ما هو أعم من ان تكون موقوفة على تلك الجهة الخاصة أو انها وجدت في تصرف المسلمين كذلك و ان لم يعلم أصلها و لا كيفية أمرها، فإن تصرف المسلمين و استمرار يدهم عليها موجب لكونها ملكا لهم من هذه الجهة فلا يجوز التصرف فيها بما ينافي الغرض المطلوب المترتب عليها، اما لو كانت الأرض معلومة بأنها موات مباحة أو مملوكة قد أباحها المالك للمسلمين يتصرفون فيها بما أرادوا أو وقفها عليهم كذلك أو نحو ذلك فإنه خارج عن محل البحث.
و اما ما يدل على جواز البناء بل استحبابه على قبور الأئمة (عليهم السلام) و جواز الصلاة بل استحبابها عند قبورهم فهي كثيرة مذكورة في كتاب المزار من كتاب البحار، و عسى ان نبسط الكلام في ذلك في كتاب الصلاة ان شاء اللّٰه تعالى.
(الثانية) [دفن ميتين في قبر واحد ابتداء]
- المشهور بين الأصحاب كراهية دفن اثنين في قبر واحد ابتداء، و احتج عليه
في المبسوط بقولهم (عليهم السلام): «لا يدفن في قبر واحد اثنان».
و لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أفرد كل واحد بقبر (1) قالوا و مع الضرورة تزول الكراهة بأن يكثر الموتى و يعسر الافراد،
لما روى (2) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال للأنصار يوم أحد: احفروا و وسعوا و عمقوا و اجعلوا الاثنين و الثلاثة في القبر الواحد و قدموا أكثرهم قرانا».
هذا كله في الابتداء كما قدمناه ذكره.
و اما لو دفن ميت في قبر فهل يجوز نبشه و دفن آخر معه؟ ظاهرهم التحريم، قالوا لان القبر صار حقا للأول بدفنه فيه، و لاستلزام النبش و الهتك المحرمين، قال في
____________
(1) كما في المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 136.
(2) رواه أبو داود في السنن ج 3 ص 214 رقم 3215.
142
الذكرى: و على التحريم إجماع المسلمين قال: و قول الشيخ في المبسوط «يكره» الظاهر انه أراد التحريم لانه قال بعده «و لو حفر فوجد عظاما رد التراب و لم يدفن فيه شيئا» و ناقش في هذا الحكم جملة من أفاضل متأخري المتأخرين منهم السيد السند (قدس سره) في المدارك مجيبا عما احتجوا به من تحريم النبش بان الكلام في إباحة الدفن نفسه لا النبش و أحدهما غير الآخر. و زاد في الذخيرة ان الظاهر ان مستند تحريم النبش الإجماع و إجراؤه في محل النزاع مما لا وجه له. و أجاب في المدارك و مثله في الذخيرة عن الدليل الآخر بالمنع من ثبوت حقية الأول بالدفن فيه على وجه يوجب منع دفن آخر، ثم قال في المدارك بعد المناقشة المذكورة: هذا كله في غير السرداب اما فيه فيجوز مطلقا اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع الوفاق.
أقول: و عندي في هذه المسألة بجميع شقوقها توقف إذ لم أقف على حديث يتعلق بشيء من ذلك، و ما نقلوه من الاخبار لم أقف عليه في كتب الأخبار الواصلة إلينا، و الشيخ (رضوان اللّٰه عليه) و كذا الجماعة كثيرا ما يستندون في كتب الفروع الى الاخبار العامية و يبنون عليها، و ظاهر المحدث الشيخ محمد الحر في الوسائل التشبث هنا في حكم دفن ميتين في قبر واحد بحديث الأصبغ المتقدم (1) بناء على بعض الاحتمالات المتقدمة فيه، و قد عرفت ما في الخبر المذكور من الاشكال و تعدد الاحتمال الموجب لسقوطه عن درجة الاستدلال، نعم ربما يستنبط من الدليل المتقدم (2) الدال على النهي عن حمل ميتين على سرير واحد المنع ايضا من جعل ميتين في قبر واحد بل ربما كان هذا اولى لطول المقام في ذلك المكان، و يؤيد ذلك باستمرار الأعصار من زمنه (صلى اللّٰه عليه و آله) الى يومنا هذا بالوحدة ابتداء و استدامة إلا إذا صار الميت رميما.
و بالجملة فالمسألة لا تخلو من الاشكال و الاحتياط فيها مطلوب على كل حال.
ثم ان جملة من أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم): منهم- الشهيدان في الذكرى
____________
(1) ص 132.
(2) ص 82.
143
و الروض تبعا للشيخ قد فرعوا على قوله في حديث أهل أحد: «و قدموا أكثرهم قرانا» فروعا لا فائدة في التطويل بذكرها مع عدم ثبوت أصل الحديث كما أشرنا إليه.
(الثالثة) [حرمة نبش القبر]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في تحريم النبش، و قد ادعى على ذلك الإجماع جمع منهم كالمحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى و التذكرة و الشهيد في الذكرى و قد استدل في كتاب الوسائل على تحريم النبش بالأخبار الواردة بقطع يد النباش (1) و فيه ان الظاهر من تلك الاخبار بحمل مطلقها على مقيدها ان القطع انما هو من حيث سرقة الكفن لا من حيث النبش، و منها-
ما رواه في الكافي عن عبد اللّٰه بن محمد الجعفي (2) قال: «كنت عند ابي جعفر (عليه السلام) و جاءه كتاب هشام بن عبد الملك في رجل نبش امرأة فسلبها ثيابها ثم نكحها فان الناس قد اختلفوا علينا فطائفة قالوا اقتلوه و طائفة قالوا أحرقوه؟ فكتب إليه أبو جعفر (عليه السلام): ان حرمة الميت كحرمة الحي تقطع يده لنبشه و سلبه الثياب و يقام عليه الحد في الزنا: ان أحصن رجم و ان لم يكن أحصن جلد مائة».
و في رواية أبي الجارود عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) يقطع سارق الموتى كما يقطع سارق الأحياء».
و نحوهما غيرهما، و عليهما يحمل ما أطلق مثل
صحيحة حفص ابن البختري (4) قال «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: حد النباش حد السارق».
و في رواية إسحاق بن عمار (5) «ان عليا (عليه السلام) قطع نباش القبر فقيل له أ تقطع في الموتى؟ فقال انا لنقطع لأمواتنا كما نقطع لأحيائنا».
و هو ظاهر في كون القطع انما هو للسرقة. و بالجملة فإني لا اعرف لذلك غير ما يدعى من الإجماع.
[الموارد المستثناة منها]
ثم ان الأصحاب قد استثنوا هنا صورا منها ما اتفق عليه و منها ما اختلف فيه:
(الأولى)- إذا وقع في القبر ما له قيمة
فإنهم صرحوا بجواز النبش للنهي عن إضاعة المال، قالوا و لا يجب على مالكه قبول القيمة، و لا فرق في ذلك بين القليل
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 19 من أبواب حد السرقة.
(2) المروية في الوسائل في الباب 19 من أبواب حد السرقة.
(3) المروية في الوسائل في الباب 19 من أبواب حد السرقة.
(4) المروية في الوسائل في الباب 19 من أبواب حد السرقة.
(5) المروية في الوسائل في الباب 19 من أبواب حد السرقة.
144
و الكثير و ان كره النبش لأجل القليل، قال في الذكرى:
و روى «ان المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم طلبه ففتح موضع منه فأخذه فكان يقول انا آخركم عهدا برسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)».
أقول: لا ريب ان هذه الرواية عامية (1) و قد ورد في بعض الاخبار التي لا يحضرني الآن موضعها عن علي (عليه السلام) تكذيبه في دعواه ذلك، و هو الصواب فإن المغيرة بن شعبة و أمثاله من المنافقين في السقيفة يومئذ و اين هم من حضور دفنه (صلى اللّٰه عليه و آله)؟ و لكن أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) يستلقون أمثال هذه الاخبار في مثل هذه الأحكام العارية عن نصوصهم (عليهم السلام).
(الثانية)- إذا دفن في الأرض المغصوبة أو المشتركة بغير اذن الشريك
، قالوا فان للمالك و الشريك قلعه لتحريم شغل مال الغير و ان ادى الى هتك الحرمة لأن حق الحي أولى و ان كان الأفضل للمالك تركه خصوصا القرابة، و لو دفن باذن المالك جاز له الرجوع ما لم يطم لا بعده.
(الثالثة)- إذا كفن في ثوب مغصوب
جاز نبشه لتخليص المغصوب مع طلب المالك، و لا يجب عليه أخذ القيمة. و فرق في المنتهى بين الأرض و الكفن فقال بعد ان ذكر جواز النبش في الأرض المغصوبة: «اما لو غصب كفنا فكفن به و دفن لم يكن لصاحب الكفن قلعه و أخذ كفنه بل يرجع الى القيمة، و الفرق بينهما بتعذر
____________
(1) كما في المهذب ج 1 ص 138 و في السيرة الحلبية ج 3 ص 403
«و قيل آخر من طلع من قبره (ص) المغيرة بن شعبة لأنه ألقي خاتمه في القبر الشريف و قال لعلى (ع) يا أبا الحسن خاتمي و انما طرحته عمدا لامس رسول اللّٰه (ص) و أكون آخر الناس عهدا به قال انزل فخذه. و قيل القى الفأس في القبر.
و يقال ان عليا (ع) لما قال له المغيرة ذلك نزل و ناوله الخاتم أو الفأس أو أمر من نزل و ناوله ذلك و قال له انما فعلت لتقول انا آخر الناس برسول اللّٰه (ص) عهدا. و اعترض بأن المغيرة لم يكن حاضرا للدفن».
145
تقويم موضع الدفن و حصول الضرر به بخلاف الكفن» انتهى. و رده في الذكرى بضعف هذا الفرق قال: لإمكانه بإجارة البقعة زمانا يعلم بلى الميت فيه، قال و أضعف منه الفرق بإشراف الثوب على الهلاك بالتكفين بخلاف الأرض لأن الفرض قيام الثوب.
ثم احتمل في الذكرى في كل من الأرض و الكفن تحريم النبش إذا ادى الى هتك الميت و ظهور ما ينفر منه
لما روي (1) «ان حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا».
و لو كفن في حرير قيل هو كالمغصوب، و قيل ان الاولى هنا المنع لان حق اللّٰه تعالى أوسع من حق الآدمي.
(الرابعة)- إذا بلي الميت و صار رميما
قالوا فإنه يجوز نبشه لدفن غيره أو لمصلحة المالك المعير، و يختلف ذلك باختلاف الترب و الأهوية فلو ظنه رميما فنبش فوجد عظاما دفنها وجوبا، قالوا و متى علم صيرورته رميما لم يجز تصويره بصورة المقابر في الأرض المسبلة لأنه يمنع من الهجوم على الدفن فيها.
(الخامسة)- نبشه للشهادة على عينه
و إثبات الأمور المترتبة على موته من اعتداد زوجته و قسمة تركته و حلول ديونه التي عليه، قال في الذكرى: و هذا يتم إذا كان محصلا للعين و لو علم تغير الصورة حرم.
(السادسة)- إذا دفن بغير كفن أو صلاة أو غسل أو الى غير القبلة
، و قطع الشيخ في الخلاف بعدم النبش لأجل الغسل قال لانه مثلة، و رجحه في المعتبر قال لان النبش مثلة فلا يستدرك الغسل بالمثلة، و مال العلامة في التذكرة إلى نبشه إذا لم يؤد الى فساد لان الغسل واجب فلا يسقط بذلك و كذا في الدفن الى غير القبلة، و الى ما اختاره العلامة من النبش في الصورتين المذكورتين مال الفاضل الخراساني في الذخيرة، و ظاهرهم الاتفاق على عدم النبش في الكفن و الصلاة، قالوا لأن الصلاة تستدرك بالصلاة على قبره و الكفن اغنى عنه الدفن لحصول الستر به.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 51 من أبواب الدفن.
146
(السابعة)- إذا دفن في أرض ثم بيعت
قال في المبسوط جاز للمشتري نقل الميت منها و الأفضل تركه. و رده الفاضلان بتحريم النبش إلا ان تكون الأرض مغصوبة فيبيعها المالك. و اعترضهما الفاضل الخراساني في الذخيرة بأن التعويل في تحريم النبش انما هو على الإجماع و هو لا يتم في محل النزاع. أقول: لقائل أن يقول ان خلاف معلوم النسب لا يقدح في الإجماع كما هو مذكور في قواعدهم. و المسألة بجميع شقوقها و فروعها لا تخلو عندي من الاشكال لعدم الدليل الواضح من اخبارهم (عليهم السلام) و اللّٰه العالم.
(الرابعة) [نقل الميت بعد الدفن و قبله]
- قد صرحوا (رضوان اللّٰه عليهم) بأنه يحرم نقل الميت بعد دفنه الى موضع آخر، لتحريم النبش و استدعائه الهتك و لو الى أحد المشاهد المشرفة، و نقل العلامة في التذكرة جوازه إليها عن بعض علمائنا، قال الشيخ (قدس سره) في النهاية «و إذا دفن في موضع فلا يجوز تحويله من موضعه، و قد وردت رواية بجواز نقله الى بعض مشاهد الأئمة (عليهم السلام) سمعناها مذاكرة و الأصل ما قدمناه» و قال ابن إدريس انه بدعة في شريعة الإسلام سواء كان النقل الى مشهد أو الى غيره، و عن ابن حمزة القول بالكراهة، و نقل بعض مشايخنا المتأخرين عن الشيخ و جماعة انهم جوزوا نقله الى المشاهد المشرفة. أقول: و بذلك يشعر كلامه في المبسوط حيث قال بعد الإشارة إلى ورود الرواية كما ذكره في النهاية: «و الأول أفضل» فإن ظاهره الجواز و ان كان خلاف الأفضل كما يدل عليه قول ابن حمزة، و قال ابن الجنيد انه لا بأس بتحويل الموتى من الأرض المغصوبة و لصلاح يراد بالميت. و ظاهره الجواز من غير كراهة في الصورتين المذكورتين.
أقول: و الظاهر عندي هو الجواز (اما أولا) فلان مستند التحريم انما هو الإجماع على تحريم النبش و هو غير ثابت في محل النزاع. و (اما ثانيا)
فلما رواه الصدوق
147
في الفقيه (1) قال: «قال الصادق (عليه السلام) ان اللّٰه تبارك و تعالى اوحى الى موسى ابن عمران (عليه السلام) ان أخرج عظام يوسف (عليه السلام) من مصر و وعده طلوع القمر فأبطأ طلوع القمر عليه فسأل عمن يعلم موضعه فقيل له هنا عجوز تعلم علمه فبعث إليها فاتي بعجوز مقعدة عمياء فقال تعرفين قبر يوسف (عليه السلام)؟ قالت:
نعم. قال فاخبريني بموضعه قالت لا افعل حتى تعطيني خصالا: تطلق رجلي و تعيد الي بصري و ترد الي شبابي و تجعلني معك في الجنة. فكبر ذلك على موسى (عليه السلام) فأوحى اللّٰه عز و جل اليه انما تعطى علي فأعطاها ما سألت ففعل فدلته على قبر يوسف فاستخرجه من شاطئ النيل في صندوق مرمر فلما أخرجه طلع القمر فحمله الى الشام فلذلك يحمل أهل الكتاب موتاهم الى الشام».
و مثله الأخبار الواردة في نقل نوح لعظام آدم (عليهما السلام) في تابوت إلى الغري و دفنه فيه (2) و التقريب فيها ان الظاهر من نقلهم ذلك لشيعتهم و تقريرهم عليه جواز ذلك كما وقع في مواضع، مثل
حديث «ذكري حسن على كل حال» المروي عن موسى (عليه السلام) (3).
و منها جعل المهر اجارة الزوج نفسه مدة كما حكاه اللّٰه تعالى عن موسى (عليه السلام) في تزويجه ابنة شعيب، فإن أكثر الأصحاب على القول بذلك للآية الشريفة (4) و نحو ذلك مما يقف عليه المتتبع، و بذلك يظهر ما في قول بعض أفاضل متأخري المتأخرين من ان وقوع ذلك في شرع من قبلنا لا يدل على جوازه في شرعنا، و بما ذكرناه ايضا صرح الفاضل المولى محمد تقي المجلسي في شرحه على الفقيه حيث قال: «و الظاهر
____________
(1) ج 1 ص 123 و رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب الدفن.
(2) روى ذلك السيد ابن طاوس في فرحة الغري ص 59 طبع المطبعة الحيدرية في النجف و رواه ابن قولويه في كامل الزيارة ص 38.
(3) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب أحكام الخلوة.
(4) سورة القصص. الآية 27.
148
ان الغرض من نقل هذا الخبر جواز نقل الميت الى المشاهد المشرفة بل استحبابه كما ذهب إليه الأصحاب و عليه عملهم من زمان الأئمة إلى زماننا هذا» انتهى. و ان كانت العبارة لا تخلو من سهو و تساهل في التعبير فان جواز النقل و استحبابه الذي ذهب إليه الأصحاب انما هو قبل الدفن كما سيأتي بيانه ان شاء اللّٰه تعالى لا بعد الدفن لما عرفت من ان المشهور بينهم هو التحريم، و مورد الخبر انما هو النقل بعد الدفن، و لهذا ان بعضهم أنكر الاستدلال بالخبر المذكور و جعله مقصورا على شرع من قبلنا كما عرفت و (اما ثالثا) فلما نقل عن جملة من علمائنا من انهم دفنوا ثم نقلوا مثل الشيخ المفيد فإنه دفن في داره مدة ثم نقل الى جوار الإمامين الكاظمين (عليهما السلام) و السيد المرتضى فإنه دفن في داره ثم نقل الى جوار الحسين (عليه السلام) و نقل ايضا ان شيخنا البهائي دفن بأصبهان ثم نقل الى المشهد الرضوي على مشرفه السلام، و من الظاهر ان وقوع ذلك في تلك الأوقات المملوءة بالفضلاء لا يكون إلا بتجويزهم. و (اما رابعا) فإن الأصل هنا الجواز بل الاستحباب، و به يجب التمسك الى ان يقوم دليل المنع، و ليس إلا الإجماع المدعى على تحريم النبش و هو غير جار فيما نحن فيه.
هذا كله فيما لو كان بعد الدفن اما قبله فالظاهر انه لا خلاف بين أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) في كراهة نقل الميت الى غير بلده إلا الى المشاهد المشرفة، قال في المعتبر: «يكره نقل الميت الى غير بلد موته و عليه العلماء اجمع، و قال علماؤنا خاصة يجوز نقله الى مشاهد الأئمة (عليهم السلام) بل يستحب، اما الأول
فلقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «. عجلوهم الى مضاجعهم.».
و هو دليل على الاقتصار على المواضع القريبة المعهودة بالدفن، و اما الثاني فعليه عمل الأصحاب من زمن الأئمة (عليهم السلام) الى الآن و هو مشهور بينهم لا يتناكرونه، و لانه يقصد بذلك التمسك بمن له أهلية الشفاعة و هو حسن بين الأحباء توصلا إلى فوائد الدنيا فالتوصل إلى فوائد
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الاحتضار.
149
الآخرة أولى» انتهى. و عليه اقتصر في المدارك في الاستدلال على الحكم المذكور و نحوه في الذكرى ايضا و غيره في غيرها. أقول: و ظاهر كلماتهم في هذا المقام يدل على عدم وقوفهم على دليل من الاخبار و إلا لنقلوه و لو تأييدا لهذه الأدلة العقلية باصطلاحهم كما هم عادتهم في جميع الأحكام.
و الذي وقفت عليه مما يدل على النقل الى المواضع الشريفة للتبرك و التيمن لشرفها روايات: منها-
ما رواه في الكافي بسنده عن علي بن سليمان (1) قال: «كتبت إليه أسأله عن الميت يموت بعرفات يدفن بعرفات أو ينقل الى الحرم أيهما أفضل؟ فكتب يحمل الى الحرم و يدفن فهو أفضل».
و ما رواه الشيخ في التهذيب عن علي بن سليمان (2) قال: «كتبت الى ابي الحسن (عليه السلام) اسأله عن الميت يموت بمنى أو بعرفات (الوهم منى).».
ثم ذكر مثل الأول.
و ما رواه الديلمي في إرشاد القلوب (3) و السيد عبد الكريم بن السيد احمد بن طاوس في كتاب فرحة الغري من حديث اليماني الذي قدم بأبيه على ناقة إلى الغري، قال في الخبر: «انه كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا أراد الخلوة بنفسه ذهب الى طرف الغري فبينما هو ذات يوم هناك مشرف على النجف فإذا رجل قد اقبل من اليمن راكبا على ناقة قدامه جنازة فحين رأى عليا (عليه السلام) قصده حتى وصل اليه و سلم عليه فرد عليه و قال من اين؟ قال من اليمن. قال و ما هذه الجنازة التي معك؟ قال جنازة أبي لادفنه في هذه الأرض. فقال له علي (عليه السلام) لم لا دفنته في أرضكم؟ قال اوصى بذلك و قال انه يدفن هناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة و مضر. فقال (عليه السلام) أ تعرف ذلك الرجل؟ قال: لا. قال: انا و اللّٰه ذلك الرجل (ثلاثا) فادفن مقام فدفنه».
و في مجمع البيان عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (4) في حديث قال: «لما مات يعقوب حمله يوسف في تابوت الى
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 45 من أبواب مقدمات الطواف.
(2) رواه في الوسائل في الباب 45 من أبواب مقدمات الطواف.
(3) ص 255.
(4) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب الدفن.
150
ارض الشام فدفنه في بيت المقدس».
و رواه الراوندي في كتاب قصص الأنبياء بإسناده الى الصدوق بسنده الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) مثله (1) و يعضده ما تقدم من حديثي نقل آدم و يوسف فإنه متى جاز بعد الدفن فقبله بطريق اولى.
و قال في الذكرى: و لو كان هناك مقبرة بها قوم صالحون أو شهداء استحب النقل إليها أيضا لتناله بركتهم. و هو حسن. أقول: و يؤيده
ما رواه الكشي في كتاب اختيار الرجال (2) عن العياشي قال: «سمعت علي بن الحسن يقول مات يونس بن يعقوب بالمدينة فبعث إليه أبو الحسن الرضا (عليه السلام) بحنوطه و كفنه و جميع ما يحتاج اليه و أمر مواليه و موالي أبيه وجده ان يحضروا جنازته و قال لهم هذا مولى لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) كان يسكن العراق، و قال لهم احفروا له في البقيع فان قال لكم أهل المدينة انه عراقي و لا ندفنه في البقيع فقولوا لهم هذا مولى لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و كان يسكن العراق فان منعتمونا ان ندفنه في البقيع منعناكم ان تدفنوا مواليكم في البقيع فدفن في البقيع.».
و اما
ما رواه في دعائم الإسلام عن علي (عليه السلام) (3)- «انه رفع اليه ان رجلا مات بالرستاق فحملوه إلى الكوفة فأنهكهم عقوبة و قال ادفنوا الأجساد في مصارعها و لا تفعلوا كفعل اليهود تنقل موتاهم الى بيت المقدس، و قال انه لما كان يوم أحد أقبلت الأنصار لتحمل قتلاها الى دورها فأمر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) مناديا فنادى ادفنوا الأجساد في مصارعها».
- فأول ما فيه ان الكتاب المذكور غير معتمد و لا مشهور، قال شيخنا المجلسي في البحار: «كتاب دعائم الإسلام قد كان أكثر أهل عصرنا يتوهمون أنه تأليف الصدوق و قد ظهر لنا انه تأليف أبي حنيفة النعمان بن محمد بن منصور قاضي مصر في أيام الدولة الإسماعيلية و كان مالكيا أولا ثم اهتدى و صار إماميا
____________
(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 13 من أبواب الدفن.
(2) ص 245.
(3) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 13 من أبواب الدفن.
151
و اخبار هذا الكتاب أكثرها موافق لما في كتبنا المشهورة لكن لم يرو عن الأئمة بعد الصادق (عليه السلام) خوفا من الخلفاء الإسماعيلية، و تحت سر التقية أظهر الحق لمن نظر فيه متعمقا، و اخباره تصلح للتأييد و التأكيد. إلى آخر كلامه» و (ثانيا)- انه يمكن حمله على حصول النقل من مسافة يوجب تغير الميت و انفجاره، فقد صرح الشهيد الثاني بأنه يجب تقييد الحكم المذكور بما إذا لم يخف هتك الميت بانفجاره و نحوه لبعد المسافة أو غيرها. و هو جيد. و يمكن ان يقال ان الكوفة من حيث هي ليست من الأماكن التي يستحب النقل إليها مع منافاته للتعجيل المأمور به. و كيف كان فهذا الخبر ليس له قوة المعارضة لما ذكرناه. و اما ما تضمنه من نهي الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) عن نقل قتلي أحد فهو مما صرح به الأصحاب أيضا فإنهم استثنوا من هذا الحكم الشهداء كما صرح به شيخنا المشار اليه و غيره، قالوا فإن الأولى دفنه حيث قتل
لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1): «ادفنوا القتلى في مصارعهم».
و هذا الحديث ايضا شاهد به.
(الخامسة) [تحريم شق الثوب الا على الأب و الأخ]
- قد صرح جملة من الأصحاب بتحريم شق الثوب الا على الأب و الأخ فإنه جائز، و ظاهر إطلاق كلامهم يقتضي عدم الفرق بين الرجال و النساء، و قيل بجواز ذلك للنساء مطلقا، قال في الذكرى: و في نهاية الفاضل يجوز شق النساء الثوب مطلقا و في الخبر إيماء اليه. و أراد بالخبر ما يأتي من شق الفاطميات على الحسين (عليه السلام) و ذهب ابن إدريس إلى التحريم مطلقا و لم يستثن أحدا، قال في المدارك:
«و في رواية الحسن الصيقل (2) «لا ينبغي الصراخ على الميت و لا شق الثياب».
و هو ظاهر في الكراهة و مقتضى الأصل الجواز ان لم يثبت النهي عن إضاعة المال على وجه العموم» انتهى. و ربما أشعر هذا الكلام بأنه لا دليل على التحريم من النصوص في خصوص هذا المقام إلا ان يثبت دليل على إضاعة المال على وجه العموم.
____________
(1) رواه السيوطي في الجامع الصغير ج 1 ص 14.
(2) المروية في الوسائل في الباب 84 من أبواب الدفن.
152
و الذي وقفت عليه من النصوص المتعلقة بهذا المقام بالخصوص منها ما تقدم نقله عن المدارك من رواية الحسن الصيقل رواها في الكافي و في الذكرى رواها عن الحسن الصفار و الظاهر انه سهو من قلمه. و منها-
ما رواه في التهذيب قال: و ذكر احمد بن محمد بن داود القمي في نوادره قال روى محمد بن عيسى عن أخيه جعفر بن عيسى عن خالد بن سدير أخي حنان بن سدير (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل شق ثوبه على أبيه أو على امه أو على أخيه أو على قريب له؟ قال لا بأس بشق الجيوب فقد شق موسى بن عمران على أخيه هارون (عليهما السلام) و لا يشق الوالد على ولده و لا زوج على امرأته و تشق المرأة على زوجها، و إذا شق الزوج على امرأته أو والد على ولده فكفارته حنث يمين و لا صلاة لهما حتى يكفرا أو يتوبا من ذلك، و إذا خدشت المرأة وجهها أو جزت شعرها أو نتفته ففي جز الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا و في الخدش إذا دميت و في النتف كفارة حنث يمين، و لا شيء في اللطم على الخدود سوى الاستغفار و التوبة، و لقد شققن الجيوب و لطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي (عليهما السلام) و على مثله تلطم الخدود و تشق الجيوب».
و منها-
ما رواه في الكافي بسنده عن جماعة من بني هاشم منهم الحسن بن الحسن الأفطس (2) «أنهم حضروا يوم توفى محمد بن علي بن محمد باب ابي الحسن (عليه السلام) يعزونه، الى ان قال إذ نظر الى الحسن بن علي (عليهما السلام) قد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه. الحديث».
و قال الصدوق (3) «لما قبض علي بن محمد العسكري رؤي الحسن بن علي (عليهما السلام) قد خرج من الدار و قد شق قميصه من خلف و من قدام».
و روى الوزير السعيد علي بن عيسى الإربلي في كتاب كشف الغمة من كتاب الدلائل لعبد اللّٰه بن جعفر الحميري
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب الكفارات.
(2) رواه في الوسائل في الباب 84 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 84 من أبواب الدفن.
153
عن ابي هاشم الجعفري (1) قال: «خرج أبو محمد في جنازة أبي الحسن (عليهما السلام) و قميصه مشقوق فكتب اليه ابن عون من رأيت أو بلغك من الأئمة (عليهم السلام) شق قميصه في مثل هذا؟ فكتب إليه أبو محمد (عليه السلام): يا أحمق و ما يدريك ما هذا؟ قد شق موسى بن عمران على هارون».
و روى مثل ذلك الكشي في كتاب الرجال (2) إلا ان فيه «فكتب إليه أبو عون الأبرش».
أقول: لا يخفى ان الظاهر من قوله (عليه السلام) في رواية الحسن الصيقل:
«لا ينبغي» بمعونة ما نقلناه عن التهذيب انما هو التحريم (اما أولا) فلان استعمال هذا اللفظ في التحريم شائع في الأخبار كما عرفت في غير موضع من هذا الكتاب.
و (اما ثانيا) فلان الظاهر من الأخبار و كلام الأصحاب ان الصراخ محرم و انما الجائز النوح بالصوت المعتدل و القول بحق، فكذا يجب القول في الشق و الا لزم استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو حقيقته و مجازه و هم لا يقولون به، و يخرج خبر خالد بن سدير المتضمن لإيجاب الكفارة على الزوج في الشق على زوجته و الوالد على ولده شاهدا على ذلك، و به يظهر صحة ما ذكره الأصحاب من الحكم المذكور و ان حمله في المدارك الرواية المشار إليها على الكراهة من حيث ان لفظ «لا ينبغي» في عرف الناس بمعنى الكراهة ليس بجيد. نعم قد دلت رواية خالد بن سدير على استثناء شق المرأة على زوجها زيادة على ما ذكره الأصحاب من الشق على الأب و الأخ فيجب القول به.
و اما ما يدل على الشق على الأب و الأخ فهو فعل الامام الحسن العسكري على أبيه و أخيه (عليهم السلام) و فعل موسى بن عمران على أخيه هارون (عليهما السلام) و في استدلاله (عليه السلام) و احتجاجه على من لأمه في الشق بشق موسى على أخيه هارون ما يؤيد ما قدمناه من ان ما يحكونه عن الأنبياء السابقين يكون حجة و دليلا للحكم في شريعتنا ما لم يعلم الاختصاص، و مثله حديث خالد بن سدير و استدلال الصادق (عليه السلام)
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 84 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 84 من أبواب الدفن.
154
بشق موسى بن عمران على أخيه هارون. و اللّٰه العالم.
(المقصد الخامس) في التعزية و ما يتبعها
، و العزاء ممدودا: الصبر، و التعزية تفعلة من العزاء، و عزيته تعزية قلت له أحسن اللّٰه تعالى عزاءك اي رزقك الصبر الجميل، و المراد بها طلب التسلي عن المصيبة بإسناد الأمر إلى قضاء اللّٰه و قدره و ذكر ما وعد اللّٰه تعالى على ذلك من الأجر و الثواب، و أقل مراتبها ان يراه صاحب المصيبة
لما رواه في الفقيه مرسلا (1) قال: و قال (عليه السلام): «كفاك من التعزية أن يراك صاحب المصيبة».
و البحث في هذا المقصد يقع في مقامات
[المقام] (الأول) [استحباب التعزية]
- قد استفاضت الاخبار باستحباب التعزية،
فروى في الكافي عن وهب بن وهب عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من عزى مصابا كان له مثل اجره من غير ان ينتقص من أجر المصاب شيء».
و عن ابي الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «كان فيما ناجى به موسى ربه قال يا رب ما لمن عزى الثكلى؟ قال أظله في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي».
و عن علي بن عيسى بن عبد اللّٰه العمري عن أبيه عن جده عن أبيه (4) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من عزى الثكلى اظله اللّٰه في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله».
و عن إسماعيل الجزري عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من عزى حزينا كسي في الموقف حلة يحبى بها».
و عن السكوني عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (6) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من عزى حزينا كسي في الموقف حلة يحبر بها».
و روى هذين
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 48 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 46 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 46 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 46 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 46 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 46 من أبواب الدفن.
155
الخبرين الأخيرين
الصدوق في الفقيه (1) مرسلين قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) الى آخرهما».
و روى الصدوق في المجالس و العيون بسنده عن محمد بن علي عن أبيه الرضا عن موسى بن جعفر (عليهم السلام) (2) قال: «رأى الصادق (عليه السلام) رجلا قد اشتد جزعه على ولده فقال يا هذا جزعت للمصيبة الصغرى و غفلت عن المصيبة الكبرى لو كنت لما صار اليه ولدك مستعدا لما اشتد عليه جزعك فمصابك بتركك الاستعداد له أعظم من مصابك بولدك».
و روى المشايخ الثلاثة في أصولهم و الصدوق في ثواب الأعمال عن رفاعة بن موسى النخاس عن الصادق (عليه السلام) (3) «انه عزى رجلا بابن له فقال له اللّٰه خير لابنك منك و ثواب اللّٰه خير لك منه فلما بلغه جزعه عليه عاد اليه فقال له قد مات رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فما لك به أسوة؟ فقال انه كان مراهقا فقال ان امامه ثلاث خصال: شهادة ان لا إله إلا اللّٰه و رحمة اللّٰه و شفاعة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فلن تفوته واحدة منهن ان شاء اللّٰه تعالى» قال شيخنا المجلسي (عطر اللّٰه مرقده) في البحار: قوله (عليه السلام): «اللّٰه خير لابنك منك».
أقول: لما كان الغالب ان الحزن على الأولاد يكون لتوهم أمرين باطلين: (أحدهما) انه على تقدير وجود الولد يصل النفع من الوالد اليه و ان هذه النشأة خير له من النشأة الأخرى و الحياة خير له من الموت فأزال (عليه السلام) و همه بان اللّٰه سبحانه و رحمته خير لابنك منك و مما تتوهمه من نفع توصله اليه على تقدير الحياة و الموت مع رحمة اللّٰه خير من الحياة. و (ثانيهما)- توقع النفع منه مع حياته أو الاستئناس به فأبطل (عليه السلام) ذلك بان ما عوضك اللّٰه تعالى من الثواب على فقده خير لك من كل نفع توهمته أو قدرته في حياته. قوله: «فعاد اليه» يفهم منه استحباب المعاودة و تكرار التعزية
____________
(1) ج 1 ص 110 و في الوسائل في الباب 46 من أبواب الدفن.
(2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 68 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 49 من أبواب الدفن.
156
مع بقاء الجزع. قوله: «انه كان مراهقا» في بعض النسخ كما في الكافي «مرهقا» فهو على بناء المجهول من باب التفعيل أو من الأفعال، قال في النهاية: الرهق: السفه و غشيان المحارم و فيه فلان مرهق اي متهم بسوء و سفه. و في القاموس الرهق محركة: السفه و النوك و الخفة و ركوب الشر و الظلم و غشيان المحارم، و المرهق كمكرم: من أدرك، و كمعظم:
الموصوف بالرهق أو من يظن به السوء. انتهى. و المراد ان حزني ليس بسبب فقده بل بسبب انه كان يغشى المحارم. انتهى ملخصا.
و روى في الكافي عن علي بن مهزيار (1) قال: «كتب أبو جعفر (عليه السلام) الى رجل ذكرت مصيبتك بعلي ابنك و ذكرت انه كان أحب ولدك إليك و كذلك اللّٰه انما يأخذ من الولد و غيره ازكى ما عند اهله ليعظم به أجر المصاب بالمصيبة فأعظم اللّٰه تعالى أجرك و أحسن عزاءك و ربط على قلبك انه قدير و عجل اللّٰه تعالى عليك بالخلف و أرجو ان يكون اللّٰه تعالى قد فعل ان شاء اللّٰه تعالى».
و روى في الفقيه مرسلا (2) قال: «اتى أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) قوما قد أصيبوا بمصيبة فقال: جبر اللّٰه وهنكم و أحسن عزاءكم و رحم متوفا كم ثم انصرف».
[فوائد]
و في المقام فوائد
(الأولى) [جواز التعزية قبل الدفن و بعده]
- قد عرفت معنى التعزية فيما تقدم و هي جائزة قبل الدفن و بعده
لما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن هشام بن الحكم (3) قال:
«رأيت موسى بن جعفر (عليه السلام) يعزى قبل الدفن و بعده».
و يحتمل انه (عليه السلام) جمع بين الأمرين في مصيبة واحدة. و الأفضل كونها بعد الدفن كما هو المشهور
لما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «التعزية لأهل المصيبة بعد ما يدفن».
و عن احمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «التعزية
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 49 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 49 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 48 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 48 من أبواب الدفن.
157
الواجبة بعد الدفن».
أقول: الوجوب هنا اما بالمعنى اللغوي أو لتأكيد الاستحباب.
و روى في الفقيه مرسلا (1) قال: «قال (عليه السلام) التعزية الواجبة بعد الدفن، و قال كفاك من التعزية أن يراك صاحب المصيبة».
و روى في الكافي عن إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «ليس التعزية إلا عند القبر ثم ينصرفون لا يحدث في الميت حدث فيسمعون الصوت».
قال في الوافي في ذيل هذا الخبر: «يعني ان التعزية تحصل بالاجتماع الذي يقع عند القبر فينبغي للناس بعد ما فرغوا من الدفن ان يعجلوا في الانصراف و لا يلبثوا هناك للتعزية لئلا يحدث في الميت حدث في قبره من عذاب أو صيحة فيسمعوا الصوت و يفزعوا من ذلك و يكرهوه» انتهى.
(الثانية)- هل لها حد معين أم لا؟
قال في المبسوط: الجلوس للتعزية يومين أو ثلاثة أيام مكروه إجماعا. و أنكر هذا القول ابن إدريس فقال بعد نقل كلام الشيخ المذكور: «قال محمد بن إدريس لم يذهب أحد من أصحابنا المصنفين الى ذلك و لا وصفه في كتابه و انما هذا من فروع المخالفين و تخريجاتهم، و أي كراهة في جلوس الإنسان في داره للقاء إخوانه و الدعاء لهم و التسليم عليهم و استجلاب الثواب لهم في لقائه و عزائه» انتهى و انتصر في المعتبر للشيخ فقال بعد نقل ملخص كلام ابن إدريس: «و الجواب ان الاجتماع و التزاور من حيث هو مستحب اما لو جعل لهذا الوجه و اعتقد شرعيته فإنه يفتقر إلى الدلالة، و الشيخ استدل بالإجماع على كراهيته إذ لم ينقل عن أحد من الصحابة و الأئمة (عليهم السلام) الجلوس لذلك فاتخاذه مخالفة لسنة السلف لكن لا يبلغ ان يكون حراما» انتهى. و ظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى الانتصار لابن إدريس حيث قال: و لا حد لزمانها عملا بالعموم نعم لو أدت التعزية إلى تجديد حزن قد نسي كان تركها اولى، و يمكن القول بثلاثة أيام
لنقل الصدوق عن الباقر (عليه السلام) (3)
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 48 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 48 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 67 من أبواب الدفن.
158
«يصنع للميت مأتم ثلاثة أيام من يوم مات».
و نقل عن الصادق (عليه السلام) (1) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أمر فاطمة (عليها السلام) ان تأتي أسماء بنت عميس و نساؤها و ان تصنع لهم طعاما ثلاثة أيام فجرت بذلك السنة».
قال و قال الصادق (عليه السلام) (2) «ليس لأحد ان يحد أكثر من ثلاثة أيام إلا المرأة على زوجها حتى تقضي عدتها».
قال (3): «و اوصى أبو جعفر (عليه السلام) بثمانمائة درهم لمأتمه و كان يرى ذلك من السنة لأن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أمر باتخاذ الطعام لآل جعفر».
و في كل هذا إيماء الى ذلك. و الشيخ أبو الصلاح قال: من السنة تعزية أهله ثلاثة أيام و حمل الطعام إليهم. ثم نقل كلام الشيخ في المبسوط و ملخص كلام ابن إدريس عليه و كلام المعتبر على ابن إدريس، ثم قال في الرد على كلام المعتبر: قلت الأخبار المذكورة مشعرة به فلا معنى لاعتراضه حجة التزاور و شهادة الإثبات مقدمة، إلا ان يقال لا يلزم من عمل المأتم الجلوس للتعزية بل هو مقصور على الاهتمام بأمور أهل الميت لاشتغالهم بحزنهم، لكن اللغة و العرف بخلافه، قال الجوهري: «المأتم: النساء يجتمعن قال و عند العامة المصيبة» و قال غيره «المأتم: المناحة» و هما مشعران بالاجتماع. انتهى ما ذكره في الذكرى في هذا المقام. و هو جيد. و الى هذا القول مال جملة من متأخري المتأخرين بل الظاهر انه هو المشهور.
(الثالثة) [التعزية لجميع أهل المصيبة]
- قال في المنتهى: «و يستحب التعزية لجميع أهل المصيبة كبيرهم و صغيرهم ذكرهم و أنثاهم عملا بالعموم، و ينبغي ان يخص أهل العلم و الفضل و الخير و المنظور إليهم من بينهم يميز به ليتأسى به غيره و الضعيف عن تحمل المصيبة لحاجته إليها، و لا ينبغي ان يعزى النساء الأجانب خصوصا الشواب بل تعزيهم نساء مثلهم» انتهى.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 67 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 82 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 68 من أبواب الدفن.
159
أقول:
و في الفقه الرضوي (1) قال: «و عز وليه فإنه روى عن الصادق (عليه السلام) انه قال: من عزى أخاه المؤمن كسي في الموقف حلة، الى ان قال (عليه السلام) و ان كان المعزى يتيما فامسح يدك على رأسه فقد روي ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال من مسح يده على رأس يتيم ترحما له كتب اللّٰه له بكل شعرة مرت عليها يده حسنة. و ان وجدته باكيا فسكته بلطف و رفق فاني اروي عن العالم (عليه السلام) انه قال إذا بكى اليتيم اهتز له العرش فيقول اللّٰه تبارك و تعالى من ذا الذي أبكى عبدي الذي سلبته أبويه في صغره و عزتي و جلالي و ارتفاعي في مكاني لا يسكته عبد مؤمن إلا وجبت له الجنة».
(الرابعة)- الأفضل في التعزية ما هو المأثور
عن أهل العصمة (عليهم السلام) مما تقدم في رواية رفاعة بن موسى و رواية علي بن مهزيار و مرسلة الفقيه (2)
و روى شيخنا الشهيد الثاني في كتاب مسكن الفؤاد عن ابي عبد اللّٰه جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده (عليهم السلام) (3) قال: «لما توفي رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) جاء جبرئيل و النبي مسجى و في البيت علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) فقال السلام عليكم يا أهل بيت الرحمة «كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّمٰا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ. الآية» (4) ألا ان في اللّٰه عز و جل عزاء من كل مصيبة و خلفا من كل هالك و دركا لما فات فباللّٰه عز و جل فثقوا و إياه فارجوا فان المصاب من حرم الثواب و هذا آخر وطئي من الدنيا».
و عن جابر بن عبد اللّٰه (رضي اللّٰه عنه) (5) قال: «لما توفي رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) عزتهم الملائكة يسمعون الحس و لا يرون الشخص فقالوا السلام عليكم أهل البيت و رحمة اللّٰه و بركاته ان في اللّٰه عزاء من كل مصيبة و خلفا عن كل فائت فباللّٰه فثقوا و إياه فارجوا و انما المحروم من حرم الثواب و السلام
____________
(1) ص 18.
(2) ص 155 و 156.
(3) رواه في البحار ج 18 ص 213.
(4) سورة آل عمران. الآية 182.
(5) رواه في البحار ج 18 ص 213.
160
عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته».
و روى الخبر الأول في الكافي عن الحسين بن المختار عنه (عليه السلام) (1) و الخبر الثاني عن زيد الشحام عنه (عليه السلام) (2).
(المقام الثاني) [استحباب الإطعام عن أهل المصيبة]
- لا خلاف بين أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) في استحباب الإطعام عن أصحاب المصيبة ثلاثة أيام، و على ذلك دلت جملة من الاخبار: منها-
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «لما قتل جعفر بن ابي طالب أمر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فاطمة ان تتخذ طعاما لأسماء بنت عميس ثلاثة أيام و تأتيها و نساؤها و تقيم عندها ثلاثة أيام فجرت بذلك السنة ان يصنع لأهل المصيبة طعام ثلاثا».
و رواه الصدوق مرسلا (4) الى قوله «فجرت بذلك السنة».
و في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (5) قال: «يصنع لأهل الميت مأتم ثلاثة أيام من يوم مات».
و رواه البرقي في المحاسن في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (6) و في متنه قال: «يصنع للميت الطعام للمأتم ثلاثة أيام بيوم مات فيه».
و عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (7) قال:
«ينبغي لجيران صاحب المصيبة أن يطعموا الطعام عنه ثلاثة أيام».
و رواه الصدوق بإسناده عن ابي بصير مثله (8)
و روى البرقي في المحاسن في الصحيح عن مرازم (9) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول لما قتل جعفر بن ابي طالب دخل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) على أسماء بنت عميس، الى ان قال فقال اجعلوا لأهل جعفر طعاما فجرت السنة إلى اليوم».
و عن العباس بن موسى بن جعفر عن أبيه (عليه السلام) (10) «انه سأله عن المأتم فقال ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال ابعثوا الى أهل جعفر طعاما فجرت السنة إلى اليوم».
و عن عمر بن علي بن الحسين (عليه السلام) (11) قال:
____________
(1) ج 1 ص 60.
(2) ج 1 ص 60.
(3) رواه في الوسائل في الباب 67 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 67 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 67 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 67 من أبواب الدفن.
(7) رواه في الوسائل في الباب 67 من أبواب الدفن.
(8) رواه في الوسائل في الباب 67 من أبواب الدفن.
(9) رواه في الوسائل في الباب 67 من أبواب الدفن.
(10) رواه في الوسائل في الباب 67 من أبواب الدفن.
(11) رواه في الوسائل في الباب 67 من أبواب الدفن.
161
«لما قتل الحسين (عليه السلام) لبس نساء بني هاشم السواد و المسوح و كن لا يشتكين من حر و لا برد و كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يعمل لهن الطعام للمأتم».
أقول: الظاهر ان ذلك بعد رجوعه (عليه السلام) الى المدينة.
و في الكافي في الصحيح أو الحسن عن حريز أو غيره (1) قال: اوصى أبو جعفر (عليه السلام) و الفقيه مرسلا قال: «اوصى أبو جعفر بثمانمائة درهم لمأتمه و كان يرى ذلك من السنة لأن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال اتخذوا لآل جعفر طعاما فقد شغلوا».
قال في الذكرى: «لو اوصى الميت بذلك نفذت وصيته لانه نوع من البر و يلحقه ثوابه بعد موته و لكن لو فوض الى غير اهله لكان انسب لاشتغالهم بمصابهم عن ذلك» أقول: يمكن ان يكون (عليه السلام) في وصيته بهذا المبلغ قد وكل مؤنته إلى غيرهم لئلا يزاحم اشتغالهم.
فروع
(الأول)
- يكره الأكل من طعام أهل المصيبة
لما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: «و قال الصادق (عليه السلام) الأكل عند أهل المصيبة من عمل أهل الجاهلية و السنة البعث إليهم بالطعام كما أمر به النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في آل جعفر بن ابي طالب لما جاء نعيه».
و قيده بعضهم بما كان من عندهم لا ما يهدى إليهم من الأقرباء و الجيران على السنة المذكورة. و هو حسن.
(الثاني)
- قال في المنتهى: «لا يستحب لأهل الميت ان يصنعوا طعاما و يجمعوا الناس عليه لأنهم مشغولون بمصابهم، و لأن في ذلك تشبها بأهل الجاهلية على ما قال الصادق (عليه السلام)» أقول: أشار بما قاله الصادق (عليه السلام) الى ما تقدم من مرسلة الفقيه.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 68 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 67 من أبواب الدفن.
162
(الثالث)
- قال في الكتاب المذكور ايضا: «لو دعت الحاجة الى ذلك جاز كما لو حضرهم أهل القرى و الأماكن البعيدة و احتاجوا الى المبيت عندهم فإنه ينبغي ضيافتهم» و هو جيد.
(الرابع)
- الظاهر من الاخبار و كلام الأصحاب ان الأمر بالإطعام في الثلاثة يتوجه لجيران الميت و أقرباؤه، و الظاهر تقييده بما إذا لم يوص الميت بما يصرف لذلك من ماله و إلا سقط الحكم المذكور، إلا انه ينبغي للوصي- كما تقدمت الإشارة اليه- ان يفوض ذلك الى غير أهل المصيبة لاشتغالهم بالحزن و بالناس القادمين عليهم عن ذلك.
(المقام الثالث) [جواز البكاء على الميت]
- الظاهر انه لا خلاف نصا و فتوى في جواز البكاء على الميت قبل الدفن و بعده، و يدل على ذلك الأخبار المستفيضة، و منها-
ما رواه الصدوق في الخصال و المجالس بسنديه فيهما الى محمد بن سهل البحراني يرفعه الى الصادق (عليه السلام) (1) قال: «البكاءون خمسة: آدم و يعقوب و يوسف و فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه و آله) و علي بن الحسين، اما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خديه أمثال الأودية، و اما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره و حتى قيل له: «. تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّٰى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهٰالِكِينَ» (2) و اما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به أهل السجن فقالوا اما ان تبكي الليل و تسكت بالنهار و اما ان تبكي النهار و تسكت بالليل فصالحهم على واحد منهما، و اما فاطمة فبكت على رسول الله (صلى الله عليه و آله) حتى تأذى بها أهل المدينة فقالوا لها قد آذيتنا بكثرة بكائك، و كانت تخرج الى المقابر مقابر الشهداء فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف، و اما علي بن الحسين فبكى على الحسين عشرين سنة أو أربعين سنة ما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قاله له مولى له اني أخاف عليك ان تكون من الهالكين. قال إنما أشكو بثي و حزني الى اللّٰه و اعلم من اللّٰه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 87 من أبواب الدفن.
(2) سورة يوسف. الآية 85.
163
ما لا تعلمون، اني لم اذكر مصرع بني فاطمة (عليها السلام) إلا خنقتني لذلك عبرة».
و روى في الكافي عن ابي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «لما ماتت رقية بنت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون و أصحابه، قال و فاطمة (عليها السلام) على شفير القبر تنحدر دموعها في القبر. الحديث».
و عن محمد بن منصور الصيقل عن أبيه (2) قال:
«شكوت الى ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) وجدا وجدته على ابن لي هلك حتى خفت على عقلي فقال إذا أصابك من هذا شيء فأفض من دموعك فإنه يسكن عنك».
و عن ابن القداح عن الصادق (عليه السلام) (3) في حديث قال: «لما مات إبراهيم بن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) هملت عين رسول اللّٰه بالدموع ثم قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) تدمع العين و يحزن القلب و لا نقول ما يسخط الرب و انا بك يا إبراهيم لمحزونون.».
و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (4) قال: «قال الصادق (عليه السلام) لما مات إبراهيم بن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال رسول اللّٰه حزنا عليك يا إبراهيم و انا لصابرون، يحزن القلب و تدمع العين و لا نقول ما يسخط الرب. قال و قال (عليه السلام) من خاف على نفسه من وجد بمصيبة فليفض من دموعه فإنه يسكن عنه. قال و قال ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) حين جاءته وفاة جعفر بن ابي طالب و زيد بن حارثة كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جدا و يقول كانا يحدثاني و يؤنساني فذهبا جميعا».
و في التهذيب بسنده الى محمد بن الحسن الواسطي عن الصادق (عليه السلام) (5) «ان إبراهيم خليل الرحمن سأل ربه ان يرزقه ابنة تبكيه بعد موته».
و الاخبار في هذا الباب كثيرة بل ورد بكاء الملائكة و بقاع الأرض على المؤمن
كما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 87 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 87 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 87 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 87 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 70 من أبواب الدفن.
164
عن علي بن رئاب (1) قال: «سمعت أبا الحسن الأول (عليه السلام) يقول إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة و بقاع الأرض التي كان يعبد اللّٰه تعالى عليها و أبواب السماء التي كان يصعد اعماله فيها. و ثلم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء لأن المؤمنين حصون الإسلام كحصون سور المدينة لها».
و اما رواية الحسن بن الشيخ الطوسي في أماليه عن معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام) (2) في حديث قال: «كل الجزع و البكاء مكروه ما خلا الجزع و البكاء لقتل الحسين (عليه السلام)».
فالظاهر ان المراد بالكراهة هنا عدم ترتب الثواب و الأجر عليه مجازا لا الكراهة الموجبة للذم، و ذلك فإنه ليس في شيء من افراد البكاء ما يوجب الثواب الجزيل و الأجر الجميل مثل البكاء عليه و البكاء على آبائه و أبنائه (عليهم السلام) و قصارى البكاء على غيرهم ان سبيله سبيل المباحات. و اما
ما روي من ان الميت يعذب ببكاء اهله.
فهو من روايات العامة، قال شيخنا في الذكرى:
الثالثة- لا يعذب الميت بالبكاء عليه سواء كان بكاء مباحا أو محرما كالمشتمل على المحرم، لقوله تعالى: «. وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ.» (3)
و ما في البخاري و مسلم (4) في خبر عبد اللّٰه بن عمر- «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال ان الميت ليعذب ببكاء اهله».
و يروى (5) «ان حفصة بكت على عمر فقال مهلا يا بنية أ لم تعلمي ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال ان الميت يعذب ببكاء اهله عليه؟».
- مأول، قيل و أحسنه إن
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 88 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 87 من أبواب الدفن.
(3) سورة الانعام. الآية 164.
(4) في البخاري ج 1 ص 195 و في صحيح مسلم ج 1 ص 342 و 344.
(5) رواه مسلم في صحيحة ج 1 ص 341، و روى ص 344 عن هشام بن عروة عن أبيه «انه ذكر لعائشة قول ابن عمر: «ان الميت يعذب ببكاء اهله عليه» فقالت رحم اللّٰه أبا عبد الرحمن سمع شيئا فلم يحفظ انما مرت على رسول اللّٰه (ص) جنازة يهودي و هم يبكون عليه فقال أنتم تبكون و انه ليعذب».
165
الجاهلية، ثم أطال في بيان أجوبة ذكروها و قد أوضح فسادها و لا حاجة بنا الى التطويل بنقلها. و بالجملة فإنه لا اشكال و لا خلاف عندنا في جواز البكاء كما صرح به الأصحاب
[هل يجوز النوح على الميت؟]
انما الخلاف نصا و فتوى في جواز النوح فالمشهور بين الأصحاب جوازه ما لم يستلزم محرما من كذب أو صراخ عال أو لطم الوجوه و خمشها و نحو ذلك، و في الذكرى عن المبسوط و ابن حمزة التحريم و ان الشيخ ادعى عليه الإجماع.
و اما الاخبار فمنها ما دل على الجواز و من ذلك
ما رواه في الكافي في الصحيح عن يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «قال لي أبي يا جعفر أوقف لي من مالي كذا و كذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيام منى».
قال في الذكرى بعد ذكر الخبر: و المراد بذلك تنبيه الناس على فضائله و إظهارها ليقتدى بها و يعلم ما كان عليه أهل هذا البيت ليقتفى آثارهم لزوال التقية بعد الموت. و منها-
ما رواه في الكافي و التهذيب عن الثمالي عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «مات الوليد بن المغيرة فقالت أم سلمة للنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ان آل المغيرة أقاموا مناحة فأذهب إليهم؟ فأذن لها فلبست ثيابها و تهيأت، و كانت من حسنها كأنها جان و كانت إذا قامت و أرخت شعرها جلل جسدها و عقدت طرفيه بخلخالها، فندبت ابن عمها بين يدي رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقالت:
أنعى الوليد بن الوليد * * * أبا الوليد فتى العشيرة
حامي الحقيقة ماجدا * * * يسمو الى طلب الوتيرة
قد كان غيثا في السنين * * * و جعفرا غدقا و ميرة
فما عاب عليها النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ذلك و لا قال شيئا».
و منها-
ما رواه الشيخان المذكوران عن حنان بن سدير (3) قال: «كانت امرأة معنا في الحي و لها جارية نائحة فجاءت الى ابي فقالت يا عم أنت تعلم أن معيشتي من اللّٰه عز و جل ثم من
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب ما يكتسب به.
(2) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب ما يكتسب به.
(3) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب ما يكتسب به.
166
هذه الجارية النائحة و قد أحببت أن تسأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن ذلك فان كان حلالا و إلا بعتها و أكلت من ثمنها حتى يأتي اللّٰه تعالى بالفرج. فقال لها ابي و اللّٰه اني لأعظم أبا عبد اللّٰه ان أسأله عن هذه المسألة قال فلما قدمنا عليه أخبرته أنا بذلك فقال (عليه السلام) أ تشارط؟ قلت و اللّٰه ما ادري تشارط أم لا. فقال قل لها لا تشارط و تقبل كل ما أعطيت».
و ما رواه في الفقيه و التهذيب في الصحيح عن ابي بصير (1) قال «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميت».
و في الفقيه مرسلا (2) قال: «و سئل (عليه السلام) عن أجر النائحة قال لا بأس به قد نيح على رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)».
ثم قال روي: «انه لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا».
و في خبر آخر «تستحله بضرب احدى يديها على الأخرى»
و روى في الكافي عن عذافر (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن كسب النائحة فقال تستحله بضرب احدي يديها على الأخرى».
قال بعض مشايخنا المحدثين بعد ذكر هذا الخبر:
لعل المراد انها تعمل أعمالا شاقة فيها تستحق الأجرة، و اشارة إلى انه لا ينبغي ان تأخذ الأجرة على النياحة بل على ما يضم إليها من الأعمال. و قيل هو كناية عن عدم اشتراط الأجرة. و لا يخفى ما فيه. انتهى.
و روى في إكمال الدين بسند صحيح الى الحسين بن زيد (4) قال: «ماتت ابنة لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فناح عليها سنة ثم مات له ولد آخر فناح عليه سنة ثم مات إسماعيل فجزع عليه جزعا شديدا فقطع النوح، فقيل لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أ يناح في دارك؟ فقال ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال لما مات حمزة لكن حمزة لا بواكي عليه».
و روى الشهيد الثاني في مسكن الفؤاد (5) «ان فاطمة ناحت على أبيها و انه أمر بالنوح على حمزة».
و روى في الكافي بسنده عن
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب ما يكتسب به.
(2) ج 1 ص 116 و في الوسائل في الباب 71 من أبواب الدفن و 17 من أبواب ما يكتسب به.
(3) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب ما يكتسب به.
(4) رواه في الوسائل في الباب 70 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 70 من أبواب الدفن.
167
خديجة بنت عمر بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام) (1) في حديث طويل: «انها قالت سمعت عمي محمد بن علي يقول انما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح لتسيل دمعتها و لا ينبغي لها ان تقول هجرا فإذا جاء الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح».
و قال الصدوق في الفقيه (2): «لما انصرف رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من وقعة أحد إلى المدينة سمع من كل دار قتل من أهلها قتيل نوحا و لم يسمع من دار عمه حمزة فقال (صلى اللّٰه عليه و آله) لكن حمزة لا بواكي عليه فآلى أهل المدينة ان لا ينوحوا على ميت و لا يبكوه حتى يبدأوا بحمزة فينوحوا عليه و يبكوه فهم الى اليوم على ذلك».
فهذه جملة من الاخبار ظاهرة في الجواز.
و اما ما يدل على القول الآخر فجملة من الاخبار ايضا: منها-
ما رواه في الكافي عن جابر (3) عن الباقر (عليه السلام) قال: «قلت له ما الجزع؟ فقال: أشد الجزع الصراخ بالويل و العويل و لطم الوجه و الصدر و جز الشعر من النواصي، و من اقام النواحة فقد ترك الصبر و أخذ في غير طريقة. الحديث».
و قال الصدوق (4): من ألفاظ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) الموجزة التي لم يسبق إليها «النياحة من عمل الجاهلية».
و روى في حديث المناهي المذكور في آخر كتاب الفقيه عن الحسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «و نهى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) عن الرنة عند المصيبة و نهى عن النياحة و الاستماع إليها».
و روى في معاني الأخبار بسنده عن عمرو بن ابي المقدام (6) قال: «سمعت أبا الحسن و أبا جعفر (عليهما السلام) يقول في قول اللّٰه عز و جل «وَ لٰا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ» قال ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال:
لفاطمة إذا أنا مت فلا تخمشي علي وجها و لا ترخي علي شعرا و لا تنادي بالويل و لا
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 71 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 88 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 83 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 83 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 83 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 83 من أبواب الدفن.
168
تقيمن علي نائحة، قال ثم قال هذا المعروف الذي قال اللّٰه عز و جل: وَ لٰا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ».
و روى علي بن جعفر في كتاب المسائل عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن النوح على الميت أ يصلح؟ قال يكره».
و في الخصال بسنده عن عبد اللّٰه ابن الحسين بن زيد عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أربعة لا تزال في أمتي إلى يوم القيامة: الفخر بالأحساب و الطعن في الأنساب و الاستسقاء بالنجوم و النياحة، و ان النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة و عليها سربال من قطران و درع من حرب».
و ظاهر كلام أكثر الأصحاب الاعراض عن هذه الأخبار و تأويلها بل تأويل كلام الشيخ ايضا بالحمل على النوح المشتمل على شيء من المناهي كما هو ظاهر سياق الحديث الأول، قال في الذكرى بعد نقل القول بالتحريم عن الشيخ و ابن حمزة: و الظاهر انهما أرادا النوح بالباطل أو المشتمل على المحرم كما قيده في النهاية، ثم نقل جملة من اخبار النهي، و قال: و جوابه الحمل على ما ذكرناه جمعا بين الاخبار، و لأن نياحة الجاهلية كانت كذلك غالبا، و لأن أخبارنا خاصة و الخاص مقدم. أقول: من المحتمل قريبا حمل الأخبار الأخيرة على التقية فإن القول بالتحريم قد نقله في المعتبر عن كثير من أصحاب الحديث من الجمهور (3) و نقل جملة من رواياتهم المطابقة لما روى عندنا و منه تفسير آية «. وَ لٰا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ.» (4) بالنوح، قال في المنتهى: النياحة بالباطل محرمة إجماعا اما بالحق فجائزة إجماعا.
و روى الجمهور عن فاطمة (عليها السلام) (5) انها قالت:
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب ما يكتسب به.
(2) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب ما يكتسب به.
(3) كما في الفتاوى الفقهية لابن حجر ج 2 ص 18 و في عمدة القارئ للعيني ج 4 ص 94 و ج 9 ص 209 و في فتح الباري ج 8 ص 450.
(4) سورة الممتحنة. الآية 12.
(5) كما في المغني لابن قدامة ج 2 ص 547.
169
يا أبتاه من ربه ما أدناه يا أبتاه الى جبرئيل أنعاه يا أبتاه أجاب ربا دعاه.
و عن علي (عليه السلام) (1) ان فاطمة أخذت قبضة من تراب قبر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فوضعتها على عينها فقالت شعرا:
ما ذا على من شم تربة احمد * * * ان لا يشم مدى الدهور غواليا
صبت علي مصائب لو انها * * * صبت على الأيام صرن لياليا
. و من طريق الخاصة ما رواه الصدوق، ثم نقل بعضا من الاخبار التي قدمناها في جواز النياحة. و قد صرح جملة من الأصحاب: منهم- صاحب المنتهى و الذكرى بجواز الوقف على النوح لخبر يونس بن يعقوب المتقدم، قالوا و لانه فعل مباح فجاز صرف المال اليه. و بالجملة فالظاهر هو القول بالجواز ما لم يستلزم امرا آخر مما قدمنا ذكره.
(المقام الرابع)- في زيارة القبور
، و هي مستحبة إجماعا نصا و فتوى إلا ان المحقق في المعتبر و جمعا ممن تأخر عنه خصوا ذلك بالرجال و كرهوه للنساء، و سيأتي ما فيه في المقام ان شاء اللّٰه تعالى،
روى الجمهور عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) انه قال:
«كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر كم الموت».
و من طريق الخاصة ما رواه الصدوق في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الموتى نزورهم؟ قال نعم. قلت فيعلمون بنا إذا أتيناهم؟ قال اي و اللّٰه انهم ليعلمون بكم و يفرحون بكم و يستأنسون إليكم».
و ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن جميل ابن دراج عن الصادق (عليه السلام) (4) «في زيارة القبور قال: إنهم يأنسون بكم فإذا غبتم عنهم استوحشوا».
و عن إسحاق بن عمار عن ابي الحسن (عليه السلام) (5) قال: «قلت له المؤمن يعلم من يزور قبره؟ قال نعم لا يزال مستأنسا به ما زال عند
____________
(1) كما في المغني لابن قدامة ج 2 ص 547.
(2) رواه أبو داود في السنن ج 3 ص 218 و ابن ماجة في السنن ج 1 ص 476.
(3) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب الدفن.
170
قبره فإذا قام و انصرف من قبره دخله من انصرافه عن قبره وحشة».
و عن مفضل بن عمر عن الصادق و عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) زوروا موتاكم فإنهم يفرحون بزيارتكم، و ليطلب أحدكم حاجته عند قبر أبيه و عند قبر امه بما يدعو لهما».
و ما رواه الصدوق بإسناده عن صفوان بن يحيى (2) قال:
«قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام) بلغني ان المؤمن إذا أتاه الزائر أنس به فإذا انصرف عنه استوحش؟ فقال لا يستوحش».
أقول: يمكن الجمع بين هذا الخبر و ما تقدمه بالفرق بين ما إذا كان الزائر من أهل الميت و أقاربه و عدمه فتحمل الأخبار المتقدمة على الأول و هذا على الثاني.
و يتأكد ذلك يوم الاثنين و عشية الخميس و غداة السبت،
فروى ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «سمعته يقول عاشت فاطمة (عليها السلام) بعد أبيها خمسة و سبعين يوما لم تر كاشرة و لا ضاحكة تأتي قبور الشهداء في كل جمعة مرتين الاثنين و الخميس فتقول: ههنا كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ههنا كان المشركون».
أقول: المراد بالجمعة الأسبوع كما هو أحد إطلاقاته في الاخبار.
و ما رواه الشيخ عن يونس عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «ان فاطمة (عليها السلام) كانت تأتى قبور الشهداء في كل غداة سبت فتأتي قبر حمزة و تترحم عليه و تستغفر له».
قال في الوافي بعد ذكر هذا الخبر:
«لعل هذا كان في حياة أبيها (صلى اللّٰه عليه و آله) و ما تقدمه بعد وفاته فلا تنافي» و هو جيد.
و روى ابن قولويه في المزار عن صفوان الجمال (5) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يخرج في ملأ من الناس من أصحابه كل عشية خميس الى بقيع المدنيين فيقول السلام عليكم يا أهل الديار (ثلاثا)
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 55 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 55 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 55 من أبواب الدفن.
171
رحمكم اللّٰه (ثلاثا). الحديث».
و يستحب وضع الزائر يده على القبر مستقبل القبلة و قراءة القدر سبعا و الدعاء بالمأثور،
فروى في الكافي عن محمد بن احمد (1) قال: «كنت يفيد فمشيت مع علي ابن بلال الى قبر محمد بن إسماعيل بن بزيع فقال لي علي بن بلال قال لي صاحب هذا القبر عن الرضا (عليه السلام) قال من اتى قبر أخيه ثم وضع يده على القبر و قرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر سبع مرات أمن يوم الفزع الأكبر أو يوم الفزع».
و رواه الكشي في كتاب الرجال نقلا من كتاب محمد بن الحسين بن بندار بخطه (2) قال حدثني محمد بن يحيى عن محمد بن احمد بن يحيى قال: «كنت يفيد، و ذكر نحوه الى ان قال:
أخبرني صاحب هذا القبر- يعني محمد بن إسماعيل بن بزيع- انه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول من زار قبر أخيه المؤمن فجلس عند قبره و استقبل القبلة و وضع يده على القبر فقرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر سبع مرات أمن من الفزع الأكبر».
و رواه النجاشي في كتاب الرجال مثله (3) إلا ان فيه «انه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول من زار قبر أخيه المؤمن و وضع يده عليه و قرأ إنا أنزلناه. الحديث».
و روى في التهذيب عن عبد الرحمن بن ابي عبد اللّٰه البصري (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) كيف أضع يدي على قبور المسلمين؟ فأشار بيده الى الأرض فوضعها عليها و هو مقابل القبلة».
و روى الصدوق مرسلا (5) قال: «قال الرضا (عليه السلام) ما من عبد زار قبر مؤمن فقرأ عليه انا أنزلناه في ليلة القدر سبع مرات إلا غفر اللّٰه تعالى له و لصاحب القبر».
و قد تقدم في بحث الدفن نقلا عن
الفقه الرضوي (6) قوله: «ثم ضع يدك على القبر و أنت مستقبل القبلة و قل اللهم ارحم غربته. الدعاء كما تقدم الى ان قال (عليه السلام) و متى ما زرت قبره فادع له بهذا الدعاء و أنت مستقبل القبلة و يداك على القبر».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 57 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 57 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 57 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 33 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 57 من أبواب الدفن.
(6) ص 18.
172
و روى الصدوق في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الموتى نزورهم؟ فقال نعم.» و قد تقدم في صدر هذا المقام الى ان قال: «فأي شيء نقول إذا أتيناهم؟ قال قل: اللهم جاف الأرض عن جنوبهم و صاعد إليك أرواحهم و لقهم منك رضوانا و اسكن إليهم من رحمتك ما تصل به وحدتهم و تؤنس به وحشتهم انك على كل شيء قدير».
و في الكافي في الصحيح أو الحسن عن عبد اللّٰه بن سنان (2) قال:
«قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) كيف التسليم على أهل القبور؟ فقال نعم تقول السلام على أهل الديار من المؤمنين و المسلمين أنتم لنا فرط و نحن ان شاء اللّٰه بكم لاحقون».
و عن منصور بن حازم في الصحيح (3) قال: «تقول: السلام عليكم من ديار قوم مؤمنين و انا ان شاء اللّٰه تعالى بكم لاحقون».
(و قال في الفقيه (4): «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا مر على القبور قال السلام عليكم. الحديث».
و في الكافي و الفقيه عن جراح المدائني (5) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) كيف التسليم على أهل القبور؟ قال تقول: السلام على أهل الديار من المسلمين و المؤمنين رحم اللّٰه المستقدمين.
منا و المستأخرين و انا ان شاء اللّٰه تعالى بكم لا حقون».
أقول: مورد هذه الاخبار الأخيرة زيارة المقبرة و الدعاء لمن فيها من المؤمنين و السلام عليهم و مورد الأخبار الأولة زيارة قبر المؤمن وحده و قراءة السورة المذكورة و الدعاء المذكور عنده.
و في كتاب تنبيه الخاطر لو رام (6) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا قرأ المؤمن آية الكرسي و جعل ثواب قراءته لأهل القبور جعل اللّٰه تعالى له من كل حرف ملكا يسبح له الى يوم القيامة».
فروع:
(الأول) [حكم زيارة القبور للنساء]
- الظاهر من كلام المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 56 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 56 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 56 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 56 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 34 من أبواب الدفن.
173
تخصيص استحباب الزيارة بالرجال و كراهتها للنساء، قال في المعتبر: «و اما الكراهة لهن فلان الستر و الصيانة اولى بهن» و فيه ما عرفت من الاخبار الدالة على زيارة فاطمة (عليها السلام) لقبور الشهداء، قال في الذكرى بعد نقل كلام المعتبر و تعليله الكراهة:
«و هو حسن إلا مع الأمن و الصون لفعل فاطمة (عليها السلام)» و هو جيد، و حينئذ فالكراهة بالنسبة الى النساء انما هو باعتبار أمر آخر لا من حيث الزيارة كما أطلقه في المعتبر، إذ ليس مجرد الزيارة مستلزما لهتك الستر و الصيانة و الا لاستلزم كراهة خروجهن من البيوت مطلقا و لا قائل به.
(الثاني)
- المفهوم من خبر محمد بن أحمد الأول و كذا من عبارة كتاب الفقه ان المستحب وضع اليدين معا و لا اعلم به قائلا، و أكثر الروايات انما هي بذكر اليد مفردة و هو الظاهر من عبارات الأصحاب كما لا يخفى على من راجعها، و الظاهر انها اليمين لأنها هي المعدة للسنن و المستحبات لشرفها كما بين في غير موضع.
(الثالث)
- المفهوم من الاخبار المتقدمة تأكد الاستحباب في الأيام الثلاثة المتقدمة و ان جازت في سائر الأيام، و قال في المنتهى: و يستحب تكرار ذلك في كل وقت، ثم استدل
بما رواه ابن بابويه عن إسحاق بن عمار (1) قال: «سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن المؤمن يزور اهله؟ فقال نعم. فقال في كم؟ فقال على قدر فضائلهم: منهم من يزور في كل يوم.».
أقول: لا يخفى ان الخبر و ان أوهم ما ذكره إلا ان تتمة الخبر صريحة في ان مورده انما هي زيارة الأرواح لأهلها بعد الموت لا زيارة الأحياء للقبور، و هذه تتمة الخبر المذكور
«و منهم من يزور في كل يومين و منهم من يزور في كل ثلاثة أيام، قال ثم رأيت في مجرى كلامه انه يقول: أدناهم منزلة يزور كل جمعة: قال قلت في أي ساعة؟ قال عند زوال الشمس أو قبيل ذلك».
و رواه في الكافي (2) و زاد فيه: «قال قلت في أي صورة؟ قال في صورة العصفور أو أصغر من ذلك».
ثم
____________
(1) الفقيه ج 1 ص 115.
(2) ج 1 ص 60.
174
اشترك الكتابان في قوله: «فيبعث اللّٰه تعالى معه ملكا فيريه ما يسره و يستر عنه ما يكرهه فيرى ما يسره و يرجع الى قرة عين» فالاستدلال به غفلة ظاهرة كما لا يخفى.
(الرابع) [خلع النعال عند دخول المقابر]
- قال في المنتهى: «و يستحب خلع النعال إذا دخل المقابر و لو لم يفعله لم يكن مكروها
لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) روي عنه انه قال: «إذا وضع الميت في قبره و تولى عنه أصحابه انه يسمع قرع نعالهم» (1).
و لا ريب ان خلع النعال أقرب الى الخشوع و أبعد من الخيلاء، و لو كان هناك مانع من خلع النعلين لم يستحب خلعهما» و قال في الذكرى: «لا يستحب لمن دخل المقبرة خلع نعليه للأصل و عدم ثبت قالوا:
«رأى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) رجلا يمشي في المقبرة و عليه نعلان فقال يا صاحب السبتيتين التي سبتيتيك فرمى بهما» (2).
قلنا حكاية حال فلعله لما في هذا النوع من الخيلاء لانه لباس أهل التنعم لا لأجل المقبرة» أقول: الذي يلوح من هذا الكلام ان القائل بالاستحباب انما هو من العامة كما ينادي به الاستدلال بهذا الخبر الذي لا اثر له في أصولنا فيما اعلم، و لا يبعد ان العلامة في المنتهى قد تبع القوم في ذلك، و كيف كان فلم أقف على مستند لهذا الحكم الذي ادعاه في المنتهى و كلام الذكرى هنا هو الأقوى.
(الخامس)
- ظاهر أكثر الأخبار الأولة انه يستحب في زيارة قبر المؤمن قراءة القدر سبع مرات خاصة، و ظاهر عبارة الفقه استحباب الدعاء المذكور خاصة، و الجمع بين الاخبار بالتخيير ممكن و الجمع بين السورة المذكورة و الدعاء أفضل:
(السادس)- يكره الضحك بين القبور
لما رواه الصدوق في المناهي المذكورة في آخر الكتاب عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (3) قال: «ان اللّٰه تعالى كره لأمتي
____________
(1) رواه أبو داود في السنن ج 3 ص 217.
(2) رواه أبو داود في السنن ج 3 ص 217.
(3) رواه في الوسائل في الباب 63 من أبواب الدفن.
175
الضحك بين القبور و التطلع في الدور، قال: و قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان اللّٰه تعالى كره لي ست خصال و كرهتهن للأوصياء من ولدي و اتباعهم من بعدي:
العبث في الصلاة و الرفث في الصوم و المن بعد الصدقة و إتيان المساجد جنبا و التطلع في الدور و الضحك بين القبور».
و نحوه روى في المجالس (1) و مثله في الخصال (2) و في بعضها أربعا و عشرين خصلة و عد منها الضحك بين القبور و التطلع في الدور.
(السابع)
- قال في المنتهى: «يكره المشي على القبور قاله الشيخ» أقول:
قد قدمنا الكلام في ذلك و بينا انا لم نقف له على دليل من أخبارنا بل ظاهر بعضها خلافه.
(المقام الخامس) [استحباب احتساب موت الأولاد]
- قد استفاضت الاخبار باستحباب احتساب موت الأولاد و الصبر على ذلك و ما فيه من الأجر في الآخرة،
ففي الكافي عن أبي إسماعيل السراج عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «ولد يقدمه الرجل أفضل من سبعين ولدا يخلفهم بعده كلهم قد ركبوا الخيل و جاهدوا في سبيل اللّٰه تعالى».
و عن ابن مهزيار في الصحيح (4) قال: «كتب رجل الى ابي جعفر (عليه السلام) يشكو اليه مصابه بولده و شدة ما دخله فكتب اليه: أما علمت ان اللّٰه تعالى يختار من مال المؤمن و من ولده أنفسه ليأجره على ذلك؟».
و عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (5) قال: «دخل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) على خديجة حيث مات القاسم ابنها و هي تبكي فقال لها ما يبكيك؟
فقالت درت دريرة فبكيت. فقال يا خديجة أما ترضين إذا كان يوم القيامة ان تجيء الى باب الجنة و هو قائم فيأخذ بيدك و يدخلك الجنة و ينزلك أفضلها؟ و ذلك لكل مؤمن، ان اللّٰه عز و جل احكم و أكرم من ان يسلب المؤمن ثمرة فؤاده ثم يعذبه بعدها ابدا».
و عن ابي بصير (6) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: ان اللّٰه تعالى إذا أحب عبدا قبض أحب ولده اليه».
و عن ابن بكير في الموثق عن الصادق
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 63 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 63 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 72 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 72 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 72 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 72 من أبواب الدفن.
176
(عليه السلام) (1) قال: «ثواب المؤمن من ولده إذا مات الجنة صبر أو لم يصبر».
و رواه الصدوق مرسلا (2)
و عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا قبض ولد المؤمن- و اللّٰه تعالى اعلم بما قال العبد- قال اللّٰه تعالى لملائكته قبضتم ولد فلان المؤمن؟ فيقولون نعم ربنا. فيقول ما ذا قال عبدي؟ قالوا حمدك و استرجع. فيقول اللّٰه لملائكته أخذتم ثمرة قلبه و قرة عينه فحمدني و استرجع ابنوا له بيتا في الجنة و سموه بيت الحمد».
و عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: «مات طاهر ابن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فنهى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) خديجة عن البكاء فقالت بلى يا رسول اللّٰه و لكن درت علي دريرة فبكيت فقال أما ترضين ان تجديه قائما على باب الجنة فإذا رآك أخذ بيدك فأدخلك الجنة أطهرها مكانا و أطيبها؟ فقالت و ان ذلك كذلك؟ قال اللّٰه أعز و أكرم من ان يسلب عبدا ثمرة قلبه فيصبر و يحتسب و يحمد اللّٰه عز و جل ثم يعذبه».
قولها (رضي اللّٰه عنها): «درت علي دريرة» كناية عن سيلان الدموع.
و بالإسناد عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (5) قال: «من قدم من المسلمين ولدين يحتسبهما عند اللّٰه تعالى حجباه من النار باذن اللّٰه تعالى».
و روى الصدوق مرسلا (6) قال: «قال الصادق (عليه السلام) من قدم ولدا كان خيرا له من سبعين يخلفهم بعده كلهم قد ركب الخيل و قاتل في سبيل اللّٰه تعالى».
و روى في ثواب الأعمال عن ميسر عن الصادق (عليه السلام) (7) قال: «ولد واحد يقدمه الرجل أفضل من سبعين ولدا يبقون بعده يدركون القائم (عليه السلام)».
و في المجالس بسنده عن انس بن مالك (8) قال: «توفي ولد لعثمان بن مظعون فقال له رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان للجنة ثمانية أبواب و للنار سبعة أبواب أ فلا يسرك ان لا تأتي بابا منها إلا وجدت ابنك الى جنبك أخذ بحجزتك يشفع لك الى ربك؟
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 72 من أبواب الدفن.
(2) رواه في الوسائل في الباب 72 من أبواب الدفن.
(3) رواه في الوسائل في الباب 73 من أبواب الدفن.
(4) رواه في الوسائل في الباب 72 من أبواب الدفن.
(5) رواه في الوسائل في الباب 72 من أبواب الدفن.
(6) رواه في الوسائل في الباب 72 من أبواب الدفن.
(7) رواه في الوسائل في الباب 72 من أبواب الدفن.
(8) رواه في الوسائل في الباب 72 من أبواب الدفن.
177
فقال بلى. فقال المسلمون: و لنا يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) في فرطنا ما لعثمان؟
قال نعم لمن صبر منكم و احتسب. الحديث».
أقول: ينبغي ان يعلم انه لا منافاة بين هذه الاخبار و ما دلت عليه من استحباب احتساب الولد و الصبر على مصيبة فقده و بين ما تقدم من جواز البكاء، فان البكاء لا ينافي الصبر و التسليم للّٰه عز و جل و انما هو رحمة و رقة بشرية جبلية لا يملك الإنسان منعها كما تقدم ذكره في بعض الاخبار المتقدمة و الإشارة إليه في آخر، و اما منعه (صلى اللّٰه عليه و آله) خديجة من البكاء هنا فلعله لغرض اخبارها بالفائدة المذكورة في الخبر أو ان النهي عن إكثاره، و يؤيد ما ذكرناه
ما رواه في الكافي عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (1) في حديث قال: «من صبر و استرجع و حمد اللّٰه عز و جل فقد رضي بما صنع اللّٰه تعالى و وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّٰهِ، و من لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء و هو ذميم و أحبط 1 اللّٰه تعالى اجره».
و بالجملة فإنه لما ثبت جواز البكاء كما تقدم و وقع ذلك من النبي و فاطمة و الأئمة من بعده (صلوات اللّٰه عليهم) فلا بد من الجمع بينه و بين هذه الاخبار و لا وجه في الجمع إلا ما ذكرناه.
(المقام السادس) [ما يلحق الميت بعد موته من الثواب و تخفيف العقاب]
- قد تكاثرت الاخبار بما يلحق الميت بعد موته من الثواب و تخفيف العقاب بما قدمه من بعض الأعمال و ما يهدى اليه من الأهل و الاخوان، قال في المنتهى: كل قربة تفعل و يجعل ثوابها للميت المؤمن فإنها تنفعه، و لا خلاف في الدعاء و الصدقة و الاستغفار و أداء الواجب التي يدخلها النيابة، قال اللّٰه تعالى: «وَ الَّذِينَ جٰاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ.» (2) و قال:
«. وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنٰاتِ.» (3) أقول: و من الأخبار التي أشرنا إليها ما
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 73 من أبواب الدفن.
(2) سورة الحشر. الآية 10.
(3) سورة محمد. الآية 16.
178
رواه في الكافي في الصحيح عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال:
«ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته، و سنة هدى سنها فهي يعمل بها بعد موته، و ولد صالح يدعو له».
و عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته و صدقة مقبولة لا تورث، أو سنة هدى يعمل بها بعد موته، أو ولد صالح يدعو له».
قال المحدث الكاشاني في الوافي: «لعل المراد بالصدقة الجارية ما يعم نفعه عامة الناس كبناء المساجد و الرباطات و احداث الآبار و القنوات في الطرق و نحوها، و بالصدقة المقبولة التي لا تورث تحبيس الأصل و تسبيل المنفعة على طائفة مخصوصة، و لعل المراد بقبولها ان لا يشترط فيها ما يخالف الشرع و المروة، و لما اشتركتا في كونهما صدقة جعلتا خصلة واحدة» انتهى.
و عن معاوية بن عمار في الصحيح (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ما يلحق الرجل بعد موته؟ قال سنة يسنها يعمل بها بعد موته فيكون له مثل أجر من عمل بها من غير ان ينقص من أجورهم شيء، و الصدقة الجارية تجري بعد موته، و الولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما و يحج و يتصدق و يعتق عنهما و يصلى و يصوم عنهما. فقلت أشركهما في حجي؟ قال نعم».
أقول: المراد بالحج المستحب كما صرح به غير هذا الخبر.
و عن ابي كهمس عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «ستة تلحق الميت بعد وفاته: ولد يستغفر له و مصحف يخلفه و غرس يغرسه و قليب يحفره و صدقة يجريها و سنة يؤخذ بها من بعده».
و رواه مرة أخرى مرسلا و فيه «و صدقة ماء يجريه».
و روى في الفقيه عن عمر بن يزيد (5) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أ يصلى عن الميت؟ قال نعم حتى انه ليكون في ضيق فيوسع اللّٰه تعالى عليه ذلك الضيق
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 87 من كتاب الوقوف.
(2) رواه في الوسائل في الباب 87 من كتاب الوقوف.
(3) رواه في الوسائل في الباب 87 من كتاب الوقوف.
(4) رواه في الوسائل في الباب 87 من كتاب الوقوف.
(5) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الاحتضار.
179
ثم يؤتى فيقال له خفف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك عنك. قال فقلت له فأشرك بين رجلين في ركعتين؟ قال نعم، فقال (عليه السلام) ان الميت ليفرح بالترحم عليه و الاستغفار له كما يفرح الحي بالهدية تهدى اليه».
و في الفقيه مرسلا (1) قال: «قال (عليه السلام) يدخل على الميت في قبره الصلاة و الصوم و الحج و الصدقة و البر و الدعاء و يكتب أجره للذي يفعله و للميت».
و في التهذيب عن عمر بن يزيد (2) قال: «كان أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) يصلي عن ولده في كل ليلة ركعتين و عن والديه في كل يوم ركعتين. قلت له جعلت فداك كيف صار للولد الليل؟ قال لان الفراش للولد. قال و كان يقرأ فيهما انا أنزلناه في ليلة القدر و انا أعطيناك الكوثر».
أقول: الظاهر ان المراد بالسنة التي سنها في حياته و عمل بها بعد موته بعض الأعمال الصالحة المستحبة المهجورة بين الناس فيفعلها هو و يقتدى به فيها بعد موته، و ذلك فإن أصل تسنين السنن و تشريعها انما هو للنبي و الأئمة (صلوات اللّٰه عليهم) و المراد بالصلاة و الصوم و نحوهما الذي يعمل له ما هو أعم من ان يأتي بذلك الفعل نيابة عنه أو انه يهديه له أو يهبه بعد ان يأتي به لا على طريقة النيابة، و كل منهما مما دلت عليه الاخبار. و اللّٰه العالم.
المطلب الثاني في الأغسال المسنونة
[الأخبار المشتملة على الأغسال]
روى الشيخ في التهذيب في الموثق عن سماعة (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن غسل الجمعة؟ فقال واجب في السفر و الحضر إلا انه رخص للنساء في السفر لقلة الماء، و قال غسل الجنابة واجب و غسل الحائض إذا طهرت واجب و غسل الاستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف فجاز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين و للفجر غسل فان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة و الوضوء لكل صلاة، و غسل
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الاحتضار.
(2) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الاحتضار.
(3) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة.
180
النفساء واجب و غسل المولود واجب و غسل الميت واجب و غسل من غسل ميتا واجب و غسل المحرم واجب و غسل يوم عرفة واجب و غسل الزيارة واجب إلا من علة و غسل دخول البيت واجب و غسل دخول الحرم يستحب ان لا يدخله إلا بغسل و غسل المباهلة واجب و غسل الاستسقاء واجب و غسل أول ليلة من شهر رمضان يستحب و غسل ليلة احدى و عشرين سنة و غسل ليلة ثلاث و عشرين سنة لا تتركها لانه يرجى في إحداهما ليلة القدر و غسل يوم الفطر و غسل يوم الأضحى سنة لا أحب تركها و غسل الاستخارة مستحب».
و رواه الصدوق بإسناده عن سماعة بن مهران نحوه (1) إلا انه قال: «و غسل دخول الحرم واجب يستحب ان لا يدخله إلا بغسل».
و رواه الكليني أيضا (2) إلا انه أسقط غسل من مس ميتا و غسل المحرم و غسل يوم عرفة و غسل دخول الحرم و غسل المباهلة.
و روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «الغسل في سبعة عشر موطنا: ليلة سبع عشرة من شهر رمضان و هي ليلة التقى الجمعان، و ليلة تسع عشرة و فيها يكتب الوفد وفد السنة، و ليلة احدى و عشرين و هي الليلة التي أصيب فيها أوصياء الأنبياء و فيها رفع عيسى بن مريم و قبض موسى، و ليلة ثلاث و عشرين يرجى فيها ليلة القدر، و يومي العيدين و إذا دخلت الحرمين و يوم تحرم و يوم الزيارة و يوم تدخل البيت و يوم التروية و يوم عرفة و إذا غسلت ميتا و كفنته أو مسسته بعد ما يبرد و يوم الجمعة، و غسل الجنابة فريضة. و غسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاغتسل».
و روى ثقة الإسلام في الصحيح عن معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «سمعته يقول الغسل من الجنابة و يوم الجمعة و العيدين و حين تحرم و حين تدخل مكة و المدينة و يوم عرفة و يوم تزور البيت و حين تدخل الكعبة و في ليلة تسع عشرة و احدى و عشرين و ثلاث و عشرين من شهر رمضان و من غسل ميتا».
و روى في التهذيب عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (5) قال: «الغسل
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة.
(5) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة.
181
من الجنابة و غسل الجمعة و العيدين و يوم عرفة و ثلاث ليال في شهر رمضان و حين تدخل الحرم و إذا أردت دخول البيت الحرام و إذا أردت دخول مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و من غسل الميت».
و في الفقه الرضوي (1) «و الغسل ثلاثة و عشرون: من الجنابة و الإحرام و غسل الميت و من غسل الميت و غسل الجمعة و غسل دخول المدينة و غسل دخول الحرم و غسل دخول مكة و غسل زيارة البيت و يوم عرفة، و خمس ليال من شهر رمضان:
أول ليلة منه و ليلة سبع عشرة و ليلة تسع عشرة و ليلة احدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين، و دخول البيت و العيدين و ليلة النصف من شعبان و غسل الزيارات و غسل الاستخارة و غسل طلب الحوائج من اللّٰه تعالى و غسل يوم غدير خم، الفرض من ذلك غسل الجنابة و الواجب غسل الميت و غسل الإحرام و الباقي سنة، و قد روي ان الغسل أربعة عشر وجها: ثلاث منها واجب مفروض متى ما نسيه ثم ذكره بعد الوقت اغتسل فان لم يجد الماء تيمم ثم ان وجدت الماء فعليك الإعادة، و أحد عشر غسلا سنة: غسل العيدين و الجمعة و غسل الإحرام و يوم عرفة و دخول مكة و دخول المدينة و زيارة البيت و ثلاث ليال في شهر رمضان: ليلة تسع عشرة و ليلة احدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين، و متى ما نسي بعضها أو اضطر أو به علة تمنعه من الغسل فلا اعادة عليه.
و ادنى ما يكفيك و يجزيك من الماء ما تبل به جسدك مثل الدهن.
و روي انه يستحب غسل ليلة احدى و عشرين لأنها الليلة التي رفع فيها عيسى بن مريم و دفن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و هي عندهم ليلة القدر، و ليلة ثلاث و عشرين هي التي ترجى فيها و كان أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول إذا صام الرجل ثلاثة و عشرين من شهر رمضان جاز له ان يذهب و يجيء في أسفاره، و ليلة تسع عشرة من شهر رمضان هي التي ضرب فيها جدنا أمير المؤمنين (عليه السلام) و يستحب فيها الغسل».
انتهى كلامه.
[تنبيهات حول هذه الأخبار]
أقول: و الكلام في هذه الاخبار يقع في مواضع
(الأول) [ما هو الواجب من هذه الأغسال]
- لا ريب ان
____________
(1) ص 4.
182
الواجب من الأغسال على الأشهر الأظهر انما هي الستة التي تقدم البحث عنها و اما ما عداها فهو مستحب، و حينئذ فما دل عليه جملة من هذه الاخبار من الوجوب فيما وقع الاتفاق من الأصحاب على استحبابه فهو محمول عندهم على تأكد الاستحباب، و التعبير بذلك مجاز شائع في الاخبار، و قد وقع في موثقة سماعة التعبير في بعض بالوجوب و في بعض بالسنة و في بعض بالاستحباب و المرجع أمر واحد، الا ان الظاهر ان الوجه في في تغيير التعبير هو آكدية بعض على بعض فما عبر فيه بالوجوب فهو الآكد و دونه السنة و دونه الاستحباب. و قد تطلق السنة في مقابلة الفرض و هو ما كان دليل وجوبه الكتاب فيراد بها حينئذ ما كان وجوبه بالسنة. و ما دل عليه أكثر هذه الاخبار من عدم عد غسل الحيض و الاستحاضة و النفاس فلعله محمول على ذكر الأغسال بالنسبة إلى الرجال.
(الثاني) [المراد بالغسل عند تغسيل الميت و تكفينه]
-
قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم: «و إذا غسلت ميتا و كفنته أو مسسته».
و كذا
قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار: «و من غسل الميت».
يحتمل حمله على غسل المس فيكون بعد التغسيل و التكفين في الرواية الأولى أو بعد التغسيل كما في الرواية الثانية، و يحتمل حمله على استحباب الغسل لأجل تغسيل الميت بتقدير الإرادة فيكون قبل التغسيل، قال شيخنا المجلسي في البحار بعد ذكر الرواية الاولى من كتاب الخصال- و فيها عطف التكفين على التغسيل بأو لا بالواو كما في هذه الرواية- ما لفظه: «و قوله (عليه السلام) «أو كفنته» قيل المراد ارادة التكفين اي يستحب إيقاع غسل المس قبل التكفين، و قيل باستحباب الغسل لتغسيل الميت و تكفينه قبلهما و ان لم يمسه» و قال بعد نقل خبر فيه هكذا «و غسل من مس الميت بعد ما يبرد و غسل من غسل الميت» ما صورته: «و غسل من غسل الميت تخصيص بعد التعميم ان حملناه على الغسل بعده، و يحتمل ان يكون المراد استحباب الغسل لتغسيل الميت قبله كما عرفت بل هو الظاهر للمقابلة» انتهى. و هو مشعر بتقويته
183
للقول باستحباب الغسل للتغسيل، و قد تقدم شطر من الكلام في ذلك في مستحبات التغسيل
(الثالث) [المراد من غسل الزيارة في هذه الأخبار]
- الظاهر من غسل الزيارة في هذه الروايات زيارة البيت كما صرح به (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار و في عبارة كتاب الفقه، و ظاهر الأصحاب تعميمه لما يشمل غسل زيارة النبي و الأئمة (صلوات اللّٰه عليهم) و ظني انه لا حاجة الى ذلك لان هذه الأخبار لم تستوف الأغسال المستحبة كملا كما سيظهر لك ان شاء اللّٰه تعالى مع وجود روايات على حدة بأغسال زياراتهم كما اشتملت عليه اخبار زياراتهم.
(الرابع)
- لا يخفى ان هذه الأخبار لم تستكمل الأغسال المسنونة و انما اشتملت على ما هو المهم منها، و تفصيل القول في هذا المقام بما لم يسبق اليه سابق من علمائنا الاعلام ان يقال ان ما اشتملت عليه هذه الاخبار من الأغسال هو آكدها و أفضلها و إلا فهي كثيرة زائدة على هذه الأعداد المذكورة في هذه الاخبار
، و لنفصلها في المقام واحدا واحدا فنقول:
اما الأغسال المتعلقة بالحج
فمنها- غسل الإحرام و أوجبه ابن ابي عقيل و نقله المرتضى عن كثير من الأصحاب، و المشهور الاستحباب حتى قال المفيد على ما نقل عنه في المختلف غسل الإحرام للحج سنة ايضا بلا خلاف و كذا غسل إحرام العمرة. و قال في التهذيب انه سنة بغير خلاف. و استدل في المدارك على الاستحباب
بما رواه معاوية ابن عمار في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «إذا انتهيت الى العقيق من قبل العراق أو الى وقت من هذه المواقيت و أنت تريد الإحرام ان شاء اللّٰه تعالى فانتف إبطيك و قلم أظفارك و اطل عانتك و خذ من شاربك، الى ان قال استك و اغتسل و البس ثوبيك».
قال: و الظاهر ان الغسل للاستحباب كما تشعر به الأوامر المتقدمة عليه فإنها للندب بغير خلاف. أقول: فيه ان الاستدلال بذلك لا يخلو من اشكال فإن مجرد عده في قرن المستحبات لا يوجب كونه كذلك لخروج ما عداه بدليل من خارج فيبقى
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الإحرام.
184
ما لم يدل عليه دليل على أصل مقتضى الأمر و هو الوجوب، نعم هو ظاهر في التأييد كما لا يخفى. قال في المعتبر: «و لعل القائل بالوجوب استند الى
ما رواه محمد بن عيسى عن يونس عن بعض رجاله عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال «الغسل في سبعة عشر موطنا، الفرض ثلاثة: الجنابة و غسل من غسل ميتا و الغسل للإحرام».
و محمد بن عيسى ضعيف و ما يرويه عن يونس لا يعمل به ابن الوليد كما ذكره ابن بابويه مع انه مرسل فيسقط الاحتجاج به» انتهى. و فيه نظر فان ضعف الخبر عنده لا يوجب ضعفه عند من تقدمه، و ما نقله عن ابن الوليد قد رده جملة من أفاضل محدثي متأخري المتأخرين و هو الظاهر، و نظير هذا الخبر ما تقدم في عبارة
الفقه الرضوي حيث قال (2) «و الغسل ثلاثة و عشرون، ثم عدها كما قدمناه الى ان قال: و الفرض من ذلك غسل الجنابة و الواجب غسل الميت و غسل الإحرام و الباقي سنة».
و هذان الخبران ظاهران في الوجوب كما ترى، و التأويل و ان أمكن و لو على بعد إلا انه فرع وجود المعارض و ليس إلا الرواية المتقدمة و قد عرفت ما فيها، و اما ما
في موثقة سماعة (3) من قوله: «و غسل المحرم واجب».
فلا دلالة فيه كما سيأتي تحقيقه في غسل الجمعة، و بالجملة فالقول بالوجوب لا يخلو من قوة و الاحتياط يقتضي المحافظة عليه.
و منها- الغسل لدخول الحرم و الغسل لدخول مكة و الغسل لدخول المسجد و الغسل لدخول البيت و هو غسل الزيارة و غسل يوم عرفة و يوم التروية، و سيأتي الكلام في هذه الأغسال في كتاب الحج ان شاء اللّٰه تعالى و نقل الأخبار المتعلقة بها، فهذه سبعة من الأغسال المستحبة.
و منها- غسل دخول المدينة
كما دل عليه صحيح معاوية بن عمار و صحيح محمد بن مسلم المتقدمان (4) و غسل دخول مسجد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كما تضمنته رواية
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الجنابة.
(2) ص 4.
(3) ص 179.
(4) ص 180.
185
محمد بن مسلم المتقدمة و غسل زيارته (صلى اللّٰه عليه و آله) و الظاهر التداخل و الاكتفاء بغسل دخول المدينة ما لم يحدث مع احتمال الاجتزاء و ان أحدث كما سيأتي تحقيقه ان شاء اللّٰه تعالى في كتاب الحج، و هذه ثلاثة أغسال للمدينة مضافا الى ما قدمناه في مكة فتكون عشرة.
و منها- غسل يومي العيدين
و يدل عليه- زيادة على ما تقدم في موثقة سماعة من انه سنة و صحيحة محمد بن مسلم و صحيحة معاوية بن عمار و كتاب الفقه-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الغسل في يوم الجمعة و الأضحى و الفطر؟ قال سنة و ليس بفريضة».
و عن علي بن أبي حمزة (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن غسل العيدين أ واجب هو؟
فقال هو سنة. قلت: فالجمعة؟ قال: هو سنة».
قال في الذكرى: «الظاهر ان غسل العيدين ممتد بامتداد اليوم عملا بإطلاق اللفظ و يتخرج من تعليل الجمعة أنه إلى الصلاة أو الى الزوال الذي هو وقت صلاة العيد و هو ظاهر الأصحاب» أقول: لا يخفى ضعف هذا التخريج إلا انه يمكن ان يؤيد ما نسبه الى ظاهر الأصحاب
بما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل ينسى ان يغتسل يوم العيد حتى يصلي؟ قال ان كان في وقت فعليه ان يغتسل و يعيد الصلاة و ان مضى الوقت فقد جازت صلاته».
أقول: و يستفاد من هذا الخبر ان الغسل انما هو للصلاة لا لليوم كما اشتهر بينهم و ان وقته يمتد بامتداد وقتها فيكون الحكم فيه كغسل الجمعة، إلا ان في امتداد وقت صلاة العيد الى الزوال ما سيأتي التنبيه عليه ان شاء اللّٰه تعالى في باب صلاة العيد. و من هذا الخبر ايضا يستفاد استحباب الإعادة بنسيان الغسل كما ذكره الشيخ حيث حمل الخبر على ذلك. و وقت هذا الغسل بعد الفجر
لما رواه عبد اللّٰه بن جعفر
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب الأغسال المسنونة.
186
الحميري في قرب الاسناد عن عبد اللّٰه بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته هل يجزئه ان يغتسل قبل طلوع الفجر هل يجزئه ذلك من غسل العيدين؟ قال ان اغتسل يوم الفطر و الأضحى قبل الفجر لم يجزئه و ان اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأه».
و منها- أغسال شهر رمضان
، و المشهور في الأخبار و كلام الأصحاب هو الغسل في الليالي الثلاث المشهورة،
روى في الكافي عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «الغسل في ثلاث ليال من شهر رمضان: في تسع عشرة و احدى و عشرين و ثلاث و عشرين. قال و الغسل في أول الليل و هو يجزئ الى آخره».
و عن سليمان بن خالد في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) كم اغتسل في شهر رمضان ليلة؟ قال ليلة تسع عشرة و ليلة احدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين.».
و يستحب في ليلة ثلاث و عشرين مرتين في أول الليل و آخره،
رواه الشيخ عن بريد (4) قال: «رأيته اغتسل في ليلة ثلاث و عشرين مرتين مرة من أول الليل و مرة من آخر الليل».
و رواه ابن طاوس في كتاب الإقبال بإسناده إلى بريد بن معاوية مثله (5) «و فيه ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان».
و نحوهما رواية محمد بن مسلم و صحيحة معاوية بن عمار المتقدمتان في الباب (6) و هو محمول على الأغسال المؤكدة و دونه في الفضل غسل أول ليلة من شهر رمضان كما تقدم في موثقة سماعة، و ليلة سبع عشرة منه كما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم، و قد جمع غسل هذه الخمس الليالي في كتاب الفقه كما تقدم في عبارته من قوله: «و خمس ليال من شهر رمضان. الى آخره».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب الأغسال المسنونة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب الأغسال المسنونة.
(5) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب الأغسال المسنونة.
(6) ص 180.
187
و دون هذه الأغسال الخمسة في الفضل أغسال أخر ذكرها
السيد العابد الزاهد المجاهد رضي الدين بن طاوس في الإقبال، قال: روى ابن أبي قرة في كتاب عمل شهر رمضان بإسناده الى ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «يستحب الغسل في أول ليلة من شهر رمضان و ليلة النصف منه».
قال و قد ذكره جماعة من أصحابنا الماضين.
أقول: قد ذكر الغسل في ليلة النصف من شهر رمضان جملة من المتأخرين تبعا لما وجدوه في كلام من تقدمهم و لم يقفوا على نص فيه، قال في المعتبر بعد ان نقل القول بذلك و نسبه الى الثلاثة: «و لعله لشرف تلك الليلة و اقترانها بالطهر حسن»
ثم قال السيد (رضي اللّٰه عنه) على اثر الكلام المتقدم: و قد روي ان الغسل أول الليل.
و روي بين العشاءين و روينا ذلك عن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) (2).
و رأيت في كتاب اعتقد انه تأليف أبي محمد جعفر بن أحمد القمي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال:
«من اغتسل أول ليلة من شهر رمضان في نهر جار و يصب على رأسه ثلاثين كفا من الماء طهر الى شهر رمضان من قابل».
قال و من الكتاب المشار اليه عن الصادق (عليه السلام) (4) «من أحب ان لا تكون به الحكة فليغتسل أول ليلة من شهر رمضان فلا تكون به الحكة إلى شهر رمضان من قابل».
قال و من كتاب الأغسال لأحمد بن محمد بن عياش الجوهري بإسناده عن علي (عليه السلام) (5) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان إذا دخل العشر من شهر رمضان شمر و شد المئزر و برز من بيته و اعتكف و أحيا الليل كله و كان يغتسل كل ليلة منه بين العشاءين».
قال و روينا بإسنادنا إلى سعد بن عبد اللّٰه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن الصادق عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (6) قال «من اغتسل أول يوم من السنة في ماء جار و صب على رأسه ثلاثين غرفة كان دواء السنة، و ان أول كل سنة أول يوم من شهر رمضان».
قال و من كتاب جعفر بن سليمان عن الصادق (عليه السلام) (7) قال:
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة.
(5) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة.
(6) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة.
(7) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة.
188
«من ضرب وجهه بكف من ماء ورد أمن ذلك اليوم من الذلة و الفقر، و من وضع على رأسه ماء ورد أمن تلك السنة من البرسام.».
قال و روينا عن الشيخ المفيد في المقنعة في رواية عن الصادق (عليه السلام) (1) «انه يستحب الغسل ليلة النصف من شهر رمضان».
قال و روينا بإسنادنا الى محمد بن ابي عمير من كتاب علي بن عبد الواحد النهدي عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يغتسل في شهر رمضان في العشر الأواخر في كل ليلة».
قال و روى علي بن عبد الواحد في كتابه بإسناده إلى عيسى بن راشد عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الغسل في شهر رمضان؟ فقال كان ابي يغتسل في ليلة تسع عشرة و احدى و عشرين و ثلاث و عشرين و خمس و عشرين».
قال و من الكتاب المذكور بإسناده عن ابن ابي يعفور عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الغسل في شهر رمضان؟
فقال اغتسل ليلة تسع عشرة و احدى و عشرين و ثلاث و عشرين و سبع و عشرين و تسع و عشرين».
أقول: و قد ظهر من مجموع هذه الاخبار بضم بعضها إلى بعض ان الأغسال في شهر رمضان في الليلة الاولى و ليلة النصف و ليلة سبع عشرة و ليلة تسع عشرة و العشرة الأخيرة و ان ترتبت في الفضل كما أشرنا إليه آنفا، فهذه أربعة عشر غسلا في شهر رمضان. و اما ما ذكره بعض الأصحاب من الاستحباب في فرادى شهر رمضان فلم أقف فيه على نص زيادة على ما أوردته إلا ان ابن طاوس قال في سياق اعمال الليلة الثالثة و فيها يستحب الغسل على مقتضى الرواية التي تضمنت ان كل ليلة مفردة من جميع الشهر يستحب فيها الغسل فإنه يؤذن بوصول الرواية إليه بذلك.
و منها- غسل الزيارة للنبي [و الأئمة]
(صلى اللّٰه عليه و آله) و قد تقدم و لزيارة أمير المؤمنين و الحسين و الرضا (عليهم السلام) و الاخبار به في زياراتهم كثيرة و ظاهر الأصحاب
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة.
189
طرده في زيارة جميع الأئمة (عليهم السلام) قال شيخنا صاحب رياض المسائل: «لم نقف عليه عموما نعم ورد بخصوص بعض المواد كزيارة علي و الحسين و الرضا (عليهم السلام) أحاديث كثيرة و عسى اللّٰه تعالى ان يمن بدليل على التعميم أو التنصيص في زيارة كل واحد من الأئمة ان شاء اللّٰه تعالى» أقول: و مما يدل على التعميم
ما رواه الشيخ في التهذيب عن العلاء بن سيابة عن الصادق (عليه السلام) (1) «في قوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (2) قال الغسل عند لقاء كل امام».
و هو دال بعمومه على استحباب الغسل للدخول عليهم احياء و أمواتا. و على التخصيص
ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارة في زيارة الكاظم و الجواد (عليهما السلام) عن محمد بن عيسى بن عبيد عمن ذكره عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) و فيه قال:
«إذا أردت زيارة موسى بن جعفر و محمد بن علي (عليهما السلام) فاغتسل و تنظف و البس ثوبيك الطاهرين. الحديث».
و ما رواه أيضا في الكتاب المذكور في زيارة أبي الحسن و ابي محمد (عليهما السلام) (4) قال: «روي عن بعضهم (عليهم السلام) انه قال إذا أردت زيارة قبر ابي الحسن علي بن محمد و ابي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) تقول بعد الغسل ان وصلت الى قبريهما و إلا أومأت بالسلام من عند الباب الذي على الشارع.
الحديث».
و أمثال ذلك يقف عليه المتتبع و لكنه لعدم الشهرة لم يصل الى نظر شيخنا المشار اليه (قدس سره).
و منها- غسل المولود حين الولادة
لما تقدم
في موثقة سماعة (5) من قوله:
«و غسل المولود واجب».
و ذهب شذوذ من أصحابنا إلى القول بالوجوب لظاهر الخبر المذكور، و المشهور الاستحباب و حمل الوجوب على مزيد التأكيد كما في غيره (فان
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 29 من أبواب المزار.
(2) سورة الأعراف. الآية 31.
(3) ص 301.
(4) ص 313.
(5) ص 179.
190
قيل): ان الخبر المذكور لا معارض له يوجب تأويله و إخراج اللفظ عن ظاهره (قلت):
الذي حققناه في غير موضع من زبرنا ان لفظ الوجوب عند أهل الأصول و ان كان حقيقة فيما لا يجوز تركه إلا انه في الأخبار ليس كذلك فإنه كما ورد استعماله في هذا المعنى ورد ايضا استعماله في تأكيد الاستحباب و بالمعنى اللغوي مما لا يحصى كثرة، فهذا اللفظ عندنا من الألفاظ المشتركة لا يحمل على معنى من هذه المعاني إلا مع القرينة، و حينئذ فلا ينهض الخبر المذكور حجة في الوجوب سيما مع تكرر التعبير بالوجوب في هذه الرواية في جملة من الأغسال التي لا خلاف في استحبابها، و حينئذ فالاستحباب هو الأظهر. و لا بد فيه من النية، و قصد القربة كما في العبادات، و ليس المراد به غسل النجاسة كما توهمه بعض الأصحاب. و استدل صاحب الوسائل على هذا الغسل ايضا
بما رواه الصدوق في العلل بسنده فيه عن ابي بصير عن الصادق عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (1) قال:
«اغسلوا صبيانكم من الغمر فان الشيطان يشم الغمرة فيفزع الصبي في رقاده و يتأذى به الكاتبان».
و هذا من جملة غفلاته فان الغمر هنا بمعنى دسومة اللحم و مورد الخبر انما هو استحباب غسل الدسومة عن الصبي إذا أكل شيئا فيه دسومة و كذا الرجل أيضا بقرينة قوله: «يتأذى به الكاتبان» و اين هذا من غسل المولود؟
و منها- غسل المباهلة
كما تضمنته موثقة سماعة أيضا، و الظاهر من كلام الأصحاب ان المراد هو الغسل يوم المباهلة و هو اليوم الرابع و العشرون من ذي الحجة أو الخامس و العشرون منه على الخلاف، و رأيت في بعض الحواشي المنسوبة إلى المولى محمد تقي المجلسي مكتوبا على الحديث المشار اليه ما صورته: «ليس المراد بالمباهلة اليوم المشهور و هو الرابع و العشرون أو الخامس و العشرون من ذي الحجة حيث بأهل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) مع نصارى نجران بل المراد به الاغتسال لإيقاع المباهلة مع الخصوم في كل حين كما في الاستخارة، و قد وردت به رواية صحيحة في الكافي و كان ذلك
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الأغسال المسنونة.
191
مشتهرا بين القدماء على ما لا يخفى» انتهى. أقول: و ما ذكره و ان كان خلاف ما هو المفهوم من كلام الأصحاب كما أشرنا اليه إلا ان الخبر- كما عرفت- مجمل لا تخصيص فيه باليوم كما ذكروه بل ظاهره انما هو ما ذكره الفاضل المشار اليه، و ما ذكروه يحتاج الى تقدير في اللفظ و الأصل عدمه، و فهم الأصحاب منه ذلك ليس بحجة. و اما الحديث الذي أشار إليه بأنه في الكافي و انه مشتمل على الغسل فهو
ما رواه فيه (1) عن ابي مسروق عن الصادق (عليه السلام) ثم ساق الخبر الى ان قال: «فقال لي إذا كان ذلك فادعهم إلى المباهلة. قلت و كيف اصنع؟ قال أصلح نفسك ثلاثا، و أظنه قال و صم و اغتسل و ابرز أنت و هو الى الجبان فشبك أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه. الحديث».
و يظهر ذلك ايضا من كلام الشيخ المفيد الآتي نقله ان شاء اللّٰه تعالى في المقام. و كيف كان فالأحوط العمل بما ذكره الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم).
و منها- غسل الاستسقاء
كما تضمنته الموثقة المشار إليها.
و منها- غسل ليلة الفطر
لما رواه في الكافي عن الحسن بن راشد (2) قال:
«قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ان الناس يقولون ان المغفرة تنزل على من صام شهر رمضان ليلة القدر؟ فقال يا حسن ان القاريجار (3) انما يعطى أجرته عند فراغه و ذلك ليلة العيد. قلت فما ينبغي لنا ان نعمل فيها؟ فقال إذا غربت الشمس فاغتسل. الحديث».
و منها- غسل التوبة
لما رواه في الكافي عن مسعدة بن زياد (4) قال: «كنت عند ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال له رجل اني ادخل كنيفا و لي جيران و عندهم جوار يتغنين و يضربن بالعود فربما أطلت الجلوس استماعا مني لهن؟ فقال (عليه السلام)
____________
(1) الأصول ج 2 ص 513.
(2) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) معرب (كارگر) و هو العامل.
(4) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب الأغسال المسنونة.
192
لا تفعل. فقال الرجل و اللّٰه ما اتيتهن و انما هو سماع أسمعه بأذني؟ فقال باللّٰه أنت ما سمعت اللّٰه يقول إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (1) فقال الرجل بلى و اللّٰه كأني لم اسمع بهذه الآية من عربي و لا عجمي لا جرم اني لا أعود ان شاء اللّٰه تعالى و اني استغفر اللّٰه تعالى. فقال له قم فاغتسل و صل ما بدا لك فإنك كنت مقيما على أمر عظيم ما كان اسوأ حالك لو متّ على ذلك، احمد اللّٰه و اسأله التوبة من كل ما يكره فإنه لا يكره إلا كل قبيح و القبيح دعه لأهله فإن لكل أهلا».
و نقل في الذكرى عن الشيخ المفيد (قدس سره) انه قيده بالتوبة عن الكبائر. أقول: لعله (قدس سره) وقف في ذلك على حديث آخر زيادة على هذا الخبر.
و ظاهر كلام صاحب المعتبر الاعتماد في هذا الحكم على فتوى الأصحاب دون الخبر المذكور لضعفه عنده، قال بعد ذكر هذه الرواية نقلا عن التهذيب- انه قال:
«روي عن الصادق (عليه السلام) انه قال لمن ذكر انه يسمع الغناء من جوار يتغنين: قم فاغتسل و صل ما بدا لك و استغفر اللّٰه تعالى و اسأله التوبة».
- ما صورته: و هذه مرسلة و هي متناولة صورة معينة فلا تتناول غيرها. و العمدة فتوى الأصحاب منضما الى ان الغسل خير فيكون مرادا، و لانه تفأل بغسل الذنب و الخروج من دنسه. انتهى. و العجب من صاحب المدارك هنا حيث تبعه على هذا الاستدلال و اعتضد بما ذكره في هذا المجال من هذا الكلام المزيف الظاهر الاختلال.
و فيه (أولا)- ما عرفت من ان الخبر المذكور و ان رواه الشيخ كما ذكره إلا انه رواه في الكافي كما نقلناه عن علي بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد، و هو- كما ترى- في أعلى مراتب الصحة، اما علي بن إبراهيم فحاله في الوثاقة ظاهرة، و اما هارون بن مسلم فقال النجاشي انه ثقة وجه، و اما مسعدة بن زياد فقال فيه ايضا انه ثقة عين، و حينئذ فالرواية في أعلى مراتب الصحة.
____________
(1) سورة بني إسرائيل. الآية 36.
193
و (ثانيا)- ان ما ذكره- من أنها متناولة صورة معينة فلا تتناول غيرها- مردود بأنه لا يخفى ان مورد الرواية و ان كان استماع الغناء إلا ان استدلال الإمام بالآية و سياق الرواية مشعران بالعموم لكل معصية حصل الإصرار عليها، على انه لو تم ما ذكره من قصر الأحكام على موضع السؤال في الاخبار لضاق المجال في استنباط الأحكام و لزم خلو أكثرها من الدليل، و ظاهر الأصحاب هو التعدية الى ما عدا موضع السؤال من باب تنقيح المناط القطعي ما لم يعلم الاختصاص بموضع السؤال و هو المستند في أكثر الأحكام في كل مقام، و من أجل ما ذكرناه حكم الأصحاب هنا بالعموم في هذا الخبر و لم يخالف فيه إلا هو و من تبعه.
و (ثالثا)- ان ما ذكره من ان العمدة فتوى الأصحاب ففيه ان فتوى الأصحاب متى كان لا عن دليل فالمتابعة فيه سيما من مثله من المحققين غير جائز و لا واضح السبيل، فإنه مأخوذ على الفقيه ان لا يفتي و لا يعتمد إلا على الدليل الشرعي و البرهان القطعي في وجوب أو استحباب أو غيرهما لا على الفتاوى العارية عن الدليل كما عليه العلماء جيلا بعد جيل، و من الظاهر ان فتوى الأصحاب بهذا الحكم انما هو عن هذه الرواية المذكورة، و ضعفها عنده لا يوجب ضعفها عندهم لأنهم لا يرون العمل بهذا الاصطلاح المحدث، و حينئذ فالعمل بفتواهم عمل بالرواية البتة، فالتستر بالعمل بفتواهم كما ذكره مع صراحة الرواية لا معنى له بالكلية.
و (رابعا)- ان ما ذكره من ان الغسل خير. إلخ فيه انه لا ريب ايضا
انه قد ورد (1) «ان الصلاة خير موضوع من شاء استقل و من شاء استكثر».
إلا انه لو صلى المكلف نافلة في وقت مخصوص أو مكان مخصوص أو على هيئة مخصوصة معتقدا شرعية تلك الخصوصيات و استحبابها من غير دليل في المقام فإنه تشريع محرم و عبادته باطلة بل موجبة للعقاب فضلا عن عدم الثواب، و من ثم خرجت الاخبار ناعية على المخالفين
____________
(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 10 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها.
194
بدعية صلاة الضحى (1) باعتبار اعتقاد الاستحباب في هذا الوقت من غير نص و لا دليل على ذلك، و كذلك جملة من الأذكار التي تعملها الصوفية و ان كان أصل الصلاة و أصل الذكر مستحبا، و الحكم في هذا الغسل كذلك مع عدم قيام الدليل على استحبابه و مشروعيته. و بالجملة فإن ما ذكره (قدس سره) كلام شعري مزيف لا ينبغي ان يعمل عليه و ان تابعه في المدارك عليه.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الأصحاب قد صرحوا بأن التوبة التي يستحب معها الغسل أعم من ان تكون توبة عن فسق أو عن كفر و ان كان ارتدادا. و علله في المنتهى بان الكفر أعظم من الفسق و قد ثبت استحباب الغسل للفاسق فالكافر اولى، و لان تعليله (عليه السلام) امره بالاغتسال يدل عليه من حيث المفهوم، و لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أمر قيس بن عاصم لما أسلم بالاغتسال بماء و سدر (2) و أنت خبير بما في هذه الأدلة من الوهن، و التعليلان الأولان لا يخرجان عن القياس، و الثالث موقوف على ثبوت الرواية و الظاهر انها ليست من طرقنا، و مع هذا فقد أجيب عنها بأنه يجوز ان يكون امره (صلى اللّٰه عليه و آله) بالغسل انما هو لحدث الجنابة في حال الكفر إذ قل ما يخلو الإنسان منه. و الجواب الحق منع ثبوت الخبر لما قدمناه في بحث غسل الجنابة من ان الكافر غير مخاطب بالفروع حال كفره و ان كان خلاف المشهور عندهم. و ظاهر الأكثر انه للتوبة عن الذنب مطلقا و قيده الشيخ المفيد بالكبائر و ظاهر الخبر يساعده و قول المحقق الثاني في شرح القواعد- ان ظاهر الخبر يدفع التقييد بالكبيرة- غير ظاهر، فان ظاهر الخبر ان الرجل كان مصرا على الذنب و ان كان صغيرة و
«لا صغيرة مع الإصرار» (3).
و يشهد به
قوله (عليه السلام): «كنت مقيما على أمر عظيم ما كان
____________
(1) رواها في الوسائل في الباب 31 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها.
(2) رواه أحمد في المسند ج 5 ص 61 و ابن حجر في مجمع الزوائد ج 7 ص 404.
(3) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب جهاد النفس.
195
اسوأ حالك لو متّ على ذلك».
و منها- غسل من قتل وزغا
لما رواه في الكافي عن عبد اللّٰه بن طلحة (1) قال:
«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الوزغ؟ فقال هو رجس و هو مسخ كله فإذا قتلته فاغتسل».
و رواه الصفار في بصائر الدرجات (2)
و روى الصدوق مرسلا (3) قال: «روي ان من قتل وزغا فعليه الغسل».
و ظاهره الوجوب إلا انه محمول على الاستحباب عند الأصحاب، قال في الفقيه: «و قال بعض مشايخنا ان العلة في ذلك انه يخرج من ذنوبه فيغتسل منها» أقول: يعني انه كما كانت التوبة سببا للخروج من الذنوب كذلك قتل الوزغ سبب للخروج منها فيغتسل من قتله كما يغتسل للتوبة.
ثم انه لا يخفى
ان حديث عبد اللّٰه بن طلحة المذكور مقتطع من حديث طويل نقله في الكافي (4) في ذكر أحوال بني أمية قال في تتمة الخبر المذكور: «و قال (عليه السلام) ان ابي كان قاعدا في الحجر و معه رجل يحدثه فإذا هو بوزغ يولول بلسانه فقال ابي للرجل أ تدري ما يقول هذا الوزغ؟ قال لا علم لي بما يقول. قال فإنه يقول و اللّٰه لئن ذكرتم عثمان بشتيمة لأشتمن عليا (عليه السلام) حتى يقوم من ههنا، قال: و قال ابي ليس يموت من بني أمية ميت إلا مسخ وزغا، قال و قال ان عبد الملك بن مروان لما نزل به الموت مسخ وزغا فذهب من بين يدي من كان عنده و كان عنده ولده فلما ان فقدوه عظم ذلك عليهم فلم يدروا كيف يصنعون ثم اجتمع أمرهم على ان يأخذوا جذعا فيضعوه كهيئة الرجل قال ففعلوا ذلك و البسوا الجذع درع حديد ثم لفوه في الأكفان فلم يطلع عليه أحد من الناس إلا انا و ولده».
أقول: و مما أوردناه من تتمة الخبر يعلم ما تضمنه صدره من ان الوزغ رجس و هو مسخ كله و ما ذكره ذلك البعض الذي نقل عنه الصدوق من العلة المذكورة في الغسل من قتله.
و روى في الكافي عن عبد الرحمن بن ابي عبد اللّٰه (5) قال:
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الأغسال المسنونة.
(4) الروضة طبع سنة 1377 ص 332.
(5) رواه في الوافي ج 2 ص 54.
196
«سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول خرج رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من حجرته و مروان و أبوه يستمعان الى حديثه فقال له الوزغ ابن الوزغ، قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) فمن يومئذ يرون ان الوزغ يستمع الحديث».
و روى فيه عن زرارة (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول لما ولد مروان عرضوا به لرسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يدعو له فارسلوا به الى عائشة فلما قربته منه قال أخرجوا عني الوزغ ابن الوزغ، قال زرارة و لا أعلم إلا انه قال و لعنه».
أقول: نقل بعض مشايخنا (رضوان اللّٰه عليهم) ورود مثل هذه الاخبار
من طرق العامة أيضا كما في كتاب حياة الحيوان (2) و في مستدرك الحاكم (3) عن عبد الرحمن بن عوف انه قال: «كان لا يولد لأحد مولود إلا اتي به النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فيدعو له فادخل عليه مروان بن الحكم فقال هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون».
____________
(1) رواه في الوافي ج 2 ص 54.
(2) رواه في مادة «وزغ» عن المستدرك.
(3) ج 4 ص 479 ثم قال: هذا حديث صحيح الاسناد و لم يخرجاه.
و في الفائق للزمخشري ج 3 ص 159 طبعة مصر و نهاية ابن الأثير ج 4 ص 221 طبعة مصر و تاج العروس ج 6 ص 35 و لسان العرب ج 8 ص 524 مادة «وزغ» «ان الحكم بن ابى العاص كان يحكى مشية النبي (ص) استهزاء به فالتفت اليه رسول اللّٰه (ص) و قال: اللهم اجعل به وزغا. فرجف مكانه فلم تفارقه الرجفة و الرعشة».
و في الإصابة ترجمة الحكم «انه كان يغمز النبي (ص) بإصبعه مستهزئا به فالتفت اليه و قال: اللهم اجعله وزغا. فرجف مكانه».
و في تهذيب الأسماء للنووي ج 2 ص 87 «كان الحكم يفشي سر رسول اللّٰه (ص) فطرده إلى الطائف».
و في أنساب الاشراف للبلاذري ج 5 ص 125 «اطلع الحكم بن ابى العاص على بعض حجرات نساء النبي فخرج إليه النبي (ص) بعنزة و قال من عذيري من هذه الوزغة؟ و كان يفشي أحاديثه فلعنه و سيره إلى الطائف».
و في ص 126 «استأذن الحكم على رسول اللّٰه (ص) فقال أئذنوا له لعنة اللّٰه عليه و على من يخرج من صلبه إلا المؤمنين و قليل ما هم».
197
و قال في المعتبر بعد نقل مرسلة الصدوق دليلا على الحكم المذكور و التعليل الذي نقله عن بعض مشايخه ما صورته: «و عندي ان ما ذكره ابن بابويه ليس حجة و ما ذكره المعلل ليس طائلا لانه لو صحت علته لما اختص الوزغة» انتهى. و فيه ان المعتمد في الاستدلال انما هو الرواية المسندة في الكافي و ان كانت هذه المرسلة أيضا صالحة للدلالة لان إرسال الصدوق لا يقصر عن مثل ابن ابي عمير و غيره ممن عملوا على مراسيلهم، و ما ذكره من المناقشة في التعليل المذكور ففيه ان العلل الشرعية ليس سبيلها سبيل العلل العقلية التي يجب دوران المعلول مدارها وجودا و عدما ليرد ما ذكره بل الغرض منها أمور أخر، و المراد من العلة هنا هو بيان نكتة مناسبة كما في جملة منها في غير هذا الموضع.
[غسل رؤية المصلوب]
و منها- السعي إلى رؤية مصلوب ليراه عامدا و قيده بعضهم بكونه بعد ثلاثة أيام، و الأصل في ذلك
ما رواه في الفقيه مرسلا (1) قال: «و روي ان من قصد الى مصلوب فنظر اليه وجب عليه الغسل عقوبة».
و نقل عن ابي الصلاح انه حكم بوجوب هذا الغسل نظرا الى ظاهر لفظ الوجوب هنا، و ظاهر الخبر المذكور ان مجرد السعي غير كاف بل لا بد من الرؤية مع ذلك، و قيده جملة من الأصحاب بكونه بعد الثلاثة من صلبه أو موته، و الخبر- كما ترى- مطلق، قالوا و لا فرق بين المصلوب الشرعي و غيره و لا بين كونه على الهيئة المعتبرة شرعا و عدمه، كل ذلك لإطلاق الدليل، و هو كذلك و أول وقته الرؤية.
[التسامح في أدلة السنن]
و المحقق في المعتبر و مثله في المدارك ردا روايتي غسل المولود و غسل رؤية المصلوب بضعفهما سندا عن إثبات الوجوب و أثبتا بهما الاستحباب.
و فيه ان الاستحباب حكم شرعي يتوقف ثبوته على الدليل و إلا كان قولا على اللّٰه تعالى بغير دليل و هو منهي عنه آية و رواية، فإن كانت الروايات الضعيفة باصطلاحهم
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 19 من أبواب الأغسال المسنونة.
198
أدلة شرعية ثبت بها ما دلت عليه من وجوب أو استحباب و إلا فلا يثبت بها حكم شرعي مطلقا.
و القول بأن أدلة الاستحباب مما يتسامح فيها ضعيف، و بذلك صرح في المدارك ايضا حيث قال في أول الكتاب في شرح قول المصنف بعد عد أسباب الوضوء الموجبة له: «و الندب ما عداه» فذكر في هذا المقام جملة الوضوءات المستحبة المستفادة من الاخبار و طعن في جملة منها بان في كثير منها قصورا من حيث السند، قال: «و ما قيل من ان أدلة السنن يتسامح فيها بما لا يتسامح في غيرها فمنظور فيه لان الاستحباب حكم شرعي فيتوقف على الدليل الشرعي كسائر الأحكام» هذا كلامه ثمة و ان خالفه في جملة من المواضع كهذا الموضع و غيره و كل ذلك ناشىء من ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذي هو الى الفساد أقرب من الصلاح.
أقول: لا يخفى انه قد وقع لنا تحقيق نفيس في هذه المسألة لا يحسن ان يخلو عنه كتابنا هذا، و هو انه قد صرح جملة من الأصحاب في الاعتذار عن جواز العمل بالأخبار الضعيفة في السنن بان العمل في الحقيقة ليس بذلك الخبر الضعيف و انما هو بالأخبار الكثيرة التي فيها الصحيح و غيره الدالة على ان من بلغه شيء من الثواب على عمل فعمله ابتغاء ذلك الثواب كان له و ان لم يكن كما بلغه، و من الاخبار الواردة بذلك
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «من سمع شيئا من الثواب على شيء من العمل فصنعه كان له و ان لم يكن على ما بلغه».
و في بعضها (2) «من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير فعمله كان له أجر ذلك و ان كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يقله».
الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة المذكورة في مظانها.
و قد اعترضهم في هذا المقام بعض فضلاء متأخري المتأخرين فقال بعد ذكر جملة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات.
(2) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات.
199
من تلك الاخبار و الاستدلال بها على جواز العمل بالخبر الضعيف- ما صورته: «قد اعتمد هذا الاستدلال الشهيد الثاني و جماعة من المعاصرين، و عندي فيه نظر إذ الأحاديث المذكورة انما تضمنت ترتب الثواب على العمل و ذلك لا يقتضي طلب الشارع له لا وجوبا و لا استحبابا، و لو اقتضى ذلك لاستندوا في وجوب ما تضمن الحديث الضعيف وجوبه الى هذه الاخبار كاستنادهم إليها في استحباب ما تضمن الخبر الضعيف استحبابه، و إذا كان الحال كذلك فلقائل أن يقول لا بد من شرعية ذلك العمل و خيريته بطريق صحيح و دليل مسلم صريح جمعا بين هذه الاخبار و بين ما دل على اشتراط العدالة في الراوي، و أيضا الآية الدالة على رد خبر الفاسق و هي قوله تعالى:
«. إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا.» (1) أخص من هذه الاخبار إذ الآية مقتضية لرد خبر الفاسق سواء كان مما يتعلق بالسنن أو غيره و هذه الاخبار تقتضي ترتب الثواب على العمل الوارد بطريق عن المعصوم (عليه السلام) سواء كان المخبر عدلا أو غير عدل طابق الواقع أم لا، و لا ريب ان الأول أخص من الثاني فيجب تخصيص هذه الاخبار بالآية جريا على القاعدة من العمل بالخاص في مورده و بالعام فيما عدا مورد الخاص، فيجب العمل بمقتضى الآية و هو رد خبر الفاسق سواء كان على عمل يتضمن الثواب أو غيره و يكون معنى قوله (عليه السلام):
«و ان لم يكن كما بلغه»
و نحوه إشارة الى ان خبر العدل قد يكذب إذ الكذب و الخطأ جائزان على غير المعصوم و الخبر الصحيح ليس بمعلوم الصدق. انتهى كلامه.
و أورد عليه بعض مشايخنا المعاصرين حيث أورد أولا جملة الأخبار الدالة على ان من بلغه شيء من الثواب على عمل فعمله كان له ذلك و ان لم يكن كما بلغه، ثم أورد اعتراض هذا الفاضل ثم قال: و أنت خبير بما فيه (اما الأول)- فقد ظهر بما حررناه ضعفه، على ان الحكم بترتب الثواب على عمل يساوق رجحانه جزما إذ لا ثواب على
____________
(1) سورة الحجرات. الآية 6.
200
غير الواجب و المستحب كما لا يخفى. (و اما الثاني) فمرجعه بعد التحرير الى ان الثواب كما يكون للمستحب كذلك يكون للواجب فلم خصوا الحكم بالمستحب؟ كذا قرر السؤال بعض مشايخنا المعاصرين. و جوابه ان غرضهم (قدس اللّٰه أرواحهم) ان تلك الأحاديث انما تثبت ترتب الثواب على فعل ورد فيه خبر يدل على ترتب الثواب لا انه يعاقب على تركه و ان صرح به في الخبر الضعيف، لقصوره في حد ذاته عن إثبات ذلك الحكم و تلك الأحاديث لا تدل عليه، فالحكم الثابت لنا من هذا الخبر بانضمام تلك الاخبار ليس إلا الحكم الاستحبابي. أقول: قد يقال ان اللازم مما حررناه كون الحكم الثابت بانضمام تلك الاخبار هو مطلق الرجحان الشامل للوجوب و الندب لا الحكم الاستحبابي بخصوصه. إذ كما ان قيد العقاب على تركه مما لا تدل عليه تلك الاخبار فكذلك جواز تركه لا الى بدل لا تدل عليه ايضا و لا سيما مع تصريح الخبر الضعيف بضده اعني العقاب على تركه، نعم قد يخص الحكم الاستحبابي باعتبار ضميمة أصالة عدم الوجوب و أصالة براءة الذمة منه، فتأمل. و لو لم يحرر السؤال الثاني على الوجه الذي قررناه كان بطلانه أظهر و فساده أبين كما لا يخفى. و (اما السؤال الثالث)- ففيه (أولا)- ان التحقيق ان بين تلك الروايات و بين ما دل على عدم العمل بقول الفاسق من الآية المذكورة و نحوها عموما من وجه، فلو قرر السؤال- على حد ما حرره بعض المحققين- هكذا: لما كان بينهما عموم من وجه كما أشرنا إليه فلا ترجيح لتخصيص الثاني بالأول بل ربما رجح العكس لقطعية سنده و تأيده بالأصل إذ الأصل عدم التكليف و براءة الذمة، كان أقرب الى الاعتبار و الاتجاه، مع ما فيه من النظر و الكلام إذ يمكن ان يقال ان الآية الكريمة انما تدل على عدم العمل بقول الفاسق بدون التثبت، و العمل به فيما نحن فيه بعد ورود الروايات المعتبرة المستفيضة ليس عملا بلا تثبت كما ظنه السائل فلم تتخصص الآية الكريمة بالأخبار بل بسبب ورودها خرجت تلك الأخبار الضعيفة عن عنوان الحكم المثبت في الآية الكريمة، فتأمل. انتهى كلامه.
201
أقول: لا يخفى ما في جواب شيخنا المشار اليه من التكلف و الشطط و الخروج عن حاق كلام ذلك الفاضل الموجب للوقوع في مهاوي الغلط، و عندي ان جميع ما أطال به هو و من أشار اليه انما هو تطويل بغير طائل و خروج عن صريح مقتضى كلام ذلك الفاضل، و ذلك فان ذلك الفاضل ادعى ان غاية ما تضمنته تلك الاخبار هو ترتب الثواب على العمل و مجرد هذا لا يستلزم أمر الشارع و طلبه لذلك العمل، فلا بد ان يكون هناك دليل أخر على طلب الفعل و الأمر به ليترتب عليه الثواب بهذه الاخبار و ان لم يكن موافقا للواقع و نفس الأمر، و هذا الكلام جيد وجيه لا مجال لإنكاره، و حينئذ فقول المجيب- ان ترتب الثواب على عمل يساوق رجحانه. إلخ- كلام شعري لا معنى له عند التأمل الصادق، فان العبادات توقيفية من الشارع واجبة كانت أو مستحبة فلا بد لها من دليل صريح و نص صحيح يدل على مشروعيتها، و هذه الاخبار لا دلالة فيها على الثبوت و الأمر بذلك و انما غايتها ما ذكرناه. و اما قول ذلك الفاضل: و لو اقتضي ذلك لاستندوا. إلخ فمعناه- كما هو ظاهر سياق كلامه- انه لو اقتضى ترتب الثواب في هذه الاخبار طلب الشارع لذلك الفعل وجوبا أو استحبابا لكان الواجب عليهم الاستناد الى هذه الاخبار في وجوب ما تضمن الخبر الضعيف وجوبه كما جروا عليه بالنسبة الى ما تضمن الخبر الضعيف استحبابه مع انهم لم يجروا هذا الكلام في الواجب. و حاصل الكلام الإلزام لهم بأنه لا يخلو اما ان يقولوا ان ترتب الثواب في هذه الاخبار يقتضي الطلب و الأمر بالفعل أم لا، فعلى الأول يلزمهم ذلك في جانب الوجوب كما التزموه في جانب الاستحباب مع انهم لا يلتزمونه، و على الثاني فلا بد من دليل آخر يقتضي ذلك و يدل عليه، و الى هذا أشار تفريعا على هذا الكلام بقوله: فلقائل أن يقول. إلخ، و بذلك يتبين لك ما في تطويل شيخنا المشار اليه و من نقل عنه و اعتمد عليه من الخروج عن كلام هذا الفاضل الى مقام آخر لا تعلق له بما ذكره و هو تطويل بغير طائل. و اما دعوى ذلك الفاضل ان الآية أخص مطلقا فصحيح لا ان بينها و بين تلك الأخبار عموما من وجه، فان
202
الأخبار دلت على ترتب الثواب على العمل الوارد بطريق عن المعصوم (عليه السلام) سواء كان المخبر عدلا أم لا طابق خبره الواقع أم لا من الواجبات كان أم من المستحبات و مورد الآية رد خبر الفاسق تعلق بالسنن أو بغيرها، و لا ريب ان هذا العموم أخص من ذلك العموم مطلقا لا من وجه، و من العجب قول المجيب بناء على زعمه العموم و الخصوص من وجه و تقريبه السؤال بما ذكره: «و حينئذ فالجواب ان يقال ان الآية الكريمة انما تدل. إلخ» فإن فيه خروجا عن كلام ذلك الفاضل لان هذه الاخبار لا تدل عنده على مشروعية العمل و انما تدل على مجرد ترتب الثواب بعد ثبوت المشروعية بدليل آخر، فكيف يحصل التثبت بها في العمل و هل هذا إلا أول المسألة و محل النزاع؟
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الظاهر ان الكلام في هذه المسألة سؤالا و جوابا و نقضا و إبراما انما ابتنى على هذا الاصطلاح المحدث الذي جعلوا فيه بعض الاخبار- و ان كانت مروية في الأصول المعتمدة المعتضدة بالقرائن المتعددة- ضعيفة و رموا بها من البين، و صاروا مع الحاجة إليها لضيق الخناق في هذا الاصطلاح يتسترون تارة بأنها مجبورة بالشهرة و تارة بما ذكروه في هذه المسألة من ان العمل في الحقيقة انما هو بهذه الاخبار و أمثال ذلك مما أوضحناه، و إلا فمتى قلنا بصحة الأخبار المروية في أصولنا المعتبرة و انها معتبرة معتمدة في ثبوت الأحكام كما عليه متقدمو علمائنا الاعلام و جم غفير من متأخريهم فإنه لا مجال لهذا البحث بالكلية، إذ العامل انما عمل على ذلك الخبر لكونه معتبرا معتمدا، و هذا هو الأنسب بالقواعد الشرعية و الضوابط المرعية، فإن الاستحباب و الكراهة أحكام شرعية كالوجوب و التحريم لا تثبت إلا بالدليل الواضح و المنار اللائح، و متى كان الحديث الضعيف ليس بدليل شرعي كما زعموه فلا يثبت به الاستحباب لا في محل النزاع و لا غيره، و التستر بان ثبوت الاستحباب انما حصل بانضمام هذه الأخبار كما ادعوه يؤدي الى ثبوت الاستحباب بمجرد رؤية حديث يدل على ترتب الثواب على عمل و لو في ظهر كتاب أو في ورقة ملقاة أو بخبر عامي لصدق البلوغ بكل
203
من هذه الأمور كما دلت عليه تلك الأخبار، و التزام ذلك لا يخلو من مجازفة. هذا.
و قد نقل بعض مشايخنا عن بعض الأصحاب نظم اخبار المخالفين في هذا السلك فجوز الرجوع إليها في المندوبات، ثم قال (قدس سره): «و لا ريب ان الأخبار المذكورة تشملهم إلا انه قد ورد النهي في كثير من الاخبار عن الرجوع إليهم و العمل بأخبارهم، و حينئذ فيشكل الحكم بالرجوع إليها لا سيما إذا كان ما ورد في أخبارهم هيئة مخترعة و صورة مبتدعة لم يعهد مثلها في الأخبار» انتهى. و هو مؤيد لما ذكرناه. و بالجملة فالقدر المعلوم المقطوع به من هذه الأخبار هو مجرد ترتب الثواب على عمل قد ثبت مشروعيته و وردت النصوص به سواء كان الخبر الوارد به مطابقا للواقع أم لا. و اللّٰه سبحانه أعلم بحقائق أحكامه.
و منها- الغسل عند صلاة الحاجة و صلاة الاستخارة
، قيل و ليس المراد أي صلاة أوقعها المكلف لأحد هذين الأمرين بل المراد بذلك صلاة مخصوصة ورد النص باستحباب الغسل قبلها أو بعدها و هي مذكورة في مظانها.
و الذي وقفت عليه من الاخبار بذلك
ما رواه في الكافي عن عبد الرحيم القصير (1) قال: «دخلت على ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقلت جعلت فداك اني اخترعت دعاء، فقال دعني من اختراعك إذا نزل بك أمر فافزع الى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و صل ركعتين تهديهما الى رسول اللّٰه. قلت كيف اصنع؟ قال تغتسل و تصلي ركعتين، ثم ساق الخبر مشتملا على كيفية العمل الى ان قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) فانا الضامن على اللّٰه تعالى ان لا يبرح حتى تقضى حاجته».
و عن مقاتل بن مقاتل (2) قال:
«قلت للرضا (عليه السلام) جعلت فداك علمني دعاء لقضاء الحوائج، فقال إذا كانت لك حاجة الى اللّٰه تعالى مهمة فاغتسل و البس أنظف ثيابك و شم شيئا من الطيب ثم ابرز تحت السماء فصل ركعتين. الحديث».
و روى الشيخ في الصحيح عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «في الأمر يطلبه الطالب من ربه؟ قال تصدق
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الصلوات المندوبة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الصلوات المندوبة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الصلوات المندوبة.
204
في يومك على ستين مسكينا على كل مسكين صاع بصاع النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فإذا كان الليل اغتسلت في الثلث الباقي و لبست ادنى ما يلبس من تعول من الثياب، الى ان قال ثم إذا وضعت رأسك للسجدة الثانية استخرت اللّٰه تعالى مائة مرة تقول اللهم إني أستخيرك، ثم تدعو اللّٰه تعالى بما شئت. الحديث».
و روى الصدوق في الفقيه عن مرازم عن العبد الصالح موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا فدحك أمر عظيم فتصدق في نهارك على ستين مسكينا على كل مسكين نصف صاع بصاع النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) من تمر أو بر أو شعير فإذا كان الليل اغتسلت في ثلث الليل الأخير ثم لبست ادنى ما يلبس من تعول من الثياب إلا ان عليك في تلك الثياب إزار ثم تصلي ركعتين، الى ان قال فإذا وضعت جبينك في السجدة الثانية استخرت اللّٰه مائة مرة تقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، ثم تدعو اللّٰه تعالى بما شئت. الحديث».
و ما رواه في الكافي عن جميل بن دراج (2) قال: «كنت عند ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) فدخلت عليه امرأة و ذكرت انها تركت ابنها و قد قالت بالملحفة على وجهه ميتا، فقال لها لعله لم يمت فقومي فاذهبي إلى بيتك فاغتسلي و صلي ركعتين و ادعي و قولي: يا من وهبه لي و لم يك شيئا جدد هبته لي، ثم حركيه و لا تخبري بذلك أحدا. قال ففعلت فحركته فإذا هو قد بكى».
و ما رواه الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب عن صفوان بن يحيى و محمد بن سهل عن أشياخهما عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «إذا حضرت لك حاجة مهمة الى اللّٰه عز و جل فصم ثلاثة أيام متوالية الأربعاء و الخميس و الجمعة، فإذا كان يوم الجمعة ان شاء اللّٰه تعالى فاغتسل و البس ثوبا جديدا ثم اصعد إلى أعلى بيت في دارك و صل ركعتين و ارفع يديك الى السماء ثم قل. الحديث».
أقول: المستفاد من الاخبار الكثيرة الواردة في صلاة الحوائج انهم (عليهم
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الصلوات المندوبة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب الصلوات المندوبة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 28 من أبواب الصلوات المندوبة.
205
السلام) ربما أمروا بالصلاة و الدعاء خاصة و ربما أمروا مع ذلك بالغسل في أوقات مخصوصة و ربما أمروا بالصوم ايضا، و المفهوم من ذلك هو استحباب هذه الأشياء لكل حاجة أراد المكلف طلبها الى اللّٰه عز و جل. و تتفاوت هذه الأعمال قلة و كثرة بتفاوت الحوائج بضروريتها و عدمها و شدة الحاجة إليها و عدمها فما ذكره بعضهم- من اختصاص الاغتسال بصلاة مخصوصة كما تقدمت الإشارة إليه- الظاهر انه لا وجه له، و يؤيد ما ذكرناه
قوله (عليه السلام) في عبارة كتاب الفقه المتقدمة (1): «و غسل طلب الحوائج من اللّٰه تعالى».
و اما ما ورد بالنسبة إلى صلاة الاستخارة فما تقدم
في موثقة سماعة (2) من قوله (عليه السلام): «و غسل الاستخارة مستحب».
و جملة من الأصحاب قد استدلوا على استحباب الغسل لصلاة الاستخارة
بصحيحة زرارة المتقدمة لقوله في آخرها: «ثم إذا وضعت رأسك للسجدة الثانية استخرت اللّٰه تعالى مائة مرة».
و نحوها رواية مرازم.
و أنت خبير بان سياق الروايتين المذكورتين انما هو في طلب الحاجة و الصلاة انما هي لها.
و المراد بالاستخارة في آخر الروايتين المذكورتين انما هو طلب ان يجعل اللّٰه تعالى له الخيرة في هذا الأمر الذي يطلبه و ان يختاره له فإنه أحد معاني الاستخارة لا بمعنى المشاورة كما هو المتبادر من لفظ الاستخارة، و ظاهر كلامهم ان الغسل لصلاة الاستخارة و ظاهر موثقة سماعة ان الغسل للاستخارة و ان كانت بغير صلاة و المتبادر من الاستخارة انما هو معنى المشاورة، و لكن لم أقف في اخبار الاستخارة على ما يدل على وجوب الغسل في شيء من إفرادها، و حينئذ فيمكن ان يقال باستحباب الغسل للاستخارة مطلقا بهذا الخبر أو يخص بصلاة الاستخارة كما هو المشهور فيقال باستحباب الغسل للصلاة المروية في الاستخارة بهذا الخبر، و كيف كان فالظاهر ان الاستدلال لذلك بصحيحة زرارة المشار إليها و نحوها رواية مرازم ليس في محله لما عرفت.
و منها- غسل يوم الغدير
، قال في التهذيب: «و الغسل في هذا اليوم مستحب
____________
(1) ص 181.
(2) ص 179.
206
مندوب اليه و عليه إجماع الفرقة» أقول: و يدل عليه
قوله (عليه السلام) في عبارة كتاب الفقه المتقدمة (1): «و غسل يوم غدير خم».
و ما نقله ابن طاوس في الإقبال قال من كتاب محمد بن علي الطرازي قال روينا بإسنادنا الى عبد اللّٰه بن جعفر الحميري عن هارون بن مسلم عن ابي الحسن المثنى عن الصادق (عليه السلام) (2) في حديث طويل ذكر فيه فضل يوم الغدير، الى ان قال: «فإذا كان صبيحة ذلك اليوم وجب الغسل في صدر نهاره. الحديث».
و ما رواه الشيخ عن علي بن الحسين العبدي (3) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول صيام يوم غدير خم يعدل صيام عمر الدنيا، الى ان قال و من صلى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل ان تزول مقدار نصف ساعة. الحديث».
و منها- غسل ليلة النصف من شعبان
، و يدل على ذلك
ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «صوموا شعبان و اغتسلوا ليلة النصف منه. الحديث».
و ما رواه في المصباح عن سالم مولى أبي حذيفة عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) (5) قال: «من تطهر ليلة النصف من شعبان فأحسن الطهر، و ساق الحديث الى قوله: قضى اللّٰه تعالى له ثلاث حوائج. ثم ان سأل اللّٰه ان يراني في ليلته رآني».
أقول: الظاهر ان هذا الخبر من طريق الجمهور ذكره الشيخ هنا تأكيدا.
و منها- غسل ليلة النصف من رجب و يوم المبعث
و هو اليوم السابع و العشرون منه، و قد ذكرهما الشيخ في المصباح و الجمل و المبسوط، و قال الشهيد في الذكرى انه لم يصل إلينا خبر فيهما. و قال المحقق في المعتبر: ربما كان لشرف الوقتين و الغسل مستحب
____________
(1) ص 181.
(2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 20 من الأغسال المسنونة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب الصلوات المندوبة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب الأغسال المسنونة.
(5) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب الصلوات المندوبة.
207
مطلقا و لا بأس بالمتابعة فيه. أقول: ما ذكره في المعتبر محل تأمل فإن استحباب الغسل مطلقا لا دليل عليه بل هو عبادة موقوفة على التشريع و ورود الأمر بها من الشارع، و العجب منه في قوله: «و لا بأس بالمتابعة فيه» مع خروجه عما عليه الأصحاب في جملة من المواضع التي قامت فيها الأدلة على ما ذهبوا اليه بزعم انها ضعيفة السند فكيف يوافقهم هنا من غير دليل؟ أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار مما يتعلق بهذا المقام
ما في الإقبال قال وجدت في كتب العبادات عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) انه قال: «من أدركه شهر رجب فاغتسل في اوله و وسطه و آخره خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه».
و منها- الغسل لقضاء صلاة الكسوف
مع تركها عمدا و احتراق القرص، صرح به الشيخ و ابن إدريس و ابن البراج و أكثر الأصحاب، و ذهب المرتضى في المسائل المصرية الثالثة و أبو الصلاح و سلار الى وجوبه في الصورة المذكورة، و عن الشيخ في النهاية القول بالوجوب ايضا، و عن المفيد و المرتضى في المصباح القول بالاستحباب و الاقتصار على تركها متعمدا من غير اشتراط لاستيعاب الاحتراق، قال في المختلف:
«و للشيخ قولان كالمذهبين ففي النهاية و الجمل و الخلاف يجب القضاء مع الغسل و في موضع من الخلاف انه مستحب، و لم يتعرض في المبسوط لوجوبه بل قال يقضيها مع الغسل و كذلك قال ابن بابويه، و لم يتعرض ابن ابي عقيل لهذا الغسل بوجوب و لا استحباب» انتهى. أقول: لا يخفى ان الشيخ في المبسوط صرح بالاستحباب في ضمن تعداد الأغسال المستحبة قال: «و غسل قاضي صلاة الكسوف إذا احترق القرص كله و تركها متعمدا» و لكن العلامة غفل عنه وقت التصنيف و لم يراجعه، هذا ما حضرني من الأقوال في المسألة.
و اما الأخبار المتعلقة بالمسألة المذكورة فقال في المدارك: «و الذي وقفت عليه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب الأغسال المسنونة.
208
من الاخبار في هذه المسألة روايتان،
روى إحداهما حريز عمن أخبره عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل و لم يصل فليغتسل من غد و ليقض الصلاة، و ان لم يستيقظ و لم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلا القضاء بغير غسل».
و الثانية
رواها محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (2) و هي طويلة قال في آخرها: «و غسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاغتسل».
و ليس في هذه الرواية إشعار بكون الغسل للقضاء بل المستفاد من ظاهرها ان الغسل للأداء، و الرواية الأولى قاصرة من حيث السند و خالية من قيد الاستيعاب و لكن سيجيء ان شاء اللّٰه ان القضاء انما يثبت مع ذلك، و الأحوط الغسل للقضاء مع تعمد الترك أخذا بظاهر الرواية المتقدمة و ان ضعف سندها، اما الغسل للأداء مع استيعاب الاحتراق فلا ريب في استحبابه و الاولى ان لا يترك بحال لصحة مستنده و تضمنه الأمر بالغسل مع انتفاء ما يقتضي الحمل على الاستحباب» انتهى. و هو ظاهر في عدم وقوفه على دليل يقتضي الدلالة على القول المشهور، و قد تبعه في ذلك الفاضل الخراساني في الذخيرة فأورد الروايتين المذكورتين لكنه لم يطعن في الأولى بضعف السند بل زيف لها وجوها تجبر ضعفها و اختار العمل بظاهرها إلا انه حمل الأمر فيها على الاستحباب كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى نقل كلامه في المقام، و اما الرواية الثانية فإنه اعترف ايضا بما ذكره في المدارك من ان ظاهرها وجوب الغسل في الأداء مع الاحتراق إلا انه عدل عنه، قال: لانه غير معمول عليه بين الأصحاب فينبغي حمله على الاستحباب. و المحقق الخوانساري في شرح الدروس قد نقل زيادة على الروايتين المذكورتين
ما رواه في الفقيه مرسلا عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) الغسل في سبعة عشر موضعا الى ان قال في آخرها: و غسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاستيقظت و لم تصل
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة.
209
فعليك ان تغتسل و تقضي الصلاة.».
ثم أطال الكلام في المقام بما لا يخلو من التردد و عدم الانسجام.
أقول: و الذي يظهر لي من النظر في روايات المسألة و التأمل فيها ان صحيحة محمد بن مسلم التي قدمنا ذكرها في صدر المطلب
برواية الشيخ في التهذيب (1) هي بعينها ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا عن الباقر (عليه السلام) (2) من قوله: «الغسل في سبعة عشر موضعا. الى آخره».
و الصدوق و ان رواها في الفقيه مرسلة إلا انه رواها في الخصال مسندة عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن حريز عن محمد عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: «الغسل في سبعة عشر موضعا، ثم ساق الخبر الى ان قال: و غسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاستيقظت و لم تصل فعليك ان تغتسل و تقضي الصلاة».
و هي- كما ترى- صحيحة صريحة في القول المشهور و لكنه في المدارك و كذا في الذخيرة لما لم يقفا إلا على ذينك الخبرين المجملين توقفا فيما ذكراه، و من الظاهر الذي لا يكاد يختلجه الشك ان هذه الرواية هي الرواية التي نقلها الشيخ في التهذيب لكنه أسقط منها هذه العبارة سهوا و زاد عوضها قوله «فاغتسل» و الرواية كما ذكرناه من الزيادة موجودة في كتب الصدوق: الفقيه و الخصال و الهداية، و الظاهر ان هذه الزيادة سقطت من قلم الشيخ كما لا يخفى على من له انس بطريقته سيما في التهذيب و ما وقع له فيه من التحريف و التصحيف و الزيادة و النقصان في الأسانيد و المتون بحيث انه قلما يخلو حديث من ذلك في متنه أو سنده كما هو ظاهر للممارس، و بذلك يظهر ضعف الاستناد الى روايته في المسألة و ضعف ما استنبطه في المدارك منها بناء على نقله لها مع صحة سندها من الغسل للأداء.
بقي الكلام في مرسلة حريز من حيث انها مطلقة في الكسوف من غير تقييد بالاحتراق، و لكن الظاهر تقييدها بصحيحة محمد بن مسلم التي ذكرناها و اعتمدناها و به
____________
(1) ص 180.
(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة.
210
تجتمع الأخبار في الدلالة على القول المشهور. و مما يؤيد ما ذكرناه من حمل الرواية المذكورة على الاحتراق قوله (عليه السلام) في آخرها:
«و ان لم يستيقظ و لم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلا القضاء بغير غسل».
فإنه لو حمل على ظاهره للزم منه وجوب القضاء في صورة عدم العلم مطلقا احترق أو لم يحترق مع ان الأخبار و كلام الأصحاب على تخصيص ذلك بصورة الاحتراق و اما مع عدم الاحتراق فلا قضاء. و اما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة- حيث قال يعد ذكر مرسلة حريز: «فان قلت: ظاهر هذه الرواية و هو القضاء في صورة عدم العلم مطلقا غير معمول عليه بين أكثر الأصحاب و تنفيه الأخبار المعتمدة الآتية في محله فينبغي ان يخص بصورة احتراق الجميع، قلت: الذي يستفاد من الروايات عدم وجوب القضاء إلا في الصورة المذكورة لا عدم الاستحباب، نعم لو ثبت الإجماع على عدم الاستحباب تعين المصير الى تخصيص الخبر بصورة احتراق الجميع لكن الإجماع غير ثابت و لا ادعاه أحد» انتهى- ففيه ان الاستحباب ايضا حكم شرعي يتوقف على الدليل و الحال انه لم يقل به هنا أحد و لم يدل عليه دليل، فحمل الرواية عليه مع إمكان حملها و تقييدها بصورة الاحتراق- كما هو القاعدة المطردة من حمل المطلق على المقيد- ترجيح من غير مرجح بل الترجيح في جانب ما ذكرناه لما عرفت.
إلا انه يبقى الكلام في ان ظاهر الاخبار المذكورة هو الوجوب كما هو قول جماعة من فضلاء الأصحاب على ما قدمناه و لا اعرف عنه صارفا إلا مجرد مناقشات لا يخفى و هنا على المصنف، قال في المختلف بعد نقل الخلاف في المسألة: «و الحق الاستحباب، لنا- الأصل براءة الذمة
و قوله (عليه السلام) (1): «من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته».
و كما لا يجب في الأداء الغسل بل هو مستحب فكذلك القضاء، و لحديث سعد عن الصادق (عليه السلام) و قد تقدم» انتهى. أقول: اما ما ذكره من الأصل فإنه يجب الخروج عنه بالدليل و هو واضح فيما ذكرناه من الاخبار
لقوله (عليه السلام) في مرسلة
____________
(1) المروي في الوسائل في الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات.
211
حريز «فليغتسل».
و هو أمر و الأصل فيه الوجوب، و قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم التي
في كتب الصدوق «فعليك ان تغتسل».
و ظهوره في الوجوب لا ينكر، و قوله (عليه السلام) فيها برواية الشيخ «فاغتسل» و الأمر فيه كما في الأول و اما ما ذكره من حديث
«من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته»
فإنما هو بمعنى الكيفية التي عليها الصلاة مما هو داخل في حقيقتها لا باعتبار ما كان خارجا عنها، و اما حديث سعد المشار اليه- و هو ما قدمه
من حديث سعد بن ابي خلف عن الصادق (عليه السلام) (1) «ان الأغسال أربعة عشر واحد فريضة و الباقي سنة».
- ففيه ان لفظ السنة لا ظهور له في الاستحباب لاستعماله فيما وجب بالسنة كما لا يخفى على من له أنس بالاخبار، على انه متى أريد به هنا الاستحباب فلا بد من تقييده البتة لظهور وجوب جملة من الأغسال اتفاقا، و الحق ان المراد بالسنة ما هو أعم من المعنيين المذكورين و ان منع استعماله كذلك أصحاب الأصول لتصريحهم بعدم جواز استعمال اللفظ في معنييه اشتراكا أو حقيقة و مجازا الا ان ما منعوه موجود في الاخبار كثيرا كهذا الموضع و غيره. و اما ما تمسك به الفاضل الخراساني في الذخيرة من عدم دلالة الأمر في أخبارنا على الوجوب فقد عرفت فساده فيما تقدم.
و اما ما ذكره جملة من الأصحاب في هذا المقام- من ان ظاهر اخبار المسألة الاختصاص بالقمر حتى لجأ بعضهم في الاستدلال على الشمس الى عدم القائل بالفصل فينسحب الحكم فيها- ففيه ان ذلك و ان لم يذكر في هذه الأخبار المشهورة لكنه مذكور
في الفقه الرضوي الذي قد عرفت و ستعرف انه معتمد المتقدمين حيث قال (عليه السلام) (2): «و ان انكشفت الشمس أو القمر و لم تعلم به فعليك ان تصليها إذا علمت، فان تركتها متعمدا حتى تصبح فاغتسل و صل و ان لم يحترق القرص فاقضها
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الجنابة.
(2) ص 12.
212
و لا تغتسل».
و سيأتي مزيد كلام في هذه العبارة ان شاء اللّٰه تعالى في كتاب الصلاة.
و اللّٰه العالم.
و منها- الغسل لأخذ التربة
، روى ذلك في البحار (1) عن مؤلف كتاب المزار الكبير بإسناده عن جابر الجعفي قال: «دخلت على مولانا ابي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) فشكوت اليه علتين متضادتين إذا داويت إحداهما انتقضت الأخرى و كان بي وجع الظهر و وجع الجوف فقال لي عليك بتربة الحسين بن علي (عليهما السلام) فقلت كثيرا ما استعملها و لا تنجع في؟ قال جابر فتبينت في وجه سيدي و مولاي الغضب فقلت يا مولاي أعوذ باللّٰه من سخطك، فقام فدخل الدار و هو مغضب فاتى بوزن حبة في كفه فناولني إياها ثم قال لي استعمل هذه يا جابر فاستعملتها فعوفيت لوقتي، فقلت يا مولاي ما هذه التي استعملتها فعوفيت لوقتي؟ قال هذه التي ذكرت انها لم تنجع فيك شيئا. فقلت و اللّٰه يا مولاي ما كذبت فيها و لكن قلت لعل عندك علما فأتعلمه منك يكون أحب الي مما طلعت عليه الشمس، فقال لي إذا أردت أن تأخذ من التربة فتعمد لها آخر الليل و اغتسل لها بماء القراح و البس أطهر أطهارك و تطيب بسعد و ادخل فقف عند الرأس فصل اربع ركعات تقرأ، ثم ساق الخبر في بيان الصلاة و كيفيتها و الاذن في أخذ التربة الى ان قال: و تأخذ بثلاث أصابع ثلاث مرات و تدعها في خرقة نظيفة أو قارورة من زجاج و تختمها بخاتم عقيق عليه «مٰا شٰاءَ اللّٰهُ لٰا قُوَّةَ إِلّٰا بِاللّٰهِ استغفر اللّٰه» فإذا علم اللّٰه تعالى منك صدق النية لم يصعد معك في الثلاث قبضات إلا سبعة مثاقيل و ترفعها لكل علة فإنها تكون مثل ما رأيت».
و منها- الغسل يوم النيروز
لما رواه الشيخ في المصباح عن المعلى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «إذا كان يوم النيروز فاغتسل و البس أنظف ثيابك. الحديث».
____________
(1) ج 22 ص 147.
(2) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب الأغسال المسنونة.
213
تتمة [فضل يوم النيروز]
قال الفاضل ابن فهد في المهذب: «تنبيه: يوم النيروز يوم جليل القدر و تعيينه من السنة غامض مع ان معرفته أمر مهم من حيث انه تتعلق به عبادة مطلوبة للشارع و الامتثال موقوف على معرفته، و لم يتعرض لتفسيره أحد من علمائنا سوى ما قاله الفاضل محمد ابن إدريس، و حكايته: و الذي حققه بعض محصلي أهل الحساب و علماء الهيئة و أهل هذه الصنعة في كتاب له ان يوم النيروز يوم العاشر من أيار. و قال الشهيد و فسر بأول سنة الفرس أو حلول الشمس برج الحمل أو عاشر أيار. فالثالث إشارة إلى قول ابن إدريس و الأول إشارة الى ما هو مشهور عند فقهاء العجم في بلدهم فإنهم يجعلونه عند نزول الشمس الجدي و هو قريب مما قاله صاحب الأنواء، و حكايته: اليوم السابع عشر من كانون الأول هو صوم اليهود و فيه ترجع الشمس مصعدة الى الشمال و يأخذ النهار من الليل ثلاث عشرة ساعة و هو مقدار ما يأخذ في كل يوم و تنزل الشمس برج الجدي قبله بيومين، و بعض العلماء جعله رأس السنة و هو النيروز، فجعله حكاية عن بعض العلماء و قال بعد ذلك: اليوم التاسع من شباط و هو يوم النيروز و يستحب فيه الغسل و صلاة أربع ركعات لما رواه المعلى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) ثم ذكر الخبر فاختار التفسير الأخير و جزم به. و الأقرب من هذه التفاسير انه نزول الشمس برج الحمل لوجوه: (الأول)- انه اعرف بين الناس و أظهر في استعمالهم، و انصراف الخطاب المطلق الشامل لكل مكلف الى معلوم في العرف و ظاهر في الاستعمال اولى من انصرافه الى ما كان على الضد من ذلك، و لانه المعلوم من عادة الشرع و حكمته، ألا ترى كيف علق أوقات الصلوات بسير الشمس الظاهر و صوم رمضان برؤية الهلال و كذا أشهر الحج؟ و هي أمور ظاهرة يعرفها عامة الناس بل الحيوانات. فان قلت: استعماله في نزول الشمس برج الحمل غير ظاهر الاستعمال في بلاد العجم حتى انهم لا يعرفونه
214
و ينكرونه على معتقده فلم خصصت ترجيح العرف الظاهر في بعض البلاد دون بعض؟ و أيضا فإن ما ذكرته حادث و يسمى النيروز السلطاني و الأول أقدم حتى قيل انه منذ زمان نوح (عليه السلام)، فالجواب عن الأول ان العرف إذا تعدد انصرف الى العرف الشرعي فان لم يكن فإلى أقرب البلاد و اللغات الى الشرع فينصرف إلى لغة العرب و بلادها لأنها أقرب الى الشرع، و عن الثاني بأن التفسيرين معا متقدمان على الإسلام (الثاني)- انه مناسب لما ذكره صاحب الأنواء من ان الشمس خلقت في الشرطين و هما أول الحمل، فيناسب ذلك إعظام هذا اليوم الذي عادت فيه الى مبدإ كونها (الثالث)- انه مناسب لما ذكره السيد رضي الدين بن طاوس (قدس سره) ان ابتداء العالم و خلق الدنيا كان في شهر نيسان و لا شك ان نيسان يدخل و الشمس في الحمل، و إذا كان ابتداء العالم في هذا اليوم يناسب ان يكون يوم عيد و سرور، و لهذا ورد استحباب التطيب فيه بأطيب الطيب و لبس أنظف الثياب و مقابلته بالدعاء و الشكر و التأهب لذلك بالغسل و تكميله بالصوم و الصلاة المرسومة له حيث كان فيه ابتداء النعمة الكبرى و هي الإخراج من حيز العدم الى الوجود ثم تعريض الخلق لثوابه الدائم و لهذا أمرنا بتعظيم يوم المبعث و الغدير حيث كان فيهما ابتداء منصب النبوة و الإمامة و كذا المولدين. (فان قلت): نسبته الى الفرس تؤيد الأول فإنهم واضعوه و الثاني وضعه قوم مخصوصون و لم يوافقهم الباقون (قلنا): يكفي في نسبته إليهم ان يقول به طائفة منهم و ان قصروا في العدد عمن لم يقل به، ألا ترى الى قوله تعالى: «وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ وَ قٰالَتِ النَّصٰارىٰ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ.» (1) و ليس القائل بذلك كل اليهود و لا كل النصارى، و مثل قوله: «وَ الَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ الْكِتٰابَ يَفْرَحُونَ بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ.» (2) و ليس الإشارة الى أهل الكتاب بأجمعهم بل الى عبد اللّٰه بن سلام و أصحابه (زيادة)- و مما ورد في فضله و يعضد ما قلناه
ما حدثني المولى السيد المرتضى
____________
(1) سورة التوبة. الآية 30.
(2) سورة الرعد. الآية 36.
215
العلامة بهاء الدين علي بن عبد الحميد النسابة دامت فضائله رواه بإسناده إلى المعلى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) (1) «ان يوم النيروز هو اليوم الذي أخذ فيه النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لأمير المؤمنين (عليه السلام) العهد بغدير خم فأقروا له بالولاية فطوبى لمن ثبت عليها و الويل لمن نكثها، و هو اليوم الذي وجه فيه رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) عليا (عليه السلام) الى وادي الجن فأخذ عليهم العهود و المواثيق، و هو اليوم الذي ظفر فيه بأهل النهروان و قتل ذا الثدية، و هو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا أهل البيت و ولاة الأمر و يظفره اللّٰه تعالى بالدجال فيصلبه على كناسة الكوفة، و ما من يوم نيروز إلا و نحن نتوقع فيه الفرج لانه من أيامنا حفظه الفرس و ضيعتموه، ثم ان نبيا من أنبياء بني إسرائيل سأل ربه ان يحيى القوم «الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ» (2) فأماتهم اللّٰه تعالى فأوحى اللّٰه تعالى اليه ان صب عليهم الماء في مضاجعهم فصب عليهم الماء في هذا اليوم فعاشوا و هم ثلاثون ألفا فصار صب الماء في يوم النيروز سنة ماضية لا يعرف سببها إلا الراسخون في العلم، و هو أول يوم من سنة الفرس، قال المعلى: و املى علي ذلك فكتبته من إملائه».
و عن المعلى ايضا (3) قال: «دخلت على ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) في صبيحة يوم النيروز فقال يا معلى أ تعرف هذا اليوم؟
قال: قلت لا و لكنه يوم تعظمه العجم و تتبارك فيه، قال كلا و البيت العتيق الذي ببطن مكة ما هذا اليوم إلا لأمر قديم أفسره لك حتى تعلمه. قلت تعلمي هذا من عندك أحب الى من ان تعيش أترابي و يهلك اللّٰه عدوكم، قال يا معلى يوم النيروز هو اليوم الذي أخذ اللّٰه تعالى فيه ميثاق العباد ان يعبدوه و لا يشركوا به شيئا و ان يدينوا برسله و حججه و أوليائه، و هو أول يوم طلعت فيه الشمس و هبت فيه الرياح اللواقح و خلقت فيه زهرة الأرض، و هو اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح (عليه السلام) على الجودي
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 48 من أبواب الصلوات المندوبة.
(2) سورة البقرة. الآية 244.
(3) رواه في الوسائل في الباب 48 من أبواب الصلوات المندوبة.
216
و هو اليوم الذي أحيا اللّٰه تعالى فيه القوم «الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقٰالَ لَهُمُ اللّٰهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيٰاهُمْ» (1) و هو اليوم الذي هبط فيه جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و هو اليوم الذي كسر فيه إبراهيم (عليه السلام) أصنام قومه، و هو اليوم الذي حمل فيه رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أمير المؤمنين (عليه السلام) على منكبه حتى رمى أصنام قريش من فوق البيت الحرام و هشمها. الخبر بطوله».
و الشاهد في هذين الحديثين من وجوه: (الأول)- قوله (عليه السلام)
«هو اليوم الذي أخذ اللّٰه تعالى فيه العهد بغدير خم»
و هذا تأريخ و كان ذلك سنة عشر من الهجرة و حسب فوافق نزول الشمس الحمل في التاسع عشر من ذي الحجة على حساب التقويم و لم يكن الهلال رؤي في مكة ليلة الثلاثين فكان الثامن عشر على الرؤية (الثاني)- كون صب الماء في ذلك اليوم سنة شائعة، و الظاهر ان مثل هذه السنة العامة الشاملة لعامة المكلفين انما يكون صب الماء في وقت لا ينفر منه الطبع و يأباه و لا يتصور ذلك مع كون الشمس في الجدي لأنه في غاية القر في غالب البلاد الإسلامية (الثالث)- قوله (عليه السلام) في الحديث الثاني:
«و هو أول يوم طلعت فيه الشمس»
و هو مناسب لما قيل ان الشمس خلقت في الشرطين (الرابع)- قوله:
«و خلقت فيه زهرة الأرض»
و هذا انما يكون في الحمل دون الجدي و هو ظاهر» انتهى ما ذكره في المهذب.
و لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه فإن إثبات الأحكام الشرعية بأمثال هذه الوجوه التخريجية الوهمية لا يخلو من مجازفة سيما مع ما فيها من الاختلال الذي لا يخفى على من خاض بحار الاستدلال و ليس في التعرض لنقضها كثير فائدة مع ظهور الحال فيما ذكرناه و لا اعرف لذلك دليلا شرعيا و لا مستندا مرعيا غير مجرد اتفاق الناس على ذلك، و قد أطال شيخنا المجلسي في البحار في بيان ما في جملة هذه الأقوال من الاختلال و اعترض
____________
(1) سورة البقرة. الآية 244.
217
كلام المهذب ايضا بوجوه ليس هذا موضع ذكرها. و العلم عند اللّٰه سبحانه.
و منها- غسل الجمعة
، و قد اختلف فيه الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) فالمشهور استحبابه، و قال الصدوق في الفقيه: غسل يوم الجمعة واجب على الرجال و النساء في السفر و الحضر، ثم قال و غسل يوم الجمعة سنة واجبة. و قال في الكافي: باب وجوب الغسل يوم الجمعة، ثم أورد الأخبار المتضمنة للوجوب، و بذلك نسب إليهما القول بالوجوب و فيه ما سيأتي بيانه في المقام ان شاء اللّٰه تعالى، و الى هذا القول مال شيخنا البهائي في الحبل المتين و نقل القول بالوجوب ايضا عن والد الصدوق، و الى هذا القول ذهب شيخنا الشيخ سليمان بن عبد اللّٰه البحراني و أيده و نصره و صنف فيه رسالة.
و منشأ هذا الخلاف اختلاف الاخبار ظاهرا، و ها نحن نبدأ أولا بذكر أخبار المسألة كملا كما هي قاعدتنا في الكتاب ثم نعطف الكلام ان شاء اللّٰه تعالى على تحقيق القول فيما يستفاد منها و ما تجتمع عليه بوجه لا يزاحمه الاشكال و لا يتطرق اليه ان شاء اللّٰه تعالى الاختلال.
فمنها-
ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن محمد بن عبد اللّٰه بن المغيرة عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الغسل يوم الجمعة فقال واجب على كل ذكر و أنثى من عبد أو حر».
و رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن عبد اللّٰه بن المغيرة عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) مثله (2)
و ما رواه ثقة الإسلام عن منصور بن حازم في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «الغسل يوم الجمعة على الرجال و النساء في الحضر و على الرجال في السفر».
و رواه في موضع آخر كذلك (4) و زاد عليه «و ليس على النساء في السفر».
و قال (5): و في رواية أخرى «و رخص للنساء في السفر لقلة الماء».
و عن زرارة في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (6)
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(5) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(6) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب الأغسال المسنونة.
218
في حديث قال: «الغسل واجب يوم الجمعة».
و رواه الصدوق في الخصال في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «الغسل في يوم الجمعة واجب. الى تمام الخبر».
و روى الصدوق في العلل في الصحيح عن محمد بن احمد بن يحيى رفعه (2) قال:
«غسل الجمعة واجب على الرجال و النساء في السفر و الحضر إلا انه رخص للنساء في السفر لقلة الماء».
و ما رواه الكليني عن حريز في الحسن أو الصحيح عن بعض أصحابنا عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: «لا بد من الغسل يوم الجمعة في السفر و الحضر و من نسي فليعد من الغد» قال «و روي فيه رخصة للعليل».
و ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «اغتسل يوم الجمعة إلا ان تكون مريضا أو تخاف على نفسك».
و عن علي بن يقطين في الصحيح (5) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن النساء أ عليهن غسل الجمعة؟ قال نعم».
و ما رواه الشيخ و الصدوق عن سماعة بن مهران في الموثق (6) «انه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن غسل الجمعة فقال واجب في السفر و الحضر إلا انه رخص للنساء في السفر لقلة الماء».
و هذه الاخبار هي أدلة القول بالوجوب كما ينادي به ظاهرها، و منها-
ما رواه الشيخ عن علي بن يقطين في الصحيح (7) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الغسل في يوم الجمعة و الأضحى و الفطر؟ قال سنة و ليس بفريضة».
و عن زرارة في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (8) قال: «سألته عن غسل يوم الجمعة؟ قال هو سنة في السفر و الحضر إلا ان يخاف المسافر على نفسه القر».
و عن علي (9)- و الظاهر انه ابن
____________
(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 3 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الأغسال المسنونة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(5) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(6) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة.
(7) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(8) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(9) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
219
أبي حمزة- قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن غسل العيدين أ واجب هو؟ قال هو سنة. قلت فالجمعة؟ قال هو سنة».
و روى المفيد (رحمه اللّٰه) في المقنعة مرسلا (1) قال:
«روي عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) انه قال: غسل الجمعة و الفطر سنة في السفر و الحضر».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان من ذهب من أصحابنا إلى الوجوب أخذ بظاهر الأخبار الأولة و أجاب عن الاخبار الأخيرة بحمل السنة فيها على ما ثبت وجوبه بالسنة، قال شيخنا البهائي في الحبل المتين حيث اختار هذا القول: «و أنت خبير بان الجمع بينها بحمل السنة على ما ثبت وجوبه بالسنة و الفريضة على ما ثبت وجوبه بالكتاب غير بعيد، و هو اصطلاح الصدوق في الفقيه كما يشعر به قوله: «الغسل كله سنة ما خلا غسل الجنابة» و هذا الذي اصطلح عليه ليس من مخترعاته بل ورد في كثير من الاخبار عن أئمتنا (عليهم السلام)
كما رواه في التهذيب عن الرضا (عليه السلام) (2) بطرق عديدة «ان الغسل من الجنابة فريضة و غسل الميت سنة».
قال الشيخ يريد ان فرضه عرف من جهة السنة لأن القرآن لا يدل على فرض غسل الميت،
و كما رواه عن سعد بن ابي خلف (3) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: الغسل في أربعة عشر موطنا واحد فريضة و الباقي سنة».
قال العلامة في المختلف: المراد بالسنة ما ثبت من جهة السنة لا من طريق القرآن.
و لا حاصل ان إطلاق السنة على ذلك المعنى غير عزيز و حمل السنة عليه ليس بأبعد من حمل الوجوب في
قوله (عليه السلام): «الغسل واجب يوم الجمعة».
و قوله (عليه السلام) «انه واجب على كل ذكر و أنثى من عبد أو حر».
على المبالغة في الاستحباب، و منع كون الوجوب حقيقة شرعية في المعنى المصطلح عليه بين الفقهاء يأتي مثله في السنة، و بهذا يظهر ان قول الصدوقين غير بعيد عن الصواب» انتهى. و اما من ذهب الى القول
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب الجنابة.
220
بالاستحباب كما هو المشهور عملا بظاهر الأخبار الأخيرة من حمل السنة على معنى المستحب فإنه حمل الوجوب في الاخبار التي استند إليها الخصم على المعنى اللغوي أو تأكد الاستحباب لعدم ثبوت كون الوجوب عندهم (عليهم السلام) حقيقة في المعنى الاصطلاحي، قال المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المنتقى- بعد ان نقل عن الشيخ حمل لفظ الوجوب في الاخبار على تأكد الاستحباب- ما صورته: «و كثيرا ما يذكر الشيخ هذا الكلام في تضاعيف ما يستعمل فيه هذا اللفظ و هو مطابق لمقتضى أصل الوضع و ان كان المتبادر في العرف الآن خلافه، فان العرف المقدم على اللغة هو الموجود في زمن الخطاب باللفظ و لا دليل على ان المعنى العرفي لهذا اللفظ كان متحققا في ذلك الوقت فيحمل على المعنى اللغوي. و يبقى الكلام في الخبر المتضمن للأمر بالاغتسال يوم الجمعة و لو قلنا بان الأمر في مثله يفيد الوجوب لاقتضت رعاية الجمع بينه و بين ما تضمن كون الغسل سنة ان يحمل على الندب» انتهى.
أقول: لا يخفى ان ما ذكره شيخنا البهائي في الحبل المتين من استعمال السنة فيما ثبت وجوبه بالسنة أكثر كثير في الاخبار، و منه- زيادة على ما ذكره من الخبرين-
ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «ان اللّٰه عز و جل فرض الركوع و السجود و القراءة سنة فمن ترك القراءة متعمدا أعاد صلاته و من نسي القراءة فقد تمت صلاته».
و رواية الحسين بن النضر الأرمني الواردة في اجتماع الميت مع الجنب في السفر (2) و فيها قال: «يغتسل الجنب و يترك الميت لان هذا فريضة و هذا سنة».
و رواية التفليسي الواردة في ذلك ايضا (3) حيث قال فيها «إذا اجتمعت سنة و فريضة بدئ بالفرض».
و مرسلة محمد بن عيسى الواردة في ذلك ايضا (4) و فيها «لان الغسل من الجنابة فريضة و غسل الميت سنة».
و كذا ما ذكره المحقق المشار اليه من ان الوجوب
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب القراءة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التيمم.
(4) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التيمم.
221
في عرفهم (عليهم السلام) كما استفاضت به أخبارهم أعم من هذا المعنى الاصطلاحي فإنه حق لا ريب فيه. و قد تقدم في الاخبار المذكورة في صدر المطلب عد جملة من تلك الأغسال المتفق على استحبابها بلفظ الوجوب، و بالجملة فإن المتدرب في الاخبار لا يخفى عليه صحة الأمرين المذكورين. و الحق الحقيق بالاتباع- كما حققناه في جملة من المواضع- ان هذين اللفظين من الألفاظ المتشابهة في الاخبار و لا يجوز الحمل على أحد المعنيين فيها إلا مع القرينة، و مدعى دلالة لفظ الوجوب في أخبارهم (عليهم السلام) على الوجوب بهذا المعنى الاصطلاحي و هكذا لفظ السنة بمعنى المستحب خاصة مكابر مباهت، و بذلك يظهر سقوط استدلال كل من هذين القائلين بهذه الاخبار في البين بل الواجب على من يدعي الوجوب تحصيل دليل آخر غير هذه الاخبار المتقدمة و كذا من يدعي الاستحباب تحصيل دليل آخر غير ما ذكر.
و أنت خبير بان مع إلقاء هذين الدليلين من البين فإن الذي يظهر من الاخبار هو الاستحباب و ذلك من وجوه:
(الأول)- أصالة البراءة من الوجوب حتى يقوم دليل يوجب الخروج عنها و ليس فليس، و هو أقوى دليل في المقام إذ الاخبار الواردة التي استند إليها الخصم لا دلالة فيها على ما ادعاه، لما عرفت من ان الوجوب في كلامهم (عليهم السلام) أعم من هذا المعنى المصطلح عليه و هو الذي لا يجوز تركه فلا تنهض حجة في الخروج عن هذا الأصل.
(الثاني)- رواية علي بن أبي حمزة المتقدمة فإنه لا مجال لحمل السنة فيها على ما ثبت وجوبه بالسنة كما ادعاه الخصم، لأن أصل السؤال تردد بين كونه واجبا أو سنة و السنة متى قوبلت بالواجب تعين حملها على معنى المستحب و انما يحصل الشك فيما إذا قوبلت بالفرض أو أطلقت، و أصل السؤال و ان كان عن غسل العيدين لكن قضية العطف إجراؤه في المعطوف عليه ايضا.
(الثالث)- صحيحة علي بن يقطين المتقدمة أيضا حيث عد غسل الجمعة فيها
222
في قرن غسل الضحى و الفطر فأجاب (عليه السلام) عن الجميع بأنه سنة، و من المتفق عليه عند الخصم ان غسل العيدين مستحب فيكون غسل الجمعة أيضا كذلك و الا لزم استعمال اللفظ في حقيقته و مجازه أو المشترك في معنييه و هم لا يقولون به.
(الرابع)-
ما نقله شيخنا المجلسي في البحار عن كتاب جمال الأسبوع لابن طاوس في حديث رواه فيه بسنده عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «انه قال لعلي (عليه السلام) في وصيته يا علي على الناس في كل يوم من سبعة أيام الغسل فاغتسل في كل جمعة، و لو أنك تشترى الماء بقوت يومك و تطويه فإنه ليس شيء من التطوع بأعظم منه».
و هو صريح الدلالة كما ترى (الخامس)-
رواية الحسين بن خالد الصيرفي (2) قال: «سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) كيف صار غسل الجمعة واجبا؟ فقال ان اللّٰه تبارك و تعالى أتم صلاة، الفريضة بصلاة النافلة و أتم صيام الفريضة بصيام النافلة و أتم وضوء الفريضة بغسل الجمعة ما كان في ذلك من سهو أو تقصير أو نسيان».
و التقريب فيها ظاهر من النظائر المذكورة، و حينئذ فالوجوب في صدر الرواية مراد به المعنى اللغوي.
و يؤيد ذلك عده في قرن المستحبات في جملة من الأخبار
كقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة هشام بن الحكم (3): «ليتزين أحدكم يوم الجمعة يغتسل و يتطيب و يسرح لحيته و يلبس أنظف ثيابه».
و كقول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (4) «لا تدع الغسل يوم الجمعة فإنه سنة و شم الطيب و البس صالح ثيابك. الحديث».
و قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (5) «و عليكم بالسنن يوم الجمعة و هي سبعة:
إتيان النساء و غسل الرأس و اللحية بالخطمي و أخذ الشارب و تقليم الأظافير و تغيير
____________
(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 3 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) المروية في الوسائل في الباب 47 من أبواب صلاة الجمعة.
(4) المروية في الوسائل في الباب 47 من أبواب صلاة الجمعة.
(5) ص 11.
223
الثياب و مس الطيب، فمن أتى بواحدة من هذه السنن ثابت عنهن و هي الغسل، و أفضل أوقاته قبل الزوال و لا تدع في سفر و لا حضر، و ان كنت مسافرا و تخوفت عدم الماء يوم الجمعة اغتسل يوم الخميس فان فاتك الغسل يوم الجمعة قضيت يوم السبت أو بعده من أيام الجمعة، و انما سن الغسل يوم الجمعة تتميما لما يلحق الطهور في سائر الأيام من النقصان».
انتهى كلامه. و في قوله (عليه السلام):
«و انما سن الغسل.
إلخ» إشارة الى ما تضمنته رواية الحسين بن خالد المذكورة. و يؤيده أيضا الرخصة في تركه للنساء في السفر كما تقدم في صحيحة منصور بن حازم، إذ لا شيء من الأغسال بل الأفعال الواجبة كذلك بل ورد جواز تركها له في الحضر
كما رواه الصدوق في الخصال عن جابر الجعفي عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «ليس على المرأة غسل الجمعة في السفر و يجوز لها تركه في الحضر».
و هو أظهر ظاهر في الاستحباب.
هذا و عندي في اسناد القول بالوجوب الى الصدوق في الفقيه بمجرد الكلام المتقدم نظر: (أما أولا)- فلما علم من عادة المتقدمين- كما صرح به ايضا غير واحد من أصحابنا المتأخرين- أنهم يعبرون غالبا بمتون الأخبار، و الوجوب في الاخبار كما يحتمل المعنى المشهور كذلك يحتمل المعنى اللغوي أو تأكيد الاستحباب فعين ما يقال في الاخبار يقال في كلامهم، و لم يثبت كون الواجب عندهم حقيقة في المعنى المصطلح حتى يجب حمل كلامهم عليه، و على هذا يحمل ايضا كلام ثقة الإسلام في الكافي حيث عنون الباب بلفظ الوجوب.
(و اما ثانيا)-
فلما ذكره في الفقيه (2) في الباب المذكور من قوله: «و روي ان اللّٰه تعالى أتم صلاة الفريضة بصلاة النافلة و أتم صيام الفريضة بصيام النافلة و أتم الوضوء بغسل يوم الجمعة».
و هو مضمون رواية الحسين بن خالد المتقدمة الظاهرة كما عرفت في
____________
(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 3 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) ج 1 ص 62 و في الوسائل في الباب 6 من الأغسال المسنونة.
224
الاستحباب، و ما وقع له في هذا المقام وقع مثله
في الفقه الرضوي أيضا حيث قال:
(عليه السلام) أولا: «و اعلم ان غسل الجمعة سنة واجبة لا تدعه في السفر و لا في الحضر» ثم قال (عليه السلام) في الكلام المتقدم نقله قريبا «و انما سن الغسل يوم الجمعة تتميما لما يلحق الطهور في سائر الأيام من النقصان».
و اما ما ذكره شيخنا المشار اليه آنفا- من حمل اخبار الاستحباب على التقية لأنه مذهب أكثر الجمهور- (1) ففيه ان الحمل على التقية فرع تعارض الاخبار صريحا و الاخبار هنا- كما عرفت مما حققناه في الاخبار التي هي مناط الاستدلال من الطرفين- متشابهة لما ذكره من معنى الوجوب و السنة و انه لا يمكن الحمل على معنى مخصوص بل الأخبار المذكورة قابلة للانطباق على كل من القولين، و لو كان الوجوب ظاهرا في المعنى المصطلح و السنة ظاهرة في معنى الاستحباب لأمكن الحمل على التقية لظهور التقابل بين المعنيين و عدم إمكان حمل أحدهما على الآخر لكن الأمر ليس كذلك لما عرفت، فالواجب حينئذ- كما قدمنا ذكره- هو إغماض النظر عن هذه الاخبار و عدم الاستدلال بها في البين و النظر في تحصيل دليل آخر، و قد عرفت بما ذكرناه من الوجوه المتقدمة ان الظاهر هو الاستحباب، و حينئذ فيجب حمل تلك الاخبار المتشابهة عليه و كذا حمل ما ورد بالأمر بالغسل. و يؤيده زيادة على ما قدمناه شهرة القول به بل ادعى الإجماع عليه في الخلاف، و قد عرفت ان الخلاف في هذه المسألة غير واضح لما قدمنا ذكره.
و كيف كان فإنه و ان كان الظاهر هو الاستحباب إلا ان الاحتياط في الدين و الخروج من العهدة بيقين الموجب الدخول في زمرة المتقين يقتضي المحافظة على الإتيان به و عدم التهاون به، لما في جملة من الاخبار من مزيد التأكيد فيه على وجه يكاد ان يلحقه بالواجبات كما في جملة من السنن المؤكدة، فمنها- ما يدل على إعادة الصلاة في
____________
(1) كما في بدائع الصنائع ج 1 ص 269 و المغني ج 2 ص 345.
225
الوقت بتركه
كما ورد في موثقة عمار (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل ينسى الغسل يوم الجمعة حتى صلى؟ قال: ان كان في وقت فعليه ان يغتسل و يعيد الصلاة و ان مضى الوقت فقد جازت صلاته».
و روى الشيخ في الموثق عن سهل بن اليسع (2) «انه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدع غسل الجمعة ناسيا أو غير ذلك؟ قال ان كان ناسيا فقد تمت صلاته و ان كان متعمدا فالغسل أحب الي و ان هو فعل فليستغفر اللّٰه و لا يعد».
و روى أبو بصير (3) «انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يدع غسل يوم الجمعة ناسيا أو متعمدا؟ فقال ان كان ناسيا فقد تمت صلاته و ان كان متعمدا فليستغفر اللّٰه تعالى و لا يعد».
و ظواهر هذه الاخبار- كما ترى- دالة على ان تركه يوجب نقصا و خللا في الصلاة و لو في نقصان ثوابها و نقصا في الدين و الأمر بالاستغفار الذي لا يترتب إلا على الذنب، فالاحتياط في الدين يقتضي المحافظة على الإتيان به، هذا مع ما فيه من مزيد الطهارة
كما رواه في الكافي و التهذيب عن الأصبغ (4) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا أراد ان يوبخ الرجل يقول و اللّٰه لأنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة فإنه لا يزال في طهر إلى الجمعة الأخرى».
و روى الشيخ عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «من اغتسل يوم الجمعة فقال:
اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و ان محمدا عبده و رسوله اللهم صل على محمد و آل محمد و اجعلني من المتطهرين، كان له طهرا من الجمعة إلى الجمعة».
تنبيهات
(الأول) [وقت غسل الجمعة]
- قد صرح الأصحاب بأن وقت الغسل المذكور ما بين الفجر الى الزوال و انه كلما قرب الى الزوال كان أفضل، و عن الشيخ في الخلاف الى ان يصلي الجمعة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب الأغسال المسنونة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب الأغسال المسنونة.
(5) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب الأغسال المسنونة.
226
أقول: اما ان وقته من طلوع الفجر فيدل عليه ان الغسل وقع مضافا الى اليوم و لا ريب ان مبدأ اليوم هو طلوع الفجر شرعا و لغة و عرفا فلا يجزئ قبله،
و ما رواه في الكافي عن زرارة و الفضيل في الحسن (1) قالا: «قلنا له أ يجزئ إذا اغتسلت بعد الفجر للجمعة؟ فقال: نعم».
و رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب حريز ابن عبد اللّٰه عن الفضيل و زرارة عن الباقر (عليه السلام) مثله (2) و حينئذ فيندفع عنه غشاوة الإضمار و ان كان إضمار مثل هذين المعتمدين غير ضائر لأنه من المعلوم انهما و أمثالهما لا يعتمدون على غير الامام (عليه السلام)
و في الفقه الرضوي «و يجزيك إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر و كلما قرب من الزوال فهو أفضل».
و في رواية زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (3) «إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الجمعة. الحديث».
و الظاهر ان الحكم إجماعي.
و اما ان آخر وقته الزوال فقال في المعتبر ان عليه إجماع الناس، و هو يؤذن بدعوى الاتفاق عليه من الخاصة و العامة، و يدل عليه
حسنة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: «لا تدع الغسل يوم الجمعة فإنه سنة، و قد تقدم الى ان قال: و ليكن فراغك من الغسل قبل الزوال فإذا زالت فقم و عليك السكينة و الوقار. الحديث».
و قد تقدم في عبارة
كتاب الفقه الرضوي «و أفضل أوقاته قبل الزوال».
و يؤيده أيضا ما رواه الشيخ عن محمد بن عبد اللّٰه عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «كانت الأنصار تعمل في نواضحها و أموالها فإذا كان يوم الجمعة جاؤا فتأذى الناس بأرواح آباطهم و أجسادهم فأمرهم رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) بالغسل يوم الجمعة فجرت بذلك
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب الأغسال المسنونة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 47 من أبواب صلاة الجمعة.
(5) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
227
السنة».
و رواه في الفقيه أيضا في باب غسل يوم الجمعة، و يدل عليه ايضا
ما رواه الشيخ عن سماعة بن مهران عن الصادق (عليه السلام) (1) «في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة في أول النهار؟ قال يقضيه في آخر النهار فان لم يجد فليقضه يوم السبت».
و المتبادر من القضاء هو فعل الشيء الموقت خارج وقته، و احتمال مجرد الفعل و ان أمكن إلا ان الظاهر بعده إذ الظاهر ان لفظ القضاء في الموضعين بمعنى واحد، و اللازم من هذا الاحتمال جعل الأول بمعنى مجرد الفعل و الثاني مع التخصيص بخارج الوقت و لا يخلو من منافرة، و بهذا الخبر استدل في المعتبر على ذلك بعد عبارته المتقدمة و هو مبني على ما ذكرناه، و بذلك يظهر ان ما ذكره بعض فضلاء متأخري المتأخرين- من انه لو لا الإجماع على الحكم لأمكن القول بامتداده الى الليل لإطلاق اليوم في الروايات و جواز حمل الأمر في رواية زرارة على الفضلية- بعيد عن ظاهر هذه الأخبار فإنها بضم بعضها الى بعض ظاهرة الدلالة على الامتداد الى الزوال خاصة و بها تقيد اخبار اليوم التي ادعى إطلاقها، نعم
روى شيخنا المجلسي في البحار عن قرب الاسناد انه روى فيه عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «كان ابي يغتسل الجمعة عند الرواح».
و هو ظاهر في اغتساله آخر النهار لانه معنى الرواح لغة، و قال شيخنا المشار اليه بعد نقل الخبر المذكور: «الرواح العشي أو من الزوال الى الليل ذكره الفيروزآبادي» و لم يتعرض للجواب عن الخبر المذكور بشيء و هو مشكل.
و اما ما نقل عن الشيخ من ان غايته صلاة الجمعة فاستحسنه في المدارك قال:
«و قال الشيخ في الخلاف يمتد الى ان تصلى الجمعة. و هو حسن تمسكا بمقتضى الإطلاق، و التفاتا الى ان ذلك محصل للغرض المطلوب من الغسل، و حملا للأمر بإيقاعه قبل الزوال في الرواية السابقة على تأكد الاستحباب» انتهى.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
228
أقول: فيه (أولا)- ان مقتضى الإطلاق المذكور الامتداد الى آخر النهار لا الى هذا الحد بخصوصه، و هو لا يقول به.
و (ثانيا)- ان هذا الإطلاق يجب تقييده بما ذكرنا من الاخبار و لا سيما حسنة زرارة المذكورة الدالة صريحا على الأمر بإيقاعه قبل الزوال، و تأويل الرواية المذكورة سيما مع وجود المعاضد لها بما ذكره فرع وجود المعارض و ليس إلا إطلاق تلك الأخبار، و قضية حمل المطلق على المقيد توجب الوقوف على ظاهر الحسنة المذكورة، على انك قد عرفت ان العمل بذلك الإطلاق لا قائل به، و القول به في هذه الصورة المخصوصة تخصيص بلا مخصص.
و (ثالثا)- ان صريح الحسنة المشار إليها كون الغاية الزوال، و حينئذ فالقول بان غايته الصلاة ان أريد به وقتها فهو أول الزوال كما دلت عليه صحاح الاخبار و صراحها فيجب ان يكون الغسل قبله، و ان أريد به وقوعها بالفعل فإنه يلزم على هذا انه لو لم تصل الجمعة لم يكن غسل، و هو مما لا يقول به أحد مع ظهور الاخبار في خلافه، و به يظهر ان الواجب حمل كلام الشيخ على ما يوافق المشهور بجعل صلاة الجمعة كناية عن وقتها و هو الزوال.
و اما انه كلما قرب من الزوال كان أفضل فقد اعترف جملة من أفاضل متأخري المتأخرين بعدم الوقوف على مستنده، و هو كذلك فاني لم أقف عليه إلا في كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه كما أسلفنا نقله في عبارته، و هذا من جملة خصوصيات الكتاب المذكور، و المتقدمون قد ذكروا هذا الحكم و الظاهر ان المستند فيه هو الكتاب المذكور و لكن خفي ذلك على المتأخرين لعدم وصول الكتاب إليهم، و بعبارة الكتاب المتقدمة عبر الصدوق في الفقيه، و الظاهر ان أباه في الرسالة كذلك ايضا و ان لم تحضرني الآن عبارته. و اللّٰه العالم.
(الثاني) [قضاء غسل الجمعة]
- المشهور بين الأصحاب انه لو فاته الغسل قبل الزوال قضاه بعد
229
الزوال أو في يوم السبت عمدا كان أو نسيانا لعذر أو لا لعذر، و ظاهر الصدوق في الفقيه اشتراطه بالنسيان أو العذر قال: «و من نسي الغسل أو فاته لعلة فليغتسل بعد العصر أو يوم السبت» و يدل على ما ذكره
مرسلة حريز عن بعض أصحابنا عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «لا بد من غسل يوم الجمعة في السفر و الحضر فمن نسي فليعد من الغد».
و يدل على القول المشهور
موثقة سماعة عن الصادق (عليه السلام) (2) «في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة في أول النهار؟ قال يقضيه في آخر النهار فان لم يجد فليقضه يوم السبت».
و موثقة ابن بكير عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة؟ قال يغتسل ما بينه و بين الليل فان فاته اغتسل يوم السبت».
و في الفقه الرضوي (4) «و ان نسيت الغسل ثم ذكرت وقت العصر أو من الغد فاغتسل ثم قال (عليه السلام) بعد كلام في البين: و أفضل أوقاته قبل الزوال، الى ان قال:
و ان فاتك الغسل يوم الجمعة قضيت يوم السبت أو بعده من أيام الجمعة».
و ظاهره- كما ترى- جواز القضاء في أيام الأسبوع، فإن المراد بالجمعة هنا الأسبوع كما وقع الإطلاق بذلك في جملة من الاخبار، و لم أقف على من قال بذلك و لا على خبر غيره يدل عليه، و كيف كان فالظاهر هو القول المشهور.
و اما ما رواه ذريح عن الصادق (عليه السلام) (5) «في الرجل هل يقضي غسل الجمعة؟ قال لا».
فان الظاهر حمله على نفي الوجوب جمعا، قال في المدارك: بعد ذكر موثقتي سماعة و ابن بكير دليلا للقول المشهور: «و مقتضى الروايات استحباب قضائه من وقت فوات الأداء الى آخر السبت فلا وجه لإخلال المصنف بذلك. و يمكن المناقشة في هذا الحكم بضعف مستنده و بأنه معارض بما رواه في التهذيب عن سعد بن عبد اللّٰه عن محمد بن الحسين عن معاوية بن حكيم عن عبد اللّٰه بن المغيرة عن ذريح عن
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الأغسال المسنونة.
(4) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
(5) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الأغسال المسنونة.
230
ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) ثم أورد الرواية المذكورة قال: و مقتضاه عدم مشروعية القضاء و هو أوضح سندا من الخبرين السابقين الا ان عمل الأصحاب عليهما» انتهى.
أقول: اما ما ذكره من ان مقتضى الروايات استحباب قضائه من وقت فوات الأداء الى آخر السبت فإنه يعطي بظاهره ان الاخبار دلت على القضاء ليلة السبت ايضا مع انه ليس كذلك، فان المستفاد من صريحها تخصيص القضاء بما بعد الزوال الى آخر النهار و يوم السبت، و حينئذ فما يشعر به كلامه من ادعاء القضاء ليلة السبت محل نظر، و قد صرح بذلك جملة من الأصحاب فاعترفوا بعدم وجود النص على القضاء فيها، قال شيخنا المجلسي في البحار: «و ظاهر الأكثر استحباب القضاء ليلة السبت ايضا و الاخبار خالية عنه و ان أمكن ان يراد بيوم السبت ما يشمل الليل لكن لا يمكن الاستدلال به، و الأولوية ممنوعة لاحتمال اشتراط المماثلة» انتهى. و الى ذلك أشار أيضا في الذخيرة فقال: «و هل يلحق بما ذكر ليلة السبت؟ قيل نعم و هو خروج عن النصوص» و اما ما ذكره من قوله: «و يمكن المناقشة. إلخ» ففيه ايضا ان الظاهر ان هذا من جملة المناقشات الواهية (أما أولا)- فلان معاوية بن حكيم الذي في سند هذا الخبر و ان وثقة النجاشي إلا ان الكشي قد صرح بكونه فطحيا في موضعين أحدهما في ترجمته و ثانيهما في ترجمة محمد بن الوليد عده مع جماعة من الفطحية و ان وصفهم بالعدالة فحديثه لا يخرج عن الموثق الذي لا يزال يعده في الضعيف، و ترجيحه على عبد اللّٰه بن بكير و الحسن بن علي بن فضال الذين قد ورد في حقهما من المدح ما هو مذكور في محله مما لا يخفى ما فيه، و في سند هذا الخبر ايضا ذريح المحاربي و هو ليس بموثق و الأخبار متعارضة في مدحه و ذمه كما لا يخفى على من لاحظ كتب الرجال و ان كان لمدحه نوع رجحان، و بالجملة فإن ترجيحها على ما ذكره من الأخبار فضلا عما نقلناه ممنوع أتم المنع.
و (ثانيا)- ان كافة الأصحاب من أصحاب هذا الاصطلاح و غيرهم قد أعرضوا عن هذه الرواية كما اعترف به و هو أظهر ظاهر في سقوطها و ان سلمنا صحة سندها و اعتباره
231
كما ادعاه، و هو دليل على ضعف اصطلاحه الذي لا يزال يحامي دونه. و بالجملة فالأظهر كما عرفت هو حمل الخبر المذكور على ما قدمناه ذكره، و ربما حمل على عدم العذر بناء على ما ذكره الصدوق من تخصيص القضاء بصورة النسيان و العذر فمع عدمهما لا قضاء. و هو جيد لو ثبت ما ادعاه و إلا فالحمل عليه بعيد. و اللّٰه العالم.
(الثالث) [تقديم غسل الجمعة]
- لا خلاف بين الأصحاب في جواز تعجيله يوم الخميس لمن خاف عوز الماء يوم الجمعة، و الأصل فيه
ما رواه الشيخ عن محمد بن الحسين عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «قال لأصحابه إنكم تأتون غدا منزلا ليس فيه ماء فاغتسلوا اليوم لغد، فاغتسلنا يوم الخميس للجمعة».
و ما رواه ايضا عن الحسين بن موسى بن جعفر عن امه و أم أحمد بن موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قالتا: «كنا مع ابي الحسن (عليه السلام) بالبادية و نحن نريد بغداد فقال لنا يوم الخميس: اغتسلا اليوم لغد يوم الجمعة فإن الماء غدا بها قليل، فاغتسلنا يوم الخميس ليوم الجمعة».
و قد تقدم في
عبارة كتاب الفقه «و ان كنت مسافرا و تخوفت عدم الماء يوم الجمعة اغتسلت يوم الخميس. الحديث».
و جوز الشيخ و جماعة: منهم- الشهيد الثاني التقديم مع خوف الفوات مطلقا و مورد الخبرين التقديم لخوف إعواز الماء خاصة لا التعذر مطلقا، قال في المدارك: «و الظاهر ان ليلة الجمعة كيوم الخميس فلا يجوز تقديمه فيها إلا إذا خاف عوز الماء و به قطع في الخلاف مدعيا عليه الإجماع» أقول: و هذا من قبيل ما تقدم له من قوله بالقضاء ليلة السبت مع عدم الدليل عليه بل ظهور الدليل في عدمه، و ليت شعري من اين حصلت له هذه الظاهرية مع اختصاص موارد النصوص بيوم الخميس و التعدي عنه يحتاج الى دليل؟ و لو تمكن من قدمه يوم الخميس من الماء يوم الجمعة فقد صرح جملة من الأصحاب: منهم- الصدوق باستحباب الإعادة، و لم أقف فيه على نص و لعل المستند فيه عموم الأدلة، و يمكن ان يقال ان جواز التقديم على خلاف الأصل فيقتصر فيه على
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب الأغسال المسنونة.
232
مورده من عدم الماء و مع وجود الماء يرجع الى أصل الحكم في المسألة و عموم الأدلة الدالة على استحباب الغسل يوم الجمعة أو وجوبه.
فائدة [تفسير كلام للصدوق في المقام]
قال الصدوق في الفقيه: «و يجزئ الغسل للجمعة كما يكون للزواج و الوضوء فيه قبل الغسل» أقول: قد اختلفت نسخ الكتاب في ضبط هذه الكلمة أعني قوله «للزواج» ففي بعضها بالزاي المعجمة و الجيم و يؤيده ما حكاه الشيخ سليمان بن عبد اللّٰه البحراني قال:
قال بعض الاعلام سمعت الشيخ العالم الصالح الشيخ علي بن سليمان البحراني انه كانت عند شيخنا العلامة البهائي نسخة قديمة مصححة و فيها «للزواج» بالزاي و الجيم و هو الذي ضبطه الفاضل المحدث الكاشاني في المحجة البيضاء، و يؤيد ذلك ايضا ما ذكره المحقق العماد مير محمد باقر الداماد في تعليقاته على الكتاب، قال: الصواب ضبط هذه اللفظة بالزاي قبل الواو و الجيم بعد الالف و هو الذي سمعناه من الشيوخ و رأيناه في النسخ. انتهى. و ظاهر هذا الكلام إنكار ما عدا هذه النسخة. و في بعض النسخ بالراء و الحاء المهملتين، و ارتضاه بعض المحققين و قال ان هذه هي النسخة المعتبرة، قال لان الرواح على ما في القاموس من الزوال الى الليل أو الى العشي، فمراده حينئذ ان الغسل يجزئ للجمعة من طلوع الفجر كما يجزئ من الزوال. قيل و فيه رد على مالك حيث ذهب الى انه لا يعتد بالغسل إلا ان يتصل بالرواح إلى صلاة الجمعة مستدلا
بقول النبي (صلى الله عليه و آله) «من جاء بالجمعة فليغتسل» (1).
و لا يخفى انه ليس فيه دلالة على اتصال الغسل بصلاة الجمعة. قيل و حينئذ فاللام بناء على هذه النسخة لام التوقيت
____________
(1) كما في المدونة لمالك ج 1 ص 136 و فتح الباري لابن حجر ج 3 ص 243.
و روى الحديث صاحب الوسائل في الباب 6 من الأغسال المسنونة و و البخاري باب فضل الغسل يوم الجمعة و النسائي ج 1 ص 204 و مسلم ج 1 ص 313 و ابن ماجة ج 1 ص 338 و الترمذي في السنن على شرحه لابن العربي ج 2 ص 278 على اختلاف بسيط في لفظ الحديث.
233
و المقارنة كما يقال كتبته لخمس خلون لا لأم العاقبة كما ظن. و كيف كان فإنه لا يخفى ما في توجيه هذه النسخة من البعد بل السخافة و ركاكة النظم و الأسلوب، و اما على تقدير النسخة الأولى فقيل ان المعنى ان غسل الجمعة يجزئ عن غسل الجنابة و هو الذي جزم به المحدث الكاشاني في المحجة البيضاء حيث قال: اما قوله: «و يجزئ الغسل للجمعة كما يكون للزواج» فمعناه انه يجزئ لهما غسل واحد، و هذا حق فان الصحيح تداخل بعضها بعضا إذا اجتمعت أسبابها كالوضوء، و يدل على ذلك الروايات الصحيحة عن أهل البيت (عليهم السلام) انتهى و قيل ان المعنى ان الغسل من الجنابة كما يكون للجنابة على قصد رفع الحدث و نية الوجوب أو مطلقا يكون بعينه مجزئا عن الغسل للجمعة و مسقطا للجنابة على أسبغ الوجوه،
لما روي صحيحا عن الصادق (عليه السلام) (1) انه قال: «إذا اجتمعت للّٰه عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد».
و لا ينعكس اي لا يكون الغسل للجمعة بما هو غسل للجمعة مجزئا عن الغسل للجنابة و مسقطا للتكليف به على قصد نية الوجوب و قصد رفع الحدث أو استباحة العبادة المشروطة به. و الى هذا ذهب بعض المحققين في تعليقاته على الكتاب. و لا يخفى بعده. أقول: هذا كله بناء على قطع جملة قوله: «و الوضوء فيه قبل الغسل» عن هذا الكلام و جعلها جملة مستأنفة في بيان وجوب الوضوء مع غسل الجمعة كما هو المشهور من وجوب الوضوء في جميع الأغسال ما عدا غسل الجنابة، و اما مع ارتباط هذه الجملة بهذا الكلام كما فهمه المحقق خليفة سلطان في حواشيه على الكتاب فالوجه فيه ما ذكره (قدس سره) حيث قال: كذا في أكثر النسخ و الظاهر ان المراد انه يجزئ الغسل للجمعة بكيفية غسل الجنابة فالمراد بالزواج الجنابة و الغرض من التشبيه بيان كيفية غسل الجمعة و اعماله بأنه مثل الجنابة إلا ان فيه الوضوء قبل الغسل. و قيل ان المراد انه يجزئ نية غسل الجنابة عن غسل الجمعة و يترتب أثره عليه. و في بعض النسخ بالراء المهملة و الحاء و المراد منه ما بعد الزوال مقابل الصباح، و غاية توجيهه ان يكون المراد انه يجزئ الغسل في يوم
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 43 من أبواب الجنابة.
234
السبت للجمعة كما يكون في رواح يوم الجمعة للجمعة. انتهى. أقول: و أقرب هذه الوجوه المذكورة عندي ما ذكره هذا المحقق من ان الغرض من هذا الكلام بيان كيفية غسل الجمعة و انه مثل غسل الجنابة إلا ان فيه الوضوء قبل الغسل، و ما عداه من الوجوه فإنه يحتاج الى مزيد تكلف و ان كان بعضها أقل من بعض. هذا،
و قد روى الحميري في قرب الاسناد عن احمد بن محمد عن البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (1) قال:
«كان ابي يغتسل يوم الجمعة عند الرواح».
و في القاموس «الرواح العشي أو من الزوال الى الليل» و لعل المراد من الخبر المذكور انما هو الرواح إلى صلاة الجمعة و لعله يكون قبيل الزوال فيكون فيه دلالة على ما تقدم من ان أفضله ما قرب من الزوال. و اللّٰه العالم.
ختام يحصل به الإكمال لابحاث هذا المطلب و الإتمام
، و فيه مسائل:
(الأولى)
- المشهور بين الأصحاب وجوب الوضوء في جميع هذه الأغسال ما عدا غسل الجنابة متى ما أراد الدخول في مشروط بالطهارة كالصلاة و نحوها، و قد تقدم البحث في هذه المسألة مستوفى في المقصد الخامس من مقاصد فصل غسل الجنابة (2).
(الثانية)
- اختلف الأصحاب في التداخل و عدمه بين هذه الأغسال و قد تقدم تحقيق القول في هذه المسألة مستوفى في بحث نية الوضوء (3).
(الثالثة)
- قد قسم الأصحاب ما ذكروه من الأغسال في هذا المقام الى ما يكون للزمان و ما يكون للفعل و ما يكون للمكان إلا انهم لم يستوفوا الأغسال التي ذكرناها، و الذي يكون للزمان مما ذكرناه أغسال شهر رمضان و هي أربعة عشر غسلا و غسل يوم الجمعة و غسل ليلة الفطر و غسل يومه و غسل عيد الأضحى و غسل ليلة النصف من شعبان و يوم النيروز و يوم الغدير و يوم المباهلة بناء على المشهور و ثلاثة أغسال في رجب كما تقدم و غسل يوم عرفة و يوم التروية، فهذه سبعة و عشرون غسلا للزمان،
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 6 و 11 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) ج 3 ص 118.
(3) ج 2 ص 196.
235
و قد تقدم في غسل العيدين ان ظاهر موثقة عمار الساباطي ان الغسل انما هو للصلاة، فعلى هذا يكون هذا الغسل من الأغسال للفعل. و اما الغسل للفعل فغسل الإحرام و غسل الزيارة بجميع أنواع الزيارات التي روي فيها الغسل من زيارة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أو أحد الأئمة (عليهم السلام) و غسل قضاء صلاة الكسوف و غسل التوبة و غسل صلاة الحاجة و صلاة الاستخارة و غسل السعي إلى رؤية المصلوب و غسل قتل الوزغ و غسل أخذ التربة و غسل المولود و غسل الاستسقاء، فهذه أحد عشر غسلا للفعل. و اما الغسل للمكان فالغسل لدخول الحرم و الغسل لدخول مكة و لدخول المسجد و لدخول البيت و دخول المدينة و دخول مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) فهذه ستة أغسال للمكان، يكون مجموع هذه الأغسال أربعة و أربعين غسلا. و زاد في الدروس الغسل يوم دحو الأرض، و قال في الذكرى: و ذكر الأصحاب لدحو الأرض الخامس و العشرين من ذي القعدة. انتهى. و هو مؤذن بعدم النص عليه، قال الفاضل الخوانساري في شرح الدروس بعد نقل ذلك عن الذكرى «و لا بأس به» أقول:
بل البأس أظهر ظاهر فإنها عادة تتوقف مشروعيتها على دليل من الشارع إلا ان يجعل مجرد ذكر الأصحاب دليلا شرعيا، و لا أراه يلتزمه. و ذكر ايضا يوم المبعث و هو اليوم السابع و العشرون من رجب و ذكره غيره ايضا، و قد اعترف جملة من الأصحاب بعدم الوقوف فيه على نص، و قال في الذكرى: و ليلة نصف رجب و المبعث مشهوران و لم يصل إلينا نص فيهما. و قال في المعتبر بعد نقله عنهم الغسل ليلة النصف من رجب و يوم المبعث: و ربما كان لشرف الوقتين و الغسل مستحب مطلقا فلا بأس بالمتابعة فيه. انتهى. و فيه انا لم نقف على ما ادعاه من استحباب الغسل مطلقا ليتم له التقريب في هذا المقام و أمثاله، نعم ذلك في الوضوء خاصة، و الذي وصل إلينا من الأغسال في رجب ما قدمناه و ان ضعف سنده باصطلاحهم و ليلة النصف من جملته. و ذكر في الدروس يوم مولد النبي (صلى الله عليه و آله) و الأمر فيه كما في هذه المذكورات من عدم الوقوف على مستنده. و ذكر
236
ايضا الطواف و رمي الجمار، و الأمر فيه كذلك فاني لم أقف له على مستند إلا انه
قد ورد في رواية علي بن أبي حمزة عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «قال لي ان اغتسلت بمكة ثم نمت قبل ان تطوف فأعد غسلك».
و ربما أشعر بكون الغسل للطواف إلا انه يمكن حمله على طواف الزيارة فإنه بالدخول للطواف تحصل زيارة البيت، و قد ورد استحباب الغسل لزيارة البيت كما تقدم و الغسل لدخول المسجد، و الظاهر ان غسل دخول المسجد هو غسل زيارة البيت، و اما غسل دخول البيت فهو زائد عليهما. و قال ابن الجنيد يستحب لكل مشهد أو مكان شريف أو يوم و ليلة شريفة و عند ظهور الآثار في السماء و عند كل فعل يتقرب فيه الى اللّٰه تعالى و يلجأ فيه اليه. و قال المفيد في الغرية يستحب الغسل لرمي الجمار، و العلامة للإفاقة من الجنون لما قيل انه يمني، قال في الذكرى بعد نقل ذلك عنه: و الحكم لا نعرفه و التعليل لا نثبته، نعم
روى العامة (2) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يغمى عليه في مرض موته فيغتسل».
فيكون الجنون بطريق اولى، و ظاهر ضعف هذا التمسك، و لو صح الأول كان غسلا و ينوي به رفع الجنابة و خصوصا عنده لاشتراطه في نية الطهارة كما ينوي في غسل واجدي المني على الفراش المشترك. انتهى. و ذهب في التهذيب الى استحباب الغسل لمن مس ميتا بعد الغسل لخبر عمار عن الصادق (عليه السلام) (3) و استحب فيه الغسل لمن مات جنبا مقدما على غسل الميت لخبر العيص عن الصادق (عليه السلام) (4) و استحبه ابن زهرة لصلاة الشكر، و المفيد في الإشراف لمن أهرق عليه ماء غالب النجاسة، و الشيخ الحر في الوسائل
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب مقدمات الطواف.
(2) رواه ابن تيمية في منتقى الاخبار على هامش نيل الأوطار ج 1 ص 212.
(3) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب غسل مس الميت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب غسل الميت.
237
لطيب المرأة لغير زوجها مستندا الى
ما رواه الكليني عن سعد بن عمر الجلاب (1) قال:
«قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) أيما امرأة باتت و زوجها عليها ساخط في حق لم تقبل منها صلاة حتى يرضى عنها، و أيما امرأة تطيبت لغير زوجها لم يقبل اللّٰه منها صلاة حتى تغتسل من طيبها كغسلها من جنابتها».
أقول: الظاهر ان المراد بالاغتسال في الخبر انما هو غسل الطيب و إزالته عن بدنها بان تبالغ فيه كما تبالغ في غسلها من جنابتها بإيصال الماء الى جميع بدنها و شعرها. و اللّٰه العالم.
(الرابعة)
- قال في الذكرى:
و روى بكير بن أعين عنه (عليه السلام) قضاء غسل ليالي الافراد بعد الفجر لمن فاته ليلا.
و قال في الدروس و يقضى غسل ليالي الافراد الثلاث بعد الفجر لرواية بكير عن الصادق (عليه السلام). و الظاهر انه أشار بالرواية المذكورة الى
ما رواه الشيخ في التهذيب عنه (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) في أي الليالي اغتسل في شهر رمضان؟ قال في تسع عشرة و في احدى و عشرين و في ثلاث و عشرين، و الغسل في أول الليل. قلت فان نام بعد الغسل؟ قال هو مثل غسل يوم الجمعة إذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك».
و أنت خبير بان هذا الخبر لا دلالة فيه على ما ذكره بوجه فان معناه الظاهر لكل ناظر انما هو ان الغسل من أول الليل يجزئ الى آخره و ان نام بعده كما ان غسل الجمعة مجزئ متى اغتسل بعد الفجر و ان نام أو أحدث بعد ذلك، و لم نقف على رواية في الباب غير هذه، فما ذكره من دعوى قضاء غسل هذه الليالي لا اعرف له وجها، على ان ما قدمنا نقله من الرواية التي أشار إليها (عليه السلام)
في كتاب الفقه ظاهرة في عدم القضاء، حيث قال (3): «و روي ان الغسل أربعة عشر وجها، الى ان قال: و أحد عشر سنة، ثم عدها و عد منها ليلة تسع عشرة و ليلة احدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين، ثم قال: و متى ما نسي بعضها أو
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 80 من أبواب مقدمات النكاح.
(2) رواه في الوسائل في الباب 1 و 11 من أبواب الأغسال المسنونة.
(3) ص 4.
238
اضطر أو به علة تمنعه من الغسل فلا اعادة عليه».
و روى في قرب الاسناد الخبر المذكور عن محمد بن الوليد عن ابن بكير (1): «انه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الغسل في شهر رمضان، الى ان قال و الغسل أول الليل. قلت فان نام بعد الغسل؟ قال فقال أ ليس هو مثل غسل يوم الجمعة إذا اغتسلت بعد الفجر كفاك؟».
و هو ظاهر في المعنى الذي ذكرناه.
(الخامسة)
- قال في الذكرى: كل غسل لزمان فهو ظرفه و لمكان أو فعل فقبله إلا غسل التوبة و المطلوب، و في التقديم لخائف الإعواز و القضاء لمن فاته نظر، و لعلهما أقرب، و قد نبه عليه في غسل الإحرام و في رواية بكير السالفة، و ذكر المفيد قضاء غسل عرفة. انتهى. أقول: اما ما ذكره من ان الغسل الزماني ظرفه ذلك الزمان فلا اشكال فيه، و على هذا فمتى اتى به فيه فقد خلت العهدة من الخطاب باستحبابه و ان أحدث أو نام بعده، و قد تقدم في رواية بكير ما يدل على ذلك بالتقريب الذي أشرنا اليه، و مثلها أيضا
صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) انه قال: «الغسل في ثلاث ليال من شهر رمضان: في تسع عشرة و احدى و عشرين و ثلاث و عشرين، و قال و الغسل في أول الليل و هو يجزئ الى آخره».
و هو في معنى رواية بكير المتقدمة بالنسبة إلى الليالي الثلاث المذكورة، و حاصلها انه متى اغتسل في أول الليل فإنه مجزئ في أداء سنة الغسل في هذه الليلة إلى آخرها و ان نام أو أحدث بعد ذلك. و اما ما ذكره من ان الغسل للمكان و الفعل قبله إلا ما استثناه فهو جيد أيضا، لأن المقصود من الغسل هو الإتيان بالأفعال المذكورة أو دخول تلك الأمكنة الراجع إلى الأفعال في الحقيقة بطهارة الغسل و ان يكون متطهرا لمزيد احترامها و فضلها، و مقتضاه حينئذ انه لو أحدث أو نام بعد الغسل و قبل تلك الغاية فإنه يستحب له الإعادة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 و 11 من أبواب الأغسال المسنونة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب الأغسال المسنونة.
239
و بذلك صرح شيخنا المشار إليه في الذكرى ايضا فقال: الأقرب إعادة غسل الفعل بتخلل الحدث، و قد ذكر في دخول مكة و في النوم في الإحرام، و لو أحدث في الأثناء فالإعادة أولى. انتهى. و اما ما أشار به الى ما ورد في دخول مكة فالظاهر انه
ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح (1) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يغتسل لدخول مكة ثم ينام فيتوضأ قبل ان يدخل أ يجزيه ذلك أو يعيد؟ قال لا يجزيه لانه إنما دخل بوضوء».
و نحوها غيرها مما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في كتاب الحج و نحو ذلك ما ورد في غسل الإحرام و انتقاضه بالنوم كما أشار إليه من
صحيحة النضر بن سويد عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يغتسل للإحرام ثم ينام قبل ان يحرم؟ قال عليه اعادة الغسل».
و اما ما
روي في جملة من الاخبار من ان من اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأه إلى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل (3).
و كذا ما ورد من
ان غسل يومه يجزيه لليلته و غسل ليلته يجزيه ليومه (4).
فالظاهر تقييده بعدم تخلل الحدث
لما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار عن ابي الحسن (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن غسل الزيارة يغتسل بالنهار و يزور بالليل بغسل واحد؟ قال يجزيه ان لم يحدث فإن أحدث ما يوجب وضوء فليعد غسله».
و روى في الكافي عن إسحاق بن عمار في الموثق عن ابي الحسن (عليه السلام) مثله (6) إلا انه قال: «يغتسل الرجل بالليل و يزور بالليل الى ان قال في آخر الخبر: فليعد غسله بالليل».
و بما ذكرناه من اعادة الغسل بتخلل الحدث مطلقا صرح الشهيدان إلا أنهما جعلا ما عدا النوم ملحقا به مع دلالة روايتي إسحاق بن عمار على مطلق الحدث كما ترى، و المشهور في كلام الأصحاب الاكتفاء بالغسل الأول و ان أحدث بعده، و سيأتي في كتاب الحج ان شاء اللّٰه تعالى
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب مقدمات الطواف.
(2) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب الإحرام.
(3) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب الإحرام.
(4) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب الإحرام.
(5) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب زيارة البيت.
(6) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب زيارة البيت.
240
ما يفي بتحقيق المقام. و اما ما استثناه في الكلام المتقدم بالنسبة إلى تقديم الغسل من غسل التوبة و المصلوب فالظاهر ان الوجه فيه هو ان ما عدا موضع الاستثناء قد جعل في الاخبار غاية للغسل بمعنى انه يستحب ان يوقعه عن غسل فهو يقتضي تقديم الغسل البتة، و لهذا تستحب الإعادة لو أحدث قبل إيقاعه كما تقدم، و اما موضع الاستثناء فالظاهر منها انه سبب في الغسل و قضية السببية تأخير الغسل عنه، إلا انه يدخل في ذلك ايضا قتل الوزغ فإنه سبب في استحباب الغسل فكان الواجب ذكره.
بقي هنا شيء و هو ان استثناء غسل التوبة من الضابطة المذكورة مبني على كون التوبة سببا في الغسل لوجوب الفورية فيها، و من المحتمل قريبا ان الغسل انما هو لصلاة التوبة كما هو ظاهر الخبر المتقدم، و على هذا فيكون الغسل متقدما و داخلا في الضابطة المذكورة، و يأتي مثله أيضا في غسل الكسوف فإنه يحتمل ان يكون لقضاء صلاة الكسوف فيدخل في الضابطة المذكورة، و يحتمل ان يكون لتركه الصلاة و هو الأقرب الى ظاهر النص، و على هذا فيحتاج الى الاستثناء كهذه المستثنيات، و مقتضى ذلك اما ذكره مع غسل التوبة في الاستثناء أو عدم استثناء غسل التوبة من الضابطة، فإن الحال في المقامين واحد كما شرحناه. و اما ما قربه من التقديم لخائف الإعواز و القضاء لمن فاته فالظاهر بعده لان الغسل عبادة شرعية يتوقف فعله على ما رسمه صاحب الشريعة من الزمان و المكان و نحوهما من الخصوصيات و وروده في موضع لا يستلزم اطراده، و الذي ورد في الأخبار قضاء غسل الجمعة و جواز تقديمه لخوف الإعواز و غسل الإحرام، و ما عداهما فلم نقف له على مستند، و ما أشار إليه من خبر بكير بالنسبة إلى قضاء غسل فرادى شهر رمضان الثلاث فقد عرفت ما فيه. و اللّٰه العالم.
الباب الرابع في التيمم
[تحقيق في آية التيمم]
و لنبدأ هنا بتحقيق قد سبق لنا في معنى الآية الشريفة التي هي الأصل في فرض
241
التيمم اعني قوله عز و جل: «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (1) أقول: صدر هذه الآية هكذا: «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ. الى آخر ما تقدم» و لما قدم سبحانه بيان حكم واجد الماء في الطهارتين من الحدث الأصغر و الأكبر عطف عليه بيان حكم من لم يجد ماء أو لم يتمكن من استعماله بالنسبة إليهما أيضا فقال: «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ»- اي مرضا يضر معه استعمال الماء أو يوجب العجز عن السعي إليه، قال في مجمع البيان: و هو المروي عن السيدين الباقر و الصادق (عليهما السلام) و قيل انه لا حاجة الى التقييد لان قوله تعالى: «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً» متعلق بالجمل الأربع و هو يشمل عدم التمكن من استعماله لان الممنوع منه كالمفقود- «أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ» اي متلبسين به إذا الغالب فقدان الماء في أكثر الصحاري- «أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ» و هو كناية عن الحدث إذ الغائط لغة المكان المنخفض من الأرض و كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة لتغيب فيه أشخاصهم عن أعين الناظرين كما هو السنة في ذلك فكنى سبحانه عن الحدث بالمجيء من مكانه، قيل و «أو» هنا بمعنى الواو كقوله تعالى: «وَ أَرْسَلْنٰاهُ إِلىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ» (2) و المراد أو كنتم مسافرين و جاء أحد منكم من الغائط، و به يحصل الجواب عن الاشكال المشهور الذي أورد على ظاهر الآية و هو انه سبحانه جمع بين هذه الأشياء في الشرط المترتب عليه جزاء واحد هو الأمر بالتيمم مع ان المجيء من الغائط ليس من قبيل المرض و السفر حتى يصح عطفه عليهما بأو المقتضية لاستقلال كل منهما في ترتب الجزاء عليه، فان كلا من المرض و السفر سبب لإباحة التيمم و الرخصة فيه و المجيء من الغائط
____________
(1) سورة المائدة. الآية 6.
(2) سورة الصافات. الآية 147.
242
و ما عطف عليه سبب لوجوب الطهارة، و متى لم يجتمع أحد الآخرين مع واحد من الأولين لم يترتب الجزاء و هو وجوب التيمم. و أجيب عن هذا الاشكال بوجوه أخر في تفسيري البيضاوي و الكشاف- «أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ» و المراد جماعهن كما ورد في الأخبار
ففي الكافي و العياشي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «هو الجماع و لكن اللّٰه ستير يجب الستر و لم يسم كما يسمون».
و عن الباقر (عليه السلام) (2) «. و ما يعنى بهذا «أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ» إلا المواقعة في الفرج».
و نظير هذه الآية قوله تعالى: «وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ» (3) و المس و اللمس بمعنى واحد كما صرح به أهل اللغة، فلا يلتفت الى تفسير جملة من المخالفين بمطلق المس لغير محرم كما هو منقول عن الشافعي، و قيل انه مذهب عمر، و خصه مالك بما كان عن شهوة (4)- «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً» راجع الى المرضى و المسافرين جميعا: مسافر لا يجد الماء و مريض لا يجد من يوضئه أو يخاف الضرر من استعماله لان وجدانه مع عدم التمكن من استعماله لخوف الضرر في حكم العدم، و لو كان المراد من وجدانه ما هو أعم من ذلك بحيث يصدق على من يتضرر به انه واجد للماء للزم مثله في من وجد الماء في بئر يتعذر وصوله اليه أو يباع و لكن لا يقدر على شرائه أنه واجد للماء مع انه ليس كذلك إجماعا، فالمراد بوجدانه في الحقيقة ما هو عبارة عن إمكان استعماله، و الوجه في هذا الإطلاق ان حال المرض يغلب فيها خوف الضرر من استعمال الماء و حال السفر يغلب فيها عدم وجدان الماء، و قيل ان المراد من الآية- كما هو ظاهرها الذي لا يحتاج الى ارتكاب تجوز و لا تأويل- انما هو كون المكلف غير واجد للماء بان يكون في موضع لا ماء فيه، فيكون ترخيص من وجد الماء و لم يتمكن من استعماله في
____________
(1) رواه عنهما المحدث الكاشاني في الصافي في تفسير آية التيمم 43 في سورة النساء.
(2) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء.
(3) سورة البقرة. الآية 238.
(4) كما في المغني ج 1 ص 192 و ص 193 و ص 194.
243
التيمم لمرض و نحوه مستفادا من السنة المطهرة، و يكون المرضى و نحوهم غير داخلين في خطاب «فَلَمْ تَجِدُوا» لأنهم يتيممون و ان وجدوا الماء، و الظاهر انه الأقرب كما لا يخفى.
بقي الكلام في انه لو وجد الماء إلا انه لا يكفي للطهارة الواجبة غسلا كانت أو وضوء، و المفهوم من كلام جمهور أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) هو وجوب التيمم لأن الطهارة لا تتبعض، قالوا فان الظاهر من الآية عدم وجدان الماء الذي يكفي لكمال الطهارة، و أيدوا ذلك بقوله عز و جل في كفارة اليمين «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ» (1) أي من لم يجد إطعام عشرة مساكين ففرضه الصيام، و قد اتفقوا على انه لو وجد إطعام أقل من عشرة لم يجب عليه ذلك و انتقل فرضه الى الصوم. و عن بعض العامة القول بالتبعيض (2) و نقله شيخنا الشهيد الثاني عن الشيخ في بعض أقواله، و عن شيخنا البهائي انه قال و للبحث فيه مجال. و أنت خبير بأن الآية في هذا المقام لا تخلو من الإجمال الموجب لتعدد الاحتمال إلا ان المفهوم من الاخبار الواردة في الجنب يكون معه من الماء بقدر ما يتوضأ به و انه يتيمم مما يؤيد القول المشهور، إذ لو كان التبعيض واجبا لامروا به (عليهم السلام)- «فَتَيَمَّمُوا» اي اقصدوا و تحروا و تعمدوا، و التيمم لغة القصد و منه قوله تعالى: «وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ» (3) اي لا تقصدوا الردي من المال تنفقون منه، و شرعا قصد الصعيد لمسح الوجه و اليدين على الكيفية الواردة في النصوص قال في المدارك: و الطهارة الترابية التيمم و هو لغة القصد قال عز و جل «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» اي اقصدوا، و نقل في الشرع الى الضرب على الأرض و المسح بالوجه و اليدين على وجه القربة، و هو ثابت بالكتاب و السنة و الإجماع قال اللّٰه تعالى:
____________
(1) سورة المائدة. الآية 89.
(2) حكاه في المغني ج 1 ص 237 عن احمد و عبدة بن أبي لبابة و معمر و عطاء و الشافعي في أحد قوليه و في ص 258 حكاه عن الشافعي.
(3) سورة البقرة. الآية 267.
244
«وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ. الآية» انتهى.
أقول: لا يخفى ان الآية الأولى التي استدل بها على المعنى اللغوي هي عين الآية الثانية التي استدل بها على المعنى الشرعي إلا أن إحداهما في سورة النساء و الأخرى في سورة المائدة و صورتهما معا هكذا: و ان كنتم مرضى الى قوله و أيديكم ففي إحداهما بعد ذلك «إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَفُوًّا غَفُوراً» و في الأخرى التي ذكرناها هنا «مِنْهُ مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ. الى آخرها» و لا ريب ان لفظ التيمم في الآيتين إنما أريد به المعنى الشرعي لا اللغوي و حمله إحداهما على المعنى اللغوي و الأخرى على الشرعي لا اعرف له وجها مع ان تتمة الآية في الموضعين اعني قوله عز و جل فيهما معا «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ» ينادي على صحة ما ذكرنا و حينئذ فالمراد في الآيتين معا اقصدوا صعيدا لمسح الوجه و اليدين، فالمعنى اللغوي للتيمم هو القصد مطلقا و الشرعي هو القصد للصعيد لاستعماله في مسح الوجه و اليدين على الكيفية المخصوصة و ظاهر كلامه في المدارك ان المعنى الشرعي انما هو الضرب على الأرض و مسح الوجه و اليدين على الوجه المعلوم شرعا، و الأظهر ما قلناه و هو الذي صرح به أمين الإسلام الطبرسي في مجمع البيان، و على ما ذكرنا فالتيمم في الآيتين إنما أريد به المعنى الشرعي لا اللغوي كما ذكره. و اما الصعيد فقد اختلف كلام أهل اللغة فيه، فبعضهم كالجوهري قال هو التراب و وافقه ابن فارس في المجمل، و نقل ابن دريد في الجمهرة عن ابي عبيدة انه التراب الخالص الذي لا يخالطه سبخ و لا رمل، و على هذه الأقوال اعتمد المرتضى حيث خص التيمم بالتراب الخالص بناء على تفسير الصعيد به في كلام هؤلاء، الا ان المفهوم من كلام الأكثر لا يساعد عليه، فنقل في مجمع البيان عن الزجاج انه قال: لا اعلم خلافا بين أهل اللغة في ان الصعيد وجه الأرض. ثم قال:
و هذا يوافق مذهب أصحابنا في ان التيمم يجوز بالحجر سواء كان عليه تراب أو لم يكن.
و قال في المصباح المنير: الصعيد وجه الأرض ترابا كان أو غيره، ثم قال و يقال الصعيد في كلام العرب يطلق على وجوه: على التراب الذي على وجه الأرض و على وجه
245
الأرض و على الطريق. و فيه- كما ترى- دلالة على ان الأصل هو المعنى الأول، و في الأساس و عليك بالصعيد أي اجلس على الأرض و صعيد الأرض وجهها. و قال المطرزي في المغرب الصعيد وجه الأرض ترابا كان أو غيره. و في القاموس الصعيد التراب أو وجه الأرض. و مثل ذلك نقله في المعتبر عن الخليل و نقله ثعلب عن ابن الأعرابي، و يؤيد ذلك قوله عز و جل «. فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً» (1) أي أرضا ملساء تزلق عليها باستئصال شجرها و نباتها،
و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة على صعيد واحد».
أي أرض واحدة، و بذلك يظهر ما في الاستناد الى الآية في هذا المقام من الاشكال و لا سيما و قد ورد الخبر بتفسير الصعيد في الآية بالمكان المرتفع من الأرض
كما رواه الصدوق في معاني الاخبار عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «الصعيد الموضع المرتفع و الطيب الموضع الذي ينحدر عنه الماء».
و مثله
في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (4): «قال اللّٰه تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، و الصعيد الموضع المرتفع عن الأرض و الطيب الذي ينحدر عنه الماء».
و حينئذ فالأظهر الرجوع الى الاخبار كما سيأتي بيانه ان شاء اللّٰه تعالى في موضعه- «طَيِّباً» اختلف المفسرون في المراد بالطيب هنا، فبعضهم على انه الطاهر و هو مختار مفسري أصحابنا، و قيل هو الحلال و قيل انه الذي ينبت دون ما لا ينبت كالسبخة و أيدوه بقوله سبحانه: «وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبٰاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ.» (5) و قد عرفت تفسيره بما في الخبرين المتقدمين، الا ان الظاهر
____________
(1) سورة الكهف. الآية 40.
(2) في معالم الزلفى ص 145 باب 23 في صفة المحشر عن الباقر (ع) قال: «إذا كان يوم القيامة جمع اللّٰه الناس في صعيد واحد من الأولين و الآخرين عراة حفاة.» و في تاريخ بغداد ج 11 ص 131 و ج 14 ص 195 عن النبي (ص) «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة عزلا» و ليس في أحاديث أهل السنة كلمة «صعيد واحد».
(3) رواه عنه المحدث الكاشاني في الصافي في تفسير آية التيمم 43 سورة النساء.
(4) ص 5.
(5) سورة الأعراف. الآية 58.
246
انه محمول على الفرد الأكمل منهما و لهذا صرح أصحابنا باستحباب التيمم من الربى و العوالي- «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ» الباء للتبعيض هنا كما سيأتيك التصريح به ان شاء اللّٰه تعالى في صحيحة زرارة الآتية، و حينئذ فتدل الآية على ان الواجب المسح ببعض الوجه و بعض اليدين كما هو القول المشهور المعتضد بالأخبار الكثيرة، خلافا لمن أوجب مسح الجميع كعلي بن بابويه أو خير بين الاستيعاب و بين التبعيض كما ذهب إليه في المعتبر و تبعه صاحب المدارك أو استحباب الاستيعاب كما مال إليه في المنتهى، فان الجميع- كما ترى- مخالف لظاهر الآية، و القول بالاستيعاب و ان دل عليه بعض الاخبار و لهذا اضطربوا في الجمع بينها و بين اخبار القول المشهور إلا انه قد تقرر في القواعد المروية عنهم (عليهم السلام) عرض الأخبار المختلفة على الكتاب العزيز و الأخذ بما وافقه و طرح ما خالفه، و هذه الاخبار الدالة على الاستيعاب مخالفة للآية فيجب طرحها، و بذلك يظهر لك بطلان هذه الأقوال المتفرعة عليها- «منه» اختلفوا في معنى «من» هنا فقيل انها لابتداء الغاية و الضمير عائد إلى الصعيد و المعنى ان المسح يبتدئ من الصعيد أو من الضرب عليه، و قيل انها للسببية و ضمير «منه» للحدث المفهوم من الكلام السابق كما يقال تيممت من الجنابة و كقوله سبحانه «مِمّٰا خَطِيئٰاتِهِمْ أُغْرِقُوا.» (1) و قول الشاعر «و ذلك من نبإ جاءني» و قول الفرزدق «يغضي حياء و يغضى من مهابته» و قيل انها للتبعيض و الضمير للصعيد كما يقال أخذت من الدراهم و أكلت من الطعام، و هذا هو المنصوص في صحيحة زرارة الآتية، و قيل إنها للبدلية كما في قوله تعالى: «أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا مِنَ الْآخِرَةِ» (2) و قوله سبحانه: «. لَجَعَلْنٰا مِنْكُمْ مَلٰائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ» (3) و حينئذ فالضمير يرجع الى الماء و المعنى فلم تجدوا ماء فتيمموا بالصعيد بدل الماء، و هذا المعنى لا يخلو من بعد، و المعتمد منها ما ورد به النص الصحيح عنهم (عليهم السلام)
____________
(1) سورة نوح. الآية 25.
(2) سورة التوبة. الآية 38.
(3) سورة الزخرف. الآية 60.
247
فإن القرآن نزل عليهم و معانيه منهم تؤخذ- «مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ» بفرض الطهارات و إيجابها «لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ» ضيق «وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ» من الأحداث و الذنوب فإن الطهارة كما انها رافعة للاحداث فهي أيضا مكفرة للذنوب «وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ» بهذا التطهير و إباحته لكم التيمم و تصييره الصعيد الطيب طهورا لكم رخصة مع سوابغ نعمه التي أنعمها عليكم «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» نعمته بإطاعتكم إياه فيما يأمركم به و ينهاكم عنه.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان تحقيق الكلام في هذا الباب يقتضي بيان الأسباب المسوغة للتيمم من الأعذار المانعة من استعمال الماء و ما يجوز به التيمم و ما لا يجوز و بيان كيفية التيمم و وقته و بيان أحكامه المتعلقة به و حينئذ فههنا مطالب خمسة:
(المطلب الأول)- فيما يسوغ معه التيمم
من الأسباب الموجبة لذلك، و انها ها في المنتهى الى ثمانية و هي فقد الماء و الخوف من استعماله و الاحتياج اليه للعطش و المرض و الجرح و فقد الآلة التي يتوصل بها الى الماء و الضعف عن الحركة و خوف الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة و ضيق الوقت عن استعمال الماء، و يمكن إرجاع هذه الثمانية إلى ثلاثة كما اقتصر عليه في الشرائع و هي عدم الماء و عدم الوصلة اليه و الخوف، بل يمكن إرجاع الجميع إلى أمر واحد كما ذكره في الذكرى و هو العجز عن الماء، و له أسباب يتوقف تفصيلها على رسم مسائل:
[المسألة] (الاولى) [من مسوغات التيمم عدم وجود الماء]
- في عدم وجوده، و يدل عليه مضافا الى الآية المتقدمة الأخبار المستفيضة، و منها-
ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن محمد بن حمران و جميل بن دراج (1) قالا: «قلنا لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) امام قوم أصابته جنابة في السفر و ليس معه ماء يكفيه للغسل أ يتوضأ بعضهم و يصلي بهم؟ قال لا و لكن يتيمم الجنب و يصلي بهم فان اللّٰه تعالى قد جعل التراب طهورا» و زاد في التهذيب (2) «كما جعل
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب التيمم.
248
الماء طهورا».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء أ يتيمم لكل صلاة؟ فقال لا هو بمنزلة الماء».
و في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان (2) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول إذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الأرض و ليصل فإذا وجد ماء فليغتسل و قد أجزأته صلاته التي صلى».
و ما رواه في الكافي عن ابي عبيدة الحذاء (3) قال «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة الحائض ترى الطهر و هي في السفر و ليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها و قد حضرت الصلاة؟ قال إذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ثم تتيمم و تصلي. الحديث».
الى غير ذلك من الاخبار الآتية ان شاء اللّٰه تعالى في مطاوي الأبحاث الآتية. و في المدارك عن بعض العامة ان الصحيح الحاضر إذا عدم الماء كالمحبوس و من انقطع عنه الماء يترك التيمم و الصلاة لأن التيمم مشروط بالسفر كما يدل عليه قوله تعالى: «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ.» (4) ثم قال: و بطلانه ظاهر لان ذكر السفر في الآية خرج مخرج الغالب لان عدم الماء في الحضر نادر، و إذا خرج الوصف مخرج الغالب انتفت دلالته على نفي الحكم عما عدا محل الوصف كما حقق في محله. انتهى.
[عدم مشروعية التيمم إلا بعد طلب الماء]
إذا عرفت ذلك فاعلم انه لا خلاف بين الأصحاب- كما نقله غير واحد منهم- في انه لا يشرع التيمم إلا بعد طلب الماء، قال في المنتهى: «و يجب الطلب عند إعواز الماء فلو أخل به مع التمكن لم يعتد بتيممه، و هو مذهب علمائنا اجمع» أقول: و يشير اليه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 20 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب الحيض.
(4) ذكر ابن قدامة في المغني ج 1 ص 234 انه قول أبي حنيفة في رواية عنه و انه روي عن أحمد اجابته بعدم التيمم عند ما سئل عن مثل ذلك.
249
قوله عز و جل: «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً» و عدم الوجدان لا يتحقق إلا بعد الطلب لإمكان قرب الماء منه و لا يعلمه، و يدل عليه
ما رواه الشيخ في الحسن عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم و ليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه و ليتوضأ لما يستقبل».
و عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: «يطلب الماء في السفر ان كانت الحزونة فغلوة و ان كانت سهولة فغلوتين لا يطلب أكثر من ذلك».
و لا ينافي ذلك
ما رواه الشيخ عن داود الرقي (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أكون في السفر و تحضر الصلاة و ليس معي ماء و يقال ان الماء قريب منا فاطلب الماء و انا في وقت يمينا و شمالا؟ فقال لا تطلب الماء و لكن تيمم فإني أخاف عليه التخلف عن أصحابك فتضل و يأكلك السبع».
و عن يعقوب بن سالم (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل لا يكون معه ماء و الماء عن يمين الطريق أو يساره غلوتين أو نحو ذلك؟ قال لا آمره ان يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع».
و عن علي بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (5) في حديث قال: «فقال له داود الرقي أ فاطلب الماء يمينا و شمالا؟ فقال لا تطلب الماء يمينا و لا شمالا و لا في بئر، إن وجدته على الطريق فتوضأ و ان لم تجده فامض».
فإنها محمولة على الخوف كما هو ظاهر الخبرين الأولين و إطلاق الثالث محمول على قيد الخوف المذكور فيهما.
[حد طلب الماء]
و قد اختلف الأصحاب في حد الطلب، فقال الشيخ في المبسوط: و الطلب واجب قبل تضيق الوقت في رحله و عن يمينه و عن يساره و سائر جوانبه رمية سهم أو سهمين إذا لم يكن هناك خوف. و قال في النهاية: و لا يجوز له التيمم في آخر الوقت إلا بعد طلب الماء
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التيمم.
(4) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التيمم.
(5) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب التيمم.
250
في رحله و عن يمينه و عن يساره بقدر رمية أو رميتين إذا لم يكن هناك خوف. و لم يفرق في الأرض بين السهلة و الحزنة، و قال المفيد: و من فقد الماء فلا يتيمم حتى يدخل وقت الصلاة ثم يطلب امامه و عن يمينه و عن شماله رمية سهمين من كل جهة ان كانت الأرض سهلة و ان كانت حزنة طلبه في كل جهة مقدار رمية سهم. و قال ابن زهرة: و لا يجوز فعله إلا بعد طلب الماء رمية سهم في الأرض الحزنة و في الأرض السهلة رمية سهمين يمينا و شمالا و اماما و وراء بإجماعنا. و قال ابن إدريس و حده ما وردت به الروايات و تواتر به النقل في طلبه إذا كانت الأرض سهلة غلوة سهمين و إذا كانت حزنة فغلوة سهم واحد. و قال في المنتهى بعد ان نقل طرفا من عبائر الأصحاب: و لم يقدره المرتضى في الجمل و لا الشيخ في الخلاف و الجمل بقدر و قال المحقق في المعتبر: و التقدير بالغلوة و الغلوتين رواية السكوني و هو ضعيف غير ان الجماعة عملوا بها، و الوجه ان يطلب من كل جهة يرجو فيها الإصابة و لا يكلف التباعد بما يشق، و رواية زرارة تدل على انه يطلب دائما ما دام في الوقت حتى يخشى الفوات، و هو حسن، و الرواية واضحة السند و المعنى. انتهى.
و قال في المدارك بعد نقله ذلك: و هو في محله لكن سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى ان مقتضى كثير من الروايات جواز التيمم مع السعة فيمكن حمل ما تضمنته رواية زرارة من الأمر بالطلب الى ان يتضيق الوقت على الاستحباب، و المعتمد اعتبار الطلب من كل جهة يرجو فيها الإصابة بحيث يتحقق عرفا عدم وجدان الماء. انتهى. أقول: لا شك ان رواية السكوني و ان كانت ضعيفة السند باصطلاحهم إلا ان ضعفها مجبور بعمل الأصحاب قديما و حديثا بها، إذ لا راد لها سوى المحقق و بعض من تبعه، و الرد بضعف السند قد عرفت انه خال من المستند سوى هذا الاصطلاح الغير المرضى و لا المعتمد، و على تقدير تسليمه فيكفي في صحتها عمل الطائفة بها كما عرفت، و حينئذ فالمعارضة بينها و بين حسنة زرارة المتقدمة ظاهرة، و يمكن الجمع بينهما بحمل الطلب الى ان يتضيق الوقت في الحسنة المذكورة على رجاء الحصول كما يشعر به سياقها و حمل الاقتصار على الغلوة و الغلوتين- كما
251
في رواية السكوني- على عدم الرجاء مع تجويز الحصول. و اما حمل حسنة زرارة كما ذكره في المدارك على الاستحباب- كما هي قاعدتهم في جميع الموارد و الأبواب- فقد بينا ما فيه في غير موضع من الكتاب، بل الوجه عندي في الجمع بينهما هو ما ذكرناه و اليه يشير كلامه في المدارك و كذا في المعتبر من اعتبار رجاء الإصابة في الطلب سواء كان في جميع الوقت أو بعضه (فان قلت): ما الفرق بين رجاء الإصابة الذي حملت عليه الحسنة المذكورة و تجويز الحصول الذي حملت عليه رواية السكوني؟ (قلت): الفرق بينهما هو حصول الظن بالحصول في جانب الرجاء و عدمه في مجرد التجويز، فمتى ظن الحصول وجب عليه الطلب الى ان يتضيق الوقت و لو لم يظنه بل جوز الحصول و عدمه على وجه يتساويان عنده فليس عليه إلا طلب الغلوة و الغلوتين باعتبار السهولة و الحزونة كما في رواية السكوني. و هو وجه حسن في الجمع بينهما و به يزول الإشكال في هذا المجال. و اما قوله في المدارك- إشارة إلى الطعن في حسنة زرارة و ما دلت عليه من وجوب التأخير إلى آخر الوقت- ان مقتضى كثير من الروايات جواز التيمم مع السعة حتى انه اضطر بسبب ذلك الى حملها على الاستحباب جمعا بينها و بين تلك الاخبار- ففيه ان القول بوجوب التأخير إلى آخر الوقت مدلول جملة من الاخبار كما سيأتي بيانه ان شاء اللّٰه في محله فبعين ما يقال في الجواب عن تلك الاخبار يجاب عن هذه الحسنة المذكورة، و ليس الدلالة على هذا القول مخصوصا بهذه الرواية كما يشير اليه كلامه و سيصرح به ايضا فيما يأتي حتى انه بحملها على الاستحباب ينسد الكلام في هذا الباب.
بقي الكلام في ان الأصحاب ذكروا وجوب الطلب بالغلوة و الغلوتين كما هو المذكور في رواية السكوني من الجهات الأربع و الرواية خالية من ذلك، و لعل الوجه في تقييدهم إطلاق الرواية بالأربع الجهات انه مع التجويز في الجهات الأربع يجب الطلب في الأربع، إذ الموجب للطلب هو تجويز الوجود و لهذا لو علم و تيقن انتفاء الوجود في جهة أو جهتين مثلا سقط وجوب الطلب فيهما اتفاقا.
252
فروع
(الأول) [الطلب قبل الوقت]
- قال في المدارك: قال في المنتهى لو طلب قبل الوقت لم يعتد به و وجب إعادته لأنه طلب قبل المخاطبة بالتيمم فلم يسقط فرضه، ثم اعترف بان ذلك انما هو إذا أمكن تجدد الماء في موضع الطلب و الا لم يجب عليه الطلب ثانيا. و هو جيد ان قلنا ان الطلب انما هو في الغلوات كما رواه السكوني اما على رواية زرارة فيجب الطلب ما أمل الإصابة في الوقت سواء كان قد طلب قبل الوقت أم لا. انتهى. أقول: لا ريب ان عمل الأصحاب في هذا الباب انما هو على خبر السكوني المذكور و جميع ما يذكرونه من فروع هذه المسألة انما هو على تقديره، و لم يذكر أحد منهم حسنة زرارة في المقام سوى صاحب المعتبر و مثله السيد المذكور، و لهذا قال العلامة في المنتهى بعد نقل الأقوال في حد الطلب مع اقتفائه كلام المعتبر غالبا: و لم نقف في ذلك إلا على حديث واحد و في سنده قول و يمكن العمل به لاعتضاده بالشهرة. إلى آخر كلامه.
(الثاني) [وجوب الطلب مشروط باحتمال الظفر]
- قد صرح جملة من الأصحاب بأنه انما يجب الطلب مطلقا أو في الجهات الأربع مع احتمال الظفر فلو تيقن عدم الإصابة في جهة من الجهات أو مطلقا فلا طلب لانتفاء الفائدة، و الظاهر انه لا خلاف فيه بين أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) حتى من القائلين بوجوب التأخير في التيمم كالشيخ و اتباعه، فإن وجوب التأخير عندهم لدليل اقتضاه و دل عليه لا لرجاء الحصول، و لهذا أنهم أوجبوا التأخير مطلقا و ان قطع بعدم الماء كما سيجيء بيانه ان شاء اللّٰه تعالى في موضعه. و نقل عن بعض العامة القول بوجوب الطلب و ان قطع بعدم الماء (1) ورد بان الطلب مع تيقن عدم الإصابة عبث لا يقع
____________
(1) لم نعثر على التصريح بذلك نعم ربما يظهر من البحر الرائق ج 1 ص 161 نسبة ذلك الى الشافعي حيث حكى عنه القول بوجوب الطلب مطلقا و قال في ضمن رده: «المسافر يجب عليه طلب الماء ان ظن قربه و ان لم يظن قربه لا يجب عليه بل يستحب» و كذا يظهر ذلك من المبسوط ج 1 ص 108 حيث قال في مقام رده: «الطلب انما يلزمه إذا كان على طمع من الوجود و إذا لم يكن على طمع من الوجود فلا فائدة في الطلب».
253
الأمر به من الشارع. و هو جيد. و لو غلب على ظنه العدم فهل يكون حكمه حكم اليقين في عدم وجوب الطلب أم لا؟ قولان، نقل الأول منهما عن ابن الجنيد و اختاره بعض أفاضل متأخري المتأخرين، نظرا الى قيام الظن مقام العلم في الشرعيات، و لعدم تناول أدلة وجوب الطلب لظان العدم، و قيل بالثاني و به صرح في المنتهى و اختاره في المدارك و عللوه بجواز كذب الظن. و هو الأظهر. و ما احتج به الفاضل المتقدم ذكره- من قيام الظن مقام العلم في الشرعيات- على إطلاقه ممنوع بل هو موقوف على الدليل، و ما ادعاه من عدم تناول أدلة الطلب لظان العدم أشد منعا، و كيف لا و هي مطلقة كما عرفت من حسنة زرارة و رواية السكوني، خرج من ذلك تيقن عدم وجود الماء لاستلزامه العبث كما عرفت و بقي الباقي.
(الثالث) [وجوب السعي إلى الماء ما دام الوقت في فرض اليقين]
- لو تيقن وجود الماء لزمه السعي إليه ما دام الوقت و المكنة حاصلة سواء كان قريبا أو بعيدا، و هل يجوز الاستنابة في الطلب اختيارا؟ ظاهر شيخنا في الروض ذلك لكنه اشترط عدالة النائب، و عندي فيه إشكال لأن ظاهر الأخبار توجه الخطاب الى فاقد الماء نفسه فقيام غيره مقامه في ذلك يتوقف على الدليل نعم لو كان المراد من النيابة نقله و حمله اليه فلا إشكال في جوازه لانه من قبيل طلب الماء في منزله من خادمه أو زوجته و حينئذ فلا وجه لاشتراط العدالة كما ذكره، و اما لو كان المراد انما هو الاعتماد عليه و الوثوق به في وجود الماء و عدمه حتى انه يقبل قوله في عدم الماء فالظاهر هو ما ذكرناه، و يأتي ما ذكره مع تعذر الطلب بنفسه فإنه لا بأس بالاستنابة بل يجب ذلك، و في اشتراط عدالة النائب وجهان أظهرهما ذلك مع الإمكان، و يحسب لهما على التقديرين لو قلنا به في الأول. و لو فات بالطلب غرض مطلوب يضر بحاله كالحطاب و الصائد ففي وجوب الطلب عليه لقدرته على الماء أو سقوطه و الانتقال الى التيمم دفعا للضرر وجهان، اختار أولهما في المدارك و ثانيهما في المعتبر، و ظاهر الروض التوقف و هو
254
كذلك لعدم النص في المسألة، هذا كله فيما إذا كان يمكن حصول الماء قبل ذهاب الوقت و الا سقط الطلب قولا واحدا لعدم الفائدة. و هل يقوم الظن هنا مقام اليقين فيجب الطلب مع ظنه؟ قيل نعم و الظاهر ان وجهه ما تقدم في سابق هذا الموضع، و الظاهر العدم بناء على رواية السكوني التي عليها مدار كلام الأصحاب في هذه المسألة و فروعها كما أشرنا إليه آنفا لتخصيصها الطلب بالغلوة و الغلوتين فيما إذا ظن الماء أو جوزه، و ان خصصناها بالتجويز بناء على ما قدمناه آنفا فهو أظهر، و اما مع تيقن وجود الماء فإنه خارج عن مورد الرواية لدخوله تحت الواجد للماء، و اما على تقدير حسنة زرارة فالأمر ظاهر لإيجابها الطلب في الوقت مطلقا.
(الرابع) [عدم وجوب الطلب عند الخوف]
- لو خاف على نفسه أو ما له بمفارقة رحله لم يجب عليه الطلب دفعا للحرج اللازم من وجوب الطلب و الحال هذه، و على ذلك يدل ما تقدم من روايتي داود الرقي و يعقوب بن سالم، و يؤيده
ما رواه الحلبي في الصحيح (1) «انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يمر بالركية و ليس معه دلو؟ قال ليس عليه ان يدخل الركية لأن رب الماء هو رب الأرض فليتيمم».
(الخامس) [صحة الصلاة بالتيمم على تقدير الإخلال بالطلب]
- المشهور بين الأصحاب انه لو أخل بالطلب حتى ضاق الوقت ثم تيمم و صلى فإنه قد أخطأ و صح تيممه و صلاته، أما الخطأ فظاهر لإخلاله بما وجب عليه من الطلب، و اما صحة تيممه و صلاته فالوجه ان الطلب يسقط مع ضيق الوقت و يجب على المكلف في تلك الحال التيمم لانه غير واجد للماء كما هو المفروض و أداء الصلاة بتلك الطهارة و قد فعل و امتثال الأمر يقتضي الاجزاء. و عن المبسوط و الخلاف عدم صحة تيممه و الحال هذه قال في المعتبر: قال الشيخ لو أخل بالطلب لم يصح تيممه و يلزم على قوله لو تيمم و صلى ان يعيد. و فيه إشكال لأن مع ضيق الوقت يسقط الطلب و يتحتم التيمم فيكون مجزئا و ان أخل بالطلب وقت السعة لأنه يكون مؤديا فرضه بطهارة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب التيمم.
255
صحيحة و صلاة مأمور بها، و أبلغ منه من كان معه ماء فوهبه أو اراقه. انتهى.
أقول: ممن تبع الشيخ في هذه المقالة الشهيد في الدروس حيث قال: و لو وهب الماء أو اراقه في الوقت أو ترك الطلب و صلى أعاد. لكن لا يخفى ان كلام الشيخ المتقدم ذكره و كذا كلام الدروس لا تقييد فيهما بالضيق و ان كان إطلاقهما يقتضي الشمول لذلك إلا انه مع الحمل عليه يشكل بما ذكره في المعتبر فإنه جيد وجيه، و لو حمل ذلك على السعة توجه ما ذكروه من الإعادة لأنه مأمور بالطلب مع السعة فلو تيمم و صلى و الحال هذه كان ما اتى به باطلا و وجب عليه الإعادة بعد الطلب ان كان في الوقت سعة و إلا تيمم و صلى مرة أخرى، قال في المدارك بعد نقل كلام المعتبر المذكور: و يمكن ان يحمل كلام الشيخ على ما إذا أخل بالطلب و تيمم مع السعة فإن تيممه لا يصح قطعا. انتهى.
و اما ما ذكره في الدروس من انه لو وهب الماء أو اراقه في الوقت و صلى أعاد فلعل الوجه فيه ان الصلاة قد وجبت عليه و استقرت في ذمته بطهارة مائية لوجود الماء معه في الوقت و تمكنه من استعماله و تفويت الواجب من قبل نفسه لا يكون عذرا مسوغا للتيمم فيجب الإعادة في الوقت و خارجه. إلا انه على إطلاقه مشكل بل الظاهر ان الحكم فيه يصير كفاقد الماء من جواز التيمم في السعة بعد الطلب أو وجوب التأخير إلى ضيق الوقت. و اولى بعدم الإعادة ما لو تيمم و صلى آخر الوقت فإنه مأمور بالصلاة و الطهارة و امتثال الأمر يقتضي الاجزاء، و اما مع السعة فيحتمل القول فيما إذا وجد الماء بعد ان صلى بتيممه في السعة بأنه يجب عليه الإعادة لتوجه الخطاب إليه في أول الأمر بالصلاة بطهارة مائية و الحال انه قد وجد الماء في الوقت اما مع الضيق فإنه لا يتجه هذا الاحتمال و نقل في المدارك عن المنتهى انه لو كان بقرب المكلف ماء و تمكن من استعماله و أهمل حتى ضاق الوقت فصار لو مشى اليه ضاق الوقت فإنه يتيمم و في الإعادة قولان أقربهما الوجوب، ثم اعترضه بأنه يتوجه عليه ما سبق و أشار به الى ما قدمه في مسألة المخل بالطلب حتى ضاق الوقت حيث اختار فيه ما ذكره المحقق. و هو جيد. بقي الكلام
256
في انه هل يأثم بإراقته الماء أو هبته في الوقت مع علمه بعدم الماء و ان فرضه ينتقل الى التيمم؟ ظاهر الأصحاب ذلك و هو كذلك كمن أخل بالطلب مع كونه مأمورا به و هذا قد أخل بالطهارة بالماء مع كونه مأمورا بذلك، و كيف كان فحيث ان الحكم غير منصوص و ان كان القول المشهور أوفق بالقواعد الشرعية فلا ينبغي ترك الاحتياط في المسألة.
(السادس) [وجدان الماء بعد الصلاة في ضيق الوقت و الإخلال بالطلب]
- لو أخل بالطلب و ضاق الوقت فتيمم و صلى ثم وجد الماء في محل الطلب من الغلوات أو مع أصحابه الباذلين له أو في رحله فهل يحكم بصحة ما فعل من التيمم و الصلاة أو يجب عليه القضاء؟ قولان أحدهما العدم و هو اختيار السيد في المدارك و قبله المحقق الأردبيلي، و وجهه ظاهر مما تقدم في سابق هذه المسألة فإنها من جزئياتها، و المشهور وجوب القضاء استنادا الى
ما رواه الشيخ عن ابي بصير (1) قال: «سألته عن رجل كان في سفر و كان معه ماء فنسيه و تيمم و صلى ثم ذكر ان معه ماء قبل ان يخرج الوقت؟ قال عليه ان يتوضأ و يعيد الصلاة».
و أنت خبير بان ظاهر الخبر المذكور (أولا)- انما هو النسيان و هو أخص من المدعى. و (ثانيا)- ان تيممه وقع في السعة و هو خلاف المفروض في كلامهم، و العجب ان شيخنا الشهيد الثاني في الروض حيث قيد إطلاق عبارة المصنف بضيق الوقت قال و انما قيدنا المسألة بالضيق تبعا للرواية و فتوى الأصحاب. و الرواية- كما ترى- صريحة في السعة و ليس غيرها في المسألة. و (ثالثا)- انه قد صرح بأنه لو تيمم في الصورة المذكورة حال السعة بطل تيممه و صلاته و ان لم يجد الماء بعد ذلك، قال لمخالفته الأمر و ان جوزنا التيمم مع سعة الوقت بعد الطلب. انتهى.
و لا ريب ان هذا مدلول الخبر المذكور كما عرفت. ثم قال: و اعلم ان الأصل يقتضي عدم وجوب إعادة الصلاة مع مراعاة التضيق و ان أساء بترك الطلب لإيجابه الانتقال إلى طهارة الضرورة، لكن لا سبيل الى رد الحديث المشهور و مخالفة الأصحاب. و فيه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
257
ما عرفت من ان الخبر ظاهر بل صريح في السعة، و به يظهر ان الأظهر هو القول بعدم الإعادة في المسألة المذكورة، و ما ادعاه ايضا من التقييد في كلام الأصحاب محل نظر لما عرفت في عبارة الشيخ من الإطلاق و كذا عبارة العلامة التي ارتكب التقييد فيها. و اللّٰه العالم.
(السابع) [من نسي الماء في رحله و صلى بالتيمم]
- قال في المعتبر: لو نسي الماء في رحله و صلى بالتيمم أجزأه و هو اختيار علم الهدى. و قال الشيخ ان اجتهد و طلب لم يعد و إلا أعاد، لنا- انه صلى بتيمم مشروع فلا يلزمه الإعادة، و لان النسيان لا طريق إلى إزالته فصار كعدم الوصلة، الى ان قال:
و في رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) «يتوضأ و يعيد».
و في سندها عثمان بن عيسى و هو ضعيف فهي إذن ساقطة. انتهى. و قال في الذكرى: و لو نسي الماء أجزأ عند المرتضى لعموم
«رفع عن أمتي الخطأ» (2).
و الشيخ يعيد ان لم يطلب، لهذا الخبر، و ضعف بعثمان بن عيسى. و قول الشيخ أقرب للتفريط. و الشهرة تدفع ضعف السند. انتهى. أقول: التحقيق عندي ان ظاهر الخبر المشار اليه هو الإعادة في صورة النسيان مع سعة الوقت مطلقا طلب أو لم يطلب، و الواجب العمل به و ضعفه باصطلاحهم مجبور بالشهرة كما ذكره في الذكرى و اخبار الطلب يجب تخصيصها بالخبر المذكور، و به يظهر ضعف ما اختاره في الذكرى ايضا كما ضعف ما اختاره في المعتبر، نعم لو كان الذكر حال الضيق فالمتجه الاجتزاء بما فعل كما تقدم و هو خارج عن مورد الخبر كما عرفت. و اما قوله في المعتبر: لنا- انه صلى بتيمم مشروع، فإن أراد و لو في حال السعة فهو مجرد مصادرة، و ان أراد في حال الضيق فهو صحيح لما سلف.
(الثامن) [من كان معه ماء فأراقه أو مر بماء فلم يتطهر]
- لو كان معه ماء فأراقه قبل الوقت أو مر بماء فلم يتطهر قبل الوقت و الحال انه لا ماء ثمة تيمم و صلى و لا اعادة عليه إجماعا كما في المنتهى، و لو كان ذلك
____________
(1) ص 256.
(2) رواه في الوسائل في الباب 30 من الخلل في الصلاة و 56 من جهاد النفس.
258
بعد دخول الوقت فقد عرفت مما تقدم انه كذلك و ان علم باستمرار الفقدان، لانه صلى صلاة مأمورا بها بتيمم مشروع و قضية امتثال الأمر الاجزاء، و المحقق في المعتبر ذكر الحكم المذكور و لم ينقل الخلاف فيه إلا عن العامة (1) و هو مؤذن بدعوى الإجماع عليه، و قطع الشهيد في الدروس و البيان بوجوب الإعادة هنا للتفريط و قد سبق نقل عبارته من الدروس، و احتمل ذلك في التذكرة.
(التاسع) [من كان الماء موجودا عنده فأخل باستعماله]
- اختلف الأصحاب فيما لو كان الماء موجودا عنده فأخل باستعماله حتى ضاق الوقت عن استعماله فهل ينتقل الى التيمم و يؤدي أو يتطهر بالماء و يقضي؟
قولان، اختار أولهما العلامة في المنتهى
لقوله (عليه السلام) في صحيحة حماد بن عثمان (2) «هو بمنزلة الماء».
و انما يكون بمنزلته لو ساواه في أحكامه، و لا ريب في انه لو وجد الماء و تمكن من استعماله وجب عليه الأداء فكذا ما لو وجد ما سواه، قال في المدارك بعد نقل ذلك: قلت و يدل عليه فحوى
قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (3):
«ان رب الماء هو رب الأرض».
و في صحيحة جميل (4) «ان اللّٰه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».
و هذا القول لا يخلو من رجحان، و لا ريب ان التيمم و الأداء ثم القضاء بالطهارة المائية أحوط. انتهى و اختار ثانيهما المحقق في المعتبر حيث قال: من كان الماء قريبا منه و تحصيله ممكن لكن مع فوات الوقت أو كان عنده و باستعماله يفوت لم يجز التيمم و سعى إليه لأنه واجد. انتهى. و هو اختيار السيد في المدارك حيث قال بعد فرض المسألة: فهل يتطهر و يقضي أو يتيمم و يؤدي؟ قولان، أظهرهما الأول و هو خيرة المصنف في المعتبر لأن الصلاة مشروطة بالطهارة و التيمم انما يسوغ مع العجز عن استعمال الماء و الحال ان المكلف واجد للماء متمكن من استعماله غاية الأمر ان الوقت لا يتسع لذلك و لم يثبت كون ذلك مسوغا للتيمم. انتهى. قال في الروض: و فرق المحقق الشيخ علي بين
____________
(1) نقل الخلاف في المغني ج 1 ص 241 عن الأوزاعي.
(2) ص 248.
(3) ص 254.
(4) ص 247.
259
ما لو كان الماء موجودا عنده بحيث يخرج الوقت لو استعمله و بين من كان الماء بعيدا عنه بحيث لو سعى اليه لخرج الوقت فأوجب الطهارة المائية على الأول دون الثاني، مستندا الى انتفاء شرط التيمم و هو عدم وجدان الماء في الأول و عدم صدق الوجدان في الثاني، ثم اعترضه فقال: و أنت خبير بان المراد بوجدان الماء في باب التيمم و في الآية فعلا أو قوة، و لهذا يجب على الفاقد الطلب و الشراء لصدق الوجدان، و لو كان المراد الوجدان بالفعل لم يجب عليه ذلك لانه تعالى شرط في جواز التيمم عدم الوجدان، فلا يتم حينئذ ما ذكره من الفرق لصدق الوجدان في الصورتين بالمعنى المعتبر شرعا، فلا بد من الحكم باتفاقهما اما بالتيمم كما ذكره المصنف أو بالطهارة المائية كما ذكره المحقق. انتهى كلامه. و هو جيد وجيه.
أقول: و التحقيق عندي في هذه المسألة هو ما ذهب إليه العلامة من وجوب التيمم و الأداء فإنه هو الأقرب الى الانطباق على القواعد الشرعية (أما أولا)- فلظواهر الأخبار التي احتج بها العلامة و لهذا قال في المدارك بعد ان ايدها بما ذكره: و هذا القول لا يخلو من رجحان. و (اما ثانيا)- فلانه لا يخفى ان المكلف مأمور بالصلاة في وقتها آية و رواية، غاية الأمر أنها مشروطة بالطهارة المائية إن أمكنت و إلا فبالترابية لما دلت عليه الآية و الاخبار المستفيضة، و حيث انه لم يتمكن من المائية هنا لاستلزام استعمالها خروج الوقت تعينت الترابية، كما لو وجد ماء يستلزم السعي إليه خروج الوقت فإنه يتيمم اتفاقا كما تقدم. و (اما ثالثا)- فلانه لا ريب أن مشروعية التيمم انما هو للمحافظة على إيقاع الصلاة في وقتها و إلا كان الواجب مع فقد الماء أو تعذر استعماله تأخير الصلاة عن وقتها الى ان يتمكن من استعماله فيقضي الصلاة كما هو مقتضى كلام هذا القائل و المعلوم من الشرع خلافه، و حينئذ فمجرد وجود الماء في الصور المفروضة مع استلزام استعماله خروج الوقت في حكم العدم، و بذلك يظهر ان قوله في المدارك انه لم يثبت كون عدم اتساع الوقت مسوغا للتيمم ليس في محله، و كيف لا و نظر الشارع أولا
260
و بالذات انما هو الى الصلاة و الإتيان بها في وقتها و نظره الى الطهارة بالماء انما هو ثان و بالعرض حيث انها شرط لها فكيف يقدم ما هو بالعرض على ما هو بالذات مع ان الشارع قد جعل له عوضا عنه تأكيدا للمحافظة عليها في وقتها؟ و كيف لا يكون عدم اتساع الوقت مسوغا للتيمم و العلة في مشروعيته انما هو المحافظة على الإتيان بالصلاة في وقتها كما عرفت؟ و لعله لهذا الوجه لم يعد في المسوغات فإنه حيث كان هو الأصل في مشروعية التيمم اكتفي بذلك عن عده في المسوغات، و كيف كان فإنه و ان كان ما اخترناه هو الأنسب بالقواعد الشرعية المؤيدة بما تقدم من تلك الأخبار المروية إلا انه حيث كانت المسألة عارية عن النصوص على الخصوص فالأحوط بعد الصلاة بالتيمم أداء إعادة الصلاة بالطهارة المائية قضاء.
ثم انه لا يخفى عليك ان هذا البحث كما يجري في هذه المسألة يجري أيضا في مسألة عدم اتساع الوقت لإزالة النجاسة عن الساتر الذي لا يجد غيره. و كذا تحصيل الساتر إذا توقف على زمان يفوت به الوقت، فهل يصلي بالنجاسة في الاولى و عاريا في الثانية في الوقت أداء أو يقدم إزالة النجاسة أولا و كذا تحصيل الساتر ثم يصلي قضاء؟ القولان المتقدمان، و اما ما ذكره المحقق الثاني من التفصيل فقد عرفت بما قدمنا نقله عن الروض انه غير واضح السبيل.
(العاشر)- لو وجد من الماء ما لا يكفيه لطهارته
فالظاهر انه في حكم العدم وضوء كان أو غسلا، و نسبه في المنتهى الى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه و نحوه في التذكرة، و لم ينقل الخلاف في المعتبر و المنتهى و التذكرة في هذه المسألة إلا عن العامة (1) و قال في الروض: و ربما حكي عن الشيخ في بعض أقواله التبعيض و هو مذهب العامة.
و قطع العلامة في النهاية بأن المحدث لو وجد من الماء ما لا يكفيه لطهارته لم يجب عليه استعماله بل يتيمم، و احتمل في الجنب مساواته للمحدث و وجوب صرف الماء الى بعض
____________
(1) راجع التعليقة 2 ص 243.
261
أعضائه لجواز وجود ما تكمل به الطهارة، قال و الموالاة ساقطة هنا بخلاف المحدث و احتمل ذلك شيخنا البهائي في الحبل المتين أيضا.
أقول: و الظاهر هو القول المشهور للأخبار المتكاثرة، و استدل على ذلك ايضا بقوله عز و جل «فَلَمْ تَجِدُوا» و قد تقدم الكلام في ذلك في صدر الباب في تفسير الآية المذكورة، و الأظهر الرجوع في ذلك الى الاخبار فإنها صريحة الدلالة في المدعى، و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «في رجل أجنب في سفر و معه ماء قدر ما يتوضأ به؟ قال يتيمم و لا يتوضأ».
و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن عبيد اللّٰه بن علي الحلبي (2) «انه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يجنب و معه قدر ما يكفيه من الماء لوضوء الصلاة أ يتوضأ بالماء أو يتيمم؟ قال لا بل يتيمم ألا ترى انه انما جعل عليه نصف الوضوء».
و عن محمد بن حمران و جميل بن دراج في الصحيح (3) «أنهما سألا أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن امام قوم أصابته جنابة في السفر و ليس معه من الماء ما يكفيه للغسل أ يتوضأ بعضهم و يصلي بهم؟ فقال لا و لكن يتيمم الجنب و يصلي بهم فان اللّٰه عز و جل جعل التراب طهورا».
و رواه الشيخ في الصحيح مثله (4) إلا انه ترك «بعضهم» و هو أظهر في الاستدلال،
و ما رواه الشيخ عن الحسين بن ابي العلاء (5) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يجنب و معه من الماء بقدر ما يكفيه لوضوء الصلاة أ يتوضأ بالماء أو يتيمم؟ قال يتيمم أ لا ترى انه جعل عليه نصف الطهور».
و ربما لاح من خبري الحلبي و الحسين بن ابي العلاء ان من أحدث بالأصغر بعد تيممه عن الجنابة فان الواجب عليه هو التيمم بدلا عن الجنابة كما هو المشهور لا عن الأصغر كما هو قول المرتضى، إلا انه يمكن تخصيص الخبرين المذكورين بكون السؤال فيهما عن هذا الحكم بعد الجنابة كما يؤنس به التعليل المذكور من قوله (عليه السلام)
«أ لا ترى انه انما جعل عليه نصف الوضوء»
كما في الأولى أو «الطهور» كما
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب التيمم.
(4) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب التيمم.
(5) رواه في الوسائل في الباب 24 من أبواب التيمم.
262
في الثانية، فإن الظاهر ان منشأ هذا السؤال ان السائل توهم أفضلية الوضوء على التيمم لكونه طهارة مائية مقدورة للجنب سابغة على الأعضاء فيحصل بها استباحة ما يحصل بالتيمم الذي هو مخصوص بعدم وجود الماء أو عدم إمكان استعماله، فأجابه (عليه السلام) بان الواجب عليه شرعا لرفع حدث الجنابة في الحال المذكورة انما هو التيمم لانه سبحانه بعد تعذر الماء للغسل وجودا أو استعمالا نقله الى التيمم لطفا به و كرما كما دلت عليه آية التيمم المتقدمة و قوله تعالى: «مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ. الآية» أ لا ترى انه لمزيد لطفه و عنايته انما جعل عليه نصف الوضوء يعني مسح المغسول منها و هي ثلاثة دون الممسوح منها و هي الثلاثة الأخرى و الوضوء مركب من أعضاء ثلاثة مغسولة و أعضاء ثلاثة ممسوحة. و أنت خبير بان ما ذكرنا من الكلام في هذه المسألة متجه فيما إذا كان مكلفا بطهارة واحدة فلو كان مكلفا بطهارتين كالوضوء و الغسل بناء على المشهور في غسل الحيض و النفاس و نحوهما من وجوب الوضوء معه فإنها لو وجدت ما يكفي للوضوء دون الغسل توضأت عن الأصغر و تيممت بدلا من الغسل، و بذلك صرح جملة من الأصحاب، و لو وجدت ما يكفي للغسل خاصة قدمته و تيممت عن الحدث الأصغر، و يحتمل التخيير هنا لأنهما فرضان مستقلان إلا ان الأحوط الأول. ثم انه لا يخفى ايضا ان هذا الحكم آت فيما لو تضرر بعض أعضائه بالغسل أو كان بعض أعضائه نجسا و لا يقدر على طهارته بالماء فإنه يتيمم و لا يجزئه تيمم بعض و غسل بعض، لأن الطهارة عبادة شرعية موقوفة على التوظيف من الشارع و الذي علم منه اما الماء في الجميع أو التراب في الجميع و لم يرد عنه التبعيض، و نقل في المعتبر عن الشيخ في المبسوط و الخلاف انه قال: و لو غسلها و تيمم كان أحوط. و هو ضعيف لما عرفت.
(الحادي عشر) [من وجد من الماء ما لا يكفيه للطهارة إلا بمزجه بالمضاف]
- اختلف الأصحاب في من وجد من الماء ما لا يكفيه للطهارة إلا بمزجه بالمضاف على وجه لا يسلبه الإطلاق فهل يجب المزج و الطهارة به أم يجوز له ترك المزج و الانتقال الى التيمم؟ فذهب جمع من المتأخرين: منهم- العلامة
263
و اتباعه إلى الأول، و نقل عن جمع من المتقدمين كالشيخ و اتباعه الميل الى الثاني، و ربما بني الخلاف هنا على الخلاف المتقدم في معنى الآية، فإن فسرنا عدم وجود الماء بالقول الثاني المتقدم و هو كون المكلف غير واجد للماء بان يكون في مكان لا ماء فيه فالمتجه قول الشيخ بالانتقال الى التيمم، فإنه يصدق على هذا من حيث ان الماء لا يكفيه للطهارة انه غير واجد للماء فيصير فرضه التيمم، و ان قلنا ان المراد بعدم وجدان الماء انما هو عدم التمكن منه كما تقدم في القول الأول فالمتجه ما ذكره العلامة لصدق التمكن بالمزج كصدقه بالسعي و الطلب و بعض المحققين بنى القولين المذكورين على ان الطهارة بالماء في الصورة المفروضة هل هو من قبيل الواجب المطلق فيجب المزج إذ ما لا يتم الواجب المطلق إلا به و هو مقدور فهو واجب أو انها واجب مشروط بوجود الماء و تحصيل مقدمة الواجب المشروط غير واجب؟ و قد تقدم البحث في هذه المسألة مستوفى في باب الماء المضاف و بيان ما هو الحق المختار من القولين المذكورين.
(الثاني عشر) [دوران الأمر بين الطهارة المائية و إزالة النجاسة]
- قد صرح الأصحاب بأنه لو كان على بدن المصلى أو ثوبه نجاسة و معه من الماء ما لا يكفيه إلا لإزالة النجاسة أو الطهارة فإنه يجب تقديم إزالة النجاسة و الظاهر ان الحكم بذلك اتفاقي عندهم كما صرح به في المعتبر و المنتهى و التذكرة، و علل بأن الطهارة المائية لها بدل و هو التيمم بخلاف إزالة النجاسة فيجب صرفه إليها و التيمم جمعا بين الحقين. و أنت خبير بأن لقائل أن يقول ان الشارع قد قيد جواز التيمم بعدم وجدان الماء و الماء في الصورة المفروضة موجود، و زعم البدلية على إطلاقه ممنوع إذ غاية ما يفهم من الأخبار ثبوت البدلية مع فقد الماء بالكلية أو التضرر باستعماله و كل منهما مفقود في محل النزاع، على ان دعوى البدلية معارض بتجويز الشارع الصلاة في النجاسة مع تعذر إزالتها أو عاريا على الخلاف في المسألة. و تقديم أحدهما في استعمال هذا الماء الموجود على الآخر يحتاج إلى دليل، و لا اعلم لهم دليلا وراء الإجماع المدعى و الاعتماد عليه لا يخلو من مجازفة كما قدمنا القول فيه في مقدمات الكتاب، و هؤلاء
264
المدعون له قد طعنوا فيه في غير موضع من كتبهم الاستدلالية و ان استسلقوه في أمثال هذه المقامات، نعم لو علم دخول أقوال متقدمي الأصحاب من أرباب النصوص في هذا الإجماع لم يبعد الاعتماد عليه. و بالجملة فالمسألة لعدم النص لا تخلو من اشكال و الاحتياط فيها واجب عندي على كل حال بان يتطهر بالماء و يصلي بالنجاسة ثم يعيد في الوقت أو خارجه بعد التمكن من الماء لإزالة النجاسة. ثم انهم قد صرحوا أيضا بان ما ذكر من الحكم المذكور و هو وجوب تقديم إزالة النجاسة و التيمم مخصوص بوجود ما يتيمم به و إلا وجب الوضوء بذلك الماء و الصلاة بالنجاسة. و هو مما لا اشكال فيه على القول المذكور. و صرحوا ايضا بتقييد الحكم بالنجاسة الغير المعفو عنها و بكون الثوب لو كانت النجاسة فيه مما يضطر الى لبسه. و الجميع مما لا اشكال فيه. و اللّٰه العالم.
(المسألة الثانية)- في عدم الوصلة اليه و التمكن منه
و البحث هنا يقع في مواضع ثلاثة:
[الموضع] (الأول) [من عدم الثمن فهو كمن عدم الماء]
- قد صرح الأصحاب بان من عدم الثمن فهو كمن عدم الماء، و كذا ان وجده بثمن يضر بحاله بمعنى انه ليس للمكلف مال يقوم بذلك من غير تطرق ضرر اليه و نقصان في ماله، و قيل ان المراد ضرره في الحال يعني حال الشراء و ان لم يضر به في المآل، و اما لو لم يترتب عليه الضرر بأي المعنيين اعتبر فإنه يجب الشراء عندهم و ان زاد على قيمة المثل أضعافا إذ المناط انما هو الضرر و عدمه كما عرفت.
و نقل عن ابن الجنيد الانتقال الى التيمم هنا و عدم وجوب الشراء متى كان غاليا و انه يصلي بتيممه ثم يعيد بعد وجود الماء.
أقول: (اما الأول) من هذه المذكورات فلا اشكال فيه إذ صدق عدم الوجدان فيه ظاهر. و (اما الثاني) فأسنده في المعتبر الى فتوى الأصحاب، و استدل عليه بان من خشي من نص أخذ ما يجحف به لم يجب عليه العي و تعريض المال للتلف
265
و إذا ساغ التيمم هناك دفعا للضرر ساغ له هنا،
و برواية يعقوب بن سالم (1) قال:
«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل لا يكون معه ماء و الماء عن يمين الطريق و يساره غلوتين أو نحوهما؟ قال لا آمره ان يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع».
قال في المدارك بعد نقل ذلك: و هو حسن و يؤيده عموم قوله تعالى: «وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (2) و قوله عز و جل: «يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» (3) و (اما الثالث) فاستدلوا عليه
بصحيحة صفوان (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل احتاج الى الوضوء للصلاة و هو لا يقدر على الماء فوجد قدر ما يتوضأ به بمائة درهم أو بألف درهم و هو واجد لها يشتري و يتوضأ أو يتيمم؟ قال لا بل يشتري قد أصابني مثل هذا فاشتريت و توضأت و ما يشترى بذلك مال كثير».
و رواه في الفقيه مرسلا عن الرضا (عليه السلام) (5) أقول: و الذي وقفت عليه زيادة على هذا الخبر
ما رواه العياشي في تفسيره عن الحسين بن أبي طلحة (6) قال: «سألت عبدا صالحا عن قول اللّٰه عز و جل: «أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» (7) ما حد ذلك فان لم تجدوا بشراء أو بغير شراء ان وجد قدر وضوء بمائة ألف أو ألف و كم بلغ؟
قال: ذلك على قدر جدته».
و ما في دعائم الإسلام (8) حيث قال: «و قالوا (عليهم السلام) في المسافر إذا لم يجد الماء إلا بموضع يخاف على نفسه ان مضى في طلبه من لصوص أو سباع أو ما يخاف منه التلف و الهلاك يتيمم و يصلي. و قالوا (عليهم السلام) في المسافر يجد الماء بثمن غال ان يشتريه إذا كان واجدا لثمنه فقد وجده إلا ان يكون في دفعه الثمن
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من أبواب التيمم.
(2) سورة الحج. الآية 77.
(3) سورة البقرة. الآية 581.
(4) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب التيمم.
(5) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب التيمم.
(6) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب التيمم.
(7) سورة النساء الآية 43 و سورة المائدة. الآية 6.
(8) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 1 و 20 من أبواب التيمم.
266
ما يخاف منه على نفسه التلف ان عدمه و العطب فلا يشتريه و يتيمم بالصعيد و يصلي».
أقول: لا يخفى ان ما استدل به المحقق في المعتبر على القسم الثاني لا يخلو من نظر و ان استحسنه في المدارك، اما قوله: «من خشي من لص أخذ ما يجحف به. إلخ» فهو مع كونه لا دليل عليه لا يخرج عن القياس، فان ورود ذلك على تقدير تسليمه في السعي إلى تحصيل الماء لا يوجب انسحابه الى الشراء سيما مع عموم الصحيحة المنقولة في كلامهم و الخبرين اللذين اردفناهما بها، و اما الاستناد إلى الرواية فكذلك أيضا، لأن موردها طلب الماء في الغلوات و هو خارج عن محل المسألة و حمل ما نحن فيه على ذلك لا يخرج عن القياس، و بالجملة فإن الأخبار التي نقلناها في المسألة عامة للصورة الثانية و الثالثة، حيث ان ظاهرها وجوب الشراء ما وجد الثمن قليلا كان أو كثيرا، و الظاهر انه الى ما ذكرنا ذهب المرتضى على ما نقله في المعتبر حيث قال: «و إذا لم يوجد إلا ابتياعا وجب مع القدرة و ان كثر الثمن، كذا قال علم الهدى، و قيل ما لم يتضرر به في الحال و هو أشبه» ثم استدل على الأول بأنه واجد للماء ضرورة قدرته عليه بالثمن الموجود، ثم أورد رواية صفوان إلى ان قال: و اما الثاني و هو اشتراط عدم الضرر الحالي فهو اختيار الشيخ، ثم نقل قول ابن الجنيد الآتي الى ان قال: و قال الشيخ في كتبه كلها لا يجب شراؤه إذا كان مضرا في الحال و هو فتوى فضلائنا و فتوى فقهاء الجمهور، و انما قلنا انه أشبه لان من خشي. إلى آخر ما قدمناه من نقل دليله. و أنت خبير بان ظاهر إطلاق المرتضى هو ما ذكرناه، و تقييدهم بالضرر المذكور في مقابلة إطلاقه شاهد لما ندعيه. و هذا الضرر الذي قيدوا به لا يخلو من إجمال، نعم يمكن التقييد بما دلت عليه رواية الدعائم من انه متى استلزم دفع المال خوف التلف على نفسه و العطب فإنه يجب الانتقال الى التيمم، و يؤيده ما دل على نفي الحرج في الدين و ارادة اليسر دون العسر و سعة الحنيفية (1)
____________
(1) اما ما دل على نفي الحرج و العسر فالآيتان المتقدمتان ص 265 و اما ما دل على سعة الحنيفية
فروى السيوطي في الجامع الصغير ج 1 ص 109 قوله (ص): «بعثت بالحنيفية السمحة.».
و رواه الخطيب في تاريخ بغداد ج 7 ص 209
و روى الكليني في فروع الكافي ج 2 ص 56 من حديث قوله (ص): «لم يرسلني اللّٰه بالرهبانية و لكن بعثني بالحنيفية السهلة السمحة» ..
267
و نحو ذلك، و حينئذ فإن أريد بالضرر المذكور في كلامهم هو ما ذكرناه فالحق ما ذكره في المعتبر و نقله عن الشيخ و اتباعه، و ان أراد غير ذلك فالحق ما ذكره المرتضى. و بالجملة فإن هذا الضرر المذكور في كلامهم الذي سوغوا معه التيمم دون الشراء غير منقح و لا مبين، فربما ظهر من بعض العبارات انه عبارة عن خوف قلة المال خصوصا عند من يقيد بالحال الحاضرة، قال في الذكرى بعد الإشارة إلى مضمون صحيحة صفوان: هذا مع عدم الضرر الحالي أو المتوقع في زمان لا يتجدد له مال عادة أما معه فلا، و كذا لو أجحف بماله للحرج. و ظاهر إطلاق جملة من العبارات يقتضي عدم الفرق بين المجحف و غيره فإنه ينتقل الى الشراء، و قيده في الذكرى كما سمعت و مثله العلامة في التذكرة بعدم الإجحاف بالمال و ان كان مقدورا للحرج. و فيه منع فان ظواهر الأخبار المتقدمة ترده، و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال لعموم النصوص المتقدمة و غاية ما يمكن استثناؤه منها بالأدلة العامة من خارج هو الصورة التي ذكرناها و دل عليها الخبر المتقدم.
و اما ما نقل عن ابن الجنيد من الانتقال الى التيمم في الصورة الثانية و عدم الشراء فقيل في الاحتجاج له: ان خوف فوات المال اليسير بالسعي إلى الماء مجوز للتيمم فكيف يجب بذل الكثير على هذا الوجه فيه؟ و لتساوي الحكم في تضييع المال القليل و الكثير و كفر مستحله و فسق غاصبه و جواز الدفع عنه. و أجيب عن ذلك بالفرق بين جميع ما ذكر و موضع النزاع بالنص، و بالمنع من مساواة ما يبذله المكلف باختياره و بين ما ينهب منه قهرا لما في الثاني من لزوم الغضاضة و الإهانة الموجبة للضرر بخلاف الأول لأن الفرض انتفاء الضرر فيه. و ربما أجيب بالفرق بين الأمرين بالعوض و الثواب بمعنى ان اللازم من الفرع انما هو الثواب لأنه عبادة اختيارية مطلوبة
268
للشارع و هو أضعاف ما دفع و اللازم في الأصل انما هو العوض و هو مساو لما أخذ منه فلا يتم القياس و استضعفه في الذكرى استنادا إلى انه إذا ترك المال لابتغاء الماء دخل في حيز الثواب، و زاد عليه في الروض بعد استحسانه بأنه يجمع له حينئذ بين العوض و الثواب و هو أعظم من الثواب وحده. و بالجملة فالأولى هو الاستناد في الفرق الى النص مع قطع النظر عن الطعن فيما ذكره بأنه لا يخرج عن القياس كما قدمنا ذكره في الكلام على كلام المعتبر.
(الموضع الثاني)- فقد الآلة التي يتوصل بها الى الماء
كما إذا مر ببئر أو شفير نهر و لم يتمكن من الوصول الى الماء إلا بمشقة أو تغرير بنفسه و لا آلة معه للاغتراف فإنه يتيمم، قال في المنتهى: و هو قول علمائنا اجمع. أقول: و يدل عليه مضافا الى الإجماع المذكور المؤيد ايضا بنفي الحرج في الدين (1)
ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحسين ابن سعيد عن عبيد اللّٰه بن علي الحلبي (2): «انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يمر بالركية و ليس معه دلو؟ قال ليس عليه ان يدخل الركية لأن رب الماء هو رب الأرض فليتيمم».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد اللّٰه بن ابي يعفور و عنبسة بن مصعب جميعا عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «إذا أتيت البئر و أنت جنب و لم تجد دلوا و لا شيئا تغرف به فتيمم بالصعيد فان رب الماء هو رب الصعيد و لا تقع في البئر و لا تفسد على القوم ماءهم».
و ما رواه ثقة الإسلام في الحسن عن الحسين بن ابي العلاء (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يمر بالركية و ليس معه دلو؟ قال ليس عليه ان ينزل الركية ان رب الماء هو رب الأرض فليتيمم».
(الموضع الثالث) [من منعه الزحام عن الخروج للوضوء]
- قد صرح الشيخ بان من منعه الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة عن الخروج للوضوء تيمم و صلى ثم أعاد، و الأصل في الحكم المذكور
ما رواه
____________
(1) راجع التعليقة 1 ص 266.
(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب التيمم.
(4) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب التيمم.
269
الشيخ عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (1) «انه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من المسجد من كثرة الناس؟ قال يتيمم و يصلي معهم و يعيد إذا انصرف».
و عن سماعة في الموثق عن الصادق عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (2) «انه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة فأحدث أو ذكر انه على غير وضوء و لا يستطيع الخروج من كثرة الزحام؟ قال يتيمم و يصلى معهم و يعيد إذا انصرف».
و الحكم بالانتقال الى التيمم في الصورة المذكورة مما لا خلاف فيه فيما اعلم و انما الكلام في الإعادة، و ظاهر كلام الشيخ و من تبعه وجوبها و كذا نقل عن ابن الجنيد، و قد استشكله جملة من محققي المتأخرين و متأخريهم بان الأمر يقتضي الاجزاء و قد أدى الصلاة بتيمم صحيح حسبما أمر فلا تتعقبه الإعادة، و من أجل ذلك حملوا الأمر بالإعادة على الاستحباب كما هي القاعدة المطردة عندهم في جميع الأبواب.
أقول: و التحقيق عندي في هذه المسألة هو ان يقال لا ريب ان الجمعات و الجماعات في وقتهم (عليهم السلام) انما كانت للمخالفين و الصلاة المذكورة في الخبرين انما هي معهم و ذلك المحدث لا يمكنه الخروج للزحام و لا ترك الصلاة معهم للتقية فلذا يعيد حينئذ و الوقت غير مضيق، و ذلك لان هذا الزحام المانع انما هو باجتماعهم في الجامع فمتى فرغوا من الصلاة و تفرقوا و خرج هو معهم أعاد صلاته، و هذا لا اشكال فيه. و اما ما ذكره في المعتبر- حيث قال: من أحدث في الجامع يوم الجمعة و منعه الزحام عن الخروج تيمم و صلى لان وقت الجمعة ضيق و التقدير تقدير عدم التمكن من الخروج و من الماء فيجزيه التيمم، و هل يعيد؟ الوجه لا، لانه صلى صلاة مأمورا بها مستجمعة الشرائط حال أدائها فتكون مجزئة، و قال الشيخ يعيد و كذا قال ابن الجنيد، و ربما
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب التيمم.
270
كان تعويله على رواية السكوني، ثم ساق الرواية و ردها بضعف السند- ففيه ان الروايتين اللتين هما المستند في هذه المسألة قد اشتملتا على يوم الجمعة و يوم عرفة، و فرضه المسألة على ما قرره من ضيق وقت يوم الجمعة و ان تم له في يوم الجمعة إلا انه لا يتم له في يوم عرفة لان المراد بالزحام يوم عرفة يعني في صلاة الظهرين في مسجد عرفة و وقت الظهرين غير مضيق فلا يتمشى ما ذكره فيه، على ان الحق- كما عرفت- ان الصلاة انما هي مع جماعة المخالفين الذين هم أرباب الجمعات و الجماعات في الصدر السابق سيما في المواضع الظاهرة المكشوفة كعرفات و نحوها، و لا ريب أن المقتدي بهم من الشيعة لا يصليها جمعة و انما يصليها ظهرا، فلا يتم التقريب الذي ذكره من ان وقت الجمعة ضيق، و بالجملة فإنه على ما ذكرنا لا اشكال بحمد الملك المتعال (فان قيل): ان مقتضى ما ذكرتم من الصلاة تقية مع سعة الوقت هو عدم صحة الصلاة فلما ذا أمر (عليه السلام) بالتيمم و الحال ان الصلاة غير صحيحة و يجب إعادتها بعد خروجهم و تفرقهم؟ (قلنا) يمكن ان يكون لوجه في هذا التيمم
ما رواه الصدوق عن مسعدة بن صدقة (1) «ان قائلا قال لجعفر بن محمد (عليه السلام) اني أمر بقوم ناصبية قد أقيمت لهم الصلاة و انا على غير وضوء فان لم ادخل معهم قالوا ما شاءوا ان يقولوا فأصلي معهم ثم أتوضأ إذا انصرفت؟ قال سبحان اللّٰه أ ما يخاف من يصلي على غير وضوء ان تأخذه الأرض خسفا».
و التقريب فيها انه (عليه السلام) منع من الإتيان بصورة الصلاة و ان كانت باطلة باعتقاد صاحبها و مريدا للإعادة لها بغير طهارة، و الحال في الصورتين واحدة، و الوضوء هنا متعذر فلا بد من الانتقال الى التيمم، فالأمر بالتيمم انما هو لما دل عليه هذا الخبر كما عرفت (فان قيل): يمكن ان يكون مراده (عليه السلام) من الخبر المذكور انما هو الأمر بالوضوء و الصلاة معهم على حسب الصلاة خلف المخالفين فتكون صلاة صحيحة، فيكون المنع و التهديد المذكور انما تعلق بالصلاة الصحيحة (قلنا): هذا المعنى بعيد عن ظاهر الخبر
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أبواب الوضوء.
271
بمراحل فان السائل إنما سأل عن الصلاة معهم بما هو صورة الصلاة من مجرد الإتيان بهذه الأفعال من غير ان يقصدها صلاة و يعتد بها و الجواب انما وقع بإزاء السؤال المذكور، و ظاهر السؤال المذكور ان الرجل غير متمكن من الوضوء في تلك الحال و الصلاة معهم ليدفع عن نفسه خوف الشنعة منهم، و حينئذ فحاصل جوابه (عليه السلام) انك لا تأتي بالصلاة و ان كنت لا تعتقدها صلاة بغير وضوء بل ان أمكنك الوضوء و الصلاة معهم فافعل و إلا فامض و لا تصل.
[تنبيهات]
و يجب التنبيه هنا على فوائد
(الأولى) [إيراد المجلسي على القول بوجوب شراء الماء]
- قال المولى محمد تقي المجلسي في شرحه على الفقيه بعد ذكر صحيحة صفوان: «الظاهر من الخبر لزوم الشراء و لو كان بأضعاف ثمن المثل، و قيل يجب ما لم يجحف، و القول بالوجوب مشكل لان استعمال الوجوب في الاستحباب المؤكد شائع و القرينة «قد أصابني فاشتريت» و الترغيب، فإنه يكون غالبا في المستحبات و الترهيب في الواجبات» انتهى. أقول: لا يخفى ما فيه من الغفلة فإن استعمال لفظ الوجوب في الاستحباب المؤكد انما هو فيما إذا ورد في الخبر التعبير بلفظ الوجوب فإنه غير صريح في المعنى الأصولي المشهور كما عرفت في غير موضع بل كما يستعمل في المعنى المشهور يستعمل أيضا في الاستحباب المؤكد، لا ما إذا ورد الخبر بلفظ الأمر الدال على الوجوب أو بعبارة أخرى من الألفاظ الدالة على الوجوب فإنه يجب الحمل على الوجوب البتة عملا باستعمال اللفظ في حقيقته، و الخبر المذكور هنا لم يشتمل على لفظ الوجوب حتى يتم تأويله المذكور و انما اشتمل على النهي عن التيمم و الأمر باشتراء الماء و النهي حقيقة في التحريم و الأمر حقيقة في الوجوب، و لا يجوز العدول عن الحمل على الحقيقة إلا مع وجود الصارف عن ذلك. و ليس فليس، و مجرد استبعاده ذلك لا يكفي في رد الحكم الصريح من هذا الخبر و أمثاله كما عرفت، و استناده الى ما ذكره ضعيف لا يعول عليه.
(الثانية) [اختلاف النسخ في صحيحة صفوان]
- قد اختلفت نسخ الحديث في قوله
في آخر صحيحة صفوان
272
«و ما يشترى به مال كثير».
ففي بعضها كما ذكرنا، و على هذا تكون «ما» حينئذ موصولة و «يشترى» يجوز قراءته بالبناء للفاعل و البناء للمفعول، و المعنى ان الماء الذي يشترى للوضوء بتلك الدراهم مال كثير لما يترتب عليه من الثواب العظيم و الأجر الجسيم و ربما تقرأ بالمد «ماء» و المعنى يرجع الى ما ذكر، و في بعضها «يسوءني» من المساءة ضد المسرة و عليه فيحتمل ان تكون «ما» نافية أي ما يسوءني بذلك الماء إعطاء مال كثير في الثمن، و يحتمل ان تكون استفهامية، و على هذا يكون «مال كثير» خبر مبتدأ محذوف أي الذي اشترى به مال كثير، و في بعضها «ما يسرني» من المسرة ضد المساءة، و على هذا تكون «ما» موصولة و المال الكثير كناية عن الثواب. و المعنى ان الذي يوجب لي السرور بهذا الشراء هو الثواب العظيم المترتب عليه، و أكثر المحدثين اعتمدوا على نقل الحديث بما ذكرنا.
(الثالثة) [جريان الحكم في آلة تحصيل الماء]
- ما تقدم من البحث بالنسبة إلى الماء يأتي مثله بالنسبة الى آلة تحصيله من الدلو و الرشاء حيث يتوقف تحصيله عليهما فيجب الشراء على التفصيل المتقدم في شراء الماء، فمتى تمكن و انتفى الضرر على الخلاف المتقدم وجب لوجوب تحصيل شرط الواجب المطلق بحسب الإمكان، و القادر على شد الثياب بعضها بعض و التوصل الى الماء بها و لو بشق بعضها و ان نقصت أثمانها متمكن مع عدم التضرر بذلك الداخل تحت الحرج المنفي آية و رواية (1).
(الرابعة) [المراد بالحال المعتبرة في الضرر]
- قد أشرنا سابقا الى اختلافهم في الحال المعتبرة في الضرر بدفع الثمن الموجب للانتقال الى التيمم هل هي عبارة عن الحال الحاضرة التي هي عبارة عن وقت الشراء، و هذا هو صريح عبارة المعتبر المتقدمة، و على هذا لا عبرة بخوف ضرره في المآل لإمكان تجدد ما يندفع به الضرر و لعدم التضرر بذلك حينئذ، أو انها عبارة عن حال المكلف؟ و هو صريح عبارة الذكرى المتقدمة، و هو الظاهر من كلام
____________
(1) راجع التعليقة 1 ص 266 و ج 1 ص 151.
273
الشهيد الثاني في الروض فيعم الضرر الحالي و المتوقع حيث يحتاج الى المال المبذول في مستقبل الزمان الذي لا يتجدد له فيه مال عادة، فمتى لم يضره بذلك الثمن في الحال و المآل على الوجه المذكور وجب الشراء. و أنت خبير بأن الأخبار المتقدمة و هي أخبار المسألة مطلقة في هذا الحكم كما ذكرناه آنفا، و تقييدها بالضرر المستفاد من الأدلة العامة يقتضي الاقتصار على الحال الحاضرة لإناطة الحكم بها و صدق عدم الضرر يومئذ و إمكان تجدد ما يندفع به الضرر في المآل، و منه يظهر قوة ما ذهب إليه في المعتبر.
(الخامسة) [هل يجب الشراء المؤجل لو يمكن]
- لو بذل له الماء بثمن إلى أجل يقدر عليه عند الحلول فقد صرح العلامة و جملة من الأصحاب بوجوب الشراء لان له سبيلا الى تحصيل الماء، و استشكل بعض في ذلك بان شغل الذمة بالدين الموجب للذلة- مع عدم الوثوق بالوفاء وقت الحلول و تعريض نفسه لضرر المطالبة و إمكان عروض الموت و هو مشغول الذمة- ضرر عظيم، و في حكمه الاقتراض للشراء. أقول: و المسألة لعدم النص محل توقف.
(السادسة) [في وجوب قبول الهبة و الإعارة و عدمه]
- لو وهبه الماء و إعارة الآلة فظاهر الأصحاب وجوب القبول هنا بخلاف ما إذا وهبه الثمن، و عللوا الأول بأنه لا منة في هبة الماء و لا إعارة الآلة فلا يسوغ له التيمم لانه قادر على استعمال الماء بقبول ذلك فيكون كواجده، و هذا بخلاف هبة الثمن فإنها لاشتمالها على المنة عادة الموجبة للغضاضة و الامتهان لا يجب تحملها و لا قبولها و ان قل الثمن، هذا هو المشهور، و نقل عن الشيخ انه أوجب القبول لوجوب تحصيل شرط الواجب المطلق، و كذا يجري الكلام في هبة الآلة أيضا، و يأتي على ما ذكره الشيخ هنا ايضا وجوب القبول، و ظاهر المدارك الميل الى ما ذكره الشيخ (قدس سره) حيث قال بعد نقل قول الشيخ: «و استشكله المصنف في المعتبر بان فيه منة بالعادة و لا يجب تحمل المنة. و هو ضعيف لجواز انتفاء المنة و منع عدم وجوب تحملها إذا توقف الواجب عليه. و لو امتنع من قبول الهبة لم يصح تيممه ما دام الماء أو الثمن باقيا في يد المالك المقيم على البذل» انتهى كلامه (رحمه اللّٰه) و هو جيد، و يؤيده انهم صرحوا أيضا في
274
كتاب الحج بعدم حصول الاستطاعة بما يهبه له لعدم وجوب قبول الهبة لاشتمالها على المنة، مع ان ظواهر الأخبار- كما سيأتي تحقيقه ان شاء اللّٰه تعالى- دالة على وجوب القبول، و بالجملة فالظاهر هو ما ذهب اليه الشيخ (قدس سره) سيما مع موافقته الاحتياط المطلوب في المقام، حيث ان المسألة عارية عن النص فيجب الوقوف فيها على جادة الاحتياط.
(المسألة الثالثة)- في الخوف
و المراد به ما هو أعم من خوف لص أو سبع أو نحو ذلك أو خوف المرض و حدوثه أو زيادته أو خوف العطش، فههنا مقامات ثلاثة:
[المقام] (الأول)- في خوف السبع و اللص و نحوهما
، و قد صرح الأصحاب بأنه لا فرق في جواز التيمم بين ان يخاف لصا أو سبعا على نفسه أو ماله، قال العلامة في المنتهى:
السبب الثاني ان يخاف على نفسه أو ماله لصا أو سبعا أو عدوا أو حريقا أو التخلف عن الرفقة و ما أشبه فهو كالعادم، لا نعرف فيه خلافا لانه غير واجد إذ المراد بالوجدان ان يمكن الاستعمال لاستحالة الأمر بما لا يطاق، ثم استدل على ذلك برواية يعقوب بن سالم و رواية داود الرقي. أقول: و الروايتان قد قدمناهما في صدر المسألة الاولى، و ظاهرهما بل صريحهما تخصيص العذر بالخوف على النفس، و اما الخوف على المال فلم أقف فيه على مستند إلا انه اتفاقي بينهم. و صريح الروض- و هو ظاهر غيره ايضا- انه لا فرق في المال بين كونه له أو لغيره، و هو أشد. إشكالا. و اما ما في المسالك- حيث قال بعد ذكر العموم في الخوف للنفس و المال: «و لا فرق بين كثير المال و قليله، و الفارق بينه و بين الأمر ببذل المال الكثير لشراء الماء النص لا يكون الحاصل في مقابلة المال في الأول هو الثواب لبذله في عبادة اختيارا و في الثاني العوض و هو منقطع، لان تارك المال للص و غيره طلبا للماء داخل في موجب الثواب ايضا» انتهى- ففيه انا لم نقف على نص يدل على وجوب الانتقال الى التيمم للخوف على المال سوى الروايتين المشار إليهما، و ظاهرهما بل صريحهما ينادي بأن المراد انما هو الخوف على النفس كما عرفت لقوله في الاولى
«لا آمره ان يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع».
275
و من الظاهر ان التغرير بالنفس انما هو عبارة عن تعريضها لما يوجب الهلاك، و في الثانية
«فإني أخاف عليك التخلف عن أصحابك فتضل و يأكلك السبع» (1).
و هي ظاهرة ايضا فيما ذكرناه. نعم قد ورد النص ببذل المال الكثير في الشراء كما تقدم من صحيحة صفوان (2) و بالجملة فإني لا اعرف لهم دليلا على وجوب الانتقال الى التيمم لخوف ضياع المال إلا ما في المدارك من دعوى عموم ما يدل على رفع الحرج و العسر، قال: و لا ريب ان تعريض المال للصوص حرج عظيم و مهانة على النفس بخلاف بذل المال اختيارا فإنه لا غضاضة فيه على أهل المروة بوجه، قال و لعل ذلك هو الفرق بين الموضعين. انتهى و زاد بعضهم الاستناد الى ما دل على وجوب حفظ المال و صيانته. أقول: و فيه انه معارض بما دل على وجوب الوضوء و الغسل من الآية و الروايات المستفيضة و هو أصرح واضح فيجب تقديم العمل به و إرجاع ما خالفه اليه بالحمل على غير الصورة المذكورة على ان دعوى لزوم الحرج بتعريض المال للصوص و وجوب الحفظ و صيانة المال في هذه الحالة ممنوعة سيما الثاني فإنه مصادرة ظاهرة، و مع التسليم فنقول عامان تعارضا و تقييد ما ذكرناه من العموم ليس اولى من تقييد ما ذكروه و بذلك لا يتم الاستدلال، و على كل تقدير فهذه الأدلة مع تسليمها لا تشمل مال الغير و مدعاهم كما تقدم حفظ المال مطلقا له و لغيره و هو أظهر فسادا، و هذا بحمد اللّٰه سبحانه واضح لمن عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال.
و ألحق الأصحاب بالخوف على النفس و المال الموجب للانتقال الى التيمم الخوف ايضا على العرض و البضع و الخوف من الفاحشة سواء في ذلك الرجل و المرأة، و كذا لو خاف على اهله ان مضى الى الماء لصا أو سبعا. و جزم في المعتبر بان الخوف الحاصل بسبب الجبن كذلك، و تنظر فيه العلامة في المنتهى مع ان المنقول عنه في غيره القول بالأول و هو المشهور بينهم، و أيده بعضهم بأنه ربما ادى الجبن الى ذهاب العقل الذي
____________
(1) تقدمتا ص 249.
(2) ص 265.
276
هو أقوى من كثير مما يسوغ التيمم لأجله.
(المقام الثاني)- في خوف المرض الشديد باستعمال الماء
اما بخوف حدوثه أو زيادته أو بطوء برئه سواء كان عاما لجميع البدن أو مختصا بعضو، و يدل على ذلك من الآيات عموما قوله عز و جل: «وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (1) «مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ» (2) «يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» (3) «لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا» (4) و الوسع دون الطاقة،
روى العياشي في تفسير هذه الآية عن أحدهما (عليهما السلام) (5) «لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً فيما افترض عليها إلا وسعها أي إلا ما يسعه قدرتها فضلا و رحمة».
و قوله تعالى: «وَ لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» (6) «وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» (7) و خصوصا قوله عز و جل فيما تقدم من الآية التي في صدر الباب «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ.» و قد تقدم تفسيره عنهم (عليهم السلام) اي مرضا يضر معه استعمال الماء أو يوجب العجز عن السعي اليه، و من الاخبار عموما
قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (8): «بعثت بالحنيفية السمحة».
و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (9) «لا ضرر و لا ضرار».
و قولهم (عليهم السلام) (10): «ان دين محمد أوسع مما بين السماء و الأرض ان الخوارج ضيقوا على أنفسهم و ان الدين أوسع من ذلك».
و خصوصا الأخبار المستفيضة، و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (11) قال:
____________
(1) سورة الحج. الآية 77.
(2) سورة المائدة. الآية 6.
(3) سورة البقرة. الآية 581.
(4) سورة البقرة. الآية 286.
(5) رواه الكاشاني في الصافي في تفسير الآية.
(6) سورة النساء الآية 29.
(7) سورة البقرة. الآية 591.
(8) راجع التعليقة 1 ص 266.
(9) رواه في الوسائل في الباب 5 من الشفعة و 12 من احياء الموات.
(10) ورد قوله «ان الخوارج. إلخ» في صحيحة البزنطي المتقدمة ج 1 ص 69.
(11) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.
277
«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجنب تكون به القروح؟ قال لا بأس بان لا يغتسل يتيمم».
و عن احمد بن محمد بن ابي نصر في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) (1) «في الرجل تصيبه الجنابة و به قروح أو جروح أو يخاف على نفسه من البرد؟ قال لا يغتسل يتيمم».
و في الكافي عن محمد بن سكين و غيره عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «قيل له ان فلانا أصابته جنابة و هو مجدور فغسلوه فمات؟
فقال قتلوه ألا سألوا ألا يمموه ان شفاء العي السؤال».
قال (3): «و روي ذلك في الكسير و المبطون يتيمم و لا يغتسل».
و رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب محمد بن علي بن محبوب عن ابن ابي عمير مثله (4) إلا انه قال: «قيل يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله).».
و ذكر الحديث، و رواه الصدوق مرسلا عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) (5)
و عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابه عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن مجدور أصابته جنابة فغسلوه فمات؟ فقال قتلوه ألا سألوا فإن دواء العي السؤال».
و عن جعفر بن إبراهيم الجعفري عن الصادق (عليه السلام) (7) قال: «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ذكر له ان رجلا أصابته جنابة على جرح كان به فأمر بالغسل فاغتسل فكز فمات؟ فقال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قتلوه قتلهم اللّٰه تعالى انما كان دواء العي السؤال».
و روى الصدوق في الصحيح عن محمد ابن مسلم (8) «انه سأل الباقر (عليه السلام) عن الرجل يكون به القروح و الجراحات فيجنب؟ قال لا بأس بأن يتيمم و لا يغتسل».
قال (9) «و قال الصادق (عليه السلام) المبطون و الكسير يؤممان و لا يغسلان».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) عدم الفرق في تجويز التيمم بين متعمد الجنابة و غيره، و أسند المحقق في المعتبر الى الشيخين ان من
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.
(4) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.
(5) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.
(6) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.
(7) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.
(8) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.
(9) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب التيمم.
278
أجنب نفسه مختارا لم يجز له التيمم و ان خاف التلف أو الزيادة في المرض. أقول: لا ريب ان عبارة المفيد على ما في المختلف صريحة في ذلك حيث قال: من أجنب مختارا وجب عليه الغسل و ان خاف منه على نفسه و لم يجزه التيمم، بهذا جاء الأثر عن أئمة آل محمد (عليهم السلام).
و في المختلف عن ابن الجنيد ايضا انه قال: و لا اختار لأحد ان يتلذذ بالجماع اتكالا على التيمم من غير جنابة اصابته فان احتلم أجزأه. و اما الشيخ فالذي نقله عنه في المختلف ان خائف التلف على نفسه يتيمم و يصلي و يعيد الصلاة إذا وجد الماء و اغتسل، و هذا القول منقول عنه في النهاية و المبسوط و اما في التهذيب فإنه جعل الاولى ان يغتسل على كل حال و ظاهر المعتبر ان القول الذي نقله عنه موافقا لمذهب المفيد هو قوله في الخلاف، و حينئذ فيختص خلافه في المسألة بقوله في الخلاف. ثم لا يخفى
ان الصدوق في الفقيه قال (1):
«و سئل الصادق (عليه السلام) عن مجدور أصابته جنابة فقال ان كان أجنب هو فليغتسل و ان كان احتلم فليتيمم».
و ظاهر نقله الرواية و الجمود عليها أنه يفتي بمضمونها بناء على قاعدته في أول الكتاب التي بنوا عليها مذاهبه فيه، و لم أعثر على من نسب ذلك اليه مع ان الأمر كما ترى، إلا انه قال بعد هذه الرواية المذكورة: «و الجنب إذا خاف على نفسه من البرد يتيمم» و هذه الزيادة محتملة لأن تكون من كلامه و ان تكون من الخبر، و يؤيد الأول ان هذا الخبر الذي نقله عن مرفوعة علي بن أحمد الآتية و هي عارية عن هذه الزيادة، و كيف كان فإنه لا يخفى مدافعة هذه الزيادة للخبر الذي ذكره و ان كان التأويل و لو بتمحل ممكنا، و الى هذا القول ذهب في الوسائل.
و ها انا اذكر جملة ما وقفت عليه من أدلة القول المذكور و أبين- بحمد اللّٰه سبحانه- ما فيها من الضعف و القصور و منه يظهر قوة القول المشهور و انه هو المؤيد المنصور، فمن ذلك
ما رواه ثقة الإسلام عن عدة من أصحابنا عن علي بن احمد رفعه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن مجدور أصابته جنابة؟ قال ان أجنب
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب التيمم.
279
هو فليغتسل و ان كان احتلم فليتيمم».
و عن علي بن إبراهيم عن أبيه رفعه (1) قال:
«ان أجنب نفسه فعليه ان يغتسل على ما كان منه و ان احتلم فليتيمم».
و صحيحة محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل تصيبه الجنابة في أرض باردة و لا يجد الماء و عسى ان يكون الماء جامدا؟ فقال يغتسل على ما كان حدثه رجل انه فعل ذلك فمرض شهرا من البرد فقال اغتسل على ما كان فإنه لا بد من الغسل.
و ذكر الصادق (عليه السلام) انه اضطر اليه و هو مريض فأتوه به مسخنا و قال لا بد من الغسل».
و صحيحة سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام) (3) «انه سئل عن رجل كان في أرض باردة فتخوف ان هو اغتسل ان يصيبه عنت من الغسل كيف يصنع؟ قال يغتسل و ان اصابه ما اصابه، قال و ذكر انه كان وجعا شديد الوجع فأصابته جنابة و هو في مكان بارد و كانت ليلة شديدة الريح باردة فدعوت الغلمة فقلت لهم احملوني فاغسلوني فقالوا انا نخاف عليك فقلت لهم ليس بد فحملوني و وضعوني على خشبات ثم صبوا علي الماء فغسلوني».
هذا ما وقفت عليه من أدلة القول المذكور و تطرق الطعن إليها ظاهر من وجوه (أحدها)- ان ظاهر المرفوعتين المتقدمتين- و هو ايضا ظاهر عبارتي شيخنا المفيد و ابن الجنيد- ان الجماع في حال عدم الماء أو التضرر به الموجب للتيمم غير جائز و لا مشروع، و من ثم وجب على من تعمد ذلك في الحال المذكورة الغسل و ان اصابه ما أصابه عقوبة له بخلاف ما لو احتلم فإنه يجزئه التيمم لعدم التعمد و التقصير، و القول بذلك مع كونه مخالفا للإجماع كما نقله في المعتبر مردود
بما رواه في الكافي في الصحيح أو الموثق عن إسحاق بن عمار (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يكون معه أهله في السفر لا يجد الماء أ يأتي أهله؟ قال ما أحب ان يفعل إلا ان يخاف على نفسه. قال قلت طلب بذلك اللذة أو يكون شبقا الى النساء؟ قال ان الشبق يخاف على
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب التيمم.
(4) رواه في الوسائل في الباب 50 من مقدمات النكاح.
280
نفسه. قلت طلب بذلك اللذة؟ قال هو حلال. قلت: فإنه يروى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ان أبا ذر سأله عن هذا فقال: ائت أهلك تؤجر. فقال يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) آتيهم و اؤجر؟ فقال رسول اللّٰه كما انك إذا أتيت الحرام و زرت فكذلك إذا أتيت الحلال أجرت. فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) أ لا ترى انه إذا خاف على نفسه فاتى الحلال أجر؟».
و ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب محمد بن علي بن محبوب عن إسحاق بن عمار (1) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يكون مع أهله في السفر فلا يجد الماء يأتي أهله؟ فقال ما أحب ان يفعل ذلك إلا ان يكون شبقا أو يخاف على نفسه. قلت يطلب بذلك اللذة؟ قال هو حلال قلت فإنه روي عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ان أبا ذر سأله عن هذا فقال ائت أهلك تؤجر.
فقال يا رسول اللّٰه و اؤجر؟ فقال كما انك إذا أتيت الحرام و زرت فكذلك إذا أتيت الحلال أجرت، فقال أ لا ترى انه إذا خاف على نفسه فاتى الحلال أجر؟».
و هذان الخبران مع صحتهما ظاهران في المراد عاريان عن وصمة الإيراد.
و ما رواه في التهذيب عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن ابي ذر و الصدوق في الفقيه عن ابي ذر (رضي اللّٰه عنه) (2) «انه اتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال يا رسول اللّٰه هلكت جامعت على غير ماء. قال فأمر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بمحمل فاستترت به و بماء فاغتسلت انا و هي، ثم قال يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين».
و التقريب فيه ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أقرّه على ما فعل و لم ينكر عليه، و مقتضى المرفوعتين المذكورتين و كلام الفاضلين المذكورين لو صح ما ذكروه تغريره لفعله امرا محرما، و نحوها
صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 9 و 28 من أبواب التيمم.
281
أجنب في سفر و لم يجد إلا الثلج أو ماء جامدا؟ فقال هو بمنزلة الضرورة يتيمم و لا ارى ان يعود الى هذه الأرض التي توبق دينه».
و التقريب فيها ان الجنابة فيها أعم من الاحتلام و قد امره بالتيمم و الحال هذه و لم ينكر عليه ذلك.
و (ثانيها)- ما عرفت من استفاضة الآيات و الروايات بعدم تكليفه سبحانه بما يؤدي الى الحرج و الضرر، و قد استفاضت الاخبار عنهم (عليهم السلام) بان ما خالف كتاب اللّٰه يضرب به عرض الحائط و انه زخرف (1) و لا ريب في مخالفة هذه الأخبار لظاهر الكتاب و السنة المستفيضة فيجب الاعراض عنها و إرجاعها إلى قائلها.
و (ثالثها)- انه لا يخفى على من نظر في التكاليف الشرعية بعين التحقيق و تأمل فيها بالفكر الصائب الدقيق انه يعلم منها علما جازما لا يخالجه الريب و لا يتطرق اليه العيب ان اعتناء الشارع بالأبدان و رعايته لها مقدمة على رعاية الأديان، و انه لا يكلف العبد إلا ما يدخل تحت قدرته و وسعه بل دون ذلك، أ لا ترى انه أوجب على المسافر القصر رعاية لمشقة السفر و أوجب على المتضرر بالماء الانتقال الى التيمم و أوجب على المتضرر بالقيام في الصلاة القعود و بالقعود الاضطجاع و على المتضرر بالصيام الإفطار، الى غير ذلك من الموارد التي يقف عليها المتتبع، و كل ذلك منه عن شأنه رعاية للبدن و محافظة عليه من الضرر، و جميع هذه الحالات التي نقلهم إليها ربما يطيقون القيام بالحالات التي قبلها إلا انه لما فيها من المشقة و العسر نقلهم عنها الى ما لا مشقة فيه أو ما هو أهون مشقة لطفا بهم و عناية لهم، و يعضد ما ذكرناه من هذه المقالة جملة من الأخبار الواضحة المنار الساطعة الأنوار، و منها-
موثقة محمد بن علي الحلبي المروية في كتاب التوحيد عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «ما أمر العباد إلا بدون سعتهم و كل شيء أمر الناس بأخذه فهم متسعون له و ما لا يتسعون له فهو موضوع عنهم و لكن
____________
(1) رواها في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي و ما يقضى به.
(2) في الباب 55 و هو باب الاستطاعة.
282
الناس لا خير فيهم».
و هو صريح في المقام،
و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن حمزة بن الطيار عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «قال لي اكتب فاملى علي ان من قولنا ان اللّٰه يحتج على العباد بما آتاهم، ثم ساق الخبر الى ان قال: و لا أقول انهم ما شاءوا صنعوا، ثم قال ما أمروا إلا بدون سعتهم و كل شيء أمر الناس به فهم متسعون له و كل شيء لا يتسعون له فهو موضوع عنهم و لكن الناس لا خير فيهم».
و ما رواه الصدوق في كتاب الاعتقادات عن الصادق (عليه السلام) مرسلا (2) قال: «و اللّٰه ما كلف اللّٰه تعالى العباد إلا دون ما يطيقون لانه كلفهم في كل يوم و ليلة خمس صلوات و كلفهم في السنة صوم ثلاثين يوما و كلفهم في كل مائتي درهم خمسة دراهم و كلفهم في العمر حجة واحدة و هم يطيقون أكثر من ذلك».
و ما في المحاسن في الصحيح عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «ان اللّٰه تعالى أكرم من ان يكلف الناس ما لا يطيقون.».
و عن هشام بن سالم في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «ما كلف اللّٰه تعالى العباد إلا ما يطيقون، انما كلفهم في اليوم و الليلة خمس صلوات و كلفهم من كل مائتي درهم خمسة دراهم و كلفهم صيام شهر رمضان في السنة و كلفهم حجة واحدة و هم يطيقون أكثر من ذلك و انما كلفهم دون ما يطيقون».
أقول: فانظر إلى صراحة هذه الاخبار و تطابقها فيما ذكرناه مع تأيدها بالدليل العقلي المجمع عليه بين كافة العقلاء من وجوب دفع الضرر عن النفس و عدم جواز التغرير بها.
و (رابعها)- الأخبار الدالة على خلاف ما دلت عليه اخبار الخصم في الصورة المذكورة، و منها-
صحيحة عبد اللّٰه بن سنان المروية في الفقيه (5) «انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل تصيبه الجنابة في الليلة الباردة و يخاف على نفسه التلف ان اغتسل؟ قال يتيمم و يصلي فإذا أمن البرد اغتسل و أعاد الصلاة».
و ما رواه الشيخ عن
____________
(1) رواه في باب حجج اللّٰه على خلقه من كتاب التوحيد.
(2) في الباب 3.
(3) ص 296.
(4) ص 296.
(5) المروية في الوسائل في الباب 16 من أبواب التيمم.
283
جعفر بن بشير عمن رواه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل أصابته جنابة في ليلة باردة يخاف على نفسه التلف ان اغتسل؟ قال يتيمم و يصلي فإذا أمن البرد اغتسل و أعاد الصلاة».
و رواية محمد بن سكين و قد تقدمت في صدر المقام (2) و نحوها من الروايات المتقدمة مما دل بإطلاقه على ان من اصابته جنابة و تضرر بالغسل يتيمم أعم من ان تكون الجنابة من احتلام أو تعمد، و ما في الوسائل- من تقييد هذه الأخبار بالاخبار التي استند إليها و هي التي قدمناها- مردود بان تلك الأخبار قد أسقطناها لمخالفتها الكتاب العزيز و السنة المطهرة المستفيضة المعتضدة بأدلة العقل، إذ ذلك قضية العرض على كتاب اللّٰه تعالى كما استفاضت به الاخبار عنهم (عليهم السلام) و إلا لزم طرح اخبار العرض مع استفاضتها و إجماع الطائفة على العمل بها و فيه من الشناعة ما لا يلتزمه محصل، و قد روى هذا القائل في كتابه المشار اليه من اخبار العرض ما يكاد يبلغ التواتر المعنوي، و قد عضد الجميع في ذلك الأخبار التي ذكرناها في المقام الثالث مضافا الى ما سنبينه ان شاء اللّٰه تعالى من الطعن في مضامينها و حينئذ فلم يبق لها وجود بالكلية فضلا ان يرتكب بها التخصيص لما ذكرناه من الاخبار.
و (خامسها)- توجه الطعن الى الروايات المذكورة، اما المرفوعتان فلا صراحة فيهما بل و لا ظاهرية سيما الاولى بحصول ضرر بالغسل يوجب الانتقال الى التيمم و حينئذ فلا تنطبقان على محل النزاع، و يمكن حملهما على ان وجه الفرق فيهما بين الجماع عن تعمد فيجب عليه الغسل و الاحتلام فيتيمم ان ذلك المريض لم يتعمد الجنابة إلا حيث كان قادرا على الاغتسال من غير ضرر و لا مشقة شديدة فأوجب عليه الغسل حينئذ و اما الاحتلام فليس كذلك، و حاصله ان المرض المذكور موجب للتيمم لكن صاحبه متى جامع متعمدا فهو قرينة على قدرته على الاغتسال، و هذا الوجه كاف في قبول الخبرين و انطباقهما على الأخبار و عدم خروجهما عن موافقة الكتاب و السنة، و لعل في
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب التيمم.
(2) ص 277.
284
قول الصدوق في الفقيه بعد نقل مضمون مرفوعة علي بن احمد: «و الجنب إذا خاف على نفسه من البرد يتيمم» ما يشير الى ما ذكرناه، فان الظاهر انه فهم من الخبر عدم التضرر بالغسل فاردفه بهذا الكلام لدفع ما فيه من الإجمال و بيان انه من تضرر بالغسل انتقل الى التيمم، و به يزول ما أوردناه عليه آنفا من الاشكال و يرتفع عن كلامه الاختلال. و اما الخبران الآخران فليس فيهما تصريح بالفرق بين كون الجنابة عمدا أو احتلاما بل ظاهرهما وجوب الغسل مطلقا فلا يقومان حجة على التفصيل المدعى في المسألة. و بالجملة فما فيه تفصيل ليس فيه تصريح بالضرر و ما فيه تصريح بالضرر فليس فيه تفصيل. و لو قيل ان صحيحة سليمان بن خالد دلت على كونه (عليه السلام) قد أصابته جنابة فتحمل ذلك الضرر العظيم في الغسل و جنابته (عليه السلام) لا يجوز ان تكون من احتلام لعدم جوازه على المعصوم. قلنا نعم الأمر كذلك و لكن الحمل ايضا على تعمد الجنابة في تلك الحال المحكية في الخبر لا يقصر في البعد عن الأول، فإن ظاهر الخبر انه (عليه السلام) كان في سفر و انه كان وجع وجعا شديدا يمنعه من الحركة و المشي و صب الماء على نفسه فاحتمال انه يجامع على هذه الحال و يتحمل هذه المشقة الشديدة لا يكاد يتصور في عقل عاقل و لا يدخل في فهم فاهم، و احتمال عروض هذه الحال بعد الجنابة يرده سياق الخبر، و التعلق بمثل هذا الخبر على ما فيه من التهافت و الخروج عن مقتضى العقول السليمة في مقابلة تلك الأخبار المعتضدة بما عرفت لا يخلو من مجازفة.
و فيما ذكرناه في المقام كفاية واضحة لذوي الأفهام. و اللّٰه العالم.
[فوائد]
و تمام الكلام في المقام يتوقف على رسم فوائد
(الاولى) [عدم وجوب الإعادة على متعمد الجنابة]
- المشهور بين الأصحاب القائلين بالتيمم في هذه الصورة عدم وجوب الإعادة بعد وجود الماء، و ذهب الشيخ في النهاية و المبسوط الى الوجوب كما تقدم نقله عنه، و الذي يدل على المشهور روايات مستفيضة سيأتي ذكرها في الباب، و استدل في التهذيب على ما ذهب إليه برواية جعفر ابن بشير المتقدمة في الوجه الرابع من وجوه الطعن و مثلها صحيحة عبد اللّٰه بن سنان
285
المروية في الفقيه، و الأصحاب قد أجابوا عنهما بالحمل على الاستحباب، و سيأتي تحقيق المسألة المذكورة ان شاء اللّٰه تعالى في الموضع المشار إليه.
(الثانية) [هل ينتقل فرض صاحب الرمد إلى التيمم]
- لا يخفى انه قد دلت هذه الاخبار التي قدمناها في صدر هذا المقام على ان من به القروح و الجروح ينتقل فرضه الى التيمم مع انه قد تقدم في المسألة الحادية عشرة من المسائل الملحقة بالوضوء جملة من الروايات الدالة على وجوب الوضوء و غسل ما حول القرح و الجرح إذا لم يكن عليه جبيرة و إلا فغسل الجبيرة أو المسح عليها على التفصيل المتقدم في تلك المسألة، و قد ذكرنا ثمة وجه الجمع بين أخبار المسألتين بما يرفع عنها التنافي و التدافع في البين. بقي الكلام هنا في الرمد الذي يتضرر صاحبه بغسل عينيه كلتيهما أو إحداهما هل يكون من قبيل مسألة القروح و الجروح الموجبة للوضوء بان يغسل ما حول العين ان لم يكن عليها دواء و إلا فيمسح على الدواء الذي عليها أو انه ينتقل فرضه الى التيمم؟ وجهان، للأول المشاركة في المعنى للقرح المختص بموضع مخصوص من الجسد، و للثاني الاقتصار على مورد النصوص مما يسمى قرحا و وجع العين و مرضها لا يسمى قرحا لغة و لا عرفا و لا شرعا، و لم أقف على كلام لأصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) في هذه المسألة، و الذي يقرب عندي في ذلك هو انه ان كان يتضرر بغسل وجهه فإنه ينتقل الى التيمم و ان كان لا يتضرر بغسل ما عدا العين فالواجب الوضوء أو الغسل و غسل ما حول العين و لو بنحو الدهن، و بالجملة فحكمها حكم القروح و الجروح و ذكر القروح و الجروح في بعض الاخبار انما وقع في كلام السائلين فالاعتبار بعموم الجواب و في بعض يحمل على مجرد التمثيل، و يزيده تأكيدا ان الواجب شرعا هو الوضوء و لا يجوز الانتقال عنه الى بدله إلا بدليل واضح، و مجرد تضرر العين خاصة لم يثبت كونه ناقلا شرعيا سيما مع وجود النصوص في نظائره من القرح و الجرح و ان الحكم فيها هو الوضوء و عدم جواز الانتقال عنه و ان الحكم في ذلك الموضع الذي يتضرر بالماء هو تركه بغير غسل ان كان مكشوفا أو المسح على الدواء ان لم يكن
286
كذلك على التفصيل المتقدم في المسألة، و يؤيده أيضا وجه الجمع الذي قدمناه في المسألة المشار إليها من مسائل توابع الوضوء من ان التيمم مخصوص بالبدلية عن الغسل باعتبار ما على البدن من القروح و الجروح التي يتضرر بكشفها الى الهواء و بملاقاتها البرودة أو الوضوء إذا حصل التضرر على الوجه المذكور و إلا فالوضوء أو الغسل دون التيمم و العمل في موضع القرح بما تقدم من التفصيل.
(الثالثة) [تحديد المرض الموجب للتيمم]
- الظاهر ان المراد بالمرض الموجب للتيمم هو ما يشق معه استعمال الماء بخوف حدوثه أو زيادته أو بطوء برئه و يصعب على وجه لا يتحمل عادة، لأن التكليف- كما عرفت من الروايات المتقدمة- انما تعلق بالوسع دون الطاقة بمعنى انه و ان أطاقه و أمكن الإتيان به بمشقة فإنه لا يكلف به و انما يكلف بوسعه يعني ما لا مشقة فيه و ان كان فيه نوع أذى مثل وجع الرأس في الجملة أو الضرس أو نحو ذلك فإنه لا يوجب الانتقال الى التيمم، و ليس له حد شرعي بل الإنسان على نفسه بصيرة،
و في موثقة زرارة (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) ما حد المرض الذي يفطر فيه الرجل و يدع الصلاة من قيام؟ فقال بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ هو اعلم بما يطيقه».
قال في المعتبر: يستبيح المريض التيمم مع خوف التلف و لا يستبيحه مع خوف المرض اليسير كوجع الرأس و الضرس، و هل يستبيحه بخوف الزيادة في العلة أو بطئها أو الشين؟ مذهبنا نعم، ثم نقل الخلاف من العامة (2) و في الشرائع قال لو خشي المرض
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب القيام في الصلاة.
(2) في بدائع الصنائع ج 1 ص 48 «إذا كان به جراحة أو جدري أو مرض يضره استعمال الماء فيخاف زيادة المرض باستعمال الماء يتيمم عندنا، و قال الشافعي لا يجوز التيمم حتى يخاف التلف» و في المغني ج 1 ص 258 «اختلف في الخوف المبيح للتيمم فروي عن احمد واحد قولي الشافعي انه لا يبيحه إلا خوف التلف و ظاهر المذهب يبيح التيمم إذا خاف زيادة المرض أو تباطؤه الى ان قال و عليه أبو حنيفة و القول الثاني للشافعي».
287
الشديد أو الشين باستعمال الماء جاز له التيمم. و بذلك صرح العلامة في جملة من كتبه، و ظاهر كلامه في النهاية و كذا في الإرشاد تعليق الجواز على مطلق المرض، و هو ظاهر الذكرى حيث قال: اما الضرر اليسير كصداع أو وجع ضرس فغير مانع، قاله الفاضلان لانه واجد للماء. و يشكل بالعسر و الحرج
و بقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) «لا ضرر و لا ضرار» (1).
مع تجويزهما التيمم للشين، و نقل عن الشيخ علي انه قواه و زاد في الاحتجاج انه لا وثوق في المرض بالوقوف على الحد اليسير، قال في الذخيرة: «و ربما كان الخلاف مرتفعا في المعنى، فإنه مع الضرر و المشقة الشديدة يجوز التيمم عند الجميع لان المرض و الحال هذه لا يكون يسيرا و مع انتقاء المشقة و سهولة المرض لا يسوغ التيمم عند الجميع ايضا و هو غير ثابت» انتهى. أقول: قد عرفت مما قدمناه ان الأظهر هو ما ذكره الفاضلان، و يؤيده ايضا ان الظاهر من اخبار التضرر بالصيام الموجب للإفطار و التضرر بالصلاة قائما الموجب للجلوس و هكذا بالنسبة إلى الاضطجاع و نحو ذلك هو الضرر الذي لا يتحمل مثله عادة بأن يحصل له مشقة في تحمل ذلك لا مجرد الضرر و حصول الوجع مثلا الذي يمكن تحمله و الصبر عليه، و يدل عليه ما تقدم في موثقة زرارة «هو اعلم بما يطيقه» يعني بما يتمكن من الإتيان به و لا ريب ان التمكن حاصل مع الضرر اليسير. و اما جعله في الذخيرة النزاع هنا لفظيا ففيه ان كلام الفاضلين صريح في ان اليسير من الوجع كوجع الرأس و الضرس لا يستبيح به التيمم، و صريح كلام الذكرى فيما طويناه من نقل عبارته (2) الاستشكال فيما ذكراه هنا و دعوى لزوم الحرج و العسر بذلك و انه ضرر منفي
بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «لا ضرر و لا ضرار»
(3) فكيف يكون النزاع لفظيا و الحال كما عرفت.
(الرابعة) [المرجع في معرفة الضرر]
- قد صرح العلامة و غيره من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بان المرجع في معرفة الضرر باستعمال الماء الى الوجدان الحاصل بالتجربة أو غيرها أو
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 5 من الشفعة و 12 من احياء الموات.
(2) أدرجت عبارة الذكرى في هذه الطبعة تبعا للطبعة القديمة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 5 من الشفعة و 12 من احياء الموات.
288
اخبار عدل، و لو حصل الظن باخبار فاسق أو صبي أو امرأة أو مخالف غير متهم في دينه قال في التذكرة الأقرب القبول لأنه يجري مجرى العلامات كما يقبل قول القصاب الفاسق في التذكية، و بذلك ايضا صرح جملة ممن تأخر عنه. و أيده بعضهم بأن غاية ما تفيده الآية الشريفة اعتبار ظن الضرر فيكفي حصوله بأي وجه اتفق، و ظاهره في المنتهى انه لا يقبل هنا قول الذمي و ان كان عارفا و قصر الحكم على قول العارف المسلم و العارف الفاسق أو المراهق لحصول الظن بالضرر. و فيه انه خلاف ما صرحوا به في غير هذا الموضع من الرجوع الى قول الكافر متى أفاد الظن إذ المراد انما هو على حصوله بأي نوع اتفق.
(الخامسة) [هل يجزئ الوضوء أو الغسل إذا كان الفرض هو التيمم؟]
- لو كان الحكم هو التيمم و خالف المكلف فتوضأ أو اغتسل و الحال انه لم يجز له شرعا فهل يجزئ؟ قيل فيه نظر، من امتثال أمر الوضوء أو الغسل و من عدم الإتيان بالمأمور به الآن فيبقى في عهدة التكليف، و النهي عن استعماله في الطهارة المقتضي للفساد في العبادة. أقول: لا ريب ان الوجه هو الثاني، و الأول ضعيف فإنه غير مكلف في هذه الحال بالوضوء أو الغسل حتى يستند الى امتثال الأمر.
(السادسة) [وجوب تسخين الماء للمتضرر]
- إذا أمكن تسخين الماء للمتضرر بالبرودة و استعماله على وجه يأمن الضرر وجب و لم يجز له التيمم، و لو احتاج الى شراء حطب أو استيجار من يسخنه وجب مع المكنة، و لو احتاج تحصيل الماء إلى حركة عنيفة لا يمكن تحملها عادة لكبر أو مرض جاز له التيمم، و لو وجد من يناوله الماء بأجرة وجب مع المكنة، و أدلة الجميع ظاهرة.
(السابعة) [هل يفرق بين الجبائر و القروح المستوعبة و غير المستوعبة؟]
- الظاهر انه لا فرق في الجبائر و القروح التي يجب معها الوضوء بين ان تكون في موضع يسير أو في أكثر العضو، فإنه يغسل الباقي و يعمل في موضع الجبر أو الجراحة ما تقدم في حكم الجبائر، بخلاف ما إذا استوعبت العضو المغسول أو الممسوح فإنه ينتقل الى التيمم، مع احتمال غسل الأعضاء الصحيحة أو مسحها و العمل في هذا
289
العضو كملا بما هو حكم الجبائر و القروح على التفصيل المتقدم في تلك المسألة، و لم أقف على من تعرض لهذه المسألة، و الاحتياط فيها عندي بالعمل بالكيفية المذكورة و التيمم بعد ذلك لعدم النص الظاهر، و ان أمكن اندراجها في عموم اخبار القروح و الجروح المشتملة على الوضوء.
(المقام الثالث)- في خوف العطش
، الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في الانتقال الى التيمم لو لم يكن معه من الماء إلا ما يضطر اليه لشربه و يخاف العطش ان استعمله في طهارته، قال في المعتبر: و هو مذهب أهل العلم كافة. أقول: و يدل عليه مضافا الى الإجماع المذكور جملة من الأخبار: منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد الحلبي (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الجنب يكون معه الماء القليل فان هو اغتسل به خاف العطش أ يغتسل به أو يتيمم؟ قال بل يتيمم و كذلك إذا أراد الوضوء».
و عن سماعة في الموثق (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته؟ قال يتيمم بالصعيد و يستبقي الماء فان اللّٰه عز و جل جعلهما طهورا: الماء و الصعيد».
و عن ابن سنان- و الظاهر انه عبد اللّٰه- في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (3) «انه قال في رجل أصابته جنابة في السفر و ليس معه إلا ماء قليل يخاف ان هو اغتسل ان يعطش؟ قال: ان خاف عطشا فلا يهرق منه قطرة و ليتيمم بالصعيد فان الصعيد أحب الي».
و رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن ابن سنان مثله (4)
و ما رواه في الكافي في الحسن عن ابن ابي يعفور (5) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يجنب و معه من الماء قدر ما يكفيه لشربه أ يتيمم أو يتوضأ؟
قال يتيمم أفضل ألا ترى انه انما جعل عليه نصف الطهور».
و الأخبار المذكورة ظاهرة في المراد مؤيدة بما تقدم قريبا من دلالة الاخبار في جملة من الأحكام على ان عنايته سبحانه بالأبدان أشد من الأديان، و لا ينافي ذلك لفظ «أحب الي» و لفظ «أفضل» فإن
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب التيمم.
(4) رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب التيمم.
(5) رواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب التيمم.
290
الواجب أحب إليه (عليه السلام) و هو الذي فيه الفضل، و افعل التفضيل ليس على بابه هنا كما هو شائع في الاخبار و غيرها.
بقي الكلام هنا في مواضع
(الأول)- لو خشي العطش على رفيقه أو على دوابه
فالذي صرح به جملة من الأصحاب: منهم- المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى انه يجب التيمم ايضا، مستندين في الأول إلى أن حرمة أخيه المسلم كحرمته و ان حرمة المسلم آكد من حرمة الصلاة، و في الثاني الى ان الخوف على الدواب خوف على المال و معه يجوز التيمم. أقول: اما ما علل به الأول فجيد، و يؤيده جواز قطع الصلاة لحفظ المسلم من الغرق أو الحرق و ان كان في ضيق الوقت، و ان حرمة المسلم عند اللّٰه أعظم من حرمة الكعبة الى غير ذلك من المؤيدات الكثيرة الدالة بعمومها على هذا الحكم. و اما الثاني فمحل نظر، و ما استند اليه من جواز التيمم للخوف على المال ممنوع لعدم الدليل عليه بل هي بالدلالة على خلافه أشبه كما تقدم بيانه، على ان مطلق ذهاب المال غير مسوغ للتيمم و لهذا وجب صرف المال الكثير في شراء الماء كما تقدم ذكره، مع انه يمكن ذبح الدابة أو بيعها أو إتلافها، و بالجملة فإن صدق الوجدان بالنسبة إليه حاصل و عدم الاضطرار اليه ظاهر فجواز التيمم و الحال كما عرفت غير جيد، نعم ينبغي ان يستثني من ذلك ما لو كان محتاجا إلى الدابة بحيث يضره فوتها كما إذا كان في سفر لا يمكن قطعه إلا بها أو يحتاج إليها لنقل أثقاله و أحماله فإنه يجوز ان يصرف الماء إليها لما عرفت
(الثاني)- لو كان معه ماءان طاهر و نجس و خشي العطش
فالذي صرح به في المعتبر انه يتيمم و يستبقي الطاهر لشربه، لانه قادر على شرب الطاهر فلا يستبيح النجس فجرى وجود النجس مجرى عدمه، قال: و يستوى الحكم بذلك في الوقت و قبله لما ذكرناه. لا يقال بعد دخول وقت الصلاة يصير استعمال الماء مستحقا للطهارة، لأنا نمنع الاستحقاق و انما نسلمه لو استغنى عن شربه و ليس مستغنيا بالنجس لتحقق التحريم في شربه مع وجود الطاهر. انتهى. قال في المدارك بعد نقل ملخص ذلك:
291
«و هو جيد ان ثبت تحريم شرب النجس مطلقا» و هو مؤذن بالمناقشة في تحريم المأكولات و المشروبات النجسة.
أقول: و حيث كان الحكم بتحريم المأكولات و المشروبات النجسة مجمعا عليه بين الأصحاب كما لا يخفى على من لاحظ كلامهم في كتاب الأطعمة و الأشربة و ظاهر السيد السند (قدس سره) المناقشة في ذلك فلا بأس بذكر ما وقفت عليه من الدليل على صحة ما أجمعوا عليه و ان كان خارجا عن محل البحث، فمن ذلك ما ورد في تحريم الأكل من أواني الكفار التي علم تنجيسهم لها
كما رواه الصدوق في الصحيح عن سعيد الأعرج (1) «انه سأل الصادق (عليه السلام) عن سؤر اليهودي و النصراني أ يؤكل و يشرب؟ قال: لا».
و عن زرارة في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (2) «انه قال في آنية المجوس إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء».
و ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن آنية أهل الذمة و المجوس؟ فقال لا تأكلوا في آنيتهم و لا من طعامهم الذي يطبخون و لا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «سألته عن آنية أهل الكتاب فقال لا تأكلوا في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة و الدم و لحم الخنزير».
و عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (5) «في آنية المجوس؟ فقال إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء».
الى غير ذلك من الاخبار التي من هذا الباب، و لا يخفى انه لا وجه للنهي فيها الذي هو حقيقة في التحريم إلا تحريم شرب المتنجس و اكله، و من ذلك ما ورد في تحريم السمن و الزيت و نحوهما إذا ماتت فيه الفأرة و كان مائعا و هي أخبار كثيرة (6) و من ذلك الأخبار المستفيضة الواردة بإراقة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة.
(5) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة و هذه رواية المحاسن و المتقدمة برقم (2) رواية الفقيه.
(6) رواها في الوسائل في الباب 43 من أبواب الأطعمة المحرمة.
292
الركوة و التور إذا وقعت فيهما الإصبع القذرة (1) و لو جاز شرب الماء لما كان للأمر بالإراقة وجه، و ما ورد من اراقة مرق اللحم إذا وجدت في القدر فأرة ميتة و أكل اللحم بعد غسله (2) الى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع للاحكام، و من الظاهر انه لا خصوصية لهذه المعدودات و أمثالها تقتضي قصر الحكم عليها بل الحكم بهذه الاخبار و أمثالها جار في كل نجس كما في غير هذا المقام من الأحكام الشرعية، إذ الأحكام الشرعية لم ترد بقواعد كلية و انما تستفاد القواعد بها بتتبع الجزئيات كالقواعد النحوية، و بالجملة فالظاهر ان هذه المناقشة انما وقعت غفلة عن ملاحظة الأدلة و إلا فهي بعد المراجعة في الدلالة على المراد كالشمس المشرقة على جميع البلاد. و اللّٰه العالم.
(الثالث) [هل الخوف من حدوث الشين من مسوغات التيمم]
- قد تكرر في عبارات الأصحاب عد خوف حدوث الشين من أسباب الخوف الموجبة للانتقال الى التيمم، قال في المنتهى: «لو خاف الشين باستعماله الماء جاز له التيمم قاله علماؤنا اجمع» و هو ظاهر في دعوى الإجماع على ذلك، و لم أجد له في اخبار التيمم مع كثرة نصوصه و اخباره ذكرا و لا أثرا، و الشين- على ما ذكره في الروض- ما يعلو البشرة من الخشونة المشوهة للخلقة و ربما بلغت تشقق الجلد و خروج الدم، و نقل عن العلامة في النهاية انه قد صرح بأنه لا فرق بين شدته و ضعفه، و هو ظاهر الروض ايضا حيث قال: «و لا فرق في الشين بين شدته و ضعفه للإطلاق و صرح به المصنف (قدس سره) في النهاية و قيده في المنتهى بكونه فاحشا لقلة ضرر ما سواه» و أنت خبير بأنه حيث لا نص على الشين بخصوصه في الأخبار. فلا معنى لجعله سببا مستقلا بل الظاهر كونه كسائر الأمراض، فإن بلغ الأمر فيه الى ان يكون مرضا لا يتحمل
____________
(1) تقدمت في ضمن الاخبار الدالة على نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة ج 1 ص 281.
(2) رواه في الوسائل في الباب 44 من أبواب الأطعمة المحرمة.
293
مثله عادة كما في سائر الأمراض فالحكم فيه هو الانتقال الى التيمم و الحاقه بالأمراض التي يشق تحملها لدخوله تحت أدلتها و إلا فلا، و دعوى شيخنا فيما تقدم من عبارته الإطلاق بعدم الفرق بين شدته و ضعفه مع عدم وجود النص عليه بخصوصه لا اعرف له وجها، و يؤيد ما ذكرنا ما نقل عن الشيخ في الخلاف من انه قال: إذا لم يخف التلف و لا الزيادة في المرض غير انه يشينه استعمال الماء و يؤثر في خلقته و يغير شيئا منه و يشوه به يجوز له التيمم لأن الآية عامة في كل خوف و كذلك الأخبار، و للشافعي فيه قولان، فاما إذا لم يشوه خلقته و لا يزيد في علته و لا يخاف التلف و ان اثر قليلا فلا خلاف انه لا يجوز له التيمم. انتهى.
و اللّٰه العالم.
(المطلب الثاني)- فيما يجوز به التيمم و ما لا يجوز
، و قد اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في هذا المقام في مواضع
[الموضع] (الأول)- هل يكفي مجرد ما صدق عليه اسم الأرض أو يشترط خصوص التراب؟
قولان، فقال الشيخ لا يجوز إلا بما يقع عليه اسم الأرض إطلاقا سواء كان عليه تراب أو كان حجرا أو حصى أو غير ذلك، و بذلك صرح في المبسوط و الجمل و الخلاف، كذا نقله عنه في المعتبر، و هو مذهب ابن الجنيد و المرتضى في المصباح و اختاره المحقق و العلامة، و هو المشهور بين المتأخرين، و عن المرتضى في شرح الرسالة انه قال لا يجزئ في التيمم إلا التراب الخالص أي الصافي من مخالطة ما لا يقع عليه اسم الأرض كالزرنيخ و الكحل و أنواع المعادن، كذا نقله عنه في المعتبر ايضا، و الظاهر ان قوله: «أي الصافي» من كلام المحقق تفسيرا لعبارة السيد (قدس سره) و نقل هذا القول عن ابي الصلاح و ظاهر المفيد، و منشأ الخلاف في هذا المقام هو الخلاف بين أهل اللغة في تفسير الصعيد في الآية و قد تقدم ذكره في صدر الباب، فالمرتضى (رضي اللّٰه عنه) و من قال بمقالته تمسكوا بأحد القولين و الآخرون تمسكوا بالقول الآخر، و قد قدمنا ان الحق في هذا المقام هو عدم الرجوع الى الآية في ذلك (اما أولا) فلاختلاف أهل اللغة كما عرفت و ان كان كلام الأكثر هو الموافق
294
للقول المشهور. (و ثانيهما) و هو المعتمد انه قد ورد تفسير الصعيد في الخبرين المتقدمين بأنه الموضع المرتفع من الأرض، و حينئذ فإذا كان مراده سبحانه من هذا اللفظ انما هو هذا المعنى كما ورد عن نوابه (عليهم السلام) و حملة كتابه الذين يجب اتباعهم فيما به أخبروا و عنه عبروا فلا ينبغي العدول عنه الى كلام أهل اللغة و ان اتفقوا و لا غيرهم لأنهم (صلوات اللّٰه عليهم) اعرف الناس بما فيه و ما يراد بباطنه و خافية و حينئذ فالواجب الرجوع في هذا المقام الى الاخبار الواردة في هذا المضمار:
و مما يدل على القول المشهور جملة من الاخبار، و منها
قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان (1) «إذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الأرض و ليصل.».
و قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (2) «ان رب الماء هو رب الأرض فليتيمم».
و قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (3) «فان فاتك الماء لم تفتك الأرض».
فإنه لو لم يرتب الحكم على الأرض بقول مطلق لما رتب عليها في هذه الاخبار و كذا في الاخبار الواردة في كيفية التيمم كما ستمر بك ان شاء اللّٰه تعالى، فقد عبر عما يتيمم به بلفظ الأرض في عدة منها، و يؤيده أيضا تفسير أهل اللغة الصعيد بالأرض في غير هذه الآية و هو قوله سبحانه: «فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً» (4) أي أرضا ملساء يزلق عليها باستئصال شجرها و نباتها،
و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (5): «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة على صعيد واحد».
اي على أرض واحدة.
إلا انه يمكن معارضة هذه الاخبار بما ورد من هذا القبيل بلفظ التراب كما في
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب التيمم.
(3) المروية في الوسائل في الباب 22 من أبواب التيمم.
(4) سورة الكهف، الآية 38.
(5) راجع التعليقة 2 ص 245.
295
صحيحة جميل بن دراج عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «ان اللّٰه عز و جل جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».
و قوله (عليه السلام) في صحيحة رفاعة (2) «إذا كانت الأرض مبتلة ليس فيها تراب و لا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم منه.».
و قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّٰه بن المغيرة (3) قال: «إذا كانت الأرض مبتلة و ليس فيها تراب و لا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم من غباره أو شيء مخبر.».
و في رواية علي بن مطر عن الرضا (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الرجل لا يصيب الماء و لا التراب أ يتيمم بالطين؟ قال نعم. الحديث».
و في رواية معاوية بن ميسرة (5) «يمضي على صلاته فان رب الماء هو رب التراب».
و بالجملة فالروايات في هذا الباب قد اشتمل بعضها على الأرض و بعضها على التراب و بعضها على الصعيد المحتمل لكل منهما، و الأقرب حمل الأرض على التراب توسعا في الإطلاق حيث انه هو الفرد الأكمل الأكثر دورانا، و يؤيده ما في التيمم بسائر افراد الأرض غير التراب مثل الحجر و ما فيه من الخلاف و الاشكال كما سيأتي في مسألة اشتراط العلوق، و كذا الأرض السبخة و ارض الجص و النورة و الغبار و نحو ذلك من أقسام الأرض الذي لا ينتقل اليه إلا مع فقد التراب، فهو في المرتبة الثانية عن التراب فلا ينصرف إليه إطلاق الأرض في هذه الأخبار، و هذا واضح بحمد اللّٰه سبحانه.
و عن المرتضى الاحتجاج بعد الآية
بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (6) «جعلت لي الأرض مسجدا و ترابها طهورا».
قال: و لو كانت الأرض طهورا و ان لم تكن ترابا لكان لفظ ترابها لغوا. و أجاب عنها في المعتبر بان التمسك بها تمسك بدلالة الخطاب
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 24 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
(3) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
(4) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
(5) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(6) المروي في الوسائل في الباب 7 من أبواب التيمم.
296
و هي متروكة في معرض النص إجماعا. و قيل عليه ان
قوله (صلى اللّٰه عليه و آله):
«جعلت لي الأرض مسجدا و ترابها طهورا».
لا ريب انه مذكور في معرض التسهيل و التخفيف و بيان امتنان اللّٰه سبحانه على هذه الأمة المرحومة و هو من قبيل
قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «بعثت بالحنيفية السمحة السهلة».
و ظاهر انه لو كان غير التراب من اجزاء الأرض طهورا ايضا لكان ذكر التراب لغوا صريحا و توسيطه في البين مخلا بانطباق الكلام على ما يقتضيه المقام و كان مقتضى الحال ان يقول:
«جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا»
فإنه أدخل في الامتنان، و ليس هذا استدلالا بمفهوم الخطاب بل أمر آخر و هو لزوم خروج الكلام النبوي عن قانون البلاغة على ذلك التقدير، عن ان دلالة الخطاب إذا اعتضدت بالقرائن الحالية أو المقالية فلا كلام في اعتبارها و لذلك يعزر من قال لخصمه انا لست زانيا، و بهذا يظهر ان كلام السيد في أعلى مراتب السداد. انتهى. و هو جيد. و الجواب الحق انما هو ان ما نقله السيد من لفظ الحديث بقوله «و ترابها» و ان تناقلوه في كتب الفروع كذلك إلا ان متن الحديث في كتب الأخبار خال من هذه الزيادة، و قد نقل في الوسائل اربع روايات واحدة من الكافي و الثانية من الفقيه و اثنتان من الخصال و الجميع خال من هذه الزيادة، و بذلك يظهر قوة القول المشهور و ضعف المعارض المذكور، الا انه سيجيء ان شاء اللّٰه تعالى في مسألة اشتراط العلوق و عدمه ما يوضح الحال زيادة على ما ذكرناه في هذا المجال.
[الموضع] (الثاني) [هل يجوز بكل ما يكون من جنس الأرض؟]
- ذهب ابن ابي عقيل- كما تكاثر النقل عنه بذلك في كتب الأصحاب- إلى جواز التيمم بالأرض و بكل ما كان من جنسها كالكحل و الزرنيخ لانه يخرج من الأرض، و هو مذهب أبي حنيفة (2) كما ذكره في المعتبر، و المشهور العدم
____________
(1) راجع التعليقة 1 ص 266.
(2) في المغني ج 1 ص 247 حكاه عنه و عن مالك.
297
و هو المستفاد من الأخبار لتصريحها بالأرض فيكون الحكم تابعا لما صدق عليه إطلاق الأرض و هذه الأشياء لا تسمى أرضا، و ما علله به من ان يخرج من الأرض لا يجدي طائلا إذ مورد النصوص هو ما يسمى أرضا لا ما يخرج منها و ان لم يسم بذلك، و ربما يستدل له
بما رواه الراوندي في نوادره بسنده فيه عن علي (عليه السلام) (1) قال:
«يجوز التيمم بالجص و النورة و لا يجوز بالرماد لانه لم يخرج من الأرض. فقيل له أ يتيمم بالصفا البالية على وجه الأرض؟ قال: نعم».
و مثلها رواية
السكوني (2) كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى، و المنافاة منهما غير ظاهرة لان محل توهم المنافاة هو قوله (عليه السلام) «لانه لم يخرج من الأرض».
بدعوى ان فيه إشارة الى ان ما خرج من الأرض و ان لم يصدق عليه اسم الأرض يجوز التيمم به، و من الجائز و المحتمل قريبا ان مراده (عليه السلام) انما هو بيان ان الرماد لا تعلق له بالأرض بالكلية، و يؤيده قوله في رواية السكوني بعد هذا الكلام: «و انما يخرج من الشجر» و المراد المبالغة في نفي الأرضية عنه بالكلية، فكيف يجوز التيمم به مع دلالة الأخبار المستفيضة على الاختصاص بالأرض؟ و كيف كان فالخروج بهما عن صراحة تلك الصحاح المستفيضة مما لا يتجشمه من له أدنى معرفة.
[الموضع] (الثالث)- الحجر الخالي من الغبار [هل يجوز التيمم به]
، و قد اختلف فيه كلامهم، فقيل بجواز التيمم به مطلقا و هو قول الشيخ في المبسوط و الخلاف، و قيل بالعدم مطلقا و هو منقول عن ظاهر ابن الجنيد حيث قال: و لا يجوز من السبخ و لا مما أحيل عن معنى الأرض المخلوقة بالطبخ و التحجير خاصة. و هذا القول لازم للمرتضى و من يقول بمقالته من التخصيص بالتراب ايضا كما لا يخفى و ان لم أعثر على من نسب ذلك اليه، و قيل بالتفصيل بين حالي الاختيار و الضرورة فيمتنع على الأول و يجوز على الثاني، قال الشيخ في النهاية: و لا بأس
____________
(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 6 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب التيمم.
298
بالتيمم بالأحجار و ارض النورة و ارض الجص إذا لم يكن يقدر على التراب. و يقرب منه كلام المفيد في المقنعة حيث قال: و ان كان في أرض صخر و أحجار ليس عليها تراب وضع يديه عليها و مسح بهما وجهه و كفيه كما ذكرنا في تيممه بالتراب و ليس عليه حرج في الصلاة بذلك لموضع الاضطرار. و قال ابن إدريس و لا يعدل الى الحجر و المدر إلا إذا فقد التراب. و حجة القول المشهور واضحة لصدق الأرض على الحجر فيدخل تحت الأخبار المتقدمة. و اما القول بالتفصيل فقد رده جملة من الأصحاب بأنه مع كونه لا دليل عليه لا وجه له فان الحجر ان صدق عليه اسم الأرض جاز التيمم به مع وجود التراب و عدمه و ان لم يصدق عليه امتنع كذلك كما صرح به ابن الجنيد فلا وجه للتفصيل المذكور.
و اما ما ذكره بعض أفاضل متأخري المتأخرين في الجواب عن ذلك- حيث قال: و فيه نظر إذ يجوز ان يكون التيمم عند فقد التراب للإجماع عليه لا لدخوله في الصعيد كما جاز التيمم بالوحل و ان لم يكن داخلا في الصعيد إجماعا لنص خاص دل عليه- ففيه ان الإجماع عليه انما هو من حيث دخوله تحت اسم الأرض لما نقله العلامة من الإجماع على ان التيمم لا يقع إلا بالتراب أو الأرض فالإيراد بحاله، و اما تعلقه بجواز التيمم بالوحل و ان لم يكن داخلا في الصعيد فهو مردد بأن الأخبار قد صرحت بدخوله في الصعيد،
ففي رواية زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «قلت رجل دخل الأجمة ليس فيها ماء و فيها طين ما يصنع؟ قال يتيمم فإنه الصعيد. الحديث».
و مرسلة علي بن مطر عن بعض أصحابنا (2) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل لا يصيب الماء و لا التراب أ يتيمم بالطين؟ قال نعم صعيد طيب و ماء طهور».
دل الخبران على ان الطين داخل في الصعيد الذي تضمنته الآية، و يؤيد ما ذكرناه ان المحقق في المعتبر استدل على جواز التيمم بالوحل بعد فقد الصعيد و الغبار فقال: «لنا- انه بممازجة الماء لا يخرج عن كونه أرضا و صعيدا» و مع الإغماض عن ذلك فان الفرق بين ما نحن فيه و بين
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
299
التيمم بالوحل ظاهر فان النص لما دل على جواز التيمم بالوحل و ان لم يكن صعيدا صار مستثنى بالنص، و ما ادعاه من استثناء التيمم بالحجر بالإجماع ممنوع (أولا)- بما عرفت من قول ابن الجنيد بالمنع من ذلك مطلقا و قول المرتضى من التخصيص بالتراب و مثله قول ابي الصلاح كما تقدم. و (ثانيا)- انه انما يتم لو كان الإجماع على صحة التيمم به في الصورة المذكورة و ان لم يكن أرضا، و هو غير مسلم لدعوى العلامة الإجماع على عدم التيمم إلا بالتراب أو الأرض، و حينئذ فالقول بالتيمم به انما هو من حيث كونه أرضا فلا يجدي ما أجاب به. و يمكن ان يقال في الجواب ان ظاهر كلام المفصلين ان مذهبهم في هذه المسألة هو وجوب التيمم بالتراب كما ذهب اليه المرتضى إلا انهم يجعلون بعده مرتبة ثانية مع فقده و هو الأرض التي من جملتها الحجر، و لعل وجهه الجمع بين الآية بناء على تفسير الصعيد فيها بالتراب كما هو أحد قولي اللغويين و الأخبار الدالة على التيمم بالأرض كما قدمناها فيحملون الأخبار على فقد التراب و يخصونها بالآية، و هو وجه وجيه. و اما المعارضة بقول جملة من اللغويين أيضا بأن الصعيد هو الأرض فلا يرد عليهم لأنهم ربما ترجح عندهم المعنى الذي اختاروه بوجوه لم ندركها. و بالجملة فهذا الوجه في حد ذاته لا يخلو من حسن و قوة سيما مع أوفقيته بالاحتياط المطلوب في الدين.
بقي هنا شيء و هو ان صحيحة زرارة الآتية ان شاء اللّٰه تعالى في بيان كيفية التيمم قد دلت على اشتراط العلوق و هو مما يمنع من جواز التيمم بالحجر الخالي من التراب و هو لازم لكل من اشترط العلوق، و سيأتي تحقيق المسألة في محلها ان شاء اللّٰه تعالى.
و اللّٰه العالم.
[الموضع] (الرابع) [في جواز التيمم بأرض الجص و النورة]
- المشهور بين الأصحاب جواز التيمم بأرض الجص و النورة قبل الإحراق، و منع ابن إدريس من ذلك مدعيا انها معدن، و اعتبر الشيخ في النهاية في جواز التيمم بها فقد التراب كما تقدم في الحجر، و ردهما الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بالضعف لصدق الأرضية و منع المعدنية، و ردوا تفصيله في النهاية هنا بما ردوه به في الحجر
300
و قد عرفت بما حققناه ثمة إمكان الجواب عما أوردوه عليه و انه لا يخلو من وجه وجيه و اما بعد الإحراق فذهب الشيخان الى المنع من التيمم بهما و الظاهر انه المشهور لخروجهما بالإحراق عن اسم الأرض، و عن المرتضى في المصباح و سلار (رضي اللّٰه عنهما) الجواز، قال في المعتبر: و ما ذكره علم الهدى هو
رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (1) «انه سئل عن التيمم بالجص؟ فقال نعم. فقيل بالنورة؟ فقال نعم. فقيل بالرماد. فقال لا انه لا يخرج من الأرض إنما يخرج من الشجر».
و هذا السكوني ضعيف لكن روايته حسنة لأنه أرض فلا يخرج باللون و الخاصية عن اسم الأرض كما لا تخرج الأرض الصفراء و الحمراء. قال في المدارك بعد نقله: و الاولى اعتبار الاسم كما اختاره في المنتهى. أقول: قد تلخص ان في المسألة أقوالا ثلاثة: (ثالثها)- ما اختاره في المدارك و نقله عن المنتهى و مرجعه الى التوقف في الحكم لان حاصل كلامه انه ان صدق عليه اسم الأرض جاز التيمم به و إلا فلا، و هو مؤذن بعدم معلومية الصدق و عدمه عنده و هذا الكلام بظاهره مناف لما يأتي منه في كتاب الصلاة في السجود على الخزف حيث قال ثمة: «و يمكن ان يستدل على الجواز
بما رواه الشيخ و ابن بابويه في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) «انه سأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثم يجصص به المسجد أ يسجد عليه؟ فكتب اليه بخطه: ان الماء و النار قد طهراه».
وجه الدلالة انها تدل بظاهرها على جواز السجود على الجص، و الخزف في معناه» و هو- كما ترى- ظاهر في قوله بجواز السجود على الجص بعد الإحراق، و مسألتا السجود و التيمم من باب واحد لاشتراط الأرضية فيهما و ان كانت دائرة السجود أوسع بالنسبة إلى الكاغد و ما أنبتت الأرض. و قد ظهر مما حققناه ان الأظهر هو الجواز لهذه الصحيحة المذكورة بالتقريب الذي ذكرناه و لرواية السكوني
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 81 من النجاسات و 10 مما يسجد عليه.
301
و مثلها رواية الرواندي المتقدمة في الموضع الثاني، و الى القول بالجواز مال الشهيد في الذكرى ايضا. و اللّٰه العالم.
[الموضع] (الخامس) [اختلاف الأصحاب في التيمم بالخزف]
- اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في التيمم بالخزف، فعن ابن الجنيد انه لا يجوز التيمم به و بذلك قال في المعتبر لخروجه بالطبخ عن اسم الأرض، و قيل بالجواز للشك في خروجه بالطبخ عن اسم الأرض، و لأن الأرض المحترقة يقع عليها اسم الأرض حقيقة، كذا ذكره في المدارك. أقول: قد قطع جملة من الأصحاب بجواز السجود عليه من غير نقل خلاف حتى ان العلامة في التذكرة استدل على عدم خروجه بالطبخ عن اسم الأرض بجواز السجود عليه، و هو مؤذن بكون السجود عليه امرا متفقا عليه و مسلما بينهم، و قد عرفت ان الأمر في التيمم و السجود واحد، و منه يظهر ان المشهور هو جواز التيمم به و السجود عليه، و من الظاهر ان تجويزهم ذلك انما هو من حيث عدم خروجه بالطبخ عن اسم الأرضية.
و هذه المسألة عندي محل توقف و اشكال لعدم النص و الشك عندي في الخروج و عدمه فتدخل بذلك في الشبهات
«حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك» (1).
و الحكم فيها عندي وجوب الاحتياط، و التعليلان المتقدمان للقول بالجواز عليلان، اما الشك في خروجه بالطبخ عن اسم الأرض فهو بالدلالة على المنع اولى منه بالدلالة على الجواز، لان جعله دليلا على الجواز مبني على القول بالاستصحاب، و هو باطل عندنا كما حققناه في مقدمات الكتاب بل عند هذا القائل أيضا كما صرح به في غير موضع من كتابه، و جواز التيمم و السجود متوقف على صدق الأرضية و معلوميته و هو هنا غير معلوم للشك المذكور، و اما ان الأرض المحترقة يصدق عليها اسم الأرض حقيقة ففيه ان الظاهر المتبادر من الاحتراق بالنار هو الاستحالة بها الى الفحم أو الرماد، و صدق
____________
(1) ورد هذا التثليث في مقبولة عمر بن حنظلة المروية في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي و ما يقضى به.
302
الاحتراق على الأجسام الصلبة التي لا تكون كذلك ممنوع، و مع صدق الاحتراق و حصوله بان تصير رمادا فصدق الأرضية ممنوع.
ثم ان العجب هنا من المحقق حيث قال في المعتبر بعد ان قطع بخروج الخزف بالطبخ عن اسم الأرض كما قدمنا نقله عنه: «و لا يعارض بجواز السجود عليه لانه قد يجوز السجود على ما ليس بأرض كالكاغذ» فان فيه ان الكاغذ قد خرج بالنص عن قاعدة السجود فوجب استثناؤه و اما الخزف فلم يرد نص بجواز السجود عليه، و متى اعترف بخروجه بالطبخ عن اسم الأرض مع قوله- كما هو مقتضى النصوص الصحيحة الصريحة- بأنه لا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتت مما ليس بمأكول و لا ملبوس فإنه يلزمه المنع من السجود عليه حتى يقوم على الجواز دليل، و خروج الكاغد من هذه القاعدة بنص خاص لا يوجب إلحاق الخزف به فإنه مجرد قياس، و بذلك يظهر ايضا ما في قول صاحب المدارك في سابق هذا الموضع في ذيل صحيحة الحسن بن محبوب المتضمنة لجواز السجود على الجص: «و الخزف في معناه» فإنه محض قياس لا يوافق أصولنا كما لا يخفى. و اللّٰه العالم.
[الموضع] (السادس) [مراتب ما يتيمم به]
- رتب الشيخ في النهاية للتيمم مراتب، فأولها التراب فان فقده فالحجر فان فقده تيمم بغبار عرف دابته أو لبد سرجه فان لم تكن معه دابة تيمم بغبار ثوبه فان لم يكن معه شيء من ذلك تيمم بالوحل. و قال المفيد إذا حصل في أرض وحلة و هو محتاج الى التيمم و لم يجد ترابا فلينفض ثوبه أو عرف دابته ان كان راكبا أو لبد سرجه أو رحله، فان خرج من شيء من ذلك غبرة تيمم بها و ان لم تخرج منه غيرة فليضع يديه على الوحل ثم يرفعهما فيمسح إحداهما بالأخرى حتى لا يبقى فيهما نداوة و ليمسح بهما وجهه و ظاهر كفيه. قال في المختلف بعد نقل هذين الكلامين: فقد وقع الخلاف بين الشيخين في هذا المقام في موضعين: (الأول)- ان المفيد (رحمه اللّٰه) خير بين الثوب و عرف الدابة و الطوسي رتب بينهما (الثاني)- ان المفيد شرط خروج
303
غبار من الثوب أو العرف و الطوسي أطلق. و قال المرتضى يجوز التيمم بالتراب و غبار الثوب و ما أشبهه إذا كان الغبار من التراب و أطلق، و ظاهره كون الغبار و التراب في مرتبة واحدة و انه لا ترتيب بينهما. و قال ابن إدريس و لا يعدل الى الحجر و المدر إلا إذا فقد التراب و لا يعدل الى غبار ثوبه إلا إذا فقد الحجر و المدر و لا يعدل عن غبار ثوبه الى عرف دابته و لبد سرجه إلا بعد فقدان غبار ثوبه و لا يعدل الى الوحل إلا بعد فقدان ذلك. و قال ابن الجنيد كل غبار علا جسما من الأجسام غير النجسة و غير الحيوان أو كان ذلك كامنا فيه فاستخرج منه عند عدم وجوده مفردا جاز التيمم منه. و قال سلار إذا وجد الثلج و الوحل و الحجر نفض ثوبه و سرجه و رحله فان خرج منه التراب تيمم منه إذا لم يمكنه التوضؤ من الثلج فان لم يكن في ثيابه و رحله تراب ضرب بيده على الوحل أو الثلج أو الحجر و تيمم منه. و قال المحقق في المعتبر إذا فقد الصعيد تيمم بغبار الثوب أو عرف الدابة أو لبد السرج أو غير ذلك مما فيه غبار و هو مذهب علمائنا، الى ان قال مسألة: إذا فقد الصعيد و الغبار و وجد وحلا أطبق فقهاؤنا على جواز التيمم به. و نحو ذلك في الشرائع.
و بالجملة فإن ظاهر عباراتهم الاتفاق على تقديم الغبار على الوحل.
و الروايات في المسألة لا تخلو من تصادم و ربما دل بعضها على خلاف ذلك، و ها أنا أسوق لك ما وقفت عليه من الاخبار في المقام، فمنها-
صحيحة زرارة (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أ رأيت المواقف ان لم يكن على وضوء كيف يصنع و لا يقدر على النزول؟ قال يتيمم من لبد سرجه أو عرف دابته فان فيها غبارا و يصلي».
و رواه في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب حريز مثله (2) أقول: المواقف كمقاتل لفظا و معنى، و ظاهر الخبر المذكور انه لا يجد إلا الغبار في الحال المذكورة و لا ريب في صحة التيمم به،
و صحيحة رفاعة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال:
«فان كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو شيء مغبر و ان كان في حال
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
(3) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
304
لا يجد إلا الطين فلا بأس ان يتيمم منه».
و موثقة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «ان كان الثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو من شيء معه و ان كان في حال لا يجد إلا الطين فلا بأس ان يتيمم منه».
و موثقة الأخرى عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «إذا كنت في حال لا تجد إلا الطين فلا بأس ان تتيمم به».
و ما رواه في الكافي عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «إذا كنت في حال لا تقدر إلا على الطين فتيمم به فان اللّٰه تعالى اولى بالعذر إذا لم يكن معك ثوب جاف أو لبد تقدر ان تنفضه و تتيمم به».
قال (4): و في رواية أخرى «صعيد طيب و ماء طهور».
دلت صحيحة رفاعة و موثقة زرارة على انه إذا لم يجد إلا الثلج و الغبار فالغبار مقدم على الثلج، و هو من المقطوع به في كلام الأصحاب و الاخبار، و دل الجميع على انه إذا لم يجد إلا الطين و هو الوحل المذكور في عبارات الأصحاب فإنه يتيمم به، و هو ظاهر فيما ذكره الأصحاب من تقديم الغبار عليه، فان المراد من هذا الإطلاق انه إذا لم يجد ماء و لا ترابا و لا غبارا مما هو من المراتب السابقة فإنه يتيمم به و يكشف عن ذلك
قوله (عليه السلام) في صحيحة أبي بصير: «إذا لم يكن معك ثوب جاف. إلخ».
و منها-
رواية زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: «قلت رجل دخل الأجمة ليس فيها ماء و فيها طين ما يصنع؟ قال يتيمم فإنه الصعيد. قلت فإنه راكب و لا يمكنه النزول من خوف و ليس هو على وضوء؟ قال ان خاف على نفسه من سبع أو غيره و خاف فوت الوقت فليتيمم يضرب بيده على اللبد أو على البرذعة و يتيمم و يصلي».
و رواية علي بن مطر عن بعض أصحابه (6) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل لا يصيب الماء و لا التراب أ يتيمم بالطين؟ قال نعم صعيد طيب و ماء طهور».
و ظاهر الخبرين المذكورين تقديم الطين على الغبار، و التقريب فيهما من وجهين: (الأول)- دلالتهما على ان الطين صعيد فيكون مقدما على الغبار الذي قد
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
(3) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
(4) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
(5) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
(6) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
305
اعترفوا بأنه غير داخل في الصعيد (الثاني)- تصريح رواية زرارة بالأمر بالطين أولا و انه انما أمره بالتيمم بالغبار مع تعذر النزول عليه و عدم إمكان التيمم بالطين، و هو ظاهر الرواية الثانية حيث انه أمره بالطين مع فقد الماء و التراب الشامل بإطلاقه لوجود الغبار يومئذ و هو الأوفق بالتعليل المذكور فيها. و أجاب في المنتهى عن رواية زرارة المذكورة بضعف السند ثم قال: و مع ذلك فهي غير منافية لما قلناه لانه لم يتعرض لنفي التراب بل لنفي الماء و هو لا يستلزم ذلك و لا قوله «و فيها طين» ايضا. و لا يخفى ما فيه من البعد و التمحل الظاهر. و بالجملة فالروايتان ظاهرتان فيما ذكرنا و لا يحضرني الآن وجه للجمع بينهما و بين الأخبار المتقدمة. و اللّٰه العالم.
تنبيهات
(الأول) [كيفية التيمم بالوحل]
- اختلف كلام الأصحاب في كيفية التيمم بالوحل، و قد تقدم في عبارة المفيد انه يضع يديه على الوحل ثم يرفعهما فيمسح إحداهما بالأخرى حتى لا يبقى فيهما نداوة و ليمسح بهما و جهة و ظاهر كفيه. و قال الشيخ يضع يديه على الوحل ثم يفركهما و يتيمم به. و نقل في المعتبر بعد نقل قول الشيخ انه قال آخر: يضع يديه على الوحل و يتربص فإذا يبس تيمم به، ثم قال و الوجه ما ذكره الشيخ عملا بظاهر الروايات. أقول:
لا ريب ان ما ذكره الشيخ يرجع الى ما ذكره المفيد، و اما القول الآخر فاستوجهه العلامة في التذكرة، و حكى عن ابن عباس انه قال: يطلى بالطين فإذا جف تيمم به. و قال في المنتهى لو لم يجد إلا الوحل تيمم به و هو مذهب علمائنا إلا انه إذا تمكن من أخذ شيء من الوحل يلطخ به جسده حتى يجف وجب عليه ذلك ليتيمم بتراب و ان لم يتمكن لضيق الوقت أو لغيره وجب عليه التيمم به. أقول: و هذا التفصيل قول ثالث في المسألة، و أنت خبير بان ظواهر الأخبار المتقدمة انما هو التيمم بالطين يعني الوحل المركب من الماء و الطين، و التقييد بالتجفيف كما ذكروه لا اثر له في شيء منها، و لو كان
306
الحكم فيه ذلك لوقع التنبيه عليه و لو في بعضها لان المقام مقام البيان، و يعضد ما قلناه
قوله (عليه السلام) في مرسلة علي بن مطر: «صعيد طيب و ماء طهور».
و استبعاد ذلك من حيث الخروج عن قاعدة التيمم مدفوع باستثناء الموضع المذكور كما سيأتي نظيره في الثلج ان شاء اللّٰه تعالى.
(الثاني) [هل يتخير بين مواضع الغبار أو هي مترتبة؟]
- قد اختلف كلام الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في الترتيب في مواضع الغبار و عدمه، فظاهر الأكثر التخيير بين المواضع التي يوجد فيها من ثوب أو لبد أو بساط أو نحوها، و هو ظاهر كلام المفيد كما نبه عليه في المختلف فيما قدمناه من نقل كلامه، و قد تقدم في عبارة الشيخ تقديم غبار عرف الدابة أو لبد السرج ثم مع فقده غبار ثوبه، و عكس ابن إدريس كما تقدم في عبارته حيث قدم غبار الثوب و انه لا يعدل عنه الى غبار عرف دابته و لبد سرجه إلا مع عدمه، و المستفاد من الأخبار المتقدمة هو القول المشهور
كقوله (عليه السلام) في صحيحة رفاعة: «فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو شيء مغبر».
و قوله (عليه السلام) في موثقة زرارة: «فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو من شيء معه».
و رواية أبي بصير «إذا لم يكن معك ثوب جاف أو لبد تقدر ان تنفضه و تتيمم به».
(الثالث) [هل يجب نفض الثوب و نحوه ليخرج الغبار على وجهه؟]
- هل يجب نفض الثوب و نحوه ليخرج الغبار على وجهه ثم يتيمم منه بعد ذلك أم يضرب عليه كما هو؟ صريح عبارة المفيد المتقدمة الأول و به صرح سلار ايضا و هو ظاهر عبارة ابن الجنيد المتقدمة، و تدل عليه صحيحة أبي بصير المتقدمة، و عبارات أكثر الأصحاب مطلقة حيث قالوا يتيمم بغبار ثوبه و نحو ذلك، و أكثر النصوص مطلقة أيضا و يمكن تقييدها بالصحيحة المذكورة.
(الرابع) [هل يجوز التيمم بالغبار مع وجود التراب؟]
- قد عرفت ان المشهور بل ادعي عليه الإجماع- كما تقدمت الإشارة إليه- انه لا يجوز الانتقال الى الغبار إلا مع فقد الصعيد، و تقدم ان ظاهر كلام المرتضى جوازه مع وجود التراب، و الأظهر القول المشهور لرواية أبي بصير المتقدمة و أمثالها
307
من الأخبار المتقدمة، و قال في المدارك بعد نقل قول المرتضى: «و هو بعيد جدا لانه لا يسمى صعيدا بل يمكن المناقشة في جواز التيمم به مع إمكان التيمم بالطين لضعف الرواية الاولى و اختصاص الرواية الثانية بالمواقف الذي لا يمكنه النزول إلى الأرض و الثالثة بحالة الثلج المانعة من الوصول إلى الأرض إلا ان الأصحاب قاطعون بتقديم الغبار على الوحل و ظاهرهم الاتفاق عليه» انتهى. أقول: أراد بالرواية الأولى رواية أبي بصير و بالثانية صحيحة زرارة و بالثالثة صحيحة رفاعة.
(الخامس) يشترط في الغبار ان يكون مما يتيمم به
من تراب و نحوه، و هو ظاهر كلام السيد المتقدم ذكره حيث قيد الغبار بكونه من التراب، و نقل ذلك عن ابن إدريس أيضا و استوجهه العلامة، و هو الظاهر حملا لإطلاق الاخبار على ما هو الغالب فلا يجوز التيمم بغبار الأشنان و الدقيق و نحوهما.
(السادس) [الحجر مقدم على الغبار]
- المشهور في كلام الأصحاب تقديم الحجر على الغبار كما تقدم لانه من الأرض الواجب تقديمها على الغبار، و قال سلار إذا وجد الثلج و الوحل و الحجر نفض ثوبه و سرجه و رحله فان خرج منه تراب تيمم منه إذا لم يمكنه التوضؤ من الثلج فان لم يكن في ثيابه و رحله تراب ضرب بيده على الوحل و الثلج و الحجر و تيمم به.
و الظاهر ضعفه لما ذكرناه.
(الموضع السابع) [حكم المكلف إذا لم يجد إلا الثلج]
- اختلف الأصحاب فيما لو لم يوجد إلا الثلج فقيل بسقوط فرض الصلاة و نقله في المدارك عن أكثر الأصحاب، و قيل بالتيمم به و هو ظاهر المرتضى و ابن الجنيد و سلار، و قيل بالوضوء أو الغسل به و هو مذهب الشيخين و اختاره العلامة في المختلف و التحرير، و ظاهره في القواعد وجوب تقديم الثلج على التراب ان حصل منه من الماء ما يسمى به غاسلا و إلا تيمم به مع فقد التراب و ما في معناه، و هو راجع الى قول المرتضى، و ذهب الشيخ في كتابي الاخبار الى تقديم الثلج على التراب و ان كان الحاصل منه كالدهن استنادا إلى صحيحة علي بن جعفر الآتية.
308
و لا بأس بذكر بعض عباراتهم في المقام، فنقول قال في المختلف: «لو لم يوجد إلا الثلج و تعذر عليه كسره و إسخانه قال الشيخان وضع يديه عليه باعتماد حتى تتنديا ثم يتوضأ بتلك الرطوبة بأن يمسح يده على وجهه بالنداوة و كذا بقية أعضائه، و كذا في الغسل، فإن خشي من ذلك أخر الصلاة حتى يتمكن من الطهارة المائية أو الترابية. و قال المرتضى:
إذا لم يجد إلا الثلج ضرب بيده و تيمم بنداوته و كذا قال سلار. و منع ابن إدريس من التيمم به و الوضوء أو الغسل منه و حكم بتأخير الصلاة الى ان يجد الماء أو التراب.
و الوجه ما قاله الشيخان، لنا- ان المغتسل أو المتوضئ يجب عليه مماسة أعضاء الطهارة بالماء و إجراؤه عليها فإذا تعذر الثاني وجب الأول إذ لا يلزم من سقوط أحد الواجبين لعذر سقوط الآخر».
أقول: و الأصل في الاختلاف هنا هو اختلاف ظواهر الأخبار الواردة في المقام و ها أنا أتلوها عليك مذيلا لها ان شاء اللّٰه تعالى بما يقشع عنها غشاوة الإبهام، فأقول:
من الاخبار المشار إليها ما قدمناه من صحيحة رفاعة و موثقة زرارة، و مدلولهما انه لا يجوز استعمال الثلج مع وجود الغبار، و هو و ان كان كذلك في ظاهر كلام أكثر الأصحاب بل ظاهرهم الاتفاق عليه إلا انه سيأتي ما فيه، و منها-
صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل أجنب في سفر و لم يجد إلا الثلج أو ماء جامدا؟ قال هو بمنزلة الضرورة يتيمم و لا ارى ان يعود الى هذه الأرض التي توبق دينه».
و قوله في هذه الرواية «و لم يجد إلا الثلج» يحتمل ان يراد به انه لم يجد ماء و لا ترابا إلا الثلج و حينئذ فيكون دليلا لما نقل عن المرتضى و سلار و ابن الجنيد، و الظاهر انه لما ذكرناه احتج بها لهم في المختلف، و يحتمل ان يكون المراد و لم يجد ماء و حينئذ فيكون التيمم المأمور به بالتراب، و بهذا الاحتمال أجاب في المختلف عن الرواية المذكورة، و احتمل ايضا التجوز بإطلاق اسم التيمم على مسح الأعضاء جميعها بالثلج
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 9 و 28 من أبواب التيمم.
309
و الظاهر بعده، بقي الكلام في الاحتمالين الباقيين و الظاهر ان الأول أقرب فتكون هذه الرواية حجة للمرتضى و من قال بمقالته.
و منها-
رواية محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يجنب في السفر لا يجد إلا الثلج؟ قال يغتسل بالثلج أو ماء النهر».
و هذا الخبر يدل بظاهره على ما ذهب اليه الشيخان من الوضوء أو الغسل بالثلج، و به استدل في المختلف على ما ذهب اليه الشيخان حيث اختاره كما عرفت، ثم قال: (لا يقال) لا دلالة في هذا الحديث على مطلوبكم و هو الاجتزاء بالمماسة لأن مفهوم الاغتسال اجراء الماء الجاري على الأعضاء لا نفس المماسة (لأنا نقول) نمنع أولا دخول الجريان في مفهوم الاغتسال، سلمنا لكن الاغتسال إذا علق بشيء اقتضى جريان ذلك الشيء على العضو اما حقيقة الماء فنمنع ذلك، و نحن نقول هنا بموجبه فان الثلج يجب إجراؤه هنا على الأعضاء لتحصل الرطوبة عليها أو يعتمد على الثلج بيده كما قاله الشيخان. انتهى. و يحتمل حمل الخبر المذكور على اذابة الثلج و لعل في التخيير بينه و بين ماء النهر ما يؤنس بذلك فإن السائل ذكر انه لا يجد إلا الثلج و وقع الجواب بالتخيير له بين الثلج و ماء النهر و انهما سواء، و يمكن ان يكون التخيير ليس باعتبار وجودهما معا بل باعتبار البدلية يعني الثلج ان لم يكن إلا الثلج و ماء النهر الجامد مثلا ان لم يكن إلا هو و كل منهما يحمل الاغتسال به على الذوبان، و منها-
رواية معاوية بن شريح (2) قال: «سأل رجل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و انا عنده قال يصيبنا الدمق و الثلج و نريد أن نتوضأ و لا نجد إلا ماء جامدا فكيف أتوضأ ادلك به جلدي؟ قال نعم».
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل الجنب أو على غير وضوء لا يكون معه ماء و هو يصيب ثلجا و صعيدا أيهما أفضل أ يتيمم أم يمسح بالثلج وجهه؟ قال الثلج إذا بل رأسه و جسده أفضل و ان لم يقدر على ان يغتسل به فليتيمم».
و روايته الأخرى المروية في قرب
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 10 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 10 من أبواب التيمم.
(3) المروية في الوسائل في الباب 10 من أبواب التيمم.
310
الاسناد عن أخيه (عليه السلام) (1) في من تصيبه الجنابة فلا يقدر على الماء في خبر ساقه الى ان قال: «قلت أيهما أفضل أ يتيمم أم يمسح بثلج وجهه و جسده و رأسه؟ قال الثلج إذا بل رأسه و جسده أفضل و ان لم يقدر على ان يغتسل يتيمم».
و على هذه الأخبار عمل الشيخ في كتابي الأخبار فذهب الى تقديم الثلج على التراب و ان كان الحاصل منه كالدهن كما قدمنا نقله عنه، و لا تنافيه الروايات المتقدمة الدالة على انه مع حصول الثلج و الغبار كما في صحيحة رفاعة و موثقة زرارة أو الثلج و التراب كما في صحيحة محمد بن مسلم على أحد الاحتمالين يقدم التيمم على استعمال الثلج، لإمكان حمل إطلاقها على ما فصلته هذه الأخبار فإنها دلت على انه مع إمكان الغسل بالثلج أو الوضوء فهو الواجب المتعين و مع عدمه يتيمم فتحمل تلك الأخبار على عدم الإمكان جمعا، و على هذا فيقدم استعمال الثلج على التيمم بتراب كان أو بغبار و ان لم يحصل منه الجريان بل يكفي الدلك على وجه تحصل منه النداوة و مع تعذر ذلك ينتقل منه الى التيمم و ان خالف ذلك مقتضى ظاهر اتفاقهم المتقدم ذكره.
و ما ربما يقال- من ان الغسل مأخوذ في معناه الجريان فلا يصدق إلا به كما هو ظاهر المعتبر و المدارك و غيرهما في هذا المقام- فالجواب عنه (أولا)- انه مسلم لكنه مخصوص عندنا بحال الاختيار و الإمكان دون الضرورة. و (ثانيا)- ان الروايات الثلاث التي استندنا إليها في الحكم صريحة في الاكتفاء بمجرد البلل الذي هو النداوة و فيها الصحيح باصطلاحهم فلا وجه لردها، و اما دعوى دلالة صحيحة علي بن جعفر على التمكن من الاغتسال بحيث يصدق على الماء اسم الجريان على العضو كما أجاب به في المختلف فعجيب كيف و الرواية إنما تضمنت البلل الذي هو عبارة عن مجرد مماسة الماء و رطوبة الجسد به و اين هذا من الجريان؟ و هو ظاهر. و (ثالثا)- ما استفاض في اخبار الدهن من الدلالة على الاكتفاء بمجرد البلل مثل
قوله (عليه السلام) في صحيحة
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 10 من أبواب التيمم.
311
زرارة (1): «إذا مس جلدك الماء فحسبك».
و في أخرى (2): «كل شيء أمسسته الماء فقد أنقيته».
و قوله (عليه السلام) في بعضها (3): «يجزيك ما بللت يدك».
و حملها على أقل الجريان كما تأولوها به بعيد عن مناطيقها كما قدمنا الكلام في ذلك مفصلا في باب الوضوء، و قد وافق على ذلك في المدارك في باب الوضوء فإنه قد اختار ثمة إبقاء الأخبار المذكورة على ظاهرها و ان ناقض نفسه هنا و هو ظاهر في تأييد ما قلناه ههنا، و قد قدمنا ثمة ان بعض مشايخنا (رضوان اللّٰه عليهم) حمل اخبار الدهن على الضرورة، و هو جيد و مؤيد لما ذكرناه في هذه المسألة أيضا من اختصاص الحكم هنا بالضرورة.
و بالجملة فالأظهر عندي هو مذهب الشيخ في كتابي الأخبار عملا بهذه الروايات الظاهرة في ذلك و حملا لما نافاها ظاهرا على ما قلناه، و مما حققناه في المقام يظهر انه لا وجه للقول بالتيمم بالثلج كما ذهب اليه المرتضى (رضي اللّٰه عنه) و غيره، و يؤيده زيادة على ما ذكرناه ان التيمم لا يكون إلا بالتراب أو الأرض و الثلج لا يدخل في شيء منهما فالواجب اما الغسل به أو الوضوء ان أمكن و إلا فوجوده كعدمه. و اللّٰه العالم.
[تنبيهات]
و تمام البحث في هذا المطلب يتوقف على بيان أمور
(الأول) [لا يجوز التيمم بالنجس]
- قد صرح الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بأنه لا يجوز التيمم بالنجس، قال في المنتهى و لا نعرف فيه خلافا، و استدل عليه بقوله تعالى: «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» (4) و الطيب الطاهر، قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: «و هو جيد ان ثبت كون الطيب هو الطاهر بالمعنى الشرعي لكن يبقى الكلام في إثبات ذلك». انتهى.
أقول: الأظهر عندي هو الاستدلال بما ورد في جملة من الأخبار «جعلت لي
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 52 من أبواب الوضوء.
(2) رواها في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب الجنابة.
(4) سورة النساء. الآية 43.
312
الأرض مسجدا و طهورا» و هو مروي في عدة اخبار: منها-
ما رواه في الكافي في الصحيح عن ابان بن عثمان عمن ذكره عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «ان اللّٰه تعالى اعطى محمدا (صلى الله عليه و آله) شرائع نوح و إبراهيم و موسى و عيسى، الى ان قال:
و جعل له الأرض مسجدا و طهورا.».
و روى في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله) أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا و نصرت بالرعب و أحل لي المغنم و أعطيت جوامع الكلم و أعطيت الشفاعة».
و روى الصدوق في الخصال بسنده فيه عن أبي امامة (3) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فضلت بأربع: جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا و أيما رجل من أمتي أراد الصلاة فلم يجد ماء و وجد الأرض فقد جعلت له مسجدا و طهورا و نصرت بالرعب مسيرة شهر و أحلت لأمتي الغنائم و أرسلت إلى الناس كافة».
و ما رواه فيه في الصحيح عن محمد بن سنان عن زياد بن المنذر ابي الجارود عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (4) قال:
«قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا و نصرت بالرعب و أحل لي المغنم و أعطيت جوامع الكلم و أعطيت الشفاعة».
و ما رواه في المحاسن عن أبي إسحاق الثقفي عن محمد بن مروان عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «ان اللّٰه اعطى محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) شرائع نوح و إبراهيم و موسى و عيسى، الى ان قال و جعل له الأرض مسجدا و طهورا».
و التقريب فيها ان الطهور لغة كما حققناه في صدر باب المياه هو الطاهر المطهر، و من ذلك يعلم ان كل موضع دل النص على التطهير بالأرض من حدث كان أو خبث يجب ان تكون طاهرة حسبما يقال في الماء ايضا كما دلت عليه الآيات لاشتراك الجميع في الوصف بالطهورية. و اما ما ذكره في الذخيرة- حيث قال في هذا المقام بعد ان جرى على ما ذكره في المدارك كما هي عادته غالبا «و قد يستدل بقوله (صلى اللّٰه عليه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب التيمم.
(4) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب التيمم.
(5) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب التيمم.
313
و آله) «و ترابها طهورا» و النجس لا يعقل كونه مطهرا لغيره. و فيه أيضا مناقشة»- فهو من جملة مناقشاته الواهية اللهم إلا ان يريد المناقشة في ثبوت الخبر بذلك حيث انه تبع صاحب المدارك أيضا في تضعيف الخبر المذكور بناء على نقله في كتب الفروع بقوله «و ترابها طهورا» و الخبر- كما عرفت- موجود في جملة من الأصول المعتمدة و متكرر فيها و هو خال من لفظ «و ترابها» كما استدل به المرتضى (رضى اللّٰه عنه) كما قدمنا ذكره في تلك المسألة. و اللّٰه العالم.
(الثاني) [التيمم بالمغصوب]
- قد صرحوا أيضا بأنه لا يصح التيمم بالمغصوب للنهي عنه المقتضى للفساد في العبادة، قالوا: و المراد بالمغصوب ما ليس بمملوك و لا مأذون فيه صريحا أو ضمنا كالمأذون في التصرف فيه أو فحوى كالمأذون في دخوله و جلوسه و نحوهما عموما أو خصوصا أو بشاهد الحال كالصحاري المملوكة حيث لا ضرر على المالك، و مثله جدار الغير من خارج حيث لا ضرر يتوجه عليه، نعم لو ظن الكراهة أو صرح بها المالك امتنع.
أقول: لا يخفى ان ما عللوا به عدم صحة التيمم بالمغصوب من النهي المقتضي للفساد و ان كان هو المشهور بينهم بل ربما ادعي الاتفاق عليه إلا انه سيأتي الكلام في هذه المسألة في كتاب الصلاة ان شاء اللّٰه تعالى و نقل خلاف الفضل بن شاذان في ذلك و بيان حجج الطرفين و ذكر ما سنح لنا من التحقيق في البين. و اما العمل على هذه الدلالات المذكورة بأنواعها فينبغي تقييده بإفادتها العلم برضا المالك و لا يكفي مجرد الظن كما يعطيه ظاهر كلامهم. قالوا و لو حبس المكلف في مكان مغصوب و لم يجد ماء مباحا أو وجد و لزم من استعماله إضرار بالمالك فهل يجوز التيمم بترابه الطاهر مع عدم وجود غيره كما جازت له الصلاة فيه لخروجه بالإكراه عن النهى فصارت الأكوان مباحة له لامتناع التكليف بما لا يطاق أم لا يجوز لافتقاره الى التصرف في المغصوب زائدا على أصل الكون؟
وجهان، و رجح بعض أفاضل متأخري المتأخرين الأول لما ذكر، و استبعد الثاني لمنع عدم جواز ذلك التصرف، قالوا و هذا بخلاف الطهارة بالماء المغصوب لما فيه من الإتلاف
314
فكان غير جائز قطعا. أقول: و المسألة عندي محل توقف.
(الثالث) [التيمم بالسبخة و الرمل و تراب الطريق]
- صرح الأصحاب بجواز التيمم بالسبخة و الرمل على كراهة، و المراد بالسبخة الأرض المالحة النشاشة، اما الحكم بالجواز في السبخة فهو المشهور بينهم و عن ابن الجنيد المنع من السبخ حكى ذلك عنه المحقق في المعتبر و الشهيد في البيان، و يدل على الجواز فيهما صدق اسم الأرض عليهما فان الرمل اجزاء ارضية اكتسبت حرارة أوجبت لها التشتت و السبخة ارض اكتسبت حرارة أوجبت لها تغييرا في الكيفية لا تخرج به عن حقيقة الأرضية، و متى ثبت صدق الأرضية عليهما جاز التيمم بهما تمسكا بظاهر الآية و النصوص المتقدمة، و اما ما ذكروه من الكراهة فلم أقف له على دليل، قيل و ربما كان الوجه فيها التفصي من احتمال خروجهما بتلك الحرارة المكتسبة عن الحقيقة الأرضية أو الخروج من خلاف ابن الجنيد في السبخ و خلاف بعض العامة في الرمل. أقول: و يمكن تأييد الوجه الأول
بما رواه في الكافي و التهذيب عن محمد بن الحسين (1) «ان بعض أصحابنا كتب الى ابي الحسن الماضي (عليه السلام) يسأله عن الصلاة على الزجاج قال فلما نفذ كتابي إليه تفكرت و قلت هو مما أنبتت الأرض و ما كان لي ان أسأله عنه فكتب الي: لا تصل على الزجاج و ان حدثتك نفسك انه مما أنبتت الأرض و لكنه من الملح و الرمل و هما ممسوخان».
قال بعض مشايخنا المحدثين يعني حولت صورتهما و لم يبقيا على صرافتهما. و اما الوجه الثاني فهو ضعيف.
أقول: و مما يكره التيمم به تراب الطريق و التراب الذي يوطأ عليه
كما رواه في الكافي عن غياث بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا وضوء من موطإ».
قال النوفلي يعني ما تطأ عليه برجلك.
و عن غياث ابن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «نهى أمير المؤمنين (عليه السلام) ان
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب ما يسجد عليه.
(2) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب التيمم.
315
يتيمم الرجل بتراب من اثر الطريق».
و الأصحاب قد ذكروا في هذا المقام انه يستحب التيمم من ربى الأرض و عواليها و استدلوا بهذين الخبرين، و الأظهر في الاستدلال على ما ذكروه انما هو بالخبرين المتقدمين (1) في تفسير الآية من كتاب معاني الأخبار و الفقه الرضوي حيث انهما قد فسرا الصعيد في الآية بأنه المرتفع من الأرض و الطيب الذي ينحدر عنه الماء.
(الرابع) [التيمم بالأرض المبتلة و تراب القبر و تراب المستعملة]
- يجوز التيمم بالأرض المبتلة و ليتخير أخفها بللا
كما رواه الشيخ في الصحيح عن رفاعة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «إذا كانت الأرض مبتلة ليس فيها تراب و لا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم منه فان ذلك توسيع من اللّٰه عز و جل.».
أقول: قوله (عليه السلام): «ليس فيها تراب» يعني جاف، و قوله «فان ذلك توسيع» اي التيمم بالمبتل مع تعذر الجاف توسيع، و يمكن ان يستفاد منه انه مع وجود الجاف لا يجوز الانتقال منه الى الرطب و ان ذلك مخصوص بحال الضرورة إلا ان ظاهر المحقق في المعتبر خلافه حيث قال: يجوز التيمم بالأرض الندية كما يجوز بالتراب لما ذكرناه من الحجة و لما رواه رفاعة، ثم ساق الخبر، و أشار بما ذكره من الحجة إلى صدق الصعيد عليه. و هو جيد إلا انه يبقى قوله في الخبر «فان ذلك توسيع» عاريا عن الفائدة و ان أمكن ان يتكلف لوجهه.
و قد ذكر الأصحاب هنا انه يجوز التيمم بتراب القبر سواء كان منبوشا أو غير منبوش إلا ان يعلم ان فيه نجاسة لتناول اسم الصعيد له و عدم تحقق المانع، و لا أعرف لخصوصية ذكر هذا الفرد وجها يوجب ذكره دون غيره من أنواع التراب، و كأن الوجه فيه مباشرة الميت فربما يتوهم عدم الجواز لذلك، و في المعتبر يجوز و ان تكرر نبشه لانه عندنا طاهر، نعم لو كان الميت نجسا منع.
قالوا: و يجوز التيمم بالتراب المستعمل، و فسر المستعمل بالممسوح به أو
____________
(1) ص 245.
(2) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب التيمم.
316
المتساقط عن محل الضرب لا المضروب عليه فإنه ليس بمستعمل إجماعا لأنه كالإناء يغترف منه.
و إذا امتزج التراب بشيء من المعادن أو غيرها اعتبر الاسم فان صدق اسم التراب لاستهلاكه الخليط و اضمحلال الخليط فيه صح التيمم به لصدق التراب عرفا و لغة و شرعا، و عن الشيخ في الخلاف انه قال لا يجوز التيمم به سواء غلب على الخليط أو لم يغلب.
و وجهه غير ظاهر مع انه قال في المبسوط يجوز إذا كان مستهلكا.
(الخامس) [التيمم بالرماد]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في عدم جواز التيمم بالرماد كما حكاه في المنتهى، و الظاهر انه لا فرق بين رماد التراب و غيره، و استقرب العلامة في النهاية جواز التيمم بالرماد المتخذ من التراب، و قال في التذكرة لو احترق التراب حتى صار رمادا فان كان خرج عن اسم الأرض لم يصح التيمم به.
و ظاهره الشك في الخروج و عدمه، قال في المدارك بعد نقل العبارة: و هذا أولى إذ المعتبر ما يقع عليه اسم الأرض. و ظاهره ايضا التوقف كما في عبارة التذكرة أقول: لا يخفى ان الرماد الحاصل من احتراق الشجر و نحوه لا يصير رمادا و لا يصدق عليه هذا الاسم إلا باعتبار إعدام النار للحقيقة الأولية و اضمحلالها و انقلابها الى النوع المسمى بالرماد، و لهذا جعلت النار من جملة المطهرات من حيث الإحالة من الحقائق الأولية إلى حقيقة الرماد أو الدخان، فقد حصل التغيير في الحقيقة و التسمية، و حينئذ فإن كان النار بإحراقها التراب قد عملت فيه مثل ما تعمل في تلك الأجسام من إذهاب الحقيقة الأولية إلى حقيقة أخرى بحيث انه انما يسمى في العرف رمادا فلا ريب في ان حكمه حكم الرماد الحاصل من غير الأرض في عدم صدق التراب عليه، و ان لم تعمل فيه النار على هذا الوجه المذكور و ان غيرت لونه فإنه لا يسمى رمادا بل هو تراب و ان تغير لونه، و حينئذ ففرضه في التذكرة و كذا في المدارك ايضا انه احترق حتى صار رمادا ثم الشك في خروجه بذلك عن اسم الأرض لا اعرف له وجها وجيها، فإنه متى صار رمادا بان عملت فيه
317
النار كما عملت في غيره من الأجسام التي إحالتها فلا ريب في خروجه عن اسم الأرضية و هو ليس بموضع شك كما في نظائره المذكورة، و ان لم يسم رمادا فهو باق على ما كان عليه، و بذلك يظهر ايضا انه لا وجه لما استقر به في النهاية من جواز التيمم برماد التراب و بالجملة فإنه متى صدق عليه اسم الرماد فقد خرج عن اسم الأرض كما خرج نظائره مما احالته النار عن حقيقته الاولى الى حقيقة الرمادية. و اللّٰه العالم.
(السادس) [فاقد الطهورين]
- لو فقد هذه الأشياء التي يجوز التيمم بها لقيد أو حبس في مكان نجس أو نحو ذلك فقد اختلف أصحابنا في حكمه، فقيل انه يجب الصلاة أداء و قضاء، و هذا القول لم نظفر بقائله صريحا و انما نقله في الشرائع، قال في المدارك: و لعله أشار بذلك الى ما في المبسوط من تخييره بين تأخير الصلاة أو الصلاة و الإعادة، قال و هو مع ضعفه لا يدل على تعين الأداء، و عن المفيد (قدس سره) في رسالته الى ولده انه قال:
و عليه ان يذكر اللّٰه تعالى في أوقات الصلاة و لم يتعرض للقضاء، و ما ذكره من الأمر بالذكر لم نقف له على مستند. و قيل بسقوط الأداء و القضاء و هو اختيار المحقق في الشرائع و المعتبر و نقل عن المفيد في أحد قوليه و هو قول العلامة أيضا في كتبه، و احتج عليه في المعتبر بأنها صلاة سقطت بحدث لا يمكن إزالته فلا يجب قضاؤها كصلاة الحائض، و بان القضاء فرض مستأنف فيتوقف على الدلالة و لا دلالة. و قيل بوجوب القضاء و هو اختيار المفيد في المقنعة و المرتضى في المسائل الناصرية و ابن إدريس و اختاره في المدارك و هو المشهور بين المتأخرين. و قيل بالتخيير بين الصلاة و الإعادة و التأخير كما تقدم نقله عن عبارة المبسوط. احتج القائلون بوجوب القضاء بعموم ما دل على وجوب قضاء الفوائت
كقول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) «و متى ما ذكرت صلاة فاتتك صليتها».
و في صحيحة أخرى لزرارة (2) «أربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 63 من أبواب المواقيت.
(2) رواها في الوسائل في الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات.
318
فذكرتها أديتها. الحديث».
أقول- و باللّٰه سبحانه الثقة لبلوغ المأمول-: الظاهر انه لا ريب في سقوط الأداء لأن الطهارة شرط في الصلاة مطلقا
لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) «لا صلاة إلا بطهور.».
و قد تعذر الطهور فيسقط التكليف به و يلزم من سقوط التكليف به سقوط التكليف بالمشروط و إلا فإن بقي الاشتراط لزم التكليف بما لا يطاق و ان انتفى خروج المشروط المطلق عن كونه مشروطا و هو باطل. إلا ان في المقام اشكالا يجب التنبيه عليه و هو ان ظاهرهم الاتفاق على ان الطهارة من شروط الصحة كالقبلة و ستر العورة و طهارة الساتر و نحوها لا من شروط الوجوب و انما شرط الوجوب فيها الوقت خاصة، و قد قرروا في شروط الصحة ان وجوبها انما هو مع الإمكان و ان الصلاة تصح بدونها مع التعذر، و لذا قال المحدث السيد نعمة اللّٰه الجزائري في رسالة التحفة ما صورته: «و الاولى ان لم ينعقد الإجماع على خلافه وجوب الصلاة أداء من غير إعادة لأن الطهارة شرط في صحة الصلاة لا في وجوبها فهي كغيرها من الساتر و القبلة، و باقي شروط الصحة انما تجب مع إمكانها و إلا لكانت الصلاة من قبيل الواجب المقيد كالحج و الأصوليون على خلافه» انتهى. و هو جيد. إلا انه يمكن ان يقال ان الطهارة و ان كانت من شروط الصحة كما ذكروا إلا ان تعميم الحكم في شروط الصحة بما ذكروه- من عدم وجوبها إلا مع الإمكان الموجب لعدم شرطيتها مع عدم إمكانها فتجوز الصلاة بدونها- محل نظر، و قيام الدليل فيما عدا الطهارة من تلك الشروط لا يستلزم إجراءه فيها من غير دليل سيما و ظاهر الصحيحة المتقدمة عدم صحة الصلاة إلا بطهور فهي بدونه باطلة مطلقا أمكنت الطهارة أم لا و الباطل يمتنع التكليف به. و اما القضاء فقد عرفت انه هو المشهور بين المتأخرين لعموم الأخبار المتقدمة، و يمكن تطرق القدح اليه بما أشرنا إليه في غير موضع و به صرح جملة من المحققين من ان الأحكام المودعة في الأخبار إنما
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من أحكام الخلوة.
319
تنصرف الى الافراد المتكررة الكثيرة الدوران فهي التي يتبادر إليها الإطلاق دون الفروض النادرة التي ربما لا توجد بالكلية في زمان من الأزمان، فشمول الأخبار المذكورة لهذا الفرد الذي هو محل البحث لا يخلو من بعد و بذلك يتأيد مذهب المحقق و من تبعه. و كيف كان فحيث كانت المسألة عارية عن النص بالخصوص سيما مع تدافع هذه الأدلة فالأحوط الصلاة أداء و قضاء بعد وجود الطهارة مائية أو ترابية. و اللّٰه العالم.
(المطلب الثالث)- في بيان كيفية التيمم
المشتملة على النية و الضرب باليدين على الأرض و مسح الجبهة و ظاهر الكفين و الترتيب و ما يلحق به فالكلام هنا يقع في مقامات خمسة، إلا أنه ينبغي أولا تقديم الأخبار الواردة في كيفية التيمم ثم عطف الكلام على البحث في هذه المقامات الخمسة و استعلام أحكامها من الاخبار المذكورة فنقول:
[الأخبار الواردة في كيفية التيمم]
(الأول)- من الاخبار المشار إليها
ما رواه في الكافي في الصحيح عن أبي أيوب الخزاز عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن التيمم؟ فقال ان عمار بن ياسر أصابته جنابة فتمعك كما تتمعك الدابة فقال له رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يا عمار تمعكت كما تتمعك الدابة؟ فقلت له كيف التيمم؟ فوضع يده على المسح ثم رفعها فمسح وجهه ثم مسح فوق الكف قليلا».
(الثاني)-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن داود بن النعمان (2) قال:
«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن التيمم؟ قال ان عمارا أصابته جنابة فتمعك كما تتمعك الدابة فقال له رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و هو يهزأ به: يا عمار تمعكت كما تتمعك الدابة؟ فقلنا له فكيف التيمم؟ فوضع يديه على الأرض ثم رفعهما فمسح وجهه و يديه فوق الكف قليلا».
قوله: «و هو يهزأ به» اي يمزح معه فان حمل الهزء على معناه الذي هو السخرية غير مناسب في حقه (صلى اللّٰه عليه و آله) خصوصا بمثل عمار
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب التيمم.
320
الجليل المنزلة عنده و المقدار لقوله عز و جل كناية عن بني إسرائيل في قولهم لموسى (عليه السلام): «. أَ تَتَّخِذُنٰا هُزُواً»: «قٰالَ أَعُوذُ بِاللّٰهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجٰاهِلِينَ» (1).
(الثالث)-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (2) «قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول و ذكر التيمم و ما صنع عمار فوضع أبو جعفر (عليه السلام) كفيه على الأرض ثم مسح وجهه و كفيه و لم يمسح الذراعين بشيء».
(الرابع)-
ما رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة (3) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ذات يوم لعمار في سفر له يا عمار بلغنا أنك أجنبت فكيف صنعت؟ قال تمرغت يا رسول اللّٰه في التراب. قال فقال له كذلك يتمرغ الحمار أ فلا صنعت كذا؟ ثم أهوى بيديه إلى الأرض فوضعهما على الصعيد ثم مسح جبينه بأصابعه و كفيه إحداهما بالأخرى ثم لم يعد ذلك».
(الخامس)-
ما رواه في الكافي في الحسن عن الكاهلي (4) قال: «سألته عن التيمم؟ قال فضرب بيده على البساط فمسح بها وجهه ثم مسح كفيه إحداهما على ظهر الأخرى».
(السادس)-
ما رواه في التهذيب في الموثق عن زرارة (5) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن التيمم؟ فضرب بيديه على الأرض ثم رفعهما فنفضهما ثم مسح بهما جبهته و كفيه مرة واحدة».
هكذا نقله في الوافي عن الكتابين و الموجود في الكافي «جبينه» عوض لفظ «جبهته» و كذا رواه الشيخ في التهذيب في موضع آخر من طريق محمد بن يعقوب بلفظ الجبين دون الجبهة.
(السابع)-
ما رواه في التهذيب في الحسن عن عمرو بن ابي المقدام عن الصادق (عليه السلام) (6) «انه وصف التيمم فضرب بيديه على الأرض ثم رفعهما
____________
(1) سورة البقرة. الآية 65.
(2) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب التيمم.
(4) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب التيمم.
(5) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب التيمم.
(6) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب التيمم.
321
فنفضهما ثم مسح على جبينه و كفيه مرة واحدة».
(الثامن)-
ما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) «في التيمم؟ قال: تضرب بكفيك الأرض ثم تنفضهما و تمسح بهما وجهك و يديك».
(التاسع)-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن إسماعيل بن همام الكندي عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «التيمم ضربة للوجه و ضربة للكفين».
(العاشر)-
ما رواه في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «سألته عن التيمم؟ فقال مرتين مرتين للوجه و اليدين».
(الحادي عشر)-
ما رواه في التهذيب في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: «قلت له كيف التيمم؟ قال هو ضرب واحد للوضوء و الغسل من الجنابة: تضرب بيديك مرتين ثم تنفضهما نفضة للوجه و مرة لليدين، و متى أصبت الماء فعليك الغسل ان كنت جنبا و الوضوء ان لم تكن جنبا».
(الثاني عشر)-
ما رواه في التهذيب و الفقيه في الموثق عن عمار عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن التيمم من الوضوء و من الجنابة و من الحيض للنساء سواء؟ فقال نعم».
(الثالث عشر)-
ما رواه في الكافي في الموثق عن ابي بصير (6) قال:
«سألته عن تيمم الحائض و الجنب سواء إذا لم يجدا ماء؟ فقال نعم».
(الرابع عشر)-
ما رواه في الكافي و التهذيب عن حماد بن عيسى في الصحيح أو الحسن عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (7) «انه سئل عن التيمم فتلا هذه الآية: «وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا» (8) و قال:
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب التيمم.
(4) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب التيمم.
(5) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب التيمم.
(6) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب التيمم.
(7) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب التيمم.
(8) سورة المائدة. الآية 38.
322
«فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ» (1) قال فامسح على كفيك من حيث موضع القطع و قال وَ مٰا كٰانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» (2).
(الخامس عشر)-
ما رواه في التهذيب عن ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) (3) «في التيمم؟ قال تضرب بكفيك على الأرض مرتين ثم تنفضهما و تمسح بهما وجهك و ذراعيك».
(السادس عشر)-
ما رواه في التهذيب في الموثق عن سماعة (4) قال:
«سألته كيف التيمم؟ فوضع يده على الأرض فمسح بها وجهه و ذراعيه الى المرفقين».
(السابع عشر)-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (5) قال:
«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن التيمم؟ فضرب بكفيه الأرض ثم مسح بهما وجهه ثم ضرب بشماله الأرض فمسح بها مرفقه إلى أطراف الأصابع واحدة على ظهرها و واحدة على بطنها ثم ضرب بيمينه الأرض ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه، ثم قال هذا التيمم على ما كان فيه الغسل و في الوضوء الوجه و اليدين الى المرفقين و القى ما كان عليه مسح الرأس و القدمين فلا يؤمم بالصعيد».
(الثامن عشر)-
ما نقله ابن إدريس في آخر كتاب السرائر من كتاب نوادر احمد بن محمد بن ابي نصر عن عبد اللّٰه بن بكير عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (6) قال: «اتى عمار بن ياسر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال يا رسول اللّٰه اني أجنبت الليلة و لم يكن معي ماء؟ قال: كيف صنعت؟ قال طرحت ثيابي و قمت على الصعيد فتمعكت فيه. فقال هكذا يصنع الحمار انما قال اللّٰه عز و جل «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» (7) فضرب بيديه على الأرض ثم ضرب إحداهما على الأخرى ثم مسح بجبينيه
____________
(1) سورة المائدة. الآية 6.
(2) سورة مريم. الآية 65.
(3) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب التيمم.
(4) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب التيمم.
(5) رواه في الوسائل في الباب 12 من أبواب التيمم.
(6) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب التيمم.
(7) سورة المائدة. الآية 6.
323
ثم مسح كفيه كل واحدة على ظهر الأخرى مسح اليسرى على اليمنى و اليمنى على اليسرى».
(التاسع عشر)-
ما في الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام):
«و صفة التيمم للوضوء و الجنابة و سائر أبواب الغسل واحد و هو ان تضرب بيديك على الأرض ضربة واحدة ثم تمسح بهما وجهك موضع السجود من أحد الحاجبين الى الذقن، و روي انه موضع السجود من مقام الشعر الى طرف الأنف، ثم تضرب بهما اخرى فتمسح بها اليمنى الى حد الزند و روي من أصول الأصابع تمسح باليسرى اليمنى و باليمنى اليسرى على هذه الصفة، و اروي إذا أردت التيمم اضرب كفيك على الأرض ضربة واحدة ثم تضع احدى يديك على الأخرى ثم تمسح بأطراف أصابعك وجهك من فوق حاجبيك و بقي ما بقي ثم تضع أصابعك اليسرى على أصابعك اليمنى من أصل الأصابع من فوق الكف ثم تمرها على مقدمها على ظهر الكف ثم تضع أصابعك اليمنى على أصابعك اليسرى فتصنع بيدك اليمنى ما صنعت بيدك اليسرى على اليمنى مرة واحدة، فهذا هو التيمم و هو الوضوء التام الكامل في وقت الضرورة».
أقول: هذا ما حضرني من روايات المسألة و سيأتي الكلام ان شاء اللّٰه فيها في كل حكم مما يتعلق به في موضعه
، فلنرجع الى ما وعدنا من الكلام في المقامات الخمسة فنقول:
(المقام الأول)- في النية
و هي و ان كانت عندنا غنية عن البيان كما سلف لك تحقيقه في غير مكان و لا سيما في بحث نية الوضوء و ما أودعناه فيه من التحقيق الساطع البرهان، و قد عرفت فيما سبق في باب الوضوء بعد تحقيق الكلام في النية الكلام في قيودها التي ذكروها و ما الذي يجب منها و ما لا يجب، إلا انه بقي الكلام هنا في مواضع لم يتقدم لها ذكر فيما سبق:
(الأول) [هل تجوز نية الرفع في التيمم؟]
- ان المشهور في كلامهم بناء على وجوب نية الرفع أو الاستباحة
____________
(1) ص 5.
324
في الطهارة انه لا يجوز نية الرفع في التيمم و انما ينوي فيه الاستباحة خاصة، و ذلك للفرق بينهما فإن الاستباحة عبارة عن رفع المنع و رفع الحدث عبارة عن رفع المانع، فعلى هذا يمتنع نية الرفع من المتيمم و دائم الحدث لاستمرار المانع و عدم إمكان رفعه و لهذا وجب على دائم الحدث تجديد الوضوء لكل صلاة و المتيمم فإنه ينتقض تيممه برؤية الماء مع انه ليس بحدث، و انما ينويان الاستباحة لأنهما بالطهارتين المذكورتين أبيح لهما الدخول في العبادة و ان كان الحدث باقيا.
و تفصيل هذه الجملة ببيان ابسط ان يقال يجب ان يعلم ان الحدث لفظ مشترك يطلق على معنيين: (أحدهما) نفس الخارج الناقض للطهارة و (الثاني) أثره و هو المانع من الدخول في العبادة المتوقف رفعه على الطهارة، و المعنى الأخير هو محل البحث في المسألة لا الأول لامتناع رفع الواقع فإنه قد وقع و الواقع لا يرتفع، و انما المراد رفع المانع أي الأثر الحاصل بسبب الخارج على ما عرفت، فنية الرفع يقصد بها ازالة المانع المستلزم لازالة المنع كما في طهارة المختار، و لهذا ان الرفع و الاستباحة بالنسبة إليه متلازمان، و نية الاستباحة يقصد بها ازالة المنع و هو أعم من رفع المانع إذ قد يرتفع المنع و لا يرتفع المانع بالكلية، كما في المتيمم فإنه يستبيح الصلاة مع عدم ارتفاع حدثه و من ثم يجب عليه الطهارة المائية عند التمكن منها، و لو كان الحدث مرتفعا بالتيمم لم تجب الطهارة المائية بذلك الحدث السابق فهو دليل على عدم زوال المانع، و كما في دائم الحدث فإن الإباحة تحصل له بوضوئه للصلاة الواحدة مع بقاء اثر الحدث المتأخر عن الطهارة و المقارن فلم يحصل فيه سوى زوال المنع، فان المانع مقارن للطهارة و انما حصل له بالطهارة إباحة الصلاة خاصة و بذلك يظهر الفرق بينهما بالنسبة إلى الطهارة الاضطرارية و دائم الحدث.
قال في المعتبر: التيمم لا يرفع الحدث و هو مذهب العلماء كافة، ثم احتج عليه بان المتيمم يجب عليه الطهارة عند وجود الماء بحسب الحدث السابق فلو لم يكن الحدث السابق باقيا لكان وجوب الطهارة بوجود الماء إذ لا وجه غيره، و وجود الماء ليس
325
حدثا بالإجماع، و لانه لو كان حدثا لوجب استواء المتيممين في موجبه ضرورة استوائهم فيه، لكن هذا باطل لان المحدث لا يغتسل و المجنب لا يتوضأ، ثم أورد خبرا من طرق العامة يتضمن تسمية النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لمن تيمم عن الغسل و صلى جنبا (1) ثم قال: فرع: لو تيمم و نوى رفع الحدث لم يستبح به الصلاة لأن النية تابعة للمشروع و حيث لا مشروعية فلا نية. انتهى.
و ذهب جمع من محققي متأخري المتأخرين- و هو الحق الحقيق بالاتباع- الى عدم الفرق بين الرفع و الاستباحة بل هما بمعنى واحد مطلقا، و ذلك فان الحدث بالمعنى الثاني المتقدم و هو الذي يمكن رفعه لا يعقل له معنى في الشرع سوى الحالة التي لا يسوغ للمكلف الدخول في العبادة بها، و متى جوز الشارع له الدخول بوجه من الوجوه و سبب من الأسباب فإنه يجب القطع بزوال تلك الحالة و هو معنى الرفع، غاية الأمر ان زوالها يتفاوت بتفاوت أحوال المكلفين فقد يحصل زوالها مطلقا كما في الطهارة الاختيارية لغير دائم الحدث و قد يحصل إلى غاية كما في المتيمم و دائم الحدث، و هذا القدر لا يوجب تخصيص كل قسم باسم بحيث لا ينصرف الى غيره، و نقل هذا القول عن الشهيد (قدس سره) في قواعده و مال اليه الشهيد الثاني في شرح الألفية مع زيادة تصلبه في العمل بالقول المشهور في الروض، قال في شرح الألفية بعد الكلام في المسألة:
و ذهب المصنف (رضي اللّٰه عنه) في بعض تحقيقاته الى الاكتفاء بنية رفع الحدث بناء على ان المراد منه هو المانع و لولا ارتفاعه لما أبيحت الصلاة أو بجملة على الحدث
____________
(1) و هو
حديث عمرو بن العاص و قد رواه أحمد في مسنده ج 2 ص 205 هكذا:
ان عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل احتلم فأجنب و الليلة شديدة البرد فخاف الهلاك إذا اغتسل فتيمم و صلى بأصحابه صلاة الصبح و لما حكى ذلك لرسول اللّٰه (ص) قال:
يا عمرو صليت بأصحابك و أنت جنب؟ فذكر له خوفه من الهلاك و ان اللّٰه يقول «لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ بِكُمْ رَحِيماً» فضحك رسول اللّٰه (ص) و لم يقل شيئا ..
326
السابق، و المتأخر من الحدث معفو عنه و ان لم ينو إباحته بل لا يكاد يعقل نية الإباحة منه قبل وقوعه و انما هو عفو من اللّٰه، و هذا القول ليس بعيدا عن الصواب فانا لا نعقل من الحدث إلا الحالة التي لا يصح معها الدخول في الصلاة، فمتى أبيحت الصلاة زالت تلك الحالة فارتفع الحدث بالنسبة الى هذه الصلاة بمعنى زوال المانع و ان بقي في غيرها، و أيضا فإن النية إنما تؤثر في الإباحة من الحدث السابق عليها كما قلناه لا المتأخر إذ لم يعهد ذلك شرعا، و المتأخر مغتفر في هذه الصلاة و السابق لا مانع من رفعه بالنية.
إلى آخر كلامه.
و يمكن ان يقال في المقام انه لا يخفى على المتأمل في كلامهم بالنظر الدقيق و الناظر فيه بعين التحقيق انه لا منافاة بين القولين المذكورين، و ذلك بان يحمل ما ادعى عليه المحقق الإجماع من ان التيمم لا يرفع الحدث و انه لو تيمم و نوى رفع الحدث لم يستبح الصلاة على معنى انه لا يرفعه على نحو ما يرفعه الماء من رفعه مطلقا و إزالته بالكلية حتى انه لا يؤثر في بطلانه إلا الحدث كما في الطهارة المائية التي لا ينقضها إلا الحدث و ان التمكن من الماء لا يؤثر في بطلانه و نقضه، و من الظاهر انه بهذا المعنى مجمع عليه إذ لا قائل بأنه يرفع الحدث كرفع الماء و انه لا ينتقض بالتمكن من الماء، فما ادعاه من الإجماع صحيح لا شك فيه، و اما كونه يرفع الحدث الى وقت التمكن من الماء أو طرو أحد النواقض- كما صرح به الشهيد في قواعده و قال به أصحاب القول الثاني- فلا مانع منه بالتقريب المتقدم، إلا انه ربما أشكل بأن المتبادر من معنى الرفع انما هو زوال ذلك المانع بكليته فلا يعود إلا بسبب موجب له كما في الطهارة المائية الرافعة فإنه لا يعود الحدث إلا بسبب آخر، و اما في التيمم فإنه ليس كذلك إذ لو كان رافعا للحدث على الوجه المذكور لما انتقض بالتمكن من الماء لان التمكن من الماء ليس حدثا إجماعا كما سمعت من كلام المحقق، قولكم: انه رافع إلى غاية هي وجود التمكن من الماء أو حصول الحدث. قلنا: لا ريب انه بالتمكن من الماء أو طرو حدث يعود الأول بعينه حتى كأنه
327
لم يزل لا انه يحصل له سبب آخر يوجب التيمم، فهو ظاهر في انه انما ارتفع المنع المترتب على ذلك المانع لا أصل المانع فإنه باق على حاله في جميع الحالات الى ان يتطهر بالماء، و بالجملة فإنه متى أحدث و لم يكن ثمة ماء فإنه تحصل له تلك الحالة المانعة من الصلاة المسماة بالحدث و هذه الحالة ثابتة معه الى ان يزيلها بالماء خاصة، و التيمم إنما أفاده جواز الدخول في المشروط بالطهارة و رفع المنع عنه، و لهذا لو تيمم بدلا من الجنابة فإن الجنابة باقية الى ان يزيلها بالغسل و ان ارتفع المنع عنه في الدخول فيما يشترط بالطهارة بالتيمم.
و كيف كان فالمسألة على المشهور من وجوب نية هذه القيود لا تخلو من الاشكال لما عرفت من عدم النص و تدافع هذه الأقوال و العلل العقلية لا تنتهي إلى ساحل و لو طويت لها المراحل، و اما عندنا فحيث لم يثبت عندنا دليل على وجوب هذه القيود سوى القربة فلا اشكال، هذا.
و اما ما ذكره في شرح الألفية من ان النية انما تؤثر في الحدث السابق. إلخ فإن أريد به بالنسبة إلى دائم الحدث فالوجه فيما ذكره ظاهر لان حدثه مستمر كما هو المفروض فإن النية إنما تؤثر في السابق دون المقارن للنية و المتأخر عنها و حينئذ يكون ذلك عفوا منه سبحانه، و اما بالنسبة إلى المتيمم فلا يخلو من اشكال إذ الظاهر انه بتيممه ترتفع عنه تلك الحالة التي هي عبارة عن المانع و يصح منه كل ما يتوقف على الطهارة غاية الأمر ان ذلك الى غاية مخصوصة، اللهم إلا ان يقال ان المراد ان ذلك المانع بالنسبة الى ما تقدم على التيمم قد ارتفع بالتيمم مطلقا و زوال بالكلية و بالنسبة الى ما تأخر يرتفع إلى الغاية المذكورة، إلا ان هذا المعنى بعيد عن سوق العبارة المذكورة بالنسبة إلى التيمم. و اللّٰه العالم.
(الثاني) [هل تجب نية البدلية في التيمم؟]
- اختلف الأصحاب في وجوب نية البدلية في التيمم و عدمه، فقيل بالوجوب و نقل عن الشيخ في الخلاف كما سيأتي من نقل كلامه في ذلك، حيث انه يقع أحيانا بدلا من الغسل و أحيانا بدلا من الوضوء مع اختلاف حقيقتهما فاعتبر في النية التعرض
328
للبدلية ليتميز أحدهما عن الآخر. و يشكل بان الاحتياج الى التمييز انما يكون في موضع اجتماعهما معا و الخطاب بهما كذلك اما لو كان المخاطب به انما هو التيمم عن أحدهما فلا ضرورة إلى التمييز. و ما ذكره بعض فضلاء متأخري المتأخرين في الجواب- من ان التمييز يعتبر بالنسبة الى ما يصح وقوع التيمم عنه مطلقا من غير التفات الى ما في الذمة- مجرد دعوى عارية عن الدليل بل هو نوع مصادرة كما لا يخفى. و قيل بالعدم مطلقا و الظاهر انه المشهور بين المتأخرين كما ذكره بعض الأفاضل. و قيل بالتفصيل و هو وجوب نية البدلية ان قلنا باختلاف صورتي التيمم بدلا عن الحدث الأصغر و عن الأكبر يعني وجوب الضربة في البدل عن الأصغر و الضربتين فيما هو بدل عن الأكبر، و ان قلنا باتحاد صورتي التيمم بالضربة فيهما أو الضربتين فلا، و هو مذهب الشهيد في الذكرى حيث قال: الأقرب اشتراط نية البدلية عن الأكبر أو الأصغر لاختلاف حقيقتهما فيتميزان بالنية و به صرح الشيخ في الخلاف، و عليه بنى ما لو نسي الجنابة فتيمم للحدث انه لا يجزئ لعدم شرطه، و هذا بناء على اختلاف الهيئتين و لو اجتزأنا بالضربة فيهما أو قلنا فيهما بالضربتين أمكن الاجزاء و به افتى في المعتبر مع ان الشيخ في الخلاف قال في المسألة: فإن قلنا انه متى نوى بتيممه استباحة الصلاة من حدث جاز له الدخول في الصلاة كان قويا قال و الأحوط الأول يعني عدم الاجزاء، و ذكر ان لا نص للأصحاب فيها أي في مسألة النسيان. انتهى ما ذكره في الذكرى. أقول: عبارة المعتبر في هذا المقام هكذا:
«لو نسي الجنابة فتيمم للحدث فان قلنا بالضربة الواحدة فيهما أجزأ لأن الطهارتين واحدة و ان قلنا بالتفصيل لم يجزئه، و قال الشيخ في الخلاف و الذي يقتضيه المذهب انه لا يجوز لانه يشترط ان ينويه بدلا من الوضوء أو بدلا من الجنابة و لم ينو ذلك» انتهى. و أنت خبير بأن غاية ما تدل عليه هذه العبارة هو ان عدم الاجزاء على القول بالتفصيل انما هو من حيث ان الواجب في بدل الجنابة الضربتان و هو لم يأت إلا بواحدة حيث انه انما تيمم بقصد البدلية عن الوضوء لا ان عدم الاجزاء من حيث الإخلال بنية البدلية،
329
و بذلك يظهر انه لا دلالة في عبارة المعتبر على ما ادعاه من التفصيل. و كيف كان فالظاهر هو القول بالعدم مطلقا كما هو المشهور لعدم الدليل و صدق الامتثال بما اتى به لأنه الذي تعلق به الخطاب.
و مما ينبغي التنبيه له انه يجب ان يستثني من وجوب نية البدلية على القول به مطلقا أو على التفصيل المتقدم تيمم الصلاة على الجنازة و التيمم للنوم، لان كلا منهما جائز بدون الطهارة و لان التيمم فيهما جائز مع وجود الماء، و كذلك التيمم للخروج من المسجدين بناء على مذهب من يجعل غايته الخروج من المسجدين و ان أمكن الغسل فإنه لا وجه لنية البدلية بل صرحوا بأنه لا يجوز النية كذلك، و اما على القول الآخر من ان التيمم انما يشرع مع عدم إمكان الغسل فيكون كغيره مما تقدم.
(الثالث) [محل النية في التيمم]
- انه قد اختلف الأصحاب في محل النية في التيمم، فالمشهور ان محلها عند الضرب على الأرض لأنه أول التيمم و به قطع في المنتهى، قالوا فعلى هذا يجب مقارنة النية الضرب على الأرض حيث انه أول أفعاله كما في غيره من العبادات التي يجب مقارنة النية لأول أفعالها، و لو تأخرت عن ذلك الى مسح الوجه بطل التيمم لخلو بعض أفعاله عن النية، و قطع العلامة في النهاية بالاجزاء بتأخيرها إلى مسح الجبهة و جعل الضرب خارجا عن حقيقة التيمم و نزله منزلة أخذ الماء في الطهارة المائية حيث لا تحتم النية عنده لعدم كونه أول الأفعال الواجبة بل تؤخر عنه الى غسل الوجه.
و اعترضه في الذكرى بوجهين: (أحدهما)- ان تنزيله منزلة أخذ الماء للطهارة المائية فيه منع ظاهر لأن الأخذ غير معتبر بنفسه و لهذا لو غمس الأعضاء في الماء أجزأ بخلاف الضرب. و (ثانيهما)- انه لو أحدث بعد أخذ الماء لم يضر بخلاف الحدث بعد الضرب أقول: و توضيحه ان الواجب في الوضوء غسل الأعضاء كيف اتفق من غير تقييد بنحو خاص بخلاف التيمم فان الواجب فيه الضرب بنفسه كما دلت عليه الأخبار حتى لو تعرض لهبوب الريح أو وضع جبهته على الأرض ناويا لم يجزئه اتفاقا، و تخلل الحدث بين أخذ الماء
330
و غسل الوجه غير مضر بخلاف تخلله بين الضرب و مسح الجبهة. و قيل عليه اما على الوجه الأول فإن عدم اجزاء وضع الجبهة على الأرض لا يقدح فيما ذهب إليه العلامة بل هو قائل بموجبه إلا انه يجعل نقل التراب على الوجه المخصوص شرطا لصحة التيمم فكأنه واجب خارج. و اما الثاني فبان العلامة في النهاية قائل بذلك و مصرح بالتزامه حيث قال:
و لو أحدث بعد أخذ التراب لم يبطل ما فعل كما لو أحدث بعد أخذ الماء في كفه.
أقول: و التحقيق بناء على ما ذكروه ضعف ما ذهب إليه العلامة في النهاية لاستفاضة الروايات- كما مرت بك- بالأمر بالضرب ثم المسح، و هي ظاهرة في ان الضرب أحد واجبات التيمم التي تعلق بها الأمر في تلك الأخبار كمسح الجبهة و اليدين، و منه يظهر ان التزام العلامة (قدس سره) بعدم بطلان التيمم بالحدث بعد الضرب ليس بجيد سيما و قد صرح في الكتاب المذكور- على ما نقله عنه جملة من الأصحاب- بأن أول أفعال التيمم المفروضة الضرب باليدين على الأرض و هو تدافع ظاهر بين الكلامين.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان جميع هذا الكلام يدور مدار النية المشهورة التي قدمنا نقلها عنهم في غير موضع التي هي عبارة عن التصوير الفكري و الحديث النفسي الذي يترجمه قول القائل: أتيمم بدلا من الغسل أو الوضوء لرفع الحدث أو استباحة الصلاة قربة الى اللّٰه تعالى، و قد عرفت مما حققناه في بحث نية الوضوء ان هذا ليس من النية في شيء و ان الأمر فيها أوسع من ذلك و ان جميع هذا الكلام لا وجه له و لا حاجة إليه في المقام. و اللّٰه العالم.
(الرابع) [وجوب استدامة النية حكما حتى الفراغ]
- انه يجب استدامة حكمها حتى الفراغ بمعنى انه لا ينوي نية تنافي النية الاولى، و قد تقدم تحقيق البحث في هذه المسألة مستوفى في باب نية الوضوء و الكلام في المقامين واحد.
(المقام الثاني)- في الضرب باليدين على الأرض
، و قد أجمع الأصحاب على وجوبه و شرطيته في التيمم، فلو استقبل العواصف حتى لصق صعيدها بوجهه و يديه لم
331
يجزئه ذلك، لان العبادات الشرعية مبنية على التوقيف و التوظيف من الشارع و لم يرد عنه ما يدل على صحة التيمم بذلك فيكون فعله تشريعا محرما و انما استفاضت الأخبار بما ذكرناه. بقي الكلام في الاكتفاء بمجرد الوضع أو لا بد من الضرب الذي هو عبارة عن الوضع المشتمل على اعتماد؟ قال في الذكرى: «معظم الروايات و كلام الأصحاب بعبارة الضرب و في بعضها الوضع و الشيخ في النهاية و المبسوط عبر بالأمرين، و تظهر الفائدة في وجوب مسمى الضرب باعتماد، و الظاهر انه غير شرط لان الغرض قصد الصعيد و هو حاصل بالوضع» انتهى. و ما اختاره هنا من الاكتفاء بمجرد الوضع قد صرح به في الدروس ايضا، و حاصل استدلاله الاستناد إلى إطلاق الآية و هو قوله تعالى «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» (1) اي اقصدوا و هو حاصل بالوضع. و فيه ان الآية يمكن تقييدها بالأخبار الكثيرة الدالة على الضرب الذي هو- كما عرفت- عبارة عن الوضع المشتمل على الاعتماد، و حينئذ فيجب حمل القصد الذي في الآية على هذا القصد المخصوص جمعا بين الآية و الأخبار، و كذا يجب تقييد بعض الأخبار الدالة على مجرد الوضع بهذه الأخبار ايضا، و به يظهر ان الأظهر اعتبار الضرب سيما مع أوفقيته بالاحتياط، و الظاهر ان من قال بالوضع حمل جملة أخبار الضرب على الاستحباب كما هي أحد قواعدهم التي بنوا عليها في كثير من الأحكام في الجمع بين المطلق و المقيد، و الأظهر ما قلناه و ان احتمل الجمع بينهما بالتخيير إلا ان الظاهر هو الأول مع أوفقيته بالاحتياط كما عرفت.
و تمام تحقيق الكلام في المقام يتوقف على رسم مسائل
(الأولى)- يعتبر في الضرب ان يكون بباطن الكفين
لانه المعهود المعروف فينصرف إليه الإطلاق كما في سائر الأحكام، و يعضده انه المعلوم من صاحب الشرع فيكون خلافه تشريعا محرما نعم لو تعذر الضرب بالباطن لعذر فالظاهر الجواز بالظاهر، و ربما دل عليه عموم بعض أدلة المسألة.
____________
(1) سورة النساء. الآية 43 و سورة المائدة. الآية 6.
332
(الثانية) [لا يعتبر فيما يضرب عليه كونه على الأرض]
- ينبغي ان يعلم انه لا يعتبر فيما يضرب عليه كونه على الأرض، فلو كان التراب على بدنه أو ثوبه أو بدن غيره أو ثوبه و ضرب عليه أجزأ كل ذلك لإطلاق الأخبار و تخرج الأخبار المتقدمة في التيمم من لبد سرجه و ثوبه و نحو ذلك شاهدة و ان كان موردها أخص مما نحن فيه، قال في المدارك: و لو كان على وجهه تراب صالح للضرب فضرب عليه ففي الإجزاء تردد أقربه العدم لتوقف الطهارة على النقل و المنقول خلافه. و قال في الذخيرة: لا يبعد ان يكون مجزيا في الضرب لحصول الامتثال ثم قال و ربما يقال بعدم الاجزاء لان ذلك غير المعهود من صاحب الشرع. أقول:
الظاهر انه ان كان المراد من هذه العبارة أنه يضرب على هذا التراب الذي في موضع المسح و يجتزئ بذلك فالظاهر انه غير مجزئ و الحق فيما ذكره في المدارك، و ان كان المراد انه يضرب يده عليه ثم يرفع يده و يمسح به فالظاهر انه لا مانع منه كما في سائر البدن إذا أراد التيمم من التراب الذي عليه فالحق فيما ذكره في الذخيرة، و بما ذكرنا صرح شيخنا الشهيد في الذكرى فقال: لو كان على وجهه تراب صالح للضرب و ضرب عليه أجزأ في الضرب لا في مسح الوجه فيمسح بعد الضرب.
(الثالثة) [يجب في وضع اليدين أن يكون دفعة]
- ظاهر الأخبار و كلام الأصحاب انه يشترط في وضع اليدين ان يكون دفعة فلو ضرب بإحدى يديه ثم أتبعها بالأخرى لم يجزئ
ففي صحيحة زرارة (1) «ثم أهوى بيديه فوضعهما على الصعيد».
و في حسنة الكاهلي (2) «فضرب بيديه على البساط».
و في صحيحة أخرى لزرارة (3) «فوضع أبو جعفر (عليه السلام) كفيه على الأرض».
و في موثقة له ايضا (4) قال: «تضرب بكفيك الأرض».
الى غير ذلك من الأخبار التي مرت بك قريبا.
(الرابعة) [هل يجب علوق شيء من التراب باليدين؟]
- المشهور بين الأصحاب انه لا يجب علوق شيء من التراب باليدين بل يضرب بهما و يمسح و ان لم يعلق بهما شيء، و عن ظاهر ابن الجنيد وجوب المسح بالتراب المرتفع على
____________
(1) ص 320.
(2) ص 320.
(3) ص 320.
(4) ص 321.
333
اليدين و هو مؤذن بالقول بوجوب العلوق، و الى هذا القول مال جملة من أفاضل متأخري المتأخرين: منهم- شيخنا البهائي في الحبل المتين و نقله فيه عن والده ايضا و المحدث الكاشاني و شيخنا الشيخ سليمان بن عبد اللّٰه البحراني، و هو المختار عندي كما سيظهر لك ان شاء اللّٰه تعالى.
و استدل في المدارك على القول المشهور- حيث مال اليه- بوجوه: (الأول)- عدم الدليل على العلوق (الثاني)- إجماع علمائنا على استحباب نفض اليدين بعد الضرب و ورود الأخبار الصحيحة به، و لو كان العلوق معتبرا لما أمر الشارع بفعل ما كان عرضة لزواله (الثالث)- ان الصعيد وجه الأرض لا التراب فسقط اعتباره جملة (الرابع)- ان الضربة الواحدة كافية مطلقا على ما سنبينه و لو كان المسح بالتراب معتبرا لما حصل الاكتفاء بها إذ الغالب عدم بقاء الغبار من الضربة الواحدة في اليدين.
أقول: اما الجواب عن الأول فبان الدليل على ما ندعيه من اعتبار العلوق هو
صحيحة زرارة (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أ لا تخبرني من اين علمت و قلت ان المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟ فضحك ثم قال يا زرارة قاله رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و نزل به الكتاب من اللّٰه لان اللّٰه عز و جل يقول فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، الى ان قال ثم قال فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ (2) فلما ان وضع الوضوء عمن لم يجد الماء اثبت بعض الغسل مسحا لانه قال: «بِوُجُوهِكُمْ» ثم وصل بها «وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» اي من ذلك التيمم لانه علم ان ذلك اجمع لا يجري على الوجه لانه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف و لا يعلق ببعضها».
و التقريب في الخبر المذكور ان المراد بالتيمم المفسر به الضمير هو التيمم به، لان حاصل معنى الخبر انه سبحانه إنما أثبت بعض الغسل مسحا و لم يوجب مسح الجميع، لانه لما علم ان ذلك الصعيد
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 23 من الوضوء و 13 من التيمم.
(2) سورة النساء. الآية 43 و سورة المائدة، الآية 8.
334
لا يأتي على الوجه كله من جهة أنه يعلق ببعض الكف و لا يعلق بالبعض الآخر قال سبحانه «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» و حينئذ فقوله: «لانه علم ان ذلك اجمع لا يجري على الوجه» اي علم ان ذلك الصعيد المضروب عليه و هو المدلول عليه في الرواية بالتيمم بمعنى المتيمم به، و لا يخفى ما فيه من الاشعار بالعلوق بل الدلالة الصريحة حيث جعل العلوق بالبعض دون البعض علة للعلم بان ذلك لا يجري بأجمعه على الوجه، و هذا الوجه الذي ذكرناه مبني على كون «من» في الآية للتبعيض و ان قوله (عليه السلام) «لانه علم ان ذلك أجمع. إلخ» تعليل لقوله: «اثبت بعض الغسل مسحا» كما اختاره شيخنا البهائي في الحبل المتين اي جعل بعض المغسول ممسوحا حيث اتى بالباء التبعيضية لأنه تعالى علم ان ذلك الصعيد العالق بالكف لا يجري على الوجه كله لانه يعلق ببعض الكف و لا يعلق ببعضها، و بذلك يظهر لك دلالة الرواية على اشتراط العلوق، و منه يعلم ايضا عدم جواز التيمم بالحجر الخالي كما هو مذهب ابن الجنيد ايضا، و القائلون بالقول المشهور من عدم اشتراط العلوق و جواز التيمم بالحجر يحملون «من» في الآية على ابتداء الغاية و الضمير راجع الى التيمم بالمعنى المصدري كما هو المعبر به في الرواية أو الى الصعيد المضروب عليه كما تقدم، و لهذا أجاب العلامة في المنتهى و كذا الشهيد في الذكرى عن الاستدلال بالرواية بأن لفظ «من» في الآية مشترك بين التبعيض و ابتداء الغاية فلا أولوية في الاحتجاج بها. و لا يخفى ان ظاهر التعليل لا يساعده إذ الإشارة في قوله:
«لانه علم ان ذلك اجمع لا يجري على الوجه» انما هي إلى التيمم بمعنى المتيمم به لا بالمعنى المصدري و لا الصعيد المضروب عليه كما ذكروه. و بالجملة فإن ظاهرية كون «من» في الآية للتبعيض بالنظر الى ما ذكرناه مما لا يتجشم إنكاره إلا مع عدم إعطاء النظر حقه من التأمل في المقام، و لهذا ان صاحب الكشاف مع كونه حنفي المذهب و مذهب أبي حنيفة عدم اشتراط العلوق خالف الحنفية في ذلك و اختار في تفسيره هذا الوجه، و قال (1)
____________
(1) ج 1 ص 270 و قد نسب فيه الى ابى حنيفة عدم اشتراط العلوق.
335
انه الحق بل ادعى انه لا يفهم أحد من العرب من قول القائل «مسحت برأسي من الدهن أو من الماء أو من التراب» إلا معنى التبعيض و حكم بان القول بأنها لابتداء الغاية تعسف.
و اما الجواب عن الثاني فهو ما ذكره جملة من القائلين بهذا القول في المسألة، و الظاهر ان أولهم في ذلك شيخنا المحقق المدقق الشيخ حسين بن عبد الصمد والد شيخنا البهائي كما نقله عنه في الحبل المتين، حيث قال: «و أقوى ما استدل به الأصحاب على عدم اشتراط العلوق هو استحباب نفض اليدين بعد الضرب كما نطقت به الأخبار، و لو كان العلوق معتبرا لما أمر الشارع بفعل ما هو عرضة لزواله. و أجاب عن ذلك والدي (قدس سره) في شرح الرسالة بأن الأخبار الدالة على استحباب النفض لا دلالة فيها على عدم اعتبار العلوق بل ربما دلت على اعتباره كما لا يخفى، و لا منافاة بينهما لان الاجزاء الصغيرة الغبارية اللاصقة لا تتخلص بأجمعها من اليدين بمجرد حصول مسمى النفض، و ليس في الاخبار ما يدل على المبالغة فيه بحيث لا يبقى شيء من تلك الاجزاء لاصقا بشيء من اليدين البتة، و لعل النفض لتقليل ما عسى ان يصير موجبا لتشويه الوجه من الاجزاء الترابية الكثيرة اللاصقة باليدين، قال: و بالجملة فالاستدلال باستحباب النفض على عدم اشتراط العلوق محل نظر، و اما الاستدلال عليه بمنافاته لجواز التيمم بالحجر ففيه ان ابن الجنيد و كل من يشترط العلوق لا يجوزون التيمم بالحجر. انتهى كلامه. و هو كلام سديد و من تأمل الآية و الحديث حق التأمل و أصغى الى ما تلوناه لا يرتاب في كون القول باشتراط العلوق أوضح دليلا و أحوط سبيلا» انتهى كلام شيخنا البهائي، و هو مع كلام والده جيد متين و جوهر ثمين.
و اما الجواب عن الثالث فقد علم مما ذكرناه في الجواب عن الثاني، فإنه لما دلت الآية بمعونة الصحيحة المذكورة على اعتبار العلوق وجب القول به و تخصيص ما دل من الاخبار على مطلق الأرض بذلك، و اما الآية فقد عرفت مما قدمنا اختلاف اللغويين في تفسير الصعيد فيها و قد عرفت ما ورد في تفسيرها عن أهل البيت (عليهم
336
السلام) و قد قدمنا انه لا وجه للتعلق بها في المقام، على ان الاخبار فيها ما هو بلفظ الأرض و فيها ما هو بلفظ التراب و فيها ما هو بلفظ الصعيد و قضية حمل مطلقها على مقيدها هو التخصيص بالتراب.
و اما الجواب عن الرابع فبالمنع مما ادعاه من ان الضربة الواحدة لا يبقى منها غبار يمسح به الوجه و اليدين كما هو ظاهر. و اللّٰه العالم.
(الخامسة) [وجوب الضرب باليدين معا انما هو مع الإمكان]
- ينبغي ان يعلم ان وجوب الضرب باليدين معا انما هو مع الإمكان، فلو قطعت إحداهما بحيث لم يبق من محل الفرض شيء سقط الضرب بها و اقتصر على الضرب بالأخرى و مسح الوجه بها، و لو بقي من محل الفرض شيء ضرب به، و لو قطعتا معا فإن بقي من محل الفرض شيء فهو كما تقدم و ان لم يبق شيء بالكلية سقط الضرب بهما، و المفهوم من كلام الأصحاب ان الواجب حينئذ هو مسح الجبهة بالتراب لان سقوط أحد الواجبين لعذر لا يستلزم سقوط ما لا عذر فيه، و ظاهر المبسوط سقوط التيمم و الصلاة في الصورة المفروضة، قال في المختلف: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان مقطوع اليدين من الذراعين سقط عنه فرض التيمم. و هذا على إطلاقه ليس بجيد، فإنه ان أراد سقوط فرض التيمم على اليدين أو سقوط جملة التيمم من حيث هو فهو حق، و ان عنى به سقوط جميع اجزائه فليس بجيد لانه يجب عليه مسح الجبهة لأنه متمكن من مسحها فيجب لوجود المقتضى و انتفاء المانع. احتج الشيخ بان الدخول في الصلاة انما يسوغ مع الطهارة المائية فإن تعذرت فمع مسح الوجه و الكفين لقوله تعالى: «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» و إذا كان المنع انما يزول بفعل المجموع و لم يتحقق بفعل البعض لم يزل المنع. و الجواب ان التكليف بالصلاة غير ساقط عنه هنا و إلا سقط مع الطهارة المائية إذا قطع أحد الأعضاء و ليس كذلك إجماعا، و إذا كان التكليف ثابتا وجب فعل الطهارة و لا يمكن استيفاء الأعضاء و ليس البعض شرطا في الآخر فيجب الإتيان بما يتمكن منه، و الظاهر ان مراد الشيخ ما قصدناه. انتهى. أقول: الظاهر ان هذه الحجة انما هي
337
من كلامه (قدس سره) لا من كلام الشيخ، لعدم انطباقها على الترديد بين الاحتمالين الذي ذكره في عبارة الشيخ. و لقوله أخيرا: و الظاهر ان مراد الشيخ ما قصدناه. و بالجملة فإن تعليله ينافي ترديده و تأويله الذي حمل كلام الشيخ عليه.
و ربما استدل على وجوب التيمم بما بقي و الصلاة في الصورة المذكورة
بما روي من قوله (عليه السلام) (1): «الميسور لا يسقط بالمعسور».
و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (2): «إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم».
و فيه خدش فان هذين الخبرين و ان تناقلهما الأصحاب في كتب الاستدلال إلا اني لم أقف عليهما في شيء من الأصول.
و بالجملة فالمسألة عندي هنا لا تخلو من شوب الاشكال لعدم النص الواضح في هذا المجال، و كذا في الوضوء لو قطعت يداه في فوق المرفقين بحيث لم يبق من محل الغسل شيء، اما لو بقي شيء و لو طرف العضد الذي هو أحد جزئي المرفق فإن صحيحة علي بن جعفر (3) قد دلت على الاكتفاء بما بقي في عضده، و مثل ذلك ما لو كان في كفه قروح أو جروح تمنع من الضرب أو كان كفه نجسا بنجاسة تتعدى الى التراب متى ضرب عليه، و مع تعذر الإزالة ينتقل الى الضرب بظهر الكف ان لم يكن كذلك و إلا اقتصر على مسح الجبهة. و الاحتياط في أمثال هذه المواضع مما لا ينبغي الإخلال به
(السادسة) [عدد الضربات في التيمم]
- اختلف الأصحاب في عدد الضربات في التيمم، فقال الشيخان في المقنعة و النهاية و المبسوط ضربة للوضوء و ضربتان للغسل، و هو اختيار الصدوق في الفقيه و سلار و ابي الصلاح و ابن إدريس و أكثر المتأخرين. و قال السيد المرتضى في شرح الرسالة الواجب ضربة واحدة في الجميع، و هو اختيار ابن الجنيد و ابن ابي عقيل
____________
(1) رواه النراقي في العوائد ص 88 و مير فتاح في العناوين ص 146 عن عوالي اللئالي عن على (ع).
(2) رواه مسلم في صحيحة ج 1 ص 513 و النسائي ج 2 ص 1 و ابن حزم في المحلى ج 1 ص 64 بإسناد متصل الى ابى هريرة.
(3) ج 2 ص 245.
338
و المفيد في المسائل الغرية، و اختاره جمع من متأخري المتأخرين: منهم- السيد في المدارك و هو الظاهر. و نقل عن المفيد في الأركان الضربتان في الجميع، و حكاه المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى و المختلف عن علي بن بابويه، و مقتضى كلامه في الرسالة على ما نقل عنه في الذكرى اعتبار ثلاث ضربات، فإنه قال: إذا أردت ذلك فاضرب بيديك على الأرض مرة واحدة و انفضهما و امسح بهما وجهك ثم اضرب بيسارك الأرض فامسح بها يمينك من المرفق إلى أطراف الأصابع ثم اضرب بيمينك الأرض فامسح بها يسارك من المرفق إلى أطراف الأصابع. و لم يفرق بين الوضوء و الغسل، و نقل في المعتبر القول بالثلاث عن قوم منا بعد ان نقل عن علي بن بابويه المرتين في الجميع. و رجح المحقق الشيخ حسن في المنتقى القول بالمرتين و نقل انه مذهب جماعة من قدماء الأصحاب.
و الأصل في الاختلاف بين هذه الأقوال اختلاف الروايات كما عرفت، فمنها ما تضمن المرة و منها ما تضمن المرتين و منها ما تضمن الثلاث، و الظاهر ان مستند القول المشهور هو الجمع بين أخبار المرة و المرتين بحمل ما دل على المرة على الوضوء و ما دل على المرتين على الغسل، و بذلك جمع الشيخ في كتابيه بين الأخبار و تبعه الأصحاب كما هي عادتهم في أكثر الأبواب و احتجوا على هذا التفصيل بالخبر العاشر (1) و لا يخفى ان الخبر المذكور محتمل لمعنيين: (أحدهما)- ان المراد بقوله: «ضرب واحد للوضوء و الغسل» اي نوع واحد للطهارتين المذكورتين كما يقال الطهارة على ضربين مائية و ترابية ثم بين ان الضرب على الأرض مرتين، و على هذا يكون الخبر من الاخبار الدالة على المرتين مطلقا. و (ثانيهما)- ان يكون الضرب بمعنى الضربة و قوله: «و الغسل من الجنابة» مبدأ كلام آخر، و حاصله ان ضربة واحدة للوضوء و الغسل له ضربتان و على هذا الاحتمال يتم الاستدلال، إلا انه باعتبار قيام الاحتمال الأول و مساواته لما ذكر فالحمل
____________
(1) لا يخفى ان رقم الاخبار المذكور هنا و في الصفحة 339 و 340 خطأ فيما وقفنا عليه من النسخ و يلزم اضافة عدد واحد اليه فالصحيح هنا (الحادي عشر).
339
على أحدهما ترجيح من غير مرجح، و قد تقرر في قواعدهم ايضا انه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال. و استدل العلامة في المنتهى على ذلك ايضا بعد هذا الخبر قال:
و روى- يعني الشيخ- في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) «ان التيمم من الوضوء مرة واحدة و من الجنابة مرتان».
و لا يخفى ان هذا الخبر مما لم نقف له على وجود في كتب الأخبار و لا نقله ناقل غيره و من تبعه كالشهيدين في كتب الاستدلال بل هو وهم محض كما نبه عليه المحققان السيد السند في المدارك و الشيخ حسن في المنتقى و بذلك يظهر لك انه لا مستند لهذا القول مع ان ظواهر جملة من روايات الغسل (2) ترده و لا سيما رواية عمار المشتملة على تعليمه التيمم بدلا من الغسل فإنها إنما اشتملت على الضربة، و أظهر من ذلك دلالة الحديث الحادي عشر على ان تيمم الوضوء و الجنابة و الحيض سواء، و بالجملة فضعف هذا القول مما لا ينبغي ان يستراب فيه. و اما ما يدل على القول بالضربة الواحدة فالخبر الأول من الاخبار المتقدمة و الثاني و الثالث و الرابع و الخامس و السادس و السابع (3). و اما ما يدل على القول بالضربتين فالثامن و التاسع و الرابع عشر و الثامن عشر. و اما ما يدل على الثلاث فالسادس عشر. و أنت خبير بأنه لا ريب في ضعف القول بالثلاث لندرته و ان صح مستنده بهذا الاصطلاح فإنه محمول على التقية (4) كما صرح به جملة من أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) فهو قول مرغوب عنه.
و انما يبقى الكلام في الجمع بين روايات المرة و روايات المرتين و لا يخلو من أحد وجوه: (الأول)- ما هو المشهور من الجمع بالتفصيل، و قد عرفت ما فيه (الثاني)- ما ذهب إليه في المنتقى حيث اختار العمل بأخبار التثنية من حمل أخبار المرة على ارادة بيان كيفية المسح دفعا لتوهم شموله لأعضاء الطهارة التي ينوب عنها التيمم كما وقع لعمار.
____________
(1) تعرض له في الوسائل في الباب 12 من أبواب التيمم.
(2) الظاهر «التيمم».
(3) و الثامن، و يضاف الى كل من الرقم المتقدم س 9 و الأرقام الآتية عدد واحد.
(4) حكاه في البحر الرائق ج 1 ص 145 عن ابن سيرين و من تبعه.
340
و الظاهر بعده لكثرة الأخبار الواردة بذلك و تعددها في موارد و قلة ما يدل على هذا القول الذي اختاره، و المتبادر منها انما هو قصد التعليم و ارادة بيان كيفية التيمم كما في اخبار الوضوء البياني (الثالث)- ما ذهب اليه المرتضى و من تبعه من متأخري المتأخرين من حمل أخبار التثنية على الاستحباب. و فيه ما عرفت مما قدمناه في غير باب (الرابع)- و هو الأظهر عندي ما ذكره شيخنا المجلسي في البحار من حمل اخبار المرتين على التقية، قال (قدس سره): «و الأقرب عندي حمل اخبار المرتين على التقية لأنه قال الطيبي في شرح المشكاة في شرح حديث عمار: ان في الخبر فوائد: منها- ان في التيمم تكفي ضربة واحدة للوجه و الكفين و هو مذهب علي (عليه السلام) و ابن عباس و عمار و جمع من التابعين، و ذهب عبد اللّٰه بن عمر و جابر من التابعين و الأكثرون من فقهاء الأمصار الى ان التيمم ضربتان (1) انتهى. فظهر من هذا ان القول المشهور بين المخالفين الضربتان و ان الضربة مشهورة عندهم من مذهب أمير المؤمنين (عليه السلام) و عمار التابع له في جميع الأحكام و ابن عباس الموافق لهما في أكثرها، فتبين ان اخبار الضربة أقوى و اخبار الضربتين حملها على التقية أولى و ان كان الأحوط الجمع بينهما فيهما» انتهى كلامه زيد مقامه، و هو المختار، و منه يعلم الوجه في الخبر الخامس عشر (2) الذي يدل على مذهب علي بن بابويه فإنه لا محمل له إلا التقية و لا سيما مع اشتماله على مسح الوجه كملا و اليدين من المرفقين المخالف للقرآن كما سيتضح لك ان شاء اللّٰه تعالى بأوضح بيان.
تنبيه [هل يكتفي غير الجنب بتيمم واحد؟]
قال في الذكرى: «ظاهر الأصحاب ان الأغسال سواء في كيفية التيمم، قال في المقنعة بعد ذكر تيمم الجنب و كذلك تصنع الحائض و النفساء و المستحاضة بدلا من الغسل، و روى أبو بصير ثم ساق الخبر الثاني عشر من الاخبار المتقدمة ثم أشار الى الخبر الحادي
____________
(1) حكاه في بداية المجتهد ج 1 ص 64 عن مالك و ابى حنيفة و الشافعي.
(2) الرقم خطأ كما تقدم و يضاف اليه عدد واحد و كذا في السطر الأخير من هذه الصفحة.
341
عشر بأنه مثله، ثم قال و خرج بعض الأصحاب وجوب تيممين على غير الجنب بناء على وجوب الوضوء هنا لك و لا بأس به و الخبران غير مانعين منه لجواز التسوية في الكيفية دون الكمية» انتهى. قال في المدارك: «و ما ذكره أحوط و ان كان الأظهر الاكتفاء بالتيمم الواحد بناء على ما اخترناه من اتحاد الكيفية و عدم اعتبار نية البدلية فيكون جاريا مجرى أسباب الوضوء أو الغسل المختلفة، و لو قلنا باجزاء الغسل مطلقا عن الوضوء كما ذهب اليه المرتضى (رضى اللّٰه عنه) ثبت التساوي مطلقا من غير اشكال» انتهى. أقول: لا ريب انه على تقدير القول بوجوب الوضوء مع كل غسل عدا الجنابة فإن الأوفق بقواعدهم و ما قرروه في غير مقام من ان تعدد الأسباب يقتضي تعدد المسببات ان الواجب في التيمم بدلا من الغسل غير الجنابة هو التعدد فيتيمم بدلا من الوضوء و آخر بدلا من الغسل، فقولهم بمساواة الأغسال ان أريد به في الكمية بمعنى الاكتفاء بتيمم واحد فهو خروج عن مقتضى أصولهم و قواعدهم إلا ان كلامهم غير صريح في ذلك، و ان أريد في الكيفية فلا منافاة إذ المراد ان كيفية التيمم عن سائر الأغسال مثل كيفية التيمم عن غسل الجنابة و ان وجب تيمم آخر عن الوضوء، و اما على تقدير مذهب المرتضى- و هو الأظهر كما تقدم تحقيقه في باب غسل الجنابة- فلا إشكال في اجزاء تيمم واحد. و اما ما ذكره في المدارك بناء على القول المشهور من وجوب الوضوء مع الأغسال- من انه يكفي تيمم واحد بناء على القول باتحاد الكيفية و عدم اعتبار نية البدلية- فظني عدم استقامته لان وجوب التعدد على القول المذكور انما استند الى تعدد الأسباب، فإن سبب الوضوء هو الحدث الأصغر و سبب الغسل هو الحدث الأكبر و هكذا في بدليهما يجب تعددهما لذلك، و القول باتحاد الكيفية على هذا التقدير لا مدخل له في ذلك بل يجب الإتيان بتيممين بمقتضى السببين المتعددين و ان كانا على كيفية واحدة، اللهم إلا ان يريد الاكتفاء بتيمم واحد على تقدير القول بالتداخل. و فيه ان قيام الدليل على التداخل في الأغسال لا يقتضي انسحابه هنا من غير
342
دليل. و اما عدم اعتبار نية البدلية فهو هنا غير مسلم، إذ محل البحث المتقدم في اعتبارها و عدمه انما هو في غير هذه الصورة مما لا يحتاج الى التمييز مما لا اشتراك فيه، و اما هنا فقد استقر في ذمته تيمم بدلا عن الوضوء و آخر بدلا عن الغسل فلا ينصرف واحد منهما إلى البدلية عما هو بدل عنه الا بنية البدلية عما هو بدل عنه بعين ما صرحوا به فيما إذا اشتغلت الذمة بفروض واجبة متعددة أداء و قضاء، فإنه يجب الإتيان بنية الأداء مع قصد الأداء و القضاء مع قصد القضاء كما لا يخفى و اللّٰه العالم.
(المقام الثالث)- في مسح الجبهة
، و قد اختلف الأصحاب في هذا المقام ايضا فالمشهور بين الأصحاب انه يجب مسح الجبهة من قصاص شعر الرأس إلى طرف الأنف الأعلى و هو العرنين لا الأعلى باعتبار النتو كما ربما يتوهمه من لا تحصيل له، و قال الصدوق في الفقيه: «و إذا تيمم الرجل للوضوء ضرب يديه على الأرض مرة واحدة ثم نقضهما و مسح بهما جبينيه و حاجبيه و مسح على ظهر كفيه. الى آخره» و نقل عن علي بن بابويه مسح الوجه بأجمعه كما تقدم في عبارته، و الصدوق في المجالس اختار مذهب أبيه و نسب مذهبه في الفقيه إلى الرواية، و ظاهر كلام جملة من الأصحاب: منهم- صاحب المدارك و غيره في نقل مذهب الصدوق أنه أضاف الجبينين و الحاجبين إلى الجبهة و عبارته في الفقيه- كما ترى- ظاهرة في اختصاص المسح بالموضعين المذكورين و لا ادري من اي موضع نقلوا عنه هذا القول؟ و لعل الوجه في هذا النقل هو انه حيث كان المسح على الجبهة متفقا عليه و انما الخلاف فيما زاد عليها حملوا كلامه على ذلك، و قال في المدارك بعد نقل الخلاف في المسألة: و المعتمد وجوب مسح الجبهة و الجبينين و الحاجبين خاصة، ثم أورد الآية و ساق جملة من الأخبار المشتمل بعضها على الجبين و بعضها على الجبهة و أكثرها على الوجه، الى ان قال: و بهذه الروايات أخذ علي بن بابويه (قدس سره) و يمكن الجواب عنها بالحمل على الاستحباب أو على ان المراد بمسح الوجه مسح بعضه، قال في المعتبر: و الجواب الحق العمل بالخبرين فيكون مخيرا بين مسح الوجه
343
و بعضه لكن لا يقتصر على أقل من الجبهة. و هو حسن. اما مسح الحاجبين بخصوصهما فلم أقف على مستنده. انتهى كلامه.
أقول: و أنت خبير بأن الاخبار في هذا المقام لا تخلو من اشتباه و إشكال، فإن جملة منها قد تضمنت لفظ الوجه كالخبر الأول و الثاني و الثالث و الخامس و الثامن و التاسع و العاشر و الحادي عشر و الخامس عشر و السادس عشر و السابع عشر و التاسع عشر و جملة منها قد تضمنت لفظ الجبين مفردا و هو الخبر الرابع و السابع و الثامن عشر إلا ان فيه بلفظ التثنية، و منها ما تضمن لفظ الجبهة و هو الخبر السادس على إحدى روايتي الشيخ في التهذيب و اما في رواية الكافي و رواية الشيخ الأخرى التي نقلها بطريق صاحب الكافي انما هو «جبينه» مفردا، و من هنا ينقدح الإشكال في انه لا دليل على القول المشهور من وجوب مسح الجبهة إلا على رواية واحدة على تقدير إحدى روايتي الشيخ لها، و اما على تقدير الروايتين الأخريين فلا دليل بالكلية على القول المذكور و تكون هذه الرواية من قبيل الروايات المتضمنة للجبين، و الظاهر في الجمع بين هذه الاخبار هو رد اخبار الوجه و الجبين إلى الجبهة و ان عبر عنها بهذين اللفظين توسعا و تجوزا فان باب المجاز واسع، و إلا لاضطربت الاخبار و لزم خلو القول بالجبهة الذي هو المشهور بل المجمع عليه ظاهرا من دليل أو ضعف دليله و ندرته بل دلالة الأخبار الكثيرة على خلافه.
و تفصيل هذه الجملة على وجه ابسط ان يقال ان لفظ الجبين الواقع في هذه الاخبار لا يخلو من أحد معان ثلاثة: (الأول) ان يراد معناه لغة و عرفا و هو ما اكتنف الجبهة من جانبيها مرتفعا عن الحاجبين الى قصاص الشعر، و حينئذ فوروده في مقام البيان في جملة من الاخبار- كما عرفت- يقتضي الاقتصار عليه دون الجبهة، و فيه من البعد ما لا يخفى سيما مع استلزامه ترك الجبهة المتفق على تخصيصها بالمسح. و (ثانيها) ان يراد به ما يشمل الجبهة و الجبين معا مجازا. و فيه انه خلاف ما عليه الأصحاب من التخصيص
344
بالجبهة و يوجب ان يكون ما ذهب إليه الأصحاب من التخصيص خاليا من المستند أو نادر المستند بناء على ما عرفت آنفا، و هذا الوجه و ان كان أقل اشكالا من الأول إلا انه بعيد أيضا غاية البعد. و (ثالثها) و هو الظاهر ان يراد به الجبهة خاصة لمجاز المجاورة و يؤيده ورود الجبين في الاخبار بلفظ الافراد، و على هذا الوجه يتم كلام الأصحاب و الظاهر انه هو الذي فهموه من الاخبار المشار إليها و اتفقوا على القول به، و بذلك يظهر انه لا وجه لضم الجبينين إلى الجبهة وجوبا أو استحبابا إذ لا دليل عليه، و يؤيده هذا الوجه أيضا إطلاق لفظ الجبين على الجبهة في اخبار السجود كما- في حسنة عبد اللّٰه بن المغيرة
و موثقة عمار الدالتين على انه «لا صلاة لمن لا يصيب انفه ما يصيب جبينه» (1).
و على هذا ايضا تحمل اخبار الوجه فإنه إنما أريد منها الجبهة خاصة، كما وقع نظيره من اخبار السجود ايضا المختص بالجبهة نصا و فتوى، كما في صحيحة أبي بصير و حسين بن حماد الدالتين على استواء موضح السجود و موضع القيام،
حيث قال في الأولى (2):
«اني أحب ان أضع وجهي في موضع قدمي».
و في الثانية (3): «في من سجد على موضع مرتفع قال: جر وجهك على الأرض من غير ان ترفعه».
و بالجملة فالمراد في جميع هذه الاخبار انما هو الجبهة خاصة و ان اختلفت عبارتها توسعا باعتبار ظهور الحال و معلومية الحكم يومئذ، فعبر في بعض بلفظ الجبهة و في آخر بلفظ الجبين و في ثالث بلفظ الوجه نظير ما عرفت في باب السجود، و يوضح ما ذكرناه كلامه (عليه السلام)
في الفقه الرضوي مما قدمنا نقله من الخبر التاسع عشر و قوله: «تمسح بهما وجهك موضع السجود».
فعبر بالوجه و أبدل منه موضع السجود و هو الجبهة.
و على هذا تجتمع الاخبار في الانطباق على كلام الأصحاب (رضوان اللّٰه
____________
(1) رواهما في الوسائل في الباب 4 من أبواب السجود.
(2) رواها في الوسائل في الباب 10 من أبواب السجود.
(3) رواها في الوسائل في الباب 8 من أبواب السجود.
345
عليهم) و يسقط القول بضم الجبينين وجوبا أو استحبابا كما ذكره السيد في المدارك و من تبعه، و الظاهر ان الحامل له على هذا القول هو انه قد ذكر في الاستدلال على ما قدمنا نقله عنه الخبر الرابع المشتمل على الجبين ثم عقبه بالسادس الدال على الجبهة بإحدى روايتي الشيخ ثم نقل جملة من اخبار الوجه، فحمل روايات الوجه على مذهب الشيخ علي بن بابويه يعني مسح الوجه كملا و جمع بينها و بين ما اختاره بالحمل على الاستحباب فبقي عنده التعارض بين خبري الجبهة و الجبين فجمع بينهما بوجوب مسح الجميع.
و فيه (أولا)- ان موثقة زرارة- و هي الخبر السادس- المشتملة على مسح الجبهة قد عرفت انها بعينها قد رواها في الكافي بلفظ الجبين و الشيخ قد رواها عنه أيضا في موضع آخر بلفظ الجبين، و لا ريب ان الترجيح للروايتين بلفظ الجبين لتعددها من الشيخين في الكتابين، مضافا الى ما قدمنا في غير موضع من التنبيه على ما وقع للشيخ في الكتاب المذكور من التحريف و التغيير و الزيادة و النقصان في الأخبار متونها و أسانيدها كما هو ظاهر لمن تتبع اخباره، و بالجملة فالموثقة المذكورة باعتبار اختلاف روايتها لا بد في الاستدلال بها من النظر في الراجح من النقلين ليكون العمل عليه في البين، و لا ريب في ترجيح نقل صاحب الكافي المتأيد بنقل الشيخ لها كذلك دون ما انفرد هو بنقله لما عرفت من احتمال تطرق السهو اليه، و لكنه (قدس سره) معذور حيث انه لم يراجع الكافي و لم يطلع على رواية الشيخ لها في ذلك الموضع الآخر.
و (ثانيا)- ان ما ادعاه من ان روايات الوجه التي نقلها هي مستند الشيخ علي ابن بابويه فالظاهر انه ليس كذلك، فإنها و ان تضمنت ذكر الوجه إلا انها قد تضمنت مسح الكفين خاصة كما هو القول المشهور و ابن بابويه قال بمسح الذراعين، بل دل بعضها و هو الخبر الثالث مما قدمناه من الأخبار بعد ذكر مسح الوجه على انه مسح كفيه و لم يمسح الذراعين بشيء، و العجب انه قد ذكر هذا الخبر في جملة ما أورد و مع هذا يزعم انها مستند ابن بابويه. و التحقيق ان الوجه في هذه الأخبار انما هو حمل الوجه على
346
الجبهة كما قدمنا تحقيقه، و اخبار علي بن بابويه انما هي الخبر الخامس عشر و السادس عشر و السابع عشر المشتملة على مسح الوجه كملا و الذراعين من المرفقين لا هذه الأخبار التي توهمها، و هذا بحمد اللّٰه سبحانه ظاهر لا سترة عليه.
و (ثالثا)- ان ما نقله عن المعتبر في كلامه المتقدم من التخيير بين مسح الوجه و بعضه و استحسنه فهو بعيد من الحسن بمراتب كما لا يخفى على ذي الفهم الصائب، و مثله ما وقع له في مسح اليدين من المرفقين كما دلت عليه اخبار علي بن بابويه المشار إليها فإنه جوز ذلك جمعا بين الأخبار و هو من الفساد بوجه لا يخفى على ذوي الأفكار، و ذلك فإنه قد تقدم في صحيحة زرارة الواردة في تفسير الآية (1) التنصيص بالنص الصريح الذي ليس عنه محيص في الآية و الخبر المذكور على التبعيض في الوجه و اليدين، و قد استفاض في الاخبار ان ما خالف كتاب اللّٰه فهو زخرف و انه يضرب به عرض الحائط (2) و الاخبار المذكورة محمولة عند محققي أصحابنا على التقية (3) التي هي في اختلاف الأخبار أصل كل بلية فلا ينبغي ان يلتفت إليها و لا يعرج عليها.
و (رابعا)- ان قوله ايضا: «و اما مسح الحاجبين خاصة فلم أقف على مستنده» موجب للطعن عليه في ذكره له بالخصوص دون سائر أجزاء الوجه بقوله:
«و المعتمد وجوب مسح الجبهة و الجبينين و الحاجبين» بقي الكلام في ذكر الصدوق له في عبارته التي قدمنا نقلها عنه في الفقيه و الظاهر ان كلامه هذا مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي فإني لم أعثر عليه في غيره، حيث انه (عليه السلام) بعد ان ذكر ما قدمنا نقله عنه قال في آخر البحث «و قد روى انه يمسح الرجل على جبينيه و حاجبيه و يمسح على ظهر كفيه» أو ان هذه الرواية التي ذكرها (عليه السلام) وصلت الى الصدوق (قدس سره) و لم
____________
(1) ص 333.
(2) رواه في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي و ما يقضى به.
(3) ذكر الشيرازي الشافعي في المهذب ج 1 ص 32 في بيان كيفية التيمم مسح الوجه اجمع و اليدين الى المرفقين و كذا في المغني ج 1 ص 254 و بدائع الصنائع و البحر الرائق.
347
تصل إلينا، و عبارة الصدوق المتقدمة عين هذه العبارة و ظاهرها هو تخصيص المسح بهذين الموضعين دون الجبهة. و كيف كان فالأحوط ضم الجبينين و الحاجبين الى مسح الجبهة لهذه الرواية سيما مع عمل الصدوق بها.
و قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض بعد ذكر مسح الجبهة و تحديدها: و هذا القدر متفق عليه و زاد الصدوق مسح الحاجبين ايضا و في الذكرى لا بأس به، و زاد بعضهم مسح الجبينين و هما المحيطان بالجبهة يتصلان بالصدغين لوجوده في بعض الاخبار و الزيادة غير المنافية مقبولة، و لا بأس به. و لا يجب استيعاب الوجه على المشهور لدلالة أكثر الاخبار على مسح الجبهة و نقل المرتضى (رضي اللّٰه عنه) في المسائل الناصرية إجماع الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) عليه، و يدل عليه الباء في قوله تعالى: «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» لما تقرر من انها إذا دخلت على المتعدي تبعضه كما اختاره جماعة من الأصوليين و أهل العربية و قد نص على ذلك أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) في حديث زرارة المتقدم في الوضوء (1) ثم ذكر مذهب علي بن بابويه و طعن في اخباره بضعف السند، ثم قال و يمكن حملها على الاستحباب.
أقول: لا يخفى ما في كلماتهم هنا من البعد عن ساحة الأخبار الواردة في المسألة كما عرفت مما قدمنا ذكره و مما في كلامه هنا (أولا) نسبته الى الصدوق مسح الحاجبين مع انه ذكر الحاجبين و الجبينين مخصصا للمسح بهما لا زائدا لهما على الجبهة. و (ثانيا) ما ادعاه من دلالة أكثر الاخبار على مسح الجبهة مع انه لا وجود له كما عرفت إلا في رواية واحدة على تقدير أحد الطريقين و إلا فلا وجود لها بالكلية. و (ثالثا) ما ادعاه من حمل روايات علي بن الحسين على الاستحباب الذي اتخذوه ذريعة في جميع الأبواب و لا دليل عليه من سنة و لا كتاب مع مخالفته هنا لنص القرآن العزيز و الخبر الصحيح الصريح في الباب.
____________
(1) ص 333.
348
فروع:
(الأول) [هل يجب الابتداء بالأعلى؟]
- المشهور بين الأصحاب وجوب الابتداء في المسح بالأعلى و علله في الذكرى اما لمساواة الوضوء و اما تبعا للتيمم البياني. و رده في المدارك بان ضعفهما ظاهر. أقول: اما التعليل الأول فلا ريب في ضعفه لانه لا يخرج عن مجرد القياس، و اما الثاني فهو جيد لو ثبت ذلك في التيمم البياني كما ذكره إلا انه لا وجود له في شيء منها على تعددها و كثرتها كما عرفت مما قدمناه و هو اخبار المسألة كملا لم يشذ منها شاذ، و انما تضمنت الأمر أو الاخبار بمسح الوجه أو الجبين أو الجبهة كيف اتفق من غير تعرض لبيان الكيفية بالكلية، و لو دلت على ما ذكره كلا أو بعضا لكان القول بذلك جيدا كما حققناه في مسألة الابتداء بالأعلى في غسل الوجه.
و حيث ان صاحب المدارك ممن ناقش ثمة في وجوب الابتداء بالأعلى مع اشتمال الوضوء البياني عليه نسب القول بذلك هنا بناء على وجود ذلك في التيمم البياني إلى الضعف، و هو غير جيد لما عرفت ثمة و كان الطريق الأليق له هنا في المناقشة انما هو منع وجود ذلك في التيمم البياني كما ذكرنا، نعم قد ورد ذلك في عبارة الفقه الرضوي كما قدمناه و لعلها هي المستند في الحكم المذكور عند المتقدمين كما عرفت في غير موضع و ان غفل عنه المتأخرون لعدم ظهور الكتاب المذكور عندهم.
(الثاني) [هل يجب المسح بالكفين معا دفعة؟]
- المشهور بين الأصحاب وجوب المسح بالكفين معا دفعة فلو مسح بإحداهما لم يجزئ، و نقل عن ابن الجنيد انه اجتزأ باليد اليمنى لصدق المسح، و هو ضعيف مردود بالأخبار المتقدمة لاشتمالها فعلا و قولا على المسح بهما معا.
(الثالث) [لا يجب الاستيعاب في الماسح]
- الظاهر ان المراد من المسح باليدين أو بالكفين هو الاكتفاء بجزء من كل من اليدين بحيث يمره على الممسوح و ان يستوعب الممسوح بالمسح بهما، و اما استيعاب الماسح فالظاهر عدمه لعدم إمكانه كما لا يخفى، و يشير الى ما ذكرنا قوله (عليه السلام) في الحديث الرابع حكاية عن الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله): «ثم مسح جبينه بأصابعه» و اما ما ذكره في المدارك بعد ذكر الرواية المذكورة- من ان الاولى المسح
349
بمجموع الكفين عملا بجميع الاخبار- فلا اعرف له وجها، فإنه ان أراد استيعاب الماسح حال المسح كما هو ظاهر كلامه فهو متعذر، إذ لا يخفى أن الجبهة لا يزيد قدرها على مقدار إصبعين أو ثلاث أصابع مضمومة فكيف ينطبق على هذا المقدار مجموع الكفين مع ما هما عليه من السعة و الانتشار عرضا و طولا؟ نعم لو كان الممسوح مجموع الوجه لربما أمكن ذلك اما في الجبهة فهو غير ممكن، و ان أراد بمجموع الكفين يعني بجزء من كل منهما بحيث يحصل استيعاب الجبهة بهما معا فهو ما نقوله و هو الذي دل عليه الخبر فلا معنى لهذه الأولوية بعد ذكر الخبر الدال على ذلك، و الظاهر انه تبع في ذلك ما ذكره في الذكرى بقوله: «الأقرب وجوب ملاقاة بطن الكفين للجبهة» و فيه ما عرفت.
و بالجملة فإن غاية ما يفهم من الاخبار المتقدمة انه يمسح بيديه جبهته أو جبينه مع انطباق الماسح على الممسوح أعم من ان يكون كلا أو بعضا، و حينئذ فيحمل إطلاقها على ما دلت عليه الصحيحة المذكورة من الاكتفاء بجزء من كل منهما لا المجموع، مع انهم قد صرحوا في مسألة السجود على الكفين بالاكتفاء بالمسمى بل نقل في المدارك ثمة انه لا يعرف خلافا في ذلك، و سؤال الفرق متجه إذ لا مستند للجميع إلا الإطلاق، هذا مع إمكان الانطباق كما ذكرناه، و اما مع عدمه كما عرفت فالأمر أهون من ذلك.
(المقام الرابع)- في مسح الكفين
و هو المشهور بين الأصحاب و حدهما من الزند إلى أطراف الأصابع، و الزند مفصل الكف و الذراع و يسمى الرسغ بضم الراء ثم السين المهملة ثم الغين المعجمة، و في المسألة قولان آخران: (الأول) قول علي ابن بابويه و ابنه في المجالس بمسح اليدين من المرفقين الى رؤوس الأصابع. و (الثاني)- ما نقله ابن إدريس عن بعض الأصحاب ان المسح على اليدين من أصول الأصابع إلى رؤوسها.
و يدل على القول المشهور- و هو المؤيد المنصور- الأخبار الكثيرة المؤيدة بظاهر الآية، ثم لا يخفى ان الأخبار المذكورة أكثرها قد صرح بالكفين و بعض بلفظ اليدين و قضية حمل المطلق على المقيد التخصيص بالكفين، و هي ظاهرة في رد القولين الآخرين
350
للتخصيص بالكفين كما عرفت و لا سيما الخبر الثالث و قوله (عليه السلام): «و لم يمسح الذراعين بشيء» فإنه صريح في رد ما ذهب اليه ابن بابويه، و قوله (عليه السلام) في الخبر الأول و الثاني: «و مسح يديه فوق الكف قليلا» إشارة إلى إدخال جزء من الذراع من باب المقدمة فإنه صريح في رد القول الثاني.
و مما يدل على مذهب ابن بابويه الخبر الخامس عشر و السادس عشر و السابع عشر، و هي- كما عرفت- مطروحة عندنا مردودة إلى قائلها لمخالفتها لظاهر القرآن المأمور بعرض الأخبار عليه و الأخذ بما وافقه و رد ما خالفه، و قد عرفت مما أوضحناه في سابق هذا المقام مخالفتها لظاهر الآية المفسرة في الرواية الصحيحة بالتبعيض في كل من الوجه و اليدين فلا مسح على اليدين كملا لا تخييرا و لا استحبابا كما صار إليه أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) جمعا بين أخبار المسألة، و العجب منهم كيف الغوا هذه القواعد الشرعية التي استفاضت اخبار أئمتهم (عليهم السلام) بها و نبذوها وراء ظهورهم، فليت شعري لمن ألقيت هذه القواعد و من خوطب بها سواهم؟ و هم قد ألغوها في جميع أبواب الفقه و عكفوا على الجمع بين الأخبار بالكراهة و الاستحباب مع ظهور الحمل على التقية في مواضع و مخالفة القرآن في مواضع كما حققناه في أبواب هذا الكتاب و سنشير اليه فيما يأتي ان شاء اللّٰه تعالى في غير هذا الباب، ما هذا إلا عجب عجاب.
و اما القول الثاني فيدل عليه الحديث الرابع عشر، و هو مع ضعفه و شذوذه لا يبلغ قوة المعارضة لما عرفت من الأخبار المجمع على العمل بها قديما و حديثا بين الطائفة المحقة فيجب إطراحه و إرجاعه إلى قائله (عليه السلام) و الظاهر انه الى هذه الرواية أشار مولانا الرضا (عليه السلام) في الفقه الرضوي بقوله: «و روي من أصول الأصابع. إلخ».
و اعلم انه قد استدل في المدارك على القول المشهور بعد نقل الأقوال المتقدمة و اختياره المشهور هنا فقال: لنا قوله تعالى «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ» و الباء للتبعيض كما بيناه، و أيضا فإن اليد هي الكف الى الرسغ يدل عليه قوله تعالى: «وَ السّٰارِقُ
351
وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا» (1) و الإجماع منا و من العامة منعقد على انها لا تقطع من فوق الرسغ و ما ذاك إلا لعدم تناول اليد له حقيقة، ثم قال: و يدل عليه أيضا الأخبار المستفيضة.
أقول: لا يخفى ما في كلامه هنا من النظر الظاهر (اما أولا)- فإن الآية إنما تنفي مذهب ابن بابويه خاصة دون القول بالمسح من أصول الأصابع إلى رؤوسها لصدق البعضية هنا، فلا يتم استدلاله مطلقا على المدعى. و (اما ثانيا)- فان ما ذكره من ان اليد هي الكف الى الرسغ على إطلاقه ممنوع، فان اليد لها إطلاقات و معان عديدة:
منها- يد السارق و هي من أصول الأصابع. و منها- يد المتيمم و هي من الزند على الأشهر الأظهر رواية و فتوى، و منها- يد المتوضئ و هي من المرفقين، و منها اليد عرفا و هي من الكتف. و (اما ثالثا)- و هو أعجبها و أغربها، فإن استدلاله على ما ادعاه- من كون اليد من الرسغ بآية «وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ. الآية» مع ان يد السارق كما عرفت اتفاقا و به اعترف في آخر كلامه و بحثه بقوله: و موضع القطع من أصول الأصابع عند الأصحاب- عجيب غريب من مثل هذا المحقق الأريب. و بالجملة فكلامه هنا مختبط لا اعرف له وجها وجيها، و الأظهر هو الرجوع فيما ادعاه الى الاخبار خاصة كما ذكره بقوله: و يدل عليه الاخبار المستفيضة. إلخ.
فروع:
(الأول) [هل يجب الابتداء من الزند؟]
- المشهور وجوب الابتداء بالمسح من الزند الى رؤوس الأصابع فلو نكس بطل، و لم أقف لهم على دليل إلا ما ذكره بعضهم من المساواة للوضوء و هي لا تنهض بالدلالة. و المسألة محل اشكال و الاحتياط يقتضي ما قالوه سيما مع ترجحه بظاهر الرواية المنقولة في كتاب الفقه و قوله (عليه السلام): «ثم تضع أصابعك اليسرى على أصابعك اليمنى من أصول الأصابع من فوق الكف ثم تمرها على مقدمها على ظهر الكف» فإنه ظاهر في الابتداء من الزند، و قوله: «من فوق الكف» بدل من قوله «من أصول الأصابع».
____________
(1) سورة المائدة. الآية 38.
352
(الثاني) [محل المسح في الكفين]
- المشهور ان محل المسح في الكفين ظهورهما لا بطونهما. بل ظاهر كلامهم ان هذا الحكم مجمع عليه بين القائلين بتخصيص المسح بالكف، و أكثر الأخبار المتقدمة و ان كانت مطلقة في الحكم المذكور إلا ان الخبر الخامس و الثامن عشر قد صرحا بان الممسوح عليه ظهر الكف لا بطنها و عليهما يحمل إطلاق غيرهما من الاخبار.
(الثالث)- يجب تقديم اليمنى على اليسرى
، و ربما علل بأنه بدل مما يجب فيه التقديم. و هو ضعيف. و الروايات المتقدمة أكثرها مطلق إلا ان خبر السرائر و هو الثامن عشر قد تضمن انه مسح اليسرى على اليمنى و اليمنى على اليسرى، و الظاهر انه و ان كان العطف فيه بالواو التي لا تفيد الترتيب و انما تفيد لغة مجرد الجمع إلا ان المراد هو الترتيب بينهما، فإنه كثيرا ما يقع العطف بها كذلك في مقام الترتيب توسعا و اعتمادا على ظهور الحكم، أ لا ترى انه مع وجوب تقديم المسح على الجبهة على مسح الكفين فجملة من الاخبار انما اشتملت على العطف بينهما بالواو، و كل ذلك توسعا لظهور الحكم و شهرته، و أمثال ذلك مواضع لا تحصى يقف عليها المتتبع، و أصرح منها في ذلك قوله (عليه السلام) في الفقه الرضوي: «ثم تضرب بهما اخرى فتمسح بها اليمنى» فان عطف المسح بالفاء على الضرب يقتضي تقديم اليمنى، و الظاهر ان لفظ «بها» في العبارة غلط من الناسخ، و قوله في الرواية التي نقلها «ثم تضع أصابعك اليسرى على أصابعك اليمنى من أصول الأصابع من فوق الكف ثم تمرها على مقدمها على ظهر الكف ثم تضع أصابعك اليمنى على أصابعك اليسرى فتصنع بيدك اليمنى ما صنعت بيدك اليسرى على يدك اليمنى مرة واحدة» فإنه ظاهر بل صريح في الترتيب و تقديم اليمنى، و بالجملة فالعمل على وجوب تقديم اليمنى على اليسرى كما عليه الأصحاب و ان كانت أبواب المناقشة مفتوحة إلا انها عند التأمل و الإنصاف غير متجهة.
(الرابع)- الظاهر وجوب المسح بباطن الكف دون ظاهرها
لانه هو المتبادر
353
و المتكرر الذي ينصرف إليه الإطلاق، إلا ان يحصل العذر من المسح به فيجوز بالظهر مع احتمال التولية.
(الخامس)- لو كان له يد زائدة
فالكلام فيها كما تقدم في الوضوء.
(السادس)- لو كان على بعض أعضائه جبائر
من الوجه أو اليدين مسح على الجبائر كما تقدم في الوضوء إذا لم يتمكن من حلها، و النصوص و ان كانت خالية من خصوص ذكر هذا الفرع إلا ان المفهوم من عمومها الدلالة على ان الجبيرة قائمة مقام الجسد عند تعذر حلها فيجب الغسل فيها في موضع الغسل و المسح في موضعه مع تعذره و كذا المسح في التيمم، و لأن اللازم من عدم المسح عليها ترك الصلاة و سقوطها في الصورة المذكورة إذ لا تصح بدون طهارة، و من المعلوم بطلانه، فليس إلا ما قلناه، و الظاهر انه لا خلاف فيه. و لو كانت مكشوفة مسح عليها.
(السابع)- لو كانت مواضع المسح نجسة
يتعذر تطهيرها فالظاهر وجوب المسح عليها، إذ اشتراط طهارتها مخصوص بصورة الإمكان و مع التعذر يسقط، و يدل عليه إطلاق الأخبار المتقدمة، و الظاهر انه لا خلاف فيه فيما اعلم. و كذا لو كانت النجاسة في الأعضاء الماسحة فإنه يضرب بها على الأرض و يمسح إلا ان تكون نجاستها متعدية فتتعدى الى التراب المضروب عليه و ينجس بذلك فيشكل الحكم لما عرفت سابقا من اشتراط طهارة التراب الذي يمسح به، و الظاهر هنا سقوط الفرض و يدخل تحت مسألة فاقد الطهورين و قد تقدم الكلام فيها، و يحتمل التولية.
(الثامن)- يجب استيعاب الممسوح
من الجبهة و ظهر الكفين بالمسح بلا خلاف يعرف بل في المنتهى انه قول علمائنا و أكثر العامة ثم علله بأن الإخلال بمسح البعض إخلال بالكيفية المنقولة فلا يكون الآتي بذلك آتيا بالتيمم المشروع، و إطلاق كلامهم يقتضي عدم الفرق بين ان يكون الإخلال بمسح البعض عمدا أو نسيانا و لا في البعض بين القليل و الكثير و بذلك صرح في المعتبر، و هو كذلك لصدق الإخلال
354
بالكيفية الشرعية فيبطل، و اما الماسح فلا، اما الأول فلظواهر الأخبار المتقدمة بأنه يمسح جبهته و ظهر كفيه و المتبادر استيعابهما. و اما الثاني فلصدق المسح المأمور به بدون ذلك و تخرج صحيحة زرارة الدالة على مسح النبي (صلى الله عليه و آله) جبينه بأصابعه شاهدة على ذلك.
(المقام الخامس) في بيان جملة من الواجبات:
(الأول)- الترتيب
، و الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في انه يجب الضرب أولا ثم مسح الجبهة ثم ظهر الكف الأيمن ثم ظهر الكف الأيسر، و قد صرح بالإجماع على الحكم المذكور في المنتهى و التذكرة، و احتج عليه في التذكرة بقوله تعالى: «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ» فإن الواو للترتيب عند الفراء، و بان التقديم لفظا يستدعي سببا لاستحالة الترجيح من غير مرجح و لا سبب إلا التقديم وجوبا، و بأنه (عليه السلام) رتب في مقابلة الامتثال فيكون واجبا. و لا يخفى ما في الجميع من القصور و عدم الصلوح لتأسيس حكم شرعي.
و قال المرتضى (رضي اللّٰه عنه): كل من أوجب الترتيب في المائية أوجبه هنا و التفرقة منفية بالإجماع و قد ثبت وجوبه هناك فيثبت هنا. و فيه ما في سابقه. أقول: اما وجوب الضرب أولا ثم مسح الجبهة ثانيا ثم اليدين ثالثا فإنه مدلول جملة من الأخبار المتقدمة كالأول و الخامس و الثامن عشر و التاسع عشر و عليها يحمل ما أطلق من باقي الاخبار، و انما يبقى الكلام في اليد اليمنى و اليسرى و ترتب إحداهما على الأخرى، و قد تقدم الكلام فيه في الفرع الثالث من الفروع المتقدمة.
(الثاني)- المباشرة بنفسه
، و يدل عليه مضافا الى إجماع الأصحاب على ذلك قوله عز و جل «فَتَيَمَّمُوا» فان الخطاب فيه للمكلفين المأمورين بالتيمم و الصلاة، و حقيقة الأمر طلب الفعل من المأمور. نعم لو تعذر ذلك منه لمرض و نحوه فالظاهر جواز التولية، لكن هل يضرب المتولي بيدي العليل على الأرض ثم يرفعهما و يمسح بهما وجهه و يديه أو ان المتولي يضرب بيدي نفسه و يمسح بهما وجه العليل و يديه؟ لم أقف
355
في ذلك على نص، و يحتمل ان يقال انه ان أمكن الوجه الأول فهو الاولى بالتقديم و إلا فالثاني، و الأمر بالتولية في التيمم في الجملة مع العذر قد ورد في جملة من الأخبار لكن كونها على اي من الوجهين المتقدمين لم أقف على نص يدل عليه.
(الثالث) [الموالاة]
- أوجب الأصحاب هنا أيضا الموالاة و أسنده في المنتهى الى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، و احتج عليه بقوله تعالى: «فَتَيَمَّمُوا» أوجب علينا التيمم عقيب ارادة القيام إلى الصلاة و لا يتحقق إلا بمجموع اجزائه فيجب فعلها عقيب الإرادة بقدر الإمكان. و رده في المدارك بأنه غير جيد إذ من المعلوم ان المراد بالتيمم هنا المعنى اللغوي و هو القصد لا التيمم بالمعنى الشرعي. أقول: فيه ما تقدم في صدر الباب في تفسير الآية المذكورة من ان التيمم فيها إنما أريد به المعنى الشرعي و هو القصد الى التراب للمسح على الوجه و اليدين على الوجه المأمور به شرعا، و لا ريب ان مراده عز و جل هنا بقرينة ما قبل هذه الكلمة و ما بعدها ليس مجرد القصد و انما هو القصد المخصوص و هو عبارة عن قصد الصعيد و المسح به كما ذكر عز شأنه، و به يتم الاستدلال الذي ذكره العلامة (قدس سره) من انه أوجب علينا التيمم الذي هو القصد المخصوص عقيب ارادة القيام إلى الصلاة. الى آخر ما ذكره. ثم نقل في المدارك عن الذكرى انه استدل عليه أيضا بأن التيمم البياني عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و أهل بيته توبع فيه فيجب للتأسي، ثم اعترض عليه بان فيه نظرا إذ التأسي انما يجب فيما يعلم وجوبه و هو منتف هنا إذ من الجائز ان تكون المتابعة إنما وقعت اتفاقا لا لاعتبارها بخصوصها. أقول: التحقيق ان هنا شيئين: (الأول)- ان يفعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أو الإمام (عليه السلام) فعلا لبيان ما أمر اللّٰه سبحانه من الأوامر المجملة المطلقة المحتملة الوقوع على أنحاء متعددة و وجوه متكثرة و في هذه الحال يجب ان يقيد بفعله (عليه السلام) إطلاق تلك الأوامر و يحكم به على مجملها و يكون موضحا لها و مبينا فيجب العمل عليه كما أوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه في باب الوضوء في مسألة الابتداء بغسل الوجه من الأعلى (الثاني)- ان يفعله (عليه السلام)
356
اتفاقا كسائر أفعاله لا بخصوص ما تقدم، و هذا هو الذي يتجه فيه المناقشة بما ذكره (قدس سره) و ان كان قد خالف نفسه فيه في غير موضع من شرحه كما أوضحنا ذلك في شرحنا على الكتاب حيث استدل بالتأسي على الوجوب في مواضع عديدة، إلا أن الحق انه لا دلالة فيه، و ما ذكره شيخنا الشهيد هنا انما هو من قبيل الأول لأن التيمم الذي أمر اللّٰه به سبحانه مجمل و بيانهم (عليهم السلام) كمية و كيفية موجب لتفسير ذلك الإجمال و رافع لتعدد الاحتمال في ذلك المجال فيجب الأخذ به بغير اشكال.
(الرابع) [طهارة مواضع المسح]
- ذكر جمع من الأصحاب ايضا ان من الواجب هنا طهارة مواضع المسح من النجاسة، و استدل عليه في الذكرى بان التراب ينجس بملاقاة النجاسة فلا يكون طيبا، و بمساواته أعضاء الطهارة المائية. و اعترضه في المدارك بان الدليل الأول أخص من المدعى، و الثاني قياس محض، و ان مقتضى الأصل عدم الاشتراط و المصرح باعتبار ذلك قليل من الأصحاب. أقول: و هو جيد، و يؤيده عموم الأدلة أو إطلاقها لعدم التصريح أو الإشارة في شيء منها الى هذا الشرط. ثم ذكر ان الاحتياط يقتضي المصير الى ما ذكروه. و هو كذلك. و اللّٰه العالم.
(المطلب الرابع)- في بيان وقته
، اتفق الأصحاب على انه لا يصح التيمم للفريضة قبل الوقت و انه يصح مع تضيقه، و انما الخلاف في انه يصح مع السعة أم لا؟
فقيل بالصحة مطلقا و هو مذهب الصدوق و قواه في المنتهى و التحرير و نقله الشهيد عن ظاهر الجعفي و استقربه في البيان، و قيل انه لا يجوز إلا في آخر الوقت ذهب اليه الشيخ في أكثر كتبه و المرتضى و أبو الصلاح و سلار و ابن إدريس و هو ظاهر المفيد، و هو المشهور كما نقله في المختلف حيث قال: المشهور ان تضيق الوقت شرط في صحة التيمم فلو تيمم في أول الوقت لم يصح تيممه و ان كان آيسا من الماء في آخر الوقت. و قيل بالتفصيل بأنه ان علم أو ظن عدم وجود الماء الى آخر الوقت جاز التقديم و إلا فلا، و نقل عن ابن الجنيد حيث قال على ما نقله عنه في المختلف: طلب الماء قبل التيمم مع الطمع في وجوده و الرجاء
357
للسلامة واجب على كل أحد إلى آخر الوقت مقدار رمية سهم في الحزونة و في الأرض المستوية رمية سهمين، فان وقع اليقين بفوته الى آخر الوقت أو غلب الظن كان تيممه و صلاته في أول الوقت أحب الي. و الى هذا القول ذهب العلامة في جملة من كتبه و استجوده المحقق في المعتبر، و عليه تجتمع الأخبار كما سيظهر لك ان شاء اللّٰه تعالى.
و يدل على القول الأول الأخبار المستفيضة الدالة على ان من تيمم و صلى ثم وجد الماء و الوقت باق فإنه لا اعادة عليه، و كثير منها يدل بإطلاقه و منها ما يدل بصريحه، و من الصريح في ذلك
رواية علي بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «قلت له أتيمم و أصلي ثم أجد الماء و قد بقي علي وقت؟ فقال لا تعد الصلاة فإن رب الماء هو رب الصعيد.».
و رواية معاوية بن ميسرة (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل في السفر لا يجد الماء تيمم و صلى ثم اتى الماء و عليه شيء من الوقت أ يمضي على صلاته أم يتوضأ و يعيد الصلاة؟ قال: يمضي على صلاته فان رب الماء هو رب التراب».
و موثقة علي بن أسباط عن عمه عن الصادق (عليه السلام) (3) «في رجل تيمم و صلى ثم أصاب الماء و هو في وقت؟ قال قد مضت صلاته و ليتطهر».
و موثقة أبي بصير (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل تيمم و صلى ثم بلغ الماء قبل ان يخرج الوقت؟ فقال ليس عليه إعادة الصلاة».
و رواية يعقوب بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (5) «في رجل تيمم و صلى ثم أصاب الماء و هو في وقت؟ قال قد مضت صلاته و ليتطهر».
و صحيحة زرارة (6) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) فإن أصاب الماء و قد صلى بتيمم و هو في وقت؟ قال تمت صلاته و لا اعادة عليه».
و أجاب الشيخ عن صحيحة زرارة و ما في معناها بحمل قوله:
«و هو في وقت» على انه صلى في وقت لا على اصابة الماء. و لا يخفى ما فيه من البعد الظاهر لكل ناظر، و موثقة أبي بصير صريحة فيما ادعيناه غير قابلة لتأويله بوجه. و أجيب
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(3) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(4) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(5) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(6) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
358
عنها ايضا بالحمل على ما إذا ظن المكلف الضيق و انكشف فساد ظنه. و هو بعيد أيضا غاية البعد.
و صحيحة العيص (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل يأتي الماء و هو جنب و قد صلى؟ قال يغتسل و لا يعيد الصلاة».
و هذه الرواية مما تدل بإطلاقها على ذلك و ان لم تكن صريحة كما قبلها، و نحوها
صحيحة محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد و صلى ثم وجد الماء؟ فقال لا يعيد ان رب الماء رب الصعيد فقد فعل أحد الطهورين».
و صحيحة عبيد اللّٰه بن علي الحلبي (3) «انه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل إذا أجنب و لم يجد الماء؟ قال يتيمم بالصعيد فإذا وجد الماء فليغتسل و لا يعيد الصلاة».
و حسنة الحلبي (4) قال:
«سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول إذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الأرض و يصلى فإذا وجد ماء فليغتسل و قد أجزأته صلاته التي صلى».
و في معناها صحيحة عبد اللّٰه بن سنان (5).
و التقريب في الروايات المذكورة ان بعضها قد رتب فيه التيمم على عدم وجود الماء فلا يتقيد بغيره إلا بدليل، و بعضها ظاهر كالصريح في انه لو تيمم في السعة و صلى ثم وجد الماء و الوقت باق فلا اعادة عليه، و تأويل الشيخ قد عرفت ما فيه، و بعضها دل بإطلاقه على ذلك ايضا.
و اما
ما رواه الشيخ في الصحيح عن يعقوب بن يقطين (6)- قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تيمم و صلى فأصاب بعد صلاته ماء أ يتوضأ و يعيد الصلاة أم تجوز صلاته؟ قال إذا وجد الماء قبل ان يمضي الوقت توضأ و أعاد فان مضى الوقت فلا اعادة عليه».
و موثقة منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام) (7) «في رجل تيمم و صلى ثم أصاب الماء؟ قال اما انا فكنت فاعلا اني كنت أتوضأ و أعيد».
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(3) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(4) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(5) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(6) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(7) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
359
فقد حملهما الأصحاب على الاستحباب، و الثاني منهما ظاهر في ذلك فان تخصيصه (عليه السلام) الإعادة بنفسه مشعر بذلك و لو كان حكما كليا عاما لما حسن هذا التخصيص كما لا يخفى، و سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في المطلب الخامس مزيد بيان في هذه المسألة.
و استدل جملة من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) لهذا القول بالآية و هي قوله عز و جل: «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا. الى ان قال فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» (1) فإنه سبحانه أوجب التيمم على المكلف عند ارادة القيام إلى الصلاة إذا لم يجد الماء فلا يتقيد بضيق الوقت و أجاب المرتضى في الانتصار بان الاستدلال بها يتوقف على إثبات أن للمكلف ان يريد الصلاة في أول الوقت و نحن نخالفه فيه و نقول ليس ذلك له. و أجيب عنه بأنه مع تسليم تحريم الإرادة في أول الوقت عند العلم بالحكم فإنه لا يلزم منه عدم وجودها فإذا وجدت وجب المشروط و هو إيجاب التيمم، و ايضا ليس المراد الإرادة المتصلة بفعل الصلاة لشرعية الطهارة في أول الوقت لمن أراد الصلاة في آخره فإذا أراد الصلاة المتأخرة عن زمان الإرادة و الحال انه لا مانع من ذلك فقد تحقق الشرط. أقول: و الأظهر هو الرجوع الى ما قدمناه من الأخبار فإنها مكشوفة القناع لا يداخلها الجدال و النزاع.
و يدل على القول الثاني جملة من الأخبار: منها-
صحيحة محمد بن مسلم (2) قال: «سمعته يقول إذا لم تجد ماء و أردت التيمم فأخر التيمم الى آخر الوقت فان فاتك الماء لم تفتك الأرض».
و حسنة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم و ليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه و ليتوضأ لما يستقبل».
و موثقة ابن بكير عن الصادق (عليه السلام) (4) في حديث قال فيه: «فإذا تيمم الرجل فليكن ذلك في آخر الوقت فإن
____________
(1) سورة المائدة. الآية 8.
(2) المروية في الوسائل في الباب 22 من أبواب التيمم.
(3) المروية في الوسائل في الباب 22 من أبواب التيمم.
(4) المروية في الوسائل في الباب 22 من أبواب التيمم.
360
فاته الماء فلن تفوته الأرض».
و رواية محمد بن حمران (1) و قوله (عليه السلام) في آخرها: «و اعلم انه ليس ينبغي لأحد ان يتيمم إلا في آخر الوقت».
و موثقة ابن بكير المروية في قرب الاسناد (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أجنب فلم يصب الماء أ يتيمم و يصلي؟ قال لا حتى آخر الوقت انه ان فاته الماء لم تفته الأرض».
و قوله (عليه السلام) في الفقه الرضوي (3): «و ليس للمتيمم ان يتيمم إلا في آخر الوقت أو الى ان يتخوف خروج وقت الصلاة».
و لا يخفى على المتأمل ما في دلالة هذه الاخبار على القول المذكور من الصراحة و الظهور، فإنها قد اشتملت على الأمر بالتأخير في بعض و الأمر حقيقة في الوجوب و النهي عن التقديم في بعض و هو حقيقة في التحريم. و اما ما ذكره في المدارك- من المناقشة في ان لفظ «لا ينبغي» ظاهر في الكراهة- فهو مبني على العرف الجاري بين الناس و إلا فهي في الاخبار قد استفاض ورودها بمعنى التحريم، و قد عرفت في غير موضع مما قدمنا ان لفظ «ينبغي و لا ينبغي» في الاخبار من جملة الألفاظ المتشابهة لاستعمالها في الاخبار في الوجوب و التحريم تارة و لعله الأكثر كما لا يخفى على المتدبر، و في الاستحباب و الكراهة أخرى، فلا يحملان على أحد المعنيين إلا مع القرينة، و القرينة هنا في حمله على التحريم الروايات المذكورة مع هذا الخبر بالتقريب المتقدم.
و اما المناقشة في حسنة زرارة- بأنها متروكة الظاهر إذ لا يعلم قائلا بوجوب الطلب في مجموع الوقت سوى المحقق في المعتبر- فهو مردود (أولا)- بأنه لا مانع من العمل بالخبر إذا دل على الحكم و ان لم يكن به قائل و من ثم قد عمل المحقق بذلك كما نقله عنه. و (ثانيا)- انه لا يلزم من رد الخبر من هذه الجهة لعدم القائل به رده في الحكم الآخر و هو وجوب التأخير مع وجود القائل به و دلالة النصوص عليه.
و (ثالثا)- انه قد صرح هو و غيره بحمل الأمر بالطلب في الخبر على الاستحباب حيث
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 22 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 22 من أبواب التيمم.
(3) ص 5.
361
انه لا قائل بالوجوب و هو كاف في قبول الخبر و عدم رده، و حينئذ فيجب التأخير إلى آخر الوقت طلب أو لم يطلب و ان كان الأفضل له الطلب، فلا منافاة في الرواية للقول المذكور.
بقي الكلام في ان المفهوم من كلام القائلين بالمضايقة وجوب التأخير و ان علم بعدم حصوله الى آخر الوقت و المفهوم من هذه الأخبار لا يساعد عليه بل ربما أشعرت برجاء الحصول كما يشير اليه قوله (عليه السلام) في جملة منها: «فان فاته الماء لم يفته الصعيد» و لانه مع العلم بعدم وجود الماء يصير التأخير عبثا محضا و من الظاهر ان الشارع لا يكلف بذلك.
قال في الروض: «و على كل حال فالقول باعتبار التضيق مطلقا أقوى للنص و الإجماع و الشهرة و الاحتياط، و ما ورد من الأخبار التي استدل بها لجواز التقديم لم يدل نصا على جواز التقديم بل على إمكان وقوعه و نحن نقول به، فان المعتبر في الضيق الظن فلو انكشف خلافه أجزأ للامتثال و لمفهوم الأخبار المذكورة، و حملها على ما إذا علم أو ظن عدم الماء انما يتم لو دلت على جواز التقديم نصا و التقدير عدمه بخلاف اخبار التضيق، و قد تقرر في الأصول ان ما دل نصا مرجح على غيره مع التعارض و على ما حققناه لا تعارض، و منه يظهر ضعف حمل اخبار التضيق على الاستحباب ترجيحا لجانب التوسعة و القول بالتفصيل بالعلم و عدمه متوجه لعدم الفائدة في التأخير على تقديره لكن قوة الدليل النقلي لا تساعد عليه» انتهى.
أقول: فيه (أولا)- ان دعوى الإجماع و الشهرة و الاحتياط مما لا يسمن و لا يغني من جوع، اما الإجماع فهو و ان نقل هنا عن الشيخ و المرتضى إلا ان شيخنا المشار إليه في مسالكه و غيره من محققي الأصحاب المتأخرين قد طعنوا فيه بما لا يسع المقام ذكره كما لا يخفى على من وقف على كتبهم، بل الشيخ و المرتضى اللذان هما الأصل في الإجماع قد كفيانا مؤنة القدح فيه بمناقضتهما في اجماعاتهما في المسألة الواحدة اما بان
362
يدعي أحدهما الإجماع و لا قائل به سواه أو يدعيه و يناقض نفسه في موضع آخر بدعوى الإجماع على خلافه في ذلك الحكم كما هو ظاهر للمتتبع البصير و لا ينبئك مثل خبير، و اما الاحتياط فهو عندهم ليس بدليل شرعي، نعم بقي النص المذكور إلا انك قد عرفت ان الظاهر من تلك النصوص هو الإشعار بأن التأخير انما هو لرجاء حصول الماء و بذلك لا يتم ما ذكروه كليا و لا ينطبق على ما ادعوه جليا، و به ترجع هذه النصوص الى القول بالتفصيل كما سيأتي بيانه ان شاء اللّٰه تعالى، و بذلك يظهر لك ما في قوله أخيرا: «ان قوة الدليل النقلي لا تساعد عليه» و كيف لا تساعد عليه و الظاهر منها انما هو ذلك كما عرفت من
قوله (عليه السلام) في جملة من تلك الأخبار: «فإن فاته الماء لم تفته الأرض».
فإن مرمى هذه العبارة أظهر ظاهر فيما قلناه، إذ المراد منها كما هو الظاهر من سياقها انه يؤخر التيمم الى آخر الوقت لعله يحصل له الماء فان اتفق عدم حصوله فالأرض قائمة مقامه فدلالتها على الرجاء أظهر ظاهر، نعم لو اشتملت على مجرد الأمر بالتأخير من غير هذا التعليل تم ما ذكره، و حينئذ فلو كان الماء مقطوعا بعدمه لم يكن لذكر هذه العبارة معنى بالكلية كما لا يخفى على ذي الذوق الصائب و الفهم الثاقب.
و (ثانيا)- ان حمله الأخبار الدالة على التوسعة على ظن الضيق ثم انكشاف خلافه بعيد غاية البعد عن سياقها، إذ لا إشعار في شيء منها بذلك فضلا عن الظاهرية بل ربما أشعر بعضها بخلافه مثل
موثقة أبي بصير (1) و قوله فيها: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل تيمم و صلى ثم بلغ الماء قبل ان يخرج الوقت؟.».
فان عطف بلوغ الماء المقيد بقبلية خروج الوقت على التيمم و الصلاة مشعر بكونه قد تيمم في السعة و ظن الضيق لا يجامع هذا العطف ب «ثم» الدال بإطلاقه على تراخي مسافة و زمان بين الأمرين، فإن ظهور السعة في مقام ظن الضيق انما يكون سعة يسيرة ربما لا تسع الطهارة و الصلاة كما لا يخفى على المتأمل، و به يظهر ان حمله أخبار السعة على ما ترجع
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
363
به الى اخبار التضيق تعسف محض لا تقبله ظواهر ألفاظها و لا نظام سياقها.
و (ثالثا)- ان ما ذكره- من منع حمل أخبار السعة على ما إذا علم أو ظن عدم الماء مستندا الى ان ذلك انما يتم لو دلت على جواز التقديم نصا- ممنوع فإنها و ان لم تدل نصا لكن تدل عليه ظاهرا فإنه هو الظاهر منها و ما تكلفه من حملها على ما ذكره بعيد غاية البعد كما ذكرنا، و حينئذ فلا طريق الى الجمع بينها و بين اخبار التضيق إلا حملها على ذلك و حمل اخبار التضيق على ظن حصول الماء، و ما ادعاه- من دلالة أخبار التضيق على ذلك نصا فلا يعارضها دلالة أخبار السعة على ذلك- مردود بما عرفت من ان مدعاهم هو وجوب التأخير و ان علم عدم الماء الى آخر الوقت و النصوص المذكورة انما تدل على التأخير مع الرجاء كما عرفت، و حينئذ فلا دلالة لها على ما ادعوه بل ترجع بذلك الى القول بالتفصيل كما سيأتي بيانه، و منه يظهر عدم الدليل على القول المشهور كما صرح به السيد السند في المدارك ايضا، و يجمع بين اخبار الطرفين بما ذكرنا.
و اما القول الثالث فلم نقف فيه على خبر صريح يدل عليه إلا ان ظواهر الأخبار المتقدمة في أدلة القول المشهور تساعده، فان
قوله (عليه السلام) في حسنة زرارة: «فليطلب ما دام في الوقت».
مما يؤذن بإمكان حصول الماء و رجاء الظفر به و إلا لكان عبثا محضا، و كذلك قوله (عليه السلام) في جملة منها «فان فاتك الماء لم تفتك الأرض» مما يؤذن بالشك في الفوات و ان اليأس من حصول الماء غير متحقق، و به يجمع بين اخبار القولين المتقدمين بحمل الأخبار الدالة على عدم وجوب الإعادة بعد وجود الماء في الوقت على اليأس من حصول الماء في الوقت ثم تيقن حصوله في الوقت فإنه لا اعادة عليه لان تيممه مع السعة وقع صحيحا، و الاخبار الدالة على وجوب التأخير إلى آخر الوقت على رجاء حصوله كما يشير اليه التعليل ب «ان فاتك الماء لم يفتك الصعيد» و بما ذكرنا يظهر ان هذا القول هو الأظهر في المسألة و ان كان القول الأول لا يخلو من قوة أيضا. و اللّٰه العالم.
و تنقيح البحث في هذا المطلب يتوقف على رسم مسائل
(الأولى) [هل تجوز الصلاة بالتيمم السابق في سعة الوقت]
- لو دخل
364
وقت الصلاة و هو متيمم فهل يجوز له ان يصلي في سعة الوقت بناء على القول بالمضايقة؟
الظاهر نعم وفاقا للشيخ في المبسوط حيث قال: «لو تيمم لنافلة في غير وقت فريضة أو لقضاء فريضة في غير وقت حاضرة جاز ذلك فإذا دخل وقت الفريضة جاز ان يصلي بذلك التيمم» انتهى، مع ان مذهبه القول بالمضايقة، و ما ذكره (قدس سره) قد مال إليه جملة من أفاضل متأخري المتأخرين لأن الظاهر من الاخبار المتقدمة الدالة على التأخير إلى آخر الوقت اختصاصها بالمحدث فلا تتناول المتيمم في الصورة المفروضة فيجوز له الصلاة في أول الوقت عملا بالعمومات الدالة على الجواز في أول الوقت بل الأفضلية لعدم معلومية المعارض، و يزيد ذلك تأييدا
صحيحة زرارة (1) قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) يصلي الرجل بتيمم واحد صلاة الليل و النهار كلها؟ قال: نعم ما لم يحدث أو يصب ماء.».
و صحيحته الأخرى عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «في رجل تيمم؟ قال يجزيه ذلك الى ان يجد الماء».
و قيل بوجوب التأخير لأن المقتضي للتأخير إمكان وجود الماء في الوقت و هو متحقق. و نقله في الروض عن ظاهر العلامة و المحقق. أقول: بل هو صريح كلام العلامة في المختلف و قد أطال الكلام في ذلك إلا ان ظاهره في آخر كلامه الاستشكال في ذلك حيث لم يجد فيها نصا عن الأئمة (عليهم السلام) و ان قول الجماعة يصلي بالتيمم الواحد صلوات الليل و النهار لا يعطي مطلوب الشيخ و ضعفه ظاهر مما قدمناه، و يزيده تأكيدا
صحيحة حماد بن عثمان (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء أ يتيمم لكل صلاة؟ قال لا هو بمنزلة الماء».
و رواية السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال: «لا بأس ان يصلي الرجل صلاة الليل و النهار بتيمم واحد ما لم يحدث أو يصب الماء».
و يؤيده أيضا ما ورد من قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (5) لأبي ذر «يكفيك
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب التيمم.
(3) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب التيمم.
(4) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب التيمم.
(5) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب التيمم.
365
الصعيد عشر سنين».
و قول الصادق (عليه السلام) (1) «هو بمنزلة الماء».
و «ان اللّٰه تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا» (2).
و اولى بالصحة ما لو تيمم لصلاة فريضة فإنه يجوز له الدخول في الأخرى بذلك التيمم و الظاهر انه لا خلاف فيه، و اما
ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابي همام عن الرضا (عليه السلام) (3) قال:
«يتيمم لكل صلاة حتى يوجد الماء».
و عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال: «لا يتمتع بالتيمم إلا صلاة واحدة و نافلتها».
فقد حملهما الشيخ في التهذيب بعد الطعن بما لا وجه له على استحباب التجديد أو على ما إذا قدر على الماء بين الصلاتين. و التحقيق ان الخبر الأول لا صراحة فيه في المنافاة بل الظاهر ان مراده انما هو انه يتيمم لكل صلاة دخل وقتها و هو محدث حتى يجد الماء، و هو نظير
قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (5) «يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين».
و اما الثاني فهو محمول على التقية لموافقته لمذهب العامة (6) و كون الراوي منهم.
(الثانية) [هل يعم وجوب التأخير المرض و نحوه؟]
- ظاهر الأصحاب القائلين بوجوب التأخير إلى آخر الوقت كما هو المشهور القول بذلك أعم من ان يكون السبب في التيمم عدم وجود الماء أو عذر المرض و نحوه، و هو مشكل لان ظاهر اخبار المضايقة و قوله (عليه السلام) في جملة منها كما عرفت
«فان فاته الماء فلن تفوته الأرض» (7).
هو التخصيص بالأول، و كذا
قوله (عليه السلام) (8) في حسنة زرارة «فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم».
و قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (9) «إذا لم تجد ماء فاخر التيمم الى آخر الوقت».
و إطلاق رواية محمد بن حمران (10) و كذا عبارة كتاب
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 23 و 24 من أبواب التيمم.
(3) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب التيمم.
(4) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب التيمم.
(5) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب التيمم.
(6) كما في المغني ج 1 ص 263 و ص 264.
(7) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب التيمم.
(8) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب التيمم.
(9) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب التيمم.
(10) رواه في الوسائل في الباب 22 من أبواب التيمم.
366
الفقه يجب حمله على هذه الروايات المصرحة بذلك، و بالجملة فإن مورد أخبار المسألة مما دل على السعة أو الضيق انما هو عدم وجود الماء و اما عذر المرض و نحوه فلا تعرض له في شيء منها فيبقى عموم اخبار التيمم- من
قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «يكفيك الصعيد عشر سنين».
و قوله (عليه السلام) (2): «ان رب الماء هو رب الصعيد».
و قوله (عليه السلام) (3):
«هو بمنزلة الماء».
و قوله (عليه السلام) (4): «ان اللّٰه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».
و نحو ذلك- سالما من المعارض في الدلالة على جواز التيمم في السعة بعذر المرض و نحوه، و كذا الأخبار الدالة على أفضلية الوقت و هي كافية في الدلالة على الجواز مع السعة بل أفضليته، و الظاهر انه لا مستند لهم فيما نقلنا عنهم إلا الإجماع، قال في الروض: «فان قيل ما ذكرتم من النصوص انما دلت على وجوب التأخير لفاقد الماء فلا دلالة لها على وجوب تأخير غيره من ذوي الأعذار فيرجع الى الأدلة الأخرى خصوصا مع عدم رجاء زوال العذر فلم قلتم بوجوب التأخير مطلقا؟ قلنا الإجماع منعقد على عدم التفصيل بالتأخير للفاقد دون المريض خائف الضرر بل اما الجواز مطلقا أو وجوب التأخير مطلقا مع الرجاء أو بدونه فالقول بالتفصيل على هذا الوجه احداث قول مبطل لما حصل لنا الإجماع عليه، و تحقيق المسألة في الأصول» انتهى. و فيه ما لا يخفى فإنه قد طعن في هذه الإجماعات في شرحه على الشرائع في غير موضع فاستسلاقه هنا و الاعتماد عليه مجازفة محضة.
(الثالثة) [التيمم للقضاء و سائر الصلوات الواجبة في وقت الإيقاع]
- قد صرح جمع من فضلاء الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بان من عليه فائتة فالأوقات كلها صالحة لتيممه لعموم
قوله (عليه السلام) (5): «و متى ما ذكرت صلاة فاتتك صليتها».
أقول: و يؤيده ايضا ان الظاهر من روايات المضايقة
____________
(1) المروي في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
(2) المروي في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
(3) المروي في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
(4) المروي في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
(5) المروي في الوسائل في الباب 63 من أوقات الصلوات.
367
و التأخير إلى آخر الوقت الاختصاص بالتيمم لصاحبة الوقت
كقوله (عليه السلام) (1) في بعضها: «إذا لم تجد ماء فاخر التيمم الى آخر الوقت فان فاتك الماء لم تفتك الأرض».
و نحوها غيرها، و لا عموم فيها على وجه يتناول محل البحث، و بالجملة فإن أصل الخلاف في مسألة الوقت ضيقا و سعة فتوى و رواية إنما ينطبق على اليومية المؤداة في الوقت فإنه قد اختلف الأصحاب و الأخبار في ان وقت التيمم لها هل هو في أول وقتها أو آخره؟
و اما الصلاة المقضية فلا تدخل في هذا المقام بالكلية، و حينئذ فيجب التيمم لها في أي وقت أراد إيقاعها فيه بالأخبار الدالة على بدلية التراب من الماء و قيامه مقامه عند تعذره أو تعذر استعماله، و لا سيما على القول بالمضايقة في القضاء كما هو المشهور المنصور فإنه يجب المسارعة إليه متى ذكره و في أي ساعة ذكره يتيمم له و يأتي به، و مثل الصلوات المقضية فيما ذكرنا من عدم الدخول تحت هذا المقام لا في اخباره و لا في كلام الأصحاب سائر الصلوات الواجبة كالآيات و العيدين و الجمعة و النذر فإنه يتيمم لكل منها في حال إيقاعها و يأتي بها، و الظاهر انه ليس محل خلاف و لا اشكال، و متى تيمم لاحداها و اتى بها صح دخوله بذلك التيمم في الصلاة اليومية بعد دخول وقتها حسبما تقدم بيانه في المسألة الأولى لعموم الأدلة الدالة على البدلية كما تقدم، إذ الظاهر منها انه يثبت له أحكام الماء إلا ما خرج بدليل. و ظاهر الذكرى التوقف في الدخول بتيمم الصلاة المقضية حيث قال بعد ذكر صحة التيمم للقضاء:
فإذا دخل الوقت ربما بني على السعة و الضيق في التيمم. و الأظهر ما ذكرناه لما عرفت.
(الرابعة) [التيمم للنافلة]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) منهم- المحقق في المعتبر و الشهيد في الذكرى و غيرهما ممن تأخر عنهما بأنه يجوز التيمم لصلاة النافلة الراتبة بدخول وقتها كصلاة الليل و كذا المبتدأة عند ارادة فعلها، و تردد في المعتبر في جواز التيمم للنافلة المبتدأة ثم قال: و الجواز أشبه لعدم التوقيت و المراد بها تعجيل الأجر في كل وقت و فواته بالتأخير متحقق. قال في الذخيرة بعد نقل ذلك عنه: «و هو حسن لعموم
____________
(1) المروي في الوسائل في الباب 22 من أبواب التيمم.
368
الأدلة» و ظاهرهم الجواز و ان كان في الأوقات المكروهة، و بعضهم فصل بين الأوقات المكروهة و غيرها فقطع بعدم جواز التيمم في أوقات النهي و به صرح في المعتبر و التذكرة و رده في المدارك بأن الكراهة بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء لا تنافي الانعقاد ثم قال و يصح الدخول به في الفرائض لما قدمناه. أقول: و يمكن تأييد أصل الحكم بان الظاهر من الأخبار المانعة من التيمم إلا في آخر الوقت الاختصاص بالفريضة و عدم الشمول للنافلة، و إطلاق الأخبار الدالة على استحباب الإتيان بها مع إطلاق أخبار البدلية المتقدمة كاف في صحة التيمم لها لعدم المعارض. الا ان يقال انه متى دلت الاخبار على المنع من الفريضة إلا في آخر الوقت مع ما استفاض من أفضلية أول الوقت على آخره فكيف تشرع النافلة؟ و فيه ان مرجع ما ذكر الى الاستدلال بطريق الأولوية و هي غير معتبرة عندنا في الأحكام الشرعية إلا في نادر الصور كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب و انما العمل عندنا على الأدلة الواضحة من الكتاب و السنة. و اللّٰه العالم.
(الخامسة) [الصلاة الواقعة بالتيمم في سعة الوقت بظن الضيق]
- لو ظن ضيق الوقت لامارة فتيمم و صلى ثم انكشف فساد ظنه فهل تجب الإعادة أم لا؟ قولان و الأول منهما ظاهر الشيخ في كتب الاخبار و بالثاني صرح المحقق و الشهيد، قال في المعتبر بعد ان نقل القول الأول عن الشيخ في كتبه الاخبارية: «و يقوى عندي انه لا إعادة لانه تطهر طهارة شرعية و صلى صلاة مأمورا بها فتكوية مجزئة. لا يقال شرط التيمم التضيق، لأنا نقول لا نسلم بل لم لا يكون شرطه ظن الضيق؟ و ظاهر انه كذلك لان الشرع لما لم يجعل على الضيق دلالة دل على احالته على الظن، و يمكن ان يستدل على ذلك برواية زرارة و معاوية بن ميسرة و
يعقوب بن سالم عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) (1) «في رجل تيمم و صلى ثم بلغ الماء قبل خروج الوقت؟ فقال ليس عليه اعادة ان رب الماء و رب التراب واحد».
و لا وجه لها على القول
____________
(1) الاولى عن الباقر و الثانية و الثالثة عن الصادق «(عليهما السلام)» و قد رواها في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
369
بالتضيق إلا ما ذكرناه، و ما تأولها به الشيخ (قدس سره) في التهذيب بعيد عن الظاهر» انتهى كلامه. أقول: ظاهر كلامه (قدس سره) ان الكلام في هذه المسألة مبني على ان ضيق الوقت المعتبر في صحة التيمم على تقدير القول بالمضايقة هل هو عبارة عن ظنه أو العلم به، فان جعل عبارة عن العلم به فالمتجه هو ما ذكره الشيخ (قدس سره) من وجوب الإعادة، لتبين وقوع الصلاة في غير وقتها و لان انكشاف السعة بعد الصلاة دليل عدم حصول العلم بالضيق. و القول هنا بأنه صلى صلاة مأمورا بها فتكون مجزئة مسلم مع استمرار الاشتباه اما مع ظهور الحال و انكشاف وقوعها قبل وقتها فهو ممنوع، و ان جعل عبارة عن ظن الضيق فالمتجه ما ذكره في المعتبر لانه تعبد بظنه، و القول بأنه صلى صلاة مأمورا بها متجه لانه مكلف بالبناء على ظنه و قد فعل فيقتضي الاجزاء. و المسألة محل توقف لعدم النص الواضح في ذلك. و اما ما استدل به في المعتبر من الروايات الثلاث التي عدها رواية واحدة فالظاهر انها ليست من محل البحث في شيء، فان هذه الروايات و أمثالها إنما وردت في التيمم في سعة الوقت ثم يجد الماء بعد ذلك و هي من أدلة جواز التيمم في السعة كما قدمنا ذكره، و حملها على التيمم في ضيق الوقت كما ذكره تعسف محض كما لا يخفى على من تأمل مضامينها. و ما أطال به في الذخيرة فالظاهر انه لا طائل تحته.
(السادسة) [وقت التيمم لسائر الصلوات الواجبة و المندوبة]
- قال في الذكرى: «يتيمم للآية كالكسوف بحصولها، و للجنازة بحضورها لانه وقت الخطاب بالصلاة، و يمكن دخول وقتها بتغسيله لإباحتها حينئذ و ان لم يهيأ للصلاة بل يمكن دخول وقتها بموته لانه الموجب للصلاة و غيرها من أحكام الميت، و للاستسقاء باجتماع الناس في المصلى و لا يتوقف على اصطفافهم، و الأقرب جوازه بإرادة الخروج الى الصحراء لانه كالشروع في المقدمات بل يمكن بطلوع الشمس في اليوم الثالث لان السبب الاستسقاء و هذا وقت الخروج فيه، اما النوافل الرواتب فلاوقاتها و غير الرواتب فلارادة فعلها فلو تيمم قبل هذه الأسباب لم يعتد به لعدم الحاجة إليه» انتهى. و في أكثره توقف و الأقرب اما بالنسبة إلى صلاة الآيات فهو ما ذكره،
370
و اما بالنسبة إلى صلاة الجنازة فحصورها كما هو المستفاد من اخبار التيمم لها و ان كان مع وجود الماء، و اما بالنسبة إلى صلاة الاستسقاء فعند ارادة فعلها، و اما النوافل راتبة أو مبتدأة فقد تقدم الكلام فيه.
(السابعة)
- لو تيمم لمس المصحف أو قراءة القرآن أو نحوهما فالظاهر استباحة ما يتوقف على الطهارة صحة أو كمالا حتى الدخول في الصلاة، قال في المنتهى: «لو نوى استباحة دخول المساجد و كان جنبا أو قراءة العزائم أو مس الكتاب أو الطواف فالأقرب انه يصح له الدخول في الصلاة لأنه نوى الطهارة لتوقف هذه الأفعال عليها فيجب حصولها فساغت له الصلاة، و كذا لو نوى نفل الطواف استباح فرضه و بالعكس» أقول: و قد تقدم في المقام العاشر من مقامات البحث في نية الوضوء ما فيه مزيد بيان لهذا المقام. و اللّٰه العالم.
(المطلب الخامس)- في الأحكام
و فيه مسائل
[المسألة] (الأولى) [التيمم مبيح لما تبيحه الطهارة المائية]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) من غير خلاف يعرف ان التيمم مبيح لما تبيحه الطهارة المائية مطلقا من الصلاة و الطواف و مس كتابة القرآن و نحو ذلك مما الطهارة شرط في حصوله أو كماله، و يدل عليه عموم الاخبار من
قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لأبي ذر (1) «يكفيك الصعيد عشر سنين».
و قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة حماد (2) «هو بمنزلة الماء».
و في صحيحة جميل (3) «فان اللّٰه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».
و في صحيحة محمد بن مسلم و غيرها (4) «ان رب الماء هو رب الصعيد».
كما في بعض «أو رب الأرض» كما في آخر (5)
و قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه (6) «ان التيمم غسل المضطر و وضوؤه و هو نصف الوضوء في غير ضرورة إذا لم يوجد الماء».
و نحو ذلك مما يدل على قيامه مقام الماء في كل موضع تعذر استعماله.
____________
(1) المروي في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
(2) المروي في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
(3) المروي في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
(4) رواه في الوسائل في الباب 3 و 14 من أبواب التيمم.
(5) رواه في الوسائل في الباب 3 و 14 من أبواب التيمم.
(6) ص 4.
371
و قد وقع الخلاف هنا في موضعين
(الأول) [هل يستباح بالتيمم اللبث في المساجد؟]
- ما نقل عن فخر المحققين ابن العلامة (طاب ثراهما) من انه منع من استباحة اللبث بالتيمم في المساجد لقوله تعالى:
«إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا» (1) حيث جعل نهاية التحريم الغسل فلا يستباح بغيره و إلا لم تكن الغاية غاية، و الحق به مس كتابة القرآن لعدم فرق الأمة بينهما، و يلزم على كلامه تحريم الطواف على الجنب لاستلزامه دخول المسجد و ان لم يقل به. و أجاب في المدارك عن الآية- بعد الاستدلال على أصل المسألة ببعض الأخبار التي قدمناها- بالمنع من دلالتها على ما ذكره، قال: لأن إرادة المساجد من الصلاة مجاز لا يصار اليه إلا مع القرينة، مع احتمالها لغير ذلك المعنى احتمالا ظاهرا و هو ان يكون متعلق النهي الصلاة في أحوال الجنابة إلا في حال السفر لجواز تأديتها حينئذ بالتيمم، و أيضا فإن ذلك لا ينافي حصول الإباحة بدليل من خارج و هو ثابت كما بيناه. انتهى. أقول: لا يخفى انه قد ذكر المفسرون لهذه الآية معنيين (أحدهما)- ان المراد لا تقربوا الصلاة و أنتم جنب إلا ان تكونوا مسافرين فيجوز لكم أداؤها بالتيمم، و على هذا المعنى بناء كلام المدارك و مرجعه إلى النهي عن الصلاة حال الجنابة، و حينئذ فتكون الصلاة هنا مرادا بها معناها الشرعي و المراد بقوله سبحانه «عٰابِرِي سَبِيلٍ» يعني مسافرين كما ذكره.
و (ثانيهما)- ان المراد لا تقربوا مواضع الصلاة من المساجد و أنتم جنب حتى تغتسلوا إلا بقصد المرور فيها و العبور، و على هذا المعنى بناء الاستدلال بالآية، و هذا المعنى هو الذي دلت عليه الأخبار المتضمنة لتفسير الآية،
فروى الصدوق في العلل في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم عن مولانا الباقر (عليه السلام) (2) قالا: «قلنا له الحائض و الجنب يدخلان المسجد أم لا؟ قال الحائض و الجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين ان اللّٰه تبارك و تعالى يقول وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا. الحديث».
____________
(1) سورة المائدة. الآية 42.
(2) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.
372
و نحوه روى العياشي في تفسيره عنه (عليه السلام) (1) و علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) (2) و نقله في مجمع البيان عن الباقر (عليه السلام) (3) و هو الذي رجحه و اختاره في تفسيره ايضا بعد ذكره المعنى الأول، قال (قدس سره): «و هذا القول الأخير أقوى لأنه سبحانه بين حكم الجنب في آخر الآية إذا عدم الماء فلو حملناه على ذلك لكان تكرارا، و انما أراد سبحانه ان يبين حكم الجنب في دخول المساجد في أول الآية و بين حكمه في الصلاة عند عدم الماء في آخر الآية» انتهى. أقول: و استعمال الصلاة هنا في مواضعها جرى على طريق الاستخدام كما ذكره بعض البارعين في علم البلاغة من علمائنا الأعلام في كتاب ألفه في الصناعات البديعية عند ذكر الاستخدام بعد ان عرفه بأنه عبارة عن أن يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنيين مقرونة بقرينتين يستخدم كل قرينة منهما معنى من معاني تلك اللفظة، قال: و في الآية الكريمة استخدام لفظ الصلاة لمعنيين: أحدهما إقامة الصلاة بقرينة قوله عز و جل «حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ» و الآخر مواضع الصلاة بقرينة قوله عز و جل: «وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ» انتهى. و هذا هو الحق الموافق لما ذكرناه من الأخبار، و بذلك يتبين لك ما في كلام المدارك من النظر الظاهر لبنائه على ما في تفاسير العامة و غفلته عن اخبار أهل البيت (عليهم السلام) التي هي المرجع في مفاد معاني القرآن و صحة استدلال فخر المحققين (طاب ثراه) بالآية، و حينئذ فالجواب عما ذكره القائل المشار إليه انه و ان كان معنى الآية ما ذكره إلا انها مخصوصة بالأخبار المتقدمة، و اليه يشير آخر كلام السيد في المدارك بقوله «و أيضا فإن ذلك لا ينافي. إلخ».
(الثاني) [هل تختلف الموارد في إباحة التيمم؟]
- ما ذكره السيد في المدارك حيث أورد على ما ذكره الأصحاب- مما ظاهرهم الاتفاق عليه من ان التيمم يبيح كل ما تبيحه الطهارة المائية و بعبارة اخرى ان التيمم يجب لما تجب له الطهارتان- بان ذلك مشكل لانتفاء الدليل عليه، قال: و الأظهر
____________
(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة.
(2) ص 127.
(3) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.
373
ان التيمم يبيح كل ما تبيحه الطهارة المائية
لقوله (عليه السلام) في صحيحة جميل (1) «ان اللّٰه تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».
و في صحيحة حماد (2) «هو بمنزلة الماء».
و في صحيحة محمد بن مسلم (3) «قد فعل أحد الطهورين».
فما ثبت توقفه على مطلق الطهارة من العبادات يجب له التيمم و ما ثبت توقفه على نوع خاص منها كالغسل في صوم الجنب فالأظهر عدم وجوب التيمم له مع تعذره إذ لا ملازمة بينهما فتأمل. انتهى.
أقول: و توضيح كلامه ان غاية ما يستفاد من الأخبار ان التيمم مبيح لما تبيحه الطهارة المائية بمعنى انما ورد في الشرع انه لا يباح بدون الطهارة أو لا يفعله بدون الطهارة أو انه مشروط بها كالصلاة مثلا و مس كتابة القرآن و اللبث في المساجد من حيث تحريمها على المحدث و انها لا تباح إلا بالطهارة فالتيمم مبيح لها لكونه طهارة كما دلت عليه الأخبار التي ذكرها، و اما ما ورد في الشرع بأنه لا يباح إلا بالوضوء مثلا أو الغسل مثلا أو مشروط بأحدهما أو نحو ذلك من العبارات فاباحة التيمم له غير ثابتة إلا إذا دل دليل خاص من خبر أو إجماع أو نحوهما كالغسل من الجنابة للصوم مثلا لتوقف صحة الصوم عليه على المشهور و كذا غسل الحيض و النفاس و الاستحاضة بناء على القول بوجوبها للصوم، فقيام التيمم في ذلك مقام الغسل يحتاج الى دليل.
أقول: و الى ذلك ايضا يشير كلام الشهيد في الألفية حيث نسب التيمم بدلا من الغسل للصوم إلى الأولى، قال الشهيد الثاني في الشرح: و وجه عدم الوجوب أصالة عدمه إذ لا دليل عليه ظاهر فإن الآية في سياق الصلاة و لا نزاع في وجوب التيمم بدلا من الغسل لها. انتهى، و الظاهر هو القول المشهور لعموم الأخبار التي قدمناها في صدر المسألة فإنها مكشوفة الدلالة واضحة المقالة في قيامه مقام الماء في كل موضع مشروط به سواء كان بلفظ الطهارة أو بلفظ الوضوء أو الغسل. و اللّٰه العالم.
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
(3) المروية في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
374
(المسألة الثانية) [لا يعاد الصلاة بوجدان الماء بعد الوقت]
- المشهور في كلام الأصحاب بل ادعي عليه الإجماع ان من تيمم تيمما صحيحا و صلى به فإنه لا يجب عليه الإعادة لو وجد الماء بعد خروج الوقت قال في المعتبر: كل موضع حكمنا فيه بصحة التيمم و الصلاة لا نوجب قضاءها مع وجود الماء، قال الشيخ و هو مذهب جميع الفقهاء إلا طاوس (1). و قال في المنتهى: قال علماؤنا إذا تيمم و صلى ثم خرج الوقت لم يجب عليه الإعادة و عليه إجماع أهل العلم، ثم نقل الخلاف عن طاوس خاصة بأنه يعيد ما صلى بالتيمم لان التيمم بدل فإذا وجد الأصل نقض حكم البدل.
أقول: و يدل على ما ذكروه (رضوان اللّٰه عليهم) جملة من الأخبار، و منها-
صحيحة عبيد اللّٰه بن علي الحلبي (2) «انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل إذا أجنب و لم يجد الماء؟ قال يتيمم بالصعيد فإذا وجد الماء فليغتسل و لا يعيد الصلاة».
و حسنة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال قال: «إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم و ليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه و ليتوضأ لما يستقبل».
و حسنة الحلبي (4) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول إذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الأرض و يصل فإذا وجد ماء فليغتسل و قد أجزأته صلاته التي صلى».
و مثلها صحيحة عبد اللّٰه بن سنان (5)
و صحيحة العيص (6) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يأتي الماء و هو جنب و قد صلى؟ قال يغتسل و لا يعيد الصلاة».
و صحيحة محمد بن مسلم (7) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد
____________
(1) حكاه في المغني ج 1 ص 243 عن عطاء و طاوس و القاسم بن محمد و مكحول و ابن سيرين و الزهري و ربيعة.
(2) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(3) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(4) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(5) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(6) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(7) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
375
و صلى ثم وجد الماء؟ قال لا يعيد ان رب الماء رب الصعيد فقد فعل أحد الطهورين».
و صحيحة زرارة (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) فإن أصاب الماء و قد صلى بتيمم و هو في وقت؟ قال تمت صلاته و لا اعادة عليه».
و موثقة علي بن أسباط عن عمه عن الصادق (عليه السلام) (2) «في رجل تيمم و صلى ثم أصاب الماء و هو في وقت؟
قال قد مضت صلاته و ليتطهر».
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد وقع الخلاف هنا في مواضع: (الأول)- انه على تقدير المشهور من جواز التيمم مع السعة فلو تيمم و صلى فإنه لا يعيد، و هو المشهور و عليه دلت الأخبار المتقدمة، و عن ابن ابي عقيل و ابن الجنيد القول هنا بوجوب الإعادة و ربما كان مستندهما
صحيحة يعقوب بن يقطين (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تيمم و صلى فأصاب بعد صلاته ماء أ يتوضأ و يعيد الصلاة أم تجوز صلاته؟ قال إذا وجد الماء قبل ان يمضي الوقت توضأ و أعاد فان مضى الوقت فلا اعادة عليه».
و موثقة منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام) (4): «في رجل تيمم و صلى ثم أصاب الماء؟ قال اما انا فكنت فاعلا إني كنت أتوضأ و أعيد».
(الثاني) ما نقل عن المرتضى (رضي اللّٰه عنه) في شرح الرسالة ان الحاضر إذا تيمم لفقد الماء وجب عليه الإعادة إذا وجده، و لم نقف له على دليل و بذلك اعترف أيضا جملة من الأصحاب، و لعله استند الى الخبرين المذكورين، و هو بعيد.
(الثالث)- ما ذهب اليه الشيخ (قدس سره) من ان من تعمد الجنابة و خشي على نفسه من استعمال الماء تيمم و صلى ثم يعيد إذا وجد الماء، و احتج على ذلك
بما رواه عن جعفر بن بشير عمن رواه عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن رجل أصابته جنابة في ليلة باردة يخاف على نفسه التلف ان اغتسل؟ قال يتيمم فإذا أمن البرد اغتسل و أعاد الصلاة».
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(3) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(4) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(5) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
376
(الرابع)- ما ذهب اليه الشيخ في النهاية و المبسوط من ان من منعه الزحام في الجمعة عن الخروج فإنه يتيمم و يصلي ثم يعيد
لما رواه السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (1) «انه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من المسجد من كثرة الناس؟ قال يتيمم و يصلي معهم و يعيد إذا انصرف».
و مثلها موثقة سماعة، و قد قدمنا ذكر هذه المسألة (2).
(الخامس)- إذا لم يكن معه إلا ثوب واحد نجس و لم يتمكن من نزعه قال الشيخ انه يصلي فيه فإذا تمكن من الماء نزعه و غسله و أعاد الصلاة استنادا
الى ما رواه في الموثق عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (3) «انه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب و لا تحل الصلاة فيه و ليس يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال يتيمم و يصلي فإذا أصاب ماء غسله و أعاد الصلاة».
(السادس)- ما ذهب اليه ابن الجنيد من ان من فقد الماء و لم يجده إلا بثمن غال فإنه يتيمم و يعيد، و لم نقف له على دليل.
(السابع)- ما تقدم من ان من أخل بالطلب حتى ضاق الوقت فتيمم و صلى ثم وجد الماء في محل الطلب فالمشهور انه يجب عليه الإعادة استنادا إلى
رواية أبي بصير (4) قال: «سألته عن رجل كان في سفر و كان معه ماء فنسيه فتيمم و صلى ثم ذكر ان معه ماء قبل ان يخرج الوقت؟ قال عليه ان يتوضأ و يعيد الصلاة».
و قد تقدم البحث في هذه المسألة (5) و جمهور الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) قد حملوا الأمر بالإعادة فيما عدا الصورة الأخيرة على الاستحباب، لمعارضتها بما تقدم من الاخبار، و لأن الأمر بالأداء و القضاء معا خارج عن مقتضى الأصول المقررة فإنه متى كان مأمورا بالتيمم و الصلاة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب التيمم.
(2) ص 268.
(3) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب التيمم.
(4) المروية في الوسائل في الباب 14 من أبواب التيمم.
(5) ص 256.
377
فلا ريب ان قضية الأمر الاجزاء فلا يتعقبه القضاء و إلا فلا وجه للتيمم و الصلاة أداء قال في المعتبر في الموضع الثالث: و الوجه عندي انه لا إعادة لأن التيمم عند الخوف على النفس اما ان يكون مبيحا للصلاة أم لا يكون، فان كان مبيحا سقط القضاء لانه اتى بصلاة مستكملة للشرائط، و ان لم يكن مبيحا لم يجب الأداء، فالقول بوجوب الأداء مع وجوب القضاء مما لا يجتمعان لكن الأداء كان واجبا فالقضاء غير واجب. انتهى.
و بالجملة فإن الوجه هو العمل على الأخبار المتقدمة. بقي الكلام في حمل هذه الأخبار على الاستحباب كما هي القاعدة المطردة في كلام الأصحاب في جميع الأبواب، فإن فيه ما عرفت مما قدمناه في غير موضع، و هو و ان أمكن في بعض لما يلوح من القرائن على ذلك إلا انه يمكن حمل ما عداه على التقية التي هي في اختلاف الأحكام أصل كل بلية و إلا فارجاعها إلى قائلها لضعفها عن النهوض بمعارضة ما قابلها. و اللّٰه العالم.
(المسألة الثالثة)- لو وجد المتيمم الماء و تمكن من استعماله
فله صور:
(الاولى)- ان يجده قبل دخوله في الصلاة
، و الظاهر انه لا خلاف في انتقاض تيممه و وجوب استعمال الماء حتى انه لو فقده بعد التمكن من ذلك أعاد التيمم، قال في المعتبر:
و هو إجماع أهل العلم. قال في المدارك: «و إطلاق كلامهم يقتضي انه لا فرق في ذلك بين ان يبقى من الوقت مقدار ما يسع الطهارة و الصلاة و عدمه، و هو مؤيد لما ذكرناه فيما سبق من ان من أخل باستعمال الماء حتى ضاق الوقت يجب عليه الطهارة المائية و القضاء لا التيمم و الأداء» انتهى. أقول: فيه ان الظاهر انه لا ريب في ان المتبادر من كلامهم و كذا من اخبار المسألة ان التقسيم إلى الأقسام المذكورة في هذه المسألة انما هو في الوقت خاصة و البحث و محل الخلاف انما هو في وجوب المضي في الصلاة بعد وجود الماء مطلقا أو الرجوع ما لم يركع، و اما كون ذلك يؤدي الى فوات الوقت أم لا و انه هل يشترط مضي زمان يسع الطهارة أم لا؟ فهاتان مسألتان على حدة و كل من قال بقول في تينك المسألتين فرع عليه ما اندرج تحته من هذه المسألة أو غيرها، و لا يخفى ان من قال في
378
تلك المسألة التي أشار إليها بأنه مع ضيق الوقت عن استعمال الماء يتيمم و يصلي أداء لا يوافق هنا على التمكن من استعمال الماء، لان استعماله على وجه يؤدي الى فوات الوقت و الصلاة قضاء غير جائز عنده فوجود الماء في هذه الصورة عنده في حكم العدم كما تقدم تحقيقه.
(الثانية)- ان يجده بعد الفراغ من الصلاة
، و المشهور انه لا اعادة عليه و لكن ينتقض تيممه، قال في المعتبر: و هو موضع وفاق ايضا. و قد تقدم في سابق هذه المسألة ما في ذلك من الخلاف لذهاب ابن ابي عقيل و ابن الجنيد الى وجوب الإعادة.
(الثالثة)- ان يجده بعد الدخول في الصلاة
، و قد اختلف في هذه الصورة كلام الأصحاب، فقال الشيخ (قدس سره) في النهاية انه يرجع ما لم يركع، و هو اختيار ابن ابي عقيل و ابي جعفر بن بابويه و المرتضى في شرح الرسالة، و للشيخ قول آخر في المبسوط و الخلاف و هو انه متى كبر للافتتاح لم يجز له الرجوع و مضى في صلاته بتيممه و هو اختيار المفيد و المرتضى في مسائل الخلاف و قواه ابن البراج و اختاره ابن إدريس و المحقق في المعتبر و السيد في المدارك و العلامة في جملة من كتبه و الظاهر انه المشهور، و قال سلار يرجع إلا ان يقرأ، و قال ابن الجنيد: ان وجد الماء بعد دخوله في الصلاة قطع ما لم يركع الركعة الثانية فإن ركعها مضى في صلاته، فان وجده بعد الركعة الاولى و خاف من ضيق الوقت ان يخرج ان قطع رجوت ان يجزئه ان لا يقطع صلاته، فاما قبله فلا بد من قطعها مع وجود الماء. انتهى. و نقل في الذكرى عن ابن حمزة في الوسيلة قولا غريبا و هو وجوب القطع بعد الشروع مطلقا إذا غلب على ظنه سعة الوقت بقدر الطهارة و الصلاة و عدم وجوب القطع ان لم يمكنه ذلك و استحباب القطع ما لم يركع، فهذه خمسة أقوال في المسألة.
أقول: و الأصل في الخلاف في هذه المسألة اختلاف الأخبار فيها فها أنا أسوق ما وقفت عليه من الأخبار في المقام و أبين ما ظهر لي من ذلك بتوفيق الملك العلام بما
379
ينكشف عنه نقاب الإبهام و يصير ظاهرا لجملة الافهام.
فمنها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) في حديث قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ان أصاب الماء و قد دخل في الصلاة؟ قال فلينصرف و ليتوضأ ما لم يركع فان كان قد ركع فليمض في صلاته فان التيمم أحد الطهورين».
و رواه الكليني بسندين أحدهما في الصحيح و الثاني في الحسن على المشهور بإبراهيم بن هاشم و الصحيح عندي (2).
و ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن عاصم (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء فيتيمم و يقوم في الصلاة فجاء الغلام و قال هو ذا الماء؟ فقال ان كان لم يركع فلينصرف و ليتوضأ و ان كان قد ركع فليمض في صلاته».
و رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب مثله (4) و رواه الكليني مثله (5).
و ما رواه الشيخ عن محمد بن حمران عن الصادق (عليه السلام) (6) قال:
«قلت له رجل تيمم ثم دخل في الصلاة و قد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة؟ قال يمضي في الصلاة، و اعلم انه ليس ينبغي لأحد ان يتيمم إلا في آخر الوقت».
و ما رواه أيضا في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم (7) قال: «قلت في رجل لم يصب الماء و حضرت الصلاة فتيمم و صلى ركعتين ثم أصاب الماء أ ينقض الركعتين أو يقطعهما و يتوضأ ثم يصلي؟ قال لا و لكنه يمضي في صلاته فيتمها و لا ينقضها لمكان انه دخلها و هو على طهور بتيمم. الحديث».
و عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (8) قال: «سألته عن رجل صلى ركعة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب التيمم.
(4) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب التيمم.
(5) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب التيمم.
(6) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب التيمم.
(7) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب التيمم.
(8) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب التيمم.
380
على تيمم ثم جاء رجل و معه قربتان من ماء؟ قال يقطع الصلاة و يتوضأ ثم يبني على واحدة».
و رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب (1).
و عن الحسن الصيقل (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) رجل تيمم ثم قام يصلي فمر به نهر و قد صلى ركعة؟ قال فليغتسل و ليستقبل الصلاة. قلت انه قد صلى صلاته كلها؟ قال لا يعيد».
و في الفقه الرضوي (3) «فإذا كبرت في صلاتك تكبيرة الافتتاح و أوتيت بالماء فلا تقطع الصلاة و لا تنقض تيممك و امض في صلاتك».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي يدل على القول الأول من هذه الأخبار صحيحة زرارة و رواية عبد اللّٰه بن عاصم، و الذي يدل على الثاني رواية محمد بن حمران و عبارة كتاب الفقه، و لعل مستند ابن الجنيد هو رواية زرارة و هي الأخيرة إلا ان في دلالتها على ما ذكره من التفصيل اشكالا. و بالجملة فهذه روايات المسألة التي وصلت إلينا و منها يعلم عدم الدليل على ما عدا القولين الأولين المشهورين.
و أجاب العلامة في المنتهى عن روايتي زرارة و عبد اللّٰه بن عاصم بالحمل على الاستحباب أو على ان المراد بالدخول في الصلاة الشروع في مقدماتها كالأذان و بقوله:
«ما لم يركع» ما لم يتلبس بالصلاة و بقوله: «و ان كان قد ركع» دخوله فيها إطلاقا لاسم الجزء على الكل. و الأول من محامله و هو الحمل على الاستحباب قد اختاره جملة ممن تأخر عنه، و اما الحمل الثاني فردوه بالبعد غاية البعد عن الظاهر و بذلك اعترف في الذكرى و المدارك، و اما الحمل على الاستحباب فسيأتي ما فيه ان شاء اللّٰه تعالى.
و قال المحقق في المعتبر بعد الاحتجاج برواية محمد بن حمران على ما اختاره: فان احتج الشيخ بالروايات الدالة على الرجوع ما لم يركع فالجواب عنها ان أصلها عبد اللّٰه بن عاصم فهي في التحقيق رواية واحدة و تعارضها روايتنا و هي أرجح من وجوه: (أحدها)- ان
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب التيمم.
(3) ص 5.
381
محمد بن حمران أشهر في العدالة و العلم من عبد اللّٰه بن عاصم و الأعدل مقدم. (الثاني)- انها أخف و أيسر و اليسر مراد اللّٰه تعالى (الثالث)- مع العمل بروايتنا يمكن العمل بروايته أيضا بأن ننزلها على الاستحباب و مع العمل بروايته لا يمكن العمل بروايتنا. قال السيد في المدارك بعد نقل ذلك عنه: قلت و يؤيده أيضا مطابقته لمقتضى الأصل و العمومات الدالة على تحريم قطع الصلاة،
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم قال: «قلت في رجل لم يصب الماء. الرواية كما قدمناه».
ثم قال: فان التعليل يقتضي وجوب المضي في الصلاة مع الدخول فيها و لو بتكبيرة الإحرام. انتهى. أقول: ظاهر كلام السيد السند (قدس سره) الموافقة للمحقق فيما ذكره من الوجوه المذكورة المرجحة لرواية محمد بن حمران حيث قد زاده تأييدا بالوجوه التي ذكرها.
و الجميع منظور فيه من وجوه: (الأول)- ما ادعاه في المعتبر من الأشهرية في العلم و العدالة لمحمد بن حمران المؤذن من حيث صيغة التفضيل بعدالة عبد اللّٰه بن عاصم و لو في الجملة مع انا لا نعرف لذلك وجها في واحد منهما، اما محمد بن حمران فهو في كتب الرجال مشترك بين النهدي و هو الثقة و غيره و لا قرينة هنا تعين كونه النهدي الثقة و لم يدع هو ايضا انه النهدي دون غيره، و هذا مما يوجب ضعف الحديث عند أصحاب هذا الفن بغير خلاف، و اما عبد اللّٰه بن عاصم فهو غير مذكور في كتب الرجال بالكلية. و الجواب- بأنه لعل المحقق استفاد توثيقهما من محل آخر و ان لم يتعرض له علماء الرجال حتى انه ربما توهم بعض الحكم بوثاقة عبد اللّٰه بن عاصم من هذا الكلام- مجازفة لا ينبغي الالتفات إليها فإن المعتمد في ذلك انما هو على علماء هذا الفن المتصدين لتحقيقه.
(الثاني)- ان ما رواه عبد اللّٰه بن عاصم فقد رواه زرارة في الصحيح و لا ريب في أرجحية زرارة في العدالة و الوثاقة و شهرته بذلك على محمد بن حمران لو ثبت أنه النهدي الثقة فبطل هذا الوجه من أصله. و هذا الوجه الثاني و ان أمكن عدم وروده
382
على المحقق حيث انه لم يورد صحيحة زرارة في هذا المقام و لعله لعدم الاطلاع عليها حينئذ لكن يرد على السيد الذي قد أوردها في شرحه دليلا للقول المذكور و مع هذا جمد على كلام المحقق هنا.
(الثالث)- ان الأخفية و الايسرية ليست من الأدلة الشرعية التي تصلح لتأسيس الأحكام سيما في مقابلة النصوص الواردة عنهم (عليهم السلام) و انما هي وجوه تصلح للتأييد أو بيان وجه الحكمة بعد ورود النص بما اقتضته و إلا لانتقض ذلك بكثير من الأحكام المشتملة على الأحكام الشاقة كصوم الهجير و الحج في الأوقات الشديدة و الجهاد و نحو ذلك، و بالجملة فالأمر فيما ذكرناه أظهر من ان يحتاج الى مزيد بيان فبطل هذا الوجه ايضا من أصله.
(الرابع)- ان دعواه انه لا يكون لرواية محمد بن حمران محمل تحمل عليه لو عملنا على رواية عبد اللّٰه بن عاصم مدفوع بإمكان الجمع بين الأخبار بحمل مطلقها على مقيدها، فإن رواية محمد بن حمران مطلقة في المضي و صحيحة زرارة و رواية عبد اللّٰه بن عاصم قد خصتا المضي بالركوع فيرجع قبله، و بهذا يحصل الجمع بين الاخبار و هو أحد قواعدهم التي يجمعون بها بين الأخبار، على ان التحقيق عندي ان ظاهر خبر محمد بن حمران- كما صرح به في آخره- هو ان التيمم انما وقع في آخر الوقت و هذه الرواية احدى روايات القول بالتضييق كما هو أحد الأقوال في المسألة كما أوضحناه سابقا، و لا ريب انه على هذا القول يجب المضي في الصلاة و عدم قطعها لان المفروض على هذا التقدير انه لم يبق من الوقت إلا بقدر الصلاة فلو قطعها و توضأ أو اغتسل ثم صلى لزم وقوعها أو وقوع جزء منها خارج الوقت، و حينئذ ففي الخبر المذكور تأييد لما قدمناه في صدر المسألة من الكلام على كلام السيد المشار اليه فيما تقدم.
(الخامس)- ان ما ذكره السيد في وجوه تأييده من التأييد بمطابقة الأصل فإن فيه انه يجب الخروج عنه بالدليل متى قام على خلافه كما صرح به هو و غيره و هو هنا موجود
383
كما عرفت، و الرواية الدالة عليه صحيحة باصطلاحه صريحة الدلالة لا مجال للقدح في متنها و لا سندها.
(السادس)- ان ما ذكره من العمومات الدالة على تحريم قطع الصلاة لم نقف عليها في خبر من الأخبار و لا نقلها ناقل، و هو من جملة من صرح بذلك في كتاب الصلاة فقال انه لم يقف على رواية تدل بمنطوقها على ذلك، ثم قال- بعد ان نقل عن جده (قدس سره) تقسيم قطع الصلاة الى الأقسام الخمسة- ما صورته: «و يمكن المناقشة في جواز القطع في بعض هذه الصور لانتفاء الدليل عليه إلا انه يمكن المصير اليه لما أشرنا إليه من انتفاء دليل التحريم» انتهى و حينئذ فكيف يستند هنا إلى الأدلة الدالة على تحريم قطع الصلاة مع تصريحه بعدمها؟ ثم العجب كل العجب انهم يستدلون هنا بتحريم قطع الصلاة و ظاهرهم- كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في كتاب الصلاة- الإجماع على تحريم قطعها و مع هذا يحملون صحيحة زرارة و نحوها على الاستحباب و هذا من أوضح المناقضات عند ذوي الألباب.
(السابع)- قوله: «فان التعليل يقتضي وجوب المضي في الصلاة مع الدخول فيها و لو بتكبيرة الإحرام» فإن فيه ان صحيحة زرارة أيضا قد اشتملت على مثل هذا التعليل و هو قوله في آخرها: «فان التيمم أحد الطهورين» مع انه (عليه السلام) صرح في صدرها بأنه يرجع ما لم يركع، و منه يعلم ان التعليل في حد ذاته و ان كان ظاهره العموم إلا انه انما وقع تعليلا للنهي بعد الركوع كما في صحيحة زرارة أو بعد الركعتين كما في الصحيحة التي ذكرها فهو مخصوص بما وقع تعليلا له و ان كان ظاهره في حد ذاته العموم فإن رواية زرارة الأخيرة و رواية الصيقل قد دلتا على الرجوع بعد صلاة ركعة، و بذلك يتبين لك قوة القول الأول و ان كلماتهم هنا و تعليلاتهم لا تخلو من مجازفة و ضعف.
و العجب من السيد المشار اليه- كما لا يخفى على من مارس كتابه و عرف طريقته فيه- انه مع زيادة مبالغته في التمسك بهذا الاصطلاح المحدث لا يعمل إلا بالخبر الصحيح و يرد في مقابله الأخبار الموثقة بل الحسنة فضلا عن الضعيفة و يخالف الأصحاب في كثير
384
مما ظاهرهم الاتفاق عليه تمسكا بهذا الاصطلاح و انه لا يجمع بين الأخبار إلا مع التكافؤ في صحة السند و إلا فتراه يطرح المرجوح، فكيف خرج عن مقتضى قواعده في هذا المقام بعد نقله لصحيحة زرارة المذكورة و جمد على كلام صاحب المعتبر الذي يفهم من ظاهره انه لم يقف على الصحيحة المشار إليها؟ و إلا فالظاهر انه لو وقف عليها لم يتفوه بشيء من هذه الوجوه الضئيلة و التعليلات العليلة. و اللّٰه العالم.
تنبيهات
(الأول) [حكم التيمم بالنسبة إلى غير الصلاة التي وجد الماء فيها]
- قد عرفت انه يجب إتمام الصلاة بعد وجود الماء في أثنائها إما لكونه قد تجاوز محل القطع أو قلنا بالاكتفاء بمجرد الدخول فيها و ان تيممه ذلك لا ينتقض في الحال المذكورة، و انما الكلام في انتقاضه بالنسبة الى غير هذه الصلاة، فالمنقول عن الشيخ في المبسوط انه ينتقض تيممه بالنسبة إلى غيرها، و قواه العلامة في المنتهى و التذكرة لأنه متمكن عقلا من استعمال الماء، قال: و المنع الشرعي لا يرفع القدرة لأنها صفة حقيقية و الحكم معلق عليها. و ثانيهما منقول عن المحقق حيث قال في المعتبر بعد نقله عن الشيخ انه ينتقض تيممه بالنسبة إلى الصلاة المستأنفة: «و لو قيل لا يبطل تيممه لكان قويا لان وجدان الماء لا يبطل التيمم ما لم يتمكن من استعماله و الاستعمال هنا ممنوع منه شرعا ضرورة وجوب المضي في صلاته لأنا نتكلم على هذا التقدير فلا يكون الاستعمال ممكنا فلا ينتقض التيمم». انتهى.
و أنت خبير بان حاصل تعليل القائل بالانتقاض هو صدق التمكن من استعمال الماء عقلا و منع الشرع من الابطال لا يخرجه عن التمكن فإنه صفة حقيقية لا يتغير بالأمر الشرعي أو النهي، و عدم فساده بالنسبة إلى الصلاة التي كان فيها للإذن في إتمامها حذرا من إبطال العمل اما غيرها فلا مانع من بطلانه بالنسبة اليه. و ضعفه ظاهر فإن الاذن في إتمامها انما هو من حيث صحة التيمم و عدم انتقاضه و بقاء الإباحة به و لا يجوز
385
اجتماع الفساد و الصحة في طهارة واحدة، و المنع الشرعي كاف في عدم النقض كالمرض فهو بمنزلة المنع الحسي بل أقوى، و لان التيمم لم ينتقض بوجود الماء فبعد فقده اولى كذا افاده شيخنا الشهيد الثاني في الروض. و هو جيد متين، و منه يظهر ان ظاهره اختيار القول المذكور، و مثله سبطه في المدارك، و هو المشهور بين المتأخرين و عليه العلامة في باقي كتبه، و هو الأظهر لما سيأتي من ان الانتقاض بوجود الماء انما يتحقق فيما إذا تمكن من استعمال الماء بمعنى ان لا يمنع منه مانع حسي و لا شرعي، و بالجملة فإن إيجاب الشارع إتمام الصلاة و الحال ان الماء موجود دليل ظاهر على صحة التيمم و إلا لأوجب إعادتها و بعد الفراغ منها لم يكن ثمة ماء كما هو المفروض فأي موجب هنا للنقض؟ و قد تقدم ان موجب النقض اما الحدث أو التمكن من استعمال الماء و شيء منهما بعد الفراغ من الصلاة غير موجود.
(الثاني)
- قيل انه يتفرع على مذهب الشيخ في المبسوط- من انتقاض التيمم بالنسبة الى ما عدا هذه الصلاة- انه لا يجوز العدول عن هذه الصلاة الى فائتة سابقة لانتقاض التيمم بالنسبة الى كل صلاة غير هذه. ورد بان العدول ان كان واجبا فالمعدول اليه بدل مما هو فيها بجعل الشارع فلا موجب للبطلان، و ان كان مستحبا كما في الحاضرة المعدول عنها إلى الفائتة على القول بعدم الترتيب بين الفوائت و الحواضر فهو ايضا انتقال من واجب الى واجب غايته ان الانتقال غير واجب متعين، و بالجملة ان قول الشيخ انما هو بالنسبة إلى الصلوات المستقبلة المحكوم عليها بالصحة من نوع تلك الصلاة التي شرع فيها لا شخصها بعينه.
(الثالث)
- إطلاق الصلاة في الأخبار المتقدمة يقتضي شمول الحكم المتقدم للنافلة فلو وجد الماء بعد دخوله فيها جرى فيه الخلاف المتقدم فيها و لم ينتقض تيممه بوجود الماء، و به جزم الشهيدان في البيان و المسالك، قال في المدارك بعد نقل ذلك عنهما: و يحتمل قويا انتقاض تيممه بوجود الماء لجواز قطع النافلة اختيارا فينتفي المانع من استعماله عقلا
386
و شرعا. و المسألة عندي محل توقف.
(الرابع)- لو وجد الماء في أثناء صلاة يجب قضاؤها بعد وجود الماء
كالصلوات المذكورة في المسألة الثانية عند من قال بذلك فالظاهر انتقاض التيمم و انقطاع الصلاة و به صرح الشهيد في الدروس، لانه يجب عليه العادة عند وجود الماء عند القائل المذكور و ان كان قد فرغ منها فمع وجوده في أثنائها اولى. قيل و يحتمل المنع نظرا الى عموم المنع عن إبطال العمل. و هو ضعيف (أما أولا)- فلانا لم نقف على هذا الدليل الذي يكررونه في كلامهم من عموم النهي عن إبطال العمل كما سيأتي تحقيقه ان شاء اللّٰه تعالى في محل أليق. و (اما ثانيا)- فلان النهي عن إبطال العمل على تقدير تسليمه انما يتبادر الى العمل الصحيح و هو غير معلوم في صورة النزاع. و الظاهر ان الوجهين آتيان فيما لو قلنا باستحباب القطع قبل الركوع. فإنه يحتمل عدم الانتقاض لاستمرار الإباحة إلى الفراغ و استظهره في المدارك، و يحتمل الانتقاض كما هو قول الشيخ لانتفاء المانع من الاستعمال عقلا و شرعا.
(الخامس) [في العدول إلى النفل]
- تفرد العلامة (قدس سره) بجواز العدول الى النفل مع سعة الوقت جمعا بين عدم إبطال الفريضة و بين أدائها بأكمل الطهارتين قياسا على من أراد تحصيل فضيلة الجماعة. و فيه نظر لعدم الدليل على ما ذكره من النقل، و جواز العدول في بعض المواضع لدليل اقتضاه لا يقتضي الجواز مطلقا بل هو قياس محض، على ان العدول الى النفل في معنى القطع و لو جاز العدول الى النفل لجاز الابطال بغير واسطة و هو لا يقول به، و بالجملة فإن المستفاد من الاخبار و كلام الأصحاب هو تحريم الرجوع بعد فوات محله سواء قلنا ان محله هو الدخول في الصلاة أو الركوع أو غيرهما، فما ذهب اليه (قدس سره)- مع كونه كما عرفت بمحل من الضعف- مخالف لظاهر الأخبار و كلام الأصحاب.
(المسألة الرابعة)- لو أحدث المتيمم في أثناء الصلاة سهوا و وجد الماء
فمذهب الشيخين (قدس سره) انه يتطهر و يبني و قيل بالإبطال، و تفصيل الكلام في المسألة
387
بوجه ابسط- و ان كان البحث الكامل فيها كما هو حقه موكول الي ذكرها في محلها ان شاء اللّٰه تعالى- ان يقال اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في الحدث سهوا في الصلاة فالمشهور الابطال به مطلقا و انه لا فرق بين العمد و السهو و عليه يدل إطلاق جملة من الأخبار الآتية ان شاء اللّٰه تعالى عند ذكر المسألة، و قيل بعدم الابطال و انه يتطهر و يبني و عليه تدل أيضا جملة من الأخبار الصحيحة الصريحة، و حملت على محامل عديدة أقربها التقية، و قيل انه ان كان سبقه الحدث في الصلاة و هو متيمم تطهر و بنى و الا وجب عليه الإعادة، ذهب اليه الشيخان في المقنعة و النهاية و المبسوط و ابن ابي عقيل إلا انه لم يشترط النسيان، و ظاهر الصدوق في الفقيه القول بذلك ايضا حيث نقل فيه صحيحة زرارة الآتية و من ثم أسنده إليه في الذكرى، و الى هذا القول مال جملة من محققي المتأخرين و متأخريهم: منهم- المحقق في المعتبر و السيد السند في المدارك و الفاضل الخراساني في الذخيرة و هو الأظهر، إلا انه لما انتهت النوبة إلى الأمين الأسترآبادي جرد لسان التشنيع على الشيخ المفيد في الفوائد المدنية بذهابه الى ذلك و حمله الرواية المذكورة عليه و نسب خلافه في هذه المسألة إلى الاستنباطات الظنية، قال- بعد التشنيع عليه بذهابه الى جواز التمسك بالاستصحاب- ما صورته: «و ذهابه الى ان من دخل في الصلاة بتيمم ثم سبقه الحدث فأصاب ماء يتوضأ و يبني بخلاف من دخل في الصلاة بوضوء و سبقه الحدث فإنه يتوضأ و يستأنف الصلاة مع انه تواترت الأخبار بان الحدث في أثناء الصلاة ينقضها، و الباعث له على ذلك انه كان في بعض الأحاديث لفظ «أحدث» فسبق ذهنه الى حمله على وقوع الحدث من المصلي و غفل عن احتمال ان يكون أمطر السماء بل هذا الاحتمال أظهر معنى كما حققناه في بعض كتبنا، الى ان قال هذا كله بعد التنزل عن حمله على التقية و الصواب حمله على التقية لأن أبا حنيفة ذهب الى ذلك و لكن ما خص الحكم بالتيمم» (1) انتهى. و اقتفاه في الحمل على هذا المعنى الكاشاني في الوافي فقال في ذيل
____________
(1) في بدائع الصنائع للكاساني الحنفي ج 1 ص 220 «لا يفسد الصلاة لو سبقه الحدث فيها من غير تعمد فإنه يتوضأ و يبنى في صلاته».
388
خبر زرارة الآتي: «ثم أحدث فأصاب ماء» على البناء للمفعول اي أحدث حدث و وجد سبب و سنح أمر من أمطار السماء و نحوه من أسباب وجدان الماء، و الكناية عن مثله بالحدث شائعة في كلامهم، و هذا المعنى أقرب مما فهمه الأكثرون من حمل الحدث على معناه المتعارف إذ لا رابطة بين الحدث بهذا المعنى و اصابة الماء المتفرع عليه. انتهى.
أقول: اما ما ذكره المحدث الأمين ففيه (أولا) ان دعواه تواتر الأخبار بان الحدث في أثناء الصلاة ينقضها مجازفة ظاهرة، نعم ورد ذلك في جملة من الأخبار إلا ان بإزائها من الأخبار ايضا ما هو أصح سندا و أكثر عددا و أصرح دلالة مما يدل على عدم النقض و انه يتطهر و يبني كما سيأتيك بيانه ان شاء اللّٰه تعالى في محله، و باختلاف الأخبار في هذا المضمار اختلفت كلمة علمائنا الأبرار فذهب الى القول بكل منها قائل و بذلك يظهر لك ما في كلامه من الإجمال بل الإهمال.
و (ثانيا)- ان ما فهمه الشيخ المفيد (قدس سره) من الخبر المذكور هو الذي فهمه كل من وقف على الخبر المذكور من عصر الأئمة (عليهم السلام) الى الآن ممن قال به أو لم يقل إخباري أو مجتهد ما عداه و عدا المحدث المشار اليه حيث تبعه و اقتفاه، و قد وافق الشيخ المشار اليه على القول بمضمون الخبر المذكور جملة من الأصحاب المتقدم ذكرهم و من جملتهم- كما عرفت- أستاذه صاحب المدارك، و حينئذ فالتشنيع الذي ذكره لا يختص بالشيخ المفيد بل بجملة العلماء الاعلام و كفي به شناعة في المقام.
و (ثالثا)- ان ما فهمه الشيخ المذكور و جملة الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) ليس من قبيل الاستنباطات الظنية كما زعمه و انما هو المعنى المتبادر من اللفظ عند إطلاقه، و التبادر امارة الحقيقة كما صرحوا به، و لو كان حمل اللفظ على معناه المتبادر منه من قبيل الاستنباطات الظنية لكان هو ايضا من جملة القائلين بتلك الاستنباطات، اللهم إلا ان يدعى في ذلك إلهاما روحانيا، كما يعطيه بعض تلك المنامات
389
التي أوردها في ذلك الكتاب بل الخرافات التي لا تليق بمثله من العلماء الأطياب، نعم ان ذلك انما يتوجه إليه في استنباطه هذا المعنى الذي اختص به و ذهب اليه و اعتمد في المقام عليه بل هو في الحقيقة أشبه شيء بالألغاز الذي هو بمراحل عن الحقيقة فضلا عن المجاز.
و (رابعا)- انه من الجائز خروج هذا الخبر مخرج التقية كما صرح به في آخر كلامه و استصوبه، و من الظاهر انه لا يتم ذلك إلا بحمل الحدث على المعنى الذي فهمه الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) و لا ريب ان الخبر الخارج مخرج التقية مما قد رخصوا في العمل به حال التقية و مطلقا بالنسبة الى من لا يعلم بالتقية حتى يظهر وجه التقية فيه فلم لا حمل كلام الشيخ المفيد (رضوان اللّٰه عليه) على هذا الحمل الصحيح العاري عن الريب و كف لسان قلمه عن الطعن عليه و العيب؟ و لكنه قد أولع في هذا الكتاب بتجريد لسان الطعن على العلماء الاعلام، و من أراد الوقوف على ما وقع لنا معه في مثل هذا المقام من الجواب عن جملة من متفرداته و لا سيما مطاعنه في جملة من فضلائنا الكرام فليرجع الى كتابنا الدرر النجفية و حواشينا على كتابه.
و اما ما ذكره المحدث الكاشاني ففيه زيادة على ما عرفت انه قد اعترف بان ما حمل عليه الأصحاب الخبر هو المعنى المتعارف، و لا ريب ان الواجب هو الحمل عليه لانه المتبادر الى الفهم و المعنى بالحمل عليه صحيح لا غبار عليه و الحمل على خلافه يحتاج إلى قرينة صارفة عنه. قوله- انه لا رابطة بين الحدث بهذا المعنى و اصابة الماء المتفرع عليه- فيه ان القائل بذلك لا يجعل الفاء هنا للتفريع بل هي كالفاء في الحديث الآخر في قوله: «فصلى ركعة فأحدث» فإنه لا ارتباط ايضا بين الصلاة ركعة و الحدث بأي المعنيين اعتبر، بل حاصل المعنى هو السؤال عن رجل اتفقت له هذه الأمور و هو انه لما صلى اتفق له سبق حدث منه و اتفق وجود ماء في تلك الحالة، و السؤالات المبنية على الفروض في الأخبار من هذا القبيل غير عزيز.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الدليل الذي استند اليه الشيخان في هذه المسألة هو
390
ما رواه الشيخ في تتمة صحيحة زرارة و محمد بن مسلم المتقدمة في صدر المسألة الثالثة (1) قال: «قال زرارة فقلت له دخلها و هو متيمم فصلى ركعة فأحدث فأصاب ماء؟ قال يخرج و يتوضأ و يبني على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «قلت له رجل دخل في الصلاة و هو متيمم فصلى ركعة ثم أحدث فأصاب الماء؟ قال يخرج و يتوضأ و يبني على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم».
قال المحقق في المعتبر: «من صلى بتيمم ثم أحدث في أثناء الصلاة و وجد الماء
روى محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «انه يخرج ثم يتوضأ و يبني ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم».
و هذه الرواية متكررة في الكتب بأسانيد مختلفة و أصلها محمد بن مسلم و فيها اشكال من حيث ان الحدث يبطل الطهارة و تبطل ببطلانها الصلاة و اضطر الشيخان بعد تسليمها الى تنزيلها على المحدث سهوا، و الذي قالاه حسن لأن الإجماع على ان الحدث عمدا يبطل الصلاة فيخرج من إطلاق الرواية فيتعين حملها على غير صورة العمد لأن الإجماع لا تصادمه الرواية. و لا بأس بالعمل بها على الوجه الذي ذكره الشيخان فإنها رواية مشهورة، و يؤيدها ان الواقع من الصلاة وقع مشروعا مع بقاء الحدث فلا يبطل بزوال الاستباحة كصلاة المبطون إذا فجأه الحدث، و لا يلزم مثل ذلك في المصلي بطهارة مائية لأن حدثه مرتفع فالحدث المتجدد رافع لطهارته فتبطل لزوال الطهارة» قال في المدارك بعد نقله ملخصا: هذا كلامه (قدس سره) و قوته ظاهرة.
و أنكر ابن إدريس هذا القول و أوجب الإعادة سواء كان حدثه عمدا أو سهوا قال في المختلف: و هو الأقوى عندي، لنا- ان صحة الصلاة مشروطة بدوام الطهارة و قد زال الشرط فيزول المشروط، و لأن الإجماع واقع على ان ناقض الطهارة مبطل للصلاة و لأن الصلاة لو فعلت بطهارة مائية انتقضت بالحدث فكذا الترابية لأنها أحد الطهورين، و لان
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من قواطع الصلاة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من قواطع الصلاة.
391
الإجماع واقع على ان الفعل الكثير مبطل للصلاة و هو حاصل هنا بالطهارة الواقعة في أثناء الصلاة. احتج الثلاثة بما رواه زرارة و محمد بن مسلم، ثم أورد الخبر المتقدم ثم عقبه بخبر زرارة المتقدم ايضا ثم اردفهما برواية زرارة المتقدمة في المسألة الثالثة المتضمنة للقربتين حيث أمر فيها بالقطع و البناء ايضا ثم قال: و الجواب عن الحديث الأول انا نحمل الركعة على الصلاة كما تقدم إطلاقا الاسم الجزء على الكل، و قوله «يخرج و يتوضأ ثم يبنى على ما مضى من صلاته» إشارة إلى الاجتزاء بتلك الصلوات السابقة على وجدان الماء، و عن الثاني بذلك ايضا، و يحتمل انه يرجع استحبابا إذا صلى ركعة واحدة و قوله: «و يبني على ما مضى من صلاته» لا يشير به الى تلك الركعة السابقة بل الى الصلوات السابقة على التيمم، و عن الثالث بالمنع من صحة السند، على ان الأحاديث لا تدل على التفصيل الذي ذكره الشيخان من وجوب الوضوء و الإتمام مع النسيان و الاستئناف مع العمد فالذي ذهبا اليه لم تدل الأحاديث عليه. انتهى.
و الشهيد في الذكرى نقل عن ابن إدريس انه رد الرواية للتسوية بين نواقض الطهارتين و ان التروك متى كانت من النواقض لم يفرق بين العامد فيها و الساهي، ثم نقل عنه انه قال: و انما ورد هذا الخبر فأوله بعض أصحابنا بصلاة المتيمم، ثم اعترضه فقال قلت: الأول محل النزاع و الرواية مصرحة بالمتيمم فكيف يجعل تأويلا؟ ثم انه في الذكرى نقل عن المختلف رد الرواية لاشتراط صحة الصلاة بدوام الطهارة و لما قاله ابن إدريس و قال الطهارة المتخللة فعل كثير، ثم اعترضه بان كل ذلك مصادرة، ثم نقل عن المختلف انه أول الرواية بحمل الركعة على الصلاة تسمية للكل باسم الجزء، و بان المراد مما مضى من صلاته ما سبق من الصلوات السابقة على وجدان الماء، ثم رده فقال: قلت لفظ الرواية «يبني على ما بقي من صلاته» و ليس فيها «ما مضى» فيضعف التأويل مع انه خلاف منطوق الرواية صريحا. انتهى. أقول: كلام شيخنا المذكور بان لفظ الرواية «يبني على ما بقي من صلاته» لعله كان هو الموجود في نسخ الكتاب الذي عنده و إلا فإن
392
الموجود فيما وصل إلينا من كتب الأخبار و المنقول في كتب الفروع أيضا انما هو «ما مضى من صلاته» كما ذكره العلامة. و كيف كان فإنه قد علم بما ذكره شيخنا المشار اليه الجواب عما ذكره العلامة في المختلف إلا انه مع وجود الخبر كما ذكره العلامة (قدس سره) فتأويله بما ذكره في غاية البعد. و أشد بعدا حمل الركعة على الصلاة كملا.
و للمحقق الشيخ حسن في المنتقى هنا كلام جيد لا بأس بنقله و ان طال به زمام الكلام لما يترتب عليه من النفع في غير مقام، قال بعد نقل كلمات القوم التي ذكرناها في هذه المسألة: و التحقيق عندي في هذا المقام ان الخبرين الصحيحين ليسا بصريحين في إفادة الحكم المتنازع فيه بل هما محتملان لإرادة البناء على الصلاة التي صلاها تامة بالتيمم و قوله (عليه السلام) في آخر الكلام «التي صلى بالتيمم» قرينة قوية على ارادة هذا المعنى فيكون مفاد الخبرين حينئذ عدم وجوب إعادة الصلاة الواقعة بالتيمم بعد وجدان الماء، و هو معنى صحيح وارد في اخبار كثيرة مضى بعضها و سيأتي سائرها، و إذ قد عرفت اعترافهم بالمضايقة في المعنى الذي وقع فيه النزاع باعتبار مخالفته لما هو المعهود في قواطع الصلاة فلا بد في المصير اليه من صراحة اللفظ فيه، و قول العلامة ان الأحاديث لا تدل على التفصيل ليس بجيد لأنها بتقدير دلالتها على أصل الحكم لا تخلو من ظهور في الاختصاص بحالة عدم العمد، و حمله الركعة على الصلاة تعسف زائد لا حاجة له اليه، و قول الشهيد ان لفظ الرواية «يبني على ما بقي» عجيب فإن الرواية مذكورة في التهذيب مرتين كما بيناه و في الفقيه و كلها متفقة مع تعدد النسخ على لفظ «ما مضى» و حكاها كذلك ايضا الشيخ في الخلاف و المحقق في المعتبر حتى ان الشهيد (قدس سره) نقلها في مسألة من وجد الماء في أثناء الصلاة في حمله كلام الشيخ في الخلاف بهذه الصورة، و في عبارات القدماء شهادة بهذا ايضا لوقوفهم في التأدية مع ألفاظ النصوص غالبا. و قد اتفق لوالدي (قدس سره) في شرح الإرشاد مناقشة العلامة بنحو ما قاله الشهيد (قدس سره) حتى انتهى الى هذا الموضع فذكره بصورة ما في الذكرى اعتمادا على تحقيق الشهيد و حسن ظنه به و هو أعجب
393
من صنع الشهيد (قدس سره) لكن المعلوم من طريقة والدي في هذا الشرح مشاركة جماعة المتأخرين في تخفيف المراجعة و الاتكال على حكايات السلف و قد عدل عن ذلك فيما بعد حيث انكشف له حقيقة الحال، هذا مع ان الفرق بين اللفظين هنا و التفاوت بين مفاديهما قليل عند التأمل و ان الجمع بين كلمة «يبني» و بين كلمة «ما بقي» باقيتين على ظاهر هما غير متصور، و ليس التجوز في «يبني» حرصا على نفي الاحتمال بأولى من حمل «ما بقي» على ارادة ما سلم من الحدث المبطل وقوفا مع المعهود و اقتصارا على إثبات الأحكام الشرعية على ما يتضح اليه السبيل و ينتفي فيه الاحتمال القادح في دلالة الدليل. انتهى كلامه.
أقول: و ما ذكره من الاحتمال المذكور و ما ذيله به جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه، و به تنطبق الروايتان المذكورتان على القواعد الشرعية من غير حاجة الى تخصيصهما باستثناء الصورة التي جعلوها محل النزاع بناء على ما فهموه من الروايتين المذكورتين، هذا، و احتمال التقية فيهما أقرب قريب كما تقدمت الإشارة اليه. و اللّٰه العالم.
(المسألة الخامسة)- إذا اجتمع ميت و محدث و جنب و كان من الماء ما يكفي أحدهم خاصة
، فإن كان ملكا لأحدهم اختص به و لم يجز له بذله لغيره مع مخاطبته باستعماله و وجوب صرفه في طهارته، و لو كان مباحا حازه من سبق اليه من المحدث و الجنب و لو توافيا عليه دفعة اشتركا، و ان كان ملكا لهم أو لمالك يسمح به فلا ريب ان لمالكه الخيرة في تخصيص من شاء به، انما يبقي الكلام في الاولى من الثلاثة و كذا لو كان منذورا أو موصى به للأحوج، فقال الشيخ في النهاية: إذا اجتمع ميت و محدث و جنب و معهم من الماء ما يكفي أحدهم فليغتسل به الجنب و ليتيمم المحدث و يدفن الميت بعد ان يؤمم. و قال في الخلاف ان كان الماء لأحدهم فهو أحق به و ان لم يكن لواحد بعينه تخيروا في التخصيص، لأنها فروض اجتمعت و ليس بعضها اولى من بعض فتعين التخيير و لان الروايات قد اختلفت على وجه لا ترجيح فتحمل على التخيير. و قال ابن إدريس
394
ان كان ملكا اختص بالمالك و ان كان مباحا فلمن حازه، و ان تعين عليهما تغسيل الميت و لم يتعين أداء الصلاة لخوف فوات وقتها فعليهما ان يغسلاه بالماء الموجود، فان خافا فوات الصلاة فإنهما يستعملان الماء و لا يغسلان به الميت. و نقل المحقق في الشرائع قولا باختصاص الميت به، قال في المدارك: و لم أعرف قائله، و بذلك ظهر ان في المسألة أقوالا أربعة.
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة
ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي نجران (1) «انه سأل أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن ثلاثة نفر كانوا في سفر أحدهم جنب و الثاني ميت و الثالث على غير وضوء و حضرت الصلاة و معهم من الماء قدر ما يكفي أحدهم، من يأخذ الماء و كيف يصنعون؟ قال يغتسل الجنب و يدفن الميت بتيمم و يتيمم الذي هو على غير وضوء، لان الغسل من الجنابة فريضة و غسل الميت سنة و التيمم للآخر جائز».
و رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الرحمن بن ابي نجران عن رجل حدثه قال: سألت الرضا (عليه السلام) و ذكره نحوه (2) إلا ان الذي فيه «و يدفن الميت» من غير قوله «بتيمم».
و ما رواه في التهذيب عن الحسن التفليسي (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ميت و جنب اجتمعا و معهما ما يكفي أحدهما أيهما يغتسل؟ قال إذا اجتمعت سنة و فريضة بدئ بالفرض».
و عن الحسين بن النضر الأرمني (4) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن القوم يكونون في السفر فيموت منهم ميت و معهم جنب و معهم ماء قليل قدر ما يكفي أحدهما أيهما يبدأ به؟ قال يغتسل الجنب و يترك الميت لان هذا فريضة و هذا سنة».
و رواه الصدوق في العلل و العيون بسنده عن الحسين بن النضر مثله (5).
و عن علي بن محمد عن محمد بن علي عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (6)
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التيمم.
(3) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التيمم.
(4) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التيمم.
(5) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التيمم.
(6) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التيمم.
395
قال: «قلت له الميت و الجنب يتفقان في مكان لا يكون فيه الماء إلا بقدر ما يكتفي به أحدهما أيهما اولى ان يجعل الماء له؟ قال يتيمم الجنب و يغسل الميت بالماء».
و عن ابي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن قوم كانوا في سفر فأصاب بعضهم جنابة و ليس معهم من الماء إلا ما يكفي الجنب لغسله يتوضأون هم هو أفضل أو يعطون الجنب فيغتسل و هو لا يتوضأون؟ قال يتوضأون هم و يتيمم الجنب».
إذا عرفت هذا فاعلم ان جملة من الأصحاب: منهم- السيد السند في المدارك رجحوا العمل بصحيحة عبد الرحمن بن ابي نجران لصحة سندها و ضعف ما عارضها من مرسلة محمد بن على و تأيدها بروايتي التفليسي و الأرمني. و استدلوا للقول بتقديم الميت بان الجنب يستدرك طهارته و الميت لا استدراك لطهارته، و برواية محمد بن علي المذكورة و رد الأول بأن الاعتبار لا يعارض النص مع انه معارض بتعبد الجنب بطهارته بخلاف الميت فإنه قد خرج عن التكليف بالموت، و بان للجنب غايتين استباحة الصلاة و طهارة بدنه من الحدث و للميت الثانية لا غير. و الثاني بالطعن في الرواية بضعف السند و بالإرسال و الإضمار فلا تصلح لمعارضة الخبر الصحيح.
أقول: و الحق انه مع العمل بهذا الاصطلاح المحدث فلا ريب في قوة ما ذكروه، و اما مع عدم ذلك كما هو الحق الذي عليه متقدمو الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) فالوجه ان يقال بما ذهب اليه الشيخ من التخيير مع أولوية الجنب، و هذا هو الظاهر من كلام المحقق في المعتبر حيث انه بعد فرض المسألة قال: فالأشهر من الروايتين اختصاص الجنب به، ثم نقل عبارة الخلاف الدالة على التخيير و نقل رواية التفليسي و عدها مع رواية الأرمني رواية واحدة ثم أردفها بمرسلة محمد بن علي ثم رجح رواية التفليسي بأنها متصلة الاسناد و ان العامل بها من الأصحاب كثير و الأخرى مقطوعة، ثم قال: و الذي ذكره الشيخ ليس موضع البحث فانا لا نخالف في ان لهم الخيرة لكن
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب التيمم.
396
البحث في من الأولى أولوية لا تبلغ اللزوم و لا تنافي التخيير. انتهى. و هو ظاهر في ان المراد بقوله أولا: «ان الأشهر من الروايتين اختصاص الجنب به» انما هو اختصاص أولوية و بهذا جمع بين الخبرين المذكورين في كلامه، و الظاهر انه لم تحضره صحيحة عبد الرحمن المذكورة يومئذ و إلا لذكرها، هذا فيما إذا كان الماء لباذل أجنبي أو مشترك بين الجميع مع فرض ان حصة كل واحد منهم لا تفي بحاجته فإنه يستحب له بذلها للأحوج مع عدم رجاء ما يحصل به الإكمال، و اما لو كان منذورا به للأحوج أو موصى به كذلك فالتخيير غير متجه في المقام بل يحتاج الى النظر في الراجح من الاخبار الواردة في المسألة و لا ريب في حصوله في جانب القول بتقديم الجنب للصحيحة المذكورة المعتضدة بالروايتين الأخريين سيما مع تضمنها للعلة المذكورة المصرح بها في غير موضع ايضا. و اما ما ذهب اليه ابن إدريس من التفصيل المتقدم نقله عنه فإنه مبني على طرح روايات المسألة كما لا يخفى، و ضعفه لذلك أظهر ظاهر.
[تنبيهات]
و ينبغي التنبيه على فوائد
(الاولى)- لو أمكن الجمع
بأن يتوضأ المحدث ثم يجمع الماء و يغتسل به الجنب الخالي بدنه من النجاسة ثم يجمع ماؤه و يغسل به الميت وجب بناء على القول بان المستعمل في الحدث الأكبر يكون مطهرا. قيل: و لو جامعهم ذات دم أو ماس ميت فإشكال و التخيير حسن و استعمال القرعة أولى، أما العطشان فهو اولى من الجميع قطعا.
(الثانية) [عدم طهورية المستعمل]
- قال في الذكرى بعد الإشارة إلى خبر عبد الرحمن بن ابي نجران:
«و فيه إشارة الى عدم طهورية المستعمل و إلا لأمر يجمعه» و أورد عليه بان جمعه لا يلزم منه ان يجتمع منه ما يكفي واحدا فإنه أعم من ذلك و لا دلالة للعام على الخاص و جائز ان يعلم (عليه السلام) منه عدم اجتماع ما يرفع حدثا آخر. و فيه انه يمكن ان يكون مبنى كلام شيخنا المشار اليه على عدم الاستفصال المفيد عندهم للعموم في المقال، لأنهم قد صرحوا في غير مقام بان ترك الاستفصال يفيد العموم في المقال. نعم يمكن ان يقال ان
397
الرواية محمولة على ما هو الغالب من عدم إمكان هذا الجمع في مثل هذا الماء القليل الذي لا يكفي إلا لأحدهم كما هو المفروض في أصل المسألة.
(الثالثة)- لو كان الماء مباحا
وجب على كل من الحيين المبادرة إليه فإن سبق أحدهما إلى حيازته ملكه و ان اتفقا جميعا اشتركا، و لو تغلب أحدهما على الآخر في حيازته بعد استوائهما في السبق اليه فلا خلاف و لا ريب في انه يأثم، و هل يملك أم لا؟ فالمحقق في المعتبر و العلامة في التذكرة على الأول لأن الوصول الى المباحات لا يفيد الملك لافتقار تملك المباحات إلى الحيازة مع النية و لم يحصل الشرطان إلا للمتغلب و استشكله الشهيد في الذكرى بإزالة أولوية غيره و هي في معنى الملك، قال: و هو مطرد في كل أولوية كالتحجير. و فيه ما عرفت من عدم حصول شرطي الحيازة إلا للمتغلب فيملك و ان أثم، هذا ما يقتضيه الجري على قواعدهم و إلا فالمسألة لعدم النص لا تخلو من توقف.
(الرابعة) [هل يجوز لمالك الماء ان يبذله لغيره مع وجوب الصلاة؟]
- قال المحقق في المعتبر: هل يجوز لمالك الماء ان يبذله لغيره مع وجوب الصلاة؟ الوجه لا لأن الطهارة تعينت عليه و هو متمكن من الماء و العدول الى التيمم مشروط بالتعذر و التقدير عدمه، و يؤيد ذلك رواية وهب بن حفص عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) ثم ساق الرواية كما قدمناه، و قال: و ذكر النجاشي ان وهب بن حفص كان واقفيا لكنه ثقة. انتهى. و اعترضه في الذكرى بأنه ليس في الخبر تخصيص باختصاصهم بملكه و لعلهم مشتركون و لكن الجنب لا يكتفي بنصيبه. أقول: الظاهر ان استناد المحقق إلى الرواية لا يتوقف على اختصاصهم بالملك بل يكفيه تحقق اشتراكهم فيه، فان ظاهر سياق الخبر ان الماء مشترك بين القوم كملا إلا ان حصة الجنب لا تكفيه لغسله و حصة كل منهم تكفي لوضوئه فسأل انه هل يجوز لهم أو يجب عليهم ان يدفعوا حصصهم من الماء الى الجنب ليغتسل به كملا و يتيممون هم أو يتوضأ كل واحد بنصيبه و يتيمم الجنب؟ فأجاب (عليه السلام) بما يدل على ما ذكره المحقق (قدس سره)
398
من ان مالك الماء الذي يجزئه لطهارته لا يجوز له ان يعطيه غيره بل يتوضأ به و الجنب لعدم وفاء حصته بالغسل ينتقل الى التيمم، و هذا معنى صحيح لا غبار عليه.
(المسألة السادسة) [انتقاض التيمم بوجدان الماء]
- الظاهر انه لا خلاف نصا و فتوى في انه متى وجد الماء و تمكن من استعماله انتقض تيممه فلو فقده بعد ذلك وجب عليه اعادة التيمم، و قد نقل الإجماع على ذلك المحقق في المعتبر، و المراد من التمكن من استعماله ان لا يكون له مانع حسي من تغلب على الماء أو كونه في بئر و لا وسيلة اليه أو كونه في يد من لا يبذله أو يتوقف بثمن لا يمكنه و نحو ذلك، و لا شرعي من مرض و خوف عطش و نحو ذلك مما قد تقدم و مما يدل على أصل الحكم من الأخبار
قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) و قد سأله: «يصلي الرجل بتيمم واحد صلاة الليل و النهار؟ فقال نعم ما لم يحدث أو يصب ماء. قلت فإن أصاب الماء و رجا ان يقدر على ماء آخر و ظن انه يقدر عليه فلما اراده تعسر ذلك عليه؟ قال ينتقض تيممه و عليه ان يعيد التيمم».
و في رواية السكوني (2) «لا بأس بان يصلي صلاة الليل و النهار بتيمم واحد ما لم يحدث أو يصب الماء».
و روى الشيخ عن الحسين العامري (3) عن من «سأله عن رجل أجنب فلم يقدر على الماء و حضرت الصلاة فتيمم بالصعيد ثم مر بالماء و لم يغتسل فانتظر ماء آخر وراء ذلك فدخل وقت الصلاة الأخرى و لم ينته الى الماء و خاف فوت الصلاة؟ قال يتيمم و يصلي فان تيممه الأول انتقض حين مر بالماء و لم يغتسل».
و روى العياشي في تفسيره عن أبي أيوب عن الصادق (عليه السلام) (4) قال:
«التيمم بالصعيد لمن لم يجد الماء كمن توضأ من غدير ماء، أ ليس اللّٰه تعالى يقول:
____________
(1) المروي في الوسائل في الباب 19 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 20 من أبواب التيمم.
(3) المروي في الوسائل في الباب 19 من أبواب التيمم.
(4) المروي في الوسائل في الباب 19 من أبواب التيمم.
399
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً.* قال: قلت فإن أصاب الماء و هو في آخر الوقت؟ قال فقال: قد مضت صلاته. قال قلت فيصلي بالتيمم صلاة أخرى؟ قال إذا رأى الماء و كان يقدر عليه انتقض التيمم».
و قال (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1): «و ان مر بماء فلم يتوضأ و قد كان تيمم و صلى في آخر الوقت و هو يريد ماء آخر فلم يبلغ الماء حتى حضرت الصلاة الأخرى فعليه ان يعيد التيمم لان ممره بالماء نقض تيممه».
و بالجملة فإن أصل المسألة مما لا خلاف فيه و لا اشكال و انما الإشكال في انه بعد وجود الماء هل يعتبر في انتقاض التيمم مضى زمان يتمكن فيه من فعل الطهارة المائية أم لا؟ وجهان بل قولان: أحدهما نعم لامتناع التكليف بعبادة في وقت لا يسعها فإذا تلف الماء مثلا قبل مضي زمان يتمكن فيه من فعل الطهارة تبين عدم التكليف باستعمال الماء فيلزم بقاء التيمم لان النقض انما يتحقق مع تمكنه من البدل. و اليه مال في المدارك و هو ايضا ظاهر المنتهى، و ثانيهما انه لا يعتبر لصدق التمكن من استعمال الماء بحسب الظاهر.
أقول: الحق ان الحكم في المسألة المذكورة لا يخلو من اشكال و ذلك فإنه بالنظر الى ظواهر الاخبار مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «أو يصب ماء» و قوله فيها: «فإن أصاب ماء» و في رواية السكوني «أو يصب الماء» يترجح القول الثاني لأنه رتب النقض على مجرد الإصابة أعم من ان يمضي زمان يتمكن فيه من الإتيان بالطهارة أم لا، و الى هذا القول يميل كلام الصدوق في الفقيه حيث قال: «و متى أصاب المتيمم الماء و رجا ان يقدر على ماء آخر أو ظن انه يقدر عليه كلما أراد فعسر عليه ذلك فان نظره الى الماء ينقض تيممه» انتهى. و هو ايضا ظاهر شيخنا البهائي في الحبل المتين.
و ربما استدل عليه أيضا بأن الخطاب متوجه الى المكلف بالطهارة المائية و توجه
____________
(1) ص 5.
400
التكليف بالطهارة المائية ينافي بقاء التيمم. و أجيب عنه بان المراد بتوجه الخطاب بالطهارة المائية ان كان بفعلها في نفس الأمر فممنوع، و ان كان توجه الخطاب بالاشتغال بها فمسلم لكن الكبرى ممنوعة.
و عندي في هذا الاستدلال و الجواب على الإطلاق نظر، و التحقيق في ذلك ان يقال ان كان وجدان الماء بعد التيمم في الوقت و قبل الصلاة فلا ريب انه مكلف باستعمال الماء و الخطاب متوجه اليه بغير اشكال، و إيجاب الشارع الطهارة المائية عليه في تلك الحال لا يجامع بقاء التيمم البتة. و قول المجيب هنا على هذا التقدير- انه ان كان مكلفا بالطهارة في نفس الأمر. إلخ يعني ان التكليف بالطهارة كاملة لا يجوز تعلقه بالواقع و نفس الأمر لتبين خلافه كما هو المفروض- فيه انه يكفي في تعلق التكليف ظن بقاء الماء المدة المذكورة استصحابا للحال فيكون مجرد وجوده ناقضا و ان طرأ عليه بعد ذلك التلف قبل مضي المدة المذكورة، و ان كان وجدان الماء في غير وقت الصلاة كما هو ظاهر إطلاق الأخبار المتقدمة و غيرها من اخبار المسألة فلا معنى لهذا الاستدلال من أصله، لأنه لا يتوجه اليه الخطاب بالكلية، هذا بالنظر الى ظواهر الاخبار.
و بالنظر الى انه يلزم من القول بذلك التكليف بعبادة في وقت لا يسعها و هو ممنوع عقلا و شرعا يترجح القول الأول، فإن تلف الماء قبل مضي زمان يتمكن فيه من فعل الطهارة كاشف عن عدم التكليف باستعماله فيلزم بقاء التيمم لان النقض لا يتحقق إلا بالتمكن من البدل كما تقدم.
و تنظر فيه شيخنا البهائي (قدس سره) في الحبل المتين بأنه لا ملازمة بين عدم تكليف المتيمم باستعمال الماء و بين بقاء تيممه من غير إيجاب تيمم آخر عليه. قال: بل الظاهر ان يكون نفس وجود الماء المظنون بقاؤه ذلك المقدار استصحابا للحال ناقضا فيجب به تيمم آخر إذا لم يبق ذلك المقدار بطرو انعدام عليه أو سبق آخر اليه مثلا، و التزام القول بأنه يجوز للمتيمم لفقد الماء بعد وجوده فعل مشروط بالطهارة كابتداء
401
الصلاة و مس خط المصحف مثلا الى ان يمضي ذلك المقدار لا يخلو من اشكال. انتهى.
و هو جيد. و المراد بقوله (قدس سره) و التزام القول. إلخ هو إلزام القائلين بالقول الأول بأنه يلزم منه إذا كان لا ينتقض التيمم إلا بمضي هذا المقدار من الزمان انه بعد وجود الماء و قبل مضي المدة المذكورة يجوز له مس خط المصحف و الدخول في الصلاة بتيممه ذلك لأنه طهارة صحيحة لم تنتقض فإذا مضى ذلك المقدار حرم عليه تلك الأشياء، و هو مشكل فان ظواهر الأخبار تمنعه، و انما قيد الصلاة بالابتداء احترازا عن وجدان الماء في أثنائها كما تقدم فإنه لا إشكال في وجوب مضيه في الصلاة على التفصيل المتقدم، و هذا الإلزام ظاهر متوجه و التزام القول بصحة الدخول في الصلاة بهذا التيمم حال وجود الماء لا يخلو من شناعة.
و نظير هذه المسألة ما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في كتاب الحج في من استطاع للحج فبادر في عام الاستطاعة و مات بعد الإحرام أو قبله و قبل دخول الحرم، فان ظواهر الاخبار دلت على وجوب القضاء عنه و أكثر الأصحاب حملوها على من استقر الحج في ذمته قبل هذا العام للعلة المتقدمة، و نقل عن الشيخين وجوب القضاء عنه عملا بظاهر الاخبار، و رجحه الشيخ علي بن سليمان البحراني في حاشيته على المختصر، و هو مؤيد للقول الثاني في هذه المسألة. و اللّٰه العالم.
(المسألة السابعة) [وجوب التيمم على المحتلم في أحد المسجدين للخروج]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم)- بل ادعي عليه الإجماع- ان المحتلم في أحد المسجدين المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) لا يجوز له المرور فيه و الخروج منه إلا متيمما و لا بأس بأن يمر في غيرهما من المساجد.
و الأصل في هذا الحكم
صحيحة أبي حمزة (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله)
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.
402
فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم و لا يمر في المسجد إلا متيمما و لا بأس بأن يمر في سائر المساجد و لا يجلس في شيء منها».
و مرفوعة أبي حمزة (1) قال: «إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم و لا يمر في المسجد إلا متيمما حتى يخرج منه ثم يغتسل، و كذا الحائض إذا أصابها الحيض تفعل ذلك، و لا بأس ان يمرا في سائر المساجد و لا يجلسان فيها».
و في الفقه الرضوي (2): «و إذا احتلمت في مسجد من المساجد فاخرج منه و اغتسل إلا ان تكون احتلمت في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) فإنك إذا احتلمت في أحد هذين المسجدين فتيمم ثم اخرج و لا تمر بهما مجتازا إلا و أنت متيمم».
انتهى.
و عن ابن حمزة القول باستحباب التيمم في الصورة المذكورة، و هو ضعيف.
و بالجملة فإن أصل الحكم لا اشكال فيه و لا كلام لما عرفت من الاخبار.
[تنبيهات]
و انما يبقى الكلام في مواضع
(الأول)
- انه قد اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في وجوب الغسل في الصورة المذكورة و عدمه لو وجد الماء في أحد المسجدين فقيل بان الواجب هو التيمم مطلقا وقوفا على ظاهر النص، و قيل بأنه إن أمكن الغسل و ساوى زمانه زمان التيمم أو نقص عنه و حصل الأمن من تعدى النجاسة الى المسجد و آلاته وجب و كان مقدما على التيمم و اليه ذهب جملة من المتأخرين، و احتمل في الذكرى تقديم الغسل مطلقا حيث قال: و انما قيد جواز الغسل مع إمكانه بمساواة زمانه لزمان التيمم أو قصوره عنه مع ان الدليل يقتضي تقديمه مطلقا مع إمكانه لعدم العلم بالقائل بتقديمه مطلقا و ان كان القول به متجها. و يظهر من شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الميل اليه. و الوجه في القول الأول ما عرفته من الوقوف على ظاهر النص. و اما القول الثاني
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 15 من أبواب الجنابة.
(2) ص 4.
403
فالجمع بين الأخبار الدالة على وجوب استعمال الماء و عدم مشروعية التيمم و بين هذه الأخبار بحمل اخبار التيمم على ما إذا زاد زمان الغسل عن زمانه أو أوجب التلوث بالنجاسة. و اما الثالث فهو تخصيص اخبار التيمم بعدم وجود الماء.
و يمكن ترجيح القول الثاني بما أشرنا إليه في غير موضع و صرح به غير واحد من محققي الأصحاب من ان الأحكام المودعة في الأخبار انما تبنى على الافراد الشائعة المتكررة الوقوع دون الفروض النادرة التي ربما لا توجد، و حيث كان وجود الماء في المسجدين على الوجه المذكور بالشروط المذكورة من الفروض النادرة التي ربما لا تتفق بالكلية و انما هو فرض عقلي و احتمال فرضي خرجت الأخبار بالتيمم بناء على ما هو المتعارف المعتاد، و حينئذ فلا مانع من العمل بتلك الأخبار المستفيضة في صورة وجود الماء و إمكان استعماله بالشروط المذكورة.
قال السيد (قدس سره) في المدارك بعد ذكر صحيحة أبي حمزة المذكورة:
«و إطلاق الخبر يقتضي وجوب التيمم مطلقا و ان أمكن الغسل في المسجد و ساوى زمانه زمان التيمم أو نقص عنه، و به قطع المحقق الشيخ علي في حاشية الكتاب، و رجح جماعة: منهم- جدي (قدس سره) في جملة من كتبه وجوب الغسل مع مساواة زمانه لزمان التيمم أو نقصه عنه و عدم استلزامه تنجيس شيء من المسجد و آلاته، و استدل عليه في الروض بان فيه جمعا بين ما دل على الأمر بالتيمم مطلقا و هي صحيحة أبي حمزة السابقة و بين ما دل على اشتراط عدم الماء في جواز التيمم، قال و انما قيدنا جواز الغسل في المسجد مع إمكانه بمساواة زمانه لزمان التيمم أو قصوره عنه مع ان الدليل يقتضي تقديمه مطلقا مع إمكانه لعدم القائل بتقديمه مطلقا و إلا لكان القول به متوجها. و فيه نظر فانا لم نقف على ما يقتضي اشتراط عدم الماء في جواز التيمم لغير الصلاة، و ايضا قد ثبت بالنصوص الصحيحة تحريم الكون للجنب في المساجد مطلقا و غاية ما علم استثناؤه من ذلك حالة التيمم بالنص السابق فيبقى غيره مندرجا تحت العموم، و الأظهر الاقتصار
404
على التيمم وقوفا مع ظاهر الخبر، و كما جاز ان يكون الأمر بالتيمم مبنيا على الغالب من تعذر الغسل في المسجدين فيجوز ان يكون وجهه اقتضاء الغسل فيهما إزالة النجاسة فإن مورد الخبر المحتلم و هو ملازم للنجاسة، و قد أطلق جملة من الأصحاب تحريم إزالتها في المساجد و صرح بعضهم بعموم المنع و ان كانت الإزالة في الكثير» انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول: ما ذكره من النظر منظور فيه ايضا من وجوه: (الأول)- قوله: «انا لم نقف على ما يقتضي اشتراط عدم الماء في جواز التيمم لغير الصلاة» فإن فيه (أولا)- انه مردود بالأخبار المتقدمة الدالة على عموم البدلية مثل
قوله (عليه السلام) (1) «ان اللّٰه تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».
و قوله (عليه السلام) (2):
«هو بمنزلة الماء».
و نحو ذلك من الأخبار المتقدمة مما يقتضي وجوب التيمم مع فقد الماء عند وجوب ما لا يستباح إلا به، و عليه الأصحاب من غير خلاف يعرف كما تقدم في المسألة الاولى من مسائل هذا المطلب إلا منه و من فخر المحققين كما تقدم بيانه.
و (ثانيا)- انه قد صرح هو نفسه في كتاب الحج في الطواف انه يستباح بالطهارة الترابية كما يستباح بالطهارة المائية عملا بالأخبار المشار إليها و رد على من زعم خلاف ذلك و الحال في المسألتين واحدة، قال (قدس سره) في الموضع المشار اليه: «و اعلم ان المعروف من مذهب الأصحاب استباحة الطواف بالطهارة الترابية كما يستباح بالمائية و يدل عليه عموم
قوله (عليه السلام) (3) في صحيحة جميل «ان اللّٰه تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».
و في صحيحة محمد بن مسلم (4) «هو بمنزلة الماء».
و ذهب فخر المحققين الى ان التيمم لا يبيح للجنب الدخول في المسجدين و لا اللبث فيما عداهما من المساجد و مقتضاه عدم استباحة الطواف به ايضا و هو ضعيف» انتهى. و مدافعته
____________
(1) المروي في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
(2) المروي في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
(3) المروي في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
(4) لم نقف على رواية لمحمد بن مسلم تتضمن هذا اللفظ و قد ورد في صحيحة حماد ابن عثمان المتقدمة ص 373.
405
(قدس سره) لكلامه في هذه المسألة أظهر من ان يخفى.
(الثاني)- ان قوله: «و ايضا قد ثبت بالنصوص الصحيحة. إلخ» مردود بانا متى حملنا الخبر على ما ذكرناه آنفا من الخروج مخرج الغالب كما اعترف به أخيرا لا انه حكم كلي فلنا ان نعمل بتلك الأخبار المستفيضة في حكم التيمم و انه لا يسوغ التيمم إلا مع العذر كفقد الماء، و نقول حينئذ هنا لا ريب في تحريم اللبث كما ذكره إلا ان الخبر لما دل على جواز اللبث بقدر التيمم لعدم الماء كما حملنا عليه الخبر فلنا ان نجوز اللبث ذلك المقدار أو أقل منه كما هو المفروض مع وجود الماء للغسل، و بالجملة فإنا لا نسلم العمل بالخبر المذكور إلا مع عدم وجود الماء أو لزوم أحد الأشياء المذكورة و إلا فالواجب هو الغسل بالشرطين المذكورين، فاستثناء هذا المقدار من الزمان مما لا نزاع فيه و انما النزاع في ان الواجب في هذا المقدار هو التيمم مطلقا كما يدعيه أو الغسل على الوجه المذكور.
(الثالث)- ان قوله: «و كما جاز ان يكون الأمر بالتيمم مبنيا على الغالب.»- قاصدا بذلك الجواب عما قدمنا ذكره من حمل الخبر على الخروج مخرج الغالب فلا يكون الحكم كليا- فيه (أولا)- ان تحريم إزالة النجاسة في المسجد مما لم يقم عليه دليل كما صرح به هو و غيره، و تصريح الأصحاب به مع عدم الدليل عليه لا ينهض حجة، و اليه يشير ايضا كلامه هنا بقوله: «و قد أطلق جملة من الأصحاب.»
و (ثانيا)- انه مع تسليمه فان كان من حيث التعدي الى المسجد أو آلاته فهو لا يلزمنا لأنا قد استثنيناه و إلا فهو مبني على تحريم إدخال النجاسة المسجد مطلقا و ان لم تتعد، و هو (قدس سره) ممن نازع في ذلك و رد على الأصحاب في بحث النجاسات من الكتاب فكيف يحتج هنا بما نازع فيه و أبطله و رده؟ ما هذه إلا مجازفة ظاهرة. و بما حققناه في المقام يظهر لك قوة القول المذكور و انه عار عن وصمة القصور. و اللّٰه العالم.
(الثاني)
- ظاهر جمع من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) و به صرح
406
آخرون ايضا انه لا فرق في هذا الحكم بين المحتلم و بين من أجنب في المسجد أو دخله جنبا لاشتراك الجميع في العلة و هو تحريم قطع شيء من المسجد جنبا مع إمكان الطهارة و عدم تعقل الفرق بين المحتلم و غيره. و يرد عليه ان مقتضى الأخبار تحريم لبث الجنب في المسجد خرج منه المحتلم بالنصوص المتقدمة و بقي ما عداه مندرجات تحت عموم الأخبار المذكورة، و ما ذكر من العلة ليس من قبيل العلة المنصوصة أو مفهوم الموافقة حتى يجب انسحاب الحكم الى ما ذكروه بناء على القول بذلك فيكون من باب القياس حينئذ، و عدم تعقل الفرق كما ذكره لا يدل على العدم واقعا، و لو أمكن التيمم في أثناء الخروج من غير استلزام لزيادة الكون قيل لا يبعد وجوبه لقطع بقية الطريق. و فيه تأمل.
(الثالث)
- هل تلحق بالجنب الحائض في هذا الحكم؟ الظاهر نعم وفاقا لجملة من الأصحاب لمرفوعة أبي حمزة المتقدمة، و أنكر ذلك المحقق في المعتبر لقطع الرواية و لانه لا سبيل لها إلى الطهارة بخلاف الجنب، ثم حكم بالاستحباب. و اعترضه في الذكرى بأنه اجتهاد في مقابلة النص و بالمعارضة باعترافه بالاستحباب. و أجاب عنه في الروض بان المحقق طعن في الرواية بالقطع فلا حجة فيها فيرجع الى الاجتهاد و يصح استناد الاستحباب إلى الرواية للتسامح في دلائل السنن.
أقول: و مرجع هذا الاعتذار الى ان الرواية و ان ضعفت بالقطع عن الدلالة على الوجوب إلا انها تصلح دليلا للاستحباب للتسامح في أدلة السنن. و هذه القاعدة و ان اشتهرت في كلامهم إلا انها لا تخلو من المجازفة في أحكامه سبحانه، لما علم من ان الاستحباب حكم شرعي كالوجوب و التحريم فيتوقف على الدليل الواضح و إلا كان من قبيل القول على اللّٰه سبحانه بغير علم، و قد استفاضت الآيات القرآنية و الأخبار المعصومية بالمنع عنه و حينئذ فالخبر الضعيف ان كان دليلا شرعيا وجب القول بما دل عليه من وجوب أو استحباب و إلا وجب طرحه و الاعراض عنه في جميع الأبواب، و قد تقدم في بحث الأغسال المستحبة من هذا الباب ما فيه زيادة تذكرة لاولى الألباب.
407
(الرابع)
- الأشهر الأظهر انه لا يلحق بالمسجدين غيرهما من المساجد في شرعية التيمم للخروج، لعدم النص و توقف العبادة على التوقيف، و قرب شيخنا الشهيد في الذكرى استحباب التيمم فيها لما فيه من القرب من الطهارة و عدم زيادة الكون فيها له على الكون له في المسجدين، قال في المدارك: «و هو ضعيف و دليله مزيف» أقول: و الظاهر ان وجه الضعف فيه هو ان التيمم انما شرع في المسجدين لعدم جواز المرور فيهما جنبا فأمر بالتيمم ليكون على طهارة حال خروجه و اما سائر المساجد فإنه يجوز المرور فيها جنبا مع تحريم اللبث فيها، و اما ما ذكره من الدليل ففيه انه لا وجه لارتكاب أمر محرم لأجل الإتيان بأمر مستحب لما ثبت من تحريم اللبث فارتكابه لأجل حصول القرب من الطهارة الذي هو أمر مندوب اليه مما لا يكاد يعقل، و عدم زيادة الكون فيها على الكون له في المسجدين غير مجد نفعا في المقام لثبوت التحريم مطلقا خرج منه مورد النص في المسجدين و بقي ما عداه داخلا تحت الإطلاق.
(الخامس)
- مقتضى الأخبار الواردة في هذه المسألة و كذا كلام الأصحاب انه لا ينوي بهذا التيمم البدلية عن الغسل و انما ينوي به استباحة المرور في المسجد خاصة و على هذا فلا يكون مبيحا للصلاة و نحوها، و علل ذلك أيضا بأنه يجب عليه الخروج عقيبه بغير فصل متحريا أقرب الطرق.
و لشيخنا الشهيد الثاني هنا في الروض تفصيل حسن قال: «و التحقيق ان يقال ان كان الغسل ممكنا في المسجد و لم نقل بتقديمه على التيمم فلا إشكال في عدم اباحة هذا التيمم للإجماع على عدم إباحة الصلاة بالتيمم مع إمكان الغسل، و ان لم يكن في المسجد فلا يخلو اما ان يكون الغسل ممكنا خارجه كما لو كان الماء موجودا و لا مانع لهذا المتيمم من الغسل من مرض و لا غيره، و هنا ايضا يتوجه عدم إباحة الصلاة لأن وقوعها في المسجد ممتنع لوجوب المبادرة إلى الخروج و بعد الخروج يتمكن من الغسل فيفسد التيمم، و انما شرع التيمم هنا مع إمكان الغسل خارجا لتحريم المرور في المسجدين من دون الغسل أو التيمم
408
فإذا تعذر الغسل داخله فالتيمم قائم مقامه في إباحة قطع مسافته، و ان كان الغسل متعذرا خارج المسجد فالوجه كون هذا التيمم مبيحا لعدم المانع فان التيمم مع تعذر الطهارة يبيح ما تبيحه إلا على قول ولد المصنف من عدم اباحة دخول المساجد مطلقا بالتيمم و سيأتي بطلانه، و نمنع حينئذ وجوب المبادرة إلى الخروج و تحري أقرب الطرق لان ذلك مشروط بإمكان الغسل خارج المسجد جمعا بين قولهم هنا كذلك و قولهم في باب التيمم انه يبيح ما تبيحه المائية و من جملة ما تبيحه المائية اللبث في المسجدين و غيرهما فيصح حينئذ اللبث و الصلاة» انتهى. و هو جيد.
و الظاهر ان مبنى الأخبار و كذا كلام الأصحاب فيما قدمنا نقله عنهما على ما هو الغالب من وجود الماء خارج المسجد، و حينئذ فلا يستبيح بتيممه هذا بعد الخروج من المسجد الصلاة و لا غيرها، و اما مع تقدير هذا الفرض النادر الوقوع فالظاهر ان الحكم فيه هو ما ذكره شيخنا المشار اليه لخروجه عن مقتضى الأخبار المذكورة و اندراج ذلك في جزئيات مسائل باب التيمم.
(المسألة الثامنة) [الطهارة في المكان المغصوب]
- المشهور سيما بين المتأخرين هو تحريم الطهارة وضوء أو غسلا أو تيمما في المكان المغصوب بل نقل بعض الأفاضل الإجماع عليه جسما يظهر من اتفاقهم على ذلك في الصلاة، و ممن صرح بالحكم المذكور شيخنا الشهيد في الألفية و الذكرى و العلامة في التذكرة و النهاية و الشهيد الثاني في الروض حتى عدوا الحكم في غير الصلاة و الطهارة إلى سائر العبادات الواجبة المشتملة على فعل، قال في الروض- بعد ذكر تحريم الصلاة في المكان المغصوب مع العلم بالغصب- ما صورته: «و لا فرق في الصلاة هنا بين الفريضة و النافلة، و كما تبطل الصلاة فيه فكذا ما أشبهها من الأفعال التي من ضرورتها المكان و ان لم يشترط فيها الاستقرار كالطهارة و أداء الزكاة و الخمس و الكفارة و قراءة القرآن المنذور، اما الصوم في المكان المغصوب فقد قطع الفاضل بجوازه لعدم كونه فعلا فلا مدخل للكون فيه. و يمكن الاشكال فيه باعتبار النية
409
فإنها فعل فيتوقف على المكان كالقراءة و ان افترقا بكون أحدهما فعل القلب و الآخر فعل اللسان» انتهى.
و جزم في المدارك و قبله المحقق في المعتبر و تبعهما جملة من أفاضل متأخري المتأخرين بالصحة في الطهارة و نحوها مع جزمهم بالبطلان في الصلاة، قال في المدارك- في باب التيمم في مسألة التيمم بالتراب المغصوب- ما لفظه «و لو تيمم في المكان المغصوب فالأصح انه لا يبطل تيممه إذا كان التراب المضروب عليه مباحا لتوجه النهي إلى أمر خارج عن العبادة فإن الكون ليس من أفعال التيمم و انما هو من ضروريات الجسم» انتهى.
و قال في المعتبر بعد ان ذكر انه لا تصح الصلاة في مكان مغصوب مع العلم بالغصب اختيارا ثم علل ذلك بأنها صلاة منهي عنها و النهي يدل على فساد المنهي عنه، ثم قال: (لا يقال): هذا باطل بالوضوء في المكان المغصوب و بإزالة عين النجاسة بالماء المغصوب، و بان النهي يدل على الفساد حيث يكون متناولا لنفس العبادة و ليس في صورة النزاع كذلك بل النهي متناول لعارض خارج عن ماهية الصلاة فلا يكون مبطلا (لأنا نقول): الفرق بين الوضوء في المكان و الصلاة فيه ان الكون بالمكان ليس جزء من الوضوء و لا شرطا فيه و ليس كذلك الصلاة فإن القيام جزء من الصلاة و هو منهي عنه لانه استقلال في المكان المنهي عن الاستقلال فيه و كذا السجود، و إذا بطل القيام و السجود و هما ركنان بطلت الصلاة. و ازالة عين النجاسة ليست بعبادة إلا مع نية التقرب و إذا جاز ان تقع غير عبادة أمكن إزالة النجاسة و ان كان المزيل عاصيا بالإزالة كما يصح ازالة عين النجاسة من الكافر و الطفل، اما الصلاة فإنها لا تقع إلا عبادة فلا تقع صحيحة مع النهي عنها، و قوله النهي لم يتناول العبادة قلنا النهي يتناول العبادة بطريق اللزوم لانه يتناول القيام و السجود و يلزم من بطلانهما بطلان الصلاة. و جرى على منواله في المنتهى كما هي عادته غالبا من اقتفائه أثر المعتبر إلا فيما شذ و ندر.
و اعترضه الشهيدان في الذكرى و شرح الألفية بأن الأفعال المخصوصة من ضرورتها
410
المكان فالأمر بها أمر بالكون مع انه منهي عنه.
أقول: مرجع هذا الإيراد الى ما استدلوا به على بطلان الصلاة في المكان المغصوب كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في كتاب الصلاة من ان الحكم بصحة الصلاة يوجب اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد و هو محال قطعا و ما استلزم المحال باطل كما اعترف به في المدارك، حيث قال: لان الحركات و السكنات الواقعة في المكان المغصوب منهي عنها كما هو المفروض فلا تكون مأمورا بها ضرورة استحالة كون الشيء الواحد مأمورا به و منهيا عنه. و هذا الدليل بعينه آت في الطهارة في المكان المغصوب كما ذكره الشهيدان، فان الكون في المكان لما كان من ضروريات الجسم و أفعاله فالأمر بتلك الأفعال أمر بالكون مع انه منهي عنه فيلزم من القول بصحة الطهارة اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد. و ظاهرهما موافقة المعتبر في صحة ما استدل به و فرق به بين الطهارة و الصلاة و انما أوردا عليه من طريق آخر و هو جريان الدليل الذي أبطلوا به الصلاة في المكان المغصوب في الطهارة أيضا.
و قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار- بعد نقل الفرق بين الطهارة و الصلاة عن المعتبر و المنتهى- ما لفظه: «و الفرق بين الطهارة و الصلاة في ذلك مشكل، إذ الكون كما انه مأخوذ في مفهوم السكون مأخوذ في مفهوم الحركة و ليس الوضوء و الغسل إلا حركات مخصوصة، و ليس المكان منحصرا فيما يعتمد عليه الجسم فقط فان الملك و الأحكام الشرعية لا تتعلق به خاصة بل يعم الفراغ الموهوم أو الموجود فكل منهما عبارة عن الكون أو مشتمل عليه» و محصله ان الصلاة كما انها عبارة عن حركات مخصوصة من قيام و قعود و ركوع و سجود و انتقالات من حال إلى أخرى فكذلك الوضوء و الغسل عبارة عن حركات مخصوصة و ان كانت هذه الحركات انما هي في المكان الذي هو عبارة عن الفراغ الذي يشغله الإنسان دون ما يعتمد عليه و إطلاق المكان و الكون شامل لكل منهما، فعين ما قالاه في الصلاة- من ان القيام و السجود و نحوهما
411
منهي عنها و النهي يقتضي الفساد- يقال في حركات الوضوء و الغسل من رفع اليد و وضعها و امرارها على الجسد و قيامه و نحو ذلك أنها منهي عنها لأنها تصرف في المكان المغصوب، و هي و ان لم تكن جزء من الطهارة إلا انها شرط فيها و لازم لها لا تتم بدونه و النهي عنها موجب لبطلان الطهارة البتة، فيكون الحكم في الطهارة و الصلاة واحدا و لا يظهر لهذا الفرق الذي ذكراه معنى محصل.
و سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى تمام القول في هذه المسألة في كتاب الصلاة عند تحقيق القول في حكم الصلاة في المغصوب و ما وقع من الخلاف في المقام و ما اشتمل عليه من النقض و الإبرام و بيان ما هو المختار عندي في كل من المسألتين. و اللّٰه العالم.
(المسألة التاسعة) [استحباب التيمم للنوم و لصلاة الجنازة و لكل موضع يستحب فيه الوضوء أو الغسل]
- الظاهر انه لا خلاف في استحباب التيمم للنوم و لو مع وجود الماء، و يدل عليه
ما رواه الصدوق و الشيخ عن الصادق (عليه السلام) (1) قال:
«من تطهر ثم أوى إلى فراشه بات و فراشه كمسجده فان ذكر انه على غير وضوء فليتيمم من دثاره كائنا ما كان فان فعل ذلك لم يزل في صلاة ما ذكر اللّٰه تعالى».
و المشهور بين الأصحاب- بل ادعى عليه الشيخ الإجماع- جوازه كذلك للجنازة و احتج عليه
بموثقة سماعة (2) قال: «سألته عن رجل مرت به جنازة و هو على غير طهر كيف يصنع؟ قال يضرب بيديه على حائط اللبن فيتيمم به».
و قيده ابن الجنيد بخوف فوت الصلاة، و قال في المعتبر بعد نقل قول الشيخ: «و فيما ذكره الشيخ إشكال، اما الإجماع فلا نعلمه كما علمه، و اما الرواية فضعيفة من وجهين: (أحدهما)- ان زرعة و سماعة واقفيان. و (الثاني)- ان المسؤول في الرواية مجهول، فاذن التمسك باشتراط عدم الماء في جواز التيمم أصل، و لأن الرواية ليست صريحة في الجواز مع وجود الماء، لكن لو قيل إذا فاجأته الجنازة و خشي فوتها مع الطهارة تيمم لها كان حسنا لأن الطهارة لما لم
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب الوضوء.
(2) المروية في الوسائل في الباب 21 من أبواب صلاة الجنازة.
412
تكن شرطا و كان التيمم أحد الطهورين فمع خوف الفوت لا بأس بالتيمم لان حال المتيمم أقرب الى شبه المتطهرين من الخالي منه» انتهى. و هو راجع الى مذهب ابن الجنيد في المسألة، و أجاب عنه الشهيدان في الذكرى و الروض انه مردود بحجية الإجماع المنقول بخبر الواحد، و ضعف الرواية مجبور بعمل الأصحاب بها و هي ظاهرة في المراد.
و من اخبار المسألة أيضا
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل تدركه الجنازة و هو على غير وضوء فان ذهب يتوضأ فاتته الصلاة؟ قال يتيمم و يصلي».
و يمكن الاستدلال بهذه الرواية لابن الجنيد إلا ان التقييد بخوف الفوت انما وقع في كلام السائل.
و بالجملة فإنه لا ريب في الاستحباب في الموضعين المذكورين للأخبار المتقدمة، و انما الكلام في انه هل يستحب في كل موضع يستحب فيه الوضوء أو الغسل مطلقا أم لا؟ قد صرح جملة من الأصحاب: منهم- الشهيدان و المحقق الشيخ علي بأنه لا إشكال في استحبابه إذا كان المبدل رافعا إنما الإشكال فيما عدا ذلك، قال في الروض بعد حكمه بالبدلية عن الرافع: و هل يستحب بدلا عن غير الرافع كنوم الجنب و ذكر الحائض؟
يحتمله لحلوله محل الرافع فغيره اولى، و العدم لعدم النص. و يستحب ايضا بدلا عن غسل الإحرام مع تعذره، و هل يستحب بدلا عن غيره؟ وجهان أرجحهما العدم لعدم النص، و على القول برفع الغسل المندوب الحدث كما ذهب اليه المرتضى لا إشكال في الاستحباب و يكون مبيحا للصلاة. انتهى. و قال في المدارك: هل يستحب التيمم بدلا عن الغسل المستحب مع تعذره؟ فيه وجهان أظهرهما العدم و ان قلنا انه رافع لعدم النص، و جزم جدي (قدس سره) بالاستحباب على هذا التقدير، و هو مشكل. انتهى.
أقول: الظاهر من كلامهم- كما أشرنا إليه- انه لا إشكال في البدلية عن الرافع غسلا كان أو وضوء استنادا إلى إطلاق النصوص الدالة على البدلية، فإن الظاهر- من
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب صلاة الجنازة.
413
قوله (عليه السلام) في بعضها (1)
«ان اللّٰه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».
و في آخر (2)
«هو بمنزلة الماء».
و في ثالث (3)
«هو أحد الطهورين».
و نحو ذلك- هو انه في كل موضع تكون الطهارة المائية رافعة مبيحة للصلاة فإن التيمم يقع بدلا عنها فحيثما ثبتت الطهارة المائية ثبتت البدلية، إنما الإشكال فيما لو لم يكن كذلك كوضوء الحائض للذكر و نوم الجنب و الأغسال المستحبة على المشهور من عدم كونها رافعة، و حينئذ فتوقفه في المدارك في البدلية عن الغسل المستحب على تقدير كونه رافعا لعدم النص لا وجه له، لانه و ان لم يرد بذلك نص على الخصوص إلا انه داخل تحت إطلاق الأخبار المذكورة و هو كاف في الاستدلال. و ظاهر كلام شيخنا في الروض ورود النص ببدلية التيمم عن غسل الإحرام خاصة من بين الأغسال المستحبة، و لم أقف عليه فيما حضرني من كتب الاخبار.
و ممن ناقش في هذا الحكم على إطلاقه أيضا الفاضل الخوانساري في شرحه على الدروس حيث قال- بعد قول المصنف: و يستحب التيمم بدلا من الوضوء المستحب الرافع- ما هذا لفظه: «في هذا الحكم على إطلاقه نظر بل استحباب التيمم انما يكون فيما فيه نص أو إجماع أو شهرة و ليس كذلك كل ما يستحب فيه الوضوء الرافع كما هو الظاهر، نعم ما ورد فيه الأمر الاستحبابي بالطهارة مطلقا كما ورد في دخول المساجد لم يبعد ايضا الحكم باستحباب التيمم حال فقدان الماء لأنه طهور ايضا» انتهى.
و ملخصه انه ينبغي ملاحظة الدليل في جزئيات الأحكام فان دل على انه مما يستحب فيه الطهارة فلا إشكال في استحباب التيمم بدلا عنه لظاهر قوله سبحانه:
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
(2) رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب التيمم.
(3)
ورد في صحيحة زرارة المروية في الوسائل في الباب 21 من التيمم «ان التيمم أحد الطهورين».
و في صحيحة محمد بن مسلم المروية في الوسائل في الباب 14 و 23 من التيمم «قد فعل أحد الطهورين».
414
«وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ» (1) و إطلاق الأخبار المتقدمة بالتقريب المذكور ذيلها، و ان دل على انه مما يستحب فيه الوضوء أو الغسل فان التيمم لا يستحب بدلا عنه إلا بدليل، لعدم الملازمة بين خصوصية هذين الفردين و بين التيمم بخلاف الأول لاشتراكهما في كلية الطهارة و ما يتراءى من حديث ابي ذر (2)
و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «يجزيك التراب عشر سنين».
و نحوه فهو مقصور على مورده من الطهارة للصلاة.
و هذا الكلام و ان كان بحسب الظاهر و بادئ الرأي مما يتراءى قوته إلا انه بالتأمل فيه بعين التحقيق لا يخلو من نظر لتطرق المناقشة اليه، و ذلك فان الظاهر من اخبار هذه الأفراد التي وردت الأخبار باستحباب الوضوء أو الغسل لها انما هو من حيث إرادة إيقاعها على الوجه الأكمل بالطهارة الموجبة لزوال الحالة الحديثة، و هذا المعنى لا يتفاوت فيه التعبير بلفظ الطهارة أو لفظ الوضوء إذ المرجع إلى أمر واحد كما عرفت و هو ازالة تلك الحالة و إيقاع الفعل أو الكون على تلك الحالة الكاملة، و لهذا عبر في اخبار تلك الموارد بلفظ الطهارة في بعض و لفظ الوضوء في بعض،
ففي رواية مرازم ابن حكيم (3) المروية في المجالس بالنسبة إلى استحباب الوضوء لدخول المساجد قال:
«و من أتاها متطهرا طهره اللّٰه من ذنوبه».
و في مرسلة الفقيه (4) «طوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي».
و رواية محمد بن الفضيل (5) المروية في قرب الاسناد بالنسبة الى قراءة القرآن قال: «لا حتى تتوضأ للصلاة».
و في حديث الأربع مائة (6) «لا يقرأ العبد القرآن إذا كان على غير طهر حتى يتطهر».
و في رواية محمد بن كردوس (7) بالنسبة
____________
(1) سورة المائدة. الآية 6.
(2) رواه في الوسائل في الباب 14 و 23 من أبواب التيمم و اللفظ الوارد «يكفيك الصعيد».
(3) المروية في الوسائل في الباب 10 من أبواب الوضوء.
(4) المروية في الوسائل في الباب 10 من أبواب الوضوء.
(5) المروية في الوسائل في الباب 13 من أبواب قراءة القرآن.
(6) المروية في الوسائل في الباب 13 من أبواب قراءة القرآن.
(7) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب الوضوء.
415
الى النوم «من تطهر ثم أوى إلى فراشه بات و فراشه كمسجده».
و في رواية محمد بن مسلم (1) المروية في الخصال و العلل «لا ينام المسلم و هو جنب و لا ينام إلا على طهور فان لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد فان روح المؤمن تصعد الى اللّٰه تعالى فيلقاها و يبارك عليها. الحديث».
و هو- كما ترى- صريح في استحباب التيمم بدلا عن الغسل المستحب، الى غير ذلك من الأخبار الواردة باستحباب الوضوء في تلك المواضع المذكورة في كلام الأصحاب المشتملة على التعبير بلفظ الطهارة أو الوضوء. و ينبغي القول بذلك ايضا فيما كان من الأغسال- بناء على كونها رافعة كما هو الأظهر- مقصودا به الرفع كالأغسال الفعلية بالتقريب المتقدم، و نحوها الأغسال المكانية، و في دخول الأغسال الزمانية بناء على القول المذكور كما يقول الأصحاب احتمال. و بالجملة فإنه حيث ان هذه الثلاثة أعني الوضوء و الغسل و التيمم قد اشتركت في عنوان الطهارة و ان المقصود منها ذلك سواء عبر عن ذلك في كل منها بهذا العنوان أو بخصوصية ذلك الفرد فحيثما تعذرا كان قائما مقامهما و بدلا منهما، و تخرج الأخبار المتقدمة و نحوها شاهدا على ذلك من خبر ابي ذر و نحوه، فان المعنى المتبادر من
قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (2): «يجزيك الصعيد عشر سنين».
انما هو في كل موضع توقف على الطهارة وجوبا أو استحبابا، و من ذلك يظهر قوة القول المشهور. نعم ما ذكروه من التفصيل و المناقشة جيدة بالنسبة الى ما يجب له الوضوء أو الغسل كما أشار إليه السيد السند في المدارك و ان كان كلامه هنا لا يخلو من خلل و قصور كما أوضحناه في شرحنا على الكتاب المذكور. و اللّٰه العالم.
(المسألة العاشرة) [هل يعيد الجنب المتيمم التيمم بدلا من الغسل إذا أحدث]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) و به صرح الشيخ في الخلاف انه إذا تيمم الجنب بدلا من الغسل ثم أحدث أعاد التيمم بدلا من الغسل سواء كان حدثا أصغر أو أكبر، للإجماع المدعى من الشيخ و المحقق في المعتبر على ان التيمم لا يرفع الحدث و لهذا إنما ينوي به الاستباحة دون الرفع، و قد تقدم
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب الوضوء.
(2) ص 414.
416
الكلام في هذه المسألة في المقام الأول من المطلب الثالث، و حينئذ فمتى أحدث زالت الاستباحة و عاد حكم الحدث الأول فيجب التيمم بدلا من الغسل وجد ماء للوضوء أو لم يجد، و يدل على بقاء الجنابة و عدم ارتفاعها إلا بالغسل
قول ابي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) «و متى أصبت الماء فعليك الغسل ان كنت جنبا و الوضوء ان لم تكن جنبا».
و استدل في المختلف لهذا القول
بصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) «في رجل أجنب في سفر و معه ماء قدر ما يتوضأ به؟ قال يتيمم و لا يتوضأ».
و فيه ما أوضحناه في الفرع العاشر من الفروع المذكورة في المطلب الأول (3) و عن المرتضى في شرح الرسالة ان الجنب إذا تيمم ثم أحدث حدثا أصغر فوجد ما يكفيه للوضوء توضأ به فان حدثه الأول قد ارتفع و جاء ما يوجب الصغرى و قد وجد من الماء ما يكفي لها فيجب عليه استعماله و لا يجزئه تيممه. انتهى. و مقتضاه انه لو لم يجد الماء تيمم بدلا من الصغرى خاصة. و رد هذا القول بناء على المشهور بدعوى الإجماع- كما أشرنا إليه آنفا- على عدم رفع التيمم الحدث، فقوله ان الحدث الأول قد ارتفع باطل. و اعتذر عنه في الذكرى بأنه يمكن ان يريد بارتفاع حدثه استباحة الصلاة و ان الجنابة لم تبق مانعة فلا ينسب الى مخالفة الإجماع. و اعترضه في الروض بعد تضعيفه لمذهب المرتضى بمخالفته الإجماع بأن هذه الإرادة لا تدفع الضعف لأن الاستباحة إذا لم تستلزم الرفع فبطلانها بالحدث يوجب تعلق حكم الحدث الأول. و هو جيد فان مقتضى كلام المرتضى ان حكم هذا الحدث في هذا الموضع حكمه بعد الطهارة المائية في كونه موجبا للصغرى لا انه موجب لعود الحدث الأول كما يقولون به، و هذا لا يتم إلا على تقدير كون التيمم قد رفع الحدث الأول و ازاله لا على انه انما حصلت به الاستباحة و ان كان
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 19 من أبواب التيمم.
(2) المروية في الوسائل في الباب 24 من أبواب التيمم.
(3) ص 260.
417
الحدث باقيا و اي وجه للوضوء في كلامه مع بقاء حدث الجنابة؟ و بالجملة فحمل الرفع في كلامه على الاستباحة غير جيد.
و السيد السند في المدارك- بناء على ما اختاره من القول بترادف الرفع و الاستباحة و انه لا مانع من نية الرفع بالتيمم بان يراد الرفع إلى غاية وجود الماء كما هو القول الآخر في المسألة المتقدمة في الموضع المشار اليه آنفا و حمل الرفع في عبارة المرتضى على هذا المعنى- أجاب عن كلام السيد (قدس سره) فقال: و جوابه المنع من ارتفاع الحدث السابق الى ان يتمكن من الغسل بل القدر المتحقق ارتفاعه الى ان يحصل أحد الأمرين اما التمكن من الغسل أو الحدث و مع حصول أحدهما ينتهي الرفع و يظهر اثر الحدث السابق انتهى.
أقول: لقائل أن يقول بناء على ما اختاره من كون التيمم رافعا إلى غاية لا ريب انه قد قام الدليل على ان وجود الماء موجب لنقض التيمم و عود الحدث السابق كما تدل عليه صحيحة زرارة المذكورة و حينئذ فالتيمم يكون رافعا إلى غاية وجود الماء، و اما الحدث الأصغر فلم يقم دليل على انه بهذه المثابة و انما القدر المتحقق هو نقضه للتيمم على حسب نقضه للطهارة المائية و رفعها و إيجاب مسببه لا عود الحدث الأول حتى كأن لم يكن ثمة طهارة كما هو المفروض في نقض وجود الماء للتيمم، و من ثم أوجب المرتضى هنا الوضوء إذا وجد الماء لان حدث الجنابة عنده قد ارتفع بالتيمم الى وجود الماء، و بالجملة فدعوى ان الحدث حكمه هنا حكم الماء في عود الحدث الأول بعروضه تحتاج الى دليل و ليس فليس، و بذلك يظهر قوة ما ذهب اليه المرتضى (رضي اللّٰه عنه) الا انه لما كانت المسألة عارية عن النص الواضح فالاحتياط فيها مما لا ينبغي تركه بحال، و الى ما ذكرناه من تقوية قول المرتضى (رضي اللّٰه عنه) يميل كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة.
و بالجملة فالظاهر ان الخلاف في هذه المسألة متفرع على الخلاف في المسألة التي قدمناها
418
في الموضع المشار اليه آنفا و القول المشهور في هذه المسألة جار على القول المشهور ثمة، فإن حكمهم بإعادة التيمم بدلا من الغسل متى أحدث انما هو من حيث ان التيمم انما أفاد رفع المنع خاصة و اباحة الدخول في العبادة و ان كان الحدث باقيا و ما ذهب اليه المرتضى جار على القول الآخر من الرفع بالتيمم و ان كان الرفع انما هو الى غاية وجود الماء، و كلام السيد (قدس سره) و ان كان مطلقا إلا انه يجب تقييده بما ذكرنا صونا له عن الخروج عن مقتضى النص الصحيح المتقدم، و حينئذ فالتيمم عنده رافع الى وجود الماء. و اما الحدث الأصغر بعد التيمم فقد عرفت ان الحكم فيه عنده حكمه مع طروه على الطهارة المائية.
و المحدث الكاشاني في المفاتيح- بعد ان صرح بان القول المشهور مبني على كون التيمم انما يحصل به الإباحة دون الرفع- قال: «على انه لو قيل ان التيمم انما يفيد الإباحة دون الرفع فالإباحة بالتيمم الأول ثابتة فيستصحب حكمها حتى يعلم رفعها و المعلوم قطعا مانعية الأصغر لا عود الأكبر» انتهى. و هو جيد بناء على القول بحجية الاستصحاب كما عليه جمهور الأصحاب، و اما من لا يراه دليلا شرعيا كما حققناه في مقدمات الكتاب فلا يتجه عنده هذا الكلام إلا انه صالح للإلزام. و اللّٰه العالم.
(تم الجزء الرابع من كتاب الحدائق الناضرة، و يتلوه الجزء الخامس في الطهارة من النجاسات و ما يتبعها من ذكر النجاسات و أحكامها و أحكام الأواني و الجلود. و الحمد للّٰه أولا و آخرا).
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة
الجزء الرابع
تأليف
الشيخ يوسف بن احمد البحراني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

